Advertisement

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب 003


الْقِيَاسُ
ص - الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ وَالْمُسَاوَاةُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مُسَاوَاةُ فَرْعٍ لِأَصْلٍ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ.
وَيَلْزَمُ الْمُصَوِّبَةَ زِيَادَةٌ " فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ " ; لِأَنَّهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ تَبَيَّنَ الْغَلَطُ وَالرُّجُوعُ، بِخِلَافِ الْمُخَطِّئَةِ.
وَإِنْ أُرِيدَ الْفَاسِدُ مَعَهُ، قِيلَ: تَشْبِيهٌ.
ص - وَأَوْرَدَ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُذْكَرُ فِيهِ عِلَّةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/5)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ مُسَاوَاةُ فَرْعٍ لِأَصْلٍ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْفَرْعِ: صُورَةٌ أُرِيدَ إِلْحَاقُهَا بِالْأُخْرَى فِي الْحُكْمِ ; لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ فِيهَا.
وَبِالْأَصْلِ: الصُّورَةُ الْمُلْحَقُ بِهَا، فَلَا يَلْزَمُ دَوْرٌ.
وَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَ الْأَصْلَ مَحَلَّ الْوِفَاقِ، وَالْفَرْعَ مَحَلَّ الْخِلَافِ.
وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مَا هُوَ صَحِيحٌ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، وَلَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ.
فَيَلْزَمُ الْمُصَوِّبَةَ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَذْكُورِ زِيَادَةً " فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ " ; لِيَتَنَاوَلَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْمُصَوِّبَةِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ الْغَلَطُ وَهُوَ كَوْنُ مَا تُوِهِّمَ أَنَّهُ عِلَّةٌ غَيْرَ عِلَّةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالرُّجُوعُ عَنِ الْحُكْمِ.
بِخِلَافِ الْمُخَطِّئَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ ; لِأَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ تَعْرِيفٌ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ الْقِيَاسِ عَلَى وَجْهٍ يَشْمَلُ الْفَاسِدَ أَيْضًا، قِيلَ: تَشْبِيهُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ.
ش - وَأَوْرَدَ عَلَى عَكْسِ هَذَا التَّعْرِيفِ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ مُسَاوَاةُ فَرْعٍ لِأَصْلٍ فِي وَصْفٍ جَامِعٍ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، بَلْ يَكُونُ مُسَاوِيًا لَهَا دَالًّا عَلَيْهَا، مِثْلَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ بِالرَّائِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ ; لِأَنَّ الرَّائِحَةَ لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ، بَلِ الْعِلَّةُ: الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَالرَّائِحَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنِ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لِلْقِيَاسِ ;
(3/6)

وَأُجِيبَ إِمَّا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْمُسَاوَاةَ فِيهَا.
وَأَوْرَدَ قِيَاسَ الْعَكْسِ مِثْلَ: لَمَّا وَجَبَ الصِّيَامُ فِي الِاعْتِكَافِ بِالنَّذْرِ، وَجَبَ بِغَيْرِ نَذْرٍ.
عَكْسُهُ: الصَّلَاةُ لَمَّا لَمْ تَجِبْ فِيهِ بِالنَّذْرِ، لَمْ تَجِبْ بِغَيْرِ نَذْرٍ.
وَأُجِيبَ بِالْأَوَّلِ، أَوْ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُسَاوَاةُ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ نَذْرٍ فِي اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ لَهُ بِالنَّذْرِ بِمَعْنَى لَا فَارِقَ.
أَوْ بِالسَّبْرِ وَذُكِرَتِ الصَّلَاةُ لِبَيَانِ الْإِلْغَاءِ.
أَوْ قِيَاسُ الصَّوْمِ بِالنَّذْرِ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّذْرِ.
ص - وَقَوْلُهُمْ: بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُمْ: الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْحَقِّ، وَقَوْلُهُمْ: الْعِلْمُ عَنْ نَظَرٍ مَرْدُودٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَبِأَنَّ الْبَذْلَ حَالُ الْقَائِسِ، وَالْعِلْمَ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ.
أَبُو هَاشِمٍ: حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى جَامِعٍ.
وَقَوْلُ الْقَاضِي: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا، أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا حَسَنٌ، إِلَّا أَنَّ " حَمْلَ " ثَمَرَتِهِ، وَإِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِيهِمَا مَعًا لَيْسَ بِهِ، بَلْ هُوَ فِي الْأَصْلِ بِدَلِيلِ غَيْرِهِ، " وَبِجَامِعٍ " كَافٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/7)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ عِلَّةُ الْحُكْمِ، مَعَ أَنَّهُ قِيَاسٌ، فَلَا يَنْعَكِسُ الْحَدُّ.
أَجَابَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ تَعْرِيفُ مَا هُوَ قِيَاسٌ حَقِيقَةً، وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ لَا يَكُونُ قِيَاسًا حَقِيقَةً.
الثَّانِي: أَنَّهُ قِيَاسٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْوَصْفِ الْجَامِعِ الدَّالِّ عَلَى الْعِلَّةِ يَتَضَمَّنُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِلَّةِ.
وَأَوْرَدَ أَيْضًا عَلَى عَكْسِهِ قِيَاسَ الْعَكْسِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ نَقِيضِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ لِتَحَقُّقِ نَقِيضِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، مِثْلَ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ: لَمَّا وَجَبَ الصِّيَامُ فِي الِاعْتِكَافِ بِالنَّذْرِ، وَجَبَ أَيْضًا بِغَيْرِ نَذْرٍ.
وَالصَّلَاةُ لَمَّا تَجِبْ فِي الِاعْتِكَافِ بِالنَّذْرِ، لَمْ تَجِبْ بِغَيْرِ نَذْرٍ، فَإِنَّ الْفَرْعَ هُوَ الصِّيَامُ، وَالْأَصْلَ هُوَ الصَّلَاةُ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ عَدَمُ الْوُجُوبِ فِي الْوَاقِعِ، وَفِي الْفَرْعِ الْوُجُوبُ فِيهِ، وَالْعِلَّةُ فِي الْفَرْعِ الْوُجُوبُ بِالنَّذْرِ، وَفِي الْأَصْلِ عَدَمُ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ.
فَإِنَّهُ قِيَاسٌ، وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ; إِذْ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْعِلَّةِ وَلَا فِي الْحُكْمِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
(3/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ: هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فِي جَوَابِ الْإِيرَادِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ قِيَاسَ الْعَكْسِ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسِ حَقِيقَةٍ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ لِمَا هُوَ قِيَاسُ حَقِيقَةٍ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ هَاهُنَا مُسَاوَاةُ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ نَذْرِ الصَّوْمِ فِي اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ لِلِاعْتِكَافِ بِنَذْرِ الصَّوْمِ، إِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ نَذْرِ صَوْمٍ، وَبَيْنَ الِاعْتِكَافِ بِنَذْرِ صَوْمٍ فِي اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ. وَالِاخْتِلَافُ بِالنَّذْرِ وَعَدَمِهِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ وَعَدَمِهِ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ.
وَإِمَّا بِالسَّبْرِ، بِأَنْ يُقَالَ: الْمُوجِبُ لِاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ إِمَّا الِاعْتِكَافُ، أَوِ الِاعْتِكَافُ بِنَذْرِ الصَّوْمِ.
وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; إِذْ لَا أَثَرَ لِلنَّذْرِ فِي الِاشْتِرَاطِ ; إِذْ لَوْ أَثَّرَ لَأَثَّرَ فِي اشْتِرَاطِ الصَّلَاةِ، وَلَا أَثَرَ لِلنَّذْرِ فِي اشْتِرَاطِ الصَّلَاةِ بِالِاتِّفَاقِ. فَثَبَتَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلِاشْتِرَاطِ هُوَ الِاعْتِكَافُ، لَا الِاعْتِكَافُ بِالنَّذْرِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الصَّلَاةِ لِبَيَانِ إِلْغَاءِ النَّذْرِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ بِنَذْرِ الصَّوْمِ أَصْلًا، وَالِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ نَذْرِ الصَّوْمِ فَرْعًا، وَالْحُكْمُ وُجُوبُ الِاشْتِرَاطِ فِيهِمَا، وَالْعِلَّةُ الِاعْتِكَافُ، فَيَصْدُقُ حَدُّ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَيَنْعَكِسُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ قِيَاسُ الصَّوْمِ بِالنَّذْرِ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّذْرِ، بِأَنْ يُقَالَ: عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الصَّوْمُ فِي الِاعْتِكَافِ -
(3/9)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَمْ يَصِرْ شَرْطًا فِيهِ بِالنَّذْرِ - كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ، لَمْ تَصِرْ شَرْطًا فِيهِ بِالنَّذْرِ.
فَالصَّلَاةُ أَصْلٌ، وَالصَّوْمُ فَرْعٌ، وَالْحُكْمُ عَدَمُ الصَّيْرُورَةِ شَرْطًا بِالنَّذْرِ، وَالْعِلَّةُ كَوْنُهُمَا عِبَادَتَيْنِ.
فَيَصْدُقُ حَدُّ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَيَنْعَكِسُ.
ش - ذِكْرُ الْحُدُودِ الْمَرْدُودَةِ وَزَيْفُهَا.
فَمِنْهَا الْحُدُودُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَقَدِّمُونَ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْحَقِّ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ الْعِلْمُ عَنْ نَظَرٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّ الْبَذْلَ حَالُ الْقَائِسِ، وَالْقِيَاسُ هُوَ: الْمُسَاوَاةُ الْمَذْكُورَةُ، فَلَا يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَيَصْدُقُ الْحَدُّ بِدُونِ الْمَحْدُودِ، فَلَا يَطَّرِدُ.
وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْحَقِّ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِاطِّرَادِ.
أَمَّا الثَّالِثُ ; فَلِأَنَّ الْعِلْمَ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ سَبَبُهُ، وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبِّبِ، فَيَصْدُقُ الْحَدُّ بِدُونِ الْمَحْدُودِ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِاطِّرَادِ أَيْضًا.
وَمِنْهَا مَا قَالَ أَبُو هَاشِمٍ، هُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ: حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى
(3/10)

وَقَوْلُهُمْ: ثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ فَرْعُ الْقِيَاسِ، فَتَعْرِيفُهُ بِهِ دَوْرٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَحْدُودَ الْقِيَاسُ الذِّهْنِيُّ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لَيْسَ فَرْعًا لَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
غَيْرِهِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا التَّعْرِيفُ نَاقِصٌ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْجَامِعِ ; لِأَنَّ حَمْلَ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ جَامِعٍ لَا يَكُونُ قِيَاسًا.
وَمِنْهَا مَا قَالَ الْقَاضِي، وَهُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا، أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا، مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَ " الْمَعْلُومِ " لِيَتَنَاوَلَ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَجْرِي فِيهِمَا.
فَلَوْ قَالَ لَفْظَ " الشَّيْءِ " لَاخْتَصَّ بِالْمَوْجُودِ ; لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَنَا.
وَالْمُرَادُ بِالْمَعْلُومِ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ وَالظَّنِّ ; لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْعِلْمِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ وَالظَّنِّ.
وَذَكَرَ قَوْلَهُ: " فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ " لِبَيَانِ وَجْهِ الْحَمْلِ.
وَذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: " أَوْ نَفْيِهِ " لِبَيَانِ تَفْصِيلِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِالْقِيَاسِ.
وَذَكَرَ: " بِأَمْرٍ جَامِعٍ " لِيَتَمَيَّزَ حَقِيقَةُ الْقِيَاسِ عَنْ غَيْرِهَا، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَقْسَامِ الْجَامِعِ.
وَهَذَا التَّعْرِيفُ حَسَنٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ.
(3/12)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحَمْلَ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَمْلِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: " فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا " يُشْعِرُ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ.
وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، فَلَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ بِالْقِيَاسِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " بِجَامِعٍ " كَافٍ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى قَوْلِهِ: مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا ; لِأَنَّ هَذِهِ أَقْسَامُ الْجَامِعِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّعْرِيفِ نَفْسُ الْجَامِعِ لَا أَقْسَامُهُ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ أَخَذَ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ ثُبُوتَ حُكْمِ الْفَرْعِ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ فَرْعُ الْقِيَاسِ، فَيَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ، فَتَعْرِيفُ الْقِيَاسِ بِهِ دَوْرٌ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا تَعْرِيفُ الْقِيَاسِ الذِّهْنِيِّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ عَلَى الْقِيَاسِ الذِّهْنِيِّ ; لِأَنَّ ثُبُوتَ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لَا يَكُونُ فَرْعًا لِلْقِيَاسِ الذِّهْنِيِّ.
[أركان القياس الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف الجامع]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ أَرْكَانِهِ، ثُمَّ فِي بَيَانِ شَرَائِطِ أَرْكَانِهِ.
أَمَّا أَرْكَانُهُ فَأَرْبَعَةٌ: الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْقِيَاسِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ.
أَمَّا الْأَصْلُ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ هُوَ: مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ.
مَثَلًا: إِذَا قِيسَ النَّبِيذُ عَلَى الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ، فَالْخَمْرُ هُوَ الْأَصْلُ.
وَقِيلَ: الْأَصْلُ دَلِيلُ الْحُكْمِ، فَالنَّصُّ أَوِ الْإِجْمَاعُ الدَّالُّ عَلَى حُرْمَةِ الْخَمْرِ هُوَ الْأَصْلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ.
(3/13)

ص - وَأَرْكَانُهُ: الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ.
الْأَصْلُ (الْأَكْثَرُ) : مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَقِيلَ: دَلِيلُهُ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ.
وَالْفَرْعُ: الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ.
وَالْأَصْلُ: مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَلَا يُعَدَّ فِي الْجَمِيعِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَامِعُ فَرْعًا لِلْأَصْلِ، أَصْلًا لِلْفَرْعِ.
ص - وَمِنْ شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا.
ص - وَأَنْ لَا يَكُونَ مَنْسُوخًا، لِزَوَالِ اعْتِبَارِ الْجَامِعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/14)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقِيلَ: الْأَصْلُ حُكْمُ الْمَحَلِّ الْمُشَبَّهِ بِهِ، فَحُرْمَةُ الْخَمْرِ هِيَ الْأَصْلُ.
وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي الْمَحْصُولِ.
وَالْفَرْعُ: الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ، وَهُوَ النَّبِيذُ فِي مِثَالِنَا.
وَقِيلَ: الْفَرْعُ حُكْمُ الْمَحَلِّ الْمُشَبَّهِ.
وَالْأَصْلُ: مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَلَا يُعَدُّ فِي الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا.
وَلِأَجْلِ أَنَّ الْأَصْلَ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ، كَانَ الْجَامِعُ فَرْعًا لِلْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ عُرِفَ بِهِ، وَيَكُونُ أَصْلًا لِلْفَرْعِ ; لِأَنَّ الْفَرْعَ يُبْتَنَى عَلَيْهِ.
[شروط حكم الأصل]
ش - ابْتَدَأَ بِشُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَهِيَ سَبْعَةٌ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ هُوَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الْفَرْعِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا، لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ الْمُتَعَدِّي إِلَى الْفَرْعِ شَرْعِيًّا، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
ش - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَنْسُوخًا ; لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْجَامِعِ. فَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَنْسُوخًا، زَالَ اعْتِبَارُ الْجَامِعِ، فَلَمْ يَتَعَدَّ الْحُكْمُ إِلَى الْفَرْعِ.
ش - الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ فَرْعًا عَلَى حُكْمٍ آخَرَ، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْفَرْعِ الْأَخِيرِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ - مَعَ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَأَصِلِهِ، فَذِكْرُ الْوَسَطِ ضَائِعٌ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَاسُ الْفَرْعُ الْأَخِيرُ عَلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ.
مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ: السَّفَرْجَلُ مَطْعُومٌ، فَيَكُونُ رِبَوِيًّا كَالتُّفَّاحِ، ثُمَّ يَقِيسُ التُّفَّاحَ عَلَى الْبُرِّ ; لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ. فَإِنَّ ذِكْرَ التُّفَّاحِ الَّذِي هُوَ الْوَسَطُ ضَائِعٌ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقِيسَ السَّفَرْجَلَ عَلَى الْبُرِّ ابْتِدَاءً.
وَإِنْ لَمْ تَتَّحِدِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْفَرْعِ الْأَخِيرِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ - مَعَ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَأَصْلِهِ، فَسَدَ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّ الْأُولَى - أَيِ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْفَرْعِ الْأَخِيرِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ - لَمْ يَثْبُتِ اعْتِبَارُهَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي أَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ - أَيِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَأَصْلِهِ - لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ الْأَخِيرِ.
مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: الْجُذَامُ عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ،
(3/15)

ص - وَأَنْ لَا يَكُونَ فَرْعًا، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ وَالْبَصْرِيِّ.
لَنَا: إِنِ اتَّحَدَتْ فَذِكْرُ الْوَسَطِ ضَائِعٌ، كَالشَّافِعِيَّةِ فِي السَّفَرْجَلِ مَطْعُومٌ، فَيَكُونُ رِبَوِيًّا كَالتُّفَّاحِ، ثُمَّ يَقِيسُ التُّفَّاحَ عَلَى الْبُرِّ.
وَإِنْ لَمْ تَتَّحِدْ فَسَدَ ; لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ يَثْبُتِ اعْتِبَارُهَا، وَالثَّانِيَةَ لَيْسَتْ فِي الْفَرْعِ، كَقَوْلِهِ فِي الْجُذَامِ: عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ، فَيُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ، كَالْقَرْنِ وَالرَّتْقِ، ثُمَّ يَقِيسُ الْقَرْنَ عَلَى الْجُبِّ لِفَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَإِنْ كَانَ فَرْعًا يُخَالِفُهُ الْمُسْتَدِلُّ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الصَّوْمِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ: أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَيَصِحُّ كَفَرِيضَةِ الْحَجِّ، فَفَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ اعْتِرَافَهُ بِالْخَطَأِ فِي الْأَصْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/16)

ص - وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ، وَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ.
ص - وَمِنْهَا مَا لَا نَظِيرَ لَهُ، كَانَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ، كَرُخَصِ الْمُسَافِرِ، أَوْ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَالْقَسَامَةِ.
ص - وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِمُوَافَقَةِ الْخَصْمِ فِي الْأَصْلِ مَعَ مَنْعِهِ عِلَّةَ الْأَصْلِ، أَوْ مَنْعِهِ وَجُودَهَا فِي الْأَصْلِ، فَالْأَوَّلُ مُرَكَّبُ الْأَصْلِ، مِثْلُ عَبْدٍ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمَكَاتَبِ.
فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْعِلَّةُ جَهَالَةُ الْمُسْتَحَقِّ مِنَ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ.
فَإِنْ صَحَّتْ، بَطُلَ الْإِلْحَاقُ. وَإِنْ بَطَلَتْ، مُنِعَ حُكْمُ الْأَصْلِ. فَمَا يَنْفَكُّ عَنْ عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ أَوْ مَنْعِ الْأَصْلِ.
الثَّانِي مُرَكَّبُ الْوَصْفِ، مِثْلُ: تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ، فَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/17)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ كَالرَّتْقِ، وَهُوَ ارْتِيَاقُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ بِاللَّحْمِ، وَالْقَرْنِ، وَهُوَ عَظْمٌ فِي الْفَرْجِ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ. فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ، فَيُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ، ثُمَّ يَقِيسُ الْقَرْنَ عَلَى الْجُبِّ بِجَامِعِ فَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ.
وَالْعِلَّةُ الْأُولَى، أَيْ كَوْنُهُ عَيْبًا يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ، لَمْ يَثْبُتِ اعْتِبَارُهَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فِي الْجُبِّ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ.
وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي هِيَ فَوَاتُ الِاسْتِمْتَاعِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ الْأَخِيرِ الَّذِي هُوَ الْجُذَامُ.
هَذَا إِذَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ فَرْعًا يُوَافِقُهُ الْمُسْتَدِلُّ، أَمَّا إِذَا كَانَ فَرْعًا يُخَالِفُهُ الْمُسْتَدِلُّ، فَفَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَ الْمُسْتَدِلِّ بِخَطَئِهِ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ.
فَالْمُسْتَدِلُّ إِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْقِيَاسِ، وَإِنِ اعْتَرَفَ يَلْزَمُ الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَأِ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ يُخَالِفُهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي وُقُوعِ الصَّوْمِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ عَنِ الْفَرْضِ: إِنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَيَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى فَرِيضَةِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ إِذَا أَتَى بِالْحَجِّ بِنِيَّةِ النَّفْلِ - مَنْ لَمْ يَحُجَّ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ - يَقَعُ عَنْ
(3/18)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَرِيضَةِ الْحَجِّ. فَإِنَّ الْحَنَفِيَّ لَا يَقُولُ بِوُقُوعِ الْحَجِّ عَنْ فَرِيضَةِ الْحَجِّ إِذَا أَتَى بِهِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ.
ش - الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، أَيْ لَا يَكُونَ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ فِي الشَّرْعِ، وَلَا يَكُونَ مِمَّا لَا يُعْقَلُ حِكْمَتُهُ، كَقَبُولِ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَحْدَهُ وَالْحُكْمِ بِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ الشَّهَادَةِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِي الشَّرْعِ، وَلَمْ يُعْقَلْ حِكْمَتُهُ، وَكَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ. فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ فِي الشَّرْعِ، لَكِنَّهَا لَا تُعْقَلُ حِكْمَتُهَا.
ش - الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ عَدِيمَ النَّظِيرِ، أَيْ لَمْ يُوجَدْ مَا يُسَاوِيهِ فِي الْعِلَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ، كَالرُّخَصِ الَّتِي لِلْمُسَافِرِ، فَإِنَّ لَهَا مَعْنًى ظَاهِرٌ وَهُوَ دَفْعُ الْمَشَقَّةِ،
(3/19)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ، كَخَمْسِينَ حِلْفًا فِي الْقَسَامَةِ.
ش - الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ.
وَالْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ الْمُسْتَدِلُّ عَنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، بِدَلِيلِ مُوَافَقَةِ الْخَصْمِ إِيَّاهُ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ مَعَ مَنْعِ الْخَصْمِ عِلِّيَّةَ مَا جَعَلَ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، بَلِ الْعِلَّةُ عِنْدَ الْخَصْمِ غَيْرُ مَا جَعَلَ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً.
أَوْ مَعَ مَنْعِ الْخَصْمِ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ.
(3/20)

يَصِحُّ قَبْلَ النِّكَاحِ، كَمَا لَوْ قَالَ: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ.
فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْعِلَّةُ عِنْدِي مَفْقُودَةٌ، فَإِنْ صَحَّ فِي الْأَصْلِ، بَطُلَ الْإِلْحَاقُ، وَإِلَّا مُنِعَ حُكْمُ الْأَصْلِ. فَمَا يَنْفَكُّ عَنْ عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ مُنِعَ الْأَصْلُ.
فَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهَا الْعِلَّةُ وَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، أَوْ أَثْبَتَ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، انْتَهَضَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لِاعْتِرَافِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَثْبَتَ الْأَصْلَ بِنَصٍّ، ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ بِطَرِيقِهَا عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ، لَمْ يُقْبَلْ مُقَدِّمَةً تَقْبَلُ الْمَنْعَ.
ص - وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/21)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ الْخَصْمُ عِلِّيَّةَ الْأَصْلِ - يُسَمَّى مُرَكَّبَ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ، أَيْ مَا جُعِلَ جَامِعًا وَصْفَانِ يَصْلُحُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً، مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إِذَا قَتَلَ الْحُرُّ عَبْدًا: الْمَقْتُولُ عَبْدٌ، فَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِهِ، كَالْمَكَاتَبِ. وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا رَقِيقَيْنِ.
فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَسْتَغْنِي عَنْ إِثْبَاتِ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْحُرِّ فِي صُورَةِ الْمَكَاتَبِ بِدَلِيلٍ ; لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُوَافِقُهُ فِيهِ، لَكِنْ يَمْنَعُ مَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ عِلَّةً لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ ; لِأَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي صُورَةِ الْمَكَاتَبِ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ جَهَالَةُ الْمُسْتَحِقِّ مِنَ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْقِصَاصِ السَّيِّدُ أَوِ الْوَرَثَةُ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْعِلَّةُ عِنْدِي جَهَالَةُ الْمُسْتَحِقِّ مِنَ السَّيِّدِ أَوِ الْوَرَثَةِ فِي صُورَةِ الْمُكَاتِبِ، فَإِنْ صَحَّتْ عِلِّيَّةُ جَهَالَةِ الْمُسْتَحِقِّ مِنَ السَّيِّدِ أَوِ الْوَرَثَةِ، بَطُلَ إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِهِ بِالْقِيَاسِ ; إِذِ الْعِلَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ.
وَإِنْ بَطُلَتْ عِلِّيَّةُ الْجَهَالَةِ، مُنِعَ حُكْمُ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ لَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، بَلْ ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى عِلِّيَّةِ الْجَهَالَةِ، فَإِذَا بَطَلَ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ، لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ، وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الْقِيَاسُ. فَمَا يَنْفَكُّ الْقِيَاسُ عَنْ عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، أَوْ مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ.
الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ الْخَصْمُ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، فَيُسَمَّى مُرَكَّبَ الْوَصْفِ،
(3/22)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ، مِثْلَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ زَيْنَبَ، فَهِيَ طَالِقٌ. هَذَا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ، فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ النِّكَاحِ، أَيْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ قَالَ: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ. فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا، لَكِنْ بِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُقُوعِ فِي الْأَصْلِ.
فَنَقُولُ: الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْوُقُوعِ هُوَ التَّعْلِيقُ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْأَصْلِ عِنْدِي، فَإِنْ صَحَّ فُقْدَانُ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، بَطَلَ إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِهِ ; لِعَدَمِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فُقْدَانُ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ - مُنِعَ حُكْمُ الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الطَّلَاقُ وَاقِعًا فِي الْأَصْلِ ; لِوُجُودِ عِلَّةِ الْوُقُوعِ فِيهِ. فَمَا يَنْفَكُّ هَذَا الْقِيَاسُ عَنْ عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ.
ثُمَّ الْخَصْمُ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، وَسَلَّمَ عَلِيَّةَ مَا جَعَلَ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً فِي الْأَوَّلِ، أَيْ مُرَكَّبَ الْأَصْلِ، وَسَلَّمَ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، أَيْ مُرَكَّبَ الْوَصْفِ، أَوْ أَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَصْلِ، انْتَهَضَ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى الْخَصْمِ، أَيْ يَتِمُّ دَلِيلُهُ ; لِاعْتِرَافِ الْخَصْمِ بِعِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْأَوَّلِ، وَبِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي أَصْلِ الثَّانِي، كَمَا لَوْ كَانَ الْخَصْمُ مُجْتَهِدًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمَ الْأَصْلِ بِنَصٍّ، ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ بِمَا هُوَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهَا، يَنْتَهِضُ دَلِيلُهُ عَلَى الْخَصْمِ إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلِ الْخَصْمُ الدَّلِيلَ - بَعْدَ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ
(3/23)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِنَصٍّ وَإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِطَرِيقِهَا - لَزِمَ أَنْ لَا يَقْبَلَ الْخَصْمُ مُقَدِّمَةً تَقْبَلُ الْمَنْعَ.
وَإِنْ أَثْبَتَهَا الْمُسْتَدِلُّ بِالدَّلِيلِ بَعْدَ مَنْعِ الْخَصْمِ إِيَّاهَا، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَقْبَلَ إِلَّا الْبَدِيهِيَّاتِ.
وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْخَصْمَ بِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجْرِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَلِّدِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ إِمَامَهُ يَدْفَعُ مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ.
ش - الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ جَعَلَ أَحَدَهُمَا أَصْلًا وَالْآخِرَ فَرْعًا، لَيْسَ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
كَمَا لَوْ قِيلَ: الْأُرْزُ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَى إِثْبَاتِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» ". فَإِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ شَامِلٌ لِحُكْمِ الْأُرْزِ.
[شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ شُرُوطِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، شَرَعَ فِي شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ.
الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، أَيْ تَكُونَ مُشْتَمِلَةً عَلَى حِكْمَةٍ تَصْلُحُ لِأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ، كَالْإِسْكَارِ فِي حُرْمَةِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى حِفْظِ الْعَقْلِ، إِذِ الْحُرْمَةُ تُؤَدِّي إِلَى حِفْظِ الْعَقْلِ. وَهُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ.
وَإِنَّمَا شَرَطَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ ; لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ لَزِمَ الدَّوْرُ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ فَرْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ ; لِكَوْنِهَا مُسْتَنْبَطَةً مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَتْ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ، لَا فَائِدَةَ لَهَا سِوَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَفَرِّعًا عَلَيْهَا، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهَا تَعْرِيفَ حُكْمِ الْفَرْعِ، فَلَا يَكُونُ حُكْمُ الْأَصْلِ مُتَفَرِّعًا عَلَيْهَا، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي بَيَانِ لُزُومِ الدَّوْرِ: إِنَّ حُكْمَ
(3/24)

ص - وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، أَيْ مُشْتَمِلَةً عَلَى حِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ - وَهِيَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ - كَانَ دَوْرًا.
ص - وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ وَصْفًا ضَابِطًا لِلْحِكْمَةِ، لَا حِكْمَةً مُجَرَّدَةً لِخَفَائِهَا أَوْ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا، وَلَوْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهَا، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
ص - وَمِنْهَا: أَنْ لَا تَكُونَ عَدَمًا فِي الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ.
لَنَا: لَوْ كَانَ عَدَمًا، لَكَانَ مُنَاسِبًا أَوْ مَظِنَّةَ مُنَاسِبٍ، وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْعَدَمَ الْمُطْلَقَ بَاطِلٌ، وَالْمُخَصَّصَ بِأَمْرٍ إِنْ كَانَ وَجُودُهُ مَنْشَأَ مَصْلَحَةٍ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْشَأَ مَفْسَدَةٍ، فَمَانِعٌ، وَعَدَمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/25)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَصْلِ إِنَّمَا يَكُونُ مُعَرَّفًا لِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، إِذَا كَانَ الْوَصْفُ مُفْضِيًا إِلَى الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ، فَمَا لَمْ يَشْتَمِلِ الْوَصْفُ عَلَى الْحِكْمَةِ، لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ مُعَرَّفًا لِعِلِّيَّتِهِ إِلَّا بِالْمُقَارَنَةِ الصِّرْفَةِ، فَحُصُولُهُ فِي الْفَرْعِ بِوَصْفِ الْمَعْرِفِيَّةِ يُوقَفُ عَلَى الْمُقَارَنَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى الْمَعْرِفِيَّةِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَهَذَا مَا ظَهَرَ لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُقَارَنَةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْمَعْرِفِيَّةِ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ فِي بَيَانِ لُزُومِ الدَّوْرِ: إِنَّ الْوَصْفَ إِذَا كَانَ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُعَرِّفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُعَرِّفًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعَرِّفًا لَحُكْمِ الْفَرْعِ، وَلَمْ يَكُنْ مُعَرِّفًا لَحُكْمِ الْأَصْلِ - وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَاعِثٍ - لَمْ يَكُنْ لِلْأَصْلِ مَدْخَلٌ فِي الْفَرْعِ ; لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، وَكَذَا مَعْرِفَتُهُ لِحُكْمِ الْفَرْعِ ضَرُورَةُ كَوْنِهِ غَيْرَ مُعَرِّفٍ لِحُكْمِ الْأَصْلِ.
فَثَبَتَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَصْفُ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُعَرِّفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَيَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُتَفَرِّعًا عَلَيْهِ، وَالْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ مَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، فَيَكُونُ فَرْعًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
(3/26)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْأَصْلِ وَصْفًا ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ.
وَالْحِكْمَةُ هِيَ: الْغَايَةُ وَالْغَرَضُ مِنَ الْحُكْمِ، كَدَفْعِ الْمَشَقَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُخَصِ الْمُسَافِرِ. فَإِنَّهُ هُوَ الْغَايَةُ مِنَ الرُّخَصِ.
وَالْوَصْفُ الضَّابِطُ لِلْحِكْمَةِ، كَالسَّفَرِ الطَّوِيلِ إِلَى مَقْصِدٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ ضَابِطٌ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ، لَا أَنْ تَكُونَ حِكْمَةً مُجَرَّدَةً ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الْمُجَرَّدَةَ خَفِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، وَلَوْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ وَحْدَهَا لِانْضِبَاطِهَا وَعَدَمِ خَفَائِهَا، فَفِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهَا خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهَا ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْعِلَّةُ لِلْحَكَمِ ; لِكَوْنِهَا غَايَةً لَهُ، فَتَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِهَا أَوْلَى مِنْ تَعْلِيلِهِ بِالْوَصْفِ.
ش - الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ عِلَّةُ الْأَصْلِ عَدَمًا فِي الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ.
وَاحْتَجَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْأَصْلِ عَدَمًا - إِذَا كَانَ الْحُكْمُ ثُبُوتِيًّا - بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ فِي الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ عَدَمًا، لَكَانَ مُنَاسِبًا أَوْ مَظِنَّةَ مُنَاسِبٍ،
(3/27)

الْمَانِعِ لَيْسَ عِلَّةً.
وَإِنْ كَانَ وُجُودُهُ يُنَافِي وُجُودَ الْمُنَاسِبِ، لَمْ يَصْلُحْ عَدَمُهُ مَظِنَّةً لِنَقِيضِهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ ظَاهِرًا تَعَيَّنَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا، فَنَقِيضُهُ خَفِيٌّ، وَلَا يَصْلُحُ الْخَفِيُّ مَظِنَّةً لِلْخَفِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَأَيْضًا لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ يَقُولُ: الْعِلَّةُ كَذَا أَوْ عَدَمُ كَذَا، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ (لَا عِلَّةَ) عَدَمٌ، فَنَقِيضُهُ وُجُودٌ.
وَفِيهِ مُصَادَرَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.
ص - قَالُوا: صَحَّ تَعْلِيلُ الضَّرْبِ بِانْتِفَاءِ الِامْتِثَالِ.
قُلْنَا: بِالْكَفِّ.
ص - وَأَنْ لَا يَكُونَ الْعَدَمُ جُزْءًا مِنْهَا لِذَلِكَ.
قَالُوا: انْتِفَاءُ مُعَارَضَةِ الْمُعْجِزَةِ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَرِّفِ لَهَا، وَكَذَلِكَ الدَّوَرَانُ وَجُزْؤُهُ عَدَمٌ.
قُلْنَا: شَرْطٌ لَا جُزْءٌ.
ص - وَأَنْ لَا تَكُونَ الْمُتَعَدِّيَةَ الْمَحَلِّ، وَلَا جُزْءًا مِنْهُ ; لِامْتِنَاعِ الْإِلْحَاقِ، بِخِلَافِ الْقَاصِرَةِ.
ص - وَالْقَاصِرَةُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ صَحِيحَةٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَالْأَكْثَرُ عَلَى صِحَّتِهَا بِغَيْرِهِمَا، كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِجَوْهَرِيَّتِهِمَا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
لَنَا: أَنَّ الظَّنَّ حَاصِلٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِأَجْلِهَا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالصِّحَّةِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا.
وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَتْ صِحَّتُهَا مَوْقُوفَةً عَلَى تَعْدِيَتِهَا، لَمْ تَنْعَكِسْ لِلدَّوْرِ.
وَالثَّانِيَةُ اتِّفَاقٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَقْفُ مَعِيَّةٍ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً، لَكَانَتْ مُفِيدَةً. وَالْحُكْمُ وَالْأَصْلُ بِغَيْرِهَا، وَلَا فَرْعَ.
وَرَدَ بِجَرَيَانِهِ فِي الْقَاصِرَةِ بِنَصٍّ، وَبِأَنَّ النَّصَّ دَلِيلُ الدَّلِيلِ، وَبِأَنَّ الْفَائِدَةَ مَعْرِفَةُ الْبَاعِثِ الْمُنَاسِبِ، فَيَكُونُ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ.
وَإِذَا قُدِّرَ وَصْفٌ آخَرُ مُتَعَدٍّ، لَمْ يُفِدْ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ.
ص - وَفِي النَّقْضِ وَهُوَ وُجُودُ الْمُدَّعَى عِلَّةٌ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ.
ثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ لَا الْمُسْتَنْبَطَةِ.
وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ.
وَخَامِسُهَا: يَجُوزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَانِعٍ وَلَا عَدَمِ شَرْطٍ. وَالْمُخْتَارُ: إِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمَانِعٍ أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ ; لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتْ عِلِّيَّتُهَا إِلَّا بِبَيَانِ أَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضَى، وَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، فَبِظَاهِرٍ عَامٍّ، فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ كَعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَيَجِبُ تَقْدِيرُ الْمَانِعِ.
لَنَا: لَوْ بَطَلَتْ، لَبَطَلَ الْمُخَصَّصُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/28)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بَاعِثًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْبَاعِثُ يَنْحَصِرُ فِي الْمُنَاسِبِ وَالْمَظِنَّةِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَالْمُنَاسِبُ هُوَ: الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الَّذِي يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ.
وَمَظِنَّةُ الْمُنَاسِبِ: هُوَ مَا يُلَازِمُ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ إِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ " ; فَلِأَنَّ الْعَدَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمًا مُطْلَقًا، أَوْ مُخَصَّصًا بِأَمْرٍ، أَيْ مُضَافًا إِلَيْهِ.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْعَدَمَ الْمُطْلَقَ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ الثُّبُوتِيَّةِ دُونَ بَعْضٍ.
وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْأَمْرِ الَّذِي اخْتَصَّ الْعَدَمُ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْشَأَ مَصْلَحَةٍ لِذَلِكَ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ أَوْ لَا.
وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْشَأَ مَفْسَدَةٍ لَهُ أَوْ لَا.
وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِوُجُودِ الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ أَوْ لَا.
(3/29)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، وَالْجَمِيعُ بَاطِلٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْأَمْرِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْعَدَمُ مَنْشَأً لِمَصْلَحَةِ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ ; فَلِأَنَّ عَدَمَهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ، وَلَا مَظِنَّةَ مُنَاسِبٍ لِاسْتِلْزَامِ عَدَمِهِ فَوَاتَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي اخْتَصَّ الْعَدَمُ بِهِ مَنْشَأً لِمَفْسَدَةِ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ ; فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وُجُودُ ذَلِكَ الْأَمْرِ مَانِعًا مِنْ تَحَقُّقِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ، فَعَدَمُهُ عَدَمُ الْمَانِعِ، وَعَدَمُ الْمَانِعِ لَا يَكُونُ عِلَّةً بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْعَدَمُ مُنَافِيًا لِوُجُودِ الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ ; فَلِأَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُنَافِي لِلْمُنَاسِبِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَظِنَّةً لِلْمُنَاسِبِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُنَافِي; لِأَنَّ نَقِيضَهُ أَعْنِي الْمُنَاسِبَ، إِنْ كَانَ ظَاهِرًا، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجِهِ إِلَى مَظِنَّةٍ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا، فَنَقِيضُهُ - وَهُوَ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُنَافِي لَهُ - أَيْضًا خَفِيٌّ، فَعَدَمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُنَافِي لِلْمُنَاسِبِ أَيْضًا خَفِيٌّ. وَالْخَفِيُّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَظِنَّةً لِلْخَفِيِّ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي اخْتَصَّ الْعَدَمُ بِهِ، لَا يَكُونُ مُنَافِيًا لِلْمُنَاسِبِ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِذَا تَسَاوَى
(3/30)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، لَا يَكُونُ عَدَمُهُ مُنَاسِبًا وَلَا مَظِنَّةَ مُنَاسِبٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الْمُنَافِيَ الْمُنَاسِبَ قَسِيمًا لِمَا هُوَ مَنْشَأُ مَفْسَدَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ الْمُنَافِيَ لِلْمُنَاسِبِ دَاخِلٌ فِيمَا هُوَ مَنْشَأُ مَفْسَدَةٍ، فَلَا يَكُونُ قَسِيمًا لَهُ.
قِيلَ: ظُهُورُ الْمُنَاسِبِ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْمُنَافِي مَظِنَّةً لَهُ، فَيُعَلَّلُ بِعَدَمِ الْمُنَافِي كَمَا يُعَلَّلُ بِالْمَظِنَّةِ الْوُجُودِيَّةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُنَاسِبُ ظَاهِرًا، تَعَيَّنَ كَوْنُهُ عِلَّةً، وَإِلَّا لَاجْتَمَعَ عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يَقُولُ: الْعِلِّيَّةُ كَذَا، أَوْ عَدَمُ كَذَا، وَلَوْ كَانَ الْعَدَمُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ، لَسُمِعَ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ هَذَا الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِذَلِكَ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ بِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ مَوْجُودَةٌ ; لِأَنَّ (لَا عِلِّيَّةَ) عَدَمٌ. فَنَقِيضُهُ - وَهُوَ الْعِلِّيَّةُ - مَوْجُودَةٌ. وَإِذَا كَانَتِ الْعِلِّيَّةُ مَوْجُودَةً، لَمْ يَكُنِ الْعَدَمُ عِلَّةً، وَإِلَّا لَاتَّصَفَ الْمَعْدُومُ بِالْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَفِيهِ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ.
فَإِنَّ عَدَمِيَّةً لَا عِلِّيَّةً مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى وُجُودِ الْعِلِّيَّةِ ; لِأَنَّ عَدَمِيَّةَ صُورَةِ السَّلْبِ تَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ السَّلْبُ. فَلَوْ تَوَقَّفَ وُجُودُ الْعِلِّيَّةِ عَلَى عَدَمِيَّةِ اللَّاعِلِّيَّةِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
(3/31)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، حَيْثُ قِيلَ: الْحُسْنُ وُجُودِيٌّ ; لِكَوْنِهِ نَقِيضَ الْحَسَنِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَدَمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلثُّبُوتِي، قَالُوا: صَحَّ تَعْلِيلُ الضَّرْبِ الَّذِي هُوَ وُجُودِيٌّ، بِانْتِفَاءِ الِامْتِثَالِ الَّذِي هُوَ عَدَمِيٌّ. فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِفِعْلٍ، وَلَمْ يَمْتَثِلْ وَضَرَبَهُ السَّيِّدُ، صَحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا ضَرَبَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ.
أَجَابَ بِأَنَّ الضَّرْبَ مُعَلَّلٌ بِكَفِّ النَّفْسِ عَنِ الِامْتِثَالِ، لَا بِانْتِفَاءِ الِامْتِثَالِ، وَالْكَفُّ أَمْرٌ ثُبُوتِيٌّ.
ش - الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْعَدَمُ جُزْءًا مِنْ عِلَّةِ الْأَصْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ.
(3/32)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَدَمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ، قَالُوا: إِنَّ انْتِفَاءَ مُعَارَضَةِ الْمُعْجِزَةِ بِمِثْلِهَا جُزْءٌ مِنَ الْمُعَرِّفِ لِلْمُعْجِزَةِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ يَتَوَقَّفُ فِي كَوْنِهِ مُعْجِزَةً عَلَى انْتِفَاءِ الْمُعَارَضَةِ، وَانْتِفَاءُ الْمُعَارَضَةِ عَدَمِيٌّ، وَكَوْنُ الْفِعْلِ مُعْجِزَةً ثُبُوتِيٌّ، فَقَدْ صَارَ الْعَدَمُ جُزْءَ عِلَّةِ الثُّبُوتِيِّ.
وَأَيْضًا: الدَّوَرَانُ عِلَّةٌ ; لِعِلِّيَّةِ الْمَدَارِ لِلدَّائِرِ، وَعَلِيَّةُ الْمَدَارِ ثُبُوتِيَّةٌ، وَجُزْءُ الدَّوَرَانِ عَدَمٌ ; لِأَنَّ الدَّوَرَانَ مُرَكَّبٌ مِنَ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، وَالْعَكْسُ عَدَمٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُزْءُ عِلَّةِ الثُّبُوتِيِّ عَدَمًا.
أَجَابَ بِأَنَّ الْعَدَمَ فِي الصُّورَتَيْنِ شَرْطٌ لَا جُزْءٌ.
ش - الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا تَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ مَحَلَّ الْحُكْمِ، وَلَا جُزْءًا مِنْ مَحَلِّهِ خَاصًّا بِهِ إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُتَعَدِّيَةً ; لِامْتِنَاعِ إِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ حِينَئِذٍ، إِذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فِي الْفَرْعِ مَحَلُّ حُكْمِ الْأَصْلِ أَوْ جُزْؤُهُ الْخَاصُّ بِهِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ اتِّحَادُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ
(3/33)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ أَوْ جُزْؤُهُ الْخَاصُّ بِهِ عِلَّةً لِلْحَكَمِ، إِذْ لَا يَبْعُدَ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: حُرِّمَتِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ بُرًّا، أَوْ لِجُزْئِهِ الْخَاصِّ بِهِ.
وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْجُزْءَ بِكَوْنِهِ خَاصًّا ; إِذْ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِالْجُزْءِ الْمُشْتَرَكِ لِإِمْكَانِ وَجُودِهِ فِي الْفَرْعِ.
[التَّعْلِيلِ بالعلةِالْقَاصِرَةِ]
ش - اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ، أَيِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأَصْلِ، إِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ. وَالْأَكْثَرُ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ، إِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِغَيْرِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِجَوْهَرِيَّتِهِمَا.
(3/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ إِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِغَيْرِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ الْعِلَّةِ، وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ الْقَاصِرَةَ عِلَّةٌ، حَصَلَ الظَّنُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِأَجْلِهَا، وَلَا نَعْنِي بِصِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ إِلَّا حُصُولَ الظَّنِّ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِأَجْلِهَا بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ الظَّنُّ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِأَنَّ الْحُكْمَ لِأَجْلِهَا، صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهَا.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ صِحَّةُ الْعِلَّةِ مَوْقُوفَةً عَلَى تَعْدِيَةِ الْعِلَّةِ، لَمْ يَنْعَكِسْ، أَيْ لَمْ يَتَوَقَّفِ التَّعْدِيَةُ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنَّ التَّعْدِيَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ.
وَإِلَى بُطْلَانِ التَّالِي أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالثَّانِيَةُ اتِّفَاقٌ.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ: أَنَّ التَّعْدِيَةَ لَوْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ - وَالْفَرْضُ أَنَّ صِحَّةَ الْعِلَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى التَّعْدِيَةِ - يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَوَقُّفَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ صِحَّةِ الْعِلَّةِ وَالتَّعْدِيَةِ عَلَى الْأُخْرَى تَوَقُّفُ مَعِيَّةٍ، فَإِنَّ صِحَّةَ التَّعْلِيلِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَيَتَحَقَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صِحَّةِ التَّعْلِيلِ وَالتَّعْدِيَةِ مَعَ
(3/35)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأُخْرَى، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عِلِّيَّةُ الْقَاصِرَةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ صَحِيحَةً، لَكَانَتْ مُفِيدَةً، إِذْ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، إِذْ لَا فَائِدَةَ لِلْقَاصِرَةِ ; لِأَنَّ فَائِدَةَ الْعِلَّةِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ بِهَا فِي غَيْرِ الْأَصْلِ لِكَوْنِهَا قَاصِرَةً، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِغَيْرِ الْقَاصِرَةِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ.
أَجَابَ أَوَّلًا بِالنَّقْضِ الْإِجْمَالِيِّ، فَإِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي الْقَاصِرَةِ الثَّابِتَةِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ.
وَثَانِيًا بِمَنْعِ انْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ، فَإِنَّ فَائِدَتَهُ إِثْبَاتُ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالنَّصُّ أَوِ الْإِجْمَاعُ دَلِيلُ الدَّلِيلِ، أَيْ دَلِيلُ هَذِهِ الْعِلَّةِ.
(3/36)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ عُرِفَ بِالنَّصِّ أَوَّلًا، ثُمَّ عُرِفَتِ الْعِلَّةُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَثَالِثًا بِعَدَمِ انْحِصَارِ فَائِدَةِ الْعِلَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ فَائِدَتَهُ مَعْرِفَةُ الْبَاعِثِ الْمُنَاسِبِ ; لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ ; لِكَوْنِهِ مَعْقُولَ الْمَعْنَى.
وَأَيْضًا فَائِدَتُهَا أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ كَوْنُ الْقَاصِرَةِ عِلَّةً، فَلَوْ قُدِّرَ وَصْفٌ آخَرُ مُتَعَدٍّ، لَمْ يُفِدِ الْعِلِّيَّةَ إِلَّا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ بِالْعِلِّيَّةِ.
[هل النقض قادح في العلة]
ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي النَّقْضِ، وَهُوَ وُجُودُ الْمُدَّعِي عِلَّةً مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ عَلَى سِتَّةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهُ مُطْلَقًا، أَيْ لَا يَقْدَحُ التَّخَلُّفُ فِي الْعِلِّيَّةِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهُ مُطْلَقًا، أَيْ يَقْدَحُ فِي الْعِلِّيَّةِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ فِي الْمَنْصُوصَةِ، وَلَا يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ.
وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ، أَيْ يَجُوزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَلَا يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ فِي الْمَنْصُوصَةِ.
وَخَامِسُهَا: لَا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ فِي الْمَنْصُوصَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّخَلُّفُ بِمَانِعٍ، وَلَا عَدَمِ شَرْطٍ. وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الرَّابِعَ جَوَازُ التَّخَلُّفِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ إِذَا كَانَ بِمَانِعٍ أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ.
وَسَادِسُهَا: وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً، لَا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا إِلَّا بِمَانِعٍ أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ لَا تَثْبُتُ عِلِّيَّتُهَا عِنْدَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ إِلَّا بِبَيَانِ أَحَدِهِمَا، أَعْنِي
(3/37)

وَأَيْضًا: جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَلَبَطَلَتِ الْقَاطِعَةُ، كَعِلَلِ الْقِصَاصِ وَالْجَلْدِ وَغَيْرِهِمَا.
ص - أَبُو الْحُسَيْنِ: النَّقْضُ يَلْزَمُ فِيهِ مَانِعٌ أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ نَقِيضَهُ مِنَ الْأُولَى.
قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْبَاعِثِ، وَيَرْجِعُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا.
قَالُوا: لَوْ صَحَّتْ، لَلَزِمَ الْحُكْمُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ صِحَّتَهَا كَوْنُهَا بَاعِثَةً، لَا لُزُومَ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ مَشْرُوطٌ.
قَالُوا: تَعَارَضَ دَلِيلُ الِاعْتِبَارِ وَدَلِيلُ الْإِهْدَارِ.
قُلْنَا: الِانْتِفَاءُ لِلْمُعَارِضِ لَا يُنَافِي الشَّهَادَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/38)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وُجُودَ الْمَانِعِ أَوْ عَدَمَ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، أَيْ وُجُودَ الْمَانِعِ أَوْ عَدَمَ الشَّرْطِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي، أَيِ الْعِلَّةِ، إِذْ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنِ الْعِلَّةِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ.
وَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، فَشَرْطُ جَوَازِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا، كَوْنُ التَّنْصِيصِ بِنَصٍّ ظَاهِرٍ عَامٍّ. فَيَجِبُ حِينَئِذٍ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الْعَامِّ بِالنَّافِي لِلْحُكْمِ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ، وَالْعَمَلُ بِالْعِلَّةِ فِي غَيْرِ صُورَةِ التَّخَلُّفِ، كَعَامٍّ وَخَاصٍّ إِذَا اخْتَلَفَا، فَإِنَّهُ يُخَصِّصُ الْعَامَ بِالْخَاصِّ، وَيُعْمَلُ بِالْعَامِّ فِي غَيْرِ صُورَةِ التَّخْصِيصِ، وَيَجِبُ تَقْدِيرُ الْمَانِعِ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ، إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مَانِعٌ لِلضَّرُورَةِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ بِظَاهِرٍ عَامٌّ، لَا يُبْطِلُ عِلِّيَّتَهَا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ بِظَاهِرٍ عَامٍّ لَوْ بَطَلَتْ بِالنَّقْضِ، لَبَطَلَ الْعَامُّ الْمُخَصَّصُ بِظُهُورِ الْخَاصِّ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِمَا مَرَّ أَنَّ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ يَكُونُ حُجَّةً.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ: أَنَّ نِسْبَةَ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ بِظَاهِرٍ عَامٍّ إِلَى مَوَارِدِ الْحُكْمِ، كَنِسْبَةِ الْعَامِّ إِلَى أَفْرَادِهِ. فَكَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُبْطِلُ الْعَامَّ بِالْكُلِّيَّةِ، كَذَلِكَ النَّقْضُ لَا يُبْطِلُ الْعِلِّيَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ.
الثَّانِي: - أَنَّ الْعَامَّ الظَّاهِرَ دَلَّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَالنَّقْضَ دَلَّ عَلَى
(3/39)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ، فَيُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ الْعَامِّ فِي غَيْرِ صُورَةِ النَّقْضِ، وَيُعْمَلُ بِالنَّقْضِ فِي صُورَتِهِ ; لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِمَا أَوْ إِهْمَالِ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلَّةَ بِنَصٍّ ظَاهِرٍ لَوْ بَطَلَتْ بِالنَّقْضِ، لَبَطَلَتِ الْعِلَّةُ الْقَاطِعَةُ، أَيِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، كَعِلَلِ الْقِصَاصِ وَالْجَلْدِ وَغَيْرِهِمَا بِالنَّقْضِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ بِنَصٍّ ظَاهِرٍ لَا تَتَقَاعَدُ عَنِ الْعِلَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْعِلَلَ الْقَاطِعَةَ قَدْ يَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ عَنْهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَلَمْ تَبْطُلْ عِلِّيَّتُهَا.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّقْضَ يَقْدَحُ فِي الْعِلَّةِ، احْتَجُّوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ: وَهُوَ أَنَّ النَّقْضَ يَلْزَمُ فِيهِ وُجُودُ مَانِعٍ أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ ; لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ بِدُونِ أَحَدِهِمَا يُشْعِرُ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، فَبَيَّنَ النَّقْضُ أَنَّ نَقِيضَ أَحَدِهِمَا، أَعْنِي نَقِيضَ وُجُودِ الْمَانِعِ وَنَقِيضَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ الْأُولَى الَّتِي ادَّعَى أَنَّهَا عِلَّةٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ نَقِيضِ أَحَدِهِمَا، فَيَنْتَفِي الْعِلَّةُ عِنْدَ انْتِفَاءِ نَقِيضِ أَحَدِهِمَا ضَرُورَةُ انْتِفَاءِ الْكُلِّ بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعِلَّةِ الْبَاعِثُ، وَنَقِيضُ أَحَدِهِمَا لَيْسَ جُزْءًا مِنَ الْبَاعِثِ.
وَيَرْجِعُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا ; لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالْعِلَّةِ الْبَاعِثُ، لَا يَكُونُ نَقِيضُ أَحَدِهِمَا جُزْءًا مِنْهَا، وَلَا يَقْدَحُ النَّقْضُ فِي الْعِلَّةِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْعِلَّةِ مَا يُثْبِتُ الْحُكْمَ، يَكُونُ نَقِيضُ أَحَدِهِمَا جُزْءًا مِنْهَا، وَيَقْدَحُ النَّقْضُ فِي الْعِلَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّتِ الْعِلَّةُ مَعَ النَّقْضِ، لَلَزِمَ الْحُكْمُ فِي صُورَةِ النَّقْضِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَعْلُولِهَا.
(3/40)

قَالُوا: تَفْسُدُ كَالْعَقْلِيَّةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَقْلِيَّةَ بِالذَّاتِ، وَهَذِهِ بِالْوَضْعِ.
ص - الْمُجَوِّزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ: لَوْ صَحَّتْ مَعَ النَّقْضِ، لَكَانَ لِتَحَقُّقِ الْمَانِعِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بَعْدَ صِحَّتِهَا، فَكَانَ دَوْرًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ اسْتِمْرَارَ الظَّنِّ بِصِحَّتِهَا عِنْدَ التَّخَلُّفِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ، وَتَحَقُّقُ الْمَانِعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ظُهُورِ الصِّحَّةِ، فَلَا دَوْرَ، كَإِعْطَاءِ الْفَقِيرِ يُظَنُّ أَنَّهُ لِفَقْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِ آخَرَ، تَوَقَّفَ الظَّنُّ، فَإِنْ تَبَيَّنَ مَانِعٌ، عَادَ وإِالَّا زَالَ.
قَالُوا: دَلِيلُهَا اقْتِرَانٌ، وَقَدْ تَسَاقَطَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ.
ص - الْمُجَوِّزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ: الْمَنْصُوصَةُ دَلِيلُهَا نَصٌّ عَامٌّ، فَلَا يُقْبَلُ.
وَأُجِيبَ: إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا، فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا، وَجَبَ قَبُولُهُ.
ص - الْخَامِسُ: الْمُسْتَنْبَطَةُ عِلَّةٌ بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ، وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ مُشَكِّكٌ، فَلَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ.
وَأُجِيبَ: تَخَلُّفُ الْحُكْمِ ظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَالْمُنَاسَبَةُ وَالِاسْتِنْبَاطُ مُشَكِّكٌ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْآخَرِ.
قَالُوا: لَوْ تَوَقَّفَ كَوْنُهَا أَمَارَةً عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/41)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَخَلَّفَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ.
أَجَابَ بِأَنَّ صِحَّةَ الْعِلَّةِ كَوْنُهَا بَاعِثَةً عَلَى شَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، لَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لَازِمًا لَهَا. وَالْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ لَا تَكُونُ مَلْزُومَةً لِلْحَكَمِ ; فَإِنَّ لُزُومَ الْحُكْمِ لِلْعِلَّةِ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعِلَّةُ مَعَ النَّقْضِ ; لِأَنَّ دَلِيلَ الِاعْتِبَارِ - وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ - عَارَضَ دَلِيلَ إِهْدَارِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، أَيْ إِبْطَالِهَا، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ، فَتَسَاقَطَا.
أَجَابَ بِأَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ - وَهُوَ تَحَقُّقُ الْمَانِعِ أَوِ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ - لَا يُنَافِي الشَّهَادَةَ، أَيِ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى اعْتِبَارِ عِلِّيَةِ الْوَصْفِ ; لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّهَادَةِ، جَازَ أَنْ يَنْتَفِيَ الْحُكْمُ لِمُعَارِضٍ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِمُعَارِضٍ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ مُنَافَاةٌ، لَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ تَفْسُدُ الْعِلَّةُ بِالنَّقْضِ قِيَاسًا عَلَى الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِالْفَرْقِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ تَقْتَضِي الْمَعْلُولَ
(3/42)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِالذَّاتِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْمَعْلُولُ عَنْهَا.
وَهَذِهِ - أَيِ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةِ - تَقْتَضِي الْحُكْمَ بِالْوَضْعِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا.
ش - الْمُجَوِّزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ، دُونَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ احْتَجَّ عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ يَقْدَحُ فِي الْعِلَّةِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ صَحَّتِ الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مَعَ النَّقْضِ، لَكَانَتْ صِحَّتُهَا لَتَحَقُّقِ الْمَانِعِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَخَلَّفِ الْحُكْمُ عَنْهَا، فَيَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِلَّةِ عَلَى تَحَقُّقِ الْمَانِعِ، وَالْمَانِعُ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ إِنَّمَا يَكُونُ مَانِعًا إِذَا تَحَقَّقَ الْمُقْتَضَى، فَيَتَوَقَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَانِعِ وَالصِّحَّةِ عَلَى الْآخَرِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَوَقُّفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ تَوَقَّفُ الْمَعِيَّةِ ; لِأَنَّ
(3/43)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الصِّحَّةَ وَالْمَانِعَ لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالدَّوْرُ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ الْمَعِيَّةِ لَا يَكُونُ مُحَالًا.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الصِّحَّةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ، بَلِ اسْتِمْرَارُ الظَّنِّ بِصِحَّةِ الْعِلَّةِ عِنْدَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الْعِلَّةِ جَازَ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِ الْمَانِعِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَتَخَلَّفِ الْحُكْمُ عَنِ الْعِلَّةِ.
وَتَحَقُّقُ الْمَانِعِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِمْرَارِ الظَّنِّ بِصِحَّةِ الْعِلَّةِ عِنْدَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى ظُهُورِ الصِّحَّةِ، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ، كَإِعْطَاءِ الْفَقِيرِ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَظُنُّ أَنَّ الْإِعْطَاءَ لِلْفَقْرِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِ فَقِيرًا آخَرَ، تَوَقَّفَ الظَّنُّ فِي كَوْنِ الْعِلَّةِ فَقْرًا، فَإِنْ تَبَيَّنَ مَانِعٌ عَنْ إِعْطَاءِ الْفَقِيرِ الْآخَرِ، عَادَ ظَنُّ عِلِّيَّةِ الْفَقْرِ، أَيِ اسْتَمَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مَانِعٌ، زَالَ ظَنُّ عِلِّيَّةِ الْفَقْرِ، فَظَهَرَ أَنَّ اسْتِمْرَارَ ظَنِّ صِحَّةِ الْعِلَّةِ عِنْدَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ.
الثَّانِي: أَنَّ دَلِيلَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَكَمَا أَنَّ اقْتِرَانَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ عَدَمُ اقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ، فَتَعَارَضَا وَتَسَاقَطَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ ذَلِكَ فِي دَلِيلِ الِاعْتِبَارِ وَدَلِيلِ الْإِهْدَارِ.
(3/44)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - الْمُجَوِّزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الْمَنْصُوصَةِ - وَهُوَ الْقَائِلُ بِالْمَذْهَبِ الرَّابِعِ - احْتَجَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْصُوصَةَ لَا يَجُوزُ النَّقْضُ فِيهَا بِأَنَّ الْمَنْصُوصَةَ دَلِيلُهَا نَصٌّ عَامٌّ، وَالنَّصُّ الْعَامُّ يَقْتَضِي ثُبُوتَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ، فَلَا يُقْبَلُ النَّقْضُ.
أَجَابَ بِأَنَّ النَّصَّ الْعَامَّ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا، أَيْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْعِلَّةِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ، فَمُسَلَّمٌ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا، أَيْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْعِلَّةِ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ، وَجَبَ قَبُولُهُ لِلنَّقْضِ، كَالْعَامِّ لِلتَّخْصِيصِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ النَّقْضِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّقْضُ بِمَانِعٍ وَلَا عَدَمِ شَرْطٍ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ - احْتَجُّوا عَلَى جَوَازِ النَّقْضِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ مُطْلَقًا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُسْتَنْبَطَةَ عِلَّةٌ بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّ دَلِيلَهَا الْمُنَاسَبَةُ، وَالْمُنَاسَبَةُ تَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ بِحَسَبِ الظُّهُورِ، لَا بِحَسَبِ الْقَطْعِ. وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْوَصْفِ مُشَكِّكٌ فِي عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، أَيْ دَلَالَتِهِ عَلَى عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ ; لِأَنَّ احْتِمَالَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ يُسَاوِي احْتِمَالَ تَخَلُّفِهِ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ، وَغَيْرُ الظَّاهِرِ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ. فَلَمْ يَقْدَحِ النَّقْضُ فِي الْعِلِّيَّةِ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ بِلَا وُجُودِ مَانِعٍ وَانْتِفَاءِ شَرْطٍ يَدُلُّ بِحَسَبِ الظُّهُورِ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَدَلَالَةُ الْمُنَاسَبَةِ وَاسْتِنْبَاطُ الْعِلَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ مُشَكِّكٌ، فَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا، وَغَيْرُ الظَّاهِرِ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي
(3/45)

لَانْعَكَسَ، فَكَانَ دَوْرًا تَحَكُّمًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ.
وَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِمْرَارَ الظَّنِّ بِكَوْنِهَا أَمَارَةً يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ أَوْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَهُمَا عَلَى ظُهُورِ كَوْنِهَا أَمَارَةً.
ص - وَفِي الْكَسْرِ، وَهُوَ وُجُودُ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ.
الْمُخْتَارُ: لَا يَبْطُلُ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ: مُسَافِرٌ، فَيَتَرَخَّصُ كَغَيْرِ الْعَاصِي، ثُمَّ يُبَيِّنُ الْمُنَاسَبَةَ بِالْمَشَقَّةِ، فَيَعْتَرِضُ بِصَنْعَةٍ شَاقَّةٍ فِي الْحَضَرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/46)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْآخَرِ. فَإِذَا كَانَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْوَصْفِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ، وَجَبَ أَنْ يَقَعَ الشَّكُّ فِي الْعِلِّيَّةِ، فَلَا يَبْقَى ظُهُورُ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، فَيَقَعُ التَّعَارُضُ.
الثَّانِي: لَوْ قَدَحَ النَّقْضُ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، لَتَوَقَّفَ كَوْنُ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ أَمَارَةً لِلْحَكَمِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَهُوَ مَحَلُّ النَّقْضِ، وَلَوْ تَوَقَّفَ كَوْنُهَا أَمَارَةً لِلْحَكَمِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، لَانْعَكَسَ، أَيْ تَوَقَّفَ الْحُكْمُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ عَلَى كَوْنِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ أَمَارَةً لِلْحُكْمِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
قَوْلُهُ: " وَإِلَّا " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْعَكِسْ يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ، فَلَا يَكُونُ بَاطِلًا.
وَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِمْرَارَ الظَّنِّ بِكَوْنِ الْوَصْفِ أَمَارَةً لِلْحُكْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْمَانِعِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ أَوْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ وَوُجُودِ الْمَانِعِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ظُهُورِ كَوْنِ الْوَصْفِ أَمَارَةً، لَا عَلَى اسْتِمْرَارِ الظَّنِّ بِكَوْنِهِ أَمَارَةً، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
[هل الكسر قادح في العلة]
ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْكَسْرِ، وَهُوَ وُجُودُ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّقْضِ أَنَّ النَّقْضَ هُوَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْوَصْفِ الضَّابِطِ لِلْحِكْمَةِ، وَالْكَسْرُ تَخَلُّفُهُ عَنْ حِكْمَةِ الْحِكَمِ.
مِثَالُهُ: قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي الْعَاصِي بِالسَّفَرِ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً كَالْآبِقِ: مُسَافِرٌ، فَيَتَرَخَّصُ بِرُخَصِ السَّفَرِ كَغَيْرِ الْعَاصِي، ثُمَّ يُبَيِّنُ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالرُّخَصِ بِاشْتِمَالِ السَّفَرِ عَلَى الْمَشَقَّةِ، فَيَعْتَرِضُ الشَّافِعِيُّ بِصَنْعَةٍ شَاقَّةٍ فِي الْحَضَرِ، مِثْلِ صَنْعَةِ الْحَدَّادِينَ، فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ ثَمَّةَ مَعَ تَخَلُّفِ رُخَصِ الْمُسَافِرِ عَنْهَا.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْوَصْفُ الضَّابِطُ لِلْحِكْمَةِ، لَا الْحِكْمَةُ لِعُسْرِ انْضِبَاطِهَا، فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ، وَالشَّارِعُ لَمْ يَجْعَلْ مَا يَعْسُرُ انْضِبَاطُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ عَلَى مَا هُوَ عِلَّةٌ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْكَسْرَ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ، قَالُوا: الْحِكْمَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعِلِّيَّةِ قَطْعًا، لَا الْوَصْفُ الضَّابِطُ لِلْحِكْمَةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ هُوَ الْحِكْمَةُ، وَالْوَصْفُ عُنْوَانُ الْحِكْمَةِ وَضَابِطُهَا. فَحِينَئِذٍ يُرَدُّ النَّقْضُ لِوُجُودِ الْحِكْمَةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا.
أَجَابَ بِأَنَّ نَقْضَ الْحِكْمَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ قَدْرِ الْحِكْمَةِ الْمُسَاوِيَةِ لِحِكْمَةِ الْأَصْلِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، وَتَحَقُّقُ قَدْرِ الْحِكْمَةِ الْمُسَاوِيَةِ لِحِكْمَةِ الْأَصْلِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ مَظْنُونٌ، إِذْ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمَوْجُودُ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ أَقَلَّ مِنَ الْقَدْرِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَصْلِ، وَبِتَقْدِيرِ وُجُودِ قَدْرِ الْحِكْمَةِ الْمُسَاوِيَةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّخَلُّفُ لِمُعَارِضٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَلَعَلَّهُ لِمُعَارِضٍ "، فَيَكُونُ وُجُودُ قَدْرِ الْحِكْمَةِ الْمُسَاوِيَةِ لِحِكْمَةِ الْأَصْلِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ بِدُونِ مُعَارِضٍ مَظْنُونًا، وَالْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ مَوْجُودَةٌ قَطْعًا، وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ
(3/47)

