Advertisement

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب 001


الكتاب: بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب
المؤلف: محمود بن عبد الرحمن (أبي القاسم) ابن أحمد بن محمد، أبو الثناء، شمس الدين الأصفهاني (المتوفى: 749هـ)
المحقق: محمد مظهر بقا
الناشر: دار المدني، السعودية
الطبعة: الأولى، 1406هـ / 1986م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[مقدمة الكتاب] [مقدمة الشارح]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ أَعِنْ بِلُطْفِكَ يَا كَرِيمُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ (الَّذِي أَظْهَرَ) بَدَائِعَ مَصْنُوعَاتِهِ عَلَى أَحْسَنِ النِّظَامِ، وَخَصَّصَ مِنْ بَيْنِهَا نَوْعَ الْإِنْسَانِ (بِمَزِيدِ) الطَّوْلِ وَالْإِنْعَامِ، وَهَدَى أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَرْشَدَهُمْ (طَرِيقَ) مَعْرِفَةِ اسْتِنْبَاطِ قَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ، لِيُبَاشِرُوا الْحَلَالَ مِنْهَا [وَيُجَانِبُوا (الْحَرَامَ) ] .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا (عَبْدُهُ) وَرَسُولُهُ الَّذِي فَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْغُرِّ (الْكِرَامِ) - مَا مَطَرَ غَمَامٌ، وَعَطِرَ كِمَامٌ.
(1/3)

أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ تَطَابَقَ قَاضِي الْعَقْلِ، وَهُوَ لَا يُبْذَلُ وَلَا يُعْزَلُ، وَشَاهِدُ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْمُزَكِّي الْمُعَدِّلُ، عَلَى أَنَّ أَرْجَحَ الْمَطَالِبِ وَأَرْبَحَ الْمَكَاسِبِ، وَأَعْظَمَ الْمَوَاهِبِ، وَأَكْرَمَ الرَّغَائِبِ هُوَ الْعِلْمُ ; لِأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَسَعْيُ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ.
وَنَاهِيكَ كَمَالًا وَمَرْتَبَةً، وَجَلَالًا وَمَنْقَبَةً بِقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] . فَإِنَّهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ، وَثَلَّثَ بِأُولِي الْعِلْمِ.
وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَكْمَلُهَا، وَأَنْفَعُ الْمَعَارِفِ وَأَجَلُّهَا: هُوَ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ، وَالْمَعَارِفُ الدِّينِيَّةُ، إِذْ بِهَا يَكْمُلُ انْتِظَامُ الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا، وَيَحْصُلُ اغْتِنَامُ الِارْتِيَاشِ فِي الْعُقْبَى.
وَكَانَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ جُمْلَتِهَا فِي الرُّتْبَةِ الْعُظْمَى، وَالدَّرَجَةِ الْعُلْيَا ; إِذْ جُمِعَ فِيهِ الرَّأْيُ وَالشَّرْعُ، وَاصْطُحِبَ فِيهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ.
وَمِمَّا صُنِّفَ فِيهِ مِنَ الْكُتُبِ الشَّرِيفَةِ وَالزُّبُرِ اللَّطِيفَةِ: (مُخْتَصَرُ [مُنْتَهَى الْوُصُولِ] وَالْأَمَلِ فِي عِلْمَيِ الْأُصُولِ وَالْجَدَلِ) .
مِنْ مُصَنَّفَاتِ
(1/4)

الْإِمَامِ الْفَاضِلِ الْمُحَقِّقِ الْعَلَّامَةِ: جَمَالِ الدِّينِ أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْمَالِكِيِّ، الْمَعْرُوفِ بِـ " ابْنِ الْحَاجِبِ " (تَغَمَّدَهُ) اللَّهُ - تَعَالَى - بِغُفْرَانِهِ، وَكَسَاهُ حُلَلَ رِضْوَانِهِ، كِتَابٌ صَغِيرُ الْحَجْمِ، وَجِيزُ النَّظْمِ، (غَزِيرُ الْعِلْمِ) ، كَبِيرُ الِاسْمِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى مَحْضِ الْمُهِمِّ.
فَتَصَدَّيْتُ لِأَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا يُبَيِّنُ حَقَائِقَهُ، وَيُوَضِّحُ دَقَائِقَهُ، وَيُذَلِّلُ مِنَ اللَّفْظِ صِعَابَهُ، وَيَكْشِفُ عَنْ وَجْهِ الْمَعَانِي نِقَابَهُ، مُقْتَصِدًا، غَيْرَ مُخْتَصِرٍ اخْتِصَارًا يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَالِ، وَلَا مُطْنِبًا إِطْنَابًا يُفْضِي إِلَى الْإِمْلَالِ،
(1/5)

سَاعِيًا فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِهِ، وَفَتْحِ مُعْضِلَاتِهِ، وَتَقْرِيرِ مَعَاقِدِهِ، وَتَحْرِيرِ قَوَاعِدِهِ، وَدَفْعِ الشُّبَهَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَقَاصِدِهِ.
وَ (أَسْمَيْتُهُ) بَيَانَ الْمُخْتَصَرِ ".
وَالْمَأْمُولُ مِنْ حُسْنِ أَخْلَاقِ مَنْ هُوَ مُنْصِفٌ، وَعَنْ مَشْرَبِ الْحَقِّ مُغْتَرِفٌ، أَنَّهُ إِذَا اطَّلَعَ عَلَى خَطَأٍ وَسَهْوٍ، أَنْ يُصَحِّحَهُ مُصْلِحًا لَا مُفْسِدًا، وَمُعَاوِنًا لَا مُعَانِدًا، وَمُعَاضِدًا لَا مُحَاسِدًا.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا سَبِيلَ الرَّشَادِ، (وَطَرِيقَ) السَّدَادِ. وَهَا أَنَا أَشْرَعُ فِي الْمَقْصُودِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ.
(1/7)

[مقدمة الماتن]
[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ قُصُورَ الْهِمَمِ عَنِ الْإِكْثَارِ، وَمَيْلَهَا إِلَى الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ - صَنَّفْتُ مُخْتَصَرًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ اخْتَصَرْتُهُ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ، وَسَبِيلٍ مَنِيعٍ، لَا يَصُدُّ اللَّبِيبَ عَنْ تَعَلُّمِهِ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّ الْأَرِيبَ عَنْ تَفَهُّمِهِ رَادٌّ.
وَاللَّهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .
[المبادئ]
[المبادئ الأصولية]
[ص - وَيَنْحَصِرُ] .
ص - فِي الْمَبَادِئِ وَالْأَدِلَّةِ (السَّمْعِيَّةِ) وَالِاجْتِهَادِ (وَالتَّرْجِيحِ) .
ص - فَالْمَبَادِئُ: حَدُّهُ، وَفَائِدَتُهُ، وَاسْتِمْدَادُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - قَوْلُهُ: " وَيَنْحَصِرُ " أَيِ الْمُخْتَصَرُ لَا الْأُصُولُ
(1/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
(لِأَنَّ) هَذِهِ الْقِسْمَةَ قِسْمَةُ الْكُلِّ إِلَى أَجْزَائِهِ.
وَالْمَبَادِئُ عَلَى (الْوَجْهِ) الَّذِي أَخَذَهُ لَا تَكُونُ بِأَقْسَامِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأُصُولِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ.
ش - (قِيلَ فِي بَيَانِ انْحِصَارِهِ) فِيهَا: إِنَّ لِكُلِّ عِلْمٍ مَبَادِئَ وَمَسَائِلَ وَمَوْضُوعَاتٍ. فَالْمَبَادِئُ فِي قَوْلِهِ - (هِيَ مَبَادِئُ) أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَالِاجْتِهَادُ وَالتَّرْجِيحُ - مَوْضُوعُهُ ; لِأَنَّ الْأُصُولِيَّ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِهَا الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ، (وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِهَا عَنْهَا) عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ.
(1/9)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَسَائِلَهُ تِلْكَ الْأَحْوَالُ الْمَبْحُوثُ فِيهِ عَنْهَا.
وَفِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُفِيدُ، (إِلَّا أَنَّ) الْمَذْكُورَ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى الْمَبَادِئِ وَالْمَوْضُوعِ وَالْمَسَائِلِ.
وَالْغَرَضُ لَيْسَ هَذَا، (بَلِ) الْحَصْرُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، عَلَى مَا لَا يَخْفَى.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ، بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ: الْعَمَلُ (بِالْأَحْكَامِ) وَلَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهَا. وَلَهَا طُرُقٌ، وَلِلطُّرُقِ أُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ جِهَةِ إِفْضَائِهَا إِلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ فَإِذًا لَا يَكُونُ الْمَذْكُورُ إِلَّا أَمْرًا لَهُ مُدْخَلٌ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَرَّفَ نَفْسَهُ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ. وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ الْمُعَرَّفُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْمَبَادِئُ. وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِهِ تَحْصُلُ غَلَبَةُ طَرِيقٍ عَلَى آخَرَ عِنْدَ التَّعَارُضِ، أَوْ لَا.
(1/10)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ. وَالثَّانِي: الِاجْتِهَادُ ; إِذْ لَيْسَ لِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الثَّلَاثَةِ إِذَا بَذَلَ الْمُكَلَّفُ جُهْدَهُ وَعَرَفَهَا، حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَلِ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ [إِلَى] الصَّوَابِ، لَكِنْ فِيهِ خَلَلٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِاجْتِهَادِ إِمَّا مَعْرِفَتُهُ، أَوْ نَفْسُهُ.
فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ نَفْسَ الِاجْتِهَادِ لَا يَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُخْتَصَرِ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا نُسَلِّمُ، أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ لِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ ; لِأَنَّ الْفِقْهَ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعَمَلِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمَقْصُودُ مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ: هُوَ: [مَعْرِفَةُ] كَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ. فَمَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا أَمْرٌ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْمَعْرِفَةِ.
فَالْمَذْكُورُ فِيهِ إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ الْبَحْثُ وَالشُّرُوعُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْمَبَادِئُ. وَالثَّانِي: إِمَّا الْأَدِلَّةَ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ مِنْهَا الْأَحْكَامُ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ، إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ عِنْدَنَا.
(1/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي، إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْجِيحَ الدَّلَائِلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، عِنْدَ التَّعَارُضِ - لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ لِكَوْنِهَا ظَنِّيَّةً يَقَعُ فِيهَا التَّعَارُضُ - أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ. وَالثَّانِي: الِاجْتِهَادُ ; إِذْ لَيْسَ بِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ تَعَلُّقٌ بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ بِالضَّرُورَةِ.
وَالْبَيَانُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُنَاقَشَ فِيهِ، لَكِنِ انْدَفَعَ بِهِ النَّقْضُ الْوَارِدُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ.
ش - الْمَبَادِئُ - بِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ - هِيَ: مَا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ، لِتَوَقُّفِ ذَاتِ الْمَقْصُودِ عَلَيْهِ فَقَطْ.
وَهِيَ إِمَّا تَصَوُّرَاتٍ، وَهِيَ: تَصَوُّرُ الْمَوْضُوعِ، وَأَجْزَائِهِ، وَجُزْئِيَّاتِهِ، وَأَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَتُسَمَّى: الْحُدُودَ.
وَإِمَّا تَصْدِيقَاتٍ. وَهِيَ: الْمُقَدِّمَاتُ الَّتِي تُؤَلَّفُ مِنْهَا قِيَاسَاتُ الْعِلْمِ. وَتُسَمَّى: الْقَضَايَا الْمُتَعَارَفَةُ، إِنْ كَانَتْ بَيِّنَةً. وَهِيَ الْمَبَادِئُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
(1/12)

ص - أَمَّا حَدُّهُ لَقَبًا
ص - فَالْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ.
ص - وَأَمَّا حَدُّهُ مُضَافًا:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ تَسْلِيمُهَا مَعَ مُسَامَحَةٍ وَحُسْنِ ظَنٍّ بِالْمُعَلِّمِ، تُسَمَّى: أُصُولًا مَوْضُوعَةً. وَإِنْ كَانَتْ مَعَ اسْتِنْكَارٍ وَتَشَكُّكٍ، سُمِّيَتْ: مُصَادَرَاتٍ. وَالْمَبَادِئُ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ تُطْلَقُ (عَلَى) مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ: مَا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْمَقْصُودِ؛ لِتَوَقُّفِ ذَاتِهِ عَلَيْهِ، أَوْ تَصَوُّرِهِ، أَوِ الشُّرُوعِ فِيهِ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ (بِتَمَامِهَا) ; ضَرُورَةً دُخُولُ الْحَدِّ، وَتَصَوُّرُ الْغَايَةِ، وَبَيَانُ الِاسْتِمْدَادِ فِيهَا، مَعَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " فَالْمَبَادِئُ ": هُوَ الثَّانِي، لَا الْأَوَّلُ. لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْعِلْمِ، وَتَصَوُّرَ غَايَتِهِ، وَبَيَانَ أَنَّهُ يُسْتَمَدُّ مِنْ أَيِّ الْعُلُومِ، لَا يَكُونُ [مَبَادِئَ] بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ [مَبَادِئَ] بِالْمَعْنَى الثَّانِي; لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِلْمِ وَتَصَوَّرَهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُخْتَصَرِ.
[حد أصول الفقه لقبا]
ش - أَيْ حَدُّ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَاللَّقَبُ عِلْمٌ يَتَضَمَّنُ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا. وَ " أُصُولُ الْفِقْهِ " لَقَبٌ مَنْقُولٌ عَنِ الْمُرَكَّبِ الْإِضَافِيِّ، مَفْهُومُهُ الْإِضَافِيُّ غَيْرُ صَادِقٍ عَلَى مَفْهُومِهِ اللَّقَبِيِّ. أَمَّا أَنَّهُ لَقَبٌ ; فَلِأَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ وَسِيلَةٌ إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي بِهَا نِظَامُ الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا وَاغْتِنَامُ الِارْتِيَاشِ فِي الْعُقْبَى. وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَدَائِحِ.
وَأَمَّا أَنَّ مَفْهُومَهُ الْإِضَافِيَّ غَيْرُ صَادِقٍ عَلَى مَفْهُومِهِ اللَّقَبِيِّ ; فَلِأَنَّ مَفْهُومَهُ اللَّقَبِيَّ هُوَ: الْعِلْمُ. وَمَفْهُومَهُ الْإِضَافِيَّ: مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ. فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ.
ش - لَا يُمْكِنُ حَدُّ نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا بِذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِ ; لِأَنَّ إِضَافَةَ الْعِلْمِ إِلَى مُتَعَلِّقِهِ إِمَّا دَاخِلَةً فِيهِ أَوْ عَارِضَةً لَازِمَةً لَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ فَلِذَلِكَ قُيِّدَ الْعِلْمُ بِـ " الْقَوَاعِدِ ".
وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هَهُنَا: الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ الثَّابِتُ لِمُوجِبٍ قَطْعِيٍّ. وَالْقَوَاعِدُ: هِيَ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ الْمُنْطَبِقَةُ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ لِيُتَعَرَّفَ أَحْكَامُهَا مِنْهَا. وَهِيَ عَامٌّ ; لِأَنَّهَا جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ.
(1/13)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتُرِزَ بِهَا، عَنِ الْعِلْمِ بِالْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ. وَعَنِ الْعِلْمِ بِبَعْضِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأُصُولِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ نَفْسَهُ ; لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ غَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ: " يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْعِلْمِ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ مِنْهَا الصَّنَائِعُ، وَالْعِلْمِ بِالْمَاهِيَّاتِ وَالصِّفَاتِ.
وَفِي ذِكْرِ التَّوَصُّلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ طَرِيقٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذَّاتِ، بَلْ بِالْعَرَضِ.
وَقِيلَ: خَرَجَ بِ " الْأَحْكَامِ " - أَيْ جَمِيعِهَا - عَلِمُ الْخِلَافِ ; لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِقَوَاعِدَ يُسْتَنْبَطُ مِنْهَا بَعْضُ الْأَحْكَامِ، لَا كُلُّهَا.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ الْخِلَافِ جُزْءًا مِنَ الْأُصُولِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: " الشَّرْعِيَّةِ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْأَحْكَامِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: " الْفَرْعِيَّةِ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْأُصُولِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " لَا يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةَ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا كَذَلِكَ.
هَذَا تَحْرِيرُ الْحَدِّ. وَأَمَّا الشُّبَهَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَيْهِ: فَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ ; لِانْطِبَاقِهِ عَلَى الْخِلَافِ.
(1/15)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْخِلَافَ عِلْمٌ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُسْتَنْبَطُ بِهَا بَعْضُ الْأَحْكَامِ. وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ، لِمَا ذَكَرْنَا.
بَلِ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ بِقَيْدِ " الِاسْتِنْبَاطِ " عِلْمُ الْخِلَافِ ; لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِقَوَاعِدَ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى حِفْظِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ أَوْ رَدِّهَا، وَلَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الِاسْتِنْبَاطِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدِ اعْتَبَرَ فِي الْحَدِّ إِضَافَةَ الْعِلْمِ إِلَى الْمَعْلُومِ، وَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمَعْلُومِ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ يَلْزَمُهَا الْإِضَافَةُ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْعِلْمَ الْمُطْلَقَ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا تَرِدُ الشُّبْهَةُ. أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً ; إِذِ الْقَوْمُ سَمَّوْا - فِي اصْطِلَاحِهِمْ - الْعِلْمَ الْمُضَافَ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ: أُصُولَ الْفِقْهِ. فَلَا يَكُونُ الْمَعْلُومُ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ خَارِجًا.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَعْلُومَ خَارِجٌ عَنِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِلْمُ الْمُضَافُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً.
(1/16)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْمَعْلُومِ الْمُتَعَلِّقِ خَارِجَةٌ عَنِ الْعِلْمِ الْمُضَافِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ هُوَ الْعِلْمُ الْمُضَافُ، لَا الْعِلْمُ الْمُطْلَقُ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا خُرُوجَهَا، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْأَمْرِ الْخَارِجِيِّ لَيْسَ بِحَدٍّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ: الْمُعَرِّفُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ، لَا الْحَدَّ الْحَقِيقِيَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الذَّاتِيَّاتِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَوَاعِدَ تَنَاوَلَتْ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاعِدَةٌ ظَنِّيَّةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ صَحَّ ذَلِكَ ; إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ يُفِيدُ الظَّنَّ. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يُسَمَّى مَظْنُونًا. وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ دَلَّ الْقَاطِعَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعَ الظَّنِّ، يَكُونُ مَعْلُومًا.
وَفِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّ الْقَاطِعَ دَلَّ عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ بِنَفْسِهِ. فَلَا يَكُونُ مَعْلُومًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.
بَلِ الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِيَاسِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ قَاعِدَةٌ. بَلْ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفِيدًا لِلظَّنِّ قَاعِدَةٌ. فَالظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا أَفَادَهُ، وَالْعِلْمُ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِهِ. وَلَا امْتِنَاعَ فِي تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ يَكُونُ مَا أَفَادَهُ مَظْنُونًا.
[حد أصول الفقه مضافا]
ش - حَدُّ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُضَافٌ - لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ لَقَبٌ - إِنَّمَا يُعْرَفُ إِذَا عُرِفَ مُفْرَدَاتُهُ.
ش - الْأُصُولُ جَمْعُ الْأَصْلِ، وَهُوَ: مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ. وَقِيلَ: مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ الشَّيْءُ.
وَفَسَّرَهَا هَهُنَا بِالْأَدِلَّةِ. وَاللَّامُ فِي " الْأُصُولِ " وَ " الْأَدِلَّةِ " لِلْعَهْدِ. وَالْمَعْهُودُ: الْأُصُولُ الْمُضَافُ، وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ.
وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَفْظِيٌّ مُنَاسِبٌ لِمَا فِي اللُّغَةِ ; لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الشَّيْءُ وَيُبْتَنَى عَلَيْهَا.
ش - الْفِقْهُ لُغَةً: الْفَهْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] أَيْ لَا تَفْهَمُونَ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا ذَكَرَهُ. وَالْعِلْمُ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الظَّنِّ وَالتَّقْلِيدِ وَالْيَقِينِ، وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ.
(1/17)

ص - فَالْأُصُولُ: الْأَدِلَّةُ.
ص - وَالْفِقْهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/18)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَحْكَامُ سَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا.
وَالْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرْعِ: كَوْنُ تَعَلُّقَاتِهَا، أَوْ كَوْنُ الْعِلْمِ بِتَعَلُّقَاتِهَا مُسْتَفَادًا مِنْهُ، لَا كَوْنُ وُجُودَاتِهَا مِنْهُ، كَمَا قِيلَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ مُتَحَقِّقٌ قَبْلَ الشَّرْعِ لِكَوْنِهِ قَدِيمًا.
وَالْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلنِّسْبَةِ إِلَى الْفَرْعِ: كَوْنُ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ مُتَفَرِّعَةً عَلَى الْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ، أَوْ كَوْنُهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْعَمَلِ الَّذِي هُوَ فَرْعُ الْعِلْمِ.
وَالْأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ: هِيَ الْأَمَارَاتُ. وَمُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِذَاتِهِ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الذَّاتُ، كَالْجَوَاهِرِ. وَالثَّانِي، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً لِلتَّغَيُّرِ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ: الْأَفْعَالُ. وَالثَّانِي - إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِنِسْبَةٍ مُفِيدَةٍ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْأَحْكَامُ. وَالثَّانِي: الصِّفَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ.
فَخَرَجَ بِالْأَحْكَامِ: الْعِلْمُ بِالذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ. وَبِالشَّرْعِيَّةِ: الْأَحْكَامُ الْعَقْلِيَّةُ. وَبِالْفَرْعِيَّةِ: الْأُصُولِيَّةُ. وَبِقَوْلِهِ: عَنْ أَدِلَّتِهَا
(1/19)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
التَّفْصِيلِيَّةِ: عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَعِلْمُنَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ ; لِأَنَّ عِلْمَنَا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ ضَرُورِيٌّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى دَلِيلٍ.
وَبِالِاسْتِدْلَالِ: اعْتِقَادُ الْمُسْتَفْتِي. وَالْبَاقِي قَوْلُهُ: " بِالْأَحْكَامِ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَحْكَامِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا تَصَوُّرَهَا ; لِأَنَّهُ مِنْ مَبَادِئِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَا التَّصْدِيقَ بِثُبُوتِهَا فِي أَنْفُسِهَا ; فَإِنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ بَلِ التَّصْدِيقُ بِكَوْنِهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْأَفْعَالِ. كَقَوْلِنَا: شُرْبُ النَّبِيذِ حَرَامٌ، وَالْبَيْعُ حَلَالٌ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
بَقِيَ هَهُنَا بَحْثٌ: وَهُوَ أَنَّ التَّصْدِيقَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، أَوْ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ الرَّاجِحِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْيَقِينِ وَالظَّنِّ وَالتَّقْلِيدِ.
قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: لَوْ كَانَ بِمَعْنَى الْيَقِينِ - أَيِ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ، لَا لِمَحْضِ التَّقْلِيدِ، وَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " بِالْفَرْعِيَّةِ - لَمْ يَدْخُلِ التَّقْلِيدُ ; لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْمُقَلِّدِ غَيْرُ يَقِينِيٍّ.
وَيَخْرُجُ عِلْمُ الْبَارِي بِـ " الِاسْتِدْلَالِ " لَا بِقَيْدِ " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهَا بِالْفَرْعِيَّةِ ; لِأَنَّ تَفَرُّعَ الْأَحْكَامِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ لَا يُوجِبُ تَفَرُّعَ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ فَرْعِيَّةَ الْأَحْكَامِ عَنْهَا، إِمَّا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمِ.
(1/20)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْحُكْمِ قَدِيمًا، وَالثَّانِي يُلْزِمُ تَفَرُّعَ الْعِلْمِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْفَرْعِيَّةَ صِفَةٌ لِلْأَحْكَامِ وَهِيَ بِاعْتِبَارِ التَّصَوُّرِ، لَا بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ ; إِذْ عَدَمُ الْأَدِلَّةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَهَا، وَعَدَمُ الْفَرْعِ مُرَتَّبٌ عَلَى عَدَمِ الْأَصْلِ، فَهِيَ فَرْعٌ بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِحُصُولِهَا لِلْأَفْعَالِ.
وَأَيْضًا - الْأَحْكَامُ لَيْسَتْ هِيَ فَرْعًا، بَلْ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْفَرْعِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ.
وَقَوْلُهُ: " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ. وَبِهِ خَرَجَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَعَلْمُنَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
وَمَا قِيلَ: إِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَحْكَامِ عَنِ " الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ " ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعِلَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بِالْمَعْلُولِ، فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَا تَكُونُ عِلَّةً لِلْأَحْكَامِ، بَلْ تَكُونُ أَمَارَاتٍ لَهَا، لِمَا قِيلَ: إِنَّ الدَّلِيلَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ - وَهُوَ: مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ - يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ تَعَالَى عَنِ الْأَدِلَّةِ ; ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ حُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ بِالنَّظَرِ ; لِأَنَّ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ عِلْمِهِ تَعَالَى عَنِ الْأَدِلَّةِ، حُصُولُهُ بِالنَّظَرِ.
(1/21)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا قَيْدُ " الِاسْتِدْلَالِ " ضَائِعٌ ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِقَيْدِ " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَعِلْمُنَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَاعْتِقَادُ الْمُسْتَفْتِي، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا حَاصِلًا عَنِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ!
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اعْتِقَادَ الْمُسْتَفْتِي لَيْسَ بِحَاصِلٍ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْمُسْتَفْتِي مُسْتَنِدٌ إِلَى عِلْمِ الْمُفْتِي الْمُسْتَنِدِ إِلَى الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ. فَاعْتِقَادُ الْمُسْتَفْتِي مُسْتَنِدٌ إِلَى الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ.
وَقَوْلُنَا: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا عَنْهَا بِلَا وَاسِطَةٍ. فَقَوْلُهُ: " بِالِاسْتِدْلَالِ " يُخْرِجُ اعْتِقَادَ الْمُسْتَفْتِي ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَاصِلًا عَنْهَا، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالِاسْتِدْلَالِ.
(1/22)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: مَا قِيلَ فِي عَدَمِ خُرُوجِهِ بِقَوْلِهِ: " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي عَدَمِ خُرُوجِهِ بِـ " الِاسْتِدْلَالِ ". أُجِيبَ بِأَنَّ تَقْدِيرَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، أَيْ عَلَى الْعِلْمِ، وَاعْتِقَادُ الْمُسْتَفْتِي لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ. هَذَا إِذَا أُرِيدَ بِالْعِلْمِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ.
وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِالْعِلْمِ: الْيَقِينُ، يَلْزَمُ بُطْلَانُ التَّعْرِيفِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلِ الْعِلْمُ حِينَئِذٍ اعْتِقَادَ الْمُسْتَفْتِي، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَيْدٍ يُخْرِجُهُ، فَيَكُونُ قَيْدُ " الِاسْتِدْلَالِ " ضَائِعًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَرِدُ الشُّبْهَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَهِيَ: أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ ; لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ. وَالْمُسْتَفَادُ مِنَ الظَّنِّيِّ ظَنِّيٌّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا. وَمَا ذَكَرُوهُ فِي جَوَابِهِ ضَعِيفٌ.
أَمَّا تَقْرِيرُ الْجَوَابِ، فَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْأَحْكَامِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا ظَنَّ الْحُكْمَ، حَصَلَ عِنْدَهُ مُقُدِّمَتَانِ قَطْعِيَّتَانِ. إِحْدَاهَا: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَظْنُونٌ. وَهِيَ ضَرُورِيَّةٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَظْنُونٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لِلْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ الظَّنَّ هُوَ الْحُكْمُ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ. فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَبِالطَّرَفِ الْآخَرِ فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
(1/23)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوْ لَا بِهَذَا وَلَا بِذَاكَ. فَيَلْزَمُ ارْتِفَاعُ النَّقِيضَيْنِ. أَوْ بِالْمَرْجُوحِ فَقَطْ، فَيَلْزَمُ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ، وَهُوَ خِلَافُ الْعَقْلِ. فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ قَطْعًا.
وَيَلْزَمُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ قَوْلُنَا: هَذَا الْحُكْمُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ الظَّنُّ فِي طَرِيقِهِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَحْمُولًا فِي الصُّغْرَى، مَوْضُوعًا فِي الْكُبْرَى. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَحْمُولِ ظَنًّا، كَوْنُ الْقَضِيَّةِ ظَنِّيَّةً.
أَمَّا بَيَانُ ضَعْفِهِ فَمِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَالْأَلْفَاظُ الْمَجَازِيَّةُ لَا تُعْتَبَرُ فِي [التَّعْرِيفَاتِ] .
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَجَازِيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي [التَّعْرِيفَاتِ] فَإِنَّ الْحُدُودَ النَّاقِصَةَ وَالرُّسُومَ التَّامَّةَ وَالنَّاقِصَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى مَاهِيَّةِ الْمَحْدُودِ وَالْمَرْسُومِ إِلَّا بِالْمَجَازِ.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِّ النَّاقِصِ وَالرَّسْمَ، لَمْ يَرِدْ بِهِمَا الْمَحْدُودُ وَالْمَرْسُومُ، وَإِلَّا لَكَانَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلْ أُرِيدَ مِنْهُمَا الْمَفْهُومُ الْمُطَابَقِيُّ وَدَلَالَتُهُمَا عَلَى مَفْهُومِهِمَا الْمُطَابَقِيِّ بِالْحَقِيقَةِ، لَا بِالْمَجَازِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ، وَالْفِقْهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ.
(1/24)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنَ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ ; لِأَنَّ الصُّغْرَى فِي كُلِّ قِيَاسٍ مُغَايِرَةٌ لِلصُّغْرَى فِي الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ - وَهُوَ قَوْلُنَا " مَظْنُونٌ " - فِي كُلٍّ مِنْهَا يُغَايِرُ الْمَحْكُومَ بِهِ فِي الْآخَرِ ; لِأَنَّ ظَنَّ كُلِّ حُكْمٍ مُسْتَفَادٌ عَنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ بِهِ، فَيَكُونُ مُغَايِرًا لِلظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. وَتَغَايُرُ الظَّنِّ يُوجِبُ تَغَايُرَ الْمَظْنُونِ مِنْ حَيْثُ مَظْنُونٌ.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّغَايُرَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرُ كَافٍ فِي كَوْنِ الدَّلِيلِ تَفْصِيلِيًّا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَنَا: " كُلُّ مَا هُوَ مَظْنُونٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ " قَطْعِيٌّ.
قَوْلُهُ: لِلْإِجْمَاعِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُفِيدُ الْقَطْعُ ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّنِّيِّ ظَنِّيٌّ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ أَدِلَّةَ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيَّةٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ بَلَغَ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ، حَتَّى يُفِيدَ الْقَطْعَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي بَيَانِ قَطْعِيَّتِهِ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِوَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، يَلْزَمُ رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ فِي الْوَاقِعِ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يُعْمَلَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ، مَعَ أَنَّ الْوَاقِعَ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا.
(1/25)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَيْضًا - لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا عُمِلَ بِالْمَرْجُوحِ، يَلْزَمُ خِلَافُ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، مَرْجُوحًا فِي الْوَاقِعِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
لَا يُقَالُ: إِنَّ الظَّنَّ هُوَ الْحُكْمُ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ فِي الْوَاقِعِ ; لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالرَّاجِحِ فِي الْوَاقِعِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الثَّابِتَ فِيهِ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّنَّ هُوَ الْحُكْمُ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ ; لِجَوَازِ كَذِبِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَبَيِّنُوهُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ أَوَّلًا ثُمَّ يُتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ انْحِصَارُ جَمِيعِ الْفِقْهِ فِي الْوُجُوبِ، فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْعِلْمُ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ، مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْفِقْهِ بِالِاتِّفَاقِ.
فَإِنْ قِيلَ: التَّعَرُّضُ لِلْوُجُوبِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْعِلْمُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ بِالْأَحْكَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَظْنُونِ. فَإِنْ ظُنَّ وَجُوبُهُ عُلِمَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِنْ ظُنَّ حُرْمَتُهُ عُلِمَ حُرْمَةُ الْعَمَلِ بِهَا وَكَذَا الْبَاقِي.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ لَا يُفِيدُ إِلَّا وُجُوبَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ وُجُوبُ اعْتِقَادِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَظْنُونِ; فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ النَّدْبُ مَظْنُونًا وَجَبَ اعْتِقَادُ نَدْبِيَّتِهِ. أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِقَوْلِهِ: " الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ " عَلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّعْرِيفُ فَاسِدًا.
ش - الْحَدُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمَحْدُودِ ; لِأَنَّ الْأَخَصَّ أَخْفَى، وَالْأَعَمَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ أَصْلًا.
فَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَحَقُّقُ الْمَحْدُودِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَدِّ، وَهُوَ الِاطِّرَادُ، وَانْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَهُوَ الْعَكْسُ.
فَالسُّؤَالُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْحَدَّ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ إِمَّا غَيْرَ مُطَّرِدٍ وَإِمَّا غَيْرَ مُنْعَكِسٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ بَعْضُهَا أَوْ جَمِيعُهَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَلْزَمُ عَدَمُ اطِّرَادِ الْحَدِّ; ضَرُورَةَ تَحَقُّقِهِ بِدُونِ تَحَقُّقِ الْمَحْدُودِ ; لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ عَالِمٌ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَيَصْدُقُ عَلَى عِلْمِهِ حَدُّ الْفِقْهِ، وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ فِقْهًا ; لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ لَا يُسَمَّى فَقِيهًا.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، يَلْزَمُ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ; ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْمَحْدُودِ بِدُونِ الْحَدِّ ; لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُجْتَهِدِينَ فُقَهَاءُ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ; ضَرُورَةَ ثُبُوتِ " لَا أَدْرِي " بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: " لَا أَدْرِي ".
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شِقَّيِ التَّرْدِيدِ. أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِاطِّرَادِ. قَوْلُهُ: ضَرُورَةُ دُخُولِ الْمُقَلِّدِ فِيهِ.
(1/26)

ص - وَأَوْرَدَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْبَعْضَ - لَمْ يَطَّرِدْ ; لِدُخُولِ الْمُقَلِّدِ. وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعَ - لَمْ يَنْعَكِسْ ; لِثُبُوتِ " لَا أَدْرِي ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/27)

ص - وَأُجِيبَ: بِالْبَعْضِ، وَيَطَّرِدُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدِلَّةِ: الْأَمَارَاتُ، وَبِالْجَمِيعِ، وَيَنْعَكِسُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ تَهَيُّؤُهُ لِلْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ.
ص - وَأَمَّا فَائِدَتُهُ - فَالْعِلْمُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/28)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنَ الْأَدِلَّةِ: الْأَمَارَاتُ، وَهِيَ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ، وَيُحْتَاجُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ التَّعَارُضِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُقَلِّدِ: مَنْ كَانَ عِلْمُهُ بِالْأَحْكَامِ عَنِ الْأَمَارَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَقِيهًا، حَتَّى يَلْزَمَ عَدَمُ الِاطِّرَادِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَلَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْحَدِّ عَلَيْهِ، حَتَّى يَلْزَمَ أَيْضًا عَدَمُ الِاطِّرَادِ. وَإِمَّا عَلَى الثَّانِي فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِانْعِكَاسِ.
قَوْلُهُ: لِثُبُوتِ " لَا أَدْرِي ". قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ " لَا أَدْرِي " بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُلِّ، يَلْزَمُ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ: الْعِلْمُ بِهَا بِالْفِعْلِ. بَلِ الْمُرَادُ: تَهَيُّؤُ الْعَالِمِ لِلْعِلْمِ بِجَمِيعِهَا.
فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقًا مَعَ ثُبُوتِ " لَا أَدْرِي ".
وَالْمُرَادُ بِالتَّهَيُّؤِ: الِاسْتِعْدَادُ الْقَرِيبُ إِلَى الْفِعْلِ عِنْدَ حُصُولِ الطُّرُقِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ.
[فَائِدَةَ أُصُولِ الْفِقْهِ]
ش - اعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ أُصُولِ الْفِقْهِ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى السَّعَادَاتِ فِي الْأُولَى وَالدَّرَجَاتِ فِي الْأُخْرَى.
[استمداد أُصُولِ الْفِقْهِ]
ش - هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَبَادِئِ، وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ فَائِدَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا - بَيَانُ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ عِلْمٍ يُسْتَمَدُّ. وَالثَّانِيَةُ - بَيَانُ بَعْضِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ. وَالْأُولَى لَيْسَتْ مِنَ الْمَبَادِئِ الْمُصْطَلَحَةِ عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ.
ش - الْأَدِلَّةُ الْكُلِّيَّةُ - الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، مِنْ حَيْثُ هِيَ أَدِلَّةٌ - تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَارِي وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ وَهُوَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَصِدْقُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَقَوْلُهُ: " الْأَدِلَّةُ الْكُلِّيَّةُ " يَتَنَاوَلُ الْأَدِلَّةَ الْإِجْمَالِيَّةَ الَّتِي يُسْتَفَادُ مِنْهَا الْأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ، وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا مَسَائِلُ الْأُصُولِ.
ش - الْأَدِلَّةُ الَّتِي تُسْتَفَادُ مِنْهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ
(1/29)

ص - وَأَمَّا اسْتِمْدَادُهُ - فَمِنَ الْكَلَامِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ.
ص - أَمَّا الْكَلَامُ - فَلِتَوَقُّفِ الْأَدِلَّةِ الْكُلِّيَّةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَارِي - تَعَالَى - وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ، [هُوَ] يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ.
ص - وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ - فَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرَبِيَّةٌ.
ص - وَأَمَّا الْأَحْكَامُ - فَالْمُرَادُ [تَصَوُّرُهَا، لِيُمْكِنَ] إِثْبَاتُهَا وَنَفْيُهَا، وَإِلَّا جَاءَ الدَّوْرُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/30)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا عَرَبِيَّا الدَّلَالَةِ، فَيَتَوَقَّفُ دَلَالَتُهُمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، وَالْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ، وَالِاشْتِرَاكِ وَالتَّرَادُفِ، وَالنَّقْلِ وَالْإِضْمَارِ وَغَيْرِهَا.
ش - أَمَّا اسْتِمْدَادُ الْأُصُولِ مِنَ الْأَحْكَامِ فَمِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ; لِأَنَّ قَصْدَ الْأُصُولِيِّ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ الْأَحْكَامِ. وَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ إِمَّا مَحْمُولَاتِ الْمَسَائِلِ، كَقَوْلِنَا: مُقْتَضَى الْأَمْرِ: الْوُجُوبُ، وَمُقْتَضَى النَّهْيِ: التَّحْرِيمُ.
أَوْ مُتَعَلِّقَاتُهَا. كَقَوْلِنَا: الْعَامُّ إِذَا خُصِّصَ يَكُونُ حُجَّةً فِي الْبَاقِي فَلَا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِهَا لِيُمْكِنَ إِثْبَاتُهَا أَوْ نَفْيُهَا.
وَأَمَّا التَّصْدِيقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَلَا يَكُونُ اسْتِمْدَادُ الْأُصُولِ مِنْهُ ; لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأُصُولِ. فَلَوِ اسْتَمَدَّ الْأُصُولَ مِنْهُ لَزِمَ الدَّوْرُ.
(1/31)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَذَا التَّصْدِيقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مَحْمُولَاتُ مَسَائِلِ الْأُصُولِ أَوْ مُتَعَلِّقَاتُهَا، لَا يَكُونُ مِنَ الْمَبَادِئِ ; لِأَنَّ الْمَسَائِلَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَبَادِئِ. فَلَوِ اسْتَمَدَّ الْأُصُولَ مِنْهُ لِتَوَقَّفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّصْدِيقَ بِوُجُودِ الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ، فَيَكُونُ مِنْ مَبَادِئِ الْأُصُولِ. وَالتَّصْدِيقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ تُعَلُّقُهَا بِالْأَفْعَالِ لَا يَكُونُ مِنَ الْمَبَادِئِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " وَإِلَّا جَاءَ الدَّوْرُ " إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ، لَوْ حُمِلَ التَّصْدِيقُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
[الْمَبَادِئُ الْكَلَامِيَّةُ]
[الدليل]
ش - قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: " الدَّلِيلُ " إِلَى قَوْلِهِ: " مَبَادِئُ اللُّغَةِ " مِنَ الْمَبَادِئِ الْكَلَامِيَّةِ. وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ اسْتِمْدَادَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ عَلَى التَّرْتِيبِ. فَبَدَأَ بِالْكَلَامِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ بَحْثَ الدَّلِيلِ وَالْقَوَاعِدِ الْمَنْطِقِيَّةِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالْكَلَامِ.
وَنِسْبَتَهُ إِلَى الْكَلَامِ كَنِسْبَتِهِ إِلَى الْأُصُولِ ; لِأَنَّ الْمَنْطِقَ آلَةٌ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ الْكَسْبِيَّةِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا ذُكِرَ الدَّلِيلُ فِي حَدَّيِ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ، وَلَمْ يَسْبِقْ شَيْءٌ يُعْرَفُ مِنْهُ الدَّلِيلُ، أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى مَعْنَاهُ.
وَالدَّلِيلُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْمُرْشِدُ، وَمَا بِهِ الْإِرْشَادُ. وَالْمُرْشِدُ: هُوَ النَّاصِبُ لِلْعَلَامَةِ، أَوِ الذَّاكِرُ لَهَا.
(1/32)

الْمَبَادِئُ الْكَلَامِيَّةُ. ص - الدَّلِيلُ لُغَةً: الْمُرْشِدُ. وَالْمُرْشِدُ: النَّاصِبُ، وَالذَّاكِرُ، وَمَا بِهِ الْإِرْشَادُ.
ص - وَفِي الِاصْطِلَاحِ: [مَا] يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ.
ص - وَقِيلَ: إِلَى الْعِلْمِ بِهِ فَتَخْرُجُ الْأَمَارَةُ.
ص - وَقِيلَ: قَوْلَانِ فَصَاعِدًا يَكُونُ [عَنْهُ] قَوْلٌ آخَرُ.
ص - وَقِيلَ: يَسْتَلْزِمُ لِنَفْسِهِ، فَتَخْرُجُ الْأَمَارَةُ.
ص - وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَطْلُوبِ حَاصِلٍ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. فَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/33)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمَا بِهِ الْإِرْشَادُ: الْعَلَامَةُ الَّتِي نُصِبَتْ لِلتَّعْرِيفِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ " مَا بِهِ الْإِرْشَادُ " مَعْطُوفًا عَلَى " الْمُرْشِدِ " لَا عَلَى " الذَّاكِرِ ".
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى " الذَّاكِرِ " ; لِأَنَّ الْمُرْشِدَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى النَّاصِبِ لِلْعَلَامَةِ، يُطْلَقُ عَلَى الْعَلَامَةِ الْمَنْصُوبَةِ ; إِذِ الْفِعْلُ قَدْ يُنْسَبُ إِلَى الْآلَةِ، كَمَا يُقَالُ: السِّكِّينُ قَاطِعٌ.
ش - فَمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ، لَا بِالنَّظَرِ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِالنَّظَرِ، لَا بِصَحِيحِهِ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِهِ، لَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، لَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهَا دَلِيلًا.
فَخَرَجَ عَنْهُ الْمُقَدَّمَاتُ الْكَاذِبَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِالنَّظَرِ الْفَاسِدِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ ; ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ التَّوَصُّلِ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ ; لِأَنَّ النَّظَرَ إِنَّمَا يَكُونُ صَحِيحًا إِذَا كَانَ مَادَّتُهُ صَادِقَةً.
وَدَخَلَ فِيهِ الْمُقَدِّمَاتُ الصَّادِقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ [يُتَوَصَّلَ] بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ.
(1/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِمْكَانُ التَّوَصُّلِ بِالنَّظَرِ الْفَاسِدِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، لَا يُنَافَى إِمْكَانُهُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ.
وَخَرَجَ عَنْهُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ تَصَوُّرِيٍّ، أَعْنِي: الْأَقْوَالَ الشَّارِحَةَ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " يُمْكِنُ " وَلَمْ يَقُلْ: يُتَوَصَّلُ بِالْفِعْلِ، لِيَتَنَاوَلَ الدَّلِيلَ الَّذِي لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ.
وَخَرَجَ عَنْهُ: الْقَضَايَا الْمُرَتَّبَةُ تَرْتِيبًا صَحِيحًا ; إِذِ الْمَرْتَبَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهَا.
وَدَخَلَ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ الْأَمَارَةُ; لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الْخَبَرِيَّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِلْمِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا.
ش - وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّ الدَّلِيلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ، فَتَخْرُجُ عَنْهُ الْأَمَارَةُ ; لِأَنَّهَا لَا يُتَوَصَّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ، بَلْ إِلَى الظَّنِّ بِهِ. فَالدَّلِيلُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَخَصُّ مُطْلَقًا مِنَ الدَّلِيلِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
ش - أَيْ وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ قَوْلَانِ، أَيْ قَضِيَّتَانِ.
(1/35)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلُهُ: " فَصَاعِدًا " يَتَنَاوَلُ: الْقِيَاسَ الْبَسِيطَ وَالْمُرَكَّبَ.
وَقَوْلُهُ: " يَكُونُ عَنْهُ " أَيْ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَوْ غَيْرَهُ، لِيَتَنَاوَلَ الْأَمَارَةَ. وَخَرَجَ عَنْهُ قَضِيَّتَانِ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمَا شَيْءٌ آخَرُ.
وَقَوْلُهُ: " قَوْلٌ آخَرُ " أَيْ يَكُونُ مُغَايِرًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْقَضِيَّتَيْنِ، لِيَخْرُجَ عَنْهُ مَجْمُوعُ أَيَّةِ قَضِيَّتَيْنِ اتَّفَقَتَا ; فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إِحْدَاهُمَا.
ش - أَيْ وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِ الدَّلِيلِ: إِنَّهُ قَوْلَانِ فَصَاعِدًا يَسْتَلْزِمُ لِنَفْسِهِ قَوْلًا آخَرَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِلْزَامُ بَيِّنًا أَوْ غَيْرَهُ. فَيَتَنَاوَلُ الْأَشْكَالَ الْأَرْبَعَةَ، وَالْقِيَاسَ الِاسْتِثْنَائِيَّ.
وَيَخْرُجُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ " لِنَفْسِهِ " قِيَاسُ الْمُسَاوَاةِ، كَقَوْلِنَا: (أ) مُسَاوٍ لِـ (ب) ، وَ (ب) مُسَاوٍ لِـ (ج) ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ (أ) مُسَاوٍ لِـ (ج) ، وَلَكِنْ لَا لِنَفْسِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَيْ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ لِإِحْدَى مُقَدِّمَتِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: كُلُّ مَا هُوَ مُسَاوٍ لِـ (ب) مُسَاوٍ لِـ (ج) .
وَكَذَا خَرَجَ عَنْهُ الْقَوْلُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ قَوْلَيْنِ الْمُسْتَلْزِمُ لِقَوْلٍ آخَرَ بِوَاسِطَةِ عَكْسِ نَقِيضِ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ.
(1/36)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَقَوْلِنَا: جُزْءُ الْجَوْهَرِ يُوجِبُ ارْتِفَاعُهُ ارْتِفَاعَ الْجَوْهَرِ، وَمَا لَيْسَ بِجَوْهَرٍ لَا يُوجِبُ ارْتِفَاعُهُ ارْتِفَاعَ الْجَوْهَرِ. فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ قَوْلَنَا: الْجَوْهَرُ جَوْهَرٌ، وَلَكِنْ لَا لِنَفْسِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ عَكْسِ نَقِيضِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: مَا يُوجِبُ ارْتِفَاعُهُ ارْتِفَاعَ الْجَوْهَرِ فَهُوَ جَوْهَرٌ.
وَكَذَا خَرَجَ عَنْهُ: الْأَمَارَةُ ; فَإِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ لِنَفْسِهَا قَوْلًا آخَرَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْأَمَارَةِ وَمَا تُفِيدُهُ رَبْطٌ عَقْلِيٌّ يَقْتَضِي لُزُومَ الْقَوْلِ الْآخَرِ عَنْهَا.
وَالدَّلِيلُ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ أَخَصُّ مِنْهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهٍ؛ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْأَوَّلِ بِدُونِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَوْلِ، وَصِدْقِ الثَّالِثِ بِدُونِهِ عَلَى الْقَضَايَا الْمُرَتَّبَةِ تَرْتِيبًا صَحِيحًا، وَصِدْقِهِمَا مَعًا عَلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ.
وَكَذَا بَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ، وَكَذَا بَيْنَ الرَّابِعِ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. وَالرَّابِعُ أَخَصُّ مِنَ الثَّالِثِ مُطْلَقًا ; ضَرُورَةَ خُرُوجِ الْأَمَارَةِ عَنْهُ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذِكْرَ خُصُوصِيَّةِ الْقَوْلِ ; إِذِ اسْتِحْضَارُ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مَلْزُومًا، وَلَوْ مَا يَتَخَيَّلُ الْقَوْلَ، وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، يَكُونُ دَلِيلًا، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي الِاصْطِلَاحِ مَخْصُوصًا بِالْقَوْلِ. وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَخْصِيصُ مَا فِي قَوْلِهِ " مَا يُمْكِنُ " أَيْضًا لِقَوْلِ: فِيهِ مَا فِيهِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَصْطَلِحَ قَوْمٌ عَلَى تَخْصِيصِ الدَّلِيلِ بِالْقَوْلِ، وَقَوْمٌ عَلَى عَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِهِ.
ش - أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنْ مُقَدَّمَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الْخَبَرِيَّ إِذَا كَانَ مَجْهُولًا فَلَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي الدَّلِيلِ أَمْرٌ يُوجِبُ الْعِلْمَ أَوِ الظَّنَّ بِهِ. وَذَلِكَ الْأَمْرُ يُسَمَّى " الْوَسَطَ ". وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَطْلُوبِ ".
وَالْوَسَطُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حَاصِلًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ الصُّغْرَى، وَالْمَحْكُومُ بِهِ حَاصِلًا لَهُ أَوْ مَسْلُوبًا (عَنْهُ، أَوِ الْوَسَطُ) مَسْلُوبًا عَنِ (الْمَحْكُومِ بِهِ) فَيَحْصُلُ الْكُبْرَى. فَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَخْصُوصٌ بِالشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَبِضُرُوبِ الشَّكْلِ الثَّانِي الَّتِي صُغْرَاهَا مُوجَبَةٌ.
وَلَا يَخْتَصُّ بِالِاقْتِرَانِيِّ الْحَمْلِيِّ كَمَا ظَنَّ بَعْضٌ، بَلْ يَتَنَاوَلُ الشُّرْطِيَّ أَيْضًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بَيَانَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، لِأَنَّ بَاقِيَ الْأَشْكَالِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ " وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَلْزِمٍ حَاصِلٍ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَالْمَحْكُومِ بِهِ حَاصِلٌ لَهُ أَوْ مَسْلُوبٌ عَنْهُ ".
[النظر]
ش - لَمَّا ذَكَرَ النَّظَرَ فِي تَعْرِيفِ الدَّلِيلِ أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى مَعْنَاهُ. وَالنَّظَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْبَصَرِيِّ وَعَلَى الْفِكْرِيِّ وَالْمُرَادُ هَهُنَا هُوَ الثَّانِي. فَلِذَلِكَ قَالَ: النَّظَرُ: الْفِكْرُ.
وَالْفِكْرُ يُطْلَقُ عَلَى حَرَكَةِ النَّفْسِ بِالْقُوَّةِ الَّتِي آلَتُهَا مُقَدَّمُ الْبَطْنِ الْأَوْسَطِ مِنَ الدِّمَاغِ الْمُسَمَّى بِالدُّودَةِ، أَيَّةُ حَرَكَةٍ كَانَتْ (أَعَمُّ مِنْ) أَنْ تَكُونَ فِي الْمَحْسُوسَاتِ أَوْ فِي الْمَعْقُولَاتِ. وَعَلَى حَرَكَتِهَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الْمَطَالِبِ إِلَى الْمَبَادِئِ وَرُجُوعِهَا عَنْهَا إِلَى الْمَطَالِبِ.
(وَقَدْ يُرْسَمُ) الْفِكْرُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي بِأَنَّهُ: تَرْتِيبُ أُمُورٍ حَاصِلَةٍ فِي الذِّهْنِ ; لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى أُمُورٍ مُسْتَحْصِلَةٍ.
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى حَرَكَةِ النَّفْسِ مِنَ الْمَطَالِبِ إِلَى الْمَبَادِئِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ الرُّجُوعُ مِنْهَا إِلَى الْمَطَالِبِ جُزْءًا مِنْهُ.
وَلَمَّا كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هُوَ الْفِكْرَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي - قَالَ: " الَّذِي (يُطْلَبُ مِنْهُ) عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ " تَصَوُّرًا أَوْ تَصْدِيقًا.
[العلم]
ش - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَةِ الْعِلْمِ وَفِي تَحْدِيدِهِ، لَا لِخَفَائِهَا بَلْ لِغَايَةِ وُضُوحِهَا.
(1/37)

ص - وَالنَّظَرُ: الْفِكْرُ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ.
ص - وَالْعِلْمُ، قِيلَ: لَا يُحَدُّ.
فَقَالَ الْإِمَامُ: لِعُسْرِهِ.
ص - وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ غَيْرَ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْعِلْمِ فَلَوْ عُلِمَ الْعِلْمُ بِغَيْرِهِ، كَانَ دَوْرًا.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَوَقُّفَ تَصَوُّرِ غَيْرِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، لَا عَلَى تَصَوُّرِهِ، فَلَا دَوْرَ.
ص - وَثَانِيهُمَا أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ وُجُودَهُ ضَرُورَةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/39)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ. فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لِعُسْرِهِ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ يَعْسُرُ تَحْدِيدُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِيقِيِّ بِعِبَارَةٍ مُحَرَّرَةٍ لِلْجِنْسِ الذَّاتِيِّ وَالْفَصْلِ ; فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُدْرَكَاتِ الْحِسِّيَّةَ مِثْلِ الرَّوَائِحِ وَالطَّعُومِ مِمَّا يَعْسُرُ حَدُّهُ لِصُعُوبَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى ذَاتِيَّاتِهَا الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُخْتَصَّةِ. وَإِذَا كَانَ حَالُ الْمُدْرَكَاتِ كَذَلِكَ، فَمَا قَوْلُكَ فِي الْإِدْرَاكَاتِ. وَلَكِنْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَشْرَحَ مَعْنَاهُ بِتَقْسِيمٍ وَمِثَالٍ.
(1/40)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِتَحْدِيدِهِ: التَّحْدِيدَ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ، لَا تَعْرِيفَهُ مُطْلَقًا. فَسَقَطَ سُؤَالُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمِثَالَ وَالتَّقْسِيمَ إِنْ أَفَادَ التَّمْيِيزَ صَلُحَا لِلتَّعْرِيفِ الرَّسْمِيِّ، وَإِلَّا لَمْ يَصْلُحَا لِلتَّعْرِيفِ.
وَقِيلَ اكْتِسَابُهُ بِالتَّعْرِيفِ عَسِيرٌ; إِذْ فِيهِ إِضَافَةٌ اشْتَبَهَتْ أَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِهِ أَوْ مِنْ ذَاتِيَّاتِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذَا الِاشْتِبَاهَ لَا يَمْنَعُ التَّعْرِيفَ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ يُمْنَعُ تَحْدِيدُهُ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ، لَا مُطْلَقًا، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ.
ش - قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ
(1/41)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا - لَامْتَنَعَ تَصَوُّرُهُ. وَالثَّانِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا - لَكَانَ كَسْبِيًّا ; إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا. وَحِينَئِذٍ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِغَيْرِهِ ; لِامْتِنَاعِ كَوْنِ الشَّيْءِ مُعَرِّفًا لِنَفْسِهِ.
وَغَيْرُ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْعِلْمِ فَيَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ وَمَعْرِفَةُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ فَيَلْزَمُ امْتِنَاعُ تَصَوُّرِهِ.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: تَوَقَّفَ تَصَوُّرُ غَيْرِ الْعِلْمِ عَلَى
(1/42)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
حُصُولِ نَفْسِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ لَا عَلَى تَصَوُّرِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، وَحُصُولُ نَفْسِ الْعِلْمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، بَلْ تَصَوُّرُ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، فَلَا دَوْرَ.
فَإِنْ قِيلَ: تَصَوُّرُ غَيْرِ الْعِلْمِ هُوَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: تَوَقَّفَ تَصَوُّرُ غَيْرِ الْعِلْمِ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ تَوَقُّفَ تَصَوُّرِ غَيْرِ الْعِلْمِ أَخَصُّ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ يَنْقَسِمُ إِلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي تَوَقُّفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قِيلَ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ: إِنَّ غَيْرَ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهُ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْغَيْرِ لَا عَلَى تَصَوُّرِهِ، وَتَصَوُّرُ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الْغَيْرِ لَا عَلَى تَصَوُّرِهِ.
وَهُوَ بَاطِلٌ ; فَإِنَّ تَصَوُّرَ الْعِلْمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الْغَيْرِ، بَلْ عَلَى تَصَوُّرِهِ ; لِأَنَّ تَصَوَّرَ الْمَحْدُودِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ الْحَدِّ.
ش - الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ وُجُودَهُ ضَرُورَةً، وَهُوَ عِلْمٌ خَاصٌّ. وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ الْخَاصُّ ضَرُورِيًّا، كَانَ مُطْلَقُ الْعَلَمِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا.
ش - تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعِلْمَ الْخَاصَّ يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَمْرٍ تُصَوُّرُهُ أَوْ تُقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ.
وَإِنَّمَا أَكَّدَ بِقَوْلِهِ: " أَوْ تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ " دَفْعًا لِوَهْمٍ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَهُ حَالَ حُصُولِهِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي تَقْرِيرِ الْوَجْهِ الثَّانِي: إِنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَدِيهِيًّا - لَمَا كَانَ تَصْدِيقٌ بَدِيهِيٌّ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ لَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الْكَسْبِ - وَالتَّصْدِيقُ أَحَدُ قِسْمَيِ الْعِلْمِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى مُطْلَقِ الْعِلْمِ - لَتَوَقَّفَ التَّصْدِيقُ عَلَى الْكَسْبِ ; لِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى التَّوَقُّفِ عَلَى الشَّيْءِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَقَرَّرَ جَوَابَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُلَازَمَةِ، وَعَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ يُنْتِجَ الْمُلَازَمَةَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَمْرٍ تَصَوُّرُهُ، وَلَا تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ، أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ تَصَوُّرُ الْعِلْمِ وَلَا تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ ; إِذِ الْمُرَادُ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ أَنَّ الْعِلْمَ بِانْتِسَابِ طَرَفَيْهِ حَصَلَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ. وَحُصُولُ الْعِلْمِ بِالِانْتِسَابِ وَبِطَرَفَيْهِ لَا يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَهُ.
(1/43)

ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَمْرٍ تُصَوُّرُهُ أَوْ تُقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ.
ص - ثُمَّ نَقُولُ: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا - لَكَانَ بَسِيطًا ; إِذْ هُوَ مَعْنَاهُ. وَيَلْزَمُ [مِنْهُ] أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَعْنًى عِلْمًا.
ص - وَأَصَحُّ الْحُدُودِ: صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ.
ص - فَيَدْخُلُ إِدْرَاكُ الْحَوَاسِّ، كَالْأَشْعَرِيِّ.
ص - وَإِلَّا زِيدَ: " فِي الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/44)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَعَلَّ هَذَا الشَّارِحَ إِذَا لَاحَظَ قَوْلَهُ: " إِذِ الْمُرَادُ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ أَنَّ الْعِلْمَ بِانْتِسَابِ طَرَفَيْهِ حَصَلَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ " وَتَفَكَّرَ فِي تَفْسِيرِهِ الْبَدَاهَةَ، لَمْ يَجِدْ هَذَا الْجَوَابَ كَمَا يَنْبَغِي ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرَهُ عِلْمٌ بِعِلْمٍ خَاصٍّ، وَالْعِلْمُ بِالْعِلْمِ الْخَاصِّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بِالْعِلْمِ الْمُطْلَقِ. فَحُصُولُ الْعِلْمِ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقِ يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَ الْعِلْمِ.
بَلِ الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَصَوُّرَ مُطْلَقِ الْعِلْمِ لَوْ كَانَ بِالْكَسْبِ، يَلْزَمُ كَسَبِيَّةَ التَّصْدِيقِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّصْدِيقَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُطْلَقِ الْعِلْمِ، وَمُطْلَقُ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَسْبِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَسْبِ، بَلْ تَصَوُّرُ مُطْلَقِ الْعِلْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَسْبِ، وَالتَّصْدِيقُ الْبَدِيهِيُّ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ تَصَوُّرُهُ أَوْ تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ.
ش - لَمَّا أَبْطَلَ الدَّلِيلَيْنِ اسْتَدَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا، وَبَنَى عَلَى تَعْرِيفِهِ التَّصَوُّرَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُهُ تَصَوُّرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ لِانْتِفَاءِ التَّرْكِيبِ فِي مُتَعَلِّقِهِ. فَقَالَ: " لَوْ كَانَ الْعِلْمُ ضَرُورِيًّا، لَكَانَ بَسِيطًا " وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
(1/45)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلضَّرُورِيِّ إِلَّا كَوْنُهُ بَسِيطًا، لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ مَا لَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهُ عَلَى تَصَوُّرِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ بَسِيطًا، وَإِلَّا لَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى تَصَوُّرِ جُزْئِهِ الَّذِي هُوَ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَسِيطًا، لَكَانَ كُلُّ مَعْنًى عِلْمًا. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْعِلْمَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمَعْنَى. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ مَعْنًى عِلْمًا، لَكَانَ الْمَعْنَى أَعَمَّ مِنَ الْعِلْمِ، فَيَلْزَمُ تَرَكُّبُ الْعِلْمِ مِنَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ وَمِنْ أَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ، وَقَدْ فَرَضَ كَوْنَهُ بَسِيطًا هَذَا خُلْفٌ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ أَخَصَّ مِنَ الْمَعْنَى يَلْزَمُ تَرَكُّبُهُ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عَرَضًا عَامًّا لِلْعِلْمِ.
وَأَيْضًا - غَايَتُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعِلْمُ ضَرُورِيًّا بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ ضَرُورِيًّا بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ: مَا لَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُهُ عَلَى طَلَبٍ وَفِكْرٍ.
فَإِنَّ الضَّرُورِيَّ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَجْزَاؤُهُ ضَرُورِيَّةً، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبٍ وَفِكْرٍ، وَإِنْ كَانَ تَصَوُّرُهُ مَوْقُوفًا عَلَى تَصَوُّرِ أَجْزَائِهِ الَّذِي هُوَ غَيْرُهُ.
ش - لَمَّا أَمْكَنَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ تَحْدِيدُ الْعِلْمِ ذَكَرَ لَهُ حَدًّا، فَقَالَ: " وَأَصَحُّ الْحُدُودِ " أَيِ الْحَدُّ الصَّحِيحُ " صِفَةٌ " وَهِيَ مَا تَقُومُ بِغَيْرِهِ، فَيَتَنَاوَلُ الْعِلْمَ وَغَيْرَهُ.
(1/46)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلُهُ: " يُوجِبُ تَمْيِيزًا " أَيْ تَمْيِيزَ النَّفْسِ الْأَشْيَاءَ. يُخْرِجُ الصِّفَاتِ النَّفْسَانِيَّةَ الَّتِي لَا تُوجِبُ تَمْيِيزَ النَّفْسِ الْأَشْيَاءَ مِثْلَ السَّخَاوَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحُزْنِ وَالْفَرَحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ; فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُ تَمْيِيزَ مَوْصُوفِهَا مِنْ غَيْرِهِ، لَا تُوجِبُ تَمْيِيزَ النَّفْسِ الْأَشْيَاءَ.
قَوْلُهُ: " لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ " أَيْ بِوَجْهٍ. يَخْرُجُ عَنْهُ الظَّنُّ وَالِاعْتِقَادُ وَالْوَهْمُ ; فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُ تَمْيِيزَ النَّفْسِ الْأَشْيَاءَ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، إِمَّا فِي الْعَقْلِ أَوْ فِي الْخَارِجِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ " أَنَّ الْعِلْمَ يُوجِبُ تَمْيِيزَ النَّفْسِ فِي مُتَعَلِّقِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ نَقِيضِ الْمُتَعَلِّقِ لَا فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الْخَارِجِ.
ش - أَيْ فَيَدْخُلُ إِدْرَاكُ النَّفْسِ الْمَحْسُوسَاتِ بِوَاسِطَةِ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فِي حَدِّ الْعِلْمِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ.
(1/47)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْحَدُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعِلْمِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الْمُنْقَسِمِ إِلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ، أَوْ لِلْعِلْمِ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ الَّذِي هُوَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ التَّصْدِيقِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقِيدًا " لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ " غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمَظْنُونَ وَالِاعْتِقَادَاتِ عِلْمٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُمَا يَحْتَمِلَانِ النَّقِيضَ.
وَأَيْضًا التَّصَوُّرَاتُ السَّاذَجَةُ - وَهُوَ حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ مُطَابِقًا أَوْ غَيْرَ مُطَابِقٍ - عِلْمٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَمْ يُعْتَبَرْ عَدَمُ احْتِمَالِ النَّقِيضِ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ انْدِرَاجَ الْحَوَاسِّ تَحْتَ الْحَدِّ.
ش - أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ إِدْرَاكُ الْحَوَاسِّ عِلْمًا، زِيدَ (عَلَى) الْحَدِّ الْمَذْكُورِ لَفْظَةُ " فِي الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ " لِيَخْرُجَ عَنْهُ إِدْرَاكُ الْحَوَاسِّ ; فَإِنَّ الْمَعْنَى قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُقَابِلِ الْمَحْسُوسِ.
ش - تَقْرِيرُ الِاعْتِرَاضِ أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ ; ضَرُورَةَ خُرُوجِ بَعْضِ الْأَقْسَامِ مِنْهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمُوجِبٍ، وَمُوجِبُهُ إِمَّا الْحِسَّ أَوْ غَزِيرَةَ الْعَقْلِ أَوِ الْبُرْهَانِ. وَالْحَدُّ لَا يَتَنَاوَلُ الْعُلُومَ الْعَادِيَّةَ، أَيِ الَّتِي مُوجِبُهَا الْعَادَةُ ; لِأَنَّ الْعُلُومَ الْعَادِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ جَوَازَ النَّقِيضِ عَقْلًا، أَيِ الْعَقْلُ يَحْكُمُ بِأَنَّ الْعُلُومَ الْعَادِيَّةَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ نَقِيضُ مُتَعَلِّقِهَا فِي الْوَاقِعِ ; فَإِنَّ الْجَبَلَ إِذَا عُلِمَ بِالْعَادَةِ كَوْنُهُ حَجَرًا، جَازَ أَنْ يَنْقَلِبَ ذَهَبًا عَقْلًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، وَالْمُمْكِنُ جَازَ أَنْ يَقَعَ بِقُدْرَةِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، فَيَخْرُجُ عَنِ الْحَدِّ.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْجَبَلَ إِذَا عُلِمَ بِالْعَادَةِ كَوْنُهُ حَجَرًا، اسْتَحَالَ حَالَةَ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِهِ أَنْ لَا يَكُونُ حَجَرًا فِي [الْخَارِجِ] وَلَا فِي
(1/48)

ص - وَاعْتَرَضَ [بِالْعُلُومِ الْعَادِيَّةِ] فَإِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ جَوَازَ النَّقِيضِ عَقْلًا.
ص - وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْجَبَلَ إِذَا عُلِمَ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ حَجَرٌ - اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ ذَهَبًا ضَرُورَةً، وَهُوَ الْمُرَادُ.
وَمَعْنَى التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ: [أَنَّهُ] لَوْ قُدِّرَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لِنَفْسِهِ، لَا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ.
ص - وَاعْلَمْ أَنَّ مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ أَوْ لَا. الثَّانِي: الْعِلْمُ.
وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقِيضَ [عِنْدَ الذِّكْرِ لَوْ قَدَّرَهُ أَوْ لَا. وَالثَّانِي: الِاعْتِقَادُ. فَإِنْ طَابَقَ فَصَحِيحٌ، وَإِلَّا فَفَاسِدٌ.
وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقِيضَ] 3) وَهُوَ رَاجِحٌ أَوْ لَا. فَالرَّاجِحُ: الظَّنُّ. وَالْمَرْجُوحُ: الْوَهْمُ. وَالْمُسَاوِي: الشَّكُّ.
ص - وَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ حُدُودهَا.
ص - وَالْعِلْمُ ضَرْبَانِ: عِلْمٌ بِمُفْرَدٍ، وَيُسَمَّى: تَصَوُّرًا وَمَعْرِفَةً. وَعِلْمٌ بِنِسْبَةٍ، وَيُسَمَّى: تَصْدِيقًا وَعِلْمًا.
ص - وَكِلَاهُمَا ضَرُورِيٌّ وَمَطْلُوبٌ.
ص - فَالتَّصَوُّرُ الضَّرُورِيُّ: مَا لَا يَتَقَدَّمُهُ تَصَوُّرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ; لِانْتِفَاءِ التَّرْكِيبِ فِي مُتَعَلِّقِهِ، كَالْوُجُودِ وَالشَّيْءِ.
ص - وَالْمَطْلُوبُ بِخِلَافِهِ، أَيْ تُطْلَبُ مُفْرَدَاتُهُ بِالْحَدِّ.
ص - وَالتَّصْدِيقُ الضَّرُورِيُّ: مَا لَا يَتَقَدَّمُهُ تَصْدِيقٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
ص - وَالْمَطْلُوبُ بِخِلَافِهِ، أَيْ يُطْلَبُ بِالدَّلِيلِ.
ص - وَأَوْرَدَ عَلَى التَّصَوُّرِ: إِنْ كَانَ حَاصِلًا - فَلَا طَلَبَ، وَإِلَّا فَلَا شُعُورَ بِهِ فَلَا طَلَبَ.
ص - وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يَشْعُرُ بِهَا وَبِغَيْرِهَا وَالْمَطْلُوبُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا بِالتَّعْيِينِ.
ص - وَأُورِدُ ذَلِكَ عَلَى التَّصْدِيقِ.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تُتَصَوَّرُ النِّسْبَةُ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، ثُمَّ يُطْلَبُ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ النِّسْبَةِ حُصُولُهَا، وَإِلَّا لَزِمَ النَّقِيضَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/49)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعَقْلِ ; ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ. وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ.
وَمَعْنَى التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَدَّرَ مُقَدِّرٌ نَقِيضَ مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَقْدِيرِهِ مُحَالٌ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ.
قَوْلُهُ: " لَا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ " أَيْ لَيْسَ مَعْنَى التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ أَنَّ نَقِيضَ مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ يُحْتَمَلُ وُقُوعُهُ بِوَجْهٍ. فَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ النَّقِيضُ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُحْتَمَلُ وُقُوعُهُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ الِاحْتِمَالُ، فَيُدْخِلُ الْعُلُومَ الْعَادِيَّةَ تَحْتَ الْحَدِّ.
وَتَفْسِيرُ التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ بِالْإِمْكَانِ الْخَارِجِيِّ، وَالِاحْتِمَالِ: بِالْإِمْكَانِ الذِّهْنِيِّ - كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ - يُوجِبُ الْقَدْحَ فِي الْجَوَابِ ; لِأَنَّ إِمْكَانَ انْقِلَابِ الْحَجَرِ ذَهَبًا فِي الْخَارِجِ يُنَافِي الْعِلْمَ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدِ اعْتُبِرَ فِي الْعِلْمِ أَنْ لَا يُحْتَمَلُ نَقِيضُ الْمُتَعَلِّقِ فِي الْخَارِجِ وَلَا فِي الْعَقْلِ. وَإِذَا كَانَ النَّقِيضُ مُمْكِنًا فِي الْخَارِجِ لَمْ يَصْدُقْ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ.
فَإِنْ قِيلَ: تَفْسِيرُهُ بِالْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ - أَيْضًا - يُنَافِي الْعِلْمَ [لِأَنَّهُ] حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ ; ضَرُورَةَ احْتِمَالِهِ فِي ذَاتِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِنَا: إِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ، أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ، لَا فِي الْخَارِجِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مُطْلَقًا، وَلَا بِتَشْكِيكِ مُشَكِّكٍ.
(1/50)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَجَازَ أَنْ يَكُونَ النَّقِيضُ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ، وَيَكُونَ مُمْتَنِعًا فِي الْخَارِجِ لِغَيْرِهِ. فَحِينَئِذٍ لَا يُحْتَمَلُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: الْعَادَةُ تَمْنَعُ احْتِمَالَ النَّقِيضِ فِي الذِّهْنِ. أَمَّا فِي الْخَارِجِ فَلَا; لِأَنَّ غَايَةَ حُكْمِ الْعَادَةِ الْجَزْمُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا.
أُجِيبُ بِأَنَّ النَّفْسَ اكْتَسَبَتْ بِالْعَادَةِ أَنَّ النَّقِيضَ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ، مُمْتَنِعٌ فِي الْخَارِجِ لِغَيْرِهِ.
(1/51)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[الاعتقاد والظن والوهم والشك]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِّ الْعِلْمِ - أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ الظَّنَّ فَذَكَرَ تَقْسِيمًا يُعْرَفُ مِنْهُ الظَّنُّ وَغَيْرُهُ لِيَكُونَ أَتَمَّ فَائِدَةً.
وَاعْلَمْ أَنَّ الذِّكْرَ الْحُكْمِيَّ - وَهُوَ الْكَلَامُ الْخَبَرِيُّ الدَّالُّ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ - أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا تَخَيُّلِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا. وَمَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ: هُوَ مَفْهُومُ الْكَلَامِ الْخَبَرِيِّ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلِ الْحُكْمَ مَوْرِدَ الْقِسْمَةِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ خُرُوجُ الْوَهْمِ وَالشَّكِّ عَنْ مَوْرِدِ الْقِسْمَةِ، عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ مُقَارَنَتَهُمَا لِلْحُكْمِ.
وَمُتَعَلِّقُهُ - أَيْ مُتَعَلِّقُ مَا عَنْهُ الذِّكْرُ -: النِّسْبَةُ الْوَاقِعَةُ بَيْن طَرَفَيِ الْخَبَرِ فِي الذِّهْنِ. فَإِنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهَا.
وَمَا قِيلَ: إِنَّ الذِّكْرَ الْحُكْمِيَّ: هُوَ الْكَلَامُ الْمَوْجُودُ فِي اللَّفْظِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحُكْمِ الْخَبَرِيِّ، وَمَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ: الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الَّذِي وُضِعَ الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ لَهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ: الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فِي الْخَارِجِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ جَعْلُهُ مَوْرِدًا لِلْقِسْمَةِ إِلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ نَقِيضَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِلَى مَا يَحْتَمِلُهُ.
وَإِذَا تَحَقَّقَ هَذَا فَنَقُولُ: مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ، إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْخَارِجِ أَوْ عِنْدَ الذَّاكِرِ، إِمَّا بِتَقْدِيرِهِ فِي نَفْسِهِ، أَوْ بِتَشْكِيكِ مُشَكِّكٍ إِيَّاهُ، أَوْ لَا يَحْتَمِلُ أَصْلًا.
(1/52)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي: الْعِلْمُ. وَالْأَوَّلُ، إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَقْدِيرِهِ فِي نَفْسِهِ، أَوْ لَا. وَالثَّانِي: الِاعْتِقَادُ. فَإِنْ طَابَقَ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَفَاسِدٌ.
وَالْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ احْتِمَالُ الْمُتَعَلِّقِ رَاجِحًا عِنْدَ الذَّاكِرِ عَلَى احْتِمَالِ النَّقِيضِ. وَهُوَ: الظَّنُّ، أَوْ لَا.
وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْوَهْمُ. وَالثَّانِي: الشَّكُّ.
وَمَا قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي تَقْسِيمِ الِاعْتِقَادِ: " فَإِنْ طَابَقَ فَصَحِيحٌ " فِيهِ تَنَاقُضٌ ; فَإِنَّهُ يُنَاقِضُ احْتِمَالَ النَّقِيضِ وَمُطْلَقَ الِاعْتِقَادِ وَالَّذِي هُوَ الْمُقَسَّمُ يَحْتَمِلُهُ - فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " فَإِنْ طَابَقَ " لَا يَقْتَضِي إِلَّا عَدَمَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَقْدِيرِهِ فِي نَفْسِهِ. فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُنَاقِضًا لِاحْتِمَالِ النَّقِيضِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَحْتَمِلَهُ بِالتَّشْكِيكِ.
(1/53)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - وَقَدْ عُلِمَ بِالتَّقْسِيمِ حُدُودُ الْأَقْسَامِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي كُلِّ قِسْمٍ الْمَوْرِدَ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ الْمُشْتَرَكُ، وَالْفَصْلُ الَّذِي بِهِ تَمَيَّزُ عَنِ الْأَقْسَامِ الْأُخَرِ. فَقَدْ عُلِمَ فِي كُلِّ قِسْمٍ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ وَمَا بِهِ الِامْتِيَازُ. وَلَا نَعْنِي بِالْحَدِّ إِلَّا هَذَا.
وَلْنَذْكُرْ حُدُودَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ: فَالْعِلْمُ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ، لَا فِي الْوَاقِعِ وَلَا عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَقْدِيرِهِ وَلَا بِالتَّشْكِيكِ.
وَالِاعْتِقَادُ الصَّحِيحُ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَشْكِيكِ مُشَكِّكٍ إِيَّاهُ فَقَطْ. وَالْفَاسِدُ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ [بِتَشْكِيكِ مُشَكِّكٍ إِيَّاهُ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ بِتَقْدِيرِهِ، وَيَكُونُ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ.
وَالظَّنُّ: مَا عَنْهُ] 1) ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَقْدِيرِهِ مَعَ كَوْنِهِ رَاجِحًا.
وَالْوَهْمُ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَقْدِيرِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوحًا.
وَالشَّكُّ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ مَعَ تَسَاوِي طَرَفَيْهِ عِنْدَ الذَّاكِرِ.
(1/54)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَمَّا كَانَ الْأُصُولُ عِلْمًا اسْتِدْلَالِيًّا، وَالْعُلُومُ الِاسْتِدْلَالِيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى الْمَنْطِقِ، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْقَوَاعِدَ الْمُهِمَّةَ فِي الْمَنْطِقِ، اقْتِدَاءً بِالْغَزَالِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
[أقسام العلم: التصور والتصديق]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّسْبَةِ: إِسْنَادُ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ بِالنَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ وَبِالْمُفْرَدِ: مَا يُقَابِلُهُ.
فَكَأَنَّهُ فَرَضَ النِّسْبَةَ - لِاسْتِلْزَامِهَا التَّرْكِيبَ - مُرَكَّبًا. وَمَا لَيْسَ بِنِسْبَةٍ - لِكَوْنِهِ مُقَابِلًا لَهَا - مُفْرَدًا. لِأَنَّ الْمُفْرَدَ مُقَابِلُ الْمُرَكَّبِ.
وَالْعِلْمُ قِسْمَانِ: عِلْمٌ بِمُفْرِدٍ مِثْلَ عِلْمِكَ بِمَعْنَى الْإِنْسَانِ وَالْكَاتِبِ. وَعَلِمٌ بِنِسْبَةٍ، لَا بِمَعْنَى حُصُولِ صُورَتِهَا فِي الْعَقْلِ ; فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ، بَلْ بِمَعْنَى إِيقَاعِهَا أَوِ انْتِزَاعِهَا، أَعْنِي الْحُكْمَ، مِثْلَ حُكْمِكَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَاتِبٌ أَوْ لَيْسَ بِكَاتِبٍ.
(1/55)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُسَمِّي الْمَنْطِقِيُّونَ الْأَوَّلَ: تُصَوُّرًا. وَالثَّانِي: تَصْدِيقًا. وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ سَمَّى الْأَوَّلَ: مَعْرِفَةً، وَالثَّانِيَ: عِلْمًا، تَأَسِّيًا بِقَوْلِ النُّحَاةِ: إِنَّ الْمَعْرِفَةَ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَالْعِلْمَ إِلَى مَفْعُولَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: النِّسْبَةُ: الْحُكْمُ، وَالْمُفْرَدُ: مَا لَيْسَ بِحُكْمٍ. وَالْعِلْمُ بِمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْعِلْمُ بِنَفْسِ النِّسْبَةِ وَحَقِيقَتِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَعِلْمٌ تَعَلَّقَ بِالْحُكْمِ، لَا بِحَقِيقَةٍ، بَلْ بِحُصُولِهِ هُوَ: التَّصْدِيقُ. وَالتَّصْدِيقُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ; إِذِ التَّصْدِيقُ قِسْمٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْحُكْمُ لَيْسَ بِقِسْمٍ مِنْهُ، وَتَوَقُّفُهُ عَلَيْهِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قِسْمًا مِنْهُ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَوَقُّفَ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَخْلُو عَنْ خَبْطٍ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلْمَ بِحُصُولِ الْحُكْمِ: تَصْدِيقًا، لَا الْحُكْمَ نَفْسَهُ، وَالنِّسْبَةَ: حُكْمًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْعِلْمَ بِحُصُولِ الْحُكْمِ إِنْ كَانَ تَصَوُّرَ حُصُولِ الْحُكْمِ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّصْدِيقُ تَصَوُّرًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَلْيُبَيَّنَ لِيُتَصَوَّرَ مَعْنَاهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا.
وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ خَارِجًا عَنِ التَّصْدِيقِ ; لِأَنَّ الْمَعْلُومَ
(1/56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
خَارِجٌ عَنِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحُكْمَ خَارِجٌ عَنِ التَّصْدِيقِ، بَلِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ نَفْسُ التَّصْدِيقِ أَوْ دَاخِلٌ فِيهِ.
وَأَيْضًا التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ اللُّغَوِيَّانِ يَعْرِضَانِ لِحُصُولِ الْحُكْمِ، لَا لِلْعِلْمِ بِهِ. فَتَسْمِيَةُ الْحُكْمِ بِالتَّصْدِيقِ أَوْلَى مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعِلْمُ مِنْ مَقُولَةِ أَنْ يَنْفَعِلَ، وَالْحُكْمُ أَعْنِي الْإِيقَاعَ وَالِانْتِزَاعَ مِنْ مَقُولَةِ أَنْ يَفْعَلَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَقْسِيمُهُ إِلَى التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ، وَإِلَى التَّصَوُّرِ.
قُلْتُ: لَا مَحِيصَ عَنْ هَذَا إِلَّآ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُقَسَّمَ الْعِلْمُ إِلَى التَّصَوُّرِ وَإِلَى التَّصْدِيقِ، بَلْ إِلَى التَّصَوُّرِ السَّاذَجِ، وَإِلَى التَّصَوُّرِ مَعَ التَّصْدِيقِ، كَمَا فَعَلَهُ الشَّيْخُ فِي الْإِشَارَاتِ، حَيْثُ قَالَ: فَكَمَا أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُعْلَمُ تَصَوُّرًا سَاذَجًا، فَكَذَلِكَ قَدْ يُعْلَمُ تَصَوُّرًا مَعَهُ تَصْدِيقٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَفْسِيرَ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْإِدْرَاكِ، إِنْ قُسِّمَ إِلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ بِأَنْ يُقَالَ:
(1/57)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةُ إِمَّا الْإِدْرَاكُ أَوْ غَيْرُهُ.
وَالثَّانِي: إِمَّا الْهَيْئَةُ اللَّاحِقَةُ بِهِ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: - أَعْنِي الْهَيْئَةَ اللَّاحِقَةَ بِهِ - إِمَّا أَنْ يُقَارِنَهَا احْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، أَوْ لَا. وَالثَّانِي: مِثْلُ الْهَيْئَاتِ اللَّاحِقَةِ فِي أَقْسَامِ التَّنْبِيهِ، كَالتَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي وَالنِّدَاءِ وَغَيْرِهَا.
وَالْأَمْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْإِدْرَاكِ وَالْهَيْئَةِ اللَّاحِقَةِ بِهِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ - وَهُوَ الْمَعْنَى الذِّهْنِيُّ الْمُقَيَّدُ بِعَدَمِ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ - هُوَ الْعِلْمُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إِذَا فُسِّرَ الْعِلْمُ بِهِ، يَنْقَسِمُ إِلَى الْإِدْرَاكِ الَّذِي هُوَ التَّصَوُّرُ، وَإِلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي هِيَ التَّصْدِيقُ.
ش - أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ يَنْقَسِمُ إِلَى ضَرُورِيٍّ وَمَطْلُوبٍ. وَيُعْرَفُ الْحَصْرُ مِنْ تَعْرِيفِهِمَا.
ش - اعْلَمْ أَنَّ التَّصَوُّرَ إِمَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ تَصَوُّرٌ أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَوْ لَا.
(1/58)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالضَّرُورِيُّ يَتَنَاوَلُ الْقِسْمَيْنِ، أَعْنِي مَا لَا يَتَقَدَّمُهُ تَصَوُّرٌ، وَمَا يَتَقَدَّمُهُ تَصَوُّرٌ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: " لِانْتِفَاءِ التَّرْكِيبِ فِي مُتَعَلِّقِهِ " تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ التَّصَوُّرِ عَلَى تَصَوُّرٍ يَتَقَدَّمُهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُتَعَلِّقُهُ بَسِيطًا، لَمْ يَتَوَقَّفْ تَصَوُّرُهُ عَلَى تَصَوُّرٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: " كَالْوُجُودِ وَالشَّيْءِ " مِثَالَانِ لِمَا يَكُونُ تَصَوُّرُهُ ضَرُورِيًّا. وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُرَكَّبٍ مَطْلُوبًا، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَمَا ذَكَرَ.
وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونُ الْبَسَائِطُ تَصَوُّرُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَصَوُّرٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ الْبَسِيطِ مَوْقُوفًا عَلَى تَصَوُّرٍ لَازِمٍ خَارِجٍ عَنْ حَقِيقَتِهِ.
ش - أَيِ التَّصَوُّرُ الْمَطْلُوبُ بِخِلَافِ التَّصَوُّرِ الضَّرُورِيِّ، وَهُوَ مَا يَتَقَدَّمُهُ تُصَوَّرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ لِتَحْقِيقِ التَّرْكِيبِ فِي مُتَعَلِّقِهِ. قَوْلُهُ: " أَيْ يُطْلَبُ مُفْرَدَاتُهُ " يَعْنِي مُفْرِدَاتِ التَّصَوُّرِ لِكَوْنِهِ مُرَكَّبًا. فَإِذَا أُرِيدَ تَصَوُّرُهُ بِالْحَدِّ لَا بُدَّ أَنْ يُطْلَبَ أَجْزَاؤُهُ أَوَّلًا، لِيُحُدَّ الْمُرَكَّبُ بِهَا.
(1/59)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: " بِالْحَدِّ " لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ يُطْلَبَ مُفْرَدَاتُهُ بِسَبَبِ هَذَا الْمُرَكَّبِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: " فَتُحَدُّ ".
ش - التَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ لِلتَّصْدِيقِ [الضَّرُورِيِّ] مُوَافِقٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ طَرَفَاهُ كَسْبِيَّيْنِ. فَمَا لَا يَتَقَدَّمُهُ تَصْدِيقٌ، أَوْ يَتَقَدَّمُهُ تَصْدِيقٌ وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ - وَإِنْ كَانَ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، بِالْكَسْبِ - يَكُونُ ضَرُورِيًّا.
ش - أَيِ التَّصْدِيقُ الْمَطْلُوبُ بِخِلَافِ التَّصْدِيقِ الضَّرُورِيِّ، أَعْنِي يَتَقَدَّمُهُ تَصْدِيقٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يُطْلَبُ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ بِالدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الْمُوَصِّلَ إِلَى التَّصْدِيقِ الْمَجْهُولِ هُوَ الدَّلِيلُ.
مِثَالُ التَّصْدِيقِ الضَّرُورِيِّ: النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَمِثَالُ التَّصْدِيقِ الْمَطْلُوبِ: الْعَالَمُ حَادِثٌ.
(1/60)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - تَقْرِيرُهُ أَنَّ التَّصَوُّرَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا ; لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا، أَوْ لَا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَمْتَنِعُ طَلَبُهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ حَاصِلًا، فَلِامْتِنَاعِ طَلَبِ الْحَاصِلِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا، فَلِامْتِنَاعِ تَوَجُّهِ الطَّلَبِ نَحْوَهُ ; لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ طَالِبَةً لَهُ.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّصَوُّرَ إِذَا كَانَ حَاصِلًا، يَمْتَنِعُ طَلَبُهُ ; لِأَنَّ التَّصَوُّرَ قَابِلٌ لِلشِّدَّةِ وَالضَّعْفِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَاهِيَّةُ الَّتِي يُطْلَبُ تَصَوُّرُهَا مَشْعُورًا بِهَا مِنْ جِهَةِ عَارِضٍ مِنْ عَوَارِضِهَا، بِحَيْثُ لَمْ تَتَمَيَّزْ فِي الذِّهْنِ عَنْ غَيْرِهَا الَّذِي هُوَ مَشْعُورٌ بِهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ عَارِضٍ مِنْ عَوَارِضِهِ وَالْمَطْلُوبُ تَصَوُّرُهَا عَلَى وَجْهٍ يَتَعَيَّنُ مَفْهُومُهَا بِحَيْثُ يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا، بِحَيْثُ لَا تَتَعَيَّنُ حَقِيقَتُهُ بِذَلِكَ التَّصَوُّرِ فِي الذِّهْنِ، وَلَا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ فِيهِ. وَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَيَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ فِيهِ. وَالْحُصُولُ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ لَا يَمْنَعُ طَلَبَهُ [بِاعْتِبَارِ الثَّانِي] .
(1/61)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - تَقْرِيرُهُ كَمَا فِي التَّصَوُّرِ.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّصْدِيقَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا، يَمْتَنِعُ طَلَبُهُ.
قَوْلُهُ: " لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ ".
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا لَا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ ; لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ الْإِيجَابِيَّةُ أَوِ السَّلْبِيَّةُ مُتَصَوَّرَةً، وَلَا تَكُونُ حَاصِلَةً. فَمِنْ حَيْثُ التَّصَوُّرُ يَتَوَجَّهُ الذِّهْنُ نَحْوَهُ، ثُمَّ يَطْلُبُ حُصُولَ أَحَدِهِمَا، أَعْنِي الْحُكْمَ الْإِيجَابِيَّ أَوِ السَّلْبِيَّ عَلَى التَّعْيِينِ.
قَوْلُهُ: " وَلَا يَلْزَمُ " إِلَى آخِرِهِ، إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابٍ دَخَلٍ مُقَدَّرٍ تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النِّسْبَةَ الْإِيجَابِيَّةَ أَوِ السَّلْبِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُتَصَوَّرَةً، كَانَتْ حَاصِلَةً، فَيَمْتَنِعُ طَلَبُ حُصُولِهَا.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ شَيْءٍ حُصُولُهُ.
فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ الْحُكْمِ الْإِيجَابِيِّ أَوِ السَّلْبِيِّ حُصُولُهُ، وَإِلَّا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، أَعْنِي الْحُكْمَ الْإِيجَابِيَّ وَالسَّلْبِيَّ عِنْدَ تَعَقُّلِ السَّلْبِ ; لِأَنَّ تَعَقُّلَ [السَّلْبِ] لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ تَعَقُّلِ الْإِيجَابِ، وَإِضَافَةُ السَّلْبِ إِلَيْهِ ; إِذِ السَّلْبُ الْمُطْلَقُ لَا تَمَيُّزَ لَهُ وَلَا اخْتِصَاصَ، وَهُوَ مُحَالٌ.
[مادة المركب]
ش - اعْلَمْ أَنَّ جُزْءَ الْمُرَكَّبِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَكَّبُ مَعَهُ بِالْقُوَّةِ، وَهُوَ الْمَادَّةُ. أَوْ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الصُّورَةُ.
وَلَمَّا كَانَ الْمُرَكَّبُ مَعَ مُفْرَدَاتِهِ بِالْقُوَّةِ وَمَعَ هَيْئَتِهِ الْخَاصَّةِ بِالْفِعْلِ كَانَتْ مُفْرَدَاتُهُ: الْمَادَّةَ.
وَهَيْئَتُهُ الْخَاصَّةُ: الصُّورَةَ. وَالْهَيْئَةُ الْخَاصَّةُ: تَأْلِيفُ الْأَجْزَاءِ عَلَى وَجْهٍ يُطْلَقُ عَلَيْهَا الْوَاحِدُ.
[الْحَدُّ حَقِيقِيٌّ وَرَسْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ]
ش - لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ [التَّصَوُّرَ] الْمَطْلُوبَ يُطْلَبُ بِالْحَدِّ، أَرَادَ [أَنْ] يُشِيرَ إِلَى مَعْنَاهُ وَأَقْسَامِهِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ.
وَالْحَدُّ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ. وَالْمُرَادُ هَهُنَا: الْجَامِعُ الْمَانِعُ. وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، أَوْ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ: اللَّفْظِيَّ.
(1/62)

