Advertisement

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب 002


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْأَمْرُ
ص - الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْفِعْلِ مَجَازٌ.
وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.
وَقِيلَ: مُتَوَاطِئٌ.
لَنَا: سَبَقَهُ إِلَى الْفَهْمِ، وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْأَخَصُّ، كَحَيَوَانٍ فِي إِنْسَانٍ.
وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ، فَيُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ.
(فَعُورِضَ بِأَنَّ الْمَجَازَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَيُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.
ص - وَالتَّوَاطُؤُ: مُشْتَرِكَانِ فِي عَامٍّ، فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ لَهُ دَفْعًا لِلْمَحْذُورَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِهِمَا أَبَدًا ; فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يَتَعَذَّرُ وَإِلَى صِحَّةِ دَلَالَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/7)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
(لَفْظُ الْأَمْرِ) حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْفِعْلِ مَجَازٌ.
وَقِيلَ: الْأَمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْفِعْلِ.
وَقِيلَ: مُتَوَاطِئٌ، أَيِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ; وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ، مَجَازًا فِي الْفِعْلِ.
وَاحْتَجَّ عَلَى إِبْطَالِ الِاشْتِرَاكِ وَالتَّوَاطُؤِ بِأَنَّهُ: يَسْبِقُ الْقَوْلَ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَمْرِ. فَلَوْ كَانَ لَفْظُ الْأَمْرِ مُشْتَرَكًا أَوْ
(2/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُتَوَاطِئًا لَمْ يَسْبِقِ الْقَوْلُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا فَلِتَسَاوِي الْمَفْهُومَيْنِ حِينَئِذٍ فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْفَهْمِ دُونَ الْآخَرِ، تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ لِظُهُورِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَوَاطِئًا فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ أَخَصَّ مِنْ مَدْلُولِهِ، وَلَمْ يُفْهَمِ الْأَخَصُّ مِنَ الْأَعَمِّ، كَإِطْلَاقِ حَيَوَانٍ فِي إِنْسَانٍ ; فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ أَيْضًا. وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ (بِالتَّفَاهُمِ) .
وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَزِمَ الْمَجَازُ، وَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعَارُضُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ وَأَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنْهُ.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُ بِالتَّوَاطُؤِ بِأَنَّ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ مُشْتَرِكَانِ فِي مَعْنًى عَامٍّ، فَيُجْعَلُ لَفْظُ الْأَمْرِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى (الْعَامٍّ) الشَّامِلِ لَهُمَا دَفْعًا لِلْمَحْذُورَيْنِ: الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ اللَّازِمِ: أَحَدُهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِمَا، وَالْآخَرُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا.
أَجَابَ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ ; إِذْ مَا مِنْ مَعْنَيَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا أَمْرٌ عَامٌّ يُمْكِنُ جَعْلُ اللَّفْظِ لَهُ.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَصَّصَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ فِيهَا دَلِيلٌ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ الِاشْتِرَاكِ أَوِ الْمَجَازِ.
وَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا ; فَإِنَّ سَبْقَ الْقَوْلِ إِلَى الْفَهْمِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ، مَجَازًا فِي الْفِعْلِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى صِحَّةِ دَلَالَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَدْلُولِ لَفْظِ الْأَمْرِ، وَقَدْ صَحَّ دَلَالَةُ لَفْظِ الْأَمْرِ عَلَى الْقَوْلِ، لَكِنَّ الْعَامَّ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْخَاصِّ أَصْلًا.
(2/9)

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَوْلٌ حَادِثٌ هُنَا.
ص - حَدُّ الْأَمْرِ: اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَأَنَّ الطَّاعَةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَيَجِيئُ الدَّوْرُ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: خَبَرٌ عَنِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ.
وَقِيلَ: عَنِ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْخَبَرَ يَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالْأَمْرُ يَأْبَاهُمَا.
ص - الْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا أَنْكَرُوا كَلَامَ النَّفْسِ - قَالُوا: قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ " افْعَلْ " وَنَحْوَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/10)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّالِثُ - أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّوَاطُؤِ قَوْلٌ حَادِثٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْأَمْرَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ حَقِيقَةً، وَالْقَوْلُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ - أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ حَدَّ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَهُوَ اقْتِضَاءٌ؛ أَيْ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
فَقَوْلُهُ: " اقْتِضَاءُ فِعْلٍ " يَشْمَلُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالِالْتِمَاسَ وَالدُّعَاءَ.
(2/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ: " غَيْرُ كَفٍّ " يُخْرِجُ عَنْهُ النَّهْيَ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُ فِعْلٌ هُوَ كَفٌّ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ " يُخْرِجُ الدُّعَاءَ وَالِالْتِمَاسَ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي حَدِّ الْأَمْرِ: إِنَّهُ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَرُدَّ هَذَا التَّعْرِيفُ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمَأْمُورَ وَالطَّاعَةَ، وَالْمَأْمُورُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَمْرِ فَيَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ.
وَالطَّاعَةُ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَيَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ أَيْضًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ، فَيَجِيئُ الدَّوْرُ فِيهِمَا؛ أَيْ فِي الْمَأْمُورِ وَالطَّاعَةِ.
وَقِيلَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ: إِنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ.
وَرَدَّهُمَا بِأَنَّ الْخَبَرَ يَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالْأَمْرُ يَأْبَاهُمَا ضَرُورَةَ عَدَمِ احْتِمَالِهِ لَهُمَا، فَيَمْتَنِعُ جَعْلُ الْخَبَرِ جِنْسًا لَهُ.
ش - الْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ لَمْ يُمْكِنْهُمْ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالِاقْتِضَاءِ، بَلْ عَرَّفُوهُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْإِرَادَةِ.
وَمِنَ التَّعْرِيفَاتِ مَا قَالَهُ الْبَلْخِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ: أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ " افْعَلْ " وَنَحْوَهُ - أَيْ نَحْوَ " افْعَلْ " فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَدْلُولِهِ.
(2/12)

وَيَرِدُ التَّهْدِيدُ وَغَيْرُهُ، وَالْمُبَلِّغُ وَالْحَاكِي وَالْأَدْنَى.
وَقَالَ قَوْمٌ: صِيغَةُ " افْعَلْ " بِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ.
وَفِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ.
وَإِنْ أَسْقَطَهُ بَقِيَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " مُجَرَّدَةً.
وَقَالَ قَوْمٌ: صِيغَةُ " افْعَلْ " بِإِيرَادَاتٍ ثَلَاثٍ: وُجُودِ اللَّفْظِ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْأَمْرِ، وَالِامْتِثَالِ.
فَالْأَوَّلُ: عَنِ النَّائِمِ، وَالثَّانِي: عَنِ التَّهْدِيدِ وَنَحْوِهِ: وَالثَّالِثُ، عَنِ الْمُبَلِّغِ.
وَفِيهِ تَهَافُتٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ إِنْ كَانَ اللَّفْظَ - فَسَدَ ; لِقَوْلِهِ: وَإِرَادَةُ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأَمْرِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فَسَدَ ; لِقَوْلِهِ: الْأَمْرُ: صِيغَةُ " افْعَلْ ") .
وَقَالَ قَوْمٌ: الْأَمْرُ: إِرَادَةُ الْفِعْلِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ أَنْكَرَ مُتَوَعِّدًا بِالْإِهْلَاكِ ضَرْبَ سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ، فَادَّعَى مُخَالَفَتَهُ فَطَلَبَ تَمْهِيدَ عُذْرِهِ بِمُشَاهَدَتِهِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ وَلَا يُرِيدُ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يُرِيدُ هَلَاكَ نَفْسِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/13)

وَأَوْرَدَ مِثْلَهُ عَلَى الطَّلَبِ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ هَلَاكَ نَفْسِهِ، وَهُوَ لَازِمٌ.
وَالْأَوْلَى: لَوْ كَانَ إِرَادَةً لَوَقَعَتِ الْمَأْمُورَاتُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِرَادَةِ: تَخْصِيصُهُ بِحَالِ حُدُوثِهِ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَتَخَصَّصْ.
ص - وَالْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْأَمْرِ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ.
وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي صِيغَةِ " افْعَلْ ".
وَالْجُمْهُورُ: حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ.
(وَ) أَبُو هَاشِمٍ: فِي النَّدْبِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/14)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: " وَنَحْوَهُ " لِيَنْدَرِجَ تَحْتَ الْحَدِّ صِيغَةُ أَمْرِ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ.
وَيَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ:
التَّهْدِيدُ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] .
وَالْإِبَاحَةُ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] .
وَالتَّكْوِينُ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] .
وَغَيْرُهَا مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِهِ الطَّلَبُ ; فَإِنَّهَا قَوْلُ الْقَائِلِ " افْعَلْ " لِمَنْ دُونَهُ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ.
وَأَيْضًا: يَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ قَوْلُ الْحَاكِي لِمَنْ دُونَهُ مِنْ أَمْرِ آمِرٍ.
وَيَرِدُ عَلَى عَكْسِهِ قَوْلُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى: افْعَلْ، وَنَحْوَهُ؛ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ ; لِأَنَّ الْعُلُوَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْأَمْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: {مَاذَا أَرَادَ} [البقرة: 26] .
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: الْأَمْرُ: صِيغَةُ " افْعَلْ " بِتَجَرُّدِهَا عَنِ
(2/15)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ إِلَى التَّهْدِيدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّكْوِينِ. وَهَذَا تَعْرِيفٌ فَاسِدٌ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ.
فَإِنْ أُسْقِطَ عَنْهُ قَيْدُ " الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ " - بَقِيَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " مُجَرَّدَةً، وَحِينَئِذٍ يَرِدُ التَّهْدِيدُ وَقَوْلُ الْحَاكِي، كَمَا فِي الْأَوَّلِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْأَمْرُ: صِيغَةُ " افْعَلْ " بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَعَهَا إِيرَادَاتٌ ثَلَاثٌ (إِرَادَةُ وُجُودِ اللَّفْظِ، وَإِرَادَةُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَمْرِ، وَإِرَادَةُ الِامْتِثَالِ) .
فَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ - أَعَنِي إِرَادَةَ وُجُودِ اللَّفْظِ - احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ النَّائِمِ.
وَالْقَيْدُ الثَّانِي - أَيْ إِرَادَةُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَمْرِ - احْتِرَازٌ عَنِ التَّهْدِيدِ وَغَيْرِهِ.
وَالْقَيْدُ الثَّالِثُ - أَيْ إِرَادَةُ الِامْتِثَالِ - احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْمُبَلِّغِ.
وَفِي هَذَا التَّعْرِيفِ تَهَافُتٌ، أَيْ تَسَاقُطٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ إِنْ كَانَ اللَّفْظَ فَسَدَ التَّعْرِيفُ ; لِقَوْلِهِ: وَإِرَادَةُ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأَمْرِ؛ إِذِ الصِّيغَةُ لَمْ تَرِدْ دَلَالَتُهَا عَلَى اللَّفْظِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ: الْمَعْنَى - فَسَدَ
(2/16)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
التَّعْرِيفُ أَيْضًا؛ لِقَوْلِهِ: الْأَمْرُ: صِيغَةُ " افْعَلْ " ; فَإِنَّ الصِّيغَةَ لَفْظٌ، وَاللَّفْظُ لَا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُهُ بِالْمَعْنَى.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ: اللَّفْظَ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالصِّيغَةِ، وَبِالْأَمْرِ الثَّانِي: الْمَعْنَى، وَهُوَ الطَّلَبُ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ: الْأَمْرُ: الصِّيغَةُ الْمُرَادُ بِهَا دَلَالَتُهَا عَلَى الطَّلَبِ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرِكِ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ؛ وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
وَمِنَ الشَّارِحِينَ مَنْ أَوْرَدَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ عَلَى جَوَابِ الْمُصَنِّفِ، وَمَا أَجَابَ عَنْهَا.
وَأَوْرَدَ عَلَى التَّعْرِيفِ شُبْهَةً أُخْرَى، وَهُوَ: أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي التَّعْرِيفِ إِرَادَةَ الِامْتِثَالِ؛ وَالِامْتِثَالُ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ فَيَدُورُ.
وَغَفَلَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا عَلَى جَوَابِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّهَا بِعَيْنِهَا وَارِدَةٌ عَلَى شُبْهَتِهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْأَمْرُ: هُوَ إِرَادَةُ الْفِعْلِ.
وَرُدَّ هَذَا التَّعْرِيفُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَصْدُقُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ.
(2/17)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ أَنْكَرَ ضَرْبَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَتَوَاعَدَ بِإِهْلَاكِ السَّيِّدِ، فَادَّعَى السَّيِّدُ مُخَالَفَةَ الْعَبْدِ لَهُ وَطَلَبَ السَّيِّدُ تَمْهِيدَ عُذْرِهِ بِمُشَاهَدَةِ السُّلْطَانِ - فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الْعَبْدَ، وَلَا يُرِيدُ مِنْهُ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّيِّدُ مُرِيدًا لِإِتْيَانِ الْعَبْدِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ - لَكَانَ مُرِيدًا هَلَاكَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ تَوَاعَدَ بِإِهْلَاكِ السَّيِّدِ عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْعَبْدِ لِأَمْرِهِ، وَالْعَاقِلُ لَا يُرِيدُ هَلَاكَ نَفْسِهِ.
وَأَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ مِثْلَهُ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالطَّلَبِ ; فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ هَلَاكَ نَفْسِهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالطَّلَبِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَدَّ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَتْ إِرَادَةُ الْفِعْلِ أَمْرًا - لَوَقَعَتِ الْمَأْمُورَاتُ كُلُّهَا، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: فَلِأَنَّ الْإِرَادَةَ هِيَ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِحُدُوثِ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ. فَمَعْنَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِالشَّيْءِ تَخَصُّصُهُ بِحَالِ حُدُوثِهِ، أَيْ بِوَقْتِ حُدُوثِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الشَّيْءُ لَمْ يَتَخَصَّصْ
(2/18)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِحَالِ حُدُوثِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَخَصَّصْ بِحَالِ حُدُوثِهِ لَمْ تَتَعَلَّقِ الْإِرَادَةُ بِهِ.
فَيَلْزَمُ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الشَّيْءُ لَمْ تَتَعَلَّقِ الْإِرَادَةُ بِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ إِذَا تَعَلَّقَتِ الْإِرَادَةُ بِالشَّيْءِ وُجِدَ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْإِرَادَةُ هِيَ الْأَمْرُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مُرَادًا مَوْجُودًا.
وَأَمَّا (بَيَانُ) انْتِفَاءِ التَّالِي: فَلِأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمُوتَ عَلَى كُفْرِهِ مَأْمُورٌ بِالْإِيمَانِ، وَلَمْ يَقَعِ الْإِيمَانُ مِنْهُ.
[هل للأمر صيغة تخصه]
ش - الْقَائِلُونَ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا ; فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: لَا.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَعَمْ.
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَيْسَ الْخِلَافُ فِي مُطْلَقِ الصِّيغَةِ فَإِنَّهَا مَعْلُومَةُ الْوُقُوعِ ; لِأَنَّ فِي اللُّغَةِ أَلْفَاظًا مَخْصُوصَةً بِالْأَمْرِ، كَقَوْلِنَا: أَمَرْتُكَ بِكَذَا. أَوْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ كَذَا.
إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ صِيغَةَ " افْعَلْ " هَلْ هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْأَمْرِ أَوْ لَا؟ .
(2/19)

وَقِيلَ: لِلطَّلَبِ الْمُشْتَرَكِ.
وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.
الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي: بِالْوَقْفِ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا وَفِي الْإِبَاحَةِ.
وَقِيلَ: لِلْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ فِي الثَّلَاثَةِ.
الشِّيعَةُ: مُشْتَرَكٌ فِي الثَّلَاثَةِ وَالتَّهْدِيدِ.
ص - لَنَا ثُبُوتُ الِاسْتِدْلَالِ (بِمُطْلَقِهَا) عَلَى الْوُجُوبِ شَائِعًا مُتَكَرِّرًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، كَالْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ ظَنٌّ.
وَأُجِيبُ بِالْمَنْعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/20)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاخْتَلَفُوا فِي صِيغَةِ " افْعَلْ " عَلَى ثَمَانِيَةِ مَذَاهِبَ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا: حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ لِلطَّلَبِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا.
وَقَالَ: أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي بِالتَّوَقُّفِ فِيهِمَا، أَيْ فِي الِاشْتِرَاكِ وَالِانْفِرَادِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الصِّيغَةَ تَحْتَمِلُهُمَا، وَلَا جَزْمَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ - الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ - اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ فِي الثَّلَاثَةِ؛ أَعْنِي الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَالْإِبَاحَةَ.
وَقَالَ الشِّيعَةُ: إِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ وَالتَّهْدِيدِ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْكِتَابِ وَالْعُرْفِ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ؛ فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَدَلُّوا بِمُطْلَقِ صِيغَةِ " افْعَلْ " بِدُونِ قَرِينَةٍ عَلَى الْوُجُوبِ، وَشَاعَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ صِيغَةِ " افْعَلْ " لِلْوُجُوبِ، كَالْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ، فَإِنَّهُ لَمَّا اشْتُهِرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِهَا، كَانَ إِجْمَاعًا.
وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا، وَالظَّنُّ
(2/21)

وَلَوْ سُلِّمَ فَيَكْفِي الظُّهُورُ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَإِلَّا لَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ.
وَأَيْضًا {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ: اسْجُدُوا.
وَأَيْضًا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا} [المرسلات: 48] ذَمٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ.
وَأَيْضًا: تَارِكُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَاصٍ، بِدَلِيلِ {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] .
وَأَيْضًا: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/22)

وَالتَّهْدِيدُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ حُمِلَتْ عَلَى مُخَالَفَةٍ مِنْ إِيجَابٍ وَنَدْبٍ.
وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَوْلُهُمْ: مُطْلَقٌ.
قُلْنَا: بَلْ عَامٌّ.
وَأَيْضًا: نَقْطَعُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: خُطَّ هَذَا الثَّوْبَ وَلَوْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ عُدَّ عَاصِيًا.
ص - وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَثَبَتَ ظُهُورُهُ فِي أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالتَّهْدِيدُ وَالْإِبَاحَةُ بَعِيدٌ.
وَالْقَطْعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ " نَدَبْتُكَ إِلَى أَنْ تَسْقِيَنِي "، وَبَيْنَ " اسْقِنِي " وَلَا فَرْقَ إِلَّا اللَّوْمُ.
وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِنْ سَلَّمُوا الْفَرْقَ فَلِأَنَّ (نَدَبْتُكَ) نَصٌّ، وَ (اسْقِنِي) مُحْتَمَلٌ.
ص - النَّدْبُ. إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، (فَرَدَّهُ إِلَى) مَشِيئَتِنَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/23)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا، بَلْ يُفِيدُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَطْعِيٌّ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّنَّ لَا يَكْفِي فِي مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ بَلْ يَكْفِي فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ ظُهُورُ كَوْنِهِ مَدْلُولًا لَهُ، وَإِلَّا لَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ (بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ) مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ.
وَأَمَّا الْكِتَابُ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] .
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] مَا خَاطَبَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اسْجُدُوا} [البقرة: 34] .
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ وَإِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَتَرَكَ إِبْلِيسُ الْمَأْمُورَ بِهِ، ذَمَّهُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ " مَا مَنَعَكَ " الِاسْتِفْهَامَ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَكُونَ لِلذَّمِّ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا ذَمَّهُ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] .
(2/24)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ذَمٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ الَّتِي هِيَ تَرْكُ الرُّكُوعِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ.
وَمِنْهُ أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ عَاصٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] . وَالْعَاصِي يَسْتَحِقُّ النَّارَ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى ; {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23] فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَارِكُهُ مُسْتَحِقًّا لِلنَّارِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور: 63] . هَدَّدَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ. فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا حَسُنَ التَّهْدِيدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ لَا يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ، أَيْ يُحْمَلُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ لِلْوُجُوبِ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ، وَبِالْعَكْسِ.
أَجَابَ بِأَنَّ حَمْلَ الْمُخَالَفَةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ حَمْلَ الْمُخَالَفَةِ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ ظَاهِرٌ، فَيَكُونُ رَاجِحًا، وَحَمْلُ (اللَّفْظِ عَلَى) الْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ بَعِيدٌ.
(2/25)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَوَامِرِ لِلْوُجُوبِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] مُطْلَقٌ ; لِكَوْنِهِ مُفْرَدًا، وَالْمُطْلَقُ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ عَامٌّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَأَيْضًا رَتَّبَ الْأَمْرَ بِالْحَذَرِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الَّتِي هِيَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وُجِدَ الْأَمْرُ بِالْحَذَرِ، فَيَكُونُ عَامًّا.
- وَأَمَّا الْعُرْفُ فَلِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: خُطَّ هَذَا الثَّوْبَ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْخِيَاطَةِ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلِ الْعَبْدُ - عُدَّ عَاصِيًا.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لَمَا عُدَّ عَاصِيًا بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
(2/26)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأَمْرَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ. وَلَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهَا ; لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ. فَثَبَتَ ظُهُورُهُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ.
وَلَا يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ وَلَا لِلتَّهْدِيدِ؛ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ، إِذْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ ذَاهِبٌ.
وَلَا يَكُونُ لِلنَّدْبِ أَيْضًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ " نَدَبْتُكَ إِلَى أَنْ تَسْقِيَنِي "، وَبَيْنَ قَوْلِهِ " اسْقِنِي ".
لَكِنْ نَقْطَعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا اللَّوْمُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ اللَّوْمَ، وَالثَّانِي يَسْتَحِقُّهُ.
فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْخَصْمَ لَمْ يُسَلِّمِ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْفَرْقِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِاللَّوْمِ؛ بَلِ الْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ (نَدَبْتُكَ) نَصٌّ فِي النَّدْبِ، وَقَوْلَهُ (اسْقِنِي) مُحْتَمَلٌ. وَأَيْضًا: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ (مِنْهَا) .
ش - الْقَائِلُ بِالنَّدْبِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
فَإِنَّهُ رَدَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إِلَى مَشِيئَتِنَا، فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ هُوَ الْمُفَوَّضُ إِلَى مَشِيئَتِنَا.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى مَشِيئَتِنَا؛ بَلْ رُدَّ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَهُوَ مُقْتَضَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْوَاجِبِ مُفَوَّضٌ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
(2/27)

وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَدُّهُ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ.
ص - مُطْلَقُ الطَّلَبِ يُثْبِتُ الرُّجْحَانَ، وَلَا دَلِيلَ مُفِيدٌ. فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِلْمُشْتَرَكِ دَفَعًا لِلِاشْتِرَاكِ.
قُلْنَا: بَلْ يُثْبِتُ التَّقْيِيدَ.
ثُمَّ فِيهِ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّاتِ. وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
ص - الِاشْتِرَاكُ يُثْبِتُ الْإِطْلَاقَ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
ص - الْقَاضِي: لَوْ ثَبَتْ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ إِلَى آخِرِهِ.
قُلْنَا: بِالِاسْتِقْرَاءَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
ص - الْإِذْنُ الْمُشْتَرَكُ كَمُطْلَقِ الطَّلَبِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) صِيغَةُ الْأَمْرِ (بِمُجَرَّدِهَا) لَا تَدُلُّ عَلَى تَكْرَارٍ، وَلَا (عَلَى) مَرَّةٍ.
وَهُوَ مُخْتَارُ الْإِمَامِ الْأُسْتَاذِ؛ لِلتَّكْرَارِ مُدَّةَ الْعُمْرِ مَعَ الْإِمْكَانِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ: لِلْمَرَّةِ، وَلَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ. وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/28)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - الْقَائِلُ بِكَوْنِ الْأَمْرِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ احْتَجَّ بِأَنَّ مُطْلَقَ الطَّلَبِ ظَاهِرٌ مِنَ الْأَمْرِ، وَمُطْلَقُ الطَّلَبِ يُثْبِتُ رُجْحَانَ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ.
وَلَا دَلِيلَ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الطَّلَبِ بِالْجَزْمِ أَوْ عَدَمِهِ فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الطَّلَبِ بِالْجَزْمِ، فَإِنَّ دَلَائِلَ الْوُجُوبِ تُوجِبُ تَقْيِيدَ الطَّلَبِ بِالْجَزْمِ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّقْيِيدِ، لَكِنْ فِيمَا ذَكَرْتُمْ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّاتِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ - فَلِأَنَّ رُجْحَانَ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ لَازِمٌ مَاهِيَّةَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وُجِدَ رُجْحَانُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ.
وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ رُجْحَانَ الْفِعْلِ لَمَّا كَانَ لَازِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يَجِبُ كَوْنُ الْأَمْرِ لَهُ.
وَأَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ - فَلِأَنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الْمُشْتَرَكِ ; إِذْ مَا مِنْ مُشْتَرِكٍ إِلَّا تَشْتَرِكُ مَفْهُومَاتُهُ فِي لَازِمٍ. فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ لَهُ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ.
(2/29)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّةِ طَرِيقٌ عَقْلِيٌّ، وَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَةِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ (لُزُومَ) رَفْعِ الِاشْتِرَاكِ ; فَإِنَّ صِحَّةَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ النَّصِّ مِنَ الْوَاضِعِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّةِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُقَدِّمَةٌ نَقْلِيَّةٌ، وَلَا يَكُونُ عَقْلِيًّا صِرْفًا.
ش - الْقَائِلُ بِالِاشْتِرَاكِ احْتَجَّ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لِجَوَابِهِ ; لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إِنَّمَا تَكُونُ أَصْلًا إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهَا مَحْذُورٌ وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ.
(2/30)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - احْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى التَّوَقُّفِ بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الْأَمْرِ لِوَاحِدٍ مِنْ مَعَانِيهِ، لَكَانَ ثُبُوتُهُ إِمَّا عَنْ دَلِيلٍ أَوْ لَا عَنْ دَلِيلٍ.
وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِلَا دَلِيلٍ غَيْرُ مُفِيدٍ.
وَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَقْلِيًّا، وَهُوَ بَاطِلٌ ; إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِيَّاتِ.
أَوْ نَقْلِيًّا مُتَوَاتِرًا، وَهُوَ يُوجِبُ عَدَمُ الْخِلَافِ.
أَوْ آحَادًا، وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
أَجَابَ بِأَنَّ الِاسْتِقْرَاءَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ دَلِيلُ ثُبُوتِهِ.
ش - الْقَائِلُ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْإِذْنِ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ، دَلِيلُهُ كَدَلِيلِ الْقَائِلِ بِكَوْنِهِ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ، وَجَوَابُهُ كَجَوَابِهِ.
(2/31)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَة: دلالة صيغة الأمر على التكرار]
ش - صِيغَةُ الْأَمْرِ إِذَا جُرِّدَتْ عَنِ الْقَرَائِنِ الْمُشْعِرَةِ بِالْمَرَّةِ أَوِ التَّكْرَارِ، لَا تَدُلُّ عَلَى تَكْرَارٍ وَلَا عَلَى مَرَّةٍ.
وَهُوَ مُخْتَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَالْمُصَنِّفُ قَدِ اخْتَارَهُ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ: إِنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ مُدَّةَ الْعُمْرِ لَكِنْ مَعَ الْإِمْكَانِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّهُ لِلْمَرَّةِ وَلَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ، وَفُسِّرَ تَارَةً بِكَوْنِهِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ وَأُخْرَى بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْوَاقِعِ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا هُوَ مُخْتَارُ الْإِمَامِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ مَدْلُولَ الْأَمْرِ طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ. وَالْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَاخِلًا فِي مَدْلُولِهِ وَقُرِنَ الْأَمْرُ بِهِ، لَزِمَ التَّكْرَارُ. وَبِالْآخَرِ لَزِمَ النَّقْضُ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُورَ يَبْرَأُ، أَيْ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْمَرَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْمَرَّةَ وَالتَّكْرَارَ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا دَاخِلًا فِي حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، بَلْ مِنْ صِفَاتِهِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْهُ، كَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ أَصْلًا. فَلَا دَلَالَةَ لِلْفِعْلِ عَلَى الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَلِذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ الْمَصْدَرُ بِوَاحِدٍ (مِنْهُمَا) .
وَالْأَمْرُ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى تَحْصِيلِ الْفِعْلِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمَرَّةِ
(2/32)

ص - لَنَا: أَنَّ الْمَدْلُولَ طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، وَالْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ خَارِجِيٌّ، وَلِذَلِكَ يَبْرَأُ بِالْمَرَّةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْمَرَّةَ وَالتَّكْرَارَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، كَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَلَا دَلَالَةَ لِلْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ.
ص - الْأُسْتَاذُ: تَكَرُّرُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ التَّكْرَارَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَعُورِضَ بِالْحَجِّ.
قَالُوا: ثَبَتَ فِي " لَا تَصُمْ " فَوَجَبَ فِي " صُمْ "؛ لِأَنَّهَا طَلَبٌ.
رُدَّ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ.
وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي النَّفْيَ.
وَبِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْأَمْرِ مَانِعٌ مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ النَّهْيِ.
قَالُوا: الْأَمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ يَعُمُّ فَيَلْزَمُ (التَّكْرَارُ) ، وَرُدَّ بِالْمَنْعِ.
وَبِأَنَّ اقْتِضَاءَ النَّهْيِ لِلْأَضْدَادِ دَائِمًا فَرْعٌ عَلَى تَكْرَارِ الْأَمْرِ.
ص - الْمَرَّةُ: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ مَرَّةً امْتَثَلَ.
قُلْنَا: امْتَثَلَ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ ; لِأَنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِهِ، لَا لِأَنَّ الْأَمْرَ ظَاهِرٌ فِيهَا، وَلَا فِي التَّكْرَارِ.
ص - الْمَوْقِفُ: لَوْ ثَبَتَ إِلَى آخِرِهِ.
ص (مَسْأَلَةٌ) الْأَمْرُ إِذَا عُلِّقَ عَلَى عِلَّةٍ ثَابِتَةٍ وَجَبَ (تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِهَا) اتِّفَاقًا ; لِلْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّبَاعِ الْعِلَّةِ لَا لِلْأَمْرِ.
فَإِنْ عُلِّقَ عَلَى غَيْرِ عِلَّةٍ فَالْمُخْتَارُ: لَا يَقْتَضِي.
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: " إِنْ دَخَلْتَ السُّوقَ فَاشْتَرِ كَذَا " - عُدَّ مُمْتَثِلًا بِالْمَرَّةِ مُقْتَصِرًا.
ص: قَالُوا: ثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ: {إِذَا قُمْتُمْ - الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي - وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا} [المائدة: 6] .
قُلْنَا: فِي غَيْرِ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ.
قَالُوا: تَكَرُّرٌ لِلْعِلَّةِ فَالشَّرْطِ ; لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ (بِانْتِفَائِهِ) .
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْقَائِلُونَ بِالتَّكْرَارِ قَائِلُونَ بِالْفَوْرِ.
وَمَنْ قَالَ: الْمَرَّةُ تُبَرِّئُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِلْفَوْرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِمَّا الْفَوْرُ أَوِ الْعَزْمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ بِالْوَقْفِ لُغَةً، فَإِنْ بَادَرَ امْتَثَلَ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ، وَإِنْ بَادَرَ.
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا اخْتِيرَ فِي التَّكْرَارِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ.
ص - الْفَوْرُ: لَوْ قَالَ: " اسْقِنِي ". وَأَخَّرَ عُدَّ عَاصِيًا.
قُلْنَا: لِلْقَرِينَةِ.
قَالُوا: كُلُّ مُخْبِرٍ أَوْ مُنْشِئٍ فَقَصْدُهُ الْحَاضِرُ؛ مِثْلَ زَيْدٌ قَائِمٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/33)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّكْرَارِ.
ش - الْأُسْتَاذُ وَمَنْ تَابَعَهُ احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحُمِلَ عَلَى التَّكْرَارِ فِيهِمَا؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا حُمِلَ عَلَى التَّكْرَارِ فِيهِمَا.
(2/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ تَكْرَارَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَيْسَ بِمُسْتَفَادٍ مِنَ الْأَمْرِ، بَلْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ فِعْلُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَعُورِضَ بِأَنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ فِي الْحَجِّ وَحُمِلَ عَلَى الْمَرَّةِ، فَلَوْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا حُمِلَ عَلَى الْمَرَّةِ.
الثَّانِي - أَنَّ النَّهْيَ مِثْلَ قَوْلِهِ " لَا تَصُمْ " يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْأَمْرُ مِثْلَ (صُمْ) التَّكْرَارَ.
وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: الطَّلَبُ.
وَرُدَّ هَذَا الدَّلِيلُ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ غَيْرُ مُفِيدٍ.
وَبِالْفَرْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْفِعْلِ، وَنَفْيُ الْفِعْلِ دَائِمًا مُمْكِنٌ. وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِتْيَانَ بِالْفِعْلِ، وَالْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ دَائِمًا غَيْرُ مُمْكِنٍ.
الثَّانِي - أَنَّ التَّكْرَارَ فِي النَّهْيِ يَمْنَعُ (عَنْ) نَهْيٍ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ التَّكْرَارِ فِي الْأَمْرِ ; فَإِنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ الْأَمْرِ بِغَيْرِهِ.
الثَّالِثُ - أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَقْتَضِيَ الْأَمْرُ التَّكْرَارَ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ.
(2/35)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ الضِّمْنِيَّ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ; لِأَنَّ اقْتِضَاءَ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ التَّكْرَارَ فَرْعٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ التَّكْرَارَ. فَلَا يُسْتَدَلُّ بِتَكْرَارِ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ عَلَى تَكْرَارِ الْأَمْرِ، وَإِلَّا كَانَ مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْمَرَّةَ احْتَجَّ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ؛ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: " ادْخُلْ " فَدَخَلَ مَرَّةً، عُدَّ مُمْتَثِلًا.
فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِلتَّكْرَارِ - لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَدُّ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا لِأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ.
لِأَنَّ الْمَرَّةَ مِنْ ضَرُورَةِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ. لَا أَنَّ الْأَمْرَ ظَاهِرٌ فِي الْمَرَّةِ، وَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي التَّكْرَارِ.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُ بِالْوَقْفِ بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ لَثَبَتَ إِمَّا بِلَا دَلِيلٍ أَوْ بِدَلِيلٍ إِلَى آخِرِهِ.
(2/36)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَتَقْرِيرُهُ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ قَدْ مَرَّ.
[مَسْأَلَة: الْأَمْرُ إِذَا عُلِّقَ عَلَى عِلَّةٍ ثَابِتَةٍ]
ش - هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعٌ عَلَى عَدَمِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ التَّكْرَارَ.
إِذَا عُلِّقَ أَمْرٌ عَلَى صِفَةٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ عِلِّيَّةُ تِلْكَ الصِّفَةِ ثَابِتَةً أَمْ لَا.
فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً وَجَبَ تَكَرُّرُ الْفِعْلِ بِتَكَرُّرِ تِلْكَ الْعِلَّةِ بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْعِلَّةِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ تَكْرَارَ الْعِلَّةِ يُوجِبُ تَكْرَارَ الْمَعْلُولِ، لَا أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِلِّيَّةُ الصِّفَةِ ثَابِتَةً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ تَكْرَارِ الْفِعْلِ بِتَكَرُّرِ الصِّفَةِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ تَكَرُّرَ الصِّفَةِ لَا يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الْفِعْلِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ دَخَلْتَ
(2/37)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
السُّوقَ فَاشْتَرِ اللَّحْمَ - عُدَّ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا بِاقْتِصَارِهِ عَلَى شِرَاءِ اللَّحْمِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ أَخَذَ الْعَبْدُ يَشْتَرِي اللَّحْمَ كُلَّمَا دَخَلَ السُّوقَ، عُدَّ مُسْتَحِقًّا لِلَّوْمِ.
وَلَوْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْأَمْرِ عَلَى الصِّفَةِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ ثَبَتَ فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ تَكَرُّرُ وُجُوبِ الْفِعْلِ بِتَكَرُّرِ الصِّفَاتِ الَّتِي عُلِّقَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَتِ الصِّفَاتُ شُرُوطًا أَوْ عِلَلًا.
(2/38)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] .
فَإِنَّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ أَفَادَ التَّكْرَارَ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُ الْأَمْرِ عَلَى الصِّفَةِ مُطْلَقًا مُفِيدًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَكْرَارَهُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةٌ إِنَّمَا هُوَ لِتَكْرَارِ الْعِلَّةِ. وَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَفِي الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ اقْتَضَى ذَلِكَ، لَا لِأَجْلِ التَّعْلِيقِ.
الثَّانِي: - أَنَّ الْأَمْرَ الْمُعَلَّقَ عَلَى الْعِلَّةِ يُوجِبُ تَكَرُّرُ الْعِلَّةِ تَكَرُّرَهُ. فَالْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ أَوْلَى أَنْ يُوجِبَ تَكَرُّرُ الشَّرْطِ تَكَرُّرَهُ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ أَقْوَى مِنَ الْعِلَّةِ ; لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ.
بِخِلَافِ الْمَعْلُولِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، كَالْمَعْلُولِ النَّوْعِيِّ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ أَقْوَى مِنَ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِمَعْلُولِهَا،
(2/39)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَيْ كُلَّمَا وُجِدَتْ، وُجِدَ الْمَعْلُولُ.
بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي مَشْرُوطَهُ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ.
وَكَوْنُ الْمَعْلُولِ النَّوْعِيِّ ثَابِتًا عِنْدَ عَدَمِ عِلَّتِهِ لَا يَقْدَحُ فِي اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ، لِأَنَّ التَّكْرَارَ يُسْتَفَادُ مِنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ.
بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ - لَزِمَ الْقَدْحُ فِي اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْقَائِلُونَ بِالتَّكْرَارِ قَائِلُونَ بِالْفَوْرِ]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، قَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي
(2/40)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْفَوْرَ؛ لِأَنَّ اقْتِضَاءَ الْفَوْرِ يُلْزِمُ اقْتِضَاءَ التَّكْرَارِ ; لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ التَّكْرَارِ اسْتِغْرَاقَ جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مِنْ وَقْتِ الْأَمْرِ إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ تُبَرِّئُ الْمَأْمُورَ عَنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّهُ يَقْتَضِي أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا الْفَوْرَ أَوِ الْعَزْمَ عَلَى الْفِعْلِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْوَقْفِ لُغَةً عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لُغَةً مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ أَوِ التَّرَاخِيَ. فَإِنْ بَادَرَ الْمَأْمُورُ وَأَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ مُمْتَثِلًا.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ، وَإِنْ بَادَرَ الْمَأْمُورُ وَأَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، لَمْ يُقْطَعْ بِكَوْنِهِ مُمْتَثِلًا، بَلْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ أَيْضًا، كَمَا يُتَوَقَّفُ فِي الْفَوْرِ.
(2/41)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَا اخْتِيرَ فِي التَّكْرَارِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ، كَمَا لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّكْرَارِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ مَدْلُولَ الْأَمْرِ: طَلَبُ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ، وَالْفَوْرُ وَالتَّرَاخِي خَارِجَانِ عَنْ مَفْهُومِهِ. فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لِلْفَوْرِ وَلَا لِلتَّرَاخِي.
وَأَيْضًا: الْفَوْرُ وَالتَّرَاخِي مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ احْتَجُّوا بِسَبْعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ السَّقْيِ عَلَى الْفَوْرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ، عُدَّ الْعَبْدُ عَاصِيًا وَاسْتَحَقَّ اللَّوْمَ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لِلْفَوْرِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْفَوْرَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْقَرِينَةِ لَا مِنْ مُطْلَقِ الْأَمْرِ.
الثَّانِي - أَنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ وَمُنْشِئٍ يَقْصِدُ بِإِخْبَارِهِ وَإِنْشَائِهِ الزَّمَانَ الْحَاضِرَ؛ مِثْلَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَكَذَا الْأَمْرُ بِأَمْرِهِ ; لِأَنَّهُ قِسْمٌ مِنَ الْكَلَامِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ فَلَا يُفِيدُ.
وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ فِي هَذَا - أَيِ الْأَمْرِ - اسْتِقْبَالًا قَطْعًا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ، وَطَلَبُ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ مُقَدَّمٌ عَلَى حُصُولِهِ. فَيَكُونُ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَمَانِ صُدُورِ الْأَمْرِ عَنِ الْآمِرِ.
بِخِلَافِ سَائِرِ الْإِنْشَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ وُقُوعُهُ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ; فَإِنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنِ التَّلَفُّظِ بِالطَّلَاقِ.
(2/42)

وَأَنْتِ طَالِقٌ.
رُدَّ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ.
وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ فِي هَذَا اسْتِقْبَالًا قَطْعًا.
قَالُوا: طَلَبٌ كَالنَّهْيِ؛ وَالْأَمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَا.
قَالُوا: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] فَذَمَّ عَلَى تَرْكِ الْبِدَارِ.
قُلْنَا: لِقَوْلِهِ: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} [الحجر: 29] .
قَالُوا: لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مَشْرُوعًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ.
وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ لَوْ صُرِّحَ بِالْجَوَازِ.
وَبِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مُتَعَيِّنًا.
وَأَمَّا فِي الْجَوَازِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِامْتِثَالِ.
قَالُوا: قَالَ: (سَارِعُوا) (فَاسْتَبِقُوا) .
قُلْنَا: مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ؛ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُسَارِعًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/43)

ص - الْقَاضِي: مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُوَسَّعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/44)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخَبَرَ يَقْتَضِي الزَّمَانَ الْحَاضِرَ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِقْبَالِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَيُضْرَبُ زَيْدٌ.
الثَّالِثُ - أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ كَالنَّهْيِ. وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، فَكَذَا الْأَمْرُ؛ قِيَاسًا عَلَيْهِ.
الرَّابِعُ - أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ يَسْتَلْزِمُ الْفَوْرَ، فَكَذَا الْأَمْرُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلنَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
الْخَامِسُ - أَنَّهُ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَلَائِكَةَ وَإِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَتَرَكَ إِبْلِيسُ السُّجُودَ، فَذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْفَوْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلِاسْتِفْهَامِ، فَيَكُونُ لِلذَّمِّ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا حَسُنَ الذَّمُّ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ، إِذْ كَانَ لِإِبْلِيسَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا تَرَكْتُ السُّجُودَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْفَوْرِ.
أَجَابَ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اقْتَضَى الْفَوْرَ، لَا لِكَوْنِهِ أَمْرًا؛ بَلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29]
(2/45)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عُقَيْبَ التَّسْوِيَةِ وَنَفْخِ الرُّوحِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ مُفِيدًا لِلْفَوْرِ.
السَّادِسُ - لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مَشْرُوعًا، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ، لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ الْمُكَلَّفَ بِالْفِعْلِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُؤَخِّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ، مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ الَّذِي قَدْ كُلِّفَ بِالْمَنْعِ مِنَ التَّأْخِيرِ عَنْهُ. فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُعْلَمُ، وَذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَيْسَ إِلَّا وَقْتًا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالتَّرَاخِي قَائِلُونَ بِهِ. وَلَكِنَّ غَلَبَةَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ، وَلَيْسَ إِلَّا كِبَرَ السِّنِّ أَوْ مَرَضًا شَدِيدًا ; لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُكَلَّفِينَ قَدْ يَمُوتُونَ دُونَهُمَا. أَجَابَ أَوَّلًا - بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مَنْقُوضٌ بِمَا إِذَا صُرِّحَ لِلْمُكَلَّفِ بِجَوَازِ التَّرَاخِي؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: صَلِّ مَتَى شِئْتَ ; فَإِنَّهُ يَطْرُدُ هَذَا الدَّلِيلَ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي بِالِاتِّفَاقِ.
وَثَانِيًا - بِأَنَّهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِبِ التَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مُتَعَيِّنًا، وَلَمْ يَجُزِ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
(2/46)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا إِذَا جَازَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ - كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا - لَا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ; لِتَمَكُّنِ الْمُكَلَّفِ مِنَ الِامْتِثَالِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ حِينَئِذٍ.
السَّابِعُ - أَنْ يُقَالَ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَسَبَبٌ لِلْمَغْفِرَةِ. فَوَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالْمُسَارَعَةِ وَالْمُسَابَقَةِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُسَابَقَةِ وَالْمُسَارَعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُسَارَعَةَ وَالْمُسَابَقَةَ أَوْلَى وَأَفْضَلُ مِنَ التَّأْخِيرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى وُجُوبِ الْمُسَارَعَةِ وَالْمُسَابَقَةِ، لَتَضَيَّقَ وَقْتُهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَرْكِهِ، فَلَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ مُسَارِعًا عِنْدَ إِتْيَانِهِ فِي وَقْتِهِ، لِأَنَّ الْمُسَارِعَ هُوَ مُبَاشِرُ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مَعَ جَوَازِ الْإِتْيَانِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
ش - دَلِيلُ الْقَاضِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ مِنْ وُجُوبِ الْعَزْمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوِ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ مَعَ الْجَوَابِ (يُعْلَمُ) مِنْ ثَمَّةَ، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى إِعَادَتِهِ.
ش - قَالَ الْإِمَامُ: طَلَبُ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ مُتَحَقِّقٌ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالتَّأْخِيرِ مَشْكُوكٌ فِيهِ. فَوَجَبَ تَرْكُ الْمَشْكُوكِ فَتَعَيَّنَ الْبِدَارُ.
أَجَابَ أَنَّ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّأْخِيرِ وَالْبِدَارِ، وَكَمَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ يَحْتَمِلُ الْبِدَارَ، وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَمَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالْبِدَارِ، يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالتَّأْخِيرِ، فَلَا يَكُونُ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالتَّأْخِيرِ مَشْكُوكًا.
[مَسْأَلَة: الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ هل نَهْي عَنْ ضِدِّهِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ هَلْ هُوَ بِعَيْنِهِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَمْ لَا؟ اخْتِيَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَّالِيِّ أَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا، أَيْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَالْمُرَادُ بِالضِّدِّ مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَوْلِهِ " مُعَيَّنٍ ".
قِيلَ: فَائِدَتُهُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْأَمْرِ بِالضِّدَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، فَإِنَّهُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ.
وَقِيلَ: فَائِدَتُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: " افْعَلْ شَيْئًا " فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَا ضِدَّ لَهُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِمِثْلِهِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ،
(2/47)

ص - الْإِمَامُ: الطَّلَبُ مُتَحَقِّقٌ، وَالتَّأْخِيرُ مَشْكُوكٌ، فَوَجَبَ الْبِدَارُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْكُوكٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَالْغَزَّالِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا.
وَقَالَ الْقَاضِي وَمُتَابِعُوهُ: نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ.
ثُمَّ قَالَ: يَتَضَمَّنُهُ.
ثُمَّ اقْتَصَرَ قَوْمٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَالنَّهْيُ كَذَلِكَ فِيهِمَا.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْوُجُوبَ دُونَ النَّدْبِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/48)

ص - لَنَا: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ نَهْيًا عَنِ الضِّدِّ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ وَالْكَفِّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مَطْلُوبُ النَّهْيِ.
وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِالطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/49)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَفِيهَا تَعَسُّفٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَمُتَابِعُوهُ: أَوَّلًا: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ بِعَيْنِهِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ.
ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: ثَانِيًا: إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، أَيْ يَسْتَلْزِمُهُ.
ثُمَّ اقْتَصَرَ قَوْمٌ مِنَ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِهِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَلَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ، وَلَا مُسْتَلْزِمًا لَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَالنَّهْيُ كَذَلِكَ فِيهِمَا، أَيِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ أَوْ يَقْتَضِيهِ عَقْلًا.
ثُمَّ مِنَ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ أَوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، مَنْ قَالَ: إِنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، لَا أَمْرَ النَّدْبِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَخُصُّ بِهِ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، أَوْ مُقْتَضِيًا لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ، لَمْ يَحْصُلِ الْأَمْرُ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ، وَتَعَقُّلِ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْأَمْرَ حِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ تَعَقُّلِ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ ; لِأَنَّ الْكَفَّ عَنِ الضِّدِّ مَطْلُوبُ النَّهْيِ، وَالنَّهْيُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ تَصَوُّرِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، لِامْتِنَاعِ طَلَبِ غَيْرِ الْمُتَصَوَّرِ، وَتَعَقُّلُ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ لَا يُعْقَلُ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي - فَلِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَطْلُبُ شَيْئًا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ ضِدِّهِ وَالْكَفِّ عَنْهُ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي ; فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ
(2/50)

وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: الضِّدُّ الْعَامُّ. وَتَعَقُّلُهُ حَاصِلٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَطْلُبْهُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ طَلَبَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالْكَفُّ وَاضِحٌ.
ص - الْقَاضِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ لَكَانَ ضِدًّا أَوْ مِثْلًا، أَوْ خِلَافًا.
لِأَنَّهُمَا إِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي صِفَاتِ النَّفْسِ أَوْ لَا.
الثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَنَافَيَا بِأَنْفُسِهِمَا أَوْ لَا.
فَلَوْ كَانَا مِثْلَيْنِ أَوْ ضِدَّيْنِ لَمْ يَجْتَمِعَا.
وَلَوْ كَانَا خِلَافَيْنِ لَجَازَ أَحَدُهُمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ وَخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْخِلَافَيْنِ.
وَيَسْتَحِيلُ الْأَمْرُ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِضِدِّهِ ; لِأَنَّهُمَا نَقِيضَانِ.
أَوْ تَكْلِيفٌ بِغَيْرِ الْمُمْكِنِ.
وَأُجِيبُ: إِنْ أَرَادَ بِطَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ طَلَبَ الْكَفِّ مُنِعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/51)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ ضِدِّهِ وَالْكَفِّ عَنْهُ، لِأَنَّ الضِّدَّ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ فِعْلُهُ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَالْأَوَّلُ خَاصٌّ وَالثَّانِي عَامٌّ.
وَالْمُرَادُ بِالضِّدِّ هَا هُنَا هُوَ الضِّدُّ الْعَامُّ.
وَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ الطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الضِّدِّ الْعَامِّ ; لِأَنَّ تَعَقُّلَ الضِّدِّ الْعَامِّ حَاصِلٌ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ ; لِأَنَّ الْآمِرَ عِنْدَ الْأَمْرِ يَعْلَمُ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَأْمُرْهُ، لِامْتِنَاعِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآمِرَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ عَلَى الْفِعْلِ لَمْ يَأْمُرْهُ.
قَوْلُهُ: لِامْتِنَاعِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ يُطْلَبُ بِهِ تَحْصِيلُ الْفِعْلِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يُطْلَبُ بِهِ الْفِعْلُ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الضِّدَّ الْعَامَّ مَعْلُومٌ لِلْآمِرِ، وَلَكِنَّ الْكَفَّ وَاضِحٌ
(2/52)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ الْعَامِّ ; لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ مَعَ الْمَنْعِ مِنْ تَرْكِهِ.
ش - احْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ عَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لَكَانَ إِمَّا ضِدًّا لَهُ أَوْ مِثْلًا لَهُ أَوْ خِلَافًا لَهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَالِانْحِصَارِهِ فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ
(2/53)

لَازِمُهُمَا عِنْدَهُ، فَقَدْ يَتَلَازَمُ الْخِلَافَانِ، فَيَسْتَحِيلُ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا ضِدَّ ضِدِّ الْآخَرِ؛ كَالظَّنِّ وَالشَّكِّ، فَإِنَّهُمَا مَعًا ضِدُّ الْعِلْمِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِتَرْكِ ضِدِّهِ عَيْنَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا فِي تَسْمِيَتِهِ تَرْكًا، ثُمَّ فِي تَسْمِيَةِ طَلَبِهِ نَهْيًا.
الْقَاضِي أَيْضًا: السُّكُونُ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ، فَطَلَبُ السُّكُونِ طَلَبُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ.
وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ.
ص - التَّضَمُّنُ: أَمْرُ الْإِيجَابِ طَلَبُ فِعْلٍ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ اتِّفَاقًا، وَلَا يُذَمُّ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ، وَهُوَ الْكَفُّ أَوِ الضِّدُّ. فَيَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ (مَعْقُولِهِ، لَا بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَالذَّمُّ عَلَى أَنَّهُ) لَمْ يَفْعَلْ، لَا عَلَى فِعْلٍ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَالنَّهْيُ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، لَا عَنْ كَفٍّ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى وُجُوبِ تَصَوُّرِ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ لِكُلِّ آمِرٍ. وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا.
قَالُوا: لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ ضِدِّهِ؛ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ نَفْيِهِ، فَيَكُونُ مَطْلُوبًا، وَهُوَ مَعْنَى النَّهْيِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/54)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
غَيْرَهُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا (لَهُ) فِي صِفَاتِ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ، أَيْ فِي تَمَامِ ذَاتِيَّاتِهِ أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ هُمَا الْمِثْلَانِ، كَزَيْدٍ وَخَالِدٍ.
وَالثَّانِي إِمَّا يَتَنَافَيَا لِذَاتَيْهِمَا أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ هُمَا الضِّدَّانِ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ النَّقِيضَانِ، كَالْإِنْسَانِ وَاللَّا إِنْسَانِ ; وَالْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ كَالْعَمَى وَالْبَصَرِ، وَالضِّدَّانِ الْوُجُودِيَّانِ اللَّذَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ.
وَالثَّانِي هُمَا الْخِلَافَانِ، كَالْحَرَكَةِ وَالسَّوَادِ.
وَأَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي - فَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ لَوْ كَانَا مِثْلَيْنِ أَوْ ضِدَّيْنِ لَمْ يَجْتَمِعَا، ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ وَالْمِثْلَيْنِ، لَكِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ يَجْتَمِعَانِ، فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ مِثْلَيْنِ وَلَا ضِدَّيْنِ.
وَلَوْ كَانَا خَلِافَيْنِ لَجَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ، وَمَعَ خِلَافِ الْآخَرِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْخِلَافَيْنِ جَوَازُ اجْتِمَاعِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ وَمَعَ خِلَافِ الْآخَرِ؛ كَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ، فَإِنَّهُمَا خِلَافَانِ، وَجَازَ وُجُودُ الْعِلْمِ مَعَ الْكَرَاهَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ خِلَافُهَا.
(2/55)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَجَازَ وُجُودُ الْإِرَادَةِ مَعَ الْجَهْلِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعِلْمِ، وَمَعَ السَّخَاوَةِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْعِلْمِ.
لَكِنْ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالضِّدِّ ضِدَّ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ مَعَ الْأَمْرِ بِضِدِّهِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْأَمْرُ بِالنَّقِيضَيْنِ؛ إِنْ كَانَ الضِّدَّانِ نَقِيضَيْنِ، أَوِ الْأَمْرُ بِالْمُتَنَافِيَيْنِ؛ إِنْ لَمْ يَكُنِ الضِّدَّانِ نَقِيضَيْنِ.
وَهَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ خَلِافَيْنِ.
وَإِذَا بَطَلَ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ بَطَلَ التَّالِي.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْقَاضِي بِطَلَبِ تَرْكِ الضِّدِّ الَّذِي هُوَ مَعْنَى النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ - طَلَبَ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ (يَخْتَارُ) أَنَّهُمَا خِلَافَانِ.
وَيُمْنَعُ عِنْدَ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مَا جَعَلَ الْقَاضِي لَازِمَ الْخِلَافَيْنِ؛ وَهُوَ جَوَازُ اجْتِمَاعِ الْخِلَافِ مَعَ ضِدِّ الْخِلَافِ وَمَعَ خِلَافِ الْخِلَافِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَلَازَمُ الْخِلَافَانِ، كَالْعِلَّةِ وَمَعْلُولِهَا الْمُسَاوِي لَهَا فَيَسْتَحِيلُ جَوَازُ اجْتِمَاعِ أَحَدِهِمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ
(2/56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الضِّدَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْآخَرِ. فَكُلَّمَا يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا يَصْدُقُ الْآخَرُ.
وَأَيْضًا: قَدْ يَكُونُ ضِدُّ أَحَدِ الْخِلَافَيْنِ ضِدَّ الْخِلَافِ الْآخَرِ، كَالظَّنِّ وَالشَّكِّ فَإِنَّهُمَا خِلَافَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضِدٌّ لِلْعِلْمِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا ضِدَّ الْآخَرِ.
وَهَذَا الْمِثَالُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الظَّنَّ وَالشَّكَّ ضِدَّانِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ الضِّدَّيْنِ.
وَالْمِثَالُ الصَّحِيحُ: هُوَ الضَّاحِكُ وَالْكَاتِبُ ; فَإِنَّهُمَا خَلِافَانِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَسَّرَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضِدٌّ لِلصَّاهِلِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِطَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ طَلَبَ عَيْنِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ - كَانَ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ عَيْنَ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ، فَلَا يَبْقَى نِزَاعٌ فِي الْمَعْنَى، بَلْ رَجَعَ التَّنَازُعُ لَفْظِيًّا فِي تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِتَرْكِ الضِّدِّ، ثُمَّ فِي تَسْمِيَةِ طَلَبِ ذَلِكَ الْفِعْلِ نَهْيًا.
قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَرَادَ بِهِ الْمَنْعَ مِنْ تَرْكِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ جُزْءُ الطَّلَبِ الْجَازِمِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُدَّعَى الْقَاضِي فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الضِّدِّ هُوَ عَيْنُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ، لَا جُزْؤُهُ.
(2/57)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ السُّكُونَ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ ; فَطَلَبُ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ بِالسُّكُونِ هُوَ بِعَيْنِهِ طَلَبُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ السُّكُونِ.
أَجَابَ بِمَا تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ حِينَئِذٍ لَفْظِيًّا.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلِ - أَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ هُوَ طَلَبُ فِعْلٍ يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ اتِّفَاقًا.
وَلَا يُذَمُّ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ، لِأَنَّ الْعَدَمَ الْمُسْتَمِرَّ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَغَيْرُ الْمَقْدُورِ لَا يُذَمُّ عَلَيْهِ.
فَالْفِعْلُ الَّذِي يُذَمُّ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ الْإِيجَابِ هُوَ الْكَفُّ أَوْ فِعْلُ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ ; فَيَكُونُ الْكَفُّ أَوْ فِعْلُ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ. فَيَكُونُ أَمْرُ الْإِيجَابِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنِ الْكَفِّ أَوْ فِعْلِ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الذَّمَّ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ مَعْقُولِ الْأَمْرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى الذَّمِّ عَقْلًا، لَا أَنَّهُ يَعْلَمُ الذَّمَّ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.
وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; إِذِ الْعِلْمُ بِالذَّمِّ عَلَى التَّرْكِ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. وَلِهَذَا جَوَّزَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ الْإِيجَابَ بِدُونِ الذَّمِّ. وَلَوْ كَانَ الذَّمُّ مِنْ مَعْقُولِ الْإِيجَابِ لَمَا تَمَكَّنَ مِنْ تَجْوِيزِهِ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ مِنْ مَعْقُولِ الْأَمْرِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الذَّمَّ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْفِعْلِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الذَّمُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، لَا عَلَى فِعْلٍ.
(2/58)

ص - الطَّارِدُونَ: مُتَمَسَّكَا الْقَاضِي الْمُتَقَدِّمَانِ.
وَأَيْضًا - النَّهْيُ: طَلَبُ تَرْكِ الْفِعْلَ، وَالتَّرْكُ فِعْلُ الضِّدِّ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالضِّدِّ.
قُلْنَا: فَيَكُونُ الزِّنَا وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ لِوَاطٍ، وَبِالْعَكْسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/59)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلُهُ: الْعَدَمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ الْكَفُّ مَنْهِيًّا عَنْهُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ هُوَ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، لَا طَلَبُ كَفٍّ عَنْ كَفٍّ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى وُجُوبِ تَصَوُّرِ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ لِكُلِّ آمِرٍ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ النَّهْيِ عَنِ الْكَفِّ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ.
وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا ; لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْآمِرَ لَا يَتَصَوَّرُ الْكَفَّ عَنِ الْكَفِّ حِينَ يَأْمُرُ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ طَلَبَ كَفٍّ عَنْ كَفٍّ لَمْ يَكُنِ الْكَفُّ الَّذِي ذُمَّ عَلَيْهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ النَّهْيَ عَنِ الْكَفِّ وَلَا عَنِ الضِّدِّ.
الثَّانِي - أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَاجِبًا، وَالْوَاجِبُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ الضِّدِّ.
وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ: فَتَرْكُ الضِّدِّ وَاجِبٌ
(2/60)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَتَرْكُ الضِّدِّ الْكَفُّ عَنْهُ أَوْ نَفْيُهُ. فَيَكُونُ الْكَفُّ عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ نَفْيِهِ مَطْلُوبًا فَيَكُونُ ضِدُّ الْمَأْمُورِ بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ أَوْ طَلَبُ نَفْيِهِ. فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ ; وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، بَلْ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا كَانَ شَرْطًا شَرْعِيًّا كَانَ وَاجِبًا. وَتَرْكُ الضِّدِّ لَا يَكُونُ شَرْطًا شَرْعِيًّا. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الشَّيْءِ وُجُوبُهُ.
ش - الطَّارِدُونَ: أَعْنِي الْقَائِلِينَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ بِعَيْنِهِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هُوَ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مِنْهُمَا مُتَمَسَّكَا الْقَاضِي، أَعْنِي الدَّلِيلَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ، لَكَانَ إِمَّا مِثْلَهُ أَوْ ضِدَّهُ أَوْ خِلَافَهُ إِلَى آخِرِهِ.
وَالْآخَرُ الدَّلِيلُ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الْحَرَكَةِ عَيْنُ السُّكُونِ. فَالنَّهْيُ عَنِ الْحَرَكَةِ هُوَ عَيْنُ الْأَمْرِ بِالسُّكُونِ.
وَتَقْرِيرُ جَوَابِهِمَا قَدْ مَرَّ.
(2/61)

وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا.
وَبِأَنْ لَا مُبَاحَ.
وَبِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ الْكَفِّ لَا الضِّدِّ الْمُرَادِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: فَالْكَفُّ فِعْلٌ فَيَكُونُ أَمْرًا (بِضِدِّهِ) رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا، وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ نَوْعًا مِنَ الْأَمْرِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ: الْأَمْرُ طَلَبُ فِعْلٍ لَا كَفٍّ.
ص - الطَّارِدُونَ فِي التَّضَمُّنِ: لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ إِلَّا بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ، كَالْأَمْرِ.
وَأُجِيبَ بِالْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ، وَبِأَنْ لَا مُبَاحَ.
ص - وَالْفَارُّ مِنَ الطَّرْدِ إِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْيٍ، وَإِمَّا لِلْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ.
وَإِمَّا لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَسْتَلْزِمُ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ فِعْلٌ فَاسْتُلْزِمَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالنَّهْيُ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ فَلَمْ يَسْتَلْزِمِ الْأَمْرَ، لِأَنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ، لَا كَفٍّ.
وَإِمَّا لِإِبْطَالِ الْمُبَاحِ.
ص - وَالْمُخَصَّصُ: الْوُجُوبُ لِلْأَمْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْإِجْزَاءُ: الِامْتِثَالُ. فَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُحَقِّقُهُ اتِّفَاقًا.
وَقِيلَ: الْإِجْزَاءُ: إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ، فَيَسْتَلْزِمُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا يَسْتَلْزِمُهُ.
لَنَا: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْهُ لَمْ يُعْلَمِ امْتِثَالٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ مِنَ الْأَدَاءِ. فَيَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ لَكَانَ الْمُصَلِّي بِظَنِّ الطَّهَارَةِ آثِمًا أَوْ سَاقِطًا عَنْهُ الْقَضَاءُ، إِذَا تَبَيَّنَ الْحَدَثَ.
وَأُجِيبُ بِالسُّقُوطِ لِلْخِلَافِ.
وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُهُ بِأَمْرٍ آخَرَ عِنْدَ التَّبَيُّنِ.
وَإِتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ وَاضِحٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) صِيغَةُ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ لَنَا غَلَبَتُهَا شَرْعًا ; {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] ، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10] .
قَالُوا: لَوْ كَانَ مَانِعًا لَمَنَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّصْرِيحَ قَدْ يَكُونُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/62)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّالِثُ - أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ تَرْكِ فِعْلٍ، وَتَرْكُ الْفِعْلِ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلُ الضِّدِّ ; فَالنَّهْيُ طَلَبُ فِعْلِ الضِّدِّ، وَكُلُّ مَا هُوَ طَلَبُ فِعْلٍ فَهُوَ أَمْرٌ، فَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ بِعَيْنِهِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ.
أَجَابَ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ - لَوْ كَانَ تَرْكُ فِعْلٍ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلٌ بِالضِّدِّ، لَكَانَ الزِّنَا وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ اللِّوَاطِ، وَلَكَانَ اللِّوَاطُ وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ الزِّنَا، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ تَرْكَ الزِّنَا حِينَئِذٍ يَكُونُ فِعْلَ اللِّوَاطِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ. وَتَرْكُ اللِّوَاطِ أَيْضًا فِعْلُ الزِّنَا. وَكُلٌّ مِنْ تَرْكِ اللِّوَاطِ وَتَرْكِ الزِّنَا وَاجِبٌ. فَيَكُونُ فِعْلُ كُلٍّ مِنَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ الَّذِي هُوَ بِعَيْنِهِ تَرْكُ الْآخَرِ وَاجِبًا.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَرْكُ فِعْلٍ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلُ ضِدِّهِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُبَاحُ مُتَحَقِّقًا فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ ضِدُّ الْحَرَامِ، وَضِدُّ الْحَرَامِ بِعَيْنِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ. فَيَكُونُ كُلُّ مُبَاحٍ وَاجِبًا. فَلَا يَكُونُ الْمُبَاحُ مُتَحَقِّقًا.
الثَّالِثُ - أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ. فَيَكُونُ الْكَفُّ عَنِ الْفِعْلِ مَطْلُوبًا، لَا فِعْلُ الضِّدِّ الْمُرَادِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ سُلِّمَ أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ كَفٍّ عَنِ الْفِعْلِ،
(2/63)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَالْكَفُّ فِعْلٌ، فَيَكُونُ طَلَبُهُ أَمْرًا، لِأَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ أَمْرٌ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا، لِأَنَّا لَا نُسَمِّي طَلَبَ الْكَفِّ أَمْرًا، وَأَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ أَمْرًا.
وَيَلْزَمُكُمْ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ نَوْعًا مِنَ الْأَمْرِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ طَلَبُ الْفِعْلِ - سَوَاءٌ كَانَ كَفًّا أَوْ غَيْرَهُ - أَمْرًا.
ثُمَّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَفًّا سُمِّيَ نَهْيًا أَيْضًا.
فَالْقَوْلُ بِأَنَّ النَّهْيَ نَوْعٌ مِنَ الْأَمْرِ بَاطِلٌ.
(وَمِنْ ثَمَّ؛ أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّهْيَ نَوْعٌ مِنَ الْأَمْرِ، بَاطِلٌ) قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْأَمْرِ: إِنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ.
ش - الطَّارِدُونَ فِي التَّضَمُّنِ؛ أَيِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، احْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالنَّهْيِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ - سَوَاءٌ كَانَ كَفًّا، أَوْ أَنْ لَا يَفْعَلَ - لَا يَتِمُّ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِفِعْلِ أَحَدِ أَضْدَادِهِ كَالْأَمْرِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ بِهِ لَا يَحْصُلُ وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ أَحَدِ أَضْدَادِهِ.
(2/64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمَا لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ. فَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ فِعْلِ الضِّدِّ، وَطَلَبُ فِعْلِ الضِّدِّ أَمْرٌ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا لِلْأَمْرِ.
أُجِيبُ عَنْهُ بِالْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ تَرْكِ الزِّنَا مُسْتَلْزِمًا لِطَلَبِ فِعْلِ اللِّوَاطِ، وَبِالْعَكْسِ.
وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا مُبَاحَ فِي الشَّرْعِ كَمَا ذَكَرَ.
ش - الْفَارُّ مِنَ الطَّرْدِ، أَعْنِي الْقَائِلَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هُوَ بِعَيْنِهِ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بِعَيْنِهِ
(2/65)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمْرًا بِالشَّيْءِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ، إِنَّمَا يَفِرُّ مِنَ الطَّرْدِ.
إِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْيِ فِعْلٍ، أَيْ طَلَبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَهُوَ عَدَمٌ. وَالْأَمْرُ طَلَبُ وُجُودِ فِعْلٍ، وَطَلَبُ الْعَدَمِ لَا يَكُونُ طَلَبَ الْوُجُودِ وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ.
وَهَذَا الدَّلِيلُ يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا مُسْتَلْزِمًا لَهُ ; لِأَنَّ طَلَبَ الْوُجُودِ لَا يَكُونُ بِعَيْنِهِ طَلَبَ الْعَدَمِ، وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ.
وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ لُزُومُ كَوْنِ الزِّنَا وَاجِبًا، وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَوْ كَانَ عَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، أَوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ بِعَيْنِهِ نَهْيًا عَنِ الْحَجِّ أَوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ ضِدُّ الْحَجِّ.
وَإِمَّا لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَسْتَلْزِمُ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ، وَالتَّرْكُ فِعْلٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الذَّمَّ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْفِعْلِ، فَاسْتَلْزَمَ الْأَمْرُ النَّهْيَ ; لِأَنَّ التَّرْكَ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ يُذَمُّ عَلَيْهِ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِالضِّدِّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، وَالْأَمْرَ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ.
فَلَوْ كَانَ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا لِلْأَمْرِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ الْكَفِّ مُسْتَلْزِمًا لِطَلَبٍ غَيْرِ الْكَفِّ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ.
(2/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذَا الدَّلِيلُ أَيْضًا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ ; لِأَنَّهُ كَمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِلْزَامُ طَلَبِ الْكَفِّ لِطَلَبِ غَيْرِ الْكَفِّ لَا يُمْكِنُ اسْتِلْزَامُ طَلَبِ غَيْرِ الْكَفِّ لِلْكَفِّ.
وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا لِلْأَمْرِ، لَزِمَ نَفْيُ الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ النَّهْيِ الْأَمْرُ بِالْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَانْتَفَى الْمُبَاحُ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ وَاجِبٌ.
وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَوْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ يَلْزَمُ أَيْضًا نَفْيُ الْمُبَاحِ.
ش - أَيِ الْقَائِلُ بِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ، إِنَّمَا خَصَّصَ أَمْرَ الْإِيجَابِ نَظَرًا إِلَى الْأَمْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
أَمَّا إِلَى الْأَوَّلِ مِنَ الْأَخِيرَيْنِ ; فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَلْزَمَ الْأَمْرُ النَّهْيَ بِسَبَبِ الذَّمِّ عَلَى التَّرْكِ، وَلَا ذَمَّ عَلَى التَّرْكِ فِي النَّدْبِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِ النَّدْبِ النَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ.
وَأَمَّا إِلَى الثَّانِي، فَلِأَنَّ اسْتِلْزَامَ الْأَمْرِ لِلنَّهْيِ يُوجِبُ نَفْيَ الْمُبَاحِ، وَنَفْيُ الْمُبَاحِ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَخُصِّصَ أَمْرُ الْإِيجَابِ بِاسْتِلْزَامِهِ النَّهْيَ دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ ; لِأَنَّ خِلَافَ الْأَصْلِ كُلَّمَا كَانَ أَكْثَرَ كَانَ أَشَدَّ مَحْذُورًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الذَّمِّ عَلَى
(2/67)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
التَّرْكِ عَدَمُ اسْتِلْزَامِ الْأَمْرِ لِلنَّهْيِ ; فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَعْلُولِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَلْزِمَ أَمْرُ النَّدْبِ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُذَمَّ عَلَى تَرْكِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّدْبَ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ لَا مَعَ الْجَزْمِ، وَطَلَبُ الْفِعْلِ يَسْتَدْعِي رُجْحَانَهُ، فَيَكُونُ تَرْكُ الْفِعْلِ الْمَنْدُوبِ مَرْجُوحًا، وَهُوَ لَازِمٌ لِضِدِّ فِعْلِ الْمَنْدُوبِ. فَيَكُونُ ضِدُّ فِعْلِ الْمَنْدُوبِ مَرْجُوحًا، وَتَرْكُ الْمَرْجُوحِ مَطْلُوبٌ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضِدُّ الْفِعْلِ الْمَنْدُوبِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَيَكُونُ أَمْرُ النَّدْبِ أَيْضًا مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ اخْتِصَاصَ أَمْرِ الْوُجُوبِ بِالِاسْتِلْزَامِ، دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ تَخْصِيصٌ بِلَا مُخَصِّصٍ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجْزَاءُ: الِامْتِثَالُ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْإِجْزَاءِ.
فَقَالَ قَوْمٌ: الْإِجْزَاءُ هُوَ الِامْتِثَالُ؛ فَعَلَى هَذَا، الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ
(2/68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِهِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، يُحَقِّقُ الْإِجْزَاءَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقِيلَ: الْإِجْزَاءُ: سُقُوطُ الْقَضَاءِ؛ فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ، أَعْنِي سُقُوطَ الْقَضَاءِ.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْإِجْزَاءَ - لَمْ يُعْلَمِ الِامْتِثَالُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْزِئًا، لَبَقِيَ احْتِمَالُ تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ، وَمَعَ احْتِمَالِ تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ بِهِ يُحْتَمَلُ عَدَمُ الِامْتِثَالِ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُ التَّكْلِيفِ مَعَ تَحَقُّقِ الِامْتِثَالِ، وَإِذَا احْتَمَلَ عَدَمَ الِامْتِثَالِ - لَمْ يُعْلَمِ الِامْتِثَالُ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ يُنَافِي احْتِمَالَ النَّقِيضِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: احْتِمَالُ تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ بِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ
(2/69)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
احْتِمَالَ عَدَمِ الِامْتِثَالِ، فَإِنَّ فَاقَدِ الطَّهُورَيْنِ إِذَا صَلَّى تَحَقَّقَ الِامْتِثَالُ. وَمَعَ هَذَا تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ بِهِ.
الثَّانِي - أَنَّ الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ مِنَ الْأَدَاءِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ لَكَانَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْقَضَاءِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ الْقَضَاءُ اسْتِدْرَاكًا لِلْأَدَاءِ الْحَاصِلِ، فَيَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْأَدَاءُ الْمُسْتَدْرَكُ بِالْقَضَاءِ غَيْرُ الْأَدَاءِ الْحَاصِلِ، فَلَا يَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
ش - قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَمُتَابِعُوهُ: لَوْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى
(2/70)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِجْزَاءِ بِمَعْنَى سُقُوطِ الْقَضَاءِ لَكَانَ الْمُصَلِّي بِظَنِّ الطَّهَارَةِ آثِمًا أَوْ سَاقِطًا عَنْهُ الْقَضَاءُ إِذَا تَبَيَّنَ حَدَثَهُ وَقْتَ الصَّلَاةِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالصَّلَاةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا مَعَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ ; أَوْ مَأْمُورًا بِهَا مَعَ ظَنِّهَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَقَدْ سَقَطَ الْقَضَاءُ، لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ سُقُوطِ الْقَضَاءِ بِالِاتِّفَاقِ ; فَإِنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا سُقُوطُهُ.
وَأَيْضًا: مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْإِتْيَانُ بِهِ، لَيْسَ قَضَاءً لِمَا أَتَى بِهِ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ آخَرُ مِثْلُ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَدْ أَتَى بِهِ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ عِنْدَ تَبَيُّنِ الْحَدَثِ، لَا بِسَبَبِ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ.
(2/71)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ لَمَا وَجَبَ قَضَاءُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ بَعْدَ إِتْمَامِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمَأْمُورَ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ، فَيَكُونُ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَيَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِسُقُوطِ الْقَضَاءِ؛ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَاجِبٌ، وَإِتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ وَاضِحٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُمَاثِلًا لِمَا أَتَى بِهِ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، فَلَا يَكُونُ قَضَاءً لِلْحَجِّ الْفَاسِدِ.
[مَسْأَلَةٌ صِيغَةُ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ]
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا وَرَدَ عُقَيْبَ الْحَظْرِ، هَلْ يَكُونُ لِلْوُجُوبِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ وُرُودَ صِيغَةِ الْأَمْرِ عُقَيْبَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا لِلْوُجُوبِ.
(2/72)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ وُرُودَ صِيغَةِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ غَالِبٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى وُرُودِهَا بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ ; مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] وَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10] .
وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ وُرُودَهُ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ احْتَجُّوا بِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَوُرُودُهُ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا يَكُونُ مَانِعًا لِلْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَانِعًا لِلْوُجُوبِ لَمَنَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالْوُجُوبِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ مَثَلًا بَعْدَ حَظْرِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمُ الْقِتَالَ.
وَإِذَا تَحَقَّقَ الْمُوجِبُ لِلْوُجُوبِ وَانْتَفَى الْمَانِعُ لَزِمَ الْوُجُوبُ عَمَلًا بِالْمُوجِبِ السَّالِمِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْمَانِعِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ وُرُودَ هَذِهِ الصِّيغَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ إِذَا كَانَ مَانِعًا لِلْوُجُوبِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ التَّصْرِيحِ بِالْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا لِلْوُجُوبِ ظَاهِرًا، وَيَجُوزُ التَّصْرِيحُ بِالْوُجُوبِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ قَدْ يَكُونُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ أو بالأول]
ش - الْأَمْرُ إِذَا وَرَدَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ بِوَقْتٍ أَوْ لَا ; فَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ بِوَقْتٍ فَعِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْأَمْرَ لِلْفَوْرِ، فَهُوَ كَالْمُقَدَّرِ بِوَقْتٍ.
وَعِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْفَوْرِ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ قَضَاؤُهُ، بَلْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ.
وَأَمَّا إِذَا قُدِّرَ بِوَقْتٍ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ الْمُقْتَضِي لِلْأَدَاءِ، أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ مُجَدَّدٍ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
(2/73)

وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَوَّلِ.
لَنَا: لَوْ وَجَبَ بِهِ لَاقْتَضَاهُ.
صَوْمُ يَوْمِ الْخَمِيسِ لَا يَقْتَضِي صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَأَيْضًا: لَوِ اقْتَضَاهُ لَكَانَ أَدَاءً، وَلَكَانَا سَوَاءً.
ص - قَالُوا: الزَّمَانُ ظَرْفٌ. فَاخْتِلَالُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي السُّقُوطِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُقَيَّدٍ لَوْ قُدِّمَ لَمْ يَصِحَّ.
قَالُوا: كَأَجَلِ الدَّيْنِ.
وَرُدَّ بِالْمَنْعِ، وَبِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: فَيَكُونُ أَدَاءً.
قُلْنَا: سُمِّيَ قَضَاءً ; لِأَنَّهُ يَجِبُ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِالشَّيْءِ.
لَنَا: لَوْ كَانَ لَكَانَ: " مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا " تَعَدِّيًا.
وَلَكَانَ يُنَاقِضُ قَوْلَكَ لِلْعَبْدِ: لَا تَفْعَلْ.
ص - قَالُوا: فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ (بِأَمْرِنَا) وَمِنْ قَوْلِ الْمَلِكِ لِوَزِيرِهِ: قُلْ لِفُلَانٍ: افْعَلْ.
قُلْنَا: لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُبَلِّغٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَضَاءَ لَوْ وَجَبَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا لِلْقَضَاءِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ يَتَنَاوَلُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: صُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ، لَا يَتَنَاوَلُ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لَا بِطْرِيقِ الْمَنْطُوقِ، وَلَا بِطْرِيقِ الْمَفْهُومِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ الْمُقَدَّرُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ اقْتَضَى وُجُوبَ الْفِعْلِ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لَكَانَ وُقُوعُ الْفِعْلِ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ أَدَاءً ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وُقُوعُ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي كَوُقُوعِهِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقْتَضَى الْأَمْرِ.
وَوُقُوعُهُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ أَدَاءٌ، فَكَذَا وُقُوعُهُ فِي الثَّانِي، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
(2/75)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَ وُقُوعُ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ مُسَاوِيًا لِوُقُوعِهِ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى وَاحِدٌ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ قَصْدًا.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الزَّمَانَ الْمُقَدَّرَ ظَرْفٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَالظَّرْفُ لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا بِالْأَمْرِ ; لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْأَمْرِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ، وَالظَّرْفُ لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لَهُ، وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا بِالْأَمْرِ فَاخْتِلَالُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَمْرٍ مُقَيَّدٍ لَوْ قُدِّمَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى وَقْتِهِ
(2/76)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُقَدَّرِ لَمْ يَصِحَّ، فَوُقُوعُهُ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مَطْلُوبٌ وَمَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، فَيَكُونُ إِخْلَالُهُ فِي وَقْتِهِ الْأَوَّلِ مُؤَثِّرًا فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِهِ.
الثَّانِي: الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لِلْمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَأَجَلِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ - فَلَا يَسْقُطُ الْمَأْمُورُ بِهِ بِفَوَاتِ الْأَجَلِ.
وَرُدَّ بِمَنْعِ أَنَّ الزَّمَانَ الْمُقَدَّرَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ كَأَجَلِ الدَّيْنِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مُخْرِجَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَنْ وَقْتِهِ يَأْثَمُ، وَمُخْرِجَ الدَّيْنِ عَنِ الْأَجَلِ لَا يَأْثَمُ.
وَأَيْضًا: يَجُوزُ أَدَاءُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، لَكَانَ أَدَاءً كَمَا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ سُمِّيَ قَضَاءً لِأَنَّهُ وَجَبَ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الشَّارِعَ إِذَا أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِفِعْلٍ،
(2/77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلَ أَمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ سَبْعِ سِنِينَ - هَلْ يَكُونُ أَمْرًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ أَمْ لَا؟ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَمْرًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَكَانَ قَوْلُكَ لِلسَّيِّدِ: " مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا "، تَعَدِّيًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّكَ حِينَئِذٍ تَكُونُ آمِرًا لِعَبْدِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيْدِ) .
وَالْأَمْرُ لِعَبْدِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَكُونُ تَعَدِّيًا.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَكَانَ قَوْلُكَ لِلسَّيِّدِ: مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا، مُنَاقِضًا لِقَوْلِكَ لِلْعَبْدِ: لَا تَفْعَلْ كَذَا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
(2/78)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُكَ لِلسَّيِّدِ: مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا، كَقَوْلِكَ لِلْعَبْدِ: افْعَلْ كَذَا، فَيَكُونُ مُنَاقِضًا لِقَوْلِكَ لِلْعَبْدِ: لَا تَفْعَلْ كَذَا.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، قَالُوا: إِذَا أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأَنْ يَأْمُرَ بِالشَّيْءِ يُفْهَمُ كَوْنُنَا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ.
وَكَذَا إِذَا أَمَرَ الرَّسُولُ وَاحِدًا أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ (بِكَذَا) فُهِمَ كَوْنُ النَّاسِ مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ.
وَكَذَا قَوْلُ الْمَلِكِ لِوَزِيرِهِ: قُلْ لِفُلَانٍ: افْعَلْ كَذَا؛ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ كَوْنُ ذَلِكَ الشَّخْصِ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ.
أَجَابَ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إِنَّمَا فُهِمَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْأَمْرِ مُبَلِّغٌ لِلْأَمْرِ.
[مَسْأَلَةٌ إِذَا أَمَرَ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ]
ش - الْفِعْلُ إِذَا اعْتُبِرَ مَاهِيَّتُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمُشَخِّصَاتِ يُسَمَّى: الْمُجَرَّدَ، وَالْمَاهِيَّةُ بِشَرْطٍ لَا شَيْءَ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ.
وَإِذَا اعْتُبِرَ مَاهِيَّتُهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ أَوْ لَا، يُسَمَّى: الْمُطْلَقَ، وَالْمَاهِيَّةُ لَا بِشَرْطٍ شَيْءٌ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ ; لِأَنَّهُ جُزْءُ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ، وَجُزْءُ الْمَوْجُودِ مَوْجُودٌ.
وَإِنِ اعْتُبِرَ مَاهِيَّتُهُ مِنْ حَيْثُ يَلْحَقُهَا الْمُشَخِّصَاتُ يُسَمَّى جُزْئِيًّا. وَلَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ.
وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ، هَلْ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ مَاهِيَّةُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، أَوْ وَاحِدًا مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ؟ .
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ الْمُطْلَقِ وَاحِدٌ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ.
(2/79)

ص - (مَسْأَلَةٌ) إِذَا أَمَرَ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ فَالْمَطْلُوبُ الْفِعْلُ الْمُمْكِنُ الْمُطَابِقُ لِلْمَاهِيَّةِ، (لَا الْمَاهِيَّةُ) .
لَنَا: أَنَّ الْمَاهِيَّةَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي الْأَعْيَانِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِهَا ; فَيَكُونُ كُلِّيًّا جُزْئِيًّا، وَهُوَ مُحَالٌ.
ص - قَالُوا: الْمَطْلُوبُ مُطْلَقٌ وَالْجُزْئِيُّ مُقَيَّدٌ، فَالْمُشْتَرَكُ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
قُلْنَا: يَسْتَحِيلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ وَلَا مَانِعَ عَادَةً مِنَ التَّكْرَارِ مِنْ تَعْرِيفٍ أَوْ فِيهِ، وَالثَّانِي غَيْرُ مَعْطُوفٍ؛ مِثْلَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ; قِيلَ: مَعْمُولٌ بِهِمَا.
وَقِيلَ: تَأْكِيدٌ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
الْأَوَّلُ: فَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَظْهَرُ، فَكَانَ أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/80)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي الْخَارِجِ ; لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ يَلْزَمُهَا التَّعَدُّدُ ; أَيْ يَلْزَمُهَا الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ كَثِيرِينَ - فَيَكُونُ كُلِّيًّا.
وَالْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ يَلْزَمُهُ التَّشَخُّصُ، فَيَكُونُ جُزْئِيًّا.
فَلَوْ كَانَتِ الْمَاهِيَّةُ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا جُزْئِيًّا مَعًا فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَكُلُّ مَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ يَلْزَمُهَا التَّعَدُّدُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْمَاهِيَّةَ - مِنْ حَيْثُ هِيَ التَّعَدُّدُ - امْتَنَعَ عُرُوضُ التَّشَخُّصِ لَهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا تَقْتَضِي التَّعَدُّدَ وَلَا الْوَحْدَةَ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْأَمْرِ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ، هُوَ مَاهِيَّةُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، قَالُوا: الْمَطْلُوبُ فِعْلٌ مُطْلَقٌ وَلَاشَيْءِ مِنَ
(2/81)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْجُزْئِيِّ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ ; لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ مُقَيَّدٌ بِالْمُشَخِّصَاتِ، فَلَا شَيْءَ مِنَ الْمَطْلُوبِ بِجُزْئِيٍّ. وَمُنْعَكِسٌ إِلَى قَوْلِنَا: لَا شَيْءَ مِنَ الْجُزْئِيِّ بِمَطْلُوبٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْفِعْلِ الْمُشْتَرَكِ بِمَا ذَكَرْنَا، فَلَا يَكُونُ مَطْلُوبًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْخَصْمُ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْمَاهِيَّةَ تُفِيدُ الِاشْتِرَاكَ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ، بَلْ قَالَ: الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْرُوضَةٌ لِلِاشْتِرَاكِ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ. وَلَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْمَاهِيَّةِ الْمَعْرُوضَةِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْخَارِجِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ، لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي وَاحِدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ، فَيَكُونُ الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَطْلُوبَةً بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَالْجُزْئِيَّةُ مَقْصُودَةً بِالْقَصْدِ الثَّانِي.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ]
ش - إِذَا وَرَدَ أَمْرٌ عُقَيْبَ أَمْرٍ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مُتَعَلِّقَاهُمَا، أَوْ يَتَمَاثَلَا ; فَإِنِ اخْتَلَفَا وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عُمِلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ; مِثْلَ: صُمْ هَذَا الْيَوْمَ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَعِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ، يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُمَا.
وَعِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ لَا يَسْتَحِيلُ.
وَإِنْ تَمَاثَلَ مُتَعَلِّقَاهُمَا، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ مِنَ التَّكْرَارِ مِنْ جِهَةِ عَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَتَعْرِيفِ الثَّانِي بِلَامِ الْعَهْدِ، مِثْلَ: أَعْطِ دِرْهَمًا، أَعْطِ الدِّرْهَمَ.
أَوْ غَيْرِ التَّعْرِيفِ، كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً اسْقِنِي
(2/82)

الثَّانِي: كَثُرَ فِي التَّأْكِيدِ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ مُخَالَفَةُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَفِي الْمَعْطُوفِ الْعَمَلُ أَرْجَحُ.
فَإِنْ رَجَحَ التَّأْكِيدُ بِعَادِيٍّ قُدِّمَ الْأَرْجَحُ.
وَإِلَّا فَالْوَقْفُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/83)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَاءً، أَوْ لَا يَمْنَعُ مَانِعٌ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَكُونُ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرَ مَعْطُوفٍ.
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ، كَقَوْلِ الشَّارِعِ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، صَلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ; فَقِيلَ: مَعْمُولٌ بِهِمَا، وَقِيلَ: الثَّانِي تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ، وَقِيلَ: الْوَقْفُ.
حُجَّةُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْأَمْرَ الثَّانِيَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ، وَهِيَ إِمَّا التَّأْسِيسُ، أَيْ جَعْلُهُ شَرْعًا غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَإِمَّا التَّأْكِيدُ. وَالتَّأْسِيسُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّأْسِيسِ أَكْثَرُ مِنْ فَائِدَةِ التَّأْكِيدِ ; وَحَمْلُ أَمْرِ الشَّرْعِ عَلَى مَا فَائِدَتُهُ أَكْثَرُ أَظْهَرُ. وَإِذَا كَانَ التَّأْسِيسُ أَظْهَرَ كَانَ أَوْلَى.
حُجَّةُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي: أَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا يُوجِبُ مُخَالَفَةَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ
(2/84)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أَوْ ظَاهِرٍ، وَالْأَمْرُ الثَّانِي الْوَارِدُ عُقَيْبَ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ فِي الْعَمَلِ بِهِ؛ لِاحْتِمَالِ التَّأْكِيدِ، وَلَا بِظَاهِرٍ ; لِأَنَّ التَّأْكِيدَ لِكَوْنِهِ كَثِيرَ الِاسْتِعْمَالِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَكُونُ مَرْجُوحًا.
هَذَا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلَى الْأَوَّلِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ، مِثْلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ - فَالْعَمَلُ بِهِمَا أَرْجَحُ مِنَ التَّأْكِيدِ إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ عَادِيٌّ مِنَ التَّغَايُرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَرْجَحَ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ.
وَأَمَّا إِذَا مَنَعَ مَانِعٌ عَادِيٌّ مِنَ التَّغَايُرِ، مِثْلَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً وَاسْقِنِي مَاءً فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالْأَرْجَحِ مِنَ الْعَادَةِ الْمَانِعَةِ لِلتَّغَايُرِ وَالْعَطْفِ الْمُقْتَضِي لَهُ.
وَفِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ الْعَمَلُ بِهِمَا أَرْجَحُ مِنَ التَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ وَالْعَطْفَ تَعَارَضَا. فَتَبْقَى فَائِدَةُ التَّأْسِيسِ سَالِمَةً عَنِ الْمُعَارِضِ.
وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنَ الْعَمَلِ وَالتَّأْكِيدِ رَاجِحًا عَلَى الْآخَرِ، مِثْلَ: اسْقِنِي مَاءً وَاسْقِنِي الْمَاءَ - فَالْوَقْفُ بَيْنَ حَمْلِ الثَّانِي عَلَى التَّأْكِيدِ أَوْ عَلَى التَّأْسِيسِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ وَالتَّعْرِيفَ فِي مُقَابَلَةِ التَّأْسِيسِ وَالْعَطْفِ، فَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
[النَّهْيُ]
[حَدُّ النَّهْيِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ مَبَاحِثِ الْأَمْرِ شَرَعَ فِي النَّهْيِ، وَعَرَّفَ بِأَنَّهُ: اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
فَقَوْلُهُ: " كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْأَمْرِ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الدُّعَاءِ وَالِالْتِمَاسِ.
(2/85)

النَّهْيُ.
ص - النَّهْيُ - اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
وَمَا قِيلَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ مِنْ مُزَيَّفٍ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ قِيلَ مُقَابِلُهُ فِي حَدِّ النَّهْيِ.
وَالْكَلَامُ فِي صِيغَتِهِ، وَالْخِلَافُ فِي ظُهُورِ الْحَظْرِ لَا الْكَرَاهَةِ، وَبِالْعَكْسِ، أَوْ مُشْتَرَكَةٌ أَوْ مَوْقُوفَةٌ - كَمَا تَقَدَّمَ، وَحُكْمُهُ التَّكْرَارُ وَالْفَوْرُ.
وَفِي تَقَدُّمِ الْوُجُوبِ قَرِينَةٌ، نَقَلَ الْأُسْتَاذُ الْإِجْمَاعَ.
وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ.
وَلَهُ مَسَائِلُ مُخْتَصَّةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/86)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكُلُّ مَا قِيلَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ مِنْ مُزَيِّفٍ وَمُخْتَارٍ، فَقَدْ قِيلَ مُقَابِلُهُ فِي حَدِّ النَّهْيِ.
وَالْكَلَامُ فِي أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَكُونُ لَهُ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ أَمْ لَا كَالْكَلَامِ فِي الْأَمْرِ.
وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ النَّهْيَ ظَاهِرٌ فِي الْحَظْرِ، لَا الْكَرَاهَةِ، أَوْ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَاهَةِ دُونَ الْحَظْرِ، أَوْ صِيغَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَوْقُوفَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَمْرِ.
وَحُكْمُ النَّهْيِ التَّكْرَارُ وَالْفَوْرُ.
وَتَقَدُّمُ الْوُجُوبِ عَلَى النَّهْيِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ النَّهْيِ لِلْحَظْرِ، بَلْ تَقَدُّمُ الْوُجُوبِ عَلَى النَّهْيِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْحَظْرَ، نَقَلَ الْأُسْتَاذُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الْوُجُوبِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْحَظْرَ.
وَتَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي إِفَادَةِ النَّهْيِ الْحَظْرَ، إِذَا تَقَدَّمَ الْوُجُوبُ.
وَلِلنَّهْيِ مَسَائِلُ خَاصَّةٌ.
(2/87)

النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا، لَا لُغَةً.
(وَقِيلَ: لُغَةً) .
وَثَالِثُهَا فِي الْإِجْزَاءِ لَا السَّبَبِيَّةِ.
لَنَا: أَنَّ فَسَادَهُ سَلْبُ أَحْكَامِهِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً قَطْعًا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَدُلُّ شَرْعًا فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ تَزَلْ تَسْتَدِلُّ عَلَى الْفَسَادِ بِالنَّهْيِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَالْأَنْكِحَةِ وَغَيْرِهَا وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَفْسَدْ لَزِمَ مِنْ نَفْيِهِ حِكْمَةٌ لِلنَّهْيِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ حِكْمَةٌ لِلصِّحَّةِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهَا فِي التَّسَاوِي.
وَمَرْجُوحِيَّةُ النَّهْيِ يَمْتَنِعُ النَّهْيُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْحِكْمَةِ، وَفِي رُجْحَانِ النَّهْيِ تَمْتَنِعُ الصِّحَّةُ لِذَلِكَ.
ص - اللُّغَةُ، لَمْ تَزَلِ الْعُلَمَاءُ.
وَأُجِيبُ لِفَهْمِهِمْ شَرْعًا بِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: الْأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، وَالنَّهْيُ نَقِيضُهُ فَيَقْتَضِي نَقِيضَهَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهَا لُغَةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/88)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ]
ش - النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لِعَيْنِهِ، أَوْ لِمَا يُقَارِنُهُ، كَالنَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ.
فَإِنْ كَانَ لِمَا يُقَارِنُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مُطْلَقًا.
وَقَدِ افْتَرَقَ الْقَائِلُونَ بِهِ فِرْقَتَيْنِ:
فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا لَا لُغَةً، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعِبَادَاتِ أَوْ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
وَأُخْرَى إِلَى (أَنَّهُ) لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ لُغَةً.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مُطْلَقًا.
وَقَدِ افْتَرَقَ الْقَائِلُونَ بِهِ فِرْقَتَيْنِ:
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَأُخْرَى إِلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا فِي الْإِجْزَاءِ؛ أَيْ فِي
(2/89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعِبَادَاتِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِي السَّبَبِيَّةِ؛ أَيْ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْفِرْقَةُ الْأَوْلَى مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.
وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ السَّلْبِيِّ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِيهِمَا لُغَةً بِأَنَّ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ - سَوَاءٌ كَانَ عِبَادَةً أَوْ مُعَامَلَةً - عِبَارَةٌ عَنْ سَلْبِ أَحْكَامِهِ.
فَلَوْ دَلَّ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى فَسَادِهِ لُغَةً لَكَانَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ لُغَةً عَلَى سَلْبِ أَحْكَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. لَكِنْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ لُغَةً عَلَى سَلْبِ أَحْكَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ فِي اللُّغَةِ اقْتِضَاءُ الِامْتِنَاعِ عَنِ الْفِعْلِ، وَسَلْبُ الْأَحْكَامِ لَا يَكُونُ عَيْنَهُ وَلَا جُزْءًا وَلَا لَازِمًا لَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاحِدٌ: لَا تَبِعْ غُلَامَكَ فَإِنَّكَ لَوْ بِعْتَ ثَبَتَ حُكْمُ الْبَيْعِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي - لَمْ يَكُنْ مُخْطِئًا لُغَةً.
(فَلَوْ كَانَ سَلْبُ الْحُكْمِ لَازِمًا لِمَعْنَى النَّهْيِ لُغَةً لَكَانَ مُخْطِئًا لُغَةً) وَاحْتَجَّ عَلَى الْخَبَرِ الثُّبُوتِيِّ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِيهِمَا شَرْعًا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى الْفَسَادِ بِالنَّهْيِ فِي الرِّبِوِيَّاتِ وَفِي الْأَنْكِحَةِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ
(2/90)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعِبَادَاتِ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ. فَيَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ النَّهْيُ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لِنَفْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ حِكْمَةٌ يَسْتَدْعِي النَّهْيَ، وَلِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا حِكْمَةٌ يَسْتَدْعِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ.
وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ حِكْمَةَ الصِّحَّةِ وَحِكْمَةَ النَّهْيِ إِنْ تَسَاوَتَا امْتَنَعَ النَّهْيُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ تَرَجَّحَ حِكْمَةُ الصِّحَّةِ امْتَنَعَ النَّهْيُ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَإِنْ تَرَجَّحَ حِكْمَةُ النَّهْيِ امْتَنَعَ الصِّحَّةُ لِخُلُوِّهِ مِنْ حِكْمَةِ الصِّحَّةِ.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ لُغَةً احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ بِالنَّهْيِ عَلَى الْفَسَادِ لُغَةً.
وَتَقْرِيرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِالنَّهْيِ عَلَى الْفَسَادِ إِنَّمَا كَانَ لِدَلَالَةِ النَّهْيِ عَلَى الْفَسَادِ لُغَةً، بَلْ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا، كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: الْأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالنَّهْيُ نَقِيضُ الْأَمْرِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَقْتَضِيَ نَقِيضَ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْفَسَادُ ; لِأَنَّ حُكْمَ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لِحُكْمِ الْآخَرِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ لُغَةً.
وَلَئِنْ سُلِّمَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ.
(2/91)

وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَا يَلْزَمُ اخْتِلَافُ أَحْكَامِ الْمُتَقَابِلَاتِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلصِّحَّةِ، لَا أَنْ يَقْتَضِيَ الْفَسَادَ.
ص - النَّافِي: لَوْ دَلَّ لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ الصِّحَّةِ.
وَنَهَيْتُكَ عَنِ الرِّبَا لِعَيْنِهِ، وَتَمَلُّكٌ بِهِ، يَصِحُّ.
وَأُجِيبُ بِالْمَنْعِ بِمَا سَبَقَ.
ص - الْقَائِلُ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ: لَوْ لَمْ يَدُلَّ لَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ، (وَالشَّرْعِيُّ) الصَّحِيحُ. كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْمُعْتَبَرَ، لِقَوْلِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) «دَعِي الصَّلَاةَ» ، وَلِلُزُومِ دُخُولِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يُمْنَعْ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَنْعَ لِلنَّهْيِ.
وَبِالنَّقْضِ بِمِثْلِ: {وَلَا تَنْكِحُوا} [البقرة: 221] وَ " «دَعِي الصَّلَاةَ» ".
قَوْلُهُمْ: نَحْمِلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ، يُوقِعُهُمْ فِي مُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُمْنَعُ.
ثُمَّ هُوَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْحَائِضِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ كَذَلِكَ.
خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمُتَقَابِلَاتِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَخَالِفَةً.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ; فَإِنَّ الْمُتَقَابِلَاتِ يَجُوزُ اتِّحَادُهَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا لُزُومَ اخْتِلَافِ أَحْكَامِ الْمُتَقَابِلَاتِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا لِلصِّحَّةِ، لَا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ ; لِأَنَّ عَدَمَ اقْتِضَاءِ الصِّحَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ اقْتِضَاءَ عَدَمِ الصِّحَّةِ.
ش - النَّافِي، لِدَلَالَةِ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى فَسَادِهِ لُغَةً وَشَرْعًا، احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ النَّهْيُ عَلَى الْفَسَادِ لُغَةً وَشَرْعًا، لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لُغَةً وَشَرْعًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَوْ قَالَ: نَهَيْتُكَ عَنِ الرِّبَا لِعَيْنِهِ، وَلَوْ فَعَلْتَ ثَبَتَ الْمِلْكُ صَحَّ هَذَا مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ بِحَسَبِ اللُّغَةِ أَوِ الشَّرْعِ.
أَجَابَ بِالْمَنْعِ بِمَا سَبَقَ، وَهُوَ مَنْعُ لُزُومِ التَّنَاقُضِ ; فَإِنَّ
(2/93)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
التَّصْرِيحَ أَقْوَى مِنَ الظَّاهِرِ، فَيَبْقَى الْفَسَادُ ; لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ. فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
(2/94)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ النَّهْيُ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا لَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ شَرْعِيًّا، لَكَانَ صَحِيحًا ; إِذِ الشَّرْعِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَبَرُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، فَمَا لَا يَكُونُ صَحِيحًا مُعْتَبَرًا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، لَا يَكُونُ شَرْعِيًّا، كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ مُعْتَبَرَيْنِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، لَمْ يَكُونَا شَرْعِيَّيْنِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ مَعْنَاهُ هُوَ الْمُعْتَبَرَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ ; فَإِنَّ الشَّرْعِيَّ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا، وَقَدْ يَكُونُ فَاسِدًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيحَ الْمُعْتَبَرَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْحَائِضِ: " «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ
(2/95)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَقْرَائِكَ» "، فَإِنَّ الصَّلَاةَ الْمَأْمُورَ بِتَرْكِهَا هِيَ الصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ ; لِأَنَّ اللُّغَوِيَّةَ لَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِهَا، وَالصَّلَاةُ الْمَأْمُورُ بِتَرْكِهَا فَاسِدَةٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الشَّرْعِيُّ هُوَ الصَّحِيحَ الْمُعْتَبَرَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ لَزِمَ دُخُولُ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ (الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ إِنَّمَا) يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ شَرَائِطِهَا.
الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الشَّرْعِيُّ صَحِيحًا لَكَانَ مُمْتَنِعًا. وَلَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا، لَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَغَيْرُ الْمَقْدُورِ لَا يُنْهَى عَنْهُ ; إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
فَيَلْزَمُ مِنَ الشَّرْطَيْنِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الشَّرْعِيُّ صَحِيحًا، لَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِأَجْلِ النَّهْيِ، لَا لِذَاتِ الْمَنْهِيِّ
(2/96)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَنْهُ، فَإِنَّ النَّهْيَ تَعَلَّقَ بِهِ، فَصَارَ مُمْتَنِعًا، وَالْمُمْتَنِعُ إِنَّمَا لَمْ يُمْنَعْ إِذَا لَمْ يَكُنِ امْتِنَاعُهُ بِسَبَبِ الْمَنْعِ مِنْهُ.
وَأَيْضًا قَوْلُكُمُ: الْمُمْتَنِعُ لَا يُمْنَعُ، مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] . وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «دَعِي الصَّلَاةَ» ". فَإِنَّ نِكَاحَ الْمُشْرِكَاتِ وَصَلَاةَ الْحَائِضِ مُمْتَنِعَانِ، وَقَدْ مُنِعَا.
فَإِنْ قِيلَ: النِّكَاحُ وَالصَّلَاةُ فِي الصُّورَتَيْنِ يُحْمَلَانِ عَلَى اللُّغَوِيِّ أُجِيبَ بِأَنَّ حَمْلَهُمَا عَلَى اللُّغَوِيِّ يُوقِعُهُمْ فِي مُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُمْنَعُ.
وَذَلِكَ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ اللُّغَوِيَّ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ، مُمْتَنِعٌ فِي الشَّرْعِ. فَيَكُونُ الْمُمْتَنِعُ قَدْ مُنِعَ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ حَمْلُ النِّكَاحِ عَلَى اللُّغَوِيِّ يَتَعَذَّرُ حَمْلُ الصَّلَاةِ عَلَى اللُّغَوِيِّ فِي الْحَائِضِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفْهُومَ الصَّلَاةِ اللُّغَوِيَّ الدُّعَاءُ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْحَائِضَ عَنْهُ.
[مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ، لَا لِعَيْنِهِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ كَالنَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ، أَيْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، لَا لُغَةً.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ يُضَادُّ وُجُوبَ أَصْلِهِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُضَادُّ وُجُوبَ الْأَصْلِ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ لَوَرَدَ عَلَى الشَّافِعِيِّ نَهْيُ الْكَرَاهَةِ،
(2/97)

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُضَادُّ وُجُوبَ أَصْلِهِ، يَعْنِي ظَاهِرًا وَإِلَّا وَرَدَ نَهْيُ الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْوَصْفِ، لَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
لَنَا: اسْتِدْلَالُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ الْعِيدِ بِنَحْوِهِ.
وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَعْنَى.
ص - قَالُوا: لَوْ دَلَّ لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ الصِّحَّةِ.
وَطَلَاقُ الْحَائِضِ وَذَبْحُ مِلْكِ الْغَيْرِ مُعْتَبَرٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِيهِ.
وَمَا خُولِفَ فَبِدَلِيلِ صَرْفِ النَّهْيِ عَنْهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) النَّهْيُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ (ظَاهِرٌ) .
لَنَا: اسْتِدْلَالُ الْعُلَمَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ.
قَالُوا: نُهِيَتِ الْحَائِضُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
قُلْنَا: لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/98)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ مُضَادًّا لِوُجُوبِ الْأَصْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ صَحِيحًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
أَمَّا إِذَا قُيِّدَ بِذَلِكَ - لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ مُضَادًّا لِوُجُوبِ الْأَصْلِ ; لِجَوَازِ تَرْكِ الظَّاهِرِ لِدَلِيلٍ رَاجِحٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْوَصْفِ، دُونَ الْأَصْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
فَالنَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ مُتَفَاضِلًا يُوجِبُ فَسَادَ التَّفَاضُلِ، وَلَا يُوجِبُ فَسَادَ أَصْلِ الْبَيْعِ.
وَالْمَنْهِيُّ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ يَكُونُ بَاطِلًا عِنْدَهُ، كَبَيْعِ الْمَلَاقِيحِ، وَالْمَنْهِيُّ بِوَصْفِهِ - دُونَ أَصْلِهِ - فَاسِدًا، كَالرِّبَا.
(2/99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمَا لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لَا بِأَصْلِهِ وَلَا بِوَصْفِهِ، يَكُونُ صَحِيحًا.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ يَدُلُّ شَرْعًا عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِأَنَّ اسْتِدْلَالَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ بِنَحْوِهِ، أَيْ بِنَحْوِ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ.
وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِعَيْنِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ النَّهْيُ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لِنَفْيِهِ حِكْمَةٌ وَلِثُبُوتِهِ حِكْمَةٌ.
وَتَقْرِيرُهُ كَمَا مَرَّ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا، قَالُوا: لَوْ دَلَّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ الصِّحَّةِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَوْ قَالَ: لَا تُصَلِّ فِي الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ صَلَّيْتَ فِيهِ، صَحَّتْ صَلَاتُكَ - لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: وَإِنْ صَلَّيْتَ فِيهِ صَحَّتْ صَلَاتُكَ، مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ: لَا تُصَلِّ فِيهِ.
(2/100)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ دَالًّا شَرْعًا عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَمَا صَحَّ طَلَاقُ الْحَائِضِ، وَذَبْحُ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذَنِ الْمَالِكِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُمَا لِلْوَصْفِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; فَإِنَّ طَلَاقَ الْحَائِضِ، وَذَبْحَ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا.
أَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا ظَاهِرٌ، لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ وَالتَّصْرِيحُ بِالصِّحَّةِ أَقْوَى مِنْهُ. وَالظَّاهِرُ قَدْ يُعْدَلُ عَنْهُ لِدَلِيلٍ أَقْوَى.
وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ لِلظَّاهِرِ لِدَلِيلٍ رَاجِحٍ يَصْرِفُ النَّهْيَ عَمَّا هُوَ الظَّاهِرُ.
[مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَقْتَضِي دَوَامَ الِانْتِهَاءِ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ .
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ ظَاهِرًا.
(2/101)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ عُلَمَاءَ الْأَعْصَارِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ بِالنَّهْيِ عَلَى دَوَامِ الِانْتِهَاءِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَائِضَ نُهِيَتْ عَنِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُمَا لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ.
(2/102)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَقْتَضِيَ النَّهْيُ الدَّوَامَ فِي صُورَةٍ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ أَوِ الْمَجَازُ، وَهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ نَهْيَ الْحَائِضِ عَنِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ مُقَيَّدٌ بِالْحَيْضِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَامَ أَقْرَائِكِ» - فَلِهَذَا لَمْ يُفِدِ الدَّوَامَ. فَيَكُونُ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى عَدَمِ الدَّوَامِ مَجَازًا.
وَالْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ، إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الدَّلِيلُ هَا هُنَا، وَهُوَ الْقَيْدُ.
[الْعَامُّ وَالْخَاصُّ]
[تعريف الْعَامُّ وَالْخَاصُّ]
ش - عَرَّفَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْعَامَّ بِأَنَّهُ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ.
فَقَوْلُهُ: " اللَّفْظُ " كَالْجِنْسِ يَتَنَاوَلُ الْعَامَّ وَغَيْرَهُ.
وَقَوْلُهُ: " الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ " احْتِرَازٌ عَنِ النَّكِرَاتِ فِي الْإِثْبَاتِ.
وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ ; إِذْ يَدْخُلُ فِيهِ نَحْوُ عَشَرَةٍ.
وَهُوَ كُلُّ نَكِرَةٍ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ، لِأَنَّهُ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، وَلَيْسَ بِعَامٍّ.
وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهِ نَحْوُ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، هُوَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ أَوْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ فَصَاعِدًا، إِذَا ذُكِرَ مَعَهُ جَمِيعُ مَا يَقْتَضِيهِ مِنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، وَلَيْسَ بِعَامٍّ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَرَادَ أَبُو الْحُسَيْنِ بِقَوْلِهِ: " مَا يَصْلُحُ " أَفْرَادَ مُسَمَّى اللَّفْظِ، لَا أَجْزَائَهُ. وَحِينَئِذٍ لَمْ يَدْخُلْ نَحْوُ عَشَرَةٍ، فِي حَدِّ الْعَامِّ ; لِأَنَّ عَشَرَةً لَمْ يَسْتَغْرِقْ مَا صَلُحَتْ لَهُ، وَهُوَ أَفْرَادُ الْعَشَرَةِ.
(2/103)

الْعَامُّ وَالْخَاصُّ.
ص - الْعَامُّ وَالْخَاصُّ.
أَبُو الْحُسَيْنِ: الْعَامُّ: اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ.
وَلَيْسَ بِمَانِعٍ: لِأَنَّ نَحْوَ عَشْرَةٍ، وَنَحْوَ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، يَدْخُلُ فِيهِ.
الْغَزَّالِيُّ: اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا.
وَلَيْسَ بِجَامِعٍ، لِخُرُوجِ الْمَعْدُومِ وَالْمُسْتَحِيلِ ; لِأَنَّ مَدْلُولَهُمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَالْمَوْصُولَاتُ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَلَا مَانِعَ ; لِأَنَّ كُلَّ مُثَنًّى يَدْخُلُ فِيهِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْهُودٍ وَنَكِرَةٍ يَدْخُلُ فِيهِ.
وَقَدْ يَلْتَزِمُ هَذَيْنِ.
وَالْأَوْلَى: مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا ضَرْبَةً.
فَقَوْلُهُ: " اشْتَرَكَتْ فِيهِ " لِيُخْرِجَ نَحْوَ عَشْرَةٍ.
" وَمُطْلَقًا " لِيُخْرِجَ الْمَعْهُودَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/104)

وَ " ضَرْبَةً " لِيُخْرِجَ نَحْوَ رَجُلٍ.
وَالْخَاصُّ بِخِلَافِهِ.
ص - مَسْأَلَةٌ: الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةٌ.
وَأَمَّا فِي الْمَعَانِي فَثَالِثُهَا الصَّحِيحُ كَذَلِكَ.
لَنَا: أَنَّ الْعُمُومَ حَقِيقَةٌ فِي شُمُولِ أَمْرٍ لِمُتَعَدِّدٍ، وَهُوَ فِي الْمَعَانِي كَعُمُومِ الْمَطَرِ وَالْخِصْبِ وَنَحْوِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ فَسَّرَ قَوْلَهُ: مَا يَصْلُحُ لَهُ بِأَجْزَاءِ الْمُسَمَّى لَا بِجُزْئِيَّاتِهِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْعَشَرَةُ مُسْتَغْرِقَةً لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا الَّتِي هِيَ الْوَحَدَاتُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا: إِنَّ ضَرْبَ زَيْدٍ عَمْرًا، لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ أَفْرَادِ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، أَوْ لَا ; فَإِنْ كَانَ صَالِحًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ " لَيْسَ بِعَامٍّ.
وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فَلَا نُسَلِّمُ دُخُولَهُ فِي التَّعْرِيفِ.
وَعَرَّفَهُ الْغَزَّالِيُّ بِأَنَّهُ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ " عَنْ مِثْلِ (ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا) فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ، وَلَكِنْ لَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِلَفْظَيْنِ، وَلَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ مِنْ جِهَتَيْنِ.
وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا - أَعْنِي الْوَاحِدَ أَوِ الْجِهَةَ الْوَاحِدَةَ - يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا " احْتَرَزَ بِهِ عَنْ مِثْلِ " رِجْلٍ " وَ " يَدٍ ".
(2/106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ الْمَعْدُومِ وَالْمُسْتَحِيلِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَهُمَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ ; لِأَنَّ الْمَعْدُومَ وَالْمُسْتَحِيلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ الْغَزَّالِيِّ.
وَلِخُرُوجِ الْمَوْصُولَاتِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِصِلَاتِهَا.
وَلَا مَانِعَ ; لِأَنَّ كُلَّ مُثَنًّى نَحْوَ رَجُلَيْنِ، يَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْهُودٍ، كَالرِّجَالِ الْمَعْهُودِينَ، وَكُلَّ نَكِرَةٍ، نَحْوَ رِجَالٍ، يَدْخُلُ فِيهِ، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَامٍّ.
وَقَدْ يَلْتَزِمُ الْغَزَّالِيُّ دُخُولَ هَذَيْنِ - أَعْنِي كُلَّ مَعْهُودٍ وَكُلَّ نَكِرَةٍ - فِي التَّعْرِيفِ وَيَمْنَعُ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَامَّيْنِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى فِي هَذَا التَّعْرِيفِ ; فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَرَّفَ الْعَامُّ بِأَنَّهُ مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا ضَرْبَةً.
وَإِنَّمَا قَالَ: " مُسَمَّيَاتٍ " لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمَعْدُومُ وَالْمُسْتَحِيلُ ; لِأَنَّ مَدْلُولَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا لَكِنَّهُ يَكُونُ مُسَمًّى.
وَإِنَّمَا اخْتَارَ صِيغَةَ الْجَمْعِ لِيُخْرِجَ عَنْهُ الْمُثَنَّى وَالْمُفْرَدَ الَّذِي يَدُلُّ
(2/107)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، نَحْوَ (زَيْدٍ) .
وَإِنَّمَا قَالَ: " اشْتَرَكَتْ فِيهِ " لِيُخْرِجَ عَنْهُ كُلَّ نَكِرَةٍ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ، نَحْوَ عَشْرَةٍ، فَإِنَّهَا وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ، وَهِيَ أَجْزَاؤُهَا لَكِنْ لَا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ الْأَجْزَاءُ ; فَإِنَّ الْمَعْنَى الْكُلِّيَّ لِلْعَشَرَةِ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْآحَادِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاؤُهَا.
وَإِنَّمَا قَالَ: " مُطْلَقًا " لِيُخْرِجَ عَنْهُ الْمَعْهُودِينَ، نَحْوَ " الرِّجَالِ " فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ لَا مُطْلَقًا بَلْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا مَعْهُودَةً.
وَإِنَّمَا قَالَ: " ضَرْبَةً " أَيْ دَفْعَةً لِيُخْرِجَ عَنْهُ النَّكِرَةَ، نَحْوَ " رَجُلٍ " وَ " رِجَالٍ " فَإِنَّهُمَا وَإِنْ دَلَّا عَلَى مُسَمَّيَاتٍ لَكِنْ لَا دُفْعَةً بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ.
وَالْخَاصُّ بِخِلَافِ الْعَامِّ؛ أَيِ الْخَاصُّ هُوَ مَا دَلَّ لَا عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا ضَرْبَةً.
[مَسْأَلَةٌ: الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ]
ش - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً، وَأَمَّا عُرُوضُهُ لِلْمَعَانِي فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ عَوَارِضِ الْمَعَانِي، لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِ الْمَعَانِي مَجَازًا لَا حَقِيقَةً.
وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِ الْمَعَانِي حَقِيقَةً، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَثَالِثُهَا الصَّحِيحُ كَذَلِكَ "؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعُمُومَ فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةً هُوَ شُمُولُ أَمْرٍ لِمُتَعَدِّدٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى كَمَا يَعْرِضُ لِلَّفْظِ يَعْرِضُ لِلْمَعَانِي. فَكَمَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي اللَّفْظِ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى، كَعُمُومِ الْمَطَرِ وَالْخِصْبِ وَنَحْوِهِ.
(2/108)

وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ لِشُمُولِهِ الْجُزْئِيَّاتِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ: الْعَامُّ مَا لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنَ الشَّرِكَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ أَمْرٌ وَاحِدٌ شَامِلٌ، وَعُمُومُ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
قُلْنَا: لَيْسَ الْعُمُومُ بِهَذَا الشَّرْطِ لُغَةً.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي عُمُومِ الصَّوْتِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الشَّافِعِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ: لِلْعُمُومِ صِيغَةٌ وَالْخِلَافُ فِي عُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا كَمَا فِي الْأَمْرِ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ (فِي) الْأَخْبَارِ لَا الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَالْوَقْفُ إِمَّا عَلَى مَعْنَى لَا نَدْرِي، وَإِمَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ وُضِعَ وَلَا نَدْرِي، أَحَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ، وَهِي أَسْمَاءُ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالْمَوْصُولَاتِ وَالْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةِ تَعْرِيفَ جِنْسٍ، وَالْمُضَافَةِ، وَاسْمِ الْجِنْسِ كَذَلِكَ، وَالنَّكِرَةِ فِي النَّفْيِ.
لَنَا: الْقَطْعُ فِي: لَا تَضْرِبْ أَحَدًا.
وَأَيْضًا: لَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ تَسْتَدِلُّ بِمِثْلِ (وَالسَّارِقُ) وَ (الزَّانِيَةُ) ، {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/109)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَذَلِكَ يَعْرِضُ الْعُمُومُ حَقِيقَةً لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ، لِشُمُولِهِ الْجُزْئِيَّاتِ.
وَلِهَذَا - أَيْ وَلِأَجْلِ أَنَّ الْعُمُومَ يَعْرِضُ لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ - فُسِّرَ الْعَامُّ بِمَا فُسِّرَ الْكُلِّيُّ بِهِ، وَهُوَ مَا لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنَ الشَّرِكَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعُمُومُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْمَعَانِي لَيْسَ هُوَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْعُمُومَ الَّذِي هُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ شُمُولُ أَمْرٍ وَاحِدٍ لِأَفْرَادٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَشُمُولِ الرِّجَالِ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ لِمَرَاتِبِ الْعَدَدِ، وَعُمُومُ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَمْرًا وَاحِدًا شَمِلَ الْأَطْرَافَ وَالْأَكْنَافَ، بَلْ حَصَلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَطَرِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْعُمُومَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ لَا يَكُونُ مُشْتَرِكًا بِأَنْ يَكُونَ أَمْرًا وَاحِدًا شَامِلًا لِأَفْرَادٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بَلِ الْعُمُومُ بِحَسْبِ اللُّغَةِ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا يَشْمَلُ مُتَعَدِّدًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَعَدِّدُ أَفْرَادَهُ أَوْ لَا.
وَهَذَا الْمَعْنَى مِنْ عَوَارِضِ الْمَعَانِي.
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ عُمُومَ الْمَطَرِ لَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ وَاحِدٍ يَشْمَلُ الْمُتَعَدِّدَ، فَعُمُومُ الصَّوْتِ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ شَامِلٌ لِلْأَصْوَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْحَاصِلَةِ لِلسَّامِعِينَ.
(2/110)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَذَا ذِكْرُ عُمُومِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ; فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الطَّلَبُ الشَّامِلُ لِكُلِّ طَلَبٍ تَعَلَّقَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَأْمُورَيْنِ.
وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ، فَإِنَّ عُمُومَهُ بِاعْتِبَارِ (أَمْرٍ وَاحِدٍ) شَامِلٌ لِأَفْرَادِهِ.
[مَسْأَلَةٌ: لِلْعُمُومِ صِيغَةٌ]
ش - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ لِلْعُمُومِ صِيغَةٌ أَمْ لَا عَلَى مَعْنَى عُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا؛ أَيْ فِي أَنَّ الصِّيَغَ الْمُسْتَعْمَلَةِ لِلْعُمُومِ هَلْ هِيَ خَاصَّةٌ بِالْعُمُومِ أَوْ عَامَّةٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَالْخِلَافِ فِي الْأَمْرِ فِي أَنَّهُ هَلْ
(2/111)

«وَكَاحْتِجَاجِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِتَالِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَانِعِي الزَّكَاةِ ": أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
[فَإِذَا قَالُوهَا حَقَنُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ "] » .
وَكَذَلِكَ: " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ".
" «وَنَحْنُ - مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - لَا نُورَثُ» ".
وَشَاعَ وَذَاعَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.
قَوْلُهُمْ: فَهْمٌ بِالْقَرَائِنِ، يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلَّفْظِ مَدْلُولٌ ظَاهِرٌ أَبَدًا.
وَالِاتِّفَاقُ فِي (مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ حُرٌّ أَوْ طَالِقٌ، أَنَّهُ يَعُمُّ) .
(وَأَيْضًا: كَثْرَةُ الْوَقَائِعِ) .
ص - وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ كَغَيْرِهِ.
وَأُجِيبَ (بِأَنَّهُ) قَدْ يُسْتَغْنَى بِالْمَجَازِ وَبِالْمُشْتَرَكِ.
ص - الْخُصُوصُ مُتَيَقَّنٌ؛ فَجَعْلُهُ لَهُ حَقِيقَةً أَوْلَى.
رُدَّ بِأَنَّهُ إِثْبَاتُ لُغَةٍ بِالتَّرْجِيحِ.
وَبِأَنَّ الْعُمُومَ أَحْوَطُ، فَكَانَ أَوْلَى.
قَالُوا: لَا عَامَّ إِلَّا مُخَصَّصٌ، فَيَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْأَغْلَبِ.
رُدَّ بِأَنَّ احْتِيَاجَ تَخْصِيصِهَا إِلَى دَلِيلٍ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا لِلْعُمُومِ، وَأَيْضًا: فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلٍ.
ص - الِاشْتِرَاكُ: أُطْلِقَتْ لَهُمَا، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ (عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
(وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/112)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَكُونُ لَهُ صِيغَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِهِ أَمْ لَا؟
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً مَخْصُوصَةً؛ أَيْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُمُومِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ فِي الْأَخْبَارِ، لَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
ثُمَّ الْوَقْفُ يُحْمَلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا نَدْرِي وَضْعَ هَذِهِ الصِّيَغِ لِلْعُمُومِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّا نَدْرِي وَضْعَهَا لِلْعُمُومِ وَلَكِنْ لَا نَعْلَمُ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْعُمُومِ أَوْ مَجَازٌ.
وَالصِّيَغُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الْعُمُومِ هِيَ أَسْمَاءُ الشَّرْطِ؛ مِثْلَ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ حُرٌّ أَوْ طَالِقٌ.
وَالِاسْتِفْهَامُ؛ نَحْوَ مَنْ يَأْتِيكَ، وَالْمَوْصُولَاتُ؛ كَالَّذِي، وَالَّتِي، وَمَا، وَمَنْ.
وَالْجُمُوعُ الْمُعَرَّفَةُ تَعْرِيفَ جِنْسِيٍّ، سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ مُذَكَّرٍ أَوْ مُؤَنَّثٍ، سَالِمٍ أَوْ مُكَسَّرٍ، جَمْعَ قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ.
وَالْجُمُوعُ الْمُضَافَةُ.
(2/113)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاسْمُ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفُ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ.
وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ عَامٌّ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ قَوْلَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: لَا تَضْرِبْ أَحَدًا عَامٌّ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
وَاحْتُجَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ وَالْجَمْعَ الْمُضَافَ عَامٌّ حَقِيقَةً بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى الْعُمُومِ بِمِثْلِ (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) وَمِثْلِ (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) وَمِثْلِ (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) . وَشَاعَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ، وَالْجَمْعَ الْمُضَافَ عَامٌّ حَقِيقَةً.
وَاحْتَجَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ عَامٌّ حَقِيقَةً، بِأَنَّ عُمَرَ احْتَجَّ فِي قِتَالِ أَبِي بَكْرٍ مَانِعِي الزَّكَاةَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
(2/114)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقِتَالِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ عَدَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " إِلَّا بِحَقِّهِ " وَالزَّكَاةُ مِنْ حَقِّهَا.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِلَامِ الْجِنْسِ عَامًّا لَمَا جَازَ اسْتِدْلَالُ عُمَرَ بِهِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقِتَالِ، وَلَمْ يَعْدِلْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
وَبِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ احْتَجَّ، حِينَ طَلَبَ الْأَنْصَارُ الْإِمَامَةَ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ".
(2/115)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ أَيْضًا حِينَ طَلَبَتْ فَاطِمَةُ مِيرَاثَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - لَا نُورَثُ؛ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَهٌ» " وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ هَذِهِ الِاحْتِجَاجَاتِ، وَشَاعَ وَذَاعَ. فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ وَالْجَمْعَ الْمُضَافَ عَامٌّ.
(2/116)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَهْمَ الْعُمُومِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ بَلْ فَهِمُوهُ بِالْقُرْآنِ.
(أُجِيبَ بِأَنَّ تَجْوِيزَ الْفَهْمِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِالْقَرَائِنِ يُؤَدِّي) إِلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلَّفْظِ مَدْلُولٌ ظَاهِرٌ؛ إِذْ مَا مِنْ لَفْظٍ ظَاهِرٍ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا فُهِمَ مَدْلُولُهُ بِسَبَبِ الْقَرِينَةِ لَا بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
وَاحْتُجَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ الشَّرْطِ عَامَّةٌ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ " مَنْ " فِي قَوْلِ الْقَائِلِ (مَنْ دَخَلَ دَارِي مِنْ عَبِيدِي فَهُوَ حُرٌّ) ، (وَمَنْ دَخَلَ دَارِي مِنْ نِسَائِي فَهِيَ طَالِقٌ) عَامٌّ.
ش - وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيَغًا تَخُصُّهُ، بِأَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى ظَاهِرٌ يُحْتَاجُ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ كَسَائِرِ الْمَعَانِي الظَّاهِرَةِ، فَيَكُونُ الْمُقْتَضَى
(2/117)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِوَضْعِ اللَّفْظِ مُتَحَقِّقًا، وَالْمَانِعُ غَيْرَ مُتَحَقِّقٍ فَيَجِبُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لَهُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إِلَى التَّعْبِيرِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهُ لَفْظٌ مُنْفَرِدٌ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِالْمَجَازِ وَبِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ حَقِيقَةٌ فِي الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ، احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
(2/118)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ: أَنَّ تَنَاوُلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِمَرْتَبَةِ الْخُصُوصِ مُتَيَقَّنٌ وَتَنَاوُلَهَا لِمَرْتَبَةِ الْعُمُومِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلْعُمُومِ أَوْ لِلْخُصُوصِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَتَنَاوَلُ الْخُصُوصَ. وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي لَمْ يَتَنَاوَلِ الْعُمُومَ.
وَإِذَا كَانَ تَنَاوُلُهُ لِلْخُصُوصِ مُتَيَقَّنًا وَلِلْعُمُومِ غَيْرَ مُتَيَقَّنٍ كَانَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْخُصُوصِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطُّرُقِ الْمُثْبَتَةِ لِلُّغَةِ.
وَبِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ جَعْلَهُ حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ أَحْوَطُ ; لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْعُمُومِ لَمْ يُهْمَلِ الْخُصُوصُ ضَرُورَةَ تَنَاوُلِ الْعُمُومِ لَهُ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْخُصُوصِ، لَمْ يَتَنَاوَلْهُ، وَالْحَمْلُ عَلَى مَا هُوَ أَحْوَطُ أَوْلَى.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا عَامَّ إِلَّا هُوَ مُخَصَّصٌ. فَيَكُونُ الْخُصُوصُ أَغْلَبَ.
وَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِلْخُصُوصِ حَقِيقَةً ; لِأَنَّهُ إِذَا تَرَدَّدَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْأَغْلَبِ وَغَيْرِهِ، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَغْلَبِ أَظْهَرَ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
وَاحْتِيَاجُ تَخْصِيصِهَا إِلَى دَلِيلٍ مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا لِلْعُمُومِ حَقِيقَةً ; لِأَنَّ
(2/119)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
التَّخْصِيصَ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الدَّلِيلِ لِيَكُونَ الدَّلِيلُ مُعَارِضًا لِمُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَلَا مُقْتَضًى لِلْعُمُومِ إِلَّا هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً لَهُ.
وَأَيْضًا: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ إِنَّمَا تَكُونُ حَقِيقَةً لِلْخُصُوصِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُحْتَاجَةً إِلَى قَرِينَةٍ وَدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلتَّخْصِيصِ ; لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ وَدَلِيلٍ؛ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا تَكُونُ لِلْخُصُوصِ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَقَرِينَةٍ، فَلَا تَكُونُ حَقِيقَةً لَهُ.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، احْتَجَّ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أُطْلِقَتْ لِلْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، فَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا.
أَجَابَ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَيُجْعَلُ حَقِيقَةً لِأَحَدِهِمَا مَجَازًا لِلْآخَرِ.
وَالْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ، إِلَّا أَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِرَاكِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ش - احْتَجَّ الْفَارِقُ، وَهُوَ الْقَائِلُ بِالْوَقْفِ فِي الْإِخْبَارِ، دُونَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَكْلِيفِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَجْلِ الْعَامِّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ التَّكْلِيفُ إِلَّا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. (فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ) مُفِيدًا لِلْعُمُومِ إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا.
أَجَابَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ أَيْضًا مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ قَدْ حَصَلَ لِأَجْلِ الْعَامِّ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِخْبَارُ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا.
فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَرْقٌ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ.
[مَسْأَلَةٌ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ لَيْسَ بِعَامٍّ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ - مِثْلَ رِجَالٍ - هَلْ يَكُونُ عَامًّا أَوْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنْ نَقْطَعَ بِأَنَّ رِجَالًا فِي الْجُمُوعِ كَرَجُلٍ فِي الْوُحْدَانِ. فَكَمَا أَنَّ رَجُلًا فِي الْوُحْدَانِ لَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ آحَادِهِ، فَكَذَلِكَ رِجَالٌ فِي الْجُمُوعِ لَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَرَجُلٌ فِي الْوُحْدَانِ لَيْسَ بِعَامٍّ، فَكَذَا رِجَالٌ فِي الْجُمُوعِ.
وَأَيْضًا: نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي عَبِيدٌ صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ أَوِ الِاثْنَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ.
فَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ عَامًّا - لَمَا صَحَّ تَفْسِيرُ عَبِيدٍ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ ; إِذْ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْعَامِّ بِوَاحِدٍ مِنْ مُسَمَّيَاتِهِ.
فَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَكَلْتُ كُلَّ الرُّمَّانِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ وَاحِدَةً
(2/120)

ص - الْفَارِقُ: الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّكْلِيفِ لِلْعَامِّ. وَذَلِكَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْإِخْبَارِ لِلْعَامِّ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ لَيْسَ بِعَامٍّ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ رِجَالًا فِي الْجُمُوعِ كَرَجُلٍ فِي الْوُحْدَانٍ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي عَبِيدٌ صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ.
قَالُوا: صَحَّ إِطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ جَمْعٍ. فَحَمْلُهُ عَلَى الْجَمِيعِ، حَمْلٌ عَلَى جَمِيعِ حَقَائِقِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/121)

وَرُدَّ بِنَحْوِ رَجُلٍ.
وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْبَدَلِ.
قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعُمُومِ لَكَانَ مُخْتَصًّا بِالْبَعْضِ.
رُدَّ بِرَجُلٍ.
وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْجَمْعِ الْمُشْتَرَكِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) أَبْنِيَةُ الْجَمْعِ: لِاثْنَيْنِ يَصِحُّ.
وَثَالِثُهَا مَجَازًا.
الْإِمَامُ: وَلِوَاحِدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/122)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَمْ يَصِحَّ.
وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ عَامٌّ قَالُوا: صَحَّ إِطْلَاقُ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، فَيُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى جَمِيعِ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ حَمْلٌ عَلَى جَمِيعِ حَقَائِقِهِ، وَالْحَمْلُ عَلَى جَمِيعِ الْحَقَائِقِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْبَعْضِ، فَيَكُونُ عَامًّا.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى جَمِيعِ حَقَائِقِهِ أَوْلَى.
وَذَلِكَ لِأَنَّ نَحْوَ رَجُلٍ صَحَّ إِطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ الَّتِي هِيَ حَقَائِقُهُ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ إِطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ.
فَكَذَلِكَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ إِنَّمَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ عَامًّا.
وَبَعْضُ الشَّارِحِينَ قَرَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ: أَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْجَمْعُ الْمُسْتَغْرِقُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى كُلِّ حَقَائِقِهِ، وَهُوَ أَوْلَى.
أَجَابَ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِرَجُلٍ ; لِصِحَّةِ إِطْلَاقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعُمُومِ بِالِاتِّفَاقِ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْمُصَنِّفُ جَوَّزَ إِطْلَاقَهُ عَلَى مَرَاتِبِ الْجَمْعِ بِطَرِيقِ
(2/123)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْبَدَلِ.
وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مِنْ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ الْمَرْتَبَةَ الْمُسْتَغْرِقَةَ، وَصِدْقُهُ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ حَصَلَ مُدَّعَى الْمُسْتَدِلِّ.
هَذَا مَا قَالَهُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا لَمْ يَسْتَقِمِ الرَّدُّ نَحْوَ رَجُلٍ ; لِأَنَّ نَحْوَ رَجُلٍ لَا يُوجَدُ فِي مُسَمَّيَاتِهِ مَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْأَفْرَادِ، فَلِهَذَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى جَمِيعِ حَقَائِقِهِ، بِخِلَافِ رِجَالٍ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي مَرَاتِبِ الْجَمْعِ مَرْتَبَةٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِجَمِيعِ الْمَرَاتِبِ ; إِذْ لَا مَرْتَبَةَ إِلَّا وَتَكُونُ فَوْقَهَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى.
وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَرْتَبَةٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِجَمِيعِ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الْجَمْعِ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يُفْرَضَ مَرْتَبَةٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِجَمِيعِ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيُحْمَلُ الْجَمْعُ عَلَى تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ الْمَفْرُوضَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ، وَحَمْلُ اللَّفْظِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقِ مُسَمَّاهُ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْفَرْضُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ تُفْرَضُ. فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُفْرَضَ فَوْقَهَا
(2/124)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَرْتَبَةٌ أُخْرَى، وَأَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْمَرَاتِبُ مُتَنَاهِيَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كُلُّ مَرْتَبَةٍ تُفْرَضُ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُفْرَضَ فَوْقَهَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى لَمْ يُتَصَوَّرْ فَرْضُ مَرْتَبَةٍ تَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَرَاتِبِ.
فَإِنْ قِيلَ: عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يُتَصَوَّرْ جَمْعٌ عَامٌّ، لِأَنَّ الْجَمْعَ الْعَامَّ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا كَانَ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، (وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ مَا يَكُونُ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ) .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْعَامَّ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ الْمَرَاتِبِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ الَّتِي هِيَ أَفْرَادُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، لَا بِاعْتِبَارِ مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مُسْتَغْرِقَةٍ لِجَمِيعِ الْمَرَاتِبِ الْأُخَرِ.
وَالْمُمْتَنِعُ الثَّانِي، لَا الْأَوَّلُ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَرَاتِبِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَرَاتِبِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ، أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَرَاتِبُ مُتَنَاهِيَةً.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَرْتَبَةٌ وَاحِدَةٌ مُسْتَغْرِقَةً لِجَمِيعِ الْمَرَاتِبِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمُتَنَاهِي مُتَنَاهِيًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَنَاوُلَ مَفْهُومِ الْجَمْعِ لِجَمِيعِ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، تَنَاوُلُ الْكُلِّيِّ لِجُزْئِيَّاتِهِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُزْئِيَّاتُ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ
(2/125)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كُلِّيٍّ. وَتَنَاوُلُ مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ لِجَمِيعِ الْمَرَاتِبِ تَنَاوُلُ الْكُلِّ لِأَجْزَائِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَجْزَاءِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ، فَلِهَذَا يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ الْعَامُّ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مَرْتَبَةٌ وَاحِدَةٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِجَمِيعِ الْمَرَاتِبِ.
وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرُ عَامٌّ قَالُوا أَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ لِلْعُمُومِ لَكَانَ مُخْتَصًّا بِبَعْضِ الْجُمُوعِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
أُجِيبَ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي أَوَّلًا، فَإِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِنَحْوِ رَجُلٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ رَجُلًا لَا يَكُونُ لِلْعُمُومِ، وَمَعَ هَذَا يَجُوزُ اخْتِصَاصُهُ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ دُونَ بَعْضٍ.
وَبِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ ثَانِيًا؛ فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعُمُومِ يَلْزَمُ اخْتِصَاصُهُ بِبَعْضِ الْجُمُوعِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْجُمُوعِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْجُمُوعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَدْلُولَهُ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، فَلَا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ.
[مَسْأَلَةٌ أَبْنِيَةُ الْجَمْعِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَبْنِيَةُ الْجَمْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا - اثْنَانِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ.
وَثَانِيهَا - الثَّلَاثَةُ بِطْرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الِاثْنَيْنِ بِالْمَجَازِ.
وَثَالِثُهَا - الثَّلَاثَةُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَيَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الِاثْنَيْنِ مَجَازًا.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَرَابِعُهَا - الثَّلَاثَةُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَيَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَالْوَاحِدِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ وَمَا فَوْقَهَا، مَجَازٌ فِي الِاثْنَيْنِ.
(2/126)