لَنَا: أَنَّ الْعِلَّةَ السَّفَرُ ; لِعُسْرِ انْضِبَاطِ الْمَشَقَّةِ، وَلَمْ يُرِدِ النَّقْضَ عَلَيْهِ.
ص - قَالُوا: الْحِكْمَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ قَطْعًا، فَالنَّقْضُ وَارِدٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/48)

قُلْنَا: قَدْرُ الْحِكْمَةِ الْمُسَاوِيَةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ مَظْنُونٌ، وَلَعَلَّهُ لِمُعَارِضٍ. وَالْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ مَوْجُودَةٌ قَطْعًا، فَلَا يُعَارِضُ الظَّنُّ الْقَطْعَ، حَتَّى لَوْ قَدَّرْنَا وُجُودَ قَدْرِ الْحِكْمَةِ أَوْ أَكْثَرَ قَطْعًا، وَإِنْ بَعُدَ أَبْطَلَ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ آخَرُ أَلْيَقُ بِهَا.
كَمَا لَوْ عُلِّلَ الْقَطْعُ بِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، فَيُعْتَرَضُ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ أَزْيَدُ لَوْ قَطَعَ.
فَنَقُولُ: ثَبَتَ حُكْمٌ آخَرُ أَلْيَقُ بِهَا تُحَصَّلُ بِهِ وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ الْقَتْلُ.
ص - وَفِي النَّقْضِ الْمَكْسُورِ - وَهُوَ نَقْضُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ - الْمُخْتَارُ: لَا يَبْطُلُ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: مَبِيعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ حَالَ الْعَقْدِ، فَلَا يَصِحُّ مِثْلَ: بِعْتُكَ عَبْدًا.
فَيَعْتَرِضُ بِمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَرَهَا.
لَنَا: إِنَّ الْعِلَّةَ الْمَجْمُوعُ، فَلَا نَقْضَ، فَإِنَّ بَيْنَ عَدَمِ تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَبِيعًا، كَانَ كَالْعَدَمِ، فَيَصِحُّ النَّقْضُ وَلَا يُفِيدُ مُجَرَّدُ ذِكْرِهِ دَفْعَ النَّقْضِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/49)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْقَطْعَ.
نَعَمْ، لَوْ قَدَّرْنَا وُجُودَ قَدْرِ الْحِكْمَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي مَحَلِّ النَّقْضِ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، وَإِنْ بَعُدَ هَذَا التَّقْدِيرُ؛ لِعُسْرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى قَدْرِ الْحِكْمَةِ، أَبْطَلَ الْكَسْرُ الْعِلَّةَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ آخَرُ فِي مَحَلِّ النَّصِّ أَلْيَقُ بِالْحِكْمَةِ مِنَ الْحُكْمِ الْمُخْتَلِفِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُبْطِلُ الْكَسْرُ الْعِلَّةَ.
مَثَلًا: لَوْ عَلَّلَ وُجُوبَ قَطْعِ الْيَدِ قِصَاصًا بِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، فَيَعْتَرِضُ الْخَصْمُ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانَ، فَإِنَّ حِكْمَتَهُ أَزْيَدُ ثَمَّةَ لَوْ قُطِعَ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ.
فَيَقُولُ الْمُعَلِّلُ: ثَبَتَ فِيهِ حُكْمٌ أَلْيَقُ بِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، تَحْصُلُ حِكْمَةُ الزَّجْرِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ وَزِيَادَةٍ، وَهُوَ الْقَتْلُ.
[النقض المكسور هل يبطل العلة]
ش - اخْتَلَفُوا فِي النَّقْضِ الْمَكْسُورِ، وَهُوَ نَقْضُ بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ، أَيْ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْ بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ، مِثَالُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: مَبِيعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ، قِيَاسًا عَلَى مَا إِذَا قَالَ: بِعْتُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْعِلَّةُ كَوْنُ الْمَبِيعِ مَجْهُولَ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ.
فَيَعْتَرِضُ الْحَنَفِيُّ بِمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَرَهَا، فَإِنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ مُتَحَقِّقٌ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْ بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ.
وَاحْتَجَّ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ الْأَوْصَافِ لَا بَعْضُهَا، يَعْنِي مَجْمُوعَ كَوْنِهِ مَبِيعًا مَجْهُولَ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ، لَا مَجْهُولَ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ فَقَطْ، فَلَا نَقْضَ لِلْعِلَّةِ، أَيْ لَمْ يَلْزَمْ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ.
فَإِنْ بَيَّنَ الْحَنَفِيُّ عَدَمَ تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَبِيعًا، كَانَ وَصْفُ كَوْنِهِ مَبِيعًا كَالْعَدَمِ ; لِانْتِفَاءِ تَأْثِيرِهِ، فَيَكُونُ الْعِلَّةُ حِينَئِذٍ كَوْنَهُ مَجْهُولَ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ، فَيَصِحُّ النَّقْضُ ; لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ.
وَمُجَرَّدُ ذِكْرِ كَوْنِهِ مَبِيعًا لَا يُفِيدُ دَفْعَ النَّقْضِ، مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ تَأْثِيرُهُ فِي الْعِلِّيَّةِ.
[العكس]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْعِلَّةَ، هَلْ هِيَ مَشْرُوطَةٌ بِالْعَكْسِ أَمْ لَا؟ وَالْعَكْسُ: انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، وَاشْتِرَاطُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ.
فَمَنْ مَنَعَ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، اشْتَرَطَ الْعَكْسَ فِي الْعِلَّةِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لِلْحُكْمِ إِلَّا دَلِيلٌ وَاحِدٌ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ دَلِيلِهِ. وَنَعْنِي بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ انْتِفَاءَ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ عَلَى الصَّانِعِ انْتِفَاءُ الصَّانِعِ، بَلِ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِهِ.
وَمَنْ جَوَّزَ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، لَمْ يَشْتَرِطِ الْعَكْسَ فِي الْعِلَّةِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ دَلِيلٍ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ بِالْمَدْلُولِ لِجَوَازِ تَحَقُّقِ دَلِيلٍ آخَرَ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ.
[تعليل الحكم بعلتين أَوْ عِلَلٍ كُلٌّ مُسْتَقِلٌّ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ أَوْ بِعِلَلٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِالْعِلِّيَّةِ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَثَانِيهَا: لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ، لَا الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي.
وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ، أَيْ يَجُوزُ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، لَا الْمَنْصُوصَةِ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ، وَهُوَ مُخْتَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَهُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَلٍ، كُلٌّ مِنْهَا
(3/50)

ص - وَأَمَّا الْعَكْسُ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، فَاشْتِرَاطُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ ; لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ دَلِيلِهِ.
وَنَعْنِي انْتِفَاءَ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ عَلَى الصَّانِعِ انْتِفَاؤُهُ.
ص - وَفِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ أَوْ عِلَلٍ، كُلٌّ مُسْتَقِلٌّ، ثَالِثُهَا لِلْقَاضِي: يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ لَا الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ.
وَمُخْتَارُ الْإِمَامِ: يَجُوزُ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/52)

لَنَا: لَوْ لَمْ يَجُزْ، لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ وَقَعَ، فَإِنَّ اللَّمْسَ وَالْبَوْلَ وَالْغَائِطَ وَالْمَذْيَ يَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الْحَدَثُ، وَالْقِصَاصَ وَالرِّدَّةَ يَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَتْلُ.
قَوْلُهُمْ: الْأَحْكَامُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلِذَلِكَ يَنْتَفِي قَتْلُ الْقِصَاصِ وَيَبْقَى الْآخَرُ، وَبِالْعَكْسِ.
قُلْنَا: إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى أَحَدِ دَلِيلَيْهِ لَا تُوجِبُ تَعَدُّدًا، وَإِلَّا لَزِمَ مُغَايِرَةَ حَدَثِ الْبَوْلِ لِحَدَثِ الْغَائِطِ.
وَأَيْضًا: لَوِ امْتَنَعَ، لَامْتَنَعَ تَعَدُّدُ الْأَدِلَّةِ ; لِأَنَّهَا أَدِلَّةٌ.
ص - الْمَانِعُ: لَوْ جَازَ لَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ ; لِأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلَالِهَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهَا، فَإِذَا انْفَرَدَتْ، ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهَا، فَإِذَا تَعَدَّدَتْ، تَنَاقَضَتْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلَالِهَا أَنَّهَا إِذَا انْفَرَدَتِ اسْتَقَلَّتْ، فَلَا تَنَاقُضَ فِي التَّعَدُّدِ.
قَالُوا: لَوْ جَازَ، لَاجْتَمَعَ الْمِثْلَانِ، فَيَسْتَلْزِمُ النَّقِيضَيْنِ ; لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا غَيْرَ مُسْتَغْنٍ، وَفِي التَّرْتِيبِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.
قُلْنَا: فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَأَمَّا مَدْلُولُ الدَّلِيلَيْنِ فَلَا.
قَالُوا: لَوْ جَازَ، لَمَا تَعَلَّقَ الْأَئِمَّةُ فِي عِلَّةِ الرِّبَا بِالتَّرْجِيحِ ; لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَتِهِ صِحَّةَ الِاسْتِقْلَالِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلْإِبْطَالِ، لَا لِلتَّرْجِيحِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ هَاهُنَا، وَإِلَّا لَزِمَ جَعْلُهَا أَجْزَاءً.
ص - الْقَاضِي: لَا بُعْدَ فِي الْمَنْصُوصَةِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَنْبَطَةُ، فَتَسْتَلْزِمُ الْجُزْئِيَّةَ لِدَفْعِ التَّحَكُّمِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/53)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُسْتَقِلَّةٌ، لَمْ يَقَعْ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ اللَّمْسَ وَالْبَوْلَ وَالْغَائِطَ وَالْمَذْيَ كُلٌّ مِنْهَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِلْحَدَثِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَالرِّدَّةِ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِلْقَتْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: النِّزَاعُ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ، وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ الْأَحْكَامُ مُتَعَدِّدَةٌ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ بِالرِّدَّةِ غَيْرُ الْقَتْلِ بِالْقِصَاصِ، فَلِذَلِكَ يَنْتَفِي الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ، وَيَبْقَى الْآخَرُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَاتِلُ ارْتَدَّ بَعْدَ الْقَتْلِ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْقِصَاصِ، فَإِنَّ الْقَتْلَ بِالرِّدَّةِ انْتَفَى وَيَبْقَى الْقَتْلُ بِالْقِصَاصِ، وَبِالْعَكْسِ، أَيْ يَنْتَفِي الْقَتْلُ بِالْقِصَاصِ وَيَبْقَى الْآخَرُ فِيمَا إِذَا عَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الْقِصَاصِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ، وَالتَّعَدُّدَ فِي إِضَافَتِهِ إِلَى الْعِلَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى أَحَدِ دَلَائِلِهِ وَعَدَمُ إِضَافَتِهِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ لَا يُوجِبُ التَّعَدُّدَ فِي الشَّيْءِ.
وَلَوْ كَانَ تَعَدُّدُ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى عِلَلِهِ يُوجِبُ تَعَدُّدَهُ، لَلَزِمَ مُغَايِرَةُ حَدَثِ الْبَوْلِ لِحَدَثِ الْغَائِطِ ; لِتَعَدُّدِ إِضَافَتِهِ إِلَى عِلَلِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ، لَامْتَنَعَ تَعَدُّدُ الْأَدِلَّةِ ; لِأَنَّ
(3/54)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعِلَلَ أَيْضًا أَدِلَّةٌ لِكَوْنِهَا مَعْرِفَةً لِلْأَحْكَامِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ ; إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمَدْلُولٍ وَاحِدٍ أَدِلَّةٌ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: لَوْ جَازَ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لَكَانَتْ
(3/55)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٍ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ، وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ: أَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلَالِ الْعِلَّةِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهَا بِانْفِرَادِهَا، فَإِذَا تَعَدَّدَتِ الْعِلَلُ الْمُسْتَقِلَّةُ، ثَبَتَ الْحُكْمُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِكُلٍّ مِنْهَا; لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْجَمِيعِ، فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
أَجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلَالِهَا أَنَّهَا إِذَا انْفَرَدَتْ، اسْتَقَلَّتْ فِي الْعِلِّيَّةِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا حَالَةَ الِانْفِرَادِ مُسْتَقِلَّةً، وَحَالَةَ الِاجْتِمَاعِ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ، فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ فِي حَالَةِ التَّعَدُّدِ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا حِينَئِذٍ، وَالتَّنَاقُضُ إِنَّمَا نَشَأَ مِنَ اسْتِقْلَالِهَا حَالَةَ التَّعَدُّدِ.
وَالثَّانِي: لَوْ جَازَ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ أَوْ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَالٌ، أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ الْعِلَّتَيْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِنْ كَانَتَا مَعًا، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ مَلْزُومَةٌ لِمَعْلُولِهَا، فَيَلْزَمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِثْلُ مَا لَزِمَ مِنَ الْأُخْرَى، فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتَا عَلَى التَّرْتِيبِ، يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.
أَمَّا بَيَانُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا بَيَانُ اسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ ; فَلِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ التَّنَاقُضَ ; لِأَنَّ مَحَلَّ التَّعْلِيلِ، يَعْنِي الْحُكْمَ، يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، غَيْرَ مُسْتَغْنٍ ; لِأَنَّ حُصُولَ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الْأُخْرَى.
(3/56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْمَعِيَّةِ، وَلَا تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ بِالتَّرْتِيبِ، إِذْ لَوْ حَصَلَتِ الْعِلَّتَانِ مَعًا أَوْ تَرَتَّبَا، فَإِنْ كَانَ تَأْثِيرُ الْكُلِّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، كَانَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ لَزِمَ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ اخْتِصَاصَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ بِالتَّرْتِيبِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْعِلَّتَيْنِ إِذَا حَصَلَتَا مَعًا، كَانَ فِعْلُهُمَا أَيْضًا مَعًا، فَلَا يُتَصَوَّرُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ فِي فِعْلِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا حَصَلَ شَيْءٌ بَعْدَ حُصُولِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْمَعِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّرْتِيبُ مُسْتَلْزِمًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ أَظْهَرُ فَسَادًا مِنَ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي التَّرْتِيبِ لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، بَلْ بَيَّنَ اسْتِلْزَامَهُ لِمَا هُوَ أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَيْضًا لَمْ يَحْتَجْ فِي لُزُومِ الِاسْتِغْنَاءِ وَعَدَمِهِ إِلَى تَوَسُّطِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ، وَهُوَ حَقٌّ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْمِثْلَيْنِ أَوْ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ الْمُسْتَقِلَّتَيْنِ فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِوُجُودِ الْمَعْلُولِ، وَأَمَّا فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ دَلَائِلُ الْأَحْكَامِ فَلَا; لِأَنَّهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِمَدْلُولٍ وَاحِدٍ دَلِيلَانِ، أَوْ دَلَائِلُ.
الثَّالِثُ: لَوْ جَازَ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ أَوْ عِلَلٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ، لَمَا تَعَلَّقَتِ الْأَئِمَّةُ فِي عِلَّةِ الرِّبَا بِالتَّرْجِيحِ، يَعْنِي تَرْجِيحَ عِلَلِهَا مِنَ الطَّعْمِ وَالْقُوتِ وَالْكَيْلِ، بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ،
(3/57)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِالتَّرْجِيحِ.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ: أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ أَوْ عِلَلٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ، صِحَّةَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهَا بِالْعِلِّيَّةِ، وَالتَّرْجِيحُ يُنَافِي صِحَّةَ الِاسْتِقْلَالِ ; لِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، جَازَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ عِلَّةً، فَلَا وَجْهَ لِلتَّرْجِيحِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلطَّعْمِ وَالْقُوتِ وَالْكَيْلِ ; لِإِبْطَالِ كَوْنِ الْغَيْرِ عِلَّةً بِالتَّرْجِيحِ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلتَّرْجِيحِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلتَّرْجِيحِ ; لِامْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، بَلْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ هَاهُنَا، أَيْ فِي الرِّبَا، وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلتَّرْجِيحِ - لَزِمَ جَعْلُهَا - أَيْ جَعْلُ عِلَلِ الرِّبَا - أَجْزَاءً لِلْعِلَّةِ ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ هَاهُنَا، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً.
فَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلتَّرْجِيحِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الرَّاجِحُ لِلْعَلِيَّةِ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا جُزْءَ عِلَّةٍ ; لِأَنَّ جَعْلَ أَحَدِهِمَا عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ مُحَالٌ، وَلَا قَائِلَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهَا جُزْءَ عِلَّةٍ.
ش - قَالَ الْقَاضِي: لَا بُعْدَ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ أَنْ تَكُونَ مُتَعَدِّدَةً ; لِأَنَّهُ إِذَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، جُعِلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَامَةً لِلْحُكْمِ.
وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ فَإِنَّهَا إِذَا تَعَدَّدَتْ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا جُزْءًا لِلْعِلَّةِ; لِأَنَّ الْمُسْتَنْبِطَ إِذَا اسْتَنْبَطَ فِي الْأَصْلِ وَصْفَيْنِ، يَصْلُحُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْعِلَّةِ، فَإِنْ عُيِّنَ بِالنَّصِّ عِلِّيَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا، رَجَعَتِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً، وَالتَّقْدِيرُ بِخِلَافِهِ.
وَإِذَا لَمْ يُعَيَّنْ بِالنَّصِّ عِلِّيَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ أُسْنِدَ الْحُكْمُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَزِمَ التَّحَكُّمُ، وَإِنْ أُسْنِدَ إِلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، غَيْرَ مُسْتَغْنٍ، فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يُسْنَدَ الْحُكْمُ إِلَيْهِمَا مَعًا، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءًا لِلْعِلَّةِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي مَحَالِّ أَفْرَادِهَا، أَيْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي مَحَالِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ، فَيُسْتَنْبَطُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، فَلَا يَلْزَمُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ كُلِّ
(3/58)

فَإِنْ عُيِّنَتْ بِالنَّصِّ، رَجَعَتْ مَنْصُوصَةً.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَحَالِّ أَفْرَادِهَا، فَتُسْتَنْبَطُ.
ص - الْعَاكِسُ: الْمَنْصُوصَةُ قَطْعِيَّةٌ، وَالْمُسْتَنْبَطَةُ وَهْمِيَّةٌ، فَقَدْ يَتَسَاوَى الْإِمْكَانُ، وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ.
ص - وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنَّهُ النِّهَايَةُ الْقُصْوَى وَفَلَقُ الصُّبْحِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا شَرْعًا، لَوَقَعَ عَادَةً، وَلَوْ نَادِرًا ; لِأَنَّ إِمْكَانَهُ وَاضِحٌ، وَلَوْ وَقَعَ، لَعُلِمَ، ثُمَّ ادَّعَى تَعَدُّدَ الْأَحْكَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
ص - الْقَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فَالْمُخْتَارُ: كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ.
وَقِيلَ: جُزْءٌ، وَقِيلَ: الْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ لَا بِعَيْنِهَا.
لَنَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً، لَكَانَتْ جُزْءًا، أَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِثُبُوتِ الِاسْتِقْلَالِ، وَالثَّانِي لِلتَّحَكُّمِ.
وَأَيْضًا: لَامْتَنَعَ اجْتِمَاعُ الْأَدِلَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/59)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحِدٍ مِنْهَا وَعَدَمُ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَلَا يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: " الْمُسْتَنْبَطَةِ إِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً، يَلْزَمُ الْجُزْئِيَّةَ " أَنَّهُ يَلْزَمُ الْجُزْئِيَّةَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، أَوْ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ ; إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً عِنْدَ الِانْفِرَادِ، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَيْضًا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، لِأَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَدِلَّةٌ، وَيَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ.
ش - الْعَاكِسُ - أَيِ الْقَائِلُ بِجَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الْمَنْصُوصَةِ - احْتَجَّ بِأَنَّ الْمَنْصُوصَةَ قَطْعِيَّةٌ، فَلَوْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، لَزِمَ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ، أَوْ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَنْبَطَةُ فِعِلِّيَّتُهَا وَهْمِيَّةٌ، أَيْ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ، فَقَدْ يَتَسَاوَى
(3/60)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْإِمْكَانُ، أَيْ إِمْكَانُ التَّعْلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَلَا يُمْكِنُ أَلَّا يُجْعَلَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا عِلَّةً، لِبَقَاءِ الْحُكْمِ بِلَا عِلَّةٍ، وَلَا أَنْ يُجْعَلَ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ لِلتَّسَاوِي، وَلَا أَنْ يُجْعَلَ الْمَجْمُوعُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً ; لِثُبُوتِ الِاسْتِقْلَالِ فِي مَحَالِّ أَفْرَادِهَا، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً.
وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَنْصُوصَةَ قَطْعِيَّةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا قَطْعِيَّةٌ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اجْتِمَاعَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ مُحَالٌ ; لِأَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ دَلَائِلُ، وَيَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ.
ش - قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِمْكَانُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ عَقْلًا وَامْتِنَاعُهُ شَرْعًا هُوَ النِّهَايَةُ الْقُصْوَى وَفَلَقُ الصُّبْحِ فِي الْوُضُوحِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَنِعْ شَرْعًا، لَوَقَعَ عَادَةً، وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ ; لِأَنَّ إِمْكَانَهُ عَقْلًا وَاضِحٌ، وَلَوْ وَقَعَ، لَعُلِمَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ،
(3/61)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَلَمْ يَقَعْ، فَيَكُونُ مُمْتَنِعًا ضَرْعًا.
ثُمَّ ادَّعَى الْإِمَامُ تَعَدُّدَ الْأَحْكَامِ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُقُوعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ، لَا الشَّرْعِيُّ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ، وَالتَّعَدُّدُ فِي الْإِضَافَةِ، لَا فِي الْأَحْكَامِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْجَوَابُ مَعْلُومًا، لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ.
ش - الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَلٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ، اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعِلَلُ الْمُسْتَقِلَّةُ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ، كَاجْتِمَاعِ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ وَالْمَذْيِ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ، وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ جُزْءُ عِلَّةٍ، وَقِيلَ: الْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ لَا بِعَيْنِهَا. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ لَوْ لَمْ تَكُنْ عِلَّةً، لَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ جُزْءَ عِلَّةٍ، أَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ التَّالِيَيْنِ بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ ; إِذْ لَا قَائِلَ بِغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي الْأَوَّلَ ; فَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جُزْءًا، لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِلَّةً، وَقَدْ ثَبَتَ الِاسْتِقْلَالُ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي الثَّانِيَ فَلِلُزُومِ التَّحَكُّمِ ; إِذْ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةً.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: ثُبُوتُ الِاسْتِقْلَالِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، لَا حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ، فَلَا يَلْزَمُ بُطْلَانُ التَّالِي الْأَوَّلَ.
(3/62)

ص - الْقَائِلُ بِالْجُزْءِ: لَوْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةً، لَاجْتَمَعَ الْمِثْلَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا: لَزِمَ التَّحَكُّمُ ; لِأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ بِالْجَمِيعِ، فَهُوَ الْمُدَّعَى، وَإِلَّا لَزِمَ التَّحَكُّمُ.
وَأُجِيبَ: ثَبَتَ بِالْجَمِيعِ، كَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ.
ص - الْقَائِلُ لَا بِعَيْنِهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لَزِمَ التَّحَكُّمُ أَوِ الْجُزْئِيَّةُ، فَتَتَعَيَّنُ.
ص - وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ تَعْلِيلِ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/63)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عِلَّةً عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، امْتَنَعَ اجْتِمَاعُ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَدِلَّةٌ لِلْحُكْمِ.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا جُزْءُ الْعِلَّةِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، لَزِمَ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ وَانْتِفَاءِ التَّالِي.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ فِي الدَّلِيلِ الثَّانِي لِلْمَانِعِينَ مِنْ جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، وَلَا يَحْصُلُ مُدَّعَى الْقَائِلِ بِالْجُزْءِ إِلَّا بَعْدَ
(3/64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
انْضِمَامِ أَمْرٍ آخَرَ إِلَى هَذَا الدَّلِيلِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عِلَّةً، لَزِمَ التَّحَكُّمُ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، لَزِمَ التَّحَكُّمُ، وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْحُكْمَ إِنْ ثَبَتَ بِالْجَمِيعِ، فَيَكُونُ الْعِلَّةُ الْجَمِيعَ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا جُزْؤُهُ، وَهُوَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِالْجَمِيعِ، لَزِمَ التَّحَكُّمُ لِثُبُوتِهِ بِوَاحِدَةٍ حِينَئِذٍ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْجَمِيعِ بِمَعْنَى كُلِّ وَاحِدَةٍ، كَالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَدْلُولَ يَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَلَا يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهَا، احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً لَا بِعَيْنِهَا، لَزِمَ التَّحَكُّمُ أَوِ الْجُزْئِيَّةُ. وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ ظَاهِرٌ مِمَّا سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِجَوَابِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ.
[تعليل حكمين بعلة]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ.
وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمَيْنِ بِأَمَارَةٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ لَا امْتِنَاعَ فِي نَصْبِ أَمَارَةٍ وَاحِدَةٍ لِحُكْمَيْنِ، كَغُرُوبِ الشَّمْسِ لِجَوَازِ الْإِفْطَارِ، وَوُجُوبِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَاعِثِ وَالْأَمَارَةِ أَنَّ الْبَاعِثَ وَصْفٌ ضَابِطٌ لِحِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، وَالْأَمَارَةُ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ تَكُونُ مُعَرِّفَةً لِلْحُكْمِ.
وَاحْتُجَّ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي مُنَاسَبَةِ وَصْفِ وَاحِدٍ لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَالْإِسْكَارِ الْمُنَاسِبِ لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ.
ش - الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، قَالُوا: لَوْ جَازَ تَعْلِيلُ الْحُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ،
(3/65)

وَأَمَّا الْأَمَارَةُ فَاتِّفَاقٌ.
لَنَا: لَا بُعْدَ فِي مُنَاسَبَةِ وَصْفِ وَاحِدٍ لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
ص - قَالُوا: يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حَصَّلَهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِمَّا يَحْصُلُ أُخْرَى، أَوْ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِهِمَا.
ص - وَمِنْهَا أَنْ لَا تَتَأَخَّرَ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ.
لَنَا: لَوْ تَأَخَّرَتْ، لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِغَيْرِ بَاعِثٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ أَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ حَصَلَ الْحِكْمَةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الْعِلَّةُ، فَالْحُكْمُ الثَّانِي إِنْ لَمْ يُحَصِّلْهَا، لَزِمَ أَنْ لَا تَكُونَ الْعِلَّةُ عِلَّةً لَهُ، وَإِنْ حَصَّلَهَا، يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّانِيَ إِمَّا يَحْصُلُ حِكْمَةٌ أُخْرَى، أَوْ لَا تَحْصُلُ الْحِكْمَةُ إِلَّا بِالْحُكْمَيْنِ، وَالَّتِي تَحْصُلُ مِنَ الْوَاحِدِ هِيَ جُزْءُ الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْغَرَضَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنْ غَرَضَيْنِ، فَيَحْصُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَمْرٍ، وَالْمَجْمُوعُ يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُكُمُ الْحُكْمُ الثَّانِي يَحْصُلُ حِكْمَةٌ أُخْرَى يُنَافِي أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ ; فَإِنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّ الْبَاعِثَ وَاحِدٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وَحْدَةِ الْبَاعِثِ وَحْدَةُ الْحِكْمَةِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ مُتَعَدِّدَةً، وَلَا يَكُونُ الْوَصْفُ إِلَّا ضَابِطًا لِإِحْدَاهُمَا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْبَاعِثُ وَاحِدًا مَعَ تَعَدُّدِ الْحِكْمَةِ.
ش - وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَلَّا يَتَأَخَّرَ وُجُودُهَا عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ وَجُودُهَا عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِغَيْرِ بَاعِثٍ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْحُكْمِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْبَاعِثِ مُحَالٌ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْأَمَارَةَ لَا الْبَاعِثَةَ، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ تَأَخُّرُهَا عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ كَوْنُ الْعِلَّةِ أَمَارَةً، يَلْزَمُ تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ بِتَقْدِيرِ تَأَخُّرِهِ ; لِأَنَّ الْأَمَارَةَ لَا فَائِدَةَ لَهَا إِلَّا تَعْرِيفَ الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ عُرِّفَ بِالنَّصِّ، فَيَكُونُ تَعْرِيفُهُ بِالْأَمَارَةِ تَعْرِيفَ الْمُعَرَّفِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَائِدَةُ الْأَمَارَةِ تَعْرِيفَ حُكْمِ الْفَرْعِ، فَلَا يَكُونُ تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَمَارَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِمَا سَبَقَ.
مِثَالٌ: تَأَخُّرُ الْعِلَّةِ عَنِ الْحُكْمِ تَعْلِيلُ وِلَايَةِ الْأَبِّ عَلَى الصَّغِيرِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ الْجُنُونُ بِالْجُنُونِ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ عُرُوضِ الْجُنُونِ ثَبَتَ الْوِلَايَةُ، فَتَأَخَّرَ الْجُنُونُ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ عَنِ الْوِلَايَةِ الَّتِي هِيَ
(3/67)

وَإِنْ قُدِّرَتْ أَمَارَةٌ، فَتَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ.
ص - وَمِنْهَا: وَأَنْ لَا تَرْجِعَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْإِبْطَالِ.
ص - وَأَنْ لَا تَكُونَ الْمُسْتَنْبَطَةُ بِمُعَارِضٍ فِي الْأَصْلِ، وَقِيلَ: وَلَا فِي الْفَرْعِ، وَقِيلَ: مَعَ تَرْجِيحِ الْمُعَارِضِ، وَأَنْ لَا تُخَالِفَ نَصًّا وَلَا إِجْمَاعًا، وَأَنْ لَا تَتَضَمَّنَ الْمُسْتَنْبَطَةُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْحُكْمُ.
ش - وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ لَا تَكُونَ مُبْطِلَةً لِحُكْمِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّهَا إِذَا أَبْطَلَتْ حُكْمَ الْأَصْلِ، يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ الْعِلَّةِ ; لِأَنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ.
مِثَالُهُ: تَعْلِيلُ وُجُوبِ الشَّاةِ عَلَى التَّعْيِينِ فِي الزَّكَاةِ بِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ يَقْتَضِي بُطْلَانَ حُكْمِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ دَفْعَ حَاجَةِ الْفَقِيرِ كَمَا يُمْكِنُ بِوُجُوبِ الشَّاةِ، كَذَلِكَ يُمْكِنُ بِوُجُوبِ قِيمَتِهَا، فَلَوْ عُلِّلَ الْوُجُوبُ بِدَفْعِ الْحَاجَةِ، يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ وُجُوبِ الشَّاةِ عَلَى التَّعْيِينِ.
ش - وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ لَا تَكُونَ الْمُسْتَنْبَطَةُ مُعَارَضَةً بِوَصْفٍ آخَرَ، صَالِحٍ لِلْعِلِّيَّةِ، يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُعَارِضُ هُوَ الْعِلَّةُ، أَوِ الْعِلَّةُ مَجْمُوعُهَا، وَلَا يَلْزَمُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَذْهَبُهُ جَوَازُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ. فَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْمُعَارِضِ فِي الْفَرْعِ، عَدَمُ الْحُكْمِ فِيهِ ; لِوُجُودِ عِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي الْفَرْعِ.
أُجِيبَ: جَوَازُ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلَا الظَّنُّ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ هُوَ الْمَجْمُوعُ أَوِ الْمُعَارِضُ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ فَقَطْ.
وَقِيلَ: مِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَصْفٌ مُعَارِضٌ، لَا فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي الْفَرْعِ، أَمَّا فِي الْأَصْلِ فَلِمَا ذَكَرَهُ، وَأَمَّا فِي الْفَرْعِ ; فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ عِلَّةِ الْأَصْلِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، وَمَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ فِي الْفَرْعِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ.
(3/69)

وَقِيلَ: إِنْ نَافَتْ مُقْتَضَاهُ، وَأَنْ يَكُونَ دَلِيلُهَا شَرْعِيًّا.
ص - وَأَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُهَا مُتَنَاوِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ بِعُمُومِهِ أَوْ بِخُصُوصِهِ، مِثْلَ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» ، أَوْ " مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/70)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْحَقُّ أَنَّ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ فِي الْفَرْعِ، إِنَّمَا يَكُونُ شَرْطًا لِعِلَّةِ الْأَصْلِ، أَنْ لَوْ كَانَ الْمُعَارِضُ مُوجِبًا لِإِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِأَصْلٍ آخَرَ، وَلَا تَرْجِيحَ لِعِلَّةِ الْأَصْلِ.
وَقِيلَ: انْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا يَكُونُ شَرْطًا إِذَا كَانَ الْمُعَارِضُ رَاجِحًا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، إِذِ الْمُعَارِضُ الْمُسَاوِي يَمْنَعُ الْعِلَّةَ أَيْضًا.
وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ لَا تُخَالِفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا ; لِأَنَّ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ أَوْلَى مِنَ الْقِيَاسِ.
وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ لَا تَتَضَمَّنَ الْمُسْتَنْبَطَةُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، أَيْ إِذَا دَلَّ النَّصُّ عَلَى عِلِّيَّةِ وَصْفٍ، وَالِاسْتِنْبَاطُ زَادَ قَيْدًا عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ، لَمْ يَجُزِ التَّعْلِيلُ بِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَتَضَمَّنَ الْمُسْتَنْبَطَةُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، إِنْ نَافَتِ الزِّيَادَةُ مُقْتَضَى النَّصِّ ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إِذَا كَانَتْ وَصْفًا مُسَاوِيًا لِلْمَنْصُوصَةِ، لَا تَكُونُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مُخَالِفَةً لِلْمَنْصُوصَةِ، فَلَا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ.
وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهَا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّ دَلِيلَهَا لَوْ كَانَ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقِيَاسُ شَرْعِيًّا.
ش - وَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ عِلِّيَّتِهَا مُتَنَاوِلًا حُكْمَ الْفَرْعِ، إِمَّا بِطْرِيقِ الْعُمُومِ بِأَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ، أَوْ لِغَيْرِهِ.
كَمَا إِذَا قِيلَ: الْفَوَاكِهُ مَطْعُومَةٌ فَيَجْرِي فِيهِ الرِّبَا قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، ثُمَّ يَثْبُتُ عِلِّيَّةُ الطَّعْمِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، فَإِنَّهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الطَّعْمِ بِالْإِيمَاءِ، يَدُلُّ عَلَى حُكْمِ الْفَوَاكِهِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ ; لِتَنَاوُلِهِ حُكْمَ غَيْرِ الْفَوَاكِهِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ الْخُصُوصِ بِأَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِصُورَةِ الْفَرْعِ فَقَطْ.
كَمَا إِذَا قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: خَارِجُ نَجَسٍ، فَيَنْتَقِضُ بِهِ الْوُضُوءُ قِيَاسًا عَلَى الْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ عِلِّيَّةَ الْخَارِجِ مِنَ النَّجَسِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ، فَلْيَتَوَضَّأْ» . فَإِنَّهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْخَارِجِ النَّجِسِ، يَدُلُّ عَلَى
(3/71)

لَنَا: تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَرُجُوعٌ.
قَالُوا: مُنَاقَشَةٌ جَدَلِيَّةٌ.
ص - وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ كَوْنِهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا إِنْ كَانَ بَاعِثًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ، لَا لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ كَالنَّجَاسَةِ فِي عِلَّةِ بُطْلَانِ الْبَيْعِ.
ص - وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ وَوُقُوعِهِ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ.
لَنَا: أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْوَاحِدُ يَثْبُتُ بِهِ الْمُتَعَدِّدُ مِنْ نَصٍّ، أَوْ مُنَاسَبَةٍ، أَوْ شَبَهٍ، أَوْ سَبْرٍ، أَوِ اسْتِنْبَاطٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/72)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
حُكْمِ الْفَرْعِ بِخُصُوصِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ. وَاحْتُجَّ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَلِيلُ الْعِلَّةِ مُتَنَاوِلًا حُكْمَ الْفَرْعِ، لَكَانَ الْقِيَاسُ تَطْوِيلًا بِلَا فَائِدَةٍ; لِأَنَّ إِثْبَاتَ حُكْمِ الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِالدَّلِيلِ الْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ، وَالدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ يَدُلُّ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطٍ، وَالْقِيَاسُ يَدُلُّ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ بِتَوَسُّطٍ، فَالْإِثْبَاتُ بِالْقِيَاسِ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَمَعَ هَذَا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ عَنِ الْقِيَاسِ; لِأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ يَثْبُتُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ، لَا بِالْعِلَّةِ، فَيَكُونُ رُجُوعًا عَنِ الْقِيَاسِ.
الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ قَالُوا: مَنْعُ الْقِيَاسِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مُنَاقَشَةٌ جَدَلِيَّةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْقِيَاسِ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الْفَرْعِ مُغَايِرٌ دَلَالَةَ ذَلِكَ الدَّلِيلِ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهَا دَلَالَةُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَمَنْعُ الْقِيَاسِ لِتَوَقُّفِ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ مُنَاقَشَةٌ جَدَلِيَّةٌ.
[تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ كَوْنِ الْعِلَّةِ حُكْمًا شَرْعِيًّا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
(3/73)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ قَدْ يَدُورُ مَعَ حُكْمٍ آخَرَ وَجُودًا وَعَدَمًا، وَالدَّوَرَانُ آيَةُ كَوْنِ الْمُدَارِ عِلَّةً لِلدَّائِرِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ الْمُعَلَّلَ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً لَهُ، أَوْ مُتَأَخِّرًا، أَوْ مَعَهُ. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِاسْتِحَالَةِ تَقَدُّمِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَكَذَا الثَّانِي ; لِاسْتِحَالَةِ تَخَلُّفِ الْمَعْلُولِ عَنِ الْعِلَّةِ.
وَكَذَا الثَّالِثُ، إِذْ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِتَعْلِيلِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
أُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ لِمَا سَنَذْكُرُهُ، وَعَنِ الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِجَعْلِ أَحَدِهِمَا عِلَّةً ; لِأَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا لِلْآخَرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَحِيئَنِذٍ يَكُونُ الْمُنَاسِبُ أَوْلَى بِالْعِلِّيَّةِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ الْمَجْعُولَ عِلَّةً، إِنْ كَانَ بَاعِثًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ
(3/74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ، جَازَ التَّعْلِيلُ بِهِ، إِذْ لَا اسْتِبْعَادَ فِي أَنْ يَكُونَ تَرَتُّبُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مُسْتَلْزِمًا حُصُولَ مَصْلَحَةٍ، لَا يَسْتَقِلُّ بِهَا أَحَدُهُمَا، وَذَلِكَ كَالنَّجَاسَةِ فِي عِلَّةِ بُطْلَانِ بِيعِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ حُرْمَةُ الْبَيْعِ عَلَى النَّجَاسَةِ الَّتِي هِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَيَحْصُلُ التَّنَزُّهُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاعِثًا - أَوْ كَانَ، لَكِنْ لَا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ، بَلْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ لَازِمَةٍ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ - لَمْ يَجُزْ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَاعِثًا، فَلِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِهِمَا بِالتَّعْلِيلِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بَاعِثًا لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ ; فَلِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ لَوْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمَفْسَدَةِ، لَمَا شَرَعَهُ الشَّارِعُ.
[تعداد الوصف ووقوعه]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ أَوْصَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى مَذْهَبَيْنِ، وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ وَوُقُوعِهِ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِلْقِصَاصِ.
وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ كَوْنُ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ عِلَّةً، ثَبَتَ بِهِ كَوْنُ الْوَصْفِ الْمُرَكَّبِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُتَعَدِّدَةِ عِلَّةً، فَكَمَا صَحَّ فِي الْوَاحِدِ، صَحَّ فِي الْمُرَكَّبِ.
قَوْلُهُ: " مِنْ نَصٍّ أَوْ مُنَاسَبَةٍ أَوْ شَبَهٍ أَوْ سَبْرٍ أَوِ اسْتِنْبَاطٍ " بَيَانٌ لِلْوُجُوهِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْعِلَّةُ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ كَوْنِ الْعِلَّةِ مُرَكَّبَةً احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ صَحَّ تَرَكُّبُ الْعِلَّةِ مَعَ أَوْصَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لَكَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى مَجْمُوعِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ; فَلِأَنَّا نَعْقِلُ مَجْمُوعَ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، وَنَجْهَلُ كَوْنَهَا عِلَّةً، وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ، وَغَيْرُ جُزْئِهِ، فَتَكُونُ
(3/75)

ص - قَالُوا: لَوْ صَحَّ تَرَكُّبُهَا، لَكَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً زَائِدَةً ; لِأَنَّا نَعْقِلُ الْمَجْمُوعَ وَنَجْهَلُ كَوْنَهَا عِلَّةً، وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ، وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا إِنْ قَامَتْ بِكُلِّ جُزْءٍ، فَكُلُّ جُزْءٍ عِلَّةٌ، وَإِنْ قَامَتْ بِجُزْءٍ، فَهُوَ الْعِلَّةُ.
وَأُجِيبَ بِجَرَيَانِهِ فِي الْمُتَعَدِّدِ بِأَنَّهُ خَبَرٌ أَوِ اسْتِخْبَارٌ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَعْنَى الْعِلَّةِ: مَا قَضَى الشَّارِعُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ لِلْحِكْمَةِ، لَا أَنَّهَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/76)

وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَيْسَتْ وُجُودِيَّةً ; لِاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْمَعْنَى بِالْمَعْنِيِّ.
قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ كُلِّ جُزْءٍ عِلَّةً لِعَدَمِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ; لِانْتِفَائِهَا بِعَدَمِهِ، وَيَلْزَمُ نَقْضُهَا بِعَدَمٍ ثَانٍ بَعْدَ أَوَّلَ ; لِاسْتِحَالَةِ تَجَدُّدِ عَدَمِ الْعَدَمِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْجُزْءِ عَدَمُ شَرْطِ الْعِلِّيَّةِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَهُوَ كَالْبَوْلِ بَعْدَ اللَّمْسِ وَعَكْسِهِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهَا عَلَامَاتٌ، فَلَا بُعْدَ فِي اجْتِمَاعِهَا ضَرْبَةً وَمُتَرَتِّبَةً، فَيَجِبُ ذَلِكَ.
ص - وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِالْأَصْلِ، وَلَا انْتِفَاءُ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِ صَحَابِيٍّ، وَلَا الْقَطْعُ بِهَا فِي الْفَرْعِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِي الثَّلَاثَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعِلَّةُ زَائِدَةً. وَأَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ ; فَلِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ إِنْ قَامَتْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً، وَإِنْ قَامَتْ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ الْعِلَّةُ، وَقَدْ فُرِضَ بِخِلَافِهَا.
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلِّيَّةُ قَائِمَةً بِالْمَجْمُوعِ، مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمْ.
أُجِيبَ بِأَنَّهَا إِنْ قَامَتْ بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، فَلَا بُدَّ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ وَحْدَةٍ بِهَا يَكُونُ الْمَجْمُوعُ مَجْمُوعًا، وَيُنْقَلُ الْكَلَامُ مِنَ الْعِلِّيَّةِ إِلَى تِلْكَ الْوَحْدَةِ، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ الْوَحْدَةَ مِنَ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ، وَالتَّسَلْسُلُ فِي الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ لَا يَكُونُ مُحَالًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِالنَّقْضِ الْإِجْمَالِيِّ، فَإِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ بِعَيْنِهِ يَجْرِي فِي كَوْنِ الْكَلَامِ خَبَرًا وَاسْتِخْبَارًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَكَوْنُهُ خَبَرًا وَاسْتِخْبَارًا صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَامَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ
(3/78)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ خَبَرًا، وَإِنْ قَامَ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَبَرَ.
ثُمَّ بَيَّنَ التَّحْقِيقَ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْعِلِّيَّةِ: قَضَاءُ الشَّارِعِ بِالْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ لِلْحِكْمَةِ، لَا أَنَّ الْعِلِّيَّةَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ، إِذْ قَضَاءُ الشَّارِعِ بِالْحُكْمِ عِنْدَ الْوَصْفِ لَيْسَ صِفَةً لِلْوَصْفِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ صِفَةً زَائِدَةً.
وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً زَائِدَةً، لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْعِلَّةَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ، فَلَيْسَتْ وُجُودِيَّةً، وَإِلَّا يَلْزَمُ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى، أَيْ قِيَامُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ ; لِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ عَرْضٌ، وَمَجْمُوعُ الْأَوْصَافِ أَيْضًا عَرْضٌ، فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْأَوْصَافِ عِلَّةً، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ كُلٍّ مِنْهُ عِلَّةً ; لِعَدَمِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِانْتِفَاءِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ بِانْتِفَاءِ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الْمُرَكَّبِ ; لِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْمُرَكَّبِ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الذَّاتِ، وَالْمُرَكَّبَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ.
(3/79)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي ; فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ نَقْضُ عِلِّيَّةِ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍ لِعَدَمِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ، أَيْ يَلْزَمُ تَحَقُّقُ عَدَمِ الْجُزْءِ بِدُونِ عَدَمِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ عُدِمَ جُزْءٌ ثَانٍ بَعْدِ انْعِدَامِ جُزْءٍ أَوَّلٍ، يَلْزَمُ عَدَمُ الْعِلِّيَّةِ بِانْعِدَامِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَنْعَدِمُ الْعِلَّةُ بِعَدَمِ الْجُزْءِ الثَّانِي ; لِاسْتِحَالَةِ تَجَدُّدِ عَدَمِ الْمَعْدُومِ ; لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُعْدَمُ.
أَجَابَ بِأَنَّ عَدَمَ الْجُزْءِ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ ; لِأَنَّ وُجُودَ كُلِّ جُزْءٍ شَرْطٌ لِلْعَلِيَّةِ، وَعَدَمُ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِعَدَمِ الْمَشْرُوطِ، فَلَا يَكُونُ عَدَمُ الْجُزْءِ مُوجِبًا لِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ، فَلَا يَلْزَمُ النَّقْضُ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ عَدَمَ كُلِّ جُزْءٍ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ، فَهُوَ كَوُقُوعِ الْبَوْلِ بَعْدَ اللَّمْسِ، وَبِالْعَكْسِ، أَيْ وُقُوعُ اللَّمْسِ بَعْدَ الْبَوْلِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةً لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ.
وَوَجْهُهُ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَامَاتٌ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا بُعْدَ فِي اجْتِمَاعِ الْعَلَامَاتِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّرْتِيبِ، فَلَا يَلْزَمُ النَّقْضُ.
قَوْلُهُ: فَيَجِبُ ذَلِكَ، أَيْ حَتَّى يَجِبَ النَّقْضُ.
ش - لَا يُشْتَرَطُ فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ كَوْنُ حُكْمِ الْأَصْلِ مَقْطُوعًا ; لِجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ ; لِأَنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ مُخَالَفَةُ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ مُسْتَنِدًا إِلَى عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ، فَلَا يَدْفَعُ ظَنُّ الْعِلِّيَّةِ فِيمَا جُعِلَ عِلَّةَ الْأَصْلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ الْقَطْعُ بِوُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ ; لِأَنَّهُ يَكْفِي الظَّنُّ.
وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ نَفْيُ مُعَارِضِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
(3/80)

وَلَا نَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَإِذَا كَانَتْ وُجُودَ مَانِعٍ أَوِ انْتِفَاءَ شَرْطٍ، لَمْ يَلْزَمْ وُجُودُ الْمُقْتَضِي.
لَنَا: إِنَّهُ إِذَا انْتَفَى الْحُكْمُ مَعَ الْمُقْتَضَى، كَانَ مَعَ عَدَمِهِ أَجْدَرَ.
قَالُوا: إِنْ لَمْ يَكُنْ، فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَائِهِ.
قُلْنَا: أَدِلَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الشَّافِعِيَّةُ: حُكْمُ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا الْبَاعِثَةُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ: بِالنَّصِّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّصَّ عُرْفُ الْمَعْنَى، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/81)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قِيلَ: هَذَا عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ نَفْيَ الْمُعَارِضِ شَرْطٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ ثَمَّةَ شَرْطٌ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ نَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ فَقَطْ. وَهَاهُنَا لَمْ يُشْتَرَطْ نَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَعًا فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ مُطْلَقًا، فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ وُجُودِ مَانِعٍ، كَعَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْأَبِّ لِوُجُودِ الْمَانِعِ، أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ، كَعَدَمِ وُجُوبِ الرَّجْمِ ; لِعَدَمِ الْإِحْصَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ وُجُوبِ الرَّجْمِ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ وُجُودُ الْمُقْتَضِي، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا انْتَفَى مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِوُجُودِ مَانِعٍ أَوِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ، كَانَ انْتِفَاؤُهُ مَعَ عَدَمِ الْمُقْتَضِي لِأَحَدِهِمَا أَجْدَرَ.
الْقَائِلُونَ بِلُزُومِ وُجُودِ الْمُقْتَضِي قَالُوا: إِنْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ الْمُقْتَضِي، فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي، لَا لِوُجُودِ الْمَانِعِ أَوِ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ.
أَجَابَ بِأَنَّ عَدَمَ الْمُقْتَضِي، وَوُجُودَ الْمَانِعِ، وَانْتِفَاءَ الشَّرْطِ أَدِلَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ لِمَدْلُولٍ وَاحِدٍ أَدِلَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
[هل الحكم ثابت بالعلة أو بالنص]
ش - ذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْبَاعِثَةُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ النَّصَّ مُعَرِّفٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمَا فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ كَوْنَ الْعِلَّةِ بَاعِثَةً عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ لَا يُنَافِي كَوْنَ النَّصِّ مُعَرِّفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ.
[من أركان القياس الفرع]
[شُرُوطُ الْفَرْعِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، شَرَعَ فِي شُرُوطِ الْفَرْعِ.
(3/82)

ص - شُرُوطُ الْفَرْعِ:
مِنْهَا: أَنْ يُسَاوِيَ فِي الْعِلَّةِ عِلَّةَ الْأَصْلِ فِيمَا يَقْصِدُ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ جِنْسٍ كَالشِّدَّةِ فِي النَّبِيذِ، وَكَالْجِنَايَةِ فِي قِصَاصِ الْأَطْرَافِ عَلَى النَّفْسِ.
ص - وَأَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِنْسٍ، كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ، وَكَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ فِي الصَّغِيرَةِ عَلَى الْمَوْلَى عَلَيْهَا فِي الْمَالِ.
ص - وَأَنْ لَا يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا مُتَقَدِّمًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، كَقِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي النِّيَّةِ ; لِمَا يَلْزَمُ مِنْ حُكْمِ الْفَرْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ ; لِتَأَخُّرِ الْأَصْلِ.
نَعَمْ، يَكُونُ إِلْزَامًا.
وَقِيلَ: وَأَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ فِي الْجُمْلَةِ، لَا التَّفْصِيلُ. وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ قَاسُوا (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/83)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنْهَا: أَنْ يُسَاوِيَ الْفَرْعُ فِي الْعِلَّةِ عِلَّةَ الْأَصْلِ، أَيْ يَكُونُ عِلَّةُ حُكْمِ الْفَرْعِ مُتَسَاوِيَةً لِعِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ فِي الْعِلَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَصْفُ الْمَقْصُودُ عَيْنَ الْعِلَّةِ، كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، فَإِنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ الَّتِي هِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ مُتَسَاوِيَةٌ لِعِلَّةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الَّتِي هِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَعَيْنُ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ مَقْصُودَةٌ.
أَوْ جِنْسَهَا، كَالْجِنَايَةِ فِي قِيَاسِ قِصَاصِ الْأَطْرَافِ عَلَى قِصَاصِ النَّفْسِ، فَإِنَّ عِلَّةَ قِصَاصِ الْأَطْرَافِ مُسَاوِيَةٌ لِعِلَّةِ قِصَاصِ النَّفْسِ فِي الْجِنَايَةِ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ، وَالْجِنَايَةُ جِنْسُ عِلَّةِ قِصَاصِ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ عِلَّةَ الْفَرْعِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسَاوِيَةً لِعِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْمَقْصُودِ، لَمْ يَتَحَقَّقْ مَا هُوَ الْعِلَّةُ فِي الْفَرْعِ، فَلَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ.
ش - وَمِنْ شَرَائِطِ الْفَرْعِ أَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ كَوْنُهُ وَسِيلَةً لِلْحِكْمَةِ مِنْ عَيْنِ الْحُكْمِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِ.
(3/84)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَوَّلُ: كَقِيَاسِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْمُحَدَّدِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْمُثْقَلِ بِعَيْنِهِ يُسَاوِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْمُحَدَّدِ.
وَالثَّانِي: كَقِيَاسِ الْوِلَايَةِ فِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْوِلَايَةِ فِي مَالِهَا، فَإِنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ مُسَاوِيَةٌ لِوِلَايَةِ الْمَالِ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ.
ش - وَمِنْ شَرَائِطِ الْفَرْعِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَكَانَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ، لَا بِالْقِيَاسِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُقَدَّمًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، كَقِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي النِّيَّةِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ مُتَقَدَّمٌ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّمْ حُكْمُ الْفَرْعِ عَلَى حُكْمِ
(3/85)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَصْلِ، يَلْزَمُ ثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ عِلَّتِهِ ; لِأَنَّ عِلَّتَهُ لِكَوْنِهَا مُسْتَنْبَطَةً مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حُكْمِ الْفَرْعِ، فَيَلْزَمُ تَأَخُّرُ عِلَّةِ الْفَرْعِ عَنْ حُكْمِهِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
نَعَمْ، يَصِحُّ أَنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ إِلْزَامًا لِلْخَصْمِ.
قِيلَ: وَمِنَ الشَّرَائِطِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتًا بِالنَّصِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، لَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ قَاسُوا (أَنْتِ حَرَامٌ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ) ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْفَرْعُ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا.
[مَسَالِكُ الْعِلَّةِ]
[المسلك الأول والثاني الإجماع والنص]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ وَشَرَائِطِهَا، شَرَعَ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ.
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِ
(3/86)

مَسَالِكُ الْعِلَّةِ
ص - مَسَالِكُ الْعِلَّةِ، الْإِجْمَاعُ، النَّصُّ.
الْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ.
الثَّانِي: النَّصُّ، وَهُوَ مَرَاتِبُ:
صَرِيحٌ، مِثْلُ: لِعِلَّةِ كَذَا، أَوْ لِسَبَبِ، أَوْ لِأَجَلِ، أَوْ مِنْ أَجْلِ، أَوْ كَيْ، أَوْ إِذًا.
وَمِثْلُ: لِكَذَا، أَوْ إِنْ كَانَ كَذَا، أَوْ بِكَذَا.
أَوْ مِثْلُ: فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ، فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا.
وَمِثْلُ قَوْلِ الرَّاوِي: سَهَا فَسَجَدَ، وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ، سَوَاءٌ الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ لَمْ يَقُلْهُ.
ص - وَتَنْبِيهٌ وَإِيمَاءٌ، وَهُوَ الِاقْتِرَانُ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، أَوْ نَظِيرُهُ لِلتَّعْلِيلِ، كَانَ بَعِيدًا، مِثْلُ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً.
كَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ.
فَإِنْ حَذَفَ بَعْضَ الْأَوْصَافِ، فَتَنْقِيحٌ.
ص - وَمِثْلُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا إِذًا.»
وَمِثَالُ النَّظِيرِ: لَمَّا سَأَلَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ: «إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُهُ إِنْ حَجَجْتُ عَنْهُ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ.»
فَنَظِيرُهُ فِي الْمَسْئُولِ كَذَلِكَ.
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْعِلَّةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ، ثُمَّ مَجَجْتَهُ، أَكَانَ ذَلِكَ مُفْسِدًا؟ فَقَالَ: لَا» . مِنْ ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/87)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ - سَوَاءٌ كَانَ الْإِجْمَاعُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا - يُثْبِتُ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى كَوْنِ الصِّغَرِ عِلَّةً لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ فِي قِيَاسِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ عَلَى وِلَايَةِ الْمَالِ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: النَّصُّ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ:
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: الصَّرِيحُ، وَهُوَ مَا يَدُلُّ بِالْوَضْعِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، أَوْ يَحْتَمِلَ غَيْرَهَا احْتِمَالًا مَرْجُوحًا.
وَالْأُولَى: وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، أَنْ يَذْكُرَ الْعِلَّةَ بِلَفْظٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْعِلِّيَّةِ، مِثْلُ: " لِعِلَّةِ كَذَا "، " أَوْ لِسَبَبِ كَذَا "، " أَوْ لِأَجْلِ كَذَا "، مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ الْبَصَرِ» .
(3/88)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوْ " مِنْ أَجْلِ كَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 32] .
أَوْ " كَيْ "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ} [الحشر: 7] . وَالدُّولَةُ فِي الْمَالِ، يُقَالُ: صَارَ الْفَيْءُ دُولَةً بَيْنَهُمْ يَتَدَاوَلُونَهُ مَرَّةً لِهَذَا، وَمَرَّةً لِهَذَا.
أَوْ " إِذًا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء: 74 - 75] ، أَيْ ضِعْفَ الْعَذَابِ حَيًّا وَمَيِّتًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ الْعِلَّةَ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، قَدْ يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، مِثْلَ: " لِكَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
أَوْ " أَنْ "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ - أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم: 13 - 14] .
(3/89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْعُتُلُّ: الْغَلِيظُ الْجَافِي.
الزَّنِيمُ: الْمُسْتَلْحَقُ بِقَوْمٍ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ اللَّئِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِلُؤْمِهِ.
أَوْ " بِكَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهَا غَيْرُ الْعِلِّيَّةِ.
أَمَّا اللَّامُ، فَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} [الأعراف: 179] ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَاتُ جَهَنَّمَ غَرَضًا بِالِاتِّفَاقِ.
وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لُدُّوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.
فَإِنَّ اللَّامَ هَاهُنَا لَيْسَتْ لِلْغَرَضِ.
وَأَمَّا " أَنْ " فَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ زَيْدًا لِلتَّأْدِيبِ، فَإِنَّ " أَنْ " هَاهُنَا لَا يَكُونُ لِلْغَرَضِ.
وَأَمَّا الْبَاءُ ; فَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] .
(3/90)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِمَّا أَنْ تُذْكَرَ الْعِلِّيَّةُ بِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالْفَاءِ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يُدْخِلَ الْفَاءَ عَلَى الْعِلَّةِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمًا، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» .
وَالْكُلُومُ: جَمْعُ الْكَلْمِ، وَهُوَ الْجِرَاحَةُ.
وَالْوَدَجُ: عِرْقٌ فِي الْعُنُقِ، وَالْجَمْعُ أَوْدَاجٌ.
وَقَوْلُهُ: " تَشْخُبُ "، أَيْ تَتَفَجَّرُ.
الثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ فِي الْحُكْمِ، وَتَكُونُ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً، وَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى كَلَامِ الشَّارِعِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] .
(3/91)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى رِوَايَةِ الرَّاوِي، كَقَوْلِ الرَّاوِي: «سَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَجَدَ» . وَ «زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ» .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الرَّاوِي الْعَدْلُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً، لَمْ يَقُلْهُ.
ش - الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ النَّصِّ: أَنْ يَدُلَّ النَّصُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ لَا بِالْوَضْعِ، بَلْ بِالتَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ، وَهُوَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَصْفُ، أَوْ نَظِيرُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، كَانَ ذَلِكَ الِاقْتِرَانُ بَعِيدًا مِنَ الشَّارِعِ.
وَالْإِيمَاءُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الرَّسُولِ وَاقِعَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وَصْفٍ ; لِيُبَيِّنَ
(3/92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حُكْمَهَا، فَيَذْكُرُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حُكْمَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ عُقَيْبَ الرَّفْعِ.
مِثْلُ وَاقِعَةِ الْأَعْرَابِيِّ، فَإِنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا رَفَعَ الْوَاقِعَةَ إِلَى الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَعْتِقْ رَقَبَةً.
فَإِنَّ اقْتِرَانَ إِيجَابِ الْإِعْتَاقِ بِوَصْفِ الْوَدَاعِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ بَعِيدًا مِنَ الرَّسُولِ ذَلِكَ الِاقْتِرَانُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ يَسْبِقُ فَهْمُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِأَجْلِ الْوِقَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
(3/93)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا وَاقَعْتَ، فَكَفِّرْ.
فَإِنْ حُذِفَ مِنَ الْوَصْفِ الْمُقْتَرِنِ بِالْحُكْمِ بَعْضُ الْأَوْصَافِ الَّذِي لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ، كَوُرُودِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ، وَكَكَوْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ يُسَمِّي الْإِيمَاءَ: تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ، أَيْ تَنْقِيحَ مَا نَاطَ بِهِ حُكْمُ الشَّارِعِ عَنِ الزَّوَائِدِ.
ش - الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُقَدِّرَ الشَّارِعُ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُهُ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ مِنَ الشَّارِعِ بَعِيدًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّقْدِيرُ فِي مَحَلِّ السُّؤَالِ، أَوْ فِي نَظِيرِهِ.
مِثَالُ التَّقْدِيرِ فِي مَحَلِّ السُّؤَالِ: مَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: فَلَا إِذًا» .
فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُ نُقْصَانِ الرُّطَبِ بِالْجَفَافِ لِأَجْلِ التَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ بَعِيدًا ; إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّ الْجَوَابَ يَتِمُّ بِدُونِهِ.
مِثَالُ التَّقْدِيرِ فِي نَظِيرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ: مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَتْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْخَثْعَمِيَّةُ، وَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُهُ إِنْ حَجَجْتُ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَتْ:
(3/94)

وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ نَقْضٌ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ إِفْسَادِ مُقَدِّمَةِ الْإِفْسَادِ، لَا تَعْلِيلٌ لِمَنْعِ الْإِفْسَادِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَتَخَيَّلُ مَانِعًا، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ لَا يَفْسُدَ.
ص - وَمِثْلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا، مِثْلُ: «لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/95)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
نَعَمْ.
» فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُ قَضَاءِ الدِّينِ عَنِ الْمَيِّتِ لِأَجْلِ تَعْلِيلِ النَّفْعِ بِهِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ بَعِيدًا.
وَلَمَّا كَانَ الْوَصْفُ الْمُقَدَّرُ فِي غَيْرِ الْمَسْئُولِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَظِيرُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْمَسْئُولِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، فَإِنَّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَنْبِيهًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَعَلَى الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ الْحَجُّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرٌ لِدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَعَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ قَضَاءُ الدَّيْنِ عَنِ الْمَيِّتِ.
وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ، أَكَانَ ذَلِكَ
(3/96)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُفْسِدًا؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَا.
» فَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: هُوَ مِنْ مِثَالِ النَّظِيرِ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدَّرَ الْوَصْفَ فِي نَظِيرِ الْمَسْئُولِ، وَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْعِلَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هُوَ نَقْضٌ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ مِنْ إِفْسَادِ مُقَدِّمَةِ الْإِفْسَادِ، أَيْ تَوَهَّمَ عُمَرُ أَنَّ الْقُبْلَةَ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَةُ الْوِقَاعِ الْمُفْسِدِ مُفْسِدٌ، فَنَقَضَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ بِالْمَضْمَضَةِ ; فَإِنَّهَا مُقَدِّمَةُ الشُّرْبِ الْمُفْسِدِ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مُفْسِدَةٍ، لَا تَعْلِيلٌ لِمَنْعِ الْإِفْسَادِ، أَيْ لَمْ يُقَدِّرِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَمَضْمُضَ الْمَاءِ لِتَعْلِيلِ مَنْعِ الْإِفْسَادِ ; إِذْ لَيْسَ فِي تَمَضْمُضِ الْمَاءِ مَا يُتَخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْإِفْسَادِ، فَإِنَّ مُقَدِّمَةَ الْمُفْسِدِ لَا يُتَخَيَّلُ مِنْهَا مَنْعُ الْإِفْسَادِ، بَلْ غَايَةُ التَّمَضْمُضِ أَنْ لَا يُفْسِدَ ; لِأَنَّ غَايَةَ الْمُقَدِّمَةِ أَنْ لَا تُقَامَ مَقَامَ مَا تَكُونُ مُقَدِّمَةً لَهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَانِعَةً مِمَّا يَقْتَضِيهِ.
ش - الثَّالِثُ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُفَرِّقَ الشَّارِعُ بَيْنَ حُكْمَيْنِ، إِمَّا بِصِفَةٍ، وَذَلِكَ عَلَى نَوْعَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» .
(3/97)