ص - وَمَادَّةُ الْمُرَكَّبِ: مُفْرَدَاتُهُ. وَصُورَتُهُ: هَيْئَتُهُ الْخَاصَّةُ.
ص - وَالْحَدُّ حَقِيقِيٌّ وَرَسْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ.
ص - فَالْحَقِيقِيُّ: مَا أَنْبَأَ عَنْ ذَاتِيَّاتِهِ الْكُلِّيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ.
ص - وَالرَّسْمِيُّ: مَا أَنْبَأَ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمٍ لَهُ. مِثْلَ: الْخَمْرُ: مَائِعٌ يَقْذِفُ بِالزَّبَدِ.
ص - وَاللَّفْظِيُّ: مَا أَنْبَأَ [عَنْهُ] بِلَفْظِ أَظْهَرِ مُرَادِفٍ مِثْلَ: الْعَقَارُ: خَمْرٌ.
ص - وَشَرْطُ الْجَمِيعِ: الِاطِّرَادُ وَالِانْعِكَاسُ، أَيْ إِذَا وُجِدَ - وُجِدَ، وَإِذَا انْتَفَى - انْتَفَى.
ص - وَالذَّاتِيُّ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ فَهْمُ الذَّاتِ قَبْلَ فَهْمِهِ، كَاللَّوْنِيَّةِ لِلسَّوَادِ، وَالْجِسْمِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ.
ص - وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ حَدَّانِ ذَاتِيَّانِ.
ص - وَقَدْ يُعَرَّفُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ، وَبِالتَّرْتِيبِ الْعَقْلِيِّ.
ص - وَتَمَامُ الْمَاهِيَّةِ: هُوَ الْمَقُولُ فِي جَوَابِ مَا هُوَ، وَجُزْؤُهَا الْمُشْتَرَكُ: الْجِنْسُ. وَالْمُمَيِّزُ: الْفَصْلُ. وَالْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا: النَّوْعُ.
ص - وَالْجِنْسُ: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُخْتَلِفٍ بِالْحَقِيقَةِ. وَكُلٌّ مِنَ الْمُخْتَلِفِ: النَّوْعُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/63)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ. وَالثَّانِي: الرَّسْمِيُّ. وَيَدْخُلُ فِيهِ الْحُدُودُ النَّاقِصَةُ. وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا أَثَرًا مِنَ الْمَحْدُودِ ; لِأَنَّ النَّاقِصَ لَا يُفِيدُ كُنْهَ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ.
ش - أَيِ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ مُعَرِّفٌ دَلَّ عَلَى جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ [الْكُلِّيَّةِ الْمُجْتَمِعَةِ.
فَقَوْلُهُ: " مَا أَنْبَأَ " كَالْجِنْسِ. وَقَوْلُهُ: " عَنْ ذَاتِيَّاتِهِ " يُخْرِجُ التَّعْرِيفَ بِالْعَرَضِيَّاتِ وَبِبَعْضِ الذَّاتِيَّاتِ] 1) . وَقَوْلُهُ: " الْكُلِّيَّةِ " يُخْرِجُ عَنْهُ الْمُشَخِّصَاتِ، فَإِنَّهَا ذَاتِيَّةٌ لِلشَّخْصِ مِنْ حَيْثُ هُوَ شَخْصٌ، لَكِنْ لَا يُحَدُّ بِهَا ; لِأَنَّ الْحَدَّ لِلْكُلِّيَّاتِ لَا لِلْمُشَخِّصَاتِ.
وَقَوْلُهُ: " الْمُرَكَّبَةِ " يُخْرِجُ الذَّاتِيَّاتِ الَّتِي لَمْ يُعْتَبَرْ تَرْكِيبُهَا عَلَى وَجْهٍ تَحْصُلُ لَهَا صُورَةٌ وَحْدَانِيَّةٌ مُطَابِقَةٌ لِلْمَحْدُودِ، فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى حَدًّا حَقِيقِيًّا.
(1/64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - أَيِ الْحَدُّ الرَّسْمِيُّ مُعَرِّفٌ أَنْبَأَ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمٍ أَيْ مُخْتَصٍّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاخْتِصَاصِ.
وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْعَرَضِيِّ الْمُفَارِقِ، كَالضَّاحِكِ بِالْفِعْلِ لِلْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ التَّعْرِيفَ.
وَفِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ مُخْتَصٍّ، بَلْ عَرَضِيٌّ مُفَارِقٌ لَكِنْ لَا مُنَاقَشَةَ فِي الْمِثَالِ.
ش - أَيِ الْحَدُّ اللَّفْظِيُّ مُعَرِّفٌ أَنْبَأَ عَنِ الشَّيْءِ بِلَفْظِ أَظْهَرِ مُرَادِفٍ.
فَبِقَوْلِهِ: " بِلَفْظِ " يُخْرِجُ الْحَدَّ الْحَقِيقِيَّ وَالرَّسْمِيَّ. وَبِقَوْلِهِ: " أَظْهَرِ " يُخْرِجُ عَنْهُ اللَّفْظَ الْأَخْفَى وَالْمُسَاوِيَ. وَبِقَوْلِهِ: " مُرَادِفٍ " يُخْرِجُ عَنْهُ اللَّفْظَ الْأَظْهَرَ الْمُبَايِنَ.
وَفِي تَعْرِيفِ الْحَدِّ اللَّفْظِيِّ مُؤَاخَذَةٌ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ مَا أَنْبَأَ عَنِ الْعَقَارِ بِلَفْظِ أَظْهَرِ مُرَادِفٍ، بَلْ أَنْبَأَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ بِالْعِنَايَةِ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْمَحْدُودُ بِالْحَدِّ اللَّفْظِيِّ: مَعْنَى الْعَقَارِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْضُوعٌ لَهَا الْعَقَارُ. وَالْحَدُّ: مَعْنَى الْخَمْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ
(1/65)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْخَمْرُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى الْخَمْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ الْخَمْرُ، أَنْبَأَ عَنْ مَعْنَى الْعَقَارِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ الْعَقَارُ، بِلَفْظِ الْخَمْرِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مُرَادِفٍ لَهُ.
[شروطُ الْحُدُودِ الثَلَاثَةٌ]
ش - شَرْطُ الْحُدُودِ ثَلَاثَةٌ: الِاطِّرَادُ، وَهُوَ: الِاسْتِلْزَامُ مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ، أَيْ إِذَا وُجِدَ الْحَدُّ، وُجِدَ الْمَحْدُودُ.
وَالِانْعِكَاسُ أَيْ: الِاسْتِلْزَامُ مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ، أَيْ إِذَا عُدِمَ الْحَدُّ عُدِمَ الْمَحْدُودُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمَحْدُودِ ; وَإِلَّا لَكَانَ أَعَمَّ أَوْ أَخَصَّ. وَهُمَا لَا يَصْلُحَانِ لِلتَّعْرِيفِ.
أَمَّا الْأَعَمُّ ; فَلِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْأَخَصِّ أَصْلًا، وَلِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ التَّمْيِيزَ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ التَّعْرِيفِ: التَّمْيِيزُ.
وَأَمَّا الْأَخَصُّ فَلِأَنَّهُ أَخْفَى مِنَ الْأَعَمِّ ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ وُجُودًا مِنْهُ. وَلَمَّا ذَكَرَ الذَّاتِيَّ فِي تَعْرِيفِ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ، أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى مَعْنَاهُ.
(1/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[الذاتي]
ش - " الذَّاتِيُّ مَا لَا يُتَصَوَّرُ " أَيْ يُمْنَعُ فَهْمُ الذَّاتِ قَبْلَ فَهْمِهِ، مِثْلَ اللَّوْنِيَّةِ لِلسَّوَادِ، وَالْجِسْمِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ.
الْأَوَّلُ مِثَالٌ لِذَاتِيِّ الْعَرَضِ، وَالثَّانِي لِذَاتِيِّ الْجَوْهَرِ. وَالذَّاتِيُّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مُتَنَاوِلٌ لِنَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَلِأَجْزَائِهَا ; فَإِنَّهَا لَا يُمْكِنُ فَهْمُ الذَّاتِ قَبْلَ فَهْمِهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ التَّعْرِيفَ غَيْرُ مَانِعٍ ; ضَرُورَةَ صِدْقِهِ عَلَى اللَّازِمِ الْبَيِّنِ لِلْجِنْسِ.
وَهُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ اللَّازِمَ الْبَيِّنَ لِلْجِنْسِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فَهْمُهُ قَبْلَ فَهْمِ النَّوْعِ، وَلَا مَعَهُ. وَتَقُدُّمُ فَهْمِ الْجِنْسِ عَلَى فَهْمِ النَّوْعِ لَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ فَهْمِ لَازِمِهِ الْقَرِيبِ عَلَيْهِ.
ش - أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ فَهْمَ الذَّاتِ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ فَهْمِ الذَّاتِيِّ، لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ حَدَّانِ ذَاتِيَّانِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ الذَّاتِيَّ لِلشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرُهُ تَصَوُّرَ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ فَإِذَا [تَصَوَّرَ] حَقِيقَةَ الْمَحْدُودِ بِالْحَدِّ الْأَوَّلِ، فَالْحَدُّ الثَّانِي إِنْ كَانَ عَيْنَ الْأَوَّلِ، لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ حَدَّانِ ذَاتِيَّانِ، وَقَدْ فَرَضَ بِخِلَافِهِ. هَذَا خُلْفٌ.
(1/67)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَصَوَّرَ الْمَاهِيَّةَ بِدُونِهِ ; ضَرُورَةَ تَصَوُّرِهَا بِالْحَدِّ الْأَوَّلِ، يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدُّ الثَّانِي ذَاتِيًّا لَهُ ; ضَرُورَةَ فَهْمِ الذَّاتِ بِدُونِهِ. هَذَا خُلْفٌ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَرَّرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الذَّاتِيَّ لَا يُتَصَوَّرُ فَهْمُ الذَّاتِ قَبْلَ فَهْمِهِ، لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ حَدَّانِ ذَاتِيَّانِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ الذَّاتِيَّ مَا يُفِيدُ فَهْمَ الذَّاتِ، وَفَهْمَ الذَّاتِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بَعْدَ فَهْمِ جَمِيعِ ذَاتِيَّاتِهِ.
فَالْحَدُّ الذَّاتِيُّ مَا يَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ وَلَا تَعَدُّدَ لِجَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ.
ش - وَقَدْ يُعَرَّفُ الذَّاتِيُّ بِمَا لَا يُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الذَّاتَ لَا تَحْتَاجُ فِي اتِّصَافِهَا بِالذَّاتِيِّ إِلَى عِلَّةٍ مُغَايِرَةٍ لِعِلَّةِ الذَّاتِ. فَإِنَّ السَّوَادَ لَوْنٌ لِذَاتِهِ، لَا لِشَيْءٍ آخَرَ جَعَلَهُ لَوْنًا.
وَقَدْ يُعْرَّفُ الذَّاتِيُّ - أَيْضًا - بِالتَّرْتِيبِ الْعَقْلِيِّ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الذَّاتِ فِي الْوُجُودَيْنِ. أَعْنِي: الْخَارِجِيَّ وَالذِّهْنِيَّ. وَكَذَا فِي الْعَدَمَيْنِ، أَيْ مَتَى وُجِدَ الذَّاتُ بِأَحَدِ الْوُجُودَيْنِ يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ الذَّاتِيَّ وُجِدَ قَبْلَهَا، وَمَتَى عُدِمَتْ بِأَحَدِ الْعَدَمَيْنِ يَحْكُمُ بِأَنَّ الذَّاتِيَّ عُدِمَ قَبْلَهَا. لَكِنَّ التَّقْدِيمَ فِي جَانِبِ الْوُجُودِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ إِنَّمَا يُوجَدُ إِذَا وُجِدَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ.
(1/68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَفِي جَانِبِ الْعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْكُلَّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ وَاحِدٍ. وَلَوْ فُسِّرَ التَّرْتِيبُ بِتَرَتُّبِ تَعَقُّلِ الذَّاتِيِّ عَلَى تَعَقُّلِ الشَّيْءِ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ، لَمْ يَسْتَقِمْ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الذَّاتِيُّ مُتَأَخِّرًا فِي التَّعَقُّلِ عَنِ الشَّيْءِ ; لِأَنَّ [التَّرْتِيبَ] يَقْتَضِي التَّأَخُّرَ. وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ تَعَقُّلَ الذَّاتِ يَمْتَنِعُ قَبْلَ تَعَقُّلِ الذَّاتِيِّ.
ش - لَمَّا فَسَّرَ الذَّاتِيَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ انْحِصَارَهُ فِي الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَالنَّوْعِ.
اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً هُوَ بِهَا هُوَ. وَهِيَ مُغَايِرَةٌ لِجَمِيعِ مَا عَدَاهَا، لَازِمًا كَانَ أَوْ مُفَارِقًا. وَيُسَمِّي تِلْكَ الْحَقِيقَةَ: الْمَاهِيَّةَ.
وَسُؤَالُ السَّائِلِ " بِمَا هُوَ "؟ - بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ كُلُّ لُغَةٍ - هُوَ: طَلَبُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ. فَوَجَبَ أَنْ يُجَابَ بِتَمَامِ الْمَاهِيَّةِ، لِيَكُونَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ.
(1/69)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَتَمَامُ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ هُوَ الْمَقُولُ فِي جَوَابِ " مَا هُوَ ". كَالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ الْمَقُولِ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ بِمَا هُوَ، عَنِ الْإِنْسَانِ.
وَتَمَامُ جُزْءِ الْمَاهِيَّةِ الْمُشْتَرَكِ هُوَ: الْجِنْسُ. كَالْحَيَوَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ تَمَامُ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ.
وَتَمَامُ الْجُزْءِ الْمُمَيِّزِ لَهَا - كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ - هُوَ: الْفَصْلُ.
وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّ الذَّاتِيَّ إِمَّا تَمَامُ الْمَاهِيَّةِ أَوْ دَاخِلٌ فِيهَا. [وَالْأَوَّلُ] هُوَ الْمَقُولُ فِي جَوَابِ مَا هُوَ.
وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَمَامَ الذَّاتِيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ هُوَ: الْجِنْسُ. وَالثَّانِي هُوَ: الْفَصْلُ، سَوَاءٌ اخْتَصَّ بِهَا أَوْ لَمْ يَخْتَصَّ.
أَمَّا إِذَا اخْتَصَّ بِهَا فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهَا فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ جُزْءًا لِجَمِيعِ الْمَاهِيَّاتِ، وَإِلَّا لَانْتَفَى الْبَسَائِطُ، فَيَكُونُ جُزْءًا لِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، فَيُمَيِّزُهَا عَمَّا لَا يَكُونُ جُزْءًا لَهُ فَيَكُونُ فَصْلًا.
فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَنْحَصِرِ [الْجُزْءُ]
(1/70)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فِي الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ ; لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مَاهِيَّةً مُرَكَّبَةً مِنْ أَمْرَيْنِ أَوْ أُمُورٍ مُتَسَاوِيَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا جِنْسًا وَلَا فَصْلًا ; ضَرُورَةَ عَدَمِ اشْتِرَاكِهِ وَعَدَمِ كَوْنِهِ تَمَامَ الْجُزْءِ الْمُمَيِّزِ.
أُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوُجُودِ، وَمُخَالِفٌ لِأُصُولِ الْقُدَمَاءِ. وَلَنَا بُرْهَانٌ دَالٌّ عَلَى امْتِنَاعِهِ لَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِهَذَا الْكِتَابِ.
وَالْمُرَكَّبُ مِنَ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ: [النَّوْعُ] أَعْنِي الْإِضَافِيَّ. وَقِيلَ: يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ الْمُطْلَقَ. وَهُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ النَّوْعَ يُطْلَقُ عَلَى الْإِضَافِيِّ وَالْحَقِيقِيِّ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، لَا الْمَعْنَوِيِّ، حَتَّى يُقَالَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا النَّوْعُ الْمُطْلَقُ.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمُطْلَقِ غَيْرُ مَا فَهِمْنَا مِنْهُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اصْطِلَاحًا جَدِيدًا.
[الجنس والفصل والنوع]
ش - لَمَّا ذَكَرَ الْجِنْسَ وَالنَّوْعَ، أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ رَسْمَهَمَا. فَقَوْلُهُ: " مَا اشْتَمَلَ " أَيْ مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ، اشْتَمَلَ عَلَى مُخْتَلِفٍ بِالْحَقِيقَةِ.
فَبِقَوْلِهِ: فِي جَوَابِ مَا هُوَ، خَرَجَ الْفَصْلُ وَالْخَاصَّةُ وَالْعَرَضُ الْعَامُّ ; لِأَنَّ شَيْئًا مِنْهَا غَيْرُ مَقُولٍ فِي جَوَابِ مَا هُوَ.
وَبِقَوْلِهِ: " بِالْحَقِيقَةِ " خَرَجَ النَّوْعُ ; لِأَنَّهُ مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ، مُشْتَمِلٌ عَلَى مُخْتَلِفٍ بِالْعَدَدِ لَا بِالْحَقِيقَةِ.
وَكُلُّ مِنَ الْمُخْتَلِفِ الَّذِي يُقَالُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ الْجِنْسُ فِي جَوَابِ مَا هُوَ: النَّوْعُ، يَعْنِي الْإِضَافِيَّ. وَاللَّامُ فِي " الْمُخْتَلِفِ " لِلْعَهْدِ. وَالْمَعْهُودُ قَوْلُهُ " مُخْتَلِفٌ بِالْحَقِيقَةِ ".
فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْفَصْلُ وَالْخَاصَّةُ وَالْعَرَضُ الْعَامُّ ; لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يُقَالُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فِي جَوَابِ مَا هُوَ إِلَّا أَنَّهُ يُشَكَّلُ بِالصِّنْفِ وَالشَّخْصِ ; فَإِنَّ الْجِنْسَ مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ عَلَى أَصْنَافِ الْأَنْوَاعِ وَأَشْخَاصِهَا.
(1/71)

وَيُطْلَقُ النَّوْعُ عَلَى ذِي آحَادٍ مُتَّفِقَةِ الْحَقِيقَةِ. فَالْجِنْسُ [الْوَسَطُ] نَوْعٌ بِالْأَوَّلِ لَا الثَّانِي. وَالْبَسَائِطُ بِالْعَكْسِ.
ص - وَالْعَرَضِيُّ بِخِلَافِهِ. وَهُوَ لَازِمٌ وَعَارِضٌ.
فَاللَّازِمُ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ مُفَارَقَتُهُ. وَهُوَ لَازِمٌ لِلْمَاهِيَّةِ بَعْدَ فَهْمِهَا كَالْفَرْدِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ.
وَلَازِمٌ [فِي الْوُجُودِ] خَاصَّةً، كَالْحُدُوثِ لِلْجِسْمِ وَالظِّلِّ لَهُ.
وَالْعَارِضُ بِخِلَافِهِ وَقَدْ لَا يَزُولُ، كَسَوَادِ الْغُرَابِ وَالزِّنْجِيِّ. وَقَدْ يَزُولُ، كَصُفْرَةِ الذَّهَبِ.
ص - وَصُورَةُ الْحَدِّ: الْجِنْسُ الْأَقْرَبُ ثُمَّ الْفَصْلُ.
ص - وَخَلَلُ ذَلِكَ: نَقْصٌ.
ص - وَخَلَلُ الْمَادَّةِ: خَطَأٌ وَنَقْصٌ.
ص - فَالْخَطَأُ: كَجَعْلِ الْمَوْجُودِ وَالْوَاحِدِ، جِنْسًا. وَكَجَعْلِ الْعَرَضِيِّ الْخَاصِّ بِنَوْعٍ فَصْلًا. فَلَا يَنْعَكِسُ. وَكَتَرْكِ بَعْضِ الْفُصُولِ فَلَا يَطَّرِدُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/72)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقِيلَ: اللَّامُ فِي " الْمُخْتَلِفِ " لِلْعَهْدِ، أَيِ الْمُخْتَلِفِ لِذَاتِهِ بِالْحَقِيقَةِ. فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ بِالشَّخْصِ وَالصِّنْفِ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ الشَّخْصِ وَالصِّنْفِ بِالْحَقِيقَةِ، لَا لِذَاتِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ النَّوْعِ.
وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مُخْتَلِفٌ بِالْحَقِيقَةِ، لَا مُخْتَلِفٌ بِالْحَقِيقَةِ لِذَاتِهِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ [عَنِ] الْإِشْكَالِ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْحَقِيقَةِ فِي قَوْلِهِ: " مُخْتَلِفٌ بِالْحَقِيقَةِ ": الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْعَوَارِضِ اللَّاحِقَةِ بِهَا الْمُصَنِّفَةِ أَوِ الْمُشَخِّصَةِ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: بِـ " الْحَقِيقَةِ " يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى. وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْهُ الصِّنْفُ وَالشَّخْصُ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا بِالْعَوَارِضِ.
وَالنَّوْعُ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَيُسَمَّى نَوْعًا حَقِيقِيًّا، وَهُوَ ذُو آحَادٍ، أَيْ مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ: ذُو آحَادٍ مُتَّفِقَةٍ بِالْحَقِيقَةِ.
فَبِقَوْلِهِ: " فِي جَوَابِ مَا هُوَ " خَرَجَ الْفَصْلُ وَالْخَاصَّةُ، وَالْعَرَضُ الْعَامُّ. وَبِقَوْلِهِ: " مُتَّفِقَةً بِالْحَقِيقَةِ " خَرَجَ الْجِنْسُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجِنْسَ الْوَسَطَ، كَالْجِسْمِ النَّامِي، نَوْعٌ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ فَوْقَهُ جِنْسٌ يُقَالُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فِي جَوَابِ مَا هُوَ. وَلَا يَكُونُ
(1/73)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
نَوْعًا بِالْمَعْنَى الثَّانِي ; ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مَقُولًا فِي جَوَابِ مَا هُوَ عَلَى مُخْتَلِفَةٍ بِالْحَقِيقَةِ، وَهِيَ الْأَنْوَاعُ الْمُنْدَرِجَةُ تَحْتَهُ.
وَالْبَسَائِطُ، أَعْنِي الْمَاهِيَّاتِ الَّتِي لَا جُزْءَ لَهَا، كَالْوَحْدَةِ وَالنُّقْطَةِ، بِالْعَكْسِ [أَيْ] تَكُونُ نَوْعًا بِالْمَعْنَى الثَّانِي ; ضَرُورَةَ كَوْنِهَا مَقُولَةً فِي جَوَابِ مَا هُوَ، عَلَى الْمُتَّفِقَةِ [بِالْحَقِيقَةِ] الَّتِي هِيَ أَفْرَادُهَا. وَلَا تَكُونُ نَوْعًا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ ; ضَرُورَةَ عَدَمِ انْدِرَاجِهَا تَحْتَ جِنْسٍ. وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بَسَائِطُ.
(1/74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[العرضي]
ش - الْعَرَضِيُّ بِخِلَافِ الذَّاتِيِّ، وَهُوَ: مَا يُمْكِنُ فَهْمُ الذَّاتِ قَبْلَ فَهْمِهِ. وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى لَازِمٍ وَعَارِضٍ ; لِأَنَّهُ [إِنْ] لَمْ يُمْكِنْ مُفَارَقَتُهُ عَنِ الشَّيْءِ، فَهُوَ: اللَّازِمُ، وَإِلَّا فَهُوَ: الْعَارِضُ.
قَوْلُهُ: " فَاللَّازِمُ مَا لَا يُتَصَوَّرُ مُفَارَقَتُهُ " أَيْ لَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُ.
وَاللَّازِمُ قِسْمَانِ: لَازِمٌ لِلْمَاهِيَّةِ بَعْدَ فَهْمِهَا، أَيْ يَلْزَمُ فَهْمُهُ بَعْدَ فَهْمِ الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، كَالْفَرْدِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ، وَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ ; فَإِنَّهُ يَلْزَمُ فَهْمُ الْفَرْدِيَّةِ بَعْدَ فَهْمِ مَاهِيَّةِ الثَّلَاثَةِ وَكَذَا الزَّوْجِيَّةُ لِلْأَرْبَعَةِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " بَعْدَ فَهْمِهَا " لِيُخْرِجَ عَنْهُ الذَّاتِيَّ، وَإِنْ كَانَ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ; لِأَنَّهُ خَرَجَ بِقَيْدِ الْعَرَضِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ بِقَوْلِهِ: " بَعْدَ فَهْمِهَا " لَازِمُ الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ; فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ فَهْمُهُ بَعْدَ فَهْمِهَا.
وَلَازِمٌ فِي الْوُجُودِ، أَيْ يَلْزَمُ الْمَاهِيَّةَ فِي الْوُجُودِ، وَلَا يَلْزَمُهَا فِي الْفَهْمِ وَالتَّصَوُّرِ. وَلِهَذَا قَالَ: " خَاصَّةً، كَالْحُدُوثِ لِلْجِسْمِ " ; فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي الْوُجُودِ، وَلَا يَلْزَمُ فَهْمُهُ بَعْدَ فَهْمِ [الْجِسْمِ] . وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ فِي حُدُوثِ الْجِسْمِ بَعْدَ تَصَوُّرِهِ.
(1/75)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَالظِّلِّ لِلْجِسْمِ ; فَإِنَّهُ لَازِمٌ لِمَاهِيَّةِ الْجِسْمِ فِي الْوُجُودِ، لَا فِي الْفَهْمِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمِثَالَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَازِمٌ لِلْجِسْمِ فِي الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَرْطٍ. وَالثَّانِي لَازِمٌ لَهُ فِي الْوُجُودِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كَثِيفًا مُقَابِلًا لِلْمُضِيءِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ لَكَانَ عَرَضِيًّا مُفَارِقًا.، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْعَرَضِيُّ بِاعْتِبَارٍ لَازِمًا وَبِدُونِهِ مُفَارِقًا، بِخِلَافِ اللَّازِمِ وَهُوَ مَا يُمْكِنُ مُفَارَقَتُهُ عَنِ الشَّيْءِ، وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ أَبَدًا ; لِأَنَّ دَوَامَ الثُّبُوتِ لَا يُنَافِي إِمْكَانَ السَّلْبِ.
وَالْعَرَضِيُّ الْمُفَارِقُ قَدْ لَا يَزُولُ، [سَوَاءٌ عَرَضَ بَعْدَ وُجُودِ] الْمَعْرُوضِ، كَسَوَادِ الْغُرَابِ، أَوْ مَعَ وُجُودِهِ، كَسَوَادِ الزِّنْجِيِّ. وَقَدْ يَزُولُ، كَصُفْرَةِ الذَّهَبِ.
[صُورَةُ الْحَد]
ش - لَمَّا كَانَ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ مُرَكَّبًا مِنَ الذَّاتِيَّاتِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ لَهُ مَادَّةٌ وَصُورَةٌ، أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى مَادَّةِ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ وَصُورَتِهِ.
وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ الصُّورَةِ مُسْتَلْزِمًا لِذِكْرِ الْمَادَّةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، خَصَّ الصُّورَةَ بِالْقَصْدِ، فَقَالَ: " وَصُورَةُ الْحَدِّ " أَيِ الْحَقِيقِيِّ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودُ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ: الْجِنْسُ الْأَقْرَبُ ثُمَّ الْفَصْلُ.
(1/76)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْهَيْئَةَ الْحَاصِلَةَ بِسَبَبِ وَضْعِ الْجِنْسِ الْأَقْرَبِ أَوَّلًا ثُمَّ الْفَصْلِ ثَانِيًا، هِيَ صُورَةُ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوضَعْ كَذَلِكَ، لَمْ يَحْصُلْ لِلْحَدِّ صُورَةٌ وَحْدَانِيَّةٌ مُطَابِقَةٌ لِلْمَحْدُودِ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ.
وَتَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَادَّةَ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ: الْجِنْسُ الْأَقْرَبُ وَالْفَصْلُ. وَإِنَّمَا اخْتَارَ لَفْظَ " ثُمَّ " عَلَى الْفَاءِ ; لِأَنَّهُ يُفِيدُ تَأَخُّرَ الْفَصْلِ عَلَى الْجِنْسِ بِلَا لُزُومٍ ; لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَأَخِّرُ مُتَخَلِّفًا عَنِ الْمُقَدَّمِ بِخِلَافِ الْفَاءِ، فَإِنَّهُ لِلتَّعْقِيبِ. فَلَوْ أُتِيَ بِهِ بَدَلَ " ثُمَّ " لَكَانَ مُشْعِرًا بِعَدَمِ تَخَلُّفِ الْفَصْلِ عَنِ الْجِنْسِ. وَالْوَاقِعُ بِخِلَافِهِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ صُورَةَ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ وَمَادَّتَهُ أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى خَلَلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَبَدَأَ بِخَلَلِ الصُّورَةِ; لِأَنَّ الصُّورَةَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَحْدُودِ مِنَ الْمَادَّةِ.
[خلل الحد]
ش - أَيْ وَخَلَلُ الْجُزْءِ الصُّورِيِّ مِنَ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ يُوضَعَ الْفَصْلُ أَوَّلًا، نَقْصٌ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَحْصُلْ لِلْأَجْزَاءِ صُورَةٌ وَحْدَانِيَّةٌ مُطَابِقَةٌ لِلْمَحْدُودِ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ. لَكِنْ لَا يَكُونُ خَطَأً لِأَنَّ الْحُدُودَ النَّاقِصَةَ صَحِيحَةٌ لِتَمْيِيزِهِ لِلْمَحْدُودِ عَنْ غَيْرِهِ تَمْيِيزًا ذَاتِيًّا.
(1/77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - أَيْ خَلَلُ مَادَّةِ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ قِسْمَانِ: لِأَنَّهُ إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَهُوَ خَطَأٌ أَوْ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَهُوَ نَقْصٌ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْخَطَأَ عَلَى أَنْوَاعٍ: مِنْهَا: أَنْ يُجْعَلَ الْعَرَضُ الْعَامُّ جِنْسًا، كَجَعْلِ الْمَوْجُودِ وَالْوَاحِدِ، جِنْسًا لِلْإِنْسَانِ. فَيُقَالُ: الْإِنْسَانُ مَوْجُودٌ نَاطِقٌ أَوْ وَاحِدٌ نَاطِقٌ.
وَمِنْهَا: أَنْ تُجْعَلَ الْخَاصَّةُ الْمُفَارِقَةُ مَكَانَ الْفَصْلِ، كَمَا يُقَالُ فِي تَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ: إِنَّهُ الْحَيَوَانُ الْكَاتِبُ ; فَإِنَّ الْكَاتِبَ عَرَضِيٌّ خَاصٌّ بِنَوْعِ الْإِنْسَانِ، وَقَدْ جُعِلَ فَصْلًا لَهُ، فَلَا يَنْعَكِسُ الْحَدُّ ; لِوُجُودِ الْمَحْدُودِ بِدُونِهِ ; ضَرُورَةَ وُجُودِ الشَّيْءِ بِدُونِ خَاصَّتِهِ الْمُفَارِقَةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْفُصُولِ كَتَرْكِ الْمَايِتِ فِي حَدِّ الْإِنْسَانِ، عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ النَّاطِقَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْمَلَائِكَةِ، فَلَا يَطَّرِدُ الْحَدُّ ; ضَرُورَةَ وُجُودِ الْحَدِّ بِدُونِ الْمَحْدُودِ فِي الْمَلَائِكَةِ.
وَخَلَلُ الْأَمْثِلَةِ الثَّلَاثَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَادَّةِ ; إِذْ وُضِعَ الْعَامُّ ثُمَّ قُيِّدَ بِالْخَاصِّ فَوَقَّعَ الصُّورَةَ غَيْرَ مُخْتَلَّةٍ، فَلَا يَكُونُ الْخَلَلُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْمَادَّةِ.
ش - مِنْ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ: تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، أَيْ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَى نَفْسِ الْمَحْدُودِ، كَمَا فِي الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ; فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْإِنْسَانِ وَالْحَرَكَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْبِشْرِ وَالنَّقْلَةِ، وَهُمَا نَفْسُ الْإِنْسَانِ وَالْحَرَكَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمِثَالَيْنِ أَنَّ الْمَحْدُودَ فِي الْأَوَّلِ عَرَضٌ وَفِي الثَّانِي جَوْهَرٌ.
وَإِنَّمَا اخْتُصَّ الْخَلَلُ فِيهِمَا بِالْمَادَّةِ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ فِيهِمَا نَفْسَ الشَّيْءِ مَكَانَ الْفَصْلِ.
ش - وَمِنْ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ أَخْذُ نَوْعِ الشَّيْءِ أَوْ جُزْئِهِ الْغَيْرِ الْمَحْمُولِ] 3) . مَكَانَ جِنْسِهِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: قَوْلُنَا: الشَّرُّ ظُلْمُ النَّاسِ ; فَإِنَّ الظُّلْمَ نَوْعٌ مِنَ الشَّرِّ أَخَذَ مَكَانَ جِنْسِهِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: قَوْلُنَا: الْعَشْرَةُ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ ;َ فَإِنَّ الْخَمْسَةَ غَيْرُ مَحْمُولَةٍ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَقَدْ أَخَذَتْ مَكَانَ جِنْسِهَا.
(1/78)

ص - وَكَتَعْرِيفِهِ بِنَفْسِهِ، مِثْلَ: الْحَرَكَةُ: عَرَضُ نَقْلَةٍ، وَالْإِنْسَانُ: حَيَوَانٌ بَشَرٌ.
ص - وَكَجَعْلِ النَّوْعِ وَالْجُزْءِ جِنْسًا، مِثْلَ: الشَّرُّ: ظُلْمُ النَّاسِ، وَالْعَشَرَةُ: خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ.
ص - وَيَخْتَصُّ الرَّسْمِيُّ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ، لَا بِخَفِيٍّ مِثْلِهِ، وَلَا أَخْفَى، وَلَا بِمَا تَتَوَقَّفُ عَقْلِيَّتُهُ عَلَيْهِ. مِثْلَ: الزَّوْجُ: عَدَدٌ يَزِيدُ عَلَى الْفَرْدِ بِوَاحِدٍ. وَبِالْعَكْسِ، فَإِنَّهُمَا [مُتَسَاوِيَانِ] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/79)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْخَلَلُ فِي الْمِثَالَيْنِ إِنَّمَا اخْتُصَّ بِالْمَادَّةِ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ فِيهِمَا غَيْرُ الْجِنْسِ مَكَانَهُ.
قِيلَ: الْخَطَأُ فِي الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ كَمَا يَقَعُ فِي الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ، فَقَدْ يَقَعُ فِي الْحَدِّ الرَّسْمِيِّ الْمُرَكَّبِ مِنَ الْعَرَضِيَّاتِ الصِّرْفَةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْحَدَّ الرَّسْمِيَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْعَرَضِيَّاتِ الصِّرْفَةِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ جِنْسٌ وَلَا فَصْلٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُوجِدَ غَيْرُهُمَا مَكَانَهُمَا؟ .
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْحَدُّ الرَّسْمِيُّ عَلَى الْوَجْهِ [الَّذِي] اعْتَبَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَنَاوِلًا لِلْحُدُودِ النَّاقِصَةِ كَمَا مَرَّ. وَالْحُدُودُ النَّاقِصَةُ جَازَ أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الْخَطَأُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِّ الرَّسْمِيِّ. وَالْمَذْكُورُ عَقِيبُ الرَّسْمِيِّ يَخْتَصُّ بِهِ ; إِذْ لَا مَدْخَلَ لَلْخَفَا وَالتَّوَقُّفِ فِي الذَّاتِيِّ.
[اختصاص الرَّسْمِيُّ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ]
ش - اللَّامُ فِي " اللَّازِمِ " لِلْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودُ: اللَّازِمُ الْمُخْتَصُّ، أَيْ وَيَخْتَصُّ الْحَدُّ الرَّسْمِيُّ بِاللَّازِمِ الْمُخْتَصِّ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَجَازَ صِدْقُ الْمَحْدُودِ بِدُونِهِ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا، لَجَازَ صِدْقُهُ بِدُونِ الْمَحْدُودِ، فَيَلْزَمُ الِاطِّرَادُ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا لَمْ يُفِدْ ; لِأَنَّ الْمُسَاوِيَ فِي الظُّهُورِ وَالْخَفَا، عِنْدَ الْعَقْلِ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْرِيفِ ; لِامْتِنَاعِ التَّرْجِيحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
وَكَذَا الْأَخْفَى ; لِامْتِنَاعِ تَرْجِيحِ الْمَرْجُوحِ. وَكَذَا مَا يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُهُ عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ ; لِامْتِنَاعِ تَوَقُّفِ الشَّيْءِ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
مِثَالُ تَعْرِيفِ الشَّيْءِ بِمَا يُسَاوِيهِ فِي الظُّهُورِ وَالْخَفَا قَوْلُنَا: الزَّوْجُ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلَى الْفَرْدِ بِوَاحِدٍ. فَقَدْ عُرِفَ الزَّوْجُ بِالْفَرْدِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ عِنْدَ الْعَقْلِ فِي الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ.
قَوْلُهُ: " وَبِالْعَكْسِ " أَيْ مِثْلَ: الْفَرْدُ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلَى الزَّوْجِ بِوَاحِدٍ.
وَمِثَالُ تَعْرِيفِ الشَّيْءِ بِالْأَخْفَى قَوْلُنَا: النَّارُ جِسْمٌ كَالنَّفْسِ ; فَإِنَّ النَّفْسَ أَخْفَى مِنَ النَّارِ عِنْدَ الْعَقْلِ.
(1/80)

وَمِثْلَ: النَّارُ: جِسْمٌ كَالنَّفْسِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَخْفَى. وَمِثْلَ: الشَّمْسُ: كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ، فَإِنَّ النَّهَارَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّمْسِ.
ص - وَالنَّقْصُ، كَاسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَجَازِيَّةِ.
ص - وَلَا يَحْصُلُ الْحَدُّ بِالْبُرْهَانِ لِأَنَّهُ وَسَطٌ يَسْتَلْزِمُ حُكْمًا عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قُدِّرَ فِي الْحَدِّ لَكَانَ مُسْتَلْزِمًا عَيْنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ.
ص - وَلِأَنَّ الدَّلِيلَ يَسْتَلْزِمُ تَعَقُّلَ مَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ. فَلَوْ دَلَّ عَلَيْهِ - لَزِمَ الدَّوْرُ.
ص - فَإِنْ قِيلَ: فَمِثْلُهُ فِي التَّصْدِيقِ.
ص - قُلْنَا: دَلِيلُ التَّصْدِيقِ عَلَى حُصُولِ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا لَا عَلَى تَعَقُّلِهَا.
ص - وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُمْنَعِ الْحَدُّ.
ص - وَلَكِنْ يُعَارَضُ وَيُبْطَلُ بِخَلَلِهِ.
ص - أَمَّا إِذَا قِيلَ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَقُصِدَ مَدْلُولُهُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا - فَدَلِيلُهُ النَّقْلُ بِخِلَافِ تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ.
ص - وَيُسَمَّى كُلُّ تَصْدِيقٍ: قَضِيَّةً، وَتُسَمَّى فِي الْبُرْهَانِ: مُقَدِّمَاتٍ.
ص -[وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِيهَا] إِمَّا جُزْئِيًّا مُعَيَّنًا أَوْ لَا. صَارَتْ أَرْبَعَةً: شَخْصِيَّةً، وَجُزْئِيَّةً مَحْصُورَةً، وَكُلِّيَّةً، وَمُهْمَلَةً. كُلٌّ مِنْهَا مُوجَبَةٌ وَسَالِبَةٌ. وَالْمُتَحَقِّقُ فِي الْمُهْمَلَةِ الْجُزْئِيَّةِ فَأُهْمِلَتْ.
ص - وَمُقَدِّمَاتُ الْبُرْهَانِ قَطْعِيَّةٌ [لِتُنْتِجَ قَطْعِيًّا] ; لِأَنَّ لَازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ. وَتَنْتَهِي إِلَى ضَرُورِيَّةٍ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ.
ص - وَأَمَّا الْأَمَارَاتُ - فَظَنِّيَّةٌ أَوِ اعْتِقَادِيَّةٌ، إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ ; إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الظَّنِّ وَالِاعْتِقَادِ وَبَيْنَ أَمْرٍ، رَبْطٌ عَقْلِيٌّ ; لِزَوَالِهِمَا مَعَ قِيَامِ مُوجِبِهِمَا.
ص - وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ فِي الْمُقَدَّمَتَيْنِ أَنَّ الصُّغْرَى خُصُوصٌ وَالْكُبْرَى عُمُومٌ، فَيَجِبُ الِانْدِرَاجُ فَيَلْتَقِي مَوْضُوعُ الصُّغْرَى وَمَحْمُولُ الْكُبْرَى. وَقَدْ تُحْذَفَ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهَا.
ص - وَالضَّرُورِيَّاتُ، مِنْهَا: الْمُشَاهَدَاتُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى عَقْلٍ، كَالْجُوعِ وَالْأَلَمِ.
وَمِنْهَا: الْأَوَّلِيَّاتُ، وَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ، كَعِلْمِكَ بِوُجُودِكَ، وَأَنَّ النَّقِيضَيْنِ يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا.
وَمِنْهَا: الْمَحْسُوسَاتُ، وَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِالْحِسِّ.
وَمِنْهَا [التَّجْرِيبِيَّاتُ] وَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِالْعَادَةِ، كَإِسْهَالِ الْمُسْهِلِ وَالْإِسْكَارِ.
وَمِنْهَا: الْمُتَوَاتِرَاتُ، وَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِالْأَخْبَارِ تَوَاتُرًا، كَبَغْدَادَ وَمَكَّةَ.
ص -[وَ] صُورَةُ الْبُرْهَانِ اقْتِرَانِيٌّ [وَ] اسْتِثْنَائِيٌّ. فَالِاقْتِرَانِيُّ: مَا لَا يُذْكَرُ اللَّازِمُ وَلَا نَقِيضُهُ فِيهِ بِالْفِعْلِ. وَالِاسْتِثْنَائِيُّ: نَقِيضُهُ.
ص - وَالْأَوَّلُ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَلَا تَقْسِيمٍ. وَيُسَمَّى الْمُبْتَدَأُ فِيهِ: " مَوْضُوعًا " وَالْخَبَرُ: " مَحْمُولًا " - وَهِيَ الْحُدُودُ - وَالْوَسَطُ: الْحَدُّ الْمُتَكَرِّرُ. وَمَوْضُوعُهُ: " الْأَصْغَرُ "
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/81)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمِثَالُ تَعْرِيفِ الشَّيْءِ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَقْلِيَّتُهُ عَلَى الشَّيْءِ قَوْلُنَا: الشَّمْسُ كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ. فَإِنَّهُ عَرَّفَ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَالنَّهَارُ يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُهُ عَلَى تَعَقُّلِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّ النَّهَارَ عِبَارَةٌ عَنْ وَقْتِ ظُهُورِ الشَّمْسِ فَوْقَ الْأُفُقِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَرْدَأُ مِمَّا قَبْلَهُ، فَلِهَذَا أَخَّرَهُ عَنْهُ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ النَّقْص - وَهُوَ الْخَلَلُ فِي الْمَادَّةِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ -[إِنَّمَا يَكُونُ] بِاسْتِعْمَالِ أَلْفَاظٍ غَرِيبَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّامِعِ كَتَعْرِيفِ الْخَلْقِ بِالدِّيدَانِ مَثَلًا، أَوْ أَلْفَاظٍ مُشْتَرَكَةٍ، نَحْوَ: الشَّمْسُ عَيْنٌ، أَوْ مَجَازِيَّةٍ، نَحْوَ: الطَّوَافُ صَلَاةٌ.
وَإِنَّمَا أَخَّرَ النَّقْصَ اللَّفْظِيَّ عَنِ الْخَطَأِ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى النَّقْصِ [الصُّورِيِّ] ; لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِقِسْمَيِ الْحَقِيقِيِّ وَالرَّسْمِيِّ، وَمِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى.
(1/82)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[حصول الْحَدُّ بِالْبُرْهَانِ]
ش - أَيْ لَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ ; لِأَنَّ الْبُرْهَانَ وَسَطٌ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قُدِّرَ الْبُرْهَانُ فِي الْحَدِّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ، أَيْ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ عَيْنِ الْمَحْدُودِ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّ الْبُرْهَانَ إِذَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ الْحَدِّ الَّذِي هُوَ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْمَحْدُودِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمَحْدُودُ، لَكَانَ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ.
لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ بِوَاسِطَةِ أَجْزَائِهِ لَهُ. فَمَا يَكُونُ عِلَّةً لِثُبُوتِ أَجْزَاءِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ يَكُونُ عِلَّةً لِثُبُوتِهِ لَهُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتَوَقَّفَ ثُبُوتُ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ وَثُبُوتُ أَجْوَائِهِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ وَثُبُوتِ أَجْزَائِهِ لَهُ لَا يَتَوَقَّفُ إِلَّا عَلَى تَصَوُّرِهِ وَتَصَوُّرِ أَجْزَائِهِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْبُرْهَانُ وَسَطًا ; لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاسِطَةُ لِلْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي النَّتِيجَةِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ: إِنَّ الْحَدَّ لَيْسَ نَفْسَ الْمَحْدُودِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يَحْصُلُ بِالدَّلِيلِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَعَقُّلَ مَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَدِلُّ عَلَيْهِ هُوَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ
(1/83)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَوْقُوفًا عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ وَالْحَدِّ، وَالْحُكْمِ بِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
فَلَوْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ لَكَانَ ثُبُوتُ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ مَوْقُوفًا عَلَى الدَّلِيلِ، وَتَعَقُّلُ الْمَحْدُودِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ ; ضَرُورَةَ اسْتِفَادَةِ تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ مِنْ ثُبُوتِ الْحَدِّ. فَيَكُونُ تَعَقُّلُ الْمَحْدُودِ مَوْقُوفًا عَلَى الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَقُّلِهِ ; فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الدَّوْرِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ بِاعْتِبَارٍ مَا، لَا عَلَى تَعَقُّلِ حَقِيقَتِهِ، وَتَعَقُّلُ حَقِيقَةِ الْمَحْدُودِ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ، فَلَا يَكُونُ دَوْرًا.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُثْبَتَ بِالدَّلِيلِ بِثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَدٌّ لَهُ فَيَجِبُ تَصَوُّرُهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَتَصَوُّرُهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يُوجِبُ تَصَوُّرَ الْمَحْدُودِ بِحَقِيقَتِهِ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَوْقُوفًا عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ بِحَقِيقَتِهِ ; فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
ش - هَذَا نَقْضٌ إِجْمَالِيٌّ لِلدَّلِيلِ الثَّانِي. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ عَلَى امْتِنَاعِ اكْتِسَابِ الْحَدِّ بِالدَّلِيلِ، مِثْلُهُ فِي التَّصْدِيقِ جَارٍ فِي بَيَانِ اكْتِسَابِهِ بِالدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى التَّصْدِيقِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِ التَّصْدِيقِ. فَلَوْ كَانَ التَّصْدِيقُ مُسْتَفَادًا
(1/84)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنَ الدَّلِيلِ لَزِمَ الدَّوْرُ. فَلَوْ صَحَّ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ لَزِمَ امْتِنَاعُ حُصُولِ التَّصْدِيقِ بِالدَّلِيلِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
ش - أَجَابَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ جَارٍ فِي التَّصْدِيقِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى التَّصْدِيقِ يُوقَفُ عَلَى تَعَقُّلِ التَّصْدِيقِ، فَلَوْ كَانَ التَّصْدِيقُ مُسْتَفَادًا مِنْهُ لَزِمَ الدَّوْرُ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لَوْ كَانَ التَّصْدِيقُ مُسْتَفَادًا مِنَ الدَّلِيلِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلِيلَ التَّصْدِيقِ عَلَى ثُبُوتِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا، أَعْنِي الْحُكْمَ الْإِيجَابِيَّ أَوِ السَّلْبِيَّ، لَا عَلَى تَعَقُّلِ النِّسْبَةِ الْإِيجَابِيَّةِ أَوِ السَّلْبِيَّةِ. فَيَكُونُ ثُبُوتُ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيُهَا مَوْقُوفًا عَلَى الدَّلِيلِ، لَا عَلَى تَعَقُّلِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَقُّلِهَا لَا عَلَى ثُبُوتِهَا فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
بِخِلَافِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ ; فَإِنَّ الدَّلِيلَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ، وَتَعَقُّلَ الْمَحْدُودِ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ فَيَكُونُ دَوْرًا.
ش - أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَحْصُلُ بِالدَّلِيلِ، لَا يَجُوزُ أَنْ
(1/85)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يُمْنَعَ الْحَدُّ بِأَنْ يُقَالَ: لِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ مَثَلًا، وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَى الْحَادِّ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ يُشْعِرُ بِطَلَبِ الدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ.
اعْلَمْ أَنَّ " ثَمَّ " وُضِعَ فِي اللُّغَةِ لِلْمَكَانِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ امْتِنَاعُ الدَّلِيلِ عَلَى الْحَدِّ أَصْلًا لِامْتِنَاعِ مَنْعِ الْحَدِّ، وَالْأَصْلُ كَالْمَحَلِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَرْعِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِـ " ثَمَّ " مَجَازًا.
ش - لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَمْنَعُ، أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ طَرِيقَ الْمُنَازَعَةِ [فِيهِ] ، وَهُوَ الْمُعَارَضَةُ أَوْ إِبْطَالُهُ بِإِثْبَاتِ خَلَلِهِ. وَالْمُعَارَضَةُ هِيَ: الْمُقَابَلَةُ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ.
وَفِي الْحَدِّ إِنَّمَا يُمْكِنُ بِإِيرَادِ حَدٍّ آخَرَ رَاجِحٍ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، أَوْ [مُسَاوٍ] لَهُ.
وَالْخَلَلُ إِمَّا فِي طَرْدِهِ أَوْ عَكْسِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْحَدِّ، فَإِثْبَاتُهُ يُبْطِلُ الْحَدَّ.
(1/86)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنِ امْتِنَاعِ تَحْصِيلِ الْحَدِّ بِالدَّلِيلِ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا قُصِدَ بِذِكْرِ الْحَدِّ تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ. أَمَّا إِذَا قُصِدَ بِهِ مَدْلُولُهُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا، كَمَا إِذَا قِيلَ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَقَصَدَ بِذِكْرِ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ أَنَّهُ مَدْلُولُ الْإِنْسَانِ لُغَةً أَوْ شَرْعًا، فَلَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ وَلِهَذَا اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ " أَمَّا ".
وَإِنَّمَا لَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الْحَادَّ حِينَئِذٍ يَدَّعِي بِأَنَّ مَدْلُولَ لَفْظِ الْإِنْسَانِ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ شَرْعًا أَوْ لُغَةً فَيُمْكِنُ إِثْبَاتُ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَوِ الشَّرْعِ أَرَادُوا بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ النَّقْلُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوِ الشَّرْعِ. بِخِلَافِ [تَعْرِيفِ] الْمَاهِيَّةِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْإِنْسَانِ مُتَصَوَّرَةٌ مِنَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ، وَلَا يُمْكِنُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ بَحْثِ التَّصَوُّرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْحُدُودِ وَالذَّاتِيَّاتِ، شَرَعَ فِي التَّصْدِيقِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْعَكْسِ وَالدَّلِيلِ وَالنَّقِيضِ وَالْبُرْهَانِ.
[القضية]
ش - التَّصْدِيقُ الْمُرَكَّبُ الَّذِي يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ يُسَمَّى: قَضِيَّةً. وَيُرَادِفُهَا: الْقَوْلُ الْجَازِمُ، وَالْخَبَرُ.
(1/87)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَتُسَمَّى الْقَضَايَا الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْبُرْهَانِ، أَيِ الْقِيَاسُ: مُقَدِّمَاتٍ ; لِأَنَّ الْمُقَدِّمَةَ قَضِيَّةٌ جُعِلَتْ جُزْءَ قِيَاسٍ.
[قِسْمَةٌ الْقَضِيَّةِ الْحَمْلِيَّةِ]
ش - هَذِهِ قِسْمَةٌ لِلْقَضِيَّةِ الْحَمْلِيَّةِ إِلَى الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَالشَّخْصِيَّةِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ فِيهَا، أَيِ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِي الْقَضِيَّةِ الْحَمْلِيَّةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ جُزْئِيًّا مُعَيَّنًا، أَيْ مُشَخَّصًا - وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْإِضَافِيِّ - أَوْ كُلِّيًّا. وَالْأَوَّلُ تُسَمَّى: " شَخْصِيَّةً ". كَقَوْلِنَا: هَذِهِ الصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ.
وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْكُلِّيُّ مِنَ الْأَفْرَادِ أَوْ عَلَى نَفْسِ الْكُلِّيِّ.
وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَبِينَ فِيهَا أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى كُلِّ الْأَفْرَادِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ.
(1/88)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّ بَيْنَ تُسَمَّى: " جُزْئِيَّةً مَحْصُورَةً " إِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى الْبَعْضِ. وَسُورُهَا - وَهُوَ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى كَمِّيَّةِ أَفْرَادِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ - " بَعْضٌ " وَ " وَاحِدٌ " إِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً كَقَوْلِنَا: [بَعْضُ الْعِبَادَةِ وُضُوءٌ] . وَ " لَيْسَ بَعْضُ " وَ " بَعْضُ لَيْسَ " وَ " لَيْسَ كُلُّ " إِنْ كَانَتْ سَالِبَةً، كَقَوْلِنَا: بَعْضُ الْعِبَادَةِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ.
وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى كُلِّ الْأَفْرَادِ، تُسَمَّى: " قَضِيَّةً كُلِّيَّةً ". وَسُورُهَا " كُلُّ " إِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً، كَقَوْلِنَا: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ.
وَ " لَا شَيْءَ " وَ " لَا وَاحِدَ " وَ " لَيْسَ كُلُّ " إِنْ كَانَتْ سَالِبَةً، كَقَوْلِنَا: لَا شَيْءَ مِنَ الْوُضُوءِ بِعِبَادَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهَا الْحُكْمُ عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْكُلِّيُّ مِنَ الْأَفْرَادِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ، تُسَمَّى: " مُهْمَلَةً ". كَقَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ فِي خُسْرٍ.
وَالثَّانِي: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عَلَى نَفْسِ مَفْهُومِ الْكُلِّيِّ، لَا عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَفْرَادِ - تُسَمَّى: " طَبِيعِيَّةً " إِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى نَفْسِ مَفْهُومِ الْكُلِّيِّ، مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الْعُمُومِ. كَقَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ جَوْهَرٌ.
وَتُسَمَّى: " عَامَّةً " إِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى نَفْسِ الْمَفْهُومِ بِقَيْدِ الْعُمُومِ، كَقَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ نَوْعٌ. فَإِنَّ النَّوْعَ إِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِقَيْدِ الْعُمُومِ.
(1/89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْبَحْثُ فِيهِمَا، أَعْنِي فِي الْقَضِيَّةِ [الطَّبِيعِيَّةِ] وَالْعَامَّةِ، مُفِيدًا وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا فِي أَحْكَامِ الْقَضَايَا مِنَ الْعُكُوسِ وَالتَّنَاقُضِ وَغَيْرِهِمَا - أَعْرَضَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِهِمَا فِي هَذَا التَّقْسِيمِ. فَيَبْقَى أَرْبَعُ قَضَايَا: شَخْصِيَّةٌ، وَجُزْئِيَّةٌ مَحْصُورَةٌ، وَكُلِّيَّةٌ وَمُهْمَلَةٌ.
وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِمَّا مُوجَبَةً، إِنْ حُكِمَ فِيهَا بِثُبُوتِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ لِلْآخَرِ. وَإِمَّا سَالِبَةً، إِنْ حُكِمَ فِيهَا بِرَفْعِ هَذَا الثُّبُوتِ. فَيَصِيرُ ثَمَانِ قَضَايَا.
وَالْمُتَحَقِّقُ فِي الْمُهْمَلَةِ، الْجُزْئِيَّةِ، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ الْمُهْمَلَةِ، الْجُزْئِيَّةِ وَبِالْعَكْسِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّهُ مَهْمَا صَدَقَ الْحُكْمُ عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْأَفْرَادِ يَصْدُقُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ ; لِأَنَّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْأَفْرَادِ، إِمَّا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا.
[وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ] يَصْدُقُ الْحُكْمُ عَلَى الْبَعْضِ، فَيَلْزَمُ صِدْقُ الْجُزْئِيَّةِ. وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ مَهْمَا صَدَقَ الْحُكْمُ عَلَى بَعْضِ الْإِنْسَانِ، صَدَقَ عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْأَفْرَادِ بِالضَّرُورَةِ، فَيَلْزَمُ صِدْقُ الْمُهْمَلَةِ ; فَيَكُونُ ذِكْرُ الْجُزْئِيَّةِ فِي أَحْكَامِ الْقَضَايَا مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الْمُهْمَلَةِ، فَلِذَلِكَ أُهْمِلَتْ فِي أَحْكَامِ الْقَضَايَا وَلَمْ يُتَعَرَّضْ لَهَا.
(1/90)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمَا قِيلَ: الْمُهْمَلَةُ يُحْتَمَلُ صِدْقُهَا كُلِّيَّةً، وَيُحْتَمَلُ صِدْقُهَا جُزْئِيَّةً. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْجُزْئِيَّةُ مُتَحَقِّقَةٌ وَالْكُلِّيَّةُ مُحْتَمَلَةٌ.
فَلِذَلِكَ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهَا الْحُكْمُ عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا، بَلْ أُهْمِلَتْ، سَهْوًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْجُزْئِيَّةِ فِي الْمُهْمَلَةِ وَاحْتِمَالَ الْكُلِّيَّةِ فِيهَا بِسَبَبِ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا لَمْ يُبَيِّنْ عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا، بَلْ أُهْمِلَتْ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْإِهْمَالِ بِتَحَقُّقِ الْجُزْئِيَّةِ وَاحْتِمَالِ الْكُلِّيَّةِ مِنْهَا.
[قطعية مُقَدِّمَاتُ الْبُرْهَانِ]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْبُرْهَانَ هُوَ الْقِيَاسُ الْيَقِينِيُّ الْمُنْتِجُ لِنَتِيجَةٍ قَطْعِيَّةٍ [أَيْ يَقِينِيَّةٍ] فَلَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مُقَدِّمَاتِهِ قَطْعِيَّةً ; لِأَنَّ مُقَدِّمَاتِهِ لَازِمَةٌ لَهُ، وَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ.
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمَاتُ الْبُرْهَانِ ضَرُورِيَّةً أَيْ بَيِّنَةً بِنَفْسِهَا ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا أَوْ بَعْضُهَا مَطْلُوبَةً قَطْعِيَّةً، بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الضَّرُورِيَّاتِ.
(1/91)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
" وَإِلَّا " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الضَّرُورِيَّاتِ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتُ مُكْتَسَبَةً مِنْ مُقَدِّمَاتٍ أُخَرَ، وَتِلْكَ أَيْضًا مُكْتَسَبَةٌ، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.
وَلَمَّا كَانَ الدَّوْرُ أَيْضًا تَسَلْسُلًا، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْأُمُورِ الْمُتَنَاهِيَةِ، اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ التَّسَلْسُلِ عَنْ ذِكْرِهِ.
[الْأَمَارَات]
ش - أَيْ وَأَمَّا الْأَمَارَاتُ فَنَتَائِجُهَا ظَنِّيَّةٌ أَوِ اعْتِقَادِيَّةٌ لَا مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعٌ يَمْنَعُ عَنْ حُصُولِ الظَّنِّ أَوِ الِاعْتِقَادِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمَارَاتِ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الظَّنِّيَّاتِ الصِّرْفَةِ، أَوْ مِنَ الِاعْتِقَادِيَّاتِ أَوْ مُخْتَلِطَةٌ، أَوْ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَمِنَ الْقَطْعِيَّاتِ.
وَعَلَى التَّقَارِيرِ لَا تَكُونُ الْأَمَارَاتُ قَطْعِيَّةً بَلْ ظَنِّيَّةً أَوِ اعْتِقَادِيَّةً. وَالظَّنِّيَّةُ وَالِاعْتِقَادِيَّةُ لَا تُفِيدُ إِلَّا ظَنِّيَّةً أَوِ اعْتِقَادِيَّةً، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْنَعَ مَانِعٌ. إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الظَّنِّ وَالِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ نَتِيجَةُ الْأَمَارَاتِ وَبَيْنَ أَمْرٍ مَا، ـ أَيِ الْأَمَارَاتِ الْمُنْتِجَةِ لَهَا ـ، رَبْطٌ عَقْلِيٌّ، أَيْ عَلَامَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تَقْتَضِي اسْتِلْزَامَ الْأَمَارَاتِ لِنَتَائِجِهَا ; إِذْ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا رَبْطٌ عَقْلِيٌّ لَمَا زَالَ ظَنُّ النَّتِيجَةِ أَوِ اعْتِقَادُهَا مَعَ قِيَامِ مُوجِبِهِمَا، أَعْنِي الْأَمَارَاتِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
(1/92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي ; فَلِأَنَّا إِذَا شَاهَدْنَا مَثَلًا مَرْكُوبَ الْقَاضِي وَخَدَمَهُ عَلَى بَابِ دَارٍ حَصَلَ لَنَا الظَّنُّ بِحُضُورِ الْقَاضِي فِيهَا. فَمُشَاهَدَةُ مَرْكُوبِ الْقَاضِي وَخَدَمِهِ عَلَى بَابِ الدَّارِ أَمَارَةٌ لِلظَّنِّ بِحُضُورِ الْقَاضِي فِيهَا. فَإِذَا دَخَلْنَا الدَّارَ فَظَهَرَ غَيْبَتُهُ زَالَ الظَّنُّ الْمَذْكُورُ مَعَ قِيَامِ مُوجِبِهِ، وَهُوَ الْأَمَارَةُ.
وَالْمَانِعُ إِمَّا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أَوْ حِسِّيٌّ يُعَارِضُ الْأَمَارَةَ. أَمَّا الْعَقْلِيُّ فَكَالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَوْجُودِ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ. فَإِنَّهُ مَانِعٌ لِلَازِمِ الْأَمَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مَحْسُوسٌ. وَأَمَّا الْحِسِّيُّ فَكَمَا فِي الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرْنَا.
ش - الدَّلَالَةُ فِي الْمُقَدَّمَتَيْنِ هِيَ: كَوْنُهُمَا بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِمَا، الْعِلْمُ بِالْمَطْلُوبِ.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ، أَيْ لِمِّيَّتِهَا - وَهِيَ السَّبَبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَزِمَ مِنَ الْعِلْمِ بِالْمُقَدِّمَتَيْنِ الْعِلْمُ بِالنَّتِيجَةِ - هُوَ أَنَّ الصُّغْرَى خُصُوصٌ وَالْكُبْرَى عُمُومٌ.
(1/93)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْكُبْرَى عَلَى جَمِيعِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْأَوْسَطُ فَيَتَنَاوَلُ الْأَصْغَرَ وَغَيْرَهُ.
وَالْحُكْمُ فِي الصُّغْرَى مَخْصُوصٌ بِالْأَصْغَرِ فَقَطْ. وَلَا نَعْنِي بِكَوْنِ الصُّغْرَى خُصُوصًا وَالْكُبْرَى عُمُومًا إِلَّا هَذَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيِ الصُّغْرَى خُصُوصًا وَالْكُبْرَى عُمُومًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَجَبَ انْدِرَاجُ الْأَصْغَرِ تَحْتَ الْأَوْسَطِ فِي الْحُكْمِ بِالْأَكْبَرِ عَلَى جَمِيعِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْأَوْسَطُ ; لِأَنَّ الْأَصْغَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا فَيَلْتَقِي بِالضَّرُورَةِ مَوْضُوعُ الصُّغْرَى أَعْنِي الْأَصْغَرَ، وَمَحْمُولُ الْكُبْرَى، أَعْنِي الْأَكْبَرَ إِمَّا إِيجَابًا، إِنْ كَانَتِ الْكُبْرَى مُوجَبَةً، أَوْ سَلْبًا، إِنْ كَانَتِ الْكُبْرَى سَالِبَةً.
مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْلُنَا: الْوُضُوءُ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَصِحُّ بِنِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْوُضُوءَ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ.
وَ [مِثَالُ الثَّانِي] قَوْلُنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْمُسْكِرِ بِحَلَالٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيذَ لَيْسَ بِحَلَالٍ.
وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْبَيَانُ بِالشَّكْلِ الْأَوَّلِ لِرُجُوعِ الْبَاقِي إِلَيْهِ.
وَقَدْ تُحْذَفَ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيِ الدَّلِيلِ لِلْعِلْمِ بِهَا، وَهِيَ إِمَّا الصُّغْرَى أَوِ الْكُبْرَى.
مِثَالُ مَا إِذَا كَانَتِ الصُّغْرَى مَحْذُوفَةً قَوْلُنَا: الْوُضُوءُ يَحْتَاجُ إِلَى
(1/94)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
النِّيَّةِ ; لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهَا ; فَإِنَّ الصُّغْرَى، وَهِيَ قَوْلُنَا: الْوُضُوءُ عِبَادَةٌ، قَدْ حُذِفَتْ.
مِثَالُ مَا إِذَا كَانَتِ الْكُبْرَى مَحْذُوفَةً قَوْلُنَا: الْوُضُوءُ لَا يَصِحُّ [بِدُونِ] النِّيَّةِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ. فَإِنَّ الْكُبْرَى، وَهُوَ قَوْلُنَا: وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ، قَدْ حُذِفَتْ.
[الضَّرُورِيَّاتُ]
ش - لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مُقَدَّمَاتِ الْبُرْهَانِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى
(1/95)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الضَّرُورِيَّاتِ أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهَا، فَذَكَرَ مَا هُوَ الْأَشْهَرُ مِنْهَا، لَا الْجَمِيعَ ; لِأَنَّ الْقَضَايَا الْحَدْسِيَّةَ وَالْقَضَايَا الَّتِي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا، مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا.
فَلِذَلِكَ قَالَ: " مِنْهَا " ; لِأَنَّ " مَنْ " تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، فَلْنَقْتَصِرْ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَهِيَ خَمْسٌ: الْأُولَى: الْمُشَاهَدَاتُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الْقَضَايَا الَّتِي يَسْتَفِيدُ الْإِنْسَانُ التَّصْدِيقَ بِهَا مِنَ الْقُوَى الْبَاطِنَةِ، وَهِيَ مَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى عَقْلٍ، أَيْ مَا لَا تَفْتَقِرُ فِي حُصُولِ طَرَفَيْهَا عِنْدَ الْمَشَاهِدِ إِلَى عَقْلٍ. كَالْجُوعِ وَالْأَلَمِ ; فَإِنَّ حُصُولَهُمَا عِنْدَ مَنْ يُشَاهِدْهُمَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَقْلِ، وَلِذَلِكَ يَحْصُلُ لِلْبَهَائِمِ وَالْمَجَانِينِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ فِيهَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَقْلِ، إِنْ كَانَ كُلِّيًّا [كَمَا] فِي سَائِرِ الْقَضَايَا، وَإِنْ كَانَ جُزْئِيًّا فَيَفْتَقِرُ إِلَى الْعَقْلِ أَيْضًا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْحَاكِمَ مُطْلَقًا هُوَ الْعَقْلُ، سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا ; إِذِ الْحِسُّ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، لَا حُكْمَ لَهُ.
الثَّانِيَةُ: الْأَوَّلِيَّاتُ، وَهِيَ الْقَضَايَا الَّتِي تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ، أَيْ لَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ الْعَقْلِ بِهَا إِلَّا عَلَى تَصَوُّرِ طَرَفَيْهَا فَقَطْ، سَوَاءٌ كَانَ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهَا جُزْئِيًّا، كَعِلْمِكَ أَيْ كَتَصْدِيقِكَ بِوُجُودِكَ، أَوْ كُلِّيًّا، كَتَصْدِيقِكَ بِأَنَّ النَّقِيضَيْنِ يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا.
(1/96)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّالِثُ: الْمَحْسُوسَاتُ، وَهِيَ الْقَضَايَا الَّتِي يَسْتَفِيدُ الْإِنْسَانُ التَّصْدِيقَ بِهَا مِنَ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ. كَقَوْلِنَا: الشَّمْسُ مُضِيئَةٌ، وَالنَّارُ حَارَّةٌ.
الرَّابِعَةُ: التَّجْرِيبِيَّاتُ، وَهِيَ قَضَايَا تَحْصُلُ بِالْعَادَةِ، أَيْ بِتَكْرَارِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى وَجْهٍ يَتَأَكَّدُ مِنْهَا عَقْدٌ قَوِيٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهِيَ لَا تَخْلُو عَنْ قِيَاسٍ خَفِيٍّ مَعَ تَكْرَارِ الْمُشَاهَدَةِ، وَهُوَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْوُقُوعَ الْمُتَكَرِّرَ عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ اتِّفَاقِيًّا. كَحُكْمِنَا بِإِسْهَالِ الْمُسْهِلِ الَّذِي هُوَ السَّقَمُونْيَا مَثَلًا ; فَإِنَّ بَعْدَ تَكَرُّرِ وُقُوعِ الْإِسْهَالِ عَقِيبَ مُلَاقَاةِ الْمُسَهِّلِ الْبَدَنَ، يَحْصُلُ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَكَحُكْمِنَا بِإِسْكَارِ الْمُسْكِرِ.
الْخَامِسَةُ: الْمُتَوَاتِرَاتُ، وَهِيَ قَضَايَا تَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِالْأَخْبَارِ تَوَاتُرًا أَيْ كَثْرَةً مُتَوَالِيَةً، مُوجِبَةً لِسُكُونِ النَّفْسِ سُكُونًا تَامًّا، يَزُولُ مَعَهُ الشَّكُّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الشَّهَادَاتِ بِحَيْثُ يُحِيلُ الْعَقْلُ تَوَاطُؤَ الشُّهَدَاءِ عَلَى الْكَذِبِ. كَحُكْمِنَا بِوُجُودِ بَغْدَادَ وَمَكَّةَ.
[صُورَةُ الْبُرْهَانِ اقْتِرَانِيٌّ واسْتِثْنَائِيٌّ]
ش - لَمَّا ذَكَرَ مَادَّةَ الْبُرْهَانِ، شَرَعَ فِي صُورَتِهِ، وَهِيَ الْقَوْلُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ قَضَايَا مَتَى سَلِمَتْ لَزِمَ عَنْهُ لِذَاتِهِ قَوْلٌ آخَرُ.
(1/97)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُسَمِّيهِ الْمَنْطِقِيُّونَ: " قِيَاسًا ". وَقَدْ مَرَّ فَائِدَةُ الْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ.
وَالْقِيَاسُ يَنْقَسِمُ إِلَى اقْتِرَانِيٍّ وَاسْتِثْنَائِيٍّ. فَالِاقْتِرَانِيُّ: الْقِيَاسُ الَّذِي لَا يَذْكُرُ اللَّازِمَ، أَيِ النَّتِيجَةَ، وَلَا نَقِيضَهُ فِيهِ بِالْفِعْلِ. كَقَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيذَ حَرَامٌ، وَهُوَ لَا يَكُونُ مَذْكُورًا فِيهِ بِالْفِعْلِ وَلَا نَقِيضِهِ.
وَالِاسْتِثْنَائِيُّ نَقِيضُهُ أَيْ مَا يَكُونُ اللَّازِمُ أَوْ نَقِيضُهُ فِيهِ مَذْكُورًا بِالْفِعْلِ. كَقَوْلِنَا: لَوْ كَانَ [الْوُضُوءُ عِبَادَةً لَمْ] يَصِحَّ بِدُونِ [النِّيَّةِ، لَكِنَّ الْوُضُوءَ] عِبَادَةٌ، يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ، [وَهُوَ مَذْكُورٌ فِيهِ بِالْفِعْلِ] .
وَكَقَوْلِنَا: لَوْ كَانَ الْوُضُوءُ صَحِيحًا بِدُونِ النِّيَّةِ لَمَا كَانَ عِبَادَةً، لَكِنَّهُ عِبَادَةٌ، يَنْتُجُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا بِدُونِ النِّيَّةِ. فَإِنَّ نَقِيضَهُ مَذْكُورٌ [فِيهِ] بِالْفِعْلِ.
[الموضوع والمحمول والوسط]
ش - الْأَوَّلُ الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ بِغَيْرِ شَرْطٍ، أَيْ لَا يَكُونُ فِيهِ مُقْدِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى [الشَّرْطِ، وَهِيَ الْمُتَّصِلَةُ، وَلَا تَقْسِيمَ، أَيْ لَا يَكُونُ فِيهِ مُقْدِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى] التَّقْسِيمِ، وَهِيَ [الْمُنْفَصِلَةُ] .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقِيَاسَ الِاقْتِرَانِيَّ لَا يَكُونُ فِيهِ مُتَّصِلَةٌ وَلَا مُنْفَصِلَةٌ، وَقِيلَ [عَلَيْهِ] بِأَنَّهُ يُشْكِلُ هَذَا بِالْقِيَاسَاتِ الِاقْتِرَانِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَلَا تَقْسِيمٍ: أَنَّهُمَا غَيْرُ مُلَازِمَيْنِ فِي الِاقْتِرَانِيِّ: فَإِنَّ الِاقْتِرَانِيَّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً. بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَائِيِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا: لَمَّا كَانَتِ الِاقْتِرَانَاتُ الشَّرْطِيَّةُ غَيْرَ مَذْكُورَةٍ فِي كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ، لِكَوْنِهَا غَيْرَ يَقِينِيَّةِ الْإِنْتَاجِ، وَلِقِلَّةِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهَا، لَمْ يَعْتَبِرْهَا الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْقِيَاسَاتِ الِاقْتِرَانِيَّةِ، فَلِهَذَا خَصَّ الِاقْتِرَانِيَّ بِالْحَمْلِيِّ.
وَيُسَمَّى الْمُبْتَدَأُ، أَعْنِي الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلِ الَّذِي جُعِلَ جُزْءَ الْقِيَاسِ الِاقْتِرَانِيِّ: " مَوْضُوعًا ".
(1/98)