لَنَا: أَنَّهُ يَسْبِقُ الزَّائِدَ، وَهُوَ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.
وَالصِّحَّةُ {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] وَالْمُرَادُ أَخَوَانِ.
وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهَا، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَعَدَلَ إِلَى التَّأْوِيلِ.
ص - قَالُوا: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] (وَالْمُرَادُ أَخَوَانِ) وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
(وَرُدَّ بِقَضِيَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالُوا: {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] .
وَرُدَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ مُرَادٌ.
قَالُوا: " الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ " وَأُجِيبَ فِي الْفَضِيلَةِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَعْرِفُ الشَّرْعَ لَا اللُّغَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/127)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْجَمْعِ يَسْبِقُ الزَّائِدَ عَلَى الِاثْنَيْنِ إِلَى الذِّهْنِ. وَالسَّبْقُ إِلَى الذِّهْنِ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ لِمَا عَرَفْتَ فِي بَحْثِ الْحَقِيقَةِ. فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الزَّائِدِ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ وَمَا فَوْقَهَا.
وَأَمَّا الثَّانِي: " هُوَ صِحَّةُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الِاثْنَيْنِ مَجَازًا؛ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] ". فَإِنَّ الْإِخْوَةَ هَا هُنَا يَتَنَاوَلُ الِاثْنَيْنِ وَإِلَّا لَكَانَ رَدُّ الْأُمِّ إِلَى السُّدُسِ بِالْأَخَوَيْنِ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ.
وَاحْتُجَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ حَقِيقَةً الثَّلَاثَةُ بِاسْتِدْلَالِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِعُثْمَانَ حِينَ رَدَّ الْأُمَّ إِلَى السُّدُسِ بِأَخَوَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَلَيْسَ الْأَخَوَانِ إِخْوَةً فِي لِسَانِ قَوْمِكَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي.
فَلَوْ كَانَ الْأَخَوَانِ إِخْوَةً بِالْحَقِيقَةِ لَمَا صَحَّ اسْتِدْلَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَأَنْكَرَ عُثْمَانُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْدِلْ إِلَى التَّأْوِيلِ.
(2/128)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَ بِإِخْوَةٍ بِالْحَقِيقَةِ.
فَيَكُونُ أَقَلُّ الْجَمْعِ حَقِيقَةً: الثَّلَاثَةَ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أُطْلِقَتِ الْإِخْوَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى، وَأُرِيدَ بِهَا الْأَخَوَانِ. وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ. فَيَكُونُ أَقَلُّ الْجَمْعِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اثْنَيْنِ.
. أَجَابَ بِأَنَّ قَضِيَّةَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِينَةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَمْلِ عَلَى
(2/129)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمَجَازِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] . أَطْلَقَ ضَمِيرَ الْجَمْعِ لِلْمُخَاطَبِينَ عَلَى الِاثْنَيْنِ ; إِذِ الْمُرَادُ مُوسَى وَهَارُونُ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
أَجَابَ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ مُرَادٌ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، وَيَجُوزُ تَغْلِيبُ الْخِطَابِ عَلَى الْغَيْبَةِ.
وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» ".
فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَمَاعَةَ عَلَى الِاثْنَيْنِ. وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَحْصِيلُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِالِاثْنَيْنِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ بُعِثَ لِتَعْرِيفِ الشَّرْعِ لَا لِتَعْرِيفِ اللُّغَةِ.
ش - النَّافُونَ: وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الِاثْنَيْنِ لَا بِالْحَقِيقَةِ وَلَا بِالْمَجَازِ - احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ الْأَخَوَانِ إِخْوَةً فِي لِسَانِ قَوْمِكَ. وَعُورِضَ هَذَا الدَّلِيلُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: " الْأَخَوَانِ إِخْوَةٌ ".
وَالتَّحْقِيقُ يَقْتَضِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - عَلَى السَّلْبِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَالْآخَرُ - وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - عَلَى الْإِثْبَاتِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
الثَّانِي - لَوْ صَحَّ إِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ لَصَحَّ نَعْتُ التَّثْنِيَةِ بِالْجَمْعِ وَبِالْعَكْسِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَاقِلُونَ، وَلَا رِجَالٌ عَاقِلَانِ.
(2/130)

ص - النَّافُونَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَيْسَ الْأَخَوَانِ إِخْوَةً " وَعُورِضَ بِقَوْلِ زَيْدٍ: " الْأَخَوَانِ إِخْوَةٌ ".
وَالتَّحْقِيقُ: أَرَادَ أَحَدَهُمَا حَقِيقَةً وَالْآخَرَ مَجَازًا.
قَالُوا: لَا يُقَالُ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَاقِلُونَ، وَلَا رِجَالٌ عَاقِلَانِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ يُرَاعُونَ صُورَةَ اللَّفْظِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) إِذَا خُصَّ الْعَامُّ كَانَ مَجَازًا فِي الْبَاقِي.
الْحَنَابِلَةُ: حَقِيقَةٌ.
الرَّازِيُّ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ.
أَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ خُصَّ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ.
الْقَاضِي: إِنْ خُصَّ بِشَرْطٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ.
عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ خُصَّ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ.
وَقِيلَ: إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ لَفْظِيٍّ.
الْإِمَامُ: حَقِيقَةٌ فِي تَنَاوُلِهِ، مُجَازٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ:
ص - لَنَا: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً كَانَ مُشْتَرَكًا ; لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ.
وَأَيْضًا: الْخُصُوصُ بِقَرِينَةٍ كَسَائِرِ الْمَجَازِ.
ص - الْحَنَابِلَةُ: التَّنَاوُلُ بَاقٍ، فَكَانَ حَقِيقَةً.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ.
قَالُوا: يَسْبِقُ، وَهُوَ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.
قُلْنَا: بِقَرِينَةٍ، وَهُوَ دَلِيلُ الْمَجَازِ.
ص - الرَّازِيُّ: إِذَا بَقِيَ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ لِلْجَمِيعِ.
ص - أَبُو الْحُسَيْنِ: لَوْ كَانَ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ، يُوجِبُ تَجَوُّزًا فِي نَحْوِ " الرِّجَالُ الْمُسْلِمُونَ "، وَ " أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا " - لَكَانَ نَحْوَ مُسْلِمُونَ، لِلْجَمَاعَةِ مَجَازًا. وَلَكَانَ نَحْوَ الْمُسْلِمِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ مَجَازًا. وَنَحْوَ (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) مَجَازًا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ (الْوَاوَ) فِي مُسْلِمُونَ، كَأَلِفِ (ضَارِبٍ) وَ (وَاوِ) مَضْرُوبٍ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي (الْمُسْلِمِ) وَإِنْ كَانَ كَلِمَةً حَرْفًا أَوِ اسْمًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/131)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ، فَإِنَّهُمْ يُرَاعُونَ صُورَةَ اللَّفْظِ، فَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزُوا نَعْتَ الْمُثَنَّى بِالْمَجْمُوعِ وَبِالْعَكْسِ.
[مَسْأَلَةٌ إِذَا خُصَّ الْعَامُّ كَانَ مَجَازًا فِي الْبَاقِي]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْعَامَّ إِذَا خُصَّ كَانَ صِدْقُهُ عَلَى الْبَاقِي بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَمْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عَلَى ثَمَانِيَةِ مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْبَاقِي مُطْلَقًا. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
(2/132)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي - أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي إِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ، وَمَجَازٌ إِنْ كَانَ مُنْحَصِرًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الرَّازِيِّ.
الرَّابِعُ - أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي إِنْ خُصَّ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ، سَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا، نَحْوَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا.
أَوْ صِفَةً، نَحْوَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي عَالِمًا أُكْرِمْهُ.
أَوِ اسْتِثْنَاءً، نَحْوَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي، إِلَّا زَيْدًا، أُكْرِمْهُ.
وَمَجَازٌ إِنْ خُصَّ بِمَا يَسْتَقِلُّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحُسَيْنِ.
الْخَامِسُ - أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي إِنْ خُصَّ بِشَرْطٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي.
السَّادِسُ - أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي إِنْ خُصَّ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ، وَإِلَّا فَمَجَازٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ الْجَبَّارِ.
السَّابِعُ - أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ لَفْظِيٍّ، وَإِلَّا
(2/133)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَمَجَازٌ.
الثَّامِنُ - أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ تَنَاوَلَ الْبَاقِي، مَجَازٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَاقِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ.
ش - احْتَجَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعَامُّ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ، يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ، لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْعُمُومِ، وَعَلَى الْبَاقِي بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً صَادِقَةً عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ التَّوَاطُؤِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ ظَاهِرًا فِي الْعُمُومِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(2/134)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي لَمَا احْتَاجَ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِ إِلَى قَرِينَةٍ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ عَلَى مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَرِينَةِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ كَسَائِرِ الْمَجَازَاتِ.
ش - احْتَجَّ الْحَنَابِلَةُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ اللَّفْظَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ قَدْ تَنَاوَلَ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِطُرُقِ الْحَقِيقَةِ، وَالتَّنَاوُلُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بَاقٍ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي.
أَجَابَ بِأَنَّ تَنَاوُلَ اللَّفْظِ لِلْبَاقِي قَبْلَ التَّخْصِيصِ إِنَّمَا كَانَ مَعَ غَيْرِ ذَلِكَ الْبَاقِي، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لِلْبَاقِي مَعَ غَيْرِهِ حَقِيقَةً كَوْنُ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لِلْبَاقِي وَحْدَهُ حَقِيقَةً.
الثَّانِي - أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وَالسَّبْقُ إِلَى الْفَهْمِ عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ.
(2/135)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ الْبَاقِيَ إِنَّمَا يَسْبِقُ عِنْدَ قَرِينَةِ الْخُصُوصِ، وَالسَّبْقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْقَرِينَةِ عَلَامَةُ الْمَجَازِ.
ش - احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ، يَكُونُ مَعْنَى الْعُمُومِ بَاقِيًا. فَيَكُونُ الْعَامُّ بَاقِيًا عَلَى الْحَقِيقَةِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَامِّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ هُوَ جَمِيعُ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ، فَلَا يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى الْحَقِيقَةِ.
ش - احْتَجَّ أَبُو الْحُسَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ (التَّخْصِيصُ) بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ مِنَ (الْقَرَائِنِ الْمُخَصِّصَةِ، كَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يُوجِبُ التَّجَوُّزَ فِي الْعَامِّ الَّذِي اخْتَصَّ بِتِلْكَ الْقَرَائِنِ) نَحْوَ (الرِّجِالُ) (الْمُسْلِمُونَ) وَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا - لَكَانَ نَحْوَ (مُسْلِمُونَ) لِلْجَمَاعَةِ مَجَازًا، وَلَكَانَ نَحْوَ الْمُسْلِمِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ مَجَازًا، وَلَكَانَ نَحْوَ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا مَجَازًا، وَالتَّوَالِي بَاطِلَةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ دُخُولَ مَا لَا يَسْتَقِلُّ مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِمَعْنًى زَائِدٍ لَوْ كَانَ مُخْرِجًا لِلَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، لَكَانَ دُخُولُ الْوَاوِ وَالنُّونِ فِي نَحْوِ مُسْلِمُونَ وَالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي نَحْوِ الْمُسْلِمِ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي نَحْوِ (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) مُخْرِجًا لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ عَنْ حَقَائِقِهَا، لِكَوْنِهَا قَرَائِنَ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ مُفِيدَةٍ لِمَعْنًى زَائِدٍ.
(2/136)

فَالْمَجْمُوعُ الدَّالُّ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ سَيَأْتِي.
ص - وَالْقَاضِي: مِثْلُهُ؛ إِلَّا أَنَّ الصِّفَةَ عِنْدَهُ كَأَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ.
وَعَبْدُ الْجَبَّارِ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ.
ص - الْمُخَصَّصُ بِاللَّفْظِيَّةِ: لَوْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ تُوجِبُ تَجَوُّزًا إِلَى آخِرِهِ.
وَهُوَ أَضْعَفُ.
ص - الْإِمَامُ: الْعَامُّ كَتَكْرَارِ الْآحَادِ وَإِنَّمَا اخْتُصِرَ. فَإِذَا خَرَجَ بَعْضُهَا بَقِيَ الْبَاقِي حَقِيقَةً.
وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ ; فَإِنَّ الْعَامَّ ظَاهِرٌ فِي الْجَمِيعِ، فَإِذَا خُصَّ خَرَجَ قَطْعًا. وَالْمُتَكَرِّرُ نَصٌّ.
ص - مَسْأَلَةٌ: الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِمُبَيِّنٍ حُجَّةٌ.
وَقَالَ الْبَلْخِيُّ: إِنَّ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ.
قَالَ الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ الْعُمُومُ مُنْبِئًا عَنْهُ. كَـ {اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 66]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/137)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ الْوَاوَ وَالنُّونَ فِي " مُسْلِمُونَ " كَالْأَلِفِ فِي ضَارِبٍ، وَالْوَاوِ فِي (مَضْرُوبٍ) ؛ فَكَمَا أَنَّ الْأَلِفَ فِي (ضَارِبٍ) وَالْوَاوَ فِي مَضْرُوبٍ، لَا يَكُونَانِ كَلِمَتَيْنِ ; إِذْ لَمْ يُوضَعَا لِيَدُلَّا عَلَى مَعْنًى بَلْ وُضِعَ مَجْمُوعُ الضَّارِبِ وَمَجْمُوعُ الْمَضْرُوبِ لِمَعْنًى. كَذَلِكَ الْوَاوُ وَالنُّونُ فِي (مُسْلِمُونَ) .
بِخِلَافِ نَحْوِ (الرَّجِالُ) إِذَا قُيِّدَ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ، فَإِنَّ الرِّجَالَ وَحْدَهُ وُضِعَ لِلْعُمُومِ. فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى حَقِيقَةً. فَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ شَرْطٌ أَوْ صِفَةٌ أَوِ اسْتِثْنَاءٌ، لَمْ يَبْقَ عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ، فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي.
وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ كَلِمَةً اسْمًا أَوْ حَرْفًا عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ، إِلَّا أَنَّهُ بَعْدَ التَّرْكِيبِ قَدْ بَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجُزْءَيْنِ - أَعْنِي الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَمُسْلِمًا - دَالًّا عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ، (فَيَبْقَى حَقِيقَةً كَمَا كَانَتْ. نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْجُزْءَيْنِ لَمَّا بَقِيَ بَعْدَ التَّرْكِيبِ دَالًّا عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ) قَبْلَ التَّرْكِيبِ، فَكَانَتْ حَقِيقَةً بَعْدَ التَّرْكِيبِ.
بِخِلَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا قُيِّدَ الْعَامُّ بِهِمَا لَمْ يَبْقَ الْعَامُّ دَالًّا عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ قَبْلَ التَّقْيِيدِ. فَلَا يَكُونُ الْعَامُّ حَقِيقَةً بَعْدَ تَقَيُّدِهِ بِهِ.
(2/138)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ.
ش - احْتَجَّ الْقَاضِي بِمِثْلِ مَا احْتَجَّ أَبُو الْحُسَيْنِ، إِلَّا أَنَّ الصِّفَةَ عِنْدَهُ كَأَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ، لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهَا بِدُونِ الْمَوْصُوفِ.
بِخِلَافِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ ; فَإِنَّهُمَا لَا يُسْتَعْمَلَانِ بِدُونِ الْمَشْرُوطِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
وَاحْتَجَّ عَبْدُ الْجَبَّارِ بِمِثْلِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، إِلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ ; لِأَنَّ الْمُخَصِّصَ لَا يُنَافِي الْمُخَصَّصَ فِي الْحُكْمِ.
بِخِلَافِ الْمُسْتَثْنَى فَإِنَّهُ يُنَافِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْحُكْمِ.
وَمَا قِيلَ فِي جَوَابِ أَبِي الْحُسَيْنِ، جَوَابُهُمَا.
ش - احْتَجَّ الْمُخَصَّصُ بِاللَّفْظِيَّةِ - وَهُوَ الْقَائِلُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ - بِأَنَّ الْقَرَائِنَ اللَّفْظِيَّةَ لَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِكَوْنِ الْعَامِّ الْمُخَصَّصِ مَجَازًا فِي الْبَاقِي، لَكَانَ نَحْوُ مُسْلِمُونَ وَالْمُسْلِمُ وَنَحْوُ أَلْفَ سَنَةٍ، مَجَازًا
(2/139)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ وَنَفْيُ اللَّازِمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَضْعَفُ مِنْ دَلِيلِ أَبِي الْحُسَيْنِ ; لِأَنَّ الْجَامِعَ فِي دَلِيلِ أَبِي الْحُسَيْنِ هُوَ كَوْنُ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ، وَهَا هُنَا هُوَ كَوْنُ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ أَعَمَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً أَوْ غَيْرَهَا، وَالْجَامِعُ ثَمَّ أَخَصُّ مِنَ الْجَامِعِ هَا هُنَا. وَكُلَّمَا كَانَ الْجَامِعُ أَعَمَّ، كَانَ الْقِيَاسُ أَضْعَفَ.
ش - احْتَجَّ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ تَنَاوُلَ الْعَامِّ لِأَفْرَادِهِ، بِمَنْزِلَةِ تَكْرَارِ الْآحَادِ؛ فَإِنَّ قَوْلَنَا: جَاءَ الرِّجَالُ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا: جَاءَ زَيْدٌ وَعُمَرُ وَبَكْرٌ وَخَالِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُصِرَ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْعَامِّ.
فَكَمَا أَنَّ إِخْرَاجَ بَعْضِ الْآحَادِ الْمُكَرَّرَةِ لَا يُوجِبُ التَّجَوُّزَ فِي الْبَاقِي، كَذَلِكَ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْآحَادِ عَنِ الْعَامِّ لَا يُوجِبُ تَجَوُّزَ الْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَاقِي.
(2/140)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ تَنَاوُلَ لَفْظِ الْعَامِّ لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ، فَيُمْكِنُ إِخْرَاجُ الْبَعْضِ مِنْهُ، فَإِذَا خُصَّ، خَرَجَ بَعْضُ الْأَفْرَادِ قَطْعًا، فَيَكُونُ الْعَامُّ مَجَازًا فِي الْبَاقِي، بِخِلَافِ الْمُتَكَرِّرِ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، فَبَقِيَ حَقِيقَةً.
[مَسْأَلَةٌ: الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِمُبَيِّنٍ حُجَّةٌ]
ش - الْعَامُّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُخَصَّصَ بِمُبَيِّنٍ أَوْ مُجْمَلٍ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ، - لَا يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ أَيَّ بَعْضٍ فَرْضٌ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَثْنَى.
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا الذِّمِّيَّ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى سِتَّةِ مَذَاهِبَ:
(2/141)

وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. كَ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] فَإِنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ.
عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى بَيَانٍ كَالْمُشْرِكِينَ، بِخِلَافِ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ مُفْتَقِرٌ قَبْلَ إِخْرَاجِ الْحَائِضِ. وَقِيلَ: حُجَّةٌ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
ص - لَنَا مَا سَبَقَ مِنَ اسْتِدْلَالِ الصَّحَابَةِ مَعَ التَّخْصِيصِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/142)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي (مُطْلَقًا) . وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
الثَّانِي: (أَنَّهُ) إِنَّ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ، مِثْلَ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي. وَإِنَّ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ لَا يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَلْخِيِّ.
الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْعُمُومُ مُنْبِئًا عَنِ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ؛ أَيْ إِنْ كَانَ الْعَامُّ قَدْ دَلَّ عَلَى الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي. مِثْلَ اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، إِذَا خَصَّ الذِّمِّيِّينَ.
وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ الْعَامُّ عَلَى الْبَاقِي لَا يَبْقَى حُجَّةً؛ مِثْلَ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ، فَإِنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنْ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا مُخْرِجًا مِنَ الْحِرْزِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالسَّارِقِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يُنْبِئُ عَنِ الْبَاقِي، سَوَاءٌ وُجِدَ التَّخْصِيصُ أَوْ لَا.
بِخِلَافِ السَّارِقِ فَإِنَّهُ إِذَا خُصَّ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْبَاقِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى السَّارِقِ الْمُخْرِجِ نِصَابًا مِنَ الْحِرْزِ إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ.
الرَّابِعُ: إِنْ كَانَ الْعَامُّ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى بَيَانِ الشَّارِعِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ لِكَوْنِ مَعْنَاهُ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ، كَالْمُشْرِكِينَ - فَإِنَّهُ يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ الْعَامُّ مُحْتَاجًا إِلَى بَيَانِ الشَّارِعِ مَعْنَاهُ لَا يَبْقَى حُجَّةً فِي
(2/143)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْبَاقِي.
مِثْلَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّهُ قَبْلَ إِخْرَاجِ الْحَائِضِ كَانَتِ الصَّلَاةُ مُجْمَلَةً مُحْتَاجَةً إِلَى بَيَانِ الشَّارِعِ مَعْنَاهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ الْجَبَّارِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا فَوْقَهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ مَعْلُومُ الْبَقَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ إِلَى الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ.
السَّادِسُ: أَنَّ الْعَامُّ الْمُخَصَّصَ لَا يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ مُطْلَقًا.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَدَلُّوا بِالْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ كَوْنِ الْمُخَصَّصِ مُتَّصِلًا أَوْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ، وَشَاعَ وَذَاعَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي.
الثَّانِي - أَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، وَلَا تُكْرِمْ فُلَانًا مِنْهُمْ، عُدَّ عَاصِيًا بِتَرْكِ إِكْرَامِ غَيْرِهِ.
الثَّالِثُ - أَنَّ الْعَامَّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ كَانَ حُجَّةً فِي الْبَاقِي ; لِأَنَّهُ قَدِ اقْتَضَى الْحُكْمَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَالْبَاقِي مِنْ جُمْلَةِ أَفْرَادِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ حُجَّةً فِي الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ.
ش - اسْتَدَلَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةً فِي الْبَاقِي لَكَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْبَاقِي مَوْقُوفًا عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَوَقَّفْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْبَاقِي عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الْبَعْضِ الْمُخْرَجِ لَكَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْبَاقِي مُتَحَقِّقَةً بَعْدَ إِخْرَاجِ الْبَعْضِ. فَيَكُونُ حُجَّةً فِي الْبَاقِي، لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِكَوْنِهِ حُجَّةً فِي الْبَاقِي إِلَّا دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْبَاقِي مَوْقُوفَةً عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ مَوْقُوفَةً عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الْبَاقِي أَمْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ مُتَسَاوِيَةٌ.
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ لَوْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الْبَاقِي يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
(2/144)

وَأَيْضًا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَلَا تُكْرِمْ فُلَانًا (مِنْهُمْ) فَتَرَكَ عُدَّ عَاصِيًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً - لَكَانَتْ دَلَالَتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الْآخَرِ.
وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ إِنْ عَكَسَ فَدَوْرٌ، وَإِلَّا فَتَحَكُّمٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/145)

وَأُجِيبُ بِأَنَّ الدَّوْرَ (إِنَّمَا يَلْزَمُ بِتَوَقُّفِ التَقَدُّمِ، وَأَمَّا بِتَوَقُّفِ الْمَعِيَّةِ فَلَا) .
ص - قَالُوا: صَارَ مُجْمَلًا لِتَعَدُّدِ مَجَازِهِ فِيمَا بَقِيَ وَفِي كُلٍّ مِنْهُ.
قُلْنَا: لِمَا بَقِيَ بِمَا تَقَدَّمَ.
ص - أَقَلُّ الْجَمْعِ هُوَ الْمُتَحَقِّقُ، وَمَا بَقِيَ مَشْكُوكٌ.
قُلْنَا: لَا شَكٌّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) جَوَابُ السَّائِلِ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ دُونَهُ تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ اتِّفَاقًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/146)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ تَوَقُّفُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ تَوَقُّفَ التَقَدُّمِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ تَوَقُّفَ الْمَعِيَّةِ فَلَا، فَإِنَّ التَّوَقُّفَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا - تَوَقَّفُ التَقَدُّمِ كَتَوَقُّفِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَهُوَ يُوجِبُ الدَّوْرَ.
وَالثَّانِي - تَوَقُّفُ الْمَعِيَّةِ، كَتَوَقُّفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْلُولَيْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْآخَرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الدَّوْرَ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ لَا يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ، قَالُوا: صَارَ مُجْمَلًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَجَازًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَاقِي وَفِي كُلِّ بَعْضٍ مِنَ الْبَاقِي، لِأَنَّهُ كَمَا يَحْتَمِلُ الْبَاقِيَ يَحْتَمِلُ كُلَّ بَعْضٍ مِنْهُ، وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِ الْمَجَازَاتِ، فَيَكُونُ مُجْمَلًا فِي الْبَاقِي، وَالْمُجْمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ - أَجَابَ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَعَيِّنًا لِلْبَاقِي لِكَوْنِ الْبَاقِي مُرَادًا قَبْلَ التَّخْصِيصِ. وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
(2/147)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِذَا كَانَ مُعَيَّنًا لِلْبَاقِي لَا يَكُونُ مُجْمَلًا.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، احْتَجَّ بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ مُتَحَقِّقٌ قَطْعًا ; لِأَنَّ بَقَاءَهُ مَعْلُومٌ، وَمَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَشْكُوكٌ بَقَاؤُهُ، فَيُطْرَحُ الْمَشْكُوكُ وَيُؤْخَذُ الْمَقْطُوعُ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَشْكُوكٌ بَقَاؤُهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الْبَاقِي مَجَازًا مَشْهُورًا.
[مَسْأَلَةٌ جَوَابُ السَّائِلِ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ دُونَهُ تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ]
ش - الْخِطَابُ الْوَارِدُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ، لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا دُونَ السُّؤَالِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ النَّظَرَ عَنِ السُّؤَالِ لَكَانَ كَافِيًا فِي فَهْمِ الْمَقْصُودِ.
كَمَا إِذَا «سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ، فَقِيلَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» .
وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْجَوَابُ تَابِعًا لِلسُّؤَالِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ بَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسْتَقِلِّ.
أَوْ لَا يَكُونُ الْجَوَابُ مُسْتَقِلًّا دُونَ السُّؤَالِ. مِثْلَ " لَا " فِي جَوَابِ سُؤَالِ إِفْطَارِ الصَّائِمِ بِالْمَضْمَضَةِ.
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْجَوَابُ تَابِعًا لِلسُّؤَالِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ أَمَّا فِي الْعُمُومِ فَبِالِاتِّفَاقِ.
مِثْلَ مَا «إِذَا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ "؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ:
(2/148)

وَالْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ بِسُؤَالٍ، مِثْلَ «قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ: " خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» ".
أَوْ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَرَّ بِشَاةِ مَيْمُونَةَ فَقَالَ: " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» . مُعْتَبَرٌ عُمُومُهُ عَلَى الْأَكْثَرِ.
وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ.
ص - لَنَا: اسْتِدْلَالُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِمِثْلِهِ كَآيَةِ السَّرِقَةِ، وَهِيَ فِي سَرِقَةِ الْمِجَنِّ أَوْ رِدَاءِ صَفْوَانَ.
وَآيَةِ الظِّهَارِ فِي سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ.
وَآيَةِ اللِّعَانِ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، أَوْ غَيْرِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ عَامًّا لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِالْمَنْعِ لِلْقَطْعِ بِدُخُولِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/149)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
" فَلَا إِذًا» ".
فَإِنَّ السُّؤَالَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِوَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ لَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ أَيْضًا مُخْتَصًّا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا فِي الْخُصُوصِ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ.
مِثْلَ مَا إِذَا سَأَلَ سَائِلٌ: تَوَضَّأْتُ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: إِنَّهُ يُجْزِيكَ.
وَالْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، سَوَاءٌ كَانَ مُقْتَرِنًا بِسَبَبٍ خَاصٍّ، مِثْلَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «خُلِقَ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ» ". فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَنْ بِئْرِ
(2/150)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بُضَاعَةَ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ وَارِدٌ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ مُقْتَرِنًا بِسُؤَالٍ، أَوْ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِسُؤَالٍ مِثْلَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمَّا مَرَّ بِشَاةِ مَيْمُونَةَ، قَالَ: " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ". فَإِنَّهُ عَامٌّ وَارِدٌ
(2/151)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِسُؤَالٍ. فَفِيهِ خِلَافٌ.
فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ عُمُومَهُ مُعْتَبَرٌ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى خُصُوصِ السَّبَبِ.
وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ، أَيْ لَا يُعْتَبَرُ عُمُومُهُ.
فَقَوْلُهُ: " الْعَامُّ " مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ " مُعْتَبَرٌ " خَبَرُهُ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ مُعْتَبَرٌ عُمُومُهُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَدَلُّوا بِمِثْلِ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ
(2/152)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
خَاصٍّ سَوَاءٌ كَانَ مُقْتَرِنًا بِسَبَبٍ أَوْ لَا عَلَى عُمُومِ أَحْكَامِهِ.
كَآيَةِ السَّرِقَةِ؛ فَإِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِهَا، وَهِيَ وَارِدَةٌ فِي سَرِقَةِ الْمِجَنِّ أَوْ سَرِقَةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ.
(2/153)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَآيَةِ الظِّهَارِ، فَإِنَّهَا وَارِدَةٌ فِي سَلَمَةَ بْنِ
(2/154)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
صَخْرٍ.
وَكَآيَةِ اللِّعَانِ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ
(2/155)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أُمَيَّةَ.
أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ.
وَهَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتُ شَاعَتْ وَذَاعَتْ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ. فَيَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْعَامَّ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ مُعْتَبَرٌ عُمُومُهُ.
الثَّانِي - أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْعُمُومِ، وَخُصُوصُ السَّبَبِ لَا يُعَارِضُهُ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَوْ قَالَ صَرِيحًا: تَمَسَّكُوا بِهَذَا اللَّفْظِ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ خَاصًّا، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ تَنَاقُضٌ.
فَلَوْ كَانَ خُصُوصُ السَّبَبِ مُعَارِضًا لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَلَزِمَ التَّنَاقُضُ.
فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْعَامِّ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ خَاصًّا.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَامَّ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ لَا يَكُونُ عَامًّا، احْتَجُّوا بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ:
(2/156)

عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْرَجَ الْأَمَةَ الْمُسْتَفْرَشَةَ مِنْ عُمُومِ " «الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ» " فَلَمْ يَلْحَقْ وَلَدُهَا مَعَ وُرُودِهِ فِي وَلَدِ زَمْعَةَ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي؛ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. قَالُوا: لَوْ عَمَّ - لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ.
قُلْنَا: فَائِدَتُهُ: مَنْعُ تَخْصِيصِهِ وَمَعْرِفَةُ الْأَسْبَابِ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ: تَغَدَّ عِنْدِي: وَاللَّهِ لَا تَغَدَّيْتَ - لَمْ يَعُمَّ، قُلْنَا: لِعُرْفٍ خَاصٍّ.
قَالُوا: لَوْ عَمَّ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا.
قُلْنَا: طَابَقَ وَزَادَ قَالُوا: لَوْ عَمَّ لَكَانَ حُكْمًا بِأَحَدِ الْمَجَازَاتِ بِالتَّحَكُّمِ؛ لِفَوَاتِ الظُّهُورِ بِالنُّصُوصِيَّةِ.
قُلْنَا: النَّصُّ خَارِجِيٌّ بِقَرْنِيَّةٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُشْتَرَكُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/157)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ - لَوْ كَانَ الْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ عَامًّا، لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ، أَيْ إِخْرَاجُهُ عَنِ الْعَامِّ بِالِاجْتِهَادِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ وَرَدَ الْعَامُّ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ، وَكَمَا صَحَّ إِخْرَاجُ غَيْرِ السَّبَبِ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِالِاجْتِهَادِ، كَذَلِكَ جَازَ إِخْرَاجُ السَّبَبِ.
أَجَابَ أَوَّلًا بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ ; لِأَنَّ دُخُولَ السَّبَبِ الَّذِي وَرَدَ لِأَجْلِهِ الْعَامُّ تَحْتَ الْعَامِّ قَطْعِيٌّ.
بِخِلَافِ دُخُولِ الْأَفْرَادِ الْأُخَرِ، فَإِنَّ دُخُولَهَا تَحْتَهُ بِحَسَبِ الظُّهُورِ. فَيَكُونُ السَّبَبُ مُخْتَصًّا بِعَدَمِ جَوَازِ إِخْرَاجِهِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَثَانِيًا - بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي؛ فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إِخْرَاجِ السَّبَبِ.
وَذَلِكَ ; لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَخْرَجَ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُسْتَفْرَشَةِ عَنْ عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ". وَلَمْ يُلْحِقْ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَدَ
(2/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَمَةِ بِمَوْلَاهَا الْمُسْتَفْرِشِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِسَبَبِ وَلَدِ الْأَمَةِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي وَلَدِ زَمْعَةَ لَمَّا رُوِيَ «أَنَّ زَمْعَةَ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، وَقَدْ أَصَابَهَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَقَدْ قُتِلَ عُتْبَةُ كَافِرًا، وَعَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، أَيْ أَمَتِهِ مِنِّي فَخُذْهُ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَالَ: إِنَّ أَخِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ لِسَعْدٍ: هُوَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي؛ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَرَافَعَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ» .
الثَّانِي - لَوْ كَانَ الْعَامُّ الْوَارِدُ بِسَبَبٍ خَاصٍّ عَامًّا، لَمَا كَانَ لِنَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ، لِأَنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ مَعَ الْعَامِّ لِأَجْلِ أَنْ تَخْصِيصَ الْعَامِّ
(2/159)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ لَمْ يُنْقَلْ ; لِأَنَّ ذِكْرَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَغْوًا.
أَجَابَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ مَنْعُ تَخْصِيصِ السَّبَبِ عَنْهُ بِالِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ السَّبَبُ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْصُوصِ، وَالْمَنْصُوصُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالِاجْتِهَادِ.
وَبِأَنَّ فَائِدَتَهُ مَعْرِفَةُ الْأَسْبَابِ مَعَ الشَّيْءِ.
الثَّالِثُ - لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا تَغَدَّيْتُ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ لَهُ: تَغَدَّ عِنْدِي، لَمْ يَكُنْ عَامًّا، لِأَنَّهُ إِنْ تَغَدَّى عِنْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
أَجَابَ بِأَنَّ خُصُوصَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَجْلِ عُرْفٍ خَاصٍّ ; إِذْ قَوْلُهُ: مَا تَغَدَّيْتُ، يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى أَنَّهُ مَا تَغَدَّى عِنْدَهُ، فَلَا يُوجِبُ الْخُصُوصَ فِي غَيْرِهَا.
الرَّابِعُ - لَوْ عَمَّ الْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، لَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ ; لِأَنَّ السُّؤَالَ هُوَ الْخَاصُّ، وَالْجَوَابَ هُوَ الْعَامُّ. وَالْمُطَابَقَةُ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ شَرْطٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْمُطَابَقَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْجَوَابُ شَامِلًا لِغَيْرِ السُّؤَالِ، فَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بِهَذَا الْمَعْنَى.
(2/160)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ أَرَادَ بِالْمُطَابَقَةِ بَيَانَ مَعْنَى السُّؤَالِ وَحُكْمَهُ، فَقَدْ حَصَّلَ الْمُطَابَقَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَالزِّيَادَةُ لَا تَنْفِي الْبَيَانَ.
الْخَامِسُ - لَوْ عَمَّ الْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، لَكَانَ الْعُمُومُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحُكْمِ بِأَحَدِ الْمَجَازَاتِ بِالتَّحَكُّمِ.
وَالتَّالِي بِالْبَاطِلِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّا نَجْزِمُ حِينَئِذٍ أَنَّ صُورَةَ السَّبَبِ مُرَادَةٌ مِنَ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَيْهَا. وَصُورَةُ السَّبَبِ أَحَدُ مَجَازَاتِ الْعَامِّ ; لِأَنَّ كُلَّ بَعْضٍ مِنْهُ مَجَازٌ، فَيَلْزَمُ الْحُكْمُ بِأَحَدِ الْمَجَازَاتِ بِالتَّحَكُّمِ ; لِأَنَّ نِسْبَةَ الْعُمُومِ إِلَى جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَهُ مُتَسَاوِيَةٌ. فَالْجَزْمُ بِأَحَدِهَا دُونَ غَيْرِهِ تَحَكُّمٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَدْتُمْ إِرَادَةَ صُورَةِ السَّبَبِ عَدَمَهَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْعَامِّ دُونَ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ فَمُسَلَّمٌ.
لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ كَوْنَ الْعَامِّ نَصًّا فِي الْبَعْضِ خَارِجِيٌّ بِقَرِينَةٍ، وَهِيَ وُرُودُ الْخِطَابِ بَيَانًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ. وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِعَدَمِهَا الْعَدَمَ مُطْلَقًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُشْتَرَكُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً]
ش - اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، كَإِطْلَاقِ الْقُرْءِ عَلَى الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مَعًا.
وَكَذَلِكَ يَصِحُّ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مَعًا، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ النِّكَاحِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ.
وَنُقِلَ عَنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ حَقِيقَةً إِنْ صَحَّ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْهِ، كَالْعَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَارِيَةِ وَالْبَاصِرَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، كَالْقُرْءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ.
(2/161)

وَكَذَلِكَ مَدْلُولَا الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
وَعَنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةِ: يَصِحُّ حَقِيقَةً إِنْ صَحَّ الْجَمْعُ.
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ظَاهِرٌ فِيهِمَا عِنْدَ تَجَرُّدِ الْقَرَائِنِ، كَالْعَامِّ.
أَبُو الْحَسَنِ وَالْغَزَّالِيُّ: يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ، لَا أَنَّهُ لُغَةٌ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ.
وَقِيلَ ; يَجُوزُ فِي النَّفْيِ، لَا الْإِثْبَاتُ. وَالْأَكْثَرُ أَنَّ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ.
ص - لَنَا فِي الْمُشْتَرَكِ أَنَّهُ يَسْبِقُ أَحَدَهُمَا.
فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا كَانَ مَجَازًا.
ص - النَّافِي لِلصِّحَّةِ: لَوْ كَانَ لِلْمَجْمُوعِ حَقِيقَةً لَكَانَ مُرِيدًا أَحَدَهُمَا خَاصَّةً، غَيْرَ مُرِيدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَدْلُولَانِ مَعًا، لَا بَقَاؤُهُ لِكُلِّ مُفْرَدٍ.
ص - وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَاسْتِعْمَالُهُ لَهُمَا اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، وَهُوَ مَعْنَى الْمَجَازِ.
ص النَّافِي لِلصِّحَّةِ: لَوْ صَحَّ لَهُمَا لَكَانَ مُرِيدًا مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا، غَيْرَ مُرِيدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/162)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَيَيْهِ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَنِ الْقَرَائِنِ الْمُخَصِّصَةِ بِوَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ وَالْغَزَّالِيُّ: إِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مَفْهُومَاهُ بِوَضْعٍ جَدِيدٍ، لَا أَنَّهُ يَصِحُّ لُغَةً إِطْلَاقُهُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مَفْهُومَاهُ لَا لُغَةً، وَلَا وَضْعًا جَدِيدًا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ صِحَّةَ إِطْلَاقِ الْجَمْعِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ، كَالْأَقْرَاءِ، مَبْنِيَّةٌ عَلَى صِحَّةِ إِطْلَاقِ الْمُفْرَدِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا بِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا إِلَى الذِّهْنِ. فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي مَعْنَيَيْهِ مَعًا.
(2/163)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى مَعْنَيَيْهِ كَانَ مَجَازًا. وَيَكُونُ الْعَلَاقَةُ الْكُلِّيَّةَ وَالْجُزْئِيَّةَ.
ش - النَّافِي لِصِحَّةِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مُطْلَقًا، احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ لَكَانَ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً لِلْمَجْمُوعِ ; لِأَنَّهُ وُضِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ. وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ حَقِيقَةً.
وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ حَقِيقَةً فِي الْمَجْمُوعِ لَكَانَ الْمُسْتَعْمِلُ لِلَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مُرِيدًا لَنَفْيِ أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ خَاصَّةً (لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ غَيْرَ مُرِيدٍ) لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْآخَرِ. وَهُوَ مُحَالٌ.
(2/164)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَجْمُوعِ مَعْنَيَيْهِ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْمَجْمُوعِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمَدْلُولَانِ مَعًا، بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، لَا لِأَنَّ اللَّفْظَ يُرَادُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ بَقَاؤُهُ لِكُلِّ مُفْرَدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ، حَتَّى يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْمَجْمُوعِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا خَاصَّةً مُرَادًا غَيْرَ مُرَادٍ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ عَلَى مَدْلُولَيْهِ: الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ لِمَدْلُولَيْهِ: الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا ; لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُوضَعْ لِلْمَعْنَيَيْنِ أَوَّلًا. وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ مَجَازٌ. وَالْعَلَاقَةُ الْمُصَحِّحَةُ لِلْإِطْلَاقِ هِيَ الْجُزْئِيَّةُ وَالْكُلِّيَّةُ.
ش - احْتَجَّ النَّافِي لِصِحَّةِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَدْلُولَيْهِ: الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ اسْتِعْمَالَيِ اللَّفْظِ لِمَدْلُولَيْهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ لَكَانَ الْمُسْتَعْمِلُ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ الْكَلِمَةُ أَوَّلًا، لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ لِاسْتِعْمَالِهَا فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الْمُسْتَعْمِلُ مَا وُضِعَتْ لَهُ الْكَلِمَةُ أَوَّلًا، يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ ثَانِيًا، بَلْ يَكُونُ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا بِوَضْعٍ مَجَازِيٍّ.
ش - احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ حَقِيقَةً فِي مَعْنَيَيْهِ جَمِيعًا بِوُقُوعِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] .
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالِي: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] .
أَمَّا فِي الْآيَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ السُّجُودَ وَأَرَادَ مَعْنَيَيْهِ: وَضْعَ الْجَبْهَةِ وَالْخُضُوعَ ; لِأَنَّهُ نَسَبَ السُّجُودَ إِلَى النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ وَسُجُودُ النَّاسِ: وَضْعُ الْجَبْهَةِ، وَسُجُودُ غَيْرِهِمُ: الْخُضُوعُ.
وَأَمَّا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ اسْتُعْمِلَتْ فِي مَدْلُولَيْهَا: الرَّحْمَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، لِأَنَّهُ أَسْنَدَ الصَّلَاةَ إِلَى اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ.
وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ: الْحَقِيقَةُ.
(2/165)

وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ مُرِيدٌ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا بِوَضْعٍ مَجَازِيٍّ.
ص - الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} [الحج: 18] .
(إِنَّ {اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] وَهِي مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ السُّجُودَ: الْخُضُوعُ، وَالصَّلَاةَ: الِاعْتِنَاءُ بِإِظْهَارِ الشَّرَفِ.
أَوْ بِتَقْدِيرِ خَبِرٍ أَوْ فِعْلٍ حُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا يُقَارِنُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/166)

أَوْ بِأَنَّهُ مَجَازٌ بِمَا تَقَدَّمَ.
ص - مَسْأَلَةٌ: نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ؛ مِثْلَ " {لَا يَسْتَوِي} [الحشر: 20] " يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَغَيْرِهَا.
أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَقْتَضِيهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/167)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَيَيْهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ.
أَجَابَ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ السُّجُودَ هُوَ الْخُضُوعُ، وَهُوَ يَشْمَلُ النَّاسَ وَغَيْرَهُمْ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الِاعْتِنَاءُ بِإِظْهَارِ شَرَفِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحُرْمَتِهِ.
وَهَذَا مَعْنًى مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ. فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهَا بِطَرِيقِ التَّوَاطُؤِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ فِي الْأُولَى حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَسَجَدَ لَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَيَسْجُدُ لَهُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَيَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. وَيَكُونُ السُّجُودُ فِيمَا هُوَ مُسْنَدٌ إِلَى النَّاسِ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ، وَفِي الْبَاقِي بِالْخُضُوعِ، فَلَا يَكُونُ اسْتِعْمَالًا لِلَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَدْلُولَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ خَبَرٌ فِي الثَّانِيَةِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُصَلِّي وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ.
وَيَكُونُ حَذْفُ الْفِعْلِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى، وَالْخَبَرِ فِي الثَّانِيَةِ
(2/168)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِقَرِينَةٍ، وَهِيَ دَلَالَةُ مَا يُقَارِبُهُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
الثَّالِثُ - أَنَّ اسْتِعْمَالَ السُّجُودِ فِي الْأُولَى وَالصَّلَاةِ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، لَا بِطْرِيقِ الْحَقِيقَةِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا: لَوْ (كَانَ) السُّجُودُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى، وَالصَّلَاةُ فِي الثَّانِيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَعْنَيَيْنِ بِالْحَقِيقَةِ - يَلْزَمُ إِسْنَادُ مَعْنَى السُّجُودِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّجَرِ (وَالْجِبَالِ) وَالدَّوَابِّ، (وَإِسْنَادُ) الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
وَمِنْ هَذَا يُعْرَفُ عَدَمُ اسْتِقَامَةِ الْجَوَابِ الْأَخِيرِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَسَادُ الْمَذْكُورُ.
[مَسْأَلَةٌ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَغَيْرِهَا]
ش - نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] يَقْتَضِي الْعُمُومَ، أَعْنِي نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَمَا أَنَّ نَفْيَ غَيْرِ الْمُسَاوَاةِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ.
لَنَا: أَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ إِذَا دَخَلَ عَلَى الْفِعْلِ، يَقْتَضِي نَفْيَ جِنْسِ الْمَصْدَرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْفِعْلُ، فَيَكُونُ نَفْيًا وَارِدًا عَلَى نَكِرَةٍ، فَيَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلْعُمُومِ كَالنَّفْيِ الدَّاخِلِ عَلَى غَيْرِ الْفِعْلِ مِنَ النَّكِرَاتِ.
ش - احْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْمُسَاوَاةَ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ بِوَجْهٍ خَاصٍّ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ كَمَا تَكُونُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، قَدْ تَكُونُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالْأَعَمُّ لَا يُشْعِرُ بِالْأَخَصِّ ; إِذْ لَا دَلَالَةَ لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ أَصْلًا.
(2/169)

لَنَا: نَفْيٌ عَلَى نَكِرَةٍ كَغَيْرِهِ.
ص - قَالُوا: الْمُسَاوَاةُ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ بِوَجْهٍ خَاصٍّ، وَالْأَعَمُّ لَا يُشْعِرُ بِالْأَخَصِّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْإِثْبَاتِ، وَإِلَّا لَمْ يَعُمَّ نَفْيٌ، قَالُوا: لَوْ عَمَّ لَمْ يَصْدُقْ ; إِذْ لَا بُدَّ مِنْ مُسَاوَاةٍ، وَلَوْ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/170)

نَفْيِ مَا سِوَاهُمَا عَنْهُمَا. قُلْنَا: إِنَّمَا يَنْفِي مُسَاوَاةً يَصِحُّ انْتِفَاؤُهَا.
قَالُوا: الْمُسَاوَاةُ فِي الْإِثْبَاتِ لِلْعُمُومِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ إِخْبَارٌ بِمُسَاوَاةٍ، لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ.
وَنَقِيضُ الْكُلِّيِّ الْمُوجَبِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ.
قُلْنَا: الْمُسَاوَاةُ فِي الْإِثْبَاتِ لِلْخُصُوصِ، وَإِلَّا لَمْ يَصْدُقْ أَبَدًا ; إِذْ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا نَفْيُ مُسَاوَاةٍ، وَلَوْ فِي تَعَيُّنِهِمَا. وَنَقِيضُ الْجُزْئِيِّ الْمُوجَبِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُمُومَ مِنَ النَّفْيِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُقْتَضِي - وَهُوَ مَا احْتَمَلَ أَحَدَ تَقْدِيرَاتٍ لِاسْتِقَامَةِ الْكَلَامِ - لَا عُمُومَ لَهُ فِي الْجَمِيعِ.
أَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ أَحَدُهَا بِدَلِيلٍ - كَانَ كَظُهُورِهِ - وَيُمَثِّلُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ".
لَنَا: لَوْ أَضْمَرَ الْجَمِيعَ لَأَضْمَرَ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ.
ص - قَالُوا: أَقْرَبُ مَجَازٍ إِلَيْهِمَا، بِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِمَا، عُمُومُ أَحْكَامِهِمَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ بَابَ غَيْرِ الْإِضْمَارِ فِي الْمَجَازِ أَكْثَرُ، فَكَانَ أَوْلَى، فَيَتَعَارَضَانِ، فَيَسْلَمُ الدَّلِيلُ.
قَالُوا: الْعُرْفُ فِي مِثْلِ: لَيْسَ لِلْبَلَدِ سُلْطَانٌ، نَفْيُ الصِّفَاتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/171)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ الْعَامَّ إِنَّمَا لَا يُشْعِرُ بِالْخَاصِّ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ. وَأَمَّا فِي جَانِبِ النَّفْيِ يُشْعِرُ بِهِ، فَإِنَّ نَفْيَ الْعَامِّ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْخَاصِّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الْعَامِّ مُسْتَلْزِمًا لِنَفْيِ الْخَاصِّ لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الْعُمُومِ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ لَا يَنْتَفِيَ الْخُصُوصُ عَلَى تَقْدِيرِ انْتِفَاءِ الْعَامِّ، فَلَا يَتَحَقَّقُ نَفْيُ الْعُمُومِ.
الثَّانِي - لَوْ عَمَّ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ فِي مِثْلِ " {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ} [الحشر: 20] " لَمْ يَصْدُقْ مِثْلُ " {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ} [الحشر: 20] ".
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ صِدْقَهُ حِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ. وَنَفْيُ الْمُسَاوَاةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُسَاوَاةٌ أَصْلًا، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ ; إِذْ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مُسَاوَاةٌ بِوَجْهٍ مَا، وَأَقَلُّهَا الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي نَفْيِ مَا سِوَاهُمَا عَنْهُمَا.
أَجَابَ عَنْهُ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ؛ فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ نَفَى مُسَاوَاةً يَصِحُّ انْتِفَاؤُهَا، لَا الْمُسَاوَاةَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
وَاللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلْعُمُومِ لَكِنَّهُ قَدْ خُصَّ.
الثَّالِثُ - أَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ لِلْعُمُومِ،
(2/172)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ وَعَمْرٌو مُتَسَاوِيَانِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَسَاوِيَهُمَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتَضِ تَسَاوِيَهُمَا فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ لَمْ يَسْتَقِمِ الْإِخْبَارُ بِمُسَاوَاتِهِمَا، إِذْ لَا وَجْهَ لِاخْتِصَاصِهِمَا حِينَئِذٍ بِوَصْفِ الْمُسَاوَاةِ ; إِذْ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مُسَاوَاةٌ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ.
لَكِنَّهُ يَسْتَقِيمُ الْإِخْبَارُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَكُونُ لِلْعُمُومِ. فَيَكُونُ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا يَعُمُّ ; لِأَنَّ نَفْيَ الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ سَلْبُ جُزْئِيٍّ.
أَجَابَ عَنِ الثَّالِثِ بِالْمُعَارَضَةِ.
فَإِنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ لِلْخُصُوصِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْخُصُوصِ لَمْ يَصْدُقْ مُسَاوَاةٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَصْلًا، إِذَا مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَيَصْدُقُ بَيْنَهُمَا نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ. وَأَقَلُّهُ أَنْ يَصْدُقَ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي تَعَيُّنِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ فِي تَعَيُّنِهِ، فَلَا يَصْدُقُ ثُبُوتُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْمُسَاوَاةُ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ لِلْخُصُوصِ تَكُونُ الْمُسَاوَاةُ فِي جَانِبِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ؛ لِأَنَّ نَقِيضَ الْجُزْئِيِّ الْمُوجَبِ السَّالِبُ الْكُلِّيُّ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ - بَعْدَ دَفْعِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ بِالْمُعَارَضَةِ -: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُمُومَ مُسْتَفَادٌ مِنَ النَّفْيِ، لَا مِنْ كَوْنِهِ نَقِيضَ قَضِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ.
(2/173)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ الْمُقْتَضِي]
ش - الْمُقْتَضِي، بِكَسْرِ الضَّادِ - وَهُوَ مَا احْتُمِلَ، أَعْنِي مَا
(2/174)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يُحْتَاجُ فِي اسْتِقَامَتِهِ إِلَى إِضْمَارِ جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ - لَا عُمُومَ لَهُ، أَيْ لَا يَقْتَضِي إِضْمَارَ جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ.
أَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ إِضْمَارُ وَاحِدٍ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ دَالٍّ عَلَى إِضْمَارِ ذَلِكَ - كَانَ حُكْمُ ذَلِكَ الْمُضْمَرِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ كَحُكْمِ الْمُظْهَرِ.
وَقَدْ يُمَثَّلُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ". فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ يَصْدُرُ عَنْهُمُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْكَلَامُ.
(2/175)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُضْمَرَ فِيهِ تَقْدِيرَاتٌ مِثْلُ الذَّمِّ، وَالْعِقَابِ، وَالضَّمَانِ وَغَيْرِهَا. فَلَا تُضْمَرُ جَمِيعُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتُ.
وَقِيلَ: يُوجِبُ إِضْمَارَ جَمِيعِهَا.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِضْمَارَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَهَا هُنَا لَمَّا امْتَنَعَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ، احْتَاجَ إِلَى إِضْمَارٍ، وَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِإِضْمَارِ وَاحِدٍ مِنْهَا.
فَلَوْ أُضْمِرَ جَمِيعُ التَّقْدِيرَاتِ - لَأُضْمِرَ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْإِضْمَارِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُقْتَضِي لَهُ عُمُومٌ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» " يَدُلُّ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى رَفْعِ مَفْهُومِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُضْمَرَ تَقْدِيرٌ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْكَلَامُ، وَأَقْرَبُ مَجَازٍ إِلَى رَفْعِ مَفْهُومِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَنِ الْأُمَّةِ عُمُومُ رَفْعِ أَحْكَامِهِمَا ; لِأَنَّ عَدَمَ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِنْ عَدَمِ بَعْضِ أَحْكَامِهِمَا ". فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ الْأَقْرَبِ.
أَجَابَ بِأَنَّ بَابَ غَيْرِ الْإِضْمَارِ فِي الْمَجَازِ أَكْثَرُ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ. فَبَابُ الْإِضْمَارِ، لِكَوْنِهِ أَقَلَّ، عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. فَكُلَّمَا كَانَ الْإِضْمَارُ أَقَلَّ كَانَ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ أَقَلَّ، فَكَانَ إِضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى. فَيَتَعَارَضَانِ، أَيْ كَوْنُ إِضْمَارِ الْجَمِيعِ أَقْرَبَ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَكَوْنُ إِضْمَارِ الْبَعْضِ أَوْلَى. فَيَسْلَمُ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا.
(2/176)

قُلْنَا: قِيَاسٌ فِي الْعُرْفِ.
قَالُوا: يَتَعَيَّنُ الْجَمِيعُ لِبُطْلَانِ التَّحَكُّمِ إِنْ عُيِّنَ، وَلُزُومِ الْإِجْمَالِ إِنْ أُبْهِمَ.
قُلْنَا: وَيَلْزَمُ مِنَ التَّعْمِيمِ زِيَادَةُ الْإِضْمَارِ وَتَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ، فَكَانَ الْإِجْمَالُ أَقْرَبَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) مِثْلَ لَا آكُلُ وَإِنْ أَكَلْتُ، عَامٌّ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/177)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي - أَنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَى فِي قَوْلِنَا: لَيْسَ لِلْبَلَدِ سُلْطَانٌ، عُمُومَ نَفْيِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِلْعُمُومِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الصُّوَرِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَالْجَامِعُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي صَرْفِهِمَا عَنِ الظَّاهِرِ إِلَى مَا يَسْتَقِيمُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي الْعُرْفِ، وَالْقِيَاسُ فِي الْعُرْفِ غَيْرُ جَائِزٍ، كَالْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْجَمِيعِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ، فَيَلْزَمُ التَّحَكُّمُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَاوٍ لِآخَرَ، وَالتَّحَكُّمُ بَاطِلٌ.
وَإِنْ حُمِلَ عَلَى بَعْضٍ مُبْهَمٍ - أَيْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ - يَلْزَمُ الْإِجْمَالُ.
وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى بَعْضٍ مُبْهَمٍ وَإِنْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِجْمَالِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، لَكِنَّهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْجَمِيعِ يَسْتَلْزِمُ زِيَادَةَ الْإِضْمَارِ، وَتَكْثِيرَ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ، فَكَانَ الْإِجْمَالُ أَقْرَبَ وَأَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ لَا آكُلُ وَإِنْ أَكَلْتُ عَامٌّ]
ش - إِذَا وَقَعَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَصْدَرٌ، سَوَاءٌ كَانَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، مِثْلَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ، أَوْ وَقَعَ شَرْطًا، مِثْلَ إِنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ - يَعُمُّ فِي مَفْعُولَاتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَيُقْبَلُ تَخْصِيصُهُ ; لِأَنَّ الْعَامَّ قَابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَعُمُّ فِي مَفْعُولَاتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ التَّخْصِيصُ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا لَا عُمُومَ لَهُ.
ش - احْتُجَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّ قَوْلَنَا: لَا آكُلُ، يَدُلُّ
(2/178)

مَفْعُولَاتِهِ فَيُقْبَلُ تَخْصِيصُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَقْبَلُ تَخْصِيصًا.
ص - لَنَا: أَنَّ لَا آكُلُ: لِنَفْيِ حَقِيقَةِ الْأَكْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَأْكُولٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ. فَيَجِبُ قَبُولُهُ لِلتَّخْصِيصِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ عَامًّا لَعَمَّ التَّخْصِيصُ.
وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ أَكَلْتُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِمَأْكُولٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/179)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَلَى نَفْيِ حَقِيقَةِ الْأَكْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْفِعْلُ، فَيَكُونُ نَفْيُ الْأَكْلِ مُتَحَقِّقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَأْكُولٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْمَأْكُولِ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةُ الْأَكْلِ مُنْتَفِيَةً.
وَإِذَا كَانَ نَفْيُ الْأَكْلِ مُتَحَقِّقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَأْكُولٍ كَانَ عَامًّا ; إِذْ لَا مَعْنَى لِلْعُمُومِ إِلَّا ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ عَامًّا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ.
ش - احْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: وُقُوعُ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي مُجَرَّدًا عَنِ الْمَصْدَرِ، لَوْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ مَفْعُولَاتِهِ لَكَانَ عَامًّا فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ; لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ كَمَا يَسْتَلْزِمُ الْمَفْعُولَ، يَسْتَلْزِمُ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَكَانَ قَابِلًا لِلتَّخْصِيصِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.
أَجَابَ أَوَّلًا بِالْتِزَامِ كَوْنِ الْفِعْلِ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَقَابِلًا لِلتَّخْصِيصِ.
وَثَانِيًا بِالْفَرْقِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي بِالْمَفْعُولِ أَقْوَى مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ; لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ لَا يُعْقَلُ مَفْهُومُهُ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ.
بِخِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يُعْقَلُ بِدُونِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَإِنَّ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِ الْفِعْلِ لَا مِنْ لَوَازِمِ
(2/180)

بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ.
قَالُوا: إِنَّ " أَكَلْتُ وَلَا آكُلُ " مُطْلَقٌ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ. بِمُخَصَّصٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُهُ.
قُلْنَا: الْمُرَادُ الْمُقَيَّدُ الْمُطَابِقُ لِلْمُطْلَقِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْكُلِّيِّ فِي الْخَارِجِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُقَيَّدِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْفِعْلُ الْمُثْبَتُ لَا يَكُونُ عَامًّا فِي أَقْسَامِهِ، مِثْلَ: " «صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ» ". فَلَا يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/181)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَفْهُومِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ لَازِمٌ لِمَفْهُومِ الْفِعْلِ، (اللَّهُمُّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ الزَّمَانُ الْخَاصُّ وَالْمَكَانُ الْخَاصُّ اللَّذَانِ يَكُونَانِ مَفْهُومَيْ طَرَفَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ) .
الثَّانِي - إِنَّ أَكَلْتُ، وَلَا آكُلُ، يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِهِ بِقَيْدٍ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِمُخَصَّصٍ مِنْ أَفْرَادِهِ ; لِأَنَّ الْمُخَصَّصَ يُخَالِفُ الْمُطْلَقَ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ. بِخِلَافِ الْمُخَصَّصِ.
وَالْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ بِهِ شَرْطٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَكْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَائِلِ: وَاللَّهِ لَا آكُلُ، وَإِنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ، هُوَ الْأَكْلُ الْمُقَيَّدُ الْمُطَابِقُ لِلْمُطْلَقِ، لَا الْأَكْلُ الْكُلِّيُّ؛ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْكُلِّيِّ فِي الْخَارِجِ.
وَالْأَكْلُ الْمُقَيَّدُ الْمُطَابِقُ يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِمُخَصَّصٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا آكُلُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْمُقَيَّدِ.
[مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْمُثْبَتُ لَا يَكُونُ عَامًّا فِي أَقْسَامِهِ]
ش - الْفِعْلُ الْوَاقِعُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَقْسَامٌ وَجِهَاتٌ لَا يَقْتَضِي عُمُومَهُ فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ وَالْجِهَاتِ.
(2/182)