أَوْ مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، مِثْلُ: " الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ "، أَوْ بِغَايَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ، مِثْلُ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) وَ (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) .
ص - وَمِثْلُ ذِكْرِ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ مَعَ الْحُكْمِ، مِثْلُ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» .
ص - فَإِنْ ذَكَرَ الْوَصْفَ صَرِيحًا وَالْحُكْمَ مُسْتَنْبَطًا، مِثْلُ: " {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] "، أَوْ بِالْعَكْسِ.
فَثَالِثُهَا: الْأَوَّلُ إِيمَاءٌ لَا الثَّانِي.
فَالْأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَاءَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِالْحُكْمِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَحَدُهُمَا.
وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا، وَالثَّالِثُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ كَذِكْرِهِ، وَالْحِلُّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِي صِحَّةِ عِلَلِ الْإِيمَاءِ، ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ: إِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ فُهِمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ اشْتَرَطَتْ.
ص - الثَّالِثُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَهُوَ حَصْرُ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصْلِ، وَإِبْطَالُ بَعْضِهَا بِدَلِيلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي.
وَيَكْفِي: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/98)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ ".
وَإِمَّا بِغَايَةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] ، وَإِمَّا بِاسْتِثْنَاءٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] .
فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا دَلَّ الْإِيمَاءُ عَلَى عِلِّيَّةِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ.
ش - الرَّابِعُ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُقَيِّدَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِلْحُكْمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ".
»
(3/99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّ تَقْيِيدَ النَّهْيِ عَنِ الْقَضَاءِ بِالْغَضَبِ الْمُشَوِّشِ لِلْفِكْرِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِهِ بَعِيدًا.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْإِيمَاءِ، شَرَعَ فِي صُورَةٍ مُحْتَمَلَةٍ لِلْإِيمَاءِ وَلِغَيْرِهِ.
فَإِنْ ذَكَرَ الشَّارِعُ الْوَصْفَ صَرِيحًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحُكْمَ، بَلْ كَانَ مُسْتَنْبَطًا، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى: " {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] "، فَإِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ حِلُّ الْبَيْعِ مَذْكُورٌ صَرِيحًا، وَالْحُكْمُ - وَهُوَ صِحَّةُ الْبَيْعِ - مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الْحِلِّ.
(3/100)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوْ بِالْعَكْسِ، بِأَنْ يَذْكُرَ الْحُكْمَ صَرِيحًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَصْفَ، بَلْ كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِثْلَ: لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ. فَإِنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ الرِّبَا صَرِيحٌ، وَالْعِلَّةُ غَيْرُ صَرِيحَةٍ، بَلْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي إِيمَاءٌ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِإِيمَاءٍ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأَوَّلَ إِيمَاءٌ لَا الثَّانِي.
فَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِيمَاءَ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ، وَالِاقْتِرَانُ حَاصِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ مَذْكُورَيْنِ صَرِيحًا، أَوْ أَحَدُهُمَا مَذْكُورًا صَرِيحًا، وَالْآخَرُ مُقَدَّرًا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ صَرِيحًا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَلْزَمِ لِلشَّيْءِ كَذِكْرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَوَّلُ إِيمَاءً لَا الثَّانِي ; لِأَنَّ الْحِلَّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ. فَذِكْرُ الْحِلِّ كَذِكْرِ الصِّحَّةِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ مَذْكُورَيْنِ، فَيَكُونُ إِيمَاءً، بِخِلَافِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِتَعْلِيلِهِ بِالْوَصْفِ
(3/101)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُسْتَنْبَطِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمَةً لِتَعْلِيلِهَا بِالْوَزْنِ أَوِ الطَّعَامِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا: لَا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا.
وَثَانِيهَا: يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا.
وَثَالِثُهَا: الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْمُنَاسَبَةُ إِنْ فُهِمَ التَّعْلِيلُ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، كَمَا فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يُفْهَمِ التَّعْلِيلُ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لَا يُشْتَرَطُ ; لِأَنَّهُ لَوْ فُهِمَ التَّعْلِيلُ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، امْتَنَعَ فَهْمُ التَّعْلِيلِ بِدُونِ الْمُنَاسَبَةِ فَيَكُونُ الْمُنَاسَبَةُ شَرْطًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَفْهَمِ التَّعْلِيلَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا فِي إِفَادَةِ التَّعْلِيلِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ.
[المسلك الثالث السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ]
ش - الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَهُوَ حَصْرُ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَإِبْطَالُ بَعْضِهَا، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لِلْعَلِيَّةِ.
وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُ حَصْرِ الْأَوْصَافِ بِالتَّرْدِيدِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَلَا بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُقَالَ: بَحَثْتُ عَنِ الْأَوْصَافِ فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا.
فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ، لَزِمَ الْمُسْتَدِلَّ إِبْطَالُ ذَلِكَ الْوَصْفِ حَتَّى يَتِمَّ اسْتِدْلَالُهُ، وَلَا يَلْزَمُ انْقِطَاعُ الْمُسْتَدِلِّ لِأَنَّهُ أَبْطَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَوَّلًا.
هَذَا إِذَا كَانَ مُسْتَدِلًّا عَلَى غَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُجْتَهِدًا، فَيَرْجِعُ إِلَى ظَنِّهِ، فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حَصْرُ الْأَوْصَافِ وَبُطْلَانُ الْبَعْضِ كَفَاهُ.
(3/102)

فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ، لَزِمَ إِبْطَالُهُ لَا انْقِطَاعُهُ، وَالْمُجْتَهِدُ يَرْجِعُ إِلَى ظَنِّهِ، وَمَتَى كَانَ الْحَصْرُ وَالْإِبْطَالُ قَطْعِيًّا، فَقَطْعِيٌّ، وَإِلَّا فَظَنِّيٌّ.
ص - وَطُرُقُ الْحَذْفِ مِنْهَا: الْإِلْغَاءُ، وَهُوَ بَيَانُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْمُسْتَبْقَى فَقَطْ، وَيُشْبِهُ نَفْيَ الْعَكْسِ الَّذِي لَا يُفِيدُ وَلَيْسَ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ لَوْ كَانَ الْمَحْذُوفُ عِلَّةً، لَا تَبْقَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ: لَوْ كَانَ الْمُسْتَبْقَى جُزْءَ عِلَّةٍ، لَمَا اسْتَقَلَّ، وَلَكِنْ يُقَالُ: لَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ لِذَلِكَ، فَيُسْتَغْنَى عَنِ الْأَوَّلِ.
ص - وَمِنْهَا: طَرْدُهُ مُطْلَقًا، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، كَالذُّكُورَةِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ.
ص - وَمِنْهَا: أَنْ لَا تَظْهَرَ مُنَاسَبَتُهُ، وَيَكْفِي الْمُنَاظِرَ: بَحَثْتُ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ الْمُسْتَبْقَى كَذَلِكَ، يُرَجَّحُ سَبْرُ الْمُسْتَدِلِّ بِمُوَافَقَتِهِ لِلتَّعْدِيَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/103)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكُلَّمَا كَانَ الْحَصْرُ وَالْإِبْطَالُ قَطْعِيَّيْنِ، كَانَ التَّعْلِيلُ قَطْعِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا قَطْعِيَّيْنِ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا قَطْعِيًّا وَالْآخَرُ ظَنِّيًّا، كَانَ التَّعْلِيلُ ظَنِّيًّا.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْحَصْرِ، شَرَعَ فِي طُرُقِ الْحَذْفِ، أَيْ طُرُقِ إِبْطَالِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ.
مِنْهَا: الْإِلْغَاءُ، وَهُوَ بَيَانُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى دُونَ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ فِي صُورَةٍ.
كَمَا يُقَالُ: حُرْمَةُ الرِّبَا فِي الْبُرِّ، إِمَّا الطَّعْمُ أَوِ الْقُوتُ.
وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; لِتُحَقِّقِ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي الْمِلْحِ بِدُونِ الْقُوتِ، فَلَوْ كَانَ الْقُوتُ مُعْتَبَرًا فِي الْعِلِّيَّةِ، لَمَا تَحَقَّقَ الْحُكْمُ بِدُونِهِ، فَيَتَحَقَّقُ أَنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالطَّعْمِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: تَحَقُّقُ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ بِدُونِ الْوَصْفِ
(3/104)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمَحْذُوفِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْمَحْذُوفَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الْعِلِّيَّةِ ; لِجَوَازِ كَوْنِ الْعِلَّةِ أَخَصَّ مِنَ الْمَعْلُولِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ انْتِفَاءُ الْمَعْلُولِ.
وَالْإِلْغَاءُ يُشْبِهُ نَفْيَ الْعَكْسِ الَّذِي لَا يُفِيدُ، وَلَيْسَ الْإِلْغَاءُ نَفْيَ الْعَكْسِ.
أَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ يُشْبِهُ نَفْيَ الْعَكْسِ ; فَلِأَنَّ الْعَكْسَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْوَصْفِ، فَنَفْيُ الْعَكْسِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ، وَفِي الْإِلْغَاءِ أَيْضًا تَحَقَّقُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ.
وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْإِلْغَاءَ لَيْسَ نَفْيَ الْعَكْسِ ; فَلِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَصَدَ فِي نَفْيِ الْعَكْسِ أَنَّ الْوَصْفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلَّةً، لَانْتَفَى الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ.
وَفِي الْإِلْغَاءِ لَمْ يَقْصِدْ أَنَّ الْوَصْفَ الْمَحْذُوفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلَّةً، لَانْتَفَى الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، بَلْ قَصَدَ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِلْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جُزْءَ عِلَّةٍ، لَمَا اسْتَقَلَّ بِدُونِ الْمَحْذُوفِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَكِنْ بِمُجَرَّدِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى بِدُونِ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ فِي صُورَةٍ، لَا يَلْزَمُ كَوْنُ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً ; إِذْ غَايَةُ الْإِلْغَاءِ أَنْ يُفِيدَ أَنَّ الْوَصْفَ الْمَحْذُوفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ عَلَى تَقْدِيرِ تُحَقِّقُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ كَوْنَ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ لَا بُدَّ لِذَلِكَ، أَيْ لِبَيَانِ
(3/105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً مِنْ أَصْلٍ آخَرَ، يُفِيدُ اسْتِقْلَالَ الْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى فِي الْعِلِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَغْنِي عَنِ الْإِلْغَاءِ.
قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: بَعْدَ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، وَحُصِرَ الْأَوْصَافُ وَأُلْغِيَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهَا بِوُجُودِ الْحُكْمِ دُونَهُ، وَبِعَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً، وَلَا حَاجَةَ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمَحْذُوفُ جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ، وَأَعَمَّ مِنَ الْمَعْلُولِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ دُونَهُ، وَعَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً.
ش - وَمِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ: طَرْدُ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي عُلِمَ مِنَ الشَّارِعِ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا، إِمَّا مُطْلَقًا، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا، كَالذُّكُورَةِ فِي سَرَايَةِ الْعِتْقِ، مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدِ قَوْمٍ، عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ» ،. فَإِنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَ بَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الذُّكُورَةِ وَسَرَايَةِ الْعِتْقِ،
(3/106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا عُهِدَ مِنَ الشَّارِعِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الذُّكُورَةِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ، أُلْغِيَ صِفَةُ الذُّكُورَةِ فِي سَرَايَةِ الْعِتْقِ.
ش - وَمِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ أَنْ لَا تَظْهَرَ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ، فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَيَكْفِي لِلْمُنَاظِرَ الْمُسْتَدِلَّ: بَحَثْتُ عَنِ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ، فَمَا وَجَدْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ مُنَاسَبَةً، فَإِنِ ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُسْتَبْقَى كَذَلِكَ، أَيْ بَحَثْتُ عَنْهُ وَلَمْ أَجِدْهُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، احْتَاجَ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى إِثْبَاتِ مُرَجِّحٍ يُرَجِّحُ بِهِ سَبْرَهُ عَلَى سَبْرِ الْمُعْتَرِضِ، بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ سَبْرَهُ مُوَافِقٌ لِلتَّعْدِيَةِ، وَسَبْرَ الْمُعْتَرِضُ قَاصِرٌ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمُسْتَبْقَى وَالْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ انْتِقَالٌ مِنَ السَّبْرِ إِلَى الْمُنَاسَبَةِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ طَرِيقٍ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ غَيْرُ جَائِزٍ.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، ذَكَرَ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِالطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ مِنَ السَّبْرِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَالشَّبَهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ - تَعَالَى - مُقْتَرِنَةٌ بِالْعِلَّةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ اقْتِرَانَهَا بِالْعِلَّةِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ أَوْ بِطَرِيقِ اللُّطْفِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَخْلُو مِنْ عِلَّةٍ ; لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّعْمِيمِ، أَيْ كَوْنُ
(3/107)

ص - وَدَلِيلُ الْعَمَلِ بِالسَّبْرِ، وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلَّةٍ لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، وَالظَّاهِرُ التَّعْمِيمُ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا فَهُوَ الْغَالِبُ ; لِأَنَّ التَّعَقُّلَ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِيَادِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُهَا وَفِي الْمُنَاسَبَةِ.
وَلَوْ سَلَّمَ، فَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُهَا بِالْمُنَاسَبَةِ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا فِي الْجَمِيعِ ; لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي عِلَلِ الْأَحْكَامِ.
ص - الرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِخَالَةُ، وَتُسَمَّى تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ، وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِهِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ، كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقِصَاصِ.
وَالْمُنَاسِبُ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/108)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ رَحْمَةً لِلنَّاسِ.
فَلَوْ كَانَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ، أَوْ بَعْضُهَا خَالِيًا عَنِ الْعِلَّةِ، لَمَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ رَحْمَةً ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حِكْمَةٌ وَفَائِدَةٌ لِلْمُكَلَّفِ، يَكُونُ مَشَقَّةً وَعَذَابًا.
وَلَوْ سَلَّمْنَا عَدَمَ الْإِجْمَاعِ عَلَى اقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ، وَعَدَمِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَيْهِ، فَثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ هُوَ الْغَالِبُ فِي الشَّرْعِ عَلَى ثُبُوتِهِ بِدُونِهَا. وَإِنَّمَا غَلَبَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ تَعَقُّلَ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِيَادِ وَالْقَبُولِ مِنَ التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَيُحْمَلُ الْحُكْمُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى الْغَالِبِ إِلْحَاقًا لِلْفَرْدِ بِالْأَغْلَبِ.
فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُ الْعِلَّةِ فِي الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَفِي الْمُنَاسَبَةِ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ.
وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُ الْعِلَّةِ بِالْمُنَاسَبَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ مُنَاسَبَةَ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ تُفِيدُ ظَنَّ كَوْنِهِ عِلَّةً.
(3/109)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِذَا ثَبَتَ ظُهُورُ الْعِلَّةِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، وَفِي الْمُنَاسَبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ أَيْضًا، وَجَبَ اعْتِبَارُ الْعِلَّةِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ ظَنُّ عِلِّيَّتِهَا، وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ فِي عِلَلِ الْأَحْكَامِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُنَاسَبَةَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ ظُهُورَ الْعِلَّةِ فِي الْمُنَاسَبَةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ عَدَمِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظُهُورَ الْعِلَّةِ فِي الْمُنَاسَبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِهَا ثَابِتٌ.
بِخِلَافِ بَاقِي الطُّرُقِ، فَإِنَّ ظُهُورَ الْعِلِّيَّةِ فِيهِ ثَابِتٌ، عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهَا.
[الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِخَالَةُ]
ش - الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ، وَيُرَادِفُهَا: الْإِخَالَةُ، وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْيِينِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِ الْوَصْفِ، لَا تَعْيِينِ الْعِلَّةِ بِنَصٍّ وَغَيْرِهِ، كَإِجْمَاعٍ، وَذَلِكَ كَتَعْيِينِ الْإِسْكَارِ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِ الْإِسْكَارِ، وَكَتَعْيِينِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ.
وَالْأَوَّلُ مِثَالٌ لِلْعِلَّةِ الْبَسِيطَةِ، وَالثَّانِي لِلْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ. وَالْمُنَاسَبَةُ لُغَوِيَّةٌ، فَلَا يَلْزَمُ دَوْرٌ.
وَالْمُنَاسِبُ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ - أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ - مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا
(3/110)

فَإِنْ كَانَ خَفِيًّا أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، اعْتُبِرَ مَلَازِمُهُ، وَهُوَ الْمَظِنَّةُ ; لِأَنَّ الْغَيْبَ لَا يُعَرِّفُ الْغَيْبَ، كَالسَّفَرِ لِلْمَشَقَّةِ، وَالْفِعْلِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عُرْفًا بِالْعَمْدِ فِي الْعَمْدِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمُنَاسِبُ مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ.
ص - وَقَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا، كَالْبَيْعِ وَالْقِصَاصِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُصُولُ وَنَفْيُهُ مُتَسَاوِيَيْنِ، كَحَدِّ الْخَمْرِ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُهُ أَرْجَحَ، كَنِكَاحِ الْآيِسَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّوَالُدِ، وَقَدْ يُنْكَرُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ.
لَنَا: أَنَّ الْبَيْعَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَاوُضِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ، وَإِنِ انْتَفَى الظَّنُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/111)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ.
وَقَوْلُهُ: " ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ " احْتِرَازٌ عَنِ الْوَصْفِ الْخَفِيِّ وَالْغَيْرِ الْمُنْضَبِطِ. وَقَوْلُهُ: " مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا " احْتِرَازٌ عَنِ الْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى فِي السَّبْرِ، وَعَنِ الْوَصْفِ الْمُدَارِ فِي الدَّوَرَانِ وَعَنْ غَيْرِهِمَا. وَقَوْلُهُ: " مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ " بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: مَا يَصْلُحُ.
فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ خَفِيًّا، أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، اعْتُبِرَ مَلَازِمُهُ، وَهُوَ الْمَظِنَّةُ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرِ الْخَفِيُّ وَغَيْرُ الْمُنْضَبِطِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْبٌ عَنِ الْعَقْلِ لِلْخَفَاءِ وَعَدَمِ الضَّبْطِ، وَالْغَيْبُ عَنِ الْعَقْلِ لَا يُعَرِّفُ الْغَيْبَ عَنْهُ، أَعْنِي الْحُكْمَ.
مِثَالُ الْمَظِنَّةِ: السَّفَرُ لِلْمَشَقَّةِ، فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ مَا لَمْ تَكُنْ مُنْضَبِطَةً، اعْتُبِرَ السَّفَرُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّتُهَا، وَلَمْ يَعْتَبِرْهَا.
وَالْفِعْلُ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ فِي الْعُرْفِ بِالْعَمْدِيَّةِ فِي الْجِنَايَةِ الْعَمْدِيَّةِ، فَإِنَّ الْعَمْدَ لَمَّا كَانَ خَفِيًّا، اعْتُبِرَ مَظِنَّتُهُ، وَهُوَ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ، وَالْأَوَّلُ مِثَالٌ لِغَيْرِ الْمُنْضَبِطِ، وَالثَّانِي لِلْخَفِيِّ.
(3/112)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمِنَ الشَّارِحِينَ مَنْ جَعَلَ الْمَظِنَّةَ قِسْمًا مِنَ الْمُنَاسِبِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنَّهَا قَسِيمٌ لِلْمُنَاسِبِ، وَقَدْ جَعَلَهَا الْمُصَنِّفُ قَسِيمًا لِلْمُنَاسِبِ صَرِيحًا حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمُنَاسِبُ، مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ، أَيْ لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لِأَجْلِ هَذَا الْوَصْفِ، تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ.
[قَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ يَحْصُلُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا، وَقَدْ يَحْصُلُ ظَنًّا، وَقَدْ يَكُونُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ وَنَفْيُهُ مُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ رَاجِحًا، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: الْبَيْعُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ صَحِيحًا، حَصَلَ مِنْهُ الْمِلْكُ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ يَقِينًا.
(3/113)

وَالسَّفَرُ مَظِنَّةَ الْمَشَقَّةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ، وَإِنِ انْتَفَى الظَّنُّ فِي الْمِلْكِ الْمُتَرَفِّهِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ فَائِتًا قَطْعًا، كَلُحُوقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بِتَزَوُّجِ مَغْرِبِيَّةٍ، وَكَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا بَائِعُهَا فِي الْمَجْلِسِ، فَلَا يُعْتَبَرُ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
ص - وَالْمَقَاصِدُ ضَرْبَانِ:
ضَرُورِيٌّ فِي أَصْلِهِ، وَهِيَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، كَالْخَمْسَةِ الَّتِي رُوعِيَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ. كَقَتْلِ الْكُفَّارِ، وَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْمُسْكِرِ، وَحَدِّ الزِّنَا، وَحَدِّ السَّارِقِ وَالْمُحَارِبِ.
وَمُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ، كَحَدِّ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ.
وَغَيْرُ ضَرُورِيٍّ، حَاجِيٌّ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/114)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثَالُ الثَّانِي: الْقِصَاصُ، فَإِنَّهُ إِذَا رُتِّبَ عَلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ، يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ صِيَانَةُ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ عَنِ الْفَوَاتِ ظَنًّا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ، اقْتُصَّ مِنْهُ، يَنْزَجِرُ عَنِ الْقَتْلِ، وَلَا يَجْتَرِي عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ يَقِينًا ; لِأَنَّ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ قَدْ يُقْدِمُ عَلَى الْقَتْلِ مَعَ شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ.
مِثَالُ الثَّالِثِ: حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ حِفْظُ الْعَقْلِ، وَنَفْيُهُ مِنْ حَدِّ الشُّرْبِ مُتَسَاوِيَانِ، فَإِنَّ اسْتِيلَاءَ مَيْلِ الطِّبَاعِ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ يُقَاوِمُ خَوْفَ عِقَابِ الْحَدِّ، فَلِهَذَا يُقَاوَمُ كَثْرَةُ الْمُمْتَنِعِينَ عَنْهُ كَثْرَةَ الْمُقْدِمِينَ.
مِثَالُ الرَّابِعِ: نِكَاحُ الْآيِسَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ التَّوَالُدُ، قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ نِكَاحِ الْآيِسَةِ، لَكِنَّ عَدَمَ التَّوَالُدِ أَرْجَحُ.
وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ قِسْمًا وَاحِدًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَجَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضٌ جَوَازَ التَّعْلِيلِ بِالثَّانِي وَالثَّالِثِ، أَيِ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَنَفْيِهِ، كَمَا فِي الثَّانِي، وَعَلَى مَرْجُوحِيَّةِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، كَمَا فِي الثَّالِثِ.
(3/115)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِمَا بِأَنَّ احْتِمَالَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَكْفِي فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَاوُضِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ شَرْعُهُ، وَإِنِ انْتَفَى ظَنُّ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَاوُضِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ شَرْعُ الرُّخَصِ فِي السَّفَرِ، وَإِنِ انْتَفَى ظَنُّ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمَلِكِ الْمُتَرَفِّهِ.
وَالصُّورَةُ الْأُولَى مِثَالٌ لِلْمُنَاسِبِ، وَالثَّانِيَةُ لِمَظِنَّةِ الْمُنَاسِبِ.
قِيلَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: جَوَازُهُ حَيْثُ كَانَ لِأَجْلِ تَرَتُّبِ الْمَقْصُودِ فِي الْغَالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، بِخِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ كَمَا يُحْتَمَلُ التَّرَتُّبُ، يُحْتَمَلُ عَدَمُ التَّرَتُّبِ عَلَى السَّوَاءِ، أَوْ عَدَمُ التَّرَتُّبِ رَاجِحٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا وَارِدٌ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُحْتَمَلْ حُصُولُ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، بَلْ كَانَ حُصُولُهُ فَائِتًا بِالْكُلِّيَّةِ، لَا يُعْتَبَرُ التَّعْلِيلُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
(3/116)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهِ أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ عَادَةِ الشَّرْعِ رِعَايَةُ الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ. فَحَيْثُ يَكُونُ الْمَقْصُودُ فَائِتًا بِالْكُلِّيَّةِ، لَمْ يَجُزْ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهِ، كَيْلَا يَلْزَمَ خِلَافُ عَادَةِ الشَّارِعِ، مِثَالُ ذَلِكَ: لُحُوقُ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بِتَزْوِيجِ مَغْرِبِيَّةٍ، وَالِاسْتِبْرَاءِ فِي شِرَى جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا الْبَائِعُ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ لُحُوقُ النَّسَبِ، لَا يَحْصُلُ مِنْ تَزْوِيجِ الْمَشْرِقِيِّ الْمَغْرِبِيَّةَ.
وَكَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ فَرَاغَ الرَّحِمِ، الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ، لَا يَحْصُلُ ; لِأَنَّ فَرَاغَ الرَّحِمِ قَدْ حَصَلَ بِاسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ.
[الْمَقَاصِدُ ضَرْبَانِ]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمَقَاصِدَ مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ ضَرْبَانِ: ضَرُورِيٌّ، وَغَيْرُ ضَرُورِيٍّ.
وَالضَّرُورِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا فِي أَصْلِهِ، أَوْ مُكَمِّلًا لِمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ فِي أَصْلِهِ.
وَالْمَقَاصِدُ الضَّرُورِيَّةُ فِي أَصْلِهَا هِيَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، كَالْخَمْسَةِ الَّتِي رُوعِيَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَهِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّفْسِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ.
أَمَّا الدِّينُ فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِقَتْلِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ
(3/117)

وَالْمُسَاقَاةِ، وَبَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا، كَالْإِجَارَةِ عَلَى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ وَشِرَاءِ الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.
وَمُكَمِّلٌ لَهُ، كَرِعَايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الصَّغِيرَةِ، فَإِنَّهُ أَفْضَى إِلَى دَوَامِ النِّكَاحِ.
وَغَيْرُ حَاجِيٍّ، وَلَكِنَّهُ تَحْسِينِيٌّ، كَسَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ لِنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ جَرْيًا عَلَى مَا أُلِفَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ، رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ.
لَنَا: إِنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ بِأَنْ لَا مَصْلَحَةَ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا.
قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تُلْزِمُ مَصْلَحَةً وَمَفْسَدَةً تُسَاوِيهَا أَوْ تَزِيدُ، وَقَدْ صَحَّتْ.
قُلْنَا: مَفْسَدَةُ الْغَصْبِ لَيْسَتْ عَنِ الصَّلَاةِ، وَبِالْعَكْسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/118)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِقَوْلِهِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [التوبة: 29] .
وَأَمَّا النَّفْسُ فَهِيَ مَحْفُوظَةٌ بِشَرْعِ الْقِصَاصِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] .
وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِشَرْعِ حَدٍّ الشُّرْبِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ} [المائدة: 91] .
وَأَمَّا النَّسْلُ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِشَرْعِ حَدِّ الزِّنَا ; لِأَنَّ الْمُزَاحَمَةَ عَلَى الْأَبْضَاعِ يُفْضِي إِلَى اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْمُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ التَّعَهُّدِ مِنَ الْأَوْلَادِ.
وَأَمَّا حِفْظُ الْمَالِ، فَهُوَ حَاصِلٌ بِشَرْعِ حَدِّ السَّارِقِ وَعُقُوبَةِ الْمُحَارِبِ وَالْغَاصِبِ.
وَأَمَّا الضَّرُورِيُّ الَّذِي هُوَ مُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ فِي أَصْلِهِ، كَالْمُبَالَغَةِ فِي حِفْظِ الْعَقْلِ، وَيَحْصُلُ بِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الضَّرُورِيِّ، إِمَّا حَاجِيًّا أَوْ غَيْرَ حَاجِيٍّ، وَالْحَاجِيُّ إِمَّا فِي أَصْلِهِ أَوْ مُكَمِّلٌ لَهُ.
أَمَّا الْحَاجِيُّ فِي أَصْلِهِ، فَكَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ
(3/119)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، وَبَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَدْ يَكُونُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ، كَالْإِجَارَةِ عَلَى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ، وَشِرَى الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لِلطِّفْلِ وَلِغَيْرِهِ، فَإِنَّهَا فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ، لِأَنَّ الْهَلَاكَ قَدْ يَحْصُلُ بِانْتِفَائِهَا.
وَأَمَّا مَا هُوَ مُكَمِّلٌ لِلْحَاجِيِّ، كَرِعَايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَى إِلَى دَوَامِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْحَاجِيِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ التَّحْسِينِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا، وَيُسَمَّى تَحْسِينِيًّا، كَسَلْبِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ عَنِ الْعَبْدِ لِنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ، جَرْيًا عَلَى مَا هُوَ الْمَأْلُوفُ وَالْمَعْهُودُ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ.
[مَسْأَلَةٌ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ]
ش - لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَصْفَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ خَالِصَةٍ، أَوْ رَاجِحَةٍ عَلَى الْمَفْسَدَةِ، يَكُونُ مُنَاسِبًا، وَإِذَا اشْتَمَلَ الْوَصْفُ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لَهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْخَرِمُ مُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ.
وَالدَّلِيلُ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْضِي بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا كَانَتْ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا، لَا تَكُونُ مَصْلَحَةً مَطْلُوبَةً، وَلِهَذَا إِذَا أَخَذَ وَاحِدٌ يَسْعَى لِتَحْصِيلِ مِثْلِ هَذَا الْمَصْلَحَةِ، يَنْسُبُهُ أَهْلُ الْعَقْلِ إِلَى السَّفَهِ.
وَلَمَّا ثَبَتَ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ، فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَفْسَدَةُ مُسَاوِيَةً لِلْمَصْلَحَةِ، يَثْبُتُ انْخِرَامُهَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ رَاجِحَةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ.
الْمَانِعُونَ مِنِ انْخِرَامِ الْمُنَاسَبَةِ قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ
(3/120)

وَلَوْ نَشَأَتَا مَعًا عَنِ الصَّلَاةِ، لَمْ تَصِحَّ، وَالتَّرْجِيحُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ، وَيُرَجَّحُ بِطَرِيقٍ إِجْمَالِيٍّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ، لَزِمَ التَّعَبُّدُ بِالْحُكْمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/121)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
صَحِيحَةٌ، مَعَ أَنَّهَا تَلْزَمُ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ تُسَاوِيهَا، أَوْ تَزِيدَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرَامَ إِنْ غَلَبَ عَلَى الْحَلَالِ مُطْلَقًا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضٍ، تَزِيدُ الْمَفْسَدَةُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ.
أَجَابَ بِأَنَّ مَفْسَدَةَ الْغَصْبِ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنِ الصَّلَاةِ وَبِالْعَكْسِ، أَيْ: مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنِ الْغَصْبِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ خَالِصَةٍ.
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ نَشَأَتَا مِنَ الصَّلَاةِ، لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ، بَلْ تَكُونُ فَاسِدَةً.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ مِنْ تَرْجِيحٍ، فَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُرَجِّحَ الْوَصْفَ.
وَالتَّرْجِيحُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ قَدْ يَكُونُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى أَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ.
وَلِلْمُسْتَدِلِّ تَرْجِيحٌ إِجْمَالِيٌّ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْمَصْلَحَةُ رَاجِحَةً عَلَى مَا عَارَضَهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ ; لِأَنَّا بَحَثْنَا وَلَمْ نَجِدْ مَصْلَحَةً أُخْرَى تَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغَيْرِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ خِلَافُ الْأَصْلِ.
[المناسب مؤثر وملائم وغريب ومرسل]
ش - اعْلَمْ أَنَّ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي تَقْدِيرِ مَا فِي الْمَتْنِ، نَذْكُرُ مُقَدِّمَةً نَافِعَةً، فَنَقُولُ: إِنَّ لِلْجِنْسِيَّةِ فِي الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ مَرَاتِبُ بِحَسَبِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ.
أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَأَعَمُّ أَجْنَاسِهِ كَوْنُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، ثُمَّ الْوُجُوبُ، ثُمَّ وُجُوبُ الْعِبَادَاتِ، ثُمَّ وُجُوبُ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا فِي الْوَصْفِ فَأَعَمُّ أَجْنَاسِهِ كَوْنُهُ وَصْفًا يُنَاطُ بِهِ الْحُكْمُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ وَغَيْرُ الْمُنَاسِبِ، ثُمَّ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ، ثُمَّ الْمُنَاسِبُ الضَّرُورِيُّ، ثُمَّ الضَّرُورِيُّ فِي حِفْظِ الدِّينِ.
وَالْأَوْصَافُ إِنَّمَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا إِذَا ظُنَّ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ إِيَّاهَا.
وَكُلَّمَا كَانَ الْتِفَاتُ الشَّارِعِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ، كَانَ ظَنُّ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا أَقْوَى.
(3/122)

ص - وَالْمُنَاسِبُ مُؤَثِّرٌ، وَمُلَائِمٌ، وَغَرِيبٌ، وَمُرْسَلٌ ; لِأَنَّهُ إِمَّا مُعْتَبَرٌ أَوْ لَا، وَالْمُعْتَبَرُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ هُوَ الْمُؤَثِّرُ.
وَالْمُعْتَبَرُ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وِفْقِهِ فَقَطْ، إِنْ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، فَهُوَ الْمُلَائِمُ، وَإِلَّا فَهُوَ الْغَرِيبُ.
وَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْمُرْسَلُ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا أَوْ ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ، فَمَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مُلَائِمًا، فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - بِقَبُولِهِ.
وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَالْمُخْتَارُ رَدُّهُ.
وَشَرْطُ الْغَزَالِيِّ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، فَالْأَوَّلُ كَالتَّعْلِيلِ بِالصِّغَرِ فِي حَمْلِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلَايَةِ، فَإِنَّ عَيْنَ الصِّغَرِ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالثَّانِي كَالتَّعْلِيلِ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي حَمْلِ الْحَضَرِ بِالْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنَّ جِنْسَ الْحَرَجِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ.
وَالثَّالِثُ كَالتَّعْلِيلِ بِجِنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي حَمْلِ الْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّ جِنْسَ الْجِنَايَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الْقِصَاصِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/123)

كَالْأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا.
وَالْغَرِيبُ كَالتَّعْلِيلِ بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي حَمْلِ الْبَاتِّ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ، حَتَّى صَارَ تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ.
وَكَالتَّعْلِيلِ بِالْإِسْكَارِ فِي حَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ بِهِ.
وَالْمُرْسَلُ الَّذِي ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ كَإِيجَابِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي الظِّهَارِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/124)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكُلَّمَا كَانَ الْوَصْفُ وَالْحُكْمُ أَخَصَّ، كَانَ كَوْنُ الْوَصْفِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ آكَدَ، فَيَكُونُ لَا مَحَالَةَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَكُونُ أَعَمَّ مِنْهُ. إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مُؤَثِّرٌ، وَمُلَائِمٌ، وَغَرِيبٌ، وَمُرْسَلٌ. وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، أَيِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَيْنَهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، أَوْ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ.
وَالْمُعْتَبَرُ إِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَيُسَمَّى مُؤَثِّرًا ; لِأَنَّهُ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الْحُكْمِ بِالْإِجْمَاعِ أَوِ النَّصِّ، كَتَعْلِيلِ الْحَدَثِ بِمَسِّ الْمُحْدِثِ ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ عَيْنَ مَسِّ الْمُحْدِثِ ذَكَرَهُ فِي عَيْنِ الْحَدَثِ بِالنَّصِّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ".
وَكَتَعْلِيلِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ بِالصِّغَرِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ عَيْنَ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ لَا بِنَصٍّ وَلَا بِإِجْمَاعِ، بَلْ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ إِنْ ثَبْتَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَيِ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، أَوِ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، يُسَمَّى مُلَائِمًا ; لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا
(3/125)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، بَلِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَيْنَ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَقَطْ، يُسَمَّى غَرِيبًا، وَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْمُرْسَلُ.
ثُمَّ الْمُرْسَلُ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ إِلَى مُرْسَلٍ مُلَائِمٍ، وَإِلَى مُرْسَلٍ غَرِيبٍ ; لِأَنَّهُ إِنِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ جِنْسَهُ الْبَعِيدَ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْمُلَائِمُ، وَإِلَّا فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْغَرِيبُ.
مِثَالُ الْمُرْسَلِ الْمُلَائِمِ: تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ قَلِيلِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى كَثِيرِهَا، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لَمْ يَعْتَبِرِ الشَّارِعُ عَيْنَ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَتَّبِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ، لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ الْبَعِيدَ فِي جِنْسِ الْحُكْمُ. فَإِنَّ الْخَلْوَةَ لَمَّا كَانَتْ دَاعِيَةً إِلَى الزِّنَا، حَرَّمَهَا الشَّارِعُ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا.
وَهَذَا مُلَائِمٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لِتَصَرُّفِ الشَّارِعِ، وَبِاعْتِبَارٍ آخَرَ إِلَى مَعْلُومِ الْإِلْغَاءِ مِنَ الشَّرْعِ، وَإِلَى غَيْرِ مَعْلُومِ الْإِلْغَاءِ.
(3/126)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْمُرْسَلُ الْغَرِيبُ، وَالَّذِي عُلِمَ إِلْغَاؤُهُ مَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، أَيْ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا الْمُرْسَلُ الْمُلَائِمُ، فَقَدْ صَرَّحَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ بِقَبُولِهِ. وَنُقِلَ قَبُولُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ رَدُّهُ مُطْلَقًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَعْتَبِرْ نَوْعَهُ فِي نَوْعِهِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَلَا جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَلَا جِنْسِهِ فِي جِنْسِهِ، فَلَا يَحْصُلُ الظَّنُّ بِعِلِّيَّتِهِ.
وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ فِي قَبُولِ الْمُرْسَلِ الْمُلَائِمِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، وَالْمُرَادُ بِالضَّرُورِيَّةِ: كَوْنُهَا أَحَدُ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسَبِ، وَالْمَالِ، وَبِالْقَطْعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْجَزْمُ بِوُجُودِ الْمَصْلَحَةِ حَاصِلًا، وَبِالْكُلِّيَّةِ أَنْ لَا تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ بَعْضٍ.
وَذَلِكَ كَتَتَرُّسِ الْكُفَّارِ الصَّائِلِينَ بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّا لَوْ كَفَفْنَا عَنِ التُّرْسِ، اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا
(3/127)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُسْلِمِينَ بِأَجْمَعِهِمْ، حَتَّى التُّرْسُ، فَإِنَّ قَتْلَ التُّرْسِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَصْلَحَةً ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً.
وَإِنَّمَا وَجَبَ قَبُولُهُ عِنْدَ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ، يَلْزَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا هُوَ مَقْصُودٌ ضَرُورِيٌّ مِنَ الشَّرْعِ، وَهُوَ حِفْظُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ، فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِهِ يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ الدِّينِ وَهَلَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَسَارَى وَغَيْرِهِمْ.
وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ الْقَطْعِيُّ; لِيَحْصُلَ الْجَزْمُ بِالْإِخْلَالِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ الْكُلِّيُّ، لِئَلَّا يَلْزَمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. فَإِنَّ مُحَافَظَةَ نَفْسِ غَيْرِ الْأُسَارَى، لَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنْ مُحَافَظَةِ نُفُوسِ الْأُسَارَى فِي الدِّينِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَمْثِلَةَ الْمُلَائِمِ، وَالْغَرِيبِ الْمُرْسَلِ، وَالْغَرِيبِ الْغَيْرِ الْمُرْسَلِ، وَالْمُرْسَلِ الَّذِي ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ.
أَمَّا الْمُلَائِمُ، فَقَدْ ذَكَرَ أَمْثِلَةَ أَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ، فَمِثَالُ الْأَوَّلِ مِنْهَا: التَّعْلِيلُ بِالصِّغَرِ فِي قِيَاسِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلَايَةِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ عَيْنَ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ وِلَايَةِ الْمَالِ بِتَرْتِيبِهَا عَلَى الصِّغَرِ، وَثَبَتَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الصِّغَرِ فِي جِنْسِ حُكْمِ الْوِلَايَةِ بِالْإِجْمَاعِ.
(3/128)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثَالُ الثَّانِي مِنْهَا: التَّعْلِيلُ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي قِيَاسِ الْحَضَرِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي رُخْصَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ عُذْرَ حَرَجِ السَّفَرَ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ بِتَرْتِيبِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ، وَثَبَتَ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْحَرَجِ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ.
مِثَالُ الثَّالِثِ مِنْهَا: التَّعْلِيلُ بِجِنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي قِيَاسِ الْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ. فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ عَيْنَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي عَيْنِ قِصَاصِ النَّفْسِ، وَثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ اعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ الَّتِي هِيَ جِنْسُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ جِنْسُ قِصَاصِ النَّفْسِ ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَى قِصَاصِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا، كَالْأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَاللِّسَانِ.
مِثَالُ الْغَرِيبِ الْمُرْسَلِ: التَّعْلِيلُ بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي قِيَاسِ الْبَاتِّ فِي الْمَرَضِ، أَيِ الْمُطْلَقِ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، حَتَّى صَارَ تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ. فَإِنَّ إِرْسَالَ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
وَمَقْصُودُهُ حِرْمَانُ الزَّوْجَةِ عَنِ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ غَرَضٌ فَاسِدٌ، فَيَجِبُ أَنْ يُعَارَضَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ بِأَنْ لَا تُحْرَمَ الْمَبْتُوتَةُ، كَمَا أَنَّ قَاتِلَ مُورِثِهِ لِأَجْلِ مَالِهِ عُورِضَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ بِحِرْمَانِهِ عَنِ الْإِرْثِ.
(3/129)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْجَامِعُ كَوْنُ فِعْلِهِمَا مُحَرَّمًا ; لِأَجْلِ غَرَضٍ فَاسِدٍ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا غَرِيبًا مُرْسَلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرِ الشَّارِعُ عَيْنَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي عَيْنِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ، وَلَا جِنْسِهِ فِي عَيْنِهَا، وَلَا جِنْسِهِ فِي جِنْسِهَا، لَا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا.
مِثَالُ الْغَرِيبِ الْغَيْرِ الْمُرْسَلِ: التَّعْلِيلُ بِالْإِسْكَارِ فِي حَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْإِسْكَارِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَيْنَ الْإِسْكَارِ فِي عَيْنِ التَّحْرِيمِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْإِسْكَارِ فَقَطْ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ عَدَمُ النَّصِّ عَلَى عِلِّيَّتِهِ.
وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِ الْإِسْكَارِ فِي جِنْسِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ.
وَمِثَالُ الْمُرْسَلِ الْغَرِيبِ الَّذِي ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ: إِيجَابُ صَوْمِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ شَرْعًا ; لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْإِعْتَاقَ أَوَّلًا، وَلَمْ يَعْتَبَرْ إِيجَابَ الصَّوْمِ أَوَّلًا عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ.
[تَثْبُتُ عِلِّيَّةُ الشَّبَهِ بِجَمِيعِ الْمَسَالِكِ]
ش - وَمِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ: الشَّبَهُ،
(3/130)

ص - وَتَثْبُتُ عِلِّيَّةُ الشَّبَهِ بِجَمِيعِ الْمَسَالِكِ، وَفِي إِثْبَاتِهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ نَظَرٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا تَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَيَتَمَيَّزُ عَنِ الطَّرْدِيِّ بِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ.
وَعَنِ الْمُنَاسِبِ الذَّاتِيِّ بِأَنَّ مُنَاسَبَتَهُ عَقْلِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ، كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ.
مِثَالُهُ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. فَالْمُنَاسَبَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَاعْتِبَارُهَا فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ يُوهِمُ، وَقَوْلُ الرَّادِّ لَهُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِهِ.
وَالثَّانِي طَرْدٌ، فَيُلْغَى.
أُجِيبَ: مُنَاسِبٌ، وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ الْمُنَاسِبُ لِذَاتِهِ أَوْ لَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
ص - الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/131)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ بِذَاتِهِ.
وَتَثْبُتُ عِلِّيَّتُهُ بِجَمِيعِ الْمَسَالِكِ مِنَ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَفِي إِثْبَاتِهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ أَيِ الْمُنَاسَبَةِ نَظَرٌ.
وَمِنْ ثَمَّ، أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ إِثْبَاتَهُ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ مَحَلُّ نَظَرٍ، قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الشَّبَهِ: إِنَّهُ الْوَصْفُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ عِلِّيَّةُ الشَّبَهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ لِذَاتِهِ، وَإِلَّا لَثَبَتَ عِلِّيَّتُهُ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إِثْبَاتُ عِلِّيَّةِ الشَّبَهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْرِيفِ الشَّبَهِ. فَمَنْ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ الَّذِي يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، فَإِنَّ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ يُوجِبُ الْمُنَاسَبَةَ، وَمَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةُ، لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْمُنَاسَبَةِ، فَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ.
وَمَنْ عَرَّفَهُ بِالْمُنَاسِبِ الَّذِي لَيْسَ مُنَاسَبَتُهُ لِذَاتِهِ، جَوَّزَ إِثْبَاتَهُ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ. فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الشَّبَهِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ ; إِذْ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الشَّبَهِيُّ مُنَاسِبًا يَتْبَعُ الْمُنَاسِبَ بِالذَّاتِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ، أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّبَهَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى مَسْلَكٍ آخَرَ، عَرَّفَ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
(3/132)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُعَرَّفَ بِمَا لَا يَكُونُ مُنَاسَبَتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ عِلِّيَّتِهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ ; لِأَنَّ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِثُبُوتِ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِذَاتِهِ، فَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَصْفَ الشَّبَهِيَّ، أَوْ غَيْرَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّبَهِيُّ مُنَاسِبًا لِذَاتِهِ، وَقَدْ فَرَضَ بِخِلَافِهِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، لَا يَكُونُ الْوَصْفُ الشَّبَهِيُّ مُنَاسِبًا بِالذَّاتِ، بَلْ بِالتَّبَعِ، وَمَعَ وُجُودِ الْمُنَاسِبِ بِالذَّاتِ، لَا يُعَلَّلُ بِالْمُنَاسِبِ بِالتَّبَعِ.
وَأَيْضًا: تَوْجِيهُ قَوْلِهِ: " وَمِنْ ثَمَّ " عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرَهُ هَذَا الشَّارِحُ، لَا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ.
وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ عَرَّفَ الشَّبَهَ بِأَنَّهُ: مَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَيَتَمَيَّزُ الشَّبَهُ عَنِ الطَّرْدِيِّ بِأَنَّ وُجُودَ الطَّرْدِ كَالْعَدَمِ ; إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ لَهُ أَصْلًا، بِخِلَافِ الشَّبَهِ فَإِنَّ لَهُ مُنَاسَبَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
وَيَتَمَيَّزُ الشَّبَهُ عَنِ الْمُنَاسِبِ الذَّاتِيِّ بِأَنَّ الْمُنَاسِبَ الذَّاتِيِّ مُنَاسَبَتُهُ عَقْلِيَّةٌ تُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِي ذَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ، كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ، فَإِنَّ مُنَاسَبَةَ الْإِسْكَارِ لِلتَّحْرِيمِ تُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِي ذَاتِ الْإِسْكَارِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ.
بِخِلَافِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ مُنَاسَبَتَهُ لَا تُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ
(3/133)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَإِلَى وُرُودِ الشَّرْعِ، وَاعْتِبَارُ الشَّبَهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.
مِثَالُ الشَّبَهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي إِزَالَةِ الْخَبَثِ بِالْمَاءِ: طَهَارَةُ الْخَبَثِ طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ. فَتَعَيَّنَ فِيهَا الْمَاءُ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. فَإِنَّ مُنَاسَبَةَ الطَّهَارَةِ لِتَعْيِينِ الْمَاءِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا اعْتَبَرَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ تَوَهَّمَ مُنَاسَبَةَ الطَّهَارَةِ لِتَعْيِينِ الْمَاءِ.
وَاحْتَجَّ الرَّادُّ، أَيِ الْقَائِلُ بِأَنَّ الشَّبَهَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعِلِّيَّةِ، بِأَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي يُعَلَّلُ بِهِ فِي الشَّبَهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا، أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا، فَلَا يَكُونُ شَبَهًا ; لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَهُوَ طَرْدٌ، وَالطَّرْدُ يُلْغَى بِالِاتِّفَاقِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ، هُوَ الْمُنَاسِبُ لِذَاتِهِ، وَالشَّبَهُ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِذَاتِهِ. أَوْ بِأَنَّهُ لَا وَاحِدَ مِنَ الْمُنَاسِبِ بِالذَّاتِ، وَمِنَ الْمُنَاسِبِ بِالْغَيْرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
[الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ]
ش - وَمِنَ الْمَسَالِكِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ: الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ، وَهُوَ الدَّوَرَانُ.
وَنَعْنِي بِالدَّوَرَانِ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْوَصْفِ وُجُودُ الْحُكْمِ، وَهُوَ الطَّرْدُ، وَمِنْ عَدَمِ الْوَصْفِ عَدَمُ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْعَكْسُ.
(3/134)

ثَالِثُهَا: لَا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِهِ قَطْعًا وَلَا ظَنًّا.
لَنَا: أَنَّ الْوَصْفَ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ إِذَا خَلَا عَنِ السَّبْرِ، أَوْ عَنْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مُلَازِمًا لِلْعِلَّةِ، كَرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ، فَلَا قَطْعَ وَلَا ظَنَّ.
وَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ الِاطِّرَادَ: سَلَامَتُهُ مِنَ النَّقْضِ، وَسَلَامَتُهُ مِنْ مُفْسِدٍ وَاحِدٍ لَا تُوجِبُ انْتِفَاءَ كُلِّ مُفْسِدٍ.
وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَا صِحَّةَ إِلَّا بِمُصَحِّحٍ، وَالْعَكْسُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا، فَلَا يُؤَثِّرُ.
وَأُجِيبَ: قَدْ يَكُونُ لِلِاجْتِمَاعِ تَأْثِيرٌ، كَأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ، وَلَا عِلَّةَ.
وَأُجِيبَ: انْتَفَتْ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ مَانِعٍ.
ص - قَالُوا: إِذَا حَصَلَ الدَّوَرَانُ، وَلَا مَانِعَ مِنَ الْعِلِّيَّةِ، حَصَلَ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ عَادَةً.
كَمَا لَوْ دُعِيَ إِنْسَانٌ بَاسِمٍ فَغَضِبَ، ثُمَّ تُرِكَ فَلَمْ يَغْضَبْ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ سَبَبُ الْغَضَبِ حَتَّى إِنَّ الْأَطْفَالَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
قُلْنَا: لَوْلَا انْتِفَاءُ غَيْرِ ذَلِكَ بِبَحْثٍ، أَوْ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ، لَمْ يُظَنَّ وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتَقِلٌّ، وَيَقْوَى بِذَلِكَ.
ص - وَالْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ.
فَالْجَلِيُّ: مَا قُطِعَ بِنَفْيِ الْفَارِقِ فِيهِ، كَالْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ، وَقِيَاسِ دَلَالَةٍ، وَقِيَاسٍ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ.
فَالْأَوَّلُ: مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ.
وَالثَّانِي: مَا يُجْمَعُ فِيهِ بِمَا يُلَازِمُهَا، كَمَا لَوْ جَمَعَ بِأَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ لِمُلَازَمَةِ الْآخَرِ، كَقِيَاسِ قَطْعِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، عَلَى قَتْلِهَا بِالْوَاحِدِ، بِوَاسِطَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّالِثُ: الْجَمْعُ يَنْفِي الْفَارِقَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ عَقْلًا.
لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ، لَمْ يَقَعْ، وَسَيَأْتِي.
ص - قَالُوا: الْعَقْلُ يَمْنَعُ مَا لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ، وَرَدَّ بِأَنَّ مَنْعَهُ هُنَا لَيْسَ إِحَالَةً، وَلَوْ سُلِّمَ، فَإِذَا ظَنَّ الصَّوَابَ، لَا يَمْنَعُ.
قَالُوا: قَدْ عُلِمَ الْأَمْرُ بِمُخَالَفَةِ الظَّنِّ، كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالْعَبِيدِ وَرَضِيعَةٍ فِي عَشْرِ أَجْنَبِيَّاتٍ.
قُلْنَا: بَلْ قَدْ عُلِمَ خِلَافُهُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَظَاهِرِ الْكِتَابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/135)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثَالُهُ: تَرَتُّبُ وُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى الزِّنَا بِشَرْطِ الْإِحْصَانِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُوبُ الرَّجْمِ، وَمِنْ عَدَمِهِ وُجُوبُ الرَّجْمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِلِّيَّتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ قَطْعًا.
وَثَانِيهَا: يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ.
وَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِ الدَّوَرَانِ قَطْعَ الْعِلِّيَّةِ وَلَا ظَنَّهَا، مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ أَحَدُ الْمَسَالِكِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، كَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْوَصْفَ الْمُتَّصِفَ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ إِذَا خَلَا عَنِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَوْ عَنْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ عِلَّةً، بَلْ مُلَازِمًا لِلْعِلَّةِ، كَرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ فَإِنَّهَا وَصْفٌ مُتَّصِفٌ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ الْحُرْمَةِ، وَمِنْ عَدِمَهَا الْحُرْمَةُ، وَمَعَ هَذَا لَا تَكُونُ عِلَّةَ الْحُرْمَةِ، بَلْ تَكُونُ مُلَازِمَةً لِلسُّكْرِ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِه قَطْعُ الْعِلِّيَّةِ وَلَا ظَنُّهَا.
وَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيُّ عَلَى أَنَّ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ بِمُجَرَّدِهِمَا لَا يُفِيدَانِ الْعِلِّيَّةَ، بِأَنَّ الِاطِّرَادَ: سَلَامَةُ الْوَصْفِ مِنَ النَّقْضِ ; لِأَنَّ الِاطِّرَادَ عِبَارَةٌ عَنْ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْوَصْفِ، فَيَقْضِي أَنْ
(3/136)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا يُوجَدَ الْوَصْفُ بِدُونِ الْحُكْمِ، فَيَتَحَقَّقُ سَلَامَتُهُ عَنِ النَّقْضِ; لِأَنَّ النَّقْضَ تَحَقُّقُ الْوَصْفِ بِدُونِ الْحُكْمِ.
وَالنَّقْضُ مُفْسِدٌ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْعِلِّيَّةِ، وَسَلَامَةُ الْوَصْفِ عَنْ مُفْسِدٍ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ كُلِّ مُفْسِدٍ، فَلَا يُفِيدُ الِاطِّرَادُ الْعِلِّيَّةَ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ السَّلَامَةَ عَنْ مُفْسِدٍ وَاحِدٍ، يُوجِبُ انْتِفَاءَ كُلِّ مُفْسِدٍ، فَلَا يَصِحُّ عِلِّيَّتُهُ إِلَّا بِمُصَحِّحٍ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الشَّيْءِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِوُجُودِ مُصَحِّحِهِ.
وَالْعَكْسُ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْعِلَّةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْوَصْفُ الْمُتَّصِفُ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ فِي الْعِلِّيَّةِ ; لِأَنَّ الِاطِّرَادَ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ، وَالْعَكْسُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إِفَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ الْعِلِّيَّةَ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ، أَنْ لَا يَكُونَ مَجْمُوعُهُمَا مُفِيدًا لِلْعَلِيَّةِ، فَإِنَّ لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ تَأْثِيرًا فِي الْعِلِّيَّةِ، فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤَثِّرًا فِي الْعِلِّيَّةِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، وَيَكُونُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مُؤَثِّرًا.
وَذَلِكَ كَأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَالَةَ الِانْفِرَادِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَكُونُ مُؤَثِّرًا.
(3/137)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّ الدَّوَرَانَ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ، كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ. فَإِنَّهُ كُلَّمَا تَحَقَّقَ أَحَدُهُمَا، تَحَقَّقَ الْآخَرُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا، انْتَفَى الْآخَرُ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا عِلَّةً لِلْآخَرِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ إِنَّمَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعٌ يَنْفِي الْعِلِّيَّةَ.
وَفِي الْمُتَضَايِفَيْنِ انْتَفَتِ الْعِلِّيَّةُ لِسَبَبٍ مَانِعٍ، وَهُوَ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ الْآخَرِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْعِلِّيَّةِ أَوِ الظَّنَّ، قَالُوا: إِذَا حَصَلَ الدَّوَرَانُ وَلَمْ يَكُنْ مَانِعٌ مِنْ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، كَمَا فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ، حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْعِلِّيَّةِ، أَوِ الظَّنُّ بِهَا بِطَرِيقِ الْعَادَةِ. كَمَا لَوْ دُعِيَ إِنْسَانٌ بَاسِمٍ مُغْضِبٍ، فَغَضِبَ، ثُمَّ تُرِكَ دُعَاؤُهُ
(3/138)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِالِاسْمِ الْمُغْضِبِ، فَلَمْ يَغْضَبْ، وَتَكَرَّرْ ذَلِكَ مِرَارًا، عُلِمَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالِاسْمِ الْمُغْضِبِ هُوَ سَبَبُ الْغَضَبِ. حَتَّى إِنَّ الْأَطْفَالَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالِاسْمِ الْمُغْضِبِ هُوَ سَبَبُ الْغَضَبِ، فَلِهَذَا يَتَّبِعُونَهُ دَاعِينَ لَهُ بِالِاسْمِ الْمُغْضِبِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ لَوْلَا ظُهُورُ انْتِفَاءِ غَيْرِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الْمُتَّصِفِ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ بِبَحْثٍ، أَوْ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَيْرِ، لَمْ يَحْصُلِ الظَّنُّ بِالْعِلِّيَّةِ. وَإِذَا وُجِدَ الْبَحْثُ أَوِ السَّبْرُ، كَفَى فِي إِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ، لِأَنَّهُ طَرِيقٌ مُسْتَقِلٌّ، وَالدَّوْرَانُ مُقَوٍّ لَهُ.
[الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقِيَاسِ، وَأَرْكَانِهِ، وَشَرَائِطِهَا، وَالطُّرُقِ
(3/139)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الدَّالَّةِ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ، شَرَعَ فِي أَقْسَامِ الْقِيَاسِ.
وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ، فَالْجَلِيُّ: مَا يُقْطَعُ بِنَفْيِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْعِلِّيَّةِ، كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي سَرَايَةِ الْعِتْقِ. فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ - وَهُوَ الذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ - لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ.
وَالْخَفِيُّ: مَا لَا يُقْطَعُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا، كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، فَإِنَّا لَا نَقْطَعُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا.
وَأَيْضًا: يَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ، وَإِلَى قِيَاسِ دَلَالَةٍ، وَإِلَى قِيَاسٍ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ.
فَالْأَوَّلُ، أَيْ قِيَاسُ الْعِلَّةِ: هُوَ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ، كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ إِذَا صَرَّحَ بِالْإِسْكَارِ.
وَالثَّانِي، أَيْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ: مَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِجَامِعِ مُلَازِمِ الْعِلَّةِ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ لِمُلَازَمَةِ الْآخَرِ، أَيْ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ مُوجِبُهَا الْآخَرُ، كَقِيَاسِ قَطْعِ أَيْدِي جَمَاعَةٍ بِيَدِ وَاحِدٍ، عَلَى قَتْلِ
(3/140)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
جَمَاعَةٍ بِقَتْلِ وَاحِدٍ بِوَاسِطَةِ اشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِتَقْدِيرِ إِيجَابِهَا.
فَإِنَّ الْجَامِعَ، الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ يُلَازِمُ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ، وَهِيَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ أَحَدُ مُوجِبَيِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، وَمُوجِبُهُ الْآخَرُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ، الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ ; لِيَسْتَدِلَّ بِهِ مَعَ مُوجِبِهَا الْآخَرِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّالِثُ، أَيِ الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ: هُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، كَقِيَاسِ سَرَايَةِ عِتْقِ الْأَمَةِ عَلَى سَرَايَةِ عِتْقِ الْعَبْدِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا.
[جواز التعبد بالقياس]
ش - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: إِذَا ثَبَتَ حُكْمٌ فِي صُورَةٍ،
(3/141)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَوُجِدَ صُورَةٌ أُخْرَى مُشَارِكَةٌ لِلصُّورَةِ الْأُولَى فِي وَصْفٍ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّكُمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مُعَلَّلٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، فَقِيسُوا الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّا نَقْطَعُ بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِلْإِسْكَارِ، فَقِيسُوا كُلَّ مُشَارِكٍ لَهَا فِي الْإِسْكَارِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَجُزْ، لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِمَا سَيَأْتِي.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ التَّعَبُّدِ عَقْلًا احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَظْنُونًا، وَكُلُّ مَا لَا يُؤَمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ، يَمْنَعُهُ الْعَقْلُ لِكَوْنِ الْخَطَأِ مَحْظُورًا، فَلَا يُجَوِّزُ الْعَقْلُ التَّعَبُّدَ بِمَا يَكُونُ مَحْذُورًا.
أَجَابَ بِأَنَّ مَنْعَ الْعَقْلِ فِي مِثْلِ مَا لَا يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ، لَيْسَ مَنْعَ إِحَالَةٍ، بَلْ مَنْعُ احْتِيَاطٍ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَنْعَ الْعَقْلِ مَا لَا يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ مَنْعَ إِحَالَةٍ، لَكِنْ إِذَا ظُنَّ الصَّوَابُ، لَا يَمْنَعُ الْعَقْلَ ; لِأَنَّ ظَنَّ الصَّوَابِ يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ ظَنَّ الصَّوَابِ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيَمْنَعُهُ الْعَقْلُ ; لِأَنَّهُ عِنْدَ الْعَقْلِ مِمَّا لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ.
الثَّانِي: أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَمَرَ بِمُخَالَفَةِ الظَّنِّ ; لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَبِشَهَادَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ أَفَادَتِ الظَّنَّ، وَمَنَعَ مِنْ نِكَاحِ الْأَجْنَبِيَّاتِ إِذَا اشْتَبَهْنَ بِرَضِيعَةٍ، وَإِنْ ظُنَّ بِوَاحِدَةٍ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ.
(3/142)

وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا مَنَعَ لِمَانِعٍ خَاصٍّ.
ص - النَّظَّامُ: إِذَا ثَبَتَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، كَإِيجَابِ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ، وَغَسْلِ بَوْلِ الصِّبْيَةِ، وَنَضْحِ بَوْلُ الصَّبِيِّ، وَقَطْعِ سَارِقِ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثِيرِ، وَالْجَلْدِ بِنِسْبَةِ الزِّنَا دُونَ نِسْبَةِ الْكُفْرِ، وَالْقَتْلِ بِشَاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنَا، وَكَعِدَّتَيِ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَالرِّدَّةِ وَالزِّنَا، وَالْقَاتِلِ وَالْوَاطِئِ فِي الصَّوْمِ، وَالْمُظَاهِرِ فِي الْكَفَّارَةِ، اسْتَحَالَ تَعَبُّدُهُ بِالْقِيَاسِ.
وَرَدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ، لِجَوَازِ انْتِفَاءِ صَلَاحِيَةِ مَا تُوُهِّمَ جَامِعًا، أَوْ وُجُودِ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ أَوِ الْفَرْعِ، وَلِاشْتِرَاكِ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي مَعْنًى جَامِعٍ، وَلِاخْتِصَاصِ كُلٍّ بِعِلَّةٍ لِحُكْمِ خِلَافِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/143)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ هُوَ الْأَمْرُ بِمُتَابَعَةِ الظَّنِّ. وَالْعَقْلُ لَا يُجَوِّزُ أَنْ يَأْمُرَ الشَّارِعُ بِمُوَافَقَةِ الظَّنِّ مَعَ أَمْرِهِ بِمُخَالَفَتِهِ.
أَجَابَ بِأَنْ لَا نُسَلِّمَ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمُخَالَفَةِ الظَّنِّ، بَلْ عُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمُتَابَعَةِ الظَّنِّ، كَالْأَمْرِ بِمُتَابِعَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَظْنُونَاتِ.
وَإِنَّمَا مَنَعَ الشَّارِعُ فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْتُمُ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ لِمَانِعٍ خَاصٍّ، لَا لِعَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
[مسلك النظام ورده]
ش - احْتَجَّ النَّظَّامُ عَلَى امْتِنَاعِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، اسْتَحَالَ تَعَبُّدُ الشَّرْعِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، وَالْمُقَدَّمُ حَقٌّ، وَالتَّالِي مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يُمْكِنُ بِاعْتِبَارِ الْجَامِعِ، وَالشَّرْعُ إِذَا لَمْ يَعْتَبِرِ الْمِثْلِيَّةَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، وَاعْتَبَرَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، لَزِمَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْجَامِعِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَامِعُ مُعْتَبَرًا، لَزِمَ اعْتِبَارُ الْمِثْلِيَّةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ لِلْجَامِعِ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ لِعَدَمِ الْجَامِعِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْجَامِعُ مُعْتَبَرًا، امْتَنَعَ الْقِيَاسُ ; وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِيَاسُ، امْتَنَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ عَقْلًا.
أَمَّا بَيَانُ وُقُوعِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمُقَدَّمِ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، فَكَإِيجَابِ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ - كَإِبْطَالِ الصَّوْمِ - بِالْمَنِيِّ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ، وَكَإِيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ وَالنَّضْحِ - أَيِ الرَّشِّ - مِنْ بَوْلِ الصَّبِيِّ، وَكَإِيجَابِ قَطْعِ سَارِقِ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثِيرِ، وَكَإِيجَابِ الْجَلْدِ بِنِسْبَةِ الزِّنَا دُونَ نَسَبِهِ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ، وَكَإِيجَابِ الْقَتْلِ بِالشَّاهِدَيْنِ دُونَ إِيجَابِ حَدِّ الزِّنَا، وَكَعِدَّتَيِ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ.
وَأَمَّا وُقُوعُ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ الْمُقَدَّمِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ،
(3/144)

ص - قَالُوا: يُفْضِي إِلَى الِاخْتِلَافِ، فَيُرَدُّ ; لِقَوْلِهِ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ} [النساء: 82] .
وَرُدَّ بِالْعَمَلِ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ: التَّنَاقُضُ، أَوْ مَا يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَمَقْطُوعٌ بِالِاخْتِلَافِ فِيهَا.
قَالُوا: إِنْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، فَيَكُونُ الشَّيْءُ وَنَقِيضُهُ حَقًّا وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، فَتَصْوِيبُ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ مُحَالٌ، وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّ النَّقِيضَيْنِ شَرْطُهُمَا الِاتِّحَادُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/145)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
كَقَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَكَالرِّدَّةِ وَالزِّنَا فِي إِيجَابِ الْقَتْلِ، وَكَالْقَاتِلِ وَالْوَاطِئِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَالْمُظَاهِرِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ.
أَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ يُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ لِانْتِفَاءِ صَلَاحِيَةِ مَا تُوُهِّمَ جَامِعًا لِلْعَلِيَّةِ، أَوْ لِوُجُودِ مُعَارِضٍ فِي الْأَصْلِ لَهُ أَثَرٌ فِي الْحُكْمِ، أَوْ لِوُجُودِ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ لَهُ أَثَرٌ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ، وَلِجَوَازِ اشْتِرَاكِ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي مَعْنًى جَامِعٍ يُوجِبُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَلِجَوَازِ اخْتِصَاصِ كُلٍّ مِنَ الْمُخْتَلِفَاتِ بِعِلَّةٍ لِحُكْمٍ مِثْلِ حُكْمِ خِلَافِهِ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، احْتَجُّوا بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ يُفْضِي إِلَى الِاخْتِلَافِ ; لِأَنَّ الْأَمَارَاتِ
(3/146)