وَمَحْمُولُهُ: " الْأَكْبَرُ " وَذَاتُ الْأَصْغَرِ: " الصُّغْرَى " وَذَاتُ الْأَكْبَرِ: " الْكُبْرَى ".
ص - وَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ قَدْ يَقُومُ عَلَى إِبْطَالِ النَّقِيضِ، وَالْمَطْلُوبُ نَقِيضُهُ، وَقَدْ يَقُومُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْمَطْلُوبُ عَكْسُهُ - احْتِيجَ إِلَى تَعْرِيفِهِمَا.
ص - فَالنَّقِيضَانِ: كُلُّ [قَضِيَّتَيْنِ] إِذَا صَدَقَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَبَتِ الْأُخْرَى وَبِالْعَكْسِ.
ص - فَإِنْ كَانَتْ شَخْصِيَّةً - فَشَرْطُهَا أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ فِي الْمَعْنَى إِلَّا النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ، فَيَتَّحِدُ الْجُزْءَانِ بِالذَّاتِ وَالْإِضَافَةِ، وَالْجُزْءُ وَالْكُلُّ، وَالْقُوَّةُ وَالْفِعْلُ، وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ، وَالشَّرْطُ.
ص - وَإِلَّا لَزِمَ اخْتِلَافُ الْمَوْضُوعِ فِي الْكَمِّ ; لِأَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَا - جَازَ أَنْ يَكْذِبَا فِي الْكُلِّيَّةِ، مِثْلَ: كُلُّ إِنْسَانٍ كَاتِبٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِعَرَضِيٍّ خَاصٌّ بِنَوْعٍ.
وَأَنْ يَصْدُقَا فِي الْجُزْئِيَّةِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، فَنَقِيضُ الْكُلِّيَّةِ الْمُثْبَتَةِ جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ، وَنَقِيضُ الْجُزْئِيَّةِ الْمُثْبَتَةِ سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُسَمَّى الْخَبَرُ أَيِ الْمَحْكُومُ بِهِ فِيهِ: " مَحْمُولًا ". وَالْمَوْضُوعُ وَالْمَحْمُولُ فِي مُقَدِّمَتَيِ الْقِيَاسِ تُسَمَّى: " حُدُودًا ". وَإِنَّمَا أُنِّثَ الضَّمِيرُ لِأَنَّهَا ثَلَاثَةٌ.
" وَالْوَسَطُ " هُوَ: الْحَدُّ الْمُتَكَرِّرُ. وَمَوْضُوعُهُ، أَيْ مَوْضُوعُ اللَّازِمِ، أَعْنِي النَّتِيجَةَ تُسَمَّى: " الْأَصْغَرَ ". وَمَحْمُولُهُ يُسَمَّى: " الْأَكْبَرُ ".
وَذَاتُ الْأَصْغَرِ، أَعْنِي الْمُقَدِّمَةَ الَّتِي فِيهَا الْأَصْغَرُ تُسَمَّى: " الصُّغْرَى ". وَذَاتُ الْأَكْبَرِ، أَيِ الْمُقَدِّمَةُ الَّتِي فِيهَا الْأَكْبَرُ تُسَمَّى " كُبْرَى ".
ش - مِثَالُ الْأَوَّلِ: قِيَاسُ الْخُلْفِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَقُومُ عَلَى إِبْطَالِ نَقِيضِ النَّتِيجَةِ، وَالْمَطْلُوبُ: النَّتِيجَةُ.
مِثَالُ الثَّانِي مَا يَقَعُ فِي الْأَشْكَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُغَايِرَةِ لِلْأَوَّلِ ; فَإِنَّهَا عِنْدَ رَدِّهَا إِلَى الْأَوَّلِ قَدْ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِ شَيْءٍ، وَالْمَطْلُوبُ عَكْسُهُ، كَمَا
(1/100)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
سَيَجِيءُ فِي مَوْضِعِهِ مُفَصَّلًا. فَلِذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى تَعْرِيفِ التَّنَاقُضِ وَالْعَكْسِ، وَبَيَانِ شَرَائِطِهِمَا وَأَحْكَامِهِمَا.
[النقيضان]
ش - لَمَّا كَانَ بَيَانُ الْعَكْسِ مُتَوَقِّفًا عَلَى التَّنَاقُضِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، بَدَأَ بِالتَّنَاقُضِ، فَقَالَ: النَّقِيضَانِ: كُلُّ قَضِيَّتَيْنِ إِذَا صَدَقَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَبَتِ الْأُخْرَى، وَبِالْعَكْسِ، أَيْ إِذَا كَذَبَتْ إِحْدَاهُمَا صَدَقَتِ الْأُخْرَى.
وَاحْتَرَزَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ عَنْ سَائِرِ الْمُتَقَابِلِينَ ; فَإِنَّهُ إِذَا صَدَقَ كَذَبَ الْآخَرُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَذِبِ أَحَدِهِمَا صِدْقُ الْآخَرِ ; لِجَوَازِ خُلُوِّ الْمَحَلِّ عَنْهُمَا.
وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ [كَوْنُ] الْقَضِيَّةِ مَعَ لَازِمِ نَقِيضِهَا الْمُسَاوِي مُتَنَاقِضَيْنِ ; لِأَنَّهُ إِذْ صَدَقَتْ إِحْدَاهُمَا كَذَبَتِ الْأُخْرَى وَبِالْعَكْسِ. كَقَوْلِنَا: هَذَا إِنْسَانٌ، هَذَا لَيْسَ بِنَاطِقٍ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: النَّقِيضَانِ: كُلُّ قَضِيَّتَيْنِ يَسْتَلْزِمُ صِدْقُ إِحْدَاهُمَا لِذَاتِهِ كَذِبَ الْأُخْرَى وَبِالْعَكْسِ.
(1/101)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ الْقَضِيَّةُ مَعَ لَازِمِ نَقِيضِهَا الْمُسَاوِي ; لِأَنَّهُ وَإِنِ اسْتَلْزَمَ صِدْقَ إِحْدَاهُمَا كَذِبَ الْأُخْرَى، لَكِنْ لَا لِذَاتِهَا، بَلْ بِوَاسِطَةِ لَازِمِهَا الْمُسَاوِي.
[شرائط النقيضين]
ش - لَمَّا ذَكَرَ تَعْرِيفَ النَّقِيضَيْنِ شَرَعَ فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِمَا. فَبَدَأَ بِشَرَائِطِ الْقَضِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ لِكَوْنِهَا عَامَّةً.
فَإِنْ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ شَخْصِيَّةً فَشَرْطُهَا فِي أَنْ يَكُونَ نَقِيضًا لِشَخْصِيَّةٍ أُخْرَى: أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الشَّخْصِيَّتَيْنِ اخْتِلَافٌ فِي الْمَعْنَى إِلَّا الِاخْتِلَافَ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
وَإِنَّمَا قَيَّدَ الِاخْتِلَافَ بِقَوْلِهِ: " فِي الْمَعْنَى " لِيَدْخُلَ فِيهِ نَحْوُ: هَذَا إِنْسَانٌ، هَذَا لَيْسَ بِبَشَرٍ ; فَإِنَّهُمَا مُتَنَاقِضَانِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا بِغَيْرِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ بِاللَّفْظِ.
وَإِذَا اشْتُرِطَ اتِّحَادُ الشَّخْصِيَّتَيْنِ فِي غَيْرِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، يَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَ الْجُزْءَانِ، أَيِ الْمَوْضُوعُ وَالْمَحْمُولُ بِالذَّاتِ أَيْ بِالْمَعْنَى. كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ كَاتِبٌ، زَيْدٌ لَيْسَ بِكَاتِبٍ. وَبِالْإِضَافَةِ، كَقَوْلِنَا: زِيدٌ أَبٌ لِعَمْرٍو، وَزَيْدٌ
(1/102)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَيْسَ بِأَبٍ لِعَمْرٍو. وَبِالْجُزْءِ وَالْكُلِّ، كَقَوْلِنَا: الزِّنْجِيُّ أَسْوَدٌ كُلُّهُ، الزِّنْجِيُّ لَيْسَ بِأَسْوَدَ كُلِّهِ. وَكَذَا الْجُزْءُ.
وَبِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ، كَقَوْلِنَا: الْخَمْرُ مُسْكِرٌ بِالْقُوَّةِ، لَيْسَ بِمُسْكِرٍ بِالْقُوَّةِ، وَكَذَا الْفِعْلُ.
وَبِالزَّمَانِ، كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ جَالِسٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ، زَيْدٌ لَيْسَ بِجَالِسٍ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
وَبِالْمَكَانِ، كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ جَالِسٌ فِي الدَّارِ، زَيْدٌ لَيْسَ بِجَالِسٍ فِي الدَّارِ.
وَبِالشَّرْطِ، كَقَوْلِنَا: الْجِسْمُ مُفَرِّقٌ لِلْبَصَرِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَبْيَضَ، الْجِسْمُ لَيْسَ بِمُفَرِّقٍ لِلْبَصَرِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَبْيَضَ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ فِي تَنَاقُضِ الشَّخْصِيَّتَيْنِ اتِّحَادَهُمَا فِي هَذِهِ الْأُمُورِ ; لِأَنَّهُ لَوِ اخْتَلَفَتَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَمْ يَتَحَقَّقِ التَّنَاقُضُ بَيْنَهُمَا.
ش - أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْقَضِيَّةُ شَخْصِيَّةً، بَلْ مَحْصُورَةً، يَلْزَمُ
(1/103)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَعَ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشَّخْصِيَّةِ، اخْتِلَافُ الْمَوْضُوعِ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ بِالْكَمِّ أَيْ بِالْكُلْيَةِ وَالْجُزْئِيَّةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ فِي إِحْدَاهُمَا كُلِّيًّا، وَفِي الْأُخْرَى جُزْئِيًّا ; لِأَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَ الْمَوْضُوعُ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ بِالْكَمِّ، جَازَ أَنْ يَكْذِبَا فِي الْكُلِّيَّةِ. مِثْلَ قَوْلِنَا: كُلُّ إِنْسَانٍ كَاتِبٌ، لَا شَيْءً مِنَ الْإِنْسَانِ بِكَاتِبٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْكَاتِبِ عَلَى الْإِنْسَانِ حُكْمٌ بِعَرَضِيٍّ خَاصٍّ بِهِ، غَيْرِ شَامِلٍ لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ، فَلَا يَصْدُقُ السَّلْبُ عَنْ كُلِّ أَفْرَادِهِ، وَلَا الثُّبُوتُ لِكُلِّهَا ; ضَرُورَةَ ثُبُوتِهِ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَسَلْبِهِ عَنْ بَعْضِهَا.
وَأَنْ يَصْدُقَا، أَيْ إِنِ اتَّحَدَ الْمَوْضُوعُ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ بِالْكَمِّ، جَازَ أَنْ يَصْدُقَا فِي الْجُزْئِيَّةِ، كَقَوْلِنَا: بَعْضُ الْإِنْسَانِ كَاتِبٌ، بَعْضُ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِكَاتِبٍ ; لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ فِي الْقَضِيَّةِ الْجُزْئِيَّةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالسَّلْبِ غَيْرَ الْبَعْضِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالْإِيجَابِ، فَيَجُوزُ صِدْقُهُمَا مَعًا.
وَإِذَا بَيَّنَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَوْضُوعِ بِالْكَمِّ شَرْطٌ فِي تَنَاقُضِ الْمَحْصُورَتَيْنِ، فَنَقِيضُ الْكُلِّيَّةِ الْمُثْبَتَةِ، أَيِ الْمُوجَبَةِ، جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ. كَقَوْلِنَا: كُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ ; فَإِنَّ نَقِيضَهُ: بَعْضُ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِحَيَوَانٍ. وَنَقِيضُ الْقَضِيَّةِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُوجَبَةِ، سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ، كَقَوْلِنَا: بَعْضُ الْحَيَوَانِ إِنْسَانٌ، فَإِنَّ نَقِيضَهُ: لَا شَيْءَ مِنَ الْحَيَوَانِ بِإِنْسَانٍ.
وَإِذَا كَانَتِ السَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ نَقِيضًا لِلْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَالسَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ نَقِيضًا لِلْمُوجَبَةِ الْجُزْئِيَّةِ، تَكُونُ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ نَقِيضًا لِلسَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ، وَالْمُوجَبَةُ الْجُزْئِيَّةُ نَقِيضًا لِلسَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ; لِأَنَّ التَّنَاقُضَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
[العكس المستوي]
ش - لَمَّا ذَكَرَ التَّنَاقُضَ، شَرَعَ فِي بَيَانِ الْعَكْسِ، وَبَدَأَ بِالْعَكْسِ الْمُسْتَوِي، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْوِيلِ مُفْرَدَاتِهَا، أَيْ تَبْدِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيِ الْقَضِيَّةِ، أَعْنِي الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ وَبِهِ، بِالْآخَرِ، فَيَتَنَاوَلُ عَكْسَ الْحَمْلِيَّاتِ وَالشَّرْطِيَّاتِ ; لِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْضُوعَ وَالْمُقَدَّمَ، وَالْمَحْكُومُ بِهِ يَتَنَاوَلُ الْمَحْمُولَ، وَالتَّالِي.
قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهٍ يَصْدُقُ. فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا: بَعْضُ الْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ، عَكْسًا لِقَوْلِنَا: بَعْضُ الْحَيَوَانِ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا التَّعْرِيفُ ; لِأَنَّهُ بَدَّلَ كُلٍّا مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِالْآخَرِ عَلَى وَجْهٍ يَصْدُقُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّ عَكْسَ السَّالِبَةِ لَا يَكُونُ مُوجَبَةً وَبِالْعَكْسِ.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ: " عَلَى وَجْهٍ يَصْدُقُ " أَنَّهُ عَلَى وَجْهٍ مَتَى صَدَقَ الْأَصْلُ الْعَكْسُ; لِأَنَّ بَقَاءَ الصِّدْقِ بِهَذَا الْمَعْنَى شَرْطٌ فِي الْعَكْسِ ; لِأَنَّ الْعَكْسَ لَازِمُ الْأَصْلِ، وَصِدْقُ اللَّازِمِ شَرْطٌ فِي صِدْقِ الْمَلْزُومِ. وَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بَقَاءُ الْكَيْفِ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا.
ش - عَكْسُ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا صَدَقَ قَوْلُنَا: كُلُّ ج ب، وَجَبَ أَنْ يَصْدُقَ بَعْضُ ب ج، وَإِلَّا لَصَدَقَ نَقِيضُهُ، وَهُوَ قَوْلُنَا: لَا شَيْءَ مِنْ ب ج.
فَيُجْعَلُ كُبْرَى الْأَصْلِ هَكَذَا: كُلُّ ج ب وَلَا شَيْءَ مِنْ ب ج، يَنْتُجُ: لَا شَيْءَ مِنْ ج ج. هَذَا خُلْفٌ.
وَلَا يَنْعَكِسُ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ إِلَى الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ ; لِجَوَازِ كَوْنِ الْمَحْمُولِ أَعَمَّ مِنَ الْمَوْضُوعِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَصْدُقُ الْعَكْسُ كُلِّيًّا. كَقَوْلِنَا: كُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ كُلُّ حَيَوَانٍ إِنْسَانٌ فِي عَكْسِهِ.
وَعَكْسُ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ مِثْلُهَا، أَيِ السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ ; لِأَنَّهُ إِذَا صَدَقَ لَا شَيْءٌ مِنْ ج ب، وَجَبَ أَنْ يَصْدُقَ لَا شَيْءَ مِنْ ب ج
(1/104)

ص - وَعَكْسُ كُلِّ قَضِيَّةٍ: تَحْوِيلُ مُفَرَدَيْهَا عَلَى وَجْهٍ يَصْدُقُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/105)

ص - فَعَكْسُ الْكُلِّيَّةِ الْمُوجَبَةِ، جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَعَكْسُ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ مِثْلُهَا، وَعَكْسُ الْجُزْئِيَّةِ الْمُوجَبَةِ مِثْلُهَا. وَلَا عَكْسَ لِلْجُزْئِيَّةِ السَّالِبَةِ.
ص - وَإِذَا عُكِسَتِ [الْكُلِّيَّةُ الْمُوجَبَةُ] بِنَقِيضِ مُفَرَدَيْهَا - صَدَقَتْ. وَمِنْ ثَمَّ انْعَكَسَتِ السَّالِبَةُ سَالِبَةً [جُزْئِيَّةً] .
ص - وَلِلْمُقَدِّمَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْوَسَطِ أَرْبَعَةُ أَشْكَالٍ: فَالْأَوَّلُ: مَحْمُولٌ لِمَوْضُوعِ النَّتِيجَةِ، مَوْضُوعٌ لِمَحْمُولِهَا. وَالثَّانِي: مَحْمُولٌ لَهُمَا. وَالثَّالِثُ: مَوْضُوعٌ لَهُمَا. وَالرَّابِعُ: عَكْسُ الْأَوَّلِ.
ص - فَإِذَا رُكِّبَ كُلُّ شَكْلٍ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَالْمُوجَبَةِ وَالسَّالِبَةِ - كَانَتْ مُقَدَّرَاتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ ضَرْبًا.
ص -[الشَّكْلُ] الْأَوَّلُ أَبْيَنُهَا، وَلِذَلِكَ يَتَوَقَّفُ غَيْرُهُ عَلَى رُجُوعِهِ إِلَيْهِ وَيُنْتِجُ الْمَطَالِبَ الْأَرْبَعَةَ.
ص - وَشَرْطُ إِنْتَاجِهِ: إِيجَابُ الصُّغْرَى، أَوْ فِي حُكْمِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِلَّا لَصَدَقَ نَقِيضُهُ، وَهُوَ قَوْلُنَا: بَعْضُ ب ج. فَتَجْعَلُهُ صُغْرَى الْأَصْلِ هَكَذَا: بَعْضُ ب ج، وَلَا شَيْءَ مِنْ ج ب، يَنْتُجُ: لَيْسَ بَعْضُ ب ب، هَذَا خُلْفٌ.
وَعَكْسُ الْمُوجَبَةِ الْجُزْئِيَّةِ مِثْلُهَا، أَيِ الْمُوجَبَةُ الْجُزْئِيَّةُ. بَيَانُهُ كَمَا فِي الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ.
وَلَا عَكْسَ لِلْجُزْئِيَّةِ السَّالِبَةِ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ قَوْلُنَا: لَيْسَ بَعْضُ الْحَيَوَانِ إِنْسَانًا، وَلَا يَصْدُقُ فِي عَكْسِهِ: لَيْسَ بَعْضُ الْإِنْسَانِ حَيَوَانًا. هَذَا إِذَا كَانَتِ السَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ غَيْرَ الْخَاصَّتَيْنِ.
أَمَّا الشَّرْطِيَّاتُ فَالْمُنْفَصِلَةُ مِنْهَا لَا تَنْعَكِسُ ; لِأَنَّ مُقَدَّمَهَا لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ تَالِيهَا بِالطَّبْعِ.
وَأَمَّا الْمُتَّصِلَةُ فَعَكْسُهَا عَلَى قِيَاسِ عَكْسِ الْحَمْلِيَّاتِ، وَبَيَانُهَا كَبَيَانِهَا.
[عكس النقيض]
ش - لَمَّا ذَكَرَ الْعَكْسَ الْمُسْتَوِيَ أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى عَكْسِ
(1/107)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
النَّقِيضِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَبْدِيلِ كُلٍّ مِنْ طُرُقِ الْقَضِيَّةِ بِنَقِيضِ الْآخَرِ مَعَ بَقَاءِ الْكَيْفِ وَالصِّدْقِ.
وَإِذَا عُكِسَتِ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ، لَا الْجُزْئِيَّةُ، فَإِنَّهَا لَا تَنْعَكِسُ، عَكْسَ النَّقِيضِ بِنَقِيضِ مُفْرَدَيْهَا، أَيْ بَدَلَ كُلٍّ مِنْ طَرَفَيِ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ بِنَقِيضِ الْآخَرِ صَدَقْتَ.
مَثَلًا - إِذَا صَدَقَ: كُلُّ ج ب، وَجَبَ أَنْ يَصْدُقَ: كُلُّ مَا لَيْسَ ب لَيْسَ ج، وَإِلَّا لَصَدَقَ نَقِيضُهُ، وَهُوَ قَوْلُنَا: لَيْسَ كُلَّ مَا لَيْسَ ب لَيْسَ ج، وَيَسْتَلْزِمُ: بَعْضَ مَا لَيْسَ ب ج، وَهُوَ يَنْعَكِسُ بِالْعَكْسِ الْمُسْتَوِي إِلَى قَوْلِنَا: بَعْضُ ج لَيْسَ ب، وَكَانَ الْأَصْلُ: كُلُّ ج ب هَذَا خُلْفٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُوجَبَةَ الْجُزْئِيَّةَ لَا تَنْعَكِسُ بِعَكْسِ النَّقِيضِ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ: بَعْضُ الْحَيَوَانِ هُوَ لَا إِنْسَانَ، وَلَا يَصْدُقُ فِي عَكْسِ نَقِيضِهِ: بَعْضُ الْإِنْسَانِ لَا حَيَوَانَ.
وَمِنْ ثَمَّ، أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُوجَبَةَ الْكُلِّيَّةَ تَنْعَكِسُ عَكْسَ النَّقِيضِ إِلَى الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ، انْعَكَسَتِ السَّالِبَةُ كُلِّيَّةً أَوْ جُزْئِيَّةً بِعَكْسِ النَّقِيضِ إِلَى السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتِمُّ بَيَانُهُ بِوَاسِطَةِ عَكْسِ النَّقِيضِ لِلْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ.
مَثَلًا إِذَا صَدَقَ: بَعْضُ ج لَيْسَ ب، وَجَبَ أَنْ يَصْدُقَ: لَيْسَ بَعْضُ مَا لَيْسَ ب لَيْسَ ج، وَإِلَّا بِصِدْقِ نَقِيضِهِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: كُلُّ مَا لَيْسَ ب لَيْسَ ج، وَهُوَ يَنْعَكِسُ عَكْسَ النَّقِيضِ إِلَى قَوْلِنَا: كُلُّ ج ب، وَقَدْ كَانَ الْأَصْلُ: بَعْضُ ج لَيْسَ ب. هَذَا خُلْفٌ.
(1/108)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِذَا انْعَكَسَتِ السَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ إِلَى السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ انْعَكَسَتِ السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ إِلَى السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ ; لِأَنَّ السَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ أَعَمُّ مِنَ السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَلَازِمُ الْعَامِّ لَازِمُ الْخَاصِّ.
وَلَا تَنْعَكِسُ السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ إِلَى السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ قَوْلُنَا: لَا شَيْءَ مِنَ الْإِنْسَانِ بِلَا حَيَوَانٍ، وَلَا يَصْدُقُ فِي عَكْسِ نَقِيضِهِ: لَا شَيْءَ مِنَ الْحَيَوَانِ بِلَا إِنْسَانٍ ; ضَرُورَةَ صِدْقِ قَوْلِنَا: بَعْضُ الْحَيَوَانِ لَا إِنْسَانَ. وَكَذَا حُكْمُ نَقِيضِ الْمُتَّصِلَةِ.
[الأشكال الأربعة]
[مقدمة الأشكال الأربعة]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الشَّكْلَ هُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ بِسَبَبِ وَضْعِ الْأَوْسَطِ عِنْدَ الْحَدَّيْنِ، أَعْنِي الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ.
وَلِلْمُقَدِّمَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ الْوَسَطِ أَرْبَعَةُ أَشْكَالٍ: لِأَنَّ الْوَسَطَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا فِي الصُّغْرَى، مَوْضُوعًا فِي الْكُبْرَى، أَوْ مَحْمُولًا فِيهِمَا، أَوْ مَوْضُوعًا فِيهِمَا، أَوْ مَوْضُوعًا فِي الصُّغْرَى، مَحْمُولًا فِي الْكُبْرَى.
(1/109)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَالْأَوَّلُ أَيِ الشَّكْلُ الْأَوَّلُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَسَطُ مَحْمُولًا لِمَوْضُوعِ النَّتِيجَةِ، مَوْضُوعًا لِمَحْمُولِهَا، أَيِ الْوَسَطُ يَكُونُ مَحْمُولًا فِي الصُّغْرَى، مَوْضُوعًا فِي الْكُبْرَى.
وَالثَّانِي: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَسَطُ مَحْمُولًا لَهُمَا، أَيْ لِمَوْضُوعِ النَّتِيجَةِ وَلِمَحْمُولِهَا، أَيْ يَكُونُ الْوَسَطُ مَحْمُولًا فِي الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى.
وَالثَّالِثُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَسَطُ مَوْضُوعًا لَهُمَا، أَيْ لِمَوْضُوعِ النَّتِيجَةِ وَلِمَحْمُولِهَا، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْوَسَطُ مَوْضُوعًا فِي الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى.
وَالرَّابِعُ: عَكْسُ الْأَوَّلِ، أَيْ يَكُونُ الْوَسَطُ مَوْضُوعًا لِمَوْضُوعِ النَّتِيجَةِ، مَحْمُولًا لِمَحْمُولِهَا، أَيْ يَكُونُ مَوْضُوعًا فِي الصُّغْرَى، مَحْمُولًا فِي الْكُبْرَى.
ش - الضَّرْبُ هُوَ: اقْتِرَانُ الصُّغْرَى بِالْكُبْرَى، وَيُسَمَّى أَيْضًا قَرِينَةً. وَالضُّرُوبُ الْمُمْكِنَةُ الِانْعِقَادِ فِي كُلِّ شَكْلٍ بِحَسَبَ الْحَصْرِ [الْعَقْلِيِّ] بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَالْمُوجَبَةِ السَّالِبَةِ - لَا الْجِهَاتِ -
(1/110)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
سِتَّةَ عَشَرَ. لِأَنَّ الصُّغْرَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِحْدَى الْمَحْصُورَاتِ الْأَرْبَعِ، أَعْنِي الْمُوجَبَةَ الْكُلِّيَّةَ وَالسَّالِبَةَ الْكُلِّيَّةَ، وَالْمُوجَبَةَ الْجُزْئِيَّةَ وَالسَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ، وَكَذَا الْكُبْرَى. وَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ: سِتَّةَ عَشَرَ.
[الشكل الأول]
ش - الشَّكْلُ الْأَوَّلُ أَبْيَنُ الْأَشْكَالِ الْبَاقِيَةِ ; لِأَنَّ إِنْتَاجَهُ بَدِيهِيٌّ، بِخِلَافِ الْأَشْكَالِ الْبَاقِيَةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ بَدِيهِيِّ الْإِنْتَاجِ وَلِذَلِكَ يَتَوَقَّفُ غَيْرُهُ، أَيِ الْأَشْكَالُ الْبَاقِيَةُ عَلَى رُجُوعِهِ إِلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ بَيَانَ إِنْتَاجِهَا إِمَّا بِالْخُلْفِ، أَوْ بِالِافْتِرَاضِ. وَعَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى رُجُوعِهِ إِلَى الْأَوَّلِ، كَمَا سَنُبَيِّنُ مُفَصَّلًا.
وَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَشْرَفَ الْأَشْكَالِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّهُ يُنْتِجُ الْمَطَالِبَ الْأَرْبَعَةَ أَعْنِي الْمَحْصُورَاتِ الْأَرْبَعَ.
ش - أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ شَرَائِطَ إِنْتَاجِ الضُّرُوبِ فِي كُلِّ شَكْلٍ وَعَدَدَ ضُرُوبِهِ الْمُنْتَجَةِ. فَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ لِتَوَقُّفِ [الْبَاقِي] عَلَيْهِ. فَيَقُولُ شَرْطُ إِنْتَاجِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِحَسْبِ الْكَيْفِ إِيجَابُ الصُّغْرَى أَوْ فِي حُكْمِ الْإِيجَابِ، بِأَنْ يَكُونَ سَالِبَةً مُرَكَّبَةً.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ إِيجَابَ الصُّغْرَى لِيَتَوَافَقَ الْوَسَطُ مَعَ الْأَصْغَرِ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ عَلَى الْأَوْسَطِ إِلَى الْأَصْغَرِ الَّذِي يُوَافِقُهُ ; لِأَنَّ الصُّغْرَى لَوْ كَانَتْ سَالِبَةً لَمْ يَتَوَافَقِ الْأَوْسَطُ مَعَ الْأَصْغَرِ، بَلْ يُبَايِنُهُ، فَلَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ عَلَى الْأَوْسَطِ إِلَى الْأَصْغَرِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَسْتَدْعِي الْحُكْمَ عَلَى مَا يُبَايِنُهُ.
وَالِاخْتِلَافُ الْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ - وَهُوَ صِدْقُ الْقِيَاسِ - تَارَةً مَعَ تَوَافُقِ
(1/111)

لِيَتَوَافَقَ الْوَسَطُ وَكُلِّيَّةُ الْكُبْرَى، لِيَنْدَرِجَ فَيُنْتِجَ فَتَبْقَى أَرْبَعَةٌ: مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ أَوْ جُزْئِيَّةٌ، وَكُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ أَوْ سَالِبَةٌ.
الْأَوَّلُ: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ بِنِيَّةٍ. الثَّانِي: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ. الثَّالِثُ: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ وَكُلُّ عِبَادَةٍ بِنِيَّةٍ. الرَّابِعُ: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/112)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الطَّرَفَيْنِ وَتَارَةً مَعَ تَبَايُنِهِمَا، يُحَقِّقُ مَا ذَكَرْنَا. كَمَا نَقُولُ: لَا شَيْءَ مِنَ الْإِنْسَانِ بِحَجَرٍ، وَكُلُّ حَجَرٍ جَمَادٌ. وَالْحَقُّ لَا شَيْءَ مِنَ الْإِنْسَانِ بِجَمَادٍ، وَهُوَ تَبَايُنٌ.
وَلَوْ بَدَّلَ الْكُبْرَى بِقَوْلِنَا: وَكُلُّ حَجَرٍ جِسْمٌ، كَانَ الْحَقُّ فِي قَوْلِنَا: كُلُّ إِنْسَانٍ جِسْمٌ، وَهُوَ التَّوَافُقُ. وَكَذَا الصُّغْرَى السَّالِبَةُ مَعَ الْكُبْرَى السَّالِبَةِ.
وَكُلِّيَّةُ الْكُبْرَى، أَيْ شَرْطُ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ: كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى، لِيَنْدَرِجَ الْأَصْغَرُ تَحْتَ الْأَوْسَطِ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ عَلَى الْأَوْسَطِ إِلَى الْأَصْغَرِ الْمُنْدَرِجِ تَحْتَهُ، فَيَنْتُجُ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً لَمْ يَنْدَرِجِ الْأَصْغَرُ تَحْتَ الْأَوْسَطِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْكُبْرَى غَيْرَ الْمَحْكُومِ بِهِ فِي الصُّغْرَى، فَلَمْ يَتَعَدَّ الْحُكْمُ مِنَ الْأَوْسَطِ إِلَى الْأَصْغَرِ.
وَالِاخْتِلَافُ يُحَقِّقُهُ [كَقَوْلِنَا:] كُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ، وَبَعْضُ الْحَيَوَانِ نَاطِقٌ، وَالْحَقُّ: الْإِيجَابُ، وَهُوَ قَوْلُنَا: بَعْضُ الْإِنْسَانِ نَاطِقٌ.
وَلَوْ بَدَّلَ الْكُبْرَى بِقَوْلِنَا: بَعْضُ الْحَيَوَانِ فَرَسٌ، كَانَ الْحَقُّ: السَّلْبُ، وَهُوَ قَوْلُنَا: بَعْضُ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِفَرَسٍ.
وَعِنْدَ اعْتِبَارِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ يَسْقُطُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ السَّالِبَتَيْنِ مَعَ الْأَرْبَعِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُوجَبَتَيْنِ مَعَ الْجُزْئِيَّتَيْنِ، وَهِيَ اثْنَيْ عَشَرَ ضَرْبًا يَبْقَى أَرْبَعَةٌ: مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَجُزْئِيَّةٌ، كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ كُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ وَسَالِبَةٍ.
(1/113)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُوجَبَةَ عَلَى الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ فِي الْأَوَّلِ، وَقَدَّمَ الْكُلِّيَّةَ عَلَى الْمُوجَبَةِ وَالسَّالِبَةِ فِي الثَّانِي ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِشَارَةٌ إِلَى الصُّغْرَى، وَالثَّانِي إِلَى الْكُبْرَى. وَذِكْرُ الْمُوجَبَةِ فِي الصُّغْرَى أَهَمُّ لِكَوْنِهَا شَرْطًا فِيهَا. بِخِلَافِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ فَإِنَّهُمَا لَيْسَتَا بِشَرْطَيْنِ فِيهَا.
وَذِكْرُ الْكُلِّيَّةِ فِي الْكُبْرَى أَهَمُّ ; لِأَنَّ الْكُلِّيَّةَ فِي الْكُبْرَى شَرْطٌ. بِخِلَافِ الْمُوجَبَةِ وَالسَّالِبَةِ.
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مِنْ مُوجَبَتَيْنِ كُلِّيَّتَيْنِ يَنْتُجُ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةُ. كَقَوْلِنَا: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَصِحُّ بِنْيَةٍ، فَكُلُّ وُضُوءٍ يَصِحُّ بِنْيَةٍ.
الثَّانِي: مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ وَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ. يَنْتُجُ سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ. كَقَوْلِنَا: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ، فَكُلُّ وُضُوءٍ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ.
الثَّالِثُ: مِنْ مُوجَبَتَيْنِ وَالصُّغْرَى جُزْئِيَّةٌ، يُنْتُجُ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ. كَقَوْلِنَا: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَصِحُّ بِنْيَةٍ، فَبَعْضُ الْوُضُوءِ يَصِحُّ بِنْيَةٍ.
الرَّابِعُ: مِنْ صُغْرَى مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ وَكُبْرَى كُلِّيَّةٍ سَالِبَةٍ، [يَنْتُجُ] سَالِبَةٌ [جُزْئِيَّةٌ] كَقَوْلِنَا: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحْ بِدُونِ النِّيَّةِ، فَبَعْضُ الْوُضُوءِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ.
[الشكل الثاني]
ش - الشَّكْلُ الثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ الْأَوْسَطُ مَحْمُولًا لِطَرَفَيِ النَّتِيجَةِ، شَرْطُهُ بِحَسَبِ الْكَيْفِ وَالْكَمِّ اخْتِلَافُ مُقَدِّمَتَيْهِ بِالسَّلْبِ وَالْإِيجَابِ وَكُلِّيَّةُ كُبْرَاهُ. يَسْقُطُ بِمُقْتَضَى الشَّرْطَيْنِ اثْنَا عَشَرَ ضَرْبًا: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجُزْئِيَّتَيْنِ كُبْرَى مَعَ الْأَرْبَعِ بِحَسْبِ الشَّرْطِ الثَّانِي.
وَالْكُلِّيَّةُ الْمُوجَبَةُ كُبْرَى مَعَ الْمُوجَبَتَيْنِ. وَالْكُلِّيَّةُ السَّالِبَةُ كُبْرَى مَعَ السَّالِبَتَيْنِ بِحَسْبِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ.
يَبْقَى الضُّرُوبُ الْمُنْتِجَةُ أَرْبَعَةٌ:
(1/114)

ص - الشَّكْلُ الثَّانِي، شَرْطُهُ اخْتِلَافُ مُقَدِّمَتَيْهِ فِي الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَكُلِّيَّةِ كُبْرَاهُ تَبْقَى أَرْبَعَةً. وَلَا يُنْتِجُ إِلَّا سَالِبَةً.
أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِوُجُوبِ عَكْسِ إِحْدَاهُمَا وَجَعْلِهَا الْكُبْرَى. فَمُوجَبَتَانِ بَاطِلٌ وَسَالِبَتَانِ لَا تَتَلَاقَيَانِ.
وَأَمَّا كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى ; فَلِأَنَّهَا إِنْ كَانَتِ الَّتِي تَنْعَكِسُ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ عَكَسَتِ الصُّغْرَى - فَلَابُدَّ وَأَنْ تَكُونَ سَالِبَةً لِتَتَلَاقَيَا. وَيَجِبُ عَكْسُ النَّتِيجَةِ وَلَا تَنْعَكِسُ ; لِأَنَّهَا تَكُونُ جُزْئِيَّةً سَالِبَةً.
ص - الْأَوَّلُ: كُلِّيَّتَانِ، وَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ. الْغَائِبُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ، وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَيْسَ بِمَجْهُولِ الصِّفَةِ وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى.
الثَّانِي: كُلِّيَّتَانِ وَالْكُبْرَى مُوجَبَةٌ. الْغَائِبُ لَيْسَ بِمَعْلُومِ الصِّفَةِ وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومُ [الصِّفَةِ] وَلَازِمُهُ كَالْأَوَّلِ. وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى وَجَعْلِهَا الْكُبْرَى وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ.
الثَّالِثُ: جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ وَكُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ. بَعْضُ الْغَائِبِ مَجْهُولٌ، وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَيْسَ بِمَجْهُولٍ. فَلَازِمُهُ: بَعْضُ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/115)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْكُلِّيَّةُ الْمُوجَبَةُ مَعَ السَّالِبَتَيْنِ، وَالْكُلِّيَّةُ السَّالِبَةُ مَعَ الْمُوجَبَتَيْنِ.
أَمَّا بَيَانُ اشْتِرَاطِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ هَذَا الشَّكْلَ إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ إِنْتَاجُهُ بِالرَّدِّ إِلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، بِعَكْسِ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ: إِمَّا الْكُبْرَى، كَمَا فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ بِعَكْسِ الِاسْتِقَامَةِ وَفِي الضَّرْبِ الرَّابِعِ بِعَكْسِ النَّقِيضِ.
وَإِمَّا الصُّغْرَى وَجَعْلِهَا كُبْرَى ثُمَّ عَكَسُ النَّتِيجَةِ، كَمَا فِي الضَّرْبِ الثَّانِي.
فَلَوْ كَانَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ فِي الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ ; فَإِنْ كَانَتَا مُوجَبَتَيْنِ ; فَإِنْ عَكَسْتَ الْكُبْرَى حَتَّى ارْتَدَّ إِلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ آخَرَ، صَارَتِ الْكُبْرَى فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْمُوجَبَةَ لَا تَنْعَكِسُ إِلَّا جُزْئِيَّةً. وَإِنْ عَكَسْتَ الصُّغْرَى وَجَعَلْتَهَا كُبْرَى، لِتَرْتَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ، يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْقِيَاسِ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " فَمُوجَبَتَانِ بَاطِلٌ ". وَإِنْ كَانَتَا سَالِبَتَيْنِ ; فَإِنْ عَكَسْتَ الْكُبْرَى أَوِ الصُّغْرَى وَجَعَلْتَهَا كُبْرَى تَصِيرُ الصُّغْرَى فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ سَالِبَةً، فَلَا يَتَلَاقَى الْأَصْغَرُ وَالْأَكْبَرُ فِي النَّتِيجَةِ، لَا بِالْإِيجَابِ وَلَا بِالسَّلْبِ.
(1/116)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَالسَّالِبَتَانِ لَا يَتَلَاقَيَانِ ".
وَأَمَّا بَيَانُ اشْتِرَاطِ الْأَمْرِ الثَّانِي، وَهُوَ كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى ; فَلِأَنَّ الْكُبْرَى إِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي تَنْعَكِسُ فَوَاضِحٌ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جُزْئِيَّةً لَمْ يَكُنْ عَكْسُهَا كُلِّيًّا، فَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ كُبْرَى فِي الْأَوَّلِ.
وَإِنْ عَكَسْتَ الصُّغْرَى فَلَابُدَّ وَأَنْ تَكُونَ سَالِبَةً كُلِّيَّةً، لِتَنْعَكِسَ سَالِبَةً كُلِّيَّةً وَتُجْعَلَ الْكُبْرَى فَيَتَلَاقَى الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى فِي الْأَوَّلِ ;] 1) لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُوجَبَةً لَمْ تَنْعَكِسْ كُلِّيًّا، وَإِنْ كَانَتْ [سَالِبَةً] جُزْئِيَّةً لَمْ تَنْعَكِسْ أَصْلًا.
وَإِذَا كَانَتِ الصُّغْرَى سَالِبَةً فَلَابُدَّ وَأَنْ تَكُونَ الْكُبْرَى كُلِّيَّةً، وَإِلَّا لَكَانَتِ النَّتِيجَةُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً. وَيَجِبُ عَكْسُ النَّتِيجَةِ عِنْدَ عَكْسِ الصُّغْرَى. وَالسَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ لَا تَنْعَكِسُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَيَانَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِبَيَانِ هَذِهِ الضُّرُوبِ وَجْهٌ آخَرُ غَيْرُ الْعَكْسِ. وَهُوَ مَمْنُوعٌ، لِجَوَازِ أَنْ يُبَيَّنَ بِالْخُلْفِ، كَمَا فِي الْجَمِيعِ، أَوْ بِالِافْتِرَاضِ، كَمَا فِي الضُّرُوبِ الْجُزْئِيَّةِ.
(1/117)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَوْلَى أَنْ يُبَيِّنَ الِاشْتِرَاطُ بِالِاخْتِلَافِ الْمُوجِبِ لِلْعُقْمِ كَمَا بَيَّنَهُ الْمَنْطِقِيُّونَ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ الشَّرَائِطَ شَرَعَ فِي بَيَانِ الضُّرُوبِ الْمُنْتَجَةِ. الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ، وَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ. مِثَالُهُ: كُلُّ غَائِبٍ مَجْهُولُ الصِّفَةِ، وَكُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَيْسَ بِمَجْهُولِ الصِّفَةِ يُنْتِجُ: كُلُّ غَائِبٍ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى لِيَرْتَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى، وَإِلَّا لَصَارَ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً وَالصُّغْرَى سَالِبَةً فِي الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ وَالْكُبْرَى مُوجَبَةٌ. يُنْتِجُ أَيْضًا سَالِبَةً كُلِّيَّةً. مِثَالُهُ: كُلُّ غَائِبٍ لَيْسَ بِمَعْلُومِ الصِّفَةِ، وَكُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَهُوَ مَعْلُومُ الصِّفَةِ، يَنْتُجُ: كُلُّ غَائِبٍ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى وَجَعْلِهَا الْكُبْرَى ثُمَّ عَكْسِ النَّتِيجَةِ وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى ; لِأَنَّ الْكُبْرَى مُوجَبَةٌ، وَالْمُوجَبَةُ لَا تَنْعَكِسُ إِلَّا إِلَى جُزْئِيَّةٍ، وَهِيَ لَا تَصْلُحُ لِأَنْ تَكُونَ كُبْرَى فِي الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مِنْ مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرَى، وَكُلِّيَّةٍ سَالِبَةٍ كُبْرَى. يُنْتِجُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً.
(1/118)

الرَّابِعُ: جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ وَكُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ. بَعْضُ الْغَائِبِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومٌ وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى بِنَقِيضِ مُفْرَدَيْهَا.
ص - وَيَتَبَيَّنُ أَيْضًا فِيهِ وَفِي جَمِيعِ ضُرُوبِهِ بِالْخُلْفِ فَتَأْخُذُ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ، وَهُوَ: كُلُّ غَائِبٍ يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَتَجْعَلُهُ الصُّغْرَى فَيَنْتُجُ نَقِيضُ الصُّغْرَى الصَّادِقَةِ. وَلَا خَلَلَ إِلَّا مَنْ نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ، فَالْمَطْلُوبُ صِدْقٌ.
ص - الشَّكْلُ الثَّالِثُ، شَرْطُهُ إِيجَابُ الصُّغْرَى أَوْ فِي حُكْمِهِ، وَكُلِّيَّةُ إِحْدَاهُمَا، تَبْقَى سِتَّةٌ. وَلَا يَنْتُجُ إِلَّا جُزْئِيَّةٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَكْسِ إِحْدَاهُمَا وَجَعْلِهَا الصُّغْرَى فَإِنْ قَدَّرْتَ الصُّغْرَى سَالِبَةً وَعَكَسْتَهَا - لَمْ تَتَلَاقَيَا وَإِنْ كَانَ الْعَكْسُ فِي الْكُبْرَى، وَهِيَ سَالِبَةٌ - لَمْ تَتَلَاقَيَا مُطْلَقًا. وَإِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً - فَلَا بُدَّ مِنْ عَكْسِ النَّتِيجَةِ وَلَا تَنْعَكِسُ.
وَأَمَّا كُلِّيَّةُ إِحْدَاهُمَا، فَلِتَكُونَ هِيَ الْكُبْرَى آخِرًا بِنَفْسِهَا أَوْ بِعَكْسِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/119)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثَالُهُ: بَعْضُ الْغَائِبِ مَجْهُولُ الصِّفَةِ، وَكُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَيْسَ بِمَجْهُولِ الصِّفَةِ، فَبَعْضُ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى. وَلَا يُمْكِنُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى، وَإِلَّا لَصَارَتِ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً وَالصُّغْرَى سَالِبَةً فِي الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ: مِنْ سَالِبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرَى، وَكُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ كُبْرَى، يُنْتِجُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً. مِثَالُهُ: بَعْضُ الْغَائِبِ لَيْسَ بِمَعْلُومِ الصِّفَةِ، وَكُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومُ الصِّفَةِ، فَبَعْضُ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى، وَإِلَّا لَصَارَتِ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً فِي الْأَوَّلِ. وَلَا بِعَكْسِ الصُّغْرَى ; لِأَنَّ السَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ لَا تَنْعَكِسُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ انْعِكَاسِهَا تَصِيرُ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً فِي الْأَوَّلِ. وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ بِعَكْسِ نَقِيضِ الْكُبْرَى.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْبَيَانَ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَتِ السَّالِبَةُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْمُوجَبَةِ الْمَعْدُولَةِ، حَتَّى يُجْعَلَ صُغْرَى فِي الْأَوَّلِ. وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ السَّالِبَةَ أَعَمُّ مِنَ الْمُوجَبَةِ الْمَعْدُولَةِ ; ضَرُورَةَ صِدْقِ السَّالِبَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَوْضُوعِ، بِخِلَافِ الْمُوجَبَةِ الْمَعْدُولَةِ.
(1/120)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ أَنَّ الصُّغْرَى سَالِبَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَلْزِمَةً لِلْمُوجَبَةِ الْمَعْدُولَةِ لَكِنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْمُوجَبَةِ السَّالِبَةِ الْمَحْمُولِ ; لِأَنَّ الْمُوجَبَةَ السَّالِبَةَ الْمَحْمُولَ لِشَبَهِهَا بِالسَّالِبَةِ لَا تَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ. وَحِينَئِذٍ يُنْتِجُ هَذِهِ الْمُوجَبَةَ مَعَ عَكْسٍ نَقِيضِ الْكُبْرَى.
ش - وَيَتَبَيَّنُ أَيْضًا. بَيَانُ الْإِنْتَاجِ فِي هَذَا الضَّرْبِ وَفِي جَمِيعِ ضُرُوبِ الشَّكْلِ الثَّانِي بِالْخُلْفِ.
وَطَرِيقُ الْخُلْفِ فِي هَذَا الشَّكْلِ هُوَ أَنْ تَجْعَلَ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ - لِإِيجَابِهِ - صُغْرَى وَكُبْرَى الْقِيَاسِ - لِكُلِّيَّتِهَا - كُبْرَى، لِيَنْتُجَ مِنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ مَا يُنَاقِضُ الصُّغْرَى.
مَثَلًا فِي الضَّرْبِ الرَّابِعِ نَقُولُ: لَوْ لَمْ يَصْدُقْ قَوْلُنَا: بَعْضُ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، لَصَدَقَ نَقِيضُهُ، وَهُوَ قَوْلُنَا: كُلُّ غَائِبٍ يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَكُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومُ الصِّفَةِ صَادِقٌ بِالْفَرْضِ ; لِأَنَّهَا كُبْرَى الْقِيَاسِ، فَيَنْتُجُ
(1/121)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنَ الْأَوَّلِ: كُلُّ غَائِبٍ مَعْلُومُ الصِّفَةِ وَ [هُوَ] نَقِيضُ الصُّغْرَى الصَّادِقَةِ، فَيَلْزَمُ كَذِبُهُ.
وَلَا بُدَّ فِي قِيَاسِ الْخُلْفِ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ مِنْ خَلَلٍ، وَلَا خَلَلَ فِي صُورَتِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ الْحَقِّ الْمُبِينِ. وَلَا خَلَلَ أَيْضًا فِي كُبْرَى الْقِيَاسِ الصَّادِقَةِ. فَيَلْزَمُ الْخَلَلُ مِنْ نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ، فَيَلْزَمُ صِدْقُ الْمَطْلُوبِ.
[الشكل الثالث]
ش - الشَّكْلُ الثَّالِثُ شَرْطُ إِنْتَاجِهِ بِحَسَبِ كَمِّيَّةِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَكَيْفِيَّتِهِمَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الصُّغْرَى مُوجَبَةً أَوْ فِي حُكْمِ الْمُوجَبَةِ، أَعْنِي السَّالِبَةَ الْمُرَكَّبَةَ. الثَّانِي: كَوْنُ إِحْدَاهُمَا كُلِّيَّةً.
يَبْقَى الضُّرُوبُ الْمُنْتَجَةُ بِمُقْتَضَى الشَّرْطَيْنِ سِتَّةً: الصُّغْرَى الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ مَعَ الْمَحْصُورَاتِ الْأَرْبَعِ. وَالْمُوجَبَةُ الْجُزْئِيَّةُ مَعَ الْكُلِّيَّتَيْنِ. وَلَا يُنْتِجُ هَذَا الشَّكْلُ إِلَّا جُزْئِيَّةً.
أَمَّا بَيَانُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ إِيجَابُ الصُّغْرَى ; فَلِأَنَّ هَذَا الشَّكْلَ إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ إِنْتَاجُهُ بِالرَّدِّ إِلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، إِمَّا بِعَكْسِ الْكُبْرَى وَجَعْلِهَا صُغْرَى ثُمَّ عَكَسِ النَّتِيجَةِ.
أَوْ بِعَكْسِ الصُّغْرَى وَجَعْلِهَا صُغْرَى. فَلَوْ كَانَتِ الصُّغْرَى سَالِبَةً وَعَكَسْتَهَا لَمْ يَتَلَاقَيَا فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ ; ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ كَوْنِ الصُّغْرَى سَالِبَةً فِي الْأَوَّلِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْ قَوْلَهُ: لَمْ يَتَلَاقَيَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَلَاقَيَا فِي الشَّرْطِ الرَّابِعِ.
(1/122)

وَأَمَّا إِنْتَاجُهُ جُزْئِيَّةً ; فَلِأَنَّ الصُّغْرَى عَكْسُ مُوجَبَةٍ أَبَدًا أَوْ فِي حُكْمِهَا.
ص - الْأَوَّلُ: كِلْتَاهُمَا كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ. كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيٌّ، فَيُنْتِجُ: بَعْضُ الْمُقْتَاتِ رِبَوِيٌّ وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/123)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ عَكَسْتَ الْكُبْرَى وَهِيَ سَالِبَةٌ لَمْ يَتَلَاقَيَا مُطْلَقًا ; إِذْ لَا قِيَاسَ عَنْ سَالِبَتَيْنِ، لَا فِي الْأَوَّلِ لَا فِي الرَّابِعِ. وَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: " مُطْلَقًا ".
وَإِنْ كَانَتِ الْكُبْرَى مُوجَبَةً، وَهِيَ لَا تَنْعَكِسُ إِلَّا جُزْئِيَّةً، فَإِذَا جَعَلْتَهَا الصُّغْرَى، وَالصُّغْرَى السَّالِبَةُ، الْكُبْرَى، يُنْتِجُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً. وَيَجِبُ عَكْسُ النَّتِيجَةِ، وَالسَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ لَا تَنْعَكِسُ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي، وَهُوَ كُلِّيَّةُ إِحْدَاهُمَا فَلِتَكُونَ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ هِيَ الْكُبْرَى آخِرًا، أَيْ بَعْدَ الرَّدِّ. وَتِلْكَ الْمُقَدِّمَةُ الَّتِي هِيَ الْكُبْرَى بَعْدَ الرَّدِّ، إِمَّا الْكُبْرَى بِنَفْسِهَا، وَذَلِكَ إِذَا عَكَسْتَ الصُّغْرَى. وَإِمَّا الصُّغْرَى، وَذَلِكَ إِذَا عَكَسْتَ الْكُبْرَى وَجَعَلْتَهَا صُغْرَى.
وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ لَا يُنْتِجُ إِلَّا جُزْئِيَّةً ; فَلِأَنَّ الصُّغْرَى فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ الرَّدِّ يَكُونُ عَكْسَ مُوجَبَةٍ أَبَدًا [أَوْ فِي حُكْمِهَا، أَيِ السَّالِبَةِ] مُرَكَّبَةً ضَرُورَةً ; لِأَنَّ الصُّغْرَى إِنْ كَانَتْ تَنْعَكِسُ فَظَاهِرٌ.
وَإِنْ كَانَتِ الْكُبْرَى تَنْعَكِسُ فَلَابُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مُوجَبَةً لِتُجْعَلَ صُغْرَى فِي الْأَوَّلِ. وَعَكْسُ الْمُوجَبَةِ جُزْئِيَّةٌ فَالنَّتِيجَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا جُزْئِيَّةً.
وَهَذِهِ الْبَيَانَاتُ إِنَّمَا تَتِمُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِبَيَانِ إِنْتَاجِ ضُرُوبِ هَذَا الشَّكْلِ طَرِيقٌ سِوَى الْعَكْسِ.
(1/124)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِإِمْكَانِ بَيَانِهِ بِالْخُلْفِ فِي الْجَمِيعِ، وَالِافْتِرَاضِ فِي الْبَعْضِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُبَيِّنَ الِاشْتِرَاطَ بِالِاخْتِلَافِ الْمُوجِبِ لِلْعُقْمِ. وَإِنَّ بَيْنَ إِنْتَاجِهِ جُزْئِيَّةً بِأَنْ يُقَالَ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَالرَّابِعُ أَخَصُّ ضُرُوبِ هَذَا الشَّكْلِ، وَهُمَا لَا يُنْتِجَانِ إِلَّا الْجُزْئِيَّةَ ; لِجَوَازِ كَوْنِ الْأَصْغَرِ أَعَمَّ مِنَ الْأَكْبَرِ فِيهِمَا.
أَمَّا فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ فَكَقَوْلِنَا: كُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ نَاطِقٌ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي هُوَ الْأَصْغَرُ أَعَمُّ مِنَ النَّاطِقِ الَّذِي هُوَ الْأَكْبَرُ.
وَأَمَّا فِي الضَّرْبِ الرَّابِعِ فَكَقَوْلِنَا: كُلُّ إِنْسَانِ حَيَوَانٌ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْإِنْسَانِ بِفَرَسٍ. فَإِنَّ الْحَيَوَانَ أَعَمُّ مِنَ الْفَرَسِ.
وَإِذَا كَانَ الْأَصْغَرُ أَعَمَّ مِنَ الْأَكْبَرِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْأَكْبَرُ كُلِّيًّا، وَلَا يُسْلَبُ عَنْهُ أَيْضًا كُلِّيًّا، فَيَكُونُ النَّتِيجَةُ جُزْئِيَّةً. وَمَتَى لَمْ يُنْتِجْ هَذَانِ الضَّرْبَانِ إِلَّا الْجُزْئِيَّةَ، لَمْ يُنْتِجِ الْبَاقِي إِلَّا الْجُزْئِيَّةَ.
ش - الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مِنَ الشَّكْلِ الثَّالِثِ مِنْ مُوجَبَتَيْنِ كُلِّيَّتَيْنِ
(1/125)

الثَّانِي: جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ وَكُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ. بَعْضُ الْبُرِّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيٌّ، فَيُنْتِجُ [مِثْلَهُ] وَيَتَبَيَّنُ كَالْأَوَّلِ.
الثَّالِثُ: كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ وَجُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ. كُلُّ بُرٌّ مُقْتَاتٌ، وَبَعْضُ الْبُرِّ رِبَوِيٌّ، فَيُنْتِجُ مِثْلَهُ، وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى وَجَعْلِهَا الصُّغْرَى وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ.
الرَّابِعُ: كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ وَكُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ. كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، فَيَنْتُجُ: بَعْضُ الْمُقْتَاتِ لَا يُبَاعُ وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى.
الْخَامِسُ: جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ وَكُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ. بَعْضُ الْبُرِّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، فَيَنْتُجُ وَيَتَبَيَّنُ مِثْلُهُ.
السَّادِسُ: كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ وَجُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ. كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَبَعْضُ الْبُرِّ لَا يُبَاعُ [بِجِنْسِهِ] فَيَنْتُجُ مِثْلُهُ. وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى عَلَى حُكْمِ الْمُوجَبَةِ وَجَعْلِهَا الصُّغْرَى، وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ. وَيَتَبَيَّنُ مَعَ جَمِيعِهِ بِالْخُلْفُ أَيْضًا فَتَأْخُذُ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّكَ تَجْعَلُهَا الْكُبْرَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/126)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَنْتُجُ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ. كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيٍّ، فَيَنْتُجُ: بَعْضُ الْمُقْتَاتِ رِبَوِيٌّ.
بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى لِيَرْتَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ. وَيُمْكِنُ بَيَانُهُ أَيْضًا بِعَكْسِ الْكُبْرَى وَجَعْلِهَا صُغْرَى، ثُمَّ عَكَسَ النَّتِيجَةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ مُوجَبَتَيْنِ وَالْكُبْرَى كُلِّيَّةٌ، يَنْتُجُ أَيْضًا مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ بَعْضُ الْبُرِّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيٌّ، فَبَعْضُ الْمُقْتَاتِ رِبَوِيٌّ.
وَيَتَبَيَّنُ أَيْضًا بِعَكْسِ الصُّغْرَى. وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى، وَإِلَّا لَصَارَ الْقِيَاسُ عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ مُوجَبَتَيْنِ وَالصُّغْرَى كُلِّيَّةٌ فَيَنْتُجُ أَيْضًا مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ. كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَبَعْضُ الْبُرِّ رِبَوِيٌّ، فَيَنْتِجُ بَعْضُ الْمُقْتَاتِ رِبَوِيٌّ.
بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى وَجَعْلِهَا صُغْرَى، ثُمَّ عَكَسَ النَّتِيجَةَ. وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى، وَإِلَّا لَصَارَ الْقِيَاسُ عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ فِي الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ وَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ، يَنْتُجُ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ. كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، فَيَنْتِجُ: بَعْضُ الْمُقْتَاتِ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا. بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى. وَلَا يُمْكِنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى، وَإِلَّا لَصَارَتِ الصُّغْرَى سَالِبَةً فِي الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ الْخَامِسُ مِنْ صُغْرَى مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ وَكُبْرَى سَالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ، فَيَنْتِجُ أَيْضًا سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ. بَعْضُ الْبُرِّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، فَبَعْضُ الْمُقْتَاتِ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا.
(1/127)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى وَلَا يُمْكِنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى، وَإِلَّا لَصَارَ الصُّغْرَى سَالِبَةً فِي الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ السَّادِسُ مِنْ مُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ صُغْرَى وَسَالِبَةٍ جُزْئِيَّةٍ كُبْرَى، فَيَنْتِجُ أَيْضًا سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ. كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَبَعْضُ الْبُرِّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، فَيَنْتِجُ: بَعْضُ الْمُقْتَاتِ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا.
لَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى، وَإِلَّا لَصَارَ الْقِيَاسُ عَنِ الْجُزْئِيَّتَيْنِ فِي الْأَوَّلِ. وَلَا بِعَكْسِ الْكُبْرَى ; لِأَنَّهَا لَا تَنْعَكِسُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ انْعِكَاسِهَا لَا تَصْلُحُ لِأَنْ تَكُونَ صُغْرَى فِي الْأَوَّلِ ; لِكَوْنِهَا سَالِبَةً.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْكُبْرَى السَّالِبَةُ فِي حُكْمِ الْمُوجَبَةِ، أَعْنِي تَكُونُ مُرَكَّبَةً. أَوْ تَكُونُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْمَعْدُولَةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى وَجَعْلِهَا صُغْرَى، ثُمَّ عَكْسِ النَّتِيجَةِ.
وَيَتَبَيَّنُ هَذَا الضَّرْبُ مَعَ جَمِيعِ بَاقِي الضُّرُوبِ بِالْخُلْفِ. وَطَرِيقُهُ فِي هَذَا الشَّكْلِ أَنْ يَجْعَلَ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ - لِكُلِّيَّتِهِ كُبْرَى وَصُغْرَى الْقِيَاسِ لِإِيجَابِهَا - صُغْرَى، لِيَنْتِجَ مِنَ الْأَوَّلِ مَا يُنَاقِضُ الْكُبْرَى.
مَثَلًا نَقُولُ فِي الضَّرْبِ السَّادِسِ: لَوْ لَمْ يَصْدُقْ قَوْلُنَا: بَعْضُ الْمُقْتَاتِ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، لَصَدَقَ قَوْلُنَا: كُلُّ مُقْتَاتٍ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، فَتَجْعَلُهُ كُبْرَى، وَالصُّغْرَى - وَهِيَ قَوْلُنَا: كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٍ - صُغْرَى، لِيَنْتِجَ قَوْلُنَا: كُلُّ بُرٍّ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَقَدْ كَانَتِ الْكُبْرَى: بَعْضُ الْبُرِّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا. هَذَا خُلْفٌ.
[الشكل الرابع]
ش - قَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ إِلَّا بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ; فَإِنَّ مَا قُدِّمَ فِي الْأَوَّلِ جُعِلَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّابِعِ وَبِالْعَكْسِ.
وَقَدْ أَزَالَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْوَهْمَ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ نَتِيجَةَ الشَّكْلِ الرَّابِعِ لَيْسَتْ نَفْسَهَا نَتِيجَةَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، بَلْ عَكْسُهَا.
اعْلَمْ أَنَّ السَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ فِي هَذَا الشَّكْلِ سَاقِطَةٌ ; لِأَنَّ بَيَانَ هَذَا الشَّكْلِ إِمَّا بِعَكْسِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَوَضْعِ الْعَكْسِ مَقَامَ الْأَصْلِ لِيَرْتَدَّ إِلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، أَوْ بِعَكْسِ الْكُبْرَى فَقَطْ لِيَرْتَدَّ إِلَى الثَّالِثِ أَوْ بِعَكْسِ الصُّغْرَى فَقَطْ لِيَرْتَدَّ إِلَى الثَّانِي.
وَإِمَّا بِالْقَلْبِ بِأَنْ تَجْعَلَ الصُّغْرَى كُبْرَى، وَالْكُبْرَى صُغْرَى، لِيَرْتَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ تَعْكِسُ النَّتِيجَةَ. فَلَوْ كَانَتْ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً لَمْ يُمْكِنْ بَيَانُهُ بِالْعَكْسِ أَصْلًا ; لِأَنَّهَا لَا تَنْعَكِسُ. وَلَا بِالْقَلْبِ أَيْضًا ; لِأَنَّ السَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ قَبْلَ الْقَلْبِ إِمَّا صُغْرَى أَوْ كُبْرَى، فَإِنْ كَانَتْ كُبْرَى [لَمْ] يَتَلَاقَ الْمُقَدِّمَتَانِ بَعْدَ الْقَلْبِ ; ضَرُورَةَ صَيْرُورَةِ الصُّغْرَى سَالِبَةً جُزْئِيَّةً فِي الْأَوَّلِ. وَإِنْ كَانَتْ صُغْرَى لَمْ تَصْلُحْ بَعْدَ الْقَلْبِ لِأَنْ تَكُونَ
(1/128)

ص - الشَّكْلُ الرَّابِعُ وَلَيْسَ تَقْدِيمًا وَ [لَا] تَأْخِيرًا لِلْأَوَّلِ ; لِأَنَّ هَذَا نَتِيجَتُهُ عَكْسُهُ. وَالْجُزْئِيَّةُ السَّالِبَةُ سَاقِطَةٌ ; لِأَنَّهَا لَا تَنْعَكِسُ.
وَإِنْ بَقِيَتَا وَقُلِبَتَا، فَإِنْ كَانَتِ الثَّانِيَةَ - لَمْ تَتَلَاقَيَا، وَإِنْ كَانَتِ الْأُولَى - لَمْ تَصْلُحْ لِلْكُبْرَى.
وَإِذَا كَانَتِ الصُّغْرَى مُوجَبَةً كُلِّيَّةً - فَالْكُبْرَى عَلَى الثَّلَاثِ. وَإِنْ كَانَتْ سَالِبَةً كُلِّيَّةً - فَالْكُبْرَى مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ جُزْئِيَّةً وَبَقِيَتْ - وَجَبَ جَعْلُهَا الصُّغْرَى وَعَكْسُ النَّتِيجَةِ. وَإِنْ عُكِسَتْ وَبَقِيَتْ - لَمْ تَصْلُحْ لِلْكُبْرَى. وَإِنْ كَانَتْ سَالِبَةً كُلِّيَّةً - لَمْ تَتَلَاقَيَا بِوَجْهٍ.
وَإِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً - فَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً وَفَعَلْتَ الْأَوَّلَ - لَمْ تَصْلُحْ لِلْكُبْرَى، وَإِنْ فَعَلْتَ الثَّانِي - صَارَتِ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/129)

وَإِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً - فَأَبْعَدُ. فَيَنْتِجُ مِنْهُ خَمْسَةٌ.
ص - الْأَوَّلُ: كُلُّ عِبَادَةٍ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، وَكُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، فَيَنْتِجُ بَعْضُ الْمُفْتَقِرِ وُضُوءٌ. وَيَتَبَيَّنُ بِالْقَلْبِ فِيهِمَا وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ.
الثَّانِي: مِثْلُهُ، وَالثَّانِيَةُ جُزْئِيَّةٌ.
الثَّالِثُ: كُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَسْتَغْنِي، وَكُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، فَيَنْتِجُ كُلُّ مُسْتَغْنٍ لَيْسَ بِوُضُوءٍ. وَيَتَبَيَّنُ بِالْقَلْبِ وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ.
الرَّابِعُ: كُلُّ مُبَاحٍ مُسْتَغْنٍ، وَكُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ بِمُبَاحٍ، فَيَنْتِجُ: بَعْضُ الْمُسْتَغْنِي لَيْسَ بِوُضُوءٍ. وَيَتَبَيَّنُ بِعَكْسِهِمَا.
الْخَامِسُ بَعْضُ الْمُبَاحِ مُسْتَغْنٍ، وَكُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ بِمُبَاحٍ، وَهُوَ مِثْلُهُ.
ص - وَالِاسْتِثْنَائِيُّ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ بِالشَّرْطِ وَيُسَمَّى: " الْمُتَّصِلَ ". وَالشَّرْطُ: " مُقَدَّمًا ". وَالْجَزَاءُ: " تَالِيًا ". وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: اسْتِثْنَائِيَّةٌ. وَشَرْطُ إِنْتَاجِهِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ الْمُقَدَّمِ، فَلَازَمَهُ عَيْنُ التَّالِي.
أَوْ بِنَقِيضِ التَّالِي، فَلَازَمَهُ نَقِيضُ الْمُقَدَّمِ. وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ لَازِمٍ مَعَ مَلْزُومِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا. مِثْلَ: إِنْ كَانَ هَذَا إِنْسَانًا فَهُوَ حَيَوَانٌ. وَأَكْثَرُ الْأَوَّلِ بِـ " إِنَّ " وَالثَّانِي بِـ " لَوْ ".
ص - وَيُسَمَّى مَا بِـ " لَوْ ": قِيَاسَ الْخُلْفِ. وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمَطْلُوبِ بِإِبْطَالِ نَقِيضِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/130)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كُبْرَى فِي الْأَوَّلِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِهَا جُزْئِيَّةً. فَسَقَطَ بِمُقْتَضَى هَذَا الشَّرْطِ سَبْعَةُ أَضْرُبٍ.
فَإِذَا كَانَتِ الصُّغْرَى مُوجَبَةً كُلِّيَّةً يَنْتُجُ مَعَ الْكُبْرَيَاتِ الثَّلَاثِ. وَإِنْ كَانَتْ سَالِبَةً كُلِّيَّةً لَا يَنْتُجُ إِلَّا مَعَ الْكُبْرَى الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّ الْكُبْرَى إِذَا كَانَتْ جُزْئِيَّةً وَبَقِيَتْ، أَيْ [لَمْ] تُعْكَسْ، وَجَبَ جَعْلُهَا صُغْرَى، ثُمَّ عَكَسَ النَّتِيجَةَ، وَالنَّتِيجَةُ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ ; ضَرُورَةَ تَرَكُّبِ الْقِيَاسِ مِنَ الْمُوجَبَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَالسَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ. وَالسَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ لَا تَنْعَكِسُ.
وَإِنْ عَكَسْتَ الْكُبْرَى الْجُزْئِيَّةَ وَجَعَلْتَهُ كُبْرَى، فَإِنْ لَمْ تَعْكِسِ الصُّغْرَى، ارْتَدَّ الْقِيَاسُ إِلَى الثَّالِثِ، فَلَمْ تَصْلُحِ السَّالِبَةُ لِلصُّغْرَى.
وَإِنْ عَكَسْتَ الصُّغْرَى أَيْضًا ارْتَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَصْلُحْ عَكْسُ الصُّغْرَى لِأَنْ يَكُونَ صُغْرَى فِي الْأَوَّلِ، وَلَا الْكُبْرَى لِأَنْ تَكُونَ كُبْرَى فِيهِ ; ضَرُورَةَ صَيْرُورَةِ الصُّغْرَى سَالِبَةً، وَالْكُبْرَى جُزْئِيَّةً فِي الْأَوَّلِ.
هَذَا إِذَا كَانَتِ الْكُبْرَى مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الصُّغْرَى سَالِبَةً كُلِّيَّةً. وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْكُبْرَى سَالِبَةً كُلِّيَّةً فَلَمْ تَتَلَاقَ الْمُقَدِّمَتَانِ وَلَا عَكْسُهُمَا أَصْلًا. فَسَقَطَ الصُّغْرَى السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ مَعَ الْكُبْرَيَاتِ الثَّلَاثِ الْغَيْرِ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ.
(1/131)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ كَانَتِ الصُّغْرَى مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً فَلَا تَنْتِجُ إِلَّا مَعَ الْكُبْرَى السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّ الْكُبْرَى إِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً، وَفَعَلْتَ الْأَوَّلَ، أَيِ الْقَلْبَ، بِأَنْ جَعَلْتَ الْكُبْرَى صُغْرَى، وَالصُّغْرَى كُبْرَى، لَمْ تَصْلُحِ الْجُزْئِيَّةُ لِلْكُبْرَى فِي الْأَوَّلِ.
وَإِنْ فَعَلْتَ الثَّانِيَ، أَيِ الْعَكْسَ، صَارَتِ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً فِي الْأَوَّلِ، إِنْ عَكَسْتَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ ; لِأَنَّ الصُّغْرَى جُزْئِيَّةٌ وَالْكُبْرَى مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَهِيَ لَا تَنْعَكِسُ إِلَّا جُزْئِيَّةً.
وَإِنْ عَكَسْتَ الْكُبْرَى فَقَطْ، صَارَ الْقِيَاسُ عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ فِي الثَّالِثِ ; لِأَنَّهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى وَحْدَهَا يَرْتَدُّ إِلَى الثَّالِثِ.
وَإِنْ عَكَسْتَ الصُّغْرَى فَقَطْ، ارْتَدَّ إِلَى الثَّانِي، فَيَصِيرُ الْقِيَاسُ عَنْ مُوجَبَتَيْنِ فِي الثَّانِي.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْتَبَرِ الرَّدَّ إِلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: " صَارَتِ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً ".
هَذَا إِذَا كَانَتِ الْكُبْرَى مُوجَبَةً كُلِّيَّةً. فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً فَأَبْعَدُ مِنْهُ ; إِذْ لَا قِيَاسَ عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ فِي [الْأَشْكَالِ] الثَّلَاثَةِ أَصْلًا. فَالصُّغْرَى الْمُوجَبَةُ الْجُزْئِيَّةُ تَسْقُطُ مَعَ الْكُبْرَيَاتِ الثَّلَاثِ.
فَالضُّرُوبُ الْمُنْتَجَةُ خَمْسَةٌ:
(1/132)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الصُّغْرَى الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ مَعَ الْكُبْرَيَاتِ الثَّلَاثِ الْغَيْرِ السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ. وَالصُّغْرَى السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ مَعَ الْكُبْرَى الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ. وَالصُّغْرَى الْمُوجَبَةُ الْجُزْئِيَّةُ مَعَ الْكُبْرَى السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ.
وَفِي هَذِهِ الْبَيَانَاتِ أَيْضًا نَظَرٌ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُبَيَّنَ بِالِاخْتِلَافِ.
ش - الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مِنْ مُوجَبَتَيْنِ كُلِّيَّتَيْنِ يَنْتُجُ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ.
(1/133)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثَالُهُ: كُلُّ عِبَادَةٍ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، وَكُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، يَنْتُجُ: بَعْضُ الْمُفْتَقِرِ إِلَى النِّيَّةِ وُضُوءٌ.
بَيَانُهُ بِقَلْبِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِأَنْ تَجْعَلَ الصُّغْرَى كُبْرَى، وَالْكُبْرَى صُغْرَى، لِيَرْتَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ وَيَنْتِجَ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ، ثُمَّ تَعْكِسُ النَّتِيجَةَ إِلَى الْمُوجَبَةِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَطْلُوبُ.
وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَإِلَّا لَصَارَ الْقِيَاسُ الْأَوَّلُ عَنِ الْجُزْئِيَّتَيْنِ وَلَا بِعَكْسِ [الصُّغْرَى، وَإِلَّا لَصَارَ الْقِيَاسُ] عَنْ مُوجَبَتَيْنِ فِي الثَّانِي. وَيُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى لِيَرْتَدَّ إِلَى الثَّالِثِ وَيَنْتِجُ الْمَطْلُوبُ.
وَلَا يُنْتِجُ هَذَا الضَّرْبُ كُلِّيَّةً ; لِأَنَّ بَيَانَهُ [إِمَّا] بِالْقَلْبِ، لِيَرْتَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ ; ثُمَّ عَكَسُ النَّتِيجَةِ. وَالْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ لَا تَنْعَكِسُ كُلِّيًّا. أَوْ بِعَكْسِ الْكُبْرَى لِيَرْتَدَّ إِلَى الثَّالِثِ، وَالثَّالِثُ لَا يُنْتِجُ إِلَّا جُزْئِيَّةً. وَهَذَا الْبَيَانُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ. وَفِيهِ مَا فِيهِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا لَا يَنْتُجُ هَذَا الضَّرْبُ إِلَّا الْجُزْئِيَّةَ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْأَصْغَرُ فِيهِ أَعَمَّ مِنَ الْأَكْبَرِ، فَلَمْ يَصْدُقِ الْأَكْبَرُ عَلَى الْأَصْغَرِ.
كَقَوْلِنَا: كُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ، وَكُلُّ نَاطِقٍ إِنْسَانٌ، فَلَا يَصْدُقُ إِلَّا قَوْلُنَا: بَعْضُ الْحَيَوَانِ نَاطِقٌ.
(1/134)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذَا الضَّرْبُ أَخَصُّ مِنَ الضُّرُوبِ الْمُنْتِجَةِ لِلْمُوجَبَةِ، فَلَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهَا مُنْتِجًا لِلْكُلِّيَّةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ مُوجَبَتَيْنِ وَالْكُبْرَى جُزْئِيَّةٌ، يَنْتُجُ أَيْضًا مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ. مِثَالُهُ: كُلُّ عِبَادَةٍ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، وَبَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، فَبَعْضُ الْمُفْتَقِرِ إِلَى النِّيَّةِ وُضُوءٌ.
بَيَانُهُ بِالْقَلْبِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ. وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَإِلَّا لَصَارَ الْقِيَاسُ فِي الْأَوَّلِ عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ. وَلَا بِعَكْسِ الصُّغْرَى، وَإِلَّا لَصَارَ الْقِيَاسُ عَنْ مُوجَبَتَيْنِ جُزْئِيَّتَيْنِ فِي الثَّانِي. وَيُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى لِيَرْتَدَّ إِلَى الثَّالِثِ وَيَنْتُجَ الْمَطْلُوبُ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ وَالْكُبْرَى مُوجَبَةٌ، يَنْتُجُ سَالِبَةً كُلِّيَّةً. مِثَالُهُ: كُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَسْتَغْنِي عَنِ النِّيَّةِ، وَكُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، فَيَنْتِجُ: كُلُّ مُسْتَغْنٍ عَنِ النِّيَّةِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ. بَيَانُهُ بِالْقَلْبِ، ثُمَّ عَكَسَ النَّتِيجَةَ.
وَإِنَّمَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ كُلِّيَّةً ; لِأَنَّ السَّالِبَةَ الْكُلِّيَّةَ تَنْعَكِسُ كَنَفْسِهَا. وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَوِ الْكُبْرَى. وَيُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى لِيَرْتَدَّ إِلَى الثَّانِي وَيُنْتَجَ الْمَطْلُوبُ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ وَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ، يُنْتِجُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً. مِثَالُهُ: كُلُّ مُبَاحٍ مُسْتَغْنٍ عَنِ النِّيَّةِ، وَكُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ بِمُبَاحٍ، فَيَنْتِجُ: بَعْضُ الْمُسْتَغْنِي لَيْسَ بِوُضُوءٍ.
(1/135)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ لِيَرْتَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ. وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِالْقَلْبِ وَإِلَّا لَصَارَتِ الصُّغْرَى سَالِبَةً فِي الْأَوَّلِ.
وَيُمْكِنُ بَيَانُهُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى لِيَرْتَدَّ إِلَى الثَّانِي. وَبِعَكْسِ الْكُبْرَى لِيَرْتَدَّ إِلَى الثَّالِثِ. وَلَا يُنْتِجُ هَذَا الضَّرْبُ كُلِّيَّةً.
أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ ; فَلِأَنَّ بَيَانَهُ بِالْعَكْسِ، وَعِنْدَ الْعَكْسِ صَارَ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ جُزْئِيَّةً أَوِ الْقِيَاسُ عَلَى هَيْئَةِ الثَّالِثِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يُنْتِجُ إِلَّا جُزْئِيَّةً. وَفِيهِ مَا فِيهِ.
وَالْحُقُّ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْأَصْغَرُ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنَ الْأَكْبَرِ فَلَمْ يَكُنِ الْأَكْبَرُ مَسْلُوبًا عَنِ الْأَصْغَرِ كُلِّيًّا. كَقَوْلِنَا: كُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْفَرَسِ بِإِنْسَانٍ. وَهَذَا الضَّرْبُ أَخَصُّ مِنَ الْخَامِسِ، فَلَا يُنْتِجُ الْخَامِسُ إِلَّا جُزْئِيَّةً.
الضَّرْبُ الْخَامِسُ مِنْ مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرَى وَسَالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرَى، يُنْتِجُ أَيْضًا سَالِبَةً مُوجَبَةً. مِثَالُهُ: بَعْضُ الْمُبَاحِ مُسْتَغْنٍ عَنِ النِّيَّةِ، وَكُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ بِمُبَاحٍ يَنْتُجُ: بَعْضُ الْمُسْتَغْنِي عَنِ النِّيَّةِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ.
بَيَانُهُ بِعَكْسِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ بِعَكْسِ إِحْدَاهُمَا. وَلَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِالْقَلْبِ، وَإِلَّا لَصَارَا الصُّغْرَى فِي الْأَوَّلِ سَالِبَةً، وَالْكُبْرَى جُزْئِيَّةً. وَيُمْكِنُ بَيَانُ جَمِيعِ الضُّرُوبِ بِالْخُلْفِ.
أَمَّا الضُّرُوبُ الْمُنْتِجَةُ لِلْمُوجَبَةِ فَكَالثَّالِثِ.
(1/136)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا الضُّرُوبُ الْمُنْتِجَةُ لِلسَّلْبِ فَكَالثَّانِي.
[الاستثنائي (المتصل والمنفصل) ]
[الاستثنائي المتصل]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقِيَاسِ الِاقْتِرَانِيِّ، شَرَعَ فِي الْقِيَاسِ الِاسْتِثْنَائِيِّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ النَّتِيجَةُ أَوْ نَقِيضُهَا مَذْكُورًا فِيهِ بِالْفِعْلِ.
وَهُوَ قِسْمَانِ: مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ شَرْطِيَّةٌ. فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً - وَهِيَ مَا فِيهِ حَرْفُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ - سُمِّيَ الْقِيَاسُ مُتَّصِلًا. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " ضَرْبٌ بِالشَّرْطِ، وَيُسَمَّى الْمُتَّصِلَ ".
وَإِنْ كَانَتِ الشَّرْطِيَّةُ مُنْفَصِلَةً - وَهِيَ مَا فِيهِ حَرْفُ الِانْفِصَالِ - سُمِّيَ الْقِيَاسُ: مُنْفَصِلًا. وَابْتَدَأَ الْمُصَنِّفِ بِالْمُتَّصِلِ.
(1/137)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالشَّرْطُ فِي الْمُتَّصِلِ، أَيِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمُتَّصِلَةِ الْمُقْتَرِنِ بِهِ حَرْفُ الشَّرْطِ يُسَمَّى: مُقَدَّمًا ; لِتَقَدُّمِهِ. وَالْجُزْءُ الثَّانِي، أَيِ الْجُزْءُ الثَّانِي الْمُقْتَرِنُ بِهِ حَرْفُ الْجَزَاءِ، يُسَمَّى [بِالتَّالِي] لِأَنَّهُ يَتْلُوهُ.
وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُ تُسَمَّى اسْتِثْنَائِيَّةً ; لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَشَرْطُ إِنْتَاجِهِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ الْمُقَدَّمِ أَوْ نَقِيضَ التَّالِي ; لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَثْنَى نَقِيضَ الْمُقَدَّمِ أَوْ عَيْنَ التَّالِي، لَمْ يُنْتِجْ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّالِي أَعَمَّ مِنَ الْمُقَدَّمِ. فَلَا يَلْزَمُ [مِنْ] تَحَقُّقِ الْمُقَدَّمِ، وَلَا انْتِفَائِهِ، وَلَا مِنِ انْتِفَاءِ الْمُقَدَّمِ تَحَقُّقُ التَّالِي أَوِ انْتِفَاؤُهُ; لِجَوَازِ صَدْقِ الْعَامِّ بِدُونِ الْخَاصِّ.
أَمَّا إِذَا اسْتَثْنَى عَيْنَ الْمُقَدَّمِ، يَنْتُجُ عَيْنُ التَّالِي ; لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْمَلْزُومِ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ اللَّازِمِ. وَإِذَا اسْتَثْنَى نَقِيضَ التَّالِي يَنْتُجُ نَقِيضُ الْمُقَدَّمِ ; لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ.
وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ لَازِمٍ مَعَ مَلْزُومِهِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَيْنِ الْمَلْزُومِ عَيْنُ اللَّازِمُ، وَمِنْ نَقِيضِ اللَّازِمِ نَقِيضُ الْمَلْزُومِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ اللَّازِمِ تَحَقُّقُ الْمَلْزُومِ وَلَا عَدَمُ تَحَقُّقِهِ، وَلَا مِنِ انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ تَحَقُّقُ [اللَّازِمِ] وَلَا انْتِفَاؤُهُ.
(1/138)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثَالُ ذَلِكَ: إِنْ كَانَ هَذَا إِنْسَانًا فَهُوَ حَيَوَانٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ الْإِنْسَانِ تَحَقُّقُ الْحَيَوَانِ، وَمِنِ انْتِفَاءِ الْحَيَوَانِ انْتِفَاءُ الْإِنْسَانِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْإِنْسَانِ انْتِفَاءُ الْحَيَوَانِ وَلَا تَحَقُّقُهُ، وَلَا مِنْ تَحَقُّقِ الْحَيَوَانِ تَحَقُّقُ الْإِنْسَانِ وَلَا انْتِفَاؤُهُ.
وَأَكْثَرُ الْأَوَّلِ بِـ " إِنَّ " أَيِ الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ الَّذِي يُسْتَثْنَى فِيهِ عَيْنُ الْمُقَدَّمِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ بِـ " إِنَّ ".
وَالَّذِي يُسْتَثْنَى فِيهِ نَقِيضُ التَّالِي، أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ بِـ " لَوْ " ; لِأَنَّ " لَوْ " لِامْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ قِيَاسَ الْخُلْفِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُرَكَّبٌ مِنْ قِيَاسَيْنِ: أَحَدُهُمَا اقْتِرَانِيٌّ [مُرَكَّبٌ] مِنْ مُتَّصِلَةٍ، يَكُونُ الْمُقَدَّمُ فِيهَا فَرْضَ الْمَطْلُوبِ غَيْرَ حَقٍّ، وَتَالِيهَا وَضِعَ نَقِيضَ الْمَطْلُوبِ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ.
وَمِنْ حَمْلِيَّةٍ غَيْرِ مُتَنَازَعٍ فِيهَا. وَيَكُونُ تِلْكَ الْحَمْلِيَّةُ مُشَارِكَةً لِتَالِي الْمُتَّصِلَةِ عَلَى هَيْئَةٍ مُنْتِجَةٍ. فَيُنْتِجَانِ مُتَّصِلَةً، مُقَدَّمُهَا الْمُقَدَّمُ مِنَ الْمُتَّصِلَةِ الَّتِي هِيَ جُزْءُ الْقِيَاسِ وَتَالِيهَا نَتِيجَةُ التَّأْلِيفِ بَيْنَ تَالِي الْمُتَّصِلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَمْلِيَّةِ. وَتَكُونُ نَتِيجَةُ التَّأْلِيفِ كَاذِبَةً لِكَوْنِهَا نَقِيضًا لِمُقَدِّمَةٍ صَادِقَةٍ.
(1/139)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْقِيَاسُ الثَّانِي اسْتِثْنَائِيٌّ مُؤَلَّفٌ مِنَ الْمُتَّصِلَةِ الَّتِي هِيَ نَتِيجَةُ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ. وَمِنِ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ تَالِيهَا، فَيَنْتُجُ نَقِيضُ الْمُقَدَّمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ الْمَطْلُوبِ غَيْرَ حَقٍّ فَيَنْتُجُ كَوْنُ الْمَطْلُوبِ حَقًّا.
مَثَلًا إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ: لَا شَيْءَ مِنْ ج آ، وَالْمُقَدِّمَةُ الصَّادِقَةُ: لَا شَيْءَ مِنْ آب، وَنَقِيضُ نَتِيجَةِ التَّأْلِيفِ الصَّادِقِ: كُلُّ ج ب فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَصْدُقْ: لَا شَيْءَ مِنْ ج آ، لَصَدَقَ: بَعْضُ ج آ.
وَلَا شَيْءَ مِنْ آب، فَيَنْتُجُ: لَوْ لَمْ يَصْدُقْ: لَا شَيْءَ مِنْ ج آ، لَصَدَقَ. بَعْضُ ج لَيْسَ ب. لَكِنْ كَذَبَ: بَعْضُ ج لَيْسَ ب، فَيَلْزَمُ صِدْقُ: لَا شَيْءَ مِنْ ج آ. وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَعَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، قِيَاسُ الْخُلْفِ: قِيَاسٌ بَسِيطٌ اسْتِثْنَائِيٌّ مُرَكَّبٌ مِنْ مُتَّصِلَةٍ مُقَدَّمُهَا نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ، وَتَالِيهَا أَمْرٌ مُحَالٌ.
وَمِنِ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ التَّالِي. مَثَلًا إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ قَوْلَنَا: الزَّكَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمَدْيُونِ، فَنَقُولُ: لَوْ كَانَتِ الزَّكَاةُ وَاجِبَةً عَلَى الْمَدْيُونِ، لَكَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْفَقِيرِ، لَكِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَى الْفَقِيرِ، فَيَنْتُجُ: الزَّكَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمَدْيُونِ. وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَقَدْ أَثْبَتْنَا الْمَطْلُوبَ الَّذِي هُوَ قَوْلُنَا: الزَّكَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمَدْيُونِ بِإِبْطَالِ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُنَا: الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَدْيُونِ. فَاصْطِلَاحُهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
[الاستثنائي المنفصل]
ش - هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْقِيَاسِ الِاسْتِثْنَائِيِّ، وَهُوَ الَّذِي
(1/140)

ص - وَضَرْبٌ بِغَيْرِ [الشَّرْطِ] وَيُسَمَّى: " الْمُنْفَصِلَ ". وَيَلْزَمُهُ تَعَدُّدُ اللَّازِمِ مَعَ التَّنَافِي.
فَإِنْ تَنَافَيَا إِثْبَاتًا وَنَفْيًا - لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ [كُلٍّ نَقِيضَهُ،] وَمِنْ نَقِيضِهِ عَيْنُهُ، فَيَجِئْ أَرْبَعَةٌ. مِثَالُهُ: الْعَدَدُ إِمَّا زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ، لَكِنَّهُ - إِلَى آخِرِهَا.
وَإِنْ تَنَافَيَا إِثْبَاتًا لَا نَفْيًا - لَزِمَ الْأَوَّلَانِ. مِثَالُهُ: الْجِسْمُ إِمَّا جَمَادٌ أَوْ حَيَوَانٌ. وَإِنْ تَنَافَيَا [نَفْيًا لَا إِثْبَاتًا]- لَزِمَ [الْأَخِيرَانِ] مِثَالُهُ: الْخُنْثَى إِمَّا لَا رَجُلٌ أَوْ لَا امْرَأَةٌ.
ص - وَيُرَدُّ الِاسْتِثْنَائِيُّ إِلَى الِاقْتِرَانِيِّ بِأَنْ يُجْعَلَ الْمَلْزُومُ وَسَطًا. وَالِاقْتِرَانِيُّ إِلَى الْمُنْفَصِلِ بِذِكْرِ مُنَافِيهِ مَعَهُ.
ص - وَالْخَطَأُ فِي الْبُرْهَانِ لِمَادَّتِهِ وَصُورَتِهِ. فَالْأَوَّلُ يَكُونُ فِي اللَّفْظِ لِلِاشْتِرَاكِ، أَوْ فِي حُرُوفِ الْعَطْفِ، مِثْلُ الْخَمْسَةِ أَوْ فِي حَرْفِ الْعَطْفِ، مِثْلُ: الْخَمْسَةُ زَوْجٌ وَفَرْدٌ. وَنَحْوُ: حُلْوٌ حَامِضٌ، وَعَكْسُهُ طَبِيبٌ مَاهِرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/141)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَكُونُ الشَّرْطِيَّةُ فِيهِ مُنْفَصِلَةً. وَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَرْطٌ قَالَ: " وَضَرْبٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ ". وَيُسَمَّى هَذَا الْقِسْمُ: الْمُنْفَصِلُ، لَا الْقَضِيَّةَ الَّتِي يُسْتَثْنَى جُزْؤُهَا أَوْ نَقِيضُهَا، عَلَى مَا تَوَهَّمَ بَعْضٌ ; لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ لَا تُسَمَّى الْمُنْفَصِلَ، بَلِ الْمُنْفَصِلَةَ.
قَوْلُهُ: " وَيَلْزَمُهُ تَعَدُّدُ اللَّازِمِ " أَيْ أَجْزَاءِ الْمُنْفَصِلَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهِ مَعَ التَّنَافِي بَيْنَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ. وَلَمَّا كَانَتْ أَجْزَاءُ الْمُنْفَصِلَةِ قَدْ تَكُونُ نَتَائِجَ الْقِيَاسِ، وَالنَّتِيجَةُ لَازِمَةٌ، سَمَّاهَا بِاللَّازِمِ مَجَازًا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُنْفَصِلَ يَلْزَمُهُ تَعَدُّدُ النَّتِيجَةِ مَعَ التَّنَافِي بَيْنَهَا ; لِأَنَّ نَتَائِجَهَا لَا يَجْتَمِعُ بَعْضُهَا مَعَ الْبَعْضِ; لِأَنَّ جُزْئَيِ الْمُنْفَصِلَةِ إِنْ تَنَافَيَا إِثْبَاتًا وَنَفْيًا يَلْزَمُ أَرْبَعُ نَتَائِجَ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ كُلِّ جُزْءٍ نَقِيضُ الْآخَرِ ; لِامْتِنَاعِ ثُبُوتِهِمَا. وَمِنْ نَقِيضِ كُلِّ جُزْءِ عَيْنُ الْآخَرِ ; لِامْتِنَاعِ ارْتِفَاعِهِمَا.
مِثَالُهُ: الْعَدَدُ إِمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا فَرْدٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ الزَّوْجِ نَقِيضُ الْفَرْدِ، وَمِنِ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ الْفَرْدِ نَقِيضُ الزَّوْجِ، وَمِنْ نَقِيضِ الزَّوْجِ عَيْنُ الْفَرْدِ وَمِنْ نَقِيضِ الْفَرْدِ عَيْنُ الزَّوْجِ.
(1/142)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ تَنَافَيَا إِثْبَاتًا لَا نَفْيًا، يَلْزَمُ الْأَوَّلَانِ، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ عَيْنِ كُلِّ جُزْءٍ نَقِيضُ الْآخَرِ ; لِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا عَيْنُ الْآخَرِ ; لِجَوَازِ انْتِفَائِهِمَا ; إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْجُزْئَيْنِ فِي النَّفْيِ. مِثَالُهُ الْجِسْمُ إِمَّا حَيَوَانٌ أَوْ جَمَادٌ ; فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْحَيَوَانِ نَقِيضُ الْجَمَادِ، وَمِنَ الْجَمَادِ نَقِيضُ الْآخَرِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَقِيضِ شَيْءٍ مِنْهُمَا عَيْنُ الْآخَرِ ; لِجَوَازِ انْتِفَائِهِمَا مَعًا.
وَإِنْ تَنَافَيَا نَفْيًا لَا إِثْبَاتًا لَزِمَ الْآخَرَانِ، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ نَقِيضِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَيْنُ الْآخَرِ ; ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ انْتِفَائِهِمَا. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَيْنِ أَحَدِهِمَا نَقِيضُ الْآخَرِ ; لِجَوَازِ ثُبُوتِهِمَا مَعًا.
مِثَالُهُ: الْخُنْثَى إِمَّا لَا رَجُلٌ أَوْ لَا امْرَأَةٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ اللَّا رَجُلٍ ثُبُوتُ اللَّا امْرَأَةٍ، وَمِنِ انْتِفَاءِ اللَّا امْرَأَةٍ، ثُبُوتُ اللَّا رَجُلٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ أَحَدِهِمَا انْتِفَاءُ الْآخَرِ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً.
[رد الاستثنائي إلى الاقتراني]
ش - الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الْقِيَاسِ الِاقْتِرَانِيِّ إِذَا كَانَ الْمُقَدَّمُ وَالتَّالِي فِي الشُّرْطِيَّةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهِ مُتَشَارِكِينَ فِي الْمَوْضُوعِ بِأَنْ [تُجْعَلَ] الْمُقَدِّمَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ صُغْرَى وَالْحَمْلِيَّةُ اللَّازِمَةُ لِلشَّرْطِيَّةِ كُبْرَى.
(1/143)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثَالُ الْمُتَّصِلِ الَّذِي يُسْتَثْنَى فِيهِ عَيْنُ الْمُقَدَّمِ قَوْلُنَا: إِنْ كَانَ هَذَا إِنْسَانًا فَهُوَ حَيَوَانٌ، لَكِنَّهُ إِنْسَانٌ فَهُوَ حَيَوَانٌ، فَيُقَالُ هَذَا إِنْسَانٌ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ حَيَوَانٌ، فَيَنْتُجُ: هَذَا حَيَوَانٌ.
مِثَالُ الْمُتَّصِلِ الَّذِي يُسْتَثْنَى فِيهِ نَقِيضُ التَّالِي: إِنْ كَانَ هَذَا فَرَسًا فَهُوَ لَيْسَ بِجَمَادٍ لَكِنَّهُ جَمَادٌ فَهُوَ لَيْسَ بِفَرَسٍ، فَيُقَالُ هَذَا جَمَادٌ، وَكُلُّ جَمَادٍ لَيْسَ بِفَرَسٍ، فَهَذَا لَيْسَ بِفَرَسٍ.
مِثَالُ الْمُنْفَصِلِ: هَذَا الْعَدَدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ زَوْجًا أَوْ فَرْدًا، لَكِنَّهُ زَوْجٌ فَهُوَ لَيْسَ بِفَرْدٍ، فَيُقَالُ هَذَا الْعَدَدُ زَوْجٌ، وَكُلُّ زَوْجٍ لَيْسَ بِفَرْدٍ، فَهَذَا الْعَدَدُ لَيْسَ بِفَرْدٍ.
وَلَمَّا كَانَ الْوَسَطُ فِي الْمِثَالَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْرَدَهُمَا الْمُصَنِّفُ مَلْزُومًا ; أَمَّا فِي الْمُتَّصِلِ فَلِمَحْمُولِ التَّالِي، وَأَمَّا فِي الْمُنْفَصِلِ فَلِنَقِيضِهِ، قَالَ: وَيُرَدُّ الِاسْتِثْنَائِيُّ إِلَى الِاقْتِرَانِيِّ بِأَنْ يُجْعَلَ الْمَلْزُومُ وَسَطًا، أَيْ فِي الْمِثَالَيْنِ.
وَيُرَدُّ الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ إِلَى الِاسْتِثْنَائِيِّ الْمُنْفَصِلِ بِأَنْ يُذْكَرَ مُنَافِي الْوَسَطِ مَعَهُ. مَثَلًا إِذَا كَانَ الِاقْتِرَانِيُّ قَوْلَنَا: الْوُضُوءُ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ، فَيُقَالُ: الْوُضُوءُ إِمَّا عِبَادَةٌ أَوْ صَحِيحٌ بِدُونِ النِّيَّةِ، لَكِنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ.
[الْخَطَأُ فِي الْبُرْهَانِ لِمَادَّتِهِ وَصُورَتِه]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْبُرْهَانِ وَأَقْسَامِهِ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ الْخَطَأَ الْوَاقِعَ فِيهِ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ.
وَالْخَطَأُ فِي الْبُرْهَانِ إِمَّا لِأَجْلِ مَادَّتِهِ أَوْ لِأَجْلِ صُورَتِهِ. وَالْأَوَّلُ قَدْ يَكُونُ فِي اللَّفْظِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَعْنَى. وَالَّذِي يَكُونُ فِي اللَّفْظِ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ اشْتِبَاهِ دَلَالَتِهِ؟ إِمَّا الِاشْتِرَاكُ فِي أَحَدِ جَزِّئِي الْقَوْلِ بِحَسَبِ جَوْهَرِهِ كَالْعَيْنِ أَوْ بِحَسَبِ تَصَارِيفِهِ، كَالْمُخْتَارِ، فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِحَسَبِ الصِّيغَةِ.
أَوْ فِي حَرْفِ الْعَطْفِ، مِثْلَ: الْخَمْسَةُ زَوْجٌ وَفَرْدٌ، فَإِنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ، فَيَصْدُقُ قَوْلُنَا: زَوْجٌ وَفَرْدٌ حَالَةَ الْجَمْعِ، فَيُتَوَهَّمُ صِدْقُهُ حَالَةَ الْإِفْرَادِ، فَيُقَالُ الْخَمْسَةُ زَوْجٌ.
وَقَوْلُنَا لِلْمُرِّ: إِنَّهُ حُلْوٌ حَامِضٌ، نَحْوُهُ فِي أَنَّهُ يَصْدُقُ حَالَةَ الْجَمْعِ، فَيُتَوَهَّمُ صِدْقُهُ حَالَةَ الْإِفْرَادِ، فَيُقَالُ: الْمُرُّ حُلْوٌ، أَوْ حَامِضٌ.
(1/144)

وَلِاسْتِعْمَالِ الْمُتَبَايِنَةِ كَالْمُتَرَادِفَةِ، كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ. وَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى لِالْتِبَاسِهَا بِالصَّادِقَةِ، كَالْحُكْمِ عَلَى الْجِنْسِ بِحُكْمِ النَّوْعِ. وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي النَّقِيضَيْنِ.
وَكَجَعْلِ غَيْرِ الْقَطْعِيِّ كَالْقَطْعِيِّ، وَكَجَعْلِ الْعَرَضِيِّ كَالذَّاتِيِّ، وَكَجَعْلِ النَّتِيجَةِ مُقَدِّمَةً بِتَغْيِيرٍ مَا، وَيُسَمَّى الْمُصَادَرَةَ.
وَمِنْهُ الْمُتَضَايِفَةُ وَكُلُّ قِيَاسٍ دَوْرِيٍّ. وَالثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْأَشْكَالِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/145)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَ " عَكْسُهُ " أَيْ يَصْدُقُ اللَّفْظُ حَالَةَ الْإِفْرَادِ، فَيُتَوَهَّمُ صِدْقُهُ حَالَةَ الْجَمْعِ، كَمَا إِذَا كَانَ زَيْدٌ مَاهِرًا فِي الْخِيَاطَةِ، غَيْرَ مَاهِرٍ فِي الطِّبِّ، فَيَصْدُقُ حَالَةَ الْإِفْرَادِ: زِيدٌ طَبِيبٌ، زَيْدٌ مَاهِرٌ، فَيُتَوَهَّمُ صِدْقُهُ حَالَةَ الْجَمْعِ، فَيُقَالُ: زِيدٌ طَبِيبٌ مَاهِرٌ. وَإِلَى هَذَا إِشَارَةٌ بِقَوْلِهِ: " وَعَكْسُهُ طَبِيبٌ مَاهِرٌ ".
وَإِمَّا [لِاسْتِعْمَالِ] الْأَلْفَاظِ الْمُتَبَايِنَةِ مِثْلَ اسْتِعْمَالِ الْمُتَرَادِفَةِ، كَاسْتِعْمَالِ السَّيْفِ مَقَامَ الصَّارِمِ وَبِالْعَكْسِ، فَإِنَّ السَّيْفَ اسْمُ الذَّاتِ سَوَاءٌ كَانَ قَاطِعًا أَوْ لَا، وَالصَّارِمُ اسْمٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْقَطْعِ، فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ، لِإِطْلَاقِهِمَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَيُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ.
وَالْخَطَأُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَادَّةِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، لِالْتِبَاسِ الْمَادَّةِ الْكَاذِبَةِ بِالصَّادِقَةِ، كَالْحُكْمِ عَلَى الْجِنْسِ بِمَا حُكِمَ بِهِ نَوْعُهُ. كَقَوْلِنَا: الْفَرَسُ حَيَوَانٌ، وَالْحَيَوَانُ نَاطِقٌ، فَإِنَّهُ قَدْ حَكَمَ عَلَى الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ الْجِنْسُ بِالنَّاطِقِ الَّذِي يُحْكَمُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ نَوْعُهُ.
وَهَذَا مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُسَمَّى فِي بَابِ الْمُغَالَطَةِ بِسُوءِ اعْتِبَارِ الْحَمْلِ، وَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ مَعَ الشَّيْءِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، أَوْ لَا يُؤْخَذُ مَعَهُ مَا هُوَ مِنْهُ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ: الْغَلَطُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِي شَرَائِطِ التَّنَاقُضِ ; مِنْ أَخْذِ مَا بِالْقُوَّةِ مَكَانَ مَا بِالْفِعْلِ، وَأَخْذِ الْمُطْلَقِ مَكَانَ الْمُقَيَّدِ، وَأَخْذِ الْكُلِّ مَكَانَ الْجُزْءِ.
(1/146)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلُهُ: وَ " كَجَعْلِ " عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: " كَالْحُكْمِ " أَيْ وَكَجَعْلِ الْمُقَدِّمَةِ الْغَيْرِ الْقَطْعِيَّةِ - مِثْلَ الْمُقَدِّمَةِ الظَّنِّيَّةِ أَوِ التَّقْلِيدِيَّةِ أَوِ الْوَهْمِيَّةِ - مَكَانَ الْقَطْعِيِّ وَكَأَخْذِ الْعَرَضِيِّ مَكَانَ الذَّاتِيِّ، كَأَخْذِ الْمَاشِي [جِنْسًا] لِلْإِنْسَانِ مَكَانَ الْحَيَوَانِ.
وَكَجَعْلِ النَّتِيجَةِ مُقَدِّمَةً بِتَغْيِيرٍ فِي اللَّفْظِ، وَيُسَمَّى هَذَا الصِّنْفُ: الْمُصَادَرَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ ; مِثْلَ قَوْلِنَا: كُلُّ حَرَكَةٍ نَقْلَةٌ، وَكُلُّ نَقْلَةٍ فِي مَكَانٍ، فَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي مَكَانٍ ; فَإِنَّ الْكُبْرَى عَيْنُ النَّتِيجَةِ، إِلَّا أَنَّهُ بَدَّلَ لَفْظَ الْحَرَكَةِ بِالنَّقْلَةِ.
وَمِنْ هَذَا [الْقَبِيلِ] أَيْ وَمِنْ جَعْلِ النَّتِيجَةِ مُقَدِّمَةً بِتَغْيِيرٍ مَا: الْمُتَضَايِقَةُ. مِثْلَ: هَذَا ذُو أَبٍ، وَكُلُّ ذِي أَبٍ ابْنٌ، [فَهَذَا ابْنٌ] ، فَإِنَّ الصُّغْرَى عَيْنُ النَّتِيجَةِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ: كُلُّ قِيَاسٍ دَوْرِيٌّ، وَهُوَ أَنْ تَثْبُتَ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ بِقِيَاسٍ مُتَأَلِّفٍ مِنْ نَتِيجَةِ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ، وَعَكْسِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُخْرَى. كَمَا يُقَالُ: كُلُّ وُضُوءٍ رَفْعُ الْحَدَثِ، وَكُلُّ مَا هُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ، فَكُلُّ وُضُوءٍ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ.
ثُمَّ يُسْتَدَلُّ عَلَى قَوْلِنَا: كُلُّ مَا هُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ، بِقَوْلِنَا: كُلُّ مَا هُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ وُضُوءٌ، وَكُلُّ وُضُوءٍ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ، فَكُلُّ مَا هُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ.
(1/147)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ بِسَبَبِ الصُّورَةِ - أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى هَيْئَةِ شَكْلٍ مِنَ الْأَشْكَالِ، أَوْ لَا يَكُونَ عَلَى ضَرْبٍ مِنَ الضُّرُوبِ الْمُنْتَجَةِ.
[مَبَادِئُ اللُّغَةِ]
[مقدمة مَبَادِئ اللُّغَةِ]
ش - مَبَادِئُ اللُّغَةِ، إِضَافَةُ الْمَبَادِئِ إِلَى اللُّغَةِ، إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى جِنْسِهِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى " مِنْ " وَتَقْدِيرُهُ مَبَادِئُ مِنَ اللُّغَةِ] 1) .
لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمَنْطِقِيَّةِ شَرَعَ فِيمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنَ اللُّغَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: مَبَادِئُ اللُّغَةِ. وَلْنُقَدِّمْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا مُقَدِّمَةً.
فَنَقُولُ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ الْوَاحِدَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِلُّ بِمَصَالِحِ مَعَاشِهِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَانَةِ غَيْرِهِ إِيَّاهُ، وَهِيَ إِنَّمَا تَتَيَسَّرُ إِذَا عَرَفَ صَاحِبُهُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْحَاجَةِ بِطَرِيقٍ، كَإِشَارَاتٍ أَوْ أَمْثِلَةٍ أَوْ أَلْفَاظٍ تُوضَعُ بِإِزَاءِ الْمَقَاصِدِ، وَكَانَ اللَّفْظُ أَفْيَدَ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَعُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهَا.
وَلِأَنَّهُ أَعَمُّ; إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُوضَعَ لِلْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَالشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ وَالْمَعْقُولِ وَالْمَحْسُوسِ، بِخِلَافِ الْإِشَارَةِ وَالْمِثَالِ ; إِذْ لَا يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَعْقُولِ وَالْغَائِبِ وَالْمَعْدُومِ، وَلَا يَكُونُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِثَالٌ.
وَأَيْسَرُ; لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ كَيْفِيَّاتٌ تَعْرِضُ لِلْأَصْوَاتِ الْحَادِثَةِ مِنْ كَيْفِيَّةِ
(1/148)

ص - مَبَادِئُ اللُّغَةِ وَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ - تَعَالَى - إِحْدَاثُ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ.
ص - فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى حَدِّهَا أَوْ أَقْسَامِهَا أَوِ ابْتِدَاءِ وَضْعِهَا، وَطَرِيقِ مَعْرِفَتِهَا.
ص - الْحَدُّ: كُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى.
ص - أَقْسَامُهَا: مُفْرَدٌ وَمُرَكَّبٌ.
ص - فَالْمُفْرَدُ: اللَّفْظُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/149)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِخْرَاجِ النَّفَسِ الضَّرُورِيِّ الْمُمْتَدِّ مِنْ قِبَلِ الطَّبِيعَةِ دُونَ تَكَلُّفٍ اخْتِيَارِيٍّ، أَنْعَمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَلَطَفَ بِهِمْ بِإِحْدَاثِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ بِأَنْ وَضَعَهَا لِلْمَعَانِي وَوَقَفَهُمْ عَلَيْهِ ; لِيَتَوَصَّلُوا بِهَا فِي مَطَالِبِهِمْ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " وَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى إِحْدَاثُ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ " إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا وَمُشْعِرٌ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ التَّوْقِيفُ.
ش - رَتَّبَ الْكَلَامَ فِي مَبَادِئِ اللُّغَةِ عَلَى [أَرْبَعَةِ] أَبْحَاثٍ.
[الأول: حَدِّ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ]
ش - الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي حَدِّ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَالْمُرَادُ مِنَ الْـ " كُلِّ "، الْكُلُّ الْمَجْمُوعِيُّ، لَا كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةَ. هِيَ مَجْمُوعُ الْأَلْفَاظِ لَا كُلَّ وَاحِدٍ] .
(1/150)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قُلْتَ: فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ أَلْفَاظٍ وُضِعَتْ لِلْمَعَانِي ; إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الْمَوْضُوعَاتُ اللُّغَوِيَّةُ مَجْمُوعُ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى.
أُجِيبُ بِأَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ، وَالْمَصْدَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْكَثِيرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: " لَفَظٌ " بِمَعْنَى الْأَلْفَاظِ، وَقَوْلُهُ: " مَعْنًى " بِمَعْنَى الْمَعَانِي، وَاللَّفْظُ بِمَعْنَى الْمَلْفُوظِ.
وَالْوَضْعُ: اخْتِصَاصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ بِحَيْثُ إِذَا أُطْلِقَ الشَّيْءُ الْأَوَّلُ، فُهِمَ مِنْهُ الثَّانِي.
وَقَوْلُهُ: " كُلُّ لَفْظٍ " كَالْجِنْسِ، يَتَنَاوَلُ الْمَوْضُوعَ وَالْمُهْمَلَ.
وَقَوْلُهُ: " وُضِعَ لِمَعْنًى " يُخْرِجُ الْمُهْمَلُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنًى.
وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيَّدِ الْمَعْنَى بِالْمُفْرَدِ لِيَتَنَاوَلَ الْمُرَكَّبَ ; ضَرُورَةَ تَنَاوُلِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ لَهُمَا.
[الثَّانِي أَقْسَامُ الموضوعات اللغوية]
[المفرد]
[تعريف المفرد]
ش - الْبَحْثُ الثَّانِي فِي أَقْسَامِ الْمَوْضُوعَاتِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارَاتٍ: الْأَوَّلُ إِلَى الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ بِاعْتِبَارِ الْبَسَاطَةِ وَغَيْرِهَا. وَيُعَرَّفُ الْحَصْرُ مِنْ تَعْرِيفِهِمَا.
ش - الْمُفْرَدُ بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كَلِمَةً وَاحِدَةً. وَنَعْنِي بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَى لَفْظَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ. وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَاهُلٌ.
وَبِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ، الْمُفْرَدُ: مَا وُضِعَ، أَيْ لَفْظٌ وَضِعَ لِمَعْنًى وَلَا جُزْءَ لَهُ، أَيْ لِذَلِكَ اللَّفْظِ، يَدُلُّ فِيهِ، أَيْ فِي الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ عَلَى شَيْءٍ.
فَالْمُفْرَدُ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ يَتَنَاوَلُ مَا لَا جُزْءَ لَهُ مِثْلَ - زَازَا، جُعِلَ عَلَمًا لِشَخْصٍ. وَمَا لَهُ جُزْءٌ وَلَكِنْ لَا دَلَالَةَ لَهُ أَصْلًا، مِثْلُ - زِيدٍ. وَمَا لَهُ جُزْءٌ دَالٌّ، وَلَكِنْ لَا عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ، مِثْلَ " عَبْدِ اللَّهِ " إِذَا جُعِلَ عَلَمًا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ.
وَالْمُرَكَّبُ بِخِلَافِ الْمُفْرَدِ فِي التَّعْرِيفَيْنِ.
(1/151)

وَقِيلَ: مَا وُضِعَ لِمَعْنًى وَلَا جُزْءَ لَهُ يَدُلُّ فِيهِ.
وَالْمُرَكَّبُ بِخِلَافِهِ فِيهِمَا. فَنَحْوَ بَعْلَبَكَّ مُرَكَّبٌ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي. وَنَحْوَ يَضْرِبُ بِالْعَكْسِ. وَيَلْزَمُهُمْ أَنَّ نَحْوَ ضَارِبٍ وَمُخْرِجٍ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ، مُرَكَّبٌ] ) .
ص - وَيَنْقَسِمُ الْمُفْرَدُ إِلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ.
ص - وَدَلَالَتُهُ اللَّفْظِيَّةُ فِي كَمَالِ مَعْنَاهَا: دَلَالَةُ مُطَابَقَةٍ، وَفِي جُزْئِهِ: دَلَالَةُ تَضَمُّنٍ. وَغَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ: الْتِزَامٌ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ ذِهْنِيًّا.
ص - وَالْمُرَكَّبُ جُمْلَةٌ وَغَيْرُ جُمْلَةٍ. فَالْجُمْلَةُ: مَا وُضِعَ لِإِفَادَةِ نِسْبَةٍ.
وَلَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي اسْمَيْنِ، أَوْ فِي فِعْلٍ وَاسْمٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/152)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَهُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَةٍ. وَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي فَمَا وُضِعَ لِمَعْنًى وَلَهُ جُزْءٌ يَدُلُّ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى شَيْءٍ.
فَنَحْوُ بَعْلَبَكَّ مُرَكَّبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ كَلِمَتَانِ، وَلَا يَكُونُ مُرَكَّبًا بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي ; لِأَنَّ جُزْأَهُ لَا يَدُلُّ فِي مَعْنَاهُ عَلَى شَيْءٍ. وَكَذَا " عَبْدُ اللَّهِ " إِذَا كَانَ عَلَمًا لِشَخْصٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ بَعْلَبَكَّ مُرَكَّبٌ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ كَلِمَتَيْنِ ; إِذْ لَا دَلَالَةَ لِجُزْئِهِ حَالَةَ [الْعَلَمِيَّةِ] .
أُجِيبُ بِأَنَّ الْكَلِمَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ دَالَّةً عِنْدَ الْعَلَمِيَّةِ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا دَلَالَتُهَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ. وَعَدَمُ دَلَالَتِهَا بِالنَّقْلِ لَا يَسْقُطُ اسْمُ الْكَلِمَةِ عَنْهَا.
وَ " نَحْوُ يَضْرِبُ بِالْعَكْسِ " أَيْ مُرَكَّبٌ بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي ; لِأَنَّ جُزْآهُ - وَهُوَ حَرْفُ الْمُضَارِعِ - يَدُلُّ فِي مَعْنَاهُ عَلَى شَيْءٍ. وَلَا يَكُونُ مُرَكَّبًا بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ.
(1/153)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلُهُ: " وَيَلْزَمُهُمْ " أَيْ يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي أَنَّ نَحْوَ " ضَارِبٍ " وَ " مُخْرِجٍ " أَيْ أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ وَالْمَفْعُولِينَ مُرَكَّبٌ ; لِكَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنَ الْمَصْدَرِ مَعَ صِيغَةٍ خَاصَّةٍ يَدُلُّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَعْنًى.
وَلَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرْكِيبِ: تَرَتُّبُ أَجْزَاءٍ مَسْمُوعَةٍ، إِمَّا أَلْفَاظٌ أَوْ حُرُوفٌ، وَالْمَصْدَرُ مَعَ الصِّيغَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
[أقسام الْمُفْرَد]
ش - لِأَنَّ الْمُفْرَدَ إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ أَوْ لَا، الثَّانِي: الْحَرْفُ. وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي الْمَاضِيَ وَالْحَالَ وَالْمُسْتَقْبَلَ أَوْ لَا، وَالثَّانِي: الِاسْمُ. وَالْأَوَّلُ: الْفِعْلُ. وَيُعْلَمَ مِنَ التَّقْسِيمِ حَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
[دلالة المفرد]
ش - اعْلَمْ أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ إِذَا سُمِعَ أَوْ تُخُيِّلَ، لَاحَظَتِ النَّفْسُ مَعْنَاهُ.
(1/154)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهِيَ إِمَّا وَضْعِيَّةٌ، أَيْ يَكُونُ لِلْوَضْعِ مَدْخَلٌ فِيهَا، إِمَّا بِلَا وَاسِطَةٍ كَمَا فِي الْمُطَابَقَةِ، أَوْ بِوَاسِطَةٍ، كَمَا فِي التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ.
وَإِمَّا غَيْرُ وَضْعِيَّةٍ، وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْعُلُومِ. وَالْوَضْعِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى لَفْظِيَّةٍ وَإِلَى غَيْرِهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَفْهُومَ مِنَ اللَّفْظِ إِمَّا خَارِجٌ عَنْ مُسَمَّاهُ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ لَفْظِيَّةٍ، وَالثَّانِي لَفْظِيَّةٌ.
وَاللَّفْظِيَّةُ إِمَّا فِي كَمَالِ مَعْنَاهُ، وَتُسَمَّى: دَلَالَةَ مُطَابَقَةٍ، مِثْلَ دَلَالَةِ الْبَيْتِ عَلَى مَجْمُوعِ السَّقْفِ وَالْجِدَارِ وَالْأُسُسِ. وَإِمَّا فِي جُزْءِ مَعْنَاهُ، وَتُسَمَّى: دَلَالَةَ تَضَمُّنٍ، مِثْلَ دَلَالَةِ الْبَيْتِ عَلَى الْجِدَارِ. وَغَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ: تُسَمَّى دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْأُصُولِيُّونَ اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ، بَلْ يُطْلِقُونَ اللَّفْظَ عَلَى لَازِمِ الْمُسَمَّى، سَوَاءٌ كَانَ اللَّازِمُ خَارِجِيًّا أَوْ ذِهْنِيًّا.
وَالْمَنْطِقِيُّونَ يَشْتَرِطُونَ اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ، أَيْ كَوْنَ الْمَعْنَى الْخَارِجِيَّ بِحَالَةٍ يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ الْمُسَمَّى تَصَوُّرُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلِ الْفَهْمُ ; لِأَنَّ الْفَهْمَ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى، أَوْ يَلْزَمُ مِنْ تُصَوُّرِ الْمُسَمَّى تَصَوُّرُهُ، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ حِينَئِذٍ وَلَا يَشْتَرِطُونَ اللُّزُومَ الْخَارِجِيَّ لِحُصُولِ الْفَهْمِ دُونَهُ، كَمَا فِي الْعَدَمِ وَالْمِلْكَةِ، مِثْلَ - دَلَالَةِ الْعَمَى عَلَى الْبَصَرِ.
[المركب وأقسامه]
ش - قِسْمُ الْمُرَكَّبِ إِلَى جُمْلَةٍ وَغَيْرِ جُمْلَةٍ. فَالْجُمْلَةُ: مَا وُضِعَ، أَيْ لَفْظٌ وُضِعَ لِإِفَادَةِ نِسْبَةٍ، أَيْ إِسْنَادُ إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى لِإِفَادَةِ الْمُخَاطَبِ مَعْنًى يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، مِثْلَ: زَيْدٌ قَائِمٌ. فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ، مِثْلَ: غُلَامُ زِيدٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُفِدِ الْمُخَاطَبَ مَعْنًى يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ.
وَالْجُمْلَةُ لَا تَتَأَلَّفُ إِلَّا مِنِ اسْمَيْنِ، أَوْ مِنْ فِعْلٍ وَاسْمٍ ; لِأَنَّ الْجُمْلَةَ تَتَضَمَّنُ الْإِسْنَادَ، وَالْإِسْنَادُ يَقْتَضِي مُسْنَدًا وَمُسْنَدًا إِلَيْهِ، وَالِاسْمُ يَصْلُحُ لَهُمَا، وَالْفِعْلُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا، وَلَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إِلَيْهِ، وَالْحَرْفُ لَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا.
وَالتَّرْكِيبُ الْعَقْلِيُّ مِنْ كَلِمَتَيْنِ لَا يَزِيدُ عَلَى سِتَّةٍ: اسْمٌ مَعَ اسْمٍ، وَاسْمٌ مَعَ فِعْلٍ، وَاسْمٌ مَعَ حَرْفٍ، وَفِعْلٌ مَعَ فِعْلٍ، وَفِعْلٌ مَعَ حَرْفٍ، وَحَرْفٌ مَعَ حَرْفٍ. وَالْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْجُمْلَةُ، إِمَّا لِعَدَمِ الْمُسْنَدِ أَوِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ أَوْ لِعَدَمِهِمَا جَمِيعًا.
وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي يَتَأَتَّى مِنْهُمَا الْجُمْلَةُ لِوُجُودِ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: " وَلَا يَرِدُ " جَوَابٌ عَنْ سُؤَالِ مُقَدَّرٍ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ لِلْجُمْلَةِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ; ضَرُورَةَ صِدْقِهِ عَلَى التَّقْيِيدِيِّ، وَعَلَى نَحْوِ " كَاتِبٌ " فِي مِثْلِ قَوْلِنَا: زَيْدٌ كَاتِبٌ.
(1/155)

وَلَا يَرِدُ " حَيَوَانٌ نَاطِقٌ " وَ " كَاتِبٌ " فِي " زَيْدٌ كَاتِبٌ " ; لِأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِإِفَادَةِ نِسْبَةٍ.
وَغَيْرُ الْجُمْلَةِ بِخِلَافِهِ، وَيُسَمَّى مُفْرَدًا أَيْضًا.
ص - و [لِلْمُفْرَدِ] بِاعْتِبَارِ وَحْدَتِهِ وَوَحْدَةِ مَدْلُولِهِ وَتَعَدُّدِهِمَا، أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/156)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْمُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ التَّقْيِيدِيِّ: الْمُرَكَّبُ مِنِ اسْمَيْنِ، أَوِ اسْمٍ وَفِعْلٍ، يَكُونُ الثَّانِي قَيْدًا فِي الْأَوَّلِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُمَا لَفْظٌ مُفْرَدٌ. مِثْلَ: " حَيَوَانٌ نَاطِقٌ " وَ " الَّذِي يَكْتُبُ " فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ: الْإِنْسَانُ، وَمَقَامَ الثَّانِي: الْكَاتِبُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْحَدَّ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا; لِأَنَّ الْأَوَّلَ وُضِعَ لِإِفَادَةِ نِسْبَةٍ تَقْيِيدِيَّةٍ، وَالثَّانِي وُضِعَ، لِإِفَادَةِ نِسْبَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ إِلَى الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهُ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَدَّ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِفَادَةِ النِّسْبَةِ: إِفَادَةُ نِسْبَةٍ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا، وَهُمَا لَمْ يُوضَعَا لِإِفَادَةِ نِسْبَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا.
" وَغَيْرُ الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ " أَيِ الْمُرَكَّبُ الَّذِي لَمْ يُوضَعْ لِإِفَادَةِ نِسْبَةٍ، وَيُسَمَّى مُفْرَدًا.
وَإِنَّمَا قَالَ: " أَيْضًا " لِأَنَّ الْمُفْرَدَ يُطْلَقُ عَلَى مُقَابِلِ الْجُمْلَةِ، وَعَلَى مُقَابِلِ الْمَجْمُوعِ وَالْمُثَنَّى، وَعَلَى مُقَابِلِ الْمُرَكَّبِ.
[تَقْسِيمٌ آخَرُ للْمُفْرَدِ]
ش - هَذَا تَقْسِيمٌ آخَرُ لِلَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ وِحْدَتِهِ وَوَحْدَةِ مَدْلُولِهِ وَتَعَدُّدِهِمَا. وَإِنَّمَا انْحَصَرَ فِي الْأَرْبَعَةِ; لِأَنَّ اللَّفْظَ إِمَّا وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَمَعْنَاهُ إِمَّا وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ.
ش - أَقُولُ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى إِنِ اشْتَرَكَ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ، أَيْ يَصْدُقُ مَفْهُومُهُ عَلَى الْأَفْرَادِ الْمُتَوَهَّمَةِ، مِثْلَ: الْإِنْسَانُ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَشْخَاصِهِ، وَهُوَ الْكُلِّيُّ. فَإِنْ تَفَاوَتَتِ الْأَفْرَادُ فِي مَفْهُومِهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ وَعَدَمِهَا، أَوِ الشَّدَّةِ وَالضِّعْفِ، أَوِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، كَالْوُجُودِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، فَإِنَّهُ يَتَفَاوَتُ فِيهِمَا بِالِاعْتِبَارَاتِ الثَّلَاثِ، سُمِّيَ مُشَكِّكًا ; لِأَنَّ النَّاظِرَ فِي مَفْهُومِهِ يَشُكُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَوَاطِئِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ ; لِاسْتِوَاءِ الْأَفْرَادِ فِي حُصُولِ مَعْنَاهُ لَهَا، وَتَفَاوُتِهَا فِي مَفْهُومِهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ تَتَفَاوَتِ الْأَفْرَادُ فِي مَفْهُومِهِ بَلْ حُصُولُهَا فِيهَا بِالسَّوِيَّةِ، سُمِّيَ: مُتَوَاطِئًا ; لِتُوَافُقِهَا [فِيهِ] مِثْلَ الْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَفْرَادِهِ.
(1/157)

ص - فَالْأَوَّلُ إِنِ اشْتَرَكَ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ فَهُوَ: الْكُلِّيُّ. فَإِنْ تَفَاوَتَ، كَالْوُجُودِ لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، فَمُشَكِّكٌ وَإِلَّا فَمُتَوَاطِئٌ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكْ فَجُزْئِيٌّ. وَيُقَالُ لِلنَّوْعِ أَيْضًا: جُزْئِيٌّ.
ص - الثَّانِي مِنَ الْأَرْبَعَةِ: مُتَقَابِلَةٌ مُتَبَايِنَةٌ.
ص - الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ - فَمُشْتَرَكٌ وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ.
ص - الرَّابِعُ مُتَرَادِفَةٌ. وَكُلُّهَا مُشْتَقٌّ وَغَيْرُ مُشْتَقٍّ، صِفَةٌ وَغَيْرُ صِفَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكْ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ فَهُوَ الْجُزْئِيُّ، مِثْلَ: زَيْدٌ وَهَذَا الْإِنْسَانُ. وَالْجُزْئِيُّ يُقَالُ عَلَى الْمُنْدَرِجِ تَحْتَ الْكُلِّيِّ، وَيُسَمَّى جُزْئِيًّا إِضَافِيًّا.
وَالنَّوْعُ الْإِضَافِيُّ، مِثْلُ " الْإِنْسَانِ " جُزْئِيٌّ بِالْمَعْنَى الثَّانِي ; لِأَنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ كُلِّيٍّ وَهُوَ الْجِنْسُ.
وَالْكُلِّيُّ إِمَّا ذَاتِيٌّ، إِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، مِثْلَ الْحَيَوَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَإِمَّا عَرَضِيٌّ، إِنْ خَرَجَ عَنْ حَقِيقَتِهِ، مِثْلَ الضَّاحِكِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنْطِقِ بِحَثُ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ.
ش - الثَّانِي مِنَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَدَّدَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا. وَيُسَمِّي تِلْكَ الْأَلْفَاظَ مُتَقَابِلَةً مُتَبَايِنَةً ; لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُبَايِنًا لِلْآخَرِ فِي مَعْنَاهُ، مِثْلَ الْفَرَسِ وَالْبَقَرِ وَالْحِمَارِ.
ش - الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظُ وَيَتَعَدَّدَ الْمَعْنَى، إِنْ كَانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ، أَيْ يَكُونُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ كُلٍّ مِنْهَا وَضْعًا أَوَّلًا فَمُشْتَرَكٌ مِثْلَ: " الْعَيْنِ " بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعَانِيهِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَضْعًا أَوَّلًا.
(1/159)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ، أَيْ لَا يَكُونُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَضْعًا أَوَّلًا، بَلْ يَكُونُ مَوْضُوعًا لِأَحَدِهَا، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْبَاقِي لِمُنَاسَبَةٍ، فَحَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَمَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، كَالْأَسَدِ، فَإِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ حَقِيقَةٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الشُّجَاعِ مَجَازٌ.
ش - الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَدَّدَ اللَّفْظُ وَيَتَّحِدَ الْمَعْنَى، وَيُسَمَّى: مُتَرَادِفَةً. كَاللَّيْثِ وَالْأَسَدِ وَالْغَضَنْفَرِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا وُضِعَ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ مُشْتَقٌّ، إِنْ دَلَّ عَلَى ذِي صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِلَّا فَغَيْرُ مُشْتَقٍّ. مِثَالُ الْمُشْتَقِّ: ضَارِبٌ وَعَالِمٌ. وَغَيْرُ الْمُشْتَقِّ: الْإِنْسَانُ وَالْعِلْمُ.
وَأَيْضًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِفَةٌ إِنْ دَلَّ عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِالذَّاتِ، كَالضَّحِكِ وَالْعِلْمِ وَالْكِتَابَةِ، وَإِلَّا فَغَيْرُ صِفَةٍ، كَالْجِسْمِ، وَالْإِنْسَانِ. وَإِلَيْكَ طَلَبُ أَمْثِلَتِهَا مِنَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ.
(1/160)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ ذِكْرِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِلْمُفْرَدِ، شَرَعَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِهَا، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ. اثْنَتَانِ مِنْهَا مُتَعَلِّقَتَانِ بِالْمُشْتَرَكِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ وَاقِعًا فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ وَاقِعًا فِي الْقُرْآنِ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا؟
[الْمُشْتَرَكُ]
[وقوع المشترك]
ش - الْمُشْتَرَكُ هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الْمَوْضُوعُ لِعِدَّةِ مَعَانٍ وَضْعًا أَوَّلًا. فَقَوْلُهُ: اللَّفْظُ، كَالْجِنْسِ لِلْمُشْتَرَكِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: الْوَاحِدُ الْمَوْضُوعُ لِعِدَّةِ مَعَانٍ، يُخْرِجُ عَنْهُ الْأَلْفَاظَ الْمُتَبَايِنَةَ وَالْمُتَوَاطِئَةَ وَالْمُشَكِّكَةَ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِعِدَّةِ مَعَانٍ، بَلْ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْأَفْرَادِ.
وَقَوْلُهُ: وَضْعًا أَوَّلًا، يُخْرِجُ عَنْهُ الْأَلْفَاظَ الْمَنْقُولَةَ وَالْمَجَازِيَّةَ ; فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِعِدَّةِ مَعَانٍ وَلَكِنْ لَا وَضْعًا أَوَّلًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مُمْكِنًا أَوْ مُمْتَنِعًا. وَالْمُمْكِنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا أَوَّلًا.
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ: وَقَالَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَائِلٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُمْكِنًا وَاقِعًا وَبَيْنَ كَوْنِهِ وَاجِبًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ.
(1/161)

الْمُشْتَرَكُ ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُشْتَرَكُ وَاقِعٌ عَلَى الْأَصَحِّ. لَنَا أَنَّ الْقُرْءَ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مَعًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ - لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْمُسَمَّيَاتِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
ص - وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ فِي الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ. وَلَا يُفِيدُ فِي غَيْرِهَا. وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمُتَعَقِّلُ مُتَنَاهٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/163)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هَهُنَا هُوَ الْوُجُوبُ بِالْغَيْرِ، إِذْ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِالذَّاتِ أَصْلًا، وَالْمُمْكِنُ الْوَاقِعُ هُوَ الْوَاجِبُ بِالْغَيْرِ ; لِأَنَّ الْمُمْكِنَ، مَا لَمْ يَجِبْ صُدُورُهُ عَنِ الْغَيْرِ، لَا يَقَعُ فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَا بَيْنَ الْمُمْكِنِ الْغَيْرِ الْوَاقِعِ وَالْمُمْتَنِعِ، كَمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا. فَتَكُونُ الِاحْتِمَالَاتُ الْأَرْبَعَةُ رَاجِعَةً إِلَى الْوُقُوعِ وَإِلَى عَدَمِهِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ إِلَّا لَهُمَا وَذَكَرَ دَلِيلَ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْوُقُوعِ.
وَقَدْ عُلِمَ بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ يُشِيرُ بِلَفْظِ " لَنَا " إِلَى الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ عَلَى مَطْلُوبِهِ. وَبِلَفْظِ " اسْتَدَلَّ " إِلَى الدَّلِيلِ الْفَاسِدِ عَلَى مَطْلُوبِهِ ; وَبِلَفْظِ " قَالُوا " إِلَى دَلِيلِ الْمَذْهَبِ الْبَاطِلِ.
(1/164)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ وَاقِعٌ، فَلِهَذَا قَالَ " لَنَا ". وَتَقْرِيرُ دَلِيلِهِ أَنَّ الْقُرْءَ وُضِعَ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مَعًا عَلَى الْبَدَلِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ وُضِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، لِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مَعًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
وَلِأَنَّا إِذَا سَمِعْنَا الْقُرْءَ، لَمْ نَفْهَمْ أَحَدَهُمَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَبَقِيَ الذِّهْنُ مُتَرَدِّدًا. وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُتَوَاطِيًا أَوْ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا أَوْ مَجَازًا فِي الْآخَرِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا.
وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الثَّانِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَخَفِيَ ذَلِكَ، احْتِمَالٌ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْخَفَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْلَمُ
(1/165)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَعَ مُبَالَغَتِهِمْ فِي الِاسْتِقْصَاءِ وَالدَّلَائِلِ اللُّغَوِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْقَطْعِ الْمَانِعِ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ الْبَعِيدَةِ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا [الْأَوْلَى] وَالْأَقْرَبُ.
ش - هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الْفَاسِدُ عَلَى مَطْلُوبِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرَكُ وَاقِعًا لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْمُسَمَّيَاتِ عَنِ الْأَلْفَاظِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَعَانِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ ; لِأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا الْأَعْدَادُ وَالرَّوَائِحُ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. وَالْأَلْفَاظُ، لِكَوْنِهَا مُرَكَّبَةً مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَنَاهِيَةِ، مُتَنَاهِيَةٌ، فَإِذَا وُزِّعَتْ عَلَى الْمَعَانِي بِحَيْثُ وُضِعَ كُلُّ وَاحِدٍ بِإِزَاءِ وَاحِدٍ، لَزِمَ خُلُوُّ أَكْثَرِ الْمُسَمَّيَاتِ عَنِ الْأَلْفَاظِ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالْأَلْفَاظِ فَلَا بُدَّ مِنْ وَضْعِهَا لَهَا.
ش - لَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فَاسِدًا، ذَكَرَ بَيَانَ فَسَادِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَعَانِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. قُلْنَا: إِنْ أَرَدْتُمْ بِكَوْنِ الْمَعَانِي غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ: [أَنَّ] الْمَعَانِيَ الْمُتَضَادَّةَ، وَهِيَ الْأُمُورُ الْوُجُودِيَّةُ الَّتِي يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ. وَالْمُخْتَلِفَةُ، وَهِيَ الْأُمُورُ الَّتِي حَقِيقَتُهَا مُخْتَلِفَةٌ وَلَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا فِي مَحَلٍّ كَالْحَرَكَةِ وَالْبَيَاضِ وَالضَّحِكِ وَالْكِتَابَةِ، غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَضَادَّةِ وَالْمُخْتَلِفَةَ، أَعْنِي الْمُتَمَاثِلَةَ - وَهِيَ الْأُمُورُ الْمُتَّفِقَةُ الْحَقَائِقِ، كَأَفْرَادِ الْأَنْوَاعِ الْحَقِيقِيَّةِ - غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَنُسَلِّمُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَلَكِنْ لَا يُفِيدُ عَدَمُ تَنَاهِيهَا فِي بَيَانِ الْمُلَازَمَةِ ; إِذْ يَكْفِي أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ بِإِزَاءِ الْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بِالتَّوَاطُؤِ، فَلَا يَلْزَمُ خُلُوُّهَا عَنِ الْأَسْمَاءِ ; ضَرُورَةَ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهَا إِيَّاهَا.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُخْتَلِفَةَ وَالْمُتَضَادَّةَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَأَنَّ الْمُتَمَاثِلَةَ
(1/166)

وَإِنْ سُلِّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ [الْمُتَرَكِّبَ] مِنَ الْمُتَنَاهِي، مُتَنَاهٍ. وَأُسْنِدَ بِأَسْمَاءِ الْعَدَدِ. وَإِنْ سُلِّمَ مُنِعَتِ الثَّانِيَةُ وَيَكُونُ كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ - لَكَانَ الْمَوْجُودُ فِي القَدِيمِ وَالْحَادِثِ مُتَوَاطِئًا ; لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِنْ كَانَ الذَّاتَ - فَلَا اشْتِرَاكَ، وَإِنْ كَانَ الصِّفَةَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَدِيمِ - فَلَا اشْتِرَاكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/167)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا يَكْفِي وَضْعُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهَا، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا يَجِبُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لَهُ، غَيْرُ مُتَنَاهٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَجِبُ أَنْ يُوضَعَ لَهُ اللَّفْظُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَقِّلًا ; إِذْ غَيْرُ الْمُتَعَقِّلِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لَهُ، وَالْمُتَعَقِّلُ مِنْهَا مُتَنَاهٍ ; لِامْتِنَاعِ إِحَاطَةِ الذِّهْنِ بِالْأُمُورِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمَعْقُولَةَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ مُتَنَاهِيَةٌ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَنَاهِيَةِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْمُتَنَاهِي، مُتَنَاهٍ. وَسَنَدُهُ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْمُرَكَّبَ مِنْهَا غَيْرُ مُتَنَاهٍ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْمُتَنَاهِي مُتَنَاهٍ حَتَّى يَلْزَمَ صِدْقُ الْمُلَازَمَةِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. [وَإِلَيْهِ أَشَارَ] بِقَوْلِهِ: وَإِنْ سُلِّمَتْ مُنِعَتِ الثَّانِيَةُ، يَعْنِي الْمُقَدِّمَةَ الِاسْتِثْنَائِيَّةَ. وَهِيَ اسْتِثْنَاءُ [نَقِيضِ] التَّالِي ; فَإِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ خُلُوُّ أَكْثَرِ الْمُسَمَّيَاتِ عَنِ الْأَلْفَاظِ، كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ ; فَإِنَّ أَكْثَرَهَا خَلَا عَنِ الْأَلْفَاظِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ فَاسِدٌ عَلَى مَطْلُوبِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرَكُ وَاقِعًا لَكَانَ صِدْقُ " الْمَوْجُودِ " عَلَى الْقَدِيمِ أَيِ الْبَارِي تَعَالَى، وَعَلَى الْحَادِثِ، أَيِ الْمَخْلُوقَاتِ بِطَرِيقِ التَّوَاطُؤِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ " الْمَوْجُودَ " حَقِيقَةٌ فِيهِمَا ; إِذْ لَوْ كَانَ مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا، جَازَ سَلْبُهُ عَنْهُ ; إِذْ مِنْ عَلَامَاتِ الْمَجَازِ صِحَّةُ السَّلْبِ لَكِنْ لَمْ يَجُزْ سَلْبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِاتِّفَاقِ.
وَإِذَا كَانَ الْمَوْجُودُ حَقِيقَةً فِيهِمَا وَلَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ يَكُونُ مُتَوَاطِئًا ; ضَرُورَةَ انْحِصَارِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فِي الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ. فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا تَحَقَّقَ الْآخَرُ.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَأَمَّا الثَّانِيَةُ " فَلِأَنَّ الْمَوْجُودَ " إِنْ كَانَ الذَّاتَ " أَيْ عَيْنَ مَاهِيَّةِ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ ذَاتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفَةٌ بِالْحَقِيقَةِ لِذَاتِ الْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ مُتَوَاطِئًا.
وَإِنْ كَانَ صِفَةً، أَيْ لِلْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَدِيمِ، وَمُمْكِنَةٌ فِي الْحَادِثِ، فَلَا يَكُونُ الْمَوْجُودُ فِيهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي أَحَدِهِمْ، وَمُمْكِنًا فِي الْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ مُتَوَاطِئًا.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. قَوْلُهُ: إِذَا كَانَ صِفَةً وَاجِبَةً فِي الْقَدِيمِ وَمُمْكِنَةً فِي الْحَادِثِ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُجُوبَ وَالْإِمْكَانَ يَمْنَعُ اشْتِرَاكَ الْمَوْجُودِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِذَا كَانَ صِفَةً لِذَاتِ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، كَانَ مَعْنَى كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّ ذَاتَ الْقَدِيمِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَقْتَضِي تِلْكَ الصِّفَةَ.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُمْكِنًا أَنَّ ذَاتَ الْمُمْكِنَ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا تَقْتَضِي تِلْكَ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً وَاحِدَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمَاهِيَّتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، أَعْنِي الْقَدِيمَ وَالْحَادِثَ، وَتَقْتَضِي إِحْدَاهُمَا لِذَاتِهَا تِلْكَ الصِّفَةَ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً فِيهَا، وَالْأُخْرَى لَا تَقْتَضِي لِذَاتهَا تِلْكَ الصِّفَةَ فَتَكُونُ مُمْكِنَةً فِيهَا، مَعَ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، كَالْعَالِمِ وَالْمُتَكَلِّمِ.
فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُقْتَضِيًا لِوُجُوبِهِ، وَالْمُمْكِنُ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، بَلْ يَقْتَضِي إِمْكَانَهُ. فَظَهَرَ أَنَّ وُجُوبَ الْوُجُودِ فِي الْقَدِيمِ وَإِمْكَانَهُ فِي الْمُمْكِنِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاكِ الْمَوْجُودِ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَلَا يَمْنَعَانِ التَّوَاطُؤَ.
(1/168)

ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالْإِمْكَانَ لَا يَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ كَالْعَالِمِ وَالْمُتَكَلِّمِ.
ص - قَالُوا: لَوْ وُضِعَتْ - لَاخْتَلَّ الْمَقْصُودُ مِنَ الْوَضْعِ.
ص - قُلْنَا: يُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ. وَإِنْ سُلِّمَ فَالتَّعْرِيفُ الْإِجْمَالِيُّ مَقْصُودٌ كَالْأَجْنَاسِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْأَصَحِّ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ، وَ {عَسْعَسَ} [التكوير: 17] لِأَقْبَلَ، وَأَدْبَرَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/170)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ هَذَا الْمَوْضِعُ.
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ ذِكْرِ مَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَهُ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ الْمَذْهَبِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ عَدَمُ وُقُوعِ الْمُشْتَرَكِ.
وَتَوْجِيهُ دَلِيلِهِمْ أَنْ يُقَالَ: لَوْ وُضِعَتِ الْأَلْفَاظُ الْمُشْتَرَكَةُ لَاخْتَلَّ الْمَقْصُودُ مِنَ الْوَضْعِ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
أَمَّا بُطْلَانُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّهُ لَوِ اخْتَلَّ الْمَقْصُودُ لَكَانَ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَفَاسِدِ، وَمَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَفَاسِدِ، وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ.
وَأَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْوَضْعِ هُوَ التَّفَاهُمُ التَّفْصِيلِيُّ حَالَةَ التَّخَاطُبِ. وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا لَمْ يَحْصُلِ التَّفَاهُمُ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يَفْهَمَ الْمُخَاطَبُ حَالَةَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ يَفْهَمَ غَيْرَ مُرَادِهِ.
ش - مَنَعَ الْمُصَنِّفُ الْمُلَازَمَةَ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا لَمْ يَفْهَمِ الْمُخَاطَبُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ ; لِجَوَازِ أَنْ يُعْرَفَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِالْقَرَائِنِ.
وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْمُرَادَ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ
(1/171)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْوَضْعِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ هُوَ الْفَهْمُ التَّفْصِيلِيُّ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ الْإِجْمَالِيُّ مَقْصُودًا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَمَا فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ ; فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا وُضِعَتْ لَهُ إِجْمَالًا وَلَا تَدُلُّ عَلَى تَفَاصِيلِ مَا تَحْتَهَا.
[وقوع المشترك في القرآن]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فِي اللُّغَةِ، هَلْ هُوَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ وَاقِعٌ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ " الْقَرْءَ " مُشْتَرَكٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17] فَإِنَّهُ بِمَعْنَى أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
ش - هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْمُشْتَرَكُ فِي الْقُرْآنِ لَوَقَعَ إِمَّا مُبَيَّنًا، بِأَنْ يُذْكَرَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنَ الْمَعَانِي الْمَوْضُوعِ حُصُولُهَا، كَمَا يُقَالُ: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ، وَهِيَ الْأَطْهَارُ] فَيَلْزَمُ التَّطْوِيلُ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ ; إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ وُضِعَ لَهُ فَقَطْ.
وَإِمَّا غَيْرُ مُبَيَّنٍ فَيَكُونُ غَيْرَ مُفِيدٍ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ الْفَهْمُ التَّفْصِيلِيُّ. وَغَيْرُ الْمُفِيدِ لَا يَقَعُ بِهِ الْخِطَابُ، وَإِلَّا لَكَانَ عَبَثًا، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهُ.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ غَيْرَ مُبَيَّنٍ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَتِ الْفَائِدَةُ مُنْحَصِرَةً فِي الْفَهْمِ التَّفْصِيلِيِّ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ غَيْرَ
(1/172)

ص - قَالُوا: إِنْ وَقَعَ مُبَيَّنًا لَطَالَ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَغَيْرُ [مُبَيَّنٍ] غَيْرُ مُفِيدٍ.
ص - وَأُجِيبَ [بِأَنَّ] فَائِدَتَهُ مِثْلُهَا فِي الْأَجْنَاسِ. وَفِي الْأَحْكَامِ: الِاسْتِعْدَادُ لِلِامْتِثَالِ إِذَا بَيَّنَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/173)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُبَيَّنِ فِي الْقُرْآنِ إِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَحْكَامِ فَفَائِدَتُهُ مِثْلُ الْفَائِدَةِ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، وَهُوَ الْفَهْمُ الْإِجْمَالِيُّ. وَإِنْ وَقَعَ فِي الْأَحْكَامِ فَفَائِدَتُهُ الِاسْتِعْدَادُ لِلِامْتِثَالِ إِذَا بَيَّنَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالْمُشْتَرَكِ، شَرَعَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرَادُفِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
[الْمُتَرَادِفُ]
[وقوع المترادف]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّ التَّرَادُفَ وَاقِعٌ أَوْ لَا؟ الْأَصَحُّ أَنَّهُ وَاقِعٌ.
وَالتَّرَادُفُ هُوَ: تَوَارُدُ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ. وَوَحْدَةُ الِاعْتِبَارِ يُخْرِجُ الْمُتَبَايِنَيْنِ كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ، فَإِنَّهُمَا دَلَّا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الذَّاتِ وَالْآخَرُ عَلَى الصِّفَةِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَيْدُ الِاعْتِبَارِ يُخْرِجُ أَيْضًا تَوَارُدَ اللَّفْظَيْنِ الْمُفْرَدَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْآخَرَ بِالْمَجَازِ، كَالْأَسَدِ وَالشُّجَاعِ، فَإِنَّهُمَا دَالَّانِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالْآخَرَ بِاعْتِبَارِ الْمَجَازِ] .
(1/174)

الْمُتَرَادِفُ
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُتَرَادِفُ وَاقِعٌ عَلَى الْأَصَحِّ، كَأَسَدٍ وَسَبُعٍ، وَجُلُوسٍ وَقُعُودٍ.
ص - قَالُوا: لَوْ وَقَعَ - لَعَرِيَ عَنِ الْفَائِدَةِ.
ص - قُلْنَا: فَائِدَتُهُ: التَّوْسِعَةُ، وَتَيْسِيرُ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ لِلرَّوِيِّ أَوِ الْوَزْنِ [وَ] تَيْسِيرُ التَّجْنِيسِ وَالْمُطَابَقَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/175)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْيِيدِ الْأَلْفَاظِ بِالْمُفْرَدَةِ، احْتِرَازًا عَنْ تَوَارُدِ الْحَدِّ وَالرَّسْمِ أَوِ الِاسْمِ ; فَإِنَّ اعْتِبَارَ دَلَالَتِهَا مُخْتَلِفٌ.
وَدَلِيلُ قَوْلِهِ أَنَّ الْأَسَدَ وَالسَّبُعَ مِنْ أَسْمَاءِ الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ. وَالْجُلُوسَ وَالْقُعُودَ اسْمَانِ لِلْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ. وَلَا نَعْنِي بِالْمُتَرَادِفِ إِلَّا هَذَا.
ش - هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُتَرَادِفَ لَوْ وَقَعَ لَعَرِيَ عَنِ الْفَائِدَةِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْوَضْعِ إِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ بِالْمُرَادِ عِنْدَ السَّمَاعِ. وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ تَحْصُلُ بِوَضْعِ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ [لَهُ] ، فَيَكُونُ وَضْعُ اللَّفْظِ الْآخَرِ عَارِيًا عَنِ الْفَائِدَةِ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْوَاضِعِ أَنْ يَضَعَ لَفْظًا عَارِيًا عَنِ الْفَائِدَةِ.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ. قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْوَضْعِ تَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ بِالْمُرَادِ عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَائِدَةَ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا ذَكَرْتُمْ ; فَإِنَّ لِوَضْعِ اللَّفْظِ فَوَائِدَ: مِنْهَا: التَّوْسِعَةُ، وَهِيَ تَكْثِيرُ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْغَرَضِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَأْدِيَةِ الْمَقْصُودِ بِإِحْدَى الْعِبَارَتَيْنِ عِنْدَ نِسْيَانِ الْأُخْرَى.
وَمِنْهَا: تَيْسِيرُ النَّظْمِ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ وَزْنُ الْبَيْتِ وَقَافِيَتُهُ مَعَ بَعْضِ أَسْمَاءِ الشَّيْءِ، وَيَصِحُّ مَعَ اسْمٍ آخَرَ بِسَبَبِ مُوَافَقَتِهِ لِلرَّوِيِّ وَالزِّنَةِ. وَكَذَا تَيْسِيرُ النَّثْرِ.
وَالرَّوِيُّ: حَرْفُ الْقَافِيَةِ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْقَصِيدَةُ، كَاللَّامِ فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
(1/176)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْقَافِيَةُ هِيَ: آخِرُ كَلِمَةٍ فِي الْبَيْتِ، نَحْوَ " مَنْزِلِ " فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ. وَمِنْهَا: تَيْسِيرُ التَّجْنِيسِ. وَهُوَ: تَشَابُهُ الْكَلِمَتَيْنِ فِي اللَّفْظِ، نَحْوَ: رَحَبَةٌ، رَحْبَةٌ، وَجُبَّةُ الْبَرْدِ، جُنَّةُ الْبَرْدِ، بِأَنْ يَحْصُلَ التَّجْنِيسُ بِأَحَدِ اللَّفْظَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
وَتَيْسِيرُ الْمُطَابَقَةِ، وَهِيَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التوبة: 82] وَقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26] .
وَلَا مَدْخَلَ فِي تَيْسِيرِ الْمُطَابَقَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى لِلتَّرَادُفِ إِلَّا أَنْ يُفَسِّرَ الْمُطَابَقَةَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُوَازِنًا لِلْآخَرِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ:
فَلَا الْجُودُ يُفْنِي الْمَالَ وَالْجِدُّ مُقْبِلٌ ... وَلَا الْبُخْلُ يُبْقِي الْمَالَ وَالْجِدُّ مُدْبِرٌ
فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ فِي تَيْسِيرِهَا.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْمُتَرَادِفُ لَزِمَ تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ ; لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَحْصُلُ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ. فَلَوْ وُضِعَ لَفْظٌ ثَانٍ لَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ مُعَرِّفًا لَمَا عَرَّفَهُ الْأَوَّلُ وَتَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ غَيْرُ جَائِزٍ ; إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
ش - وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ عَلَامَةٌ لِلْمَعْنَى، لَا مُعَرِّفَ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ عَلَامَاتٌ.
[ترادف الحد والمحدود]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ الْحَدَّ وَالْمَحْدُودَ، وَالْمَتْبُوعَ وَالتَّابِعَ، هَلْ هُمَا مُتَرَادِفَانِ أَمْ لَا؟ الْأَصَحُّ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ.
مِثَالُ الْحَدِّ وَالْمَحْدُودِ: الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ وَالْإِنْسَانُ. وَالْمَتْبُوعُ وَالتَّابِعُ،
(1/178)