وَمِثْلَ: " «صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ» " فَلَا يَعُمُّ الشَّفَقَيْنِ، إِلَّا عَلَى رَأْيٍ.
وَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ: لَا يَعُمُّ وَقْتَيْهِمَا.
وَأَمَّا تَكَرُّرُ الْفِعْلِ فَمُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي: " «كَانَ يَجْمَعُ» " كَقَوْلِهِمْ: كَانَ حَاتِمٌ يُكْرِمُ الضَّيْفَ.
وَأَمَّا دُخُولُ أُمَّتِهِ فَبِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، مِنْ قَوْلٍ مِثْلَ " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " وَ " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ".
أَوْ قَرِينَةٍ كَوُقُوعِهِ بَعْدَ إِجْمَالٍ أَوْ إِطْلَاقٍ أَوْ عُمُومٍ.
أَوْ بِقَوْلِهِ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ} [الأحزاب: 21] .
أَوْ بِالْقِيَاسِ.
قَالُوا: قَدْ عَمَّمَ، نَحْوَ: " «سَهَا فَسَجَدَ» " " «وَأَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ الْمَاءَ» " وَغَيْرِهِ.
قُلْنَا: بِمَا ذَكَرْنَاهُ لَا بِالصِّيغَةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) نَحْوَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: " «نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» " وَ " «قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» " يَعُمُّ الْغَرَرَ وَالْجَارَ.
لَنَا: عَدْلٌ عَارِفٌ. فَالظَّاهِرُ الصِّدْقُ. فَمُوجَبٌ الِاتِّبَاعُ.
ص - قَالُوا: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا، أَوْ سَمِعَ صِيغَةً خَاصَّةً فَتَوَهَّمَ.
وَالِاحْتِجَاجُ لِلْمَحَلِّي.
قُلْنَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) إِذَا عَلَّقَ حُكْمًا عَلَى عِلَّةٍ عَمَّ بِالْقِيَاسِ شَرْعًا، لَا بِالصِّيغَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَعُمُّ.
وَقِيلَ: بِالصِّيغَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: «حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا» .
لَنَا: ظَاهِرٌ فِي اسْتِقْلَالِ الْعِلَّةِ. فَوَجَبَ الِاتِّبَاعُ.
وَلَوْ كَانَ بِالصِّيغَةِ لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ يَقْتَضِي عِتْقَ سُودَانِ عَبِيدِهِ - وَلَا قَائِلَ بِهِ.
ص - الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ الْجُزْئِيَّةَ.
قُلْنَا: لَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ لِلِاحْتِمَالِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/183)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مْثِلَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «صَلَّى إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ» ".
وَالصَّلَاةُ قَدْ تَكُونُ فَرْضًا وَقَدْ تَكُونُ نَفْلًا، فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي صُدُورَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ مِنْهُ.
وَكَمَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ» ".
فَإِنَّ صَلَاتَهُ احْتَمَلَ أَنْ تَقَعَ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ أَوِ الْأَصْفَرِ ; لِأَنَّ الشَّفَقَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ. فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ
(2/184)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقَيْنِ لِلِاحْتِيَاطِ إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ حَمَلَ وُقُوعَ صَلَاتِهِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقَيْنِ لِلِاحْتِيَاطِ.
وَكَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ» " فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَلَا يَعُمُّ وَقْتَيْهِمَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي الْوَقْتَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ عُمُومُهُ بِحَسَبِ الْأَقْسَامِ، وَالْأَخِيرَيْنِ عُمُومُهُمَا بِحَسَبِ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: " وَأَمَّا تَكَرُّرُ الْفِعْلِ " إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ دَخَلٍ مُقَدَّرٍ، تَوْجِيهُهُ أَنَّ الْفِعْلَ يُفِيدُ التَّكْرَارَ، وَإِفَادَتُهُ التَّكْرَارَ دَلِيلُ الْعُمُومِ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَكَرُّرَ الْفِعْلِ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ لِمَحَلٍّ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي، فَإِنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: " «كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَجْمَعُ» " يُفِيدُ التَّكْرَارَ عُرْفًا، كَقَوْلِ أَهْلِ الْعُرْفِ: كَانَ حَاتِمٌ يُكْرِمُ الضَّيْفَ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ تَكْرَارَ إِكْرَامِ الضَّيْفِ.
قَوْلُهُ: وَأَمَّا دُخُولُ أُمَّتِهِ: إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ دَخَلٍ آخَرَ.
(2/185)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تَوْجِيهُهُ أَنَّ الْفِعْلَ يَقْتَضِي دُخُولَ الْأُمَّةِ فَكَمَا صَحَّ اقْتِضَاءُ دُخُولِ الْأُمَّةِ فِيهِ صَحَّ اقْتِضَاءُ الْعُمُومِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْفِعْلَ نَفْسَهُ لَا يَقْتَضِي دُخُولَ الْأُمَّةِ فِيهِ، بَلِ الْمُقْتَضِي لِدُخُولِ الْأُمَّةِ فِيهِ هُوَ دَلِيلٌ خَارِجِيٌّ ; مِنْ قَوْلٍ مِثْلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ".
أَوْ قَرِينَةٍ مِثْلُ وُقُوعِ فِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ جَرَيَانِ حُكْمٍ فِيهِ إِجْمَالٌ أَوْ إِطْلَاقٌ أَوْ عُمُومٌ، وَعُرِفَ أَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ وَالْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ.
أَوْ بِقَوْلِهِ تَعَالِي: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] .
أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ بِقَوْلِهِ: " {لَقَدْ كَانَ} [الأحزاب: 21] "، عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ ".
(2/186)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ الْخَصْمُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْعُمُومُ بِالْإِجْمَاعِ فِي مِثْلِ: " «سَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ» ".
فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ.
وَأَيْضًا: سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاغْتِسَالِ، وَأَحَالَ ذَلِكَ عَلَى مَعْرِفَةِ فِعْلِ نَفْسِهِ فَقَالَ: " «أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِي» ".
وَكَذَلِكَ «سُئِلَ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ. فَقَالَ: " أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ» ".
(2/187)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ مُقْتَضِيًا لِلْعُمُومِ - لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْعُمُومَ مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي؛ فَإِنَّ الرَّاوِيَ لَمَّا أَدْخَلَ الْفَاءَ عَلَى " سَجَدَ " دَلَّ عَلَى التَّكْرَارِ ; فَإِنَّ الْفَاءَ يَقْتَضِي السَّبَبِيَّةَ.
أَوْ غَيْرِهِ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ قَوْلٍ أَوْ قِيَاسٍ، كَمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ]
ش - إِذَا وَقَعَ فِي لَفْظِ الصَّحَابِيِّ عَامٌّ بِطَرِيقِ الْإِخْبَارِ عَنْ حُكْمٍ صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَجِبُ الْأَخْذُ بِالْعُمُومِ عِنْدَ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَعِنْدَ بَعْضٍ لَا يَجِبُ فِيهِ الْأَخْذُ بِالْعُمُومِ.
(2/188)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» .
وَقَوْلِهِ: " «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» ". فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْغَرَرَ وَالْجَارَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْأَخْذِ بِالْعُمُومِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ عَدْلٌ عَارِفٌ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ وَغَيْرِهَا. وَالظَّاهِرُ يَقْتَضِي صِدْقَهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ. وَقَدْ
(2/189)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَخْبَرَ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ الَّتِي هِيَ الْغَرَرُ وَالْجَارُ، لِكَوْنِهِمَا مُعَرَّفَيْنِ بِاللَّامِ. فَيَجِبُ قَبُولُهُ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مِثْلَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» " لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، قَالُوا: دُخُولُ اللَّامِ فِي مِثْلِ الْغَرَرِ وَالْجَارِ كَمَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِغْرَاقَ يَحْتَمِلُ الْعَهْدَ. وَالْأَوَّلُ لِلْعُمُومِ وَالثَّانِي لِلْخُصُوصِ، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يُحْتَمَلُ الْخُصُوصُ.
وَأَيْضًا ; يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ قَدْ سَمِعَ مِنَ الرَّسُولِ صِيغَةً فَتَوَهَّمَ عُمُومَهَا، فَذَكَرَ بِصِيغَةٍ عَامَّةٍ. فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْعُمُومِ ; لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمَحْكِيِّ لَا بِالْحِكَايَةِ.
وَالْحِكَايَةُ إِنَّمَا يُحْتَجُّ بِهَا إِذَا كَانَتْ مُطَابِقَةً لِلْمَحْكِيِّ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ خِلَافُ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ غَالِبًا. فَيَكُونُ حَمْلُهُ عَلَى الْعَهْدِ خِلَافَ الظَّاهِرِ.
(2/190)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالصَّحَابِيُّ عَدْلٌ عَارِفٌ بِأَحْكَامِ اللُّغَةِ، فَاحْتِمَالُ تَوَهُّمِ الْعُمُومِ فِيمَا لَيْسَ بِعَامٍّ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
[مَسْأَلَةٌ إِذَا عَلَّقَ حُكْمًا عَلَى عِلَّةٍ عَمَّ بِالْقِيَاسِ شَرْعًا لَا بِالصِّيغَةِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُكْمًا بِعِلَّةٍ هَلْ يَعُمُّ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ الْعِلَّةِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَعُمُّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَعُمُّ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ اخْتَلَفُوا.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَعُمُّ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ الْعِلَّةِ
(2/191)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِالْقِيَاسِ شَرْعًا، لَا بِالصِّيغَةِ، أَيْ مُوجَبُ الْعُمُومِ الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ، لَا الصِّيغَةُ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: يَعُمُّ بِالصِّيغَةِ أَيْ مُوجَبُ الْعُمُومِ الصِّيغَةُ.
مِثَالُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ: «حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا» .
فَإِنَّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ لَا يَعُمُّ الْحُرْمَةَ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ الْحَلَاوَةِ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ يَعُمُّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ الْحَلَاوَةِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ يَعُمُّ بِالصِّيغَةِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ يَعُمُّ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ الْعِلَّةِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا يَعُمُّ بِالصِّيغَةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ - فَلْأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ عَلَى الْعِلَّةِ ظَاهِرٌ فِي اسْتِقْلَالِ الْعِلَّةِ فِي اقْتِضَاءِ الْحُكْمِ، فَكُلَّمَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ وُجِدَ الْحُكْمُ. فَيَثْبُتُ عُمُومُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ الْعِلَّةِ بِالْقِيَاسِ.
وَأَمَّا الثَّانِي - فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عُمُومُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ
(2/192)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعِلَّةِ بِالصِّيغَةِ لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، يَقْتَضِي عِتْقَ سُودَانِ عَبِيدِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; إِذْ لَا قَائِلَ بِهِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الصِّيغَةَ لَوْ كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِلْعُمُومِ، كَانَتْ دَلَالَتُهَا عَلَى الْعُمُومِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ كَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ سُودَانِ عَبِيدِي، فَيَقْتَضِي عِتْقَ سُودَانِ عَبِيدِهِ.
ش - احْتَجَّ الْقَاضِي بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا» ، يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْحُلْوُ الْخَاصُّ. فَيَكُونُ الْحُلْوُ جُزْءًا لِعِلَّةٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحُلْوَ الْمُطْلَقَ.
وَالْأَوَّلُ يُوجِبُ الْخُصُوصَ، وَالثَّانِي، الْعُمُومَ. فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعُمُومُ، بَلْ يُحْتَمَلُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْخُصُوصَ إِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا، لَكِنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ. وَالظَّاهِرُ لَا يُتْرَكُ لِلِاحْتِمَالِ.
ش - الْآخَرُ - أَيِ الْقَائِلُ بِعُمُومِهِ بِحَسَبِ الصِّيغَةِ - احْتَجَّ بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِإِسْكَارِهَا» ، مِثْلَ قَوْلِهِ: حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ فِي الْمَفْهُومِ.
وَالثَّانِي يَقْتَضِي عُمُومَ حُرْمَةِ الْمُسْكِرِ بِحَسَبِ الصِّيغَةِ. فَكَذَا الْأَوَّلُ.
أَجَابَ بِالْمَنْعِ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِإِسْكَارِهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ فِي إِفَادَتِهِ الْعُمُومَ بِحَسَبِ الصِّيغَةِ.
[عموم المفهوم]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمَفْهُومَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حُجَّةً لَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ فِي أَنَّ لَهُ عُمُومًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ أَعْنِي مَا يَكُونُ حُكْمُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مُوَافِقًا لِلْمَنْطُوقِ، كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ تَحْرِيمِ تَأْفِيفِهِمَا، وَمَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ حُكْمُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، كَعَدَمِ وُجُوبِ زَكَاةِ الْمَعْلُوفَةِ مِنْ وُجُوبِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ - لَا خِلَافَ لِأَحَدٍ مِنَ الْقَائِلِينَ بِهِ فِي عُمُومِهَا فِيمَا عَدَا الْمَنْطُوقَ.
وَالْغَزَّالِيُّ إِنَّمَا نَفَى عُمُومَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمَنْطُوقَ بِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْمَفْهُومِ بِغَيْرِ تَوَسُّطِ الْمَفْهُومِ، لَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَعُمُّ فِي الْمَفْهُومِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ أَيْضًا.
[مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ " يقضي العموم]
ش - قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا عَطَفَ جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ أُخْرَى، وَالْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ لَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَاهَا إِلَّا بِتَقْدِيرٍ، وَكَانَ فِي الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا لَفْظٌ لَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ اللَّفْظُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَقَامَ مَعْنَاهَا، وَجَبَ تَقْدِيرُهُ فِيهَا.
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُكْمُ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ وَاحِدٌ، وَكَذَا مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصُ. إِلَّا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِ الثَّانِيَةِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْخُصُوصُ فِي الثَّانِيَةِ فَقَطْ.
مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» ". فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ " بِكَافِرٍ " فِي الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» ".
وَحِينَئِذٍ يَقْتَضِي عُمُومَهُ فِيهِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ.
(2/193)

ص - الْآخَرُ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِإِسْكَارِهَا، مِثْلَ: «حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لِإِسْكَارِهِ» .
وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَفْهُومَ لَهُ عُمُومٌ لَا يَتَحَقَّقُ ; لِأَنَّ مَفْهُومَيِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ عَامٌّ فِيمَا سِوَى الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/194)

بِالْمَنْطُوقِ بِهِ.
وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَيْضًا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» ". مَعْنَاهُ: بِكَافِرٍ. فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/195)

لَنَا: لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ لَامْتَنَعَ قَتْلُهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَيَجِبُ الْأَوَّلُ لِلْقَرِينَةِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ - لَكَانَ " بِكَافِرٍ " الْأَوَّلُ لِلْحَرْبِيِّ فَقَطْ فَيَفْسَدَ الْمَعْنَى.
وَلَكَانَ {وَبُعُولَتُهُنَّ} [البقرة: 228] لِلرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ ; لِأَنَّهُ ضَمِيرُ الْمُطَلَّقَاتِ.
قُلْنَا: خُصَّ الثَّانِي بِالدَّلِيلِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ لَكَانَ نَحْوَ ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا، أَيْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَأُجِيبَ بِإِلْزَامِهِ.
وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ ضَرْبَ عَمْرٍو فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا يَمْتَنِعُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) مِثْلُ {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1] {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} [الزمر: 65] لَيْسَ بِعَامٍّ لِلْأُمَّةِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - عَامٌّ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ خِطَابَ الْمُفْرَدِ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ لُغَةً.
وَأَيْضًا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ غَيْرِهِ تَخْصِيصًا.
ص - قَالُوا: إِذَا قِيلَ لِمَنْ لَهُ مَنْصِبُ الِاقْتِدَاءِ: ارْكَبْ لِمُنَاجَزَةِ الْعَدُوِّ، وَنَحْوُهُ - فُهِمَ لُغَةً أَنَّهُ أَمْرٌ لِأَتْبَاعِهِ مَعَهُ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ: فَتَحَ وَكَسَرَ. وَالْمُرَادُ مَعَ أَتْبَاعِهِ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ.
أَوْ فُهِمَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْمُشَارَكَةِ. بِخِلَافِ هَذَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/196)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ فِي الثَّانِيَةِ، لَزِمَ حُرْمَةُ قَتْلِ ذِي الْعَهْدِ مُطْلَقًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْجُمْلَةِ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِذًا لَا بُدَّ أَنْ يُقَدَّرَ شَيْءٌ.
وَالْمُقَدَّرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ " بِكَافِرٍ " أَوْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي مَدْفُوعٌ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ. فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لِتَحَقُّقِ الْقَرِينَةِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ لَزِمَ حُرْمَةُ قَتْلِهِ مُطْلَقًا. (وَذَلِكَ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْقَتْلِ مُعَلَّقَةٌ بِوَصْفِ الْعَهْدِ. فَإِذَا انْتَفَى وَصْفُ الْعَهْدِ انْتَفَى الْحُرْمَةُ.
أَوْ تَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ لَزِمَ حُرْمَةُ قَتْلِهِ مُطْلَقًا) وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمُخَصَّصُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالِي: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: 178] .
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ شَيْءٌ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ " بِكَافِرٍ ".
(2/197)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ غَيْرَهُ مَدْفُوعٌ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» " قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِقَوْلِنَا: مَادَامَ فِي عَهْدِهِ، فَيُقَدَّرُ ذَلِكَ.
فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: وَلَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ مَادَامَ عَلَى عَهْدِهِ.
(وَإِذَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يُقَدَّرَ " بِكَافِرٍ " لَمْ يَتَحَقَّقْ مُوَافَقَةُ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ) .
ش - احْتَجَّتِ الشَّافِعِيَّةُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ فِي الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ
(2/198)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْخُصُوصُ وَاحِدًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ " بِكَافِرٍ " فِي الْأَوَّلِ مُقَيَّدًا بِالْحَرْبِ، ضَرُورَةَ كَوْنِ الثَّانِي مُقَيَّدًا بِهِ.
وَلَكَانَ الضَّمِيرُ فِي " بُعُولَتُهُنَّ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] إِلَى قَوْلِهِ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] لِلرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ ; لِأَنَّ ضَمِيرَ " بُعُولَتِهِنَّ " يَرْجِعُ إِلَى الْمُطَلَّقَاتِ، وَهِيَ تَعُمُّ الرَّجْعِيَّةَ وَالْبَائِنَ.
وَالتَّالِيَانِ بَاطِلَانِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ - فَلِأَنَّ الْكَافِرَ فِي الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ مُقَيَّدًا بِالْحَرْبِيِّ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَيُّدِ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِكَوْنِ الْكَافِرِ حَرْبِيًّا.
فَمَتَى انْتَفَى كَوْنُ الْكَافِرِ حَرْبِيًّا، انْتَفَى عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ. فَيَلْزَمُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ.
وَلَا قَائِلَ بِكَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ.
وَأَمَّا الثَّانِي - فَلِاخْتِصَاصِ الضَّمِيرِ فِي " بُعُولَتُهُنَّ " بِالرَّجْعِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْعُمُومِ فِي الْمَذْكُورِ وَالْمُقَدَّرِ مُتَحَقِّقٌ، وَالْمُخَصِّصُ فِي الثَّانِي مَوْجُودٌ دُونَ الْأَوَّلِ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِخُصُوصِ
(2/199)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ وَاجِبًا، لَكَانَ نَحْوُ ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا تَقْدِيرُهُ ضَرَبْتُ عَمْرًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّ الصُّورَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَانِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ.
أَجَابَ أَوَّلًا بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي، فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ بَعْدَ عَمْرٍو (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) .
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَأُجِيبُ بِالْتِزَامِهِ ".
وَثَانِيًا - بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ ; فَإِنَّ عَدَمَ تَقْدِيرِ " بِكَافِرٍ " فِي الْأَوَّلِ يُؤَدِّي إِلَى حُرْمَةِ الْقَتْلِ مُطْلَقًا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
بِخِلَافِ عَدَمِ تَقْدِيرِ (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) بَعْدَ عَمْرٍو، فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِيهِ ; إِذْ ضَرْبُ عَمْرٍو كَمَا جَازَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ جَازَ فِي غَيْرِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ تَقْدِيرِ " بِكَافِرٍ " فِي الْأَوَّلِ يُؤَدِّي إِلَى حُرْمَةِ الْقَتْلِ مُطْلَقًا. وَسَنَدُهُ مَا ذُكِرَ.
اعْلَمْ أَنَّ الْجُمْهُورَ قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْمَعْطُوفَ إِذَا كَانَ خَاصًّا، يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْمَذْكُورِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
(2/200)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يُوجِبُهُ.
وَالْمُصَنِّفُ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا لَا يُمْكِنُ تَطْبِيقُهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
[مَسْأَلَةٌ مِثْلُ " يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ " لَيْسَ بِعَامٍّ لِلْأُمَّةِ]
ش - إِذَا وَرَدَ خِطَابٌ خَاصٌّ بِالرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ} [المزمل: 1] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]- هَلْ يَكُونُ عَامًّا أَوْ لَا؟ .
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَامًّا لِلْأُمَّةِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، فَإِنْ عَمَّهُمْ فَبِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (وَأَحْمَدُ) إِنَّهُ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ الْخِطَابِ.
(2/201)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّا اسْتَقْرَيْنَا كَلَامَ الْعَرَبِ فَحَصَلَ الْقَطْعُ بِأَنَّ خِطَابَ الْمُفْرَدِ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ. فَالْقَوْلُ بِتَنَاوُلِهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ يُخَالِفُ الْقَطْعَ.
الثَّانِي - أَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِوَاحِدٍ لَوْ كَانَ مُتَنَاوِلًا غَيْرَهُ، لَكَانَ خُرُوجُ غَيْرِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ عَنْهُ تَخْصِيصًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ الْوَارِدَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَتَنَاوَلُ الْأُمَّةَ احْتَجُّوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ؛ فَإِنَّ السُّلْطَانَ إِذَا قَالَ لِمَنْ لَهُ مَنْصِبُ الِاقْتِدَاءِ: ارْكَبْ لِمُنَاجَزَةِ الْعَدُوِّ، أَيْ لِمُقَاتَلَتِهِ، وَنَحْوَهُ مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ، فُهِمَ لُغَةً أَنَّهُ مَأْمُورٌ مَعَ أَتْبَاعِهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ عَمَّنْ لَهُ مَنْصِبُ الِاقْتِدَاءِ بِأَنَّهُ فَتَحَ الْبَلَدَ الْفُلَانِيَّ وَكَسَرَ الْعَدُوَّ، فُهِمَ لُغَةً أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْهُ وَعَنْ أَتْبَاعِهِ.
(2/202)

قَالُوا: {إِذَا طَلَّقْتُمُ} [الطلاق: 1] يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: ذُكِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلًا لِلتَّشْرِيفِ.
ثُمَّ خُوطِبَ الْجَمِيعُ.
قَالُوا: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ} [الأحزاب: 37] وَلَوْ كَانَ خَاصًّا لَمْ يَتَعَدَّ.
قُلْنَا: نَقْطَعُ بِأَنَّ الْإِلْحَاقَ لِلْقِيَاسِ.
قَالُوا: فَمِثْلُ: {خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50] وَ {نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] لَا يُفِيدُ.
قُلْنَا: يُفِيدُ قَطْعَ الْإِلْحَاقِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) خِطَابُهُ لِوَاحِدٍ لَا يَعُمُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/203)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ ; فَإِنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُقْتَدَى الْأُمَّةِ.
فَإِذَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ فُهِمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ مَعَ أُمَّتِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ فُهِمَ كَوْنُهُ مَأْمُورًا مَعَ أَتْبَاعِهِ، بَلْ فُهِمَ لُغَةً أَنَّهُ مَأْمُورٌ وَحْدَهُ، وَلِهَذَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ أَمَرَ الْمُقَدَّمَ وَلَمْ يَأْمُرْ أَتْبَاعَهُ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ فُهِمَ كَوْنُهُ مَأْمُورًا مَعَ أَتْبَاعِهِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَهْمَ حَصَلَ لِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ، بَلْ حَصَلَ لِأَجْلِ الْقَرِينَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْمُشَارَكَةِ.
بِخِلَافِ أَمْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِشَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفِ الْمَقْصُودُ بِهِ عَلَى الْمُشَارَكَةِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَنَاوَلِ الْأُمَّةَ.
الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] فَإِنَّهُ خَاطَبَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} [الطلاق: 1] ثُمَّ عَمَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] " وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِطَابَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَتَنَاوَلُ الْأُمَّةَ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا خُصَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا وَإِكْرَامًا لَهُ.
الثَّالِثُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب: 37]
(2/204)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
دَلَّ عَلَى أَنَّ خِطَابَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ زَوْجَةِ الدَّعِيِّ، يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ إِمَّا أَبَاحَ لِلرَّسُولِ لِيَكُونَ مُبَاحًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْخِطَابُ الْخَاصُّ بِالرَّسُولِ عَامًّا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ - لَمْ يَتَعَدَّ حُكْمَ الْإِبَاحَةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْأُمَّةِ.
أَجَابَ بِأَنَّ إِلْحَاقَ الْأُمَّةِ بِهِ فِي إِبَاحَةِ نِكَاحِ زَوْجَةِ الْأَدْعِيَاءِ لَيْسَ لِأَجْلِ أَنَّ خِطَابَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ زَوْجَةِ الدَّعِيِّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ، بَلْ لِأَجْلِ الْقِيَاسِ.
الرَّابِعُ - أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] وَقَوْلَهُ: {فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِطَابَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَامٌّ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَيْدُ {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] وَقَيْدُ {نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] مُفِيدًا ; إِذِ الْخِطَابُ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَهُ حِينَئِذٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ فَائِدَةَ الْقَيْدِ قَطْعُ إِلْحَاقِ غَيْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
[مَسْأَلَةٌ خِطَابُهُ لِوَاحِدٍ لَا يَعُمُّ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ خِطَابَ الشَّارِعِ لِوَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ هَلْ يَكُونُ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ وَلِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ أَمْ لَا؟ .
فَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: نَعَمْ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ وَالثَّانِي: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِوَاحِدٍ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ.
وَمِنْ لُزُومِ التَّخْصِيصِ إِذَا أُخْرِجَ غَيْرُهُ عَنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَامًّا.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ خِطَابُ الْوَاحِدِ عَامًّا لَهُ وَلِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» ".
(2/205)

خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَطْعِ وَلُزُومِ التَّخْصِيصِ وَمِنْ عَدَمِ فَائِدَةِ " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ» ".
ص - قَالُوا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] " «بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ» " يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَعْنَى تَعْرِيفُ كُلِّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ اشْتِرَاكُ الْجَمِيعِ.
قَالُوا: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " يَأْبَى ذَلِكَ.
قُلْنَا: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِالْقِيَاسِ أَوْ بِهَذَا الدَّلِيلِ، لَا أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ لِلْجَمِيعِ.
قَالُوا: نَقْطَعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَكَمَتْ عَلَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، كَحُكْمِهِمْ بِحُكْمِ مَاعِزٍ فِي الزِّنَا وَغَيْرِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/206)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَائِدَةٌ: لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الْفَائِدَةُ مُسْتَفَادَةً مِنَ الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَاكَ الْوَاحِدِ.
ش - احْتَجَّتِ الْحَنَابِلَةُ بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ» ".
يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ دُونَ آخَرَ، بَلْ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعُ.
(2/207)

قُلْنَا: إِنْ كَانُوا حَكَمُوا لِلتَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى، فَهُوَ الْقِيَاسُ، وَإِلَّا فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ خَاصًّا لَكَانَ " تُجْزِئُكَ، وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ ".
وَتَخْصِيصُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، زِيَادَةٌ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ.
قُلْنَا: فَائِدَتُهُ قَطْعُ الْإِلْحَاقِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
ص - مَسْأَلَةٌ: جَمْعُ الْمُذَكَّرِ السَّالِمُ كَـ " الْمُسْلِمِينَ " وَنَحْوَ " فَعَلُوا " مِمَّا يَغْلِبُ فِيهِ الْمُذَكَّرُ، لَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ فِيهِ ظَاهِرًا.
خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
لَنَا: " {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] ".
وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا لَمَا حَسُنَ.
فَإِنْ قُدِّرَ مَجِيئُهُ لِلنُّصُوصِيَّةِ فَفَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى.
وَأَيْضًا: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ: مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَ إِلَّا الرِّجَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] .
» وَلَوْ كُنَّ دَاخِلَاتٍ لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ النَّفْيَ.
وَأَيْضًا: فَإِجْمَاعُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ.
ص - قَالُوا: الْمَعْرُوفُ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ.
قُلْنَا: صَحِيحٌ إِذَا قَصَدَ الْجَمِيعَ، وَيَكُونُ مَجَازًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/208)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَبْعُوثٌ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، أَوِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، لِيُعَرِّفَ كُلَّ مَا يَخْتَصُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنِ الْأَحْكَامِ، وَلَا يَلْزَمُ اشْتِرَاكُ الْجَمِيعِ فِي الْحُكْمِ.
الثَّانِي - أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» يَأْبَى تَخْصِيصَ وَاحِدٍ بِحُكْمٍ دُونَ غَيْرِهِ. فَالْحُكْمُ عَلَى الْوَاحِدِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ، بِقِيَاسِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، أَوْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، لَا لِأَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ.
وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
الثَّالِثُ - أَنَّ الصَّحَابَةَ حَكَمُوا عَلَى الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، أَيْ بِحُكْمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى وَاحِدٍ كَحُكْمِهِمْ بِوُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى كُلِّ زَانٍ مُحْصَنٍ، وَقَطْعِ كُلِّ سَارِقٍ بِحُكْمِ مَاعِزٍ فِي الزِّنَا، وَحُكْمِ سَارِقِ الْمِجَنِّ.
(2/209)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَوْلَا أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ عَامٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ لَمْ يَحْكُمُوا بِذَلِكَ.
أَجَابَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ إِنْ كَانُوا حَكَمُوا عَلَى الْأُمَّةِ مِثْلَ حُكْمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّمَا حَكَمُوا لِتَسَاوِي الصُّورَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُكْمُهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ لِأَجْلِ الْقِيَاسِ، لَا لِأَجْلِ مُجَرَّدِ الْخِطَابِ. وَإِنْ لَمْ تَتَسَاوَ الصُّورَتَانِ فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ عَلَى الْأُمَّةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ خِطَابُ الْوَاحِدِ خَاصًّا بِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَهُ لَكَانَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي بُرْدَةَ ابْنِ نِيَارٍ لَمَّا ضَحَّى بِعَنَاقٍ: " «تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» ".
(2/210)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَكَانَ تَخْصِيصُهُ خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ زِيَادَةً لَا فَائِدَةَ فِيهَا ; (لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَامًّا، لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى نَفْيِهِ ".
أَجَابَ بِأَنَّ فَائِدَةَ الْإِلْحَاقِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ.
(2/211)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ السَّالِمُ هل يدخل فيه النساء]
ش - الْجَمْعُ الَّذِي لَمْ يَغْلِبْ فِيهِ الْمُذَكَّرُ عَلَى الْمُؤَنَّثِ، مِثْلَ النَّاسِ، لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ (أَيْضًا،
(2/212)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْجَمْعُ الَّذِي خُصَّ بِالْمُذَكَّرِ، لَا نِزَاعَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ) كَـ (الرِّجَالِ) .
وَأَمَّا الْجَمْعُ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ الْمُذَكَّرُ، سَوَاءٌ كَانَ مُظْهَرًا كَـ (الْمُسْلِمِينَ) أَوْ مُضْمَرًا كَالْوَاوِ فِي (فَعَلُوا) فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ; فَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ بِخِلَافِهِ.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] .
فَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُتَنَاوِلًا لِلنِّسَاءِ، لَمَا حَسُنَ عَطْفُ قَوْلِهِ: وَالْمُسْلِمَاتِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَجِيءُ الْعَطْفِ لِلنُّصُوصِيَّةِ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِنَاثِ لَا عَلَى سَبِيلِ النَّصِّ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ النِّسَاءُ
(2/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَذْكُورَاتٍ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُنَّ عَلَى سَبِيلِ النَّصِّ.
أُجِيبُ بِأَنَّا لَوْ ذَهَبْنَا إِلَى أَنَّ النِّسَاءَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي جَمْعِ الْمُذَكَّرِ - كَانَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِنَّ: التَّأْسِيسَ.
وَلَوْ ذَهَبْنَا إِلَى دُخُولِهِنَّ فِيهِ - كَانَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِنَّ: التَّأْكِيدَ.
وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ.
الثَّانِي - مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ: مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَ إِلَّا الرِّجَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: " {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] » ".
وَلَوْ كَانَتِ النِّسَاءُ دَاخِلَاتٍ فِي جَمْعِ الْمُذَكَّرِ لَمَا صَحَّ سُؤَالُهَا.
وَلَمْ يُقَرِّرِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَفْيَ ذِكْرِ النِّسَاءِ.
الثَّالِثُ - أَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْمُسْلِمِينَ وَمِثْلَ الْوَاوِ فِي ضَرَبُوا، جَمْعُ الْمُذَكَّرِ. فَلَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِلنِّسَاءِ ; لِأَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ حُجَّةٌ فِي بَحْثِ الْأَلْفَاظِ.
ش - احْتَجَّ - الْحَنَابِلَةُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ اللُّغَةِ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ إِذَا اجْتَمَعَا. وَلِهَذَا يُقَالُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ: ادْخُلُوا، وَقَالَ تَعَالَى لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ: " اهْبِطُوا " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْمُذَكَّرِ تَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ.
(2/214)

فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.
قَالُوا: لَوْ لَمْ يَدْخُلْنَ لَمَا شَارَكْنَ الْمُذَكَّرِينَ فِي الْأَحْكَامِ.
قُلْنَا: بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالُوا: لَوْ أَوْصَى لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: وَأَوْصَيْتُ لَهُمْ بِكَذَا - دَخَلَ النِّسَاءُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ. قُلْنَا: بَلْ بِقَرِينَةِ الْإِيصَاءِ الْأَوَّلِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) " مَنِ " الشَّرْطِيَّةُ تَشْمَلُ الْمُؤَنَّثَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
لَنَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ حُرٌّ، عُتِقْنَ بِالدُّخُولِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْخِطَابُ بِـ (النَّاسِ) وَالْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِهِمَا، يَشْمَلُ الْعَبِيدَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ تَغْلِيبَ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ صَحِيحٌ إِذَا قُصِدَ الْجَمِيعُ، أَيْ إِذَا قُصِدَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ جَمِيعًا، وَأُرِيدَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُمَا بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِبَارَتَيْنِ، كَانَ التَّعْبِيرُ بِالْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ مُتَعَيِّنًا. وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَجَازًا.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُدَّعَى ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قَصَدَ الْجَمِيعَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ تَنَاوُلُهُ الْإِنَاثَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا سَلَّمْتُمْ تَنَاوُلَ جَمْعِ الذُّكُورِ لِلْإِنَاثِ - كَانَ تَنَاوُلُهُ إِيَّاهُنَّ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ. وَإِذَا كَانَ حَقِيقَةً جَازَ الِاسْتِعْمَالُ فِيهِمَا مُطْلَقًا.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ ; لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي خُصُوصِ الْمُذَكَّرِ.
وَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ فَالْمَجَازُ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ.
قِيلَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الِاشْتِرَاكِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ مَعْنَى الْجَمْعِ.
أُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ لَا يَدْفَعُ الِاشْتِرَاكَ ; لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ
(2/216)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ وُضِعَ لِلْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِخُصُوصٍ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً لَهُ.
فَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ.
الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ مُتَنَاوِلًا لِلْإِنَاثِ لَمَا شَارَكَتِ النِّسَاءُ الْمُذَكَّرِينَ فِي الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ بِخِطَابِ الْمُذَكَّرِينَ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
أَجَابَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشَارَكَةُ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ فِي الْأَحْكَامِ بِدَلِيلٍ خَارِجٍ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَكَةَ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ.
مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَاهِدُوا وَقَوْلِهِ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] .
الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى أَحَدٌ لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ قَالَ:
(2/217)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَوْصَيْتُ لَهُمْ بِكَذَا، دَخَلَتِ النِّسَاءُ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ مُوجِبَةٍ لَهُمْ لِلدُّخُولِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ مُتَنَاوِلًا لِلنِّسَاءِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَمَا دَخَلَتِ النِّسَاءُ فِي قَوْلِهِ " لَهُمْ " بِغَيْرِ قَرِينَةٍ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دُخُولَ النِّسَاءِ فِي قَوْلِهِ (لَهُمْ) بِغَيْرِ قَرِينَةٍ، بَلْ دُخُولُهُنَّ فِيهِ بِالْقَرِينَةِ ; فَإِنَّ الْإِيصَاءَ الْأَوَّلَ وَجَرَيَانَ ذِكْرِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قَرِينَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالدُّخُولِ.
[مَسْأَلَةٌ " مَنِ " الشَّرْطِيَّةُ تَشْمَلُ الْمُؤَنَّثَ]
ش - ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْعَامَّةَ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فِيهَا الْمُذَكَّرُ عَنِ الْمُؤَنَّثِ بِعَلَامَةٍ مِثْلَ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ، يَشْمَلُ الْمُؤَنَّثَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ إِمَاءٌ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ حُرٌّ، عُتِقْنَ بِالدُّخُولِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُؤَنَّثُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ " مَنْ " لَمَا عُتِقْنَ.
[مَسْأَلَةٌ الْخِطَابُ بِالنَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِهِمَا يَشْمَلُ الْعَبِيدَ]
ش - إِذَا وَرَدَ خِطَابٌ بِلَفْظٍ عَامٍّ مُطْلَقٍ مِثْلَ: النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ، يَشْمَلُ الْعَبِيدَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَذَهَبَ الْأَقَلُّونَ إِلَى خِلَافِهِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنْ كَانَ الْخِطَابُ بِالْعُمُومَاتِ الْمُثْبِتَةِ لِحَقِّ اللَّهِ - يَشْمَلُ الْعَبِيدَ. وَإِنْ كَانَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَلَا.
وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ مَذْهَبَ الْأَكْثَرِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعَبِيدَ مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ قَطْعًا. وَلَا مَانِعَ يُخْرِجُهُمْ مِنْهُمَا فَيَجِبُ دُخُولُهُمْ فِيهِمَا.
ش - احْتَجَّ الْأَقَلُّونَ بِوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ صَرْفُ مَنَافِعِ الْعَبْدِ إِلَى مُهِمَّاتِ سَيِّدِهِ، فَلَوْ خُوطِبَ الْعَبْدُ بِصَرْفِ تِلْكَ الْمَنَافِعِ إِلَى غَيْرِ السَّيِّدِ لَزِمَ التَّنَاقُضَ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ صَرْفُ مَنَافِعَ الْعَبْدِ إِلَى مُهِمَّاتِ السَّيِّدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ تَضَايُقِ الْعِبَادَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا، فَلَا يَتَنَاقَضُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَنَافِعُهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ تَضَايُقِ الْعِبَادَاتِ مَصْرُوفَةً إِلَى سَيِّدِهِ، وَفِي وَقْتِ تَضَايُقِ الْعِبَادَاتِ مَصْرُوفَةً إِلَى غَيْرِهِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخِطَابُ الْعَامُّ مُتَنَاوِلًا لِلْعَبِيدِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَالْجُمُعَةُ، لِوُجُودِ الْمُوجَبِ، وَهُوَ الْخِطَابُ الْعَامُّ الْمُتَنَاوِلُ لَهُمْ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
أَجَابَ بِأَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَيْهِمْ لَا يُوجِبُ عَدَمَ تَنَاوُلِ الْخِطَابِ الْعَامِّ إِيَّاهُمْ.
وَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُمْ عَنِ الْخِطَابِ الْعَامِّ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، كَخُرُوجِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.
[مَسْأَلَةٌ: مِثْلُ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " " يَا عِبَادِي " يَشْمَلُ الرَّسُولَ]
ش - الْخِطَابُ الْعَامُّ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ النِّدَاءِ، مِثْلَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، يَا عِبَادِي، يَشْمَلُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَذَهَبَ الْأَقَلُّونَ إِلَى خِلَافِهِ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: الْخِطَابُ الْعَامُّ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ النِّدَاءِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ (قُلْ) ، يَشْمَلُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَإِذَا كَانَ مَعَهُ (قُلْ) مِثْلَ {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الأعراف: 158] لَمْ يَشْمَلِ الرَّسُولَ.
(2/218)

وَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنْ كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ.
لَنَا: أَنَّ الْعَبْدَ مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ قَطْعًا. فَوَجَبَ دُخُولُهُ.
ص - قَالُوا: ثَبَتَ صَرْفُ مَنَافِعِهِ إِلَى سَيِّدِهِ. فَلَوْ خُوطِبَ بِصَرْفِهَا إِلَى غَيْرِهِ لَتَنَاقَضَ.
رُدَّ بِأَنَّهُ فِي غَيْرِ تَضَايُقِ الْعِبَادَاتِ، فَلَا تَنَاقُضَ.
قَالُوا: ثَبَتَ خُرُوجُهُ مِنْ خِطَابِ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/219)

قُلْنَا: بِدَلِيلٍ، كَخُرُوجِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/220)

ص - (مَسْأَلَةٌ) مِثْلُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، يَا عِبَادِي، يَشْمَلُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ (قُلْ) .
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا فَهِمُوهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَمْ يَفْعَلْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلُوهُ، فَيَذْكُرُ مُوجَبَ التَّخْصِيصِ.
ص - قَالُوا: لَا يَكُونُ آمِرًا مَأْمُورًا، وَمُبَلِّغًا مُبَلَّغًا بِخِطَابٍ وَاحِدٍ.
وَلِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْأَعْلَى مِمَّنْ دُونَهُ.
قُلْنَا: الْآمِرُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَالْمَبَلِّغُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
قَالُوا: خُصَّ بِأَحْكَامٍ، كَوُجُوبِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالضُّحَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/221)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ الرَّسُولَ مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ قَطْعًا، فَيَجِبُ دُخُولُهُ فِي مِثْلِ الْعُمُومَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا دُخُولَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الْعُمُومَاتُ بَعْدَ وُرُودِهَا. سَأَلُوهُ وَقَالُوا لِمَ لَا تَفْعَلُهُ، فَذَكَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُوجِبَ التَّخْصِيصِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَهْدُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَاخِلًا (فِيهَا) لَمَا فَهِمُوهُ، وَلَمَا عَدَلَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى مُوجِبِ التَّخْصِيصِ بَلْ أَنْكَرَ مَا فَهِمُوهُ.
ش - احْتَجَّ الْأَقَلُّونَ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - آمِرُ الْأُمَّةِ وَمُبَلِّغُ الْأَوَامِرِ إِلَيْهِمْ. فَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ - يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ آمِرًا مَأْمُورًا، وَمُبَلِّغًا مُبَلَّغًا (بِخِطَابٍ وَاحِدٍ) (وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ آمِرًا مَأْمُورًا وَمُبَلِّغًا مُبَلَّغًا بِخِطَابٍ وَاحِدٍ) .
الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ الْأَعْلَى الْفِعْلَ مِمَّنْ دُونَهُ.
فَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَعْلَى مِنْ نَفْسِهِ.
أَجَابَ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْآمِرَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُبَلِّغَ جِبْرِيلُ. فَلَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَ.
(2/222)

وَالْأَضْحَى، وَتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَإِبَاحَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ، وَلَا مَهْرٍ (وَغَيْرِهَا) .
قُلْنَا: كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَخْرُجُوا بِذَلِكَ مِنَ الْعُمُومَاتِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) مِثْلُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ (لَيْسَ) خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إِجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ.
خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَعْدُومِينَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ.
وَأَيْضًا: إِذَا امْتَنَعَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَالْمَعْدُومُ أَجْدَرُ.
ص - قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطِبًا لَهُ - لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إِلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ اتِّفَاقٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ، بَلْ لِبَعْضٍ شَفَاهًا، وَلِبَعْضٍ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ بِأَنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ مَنْ شَافَهَهُمْ.
قَالُوا: الِاحْتِجَاجُ بِهِ دَلِيلُ التَّعْمِيمِ.
قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ حُكْمَهُ ثَابِتٌ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ آخَرَ جَمْعًا بَيْنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/223)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَاخِلًا تَحْتَ الْعُمُومَاتِ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأُمَّةِ فِي مُقْتَضَى تِلْكَ الْعُمُومَاتِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَحْكَامٍ خَاصَّةٍ.
مِثْلَ وُجُوبِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَوُجُوبِ الْأَضْحَى، وَتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَإِبَاحَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرٍ وَلِيٍّ
(2/224)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَا شُهُودٍ وَلَا مَهْرٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ.
فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ دُخُولِهِ فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُمَا
(2/225)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
دَاخِلَانِ تَحْتَ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، وَخُرُوجُهُمَا (عَنْهَا) بِدَلِيلٍ خَاصٍّ.
[مَسْأَلَةٌ: مِثْلُ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ]
ش - الْخِطَابُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْمُشَافَهَةِ، مِثْلَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي زَمَانِ الْخِطَابِ.
وَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْخِطَابِ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الْخِطَابِ إِنَّمَا يَثْبَتُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إِجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ.
(2/226)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى خِلَافِهِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِوَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْخِطَابَ بِمِثْلِ وَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، يَسْتَدْعِي كَوْنَ الْمُخَاطَبِينَ مَوْجُودِينَ، لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَعْدُومِينَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ.
الثَّانِي - أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ مُخَاطَبَيْنِ بِمِثْلِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ فَالْمَعْدُومُ أَجْدَرُ وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يَكُونَ مُخَاطَبًا بِمِثْلِهِ.
ش - احْتَجَّتِ الْحَنَابِلَةُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُخَاطِبًا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي زَمَانِ الْخِطَابِ - لَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِإِرْسَالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَيْهِ كَوْنُهُ مُخَاطِبًا لَهُ بِأَوْضَاعِ الشَّرْعِ وَأَحْكَامِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مُخَاطِبًا لَهُ، لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إِلَيْهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُخَاطِبًا لَهُ بِالْخِطَابِ الشِّفَاهِيِّ - (فَإِنَّ الْخِطَابَ الشِّفَاهِيَّ) لَا يَتَعَيَّنُ لِلْإِرْسَالِ، بَلِ الْخِطَابُ الْمُطْلَقُ يَتَعَيَّنُ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُخَاطِبًا لِبَعْضٍ شِفَاهًا، وَمُخَاطِبًا لِبَعْضٍ آخَرَ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ مَنْ شَافَهَهُمْ.
الثَّانِي - أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ احْتَجُّوا بِمِثْلِ هَذَا الْخِطَابِ عَلَى ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ مُقْتَضَاهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الْخِطَابِ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِهِ دَلِيلُ تَعْمِيمِ (ذَلِكَ) الْخِطَابِ، أَيْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الْخِطَابِ مُخَاطَبٌ بِذَلِكَ.
(2/227)

الْأَدِلَّةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخَاطَبُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مُتَعَلَّقِ خِطَابِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا.
مِثْلَ: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] .
مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ فَأَكْرِمْهُ، أَوْ فَلَا تُهِنْهُ.
ص - قَالُوا: يَلْزَمُ {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] .
قُلْنَا: خُصَّ بِالْعَقْلِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] لَا يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَالِ، خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ.
لَنَا: أَنَّهُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ يَصْدُقُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا صَدَقَةً، فَيَلْزَمُ الِامْتِثَالُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ كُلَّ دِينَارٍ مَالٌ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ.
ص - قَالُوا: الْمَعْنَى مِنْ كُلِّ مَالٍ. فَيَجِبُ الْعُمُومُ.
قُلْنَا: " كُلُّ " لِلتَّفْصِيلِ.
وَلِذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ: لِلرِّجَالِ عِنْدِي دِرْهَمٌ، وَبَيْنَ: لِكُلِّ رَجُلٍ عِنْدِي دِرْهَمٌ، بِاتِّفَاقٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْعَامُّ بِمَعْنَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ مِثْلَ: {إِنَّ الْأَبْرَارَ} [الإنسان: 5] وَ {وَإِنَّ الْفُجَّارَ} [الانفطار: 14] {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ} [التوبة: 34] ، عَامٌّ.
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ. لَنَا: عَامٌّ، وَلَا مُنَافِيَ، فَعَمَّ كَغَيْرِهِ.
ص - قَالُوا: سِيقَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ أَوِ الزَّجْرِ، فَلَا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ.
قُلْنَا: التَّعْمِيمُ أَبْلَغُ.
وَأَيْضًا: لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/228)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ عَلِمُوا أَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ الْمُشَافَهَةِ ثَابِتٌ عَلَى مَنْ وُجِدَ بَعْدَهُ (بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ. فَاحْتِجَاجُهُمْ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ خِطَابِ الْمُشَافَهَةِ، بَلْ بِهِ) وَبِدَلِيلٍ آخَرَ.
وَالْحَمْلُ عَلَى هَذَا أَوْلَى لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخَاطَبُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مُتَعَلَّقِ خِطَابِهِ]
ش - الْخِطَابُ الَّذِي يَكُونُ مُتَعَلِّقُهُ عَامًّا يَدْخُلُ الْمُخَاطَبُ فِيهِ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْخِطَابُ أَمْرًا، مِثْلَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ فَأَكْرِمْهُ، أَوْ نَهْيًا، مِثْلَ قَوْلِهِ: مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ فَلَا تُهِنْهُ، أَوْ خَبَرًا، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَحْسَنَ إِلَى الْعَبْدِ اسْتَحَقَّ الْإِكْرَامَ وَعَدَمَ الْإِهَانَةِ.
وَقِسْ عَلَيْهِمَا الْخَبَرَ.
(2/229)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ مُتَنَاوِلٌ لَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ. فَوَجَبَ الدُّخُولُ بِالْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْمُخَاطَبِ فِي عُمُومِ مُتَعَلَّقِ خِطَابِهِ احْتَجُّوا بِأَنَّ الْمُخَاطَبَ لَوْ كَانَ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ تَعَالَى خَالِقًا لِنَفْسِهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] . أَجَابَ بِأَنَّ الْخِطَابَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ يَتَنَاوَلُهُ، وَخُصَّ عَنْهُ الْبَارِئُ تَعَالَى بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، لِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا.
[مَسْأَلَةٌ: " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً " لَا يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَالِ]
ش - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: " {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] "
(2/230)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَقْتَضِي وُجُوبَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَالِ.
وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ نَوْعٍ مِنْ مَالِهِ.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَصْدُقُ بِأَخْذِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَدَقَةً وَاحِدَةً، أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً. فَيَلْزَمُ الِامْتِثَالُ بِمُقْتَضَى الْآيَةِ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْآيَةِ وُجُوبُ أَخْذِ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ; لِأَنَّ " صَدَقَةً " فِي الْآيَةِ نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَيَقْتَضِي الْوَحْدَةَ.
قِيلَ عَلَيْهِ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: " مِنْ أَمْوَالِهِمْ " إِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ " خُذْ " صَحَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " صَدَقَةً " - فَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ " صَدَقَةً " حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لَوْ كَانَ الصَّدَقَةُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
وَفِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] " مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " خُذْ "، لَمْ يَصِحَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا، لِأَنَّ الْأَخْذَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ
(2/231)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمْوَالِهِمْ لَوْ كَانَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوِ اقْتَضَى الْآيَةُ أَخَذَ صَدَقَةٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لَوَجَبَ أَخْذُ صَدَقَةٍ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ دِينَارٍ أَنَّهُ مَالٌ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
ش - احْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [التوبة: 103] مَعْنَاهُ: خُذْ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُمْ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُضَافَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ. فَالِامْتِثَالُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِأَخْذِ صَدَقَةٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى الْعُمُومِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ: " {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [التوبة: 103] " مَعْنَاهُ: خُذْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ " كُلٍّ " يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ وَالتَّجْزِيَةَ.
(2/232)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِخِلَافِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ ; فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ التَّفْصِيلَ.
وَلِذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ: لِلرِّجَالِ عِنْدِي دِرْهَمٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: لِكُلِّ رَجُلٍ عِنْدِي دِرْهَمٌ، بِالِاتِّفَاقِ ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمِيعِ الرِّجَالِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمٌ.
[مَسْأَلَةٌ: الْعَامُّ بِمَعْنَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ عَامٌّ]
ش - وُرُودُ لَفْظِ الْعَامِّ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13] . وَمِثْلَ قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34] ، يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ.
(2/233)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَالْمُنَافِي لِعُمُومِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، فَيَكُونُ عَامًّا، كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ.
ش - الشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ لَيْسَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سِيقَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ إِذَا كَانَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ إِذَا كَانَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَلَا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ.
أَجَابَ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ أَبْلَغُ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ مِنْ عَدَمِهِ، فَالْحَمْلُ عَلَى التَّعْمِيمِ أَوْلَى ; لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْمَقْصُودِ.
وَأَيْضًا: التَّعْمِيمُ لَا يُنَافِي الْمُبَالَغَةَ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ، فَلَا تَكُونُ الْمُبَالَغَةُ مَانِعَةً مِنْهُ.
[التَّخْصِيصُ]
[حد التَّخْصِيصُ]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنِ الْعَامِّ وَأَحْكَامِهِ - شَرَعَ فِي التَّخْصِيصِ وَعَرَّفَهُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ.
وَأَرَادَ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ: بَعْضَ أَجْزَائِهِ ; فَإِنَّ مُسَمَّى الْعَامِّ:
(2/234)

التَّخْصِيصُ
ص - التَّخْصِيصُ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ.
أَبُو الْحُسَيْنِ: إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ عَنْهُ.
وَأَرَادَ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ، كَقَوْلِهِمْ خَصَّصَ الْعَامَّ.
وَقِيلَ: تَعْرِيفُ أَنَّ الْعُمُومَ لِلْخُصُوصِ.
وَأَوْرَدَ الدَّوْرَ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِّ التَّخْصِيصُ اللُّغَوِيُّ.
وَيُطْلَقُ التَّخْصِيصُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَامٌّ لِتَعَدُّدِهِ، كَـ (عَشَرَةٍ) ، وَ (الْمُسْلِمِينَ) الْمَعْهُودَيْنِ، وَضَمَائِرِ الْجَمْعِ.
وَلَا يَسْتَقِيمُ (تَخْصِيصٌ) إِلَّا فِيمَا يَسْتَقِيمُ تَوْكِيدُهُ بِـ (كُلِّ) .
ص - (مَسْأَلَةٌ) التَّخْصِيصُ جَائِزٌ، إِلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْأَكْثَرُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ بَقَاءِ جَمْعٍ يُقَرِّبُ مِنْ مَدْلُولِهِ.
وَقِيلَ: يَكْفِي ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: اثْنَانِ، وَقِيلَ: وَاحِدٌ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْبَدَلِ يَجُوزُ إِلَى وَاحِدٍ.
وَبِالْمُتَّصِلِ - كَالصِّفَةِ - يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ.
وَبِالْمُنْفَصِلِ فِي الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ، مِثْلَ قَتَلْتُ كُلَّ زِنْدِيقٍ، وَقَدْ قَتَلَ اثْنَيْنِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ.
وَبِالْمُنْفَصِلِ فِي غَيْرِ الْمَحْصُورِ أَوِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/235)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
جَمِيعُ مَا يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ، لَا بَعْضُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: التَّخْصِيصُ: إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ، عَنْهُ؛ أَيْ عَنِ الْخِطَابِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمِ التَّعْرِيفُ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِذَلِكَ الْبَعْضِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ.
كَقَوْلِهِمْ خَصَّصَ الْعَامَّ، (فَإِنَّهُ يَكُونُ مَعْنَاهُ إِخْرَاجَ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي نَفْسِهِ مُتَنَاوِلٌ لِذَلِكَ الْبَعْضِ، وَبِاعْتِبَارِ الْمُخَصِّصِ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لَهُ. فَالْعَامُّ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ فِي نَفْسِهِ، وَالْمُخَصِّصُ أَخْرَجَ بَعْضَهَا عَنْهُ. فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ هَذَا الْقَيْدِ) .
وَقِيلَ فِي حَدِّهِ: التَّخْصِيصُ هُوَ: تَعْرِيفُ أَنَّ الْعُمُومَ لِلْخُصُوصِ، أَيِ التَّخْصِيصُ هُوَ: بَيَانُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ أُرِيدَ مِنْهُ بَعْضُهَا.
(2/236)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ فِي تَعْرِيفِ التَّخْصِيصِ، الْخُصُوصِ. وَهُمَا عِبَارَتَانِ عَنْ مُعَبَّرٍ وَاحِدٍ. فَتَعْرِيفُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ دَوْرٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُصُوصِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدِّ: التَّخْصِيصُ اللُّغَوِيُّ، وَقَدْ أَخَذَ فِي حَدِّ التَّخْصِيصِ الِاصْطِلَاحِيِّ. فَلَا دَوْرَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ فُسِّرَ تَعْرِيفُ أَبِي الْحُسَيْنِ بِمَا فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ يُرَدُّ عَلَيْهِ هَذَا السُّؤَالُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ، لَكِنْ عَلِمْتَ أَنَّ تَعْرِيفَهُ صَحِيحٌ بِدُونِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَتِمَّةً لِتَعْرِيفِهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَالتَّخْصِيصُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ مُسَمَّاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ عَامًّا بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ، كَمَا يُطْلَقُ الْعَامُّ الَّذِي يَكُونُ لِمُسَمَّاهُ أَجْزَاءٌ ; كَـ (عَشَرَةٍ) ، (الْمُسْلِمِينَ) الْمَعْهُودَيْنِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي مِثَالِ الْعَامِّ غَيْرَ الْمُصْطَلَحِ ضَمَائِرَ الْجَمْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمَائِرَ لَيْسَتْ مَنْ صِيَغِ الْعُمُومِ ; إِذِ الْمُرَادُ بِصِيَغِ الْعُمُومِ مَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ.
(2/237)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِأَنَّ عُمُومَ ضَمِيرِ جَمْعِ الْغَائِبِ تَابِعٌ لِعُمُومِ مُظْهَرِهِ، وَاحْتِيَاجُ دَلَالَتِهِ عَلَى مَعْنَاهُ إِلَى تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لَا يَنْفِي عُمُومَهُ.
وَضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ، لِكَوْنِهِ مُحْتَاجًا إِلَى قَرِينَةِ التَّكَلُّمِ وَالْخِطَابِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْمَعْهُودِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَنِ الْمَوْصُولَةَ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةِ الصِّلَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْهُودٍ، بَلْ يَكُونُ عَامًّا بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ.
وَالتَّخْصِيصُ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا فِيمَا يَسْتَقِيمُ تَوْكِيدُهُ بِـ (كُلٍّ) .
وَهُوَ مَا يَصِحُّ افْتِرَاقُهُ حِسًّا، كَقَوْلِهِمْ: جَاءَنِيَ الرِّجَالُ، أَوْ حُكْمًا، كَقَوْلِهِمُ: اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ.
لِأَنَّ مَا لَا يُؤَكَّدُ بِـ (كُلٍّ) ، لَا شُمُولَ لَهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْصِيصُ فِيمَا لَا شُمُولَ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ: التَّخْصِيصُ جَائِزٌ]
ش - الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ ; فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازِهِ، وَالْأَقَلُّونَ إِلَى عَدَمِهِ.
حُجَّةُ الْأَكْثَرِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ وَاقِعٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] .
(2/238)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ.
حُجَّةُ الْأَقَلِّينَ: أَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الْخَبَرِ يُوجِبُ الْكَذِبَ، وَفِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يُوجِبُ الْبَدَاءَ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَعَ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَوُجُودِ الْمُخَصِّصِ لَا يُوجِبُ.
[مَسْأَلَةٌ: الْأَكْثَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ بَقَاءِ جَمْعٍ يُقَرِّبُ مِنْ مَدْلُولِهِ]
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ اخْتَلَفُوا فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا التَّخْصِيصُ ; فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ قَرِيبًا مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ.
وَأَرَادَ بِالْقَرِيبِ: مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا.
وَقِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إِلَى الْوَاحِدِ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ (إِنْ كَانَ بِالْمُتَّصِلِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِلَّا الْجُهَّالَ) أَوِ الْبَدَلُ،
(2/239)

لَنَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ قَتَلَ ثَلَاثَةً، عُدَّ لَاغِيًا (وَخُطِّئَ) .
وَكَذَلِكَ: أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ أَوْ أَكَلَ. وَفَسَّرَهُ بِثَلَاثَةٍ.
ص - الْقَائِلُ بِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، مَا قِيلَ فِي الْجَمْعِ.
(وَرَدَّ بِأَنَّ الْجَمْعَ) لَيْسَ بِعَامٍّ.
ص - الْقَائِلُونَ بِالْوَاحِدِ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِلَّا الْجُهَّالَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ.
قَالُوا: " وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ".
وَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
قَالُوا: لَوِ امْتَنَعَ ذَلِكَ لَكَانَ لِتَخْصِيصِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الِجَمِيعَ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ تَخْصِيصُ خَاصٍّ، بِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173] .
وَأُرِيدَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَعُدْ مُسْتَهْجِنًا لِلْقَرِينَةِ.
قُلْنَا: النَّاسُ لِلْمَعْهُودِ، فَلَا عُمُومَ.
قَالُوا: صَحَّ أَكَلْتُ الْخُبْزَ، وَشَرِبْتُ الْمَاءَ لِأَقَلَّ.
قُلْنَا: ذَلِكَ لِلْبَعْضِ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ مِثْلُهُ فِي الْمَعْهُودِ الْوُجُودِيِّ، فَلَيْسَ مِنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ.
ص - الْمُخَصِّصُ مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ.
فَالْمُتَّصِلُ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ، وَالشَّرْطُ، وَالصِّفَةُ، وَالْغَايَةُ وَبَدَلُ الْبَعْضِ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمُنْقَطِعِ، قِيلَ: حَقِيقَةٌ، وَقِيلَ: مَجَازٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/240)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ الْعَالِمَ - يَجُوزُ إِلَى الْوَاحِدِ.
وَإِنْ كَانَ بِالْمُتَّصِلِ الَّذِي هُوَ الصِّفَةُ - نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ الْعُلَمَاءَ، أَوِ الشَّرْطُ، نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِنْ كَانُوا عَالِمِينَ - يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ إِنْ كَانَ فِي الْعَامِّ الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ، كَمَا تَقُولُ: قَتَلْتُ كُلَّ زِنْدِيقٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، وَقَدْ قَتَلْتَ اثْنَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَامِّ الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ، بَلْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَحْصُورِ - مِثْلَ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ، أَوْ فِي الْمَحْصُورِ الْكَثِيرِ، مِثْلَ: أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ، وَقَدْ كَانَ أَلْفًا - يَجُوزُ إِذَا كَانَ الْبَاقِي قَرِيبًا مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَاحْتَجَّ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعَامِّ الْغَيْرِ الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ مِنْ بَقَاءِ عَدَدٍ يَقْرُبُ مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ، نَحْوَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَكْرِمْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَكَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ، (نَحْوَ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ) أَوْ مَحْصُورًا
(2/241)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَثِيرًا، (نَحْوَ: أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَلْفًا.
وَتَقْرِيرُ الْحُجَّةِ) أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ قَتَلَ ثَلَاثَةً، عُدَّ لَاغِيًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ، وَقَدْ أَكَلَ ثَلَاثَةً.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَوْ أَكَلَ، فَأَكْرِمْهُ، وَفُسِّرَ بِثَلَاثَةٍ.
فَلَوْ جَازَ التَّخْصِيصُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إِلَى ثَلَاثَةٍ لَمَا عُدَّ لَاغِيًا.
ش - الْقَائِلُ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ إِلَى اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ احْتَجَّ بِمَا قِيلَ فِي الْجَمْعِ مِنْ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ: الِاثْنَانِ. وَبِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ أَقَلَّهُ: ثَلَاثَةٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمَذْكُورَةَ، لَا تَقْتَضِي إِلَّا أَنَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً جَمْعٌ. وَلَيْسَ كُلُّ جَمْعٍ بِعَامٍّ، حَتَّى يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْعَامِّ عَلَى مَا صَحَّ
(2/242)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَيْهِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ إِلَى الْوَاحِدِ، احْتَجُّوا
(2/243)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ فِي اللُّغَةِ ; فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِلَّا الْجُهَّالَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إِلَّا عَالِمٌ وَاحِدٌ - صَحَّ، وَلَمْ يُسْتَقْبَحْ.
فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّخْصِيصُ إِلَى الْوَاحِدِ لَكَانَ مُسْتَقْبَحًا.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مُخَصَّصٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوُهُ جَائِزٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ صِحَّتُهُ فِي غَيْرِهِ.
الثَّانِي - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 12] .
فَإِنَّهُ أَطْلَقَ " إِنَّا " وَأَرَادَ نَفْسَهُ، وَهُوَ ضَمِيرُ جَمَاعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ.
أَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ ; فَإِنَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ لَيْسَ بِعَامٍّ.
وَفِيهِ مَا قَدْ عَرَفْتَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ; فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَمْعَ عَلَى الْوَاحِدِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَنَازَعٍ فِيهِ، لِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الْبَعْضِ إِلَى الْوَاحِدِ، لَا فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ بِالْمَجَازِ.
(2/244)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّالِثُ - أَنَّ التَّخْصِيصَ إِلَى الْوَاحِدِ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَكَانَ امْتِنَاعُهُ لِأَجْلِ التَّخْصِيصِ إِذْ لَا مَانِعَ غَيْرُهُ. وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ كُلُّ تَخْصِيصٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ تَخْصِيصُ (خَاصٍّ، لَا كُلُّ تَخْصِيصٍ ; إِذْ كُلُّ تَخْصِيصٍ لَا يَكُونُ مُسْتَقْبَحًا، بَلِ التَّخْصِيصُ) إِلَى الْوَاحِدِ (يَكُونُ) مُسْتَقْبَحًا. فَيَكُونُ هُوَ لَا غَيْرَ.
الرَّابِعُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] .
فَإِنَّهُ أَطْلَقَ " النَّاسَ " الَّذِي هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَأَرَادَ وَاحِدًا وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ. فَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْعَامِّ عَلَى الْوَاحِدِ جَائِزًا.
(2/245)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّاسَ عَامٌّ. بَلِ الْمُرَادُ مِنَ النَّاسِ: الْمَعْهُودُ. وَالْمَعْهُودُ لَا عُمُومَ فِيهِ.
الْخَامِسُ - أَنَّهُ صَحَّ إِطْلَاقُ أَكَلْتُ الْخُبْزَ وَشَرِبْتُ الْمَاءَ لِأَقَلِّ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ، وَالْخُبْزُ وَالْمَاءُ عَامٌّ ; لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ ; إِذْ لَا مَعْهُودَ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ، فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ الْعَامِّ عَلَى الْوَاحِدِ.
أَجَابَ بِأَنَّ اللَّامَ فِيهِمَا لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ، وَهُوَ مَاهِيَّةُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ تَحَقُّقُ الْمَاهِيَّةِ فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ - حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْدِ، لِضَرُورَةِ الْوُجُودِ.
فَالْمُرَادُ: الْبَعْضُ الْمُطَابِقُ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ، مِثْلَ مَا يَكُونُ فِي الْمَعْهُودِ الْوُجُودِيِّ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَعْهُودَ الذِّهْنِيَّ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ، بِخِلَافِ الْمَعْهُودِ الْوُجُودِيِّ.
وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْمَعْهُودَ الذِّهْنِيَّ لَا يَكُونُ مِنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ -.
[الْمُخَصِّصُ مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ]
[المخصصات المتصلة]
[التخصيص بالِاسْتِثْنَاءُ]
[أقسام الاستثناء]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمُخَصِّصَ هُوَ الْمُخْرِجُ وَهُوَ: إِرَادَةُ اللَّافِظِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الْمُخَصِّصُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَى إِرَادَةِ اللَّافِظِ بِالْمَجَازِ وَالْمُخَصِّصُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي إِمَّا مُتَّصِلٌ، أَوْ مُنْفَصِلٌ.
(2/246)

وَعَلَى الْحَقِيقَةِ، قِيلَ: مُتَوَاطِئٌ، وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.
وَلَا بُدَّ لِصِحَّتِهِ مِنْ مُخَالَفَةٍ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ، أَوْ فِي أَنَّ الْمُسْتَثْنَى حُكْمٌ آخَرُ، لَهُ مُخَالَفَةٌ بِوَجْهٍ، مِثْلَ: مَا زَادَ إِلَّا مَا نَقَصَ.
وَلِأَنَّ الْمُتَّصِلَ أَظْهَرُ، لَمْ يَحْمِلْهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى الْمُنْقَطِعِ، إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا فِي: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا، وَشِبْهُهُ: إِلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ.
ص - وَأَمَّا حَدُّهُ ; فَعَلَى التَّوَاطُؤِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا، غَيْرَ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا وَعَلَى الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي حَدٍّ.
فَيُقَالُ فِي الْمُنْقَطِعِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرَ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ.
وَأَمَّا الْمُتَّصِلُ - فَقَالَ الْغَزَّالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلٌ ذُو صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرَدَّ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى طَرْدِهِ التَّخْصِيصَ بِالشَّرْطِ وَالْوَصْفِ بِـ " الَّذِي "، وَالْغَايَةِ، وَمِثْلَ قَامَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ.
وَلَا يُرَدُّ الْأَوَّلَانِ.
وَعَلَى عَكْسِهِ: جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا ; فَإِنَّهُ لَيْسَ بِذِي صِيَغٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/247)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْمُتَّصِلُ أَرْبَعَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ، وَالشَّرْطُ، وَالصِّفَةُ، وَالْغَايَةُ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَدْ زَادَ الْمُصَنِّفُ قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ بَدَلُ الْبَعْضِ عَنِ الْكُلِّ ; لِأَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ الْمُبْدَلَ فِي حُكْمِ الطَّرْحِ، وَالْبَدَلُ قَدْ أُقِيمَ مَقَامَهُ، فَلَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ.
وَخَصَّ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ الْبَعْضِ بِكَوْنِهِ مُخَصِّصًا دُونَ الْأَبْدَالِ الْبَاقِيَةِ ; لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُتَنَاوَلَةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِعْمَالِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُنْقَطِعِ، مِثْلَ: جَاءَنِيَ الْقَوْمُ إِلَّا حِمَارًا.
فَقِيلَ: إِنَّهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالْحَقِيقَةِ اخْتَلَفُوا:
فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ مُتَوَاطِئٌ، أَيْ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا.
(2/248)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
حُجَّةُ الْقَائِلِ بِالْمَجَازِ: أَنَّ الْمُتَّصِلَ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْمُتَّصِلِ، مَجَازًا فِي الْمُنْقَطِعِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْبِقِ الْمُتَّصِلُ إِلَى الْفَهْمِ.
حُجَّةُ الْقَائِلِ بِالتَّوَاطُؤِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْقَسِمُ إِلَى الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ. وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ مُتَوَاطِئًا.
حُجَّةُ الْقَائِلِ بِالِاشْتِرَاكِ: أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ، وَفِي الْمُتَّصِلِ الْإِخْرَاجُ، وَفِي الْمُنْقَطِعِ الْمُخَالَفَةُ، فَلَا مُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيُجْعَلُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِ الْمَفْهُومَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَهُ دُونَ الْآخَرِ.
وَالْحَقُّ: الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُتَّصِلَ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ يُعْرَفُ ضَعْفُ الْمَذْهَبَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
وَلَا بُدَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ، أَوْ فِي أَنَّ الْمُسْتَثْنَى حُكْمٌ آخَرُ، لَهُ مُخَالَفَةٌ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: مَا جَاءَنِيَ الْقَوْمُ إِلَّا حِمَارًا.
مِثَالُ الثَّانِي: مَا زَادَ إِلَّا مَا نَقَصَ، وَمَا نَفَعَ إِلَّا مَا ضَرَّ.
(2/249)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَالَ سِيبَوَيْهِ: " مَا " الْأُولَى نَافِيَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ، وَفَاعِلُ زَادَ وَنَفَعَ مُضْمَرٌ، وَمَفْعُولُهُمَا مَحْذُوفٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: مَا زَادَ فُلَانٌ شَيْئًا إِلَّا نُقْصَانًا، وَمَا نَفَعَ فُلَانٌ إِلَّا مَضَرَّةً.
فَالْمُسْتَثْنَى - وَهُوَ النُّقْصَانُ وَالْمَضَرَّةُ - حُكْمٌ مُخَالِفٌ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالنَّفْعُ. فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا ; لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
وَلَمَّا كَانَ إِطْلَاقُ الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُتَّصِلِ أَظْهَرَ وَأَقْوَى، لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً - لَمْ يَحْمِلْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْمُنْقَطِعِ، مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ حَمْلُهُ عَلَى الْمُتَّصِلِ.
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَهُ عِنْدِي
(2/250)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا، وَشِبْهَهُ - يُقَدَّرُ قِيمَةَ ثَوْبٍ، لِيَكُونَ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ.
[حد الاستثناء]
ش - حَدُّ الِاسْتِثْنَاءِ - بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِهِ مُتَوَاطِئًا -: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرَ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا. نَحْوَ: لَيْسَ، وَلَا يَكُونُ، وَعَدَا، وَخَلَا، وَمَا خَلَا، وَمَا عَدَا، وَحَاشَا، وَسِوَى، وَغَيْرَ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: إِلَّا وَأَخَوَاتِهَا عَمَّا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةِ لَا بِهَا نَحْوَ: جَاءَنِيَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَجِئْ زَيْدٌ، وَقَامَ زَيْدٌ لَا عَمْرٌو.
وَإِنَّمَا قَيَّدَ إِلَّا بِكَوْنِهَا غَيْرَ الصِّفَةِ احْتِرَازًا عَنْ إِلَّا الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَهِيَ مَا كَانَتْ تَابِعَةً لِجَمْعٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَثْنَى، نَحْوَ قَوْلِهِ
(2/251)