وَبِأَنَّ تَصْوِيبَ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ لَا بِعَيْنِهِ جَائِزٌ.
قَالُوا: إِنْ كَانَ الْقِيَاسُ كَالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، فَمُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا، فَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ.
وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِجَوَازِ مُخَالِفَةِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ بِالظَّنِّ.
قَالُوا: حُكْمُ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ خَبَرَهُ عَنْهُ، وَيَسْتَحِيلُ بِغَيْرِ التَّوْقِيفِ.
قُلْنَا: الْقِيَاسُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْقِيفِ.
قَالُوا: يَتَنَاقَضُ عِنْدَ تَعَارُضِ عِلَّتَيْنِ.
وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدًا، رُجِّحَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُقِفَ عَلَى قَوْلٍ.
وَتَخَيَّرَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَإِنْ تَعَدَّدَ، فَوَاضِحٌ.
ص - الْمُوجِبُ: النَّصُّ لَا يَفِي بِالْأَحْكَامِ، فَقَضَى الْعَقْلُ بِالْوُجُوبِ.
وَرَدَّ بِأَنَّ الْعُمُومَاتِ يَجُوزُ أَنْ تَفِيَ، مِثْلُ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ، قَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ، إِلَّا دَاوُدَ وَابْنَهُ وَالْقَاشَانِيَّ وَالنَّهْرَوَانِيَّ، وَالْأَكْثَرُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/147)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُتَعَدِّدَةٌ. فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ كُلٌّ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ أَمَارَةً، يُوجِبُ إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِأَصْلٍ يُخَالِفُ أَصْلَ الْآخَرِ.
وَمَا يُفْضِي إِلَى الِاخْتِلَافِ يَكُونُ مَرْدُودًا ; لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَالْقِيَاسُ فِيهِ اخْتِلَافٌ، فَلَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَلَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مَنْقُوضٌ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ ; فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَرْدُودًا.
وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِلَافِ التَّنَاقُضُ، أَوِ الِاخْتِلَافُ الَّذِي يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ تَنَاقُضًا كَثِيرًا، أَوْ وَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَحْكَامِ حَاصِلٌ قَطْعًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ أَقْيِسَةُ الْمُجْتَهِدِينَ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وَنَقِيضُهُ حَقًّا، وَهُوَ مُحَالٌ.
(3/148)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، فَتَصْوِيبُ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ، دُونَ الْآخَرِ مَعَ اسْتِوَاءِ الظَّنَّيْنِ، مُحَالٌ; لِامْتِنَاعِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ.
أَجَابَ بِالنَّقْضِ، فَإِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، مَعَ جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ.
وَبِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ كَوْنِ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ حَقًّا عِنْدَ تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا أَفْضَى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مِنَ الْحُكْمِ، لَا يَكُونُ نَقِيضًا لِمَا أَفْضَى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ الْآخَرِ ; لِأَنَّ شَرْطَ التَّنَاقُضِ الِاتِّحَادُ فِيمَا عَدَا السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ حُكْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي حَقِّ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ: الْحُرْمَةُ، وَفِي حَقِّ الْآخَرِ الْإِبَاحَةُ، أَوِ الْحُرْمَةُ فِي زَمَانٍ، وَالْإِبَاحَةُ فِي آخَرَ.
وَإِذَا كَانَ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ مُخْتَلِفًا، فَيَكُونُ الْحُرْمَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ، أَوْ فِي زَمَانٍ، وَعَدَمُ الْحُرْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ أَوْ زَمَانٍ آخَرَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاتِّحَادُ، فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ، وَبِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّرْجِيحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ عِنْدَ تَصْوِيبِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّا نَحْكُمُ بِتَصْوِيبِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا بِعَيْنِهِ، وَتَصْوِيبُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ بِدُونِ مُرَجِّحٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، أَيِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ.
(3/149)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، يَكُونُ الْقِيَاسُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ; لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ ثَابِتٌ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، يَكُونُ الْقِيَاسُ بَاطِلًا ; لِأَنَّ النَّفْيَ الْأَصْلِيَّ مُتَيَقَّنٌ، وَالْقِيَاسُ مَظْنُونٌ، وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ.
أَجَابَ بِالنَّقْضِ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ.
الرَّابِعُ: أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُخْبِرَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ مُفَسَّرٌ بِخِطَابِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَيَسْتَحِيلُ خَبَرُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ التَّوْقِيفِ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ لَا يَكُونُ بِالتَّوْقِيفِ، فَلَا يَكُونُ حُكْمَ اللَّهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ نَوْعٌ مِنَ التَّوْقِيفِ ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ أَوِ الْإِجْمَاعِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ، لَزِمَ التَّنَاقُضُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْعِلَّتَيْنِ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ الْعِلَّتَانِ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فَإِمَّا أَنْ يَعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَإِنْ عَمِلَ بِهِمَا، يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
أَجَابَ بِالنَّقْضِ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، وَبِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ وَاحِدًا عِنْدَ تَعَارُضِ الْعِلَّتَيْنِ، تُرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَيَعْمَلُ بِالرَّاجِحِ،
(3/150)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ تَعَذَّرَ الرُّجْحَانُ، تَوَقَّفَ عَلَى قَوْلٍ، وَيُخَيَّرُ فِي الْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُجْتَهِدُونَ فَكُلٌّ يَعْمَلُ بِمَا هُوَ عِلَّةٌ عِنْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ، لِمَا مَرَّ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي.
ش - الْمُوجِبُ، أَيِ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، قَالَ: النَّصُّ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَالنُّصُوصُ مُتَنَاهِيَةٌ. فَيَقْضِي الْعَقْلُ بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ خُلُوُّ أَكْثَرِ الْوَقَائِعِ عَنِ الْحُكْمِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنْ بِعْثَةِ الرُّسُلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ النُّصُوصَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَاهِيَةً، يَجُوزُ أَنْ تَفِيَ الْعُمُومَاتُ بِالْأَحْكَامِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ، بِأَنْ يَشْمَلَ عَامٌّ وَاحِدٌ جُزْئِيَّاتٍ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، مِثْلَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٌّ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ قَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ]
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، قَائِلُونَ
(3/151)

وَالْأَكْثَرُ قَطْعِيٌّ، خِلَافًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ.
لَنَا: ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَتِ التَّفَاصِيلُ آحَادًا، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَاطِعٍ.
وَأَيْضًا: تَكَرَّرَ وَشَاعَ وَلَمْ يُنْكَرْ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مِثْلِهِ وِفَاقٌ.
فَمِنْ ذَلِكَ رُجُوعُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ عَلَى الزَّكَاةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْأَنْصَارِ فِي أُمِّ الْأَبِّ: تُرِكَتِ الَّتِي لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَّةُ، وَرِثَ الْجَمِيعُ، فَشَرَّكَ بَيْنَهُمَا.
وَتَوْرِيثُ عَمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَبْتُوتَةَ بِالرَّأْيِ.
وَقَوْلُ عَلِيٍّ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا شَكَّ فِي قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ: أَرَأَيْتَ لَوِ اشْتَرَكَ نَفَرٌ فِي سَرِقَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِلْحَاقُ بَعْضِهِمُ الْجَدَّ بِالْأَخِ، وَبَعْضِهِمْ بِالْأَبِّ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ.
ص - فَإِنْ قِيلَ: أَخْبَارُ آحَادٍ فِي قَطْعِيٍّ.
سَلَّمْنَا، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ بِغَيْرِهَا.
سَلَّمْنَا، لَكِنَّهُمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ دَلِيلٍ، وَلَا نُسَلِّمُ نَفْيَ الْإِنْكَارِ.
سَلَّمْنَا، لَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ.
سَلَّمْنَا، لَكِنَّهَا أَقْيِسَةٌ مَخْصُوصَةٌ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ فِي الْمَعْنَى، كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/152)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِوُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ، إِلَّا دَاوُدَ الْأَصْفَهَانِيَّ وَابْنَهُ، وَالْقَاشَانِيَّ وَالنَّهْرَوَانِيَّ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ وُقُوعَ التَّعَبُّدِ بِهِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ أَوِ الْعَقْلِ.
(3/153)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ إِلَى وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ اخْتَلَفُوا ; فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ إِلَى وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ الَّذِي هُوَ قَطْعِيٌّ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ قَطْعِيٍّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ آحَادًا، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ تَوَاتُرُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّفَاصِيلِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ اجْتِمَاعَ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا هُوَ أَصْلٌ، لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَاطِعٍ دَالٍّ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ تَكَرَّرَ عَمَلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَشَاعَ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ سُكُوتَ الْبَاقِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُوَافَقَةِ، فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيُّ حَاصِلًا عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ يُعْتَدُّ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَقَائِعَ قَدْ عَمِلَ فِيهَا الصَّحَابَةُ بِالْقِيَاسِ،
(3/154)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَمِنْ ذَلِكَ: رُجُوعُ الصَّحَابَةِ إِلَى اجْتِهَادِ أَبِي بَكْرٍ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَقِتَالُهُمْ عَلَى الزَّكَاةِ لِقِيَاسِهِمْ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ بِوَاسِطَةِ أَخْذِهَا لِلْفُقَرَاءِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ بَعْضِ الْأَنْصَارِ لِأَبِي بَكْرٍ، لَمَّا وَرَّثَ أُمَّ الْأُمِّ، وَلَمْ يُوَرِّثْ أُمَّ الْأَبِ: لَقَدْ وَرَّثْتَ امْرَأَةً مِنْ مَيِّتٍ، لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَّةُ، لَمْ يَرِثْهَا، وَتَرَكْتَ امْرَأَةً لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَّةُ، وَرِثَ جَمِيعُ مَا تَرَكَتْ. فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ عَنِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَشَرَّكَ السُّدُسَ بَيْنَ أُمِّ الْأُمِّ وَأُمِّ الْأَبِّ.
وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عُمَرَ وَرَّثَ الْمَبْتُوتَةَ بِالرَّأْيِ.
(3/155)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ عَلِيٍّ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا شَكَّ عُمَرُ فِي قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ: أَرَأَيْتَ لَوِ اشْتَرَكَ نَفَرٌ فِي سَرِقَةٍ، أَكُنْتَ تَقْطَعُهُمْ؟ قَالَ عُمَرُ: نَعَمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَمِنْ ذَلِكَ: إِلْحَاقُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ الْجَدَّ بِالْأَخِ، وَبَعْضِهِمْ بِالْأَبِّ فِي إِسْقَاطِ الْأُخْوَةِ.
(3/156)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
ش - لَمَّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، ذَكَرَ أَسْئِلَةً مَعَ الْجَوَابِ، وَتَقْرِيرُ الْأَسْئِلَةِ أَنْ يُقَالَ: التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ قَطْعِيٌّ ; لِأَنَّهُ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ.
وَالْوَقَائِعُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ أَخْبَارُ آحَادٍ، وَهِيَ لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ.
سَلَّمْنَا: أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ بِالْأَقْيِسَةِ، بَلْ عَمِلُوا بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ بِالْقِيَاسِ، لَكِنَّهُمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، فَلَا يَكُونُ عَمَلُهُمْ حُجَّةً.
سَلَّمْنَا أَنَّ عَمَلَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ الْبَاقِينَ دَلِيلٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ نَفْيَ الْإِنْكَارِ، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ تَارَةً إِنْكَارُ الرَّأْيِ،
(3/157)

وَعَنِ الثَّانِي: الْقَطْعُ مِنْ سِيَاقِهَا بِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا.
وَعَنِ الثَّالِثِ: شِيَاعُهُ وَتَكْرِيرُهُ قَاطِعٌ عَادَةً بِالْمُوَافَقَةِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِنَقْلِ مِثْلِهِ.
وَعَنِ الْخَامِسِ: مَا سَبَقَ فِي الثَّالِثِ.
وَعَنِ السَّادِسِ: الْقَطْعُ بِأَنَّ الْعَمَلَ لِظُهُورِهَا لَا لِخُصُوصِهَا، كَالظَّوَاهِرِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِمَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ الْعِلَلِ لِيَبْتَنِي عَلَيْهَا، مِثْلَ: " «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» "، " «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ» "، وَلَيْسَ بِالْبَيْنِ.
وَاسْتَدَلَّ بِإِلْحَاقِ كُلِّ زَانٍ بِمَاعِزٍ.
وَرَدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ» "، أَوْ لِلْإِجْمَاعِ.
وَاسْتَدَلَّ بِمِثْلِ: (فَاعْتَبِرُوا) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الِاتِّعَاظِ، أَوْ فِي الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ، مَعَ أَنَّ صِيغَةَ " افْعَلْ " مُحْتَمِلَةٌ.
وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ، وَغَايَتُهُ الظَّنُّ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ لَا يَكْفِي فِي التَّعَدِّي دُونَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأُخْرَى إِنْكَارُ الْقِيَاسِ، وَأُخْرَى إِنْكَارُ مَنْ أَثْبَتَ الْحُكْمَ لَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيٍ.
وَعَنْ عُمَرَ: إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَإِيَّاكُمْ وَالْمُكَايَلَةَ. قِيلَ: وَمَا الْمُكَايَلَةُ؟ قَالَ: الْمُقَايَسَةُ.
وَعَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَيَّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٌ مِنْ قِبَلِهِ قَاضٍ: اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَاقْضِ بِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِيهَا، فَاقْضِ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ.
(3/159)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعَنْ عَلِيٍّ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالْقِيَاسِ، لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ.
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: يَذْهَبُ قُرَّاؤُكُمْ وَصُلَحَاؤُكُمْ، وَيَتَّخِذُ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ.
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قُلْتُمْ فِي دِينِكُمْ بِالْقِيَاسِ، أَحْلَلْتُمْ كَثِيرًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، وَحَرَّمْتُمْ كَثِيرًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ لِنَبِيِّهِ: {احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] ، وَلَمْ يَقُلْ: بِمَا رَأَيْتَ.
وَقَالَ: لَوْ جَعَلَ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْكُمَ بِرَأْيِهِ، لَجَعَلَ ذَلِكَ لِنَبِيِّهِ، وَلَكِنْ قِيلَ لَهُ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] .
قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْمَقَايِيسَ، فَإِنَّمَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِالْمَقَايِيسِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ; السُّنَّةُ مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ،
(3/160)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا تَجْعَلُوا الرَّأْيَ سُنَّةً لِلْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْ مَسْرُوقٍ: لَا أَقِيسُ شَيْئًا بِشَيْءٍ، أَخَافَ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِي بَعْدَ ثُبُوتِهَا.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يَذُمُّ الْقِيَاسَ وَيَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ إِبْلِيسُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنْ أَخَذْتُمْ بِالْقِيَاسِ أَحْلَلْتُمُ الْحَرَامَ، وَحَرَّمْتُمُ الْحَلَالَ.
فَثَبَتَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ تَصْرِيحُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِإِنْكَارِ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِالْقِيَاسِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ، لَكِنَّ عَدَمَ إِنْكَارِهِمْ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ إِنْكَارِهِمْ لِلْخَوْفِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ سُكُوتَهُمْ يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، لَكِنَّهَا أَقْيِسَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْعَمَلِ بِكُلِّ قِيَاسٍ.
(3/161)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَإِنْ كَانَتْ آحَادًا فِي التَّفَاصِيلِ، إِلَّا أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهَا - وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ - مُتَوَاتِرٌ، كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَسَخَاوَةِ حَاتِمٍ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ سِيَاقَ تِلْكَ الْأَخْبَارِ وَقَرَائِنَ الْأَحْوَالِ، دَلَّ قَطْعًا بِأَنَّ عَمَلَهُمْ بِالْقِيَاسِ فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ لَا بِالنَّصِّ ; لِأَنَّ عَمَلَهُمْ لَوْ كَانَ بِالنَّصِّ لَأَظْهَرُوهُ. وَلَوْ أَظْهَرُوهُ لَاشْتُهِرَ، وَلَوِ اشْتُهِرَ لَنُقِلَ إِلَيْنَا. وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، عَلِمْنَا أَنَّهُمْ مَا عَمِلُوا فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ بِالنَّصِّ.
وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ شَيَاعَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ وَتَكْرِيرَهُ قَاطِعٌ عَادَةً بِأَنَّ عَدَمَ إِنْكَارِهِمْ بِسَبَبِ الْمُوَافَقَةِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ، لَنُقِلَ، وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُنْكِرُوا.
أَوِ الْإِنْكَارُ فِي الصُّوَرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ إِنَّمَا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ مَرْتَبَةُ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَفِي قِيَاسٍ أَخَلَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ، جَمْعًا بَيْنَ النَّقْلَيْنِ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَوَيْتُمْ عَنْهُمُ الْمَنْعَ مِنَ الْقِيَاسِ هُمُ الَّذِينَ دَلَّلْنَا عَلَى تَجْوِيزِهِمُ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ.
وَعَنِ الْخَامِسِ: مَا سَبَقَ فِي الثَّالِثِ.
وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَقْيِسَةِ الْمَخْصُوصَةِ لَيْسَ لِأَجْلِ خُصُوصِهَا، كَالظَّوَاهِرِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهَا لَيْسَ لِأَجْلِ خُصُوصِهَا، بَلْ
(3/162)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لِأَجْلِ أَنَّهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ.
ش - ذَكَرَ أَرْبَعَةَ اسْتِدْلَالَاتٍ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهَا.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ثَبَتَ بِمَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَكَرَ الْعِلَلَ ; لِيَبْنِيَ عَلَى تِلْكَ الْعِلَلِ الْأَحْكَامَ ; لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَأَجَابَ عَنْ كُلِّ صُورَةٍ مِنْهَا بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْعِلَّةِ إِرْشَادًا لِأُمَّتِهِ إِلَى الْقِيَاسِ.
(3/163)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلُ «قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْخَثْعَمِيَّةِ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» .
وَمِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ» ". وَأَمْثَالُهُ.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ مُتَعَبَّدٌ بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَيْسَ بِالْبَيْنِ ; لِأَنَّ غَايَتَهُ التَّصْرِيحُ بِالْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ. وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْعِلَّةِ لِتَعْرِيفِ الْبَاعِثِ عَلَى الْحُكْمِ ; لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الِانْقِيَادِ، لَا لِأَجْلِ إِلْحَاقِ الْغَيْرِ بِهِ.
وَلَئِنْ سَلَّمَ أَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ وَقَرِينَةَ الْحَالِ يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِ الْعِلَّةِ هُوَ إِلْحَاقُ الْغَيْرِ بِهِ، لَكِنْ لَا يَكُونُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، بَلْ ظَنِّيًّا، وَكَلَامُنَا فِي الْقَطْعِيِّ.
الِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي: أَنَّ رَجْمَ كُلِّ زَانٍ مُحْصَنٍ لَيْسَ إِلَّا لِأَجْلِ الْإِلْحَاقِ بِمَاعِزٍ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ. فَإِنَّ رَجْمَ مَاعِزٍ ثَبَتَ بِفِعْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ لَيْسَ بِعَامٍّ، وَلَا نَصَّ عَلَى رَجْمِ كُلِّ زَانٍ لِعَدَمِ النَّقْلِ، فَيَكُونُ لِأَجْلِ الْقِيَاسِ.
أَجَابَ بِأَنَّ رَجْمَ كُلِّ زَانٍ مُحْصَنٍ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» "، أَوْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُ الْإِجْمَاعِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصًّا عَامًّا لَمْ
(3/164)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يُنْقَلُ إِلَيْنَا ; لِأَنَّهُ قَدِ اسْتُغْنِيَ بِالْإِجْمَاعِ عَنْهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ الْمُجَاوَزَةُ وَالِاعْتِبَارُ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ، وَالِاعْتِبَارُ وَاجِبٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] ، فَوَجَبَ الْقِيَاسُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ ظَاهِرٌ فِي الِاتِّعَاظِ، أَوْ فِي الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ، لَا فِي الْأَقْيِسَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
عَلَى أَنَّ صِيغَةَ " افْعَلْ " مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ قَطْعِيَّةً.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: بِمَ تَقْضِي يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِيهَا؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي» . وَصَوَّبَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ مُعْتَدٌّ بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْآحَادِ، وَغَايَتُهُ إِفَادَةُ الظَّنِّ.
[مَسْأَلَةٌ النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ لَا يَكْفِي فِي التَّعَدِّي دُونَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إِذَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ، هَلْ يَكْفِي فِي تَعَدِّي الْحُكْمِ مِنَ الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، دُونَ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ أَمْ لَا؟
وَالْمُخْتَارُ عَنِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي ذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَالْقَاشَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ وَالْكَرْخِيُّ: إِنَّهُ يَكْفِي ذَلِكَ بِدُونِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّ: إِنَّهُ يَكْفِي ذَلِكَ فِي عِلَّةِ التَّحْرِيمِ، لَا غَيْرِهَا مِنْ عِلَّةِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ مَنْ قَالَ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِحُسْنِ خُلُقِهِ، لَا يَقْتَضِي عِتْقَ غَيْرِ غَانِمٍ مِنْ عَبِيدِهِ ; لِكَوْنِهِمْ حَسَنِي الْخُلُقِ.
(3/165)

وَقَالَ أَحْمَدُ وَالْقَاشَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ وَالْكَرْخِيُّ: يَكْفِي.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّ: يَكْفِي فِي عِلَّةِ التَّحْرِيمِ لَا غَيْرِهَا.
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِحُسْنِ خُلُقِهِ، لَا يَقْتَضِي عِتْقَ غَيْرِهِ مِنْ حَسَنِي الْخُلُقِ.
ص - قَالُوا: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا، مِثْلُ: حُرِّمَتْ كُلُّ مُسْكِرٍ.
وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلَهُ عُتِقَ مَنْ تَقَدَّمَ.
قَالُوا: لَمْ يُعْتَقْ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَالْحَقُّ لِآدَمِيٍّ.
قُلْنَا: يُعْتَقُ بِالصَّرِيحِ وَبِالظَّاهِرِ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ الْأَبُّ لَا تَأْكُلْ هَذَا لِأَنَّهُ مَسْمُومٌ، فُهِمَ عُرْفًا الْمَنْعُ مِنْ كُلِّ مَسْمُومٍ.
قُلْنَا: بِقَرِينَةِ شَفَقَةِ الْأَبِّ، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ قَدْ يَخُصُّ لِأَمْرٍ لَا يُدْرَكُ.
قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْمِيمِ، لَعُرِّيَ عَنِ الْفَائِدَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/166)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَوْ كَانَ التَّنْصِيصُ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ كَافِيًا فِي تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنَ الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَى عِلَّتِهِ إِلَى غَيْرِهِ، بِدُونِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، لَاقْتَضَى ذَلِكَ عِتْقَ غَيْرِ غَانِمٍ مِنْ حَسَنِي الْخُلُقِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ كُلَّ عَبْدٍ لِي حَسَنٍ خُلُقُهُ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَى عِلَّتِهِ يَكْفِي فِي تَعَدِّي الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، بِدُونِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: حُرِّمَتْ كُلُّ مُسْكِرٍ، فَكَمَا أَنَّ الثَّانِيَ يَقْتَضِي حُرْمَةَ كُلِّ مُسْكِرٍ، فَكَذَا الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مِثْلُ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلَهُ، أُعْتِقَ غَيْرُ غَانِمٍ مِمَّنْ حَسُنَ خُلُقُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِحُسْنِ خُلُقِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ كُلَّ عَبْدٍ لِي حَسَنٍ خُلُقُهُ. وَالثَّانِي يَقْتَضِي عِتْقَ كُلِّ عَبْدٍ لَهُ حَسَنٍ خُلُقُهُ، فَكَذَا الْأُولَى ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
(3/167)

وَأُجِيبَ بِتَعَقُّلِ الْمَعْنَى فِيهِ، وَلَا يَكُونُ التَّعْمِيمُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ: عِلَّةُ التَّحْرِيمِ الْإِسْكَارُ، لَعَمَّ، فَكَذَلِكَ هَذَا.
قُلْنَا: حُكِمَ بِالْعِلَّةِ عَلَى كُلِّ إِسْكَارٍ، فَالْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ سَوَاءٌ.
ص - الْبَصْرِيُّ: مَنْ تَرَكَ أَكْلَ شَيْءٍ لِأَذَاهُ، دَلَّ عَلَى تَرْكِهِ كُلَّ مُؤْذٍ، بِخِلَافِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ.
قُلْنَا: إِنْ سُلَّمَ، فَلِقَرِينَةِ التَّأَذِّي، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْقِيَاسُ يَجْرِي فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
لَنَا: إِنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ، وَقَدْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ بِالْقِيَاسِ.
وَأَيْضًا: الْحُكْمُ لِلظَّنِّ، وَهُوَ حَاصِلٌ كَغَيْرِهِ.
ص - قَالُوا: فِيهِ تَقْدِيرٌ لَا يُعْقَلُ، كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ.
قُلْنَا: إِذَا فُهِمَتِ الْعِلَّةُ وَجَبَ، كَالْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ، وَقَطْعِ النَّبَّاشِ.
قَالُوا: قَالَ: " «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ» ". وَرَدَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالشَّهَادَةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ.
لَنَا: أَنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ تَغَايُرُ الْوَصْفَيْنِ، فَلَا أَصْلَ لِوَصْفِ الْفَرْعِ.
وَأَيْضًا: عِلَّةُ الْأَصْلِ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الْفَرْعِ، فَلَا جَمْعَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/168)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَمُنِعَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَعْتِقْ كُلُّ عَبْدٍ لَهُ حَسُنَ خُلُقُهُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَرِّحٍ بِعِتْقِ كُلِّ عَبْدٍ لَهُ حَسَنٍ خُلُقُهُ، وَالْحَقُّ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَالشَّارِعُ اعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ صَرِيحَ الْقَوْلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْعِتْقَ كَمَا يَحْصُلُ بِالصَّرِيحِ، يَحْصُلُ بِالظَّاهِرِ، وَإِذَا كَانَ التَّنْصِيصُ بِالْعِلَّةِ مِثْلَ إِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَى الْعِلَّةِ، يَكُونُ قَوْلُهُ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِحُسْنِ خُلُقِهِ ظَاهِرًا فِي عِتْقِ كُلِّ عَبْدٍ لَهُ حَسَنٍ خُلُقُهُ.
وَالثَّانِي: لَوْ قَالَ الْأَبُ لِوَلَدِهِ: لَا تَأْكُلْ هَذَا الطَّعَامَ ; لِأَنَّهُ مَسْمُومٌ، فُهِمَ عُرْفًا الْمَنْعُ مِنْ كُلِّ مَسْمُومٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: لَا تَأْكُلْ هَذَا ; لِأَنَّهُ مَسْمُومٌ، مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَأْكُلْ كُلَّ مَسْمُومٍ، لَمَا فُهِمَ عُرْفًا ذَلِكَ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ فَهْمَ ذَلِكَ عُرْفًا مِنَ اللَّفْظِ، بَلْ فُهِمْ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ خَارِجِيَّةٍ، وَهِيَ شَفَقَةُ الْأَبِ ; فَإِنَّ شَفَقَةَ الْأَبِ يَقْتَضِي مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْ كُلِّ سُمٍّ، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُخَصُّ لِأَمْرٍ لَا يُدْرَكُ.
الثَّالِثُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْعِلَّةِ لِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ الْعِلَّةِ، لَعُرِّيَ التَّنْصِيصُ عَنِ الْفَائِدَةِ لِحُصُولِ الْحُكْمِ فِي الْمَنْصُوصِ بِمُجَرَّدِ النَّصِّ بِدُونِ التَّنْصِيصِ عَلَى عِلَّتِهِ.
(3/169)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ فَائِدَةَ التَّنْصِيصِ عَلَى الْعِلَّةِ تَعَقُّلُ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ الْحُكْمُ فِيهِ، أَيْ فِي الْمَحَلِّ ; لِأَنَّهُ أَسْرَعُ إِلَى الِانْقِيَادِ، وَتَعْمِيمُ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ.
الرَّابِعُ: لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: الْإِسْكَارُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، لَعَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّ مُسْكِرٍ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا، يَعُمُّ التَّحْرِيمُ فِيهِ كُلَّ مُسْكِرٍ ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: الْإِسْكَارُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ حَكَمَ بِالْعِلَّةِ عَلَى كُلِّ إِسْكَارٍ، فَالْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ تَسَاوَيَا فِيهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا ; فَإِنَّهُ حُكِمَ بِالْعِلَّةِ عَلَى إِسْكَارِ الْخَمْرِ. فَلَا يَكُونُ الْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ فِيهِ سَوَاءً.
ش - احْتَجَّ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ أَكْلَ شَيْءٍ لِأَجْلِ أَنَّهُ مُؤْذٍ، دَلَّ عَلَى تَرْكِهِ كُلَّ مُؤْذٍ، بِخِلَافِ مَنِ ارْتَكَبَ أَمْرَ الْمَصْلَحَةِ، كَالتَّصَدُّقِ عَلَى فَقِيرٍ، فَإِنَّهُ
(3/170)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا يَدُلُّ عَلَى تَصَدُّقِهِ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِهِ كُلَّ مُؤْذٍ، وَلَوْ سَلَّمَ دَلَالَتَهُ عَلَى تَرْكِهِ كُلَّ مُؤْذٍ، فَلِأَجْلِ قَرِينَةِ التَّأَذِّي، لَا بِمُجَرَّدِ النَّصِّ عَلَى الْعِلَّةِ، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْخَفِيَّةِ، إِذْ لَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مُطْلَقُ مَا نُصَّ عَلَيْهِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِخُصُوصِيَّةِ الْمَحَلِّ مَدْخَلٌ فِي الْعِلَّةِ.
[مسألة جريان القياس في الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ]
ش - الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ يَجْرِي فِيهَا الْقِيَاسُ، أَيْ تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِيهَا بِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً، غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِبَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَشْمَلُ الْحُدُودَ وَالْكَفَّارَاتِ وَغَيْرَهَا.
وَأَيْضًا: قَدْ وَقَعَ الْقِيَاسُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ قَالَ عَلَى أَنَّهُ
(3/171)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوهُ حَدَّ الْقَذْفِ. فَقَاسَ شَارِبَ الْخَمْرِ عَلَى الْقَاذِفِ بِجَامِعِ الِافْتِرَاءِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ بِالْقِيَاسِ.
وَأَيْضًا: الْحُكْمُ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الظَّنِّ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْحَدِّ، كَمَا هُوَ حَاصِلٌ فِي غَيْرِ الْحَدِّ، فَيَكُونُ الظَّنُّ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ فِي الْحَدِّ أَيْضًا.
وَالْقِيَاسُ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ، فَيَكُونُ الْقِيَاسُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ فِي الْحَدِّ.
ش - احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ بِوَجْهَيْنِ:
(3/172)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ: أَنَّ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ تَقْدِيرًا لَا يُعْقَلُ، أَيِ الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُقَدَّرَةِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ الْمَعْنَى الْمُوجَبُ لِلْحُكْمِ فِيهِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِذَا فُهِمَتِ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ، وَجَبَ الْقِيَاسُ، وَقَدْ فُهِمَتِ الْعِلَّةُ، كَمَا فِي قِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، وَكَقِيَاسِ قَطْعِ النَّبَّاشِ عَلَى قَطْعِ السَّارِقِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقِيَاسَ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَالشُّبْهَةَ لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا، فَلَا يَثْبُتُ الْحُدُودُ بِهِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ» ".
أَجَابَ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالشَّهَادَةِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَالشُّبْهَةَ ; لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا مَعَ ثُبُوتِ الْحَدِّ بِهِ.
[مسألة جريان القياس في الْأَسْبَابِ]
ش - اخْتُلِفَ فِي إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى خِلَافِهِ، وَصُورَتُهُ أَنَّ اللِّوَاطَ سَبَبٌ لِلْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَا، وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ، لَصَحَّ الْقِيَاسُ بِالْوَصْفِ الْمُرْسَلِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ وَصْفَ الْفَرْعِ كَاللِّوَاطِ مَثَلًا مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ تَغَايُرُ الْوَصْفَيْنِ، أَعْنِي وَصْفَ الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ اللِّوَاطُ، وَوَصْفَ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الزِّنَا، وَقَدْ شَهِدَ أَصْلٌ بِاعْتِبَارِ وَصْفِ الزِّنَا، وَلَمْ يَشْهَدْ أَصْلٌ بِاعْتِبَارِ وَصْفِ اللِّوَاطِ، فَيَكُونُ مُرْسَلًا.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ تَغَايُرَ الْوَصْفَيْنِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ شَهَادَةِ أَصِلٍ بِاعْتِبَارِ وَصْفِ اللِّوَاطِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللِّوَاطَ قِيسَ عَلَى الزِّنَا فِي السَّبَبِيَّةِ لِمَعْنًى أَوْجَبَ فِي
(3/173)

وَأَيْضًا: إِنْ كَانَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ حِكْمَةً عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهَا أَوْ ضَابِطًا لَهَا، اتَّحَدَ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَامِعٌ، فَفَاسِدٌ.
ص - قَالُوا: ثَبَتَ الْمُثْقَلُ عَلَى الْمُحَدَّدِ، وَاللِّوَاطُ عَلَى الزِّنَا.
قُلْنَا: لَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ ثَبَتَ لَهُمَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَإِيلَاجُ فَرَجٍ فِي فَرْجٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا يُجْرَى الْقِيَاسُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
لَنَا: ثَبَتَ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، كَالدِّيَةِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعُ الْمَعْنَى.
وَأَيْضًا: قَدْ تَبَيَّنَ امْتِنَاعُهُ فِي الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ.
ص - قَالُوا: مُتَمَاثِلَةٌ، فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الْجَائِزِ.
قُلْنَا: قَدْ يَمْتَنِعُ، أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ النَّوْعِ أَمْرٌ لِأَمْرٍ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/174)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الزِّنَا، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي اللِّوَاطِ. وَذَلِكَ الْمَعْنَى شَهِدَ لَهُ أَصْلٌ بِاعْتِبَارِهِ حَيْثُ جَعَلَ الزِّنَا سَبَبًا.
الثَّانِي: أَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ وَهُوَ حِفْظُ النَّسَبِ بِسَبَبِيَّةِ الزِّنَا مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الْفَرْعِ، وَإِذَا انْتَفَى عِلَّةُ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، امْتَنَعَ الْقِيَاسُ، إِذِ الْقِيَاسُ بِدُونِ جَامِعِ مُمْتَنِعٌ.
الثَّالِثُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ جَامِعٌ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا جَامِعٌ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ حِكْمَةً عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْقَوْلِ بِكَوْنِ الْجَامِعِ حِكْمَةً أَوْ ضَابِطًا لِلْحِكْمَةِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ اتَّحَدَ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ فِي كَوْنِهِمَا مَعْلُولَيِ الْحِكْمَةِ ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الْوَصْفُ سَبَبًا هِيَ الْحِكْمَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا يَكُونُ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْوَصْفِ ثَابِتًا، فَيَكُونُ الْحِكْمَةُ أَوِ الضَّابِطُ لَهَا مُسْتَقِلًّا بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا لِلْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ جَامِعٌ يَكُونُ الْقِيَاسُ فَاسِدًا.
ش - الْقَائِلُونَ بِجَرْيِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ قَالُوا: قَدْ وَقَعَ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الصِّحَّةِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ وَقَعَ لِأَنَّهُ قِيسَ سَبَبِيَّةُ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى سَبَبِيَّةِ
(3/175)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، وَقِيسَ سَبَبِيَّةُ اللِّوَاطِ عَلَى سَبَبِيَّةِ الزِّنَا.
أَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَإِيلَاجُ فَرَجٍ فِي فَرَجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مُشْتَهًى طَبْعًا، ثَبَتَ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ حِفْظُ النَّفْسِ وَالنَّسَبِ، وَالنِّزَاعُ وَقَعَ فِي السَّبَبَيْنِ أَثْبَتَ سَبَبِيَّةَ أَحَدِهِمَا بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ، وَسَبَبِيَّةَ الْآخَرِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
[مسألة جريان القياس في جميع الأحكام]
ش - لَا يَثْبُتُ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلْأَقَلِّينَ، وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِ إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ثَبَتَ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، أَيْ مَا لَا يُعْقَلُ حِكْمَةُ الْحُكْمِ، كَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى، فَمَا لَا يُتَعَقَّلُ مَعْنَاهُ، لَا يُجْرَى فِيهِ الْقِيَاسُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ بَيَّنَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ امْتِنَاعَ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ.
(3/176)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْأَسْبَابُ وَالشُّرُوطُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ لِمَا بَيَّنَّا فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، فَلَا يُجْرَى الْقِيَاسُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
ش - الْأَقَلُّونَ قَالُوا: الْأَحْكَامُ مُتَمَاثِلَةٌ لِانْدِرَاجِهَا تَحْتَ حَدٍّ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، وَالْأُمُورُ الْمُتَمَاثِلَةُ يَجِبُ تَسَاوِيهَا فِيمَا جَازَ عَلَى بَعْضِهَا، وَقَدْ صَحَّ جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي الْبَعْضِ، فَيَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ، أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ النَّوْعِ أَمْرٌ لِأَجْلِ أَمْرٍ اخْتَصَّ بِذَلِكَ الْبَعْضِ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ، أَيْ يَكُونُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ الْبَعْضِ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَجَوَازِهِ.
[الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ]
[الاستفسار]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقِيَاسِ وَأَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهَا وَأَقْسَامِهِ وَبَيَانِ كَوْنِهِ حُجَّةً، شَرَعَ فِي الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنْعِ أَوِ الْمُعَارَضَةِ.
وَالْمَنْعُ إِمَّا لِمُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ، أَوْ لِجَمِيعِهَا.
وَالْمُعَارَضَةُ إِمَّا فِي الْمُقَدِّمَةِ أَوْ فِي نَفْسِ الْقِيَاسِ.
وَالِاعْتِرَاضَاتُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ:
الْأَوَّلُ: الِاسْتِفْسَارُ، وَهُوَ طَلَبُ مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ فِي اللَّفْظِ إِجْمَالٌ بِسَبَبِ تَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَحْمَلَيْنِ، أَوْ غَرَابَةٌ بِسَبَبِ نُدْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَعْرِفُهُ الْمُخَاطَبُ. وَبَيَانُ الْإِجْمَالِ وَالْغَرَابَةِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُمَا.
وَبَيَانُ الْإِجْمَالِ بِأَنْ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ صِحَّةَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ، وَلَا يُكَلَّفُ الْمُعْتَرِضُ بَيَانَ تَسَاوِي الْمَحْمَلَيْنِ فِي إِطْلَاقِ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا ; لِعُسْرِهِ، إِذْ مَا مِنْ وَجْهٍ يُبَيَّنُ بِهِ التَّسَاوِي إِلَّا
(3/177)

الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ.
ص - الِاعْتِرَاضَاتُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ، وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ، وَهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ:
الْأَوَّلُ: الِاسْتِفْسَارُ، وَهُوَ طَلَبُ مَعْنَى اللَّفْظِ لِإِجْمَالٍ أَوْ غَرَابَةٍ، وَبَيَانُهُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ بِصِحَّتِهِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ، وَلَا يُكَلَّفُ بَيَانُ التَّسَاوِي لِعُسْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ: التَّفَاوُتُ يَسْتَدْعِي تَرْجِيحًا بِأَمْرٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، لَكَانَ جَيِّدًا.
وَجَوَابُهُ بِظُهُورِهِ فِي مَقْصُودِهِ بِالنَّقْلِ أَوْ بِالْعُرْفِ أَوْ بِقَرَائِنَ مَعَهُ، أَوْ بِتَفْسِيرِهِ.
وَإِذَا قَالَ: يَلْزَمُ ظُهُورُهُ فِي أَحَدِهِمَا دَفْعًا لِلْإِجْمَالِ، أَوْ قَالَ: يَلْزَمُ ظُهُورُهُ فِيمَا قَصَدْتُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْآخَرِ اتِّفَاقًا، فَقَدْ صَوَّبَهُ بَعْضٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/178)

وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ لُغَةٌ، فَمِنْ جِنْسِ اللَّعِبِ.
ص - الثَّانِي: فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/179)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: لِمَ قُلْتَ؟ لَا تَفَاوُتَ بَيْنِهِمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَلَوْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ فِي بَيَانِ تُسَاوِي الْمَحْمَلَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ: التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْمَحْمَلَيْنِ يَسْتَدْعِي تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَمْرٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُرَجَّحِ، لَكَانَ جَيِّدًا.
قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ الْمُعْتَرِضُ الِاسْتِعْمَالَ - وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ - فَقَدْ سَلَّمَ حُصُولَ الْمُرَجَّحِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُرَجِّحِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِنَا: الْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، حُصُولُ الْمُرَجِّحِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِجْمَالِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الِاشْتِرَاكِ، وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ بَعْدَ بَيَانِ الْمُعْتَرِضِ الْإِجْمَالُ.
أَمَّا بِطَرِيقِ التَّفْصِيلِ: فَبِأَنْ يُبَيِّنَ ظُهُورَ اللَّفْظِ فِي مَقْصُودِهِ، أَيْ مَقْصُودِ الْمُسْتَدِلِّ بِالنَّقْلِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ بِعُرْفِ الشَّرْعِ، أَوِ الِاصْطِلَاحِ، أَوْ بِقَرَائِنَ مَوْجُودَةٍ مَعَ اللَّفْظِ، أَوْ بِأَنْ يُفَسِّرَ اللَّفْظَ بِمَا هُوَ مَقْصُودُهُ، إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ: فَبِأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ ظُهُورُ اللَّفْظِ فِي أَحَدِ الْمَحْمِلَيْنِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ
(3/180)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْإِجْمَالُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ ; لِإِخْلَالِهِ بِالتَّفَاهُمِ الْمَقْصُودِ مِنْ وَضْعِ اللَّفْظِ. وَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي غَيْرِ الْمَقْصُودِ بِالِاتِّفَاقِ.
أَمَّا عِنْدَ الْمُعْتَرِضِ ; فَلِأَنَّهُ قَائِلٌ بِالْإِجْمَالِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ فَلِدَعْوَى ظُهُورِهِ فِي الْمَقْصُودِ.
فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي الْمَقْصُودِ، أَوْ يَقُولُ: اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِيمَا قَصَدْتُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْآخَرِ، أَيْ فِي غَيْرِ الْمَقْصُودِ اتِّفَاقًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِجْمَالِ.
وَقَدْ صَوَّبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ هَذَا الطَّرِيقَ فِي بَيَانِ دَفْعِ الْإِجْمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ الظُّهُورِ، وَقَدْ حَصَلَ بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَأَمَّا إِذَا فَسَّرَ الْمُسْتَدِلُّ اللَّفْظَ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ لُغَةً، بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعْهُودًا فِي اللُّغَةِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، فَمِنْ جِنْسِ الْخَبْطِ وَاللَّعِبِ، فَلَا يَكُونُ مُعْتَدًّا بِهِ.
وَأَمَّا جَوَابُ الْغَرَابَةِ، فَبِبَيَانِ شُهْرَةِ اللَّفْظِ بَيْنَ أَهْلِ الِاصْطِلَاحِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ بَيَانَ الْغَرَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَرِضِ، وَلَا جَوَابَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ.
[فَسَادُ الِاعْتِبَارِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا فِي مُقَدِّمَاتِهِ، لَكِنْ يَكُونُ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ فِي مُقْتَضَاهُ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِفَسَادِ الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّ فَسَادَهُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِبَارِ فَقَطْ ; لِكَوْنِهِ صَحِيحًا فِي مُقَدِّمَاتِهِ.
وَتَوْجِيهُ سُؤَالِ الْمُعْتَرِضِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْقِيَاسُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ ; لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ.
وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ بِالطَّعْنِ فِي النَّصِّ، إِنْ كَانَ قَابِلًا لِلطَّعْنِ، بِأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْآحَادِ.
(3/181)

وَجَوَابُهُ الطَّعْنُ، أَوْ مَنْعُ الظُّهُورُ، أَوِ التَّأْوِيلُ، أَوِ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ أَوِ الْمُعَارَضَةِ بِمِثْلِهِ، فَيُسَلَّمُ الْقِيَاسُ، أَوْ يُبَيَّنُ تَرْجِيحُهُ مَعَ النَّصِّ بِمَا تَقَدَّمَ، مِثْلُ: ذَبَحَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ كَذَبْحِ نَاسِي التَّسْمِيَةِ، فَيُورِدُ: (وَلَا تَأْكُلُوا) .
فَيَقُولُ: مُئَوَّلٌ بِذَبْحِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ بِدَلِيلِ " «ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ» "، أَوْ بِتَرْجِيحِهِ لِكَوْنِهِ مَقِيسًا عَلَى النَّاسِي الْمُخَصِّصِ بِاتِّفَاقٍ. فَإِنْ أُبْدِيَ فَارِقٌ فَهُوَ مِنَ الْمُعَارَضَةِ.
ص - الثَّالِثُ: فَسَادُ الْوَضْعِ، وَهُوَ كَوْنُ الْجَامِعِ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ، مِثْلَ: مَسْحٌ فَيُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ كَالِاسْتِطَابَةِ.
فَيَرُدُّ أَنَّ الْمَسْحَ مُعْتَبَرٌ فِي كَرَاهَةِ التَّكْرَارِ عَلَى الْخُفِّ، وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ الْمَانِعِ لِتَعَرُّضِهِ لِلتَّلَفِ، وَهُوَ نَقْصٌ إِلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ النَّقِيضُ، فَإِنْ ذَكَرَهُ بِأَصْلِهِ، فَهُوَ الْقَلْبُ، فَإِنْ بَيَّنَ مُنَاسَبَتَهُ لِلنَّقِيضِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ مِنَ الْوَجْهِ الْمُدَّعَى، فَهُوَ الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ.
وَمِنْ غَيْرِهِ لَا يُقْدَحُ ; إِذْ قَدْ يَكُونُ لِلْوَصْفِ جِهَتَانِ، كَكَوْنِ الْمَحَلِّ مُشْتَهًى يُنَاسِبُ الْإِبَاحَةَ لِإِرَاحَةِ الْخَاطِرِ، وَالتَّحْرِيمَ لِقَطْعِ أَطْمَاعِ النَّفْسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/182)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّصُّ قَابِلًا لِلطَّعْنِ ; لِكَوْنِهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ خَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، فَيُمْنَعُ ظُهُورُ النَّصِّ فِي نَقِيضِ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ إِنْ أَمْكَنَ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِظُهُورِهِ فِيهِ فَتَأْوِيلُ النَّصِّ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ إِنْ أَمْكَنَ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَجَوَابُهُ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ إِنْ أَمْكَنَ، وَهُوَ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ، كَمَا سَيَأْتِي.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، فَجَوَابُهُ الْمُعَارَضَةُ بِنَصٍّ آخَرَ مِثْلِ نَصِّ الْمُعْتَرِضِ، فَيَسْلَمُ الْقِيَاسُ مِنَ الْمُعَارِضِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعَارَضَةُ بِنَصٍّ آخَرَ، فَجَوَابُهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ عَلَى النَّصِّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُرَجِّحَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى النَّصِّ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ، مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي حِلِّ الْمَذْبُوحِ الَّذِي تُرِكَ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ قَصْدًا: ذُبِحَ صَدْرٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَيَحِلُّ قِيَاسًا عَلَى ذَبْحِ نَاسِي التَّسْمِيَةِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا الْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَيُورِدُ " وَلَا تَأْكُلُوا "، أَيْ فَيُورِدُ الْمُعْتَرِضُ فِي دَفْعِ الْقِيَاسِ قَوْلَهُ - تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] .
(3/183)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: هَذَا النَّصُّ مُئَوَّلٌ بِذَبْحِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَا ذَبْحِ الْمُؤْمِنِ، أَيْ لَا تَأْكُلُوا ذَبْحَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ.
وَإِنَّمَا أُوِّلَ هَذَا لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ ذَاكِرٌ لِاسْمِ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ» ".
الثَّانِي: أَنَّ الْمَقِيسَ، أَيْ ذَبْحَ التَّارِكِ قَصْدًا رَاجِحٌ عَلَى مَحَلِّ الْوِفَاقِ أَيْ ذَبْحِ النَّاسِي ; لِأَنَّ التَّارِكَ قَصْدًا عَلَى صَدَدِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ النَّاسِي، وَذَبْحُ النَّاسِي مُخَصَّصٌ عَنِ النَّصِّ بِالِاتِّفَاقِ، فَذَبْحُ التَّارِكِ قَصْدًا أَوْلَى بِأَنْ يُخَصَّصَ لِكَوْنِهِ رَاجِحًا، فَيُئَوَّلُ النَّصُّ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، فَإِنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ فَارِقًا بَيْنَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَالْمَقِيسِ، بِأَنْ
(3/184)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَقُولُ: النَّاسِي لَمْ يُقَصِّرْ، بِخِلَافِ تَارِكِ التَّسْمِيَةِ بِالْقَصْدِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ أَوِ الْفَرْعِ، لَا مِنْ قَبِيلِ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ، فَيَكُونُ سُؤَالًا آخَرَ.
[فَسَادُ الْوَضْعِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثِ: فَسَادُ الْوَضْعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ، مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي كَوْنِ التَّكْرَارِ سُنَّةً فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مَسْحٌ، فَيُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِطَابَةِ وَهِيَ الِاسْتِنْجَاءُ، فَإِنَّهُ مَسْحٌ، وَقَدْ نُصَّ سَنُّ التَّكْرَارِ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ.
فَيَرُدُّ الْمُعْتَرِضُ هَذَا الْقِيَاسَ بِأَنَّهُ فَاسِدُ الْوَضْعِ ; إِذِ الْمَسْحُ الَّذِي هُوَ الْجَامِعُ اعْتُبِرَ بِالْإِجْمَاعِ فِي كَرَاهِيَةِ التَّكْرَارِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ، وَكَرَاهِيَةُ التَّكْرَارِ نَقِيضُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ اسْتِحْبَابُ التَّكْرَارِ.
وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ هَذَا الرَّدِّ بِبَيَانِ الْمَانِعِ مِنَ التَّكْرَارِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ، فَإِنَّ الْخُفَّ لِتَعَرُّضِهِ لِلتَّلَفِ كُرِهَ فِيهِ تَكْرَارُ الْمَسْحِ الْمُفْضِي إِلَى تَلَفِهِ، فَكَوْنُ الْخُفِّ مُتَعَرِّضًا لِلتَّلَفِ مَانَعٌ مِنِ اسْتِحْبَابِ تَكْرَارِ الْمَسْحِ فِيهِ.
وَسُؤَالُ فَسَادِ الْوَضْعِ نَقَضَ الْحَقِيقَةَ ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتٌ لِلْوَصْفِ الْجَامِعِ الَّذِي هُوَ الْمَسْحُ بِدُونِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ اسْتِحْبَابُ تَكْرَارِ الْمَسْحِ، إِلَّا أَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ هَاهُنَا أَثْبَتَ نَقِيضَ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ نَقْضًا خَاصًّا.
(3/185)

ص - الرَّابِعُ: مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالصَّحِيحُ: لَيْسَ قَطْعًا لِلْمُسْتَدِلِّ بِمُجَرَّدِهِ ; لِأَنَّهُ كَمَنْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/186)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ نَقِيضَ الْحُكْمِ مَعَ أَصْلِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: لَا يُسَنُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ قِيَاسًا عَلَى تَكْرَارِ مَسْحِ الْخُفِّ بِجَامِعِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَسْحًا، فَهُوَ الْقَلْبُ ; لِتَوَافُقِ قِيَاسِ الْمُسْتَدِلِّ وَقِيَاسِ الْمُعْتَرِضِ فِي الْجَامِعِ وَالْفَرْعِ، وَتَخَالُفِهِمَا فِي الْحُكْمِ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَافَقَا فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي قِيَاسِ الْمُسْتَدِلِّ الِاسْتِطَابَةُ، وَفِي قِيَاسِ الْمُعْتَرِضِ الْخُفُّ. وَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ مُنَاسَبَةَ الْوَصْفِ الْجَامِعِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْلَهُ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ مُنَاسَبَتَهُ لِلْحُكْمِ أَوْ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
فَإِنْ بَيَّنَهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَهُوَ الْقَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ الْوَاحِدَ لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ وَنَقِيضَهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ بَيَّنَ الْمُنَاسَبَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، لَا يَكُونُ قَدْحًا فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِوَصْفٍ وَاحِدٍ جِهَتَانِ يُنَاسِبُ بِإِحْدَاهُمَا لِلْحُكْمِ بِالْآخَرِ لِنَقِيضِهِ، كَكَوْنِ الْمَحَلِّ الْمُشْتَهَى، فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ الْإِبَاحَةَ لِإِرَاحَةِ الْخَاطِرِ، وَيُنَاسِبُ التَّحْرِيمَ لِقَطْعِ أَطْمَاعِ النَّفْسِ.
[مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ: مَنْعُ الْمُعْتَرِضِ حُكْمَ الْأَصْلِ، مِثَالُهُ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي عَدَمِ إِزَالَةِ الْخَبَثِ بِالْخَلِّ: مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَلَا يُزِيلُ الْخَبَثَ، قِيَاسًا عَلَى الدُّهْنِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدُّهْنَ لَا يُزِيلُ الْخَبَثَ.
(3/187)

مُقَدِّمَةٍ، كَمَنْعِ الْعِلِّيَّةِ فِي الْعِلَّةِ وَوُجُودِهَا، فَيُثْبِتُهَا بِاتِّفَاقٍ.
وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ لِانْتِقَالِهِ.
وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ اتِّبَاعَ عُرْفِ الْمَكَانِ.
وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: لَا يُسْمَعُ، فَلَا يَلْزَمُ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ ; إِذْ لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى خَصْمِهِ مَعَ مَنْعِ أَصْلِهِ.
وَالْمُخْتَارُ: لَا يَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَعْتَرِضَ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صُورَةِ دَلِيلِ صِحَّتِهِ.
قَالُوا: خَارِجٌ عَنِ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ.
قُلْنَا: لَيْسَ بِخَارِجٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/188)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ هَلْ يَنْقَطِعُ بِهَذَا الْمَنْعِ، أَمْ لَا؟
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَا يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْمَنْعِ ; لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ بِهَذَا الْمَنْعِ مَنَعَ مُقَدِّمَةً مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ مُقَدِّمَةٌ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَا يَنْقَطِعُ بِمَنْعِ غَيْرِهَا مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ، كَمَنْعِ الْعِلِّيَّةِ فِي الْعِلَّةِ، أَيْ كَمَنْعِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ، وَكَمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، بَلْ لَهُ أَنْ يُثْبِتَهَا بَعْدَ الْمَنْعِ بِالدَّلِيلِ بِالِاتِّفَاقِ. فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمَ الْأَصْلِ بِالدَّلِيلِ بَعْدَ الْمَنْعِ.
وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ بِهَذَا الْمَنْعِ ; لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْفَرْعِ، فَيَلْزَمُ انْقِطَاعُهُ.
وَإِنْ شَرَعَ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ، يَلْزَمُ انْتِقَالُ الْمُسْتَدِلِّ مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى ; لِأَنَّ إِثْبَاتَ حُكْمِ الْأَصْلِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى غَيْرُ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ، وَالْمُسْتَدِلُّ كَانَ فِي مَعْرِضِ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَاخْتَارَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ اتِّبَاعَ عُرْفِ الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَ الْبَحْثُ فِيهِ.
(3/189)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَ عُرْفُ الْمَكَانِ انْقِطَاعَ الْمُسْتَدِلِّ بِهَذَا الْمَنْعِ، يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: لَا يُسْمَعُ هَذَا الْمَنْعُ مِنَ الْمُعْتَرِضِ ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْمَطْلُوبِ، فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ الدَّلَالَةُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، وَهُوَ بَعِيدٌ ; إِذِ الْحُجَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى خَصْمِهِ مَعَ مَنْعِ أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ مُقَدِّمَةٌ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ مَمْنُوعَةً، لَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إِذَا أَقَامَ الْمُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، هَلْ يَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ أَمْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ الَّذِي أَقَامَهُ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ صُورَةِ دَلِيلِ صِحَّتُهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُعْتَرِضَ يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ ; لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّطْوِيلِ فِيمَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ ; لِأَنَّ إِثْبَاتَ حُكْمِ الْأَصْلِ لَيْسَ بِالْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ فِي إِحْدَى مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَبْتَنِي عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ، وَالْكَلَامُ فِي مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ.
[التَّقْسِيمُ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسُ: التَّقْسِيمُ، وَهُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْوَصْفِ الْجَامِعِ مُرَدَّدًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ عِلِّيَّتُهُ، وَالْآخَرُ مُسَلَّمٌ عِلِّيَّتُهُ.
(3/190)

ص - الْخَامِسُ: التَّقْسِيمُ، وَهُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ، وَالْمُخْتَارُ وُرُودُهُ.
مِثَالُهُ فِي الصَّحِيحِ الْحَاضِرِ: وُجِدَ السَّبَبُ بِتَعَذُّرِ الْمَاءِ، فَسَاغَ التَّيَمُّمُ، فَيَقُولُ: السَّبَبُ تَعَذُّرُ الْمَاءِ، أَوْ تَعَذُّرُ الْمَاءِ فِي السِّفْرِ أَوِ الْمَرَضِ.
الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَحَاصِلُهُ مَنْعٌ يَأْتِي، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ تَقْسِيمٍ.
وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِمْ فِي الْمُلْتَجِئِ إِلَى الْحَرَمِ: وُجِدَ سَبَبُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَيَجِبُ مَتَى، مَعَ مَانِعِ الِالْتِجَاءِ إِلَى الْحَرَمِ أَوْ عَدَمِهِ؟ فَحَاصِلُهُ طَلَبُ نَفْيِ الْمَانِعِ، وَلَا يَلْزَمُ.
ص - السَّادِسُ: مَنْعُ وُجُودِ الْمُدَّعَى عِلَّةٌ فِي الْأَصْلِ، مِثْلُ: حَيَوَانٌ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا، فَلَا يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ كَالْخِنْزِيرِ، فَيُمْنَعُ.
وَجَوَابُهُ بِإِثْبَاتِهِ بِدَلِيلٍ مِنْ عَقْلٍ أَوْ حِسٍّ أَوْ شَرْعٍ.
ص - السَّابِعُ: مَنْعُ كَوْنِهِ عِلَّةً، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْئِلَةِ لِعُمُومِهِ وَتَشَعُّبِ مَسَالِكِهِ، وَالْمُخْتَارُ: قَبُولُهُ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى اللَّعِبِ فِي التَّمَسُّكِ بِكُلِّ طَرْدٍ.
قَالُوا: الْقِيَاسُ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِجَامِعٍ، وَقَدْ حَصَلَ.
قُلْنَا: بِجَامِعٍ يُظَنُّ صِحَّتُهُ.
قَالُوا: عَجْزُ الْمُعَارِضِ دَلِيلُ صِحَّتِهِ، فَلَا يُسْمَعُ الْمَنْعُ.
قُلْنَا: يَلْزَمُ أَنْ يَصِحَّ كُلُّ صُورَةِ دَلِيلٍ يُعْجِزُ الْمُعْتَرِضَ، وَجَوَابُهُ بِإِثْبَاتِهِ بِأَحَدِ مَسَالِكِهِ، فَيُرَدُّ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/191)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْمُخْتَارُ وُرُودُ اعْتِرَاضِ التَّقْسِيمِ، وَلَكِنْ بَعْدَ تَبْيِينِ الْمُعْتَرِضِ الِاحْتِمَالَيْنِ، فَإِنَّ بَيَانَ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الِاسْتِفْسَارِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلصَّحِيحِ الْحَاضِرِ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ: وُجِدَ سَبَبُ التَّيَمُّمِ بِسَبَبِ تَعَذُّرِ الْمَاءِ، فَجَازِ التَّيَمُّمُ، قِيَاسًا عَلَى الْمُسَافِرِ أَوِ الْمَرِيضِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: سَبَبُ التَّيَمُّمِ هُوَ تَعَذُّرُ الْمَاءِ مُطْلَقًا، أَوْ تَعَذُّرُ الْمَاءِ فِي السِّفْرِ أَوِ الْمَرَضِ.
الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ ; فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعَذُّرَ الْمَاءِ مُطْلَقًا سَبَبُ التَّيَمُّمِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ، إِذِ الْكَلَامُ فِي الْحَاضِرِ الصَّحِيحِ.
وَحَاصِلُ اعْتِرَاضِ التَّقْسِيمِ مَنْعٌ يَرِدُ بَعْدَ التَّقْسِيمِ. فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ قَسَّمَ أَوَّلًا مَدْلُولَ اللَّفْظِ إِلَى قِسْمَيْنِ، ثُمَّ مَنَعَ أَحَدَهُمَا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَالْتَجَأَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: وُجِدَ فِي الْمُلْتَجِئِ سَبَبُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، فَيَجِبُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: مَتَى يَجِبُ الْقِصَاصُ مَعَ مَانِعِ الِالْتِجَاءِ إِلَى الْحَرَمِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ؟ فَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَلَكِنْ وُجِدَ الْمَانِعُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ، فَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّقْسِيمِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُرَدَّدْ هَاهُنَا بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا سَبَبًا، وَالْآخَرُ لَيْسَ بِسَبَبٍ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ
(3/192)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعَمْدَ الْعُدْوَانَ سَبَبٌ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ الِالْتِجَاءُ مَانِعًا مِنَ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، بِخِلَافِ التَّقْسِيمِ، فَإِنَّهُ رَدَّدَ فِيهِ اللَّفْظُ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا سَبَبًا، وَالْآخَرُ لَيْسَ بِسَبَبٍ.
وَحَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ - وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ صُورَةُ التَّقْسِيمِ - يَرْجِعُ إِلَى طَلَبِ نَفْيِ الْمَانِعِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُ نَفْيِ الْمَانِعِ، بَلْ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ وُجُودِ الْمَانِعِ، فَهَذَا السُّؤَالُ غَيْرُ وَارِدٍ، بِخِلَافِ سُؤَالِ التَّقْسِيمِ.
[مَنْعُ وُجُودِ الْمُدَّعَى عِلَّةٌ فِي الْأَصْلِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ السَّادِسُ: مَنْعُ وُجُودِ مَا ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةٌ فِي الْأَصْلِ.
مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي دِبَاغِ جِلْدِ الْكَلْبِ: هُوَ جِلْدُ حَيَوَانٍ يَجِبُ أَنْ يُغْسَلَ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا، فَلَا يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ قِيَاسًا عَلَى الْخِنْزِيرِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ
(3/193)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْخِنْزِيرِ سَبْعًا.
وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِإِثْبَاتِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِدَلِيلٍ مِنْ عَقْلٍ أَوْ حِسٍ أَوْ شَرْعٍ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْوَصْفِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ.
[مَنْعُ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً]
ش - الِاعْتِرَاضُ السَّابِعُ: مَنْعُ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْئِلَةِ لِعُمُومِ وُرُودِهِ عَلَى وَصْفٍ جُعِلَ عِلَّةً، وَلِتَشَعُّبِ مَسَالِكِ إِثْبَاتِ كَوْنِهِ عِلَّةً.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ قَبُولُهُ.
وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ، لَأَدَّى إِلَى اللَّعِبِ فِي التَّمَسُّكِ بِكُلِّ وَصْفٍ طَرْدِيٍّ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَأَمْثَالِهِمَا ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِحُّ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِكُلِّ وَصْفٍ طَرْدِيٍّ، فَيَرْجِعُ التَّمَسُّكُ بِالْقِيَاسِ مِنْ قَبِيلِ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ.
وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ قَبُولِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِجَامِعٍ، وَالْمُسْتَدِلُّ قَدْ
(3/194)

فَعَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ: الْإِجْمَالُ وَالتَّأْوِيلُ وَالْمُعَارَضَةُ وَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ.
وَعَلَى السُّنَّةِ: ذَلِكَ، وَالطَّعْنُ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضَعْفِهِ، أَوْ قَوْلِ شَيْخِهِ: لَمْ يَرْوِهِ عَنِّي، وَعَلَى تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ مَا يَأْتِي وَمَا تَقَدَّمَ.
ص - الثَّامِنُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ، وَقُسِّمَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ، مِثَالُهُ: صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ، فَلَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا كَالْمَغْرِبِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْقَصْرِ فِي نَفْيِ التَّقْدِيمِ طَرْدِيٌّ، فَيُرْجَعُ إِلَى سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ.
الثَّانِي: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ، مِثَالُهُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: مَبِيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فَلَا يَصِحُّ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ.
فَإِنَّ الْعَجْزَ عَنِ التَّسْلِيمِ مُسْتَقِلٌّ، وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ.
الثَّالِثُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْحُكْمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/195)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَتَى بِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ هَذَا الِاعْتِرَاضُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِجَامِعٍ يُظَنُّ كَوْنُهُ عِلَّةً، لَا بِجَامِعٍ مُطْلَقًا، فَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُطَالِبَ بِكَوْنِ الْجَامِعِ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ عَجْزَ الْمُعَارِضِ عَنْ بَيَانِ فَسَادِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ دَلِيلُ صِحَّةِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، فَلَا يُسْمَعُ الْمَنْعُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْتُمْ أَنْ يَصِحَّ كُلُّ صُورَةِ دَلِيلٍ يَعْجِزُ الْمُعَارِضُ عَنْ بَيَانِ فَسَادِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِإِثْبَاتِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً بِأَحَدِ مَسَالِكِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ. فَيُرَدُّ عَلَى كُلِّ مَسْلَكٍ مِنَ الْمَسَالِكِ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ.
فَيُرَدُّ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ كَوْنُ اللَّفْظِ مُجْمَلًا، فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ وَالتَّأْوِيلُ أَيْ كَوْنُ اللَّفْظِ مُئَوَّلًا بِغَيْرِ مَا وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ. وَالْمُعَارَضَةُ بِظَاهِرِ آيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْكِتَابِ دَالَّةٌ عَلَى مَا يُنَافِي ظَاهِرَ الْآيَةِ الْأُولَى.
وَالْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، أَيْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ الظَّاهِرِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، لَكِنَّ النِّزَاعَ بَاقٍ، وَيَرِدُ عَلَى السُّنَّةِ مَا وَرَدَ عَلَى الْكِتَابِ.
(3/196)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيَرِدُ عَلَيْهَا الطَّعْنُ بِأَنَّ الْخَبَرَ مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ، وَالطَّعْنُ فِي رِوَايَةٍ بِضَعْفِهِ، وَالطَّعْنُ بِقَوْلِ شَيْخِهِ: لَمْ يَرْوِهِ عَنِّي.
وَيَرِدُ عَلَى تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَمَا يَأْتِي فِي الِاعْتِرَاضِ التَّاسِعِ.
[عَدَمُ التَّأْثِيرِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ، وَهُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: عَدَمُ التَّأَثُّرِ فِي الْوَصْفِ بِأَنْ يَكُونَ طَرْدِيًّا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ، وَلَا شَبَهَ.
مِثَالُهُ: صَلَاةُ الصُّبْحِ صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ، فَلَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْقَصْرِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً لِنَفْيِ
(3/197)