ص - قَالُوا: تَعْرِيفُ [الْمُعَرَّفُ] .
ص - قُلْنَا: [عَلَامَةٌ ثَانِيَةٌ] .
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْحَدُّ وَالْمَحْدُودُ، وَنَحْوُ عَطْشَانَ نَطْشَانَ غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الْحَدَّ يَدُلُّ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ، وَنَطْشَانُ لَا يُفْرَدُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَقَعُ كُلٌّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، وَلَا حَجْرَ فِي التَّرْكِيبِ.
ص - قَالُوا: لَوْ صَحَّ - لَصَحَّ " خِدَائِي أَكْبَرُ ".
ص - وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفَرْقِ بِاخْتِلَاطِ اللُّغَتَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/179)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهُمَا لَفْظَانِ يَكُونُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا مَوْضُوعًا لِمَعْنًى، وَالثَّانِي يَتْبَعُهُ وَلَا يُفْرَدُ وَيَكُونُ عَلَى زِنَةِ الْأُولَى، نَحْوَ عَطْشَانَ نَطْشَانَ وَخَرَابٍ [يَبَابٍ] .
وَقِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّ الثَّانِيَ لَا يُفْرَدُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ: أَمَّا الْحَدُّ وَالْمَحْدُودُ ; فَلِأَنَّ مَفْهُومَ الْمَحْدُودِ مُغَايِرٌ لِمَفْهُومِ الْحَدِّ ; لِأَنَّ مَفْهُومَ الْمَحْدُودِ: الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ. وَمَفْهُومَ الْحَدِّ: أَجْزَاؤُهَا، فَلَا يَكُونَانِ مُتَرَادِفَيْنِ ; لِأَنَّ مَفْهُومَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُتَّحِدٌ.
أَمَّا التَّابِعُ وَالْمَتْبُوعُ، فَلِأَنَّ التَّابِعَ نَحْوُ نَطْشَانَ لَا يَنْفَرِدُ بِالذِّكْرِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ يَنْفَرِدُ بِالذِّكْرِ.
[وقوع كُلٌّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَقَعُ كُلٌّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ أَمْ لَا؟ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَقَعُ كُلٌّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ فِي التَّرْكِيبِ ; لِأَنَّ مَعْنَى كُلٍّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ بِعَيْنِهِ مَعْنَى الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ.
وَالْمَعْنَى لَمَّا صَحَّ أَنْ يُضَمَّ إِلَى مَعْنًى حِينَ مَا يَكُونُ مَدْلُولًا لِأَحَدِ اللَّفْظَيْنِ،
(1/180)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا بُدَّ وَأَنْ تَبْقَى تِلْكَ الصِّحَّةُ حَالَ كَوْنِهِ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ الثَّانِي، وَلَا حَجْرَ، أَيْ وَلَا مَانِعَ فِي التَّرْكِيبِ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الضَّمِّ مِنْ عَوَارِضِ الْمَعْنَى، لَا اللَّفْظِ.
ش - هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّةِ وُقُوعِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ. تَوْجِيهُهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يَقَعَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ، لَصَحَّ وُقُوعُ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ مُرَادِفِهِ مِنْ لُغَةٍ أُخْرَى، فَيَصِحُّ " خِدَائِي أَكْبَرُ ". وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. وَالْمُلَازَمَةُ وَانْتِفَاءُ التَّالِي كِلَاهُمَا ظَاهِرَانِ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي وَالْتِزَامِهِ صِحَّةَ " خِدَائِي أَكْبَرُ ".
وَثَانِيًا بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مِنْ لُغَةٍ وَبَيْنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مِنْ لُغَتَيْنِ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ إِذَا كَانَا مِنْ لُغَةٍ ; لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَهُوَ اخْتِلَاطُ اللُّغَتَيْنِ الْمُسْتَلْزِمُ لِضَمِّ مُهْمَلٍ إِلَى مُسْتَعْمَلٍ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنَ اللُّغَتَيْنِ ; فَإِنَّ لَفْظَ إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُخْرَى مُهْمَلٌ.
(1/181)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ إِذَا كَانَا مِنْ لُغَتَيْنِ، لِوُجُودِ الْمَانِعِ وَهُوَ اخْتِلَاطُ اللُّغَتَيْنِ.
وَالْجَوَابُ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي يَقْتَضِي صِدْقَ عُمُومِ الدَّعْوَى، وَهُوَ وُقُوعُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ لُغَتَيْنِ أَوْ مِنْ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْجَوَابُ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ لَا يَقْتَضِي صِدْقَ عُمُومِ الدَّعْوَى، بَلْ يَقْتَضِي خُصُوصُهَا، وَهُوَ وُقُوعُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ إِذَا كَانَا مِنْ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُتَرَادِفِ شَرَعَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَهِيَ سِتٌّ.
[الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ]
[الحقيقة]
[تعريف الحقيقة]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي حَدَّيِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَأَقْسَامِهِمَا وَشَرَائِطِهِمَا. وَفِي الْمَجَازِ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ أَمْ لَا؟ وَابْتَدَأَ بِحَدِّ الْحَقِيقَةِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ فَعِيلَةٌ مِنَ الْحَقِّ، إِمَّا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، كَالْعَلِيمِ، فَلَا يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، فَيَكُونُ تَاءُ التَّأْنِيثِ فِيهِ جَارِيَةً عَلَى الْقِيَاسِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا: الثَّابِتَةُ.
وَإِمَّا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، كَالْجَرِيحِ فَيَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، فَيَكُونُ التَّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ حِينَئِذٍ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا: الْمُثْبِتَةُ.
ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى الِاعْتِقَادِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ ; لِكَوْنِهِ مُثْبِتًا أَوْ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. ثُمَّ نُقِلَتْ مِنَ الِاعْتِقَادِ إِلَى الْقَوْلِ الْمُطَابِقِ ; لِكَوْنِ مَدْلُولِهِ مُثْبِتًا أَوْ ثَابِتًا أَيْضًا. ثُمَّ نَقَلَ مِنَ الْقَوْلِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهِيَ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ.
(1/182)

الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْحَقِيقَةُ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْعٍ أَوَّلَ.
ص - وَهِيَ لُغَوِيَّةٌ وَعُرْفِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ. كَالْأَسَدِ وَالدَّابَّةِ وَالصَّلَاةِ.
ص - وَالْمَجَازُ: الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ.
ص - وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَلَاقَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/183)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَهِيَ مَنْقُولَةٌ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ. وَقَوْلُهُ: " اللَّفْظُ " كَالْجِنْسِ، يَتَنَاوَلُ الْحَقِيقَةَ وَغَيْرَهَا. وَقَوْلُهُ: " الْمُسْتَعْمَلُ " يَخْرُجُ عَنْهُ: اللَّفْظُ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ ; فَإِنَّ اللَّفْظَ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
وَقَوْلُهُ: " فِي وَضْعٍ " أَيْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ. وَفِيهِ تَسَاهُلٌ، يَتَنَاوَلُ مَا وُضِعَ لَهُ لُغَةً، وَعُرْفًا، وَشَرْعًا، وَالْمَفْهُومَ الْمَجَازِيَّ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ.
وَيَخْرُجُ عَنْهُ: الْأَلْفَاظُ الْمُهْمَلَةُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوَّلًا " يُخْرِجُ الْمَجَازَ ; فَإِنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ ; ضَرُورَةَ خُرُوجِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا ; ضَرُورَةَ كَوْنِهَا مَنْقُولَةً، وَالنَّقْلُ يَسْتَلْزِمُ وَضْعًا ثَانِيًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ، مَا يَكُونُ أَوَّلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاصْطِلَاحِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّخَاطُبُ، لَا مَا يَكُونُ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ ; فَإِنَّ الْوَضْعَ الْأَوَّلَ أَعَمُّ مِنَ الْوَضْعِ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ.
فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْأَلْفَاظُ الْمَنْقُولَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَوِ الْعُرْفِيَّةُ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ بِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ بِالْوَضْعِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ.
مَثَلًا: الصَّلَاةُ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي ذَاتِ الْأَرْكَانِ، كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهَا بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ اسْتِعْمَالًا فِي وَضْعٍ أَوَّلَ، وَبِاصْطِلَاحِ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْتِعْمَالًا فِي وَضْعٍ ثَانٍ.
(1/184)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي الدُّعَاءِ فَبِالْعَكْسِ. وَمَا قِيلَ: إِنَّ فِي الْحَدِّ نَظَرًا ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْئَيْنِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَدُّ الْحَقِيقَةِ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَجَازِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ إِضَافِيًّا لَا يَسْتَلْزِمُ إِلَّا الْوَضْعَ الثَّانِيَ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الْمَجَازِ إِنِ اعْتُبِرَ الْوَضْعُ الثَّانِي فِي الْمَجَازِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ ; لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي حَدِّ الشَّيْءِ جُزْءُ مُقَابِلِهِ.
[أقسام الحقيقة]
ش - الْحَقِيقَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَوَاضِعِ تَنْقَسِمُ إِلَّا ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَإِنْ كَانَ الْوَاضِعُ أَهْلَ اللُّغَةِ، سُمِّيَتْ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، كَالْأَسَدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ.
وَإِنْ كَانَ أَهْلَ الْعُرْفِ، سَوَاءٌ كَانَ عُرْفًا عَامًّا أَوْ خَاصًّا، سُمِّيَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، كَالدَّابَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِ [الْحَافِرِ] . فَإِنَّ الدَّابَّةَ وُضِعَتْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِكُلِّ مَا يَدُبُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَخَصَّصَ أَهْلُ الْعُرْفِ بِذَاتِ [الْحَافِرِ] . وَكَاصْطِلَاحِ النُّحَاةِ وَالنُّظَّارِ، مِثْلَ: الْفَاعِلِ وَالنَّقْضِ مَثَلًا.
وَإِنْ كَانَ أَهْلَ الشَّرْعِ، سُمِّيَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، كَالصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ
(1/185)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِلَى ذَاتِ الْأَرْكَانِ ; فَإِنَّهَا وُضِعَتْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ، ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى ذَاتِ الْأَرْكَانِ.
[المجاز]
ش - الْمَجَازُ مَفْعَلٌ مِنَ الْجَوَازِ بِمَعْنَى الْعُبُورِ. وَالْمَفْعَلُ لِلْمَصْدَرِ أَوْ لِلْمَكَانِ. ثُمَّ نُقِلَ إِلَى اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ، فَهُوَ مَجَازٌ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنْ جِهَتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُبُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِانْتِقَالِ الْجِسْمِ مِنْ حَيِّزٍ إِلَى آخَرَ، فَإِذَا اعْتُبِرَ فِي اللَّفْظِ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ صِيغَةٌ لِلْمَصْدَرِ أَوْ لِلْمَكَانِ، وَقَدْ أُطْلِقَ هَهُنَا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ مُنْتَقِلٌ فَيَكُونُ مَجَازًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: " اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ " بِحَالِهِ. وَقَوْلُهُ: " فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ " أَيْ غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا يُخْرِجُ عَنْهُ الْحَقِيقَةَ. وَيَتَنَاوَلُ الْمُهْمَلَ، لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ " أَيْ يَكُونُ بَيْنَ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَاقَةٌ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْوَضْعِ الثَّانِي لِأَجْلِهَا، يُخْرِجُ الْمُهْمَلَ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ.
[ضرورة العلاقة]
ش - اعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ عَلَاقَةٌ اعْتُبِرَتْ فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ بِحَسَبِ النَّوْعِ، وَإِلَّا لَجَازَ اسْتِعْمَالُ كُلِّ لَفْظٍ لِكُلِّ مَعْنًى بِالْمَجَازِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا لَكَانَ الْوَضْعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَوَّلًا فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِمَا.
وَقَدِ اشْتَرَطَ قَوْمٌ: اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ. وَهُوَ بَاطِلٌ ; فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَجَازَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ عَارِيَةٌ عَنِ اللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ.
وَالْعَلَاقَةُ الْمُعْتَبَرَةُ مِنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ كَثِيرَةٌ. وَقِيلَ: إِنَّهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَوْعًا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ.
وَالْمُصَنِّفُ مَا ذَكَرَ مِنْهَا إِلَّا أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْمُشَابَهَةُ. وَهِيَ إِمَّا بِالشَّكْلِ، كَالْإِنْسَانِ لِلصُّورَةِ الْمَنْقُوشَةِ، لِمُشَابَهَتِهَا فِي الشَّكْلِ.
وَإِمَّا فِي الصِّفَةِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً، كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ لِمُشَابَهَتِهِ فِي صِفَةِ الشَّجَاعَةِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، غَيْرُ خَفِيَّةٍ. فَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْأَسَدِ عَلَى
(1/186)

وَقَدْ تَكُونُ بِالشَّكْلِ، كَالْإِنْسَانِ لِلصُّورَةِ. أَوْ فِي صِفَةٍ ظَاهِرَةٍ، كَالْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ لَا عَلَى الْأَبْخَرِ، لِخَفَائِهَا.
أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ. أَوْ آيِلٍ كَالْخَمْرِ أَوْ لِلْمُجَاوَرَةِ، مِثْلَ جَرْيِ الْمِيزَابِ.
ص - وَلَا يُشْتَرَطُ النَّقْلُ فِي الْآحَادِ عَلَى الْأَصَحِّ. لَنَا: لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا - لَتَوَقَّفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَقَّفُونَ.
ص - وَاسْتَدَلَّ لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا - لَمَا افْتَقَرَ إِلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّظَرَ لِلْوَاضِعِ. وَإِنْ سُلِّمَ فَلِلِاطِّلَاعِ عَلَى الْحِكْمَةِ.
ص - قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَجَازَ " نَخْلَةٌ " لِطَوِيلٍ غَيْرِ إِنْسَانٍ، وَ " شَبَكَةٌ " لِلصَّيْدِ وَ " ابْنٌ " لِلْأَبِ، وَبِالْعَكْسِ.
ص - وَأُجِيبَ بِالْمَانِعِ.
ص - قَالُوا: لَوْ جَازَ - لَكَانَ قِيَاسًا أَوِ اخْتِرَاعًا.
ص - وَأُجِيبَ بِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْعَلَاقَةَ مُصَحِّحَةٌ، كَرَفْعِ الْفَاعِلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/187)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الرَّجُلِ الْأَبْخَرِ، وَإِنْ كَانَ مُشَابِهًا لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ فِي صِفَةِ الْبَخْرِ ; لِأَنَّهَا فِي الْأَسَدِ خَفِيَّةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ. وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ، أَيِ الْمَجَازُ الَّذِي بِسَبَبِ الْمُشَابَهَةِ: مُسْتَعَارًا أَيْضًا.
وَالثَّانِي اتِّصَافُ الْمَحَلِّ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، كَتَسْمِيَةِ الْمُعْتَقِ عَبْدًا، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ ". الثَّالِثُ اتِّصَافُ الْمَحَلِّ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِحَسَبِ مَا سَيَئُولُ إِلَيْهِ، كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْخَمْرِ بِاعْتِبَارِ صَيْرُورَتِهِ خَمْرًا. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ آيِلٍ.
الرَّابِعُ: الْمُجَاوَرَةُ، كَإِطْلَاقِ الْمِيزَابِ عَلَى الْمَاءِ، لِمُجَاوَرَتِهِمَا، كَقَوْلِهِمْ: جَرْيُ الْمِيزَابِ.
[اشتراط النَّقْلُ فِي الْآحَادِ]
ش - اخْتُلِفَ فِي أَنَّ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ هَلْ يَفْتَقِرُ فِي كُلِّ صُورَةٍ إِلَى النَّقْلِ أَمْ لَا؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ.
وَلْنُحَرِّرِ الْمَطْلُوبَ أَوَّلًا، فَنَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ
(1/188)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، النَّقْلُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِاسْتِعْمَالِهِمْ فِيهَا، حَتَّى إِذَا لَمْ يُسْمَعْ [أَنَّهُمْ] اسْتَعْمَلُوا اللَّفْظَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، لَمْ يَجُزْ لَنَا اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا، بَلْ يَكْفِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ صُورَةٍ ظُهُورُ نَوْعٍ مِنَ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " فِي الْآحَادِ " أَيْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ; لِأَنَّ النَّقْلَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي أَصْلِ الْمَجَازِ شَرْطٌ. مَثَلًا إِذَا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدِ اعْتَبَرُوا إِطْلَاقَ اسْمِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ، لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نُطْلِقَ اسْمَ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ مَجَازًا ; لِأَنَّ أَصْلَ الْمَجَازِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَنْقُولٍ عَنْهُمْ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ. أَمَّا إِذَا نُقِلَ إِلَيْنَا أَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا إِطْلَاقَ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ، يَجُوزُ لَنَا فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ إِطْلَاقُ اسْمِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ مَجَازًا، وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا أَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا إِطْلَاقَهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّوَرِ ; لِأَنَّ النَّقْلَ فِي أَصْلِ الْمَجَازِ هُوَ إِطْلَاقُ اسْمِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ كَافٍ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْآحَادِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّقْلَ فِي الْآحَادِ لَوْ كَانَ شَرْطًا، لَتَوَقَّفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَجَوُّزَاتِهِمْ عَلَى النَّقْلِ مِنَ الْوَاضِعِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمِ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ النَّقْلَ لَوْ كَانَ شَرْطًا فِي الِاسْتِعْمَالِ لَتَوَقَّفَ الْمَشْرُوطُ - وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ - عَلَى الشَّرْطِ، وَهُوَ النَّقْلُ.
(1/189)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي ; فَلِأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي ظَهَرَ [فِيهَا] الْعَلَاقَةُ مَعَ عَدَمِ النَّقْلِ.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّقْلُ فِي الْآحَادِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ شَرْطًا، لَمَّا افْتَقَرَ الْمُسْتَعْمِلُ إِلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ، جَوَازُ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِذَا كَانَ النَّقْلُ شَرْطًا يَكْفِي فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى كَوْنُهُ مَنْقُولًا عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَلَاقَةَ كَمَا فِي جَمِيعِ الْمُسْتَعْمَلَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ أَوَّلًا بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ افْتِقَارَ الْمُسْتَعْمِلِ إِلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ فِي الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ ; لِأَنَّ النَّقْلَ عَنِ الْوَاضِعِ فِي الْآحَادِ
(1/190)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَافٍ فِي إِطْلَاقِنَا. وَالِافْتِقَارُ إِلَى النَّظَرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْقِيَاسِ إِلَى الْوَاضِعِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاضِعَ عِنْدَ وَضْعِهِ اللَّفْظَ لِلْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ يَفْتَقِرُ إِلَى أَنْ يُلَاحِظَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا هُوَ جَوَازُ الِاسْتِعْمَالِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا مُنْحَصِرٌ فِي جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا اسْتِخْرَاجُ حِكْمَةِ الْوَضْعِ لِلْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ. فَلِذَلِكَ يُنْظَرُ فِيهَا، لَا لِأَجْلِ افْتِقَارِنَا فِي جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا.
ش - هَذَا دَلِيلٌ لِلْقَائِلِينَ بِاشْتِرَاطِ النَّقْلِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّوَرِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطِ النَّقْلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّوَرِ، لَجَازَ إِطْلَاقُ " النَّخْلَةِ " عَلَى كُلِّ طَوِيلٍ غَيْرِ إِنْسَانٍ.
وَإِطْلَاقُ " الشَّبَكَةِ " عَلَى الصَّيْدِ، وَإِطْلَاقُ " الِابْنِ " عَلَى الْأَبِ، وَبِالْعَكْسِ، أَيْ إِطْلَاقُ " الْأَبِ " عَلَى الِابْنِ. وَالتَّالِي بِأَقْسَامِهِ بَاطِلَةٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
(1/191)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِظُهُورِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِظُهُورِ الْمُشَابَهَةِ فِي الصُّورَةِ. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِلْمُجَاوَرَةِ. وَأَمَّا فِي الثَّالِثِ فَلِأَنَّ الْأَبَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى صِفَةِ الْبُنُوَّةَ. وَأَمَّا فِي الرَّابِعِ فَلِأَنَّ الِابْنَ سَيَئُولُ إِلَى الْأَبِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْعَلَاقَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، ذَكَرَ الصُّوَرَ الْأَرْبَعَ الْمُشْتَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَإِذَا ظَهَرَ الْعَلَاقَةُ الْمُعْتَبَرَةُ مِنَ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُشْتَرَطِ النَّقْلَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمْ، جَازَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ [لِتَحَقُّقِ] الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ النَّقْلِ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطِ النَّقْلُ، لَجَازَ الِاسْتِعْمَالُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ قَدْ يَكُونُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ، لَا لِاشْتِرَاطِ النَّقْلِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خُصُوصِيَّةُ هَذِهِ الْحَالِ مَانِعَةً مِنْ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيهَا. أَوْ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَيَكُونُ
(1/192)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَانِعًا عَنِ الْجَوَازِ. أَوْ لَمْ يَكْتَفِ الْوَاضِعُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ، وَاعْتِبَارُ الْعَلَاقَةِ عِنْدَ الْوَاضِعِ شَرْطَ جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى اشْتِرَاطِ النَّقْلِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ فِي الْآحَادِ لِمُجَرَّدِ الْعَلَاقَةِ بِدُونِ النَّقْلِ، لَجَازَ إِمَّا بِالْقِيَاسِ أَوِ الِاخْتِرَاعِ. وَالتَّالِي [بِقِسْمَيْهِ] بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ كَذَلِكَ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِاسْمِ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ إِنْ كَانَ بِسَبَبِ وُجُودِ وَصْفٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَفْهُومٍ مَجَازِيٍّ آخَرَ، يَكُونُ ذَلِكَ الْوَصْفُ سَبَبًا لِتَسْمِيَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الْآخَرِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، كَمَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَنَارَةِ بِالنَّخْلَةِ بِسَبَبِ وُجُودِ وَصْفِ الطُّولِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ الطَّوِيلِ وَالَّذِي هُوَ - أَعْنِي وَصْفَ الطُّولِ - سَبَبٌ لِتَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ بِالنَّخْلَةِ، كَانَ ذَلِكَ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَانَ اخْتِرَاعًا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي; فَلِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَالِاخْتِرَاعُ غَيْرُ جَائِزٍ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ] ) خَارِجًا عَنْ وَضْعِ اللُّغَةِ.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا، كَانَ اخْتِرَاعًا. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِقْرَاءُ دَالًّا عَلَى أَنَّ الْعَلَاقَةَ الْمُعْتَبَرَةَ كَافِيَةٌ فِي صِحَّةِ الِاسْتِعْمَالِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الِاسْتِقْرَاءُ دَالًّا فَلَا. كَمَا فِي رَفْعِ الْفَاعِلِ لَمْ يُسْمَعْ رَفْعُهُ مِنَ الْعَرَبِ. فَإِنَّا لَمَّا اسْتَقْرَأْنَا كَلَامَهُمْ فِي رَفْعِ الْفَاعِلِ حَكَمْنَا بِكَوْنِ الْفَاعِلِ مَرْفُوعًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ وَلَا اخْتِرَاعًا. كَذَلِكَ هَهُنَا.
اسْتَقْرَأْنَا الْأَلْفَاظَ الْمَجَازِيَّةَ فَوَجَدْنَاهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى الْعَلَاقَةِ، فَحَكَمْنَا حُكْمًا مُطْلَقًا عَلَى أَنَّ الْعَلَاقَةَ مُصَحِّحَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ تَصْحِيحَ الْعَلَاقَةِ لِجَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إِلَى النَّقْلِ، لَمْ يَكُنْ مُسَلَّمًا.
وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى النَّقْلِ، يَلْزَمُ مَطْلُوبُ الْخَصْمِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الِاسْتِعْمَالِ لِأَجْلِ الْعَلَاقَةِ مَعَ وُجُودِ النَّقْلِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ النَّقْلَ فِي أَصْلِ الْمَجَازِ كَافٍ فِي تَصْحِيحِ الْعَلَاقَةِ لِجَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصُّوَرِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى النَّقْلِ فِي الْآحَادِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ ; لِأَنَّ النِّزَاعَ وَقَعَ فِيهِ.
[وجوه معرفة المجاز]
ش - قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: إِذَا لَمْ يُوجَدِ النَّقْلُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ، وَذَاكَ مَجَازٌ، يُعَرَفُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِصِحَّةِ النَّفْيِ، يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا جَازَ نَفْيُهُ عَمَّا أُطْلِقَ عَلَيْهِ، كَانَ مَجَازًا. كَقَوْلِكَ لِلْبَلِيدِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحِمَارٍ. فَإِنَّ الْحِمَارَ لَمَّا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَلِيدِ مَجَازًا، صَحَّ سَلْبُهُ عَنْهُ، عَكْسُ الْحَقِيقَةِ. يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا لَمْ يَجُزْ سَلْبُهُ عَمَّا أُطْلِقَ عَلَيْهِ كَانَ حَقِيقَةً.
كَالْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَلِيدِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ حَقِيقَةً، امْتَنَعَ سَلْبُهُ عَنْهُ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ صِحَّةَ النَّفْيِ وَامْتِنَاعَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَلَوْ عَرَفْنَاهُمَا بِصِحَّةِ النَّفْيِ وَامْتِنَاعِهِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
ش - الْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِأَنْ يَتَبَادَرَ غَيْرُهُ، يَعْنِي أَنَّ الْمَدْلُولَ إِذَا تَبَادَرَ غَيْرُهُ إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ كَانَ اللَّفْظُ مَجَازًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ ; فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ غَيْرُهُ - وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ - إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ.
عَكْسُ الْحَقِيقَةِ، أَيْ أَنَّ الْمَدْلُولَ إِذَا تَبَادَرَ إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ عَارِيًا عَنِ الْقَرِينَةِ، وَلَمْ يَتَبَادَرْ غَيْرُهُ، كَانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً
(1/193)

ص - وَقَالُوا: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِوُجُوهٍ: أ - بِصِحَّةِ النَّفْيِ، كَقَوْلِكَ لِلْبَلِيدِ: لَيْسَ بِحِمَارٍ، عَكْسُ الْحَقِيقَةِ ; لِامْتِنَاعِ " لَيْسَ بِإِنْسَانٍ ". وَهُوَ دَوْرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/194)

ص - ب - وَبِأَنْ يَتَبَادَرَ غَيْرُهُ، لَوْلَا الْقَرِينَةُ، عَكْسُ الْحَقِيقَةِ.
ص - وَأُورِدَ الْمُشْتَرَكُ.
ص - فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ مَجَازًا.
ص - ج - بِعَدَمِ اطِّرَادِهِ وَلَا عَكْسَ.
ص - وَأَوْرَدَ: " السَّخِيَّ " وَ " الْفَاضِلَ " لِغَيْرِ اللَّهِ، وَ " الْقَارُورَةَ " لِلزُّجَاجَةِ.
ص - فَإِنْ أُجِيبَ [بِالْمَانِعِ] فَدَوْرٌ.
ص - د - وَبِجَمْعِهِ عَلَى خِلَافِ جَمْعِ الْحَقِيقَةِ، كَـ " أُمُورٍ " جَمْعُ " أَمْرٍ " [الْفِعْلُ] وَامْتِنَاعُ " أَوَامِرَ " وَلَا عَكْسَ.
ص - هـ - وَبِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ، نَحْوَ: " جَنَاحُ الذُّلِّ " وَ " نَارُ الْحَرْبِ ".
ص - وَ - وَبِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْمُسَمَّى الْآخَرِ، مِثْلَ {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/195)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ ; فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ دُونَ غَيْرِهِ.
ش - تَقْرِيرُ إِيرَادِهِ أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ لِلْحَقِيقَةِ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ حَقِيقَةٌ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْقَرِينَةِ لَمْ يَتَبَادَرْ إِلَى الذِّهْنِ.
ش - فَإِنْ أُجِيبَ عَنِ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ مَفْهُومَيْهِ، لَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَقَدْ يَتَبَادَرُ أَحَدُهُمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ انْعِكَاسِ تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ، لَزِمَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ عَلَى التَّعْيِينِ مَجَازًا ; لِأَنَّ غَيْرَهُ تَبَادَرَ إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ.
وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مَفْهُومَيْهِ بِالتَّوَاطُؤِ، ضَرُورَةَ كَوْنِ اللَّفْظِ مَوْضُوعًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَحَدُهُمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ.
وَفِي قَوْلِهِ: " لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ مَجَازًا " تَسَاهُلٌ فِي اللَّفْظِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ هُوَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْمَعَيَّنِ، لَا الْمَعَيَّنُ.
(1/196)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجِيبَ عَنْ أَصْلِ الْإِيرَادِ بِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ، لَا تَعْرِيفُهَا الْحَقِيقِيُّ. وَالْعَلَامَةُ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَاصَّةَ مُفَارَقَةٍ، فَلَا يَجُبِ الْعَكْسُ فِيهَا.
ش - الْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِعَدَمِ اطِّرَادِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى مَعْنًى، وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَانَ مَجَازًا. كَإِطْلَاقِ النَّخْلَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ الطَّوِيلِ ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ جَارِيًا فِي نَظَائِرِ الْإِنْسَانِ فِي [الطُّولِ] إِذْ لَا يُقَالُ لِكُلِّ طَوِيلٍ " نَخْلَةٌ ".
وَلَا عَكْسَ، أَيْ لَا يَكُونُ اطِّرَادُ اللَّفْظِ فِي نَظَائِرِهِ عَلَامَةَ الْحَقِيقَةِ ; فَإِنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَكُونُ مُطَّرِدًا، كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ ; فَإِنَّهُ مَجَازٌ مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ النَّظَائِرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَا عَكْسَ " أَنَّهُ لَا عَكْسَ لِهَذِهِ الْعَلَامَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمَجَازِ عَدَمُ الِاطِّرَادِ فَيَكُونُ هَذِهِ الْعَلَامَةُ غَيْرَ مُنْعَكِسَةٍ.
ش - تَقْرِيرُ الْإِيرَادِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ; لِأَنَّ
(1/197)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
" السَّخِيَّ " وَ " الْفَاضِلَ " لِلْكَرِيمِ، وَالْعَالَمِ بِالْحَقِيقَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ جَارِيًا فِي نَظَائِرِهِ ; إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْبَارِي، مَعَ أَنَّهُ كَرِيمٌ وَعَالِمٌ.
وَكَذَلِكَ " الْقَارُورَةُ " حَقِيقَةٌ فِي الزُّجَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ ; لِكَوْنِهَا مَقَرًّا لِلْمَائِعَاتِ، مَعَ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الزُّجَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ، فَلَا يَكُونُ مُطَّرِدًا.
ش - فَإِنْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ بِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ الْمَنْعِ مِنَ الشَّرْعِ أَوِ اللُّغَةِ عَنِ الْإِطْلَاقِ، عَلَامَةُ الْمَجَازِ، لَا عَدَمَ الِاطِّرَادِ فَحَسْبُ. وَفِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ قَدْ وُجِدَ الْمَنْعُ، أَمَّا فِي " السَّخِيِّ " وَ " الْفَاضِلِ " فَمِنَ الشَّرْعِ ; إِذْ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ. وَأَمَّا فِي " الْقَارُورَةِ " فَالْمَنْعُ مِنَ اللُّغَةِ. فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ ; لِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَامَةً لِلْمَجَازِ إِذَا عُلِمَ كَوْنُ عَدَمِ الِاطِّرَادِ لَا لِمَانِعٍ، وَكَوْنُ عَدَمِ الِاطِّرَادِ لَا لِمَانِعٍ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْمَجَازِ، فَيَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِالْمَجَازِ عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِ الِاطِّرَادِ، لَا لِمَانِعٍ، وَيَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِعَدَمِ الِاطِّرَادِ لَا لِمَانِعٍ، عَلَى الْعِلْمِ بِالْمَجَازِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ نُبَيِّنَ لُزُومَ الدَّوْرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ عَدَمَ الطَّرْدِ لَهُ مُوجِبٌ، وَلَيْسَ مُوجِبُهُ مَنْعَ الشَّرْعِ أَوِ اللُّغَةِ ; إِذِ التَّقْدِيرُ بِخِلَافِهِ، وَلَا الْعَقْلُ قَطْعًا. فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبُ عَدَمِ الطَّرْدِ كَوْنَ اللَّفْظِ مَجَازًا، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
(1/198)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - الْوَجْهُ الرَّابِعُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِجَمْعِهِ عَلَى خِلَافِ جَمْعِ الْحَقِيقَةِ، يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ لَهُ جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ، وَقَدْ جُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولٍ آخَرَ جَمْعًا عَلَى خِلَافِ جَمْعِ الْحَقِيقَةِ [كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ] مَجَازًا بِالنِّسْبَةِ عَلَى الْمَدْلُولِ الْآخَرِ. كَـ " الْأَمْرِ " فَإِنَّ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ - وَهُوَ: الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ - عَلَى " أَوَامِرَ ".
وَقَدْ جُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ - وَهُوَ: الْفِعْلُ - عَلَى " أُمُورٍ ". وَامْتَنَعَ جَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ [مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ] عَلَى " أَوَامِرَ ". " وَلَا عَكْسَ " أَيْ لَا عَكْسَ لِهَذَا التَّعْرِيفِ ; فَإِنَّهُ عَدَمُ اخْتِلَافِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَجَازُ ; فَإِنَّهُ يُقَالُ " أَسَدٌ " لِلشُّجْعَانِ، كَمَا يُقَالُ لِلضَّرَاغِمِ.
ش - الْوَجْهُ الْخَامِسُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ، أَيِ اللَّفْظُ
(1/199)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِذَا الْتُزِمَ تَقْيِيدُهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ عَلَى مَدْلُولِهِ، كَانَ مَجَازًا، مِثْلَ: " جَنَاحُ الذُّلِّ " وَ " نَارُ الْحَرْبِ ".
وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامُ التَّقْيِيدِ دَالًّا عَلَى الْمَجَازِ ; إِذْ عُلِمَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدِ اسْتَعْمَلُوا اللَّفْظَ فِي مُسَمَّاهُ مُطْلَقًا، غَيْرَ مُقَيَّدٍ، وَفِي غَيْرِ مُسَمَّاهُ، بِخِلَافِهِ، يَعْنِي مُقَيَّدًا، غَيْرَ مُطْلَقٍ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " بِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ " وَلَمْ يَقُلْ: " بِتَقْيِيدِهِ " ; لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ قَدْ يُقَيَّدُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمِ التَّقْيِيدَ فِيهِ.
ش - الْوَجْهُ السَّادِسُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْمُسَمَّى الْآخَرِ، يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ إِطْلَاقُهُ عَلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ مُتَوَقِّفًا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَدْلُولِ الْآخَرِ، كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَدْلُولِهِ الَّذِي [تَوَقَّفَ] إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَدْلُولِ الْآخَرِ [مَجَازًا] مِثْلَ: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] ; فَإِنَّ إِطْلَاقَ لِفْظِ " الْمَكْرِ " عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرِ مِنَ الْحَقِّ، مُتَوَقِّفٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرِ مِنَ الْخَلْقِ، فَيَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِّ مَجَازًا، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ حَقِيقَةً.
[كون اللفظ قبل الاستعمال حقيقة أو مجازا]
ش - اعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا وُضِعَ لِمَعْنًى وَلَمْ يَتَّفِقِ اسْتِعْمَالُهُ، لَا فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، وَلَا فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا ; لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَانْتِفَاءُ الْجُزْءِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْكُلِّ.
ش - اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ أَمْ لَا، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، هَلْ يَكُونُ مَشْرُوطًا بِاسْتِعْمَالِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا أَمْ لَا؟
" بِخِلَافِ الْعَكْسِ " أَيْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْمَجَازِ بَلِ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لَهُ.
ش - أَيْ قَالَ الْمُلْزِمُ - وَهُوَ الَّذِي يَدَّعِي لُزُومَ الْحَقِيقَةِ لِلْمَجَازِ -: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَجَازُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ، لَعَرِيَ وَضْعُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى عَنِ الْفَائِدَةِ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ فَائِدَةَ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى: اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَجَازُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ، لِجَازَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وَضَعَ لَهُ أَوَّلًا، مَعَ عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا. فَيَكُونُ الْوَضْعُ الْأَوَّلُ مُجَرَّدًا عَنِ الْفَائِدَةِ.
(1/200)

ص - وَاللَّفْظُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ.
ص - وَفِي اسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةَ خِلَافٌ. بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
ص - الْمُلْزِمُ: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ - لَعَرِيَ الْوَضْعُ عَنِ الْفَائِدَةِ.
ص -[النَّافِي] : لَوِ اسْتَلْزَمَ - لَكَانَ [لِنَحْوِ] " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ " وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " حَقِيقَةً. وَهُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، لِلُزُومِ الْوَضْعِ.
ص - وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْمُفْرَدِ، وَلَا مَجَازَ فِي [التَّرْكِيبِ] . وَقَوْلُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيِّ فِي نَحْوِ " أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ ": إِنَّ الْمَجَازَ فِي الْإِسْنَادِ، بَعِيدٌ: لِاتِّحَادِ جِهَتِهِ.
ص - وَلَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَلْزَمَ - لَكَانَ لِلَفْظِ " الرَّحْمَنِ " حَقِيقَةٌ وَلِنَحْوِ [عَسَى]- كَانَ قَوِيًّا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : إِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ - فَالْمَجَازُ أَقْرَبُ.
ص - لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ.
ص - وَيُؤَدِّي إِلَى مُسْتَبْعَدٍ مِنْ ضِدٍّ أَوْ نَقِيضٍ.
ص - وَيَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَتَيْنِ.
ص - وَلِأَنَّ الْمَجَازَ أَغْلَبُ، وَيَكُونُ أَبْلَغَ، وَأَوْجَزَ، وَأَوْفَقَ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى السَّجْعِ وَالْمُقَابَلَةِ، وَالْمُطَابَقَةِ، وَالْمُجَانَسَةِ وَالرَّوِيِّ.
ص - وَعُورِضَ بِتَرْجِيحِ الِاشْتِرَاكِ بِاطِّرَادِهِ، فَلَا يَضْطَرِبُ. وَبِالِاشْتِقَاقِ فَيَتَّسِعُ. وَبِصِحَّةِ الْمَجَازِ فِيهِمَا، فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ.
[وَبِاسْتِغْنَائِهِ] عَنِ الْعَلَاقَةِ، وَعَنِ الْحَقِيقَةِ، وَعَنْ مُخَالَفَةِ ظَاهِرٍ، وَعَنِ الْغَلَطِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ.
ص - وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّهُ أَبْلَغُ، فَمُشْتَرَكٌ فِيهِمَا. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُقَابِلُ الْأَغْلَبَ شَيْءٌ [مِمَّا ذَكَرْنَا] .
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الشَّرْعِيَّةُ وَاقِعَةٌ. خِلَافًا لِلْقَاضِي. وَأَثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الدِّينِيَّةَ أَيْضًا.
ص - لَنَا الْقَطْعُ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الصَّلَاةَ لِلرَّكَعَاتِ، وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ كَذَلِكَ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: لِلدُّعَاءِ، وَالنَّمَاءِ، وَالْإِمْسَاكِ مُطْلَقًا، وَالْقَصْدِ مُطْلَقًا.
ص - قَوْلُهُمْ: بَاقِيَةٌ وَالزِّيَادَاتُ شُرُوطٌ. رُدَّ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ غَيْرُ دَاعٍ وَلَا مُتَّبِعٍ.
ص - قَوْلُهُمْ: مَجَازٌ. إِنْ أُرِيدَ اسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ لَهَا - فَهُوَ الْمُدَّعِي. وَإِنْ أُرِيدَ أَهْلُ اللُّغَةِ - فَخِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُمْ [لَمْ يَعْرِفُوهَا] . وَلِأَنَّهَا تُفْهَمُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/201)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْوَضْعُ عَبَثًا. وَلَمَّا كَانَ مَنْعُ هَذَا الدَّلِيلِ ظَاهِرًا لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ.
وَبَيَانُ الْمَنْعِ [أَنْ] يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، لَعَرِيَ عَنِ الْفَائِدَةِ ; لِأَنَّ مِنْ فَوَائِدِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ. وَأَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ.
ش - أَيْ قَالَ النَّافِي لِاسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةَ: لَوِ اسْتَلْزَمَ الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ، لَكَانَ نَحْوُ " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ) وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " حَقِيقَةً. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ مَجَازَاتٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدْلُولَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهَا.
(1/202)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي ; فَلِأَنَّهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِ مَدْلُولَاتِهَا الْمَجَازِيَّةِ. وَكَوْنُهَا حَقِيقَةً مَشْرُوطٌ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَعَانِي الْمَوْضُوعَةِ لَهَا وَضْعًا أَوَّلًا.
وَهَذَا الدَّلِيلُ ضَعِيفٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ نَحْوَ " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ " وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، أَيْ كَمَا يُمْكِنُ إِلْزَامُ الْقَائِلِينَ بِالِاسْتِلْزَامِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّافِي، يُمْكِنُ إِلْزَامُ النَّافِي بِهِ، بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْمَجَازُ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَوْضُوعِ لَهُ فِي الْأَصْلِ، لَكَانَ لِنَحْوِ " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ) وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " مَوْضُوعٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ نَحْوَهُمَا مَجَازٌ، وَالْمَجَازُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَفْهُومُ وَضْعِ اللَّفْظِ بِإِزَائِهِ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَظَاهِرٌ. وَلَمَّا كَانَ اشْتِرَاكُ الْإِلْزَامِ نَقْضًا إِجْمَالِيًّا لِدَلِيلِ النَّافِي، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَنْقُضَ دَلِيلَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَنَقْضُهُ التَّفْصِيلِيُّ مَوْقُوفٌ [عَلَى تَحْقِيقِ الْمَجَازِ] الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ الْمِثَالَيْنِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْحَقُّ مِنَ الْمَجَازِ الْوَاقِعِ فِي نَحْوِهِمَا.
(1/203)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[كون المجاز في التركيب]
ش - بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَجَازَ يَقَعُ فِي مُفْرَدَاتِ الْمُرَكَّبِ، لَا فِي التَّرْكِيبِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ النَّافِي: " لَوْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ " لَكَانَ لِنَحْوِ: " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ) وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " حَقِيقَةً: أَنَّهُ لَا بُدَّ لِمُفْرَدَاتِهَا مِنْ حَقِيقَةٍ أَوْ [التَّرْكِيبِ] .
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ التَّالِي ; لِأَنَّ لِمُفْرَدَاتِهَا حَقَائِقَ ; إِذِ " الْقِيَامُ " وُضِعَ أَوَّلًا لِلْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، وَ " اللُّمَّةُ " وَضِعَتْ لِلشَّعْرِ الْمُجَاوِزِ لِشَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَ " الشَّيْبُ " لِبَيَاضِ الشَّعْرِ، فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا، فَتَكُونُ حَقَائِقَ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ الْمَجَازُ وَاقِعًا فِي التَّرْكِيبِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
(1/204)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَوْلُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيِّ: أَنَّ الْمَجَازَ فِي نَحْوِ " أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ " وَاقِعٌ فِي الْإِسْنَادِ، بَعِيدُ الصَّوَابِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي الْإِسْنَادِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا كَانَ لِلْإِسْنَادِ جِهَتَانِ، إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الْحَقِيقَةِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْمَجَازِ، كَالْأَسَدِ، فَإِنَّ لَهُ جِهَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْمَجَازِ، وَهِيَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ.
وَالْإِسْنَادُ فِي نَحْوِ هَذَا التَّرْكِيبِ لَمْ يُتَصَوَّرْ لَهُ جِهَتَانِ، إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الْحَقِيقَةِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْمَجَازِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ نَحْوُ هَذَا التَّرْكِيبِ أَوَّلًا لِمَعْنًى، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الثَّانِي لِمُنَاسَبَةٍ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نُصْرَةً لِلنَّافِي. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ لَفْظَ " الرَّحْمَنِ " فِيمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ، مَجَازٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ " الرَّحْمَةِ ". وَهِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ حَقِيقَةً. وَ " الرَّحْمَنُ " لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَرِقَّةُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
(1/205)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَيْضًا " رَحْمَنُ " فَعْلَانُ، وَهُوَ لِلْمُذَكَّرِ حَقِيقَةٌ، فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ كَانَ مَجَازًا.
وَكَذَا نَحْوُ " عَسَى " ; فَإِنَّهُ فِعْلٌ بِإِجْمَاعِ النُّحَاةِ، وَالْفِعْلُ لِلْحَدَثِ الْمُقْتَرِنِ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ حَقِيقَةً. فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى الْحَدَثِ مُجَرَّدًا عَنِ الزَّمَانِ كَانَ مَجَازًا. فَحِينَئِذٍ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الْمَجَازُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ لَكَانَ نَحْوُ " الرَّحْمَنِ " وَنَحْوُ " عَسَى " حَقِيقَةً. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا [بَيَانُ] الْمُلَازِمَةِ فَلِأَنَّهُمَا مَجَازَانِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْمَجَازُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَقِيقَةِ ; إِذِ التَّقْدِيرُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي [فَلِأَنَّهُمَا] لَمْ يُسْتَعْمَلَا قَطُّ لِلْمَوْضُوعِ لَهُمَا الْأَوَّلِ وَالِاسْتِعْمَالُ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ الْأَوَّلِ شَرْطُ الْحَقِيقَةِ. وَجَزَاءُ قَوْلِهِ: [لَوْ قِيلَ] قَوْلُهُ: " كَانَ قَوِيًّا ".
وَجَزَاءُ قَوْلِهِ: " لَوِ اسْتَلْزَمَ "، قَوْلُهُ: " لَكَانَ لِلَفْظِ الرَّحْمَنِ ". وَبَيَانُ [قَوْلِهِ] أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اشْتِرَاكُ الْإِلْزَامِ [ضَرُورَةَ] تُحَقُّقِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ فِيهِمَا.
(1/206)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُ اسْتِعْمَالِهَا فِي مَفْهُومَيْهِمَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. بِخِلَافِ الْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ.
[دوران اللَّفْظُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَعَارُضِ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، وَهُمَا مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُخِلَّةِ بِالْفَهْمِ التَّامِّ.
وَالتَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ، ثُمَّ الذِّهْنُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَفْهُومِ الثَّانِي حَتَّى يَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ، أَوْ غَيْرُ حَقِيقَةٍ، حَتَّى يَلْزَمَ الْمَجَازُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَقْرَبُ وَأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وُجُوهٌ: بَعْضُهَا بِاعْتِبَارِ مَفَاسِدِ الِاشْتِرَاكِ وَبَعْضُهَا بِاعْتِبَارِ خَوَاصِّ الْمَجَازِ. فَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْوُجُوهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَفَاسِدِ الِاشْتِرَاكِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
ش - الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: تَقْرِيرُهُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ، لَمْ يُفْهَمْ وَاحِدٌ مِنْ مَعْنَيَيْهِ عَلَى التَّعْيِينِ، فَاخْتَلَّ التَّفَاهُمُ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ ; فَإِنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ، فَلَمْ يَخْتَلَّ الْفَهْمُ، لَا عِنْدَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ وَلَا عِنْدَ عَدَمِهَا. وَمَا لَا يَكُونُ مُخِلًّا بِالتَّفَاهُمِ فَهُوَ أَقْرَبُ.
(1/207)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ إِذَا فُهِمَ مِنْهُ غَيْرُ الْمُرَادِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى مُسْتَبْعَدٍ، وَهُوَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، مِنْ ضِدِّ مُرَادِهِ أَوْ نَقِيضِهِ. فَإِنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، كَالْجَوْنِ، بَيْنَ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ.
وَقَدْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ كَلَفْظِ " النَّقِيضِ " الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيِ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، إِنْ لَمْ نَقُلْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا. بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْعَدًا ; ضَرُورَةَ اعْتِبَارِ الْمُنَاسِبَةِ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمَجَازَ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى مُسْتَبْعَدٍ، مِنْ ضِدٍّ أَوْ نَقِيضٍ ; فَإِنَّ لَفْظَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلضِّدِّ الْآخَرِ مَجَازًا، فَحَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مُؤَدٍّ إِلَى مُسْتَبْعَدٍ كَمَا فِي الِاشْتِرَاكِ.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْمَجَازَ لَمَّا اعْتُبِرَ فِيهِ الْمُنَاسِبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ - وَإِنْ كَانَ ضِدًّا لِلْمُرَادِ - لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْعَدًا ; لِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لَهُ. بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرِ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِ، فَحَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ، حَمْلٌ عَلَى مَا هُوَ غَيْرِ مُنَاسِبٍ فَيَكُونُ مُسْتَبْعَدًا.
ش - الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَتَيْنِ
(1/208)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[بِحَسْبِ] مَعْنَيَيْهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ مُعَيِّنَةٍ مُخَصِّصَةٍ لَهُ [إِذْ لَا] تَرْجِيحَ لِوَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، كَالْعَيْنِ، فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي [الْبَاصِرَةِ] إِلَى قَرِينَةٍ [تُخَصِّصُهَا] وَكَذَلِكَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْجَارِيَةِ.
بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَرِينَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ.
كَالْأَسَدِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَرِينَةِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ.
وَكُلَّمَا كَانَ الِافْتِقَارُ إِلَى الْقَرِينَةِ أَكْثَرَ، كَانَ الْمَحْذُورُ أَشَدَّ.
ش - هَذِهِ هِيَ الْوُجُوهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِخَوَاصِّ الْمَجَازِ مِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ أَكْثَرُ وُقُوعًا فِي اللُّغَةِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، وَالْأَكْثَرُ أَرْجَحُ، وَمَا كَانَ أَرْجَحَ فَهُوَ أَوْلَى.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ، أَيْ يَكُونُ أَدَلَّ عَلَى تَمَامِ الْمَقْصُودِ. لِأَنَّ
(1/209)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلَنَا: " زِيدٌ أَسَدٌ " أَتَمُّ دَلَالَةً عَلَى شَجَاعَتِهِ مِنْ قَوْلِنَا: " زِيدٌ شُجَاعٌ " أَوْ " زِيدٌ كَالْأَسَدِ فِي الشَّجَاعَةِ ". يُدْرِكُ ذَلِكَ صَاحِبُ الذَّوْقِ السَّلِيمِ. وَمَا كَانَ أَبْلَغَ فَهُوَ أَوْلَى.
وَبَعْضُ الشَّارِحِينَ أَوْرَدَ لَفْظَ الْمَتْنِ هَكَذَا: " وَلِأَنَّ الْمَجَازَ أَغْلَبُ فَيَكُونُ أَبْلَغَ ". وَقَالَ: " الْفَاءُ " لِلسَّبَبِيَّةِ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: " فَيَكُونُ أَبْلَغَ " إِلَى قَوْلِهِ " الرَّوِيِّ " أَسْبَابًا لِغَلَبَةِ الْمَجَازِ.
هَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ وَجْهًا مُسْتَقِلًّا لِأَوْلَوِيَّةِ الْمَجَازِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَهُ هَذَا الشَّارِحُ، يَكُونُ جَمِيعُ الْمَذْكُورَاتِ مُتَمِّمًا لِوَجْهٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَكُونُ أَوْجَزَ فِي اللَّفْظِ ; إِذْ يَقُومُ لَفْظُ الْمَجَازِ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةِ. كَقَوْلِنَا: رَأَيْتُ أَسَدًا ; فَإِنَّ الْأَسَدَ يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِنَا: " رَجُلٌ شُجَاعٌ ".
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ أَوْفَقُ لِلطِّبَاعِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْسَنَ فِي الْعَادَةِ. كَالتَّعْبِيرِ عَنْ إِيلَاجِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ بِالْجِمَاعِ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] .
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى السَّجْعِ، وَهُوَ رِعَايَةُ الْوَزْنِ وَالْعَجُزِ.
(1/210)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِلَى الْمُطَابَقَةِ، وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُمَا فِي التَّرَادُفِ. وَإِلَى الْمُقَابَلَةِ، وَهِيَ أَنْ تَجَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَبَيْنَ ضِدَّيْهِمَا ثُمَّ إِذَا شَرَطْتَ هُنَا شَرْطًا، شَرَطْتَ هُنَاكَ ضِدَّهُ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 5 - 7] . {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 8 - 10] .
وَإِلَى الْمُجَانَسَةِ وَالرَّوِيِّ، وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُمَا أَيْضًا فِي التَّرَادُفِ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ الْوُجُوهَ الدَّالَّةَ عَلَى تَرْجِيحِ الْمَجَازِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ شَرَعَ فِي الْوُجُوهِ الدَّالَّةِ عَلَى تَرْجِيحِ الِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمَجَازِ فَقَالَ:
وَعُورِضَ، أَيْ عُورِضَ الْوُجُوهُ الدَّالَّةُ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ الْمَجَازِ بِوُجُوهٍ دَالَّةٍ عَلَى تَرْجِيحِ الِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمَجَازِ.
(1/211)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ مُطَّرِدٌ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ. وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ، الِاطِّرَادُ، وَمَا يَكُونُ مُطَّرِدًا لَا يَضْطَرِبُ ; ضَرُورَةَ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِي جَمِيعِ نَظَائِرِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ، وَالِاشْتِقَاقَ مِنْ خَوَاصِّ الْحَقِيقَةِ، كَالْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ يُشْتَقُّ مِنْهُ " الْأَمْرُ " وَ " الْمَأْمُورُ " وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُشْتَقَّاتِ.
بِخِلَافِ الْمَجَازِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَقُّ مِنْهُ، كَالْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَقُّ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ مُتِّسَعًا ; ضَرُورَةَ تَكَثُّرِ الْمُشْتَقَّاتِ. وَالِاتِّسَاعُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، وَمَا يُفِيدُ الْأَمْرَ الْمَطْلُوبَ فَهُوَ أَوْلَى.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَصِحُّ التَّجَوُّزُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ ; ضَرُورَةَ تَكَثُّرِ الْمَجَازَاتِ.
بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ [لَا] يَصِحُّ التَّجَوُّزُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ، فَلَا تَكْثُرُ الْفَائِدَةُ. وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَائِدَةً فَهُوَ أَوْلَى.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَسْتَغْنِي عَنِ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِ ; لِأَنَّ وَضْعَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى السَّوِيَّةِ. بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْحَقِيقَةِ عَلَى رَأْيٍ.
(1/212)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمِنْهَا: أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَسْتَغْنِي عَنْ مُخَالَفَةِ ظَاهِرٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي كُلِّ مَفْهُومَيْهِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ [لَهُ] فَلَمْ يُرْتَكَبْ فِيهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ. بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ، اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ، وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ خِلَافَ الظَّاهِرِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ، لَمْ يُحْمَلْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ، فَلَمْ يَقَعْ غَلَطٌ. بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ عَلَى مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ، وَيَحْتَمِلُ الْغَلَطَ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ هُوَ الْمَفْهُومُ الْحَقِيقِيُّ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ الْوُجُوهَ الدَّالَّةَ عَلَى تَرْجِيحِ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَرَادَ بَيَانَ مَا هُوَ الْحَقُّ. فَذَكَرَ أَوَّلًا: أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ، فَمُشْتَرَكٌ، أَيِ الْبَلَاغَةُ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ السَّجْعِ، وَالْمُقَابَلَةِ، وَالْمُطَابَقَةِ، وَالْمُجَانَسَةِ، وَالرَّوِيِّ ; فَإِنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الْبَلَاغَةِ، مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الْبَلَاغَةَ كَمَا يُمْكِنُ
(1/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وُقُوعُهَا فِي الْمَجَازِ، كَذَلِكَ يُمْكِنُ وُقُوعُهَا فِي الِاشْتِرَاكِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ يُفِيدُ الْمَقْصُودَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ فَيَقَعُ فِي مَعْنَاهُ إِلْهَامٌ وَبَيَانٌ، فَتَتَشَوَّقُ النَّفْسُ إِلَى تَحْصِيلِهَا. فَإِذَا حَصَلَ كَانَ أَوْقَعَ فِي الذِّهْنِ ; فَإِنَّ الْحَاصِلَ بَعْدَ الطَّلَبِ أَعَزُّ مِنَ الْمُنْسَاقِ بِلَا تَعَبٍ، فَيَكُونُ أَبْلَغَ. وَكَذَلِكَ فِيمَا يَتْبَعُ الْبَلَاغَةَ.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ وُجِدَ لَفْظُهُ " إِلَى آخِرِهِ " بَعْدَ قَوْلِهِ: " إِنَّهُ أَبْلَغُ " وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالْمَجَازَ مُشْتَرَكَانِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ " أَبْلَغَ ".
ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُقَابِلُ مَا ذَكَرْنَا، مِنْ كَوْنِ الْمَجَازِ أَغْلَبَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ مِنَ الْوُجُوهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْمُشْتَرَكِ رَاجِحًا ; لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَجَازِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْفَقُ لِلطَّبْعِ، [وَأَلَذُّ] وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ. وَمَا كَانَ أَوْفَقَ لِلطَّبْعِ فَهُوَ أَقْرَبُ وَأَوْلَى.
[الحقيقة الشرعية]
ش - وَلْنَذْكُرْ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْمَقْصُودِ مُقَدِّمَةً.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا وُضِعَ لِمَعْنًى، ثُمَّ نُقِلَ فِي الشَّرْعِ إِلَى مَعْنًى
(1/214)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ثَانٍ، لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي، يُسَمَّى: " مَنْقُولًا شَرْعِيًّا ".
وَالْمَنْقُولُ الشَّرْعِيُّ لَمَّا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي بِحَيْثُ لَمْ يَحْتَجْ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، إِلَى مُلَاحَظَةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْقُولِ عَنْهُ، صَارَ كَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَنْقُولِ إِلَيْهِ وَضْعًا أَوَّلًا ; ضَرُورَةَ عَدَمِ الِافْتِقَارِ إِلَى مُلَاحَظَةِ وَضْعٍ سَابِقٍ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً.
بِخِلَافِ الْمَجَازِ ; فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَغْلِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي افْتَقَرَ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الثَّانِي إِلَى اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا وَضْعًا أَوَّلًا; ضَرُورَةَ افْتِقَارِهِ إِلَى مُلَاحَظَةِ وَضْعٍ سَابِقٍ.
وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فِي الشَّرْعِ. وَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْمَنْقُولَ الشَّرْعِيَّ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْمَوْضُوعَاتُ الْمُبْتَدَأَةُ، وَهِيَ أَلْفَاظٌ وَضَعَهَا الشَّارِعُ بِإِزَاءِ الْمَعَانِي الْمُخْتَرَعَةِ ابْتِدَاءً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَلَ مِنَ اللُّغَةِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ فِي وُقُوعِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. فَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّهَا غَيْرُ وَاقِعَةٍ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ:
(1/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تِلْكَ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ، وَالزِّيَادَاتِ الَّتِي هِيَ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ شُرُوطٌ. أَوْ] ) عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّارِعُ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ الْحَقَائِقِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ] ) مَجَازَاتٍ فِي ابْتِدَاءِ النَّقْلِ بِسَبَبِ عَدَمِ اشْتِهَارِهَا، ثُمَّ صَارَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَأَثْبَتَ الْمُعْتَزِلَةُ الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ وَالدِّينِيَّةَ أَيْضًا، عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ.
(1/216)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ إِنْ أُجْرِيَتْ عَلَى الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، تُسَمَّى: غَيْرَ دِينِيَّةٍ. وَإِنْ أُجْرِيَتْ عَلَى الْمُشْتَقَّاتِ مِنَ الْفَاعِلِينَ، كَالْمُؤْمِنِ، وَالْفَاسِقِ، وَالْكَافِرِ تُسَمَّى: دِينِيَّةً.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ وَاقِعَةٌ. إِنَّمَا الْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، غَيْرُ مَنْقُولَةٍ مِنَ الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ. وَالْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ بِخِلَافِهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْقَطْعَ حَصَلَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الشَّرْعِ مَوْضُوعَةٌ لِلرَّكَعَاتِ، وَالزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ كَذَلِكَ، أَيْ مَوْضُوعَةٌ لِلْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ.
أَمَّا الزَّكَاةُ، فَلِلْمِقْدَارِ الْمُخْرَجِ مِنَ النِّصَابِ. وَأَمَّا الصِّيَامُ، فَلِلْإِمْسَاكِ الشَّرْعِيِّ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ إِلَى آخِرِهِ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ. وَأَمَّا الْحَجُّ،
(1/217)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَلِلْقَصْدِ إِلَى الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. وَاسْتِعْمَالُهَا فِيهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ ; ضَرُورَةَ سَبْقِ فَهْمِ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهَا بِدُونِ الْقَرِينَةِ.
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةٌ لِغَيْرِ هَذِهِ الْمَعَانِي ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ، وَالزَّكَاةَ لِلنُّمُوِّ، وَالصِّيَامَ لِلْإِمْسَاكِ مُطْلَقًا، وَالْحَجَّ لِلْقَصْدِ مُطْلَقًا. فَتَكُونُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً مَنْقُولَةً مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَقْيِيدِ الْقَصْدِ بِالْمُطْلَقِ، بَلْ قَيَّدَ الْإِمْسَاكَ أَيْضًا بِهِ، وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعٌ مُطْلَقًا إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ إِلَى الْآخَرِ فَقَطْ، وَهُمَا غَيْرُ مُرَادَيْنِ.
ش - هَذَا إِيرَادٌ لِلْمَانِعِينَ مِنْ وُقُوعِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوْ رَدُّهُ مُنَاقَضَةً لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: " قَوْلُهُمْ " مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: " رَدٌّ " خَبَرُهُ. وَتَقْرِيرُ الْإِيرَادِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ فِي الشَّرْعِ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، بَلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ بَاقِيَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ.
وَالزِّيَادَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ شُرُوطٌ زِيدَتْ عَلَى الْمَفْهُومَاتِ
(1/218)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
اللُّغَوِيَّةِ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةً لَهَا، دَالَّةً عَلَيْهَا، بَلْ لِأَنَّ وُقُوعَ الْمَفْهُومَاتِ اللُّغَوِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، لَا يَحْصُلُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ. فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا وُضِعَتْ فِي اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ، وَاسْتُعْمِلَتْ فِي الشَّرْعِ لِلدُّعَاءِ أَيْضًا.
إِلَّا أَنَّ وُقُوعَ الدُّعَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا زِيدَ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ، فَلَا يَكُونُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَفْهُومَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، لَمَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صُورَةٍ لَمْ تَتَحَقَّقِ الْمَفْهُومَاتُ اللُّغَوِيَّةُ فِيهَا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ. فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ، إِمَّا الدُّعَاءُ أَوِ الِاتِّبَاعُ وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْعِ فِيمَا لَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صَلَاةِ الْأَخْرَسِ الْمُنْفَرِدِ، وَهُوَ غَيْرُ دَاعٍ وَلَا مُتَّبِعٍ.
ش - هَذِهِ مُنَاقَضَةٌ أُخْرَى لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مَعَ جَوَابِهَا. وَتَقْرِيرُ الْمُنَاقَضَةِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي مَعَانِيهَا شَرْعًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، بَلِ اسْتِعْمَالُهَا فِيهَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، لِتَحَقُّقِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَفْهُومَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي. فَإِنَّ الصَّلَاةَ لِلدُّعَاءِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، وَهُوَ جُزْءُ هَذِهِ الرَّكَعَاتِ. وَالزَّكَاةَ فِي اللُّغَةِ لِلنَّمَاءِ، وَهُوَ سَبَبٌ [لِلْمَعْنَى] الشَّرْعِيِّ، وَتَسْمِيَةُ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ، وَالْمُسَبِّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، مَجَازٌ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُنَاقَضَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَجَازَاتٍ، أَنَّ الشَّارِعَ اسْتَعْمَلَهَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، فَهُوَ الْمُدَّعِي ; لِأَنَّنَا لَا نَعْنِي بِكَوْنِهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً إِلَّا أَنَّ الشَّارِعَ اسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ مَوْضُوعَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهَا.
وَإِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهَا مَجَازَاتٍ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدِ اسْتَعْمَلُوهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي فَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَعْرِفُوا هَذِهِ الْمَعَانِيَ قَبْلَ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُونَ لَهَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ; لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ مَسْبُوقٌ بِفَهْمِ الْمَعْنَى.
الثَّانِي: أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِهَذِهِ الْمَعَانِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ; لِأَنَّهُ يُفْهَمُ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ إِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَيْهَا، بِدُونِ قَرِينَةٍ. فَلَوْ كَانَتْ مَجَازَاتٍ، لَمْ يُفْهَمِ الْمَعْنَى بِدُونِ قَرِينَةٍ.
(1/219)

ص - الْقَاضِي: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَفَهِمِهَا الْمُكَلَّفُ. وَلَوْ فَهِمَهَا - لِنُقِلَ، لِأَنَّا مُكَلَّفُونَ مِثْلَهُمْ. وَالْآحَادُ لَا تُفِيدُ، وَلَا تَوَاتُرَ.
ص - وَالْجَوَابُ أَنَّهَا فُهِمَتْ بِالتَّفْهِيمِ بِالْقَرَائِنِ، كَالْأَطْفَالِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَتْ - لَكَانَتْ غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ [لِأَنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوهَا] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/220)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - أَيْ قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَكُونُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، أَيْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَزِمَ أَنْ يُفْهِمَهَا الشَّارِعُ الْمُكَلَّفِينَ أَوَّلًا، وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ ; لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِفَهْمِ مُرَادِهِ مِنْهَا، وَالْفَهْمُ لَا يَكُونُ بِدُونِ تَفْهِيمِ الشَّارِعِ إِيَّاهُمْ. وَلَوْ فَهِمَهَا الشَّارِعُ الْمُكَلِّفِينَ، لِنُقِلَ ذَلِكَ التَّفْهِيمُ إِلَيْنَا نَقْلًا يُفْهَمُ مُرَادُ الشَّارِعِ مِنْهُ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ; لِأَنَّا مُكَلَّفُونَ مِثْلَهُمْ، وَالتَّكْلِيفُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّفْهِيمِ.
وَنَقْلُ التَّفْهِيمِ إِلَيْنَا، إِمَّا بِالْآحَادِ، وَلَا سَنَدَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةِ قَطْعِيَّةٍ. وَإِمَّا بِالتَّوَاتُرِ، وَلَا يَكُونُ حَاصِلًا، وَإِلَّا لَمْ يَقَعِ النِّزَاعُ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذِهِ الْمُنَاقَضَةِ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَوْ فَهَّمَهَا الشَّارِعُ الْمُكَلَّفِينَ لَنُقِلَ إِلَيْنَا. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفْهِيمُ الشَّارِعِ إِيَّاهُمْ بِالْقَرَائِنِ، كَالْوَالِدَيْنِ مَعَ الْأَطْفَالِ. أَمَّا إِذَا كَانَ بِالْقَرَائِنِ فَلَا يَلْزَمُ النَّقْلُ إِلَيْنَا ; إِذْ يَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يُفْهَمَ أَيْضًا بِالْقَرَائِنِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمَانِعِينَ مِنْ وُقُوعِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ. بَيَانُهُ: لَوْ كَانَتِ الْأَسْمَاءُ الْمَذْكُورَةُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَكَانَتْ غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَاتُ الْعَرَبِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي، عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَاتُ الْعَرَبِ، لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً ; إِذْ مَعْنَى كَوْنِ اللَّفْظِ عَرَبِيًّا إِفَادَتُهُ لِمَا وَضَعَ وَاضِعُ لُغَةِ الْعَرَبِ ذَلِكَ اللَّفْظَ بِإِزَائِهِ.
وَأَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ اللَّازِمِ - وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَأَمَّا الثَّانِيَةُ ". وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَوَاضِعِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ، يُشِيرُ بِهِ إِلَى الْمُقَدِّمَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ - فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ عَرَبِيَّةً، لَمَا كَانَ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهَا غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا ; ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَا هُوَ غَيْرُ عَرَبِيٍّ.
(1/221)

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ [لَا] يَكُونُ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عَرَبِيَّةٌ بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَهَا مَجَازًا. [وَ] " أَنْزَلْنَاهُ " ضَمِيرُ السُّورَةِ، وَيَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا، كَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْمِائَةِ وَالرَّغِيفِ.
وَلَوْ سُلِّمَ - فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا غَالِبُهُ عَرَبِيٌّ، كَشِعْرٍ فِيهِ فَارِسِيَّةٌ وَعَرَبِيَّةٌ.
ص - الْمُعْتَزِلَةُ: الْإِيمَانُ: التَّصْدِيقُ. وَفِي الشَّرْعِ الْعِبَادَاتُ ; لِأَنَّهَا الدِّينُ الْمُعْتَبَرُ.
وَالدِّينُ: الْإِسْلَامُ، وَالْإِسْلَامُ: الْإِيمَانُ، بِدَلِيلِ وَمَنْ يَبْتَغِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ: الْعِبَادَاتُ. وَقَالَ: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
ص - وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] .
ص - وَقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ - لَكَانَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ مُؤْمِنًا، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ; لِأَنَّهُ مُخْزًى، بِدَلِيلِ: {مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192] . وَالْمُؤْمِنُ لَا يُخْزَى بِدَلِيلِ: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/222)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ أَوَّلًا بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ، وَثَانِيًا بِمَنْعِ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَضَعُوهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا لَمْ يَضَعُوهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ اللَّفْظِ عَرَبِيًّا، إِفَادَتُهُ لِمَعْنَاهُ عَلَى طَرِيقِ الْعَرَبِ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
(1/223)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ، وَإِنْ كَانَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَكِنَّهَا إِفَادَتُهَا لِمَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَهَا لِمَحَلِّ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ.
فَتَكُونُ مَجَازَاتٍ لُغَوِيَّةً، صَارَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً بِحَسَبِ الشُّهْرَةِ، فَلَمْ تَخْرُجْ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَقَائِقَ لُغَوِيَّةً.
وَأَمَّا مَنْعُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَبِأَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا الْمُلَازَمَةَ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ كَوْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَرَبِيَّةً.
قَوْلُهُمْ: وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا. وَهُوَ بَاطِلٌ. قُلْنَا: إِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا، فَمَمْنُوعٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ مُشْتَمِلًا عَلَى أَلْفَاظٍ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ كَوْنُ جَمِيعِهَا كَذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ عَرَبِيًّا، فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ التَّالِي.
وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ ; لِأَنَّ ضَمِيرَ " أَنْزَلْنَاهُ " رَاجِعٌ إِلَى السُّورَةِ بِتَقْدِيرِ بَعْضِ الْقُرْآنِ. فَإِنْ قِيلَ: السُّورَةُ الْوَاحِدَةُ بَعْضُ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ غَيْرُهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمُ جِنْسٍ ; لِأَنَّهُ اسْمٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْإِعْجَازِ، فَيَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْبَعْضِ وَالْمَجْمُوعِ، " كَالْمَاءِ " وَ " الْعَسَلِ " فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
(1/224)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِخِلَافِ نَحْوِ " الْمِائَةِ " وَ " الرَّغِيفِ " فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْجُزْءِ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، لَكِنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِيهِ، لِكَوْنِهَا قَلَائِلَ، لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا غَالِبُهُ عَرَبِيٌّ. كَشِعْرٍ عَرَبِيٍّ فِيهِ أَلْفَاظٌ فَارِسِيَّةٌ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْعَرَبِيِّ عَلَيْهِ. وَكَذَا شِعْرٌ فَارِسِيٌّ فِيهِ أَلْفَاظٌ عَرَبِيَّةٌ، يَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْفَارِسِيِّ عَلَيْهِ.
ش - هَذَا دَلِيلُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ الدِّينِيَّةَ مَوْضُوعَاتٌ مُبْتَدَأَةٌ، لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْمَفْهُومَاتِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ: التَّصْدِيقُ، وَفِي الشَّرْعِ: الْعِبَادَاتُ، أَيْ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ.
(1/225)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِالنَّقْلِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ هِيَ الدِّينُ الْمُعْتَبَرُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ.
أَيْ دِينُ الْمِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ. وَهُوَ الدِّينُ، أَيِ الْمُعْتَبَرُ. وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، دِينًا مُعْتَبَرًا.
وَالدِّينُ الْمُعْتَبَرُ: الْإِسْلَامُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ أَيِ الدِّينُ الْمُعْتَبَرُ. إِذْ غَيْرُ الْمُعْتَبَرِ لَا يَكُونُ إِسْلَامًا.
وَالْإِسْلَامُ: الْإِيمَانُ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ يُقْبَلُ مِنْ مُبْتَغِيهِ. فَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْ مُبْتَغِيهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ فَيَثْبُتُ أَنَّ الْإِيمَانَ: الْعِبَادَاتُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَقَوْلُهُ: " وَقَالَ: " فَأَخْرَجْنَا " إِشَارَةٌ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْإِيمَانُ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْإِيمَانِ لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُؤْمِنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
(1/226)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ. وَهُوَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى دَاخِلًا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ; فَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ غَيْرَ الْإِيمَانِ لَمْ يَصْدُقِ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْمُسْلِمِ مِنْهُ.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 35] ، {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36] فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَثْنَى الْمُسْلِمَ مِنَ الْمُؤْمِنِ فِي الْآيَةِ.
وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ هَذَا الدَّلِيلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَمَنْ يَبْتَغِ ". وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أُخِّرَ إِلَى هَهُنَا حَتَّى يَخْتَصَّ الْمُعَارَضَةَ الْمَذْكُورَةَ بِهِ.
ش - هَذِهِ مُعَارَضَةٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ. وَتَقْرِيرُهَا أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْآيَتَيْنِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ: الْإِيمَانُ وَلَكِنْ عِنْدَنَا مَا يَنْفِيهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَوْ كَانَ هُوَ الْإِيمَانَ لَمَا ثَبَتَ الْإِسْلَامُ عِنْدَ سَلْبِ الْإِيمَانِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] .
(1/227)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ سَلَبَ عَنْهُمُ الْإِيمَانَ مَعَ إِثْبَاتِ الْإِسْلَامِ لَهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَكْثَرُهَا مُزَيَّفَةٌ. أَمَّا قَوْلُهُمْ: الْعِبَادَاتُ: الدِّينُ الْمُعْتَبَرُ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] فَلَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَاحِدٌ مُذَكَّرٌ، وَمَا تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مُؤَنَّثٌ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْإِيمَانُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} [آل عمران: 85] إِلَى آخِرِهِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ: مَنِ ابْتَغَى غَيْرَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّينَ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لَا عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ غَيْرَ دِينٍ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا. وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ، فَهِيَ أَيْضًا لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْإِيمَانُ. غَايَةٌ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَصْدُقُ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ هُوَ الْإِيمَانُ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الشَّرْعِ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ فِي الشَّرْعِ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ، لَكَانَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ مُؤْمِنًا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْعِ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ، لَكَانَ فِي الشَّرْعِ هُوَ التَّصْدِيقُ الْخَاصُّ، وَهُوَ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا عَلِمَ مَجِيئُهُ مِنْهُ ; إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ. وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ الْخَاصُّ، كَانَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ مُؤْمِنًا، ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِأَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ مُخْزًى، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَخْزَى، فَقَاطِعُ الطَّرِيقِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
وَأَمَّا بَيَانُ الصُّغْرَى فَلِأَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ يَدْخُلُ النَّارَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] .
وَكُلُّ مَنْ أُدْخِلَ فِي النَّارِ فَهُوَ مُخْزًى ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192] . فَقَاطِعُ الطَّرِيقِ مُخْزًى. وَأَمَّا بَيَانُ الْكُبْرَى فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8] .
(1/228)

ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِلصَّحَابَةِ، أَوْ مُسْتَأْنَفٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَجَازُ وَاقِعٌ، خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ. بِدَلِيلِ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ، وَشَابَتْ لُمَّةِ اللَّيْلِ.
ص - الْمُخَالِفُ: مُخِلٌّ بِالتَّفَاهُمِ. وَهُوَ اسْتِبْعَادٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/229)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. وَالْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ فِي بَيَانِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ كُبْرَاهُ - وَهِيَ قَوْلُهُ: وَالْمُؤْمِنُ لَا يُخْزَى - لَا تَصْدُقُ كُلِّيَّةً ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى خَصَّهُمْ بِالْمَعِيَّةِ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُخْزَيْنَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ كَذَلِكَ.
هَذَا إِذَا عُطِفَ وَالَّذِينَ آمَنُوا عَلَى مَا قَبْلَهُ. أَمَّا إِذَا جَعَلَ الْوَاوَ لِلِاسْتِئْنَافِ لَمْ يُثْبِتْ صِدْقَ الْكُبْرَى، لَا كُلِّيَّةً وَلَا جُزْئِيَّةً.
[وقوع المجاز]
ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ. اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَقَعُ الْمَجَازُ فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا.
(1/230)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَالَ الْبَاقُونَ: نَعَمْ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَسَدَ يُسْتَعْمَلُ لِلشُّجَاعِ، وَالْحِمَارَ لِلْبَلِيدِ، وَشَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ لِظُهُورِ الصُّبْحِ. فَاسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي إِمَّا بِطْرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ; إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ.
وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانٍ أُخَرَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ. فَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَيْضًا، يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَجَازُ أَيْضًا خِلَافُ الْأَصْلِ. أُجِيبَ: بِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ لِمَا مَرَّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِي هَذِهِ الْمَعَانِي، لَكَانَتْ سَابِقَةً إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، إِنْ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَيْرِ مَجَازًا. أَوْ لَمْ يَسْبِقِ الْغَيْرُ إِلَى الْفَهْمِ، إِنْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِيهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إِلَى الْفَهْمِ.
ش - قَالَ الْمُخَالِفُ، أَيِ الْأُسْتَاذُ: لَوْ كَانَ الْمَجَازُ وَاقِعًا لَاخْتَلَّ التَّفَاهُمُ وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا أُطْلِقَ وَأُرِيدَ [بِهِ] مَفْهُومُهُ الْمَجَازِيُّ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ، أَوْ لَا] ) . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَلَ الْمُخَاطَبُ عَنِ الْقَرِينَةِ فَلَا يَفْهَمَ الْمُرَادَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَلْزَمُ الِاخْتِلَالُ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ، يَتَبَادَرُ الْمَفْهُومُ الْحَقِيقِيُّ إِلَى الذِّهْنِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُرَادِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْعَادِ وُقُوعِ الْمَجَازِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِمَّا الِاخْتِلَالُ أَوْ جَوَازُ عَدَمِ فَهْمِ الْمُرَادِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ.
[وقوع المجاز في القرآن]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ - عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فِي اللُّغَةِ - هَلْ هُوَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ الظَّاهِرِيُّونَ، أَعْنِي الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا يُؤَوِّلُونَهُ أَصْلًا: لَا. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: نَعَمْ.
وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ " وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ " لِلْحَالِ. وَالْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَهَا حَالٌ عَنِ الضَّمِيرِ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَاقِعٌ " فِي قَوْلِهِ: " الْمَجَازُ وَاقِعٌ " وَالْعَامِلُ اسْمُ الْفَاعِلِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ أَوَّلًا لِنَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَأُرِيدَ هَهُنَا نَفْيُ الْمِثْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ بَيَانُ تَفَرُّدِهِ فِي ذَاتِهِ، وَنَفْيُ الْمِثْلِ عَنْهُ. لِأَنَّ نَفْيَ مِثْلِ الْمِثْلِ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْمِثْلِ. بَلْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْيُ مِثْلِ الْمِثْلِ يَلْزَمُ الْمُحَالُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ نَفْيُهُ. تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى مَثَّلَ لِمِثْلِهِ.
لَا يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَعَالَى مَثَّلَ لِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ مَثَلًا لِمِثْلِهِ، إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِثْلِهِ، وَثُبُوتُ مِثْلِهِ مُحَالٌ. لِأَنَّا نَقُولُ: ثُبُوتُ
(1/231)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ. خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ. بِدَلِيلِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] ، {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] ، {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] ، {سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] . وَهُوَ كَثِيرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/232)