وَقِيلَ: لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، دَالٌّ عَلَى (أَنَّ) مَدْلُولَهُ غَيْرَ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا غَايَةٍ.
وَأَوْرَدَ عَلَى طَرْدِهِ: قَامَ الْقَوْمُ، لَا زَيْدٌ.
وَعَلَى عَكْسِهِ مَا جَاءَ إِلَّا زَيْدٌ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ (بِجُمْلَةٍ وَأَنَّ مَدْلُولَ كُلِّ اسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ) مُرَادٌ بِالْأَوَّلِ.
وَالِاحْتِرَازُ مِنَ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَهْمٌ.
وَالْأَوْلَى: إِخْرَاجٌ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا.
ص - وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
فَالْأَكْثَرُ: الْمُرَادُ بِـ (عَشَرَةٍ) فِي قَوْلِكَ: " عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً " سَبْعَةٌ وَ " إِلَّا " قَرِينَةٌ لِذَلِكَ، كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً بِإِزَاءِ سَبْعَةٍ، كَاسْمَيْنِ مُرَكَّبٍ وَمُفْرَدٍ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِـ (عَشَرَةٍ) : عَشَرَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ ثَلَاثَةٌ.
وَالْإِسْنَادُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، فَلَمْ يُسْنَدْ إِلَّا إِلَى سَبْعَةٍ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
لَنَا: أَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/252)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ} [الأنبياء: 22] .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِالِاشْتِرَاكِ أَوِ الْمَجَازِ، فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْحَقِيقَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَدٍّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، بِأَنْ يُقَالَ: الْمَذْكُورُ بَعْدَ إِلَّا وَأَخَوَاتِهَا -.
وَإِذَا امْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ الْمَعْنَى احْتَاجَ كُلٌّ إِلَى حَدٍّ.
فَيُقَالُ فِي حَدِّ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرَ الصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ.
وَالْقُيُودُ الْمُتَقَدِّمَةُ قَدْ مَرَّ فَائِدَتُهَا.
وَقَوْلُهُ: " مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ " إِحْتِرَازٌ عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ.
وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ فَقَدْ قَالَ الْغَزَّالِيُّ فِي حَدِّهِ: إِنَّهُ قَوْلٌ ذُو صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرَدَّ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
فَقَوْلُهُ: " قَوْلٌ " أَيْ كَلِمَاتٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
(2/253)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلُهُ: " ذُو صِيَغٍ " فَإِنَّ الصِّيَغَ لَا تَكُونُ لِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنِ التَّخْصِيصِ بِالْفِعْلِ وَالْعَقْلِ وَقَرِينَةِ الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ: " مَخْصُوصَةٌ " احْتَرَزَ بِهِ عَنْ كَلِمَاتٍ لَا تَكُونُ لَهَا تِلْكَ الصِّيَغُ.
وَالْمُرَادُ بِالصِّيَغِ الْمَخْصُوصَةِ: أَدَوَاتُ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " مَحْصُورَةٌ " مَعْدُودَةٌ، قَلِيلَةٌ.
وَقَوْلُهُ: " دَالٌّ " إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى غَايَةِ أَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ هَكَذَا:
أَدَوَاتُ الِاسْتِثْنَاءِ، كَلِمَاتٌ ذَوَاتُ صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَعْدُودَةٍ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ بَعْدَهَا بِوَاسِطَتِهَا لَا يَكُونُ مُرَادًا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى طَرْدِ هَذَا التَّعْرِيفِ: التَّخْصِيصَ بِالشَّرْطِ.
مِثْلَ قَوْلِهِمْ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِنْ كَانُوا عَالِمِينَ.
وَبِالْوَصْفِ بِـ الَّذِي، وَالَّتِي، وَاللَّذَيْنِ، وَاللَّتَيْنِ، وَالَّذِينَ، وَاللَّاتِي، وَالْغَايَةِ.
وَمِثْلَ: قَامَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ.
(2/254)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ مَحْصُورَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا غَيْرُ مُرَادٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْوَصْفَ بِـ " الَّذِي " ; لِأَنَّ الْوَصْفَ بِغَيْرِهِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَدِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ شَيْءٌ.
بِخِلَافِ الْوَصْفِ بِـ " الَّذِي " فَإِنَّهُ يُذْكَرُ بَعْدَهُ الصِّلَةُ.
وَالْمُصَنِّفُ مَنَعَ وُرُودَ الْأَوَّلَيْنِ، أَعْنِي التَّخْصِيصَ بِالشَّرْطِ وَالْوَصْفَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِمَا لَمْ يُرَدَّ بِالْقَوْلِ السَّابِقِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا كَلَامُ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يُرَدُّ الْأَخِيرُ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّيَغِ الْمَخْصُوصَةِ أَدَوَاتُ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَالْغَايَةُ وَمِثْلُ: قَامَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ لَا يَكُونُ مَذْكُورًا بِأَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ.
، وَأَوْرَدَ عَلَى عَكْسِ هَذَا الْحَدِّ مِثْلَ: جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِذِي صِيَغٍ مَعَ كَوْنِهِ اسْتِثْنَاءً.
وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا يَنْدَفِعُ هَذَا أَيْضًا ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ تَعْرِيفَ أَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ، لَا تَعْرِيفَ وَاحِدٍ مِنْهَا. فَلَا يَلْزَمُ صِدْقُ التَّعْرِيفِ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهَا.
(2/255)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ: إِنَّهُ لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرَ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَا صِفَةٍ وَلَا غَايَةٍ.
فَقَوْلُهُ: " لَفْظٌ " احْتِرَازٌ عَنِ التَّخْصِيصِ بِالْفِعْلِ وَالْعَقْلِ وَقَرِينَةِ الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ: " مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ.
وَقَوْلُهُ: " لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ " احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ قَوْلِنَا: قَامَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ ; فَإِنَّ قَوْلَنَا: لَمْ يَقُمْ، لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، وَلَكِنْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ: " دَالٌّ " احْتِرَازٌ عَنِ الْمُهْمَلَاتِ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ " أَيْ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ.
وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ، نَحْوَ جَاءَنِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ.
وَقَوْلُهُ: " لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا غَايَةٍ " احْتِرَازٌ عَنْهَا.
وَأَوْرَدَ عَلَى طَرْدِ هَذَا التَّعْرِيفِ: جَاءَ الْقَوْمُ لَا زَيْدٌ ; فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ.
(2/256)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَوْرَدَ عَلَى عَكْسِهِ مِثْلَ: مَا جَاءَ إِلَّا زَيْدٌ ; فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِجُمْلَةٍ.
وَأَوْرَدَ أَيْضًا عَلَى عَكْسِهِ أَنَّ مَدْلُولَ كُلِّ اسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ مُرَادٌ بِالْأَوَّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ.
وَأَيْضًا: الِاحْتِرَازُ عَنِ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ وَهْمٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَا بِقَوْلِهِ: " غَيْرُ مُرَادٍ " فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهِمَا.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ: إِنَّهُ إِخْرَاجٌ بِإِلَّا أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا.
[اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ]
ش - اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ.
فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ لَهَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَّنَ أَنَّ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ بِالْمُسْتَثْنَى
(2/257)

الْجَارِيَةَ إِلَّا نِصْفَهَا، أَوْ نَحْوَهُ، لَمْ يُرِدِ اسْتِثْنَاءَ نِصْفِهَا (مِنْ نِصْفِهَا) .
وَلِأَنَّهُ (كَانَ) يَتَسَلْسَلُ.
وَلِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْجَارِيَةِ بِكَمَالِهَا.
وَلِإِجْمَاعِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.
وَلِإِبْطَالِ النُّصُوصِ.
وَلِلْعِلْمِ بِأَنَّا نُسْقِطُ الْخَارِجَ، فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمَسْنَدَ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ.
وَالثَّانِي كَذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قَانُونِ اللُّغَةِ ; إِذْ لَا تَرْكِيبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَلَا يُعْرَبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ.
وَلِامْتِنَاعِ إِعَادَةِ الضَّمِيرِ عَلَى جُزْءِ الِاسْمِ فِي " إِلَّا نَصِفَهَا ".
وَلِإِجْمَاعِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى آخِرِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/258)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنْهُ مَا بَقِيَ، فَالْمُرَادُ بِـ (عَشَرَةٍ) فِي قَوْلِكِ: عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً،: سَبْعَةٌ، وَ " إِلَّا " قَرِينَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِذَلِكَ، كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ ; فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ قَرِينَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْعَامِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَآلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ جَمِيعًا مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ: مَا يُفْهَمُ آخِرًا. حَتَّى كَأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعُوا بِإِزَاءِ مَعْنَى السَّبْعَةِ اسْمَيْنِ: مُرَكَّبًا وَمُفْرَدًا. فَالْمُرَكَّبُ هُوَ: عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً، وَالْمُفْرَدُ هُوَ: سَبْعَةٌ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: الْجَمِيعُ؛ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِالْإِسْنَادِ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهُ الْمُسْتَثْنَى، وَحُكِمَ بِالْإِسْنَادِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. فَلَمْ يُسْنَدْ إِلَّا إِلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ.
(مَثَلًا قَوْلُنَا: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً؛ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعَشَرَةِ مِنْ حَيْثُ الْأَفْرَادُ: مَجْمُوعُ آحَادِهَا، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا ثَلَاثٌ، وَأُسْنِدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ) فَعُلِمَ أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ سَبْعَةٌ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَاحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ
(2/259)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الِاسْتِثْنَاءِ - لَزِمَ أَنْ يُرَادَ اسْتِثْنَاءُ نِصْفِ الْجَارِيَةِ مِنْ نِصْفِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إِلَّا نِصْفَهَا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إِلَّا نِصْفَهَا لَمْ يُرِدِ اسْتِثْنَاءَ نِصْفِهَا مِنْ نِصْفِهَا.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لَكَانَ الْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ نِصْفَهَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَقَدِ اسْتَثْنَى عَنْهُ نِصْفَهَا، فَيَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ نِصْفِهَا مِنْ نِصْفِهَا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاشْتِرَاءُ وَقَعَ عَلَى الْجَارِيَةِ كُلِّهَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَاسْتَثْنَى مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاشْتِرَاءُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لِتَبَيُّنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ نِصْفُهَا، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ مِنَ النِّصْفِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: مَا بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ.
وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ مَثَلًا، إِذَا كَانَ نِصْفَهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نِصْفَهُ، فَيَكُونُ نِصْفُ النِّصْفِ مُخْرَجًا بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الَّذِي هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ - نِصْفُ النِّصْفِ، لِأَنَّهُ الْبَاقِي بِحَدِّ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ عَنْهُ، وَقَدْ أُخْرِجَ
(2/260)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الَّذِي هُوَ نِصْفُ النِّصْفِ، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الَّذِي هُوَ الْكُلُّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ النِّصْفُ، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَثْنَى النِّصْفَ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْبَاقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ النِّصْفُ رَاجِعًا إِلَى النِّصْفِ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ النِّصْفُ حِينَئِذٍ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْجَارِيَةِ بِكَمَالِهَا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إِلَى النِّصْفِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ هُوَ اللَّفْظُ.
كَمَا إِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ (شَخْصٍ) فِي (جَاءَ شَخْصٌ) وَأُرِيدَ بِهِ امْرَأَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ الْمُطْلَقِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى اللَّفْظِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نِصْفَ اللَّفْظِ.
الرَّابِعُ - لَوْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِنَا: اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إِلَّا نِصْفَهَا إِخْرَاجَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.
(2/261)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ الْمُلَازَمَةَ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ النِّصْفَ، وَيَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ إِخْرَاجَ النِّصْفِ مِنَ الْكُلِّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا.
الْخَامِسُ - لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ يَلْزَمُ بُطْلَانُ النُّصُوصِ.
وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ " الْعَشَرَةَ " نَصٌّ فِي مَدْلُولِهَا، فَلَوْ أُرِيدَ بِهَا سَبْعَةٌ لَزِمَ بُطْلَانُ النَّصِّ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: النَّصُّ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَالْعَشَرَةُ إِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَعَهَا قَرِينَةُ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ كَذَلِكَ.
السَّادِسُ - إِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّا نُسْقِطُ الْخَارِجَ؛ أَيِ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَيُعْلَمُ بَعْدَ إِسْقَاطِهِ أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ.
فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: هُوَ الْبَاقِي لَمْ يَكُنِ الْإِسْقَاطُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الْبَاقِي مُسْنَدًا إِلَيْهِ ; لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْخَارِجِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى حُصُولِ خَارِجٍ.
(2/262)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعَلَى تَقْدِيرِ مَنْ يَرَى أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِيَ، لَمْ يَحْصُلْ خَارِجٌ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْبَاقِي، لَمْ يَحْصُلْ خَارِجٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِسْقَاطُ الْخَارِجِ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، لَا بِحَسَبِ مَا هُوَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهُ.
وَاحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ قَانُونِ اللُّغَةِ ; إِذْ لَمْ يَتَرَكَّبْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ (فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ يُفْضِي إِلَى تَرْكِيبِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَكْثَرَ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ وَضْعُ مُرَكَّبٍ مِنْ كَلِمَاتٍ) أَوَّلُهَا مُعْرَبٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الضَّمِيرُ فِي " إِلَّا نِصْفَهَا " عَائِدًا إِلَى جُزْءِ الِاسْمِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِامْتِنَاعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى جُزْءِ الِاسْمِ.
الرَّابِعُ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ إِخْرَاجًا.
وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُرَادَ بِعَشَرَةٍ: عَشَرَةٌ بِكَمَالِهَا ; لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إِلَّا بِسَبْعَةٍ. فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِعَشَرَةٍ: سَبْعَةً. وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ، لَا بِاعْتِبَارِ الْعَشَرَةِ. فَحِينَئِذٍ قَدْ أُرِيدَ بِالْعَشَرَةِ: الْعَشَرَةُ بِكَمَالِهَا، وَأُخْرِجَ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ قَبْلَ الْإِسْنَادِ، ثُمَّ أُسْنِدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ الْحُكْمُ إِلَى الْبَاقِي، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبْعَةٍ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَشَرَةِ مَثَلًا عَشَرَةً بِكَمَالِهَا امْتَنَعَ مِنَ الصَّادِقِ - وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] .
(2/263)

ص - قَالَ الْأَوَّلُونَ: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُرَادَ عَشَرَةٌ بِكَمَالِهَا ; لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ إِلَّا بِسَبْعَةٍ. فَيَتَعَيَّنُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُسْنِدْهُ إِلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَشَرَةً امْتَنَعَ مِنَ الصَّادِقِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى - {إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] .
وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ.
ص - الْقَاضِي: إِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عَشَرَةً، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةً - تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ لِسَبْعَةٍ.
وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ.
فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ.
وَعَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصٌ.
وَعَلَى الْمُخْتَارِ مُحْتَمَلٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ. الِاتِّصَالُ لَفْظًا، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ، كَقَطْعِهِ لِتَنَفُّسٍ، أَوْ سُعَالٍ، وَنَحْوِهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَصِحُّ، وَإِنْ طَالَ شَهْرًا. وَقِيلَ: يَجُوزُ بِالنِّيَّةِ كَغَيْرِهِ.
وَحُمِلَ عَلَيْهِ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقُرْبِهِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً.
لَنَا: لَوْ صَحَّ لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» " مُعَيَّنًا: لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَسْهَلُ.
وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْإِقْرَارَاتِ، وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/264)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاللَّازِمُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَلْفِ تَمَامَ آحَادِهِ. فَإِذَا أُخْرِجَ مِنْهُ خَمْسُونَ لَزِمَ كَذِبُ أَحَدِهِمَا.
أَجَابَ بِأَنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْنَادِ، وَالْإِسْنَادُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ فَلَمْ يَلْزَمْ كَذِبٌ.
ش - قَالَ الْقَاضِي: إِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِعَشَرَةٍ: عَشَرَةً بِكَمَالِهَا بِدَلِيلِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِعَشَرَةٍ: سَبْعَةً تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ لِسَبْعَةٍ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ إِبْطَالَ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِهِ.
(2/265)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ ; إِذْ لَا إِخْرَاجَ وَلَا قَصْرَ.
وَعَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ تَخْصِيصٌ ; لِأَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَقَصْرُ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ بَعْدَ الْإِسْنَادِ، وَقَدْ قُصِرَ لَفْظُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ تَخْصِيصًا نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ تَمَامُ مُسَمَّاهُ.
[مَسْأَلَةٌ: شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ]
ش - ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ اتِّصَالُهُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا، أَوْ مَا فِي حُكْمِ الِاتِّصَالِ لَفْظًا كَقَطْعِهِ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ الِاتِّصَالِ اللَّفْظِيِّ.
وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَصِحُّ انْفِصَالُ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا شَهْرًا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ انْفِصَالُ الِاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِالنِّيَّةِ، أَيْ مَعَ إِضْمَارِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، كَغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ التَّخْصِيصُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ.
(2/266)

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يُعْلَمَ صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ.
ص - قَالُوا: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا " ثُمَّ سَكَتَ وَقَالَ بَعْدَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
قُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى (السُّكُوتِ الْعَارِضِ لِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: «سَأَلَهُ الْيَهُودُ عَنْ لُبْثِ أَهْلِ الْكَهْفِ. فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَدًا أُجِيبُكُمْ. فَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. ثُمَّ نَزَلَ: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ} [الكهف: 23] . فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
قُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى) أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُتَأَوَّلٌ بِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ.
وَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي بِمَنْعِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَالْقَاضِي (أَيْضًا) بِمَنْعِهِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَحُمِلَ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى هَذَا؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّوَابِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ انْفِصَالُ الِاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ فَقَطْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ أَزَلِيٌّ. وَالِانْفِصَالُ حَالَ الْخِطَابِ لَا يُخِلُّ بِالْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ.
وَهَذَا لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; إِذِ الْكَلَامُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، بَلْ فِي الْعِبَارَاتِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مَذْهَبَ الْمُحَقِّقِينَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» .
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَيَّنَ الْكَفَّارَةَ فِي تَخَلُّصِ الْحَالِفِ إِذَا رَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ.
فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ جَائِزًا - لَمَا عَيَّنَ الْكَفَّارَةَ لِأَجْلِ التَّخَلُّصِ، بَلْ أَرْشَدَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ إِرْشَادَ طَرِيقِ الْأَسْهَلِ أَوْلَى.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَهَا ثَبَتَ الْإِقْرَارَاتُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ ; لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِثُبُوتِ شَيْءٍ مِنْهَا ; لِجَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ
(2/268)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُنْفَصِلِ.
الثَّالِثُ - لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُ خَبَرٍ وَلَا كَذِبُهُ أَصْلًا ; لِإِمْكَانِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ حِينٍ.
وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
(2/269)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا " ثُمَّ سَكَتَ، وَقَالَ بَعْدَ زَمَانٍ: " إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
أَجَابَ بِأَنَّ السُّكُوتَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعَارِضٍ لَا يُخِلُّ بِالِاتِّصَالِ، كَمَا ذُكِرَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
الثَّانِي - «أَنَّ الَيْهُودَ سَأَلُوهُ عَنْ لُبْثِ أَهْلِ الْكَهْفِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " غَدًا أُجِيبُكُمْ " وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَانْقَطَعَ عَنْهُ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23] فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; " إِنْ شَاءَ اللَّهُ» إِلْحَاقًا بِخَبَرِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " غَدًا أُجِيبُ ".
أَجَابَ (بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلْحَاقًا بِخَبَرِهِ الْأَوَّلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أَيْ أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
(2/270)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيُحْمَلُ عَلَى الثَّانِي جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِصِحَّتِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِمَّا مُتَأَوَّلٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ جَوَازُ الِانْفِصَالِ بِالنِّيَّةِ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْفِصَالُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ]
ش - الِاسْتِثْنَاءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا (لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِي أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، أَوْ أَقَلَّ.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً.
وَالرَّابِعُ (جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ (عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً
(2/271)

وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْعَدَدُ صَرِيحًا.
لَنَا: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] .
وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ، بِدَلِيلِ: " وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ ".
فَالْمُسَاوِي أَوْلَى.
وَأَيْضًا: " «كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ» ".
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: (عَلَيَّ) عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً - لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ.
وَلَوْلَا ظُهُورُهُ لَمَا اتَّفَقُوا (عَلَيْهِ) عَادَةً.
ص - الْأَقَلُّ: مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنْعُهُ إِلَى آخِرِهِ.
وَأُجِيبُ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّ الْإِسْنَادَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالدَّلِيلُ مُتَّبَعٌ.
قَالُوا: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَنِصْفَ وَثُلُثَ دِرْهَمٍ، مُسْتَقْبَحٌ دَكِيكٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، كَعَشَرَةٍ إِلَّا دَانِقًا، وَدَانِقًا إِلَى عِشْرِينَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ جُمَلٍ بِالْوَاوِ، قَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَمِيعِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ: لِلْأَخِيرَةِ.
وَالْقَاضِي وَالْغَزَّالِيُّ: بِالْوَقْفِ.
وَالشَّرِيفُ: بِالِاشْتِرَاكِ.
أَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ تَبَيَّنَ الْإِضْرَابُ عَنِ الْأُولَى فَلِلْأَخِيرَةِ؛ مِثْلَ أَنْ يَخْتَلِفَا نَوْعًا أَوِ اسْمًا، وَلَيْسَ الثَّانِي ضَمِيرَهُ.
أَوْ حُكْمًا غَيْرَ مُشْتَرِكَيْنِ فِي غَرَضٍ.
وَإِلَّا فَلِلْجَمِيعِ.
وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ظَهَرَ الِانْقِطَاعُ فَلِلْأَخِيرَةِ، وَالِاتِّصَالُ لِلْجَمِيعِ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ.
ص - الشَّافِعِيَّةُ: الْعَطْفُ يُصَيِّرُ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُفْرَدِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُفْرَدَاتِ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ وَلَا شَرِبْتُ وَلَا ضَرَبْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَادَ إِلَى الْجَمِيعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/272)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى جَوَازِهِمَا، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا سِتَّةً أَوْ خَمْسَةً.
وَذَهَبَتِ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي أَوَّلًا إِلَى مَنْعِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْقَاضِي آخِرًا بِمَنْعِ الْجَوَازِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً دُونَ الْمُسَاوِي.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْعَدَدُ صَرِيحًا لَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ خَاصَّةً؛ مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَدَدُ صَرِيحًا جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ أَيْضًا، مِثْلَ خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ إِلَّا مَا فِي الْكِيسِ (الْفُلَانِيِّ) وَكَانَ مَا فِي الْكِيسِ أَكْثَرُ مِنَ الْبَاقِي.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ لَمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] .
(2/273)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ قَدِ اسْتُثْنِيَ الْغَاوُونَ مِنَ الْعِبَادِ، وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ مِنَ الْبَاقِي ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] .
وَإِذَا جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَالْمُسَاوِي أَوْلَى ; لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمُسَاوِي وَالزِّيَادَةَ.
(وَهَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْعِ جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ فِي الْعَدَدِ الصَّرِيحِ.
قِيلَ) لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً أَنْ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْجِنْسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَاوِينَ لَيْسُوا دَاخِلِينَ تَحْتَ الْعِبَادِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُخْلِصُونَ.
أُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْغَاوِينَ لَيْسُوا مِنْ جِنْسِ الْعِبَادِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَ غَيْرُ مُخْتَصِّينَ بِالْمُخْلِصِينَ بِدَلِيلِ اتِّصَافِ الْعِبَادِ بِالْمُخْلِصِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: انْضَافَ الْعِبَادُ بِالْمُخْلِصِينَ لِلْمَدْحِ لَا لِلتَّخْصِيصِ،
(2/274)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أُجِيبُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوَصْفِ، التَّخْصِيصُ، فَلَوْ حُمِلَ الْوَصْفُ عَلَى الْمَدْحِ يَلْزَمُ خِلَافُ الْأَصْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ، وَالثَّانِي الْوَصْفُ لِلْمَدْحِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ لَمَا وَقَعَ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " «كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ» " مَعَ كَوْنِ مَنْ أَطْعَمَهُ أَكْثَرَ، وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْقَائِلِ بِعَدَمِ جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ فِي الْعَدَدِ الصَّرِيحِ.
(2/275)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّالِثُ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ.
وَلَوْلَا ظُهُورُ جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ لَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عَادَتَهُمْ أَنْ لَا يَتَّفِقُوا عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ دُونَ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنْعُ الِاسْتِثْنَاءِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ إِنْكَارٌ
(2/276)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِمَا أَقَرَّ بِهِ.
خَالَفْنَا الدَّلِيلَ فِي الْأَقَلِّ لِسَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَكْثَرِ وَالْمُسَاوِي، وَهُوَ كَوْنُ الْأَقَلِّ فِي مَعْرِضِ النِّسْيَانِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ، فَيَبْقَى الدَّلِيلُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِنْكَارٌ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ) إِنَّمَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ الْإِسْنَادِ وَالْإِخْرَاجُ قَبْلَ الْإِسْنَادِ.
(وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ إِنْكَارٌ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّبَعَ الدَّلِيلُ فِي الْكُلِّ - حَتَّى لَا يَجُوزَ الِاسْتِثْنَاءُ أَصْلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ، أَوْ مُسَاوِيًا، أَوْ أَكْثَرَ) .
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ - لَمْ يُسْتَقْبَحْ " عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَنِصْفًا وَثُلُثَ دِرْهَمٍ ".
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ. كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا دَانِقًا، وَدَانِقًا وَدَانِقًا إِلَى عِشْرِينَ دَانِقًا ; فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي غَايَةِ الِاسْتِقْبَاحِ، مَعَ أَنَّهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ.
(2/277)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ جُمَلٍ بِالْوَاوِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْوَاقِعَ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ
(2/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِالْوَاوِ، هَلْ يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ أَوْ إِلَى الْأَخِيرَةِ مِنْهَا.
فَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ.
(وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: يَعُودُ إِلَى الْأَخِيرَةِ) .
(2/279)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ وَالْقَاضِي بِالْوَقْفِ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ مِنَ الشِّيعَةِ بِالِاشْتِرَاكِ؛ أَيْ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ كَوْنِهِ عَائِدًا إِلَى الْجَمِيعِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ عَائِدًا إِلَى الْأَخِيرَةِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ تَبَيَّنَ الْإِضْرَابُ عَنِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَلِلْأَخِيرَةِ، وَإِلَّا فَلِلْجَمِيعِ.
وَالْإِضْرَابُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِاخْتِلَافِ الْجُمْلَتَيْنِ:
بِالنَّوْعِ، بِأَنْ يَكُونَ إِحْدَاهُمَا طَلَبًا وَالْأُخْرَى خَبَرًا؛ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: جَاءَ الْقَوْمُ وَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَّا الطِّوَالَ.
أَوْ بِاخْتِلَافِهِمَا اسْمًا، وَلَا يَكُونُ الِاسْمُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ ضَمِيرًا لِلِاسْمِ فِي الْجُمْلَةِ الْأَوْلَى.
(2/280)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلَ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، وَأَهِنْ بَنِي خَالِدٍ إِلَّا الطِّوَالَ.
مِثَالُ مَا يَكُونُ الِاسْمُ الثَّانِي ضَمِيرَ الْأَوَّلِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَاسْتَأْجِرْهُمْ إِلَّا الضُّعَفَاءَ.
أَوْ بِاخْتِلَافِهِمَا حُكْمًا، وَلَا يَكُونُ الْجُمْلَتَانِ مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي غَرَضٍ.
نَحْوَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَاسْتَأْجِرْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَّا الضُّعَفَاءَ.
مِثَالُ مَا يَكُونُ الْجُمْلَتَانِ مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي غَرَضٍ: أَكْرِمِ الضَّيْفَ وَتَصَدَّقْ عَلَى الْفُقَرَاءِ إِلَّا الْفَاسِقَ، فَإِنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي غَرَضٍ وَهُوَ الْحَمْدُ.
وَالْمُخْتَارُ عَنِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا فَلِلْأَخِيرَةِ.
وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا فَلِلْجَمِيعِ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَالْوَقْفُ.
ش - احْتَجَّتِ الشَّافِعِيَّةُ بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْعَطْفَ يُصَيِّرُ الْأُمُورَ الْمُتَعَدِّدَةَ كَالْأَمْرِ الْوَاحِدِ. وَعَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ يُوجِبُ عَدَمَ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ
(2/281)

وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ شَرْطٌ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِهِ فَقِيَاسٌ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ تَقْدِيمُهُ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَلِقَرِينَةِ الِاتِّصَالِ، وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْجَمِيعِ، قَالُوا: لَوْ كُرِّرَ لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا.
قُلْنَا عِنْدَ قَرِينَةِ الِاتِّصَالِ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَلِلطُّولِ مَعَ إِمْكَانِ إِلَّا كَذَا فِي الْجَمِيعِ. قَالُوا: صَالِحٌ. فَالْبَعْضُ تَحَكَّمَ، كَالْعَامِّ.
قُلْنَا: صَلَاحِيَتُهُ لَا تُوجِبُ ظُهُورَهُ فِيهِ، كَالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ. قَالُوا: لَوْ قَالَ: عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ إِلَّا سِتَّةً - كَانَ لِلْجَمِيعِ. قُلْنَا مُفْرَدَاتٌ.
وَأَيْضًا لِلِاسْتِقَامَةِ.
ص - الْمُخَصِّصُ: آيَةُ الْقَذْفِ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الْجَلْدِ اتِّفَاقًا. قُلْنَا: لِدَلِيلٍ، وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَلِذَلِكَ عَادَ إِلَى غَيْرِهِ. قَالُوا: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، (لِلْأَخِيرِ. قُلْنَا: أَيْنَ الْعَطْفُ؟
وَأَيْضًا: مُفْرَدَاتٌ.
وَأَيْضًا لِلتَّعَذُّرِ، فَكَانَ الْأَقْرَبُ أَوْلَى.
وَلَوْ تَعَذَّرَ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ: مِثْلَ: (عَلَيَّ) عَشَرَةٌ إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا اثْنَيْنِ) .
قَالُوا: الثَّانِيَةُ حَائِلَةٌ، كَالسُّكُوتِ.
قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَمِيعُ بِمَثَابَةِ الْجُمْلَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/282)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْعَطْفَ فِي الْمُفْرَدَاتِ يُوجِبُ الِاتِّحَادَ، وَأَمَّا الْعَطْفُ فِي الْجُمَلِ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ.
الثَّانِي - لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ وَلَا شَرِبْتُ وَلَا ضَرَبْتُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الْجَمِيعِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ - يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الصُّوَرِ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَرْطٌ لَا اسْتِثْنَاءٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَوْدِ الشَّرْطِ إِلَى الْجَمِيعِ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَيْهِ.
وَإِنْ أُلْحِقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالشَّرْطِ لِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا كَانَ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَإِنْ سُلِّمَ جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ ; فَإِنَّ الشَّرْطَ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا لَفْظًا، فَهُوَ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرًا، بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ عَوْدُ الشَّرْطِ إِلَى الْجَمِيعِ لِتَقَدُّمِهِ وَلَا يَجُوزَ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجَمِيعِ لِتَأَخُّرِهِ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَنْتَهِضُ نَقْضًا ; لِأَنَّهُ هَا هُنَا إِنَّمَا عَادَ إِلَى الْجَمِيعِ بِقَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى اتِّصَالِ الْأَخِيرَةِ بِمَا قَبْلَهَا، وَتِلْكَ الْقَرِينَةُ هِيَ الْيَمْيِنُ.
الثَّالِثُ - أَنَّ الْجُمَلَ الْمُتَعَاطِفَةَ بِالْوَاوِ، قَدْ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ
(2/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنْهَا إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْنَاءُ عَائِدًا إِلَى الْجَمِيعِ لَمَا كَانَ تَكَرُّرُ الِاسْتِثْنَاءِ مُسْتَهْجَنًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُرِّرَ الِاسْتِثْنَاءُ لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا ; لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: إِنْ سَرَقَ زَيْدٌ فَاضْرِبْهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ ; أَوْ شَرِبَ فَاضْرِبْهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، أَوْ زَنَى فَاضْرِبْهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ - لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَكَرُّرَ الِاسْتِثْنَاءِ إِنَّمَا يَكُونُ مُسْتَهْجَنًا عِنْدَ وُجُودِ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى اتِّصَالِ الْجُمَلِ بَعْضِهَا بِالْبَعْضِ.
أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ اتِّصَالِهَا - فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكَرُّرَ مُسْتَهْجَنٌ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ تَكَرُّرَ الِاسْتِثْنَاءِ مُسْتَهْجَنٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وُجِدَ قَرِينَةُ الِاتِّصَالِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، لَكِنَّ الِاسْتِهْجَانَ إِنَّمَا يَكُونُ لِطُولِ الْكَلَامِ مَعَ إِمْكَانِ رِعَايَةِ الِاخْتِصَارِ، بِأَنْ نَقُولَ بَعْدَ الْجُمَلِ: إِلَّا كَذَا فِي الْجَمِيعِ.
الرَّابِعُ - الِاسْتِثْنَاءُ الْوَاقِعُ عُقَيْبَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ بِالْوَاوِ يَصْلُحُ عَوْدُهُ إِلَى الْكُلِّ، كَمَا يَصْلُحُ عَوْدُهُ إِلَى الْبَعْضِ، وَالْعَوْدُ إِلَى الْبَعْضِ تَحَكُّمٌ ; لِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، كَالْعَامِّ.
(2/284)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ صَلَاحِيَةَ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ لَا تُوجِبُ ظُهُورَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ إِلَى الْكُلِّ، كَالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ الْأَفْرَادِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِيهِ.
قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ الِاسْتِدْلَالُ بِمُجَرَّدِ الصُّلُوحِ لِلْكُلِّ، بَلْ بِهِ وَبِتَعَذُّرِ الْحَمْلِ عَلَى الْبَعْضِ. فَإِنَّهُ لَمَّا صَلَحَ لِلْكُلِّ وَالْبَعْضِ، وَتَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْبَعْضِ، تَعيَّنَ الْكُلُّ صِيَانَةً لِلدَّلِيلِ عَنِ الْإِلْغَاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّهُ لَا تَعَذُّرَ ثَمَّةَ.
بَلِ الْجَوَابُ: مَنْعُ التَّحَكُّمِ عِنْدَ الْحَمْلِ عَلَى الْبَعْضِ؛ إِذِ الْعَوْدُ إِلَى الْأَخِيرَةِ رَاجِحٌ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ. وَالْمُتَقَدِّمُ وَإِنْ كَانَ رَاجِحًا بِالسَّبْقِ، لَكِنَّ الْأَقْرَبَ أَرْجَحُ.
الْخَامِسُ - لَوْ قَالَ قَائِلٌ: عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ إِلَّا سِتَّةً، يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى الْكُلِّ بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ.
أَجَابَ أَوَّلًا بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْوَاقِعِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ بِالْوَاوِ. وَهَا هُنَا قَدْ وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ الْمُفْرَدَاتِ.
وَثَانِيًا - بِأَنَّهُ يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إِلَى الْكُلِّ لِلتَّعَذُّرِ ;
(2/285)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْأَخِيرَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِغْرَاقَ، بِخِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرِ الْعَوْدُ إِلَى الْأَخِيرَةِ.
ش - احْتَجَّ مُخَصِّصُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ آيَةَ الْقَذْفِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور: 4 - 5] .
فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهَا يَعُودُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَا يَعُودُ إِلَى الْكُلُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْجَلْدِ اتِّفَاقًا.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكُلِّ كَذَلِكَ وَإِلَّا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ أَوِ الْمَجَازُ.
(2/286)

قَالُوا: حُكْمُ الْأُولَى يَقِينٌ، وَالرَّفْعُ مَشْكُوكٌ.
قُلْنَا: لَا يَقِينَ مَعَ الْجَوَازِ لِلْجَمِيعِ.
وَأَيْضًا فَالْأَخِيرَةُ كَذَلِكَ لِلْجَوَازِ بِدَلِيلٍ.
قَالُوا: إِنَّمَا يَرْجِعُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ. فَيَتَقَيَّدُ بِالْأَقَلِّ، وَمَا يَلِيهِ هُوَ الْمُتَحَقِّقُ.
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِلْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ قَامَ دَلِيلٌ.
ص - الْقَائِلُ بِالِاشْتِرَاكِ: حُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ.
قُلْنَا: لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهِ أَوْ لِرَفْعِ الِاحْتِمَالِ.
قَالُوا: صَحَّ الْإِطْلَاقُ، وَالْأَصْلُ: الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: وَالْأَصْلُ: عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَبِالْعَكْسِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ عَدَمَ الْعَوْدِ إِلَى الْجَلْدِ لِدَلِيلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْجَلْدَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَالتَّوْبَةُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي إِسْقَاطِ حَقِّ الْآدَمِيِّ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْعَوْدِ إِلَى الْجَلْدِ لِدَلِيلٍ، لَا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُخْتَصٌّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ - أَنَّهُ عَادَ إِلَى غَيْرِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى الْمُتَضَمِّنَةِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] .
الثَّانِي - لَوْ قَالَ قَائِلٌ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، يَعُودُ إِلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، فَيَجِبُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُلِّ إِلَى الْأَخِيرَةِ؛ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ أَوِ الْمَجَازِ.
أَجَابَ بِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ، وَلَا عَطْفَ هَا هُنَا، وَلَا جُمْلَةَ لِأَنَّهَا مُفْرَدَاتٌ.
وَأَيْضًا: إِنَّمَا اخْتُصَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْأَخِيرَةِ لِتَعَذُّرِ عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ إِلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا يَلْزَمُ وُجُودُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي وَعَدَمُهُ عَلَى السَّوَاءِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْقُضُ الْحُكْمَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يُخْرِجَ الِاثْنَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ وَالِاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى ". فَالْمُخْرَجُ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأَوْلَى حِينَئِذٍ أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ الْأَرْبَعَةَ، فَوُجُودُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي حِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَلَمَّا تَعَذَّرَ الْعَوْدُ إِلَى الْجَمِيعِ وَكَانَ الْأَخِيرُ أَقْرَبَ حُمِلَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْأَقْرَبِ أَوْلَى.
(2/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
(وَلَوْ تَعَذَّرَ الْعَوْدُ إِلَى الْأَخِيرِ تَعَيَّنَ الْعَوْدُ إِلَى الْأَوَّلِ، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ، عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا اثْنَيْنِ؛ فَإِنَّهُ تَعَذَّرَ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إِلَى الْأَخِيرِ، أَعَنِي الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْأَوَّلِ؛ أَعْنِي الْعَشَرَةَ) .
الثَّالِثُ - أَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ حَائِلَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَالِاسْتِثْنَاءِ. فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مَانِعَةً لِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، كَالسُّكُوتِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَمِيعُ بِمَنْزِلَةِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
الرَّابِعُ - حُكْمُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى مُتَيَقَّنٌ، وَمَا أَوْجَبَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الرَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى مَشْكُوكٌ، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُكْمَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى مُتَيَقَّنٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ رَفْعَ حُكْمِ الْجَمِيعِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا يَقِينَ مَعَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ.
وَأَيْضًا: إِنْ كَانَ هَذَا مَانِعًا مِنْ عَوْدِهِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، فَهُوَ مَانِعٌ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الْأَخِيرَةِ، لِجَوَازِ عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى دُونَ الْأَخِيرَةِ بِدَلِيلٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ رَفْعُ حُكْمِ الْأَخِيرَةِ بِالِاسْتِثْنَاءِ مَشْكُوكًا، وَثُبُوتُ حُكْمِهَا مُتَيَقَّنًا، وَالْمُتَيَقَّنُ لَا يُرْفَعُ بِالْمَشْكُوكِ.
قِيلَ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ: مُرَادُ الْمُسْتَدِلِّ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى الَّتِي هِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِحُكْمِهَا ثَابِتَةٌ بِيَقِينِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَرْفَعُهُ بِيَقِينٍ. فَثَبَتَ
(2/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْحُكْمُ لِتَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ.
وَعَلَى الْجَوَابِ الثَّانِي أَنَّ الْمَانِعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَخِيرَةِ مُحَقَّقٌ ; إِذِ الِاسْتِثْنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُمْلَةٍ يَعُودُ إِلَيْهَا، وَالْأَخِيرَةُ مُتَعَيِّنَةٌ لِقُرْبِهَا إِلَيْهِ.
الْخَامِسُ - أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى أَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; إِذْ لَا ضَرُورَةَ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِعَوْدِهِ إِلَى إِحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ فَيَتَقَيَّدُ بِالْأَقَلِّ الَّذِي هُوَ الْعَوْدُ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَمَا يَلِيهِ، أَيِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ، هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِلْعَوْدِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَالْأَقْرَبُ أَرْجَحُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَضَعَ الْوَاضِعُ فِي صُورَةِ تَعَدُّدِ الْجُمَلِ الِاسْتِثْنَاءَ الْوَاقِعَ بَعْدَهَا لِلْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الْعَوْدُ إِلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، كَمَا إِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَعُودُ إِلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَضْعُ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْجَمِيعِ مُحْتَمَلٌ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى ظَاهِرٌ، وَالِاحْتِمَالُ لَا يَرْفَعُ الظَّاهِرَ.
(2/290)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - الْقَائِلُ بِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ بِالْوَاوِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ عَوْدِهِ إِلَى الْأَخِيرَةِ وَإِلَى الْجَمِيعِ، احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَنْ إِرَادَةِ الْعَوْدِ إِلَى الْأَخِيرَةِ أَوْ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ دَلِيلُ الِاشْتِرَاكِ.
أَجَابَ بِأَنَّ حُسْنَ الِاسْتِفْهَامِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهِ، أَيْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَيَسْتَفْهِمُ لِيَعْلَمَ.
وَأَيْضًا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِرَفْعِ الِاحْتِمَالِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مُرَادًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ إِرَادَةِ الْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ وَإِلَى الْأَخِيرَةِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِمَا فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا.
أَجَابَ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَيُحْمَلُ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الْآخَرِ. وَالْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ، لَكِنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِرَاكِ.
[مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ]
ش - اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ.
وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ إِثْبَاتٌ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
(2/291)

لَنَا: النَّقْلُ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَكُنْ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " تَوْحِيدًا.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ لَلَزِمَ مِنْ " «لَا عِلْمَ إِلَّا بِحَيَاةٍ» "، " «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» "، ثُبُوتُ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِهِمَا.
قُلْنَا: لَيْسَ مُخْرِجًا مِنَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ ; فَإِنِ اخْتَارَ تَقْدِيرَ (لَا صَلَاةَ) إِلَّا صَلَاةً بِطَهُورٍ، اطَّرَدَ. وَإِنِ اخْتَارَ لَا صَلَاةَ تَثْبُتُ بِوَجْهٍ إِلَّا بِذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الشَّرْطِ الْمَشْرُوطُ.
وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي الْمَنْفِيِّ الْأَعَمِّ فِي مِثْلِهِ، وَفِي مِثْلِ مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ ; إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْفَرْضَ الْمُبَالَغَةُ بِذَلِكَ.
الثَّانِي - أَنَّهُ أَكَّدَهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/292)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ - النَّقْلُ.
فَإِنَّ أَئِمَّةَ النَّقْلِ وَاللُّغَةِ نَقَلُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتًا لَمْ يَكُنْ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " تَوْحِيدًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ النَّفْيَ الدَّاخِلَ عَلَى الْإِلَهِ نَفْيُ جَمِيعِ الْآلِهَةِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يُثْبِتِ الِاسْتِثْنَاءُ وَاحِدًا مِنْهَا، فَلَمْ يُشْعِرْ هَذَا اللَّفْظُ حِينَئِذٍ بِثُبُوتِ إِلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
ش - احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتًا لَزِمَ مِنْ قَوْلِنَا: «لَا عِلْمَ إِلَّا بِحَيَاةٍ» ، «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» ، ثُبُوتُ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِهِمَا؛ أَيْ بِمُجَرَّدِ الْحَيَاةِ وَالطَّهُورِ ; لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ النَّفْيِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَحَقَّقُ بِالْحَيَاةِ ; لِأَنَّ الْحَيَاةَ حَاصِلَةٌ لِلْحَيَوَانَاتِ بِدُونِ الْعِلْمِ.
وَكَذَا الصَّلَاةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِالطَّهُورِ وَحْدَهُ، لِجَوَازِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ إِنْ أُجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ شَيْءٍ لَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ، وَالْحَيَاةُ وَالطَّهُورُ لَيْسَا بِمُخْرَجَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ وَقَعَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ.
وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ قُدِّرَ أَمْرٌ آخَرُ، وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ عَلَى أَنَّهُ لَا عِلْمَ إِلَّا عِلْمٌ بِحَيَاةٍ ; وَلَا صَلَاةَ إِلَّا صَلَاةٌ بِطَهُورٍ، أَوْ يُقَدَّرَ عَلَى أَنَّهُ لَا عِلْمَ يَثْبُتُ بِوَجْهٍ إِلَّا بِحَيَاةٍ، وَلَا صَلَاةَ تَصِحُّ إِلَّا بِطَهُورٍ.
فَإِنِ اخْتَارَ التَّقْدِيرَ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَوَجَّهِ النَّقْضُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَطَّرِدُ
(2/293)

وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ مُفَرَّغٌ، وَكُلُّ مُفَرَّغٍ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِهِ.
ص - التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ.
الْغَزَّالِيُّ: الشَّرْطُ: مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/294)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْقَوْلُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ.
وَإِنِ اخْتَارَ التَّقْدِيرَ الثَّانِيَ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ مَشْرُوطٌ بِالْحَيَاةِ، وَالصَّلَاةَ مَشْرُوطَةٌ بِالطَّهَارَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّهُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ الِاطِّرَادُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الصَّلَاةِ عِنْدَ وُجُودِ الطَّهَارَةِ، وَعَدَمِ ثُبُوتِ الْعِلْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَيَاةِ ; لِجَوَازِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ.
وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يَكُونُ الْجَوَابُ مُقَرِّرًا لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ ; فَإِنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ لَمْ يَقْتَضِ إِلَّا عَدَمَ ثُبُوتِ الْمُسْتَثْنَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ الْجَوَابِ عَنْ إِشْكَالِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي الْمَنْفِيِّ الْأَعَمِّ فِي مِثْلِ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ، وَفِي مِثْلِ مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْمَنْفِيَّ الْأَعَمَّ، أَعْنِي الَّذِي يَنْفِي جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ - يَكُونُ التَّقْدِيرُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ: لَا صِفَةَ لِلصَّلَاةِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي وُجُودِهَا مِنَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا صِفَةُ الطَّهَارَةِ.
وَفِي الثَّانِي: لَا صِفَةَ لِزَيْدٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كَوْنِهِ زَيْدًا إِلَّا الْقِيَامُ.
(2/295)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَى الْأَوَّلِ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلصَّلَاةِ وَإِثْبَاتُ الطَّهُورِيَّةِ مِنْ بَيْنِهَا.
وَمَعْنَى الثَّانِي نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي زَيْدِيَّةٍ زَيْدٍ، وَإِثْبَاتُ الْقِيَامِ مِنْ بَيْنِهَا، وَلَا يَسْتَقِيمُ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ.
أَجَابَ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْمُرَادَ بِتَعْمِيمِ النَّفْيِ هَا هُنَا: الْمُبَالَغَةُ فِي تَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: لَا يُعْتَبَرُ صِفَةُ الطَّهُورِيَّةِ لِلصَّلَاةِ فَقِيلَ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ، أَيِ الصِّفَةُ الْمُعْتَبَرَةُ لِلصَّلَاةِ هِيَ الطَّهُورِيَّةُ فَيَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ نَفْيِ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُبَالَغَةَ فِي إِثْبَاتِ تِلْكَ الصِّفَةِ، لَا نَفْيَ الْكُلِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَالثَّانِي - أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ آكَدُ الْأَوْصَافِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا.
أُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مُفَرَّغٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُفَرَّغَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَاشَيْءَ مِنَ الْمُنْقَطِعِ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ ; إِذْ لَا تَعَلُّقَ لِلْمُنْقَطِعِ بِالْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ.
[التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ]
[تَعْرِيفُ الشَّرْطِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالِاسْتِثْنَاءِ شَرَعَ فِي التَّخْصِيصِ بِالشَّرْطِ.
قَالَ الْغَزَّالِيُّ: الشَّرْطُ: مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ الْمَشْرُوطُ عِنْدَهُ، أَيْ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ دَوْرٌ، إِذْ يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ الْمَشْرُوطِ عَلَى مَعْرِفَةِ الشَّرْطِ، وَقَدْ أَخَذَ الْمَشْرُوطُ فِي تَعْرِيفِ الشَّرْطِ. فَيَكُونُ دَوْرًا.
وَأَيْضًا: هَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ; لِأَنَّ جُزْءَ السَّبَبِ لَا يُوجَدُ الْمُسَبِّبُ دُونَهُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ الْمُسَبِّبُ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ جُزْءَ السَّبَبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِ الشَّرْطِ هُوَ: مَا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ عَلَيْهِ.
(2/296)

وَأَوْرَدَ أَنَّهُ دَوْرٌ.
وَعَلَى طَرْدِهِ: جُزْءُ السَّبَبِ.
وَقِيلَ: مَا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ عَلَيْهِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى عَكْسِهِ الْحَيَاةَ فِي الْعِلْمِ الْقَدِيمِ.
وَالْأَوْلَى: مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/297)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الْقَدِيمَةَ شَرْطٌ لِلْعِلْمِ الْقَدِيمِ، وَالْعِلْمُ لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ.
قِيلَ: هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الْحَدِّ ; فَإِنَّ الْحَيَاةَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ، وَتَأْثِيرُهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَيَاةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ الْحَيَاةَ شَرْطٌ لِلْعِلْمِ وَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْحَدِّ بِهَذَا الْوَجْهِ.
وَأَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقُدْرَةَ تَوَقَّفَ تَأْثِيرُهَا عَلَى الْحَيَاةِ ; فَإِنَّ ذَاتَ الصَّانِعِ تَعَالَى كَافِيَةٌ فِي تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ الشَّامِلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْحَيَاةِ.
وَإِبْطَالُ الطَّرْدِ بِالْمُؤَثِّرِ وَمُؤَثِّرِ الْمُؤَثِّرِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ ذِكْرَ تَأْثِيرِ الْمُؤَثِّرِ يُشْعِرُ بِخُرُوجِ الْمُؤَثِّرِ وَمُؤَثِّرِ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ لَا يَتَوَقَّفُ فِي تَأْثِيرِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى مُؤَثِّرِهِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى مُؤَثِّرِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ الشَّرْطِ: مَا اسْتَلْزَمَ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ آخَرَ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبِيبَةِ، أَيْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِهِ، وَلَا دَاخِلًا فِيهِ.
فَقَوْلُهُ: مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ كَالْجِنْسِ ; لِكَوْنِهِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ وَجُزْءِ السَّبَبِ.
وَالْبَاقِي كَالْفَصْلِ ; وَبِهِ يَخْرُجُ عَنْهُ السَّبَبُ وَجُزْؤُهُ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْحَدِّ شَرْطُ الْحُكْمِ وَشَرْطُ السَّبَبِ.
[الشَّرْطُ يَنْقَسِمُ إِلَى عَقْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ وَلُغَوِيٍّ]
ش - الشَّرْطُ يَنْقَسِمُ إِلَى عَقْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ وَلُغَوِيٍّ ; لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَحْكُمَ الْعَقْلُ بِشَرْطِيَّتِهِ، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: هُوَ الشَّرْطُ الْعَقْلِيُّ، كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ ; فَإِنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ بِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْحَيَاةِ، وَلَا يَحْكُمُ بِوُجُودِ الْعِلْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَيَاةِ.
وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ قَدْ حَكَمَ بِشَرْطِيَّتِهِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: هُوَ الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي: اللُّغَوِيُّ؛ مِثْلَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ; فَإِنَّ دُخُولَ الدَّارِ لَيْسَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ شَرْعًا، وَلَا عَقْلًا، بَلْ مِنَ الشُّرَطِ الَّتِي وَضَعَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ.
وَصِيغَةُ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ: (إِنِ) الْمُخَفَّفَةُ، وَ (إِذَا) وَ (مَنْ) وَ (مَا)
(2/298)

ص - وَهُوَ عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَشَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ، وَلُغَوِيٌّ، مِثْلَ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ (الدَّارَ) وَهُوَ فِي السَّبَبِيَّةِ أَغْلَبُ وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ سِوَاهُ. فَلِذَلِكَ يَخْرُجُ بِهِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ لُغَةً.
مِثْلَ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا، فَيَقْصُرُهُ الشَّرْطُ عَلَى الدَّاخِلِينَ.
ص - وَقَدْ يَتَّحِدُ الشَّرْطُ وَيَتَعَدَّدُ عَلَى الْجَمْعِ وَعَلَى الْبَدَلِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ، كُلٌّ مِنْهَا مَعَ الْجَزَاءِ كَذَلِكَ، فَتَكُونُ تِسْعَةً، وَالشَّرْطُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الِاتِّصَالِ وَفِي تَعَقُّبِهِ الْجُمَلَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لِلْجَمِيعِ. فَفَرَّقَ.
وَقَوْلُهُمْ فِي مِثْلِ: أُكْرِمْكَ إِنْ دَخَلْتَ (الدَّارَ) مَا تَقَدَّمَ خَبَرٌ، وَالْجَزَاءُ مَحْذُوفٌ - مُرَاعَاةٌ لِتَقَدُّمِهِ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالْقَسَمِ.
فَإِنْ عَنَوْا لَيْسَ بِجَزَاءٍ فِي اللَّفْظِ - فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ عَنَوْا وَلَا فِي الْمَعْنَى - فَعِنَادٌ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جُمْلَةُ رُوعِيَتِ الشَّائِبَتَانِ.
ص - التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطِّوَالَ.
وَهِيَ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ.
ص - التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا. فَتَقْصُرُهُ عَلَى غَيْرِ الدَّاخِلِينَ كَالصِّفَةِ.
وَقَدْ تَكُونُ هِيَ وَالْمُقَيَّدُ بِهَا مُتَّحِدَيْنِ وَمُتَعَدِّدَيْنِ كَالشَّرْطِ.
وَهِيَ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ.
ص - التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ.
يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْعَقْلِ.
لَنَا: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] .
وَأَيْضًا: " {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] " فِي خُرُوجِ الْأَطْفَالِ بِالْعَقْلِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ تَخْصِيصًا لَصَحَّتِ الْإِرَادَةُ لُغَةً.
قُلْنَا: التَّخْصِيصُ لِلْمُفْرَدِ، وَمَا نُسِبَ إِلَيْهِ مَانِعٌ (هُنَا) وَهُوَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ مُخَصِّصًا لَكَانَ مُتَأَخِّرًا ; لِأَنَّهُ بَيَانٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/299)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَ (مَهْمَا) وَ (حَيْثُمَا) وَ (إِذْ مَا) وَ (أَيْنَمَا) .
وَالشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ أَغْلَبُ اسْتِعْمَالِهِ فِي السَّبَبِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، نَحْوَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَالْعَالَمُ مُضِيءٌ.
وَالشَّرْعِيَّةِ نَحْوَ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] .
فَإِنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ سَبَبٌ لِضَوْءِ الْعَالَمِ عَقْلًا، وَالْجَنَابَةَ سَبَبٌ لِوُجُودِ التَّطْهِيرِ شَرْعًا.
وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ شَرْطٌ آخَرُ سِوَاهُ، أَيْ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ الْأَخِيرِ نَحْوَ: إِنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْكَ. فَإِنَّ الْإِتْيَانَ شَرْطٌ لَمْ يَبْقَ لِلْإِكْرَامِ سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا أُدْخِلَ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ عَلَيْهِ عُلِمَ أَنَّ أَسْبَابَ الْإِكْرَامِ حَاصِلَةٌ، وَلَكِنْ تَوَقَّفَ عَلَى حُصُولِ الْإِتْيَانِ.
قَوْلُهُ: " وَلِذَلِكَ " أَيْ وَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْطَ مُخَصِّصٌ يَخْرُجُ بِهِ، أَيْ بِالشَّرْطِ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ، أَيِ الشَّرْطُ - لَدَخَلَ فِيهِ لُغَةً، وَذَلِكَ نَحْوَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا الدَّارَ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ يَقْصُرُ الْإِكْرَامَ عَلَى الدَّاخِلِينَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ غَيْرُ الدَّاخِلِينَ، وَلَوْلَا الشَّرْطُ لَعَمَّ الْإِكْرَامُ.
وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: " لُغَةً " لِيَدْخُلَ فِيهِ قَوْلُنَا: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِنْ قَدَرْتَ ; لِأَنَّ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ مَعْلُومَةُ الْخُرُوجِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ الشَّرْطِ، لَكِنَّ خُرُوجَهَا عَنْهُ عَقْلًا، لَا يُنَافِي دُخُولَهَا فِيهِ لُغَةً، فَيَصْدُقُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ: لَوْلَا الشَّرْطُ لَدَخَلَ فِيهِ لُغَةً.
(2/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قِيلَ: قَوْلُهُ: " لِذَلِكَ " أَيْ فَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْطَ: مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ، يَخْرُجُ بِهِ لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ لُغَةً.
وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ الصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ لَوْلَا شَرْطُ الدُّخُولِ لَعَمَّ الْإِكْرَامُ. لَكِنْ لَمَّا تَحَقَّقَ شَرْطُ الدُّخُولِ خَرَجَ غَيْرُ الدَّاخِلِينَ مِنَ الْمَأْمُورِينَ بِإِكْرَامِهِمْ.
وَمِنَ الشَّارِحِينَ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: " وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَيْسَ بِسَبَبٍ فِي الْوَاقِعِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُلَ السَّبَبُ عِنْدَ حُصُولِهِ لِوُجُودِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ سِوَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، نَحْوَ: إِنْ تَأْتِينِي أُكْرِمْكَ. فَإِنَّ الْإِتْيَانَ لَيْسَ سَبَبَ الْإِكْرَامِ لَا شَرْعًا وَلَا عَقْلًا، وَلَكِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلْإِكْرَامِ حَاصِلَةٌ، لَكِنْ تَوَقَّفَ عَلَى حُصُولِ الْإِتْيَانِ.
ثُمَّ قَالَ: قَوْلُهُ: وَلِذَلِكَ يَخْرُجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ " أَيْ لِأَنَّ الْمَدْخُولَ عَلَيْهِ أَدَاةُ الشَّرْطِ مِمَّا لَيْسَ بِسَبَبٍ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ سِوَاهُ، خَرَجَ مَا لَوْلَاهُ - لَدَخَلَ لِوُجُودِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ - لَكَانَ غَيْرُ الدَّاخِلِ أَيْضًا مَأْمُورًا بِإِكْرَامِهِ.
قَوْلُهُ: " لَدَخَلَ لُغَةً " أَيِ الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ اقْتَضَى الدُّخُولَ.
وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مُمَانِعٌ كَانَ مِنْ خَارِجِ اللُّغَةِ.
(2/301)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
هَذَا مَا قَالَهُ.
وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِبَعِيدٍ.
[قَدْ يَتَّحِدُ الشَّرْطُ وَيَتَعَدَّدُ عَلَى الْجَمْعِ وَعَلَى الْبَدَلِ]
ش - الشَّرْطُ قَدْ يَتَّحِدُ، مِثْلَ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ، وَقَدْ يَتَعَدَّدُ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، مِثْلَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ وَالسُّوقَ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ ; مِثْلَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ أَوِ السُّوقَ
(2/302)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيَكُونُ ثَلَاثَةً.
وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُ مُتَّحِدًا مِثْلَ: فَأَكْرِمْهُ، أَوْ مُتَعَدِّدًا، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ مِثْلَ أَكْرِمْهُ وَأَعْطِهِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ نَحْوَ: أَكْرِمْهُ أَوْ أَعْطِهِ، فَتَكُونُ الْأَقْسَامُ تِسْعَةً، وَالشَّرْطُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الِاتِّصَالِ لَفْظًا أَوْ فِي حُكْمِهِ.
وَأَيْضًا: الشَّرْطُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي تَعَقُّبِهِ الْجُمَلَ، أَيْ إِذَا وَقَعَ الشَّرْطُ عُقَيْبَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ بِالْوَاوِ - يَعُودُ إِلَى الْكُلِّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ الَّذِي اخْتَارَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ الْوَاقِعَ عُقَيْبَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ بِالْوَاوِ يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ.
فَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ بِعَوْدِ الشَّرْطِ إِلَى الْجَمِيعِ وَعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْأَخِيرَةِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَأَخِّرٌ، وَالشَّرْطُ وَإِنْ تَأَخَّرَ لَفْظًا فَهُوَ مُقَدَّمُ مَعْنًى.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ النُّحَاةِ: أُكْرِمْكَ، فِي مِثْلِ: أُكْرِمْكَ إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ خَبَرٌ، وَالْجَزَاءُ مَحْذُوفٌ - مُرَاعَاةً لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ،
(2/303)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَتَقَدُّمِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْقَسَمِ.
فَقَوْلُهُ: " قَوْلُهُمْ " مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ: مُرَاعَاةٌ خَبَرُهُ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إِنْ عَنَوْا أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ لَيْسَ بِجَزَاءٍ لِلشَّرْطِ فِي اللَّفْظِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ عَنَوْا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَزَاءٍ لِلشَّرْطِ، لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، فَهُوَ عِنَادٌ ; لِأَنَّ الْإِكْرَامَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدُّخُولِ فَيَتَأَخَّرُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَيَكُونُ جَزَاءً لَهُ مَعْنًى.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ - أَيْ أُكْرِمْكَ - جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ دُونَ الْمَعْنَى رُوعِيَتِ الشَّائِبَتَانِ فِيهِ؛ أَيْ شَائِبَةُ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، فَحُكِمَ بِكَوْنِهِ خَبَرًا، وَشَائِبَةُ عَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَحُكِمَ بِأَنَّ الْجَزَاءَ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
[التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ]
ش - مِنْ أَقْسَامِ التَّخْصِيصِ بِالْمُتَّصِلِ: التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطِّوَالَ.
(2/304)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَحُكْمُهُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ إِذْ وَقَعَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ بِالْوَاوٍ فِي عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ أَوْ إِلَى الْأَخِيرَةِ.
[التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ]
ش - مِنْ أَقْسَامِ التَّخْصِيصِ بِالْمُتَّصِلِ: التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ. وَصِيغَتُهَا: إِلَى وَحَتَّى.
وَحُكْمُ مَا بَعْدَهَا يُخَالِفُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا، فَيَقْتَصِرُ الْإِكْرَامُ عَلَى غَيْرِ الدَّاخِلِينَ، كَالصِّفَةِ.
وَقَدْ تَكُونُ الْغَايَةُ وَالْمُغَيَّا، أَيِ الْمُقَيَّدُ بِهَا مُتَّحِدَيْنِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا، وَقَدْ يَكُونَانِ مُتَعَدِّدَيْنِ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَأَعْطِهِمْ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا وَيَقُومُوا. أَوْ
(2/305)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ أَعْطِهِمْ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا أَوْ يَقُومُوا.
وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُتَّحِدًا وَالْآخَرُ مُتَعَدِّدًا.
فَتَكُونُ الْأَقْسَامُ تِسْعَةً كَالشَّرْطِ.
وَتُعْرَفُ أَمْثِلَةُ بَاقِي الْأَقْسَامِ مِمَّا مَرَّ.
وَالْغَايَةُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ أَوْ إِلَى الْأَخِيرَةِ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ بِالْوَاوِ.
وَالْخِلَافُ فِيهَا كَالْخِلَافِ فِيهِ.
[التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ]
[التَّخْصِيصُ بِالْعَقْلِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ بِالْمُتَّصِلِ، شَرَعَ فِي أَقْسَامِ الْمُنْفَصِلِ.
وَهُوَ: الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ، وَالْحِسِّيُّ، وَالنَّقْلِيُّ الْقَطْعِيُّ، وَالنَّقْلِيُّ الظَّنِّيُّ.
(2/306)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَابْتَدَأَ بِالتَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ.
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ مُخَصِّصٌ، وَخَالَفَهُمْ شُذُوذٌ مِنَ النَّاسِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] يُفِيدُ الْعُمُومَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ وَالْمُمْتَنِعَ. وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ وَالْمُمْتَنِعُ مَخْلُوقَيْنِ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ.
الثَّانِي - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] فَإِنَّ قَوْلَهُ: " عَلَى النَّاسِ " يُفِيدُ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى كُلِّ مَنْ هُوَ إِنْسَانٌ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَالْعَقْلُ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْوُجُوبِ، فَيَكُونُ الْعَقْلُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ.
ش - احْتَجَّ الشُّذُوذُ بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - لَوْ كَانَ مَنْعُ الْعَقْلِ مَخْلُوقِيَّةَ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَتَعَلَّقَ وُجُوبُ الْحَجِّ بِالْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ تَخْصِيصًا لِلْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَصَحَّتْ إِرَادَةُ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وَإِرَادَةُ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى النَّاسِ، لُغَةً.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يُرِيدُ بِلَفْظِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ إِخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَمَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ يَصِحُّ إِرَادَتُهُ مِنْهُ.
أَجَابَ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ لِلْمُفْرَدِ، وَصِحَّةُ الْإِرَادَةِ مُتَحَقِّقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُفْرَدِ وَهُوَ " كُلِّ شَيْءٍ " فِي الْآيَةِ الْأُولَى،
(2/307)