مِثَالُهُ فِي الْمُرْتَدِّينَ: مُشْرِكُونَ أَتْلَفُوا مَالًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا ضَمَانَ كَالْحَرْبِيِّ.
وَدَارُ الْحَرْبِ عِنْدَهُمْ طَرْدِيٌّ، فَيُرْجَعُ إِلَى الْأَوَّلِ.
الرَّابِعُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْفَرْعِ، مِثَالُهُ: زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفُؤٍ، وَحَاصِلُهُ كَالثَّانِي.
وَكُلُّ فَرْضٍ جُعِلَ وَصْفًا فِي الْعِلَّةِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِطَرْدِهِ مَرْدُودٌ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِيهِمَا.
ص - التَّاسِعُ: الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ، وَجَوَابُهُ بِالتَّرْجِيحِ تَفْصِيلًا أَوْ إِجْمَالًا، كَمَا سَبَقَ.
ص - الْعَاشِرُ: الْقَدْحُ فِي إِفْضَاءِ الْحُكْمِ إِلَى الْمَقْصُودِ، كَمَا لَوْ عَلَّلَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِالْحَاجَةِ إِلَى ارْتِفَاعِ الْحِجَابِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفُجُورِ. فَإِذَا تَأَبَّدَ، انْسَدَّ بَابُ الطَّمَعِ الْمُفْضِي إِلَى مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ وَالنَّظَرِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/198)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تَقْدِيمِ الْأَذَانِ طَرْدِيٌّ، لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ وَلَا شَبَهَ.
فَيَرْجِعُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ إِلَى سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ عَنْ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَجَوَابُهُ قَدْ مَرَّ.
الثَّانِي: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ بِأَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُدَّعَى عِلَّةً، قَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْوَصْفِ، مِثَالُهُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: مَبِيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، فَإِنَّ الْعَجْزَ عَنِ التَّسْلِيمِ مُسْتَقِلٌّ فِي عِلِّيَّةِ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ. فَيُسْتَغْنَى عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ فِي إِثْبَاتِ عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيهِ، وَحَاصِلُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ يَرْجِعُ إِلَى مُعَارَضَةٍ فِي الْأَصْلِ، وَسَيَأْتِي.
الثَّالِثُ - عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْحُكْمِ، بِأَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةُ تَأْثِيرٍ فِي الْحُكْمِ.
مِثَالُهُ فِي إِتْلَافِ الْمُرْتَدِّينَ: الْمُرْتَدُّونَ مُشْرِكُونَ أَتْلَفُوا مَالًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الضَّمَانُ ضَرُورَةَ الِاسْتِوَاءِ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمْ.
وَحَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، أَيِ الْمُطَالَبَةِ عَنْ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً.
(3/199)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الرَّابِعُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْفَرْعِ، وَمِثَالُهُ فِي تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا: زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا قِيَاسًا عَلَى مَا إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفُوٍ ; لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا نَفْسَهَا مُطْلَقًا لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي عَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ، بَلْ تَزْوِيجُهَا نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفُوٍ.
وَحَاصِلُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ كَالْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ عَدَمُ تَأْثِيرِ مَا جُعِلَ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا نَفْسَهَا مُطْلَقًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْأَصْلِ، فَيَكُونُ مُعَارَضَةً فِي الْأَصْلِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَرْضِ الْمُنْضَمِّ إِلَى الْعِلَّةِ، كَغَيْرِ الْكُفُوِ الَّذِي فُرِضَ مُنْضَمًّا إِلَى الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا.
فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ يَكُونُ مَقْبُولًا مُطْلَقًا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَا يَكُونُ مَقْبُولًا مُطْلَقًا.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إِنَّ كُلَّ فَرْضٍ جَعَلَهُ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْعِلَّةِ وَصْفًا، فَإِنِ اعْتَرَفَ الْمُسْتَدِلُّ بِطَرْدِهِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِطَرْدِهِ فَهُوَ مَقْبُولٌ عَلَى الْمُخْتَارِ.
(3/200)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
هَذَا مَا فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِي حَقِيقَةُ هَذَا الْكَلَامِ، وَمَا جَزَمْتُ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ هَذَا.
[الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعُ: الْقَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ، بِأَنْ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ اشْتِمَالَ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى مُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ عَلَى مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا، أَوْ عَلَى مَفْسَدَةٍ مُسَاوِيَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ، وَجَوَابُهُ تَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْمُنَاسَبَةِ.
[الْقَدْحُ فِي إِفْضَاءِ الْحُكْمِ إِلَى الْمَقْصُودِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الْعَاشِرُ: الْقَدْحُ فِي إِفْضَاءِ الْحُكْمِ إِلَى مَا جُعِلَ مَقْصُودًا مِنْ شَرْعِ الْحُكْمُ.
مِثَالُهُ: لَوْ عَلَّلَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ فِي حَقِّ الْمَحَارِمِ بِالْحَاجَةِ إِلَى ارْتِفَاعِ الْحِجَابِ بَيْنَ الصِّهْرِ وَبَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالْمُصَاهَرَةِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفُجُورِ. فَإِذَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، انْسَدَّ بَابُ طَمَعِ النِّكَاحِ الْمُفْضِي إِلَى مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ بِهَا، وَإِلَى النَّظَرِ إِلَيْهَا الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْفُجُورِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إِنَّ حَرَمةَ التَّأْبِيدِ لَا تُفْضِي إِلَى سَدِّ بَابِ الطَّمَعِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ وَضْعِ الْحُكْمِ، بَلْ سَدُّ بَابِ النِّكَاحِ بِتَأَبُّدِ التَّحْرِيمِ أَفْضَى إِلَى الْفُجُورِ ; لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ الْمَنْعُ مِنَ الشَّرْعِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ النِّكَاحِ عَلَى التَّأْبِيدِ. فَصَارَتِ النَّفْسُ مَائِلَةً إِلَى مَا مُنِعَ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حَرِيصٌ عَلَى مَا مُنِعَ.
وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ تَأْبِيدَ حُرْمَةِ النِّكَاحِ يَمْنَعُ النَّفْسَ عَادَةً عَنْ مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ بِهَا وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْفُجُورِ، بِسَبَبِ انْسِدَادِ بَابِ الطَّمَعِ. فَيَصِيرُ الْمَنْعُ الْعَادِيُّ كَالْمَنْعِ
(3/201)

فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: بَلْ سَدُّ بَابِ النِّكَاحِ أَفْضَى إِلَى الْفُجُورِ، وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ إِلَى الْمَمْنُوعِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّأْبِيدَ يُمْنَعُ عَادَةً كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَيَصِيرُ كَالطَّبِيعِيِّ، كَالْأُمَّهَاتِ.
ص - الْحَادِيَ عَشَرَ: كَوْنُ الْوَصْفِ خَفِيًّا، كَالرِّضَا وَالْقَصْدِ، وَالْخَفِيُّ لَا يُعَرِّفُ الْخَفِيَّ.
وَجَوَابُهُ: ضَبْطُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَغِ وَالْأَفْعَالِ.
ص - الثَّانِيَ عَشَرَ: كَوْنُهُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، كَالتَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ وَالْمَقَاصِدِ، كَالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَالزَّجْرِ، فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ.
وَجَوَابُهُ: إِمَّا أَنَّهُ مُنْضَبِطٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِضَابِطٍ، كَضَبْطِ الْحَرَجِ بِالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ.
ص - الثَّالِثَ عَشَرَ: النَّقْضُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ إِذَا مُنِعَ.
ثَالِثُهَا: يُمْكِنُ مَا لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ.
وَرَابِعُهَا: مَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ.
قَالُوا: لَوْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ [فَنَقَضَ الْمُعْتَرِضُ] ، فَمَنَعَ وَجُودَهَا، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُكُ. لَمْ يُسْمَعْ ; لِأَنَّهُ انْتَقَلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/202)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الطَّبِيعِيِّ، كَمَا فِي الْأُمَّهَاتِ.
[كَوْنُ الْوَصْفِ خَفِيًّا]
ش - الِاعْتِرَاضُ الْحَادِيَ عَشَرَ: كَوْنُ الْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً خَفِيًّا ; لِكَوْنِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ، كَتَعْلِيلِ صِحَّةِ النِّكَاحِ بِالرِّضَا، وَكَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَصْدِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إِنَّ هَذَا الْوَصْفَ خَفِيٌّ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ ; لِأَنَّ الْخَفِيَّ لَا يُعَرِّفُ الْخَفِيَّ.
وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ ضَبْطُ الْوَصْفِ بِالْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الصِّيَغِ، كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ، وَالْأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقَصْدِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ.
[كَوْنُ الوصف غَيْرَ مُنْضَبِطٍ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الثَّانِيَ عَشَرَ: كَوْنُ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، كَالتَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ وَالْمَقَاصِدِ،
(3/203)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلَ تَعْلِيلِ رُخَصِ السَّفَرِ بِالْمَشَقَّةِ، وَقَطْعِ السَّارِقِ بِالزَّجْرِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّلَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، تَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ.
وَمَا هَذَا شَأْنُهُ، فَعَادَةُ الشَّارِعِ فِيهِ رَدُّ النَّاسِ إِلَى الْأَوْصَافِ الْمُنْضَبِطَةِ احْتِرَازًا عَنِ الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ.
وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ إِمَّا بِأَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُعَلَّلَ بِهِ مُنْضَبِطٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِضَابِطٍ لِلْحِكْمَةِ، كَضَبْطِ الْحَرَجِ بِالسَّفَرِ، وَنَحْوِهِ كَالْمَرَضِ.
[النَّقْضُ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثَ عَشَرَ: النَّقْضُ، وَهُوَ وُجُودُ الْمُدَّعَى عِلَّةٌ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ.
مِثَالُهُ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ: الْحُلِيُّ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، قِيَاسًا عَلَى ثِيَابِ الْبِذْلَةِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِالْحُلِيِّ الْغَيْرِ الْمُبَاحِ، فَإِنَّهُ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ مَعَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَدَفْعُهُ إِمَّا بِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، وَإِمَّا بِمَنْعِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ فِيهَا.
فَإِذَا مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُمْكِنُ الْمُعْتَرِضَ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا يَتَقَرَّرُ بِالدَّلَالَةِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًّا.
وَثَالِثُهَا: يُمْكِنُ الْمُعْتَرِضَ فِي الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ ; لِأَنَّهُ يَقْدَحُ فِيهِ،
(3/204)

مِنْ نَقْضِ الْعِلَّةِ إِلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا.
وَفِيهِ نَظَرٌ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: يَلْزَمُكَ إِمَّا انْتِقَاضُ عِلَّتِكِ، أَوِ انْتِقَاضُ دَلِيلِهَا، كَانَ مُتَّجِهًا.
وَلَوْ مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ، فَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الدَّلَالَةِ، (ثَالِثُهَا) : يُمْكِنُ مَا لَمْ يَكُنْ (طَرِيقٌ أَوْلَى) ، وَالْمُخْتَارُ: لَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنَ النَّقْضِ.
وَثَالِثُهَا: إِلَّا فِي الْمُسْتَثْنَيَاتِ.
لَنَا: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدَّلِيلِ. وَانْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ لَيْسَ مِنْهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ وَارِدٌ، وَإِنِ احْتَرَزَ اتِّفَاقًا.
وَجَوَابُهُ: بِبَيَانِ مُعَارِضٍ اقْتَضَى نَقِيضَ الْحُكْمِ، أَوْ خِلَافَهُ لِمَصْلَحَةٍ، كَالْعَرَايَا وَضَرْبِ الدِّيَةِ، أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ آكَدَ، كَحِلِّ الْمَيِّتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ بِظَاهِرٍ عَامٍّ، حُكِمَ بِتَخْصِيصِهِ وَتَقْدِيرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/205)

الْمَانِعِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/206)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيَحْصُلُ فَائِدَةٌ، وَلَا يُمَكَّنُ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ; لِأَنَّ التَّمْكِينَ فِيهِ انْتِقَالٌ مِنَ الِاعْتِرَاضِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ، وَلَا تَجِدُ فِيهِ نَفْعًا ; لِأَنَّهُ بَعْدَ بَيَانِ الْمُعْتَرِضِ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ يَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ لِوُجُودِ مَانِعٍ أَوِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ، فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ: دَلِيلِ الِاسْتِنْبَاطِ وَدَلِيلِ التَّخَلُّفِ، فَلَا تَبْطُلُ الْعِلَّةُ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِيهِ ذَلِكَ.
وَرَابِعُهَا: يُمْكِنُ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتَرِضِ طَرِيقٌ آخَرُ أَوْلَى بِالْقَدَحِ مِنَ النَّقْضِ تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ طَرِيقٌ أَوْلَى، فَلَا يَتَمَكَّنُ.
وَقَالَ أَهْلُ الْمُنَاظَرَةِ: لَوِ اسْتَدَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، فَنَقَضَ الْمُعْتَرِضُ الْعِلَّةَ، فَمَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُكُ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، وَالْعِلَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ عَلَى زَعْمِكَ، لَمْ يُسْمَعْ ; لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ انْتَقَلَ مِنْ نَقْضِ الْعِلَّةِ إِلَى نَقْضِ دَلِيلِ الْعِلَّةِ.
مِثَالُهُ فِي قَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي مَسْأَلَةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ: أَتَى بِمُسَمَّى الصَّوْمِ، فَيَصِحُّ، كَمَا فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّوْمِ بِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ مَعَ النِّيَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
(3/207)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ الْعِلَّةُ فِيمَا إِذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِيمَا إِذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُكُ الَّذِي اسْتَدْلَلْتَ بِهِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي مَعْرِضِ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ، فَتَارَةً يَقْدَحُ فِيهَا، وَتَارَةً يَقْدَحُ فِي دَلِيلِهَا، وَالِانْتِقَالُ مِنَ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ إِلَى الْقَدْحِ فِي دَلِيلِهَا جَائِزٌ، وَالِانْتِقَالُ الَّذِي لَا يَكُونُ جَائِزًا هُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ الِاعْتِرَاضِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ.
قِيلَ: كَانَ الْقَائِلُ بِعَدَمِ السَّمَاعِ نَظَرَ إِلَى خِلَافِ مَا أَقَرَّ الْمُعْتَرِضُ بِهِ أَوَّلًا، فَإِنَّ نَقْضَ الْعِلَّةِ بِدُونِ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ لَا يُتَصَوَّرُ، وَنَقْضُ دَلِيلِ الْعِلَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ إِنَّمَا نَقَضَ دَلِيلَ الْعِلَّةِ بِعَدَمِ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ عَلَى زَعْمِ الْمُسْتَدِلِّ، فَلَا يَلْزَمُهُ خِلَافُ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوَّلًا.
(3/208)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا إِذَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ ابْتِدَاءً: يَلْزَمُكَ إِمَّا انْتِقَاضُ عِلَّتِكَ، أَوِ انْتِقَاضُ دَلِيلِ عِلَّتِكَ ; لِأَنَّكَ إِنِ اعْتَقَدْتَ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، انْتُقِضَ عِلَّتُكَ، وَإِنِ اعْتَقَدْتَ عَدَمَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، انْتُقِضَ دَلِيلُكَ، كَانَ مُتَّجِهًا مَسْمُوعًا، وَإِذَا مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى تَخَلُّفِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُطْلَقًا.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُطْلَقًا.
وَثَالِثُهَا: يُمْكِنُ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتَرِضِ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ مِنَ النَّقْضِ.
وَدَلَائِلُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ مَا مَرَّ، مِثَالُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ: ثَيِّبٌ، فَلَا تُجْبَرُ كَالثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يُنْتَقَضُ بِالثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةِ.
فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ إِجْبَارِ الثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ احْتِرَازِ الْمُسْتَدِلِّ فِي دَلِيلِهِ عَنِ النَّقْضِ عَلَى
(3/209)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنَ النَّقْضِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مُطْلَقًا ; لِقُرْبِهِ مِنَ الضَّبْطِ.
وَثَالِثُهَا: يَجِبُ الِاحْتِرَازُ إِلَّا إِذَا كَانَ النَّقْضُ مِمَّا وَرَدَ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ حِينَئِذٍ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُسْأَلُ الْمُسْتَدِلُّ عَنِ الدَّلِيلِ الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ، وَانْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ الدَّلِيلِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ.
الثَّانِي: أَنَّ النَّقْضَ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَقَدْ تَمَّ الدَّلِيلُ بِدُونِ التَّعَرُّضِ ; لِانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ، وَإِنْ كَانَ حَاصِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَقَدْ وَرَدَ النَّقْضُ، وَإِنِ احْتَرَزَ الْمُسْتَدِلُّ عَنْهُ لَفْظًا بِالِاتِّفَاقِ.
قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ الدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الدَّلِيلِ: مَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ بِالْمَدْلُولِ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ بِالْمَدْلُولِ إِلَّا بَعْدَ التَّعَرُّضِ لِانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّقْضَ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، يَتِمُّ الدَّلِيلُ بِدُونِ التَّعَرُّضِ لِانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْمُسْتَدِلُّ انْتِفَاءَ النَّقْضِ، وَلَمْ يُقِمِ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، لَمْ يَتِمَّ الدَّلِيلُ.
(3/210)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذَا النَّظَرُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الظَّنَّ بِالْمَدْلُولِ حَاصِلٌ بِدُونِ التَّعَرُّضِ لِانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ، فَلَا يَكُونُ انْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ جُزْءًا مِنَ الدَّلِيلِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ حَتَّى يَتِمَّ الدَّلِيلُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ دَفْعُ النَّقْضِ بِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، وَبِمَنْعِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا فِيهِ، فَجَوَابُ النَّقْضِ بِبَيَانِ وُجُودِ مُعَارِضٍ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ اقْتَضَى ذِكْرُ الْمُعَارِضِ نَقِيضَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، أَوْ خِلَافَ الْحُكْمِ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ أَوْلَى تُفَوِّتُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ لَوْلَا اسْتِثْنَاءٌ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا إِذَا نُقِضَ بِهَا عِلِّيَّةُ الطَّعْمِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْمُعَارِضِ - وَهُوَ الدَّلِيلُ الْخَاصُّ - اقْتَضَى نَقِيضَ حُكْمِ الرِّبَوِيَّاتِ فِيهَا لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ.
وَكَمَسْأَلَةِ ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِذَا نَقَضَ بِهَا عِلِّيَّةَ الْبَرَاءَةِ الْمُوجِبَةِ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ، فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْخَاصَّةَ بِضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَقْتَضِي خِلَافَ حُكْمِ الْجِنَايَاتِ فِيهَا، أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ آكَدَ، كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ إِذَا نَقَضَ بِهَا عِلِّيَّةَ أَنَّ النَّجَاسَةَ مُحَرَّمَةٌ، فَإِنَّ مَفْسَدَةَ الْهَلَاكِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ تَنَاوُلِ النَّجَاسَةِ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً، أَمَّا إِذَا كَانَ التَّعْلِيلُ بِنَصٍّ ظَاهِرٍ عَامٍّ، حُكِمَ بِتَخْصِيصِهِ إِذَا انْتَقَضَتِ الْعِلَّةُ، وَتَعَذَّرَ مَانِعٌ فِي صُورَةِ النَّقْصِ إِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَانِعُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
[الْكَسْرُ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعَ عَشَرَ: الْكَسْرُ، وَهُوَ نَقْضُ الْمَعْنَى يَعْنِي نَقْضَ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي النَّقْضِ. فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ.
[الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسَ عَشَرَ: الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ، وَهُوَ إِمَّا مُسْتَقِلًا بِالتَّعْلِيلِ، مِثْلَ مَا إِذَا عَلَّلَ الْمُسْتَدِلُّ الْحُكْمَ بِمَعْنًى، وَأَثْبَتَهُ بِطَرِيقٍ، وَأَبْدَى الْمُعَارِضُ مَعْنًى آخَرَ فِي الْأَصْلِ، وَأَثْبَتَ عِلِّيَّتَهُ بِطَرِيقِهِ، كَمُعَارَضَةِ مَنْ عَلَّلَ حُرْمَةَ الرِّبَا فِي الْبُرِّ بِالطَّعْمِ بِالْقُوتِ أَوْ بِالْكَيْلِ.
وَإِمَّا غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّعْلِيلِ، مِثْلَ: مَا إِذَا عَلَّلَ الْمُسْتَدِلُّ الْحُكْمَ بِمَعْنًى وَأَثْبَتَهُ بِطَرِيقٍ، وَأَبْدَى الْمُعَارِضُ مَعْنًى آخَرَ فِي الْأَصْلِ، وَأَثْبَتَ كَوْنَهُ جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، كَمُعَارَضَةِ مَنْ عَلَّلَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ بِالْجَارِحِ فِي الْأَصْلِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ وَصْفُ الْجَارِحِ جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ.
وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ قَبُولَهُ. وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ لَمْ تَكُنِ الْمُعَارَضَةُ بِالْقِسْمِ الثَّانِي مَقْبُولَةً، لَزِمَ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ التَّحَكُّمُ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
(3/211)

ص - الرَّابِعَ عَشَرَ: الْكَسْرُ، وَهُوَ نَقْصُ الْمَعْنَى. وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالنَّقْضِ.
ص - الْخَامِسَ عَشَرَ: الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنًى آخَرَ ; إِمَّا مُسْتَقِلًا، كَمُعَارَضَةِ الطَّعْمِ بِالْكَيْلِ، أَوِ الْقُوتِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ، كَمُعَارَضَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ بِالْجَارِحِ.
وَالْمُخْتَارُ: قَبُولُهَا.
لَنَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً، لَمْ يَمْتَنِعِ التَّحَكُّمُ ; لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ عِلَّةً لَيْسَ بِأَوْلَى بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ بِالِاسْتِقْلَالِ مِنْ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ. فَإِنْ رَجَّحَ بِالتَّوْسِعَةِ، مَنْعَ الدَّلَالَةَ. وَلَوْ سُلِّمَ، عُورِضَ بِأَنَّ الْأَصْلَ انْتِفَاءُ الْأَحْكَامِ، وَبِاعْتِبَارِهِمَا مَعًا.
وَأَيْضًا: فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مَبَاحِثَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ جَمْعًا وَفِرَقًا، قَالُوا: اسْتِقْلَالُهُمَا بِالْمُنَاسَبَةِ يَسْتَلْزِمُ التَّعَدُّدَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/212)

قُلْنَا: تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ، كَمَا لَوْ أَعْطَى قَرِيبًا عَالِمًا.
ص - وَفِي لُزُومِ بَيَانِ نَفْيِ الْوَصْفِ عَنِ الْفَرْعِ، ثَالِثُهَا إِنْ صَرَّحَ، لَزِمَ.
لَنَا: إِنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ، فَقَدْ أَتَى بِمَا لَيْسَ يَنْتَهِضُ مَعَهُ الدَّلِيلُ، فَإِنْ صَرَّحَ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِمَا صَرَّحَ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَصْلٍ ; لِأَنَّ حَاصِلَهُ نَفْيُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ، أَوْ صَدُّ الْمُسْتَدِلِّ عَنِ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا: فَأَصْلُ الْمُسْتَدِلِّ أَصْلُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ دَلَّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً بِالِاسْتِقْلَالِ، وَدَلِيلُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى عِلِّيَّتِهِ بِالْجُزْئِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ تُقْبَلِ الْمُعَارَضَةُ، لَزِمَ التَّحَكُّمُ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ الْمُدَّعَى عِلَّةً لَيْسَ بِأَوْلَى بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ بِالِاسْتِقْلَالِ، فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، جَازَ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ عِلَّةٍ، فَالْقَوْلُ بِكَوْنِهِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً تَحَكُّمٌ.
فَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " مِنْ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ " بَعْدَ قَوْلِهِ: " لِأَنَّ الْمُدَّعَى عِلَّةً لَيْسَ بِأَوْلَى بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ بِالِاسْتِقْلَالِ " زَائِدٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَقَرَّرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بَيَانَ الْمُلَازَمَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الدَّلِيلَ دَالٌّ عَلَى عِلِّيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَصْفَيْنِ، أَعْنِي وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ وَوَصْفَ الْمُعَارَضَةِ، سَوَاءٌ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلًّا، كَالطَّعْمِ أَوِ الْقُوتِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ إِذَا جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ عِلَّةً، وَزَادَ عَلَيْهِ الْحَنَفِيُّ بِالْجَارِحِ، حَتَّى يَكُونَ الْمَجْمُوعُ عِلَّةً. فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْبَلْ، وَجَعَلَ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ عِلَّةً، لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ، أَعْنِي الدَّلِيلَ وَبَيَانَ الْمُلَازَمَةِ، وَافَقَ عِقْدَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعُمُومِ لَا التَّمَسُّكِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " لَيْسَ
(3/214)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِأَوْلَى بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ بِالِاسْتِقْلَالِ " يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ الْوَصْفُ الْمُدَّعَى عِلَّةً مُرَكَّبًا وَالْمُعْتَرِضُ أَخَذَ جُزْءًا مِنْهُ، وَادَّعَى الِاسْتِقْلَالَ، وَمَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عِلَّةً وَصْفًا وَضَمَّ إِلَيْهِ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ عَلَى مَا تَرَى إِذَا نَظَرْتَ فِيهِ.
وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ: " مِنْ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ " زَائِدًا.
وَفِيمَا ذَكَرَهُ هَذَا الشَّارِحُ نَظَرٌ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: " لَيْسَ بِأَوْلَى بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ بِالِاسْتِقْلَالِ " لَوْ كَانَ شَامِلًا لِمَا إِذَا كَانَ الْوَصْفُ الْمُدَّعَى عِلَّةً مُرَكَّبًا، وَالْمُعْتَرِضُ أَخَذَ جُزْءًا مِنْهُ وَادَّعَى الِاسْتِقْلَالَ، لَزِمَ أَنْ لَا تُقْبَلَ الْمُعَارَضَةُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ إِثْبَاتُ عِلِّيَّةِ جُزْءِ الْمُدَّعَى عِلَّةً مُفِيدًا لِلْمُعْتَرِضِ ; لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ عِلِّيَّةُ جُزْءِ الْمُدَّعِي عِلَّةً، يَلْزَمُ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ ضَرُورَةُ وُجُودِ الْجُزْءِ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ الْمُسْتَقِلَّةُ عَلَى زَعْمِ الْمُعْتَرِضِ فِيهِ، فَلَا تَكُونُ الْمُعَارَضَةُ مُفِيدَةً.
هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، فَإِنْ رَجَّحَ الْمُسْتَدِلُّ اسْتِقْلَالَ وَصْفِهِ عَلَى جُزْئِيَّتِهِ بِالتَّوْسِعَةِ فِي الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مُسْتَقِلًّا، وَوَجَدَ الْفَرْعَ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ، فَيَتَوَسَّعُ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ فَائِدَةً، فَيَكُونُ أَرْجَحَ.
بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ جُزْءَ عِلَّةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُودِهِ فِي
(3/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْفَرْعِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، إِذَا كَانَ جُزْءَ عِلَّةٍ، وَالْعِلَّةُ مَجْمُوعُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ مَعَ قَيْدِ كَوْنِهِ بِالْجَارِحِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُودِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِيهِ، فَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَمْنَعَ دَلَالَةَ الِاسْتِقْلَالِ عَلَى التَّوْسِعَةِ، وَلَوْ سُلِّمَ دَلَالَةُ الِاسْتِقْلَالِ عَلَى التَّوْسِعَةِ، عُورِضَ بِرُجْحَانِ الْجُزْئِيَّةِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْجُزْئِيَّةَ تُوجِبُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، وَانْتِفَاءُ الْأَحْكَامِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ، وَمَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ أَرْجَحُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْجُزْئِيَّةَ تُوجِبُ اعْتِبَارَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ، وَاعْتِبَارَ وَصْفِ الْمُعَارِضِ، وَاعْتِبَارُ الْوَصْفَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِ أَحَدِهِمَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ مَبَاحِثَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ جَمْعًا وَفِرَقًا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الْمُعَارَضَةِ بِكَوْنِ الْمُدَّعَى عِلَّةً غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ بِالْعِلِّيَّةِ، بَلْ بِكَوْنِ جُزْءِ عِلَّةٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِالنَّقْلِ عَنْهُمْ، وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّ الْفَرْقَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِكَوْنِ مَا جَعَلَ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً جُزْءَ عِلَّةٍ.
(3/216)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمَانِعُونَ مِنْ قَبُولِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ قَالُوا: لَوْ قِيلَ: هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ، يَلْزَمُ اسْتِقْلَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَصْفَيِ الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعَارِضِ بِالْعِلِّيَّةِ، وَاسْتِقْلَالُهُمَا بِالْعِلِّيَّةِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ، لَزِمَ إِسْنَادُ الْحُكْمِ إِلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ، وَإِسْنَادُ الْحُكْمِ إِلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ مَعَ الدَّلَالَةِ عَلَى عِلِّيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ، كَمَا لَوْ أَعْطَى قَرِيبًا عَالِمًا. فَإِنَّ إِسْنَادَ الْإِعْطَاءِ إِلَى الْقُرْبِ أَوِ الْعِلْمِ تَحَكُّمٌ، فَيَجِبُ أَنْ يُسْنَدَ الْحُكْمُ إِلَى مَجْمُوعِهِمَا.
فَالْقَبُولُ لَا يُوجِبُ الِاسْتِقْلَالَ لِجَوَازِ الْإِسْنَادِ إِلَى الْمَجْمُوعِ حِينَئِذٍ.
ش - اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ بَيَانِ نَفْيِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ عَنِ الْفَرْعِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ مُطْلَقًا.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا.
وَثَالِثُهَا: الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِنْ صَرَّحَ بِنَفْيِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ عَنِ الْفَرْعِ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِنَفْيِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ عَنِ الْفَرْعِ، فَقَدْ أَتَى بِمَا لَمْ يَنْتَهِضْ مَعَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّصْرِيحُ بِنَفْيِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ.
وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِمَا صَرَّحَ، وَإِنِ انْدَفَعَ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ دُونَ نَفْيِ الْوَصْفِ عَنِ الْفَرْعِ ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِذِكْرِهِ تَقْرِيرَهُ، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي احْتِيَاجِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ إِلَى أَصْلٍ يُشْهَدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّ حَاصِلَ سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ نَفْيُ حُكْمِ الْفَرْعِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ، كَنَفْيِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ بِالْجَارِحِ، أَوْ صَدُّ الْمُسْتَدِلِّ عَنِ التَّعْلِيلِ بِمَا جَعَلَهُ عِلَّةً.
وَهَذَانَ لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى أَصْلٍ.
(3/217)

ص - وَجَوَابُ الْمُعَارَضَةِ إِمَّا بِمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ، أَوِ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِهِ إِنْ كَانَ مُثْبِتًا بِالْمُنَاسَبَةِ أَوِ الشَّبَهِ، لَا بِالسَّبْرِ، أَوْ بِخَفَائِهِ، أَوْ عَدَمِ انْضِبَاطِهِ، أَوْ مَنْعِ ظُهُورِهِ وَانْضِبَاطِهِ، أَوْ بَيَانِ أَنَّهُ عَدَمُ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ، مِثْلُ الْمُكْرَهِ - عَلَى الْمُخْتَارِ - بِجَامِعِ الْقَتْلِ، فَيَتَعَرَّضُ بِالطَّوَاعِيَةِ.
فَيُجِيبُ بِأَنَّهُ عُدِمَ الْإِكْرَاهَ الْمُنَاسِبَ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ طَرْدٌ، أَوْ يُبَيِّنُ كَوْنَهُ مُلْغًى، أَوْ يُبَيِّنُ اسْتِقْلَالَ مَا عَدَاهُ فِي صُورَةٍ بِظَاهِرٍ أَوْ إِجْمَاعٍ.
مِثْلَ: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ فِي مُعَارَضَةِ الطَّعْمِ بِالْكَيْلِ، وَمِثْلَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، فِي مُعَارَضَةِ التَّبْدِيلِ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلتَّعْمِيمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/218)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَيْضًا: فَأَصْلُ الْمُسْتَدِلِّ هُوَ أَصْلُهُ ; لِأَنَّهُ كَمَا يَشْهَدُ بِاعْتِبَارِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ، يَشْهَدُ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ.
ش - وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنِ الْمُعَارَضَةِ إِمَّا بِمَنْعِ وُجُودِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، وَإِمَّا بِمُطَالَبَةِ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعْتَرِضِ بِتَأْثِيرِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ، إِنْ كَانَ الْمُعْتَرِضُ أَثْبَتَ عِلِّيَّتَهُ بِالْمُنَاسَبَةِ أَوْ بِالشَّبَهِ.
أَمَّا إِذَا أَثْبَتَ عِلِّيَّتَهُ بِالسَّبْرِ، لَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُسْتَدِلُّ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِهِ، فَإِنَّ السَّبْرَ كَافٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِدُونِ التَّأْثِيرِ، وَإِمَّا بِخَفَاءِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ، وَإِمَّا بِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ، وَإِمَّا بِمَنْعِ ظُهُورِهِ، وَإِمَّا بِمَنْعِ انْضِبَاطِهِ، وَإِمَّا بِبَيَانِ أَنَّ وَصْفَ الْمُعَارَضَةِ عَدَمُ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ. وَعَدَمُ الْمُعَارِضِ فِي الْفَرْعِ لَا يَكُونُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَلَا جُزْءَ عِلَّةٍ.
مِثَالُ ذَلِكَ: قِيَاسُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِجَامِعِ الْقَتْلِ، فَيَعْتَرِضُ الْمُعْتَرِضُ بِالطَّوَاعِيَةِ، فَإِنَّ الْقَتْلَ وَحْدَهُ لَا يَكُونُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، بَلِ الْقَتْلُ مَعَ الطَّوَاعِيَةِ. فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ بِأَنَّ الطَّوَاعِيَةَ لَيْسَتْ جُزْءَ عِلَّةٍ، بَلْ هُوَ عَدَمُ مُعَارِضٍ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ ; لِأَنَّ الطَّوَاعِيَةَ: عَدَمُ الْإِكْرَاهِ، وَالْإِكْرَاهُ مُنَاسِبٌ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، فَيَكُونُ الْإِكْرَاهُ مُعَارِضًا فِي الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ الْمُكْرِهُ لِكَوْنِهِ مُنَاسِبًا لِعَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ عَدَمَ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ، فَلَا يَكُونُ جُزْءَ عِلَّةٍ، بَلْ يَكُونُ وَصْفًا طَرْدِيًّا.
(3/219)

ص - وَلَا يَكْفِي إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَهُ ; لِجَوَازِ عِلَّةٍ أُخْرَى، وَلِذَلِكَ لَوْ أَبْدَى أَمْرًا آخَرَ يَخْلُفَ مَا أُلْغِيَ، فَسَدَ الْإِلْغَاءُ، وَيُسَمَّى تَعَدُّدَ الْوَضْعِ ; لِتَعَدُّدِ أَصْلِهَا.
مِثْلَ: أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ، فَيَصِحُّ كَالْحُرِّ ; لِأَنَّهُمَا مَظِنَّتَانِ لِإِظْهَارِ مَصَالِحِ الْإِيمَانِ.
فَيَعْتَرِضُ بِالْحَرِيَّةِ، فَإِنَّهَا مَظِنَّةُ الْفَرَاغِ لِلنَّظَرِ، فَيَكُونُ أَكْمَلَ، فَيُلْغِيهَا بِالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ، فَيَقُولُ: خَلَفَ الْإِذْنُ الْحَرِيَّةَ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ أَوْ لِعِلْمِ السَّيِّدِ بِصَلَاحِيَّتِهِ.
وَجَوَابُهُ: الْإِلْغَاءُ إِلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا.
وَلَا يُفِيدُ الْإِلْغَاءُ لِضَعْفِ الْمَعْنَى مَعَ تَسْلِيمِ الْمَظِنَّةِ، كَمَا لَوِ اعْتَرَضَ فِي الرِّدَّةِ بِالرُّجُولِيَّةِ، فَإِنَّهَا مَظِنَّةُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْقِتَالِ، فَيُلْغِيهَا بِالْمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ.
ص - وَلَا يَكْفِي رُجْحَانُ الْمُعَيَّنِ، وَلَا كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا ; لِاحْتِمَالِ الْجُزْئِيَّةِ، فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ تَعَدُّدِ الْأُصُولِ ; لِقُوَّةِ الظَّنِّ بِهِ.
وَفِي جَوَازِ اقْتِصَارِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ، وَعَلَى الْجَمِيعِ فِي جَوَازِ اقْتِصَارِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/220)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِمَّا بِأَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ كَوْنَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ مُلْغًى لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ، وَإِمَّا بِأَنْ يُبَيِّنَ اسْتِقْلَالَ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً فِي صُورَةٍ بِظَاهِرِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، مِثْلَ: مَا إِذَا عَلَّلَ الْمُسْتَدِلُّ حُرْمَةَ الرِّبَا بِالطَّعْمِ، فَيَعْتَرِضُ الْمُعْتَرِضُ بِالْكَيْلِ، فَيُبَيِّنُ الْمُسْتَدِلُّ اسْتِقْلَالَ الطَّعْمِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» ".
وَمِثْلَ: مَا إِذَا عَلَّلَ الْمُسْتَدِلُّ إِبَاحَةَ الْقَتْلِ بِتَبْدِيلِ الدِّينِ، فَيُعَارِضُ الْمُعْتَرِضُ بِتَبْدِيلِ الْإِيمَانِ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَيُبَيِّنُ الْمُسْتَدِلُّ اسْتِقْلَالَ تَبْدِيلِ الدِّينِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ". وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ عِنْدَ بَيَانِ اسْتِقْلَالِ مَا عَدَا وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ التَّعَرُّضُ لِلتَّعْمِيمِ، أَيِ التَّعَرُّضُ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ وُجُودِ الْوَصْفِ ; فَإِنْ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، وَلَوْ فِي صُورَةٍ يَكْفِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّعَرُّضِ لِلتَّعْمِيمِ.
(3/221)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَقَوْلُهُ: " غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ " حَالٌ عَنِ الْمُسْتَدِلِّ، وَالْعَامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: أَوْ يُبَيِّنُ.
ش - وَلَا يَكْفِي فِي بَيَانِ اسْتِقْلَالِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ
(3/222)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فِي صُورَةٍ بِدُونِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ، فَلَا يَلْزَمُ اسْتِقْلَالُهُ.
وَلِأَجْلِ جَوَازِ كَوْنِ الْحُكْمِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى، لَوْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ أَمْرًا آخَرَ يُخْلِفُ مَا أُلْغِيَ، أَيْ يَقُومُ مَقَامَ الْوَصْفِ الَّذِي أَلْغَاهُ الْمُسْتَدِلُّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ دُونَهُ، فَسَدَ إِلْغَاؤُهُ، وَيُسَمَّى فَسَادُ الْإِلْغَاءِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ: تَعَدُّدَ الْوَضْعِ ; لِتَعَدُّدِ أَصْلِ الْعِلَّةِ. فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ أَثْبَتَ عِلِّيَّةَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ أَوَّلًا، فَلَمَّا أَلْغَاهُ الْمُسْتَدِلُّ، أَثْبَتَ عِلِّيَّةَ وَصْفٍ آخَرَ.
مِثَالُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ أَمَانِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ: أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ، فَيَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى أَمَانِ الْحُرِّ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ مَظِنَّتَانِ لِإِظْهَارِ مَصَالِحِ الْإِيمَانِ، فَيَصِحُّ تَعْلِيلُ صِحَّةِ الْأَمَانِ بِهِمَا.
فَيَعْتَرِضُ الْمُعْتَرِضُ بِالْحُرِّيَّةِ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ مَظِنَّةُ الْفَرَاغِ لِلنَّظَرِ فِي الْمَصَالِحِ، فَيَكُونُ الْحُرُّ أَكْمَلَ حَالًا مِنَ الْعَبْدِ فِي النَّظَرِ فِي الْمَصَالِحِ، فَيَكُونُ لِلْحُرِّيَّةِ مَدْخَلٌ فِي صِحَّةِ الْأَمَانِ.
فَيَلْغِي الْمُسْتَدِلُّ الْحَرِيَّةَ بِالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ مَعَ انْتِفَاءِ الْحُرِّيَّةِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: خَلَفَ الْإِذْنُ الْحُرِّيَّةَ، أَيْ أُقِيمَ الْإِذْنُ فِي الْقِتَالِ مَقَامَ الْحُرِّيَّةِ، إِمَّا لِأَنَّ الْإِذْنَ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ فِي النَّظَرِ، أَوْ لِأَنَّ
(3/223)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْإِذْنَ مِظَنَّةٌ لِعِلْمِ السَّيِّدِ صَلَاحِيَةَ الْعَبْدِ لِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ. وَجَوَابُ إِفْسَادِ الْإِلْغَاءِ إِلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا، أَعْنِي الْمُسْتَدِلُّ أَوِ الْمُعْتَرِضُ، بِأَنْ يُثْبِتَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا لَا يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إِلْغَائِهِ، أَوْ يُلْغِي الْمُسْتَدِلُّ وَصْفَ الْمُعْتَرِضِ فِي صُورَةٍ لَيْسَ فِيهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَلَوْ سَلَّمَ الْمُسْتَدِلُّ كَوْنَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ مَظِنَّةً لِلْحُكْمِ الْمُخْتَلِفِ، فَلَا يُفِيدُ بَيَانُ الْإِلْغَاءِ بِضَعْفِ الْمَظِنَّةِ فِي صُورَةٍ ; لِأَنَّ ضَعْفَ الْمَظِنَّةِ فِي صُورَةٍ لَا يُخِلُّ بِالْعِلِّيَّةِ.
مِثْلَ: مَا إِذَا قِيسَتِ الْمُرْتَدَّةُ عَلَى الْمُرْتَدِّ فِي إِبَاحَةِ الْقَتْلِ بِجَامِعِ الرِّدَّةِ. فَيَعْتَرِضُ الْمُعْتَرِضُ بِالرُّجُولِيَّةِ، فَإِنَّهَا مَظِنَّةٌ لِلْإِقْدَامِ عَلَى الْقِتَالِ، فَيُلْغِي الْمُسْتَدِلُّ الرُّجُولِيَّةَ بِالْمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ، فَإِنَّ الرُّجُولِيَّةَ فِيهِ ضَعِيفَةٌ، مَعَ إِبَاحَةِ قَتْلِهِ.
ش - وَلَوْ بَيَّنَ الْمُسْتَدِلُّ رُجْحَانَ الْوَصْفِ الَّذِي عَيَّنَهُ عَلَى وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ بِجِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُرَجَّحَةِ، أَوْ بَيَّنَ كَوْنَهُ مُتَعَدِّيًا، لَا يَكْفِي فِي بَيَانِ اسْتِقْلَالِ وَصْفِهِ ; لِأَنَّ رُجْحَانَ الْوَصْفِ لَا يُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَجِّحَ بَعْضَ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّ الْقَتْلَ أَقْوَى مِنَ الْأَخِيرَيْنِ.
وَكَذَا تَعْدِيَةُ الْوَصْفِ لَا يُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ، إِذِ الْمُتَعَدِّي لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى الْقَاصِرِ ; لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ إِنْ كَانَ رَاجِحًا مِنْ جِهَةِ اتِّسَاعِ الْحُكْمِ، فَالْقَاصِرُ رَاجِحٌ مِنْ جِهَةِ مُوَافِقَةِ الْأَصْلِ.
وَلَوْ سُلِّمَ رُجْحَانُ الْمُتَعَدِّي، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقَاصِرُ جُزْءًا.
وَإِذَا احْتُمِلَ ذَلِكَ، كَانَ الْحُكْمُ بِكَوْنِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً تَحَكُّمًا بَاطِلًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعَدُّدِ أُصُولِ الْمُسْتَدِلِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّدَ ; لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْأُصُولِ يُقَوِّي الظَّنَّ بِكَوْنِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ عِلَّةً.
ثُمَّ الْمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ اقْتِصَارِ الْمُعْتَرِضِ فِي الْمُعَارَضَةِ فِي
(3/224)

ص - السَّادِسَ عَشَرَ: التَّرْكِيبُ، تَقَدَّمَ.
ص - السَّابِعَ عَشَرَ - التَّعْدِيَةُ، وَتَمْثِيلُهَا فِي إِجْبَارِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ: بِكْرٌ، فَجَازَ إِجْبَارُهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/225)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَصْلِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ أُصُولُ الْمُسْتَدِلِّ مُتَعَدِّدَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الِاقْتِصَارَ ; لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَصَدَ إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِجَمِيعِ الْأُصُولِ، فَإِذَا فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَأَصْلٍ مِنَ الْأُصُولِ، فَقَدْ تَمَّ مَقْصُودُ الْمُعْتَرِضِ مِنْ إِبْطَالِ غَرَضِ الْمُسْتَدِلِّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَارَضَهُ الْمُعْتَرِضُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ بَقِيَ قِيَاسُ الْمُسْتَدِلِّ صَحِيحًا فِي الْأَصْلِ الَّذِي لَمْ يُعَارِضْهُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ الْمُعَارَضَةِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ اقْتِصَارِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْمُسْتَدِلِّ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ; لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ الْتَزَمَ صِحَّةَ الْقِيَاسِ عَلَى كُلِّ الْأُصُولِ، فَإِذَا عُورِضَ فِي الْجَمِيعِ، يَجِبُ الْجَوَابُ عَنِ الْجَمِيعِ.
[سُؤَالُ التَّرْكِيبِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ السَّادِسَ عَشَرَ، سُؤَالُ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ الْوَارِدُ عَلَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ.
[التَّعْدِيَةُ]
ش - الِاعْتِرَاضُ السَّابِعَ عَشَرَ: التَّعْدِيَةُ، وَهِيَ أَنْ يُعَارِضَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ بِوَصْفٍ آخَرَ مُتَعَدٍّ إِلَى فَرْعٍ آخَرَ مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَيْضًا.
مِثَالُ التَّعْدِيَةِ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي إِجْبَارِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ: الْبِكْرُ الْبَالِغَةُ بِكْرٌ، فَجَازَ إِجْبَارُهَا قِيَاسًا عَلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، فَيُعَارِضُ الْمُعْتَرِضُ بِالصِّغَرِ وَيَقُولُ: الْبَكَارَةُ وَإِنْ تَعَدَّتْ إِلَى الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ، فَالصِّغَرُ يَتَعَدَّى إِلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ.
وَالْمُعْتَرِضُ يَرْجِعُ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، فَجَوَابُهَا جَوَابُ الْمُعَارَضَةِ، وَلَا أَثَرَ لِزِيَادَةِ التَّسْوِيَةِ فِي التَّعْدِيَةِ.
[مَنْعُ وَجُود الوصفِ فِي الْفَرْعِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنَ عَشَرَ: مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الَّذِي جَعَلَهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً فِي الْفَرْعِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي أَمَانِ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ: أَمَانٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ، فَيَصِحُّ، قِيَاسًا عَلَى أَمَانِ الْمَأْذُونِ. فَيَمْنَعُ الْمُعْتَرِضُ الْأَهْلِيَّةَ فِي الْفَرْعِ، أَعْنِي فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ.
وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِبَيَانِ وُجُودِ مَا عَنَاهُ الْمُسْتَدِلُّ بِالْأَهْلِيَّةِ فِي الْفَرْعِ، كَجَوَابِ مَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً فِي الْأَصْلِ. فَإِنَّهُ أَيْضًا بِبَيَانِ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَنْعِ السَّائِلِ، أَيِ الْمُعْتَرِضِ مِنْ تَقْدِيرِ نَفْيِ الْوَصْفِ عَنِ الْفَرْعِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ السَّائِلَ يُمْنَعُ مِنْ تَقْرِيرِهِ ; لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ مَانِعٌ، وَتَقْرِيرُ النَّفْيِ يُوهِمُ الْإِثْبَاتَ، وَالْمَانِعُ يَمْنَعُ مِنَ الْإِثْبَاتِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَدِلِّ، فَإِنَّهُ مُدَّعٍ لِوُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ، فَعَلَيْهِ إِثْبَاتُهُ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ الْكَلَامُ.
[الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى عَلَى وَجْهٍ، يَكُونُ مُسْتَنِدًا إِلَى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ، وَالْمُخْتَارُ: قَبُولُهُ; لِأَنَّ فَائِدَةَ الْمُنَاظَرَةِ رَدُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُسْتَدِلُّ. فَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ، لَاخْتَلَّ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ.
(3/226)

كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ.
فَيُعَارَضُ بِالصِّغَرِ وَتَعَدِّيهِ إِلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، وَيُرْجَعُ بِهِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ.
ص - الثَّامِنَ عَشَرَ: مَنْعُ وَجُودِهِ فِي الْفَرْعِ، مِثْلَ: أَمَانٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ كَالْمَأْذُونِ، فَيَمْنَعُ الْأَهْلِيَّةَ. وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ وُجُودِ مَا عَنَاهُ بِالْأَهْلِيَّةِ، كَجَوَابِ مَنْعِهِ فِي الْأَصْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/227)

وَالصَّحِيحُ مَنْعُ السَّائِلِ مِنْ تَقْرِيرِهِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ مُدَّعٍ، فَعَلَيْهِ إِثْبَاتُهُ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/228)

ص - التَّاسِعَ عَشَرَ: الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ عَلَى نَحْوِ طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ. وَالْمُخْتَارُ قَبُولُهُ لِئَلَّا تَخْتَلَّ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ.
قَالُوا: فِيهِ قَلْبُ التَّنَاظُرِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْقَصْدَ: الْهَدْمُ.
وَجَوَابُهُ بِمَا يَعْتَرِضُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، وَالْمُخْتَارُ: قَبُولُ التَّرْجِيحِ أَيْضًا، فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
وَالْمُخْتَارُ: لَا يَجِبُ الْإِيمَاءُ إِلَى التَّرْجِيحِ فِي الدَّلِيلِ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْهُ، وَتَوَقَّفَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ مِنْ تَوَابِعِ وُرُودِ الْمُعَارَضَةِ لِدَفْعِهَا، لَا أَنَّهُ مِنْهُ.
ص - الْعِشْرُونَ: الْفَرْقُ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى إِحْدَى الْمُعَارِضَتَيْنِ، وَإِلَيْهِمَا مَعًا عَلَى قَوْلٍ.
ص - الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: اخْتِلَافُ الضَّابِطِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، مِثْلُ: تَسَبَّبُوا بِالشَّهَادَةِ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ، كَالْمُكْرَهِ. فَيُقَالُ: الضَّابِطُ فِي الْفَرْعِ: الشَّهَادَةُ، وَفِي الْأَصْلِ: الْإِكْرَاهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/229)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْمَانِعُونَ مِنَ الْقَبُولِ قَالُوا: لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ فِيهِ قَلْبُ التَّنَاظُرِ، بِصَيْرُورَةِ الْمُعْتَرِضِ مُسْتَدِلًّا.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمُعَارَضَةِ هَدْمُ مَا بَنَاهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ، وَلَا حَجْرَ عَلَى الْمُعْتَرِضِ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْهَدْمِ. وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِمَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ مُسْتَدِلٌّ فِي الْحَالِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا يُرَدُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْجِيحِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ قَبُولُ تَرْجِيحِهِ، فَإِنَّ بِالتَّرْجِيحِ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ الْإِيمَاءُ إِلَى التَّرْجِيحِ عِنْدَ الِاسْتِدْلَالِ أَمْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ التَّرْجِيحَ خَارِجٌ عَنِ الدَّلِيلِ.
فَإِنْ قِيلَ: التَّرْجِيحُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَ الدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرْجِيحِ. فَلَوْ كَانَ خَارِجًا، لَمْ يَتَوَقَّفِ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ تَوَقُّفَ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ عَلَى التَّرْجِيحِ مِنْ تَوَابِعِ وُرُودِ الْمُعَارَضَةِ لِدَفْعِ الْمُعَارَضَةِ بِالتَّرْجِيحِ، فَيَبْقَى الدَّلِيلُ مَعْمُولًا بِهِ ; لِأَنَّ التَّرْجِيحَ مِنْ أَجْزَاءِ الدَّلِيلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَوَقُّفَ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ عَلَى التَّرْجِيحِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجَلِ
(3/230)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وُرُودِ الْمُعَارَضَةِ، لَا لِأَنَّ التَّرْجِيحَ جُزْءٌ مِنَ الدَّلِيلِ.
[الْفَرْقُ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الْعِشْرُونَ: الْفَرْقُ، وَهُوَ جَعْلُ أَمْرٍ مَخْصُوصٍ بِالْأَصْلِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، أَوْ جَعْلُ أَمْرٍ مَخْصُوصٍ بِالْفَرْعِ مَانِعًا مِنَ الْحُكْمِ. وَالْأَوَّلُ مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ، وَالثَّانِي مُعَارَضَةٌ فِي الْفَرْعِ.
فَلِهَذَا قَالَ: " الْفَرْقُ رَاجِعٌ إِلَى إِحْدَى الْمُعَارَضَتَيْنِ "، أَعْنِي الْمُعَارَضَةَ فِي الْأَصْلِ، أَوِ الْمُعَارَضَةَ فِي الْفَرْعِ.
وَجَوَابُ كُلٍّ مِنَ الْمُعَارَضَتَيْنِ قَدْ سَبَقَ.
وَقِيلَ: الْفَرْقُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُعَارَضَتَيْنِ مَعًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَإِلَيْهِمَا مَعًا عَلَى قَوْلٍ ".
[اخْتِلَافُ الضَّابِطِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: اخْتِلَافُ الضَّابِطِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُتَّحِدَةً، وَالْوَصْفُ الضَّابِطُ لِلْحِكْمَةِ فِي الْأَصْلِ مُخَالِفًا لِلْوَصْفِ الضَّابِطِ لِلْحِكْمَةِ فِي الْفَرْعِ، مِثْلَ مَا إِذَا قِيسَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى وُجُوبِ
(3/231)

فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّسَاوِي، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْجَامِعَ مَا اشْتَرَكَا فِيهِ مِنَ التَّسَبُّبِ الْمَضْبُوطِ عُرْفًا.
أَوْ بِأَنَّ إِفْضَاءَهُ فِي الْفَرْعِ مِثْلُهُ أَوْ أَرْجَحُ، كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ الْمُغْرِي لِلْحَيَوَانِ. فَإِنَّ انْبِعَاثَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْقَتْلِ طَلَبًا لِلتَّشَفِّي أَغْلَبُ مِنَ انْبِعَاثِ الْحَيَوَانِ بِالْإِغْرَاءِ بِسَبَبِ نُفْرَتِهِ وَعَدَمِ عِلْمِهِ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ أَصْلَيِّ التَّسَبُّبِ، فَإِنَّهُ اخْتِلَافُ فَرْعٍ وَأَصْلٍ.
كَمَا يُقَاسُ الْإِرْثُ فِي طَلَاقِ الْمَرِيضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَنْعِ الْإِرْثِ، وَلَا يُفِيدُ أَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِمَا مُلْغًى لِحِفْظِ النَّفْسِ، كَمَا أُلْغِيَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ قَطْعِ الْأُنْمُلَةِ وَقَطْعِ الرَّقَبَةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ إِلْغَاءِ الْعَالَمِ إِلْغَاءُ الْحُرِّ.
ص - الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: اخْتِلَافُ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ: أَوْلَجَ فَرْجًا فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٍ شَرْعًا فَيُحَدُّ كَالزَّانِي.
فَيُقَالُ: حِكْمَةُ الْفَرْعِ الصِّيَانَةُ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّوَاطِ، وَفِي الْأَصْلِ دَفْعُ مَحْذُورِ اخْتِلَافِ الْأَنْسَابِ، فَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ.
وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ، وَجَوَابُهُ كَجَوَابِهِ بِحَذْفِ خُصُوصِ الْأَصْلِ.
ص - الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: مُخَالَفَةُ حُكْمِ الْفَرْعِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، كَالْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ وَعَكْسِهِ.
وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي اخْتِلَافُهُ شَرْطٌ لَا فِي حُكْمٍ وَبَيَانٍ.
ص - الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَلْبُ.
قَلْبٌ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ، وَقَلْبٌ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، وَقَلْبٌ بِالِالْتِزَامِ.
الْأَوَّلُ: لُبْثٌ، فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً بِنَفْسِهِ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
الثَّانِي: عُضْوُ وَضَوْءٍ، فَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ، كَغَيْرِهِ.
فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ.
الثَّالِثُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِوَضِ، كَالنِّكَاحِ.
فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ قَالَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/232)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْقِصَاصِ فِي الْمُكْرَهِ. فَإِنَّ الشَّاهِدَ تَسَبَّبَ إِلَى الْقَتْلِ بِالشَّهَادَةِ، كَمَا تَسَبَّبَ الْمُكْرَهُ إِلَى الْقَتْلِ بِالْإِكْرَاهِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: الْوَصْفُ الضَّابِطُ فِي الْفَرْعِ الشَّهَادَةُ، وَفِي الْأَصْلِ الْإِكْرَاهُ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّسَاوِي بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الضَّابِطِ.
وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ هُوَ التَّسَبُّبُ إِلَى الْقَتْلِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْإِكْرَاهِ، وَالتَّسَبُّبُ إِلَى الْقَتْلِ مَضْبُوطٌ عُرْفًا، أَوْ بِأَنَّ إِفْضَاءَ الضَّابِطِ إِلَى الْمَقْصُودِ فِي الْفَرْعِ مِثْلُ إِفْضَائِهِ فِي الْفَرْعِ أَوْ أَرْجَحُ.
كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ الْمُغْرِي لِلْحَيَوَانِ بِأَنْ يَقِيسَ الشَّاهِدَ عَلَى الْمُغْرِي لِلْحَيَوَانِ بِجَامِعِ تَسَبُّبِهِمَا إِلَى الْقَتْلِ. فَإِنَّ إِفْضَاءَ الضَّابِطِ إِلَى الْمَقْصُودِ فِي الْفَرْعِ هَاهُنَا أَرْجَحُ مِنْ إِفْضَائِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ فِي الْأَصْلِ. فَإِنَّ انْبِعَاثَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْقَتْلِ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ طَلَبًا لِلتَّشَفِّي أَرْجَحُ مِنَ انْبِعَاثِ الْحَيَوَانِ بِالْإِغْرَاءِ ; لِأَنَّ الْحَيَوَانَ فِيهِ نُفْرَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ مَانِعَةٌ مِنَ الِانْبِعَاثِ.
وَأَيْضًا: عَدَمُ عِلْمِ الْحَيَوَانِ بِجَوَازِ الْقَتْلِ وَعَدَمُهُ يَمْنَعُهُ عَنِ الِانْبِعَاثِ، وَإِذَا كَانَ التَّسَبُّبُ فِي الْفَرْعِ مِثْلَ التَّسَبُّبِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ رَاجِحًا، فَلَا يَضُرَّ اخْتِلَافُ أَصْلَيِّ التَّسَبُّبِ، أَعْنِي الشَّهَادَةَ وَالْإِكْرَاهَ.
(3/233)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّ اخْتِلَافَ أَصْلَيِّ التَّسَبُّبِ اخْتِلَافُ أَصْلٍ وَفَرْعٍ. فَإِنَّهُ قِيسَ أَصْلُ التَّسَبُّبِ فِي الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ الشَّهَادَةُ عَلَى أَصْلِ التَّسَبُّبِ فِي الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْإِكْرَاهُ. وَالْجَامِعُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا سَبَبًا لِلْقَتْلِ، وَاخْتِلَافُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَا يَكُونُ قَادِحًا فِي الْقِيَاسِ.
وَذَلِكَ كَمَا يُقَاسُ إِرْثُ الْمَبْتُوتَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ عَلَى حِرْمَانِ الْقَاتِلِ مِنَ الْإِرْثِ ; لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ارْتِكَابِ أَمْرِ مُحَرَّمٍ.
فَكَمَا جُعِلَ الْقَتْلُ مُوجِبًا لِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ، جُعِلَ الطَّلَاقُ أَيْضًا مُوجِبًا لِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ.
فَاخْتِلَافُ الشَّهَادَةِ وَالْإِكْرَاهِ كَاخْتِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْقَتْلِ. وَلَا يُفِيدُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: التَّفَاوُتُ فِي ضَابِطِ الْأَصْلِ وَضَابِطِ الْفَرْعِ مُلْغًى مُرَاعَاةً لِحِفْظِ النَّفْسِ الضَّرُورِيِّ، كَمَا أُلْغِيَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ قَطْعِ الْأُنْمُلَةِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاكِ، وَقَطْعِ الرَّقَبَةِ ; لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى قَاطِعِ الْأُنْمُلَةِ عِنْدَ إِفْضَاءِ الْقَطْعِ إِلَى الْهَلَاكِ، قِيَاسًا عَلَى قَاطِعِ الرَّقَبَةِ. وَإِنَّمَا لَا يُفِيدُ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ هَذَا ; لِأَنَّ إِلْغَاءَ التَّفَاوُتِ فِي صُورَةٍ لَا يُوجِبُ إِلْغَاءَهُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ إِلْغَاءَ التَّفَاوُتِ فِي الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ فِي وُجُوبِ
(3/234)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْقِصَاصِ لَا يُوجِبُ إِلْغَاءَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ.
[اخْتِلَافُ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: اخْتِلَافُ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ بِأَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ الْمَقْصُودَةُ فِي الْفَرْعِ غَيْرَ الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ فِي الْأَصْلِ.
كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى اللَّائِطِ: أَوْلَجَ اللَّائِطُ فَرْجًا فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٍ شَرْعًا، فَيُحَدُّ كَالزَّانِي.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: حِكْمَةُ الْفَرْعِ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّوَاطِ.
وَحِكْمَةُ الْأَصْلِ دَفْعُ مَحْذُورِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْمُفْضِي إِلَى عَدَمِ تَعَهُّدِ الْأَوْلَادِ.
(3/235)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّارِعُ الثَّانِيَ دُونَ الْأَوَّلِ.
وَحَاصِلُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ جَعَلَ عِلَّةَ الْحُكْمِ الْوَصْفَ الْمَوْجُودَ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَالْمُعْتَرِضَ جَعَلَ الْعِلَّةَ الْوَصْفَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى حِكْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِالْأَصْلِ، وَجَوَابُهُ جَوَابُ الْمُعَارَضَةِ بِأَنْ يُحْذَفَ الْمَخْصُوصُ بِالْأَصْلِ عَنِ الِاعْتِبَارِ.
[مُخَالَفَةُ حُكْمِ الْفَرْعِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: مُخَالَفَةُ حُكْمِ الْفَرْعِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، مِثْلَ قِيَاسِ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ فِي الصِّحَّةِ وَعَكْسِهِ، أَيْ قِيَاسِ النِّكَاحِ عَلَى الْبَيْعِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: حُكْمُ الْفَرْعِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْقِيَاسُ مَعَ مُخَالَفَةِ الْحُكْمَيْنِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْدِيَةِ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِجَامِعٍ.
(3/236)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِبَيَانِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي اخْتِلَافُهُ شَرْطٌ فِي الْقِيَاسِ. فَإِنَّ مَحَلَّ الْحُكْمِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ، وَلَا بُدَّ مِنَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ، وَلَا فِي الْبَيَانِ الَّذِي هُوَ الْجَامِعُ.
[الْقَلْبُ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَلْبُ، وَهُوَ تَعْلِيقُ نَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ أَوْ لَازِمِ نَقِيضِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ إِلْحَاقًا بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ.
وَقَسَّمَ الْمُصَنِّفُ الْقَلْبَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
قَلْبٌ ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ، وَقَلْبٌ ذَكَرَهُ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، وَقَلْبٌ ذَكَرَهُ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِهِ بِالِالْتِزَامِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطُ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ: الِاعْتِكَافُ لُبْثٌ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ قُرْبَةٌ بِنَفْسِهِ قِيَاسًا عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَلَا بُدَّ مِنَ انْضِمَامِ عِبَادَةٍ أُخْرَى إِلَيْهِ لِيَحْصُلَ بِهِ قُرْبَةٌ.
فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: الِاعْتِكَافُ لُبْثٌ مَخْصُوصٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ قِيَاسًا عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
فَقَدْ صَحَّحَ الْمُعْتَرِضُ بِهَذَا الْقَلْبِ مَذْهَبَهُ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ.
(3/237)

وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ اشْتَرَكَ فِيهِ الْأَصْلُ وَالْجَامِعُ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.
ص - الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ.
وَحَقِيقَتُهُ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَسْتَنْتِجَهُ مَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَوْ مُلَازِمُهُ.
مِثْلَ: قَتَلَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ، كَحَرْقِهِ. فَيُرَدُّ ; فَإِنَّ عَدَمَ الْمُنَافَاةِ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ وَلَا يَقْتَضِيهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْتِجَهُ إِبْطَالُ مَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/238)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثَالُ الثَّانِي: قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: الرَّأْسُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ، قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الرَّأْسِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. وَإِذَا بَطَلَ الْأَقَلُّ ثَبَتَ الرُّبُعُ ; لِأَنَّ مَا عَدَا الرُّبُعَ وَالْأَقَلَّ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ.
فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: الرَّأْسُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَلَا يُقَدَّرُ بِالرُّبُعِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ بِهَذَا الْقَلْبِ أَبْطَلَ مَذْهَبَ الْمُسْتَدِلَّ صَرِيحًا.
مِثَالُ الثَّالِثِ: قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ: بَيْعُ الْغَائِبِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِوَضِ، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ.
فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: بَيْعُ الْغَائِبِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ.
وَاشْتِرَاطُ الْخِيَارِ لَازِمٌ لِصِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ، وَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ، انْتَفَى الْمَلْزُومُ.
فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ بِهَذَا الْقَلْبِ أَبْطَلَ مَذْهَبَ الْمُسْتَدِلِّ بِالِالْتِزَامِ لَا بِالصَّرِيحِ، فَإِنَّهُ أَبْطَلَ لَازِمَ مَذْهَبِهِ، فَيَلْزَمُ مِنْ إِبْطَالِ لَازِمِ مَذْهَبِهِ إِبْطَالُ مَذْهَبِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْقَلْبَ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ نَقِيضَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى، لَا أَنَّهُ وَجَبَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ وَالْجَامِعُ وَالْفَرْعُ مَا جَعَلَهُ
(3/239)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُسْتَدِلُّ أَصْلًا وَفَرْعًا وَجَامِعًا، فَكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنَ الْمُعَارَضَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ وَالْفَرْعِ أَبْلَغُ فِي الْمُنَاقَصَةِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمُسْتَدِلَّ مِنْ تَرْجِيحِ أَصْلِهِ وَجَامِعِهِ عَلَى أَصْلِ الْقَلْبِ وَجَامِعِهِ لِلِاتِّحَادِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَارَضَةِ.
وَلِلْقَلْبِ أَقْسَامٌ أُخَرُ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ:
مِنْهَا: قَلْبُ الدَّعْوَى مَعَ إِضْمَارِ الدَّلِيلِ.
كَمَا يُقَالُ: كُلُّ مَوْجُودٍ مَرْئِيٌّ.
فَيَقُولُ الْقَالِبُ الْمُعْتَرِضُ: كُلُّ مَا لَيْسَ فِي جِهَةٍ، لَا يَكُونُ مَرْئِيًّا.
وَالْوُجُودُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَوَّلِ دَلِيلُ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الْقَائِلِ الْأَوَّلِ، وَكَوْنُهُ لَيْسَ فِي جِهَةٍ فِي الثَّانِي دَلِيلُ امْتِنَاعِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الْقَائِلِ الثَّانِي، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ مُضْمَرٌ فِي الدَّعْوَى.
وَمِنْهَا: قَلْبُ الدَّعْوَى مَعَ عَدَمِ إِضْمَارِ الدَّلِيلِ، مِثْلَ: شُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ.
فَيَقُولُ الْقَالِبُ: شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِذَاتِهِ.
وَمِنْهَا: قَلْبُ الِاسْتِبْعَادِ فِي الدَّعْوَى، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِلْحَاقِ: تَحْكِيمُ الْوَلَدِ فِيهِ تَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ.
(3/240)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ مِنَ الْقَالِبِ: تَحْكِيمُ الْقَائِلِ فِيهِ أَيْضًا تَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ.
وَمِنْهَا قَلْبُ الدَّلِيلِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا يَدُلُّ لَهُ، مِثْلَ قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ.
فَيَقْلِبُ الْمُعْتَرِضُ وَيَقُولُ: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَالَ لَا يَرِثُ بِطَرِيقٍ أَبْلَغَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " لَا وَارِثَ " سَلْبٌ عَامٌّ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْخَالُ وَارِثًا.
وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ، وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا لِلْقَلْبِ لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ، بَلْ يَتَنَاوَلُ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فَقَطْ.
[الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ]
ش - الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسَ وَالْعِشْرُونَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ، وَحَقِيقَتُهُ: تَسْلِيمُ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَسْتَنْتِجَ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ دَلِيلِهِ مَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ: قَتَلَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ، قِيَاسًا عَلَى الْقَتْلِ بِالْحَرْقِ.
فَيُرَدُّ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ بِمُوجِبِ هَذَا الدَّلِيلِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَتْلَ بِالْمُثْقَلِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ لَكِنَّ عَدَمَ الْمُنَافَاةِ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ، أَيْ لَا يَكُونُ مُلَازِمًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ كَوْنُ أَحَدِهِمَا مُلَازِمًا لِلْآخَرِ.
الثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْتِجَ الْمُسْتَدِلُّ مِنَ الدَّلِيلِ إِبْطَالَ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ: التَّفَاوُتُ فِي الْوَسِيلَةِ
(3/241)

مِثْلَ: التَّفَاوُتُ فِي الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ كَالْمُتَوَسِّلِ إِلَيْهِ، فَيُرَدُّ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبْطَالِ مَانِعِ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ وَوُجُودُ الشَّرَائِطِ وَالْمُقْتَضَى.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي مَذْهَبِهِ، وَأَكْثَرُ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ كَذَلِكَ ; لِخَفَاءِ الْمَأْخَذِ بِخِلَافِ مَحَالِّ الْخِلَافِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَسْكُتَ عَنِ الصُّغْرَى غَيْرَ مَشْهُورَةٍ، مِثْلَ: مَا ثَبَتَ قُرْبَةً، فَشَرْطُهُ النِّيَّةُ، كَالصَّلَاةِ.
وَيَسْكُتُ عَنْ (وَالْوُضُوءُ قُرْبَةٌ) فَيُرَدُّ، وَلَوْ ذَكَرَهَا لَمْ يَرِدْ إِلَّا الْمَنْعُ.
وَقَوْلُهُمْ: فِيهِ انْقِطَاعُ أَحَدِهِمَا، بَعِيدٌ فِي الثَّالِثِ لِاخْتِلَافِ الْمُرَادَيْنِ.
وَجَوَابُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَوْ مُسْتَلْزَمٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، فَيُقَالُ بِالْمُوجَبِ لِأَنَّهُ يَجِبُ.
فَيَقُولُ: الْمَعْنَى بِـ " لَا يَجُوزُ " تَحْرِيمُهُ، وَيَلْزَمُ نَفْيُ الْوُجُوبِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/242)

وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ الْمَأْخَذُ، وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْحَذْفَ سَائِغٌ.
ص - وَالِاعْتِرَاضَاتُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَتَعَدَّدُ اتِّفَاقًا، وَمِنْ أَجْنَاسٍ، كَالْمَنْعِ وَالْمُطَالَبَةِ وَالنَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ. مَنَعَ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ التَّعَدُّدَ لِلْخَبْطِ.
وَالْمُتَرَتِّبَةُ مَنْعُ الْأَكْثَرِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْلِيمِ لِلْمُتَقَدِّمِ، فَيَتَعَيَّنُ الْأَخِيرُ، وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ تَقْدِيرِيٌّ فَلْتَتَرَتَّبْ، وَإِلَّا كَانَ مَنْعًا بَعْدَ تَسْلِيمٍ، فَيُقَدَّمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَصْلِ، ثُمَّ الْعِلَّةِ ; لِاسْتِنْبَاطِهَا مِنْهُ، ثُمَّ الْفَرْعِ لِبِنَائِهِ عَلَيْهَا.
وَقَدَّمَ النَّقْضَ عَلَى مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ يُورِدُ لِإِبْطَالِ الْعِلَّةِ، وَالْمُعَارَضَةُ لِإِبْطَالِ اسْتِقْلَالِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/243)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ، كَالتَّفَاوُتِ فِي الْمُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ، فَيَظُنُّ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ مَأْخَذَ عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عِنْدَ الْخَصْمِ تَفَاوُتُ الْوَسِيلَةِ. فَيُرَدُّ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ بِمُوجِبِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عِنْدِي أَيْضًا، وَلَكِنْ لَمْ يَلْزَمْ وُجُوبُ الْقِصَاصِ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبْطَالِ مَانِعٍ انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ وَوُجُودُ الشَّرَائِطِ وَوُجُودُ الْمُقْتَضِي، وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ مُصَدَّقٌ فِي مَذْهَبِهِ بِأَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُسْتَدِلُّ لَيْسَ مَأْخَذَ الْمُعْتَرِضِ، فَإِنَّهُ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ إِمَامِهِ. وَقِيلَ: لَا يُصَدَّقُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَأْخَذُهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مَأْخَذَ الْمُعْتَرِضِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ لِلْعِنَادِ.
وَأَكْثَرُ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ كَذَلِكَ، أَيْ يَكُونُ مِنْ بَابِ غَلَطِ الْمَأْخَذِ لِخَفَاءِ الْمَأْخَذِ، فَإِنَّ مُدْرَكَ حُكْمِ الْمُجْتَهِدِ كَثِيرًا مَا يَخْفَى، بِخِلَافِ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَالْحُكْمُ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى. وَلِهَذَا يَشْتَرِكُ الْعَوَّامُ مَعَ الْخَوَاصِّ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ دُونَ الْمَدَارِكِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ الْمُسْتَدِلُّ كُبْرَى الْقِيَاسِ وَيَسْكُتَ عَنِ الصُّغْرَى، وَالْحَالُ أَنَّ الصُّغْرَى غَيْرُ مَشْهُورَةٍ.
(3/244)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ: مَا ثَبَتَ قُرْبَةً فَشَرْطُهُ النِّيَّةُ، قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ. وَيَسْكُتُ عَنِ الصُّغْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: الْوُضُوءُ قُرْبَةٌ.
فَيَرُدُّ الْمُعْتَرِضُ بِأَنْ يَقُولَ بِمُوجِبِ الْكُبْرَى، وَلَكِنْ لَا يَنْتِجُ الْكُبْرَى وَحْدَهَا.
وَلَوْ ذَكَرَ الْمُسْتَدِلُّ الصُّغْرَى، لَمْ يُرِدْ إِلَّا مَنْعَ الصُّغْرَى بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُضُوءَ قُرْبَةٌ.
وَقَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ: يَلْزَمُ انْقِطَاعُ الْمُسْتَدِلِّ أَوِ الْمُعْتَرِضِ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ، بِعِيدٌ لِاخْتِلَافِ مُرَادِ الْمُسْتَدِلِّ وَمُرَادِ الْمُعْتَرِضِ، إِذْ مُرَادُ الْمُسْتَدِلِّ أَنَّ الصُّغْرَى، وَإِنْ كَانَتْ مَحْذُوفَةً لَفْظًا، فَهِيَ مَذْكُورَةٌ تَقْدِيرًا، وَالْمَجْمُوعُ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ.
وَمُرَادُ الْمُعْتَرِضِ أَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الْكُبْرَى وَحْدَهَا، وَهِيَ لَا تُفِيدُ الْمَطْلُوبَ.
وَجَوَابُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ بِأَنْ مَا لَزِمَ مِنَ الدَّلِيلِ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، أَوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، وَبَيَانُهُ بِالنَّقْلِ الْمَشْهُورِ، كَمَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ بِالْمُوجَبِ بِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ لَا يَجُوزُ عِنْدِي ; لِأَنَّهُ يَجِبُ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ بِأَنَّ الْمَعْنَى بِـ (لَا يَجُوزُ) : تَحْرِيمُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وَتَحْرِيمُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ.
(3/245)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْجَوَابُ عَنِ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ أَنَّ مَا ذَكَرْتُهُ هُوَ الْمَأْخَذُ، وَبَيَانُهُ اسْتِشْهَارُهُ بَيْنَ النُّظَّارِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ بِأَنَّ حَذْفَ الصُّغْرَى جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ مَجْمُوعُ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، لَا الْكُبْرَى وَحْدَهَا.
[تعدد الاعتراضات]
ش - الِاعْتِرَاضَاتُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالنُّقُوضِ
(3/246)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَوِ الْمُعَارَضَاتِ فِي أَحَدِ رُكْنَيِ الْقِيَاسِ إِمَّا الْأَصْلُ أَوِ الْفَرْعُ.
أَوْ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَالْمَنْعِ وَالْمُطَالَبَةِ وَالنَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ.
فَإِنْ كَانَتِ الِاعْتِرَاضَاتُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْمُنَاظَرَةِ عَلَى جَوَازِ تَعَدُّدِهَا، أَيْ عَلَى جَوَازِ إِيرَادِهَا مَعًا، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا تَنَاقُضٌ وَلَا انْتِقَالٌ مِنْ سُؤَالٍ إِلَى آخَرَ.
وَإِنْ كَانَتِ الِاعْتِرَاضَاتُ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيَمْنَعُ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ جَوَازَ التَّعَدُّدِ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُرَتَّبَةً أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ ; لِأَنَّ التَّعَدُّدَ يُؤَدِّي إِلَى الْخَبْطِ ; لِأَنَّهُ خَلْطٌ مُنِعَ بِمَنْعٍ، وَيَزُولُ مِنْ سُؤَالٍ إِلَى آخَرَ، وَأَوْجَبُوا الِاقْتِصَارَ عَلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ لِقُرْبِهِ إِلَى الضَّبْطِ.
وَالْمُرَتَّبَةُ مَنَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمُنَاظَرَةِ التَّعَدُّدَ فِيهَا دُونَ غَيْرِ الْمُرَتَّبَةِ ; لِأَنَّ فِي تَعَدُّدِ الْمُرَتَّبَةِ تَسْلِيمًا لِلْمُقَدَّمِ ; لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا طَالَبَ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ بَعْدَ أَنْ مَنَعَ وُجُودَ الْوَصْفِ، فَقَدْ نَزَلَ عَنِ الْمَنْعِ وَسَلَّمَ وُجُودَ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ مُقَدَّمٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَصَرَّ عَلَى مَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ، لَمَا طَالَبَهُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ ; لِأَنَّ تَأْثِيرَ مَا لَا وُجُودَ لَهُ مُحَالٌ. فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُعْتَرِضُ غَيْرَ جَوَابِ الْأَخِيرِ، فَيَتَعَيَّنُ الْآخَرُ الْمَوْرُودُ فَقَطْ. فَالتَّعَرُّضُ لِلْمُقَدَّمِ يَكُونُ ضَائِعًا.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ التَّعَدُّدِ فِي الْمَرْتَبَةِ ; لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمُتَقَدِّمِ تَسْلِيمٌ تَقْدِيرِيٌّ، إِذْ مَعْنَاهُ: لَوْ سُلِّمَ وُجُودُ الْوَصْفِ، فَلَا نُسَلِّمُ
(3/247)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
تَأْثِيرَهُ.
وَالتَّسْلِيمُ التَّقْدِيرِيُّ لَا يُنَافِي الْمَنْعَ، بِخِلَافِ التَّسْلِيمِ تَحْقِيقًا، فَإِنَّهُ يُنَافِي الْمَنْعَ. فَلَوْ مَنَعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ تَحْقِيقًا، لَمْ يُسْمَعْ.
وَإِذَا جَازَ التَّعَدُّدُ فِي الْمَرْتَبَةِ، فَلْيُرَتِّبِ الِاعْتِرَاضَاتِ، وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرَتِّبِ الِاعْتِرَاضَاتِ - كَانَ مَنْعًا بَعْدَ التَّسْلِيمِ، كَمَا لَوْ طَالَبَ التَّأْثِيرَ، ثُمَّ مَنَعَ وُجُودَهُ.
وَالِاعْتِرَاضَاتُ بَعْضُهَا مُقَدَّمٌ طَبْعًا عَلَى بَعْضٍ، فَلْيُقَدَّمْ وَضْعًا. فَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَصْلِ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ يُقَدَّمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ يُقَدَّمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ ; لِأَنَّ الْفَرْعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلَّةِ.
وَيُقَدَّمُ النَّقْضُ عَلَى الْمُعَارَضَةِ ; لِأَنَّ النَّقْضَ يُورَدُ لِإِبْطَالِ الْعِلَّةِ. وَالْمُعَارَضَةَ يُورَدُ لِاسْتِقْلَالِهَا، وَالْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى اسْتِقْلَالِهَا.
وَالِاسْتِفْسَارُ يُقَدَّمُ عَلَى الْكُلِّ ; لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ، لَا يَعْرِفُ مَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي فَسَادِ الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَهُوَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي تَفْصِيلِهِ.
(3/248)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ ; لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ. وَالنَّظَرُ فِي الْأَعَمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّظَرِ فِي الْأَخَصِّ.
ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَصْلِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذُكِرَ.
[الِاسْتِدْلَالُ]
[تعريف الاستدلال وأنواعه]
[القسم الأول مِنَ الِاسْتِدْلَالِ التَلَازُمٌ بَيْنَ حُكْمَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عِلَّةٍ]
ش - لَمَّا كَانَ " الِاسْتِدْلَالُ " مِنْ جُمْلَةِ الطُّرُقِ الْمُفِيدَةِ لِلْأَحْكَامِ، ذَكَرَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالِاسْتِدْلَالُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الدَّلِيلِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى عَامٍّ، وَهُوَ: ذِكْرُ الدَّلِيلِ نَصًّا كَانَ أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا أَوْ غَيْرَهُ.
وَيُطْلَقُ عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا.
فَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: هُوَ دَلِيلٌ لَا يَكُونُ نَصًّا وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا.
وَقِيلَ: هُوَ دَلِيلٌ لَا يَكُونُ نَصًّا وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا قِيَاسَ عِلَّةٍ.
فَيَدْخُلُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي نَفْيُ الْفَارِقِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ.
وَالتَّلَازُمُ، أَيْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ ; لِأَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ الِاسْتِدْلَالُ مِنْ وُجُودِ أَحَدِ الْمُتَلَازِمِينَ عَلَى وُجُودِ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِي نَحْوِ: وُجِدَ السَّبَبُ فَيُوجَدُ الْمُسَبَّبُ، أَوْ وُجِدَ الْمَانِعُ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ، أَوْ فُقِدَ الشَّرْطُ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ.
فَقِيلَ: لَيْسَ بِدَلِيلٍ، بَلْ هُوَ دَعْوَى دَلِيلٍ ; لِأَنَّ قَوْلَنَا: وُجِدَ السَّبَبُ، مَعْنَاهُ وُجِدَ الدَّلِيلُ، وَهُوَ دَعْوَى وُجُودِ الدَّلِيلِ.
وَقِيلَ: دَلِيلٌ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا، وَهَذَا كَذَلِكَ.
(3/249)

الِاسْتِدْلَالُ.
ص - الِاسْتِدْلَالُ يُطْلَقُ عَلَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ، وَيُطْلَقُ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
فَقِيلَ: مَا لَيْسَ بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ.
وَقِيلَ: لَا قِيَاسَ عِلَّةٍ، فَيَدْخُلُ نَفْيُ الْفَارِقِ وَالتَّلَازُمُ، وَأَمَّا نَحْوُ: وَجْدُ السَّبَبِ أَوِ الْمَانِعِ أَوْ فَقْدُ الشَّرْطِ، فَقِيلَ: دَعْوَى دَلِيلٍ.
وَقِيلَ: دَلِيلٌ.
وَعَلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ، قِيلَ: اسْتِدْلَالٌ وَقِيلَ: إِنْ أَثْبَتَ بِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ: تَلَازُمٌ بَيْنَ حُكْمَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عِلَّةٍ وَاسْتِصْحَابٍ.
وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/250)

ص - الْأَوَّلُ: تَلَازُمٌ بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ، أَوْ نَفْيَيْنِ، أَوْ ثُبُوتٍ وَنَفْيٍ، أَوْ نَفْيٍ وَثُبُوتٍ.
وَالْمُتَلَازِمَانِ إِنْ كَانَا طَرْدًا وَعَكْسًا، كَالْجِسْمِ وَالتَّأْلِيفِ، جَرَى فِيهِمَا الْأَوَّلَانِ طَرْدًا وَعَكْسًا.
وَإِنْ كَانَا طَرْدًا لَا عَكْسًا كَالْجِسْمِ وَالْحُدُوثِ، جَرَى فِيهِمَا الْأَوَّلُ طَرْدًا، وَالثَّانِي عَكْسًا.
وَالْمُتَنَافِيَانِ إِنْ كَانَا طَرْدًا وَعَكْسًا، كَالْحُدُوثِ وَوُجُوبِ الْبَقَاءِ، جَرَى فِيهِمَا الْأَخِيرَانِ طَرْدًا وَعَكْسًا.
فَإِنْ تَنَافَيَا إِثْبَاتًا، كَالتَّأْلِيفِ وَالْقِدَمِ، جَرَى فِيهِمَا الثَّالِثُ طَرْدًا وَعَكْسًا، فَإِنْ تَنَافَيَا نَفْيًا، كَالْأَسَاسِ وَالْخَلَلِ، جَرَى فِيهِمَا الرَّابِعُ طَرْدًا وَعَكْسًا.
الْأَوَّلُ فِي الْأَحْكَامِ - مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ - صَحَّ ظِهَارُهُ وَيَثْبُتُ بِالطَّرْدِ، وَيَقْوَى بِالْعَكْسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ دَلِيلًا، اخْتَلَفُوا:
فَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتِدْلَالٌ لِدُخُولِهِ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِدْلَالِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ.
وَقِيلَ: إِنْ أَثْبَتَ السَّبَبَ أَوِ الْمَانِعَ أَوْ فَقَدَ الشَّرْطَ بِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ وَالْقِيَاسَ، فَاسْتِدْلَالٌ.
وَإِنْ أُثْبِتَ بِأَحَدِهَا، لَا يَكُونُ اسْتِدْلَالًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُثْبِتَ بِأَحَدِهَا، كَانَ الْحُكْمُ اللَّازِمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ أَوِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ النَّصَّ أَوِ الْإِجْمَاعَ أَوِ الْقِيَاسَ دَلِيلُ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيِ الِاسْتِدْلَالِ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ: الِاسْتِدْلَالُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
الْقَوْلُ الْمُؤَلَّفُ الْمُوجِبُ لِقَوْلٍ آخَرَ، اقْتِرَانِيًّا كَانَ أَوِ اسْتِثْنَائِيًّا، وَنَفْيُ الْحُكْمِ لِنَفْيِ الْمَدَارِكِ.
وَقَوْلُهُمْ: وُجِدَ السَّبَبُ أَوِ الْمَانِعُ أَوْ فُقِدَ الشَّرْطُ.
وَالِاسْتِصْحَابُ.
وَلَمْ يُعْتَدَّ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
تَلَازُمٌ بَيْنَ حُكْمَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عِلَّةٍ جَامِعَةٍ،
(3/252)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاسْتِصْحَابٌ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا.
ش - الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ; لِأَنَّ الْمُتَلَازِمَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا ثُبُوتَيْنِ أَوْ نَفْيَيْنِ، أَوِ الْأَوَّلُ ثُبُوتٌ وَالْآخَرُ نَفْيٌ، أَوِ الْأَوَّلُ نَفْيٌ وَالْآخَرُ ثُبُوتٌ.
وَالْمُتَلَازِمَانِ إِنْ كَانَا طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ إِنْ كَانَ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، كَالْجِسْمِ وَالتَّأْلِيفِ، فَإِنَّ وُجُودَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْآخَرِ، جَرَى فِيهِمَا - أَيْ فِي الْمُتَلَازِمَيْنِ - الْأَوَّلَانِ، أَيِ التَّلَازُمُ بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ - وَالتَّلَازُمُ بَيْنَ نَفْيَيْنِ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كُلِّ وَاحِدٍ
(3/253)

وَيُقَرَّرُ بِثُبُوتِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ، فَيَلْزَمُ الْآخَرُ، لِلُزُومِ الْمُؤَثِّرِ، وَبِثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ.
وَلَا يُعَيَّنُ الْمُؤَثِّرُ فَيَكُونُ انْتِقَالًا إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ.
الثَّانِي: لَوْ صَحَّ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَصَحَّ التَّيَمُّمُ، وَيَثْبُتُ بِالطَّرْدِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيُقَرَّرُ بِانْتِفَاءِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ، فَيَنْتَفِي الْآخَرُ لِلُزُومِ انْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ بِانْتِفَاءِ الْأَثَرِ.
الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُبَاحًا، لَا يَكُونُ حَرَامًا.
الرَّابِعُ: مَا لَا يَكُونُ جَائِزًا يَكُونُ حَرَامًا.
وَيُقَرَّرَانِ بِثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَ لَوَازِمِهِمَا.
ص وَيُرَدُّ عَلَى الْجَمِيعِ مَنْعُهُمَا، أَوْ مَنْعُ أَحَدِهِمَا.
وَيُرَدُّ مِنَ الْأَسْئِلَةِ مَا عَدَا أَسْئِلَةِ نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ.
وَيَخْتَصُّ بِسُؤَالٍ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ فِي قِصَاصِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ: أَحَدُ مُوجِبَيِ الْأَصْلِ، وَهُوَ النَّفْسُ، فَيَجِبُ بِدَلِيلِ الْمُوجَبِ الثَّانِي، وَهُوَ الدِّيَةُ، وَقَرَّرَ بِأَنَّ الدِّيَةَ أَحَدُ الْمُوجِبَيْنِ فَيَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً، فَوَاضِحٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/254)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنَ الْجِسْمِ التَّأْلِيفُ، وُجُودُ الْآخَرِ، وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْيُ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُتَلَازِمَانِ طَرْدًا فَقَطْ، أَيْ لَزِمَ مِنْ وُجُودِ الْأَوَّلِ وُجُودُ الثَّانِي، مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، كَالْجِسْمِ وَالْحُدُوثِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْجِسْمِ يَسْتَلْزِمُ الْحُدُوثَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، جَرَى فِيهِمَا التَّلَازُمُ بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ طَرْدًا فَقَطْ ; أَيْ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْجِسْمِ وُجُودُ الْحُدُوثِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالتَّلَازُمُ بَيْنَ نَفْيَيْنِ عَكْسًا فَقَطْ، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحُدُوثِ نَفْيُ الْجِسْمِ، مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.
وَأَمَّا الْمُتَنَافِيَانِ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيِ اللَّذَانِ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَهِيَ الْمُنْفَصِلَةُ الْحَقِيقِيَّةِ، كَالْحُدُوثِ وَوُجُوبِ الْبَقَاءِ، فَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وُجُودًا وَعَدَمًا، فَيَجْرِي فِيهِمَا الْأَخِيرَانِ، أَيِ التَّلَازُمُ بَيْنَ ثُبُوتٍ وَنَفْيٍ، وَالتَّلَازُمُ بَيْنَ نَفْيٍ وَثُبُوتٍ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ كُلٍّ مِنْهُمَا نَفْيُ الْآخَرِ، وَمِنْ نَفْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُتَنَافِيَانِ تَنَافَيَا إِثْبَاتًا فَقَطْ، أَيْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَنْعُ الْجَمْعِ، كَالتَّأْلِيفِ وَالْقِدَمِ، فَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وُجُودًا، لَا عَدَمًا، جَرَى فِيهِمَا الثَّالِثُ، أَيِ التَّلَازُمُ بَيْنَ ثُبُوتٍ وَنَفِيٍ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ ثُبُوتُ كُلٍّ مِنَ التَّأْلِيفِ وَالْقِدَمِ يَلْزَمُهُ نَفْيُ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُتَنَافِيَانِ تَنَافَيَا نَفْيًا فَقَطْ، أَيْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَنْعُ
(3/255)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْخُلُوِّ، كَالْأَسَاسِ وَالْخَلَلِ، فَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ عَدَمًا لَا وُجُودًا، جَرَى فِيهِمَا الرَّابِعُ، أَيِ التَّلَازُمُ بَيْنَ نَفْيٍ وَثُبُوتٍ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَمْثِلَةَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ التَّلَازُمِ فِي الْأَحْكَامِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: أَيِ التَّلَازُمُ بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ: مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ، صَحَّ ظِهَارُهُ. وَتَثْبُتُ الْمُلَازَمَةُ بَيْنَهُمَا بِالطَّرْدِ، أَيْ بِأَنْ يَسْتَلْزِمَ صِحَّةُ الطَّلَاقِ صِحَّةَ الظِّهَارِ، وَيَقْوَى التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ الْعَكْسَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ، لَكِنْ يَكُونُ مُقَوِّيًا لِلدَّلِيلِ، وَيُقَرَّرُ التَّلَازُمُ بِأَنَّ الصِّحَّتَيْنِ أَثَرَانِ لِمُؤَثِّرٍ وَاحِدٍ، فَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ ثُبُوتُ الْآخَرِ ; لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمُؤَثِّرِ لَازِمٌ لِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا، وَثُبُوتَ الْآخَرِ لَازِمٌ مِنْ ثُبُوتِ مُؤَثِّرِهِ.
وَيُقَرَّرُ أَيْضًا بِثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الطَّلَاقِ ثَابِتٌ، فَيُثْبِتُ صِحَّةَ الظِّهَارِ ; لِأَنَّهُمَا أَثَرَاهُ. وَلَا يُعَيَّنُ الْمُؤَثِّرُ، وَإِلَّا يَكُونُ انْتِقَالًا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ إِلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِاسْتِدْلَالٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي، أَيِ التَّلَازِمِ بَيْنَ نَفْيَيْنِ: لَوْ صَحَّ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَصَحَّ التَّيَمُّمُ.
(3/256)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيَثْبُتُ هَذَا التَّلَازُمُ بِالطَّرْدِ، وَيَتَقَوَّى بِالْعَكْسِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيُقَرَّرُ أَيْضًا بِانْتِفَاءِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ فَيَنْتَفِي الْآخَرُ لِلُزُومِ انْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ انْتِفَاءُ الْمُؤَثِّرِ، وَيَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ انْتِفَاءُ الْأَثَرِ الْآخَرِ.
مِثَالُ الثَّالِثِ، أَيِ التَّلَازِمِ بَيْنَ ثُبُوتٍ وَنَفْيٍ: مَا يَكُونُ مُبَاحًا لَا يَكُونُ حَرَامًا.
مِثَالُ الرَّابِعِ، أَيِ التَّلَازِمِ بَيْنَ نَفْيٍ وَثُبُوتٍ: مَا لَا يَكُونُ جَائِزًا يَكُونُ حَرَامًا.
وَيُقَرَّرُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ بِثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْمُبَاحِ، أَوْ بِثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَ لَوَازِمِهِمَا، فَإِنَّ التَّنَافِيَ بَيْنَ اللَّوَازِمِ يَسْتَلْزِمُ التَّنَافِيَ بَيْنَ الْمَلْزُومَاتِ.
ش - وَيَرِدُ عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ التَّلَازُمِ مَنْعُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ الشَّرْطِيَّةِ وَالِاسْتِثْنَائِيَّةِ، أَوْ مَنْعُ إِحْدَى الْمُقَدَّمَتَيْنِ، إِمَّا الشَّرْطِيَّةِ أَوِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ، وَيَرِدُ أَيْضًا عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ التَّلَازُمِ الْأَسْئِلَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْقِيَاسِ، إِلَّا الْأَسْئِلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ، فَإِنَّهَا لَا تَرِدُ فِي التَّلَازُمِ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ لَا يُعَيَّنُ فِي التَّلَازُمِ، وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَيَخْتَصُّ التَّلَازُمُ بِسُؤَالٍ آخَرَ غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَحَدَ مُوجِبَيِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ فِي قِصَاصِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ: إِنَّ قِصَاصَ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ أَحَدُ مُوجِبَيِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، وَهِيَ تَفْوِيتُ النَّفْسِ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ بِدَلِيلِ وُجُودِ الْمُوجَبِ الثَّانِي،
(3/257)

وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً، فَتَلَازُمُ الْحُكْمَيْنِ دَلِيلُ تَلَازُمِ الْعِلَّتَيْنِ. فَيُعْتَرَضُ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْعِ بِأُخْرَى لَا تَقْتَضِي الْآخَرَ، وَيُرَجِّحُهُ بِاتِّسَاعِ الْمَدَارِكِ، فَلَا يَلْزَمُ الْآخَرُ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ أُخْرَى وَيُرَجِّحُهُ بِأَوَّلِيَّةِ الِاتِّحَادِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَكْسِ.
فَإِنْ قَالَ: فَالْأَصْلُ عَدَمُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، قَالَ: فَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/258)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهُوَ الدِّيَةُ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ.
وَتَقْرِيرُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ بِأَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْجَمِيعِ أَحَدُ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ، فَيَسْتَلْزِمُ الْمُوجِبَ الْآخَرَ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ عِلَّةَ الْمُوجِبَيْنِ فِي الْأَصْلِ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً، فَوَاضِحٌ وُجُودُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ ; إِذْ يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الدِّيَةُ عَلَى الْجَمِيعِ - وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ. وَمِنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ الْمُوجِبِ الْآخَرِ فِيهِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُتَعَدِّدَةً، فَتَلَازُمُ الْحُكْمَيْنِ، أَعْنِي وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَصْلِ دَلِيلُ تُلَازِمِ عِلَّتَيْهِمَا.
وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّتِهِ فِيهِ، وَمِنْ وُجُودِ عِلَّتِهِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّةِ الْآخَرِ فِيهِ ; لِتُلَازِمِ الْعِلَّتَيْنِ، وَمِنْ وُجُودِ عِلَّةِ الْآخَرِ فِيهِ وُجُودُ الْآخَرِ، أَعْنِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ.
فَيُعْرِضُ الْمُعْتَرِضُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَتِلْكَ الْعِلَّةُ لَا تَقْتَضِي الْآخَرَ، أَعْنِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ
(3/259)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَكُونُ عِلَّةُ الْأَصْلِ تَقْتَضِي تَلَازُمَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَوُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، وَعِلَّةُ الْفَرْعِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ عِلَّةِ الْأَصْلِ لَا تَقْتَضِي تَلَازُمَهَا.
وَيُرَجِّحُ الْمُعْتَرِضُ هَذَا السُّؤَالَ بِاتِّسَاعِ الْمَدَارِكِ ; فَإِنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يُوجِبُ التَّعَدُّدَ فِي مُدْرَكِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ الْآخَرِ، أَعْنِي وُجُودَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ.
وَجَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ هُوَ عِلَّةُ وُجُوبِهَا فِي الْأَصْلِ، لَا عِلَّةٍ أُخْرَى ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلَّةٍ أُخْرَى.
وَيُرَجِّحُ الْمُسْتَدِلُّ هَذَا الْجَوَابَ بِأَنَّ اتِّحَادَ الْعِلَّةِ أَوْلَى مِنْ تَعَدُّدِهَا، لِمَا فِي اتِّحَادِ الْعِلَّةِ مِنَ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، بِخِلَافِ تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعَكْسَ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْمُطَّرِدَةِ الْمُنْعَكِسَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُنْعَكِسَةِ، فَكَانَ اتِّحَادُ الْعِلَّةِ أَوْلَى.
فَإِنْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ: فَكَمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلَّةٍ أُخْرَى فِي الْفَرْعِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
(3/260)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوْلَى ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي ذَكَرْنَا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْأَصْلِ مُتَعَدِّيَةً، وَالْأَصْلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْأَصْلِ قَاصِرَةً. وَالْعِلَّةُ الْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى مِنَ الْقَاصِرِ ; لِأَنَّ الْقَاصِرَةَ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهَا.
[الْقِسْمُ الثَّاني مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: الِاسْتِصْحَابُ]
ش - الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: الِاسْتِصْحَابُ وَهُوَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ. وَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ، كَالْمُزَنِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْغَزَالِيِّ
(3/261)

الِاسْتِصْحَابُ.
ص - الِاسْتِصْحَابُ.
الْأَكْثَرُ كَالْمُزَنِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْغَزَالِيِّ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِهِ، كَانَ بَقَاءً أَصْلِيًّا أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْخَارِجِ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهُ مُتَطَهِّرٌ، وَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ حَتَّى يَثْبُتَ مُعَارِضٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
لَنَا: أَنَّ مَا تَحَقَّقَ، وَلَمْ يُظَنَّ مُعَارِضٌ، يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ الْبَقَاءِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ حَاصِلًا، لَكَانَ الشَّكُّ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً كَالشَّكِّ فِي بَقَائِهَا فِي التَّحْرِيمِ أَوِ الْجَوَازِ ; وَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَدِ اسْتُصْحِبَ الْأَصْلُ فِيهِمَا.
ص - قَالُوا: الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ أَوْ قِيَاسٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُكْمَ: الْبَقَاءُ، وَيَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ.
وَلَوْ سَلَّمَ، فَالدَّلِيلُ: الِاسْتِصْحَابُ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ الْأَصْلُ الْبَقَاءَ، لَكَانَتْ بِيِّنَةُ النَّفْيِ أَوْلَى، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُثْبَتَ يَبْعُدُ غَلَطُهُ، فَيَحْصُلُ الظَّنُّ.
قَالُوا: لَا ظَنَّ مَعَ جَوَازِ الْأَقْيِسَةِ.
قُلْنَا: الْفَرْضُ بَعْدَ بَحْثِ الْعَالِمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/262)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ.
وَاتَّفَقَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِصْحَابُ بَقَاءً أَصْلِيًّا، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ بَقَاءِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا،
(3/263)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ مُتَطَهِّرٌ.
وَالْأَصْلُ: الْبَقَاءُ عَلَى الطِّهَارَةِ حَتَّى يَثْبُتَ مُعَارِضٌ لَهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُعَارِضِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِصْحَابِ حُجَّةً بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا تَحَقَّقَ وَلَمْ يُظَنَّ مُعَارِضٌ لَهُ يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ بَقَائِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِصْحَابُ مُفِيدًا لِظَنِّ بَقَاءِ الشَّيْءِ، وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ حَاصِلًا بِبَقَاءِ مَا تَحَقَّقَ، وَلَمْ يُظَنَّ لَهُ مُعَارِضٌ، لَكَانَ الشَّكُّ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً كَالشَّكِّ فِي بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْجَوَازِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا فَرْقَ فِيهِمَا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ وَالْجَوَازِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنَّ مَدَّ الْيَدِ إِلَيْهَا حَرَامٌ فِي الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
وَإِنَّمَا حَكَمُوا بِالتَّحْرِيمِ فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ قَبْلَ الشَّكِّ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَبِالْجَوَازِ فِي الثَّانِي ; لِأَنَّ الْجَوَازَ ثَابِتٌ قَبْلَ الشَّكِّ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
(3/264)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَقَدِ اسْتُصْحِبَ الْأَصْلُ فِيهِمَا، أَيْ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً وَفِي بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ. فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً: التَّحْرِيمُ، وَفِي بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ: بَقَاءُ الْجَوَازِ.
ش - احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَدَلِيلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ أَوْ قِيَاسٌ. فَمَا لَا يَكُونُ وَاحِدًا مِنْهَا، لَا يَكُونُ دَلِيلًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. وَالِاسْتِصْحَابُ لَيْسَ
(3/265)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِوَاحِدٍ مِنْهَا، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالِاسْتِصْحَابِ الْبَقَاءُ، وَالْبَقَاءُ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْبَقَاءَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَالِاسْتِصْحَابُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ إِفَادَتِهِ الظَّنَّ، وَمَا يُفِيدُ الظَّنَّ يَكُونُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ، لَكَانَتْ بَيِّنَةُ النَّفْيِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْإِثْبَاتِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ بَيِّنَةَ النَّفْيِ مُؤَيَّدَةٌ بِهَذَا الْأَصْلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِثْبَاتِ إِنَّمَا كَانَتْ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ النَّفْيِ ; لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يَبْعُدُ غَلَطُهُ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَبَبِ الثُّبُوتِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الظَّنُّ، بِخِلَافِ النَّفْيِ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ الْغَلَطُ لِإِمْكَانِ حُدُوثِ أَمْرٍ رَافِعٍ لِلنَّفْيِ فِي غَيْبَةِ النَّافِي.
وَالثَّالِثُ: لَا ظَنَّ فِي بَقَاءِ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ مَعَ جَوَازِ الْأَقْيِسَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ قِيَاسٌ بِنَفْيِ حُكْمِ مَا كَانَ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ بَعْدَ بَحْثِ الْعَالِمِ عَنِ الْأَقْيِسَةِ، وَعَدَمِ وُجْدَانِ مَا يُعَارِضُ الْأَصْلَ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: شَرْعُ مِنْ قَبْلَنَا]
ش - الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: شَرْعُ مِنْ قَبْلَنَا.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ، هَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ أَمْ لَا؟
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ.
وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ مَنَعَ تَعَبُّدَهُ بِشَرْعٍ.
(3/266)

شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا
ص - شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا.
الْمُخْتَارُ أَنَّهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ، قِيلَ: نُوحٌ، وَقِيلَ: إِبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: مُوسَى، وَقِيلَ: عِيسَى، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقِيلَ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ.
وَوَقَفَ الْغَزَالِيُّ.
لَنَا: الْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ: كَانَ يَتَعَبَّدُ، كَانَ يَتَحَنَّثُ، كَانَ يُصَلِّي، كَانَ يَطُوفُ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ.
وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِالْمُخَالَطَةِ أَوْ لَزِمَتْهُ.
قُلْنَا: التَّوَاتُرُ لَا يَحْتَاجُ، وَغَيْرُهُ لَا يُفِيدُ.
وَقَدْ تَمْتَنِعُ الْمُخَالَطَةُ لِمَوَانِعَ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَوَقَفَ الْغَزَالِيُّ فِي وُقُوعِ تَعَبُّدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِشَرْعٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ الشَّرْعُ شَرْعُ نُوحٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْعُ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْعُ مُوسَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْعُ عِيسَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ مُتَضَافِرَةٌ، أَيْ مُتَعَاوِنَةٌ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَتَعَبَّدُ وَكَانَ يَأْتِي غَارَ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، أَيْ يَتَعَبَّدُ. وَكَانَ يُصَلِّي، وَكَانَ يَطُوفُ بِبَيْتِ اللَّهِ.
(3/268)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذِهِ أُمُورٌ لَا يُرْشِدُ إِلَيْهَا الْعَقْلُ، فَلَا مَصِيرَ إِلَيْهَا إِلَّا مِنَ الشَّرْعِ.
ش - وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ، بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَانَ شَرْعًا لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاحِدٌ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، فَيَكُونُ مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ الشَّرْعِ.
أَجَابَ بِالْمَنْعِ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَهُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ دَعْوَةَ مَنْ قَبْلَهُ تَعُمُّ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَهُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَجُوزُ انْدِرَاسُ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِوُجُودِ النَّبِيِّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ش - الْمَانِعُونَ قَالُوا: لَوْ كَانَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِمُخَالَطَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ أَهْلِ ذَلِكَ الشَّرْعِ، أَوْ لَزِمَتْهُ الْمُخَالَطَةُ ; لِيَبْحَثَ عَنْ أَوْضَاعِ ذَلِكَ الشَّرْعِ.
أَجَابَ بِأَنَّ مَا تَوَاتَرَ مِنْ ذَلِكَ الشَّرْعِ اسْتَغْنَى عَنِ الْمُخَالَطَةِ، وَغَيْرُ الْمُتَوَاتِرِ لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَأَيْضًا قَدْ يَمْتَنِعُ الْمُخَالَطَةُ لِمَوَانِعَ، فَيُحْمَلُ عَدَمُ الْمُخَالَطَةِ عَلَى الْمَوَانِعِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، أَعْنِي الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى تَعَبُّدِهِ بِشَرْعٍ، وَالْعَادَةَ الْقَاضِيَةَ بِالْمُخَالَطَةِ.
ش - اخْتَلَفُوا أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ الْبِعْثَةِ، هَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ أَمْ لَا؟
(3/269)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ الْبَعْثِ مُتَعَبِّدٌ بِمَا لَمْ يُنْسَخْ.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ.
وَأَيْضًا: الِاتِّفَاقُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) .
وَأَيْضًا: ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» "، وَتَلَا: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] . وَهِيَ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ.
ص - قَالُوا: لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَصَوَّبَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَرَكَهُ، إِمَّا لِأَنَّ الْكِتَابَ يَشْمَلُهُ، أَوْ لِقِلَّتِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَوَجَبَ تَعَلُّمُهَا، وَالْبَحْثُ عَنْهَا.
قُلْنَا: الْمُعْتَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ، فَلَا يَحْتَاجُ.
قَالُوا: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَاسِخَةٌ.
قُلْنَا: لِمَا خَالَفَهَا، وَإِلَّا لَوَجَبَ نَسْخُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَتَحْرِيمُ الْكُفْرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/270)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ الْبِعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ فِيمَا لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الْأَحْكَامِ الْبَاقِيَةِ فِي شَرِيعَتِهِ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ تَعَبُّدِهِ عَلَى مَا كَانَ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مُعَارِضٌ لَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ.
وَلَوْلَا التَّعَبُّدُ بَعْدَ الْبِعْثَةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، لَمَا صَحَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» "، وَتَلَا قَوْلَهُ - تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] .
(3/271)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَهَذِهِ الْآيَةُ خِطَابٌ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَسِيَاقُ كَلَامِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ تِلَاوَةِ مَا أُوجِبَ عَلَى مُوسَى، بَعْدَ إِيجَابِهِ مِثْلَهُ عَلَى الْأُمَّةِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ. وَلَوْلَا التَّعَبُّدُ بَعْدَ الْبِعْثَةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، لَمَا قَرَأَهَا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مَعْرِضِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَعَبُّدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ الْبِعْثَةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ وَسُنَنِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِ مَدَارِكَ الْأَحْكَامِ، وَصَوَّبَهُ الرَّسُولُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَلَوْ كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مُدْرِكًا لِلْأَحْكَامِ، لَوَجَبَ عَلَى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِظْهَارُهُ لِمُعَاذٍ حِينَ تَرَكَهُ.
أَجَابَ بِأَنَّ مُعَاذًا إِنَّمَا تَرَكَهُ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَشْمَلُهُ ; لِأَنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْقُرْآنِ، يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، أَوْ لِأَنَّ مُدْرِكَ الْأَحْكَامِ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَلِيلٌ.
وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، أَيْ بَيْنَ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَأَدِلَّةِ التَّعَبُّدِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ كَانَ بَعْدَ الْبِعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ، لَوَجَبَ عَلَيْنَا تَعَلُّمُهَا وَالْبَحْثُ عَنْهَا، كَمَا وَجَبَ تَعَلُّمُ الْقُرْآنَ وَالْأَخْبَارِ وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَلَمْ يَجِبْ تَعَلُّمُهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْهَا الْمُتَوَاتِرُ، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمٍ وَبَحْثٍ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلِلصَّحَابَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ نَبِيِّنَا
(3/272)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى صَحَابِيٍّ اتِّفَاقًا، وَالْمُخْتَارُ: وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَلِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَوْلَانِ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ.
وَقِيلَ: الْحُجَّةُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
لَنَا: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، لَكَانَ قَوْلُ الْأَعْلَمِ الْأَفْضَلِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، إِذْ لَا يُقَدَّرُ فِيهِمْ أَكْثَرُ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَتَنَاقَضَتِ الْحُجَجُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ أَوِ الْوَقْفَ أَوِ التَّخْيِيرَ يَدْفَعُهُ كَغَيْرِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/273)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
نَاسِخَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرَائِعِ، فَلَا يَكُونُ مُتَعَبَّدًا بِهَا ; لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا يُتَعَبَّدُ بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ شَرِيعَتَهُ نَاسِخَةٌ لِمَا خَالَفَهَا، لَا لِجَمِيعِهَا ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَاسِخَةً لِجَمِيعِهَا، لَوَجَبَ نَسْخُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَتَحْرِيمُ الْكُفْرِ ; لِكَوْنِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ.
[الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا]
[مذهب الصحابي]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الِاسْتِصْحَابِ، شَرَعَ فِي الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا
(3/274)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الَّتِي لَا تَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
فَمِنْهَا: مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ اتِّفَاقًا. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا، وَلِلشَّافِعِيِّ وَلِأَحْمَدَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ يَكُونُ حُجَّةً، وَإِلَّا فَلَا.
وَقِيلَ: الْحُجَّةُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً، فَوَجَبَ تَرْكُهُ ; لِأَنَّ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ يُتْرَكُ فِي الدِّينِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَوْ كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِ الصَّحَابَةِ
(3/275)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَكَانَ قَوْلُ الْأَعْلَمِ الْأَفْضَلِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، صَحَابِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازِمَةُ ; فَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَوْ كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، لَكَانَ لِكَوْنِ الصَّحَابِيِّ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ لِمُشَاهَدَتِهِ التَّنْزِيلَ، وَسَمَاعِهِ التَّأْوِيلَ، وَوُقُوفِهِ عَلَى أَحْوَالِ الرَّسُولِ، لَا لِكَوْنِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، إِذْ لَا يُقَدَّرُ فِيهِمْ أَكْثَرُ.
وَإِذَا كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً لِكَوْنِهِ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ، يَكُونُ قَوْلُ الْأَعْلَمِ وَالْأَفْضَلِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ.
ش - وَأَسْتَدِلَّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَتَنَاقَضَتِ الْحُجَجُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ قَطْعًا.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ تُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، حَتَّى يَكُونَ أَحَدُهُمَا حُجَّةً، وَالْآخِرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
أَجَابَ بِمَنْعِ الْمُلَازِمَةِ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إِذَا أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ التَّرْجِيحُ فَالْوَقْفُ أَوِ التَّخْيِيرُ، كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ.
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا: لَوْ كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، لَوَجَبَ التَّقْلِيدُ مَعَ إِمْكَانِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، وَجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْعَمَلُ بِهِ، فَيَلْزَمُ التَّقْلِيدُ مَعَ إِمْكَانِ
(3/276)

وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَوَجَبَ التَّقْلِيدُ مَعَ إِمْكَانِ الِاجْتِهَادِ.
وَأُجِيبَ: إِذَا كَانَ حُجَّةً فَلَا تَقْلِيدَ.
ص - قَالُوا: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» "، «اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي» ".
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: الْمُقَلِّدُونَ ; لِأَنَّ خِطَابَهُ لِلصَّحَابَةِ.
قَالُوا: وَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ، فَلَمْ يَقْبَلْ. وَوَلَّى عُثْمَانُ، فَقَبِلَ وَلَمْ يُنْكِرْ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ.
قُلْنَا: الْمُرَادُ مُتَابَعَتُهُمْ فِي السِّيرَةِ وَالسِّيَاسَةِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الصَّحَابِيِّ التَّقْلِيدُ.
قَالُوا: إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ نَقْلِيَّةٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الصَّحَابِيُّ، وَيَجْرِي فِي التَّابِعَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/277)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الِاجْتِهَادِ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ حُجَّةً، لَا يَكُونُ عَمَلُ الْمُجْتَهِدِ بِهِ تَقْلِيدًا ; لِأَنَّ التَّقْلِيدَ هُوَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ غَيْرٍ بِلَا دَلِيلٍ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً، لَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ بِلَا دَلِيلٍ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمِ اقْتَدَيْتُمِ اهْتَدَيْتُمْ» ".
وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ
(3/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَنْهُمَا - حُجَّةٌ، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «اقْتَدَوْا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ حُجَّةً، لَمْ يَكُنِ الِاقْتِدَاءُ بِهِمِ اقْتِدَاءً.
أَجَابَ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَأْمُورِينَ الْمُقَلِّدُونَ ; لِأَنَّ خِطَابَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلصَّحَابَةِ، وَلَا يَجُوزُ لِلصَّحَابِيِّ الْمُجْتَهِدِ مُتَابَعَةُ غَيْرِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
حُجَّةٌ أُخْرَى عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حُجَّةٌ: أَنَّهُ وَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يَقْبَلْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَوَلَّى عُثْمَانَ فَقَبِلَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِمَذْهَبِهِمَا.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِاقْتِدَاءِ مُتَابَعَتُهُمَا فِي السِّيرَةِ وَالسِّيَاسَةِ،
(3/279)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا مُتَابَعَتُهُمَا فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الصَّحَابِيِّ مُتَابَعَةُ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَتَقْلِيدُ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
الْقَائِلُونَ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ يَكُونُ حُجَّةً، قَالُوا: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ نَقْلِيَّةٍ، وَإِلَّا لَكَانَ الصَّحَابِيُّ قَائِلًا بِالْقَوْلِ بِلَا دَلِيلٍ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَالصَّحَابِيُّ مُنَزَّهٌ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ عَنْ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، يَكُونُ حُجَّةً.
أَجَابَ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً عَلَى الصَّحَابِيِّ أَيْضًا.
وَيُجْرَى أَيْضًا هَذَا الدَّلِيلُ فِي التَّابِعِيِّ مَعَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ أَيْضًا حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ.
[الاستحسان]
ش - الِاسْتِحْسَانُ مِمَّا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الِاسْتِحْسَانُ حُجَّةٌ.
وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمْ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ ". أَيْ فَقَدْ وَضَعَ شَرْعًا جَدِيدًا.
(3/280)

الِاسْتِحْسَانُ.
ص - الِاسْتِحْسَانُ.
قَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمْ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: " مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ ".
وَلَا يَتَحَقَّقُ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَقِيلَ: دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعَسُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ.
قُلْنَا: إِنْ شَكَّ فِيهِ فَمَرْدُودٌ، وَإِنْ تَحَقَّقَ فَمَعْمُولٌ اتِّفَاقًا.
وَقِيلَ: هُوَ الْعُدُولُ عَنْ قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ أَقْوَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقِيلَ: تَخْصِيصُ قِيَاسٍ بِأَقْوَى مِنْهُ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقِيلَ: الْعُدُولُ إِلَى خِلَافِ النَّظِيرِ لِدَلِيلٍ أَقْوَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/281)

وَقِيلَ: الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ، كَدُخُولِ الْحَمَّامِ، وَشُرْبِ الْمَاءِ مِنَ السِّقَاءِ.
قُلْنَا: مُسْتَنَدُهُ جَرَيَانُهُ فِي زَمَانِهِ أَوْ زَمَانِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ.
فَإِنْ تَحَقَّقَ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قُلْنَا: لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
قَالُوا: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ) .
قُلْنَا: أَيِ الْأَظْهَرَ وَالْأَوْلَى.
" «وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» " يَعْنِي الْإِجْمَاعَ، وَإِلَّا لَزِمَ الْعَوَامَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/282)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَا يَتَحَقَّقُ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلِفٌ فِيهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الْوَاقِعَ فِي الْكَلَامِ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى الْوَاجِبِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ; لِقَوْلِهِ: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145] .
وَعَلَى الْمَنْدُوبِ فِي بَعْضِهَا، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " أَسْتَحْسِنُ تَرْكَ شَيْءٍ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ ".
وَأَمَّا الِاسْتِحْسَانُ الْغَيْرُ الْوَاقِعِ فِي الْكَلَامِ، فَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعْسُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ.
قُلْنَا: إِنْ شَكَّ الْمُجْتَهِدُ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا، فَمَرْدُودٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ كَوْنَهُ دَلِيلًا، فَلَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ اتِّفَاقًا، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ خِلَافٌ.
وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: الِاسْتِحْسَانُ هُوَ الْعُدُولُ عَنْ قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ أَقْوَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ مَنْ كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ حُجَّةً.
وَقِيلَ: هُوَ تَخْصِيصُ قِيَاسِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ.
(3/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَا نِزَاعَ فِيهِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: الْعُدُولُ إِلَى خِلَافِ النَّظِيرِ لِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، أَيْ هُوَ الْعُدُولُ فِي مَسْأَلَةٍ عَنْ مِثْلِ مَا حُكِمَ بِهِ فِي نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ هُوَ أَقْوَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: هُوَ الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ، كَدُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ لِلْحَمَّامِ، وَمِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةِ السُّكُونِ، وَكَشُرْبِ الْمَاءِ مِنَ السِّقَاءِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أَجْرٍ لَهُ.
قُلْنَا: مُسْتَنَدُ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْعُدُولَ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ لِمَصْلَحَةٍ، بَلْ مُسْتَنَدُهُ جَرَيَانُهُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ. وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ فِي زَمَانِهِ أَوْ زَمَانِهِمْ، أَوْ جَرَى وَلَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهِ، أَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِهِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ.
فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ.
(3/284)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ تَحَقَّقَ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّوَرِ، قُلْنَا: لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً، فَوَجَبَ تَرْكُهُ، وَالْقَائِلُونَ بِكَوْنِ الِاسْتِحْسَانِ حُجَّةً، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 55] . فَإِنَّهُ أَمَرَ فِيهِ بِاتِّبَاعِ الْأَحْسَنِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْسَنِ: الْأَظْهَرُ وَالْأَوْلَى.
(3/285)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» ". الْمُرَادُ مِنْهُ: مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَا رَآهُ الْعَوَامُّ حَسَنًا، فَهُوَ حُجَّةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ.
[المصالح المرسلة]
ش - الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ مِمَّا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ هِيَ: حُكْمٌ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ اعْتِبَارًا وَإِلْغَاءً.
وَاحْتُجَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا حُجَّةٌ قَالُوا: لَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ، لَأَدَّى إِلَى خُلُوِّ وَقَائِعَ عَنِ الْأَحْكَامِ.
أَجَابَ أَوَّلًا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ جَوَازِ خُلُوِّ الْوَقَائِعِ عَنِ الْأَحْكَامِ.
وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَالْعُمُومَاتُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْأَقْيِسَةُ تَفِي بِأَحْكَامِ تِلْكَ الْوَقَائِعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَخْلُو الْعُمُومَاتُ وَالْأَقْيِسَةُ تَأْخُذُهَا.
[الاجتهاد]
[تعربف الاجتهاد]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، شَرَعَ فِي الِاجْتِهَادِ.
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: بَذْلُ الْوُسْعِ فِيمَا فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ حَجَرِ الرَّحَى، وَلَا يُقَالُ: اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الْخَرْدَلَةِ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
وَالْفَقِيهُ، قَدْ عُرِّفَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ، كَمَا يُعَرَّفُ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ هَاهُنَا مِنْ تَعْرِيفِ الِاجْتِهَادِ.
وَالِاسْتِفْرَاغُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْفَقِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ.
فَقَيْدُ الْفَقِيهِ يُخْرِجُ اسْتِفْرَاغَ غَيْرِ الْفَقِيهِ.
وَاسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْوُسْعِ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْوُسْعِ مِنْ أَحْوَالِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا، فَقَيْدُ الْوُسْعِ يُخْرِجُ اسْتِفْرَاغَ الْفَقِيهِ غَيْرَ الْوُسْعِ.
(3/286)

الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ.
ص - الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ، تَقَدَّمَتْ.
لَنَا: لَا دَلِيلَ، فَوَجَبَ الرَّدُّ.
قَالُوا: لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ، لَأَدَّى إِلَى خُلُوِّ وَقَائِعَ.
قُلْنَا: بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو الْعُمُومَاتُ وَالْأَقْيِسَةُ تَأْخُذُهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/287)

الِاجْتِهَادُ.
ص - الِاجْتِهَادُ فِي الِاصْطِلَاحِ: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
وَالْفَقِيهُ، تَقَدَّمَ.
وَقَدْ عُلِمَ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : اخْتَلَفُوا فِي تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
الْمُثْبِتُ: لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأْ، لَعُلِمَ الْجَمِيعُ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي.
وَأُجِيبَ بِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَبِالْعَجْزِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَالِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ قَدْ يَكُونُ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ، وَقَدْ يَكُونُ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ وَغَيْرِهِ.
فَقَوْلُهُ: لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ، يُخْرِجُ اسْتِفْرَاغَ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ، كَمَا فِي الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، احْتِرَازٌ عَنِ اسْتِفْرَاغِ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ حِسِّيٍّ.
قِيلَ: يَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ اسْتِفْرَاغُ الْمُتَكَلِّمِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِتَوْحِيدِهِ، إِذَا كَانَ فَقِيهًا.
وَكَذَلِكَ اسْتِفْرَاغُ الْأُصُولِيِّ فِي كَوْنِ الْكِتَابِ مَثَلًا، حُجَّةً، إِذَا كَانَ فَقِيهًا.
وَاسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ.
قُلْنَا: الِاجْتِهَادُ لَا يَتَجَزَّأُ.
وَيَرُدُّ أَيْضًا عَلَى عَكْسِهِ اجْتِهَادُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ فَقِيهٍ، لِمَا عَرَفْتَ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ.
وَخُرُوجُ اجْتِهَادِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِي الْجَمِيعِ إِنْ قُلْنَا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فَقِيهًا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنِ الطَّرْدِ بِأَنَّ اسْتِفْرَاغَ الْمُتَكَلِّمِ فِي تَوْحِيدِهِ، وَالْأُصُولِيِّ فِي كَوْنِ الْكِتَابِ حُجَّةً، لَيْسَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ
(3/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
شَرْعِيٍّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ: خِطَابُ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ، وَالتَّوْحِيدُ وَكَوْنُ الْكِتَابِ حُجَّةً لَيْسَا كَذَلِكَ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ اجْتِهَادًا ; لِأَنَّ عَدَمَ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ وَشَرْطَ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ لَا دَاخِلَ فِي مَاهِيَّتِهِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ لِمَاهِيَّةِ الِاجْتِهَادِ.
وَعَنِ الْعَكْسِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ خُرُوجَ اجْتِهَادِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِي الْجَمِيعِ إِنْ قُلْنَا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فَقِيهًا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ; فَإِنَّ الْعَارِفَ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ فَقِيهٌ.
وَأَمَّا عَدَمُ الِانْعِكَاسِ بِخُرُوجِ اجْتِهَادِ الرَّسُولِ فَوَارِدٌ.
[مَسْأَلَةٌ الاختلاف فِي تَجَزُّؤ الِاجْتِهَادِ]
ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَتَجَزَّأُ الِاجْتِهَادُ أَمْ لَا؟ وَالْمُرَادُ بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ التَّمَكُّنُ مِنَ اسْتِخْرَاجِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ، كَالْفَرْضِيِّ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَجَزَّأُ الِاجْتِهَادُ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ.
وَمُثْبِتُ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأِ الِاجْتِهَادُ، لَعَلِمَ الْمُجْتَهِدُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ ; لِوُجُوبِ تَمَكُّنِهِ حِينَئِذٍ مِنَ اسْتِخْرَاجِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَإِنَّ مَالِكًا - مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ - لَمْ يَعْلَمِ الْجَمِيعَ ; لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي.
أَجَابَ بِأَنَّ مَالِكًا إِنَّمَا لَمْ يُجِبْ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِتُعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ، لَا لِعَدَمِ تَمَهُّرِهِ فِي الْجَمِيعِ.
وَبِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُجِبْ عَنْهَا بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي الْحَالِ بِسَبَبِ مَانِعٍ، وَلَكِنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ اسْتِخْرَاجِ مَا سُئِلَ عَنْهُ.
(3/290)

قَالُوا: إِذَا اطَّلَعَ عَلَى أَمَارَاتِ مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُتَعَلِّقًا.
ص - النَّافِي: كُلُّ مَا يُقَدَّرُ جَهْلُهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ.
وَأُجِيبَ: الْفَرْضُ حُصُولُ الْجَمِيعِ فِي ظَنِّهِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، أَوْ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْأَئِمَّةِ لِلْأَمَارَاتِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ.
لَنَا: مِثْلَ {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] وَ " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» ".
وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بِالْوَحْيِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] .
وَقَرَّرَهُ الْفَارِسِيُّ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا لِلْمَشَقَّةِ فِيهِ، فَكَانَ أَوْلَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ سُقُوطَهُ لِدَرَجَةٍ أَعْلَى.
ص - قَالُوا: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/291)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ يَسْتَلْزِمُ تَهَيُّؤَ الْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ: لَا أَدْرِي، لَا يُوجِبُ عَدَمَ تَهَيُّؤِ الْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ.
الثَّانِي: إِذَا اطَّلَعَ الْمُسْتَفْرِغُ عَلَى أَمَارَاتِ مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ - أَيِ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ - سَوَاءٌ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. فَكَمَا تَمَكَّنَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ مِنَ اسْتِخْرَاجِ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تَمَكَّنَ الْمُسْتَفْرِغُ أَيْضًا.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ وَالْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ سَوَاءٌ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُتَعَلِّقًا بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ هُوَ مِنَ اسْتِخْرَاجِ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِتَعَلُّقِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ لِعِلْمِهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَ لِمَا لَمْ يُعْلَمْ تَعَلُّقٌ بِالْمَسْأَلَةِ، لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِجَمِيعِ أَمَارَاتِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ.
ش - النَّافِي لِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ احْتَجَّ بِأَنَّ كُلَّ مَا يُقَدَّرُ جَهْلُهُ،
(3/292)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ. فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْغَرَضَ حُصُولُ جَمِيعِ أَمَارَاتِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي ظَنِّ الْفَقِيهِ عَنْ مُجْتَهِدٍ بِأَنْ يَطَّلِعَ عَلَى جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَبِأَنَّهُ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْأَئِمَّةِ الْأَمَارَاتِ وَتَخْصِيصِ كُلِّ بَعْضٍ مِنَ الْأَمَارَاتِ بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ، عَرَفَ الْفَقِيهُ أَنَّ مَا عَدَاهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تُعَلُّقٌ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِالِاجْتِهَادِ أَمْ لَا؟
(3/293)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43] ، وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» ".
أَمَّا وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ فَإِنَّهُ عَاتَبَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْآيَةِ عَلَى الْإِذْنِ. فَلَوْ كَانَ الْإِذْنُ بِالْوَحْيِ، لَمَا عَاتَبَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْوَحْيِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ عَنِ اجْتِهَادٍ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَحْكُمُ عَنْ تَشَهِّي النَّفْسِ ; لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ، لَمْ يَجُزِ ارْتِكَابُهُ.
وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ ; فَلِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ الصَّادِرَ مِنَ
(3/294)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْوَحْيِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُبَدِّلَ الْوَحْيَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْوَحْيِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِالِاجْتِهَادِ. كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْآيَةِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] .
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا - كَمَا قَرَّرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ - أَنَّ الْإِرَاءَةَ إِمَّا مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي هُوَ الِاجْتِهَادُ، أَوْ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ، أَوْ بِمَعْنَى الْعِلْمِ.
لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِـ " مَا " فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: " {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] " هُوَ الْأَحْكَامُ، وَهِيَ لَا تَكُونُ مُبْصَرَةً.
وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ ذِكْرُ الْمَفْعُولِ الثَّالِثِ ; لِوُجُودِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَهُوَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الرَّأْيِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ، وَقَدْ حُذِفَ الْمَفْعُولَانِ وَهُوَ جَائِزٌ.
(3/295)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَأَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ " مَا " مَوْصُولَةً، جَازَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ الثَّالِثِ عِنْدَ حَذْفِ الثَّانِي.
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ أَكْثَرُ ثَوَابًا ; لِأَنَّهُ أَشَقُّ مِنَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ، وَمَا هُوَ أَشَقُّ أَكْثَرُ ثَوَابًا ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحَمَزُهَا» " أَيْ أَشَقُّهَا، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ ثَوَابًا كَانَ أَوْلَى.
أَجَابَ بِأَنَّ دَرَجَةَ الْوَحْيِ أَعْلَى مِنَ الِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ الْخَطَأُ، فَيَسْقُطُ الِاجْتِهَادُ ; لِأَنَّ مَا هُوَ أَعْلَى دَرَجَةً أَوْلَى.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ تَعَبُّدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالِاجْتِهَادِ احْتَجُّوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3] ، فَإِنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْوَحْيِ، وَالِاجْتِهَادُ لَيْسَ بِوَحْيٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ عَنِ الرَّسُولِ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ رَدُّ قَوْلِ الْكُفَّارِ: {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 94] ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ قُرْآنًا،
(3/296)

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ رَدُّ قَوْلِهِمُ (افْتَرَى) وَلَوْ سُلِّمَ، فَإِذَا تَعَبَّدَ بِالِاجْتِهَادِ بِالْوَحْيِ، لَمْ يَنْطِقْ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ، كَالْإِجْمَاعِ عَنِ اجْتِهَادٍ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَمَا تَأَخَّرَ فِي الْجَوَابِ.
قُلْنَا: لِجَوَازِ الْوَحْيِ، أَوْ لِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ.
قَالُوا: الْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الظَّنُّ.
قُلْنَا: لَا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ الْوَحْيِ، فَكَانَ كَالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ ظَنًّا.
وَثَالِثُهَا: الْوَقْفُ.
وَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ فِيمَنْ حَضَرَهُ.
لَنَا: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ عَنْهُ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «صَدَقَ» ".
وَحَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/297)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَهُوَ مِنَ الْوَحْيِ، لَا أَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الْوَحْيِ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ بِالْوَحْيِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ، لَا يَكُونُ بِالْوَحْيِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَعَبَّدَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالِاجْتِهَادِ بِالْوَحْيِ، لَمْ يَنْطِقْ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ.
الثَّانِي: أَنَّ الرَّسُولَ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ، لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ خَوَاصِّهِ جَوَازُ الْمُخَالَفَةِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالِاجْتِهَادِ يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي يَكُونُ سَنَدُهُ اجْتِهَادًا اجْتِهَادِيٌّ، وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ، لَمَا تَأَخَّرَ فِي الْجَوَابِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَوَقَّفَ فِي أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ كَثِيرًا وَانْتَظَرَ الْوَحْيَ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَوَقَّفَ لِجَوَازِ الْوَحْيِ وَانْتِظَارِ النَّصِّ. فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَصٌّ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، أَوْ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَوَقَّفَ لِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي الِاجْتِهَادِ.
(3/298)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الرَّابِعُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ الْيَقِينِ بِالْأَحْكَامِ بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الظَّنُّ، كَمَا أَنَّ مَنْ عَايَنَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا.
أَجَابَ بِأَنَّهُ حِينَ عَمِلَ بِالظَّنِّ، لَمْ يَحْصُلِ الْيَقِينُ لَهُ، فَجَازَ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ، وَالْيَقِينُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَحْيِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اجْتِهَادُهُ كَالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ، فَكَمَا جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِلظَّنِّ - وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَهُ الْيَقِينُ بِسَبَبِ الْوَحْيِ - فَكَذَلِكَ جَازَ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ، وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَ الْحُكْمِ الْيَقِينُ بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ.
[مَسْأَلَةٌ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ ظَنًّا]
ش - اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا: الْمُخْتَارُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ مُطْلَقًا، لَكِنْ ظَنًّا، لَا قَطْعًا.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا.
وَثَالِثُهَا: الْوَقْفُ مُطْلَقًا.
وَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ فِيمَنْ حَضَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دُونَ مَنْ غَابَ عَنْهُ.
وَاحْتَجَّ عَلَى الْمُخْتَارِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي حَقِّ أَبِي قَتَادَةَ حَيْثُ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَخَذَ غَيْرُهُ سَلَبَهُ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ الرَّسُولُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
(3/299)

وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ. فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» ".
ص - قَالُوا: الْقُدْرَةُ عَلَى الْعِلْمِ تَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ.
قُلْنَا: ثَبَتَ الْخِيَرَةُ بِالدَّلِيلِ.
قَالُوا: كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ.
قُلْنَا: صَحِيحٌ، فَأَيْنَ مَنْعُهُمْ؟
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ.
وَأَنَّ النَّافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ، آثِمٌ، كَافِرٌ، اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ.
وَقَالَ الْجَاحِظُ: لَا إِثْمَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ.
وَزَادَ الْعَنْبَرِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ.
لَنَا: إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ، لَمَا سَاغَ ذَلِكَ.
وَاسْتَدَلَّ بِالظَّوَاهِرِ.
وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ.
ص - قَالُوا: تَكْلِيفُهُمْ بِنَقِيضِ اجْتِهَادِهِمْ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَسَمْعًا ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَلَّفَهُمُ الْإِسْلَامَ وَهُوَ مِنَ الْمُتَأَتِّي الْمُعْتَادِ، فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ فِي شَيْءٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْقَطْعُ لَا إِثْمَ عَلَى مُجْتَهِدٍ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ، وَذَهَبَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ إِلَى تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ.
لَنَا: الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ الْمُتَكَرِّرِ الشَّائِعِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا تَأْثِيمٍ لِمُعَيَّنٍ وَلَا مُبْهَمٍ.
وَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمٌ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ.
وَاعْتُرِضَ كَالْقِيَاسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
" «صَدَقَ» ".
فَإِنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَالرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَرَّرَ.
(3/301)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يُقَالُ: لَاهَا اللَّهِ مَا فَعَلْتُ، أَيْ لَا وَاللَّهِ، أُبْدِلَتِ الْهَاءُ مِنَ الْوَاوِ.
وَأَيْضًا: حَكَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَحَكَمَ سَعْدٌ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» "، وَهُوَ جَمْعُ الرَّقِيعِ، وَهُوَ السَّمَاءُ.
(3/302)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدْ حَكَمَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مُعَاصِرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقْدِرُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ بِأَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْوَاقِعَةِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْعِلْمِ تَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْخِيَرَةُ بَيْنَ الْمُرَاجَعَةِ إِلَى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ بِالدَّلِيلِ، فَلَا تَمْنَعُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْعِلْمِ الِاجْتِهَادَ.
الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْوَقَائِعِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ.
(3/303)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ رُجُوعَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْوَقَائِعِ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنَ الِاجْتِهَادِ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ]
ش - الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَاحِدٌ، إِذِ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا.
وَأَيْضًا: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ النَّافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ، آثِمٌ، كَافِرٌ، اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ، إِذْ حَقِّيَّةُ دِينِ الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وَأَبْيَنُ مِنَ النَّهَارِ، فَلَا مَجَالَ لِنَفْيِهِ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
(3/304)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَالَ الْجَاحِظُ: الْمُجْتَهِدُ - سَوَاءٌ كَانَ اجْتِهَادُهُ فِي نَفْيِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي غَيْرِهِ - مُخْطِئٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ، وَلَكِنْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ.
وَزَادَ الْعَنْبَرِيُّ عَلَى مَا قَالَ الْجَاحِظُ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ نَافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ، آثِمٌ، كَافِرٌ، اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّافِيَ لِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ النَّافِي مِلَّةَ الْإِسْلَامِ آثِمًا كَافِرًا، لَمَا سَاغَ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَافِيَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ آثِمٌ، كَافِرٌ بِظَوَاهِرِ الْآيَاتِ.
مِنْهَا - قَوْلُهُ - تَعَالَى: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: 11] ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى:
(3/305)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
(ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت: 23] ، وَقَوْلُهُ: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18] .
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّهُ - تَعَالَى - ذَمَّهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ وَتَوَاعَدَهُمْ بِالْعِقَابِ. وَلَوْ كَانُوا مَعْذُورِينَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
أَجَابَ عَنْهُ بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ الْمُعَانِدُ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ فِي نَفْيِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: تَكْلِيفُ الْكُفَّارِ نَقِيضَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَسَمْعًا ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ ; لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى نَقِيضِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَكْلِيفَهُمْ نَقِيضَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ
(3/306)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مُمْتَنِعٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحَالًا لَوْ كَانَ نَقِيضُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ مُحَالًا لِذَاتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ نَقِيضَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ مُنَافٍ لِمَا تَعَوَّدُوهُ. وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُنَافِي الْمُعْتَادِ وَاقِعٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنَ الْمُنَافِي الْمُعْتَادِ وَهُوَ الْكُفْرُ. فَلَيْسَ تَكْلِيفُهُمْ بِنَقِيضِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ فِي شَيْءٍ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَطْعُ لَا إِثْمَ عَلَى مُجْتَهِدٍ]
ش - الْقَطْعُ حَاصِلٌ بِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى مُجْتَهِدٍ مُخْطِئٍ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ، أَعْنِي الَّذِي لَا قَاطِعَ فِيهِ.
(3/307)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَهَبَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ إِلَى تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ.
لَنَا: حَصَلَ الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافًا مُتَكَرِّرًا شَائِعًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا تَأْثِيمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لَا بِطْرِيقِ التَّعْيِينِ وَلَا بِطْرِيقِ الْإِبْهَامِ.
وَالْقَطْعُ حَاصِلٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمٌ لِمُعَيَّنٍ أَوْ مُبْهَمٍ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمُهِمَّاتِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِمِثْلِ مَا اعْتُرِضَ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ أَنَّهُمْ أَثَّمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، فَلَا يَدُلُّ عَدَمُ النَّقْلِ عَلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ هَاهُنَا كَالْجَوَابِ ثَمَّةَ.
[الْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا]
ش - اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا.
فَقَالَ الْقَاضِي وَالْجِبَائِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مُصِيبٌ،
(3/308)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا، قَالَ الْقَاضِي وَالْجِبَائِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ، وَحُكْمُ اللَّهِ فِيهَا تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ.
وَقِيلَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، كَدَفِينٍ يُصَابُ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: إِنَّ دَلِيلَهُ ظَنِّيٌّ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ، فَهُوَ الْمُصِيبُ.
وَقَالَ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ: دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ، وَالْمُخْطِئُ آثِمٌ.
وَنُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ التَّخْطِئَةُ وَالتَّصْوِيبُ. فَإِنْ كَانَ فِيهَا قَاطِعٌ، فَقَصَّرَ، فَمُخْطِئٌ آثِمٌ ; وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ، فَالْمُخْتَارُ مُخْطِئٌ غَيْرُ آثِمٍ.
لَنَا: لَا دَلِيلَ عَلَى التَّصْوِيبِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَصُوِّبَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لِلْإِجْمَاعِ.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ مُصِيبًا لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ ; لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ قَطْعُهُ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ ظَنِّهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ غَيْرَهُ، لَوَجَبَ الرُّجُوعُ، فَيَكُونُ ظَانًّا عَالِمًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ.
ص - لَا يُقَالُ: الظَّنُّ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِبَقَائِهِ ; وَلِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِيلُ ظَنُّ النَّقِيضِ مَعَ ذِكْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الظَّنِّ. فَيَجِبُ الْفِعْلُ أَوْ يَحْرُمُ قَطْعًا، قُلْنَا: الظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ، وَالْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالِفَةِ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقَانِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ، زَالَ شَرْطُ تَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِهِ دَلِيلًا، وَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ مَدْلُولِهِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ، زَالَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ.
قُلْنَا: كَوْنُهُ دَلِيلًا حُكْمٌ أَيْضًا، فَإِذَا ظَنَّهُ عَلِمَهُ، وَإِلَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَا يَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا.
ص - وَأَيْضًا: أَطْلَقَ الصَّحَابَةُ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ كَثِيرًا، وَشَاعَ وَتَكَرَّرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ.
عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ الْعَوْلِ، وَخَطَّأَهُمْ وَقَالَ: مَنْ بَاهَلَنِي بَاهَلْتُهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِ وَاحِدٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا.
ص - وَاسْتَدَلَّ: إِنْ كَانَا بِدَلِيلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا، تَعَيَّنَ، وَإِلَّا تَسَاقَطَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمَارَاتِ تَتَرَجَّحُ بِالنَّسَبِ، فَكُلٌّ رَاجِحٌ، وَاسْتُدِلَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى شَرْعِ الْمُنَاظَرَةِ، فَلَوْلَا تَبْيِينُ الصَّوَابِ، لَمْ تَكُنْ فَائِدَةٌ.
وَأُجِيبَ: بِتَبْيِينِ التَّرْجِيحِ أَوِ التَّسَاوِي أَوِ التَّمْرِينِ.
وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ طَالِبٌ، وَلَا مَطْلُوبٌ مُحَالٌ، فَمَنْ أَخْطَأَهُ، فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا.
وَأُجِيبَ: مَطْلُوبُهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، فَيَحْصُلُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/309)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ حُكْمٌ فِيهَا، وَحُكْمُ اللَّهِ فِيهَا تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، أَيْ يَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ.
وَقِيلَ: الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَيَّنًا.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ:
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ كَدَفِينٍ يُصَابُ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَهُوَ الْمُصِيبُ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ فَهُوَ الْمُخْطِئُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ: إِنَّ دَلِيلَهُ ظَنِّيٌّ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَهُوَ الْمُصِيبُ، وَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ، فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ: دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ، وَالْمُخْطِئُ آثِمٌ.
وَنُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ التَّخْطِئَةُ وَالتَّصْوِيبُ.
(3/310)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، فَقَصَّرَ الْمُجْتَهِدُ فِي طَلَبِهِ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، فَمُخْطِئٌ آثِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَالْمُخْتَارُ مُخْطِئٌ غَيْرُ آثِمٍ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: لَا دَلِيلَ عَلَى تَصْوِيبِ الْكُلِّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ.
وَصُوِّبَ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا مُصِيبٌ، ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ تَخْطِئَةِ الْكُلِّ.
وَتَصْوِيبُ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ مُصِيبًا لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْكُلَّ لَوْ كَانَ مُصِيبًا، فَالْمُجْتَهِدُ إِذَا ظَنَّ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، جَزَمَ وَقَطَعَ بِأَنَّ الْحُكْمَ ذَلِكَ، ضَرُورَةَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
وَإِذَا قَطَعَ، اسْتَمَرَّ قَطْعُهُ ; إِذِ الْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ، وَاسْتِمْرَارُ قَطْعِهِ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ ظَنِّهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ غَيْرَهُ،
(3/311)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَجَبَ الرُّجُوعُ، فَيَكُونُ ظَانًّا عَالِمًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ ضَرُورَةَ اقْتِضَاءِ الْقَطْعِ عَدَمَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَالظَّنُّ احْتِمَالُ النَّقِيضِ.
ش - هَذَا إِيرَادٌ عَلَى الْمُلَازَمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الدَّلِيلِ الثَّانِي.
تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: الْمُلَازَمَةُ إِنَّمَا تَتِمُّ أَنْ لَوْ كَانَ اسْتِمْرَارُ الْقَطْعِ مَشْرُوطًا بِبَقَاءِ الظَّنِّ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الظَّنَّ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ ضَرُورَةَ
(3/312)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
انْتِفَاءِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ عِنْدَ عَدَمِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ. فَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ الظَّنِّ مَعَ الْعِلْمِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الشَّيْءِ، لَا يَكُونُ شَرْطًا لَهُ.
أَجَابَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأُولَى: أَنَّا نَقْطَعُ بِبَقَاءِ الظَّنِّ عِنْدَ بَقَاءِ الْإِصَابَةِ الْمُوجِبَةِ لِاسْتِمْرَارِ الْقَطْعِ، فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ انْتَفَى ظَنُّ الشَّيْءِ بِالْعِلْمِ، لَكَانَ يَسْتَحِيلُ ظَنُّ نَقِيضِ الشَّيْءِ مَعَ ذِكْرِهِ، أَيْ مَعَ ذِكْرِ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ ظَنِّ نَقِيضِ الشَّيْءِ يَكُونُ الشَّيْءُ مَوْهُومًا، وَإِذَا كَانَ الظَّنُّ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْتَفِيَ الْوَهْمُ اللَّازِمُ لِظَنِّ نَقِيضِ الشَّيْءِ بِالْعِلْمِ. فَيَسْتَحِيلُ ظَنُّ النَّقِيضِ مَعَ ذِكْرِ الْحُكْمِ ; لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ ظَنُّ النَّقِيضِ مَعَ ذِكْرِ الْحُكْمِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ظَنُّ نَقِيضِ الْحُكْمِ عِنْدَ ذِكْرِ الْحُكْمِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ لُزُومِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، فَإِنَّهُ كَمَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ تَصْوِيبِ الْكُلِّ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى تَصْوِيبِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا ظَنَّ وُجُوبَ الْفِعْلِ أَوْ حُرْمَتَهُ، وَجَبَ اتِّبَاعُ ظَنِّهِ، فَيَلْزَمُ وُجُوبُ الْفِعْلِ أَوْ حُرْمَتُهُ قَطْعًا مَعَ كَوْنِهِ ظَانًّا بِالْوُجُوبِ أَوِ الْحُرْمَةِ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ
(3/313)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْوَاحِدُ مَعْلُومًا مَظْنُونًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مَعْلُومًا مَظْنُونًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّنَّ يَتَعَلَّقُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ أَوِ الْحُرْمَةَ هُوَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ، وَالْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِ مُخَالِفَةِ ذَلِكَ الظَّنِّ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقَانِ.
قَوْلُهُ: " فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ، زَالَ شَرْطُ الْمُخَالَفَةِ " إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابٍ دَخَلَ.
تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَبَدَّلَ ظَنُّ الْحُكْمِ، زَالَ الْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ مُخَالَفَتِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُتَعَلِّقَهُمَا وَاحِدٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ الظَّنَّ شَرْطُ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالِفَةِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ، زَالَ شَرْطُ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالِفَةِ، فَيَزُولُ الْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، لَا لِأَنَّ مُتَعَلِّقَهُمَا وَاحِدٌ.
فَإِنْ قِيلَ: عَلَى تَقْدِيرِ تَصْوِيبِ الْكُلِّ لَمْ يَلْزَمِ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ ; فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ مُخْتَلِفٌ ; لِأَنَّ الظَّنَّ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِ الدَّلِيلِ الَّذِي أَقَامَهُ الْمُجْتَهِدُ عَلَى الْحُكْمِ دَلِيلًا، وَالْعِلْمُ مُتَعَلِّقٌ بِثُبُوتِ مَدْلُولِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقَانِ.
(3/314)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَزَوَالُ الْعِلْمِ عِنْدَ تَبَدُّلِ الظَّنِّ لَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَاحِدًا ; لِأَنَّ الظَّنَّ شَرْطُ الْعِلْمِ، وَتَبَدُّلُ الشَّرْطِ يُوجِبُ زَوَالَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا قَرَّرْتُمْ.
أَجَابَ بِأَنَّ كَوْنَ الدَّلِيلِ الَّذِي أَقَامَهُ الْمُجْتَهِدُ عَلَى الْحُكْمِ دَلِيلًا، هُوَ أَيْضًا حُكْمٌ، فَإِذَا ظَنَّهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، لَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَا يَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ دَلِيلًا مَعْلُومًا مَظْنُونًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ.
ش - الثَّالِثُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ أَطْلَقُوا الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ كَثِيرًا. وَشَاعَ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ.
مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَغَيْرِهِ كَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ الْعَوْلِ. وَخَطَّأَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: مَنْ بَاهَلَنِي، أَيْ مَنْ لَاعَنَنِي، لَاعَنْتُهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِ
(3/315)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَاحِدٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا.
وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا، وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِّ أَبًّا.
ش - هَذِهِ اسْتِدْلَالَاتٌ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ بِمُصِيبٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي حُكْمٍ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُمَا بِدَلِيلَيْنِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي، يَلْزَمُ تَخْطِئَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدَيْنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِدَلِيلٍ، وَتَخْطِئَةُ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِدَلِيلٍ، وَالْآخِرُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ رَاجِحًا عَلَى الْآخَرِ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، تَعَيَّنَ كَوْنُ الْأَرْجَحِ دَلِيلًا، وَالْآخَرِ خَطَأً، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُصِيبًا وَالْآخَرُ مُخْطِئًا.
(3/316)

وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِلُّ الشَّيْءِ وَتَحْرِيمُهُ لَوْ قَالَ مُجْتَهِدٌ شَافِعِيٌّ لِمُجْتَهِدَةٍ حَنَفِيَّةٍ: أَنْتِ بَائِنٌ، ثُمَّ قَالَ: رَاجَعْتُكِ.
وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُجْتَهِدٌ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ مُجْتَهِدٌ بِوَلِيٍّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ اتِّبَاعَ ظَنِّهِ.
وَجَوَابُهُ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ فَيَتَّبِعُ حُكْمَهُ.
ص - الْمُصَوِّبَةُ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، لَوَجَبَ النَّقِيضَانِ، إِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ بَاقِيًا، أَوْ وَجَبَ الْخَطَأُ، إِنْ سَقَطَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/317)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، تَسَاقَطَ الدَّلِيلَانِ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُخْطِئًا.
أَجَابَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَارَةٌ، وَالْأَمَارَاتُ تَتَرَجَّحُ بِالنَّسَبِ إِلَى الْأَشْخَاصِ، فَكُلُّ أَمَارَةٍ تَتَرَجَّحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَقُولُ بِهَا.
الثَّانِي: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى شَرْعِ الْمُنَاظَرَةِ، فَلَوْلَا تَبَيْيِنُ الصَّوَابِ، لَمْ تَكُنْ لِلْمُنَاظَرَةِ فَائِدَةٌ، وَإِذَا كَانَتِ الْفَائِدَةُ تَبْيِينَ الصَّوَابِ، لَمْ يَكُنِ الْكُلُّ مُصِيبًا.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَائِدَةَ الْمُنَاظَرَةِ تَبْيِينُ الصَّوَابِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهَا تَبْيِينَ تَرْجِيحِ إِحْدَى الْأَمَارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، أَوْ تَبْيِينَ تَسَاوِيهِمَا، أَوْ فَائِدَتُهَا تَمْرِينُ النَّفْسِ، فَإِنَّ التَّمْرِينَ يُفِيدُ النَّفْسَ اسْتِعْدَادًا تَامًّا لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ طَالِبٌ لِلْحُكْمِ، وَطَالِبٌ وَلَا مَطْلُوبٌ مُحَالٌ ; لِاسْتِحَالَةِ طَلَبِ الْمَعْدُومِ.
وَإِذَا كَانَ لَهُ مَطْلُوبٌ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُجُودِ الطَّلَبِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمٍ قَبْلَ ثُبُوتِ الطَّلَبِ، فَمَنْ أَخْطَأَ ذَلِكَ الْحُكْمَ، مُخْطِئٌ قَطْعًا، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا.
أَجَابَ بِأَنَّ مَطْلُوبَهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ
(3/318)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَكُونَ مُتَعَيِّنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَبْلَ طَلَبِهِ، بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَوْجُودًا فِي الذِّهْنِ، فَيَحْصُلُ مَطْلُوبُ كُلٍّ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا، فَيَكُونُ الْكُلُّ مُصِيبًا لِتُحَقُّقِ مَطْلُوبِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُصِيبًا، يَلْزَمُ حِلُّ الشَّيْءِ وَتَحْرِيمُهُ، وَهُوَ مُحَالٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الشَّافِعِيَّ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْمُجْتَهِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْتِ بَائِنٌ، ثُمَّ قَالَ: رَاجَعْتُكِ، فَإِنَّهَا بِالنَّظَرِ إِلَى الزَّوْجِ تَحِلُّ الْمُرَاجِعَةُ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ، تَحْرُمُ الْمُرَاجَعَةُ. فَيَلْزَمُ حِلُّ الْمُرَاجِعَةِ وَحُرْمَتُهَا.
وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُجْتَهِدٌ حَنَفِيٌّ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ مُجْتَهِدٌ شَافِعِيٌّ بِوَلِيٍّ، يَلْزَمُ حِلُّ الْمَرْأَةِ وَحُرْمَتُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، يَلْزَمُ كُلًّا اتِّبَاعُ ظَنِّهِ ; إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِ الْمُجْتَهِدِ اتِّبَاعَ ظَنِّهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَلَالًا حَرَامًا مَعًا.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي مِثْلِ مَا ذُكِرَ هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ، لَا اجْتِهَادُهُمَا، فَيُرْفَعُ مِثْلُ مَا ذُكِرَ إِلَى الْحَاكِمِ فَيُتَّبَعُ حُكْمُهُ.
ش - احْتَجَّتِ الْمُصَوِّبَةُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا ; لَوَجَبَ النَّقِيضَانِ، أَوْ وَجَبَ الْخَطَأُ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلَافِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بَاقِيًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَيْهِ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ، يَلْزَمُ وُجُوبُ الْخَطَأِ ; لِأَنَّ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لَيْسَ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
أَجَابَ بِالْتِزَامِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ جَازَ وُجُوبُ الْخَطَأِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَسَعَى الْمُجْتَهِدُ
(3/319)

الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ.
وَأُجِيبَ بِثُبُوتِ الثَّانِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، وَجَبَ مُخَالَفَتُهُ، وَهُوَ خَطَأٌ، فَهَذَا أَجْدَرُ.
قَالُوا: قَالَ: " بِأَيِّهِمِ اقْتَدَيْتُمِ اهْتَدَيْتُمْ ". وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخْطِئًا، لَمْ يَكُنْ هُدًى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ هُدًى ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مُجْتَهِدٍ أَوْ مُقَلِّدٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ مُحَالٌ لِاسْتِلْزَامِهِمَا النَّقِيضَيْنِ، وَأَمَّا تَقَابُلُ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ وَتَعَادُلُهَا، فَالْجُمْهُورُ: جَائِزٌ، خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَالْكَرْخِيِّ.
لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ الدَّلِيلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
ص - قَالُوا: لَوْ تَعَادَلَا، فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا أَوْ مُخَيَّرًا، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَالثَّانِي تَحَكُّمٌ، وَالثَّالِثُ حَرَامٌ لِزَيْدٍ، حَلَالٌ لِعَمْرٍو مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ، وَالرَّابِعُ كَذِبٌ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا حَلَالَ وَلَا حَرَامَ، وَهُوَ أَحَدُهُمَا.
وَأُجِيبَ يُعْمَلُ بِهِمَا فِي أَنَّهُمَا وَقَفَا، أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُخَيَّرًا، أَوْ لَا يُعْمَلُ بِهِمَا.
وَلَا تَنَاقُضَ إِلَّا مِنَ اعْتِقَادِ نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ، لَا فِي تَرْكِ الْعَمَلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/320)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فِي طَلَبِهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي طَلَبِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِمُوجِبِ ظَنِّهِ، مَعَ أَنَّ مُوجِبَ ظَنِّهِ خَطَأٌ بِالِاتِّفَاقِ ; لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ.
وَإِذَا وَجَبَ الْخَطَأُ فِي صُورَةٍ وُجِدَ النَّصُّ فِيهَا، فَوَجَبَ الْخَطَأُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ". يَقْتَضِي تَصْوِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدَيْنِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ يَخْتَلِفُ اجْتِهَادُهُمْ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُخْطِئًا، لَمْ يَكُنِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ اهْتِدَاءً، بَلْ ضَلَالَةً.
أَجَابَ بِأَنَّ كَوْنَ الِاجْتِهَادِ خَطَأً، لَا يُنَافِي كَوْنَهُ هُدًى ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَعَلَى مَنْ قَلَّدَهُ، وَالْهُدَى فِعْلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا، فَيَكُونُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمِ اهْتِدَاءً، وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُمْ خَطَأً.
[مَسْأَلَةٌ تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ مُحَالٌ]
ش - تُقَابِلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ، أَيِ الْقَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ ; لِأَنَّ
(3/321)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ يَسْتَلْزِمُ مَدْلُولَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَوْ تَعَادَلَ الدَّلِيلَانِ الْعَقْلِيَّانِ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَمَّا تَقَابُلُ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ وَتَعَادُلُهَا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ، خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَالْكَرْخِيِّ.
دَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ تَعَادُلَ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا، لَكَانَ امْتِنَاعُهُ لِدَلِيلٍ ; إِذْ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، لَكِنْ بَحَثْنَا وَلَمْ نَجِدْ دَلِيلًا دَالًّا عَلَى امْتِنَاعِ تَعَادُلِ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَعَادُلِ الْأَمَارَتَيْنِ قَالُوا: لَوْ تَعَادَلَ الْأَمَارَتَانِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ يُعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنَةً، أَوْ يُعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، أَوْ لَا يُعْمَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. وَالْأَقْسَامُ بِأَسْرِهَا بَاطِلَةٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ; فَلِأَنَّهُ لَوْ عُمِلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْأُخْرَى، مَعَ تَعَادُلِهِمَا، يُوجِبُ التَّحَكُّمَ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ ; فَلِلُزُومِ الْحُكْمِ بِأَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا حَلَالٌ لِزَيْدٍ، حَرَامٌ لِعَمْرٍو مِنْ مُجْتَهِدٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ; فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالتَّنَاقُضُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا حَلَالَ وَلَا حَرَامَ يَكُونُ كَذِبًا ضَرُورَةَ أَحَدِهِمَا، أَعْنِي الْحَلَالَ أَوِ الْحَرَامَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِمَا، لَا فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ، بَلْ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَقَفَتِ الْأُخْرَى، أَيْ مَنَعَتْهَا فِي تَرَتُّبِ مُقْتَضَاهَا عَلَيْهَا، فَيَقِفُ الْمُجْتَهِدُ عَنْهُمَا، أَوْ يَعْمَلُ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ ; فَإِنَّهُ كَمَا جَازَ التَّخْيِيرُ بِالنَّصِّ، جَازَ بِالِاجْتِهَادِ، أَوْ لَا يَعْمَلُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَلْزَمُ الْكَذِبُ وَالتَّنَاقُضُ ; لِأَنَّ التَّنَاقُضَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنَ اعْتِقَادِ نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا مِنْ تَرْكِ
(3/322)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا يَسْتَقِيمُ لِمُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ وَقْتَيْنِ، أَوْ شَخْصَيْنِ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ، فَإِنْ تَرَتَّبَا، فَالظَّاهِرُ رُجُوعٌ، وَكَذَلِكَ الْمُتَنَاظِرَتَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، فِيهَا قَوْلَانِ، إِمَّا لِلْعُلَمَاءِ، وَإِمَّا فِيهَا مَا يَقْتَضِي لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ لِتَعَادُلِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا لِي قَوْلَانِ عَلَى التَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَادُلِ، وَإِمَّا تَقَدَّمَ لِي فِيهَا قَوْلَانِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ ; لِلتَّسَلْسُلِ. فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ، وَيَنْقَضُ إِذَا خَالَفَ قَاطِعًا، فَلَوْ حَكَمَ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا، وَإِنْ قَلَّدَ غَيْرَهُ اتِّفَاقًا.
فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَالْمُخْتَارُ التَّحْرِيمُ.
وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ حُكْمٌ، كَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مُقَلِّدِهِ، فَلَوْ حَكَمَ مَقْلِدٌ بِخِلَافِ إِمَامِهِ، جَرَى عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَقِيلَ: فِيمَا لَا يَخُصُّهُ، وَقِيلَ: فِيمَا لَا يَفُوتُ وَقْتُهُ، وَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا.
وَقِيلَ: أَرْجَحُ، فَإِنِ اسْتَوَوْا تَخَيَّرَ.
وَقِيلَ: أَوْ تَابِعِيًّا.
وَقِيلَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ.
وَبَعْدَ الِاجْتِهَادِ اتِّفَاقٌ.
لَنَا: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بِخِلَافِ النَّفْيِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ انْتِفَاءُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ.
وَأَيْضًا: مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْأَصْلِ، فَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ، كَغَيْرِهِ. وَاسْتَدَلَّ: لَوْ جَازَ قَبْلَهُ، لَجَازَ بَعْدَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/323)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعَمَلِ بِهِمَا ; فَإِنَّهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِمَا.
[مَسْأَلَةٌ: لَا يَسْتَقِيمُ لِمُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ]
ش - لَا امْتِنَاعَ فَمَا صُدُورُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ جَامِعٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَ وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
أَمَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَصْدُرَ قَوْلَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ وَقْتَيْنِ أَوْ شَخْصَيْنِ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ قَوْلَانِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ عَنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْنِ.
(3/324)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ صُدُورُ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ، لَكِنْ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ.
وَإِنَّمَا بُنِيَ جَوَازُ صُدُورِ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الشَّخْصِ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ صُدُورَ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ التَّخْيِيرُ ثَابِتًا فِي الْقَوْلَيْنِ بِسَبَبِ تَعَادُلِ الْأَمَارَتَيْنِ، فَإِنْ تَرَتَّبَا، أَيِ الْقَوْلَانِ، بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي وَقْتٍ، وَالْآخَرُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ، وَالْقَوْلَ الْآخَرَ هُوَ قَوْلُهُ.
وَكَذَلِكَ الْمُتَنَاظِرَتَانِ، أَيْ حُكْمُ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَنَاظِرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلَانِ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً.
وَحَمْلُ الْمُصَنِّفِ إِمَّا عَلَى أَنَّهُ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا قَوْلَيْنِ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا يَقْتَضِي لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ لِتَعَادُلِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلَيْنِ لِي عَلَى التَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَادُلِ.
(3/325)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِمَّا عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلَيْنِ لِي عَلَى التَّرْتِيبِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَإِمَّا تَقَدَّمَ لِي فِيهَا قَوْلَانِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّات منهِ]
ش - حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، لَا ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ وَلَا غَيْرُهُ بِاتِّفَاقٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ، يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ
(3/326)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَنْقُضَ الْحُكْمَ الثَّانِيَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَ، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَيَتَسَلْسَلُ، فَيَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ لِاضْطِرَابِ الْحُكْمِ، وَيُنْقَضُ بِالِاتِّفَاقِ حُكْمُ الْحَاكِمِ إِذَا خَالَفَ دَلِيلًا قَاطِعًا نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.
وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَاكِمُ قَلَّدَ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، أَوْ لَمْ يُقَلِّدْ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ أَدَّى اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ إِلَى صِحَّةِ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي أَوْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي، فَيَلْزَمُ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي إِذَا اتَّصَلَ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ حُكْمُ حَاكِمٍ، فَيَلْزَمُ حِلُّ الْمَرْأَةِ إِذَا اتَّصَلَ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لَا يَصِحُّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُقَلِّدِ، يَجِبُ عَلَى الْمُقَلِّدِ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي وَتَرْكُ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ حَكَمَ مُقَلِّدٌ عَلَى خِلَافِ إِمَامِهِ، جَرَى ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ إِذَا قَلَّدَ وَاحِدًا.
(3/327)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ جَوَّزْنَا تَقْلِيدَ غَيْرِهِ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ، جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ إِمَامِهِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ، لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ إِمَامِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ فِيمَا لَا يَخُصُّهُ، أَيْ فِيمَا يُفْتِي فِيهِ، وَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنَ التَّقْلِيدِ فِيمَا يَخُصُّهُ، أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَخُصُّهُ إِذَا فَاتَ الْوَقْتُ إِنِ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ.
وَقِيلَ: الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدُهُ أَعْلَمَ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ إِذَا كَانَ مُقَلِّدُهُ صَحَابِيًّا، وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ الصَّحَابِيُّ أَرْجَحَ فِي نَظَرِهِ مَنْ غَيْرِهِ، وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي نَظَرِهِ، تَخَيَّرَ فِي تَقْلِيدِ مَنْ شَاءَ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ التَّقْلِيدُ إِذَا كَانَ مُقَلِّدُهُ صَحَابِيًّا أَوْ تَابِعِيًّا.
وَقِيلَ: الْمُجْتَهِدُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنِ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا.
(3/328)

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَعْدَهُ حَصَلَ الظَّنُّ الْأَقْوَى.
ص - الْمُجَوِّزُ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43] .
قُلْنَا: لِلْمُقَلِّدِينَ، بِدَلِيلِ (إِنْ كُنْتُمْ) ، وَلِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ.
ص: الصَّحَابَةُ، " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ". وَقَدْ سَبَقَ.
قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ظَنَّ اجْتِهَادِهِ أَقْوَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/329)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
هَذَا إِذَا كَانَ التَّقْلِيدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، فَمَمْنُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ.
احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ جَوَازَ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، إِذْ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِدُونِ دَلِيلٍ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ، لَكِنْ بَحَثْنَا عَنْهُ وَلَمْ نَجِدْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّلِيلِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُعَارَضٌ بِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ أَيْضًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ نَفْيٌ، وَالنَّفْيُ يَكْفِي فِيهِ انْتِفَاءُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَصْلٌ، وَالتَّقْلِيدَ بَدَلٌ، وَالْمُجْتَهِدُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، فَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ كَغَيْرِهِ، مِثْلَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّ الْبَدَلَ يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْأَصْلِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَجَازَ لَهُ التَّقْلِيدُ بَعْدَهُ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ التَّقْلِيدِ هُوَ تَمَكُّنُ الْمُجْتَهِدِ مِنْ مَعْرِفَةِ
(3/330)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِنْ مَنَعَ ذَلِكَ عَنِ التَّقْلِيدِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، مَنَعَ عَنِ التَّقْلِيدِ قَبْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا عَنِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَهُ، لَمْ يَكُنْ مَانِعًا عَنِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَهُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحَاصِلَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ هُوَ الظَّنُّ الْأَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنَ التَّقْلِيدِ، فَلَا جَرَمَ مُنِعَ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَقَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ حَاصِلًا فَضْلًا عَنِ الظَّنِّ الْأَقْوَى، فَلَا جَرَمَ لَا يَكُونُ التَّقْلِيدُ مَمْنُوعًا.
ش - الْمُجَوِّزُ، أَيِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ لِلْمُجْتَهِدِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا، احْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ - تَعَالَى - أَمَرَ بِالسُّؤَالِ، وَأَدْنَى دَرَجَةِ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ اتِّبَاعُ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَاعْتِقَادُ قَوْلِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمُقَلِّدُونَ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّؤَالِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ
(3/331)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَنْ هُوَ عَالِمٌ. وَالْمُجْتَهِدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ عَالِمٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ. وَالْمُجْتَهِدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ، فَيَكُونُ عَالِمًا، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْخِطَابِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ فَيَكُونُ مَسْئُولًا، لَا سَائِلًا، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْمَأْمُورَيْنِ بِالسُّؤَالِ.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الصَّحَابَةَ، احْتَجَّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمِ اهْتَدَيْتُمْ» ".
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ عَوَامِّ الصَّحَابَةِ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْمُجَوِّزُ مُطْلَقًا أَيْضًا بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي جَوَازِ الْعَمَلِ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنَ التَّقْلِيدِ.
أَجَابَ بِأَنَّ ظَنَّ اجْتِهَادِهِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ بِالتَّقْلِيدِ، وَالتَّمَكُّنُ مِنَ الظَّنِّ الْأَقْوَى يَمْنَعُ التَّقْلِيدَ.
[مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ جواز أن يقال للمجتهد احكم بما شئت]
ش - يَجُوزُ أَنْ يُفَوَّضَ الْحُكْمُ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلِيلٌ يَتَمَسَّكُ بِهِ، بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: احْكُمْ بِمَا شِئْتَ، فَهُوَ صَوَابٌ.
وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي جَوَازِ التَّفْوِيضِ وَعَدَمِهِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ تَفْوِيضَ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَطْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ التَّفْوِيضَ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْجَوَازَ وَعَدَمَ الْوُقُوعِ.
وَاحْتَجَّ عَلَى الْجَوَازِ بِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ تَفْوِيضُ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ، لَكَانَ امْتِنَاعُهُ لِغَيْرِهِ ; إِذْ لَوِ امْتَنَعَ لِذَاتِهِ، لَلَزِمَ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ، فَيَثْبُتُ أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغَيْرِ.
(3/332)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ: احْكُمْ بِمَا شِئْتَ، فَهُوَ صَوَابٌ.
وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ.
ثُمَّ الْمُخْتَارُ: لَمْ يَقَعْ.
لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
ص - قَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَاءِ الْمَصَالِحِ لِجَهْلِ الْعَبْدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَوَازِ، وَلَوْ سُلِّمَ، لَزِمَتِ الْمَصَالِحُ وَإِنْ جَهِلَهَا.
ص - الْوُقُوعُ، قَالُوا: {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.
قَالُوا: قَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدْ شَجَرُهَا ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ؟ فَقَالَ: " «إِلَّا الْإِذْخِرَ» ". وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِذْخِرَ لَيْسَ مِنَ الْخَلَا، فَدَلِيلُهُ الِاسْتِصْحَابُ، أَوْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْهُ، وَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِتَقْدِيرِ تَكْرِيرِهِ لِفَهْمِ ذَلِكَ، أَوْ مِنْهُ وَأُرِيدَ وَنُسِخَ بِتَقْدِيرِ تَكْرِيرِهِ بِوَحْيٍ سَرِيعٍ.
قَالُوا: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ» " وَ " «أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَوْ لِلْأَبَدِ» " وَ " «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَ» "، وَلَمَّا قُتِلَ النَّضِرُ بْنُ الْحَارِثِ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ ابْنَتُهُ:
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمُغِيظُ الْمُحْنَقُ
. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَوْ سَمِعْتُهُ مَا قَتَلْتُهُ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/333)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ، وَهُوَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ نَفْيٌ، وَالنَّفْيُ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَوَازَ وَالِامْتِنَاعَ ثُمَّ، لِلْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِالتَّقْلِيدِ وَعَدَمِ الْإِذْنِ، وَلَاشَكَّ أَنْ عَدَمَ الْإِذْنِ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ دَلِيلِ الْإِذْنِ.
وَالْجَوَازُ وَالِامْتِنَاعُ هَاهُنَا الْإِمْكَانُ الْعَقْلِيُّ وَالِامْتِنَاعُ الْعَقْلِيُّ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِمْكَانُ، وَالِامْتِنَاعُ الْعَقْلِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ بِدُونِ الْإِمْكَانِ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ قَالُوا: تَفْوِيضُ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَاءِ الْمَصَالِحِ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَ جَاهِلُونَ بِالْمَصَالِحِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ مَا لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي جَوَازِ تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَتِهِ، لَا فِي وُقُوعِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْجَوَازِ انْتِفَاءُ الْمَصَالِحُ.
(3/334)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوُقُوعِ، لَزِمَتِ الْمَصَالِحُ وَإِنْ جَهَلَهَا الْعَبْدُ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ أَخْبَرَ عَنْ إِصَابَتِهِ فِيمَا يَخْتَارُهُ الْعَبْدُ يَكُونُ مَصْلَحَةً.
ش - الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] .
فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ فُوِّضَ إِلَى مَشِيئَتِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى التَّحْرِيمِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
الثَّانِي: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: " إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِلَّا الْإِذْخِرَ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " إِلَّا الْإِذْخِرَ» ".
(3/335)

وَأُجِيبَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خُيِّرَ فِيهِ مُعَيَّنًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِ.
وَقِيلَ: بِنَفْيِ الْخَطَأِ.
لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ لِمَانِعٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَأَيْضًا: (لِمَ أَذِنْتَ) ، (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) حَتَّى قَالَ: " «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ» " ; لِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ.
وَأَيْضًا: " «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» ".
وَقَالَ: أَنَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَحْكَامِ، لَا فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُحْتَمَلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/336)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، لَا لِدَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُخْتَلَى، أَيْ لَا يُقْطَعُ. وَالْخَلَى مَقْصُورًا: الرَّطْبُ مِنَ الْحَشِيشِ، الْوَاحِدُ: خَلَاةٌ. وَالْإِذْخِرُ: نَبْتٌ، الْوَاحِدَةُ: إِذْخِرَةٌ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْإِذْخِرَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْخَلَا، فَجَوَازُ اخْتِلَائِهِ لَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ مُسْتَنِدًا إِلَى الِاسْتِصْحَابِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُؤَكِّدٌ لِلِاسْتِصْحَابِ.
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْإِذْخِرَ مِنْ جِنْسِ الْخَلَا، يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِذْخِرَ مُرَادًا، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْخَلَا فِي التَّحْرِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِذْخِرَ مُرَادًا لَمْ يُصْبِحِ الِاسْتِثْنَاءُ، فَإِنَّ عَدَمَ الْإِرَادَةِ يُنَافِي صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ.
أُجِيبَ بِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ اسْتِثْنَاءَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَكْرِيرٌ لِاسْتِثْنَاءِ الْعَبَّاسِ، حَتَّى يَكُونَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَفَهِمَ الْعَبَّاسُ إِرَادَةَ الْإِذْخِرِ.
(3/337)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَيَكُونُ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ لِفَهْمِ الْعَبَّاسِ الْإِرَادَةَ، لَا لِإِرَادَةِ الرَّسُولِ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْإِذْخِرَ مِنْ جِنْسِ الْخَلَا، وَأُرِيدَ مِنْهُ، وَقَدَّرْنَا أَنَّ تَكْرِيرَ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَجْلِ الْإِرَادَةِ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُدَّعِي ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ حُرْمَةُ الْإِذْخِرِ بِالْعَامِّ، وَنُسِخَ بِوَحْيٍ سَرِيعٍ.
فَإِنْ قِيلَ: النَّاسِخُ يَجِبُ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْمَنْسُوخِ. وَالْوَحْيُ السَّرِيعُ - عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِهِ - غَيْرُ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ النَّاسِخَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْحُكْمِ. وَالْوَحْيُ السَّرِيعُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَأَخِّرٍ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَكِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ حَرَكَةَ اخْتِلَاءِ الْخَلَا ثَابِتَةٌ قَبْلَ تَكَلُّمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِحُرْمَتِهِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» ". فَإِنَّهُ أَسْنَدَ الْأَمْرَ إِلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَإِلَّا لَمَا أَسْنَدَ إِلَى نَفْسِهِ.
(3/338)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الرَّابِعُ: أَنَّهُ «لَمَّا قَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَ» .
وَلَوْلَا أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ، لَمَا وَجَبَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ نَضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، جَاءَتِ ابْنَتُهُ قُتَيْلَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْشَدَتْهُ:
(3/339)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمُغِيظُ الْمُحْنَقُ
. فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَوْ سَمِعْتُهُ، مَا قَتَلْتُهُ» .
وَلَوْلَا أَنَّ قَتْلَهُ مُفَوَّضٌ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَا قَالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ.
وَالْغَيْظُ: غَضَبٌ كَامِنٌ لِلْعَاجِزِ. يُقَالُ: غَاظَهُ، فَهُوَ مَغِيظٌ. وَالْحَنَقُ: الْغَيْظُ، وَأَحْنَقَهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ مُحْنَقٌ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُخَيَّرًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ بِالسِّوَاكِ أَوْ لَا يَأْمُرَ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْحَجِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَبَيْنَ
(3/340)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَنْ لَا يَأْمُرَ. وَكَذَا فِي قَتْلِ نَضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُفَوَّضًا إِلَى مَشِيئَتِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْوَحْيِ، لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ خَطَأِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي اجْتِهَادِهِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ خَطَئِهِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَلَكِنْ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِ.
وَقِيلَ بِنَفْيِ الْخَطَأِ عَنِ اجْتِهَادِهِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِالْمَعْقُولِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَمَّا الْمَعْقُولُ ; فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ خَطَؤُهُ فِي الِاجْتِهَادِ، لَكَانَ لِمَانِعٍ، ضَرُورَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لِذَاتِهِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَانِعِ، فَمَنْ قَالَ بِالْمَانِعِ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
وَأَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ - تَعَالَى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] .
فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ فِي الْإِذْنِ، وَهُوَ بِالِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْوَحْيِ، لَمَا عَاتَبَهُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي أَسَارَى بَدْرٍ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67] حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ» " ; لِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ، وَنَهَى عَنْ
(3/341)

ص - قَالُوا: لَوْ جَازَ، لَجَازَ أَمْرُنَا بِالْخَطَأِ.
وَأُجِيبَ بِثُبُوتِهِ لِلْعَوَامِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/342)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَخْذِ الْفِدَاءِ.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ فِي أَخْذِ الْفِدَاءِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذَنَّهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» ".
(3/343)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَضَى بِمَا لَا يَكُونُ مُطَابِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيَكُونُ خَطَأً.
وَقَوْلُهُ: " «أْلَحَنُ بِحُجَّتِهِ» "، أَيْ أَفْطَنُ لَهَا.
وَأَيْضًا: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» . يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ خَطَئِهِ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي جَوَازِ خَطَئِهِ فِي الْأَحْكَامِ، لَا فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ خَطَئِهِ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ.
وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ جَوَازَ الْخَطَأِ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الْخَطَأِ فِي الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالَ الْمُنَازَعَ فِيهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مَثَلًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا عَلَى مَنْ أَبَاحَ لَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيَلْزَمُ جَوَازُ الْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُحْتَمَلِ، وَهُوَ كَوْنُهُ حَلَالًا عَلَيْهِ اجْتِهَادًا.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ خَطَئِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الِاجْتِهَادِ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ خَطَؤُهُ فِي الِاجْتِهَادِ، لَجَازَ أَمْرُنَا بِالْخَطَأِ ; لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَأْمُرُ بِالْخَطَأِ.
أَجَابَ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْخَطَأِ ثَابِتٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوَامَّ مَأْمُورُونَ بِمُتَابَعَةِ الْمُجْتَهِدِ وَتَقْلِيدِهِمْ مَعَ جَوَازِ خَطَأِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَقْلِيدِهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ مَعَ وُقُوعِ خَطَئِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ مَعْصُومُونَ عَنِ الْخَطَأِ، فَالرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا عَنْهُ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ.
(3/344)

قَالُوا: الْإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ، فَالرَّسُولُ أَوْلَى.
قُلْنَا: اخْتِصَاصُهُ بِالرُّتْبَةِ، وَاتِّبَاعُ الْإِجْمَاعِ لَهُ يَدْفَعُ الْأَوْلَوِيَّةَ، فَيَتَّبِعُ الدَّلِيلَ.
قَالُوا: الشَّكُّ فِي حُكْمِهِ مُخِلٌّ بِمَقْصُودِ الْبِعْثَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُخِلَّ، بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ أَنَّ النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِدَلِيلٍ، وَقِيلَ: فِي الْعَقْلِيِّ، لَا الشَّرْعِيِّ.
لَنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ ضَرُورِيًّا نَظَرِيًّا. وَهُوَ مُحَالٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/345)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ اخْتِصَاصَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِرُتْبَةٍ أَعْلَى مِنْ رُتْبَةِ الْعِصْمَةِ عَنِ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَهِيَ رُتْبَةُ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ، يَدْفَعُ أَوْلَوِيَّةَ النَّبِيِّ بِالْعِصْمَةِ عَنِ الْخَطَأِ، فَإِنَّ الْخُلُوَّ مِنْ مَرْتَبَةٍ سُفْلَى مَعَ اتِّصَافِهِ بِالْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا.
وَأَيْضًا: وُجُوبُ اتِّبَاعِ أَهْلِ الْإِجْمَاعُ لَهُ يَدْفَعُ الْأَوْلَوِيَّةَ، وَإِذَا انْدَفَعَ الْأَوْلَوِيَّةُ، فَيَتَّبِعُ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى عِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الْخَطَأِ وَجَوَازِ خَطَئِهِ فِي الِاجْتِهَادِ.
الثَّالِثُ: الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُخِلٌّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَعْثَةِ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمَصَالِحِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ. فَلَوْ جَازَ خَطَؤُهُ فِي الْحُكْمِ، لَمْ تَحْصُلِ الْمَصَالِحُ الْمَقْصُودَةُ، فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَعْثَةِ.
أَجَابَ بِأَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنَ الْبَعْثَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَئِهِ، بِخِلَافِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ، فَإِنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنَ الْبَعْثَةِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ أَنَّ النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِدَلِيلٍ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّافِيَ هَلْ يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ عَلَى مَا نَفَاهُ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ، سَوَاءٌ كَانَ نَافِيًا لِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ، إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّفْيُ ضَرُورِيًّا.
وَقِيلَ: لَا يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ فِي الْعَقْلِيِّ لَا الشَّرْعِيِّ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّافِيَ لَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِالدَّلِيلِ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ ضَرُورِيًّا نَظَرِيًّا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِالدَّلِيلِ، لَكَانَ لِكَوْنِ النَّفْيِ ضَرُورِيًّا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا نَظَرِيًّا.
الثَّانِي: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى ذَلِكَ، أَيِ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّلِيلِ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَدَعْوَى قِدَمِهِ، وَدَعْوَى الْوَحْدَانِيَّةِ دَعْوَى نَفْيِ الشَّرِيكِ، وَدَعْوَى الْقِدَمِ دَعْوَى نَفْيِ الْحُدُوثِ. فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى مُطَالَبَةِ النَّافِي بِالدَّلِيلِ.
(3/346)

وَأَيْضًا: الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فِي دَعْوَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ، وَهُوَ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَنَفْيُ الْحُدُوثِ.
ص - النَّافِي: لَوْ لَزِمَ، لَلَزِمَ مُنْكِرَ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ، وَصَلَاةٍ سَادِسَةٍ، وَمُنْكِرَ الدَّعْوَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الدَّلِيلَ يَكُونُ اسْتِصْحَابًا مَعَ عَدَمِ الرَّافِعِ، وَقَدْ يَكُونُ انْتِفَاءَ لَازِمٍ.
وَيُسْتَدَلُّ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَانِعِ وَانْتِفَاءِ الشَّرْطِ عَلَى النَّفْيِ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يُخَصِّصُ الْعِلَّةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/347)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
ش - النَّافِي، أَيِ الْقَائِلُ بِأَنَّ النَّافِيَ لَا يُطَالَبُ بِدَلِيلٍ، احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ عَلَى النَّافِي الدَّلِيلُ، لَلَزِمَ عَلَى مُنْكِرِ مُدَّعِي النُّبُوَّةَ الدَّلِيلُ، وَلَلَزِمَ أَيْضًا عَلَى مُنْكَرِ مُدَّعِي صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، وَلَلَزِمَ أَيْضًا عَلَى مُنْكَرِ الدَّعْوَى، وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالتَّوَالِي بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُنْكِرِينَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ نَافٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى النَّفْيِ قَدْ يَكُونُ اسْتِصْحَابًا مَعَ عَدَمِ الرَّافِعِ.
(3/348)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقَدْ يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَى النَّفْيِ انْتِفَاءُ لَازِمٍ.
وَفِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الدَّلِيلُ الِاسْتِصْحَابُ مَعَ عَدَمِ الرَّافِعِ.
قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ جَوَابًا ; فَإِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى النَّفْيِ قَدْ يَكُونُ اسْتِصْحَابًا، وَقَدْ يَكُونُ انْتِفَاءَ لَازِمٍ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مُطَالَبٌ.
وَلَعَلَّ الْجَوَابَ أَنَّ النَّافِيَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَانِعٌ يَدْفَعُ الدَّعْوَى عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمَانِعُ لَا يُطَالَبُ، بِخِلَافِ النَّافِي إِذَا كَانَ مُدَّعِيًا، فَإِنَّهُ مَطَالَبٌ.
وَالنَّافِي يَسْتَدِلُّ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ عَلَى النَّفْيِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْجَامِعَ وُجُودَ الْمَانِعِ أَوِ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ.
هَذَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ ; لِجَوَازِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ عِنْدَهُ.
[التَّقْلِيدُ وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ]
[تعريف التَّقْلِيدُ وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الِاجْتِهَادِ، شَرَعَ فِي التَّقْلِيدِ، وَالْمُفْتِي، وَالْمُسْتَفْتِي، وَمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ.
وَعَرَّفَ التَّقْلِيدَ بِأَنَّهُ: الْعَمَلُ بِقَوْلِ غَيْرِكَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، فَالْعَمَلُ بِقَوْلِ الرَّسُولِ، وَالْعَمَلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَمَلُ الْعَامِّيِّ
(3/349)

التَّقْلِيدُ.
ص - التَّقْلِيدُ وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ.
فَالتَّقْلِيدُ: الْعَمَلُ بِقَوْلِ غَيْرِكَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.
وَلَيْسَ الرُّجُوعُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى الْإِجْمَاعِ، وَالْعَامِّيُّ إِلَى الْمُفْتِي، وَالْقَاضِي إِلَى الْعُدُولِ بِتَقْلِيدٍ ; لِقِيَامِ الْحُجَّةِ.
وَلَا مُشَاحَةَ فِي التَّسْمِيَةِ.
وَالْمُفْتِي: الْفَقِيهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَالْمُسْتَفْتِي: خِلَافُهُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّجَزُّؤِ، فَوَاضِحٌ.
وَالْمُسْتَفْتَى فِيهِ: الْمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِيَّةُ، لَا الْعَقْلِيَّةُ، عَلَى الصَّحِيحِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/350)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بِقَوْلِ الْمُفْتِي، وَعَمَلُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْعُدُولِ، لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ ; لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهَا.
أَمَّا الْعَمَلُ بِقَوْلِ الرَّسُولِ، فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ بِالْبَاقِي، فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْلُ الرَّسُولِ.
وَلَا مُشَاحَةَ فِي تَسْمِيَةِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ غَيْرِكَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ تَقْلِيدًا.
وَالْمُفْتِي: الْفَقِيهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ، فَيُعْرَفُ مِنْهُ الْفَقِيهُ.
وَالْمُسْتَفْتِي خِلَافُ الْمُفْتِي، فَإِنْ قُلْنَا بِتَجَزِّي الِاجْتِهَادِ، فَوَاضِحٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُفْتِيًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُسْتَفْتِيًا.
وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِتَجَزِّي الِاجْتِهَادِ، فَالْمُفْتِي مَنْ يَكُونُ عَالِمًا بِالْجَمِيعِ.
وَالْمُسْتَفْتَى فِيهِ: هُوَ الْمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِيَّةُ.
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا.
[مَسْأَلَةٌ لا تَقْلِيدٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، أَيْ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِقَادِ، كَوُجُودِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا تَقْلِيدَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ.
وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا.
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعَقْلِيَّاتِ التَّقْلِيدُ، وَالنَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَمَا لَا يَجُوزُ.
(3/351)

ص - (مَسْأَلَةٌ) : تَقْلِيدٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، كَوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى.
وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ بِجَوَازِهِ.
وَقِيلَ: النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ.
لَنَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ.
وَالتَّقْلِيدُ لَا يَحْصُلُ ; لِجَوَازِ الْكَذِبِ ; وَلِأَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَقِدَمِهِ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ، لَكَانَ نَظَرِيًّا. وَلَا دَلِيلَ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَكَانَتِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ، لَنُقِلَ كَالْفُرُوعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْجَهْلِ بِاللَّهِ - تَعَالَى، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَلْ لِوُضُوحِهِ وَعَدَمِ الْمُحْوِجِ إِلَى الْإِكْثَارِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ لَأَلْزَمَ الصَّحَابَةُ الْعَوَامَّ بِذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/352)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّقْلِيدُ لَا يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ لِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ كَذِبُ الْمُقَلِّدِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْوَاجِبِ. فَلَوْ جَازَ التَّقْلِيدُ فِي الْمَعْرِفَةِ، لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ التَّقْلِيدُ يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ، لَكَانَ يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ إِذَا قَلَّدَ الْقَائِلَ بِهِ. وَيُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ بِقَدَمِ الْعَالَمِ إِذَا قَلَّدَ الْقَائِلَ بِهِ، فَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْعَالَمِ وَقِدَمُهُ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ حَصَّلَ الْمَعْرِفَةَ، لَكَانَ تَحْصِيلُ التَّقْلِيدِ الْمَعْرِفَةَ بِالنَّظَرِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ بِالضَّرُورَةِ، لَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَلَاشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ النَّظَرَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عَلَى دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّهُ يَلْزَمُ مِثْلُهُ إِنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ بِالتَّقْلِيدِ، لِاحْتِمَالِ خَطَأِ النَّاظِرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ خَطَأَ النَّاظِرِ إِنَّمَا يُحْتَمَلُ إِذَا لَمْ يُرَاعِ الْقَانُونَ الْمُمَيِّزَ بَيْنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ.
(3/353)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَمَّا عِنْدَ مُرَاعَاتِهِ، فَلَا يُحْتَمَلُ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّ النَّظَرَ أَيْضًا قَدْ يُفْضِي مَرَّةً إِلَى الْقِدَمِ وَمَرَّةً إِلَى الْحُدُوثِ، فَلَوْ كَانَ الْمَعْرِفَةُ بِالنَّظَرِ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِمِثْلِ مَا أَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الثَّالِثِ: أَنَّهُ كَمَا احْتَاجَ التَّقْلِيدُ فِي إِفَادَةِ الْمَعْرِفَةِ إِلَى النَّظَرِ، احْتَاجَ النَّظَرُ أَيْضًا فِي الْإِفَادَةِ إِلَى النَّظَرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ النَّظَرَ، وَإِنِ احْتَاجَ فِي كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلْمَعْرِفَةِ إِلَى النَّظَرِ، لَكِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ مُفِيدًا.
بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلْمَعْرِفَةِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ حُصُولَ الْيَقِينِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ بِالنَّظَرِ صَعْبٌ جِدًّا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِالنَّظَرِ، وَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ مِنَ التَّقْلِيدِ أَصْلًا، فَالنَّظَرُ أَوْلَى مِنَ التَّقْلِيدِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، احْتَجُّوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّظَرَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَكَانَتِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى بِالنَّظَرِ، وَلَوْ كَانَ النَّظَرُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، لَنُقِلَ مُبَاحَثَتُهُمْ وَمُنَاظَرَتُهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ، كَمَا نُقِلَ مُنَاظَرَتُهُمْ فِي الْفُرُوعِ. وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ، دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ غَيْرُ وَاجِبٍ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ، أَيْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى بِالنَّظَرِ، وَإِلَّا لَزِمَ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْجَهْلِ بِاللَّهِ - تَعَالَى، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَلْ مُنَاظَرَتُهُمْ وَمُبَاحَثَتُهُمْ، لَا لِعَدَمِ وُجُوبِ النَّظَرِ عَلَيْهِمْ، بَلْ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلِعَدَمِ الْمُحْوِجِ إِلَى الْإِكْثَارِ فِي الْكَلَامِ وَالْمُنَاظَرَةِ، لِنَقَاءِ سِيرَتِهِمْ وَصَفَاءِ سَرِيرَتِهِمْ وَمُشَاهَدَتِهِمُ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ، فَإِنَّهَا أُمُورٌ تُعِدُّ النُّفُوسَ وَتُدْرِكُ الْأُمُورَ
(3/354)

قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيرَ الْأَدِلَّةِ وَالْجَوَابَ عَنِ الشُّبَهِ. وَالدَّلِيلُ يَحْصُلُ بِأَيْسَرِ نَظَرٍ.
قَالُوا: وُجُوبُ النَّظَرِ دَوْرِيٌّ عَقْلِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَالُوا: مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالَةِ، بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ.
قُلْنَا: فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُقَلِّدِ، أَوْ يَتَسَلْسَلُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا.
وَقِيلَ: بِشَرْطِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ.
لَنَا ; (فَاسْأَلُوا) وَهُوَ عَامٌّ فِيمَنْ لَا يُعْلَمُ.
وَأَيْضًا لَمْ يَزَلِ الْمُسْتَفْتُونَ يَتَّبِعُونَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ الْمُسْتَنَدِ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
قَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْخَطَأِ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَى لَهُ مُسْتَنَدَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي نَفْسُهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الِاتِّفَاقُ عَلَى اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا وَالنَّاسُ مُسْتَفْتُونَ مُعَظِّمُونَ لَهُ، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ فِي ضِدِّهِ، وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُهُ فِي الْمَجْهُولِ.
لَنَا: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ.
وَأَيْضًا: الْأَكْثَرُ الْجُهَّالُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْغَالِبِ، كَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي.
قَالُوا: لَوِ امْتَنَعَ لِذَلِكَ، لَامْتَنَعَ فِيمَنْ عُلِمَ عِلْمُهُ دُونَ عَدَالَتِهِ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ، بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : إِذَا تَكَرَّرَتِ الْوَاقِعَةُ، لَمْ يَلْزَمْ تَكْرِيرُ النَّظَرِ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُ.
لَنَا: اجْتَهَدَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ أَمْرٍ آخَرَ.
قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.
قُلْنَا: فَيَجِبُ تَكْرِيرُهُ أَبَدًا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَقَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ، وَلَكِنْ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ".
قَالُوا: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ أَوْ حَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّالُ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/355)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْإِلَهِيَّةَ وَالصِّفَاتِ الْقُدْسِيَّةَ الْمُنَزَّهَةَ عَنِ الشَّوَائِبِ الْحِسِّيَّةِ وَاللَّوَاحِقِ الْمَادِّيَّةِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ النَّظَرُ وَاجِبًا، لَأَلْزَمَ الصَّحَابَةُ الْعَوَامَّ بِالنَّظَرِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلْزَامُ الْعَوَامِّ بِذَاكَ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوا الْعَوَامَّ بِالنَّظَرِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّظَرِ تَحْرِيرَ الْأَدِلَّةِ وَتَلْخِيصَهَا، وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبَهِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْأَدِلَّةِ، كَمَا فَعَلَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ.
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُوجِبَ لِلْمَعْرِفَةِ يَحْصُلُ بِأَيْسَرِ نَظَرٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ النَّظَرَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَزِمَ الدَّوْرُ; وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّظَرِ نَظَرِيٌّ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى النَّظَرِ، وَالنَّظَرُ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَهُوَ أَنَّ النَّظَرَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالِ، وَالْوُقُوعُ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالَةِ حَرَامٌ، وَمَظِنَّةُ الْحَرَامِ حَرَامٌ، فَيَكُونُ النَّظَرُ حَرَامًا، بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَظِنَّةً لِلْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالَةِ.
(3/356)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّظَرُ حَرَامًا، يَلْزَمُ حُرْمَةُ التَّقْلِيدِ أَيْضًا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ إِمَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى النَّظَرِ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، يَلْزَمُ حُرْمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى النَّظَرِ، بَلِ اسْتَنَدَ إِلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ، تَسَلْسَلَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّقْلِيدَ إِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى النَّظَرِ، احْتَاجَ إِلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ التَّقْلِيدُ إِلَى الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ.
(3/357)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا]
ش - غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِغَيْرِ مَا تُقَلِّدُ فِيهِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ التَّقْلِيدُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ مِنْ تَقَلُّدِهِ بِدَلِيلِ ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] . فَإِنَّهُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْعَامِّيَّ وَالْعَالِمَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ مَا يُقَلِّدُ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْمُسْتَفْتُونَ يَتَّبِعُونَ الْمُفْتِينَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ الْمُفْتِينَ مُسْتَنَدَ اجْتِهَادِهِمْ لِلْمُسْتَفْتِينَ. وَشَاعَ وَذَاعَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ لِلْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ دَلِيلَ صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ.
الشَّارِطُونَ قَالُوا: لَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ صِحَّةَ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ، لَأَدَّى إِلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْخَطَأِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ مُسْتَنَدَ الِاجْتِهَادِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ خَطَأً.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; فَإِنَّهُ لَوْ أَبْدَى الْمُجْتَهِدُ لِلْمُقَلِّدِ
(3/358)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
سَنَدَهُ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ خَطَأً. فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ لَا يَنْدَفِعُ بِذِكْرِ السَّنَدِ.
وَأَيْضًا: الْمُفْتِي نَفْسُهُ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِ مَعَ جَوَازِ خَطَئِهِ.
(3/359)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ]
ش - اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ مِمَّنْ عَرَفَهُ الْمُسْتَفْتِي بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا لِلْإِفْتَاءِ، وَالنَّاسُ يَسْتَفْتُونَ مِنْهُ وَيُعَظِّمُونَ لَهُ وَلِإِفْتَائِهِ.
وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى امْتِنَاعِ الِاسْتِفْتَاءِ فِي ضِدِّهِ، أَيْ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْعَدَالَةِ، وَلَمْ يَرَهُ مُنْتَصِبًا لِلَّافْتَاءِ، وَالنَّاسُ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى إِفْتَائِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ مِنَ الْمَجْهُولِ، أَيِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ بِعِلْمٍ وَلَا جَهْلٍ.
وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ الِاسْتِفْتَاءِ مِنْهُ.
وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ.
وَبِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ الْجُهَّالُ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَجْهُولَ مِنَ الْغَالِبِ، إِلْحَاقًا لِلْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، كَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي، فَإِنَّهُمَا إِذَا جُهِلَ حَالُهُمَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا.
وَالْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ مِنَ الْمَجْهُولِ، قَالُوا: لَوِ امْتَنَعَ الِاسْتِفْتَاءُ مِنَ الْمَجْهُولِ لِذَلِكَ، أَيْ لِلْجَهْلِ بِحَالِهِ، لَامْتَنَعَ الِاسْتِفْتَاءُ مِمَّنْ عُلِمَ عِلْمُهُ دُونَ عَدَالَتِهِ.
(3/360)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَسْتَفْتُونَ مِمَّنْ عُلِمَ عِلْمُهُ وَجُهِلَ عَدَالَتُهُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاسْتِفْتَاءُ مِمَّنْ عُلِمَ عِلْمُهُ وَجُهِلَ عَدَالَتُهُ.
وَلَوْ سُلِّمَ الِاسْتِفْتَاءُ مِمَّنْ عُلِمَ عِلْمُهُ وَجُهِلَ عَدَالَتُهُ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ. فَإِنَّ الْغَالِبَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ، فَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْعَدَالَةِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يُلْحَقُ بِالْعُدُولِ مِنْهُمْ إِلْحَاقًا لِلْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالِاجْتِهَادِ لَا يُلْحَقُ بِالْمُجْتَهِدِينَ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ الْجُهَّالُ.
[مَسْأَلَةٌ إِذَا تَكَرَّرَتِ الْوَاقِعَةُ لَمْ يَلْزَمْ تَكْرِيرُ النَّظَرِ]
ش - إِذَا اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِي وَاقِعَةٍ وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ تَكَرَّرَتْ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَكْرِيرُ النَّظَرِ.
(3/361)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ، وَاحْتُجَّ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ اجْتَهَدَ وَحَصَلَ الظَّنُّ بِمُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ أَمْرٍ آخَرَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ ثَانِيًا، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَكْرِيرُ النَّظَرِ.
الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ تَكْرِيرِ النَّظَرِ عِنْدَ تَكْرِيرِ الْوَاقِعَةِ قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَوَّلًا. فَيَجِبُ تَكْرِيرُ النَّظَرِ.
أَجَابَ بِأَنَّ احْتِمَالَ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لِوُجُوبِ تَكْرِيرِ النَّظَرِ، لَوَجَبَ تَكْرِيرُ النَّظَرِ أَبَدًا لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ. وَلَكِنْ لَمْ يَجِبْ تَكْرِيرُ النَّظَرِ أَبَدًا بِالِاتِّفَاقِ.
[مَسْأَلَةٌ: خُلُوُّ الزَّمَانِ منْ المُجْتَهِدٍ]
ش - يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ مُحَالًا لِذَاتِهِ، فَلَوِ امْتَنَعَ، كَانَ امْتِنَاعُهُ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ» ". . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ
(3/362)