ص - قَالُوا: الْمَجَازُ كَذِبٌ ; لِأَنَّهُ يَنْتَفِي فَيَصْدُقُ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَكْذِبُ إِذَا كَانَا مَعًا لِلْحَقِيقَةِ.
ص - قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي - تَعَالَى - مُتَجَوِّزًا. قُلْنَا: مِثْلُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : فِي الْقُرْآنِ [مُعَرَّبٌ،] وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/233)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلِ الْمِثْلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْمِثْلِ فِي الْخَارِجِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ مِثْلِهِ فِي الذِّهْنِ.
وَالْحُقُّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى مِثْلُ الْمِثْلِ يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ الْمِثْلُ فِي الْجُمْلَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مِثْلَ مِثْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ مِثْلَ مِثْلِهِ مُنْتَفٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] مَجَازٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْقَرْيَةِ أَهْلُهَا ; لِامْتِنَاعِ السُّؤَالِ مِنَ الْقَرْيَةِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] مَجَازٌ، لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ لِذِي شُعُورٍ، وَقَدْ أُرِيدَ بِهَا هَهُنَا الْمَيْلُ الْقَائِمُ بِالْجِدَارِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ; فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْقِصَاصِ، وَالِاعْتِدَاءُ ضِدُّ الْقِصَاصِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ سَبَبُ الْقِصَاصِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ ضِدِّهِ، وَعَلَى الثَّانِي بِاسْمِ سَبَبِهِ.
(1/234)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} [الشورى: 40] ; فَإِنَّهُ أَطْلَقَ السَّيِّئَةَ عَلَى جَزَاءِ السَّيِّئَةِ. وَجَزَاءُ السَّيِّئَةِ حَسَنَةٌ. فَثَبَتَ أَنَّ الْمَجَازَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا أَطْلَقَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْقِصَاصِ لِأَنَّهُ مُشَابِهٌ لِلِاعْتِدَاءِ فِي الصُّورَةِ، فَيَكُونُ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُشَابِهِهِ. وَالْقَرِينَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: " {بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى} [البقرة: 194] ". فَإِنَّ الْمِثْلَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِاعْتِبَارِ الْمُشَابَهَةِ (فِي الصُّورَةِ) ] 2) .
ش - الظَّاهِرِيُّونَ قَالُوا: الْمَجَازُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ كَذِبٌ، وَالْكَذِبُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِجْمَاعِ.
بَيَانُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَجَازَ يَصِحُّ نَفْيُهُ فَيَصْدُقُ الْمَنْفِيُّ، كَقَوْلِنَا: الْبَلِيدُ لَيْسَ بِحِمَارٍ. وَإِذَا صَدَقَ الْمَنْفِيُّ كَذَبَ الْمُثْبَتُ، وَهُوَ الْمَجَازُ. كَقَوْلِنَا: الْبَلِيدُ حِمَارٌ ; ضَرُورَةَ صِدْقِ نَقِيضِهِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَجَازَ إِنَّمَا يَكْذِبُ عَلَى تَقْرِيرِ صِدْقِ الْمَنْفِيِّ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَنْفِيِّ وَالْمُثْبَتِ مَعًا هُوَ الْمَفْهُومُ الْحَقِيقِيُّ.
(1/235)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَنْفِيِّ، الْمَفْهُومُ الْحَقِيقِيُّ، وَمِنَ الْمُثْبَتِ، الْمَفْهُومُ الْمَجَازِيُّ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ الْمَنْفِيِّ كَذِبُ الْمُثْبَتِ ; فَإِنَّ قَوْلَنَا: الْبَلِيدُ لَيْسَ بِحِمَارٍ يَصْدُقُ مَعَ قَوْلِنَا: الْبَلِيدُ حِمَارٌ، إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْحِمَارِ فِي الْأَوَّلِ، الْمَفْهُومُ الْحَقِيقِيُّ، وَفِي الثَّانِي، الْمَفْهُومُ الْمَجَازِيُّ ; لِاخْتِلَافِ الْمَحْمُولِ فِي الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ.
ش - الظَّاهِرِيُّونَ قَالُوا أَيْضًا: لَوْ وَقَعَ الْمَجَازُ فِي الْقُرْآنِ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي تَعَالَى مُتَجَوِّزًا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ ثُبُوتَ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ لِشَيْءٍ يُصَحِّحُ إِطْلَاقَهُ اسْمُ الْمُشْتَقِّ عَلَيْهِ.
وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ، فَيَتَوَقَّفُ إِطْلَاقُ الْأَسْمَاءِ عَلَيْهِ - مُشْتَقَّاتٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا - عَلَى صُدُورِ الْإِذْنِ مِنْهُ.
فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ " الْمُتَجَوِّزِ " عَلَيْهِ، لَا لِامْتِنَاعِ صُدُورِ الْمَجَازِ مِنْهُ.
[وقوع المعرب في القرآن]
ش - الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ هَلْ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمُعَرَّبِ أَمْ لَا؟ وَوَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، اشْتِرَاكُ الْمُعَرَّبِ وَالْمَجَازِ فِي أَنَّهُمَا لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلُغَةِ الْعَرَبِ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ. وَنَفَاهُ أَكْثَرُونَ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ وُقُوعَهُ فِيهِ وَدَلِيلُهُ أَنَّ " الْمِشْكَاةَ " هِنْدِيَّةٌ
(1/236)

لَنَا: " الْمِشْكَاةُ " هِنْدِيَّةٌ، وَ " إِسْتَبْرَقٌ " وَ " سِجِّيلٌ " فَارِسِيَّةٌ وَ " قِسْطَاسٌ " رُومِيَّةٌ.
ص - قَوْلُهُمْ: مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ، " كَالصَّابُونِ " وَ " التَّنُّورِ " بَعِيدٌ. وَإِجْمَاعُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّ [نَحْوَ] إِبْرَاهِيمَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ، يُوَضِّحُهُ.
ص - الْمُخَالِفُ: بِمَا ذُكِرَ فِي الشَّرْعِيَّةِ. وَبِقَوْلِهِ: أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ. فَنَفَى أَنْ يَكُونَ مُتَنَوِّعًا.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى مِنَ السِّيَاقِ: أَكَلَامٌ أَعْجَمِيٌّ وَمُخَاطَبٌ عَرَبِيٌّ لَا يَفْهَمُهُ [وَهُمْ يَفْهَمُونَهَا] . وَلَوْ سَلِمَ نَفَيُ [التَّنْوِيعِ] فَالْمَعْنَى: أَعْجَمِيٌّ لَا يَفْهَمُهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُشْتَقُّ مَا وَافَقَ أَصْلًا بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ وَمَعْنَاهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/237)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَ " إِسْتَبْرَقًا " و " سِجِّيلًا " فَارِسِيَّةٌ، و " قِسْطَاسًا " رُومِيَّةٌ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي الْقُرْآنِ.
ش - هَذَا إِيرَادٌ لِلْمَانِعِينَ عَنْ وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إِذَا كَانَتْ [مِنْ] غَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُعَرَّبًا.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ [مِنْ] لُغَةِ الْعَرَبِ أَيْضًا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْعَرَبِ وَافَقَ فِيهَا وَضْعَ لُغَةٍ أُخْرَى، فَيَكُونُ مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ، كَالصَّابُونِ وَالتَّنُّورِ، فَإِنَّهُمَا مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ بِلَا خِلَافٍ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ أَعْنِي كَوْنَهُمَا مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ بِعِيدٌ ; لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي نَحْوِ " الْإِسْتَبْرَقِ " وَ " السِّجِّيلِ " ظَاهِرٌ.
(1/238)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّ الْمُعَرَّبَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّ نَحْوَ " إِبْرَاهِيمَ " مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِوُجُودِ الْعِلَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: الْمَعْرِفَةُ، وَالْأُخْرَى: الْعُجْمَةُ، فَيَكُونُ مُعَرَّبًا، وَهُوَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ.
ش - اسْتَدَلَّ الْمُخَالِفُ، أَيِ الْقَائِلُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ بِالدَّلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا ذُكِرَ فِي الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاقِعَةً، لَمَا كَانَ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا. وَتَوْجِيهُهُ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَمَا مَضَى، مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْمُعَرَّبُ لَكَانَ الْقُرْآنُ مُتَنَوِّعًا، أَيْ أَعْجَمِيًّا وَعَرَبِيًّا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] فَإِنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ أَعْجَمِيًّا وَعَرَبِيًّا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هُوَ الِاسْتِفْهَامُ، بَلِ الْإِنْكَارُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْقُرْآنُ أَعْجَمِيًّا وَبَعْضُهُ عَرَبِيًّا، فَيَنْتَفِي التَّنَوُّعُ.
(1/239)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الدَّلِيلِ الثَّانِي بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - نَفَى التَّنْوِيعَ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ السِّيَاقِ إِنْكَارُ كَوْنِ الْقُرْآنِ أَعْجَمِيًّا مَعَ كَوْنِ الْمُخَاطَبِ عَرَبِيًّا. فَيَكُونُ الْأَعْجَمِيُّ صِفَةَ الْقُرْآنِ، وَالْعَرَبِيُّ صِفَةً لِلْمُخَاطَبِ. وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: أَكَلَامٌ أَعْجَمِيٌّ وَمُخَاطَبٌ عَرَبِيٌّ لَا يَفْهَمُهُ. فَلَا يَنْتَفِي التَّنَوُّعُ.
وَإِنَّ سُلِّمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْجَمِيِّ وَالْعَرَبِيِّ صِفَةُ الْكَلَامِ، فَالْمَعْنَى: أَكَلَامٌ بَعْضُهُ أَعْجَمِيٌّ لَا يُفْهَمُ وَبَعْضُهُ عَرَبِيٌّ. فَلَا يَلْزَمُ نَفْيُ التَّنْوِيعِ مُطْلَقًا ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ أَعْجَمِيًّا يُفْهَمُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، شَرَعَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاشْتِقَاقِ. وَهِيَ خَمْسٌ.
[المشتق]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ الْمُشْتَقِّ. الْمُشْتَقُّ مَا وَافَقَ، أَيْ كَلِمَةٌ وَافَقَتْ أَصْلًا، أَيْ كَلِمَةً أُخْرَى، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ اسْمًا أَوْ فِعْلًا - بِحُرُوفِهِ، أَيْ حُرُوفِ ذَلِكَ الْأَصْلِ، الْأُصُولِ وَمَعْنَاهُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ مِثْلَ الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي فِي الْأَصْلِ، وَمِثْلَ مَعْنَاهُ مَوْجُودٌ فِي الْمُشْتَقِّ. وَإِنَّمَا قَالَ: " أَصْلًا " لِيَنْطَبِقَ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ فِي كَوْنِ الْمَصْدَرِ مُشْتَقًّا مِنَ الْفِعْلِ، وَعَكْسِهِ. لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ اسْمًا، اخْتَصَّ بِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ. وَلَوْ قَالَ فِعْلًا، اخْتَصَّ بِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ.
وَقَوْلُهُ: " كَلِمَةُ " بِمَثَابَةِ الْجِنْسِ، تَتَنَاوَلُ الْمُشْتَقَّ وَغَيْرَهُ. وَقَوْلُهُ: " وَافَقَ أَصْلًا بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ " يُخْرِجُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تُوَافِقُ أَصْلًا بِمَعْنَاهُ لَا بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ، كَالْحَبْسِ وَالْمَنْعِ.
وَقَوْلُهُ: " وَمَعْنَاهُ " احْتُرِزَ عَنْ مِثْلِ الذَّهَبِ. فَإِنَّهُ يُوَافِقُ أَصْلًا وَهُوَ الذَّهَابُ - فِي حُرُوفِهِ الْأُصُولِ، وَلَكِنْ غَيْرَ مُوَافِقٍ فِي مَعْنَاهُ.
مِثَالُ الْمُشْتَقِّ: خَفَقَ مِنَ الْخَفَقَانِ، فَإِنَّ خَفَقَ يُشَارِكُ الْخَفَقَانَ فِي الْخَاءِ وَالْفَاءِ وَالْقَافِ، الَّتِي هِيَ الْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ مِنَ الْخَفَقَانِ.
قَوْلُهُ: " وَقَدْ يُزَادُ " أَيْ وَقَدْ يُزَادُ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لِفَظَّةُ: " بِتَغْيِيرٍ مَا ".
(1/240)

وَقَدْ يُزَادُ: بِتَغْيِيرٍ مَا. وَقَدْ يَطَّرِدُ، كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ يَخْتَصُّ، كَالْقَارُورَةِ وَالدَّبَرَانِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : اشْتِرَاطُ بَقَاءِ الْمَعْنَى فِي كَوْنِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/241)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا. لِأَنَّ التَّغْيِيرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالزِّيَادَةِ وَحْدَهَا، أَوْ بِالنُّقْصَانِ وَحْدَهُ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا.
وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِزِيَادَةِ حَرْفٍ، مِثْلِ كَاذِبٍ مِنَ الْكَذِبِ، زِيدَتِ الْأَلْفُ. أَوْ بِزِيَادَةِ الْحَرَكَةِ، مِثْلَ نَصَرَ مِنَ النَّصْرِ، زِيدَتْ حَرَكَةُ الصَّادِ. أَوْ بِزِيَادَةِ الْحَرْفِ وَالْحَرَكَةِ جَمِيعًا، نَحْوَ ضَارِبٍ مِنَ الضَّرْبِ، زِيدَتِ الْأَلْفُ وَكَسْرَةُ الرَّاءِ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ بِالنُّقْصَانِ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِنُقْصَانِ الْحَرْفِ، مِثْلُ خَفْ مِنَ الْخَوْفِ، نُقَصَتْ مِنْهُ الْوَاوُ. أَوْ بِنُقْصَانِ الْحَرَكَةِ، كَمَا فِي الضَّرْبِ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ ضَرَبَ. أَوْ بِنُقْصَانِهِمَا، مِثْلَ غَلَى مِنَ الْغَلَيَانِ، نُقِصَتْ مِنْهُ الْأَلِفُ وَالنُّونُ وَحَرَكَةُ الْيَاءِ.
الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ جَمِيعًا. فَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ إِمَّا أَنْ يَكُونَا فِي الْحَرْفِ فَقَطْ، مِثْلَ مُسْلِمَاتٍ، زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَالتَّاءُ، وَنُقِصَتْ عَنْهَا التَّاءُ الَّتِي فِي الْوَاحِدِ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَا فِي الْحَرَكَةِ فَقَطْ، مِثْلَ حَذِرَ مِنَ الْحَذَرِ، حُذِفَتْ فَتْحَةُ الذَّالِ، وَزِيدَتْ كَسْرَتُهَا.
(1/242)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْحَرْفِ وَالنُّقْصَانُ فِي الْحَرَكَةِ، مِثْلَ عَادٍّ، بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الْعَدَدِ، نُقِصَتْ حَرَكَةُ الدَّالِ الْأُولَى لِلْإِدْغَامِ وَزِيدَتِ الْأَلْفُ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْحَرَكَةِ وَالنُّقْصَانُ فِي الْحَرْفِ، مِثْلَ: نَبَتَ مِنَ النَّبَاتِ، زِيدَتْ فَتْحَةُ التَّاءِ وَنُقِصَتِ الْأَلْفُ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْحَرْفِ وَالْحَرَكَةِ كِلَيْهِمَا، وَالنُّقْصَانُ فِي الْحَرْفِ فَقَطْ، نَحْوَ خَافَ مِنَ الْخَوْفِ، زِيدَتِ الْأَلْفُ وفَتْحَةُ الْفَاءِ، وَنُقِصَتِ الْوَاوُ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْحَرْفِ وَالْحَرَكَةِ كِلَيْهِمَا، وَالنُّقْصَانُ فِي الْحَرَكَةِ فَقَطْ، مَثَلُ اضْرِبْ مِنَ الضَّرْبِ، زِيدَتِ الْأَلْفُ لِلْوَصْلِ وَحَرَكَةُ الرَّاءِ، وَنُقِصَتْ حَرَكَةُ الضَّادِ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النُّقْصَانُ فِيهِمَا، وَالزِّيَادَةُ فِي الْحَرْفِ فَقَطْ، مِثْلُ كَالٌّ - بِالتَّشْدِيدِ مِنَ الْكَلَالِ، نُقِصَتْ حَرَكَةُ اللَّامِ الْأُولَى لِلْإِدْغَامِ، وَنُقِصَتِ الْأَلْفُ بَيْنِ اللَّامَيْنِ، وَزِيدَتِ الْأَلْفُ قَبْلَهُمَا.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النُّقْصَانُ فِيهِمَا، وَالزِّيَادَةُ فِي الْحَرَكَةِ فَقَطْ، مِثْلُ عِدْ مِنَ الْوَعْدِ، نُقِصَتِ الْوَاوُ وَفَتَحْتُهَا، وَزِيدَتْ كَسْرَةُ الْعَيْنِ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِزِيَادَةِ الْحَرْفِ وَالْحَرَكَةِ، وَنُقْصَانِهِمَا، مِثْلَ ارْمِ مِنَ الرَّمْيِ، زِيدَتْ أَلْفُ الْوَصْلِ وَحَرَكَةُ الْمِيمِ، وَنُقِصَتِ الْيَاءُ وَحَرَكَةُ الرَّاءِ.
(1/243)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيفَيْنِ، أَعْنِي الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ يُشْكِلُ بِمِثْلِ الْجَلَبِ وَالْجَلْبِ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُعْتَبَرَ التَّغْيِيرُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ جَمِيعًا، فَحِينَئِذٍ يَسْلَمُ التَّعْرِيفُ الثَّانِي عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ.
لَكِنَّهُ يُشْكِلُ بِمِثْلِ فُلْكٍ جَمْعًا وَمُفْرَدًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَغْيِيرٌ بِحَسْبِ اللَّفْظِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالتَّغْيِيرِ اللَّفْظِيِّ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا أَوِ اعْتِبَارًا.
وَالْمُشْتَقُّ قَدْ يَطَّرِدُ إِطْلَاقُهُ عَلَى جَمِيعِ مَدْلُولَاتِهِ، كَاسْمِ الْفَاعِلِ، وَالصِّفَةِ، وَاسْمِ الْمَفْعُولِ. فَإِنَّ الضَّارِبَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الضَّرْبُ. وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ وَالْمَضْرُوبُ.
وَقَدْ لَا يَطَّرِدُ، كَالْقَارُورَةِ وَالدَّبَرَانِ، فَإِنَّ الْقَارُورَةَ لَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يَكُونُ مَقَرًّا لِلْمَائِعَاتِ مَعَ دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ، بَلْ يَخْتَصُّ بِالزُّجَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ. وَكَذَلِكَ الدَّبَرَانُ، فَإِنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِالدُّبُورِ، بَلْ يَخْتَصُّ بِمَجْمُوعِ خَمْسَةِ كَوَاكِبَ مِنَ الثَّوْرِ. يُقَالُ: إِنَّهُ سَنَامُهُ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ الرَّابِعُ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ الْمُعَاقِبِ لِلثُّرَيَّا.
[اشْتِرَاطُ بَقَاءِ الْمَعْنَى فِي كَوْنِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ صِدْقَ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةٌ هَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ أَمْ لَا؟
فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: اشْتِرَاطُهُ مُطْلَقًا. وَالثَّانِي: عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ. وَثَالِثُهَا، أَيْ ثَالِثُ الْمَذَاهِبِ: أَنَّ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مُمْكِنًا بَقَاؤُهُ، كَالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ، اشْتُرِطَ وَإِلَّا فَلَا. كَالْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ نَحْوَ التَّكَلُّمِ وَالتَّحَرُّكِ.
وَلَمَّا نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ بِالْفَرْقِ، عُلِمَ أَنَّ أَحَدَ الْأَوَّلَيْنِ: الِاشْتِرَاطُ مُطْلَقًا، وَالْآخَرَ: عَدَمُهُ مُطْلَقًا.
ش - أَيْ قَالَ: الْمُشْتَرَطُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَقُّ عِنْدَ انْقِضَاءِ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، لَمَّا صَحَّ نَفْيُ الْمُشْتَقِّ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا يَصِحُّ سَلْبُهَا، لِمَا مَرَّ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي، فَلِأَنَّ عِنْدَ انْقِضَاءِ الضَّرْبِ، مَثَلًا، يَصْدُقُ: لَيْسَ بِضَارِبٍ فِي الْحَالِ بِالضَّرُورَةِ. وَإِذَا صَحَّ السَّلْبُ فِي الْحَالِ، صَحَّ السَّلْبُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ جُزْءُ الْمُقَيَّدِ.
(1/244)

ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مُمْكِنًا، اشْتُرِطَ.
ص - الْمُشْتَرَطُ: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، وَقَدِ انْقَضَى، لَمْ يَصِحَّ نَفْيُهُ.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ كَالْأَخَصِّ. فَلَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَعَمِّ.
ص - قَالُوا: لَوْ صَحَّ بَعْدَهُ - لَصَحَّ قَبْلَهُ.
ص - أُجِيبُ: [إِذَا] كَانَ الضَّارِبُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الضَّرْبُ - لَمْ يَلْزَمْ.
ص - النَّافِي: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ " ضَارِبٍ أَمْسِ " وَأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ.
ص - أُجِيبَ: مَجَازٌ كَمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِاتِّفَاقٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/245)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الضَّرْبِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِضَارِبٍ فِي الْحَالِ، فَيَصْدُقُ: لَيْسَ بِضَارِبٍ مُطْلَقًا.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَصْدُقُ: لَيْسَ بِضَارِبٍ مُطْلَقًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّارِبَ فِي الْحَالِ أَخَصُّ مِنَ الضَّارِبِ مُطْلَقًا، وَنَفْيُ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَعَمِّ ; لِأَنَّ نَقِيضَ الْأَخَصِّ أَعَمُّ مِنْ نَقِيضِ الْأَعَمِّ مُطْلَقًا.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُنَا: لَيْسَ بِضَارِبٍ فِي الْحَالِ، سَلْبُ أَخَصَّ، لَا سَلْبُ الْأَخَصِّ، فَيَصْدُقُ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِهِ: لَيْسَ بِضَارِبٍ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ السَّلْبَ الْمُطْلَقَ لَازِمٌ لِلسَّلْبِ الْمُقَيَّدِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا نُسَلِّمُ حِينَئِذٍ صِدْقَ قَوْلِنَا: لَيْسَ بِضَارِبٍ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ: الضَّارِبُ مُطْلَقًا صِدْقُ سَلْبِهِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ عَيْنُ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُشْتَرِطِينَ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ صَحَّ إِطْلَاقُ الضَّارِبِ حَقِيقَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ الضَّرْبِ بِسَبَبِ ضَرْبٍ وُجِدَ قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ، لَصَحَّ إِطْلَاقُهُ حَقِيقَةً قَبْلَ حُصُولِ الضَّرْبِ بِسَبَبِ ضَرْبٍ يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِجَامِعِ وُجُودِ الضَّرْبِ فِي أَحَدِ الزَّمَانَيْنِ مَعَ خُلُوِّ الْمَحَلِّ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْحَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
(1/246)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَى الضَّارِبُ مِنْ ثَبَتَ، أَيْ شَخْصٌ ثَبَتَ لَهُ ضَرْبٌ. وَإِذَا كَانَ مَعْنَاهُ هَذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ صِدْقِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الضَّرْبِ، صِدْقُهُ قَبْلَ حُصُولِ الضَّرْبِ، لِقِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ الضَّرْبُ وَانْقَضَى، يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ ضَرْبٌ. بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ضَرْبٌ أَصْلًا. فَيَصْدُقُ الضَّارِبُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا: مَا ذَكَرْتُمْ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ.
ش - قَالَ النَّافِي لِلِاشْتِرَاطِ: لَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِي صِدْقِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً. وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا " ضَارِبٌ أَمْسِ " وَعَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ. وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، الْحَقِيقَةُ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ إِطْلَاقُهُ فِي الْمَاضِي يَكُونُ حَقِيقَةً. لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا كَمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا يُقَالُ: " ضَارِبٌ غَدًا ". مَعَ أَنَّهُ مَجَازٌ بِالِاتِّفَاقِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَكُونُ خِلَافَ الْأَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مَا هُوَ أَشَدُّ مَحْذُورًا مِنْهُ. وَهَهُنَا قَدْ لَزِمَ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْمَاضِي - وَفِي الْحَالِ حَقِيقَةً بِالِاتِّفَاقِ - يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ الْمُشْتَرَكَ - وَهُوَ وُقُوعُ الضَّرْبِ فِي أَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ - مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
ش - لِهَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لَنَا فِي الِاشْتِرَاطِ. تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: بَقَاءُ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِدْقِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَى النَّائِمِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَعَالِمٌ، مَعَ خُلُوِّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ. وَالْأَصْلُ فِي إِطْلَاقِهِ، الْحَقِيقَةُ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ " الْمُؤْمِنِ " وَ " الْعَالَمِ "
(1/247)

ص - قَالُوا: صَحَّ مُؤْمِنٌ وَعَالِمٌ لِلنَّائِمِ.
ص - أُجِيبَ: مَجَازٌ ; لِامْتِنَاعِ " كَافِرٍ " لِكُفْرٍ تَقَدَّمَ.
ص - قَالُوا: يَتَعَذَّرُ فِي مِثْلِ " مُتَكَلِّمٍ " وَ " مُخْبِرٍ ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/248)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
حَالَةَ النَّوْمِ عَلَى النَّائِمِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، لَكَانَ مُطَّرِدًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِامْتِنَاعِ إِطْلَاقِ " الْكَافِرِ " عَلَى الْمُسْلِمِ لِكُفْرٍ تَقَدَّمَ. وَعَدَمُ الِاطِّرَادِ عَلَامَةُ الْمَجَازِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: عَدَمُ الِاطِّرَادِ هَهُنَا لِأَجْلِ الْمَنْعِ مِنَ الشَّرْعِ لِتَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ مَعَ الْمَنْعِ لَا يَكُونُ عَلَامَةَ الْمَجَازِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لَنَا فِي الِاشْتِرَاطِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ بَقَاءُ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ شَرْطًا فِي صِدْقِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً لَمَا كَانَ مِثْلُ " الْمُتَكَلِّمِ " أَيِ الْمُشْتَقَّاتِ الَّتِي تَكُونُ مَصَادِرُهَا سَيَّالَةً حَقِيقَةً أَصْلًا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَصَادِرَ السَّيَّالَةَ يَمْتَنِعُ وُجُودُ مَعَانِيهَا فِي الْوَاقِعِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ أَجْزَاءَ مَعَانِيهَا لَا تَجْتَمِعُ فِي الْوُجُودِ مَعًا ; لِأَنَّ الْجُزْءَ اللَّاحِقَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بَعْدَ انْعِدَامِ السَّابِقِ. وَإِذَا امْتَنَعَ اجْتِمَاعُ الشَّيْءِ فِي الْوَاقِعِ، امْتَنَعَ وُجُودُهُ فِيهِ. فَلَوْ كَانَ بَقَاءُ الْمَعْنَى شَرْطًا فِي صِدْقِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً، امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ الْمُشْتَقَّاتُ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَصَادِرِ حَقِيقَةً ; لِامْتِنَاعِ وُجُودِ [مَعْنَى] الْمُشْتَقِّ مِنْهُ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَقَاءَ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ شَرْطٌ إِذَا أَمْكَنَ وُجُودُ الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ فِي الْوَاقِعِ. وَبَقَاءُ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْهُ شَرْطٌ إِذَا تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُ أَجْزَاءِ الْمَعْنَى فِي الْوَاقِعِ.
وَاللُّغَةُ لَمْ تُبْنَ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَالْمُشَاحَّةِ حَتَّى لَا يُكْتَفَى بِبَقَاءِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ فِي مِثْلِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ الْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْحَالِ حَقِيقَةً عَلَى زَمَانِ الْفِعْلِ الْحَاضِرِ مَعَ أَنَّ أَجْزَاءَ زَمَانِ الْفِعْلِ الْحَاضِرِ، لَا تَكُونُ بَاقِيَةً عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْحَالِ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ غَيْرُ قَارِّ الذَّاتِ، أَيْ لَا تَجْتَمِعُ أَجْزَاؤُهُ مَعًا فِي الْوُجُودِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ بَقَاءُ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ كَذَلِكَ، أَيْ شَرْطٌ بِتَمَامِهِ حِينَئِذٍ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ الْبَقَاءُ شَرْطًا أَصْلًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ فِي الْجَمِيعِ شَرْطًا.
[اشتقاق اسْم الْفَاعِلِ لِشَيْءٍ وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَقُّ اسْمُ الْفَاعِلِ لِشَيْءٍ، أَيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَالْفِعْلُ، أَيْ مَعْنَى الْمَصْدَرِ قَائِمٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: نَعَمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ قَائِمٍ بِالْجِسْمِ، لَا بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَإِلَّا لَكَانَ قَابِلًا وَفَاعِلًا، وَلَكَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ حَادِثٌ. وَكِلَاهُمَا مُحَالَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فَسَادَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ مُبِيَّنٌ فِي أُصُولِ الدِّينِ. حُجَّةُ أَصْحَابِنَا: الِاسْتِقْرَاءُ. وَبَيَانُهُ أَنَّا اسْتَقْرَأْنَا مَوَاقِعَ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَقَّاتِ، فَلَمْ تَعْثُرْ عَلَى مَوْضِعٍ اشْتُقَّ لَهُ اسْمٌ وَلَمْ يَكُنْ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ قَائِمًا بِهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ قَدِ اشْتُقَّ قَاتِلٌ وَضَارِبٌ لِذَاتِ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ، - لِكَوْنِهِمَا أَثَرَيْنِ - قَائِمَيْنِ بِغَيْرِهِمَا، وَهُوَ الْمَقْتُولُ ; ضَرُورَةَ حُصُولِ الْأَثَرِ فِيهِ.
ش - أَجَابَ عَنْهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَتْلَ هُوَ: الْأَثَرُ، بَلِ الْقَتْلُ: التَّأْثِيرُ، وَالتَّأْثِيرُ لِلْفَاعِلِ، وَلَا يَكُونُ قَائِمًا بِالْمَقْتُولِ
(1/249)

ص - أُجِيبَ بِأَنَّ اللُّغَةَ لَمْ تُبْنَ عَلَى الْمُشَاحَّةِ فِي مِثْلِهِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْحَالِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا يُشْتَقُ اسْمُ [الْفَاعِلِ] لِشَيْءٍ وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ. خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا: الِاسْتِقْرَاءُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/250)

ص - قَالُوا: ثَبَتَ قَاتِلٌ وَضَارِبٌ، وَالْقَتْلُ لِلْمَفْعُولِ.
ص - قُلْنَا: الْقَتْلُ: التَّأْثِيرُ، وَهُوَ الْفَاعِلُ.
ص - قَالُوا: أُطْلِقَ الْخَالِقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارَ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ (الْأَثَرُ ; لِأَنَّ) الْخَلْقَ، الْمَخْلُوقَ، وَإِلَّا لَزِمَ قِدَمُ الْعَالَمِ أَوِ التَّسَلْسُلُ.
ص - وَأُجِيبَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ قَائِمٍ بِغَيْرِهِ. وَثَانِيًا بِأَنَّهُ [لِلتَّعَلُّقِ] الْحَاصِلِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْقُدْرَةِ حَالَ [الْإِيجَادِ] . فَلَمَّا نُسِبَ إِلَى الْبَارِي تَعَالَى - صَحَّ الِاشْتِقَاقُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمُشْتَقَّاتِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِسَوَادٍ، لَا عَلَى خُصُوصٍ مِنْ جِسْمٍ وَغَيْرِهِ ; بِدَلِيلِ صِحَّةِ: " الْأَسْوَدُ جِسْمٌ ".
ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ قِيَاسًا. خِلَافًا لِلْقَاضِي وَابْنِ سُرَيْجٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَلِ التَّأَثُّرُ قَائِمٌ بِالْمَقْتُولِ، وَهُوَ لَيْسَ بِقَتْلٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْثِيرِ وَالتَّأَثُّرِ وَاضِحٌ، لَا يُنْكِرُهُ مَنْ كَانَ لَهُ إِنْصَافٌ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ اسْمُ الْفَاعِلِ عَلَى شَيْءٍ وَمَعْنَى الْمُشْتَقِّ [مِنْهُ] غَيْرُ قَائِمٍ بِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْخَالِقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ الْمَخْلُوقِ وَهُوَ الْأَثَرُ الْمُبَايِنُ عَنْ ذَاتِهِ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ إِطْلَاقَ الْخَالِقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى [بِاعْتِبَارِ الْمَخْلُوقِ ; لِأَنَّ] الْخَالِقَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلْقِ، وَالْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُغَايِرًا لِلْمَخْلُوقِ لَكَانَ إِمَّا قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا ; إِذْ كُلُّ مَفْهُومٍ - وُجُودِيًّا أَوْ عَدَمِيًّا - لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا. لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ سَبْقًا زَمَانِيًّا فَهُوَ الْحَادِثُ، وَإِلَّا فَهُوَ الْقَدِيمُ. وَالتَّالِي بِقِسْمَيْهِ بَاطِلٌ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الْعَالَمِ ; لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ بَيْنَ الْخَالِقِ وَبَيْنَ الْعَالَمِ.
(1/252)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِذَا كَانَ النِّسْبَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَدِيمَةٌ يَلْزَمُ قِدَمُ الْمُنْتَسِبِينَ ; ضَرُورَةَ تَأَخُّرِ النِّسْبَةِ عَنْهُمَا. وَإِنْ كَانَ حَادِثًا يَفْتَقِرُ إِلَى مُؤَثِّرٍ، وَلِذَلِكَ الْمُؤَثِّرِ تَأْثِيرٌ فِيهِ وَتَسَلْسُلٌ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مَطْلُوبُكُمْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَطْلُوبَكُمْ هُوَ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى شَيْءٍ وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ الْخَلْقُ عَيْنَ الْمَخْلُوقِ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا قَائِمًا بِالْغَيْرِ، بَلْ هُوَ ذَاتُ الْغَيْرِ. فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ جَوَازِ اشْتِقَاقِ اسْمِ الْخَالِقِ لِلْبَارِي تَعَالَى بِاعْتِبَارِ الْخَلْقِ، جَوَازُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى شَيْءٍ مَعَ قِيَامِ الْفِعْلِ بِغَيْرِهِ.
(1/253)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي جَوَازَ إِطْلَاقِ الْخَالِقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ كَوْنِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْخَلْقُ غَيْرَ قَائِمٍ بِهِ.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلِيلِ، أَعْنِي الِاسْتِقْرَارَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْخَلْقِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنْهُ الْخَالِقُ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْرًا قَائِمًا بِهِ. فَيُجْعَلُ الْخَلْقُ عِبَارَةً عَنِ التَّعَلُّقِ الْحَاصِلِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْقُدْرَةِ حَالَةَ الْإِيجَادِ، تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِأَنْ يُعْمَلَ لِكُلٍّ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ نِسْبَةً بَيْنَ الْقُدْرَةِ وَالْمَخْلُوقِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ.
فَلَا يَلْزَمُ إِهْمَالُ دَلِيلِكُمْ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ عُمِلَ بِهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الْخَلْقَ عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِهِ بِالْحَقِيقَةِ.
وَبِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْقُدْرَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ مُبَايِنًا عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ ; لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِالضَّرُورَةِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْهُ الْخَالِقُ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَلَا يَلْزَمُ إِهْمَالُ دَلِيلِنَا بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْأَثَرِ الْمُبَايِنِ عَنْ ذَاتِهِ.
أَمَّا إِذَا حُمِلَ الْخَلْقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ - كَمَا ذَكَرْتُمْ - يَلْزَمُ التَّرْكُ بِدَلِيلِنَا بِالْكُلِّيَّةِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمَخْلُوقِ أَمْرًا مُنْفَصِلًا عَنْ ذَاتِهِ. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى فِعْلٍ
(1/254)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَائِمٍ بِهِ بِالْحَقِيقَةِ - كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا - يَلْزَمُ التَّرْكُ بِدَلِيلِكُمْ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالتَّرْكُ بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّلِيلِ إِعْمَالُهُ لَا إِهْمَالُهُ.
[الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمُشْتَقَّاتِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي مَفْهُومِ الْمُشْتَقِّ. الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمُشْتَقَّاتِ. كَالْأَبْيَضِ وَالضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ، يَدُلُّ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى ذَاتٍ مَا مُتَّصِفَةٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ. فَإِنَّ الْأَسْوَدَ مَثَلًا يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مَا مُتَّصِفَةٍ بِالسَّوَادِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ تِلْكَ الذَّاتِ مِنْ جِسْمٍ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِزَامِ، لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّاهُ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَنَا: الْأَسْوَدُ جِسْمٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَوْ دَلَّ الْأَسْوَدُ عَلَى خُصُوصِ الْجِسْمِ لَكَانَ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ: الْجِسْمُ ذُو السَّوَادِ جِسْمٌ. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِلُزُومِ التَّكْرَارِ بِلَا فَائِدَةٍ.
[ثبوت اللغة قياسا]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي أَنَّ اللُّغَةَ هَلْ تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ أَمْ لَا. فَقَالَ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ: لَا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ مِنَّا وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: نَعَمْ.
وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ عَلَمٍ تَعْمِيمَهُ لِلْأَفْرَادِ بِالنَّقْلِ، عَلَى مَا سَكَتَ عَنْهُ، أَيْ لَمْ يُسْمَعْ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. مِثْلَ " رَجُلٍ " فَإِنَّهُ وُضِعَ لِوَاحِدٍ مِنْ ذُكُورِ بَنِي آدَمَ وَعُلِمَ تَعْمِيمُهُ بِالنَّقْلِ. فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى وَاحِدٍ، لَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ.
(1/255)

وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي نَحْوِ " رَجُلٍ " وَرَفْعِ الْفَاعِلِ. أَيْ لَا يُسَمَّى مَسْكُوتًا عَنْهُ إِلْحَاقًا بِتَسْمِيَةِ الْمُعَيَّنِ لِمَعْنًى يَسْتَلْزِمُهُ وُجُودًا وَعَدَمًا. كَالْخَمْرِ لِلنَّبِيذِ لِلتَّخْمِيرِ، وَالسَّارِقِ لِلنَّبَّاشِ لِلْأَخْذِ خُفْيَةً، وَالزَّانِي لِلَّائِطِ لِلْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، إِلَّا بِنَقْلٍ أَوِ اسْتِقْرَاءِ التَّعْمِيمِ.
ص - لَنَا: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْمُحْتَمَلِ.
ص - قَالُوا: دَارَ الِاسْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا.
ص - قُلْنَا: وَدَارَ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْعِنَبِ، وَكَوْنِهِ مَالَ الْحَيِّ، وَقُبُلًا.
ص - قَالُوا: ثَبَتَ شَرْعًا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
ص - قُلْنَا: لَوْلَا الْإِجْمَاعُ - لَمَا ثَبَتَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/256)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا يُقَالُ: إِنَّهُ إِثْبَاتٌ بِالْقِيَاسِ ; إِذْ تَنَاوَلَ اللَّفْظَ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ عُلِمَ بِالنَّقْلِ.
وَلَيْسَ أَيْضًا الْخِلَافُ فِي نَحْوِ رَفْعِ فَاعِلٍ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ رَفْعُهُ ; فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ رَفْعِهِ.
وَلَا يُقَالُ أَيْضًا: إِنَّهُ إِثْبَاتٌ بِالْقِيَاسِ ; إِذْ عُلِمَ تَعْمِيمُ رَفْعِ الْفَاعِلِ بِالِاسْتِقْرَاءِ. فَإِنَّا لَمَّا اسْتَقْرَأْنَا الْكَلَامَ وَجَدْنَا كُلَّ مَا أُسْنِدَ الْفِعْلُ أَوْ شَبَهُهُ إِلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ مَرْفُوعًا، حَصَلَ عِنْدَنَا قَاعِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ: كُلَّ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ شَكٌّ. فَإِذَا جُعِلَ فَاعِلًا لَمْ يُسْمَعْ رَفْعُهُ مِنَ الْعَرَبِ مَرْفُوعًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قِيَاسًا ; إِذْ عُلِمَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الرَّفْعَ وُضِعَ لِكُلِّ فَاعِلٍ.
بَلْ إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَمَّى مَسْكُوتًا عَنْهُ، مِثْلَ النَّبِيذِ، مَثَلًا إِلْحَاقًا بِتَسْمِيَةٍ، أَيْ بَاسِمٍ مِثْلِ اسْمِ الْخَمْرِ مَوْضُوعِ الْمُعَيَّنِ، مِثْلِ مَاءِ الْعِنَبِ الْمَخْصُوصِ، لِأَجْلِ مَعْنًى، مِثْلِ التَّخْمِيرِ، يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الِاسْمَ وُجُوَدًا وَعَدَمًا، أَيْ مَتَى وُجِدَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ وُجِدَ الِاسْمُ، وَمَتَى عُدِمَ عُدِمَ، [أَمْ لَا] ; لِأَنَّهُ هُوَ الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ.
وَالْبَاقِي قَوْلُهُ " بِتَسْمِيَةٍ " مُتَعَلِّقَةٍ بِقَوْلِهِ " يُسَمَّى ". وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِنَا: إِنَّ اللُّغَةَ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا أَنَّهُ إِذَا سُمِّيَ
(1/257)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُعَيَّنٌ بَاسِمٍ، وَيُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مَعْنًى يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ [الْمَعْنَى] ذَلِكَ الِاسْمَ وُجُودًا وَعَدَمًا، ثُمَّ وُجِدَ مُعَيَّنٌ آخَرُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَوُجِدَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى [الْمُعَيَّنُ] الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ لِأَجْلِ الْمَعْنَى الْمُسْتَلْزِمِ لِذَلِكَ الِاسْمِ. كَمَا [إِذَا] سُمِّيَ النَّبِيذُ بِالْخَمْرِ لِأَجْلِ التَّخْمِيرِ، وَهُوَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ الْمُخَمِّرَةُ عَلَى الْعَقْلِ. وَكَمَا إِذَا سُمِّيَ النَّبَّاشُ بِالسَّارِقِ لِأَجْلِ الْأَخْذِ خُفْيَةً. وَكَمَا إِذَا سُمِّيَ اللَّائِطُ بِالزَّانِي لِأَجْلِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ.
قَوْلُهُ: إِلَّا بِنَقْلٍ أَوِ اسْتِقْرَاءِ التَّعْمِيمِ، اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: " لَا يُسَمَّى " أَيْ لَا يُسَمَّى الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِاسْمِ الْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، لَكِنْ يُسَمَّى الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِاسْمِ الْمُعَيَّنِ بِسَبَبِ النَّقْلِ وَالِاسْتِقْرَاءِ الدَّالَّيْنِ عَلَى التَّعْمِيمِ كَمَا ذَكَرْنَا.
ش - هَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إِثْبَاتِ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ. تَقْرِيرُهُ: لَوْ جَازَ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ لَجَازَ إِثْبَاتُهَا بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا يَكُونَ [ذَلِكَ الْمَعْنَى] اللَّازِمِ
(1/258)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِلْمُسَمَّى حَامِلًا لِلْوَاضِعِ عَلَى التَّسْمِيَةِ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يُلَاحِظَ [الْوَاضِعُ] مُنَاسَبَةً بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمَعْنَى عِنْدَ التَّسْمِيَةِ. وَكَمَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ عَلَى الْوَضْعِ هَذَا الْمَعْنَى، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ حَامِلًا عَلَيْهِ. فَإِثْبَاتُ تَسْمِيَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمَعْنَى إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْمُحْتَمَلِ. وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ لِمُثْبِتِ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ دَارَ مَعَ التَّخْمِيرِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
أَمَّا وُجُودًا فَفِي مَاءِ الْعِنَبِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ الْمُخَمِّرَةُ عَلَى الْعَقْلِ، فَإِنَّهُ وُجِدَ التَّخْمِيرُ فِيهِ وَوُجِدَ الِاسْمُ ; فَإِنَّهُ يُسَمَّى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ خَمْرًا.
وَأَمَّا عَدَمًا فَفِي مَاءِ الْعِنَبِ الَّذِي لَمْ تُوجَدُ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ الْمُخَمِّرَةُ لِلْعَقْلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ التَّخْمِيرُ، وَلَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَمْرِ.
وَكَذَلِكَ اسْمُ السَّارِقِ وَالزَّانِي دَارَ مَعَ الْأَخْذِ خُفْيَةً وَمَعَ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
وَدَوَرَانُ الشَّيْءِ مَعَ الشَّيْءِ آيَةُ كَوْنِ الْمُدَارِ عِلَّةً لِلدَّائِرِ، فَيَكُونُ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةُ عِلَّةً لِلتَّسْمِيَةِ بِالْأَسَامِي الْمَذْكُورَةِ. فَإِذَا وُجِدَتْ فِي صُوَرٍ أُخَرَ، أُطْلِقَ عَلَيْهَا الْأَسْمَاءُ. وَإِلَّا يَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنِ الْعِلَّةِ وَهُوَ مُحَالٌ.
(1/259)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابُ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةَ كَمَا دَارَتْ مَعَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ دَارَتْ مَعَ مَا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
فَإِنَّ لَفْظَ الْخَمْرِ دَارَ مَعَ تَخْمِيرِ مَاءِ الْعِنَبِ، وَلَفْظَ السَّارِقِ مَعَ أَخْذِ مَالِ الْحَيِّ خُفْيَةً، وَلَفْظَ الزَّانِي مَعَ كَوْنِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ قُبُلًا.
وَدَوَرَانُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَعَ هَذِهِ الْمَعَانِي ظَاهِرٌ. وَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَعَانِي الَّذِي ذَكَرْتُمْ عِلَّةً لِلتَّسْمِيَةِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذِهِ الْمَعَانِي أَيْضًا عِلَّةً. فَإِثْبَاتُ التَّسْمِيَةِ بِالْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْتُمْ إِثْبَاتٌ بِالْمُحْتَمَلِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُثْبِتِينَ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: ثَبَتَ الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ، وَمَعْنَى الْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الشَّرْعِ. وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا وَثَبَتَ [ثَمَّةَ] ، وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ هَهُنَا ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: الْقِيَاسُ شَرْعِيًّا أَوْ لُغَوِيًّا - إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا كَانَ لَهُ مُصَحِّحٌ، وَقَدْ وُجِدَ فِي الشَّرْعِ مَا هُوَ مُصَحِّحٌ لَهُ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَلَمْ يُوجَدِ الْإِجْمَاعُ فِي الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ، فَلِهَذَا ثَبَتَ ثَمَّةَ وَلَمْ يَثْبُتْ هُنَا.
ش - هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، هُوَ أَنَّ اللُّغَةَ إِذَا لَمْ تَثْبُتْ بِالْقِيَاسِ فَكَيْفَ صَحَّ إِثْبَاتُ قَطْعِ النَّبَّاشِ وَحَدِّ شَارِبِ النَّبِيذِ؟ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي السَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ. وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَطْعَ النَّبَّاشِ وَحَدَّ شَارِبِ النَّبِيذِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِيجَابُ قَطْعِ النَّبَّاشِ وَحَدِّ الشَّارِبِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِثُبُوتِ تَعْمِيمِ اسْمِ الْخَمْرِ وَالسَّارِقِ لِلنَّبِيذِ، وَالنَّبَّاشِ بِالنَّقْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، بِأَنْ يُقَاسَ النَّبِيذُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ مُخَمِّرَةٌ عَلَى الْعَقْلِ. وَالنَّبَّاشُ عَلَى السَّارِقِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ خُفْيَةً، لَا لِأَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ خَمْرٌ بِالْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ.
[الْحُرُوفُ]
[تعريف الحرف]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ النُّحَاةِ: إِنَّ الْحَرْفَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَفْهُومِيَّةِ: أَنَّ نَحْوَ " مِنْ " وَ " إِلَى " شَرْطُ الْوَاضِعِ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنَاهَا الْإِفْرَادِيِّ ذِكْرُ مُتَعَلِّقِهَا، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْوَاضِعَ نَصَّ عَلَى أَنَّ " مِنْ " وَ " إِلَى " إِذَا ذُكِرَ مُتَعَلِّقُهُمَا مَعًا، كَانَ مَعْنَاهُمَا: الِابْتِدَاءُ وَالِانْتِهَاءُ. وَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُمَا مَا هُوَ مُتَعَلِّقُهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَعْنًى أَصْلًا، لَا الِابْتِدَاءُ وَالِانْتِهَاءُ وَلَا غَيْرُهُمَا.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " الْإِفْرَادِيِّ " عَنِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ ; فَإِنَّ [كُلَّ وَاحِدٍ] مِنْهُمَا فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعَانِي التَّرْكِيبِيَّةِ، أَعْنِي الْمَعَانِي الَّتِي تَكُونُ لَهُ حَالَةَ التَّرْكِيبِ، مَشْرُوطَةٌ بِذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِ. فَإِنَّ كَوْنَ الِاسْمِ فَاعِلًا، إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، وَكَوْنُ الْفِعْلِ خَبَرًا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمُبْتَدَأِ.
(1/260)

ص - وَقَطْعُ النَّبَّاشِ وَحَدُّ النَّبِيذِ، إِمَّا لِثُبُوتِ التَّعْمِيمِ، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ، لَا لِأَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ خَمْرٌ بِالْقِيَاسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/261)

ص - الْحُرُوفُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْحَرْفُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَفْهُومِيَّةِ: أَنَّ نَحْوَ " مِنْ " وَ " إِلَى " مَشْرُوطٌ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنَاهَا الْإِفْرَادِيِّ، ذِكْرُ مُتَعَلِّقِهَا.
وَنَحْوُ " الِابْتِدَاءِ " وَ " الِانْتِهَاءِ " وَ " ابْتَدَأَ " وَ " انْتَهَى " غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذَلِكَ.
ص - وَأَمَّا نَحْوُ " ذُو " وَ " فَوْقَ " وَ " تَحْتَ " وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ إِلَّا بِمُتَعَلِّقِهَا لِأَمْرٍ فَغَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذَلِكَ ; لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ وَضْعَ " ذُو " بِمَعْنَى " صَاحِبٍ " لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَأَنَّ وَضْعَ " فَوْقَ " بِمَعْنَى مَكَانٍ، لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى عُلُوٍّ خَاصٍّ اقْتَضَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/263)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَكِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي دَلَالَتِهِمَا عَلَى مَعَانِيهِمَا الْإِفْرَادِيَّةِ ذِكْرُ مُتَعَلِّقِهِمَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ نَحْوَ " الِابْتِدَاءِ " وَ " الِانْتِهَاءِ " وَكَذَا " ابْتَدَأَ " وَ " انْتَهَى " لَمْ يُشْتَرَطْ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعَانِيهَا الْإِفْرَادِيَّةِ ذِكْرُ مُتَعَلِّقِهَا، وَلِهَذَا يُفْهَمُ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ.
وَكَذَا مَعْنَى " ابْتَدَأَ " وَ " انْتَهَى " بِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِهَا. بِخِلَافِ " مِنْ " وَ " إِلَى " فَإِنَّ مَعْنَاهُمَا لَا يُفْهَمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُذْكَرَ مُتَعَلِّقُهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: " مِنْ " وَ " إِلَى " يُفْهَمُ مِنْهَا الِابْتِدَاءُ وَالِانْتِهَاءُ بِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِمَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الِابْتِدَاءَ وَالِانْتِهَاءَ فُهِمَا مِنْهُمَا حَالَةَ اعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ.
وَإِنَّمَا مَثَّلَ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِـ " الِابْتِدَاءِ " وَ " الِانْتِهَاءِ "، وَمِنَ الْأَفْعَالِ بِـ " ابْتِدَأَ " وَ " انْتَهَى " ; لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا عَبَّرَ عَنِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ " مِنْ " وَ " إِلَى " وَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَهُمَا، لَمْ يَدُلَّا عَلَيْهِمَا. وَإِذَا عَبَّرَ عَنِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ بِالِاسْمِ أَوِ الْفِعْلِ، فُهِمَا بِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِمَا.
ش - هَذَا جَوَابٌ عَنْ وَهْمٍ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْخَاصَّةَ الْمَذْكُورَةَ لِلْحَرْفِ تَنْتَقِضُ بِهَذِهِ الْأَسَامِي. وَذَلِكَ لِأَنَّ " ذُو " وَ " فَوْقَ " وَ " تَحْتَ " وَأَمْثَالَهَا أَسْمَاءٌ بِالِاتِّفَاقِ، مَعَ أَنَّ الْخَاصَّةَ الْمَذْكُورَةَ ثَابِتَةٌ لَهَا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِمَعْنَاهَا الْإِفْرَادِيِّ ; فَإِنَّهَا مَا لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُهَا مَعَهَا لَمْ يُفِدْ فَائِدَةً، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ بِدُونِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِمَعْنَاهَا الْإِفْرَادِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ " ذُو " وَ " فَوْقَ " وَأَمْثَالَهُمَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاضِعُ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعَانِيهَا الْإِفْرَادِيَّةِ ذِكْرَ مُتَعَلِّقِهَا، وَإِنَّمَا الْتَزَمَ أَنْ لَا تُذْكَرَ إِلَّا مَعَ مُتَعَلِّقِهَا لِأَمْرٍ. وَهُوَ أَنَّهُ عُلِمَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ وَضْعَ " ذُو " بِإِزَاءِ " صَاحِبٍ " لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى وَصْفِ الْأَسْمَاءِ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ. فَلِأَجْلِ حُصُولِ غَرَضِهِ مِنَ الْوَضْعِ اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، لَا لِأَجْلِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا وُضِعَ بِإِزَائِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَوَقُّفِ حُصُولِ الْغَرَضِ مِنْ وَضْعِهِ عَلَى ذِكْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ تَوَقُّفُ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ " فَوْقَ " وُضِعَ بِإِزَاءِ مَكَانٍ عَالٍ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى عُلُوٍّ خَاصٍّ. فَلِذَلِكَ اقْتَضَى ذِكْرَ مُتَعَلِّقِهِ.
فَإِنَّ قَوْلَنَا: زَيْدٌ فَوْقَ الدَّارِ، إِنَّمَا يَتَخَصَّصُ [كَوْنُ] مَكَانِهِ عَالِيًا بِالِاقْتِرَانِ بِالدَّارِ.
وَقِسْ عَلَيْهِ الْبَاقِيَ.
(1/264)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَا لِتَرْتِيبٍ، وَلَا مَعِيَّةٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. لَنَا: النَّقْلُ [عَنِ الْأَئِمَّةِ] أَنَّهَا كَذَلِكَ.
ص - وَاسْتَدَلَّ لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ - لَتَنَاقَضَ " وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [وَقُولُوا حِطَّةٌ] " مَعَ الْأُخْرَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/265)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ " لِمَا عُلِمَ " بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: " لِأَمْرٍ ".
[الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ]
ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَ، هَلْ هُوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، [أَيْ] لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصِهَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَدَلِيلُهُ: النَّقْلُ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَنَّهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ. وَنَقَلَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ حُجَّةً فِي الْأَبْحَاثِ اللُّغَوِيَّةِ.
ش - قَدِ اسْتَدَلَّ مِنْ طَرَفِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ لَوْ كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِلتَّرْتِيبِ لَتَنَاقَضَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58] مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَعْرَافِ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [الأعراف: 161] وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ. فَلَوِ اقْتَضَتِ الْوَاوُ التَّرْتِيبَ، لَكَانَ الْأَمْرُ بِدُخُولِ الْبَابِ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُولَى، وَلَمْ يَكُنْ مُقَدَّمًا لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ. فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ اللَّازِمِ ; فَلِأَنَّ التَّنَاقُضَ كَذِبٌ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
(1/266)

وَلَمْ يَصِحَّ " تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو ". وَلَكَانَ جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بَعْدَهُ، [تَكْرِيرًا،] وَقَبْلَهُ، تَنَاقُضًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ لِمَا سَنَذْكُرُ.
ص - قَالُوا: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] . قُلْنَا: التَّرْتِيبُ مُسْتَفَادٌ مِنْ خَبَرِهِ.
ص - قَالُوا: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} [البقرة: 158] وَقَالَ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ". قُلْنَا: لَوْ كَانَ لَهُ - لَمَا احْتِيجَ إِلَى " ابْدَءُوا ".
ص - قَالُوا: رَدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَائِلَ: " «وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى» " وَقَالَ: قُلْ: " «وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ".
قُلْنَا: لِتَرْكِ إِفْرَادِ اسْمِهِ بِالتَّعْظِيمِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَعْصِيَتَهُمَا، لَا تَرْتِيبَ فِيهَا.
ص - قَالُوا: إِذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ - وَقَعَتْ وَاحِدَةً، بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
ص - وَقَوْلُ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مِثْلُ " ثُمَّ " إِنَّمَا قَالَهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا يَعْنِي يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَلَا يُنْوَى فِي التَّأْكِيدِ.
ص - الثَّالِثُ: ابْتِدَاءُ الْوَضْعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا صَحَّ قَوْلُ الْقَائِلِ: " تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو " وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ قَوْلَنَا: " تَقَاتَلَ " يَقْتَضِي الْأَخْذَ فِي الْفِعْلِ مَعًا ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ [التَّفَاعُلِ] وَهُوَ يَقْتَضِي حُصُولَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَعًا، وَهُوَ يُنَافِي التَّرْتِيبَ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْوَاوِ حِينَئِذٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَكَانَ قَوْلُنَا: جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بَعْدَهُ، تَكْرِيرًا ; لِإِفَادَةِ الْوَاوِ الْبَعْدِيَّةِ. وَلَكَانَ: جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو قَبْلَهُ، تَنَاقُضًا ; لِأَنَّ الْوَاوَ يُفِيدُ الْبَعْدِيَّةَ وَهِيَ تُنَاقِضُ الْقَبْلِيَّةَ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ، لِمَا سَنَذْكُرُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِهَا حَقِيقَةً لِلتَّرْتِيبِ. فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْمُحَالَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، الْحَقِيقَةُ، فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي التَّرْتِيبِ أَيْضًا كَمَا سَيُذْكَرُ. وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَجَازًا، لَلَزِمَ الِاشْتِرَاكُ. وَاللَّفْظُ إِذَا دَارَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ فَالْمَجَازُ أَقْرَبُ.
(1/268)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَتِ الْوَاوُ مُسْتَعْمَلَةً فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ، فَلَيْسَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ مَجَازًا فِي الْمَعِيَّةِ، أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ. فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَى أَنْ تُجْعَلَ حَقِيقَةً لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ. وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِالتَّرْتِيبِ تَمَسَّكُوا بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ أَنَّ الْوَاوَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] لِأَنَّ وُجُوبَ تَقَدُّمِ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ مُسْتَفَادٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ سِوَى الْوَاوِ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الْمَجَازُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّرْتِيبَ مُسْتَفَادٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. بَلْ مِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
(1/269)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] قَالَتِ الصَّحَابَةُ: بِأَيِّهِمَا نَبْدَأُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ، لَمْ يَقُلْ فِي جَوَابِهِمُ: " ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ".
وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْقَلْبِ. وَهُوَ إِثْبَاتُ نَقِيضِ دَعْوَى الْخَصْمِ بِدَلِيلِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ، لَمَا احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقُولَ لَهُمْ
(1/270)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ". لِأَنَّ الْوَاوَ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ، لَمَا اشْتَبَهَ عَلَى أَهْلِ اللِّسَانِ.
ش - الْوَجْهُ الثَّالِثُ «أَنَّ وَاحِدًا قَامَ فِي حَضْرَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ. قُلْ: وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» ".
فَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا ذَمَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; إِذْ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مَا [عَلِمَهُ] رَسُولُ اللَّهِ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ الْخَطِيبُ.
(1/271)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا ذَمَّهُ لِأَنَّ الْوَاوَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ لَمْ يُفِدْهُ، بَلْ إِنَّمَا ذَمَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ تَرَكَ إِفْرَادَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أَدْخَلُ فِي التَّعْظِيمِ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذَّمَّ لِتَرْكِ الْإِفْرَادِ، لَا لِدَلَالَةِ الْوَاوِ عَلَى التَّرْتِيبِ، أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّ مَعْصِيَةَ الرَّسُولِ هِيَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ وَبِالْعَكْسِ.
ش - الْوَجْهُ الرَّابِعُ هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْحُكْمِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ، وَقَعَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً. وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَعَتْ ثَلَاثًا. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ، بَلْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، لَمْ يَتَحَقَّقْ فَرْقٌ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ. فَإِنَّ الْقَوْلَ [بِأَنَّ] فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: " تَقَعُ وَاحِدَةً " مَمْنُوعٌ، بَلْ تَقَعُ
(1/272)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَيْضًا ثَلَاثًا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ بِوُقُوعِهِ ثَلَاثًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
(1/273)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ مَنْ مَنَعَ وُقُوعَ الثَّلَاثِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ إِذَا كَانَتْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ " ثَلَاثًا " فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ تَفْسِيرٌ لِمَا قَصَدَهُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ " ثَلَاثًا " مِنْ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ بِآخِرِهِ. بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ: وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ، تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: طَالِقٌ.
وَالْإِنْشَاءَاتُ مُتَرَتِّبَةٌ تَرَتُّبَ الْأَلْفَاظِ، فَوَقَعَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَاحِدَةً، فَبَانَتْ بِهَا، وَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ.
ش - هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَخَلٍ مُقَدَّرٍ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْوَاوَ مِثْلُ ثُمَّ.
(1/274)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ فِي صُورَةِ " ثُمَّ طَالِقٌ " تَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً، فَيَجِبُ أَنْ تَقَعَ فِي صُورَةِ الْوَاوِ أَيْضًا وَاحِدَةً. فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ فِي صُورَةِ الْوَاوِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ بِثُمَّ فِي صُورَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ فِي التَّأْكِيدِ، أَيْ لَمْ تُحْمَلْ عَلَى التَّأْكِيدِ، إِذَا قَالَ الزَّوْجُ: أَرَدْتُ بِهِ التَّأْكِيدَ. كَمَا يَقَعُ الثَّلَاثُ بِالْوَاوِ فِي صُورَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَلَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ [فِي التَّأْكِيدِ] فَتَكُونُ الْوَاوُ بِمَنْزِلَةِ ثُمَّ فِي صُورَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَفِي عَدَمِ اعْتِبَارِ نِيَّةِ التَّأْكِيدِ بِهَا، لَا فِي صُورَةِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِالْوَاوِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ.
[الثَّالِثُ: ابْتِدَاءُ الْوَضْعِ]
ش - الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ. اعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ فَرْعٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْوَاضِعِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ الْوَاضِعَ مَنْ هُوَ، لَمْ يَتَحَقَّقِ ابْتِدَاءُ الْوَضْعِ.
فَلِذَلِكَ بَحَثَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْوَاضِعِ. وَالْبَحْثُ عَنِ الْوَاضِعِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي بِالْوَضْعِ لَا بِالذَّاتِ. فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ إِبْطَالَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي بِالذَّاتِ وَالطَّبْعِ، - وَهُوَ عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّمْرِيُّ - فَقَالَ: لَيْسَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَدْلُولِهِ مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى فِي الدَّلَالَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ، وَلِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ. وَأَيْضًا الْقَطْعُ بِوُقُوعِ اللَّفْظِ عَلَى الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ، كَـ " الْقَرْءِ " الْوَاقِعِ عَلَى الْحَيْضِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ الطُّهْرُ.
(1/275)

لَيْسَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَدْلُولِهِ مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِصِحَّةِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ وَضِدِّهِ، وَبِوُقُوعِهِ " كَالْقَرْءِ " وَ " الْجَوْنِ ".
ص - قَالُوا: لَوْ تَسَاوَتْ - لَمْ تَخْتَصَّ. قُلْنَا: تَخْتَصُّ بِإِرَادَةِ الْوَاضِعِ الْمُخْتَارِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: عَلَّمَهَا اللَّهُ بِالْوَحْيِ، أَوْ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ، أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ. الْبَهْشَمِيَّةُ: وَضَعَهَا الْبَشَرُ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ، وَحَصَلَ التَّعْرِيفُ بِالْإِشَارَةِ، وَالْقَرَائِنِ كَالْأَطْفَالِ.
الْأُسْتَاذُ: الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ [بِتَوْقِيفٍ] وَغَيْرِهِ مُحْتَمَلٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْجَمِيعُ مُمْكِنٌ. ثُمَّ الظَّاهِرُ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ
ص - قَالَ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] . [قَالُوا] : أَلْهَمَهُ أَوْ عَلَّمَهُ مَا سَبَقَ. قُلْنَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ.
قَالُوا: الْحَقَائِقُ، بِدَلِيلِ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} [البقرة: 31] . قُلْنَا: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} [البقرة: 31] يُبَيِّنُ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَهَا وَالضَّمِيرَ لِلْمُسَمَّيَاتِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ} [الروم: 22] . وَالْمُرَادُ: اللُّغَاتُ بِاتِّفَاقٍ. قُلْنَا: التَّوْقِيفُ وَالْإِقْدَارُ فِي كَوْنِهِ آيَةً سَوَاءٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/276)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَبِوُقُوعِ اللَّفْظِ عَلَى الشَّيْءِ وَضِدِّهِ، كَـ " الْجَوْنِ " الْوَاقِعِ عَلَى الْأَبْيَضِ وَضِدِّهِ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ.
فَلَوْ كَانَتْ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعَانِي لِمُنَاسَبَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بَيْنَهُمَا، لَزِمَ أَنْ يُنَاسِبَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ لِلنَّقِيضَيْنِ وَالضِّدَّيْنِ بِالطَّبْعِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي لَوْ كَانَتْ بِالذَّاتِ لَمَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ، وَلَاهْتَدَى كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى كُلِّ لُغَةٍ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَذْهَبِ عَبَّادٍ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لَتَسَاوَتْ نِسْبَةُ اللَّفْظِ إِلَى جَمِيعِ الْمَعَانِي. وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ الِاسْمُ الْمُعَيَّنُ بِالْمُسَمَّى الْمُعَيَّنِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ نِسْبَةُ ذَلِكَ اللَّفْظِ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، كَنِسْبَتِهِ إِلَى سَائِرِ الْمَعَانِي. فَاخْتِصَاصُهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ تَخْصِيصٌ بِلَا مُخَصِّصٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُخَصِّصَ هُوَ إِرَادَةُ الْوَاضِعِ الْمُخْتَارِ، وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى كَتَخْصِيصِ إِيجَادِ الْعَالَمِ فِي وَقْتٍ دُونَ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ إِيجَادُهُ فِيهَا، مَعَ أَنَّ نِسْبَةَ الْعَالَمِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ، كَنِسْبَتِهِ إِلَى سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ; فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ ثَمَّةَ هُوَ إِرَادَةُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، فَكَذَا هَهُنَا.
(1/277)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[قول الأشعري: الاختلاف في ابتداء الوضع]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ إِبْطَالِ مَذْهَبِ عَبَّادٍ، شَرَعَ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْوَاضِعِ. اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْوَاضِعِ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: التَّوْقِيفِيُّ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ. فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَهَا، وَوَقَفَ عِبَادَهُ عَلَيْهَا بِأَنْ عَلَّمَهَا بِالْوَحْيِ، أَيْ أَفْهَمَهَا بِالْخِطَابِ أَوْ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ فِي جِسْمٍ مِنَ الْأَجْسَامِ، وَإِسْمَاعِ ذَلِكَ الْجِسْمِ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ، أَوْ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِي وَاحِدٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ، بِأَنَّ وَاضِعًا وَضَعَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ بِإِزَاءِ الْمَعَانِي. وَسُمِّيَ هَذَا الْمَذْهَبُ تَوْقِيفًا.
(1/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي: الِاصْطِلَاحِيُّ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْأَلْفَاظَ وَضَعَهَا الْبَشَرُ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ حَصَلَ تَعْرِيفُ الْبَاقِينَ بِالْإِشَارَاتِ، وَالْقَرَائِنِ، وَالتَّرْدِيدِ - وَهُوَ التَّكْرَارُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى - كَمَا حَصَلَ تَعْرِيفُ الْأَطْفَالِ بِالْإِشَارَاتِ وَالْقَرَائِنِ وَالتَّرْدِيدِ.
الثَّالِثُ: تَوْقِيفِيٌّ بَعْضُهُ وَالْبَاقِي مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يَكُونَ تَوْقِيفِيًّا أَوِ اصْطِلَاحِيًّا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَائِينِيِّ ; فَإِنَّهُ قَالَ: الْقَدْرُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ تَوْقِيفِيٌّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَالْبَاقِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفِيًّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحِيًّا.
وَالرَّابِعُ: عَكْسُ هَذَا. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْمَذْهَبِ تَمَسُّكٌ مُعْتَدٌّ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ.
وَالْخَامِسُ: التَّوَقُّفُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا: جَمِيعُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ وَالدَّلَائِلُ مُتَعَارِضَةٌ، وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهَا عَلَى الْبَاقِي تَرْجِيحًا يُفِيدُ الْقَطْعَ، فَلَمْ يَحْصُلِ الْجَزْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا. وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ [التَّوَقُّفِ] .
(1/279)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالدَّلَائِلُ عَلَى [الْمَذَاهِبِ] لَمْ تُفِدِ الْقَطْعَ.
لَكِنَّ دَلِيلَ مَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَهُوَ رَاجِحٌ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأُخَرِ مِنْ حَيْثُ إِفَادَتُهُ الظَّنَّ. فَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: ثُمَّ الظَّاهِرُ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ.
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ بَدَأَ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ اللُّغَاتِ لَوْ لَمْ تَكُنْ تَوْقِيفِيَّةً لَمْ تَكُنْ مُعَلَّمَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. وَالْمُلَازَمَةُ ظَاهِرَةٌ.
(1/280)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ مُعَلَّمَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَإِذَا ثَبَتَ التَّعْلِيمُ فِي الْأَسْمَاءِ، ثَبَتَ فِي الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ ; إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ.
وَلِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِالْأَسْمَاءِ وَحْدَهَا مُتَعَذَّرٌ، فَلَا بُدَّ مَعَ تَعْلِيمِ الْأَسْمَاءِ تَعْلِيمُ الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ.
وَأَيْضًا الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ أَسْمَاءٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَرْفَعُ الْمُسَمَّى إِلَى الْأَذْهَانِ، أَوْ تُتِمُّهُ. وَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النُّحَاةِ.
وَقَدِ اعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] ، أَنَّهُ تَعَالَى أَلْهَمَهُ الِاحْتِيَاجَ إِلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْعُلُومِ مَا لِأَجْلِهِ قُدِرَ عَلَى الْوَضْعِ. فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ التَّعْلِيمِ فِعْلًا يَصْلُحُ لِأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُصُولُ الْعِلْمِ، لَا إِيجَادُ الْعِلْمِ. فَلِذَلِكَ يُقَالُ: عَلَّمْتُهُ فَلَمْ يَتَعَلَّمْ. وَلَوْ كَانَ التَّعْلِيمُ إِيجَادَ الْعِلْمِ، لَمَا صَحَّ ذَلِكَ الْكَلَامُ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِلْهَامَ، وَلَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحَاتُ قَوْمٍ خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تِلْكَ الِاصْطِلَاحَاتِ السَّابِقَةَ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّعْلِيمِ إِيجَادُ الْعِلْمِ، لَا الْإِلْهَامُ. وَكَذَا الْأَصْلُ عَدَمُ اصْطِلَاحٍ سَابِقٍ. وَإِذَا كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
(1/281)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاعْتَرَضُوا أَيْضًا عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ قَالُوا: الْمُرَادُ مِنَ الْأَسْمَاءِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، هِيَ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ وَصِفَاتُهَا. وَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَ آدَمَ حَقِيقَةَ كُلِّ شَيْءٍ وَصِفَتَهُ. مِثْلَ أَنَّ الْخَيْلَ حَقِيقَتُهُ كَذَا وَأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ، وَالْجَمَلَ لِلْحَمْلِ، وَالثَّوْرَ لِلزَّرْعِ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحَقَائِقَ، لَا الْأَلْفَاظَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْحَقَائِقِ، وَفِيهَا ذَوُو عُقُولٍ، اخْتَارَ ضَمِيرَ الْعُقَلَاءِ تَغْلِيبًا لَهُمْ. فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْأَلْفَاظَ، لَقَالَ: ثُمَّ عَرَضَهَا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ، الْأَلْفَاظُ، لَا الْحَقَائِقُ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ. فَإِنَّهُ أَضَافَ الْأَسْمَاءَ إِلَى هَؤُلَاءِ. فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحَقَائِقَ، لَزِمَ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسَمَّيَاتِ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمُسَمَّيَاتِ، وَبَيْنَ كَوْنِ الْأَسْمَاءِ أَلْفَاظًا.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ} [الروم: 22] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللُّغَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَلْسِنَةِ، مَفْهُومَهَا الْحَقِيقِيَّ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ الْأَلْسُنِ، أَبْلَغُ وَأَجْمَلُ ; إِذْ الِاخْتِلَافُ فِي أَجْرَامِهَا لَا يَبْلُغُ إِلَى حَدٍّ يُسْتَغْرَبُ. فَإِذَنِ الْمُرَادُ اللُّغَاتُ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ. وَإِذَا كَانَتِ اللُّغَاتُ مَخْلُوقَةً، كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً.
وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ اللِّسَانَ اسْمٌ لِلْجَارِحَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنَّ التَّوْقِيفَ وَالْإِقْدَارَ عَلَى وَضْعِ اللُّغَاتِ مُتَسَاوِيَانِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً.
وَاللِّسَانُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى اللُّغَاتِ مَجَازًا، حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ التَّوْقِيفُ آيَةً، يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْقُدْرَةِ كَذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ الْإِقْدَارُ آيَةً: فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى اللُّغَاتِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى وَضْعِ اللُّغَاتِ.
ش - الْبَهْشَمِيَّةُ، أَيِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ اللُّغَاتِ كُلَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ أَنَّ
(1/282)

ص - الْبَهْشَمِيَّةُ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] دَلَّ عَلَى سَبْقِ اللُّغَاتِ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ. قُلْنَا: إِذَا كَانَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الَّذِي عُلِّمَهَا، انْدَفَعَ الدَّوْرُ.
ص - وَأَمَّا جَوَازُ أَنْ يَكُونَ التَّوْقِيفُ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ، أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ. فَخِلَافُ الْمُعْتَادِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللُّغَاتِ سَابِقَةٌ عَلَى بِعْثَةِ الرَّسُولِ، فَلَا تَكُونُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةً ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً يَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْوَحْي، فَيَتَقَدَّمُ الْبَعْثَةُ عَلَى اللُّغَاتِ السَّابِقَةِ عَلَى الْبَعْثَةِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الدَّوْرِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللُّغَاتِ تَوْقِيفِيَّةً، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ أَنْ لَوْ كَانَتِ اللُّغَاتُ سَابِقَةً عَلَى بَعْثَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى تَقَدُّمِ اللُّغَاتِ عَلَى بَعْثَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ لَهُمْ قَوْمٌ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِلِسَانِ قَوْمِهِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَعْثَةُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى اللُّغَاتِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ قَوْمٌ، فَيَنْدَفِعُ الدَّوْرُ.
لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اللُّغَاتِ بِالْوَحْي ثُمَّ عَلَّمَ آدَمُ غَيْرَهُ فَتَكُونُ اللُّغَاتُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ بَعْثَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَبَعْثَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ لَهُمْ قَوْمٌ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ اللُّغَاتِ، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
ش - هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى تَزْيِيفِ جَوَابٍ عَنْ دَلِيلِ الْبَهْشَمِيَّةِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ. وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللُّغَاتِ لَوْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الْبَعْثَةِ عَلَى اللُّغَاتِ.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ طَرِيقُ تَعْلِيمِهَا مُنْحَصِرَةً فِي الْوَحْيِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّوْقِيفُ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ فِي أَجْسَامٍ، كَمَا مَرَّ أَوْ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِي وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ بِأَنَّ اللُّغَاتِ مَوْضُوعَةٌ لِلْمَعَانِي.
وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ التَّعْلِيمَ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ أَوْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ خِلَافُ الْمُعْتَادِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فِي ذَاتِهِ ; إِذِ الْمُعْتَادُ فِي التَّعْلِيمِ هُوَ التَّفْهِيمُ بِالْخِطَابِ، وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ يُجْزَمُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ.
ش - قَالَ الْأُسْتَاذُ: الْقَدْرُ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ تَوْقِيفِيٌّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ [تَوْقِيفِيًّا] لَزِمَ الدَّوْرُ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
(1/284)

ص - الْأُسْتَاذُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ [تَوْقِيفِيًّا] لَزِمَ الدَّوْرُ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى اصْطِلَاحٍ سَابِقٍ. قُلْنَا: يُعْرَفُ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ، كَالْأَطْفَالِ.
ص - الرَّابِعُ: طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا: التَّوَاتُرُ فِيمَا لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ، كَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَالْآحَادُ فِي غَيْرِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/285)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ اصْطِلَاحِيًّا، لَاحْتِيجَ فِي تَعْلِيمِهَا إِلَى اصْطِلَاحٍ آخَرَ، سَابِقٍ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ الِاصْطِلَاحُ يُعْرَفُ بِاصْطِلَاحٍ آخَرَ، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَعُودَ إِلَى الْأَوَّلِ، ضَرُورَةَ تَنَاهِي الِاصْطِلَاحَاتِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ اصْطِلَاحِيًّا يَلْزَمُ الِاحْتِيَاجُ فِي تَعْلِيمِهَا إِلَى اصْطِلَاحٍ آخَرَ سَابِقٍ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَرَّفَ الِاصْطِلَاحُ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ، كَمَا يَعْرِفُ الْأَطْفَالُ لُغَةَ أَبَوَيْهِمْ بِهَا.
[الرَّابِعُ: طريق معرفة الموضوعات اللغوية]
ش - الْبَحْثُ الرَّابِعُ مِنْ مَبَادِئِ اللُّغَةِ فِي بَيَانِ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ ; لِأَنَّ الْأُمُورَ الْوَضْعِيَّةَ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهَا، بَلْ يَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا النَّقْلُ. وَهُوَ إِمَّا مُتَوَاتِرٌ - وَهُوَ فِي اللُّغَاتِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ - كَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَنَحْوِهِمَا فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّشْكِيكِ. وَإِمَّا آحَادٌ، وَهُوَ فِي اللُّغَاتِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ.
وَلُغَاتُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ أَكْثَرُهَا مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
[الْأَحْكَامُ]
[مقدمة الأحكام]
[الحسن والقبح في حكم الله]
ش - لَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنَ اللُّغَةِ، شَرَعَ فِيمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَرَتَّبَ الْكَلَامَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي حَاكِمًا وَمَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَمَحْكُومًا بِهِ.
الْأَوَّلُ فِي الْحَاكِمِ.
(1/286)