قُلْنَا: لَكَانَ مُتَأَخِّرًا بَيَانُهُ، لَا ذَاتُهُ.
قَالُوا: لَوْ جَازَ (بِهِ لَجَازَ) النَّسْخُ.
قُلْنَا: النَّسْخُ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ مَحْجُوبٌ عَنْ نَظَرِ الْعَقْلِ، قَالُوا: تَعَارَضَا.
قُلْنَا: فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِالْمُحْتَمَلِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.
أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: إِنْ كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا، وَإِلَّا فَالْعَامُّ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ تَسَاقَطَا.
لَنَا: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} [البقرة: 234] .
وَكَذَلِكَ {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ} [المائدة: 5] مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] .
وَأَيْضًا: لَا يَبْطُلُ الْقَاطِعُ بِالْمُحْتَمَلِ.
ص - قَالُوا: إِذَا قَالَ: اقْتُلْ زَيْدًا ثُمَّ قَالَ: لَا تَقْتُلِ الْمُشْرِكِينَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَقْتُلُ زَيْدًا؛ فَالثَّانِي نَاسِخٌ.
قُلْنَا: التَّخْصِيصُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَغْلَبُ، وَلَا رَفْعَ فِيهِ لَوْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ.
قَالُوا: عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ: (لِتُبَيِّنَ)
قُلْنَا: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] .
وَالْحَقُّ أَنَّهُ الْمُبَيَّنُ بِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ.
قَالُوا: الْبَيَانُ يَسْتَدْعِي التَّأَخُّرَ.
قُلْنَا: اسْتِبْعَادٌ.
قَالُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/308)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَ " النَّاسِ " فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَا نُسِبَ إِلَيْهِ الْمُفْرَدُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مَانِعٌ مِنْ إِرَادَةِ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ مِنْهُ، وَمَا نُسِبَ إِلَيْهِ الْمُفْرَدُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مَانِعٌ مِنْ إِرَادَةِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ مِنْهُ، فَحُكْمُ الْعَقْلِ بِالتَّخْصِيصِ.
الثَّانِي - أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ لَوْ كَانَ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ لَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْعَامِّ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخِطَابِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بَيَانًا ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ، وَالْبَيَانُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمُبَيَّنِ.
أَجَابَ بِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْعَامِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ بَيَانٌ، وَمُقَدَّمٌ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الذَّاتِ.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّخْصِيصُ بِالْعَقْلِ لَجَازَ النَّسْخُ بِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ لِعَدَمِ نُفُوذِ الْحُكْمِ كَالنَّسْخِ.
أَجَابَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّسْخَ مَحْجُوبٌ عَنْ نَظَرِ الْعَقْلِ، سَوَاءٌ فُسِّرَ بِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَوْ بِرَفْعِهِ، كَمَا سَيَأْتِي، لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(2/309)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ؛ فَإِنَّ الْعَقْلَ يَقْطَعُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
الرَّابِعُ - الْعَامُّ مُقْتَضٍ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ، وَالْعَقْلُ رَافِعٌ لَهُ، فَيَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِالْآخَرِ.
قُلْنَا: لَمَّا كَانَ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِمُقْتَضَى الْآخَرِ وَجَبَ تَأْوِيلُ الْعَامِّ بِمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ غَيْرُ مُرَادٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَوَّلًا إِلَى رَفْعِهِمَا، وَالْعَقْلُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَالْعَامُّ يَقْبَلُهُ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
(2/310)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ]
ش - يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ الْعَامِّ بِالْكِتَابِ الْخَاصِّ، سَوَاءٌ كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا أَوْ مُتَقَدِّمًا، هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَمَنَعَ طَائِفَةٌ تَخْصِيصَ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ الْعَامِّ بِالْكِتَابِ الْخَاصِّ إِذَا كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْعَامُّ مُتَأَخِّرًا فَهُوَ نَاسِخٌ لِلْخَاصِّ.
فَإِنْ جُهِلَ تَسَاقَطَا.
احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - وُقُوعُ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمَ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] .
(2/311)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَيْضًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] " مَعَ تَأَخُّرِ الْعَامِّ فِيهِمَا عَنِ الْخَاصِّ.
الثَّانِي - دَلَالَةُ الْعَامِّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَاصُّ لَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ نَصٍّ فِيهِ.
بِخِلَافِ دَلَالَةِ الْخَاصِّ، فَإِنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ لِكَوْنِهِ نَصًّا، وَالْقَاطِعُ لَا يَبْطُلُ بِالْمُحْتَمَلِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ لَا يُخَصَّصُ بِالْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ، احْتَجُّوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَفْرَادِ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: اقْتُلْ زَيْدًا الْمُشْرِكَ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَقْتُلِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا: لَا تَقْتُلُ زَيْدًا الْمُشْرِكَ وَلَا خَالِدًا الْمُشْرِكَ وَلَا عَمْرًا الْمُشْرِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: اقْتُلْ زَيْدًا؛ فَكَذَا مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَقْتُلِ الْمُشْرِكِينَ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ بِخِلَافِ صُورَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ، وَإِذَا احْتَمَلَ التَّخْصِيصَ وَاحْتَمَلَ النَّسْخَ فَالْحَمْلُ عَلَى التَّخْصِيصِ أَوْلَى ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنَ النَّسْخِ.
وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا رَفْعَ فِيهِ لِلْحُكْمِ، كَمَا لَوْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ بِخِلَافِ النَّسْخِ فَإِنَّ فِيهِ رَفْعًا لِلْحُكْمِ.
وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُبْطِلُ الْعَامَّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالنَّسْخَ يُبْطِلُ الْعَامَّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ - وَلَوْ بِوَجْهٍ - أَوْلَى.
الثَّانِي - وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ يَنْفِي تَخْصِيصَ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ مُطْلَقًا - أَنَّ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
(2/312)

(فَالْأَحْدَثِ) .
قُلْنَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْمُخَصِّصِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/313)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
{لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النحل: 44] لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الْمُبَيِّنُ لِكُلِّ الْقُرْآنِ، فَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ مُخَصِّصًا لِلْكِتَابِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُبَيِّنُ غَيْرَهُ. وَإِذَا كَانَ غَيْرُ الرَّسُولِ مُبَيِّنًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الرَّسُولُ مُبَيِّنًا، لِامْتِنَاعِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، فَيَلْزَمُ الْمُخَالَفَةُ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِالْمُعَارَضَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] يَدُلُّ أَنَّ الْقُرْآنَ مُبَيِّنٌ لِكُلِّ شَيْءٍ.
فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مُبَيَّنًا بِغَيْرِهِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُبَيِّنًا بِالْقُرْآنِ. وَإِلَّا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُبَيِّنًا بِالْقُرْآنِ يَلْزَمُ الْمُخَالَفَةُ.
وَلَمَّا كَانَ الْجَوَابُ بِالْمُعَارَضَةِ جَدَلِيًّا لَمْ يَقْتَصِرِ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ مَا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ الْمُبَيِّنُ، لَكِنَّ بَيَانَهُ قَدْ يَكُونُ بِالْكِتَابِ وَقَدْ يَكُونُ بِالسُّنَّةِ.
وَكَوْنُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُبَيِّنًا لَا يُنَافِي كَوْنَ الْكِتَابِ مُبَيِّنًا، لِأَنَّ الْبَيَانَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الرَّسُولِ، يَجُوزُ أَنْ يَنْسُبَ إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي يُبَيِّنُ الرَّسُولُ بِهِ.
الثَّالِثُ - لَوْ كَانَ الْخَاصُّ الْمُتَقَدِّمُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْعَامِّ ; لِأَنَّ الْبَيَانَ يَسْتَدْعِي تَأْخِيرَهُ عَنِ الْمُبَيَّنِ.
(2/314)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيَانَ يَسْتَدْعِي تَأَخُّرَهُ عَنِ الْمُبَيَّنِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَأَخُّرِهِ، وَالِاسْتِبْعَادُ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْجَوَازِ.
الرَّابِعُ - أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ أَحْدَثُ مِنَ الْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَالْأَخْذُ بِالْأَحْدَثِ وَاجِبٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ.
أَجَابَ بِأَنَّا نَحْمِلُ الْعَامَّ الْأَحْدَثَ الَّذِي يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ عَلَى غَيْرِ الْمُخَصِّصِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ الْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ الْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ، فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْمُخَصِّصِ.
[مَسْأَلَةٌ: تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ]
ش - يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةُ بِالسُّنَّةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ، الْوُقُوعُ. فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» مُخَصِّصُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ".
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْخِلَافِ، وَفِي إِقَامَةِ الدَّلَائِلِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَرَدِّ دَلَائِلِهِمْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجَوَابِ.
(2/315)

لَنَا: " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ " مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ: " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ".
وَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الْخِلَافِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ.
لَنَا {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] .
وَأَيْضًا: لَا يَبْطُلُ الْقَاطِعُ بِالْمُحْتَمَلِ.
ص - قَالُوا: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النحل: 44] وَقَدْ تَقَدَّمَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ.
وَبِالْمُتَوَاتِرِ اتِّفَاقًا.
ابْنُ أَبَانَ: إِنْ كَانَ خُصَّ بِقَطْعِيٍّ.
الْكَرْخِيُّ: إِنْ كَانَ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ.
الْقَاضِي بِالْوَقْفِ.
لَنَا: أَنَّهُمْ خَصُّوا {وَأُحِلَّ لَكُمْ} [النساء: 24] بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا» ".
وَ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} [النساء: 11] بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ وَلَا الْكَافِرُ مِنَ الْمُسْلِمِ وَلَا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ» " وَ " «نَحْنُ - مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - لَا نُورَثُ» ".
وَأَوْرَدَ: إِنْ كَانُوا أَجْمَعُوا فَالْمُخَصِّصُ: الْإِجْمَاعُ، وَإِلَّا فَلَا دَلِيلَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/316)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ]
ش - يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ، خِلَافًا لِبَعْضٍ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] . وَسُنَّةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْعُمُومِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مُخَصِّصًا لِلسُّنَّةِ.
الثَّانِي أَنَّ الْقُرْآنَ الْخَاصَّ قَاطِعٌ مِنْ حَيْثُ الْمَتْنُ وَمِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ، وَالْعَامُّ الَّذِي هُوَ السُّنَّةُ مُحْتَمَلٌ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ، فَيَكُونُ الْقُرْآنُ مُخَصِّصًا لَهَا ; لِأَنَّ الْقَاطِعَ لَا يَبْطُلُ بِالْمُحْتَمَلِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ قَالُوا: السُّنَّةُ مُبَيِّنَةٌ لِغَيْرِهَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [النحل: 44] .
فَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ مُبَيِّنًا لَهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِمُبَيِّنِهِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ.
(2/317)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ أَنَّ الْمُبَيِّنَ هُوَ الرَّسُولُ ; إِمَّا بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِ الرَّسُولِ مُبَيِّنًا وَبَيْنَ كَوْنِ الْقُرْآنِ مُبَيِّنًا.
[مَسْأَلَةٌ: تَخْصِيصُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]
ش - يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ - أَعْنِي الشَّافِعِيَّ وَمَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ - إِلَى جَوَازِهِ.
وَمَنَعَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: إِنْ خُصَّ الْكِتَابُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ جَازَ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ جَازَ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي الْوَقْفَ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَمْ يَقَعْ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ.
(2/318)

قُلْنَا: أَجْمَعُوا عَلَى التَّخْصِيصِ بِهَا.
ص - قَالُوا: رَدَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً لَمَّا كَانَ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] .
وَلِذَلِكَ " قَالَ: كَيْفَ نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ.
قُلْنَا: لِتَرَدُّدِهِ فِي صِدْقِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ: لَا نَدْرِي أَصْدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ.
قَالُوا: الْعَامُّ قَطْعِيٌّ، وَالْخَبَرُ ظَنِّيٌّ.
وَزَادَ ابْنُ أَبَانَ وَالْكَرْخِيُّ: لَمْ يَضْعُفْ بِالتَّجَوُّزِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/319)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا» " مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: " {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] ".
وَأَيْضًا: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ وَلَا الْكَافِرُ مِنَ الْمُسْلِمِ وَلَا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ» " وَقَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «نَحْنُ - مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - لَا نُورَثُ؛ فَمَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» ". مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] .
(2/320)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ إِنْ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْصِيصِ الْآيَتَيْنِ فَالْمُخَصِّصُ: الْإِجْمَاعُ، لَا خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى تَخْصِيصِهَا - فَلَا دَلِيلَ عَلَى تَخْصِيصِهَا ; إِذِ الدَّلِيلُ هُوَ الْإِجْمَاعُ، وَقَدِ انْتَفَى.
أَجَابَ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْصِيصِ الْآيَتَيْنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَا عَلَى تَخْصِيصِ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ مُطْلَقًا، فَيَكُونُ الْمُخَصِّصُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، لَا الْإِجْمَاعَ إِلَّا أَنَّ كَوْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُخَصِّصًا إِنَّمَا هُوَ بِالْإِجْمَاعِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَالُوا: إِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَدَّ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُعْتَدَّةِ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً» ؛ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
(2/321)

قُلْنَا: التَّخْصِيصُ فِي الدَّلَالَةِ وَهِيَ ظَنِّيَّةٌ (فَالْجَمْعُ أَوْلَى) .
ص - الْقَاضِي: كِلَاهُمَا قَطْعِيٌّ مِنْ وَجْهٍ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ، قُلْنَا: الْجَمْعُ أَوْلَى.
ص - مَسْأَلَةٌ: الْإِجْمَاعُ يُخَصِّصُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ كَتَنْصِيفِ آيَةِ الْقَذْفِ عَلَى الْعَبْدِ.
وَلَوْ عَمِلُوا بِخِلَافِ نَصٍّ تَضَمَّنَ نَاسِخًا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْعَامُّ يُخَصُّ بِالْمَفْهُومِ إِنْ قِيلَ بِهِ، وَمِثْلَ فِي الْأَنْعَامِ زَكَاةٌ، فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعَامُّ أَقْوَى فَلَا مُعَارَضَةَ.
قُلْنَا: الْجَمْعُ أَوْلَى كَغَيْرِهِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) فِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُخَصِّصُ الْعُمُومَ كَمَا لَوْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: الْوِصَالُ أَوِ الِاسْتِقْبَالُ لِلْحَاجَةِ أَوْ كَشْفُ الْفَخِذِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. ثُمَّ فَعَلَ؛ فَإِنْ ثَبَتَ الِاتِّبَاعُ بِخَاصٍ - فَنَسْخٌ، وَإِنْ ثَبَتَ بِعَامٍّ - فَالْمُخْتَارُ تَخْصِيصُهُ بِالْأَوَّلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/322)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
" {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} [الطلاق: 6] ". وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ.
وَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ الْوَاحِدُ مُخَصِّصًا لِلْكِتَابِ لَمَا رَدَّهُ وَلَمْ يَقُلْ: كَيْفَ نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا رَدَّ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لِكَوْنِهِ مُخَصِّصًا لِلْكِتَابِ، بَلْ لِتَرَدُّدِهِ فِي صِدْقِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ: لَا نَدْرِي أَصْدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ يُظَنَّ صِدْقُهُ عَدَمُ تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمَظْنُونِ صِدْقُهُ.
وَقَالُوا أَيْضًا: الْعَامُّ لِكَوْنِهِ كِتَابًا قَطْعِيٌّ، وَالْخَاصُّ لِكَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ، وَالظَّنِّيُّ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْقَطْعِيِّ.
وَزَادَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ - مُثْبِتًا لِمَذْهَبِهِ - أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ قَطْعِيٌّ، وَلَمْ يُضَعَّفْ قَطْعُهُ بِالتَّجَوُّزِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُخَصَّصْ بِقَطْعِيٍّ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ، فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْقَطْعِيِّ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ أَيْضًا: الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ بِمُنْفَصِلٍ قَطْعِيٌّ، وَلَمْ يُضَعَّفْ قَطْعُهُ بِالتَّجَوُّزِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخَصَّصْ بِمُنْفَصِلٍ، فَلَا يُقَدَّمُ الظَّنِّيُّ عَلَيْهِ.
(2/323)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ عَنِ الْجَمِيعِ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي دَلَالَةِ الْعَامِّ، لَا فِي مَتْنِهِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى إِفْرَادِهِ ظَنِّيَّةٌ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْخَبَرِ الْمَظْنُونِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ - وَلَوْ بِوَجْهٍ - أَوْلَى.
ش - قَالَ الْقَاضِي: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ قَطْعِيٌّ مِنْ وَجْهٍ ظَنِّيٌّ مِنْ وَجْهٍ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْ حَيْثُ الْمَتْنُ قَطْعِيٌّ، وَمِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ ظَنِّيٌّ لِكَوْنِهِ عَامًّا.
وَأَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَمِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ قَطْعِيٌّ لِكَوْنِهِ خَاصًّا وَمِنْ حَيْثُ الْمَتْنُ ظَنِّيٌّ، فَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، بَلْ يُتَوَقَّفُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ يَلْزَمُ التَّرْكُ بِهِمَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى.
(2/324)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: الْإِجْمَاعُ يُخَصِّصُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ]
ش - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُخَصِّصُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ خَصَّصَ آيَةَ الْقَذْفِ بِالْأَحْرَارِ، فَإِنَّ حَدَّ الْعَبْدِ فِي الْقَذْفِ نِصْفُ حَدِّ الْأَحْرَارِ.
وَلَوْ عَمِلَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ نَصٍّ لَا يَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ نَاسِخًا لِذَلِكَ النَّصِّ؛ بَلِ النَّاسِخُ هُوَ الدَّلِيلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْإِجْمَاعُ وَهُوَ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
وَتَخْصِيصُ الْإِجْمَاعِ كَذَلِكَ فَإِنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْإِجْمَاعُ هُوَ الْمُخَصِّصُ وَالْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْعَامُّ يُخَصُّ بِالْمَفْهُومِ]
ش - الْعَامُّ يُخَصُّ بِالْمَفْهُومِ إِنْ قِيلَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: اضْرِبْ كُلَّ مَنْ دَخَلَ الدَّارَ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ فَلَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ضَرْبِ زَيْدٍ وَإِخْرَاجِهِ عَنِ الْعُمُومِ نَظَرًا إِلَى مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ.
(2/325)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوْ كَانَ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، وَمَثَّلَ لِذَلِكَ: " «فِي الْأَنْعَامِ زَكَاةٌ» "، " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» "؛ فَإِنَّهُ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ بِإِخْرَاجِ الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ نَظَرًا إِلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
وَإِنَّمَا خَصَّصَ الْعَامَّ بِالْمَفْهُومِ إِنْ قِيلَ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعَامُّ أَقْوَى لِكَوْنِ دَلَالَتِهِ بِحَسَبِ الْمَنْطُوقِ فَيَكُونُ رَاجِحًا. وَالْمَرْجُوحُ لَا يُعَارِضُ الرَّاجِحَ فَلَا يُخَصِّصُهُ.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْعَامَّ وَإِنْ كَانَ رَاجِحًا مِنْ حَيْثُ الْمَنْطُوقُ إِلَّا أَنَّهُ مَرْجُوحٌ لِعُمُومِ دَلَالَتِهِ وَخُصُوصِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ - وَلَوْ بِوَجْهٍ - أَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ: فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم يُخَصِّصُ الْعُمُومَ]
ش - إِذْ فَعَلَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِعْلًا مُخَالِفًا لِعَامٍّ - كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُخَصِّصًا لِذَلِكَ الْعَامِّ فِي حَقِّ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا إِذَا قَالَ: الْوِصَالُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَوِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَوْ كَشْفُ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ثُمَّ وَصَلَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَوْمَ يَوْمٍ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَكَشَفَ الْعَوْرَةَ.
فَإِنْ ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّبَاعِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اتَّبِعُونِي فِي الْوِصَالِ أَوْ فِي الِاسْتِقْبَالِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ فِي كَشْفِ الْعَوْرَةِ، يَكُونُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ الْخَاصُّ نَاسِخًا لِلْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ لِتَأَخُّرِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ السَّابِقِ، لَا نَاسِخًا لَهُ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ
(2/326)

وَقِيلَ: الْعَمَلُ بِمُوَافِقِ الْفِعْلِ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
لَنَا: التَّخْصِيصُ أَوْلَى لِلْجَمْعِ.
قَالُوا: الْفِعْلُ أَوْلَى بِخُصُوصِهِ.
قُلْنَا: الْكَلَامُ فِي الْعُمُومَيْنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ: إِذَا عَلِمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِفِعْلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/327)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
- عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَقْبَلَ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْبُنْيَانِ، وَقَوْلُهُ: " «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ» يَعُمُّ الْبُنْيَانَ وَغَيْرَهُ. فَخُصَّ النَّهْيُ بِالصَّحْرَاءِ وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا تَكْشِفُوا الْعَوْرَةَ، وَكَشَفَهَا فِي خَلْوَةٍ.
(2/328)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى اتِّبَاعِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ عَامًّا، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: " {فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] "، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ - تَخْصِيصُ دَلِيلِ الِاتِّبَاعِ بِالْعَامِّ السَّابِقِ، أَيْ تَبْقَى الْحُرْمَةُ عَلَى الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ وَتُخَصَّصُ آيَةُ الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
الثَّانِي - الْعَمَلُ بِمُوَافِقِ الْفِعْلِ، أَيِ الْعَمَلُ بِآيَةِ الِاتِّبَاعِ.
الثَّالِثُ - الْوَقْفُ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ تَخْصِيصَ دَلِيلِ الِاتِّبَاعِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ ; لِأَنَّ دَلِيلَ الِاتِّبَاعِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَغَيْرَهُ، فَإِذَا خُصَّ عَنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ يَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِي الْبَاقِي.
قِيلَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْفِعْلِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْفِعْلَ خَاصٌّ بِالرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْعَامُّ الْمُتَقَدِّمُ شَامِلٌ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، وَالْخَاصُّ أَقْوَى، وَالْعَمَلُ بِالْأَقْوَى أَوْلَى.
أُجِيبُ بِأَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ الْعَامِّ السَّابِقِ وَالْعَامِّ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ الِاتِّبَاعِ، لَا التَّعَارُضُ بَيْنَ الْفِعْلِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ السَّابِقِ.
[مَسْأَلَةٌ: إِذَا عَلِمَ صلى الله عليه وسلم بِفِعْلٍ مُخَالِفٍ فَلَمْ يُنْكِرْهُ كَانَ مُخَصِّصًا لِلْفَاعِلِ]
ش - إِذَا فَعَلَ وَاحِدٌ فِعْلًا مُخَالِفًا لِعَامٍّ، وَعَلِمَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ الَّذِي قَرَّرَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَاعِلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، لِأَنَّ سُكُوتَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ الْعِلْمِ بِهِ ; دَلِيلُ جَوَازِ ذَلِكَ الْفِعْلِ.
فَإِنْ تَبَيَّنَ مَعْنًى يُوجِبُ جَوَازَ ذَلِكَ الْفِعْلِ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ الْفَاعِلِ مُوَافِقُهُ؛ أَيْ مَنْ وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ، إِمَّا بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْعَامِّ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْعَامِّ، إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يَجُوزُ النَّسْخُ بِالْقِيَاسِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مَعْنًى يُوجِبُ جَوَازَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى جَوَازَ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنَ الْفَاعِلِ إِلَى غَيْرِهِ، لِتَعَذُّرِ دَلِيلِ التَّعَدِّي.
أَمَّا الْقِيَاسُ فَلِعَدَمِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْجَوَازِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلِأَنَّهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْعَامِّ بِالْكُلِّيَّةِ.
فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ بِأَنْ يُخَصَّ الْعَامُّ فَيُحْمَلَ عَلَى غَيْرِ
(2/329)

مُخَالِفٍ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ - كَانَ مُخَصِّصًا لِلْفَاعِلِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ مَعْنًى حُمِلَ عَلَيْهِ مُوَافِقُهُ بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِـ " حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ ".
لَنَا: أَنَّ سُكُوتَهُ دَلِيلُ الْجَوَازِ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ، فَالْمُخْتَارُ لَا يَتَعَدَّى لِتَعَذُّرِ دَلِيلِهِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ، وَلَوْ كَانَ الرَّاوِي.
خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
لَنَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
ص - قَالُوا: يَسْتَلْزِمُ دَلِيلًا، وَإِلَّا كَانَ فَاسِقًا، فَيَجِبُ الْجَمْعُ.
قُلْنَا: يَسْتَلْزِمُ دَلِيلًا فِي ظَنِّهِ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ اتِّبَاعُهُ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ ظَنِّيًّا لَبَيَّنَهُ.
قُلْنَا: وَلَوْ كَانَ قَطْعِيًّا لَبَيَّنَهُ.
وَأَيْضًا: لَمْ يَخْفَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَيْضًا: لَمْ يَجُزْ لِصَحَابِيٍّ آخَرَ مُخَالَفَتُهُ وَهُوَ اتِّفَاقٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ أَنَّ الْعَادَةَ فِي تَنَاوُلِ بَعْضِ خَاصٍّ، لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/330)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْفَاعِلِ، وَيُحْمَلَ التَّقْرِيرُ عَلَى الْفَاعِلِ فَقَطْ، وَالْحَدِيثُ يُحْمَلُ عَلَى الصُّوَرِ الَّتِي تَبَيَّنَ فِيهَا الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْجَوَازِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ]
ش - إِذَا كَانَ مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ مُخَالِفًا لِعَامٍّ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ، وَإِنْ كَانَ الصَّحَابِيُّ الَّذِي مَذْهَبُهُ مُخَالِفٌ لِلْعَامِّ رَاوِيًا لِلْعَامِّ.
كَمَذْهَبِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ، فَإِنَّهُ يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الْعَامَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» "، لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنْ يُغْسَلَ ثَلَاثًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ.
(2/331)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ يُخَصِّصُ الْعَامَّ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعَامَّ حُجَّةٌ، وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ، فَلَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ يُخَصِّصُ الْعَامَّ، احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
(2/332)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ - أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ يَسْتَلْزِمُ دَلِيلًا، وَإِلَّا لَكَانَ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَيَكُونُ فَاسِقًا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ.
أَجَابَ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ يَسْتَلْزِمُ دَلِيلًا فِي ظَنِّهِ ; لِأَنَّ بِمُخَالَفَةِ الْعَامِّ إِنَّمَا يَكُونُ فَاسِقًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالَفَتُهُ لِدَلِيلٍ فِي ظَنِّهِ، لَا لِدَلِيلٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ مُتَابَعَةُ ظَنِّهِ.
الثَّانِي - أَنَّ مُخَالَفَةَ الصَّحَابِيِّ لِلْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ظَنِّيًّا لَبَيَّنَهُ، لِيَنْظُرَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَالْقَطْعِيُّ يُخَصِّصُ الْعَامَّ.
أَجَابَ عَنْهُ بِالْمُعَارَضَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - لَوْ كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا لَبَيَّنَهُ لِيَصِيرَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَهُ لَاشْتُهِرَ كَمَذْهَبِهِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يَخْفَ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ مُنْحَصِرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَخْفَى شَيْءٌ مِنْهَا.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يَجُزْ لِصَحَابِيٍّ آخَرَ مُخَالَفَتُهُ بِالِاتِّفَاقِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ أَنَّ الْعَادَةَ فِي تَنَاوُلِ بَعْضِ خَاصٍّ لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ]
ش - الْجُمْهُورُ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ عَادَةَ الْمُكَلَّفِينَ فِي تَنَاوُلِ بَعْضٍ خَاصٍّ مِنَ الْأَطْعِمَةِ لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ لِلْعَامِّ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْمُتَنَاوَلِ.
مِثْلَ مَا إِذَا قَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَرَّمْتُ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ، وَعَادَتُهُ تَنَاوُلُ الْبُرِّ، فَإِنَّهُ لَا يُخَصِّصُ الطَّعَامَ بِالْبُرِّ، وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَادَةَ تُخَصِّصُ الْعُمُومَ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ - وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ لَفْظَ الطَّعَامِ عَامٌّ لُغَةً وَعُرْفًا؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَأَهْلَ الْعُرْفِ يُطْلِقُونَ الطَّعَامَ عَلَى الْبُرِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الطَّعُومِ، وَلَا مُخَصِّصَ، فَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى عُمُومِهِ، عَمَلًا بِالْمُوجَبِ السَّالِمِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْمَانِعِ.
ش - احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - تَخْصِيصُ الطَّعَامِ بِالْبُرِّ بِسَبَبِ عَادَةِ التَّنَاوُلِ، كَمَا يَتَخَصَّصُ الدَّابَّةُ بِذَوَاتِ الْحَافِرِ، وَالنَّقْدُ فِي الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي الْبَنْدِ بِسَبَبِ عُرْفِ النَّقْلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ لَفْظَ الطَّعَامِ إِنْ غَلَبَ فِي الْبُرِّ اسْتِعْمَالُهُ يَخْتَصُّ بِهِ كَالدَّابَّةِ وَالنَّقْدِ لَمَّا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي ذَوَاتِ الْحَافِرِ، وَالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي الْبَلَدِ، اخْتُصَّا بِهِمَا.
بِخِلَافِ غَلَبَةِ تَنَاوُلِ الْبُرِّ، فَإِنَّهَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الدَّلَالَةِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِهِ. وَالْكَلَامُ الْمَفْرُوضُ فِي غَلَبَةِ التَّنَاوُلِ، لَا فِي غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ قَالَ (السَّيْدُ لِعَبْدِهِ) اشْتَرِ لِي لَحْمًا، وَالْعَادَةُ تَنَاوُلُ لَحْمِ الضَّأْنِ - لَمْ يُفْهَمْ عُرْفًا سِوَى لَحْمِ الضَّأْنِ، فَتَكُونُ عَادَةُ التَّنَاوُلِ مُخَصِّصَةً.
(2/333)

خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
مِثْلَ: حَرَّمْتُ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ، وَعَادَتُهُمْ تَنَاوُلُ الْبُرِّ.
لَنَا: أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ لُغَةً وَعُرْفًا، وَلَا مُخَصِّصَ.
ص - قَالُوا: يَتَخَصَّصُ بِهِ كَتَخْصِيصِ الدَّابَّةِ بِالْعُرْفِ، وَالنَّقَدِ بِالْغَالِبِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/334)

قُلْنَا: إِنْ غَلَبَ الِاسْمُ عَلَيْهِ، كَالدَّابَّةِ اخْتُصَّ بِهِ.
بِخِلَافِ غَلَبَةِ تَنَاوُلِهِ، وَالْفَرْضُ فِيهِ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي لَحْمًا، وَالْعَادَةُ تَنَاوُلُ الضَّأْنِ لَمْ يُفْهَمْ سِوَاهُ.
قُلْنَا: تِلْكَ قَرِينَةٌ فِي الْمُطْلَقِ. وَالْكَلَامُ فِي الْعُمُومِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ: إِذَا وَافَقَ الْخَاصُّ حُكْمَ الْعَامِّ فَلَا تَخْصِيصَ.
خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ.
مِثْلَ: " «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ".
وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: " «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» ".
لَنَا: لَا تَعَارُضَ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا.
قَالُوا: الْمَفْهُومُ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ.
قُلْنَا: مَفْهُومُ اللَّقَبِ مَرْدُودٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى الْبَعْضِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ.
الْإِمَامُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ: تَخْصِيصٌ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
مِثْلُ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} [البقرة: 228] مَعَ {وَبُعُولَتُهُنَّ} [البقرة: 228] .
لَنَا: لَفْظَانِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَجَازِ أَحَدِهِمَا مَجَازُ الْآخَرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/335)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مُطْلَقٌ، وَالْعَادَةُ قَرِينَةٌ مُوجِبَةٌ لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَكَلَامُنَا فِي الْعُمُومِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صَرْفِ لَفْظِ الْمُطْلَقِ عَنْ سَائِرِ الْمُقَيِّدَاتِ إِلَى مُقَيَّدٍ بِسَبَبِ قَرِينَةٍ، صَرْفُ الْعَامِّ عَنْ بَعْضِ أَفْرَادِهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدَاتِ دَلَالَةُ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، وَدَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ دَلَالَةُ الْكُلِّ عَلَى الْأَجْزَاءِ، وَهِيَ أَقْوَى مِنَ الْأُولَى.
[مَسْأَلَةٌ: الْجُمْهُورُ إِذَا وَافَقَ الْخَاصُّ حُكْمَ الْعَامِّ فَلَا تَخْصِيصَ]
ش - إِذَا وَافَقَ الْخَاصُّ حُكْمَ الْعَامِّ فَلَا تَخْصِيصَ لِلْعُمُومِ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ.
(2/336)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» "، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: " «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» " فَإِنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» " خَاصٌّ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ: " «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» " وَهُوَ عَامٌّ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا لَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْخَاصُّ مُعَارِضًا لِلْعَامِّ لِتَوَافُقِ حُكْمِهِمَا، فَيُعْمَلُ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ هُوَ الْأَصْلُ.
وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ، وَتَخْصِيصُ جِلْدِ شَاةِ مَيْمُونَةَ بِالْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ سَائِرِ الْجُلُودِ بِسَبَبِ الْمَفْهُومِ، فَيَكُونُ مَفْهُومُ الْخَاصِّ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ، أَجَابَ: حُكْمُ التَّطْهِيرِ بِالدِّبَاغِ الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِ شَاةِ مَيْمُونَةَ يَكُونُ مِنْ بَابِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ، وَمَفْهُومُ الِاسْمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
(2/337)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى الْبَعْضِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ]
ش - إِذَا وَرَدَ عُقَيْبَ الْعَامِّ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إِلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِذَلِكَ الْعَامِّ.
وَذَهَبَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الْعَامِّ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] مَعَ قَوْلِهِ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] .
فَإِنَّ " الْمُطَلَّقَاتُ " عَامٌّ تَنَاوَلَ الْبَوَائِنَ وَالرَّجْعِيَّاتِ. وَالضَّمِيرُ فِي " بُعُولَتُهُنَّ " يَرْجِعُ إِلَى بَعْضِ أَفْرَادِهَا، وَهُوَ الرَّجْعِيَّاتُ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ " الْمُطَلَّقَاتُ " وَالضَّمِيرُ فِي " بُعُولَتُهُنَّ " لَفْظَانِ. مُقْتَضَى الْأَوَّلِ: إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْعُمُومِ، وَمُقْتَضَى الثَّانِي: رُجُوعُهُ إِلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ وَقَدْ عَرَضَ مَانِعٌ عَنْ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى كُلِّ الْأَفْرَادِ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِعَوْدِهِ إِلَى الْبَعْضِ بِالْمَجَازِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَجَازِ أَحَدِهِمَا مَجَازٌ فِي الْآخَرِ فَلَمْ يَجِبْ تَخْصِيصُ الْعَامِّ لِعَدَمِ الْمَانِعِ عَنْ إِجْرَائِهِ عَلَى الْعُمُومِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِالتَّخْصِيصِ قَالُوا: يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ الضَّمِيرِ تَخْصِيصُ الْعَامِّ، وَإِلَّا يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الضَّمِيرِ لِلظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَائِدًا إِلَى الْبَعْضِ لَا إِلَى كُلِّهِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْمُضْمَرِ لِلظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ كِنَايَةٌ عَنِ الظَّاهِرِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الضَّمِيرِ كَإِعَادَةِ الظَّاهِرِ، وَإِعَادَةُ الظَّاهِرِ لِتَعَلُّقِ حُكْمٍ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُكْمٍ يَجْرِي فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ. وَكَمَا جَازَ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لِنَفْسِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُكْمَيْنِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ مُخَالَفَةُ الضَّمِيرِ لِلظَّاهِرِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ قَالُوا: لَوْ لَمْ يُخَصِّصِ الْعَامَّ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ الضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ ظَاهِرًا يَعُودُ إِلَى كُلِّ أَفْرَادِ الْمَذْكُورِ.
وَلَوْ خَصَّصَ الْعَامَّ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ الْعَامِّ، وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. فَيَلْزَمُ الْوَقْفُ.
(2/338)

ص - قَالُوا: يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الضَّمِيرِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ كَإِعَادَةِ الظَّاهِرِ.
ص - الْوَقْفُ لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ.
وَأُجِيبُ بِظُهُورِ الْعُمُومِ فِيهِمَا.
فَلَوْ خَصَّصْنَا الْأَوَّلَ خَصَّصْنَاهُمَا.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالظَّاهِرُ أَقْوَى.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَأَبُو الْحُسَيْنِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ.
ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ جَلِيًّا.
ابْنُ أَبَانَ: إِنْ كَانَ الْعَامُّ مُخَصِّصًا.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْأَصْلُ مُخْرِجًا.
وَالْجُبَّائِيُّ: يُقَدَّمُ الْعَامُّ مُطْلَقًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/339)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ التَّرْجِيحِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ فِي الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ، فَلَوْ خَصَّصْنَا الْعَامَّ الظَّاهِرَ يَلْزَمُ تَخْصِيصُهُمَا؛ أَيْ تَخْصِيصُ الْعَامِّ وَتَخْصِيصُ الضَّمِيرِ. فَيَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ فِيهِمَا.
وَلَوْ لَمْ يُخَصَّ الْعَامُّ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ فِي الضَّمِيرِ لِعَوْدِهِ إِلَى بَعْضِ الْمَذْكُورِ، فَيَكُونُ عَدَمُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ أَرْجَحَ ; لِقِلَّةِ مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ الظَّاهِرِ إِلَّا مُخَالَفَةُ ظَاهِرٍ فَقَطْ، لَكِنَّ مُخَالَفَةَ الظَّاهِرِ فِي الْمُظْهَرِ أَقْوَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي الْمُضْمَرِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ الْمُضْمَرِ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْنِيًا عَنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمُضْمَرِ.
وَمُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ فِيمَا هُوَ أَقْوَى دَلَالَةٍ أَشَدُّ مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِيمَا هُوَ أَضْعَفُ.
[مَسْأَلَةٌ: جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ: فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ أَعْنِي الشَّافِعِيَّ وَمَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ
(2/340)

وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ بِالْوَقْفِ.
وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ثَبَتَتِ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ مُخَصِّصًا - خُصَّ بِهِ، وَإِلَّا فَالْمُعْتَبَرُ الْقَرَائِنُ فِي الْوَقَائِعِ، فَإِنْ ظَهَرَ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ فَالْقِيَاسُ، وَإِلَّا فَعُمُومُ الْخَبَرِ.
لَنَا: أَنَّهَا كَذَلِكَ كَالنَّصِّ الْخَاصِّ فَيُخَصَّصُ بِهَا لِلْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُسْتَنْبَطَةَ إِمَّا رَاجِحَةٌ أَوْ مَرْجُوحَةٌ أَوْ مُسَاوِيَةٌ وَالْمَرْجُوحُ وَالْمُسَاوِي لَا يُخَصَّصُ. وَوُقُوعُ احْتِمَالٍ مِنَ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ.
وَأُجِيبُ بِجَرْيِهِ فِي كُلِّ تَخْصِيصٍ وَقَدْ رَجَحَ بِالْجَمْعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/341)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَحْمَدَ، وَالشَّيْخَ الْأَشْعَرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَبُو هَاشِمٍ وَأَبُو الْحُسَيْنِ إِلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ إِلَى جَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِالْقِيَاسِ إِنْ كَانَ الْقِيَاسُ جَلِيًّا كَقِيَاسِ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ.
وَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ إِنْ كَانَ الْعَامُّ مُخَصَّصًا بِشَيْءٍ آخَرَ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ إِذَا كَانَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مُخْرَجًا مِنَ الْعَامِّ.
وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: لَا يُخَصَّصُ الْعَامُّ بِالْقِيَاسِ بَلْ يُقَدَّمُ الْعَامُّ مُطْلَقًا.
وَقَالَ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْوَقْفِ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ إِذَا ثَبَتَتِ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ مُخَصِّصًا، وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَاحِدٌ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ - تُعْتَبَرُ الْقَرَائِنُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّفَاوُتِ
(2/342)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّسَاوِي فِي آحَادِ الْوَقَائِعِ، فَإِنْ ظَهَرَ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ لِلْقِيَاسِ يُعْمَلُ بِالْقِيَاسِ، أَيْ يَكُونُ الْقِيَاسُ مُخَصِّصًا، وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ لِلْقِيَاسِ - يُعْمَلُ بِعُمُومِ الْخَبَرِ، أَيْ لَا يُخَصَّصُ بِالْقِيَاسِ.
وَاحْتَجَّ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ كَانَ الْأَصْلُ مُخَصَّصًا مِنَ الْعَامِّ - كَانَ الْقِيَاسُ كَالنَّصِّ الْخَاصِّ، فَيُخَصَّصُ الْعُمُومُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الشَّرَائِطِ مُتَحَقِّقًا فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ - لِكَوْنِهِ خَاصًّا - رَاجِحًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعَامِّ، إِلَّا أَنَّهُ احْتَمَلَ أَنْ لَا تَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ أَوِ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا عِلَّةً، فَجَازَ أَنْ يُرَجَّحَ الْعَامُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ش - وَاسْتَدَلَّ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي مِنَ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي تَكُونُ عِلَّتُهُ مُسْتَنْبَطَةً لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى الْعَامِّ فِي مَحَلِّ التَّخْصِيصِ أَوْ مَرْجُوحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً لَهُ.
(2/343)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَتْ مَرْجُوحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً لَا تُخَصِّصُ الْعَامَّ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ أَوْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
وَإِنْ كَانَتْ رَاجِحَةً يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهَا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ مُخَصِّصًا وَعَلَى تَقْدِيرَيْنِ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا.
وَوُقُوعُ احْتِمَالٍ مِنَ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ.
أَجَابَ بِالنَّقْضِ الْإِجْمَالِيِّ بِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ التَّخْصِيصِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقِيَاسِ أَوْ بِغَيْرِهِ بِأَنْ يُقَالَ: الْخَاصُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى الْعَامِّ فِي مَحَلِّ التَّخْصِيصِ أَوْ مُتَسَاوِيًا لَهُ أَوْ مَرْجُوحًا إِلَى آخِرِهِ، وَقَدْ رُجِّحَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ فِي غَيْرِ صُوَرِ الْقِيَاسِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، فَكَذَا هَا هُنَا.
قِيلَ: قَوْلُهُ: " وَاسْتَدَلَّ " نَقْضٌ لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ، لَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي مِنَ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ.
وَوَجْهُ وُرُودِهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ وُجُوبَ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَخْصُوصِ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَإِلَّا كَانَ هُوَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمُسْتَنْبَطَةِ لَا يَجُوزُ لِمَا ذُكِرَ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا مَرَّ.
ش - احْتَجَّ الْجُبَّائِيُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْعَامِّ عَلَى الْقِيَاسِ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ لَوْ خُصَّ الْعَامُّ بِالْقِيَاسِ لَزِمَ تَرْجِيحُ الْأَضْعَفِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ أَضْعَفُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ الْعَامَّ يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي أَمْرَيْنِ، وَالْقِيَاسَ يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ، وَفِي الْأَمْرَيْنِ أَيْضًا إِنْ ثَبَتَ أَصْلُ الْقِيَاسِ بِالْخَبَرِ.
وَجَوَابُهُ هَا هُنَا هُوَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ ثَمَّةَ.
وَأَجَابَ أَيْضًا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ تَقَدُّمِ الْأَضْعَفِ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى بُطْلَانِ الْأَضْعَفِ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ إِبْطَالِ الْأَقْوَى بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَا هُنَا لَمَّا لَمْ يَبْطُلِ الْأَقْوَى بِالْكُلِّيَّةِ قُدِّمَ الْقِيَاسُ؛ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
وَأَجَابَ أَيْضًا بِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ يُوجِبُ عَدَمَ جَوَازِ تَخْصِيصِ
(2/344)

ص - الْجُبَّائِيُّ: لَوْ خُصَّ بِهِ لَزِمَ تَقْدِيمُ الْأَضْعَفِ بِمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فِي أَمْرَيْنِ إِلَى آخِرِهِ، وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَبِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ إِبْطَالِ أَحَدِهِمَا. وَهَذَا إِعْمَالٌ لَهُمَا.
وَبِإِلْزَامِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالْمَفْهُومِ لَهُمَا.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِتَأْخِيرِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَتَصْوِيبِهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ أَخَّرَ السُّنَّةَ عَنِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَمْنَعِ الْجَمْعَ.
وَاسْتَدَلَّ أَنَّ دَلِيلَ الْقِيَاسِ هُوَ الْإِجْمَاعُ وَلَا إِجْمَاعَ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْعُمُومِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُؤَثِّرَةَ وَمَحَلَّ التَّخْصِيصِ يَرْجِعَانِ إِلَى النَّصِّ ; لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ» ، وَمَا سِوَاهُمَا، إِنْ تَرَجَّحَ الْخَاصُّ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ كَمَا ذُكِرَ فِي الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ.
وَهَذِهِ وَنَحْوُهَا قَطْعِيَّةٌ عِنْدَ الْقَاضِي لِمَا ثَبَتَ مِنَ الْقَطْعِ بِالْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ مِنَ الْأَمَارَاتِ.
ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ قَوْمٍ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْخَاصَّ بِهَا ظَنِّيٌّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/345)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لِكَوْنِ السُّنَّةِ أَضْعَفَ، وَعَدَمَ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْمَفْهُومِ لِكَوْنِ الْمَفْهُومِ أَضْعَفَ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ الْإِلْزَامُ مُشْتَرَكًا.
ش - اسْتَدَلَّ الْجُبَّائِيُّ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ مُطْلَقًا بِقِصَّةِ مُعَاذٍ، فَإِنَّهُ أَخَّرَ الْقِيَاسَ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَصَوَّبَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ -
(2/346)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَلْزَمُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِمَا.
أَجَابَ بِأَنَّ مُعَاذًا أَخَّرَ السُّنَّةَ عَنِ الْكِتَابِ وَصَوَّبَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيَكُونُ الْكِتَابُ مُتَقَدِّمًا عَلَى السُّنَّةِ، وَلَمْ يُمْنَعْ تَقْدِيمُ الْكِتَابِ عَلَى السُّنَّةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَتَخْصِيصِهِ بِالسُّنَّةِ إِذَا كَانَتْ خَاصَّةً، فَكَذَا تَقْدِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْقِيَاسِ لَا يُمْنَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ عُمُومِهِمَا وَتَخْصِيصِهِ بِالْقِيَاسِ إِذَا كَانَ خَاصًّا.
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّ دَلِيلَ الْقِيَاسِ هُوَ الْإِجْمَاعُ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ مُخَالِفًا لِلْعُمُومِ ; لِأَنَّ الْوَاقِفِيَّةَ لَا يُجَوِّزُونَ الْقِيَاسَ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْعُمُومِ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَمْ يَكُنْ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِهِ حِينَئِذٍ يُوجِبُ تَرْكَ مُقْتَضَى الْعَامِّ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دَلِيلَ كُلِّ قِيَاسٍ هُوَ الْإِجْمَاعُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ نَصًّا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَةَ؛ أَيِ الْوَصْفَ الْمَوْجُودَ فِي الْفَرْعِ الَّذِي نَصَّ عَلَى عِلِّيَّتِهِ فِي الْأَصْلِ، وَمَحَلَّ التَّخْصِيصِ؛ أَيِ الْأَصْلَ الَّذِي خُصَّ عَنِ الْعَامِّ بِنَصٍّ - يَرْجِعَانِ فِي النَّصِّ عَلَى مَعْنَى أَنَّ تَأْثِيرَ الْوَصْفِ (فِي الْفَرْعِ أَيْضًا بِالنَّصِّ، وَثُبُوتَ حُكْمٍ مَحَلَّ التَّخْصِيصِ فِي
(2/347)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْفَرْعِ أَيْضًا بِالنَّصِّ ; لِأَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ) فِي الْأَصْلِ دَلَّ عَلَى أَنَّ خُصُوصِيَّةَ الْأَصْلِ فِي الْحُكْمِ مُلْغَاةٌ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ النَّصِّ وَبِقَوْلِهِ: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» تَأْثِيرُ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ.
وَكَذَا إِذَا خُصَّ مَحَلُّ التَّخْصِيصِ بِنَصٍّ وَقَدْ وُجِدَ فِي مَحَلِّ التَّخْصِيصِ مَعْنًى وُجِدَ فِي غَيْرِهِ - كَانَ ذَلِكَ النَّصُّ الْمُخَصِّصُ مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ» " يُوجِبُ تَخْصِيصَ الصُّورَةِ الْمُسَاوِيَةِ لِمَحَلِّ التَّخْصِيصِ، وَمَا سِوَاهُمَا؛ أَيْ وَمَا سِوَى الْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ وَمَحَلِّ التَّخْصِيصِ، إِنْ تَرَجَّحَ الْخَاصُّ الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ - وَجَبَ اعْتِبَارُهُ؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ الظَّنِّ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ.
وَهَذِهِ، أَيْ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ وَنَحْوُهَا كَتَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَطْعِيَّةٌ عِنْدَ الْقَاضِي لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ مِنَ الْأَمَارَاتِ قَطْعِيٌّ.
ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ قَوْمٍ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْخَاصَّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَنِّيٌّ؛ أَيْ لِأَنَّ الْمُخَصِّصَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَنِّيٌّ.
[الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ]
[تعريف الْمُطْلَق وَالْمُقَيَّد]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ مَبَاحِثِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ عَقَّبَهُمَا الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ كَالْعَامِّ، وَالْمُقَيَّدَ كَالْخَاصِّ.
وَعَرَّفَ الْمُطْلَقَ بِأَنَّهُ: " مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ ".
فَقَوْلُهُ: " مَا " بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ: اللَّفْظُ.
وَقَوْلُهُ: " دَالٌّ " احْتِرَازٌ عَنِ الْمُهْمَلَاتِ.
(2/348)

الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ.
ص - الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ.
الْمُطْلَقُ: مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ.
فَيَخْرُجُ الْمَعَارِفُ، وَنَحْوُ: كُلُّ رَجُلٍ وَنَحْوُهُ ; لِاسْتِغْرَاقِهَا. وَالْمُقَيَّدُ بِخِلَافِهِ.
(وَيُطْلَقُ الْمُقَيَّدُ عَلَى مَا أُخْرِجَ مِنْ شَائِعٍ بِوَجْهٍ كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
وَمَا ذُكِرَ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ مُتَّفِقٍ وَمُخْتَلِفٍ وَمُخْتَارٍ وَمُزَيَّفٍ جَارٍ فِيهِ، وَيَزِيدُ) .
ص - (مَسْأَلَةٌ) إِذَا وَرَدَ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ، فَإِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا، مِثْلَ: اكْسُ وَأَطْعِمْ، فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِوَجْهٍ اتِّفَاقًا، وَمِثْلُ: إِنْ ظَاهَرْتَ فَأَعْتِقْ رَقَبَةً، مَعَ لَا تَمْلِكْ رَقَبَةً كَافِرَةً وَاضِحٌ.
وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُمَا، فَإِنِ اتَّحَدَ مُوجِبُهُمَا مُثْبَتَيْنِ حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لَا الْعَكْسُ؛ بَيَانًا لَا نَسْخًا.
وَقِيلَ: نَسْخٌ إِنْ تَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ.
ص - لَنَا: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ; فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْمُقَيَّدِ عَمَلٌ بِالْمُطْلَقِ. وَأَيْضًا: يَخْرُجُ بِيَقِينٍ.
وَلَيْسَ بِنَسْخٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّقْيِيدُ نَسْخًا - لَكَانَ التَّخْصِيصُ (نَسْخًا) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/349)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ: " شَائِعٌ " أَيْ لَا يَكُونُ مُتَعَيِّنًا بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ صِدْقُهُ عَلَى كَثِيرِينَ - احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْمَعَارِفِ لِكَوْنِهَا مُتَعَيِّنَةً.
وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاهِيَّةُ.
وَقَوْلُهُ: " فِي جِنْسِهِ " أَيْ لَهُ أَفْرَادٌ مُمَاثِلَةٌ، كُلُّ وَاحِدٍ بَعْدَ حَذْفِ مَا بِهِ صَارَ فَرْدًا - احْتَرَزَ بِهِ عَنِ النَّكِرَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، نَحْوَ: كُلُّ رَجُلٍ، وَنَحْوَهُ، وَهُوَ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِاسْتِغْرَاقِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَغْرِقَ لَا يَكُونُ لَهُ أَفْرَادٌ مُمَاثِلَةٌ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْدَ حَذْفِ مَا بِهِ صَارَ فَرْدًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدَّ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَالنَّكِرَةَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهَا أَيْضًا لَفْظٌ دَالٌّ شَائِعٌ فِي جِنْسِهِ.
وَالْمُقَيَّدُ بِخِلَافِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مَا دَلَّ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَمَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ لَكِنْ لَا فِي جِنْسِهِ. فَيَكُونُ الْعَامُّ مُقَيَّدًا بِهَذَا التَّعْرِيفِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الْمُقَيَّدُ عَلَى مَا أُخْرِجَ مِنْ شَائِعٍ، كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، أَيْ مَا دَلَّ عَلَى مَفْهُومِ الْمُطْلَقِ بِوَصْفٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ.
وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ، وَمُقَيَّدٌ بِالتَّفْسِيرِ
(2/350)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي، لِأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنْ شَائِعٍ بِوَجْهٍ.
وَكُلُّ مَا ذَكَرَ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَالْمُخْتَارِ وَالْمُزَيِّفِ - جَارٍ فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَيَزِيدُ هَا هُنَا مَسْأَلَةً. وَهِيَ مَسْأَلَةُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
[مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَرَدَ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ]
ش - إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَلَفْظٌ مُقَيَّدٌ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُهُمَا، أَوْ لَا ; فَإِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَصْلًا بِالِاتِّفَاقِ مِثْلَ: اكْسُ ثَوْبًا مِنَ الثِّيَابِ الْمِصْرِيَّةِ وَأَطْعِمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَيِّدُ الطَّعَامَ بِقَيْدِ الْمِصْرِيِّ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا، إِلَّا فِي صُورَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ إِنْ ظَاهَرْتَ فَأَعْتِقْ رَقَبَةً، مَعَ قَوْلِهِ، لَا تَمْلِكْ رَقَبَةً كَافِرَةً، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ تَقْيِيدَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِالْكَافِرِ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الْمَأْمُورِ بِهِ بِنَفْيِ
(2/351)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْكَفْرِ ; لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يَقْتَضِي الْمِلْكِيَّةَ، فَلَوْ لَمْ يُقَيِّدِ الْمَأْمُورَ بِهِ بِنَفْيِ الْكُفْرِ لَامْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَالِاجْتِنَابِ عَنِ الْمِهْنِيِّ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: " وَاضِحٌ "؛ أَيْ تَقْيِيدُ الرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ بِنَفْيِ الْكُفْرِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُمَا؛ أَيْ حُكْمُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبُهُمَا مُتَّحِدًا وَكَانَا مُثْبَتَيْنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ فِي الظِّهَارِ: أَعْتِقْ رَقَبَةً، أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً - فَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا - أَنَّهُ يَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيَكُونُ الْمُقَيَّدُ بَيَانًا لِلْمُطْلَقِ لَا نَسْخًا لَهُ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْمُطْلَقُ أَوْ تَأَخَّرَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ يَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيَكُونُ الْمُقَيَّدُ نَسْخًا لِلْمُطْلَقِ إِنْ تَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ.
وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ يَحْمِلُ الْمُقَيَّدَ عَلَى الْمُطْلَقِ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، لَا الْعَكْسُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيِّدِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُقَيَّدِ عَمَلٌ بِالْمُطْلَقِ وَزِيَادَةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى.
الثَّانِي - أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِالْمُقَيَّدِ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْمُقَيَّدِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْمُطْلَقِ فَقَدْ أَتَى بِالْمُطْلَقِ وَزِيَادَةٍ، فَيَلْزَمُ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ.
وَمَنْ عَمِلَ بِالْمُطْلَقِ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ بِالْمُقَيَّدِ، وَالْإِتْيَانُ بِالْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْيَانَ بِهِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِيَقِينٍ.
وَاحْتَجَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ الْمُتَأَخِّرِ، لَا يَكُونُ نَسْخًا لَهُ بَلْ بَيَانًا بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ الْمُتَأَخِّرِ نَسْخًا لَهُ، لَكَانَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ نَسْخًا لَهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ التَّقْيِيدَ يَرْفَعُ الْإِطْلَاقَ، وَالتَّخْصِيصَ يَرْفَعُ
(2/352)

وَأَيْضًا: لَكَانَ تَأَخُّرُ الْمُطْلَقِ نَسْخًا) .
ص - (قَالُوا: لَوْ كَانَ تَقْيِيدًا لَوَجَبَ دَلَالَةُ رَقَبَةٍ عَلَى مُؤْمِنَةٍ مَجَازًا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَازِمٌ لَهُمْ إِذَا تَقَدَّمَ الْمُقَيَّدُ، وَفِي التَّقْيِيدِ بِالسَّلَامَةِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَعْنَى رَقَبَةٌ مِنَ الرِّقَابِ فَيَرْجِعُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّخْصِيصِ يُسَمَّى تَقْيِيدًا) .
ص - فَإِنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ عُمِلَ بِهِمَا، مِثْلَ: لَا تَعْتِقْ مُكَاتَبًا، لَا تَعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا.
ص - فَإِنِ اخْتَلَفَ مُوجِبُهُمَا، كَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، فَعَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
فَقِيلَ: بِجَامِعٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. فَيَصِيرُ كَالتَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.
وَشَذَّ عَنْهُ بِغَيْرِ جَامِعٍ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَحْمِلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/353)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعُمُومَ.
فَإِذَا كَانَ الْمُقَيَّدُ نَاسِخًا لِلْمُطْلَقِ كَانَ الْخَاصُّ نَاسِخًا لِلْعَامِّ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَأَخُّرُ الْمُقَيَّدِ نَسْخًا لِلْمُطْلَقِ لَكَانَ تَأَخُّرُ الْمُطْلَقِ نَسْخًا لِلْمُقَيَّدِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ تَأَخُّرَ الْمُقَيَّدِ يَرْفَعُ الْإِطْلَاقَ كَذَلِكَ تَأَخُّرُ الْمُطْلَقِ يَرْفَعُ التَّقْيِيدَ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ تَأَخُّرَ الْمُقَيَّدِ عَنِ الْمُطْلَقِ نَسْخٌ لَهُ لَا بَيَانٌ، احْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ الْمُطْلَقُ عَنِ الْمُقَيَّدِ بَيَانًا لِلْمُطْلَقِ لَا نَسْخًا لَهُ -
(2/354)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ رَقَبَةٍ عَلَى مُؤْمِنَةٍ مَجَازًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ لِخِلَافِ الْأَصْلِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمُقَيَّدَ لَوْ كَانَ بَيَانًا لِلْمُطْلَقِ لَكَانَ الْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ هُوَ الْمُقَيَّدَ وَإِذَا أُطْلِقَ الْمُطْلَقُ وَأُرِيدَ الْمُقَيَّدُ كَانَ مَجَازًا.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا أَيْضًا لَازِمٌ عَلَيْكُمْ إِذَا تَقَدَّمَ الْمُقَيَّدُ عَلَى الْمُطْلَقِ، لِأَنَّكُمْ سَلَّمْتُمْ أَنَّ الْمُقَيَّدَ حِينَئِذٍ يَكُونُ بَيَانًا لِلْمُطْلَقِ، لَا نَسْخًا لَهُ.
وَأَيْضًا: هَذَا لَازِمٌ عَلَيْكُمْ فِي تَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعُيُوبِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، لِأَنَّ الرَّقَبَةَ مُطْلَقَةٌ، فَدَلَالَتُهَا عَلَى الرَّقَبَةِ السَّلِيمَةِ مَجَازٌ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْجَوَابُ جَدَلِيًّا أَشَارَ إِلَى مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ.
قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَعْنَى رَقَبَةٌ مِنَ الرِّقَابِ، أَيْ رَقَبَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ " مُؤْمِنَةٍ " مَجَازًا ; لِأَنَّ دَلَالَةَ رَقَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ عَلَى أَيِّ مُعَيَّنٍ يُفْرَضُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ تَكُونُ حَقِيقَةً ; لِأَنَّ مُعَيَّنًا مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الْمُعَيَّنَاتِ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةً.
قِيلَ فِي بَيَانِ التَّحْقِيقِ: إِنَّ قَوْلَ الشَّارِعِ: أَعْتِقْ رَقَبَةً، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ مِنَ الرَّقَبَاتِ، إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى: أَعْتِقْ رَقَبَةً مِنَ الرَّقَبَاتِ، فَلَمَّا قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً بَيَّنَ بِهَذَا الْقَيْدِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَدَّرِ الْعَامِّ هُوَ
(2/355)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْخَاصُّ، فَيَكُونُ الْمُقَدَّرُ هُوَ الرَّقَبَاتُ الْمُؤْمِنَةُ - فَيَرْجِعُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّخْصِيصِ، فَيُسَمَّى تَقْيِيدًا.
وَهَذَا أَوْفَقُ لِمَا فِي الْمَتْنِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ: الْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ، فَيُصَارُ إِلَيْهِ احْتِرَازًا عَمَّا هُوَ أَشَدُّ مَحْظُورًا مِنْهُ.
ش - وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُوجِبُهُمَا مُتَّحِدًا وَكَانَا مَنْفِيَّيْنِ عُمِلَ بِهِمَا ; إِذْ لَا تَعَذُّرَ فِيهِ، مِثْلَ: لَا تَعْتِقْ مُكَاتَبًا، لَا تَعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا، فَيُعْمَلُ بِهِمَا بِأَنْ لَا تَعْتِقَ مُكَاتَبًا أَصْلًا.
(2/356)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْحُكْمَانِ وَكَانَ مُوجِبُهُمَا مُخْتَلِفًا، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] .
وَقَوْلِهِ فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] . فَقَدِ اخْتَلَفُوا.
فَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا جَامِعٌ مُوجِبٌ لِلْإِلْحَاقِ حَتَّى يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِدَلِيلٍ، فَيَكُونُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَحَلِّ التَّخْصِيصِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ أَنَّهُ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ سَوَاءٌ وُجِدَ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ يُوجَدْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، لَا تَعَدُّدَ فِيهِ.
وَهَذَا الْأَخِيرُ مَرْدُودٌ، شَذَّ نَقْلُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيِّدِ أَصْلًا، لِأَنَّ الْحَمْلَ يُوجِبُ رَفْعَ الْإِطْلَاقِ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ نَسْخٌ، وَالْقِيَاسُ لَا يُنْسَخُ.
أُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ بِأَنَّهُ نَسْخٌ، بَلْ هُوَ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ بِبَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ فَيَكُونُ بَيَانًا لَهُ، لَا نَسْخًا.
[الْمُجْمَلُ]
[حد المجمل]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، وَالْكَلَامِ فِي حَدِّهِ وَأَقْسَامِهِ وَأَحْكَامِهِ.
الْمُجْمَلُ لُغَةً هُوَ: الْمَجْمُوعُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَجْمَلَ الْحِسَابَ، إِذَا جَمَعَهُ وَرَفَعَ تَفَاصِيلَهُ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " مَا " وَلَمْ يَقُلْ لَفْظٌ، لِيَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ وَالْقَوْلَ ; لِأَنَّ الْإِجْمَالَ كَمَا يَكُونُ فِي اللَّفْظِ كَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْفِعْلِ.
وَالدَّلَالَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَفْظِيَّةً أَوْ غَيْرَ لَفْظِيَّةٍ.
وَدَلَالَةُ الْفِعْلِ عَقْلِيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ ". احْتِرَازٌ عَنِ الْمُهْمَلِ؛ فَإِنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ أَصْلًا.
وَعَنِ الْمُبَيَّنِ ; لِأَنَّ دَلَالَتَهُ مُتَّضِحَةٌ.
(2/357)

الْمُجْمَلُ
ص - الْمُجْمَلُ: الْمَجْمُوعُ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ.
وَقِيلَ ; اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ.
وَلَا يَطَّرِدُ لِلْمُهْمَلِ وَالْمُسْتَحِيلِ.
وَلَا يَنْعَكِسُ ; لِجَوَازِ فَهْمِ أَحَدِ الْمَحَامِلِ، وَالْفِعْلِ الْمُجْمَلِ، كَالْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، لِاحْتِمَالِ الْجَوَازِ وَالسَّهْوِ.
أَبُو الْحُسَيْنِ: مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْهُ.
وَيَرِدُ الْمُشْتَرَكُ الْمُبَيَّنُ وَالْمَجَازُ الْمُرَادُ، بُيِّنَ أَوْ لَمْ يُبَيَّنْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/358)

وَقَدْ يَكُونُ فِي مُفْرَدٍ بِالْأَصَالَةِ أَوْ بِالْإِعْلَالِ، كَالْمُخْتَارِ.
وَفِي مُرَكَّبٍ، مِثْلَ: أَوْ يَعْفُوَ، وَفِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، وَفِي مَرْجِعِ الصِّفَةِ، كَطَبِيبٍ مَاهِرٍ، وَفِي تَعَدُّدِ الْمَجَازِ بَعْدَ مَنْعِ الْحَقِيقَةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وَ (أُمَّهَاتُكُمْ) .
خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالْبَصْرِيِّ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْعُرْفَ: الْفِعْلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ.
قَالُوا: مَا وَجَبَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَا يُضْمَرُ الْجَمِيعُ، وَالْبَعْضُ غَيْرُ مُتَّضِحٍ.
وَأُجِيبُ مُتَّضِحٌ بِمَا تَقَدَّمَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) .
لَنَا: إِنْ لَمْ يَثْبُتْ (فِي مِثْلِهِ) عُرْفٌ فِي بَعْضٍ كَمَالِكٍ وَالْقَاضِي وَابْنِ جِنِّيٍّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/359)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قِيلَ: يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ: الْمُئَوَّلُ أَيْضًا ; فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ لَيْسَتْ مُتَّضِحَةً.
أُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُئَوَّلَ صُدِّقَ عَلَيْهِ أَنَّ دَلَالَتَهُ مُتَّضِحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى الرَّاجِحِ.
وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ غَيْرٌ دَاخِلٍ تَحْتَ الْحَدِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ; لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ، وَدَاخِلٌ تَحْتَهُ مِنَ الْوَجْهِ الْآخَرِ الَّذِي بِهِ كَانَ مُئَوَّلًا.
وَهَذَا الرَّدُّ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمُجْمَلَ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ أَصْلًا وَالْمُئَوَّلُ يَتَّضِحُ دَلَالَتُهُ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّ دَلَالَتَهُ مُتَّضِحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى الرَّاجِحِ، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْحَدِّ.
وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْمُجْمَلِ أَيْضًا إِنَّهُ: اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ.
وَهَذَا الْحَدُّ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْمُهْمَلِ ; لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ.
وَكَذَا يَصْدُقُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ ; إِذْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ ; لِأَنَّ مَدْلُولَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، مَعَ أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ.
وَهَذَا الْحَدُّ أَيْضًا غَيْرُ مُنْعَكِسٍ ; فَإِنَّ الْمُجْمَلَ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِجَوَازِ فَهْمِ أَحَدِ مَحَامِلِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَأَحَدُ الْمَحَامِلِ شَيْءٌ - فَيَصْدُقُ الْمَحْدُودُ دُونَ الْحَدِّ.
(2/360)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَيْضًا الْفِعْلُ الْمُجْمَلُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَدِّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظٍ، مَعَ أَنَّهُ مُجْمَلٌ، كَقِيَامِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ لِلتَّشَهُّدِ؛ فَإِنَّهُ فِعْلٌ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ عَنْ تَعَمُّدٍ فَيَكُونُ دَالًّا عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْجَلْسَةِ لِلتَّشَهُّدِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ عَنْ سَهْوٍ، وَحِينَئِذٍ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْجَلْسَةِ لِلتَّشَهُّدِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّ الْمُجْمَلَ مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْهُ، أَيْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْمُجْمَلِ الْمُبَيَّنِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ بِالْبَيَانِ، لَا مِنْ نَفْسِهِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى طَرْدِ هَذَا التَّعْرِيفِ الْمُشْتَرَكَ الْمُبَيَّنَ، كَعَيْنٍ جَارِيَةٍ ; فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ.
وَهَذَا غَيْرُ وَارِدٍ ; إِذِ الْمُشْتَرَكُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْبَيَانِ، لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ مُجْمَلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَمَعَ الْتِفَاتِ النَّظَرِ إِلَى الْبَيَانِ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا بِاعْتِبَارٍ، غَيْرَ مُجْمَلٍ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ.
وَأَوْرَدَ أَيْضًا عَلَى طَرْدِهِ الْمَجَازَ الْمُرَادَ، بُيِّنَ أَوْ لَمْ يُبَيَّنْ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ.
وَقَيَّدَ الْمُشْتَرَكَ بِالْمُبَيَّنِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُبَيَّنْ يَكُونُ مُجْمَلًا، بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُجْمَلًا سَوَاءٌ بُيِّنَ أَوْ لَمْ يُبَيَّنْ.
قِيلَ: هَذَا أَيْضًا غَيْرُ وَارِدٍ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ لَمْ
(2/361)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَكُنْ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُجْمَلٌ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِيمَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ مَجَازٌ.
وَالْإِجْمَالُ قَدْ يَكُونُ فِي مُفْرَدٍ، إِمَّا بِالْأَصَالَةِ، كَالْقُرْءِ، أَوْ بِإِعْلَالٍ، كَالْمُخْتَارِ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا، وَهَذَا الْإِجْمَالُ إِنَّمَا عَرَضَ فِيهِ بِوَاسِطَةِ قَلْبِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَوِ الْمَفْتُوحَةِ أَلْفًا.
وَقَدْ يَكُونُ الْإِجْمَالُ فِي مُرَكَّبٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] ". لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ هُوَ الزَّوْجُ أَوِ الْوَلِيُّ، وَالْمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ مُرَكَّبٌ.
وَقَدْ يَكُونُ الْإِجْمَالُ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، وَذَلِكَ إِذَا تَعَدَّدَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوعًا إِلَيْهِ، وَلَمْ يُرَجَّحِ الْعَوْدُ إِلَى وَاحِدٍ؛ نَحْوَ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وَأَكْرَمَنِي؛ فَإِنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي هُوَ فَاعِلُ أَكْرَمَنِي يُحْتَمَلُ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى زَيْدٍ وَيُحْتَمَلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عَمْرٍو.
وَقَدْ يَكُونُ الْإِجْمَالُ فِي مَرْجِعِ الصِّفَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: زَيْدٌ طَبِيبٌ مَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَاهِرٌ صِفَةً لِلطَّبِيبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِصِفَةٍ أُخْرَى.
وَقَدْ يَكُونُ الْإِجْمَالُ فِي تَعَدُّدِ الْمَجَازِ بَعْدَ مَنْعِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ إِذَا كَانَتِ الْمَجَازَاتُ مُتَكَافِئَةً.
(2/362)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ "]
ش - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِي إِضَافَةِ التَّحْرِيمِ إِلَى الْأَعْيَانِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] وَقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] .
خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ.
(2/363)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْقَطْعَ حَاصِلٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إِلَى الْأَعْيَانِ الْمُرَادُ مِنْهُ عُرْفًا: تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ؛ مَثَلًا: الْفِعْلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمَيْتَةِ: الْأَكْلُ. فَالتَّحْرِيمُ الْمُضَافُ إِلَى الْمَيْتَةِ هُوَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ.
وَالْفِعْلُ الْمَقْصُودُ مِنَ النِّسَاءِ هُوَ النِّكَاحُ، فَالتَّحْرِيمُ الْمُضَافُ إِلَى الْأُمَّهَاتِ هُوَ تَحْرِيمُ نِكَاحِهِنَّ.
الْقَائِلُونَ بِالْإِجْمَالِ قَالُوا: إِنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إِلَى الْأَعْيَانِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ إِضْمَارٌ ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ. وَالْأَعْيَانُ لَيْسَتْ بِمَقْدُورَةٍ، فَإِذَا وَجَبَ أَنْ يُضْمَرَ شَيْءٌ بِالضَّرُورَةِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ إِهْمَالُ الْخِطَابِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَيُقَدَّرُ الْمُضْمَرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ، فَلَا يُضْمَرُ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِإِضْمَارِ الْبَعْضِ، فَتَعَّيَنَ إِضْمَارُ الْبَعْضِ، وَالْبَعْضُ غَيْرُ مُتَّضِحٍ ; لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ إِضْمَارِ الْبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَتَحَقَّقُ الْإِجْمَالُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْبَعْضَ مُتَّضِحٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي فِي مِثْلِهِ تَحْرِيمَ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ.
[مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ " وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ "]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] هَلْ هُوَ مُجْمَلٌ أَمْ لَا؟ .
فَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ وُجُوبِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَبَعْضِهِ لِإِطْلَاقِ الرَّأْسِ عَلَى الْكُلِّ وَالْبَعْضِ، وَالْمُبَيِّنُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَلٍ.
فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لِمُطْلَقِ مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْبَعْضِ أَوْ لِلْكُلِّ، وَيَحْصُلُ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ.
(2/364)

(وَإِنْ ثَبَتَ كَالشَّافِعِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ، فَلَا إِجْمَالَ) .
قَالُوا: الْعُرْفُ فِي نَحْوِ مَسَحْتُ بِالْمِنْدِيلِ: الْبَعْضُ.
قُلْنَا: لِأَنَّهُ آلَةٌ.
بِخِلَافِ مَسَحْتُ بِوَجْهِي.
وَأَمَّا الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ، فَأَضْعَفُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ (قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:) " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ".
خِلَافًا لَأَبِي الْحُسَيْنِ وَالْبَصْرِيِّ.
لَنَا: الْعُرْفُ فِي مِثْلِهِ قَبْلَ الشَّرْعِ: الْمُؤَاخَذَةُ وَالْعِقَابُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/365)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ أَيَّ بَعْضٍ كَانَ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالْقَاضِي وَابْنِ جِنِّيٍّ أَنَّهُ لِلْكُلِّ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِيهِ بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ عُرْفٌ فِي ظُهُورِ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضٍ أَيَّ بَعْضٍ كَانَ (بَلْ بَقِيَ عَلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْقَاضِي وَابْنِ جِنِّيٍّ، كَانَ مُقْتَضَاهُ مَسْحَ الْكُلِّ - فَلَا إِجْمَالَ.
وَإِنْ ثَبَتَ عُرْفٌ فِي ظُهُورِ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضٍ أَيَّ بَعْضٍ كَانَ) . كَانَ مُقْتَضَاهُ التَّبْعِيضَ فَيَحْصُلُ بِمَسْحِ أَيِّ بَعْضٍ، فَلَا إِجْمَالَ أَيْضًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ بَيْنَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَبَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ (لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لِمُطْلَقِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَيَحْصُلُ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ.
(2/366)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَآلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا إِلَى وُجُوبِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ لَمْ يُفَصِّلِ الْمُصَنِّفُ، وَذَكَرَ مُطْلَقًا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُ مَسْحِ الْبَعْضِ.
احْتَجَّ الْقَائِلُ بِالتَّبْعِيضِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِي مِثْلِ: مَسَحْتُ بِالْمَنْدِيلِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَسْحَ بَعْضِ الْمَنْدِيلِ، لَا كُلِّهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْعُرْفَ إِنَّمَا يَقْتَضِي مَسْحَ الْبَعْضِ حَيْثُ يَكُونُ الْمَسْحُ لِلْآلَةِ، لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْآلَةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِبَعْضِهَا. بِخِلَافِ مَسَحْتُ بِوَجْهِي، فَإِنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِي فِيهِ مَسْحَ بَعْضِ الْوَجْهِ.
الثَّانِي - أَنَّ الْبَاءَ إِذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتِ التَّبْعِيضَ فِي الْمَجْرُورِ بِهَا لُغَةً.
أَجَابَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِكَوْنِ الْبَاءِ لِلتَّبْعِيضِ أَضْعَفُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.
[مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ "]
ش - لَمَّا كَانَ الرَّفْعُ الْمُضَافُ إِلَى الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» " لَا يُوجِبُ رَفْعَ ذَاتِهِمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارٍ، اخْتَلَفُوا فِي إِجْمَالِهِ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِيهِ.
وَذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ عُرْفَ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ جَرَى عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ ; لِأَنَّ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا التَّرْكِيبِ، فَحِينَئِذٍ لَا إِجْمَالَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: " وَلَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ " إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ سُؤَالٍ تَقْرِيرُهُ أَنَّ عُرْفَ الِاسْتِعْمَالِ لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَارْتَفَعَ الضَّمَانُ أَيْضًا ; لِكَوْنِهِ مِنَ
(2/367)

وَلَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ إِمَّا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِقَابٍ، أَوْ تَخْصِيصًا لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ فَلَا إِجْمَالَ.
قَالُوا، وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَيْتَةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: " «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» ".
خِلَافًا لِلْقَاضِي.
لَنَا: إِنْ ثَبَتَ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ فِي الصَّحِيحِ فَلَا إِجْمَالَ، وَإِلَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/368)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ.
أَجَابَ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا لَمْ يَسْقُطْ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِقَابًا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعِقَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ مِنَ الْمَضَارِّ، وَالضَّمَانُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ.
الثَّانِي - أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ عِقَابٌ لَكِنَّهُ يَكُونُ تَخْصِيصًا لِعُمُومِ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ كُلِّ عِقَابٍ، وَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنَ الْإِجْمَالِ.
الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ مُجْمَلًا احْتَجُّوا بِمَا سَبَقَ فِي مِثْلِ " {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ". وَتَقْرِيرُهَا هَا هُنَا أَنَّهُ إِذِ امْتَنَعَ رَفْعُ ذَاتِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَنْهُمْ وَجَبَ أَنْ يُقَدَّرَ شَيْءٌ بِالضَّرُورَةِ، وَيَجُوزُ إِضْمَارُ جَمِيعِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَدَّرَ ; لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِإِضْمَارِ الْبَعْضِ، وَإِضْمَارُ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ دُونَ بَعْضٍ، تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَيَلْزَمُ الْإِجْمَالُ.
وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ أَوْلَوِيَّةِ إِضْمَارِ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي إِضْمَارَ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ، فَيَكُونُ إِضْمَارُهَا أَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ " لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ "]
ش - لَمَّا كَانَ النَّفْيُ الْوَارِدُ عَلَى مَا لَهُ وُجُودٌ حِسًّا، مِثْلَ:
(2/369)

فَالْعُرْفُ فِي مِثْلِهِ (نَفْيُ) الْفَائِدَةِ، مِثْلَ: لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ، فَلَا إِجْمَالَ.
وَلَوْ قُدِّرَ انْتِفَاؤُهُمَا فَالْأَوْلَى نَفْيُ الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْعَدَمِ.
فَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْحَقِيقَةِ الْمُتَعَذِّرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ.
قُلْنَا: إِثْبَاتُ الْمَجَازِ بِالْعُرْفِ فِي مِثْلِهِ (وَهُوَ جَائِزٌ) .
قَالُوا: الْعُرْفُ شَرْعًا مُخْتَلِفٌ فِي الْكَمَالِ وَالصِّحَّةِ.
قُلْنَا: مُخْتَلِفٌ لِلِاخْتِلَافِ.
وَإِنْ سُلِّمَ، فَلَا اسْتِوَاءَ لِتَرَجُّحِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] .
لَنَا: أَنَّ الْيَدَ إِلَى الْمَنْكِبِ حَقِيقَةً؛ لِصِحَّةِ بَعْضِ الْيَدِ لِمَا دُونَهُ، وَالْقَطْعُ: إِبَانَةُ الْمُتَّصِلِ؛ فَلَا إِجْمَالَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/370)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
" «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» " لَا يَبْقَى ذَلِكَ حَقِيقَةً، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْدِيرِ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ النَّفْيُ بِهِ - اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُجْمَلًا:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِتَعَدُّدِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَدَّرَ لِتَعَلُّقِ النَّفْيِ بِهِ، وَامْتِنَاعِ تَقْدِيرِ الْكُلِّ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِالْبَعْضِ، وَامْتِنَاعِ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِيهِ بِأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ فِي الصَّحِيحِ، فَلَا إِجْمَالَ، أَيْ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَهُ مِنْ نَفْيِ الصَّلَاةِ إِلَى نَفْيِ الصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ فَلَا إِجْمَالَ.
(2/371)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ - فَالْعُرْفُ اللُّغَوِيُّ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ يَقْتَضِي إِضْمَارَ الْفَائِدَةِ، أَيْ لَا فَائِدَةَ لِصَلَاةٍ إِلَّا بِطَهُورٍ، مِثْلَ: لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ؛ أَيْ لَا فَائِدَةَ لِعِلْمٍ إِلَّا مَا نَفَعَ، فَلَا إِجْمَالَ أَيْضًا.
فَلَوْ فُرِضَ انْتِفَاءُ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَنَفْيُ الصِّحَّةِ أَوْلَى مِنْ نَفْيِ الْفَضِيلَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى صِحَّةُ الشَّيْءِ يَصِيرُ كَالْعَدَمِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُعْتَدًّا بِهِ.
بِخِلَافِ مَا إِذَا انْتَفَى الْفَضِيلَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ كَالْعَدَمِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُعْتَدًّا بِهِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْفَضِيلَةِ، فَكَانَ نَفْيُ الصِّحَّةِ أَقْرَبَ إِلَى الْحَقِيقَةِ الْمُتَعَذِّرَةِ الَّتِي هِيَ نَفْيُ الْوُجُودِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الِاسْتِدْلَالُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ ; وَإِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
أُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ إِثْبَاتٌ لِأَوْلَوِيَّةِ أَحَدِ الْمَجَازَاتِ (بَعْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ بِالْعُرْفِ؛ وَإِثْبَاتُ أَحَدِ الْمَجَازَاتِ) بِالْعُرْفِ جَائِزٌ.
قِيلَ: كَيْفَ صَحَّ جَوَابُهُ بِإِثْبَاتِ الْمَجَازِ بِالْعُرْفِ، وَالتَّقْدِيرُ انْتِفَاءُ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ؟ .
أُجِيبُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْعُرْفِ عُرْفَ الْأُصُولِيِّينَ؛ فَلَا مُنَافَاةَ.
قِيلَ: إِنَّ التَّأَمُّلَ يَأْبَى هَذَا الْجَوَابَ، لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ لَا يَرِدُ
(2/372)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَلَى مَا هُوَ مُصْطَلَحٌ حَدَثَ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّرْعِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ: إِنَّ هَذَا الْجَوَابَ عَلَى تَقْدِيرِ انْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، وَانْتِفَاؤُهُمَا لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ عُرْفِ الْمَجَازِ.
احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْإِجْمَالِ بِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ مُخْتَلِفٌ فِي الْكَمَالِ وَالصِّحَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ ; لِأَنَّهُ يَرِدُ هَذَا التَّرْكِيبُ فِي الشَّرْعِ تَارَةً لِنَفْيِ الصِّحَّةِ، وَأُخْرَى لِنَفْيِ الْكَمَالِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ عُرْفُ الشَّرْعِ فِيهِمَا كَانَ مُجْمَلًا.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُرُودَهُ فِي الشَّرْعِ مُخْتَلِفٌ، بَلِ الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا حَصَلَ مِنَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي تَقْدِيرِهِ ; فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُقَدِّرُ الصِّحَّةَ، وَبَعْضَهُمْ يُقَدِّرُ الْكَمَالَ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ وُرُودَهُ فِي الشَّرْعِ مُخْتَلِفٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اخْتِلَافَ عُرْفِ الشَّرْعِ يُوجِبُ الْإِجْمَالَ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ عُرْفِ الشَّرْعِ إِنَّمَا يُوجِبُ الْإِجْمَالَ أَنْ لَوْ تَسَاوَى عُرْفُ الشَّرْعِ فِيهِمَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ رَاجِحٌ بِمَا ذَكَرْنَا؛ فَلَا إِجْمَالَ.
[مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ "]
ش - لَا إِجْمَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] مِنْ جِهَةِ الْيَدِ وَالْقَطْعِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِيهِ أَنَّ الْيَدَ لِمَجْمُوعِ الْعُضْوِ مِنَ الْأَنَامِلِ إِلَى الْمَنْكِبِ حَقِيقَةً ; لِصِحَّةِ قَوْلِنَا بَعْضُ الْيَدِ عَلَى مَا دُونَ الْمَنْكِبِ، وَامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الشَّيْءِ نَفْسَهُ.
وَالْقَطْعُ حَقِيقَةً فِي إِبَانَةِ الْمُتَّصِلِ؛ فَلَا إِجْمَالَ فِيهِ.
(2/373)

وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا فِي الْكُوعِ وَالْمِرْفَقِ وَالْمَنْكِبِ لَزِمَ الْإِجْمَالُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَزِمَ الْمَجَازُ.
وَاسْتَدَلَّ: يَحْتَمِلُ الِاشْتِرَاكَ وَالتَّوَاطُؤَ.
وَحَقِيقَةُ أَحَدِهِمَا وَوُقُوعُ وَاحِدٍ مِنَ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ.
وَأُجِيبُ: (بِأَنَّهُ) إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ.
وَبِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُجْمَلًا أَبَدًا.
قَالُوا: تُطْلَقُ الْيَدُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَالْقَطْعُ عَلَى الْإِبَانَةِ وَعَلَى الْجُرْحِ؛ فَثَبَتَ الْإِجْمَالُ.
قُلْنَا: لَا إِجْمَالَ مَعَ الظُّهُورِ.
ص - مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّفْظَ لِمَعْنًى تَارَةً وَلِمَعْنَيَيْنِ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ ظُهُورٍ مُجْمَلٌ.
لَنَا: أَنَّهُ مَعْنَاهُ.
قَالُوا: يَظْهَرُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ لِتَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ.
قُلْنَا: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ.
وَلَوْ سُلِّمَ عُورِضَ بِأَنَّ الْحَقَائِقَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ أَكْثَرُ، فَكَانَ أَظْهَرَ.
قَالُوا: يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَةَ كَالسَّارِقِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) مَا لَهُ مَحْمَلٌ لُغَوَيٌّ وَمَحْمَلٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، مِثْلَ: " «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» " - لَيْسَ بِمُجْمَلٍ.
لَنَا: عَرَّفَ الشَّارِعُ تَعْرِيفَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يُبْعَثْ لِتَعْرِيفِ اللُّغَةِ.
قَالُوا: يَصْلُحُ لَهُمَا وَلَمْ يَتَّضِحْ.
قُلْنَا: مُتَّضِحٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) لَا إِجْمَالَ فِيمَا لَهُ مُسَمًّى لُغَوِيٌّ وَمُسَمًّى شَرْعِيٌّ.
وَثَالِثُهَا، لِلْغَزَالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْإِثْبَاتِ شَرْعِيٌّ وَفِي النَّهْيِ مُجْمَلٌ، وَرَابِعُهَا فِي النَّهْيِ لُغَوِيٌّ، وَالْإِثْبَاتُ شَرْعِيٌّ مِثْلَ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/374)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا تَكُونُ مُجْمَلَةً لَوْ كَانَ الْيَدُ مُشْتَرَكًا فِي الْكُوعِ وَالْمِرْفَقِ وَالْمَنْكِبِ، وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا لَكَانَ مَجَازًا، وَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِرَاكِ، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْيَدَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُجْمَلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاطِئًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الْبَاقِينَ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ ظَاهِرًا لَا إِجْمَالَ فِيهِ.
وَلَا شَكَّ أَنْ وُقُوعَ وَاحِدٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ، فَكَوْنُهُ غَيْرَ مُجْمَلٍ أَقْرَبُ مِنْ كَوْنِهِ مُجْمَلًا.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَّرْتُمْ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُجْمَلٌ أَبَدًا لِعَيْنِ مَا ذَكَرْتُمْ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَتَمَشَّى فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ، بَلْ إِنَّمَا يَتَمَشَّى فِي اللَّفْظِ الَّذِي أُطْلِقَ عَلَى مَعَانٍ، وَاخْتُلِفَ
(2/375)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فِي كَوْنِهِ ظَاهِرًا فِي الْبَعْضِ أَوْ غَيْرَ ظَاهِرٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
الْقَائِلُونَ بِالْإِجْمَالِ احْتَجُّوا بِأَنَّ الْيَدَ يُطْلَقُ عَلَى الثَّلَاثِ، أَيِ الْعُضْوِ إِلَى الْكُوعِ وَإِلَى الْمِرْفَقِ وَإِلَى الْمَنْكِبِ، وَالْقَطْعَ يُطْلَقُ عَلَى الْإِبَانَةِ وَعَلَى الْجُرْحِ، وَلَا تَرْجِيحَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الْآخَرِ؛ فَيَحْصُلُ الْإِجْمَالُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْيَدَ وَالْقَطْعَ وَإِنْ كَانَا يُطْلَقَانِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ لَكِنْ لَا إِجْمَالَ فِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا ظَاهِرَيْنِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَعَانِي، لِأَنَّ الْيَدَ ظَاهِرَةٌ فِي الْكُلِّ، وَالْقَطْعَ فِي الْإِبَانَةِ، وَلَا إِجْمَالَ مَعَ الظُّهُورِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّفْظَ لِمَعْنًى تَارَةً وَلِمَعْنَيَيْنِ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ ظُهُورٍ مُجْمَلٌ]
ش - إِذَا كَانَ اللَّفْظُ اسْتُعْمِلَ تَارَةً فِيمَا يُفِيدُ مَعْنًى وَأُخْرَى فِيمَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ ظُهُورٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِهِمَا - فَالْمُخْتَارُ عِنْدَ
(2/376)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُجْمَلٌ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ظُهُورٌ لِأَحَدِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخَرِ لَمْ يَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مُجْمَلًا ; إِذْ لَا مَعْنَى لِلْمُجْمَلِ إِلَّا ذَلِكَ؛ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ أَظْهَرُ (مِنْ حَمْلِهِ) عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنًى وَاحِدًا ; لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ مُوجِبٌ لِتَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ، وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً أَظْهَرُ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتَ ظُهُورَهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ فَائِدَةً؛ وَإِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ بَاطِلٌ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ إِثْبَاتَ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَوْضُوعَةَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِمَعْنَيَيْنِ، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ أَظْهَرُ.
الثَّانِي - أَنَّ اللَّفْظَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاطِئًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا مَجَازًا فِي الْآخَرِ، كَآيَةِ السَّرِقَةِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ مُجْمَلًا. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ
(2/377)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا يَكُونُ مُجْمَلًا وَوُقُوعُ وَاحِدٍ مِنَ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَعَدَمُ الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ مِنَ الْإِجْمَالِ.
وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُجْمَلٌ أَبَدًا.
[مَسْأَلَةٌ: مَا لَهُ مَحْمَلٌ لُغَوَيٌّ وَمَحْمَلٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ]
ش - إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ مِنَ الشَّارِعِ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَعْنًى لُغَوِيٍّ وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِثْلَ: " الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ ".
(2/378)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِافْتِقَارَ إِلَى الطَّهَارَةِ، إِذْ هِيَ كَالصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ حُكْمًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَلَاةٌ لُغَةً لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الدُّعَاءِ.
فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ طَائِفَةً إِلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْغَزَّالِيِّ.
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ عُرْفَ الشَّارِعِ تَعْرِيفُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُبْعَثْ لِتَعْرِيفِ اللُّغَةِ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ; لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَعْثَةِ، فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا.
الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ مُجْمَلًا قَالُوا: إِنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَلَمْ يَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَتَّضِحُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ: لَا إِجْمَالَ فِيمَا لَهُ مُسَمًّى لُغَوِيٌّ وَمُسَمًّى شَرْعِيٌّ]
ش - إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ فِي الشَّرْعِ لَهُ مُسَمًّى لُغَوِيٌّ وَمُسَمًّى شَرْعِيٌّ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ أَحَدِهِمَا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِيهِ - وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَثَانِيهَا - أَنَّهُ مُجْمَلٌ مُطْلَقًا.
وَثَالِثُهُمَا - وَهُوَ مَذْهَبُ الْغَزَّالِيِّ - أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ - يُحْمَلُ عَلَى الشَّرْعِيِّ، فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا. وَإِذَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ
(2/379)

" إِنِّي إِذًا لَصَائِمٌ ".
لَنَا: (أَنَّ) عُرْفَهُ يَقْضِي بِظُهُورِهِ فِيهِ.
الْإِجْمَالُ: يَصْلُحُ لَهُمَا.
الْغَزَّالِيُّ: فِي النَّهْيِ تَعَذَّرَ الشَّرْعِيُّ لِلُزُومِ صِحَّتِهِ.
وَأُجِيبُ: لَيْسَ مَعْنَى الشَّرْعِيِّ: الصَّحِيحَ، وَإِلَّا لَزِمَ فِي " دَعِي الصَّلَاةَ " الْإِجْمَالُ.
الرَّابِعُ: فِي النَّهْيِ تَعَذَّرَ الشَّرْعِيُّ لِلُزُومِ صِحَّتِهِ، كَبَيْعِ الْحُرِّ وَالْخَمْرِ.
وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَبِأَنَّ " دَعِي الصَّلَاةَ " لِلُغَوِيٍّ: وَهُوَ بَاطِلٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/380)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَكُونُ مُجْمَلًا.
وَرَابِعُهَا - أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ يُحْمَلُ عَلَى الشَّرْعِيِّ، وَإِذَا وَرَدَ فِي جَانِبِ النَّهْيِ يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ، فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ يَحْمِلُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ سَوَاءٌ وَقَعَ فِي الْإِثْبَاتِ أَوْ فِي النَّهْيِ، وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ يَحْمِلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ إِذَا كَانَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ.
مِثَالُ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَائِشَةَ حِينَ سَأَلَهَا: «هَلْ مِنْ غَدَاءٍ ; فَقَالَتْ: لَا. فَقَالَ: إِنِّي إِذًا صَائِمٌ» .
مِثَالُ ذَلِكَ فِي جَانِبِ النَّهْيِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ النَّحْرِ» .
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ يَقْضِي بِظُهُورِ اللَّفْظِ فِي الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَلَا إِجْمَالَ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُ بِالْإِجْمَالِ بِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لَهُمَا، وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَلَمْ يَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَتَّضِحُ دَلَالَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَفْهُومِ
(2/381)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الشَّرْعِيِّ.
احْتَجَّ الْغَزَّالِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي النَّهْيِ، مِثْلَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ النَّحْرِ» - تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ، وَإِلَّا لَزِمَ صِحَّتُهُ ; لِأَنَّ الشَّرْعِيَّ هُوَ الصَّحِيحُ. فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
أَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى الشَّرْعِيِّ: الصَّحِيحَ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى الشَّرْعِيِّ هُوَ الصَّحِيحَ يَلْزَمُ الْإِجْمَالُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكَ» ".
وَالتَّالِي بَاطِلٌ قَطْعًا.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ حَمْلُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَإِذَا امْتَنَعَ حَمْلُهَا عَلَى الشَّرْعِيَّةِ يَكُونُ مُجْمَلًا، الْقَائِلُ بِالْمَذْهَبِ الرَّابِعِ احْتَجَّ بِأَنَّهُ فِي النَّهْيِ تَعَذَّرَ الشَّرْعِيُّ، لِلُزُومِ صِحَّتِهِ كَبَيْعِ الْحُرِّ وَالْخَمْرِ، أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الشَّرْعِيِّ، لَزِمَ صِحَّةُ بَيْعِهِمَا، وَإِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى اللُّغَوِيِّ أَوْلَى مِنَ الْإِجْمَالِ.
أَجَابَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الشَّرْعِيِّ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيحَ.
وَبِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ يَلْزَمُ أَنْ تُحْمَلَ الصَّلَاةُ فِي قَوْلِهِ: " دَعِي الصَّلَاةَ " عَلَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الدُّعَاءُ فِي الْحَيْضِ.
[الْبَيَانُ وَالْمُبَيَّنُ]
[تعريف الْبَيَانُ وَالْمُبَيَّنُ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ مَبَاحِثِ الْمُجْمَلِ شَرَعَ فِي الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ.
الْبَيَانُ يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ.
أَحَدُهُمَا - فِعْلُ الْمُبَيِّنِ، أَعْنِي التَّبَيُّنَ، وَهُوَ رَفْعُ الْإِبْهَامِ.
الثَّانِي - الدَّلِيلُ وَهُوَ مَا بِهِ يَحْصُلُ التَّبْيِينُ.
(2/382)

الْبَيَانُ وَالْمُبَيَّنُ
ص - الْبَيَانُ وَالْمُبَيَّنُ.
يُطْلَقُ الْبَيَانُ عَلَى فِعْلِ الْمُبَيِّنِ، وَعَلَى الدَّلِيلِ، وَعَلَى الْمَدْلُولِ، فَلِذَلِكَ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ.
وَأَوْرَدَ الْبَيَانَ ابْتِدَاءً، وَالتَّجَوُّزَ بِالْحَيِّزِ، وَتَكْرِيرَ الْوُضُوحِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُ: الدَّلِيلُ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّ: الْعِلْمُ عَنِ الدَّلِيلِ.
وَالْمُبَيَّنُ: نَقِيضُ الْمُجْمَلِ.
وَ (قَدْ) يَكُونُ فِي مُفْرَدٍ، وَفِي مُرَكَّبٍ وَفِي فِعْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِجْمَالٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْجُمْهُورُ: الْفِعْلُ يَكُونُ بَيَانًا.
لَنَا: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيَّنَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ بِالْفِعْلِ.
وَقَوْلُهُ: " خُذُوا عَنِّي " وَ " صَلُّوا كَمَا " يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُشَاهَدَةَ أَدَلُّ؛ إِذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/383)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّالِثُ - الْمَدْلُولُ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ وَالْحَاصِلُ الَّذِي يَتْبَعُ التَّبْيِينَ.
وَلِأَجْلِ إِطْلَاقِ الْبَيَانِ عَلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ، اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِ.
فَالصَّيْرَفِيُّ اخْتَارَ الْأَوَّلَ وَعَرَّفَهُ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ مُزَيَّفٌ.
أَمَّا أَوَّلًا - فَلِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ ; إِذْ بِهِ يَخْرُجُ عَنْهُ الْبَيَانَاتُ ابْتِدَاءً.
وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ إِجْمَالٍ وَإِشْكَالٍ، وَهُوَ بَيَانٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا - فَلِاشْتِمَالِ الْحَدِّ عَلَى الْمَجَازِ، لِقَوْلِهِ: " مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ الْوُضُوحِ ". وَالْحَيِّزُ لِلْجَوَاهِرِ حَقِيقَةً لَا لِلْأَعْرَاضِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا - فَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ التَّجَلِّيَ وَالْوُضُوحَ
(2/384)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَافٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّ الْبَيَانَ هُوَ الدَّلِيلُ.
وَاخْتَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، الثَّالِثَ، وَعَرَّفَهُ بِأَنَّهُ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنِ الدَّلِيلِ.
ثُمَّ عَرَّفَ الْمُصَنِّفُ الْمُبَيَّنَ بِأَنَّهُ نَقِيضُ الْمُجْمَلِ، وَهُوَ مَا يَتَّضِحُ دَلَالَتُهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْخِطَابُ الَّذِي وَرَدَ مُبَيَّنًا ابْتِدَاءً.
ثُمَّ الْمُبَيَّنُ إِمَّا قَوْلٌ مُفْرَدٌ، أَوْ مُرَكَّبٌ، وَإِمَّا فِعْلٌ سَبَقَ إِجْمَالُهُ أَوْ لَمْ يَسْبِقْ.
[مَسْأَلَةٌ الْجُمْهُورُ: الْفِعْلُ يَكُونُ بَيَانًا]
ش - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ خِلَافًا لِشُذُوذٍ.
لَنَا: أَنَّ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ وَاقِعٌ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ وَاقِعٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ مُجْمَلٌ، وَبَيَّنَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْفِعْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» "، وَ " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
أُجِيبُ بِأَنَّ قَوْلَهُ " خُذُوا " وَقَوْلَهُ " صَلُّوا " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ بَيَانٌ، لَا أَنَّهُ بَيَانٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى تَعْرِيفِ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ.
وَأَيْضًا مُشَاهَدَةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ أَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِهَا
(2/385)

قَالُوا: يَطُولُ فَيَتَأَخَّرُ الْبَيَانُ.
قُلْنَا: وَقَدْ يَطُولُ بِالْقَوْلِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَمَا تَأَخَّرَ لِلشُّرُوعِ فِيهِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَلِسُلُوكِ أَقْوَى الْبَيَانَيْنِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَمَا تَأَخَّرَ عَنْ (وَقْتِ) الْحَاجَةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) إِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، فَإِنِ اتَّفَقَا وَعُرِفَ الْمُتَقَدِّمُ فَهُوَ الْبَيَانُ.
وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ.
وَإِنْ جُهِلَ فَأَحَدُهُمَا.
وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ غَيْرُ الْأَرْجَحِ لِلتَّقْدِيمِ، لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ لَا يَكُونُ تَأْكِيدًا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُسْتَقِلَّ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا، كَمَا لَوْ طَافَ بَعْدَ آيَةِ الْحَجِّ طَوَافَيْنِ وَأَمَرَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ - فَالْمُخْتَارُ: الْقَوْلُ.
وَفِعْلُهُ نَدْبٌ أَوْ وَاجِبٌ، مُتَقَدِّمَا أَوْ مُتَأَخِّرًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى.
أَبُو الْحُسَيْنِ: الْمُتَقَدِّمُ بَيَانٌ.
وَيَلْزَمُهُ نَسْخُ الْفِعْلِ مُتَقَدِّمًا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ أَنَّ الْبَيَانَ أَقْوَى.
وَالْكَرْخِيُّ: يَلْزَمُ الْمُسَاوَاةُ.
أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجُوزُ الْأَدْنَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/386)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنَ الْإِخْبَارِ ; إِذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ.
وَإِذْ جَازَ الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ فَبَيَانُهُ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ أَدَلُّ أَوْلَى، الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ الْبَيَانِ بِالْفِعْلِ (قَالُوا) قَدْ يَطُولُ زَمَانُهُ، فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ طُولَ الزَّمَانِ لَا يَمْنَعُ الْبَيَانَ ; لِأَنَّ الْبَيَانَ بِالْقَوْلِ قَدْ يَطُولُ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْبَيَانَ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْبَيَانَ بِالْقَوْلِ لَا يَطُولُ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ، فَإِنَّهُ مَا تَأَخَّرَ الْبَيَانُ لِحُصُولِ الشُّرُوعِ فِيهِ عُقَيْبَ وُرُودِ الْإِجْمَالِ.
وَلَوْ سُلِّمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ لَكِنَّ التَّأَخُّرَ لِسُلُوكِ أَقْوَى الْبَيَانَيْنِ (الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَكُونُ أَقْوَى الْبَيَانَيْنِ) لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ مُطْلَقًا غَيْرُ جَائِزٍ، بَلْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَا تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
(2/387)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: إِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ]
ش - إِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ يَصْلُحُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِذَلِكَ الْمُجْمَلِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي الْبَيَانِ أَوْ يَخْتَلِفَا، فَإِنِ اتَّفَقَا فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْمُتَقَدِّمُ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ، وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ الْمُتَقَدِّمُ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ أَحَدَهُمَا هُوَ الْبَيَانُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَالْآخَرُ تَأْكِيدٌ لَهُ.
(2/388)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقِيلَ: إِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَأَحَدُهُمَا بَيَانٌ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَالْآخَرُ تَأْكِيدٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَالرُّجُوحُ يَتَعَيَّنُ لِلتَّقْدِيمِ فَيَكُونُ بَيَانًا، وَالرَّاجِحُ تَأْكِيدًا لَهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمِ الْمَرْجُوحُ لَمْ يَكُنْ لِوُرُودِهِ فَائِدَةٌ ; لِأَنَّ وُرُودَهُ إِمَّا لِلْبَيَانِ أَوْ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْبَيَانَ قَدْ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ، فَلَا يَكُونُ الثَّانِي مُفِيدًا لَهُ ; لِامْتِنَاعِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ.
وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ لَا يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلرَّاجِحِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَرْجُوحَ مُطْلَقًا لَا يَكُونُ تَأْكِيدًا بَلِ الْمَرْجُوحُ الْمُسْتَقِلُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا. فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيهِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقِ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ فِي الْبَيَانِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ آيَةِ الْحَجِّ أَمَرَ فِي الْقِرَانِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ طَافَ قَارِنًا طَوَافَيْنِ.
(2/389)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْقَوْلَ هُوَ الْبَيَانُ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَيُحْمَلُ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ أَوْ وَاجِبٌ مُخْتَصٌّ بِهِ، لِأَنَّا إِنْ جَعَلْنَا الْقَوْلَ بَيَانًا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى.
وَلَوْ جَعَلْنَا الْفِعْلَ بَيَانًا لَزِمَ إِهْمَالُ الْقَوْلِ.
وَذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ إِلَى أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ بَيَانٌ.
فَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْفِعْلَ كَانَ الطَّوَافُ الثَّانِي وَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْقَوْلُ لَمْ يَكُنِ الطَّوَافُ الثَّانِي وَاجِبًا.
وَيُلْزِمُ مَذْهَبُ أَبِي الْحُسَيْنِ نَسْخَ الْفِعْلِ إِذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا، لِوُجُوبِ الطَّوَافَيْنِ وَرَفْعِ أَحَدِهِمَا بِالْقَوْلِ الْمُتَأَخِّرِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ أَنَّ الْبَيَانَ أَقْوَى]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْبَيَانَ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ مِنَ الْمُبَيَّنِ أَمْ لَا؟
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبَيَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنَ الْمُبَيَّنِ فِي الدَّلَالَةِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يَلْزَمُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ فِي الدَّلَالَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ أَدَقَّ مِنَ الْمُبَيَّنِ فِي الدَّلَالَةِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَيَانُ مَرْجُوحًا فِي الدَّلَالَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُبَيَّنِ لَزِمَ إِلْغَاءُ الْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ فِي الْعَامِّ إِذَا خُصِّصَ، وَفِي الْمُطْلَقِ إِذَا قُيِّدَ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَامٌّ أَوْ مُطْلَقٌ، ثُمَّ وَرَدَ عَلَيْهِ مُخَصَّصٌ أَوْ مُقَيَّدٌ، وَكَانَ الْعَامُّ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ الْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقِ مِنَ الْمُقَيَّدِ،
(2/390)

لَنَا: لَوْ كَانَ مَرْجُوحًا أُلْغِيَ الْأَقْوَى فِي الْعَامِّ إِذَا خُصِّصَ، وَفِي الْمُطْلَقِ إِذَا قُيِّدَ.
وَفِي التَّسَاوِي التَّحَكُّمُ.
ص - مَسْأَلَةٌ: تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ إِلَّا عِنْدَ مُجَوِّزِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ.
وَإِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ يَجُوزُ.
وَالصَّيْرَفِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ: مُمْتَنِعٌ.
وَالْكَرْخِيُّ: مُمْتَنِعٌ فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ.
وَأَبُو الْحُسَيْنِ: مِثْلُهُ فِي الْإِجْمَالِيِّ لَا التَّفْصِيلِيِّ، مِثْلُ هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ، وَالْمُطْلَقُ مُقَيَّدٌ، وَالْحُكْمُ سَيُنْسَخُ.
وَالْجُبَّائِيُّ: مُمْتَنِعٌ فِي غَيْرِ النَّسْخِ.
ص - لَنَا: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] (وَلِذِي الْقُرْبَى) ثُمَّ بَيَّنَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ، إِمَّا عُمُومًا وَإِمَّا بِرَأْيِ الْإِمَامِ، وَأَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى: بَنُو هَاشِمٍ دُونَ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي نَوْفَلٍ.
وَلَمْ يُنْقَلِ اقْتِرَانٌ إِجْمَالِيٌّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَأَيْضًا: " أَقِيمُوا الصَّلَاةَ " ثُمَّ بَيَّنَ جِبْرِيلُ وَالرَّسُولُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ السَّرِقَةُ، ثُمَّ بُيِّنَ عَلَى تَدْرِيجٍ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: (اقْرَأْ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " مَا أَقْرَأُ " وَكَرَّرَ ثَلَاثًا - ثُمَّ قَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] .
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْفَوْرَ يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ، وَالتَّرَاخِيَ يُفِيدُ جَوَازَهُ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي فَيَمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/391)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَجَوَّزْنَا تَخْصِيصَ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ الْأَضْعَفِ وَالْمُطْلَقِ بِالْمُقَيَّدِ الْأَضْعَفِ - لَزِمَ إِلْغَاءُ الْعَامِّ أَوِ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى دَلَالَةً.
وَلَوْ كَانَ الْبَيَانُ مُسَاوِيًا فِي الدَّلَالَةِ لِلْمُبَيَّنِ لَزِمَ التَّحَكُّمُ ; لِأَنَّ تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
[مَسْأَلَةٌ: تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ]
ش - تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ.
(2/392)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ مِنْ وَقْتِ وُرُودِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ الصَّيْرَفِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى امْتِنَاعِهِ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إِلَى امْتِنَاعِهِ فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ: وَهُوَ مَا لَهُ ظَاهِرٌ غَيْرُ مُرَادٍ، كَالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمَنْسُوخِ، وَإِلَى جَوَازِهِ فِي الْمُجْمَلِ، وَهُوَ مَا لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فِي الْمُجْمَلِ.
وَفِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ التَّفْصِيلِيِّ.
فَعَلَى هَذَا يَجِبُ الْبَيَانُ الْإِجْمَالِيُّ عَلَى الْفَوْرِ فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ وَقْتَ الْخِطَابِ: هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ، وَهَذَا الْمُطْلَقُ
(2/393)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُقَيَّدٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ سَيُنْسَخُ.
وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ إِلَى امْتِنَاعِهِ فِي غَيْرِ النَّسْخِ، وَإِلَى جَوَازِهِ فِي النَّسْخِ.
ش - وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ بِأُمُورٍ:
الْأَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] فَإِنَّهُ أَثْبَتَ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ مُطْلَقًا لِلْمَذْكُورِينَ، وَأَثْبَتَ لِذِي الْقُرْبَى عُمُومًا نَصِيبًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَذَوَى الْقُرْبَى مِمَّا لَهُ ظَاهِرٌ أُرِيدَ خِلَافُهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ وَالتَّفْصِيلِيِّ مَعَهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ إِمَّا بِالْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ: " «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» " وَإِمَّا بِرَأْيِ الْإِمَامِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَيْضًا بَيَّنَ أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى بَنُوهَا ثُمَّ دُونَ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي نَوْفَلٍ.
(2/394)

وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْأَمْرَ قَبْلَ الْبَيَانِ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ. وَذَلِكَ كَثِيرٌ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] وَكَانَتْ مُعَيَّنَةً بِدَلِيلِ تَعْيِينِهَا بِسُؤَالِهِمْ مُؤَخَّرًا.
وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِمُتَجَدِّدٍ.
وَبِدَلِيلِ الْمُطَابَقَةِ لِمَا ذُبِحَ.
وَأُجِيبُ بِمَنْعِ التَّعْيِينِ، فَلَمْ يَتَأَخَّرْ بَيَانٌ بِدَلِيلِ بَقَرَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَبِدَلِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْهُمْ ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/395)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ الْإِجْمَالِيُّ مُقْتَرِنًا بِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ هُوَ الْبَيَانُ التَّفْصِيلِيُّ؟ .
أُجِيبُ: لَمْ يُنْقَلِ اقْتِرَانُ بَيَانٍ إِجْمَالِيٍّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
الثَّانِي - قَوْلُهُ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] فَإِنَّ فِي ابْتِدَاءِ نُزُولِهِ كَانَ الصَّلَاةُ ظَاهِرَةً فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا ذَاتُ الْأَرْكَانِ وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا بَيَانُ أَنَّهُ أَرَادَ ذَاتَ الْأَرْكَانِ، لَا إِجْمَالًا وَلَا تَفْصِيلًا، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبَيَّنَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْأُمَّةِ.
وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهَا فِي ابْتِدَاءِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] " ظَاهِرَةٌ فِي النَّمَاءِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْمِقْدَارُ الْمُخْرَجُ مِنَ النِّصَابِ
(2/396)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ بَيَانٌ إِجْمَالِيٌّ وَلَا تَفْصِيلِيٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْمِقْدَارُ الْمُخْرَجُ مِنَ النِّصَابِ.
وَكَذَلِكَ السَّرِقَةُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ظَاهِرٌ فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمُقَيَّدُ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمِقْدَارَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْقَطْعُ.
الثَّالِثُ «أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ - نَزَلَ إِلَى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالَ: " اقْرَأْ " - فَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَا أَقْرَأُ، وَكَرَّرَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] » . وَهَذَا دَلِيلُ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ، وَإِلَّا لَمْ يُؤَخِّرْ جِبْرِيلُ الْبَيَانَ عَنِ الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْأَوَامِرَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ مَتْرُوكَةُ الظَّوَاهِرِ، فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا اتِّفَاقًا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا مَتْرُوكَةُ الظَّوَاهِرِ ; لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا ; لِأَنَّ إِجْرَاءَهَا عَلَى الظَّوَاهِرِ يُوجِبُ جَوَازَ تَأْخِيرِ بَيَانِهَا، وَجَوَازُ تَأْخِيرِ بَيَانِهَا مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِمَّا لِلْفَوْرِ أَوْ لِلتَّرَاخِي، فَإِنْ كَانَ
(2/397)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِلْفَوْرِ امْتَنَعَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ ; لِأَنَّ وَقْتَ الْخِطَابِ وَقْتُ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّرَاخِي فَجَازَ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي، فَيَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْأَمْرَ قَبْلَ الْبَيَانِ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ، فَلَا يُفِيدُ قَبْلَ الْبَيَانِ الْفَوْرُ وَالتَّرَاخِي.
وَالْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فِي الْعُرْفِ، كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: افْعَلْ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ قَبْلَ الْبَيَانِ.
ش - اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] . وَالْبَقَرَةُ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ، وَكَانَ الْمُرَادُ بِهَا بَقَرَةً مُعَيَّنَةً، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا بَيَانٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَقَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
(2/398)

وَبِدَلِيلِ: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) .
وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} [الأنبياء: 98] فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى، فَقَدْ عُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْمَسِيحُ، فَنَزَلَ: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ) .
وَأُجِيبُ بِأَنَّ " مَا " لِمَا لَا يَعْقِلُ، وَنُزُولُ " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ " زِيَادَةُ بَيَانٍ لِجَهْلِ الْمُعْتَرِضِ، مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا.
وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَكَانَ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِضَرُورَةٍ أَوْ نَظَرٍ، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ.
وَعُورِضَ: لَوْ كَانَ جَائِزًا إِلَى آخِرِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/399)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ - أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَيَّنَهَا بَعْدَ سُؤَالِهِمْ عَنِ الْبَقَرَةِ (الْمَأْمُورِ بِذَبْحِهَا الْمُتَأَخِّرِ مِنَ الْخِطَابِ بِذَبْحِهَا، وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْبَقَرَةُ مُعَيَّنَةً لَمْ يَكُنْ لِلسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَعْنًى.
الثَّانِي - أَنَّ الْبَقَرَةَ) لَوْ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً لَكَانَ الْمَأْمُورُ بِهَا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مُتَجَدِّدَةً.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِمُتَجَدِّدٍ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهَا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مُعَيَّنَةٌ وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، فَيَكُونُ الْمَأْمُورُ بِهَا فِي الثَّانِيَةِ مُتَجَدِّدَةً. الثَّالِثُ - أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَمَا طَابَقَتِ الْمَأْمُورُ بِهَا لِمَا ذُبِحَ ; لِأَنَّ الْبَقَرَةَ الْمَذْبُوحَةَ مُعَيَّنَةٌ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِدَلِيلِ مُطَابَقَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا لِمَا ذُبِحَ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ التَّعْيِينِ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَتَأَخَّرْ بَيَانٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ التَّعْيِينِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْبَقَرَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] . فَإِنَّهَا نَكِرَةٌ وَالنَّكِرَةُ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَتَرْكُ الظَّاهِرِ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ.
(2/400)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي - قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي السُّؤَالِ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَقَرَةَ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ; لِأَنَّ طَلَبَ زِيَادَةِ الْبَيَانِ لَيْسَ بِتَشْدِيدٍ.
الثَّالِثُ - أَنَّ الْبَقَرَةَ لَوْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً لَمَا عَنَّفَهُمُ اللَّهُ عَلَى طَلَبِ الْبَيَانِ ; لِأَنَّ طَلَبَ الْبَيَانِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْمَدْحِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] .
الثَّانِي - قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] فَإِنَّهُ عَامٌّ، مَعَ أَنَّ الْعُمُومَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَقَدْ أُخِّرَ بَيَانُهُ الَّذِي هُوَ الْمُخَصِّصُ لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ «قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: لَأُخَاصِمُنَّ مُحَمَّدًا، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الرَّسُولِ - قَالَ: أَلَيْسَ عُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْمَسِيحُ» ; فَتَوَقَّفَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْجَوَابِ، ثُمَّ نَزَلَ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]
(2/401)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَخُصِّصَتْ بِهِ الْآيَةُ الْأُولَى.
أَجَابَ بِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى غَيْرُ مُتَنَاوِلَةٍ لِلْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ ; لِأَنَّ " مَا " لِمَا لَا يَعْقِلُ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ} [الأنبياء: 101] تَخْصِيصًا وَبَيَانًا لِذَلِكَ الْعُمُومِ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ لِجَهْلِ الْمُعْتَرِضِ (مَعَ أَنَّهُ خَبَرٌ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّخْصِيصِ) .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى مَا نُقِلَ عَنْهُ قَالَ لَهُ: مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ، " مَا " لِمَا لَا يَعْقِلُ.
هَذَا مَعَ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ الزِّبَعْرَى وَكَوْنَهُ سَبَبًا لِنُزُولِ الْآيَةِ، خَبَرٌ مِنْ بَابِ الْآحَادِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ.
الثَّالِثُ - أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَكَانَ امْتِنَاعُهُ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِضَرُورَةٍ أَوْ بِنَظَرٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ.
أَجَابَ عَنْهُ بِالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا فَجَوَازُهُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِضَرُورَةٍ أَوْ نَظَرٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ.
ش - احْتَجَّ مَنْ مَنَعَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ فِيمَا لَهُ ظَاهِرٌ أُرِيدَ غَيْرُهُ - بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ التَّأْخِيرَ لَوْ جَازَ لَكَانَ إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ إِلَى الْأَبَدِ. وَالْأَوَّلُ يُوجِبُ التَّحَكُّمَ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْخِطَابِ الْإِفْهَامُ
(2/402)

ص - الْمَانِعُ: بَيَانُ الظَّاهِرِ لَوْ جَازَ لَكَانَ إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهُوَ تَحَكُّمٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ.
أَوْ إِلَى الْأَبَدِ، فَيَلْزَمُ الْمُحَالُ.
وَأُجِيبُ: إِلَى مُعَيَّنَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ وَقْتُ التَّكْلِيفِ.
قَالُوا: لَوْ جَازَ لَكَانَ مُفْهِمًا ; لِأَنَّهُ مُخَاطِبٌ فَيَسْتَلْزِمُهُ، وَظَاهِرُهُ جَهَالَةٌ وَالْبَاطِنُ مُتَعَذِّرٌ.
وَأُجِيبُ بِجَرْيِهِ فِي النَّسْخِ لِظُهُورِهِ فِي الدَّوَامِ.
وَبِأَنَّهُ يُفْهَمُ الظَّاهِرُ مَعَ تَجْوِيزِهِ التَّخْصِيصَ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَلَا جَهَالَةَ وَلَا إِحَالَةَ.
ص - عَبْدُ الْجَبَّارِ: تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ يُخِلُّ بِفِعْلِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا لِلْجَهْلِ بِصِفَتِهَا، بِخِلَافِ النَّسْخِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ بَيَانِهَا.
قَالُوا: لَوْ جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ لَجَازَ الْخِطَابُ بِالْمُهْمَلِ، ثُمَّ يُبَيَّنُ مُرَادُهُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ مُخَاطِبٌ بِأَحَدِ مَدْلُولَاتِهِ، فَيُطِيعُ وَيَعْصِي بِالْعَزْمِ. بِخِلَافِ الْآخَرِ.
وَقَالَ: تَأْخِيرُ بَيَانِ التَّخْصِيصِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي كُلِّ شَخْصٍ، بِخِلَافِ النَّسْخِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَدَلِ، وَفِي النَّسْخِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْجَمِيعِ، فَكَانَ أَجْدَرَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ عَلَى الْمَنْعِ جَوَازُ تَأْخِيرِ إِسْمَاعِ الْمُخَصِّصِ الْمَوْجُودِ.
لَنَا: أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ تَأْخِيرِهِ مَعَ الْعَدَمِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سَمِعَتْ (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) وَلَمْ تَسْمَعْ: نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَسَمِعُوا (قَوْلَهُ تَعَالَى:) (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) وَلَمْ يَسْمَعِ الْأَكْثَرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/403)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَنِسْبَتُهُ إِلَى جَمِيعِ الْأَزْمَانِ عَلَى السَّوَاءِ، فَلَوْ عُيِّنَ زَمَانًا لِلْبَيَانِ لَزِمَ التَّحَكُّمُ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ جَوَازُ تَأْخِيرِهِ أَبَدًا، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، فَيَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ مُحَالٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ وَقْتُ التَّكْلِيفِ وَلَا يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ، فَإِنَّ نِسْبَةَ الْبَيَانِ وَالْإِفْهَامِ إِلَى وَقْتِ التَّكْلِيفِ أَوْلَى.
الثَّانِي - لَوْ جَازَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ لَكَانَ الشَّارِعُ مُفْهِمًا بِخِطَابِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ مُخَاطِبٌ وَالْخِطَابُ يَسْتَلْزِمُ الْإِفْهَامَ وَإِلَّا لَكَانَ الْخِطَابُ عَبَثًا.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مُفْهِمًا لِلظَّاهِرِ - وَالظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ - يَلْزَمُ إِيقَاعُ الْمُكَلَّفِ فِي الْجَهْلِ، لِأَنَّ إِفْهَامَ مَا هُوَ غَيْرُ مُرَادٍ يُوجِبُ الْإِيقَاعَ فِي الْجَهْلِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ مُفْهِمًا لِغَيْرِ الظَّاهِرِ وَلَا طَرِيقَ إِلَى إِفْهَامِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيَّنْ بَعْدُ، وَإِفْهَامُ مَا لَا طَرِيقَ إِلَيْهِ مُتَعَذِّرٌ.
أَجَابَ بِالنَّقْضِ الْإِجْمَالِيِّ وَالتَّفْصِيلِيِّ.
أَمَّا الْإِجْمَالِيُّ فَلِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ يَجْرِي فِي النَّسْخِ ; لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ ظَاهِرٌ فِي الدَّوَامِ، وَلَمْ يَكُنِ النَّسْخُ مَذْكُورًا مَعَهُ، وَجَوَازُ تَأْخِيرِ النَّسْخِ
(2/404)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ فَلِأَنَّهُ أُرِيدَ إِفْهَامُ الظَّاهِرِ، لَكِنْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، بَلْ مَعَ تَجْوِيزِ التَّخْصِيصِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الْجَهَالَةُ لِعَدَمِ الْقَطْعِ، وَلَا الْإِحَالَةُ مِنْ جِهَةِ التَّعَذُّرِ ; لِأَنَّهُ أُرِيدَ إِفْهَامُ الظَّاهِرِ.
(2/405)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - احْتَجَّ عَبْدُ الْجَبَّارِ عَلَى امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ بِخِلَافِ النَّسْخِ بِأَنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ يُخِلُّ بِفِعْلِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا لِلْجَهْلِ بِصِفَتِهَا، لِأَنَّ صِفَتَهَا إِنَّمَا تُعْلَمُ بِالْبَيَانِ، بِخِلَافِ تَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ فَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِفِعْلِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ صِفَتَهَا مُبَيَّنَةٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ هُوَ وَقْتُ بَيَانِهَا، لَا وَقْتُ الْأَمْرِ بِهَا، وَصِفَةُ الْعِبَادَةِ مَعْلُومَةٌ وَقْتَ الْبَيَانِ، فَلَا يَلْزَمُ الْإِخْلَالُ بِفِعْلِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ عَبْدِ الْجَبَّارِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، لَكِنَّ مَذْهَبَهُ مَذْهَبُ الْجُبَّائِيِّ، فَذَكَرَهُ هَا هُنَا لِيُعْرَفَ تَوَافُقُ مَذْهَبِهِمَا.
الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ قَالُوا: لَوْ جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ لَجَازَ الْخِطَابُ بِالْمُهْمَلِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ الْمُخَاطِبُ مُرَادَهُ مِنَ الْمُهْمَلِ.
وَالتَّالِي: بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمُجْمَلَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ كَالْمُهْمَلِ، فَجَوَازُ الْخِطَابِ بِهِ يُوجِبُ جَوَازَ الْخِطَابِ بِالْمُهْمَلِ.
أَجَابَ بِالْفَرْقِ؛ فَإِنَّ الْمُجْمَلَ يُفِيدُ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِأَحَدٍ مَدْلُولَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْ مَا هُوَ الْمُرَادُ عَلَى التَّعْيِينِ، فَحِينَئِذٍ يُطِيعُ الْمُكَلَّفُ بِالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ وَيَعْصِي بِالْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ، بِخِلَافِ الْمُهْمَلِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا أَصْلًا.
(2/406)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ أَيْضًا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ وَجَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ: إِنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِ التَّخْصِيصِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي كُلِّ شَخْصٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الْعَامِّ أَنَّهُ هَلْ مُرَادٌ مِنَ الْعَامِّ أَمْ لَا؟ .
بِخِلَافِ تَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الشَّكَّ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْمَنْسُوخِ قَبْلَ وُرُودِ الْبَيَانِ.
أَجَابَ بِأَنَّ جَوَازَ تَأْخِيرِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ عَلَى الْبَدَلِ لَا عَلَى الْجَمْعِ، لِأَنَّ التَّخْصِيصَ: إِخْرَاجُ الْبَعْضِ.
وَجَوَازُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِي النَّسْخِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ. فَكَانَ جَوَازُ تَأْخِيرِ التَّخْصِيصِ أَجْدَرَ وَأَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ عَلَى الْمَنْعِ جَوَازُ تَأْخِيرِ إِسْمَاعِ الْمُخَصِّصِ الْمَوْجُودِ]
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ إِسْمَاعِ الْمُخَصِّصِ الْمَوْجُودِ أَمْ لَا؟ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ تَأْخِيرِ إِسْمَاعِ الْمُخَصِّصِ الْمَوْجُودِ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْمُخَصِّصَ الْمَوْجُودَ وَقْتَ الْخِطَابِ أَقْرَبُ مِنَ الْمُخَصِّصِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ وَقْتَ الْخِطَابِ ; لِإِمْكَانِ سَمَاعِهِ قَبْلَ سَمَاعِ الْعَامِّ بِأَنْ يُسْمِعَ الشَّارِعُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ إِسْمَاعِهِ فَيُعْرَفُ مِنْهُ، أَوْ بَعْدَ سَمَاعِ الْعَامِّ بِالِاسْتِكْشَافِ، بِخِلَافِ الْمُخَصِّصِ الَّذِي لَمْ يُوجَدُ.
وَإِذَا كَانَ أَقْرَبَ جَازَ تَأْخِيرُهُ ; لِأَنَّ جَوَازَ الْأَبْعَدِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْأَقْرَبِ.
الثَّانِي - أَنَّ تَأْخِيرَ إِسْمَاعِ الْمُخَصِّصِ وَاقِعٌ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ وَاقِعٌ ; لِأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سَمِعَتْ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] وَلَمْ تَسْمَعْ " نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ " وَهُوَ مُخَصِّصٌ لِلْآيَةِ.
وَأَيْضًا سَمِعَ الصَّحَابَةُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] وَلَمْ
(2/407)

سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، إِلَّا بَعْدَ حِينٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ عَلَى الْمَنْعِ، جَوَازُ تَأْخِيرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَبْلِيغَ الْحُكْمِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ. وَلَعَلَّ فِيهِ مَصْلَحَةً.
قَالُوا: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) .
وَأُجِيبُ: بَعْدَ كَوْنِهِ لِلْوُجُوبِ وَالْفَوْرِ (أَنَّهُ) لِلْقُرْآنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ عَلَى التَّجْوِيزِ جَوَازُ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/408)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَسْمَعْ أَكْثَرُهُمُ الْحَدِيثَ الْمُخَصِّصَ لِلْمَجُوسِ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» " إِلَّا بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ.
[مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ عَلَى الْمَنْعِ جَوَازُ تَأْخِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَبْلِيغَ الْحُكْمِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ]
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الرَّسُولِ تَبْلِيغَ الْحُكْمِ الَّذِي أُوحِيَ
(2/409)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِلَيْهِ عَنْ وَقْتِ الْوَحْيِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ تَأْخِيرِ التَّبْلِيغِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ التَّأْخِيرَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ لِذَاتِهِ، وَالِاسْتِحَالَةُ بِالْغَيْرِ مُنْتَفِيَةٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَيْرِ.
وَأَيْضًا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي التَّأْخِيرِ مَصْلَحَةٌ يَعْلَمُهَا اللَّهُ تَعَالَى فَيُؤَخِّرُ الرَّسُولُ لِذَلِكَ.
الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِ التَّبْلِيغِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: 67] ، وَهُوَ يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّبْلِيغِ عَلَى الْفَوْرِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالْفَوْرَ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالْفَوْرَ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ هُوَ الْأَحْكَامُ، بَلِ الْقُرْآنُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ عَلَى التَّجْوِيزِ جَوَازُ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ]
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَعْضِ الْبَيَانَاتِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ دُونَ بَعْضٍ.
(2/410)

لَنَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَيَّنَ فِيهِ الذِّمِّيَّ، ثُمَّ الْعَبْدَ، ثُمَّ الْمَرْأَةَ بِتَدْرِيجٍ.
وَآيَةُ الْمِيرَاثِ بَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَاتِلَ وَالْكَافِرَ بِتَدْرِيجٍ.
قَالُوا: يُوهِمُ الْوُجُوبَ فِي الْبَاقِي، وَهُوَ تَجْهِيلٌ.
قُلْنَا: إِذَا جَازَ إِيهَامُ الْجَمِيعِ فَبَعْضُهُ أَوْلَى.
ص - (مَسْأَلَةٌ) يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ إِجْمَاعًا.
وَالْأَكْثَرُ: يَكْفِي بِحَيْثُ يَغْلِبُ انْتِفَاؤُهُ.
الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِانْتِفَائِهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ مَعَ مَعَارِضِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/411)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ الْوُقُوعُ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] عَامٌّ، فَيُبَيِّنُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِخْرَاجَ الذِّمِّيِّ، ثُمَّ الْعَبْدِ، ثُمَّ الْمَرْأَةِ عَلَى التَّدْرِيجِ.
وَأَيْضًا: آيَةُ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} [النساء: 11] عَامَّةٌ. فَبَيَّنَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: " «نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - لَا نُورَثُ؛ فَمَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» ". ثُمَّ بَيَّنَ إِخْرَاجَ الْقَاتِلِ، ثُمَّ الْكَافِرِ بِتَدْرِيجٍ.
الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ قَالُوا: بَيَانُ الْبَعْضِ يُوهِمُ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْبَاقِي، فَيَكُونُ تَجْهِيلًا لِلْمُكَلَّفِ.
أَجَابَ بِأَنَّ ذِكْرَ الْعَامِّ بِدُونِ ذِكْرِ الْمُخَصِّصِ يُوهِمُ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ جَائِزٌ، فَإِذَا جَازَ إِيهَامُ الْجَمِيعِ فَجَوَازُ إِيهَامِ الْبَعْضِ أَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ إِجْمَاعًا]
ش - أَجْمَعَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ، لَمْ يَحْصُلْ ظَنُّ الْعُمُومِ، لِأَنَّ اعْتِقَادَ إِمْكَانِ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ مَانِعٌ عَنْ حُصُولِ الظَّنِّ.
وَأَمَّا بَعْدَ الْبَحْثِ وَعَدَمِ الْوِجْدَانِ يَحْصُلُ الظَّنُّ.
وَبَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ، اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الْبَحْثِ.
فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْبَحْثُ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ انْتِفَاءُ الْمُخَصِّصِ، وَلَا يُشْتَرَطُ حُصُولُ الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ الْمُوجِبِ لِلْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ مَعَ مُعَارِضِهِ، أَيْ يَكْفِي فِيهِ الْبَحْثُ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ انْتِفَاءُ مُعَارِضِهِ.
(2/412)

لَنَا: لَوِ اشْتُرِطَ (الْقَطْعُ) لَبَطَلَ الْعَمَلُ بِالْأَكْثَرِ.
قَالُوا: مَا كَثُرَ الْبَحْثُ فِيهِ تُفِيدُ الْعَادَةُ الْقَطْعَ، وَإِلَّا فَبَحْثُ الْمُجْتَهِدِ (يُفِيدُهُ) لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ لَاطُّلِعَ عَلَيْهِ.
وَمَنَعَ وَأَسْنَدَ بِأَنَّهُ قَدْ يَجِدُ مَا يَرْجِعُ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/413)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ بِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ الْقَطْعُ لَبَطَلَ الْعَمَلُ بِأَكْثَرِ الْعُمُومَاتِ الْمَعْمُولِ بِهَا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْعُمُومَاتِ الْمَعْمُولِ بِهَا مِمَّا لَا يَقْطَعُ الْعَقْلُ بِانْتِفَاءِ مُخَصِّصِهِ، بَلْ غَايَتُهُ عَدَمُ الْوِجْدَانِ بَعْدَ الْبَحْثِ، وَعَدَمُ الْوِجْدَانِ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ بِانْتِفَائِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: الْقَطْعُ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ مُمْكِنٌ، لِأَنَّ مَا كَثُرَ الْبَحْثُ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى الْمُخَصِّصِ تُفِيدُ الْعَادَةُ فِيهِ الْقَطْعَ بِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ.
وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ فِيهِ الْبَحْثُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَبَحْثُ الْمُجْتَهِدِ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِالْعُمُومِ: الْخُصُوصُ لَاطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ عِنْدَ الْبَحْثِ ; لِاسْتِحَالَةِ أَنْ لَا يَنْصِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَأَنْ لَا يُبَلِّغَهُ إِلَى الْمُكَلَّفِ، وَإِلَّا لَكَانَ نَصْبُ الدَّلِيلِ عَبَثًا.
وَمُنِعَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا كَثُرَ فِيهِ الْبَحْثُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْعَادَةِ.
وَأَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ بَحْثَ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ يُفِيدُ الْقَطْعَ.
وَإِلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَمَنَعَ ".
وَسَنَدُ الْمَنْعِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يَجِدُ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَنِ الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ، وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ حَاصِلًا لَمَا رَجَعَ.
[الظَّاهِرُ وَالْمُئَوَّلُ]
[تعريف الظاهر وَالْمُئَوَّل]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ مَبَاحِثِ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ شَرَعَ فِي الظَّاهِرِ وَالْمُئَوَّلِ.
وَالظَّاهِرُ لُغَةً: الْوَاضِحُ.
وَاصْطِلَاحًا: مَا دَلَّ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً، إِمَّا بِالْوَضْعِ، كَالْأَسَدِ، أَوْ
(2/414)

الظَّاهِرُ وَالْمُئَوَّلُ
ص - الظَّاهِرُ وَالْمُئَوَّلُ.
الظَّاهِرُ: الْوَاضِحُ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مَا دَلَّ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً إِمَّا بِالْوَضْعِ، كَالْأَسَدِ، أَوْ بِالْعُرْفِ، كَالْغَائِطِ.
وَالتَّأْوِيلُ مِنْ آلَ يَئُولُ؛ إِذَا رَجَعَ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: حَمْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ.
وَإِنْ أَرَدْتَ الصَّحِيحَ زِدْتَ: بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا.
الْغَزَّالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - احْتِمَالٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الظَّاهِرِ.
الرَّدُّ أَنَّ الِاحْتِمَالَ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ بَلْ شَرْطٌ.
وَعَلَى عَكْسِهِ التَّأْوِيلُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.
ص - وَقَدْ يَكُونُ قَرِيبًا، فَيَتَرَجَّحُ بِأَدْنَى مُرَجِّحٍ.
وَقَدْ يَكُونُ بَعِيدًا، فَيُحْتَاجُ إِلَى الْأَقْوَى.
وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا، فَيُرَدُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/415)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِالْعُرْفِ، كَالْغَائِطِ.
فَقَوْلُهُ: " مَا دَلَّ " جِنْسٌ يَشْمَلُ النَّصَّ وَالظَّاهِرَ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُئَوَّلَ.
وَقَوْلُهُ: " ظَنِّيَّةً " يُخْرِجُ النَّصَّ ; لِأَنَّ دَلَالَتَهُ قَطْعِيَّةٌ.
وَالْمُجْمَلَ ; لِأَنَّ دَلَالَتَهُ (لَيْسَتْ بِرَاجِحَةٍ وَلَا مَرْجُوحَةٍ، وَالظَّنِّيَّةُ هِيَ الرَّاجِحَةُ.
وَالْمُئَوَّلَ ; لِأَنَّ دَلَالَتَهُ) مَوْهُومَةٌ مَرْجُوحَةٌ.
وَقَوْلُهُ: " إِمَّا بِالْوَضْعِ أَوْ بِالْعُرْفِ " احْتِرَازٌ عَنِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ عِنْدَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ ; فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ أَرْجَحَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ، لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ ظَاهِرًا ; لِأَنَّ دَلَالَتَهُ لَيْسَتْ بِوَضْعِيَّةٍ وَلَا عُرْفِيَّةٍ، وَالتَّأْوِيلُ فِي اللُّغَةِ مِنْ آلَ يَئُولُ؛ إِذَا رَجَعَ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: حَمْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ.
فَبِقَوْلِهِ: " الظَّاهِرِ " احْتَرَزَ عَنْ حَمْلِ النَّصِّ عَلَى مَعْنَاهُ، وَحَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ ; فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا.
وَبِقَوْلِهِ " الْمُحْتَمَلِ " احْتَرَزَ عَنْ حَمْلِ الظَّاهِرِ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ
(2/416)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُحْتَمَلٍ.
وَبِقَوْلِهِ: " الْمَرْجُوحِ " احْتَرَزَ عَنْ حَمْلِ الظَّاهِرِ عَلَى مَعْنَاهُ الرَّاجِحِ.
وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَشْمَلُ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ.
وَإِنْ أَرَدْتَ تَعْرِيفَ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ زِدْتَ عَلَى مَا ذَكَرَ، قَوْلَكَ: بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا.
فَقَوْلُهُ: " بِدَلِيلٍ " - وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الدَّلِيلِ الشَّامِلِ لِلْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ - احْتِرَازٌ عَنِ التَّأْوِيلِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا صَحِيحًا.
وَقَوْلُهُ: " يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا " - أَيْ يُصَيِّرُ الطَّرَفَ الْمَرْجُوحَ رَاجِحًا عَلَى مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ - احْتِرَازٌ عَنِ التَّأْوِيلِ بِدَلِيلٍ لَا يُصَيِّرُ طَرَفَ الْمَرْجُوحِ رَاجِحًا؛ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا صَحِيحًا.
وَعَرَّفَهُ الْغَزَّالِيُّ: بِأَنَّهُ احْتِمَالٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الظَّاهِرِ.
وَيُرَدُّ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّ الِاحْتِمَالَ شَرْطُ التَّأْوِيلِ، لَا نَفْسُهُ، لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ الدَّلَالَةُ الْمَرْجُوحَةُ، وَهِيَ شَرْطُ التَّأْوِيلِ لَا نَفْسُهُ.
وَيُرَدُّ أَيْضًا عَلَى عَكْسِ هَذَا التَّعْرِيفِ التَّأْوِيلُ الْمَقْطُوعُ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ بِالدَّلِيلِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ
(2/417)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الظَّاهِرِ، بَلْ صَارَ قَطْعِيًّا.
وَلَمَّا كَانَ الظَّاهِرُ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا مِنَ الظُّهُورِ، وَالتَّأْوِيلُ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا مِنَ الْمُئَوَّلِ - تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِتَفْسِيرِ الظَّاهِرِ دُونَ الظُّهُورِ، وَفِي التَّأْوِيلِ فِعْلٌ بِالْعَكْسِ أَيْ تَعَرُّضٌ لِتَفْسِيرِ التَّأْوِيلِ دُونَ الْمُئَوَّلِ.
[التأويل القريب والبعيد]
ش - التَّأْوِيلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
قَرِيبٌ، فَيَتَرَجَّحُ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ بِأَدْنَى دَلِيلٍ لِقُرْبِهِ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] أَيْ إِذَا عَزَمْتُمْ.
وَبِعِيدٌ، فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ أَقْوَى لِيَتَرَجَّحَ، لِبُعْدِهِ.
وَمُتَعَذَّرٌ، فَيُرَدُّ وَلَا يُقْبَلُ.
وَلَمَّا تَعَذَّرَ الضَّابِطُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ التَّأْوِيلُ الْقَرِيبُ عَنِ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، لِأَنَّ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ، إِذْ رُبَّ قَرِيبٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْءٍ، بَعِيدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ - أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَمْثِلَةً لِلتَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ لِيَتَنَبَّهَ الْمُتَعَلِّمُ مِنْهَا عَلَى مَعْنَى الْبَعِيدِ، وَمِنْهُ يَعْرِفُ الْقَرِيبَ وَالْمُتَعَذَّرَ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، سَوَاءٌ أَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ لَا، وَهُنَّ كِتَابِيَّاتٌ، وَسَوَاءٌ نُكِحْنَ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ - فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نِكَاحِهِنَّ وَتَنْدَفِعُ الْبَاقِيَاتُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» "؛ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِمْسَاكِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ، وَقَوْلُهُ " أَرْبَعًا " غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ. فَلِهَذَا يَكُونُ الزَّوْجُ بِالْخِيَارِ فِي
(2/418)

ص - فَمِنَ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ «قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِابْنِ غَيْلَانَ، وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: " أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» أَيِ ابْتَدِئِ النِّكَاحَ، أَوْ أَمْسِكِ الْأَوَائِلَ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُخَاطَبَ بِمِثْلِهِ مُتَجَدِّدٌ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ.
وَمَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَجْدِيدٌ قَطُّ.
ص - وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ «قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لِفَيْرُوزٍ الدَّيْلِمِيِّ - وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ - " أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» ". فَأَبْعَدُ ; لِقَوْلِهِ: " أَيَّتَهُمَا ".
ص - وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ فِي {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] أَيْ إِطْعَامُ (طَعَامِ) سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ دَفْعِ الْحَاجَةِ حَاجَةُ سِتِّينَ كَحَاجَةِ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا، فَجَعَلَ الْمَعْدُومَ مَذْكُورًا وَالْمَذْكُورَ عَدَمًا، مَعَ إِمْكَانِ قَصْدِهِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ وَتَظَافُرِ قُلُوبِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ.
ص - وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ " «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» " أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَهُوَ أَبْعَدُ ; إِذْ يَلْزَمُ أَنْ لَا تَجِبَ الشَّاةُ.
وَكُلُّ مَعْنًى إِذَا اسْتُنْبِطَ مِنْ حُكْمٍ أَبْطَلَهُ - بَاطِلٌ.
ص - وَمِنْهَا: حَمْلُ " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ (نَفْسَهَا) بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» " عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ، وَبَاطِلٌ: أَيْ يَئُولُ إِلَيْهِ غَالِبًا لِاعْتِرَاضِ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لِبُضْعِهَا؛ فَكَانَ كَبَيْعِ سِلْعَةٍ.
وَاعْتِرَاضُ الْأَوْلِيَاءِ لِدَفْعِ نَقِيصَةٍ إِنْ كَانَتْ:
فَأُبْطِلَ ظُهُورُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ بِتَمْهِيدِ أَصْلٍ مَعَ ظُهُورِ " أَيُّ " مُؤَكَّدَةً بِـ " مَا "، وَتَكْرِيرِ لَفْظِ الْبُطْلَانِ.
وَحَمْلُهُ عَلَى نَادِرٍ بَعِيدٍ كَاللُّغْزِ، مَعَ إِمْكَانِ قَصْدِهِ لِمَنْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/419)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
اخْتِيَارِ أَيِّ أَرْبَعٍ شَاءَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَإِنْ وَقَعَ نِكَاحُهُنَّ مَعًا يَبْطُلُ نِكَاحُ جَمِيعِهِنَّ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى التَّرْتِيبِ يَبْطُلُ مَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ؛ قِيَاسًا عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَأُوِّلَ هَذَا الْحَدِيثُ تَارَةً بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِمْسَاكِ: ابْتِدَاءَ نِكَاحِهِنَّ، فَقَوْلُهُ: " أَمْسِكْ أَرْبَعًا " أَيِ ابْتَدِئْ نِكَاحَهُنَّ. وَقَوْلُهُ: " فَارِقْ سَائِرَهُنَّ " أَيْ لَا تَنْكِحْهُنَّ.
وَأُخْرَى بِأَنَّهُ أَمَرَ الزَّوْجَ بِاخْتِيَارِ أَوَائِلِ النِّسَاءِ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى
(2/420)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلِهِ: " أَمْسِكْ " أَرْبَعًا مِنْ أَوَائِلِ النِّسَاءِ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِبُعْدِ هَذَا الدَّلِيلِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَبْعُدُ عَادَةً أَنْ يُخَاطَبَ مُتَجَدِّدٌ فِي الْإِسْلَامِ بِمِثْلِ هَذَا الْخِطَابِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ شَرَائِطِ النِّكَاحِ، مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهَا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ جَدَّدَ النِّكَاحَ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ تَجْدِيدَ النِّكَاحِ لَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمَأْمُورِ امْتِثَالَ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
(2/421)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - هَذَا أَيْضًا تَأَوَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِتَأْوِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِلْغَرَضِ الْمَذْكُورِ.
وَإِنَّمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِيَ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الْأَمْرُ الْخَارِجُ عَنِ اللَّفْظِ، وَهُوَ شَهَادَةُ الْحَالِ، وَهَا هُنَا قَدِ انْضَمَّ إِلَى شَهَادَةِ الْحَالِ مَانِعٌ لَفْظًا، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " أَيَّتَهُمَا شِئْتَ "، فَإِنَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ نِكَاحِهِمَا عَلَى التَّرْتِيبِ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لِلِاخْتِيَارِ، وَلَفْظُ " أَيَّتَهُمَا شِئْتَ " يَأْبَاهُ.
ش - ذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَبَيْنَ إِطْعَامِ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفَعُ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ، وَدَفْعُ حَاجَةِ سِتِّينَ مِسْكِينًا يَوْمًا كَدَفْعِ حَاجَةِ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا.
(2/422)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] بِإِطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَيْضًا بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَعْدُومَ الَّذِي هُوَ " طَعَامُ " مَذْكُورًا لِيَكُونَ مَفْعُولًا لِـ " إِطْعَامٍ " وَجَعَلُوا الْمَذْكُورَ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: " {سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] " عَدَمًا ; لِأَنَّهُمْ لَنْ يَجْعَلُوهُ مَفْعُولًا مَعَ إِمْكَانِ قَصْدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْعَدَدَ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ وَتَظَافُرِ قُلُوبِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ. وَهَذَا لَا يَحْصُلُ لِلْوَاحِدِ.
ش - قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وُجُوبِ الشَّاةِ دَفْعُ حَاجَةِ (الْفَقِيرِ) وَالْحَاجَةُ كَمَا تَنْدَفِعُ بِالشَّاةِ، تَنْدَفِعُ بِقِيمَتِهَا، فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ". أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ.
(2/423)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَبْعَدُ مِمَّا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ إِطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ " مِسْكِينًا لَا يُبْطِلُ حُكْمَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الظَّاهِرُ ; إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِيجَابِ إِطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَبَيْنَ إِيجَابِ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
بِخِلَافِ تَقْدِيرِ قِيمَةِ شَاةٍ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ وَاجِبَةً كَانَتِ الشَّاةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ.
وَكُلُّ مَعْنًى إِذَا اسْتُنْبِطَ مِنْ حُكْمٍ - أَيْ كُلُّ فَرْعٍ إِذَا اسْتُنْبِطَ مِنْ أَصْلٍ، أَبْطَلَ ذَلِكَ الْحُكْمَ؛ أَيِ الْأَصْلَ - يَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ بُطْلَانَ الْأَصْلِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْفَرْعِ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَوَّلُوا قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ (نَفْسَهَا) بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» " بِأَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ:
إِمَّا حَمْلُ " أَيُّمَا امْرَأَةٍ " عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ، مَعَ إِجْرَاءِ قَوْلِهِ (بَاطِلٌ " عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَإِمَّا حَمْلُ قَوْلِهِ " بَاطِلٌ " عَلَى أَنَّهُ يَئُولُ إِلَى الْبُطْلَانِ غَالِبًا لِاعْتِرَاضِ وَلِيِّهَا إِذَا زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفُوٍ، مَعَ إِجْرَاءِ قَوْلِهِ " أَيُّمَا امْرَأَةٍ " عَلَى ظَاهِرِ عُمُومِهِ.
وَإِنَّمَا أَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَالِكَةٌ
(2/424)

اسْتِقْلَالِهَا فِيمَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ.
ص - وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ " «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» " عَلَى الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ الصِّيَامِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ. فَجَعَلُوهُ كَاللُّغْزِ.
فَإِنْ صَحَّ الْمَانِعُ مِنَ الظُّهُورِ فَلْيُطْلَبْ أَقْرَبُ تَأْوِيلٍ.
ص - وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ الْخَلَّةِ، وَلَا خَلَّةَ مَعَ الْغِنَى، فَعَطَّلُوا لَفْظَ الْعُمُومِ مَعَ ظُهُورِ أَنَّ الْقَرَابَةَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَ الْغِنَى.
ص - وَعَدَّ بَعْضُهُمْ حَمْلَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} [التوبة: 60] إِلَى آخِرِهَا، عَلَى بَيَانِ الْمَصْرِفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْهُ ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ قَبْلَهَا مِنَ الرَّدِّ عَلَى لَمْزِهِمْ فِي الْمُعْطِينَ وَرِضَاهُمْ فِي إِعْطَائِهِمْ وَسُخْطِهِمْ فِي مَنْعِهِمْ - يَدُلُّ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/425)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِبُضْعِهَا حَتَّى يَكُونَ رِضَاهَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ، فَكَانَ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا كَبَيْعِ سِلْعَةٍ لَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ مَالِكَةً لِبُضْعِهَا لَمَا كَانَ لِاعْتِرَاضِ الْوَلِيِّ وَجْهٌ.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْوَجْهَ فِي اعْتِرَاضِ الْوَلِيِّ دَفْعُ النَّقِيصَةِ، إِنْ كَانَتْ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ قَدْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفُوٍ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدًا؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ بِهِ أَبْطَلَ ظُهُورَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَمْهِيدِ أَصْلٍ، وَهُوَ وَضْعُ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ مَعَ ظُهُورِ " أَيُّ " مُؤَكَّدَةً بِـ " مَا " لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْعُمُومِ ; لِأَنَّ زِيَادَةَ " مَا " فِي كَلِمَةِ " أَيُّ " لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ.
وَأَيْضًا: تَكَرُّرُ لَفْظِ " الْبَاطِلِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْبَاطِلُ حَقِيقَةً، لَا مَا يَئُولُ إِلَى الْبُطْلَانِ.
وَحَمْلُ الْقَائِلِ بِهَذَا التَّأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى نَادِرٍ بَعِيدٍ، كَاللُّغْزِ فِي خَفَائِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْفَهْمِ، وَلَا يَلِيقُ بِالشَّارِعِ أَنْ يُخَاطِبَ بِمِثْلِ هَذَا الْخِطَابِ مَعَ إِمْكَانِ قَصْدِ النَّبِيِّ مَعَ اسْتِقْلَالِ الْمَرْأَةِ بَالِغَةً حُرَّةً أَوْ غَيْرَهَا، فِيمَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَهُوَ النِّكَاحُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: " بِتَمْهِيدِ أَصْلٍ " يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ:
(2/426)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
" ظُهُورَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ ". وَقَوْلَهُ: " مَعَ ظُهُورِ أَيٍّ " يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: " بِتَمْهِيدِ أَصْلٍ ". وَقَوْلَهُ: " وَحَمْلُهُ " عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " وَأُبْطِلَ ".
ش - وَمِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ: حَمْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» " عَلَى الْقَضَاءِ
(2/427)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالنَّذْرِ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّةُ الصَّوْمِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءً وَنَذْرًا.
وَوَجْهُ بُعْدِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ قَوْلَهُ " لَا صِيَامَ " نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَيَكُونُ ظَاهِرًا فِي الْعُمُومِ، وَصَوْمُ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ الْأَصْلِيِّ الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ كَاللُّغْزِ لِخَفَائِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْفَهْمِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَانِعُ مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الظَّاهِرِ مُتَحَقِّقٌ، فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ صَحِيحًا.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ مَانِعٌ مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الظَّاهِرِ فَلْيُطْلَبْ أَقْرَبُ تَأْوِيلٍ، لَا مَا هُوَ كَاللُّغْزِ.
ش - وَمِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ: حَمْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: " {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] " فِي قَوْلِهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ دَفْعِ الْخُمُسِ إِلَيْهِمْ: سَدُّ الْخَلَّةِ، وَلَا خَلَّةَ مَعَ الْغِنَى. فَحَكَمُوا بِحِرْمَانِ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ.
(2/428)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَوَجْهُ بُعْدِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُمْ عَطَّلُوا لَفْظَ الْعُمُومِ مَعَ ظُهُورِ أَنَّ الْقَرَابَةَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْغِنَى ; لِأَنَّ إِضَافَةَ الْخُمُسِ إِلَى ذَوِي الْقُرْبَى بِلَامِ التَّمْلِيكِ يُشْعِرُ بِأَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِحْقَاقِ: الْقَرَابَةُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا وَبَيَانًا لِشَرَفِهَا.
ش - حَمَلَ مَالِكٌ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] إِلَى آخِرِهَا عَلَى بَيَانِ الْمَصْرِفِ، وَلَمْ يُوجِبْ تَفْرِقَةَ الزَّكَاةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، بَلْ جَوَّزَ إِعْطَاءَ كُلِّ الزَّكَاةِ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْنَافِ.
وَعَدَّ بَعْضُهُمْ هَذَا التَّأْوِيلَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ ; لِأَنَّ إِضَافَةَ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ، وَعَطْفَ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَعْضِ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ فَالْحَمْلُ عَلَى بَيَانِ الْمَصْرِفِ، صَرْفٌ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ؛ فَيَكُونُ بَعِيدًا.
(2/429)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَيْسَ هَذَا التَّأْوِيلُ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ; لِأَنَّ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 58] .
وَذَلِكَ يَشْمَلُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى لَمْزِهِمُ الرَّسُولَ فِي الصَّدَقَاتِ وَعَنْ رِضَاهُمْ فِي إِعْطَائِهِمْ وَسُخْطِهِمْ فِي مَنْعِهِمْ.
وَلَمَّا رَدَّ عَلَيْهِمْ - ذَكَرَ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الرَّسُولُ حَقٌّ.
[الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ]
[أقسام الدلالة]
[المفهوم والمنطوق]
ش - الدَّلَالَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى مَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ.
وَالْمَنْطُوقُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ؛ مِثْلُ: تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ.
وَالْمَفْهُومُ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ: مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ لَا فِي مَحَلِّ
(2/430)

ص (الْمَنْطُوقُ) وَالْمَفْهُومُ
الدَّلَالَةُ مَنْطُوقٌ، وَهُوَ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَالْمَفْهُومُ، بِخِلَافِهِ، أَيْ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ.
وَالْأَوَّلُ صَرِيحٌ، وَهُوَ: مَا وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُ.
وَغَيْرُ الصَّرِيحِ، بِخِلَافِهِ، وَهُوَ: مَا يَلْزَمُ عَنْهُ.
فَإِنْ قَصَدَ وَتَوَقَّفَ الصِّدْقُ أَوِ الصِّحَّةُ الْعَقْلِيَّةُ أَوِ الشَّرْعِيَّةُ عَلَيْهِ فَـ " دَلَالَةُ اقْتِضَاءٍ ". مِثْلَ: " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ".
{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وَأَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفٍ، لِاسْتِدْعَائِهِ تَقْدِيرَ الْمِلْكِ، لِتَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ وَاقْتَرَنَ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتَعْلِيلِهِ - كَانَ بَعِيدًا فَـ " تَنْبِيهٌ وَإِيمَاءٌ " كَمَا سَيَأْتِي.
وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَـ " دَلَالَةُ إِشَارَةٍ ".
مِثْلَ -: " «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ. قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي» "؛ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ أَكْثَرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/431)

الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَلَكِنَّهُ لَزِمَ مِنْ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ (فِي نُقْصَانِ دِينِهِنَّ) تَقْتَضِي ذِكْرَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) : مَعَ (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) .
(وَكَذَلِكَ) (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا.
وَمِثْلُهُ: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) إِلَى (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ) .
ص - ثُمَّ الْمَفْهُومُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/432)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
النُّطْقِ. مِثْلُ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] يَدُلُّ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ.
وَالْمَنْطُوقُ صَرِيحٌ وَغَيْرُ صَرِيحٍ.
فَالصَّرِيحُ: مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ.
وَغَيْرُ الصَّرِيحِ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ: مَا يَلْزَمُ عَمَّا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ.
وَغَيْرُ الصَّرِيحِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَقْصِدَهُ الْمُتَكَلِّمُ، أَوْ لَا، فَإِنْ قَصَدَهُ وَتَوَقَّفَ صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ عَلَيْهِ، أَوْ تَوقَّفَ الصِّحَّةُ الْعَقْلِيَّةُ عَلَيْهِ، أَوْ تَوقَّفَ الصِّحَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَيْهِ، يُسَمَّى دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ " دَلَالَةَ اقْتِضَاءٍ ".
مِثَالُ مَا تَوَقَّفَ صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» "؛ فَإِنَّ مَا هُوَ لَازِمٌ لِلْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ لَفْظُ الْخَطَأِ، وَهُوَ حُكْمُ الْخَطَأِ مَقْصُودٌ مِنْهُ، وَتَوَقَّفَ صِدْقُهُ عَلَيْهِ.
مِثَالُ مَا تَوقَّفَ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ الْعَقْلِيَّةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: " {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] ". فَإِنَّ مَا هُوَ لَازِمٌ لِلْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ لَفْظُ الْقَرْيَةِ وَهُوَ
(2/433)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَهْلُ، مَقْصُودٌ مِنْهُ، وَتَوقَّفَ الصِّحَّةُ الْعَقْلِيَّةُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ سُؤَالَ الْقَرْيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ عَقْلًا.
مِثَالُ مَا تَوقَّفَ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: قَوْلُكَ لِلْغَيْرِ: (أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفٍ ; فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي التَّمْلِيكَ؛ لِتَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ شَرْعًا. فَالتَّمْلِيكُ لَازِمٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَهُ لَفْظُ أَعْتِقْ عَنِّي "، وَهُوَ مَقْصُودٌ، وَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.
وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا يَلْزَمْ عَمَّا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ وَاقْتَرَنَ الْمَلْفُوظُ بِهِ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ لِتَعْلِيلِ الْمَلْفُوظِ بِهِ - كَانَ الْإِتْيَانُ بِهِ بَعِيدًا مِنَ الشَّارِعِ فَـ " تَنْبِيهٌ وَإِيمَاءٌ " كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْقِيَاسِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمُ مَا يَلْزَمُ عَمَّا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ، لَكِنْ يَحْصُلُ بِالتَّبَعِيَّةِ - فَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ " دَلَالَةُ إِشَارَةٍ ".
مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ، قِيلَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ ; قَالَ: تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ
(2/434)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي» "، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ: بَيَانَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَلَكِنَّهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقَلَّ الطُّهْرِ كَذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ شَطْرِ الدَّهْرِ مُبَالَغَةٌ فِي بَيَانِ نُقْصَانِ دِينِهِنَّ، وَلَوْ كَانَ الْحَيْضُ يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَذَكَرَهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا» ) مَعَ قَوْلِهِ: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَقْصُودًا مِنَ اللَّفْظِ ظَاهِرًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا ; لِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ آخِرَ اللَّيْلِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَأَخَّرَ غُسْلُهُ إِلَى النَّهَارِ فَحِينَئِذٍ
(2/435)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَلْزَمُ جَوَازُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ امْتِدَادِ الْمُبَاشَرَةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[تعريف المفهوم وأقسامه]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَنْطُوقِ شَرَعَ فِي الْمَفْهُومِ.
وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ وَإِلَى مَفْهُومِ مُخَالَفَةٍ.
فَالْأَوَّلُ، أَيْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ مُوَافِقًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ، وَيُسَمَّى فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ، أَيْ مَعْنَاهُ.
مِثَالُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ: تَحْرِيمُ الضَّرْبِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] فَإِنَّ حُكْمَ الْمَفْهُومِ مِنَ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الْمَفْهُومِ مِنْهُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ.
(2/436)

فَالْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مُوَافِقًا فِي الْحُكْمِ، وَيُسَمَّى فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ؛ كَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/437)

وَكَالْجَزَاءِ بِمَا فَوْقَ الْمِثْقَالِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ} [الأنبياء: 94]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/438)

وَكَتَأْدِيَةِ مَا دُونُ الْقِنْطَارِ مِنْ: (يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) وَعَدَمِ الْآخَرِ مِنْ (لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) .
وَهُوَ تَنْبِيهٌ بِالْأَدْنَى فَلِذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَيُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ الْمَعْنَى وَأَنَّهُ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً فِي الْمَسْكُوتِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَوْمٌ: هُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِذَلِكَ لُغَةً قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ.
وَأَيْضًا: فَأَصْلُ هَذَا قَدْ يَنْدَرِجُ فِي الْفَرْعِ؛ مِثْلُ: لَا تُعْطِهِ ذَرَّةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/439)

[فَإِنَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي الذَّرَّتَيْنِ] .
قَالُوا: لَوْلَا الْمَعْنَى لَمَا حَكَمَ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لُغَةً، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِهِ النَّافِي لِلْقِيَاسِ، وَيَكُونُ قَطْعِيًّا، كَالْأَمْثِلَةِ.
وَظَنِّيًّا، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كَفَّارَةِ الْعَمْدِ وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ.
ص - مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُخَالِفًا، وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ.
وَهُوَ أَقْسَامٌ.
مَفْهُومُ الصِّفَةِ.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ، مِثْلُ: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} [الطلاق: 6] ، وَالْغَايَةِ، مِثْلُ: {حَتَّى تَنْكِحَ} [البقرة: 230] .
وَالْعَدَدِ الْخَاصِّ، مِثْلُ: {ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] .
وَشَرْطُهُ أَنْ لَا تَظْهَرَ أَوْلَوِيَّةٌ، وَلَا مُسَاوَاةٌ فِي الْمَسْكُوتِ، فَيَكُونَ مُوَافَقَةً.
وَلَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَغْلَبِ؛ مِثْلَ {اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] . {فَإِنْ خِفْتُمْ} [البقرة: 229] " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا» ".
وَلَا لِسُؤَالٍ، وَلَا حَادِثَةٍ، وَلَا تَقْدِيرِ جَهَالَةٍ أَوْ خَوْفٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ.
ص - فَأَمَّا مَفْهُومُ الصِّفَةِ فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْأَشْعَرِيُّ وَالْإِمَامُ وَكَثِيرٌ.
وَنَفَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ، وَالْمُعْتَزِلَةُ.
الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ لِلْبَيَانِ كَالسَّائِمَةِ.
أَوْ لِلتَّعْلِيمِ، كَالتَّحَالُفِ.
أَوْ كَانَ مَا عَدَا الصِّفَةَ دَاخِلًا تَحْتَهَا؛ كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ.
وَإِلَّا فَلَا.
ص - الْمُثْبِتُونَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ» ": يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَيَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لَا يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ.
وَفِي " «مَطْلِ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» " مِثْلَهُ.
وَقِيلَ لَهُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ": الْمُرَادُ: الْهِجَاءُ، وَهِجَاءُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَذِكْرِ الِامْتِلَاءِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ كَذَلِكَ، فَأَلْزَمَ مِنْ تَقْدِيرِ الصِّفَةِ (الْمَفْهُومَ) .
وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَهُمَا عَالِمَانِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ.
فَالظَّاهِرُ فَهْمُهُمَا ذَلِكَ لُغَةً.
قَالُوا: بَنَيَا عَلَى اجْتِهَادِهِمَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ اللُّغَةَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا يَقْدَحُ فِيهَا التَّجْوِيزُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/440)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَفَهْمِ الْجَزَاءِ بِمَا فَوْقَ الْمِثْقَالِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] .
وَكَفَهْمِ تَأْدِيَةِ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] .
وَكَفَهْمِ عَدَمِ تَأْدِيَةِ مَا زَادَ عَلَى الدِّينَارِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] .
وَالْقِنْطَارُ: الْمِعْيَارُ، وَنُقِلَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَلْفٌ وَمِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ، وَيُقَالُ: هُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، وَيُقَالُ: مَلْءُ مَسْكِ الثَّوْرِ ذَهَبًا، وَالْمَسْكُ، بِالْفَتْحِ: الْجِلْدُ.
وَالْمِثَالُ الثَّالِثُ مِنْ قَبِيلِ التَّنْبِيهِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، وَبَاقِي الْأَمْثِلَةِ مِنْ قَبِيلِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.
(فَذَلِكَ، أَيْ فَلِأَجْلِ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَلْفُوظِ عَلَى الْمَفْهُومِ هُوَ التَّنْبِيهُ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى) أَوْ بِالْعَكْسِ، كَانَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمَلْفُوظِ - أَيِ الْمَسْكُوتِ - أَوْلَى مِنَ الْحُكْمِ فِي الْمَلْفُوظِ.
وَيُعْرَفُ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ بِمَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ.
وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ.
(2/441)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمِنْ ثَمَّ - أَيْ وَمِنْ أَجْلِ تَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَكَوْنِهِ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ - قَالَ قَوْمٌ: هُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّا نَقْطَعُ بِفَهْمِ الْمَعْنَى فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ لُغَةً قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ، فَلَا يَكُونُ قِيَاسًا.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ قِيَاسًا لَمْ يَنْدَرِجْ أَصْلُ هَذَا تَحْتَ الْفَرْعِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَلِأَنَّ أَصْلَ هَذَا قَدْ يَنْدَرِجُ فِي الْفَرْعِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَا تُعْطِ ذَرَّةً، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ مَنْعُ إِعْطَاءِ مَا فَوْقَ ذَرَّةٍ، وَالذَّرَّةُ مُنْدَرِجَةٌ فِيمَا فَوْقَهَا.
الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ قِيَاسًا، قَالُوا: لَوْلَا الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمَفْهُومِ وَالْمَنْطُوقِ لَمَا ثَبَتَ حُكْمُ الْمَفْهُومِ. وَلَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ إِلَّا ذَلِكَ.
أَجَابَ بِأَنَّ وُجُودَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ شَرْطٌ لِدَلَالَةِ الْمَلْفُوظِ عَلَى حُكْمِ الْمَفْهُومِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ دَلَّ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْقُولُ، لَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ.
(2/442)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمِنْ ثَمَّ - أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ - قَالَ بِهِ النَّافِي لِلْقِيَاسِ.
وَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَإِلَى مَا يَكُونُ ظَنِّيًّا.
وَالْقَطْعِيُّ: مَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِنْكَارٌ؛ مِثْلُ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالظَّنِّيُّ بِخِلَافِهِ؛ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْعَمْدِ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ بِقَوْلِهِ: " وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ ; لِأَنَّهُ الْأَوْلَى بِالْمُؤَاخَذَةِ، إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقَطْعِيَّةٍ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ مُعَلَّلٌ بِالْمُؤَاخَذَةِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْخَاطِئِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ أَنْ يُكَفِّرَ ذَنْبَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْعَمْدِ ; لِأَنَّ الْعَمْدَ فَوْقَ الْخَطَأِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْكَفَّارَةِ رَافِعَةً لِإِثْمٍ أَدَقَّ كَوْنُهَا رَافِعَةً لِلْإِثْمِ الْأَعْلَى.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ: وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمَاضِي كَاذِبًا، مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ؛ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ، مَعَ عِلْمِهِ بِالْأَكْلِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِالْغَمُوسِ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ.
وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا نَظَرًا إِلَى أَنَّهَا أَوْلَى بِالْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ الْغَمُوسِ.
(2/443)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[أقسام مفهوم المخالفة]
ش - مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُخَالِفًا لِلْمَنْطُوقِ فِي الْحُكْمِ وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ.
وَهُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَقْسَامٍ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا أَرْبَعَةً ; لِكَوْنِهَا أَقْوَاهَا.
(2/444)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ مَفْهُومُ الصِّفَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عَامًّا مُقْتَرِنًا بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ ".
وَالثَّانِي - مَفْهُومُ الشَّرْطِ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ مُقَيَّدًا بِالشَّرْطِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6] .
الثَّالِثُ - مَفْهُومُ الْغَايَةِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] .
الرَّابِعُ - مَفْهُومُ الْعَدَدِ؛ وَهُوَ أَنْ يُعَلَّقَ الْحُكْمُ عَلَى عَدَدٍ خَاصٍّ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] وَشَرْطُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا تَظْهَرَ أَوْلَوِيَّةٌ وَلَا مُسَاوَاةٌ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ أَوْلَوِيَّةٌ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ أَوْ مُسَاوَاةٌ - يَكُونُ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ.
وَأَيْضًا: شَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَغْلَبِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الرَّبَائِبِ أَنْ يَكُنَّ فِي حُجُورِ أَزْوَاجِ الْأُمَّهَاتِ، فَذَكَرَ هَذَا الْوَصْفَ لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ، لَا لِيَدُلَّ عَلَى نَفْيِ التَّحْرِيمِ عَمَّا عَدَاهُ.
(2/445)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] فَإِنَّ تَقْيِيدَ جَوَازِ الْخُلْعِ بِالشِّقَاقِ لِكَوْنِ الْخُلْعِ عِنْدَ الشِّقَاقِ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ.
وَكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» "؛ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ إِذْنِ الْوَلِيِّ لَهَا وَامْتِنَاعِهِ مِنْ تَزْوِيجِهَا، فَتَقْيِيدُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا بِقَوْلِهِ: " «بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا» " لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ عَدَمِ الْبُطْلَانِ عَمَّا عَدَاهُ، فَإِنَّهُ إِذَا نُكِحَتْ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا أَيْضًا بَاطِلٌ.
وَشَرْطُهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ وَارِدًا (فِي جَوَابِ سُؤَالٍ؛ مِثْلُ مَا إِذَا سُئِلَ عَنْ سَائِمَةِ الْغَنَمِ، فَأُجِيبَ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ، وَشَرْطُهُ أَيْضًا: أَنْ لَا يَكُونَ وَارِدًا) لِحَادِثَةٍ حَدَثَتْ فِي مِثْلِ مَا إِذَا مَرَّ بِشَاةِ مَيْمُونَةَ فَقَالَ: " دِبَاغُهَا طَهُورُهَا ".
وَأَيْضًا: أَنْ لَا يَكُونَ لِتَقْدِيرِ جَهَالَةِ الْمُخَاطَبِ بِأَنْ لَا يَعْلَمَ الْمُخَاطَبُ وُجُوبَ زَكَاةِ السَّائِمَةِ وَيَعْلَمَ وُجُوبَ زَكَاةِ الْمَعْلُوفَةِ، فَيَقُولَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ؛ فَإِنَّ التَّخْصِيصَ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لِنَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ.
(2/446)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَيْضًا: أَنْ لَا يَكُونَ لِرَفْعِ خَوْفٍ؛ مِثْلُ مَا إِذَا قِيلَ لِلْخَائِفِ عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ: جَازَ تَرْكُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الْبَاعِثُ عَلَى التَّخْصِيصِ لَا يَكُونُ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ حُجَّةً.
ش - اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ عَلَى إِحْدَى صِفَتَيِ الذَّاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهَا؛ مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ
(2/447)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
السَّلَامُ -: " «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» " فَإِنَّ تَعْلِيقَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الْغَنَمِ الْمُقَيَّدِ بِوَصْفِ السَّائِمَةِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَمَّا عَدَا السَّائِمَةَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي وَحُجَّةُ الْإِسْلَامِ وَالْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ.
وَفَرَّقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَقَالَ: إِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ لِلْبَيَانِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» "، أَوْ لِلتَّعْلِيمِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» ) "، أَوْ كَانَ مَا عَدَا الصِّفَةَ دَاخِلًا تَحْتَ الصِّفَةِ، كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ - فَإِنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ دَاخِلٌ تَحْتِ الشَّاهِدَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ.
(2/448)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُرُودُ الْخِطَابِ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ - فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ.
ش - الْمُثْبِتُونَ - أَيِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ عَلَى إِحْدَى صِفَتَيِ الذَّاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهَا لُغَةً - احْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى إِحْدَى صِفَتَيِ الذَّاتِ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ لُغَةً - لَمَا فَهِمَ أَهْلُ اللُّغَةِ ذَلِكَ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَفْهَمُونَ مِنَ اللَّفْظِ مَا لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ لُغَةً.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِأَنَّهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ
(2/449)

وَعُورِضَ بِمَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَذَلِكَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَنْ ذَكَرْنَاهُ أَرْجَحُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمُثْبِتُ أَوْلَى.
ص - وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ.
وَتَخْصِيصُ آحَادِ الْبُلَغَاءِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ مُمْتَنِعٌ، فَالشَّارِعُ أَجْدَرُ. اعْتُرِضَ: لَا يَثْبُتُ الْوَضْعُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَائِدَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يُعْلَمُ بِالِاسْتِقْرَاءِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلَّفْظِ فَائِدَةٌ سِوَى وَاحِدَةٍ - تَعَيَّنَتْ.
وَأَيْضًا: ثَبَتَتْ دَلَالَةُ التَّنْبِيهِ بِالِاسْتِبْعَادِ اتِّفَاقًا فَهَذَا أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/450)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
السَّلَامُ -: " «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ» ". يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَيَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لَا يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ". مِثْلَ مَا قَالَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ. فَفُهِمَ مِنْ تَعْلِيقِ
(2/451)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْحُكْمِ عَلَى إِحْدَى صِفَتَيِ الذَّاتِ نَفْيَهُ عَمَّا عَدَاهَا، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَاللَّيُّ: الْمَطْلُ، وَالْوَاجِدُ: الْغَنِيُّ، وَالْمُرَادُ بِإِحْلَالِ عُقُوبَتِهِ: حَبْسُهُ، وَبِإِحْلَالِ عِرْضِهِ: مُطَالَبَتُهُ بِهِ.
وَقِيلَ لِأَبِي عُبَيْدٍ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ( «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ". الْمُرَادُ بِالشِّعْرِ الْهِجَاءُ. وَهِجَاءُ الرَّسُولِ.
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الشِّعْرِ: الْهِجَاءَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الِامْتِلَاءِ مَعْنًى ; لِأَنَّ قَلِيلَ الْهِجَاءِ كَذَلِكَ.
فَأَلْزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ تَقْدِيرِ الصِّفَةِ، نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهَا.
وَإِنَّمَا قَالَ: مِنْ تَقْدِيرِ الصِّفَةِ ; لِأَنَّ هَا هُنَا لَمْ يُقَيَّدِ اسْمٌ عَامٌّ بِصِفَةٍ ظَاهِرًا، كَمَا فِي الْغَنَمِ، لَكِنْ لَمَّا قِيلَ لِأَبِي عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ مِنَ
(2/452)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الشِّعْرِ: الْهِجَاءُ قَدَّرَ الِامْتِلَاءَ صِفَةً لِلْهِجَاءِ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِيلَ: الْهِجَاءُ الَّذِي يَمْتَلِئُ مِنْهُ الْجَوْفُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ.
وَهُمَا - أَيِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ - عَالِمَانِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا فَهِمَا الْمَفْهُومَ لُغَةً، لَا اجْتِهَادًا.
النَّافُونَ لِلْمَفْهُومِ قَالُوا: بَنَى الشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْمَفْهُومَ عَلَى اجْتِهَادِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، إِلَّا أَنَّهُمَا فِي دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، فَنَقْلُهُمَا قَدْ يَكُونُ مُسْتَنِدًا إِلَى الْوَضْعِ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَنِدًا إِلَى الِاجْتِهَادِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ قَبُولُ نَقْلِهِمَا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ اللُّغَةَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي اللُّغَةِ الْمُثْبَتَةِ بِقَوْلِهِمْ، جَوَازُ أَنْ يَكُونَ بِاجْتِهَادِهِمْ ; لِأَنَّ احْتِمَالَ الِاجْتِهَادِ مَرْجُوحٌ، وَاحْتِمَالَ الِاسْتِنَادِ إِلَى الْوَضْعِ رَاجِحٌ، وَالْمَرْجُوحُ لَا يَقْدَحُ فِي الرَّاجِحِ.
وَعُورِضَ بِمَذْهَبِ الْأَخْفَشِ؛ فَإِنَّهُ نَقَلَ أَنَّ مَذْهَبَ الْأَخْفَشِ أَنَّ
(2/453)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تَعْلِيقَ الْحُكْمِ عَلَى إِحْدَى صِفَتَيِ الذَّاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهَا. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِمَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الْأَخْفَشِ، كَمَا ثَبَتَ خِلَافُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَلَوْ سُلِّمَ ثُبُوتُ هَذَا الْمَذْهَبِ عَنِ الْأَخْفَشِ كَثُبُوتِ مَذْهَبِهِمَا لَكِنْ مَنْ ذَكَرْنَاهُ - وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ - أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْضَلُ.
وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ رُجْحَانِهِمَا فَالدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ رَاجِحٌ عَلَى الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ ; لِأَنَّ دَلِيلَنَا مُثْبِتٌ، وَدَلِيلَكُمْ نَافٍ، وَالْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنَ النَّافِي.
ش - هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرَى عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ حُجَّةٌ، وَتَوْجِيهُهَا أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَدُلَّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِإِحْدَى صِفَتَيِ الذَّاتِ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهَا - لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ مَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَقَدِمَةِ مَعْدُومٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَلِأَنَّ تَخْصِيصَ آحَادِ الْبُلَغَاءِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، فَتَخْصِيصُ الشَّارِعِ أَجْدَرُ وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يَكُونَ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ.
(2/454)

وَاعْتُرِضَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَوْ أُسْقِطَ لَاخْتَلَّ الْكَلَامُ، فَلَا مُقْتَضَى لِلْمَفْهُومِ، وَأَعْتَرِفُ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَقْوِيَةُ الدَّلَالَةٍ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصٌ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ فَرْعُ الْعُمُومِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
وَإِنْ سُلِّمَ فِي بَعْضِهَا خَرَجَ ; فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ شَيْءٌ يَقْتَضِي تَخْصِيصُهُ سِوَى الْمُخَالَفَةِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ ثَوَابُ الِاجْتِهَادِ بِالْقِيَاسِ فِيهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ الْمُسَاوَاةِ يَخْرُجُ وَإِلَّا انْدَرَجَ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَصْرِ لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ؛ إِذْ لَا وَاسِطَةَ. وَلَيْسَ لِلِاشْتِرَاكِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأُجِيبُ: إِنْ عَنَى السَّائِمَةَ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
وَإِنْ عَنَى إِيجَابَ الزَّكَاةِ فِيهَا فَلَا دَلَالَةَ [لَهُ] ، عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ص - الْإِمَامُ: لَوْ لَمْ يُفِدِ الْحَصْرَ لَمْ يُفِدِ الِاخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، وَالثَّانِيَةُ مَعْلُومَةٌ.
وَهُوَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ إِنْ عَنَى لَفْظَ السَّائِمَةِ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
وَإِنْ عَنَى الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِهَا فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْحَصْرِ، وَيَجْرِيَانِ مَعًا فِي اللَّقَبِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ أَئِمَّةٌ فُضَلَاءُ، لَنَفَرَتِ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا نَفَرَتْ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ النَّفْرَةَ مِنْ تَرْكِهِمْ عَلَى الِاحْتِمَالِ، كَمَا يُنْفَرُ مِنَ التَّقْدِيمِ.
أَوْ لِتَوَهُّمِ الْمُعْتَقِدِينَ ذَلِكَ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80] فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» ؛ فَفُهِمَ أَنَّ مَا زَادَ بِخِلَافِهِ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ.
وَأُجِيبُ بِمَنْعِ فَهْمِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مُبَالَغَةٌ؛ فَتَسَاوَيَا.
أَوْ لَعَلَّهُ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْجَوَازِ فَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/455)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ.
الِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ - أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ يَرْجِعُ إِلَى إِثْبَاتِ الْوَضْعِ - أَيْ دَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ عَلَى الْمَفْهُومِ لُغَةً - بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّكُمْ قُلْتُمْ: لَا فَائِدَةَ لِلتَّخْصِيصِ سِوَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَا ذَلِكَ الْوَصْفَ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ لُغَةً، وَلَا يَثْبُتُ الْوَضْعُ بِالْفَائِدَةِ.
أَجَابَ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أُثْبِتَ الْوَضْعُ بِالْفَائِدَةِ، بَلْ أُثْبِتَ بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّفْظِ سِوَى فَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ تَعَيَّنَتْ تِلْكَ الْفَائِدَةُ لِكَوْنِهَا مُرَادَةً مِنَ اللَّفْظِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ ثَبَتَ دَلَالَةُ التَّنْبِيهِ بِالِاسْتِبْعَادِ اتِّفَاقًا ; فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِي أَقْسَامِ الصَّرِيحِ أَنَّهُ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْحُكْمِ مَعْنًى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتَعْلِيلِهِ - اسْتُبْعِدَ ذِكْرُهُ مَعَهُ، يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِلَّةً. فَإِثْبَاتُ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ حَذَرًا عَنْ لُزُومِ الِامْتِنَاعِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَوْلَى.
الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي - الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ مَنْقُوضٌ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ; فَإِنَّ الدَّلِيلَ بِعَيْنِهِ قَائِمٌ فِيهِ بِأَنْ يُقَالَ: تَخْصِيصُ الِاسْمِ بِالْحُكْمِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ سِوَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْفَوَائِدَ الْمُتَقَدِّمَةَ مَنْفِيَّةٌ. وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ مَرْدُودٌ بِالِاتِّفَاقِ.
(2/456)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَمَفْهُومِ الصِّفَةِ؛ فَإِنَّ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ اللَّقَبِ بِالذِّكْرِ حُصُولُ الْكَلَامِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أُسْقِطَ لَاخْتَلَّ الْكَلَامُ، فَلَا يَتَحَقَّقُ مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ فِيهِ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ تَعَيُّنُ الْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْفَائِدَةُ الْمَذْكُورَةُ لِتَحَقُّقِ فَائِدَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ حُصُولُ الْكَلَامِ.
بِخِلَافِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ؛ فَإِنَّ حُصُولَ الْكَلَامِ لَا يَكُونُ فَائِدَةً لِتَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ ; فَإِنَّهُ لَوْ أُسْقِطَتِ الصِّفَةُ لَمْ يَخْتَلَّ الْكَلَامُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ سِوَى الْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَيَتَحَقَّقُ مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ فِيهِ.
الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ - أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ - عَمَّا عَدَاهُ - لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَائِدَةُ ذِكْرِ الصِّفَةِ تَقْوِيَةَ دَلَالَةِ مَا جُعِلَ الْوَصْفُ وَصْفًا لَهُ عَلَى إِفْرَادِهِ الصِّفَةَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُ تِلْكَ الْأَفْرَادِ عَمَّا جُعِلَ الْوَصْفُ وَصْفًا لَهُ؟
أَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ فَرْعُ الْعُمُومِ، أَيْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا كَانَ الِاسْمُ الْمُقَيَّدُ بِالصِّفَةِ عَامًّا، وَلَا قَائِلَ بِعُمُومِ مِثْلِ هَذَا الِاسْمِ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ الْعُمُومُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ غَيْرُ الْمُخَالَفَةِ فِي الْحُكْمِ.
وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ سِوَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْحُكْمِ فَيَكُونَ غَيْرُ الْمَفْرُوضِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
(2/457)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ - أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا فَائِدَةَ لِلتَّخْصِيصِ سِوَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْحُكْمِ، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ ثَوَابَ الِاجْتِهَادِ بِالْقِيَاسِ فِيهِ؛ فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّتِهِ، فَيَجْتَهِدَ الْمُجْتَهِدُ وَيُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي صُورَةٍ أُخْرَى، فَيَحْصُلَ ثَوَابُ الِاجْتِهَادِ؟
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي الْوَصْفِ يَخْرُجُ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ ; إِذِ النِّزَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ فِيمَا لَا يَكُونُ غَيْرُ الْمَنْطُوقِ مُسَاوِيًا لِلْمَنْطُوقِ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَصْفِ انْدَرَجَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ لَهُ سِوَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْحُكْمِ ; لِاسْتِحَالَةِ الْقِيَاسِ حِينَئِذٍ.
ش - اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الصِّفَةِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهَا، بِأَنَّ ذِكْرَ الْوَصْفِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَصْرِ لَزِمَ اشْتِرَاكُ أَفْرَادِ الْمَنْطُوقِ، مِثْلَ أَفْرَادِ السَّائِمَةِ، وَأَفْرَادِ الْمَفْهُومِ مِثْلَ أَفْرَادِ الْمَعْلُوفَةِ فِي الْحُكْمِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
(2/458)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْحَصْرِ وَالِاشْتِرَاكِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَوَّلُ ثَبَتَ الثَّانِي.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْحَصْرِ حَصْرَ السَّائِمَةِ - أَيِ اخْتِصَاصَهَا بِهَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْغَنَمِ وَعَدَمَ تَنَاوُلِهِ لِلْمَعْلُوفَةِ - فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ إِذْ لَا نِزَاعَ فِي اخْتِصَاصِ السَّائِمَةِ بِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ بِالْحَصْرِ حَصْرَ إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ وَنَفْيَهُ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ.
قَوْلُهُ: إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْحَصْرِ وَالِاشْتِرَاكِ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ ; إِذِ النِّزَاعُ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَا الْمَذْكُورِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ دَلَالَتُهُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْحَصْرِ وَالِاشْتِرَاكِ.
(2/459)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - اسْتَدَلَّ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ يُفِيدُ الْحَصْرَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفِدْ تَخْصِيصُ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ الْحَصْرَ لَمْ يُفِدِ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِالصِّنْفِ الْمَذْكُورِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ هُوَ الْحَصْرُ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي، فَلِأَنَّ فَائِدَةَ اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِالصِّنْفِ الْمَذْكُورِ دُونَ غَيْرِهِ مَعْلُومَةٌ.
وَأَشَارَ إِلَى انْتِفَاءِ التَّالِي بِقَوْلِهِ: وَالثَّانِيَةُ مَعْلُومَةٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ ; فَإِنَّهُ إِنْ عَنَى بِالْحَصْرِ حَصْرَ لَفْظِ السَّائِمَةِ - أَيِ اخْتِصَاصَهَا بِهَذَا الصِّنْفِ وَعَدَمَ تَنَاوُلِهِ لِلْمَعْلُوفَةِ - فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ ; إِذْ لَا نِزَاعَ فِي اخْتِصَاصِ السَّائِمَةِ بِهِ.
وَإِنْ عَنَى بِالْحَصْرِ، حَصْرَ الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالسَّائِمَةِ - أَيِ اخْتِصَاصَهُ بِالسَّائِمَةِ، وَنَفْيَهُ عَمَّا عَدَاهَا - فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ. قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ هُوَ الْحَصْرُ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ؛ إِذْ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ: دَلَالَتُهُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ وَعَدَمُ دَلَالَتِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا عَدَاهُ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْحَصْرِ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ
(2/460)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا عَدَاهُ - انْحِصَارُ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ.
وَنُقِضَ هَذَانِ الِاسْتِدْلَالَانِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ; فَإِنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَعًا فِيهِ، وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
ش - وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ - بِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ أَئِمَّةٌ فُضَلَاءُ نَفَرَتِ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ - أَيْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ دَالًّا عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ - لَمَا نَفَرَتِ الشَّافِعِيَّةُ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَفْرَةَ الشَّافِعِيَّةِ لِأَجْلِ تَخْصِيصِ الْحَنَفِيَّةِ بِالْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ؛ بَلِ النَّفْرَةُ مِنْ تَرْكِهِمْ عَلَى الِاحْتِمَالِ ; فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْحَنَفِيَّةِ بِالذِّكْرِ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِفَضْلِهِمْ، وَتَرْكَ الشَّافِعِيَّةِ يُوجِبُ الِاحْتِمَالَ، وَذَلِكَ يُوجِبُ النَّفْرَةَ ; كَمَا أَنَّ تَقْدِيمَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ يُوجِبُ النَّفْرَةَ.
(2/461)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوِ النَّفْرَةُ لِتَوَهُّمِ الْمُعْتَقِدِينَ ذَلِكَ؛ أَيْ نَفْرَةُ الشَّافِعِيَّةِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمُعْتَقِدِينَ مَفْهُومَ الصِّفَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَئِمَّةً فُضَلَاءَ.
ش - وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ بِأَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ فِي حَقِّ أَقَارِبِ الرَّسُولِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] قَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَاللَّهِ لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» ) ". فَفَهِمَ
(2/462)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ مَا زَادَ عَلَى سَبْعِينَ بِخِلَافِهِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ دَالًّا عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ - لَمَا فَهِمَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ.
وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُ هَذَا الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ صِحَّتِهِ كَمَا مَنَعَهُ بَعْضٌ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهِمَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ بِخِلَافِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُبَالَغَةٌ فِي أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يُفِيدُ الْغُفْرَانَ؛ فَتَسَاوَيَا؛ أَيْ سَبْعِينَ وَمَا فَوْقَهُ فِي عَدَمِ الْغُفْرَانِ بِهِمَا.
وَإِنَّمَا قَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «وَاللَّهِ لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» ". اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ، لَا لِفَهْمِهِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ بِخِلَافِهِ.
أَوْ لَعَلَّ وُقُوعَ الْمَغْفِرَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى سَبْعِينَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ وُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى سَبْعِينَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ ثَابِتٌ، فَلَمْ يَفْهَمِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَوَازَ وُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ عَلَى السَّبْعِينَ مِنْ تَخْصِيصِ السَّبْعِينَ بِالذِّكْرِ.
ش - وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ بِقَوْلِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ لَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء: 101] . فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَعَجَّبْتَ مِمَّا تَعَجَّبْتُ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «إِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ".
(2/463)

ص - وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [البقرة: 282] فَقَالَ: تَعَجَّبْتَ مِمَّا تَعَجَّبْتُ مِنْهُ، فَسَأَلْتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: " «إِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ". فَفَهِمَا نَفْيَ الْقَصْرِ حَالَ عَدَمِ الْخَوْفِ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عُمَرَ.
وَأُجِيبُ: لِجَوَازِ أَنَّهُمَا اسْتَصْحَبَا وُجُوبَ الْإِتْمَامِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ أَكْثَرُ، فَكَانَ أَوْلَى تَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ جَعَلَ تَكْثِيرَ الْفَائِدَةِ يَدُلُّ عَلَى الْوَضْعِ.
وَمَا قِيلَ مِنْ: أَنَّهُ دَوْرٌ ; لِأَنَّ دَلَالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ، وَبِالْعَكْسِ - يَلْزَمُهُمْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ دَلَالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ عِنْدَهَا، لَا عَلَى حُصُولِ الْفَائِدَةِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لَمْ يَكُنِ " السَّبْعُ " فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا» " - مُطَهِّرَةً ; لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ.
وَكَذَلِكَ " «خَمْسُ رَضَعَاتٍ (يُحَرِّمْنَ) » .
ص - النَّافِي: لَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ. وَهُوَ عَقْلِيٌّ وَنَقْلِيٌّ إِلَى آخِرِهِ.
وَأُجِيبُ بِمَنْعِ اشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ وَالْقَطْعِ بِقَبُولِ الْآحَادِ، كَالْأَصْمَعِيِّ أَوِ الْخَلِيلِ أَوْ أَبِي عُبَيْدٍ أَوْ سِيبَوَيْهِ.
قَالُوا: لَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ فِي الْخَبَرِ.
وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: " فِي الشَّامِ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ، لَمْ يَدُلَّ عَلَى خِلَافِهِ قَطْعًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/464)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَفَهِمَ عُمَرُ وَيَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ تَخْصِيصِ الْقَصْرِ بِحَالِ الْخَوْفِ نَفْيَ الْقَصْرِ حَالَ عَدَمِ الْخَوْفِ، وَأَقَرَّهُمَا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ، وَلَوْ لَمْ يَدُلَّ تَخْصِيصُ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ - لَمَا فَهِمَا، وَلَمَا أَقَرَّهُمَا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعَجُّبُهُمَا مِنْ جَوَازِ الْقَصْرِ حَالَ الْأَمْنِ لِأَجْلِ اسْتِصْحَابِهِمَا وُجُوبَ الْإِتْمَامِ حَالَةَ الْأَمْنِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ فَهْمُ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ حَالَ الْأَمْنِ مِنْ تَخْصِيصِ الْقَصْرِ بِحَالِ الْخَوْفِ.
ش - وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ بِأَنَّ فَائِدَةَ الْقَوْلِ بِهِ أَكْثَرُ مِنَ الْقَوْلِ بِنَفْيِهِ ; لِأَنَّهُ
(2/465)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ [بِهِ] يَكُونُ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى الْحُكْمِ فِي الْمَنْطُوقِ وَعَلَى عَدَمِهِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِنَفْيِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ اللَّفْظُ حِينَئِذٍ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْمَنْطُوقِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
وَمَا هُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً - كَانَ أَوْلَى تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا الدَّلِيلُ إِنَّمَا يَقُومُ حُجَّةً عَلَى مَنْ يَجْعَلُ تَكْثِيرَ الْفَائِدَةِ دَالًّا عَلَى الْوَضْعِ، أَيْ طَرِيقًا مُثْبِتًا لِوَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى، وَلَا يَقُومُ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَجْعَلْ تَكْثِيرَ الْفَائِدَةِ دَالًّا عَلَى الْوَضْعِ.
قِيلَ: هَذَا الدَّلِيلُ لَا يَسْتَقِيمُ ; لِأَنَّ فِيهِ دَوْرًا ; لِأَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَفْهُومِ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ، لِأَنَّ دَلَالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَضْعِ وَالْوَضْعُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ لِكَوْنِ الْوَضْعِ مُعَلَّلًا بِتَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ، وَبِالْعَكْسِ، أَيْ تَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَفْهُومِ ; لِأَنَّ تَكْثِيرَ الْفَائِدَةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَفْهُومِ؛ فَيَكُونُ دَوْرًا.
أَجَابَ عَنْهُ بِنَقْضَيْنِ: إِجْمَالِيٍّ وَتَفْصِيلِيٍّ.
أَمَّا الْإِجْمَالِيُّ فَبِأَنْ يُقَالَ: لَوْ صَحَّ هَذَا الدَّلِيلُ لَزِمَهُمُ الدَّوْرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، بِأَنْ يُقَالَ: دَلَالَةُ اللَّفْظِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَضْعِ، وَالْوَضْعُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَائِدَةِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا وُضِعَ لِلْفَائِدَةِ، فَدَلَالَةُ اللَّفْظِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَائِدَةِ، وَالْفَائِدَةُ تَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلَالَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ
(2/466)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
اللَّفْظُ دَالًّا لَمْ تَتَحَقَّقِ الْفَائِدَةُ. فَيَكُونُ دَوْرًا.
وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ فَبِأَنْ يُقَالَ: دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَفْهُومِ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ، لَا عَلَى حُصُولِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ، وَتَعَقُّلُ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلَالَةِ. بَلْ حُصُولُ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلَالَةِ فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
ش - وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ لَمْ يَكُنِ " السَّبْعُ " فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ - " «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا» مُطَهِّرَةً.
وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ " الْخَمْسُ " فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «خَمْسُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ» - مُحَرِّمَةً.
(2/467)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَدُلَّ تَخْصِيصُ " السَّبْعِ " وَالْخَمْسِ بِالذِّكْرِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ فِيمَا دُونَهُمَا - يَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَا دُونَ السَّبْعِ، وَالتَّحْرِيمُ بِمَا دُونَ الْخَمْسِ، فَلَا يَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِالسَّبْعِ، وَلَا التَّحْرِيمُ بِالْخَمْسِ وَإِلَّا لَكَانَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
وَلَمْ يَتَوَجَّهِ الْمُصَنِّفُ لِجَوَابِهِ.
قِيلَ فِي جَوَابِهِ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ دَلَالَةِ السَّبْعِ عَلَى نَفْيِ الطَّهَارَةِ فِيمَا دُونَهُا، وَعَدَمِ دَلَالَةِ الْخَمْسِ عَلَى نَفْيِ التَّحْرِيمِ عَمَّا دُونَهُا - أَنْ يَكُونَ مَا دُونَ السَّبْعِ مُطَهِّرًا وَمَا دُونَ الْخَمْسِ مُحَرِّمًا ; لِجَوَازِ عَدَمِ ثُبُوتِ الطَّهَارَةِ فِيمَا دُونَ السَّبْعِ، وَعَدَمِ التَّحْرِيمِ بِمَا دُونَ الْخَمْسِ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
ش - النَّافُونَ، أَيِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ تَخْصِيصَ الصِّفَةِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهَا، تَمَسَّكُوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَوَ ثَبَتَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهَا لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ ; إِذِ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ بَاطِلٌ.
وَالتَّالِي لَازِمُ الِانْتِفَاءِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا أَوْ نَقْلِيًّا.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي الدَّلَالَاتِ الْوَضْعِيَّةِ.
وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ النَّقْلِيَّ إِفَادَتُهُ مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ الْآحَادَ لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَالظَّنُّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَةِ، وَالتَّوَاتُرُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعِ الْخِلَافُ.
أَجَابَ بِمَنْعِ اشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِقَبُولِ الْآحَادِ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَةِ، كَنَقْلِ الْأَصْمَعِيِّ أَوِ الْخَلِيلِ
(2/468)

وَأُجِيبُ بِالْتِزَامِهِ.
وَبِأَنَّهُ قِيَاسٌ.
وَلَا يَسْتَقِيمَانِ.
وَالْحَقُّ: الْفَرْقُ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ غَيْرُ مُخْبَرٍ بِهِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ حَاصِلًا.
بِخِلَافِ الْحُكْمِ ; إِذْ لَا خَارِجِيَّ لَهُ، فَيَجْرِيَ فِيهِ ذَلِكَ.
قَالُوا: لَوْ صَحَّ لَمَا صَحَّ: أَدِّ زَكَاةَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ.
كَمَا لَا يَصِحُّ: لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَاضْرِبْهُ ; لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَلِلتَّنَاقُضِ.
(وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ عَدَمُ تَخْصِيصِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي الظَّاهِرِ) .
قَالُوا: لَوْ كَانَ لَمَا ثَبَتَ خِلَافُهُ لِلتَّعَارُضِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي نَحْوِ {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] .
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقَاطِعَ عَارَضَ الظَّاهِرَ فَلَمْ يَقْوَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/469)

وَتَجِبُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ بِالدَّلِيلِ.
ص - وَأَمَّا مَفْهُومُ الشَّرْطِ فَقَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يَقُولُ بِالصِّفَةِ، وَالْقَاضِي وَعَبْدُ الْجَبَّارِ وَالْبَصْرِيُّ عَلَى الْمَنْعِ.
الْقَائِلُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ انْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ.
وَأُجِيبُ: قَدْ يَكُونُ سَبَبًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/470)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَوْ سِيبَوَيْهِ.
الثَّانِي - لَوْ ثَبَتَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهَا - لَثَبَتَ فِي الْخَبَرِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَلَامًا مُقَيَّدًا بِالْوَصْفِ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ مَنْ قَالَ: " فِي الشَّامِ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ " لَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، أَيْ لَيْسَ فِي الشَّامِ الْغَنَمُ الْمَعْلُوفَةُ.
أُجِيبُ بِالْتِزَامِ أَنَّ تَخْصِيصَ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ فِي الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ انْتِفَاءُ التَّالِي مَمْنُوعًا.
(2/471)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأُجِيبُ أَيْضًا بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ، فَإِنَّ حَاصِلَ مَا ذَكَرْتُمْ فِي بَيَانِ الْمُلَازَمَةِ هُوَ الْقِيَاسُ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَةِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا يَسْتَقِيمُ الْجَوَابَانِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ الِالْتِزَامُ الْمَذْكُورُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ هُوَ إِلْحَاقُ مَسْكُوتٍ عَنْهُ فِي التَّسْمِيَةِ بِمُسَمًّى لِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ هَا هُنَا.
ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْخَبَرِ؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ غَيْرُ مُخْبَرٍ بِهِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ حَاصِلًا لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ ; لِجَوَازِ حُصُولِهِ بِدُونِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ لَهُ أَمْرٌ خَارِجِيٌّ، فَيَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الْخَارِجِيُّ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
بِخِلَافِ الْحُكْمِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ غَيْرُ مَحْكُومٍ بِهِ - لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ حَاصِلًا لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ ; إِذْ لَا خَارِجِيَّ لِلْحُكْمِ، فَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي الْخَبَرِ.
الثَّالِثُ - لَوْ صَحَّ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ - لَمَا صَحَّ: أَدِّ زَكَاةَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ، كَمَا لَا يَصِحُّ " لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ " وَاضْرِبْهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
(2/472)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِعَدَمِ الْفَائِدَةِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ بِقَوْلِهِ: أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ.
وَلِلُزُومِ التَّنَاقُضِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ زَكَاةِ السَّائِمَةِ إِذَا كَانَ دَالًّا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فِي الْمَعْلُوفَةِ - كَانَ التَّعْقِيبُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ جَارِيًا مَجْرَى لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا؛ وَهُوَ تَنَاقُضٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ عَدَمُ تَخْصِيصِ الْمَعْلُوفَةِ بِالِاجْتِهَادِ عَنِ الْعُمُومِ وَلَا تَنَاقُضَ فِي الظَّاهِرِ؛ فَإِنَّ دَلَالَةَ تَخْصِيصِ الْوَصْفِ بِالذِّكْرِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، لَا بِحَسَبِ الْقَطْعِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ عَنِ الظَّاهِرِ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ، فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
الرَّابِعُ - لَوْ كَانَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ دَالًّا عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ لَمَا ثَبَتَ خِلَافُهُ؛ أَيْ لَمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيمَا عَدَاهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّعَارُضُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيمَا عَدَا الْمَذْكُورَ فِي نَحْوِ
(2/473)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الرِّبَا حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] يَقْتَضِي إِبَاحَةَ الرِّبَا إِذَا لَمْ يَكُنْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ; لَكِنَّ الْقَاطِعَ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: " {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] " عَارَضَهُ. فَانْدَفَعَ الظَّاهِرُ (فَلَمْ يَقْوَ الْمَفْهُومُ) .
وَالتَّعَارُضُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ يَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْأَصْلِ تَجِبُ بِالدَّلِيلِ.
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إِذَا عُلِّقَ حُكْمٌ عَلَى شَرْطٍ هَلْ يَنْتَفِي ذَلِكَ الْحُكْمُ بِانْتِفَائِهِ أَمْ لَا؟ .
فَكُلُّ مَنْ قَالَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ قَالَ يَنْتَفِي ذَلِكَ الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُنْكِرِينَ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ أَيْضًا بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي وَعَبْدُ الْجَبَّارِ وَالْبَصْرِيُّ إِلَى الْمَنْعِ؛ أَيْ لَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ.
احْتَجَّ الْقَائِلُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - مَا تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ أَنَّ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ فَهِمُوا ذَلِكَ، وَاللُّغَةُ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ.
(2/474)

قُلْنَا: أَجْدَرُ إِنْ قِيلَ بِالِاتِّحَادِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، إِنْ قِيلَ بِالتَّعَدُّدِ.
وَأَوْرَدَ {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] .
وَأُجِيبُ بِالْأَغْلَبِ.
وَبِمُعَارَضَةِ الْإِجْمَاعِ.
ص - مَفْهُومُ الْغَايَةِ.
قَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يَقُولُ بِالشَّرْطِ) ، كَالْقَاضِي وَعَبْدِ الْجَبَّارِ.
الْقَائِلُ بِهِ: مَا تَقَدَّمَ.
وَبِأَنَّ مَعْنَى: صُومُوا إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، آخِرُهُ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ. فَلَوْ قُدِّرَ وُجُوبٌ بَعْدَهُ - لَمْ يَكُنْ آخِرًا.
ص - وَأَمَّا مَفْهُومُ اللَّقَبِ، فَقَالَ بِهِ الدَّقَّاقُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " وَزَيْدٌ مَوْجُودٌ. وَأَشْبَاهِهِ ظُهُورُ الْكُفْرِ.
وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْقِيَاسِ لِظُهُورِ الْأَصْلِ فِي الْمُخَالَفَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَاوِيَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَلَا مَفْهُومَ، فَكَيْفَ بِهِ هَا هُنَا.
ص - قَالُوا: لَوْ قَالَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: لَيْسَتْ أُمِّي بِزَانِيَةٍ وَلَا أُخْتِي - تَبَادَرَ نِسْبَةُ الزِّنَا إِلَى أُمِّ خَصْمِهِ وَأُخْتِهِ، وَوَجَبَ الْحَدُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قُلْنَا: مِنَ الْقَرَائِنِ، لَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
ص - وَأَمَّا الْحَصْرُ بِـ " إِنَّمَا ".
فَقِيلَ: لَا يُفِيدُ.
وَقِيلَ مَنْطُوقٌ.
وَقِيلَ: مَفْهُومٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/475)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " مَا تَقَدَّمَ " التَّمَسُّكُ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْقَصْرِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ مُزَيَّفٌ فَلَا يُتَمَسَّكُ بِهِ.
الثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ انْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الشَّرْطُ شَرْطًا.
أُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ مَا وَقَعَ شَرْطًا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ السَّبَبِ انْتِفَاءُ الْمُسَبَّبِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ بِأَنَّهُ إِنْ قِيلَ بِاتِّحَادِ السَّبَبِ، فَهُوَ أَجْدَرُ بِأَنْ يَنْتَفِيَ الْمُسَبَّبُ بِانْتِفَائِهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُوجِبًا لِوُجُودِ الْمُسَبِّبِ، فَيَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهِ الْمُسَبَّبِ قَطْعًا.
وَإِنْ قِيلَ بِتَعَدُّدِ السَّبَبِ فَيُمْنَعُ التَّعَدُّدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
فَيَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْمُسَبَّبِ ظَاهِرًا.
وَأَوْرَدَ عَلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] ؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبِغَاءِ عُلِّقَتْ عَلَى إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ انْتِفَاءِ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ، انْتِفَاءُ حُرْمَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبِغَاءِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْإِكْرَاهِ ثَابِتَةٌ عِنْدَ عَدَمِ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ.
أَجَابَ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(2/476)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَحَدُهُمَا - أَنَّ وُقُوعَ الْإِكْرَاهِ بِحَسِبِ الْأَغْلَبِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ بَلْ لَا يَقَعُ الْإِكْرَاهُ إِلَّا عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ؛ لِأَنَّ الْفَتَيَاتِ إِذَا لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ امْتَنَعَ إِكْرَاهُهُنَّ.
فَحِين