قُلْنَا: فَأَيْنَ نَفْيُ الْجَوَازِ؟ وَلَوْ سُلِّمَ فَدَلِيلُنَا أَظْهَرُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَتَعَارَضَانِ وَيُسَلَّمُ الْأَوَّلُ.
قَالُوا: فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَاطِلِ.
قُلْنَا: إِذَا فُرِضَ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ، لَمْ يُمْكِنْ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ، إِنْ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى الْمَأْخَذِ أَهْلًا لِلنَّظَرِ جَائِزٌ.
وَقِيلَ: عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ.
لَنَا: وُقُوعُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَأَنْكَرَ مَنْ غَيْرُهُ.
الْمُجَوِّزُ: نَاقِلٌ كَالْأَحَادِيثِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ النَّقْلِ.
الْمَانِعُ: لَوْ جَازَ، لَجَازَ لِلْعَامِّيِّ.
وَأُجِيبَ بِالدَّلِيلِ، وَبِالْفَرْقِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُولَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ شُرَيْحٍ: الْأَرْجَحُ مُتَعَيِّنٌ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكَرُّرِ وَلَمْ يُنْكَرْ.
وَأَيْضًا: قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ لِقُصُورِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ وَبِرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إِلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالُوا: أَقْوَالُهُمْ كَالْأَدِلَّةِ، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ.
قُلْنَا: لَا يُقَاوِمُ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ سُلِّمَ، فَلِعُسْرِ تَرْجِيحِ الْعَوَامِّ.
قَالُوا: الظَّنُّ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ أَقْوَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/363)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْعُلَمَاءِ.
احْتَجَّ الْحَنَابِلَةُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي» ". . . إِلَى آخِرِهِ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ طَائِفَةٍ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ جَوَازِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " فَأَيْنَ نَفْيُ الْجَوَازِ؟ ".
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ، فَدَلِيلُنَا أَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ ; لِأَنَّ الْقَائِمَ بِالْحَقِّ أَعَمُّ مِنَ الْمُجْتَهِدِ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ دَلِيلَنَا لَا يَكُونُ أَظْهَرَ، فَيَتَعَارَضَانِ، أَيْ دَلِيلُنَا وَدَلِيلُكُمْ، وَيَسْلَمُ الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ عَنِ الْمُعَارِضِ.
الثَّانِي: أَنَّ الِاجْتِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَاطِلِ ; لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى الِاجْتِهَادُ فِي عَصْرٍ تَكُونُ الْأُمَّةُ فِي هَذَا الْعَصْرِ مُتَّفِقِينَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِذَا فُرِضَ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ، لَمْ يُمْكِنِ الِاجْتِهَادُ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ، لَا يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ. فَاتِّفَاقُ الْأُمَّةِ عَلَى تَرْكِ الِاجْتِهَادِ فِي
(3/364)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
عَصْرٍ لَا يَكُونُ بَاطِلًا.
[مَسْأَلَةٌ إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي إِفْتَاءِ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، إِذَا أَفْتَى بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ، كَالْفَقِيهِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ إِذَا أَفْتَى بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ إِذَا كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى مَأْخَذِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ، أَهْلًا لِلنَّظَرِ فِيهَا بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيعِ عَلَى الْمَأْخَذِ.
(3/365)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَا يَجُوزُ إِفْتَاؤُهُ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ إِفْتَاءُ الْمُطَّلِعُ عَلَى الْمَأْخَذِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى الْمَأْخَذِ أَوْ لَا.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّهُ وَقَعَ الْإِفْتَاءُ مِنَ الْمُطَّلِعِ عَلَى الْمَأْخَذِ فِي الْأَعْصَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَأَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى إِفتَاءِ مَنْ لَيْسَ بِمُطَّلِعٍ عَلَى الْمَأْخَذِ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ إِفْتَاءِ الْمُطَّلِعِ وَعَدَمِ جَوَازِ إِفْتَاءِ غَيْرِ الْمُطَّلِعِ.
احْتَجَّ الْمُجَوِّزُ مُطْلَقًا بِأَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ نَاقِلٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ، فَيُعْتَبَرُ نَقْلُهُ كَالْأَحَادِيثِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْإِفْتَاءِ بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ، وَهُوَ غَيْرُ النَّقْلِ.
أَمَّا لَوْ نَقَلَ وَقَالَ مَثَلًا: قَالَ الشَّافِعِيُّ كَذَا، وَظَنَّ الْمُسْتَفْتِي صِدْقَهُ، جَازَ لَهُ الْأَخْذُ بِنَقْلِهِ.
الْمَانِعُ مِنْ جَوَازِ إِفْتَاءِ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ، قَالُوا: لَوْ جَازَ إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، لَجَازَ إِفْتَاءُ الْعَامِّيِّ ; لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُجْتَهِدٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْجَوَازَ وَالِامْتِنَاعَ يَتْبَعَانِ الدَّلِيلَ، وَالدَّلِيلُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ إِذَا كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى الْمَأْخَذِ، أَهْلًا لِلنَّظَرِ، وَلَمْ
(3/366)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
يَدُلَّ عَلَى جَوَازِ إِفْتَاءِ الْعَامِّيِّ.
وَبِالْفَرْقِ، فَإِنَّ الْمُطَّلِعَ عَلَى الْمَأْخَذِ الَّذِي لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ، يَبْعُدُ عَنْهُ الْخَطَأُ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَنَدِ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ.
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُقَلِّدَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُولَ عِنْدَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ تَقْلِيدَ الْأَرْجَحِ مُتَعَيِّنٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْمَفْضُولِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُفْتُونَ مَعَ اشْتِهَارِهِمْ بِالْمَفْضُولِيَّةِ، وَمَعَ تَكَرُّرِ الْإِفْتَاءِ مِنْهُمْ. وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ، وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمِ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ". فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِكُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْفَاضِلِ وَالْمَفْضُولِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ بِأَنَّ تُرَجُّحَ الْأَرْجَحِ لِلتَّقْلِيدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَرْجِيحِ الْعَامِّيِّ، وَالْعَامِّيُّ لَا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ لِقُصُورِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ، وَرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إِلَيْهِ وَإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِفْتَاءِ، وَهَذَا يُمْكِنُ لِلْعَامِّيِّ.
(3/367)

قُلْنَا. تَقْرِيرُ مَا قَدَّمْتُمُوهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَرْجِعُ عَنْهُ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ اتِّفَاقًا.
وَفِي حُكْمٍ آخَرَ، الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِوُقُوعِهِ، وَلَمْ يُنْكَرْ.
فَلَوِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، فَثَالِثُهَا كَالْأَوَّلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/368)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ أَقْوَالَ الْمُفْتِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَلِّدِ كَالْأَدِلَّةِ، فَكَمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، وَجَبَ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يُقَاوِمُ مَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا إِجْمَاعٌ وَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ لَا يُقَاوِمُ الْإِجْمَاعَ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْقِيَاسَ يُقَاوِمُ الْإِجْمَاعَ، فَالْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ يَقْدِرُ عَلَى تَرْجِيحِ الْأَدِلَّةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَالْعَامِّيُّ لَا يَقْدِرُ ; لِعُسْرِ التَّرْجِيحِ عَلَى الْعَوَامِّ.
الثَّانِي: أَنَّ الظَّنَّ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ بِقَوْلِ الْمَفْضُولِ، فَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُ الظَّنِّ الْأَقْوَى.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا تَقْرِيرٌ لِلدَّلِيلِ السَّابِقِ، لَا دَلِيلَ آخَرَ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَرْجِعُ عَنْهُ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ اتِّفَاقًا]
ش - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا قَلَّدَ مُجْتَهِدًا فِي حُكْمٍ مِنَ
(3/369)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَحْكَامِ، لَا يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ فِي حُكْمٍ آخَرَ أَوْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ الرُّجُوعُ إِلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ فِي حُكْمٍ آخَرَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَطْعَ حَاصِلٌ بِوُقُوعِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ، فَإِنَّ الْعَوَامَّ لَا يَزَالُونَ يُقَلِّدُونَ مُجْتَهِدًا فِي حُكْمٍ، وَيُقَلِّدُونَ غَيْرَهُ فِي حُكْمٍ آخَرَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ.
أَمَّا لَوِ الْتَزَمَ الْعَامِّيُّ مَذْهَبًا، كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ إِمَامَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَيُقَلِّدَ غَيْرَهُ؟
فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ فِيمَا لَمْ يُقَلِّدْ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ بَعْدُ، وَلَا يَجُوزُ فِي حُكْمٍ قَلَّدَهُ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَثَالِثُهَا كَالْأَوَّلِ.
[الترجيح]
[تعريف الترجيح]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الِاجْتِهَادِ، شَرَعَ فِي التَّرْجِيحِ، وَذَكَرَ أَوَّلًا حَدَّهُ، ثُمَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ، ثُمَّ أَقْسَامَهُ.
وَالتَّرْجِيحُ هُوَ: اقْتِرَانُ الْأَمَارَةِ بِمَا تَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارِضِهَا.
وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَمَارَةِ عَلَى مُعَارِضِهَا إِذَا رَجَحَتْ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدَّمُوا بَعْضَ الْآثَارِ عَلَى بَعْضٍ،
(3/370)

التَّرْجِيحُ
ص - التَّرْجِيحُ.
وَهُوَ اقْتِرَانُ الْأَمَارَةِ بِمَا تَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارِضِهَا، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا لِلْقَطْعِ عَنْهُمْ بِذَلِكَ.
وَأَوْرَدَ شَهَادَةَ أَرْبَعَةٍ مَعَ اثْنَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفِرَقِ، وَلَا تَعَارُضَ فِي قَطْعِيَّيْنِ، وَلَا فِي قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ ; لِانْتِفَاءِ الظَّنِّ.
وَالتَّرْجِيحُ فِي الظَّنَّيْنِ مَنْقُولَيْنِ أَوْ مَعْقُولَيْنِ، أَوْ مَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ.
ص - الْأَوَّلُ: فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ وَالْمَدْلُولِ وَفِي خَارِجٍ.
الْأَوَّلُ: بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لِقُوَّةِ الظَّنِّ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ، وَبِزِيَادَةِ الثِّقَةِ، وَبِالْفِطْنَةِ وَالْوَرَعِ وَالْعِلْمِ وَالضَّبْطِ وَالنَّحْوِ، وَبِأَنَّهُ اشْتُهِرَ بِأَحَدِهَا بِاعْتِمَادِهِ عَلَى حِفْظِهِ لَا نُسْخَتِهِ وَعَلَى ذِكْرٍ لَا خَطٍّ، وَبِمُوَافَقَتِهِ عَمَلَهُ، وَبِأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ فِي الْمُرْسَلِينَ، وَبِأَنْ يَكُونَ الْمُبَاشِرَ كَرَاوِيَةِ أَبِي رَافِعٍ: " «نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ» "، وَكَانَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رِضِيَ اللَّهِ عَنْهُمَا: " «نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَرَامٌ» "، وَبِأَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ كَرِوَايَةِ مَيْمُونَةَ: " «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ حَلَالَانِ» "، وَبِأَنْ يَكُونَ مُشَافِهًا كَرِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ بِرَيْرَةَ عُتِقَتْ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، عَلَى مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ حُرًّا ; لِأَنَّهَا عَمَّةُ الْقَاسِمِ، وَأَنْ يَكُونُ أَقْرَبَ عِنْدَ سَمَاعِهِ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: «أَفْرَدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ تَحْتَ نَاقَتِهِ حِينَ لَبَّى» ، وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لِقُرْبِهِ غَالِبًا، أَوْ مُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ، أَوْ مَشْهُورَ النَّسَبِ، أَوْ غَيْرَ مُلْتَبِسٍ بِمُضَعِّفٍ، وَبِتَحَمُّلِهَا بَالِغًا، وَبِكَثْرَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/371)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِنْهَا: أَنَّهُمْ قَدَّمُوا خَبَرَ عَائِشَةَ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ عَلَى خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ، وَقَدَّمُوا خَبَرَ مَنْ رَوَى مِنْ أَزْوَاجِهِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصْبِحُ جُنْبًا وَهُوَ صَائِمٌ» ، عَلَى خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» .
(3/372)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَعُورِضَ بِأَنَّ شَهَادَةَ أَرْبَعَةٍ رَاجِحَةٌ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ.
فَلَوْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ، وَجَبَ تَقْدِيمُ أَرْبَعَةٍ عَلَى اثْنَيْنِ.
أَجَابَ بِالْتِزَامِهِ، فَإِنَّ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ يَجِبُ تَقْدِيمُ شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ.
وَبِالْفَرْقِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ، فَلَوِ اعْتُبِرَ التَّرْجِيحُ بِالْكَثْرَةِ، لَأَفْضَى إِلَى تَطْوِيلِ الْخُصُومَةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِهَا، بِخِلَافِ الْأَمَارَةِ.
وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ قَطْعِيَّيْنِ ; لِأَنَّ الْقَطْعَ بِالْإِيجَابِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ. فَلَوْ قَطَعَ بِالنَّفْيِ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَطْعِ بِالْإِيجَابِ، يَلْزَمُ كَوْنُ النَّفْيِ أَيْضًا مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ، فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ فِي الْوَاقِعِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَلَا تَعَارُضَ أَيْضًا بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ ; لِانْتِفَاءِ الظَّنِّ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عِنْدَ الْقَطْعِ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ،
(3/373)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
بَلِ التَّعَارُضُ إِنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ الظَّنِّيَيْنِ.
وَهُوَ إِمَّا فِي مَنْقُولِينَ أَوْ فِي مَعْقُولَيْنِ أَوْ فِي مَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ.
[الترجيح بأمور تتعلق بالسند]
ش - الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: التَّعَارُضُ بَيْنَ الْمَنْقُولِينَ، وَهُوَ إِمَّا فِي السَّنَدِ أَوْ فِي الْمَتْنِ أَوْ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ أَوْ فِي أَمْرٍ
(3/374)

الْمُزَكِّينَ أَوْ أَعْدَلِيَّتِهِمْ أَوْ أَوْثَقِيَّتِهِمْ. وَبِالصَّرِيحِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْحُكْمِ عَلَى الْعَمَلِ. وَبِالْمُتَوَاتِرِ عَلَى الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ، وَمُرْسَلِ التَّابِعِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِالْأَعْلَى إِسْنَادًا، وَالْمُسْنَدِ عَلَى كِتَابٍ مَعْرُوفٍ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْكِتَابِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبِمِثْلِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمُسْتَنَدِ بِاتِّفَاقٍ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَبِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ وَبِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، وَبِالسَّمَاعِ عَلَى مُحْتَمَلٍ، وَبِسُكُوتِهِ مَعَ الْحُضُورِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَبِوُرُودِ صِيغَةٍ فِيهِ عَلَى مَا فُهِمَ، وَبِمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَلَى الْآخَرِ فِي الْآحَادِ، وَبِمَا لَمْ يَثْبُتْ إِنْكَارٌ لِرُوَاتِهِ عَلَى الْآخَرِ.
ص - الْمَتْنُ.
النَّهْيُ عَلَى الْأَمْرِ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالنَّهْيُ بِمِثْلِهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَالْأَقَلُّ احْتِمَالًا عَلَى الْأَكْثَرِ، وَالْحَقِيقَةُ عَلَى الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ عَلَى الْمَجَازِ بِشُهْرَةِ مُصَحِّحِهِ أَوْ قُوَّتِهِ، أَوْ قُرْبِ جِهَتِهِ أَوْ رُجْحَانِ دَلِيلِهِ أَوْ شُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، وَالْمَجَازُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَشْهُرُ مُطْلَقًا، وَاللُّغَوِيُّ الْمُسْتَعْمَلُ شَرْعًا عَلَى الشَّرْعِيِّ، بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ الشَّرْعِيِّ، وَبِتَأْكِيدِ الدَّلَالَةِ، وَيُرَجَّحُ فِي الِاقْتِضَاءِ بِضَرُورَةِ الصِّدْقِ عَلَى ضَرُورَةِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، وَفِي الْإِيمَاءِ بِانْتِفَاءِ الْعَبَثِ أَوِ الْحَشْوِ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالِاقْتِضَاءِ عَلَى الْإِشَارَةِ، وَعَلَى الْإِيمَاءِ وَعَلَى الْمَفْهُومِ، وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَاصِّ لِكَثْرَتِهِ، وَالْخَاصُّ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ، وَالْعَامُّ لَمْ يُخَصَّصْ عَلَى مَا خُصَّ. وَالتَّقْيِيدُ كَالتَّخْصِيصِ، وَالْعَامُّ الشَّرْطِيُّ عَلَى النَّكِرَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/375)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
خَارِجٍ.
الْأَوَّلُ: وَهُوَ التَّعَارُضُ فِي السَّنَدِ، وَالتَّرْجِيحُ فِيهِ إِمَّا بِأُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِحَالِ الرَّاوِي، أَوْ بِحَالِ الرِّوَايَةِ، أَوْ بِحَالِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ.
الْأَوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ الرَّاوِي، وَهُوَ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الرُّوَاةِ مُرَجِّحَةٌ لِقُوَّةِ الظَّنِّ بِهَا، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ.
وَبِزِيَادَةِ الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ، وَبِزِيَادَةِ الْفِطْنَةِ، وَبِزِيَادَةِ الْوَرَعِ، وَبِزِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَبِزِيَادَةِ الضَّبْطِ، وَبِزِيَادَةِ عِلْمِ النَّحْوِ، وَبِأَنْ يَكُونَ أُشْهِرَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ السِّتَّةِ، وَبِاعْتِمَادِ الرَّاوِي عَلَى حِفْظِهِ لَا عَلَى نُسْخَةٍ سَمِعَ مِنْهَا.
وَبِاعْتِمَادِهِ عَلَى ذِكْرٍ لَا عَلَى خَطٍّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي حَالَ الرَّاوِيَةِ ذَاكِرًا لِلرِّوَايَةِ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ فِي ذَلِكَ عَلَى خَطِّهِ أَوْ خَطٍّ آخَرَ، وَبِمُوَافَقَةِ الْخَبَرِ عَمَلَ الرَّاوِي ; لِأَنَّ خَبَرَ مَنْ عَمِلَ بِمُوَافَقَتِهِ أَبْعَدُ مِنَ الْكَذِبِ مِنْ خَبَرِ مَنْ لَمْ يُوَافِقْ عَمَلُهُ خَبَرَهُ، وَبِأَنَّهُ عُرِفَ مِنْ حَالِ الرَّاوِي أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ فِي الْمُرْسَلِينَ.
وَبِأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مُبَاشِرًا لِمَا رَوَى، كَرَاوِيَةِ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ
(3/376)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
- عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَلَالٌ» ، أَيْ غَيْرُ مُحْرِمٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ سَفِيرًا بَيْنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَيْنَ مَيْمُونَةَ، فَإِنَّهُ رُجِّحَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» .
وَبِأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي صَاحِبَ الْقِصَّةِ، كَرَاوِيَةِ مَيْمُونَةَ:
(3/377)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
«تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ حَلَالَانِ» . فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; لِكَوْنِ صَاحِبِ الْقِصَّةِ أَعْرَفَ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَبِأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مُشَافِهًا فِيمَا سَمِعَ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ حِجَابٌ، كَرِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنْ بَرِيرَةَ عُتِقَتْ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا.
(3/378)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا ; لِأَنَّ الْقَاسِمَ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مُشَافَهَةً ; لِأَنَّ عَائِشَةَ عَمَّتُهُ، بِخِلَافِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ حُرًّا، فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ.
وَبِأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي أَقْرَبَ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْهُ عِنْدَ سَمَاعِ مَا يَرْوِيهِ، كَرَاوِيَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَفْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ تَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ لَبَّى - عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ
(3/379)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
رَوَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَرَنَ.
وَبِكَوْنِ الرَّاوِي مَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لِقُرْبِ الْأَكْبَرِ غَالِبًا مِنَ النَّبِيِّ دُونَ الْأَصْغَرِ.
وَبِكَوْنِ الرَّاوِي مُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْكَذِبَ عَنْهُ أَبْعَدُ، أَوْ بِكَوْنِهِ مَشْهُورَ النَّسَبِ، أَوْ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُلْتَبِسٍ فِي الِاسْمِ بِضَعِيفٍ طَعَنَ فِيهِ، وَبِتَحَمُّلِ الرَّاوِي الرِّوَايَةَ حَالَةَ الْبُلُوغِ لِزِيَادَةِ ضَبْطِ الْبَالِغِ وَاحْتِيَاطِهِ، وَبِكَثْرَةِ مُزَكِّي الرَّاوِي، أَوْ بِأَعْدَلِيَّتِهِمْ أَوْ أَوْثَقِيَّتِهِمْ بِالْبَحْثِ عَنْ حَالِهِ، وَبِتَصْرِيحِ الْمُزَكِّينَ بِالتَّعْدِيلِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْحُكْمِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ تَزْكِيَةُ أَحَدِهِمَا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ وَتَزْكِيَةُ الْآخَرِ بِالْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ.
وَالتَّزْكِيَةُ بِالْحُكْمِ يُقَدَّمُ عَلَى التَّزْكِيَةِ بِالْعَمَلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ تَزْكِيَةُ أَحَدِهِمَا بِالْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، وَتَزْكِيَةُ الْآخَرِ بِالْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ.
(3/380)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ التَّرْجِيحُ بِالْمُتَوَاتِرِ، فَإِنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُرَجَّحُ عَلَى الْمُسْنَدِ ; لِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ مَقْطُوعُ الْمَتْنِ، وَالْمُسْنَدَ مَظْنُونُهُ.
وَالْمُسْنَدُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُرْسَلِ، إِنْ قُبِلَ الْخِلَافُ فِي قَبُولِ الْمُرْسَلِ، وَمُرْسَلُ التَّابِعِيِّ يُرَجَّحُ عَلَى مُرْسَلِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ مُرْسَلَ التَّابِعِيِّ قَدْ تَرَكَ فِيهِ ذِكْرَ الصَّحَابِيِّ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ، وَالظَّاهِرُ فِي الصَّحَابِيِّ الْعَدَالَةُ ; لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ.
وَبِالْأَعْلَى إِسْنَادًا، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِقِلَّةِ الْوَسَائِطِ، فَإِنَّهَا أَبْعَدُ عَنِ الْكَذِبِ.
الْمُسْنَدُ عَنْعَنَةً إِلَى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُرَجَّحُ عَلَى الَّذِي أُحِيلَ إِلَى كِتَابٍ مَعْرُوفٍ، وَيُرَجَّحُ أَيْضًا عَلَى حَدِيثٍ مَشْهُورٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَيُرَجَّحُ مَا فِي كِتَابٍ مَعْرُوفٍ مُعْتَبَرٍ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَمْنَعُ التَّغْيِيرَ فِي الْكِتَابِ الْمَعْرُوفِ.
وَيُرَجَّحُ مَا فِي صَحِيحِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى غَيْرِهِ ; فَإِنَّ الْمُسْنَدَ إِلَى كِتَابٍ مَشْهُورٍ بِالصِّحَّةِ أَوْلَى مِنَ الْمُسْنَدِ إِلَى كِتَابٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ بِالصِّحَّةِ.
(3/381)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ الْمُسْنَدُ بِاتِّفَاقٍ عَلَى الَّذِي اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ مُسْنَدًا، وَيُرَجَّحُ بِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الشَّيْخِ عَلَى الْحَاضِرِينَ أَوْلَى مِنْ قِرَاءَتِهِمْ عَلَى الشَّيْخِ ; لِإِمْكَانِ ذُهُولِ الشَّيْخِ فِي الثَّانِي، وَيُرَجَّحُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخْتَلَفِ رِوَايَتِهِ، فَإِنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُضْطَرِبُ الْحَالِ، بِخِلَافِ مَا يَكُونُ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ.
الثَّالِثُ: يَتَعَلَّقُ بِحَالِ الْمَرْوِيِّ، وَيُرَجَّحُ بِالسَّمَاعِ، فَإِنَّ الْمَسْمُوعَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُقَدَّمُ عَلَى مَا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا.
وَيُرَجَّحُ بِكَوْنِهِ مَعَ الْحُضُورِ، فَإِنَّ الْمَرْوِيَّ الَّذِي جَرَى فِي حَضْرَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَاجِحٌ عَلَى مَا جَرَى فِي غَيْبَتِهِ وَعَلِمَ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ.
وَيُرَجَّحُ بِوُرُودِ صِيغَةٍ فِيهِ، فَإِنَّ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ صِيغَةُ لَفْظِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُقَدَّمُ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ فِعْلِهِ، مِثْلَ: سَهَا فَسَجَدَ.
وَيُرَجَّحُ بِمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فِي الْآحَادِ، فَإِنَّ مَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى رَاجِحٌ عَلَى مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، إِذَا كَانَا مِنَ الْآحَادِ ; لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ مِنَ الْكَذِبِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ; لِأَنَّ تَفَرُّدَ الْوَاحِدِ بِنَقْلِ مَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ يُوهِمُ الْكَذِبَ.
(3/382)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ إِنْكَارٌ لِرُوَاتِهِ، فَإِنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ إِنْكَارٌ لِرُوَاتِهِ يُقَدَّمُ عَلَى مَا ثَبَتَ إِنْكَارٌ لِرُوَاتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِنْكَارُ إِنْكَارَ جُحُودٍ أَوْ إِنْكَارَ نِسْيَانٍ.
[الترجيح بأمور تعود على المتن]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّرْجِيحِ بِأُمُورٍ عَائِدَةٍ إِلَى السَّنَدِ، شَرَعَ فِي التَّرْجِيحِ بِأُمُورٍ تَعُودُ إِلَى الْمَتْنِ.
فَالنَّهْيُ يُرَجَّحُ عَلَى الْأَمْرِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَمْرِ حُصُولُ الْمَصْلَحَةِ، وَمِنَ النَّهْيِ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، وَالِاهْتِمَامُ بِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ أَشَدُّ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِحُصُولِ الْمَصَالِحِ ; وَلِأَنَّ مَحَامِلَ النَّهْيِ، وَهِيَ الْحُرْمَةُ أَوِ الْكَرَاهَةُ، أَقَلُّ مِنْ مَحَامِلِ الْأَمْرِ، وَهِيَ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ. وَكُلَّمَا كَانَ الْمَحَامِلُ أَقَلَّ، كَانَ أَبْعَدَ عَنِ الِاضْطِرَابِ.
وَالْأَمْرُ يُرَجَّحُ عَلَى الْإِبَاحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ لِاحْتِمَالِ الضَّرَرِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ لَوْ قُدِّمَ الْإِبَاحَةُ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الْأَمْرُ، لَمْ يُحْتَمَلِ الضَّرَرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ.
وَمَنْ رَجَّحَ الْإِبَاحَةَ عَلَى الْأَمْرِ، نَظَرَ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ احْتَمَلَ عِدَّةَ مَعَانٍ، بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ، فَكَانَتِ الْإِبَاحَةُ أَقَلَّ احْتِمَالًا، فَيُرَجَّحُ عَلَى الْأَمْرِ لِقِلَّةِ الِاحْتِمَالِ.
(3/383)

الْمَنْفِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَالْمَجْمُوعُ بِاللَّامِ وَمَنْ وَمَا عَلَى الْجِنْسِ بِاللَّامِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَا بَعْدِهِ فِي الظَّنِّيِّ.
ص - الْمَدْلُولُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/384)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ النَّهْيُ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِمِثْلِ مَا قِيلَ فِي تَرْجِيحِ الْأَمْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَيُرَجَّحُ الْأَقَلُّ احْتِمَالًا عَلَى الْأَكْثَرِ احْتِمَالًا لِمَا مَرَّ.
وَمَا كَانَ أَلْفَاظُهُ حَقِيقَةً رَاجِحَةً عَلَى مَا كَانَتْ أَلْفَاظُهُ مَجَازًا ; لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَقِلَّةً بِالْإِفَادَةِ، دُونَ الْمَجَازِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَرِينَةِ، وَالْمَجَازُ يُرَجَّحُ عَلَى الْمَجَازِ بِسَبَبِ شُهْرَةِ مُصَحِّحِ ذَلِكَ الْمَجَازِ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ أَشْهَرَ مِنَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَجَازِ الْآخَرِ وَالْحَقِيقَةِ، مِثْلُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَابِ الْمُشَابَهَةِ، وَالْآخَرُ مِنْ بَابِ اسْمِ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ.
أَوْ بِقُوَّةِ مُصَحِّحِهِ، بِأَنْ يَكُونَ مُصَحِّحُ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ أَقْوَى مِنْ مُصَحِّحِ الْآخَرِ، كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ وَبِالْعَكْسِ، فَإِنَّ الْعَلَاقَةَ الْمُصَحَّحَةَ فِي الْأَوَّلِ أَقْوَى مِنَ الْعَلَاقَةِ الْمُصَحَّحَةِ فِي الثَّانِي، أَوْ بِقُرْبِ جِهَةِ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، كَحَمْلِ نَفْيِ الذَّاتِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ نَفْيِ الْكَمَالِ، أَوْ يَكُونُ دَلِيلُ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ رَاجِحًا عَلَى دَلِيلِ الْمَجَازِ الْآخَرِ.
(3/385)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ فِي أَحَدِهِمَا قَطْعِيَّةً، وَفِي الْآخَرِ غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ.
أَوْ يَكُونُ أَحَدُ الْمَجَازَيْنِ مَشْهُورَ الِاسْتِعْمَالِ وَالْآخِرُ غَيْرَ مَشْهُورٍ، وَيُرَجَّحُ الْمَجَازُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ الْمَجَازِ، وَيُرَجَّحُ الْأَشْهُرُ مُطْلَقًا عَلَى غَيْرِ الْأَشْهُرِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: مُطْلَقًا ; لِيَتَنَاوَلَ التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَشْهَرَ، وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إِذَا كَانَ الْمَجَازُ أَشْهَرَ مِنَ الْحَقِيقَةِ.
وَفِي رُجْحَانِ الْمَجَازِ الْأَشْهَرِ عَلَى الْحَقِيقَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ وَإِنْ كَانَ أَشْهَرَ، لَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَالْحَقِيقَةُ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ شُهْرَةً، لَكِنَّهَا تُرَجَّحُ بِأَنَّهَا الْأَصْلُ.
وَيُرَجَّحُ اللَّفْظُ اللُّغَوِيُّ الْمُسْتَعْمَلُ شَرْعًا فِي مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ عَلَى الْمَنْقُولِ الشَّرْعِيِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ اللُّغَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِي اللُّغَةِ لِمَعْنًى، وَفِي الشَّرْعِ لِمَعْنًى آخَرَ، فَإِنَّ الْمَعْهُودَ مِنَ الشَّرْعِ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ فِي مَفْهُومِهِ الشَّرْعِيِّ.
(3/386)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِتَأْكِيدِ الدَّلَالَةِ، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمُتَعَارِضَيْنِ خَاصًّا عُطِفَ عَلَى عَامٍّ تَنَاوَلَهُ، وَالْمُعَارِضُ الْآخَرُ خَاصًّا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْخَاصَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى الْعَامِّ آكَدُ دَلَالَةً بِدَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَيْهِ، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] .
وَيُرَجَّحُ فِي الِاقْتِضَاءِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ضَرُورَةُ الصِّدْقِ، مِثْلَ: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» " عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ضَرُورَةُ وُقُوعِهِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا. مِثْلَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي، أَوْ صَعِدْتُ السَّطْحَ ; لِأَنَّ مَا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ أَوْلَى مِمَّا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُقُوعُهُ الشَّرْعِيُّ أَوِ الْعَقْلِيُّ، نَظَرًا إِلَى بُعْدِ الْكَذِبِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ.
وَيُرَجَّحُ فِي الْإِيمَاءِ مَا لَوْلَاهُ، لَكَانَ فِي الْكَلَامِ عَبَثٌ وَحَشْوٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ الْإِيمَاءِ. مِثْلَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ مَعَ الْحُكْمِ وَصْفًا لَوْ لَمْ يُعَلَّلِ الْحُكْمُ بِهِ، لَكَانَ ذِكْرُهُ عَبَثًا أَوْ حَشْوًا. فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْإِيمَاءِ بِمَا رُتِّبَ فِيهِ الْحُكْمُ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ ; لِأَنَّ نَفْيَ الْعَبَثِ وَالْحَشْوِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ أَوْلَى.
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْمُتَعَارِضَيْنِ فِي الْمَفْهُومِ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، فَإِنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ رَاجِحٌ عَلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى مَفْهُومِ
(3/387)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْمُخَالَفَةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ.
وَيُرَجَّحُ الِاقْتِضَاءُ عَلَى الْإِشَارَةِ وَعَلَى الْإِيمَاءِ وَعَلَى الْمَفْهُومِ، أَمَّا تَرْجِيحُهُ عَلَى الْإِشَارَةِ، فَلِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ مَقْصُودٌ بِإِيرَادِ اللَّفْظِ صِدْقًا أَوْ حُصُولًا، وَيَتَوَقَّفُ الْأَصْلُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْإِشَارَةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ بِإِيرَادِ اللَّفْظِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ الْأَصْلُ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا تَرْجِيحُهُ عَلَى الْإِيمَاءِ، فَلِأَنَّ الْإِيمَاءَ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا بِإِيرَادِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفِ الْأَصْلُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا تَرْجِيحُهُ عَلَى الْمَفْهُومِ، فَلِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ مَقْطُوعٌ بِثُبُوتِهِ، وَالْمَفْهُومَ مَظْنُونٌ ثُبُوتُهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِالِاقْتِضَاءِ.
وَيُرَجَّحُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَاصِّ ; لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ كَثِيرٌ، وَتَأْوِيلُ الْخَاصِّ لَيْسَ بِكَثِيرٍ ; وَلِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمَّا دَلَّ عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ الْبَعْضِ، تَعَيَّنَ كَوْنُ الْبَاقِي مُرَادًا، وَإِذَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ الْخَاصَّ غَيْرُ مُرَادٍ، لَمْ يَتَعَيَّنْ هَذَا التَّأْوِيلُ.
(3/388)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، وَيُرَجَّحُ الْخَاصُّ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْعَامِّ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الْخَاصَّ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ الْعَامِّ، فَكَذَا كُلُّ مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ.
وَيُرَجَّحُ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصُ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي خُصِّصَ ; لِأَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، بِخِلَافِ الْعَامِّ الْبَاقِي عَلَى مَفْهُومِهِ.
وَحُكْمُ الْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ حُكْمُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَيُرَجَّحُ الْعَامُّ الشَّرْطِيُّ، كَمَنْ وَمَا، عَلَى النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَعَلَى غَيْرِهَا، كَالْمُحَلَّى بِاللَّامِ ; لِأَنَّ إِلْغَاءَ الْعَامِّ الشَّرْطِيِّ يُوجِبُ إِلْغَاءَ السَّبَبِيَّةَ الْحَاصِلَةَ بِالشَّرْطِ أَيْضًا، وَإِلْغَاءَ الْعَامِّ الْغَيْرِ الشَّرْطِيِّ لَا يُوجِبُ - غَيْرَ إِلْغَائِهِ - مَفْسَدَةً أُخْرَى، فَكَانَ أَوْلَى.
وَيُرَجَّحُ الْمَجْمُوعُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ، وَمِنْ وَمَا، عَلَى الْجِنْسِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ ; لِأَنَّ الْجِنْسَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ اخْتَلَفَ الْمُحَقِّقُونَ فِي عُمُومِهِ، بِخِلَافِ الْمَجْمُوعِ بِاللَّامِ وَمَنْ وَمَا.
وَيُرَجَّحُ الْإِجْمَاعُ عَلَى النَّصِّ ; لِعَدَمِ قَبُولِ الْإِجْمَاعِ النَّسْخَ.
وَيُرَجَّحُ الْإِجْمَاعُ الظَّنِّيُّ عَلَى إِجْمَاعٍ آخَرَ ظَنِّيٍّ وَقَعَ بَعْدَهُ ; لِقُرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ عَهْدِ الرَّسُولِ، وَهُوَ يُوجِبُ قُوَّةَ الظَّنِّ.
[الترجيح العائد إلى المدلول]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّرْجِيحِ الْعَائِدِ إِلَى الْمَتْنِ، شَرَعَ فِي التَّرْجِيحِ الْعَائِدِ إِلَى الْمَدْلُولِ.
يُرَجَّحُ الْحَظْرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ; لِأَنَّ فِعْلَ الْحَظْرِ يَسْتَلْزِمُ مَفْسَدَةً، بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهَا وَتَرْكِهَا مَصْلَحَةٌ وَلَا مَفْسَدَةٌ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إِلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» ". وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، أَيْ يُرَجَّحُ الْإِبَاحَةُ عَلَى الْحَظْرِ ; لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحَرَجِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ.
(3/389)

الْحَظْرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ.
وَعَلَى النَّدْبِ وَالْوُجُوبِ ; لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفَاسِدِ أَهَمُّ.
وَعَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالْوُجُوبِ عَلَى النَّدْبِ.
وَالْمُثْبَتُ عَلَى النَّافِي، كَخَبَرِ بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى» .
وَقَالَ أُسَامَةُ: «دَخَلَ وَلَمْ يُصَلِّ» .
وَقِيلَ: سَوَاءٌ.
وَالدَّارِئُ عَلَى الْمُوجِبِ.
وَالْمُوجِبُ لِلطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ لِمُوَافَقَتِهِ النَّفْيَ، وَقَدْ يُعْكَسُ لِمُوَافَقَتِهِ التَّأْسِيسَ.
وَالتَّكْلِيفِيُّ عَلَى الْوَضْعِيِّ بِالثَّوَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/390)

وَقَدْ يُعْكَسُ.
وَالْأَخَفُّ عَلَى الْأَثْقَلِ، وَقَدْ يُعْكَسُ.
ص - الْخَارِجُ.
يُرَجَّحُ الْمُوَافِقُ لِدَلِيلٍ آخَرَ، أَوْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ لِلْخُلَفَاءِ أَوْ لِلْأَعْلَمِ، وَيُرَجِّحَانِ أَحَدَ دَلِيلَيِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَبِالتَّعَرُّضِ لِلْعِلَّةِ، وَالْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فِي السَّبَبِ، وَالْعَامُّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، وَالْخِطَابُ شِفَاهًا مَعَ الْعَامِّ كَذَلِكَ، وَالْعَامُّ لَمْ يُعْمَلْ فِي صُورَةٍ عَلَى غَيْرِهِ.
وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَالْعَامُّ بِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالْمَقْصُودِ، مِثْلَ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/391)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ الْحَظْرُ عَلَى النَّدْبِ ; لِأَنَّ النَّدْبَ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَالْحَظْرَ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ، وَدَفْعُ الْمَفَاسِدِ أَهَمُّ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ.
وَيُرَجَّحُ الْحَظْرُ عَلَى الْكَرَاهَةِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ» ". . . إِلَى آخِرِهِ.
وَيُرَجَّحُ الْحَظْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ أَهَمُّ.
وَيُرَجَّحُ الْوُجُوبُ عَلَى النَّدْبِ ; لِأَنَّ مَعَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ يَحْتَرِزُ الْمُكَلَّفُ عَنِ التَّرْكِ الَّذِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّارِكُ مَذْمُومًا بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ اعْتِقَادِ النَّدْبِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَرِزُ الْمُكَلَّفُ عَنِ التَّرْكِ.
وَيُرَجَّحُ الْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي ; لِاشْتِمَالِ الْمُثْبِتِ عَلَى مَزِيدِ فَائِدَةٍ لَمْ يَحْصُلْ مِنَ النَّافِي، كَخَبَرِ بِلَالٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى» .
وَقَالَ أُسَامَةُ: «إِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ الْبَيْتَ وَلَمْ يُصَلِّ» .
وَقِيلَ: الْمُثْبِتُ وَالنَّافِي سَوَاءٌ، لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّ النَّافِيَ يَقْوَى بِمُوَافَقَتِهِ الْأَصْلَ.
وَيُرَجَّحُ الدَّارِئُ أَيِ الدَّافِعُ لِلْحَدِّ عَلَى الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ ; لِأَنَّ الدَّارِئَ يُوَافِقُ النَّفْيَ الْأَصْلِيَّ.
(3/392)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ» . وَيُرَجَّحُ الْمُوجِبُ لِلطَّلَاقِ وَالْمُوجِبُ لِلْعِتْقِ عَلَى النَّافِي لَهُمَا ; لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ يُوَافِقُ النَّفْيَ الْأَصْلِيَّ، أَعْنِي رَفْعَ الْقَيْدِ فَيَقْوَى بِهِ عَلَى النَّافِي لِلطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ.
وَقَدْ يُعْكَسُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، أَيْ يُرَجَّحُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ عَلَى الدَّارِئِ، وَالنَّافِي لِلطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ عَلَى الْمُوجِبِ لَهُمَا ; لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ وَالنَّافِيَ لِلطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ يُوَافِقُ التَّأْسِيسَ، وَمُوَافَقَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى مِنْ مُوَافَقَةِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ ; لِأَنَّ التَّأْسِيسَ يُفِيدُ فَائِدَةً زَائِدَةً.
وَيُرَجَّحُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ عَلَى الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ ; لِأَنَّ الثَّوَابَ يَحْصُلُ بِالتَّكْلِيفِيِّ دُونَ الْوَضْعِيِّ، وَقَدْ يُعْكَسُ، أَيْ يُرَجَّحُ الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ عَلَى التَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ التَّكْلِيفِيَّ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُكَلِّفُ لِلْخِطَابِ وَتَمَكُّنُهُ مِنَ الْفِعْلِ.
وَالْوَضْعِيُّ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَيُرَجَّحُ التَّكْلِيفِيُّ الْأَخَفُّ عَلَى الْأَثْقَلِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ; وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي
(3/393)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْإِسْلَامِ» ".
وَقَدْ يُعْكَسُ، أَيْ يُرَجَّحُ الْأَثْقَلُ عَلَى الْأَخَفِّ ; لِأَنَّ الْأَثْقَلَ أَكْثَرُ ثَوَابًا ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «ثَوَابُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ» ".
[الترجيح العائد إلى أمر خارجي]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّرْجِيحِ الْعَائِدِ إِلَى الْمَدْلُولِ، شَرَعَ فِي التَّرْجِيحِ الْعَائِدِ إِلَى خَارِجٍ.
وَهُوَ تَرْجِيحٌ بِأُمُورٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، لَا فِي وُجُودِهِ وَلَا فِي صِحَّتِهِ وَدَلَالَتِهِ.
يُرَجَّحُ الدَّلِيلُ الْمُوَافِقُ لِدَلِيلٍ آخَرَ عَلَى دَلِيلٍ لَا يُوَافِقُهُ دَلِيلٌ آخَرُ ; لِأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ دَلِيلٍ وَاحِدٍ. وَيُرَجَّحُ الدَّلِيلُ الْمُوَافِقُ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ لِعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَوْ لِعَمَلِ الْأَعْلَمِ عَلَى غَيْرِهِ. فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَكْثَرُ صُحْبَةً، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَعْلَمُ أَحْفَظُ بِمَوَاقِعِ الْخَلَلِ وَأَعْرَفُ بِدَقَائِقِ الْأَدِلَّةِ. وَيُرَجَّحُ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِرُجْحَانِ دَلِيلِهِ عَلَى دَلِيلِ التَّأْوِيلِ الْآخَرِ.
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ بِالتَّعَرُّضِ لِعِلَّتِهِ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يُتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي تُعُرِّضَ لِعِلَّتِهِ أَفْضَى إِلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ ; لِأَنَّ النَّفْسَ لَهُ أَقْبَلُ بِسَبَبِ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى.
(3/394)

{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] عَلَى (أَوْ مَا مَلَكَتْ) . وَبِتَفْسِيرِ الرَّاوِي بِفِعْلِهِ أَوْ قَوْلِهِ، وَيَذْكُرُ السَّبَبَ، وَبِقَرَائِنِ تَأَخُّرِهِ كَتَأَخُّرِ الْإِسْلَامِ، أَوْ تَارِيخٍ مُضَيَّقٍ، أَوْ تَشْدِيدِهِ، لِتَأَخُّرِ التَّشْدِيدَاتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/395)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ الْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ عَلَى الْعَامِّ الْمُطْلَقِ فِي حُكْمِ ذَلِكَ السَّبَبِ ; لِأَنَّ الْعَامَّ الْوَارِدَ عَلَى السَّبَبِ الْخَاصِّ كَالْخَاصِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ.
وَيُرَجَّحُ الْعَامُّ الْمُطْلَقُ عَلَى الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فِي حُكْمِ غَيْرِ السَّبَبِ ; لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي عُمُومِ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى السَّبَبِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي عُمُومِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ.
وَالْخِطَابُ شِفَاهًا إِذَا عَارَضَ عَامًّا، لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الْمُشَافَهَةِ، فَيُرَجَّحُ الْخِطَابُ بِالْمُشَافَهَةِ فِيمَنْ خُوطِبَ شِفَاهًا، وَيُرَجَّحُ الْعَامُّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَنْ خُوطِبَ شِفَاهًا.
وَيُرَجَّحُ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُعْمَلْ بِهِ فِي صُورَةٍ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُعْمَلْ بِهِ فِي صُورَةٍ إِهْمَالُ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ، وَلَوْ عُمِلَ بِالْعَامِّ الَّذِي عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ، لَزِمَ إِهْمَالُ الْآخَرِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، أَيْ يُرَجَّحُ الْعَامُّ الَّذِي عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ فِي صُورَةٍ ; لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَعْمُولَ بِهِ يَقْوَى بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ بِهِ.
وَإِذَا تَعَارَضَ عَامَّانِ أَحَدُهُمَا أَمَسُّ بِالْمَقْصُودِ بِأَنْ قُصِدَ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَالْعَامُّ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ، فَالْعَامُّ الَّذِي هُوَ أَمَسُّ بِالْمَقْصُودِ يُرَجَّحُ عَلَى الْعَامِّ الْآخَرِ.
(3/396)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] ، فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] . فَإِنَّ الْأَوَّلَ قَدْ وَرَدَ فِي بَيَانِ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
وَيُرَجَّحُ الْحَدِيثُ الَّذِي فَسَّرَهُ الرَّاوِي بِفِعْلِهِ أَوْ قَوْلِهِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يُفَسِّرْهُ الرَّاوِي بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ; لِاشْتِمَالِ الْأَوَّلِ عَلَى فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ.
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِذِكْرِ السَّبَبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَ الرَّاوِي السَّبَبَ مَعَهُ رَاجِحٌ عَلَى مَا لَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ مَعَهُ ; لِأَنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ اهْتِمَامِ الرَّاوِي بِالرِّوَايَةِ، وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِقَرَائِنِ تَأَخُّرِهِ، كَتَأَخُّرِ إِسْلَامِ الرَّاوِي ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَأَخُّرُ رِوَايَةِ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ عَنْ إِسْلَامِهِ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْآخَرِ لِجَوَازِ تَقَدُّمِهَا عَلَى إِسْلَامِ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ، وَيُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمُؤَرَّخُ بِتَارِيخٍ مُضَيَّقٍ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّ تَضْيِيقَ التَّارِيخِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تَأَخُّرِهِ.
وَكَذَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِتَشْدِيدٍ ; لِأَنَّ التَّشْدِيدَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تَأَخُّرِهِ، فَإِنَّ التَّشْدِيدَ فِي آخِرِ عَهْدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالتَّخْفِيفَ فِي أَوَّلِ عَهْدِهِ.
[الترجيح بين المعقولين]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ التَّرْجِيحِ بَيْنَ مَنْقُولَيْنِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ التَّرْجِيحِ بَيْنَ مَعْقُولَيْنِ.
وَالْمَعْقُولَانِ إِمَّا قِيَاسَانِ أَوِ اسْتِدْلَالَانِ.
وَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ قَدْ يَكُونُ بِمَا يَعُودُ إِلَى أَصْلِهِ وَإِلَى فَرْعِهِ وَإِلَى مَدْلُولِهِ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، وَإِلَى خَارِجٍ.
وَالْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا يَعُودُ إِلَى أَصْلِهِ، عَلَى قِسْمَيْنِ:
الْأَوَّلُ: مَا يَعُودُ إِلَى حُكْمِهِ.
وَالثَّانِي: مَا يَعُودُ إِلَى عِلَّتِهِ.
وَمَا يَعُودُ إِلَى حُكْمِ الْأَصْلِ خَمْسَةٌ:
الْأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ بِالْقَطْعِ، فَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ حُكْمُ الْأَصْلِ فِيهِ مَقْطُوعًا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لَمْ يُقْطَعْ حُكْمُ أَصْلِهِ.
الثَّانِي: التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، فَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي دَلِيلُ حُكْمِ أَصْلِهِ أَقْوَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا، عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ دَلِيلُ حُكْمِ
(3/397)

ص - الْمَعْقُولَانِ، قِيَاسَانِ أَوِ اسْتِدْلَالَانِ.
فَالْأَوَّلُ أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ وَمَدْلُولُهُ وَخَارِجٌ.
الْأَوَّلُ بِالْقَطْعِ، وَبِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، وَبِكَوْنِهِ لَمْ يُنْسَخْ بِاتِّفَاقٍ، وَبِأَنَّهُ عَلَى سَنَنِ الْقِيَاسِ وَبِدَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى تَعْلِيلِهِ.
ص - وَبِالْقَطْعِ بِالْعِلَّةِ أَوْ بِالظَّنِّ الْأَغْلَبِ، وَبِأَنَّ مَسْلَكَهَا قَطْعِيٌّ، أَوْ أَغْلَبُ ظَنًّا، وَالسَّبْرُ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ لِتَضَمُّنِهِ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ، وَيُرَجَّحُ بِطَرِيقِ نَفْيِ الْفَارِقِ فِي الْقِيَاسَيْنِ، وَالْوَصْفُ الْحَقِيقِيُّ عَلَى غَيْرِهِ، وَالثُّبُوتُ عَلَى الْعَدَمِيِّ، وَالْبَاعِثَةُ عَلَى الْأَمَارَةِ، وَالْمُنْضَبِطَةُ وَالظَّاهِرَةُ وَالْمُتَّحِدَةُ عَلَى خِلَافِهَا، وَالْأَكْثَرُ تَعَدِّيًا وَالْمُطَّرِدَةُ عَلَى الْمَنْقُوضَةِ، وَالْمُنْعَكِسَةُ عَلَى خِلَافِهَا، وَالْمُطَّرِدَةُ فَقَطْ عَلَى الْمُنْعَكِسَةِ فَقَطْ، وَبِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلْحِكْمَةِ مَانِعًا لَهَا عَلَى خِلَافِهِ، وَالْمُنَاسَبَةُ عَلَى الشَّبَهِيَّةِ، وَالضَّرُورِيَّةُ الْخَمْسَةُ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْحَاجِيَّةُ عَلَى التَّحْسِينِيَّةِ، وَالتَّكْمِيلِيَّةُ مِنَ الْخَمْسَةِ عَلَى الْحَاجِيَّةِ، وَالدِّينِيَّةُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، ثُمَّ مَصْلَحَةُ النَّفْسِ، ثُمَّ النَّسَبُ، ثُمَّ الْعَقْلُ، ثُمَّ الْمَالُ، وَبِقُوَّةِ مُوجِبِ النَّقْضِ مِنْ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/398)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
الْأَصْلِ فِيهِ كَذَلِكَ.
الثَّالِثُ: التَّرْجِيحُ بِكَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ لَمْ يُنْسَخْ بِاتِّفَاقٍ، فَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ حُكْمُ أَصْلِهِ بِاتِّفَاقٍ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي اخْتُلِفَ فِي نَسْخِ حُكْمِ أَصْلِهِ.
الرَّابِعُ: التَّرْجِيحُ بِكَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ عَلَى سَنَنِ الْقِيَاسِ، فَالْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ حُكْمُ أَصْلِهِ جَارِيًا عَلَى سَنَنِ الْقِيَاسِ رَاجِحٌ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
الْخَامِسُ: التَّرْجِيحُ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى تَعْلِيلِ حُكْمِ أَصْلِهِ، فَالْقِيَاسُ الَّذِي دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَعْلِيلِ حُكْمِ أَصْلِهِ، يُرَجَّحُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
[التَّرْجِيحِ بِأُمُورٍ تَعُودُ إِلَى عِلَّةِ الْأَصْلِ]
ش - بَعْدَ الْفَرَاغِ بِأُمُورٍ تَعُودُ إِلَى حُكْمِ الْأَصْلِ شَرَعَ فِي التَّرْجِيحِ بِأُمُورٍ تَعُودُ إِلَى عِلَّةِ الْأَصْلِ.
يُرَجَّحُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِالْقَطْعِ بِالْعِلَّةِ، فَإِنَّ مَقْطُوعَ الْعِلَّةِ رَاجِحٌ عَلَى مَا هُوَ مَظْنُونٌ.
وَكَذَلِكَ يُرَجَّحُ بِالظَّنِّ الْأَغْلَبِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْعِلَّتَيْنِ فِي الْقِيَاسَيْنِ مَظْنُونًا، لَكِنَّ وُجُودَهَا فِي أَحَدِهِمَا مَظْنُونٌ بِالظَّنِّ الْأَغْلَبِ.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ مَسْلَكُ عِلَّتِهِ قَطْعِيًّا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَكَذَا يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ مَسْلَكُ عِلَّتِهِ مَظْنُونًا بِالظَّنِّ الْأَغْلَبِ عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي اسْتُنْبِطَ عِلِّيَّةُ وَصْفِهِ بِالسَّبْرِ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي اسْتُنْبِطَ عِلِّيَّةُ وَصْفِهِ بِالْمُنَاسَبَةِ لِتَضَمُّنِ السَّبْرِ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ، بِخِلَافِ الْمُنَاسَبَةِ.
(3/399)

عَلَى الضَّعْفِ وَالِاحْتِمَالِ، وَبِانْتِفَاءِ الْمُزَاحِمِ لَهَا فِي الْأَصْلِ، وَبِرُجْحَانِهَا عَلَى مُزَاحِمِهَا، وَالْمُقْتَضِيَةِ لِلنَّفْيِ عَلَى الثُّبُوتِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَبِقُوَّةِ الْمُنَاسَبَةِ وَالْعَامَّةِ فِي الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْخَاصَّةِ.
ص - الْفَرْعُ يُرَجَّحُ بِالْمُشَارَكَةِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَعَيْنِ الْعِلَّةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَعَيْنِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْجِنْسَيْنِ، وَعَيْنِ الْعِلَّةِ خَاصَّةً عَلَى عَكْسِهِ، وَبِالْقَطْعِ بِهَا فِيهِ، وَيَكُونُ الْفَرْعُ بِالنَّصِّ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/400)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِطْرِيقِ نَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. فَالْقِيَاسُ الْمَقْطُوعُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ رَاجِحٌ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَكُونُ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ مَظْنُونًا، وَكَذَا الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ مَظْنُونًا بِالظَّنِّ الْأَغْلَبِ، رَاجِحٌ عَلَى الَّذِي يَكُونُ نَفْيُ الْفَارِقِ فِيهِ مَظْنُونًا بِالظَّنِّ الْغَيْرِ الْأَغْلَبِ.
وَيُرَجَّحُ الْوَصْفُ الْحَقِيقِيُّ عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقِيِّ.
وَيُرَجَّحُ الْوَصْفُ الثُّبُوتِيُّ عَلَى الْعَدَمِيِّ.
وَيُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْأَمَارَةِ.
وَيُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُنْضَبِطَةُ وَالْعِلَّةُ الظَّاهِرَةُ وَالْعِلَّةُ الْمُتَّحِدَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُنْضَبِطَةِ وَالْخَفِيَّةِ وَالْمُتَعَدِّدَةِ.
وَيُرَجَّحُ مَا هُوَ أَكْثَرُ تَعَدِّيًا عَلَى مَا هُوَ أَقَلُّ تَعَدِّيًا ; لِأَنَّ زِيَادَةَ التَّعَدِّي تُوجِبُ زِيَادَةَ الْفَائِدَةِ، فَهُوَ أَوْلَى.
وَيُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُطَّرِدَةُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَنْقُوضَةِ.
وَيُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُنْعَكِسَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُنْعَكِسَةِ ; لِأَنَّ الِانْعِكَاسَ وَإِنْ لَمْ يُفِدِ الْعِلِّيَّةَ لَكِنْ يُقَوِّيهَا.
(3/401)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ الْمُطَّرِدَةُ فَقَطْ عَلَى الْمُنْعَكِسَةِ فَقَطْ ; لِأَنَّ الطَّرْدَ فِي الْعِلَلِ أَقْوَى مِنَ الْعَكْسِ، وَلِهَذَا اشْتَرَطَ فِي الْعِلِّيَّةِ الِاطِّرَادَ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الِانْعِكَاسَ.
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَوْنِ وَصْفِهِ جَامِعًا لِلْحِكْمَةِ مَانِعًا لَهَا عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَيُرَجَّحُ قِيَاسُ الْمُنَاسَبَةِ عَلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ ; لِزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِعَلِيَّةِ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، وَتُرَجَّحُ الضَّرُورِيَّةُ الْخَمْسَةُ، الَّتِي هِيَ حِفْظُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالنَّسَبِ وَالْعَقْلِ وَالْمَالِ، عَلَى غَيْرِهَا.
وَيُرَجَّحُ مَا وَقَعَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي مَحَلِّ التَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ.
وَيُرَجَّحُ مَا وَقَعَ فِي مَحَلِّ التَّكْمِلَةِ مِنَ الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أُصُولِ الْحَاجَةَ.
وَيُرَجَّحُ مِنْ أَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ الدِّينِيَّةُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ ; لِأَنَّ ثَمَرَةَ الدِّينِيَّةِ أَكْمَلُ الثَّمَرَاتِ، وَهِيَ السَّعَادَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ.
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، أَيْ تُرَجَّحُ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ عَلَى الدِّينِيَّةِ ; لِأَنَّ
(3/402)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى الْمُسَاهَلَةِ بِخِلَافِ حُقُوقِ النَّاسِ، وَلِهَذَا قُدِّمَ الْقِصَاصُ عَلَى قَتْلِ الرِّدَّةِ إِذَا اجْتَمَعَا.
وَتُرَجَّحُ مَصْلَحَةُ النَّفْسِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ ; لِأَنَّ حِفْظَ الْبَاقِيَةِ لِأَجْلِ حِفْظِ النَّفْسِ، ثُمَّ النَّسَبُ يُرَجَّحُ عَلَى الْعَقْلِ ; لِأَنَّ حِفْظَ النَّسَبِ أَشَدُّ تَعَلُّقًا بِبَقَاءِ النَّفْسِ مِنْ حِفْظِ الْعَقْلِ، ثُمَّ الْعَقْلُ يُرَجَّحُ عَلَى الْمَالِ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ مِلَاكُ التَّكْلِيفِ بِخِلَافِ الْمَالِ.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ مُوجِبُ نَقْضِ عِلَّتِهِ مِنْ وُجُودِ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ قَوِيًّا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَكُونُ مُوجِبُ نَقْضِ عِلَّتِهِ ضَعِيفًا ; لِأَنَّ قُوَّةَ مُوجِبِ النَّقْضِ دَلِيلٌ عَلَى قُوةِ الْعِلَّةِ الْمَنْقُوضَةِ.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ مُوجِبُ نَقْضِ عِلَّتِهِ مُحَقَّقًا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَكُونُ مُوجَبُ نَقْضِ عِلَّتِهِ مُحْتَمَلًا.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي قَدِ انْتَفَى مُزَاحِمُ عِلَّتِهِ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا لَمْ يَنْتَفِ مُزَاحِمُ عِلَّتِهِ فِيهِ ; لِأَنَّ انْتِفَاءَ مُزَاحِمِ الْعِلَّةِ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالْعِلَّةِ.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ عِلَّتُهُ رَاجِحَةً عَلَى مُزَاحِمِهَا فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا لَا يَكُونُ عِلَّتُهُ رَاجِحَةً عَلَى مُزَاحِمِهَا.
(3/403)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَتُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلنَّفْيِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلثُّبُوتِ ; لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَةَ لِلنَّفْيِ مُؤَيِّدَةٌ بِالْأَصْلِ.
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، أَيْ تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلثُّبُوتِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلنَّفْيِ ; لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَةَ لِلثُّبُوتِ تُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَمْ يُعْلَمْ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، بِخِلَافِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلنَّفْيِ، فَإِنَّهَا تُفِيدُ مَا عُلِمَ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَمَا فَائِدَتُهُ شَرْعِيَّةٌ رَاجِحٌ عَلَى غَيْرِهِ.
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِقُوَّةِ الْمُنَاسَبَةِ ; لِأَنَّ قُوَّةَ الْمُنَاسَبَةِ تُفِيدُ قُوَّةَ ظَنِّ الْعِلِّيَّةِ.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يُكَوْنُ عِلَّتُهُ عَامَّةً فِي الْمُكَلَّفِينَ، أَيْ مُتَضَمِّنَةً لِمَصْلَحَةِ عُمُومِ الْمُكَلَّفِينَ، عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَكُونُ عِلَّتُهُ خَاصَّةً بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ ; لِأَنَّ مَا تَكُونُ فَائِدَتُهُ أَكْثَرَ أَوْلَى.
[الترجيح الْعَائِدُ إِلَى الْفَرْعِ]
ش - هَذَا هُوَ التَّرْجِيحُ الْعَائِدُ إِلَى الْفَرْعِ.
يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ فَرْعُهُ مُشَارِكًا لِأَصْلِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَعَيْنِ الْعِلَّةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، أَيْ عَلَى مَا يَكُونُ فَرْعُهُ مُشَارِكًا لِأَصْلِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَجِنْسِ الْعِلَّةِ، وَفِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَعَيْنِ الْعِلَّةِ، وَبِالْعَكْسِ ; لِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ كُلَّمَا كَانَتْ أَخَصَّ، كَانَ الظَّنُّ بِالْعِلِّيَّةِ
(3/404)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
أَقْوَى.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ فَرْعُهُ مُشَارِكًا لِأَصْلِهِ فِي عَيْنِ أَحَدِهِمَا، أَيْ عَيْنِ الْعِلَّةِ أَوْ عَيْنِ الْحُكْمِ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَكُونُ فَرْعُهُ مُشَارِكًا لِأَصْلِهِ فِي الْجِنْسَيْنِ، أَيْ جِنْسِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِ الْحُكْمِ لِمَا مَرَّ.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ فَرْعُهُ مُشَارِكًا لِأَصْلِهِ فِي عَيْنِ الْعِلَّةِ عَلَى عَكْسِهِ، أَيْ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَكُونُ فَرْعُهُ مُشَارِكًا لِأَصْلِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلُ الْحُكْمِ الْمُتَعَدِّي، فَاعْتِبَارُ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي خُصُوصِ الْعِلَّةِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي تَكُونُ الْعِلَّةُ فِي فَرْعِهِ مَقْطُوعًا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَكُونُ عِلَّتُهُ فِي الْفَرْعِ مَظْنُونَةً.
وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي ثَبَتَ حُكْمُ الْفَرْعِ فِيهِ بِالنَّصِّ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْفَرْعِ فِيهِ بِالنَّصِّ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ النَّصُّ بِقَوْلِهِ: " جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا " ; لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الْفَرْعِ بِالنَّصِّ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ، كَمَا مَرَّ فِي شَرْطِ حُكْمِ الْفَرْعِ.
وَالتَّرْجِيحُ الْعَائِدُ إِلَى الْمَدْلُولِ، أَعَنَى حُكْمَ الْفَرْعِ، وَالْعَائِدُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، عَلَى قِيَاسِ مَا سَلَفَ، وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُمَا.
[تَرْجِيحِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ إِذَا تَعَارَضَا]
ش - بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تَرْجِيحِ الْمَعْقُولَيْنِ، شَرَعَ فِي تَرْجِيحِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ إِذَا تَعَارَضَا.
إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَالْمَنْقُولِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَنْقُولُ خَاصًّا، وَدَلَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِمَنْطُوقِهِ يُرَجَّحُ عَلَى الْقِيَاسِ ; لِكَوْنِ الْمَنْقُولِ أَصْلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقِيَاسِ ; وَلِأَنَّ الْمَنْقُولَ مُقَدِّمَاتُهُ أَقَلُّ، فَيَكُونُ أَقَلَّ خَلَلًا.
وَإِنْ كَانَ الْمَنْقُولُ خَاصًّا وَدَلَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ لَا بِمَنْطُوقِهِ، فَهُوَ يَقَعُ عَلَى دَرَجَاتٍ ; لِأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الْمَنْقُولِ الَّذِي دَلَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ لَا بِمَنْطُوقِهِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنَ الْقِيَاسِ، وَقَدْ يَكُونُ مُسَاوِيًا لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَضْعَفَ، فَالتَّرْجِيحُ فِيهِ حَسَبُ مَا يَقَعُ لِلنَّاظِرِ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَبِرَ الظَّنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُ وَمِنَ الْقِيَاسِ، وَيَأْخُذُ بِأَقْوَى الظَّنَّيْنِ.
(3/405)

ص - الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ.
يُرَجَّحُ الْخَاصُّ بِمَنْطُوقِهِ، وَالْخَاصُّ لَا بِمَنْطُوقِهِ دَرَجَاتٌ.
وَالتَّرْجِيحُ فِيهِ حَسَبُ مَا يَقَعُ لِلنَّاظِرِ، وَالْعَامُّ مَعَ الْقِيَاسِ تَقَدَّمَ.
ص - وَأَمَّا الْحُدُودُ السَّمْعِيَّةُ، فَتُرَجَّحُ بِالْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَيَكُونُ الْمُعَرَّفُ أَعْرَفُ، وَبِالذَّاتِيِّ عَلَى الْعَرَضِيِّ، وَبِعُمُومِهِ عَلَى الْآخَرِ لِفَائِدَتِهِ. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، وَبِمُوَافَقَتِهِ النَّقْلَ الشَّرْعِيَّ أَوِ اللُّغَوِيَّ أَوْ قُرْبِهِ، وَبِرُجْحَانِ طَرِيقِ اكْتِسَابِهِ، وَبِعَمَلِ الْمَدِينَةِ، أَوِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَوِ الْعُلَمَاءِ، وَلَوْ وَاحِدًا، وَبِتَقْرِيرِ حُكْمِ الْحَظْرِ أَوْ حُكْمِ النَّفْيِ، وَبِدَرْءِ الْحَدِّ.
وَيَتَرَكَّبُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ فِي الْمَرْكَبَاتِ وَالْحُدُودِ أُمُورٌ لَا تَنْحَصِرُ، وَفِيمَا ذُكِرَ إِرْشَادٌ لِذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3/406)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَإِنْ كَانَ الْمَنْقُولُ عَامًّا، فَحُكْمُهُ مَعَ الْقِيَاسِ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْخَبَرِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ.
[تَرْجِيحِ الحدود السمعية بعضها على بعض]
ش - الْأَمَارَاتُ الْمُفْضِيَةُ إِلَى التَّصْدِيقَاتِ، كَمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ فِيهَا، وَيُرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، كَذَلِكَ الْحُدُودُ السَّمْعِيَّةُ يَقَعُ التَّعَارُضُ فِيهَا، وَيُرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.
وَلَمَّا كَانَ التَّعَارُضُ وَالتَّرْجِيحُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الْكَثِيرُ الْغَالِبُ فِي الشَّرْعِ، قَدَّمَهُ عَلَى التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ فِي الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْقَلِيلُ الْمَغْلُوبُ فِي الشَّرْعِ.
وَالتَّرْجِيحُ فِي الْحُدُودِ السَّمْعِيَّةِ إِمَّا بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ.
أَمَّا بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ، فَيَرْجِعُ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ بِالْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي
(3/407)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
لَا إِيهَامَ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ، أَيْ عَلَى مَا يَكُونُ مَذْكُورًا بِأَلْفَاظٍ مَجَازِيَّةٍ أَوْ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ وَحْشِيَّةٍ.
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، فَيُرَجَّحُ التَّعْرِيفُ بِمُعَرَّفٍ أَعَرَفَ عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَيُرَجَّحُ التَّعْرِيفُ بِالذَّاتِيِّ عَلَى التَّعْرِيفِ بِالْعَرَضِيِّ.
وَيُرَجَّحُ التَّعْرِيفُ بِعُمُومِ الْحَدِّ عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ مُتَنَاوِلًا لِمَحْدُودِ التَّعْرِيفِ الْآخَرِ وَزِيَادَةٍ. فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الْمَحْدُودِ الْآخَرِ وَزِيَادَةٍ ; لِزِيَادَةِ فَائِدَتِهِ.
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ ; لِأَنَّ مَدْلُولَ الْأَخَصِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَدْلُولَ الْأَعَمِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لِلِاخْتِلَافِ فِيمَا زَادَ عَلَى مَدْلُولِ الْآخَرِ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَى مَدْلُولِهِ أَوْلَى مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ، فَيُرَجَّحُ التَّعْرِيفُ الَّذِي يَكُونُ مُوَافِقًا لِلنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ أَوِ اللُّغَوِيِّ، أَوْ قَرِيبًا مِنَ النَّقْلِ الشَّرْعِيِّ أَوِ اللُّغَوِيِّ عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِرُجْحَانِ طَرِيقِ اكْتِسَابِهِ، بِأَنْ يَكُونَ طَرِيقُ اكْتِسَابِهِ قَطْعِيًّا، وَطَرِيقُ اكْتِسَابِ الْآخَرِ ظَنِّيًّا.
(3/408)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشرح]
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَوْ عَمَلِ الْعُلَمَاءِ.
وَيُرَجَّحُ أَيْضًا أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِعَمَلِ عَالِمٍ وَاحِدٍ.
وَيُرَجَّحُ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَوْنِهِ مُقَرِّرًا لِحُكْمِ الْحَظْرِ، أَوْ مُقَرِّرًا لِحُكْمِ النَّفْيِ. وَيُرَجَّحُ أَيْضًا أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِدَرْءِ الْحَدِّ، بِأَنْ يَلْزَمَ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ دَرْءُ الْحَدِّ دُونَ الْعَمَلِ بِالْآخَرِ.
وَيَتَرَكَّبُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ فِي الْمُرَكَّبَاتِ وَالْحُدُودِ أُمُورٌ لَا تَنْحَصِرُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ أَوْ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ مُشْتَمِلًا عَلَى جِهَتَيْنِ مِنْ جِهَاتِ التَّرْجِيحِ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْآخَرُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَقَلِّ، أَوْ مِثْلِهِ. وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجِهَاتِ الْمُفْرَدَةِ إِرْشَادٌ لِمَا يَتَرَكَّبُ مِنْهَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْهَلَنَا لِلْإِتْمَامِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ الْأَنَامِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْغُرِّ الْكِرَامِ.
(3/409)