ص - الْأَحْكَامُ لَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ الْفِعْلَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَيُطْلَقُ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ: لِمُوَافَقَةِ الْغَرَضِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَلِمَا أَمَرَنَا بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالذَّمِّ، وَلِمَا لَا حَرَجَ [فِيهِ] وَمُقَابِلِهِ. وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا. [فَالْقُدَمَاءُ] : مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ. وَقَوْمٌ: بِصِفَةٍ. وَقَوْمٌ: بِصِفَةٍ فِي الْقَبِيحِ. وَالْجِبَائِيَّةُ: بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ.
ص - لَنَا: لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَمَا اخْتَلَفَ، وَقَدْ وَجَبَ الْكَذِبُ إِذَا كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ نَبِيٍّ، وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَغَيْرُهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْكُمَ فِي فِعْلٍ تَعَلَّقَ حُكْمُ اللَّهِ بِهِ، أَيْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ.
وَعِنْدَهُمْ يُطْلَقُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ: أَحَدُهَا الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِغَرَضِ الْفَاعِلِ، فَهُوَ الْحَسَنُ. وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِغَرَضِهِ فَهُوَ الْقَبِيحُ. وَنَعْنِي بِالْغَرَضِ مَا لِأَجْلِهِ يَصْدُرُ الْفِعْلُ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ. فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مُوَافِقًا لِشَخْصٍ وَمُخَالِفًا لِآخَرَ فَهُوَ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُوَافِقُهُ، وَقَبِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُخَالِفُهُ، فَيَكُونُ إِضَافِيًّا.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُطْلَقُ الْحُسْنُ لِفِعْلٍ أُمِرْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ، وَالْقُبْحُ لِفِعْلٍ أُمِرْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِ. وَهَذَا أَيْضًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ وُرُودِ الشَّرْعِ فِي الْأَفْعَالِ، فَيَكُونُ أَيْضًا إِضَافِيًّا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُطْلَقُ الْحَسَنُ لِفِعْلٍ لَا حَرَجَ عَلَى فَاعِلِهِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ، وَالْقَبِيحُ لِفِعْلٍ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ حَرَجٌ عَلَى فَاعِلِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَشْخَاصِ، فَيَكُونُ أَيْضًا إِضَافِيًّا.
وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ حَسَنًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ. وَهُوَ حَسَنٌ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
(1/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ أَمَرَ الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ. وَأَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الثَّالِثِ ; فَلِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ.
وَالْحَسَنُ بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَنَا الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ. وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ.
وَبِالتَّفْسِيرِ الثَّالِثِ يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ أَيْضًا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ.
وَالْقَبِيحُ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يَخْتَصُّ بِالْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ الشَّارِعُ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِ، وَفِي فِعْلِهِ حَرَجٌ. وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ ; لِأَنَّهُ [لَمْ يَأْمُرْ] الشَّرْعُ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِمَا وَلَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِمَا. فَالْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ لَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا [بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي] .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ عَقْلِيٌّ. وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَالْأَصْحَابُ قَالُوا: إِنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقُ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا. وَكَوْنُهُ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ حَرَجٌ أَوْ لَيْسَ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَلَا اسْتِقْلَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ.
(1/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ لِذَاتِهَا، قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا. فَمِنْهَا: مَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى حُسْنِهِ وَقُبْحِهِ بِالضَّرُورَةِ، كَحُسْنِ إِنْقَاذِ الْغَرْقَى وَقُبْحِ الْكَذِبِ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ.
وَمِنْهَا: مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، كَحُسْنِ الصِّدْقِ الَّذِي فِيهِ ضَرَرٌ، وَقُبْحِ الْكَذِبِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ.
وَمِنْهَا مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِالسَّمْعِ. كَحُسْنِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ. وَالشَّارِعُ كَاشِفٌ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، لَا مُوجِبٌ لَهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الذَّاتِيِّينَ اخْتَلَفُوا، فَقَالَتِ الْقُدَمَاءُ: لَيْسَ فِي الْفِعْلِ صِفَةٌ تَقْتَضِي حُسْنَهُ أَوْ قُبْحَهُ، بَلِ الْفِعْلُ يَقْتَضِي لِذَاتِهِ أَحَدَهُمَا.
(1/290)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ وَقُبْحَهُ لِأَجْلِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْفِعْلِ لَازِمَةٍ لَهُ تَقْتَضِي تِلْكَ الصِّفَةُ اللَّازِمَةُ حُسْنَ الْفِعْلِ أَوْ قُبْحَهُ.
مَثَلًا الزِّنَا قَبِيحٌ ; لِأَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَفْسَدَةِ اخْتِلَاطِ النَّسَبِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ تَعَهُّدِ الْأَوْلَادِ. وَالصَّوْمُ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ مُكَسِّرٌ لِلْقُوَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ تُوجِبُ قُبْحَهُ دُونَ الْفِعْلِ الْحَسَنِ ; فَإِنَّهُ لِذَاتِهِ يَقْتَضِي الْحُسْنَ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَفْسَدَةِ يَكُونُ قَبِيحًا، وَإِلَّا فَحَسَنًا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجِبَائِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: إِنَّ الْأَفْعَالَ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ، كَالْمُوَاقَعَةِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ بِلَا نِكَاحٍ وَلَا مِلْكٍ، فَإِنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ يَكُونُ حَسَنًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الِاشْتِبَاهُ أَصْلًا، كَانَ قَبِيحًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ مِنْ جَانِبٍ دُونَ آخَرَ فَهُوَ حَسَنٌ فِي حَقِّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، قَبِيحٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَحْرِيرِ الْمَبْحَثِ، احْتَجَّ بِالدَّلِيلَيْنِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَيْسَا بِذَاتِيَّيْنِ لِلْفِعْلِ.
الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الْفِعْلُ يَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ لِذَاتِهِ أَوْ لَوَصْفٍ هُوَ مُقْتَضَى ذَاتِهِ، لَمَا اخْتَلَفَ، أَيْ لَمَا صَارَ الْفِعْلُ الْحَسَنُ قَبِيحًا وَبِالْعَكْسِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ طَبِيعَةَ الْفِعْلِ إِذَا اقْتَضَى الْحُسْنَ لِذَاتِهِ أَوْ لِوَصْفٍ هُوَ مُقْتَضَاهُ، لَتَحَقَّقَ الْحُسْنُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الذَّاتِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا. وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَصِيرَ قَبِيحًا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي; فَلِأَنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَكُونُ حَسَنًا. وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِعِصْمَةِ نَبِيٍّ.
وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ وَالضَّرْبُ. وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْقَتْلُ لِلْقِصَاصِ وَالضَّرْبُ لِلْحَدِّ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ذَاتِيِّينَ لِلْفِعْلِ، لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي صِدْقِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، وَكَذَا فِي كَذِبِهِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكْذِبَ غَدًا أَوْ يَصْدُقَ.
(1/291)

وَأَيْضًا لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي صِدْقِ مَنْ قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، وَكَذِبِهِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَزِمَ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ زَائِدٌ عَلَى مَفْهُومِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تَعَقُّلُهُ، وَيَلْزَمُ وُجُودُهُ ; لِأَنَّ نَقِيضَهُ لَا حَسَنٌ، وَهُوَ سَلْبٌ، وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ حُصُولُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا، وَقَدْ وُصِفَ الْفِعْلُ بِهِ، فَيَلْزَمُ قِيَامُهُ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/292)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ يَلْزَمُ قُبْحُهُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وَحُسْنُهُ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِصِدْقِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ. وَالْمُسْتَلْزِمُ لِلْحَسَنِ حَسَنٌ، فَيَجْتَمِعُ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي الْحَسَنُ [وَاللَّا حَسَنُ،] وَهُوَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَلْزَمُ أَيْضًا حُسْنُ الْخَبَرِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ صِدْقٌ، وَقُبْحُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِكَذِبِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْقُدَمَاءِ. وَمَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ لِصِفَةٍ [ذَاتِيَّةٍ] تَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ.
وَلَا يَدُلَّانِ عَلَى إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْجِبَائِيَّةِ. وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. وَذَلِكَ لِأَنَّ عِصْمَةَ النَّبِيِّ قَدْ تَحْصُلُ بِدُونِ الْكَذِبِ بِأَنْ تَأْتِيَ بِصُورَةِ الْإِخْبَارِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ، أَوْ مَعَ قَصْدٍ إِلَيْهِ وَلَكِنْ مَعَ التَّعْرِيضِ.
ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ عِصْمَةُ النَّبِيِّ إِلَّا مَعَ الْكَذِبِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَذِبَ حَسَنٌ هَهُنَا. وَكَوْنُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ حَسَنًا لَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الْكَذِبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ.
(1/293)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِصُورَةِ الْإِخْبَارِ عَلَى وَجْهٍ يُفْهِمُ الْخَبَرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى الْإِخْبَارِ، أَمْرٌ لَا يُعْقَلُ وَلَا يُتَصَوَّرُ. وَلِأَنَّ فَهْمَ الْمَعْنَى يَتَعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ.
وَأَمَّا التَّعْرِيضُ فَرُبَّمَا لَمْ يُفِدْ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ صَرِيحُ الْإِخْبَارِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " كَوْنُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ حَسَنًا لَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الْكَذِبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ " فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ مَا لَا يَحْصُلُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَقْلًا عِنْدَهُمْ.
وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا: لِمَ لَا يَجُوزُ اقْتِضَاءُ الشَّيْءِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ بِحَسَبَ شَرْطَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ. فَإِنَّ الْجِسْمَ إِذَا كَانَ فِي حَيِّزِهِ يَقْتَضِي السُّكُونَ وَفِي غَيْرِهِ يَقْتَضِي الْحَرَكَةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِوَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ، يَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ. وَالشَّرْطَانِ الْمُتَنَافِيَانِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصْفًا لَازِمًا لَهُ ; لِأَنَّ اللَّازِمَ يَمْتَنِعُ انْفِكَاكُ الشَّيْءِ عَنْهُ.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّ الْقُبْحَ وَالْحُسْنَ لَيْسَا بِذَاتِيِّينَ لِلْفِعْلِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْحُسْنُ ذَاتِيًّا لِلْفِعْلِ، لَزِمَ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى، أَيْ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ زَائِدًا عَلَيْهِ لَكَانَ نَفْسَهُ أَوْ دَاخِلًا فِيهِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلَانِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تَعَقُّلُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّا قَدْ نَعْقِلُ الْفِعْلَ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِنَا أَنَّهُ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ، فَيَثْبُتُ أَنَّ الْحُسْنَ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ.
وَيَلْزَمُ وُجُودُهُ، أَيْ يَكُونُ الْحُسْنُ الَّذِي هُوَ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ مَوْجُودًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَقِيضَهُ لَا حَسَنٌ، وَهُوَ سَلْبٌ، أَيْ مَعْدُومٌ ; لِأَنَّ الْحُسْنَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا اسْتَلْزَمَ وُجُودُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا يَقُومُ بِهِ. وَإِذَا اسْتَلْزَمَ مَحَلًّا مَوْجُودًا امْتَنَعَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْدُومِ. لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْدُومِ ; إِذْ يُقَالُ: الْمَعْدُومُ لَا حَسَنٌ.
فَثَبَتَ أَنَّ الْحُسْنَ سَلْبٌ، فَيَكُونُ الْحُسْنُ مَوْجُودًا ; لِأَنَّ أَحَدَ النَّقِيضَيْنِ إِذَا كَانَ سَلْبًا يَكُونُ النَّقِيضُ الْآخَرُ مَوْجُودًا، وَإِلَّا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُ النَّقِيضَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْحُسْنَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا لِلْفِعْلِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ التَّقْدِيرِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
(1/294)

ص - وَاعْتَرَضَ بِإِجْرَائِهِ فِي الْمُمْكِنِ. وَ [بِأَنَّ] الِاسْتِدْلَالَ بِصُورَةِ النَّفْيِ عَلَى الْوُجُودِ دَوْرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثُبُوتِيًّا أَوْ مُنْقَسِمًا، فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: فِعْلُ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ، فَلَا يَكُونُ حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا لِذَاتِهِ إِجْمَاعًا. لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ - لَازِمًا فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا - فَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ - عَادَ التَّقْسِيمُ وَإِلَّا فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/295)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْحُسْنَ لَوْ كَانَ مَعْدُومًا، اسْتَحَالَ إِسْنَادُهُ إِلَى الذَّوَاتِ ; لِأَنَّ السَّلْبَ لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُسْنَ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ، مَوْجُودٌ، لَزِمَ قِيَامُ الْعَرَضِ - وَهُوَ الْحَسَنُ - بِالْعَرَضِ، وَهُوَ الْفِعْلُ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِمَا بَيَّنَ فِي الْكَلَامِ مِنِ امْتِنَاعِ قِيَامِ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ.
ش - اعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ بِنِقْضَيْنِ إِجْمَالِيٍّ وَتَفْصِيلِيٍّ. أَمَّا الْإِجْمَالِيُّ فَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: كُلٌّ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمْ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ مَوْجُودٌ، غَيْرُ صَحِيحٍ بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهُ فِي الْمُمْكِنِ عَلَى أَنَّ الْإِمْكَانَ مَوْجُودٌ.
(1/296)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ [فَبِأَنْ] يُقَالَ: الْإِمْكَانُ ثُبُوتِيٌّ ; لِأَنَّ نَقِيضَهُ لَا إِمْكَانَ، وَهُوَ سَلْبٌ، وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ حُصُولُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْدُومِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا الثَّانِي [فَبِأَنْ] يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ الْإِمْكَانَ ثُبُوتِيًّا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَدَمِيًّا لَمْ يَكُنْ وَصْفًا ذَاتِيًّا لِلْمُمْكِنِ.
فَلَوْ كَانَ صَحِيحًا بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ يَلْزَمُ كَوْنُ الْإِمْكَانِ ثُبُوتِيًّا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ [فَبِأَنْ] يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُسْنَ ثُبُوتِيٌّ. قَوْلُهُ: لِأَنَّ نَقِيضَهُ - وَهُوَ لَا حَسَنٌ - سَلْبٌ.
قُلْنَا: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِمُجَرَّدِ صُورَةِ السَّلْبِ - وَهُوَ قَوْلُنَا: " لَا حَسَنٌ " - عَلَى وُجُودِ نَقِيضِهِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: حَسَنٌ.
فَمَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْحَسَنِ مَوْجُودًا، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ نَفْيُهُ - وَهُوَ لَا حَسَنٌ - مَعْدُومًا.
فَلَوْ أَثْبَتْنَا وُجُودَ الْحُسْنِ، يَكُونُ سَلْبُهُ عَدَمِيًّا، يَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْحُسْنِ مَوْجُودًا، لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ الْحُسْنِ عَدَمِيًّا ; لِأَنَّ صُورَةَ النَّفْيِ قَدْ تَكُونُ ثُبُوتِيَّةً، كَقَوْلِنَا: لَا مَعْدُومٌ، فَإِنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي هُوَ صُورَةُ النَّفْيِ، لَا يَكُونُ إِلَّا مَوْجُودًا.
(1/297)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدْ يَكُونُ مُنْقَسِمًا إِلَى الثُّبُوتِيِّ وَالْعَدَمِيِّ، كَالِامْتِنَاعِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْمُمْكِنِ الْمَوْجُودِ وَيَصْدُقُ عَلَى الْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ.
وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ صُورَةُ النَّفْيِ ثُبُوتِيَّةً أَوْ مُنْقَسِمَةً إِلَى الثُّبُوتِيِّ وَالْعَدَمِيِّ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ نَقِيضِهِ مَوْجُودًا لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ عَدَمِيًّا، فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِدْلَالُ بِمُجَرَّدِ صُورَةِ النَّفْيِ كَوْنَ الْحُسْنِ مَوْجُودًا.
أَقُولُ: النَّقْضُ التَّفْصِيلِيُّ الْمَذْكُورُ مُخْتَصٌّ بِالْأَوَّلِ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ مَوْجُودٌ.
وَأَمَّا النَّقْضُ التَّفْصِيلِيُّ لِلدَّلِيلِ الثَّانِي [فَهُوَ أَنْ] يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُسْنَ لَوْ كَانَ عَدَمِيًّا لَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا لِلْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: " لِأَنَّ الْعَدَمِيَّ لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ لِلشَّيْءِ ". قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ; فَإِنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِاتِّصَافِهِ بِنَقِيضِ مُبَايِنِهِ ; فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِاتِّصَافِهِ بِكَوْنِهِ لَا فَرَسًا.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَيْسَا بِذَاتِيِّينَ لِلْفِعْلِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِمُخْتَارٍ، لَا يَكُونُ حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا لِذَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ فِعْلُ الْعَبْدِ حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا لِذَاتِهِ.
أَمَّا الْكُبْرَى فَبِالْإِجْمَاعِ ; فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْحُسْنِ الْعَقْلِيِّ وَقُبْحِهِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْفِعْلَ إِنَّمَا يَكُونُ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا إِذَا صَدَرَ عَنِ اخْتِيَارٍ.
وَالْمُصَنِّفُ قَدْ حَذَفَ الْكُبْرَى وَأَشَارَ إِلَى صِدْقِهَا بِقَوْلِهِ: " إِجْمَاعًا ". وَأَمَّا بَيَانُ الصُّغْرَى فَلِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ إِنْ كَانَ لَازِمًا، أَيْ لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَرْكِهِ، فَوَاضِحٌ كَوْنُهُ غَيْرَ مُخْتَارٍ ; لِأَنَّ مَا لَا يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ تَرْكِهِ، يَكُونُ صُدُورُهُ عَنْهُ ضَرُورِيًّا، وَالضَّرُورِيُّ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا.
وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، أَيْ يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ تَرْكِهِ، فَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهِ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْفِعْلَ مَعَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَوْ جَائِزًا، فَإِنْ كَانَ لَازِمًا، ثَبَتَ كَوْنُهُ ضَرُورِيًّا، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عَادَ التَّقْسِيمُ. فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَا لَا يَكُونُ لَازِمًا فَيَكُونُ ضَرُورِيًّا أَوْ إِلَى مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى مُرَجِّحٍ فَيَكُونُ اتِّفَاقِيًّا، أَوْ يَتَسَلْسَلُ، وَهُوَ مُحَالٌ.
" وَإِلَّا " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرِ الْفِعْلُ إِلَى مُرَجِّحٍ فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ; لِأَنَّ صُدُورَ الْفِعْلِ حِينَئِذٍ فِي زَمَانٍ دُونَ آخَرَ لَا لِمُرَجِّحٍ مَعَ إِمْكَانِ صُدُورِهِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، يَكُونُ اتِّفَاقِيًّا.
ش - ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا ضَعْفَ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ جَدَلِيَّةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَحْقِيقَ الْحَقِّ فِي مُرَجِّحِ الْفِعْلِ.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُ اسْتِدْلَالٌ عَلَى مَا عُلِمَ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ، فَيَكُونُ تَشْكِيكًا فِي الضَّرُورِيَّاتِ، وَالتَّشْكِيكُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: اسْتِدْلَالٌ عَلَى مَا عُلِمَ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ ; لِأَنَّا نَجِدُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الضَّرُورِيَّةِ وَالِاخْتِيَارِيَّةِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. فَإِنَّ الْأَفْعَالَ الضَّرُورِيَّةَ تَصْدُرُ عَنِ الْعَبْدِ، وَإِنْ أَبَى عَنْهُ، كَحَرَكَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى أَسْفَلَ بِالْقَسْرِ. وَالِاخْتِيَارِيَّةُ لَا تَصْدُرُ عَنْهُ إِنْ أَبَى، كَحَرَكَتِهِ بِالْإِرَادَةِ فِي السُّطُوحِ الْمُسْتَوِيَةِ. فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ، اسْتِدْلَالٌ عَلَى مَا عُلِمَ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ
(1/298)

ص - وَهُوَ ضَعِيفٌ [فَإِنَّا] نُفَرِّقُ بَيْنَ الضَّرُورِيَّةِ وَالِاخْتِيَارِيَّةِ ضَرُورَةً. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْبَارِي. وَأَنْ لَا يُوصَفَ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ شَرْعًا. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالِاخْتِيَارِ.
ص - وَعَلَى الْجِبَائِيَّةِ: لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِغَيْرِ الطَّلَبِ - لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ لِنَفْسِهِ ; لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ.
ص - وَأَيْضًا لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ أَوْ صِفَتِهِ - لَمْ يَكُنِ الْبَارِي مُخْتَارًا فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمَرْجُوحِ عَلَى خِلَافِ الْمَعْقُولِ، فَيَلْزَمُ الْآخَرُ، فَلَا اخْتِيَارَ.
ص - وَمِنَ السَّمْعِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} [الإسراء: 15] حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا لِاسْتِلْزَامِ مَذْهَبِهِمْ خِلَافَهُ.
ص - قَالُوا: حُسْنُ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَالْإِيمَانُ، وَقُبْحُ الْكَذِبِ الضَّارِّ وَالْكُفْرَانُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عُرْفٍ أَوْ شَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَالْجَوَابُ: الْمَنْعُ. [بَلْ] بِمَا ذَكَرَ.
ص - قَالُوا: إِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ مُقَدَّرٍ - آثَرَ الْعَقْلُ الصِّدْقَ.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَقْدِيرُ مُسْتَحِيلٍ، فَلِذَلِكَ يُسْتَبْعَدُ مَنْعُ إِيثَارِ الصِّدْقِ. وَلَوْ سَلَّمَ [فَلَا يَلْزَمُ] فِي الْغَائِبِ ; لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَمْكِينُ الْعَبْدِ مِنَ الْمَعَاصِي وَيَقْبُحُ مِنَّا.
ص - قَالُوا لَوْ كَانَ شَرْعِيًّا - لَزِمَ إِفْحَامُ الرُّسُلِ، فَيَقُولُ لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ النَّظَرُ وَيَعْكِسُ، أَوْ لَا يَجِبُ حَتَّى يُثْبِتَ الشَّرْعُ وَيَعْكِسَ.
ص - وَالْجَوَابُ أَنَّ وُجُوبَهُ عِنْدَهُمْ نَظَرِيٌّ، فَنَقُولُهُ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِهِ. وَلَوْ سُلِّمَ - فَالْوُجُوبُ بِالشَّرْعِ نُظِرَ أَوْ لَمْ يُنْظَرْ، ثَبَتَ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ ذَلِكَ - لَجَازَتِ الْمُعْجِزَةُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَلَامْتَنَعَ [الْحُكْمُ] بِقُبْحِ نِسْبَةِ الْكَذِبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَبْلَ السَّمْعِ وَالتَّثْلِيثِ وَأَنْوَاعِ الْكُفْرِ مِنَ الْعَالَمِ [بِخِلَافِهِ] .
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ إِنِ امْتَنَعَ فَلِمُدْرِكٍ آخَرَ. وَالثَّانِي [مُلْتَزِمٌ] إِنْ أُرِيدَ [بِهِ] التَّحْرِيمُ الشَّرْعِيُّ.
ص - (مَسْأَلَتَانِ) عَلَى التَّنَزُّلِ.
ص - الْأُولَى: شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَيْسَ [بِوَاجِبٍ] عَقْلًا ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ - لَوَجَبَ لِفَائِدَةٍ، وَإِلَّا كَانَ عَبَثًا، وَهُوَ قَبِيحٌ.
وَلَا فَائِدَةَ لِلَّهِ تَعَالَى لِتَعَالِيهِ عَنْهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُخْتَارٍ، صَحِيحًا، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُخْتَارٍ ; لِأَنَّ التَّرْدِيدَ الْمَذْكُورَ يَطَّرِدُ فِيهِ، بِأَنْ يُقَالَ: فِعْلُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَوْ جَائِزًا. وَالْأَوَّلُ يَكُونُ ضَرُورِيًّا، وَالثَّانِي إِنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ. لَكِنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاخْتِيَارِ اتِّفَاقًا، فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ صَحِيحًا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا، لَزِمَ أَنْ لَا يُوصَفَ فِعْلُ الْعَبْدِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ شَرْعًا ; لِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ لِمَا ذَكَرْتُمْ، وَغَيْرُ الْمُخْتَارِ لَا يَتَّصِفُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ شَرْعًا بِالْإِجْمَاعِ.
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ نَقْضٌ إِجْمَالِيٌّ لِلِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ جَائِزٌ صُدُورُهُ عَنْهُ وَلَا صُدُورُهُ، نَظَرًا إِلَى ذَاتِ الْفِعْلِ، وَتَرْجِيحُ صُدُورِهِ عَلَى لَا صُدُورِهِ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَعِنْدَ تَعَلُّقِ اخْتِيَارِهِ بِالْفِعْلِ يَكُونُ لَازِمًا. وَاللُّزُومُ بِاخْتِيَارِهِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْفِعْلِ مُخْتَارًا ; لِأَنَّ لُزُومَ صُدُورِ الْفِعْلِ عَنِ الْعَبْدِ بِشَرْطِ تَعَلُّقِ الِاخْتِيَارِ بِهِ، لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ إِبْطَالَ الْمَذْهَبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لِلْمُعْتَزِلَةِ، شَرَعَ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْجِبَائِيَّةِ.
(1/301)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ حُسْنُ الْفِعْلِ وَقُبْحُهُ لِغَيْرِ نَفْسِ الطَّلَبِ، مِنَ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الْعَارِضَةِ لِلْفِعْلِ بِالْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ طَلَبِ الْفِعْلِ لِنَفْسِ الْفِعْلِ، بَلِ التَّعَلُّقُ لِأَجْلِ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّ التَّعَلُّقَ حِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ الزَّائِدِ عَلَى الْفِعْلِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي فَلِأَنَّ التَّعَلُّقَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الطَّلَبِ وَالْفِعْلِ، وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ إِلَّا عَلَى حُصُولِهِمَا. وَالطَّلَبُ قَدِيمٌ. فَإِذَا حَصَلَ الْفِعْلُ تَعَلَّقَ الطَّلَبُ بِهِ، سَوَاءٌ عَرَضَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارُ لِلْفِعْلِ أَوْ لَمْ يَعْرِضْ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الطَّلَبِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ إِلَّا عَلَى الطَّلَبِ وَالْفِعْلِ، لَكِنَّ نَفْسَ الطَّلَبِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ لِلْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلْحُسْنِ أَوِ الْقُبْحِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الطَّلَبَ، أَعْنِي الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدِيمٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا بَيَّنَ فِي الْكَلَامِ. وَالْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُسْنِ أَوِ الْقُبْحِ حَادِثَةٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَوَقُّفُ الْقَدِيمِ عَلَى الْحَادِثِ. بَلِ التَّوَقُّفُ إِمَّا يَكُونُ لِلتَّعَلُّقِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْجِهَةِ مُوجِبَةً لِلْحُسْنِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ تَكُنِ الْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُسْنِ، لَمْ يَحْصُلْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلَبَ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ التَّعَلُّقُ إِلَّا عَلَى الطَّلَبِ وَالْفِعْلِ. لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ إِذَا كَانَ عَلَى الْجِهَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُسْنِ.
(1/302)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيَكُونُ التَّعَلُّقُ الَّذِي هُوَ [نِسْبَةٌ] يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفِعْلِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ. فَمَا لَمْ يُوجَدْ تِلْكَ الْجِهَةُ لَمْ يَحْصُلْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ دَلِيلًا أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلًا مُتَنَاوِلًا لِإِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ جَمِيعًا. فَقَالَ: لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِصِفَةٍ لَهُ لَازِمَةٍ، أَوِ اعْتِبَارِيَّةٍ عَارِضَةٍ، لَمْ يَكُنِ الْبَارِي تَعَالَى مُخْتَارًا فِي الْحُكْمِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْفِعْلَ الْحَسَنَ يَكُونُ حِينَئِذٍ رَاجِحًا عَلَى الْقَبِيحِ فِي أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِحُكْمِ الْوُجُوبِ، وَالْفِعْلُ الْقَبِيحُ يَكُونُ رَاجِحًا عَلَى الْحُسْنِ فِي أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِحُكْمِ التَّحْرِيمِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِمَا هُوَ غَيْرُ رَاجِحٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، أَوْ مُتَعَلِّقًا بِمَا هُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ، وَهُوَ خِلَافٌ صَرِيحُ الْحُكْمِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَا هُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ تُعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالرَّاجِحِ ضَرُورِيًّا لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا فِي حُكْمِهِ.
(1/303)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِمَا هُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، أَنْ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ اخْتِيَارِيًّا ; فَإِنَّ الْمُخْتَارَ الْحَكِيمَ يَخْتَارُ مَا يَكُونُ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُعَلَّلُ بِالْحِكَمِ وَالْأَغْرَاضِ، كَمَا بَيَّنَ فِي الْكَلَامِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْأَصْحَابِ عَلَى نَفْيِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّمْعِ.
تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} [الإسراء: 15] حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يَقْتَضِي نَفْيَ التَّعْذِيبِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ إِلَى غَايَةِ الْبَعْثَةِ.
وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ تَارِكِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَمُبَاشَرَةِ بَعْضِهَا قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ ; لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ.
وَالْحُسْنُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا، وَالْقُبْحُ فِي بَعْضِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ حَرَامًا، فَيَكُونُ بَعْضُ الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَاجِبًا وَبَعْضُهَا حَرَامًا. فَمَنْ تَرَكَ الْبَعْضَ الْوَاجِبَ أَوْ بَاشَرَ الْبَعْضَ الْمُحَرَّمَ عُذِّبَ ; لِأَنَّ
(1/304)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْوَاجِبَ: مَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الْعَذَابَ، وَالْحَرَامُ: مَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْعَذَابَ.
فَالتَّعْذِيبُ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ لَازِمٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْآيَةِ، فَيَكُونُ مَذْهَبُهُمْ مُسْتَلْزِمًا لِخِلَافِ مُقْتَضَى الْآيَةِ، أَيْ لِمَنَافِيهِ. وَإِذَا كَانَ اللَّازِمُ مُنَافِيًا لِشَيْءٍ يَكُونُ الْمَلْزُومُ مُنَافِيًا لَهُ، فَيَكُونُ مَذْهَبُهُمْ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى الْآيَةِ. وَمُقْتَضَى الْآيَةِ ثَابِتٌ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ مَذْهَبِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّعْذِيبَ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا لَازِمٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، بَلِ اسْتِحْقَاقُ التَّعْذِيبِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِهَا وَتَرْكِ بَعْضِهَا يَكُونُ لَازِمًا لِمَذْهَبِهِمْ، وَاسْتِحْقَاقُ التَّعْذِيبِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعَذَابَ ; لِجَوَازِ الْعَفْوِ، فَلَا يَكُونُ مَذْهَبُهُمْ مُسْتَلْزِمًا لِمَا هُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْآيَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ تَعْذِيبَ الْعَبْدِ عَلَى ارْتِكَابِ الصَّغَائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَعَلَى الْكَبَائِرِ بَعْدَهَا وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ التَّعْذِيبُ لَازِمًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ.
ش - هَذَا دَلِيلُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ذَاتِيَّيْنِ لِلْفِعْلِ.
(1/305)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: حُسْنُ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَالْإِيمَانُ وَقُبْحُ الْكَذِبِ الضَّارِّ وَالْكُفْرَانُ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] لِكُلِّ عَاقِلٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عُرْفٍ أَوْ شَرْعٍ، أَوْ بُرْهَانٍ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُسْنُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَقُبْحُهَا ذَاتِيَّيْنِ لَهَا، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ذَاتِيَّيْنِ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَا ذَاتِيَّيْنِ لِجَمِيعِهَا ; إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.
وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ عَدَمُ حُسْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَقُبْحِهَا بِمَا ذَكَرَ، أَيِ الْعُرْفِ، أَوِ الشَّرْعِ، أَوِ الْبُرْهَانِ. لِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنْفُسَنَا خَالِيَةً عَنْ مُوجِبَاتِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ وَالْبُرْهَانِ، وَعَرَضْنَا هَذِهِ الْأُمُورَ عَلَى أَنْفُسِنَا، لَمْ يَحْصُلْ لَنَا جَزْمٌ بِحُسْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَلَا بِقُبْحِهَا.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ذَاتِيَّانِ لِلْفِعْلِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا اسْتَوَيَا، أَيِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ فِي الْمَقْصُودِ، أَيْ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِغَرَضِ الْعَاقِلِ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا صِدْقًا وَالْآخَرِ كَذِبًا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ
(1/306)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَنْ كُلِّ مُقَدَّرٍ مِنْ شَرْعٍ أَوْ عُرْفٍ أَوْ بُرْهَانٍ آثَرَ الْعَقْلُ الصِّدْقَ. فَلَوْلَا أَنَّ الصِّدْقَ لِذَاتِهِ يَقْتَضِي الْحُسْنَ لَمَا آثَرَهُ الْعَقْلُ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ تَقْدِيرَ اسْتِوَاءِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْغَيْرِ تَقْدِيرُ مُسْتَحِيلٍ ; لِأَنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ مُتَنَافِيَانِ. وَمِنَ الْمُحَالِ تَسَاوِي الْمُتَنَافِيَيْنِ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ.
فَلِذَلِكَ، أَيْ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الْمُسْتَحِيلِ يَسْتَبْعِدُ الْعَقْلُ مَنْعَ إِيثَارِ الصِّدْقِ، [لَا يَلْزَمُ] مِنِ اسْتِبْعَادِ الْعَقْلِ مَنْعُ إِيثَارِ الصِّدْقِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ اسْتِبْعَادُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ مُمْكِنٌ. فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى حُسْنِ الصِّدْقِ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ، فَلَا نُسَلِّمُ حُسْنَهُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ ; إِذْ لَا يُسْتَبْعَدُ مِنْهُ إِيثَارُ الصِّدْقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَائِبِ. وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لِلْأَفْعَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْكَامِ اللَّهِ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ حُسْنِ
(1/307)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الصِّدْقِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، الَّذِي هُوَ الْغَائِبُ، عَلَى حُسْنِ الصِّدْقِ فِي الشَّاهِدِ. فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَمْكِينُ الْعَبْدِ مِنَ الْمَعَاصِي ; لِأَنَّهُ وَاقِعٌ، وَلَوْ كَانَ قَبِيحًا لَمْ يَقَعْ ; لِامْتِنَاعِ صُدُورِ الْقَبِيحِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْبُحُ مِنَّا تَمْكِينُ الْغَيْرِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.
وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ قَبِيحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، غَيْرَ قَبِيحٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْ قِيَاسُ حُسْنِ الصِّدْقِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حُسْنِهِ فِي حَقِّنَا.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ غَيْرُ شَرْعِيَّيْنِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ شَرْعِيَّيْنِ لَزِمَ إِفْحَامُ الرُّسُلِ أَيْ عَدَمُ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ وَقَالَ لِلْمُعَانِدِ: انْظُرْ فِي مُعْجِزَتِي حَتَّى يَظْهَرَ لَكَ صِدْقُ دَعْوَايَ. فَيَقُولُ الْمُعَانِدُ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ النَّظَرُ عَلَيَّ فِي مُعْجِزَتِكَ.
وَيَعْكِسُ أَيْ وَيَعْكِسُ الْمُعَانِدُ وَيَقُولُ: وَلَا يَجِبُ النَّظَرُ عَلَيَّ
(1/308)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِلَّا بِنَظَرِي فِي مُعْجِزَتِكَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وُجُوبُ النَّظَرِ شَرْعِيًّا، فَيَتَوَقَّفُ وُجُوبُ النَّظَرِ عَلَى ثُبُوتِ الشَّرْعِ، وَثُبُوتُ الشَّرْعِ عَلَى ثُبُوتِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فِي دَعْوَاهُ، وَثُبُوتُ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمُعْجِزَةِ. وَحِينَئِذٍ يَقُولُ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ لِئَلَّا يَثْبُتَ نُبُوَّتُكَ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الرَّسُولُ مِنْ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ فَيَلْزَمُ الْإِفْحَامُ.
أَوْ يَقُولُ الْمُعَانِدُ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ النَّظَرُ عَلَيَّ وَلَا يَجِبَ عَلَيَّ النَّظَرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يُثْبِتَ الشَّرْعُ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ الْوُجُوبِ عَلَى الشَّرْعِ حِينَئِذٍ وَيَعْكِسُ الْمُعَانِدُ وَيَقُولُ: وَلَا يُثْبِتُ الشَّرْعُ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ النَّظَرُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِنَظَرِي فِي مُعْجِزَتِكَ، وَلَا أَنْظُرُ فِيهَا مَا لَمْ يَجِبِ النَّظَرُ فَيَلْزَمُ الْإِفْحَامُ أَيْضًا.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا بِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ أَيْ يَلْزَمُ مِنْهُ إِفْحَامُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَقْلِيَّيْنِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّظَرِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ نَظَرِيٌّ، لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ الْمُعَانِدُ لِلنَّبِيِّ: لَا أَنْظُرُ فِي
(1/309)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ عَلَيَّ النَّظَرُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيَّ النَّظَرُ فِي مُعْجِزَتِكَ إِلَّا بِنَظَرِي، فَلَا أَنْظُرُ لِئَلَّا يَجِبَ عَلَيَّ النَّظَرُ. فَيَلْزَمُ الْإِفْحَامُ. وَكُلَّمَا تَجْعَلُ الْمُعْتَزِلَةُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ جَوَابُنَا عَمَّا ذَكَرُوهُ.
وَثَانِيًا: بِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُعْجِزَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ ; لِإِمْكَانِ أَنْ يَنْظُرَ الْعَاقِلُ قَبْلَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّظَرَ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ، فَوُجُوبُ النَّظَرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالشَّرْعِ عِنْدَنَا، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرِ الْعَاقِلِ فِي الْمُعْجِزَةِ.
فَوُجُوبُ النَّظَرِ عَلَى الْعَاقِلِ مُتَحَقِّقٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، سَوَاءٌ نَظَرَ أَوْ لَمْ يَنْظُرْ، ثَبَتَ الشَّرْعُ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ تَكْلِيفٌ لِلْغَافِلِ عَنْ وُجُوبِ الْمُكَلَّفِ بِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِلضَّرُورَةِ. فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِلْزَامَ مُشْتَرَكٌ ; فَإِنَّ وُجُوبَ النَّظَرِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِنْ كَانَ نَظَرِيًّا لَكِنْ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الْجَلِيَّةِ الَّتِي تُسَمَّى نَظَرِيَّةَ الْقِيَاسِ ; فَإِنَّ النَّظَرَ يَحْصُلُ بِهِ دَفْعُ الضَّرَرِ، وَكُلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ دَفْعُ الضَّرَرِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَهَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ قَطْعِيَّتَانِ، وَانْسِيَاقُ الذِّهْنِ مِنْهَا إِلَى النَّتِيجَةِ انْسِيَاقٌ طَبِيعِيٌّ، فَهُوَ وَاضِحٌ يَجْرِي مَجْرَى الضَّرُورِيَّاتِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَذَلِكَ لَيْسَ بِجَلِيٍّ بَلْ خَفِيٌّ. وَلِذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي [أَنَّ] النَّظَرَ فِي الْإِلَهِيَّةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوِ الظَّنَّ.
(1/310)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنَّ النَّظَرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ لَوْ عُرِفَ أَنَّ غَيْرَ النَّظَرِ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ. وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ الدَّقِيقِ. وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ النَّظَرِ مَوْقُوفًا عَلَى ذَيْنِكَ الْمَقَامَيْنِ النَّظَرِيَّيْنِ، فَالْحُكْمُ بِكَوْنِهِ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الْجَلِيَّةِ مِنْ قَبِيلِ الْمُكَابَرَةِ.
ش - قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ لَيْسَا بِشَرْعِيَّيْنِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا شَرْعِيَّيْنِ لَجَازَ ظُهُورُ الْمُعْجِزَةِ مِنَ الْكَاذِبِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَا شَرْعِيَّيْنِ لَحَسُنَ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَلَوْ حَسُنَ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ لِحَسُنَ مِنْهُ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَظْهَرَ الْمُعْجِزَةُ مِنْهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَا شَرْعِيَّيْنِ لَامْتَنَعَ الْحُكْمُ مِنَ الْعَالَمِ قَبْلَ ظُهُورِ
(1/311)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الشَّرْعِ بِقُبْحِ نِسْبَةِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِقُبْحِ التَّثْلِيثِ، وَبِقُبْحِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ مِنَ الْعَالِمِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِحُكْمِ الْعَقْلِ حِينَئِذٍ وَلَمْ تَظْهَرِ الشَّرِيعَةُ بَعْدُ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّ الْعُقَلَاءَ يَحْكُمُونَ بِقُبْحِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأُمُورِ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالْجَوَازِ، الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ امْتِنَاعًا ذَاتِيًّا، فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي ; فَإِنَّ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِالْجَوَازِ، الْجَوَازُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ فَلَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ شَرْعِيَّيْنِ، وَامْتِنَاعُ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ يُدْرَكُ بِمُدْرَكٍ آخَرَ غَيْرِ الْقُبْحِ الذَّاتِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّا نَعْلَمُ امْتِنَاعَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ بِالْعَادَةِ.
(1/312)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّا لَا نُسَلِمُّ انْتِفَاءَ التَّالِي أَيْضًا، إِنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ بِقُبْحِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْحُكْمُ بِتَحْرِيمِهَا بِحَسَبِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّا نَلْتَزِمُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِقُبْحِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِحَسْبِ الشَّرْعِ قَبْلَ ظُهُورِ الشَّرِيعَةِ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْحُكْمُ بِتَحْرِيمِهِ بِحَسْبِ الْعَقْلِ فَلَا مَجَالَ لَهُ عِنْدَنَا ; إِذْ لَا نَقُولُ بِهِ.
[مَسْأَلَتَانِ عَلَى التَّنَزُّلِ]
ش - اعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا، وَحُكْمَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ نَوْعَانِ عَلَى ثُبُوتِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَبُطْلَانُهَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُمَا. إِلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ عَادَتُهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا تِلْكَ الْقَاعِدَةَ وَيُثْبِتُوا إِبْطَالَ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ إِظْهَارًا لِسُقُوطِ كَلَامِهِمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. فَلِهَذَا يُقَالُ لِهَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ مَسْأَلَتَانِ عَلَى التَّنَزُّلِ.
وَمَعْنَى التَّنَزُّلِ هَهُنَا: الِانْتِقَالُ مِنْ [مَذْهَبِ] الْحَقِّ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةٍ إِلَى مَذْهَبِهِمُ الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الِانْخِفَاضِ.
[وجوب شكر المنعم]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَقْلًا. وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْقُوَى وَالْأَعْضَاءِ، ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً مُدْرَكَةً وَمُحَرَّكَةً، فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَجْلِهِ، كَاسْتِعْمَالِ النَّظَرِ فِي مُشَاهَدَةِ مَصْنُوعَاتِهِ وَآثَارِ رَحْمَتِهِ لِيَسْتَدِلَّ عَلَى صَانِعِهَا.
وَتَوْجِيهُ الدَّلِيلِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ وَجَبَ شُكْرُ الْمُنْعِمِ عَقْلًا، لَوَجَبَ لِفَائِدَةٍ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَا لِفَائِدَةٍ لَكَانَ عَبَثًا، وَهُوَ قَبِيحٌ عَقْلًا.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِفَائِدَةٍ لَكَانَتْ تِلْكَ الْفَائِدَةُ إِمَّا لِلْمَشْكُورِ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِتَعَالِيهِ عَنِ الْفَائِدَةِ.
أَوْ لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الشُّكْرَ الَّذِي هُوَ الْقِيَامُ بِاسْتِعْمَالِ جَمِيعِ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقُوَى وَالْأَعْضَاءِ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ لِأَجْلِهِ، مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ.
أَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ، أَيْ لَا جَزْمَ لِلْعَقْلِ فِي حُصُولِ الْفَائِدَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ ; لِأَنَّ الْجَزْمَ بِحُصُولِ الْفَائِدَةِ
(1/313)

وَلَا لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّهُ مَشَقَّةٌ، وَلَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ. وَلَا فِي الْآخِرَةِ ; إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ.
ص - قَوْلُهُمْ: الْفَائِدَةُ: الْأَمْنُ مِنِ احْتِمَالِ الْعِقَابِ فِي التَّرْكِ [وَذَلِكَ] لَازِمُ الْخُطُورِ، مَرْدُودٌ بِمَنْعِ الْخُطُورِ فِي الْأَكْثَرِ.
وَلَوْ سُلِّمَ - فَمُعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى الشُّكْرِ ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ.
أَوْ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِهْزَاءِ. كَمَنْ شَكَرَ مَلِكًا عَلَى لُقْمَةٍ، بَلِ اللُّقْمَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلِكِ أَكْثَرُ.
ص - الثَّانِيَةُ: لَا حُكْمَ فِيمَا لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/314)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأُخْرَوِيَّةِ لِلْعَقْلِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا جَزَمَ الْعَقْلُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ أَوْ دَفْعِ الْعِقَابِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالشُّكْرِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى الشُّكْرِ.
ش - هَذَا جَوَابُ إِيرَادِ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّ الشُّكْرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا.
وَتَوْجِيهُ الْإِيرَادِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشُّكْرُ لِفَائِدَةِ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِي الشُّكْرِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِي الشُّكْرِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ فَائِدَةَ الشُّكْرِ الْأَمْنُ مِنِ احْتِمَالِ الْعِقَابِ فِي تَرْكِ الشُّكْرِ الْمُوجِبِ لِخَوْفِ النَّفْسِ ; إِذْ هَذَا الِاحْتِمَالُ لَازِمٌ أَنْ يَخْطُرَ عَلَى قَلْبِ الْعَاقِلِ. وَالْأَمْنُ مِنَ الِاحْتِمَالِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ لِلْخَوْفِ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ.
(1/315)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ قَوْلَهُمْ مَرْدُودٌ; لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لَازِمُ الْخُطُورِ بِالْبَالِ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْنُ مِنْهُ فَائِدَةً.
فَقَوْلُهُ: " قَوْلُهُمْ " مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: " مَرْدُودٌ " خَبَرُهُ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لَازِمُ الْخُطُورِ بِالْبَالِ فَمُعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى الشُّكْرِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَى الشُّكْرِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ; لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الشُّكْرِ إِنَّمَا هُوَ بِاسْتِعْمَالِ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى الَّتِي هِيَ كُلُّهَا مِلْكُ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَالتَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، يَحْتَمِلُ الْعِقَابَ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقِيَامَ بِالشُّكْرِ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى كَالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُنْعِمِ. كَمَنْ شَكَرَ مَلِكًا عَلَى لُقْمَةٍ أَنْعَمَ الْمَلِكُ عَلَيْهِ فِي الْمَحَافِلِ الْعَظِيمَةِ. بَلِ اللُّقْمَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خِزَانَةِ الْمَلِكِ أَكْثَرُ مِنْ [نِعَمِ] اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ بِالْقِيَاسِ إِلَى خَزَائِنِهِ تَعَالَى. فَلَعَلَّ الشَّاكِرَ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِسَبَبِ شُكْرِهِ.
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ. مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَتْبَاعِهِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ لَا حُكْمَ لَهَا ; ضَرُورَةَ بُطْلَانِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَعَدَمِ الشَّرْعِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ، فَقَالُوا: الْأَفْعَالُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ اضْطِرَارِيَّةً، كَالنَّفْسِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَا. وَالْأُولَى: لَا بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِكَوْنِهَا مُبَاحَةً.
وَالثَّانِيَةُ: إِمَّا أَنْ لَا يَقْضِيَ الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، أَيْ لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى حُسْنِهَا أَوْ قُبْحِهَا، أَوْ يَقْضِي فِيهَا بِحُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ.
وَالْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: الْحَظْرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيَّةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَالثَّانِي: الْإِبَاحَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ.
(1/316)

وَثَالِثُهَا: لَهُمُ الْوَقْفُ عَنِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ. وَأَمَّا غَيْرُهَا - فَانْقَسَمَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْخَمْسَةِ.
ص - لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَحْظُورَةً وَفَرَضْنَا ضِدَّيْنِ - لَكُلِّفَ بِالْمُحَالِ.
ص - الْأُسْتَاذُ إِذَا مَلَكَ جَوَادٌ بَحْرًا لَا يَنْزِفُ، وَأَحَبَّ مَمْلُوكُهُ قَطْرَةً - فَكَيْفَ يُدْرَكُ تَحْرِيمُهَا عَقْلًا؟
ص - قَالُوا: تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ. قُلْنَا: يُبْتَنَى عَلَى السَّمْعِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَفِيمَنْ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مَا. وَلَوْ سُلِّمَ - فَمُعَارَضٌ بِالضَّرَرِ النَّاجِزِ.
ص - وَإِنْ أَرَادَ الْمُبِيحُ أَنْ لَا حَرَجَ - فَمُسَلَّمٌ. وَإِنْ أَرَادَ خِطَابَ الشَّارِعِ - فَلَا شَرْعَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/317)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَ " ثَالِثُهَا " أَيْ ثَالِثُ الْمَذَاهِبِ " لَهُمْ " أَيْ لِلْمُعْتَزِلَةِ: التَّوَقُّفُ عَنِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ: " لَهُمْ ": أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِيمَا بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِوُجُودِ الْحُكْمِ. لَا فِيمَا بَيْنَ الْأَشَاعِرَةِ ; لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ، أَنْ لَا حُكْمَ لِلْأَفْعَالِ قِبَلَ الشَّرْعِ مُطْلَقًا.
وَلَمَّا نَبَّهَ " بِالثَّالِثِ " عَلَى مَذْهَبِ التَّوَقُّفِ عَنِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، عُلِمَ أَنَّ أَحَدَ الْأَوَّلَيْنِ: الْحَظْرُ، وَالْآخَرَ: الْإِبَاحَةُ.
وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ الَّتِي يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ فَعِنْدَهُمْ يَنْقَسِمُ إِلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ. لِأَنَّ قَضَاءَ الْعَقْلِ فِيهَا إِمَّا بِالْحُسْنِ أَوْ بِالْقُبْحِ. وَالْأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ لَا يَتَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ الْمُبَاحُ.
أَوْ يَتَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَلْحَقَ تَارِكَهُ الذَّمُّ، وَهُوَ الْوَاجِبُ أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَنْدُوبُ.
وَالثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي قَضَاءُ الْعَقْلِ فِيهِ بِالْقُبْحِ: إِمَّا أَنْ يَلْحَقَ فَاعِلَهُ ذَمٌّ، وَهُوَ الْحَرَامُ، أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَكْرُوهُ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ: " عِنْدَهُمْ " أَنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ قِبَلَ الشَّرْعِ عَلَى رَأْيِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ الْأَشَاعِرَةِ فَلَا. فَعُلِمَ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ أَنَّ مَذْهَبَ الْأَشَاعِرَةِ أَنْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ لِلْأَفْعَالِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ.
(1/318)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - اعْلَمْ أَنَّ غَرَضَ الْأَصْحَابِ عَنِ التَّنَزُّلِ إِبْطَالُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، لَا إِبْطَالَ قَوْلِهِمْ فِي الْأَفْعَالِ الِاضْطِرَارِيَّةِ، وَالْأَفْعَالُ الَّتِي يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَقُبْحٍ ; فَإِنَّهُمُ اكْتَفَوْا فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ فِي هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ عَلَى مَا قِيلَ فِي إِبْطَالِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ إِلَّا لِإِبْطَالِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ. فَبَدَأَ بِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْحَظْرِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، لَوْ كَانَتْ مَحْظُورَةً، أَيْ مُحَرَّمَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، وَفَرَضْنَا ضِدَّيْنِ، لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَوْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً، لَوَجَبَ تَرْكُ جَمِيعِهَا. فَلَوْ فُرِضَ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ ضِدَّانِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَرْكُ كُلٍّ مِنْهُمَا كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَرْكُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ قَنَعَ فِي رَدِّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَعْنِي الْقَائِلِينَ بِالْحُرْمَةِ، بِمِثَالٍ فِي الشَّاهِدِ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ إِلَّا مُجَرَّدَ الِاسْتِبْعَادِ.
(1/319)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا مَلَكَ بَحْرًا لَا يَنْزِفُ، أَيْ لَا يَذْهَبُ مَاؤُهُ، وَأَحَبَّ مَمْلُوكُهُ قَطْرَةً مِنْهُ فَكَيْفَ يُدْرَكُ تَحْرِيمُهُ عَقْلًا؟ أَيْ لَا يُتَصَوَّرُ مَنْعُ الْجَوَادِ الْمَمْلُوكَ عَنْ تِلْكَ الْقَطْرَةِ. فَكَذَلِكَ الْجَوَادُ الْمُطْلَقُ جَلَّ شَأْنُهُ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ النِّعَمِ، إِذَا أَحَبَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِهِ الِاسْتِلْذَاذَ بِنِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نِعَمِهِ مِنْ تِلْكَ الْقَطْرَةِ إِلَى بَحْرِ الْجَوَادِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَحْرِيمُهَا.
ش - الْقَائِلُونَ بِالْحَظْرِ قَالُوا: إِنْ مُبَاشَرَةَ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ، تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَكُونُ حَرَامًا، كَمَا فِي الشَّاهِدِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ حَرَامًا يُبْتَنَى عَلَى السَّمْعِ وَلَا سَمْعَ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَلَا يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ حَرَامًا.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ عُلِمَ بِالْعَقْلِ لَا بِالسَّمْعِ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا حَرَامٌ عَقْلًا، بَلِ
(1/320)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ مَنْ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ حَرَامٌ عَقْلًا، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا، [كَالِاسْتِظْلَالٍ بِجِدَارِ الْغَيْرِ وَالِاقْتِبَاسِ مِنْ نَارِ غَيْرِهِ] .
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا - سَوَاءٌ تَضَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَضَرَّرْ - حَرَامٌ عَقْلًا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَضَرَّرَ الْمُتَصَرِّفُ بِهِ آجِلًا، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِالضَّرَرِ النَّاجِزِ أَيِ الْحَاضِرِ، فَإِنَّ التَّرْكَ يُوجِبُ الضَّرَرَ فِي الْحَالِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَاعْتِبَارُ الْحَاضِرِ أَوْلَى.
قِيلَ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ صُورَةَ الضَّرَرِ النَّاجِزِ هِيَ الَّتِي يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِالْقُبْحِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ مَحَلَّ النِّزَاعِ. بَلِ النِّزَاعُ إِنَّمَا كَانَ فِي صُورَةٍ لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى حُسْنِهَا وَقُبْحِهَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: بِالضَّرَرِ النَّاجِزِ، جَوَازُ الضَّرَرِ النَّاجِزِ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، لَا الْجَزْمُ بِتَحَقُّقُ الضَّرَرِ النَّاجِزِ] ) . فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ وَإِنْ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ لَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِعَدَمِ احْتِمَالِ الضَّرَرِ النَّاجِزِ.
[حكم الأشياء قبل الشرع]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْحَظْرِ، شَرَعَ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْإِبَاحَةِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُبِيحَ إِنْ أَرَادَ بِكَوْنِهِ مُبَاحًا، أَنْ لَا حَرَجَ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَمُسَلَّمٌ ; إِذِ الْحَرَجُ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنَ الشَّرْعِ وَلَا شَرْعَ.
وَإِنْ أَرَادَ بِالْإِبَاحَةِ خِطَابَ الشَّارِعِ - وَهُوَ الْإِذْنُ الشَّرْعِيُّ فِي الْفِعْلِ مَعَ نَفْيِ الْحَرَجِ - فَلَا إِبَاحَةَ قَبْلَ الشَّرْعِ ; إِذْ لَا شَرْعَ.
وَإِنْ أَرَادَ بِالْإِبَاحَةِ حُكْمَ الْعَقْلِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَلَا إِبَاحَةَ أَيْضًا ; إِذِ الْفَرْضُ أَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهَا بِأَنْ تَقْضِيَ بِكَوْنِهَا حَسَنَةً أَوْ قَبِيحَةً.
ش - الْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ
(1/321)

وَإِنْ أَرَادَ حُكْمَ الْعَقْلِ (بِالتَّخْيِيرِ،) - فَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ.
ص - قَالُوا: خَلَقَهُ وَخَلَقَ الْمُنْتَفِعَ بِهِ، فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ. قُلْنَا: مَعَارَضٌ بِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ. وَخَلَقَهُ لِيَصْبِرَ فَيُثَابَ.
ص - وَإِنْ أَرَادَ الْوَاقِفُ أَنَّهُ وَقَفَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ - فَفَاسِدٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/322)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنَ الطُّعُومِ، وَخَلَقَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ لَا يَخْلُقَهُمَا، فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ ; إِذِ الْمَنْعُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ لَا يُنَاسِبُ الْحَكِيمَ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي خَلْقِهِ فَائِدَةٌ، يَكُونُ عَبَثًا. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَعُودَ الْفَائِدَةُ إِلَى الْخَالِقِ لِتَعَالِيهِ عَنْهَا. فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُنْتَفِعِ بِهِ.
وَلَيْسَتِ الْإِضْرَارَ اتِّفَاقًا، فَيَكُونُ الْفَائِدَةُ الِانْتِفَاعُ، وَهُوَ إِمَّا التَّلَذُّذُ أَوِ الِاجْتِنَابُ مَعَ الْمَيْلِ، أَوِ الِاسْتِدْلَالُ بِالصَّانِعِ ; إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْغَيْرِ، وَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالتَّنَاوُلِ، فَيَكُونُ التَّنَاوُلُ مُبَاحًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمُعَارَضَةٍ وَمُنَاقَضَةٍ. أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فَهِيَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْحَظْرِ بِأَنَّهُ تَصَّرُفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَيَحْرُمُ ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ.
وَأَمَّا الْمُنَاقَضَةُ فَهِيَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِانْتِفَاعَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ التَّنَاوُلِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ لِيَصْبِرَ الْمُكَلَّفُ عَلَى تَرْكِ التَّنَاوُلِ فَيُثَابَ عَلَى الصَّبْرِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمُعَارَضَةُ بِدَلِيلِ الْقَائِلِينَ بِالْحُرْمَةِ مِمَّا يُنَافِي تَسْلِيمَ الْمُصَنِّفِ الْإِبَاحَةَ بِمَعْنَى أَنْ لَا حَرَجَ فِيهِ.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ إِبْطَالِ الْمَذْهَبَيْنِ شَرَعَ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ
(1/323)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
التَّوَقُّفِ. وَاسْتَفْسَرَ بِأَنْ قَالَ: إِنْ أَرَادَ الْوَاقِفُ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّهُ وَقْفٌ عَنِ الْحُكْمِ بِكَوْنِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ مَحْظُورَةً أَوْ مُبَاحَةً لِتَعَارُضِ أَدِلَّةِ أَصْحَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فَفَاسِدٌ ; إِذْ قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهَا، فَلَا تَعَارُضَ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ وَقَفَ لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ بِالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى وُرُودِ الشَّرْعِ، فَذَلِكَ حَقٌّ.
[الْحُكْمُ]
[أقسام الحكم]
ش - الْأَصْلُ الثَّانِي فِي الْحُكْمِ. وَفِيهِ مُقَدِّمَةٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ.
قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. وَالْخِطَابُ مَصْدَرٌ، مَعْنَاهُ تَوْجِيهُ مَا أَفَادَ فِي الِاصْطِلَاحِ نَحْوَ الْحَاضِرِ أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِ. وَأُرِيدَ بِهِ هَهُنَا مَا وَقَعَ بِهِ الْخِطَابُ -، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ إِفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ.
(1/324)

ص - الْحُكْمُ قِيلَ خِطَابُ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. فَوَرَدَ مِثْلُ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ فَزِيدَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ. فَوَرَدَ كَوْنُ الشَّيْءِ دَلِيلًا وَسَبَبًا وَشَرْطًا. فَزِيدَ أَوِ الْوَضْعِ، فَاسْتَقَامَ.
وَقِيلَ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ. وَقِيلَ لَيْسَ بِحُكْمٍ.
ص - وَقِيلَ: الْحُكْمُ: خِطَابُ الشَّارِعِ بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ تَخْتَصُّ بِهِ، أَيْ لَا تُفْهَمُ إِلَّا مِنْهُ لِأَنَّهُ إِنْشَاءٌ فَلَا خَارِجَ لَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/325)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَقَوْلُهُ: " الْخِطَابُ " كَالْجِنْسِ لِلْحُكْمِ، يَتَنَاوَلُ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابَ الْمَلِكِ وَالْبَشَرِ. وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، خَرَجَ عَنْهُ خِطَابُ غَيْرِهِ.
وَبِقَوْلِهِ: " الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ " خَرَجَ مِثْلُ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] . فَإِنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ.
وَقَدْ وَرَدَ عَلَى اطِّرَادِ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ مِثْلُ: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] ; فَإِنَّهُ يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ.
فَزِيدَ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ قَوْلُنَا: " بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ " فَخَرَجَ عَنْهُ مِثْلُ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ; فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، لَكِنْ لَا بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ طَلَبُ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَوْ تَخْيِيرُهُ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ.
فَوَرَدَ بِسَبَبِ ازْدِيَادِ قَيْدِ الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ عَلَى عَكْسِ الْحَدِّ كَوْنُ الشَّيْءِ دَلِيلًا، كَدُلُوكِ الشَّمْسِ لِلصَّلَاةِ، وَسَبَبًا، كَالزِّنَا لِوُجُوبِ الْحَدِّ، أَوْ شَرْطًا، كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا أَحْكَامٌ وَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا اقْتِضَاءٌ وَلَا تَخْيِيرٌ.
(1/326)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْتَزَمَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ اخْتِلَالَ هَذَا التَّعْرِيفِ لِكَوْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَحْكَامًا لَا تَرْجِعُ إِلَى الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ، فَزَادَ عَلَى التَّعْرِيفِ لِفَظَّةَ: " أَوِ الْوَضْعِ " فَاسْتَقَامَ التَّعْرِيفُ طَرْدًا وَعَكْسًا ; لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ حِينَئِذٍ مَا خَرَجَ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْقَيْدِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ الدُّلُوكَ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَالزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ، وَالْوُضُوءَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، كَانَ كُلُّهَا بِوَضْعِهِ تَعَالَى، فَيَدْخُلُ جَمِيعُ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ وَضْعِيًّا تَحْتَ الْحُكْمِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْحَدُّ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ - وَهُوَ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ - خَارِجٌ عَنْهُ ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْأَوَّلِ خِطَابَ الرَّسُولِ، وَالثَّانِي خِطَابَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، وَالثَّالِثِ خِطَابَ الْقَائِسِ.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْحُكْمِ، بَلْ مُعَرِّفَاتٌ لِلْأَحْكَامِ، وَالْأَحْكَامُ ثَابِتَةٌ قَبْلَهَا ; لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمَنَعَ الْآخَرُونَ اخْتِلَالَ التَّعْرِيفِ بِدُونِ قَيْدِ الْوَضْعِ، وَقَالُوا: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا الْقَيْدِ فِي اسْتِقَامَةِ التَّعْرِيفِ.
(1/327)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَذَهَبَ فَرِقْةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ أَحْكَامٌ رَاجِعَةٌ إِلَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ كَوْنَ الدُّلُوكِ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَكَوْنَ الزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ، رَاجِعَانِ إِلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ مِنَ الِاقْتِضَاءِ. وَكَوْنَ الْوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، رَاجِعٌ إِلَى الْإِبَاحَةِ، وَهُوَ التَّخْيِيرُ. فَلَا حَاجَةَ إِلَى قَيْدِ الْوَضْعِ.
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ لَيْسَتْ بِأَحْكَامٍ بَلْ عَلَامَاتٌ لَهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْ كَوْنِ [الدُّلُوكِ] دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ يَظْهَرُ عِنْدَ دُلُوكِ الشَّمْسِ. وَكَذَا سَبَبِيَّةُ الزِّنَا وَشَرْطِيَّةُ الْوُضُوءِ.
وَإِذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ أَحْكَامًا، فَلَوْ قُيِّدَ الْحَدُّ بِالْوَضْعِ لَدَخَلَتْ تَحْتَ الْحُكْمِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْحَدِّ: ضَرُورَةَ دُخُولِ مَا لَيْسَ مِنَ الْمَحْدُودِ فِيهِ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ ذَكَرَ لِلْحُكْمِ تَعْرِيفًا آخَرَ، وَهُوَ: أَنَّهُ خِطَابُ الشَّارِعِ بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
فَقَوْلُهُ: " خِطَابٌ " كَالْجِنْسِ. وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى الشَّارِعِ خَرَجَ خِطَابُ غَيْرِهِ. وَالْفَائِدَةُ هِيَ مَا يَكُونُ الشَّيْءُ بِهِ أَحْسَنَ حَالًا. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ " الْخِطَابُ الَّذِي يُفِيدُ فَائِدَةً عَقْلِيَّةً أَوْ حِسِّيَّةً، كَالْإِخْبَارِ عَنِ الْمَعْقُولَاتِ أَوِ الْمَحْسُوسَاتِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْفَائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، لَزِمَ الدَّوْرُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَمُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْفَائِدَةَ الَّتِي لَا تَكُونُ عَقْلِيَّةً وَلَا حِسِّيَّةَ، يَلْزَمُ عَدَمُ اطِّرَادِ الْحَدِّ ; لِأَنَّ إِخْبَارَ الشَّارِعِ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) . يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خِطَابُ الشَّارِعِ بِفَائِدَةٍ غَيْرِ عَقْلِيَّةٍ وَلَا حِسِّيَّةٍ. وَلَا يَكُونُ حُكْمًا، فَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ قَيْدٌ " تَخْتَصُّ بِهِ " أَيْ بِالْخِطَابِ. فَخَرَجَ عَنْهُ الْإِخْبَارُ الشَّرْعِيُّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: " تَخْتَصُّ بِهِ " أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ الْفَائِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ إِلَّا مِنْ ذَلِكَ الْخِطَابِ.
(1/328)

ص - فَإِنْ كَانَ طَلَبًا لِفِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ، يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ، سَبَبًا لِلْعِقَابِ - فَوُجُوبٌ.
وَإِنِ انْتَهَضَ فِعْلُهُ خَاصَّةً لِلثَّوَابِ - فَنَدْبٌ.
وَإِنْ كَانَ طَلَبًا لِكَفٍّ عَنْ فِعْلٍ يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ - فَتَحْرِيمٌ.
وَمَنْ يُسْقِطُ " غَيْرَ كَفٍّ " فِي الْوُجُوبِ - يَقُولُ: " طَلَبًا لِنَفْيِ فِعْلٍ " فِي التَّحْرِيمِ.
وَإِنِ انْتَهَضَ الْكَفُّ خَاصَّةً لِلثَّوَابِ - فَكَرَاهَةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/329)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْإِخْبَارُ الشَّرْعِيُّ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لَكِنَّ تَفَهُّمَ تِلْكَ الْفَائِدَةِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْإِخْبَارِ.
وَأَمَّا الْفَائِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْحُكْمِ فَلَا يُفْهَمُ إِلَّا مِنَ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنْشَاءٌ، فَلِهَذَا لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ. وَإِذَا كَانَ إِنْشَاءً يَكُونُ مُوجِبًا لِمَعْنَاهُ، أَيِ الْفَائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَلَا شَيْءَ خَارِجٌ لِلْحُكْمِ حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ غَيْرِهِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِمَعْنَاهُ. بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ الشَّرْعِيِّ ; فَإِنَّ مَعْنَاهُ خَارِجٌ عَنْهُ، لَا يَكُونُ الْإِخْبَارُ مُوجِبًا لَهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ غَيْرِهِ. هَذَا مَا فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ تَعْرِيفَ الْحُكْمِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَقْسَامَهُ. وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إِنْ كَانَ طَلَبًا لِفِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ يَنْتَهِضُ تَرْكُ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقَابِ، فَهُوَ الْوُجُوبُ.
فَقَوْلُهُ: " طَلَبًا " يُخْرِجُ التَّخْيِيرَ وَالْوَضْعِيَّ. وَقَوْلُهُ: " غَيْرِ كَفٍّ " يُخْرِجُ عَنْهُ الْحُرْمَةَ ; فَإِنَّهَا أَيْضًا طَلَبُ فِعْلٍ، وَهُوَ الْكَفُّ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْكَفَّ فِعْلٌ.
وَقَوْلُهُ: يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ، أَيْ يَصِيرُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ، يُخْرِجُ عَنْهُ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ. وَخُرُوجُهَا بِقَوْلِهِ: " غَيْرِ كَفٍّ " لَا يُنَافِي خُرُوجَهَا بِهَذَا الْقَيْدِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ " لِيُدْخِلَ فِي التَّعْرِيفِ مِثْلَ وُجُوبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ ; فَإِنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ لَا يَكُونُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ فِي وَقْتِهِ، لَكِنْ يَكُونُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقَابِ.
وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ طَلَبًا لِفِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ خَاصَّةً سَبَبًا لِلثَّوَابِ فَنَدْبٌ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " خَاصَّةً " لِيُعْرَفَ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ شَيْءٌ. فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْوُجُوبُ.
(1/330)

وَإِنْ كَانَ تَخْيِيرًا - فَإِبَاحَةٌ. وَإِلَّا فَوَضْعِيٌّ.
وَفِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا، خِلَافٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/331)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ طَلَبًا لِكَفٍّ عَنْ فِعْلٍ يَكُونُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ، فَتَحْرِيمٌ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: فَحُرْمَةٌ، لِيَكُونَ مُنَاسِبًا لِقَوْلِهِ: " فَوُجُوبٌ " وَ " نَدْبٌ ".
وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ يُسْقِطْ غَيْرَ كَفٍّ فِي الْوُجُوبِ " إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْكَفُّ غَيْرُ فِعْلٍ، وَهُوَ يُسْقِطُ " غَيْرَ كَفٍّ " فِي تَعْرِيفِ الْوُجُوبِ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ يُغْنِي عَنْهُ، وَيَقُولُ فِي تَعْرِيفِ التَّحْرِيمِ: إِنَّهُ طَلَبٌ لِنَفْيِ فِعْلٍ يَكُونُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ.
وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ طَلَبًا لِكَفٍّ انْتَهَضَ ذَلِكَ الْكَفُّ خَاصَّةً سَبَبًا لِلثَّوَابِ، فَكَرَاهَةٌ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ " خَاصَّةً " لِيُعْلَمَ أَنَّ فِعْلَهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِتَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَإِبَاحَةٌ.
وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ طَلَبًا وَلَا تَخْيِيرًا فَوَضْعِيٌّ. وَتَحَقَّقَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَقْسَامُ الْحُكْمِ وَتَعْرِيفَاتُهَا.
وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا. فَمَنْ ذَهَبَ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ هُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ إِفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ، لَا يُسَمِّي الْكَلَامَ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِفْهَامُ مُتَهَيِّئٍ لِلْفَهْمِ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْخِطَابَ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِقَوْلِهِ " مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ " يُسَمِّي خِطَابًا ; لِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ فِي الْجُمْلَةِ.
[الوجوب]
ش - الْوُجُوبُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الثُّبُوتِ. قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " إِذَا وَجَبَ الْمَرِيضُ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ " أَيْ ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ وَزَالَ عَنِ الِاضْطِرَابِ.
وَعَلَى السُّقُوطِ. قَالَ تَعَالَى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا أَيْ سَقَطَتْ.
وَالْوُجُوبُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي قِسْمَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
وَالْوَاجِبُ: الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ كَفٍّ يَنْتَهِي تَرْكُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ.
(1/332)

ص - الْوُجُوبُ: الثُّبُوتُ وَالسُّقُوطُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ، مَا تَقَدَّمَ.
وَالْوَاجِبُ: الْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ لِلْوُجُوبِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
ص - وَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ - مَرْدُودٌ ; لِجَوَازِ الْعَفْوِ. وَمَا أُوعِدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ - مَرْدُودٌ بِصِدْقِ إِيعَادِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَا يُخَافُ - مَرْدُودٌ بِمَا يُشَكُّ فِيهِ.
ص - الْقَاضِي: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرَعًا بِوَجْهٍ مَا.
وَقَالَ: " بِوَجْهٍ مَا " لِيُدْخِلَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ وَالْكِفَايَةَ. حَافَظَ عَلَى عَكْسِهِ فَأَخَلَّ بِطَرْدِهِ ; إِذْ يَرِدُ النَّاسِي وَالنَّائِمُ وَالْمُسَافِرُ.
فَإِنْ قَالَ: يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِذَلِكَ. قُلْنَا: وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
ص - وَالْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ مُتَرَادِفَانِ. الْحَنَفِيَّةُ: الْفَرْضُ: الْمَقْطُوعُ بِهِ. وَالْوَاجِبُ: الْمَظْنُونُ.
ص - الْأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا أَوَّلًا.
وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ، اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ مُطْلَقًا أَخَّرَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهِ، كَالْمُسَافِرِ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِمَانِعٍ مِنَ الْوُجُوبِ شَرْعًا، كَالْحَائِضِ، أَوْ عَقْلًا، كَالنَّائِمِ.
وَقِيلَ: لَمَّا سَبَقَ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَدْرَكِ. فَفِعْلُ الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ قَضَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ، لَا الثَّانِي، إِلَّا فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ.
وَالْإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ ثَانِيًا [لِخَلَلٍ] . وَقِيلَ: [لِعُذْرٍ] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/333)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - لَمَّا ذَكَرَ التَّعْرِيفَ الصَّحِيحَ لِلْوَاجِبِ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الرُّسُومَ الْمُزَيَّفَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأُصُولِيُّونَ لَهُ.
مِنْهَا: أَنَّ الْوَاجِبَ: مَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ. وَهُوَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْكَسٍ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنِ الْعِقَابِ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا. فَيَصْدُقُ الْوَاجِبُ بِدُونِ الْحَدِّ ; ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْعِقَابِ.
وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّعْرِيفِ الْمُخْتَارِ لِلْوَاجِبِ ; لِأَنَّ التَّرْكَ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْعِقَابُ عَنْهُ لِمَانِعٍ، وَهُوَ: الْعَفْوُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَاجِبَ: مَا أُوعِدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ. وَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ ; ضَرُورَةَ عَدَمِ انْعِكَاسِهِ ; لِأَنَّ مَا أُوعِدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، يَجِبُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِهِ ; لِأَنَّ إِيعَادَ اللَّهِ تَعَالَى صِدْقٌ ; لِامْتِنَاعِ الْخُلْفِ فِي خَبَرِهِ، فَيَتَحَقَّقُ الْوَاجِبُ فِي صُورَةِ الْعَفْوِ، مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ.
(1/334)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُخَافُ عَلَى تَرْكِهِ. وَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، قَدْ يُخَافُ عَلَى تَرْكِهِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ اطِّرَادِ التَّعْرِيفِ.
قِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاجِبَ الَّذِي يُشَكُّ فِي وُجُوبِهِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهِ لَا يُخَافُ عَلَى تَرْكِهِ، فَيَصْدُقُ الْوَاجِبُ بِدُونِ التَّعْرِيفِ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ.
ش - رَسَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ الْوَاجِبَ بِأَنَّهُ: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا.
وَقَالَ: شَرْعًا، لِيُوَافِقَ مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ. وَقَالَ: " بِوَجْهٍ مَا " لِيُدْخِلَ فِي حَدِّهِ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ وَوَاجِبَ الْكِفَايَةِ ; لِأَنَّهُمَا لَا يُذَمُّ تَارِكُهُمَا مُطْلَقًا، بَلْ يُذَمُّ بِوَجْهٍ مَا.
أَمَّا الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ، فَإِنَّمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ إِذَا تَرَكَهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ.
(1/335)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَوَاجِبُ الْكِفَايَةِ، إِنَّمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ إِذَا تَرَكَهُ الْكُلُّ. وَالْقَاضِي حَافَظَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَلَى عَكْسِ التَّعْرِيفِ، لَكِنْ أَخَلَّ بِطَرْدِهِ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنَ الْمُعَرَّفِ ; لِأَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا يُذَمُّ شَرْعًا تَارِكُهُ بِوَجْهٍ مَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. كَصَلَاةِ النَّاسِي وَالنَّائِمِ وَصَوْمِ الْمُسَافِرِ ; فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَيُذَمُّ شَرْعًا تَارِكُهَا بِوَجْهٍ مَا، وَهُوَ إِذَا لَمْ يَقْضِهَا إِلَى الْمَوْتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ يُذَمُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِنْ قَالَ الْقَاضِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، حَتَّى يَلْزَمَ عَدَمُ الِاطِّرَادِ ; بَلْ تَكُونُ وَاجِبَةً لَكِنْ يَسْقُطُ وُجُوبُهَا بِذَلِكَ، أَيْ بِسَبَبِ النِّسْيَانِ وَالنَّوْمِ وَالسَّفَرِ.
قُلْنَا: إِذَا جَوَّزَ ثَمَّ سُقُوطَ وُجُوبِهَا بِسَبَبٍ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى زِيَادَةِ هَذَا الْقَيْدِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَالُ: إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِنَّمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ ; لِأَنَّ الْوُجُوبَ سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. وَكَذَا يُقَالُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إِنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ ; فَإِنَّ النَّاسِيَ وَالنَّائِمَ وَالْمُسَافِرَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. وَلَا يُذَمُّونَ عَلَى تَرْكِهِ بِوَجْهٍ
(1/336)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَصْلًا. فَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ سَقَطَ بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالسَّفَرِ. وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ سَاقِطًا عَنْهُمْ لَمْ يُذَمُّوا عَلَى تَرْكِهِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ.
قُلْنَا: فَالْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. هَذَا كَلَامُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وَارِدًا عَلَى عَكْسِهِ لَا عَلَى طَرْدِهِ.
[ترادف الفرد والواجب]
ش - الْوَاجِبُ لُغَةً: الثَّابِتُ وَالسَّاقِطُ. وَالْفَرْضُ لُغَةً: التَّقْدِيرُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ أَيْ قَدَرْتُمْ. وَفِي الشَّرْعِ الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ عِنْدَنَا.
وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْفَرْضُ: الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَهُوَ مَا عُرِفَ وَجُوبُهُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ. وَالْوَاجِبُ: الْمَظْنُونُ، وَهُوَ مَا عُرِفَ وَجُوبُهُ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ.
(1/337)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَالُوا: إِنَّمَا خَصَّصْنَا اسْمَ الْفَرْضِ بِمَا عُرِفَ وَجُوبُهُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَهُ عَلَيْنَا.
وَاسْمُ الْوَاجِبِ بِمَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ; لِأَنَّهُ سَاقِطٌ عَلَيْنَا، لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ عَلَيْنَا.
وَهَذَا الْفَرْقُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْمُقَدَّرُ، سَوَاءٌ كَانَ ثَبَتَ تَقْدِيرُهُ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا، كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ السَّاقِطُ، سَوَاءٌ ثَبَتَ كَوْنُهُ سَاقِطًا عِلْمًا أَوْ ظَنًّا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ تَخْصِيصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ تَحَكُّمًا مَحْضًا.
[الأداء]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى مُعَيَّنٍ وَمُخَيَّرٍ. وَبِاعْتِبَارِ فَاعِلِهِ، إِلَى فَرْضِ عَيْنٍ وَفَرْضِ كِفَايَةٍ. وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِ وَقْتِهِ زَائِدًا عَلَيْهِ، إِلَى مُضَيَّقٍ وَمُوَسَّعٍ. وَبِاعْتِبَارِ وُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ أَوْ خَارِجَ وَقْتِهِ، إِلَى أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ.
وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ أَحْكَامَهَا فِي مَسَائِلَ. وَذَكَرَ الْأَدَاءَ وَالْإِعَادَةَ وَالْقَضَاءَ فِي الْمُقَدِّمَةِ. الْعِبَادَةُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ أَوْ لَا.
وَالثَّانِي لَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَالْقَضَاءِ، كَالْأَذْكَارِ وَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ.
وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ - فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَقْتُ مَحْدُودًا أَوْ لَا.
وَالثَّانِي يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ، كَالْحَجِّ، وَلَا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ. وَإِطْلَاقُ الْقَضَاءِ عَلَى الْحَجِّ الْمُسْتَدْرَكِ لِحَجٍّ فَاسِدٍ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُشَابِهُ الْمَقْضِيَّ فِي الِاسْتِدْرَاكِ. وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ - يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَالْقَضَاءِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَالْأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا أَوَّلًا.
وَإِنَّمَا قَالَ: " مَا فُعِلَ " وَلَمْ يَقُلْ: وَاجِبٌ ; لِيَشْمَلَ النَّوَافِلَ الْمُوَقَّتَةَ.
وَقَوْلُهُ: " فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ " احْتِرَازٌ عَمَّا لَا وَقْتَ لَهُ، وَعَنِ الْقَضَاءِ.
(1/338)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِالْبَعْضِ. لَنَا: إِثْمُ الْجَمِيعِ بِالتَّرْكِ بِاتِّفَاقٍ.
قَالُوا: [يَسْقُطُ] بِالْبَعْضِ. قُلْنَا: اسْتِبْعَادٌ
قَالُوا: كَمَا أُمِرَ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ أُمِرَ بَعْضٌ مُبْهَمٌ. قُلْنَا: إِثْمٌ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ لَا يُعْقَلُ.
قَالُوا: " فَلَوْلَا نَفَرَ ". قُلْنَا: يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْمُسْقَطِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/339)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قِيلَ: قَوْلُهُ " شَرْعًا " احْتِرَازٌ عَنِ الصَّلَاةِ الْفَاسِدَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا أَوَّلًا. وَحِينَئِذٍ يَخْتَصُّ الْحَدُّ بِالْأَدَاءِ الصَّحِيحِ، وَلَا يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ مُقَيَّدٍ بِاسْمِ الْمُطْلَقِ، إِذَا غَلَبَ ذَلِكَ الْمُقَيَّدُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوَّلًا " - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " فُعِلَ " - احْتِرَازٌ عَنِ الْإِعَادَةِ. وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ، اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ مُطْلَقًا، أَيْ بِالنَّظَرِ إِلَى [انْعِقَادِ سَبَبِ الْوُجُوبِ] لَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُسْتَدْرَكِ، سَوَاءٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ أَوْ لَا.
فَقَوْلُهُ: " اسْتِدْرَاكًا " احْتِرَازٌ عَمَّا أَتَى بِهِ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ، لَا بِقَصْدِ الِاسْتِدْرَاكِ.
وَقَوْلُهُ: " لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ " احْتِرَازٌ عَنِ النَّوَافِلِ. وَقَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " احْتِرَازٌ عَنِ الْمَذَاهِبِ الْأُخَرِ.
وَالْفِعْلُ إِذَا وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ يُسَمَّى قَضَاءً. سَوَاءٌ أَخَّرَ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُ وَجُوبِهِ عَلَيْهِ الْأَدَاءَ عَمْدًا. كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ أَدَّاهَا خَارِجَ الْوَقْتِ. أَوْ أَخَّرَهُ سَهْوًا.
(1/340)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ نَاسِيًا ثُمَّ أَتَى بِهَا بَعْدَ وَقْتِهَا. وَسَوَاءٌ تَمَكَّنَ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ سَبَبُ الْوُجُوبِ مِنَ الْأَدَاءِ، كَالصَّوْمِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهِ لِمَانِعٍ مِنَ الْوُجُوبِ.
إِمَّا شَرْعًا، كَصَوْمِ الْحَائِضِ. أَوْ عَقْلًا، كَصَلَاةِ النَّائِمِ.
فَعَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْعِقَادِ سَبَبِ وُجُوبِهِ.
وَقِيلَ: الْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِهِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ وَجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ. فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ. فَفِعْلُ الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْحَدِّ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لَمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبِ الْأَدَاءُ. وَلَا يَكُونُ قَضَاءٌ عَلَى الْحَدِّ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبِ الْأَدَاءُ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ إِلَّا فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ. وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ ; لِأَنَّهُمَا شَهِدَا الْوَقْتَ.
وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّ الْفِعْلَ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُمَا فَيَكُونُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِمَا تَكْلِيفًا بِالْمُمْتَنِعِ.
وَيَلْزَمُ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ أَنَّ النَّوَافِلَ لَا تُوصَفُ بِالْقَضَاءِ إِلَّا مَجَازًا. وَالْإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ ثَانِيًا لِخَلَلٍ.
فَقَوْلُهُ: " فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ " يُخْرِجُ الْقَضَاءَ. وَقَوْلُهُ: " ثَانِيًا " يُخْرِجُ الْأَدَاءَ.
(1/341)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ: " لِخَلَلٍ " أَيْ لِفَوَاتِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ، احْتِرَازٌ عَنْ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى صَلَاةً مُسْتَجْمِعَةً لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ مَرَّةً ثَانِيَةً فِي وَقْتِهِ ; فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى إِعَادَةً.
وَقِيلَ: الْإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ ثَانِيًا لِعُذْرٍ. وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْخَلَلِ. فَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى صَلَاةً صَحِيحَةً مُنْفَرِدًا، إِعَادَةٌ عَلَى الثَّانِي، لَا تَكُونُ إِعَادَةً عَلَى الْأَوَّلِ.
[الْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنِ الْمُقَدِّمَةِ شَرَعَ فِي الْمَسَائِلِ، وَذَكَرَ أَرْبَعَ مَسَائِلَ فِي أَحْكَامِ الْوَاجِبِ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ.
اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَيَسْقُطُ الْوُجُوبُ عَنْهُمْ بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ، أَمْ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ وَالْأُخْرَى إِلَى الْآخَرِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ.
لَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ [لَوْ] لَمْ يَكُنْ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ لَمَا أَثِمَ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مُؤَاخَذَةُ الْإِنْسَانِ بِتَرْكِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَاسْتَدَلَّ الْخَصْمُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا عَلَى إِبْطَالِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، وَالْآخَرُونَ عَلَى إِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ سَقَطَ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْجَمِيعِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مُجَرَّدُ اسْتِبْعَادٍ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ الْوُجُوبُ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
(1/342)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ مُسْتَقِيمٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجَمِيعُ وَاجِبٌ. وَبَعْضُهُمْ: الْوَاجِبُ: مَا يُفْعَلُ. وَبَعْضُهُمْ: الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ وَيَسْقُطُ بِهِ وَبِالْآخَرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/343)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[الْوَجْهُ] الثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ أَمْرُ الْمُكَلَّفِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَكَذَا يَجُوزُ أَمْرُ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ، قِيَاسًا عَلَيْهِ. وَالْجَامِعُ تَعَدُّدُ مُتَعَلِّقِ الْوُجُوبِ مَعَ سُقُوطِ الْوُجُوبِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْفَرْقِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: الْإِثْمُ بِتَرْكِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مُمْكِنٌ مَعْقُولٌ. فَلِهَذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِلْوُجُوبِ. بِخِلَافٍ إِثْمِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ، فَلَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا لِلْوُجُوبِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ طَلَبَ الْفِقْهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. وَالْآيَةُ أَوْجَبَتْ عَلَى كُلِّ فِرْقَةٍ أَنْ يَنْفِرَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، وَتِلْكَ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، فَيَكُونُ الْمَأْمُورُ بَعْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الطَّائِفَةَ كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَلَبَ الْفِقْهِ، احْتُمِلَ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُسْقِطُونَ الْوُجُوبَ بِالْمُبَاشَرَةِ عَنِ الْجَمِيعِ. وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، يُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الطَّائِفَةَ عَلَى الَّذِينَ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، يَلْزَمُ بُطْلَانُ دَلِيلِنَا، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَأْثِيمِ الْجَمِيعِ بِتَرْكِهِ.
(1/344)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُسْقِطِينَ، لَمْ يَلْزَمْ بُطْلَانُ دَلِيلِنَا، وَلَا الْعَمَلُ بِالْآيَةِ. فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
[الواجب المخير]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، هَلْ هُوَ مُسْتَقِيمٌ أَمْ لَا. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: نَعَمْ. وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا مَعْنَى لِلْإِيجَابِ مَعَ التَّخْيِيرِ ; فَإِنَّهُمَا مُتَنَاقِضَانِ.
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ مِنْهَا وَاجِبٌ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَدِّدَةِ.
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَقْرِيرِ الْمَذَاهِبِ شَرَعَ فِي الِاحْتِجَاجِ، فَبَدَأَ بِإِثْبَاتِ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ. وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مِنْ جُمْلَتِهَا لَا بِعَيْنِهِ.
لَنَا أَنْ نَقْطَعَ بِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الْمُتَعَدِّدَةِ عَقْلًا، وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ سَمْعًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَخِيطَ هَذَا الثَّوْبَ، أَوْ تَبْنِيَ هَذَا الْحَائِطَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، أَيْهُمَا فَعَلْتَ اكْتَفَيْتُ بِهِ.
وَإِنْ تَرَكْتَ الْجَمِيعَ عَاقَبْتُكَ، وَلَسْتُ آمِرًا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، بَلْ أَمَرْتُكَ أَنْ تَفْعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ. فَهَذَا الْكَلَامُ مَعْقُولٌ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلْعِقَابِ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْجَمِيعُ مَأْمُورٌ بِهِ ; فَإِنَّهُ صَرَّحَ
(1/345)

ص - لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا وُجُوبُ تَزْوِيجِ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ وَإِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنَ الْجِنْسِ. فَلَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ يُوجِبُ الْجَمِيعَ - لَوَجَبَ تَزْوِيجُ الْجَمِيعِ، وَلَوْ كَانَ مُعَيِّنًا لِخُصُوصِ أَحَدِهِمَا - امْتَنَعَ التَّخْيِيرُ.
ص: الْمُعْتَزِلَةُ: غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مَجْهُولٌ، وَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُعَيَّنٌ مِنْ حَيْثُ [إِنَّهُ] وَاجِبٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ فَيَنْتَفِي الْخُصُوصُ، [فَصَحَّ] إِطْلَاقُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَيْهِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا، مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا بِعَيْنِهِ، مُبْهَمًا - لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا. فَإِنْ تَعَدَّدَا - لَزِمَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ. وَإِنِ اتَّحَدَا - لَزِمَ اجْتِمَاعُ التَّخْيِيرِ وَالْوُجُوبِ.
وَأُجِيبَ بِلُزُومِهِ فِي الْجِنْسِ وَفِي الْخَاطِبَيْنِ.
وَالْحُقُّ أَنِ الَّذِي وَجَبَ لَمْ يُخَيَّرْ فِيهِ، وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ لَمْ يَجِبْ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. وَالتَّعَدُّدُ يَأْبَى كَوْنَ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَاحِدًا. كَمَا لَوْ حَرَّمَ وَاحِدًا وَأَوْجَبَ وَاحِدًا.
ص - قَالُوا: يَعُمُّ وَيَسْقُطُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، كَالْكِفَايَةِ. قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ ثَمَّةَ عَلَى تَأْثِيمِ الْجَمِيعِ، وَهَهُنَا بِتَرْكِ وَاحِدٍ.
وَأَيْضًا: فَتَأْثِيمُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/346)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِنَقِيضِهِ. وَلَا وَاحِدَ بِعَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّخْيِيرِ. فَلَا يَبْقَى إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَأْمُورُ بِهِ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] فَإِنَّ التَّخْيِيرَ فِيهِ، دَلَّ عَلَى جَوَازِ كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ. وَأَيْضًا: وُجُوبُ تَزْوِيجِ الْبِكْرِ الطَّالِبَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَحَدِ الْكُفُوَيْنِ الْخَاطِبَيْنِ.
وَوُجُوبُ إِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِ أَرِقَّائِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِالْجَمِيعِ، لَوَجَبَ تَزْوِيجُ الْخَاطِبَيْنِ، وَإِعْتَاقَ جَمِيعِ الرِّقَابِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
وَلَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ يُوجِبُ تَزْوِيجَ وَاحِدٍ [بِخُصُوصِهِ] ، أَيْ عَلَى التَّعْيِينِ، وَكَذَا إِعْتَاقُ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، لَامْتَنَعَ التَّخْيِيرُ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ضَرُورَةَ تَحْقِيقِ التَّخْيِيرِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
(1/347)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لِوُجُوبِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ لَكَانَ مُوجِبًا لِنَقِيضِهِ ; لِأَنَّ التَّخْيِيرَ يُنَافِي التَّعْيِينَ ; لِأَنَّ التَّخْيِيرَ يُجَوِّزُ تَرْكَ الْمُعَيَّنِ وَالتَّعْيِينُ لَا يُجَوِّزُهُ. وَكُلُّ مَا كَانَ مُوجِبًا لِنَقِيضِهِ كَانَ مُمْتَنِعًا.
ش - قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مِنْ جُمْلَتِهَا وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ مَجْهُولٌ، وَكُلُّ مَجْهُولٍ لَا يُكَلَّفُ بِهِ ; لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الشُّعُورُ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ.
وَأَيْضًا: غَيْرُ الْمُعَيَّنِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ وَاقِعٌ، فَهُوَ مُشَخَّصٌ، وَكُلُّ مُشَخَّصٍ مُعَيَّنٌ، وَكُلُّ مَا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ لَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مُحَالٌ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَعَدِّدَةِ [مُعَيَّنٌ] مِنْ
(1/348)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
حَيْثُ إِنَّهُ وَاجِبٌ [وَهُوَ] مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ وَاحِدًا مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَيَنْتَفِي [خُصُوصُهُ] أَيْ تَعَيُّنُهُ الشَّخْصِيُّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ، لَا بِعَيْنِهِ فَصَحَّ إِطْلَاقُ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ انْتِفَاءِ [خُصُوصِهِ] الشَّخْصِيِّ، وَإِطْلَاقِ الْمُعَيَّنِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ وَاجِبًا. فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَيَصِحُّ وُقُوعُهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ بِهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ وَاحِدًا مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَدِّدَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاحِدٌ، لَا بِعَيْنِهِ.
(1/349)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ مُبْهَمًا، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ; فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ [فَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ [وَاحِدًا، يَكُونُ الْمُخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي ; فَلِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِ التَّالِي يَلْزَمُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا التَّخْيِيرَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ، وَإِمَّا اجْتِمَاعَ التَّخْيِيرِ وَالْوُجُوبِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ التَّالِي.
أَمَّا لُزُومُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ; فَلِأَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَاحِدَ الْمُخَيَّرَ فِيهِ، أَوْ غَيْرَهُ.
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْوَاحِدِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ غَيْرَ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ.
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ التَّخْيِيرِ وَالْوُجُوبِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ الْأَمْرِ الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ [جَازَ] أَنْ يَخْتَارَ الْمُكَلَّفُ غَيْرَ الْوَاجِبِ، وَغَيْرُ الْوَاجِبِ يَجُوزُ تَرْكُهُ، فَيَجُوزُ أَنْ [لَا يَأْتِي] الْمُكَلَّفُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(1/350)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ ; فَلِأَنَّ الْوُجُوبَ يُنَافِي التَّخْيِيرَ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْمُتَنَافِيَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَازِمٌ عَلَيْكُمْ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ بِاعْتِنَاقِ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِ أَرِقَّائِهِ.
وَفِي صُورَةِ تَزْوِيجِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الطَّالِبَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ الْكُفُوَيْنِ. فَإِنَّ الْوَاجِبَ إِعْتَاقُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ، وَتَزْوِيجُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ.
وَكُلُّ مَا يَكُونُ جَوَابًا عَنْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ صُورَةِ النِّزَاعِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَنْعُ إِلْزَامِيًّا لَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ وَأَشَارَ إِلَى مَا هُوَ الْحَقُّ.
فَقَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْوَاجِبَ وَالْمُخَيَّرَ لَيْسَا بِوَاحِدٍ ; فَإِنَّ الَّذِي وَجَبَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ ; لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ. وَهُوَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ غَيْرُ مُخَيَّرٍ فِيهِ. وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ مُعَيَّنٌ ; لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ فِيهِ هُوَ [كُلُّ] وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ.
هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: " لِعَدَمِ التَّعْيِينِ " مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " الَّذِي وَجَبَ ".
وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ " فَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلَى [تَعَدُّدٍ] وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الَّذِي وَجَبَ مُتَعَيِّنٌ مِنْ حَيْثُ
(1/351)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
هُوَ وَاحِدٌ، لَا تَعَدُّدَ فِيهِ. وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ لَا يَكُونُ مُعَيَّنًا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَعَدِّدٌ.
قَوْلُهُ: " وَالتَّعَدُّدُ " إِشَارَةٌ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ وَالْمُخَيَّرَ فِيهِ لَا يَتَّحِدَانِ.
وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّخْيِيرَ يَتَعَدَّدَانِ. وَتُعَدُّدُ الْمُتَعَلِّقِينَ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَلِّقَانِ، أَيِ الْوَاجِبَ وَالْمُخَيَّرَ فِيهِ وَاحِدًا. كَمَا لَوْ حَرَّمَ الشَّارِعُ وَاحِدًا، وَأَوْجَبَ آخَرَ. فَإِنَّ تَعَدُّدَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَاهُمَا - أَيِ الْوَاجِبُ وَالْحَرَامُ - وَاحِدًا. وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ غَيْرَ الْمُخَيَّرِ فِيهِ، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الْمُخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ وَالْوَاجِبُ، التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ ; لِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، بَلِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى التَّعْيِينِ غَيْرُ وَاجِبٍ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ وَاجِبٌ. تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ قِيَاسًا عَلَى الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ عَنْهُمْ. وَالْجَامِعُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْوُجُوبِ مَعَ سُقُوطِ الْوُجُوبِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. وَوُرُودُ النَّصِّ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ لَا يُنَافِي عُمُومَ الْوُجُوبِ لِلْجَمِيعِ وَسُقُوطَهُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْفَرْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ، يَأْثَمُ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ. وَهَهُنَا إِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِ وَاحِدٍ. فَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَقُلْ بِإِيجَابِ الْجَمِيعِ فِي الْمُخَيَّرِ.
الثَّانِي: أَنَّ تَأْثِيمَ مُكَلَّفٍ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عِقَابُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، فَلَمْ يَكُنِ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. بِخِلَافِ تَأْثِيمِ الْمُكَلَّفِ عَلَى تَرْكِ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ ; فَإِنَّهُ مَعْقُولٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ الْمُكَلَّفُ عَلَى أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، فَيَكُونُ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ.
قِيلَ عَلَى الثَّانِي: إِنَّ التَّأْثِيمَ بِتَرْكِ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، غَيْرُ مَعْقُولٍ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
(1/352)

بِخِلَافِ التَّأْثِيمِ عَلَى تَرْكِ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
ص - قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ الْوَاجِبَ. قُلْنَا: يَعْلَمُهُ حَسْبَمَا أَوْجَبَهُ. وَإِذَا أَوْجَبَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.
ص - قَالُوا: عَلِمَ مَا يَفْعَلُ فَكَانَ الْوَاجِبَ. قُلْنَا: فَكَانَ الْوَاجِبَ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا مِنْهَا لَا لِخُصُوصِهِ ; لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْخَلْقَ فِيهِ سَوَاءٌ.
ص - الْمُوَسَّعُ. الْجُمْهُورُ أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَنَحْوِهِ وَقْتٌ لِأَدَائِهِ.
الْقَاضِي: الْوَاجِبُ: الْفِعْلُ أَوِ الْعَزْمُ، وَيَتَعَيَّنُ آخِرًا. وَقِيلَ وَقْتُهُ أَوَّلُهُ. فَإِنْ أَخَّرَهُ - فَقَضَاءٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/353)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَفِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ إِذَا كَانَ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِ أَحَدِهَا عَلَى التَّعْيِينِ. أَمَّا إِذَا كَانَ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِ أَحَدِهَا لَا بِعَيْنِهِ، [لَمْ يَلْزَمْ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ] .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْفَرْقِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَأْثِيمَ الْمُكَلَّفِ هَهُنَا بِتَرْكِ وَاحِدٍ ; فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ وَاحِدًا مِنَ الثَّلَاثَةِ [لَمْ يَأْثَمْ] بَلِ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ ; فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الْجَمِيعَ، أَثِمَ بِهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَعْلَمَهُ الْآمِرُ، وَكُلُّ مَا يَعْلَمُهُ الْآمِرُ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَالْوَاجِبُ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
بَيَانُ الصُّغْرَى أَنَّ الْآمِرَ طَالِبٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، أَعْنِي الْوَاجِبَ. وَمِنَ الْمُحَالِ طَلَبُ الْمَجْهُولِ.
(1/354)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُ الْكُبْرَى أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مُتَمَيَّزٌ عَنْ غَيْرِهِ. وَكُلُّ مَا هُوَ مُتَمَيَّزٌ عَنْ غَيْرِهِ يَكُونُ مُتَعَيِّنًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْكُبْرَى. تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَعْلَمُهُ الْآمِرُ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآمِرَ يَعْلَمُ الْوَاجِبَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ. وَإِذَا أَوْجَبَ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَجَبَ أَنْ يُعْلَمَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. وَكَوْنُ الْمَعْلُومِ مُتَعَيِّنًا بِاعْتِبَارِ تَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْفِعْلِ لَا يُنَافِي عَدَمَ تَعَيُّنِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ وَاحِدًا مِنَ الثَّلَاثَةِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا بِحَسَبِ النَّوْعِ، غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ بِحَسَبِ الشَّخْصِ.
ش - هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ.
(1/355)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ مُتَعَيِّنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوُجُوبُ تَعَلَّقَ بِهِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُعَيَّنًا، وَهُوَ مَا يَفْعَلُ الْمُكَلَّفُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا، لَا بِعَيْنِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ [خُصُوصُهُ] ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَفَاوُتُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهِ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ أَحَدُ الْمُكَلَّفِينَ وَاحِدًا مِنْهَا وَالْآخَرُ غَيْرَهُ، فَإِذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ هُوَ مَا فَعَلَهُ بِخُصُوصِهِ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا، كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى ذَا الْمُكَلَّفِ غَيْرَ الْوَاجِبِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ تَفَاوُتُ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ عَلَى السَّوَاءِ.
[الواجب الموسع]
ش - الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ رَاجِعٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ [إِلَى] الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ ; إِذِ الصَّلَاةُ الْمُؤَدَّاةُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ غَيْرُ الْمُؤَدَّاةِ فِي غَيْرِهِ بِحَسَبِ الشَّخْصِ. وَالْوَاجِبُ هُوَ أَحَدُ الْأَشْخَاصِ الْمُتَمَايِزَةِ بِالْأَوْقَاتِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا [لَا بِعَيْنِهِ، كَخِصَالِ] الْكَفَّارَةِ فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ [تَابِعًا لِلْوَاجِبِ] الْمُخَيَّرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي [مَسْأَلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ] .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِعْلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَقْتِ عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ [يَكُونُ] الْفِعْلُ زَائِدًا عَلَى الْوَقْتِ. وَالتَّكْلِيفُ بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ إِلَّا لِغَرَضِ الْقَضَاءِ كَمَا إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ [قَدْرُ] تَكْبِيرَةٍ.
(1/356)

بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: آخِرُهُ، فَإِنْ قَدَّمَهُ - فَنَفْلٌ يُسْقِطُ الْفَرْضَ -.
الْكَرْخِيُّ: إِلَّا أَنْ يَبْقَى بِصِفَةِ الْمُكَلَّفِ فَمَا قَدَّمَهُ وَاجِبٌ.
ص - لَنَا أَنَّ الْأَمْرَ قُيِّدَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ. فَالتَّخْيِيرُ وَالتَّعْيِينُ تَحَكُّمٌ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا - لَكَانَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِهِ مُقَدَّمًا.، فَلَا يَصِحُّ، أَوْ قَاضِيًا، فَيُعْصَى، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
ص - الْقَاضِي: ثَبَتَ فِي الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَاعِلَ مُمْتَثِلٌ لِكَوْنِهَا صَلَاةً قَطْعًا، لَا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. وَوُجُوبُ الْعَزْمِ فِي كُلِّ [وَاجِبٍ] مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ.
ص - الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ كَانَ وَاجِبًا أَوَّلًا - عَصَى بِتَأْخِيرِهِ ; لِأَنَّهُ تَرْكٌ. قُلْنَا: التَّأْخِيرُ وَالتَّعْجِيلُ فِيهِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : مَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ، عَصَى اتِّفَاقًا. فَإِنْ لَمْ يَمُتْ ثُمَّ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ - فَالْجُمْهُورُ: أَدَاءٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّهُ قَضَاءٌ. فَإِنْ أَرَادَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ - فَبَعِيدٌ.
وَيَلْزَمُهُ لَوِ اعْتَقَدَ انْقِضَاءَ الْوَقْتِ قَبْلَ الْوَقْتِ -[يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ.
وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ فَمَاتَ فَجْأَةً - فَالتَّحْقِيقُ لَا يَعْصِي. بِخِلَافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمُرُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ [وَكَانَ] مَقْدُورًا شَرْطًا وَاجِبٌ.
وَالْأَكْثَرُ: وَغَيْرُ شَرْطٍ. كَتَرْكِ الْأَضْدَادِ فِي الْوَاجِبِ، وَفِعْلِ ضِدٍّ فِي الْمُحَرَّمِ، وَغَسْلِ جُزْءِ الرَّأْسِ. وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا.
ص - لَنَا: لَوْ لَمْ يَجِبِ الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا. وَفِي غَيْرِهِ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَهُ - لَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ تُعَلُّقُ الْوُجُوبِ لِنَفْسِهِ، وَلَامْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِهِ، وَلَعَصَى بِتَرْكِهِ، وَلَصَحَّ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ فِي نَفْيِ الْمُبَاحِ، وَلَوَجَبَتْ [نِيَّتُهُ] .
ص - قَالُوا: لَوْ لَمْ يَجِبْ - لَصَحَّ دُونَهُ، وَلَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْوَاجِبِ. وَالتَّوَصُّلُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/357)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُسَاوِيًا لِلْوَقْتِ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَهُوَ الْوَاجِبُ الْمَضَيَّقُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ زَائِدًا عَلَى الْفِعْلِ. وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا، وَنَحْوَهُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَالْعَشَاءِ، وَقْتٌ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، إِمَّا بِلَا بَدَلٍ - وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - أَوْ مَعَ بَدَلٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْعَزْمُ. وَالْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، أَعْنِي الْعَزْمَ أَوِ الْفِعْلَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيَتَعَيَّنُ الْفِعْلُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ. وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ.
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَقْتُهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ وَأَتَى بِهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَهُوَ قَضَاءٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الْوَقْتُ آخِرُهُ، فَإِنْ قَدَّمَهُ، أَيْ أَتَى بِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَمَا فَعَلَهُ نَفْلٌ يُسْقِطُ الْفَرْضَ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْمَأْتِيَّ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَوْقُوفَةٌ.
(1/358)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ أَدْرَكَ الْمُصَلِّي آخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى صِفَةِ الْمُكَلَّفِينَ، فَمَا قَدَّمَهُ وَاجِبٌ. وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ آخِرَ الْوَقْتِ، أَوْ أَدْرَكَ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى صِفَةِ الْمُكَلَّفِينَ، فَمَا قَدَّمَهُ نَفْلٌ.
(1/359)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ، شَرَعَ فِي إِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَتَمَسَّكَ بِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا قُيِّدَ بِجَمِيعِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَخْصِيصِهِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ قَابِلًا لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ إِيجَابَ [إِيقَاعِ] ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ بِحَسَبِ إِرَادَةِ الْمُكَلَّفِ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ تَحَكُّمًا.
وَكَذَا تَعْيِينُ أَوَّلِ الْوَقْتِ إِلَى آخِرِهِ تَحَكُّمٌ ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّعْيِينِ وَلَا عَلَى التَّخْيِيرِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ مُعَيَّنًا، لَتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ، لَكَانَ الْمُصَلَّى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مُقَدَّمًا، إِنْ أَتَى قَبْلَ دُخُولِ ذَلِكَ الْجُزْءِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، أَوْ قَاضِيًا، إِنْ أَتَى بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْجُزْءِ، فَيَكُونُ عَاصِيًا ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا بِالْعَمْدِ.
(1/360)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ ; لِأَنَّهُمَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
ش - تَقْرِيرُ قَوْلِ الْقَاضِي إِنَّهُ ثَبَتَ فِي الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا جَازَ تَرْكُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْعَزْمُ بَدَلًا، لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ وَاجِبًا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ جَازَ تَرْكُهُ بِلَا بَدَلٍ. فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَحَدَهُمَا.
تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَحَدَهُمَا أَعْنِي الْعَزْمَ أَوِ الْفِعْلَ، لَكَانَ الْفَاعِلُ مُمْتَثِلًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهُمَا، لَا عَلَى التَّعْيِينِ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; لِأَنَّ الْفَاعِلَ إِنَّمَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا صَلَاةً بِخُصُوصِهَا قَطْعًا، وَإِلَّا لَجَازَ الْإِتْيَانُ بِالْعَزْمِ دُونَ الصَّلَاةِ. وَوُجُوبُ الْعَزْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَزْمِ غَيْرُ
(1/361)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَخْصُوصٍ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، بَلْ كُلُّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ، أَيْ كُلُّ أَمْرٍ دِينِيٍّ، يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ".
ش - قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْفِعْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ [الْوَقْتِ] ، عَصَى الْمُكَلَّفُ بِتَأْخِيرِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُكَلَّفُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ فَهُوَ عَاصٍ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ التَّعْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَكَمَا [أَنَّ] تَارِكَ إِحْدَى الْخِصَالِ لَا يَعْصِي، إِذَا أَتَى بِالْبَاقِي، كَذَلِكَ تَارِكُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي إِذَا أَتَى بِهِ آخِرَ الْوَقْتِ.
(1/362)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ [الثَّالِثَةُ] فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ. الْقَائِلُونَ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ، لَوْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ،
(1/363)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَصَى بِتَرْكِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّهُ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ بِلَا عُذْرٍ عِصْيَانٌ.
فَإِنْ لَمْ يَمُتِ الْمُكَلَّفُ، ثُمَّ فَعَلَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ، [فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ ;] لِأَنَّهُ فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ أَوَّلًا [شَرْعًا] .
وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ مَا فَعَلَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءً ; لِأَنَّهُ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ بِظَنِّهِ، فَيَكُونُ وُقُوعُهُ فِي الْآخِرِ وُقُوعَ الْوَاجِبِ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِهِ، فَيَكُونُ قَضَاءً. وَالْمُصَنِّفُ زَيَّفَ قَوْلَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْقَاضِي بِكَوْنِهِ قَضَاءً: وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ، فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَا يُؤْتَى بِهِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ ; وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَ الظَّنِّ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ ; فَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِظَنِّهِ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَهُ قَضَاءً، فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ الظَّنَّ الْبَيِّنَ خَطَؤُهُ لَا يُؤَثِّرُ.
وَيُمْكِنُ تَقْرِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَرَادَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمُخْتَارَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ كُلٌّ مَكَانَ الْآخَرِ. فَوُجُوبُ نِيَّتِهِ يَكُونُ بَعِيدًا.
(1/364)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ قَضَاءٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَقَعَ خَارِجَ وَقْتِهِ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّنَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا، لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ الْعِصْيَانَ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ ظَنِّهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّنَّ يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا الظَّنُّ مُعْتَبَرًا قَبْلَ ظُهُورِ الْخَطَأِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، فَبِتَرْكِهِ يَكُونُ عَاصِيًا. وَبَعْدَ ظُهُورِ الْخَطَأِ لَمْ يُعْتَبَرْ، فَيَكُونُ الْوَقْتُ غَيْرَ مُضَيَّقٍ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُلْزَمُ الْقَاضِي: لَوِ اعْتَقَدَ الْمُكَلَّفُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ دَخَلَ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ انْقَضَى الْوَقْتُ، فَعَصَى بِالتَّأْخِيرِ. أَنَّهُ يَكُونُ مَا فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ خَطَأُ اعْتِقَادِهِ، قَضَاءً ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ.
فَوُقُوعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ عَلَى زَعْمِ الْقَاضِي.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْصِيَ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِ الْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ فِي الْبَاقِي مِنَ الْوَقْتِ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَقْتُهُ مُوَسَّعٌ مَا لَمْ يُتَعَمَّدْ بِالتَّرْكِ. وَلَا يَعْصِي إِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الْوَقْتِ إِذَا ظَنَّ الْمُكَلَّفُ قَبْلَ الْوَقْتِ دُخُولَهُ وَخُرُوجَهُ [لَوْ] لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرْكُ وَالتَّأْخِيرُ بِالْإِجْمَاعِ.
(1/365)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مَا ذَكَرْنَا فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ لَفْظِهِ " أَنَّهُ " [عَنْ] أَوَّلِ قَوْلِهِ: " يَعْصِي " وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ.
وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ فَمَاتَ فَجْأَةً فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يَعْصِي ; إِذِ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَاقِبَةِ. وَإِذَا كَانَ تَرْكُهُ جَائِزًا فَكَيْفَ يَعْصِي بِهِ. وَأَيْضًا أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى عَدَمِ الْعِصْيَانِ.
وَقَوْلُهُمْ إِنَّمَا جُوِّزَ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ عَنْهُ. فَإِذَا سَأَلْنَا وَقَالَ الْعَاقِبَةُ مَسْتُورَةٌ، وَأُرِيدَ تَأْخِيرُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِيَ التَّأْخِيرُ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعَاقِبَةِ، أَوْ أَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ جَوَابٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَعْصِي، فَلَمْ يَأْثَمْ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَيْسَ إِلَيْهِ. وَإِنْ قُلْنَا: يَعْصِي فَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ.
(1/366)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ قُلْنَا: إِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّكَ تَمُوتُ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَأَنْتَ فِي الْحَالِ عَاصٍ بِالتَّأْخِيرِ. وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّكَ تَعِيشُ إِلَى الْآخِرِ، فَلَكَ التَّأْخِيرُ. فَيَقُولُ: وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا فَتْوَاكُمْ فِي حَقِّ الْجَاهِلِ؟ فَلَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ بِالتَّحْلِيلِ أَوِ التَّحْرِيمِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ بِالتَّأْخِيرِ بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ بَقِيَ أَوْ لَمْ يَبْقَ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمُرُ كَالْحَجِّ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ وَمَاتَ يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ ; لِأَنَّ الْبَقَاءَ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى لَيْسَ بِغَالِبٍ إِلَى الظَّنِّ.
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ إِلَى سَنَةٍ
(1/367)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أُخْرَى. وَأَمَّا تَأْخِيرُ الصَّوْمِ إِلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْمَوْتُ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ.
وَالشَّافِعِيُّ يَرَى الْبَقَاءَ إِلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ فِي حَقِّ الشَّابِّ الصَّحِيحِ دُونَ الشَّيْخِ.
[مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ اعْلَمْ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ أَمْ لَا.
(1/368)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ، وَكَالْيَدِ فِي الْكِتَابَةِ، وَالرِّجْلِ فِي الْمَشْيِ، وَحُضُورِ الْإِمَامِ الْجُمُعَةَ، وَحُضُورِ تَمَامِ الْعَدَدِ. فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ وَاجِبَةً، بَلْ عَدَمُهَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ.
الْأَوَّلُ - وَهُوَ مَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ - هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا شَرْعِيًّا لِلْوَاجِبِ، كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ. أَوْ لَا يَكُونَ شَرْطًا شَرْعِيًّا. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا، أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِهِ بِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ يُوجِبُ الشَّرْطَ الشَّرْعِيَّ دُونَ غَيْرِهِ.
وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ كَمَا يُوجِبُ وُجُوبَ الشَّرْطِ، يُوجِبُ وُجُوبَ غَيْرِ الشَّرْطِ، سَوَاءٌ كَانَ غَيْرُ الشَّرْطِ سَبَبًا، كَالنَّارِ لِلْإِحْرَاقِ، أَوْ غَيْرَ سَبَبٍ.
أَمَّا تَرْكُ ضِدِّ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، أَوْ فِعْلُ ضِدِّ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إِلَّا بِهِ، أَوْ طَرِيقٍ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ، كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُ الْوَجْهِ إِلَّا بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، أَوْ طَرِيقٍ إِلَى الْعِلْمِ [بِإِتْيَانِ] الْوَاجِبِ، كَالْإِتْيَانِ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ إِذَا تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا، وَلَمْ يُعَرِّفْهَا بِعَيْنِهَا.
(1/369)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا. أَيْ وُجُوبُ الشَّيْءِ مُطْلَقًا لَا يُوجِبُ وُجُوبَ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرْطِ وَغَيْرِهِ.
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ، أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، إِنْ كَانَ شَرْطًا، فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ شَرْطٍ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّرْطُ وَاجِبًا، لَمْ يَكُنْ هُوَ شَرْطًا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الشَّرْطَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، جَازَ تَرْكُهُ، فَإِذَا تَرَكَهُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ لَا، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الشَّيْءِ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ.
وَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُمْكِنَ الْحُصُولِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ أَوْ لَا.
(1/370)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي بَاطِلٌ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ فَيَتَحَقَّقُ الْأَوَّلُ، فَلَا يَكُونُ شَرْطًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَ غَيْرِ الشَّرْطِ مِمَّا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، لَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ، أَيِ الْأَمْرِ لِغَيْرِ الشَّرْطِ ; لِاسْتِحَالَةِ إِيجَابِ الشَّيْءِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلشَّيْءِ قَدْ يَغْفُلُ عَنْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَ غَيْرِ الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْوُجُودِ مَعَ مَنْعِ النَّقِيضِ بِغَيْرِ الشَّرْطِ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ أَوْ لِنَفْسِ ذَلِكَ الْغَيْرِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُمَا; لِتَوَقُّفِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِمَلْزُومِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الطَّلَبَ لَا يُعْقَلُ تَعَلُّقُهُ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْمَطْلُوبِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَ غَيْرِ الشَّرْطِ، لَامْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِ وُجُوبِهِ، أَيِ امْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ غَيْرَ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا ; لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الْوَاجِبِ مُسْتَلْزِمًا لِوُجُوبِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ غَسْلَ الْوَجْهِ، وَمَا أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ غَسْلَ شَيْءٍ مِنَ الرَّأْسِ.
الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ مُسْتَلْزِمًا لِوُجُوبِ غَيْرِ الشَّرْطِ، لَعَصَى الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ.
(1/371)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ تَارِكَ الصَّوْمِ يَكُونُ عَاصِيًا بِتَرْكِ الصَّوْمِ، لَا بِتَرْكِ إِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ وُجُوبَهُ، لَصَحَّ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ فِي نَفْيِ الْفِعْلِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرْعِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِمَا سَنَذْكُرُهُ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُبَاحَ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَمَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ يَكُونُ وَاجِبًا.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرُ الشَّرْطِ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَاجِبًا لَوَجَبَتْ نِيَّتُهُ ; لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَعَقُّلِ الْمُوجِبِ لَهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْوُجُوبُ بِالْأَصَالَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بِالتَّبَعِيَّةِ فَلَا. سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِوُجُوبِ الشَّرْطِ.
وَعَلَى الثَّانِي: إِنْ أَرَادَ بِالتَّعَلُّقِ لِنَفْسِهِ: [التَّعَلُّقَ] بِالْأَصَالَةِ، فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي ; فَإِنَّ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِالْمُقَدِّمَاتِ لَيْسَتْ بِالْأَصَالَةِ بَلْ بِالْفَرْعِيَّةِ ; لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِمَلْزُومِهَا أَوَّلًا، وَبِوَاسِطَةِ الْمَلْزُومِ يَتَعَلَّقُ بِهَا.
(1/372)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ الْفَرْعِيِّ بِالْمُقَدِّمَاتِ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَاهُ، فَمَنْعُهُ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ الْوُجُوبَ الْأَوَّلَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ نَشَأَ مِنْهُ الْوُجُوبُ الثَّانِي، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ الثَّانِي الْفَرْعِيُّ بِالْمُقَدَّمَاتِ لِذَاتِهِ. وَأَيْضًا فَمَنْقُوضٌ بِوُجُوبِ الشَّرْطِ.
وَعَلَى الثَّالِثِ أَنَّ غَسْلَ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ; إِذِ الْوُجُوبُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، دُونَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لَا الْقَادِرِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ فِي صُورَةِ الْقَادِرِ، وَنَفْيُ التَّالِي فِي صُورَةِ الْعَاجِزِ.
وَبِهِ خَرَجَ الْجَوَابُ عَلَى الرَّابِعِ. وَيُقَالُ عَلَى الرَّابِعِ أَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ نَفْيَ اللَّازِمِ ; فَإِنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ تَرْكَ الْوَاجِبِ بِالذَّاتِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالذَّاتِ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ فَيَكُونُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلْعِصْيَانِ. عَلَى أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِوُجُوبِ الشَّرْطِ.
وَعَنِ الْخَامِسِ أَنَّهُ يَلْزَمُ نَفْيُ الْمُبَاحِ إِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَرْكُ الْحَرَامِ إِلَّا بِفِعْلِ الْمُبَاحِ. أَمَّا إِذَا حَصَلَ بِغَيْرِهِ فَلَا ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْمُبَاحُ مُقَدِّمَةً لِلْوَاجِبِ.
وَعَنِ السَّادِسِ: لَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ غَيْرُ الشَّرْطِ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَقْصُودًا بِالْعَرَضِ فَلَا.
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ مَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا أَوْ غَيْرَهُ، قَدْ تَمَسَّكُوا بِوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ، شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لَصَحَّ الْفِعْلُ الْوَاجِبُ بِدُونِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْآتِيَ بِالْفِعْلِ الْوَاجِبِ يَكُونُ آتِيًا بِجَمِيعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ يُوجِبُ الصِّحَّةَ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ صَحِيحًا دُونَهُ، لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ. وَلَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ بَاطِلًا كَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْفِعْلِ دُونَ بَاطِلًا. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ، شَرْطًا كَانَ
(1/373)

وَأُجِيبَ: إِنْ أُرِيدَ بِـ " لَا يَصِحُّ " وَ " وَاجِبٌ " لَا بُدَّ مِنْهُ - فَمُسَلَّمٌ. وَإِنْ أُرِيدَ مَأْمُورٌ بِهِ - فَأَيْنَ دَلِيلُهُ؟ [وَإِنْ سُلِّمَ الْإِجْمَاعُ فَفِي] الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ. خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَهِيَ كَالْمُخَيَّرِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَسْتَحِيلُ كَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبًا حَرَامًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/374)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوْ غَيْرَهُ، لَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْوَاجِبِ ; لِأَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى الْوَاجِبِ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ " لَا يَصِحُّ الْوَاجِبُ بِدُونِهِ " فِي نَفْيِ تَالِي الْمُلَازَمَةِ الْأُولَى، وَبِقَوْلِهِمْ: " وَجَبَ التَّوَصُّلُ بِهِ إِلَى الْوَاجِبِ " فِي نَفْيِ تَالِي الْمُلَازَمَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ، فَنَفْيُ التَّالِي مُسَلَّمٌ. وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ بُدٌّ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَأَيْنَ دَلِيلُهُمْ عَلَى هَذَا.
وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، لَا لِنَفْسِ وُجُوبِ الْفِعْلِ.
وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَمَّا أَوَّلًا ; فَلِأَنَّهُ كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مُمْتَنِعٌ تَرْكُهُ، وَكُلُّ مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ تَرْكُهُ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَكُلُّ وَاجِبٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا ; فَلِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّهَا يَجِبُ التَّوَصُّلُ بِهَا إِلَى الْوَاجِبِ دُونَ غَيْرِهَا، تَحَكُّمٌ مَحْضٌ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، فَهُوَ وَاجِبٌ.
بَيَانُهُ أَنَّ إِيجَابَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا، إِيجَابٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ; فَإِنْ
(1/375)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا لِوُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ وَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَالَ عَدَمِ الْمُقَدِّمَةِ، لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِهِ حَالَ عَدَمِهَا، وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّكْلِيفِ بِهِ حَالَ عَدَمِ الْمُقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ يُوجِبُ عَدَمَهَا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ إِيجَابَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ إِيجَابَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْحَالَةُ الَّتِي عُدِمَتْ فِيهَا الْمُقَدِّمَةُ، فَيَلْزَمُ إِيجَابُهُ حَالَ الْمُقَدِّمَةِ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ.
وَأَيْضًا عَدَمُ إِيجَابِ الْمُقَدِّمَةِ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ عَدَمَهَا، لَكِنَّهُ يُجَوِّزُهُ فَيُلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمُحَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِيجَابَهُ مُطْلَقًا يَسْتَدْعِي إِيجَابَ الْمُقَدِّمَةِ ; إِذْ مِنَ الْجَائِزِ تَقَيُّدُهُ بِوَقْتِ حُصُولِ الْمُقَدِّمَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لِوُرُودِ الْأَمْرِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
قُلْتُ: يَلْزَمُكَ أَيْضًا خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّكَ تُوجِبُ الْمُقَدِّمَةَ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ إِيجَابِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ.
فَالْجَوَابُ، أَنَّ إِيجَابَ الْمُقَدِّمَةِ أَمْرٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. فَلَمْ يَكُنْ خِلَافَ الظَّاهِرِ. التَّقْيِيدُ بِوَقْتِ وُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ يَنْفِيهِ اللَّفْظُ ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَتَقْيِيدُهُ بِوَقْتِ
(1/376)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وُجُوبِ الشَّرْطِ يُنَافِيهِ، فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ خِلَافَ الظَّاهِرِ إِثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ اللَّفْظُ، أَوْ رَفْعُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّفْظُ. وَمَا لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، لَا يَكُونُ إِثْبَاتُهُ وَنَفْيُهُ مُخَالَفَةً لِلظَّاهِرِ.
[تحريم وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ الْوَاجِبِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْحَرَامِ، وَذَكَرَهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ. الْأُولَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ أَمْ لَا.
فَقَالَ الْأَصْحَابُ: نَعَمْ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا.
لَنَا أَنَّهُ لَا مَانِعَ عَقْلًا ; إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِغُلَامِهِ: لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، فَقَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْكَ كَلَامَ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَلَمْ أُحَرِّمْ عَلَيْكَ كَلَامَهُمَا جَمِيعًا، وَلَا كَلَامَ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ. فَلَيْسَ الْمُحَرَّمُ مَجْمُوعَ كَلَامِهِمَا، وَلَا كَلَامَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ; لِتَصْرِيحِهِ بِنَقِيضِهِ. فَلَمْ يَبْقَ الْمُحَرَّمُ إِلَّا كَلَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَطَرِيقُ الْخَصْمِ فِي الِاعْتِرَاضِ وَطَرِيقُنَا فِي الْجَوَابِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ.
[استحالة كَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبًا حَرَامًا]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا حَرَامًا أَمْ لَا. الْوَاحِدُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بِالنَّوْعِ أَوْ بِالشَّخْصِ. وَالْأَوَّلُ كَالسُّجُودِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنَ الْأَفْعَالِ، ذُو أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ، يَجُوزُ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ، فَيَكُونُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَاجِبًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبَعْضُهَا حَرَامًا، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ. وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ. فَإِنْ كَانَ ذَا جِهَةٍ وَاحِدَةٍ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَاجِبًا حَرَامًا لِتَنَافِيهَا، إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ عَقْلًا وَشَرْعًا.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِهِ شَرْعًا لَا عَقْلًا فَلَا يُجَوِّزُونَهُ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
(1/377)

وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَهُ جِهَتَانِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ - فَالْجُمْهُورُ: [تَصِحُّ] .
وَالْقَاضِي: [لَا تَصِحُّ] وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عِنْدَهَا.
وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ: [لَا تَصِحُّ،] وَلَا يَسْقُطُ.
ص - لَنَا: الْقَطْعُ بِطَاعَةِ الْعَبْدِ وَعِصْيَانِهِ بِأَمْرِهِ بِالْخِيَاطَةِ وَنَهْيِهِ عَنْ مَكَانٍ مَخْصُوصٍ لِلْجِهَتَيْنِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَكَانَ لِاتِّحَادِ الْمُتَعَلِّقِينَ ; إِذْ لَا مَانِعَ سِوَاهُ اتِّفَاقًا، وَلَا اتِّحَادَ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلصَّلَاةِ وَالنَّهْيَ لِلْغَصْبِ.
وَاخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ [جَمْعَهُمَا] لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَمَا ثَبَتَ صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَلَا صِيَامٌ مَكْرُوهٌ ; لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَ الْكَوْنُ مُنِعَ، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ ; لِرُجُوعِ النَّهْيِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُمْ [لَمْ يَأْمُرُوهُمْ] بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/378)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَهُ جِهَتَانِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ذَاتُ جِهَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُهَا صَلَاةً، وَالثَّانِيَةُ كَوْنُهَا غَصْبًا. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِهَتَيْنِ مَعْقُولَةٌ بِدُونِ الْأُخْرَى. فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ إِذَا أَتَى بِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا تَصِحُّ إِذَا أَتَى بِهَا، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنِ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ الصَّلَاةِ لَا بِهَا.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا تَصِحُّ إِذَا أَتَى بِهَا، وَلَا يَسْقُطْ عَنْهُ الطَّلَبُ.
(1/379)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَقْرِيرِ الْأَقْوَالِ، شَرَعَ فِي إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ، وَبَيَّنَهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِجَوَازِ ذَلِكَ عَقْلًا. كَمَا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَا تَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ. فَإِنَّهُ إِذَا خَاطَ الثَّوْبَ فِي الدَّارِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، نَقْطَعُ بِطَاعَتِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ خَاطَ، وَبِمَعْصِيَتِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ خَاطَ فِي الدَّارِ. فَيَكُونُ فِعْلُ الْخِيَاطَةِ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ جِهَتَيْنِ.
فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَأْمُورٌ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ، مَنْهِيٌّ عَنْهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَأْمُورًا بِهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا، كَانَ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِاتِّحَادِ مُتَعَلِّقِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ; إِذْ لَا مَانِعَ سِوَاهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; إِذْ لَا اتِّحَادَ بَيْنَ مُتَعَلِّقِيهِمَا ; لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ هُوَ الصَّلَاةُ، وَمُتَعَلِّقَ النَّهْيِ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ. وَاخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا، حَتَّى يَتَّحِدَّ الْجِهَتَانِ.
وَقَدْ قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّلَاةَ مَأْمُورٌ بِهَا، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، صَارَتْ هَيْئَةُ الصَّلَاةِ مَنْهِيًّا عَنْهَا، وَلَا يُمْكِنُ حُصُولُهَا بِدُونِهَا، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَنْهِيًّا عَنْهَا، فَلَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهَا.
وَأَيْضًا: الْخِيَاطَةُ، إِنْ أُمِرَ بِهَا كَيْفَ كَانَتْ فَلَا يَكُونُ شَغْلُ الْحَيِّزِ مَمْنُوعًا عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ نَظِيرًا لِمُتَنَازَعٍ فِيهِ.
(1/380)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ أُمِرَ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَمُنِعَ الْعَبْدُ عَنْ شُغْلِ الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ وَاشْتَغَلَ بِالْخِيَاطَةِ فِيهَا فَهَذِهِ الْخِيَاطَةُ مَمْنُوعٌ عَنْهَا، وَلَكِنْ يُعَدُّ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا; لِأَنَّهَا فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَبْطُلُ بِالْمَنْعِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ لِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ: لَا كَلَامَ فِي التَّغَايُرِ، بَلِ الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْجَمْعَ أَوْجَبَ لِلصَّلَاةِ هَيْئَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا مَنَعَتْ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مَأْمُورًا بِهَا. وَمَا ذَكَرْتَ لَا يَدْفَعُهُ.
وَقِيلَ عَلَى الثَّانِي أَيْضًا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَحَدُ أَجْزَائِهَا: الْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ. وَهَذَا الْكَوْنُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ كَوْنٌ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ الْجُزْءُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، يَكُونُ الْكُلُّ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَيْسَتْ مَأْمُورًا بِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا صَلَاةٌ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مُطْلَقًا. وَالْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ لَهَا بَعْدَ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا، لَا يَكُونُ نَهْيُهَا مُوجِبًا لِنَهْيِ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ [لَهَا] ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمُطْلَقَةَ قَدْ تَتَحَقَّقُ بِدُونِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ. وَإِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ غَيْرَ مَنْهِيٍّ، وَقَدْ أَتَى بِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالصَّلَاةِ الْمُقَيَّدَةِ، وَالْمُقَيُّدُ يَسْتَلْزِمُ الْمُطْلَقَ، فَيَكُونُ قَدْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهَا.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ الْعَبْدَ بِالْخِيَاطَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَنَهَاهُ عَنْ شَغْلِهِ الْمَكَانَ الْمَخْصُوصَ وَقَالَ: إِنِ ارْتَكَبْتَ النَّهْيَ ضَرَبْتُكَ، وَإِنِ امْتَثَلْتَ
(1/381)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَمْرَ أَعْتَقْتُكَ، فَخَاطَ الثَّوْبَ فِي الدَّارِ، فَيَحْسُنُ مِنَ السَّيِّدِ أَنْ يَضْرِبَهُ وَيُعْتِقَهُ، وَيَقُولُ: أَطَاعَ بِالْخِيَاطَةِ وَعَصَى بِدُخُولِ الدَّارِ. فَالْخِيَاطَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ خِيَاطَةٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهَا قَطْعًا.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعِدُ الْعَبْدَ مُمْتَثِلًا لِأَنَّهَا فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَبْطُلُ بِالْمَنْعِ مِنْهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ لَيْسَ عَنِ الصَّلَاةِ، حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ لَا يُعَدَّ مُمْتَثِلًا، بَلِ الْمَنْعُ عَنْ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَوُرُودُ الْمَنْعِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِعَدَمِ وُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ أَوْ لَا يَكُونُ مُوجِبًا. وَأَيًّا مَا كَانَ، لَا فَرْقَ بَيْنَ خِيَاطَةِ الْعَبْدِ وَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فِي كَوْنِهِمَا وَاقِعِينَ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ أَوْ غَيْرَ وَاقِعَيْنِ. وَبِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا يُعْرَفُ جَوَابُ مَا قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، لَمَا ثَبَتَ صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ وَلَا صِيَامٌ مَكْرُوهٌ.
(1/382)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَمْكِنَةِ الَّتِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى كَرَاهَتِهَا فِيهَا، كَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْحَمَّامِ، صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ.
وَكَذَا الصَّوْمُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ صَوْمٌ مَكْرُوهٌ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ اجْتِمَاعُ التَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ، لَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ ; لِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ ضِدًّا لِلْوُجُوبِ، تَكُونُ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا ضِدًّا لَهُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَوْنَ، أَيِ الْجِهَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْوُجُوبُ، وَالْكَرَاهَةُ إِنِ اتَّحَدَ، مَنَعَ انْتِفَاءَ التَّالِي ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ صَلَاةٍ مَكْرُوهَةٍ تَكُونُ جِهَةُ وُجُوبِهَا وَكَرَاهَتِهَا مُتَّحِدَةً، وَلَا ثُبُوتَ صَوْمٍ كَذَلِكَ.
وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ يَتَّحِدِ الْكَوْنُ، أَيِ الْجِهَةُ الْمَذْكُورَةُ، لَمْ يُفِدِ الدَّلِيلُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ حِينَئِذٍ رَاجِعٌ إِلَى وَصْفِ جَائِزِ الِانْفِكَاكِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ التَّعَرُّضُ لِنِفَارِ الْإِبِلِ فِي أَعْطَانِهَا، وَلِحَظْرِ السَّيْلِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَلِخَوْفِ الرَّشَاشِ فِي الْحَمَّامِ.
(1/383)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَمْرُ رَاجِعٌ إِلَى الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ بِهَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ الْمُتَغَايِرَتَيْنِ. بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ الْجِهَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهَا - وَهِيَ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ - لَا تَنْفَكُّ عَنِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ثُبُوتِ اجْتِمَاعِ الْكَرَاهَةِ وَالْوُجُوبِ ثُبُوتُ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ.
قِيلَ: إِنَّ جِهَةَ الْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، هِيَ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ، وَكَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخَّصَةِ لَكِنْ جَائِزَةُ الِانْفِكَاكِ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ. وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَوَازِ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ وَبَيْنَ جَوَازِ اجْتِمَاعِ الْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ، وَصْفٌ مُنْفَكٌّ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخِّصَةِ، بِخِلَافِ الْوَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخِّصَةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْفَرْقَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ غَيْرُ مُفِيدٍ ; لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ هُوَ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ، لَا الْمُشَخِّصَةُ.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ آخَرُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهَا عَنِ الْمُكَلَّفِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً لَمْ يُمْكِنِ الْإِتْيَانُ بِهَا، [إِتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ،] وَالتَّكْلِيفُ كَيْفَ يَسْقُطُ بِعَدَمِ إِتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِمَا قَالَ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِالْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحَقُّقِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَأْتِيِّ بِهَا فِي الْأَرَاضِي الْمَغْصُوبَةِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ ; فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ خَالَفَ الْفُقَهَاءَ فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَالَغَ فِي تَفْتِيشِ النَّقْلِيَّاتِ، وَمَعَ مُخَالَفَتِهِ كَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ.
ش - قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ، أَيْ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ أَنَّ الْكَوْنَ الْمَخْصُوصَ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ هُوَ بِعَيْنِهِ الْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْغَصْبُ. وَالْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْغَصْبُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ. فَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً لَكَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا ; لِأَنَّ الصِّحَّةَ هِيَ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْكَوْنُ مَأْمُورًا بِهِ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيُ وَاحِدًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ لَوْ صَحَّتْ لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَوْنَ الْمَخْصُوصَ لَهُ جِهَتَانِ: إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الصَّلَاةِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْغَصْبِ. وَلَا شَكَّ فِي تَغَايُرِ الْجِهَتَيْنِ وَجَوَازِ انْفِكَاكِ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فَبِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ، وَبِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ.
قِيلَ: لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ لَمْ تَنْفَكَّ فِيَ الْخَارِجِ عَنِ الْجِهَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَمَلْزُومُ الْمَنْهِيِّ مَنْهِيٌّ. فَهَذِهِ الصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مَنْهِيَّةٌ، فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَنْفَكَّ فِي الْخَارِجِ عَنْ
(1/384)

وَرُدَّ بِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ.
ص - قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتْ - لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ ; لِأَنَّ الْكَوْنَ وَاحِدٌ، [وَهُوَ غَصْبٌ] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/385)

وَأُجِيبَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ بِمَا سَبَقَ.
ص - قَالُوا: لَوْ صَحَّتِ يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِالْجِهَتَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّوْمِ بِوَجْهٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ جِهَتَانِ. أَوْ بِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَعَدُّدٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ.
ص - وَأَمَّا مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً - فَحَظُّ الْأُصُولِيِّ فِيهِ بَيَانُ اسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا بِالْخُرُوجِ، وَخَطَأِ أَبِي هَاشِمٍ.
وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ - قُطِعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ بِشَرْطِهِ. وَقَوْلُ الْإِمَامِ بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ، وَلَا نَهْيَ بَعِيدٌ. وَلَا جِهَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ. خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ.
لَنَا أَنَّهُ طَاعَةٌ. وَأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْأَمْرَ إِلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/386)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْجِهَةِ الْمَنْهِيَّةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِهَةَ الْمَنْهِيَّةَ كَوْنُ الْفِعْلِ غَصْبًا، وَالصَّلَاةُ تَجُوزُ [انْفِكَاكُهَا] عَنْ كَوْنِ الْفِعْلِ غَصْبًا.
ش - قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ عِلَّةَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تَعَدُّدُ الْجِهَةِ، وَتَعَدُّدُ الْجِهَةِ مُتَحَقِّقٌ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَلْزَمُ صِحَّةُ الصَّوْمِ، وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْمَعْلُومِ عَنِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِهَتَيْنِ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إِحْدَاهُمَا الصَّوْمُ، وَالْأُخْرَى صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ، وَصَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْعَامِّ، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ جِهَتَانِ يَجُوزُ انْفِكَاكُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، فَيَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ
(1/387)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالنَّهْيَ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُمَا بِشَيْءٍ ذِي جِهَتَيْنِ، إِذَا جَازَ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ. وَالْجِهَتَانِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ جَازَ انْفِكَاكُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ; لِأَنَّ الْجِهَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ لِلْأَمْرِ هِيَ الصَّلَاةُ، وَالْجِهَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ لِلنَّهْيِ كَوْنُ الْفِعْلِ غَصْبًا. وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَحَقَّقَ الصَّلَاةُ بِدُونِ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَكَذَا كَوْنُ الْفِعْلِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ يَجُوزُ انْفِكَاكُهُ عَنِ الصَّلَاةِ. فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الْفَرْقِ.
الثَّانِي: أَنَّ [نَهْيَ] صَوْمِ النَّحْرِ نَهْيَ التَّحْرِيمِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يُعْتَبَرُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ نَهْيَ التَّحْرِيمَ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ ; لِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي الِانْتِهَاءَ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَاعْتِبَارُ تَعَدُّدِ الْجِهَتَيْنِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ.
فَإِذًا لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْجِهَتَيْنِ فِي نَهْيِ التَّحْرِيمِ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. وَلَمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ اعْتِبَارِ جِهَةِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ، وَدَلَّ الدَّلِيلُ أَيْضًا عَلَى اعْتِبَارِ جِهَةِ الْغَصْبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
(1/388)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
اعْتُبِرَ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ.
وَأَيْضًا: الْإِجْمَاعُ عَلَى سُقُوطِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَأْتِيِّ بِهَا فِي الْأَمَاكِنِ الْمَغْصُوبَةِ، دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ الْإِجْمَاعَ.
وَقِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْغَصْبِ بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ يُوجِبُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَوْقَعَتْ فِيهَا.
وَعَلَى الثَّانِي إِنَّ الدَّلِيلَ كَمَا دَلَّ عَلَى تَعَدُّدِ الْجِهَةِ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْجِهَتَيْنِ فِي صَوْمِ النَّحْرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ جِهَةِ وُجُوبِ الصَّوْمِ. وَنَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ يَوْمَيِ الْعِيدِ، دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِيَّةِ يَوْمِ الْعِيدِ ; فَإِنَّ الصَّوْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ صَوْمٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ.
وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا: إِنَّ لِصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ جِهَتَيْنِ، كَمَا لِلصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ: إِحْدَاهُمَا: الصَّوْمُ، وَالْأُخْرَى: إِيقَاعُهُ فِي ذَلِكَ
(1/389)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْيَوْمِ. فَالصَّوْمُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَحِينَئِذٍ لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، لَصَحَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْغَصْبِ بَعْدَ الْجَمْعِ يُوجِبُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجُزِ انْفِكَاكُ الْغَصْبِ، الَّذِي تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهِ، عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ النَّهْيَ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَمْ يُتَصَوَّرِ [انْفِكَاكُ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ عَنْ صَوْمٍ] . بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْغَصْبِ فَالْغَصْبُ يَجُوزُ انْفِكَاكُهُ عَنِ الصَّلَاةِ.
(1/390)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ إِثْبَاتِ كَوْنِ مِثْلِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ، أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا.
وَحَظُّ الْأُصُولِيِّ بَيَانُ اسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدَةِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ. أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَذَلِكَ فَلَا حَظَّ لِلْأُصُولِيِّ فِيهِ، بَلْ أَمْرُهُ مَوْكُولٌ إِلَى نَظَرِ الْفَقِيهِ.
فَمَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً، فَلَا حَظَّ لِلْأُصُولِيِّ فِيهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، بَلْ حَظُّ الْأُصُولِيِّ فِيهِ أَنْ يُبَيِّنَ اسْتِحَالَةَ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا بِالْخُرُوجِ عَنْهَا ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا لَيْسَ لَهُ جِهَتَانِ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِإِحْدَاهُمَا وَالنَّهْيُ بِالْأُخْرَى.
وَكَذَلِكَ حَظُّ الْأُصُولِيِّ أَنْ يُبَيِّنَ خَطَأَ أَبِي هَاشِمٍ لَاسْتَلْزَمَ مَذْهَبُهُ كَوْنَ الْخُرُوجِ مُتَعَلِّقًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا هَاشِمٍ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِالْخُرُوجِ وَالْإِقَامَةِ مَعًا. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ ; لِأَنَّ الْإِقَامَةَ إِذَا كَانَتْ عِصْيَانًا، تَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، فَيَكُونُ الْخُرُوجُ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا لِلْأَمْرِ، يَجِبُ أَنْ يُقْطَعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ، لِأَجْلِ الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ، لَكِنْ بِشَرْطِ نَفْيِ الْمَعْصِيَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ عَنِ الْغَضَبِ. فَإِنَّهُ لَوْ قَصَدَ بِالْخُرُوجِ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَمْ يَنْتَفِ الْمَعْصِيَةُ عَنْهُ.
أَمَّا لَوْ قَصَدَ الْخُرُوجَ عَنِ الْغَضَبِ انْتَفَى الْمَعْصِيَةُ ; لِكَوْنِ الْخُرُوجِ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِهِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ لَا يَكُونُ مَعْصِيَةً.
(1/391)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَتَعَيَّنُ الْخُرُوجُ لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا لِلْأَمْرِ، وَلَا يَكُونُ النَّهْيُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، وَلَكِنْ يَسْتَصْحِبُ حُكْمَ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ ; إِذِ الْمُوجِبُ لِلْمَعْصِيَةِ هُوَ الْغَضَبُ، وَهُوَ بَاقٍ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ.
وَاسْتَبْعَدَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ الْإِمَامِ; لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقِ النَّهْيُ بِالْخُرُوجِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مَعْصِيَةً.
قَوْلُهُ: " وَقَوْلُ الْإِمَامِ " مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: " بَعِيدٌ " خَبَرُهُ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَا جِهَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ " إِشَارَةٌ إِلَى دَخَلٍ مُقَدَّرٍ. تَقْرِيرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا بِالْخُرُوجِ مِنْ جِهَتَيْنِ، كَمَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا جِهَتَيْنِ لِلْخُرُوجِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِامْتِثَالُ بِالْخُرُوجِ لَوْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ لِلْخُرُوجِ جِهَتَانِ لَمْ يَتَعَذَّرْ الِامْتِثَالُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
[هل الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالْحَرَامِ، شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْمَنْدُوبِ وَذَكَرَهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ. الْمَنْدُوبُ لُغَةً: الْمَدْعُوُّ لِمُهِمٍّ، مِنَ النَّدْبِ وَهُوَ الدُّعَاءُ. وَفِي الشَّرْعِ: الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ النَّدْبُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْمَنْدُوبِ مَأْمُورًا بِهِ. فَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَالْبَاقُونَ إِلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ بِوَجْهَيْنِ:
(1/392)

قَالُوا: لَوْ كَانَ - لَكَانَ تَرْكُهُ مَعْصِيَةً ; لِأَنَّهَا مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَلَمَا صَحَّ: " لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ ". قُلْنَا: الْمَعْنَى أَمْرُ الْإِيجَابِ فِيهِمَا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَنْدُوبُ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ، خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ. وَهِيَ لَفْظِيَّةٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَكْرُوهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، كَالْمَنْدُوبِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْحَرَامِ، وَعَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يُطْلَقُ الْجَائِزُ عَلَى الْمُبَاحِ، وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا. وَعَلَى مَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ [فِيهِمَا] وَعَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ [فِيهِمَا] بِالِاعْتِبَارَيْنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا أَنَّهَا خِطَابُ الشَّارِعِ. قَالُوا: انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَهُوَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ. لَنَا أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، وَلَا تَرْجِيحَ.
ص -[قَالَ] : كُلٌّ مُبَاحٍ تَرْكُ حَرَامٍ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ.
[وَتَأَوَّلَ] الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَاتِ الْفِعْلِ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/393)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْدُوبَ طَاعَةٌ، وَكُلُّ مَا هُوَ طَاعَةٌ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ.
أَمَّا الصُّغْرَى فَبِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْكُبْرَى فَلِأَنَّ الطَّاعَةَ تُقَابِلُ الْمَعْصِيَةَ، وَالْمَعْصِيَةُ: مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، فَالطَّاعَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ; وَلِهَذَا يُقَالُ فُلَانٌ مُطَاعُ الْأَمْرِ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
الثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرِ إِيجَابٍ وَإِلَى أَمْرِ نَدْبٍ. وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ بِالضَّرُورَةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ أَرَدْتُمْ بِالطَّاعَةِ: مَا يُتَوَقَّعُ الثَّوَابُ عَلَى فِعْلِهِ، فَالصُّغْرَى مُسَلَّمَةٌ، وَالْكُبْرَى مَمْنُوعَةٌ; لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا تُقَابِلُ الْمَعْصِيَةَ ; لِأَنَّ تَارِكَهُ لَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالطَّاعَةِ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَالْكُبْرَى مُسَلَّمَةٌ، لَكِنَّ الصُّغْرَى مَمْنُوعَةٌ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَقِيقَةِ لِلْوُجُوبِ. فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى النَّدْبِ [كَانَ] مَجَازًا. وَنَحْنُ نَمْنَعُ إِطْلَاقَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْمَنْدُوبِ بِالْحَقِيقَةِ، وَنُسَلِّمُ إِطْلَاقَهُ عَلَيْهِ بِالْمَجَازِ.
قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيُّ وَمَنْ يَحْذُو حَذْوَهُمَا: إِنَّ الْمَنْدُوبَ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ لِوَجْهَيْنِ:
(1/394)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ لَكَانَ تَرْكُهُ مَعْصِيَةً ; لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ: مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ وَإِلَّا لَاسْتَحَقَّ النَّارَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ، لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» " وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى سَلْبِ الْأَمْرِ عَنِ السِّوَاكِ، فَلَوْ كَانَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ كَانَ السِّوَاكُ - لِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا بِالِاتِّفَاقِ - مَأْمُورًا بِهِ، فَلَا يَكُونُ سَلْبُ الْأَمْرِ عَنْهُ صَحِيحًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْوَجْهَيْنِ بِأَنَّ الْأَمْرَ: الَّذِي يَكُونُ مُخَالَفَتُهُ مَعْصِيَةً، وَالْأَمْرُ الْمَسْلُوبُ عَنِ السِّوَاكِ أَمْرُ الْإِيجَابٍ، لَا مُطْلَقَ الْأَمْرِ.
(1/395)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، أَوْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَلْزَمُ أَنْ [لَا] يَكُونَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
[هل المندوب تكليف]
ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْمَنْدُوبَ هَلْ يَكُونُ تَكْلِيفًا أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ. وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ إِلَى أَنَّهُ تَكْلِيفٌ.
وَالْمَسْأَلَةُ لَفْظِيَّةٌ أَيِ النِّزَاعُ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ لِفَظِّ التَّكْلِيفِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّكْلِيفِ: مَا يَتَرَجَّحُ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ، فَالْمَنْدُوبُ تَكْلِيفٌ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ طَلَبًا يَمْنَعُ النَّقِيضَ، فَهُوَ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ.
[كون الْمَكْرُوهُ مَنْهِيّا عَنْهُ]
ش - ذِكْرُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَكْرُوهِ. وَالْمَكْرُوهُ لُغَةً ضِدُّ الْمَحْبُوبِ. وَفِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي
(1/396)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تَعَلَّقُ بِهِ الْكَرَاهَةُ، كَمَا سَبَقَ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الْمَكْرُوهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، غَيْرَ مُكَلَّفٍ، كَالْخِلَافِ فِي الْمَنْدُوبِ فِي كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ مُكَلَّفًا.
وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الْكَلَامِ فِي الطَّرَفَيْنِ تَزْيِيفًا وَاخْتِيَارًا.
وَيُطْلَقُ الْمَكْرُوهُ أَيْضًا عَلَى الْحَرَامِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى، كَتَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
[إطلاق الْجَائِزُ عَلَى الْمُبَاحِ]
ش - ذَكَرَ أَحْكَامَ الْمُبَاحِ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي بَيَانِ مَفْهُومِ الْمُبَاحِ وَالْجَائِزِ.
الْمُبَاحُ لُغَةً: الْمُعْلَنُ وَالْمَأْذُونُ، مِنَ الْإِبَاحَةِ. وَفِي الشَّرْعِ: الْفِعْلُ الَّذِي تَعْلَقُ بِهِ الْإِبَاحَةُ. وَالْجَائِزُ فِي اللُّغَةِ: الْعَابِرُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ: عَلَى الْمُبَاحِ الشَّرْعِيِّ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ شَرْعًا، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمَكْرُوهَ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ عَقْلًا، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ الْخَاصَّ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، وَهُوَ
(1/397)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " مَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ " وَهُوَ الْمُمْكِنُ الْخَاصُّ، فَيَكُونُ أَخَصَّ مِمَّنْ قَبْلَهُ.
وَعَلَى مَا يُشَكُّ فِيهِ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الِامْتِنَاعِ، وَبِاعْتِبَارِ الِاسْتِوَاءِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجَائِزَ يُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا وَعَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ شَرْعًا. وَفِي الْعَقْلِ عَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا، وَعَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ عَقْلًا.
[الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ خِطَابُ الشَّارِعِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
قَالَ الْبَاقُونَ: الْإِبَاحَةُ: انْتِفَاءُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَهُوَ قَبْلَ الشَّرْعِ مُتَحَقِّقٌ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
وَالْحُقُّ أَنَّ النِّزَاعَ فِيهِ لَفْظِيٌّ.
(1/398)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ أُرِيدَ الْإِبَاحَةُ: عَدَمُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ، فَلَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّهُ قَبْلَ الشَّرْعِ مُتَحَقِّقٌ، وَلَا حُكَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ مِنَ الشَّرْعِ بِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ، فَهِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
[كون الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ الْمُبَاحَ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ لَا. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا. وَالْكَعْبِيُّ: نَعَمْ.
دَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ تَرْجِيحَ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَبُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
ش - قَالَ الْكَعْبِيُّ: الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ ; لِأَنَّ الْمُبَاحَ وَاجِبٌ، وَكُلُّ وَاجِبٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ.
أَمَّا الْكُبْرَى فَبِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا الصُّغْرَى فَلِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ ; إِذْ مَا مِنْ فِعْلٍ مُبَاحٍ إِلَّا وَيَتَحَقَّقُ بِمُبَاشَرَتِهِ تَرْكُ حَرَامٍ مَا. وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ. وَلَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّرْكُ، فَيَكُونُ الْمُبَاحُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبًا ; لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَلَوْ حُمِلَ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ: " الْمُبَاحُ تَرْكُ حَرَامٍ " عَلَى ظَاهِرِهِ، لَمْ يَصِحَّ أَصْلًا ; لِأَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ يَحْصُلُ بِالْمُبَاحِ لَا نَفْسَهُ.
وَأَيْضًا لَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: " وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ " وَجْهٌ.
" وَتَأَوُّلُ الْإِجْمَاعِ " إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْكَعْبِيِّ. تَوْجِيهُ السُّؤَالِ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكَعْبِيُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ وَاجِبٌ، يَقْتَضِي كَوْنَ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، الَّتِي تَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ، أَرْبَعَةً ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُبَاحِ وَاجِبًا حِينَئِذٍ. وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةٍ: وَاجِبٍ، وَمَنْدُوبٍ، وَمُبَاحٍ، وَمَكْرُوهٍ، وَمُحَرَّمٍ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ بَاطِلًا.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ - نَظَرًا إِلَى ذَاتِهَا، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ كَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ - تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةٍ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ الْمُبَاحُ - نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ - لَمْ يَخْرُجْ عَنْ
(1/399)

ص - وَأُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ: [الْأَوَّلُ] أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِذَلِكَ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَفِيهِ تَسْلِيمُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ، فَمَا [فَعَلَهُ] فَهُوَ وَاجِبٌ قَطْعًا.
الثَّانِي: إِلْزَامُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ حَرَامٌ إِذَا تُرِكَ بِهَا وَاجِبٌ، وَهُوَ يَلْتَزِمُهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ.
ص - وَلَا مُخَلِّصَ إِلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ [مِنْ عَقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ] فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
ص - قَوْلُ الْأُسْتَاذِ: " الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ " بَعِيدٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُبَاحُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ، بَلْ هُمَا نَوْعَانِ لِلْحُكْمِ.
لَنَا: لَوْ كَانَ جِنْسُهُ - لَاسْتَلْزَمَ النَّوْعُ التَّخْيِيرَ.
قَالُوا: مَأْذُونٌ فِيهِمَا، وَاخْتَصَّ الْوَاجِبُ.
قُلْنَا: تَرَكْتُمْ فَصْلَ الْمُبَاحِ.
ص - خِطَابُ الْوَضْعِ، كَالْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالسَّبَبِيَّةِ، الْوَقْتِيَّةِ، كَالزَّوَالِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/400)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَوْنِهِ مُبَاحًا. وَبِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ كَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ، يَكُونُ وَاجِبًا.
وَإِنَّمَا أُوِّلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى هَذَا لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَوْ حُمِلَ عَلَى كَوْنِ الْفِعْلِ مُنْقَسِمًا إِلَى الْخَمْسَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ، يَلْزَمُ بُطْلَانُ دَلِيلِ الْكَعْبِيِّ. وَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لَا يَكُونُ وَاحِدًا مِنَ الدَّلِيلَيْنِ، أَعْنِي الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ خَمْسَةٌ، وَدَلِيلُ الْكَعْبِيِّ ضَائِعًا.
ش - أُجِيبَ عَنْ دَلِيلِ الْكَعْبِيِّ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِكَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَمَا يَحْصُلُ تَرْكُ الْحَرَامِ بِالْمُبَاحِ، كَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ أَحَدَ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، فَلَا يَكُونُ الْمُبَاحُ عَلَى التَّعْيِينِ وَاجِبًا.
(1/401)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَزَيَّفَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْجَوَابَ بِأَنَّ فِي الْجَوَابِ تَسْلِيمَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، فَمَا فَعَلَهُ، أَعْنِي الْمُبَاحَ، يَكُونُ وَاجِبًا ; لِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ.
الثَّانِي: نَقْضٌ إِجْمَالِيٌّ. تَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكَعْبِيُّ صَحِيحًا، يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ حَرَامًا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا تُرِكَ بِهَا وَاجِبٌ، كَالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفَوْرِ، يَكُونُ تَرْكُهَا وَاجِبًا ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ، لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَاجِبًا، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ حَرَامًا.
وَزَيَّفَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْجَوَابَ أَيْضًا، بِأَنَّ الْكَعْبِيَّ يَمْنَعُ انْتِفَاءَ التَّالِي وَيَلْتَزِمُ كَوْنَ الصَّلَاةِ وَاجِبًا حَرَامًا بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
ش - لَمَّا زَيَّفَ الْجَوَّابَيْنِ، أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا مُخَلِّصَ مِنْ دَلِيلِ الْكَعْبِيِّ إِلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، إِنْ كَانَ شَرْطًا شَرْعِيًّا، كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا عَقْلًا، كَنَصْبِ السُّلَّمِ لِلصُّعُودِ،
(1/402)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوْ عَادَةً، كَطَلَبِ الرَّفِيقِ فِي السَّفَرِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ شَرْعًا. فَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ دَلِيلُ الْكَعْبِيِّ لِكَوْنِ تَرْكِ الْأَضْدَادِ مِنَ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ عَقْلًا. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الشَّيْءِ شَرْعًا وُجُوبُ تَرْكِ أَضْدَادِهِ.
ش - ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ إِلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَكْلِيفٌ، خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ.
وَقَوْلُ الْأُسْتَاذِ بِعِيدٌ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِطَلَبِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَلَا كُلْفَةَ فِي التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلَبْ بِهِ شَيْءٌ.
[كون المباح من جنس الواجب]
ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُبَاحَ هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ أَمْ لَا. فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ وَالْأُخْرَى إِلَى الْآخَرِ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ، بَلْ لِلْوَاجِبِ وَالْمُبَاحِ نَوْعَانِ مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ جِنْسٍ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ. وَتَسْمِيَتُهُ بِالْحُكْمِ مَجَازٌ.
(1/403)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُبَاحُ جِنْسًا لِلْوَاجِبِ لَاسْتَلْزَمَ النَّوْعُ أَعْنِي الْوَاجِبَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُبَاحَ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّخْيِيرِ، وَإِذَا كَانَ الْجِنْسُ مُسْتَلْزِمًا لِشَيْءٍ يَكُونُ النَّوْعُ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُسْتَلْزِمًا لِلتَّخْيِيرِ.
الْقَائِلُونَ بِكَوْنِ الْمُبَاحِ جِنْسًا لِلْوَاجِبِ، قَالُوا: الْمُبَاحُ وَالْوَاجِبُ مَأْذُونٌ فِيهِمَا، وَاخْتَصَّ الْوَاجِبُ بِفَصْلِ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ. فَالْمَأْذُونُ [الَّذِي] هُوَ حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ جِنْسًا لَهُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ فَصْلَ الْمُبَاحِ ; لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَيْسَ هُوَ الْمَأْذُونَ فَقَطْ، بَلِ الْمَأْذُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ. وَالْمَأْذُونُ الْمُقَيَّدُ بِهَذَا الْقَيْدِ لَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، بَلْ يَكُونُ مُبَايِنًا لِلْوَاجِبِ.
وَالْحُقُّ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالْمُبَاحِ: الْمَأْذُونُ فَقَطْ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ جِنْسًا. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَأْذُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَكُونُ نَوْعًا مُبَايِنًا لِلْوَاجِبِ، فَلَمْ يَكُنْ جِنْسًا لَهُ.
[خِطَابُ الْوَضْعِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ [خِطَابِ] الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ شَرَعَ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ. وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا.
وَالسَّبَبُ فِي اللُّغَةِ: كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَبْلُ: السَّبَبَ.
وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الَّذِي دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا مُؤَثِّرًا فِيهِ. فَإِنَّ الْأَحْكَامَ قَدِيمَةٌ، وَالْأَوْصَافَ الَّتِي جُعِلَتْ أَسْبَابًا، حَادِثَةٌ، وَالْحَادِثُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْقَدِيمِ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ فِي السَّبَبِ كَوْنَهُ ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا ; لِأَنَّ الْأَسْبَابَ إِنَّمَا وُضِعَتْ مُعَرِّفَاتٍ لِلْأَحْكَامِ لِسُهُولَةِ اطِّلَاعِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ
(1/404)

وَالْمَعْنَوِيَّةِ، كَالْإِسْكَارِ وَالْمِلْكِ وَالضَّمَانِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَبِالْمَانِعِيَّةِ لِلْحُكْمِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ، كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ وَلِلسَّبَبِ لِحِكْمَةٍ تَحِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ، كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ - فَهُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا، كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَالطَّهَارَةِ.
ص - وَأَمَّا الصِّحَّةُ وَالْبُطْلَانُ أَوِ الْحُكْمُ بِهِمَا - فَأَمْرٌ عَقْلِيٌّ ; لِأَنَّهَا إِمَّا كَوْنُ الْفِعْلِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ، وَإِمَّا مُوَافَقَةُ أَمْرِ الشَّرْعِ. وَالْبُطْلَانُ وَالْفَسَادُ نَقِيضُهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/405)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُتَعَيِّنِ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهَا، خُصُوصًا بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَسْبَابُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً حَتَّى يَحْصُلَ الْغَرَضُ الْمَذْكُورُ.
وَالسَّبَبُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَقْتِيٍّ، وَإِلَى مَعْنَوِيٍّ. فَالْوَقْتِيُّ: هُوَ مَا لَا يَسْتَلْزِمُ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْ