Advertisement

تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة 001



الكتاب: تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة، ونبذ مذهبية نافعة
المؤلف: محمد بن علي بن شعيب، أبو شجاع، فخر الدين، ابن الدَّهَّان (المتوفى: 592هـ)
المحقق: د. صالح بن ناصر بن صالح الخزيم
الناشر: مكتبة الرشد - السعودية / الرياض
الطبعة: الأولى، 1422هـ - 2001م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)

" رب يسر وأعن وتمم بِخَير فِي عَافِيَة، واعف عَنَّا، وصل على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وعترته وَسلم ": {الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله لقد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ} ، اللَّهُمَّ إِنَّا نحمدك على توفيقنا لحمدك وتأهيلنا لفهم خطابك، وانقيادنا إِلَى طَاعَتك وهدايتنا بِخَاتم أنبيائك وَسيد أصفيائك مُحَمَّد النَّبِي عَلَيْهِ أفصل سلامك، وعَلى آله وَصَحبه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان، كَانَ الْوَالِد رَضِي الله عَنهُ يخْتَار لي مَا يخْتَار الْأَب الْبر لوَلَده من سعادتي الْآخِرَة وَالدُّنْيَا، فأداه اجْتِهَاده إِلَى شغلي بالفقه الْجَامِع لما قصد لَهُ، ذَاك والطين رطب، وَالْعود بمائه؛ وَلِأَن كل امْرِئ ميسر لما خلق لَهُ، صرفت عَن هَذَا الْقَصْد أزمة الْقدر حَتَّى
(1/53)

عَسى الْعود، وعاصى الطائع، فندمت حِين لات مندم:
(وأصبحت من ليلى الْغَدَاة كناظر ... مَعَ الصُّبْح فِي أعقاب نجم مغرب)

وَلَا أَشك أَن ببركة همة الْوَالِد - رَحمَه الله تَعَالَى - مَا وهب لي على الْكبر، عبد من عبيد الرَّحْمَن المنتمين إِلَيْهِ، الراغبين فِيمَا لَدَيْهِ، فأرغد العيشة، وهنأ الْمَعيشَة.
(1/54)

فحين أويت إِلَى ظله، وعلقت بمرير حبله، فرغني للاشتغال وأعانني بخلو البال، وَوَجَدته قد اقتنى مَعَ الذّكر الْجَمِيل كتبا تشهد بفضله فاتخذتها ذَرِيعَة إِلَى تدارك ذَلِك الْمَقْصد وَالله الْمُوفق، ثمَّ جمعت هَذِه الأوراق ووسمتها بتقويم النّظر، تشْتَمل على مسَائِل خلافية ذائعة، ونبذ مذهبية نافعة بعد مُقَدمَات تعين على النّظر فِي ذَلِك، وَجَعَلته يشْتَمل على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مقدما مَذْهَب الشَّافِعِي (رَضِي الله عَنهُ وحجته) لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدموها، وتعلموا من قُرَيْش وَلَا
(1/55)

تعالموها، فعالمها يمْلَأ الأَرْض علما "، وَوجدنَا هَذَا الْعَالم هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافِع بن السايب بن عُبَيْدَة بن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف، (وَفِي عبد منَاف) يجْتَمع مَعَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ومولده رَضِي الله عَنهُ بغزة فِي سنة قن، ووفاته سنة رد، وتربته الطاهرة بِمصْر.
وَقيل لبَعض الْقصاص: مَا السِّرّ فِي قصر عمر الشَّافِعِي؟ ، فَقَالَ: حَتَّى لَا يزَالُوا مُخْتَلفين، وَلَو طَال عمره رفع الْخلاف، وأردفت الجداول بجدول يشْتَمل على تواريخ وَفَاة جمَاعَة من الصَّحَابَة (رضوَان الله عَلَيْهِم) وَالْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء، والأنبه الأنبه فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة (رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ)
(1/56)

وَالله (تَعَالَى) الْمعِين.
مُقَدّمَة - اللَّفْظ قالب الْمَعْنى، ومركبه الموصله إِلَى الذِّهْن، وَقد خص اللِّسَان الْعَرَبِيّ بأفصح اللَّفْظ، وَبِه خوطبنا فِي عزيزي الْكتاب وَالسّنة، فاللفظ يعبر عَمَّا فِي الذِّهْن، وَمَا فِي الذِّهْن مِثَال للمعبر عَنهُ، وَالْكِتَابَة تنوب عَن الْعبارَة، والعبارة مَجْمُوع أَلْفَاظ مفيدة، واللفظة مركبة من حُرُوف، والحروف تَنْقَسِم إِلَى صامتة ومصوته، فالصامت مَا يتَمَكَّن من مطلعه ويتميز بِهِ الصَّوْت مثل س ع د، والمصوت مَا يخرج فِي الْهَوَاء فَيحمل الْحَرْف الصَّامِت إِلَى السّمع كالضمة والفتحة والكسرة الَّتِي (مَتى مطلت) صَارَت واي، وَمن الْأَلْفَاظ والحروف المقاطع، والمقاطع تَنْقَسِم إِلَى خَفِيفَة وثقيلة، فالخفيف تركب من حرفين صَامت ومصوت، والثقيل من صامتين ومصوت؛ لِأَن المصوت. أما أَن ينْطق بِهِ فِي أقصر زمَان يكون فِيهِ اتِّصَال الصَّامِت (إِلَى الصَّامِت) أَو إِلَى السّمع وَهُوَ المقطع الْمَقْصُور وَالسَّبَب الْخَفِيف الْعَرُوضِي مثل لن.
وَأما أَن ينْطق بِهِ فِي ضعف الزَّمَان أَو إضعافه وَيُسمى مقطعا مسدودا (وَهُوَ) الوتد المفروق الْعَرُوضِي مثل: فاع، ولهذه الْحُرُوف
(1/57)

مخارج هَذِه صورتهَا:
1 -
(من أقْصَى الْحلق، هـ آهمزة) .
2 -
(بعده من جِهَة الْفَم، ع ح) .
3 -
(بعده، غ خَ) .
4 -
(من أقْصَى اللِّسَان وَمَا فَوْقه من الحنك، ق) .
5 -
(أَسْفَل من ذَلِك قَلِيلا، ك) .
6 -
(من وسط اللِّسَان بَينه وَبَين الحنك، ج ش ي) .
7 -
(من دون حافة اللِّسَان والأضراس، ض) .
8 -
(من حافة اللِّسَان أدناها إِلَى مُنْتَهى طرفه، ل) .
9 -
(فَوق ذَلِك فويق الثنايا، ن) .
10 -
(أَدخل من ذَلِك إِلَى طرف اللِّسَان منحرفا، ر) .
11 -
(من طرف اللِّسَان وأصول الثنايا، ط د ت) .
12 -
(من بَين طرف اللِّسَان فويق الثنايا السُّفْلى، ز س ص) .
13 -
(مَا بَين طرف اللِّسَان وأطراف الثنايا، ظ ث ذ) .
14 -
(من بَاطِن الشّفة السُّفْلى وأطراف الثنايا الْعليا، ف) .
15 -
(من الشفتين، ب م و) .
16 -
(من الخياشيم، التَّنْوِين) .
(1/58)

تفهيم:
حاسة السّمع أحد الْحَواس الْخمس وتعجز عَن إِدْرَاك البسائط، فحروف المعجم مَا لم يتركب، لَا يُمكن إِدْرَاكهَا بِالسَّمْعِ وَلَا إيرادها بِآلَة النُّطْق واحتيج إِلَى تعرف الْحُرُوف البسيطة فَرَكبُوا مَعَ الْحَرْف الْبَسِيط حروفا أخر وَجعلُوا الْجُمْلَة اسْم ذَاك الْحَرْف الْبَسِيط؛ وَلِأَنَّهُ مُهِمّ صدرُوا الْجُمْلَة بِهِ فولك عين هُوَ اسْم الْحَرْف الْأَوْسَط من سعد.
(1/59)

(فصل فِي عُيُوب اللِّسَان)

الرتة كَالرِّيحِ تمنع أول الْكَلَام، فَإِذا جَاءَ اتَّصل.
التمتمة التَّرَدُّد فِي التَّاء. الفأفأة التَّرَدُّد فِي الْفَاء. العقلة التواء اللِّسَان عِنْد إدارة الْكَلَام. الحبسة تعذر الْكَلَام عِنْد إدارته. اللفف إِدْخَال حرف فِي حرف. الغمغمة أَن تسمع الصَّوْت وَلَا (يتَبَيَّن لَك) تقطيع الْحُرُوف. وَقَرِيب مِنْهُ الدندنة. الطمطمة أَن يكون الْكَلَام شَبِيها بِكَلَام الْعَجم. اللكنة أَن تعترض على الْكَلَام عجمة. اللثغة أَن تعدل بِحرف إِلَى حرف. الغنة أَن يشوب الْحَرْف صَوت الخياشيم، الخنة أَشد مِنْهَا، التَّرْخِيم حذف الْحَرْف أَو تخفيفه. الحكلة نُقْصَان آلَة النُّطْق حَتَّى لَا تعرف مَعَانِيه إِلَّا بالاستدلال، وَبَعض مَا قدمْنَاهُ يكون خلقَة، وَبَعضه عَادَة، وَمِنْهَا مَا هُوَ غريزي. يُقَال: إِن الرتة كَثِيرَة فِي الْأَشْرَاف من ولد سُلَيْمَان بن صَالح بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس، أعدتهم من
(1/60)

أم صفدية.
وَفَائِدَة هَذَا الْفَصْل أَن تمرن اللِّسَان على الْحَرْف الأقوم بِالتَّصَرُّفِ فِي المحاورات ومفاوضة الفصحاء، وَقد قَالَ بَعضهم:
(وأفتح بالْكلَام عرى لساني ... وأكره عجمة أَن تعتريني)

(فقد لانت حَوَاشِيه ورقت ... جوانبه على كل الْفُنُون)

وَمن عُيُوب الخطابة الاسْتِرَاحَة إِلَى كلمة يخْشَى بهَا درج الْكَلَام، والسعلة، والعبث بِالْوَجْهِ، وَقد عيب خطيب بذلك فَقيل:
(مَلِيء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الْأَصَابِع)

مُقَدّمَة:
ركب من الْحُرُوف ثَلَاثَة أَنْوَاع من الْكَلم عمادها، نوع فِيهَا يلقب بِالِاسْمِ وَهُوَ أَكْثَرهَا دورا فِي الْكَلَام؛ لِأَنَّهُ يخبر بِهِ وَعنهُ، وَهُوَ يدل على معنى غير مقترن بِزَمَان، وَالِاسْم بِذَاتِهِ وَبِمَا يعرض لَهُ من الْحُرُوف يدل على الْمعَانِي،
(1/61)

ذَلِك لِأَن الْمعَانِي أَكثر من الْأَلْفَاظ؛ لِأَن الْأَلْفَاظ مَا ظهر مِنْهَا فقد تناهى بِالْفِعْلِ وَمَا لم يظْهر فَهُوَ متناه بِالْقُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ يتركب من حُرُوف تتناهى بِالْفِعْلِ والمعاني لَا نِهَايَة لَهَا، ثمَّ يَتْلُو الِاسْم فِي الرُّتْبَة الْفِعْل وَهُوَ لفظ يخبر بِهِ وَلَا يخبر عَنهُ، وَيدل على معنى وزمان ذَلِك الْمَعْنى. ويتلوه فِي الرُّتْبَة الْحَرْف وَهُوَ لفظ يَجِيء بَين الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال فيربط الْبَعْض بِالْبَعْضِ وَيحدث فِيهَا مَعَاني وَيحسن وصفهَا وَيُسمى الأداة.
مُقَدّمَة:
والكلم يَنْقَسِم إِلَى مُفْرد ومركب ومؤلف، فالمفرد هُوَ الَّذِي يدل على معنى وَلَا جُزْء من أَجْزَائِهِ يدل على شَيْء أصلا مَا دَامَ جزءه مثل مَسْعُود، فَإِنَّهُ يدل على معنى وليكونا من عود لَا يدلان على شَيْء أصلا مَا دَامَ جُزْءا الِاسْم، وَالِاسْم الْمركب يَنْبَنِي من لفظتين أَو أَكثر، لَكِن قوته قُوَّة الْمُفْرد كَقَوْلِك عبد الله وَعبد الْملك. والمؤلف هُوَ الْمركب من لفظتين أَو أَكثر
(1/62)

وَيدل على معنى والألفاظ الَّتِي مِنْهَا ألف تدل على أَجزَاء الْمَعْنى كَقَوْلِك: قَامَ زيد.
مُقَدّمَة:
وَالِاسْم يَنْقَسِم إِلَى جزئي وكلي. فالجزئي لَا يصلح أَن يشْتَرك فِيهِ كَثِيرُونَ كَقَوْلِك زيد، وَهَذَا الرجل. والكلي هُوَ الَّذِي يصلح أَن يشْتَرك فِيهِ كَثِيرُونَ كَقَوْلِك الْإِنْسَان، وَالْبيع فَإِنَّهُ يدْخل تَحت هَذِه اللَّفْظَة كَثْرَة، وَقد يمْنَع عَن الْكَثْرَة أَمر وجودي، وَالْعبْرَة بِكَوْن اللَّفْظَة كُلية لَا بِالْأَمر الوجودي، فَإِن الشَّمْس لَفْظَة كُلية، وَإِن لم يكن فِي الْوُجُود غير شمس وَاحِدَة.
مُقَدّمَة:
وينقسم الِاسْم إِلَى مُحَصل وَغير مُحَصل، فالمحصل هُوَ الْمَوْضُوع لمسماه كَقَوْلِك زيد والعالم، وَغير المحصل هُوَ اسْم قرن بِهِ حرف نفي فَصَارَ يدل على أَصْنَاف عدم الِاسْم الَّذِي قرن بِهِ، مِثَاله: لَا عَالم، وَيسْتَعْمل كثيرا فِي الفارسية كَقَوْلِهِم: ناجوا مرد، وَقَول الْفَقِيه لَا جَائِز أَن يُقَال اسْم غير مُحَصل.
(1/63)

مُقَدّمَة:
وتنقسم الْأَسْمَاء إِلَى متباينة ومترادفة ومشتركة ومتواطئ، فالمتباينة هِيَ الَّتِي تخْتَلف اسْما وَاحِدًا كزيد وَالْحجر، وَقد يتَّفق الاسمان فِي الْمَادَّة والتركيب وهما متباينان وَيحسن إيرادهما فِي الْجمل كَقَوْل الشَّاعِر:
(لَك الشُّكْر مني وَالثنَاء مخلدا ... وَشعر كموج الْبَحْر يصفو وَلَا يصغي)

والمترادفة هِيَ المتفقة حدا الْمُخْتَلفَة اسْما كَالْخمرِ وَالْعَقار، وَيَقَع مِنْهَا نوع مشكك، وَهُوَ أَن يعتور على الْمُسَمّى الْوَاحِد اسمان أَحدهمَا مقتضب لَهُ وَالْآخر لصفة فِيهِ كالسيف والصارم، وَقد يكونَانِ بِحَسب صفتين كالصارم والحسام، وَقد يكونَانِ بِحَسب صفة وَنسبَة كالصارم والمهند فتظن مترادفة وَلَيْسَت كَذَلِك.
والمشتركة هِيَ: الَّتِي تتفق اسْما وتختلف حدا كالعير للعظم الناتئ فِي الْقدَم ولحمار الْوَحْش، وَقد يُقَال على الضدين كالقرء للطهر وَالْحيض،
(1/64)

فدليل الطُّهْر بَيت الأعشق:
(مورثة مَالا وَفِي الْحَيّ رفْعَة ... لما ضَاعَ فِيهَا من قرؤ نسائكا)

وَالْحق أَنه للْوَقْت يُطلق تَارَة على الطُّهْر، وَتارَة على الْحيض، قَالَ خَالِد الْهُذلِيّ:
(كرهت الْعقر عقر بني تَمِيم ... إِذا هبت لقاريها الرِّيَاح)
(1/65)

أَي لوَقْتهَا، وَكَذَلِكَ شعبت الشَّيْء أصلحته، وشعبته فرقته، وَمِنْه سميت الْمنية شعوبا، وَقَالَ عَليّ بن الغدير الْعَنزي:
(وَإِذا رَأَيْت الْمَرْء يشعب أمره ... شعب الْعَصَا ويلج فِي الْعِصْيَان)

(فاعمد لما تعلو فَمَا لَك بِالَّذِي ... لَا تَسْتَطِيع من الْأُمُور يدان)

وَيحسن إِيرَاد الْكَلِمَتَيْنِ المشتركتين فِي الْجمل الشعرية والخطابية، قَالَ الشَّاعِر:
(وَمَا كنت أخْشَى أَن أرى لرماحكم ... عوامل فِي الهيجاء غير عوامل)

والنمط من الْكَلَام الْمُسَمّى مجونا أَكْثَره بالأسماء الْمُشْتَركَة.
وَأما المتواطئة، فَهِيَ الَّتِي تتفق اسْما وَاحِدًا كالحيوان الْمَقُول على
(1/66)

الْإِنْسَان وَالْفرس. وَيَقَع التشكيك أَيْضا فِي هَذَا الْقسم إِذا كَانَ الِاسْم يَقع على الْقسمَيْنِ لكنه لأَحَدهمَا أولى أَو أول كالموجود إِذا قيل على أَب وَابْن، فَإِنَّهُ للْأَب أول وَكَذَلِكَ فِيمَا يقبل الأشد والأضعف كالبياض للثلج، والعاج.
تفهيم:
وتلتحق بالمقدمة السَّابِقَة الْأَسْمَاء المنقولة والمستعارة والمصرفة، فَأَما المنقولة فَهِيَ الَّتِي تكون بِالْوَضْعِ الأول لشَيْء ثمَّ تنقل إِلَى شَيْء آخر لنَوْع مشابهة، كَمَا نقل اسْم الصَّلَاة عَن الدُّعَاء إِلَى هَذِه الْعِبَادَة، وَشَاهد الدُّعَاء قَول الشَّاعِر:
(لَهَا حارس لَا يبرح الدَّهْر دنها ... إِذا ذبحت صلى عَلَيْهَا وزمزما)

وَكَذَلِكَ الصَّوْم كَانَ للإمساك، ثمَّ نقل إِلَى هَذَا النّسك، وَدَلِيل الْإِمْسَاك
(1/67)

قَول الشَّاعِر:
(خيل صِيَام وخيل غير صَائِمَة ... تَحت العجاج وَأُخْرَى تعلك اللجما)

وَحقّ الْمَنْقُول إِلَى صناعَة أَو نحلة أَن يسْتَعْمل فِيهَا على مَا نقل إِلَيْهِ، إِلَّا أَن يصرف عَن ذَلِك صَارف. والمستعارة مثل المنقولة إِلَّا أَن المنقولة تثبت فِيمَا نقلت إِلَيْهِ بِخِلَاف المستعارة، وَمن الِاسْتِعَارَة خفض جنَاح الذل واشتعال الرَّأْس وإقفال الْقُلُوب، وتحسن الِاسْتِعَارَة فِي الْعبارَة كَقَوْل الشَّاعِر:
(مرت بِنَا تختال فِي أَربع ... يَأْكُل مِنْهَا بَعْضهَا بَعْضًا)

وَقَول الآخر:
(فَقَالَت صه يَا ويج غَيْرك إِنَّنِي ... سَمِعت حَدِيثا بَينهم يقطر الدما)

وَأما المصرفة فَهِيَ المشتقة كالفقه والفقيه وتحسن أَيْضا فِي الْجمل الخطابية كَقَوْل الشَّاعِر:
(من يعتفى الْعَافِي لِحَاجَتِهِ ... وَمن يأوى إِلَيْهِ المعتم المعتام)
(1/68)

مُقَدّمَة:
إِذا كَانَ فِي طبيعة شَيْء أَن يُوجد فِي شَيْء، فَإِن كَانَ مَوْجُودا فِيهِ سمي مَوْجُودا بِالْفِعْلِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَوْجُود بِالْقُوَّةِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا} ، وَقَالَ الرضي يصف قضبان الْكَرم:
(يحملن أوعية المدام كَأَنَّمَا ... يحملنها بأكارع النفران)

تفهيم:
إِذا قدمت شَيْئا وأخبرت عَنهُ بِشَيْء قسم الْمخبر عَنهُ الْمَوْضُوع، وَالْخَبَر الْمَحْمُول، وَالْجُمْلَة قَول جازم، وَهُوَ الَّذِي يتَطَرَّق عَلَيْهِ الصدْق وَالْكذب هَذَا مَتى اعْتبرت الْجُمْلَة مُرْسلَة، وَمَتى اعْتبرت من جِهَة حَاجَتهَا إِلَى برهَان سميت دَعْوَى، وَمَتى أخذت على سَبِيل التَّسْلِيم لينبني عَلَيْهَا غَيرهَا سميت مصادرة، وَمهما اعْتبرت من جِهَة الِاسْتِعْمَال فِي تأليف الْقيَاس سميت مُقَدّمَة، وَمَتى اعْتبرت من جِهَة أَنَّهَا صحت ببرهان سميت نتيجة،
(1/69)

كَهَذا الشَّخْص إِن اعْتبر بِنَفسِهِ سمي إنْسَانا، وبإضافته إِلَى ابْنه أَبَا وَإِلَى أَبِيه ابْنا، وَإِلَى عَبده مولى، وَإِلَى مَوْلَاهُ عسيفا، والقضية تقال على جَمِيع الْأَخْبَار الجازمة.
مُقَدّمَة:
إِذا تواردت الصِّفَات على شَيْء، فَمَا قوام ذَلِك الشَّيْء بِهِ مِنْهَا فَهُوَ الْوَصْف الذاتي لذَلِك الشَّيْء، وَمن خَواص هَذَا الْوَصْف أَنَّك إِذا أخطرته وأخطرت الْمَوْصُوف بِهِ ببالك لم يكن أَن تعرف الْمَوْصُوف إِلَّا وَقد عرفت هَذَا الْوَصْف، وَقد تكون للشَّيْء أَوْصَاف ذاتية فَوق وَاحِد، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فأعم الوصفين الواردين على الشَّيْء هُوَ جنسه، وأخصهما نَوعه، وَالْوَصْف الَّذِي يتَمَيَّز بِهِ الْأَخَص من الْأَعَمّ يُسمى فصلا، وَمَا لَيْسَ قوام الشَّيْء إِلَّا بِهِ يُسمى عرضيا، وَهَذَا العرضي مِنْهُ مَا يكون شَدِيد اللُّزُوم للمتصف بِهِ، وَمِنْه مَا هُوَ سهل اللُّزُوم، ثمَّ العرضي يَنْقَسِم إِلَى مَا يُوصف بِهِ نوع وَاحِد وَيُسمى خَاصَّة وَإِلَى مَا يُوصف بِهِ أَكثر من نوع وَيُسمى عرضا عَاما، فالصفات الواردات على الموصوفات تَنْقَسِم إِلَى الْأَجْنَاس والأنواع والفصول والخواص وَالْعرض الْعَام.
(1/70)

فالجنس أَعم كليتين ذاتيتين يحسن أَن يُقَال كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي جَوَاب مَا هُوَ، وَالنَّوْع أخصهما، والفصل هُوَ الذاتي الْمُفْرد الَّذِي يُمَيّز النَّوْع عَن قسمه فِي جنسه، والخاصة هُوَ الْوَصْف الْمُمَيز، لَكِن لَا تميز ذاتيا، والعرضي هُوَ الَّذِي يكون وَيبْطل مَعَ بَقَاء الْمَوْصُوف.
مُقَدّمَة:
" للفظة ثَلَاث دلالات: دلَالَة الْمُطَابقَة وَهِي: دلالتها على مَا وضعت لَهُ. وَدلَالَة تضمين وَهِي دلالتها على مَا يشْتَمل عَلَيْهِ مسماها من أَبْعَاضه. وَدلَالَة الْتِزَام وَهِي دلالتها على مَا تستتبعه من الْمعَانِي اللاحقة بِالْمُسَمّى كالشهد يدل على الضَّرْب دلَالَة مُطَابقَة، وعَلى الشمع دلَالَة تضمين، وعَلى الخلية دلَالَة الْتِزَام، والمستعمل فِي الْعُلُوم دلَالَة التَّضْمِين، والمطابقة ".
(1/71)

مُقَدّمَة:
الْقيَاس قَول مؤلف من أَقْوَال يلْزم عَنْهَا بِنَفسِهَا قَول آخر دَائِما، وَهُوَ فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء: رد فرع إِلَى أصل بعلة جَامِعَة، وعَلى طَرِيق الاتساع هُوَ تشرف الذِّهْن من مَعْلُوم، إِلَى مَعْلُوم وَبِه يقتنص الْعلم الْمُسَمّى معرفَة المتعدى إِلَى مفعولين، فَإِن الْعلم صنفان تصور وتصديق، فالتصور علم مَا الشَّيْء، والتصديق علم نِسْبَة المتصورات بَعْضهَا إِلَى بعض؛ وَهَذَا الْعلم للغرائز موهبة إلاهية، وَالْإِنْسَان يعلم بِهَذِهِ الغريزة، وَلَا يعلم كَيفَ علم كَمَا يبصر بِالْقُوَّةِ الباصرة، وَلَا يعلم الإبصار، وَكَذَلِكَ الشَّاعِر ينظم الْبَيْت ذَا الْوَزْن وَلَا يعلم الْعرُوض، فالقايس فِي الْعُلُوم وَلم يقدم معرفَة الْقيَاس كالفارض من غير أَن يعلم الْفُرُوض، وَفرق بَين من يعلم الْعلم، وَمن يعلم مَعَ ذَلِك علم الْعلم.
وأنواع الأقيسة ثَلَاثَة: الحملي، والشرطي الْمُتَّصِل، والشرطي الْمُنْفَصِل، ويلتحق بهَا قِيَاسا الْخلف والاستقراء.
مُقَدّمَة:
إِذا عرف الْمُسَمّى بسمة مقتضية لَهُ سميت اسْما محصلا، وَإِن عرف بضدها سمي لقبا عدميا، وَإِن قرن بِالِاسْمِ المحصل حرف سلب وَجعل مَعَه
(1/72)

كالشيء الْوَاحِد سمي بِالِاسْمِ الْغَيْر مُحَصل، وبالمعدول، فَإِذا قيل بيع صَحِيح فقد سمي باسم مُحَصل، وَإِذا قيل فَاسد فقد وصف بِصفة عدمية، وَإِذا قيل غير صَحِيح فقد وصف بِصفة معدولة، وَكَثِيرًا يحْتَاج إِلَى الِاسْم المعدول فِي نظم الأقيسة فِي مضايق الْمُقدمَات الَّتِي لَا تحْتَمل السَّلب، وَالِاسْم المعدول يدل على أَصْنَاف عدم ذَلِك الِاسْم المحصل.
مُقَدّمَة:
مَتى أجريت شَيْئَيْنِ فِي معرض الحكم، فَأَما أَن تحكم بِأَحَدِهِمَا على جَمِيع الآخر أَو على بعضه، وَإِمَّا أَن تَنْفِي أَحدهمَا عَن جَمِيع الآخر، أَو عَن بعضه، فالنفي وَالْإِثْبَات كَيْفيَّة الْقَضِيَّة وَالْكل والجزء كمية الْقَضِيَّة وَيُسمى الدَّال على الْقَضِيَّة أسوارا فسور الْكُلِّي الْمُوجب كلي، وسور الْكُلِّي السالب لَا وَاحِد وَلَا شَيْء، وسور
(1/73)

الجزئي الْمُوجب بعض كَذَا وَكَذَا، وسور الجزئي السالب لَيْسَ بعض كَذَا وَكَذَا، ويلتحق بذلك أَلْفَاظ تتعارف بهَا ويصطلح عَلَيْهَا مثل: ثلة، وَطَائِفَة، وَسَائِر بِمَعْنى الْبَاقِي، وقاطبة، وكافة، وَمَا عرف بِالْألف وَاللَّام إِن لم يرجع إِلَى مَعْهُود سائق فَهُوَ صَالح للدلالة على الْكل وَصَالح للدلالة على الْكل وَصَالح للدلالة على الْبَعْض فَهُوَ فِي قُوَّة الجزئي والشخصي فِي الْمَعْنى الرَّاجِح إِلَيْهِ كالكلي فِي الْمَعْنى الرَّاجِع إِلَى طبيعة الْكُلِّي.
مُقَدّمَة:
أقل مَا تلتئم الْقَضِيَّة من جزءين؛ مَوْضُوع ومحمول، وَيدخل بَين الْمَوْضُوع والمحمول لفظ كالجامعة بَينهمَا تسمى رِبَاطًا،
(1/74)

والمحمول قَلما تسْتَعْمل فِي الْعَرَبيَّة وَهِي لَفْظَة هُوَ وتوجد وَمَا أعطي هَذَا الْمَعْنى، فَإِذا اسْتعْملت الْقَضِيَّة مُرْسلَة سميت ثنائية، وَإِذا دخل بَينهمَا الرِّبَاط سميت ثلاثية، وتلحق الْقَضِيَّة لَفْظَة أُخْرَى تدل على كَون الْمَوْضُوع للمحمول على أَي جِهَة هُوَ وَتسَمى الْجِهَة وَتَكون إِمَّا ضَرُورِيَّة أَو ممتنعة أَو مُمكنَة؛ أَعنِي نِسْبَة الْمَحْمُول إِلَى الْمَوْضُوع والممكن بِالِاسْتِعْمَالِ الْعَاميّ هُوَ غير الْمُمْتَنع، فَإِذا اسْتعْمل كَذَلِك دخل الْوَاجِب فِيهِ، فَإِن الْوَاجِب غير مُمْتَنع وَهُوَ بِالِاسْتِعْمَالِ الْخَاص بِمَعْنى غير الْمُمْتَنع وَغير الضَّرُورِيّ.
مُقَدّمَة:
الْقَضِيَّة تكون على وجود الشَّيْء كقضيتنا على وجود بيع مُطلق، وعَلى جوهره كَقَوْلِنَا: هَذَا الدِّينَار ذهب، وعَلى كميته كَقَوْلِنَا: خمس مائَة رَطْل، وعَلى كيفيته كَقَوْلِنَا: المَاء الْمُطلق طهُور، وعَلى إِضَافَته كَقَوْلِنَا: الإِمَام تجاه الْقبْلَة، وعَلى مَكَانَهُ كَقَوْلِنَا: الْكَعْبَة بِمَكَّة حرسها الله تَعَالَى، وعَلى زَمَانه كَقَوْلِنَا: ولد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَام الْفِيل، وعَلى وَضعه كَقَوْلِنَا فلَان ساجد، وعَلى مَا يفعل كَقَوْلِنَا: يُصَلِّي، وعَلى مَا يفعل بِهِ كَقَوْلِنَا: يكرم، وعَلى مَا هُوَ لَهُ كَقَوْلِنَا متختم.
(1/75)

مُقَدّمَة:
نذْكر هَهُنَا تقَابل القضايا وَهِي الَّتِي تستوي فِي الْمَوْضُوع والمحمول، وكل قضيتين متقابلتين فإمَّا أَن تَكُونَا شخصيتين، أَو مهملتين، أَو متضادتين، أَو تَحت التضاد، وَإِمَّا متناقضتين، وَإِمَّا متداخلتين، فالشخصيتان هما اللَّتَان موضوعهما شخص، والمهملتان اللَّتَان لم يتَبَيَّن قدر الحكم فيهمَا، والمتضادتان المختلفتان كَيْفيَّة المتفقتان كمية، وَمَا تَحت التضاد كَذَلِك، وَالْفرق بَينهمَا: أَن المتضادتين كليتان، واللتان تَحت التضاد جزئيتان، والمتناقضتان هما المختلفتان كمية وَكَيْفِيَّة، والتناقض أَشد عنادا من التضاد.
مُقَدّمَة:
وَهَذِه القضايا تنْقَلب بِأَن تجْعَل مَوْضُوع الْقَضِيَّة مَحْمُولا ومحمولها مَوْضُوعا، فَإِن بَقِي صدقهَا عَلَيْهَا فَهِيَ منعكسة، وَالَّتِي تنعكس مثل نَفسهَا السالبة الْكُلية، وَالَّتِي لَا تنعكس أصلا السالبة الْجُزْئِيَّة، وَأما الْمُوجبَة الْكُلية، والموجبة الْجُزْئِيَّة، فَكل وَاحِدَة مِنْهُمَا تنعكس مُوجبَة جزئية.
(1/76)

مُقَدّمَة:
من هَاهُنَا نجْعَل الْأَمْثِلَة بالحروف الخالية عَن معنى حَتَّى إِذا أنتجت أنتجت بِنَفسِهَا، لَا لمادة وجودية وَهِي مَعَ ذَلِك أخصر ووزانها الْأَشْيَاء الَّتِي يستعملها الحاسب فِي اسْتِخْرَاج المجهولات.
مُقَدّمَة:
فِي تركيب الْقيَاس الحملي وَصورته، يتركب من مقدمتين وَأَرْبَعَة حُدُود، مِنْهَا حد مُكَرر، وَهَذَا الْحَد المكرر يُقَال لَهُ الْحَد الْأَوْسَط وَهُوَ الْوَصْف الْجَامِع، وينتج هَذَا التَّرْكِيب قَضِيَّة هِيَ النتيجة، ويشتمل على جزءين هما الواردان فِي المقدمتين مطيفين بِالْحَدِّ الْأَوْسَط، وَفِي كل مُقَدّمَة من مقدمتي الْقيَاس حد من حُدُود النتيجة وقرينة الْحَد الْأَوْسَط، فالمقدمة الَّتِي تشْتَمل على مَوْضُوع النتيجة هِيَ الْمُقدمَة الصُّغْرَى وبحق كَانَ ذَلِك؛ لِأَنَّهَا تشْتَمل على الْحَد الْأَصْغَر من حدي النتيجة؛ لِأَنَّهُ تَحت الْمَحْمُول، والمقدمة الْمُشْتَملَة على مَحْمُول النتيجة هِيَ الْمُقدمَة الْكُبْرَى؛ لِأَنَّهَا
(1/77)

تشْتَمل على الْحَد الْأَكْبَر من حدي النتيجة، وَهَذَا الْحَد الْأَوْسَط لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مَوْضُوعا فِي المقدمتين أَو مَحْمُولا فيهمَا أَو مَوْضُوعا فِي وَاحِدَة مَحْمُولا فِي الْأُخْرَى، وَلذَلِك تنوعت الأقيسة ثَلَاثَة أَنْوَاع، وَفِي الْمُمكن نوع آخر يتَوَلَّد من هَذَا النَّوْع الآخر قَلِيل الْفَائِدَة فِي الْعُلُوم فهجرناه.
وَالنَّوْع الأول من المقاييس الحملية هُوَ الَّذِي يكون الْحَد الْأَوْسَط فِيهِ مَوْضُوعا فِي مُقَدّمَة مَحْمُولا فِي الْأُخْرَى، وَالثَّانِي الَّذِي يكون الْحَد الْأَوْسَط فِيهِ مَحْمُولا فِيهَا، وَالثَّالِث هُوَ الَّذِي يكون الْحَد الْأَوْسَط فِيهِ مَوْضُوعا فيهمَا، ونسمي هَذِه الْأَنْوَاع أشكالا، والممكن من تركيب كل شكل سِتَّة عشر اقترانا؛ لِأَن الْمُقدمَات أَربع كَمَا بَينا، فَإِذا امتزجت أحدثت هَذِه الاقترانات وَلَيْسَ كل هَذِه الْقَرَائِن مفيدة، بل الْمُفِيد من الشكل الأول أَرْبَعَة وَكَذَلِكَ من الثَّانِي.
وَأما الثَّالِث، فالمنتج مِنْهُ سِتَّة، وَالشّرط الْعَام لهَذِهِ الأشكال أَلا تنْتج من سالبتين، وَلَا من جزئيتين، وَلَا من صغرى سالبة وكبرى جزئية، والنتيجة تتبع أخس المقدمتين.
الشكل الأول: شَرطه أَن تكون صغراه مُوجبَة وكبراه كُلية وغايته
(1/78)

إنتاج المطالب الْأَرْبَعَة، وَهُوَ بَين بِنَفسِهِ وَبِه يتَبَيَّن ضروب الشكلين الآخرين.
(الضَّرْب الأول: يتركب من موجبتين كلييتين 6 / ب) ، وينتج مُوجبَة كُلية، مِثَاله: كل أَب وكل ب ح ينْتج كل أح وَصورته:
(الضَّرْب الثَّانِي: من كليتين كبراهما سالبة) وينتج كُلية سالبة.
مِثَاله: كل أَب وَلَا شَيْء من ب ج فَلَا شَيْء من أج وَصورته:
(1/79)

الضَّرْب الثَّالِث: من موجبتين صُغْرَاهُمَا جزئية ينْتج مُوجبَة جزئية.
مِثَاله: بعض أَب، وكل ب ج، فبعض أح وَصورته:
الضَّرْب الرَّابِع: من صغرى مُوجبَة جزئية وكبرى سالبة كُلية ينْتج سالبة جزئية.
مِثَاله: بعض أَب وَلَا شَيْء من ج ب ينْتج فَلَا شَيْء من أج.
وَصورته:
الشكل الثَّانِي: شَرطه أَن تخْتَلف مقدماته فِي الْكَيْفِيَّة وَتَكون الْكُبْرَى كُلية وغايته إنتاج السوالب.
الضَّرْب الأول: من كليتين كبراهما سالبة تنْتج كُلية سالبة، مِثَاله: كل أَب وَلَا شَيْء من ح ب يَنْتَهِي فَلَا شَيْء من أح وَصورته:
(1/80)

الضَّرْب الثَّانِي: من كليتين الصُّغْرَى سالبة ينْتج سالبة كُلية، مِثَاله لَا شَيْء من أَب، وكل ج ب فَلَا شَيْء من أج وَصورته:
وَإِن أردْت أَن تتبين نتائج الأشكال بإعادتها إِلَى الضَّرْب الأول فاعكس كبرى الضَّرْب الأول من هَذَا الشكل وصغرى الضَّرْب الثَّانِي، ثمَّ اعكس نتيجة الضَّرْب الثَّانِي، وَقد اتَّضَح الانتاج، وَلَعَلَّ التشكيل بالخطوط يَكْفِي لوُقُوع الْحس عَلَيْهِ ".
الضَّرْب الثَّالِث: من صغرى مُوجبَة وكبرى سالبة كُلية ينْتج سالبة جزئية.
مِثَاله بعض أَب وَلَا شَيْء من ج ب ينْتج فَلَيْسَ بعض أج.
وَصورته: بَيَانِيَّة بعكس الْكُبْرَى.
(1/81)

الضَّرْب الرَّابِع: من صغرى سالبة جزئية وكبرى (مُوجبَة) كُلية تنْتج سالبة جزئية.
مِثَاله: لَيْسَ كل أَب وكل ج ب فَلَيْسَ كل أج.
وَصورته:
وَهَذَا الضَّرْب إِنَّمَا يرجع إِلَى الأول بِالْفَرْضِ فمعلوم أَن الْبَعْض بإضافته إِلَى نَفسه كل فافرض ذَلِك الْبَعْض من أوليس هُوَ من ب ج، فَيصير لَا شَيْء من ب ج، وَقد عَاد إِذا إِلَى الشكل الأول بِأَدْنَى تَأمل.
الشكل الثَّالِث: شَرطه أَن تكون صغراء مُوجبَة وَإِحْدَى مقدمته كُلية وغايته أَلا ينْتج كُلية.
(1/82)

الضَّرْب الأول: من كليتين موجبتين ينْتج مُوجبَة جزئية.
مِثَاله كل ب أوكل ب ج فبعض أج، وَصورته 7 / أ.
بَيَانه بعكس صغراء. يرجع إِلَى الضَّرْب الثَّالِث من الشكل الأول.
الضَّرْب الثَّانِي: من كليتين الْكُبْرَى سالبه.
مِثَاله: كل ب أَولا شَيْء من ب ج فَلَيْسَ كل أج وَصورته:
وَيظْهر بعكس صغراء وَيرجع إِلَى رَابِع الأول.
(1/83)

الضَّرْب الثَّالِث: من موجبتين الصُّغْرَى جزئية (تنْتج مُوجبَة جزئية) .
مِثَاله: بعض ب أَو كل ب ج فبعض أج، وَصورته:
وَيظْهر بعكس الصُّغْرَى وإعادته إِلَى ثَالِث الأول.
الضَّرْب الرَّابِع: من موجبتين الْكُبْرَى جزئية وينتج مُوجبَة جزئية.
مِثَاله: كل ب أوبعض ب ج فبعض أج، وَصورته:
وَيظْهر بعكس الْكُبْرَى ورده إِلَى ثَالِث الأول.
الضَّرْب الْخَامِس: من صغرى مُوجبَة كُلية وكبرى سالبة جزئية (ينْتج سالبة جزئية) .
مِثَاله: كل ب أوليس كل ب ج، فَلَيْسَ كل أج.
وَصورته:
وَهَذَا الضَّرْب يظْهر بالافتراض كَمَا دبر فِي رَابِع الشكل الثَّانِي.
الضَّرْب السَّادِس: يتركب من مُوجبَة جزئية صغرى وسالبة كُلية كبرى
(1/84)

ينْتج سالبة جزئية.
مِثَاله: بعض ب أَولا شَيْء من ب ج، فَلَيْسَ بعض أج.
وَصورته:
وَيظْهر لُزُوم هَذَا الشكل بعكس صغراه.
وَاعْلَم أَن الشَّرْط الْعَام للأشكال أَلا تتركب من سالبتين وَلَا من جزئيتين، وَلَا من صغرى سالبة، وَلَا من كبرى جزئية وَجَمِيع الْقَرَائِن المنتجة فِي القياسات الحملية يَد قرينَة للكلي الْمُوجب أَمن الشكل الأول، وللكلي السالب وَاحِدَة من الشكل الأول، اثْنَتَانِ من الْكل الثَّانِي، وللجزئية الْمُوجبَة قَرَائِن وَاحِدَة من الشكل الأول وَثَلَاث من الشكل الثَّالِث، وللجزئي السالب قَرَائِن وَاحِدَة من الشكل الأول وَاثْنَتَانِ من الثَّانِي وَثَلَاث من الثَّالِث، وَكلما عز الْمَطْلُوب عز تولده، فَلذَلِك عز تولد الْكُلِّي الْمُوجب، ثمَّ بِالنِّسْبَةِ وَقد قيل:
(1/85)

(بغاث الطير أَكْثَرهَا فراخا ... وَأم الصَّقْر مقلاة نزور)

وَقد جعلنَا للقرائن مِثَالا حسيا بوقعها تَحت الخيال. وَهَذِه صورته:
(1/86)

7 - / ب الشرطي الْمُتَّصِل يتركب من أَربع قضايا حملية تسمى الأوله مقدما، وَالثَّانيَِة تاليا، وتلتئم بِحرف شرطي ثمَّ يسْتَثْنى بقضية ثَالِثَة، أما الْمُقدم أَو التَّالِي أَو نقيض كل وحد مِنْهُمَا، والقضية الرَّابِعَة النتيجة لَكِن المنتج الْقطعِي عين الْمُقدم ونقيض التَّالِي إِلَّا أَن يكون التَّالِي مُسَاوِيا للمقدم فينتج بأقسام الْمُمكن الْأَرْبَعَة.
مِثَاله: إِن كَانَ أَب فج د فَإِن قلت لَكِن أَب انتج فج د، وَإِن قلت لَكِن لَيْسَ ج د انتج فَلَيْسَ أَب.
الشرطي الْمُنْفَصِل هُوَ الَّذِي تكون قضاياها متعاندة، وتعاندها على وَجْهَيْن: تَامّ وناقص، فالعناد التَّام أَن يكون الْمُقدم والتالي لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الشَّيْء الْوَاحِد وَلَكِن لَا بُد لذَلِك الشَّيْء من أَحدهمَا، كَقَوْلِك هَذَا المَاء إِمَّا طَاهِر وَإِمَّا نجس.
والعناد النَّاقِص أَن يكون الْمُقدم والتال لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الشَّيْء، وَلَكِن قد يَخْلُو مِنْهُمَا كَقَوْلِك: إِمَّا أَن يكون المَاء طهُورا أَو نجسا، فالصنف الَّذِي عناده تَامّ نَوْعَانِ، وَذَلِكَ أَن الْجُزْء الثَّالِث وَهُوَ الْمُسْتَثْنى إِمَّا أَن يكون إِيجَاب الْمُقدم فينتج نفي التَّالِي، وَإِمَّا أَن يكون نفي الْمُقدم فينتج إِيجَاب التَّالِي،
(1/87)

(وَرُبمَا كَانَ) العناد التَّام فِي قضايا فَوق اثْنَتَيْنِ، كَقَوْلِنَا فِي العددين: إِمَّا أَن يَكُونَا متساويين أَو متداخلين أَو متباينين أَو متفقين، فَأَي قسم من هَذِه الْأَقْسَام أوجبناه نَفينَا مَا عداهُ، وَإِن نفيناه أبقينا وَاحِدًا من الثَّلَاثَة لَا بِعَيْنِه، وَأما العناد غير التَّام بَين شَيْئَيْنِ أَو أَشْيَاء فَأَيّهمَا أَوجَبْنَا نَفينَا الْبَوَاقِي، وَأما إِن نَفينَا شَيْئا لم يلْزم إِثْبَات الْبَوَاقِي.
قِيَاس الْخلف:
" تركيبه تركيب أحد الأقيسة السَّابِقَة، وَيكون فِي الحملي إِحْدَى مقدمتيه نقيض الْأَمر الْمَطْلُوب قرن بهَا قَضِيَّة ظَاهِرَة الصدْق، فَإِذا أنتج قَضِيَّة ظَاهِرَة الْكَذِب علمنَا أَنه قد انطوى مَعنا فِي الْقيَاس قَضِيَّة كَاذِبَة لَكِنَّهَا لَيست الظَّاهِرَة الصدْق بقيت الْأُخْرَى، فَهِيَ كذب فنقيضها صدق.
مِثَاله: كأنا أردنَا أَن نبين أَن الْخمر نَجِسَة فأخذنا نقيض نَجِسَة، وَهُوَ غير نَجِسَة، وَمَعْلُوم أَن حمل غير النَّجس لَا يبطل الصَّلَاة، لَكِن حمل الْخمر يبطل الصَّلَاة، وَهَذَا كذب تطرق من قَوْلنَا الْخمر غير نَجِسَة فَهِيَ
(1/88)

إِذا نَجِسَة ".
قِيَاس الاستقراء:
هُوَ أَن تستقري صفة فتجدها فِي آحَاد نوع فتحكم بهَا على أشخاص ذَلِك النَّوْع. مثل: أَن تَجِد كتابا جمَاعَة يحركون أَيْديهم عِنْد الْكِتَابَة، فتحكم بِأَن كل كَاتب يُحَرك يَده، وَهَذَا الْقيَاس غير موثوق بِهِ، فَإِنَّهُ قد ينْدر شخص من أشخاص نوع فَلَا نحكم عَلَيْهِ بِمَا نحكم على بَاقِي النَّوْع كحجر المغناطيس الْمُنْفَرد عَن جَمِيع الْأَحْجَار باجتذاب الْحَدِيد.
إِشَارَة إِلَى معارف تتداول بَين النظار:
وَقيل إيرادها نقُول: إِن جَمِيع مَا قدمْنَاهُ من تركيب الأقيسة قَلما يسْتَعْمل مُفردا على الْقَاعِدَة الَّتِي ذَكرنَاهَا، أَو مُرَتبا ذَلِك التَّرْتِيب، بل تطوى مِنْهُ مُقَدمَات ونتائج وحدود؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَة عِنْد المتجادلين، أَو يقْصد
(1/89)

بذلك التغليط وَالْإِيهَام، وَقد يدْخل بَين الْمُقدمَات مَا 8 / 1 يشوش نظمها وَيسْتَعْمل قِيَاس فِي قِيَاس، وَيدخل الحملي فِي الشرطيات، والشرطيات بَعْضهَا فِي بعض، وَهَذَا القانون فِي الأقيسة مَنْقُول إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة، وَمَا زَالَت الْعَرَب تتجادل وتتحاور وَلم تقف على هَذَا القانون مَا ذَاك إِلَّا كَمَا كَانَت تنظم الْأَشْعَار، وَلم تقف على الْعرُوض، قد كَانَ شعر الورى صَحِيحا من قبل أَن يخلق الْخَلِيل، وكل من يعاني نظم الشّعْر لَا يحْتَاج عِنْد بنائِهِ إِلَى تعرف الْعرُوض، بل وَلَا يخطره بِبَالِهِ وَلَو أخطره بِبَالِهِ اخْتَلَّ عَلَيْهِ نظمه، وَمن يَده فِي ذَلِك يعلم مَا أَقُول، وَكَذَلِكَ المحاور المفاوض مَتى احْتَاجَ إِلَى إِثْبَات شَيْء قاضى مفاوضه فِيهِ إِلَى مَا يحكم بِهِ فهمهما على البديهة، وأجرى الأقيسة، وَلم يخْطر بِبَالِهِ هَذَا التَّرْتِيب، لَكِن إِن كَانَت
(1/90)

غريزته سليمَة فَهِيَ تجْرِي إِلَى هَذِه الأساليب وَينصب إِلَيْهَا ويساوقها، وَإِن لم يكن صَحِيح الغريزة دخل عَلَيْهِ من الْخلَل بِقدر مَا عجزت قريحته عَن الْمِيزَان الْحق، والمعيار الْمُسْتَقيم.
تفهيم:
مُقَدمَات الْقيَاس إِمَّا أَن تكون أَوَائِل عِنْد الْعقل، أَو محسوسات أَو مُتَلَقَّاة من عزيزي الْكتاب وَالسّنة، أَو مَأْخُوذَة عَن الْإِجْمَاع، أَو عَن إِمَام مُتبع، وَالْجُمْلَة مُقَدمَات الجدل تنجني مَا تتسلمه من خصمك وتتواطئان عَلَيْهِ، والنتيجة بِحَسب ذَلِك.
تفهيم:
الْفرق بَين برهاني الْعلَّة وَالدّلَالَة أَن برهَان الْعلَّة يكون الْحَد الْأَوْسَط فِيهِ هُوَ عِلّة الحكم، وَيكون برهَان الدّلَالَة معلولا ومسببا، وَالْعلَّة والمعلول متلازمان.
مِثَال: قِيَاس الْعلَّة أَن يسْتَدلّ على شبع زيد بِأَكْلِهِ، وَقِيَاس الدّلَالَة أَن يسْتَدلّ على أكله بشبعه.
تفهيم:
أُمَّهَات المطالب أَربع: مطلب هَل سُؤال عَن الْوُجُود أَو عَن حَال
(1/91)

الْمَوْجُود، ومطلب مَا يُرَاد بِهِ بَيَان الِاسْم، أَو الْحَد أَو الرَّسْم، ومطلب أَي يطْلب بِهِ تميز مَا عرف جملَته عَمَّا اخْتَلَط بِهِ من جنسه وَجَوَابه بالفصول الذاتية والخواص، ومطلب لم يُرَاد بِهِ بَيَان عِلّة الشَّيْء.
تفهيم:
وَجه الدَّلِيل هُوَ الْمَعْنى الَّذِي يتفطن لَهُ الذِّهْن من الْوَصْف الْجَامِع بَين الْفَرْع وَالْأَصْل.
تفهيم:
الْأَمر هُوَ عبارَة عَن القَوْل الْمُقْتَضِي طَاعَة الْمَأْمُور بِفعل الْمَأْمُور بِهِ.
تفهيم:
الْعَام هُوَ اللَّفْظ الدَّال على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا، وَهُوَ أحد الْأَقْوَال الْكُلية، وأعم الْأُمُور الْأَجْنَاس ثمَّ الْأَنْوَاع الأرفع فالأرفع.
تفهيم:
الْمُطلق هُوَ اللَّفْظ الَّذِي يدل على ذَات وَاحِدَة لَا بِعَينهَا، بل بِاعْتِبَار حَقِيقَة شَامِلَة لجنس تِلْكَ الذَّات، كَقَوْلِنَا دِرْهَم، فَإِنَّهُ يتَنَاوَل درهما لَا بِعَيْنِه، نظرا إِلَى حَقِيقَة الدِّرْهَم الشاملة لكل دِرْهَم، وَهُوَ أَيْضا من الْأَقْوَال الْكُلية،
(1/92)

وَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ اسْم الْجِنْس، لَكِن الْفُقَهَاء كَذَا يعرفونه فَيبقى مُطلقًا إِلَى أَن يفْسد بِوَصْف، فَيُقَال دِرْهَم قروي فيتخصص بِهَذِهِ الصّفة وَيبقى مُطلقًا فِي الْوَصْف الْقَرَوِي.
تفهيم:
النَّص هُوَ اللَّفْظ الدَّال على معنى وَاحِد بِحَيْثُ لَا يسوغ فِيهِ احْتِمَال غَيره الْبَتَّةَ كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم إِن لم يكن لَهُنَّ ولد} ، وَقد عهد من صَاحب 8 / ب الْمَذْهَب أَخذ النَّص بِمَعْنى الظَّاهِر وَلَا وازع مِنْهُ لُغَة.
تفهيم:
الظَّاهِر هُوَ اللَّفْظ الَّذِي يغلب على الظَّن فهم معنى فِيهِ مَعَ تَجْوِيز غَيره.
(1/93)

تفهيم:
التَّأْوِيل هُوَ صرف اللَّفْظ عَن الِاحْتِمَال الرَّاجِح إِلَى الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح لاعتضاده بِدَلِيل يغلب على الظَّن أَن مُرَاد الْمُخَاطب من كَلَامه ذَلِك الِاحْتِمَال، لَا الِاحْتِمَال الظَّاهِر، ثمَّ الِاحْتِمَال قد يكون فِي غَايَة الْبعد فيفتقر إِلَى دَلِيل يُؤَيّدهُ فِي غَايَة الْقُوَّة، وَقد يكون قَرِيبا فَيَكْفِي مَعَه الدَّلِيل الْقَرِيب.
تفهيم:
الْمُجْمل هُوَ اللَّفْظ الَّذِي لَا يفهم مِنْهُ شَيْء عِنْد إِطْلَاقه، ثمَّ عدم الْفَهم يكون لغرابة اللَّفْظ، أَو لتقابل الِاحْتِمَالَات.
تفهيم:
الْمَنْطُوق هُوَ الْأَمر الَّذِي يفهم من القَوْل فِي مَحل اللَّفْظ كوجوب
(1/94)

الزَّكَاة فِي سَائِمَة الْغنم من قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة.
تفهيم:
الْمَفْهُوم هُوَ الْمَعْنى الَّذِي يفهم من القَوْل فِي غير مَحل النُّطْق كفهم انْتِفَاء الزَّكَاة عَن المعلوفة، ثمَّ الْمَفْهُوم قد يكون مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَقد يكون مَفْهُوم الْمُخَالفَة، أما مَفْهُوم الْمُخَالفَة فَكَمَا ذكرنَا وَهُوَ الَّذِي يكون وصف منطوقه يُخَالف وصف مسكوته.
وَمَفْهُوم الْمُوَافقَة مَا يكون وصف مسكوته يُوَافق وصف منطوقه، وَقد يكون أولى بذلك الْوَصْف الَّذِي هُوَ مَظَنَّة الحكم وَمُقْتَضى الْحِكْمَة، وَيُسمى فحوى الْخطاب ولحن الْخطاب وَمِنْه: {فَلَا تقل لَهما أُفٍّ} .
تفهيم:
الْخطاب عبارَة عَن وُرُود خطاب الله تَعَالَى فِي أَفعَال الْمُكَلّفين، وَعَن وُرُود خطابه فِي حَادث من الْحَوَادِث بتصييره سَببا، فَمَا رَجَعَ إِلَى الْأَمر
(1/95)

وَالنَّهْي خطاب تَكْلِيف، وَمَا رَجَعَ إِلَى غير ذَلِك يُسمى خطاب إِخْبَار وَوضع.
تفهيم:
تَنْقِيح المناط هُوَ النّظر فِي أَوْصَاف مَذْكُورَة مَعَ الحكم لتخليص المناط فِيمَا لَيْسَ بمناط كإيجاب الْكَفَّارَة فِي الْأَعرَابِي، فَإِنَّهُ ورد مُرَتبا على وقاع أَعْرَابِي فِي نَهَار رَمَضَان للزَّوْجَة فِي المأتى، وَلَا يخفى انقسام هَذِه الْأَوْصَاف المطيفة بالحكم إِلَى مَا لَهُ أثر فِيهِ وَإِلَى عديم الْأَثر، فالنظر المفضي إِلَى الْوَصْف الْمُؤثر هُوَ تَنْقِيح المناط وَعند تَمام النّظر يكون المناط ثَابتا بِالنَّصِّ لَا بالاستنباط.
وَتَحْقِيق المناط: هُوَ النّظر إِلَى معرفَة الْعلَّة فِي آحَاد الصُّور بعد صِحَّتهَا فِي نَفسهَا كتعرف كَون هَذَا الشَّاهِد عدلا لينبني عَلَيْهِ قبُول شَهَادَته، وَقد تقدم أَن الْعدْل مَقْبُول الشَّهَادَة، وكتعرف كِفَايَة الْقَرِيب لبِنَاء الْوُجُوب عَلَيْهِ بعد الْعلم بِوُجُوب الْكِفَايَة.
وَتَخْرِيج المناط: هُوَ النّظر فِي تعرف عِلّة الحكم بالاستنباط وَالِاجْتِهَاد،
(1/96)

بِأَن يكون الحكم مَنْصُوصا عَلَيْهِ فنسعى فِي تعرف الْعلَّة.
تفهيم:
الْمُؤثر أَرْبَعَة أَنْوَاع هِيَ قسْمَة ضَرُورِيَّة، عين الْعلَّة فِي عين الحكم، مثل: ظُهُور تَأْثِير عين الشدَّة فِي عين تَحْرِيم الْخمر، الثَّانِي: أَن يظْهر تَأْثِير عين الْعلَّة فِي جنس الحكم مثل: قِيَاس الصَّغِيرَة فِي ولَايَة النِّكَاح على ولَايَة المَال، فَإنَّا أجمعنا على تَأْثِير الصغر فِي ولَايَة المَال وَهِي من جنس ولَايَة الْبضْع، لَا عين ولَايَة الْبضْع، الثَّالِث: ظُهُور جنس الْعلَّة فِي عين الحكم، مثل: تَأْثِير جنس الْمَشَقَّة فِي سُقُوط الْقَضَاء، فَإنَّا أجمعنا على أَن الْحَائِض لَا يجب عَلَيْهَا قَضَاء الصَّلَاة بِسَبَب الْمَشَقَّة 9 / 1، وَالْمُسَافر يقصر وَلَا يقْضِي مَا يقصر بِسَبَب الْمَشَقَّة أَيْضا، وَهُوَ غير مشقة الْحَائِض، وَالْمَشَقَّة جنس وَاحِد، وَالرَّابِع أَن يظْهر تَأْثِير جنس الْغَايَة فِي جنس الحكم، كتأثير جنس الْمَشَقَّة فِي جنس التَّخْفِيف وَهَذَا هُوَ الملائم.
تفهيم:
الْعلَّة هِيَ الْأَمر الَّذِي يُوجب تغيرا، فقد ينْطَلق على الْحِكْمَة وعَلى
(1/97)

مَظَنَّة الْحِكْمَة، وَالْحكمَة هِيَ: الْمَعْنى الَّذِي يثبت الحكم لأَجله، فَإِنَّهُ يُقَال: الْمُسَافِر يترخص لعِلَّة السّفر، وَالسَّبَب عبارَة عَن مَظَنَّة الْحِكْمَة (وَهِي الْمصلحَة أَو الْمفْسدَة، وجزء الشَّيْء هُوَ الْأَمر الْمُعْتَبر فِي استتمام السَّبَب ليصير مستدعيا للْحكم) ثمَّ السَّبَب قد يُطلق بِإِزَاءِ صُورَة المظنة وَإِن لم تكن مُعْتَبرَة لفَوَات شَرط مرعي فِي الحكم أَو لوُجُود مَانع، وَالشّرط هُوَ مَا يلْزم من انتفائه انْتِفَاء الحكم، وَالْمَانِع هُوَ الَّذِي يلْزم من وجوده انْتِفَاء الحكم، وَاعْتبر الْمَعْنيين بلو أَن، وَلَوْلَا أَن ثمَّ الْمَانِع يَنْقَسِم إِلَى مَانع السَّبَب، ومانع الحكم، أما مَانع السَّبَب فَمَا يحل بِحكمِهِ السَّبَب كَالدّين مَعَ ملك النّصاب، فالنصاب يُنَاسب الزَّكَاة لكَونه مَظَنَّة الْغنى، وَالدّين يحل بِالْمَعْنَى، وَأما مَانع الحكم فَمَا يشْتَمل على حِكْمَة هِيَ بمعزل عَن حِكْمَة السَّبَب مُقْتَضَاهُ نقيض مُقْتَضى السَّبَب.
(1/98)

تفهيم فِيمَا يعود إِلَى الْمَنْقُول:
الْكتاب الْعَزِيز هُوَ مَا نقل إِلَيْنَا بَين دفتي الْمُصحف على الأحرف الْمَشْهُورَة نقلا متواترا، وَكَونه معْجزَة يدل على صدق الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، وَاخْتلف فِي إعجاز الْقُرْآن فَقيل: لكَونه بلغ فِي الفصاحة إِلَى حَيْثُ خرق الْعَادة، فَكَانَ كقلب الْعَصَا حَيَّة وإحياء الْمَوْتَى، وَقيل: الإعجاز الصرفة، وَمعنى ذَلِك أَن الْعَرَب صرفُوا عَن معارضته مَعَ أَن فصاحة الْقُرْآن كَانَ فِي مقدورهم وشواذ الْقرَاءَات لَا تجْرِي مجْرى المتواترة، فالتتابع فِي صِيَام الْيَمين لَيْسَ بِوَاجِب عندنَا، وَإِن قَرَأَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات؛ لِأَن هَذِه الْقِرَاءَة لم تتواتر، وَعند أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يجب التَّتَابُع قَالَ: لِأَنَّهَا إِن لم تكن قِرَاءَة فَهِيَ خبر وَاحِد.
وَيجوز تطرق التَّأْوِيل إِلَى ظَاهر الْكتاب الْعَزِيز والتخصيص إِلَى صِيغ عُمُومه والنسخ إِلَى مقتضياته، والنسخ هُوَ الْخطاب الدَّال على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدّم على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ التَّرَاخِي.
(1/99)

(والنسخ والتخصيص يَشْتَرِكَانِ فِي أَن كل وَاحِد يُوجب اخْتِصَاص الحكم بِبَعْض مَا تنَاوله اللَّفْظ، لَكِن التَّخْصِيص بَيَان أَن مَا أخرج من عُمُوم الصِّيغَة مَا أُرِيد بِاللَّفْظِ الدّلَالَة عَلَيْهِ، والنسخ يخرج من اللَّفْظ مَا قصد بِالدّلَالَةِ عَلَيْهِ، ويختلفان أَيْضا فِي أَن النَّاسِخ يشْتَرط تراخيه، وَأَن التَّخْصِيص لَا يدْخل فِي الْأَمر الْوَاحِد، وَأَن النّسخ لَا يكون إِلَّا بِالْخِطَابِ، والتخصيص يكون بِالدّلَالَةِ الفعلية، ثمَّ التَّخْصِيص لَا يَنْفِي دلَالَة اللَّفْظ، ثمَّ إِن التَّخْصِيص الْعَام الْمَقْطُوع بِأَصْلِهِ جَائِز بِالْقِيَاسِ، وبخبر الْوَاحِد، وَنسخ الْقَاطِع لَا يكون إِلَّا بقاطع) ، وَالدَّلِيل على النّسخ الْإِجْمَاع: أَن ملتنا نسخت الْملَل، وَقَالَ الله تَعَالَى: {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها} ، وَجَاء فِي التَّفْسِير أَن معنى ننساها نمضيها، فالناسخ الله تَعَالَى، والمنسوخ الحكم 9 / ب والنسخ الرّفْع، والمنسوخ عَنهُ العَبْد، وَيُسمى الدَّلِيل نَاسِخا على سَبِيل التَّجَوُّز (وَأما السّنة فَمَا تضمنتها دساتير
(1/100)

الصِّحَاح، وَقد حط عَن الْفَقِيه مُؤنَة العنعنة الَّتِي قَامَ بهَا المحدثون، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ رد الْمَنْقُول إِلَى بعض الدساتير، وَأقوى مَا يرْوى أَن يَقُول النَّاقِل سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول كَذَا، وَأَخْبرنِي أَو حَدثنِي وَمَا جرى هَذَا المجرى، وَالثَّانِي أَن يَقُول: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَذَا، إِذْ يحْتَمل أَنه بلغه فقد روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: من أصبح مخالطا فَلَا صَوْم لَهُ، ثمَّ خُولِفَ فَقَالَ: حَدثنِي الْفضل بن الْعَبَّاس، وَالثَّالِث أَن يَقُول: أَمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِكَذَا؛ لِأَنَّهُ يتَطَرَّق (إِلَى هَذَا مَا تطرق) إِلَى الَّذِي قبله، وَرُبمَا ظن الرَّاوِي مَا لَيْسَ بِأَمْر أمرا الرَّابِع: أَن يَقُول أمرنَا بِكَذَا، الْخَامِس: أَن يَقُول كُنَّا نَفْعل) ، وَشرط التَّوَاتُر أَن يكون الْإِخْبَار فِيهِ عَن علم لَا عَن ظن، وَأَن يكون الْعلم ضَرُورِيًّا، وَأَن يَسْتَوِي طرفاه ووسطه فِي هَذَا الْمَعْنى، وَقد تنضم
(1/101)

إِلَى الْأَخْبَار الْآحَاد قَرَائِن توجب تقويتها، والنصوص فِي الْإِجْمَاع قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " سَأَلت الله تَعَالَى أَلا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة فَأَعْطَانِيهَا، وَمن سره بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة، وَمن فَارق الْجَمَاعَة مَاتَ ميتَة، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/102)

جَاهِلِيَّة ".
يتلوه جداول الْمسَائِل 10 / أ " إِن شَاءَ الله تَعَالَى ".
(1/103)

(ربع الْعِبَادَات وعدة مسَائِله)
(صه)
(الرَّمْز الأبجدي) ، (الرقم العددي)
إِزَالَة النَّجَاسَة، أ، 1
المَاء الْمُتَغَيّر، ب، 2
الْوضُوء بنبيذ التَّمْر، ج، 3
الشُّعُور وَالْعِظَام، د، 4
ذَكَاة غير الْمَأْكُول، هـ، 5
جلد الْكَلْب، و، 6
النِّيَّة فِي الطَّهَارَة، ز، 7
تثليث مسح الرَّأْس، ح، 8
التَّرْتِيب، ط، 9
الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، ي، 10
لمس غير الْمحرم، يَا، 11
مس الذّكر، يب، 12
الْخَارِج النَّجس، يج، 13
القهقهة، يَد، 14
مني الْآدَمِيّ، يه، 15
التَّحَرِّي فِي الْأَوَانِي يو، 16
سُؤْر السبَاع، يز، 17
(1/104)

قَلِيل النَّجَاسَة، يح، 18
الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ، يط، 19
اسْتِقْبَال الْقبْلَة، ك، 20
الْمُتَيَمم إِذا رأى المَاء فِي الصَّلَاة، كَا، 21
إِذا وجد مَا يَكْفِي بعض أَعْضَائِهِ كب، 22
إِذا نسي المَاء فِي رَحْله، كج، 23
التَّيَمُّم قبل دُخُول الْوَقْت، كد، 24
طلب المَاء قبل التَّيَمُّم، كه، 25
التَّيَمُّم بِغَيْر التُّرَاب، كو، 26
إِذا لم يجد ماءا وَلَا تُرَابا، كز، 27
الطَّهَارَة الْكَامِلَة للبس الْخُف، كح، 28
إِذا مسح ثمَّ سَافر، كط، 29
إِذا انْقَطع دم الْحَائِض، ل، 30
الْوُجُوب الموسع، لَا، 31
كمية الْإِقَامَة، لب، 32
اشْتِبَاه الْقبْلَة، لج، 33
إِذا صلى الصَّبِي فِي أول الْوَقْت، لد، 34
الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، لَهُ، 35
قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة، لَو، 36
الْبَسْمَلَة، لز، 37
قِرَاءَة الْفَاتِحَة خلف الإِمَام، لح، 38
الْقِرَاءَة بالعجمية، لط، 39
(1/105)

رفع الْيَدَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ، م، 40
إِذا تكلم فِي الصَّلَاة نَاسِيا، مَا، 41
إِذا فَاتَهُ صلوَات وارتد وَأعَاد، مب، 42
إِذا صلى وارتد وَعَاد، مج، 43
سُجُود السَّهْو، مد، 44
وقُوف الْمَرْأَة إِلَى جنب الْمُصَلِّي، مَه، 45
إِذا بَان أَن الإِمَام مُحدث، مو، 46
المفترض بالمتنفل، مز، 47
إِذا صلى الْكَافِر جمَاعَة، مح، 48
الْوتر، مط، 49
كمية الْوتر، ن، 50
الْقصر فِي السّفر، نَا، 51
العَاصِي بِسَفَرِهِ، نب، 52
التَّسْلِيم، نج، 53
لفظ التَّكْبِير، ند، 54
تَارِك الصَّلَوَات، نه، 55
الشَّهِيد، نو، 56
غسل الزَّوْج زَوجته، نز، 57
الصَّلَاة على الْغَائِب، نح، 58.
لَا ينجس الْآدَمِيّ بِالْمَوْتِ، نط، 59
لمن الصَّلَاة على الْمَيِّت، س، 60
(1/106)

إِذا زَادَت الْإِبِل على مائَة وَعشْرين، سا، 61
إِذا تلف المَال بعد التَّمَكُّن، سبّ، 62
الْمُسْتَفَاد فِي أثْنَاء الْحول، سج، 63
صغَار النعم، سد، 64
الْخلطَة، سه، 65
زَكَاة مَال الصَّبِي وَالْمَجْنُون، سو، 66
الدّين هَل يمْنَع الزَّكَاة؟ ، سز، 67
الْقيم فِي الزكوات، سح، 68
النقدان، سط، 69
وَاجِب النّصاب، ع، 70
إِذا مَاتَ من عَلَيْهِ زَكَاة، عا، 71
زَكَاة الْحلِيّ، عب، 72
الْعشْر وَالْخَرَاج، عج، 73
النّصاب فِي المعشرات، عد، 84
زَكَاة غير المقتات، عه، 75
تبييت النِّيَّة، عو، 76
تعْيين النِّيَّة، عز، 77
المطاوعة، عح، 78
الْإِفْطَار بِالْأَكْلِ وَالشرب، عط، 79
إِذا وطئ فِي يَوْمَيْنِ، ف، 80
الْمُنْفَرد بِرُؤْيَة الْهلَال، فا، 81
(1/107)

إِذا وصل المَاء إِلَى جَوْفه، فب، 82
إِذا أَفَاق الْمَجْنُون، فج، 83
الْإِلْزَام بِالشُّرُوعِ، فد، 84
نذر صَوْم الْعِيد، فه، 85
بذل الْوَلَد للْأَب فِي الْحَج، فو 86
وجوب الْحَج، فز، 87
التَّنَفُّل بِالْحَجِّ، فح، 88
أشهر الْحَج، فط، 89
إِذا أحرم بعمرتين، ص، 90
الِاسْتِئْجَار على الْحَج، صا، 91
إِحْرَام الصَّبِي، صب، 92
اشْتِرَاك الْمحرم فِي الصَّيْد، صج، 93
مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه، صد، 94
إِذا دلّ محرم محرما، صه، 95
(1/108)

(ربع الْمُعَامَلَات وعدة مسَائِله)
(قك)
بيع الْأَعْيَان الغائبة، أ، 1
خِيَار الْمجْلس، ب، 2
خِيَار الشَّرْط، ج، 3
الْملك فِي مُدَّة الخيارين، د، 4
خِيَار أَرْبَعَة أَيَّام، هـ، 5
عِلّة الرِّبَا، و، 6
الْعلَّة فِي النَّقْدَيْنِ، ز، 7
الْجِنْس بِانْفِرَادِهِ، ح، 8
التَّقَابُض فِي الْمجْلس فِي بيع الطَّعَام، ط، 9
بيع الرطب بِالتَّمْرِ، ي، 10
مد عَجْوَة، يَا، 11
إِذا اشْترى بِدَرَاهِم مُعينَة، يب، 12
بيع الْعقار قبل الْقَبْض، يج، 13
بيع لحم الشَّاة بِالشَّاة، يَد، 14
الْعينَة، يه، 15
وَطْء الثّيّب، يو، 16
الزَّوَائِد الْمُنْفَصِل، يز، 17
الْمُصراة، يح، 18
تَفْرِيق الصَّفْقَة، يط، 19
(1/109)

إِذا اشْترى بِشَرْط الْبَرَاءَة من الْعُيُوب، ك، 20
الحاق الزِّيَادَة بعد لُزُوم العقد، كَا، 21
نزاع الْمُتَبَايعين فِي الثّمن والمثمن، كب، 22
البيع الْفَاسِد، كج، 23
بيع الْفُضُولِيّ، كد، 24
إِذا اشْترى الْكَافِر عبدا مُسلما، كه، 25
بيع لبن الآدميات، كو، 26
بيع الْكَلْب، كز، 27
تَصَرُّفَات الصَّبِي، كح، 28
بيع النّخل قبل التَّأْبِير، كط، 29
إِذا فرق بَين الْأُم وصغيرها، ل، 30
إِذا أذن لعَبْدِهِ فِي نوع، لَا، 31
إِذا رَآهُ يتَصَرَّف وَسكت، لب، 32
الْمَأْذُون هَل تتَعَلَّق الدُّيُون بِرَقَبَتِهِ؟ ، لج، 33
إِذا أبق الْمَأْذُون، لد، 34
هَل للمأذون عقد الْإِجَارَة على نَفسه؟ ، لَهُ، 35
السّلم فِي الْمُنْقَطع، لَو، 36
السّلم الْحَال، لز، 37
السّلم فِي الْحَيَوَان، لح، 38
هَل يجوز أَن يكون رَأس المَال فِي الْمُسلم جزَافا؟ ، لط، 39
إِذا وجد الْمُسلم فِيهِ عيب وَقد حدث عيب، م، 40
(1/110)

رهن الْمشَاع، مَا، 41
مَنَافِع الْمَرْهُون، مب، 42
عتق الْمَرْهُون، مج، 43
زَوَائِد الْمَرْهُون العينية، مد، 44
إِذا تلف الْمَرْهُون، مَه، 45
رهن الْمَغْصُوب من الْغَاصِب، مو، 46
اسْتِدَامَة قبض الْمَرْهُون، مز، 47
الرَّهْن قبل وجوب الْحق، مح، 48
إِذا ارْتهن عصيرا فَوَجَدَهُ خمرًا، مط، 49
تَخْلِيل الْخمر، ن، 50
إفلاس المُشْتَرِي بِالثّمن، نَا، 51
السَّفِيه المبذر، نب، 52
الصُّلْح على الْإِنْكَار، نج، 53
إِذا مَاتَ الْمحَال عَلَيْهِ مُفلسًا، ند، 54
(من ثبتَتْ عسرته، نه، 55
ضَمَان دين الْمَيِّت الْمُفلس، نو، 56
الْكفَالَة بالأعيان الْمَضْمُونَة والأنفس، نز، 57
ضَمَان المَال الْمَجْهُول وَمَا لم يجب، نح، 58
إِذا شَرط الشريكان تفاضل الرِّبْح، نط، 59
شركَة الْمُفَاوضَة) والأبدان وَالْوُجُوه، س، 60
التَّوْكِيل من غير رضَا الْخصم، سا، 61
(1/111)

الْوَكِيل فِي الْخُصُومَة، سبّ، 62
الْوَكِيل بِالْبيعِ الْمُطلق لَا يَبِيع بِغَبن فَاحش، سج، 63
تَوْكِيل الْمُسلم الذِّمِّيّ فِي شرى الْخمر، سد، 64
ضَمَان الْعَارِية، سه، 65
غُرَمَاء إقراري الصِّحَّة وَالْمَرَض، سو، 66
الْإِقْرَار للْوَارِث فِي مرض الْمَوْت، سز، 67
إِذا أقرّ بِمَال عَظِيم، سح، 68
إِذا أقرّ بعض الْوَرَثَة وَأنكر الْبَعْض، سط، 69
إِذا أقرّ الابْن الْمُسْتَغْرق، ع، 70
إِذا فَقَأَ عَيْني عبد، عا، 71
المضمونات بِالْغَضَبِ هَل تملك، عب، 72
زَوَائِد الْمَغْصُوب، عج، 73
مَنَافِع الْمَغْصُوب، عد، 74
المستكرهة على الزِّنَى، عه، 75
غصب الْعقار، عو، 76
غصب الساجه، عز، 77
إِذا غصب حِنْطَة وطحنها، عه 78
إِذا غصب حِنْطَة وبذرها، عط، 79
إِذا خرق ثوب خرقا فَاحِشا، ف، 80
(1/112)

إِذا فَقَأَ عَيْني فرس، فا، 81
إِرَاقَة خمر الذِّمِّيّ، فب، 82
الْوَلَد هَل يجْبر نُقْصَان الْولادَة، فج، 83
إِذا قدم الْغَاصِب الطَّعَام إِلَى الْمَالِك، فد، 84
إِذا غصب شَيْئا وَتلف فِي يَده، فه، 85 ضمنه بِأَكْثَرَ قِيمَته
مُسْتَحقّ الشُّفْعَة، فو، 86
شُفْعَة الشّقص الممهور، فز، 87
كَيفَ تقسم الشُّفْعَة بَين الشُّرَكَاء؟ ، فح، 88
إِذا بنى الْمُشْتَرى أَو غرس، فط، 89
الْمُسَاقَاة، ص، 90
الْأُجْرَة فِي الْإِجَارَة، ص، 91
موت أحد المستأجرين، صب، 92
إِجَارَة الْمشَاع، صج، 93
الْأَجِير الْمُشْتَرك، صد، 94
الْإِجَارَة فِي ابْتِدَاء الْمدَّة، صه، 95
إِذن الإِمَام فِي إحْيَاء الْموَات، صو، 96
الْوَقْف، صز، 97
الرُّجُوع فِي الْهِبَة، صَحَّ، 98
هبة الْمشَاع، صط، 99
جِهَة اللّقطَة، ق، 100
(1/113)

إِسْلَام الصَّبِي، قا، 101
الرَّد، قب، 102
ذُو الْأَرْحَام، قج، 103
المشركة، قد، 104
الْجد مَعَ الْأُخوة، قه، 105
تَرِكَة الْمُرْتَد، قو، 106
قتل الصَّبِي هَل يحرم الْمِيرَاث، قَز، 107
الْإِرْث بقرابتين، قح، 108
قتل الْعَادِل الْبَاغِي هَل يمْنَع الْإِرْث، قطّ، 109
الْمُوَالَاة، قي، 110
إِذا أوصى بِالثُّلثِ وَالنّصف، قيا، 111
إِذا أوصى بِجَمِيعِ مَاله، قيب، 112
الْمُوصى إِلَيْهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي نوع، قيج، 113
الْوَصِيَّة للْقَاتِل، قيد، 114
إِذا اشْترى الْوَصِيّ شَيْئا من مَال الْيَتِيم، قيه، 115
إِذا تعدى الْمُودع فِي الْوَدِيعَة، قيو، 116
إِذا أودع صَبيا، قيز 117
السَّلب، قيح، 118
إِذا جَاوز الدَّرْب ونفق فرسه، قيط، 119
اسْتِيعَاب الْأَصْنَاف، قك، 120
(1/114)

(ربع النِّكَاح وعدة مسَائِله)
عه (75)
النِّكَاح بِغَيْر ولي، أ، 1
إِجْبَار الْبكر، ب، 2
الثّيّب الصَّغِيرَة هَل يجبرها الْوَلِيّ على النِّكَاح؟ ، ج، 3
المصابة بِالْفُجُورِ، د، 4
ولَايَة الْفَاسِق، هـ، 5
حُضُور الْفَاسِقين، و، 6
هَل ينْعَقد النِّكَاح بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ، ز، 7
غير الْأَب وَالْجد هَل يُزَوّج الصَّغِيرَة؟ ، ح، 8
تَزْوِيج الابْن أمه بالبنوة، ط، 9
إِذا رضيت بِأَقَلّ من مهر الْمثل، يَا، 10
إِذا زوج ابْنَته الصَّغِيرَة بِدُونِ مهر الْمثل، يَا، 11
الْوَلِيّ الْأَقْرَب إِذا غَابَ غيبَة مُنْقَطِعَة، يب، 12
إِذا زوج أحد الْأَوْلِيَاء من غير كُفْء، يج، 13
تَزْوِيج الْوَلِيّ وليته من نَفسه، يَد، 14
إِجْبَار السَّيِّد عَبده على النِّكَاح، يه، 15
بِأَيّ لَفْظَة ينْعَقد النِّكَاح، يو، 16
نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت، يز، 17
المخلوقة من مَاء الزِّنَى، يح، 18
(1/115)

الزِّنَى هَل يُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة، يط، 19
إِذا استولد الْأَب جَارِيَة ابْنه، ك، 20
أَيجوزُ للْأَب نِكَاح جَارِيَة الابْن، كَا، 21
الْحر الْوَاجِد طول الْحرَّة هَل ينْكح الْأمة؟ ، كب، 22
نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة، كج، 23
الْكَافِر إِذا أسلم عَن أَكثر من أَربع نسْوَة أَو عَن أُخْتَيْنِ، كد، 24
إِذا ارْتَدَّ الزَّوْج بعد ارتداد زَوجته، كه، 25
إِذا ارْتَدَّ أحد الزَّوْجَيْنِ بعد الدُّخُول، كو، 26
إِذا هَاجر الْحَرْبِيّ إِلَيْنَا بِذِمَّة هَل، كز يَنْقَطِع نِكَاحه؟ ، 27
إِذا أعتقت الأمه تَحت حر هَل تتخير؟ ، كح، 28
فسخ النِّكَاح بالعيوب الْخَمْسَة، كط، 29
نِكَاح الشّغَار، ل، 30
الْمهْر هَل يتَقَدَّر؟ ، لَا، 31
المفوضة، لب، 32
الْخلْوَة الصَّحِيحَة هَل تقرر الْمهْر؟ ، لج، 33
إِذا وهبت صَدَاقهَا، لد، 34
إِذا تزَوجهَا على ثوب هروي، لَهُ، 35
مَا هُوَ الْخلْع؟ ، لَو، 36
هَل يلْحق المختلعة طَلَاق؟ ، لز، 37
(1/116)

تَعْلِيق الطَّلَاق بِالْملكِ، لح، 38
الْجمع بَين المطلقات، لط، 39
الْكِنَايَات هَل تقطع الرّجْعَة؟ ، م، 40
اسْتِعْمَال الطَّلَاق وكناياته فِي الْعتاق، مَا، 41
إِذا قَالَ أَنْت طَالِق وَنوى عددا، مب، 42
إِذا قَالَ أَنا مِنْك طَالِق، مج، 43
إِضَافَة الطَّلَاق إِلَى جُزْء معِين، مد، 44
طَلَاق الْمُكْره وعتاقه، مَه، 45
إِذا طَلقهَا وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ ونكحت غَيره ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ، مو، 46
بِمَاذَا يعْتَبر عدد الطَّلَاق، مز، 47
المبتوتة فِي مرض الْمَوْت، مح، 48
بِمَاذَا تحصل الرّجْعَة، مط، 49
وَطْء الرَّجْعِيَّة، ن، 50
طَلَاق الْمولى، نَا، 51
ظِهَار الذِّمِّيّ، نب، 52
إِذا وطئ الْمظَاهر عَنْهَا فِي أثْنَاء شَهْري الصّيام، نج، 53
إِعْتَاق الرَّقَبَة الْكَافِرَة، ند، 54
إِعْتَاق الْمكَاتب عَن الْكَفَّارَة، نه، 55
إِذا اشْترى من يعْتق عَلَيْهِ بنية الْكَفَّارَة، نو، 56
إِذا قَالَ أعتق عَبدك عني وَنوى صرفه إِلَى الْكَفَّارَة، نز 57
(1/117)

اسْتِيعَاب الْمَسَاكِين، نح، 58
التغذية والتعشية، نط، 59
بِأَيّ الْأَحْوَال تعْتَبر الْكَفَّارَة، س، 60
مَا مُوجب قذف الزَّوْجَة، سا، 61
العَبْد والمحدود وَالذِّمِّيّ هَل هم من أهل اللّعان؟ ، سبّ، 62
إِذا أقرّ بِوَطْء أمته وَأَتَتْ بِولد، سج، 63
النِّكَاح الَّذِي لم يتَّصل بِهِ إِمْكَان الْوَطْء، سد، 64
حد الْقَذْف هَل يُورث، سه، 65
هَل تَنْقَضِي عدَّة الزَّوْج بِوَضْع حمل من غَيره، سو، 66
إِذا أقرَّت بِانْقِضَاء عدتهَا ثمَّ أَتَت بِولد، سز، 67
العدتان من رجلَيْنِ هَل يتداخلان؟ ، سح، 68
إِذا انعتقت أم الْوَلَد بِمَاذَا تَعْتَد؟ ، سط، 69
نَفَقَة الْبَائِن، ع، 70
الْإِعْسَار بِالنَّفَقَةِ، عا، 71
نَفَقَة الْأَقَارِب، عب، 72
نَفَقَة الزَّوْجَة، عج، 73
الرَّضَاع من الْميتَة، عد، 74
التخلي، عه، 75
(1/118)

(ربع الْجِنَايَات وعدة مسَائِله)
عه (75)
الْمُسلم بالذمي، أ، 1
الْحر بِالْعَبدِ، ب، 2
قيمَة العَبْد، ج، 3
الْأَيْدِي بِالْيَدِ، د، 4
الْوَاحِد بِالْجَمَاعَة، هـ، 5
الْقَتْل بالمثقل، و، 6
مُوجب الْعمد، ز، 7
الْمُكْره على الْقَتْل، ح، 8
شُهُود الْقصاص، ط، 9
الْقصاص بَين صَغِير وكبير، ي، 10
إِذا قطع يَمِيني رجلَيْنِ، يَا، 11
شريك الْأَب، يب، 12
سرَايَة الْقصاص، يج، 13
الْمُمَاثلَة فِي الْقصاص، يَد، 14
مُسْتَحقّ الْقصاص فِي النَّفس إِذا قطع الطّرف، يه، 15
إِذا قطع أَحدهمَا من الْكُوع وَالْآخر من الْمرْفق، يو، 16
الملتجئ إِلَى الْحرم، يز، 17
دِيَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ، يح، 18
إِفْسَاد منابت الشُّعُور الْخَمْسَة، يط، 19
(1/119)

جَنِين الْأمة، ك، 20
الْقسَامَة، كَا، 21
الْعمد هَل يُوجب الْكَفَّارَة؟ ، كب، 22
مَا أتْلفه أهل الْبَغي على أهل الْعدْل، كج، 23
الْمُرْتَدَّة، كد، 24
أَمَان العَبْد، كه، 25
الْجلد والتغريب، كو، 26
هَل الْإِسْلَام شَرط فِي الْإِحْصَان؟ ، كز، 27
الْعدَد فِي الْإِقْرَار بالزنى، كح، 28
الْعَاقِلَة إِذا مكنت صَبيا أَو مَجْنُونا، كط، 29
إِذا عقد على ذَوَات مَحَارمه، ل، 30
إِذا اسْتَأْجر امْرَأَة ليزني بهَا، لَا، 31
اللواط، لب، 32
سَرقَة الْفَوَاكِه الرّطبَة، لج، 33
أيقيم السَّيِّد الْحَد على عَبده؟ ، لد، 34
نِصَاب مَا أَصله مُبَاح، لَهُ، 35
النباش، لَو، 36
هبة الْمَسْرُوق من السَّارِق، لز، 37
الْقطع وَالْغُرْم، لح، 38
إِذا سرق عينا وَقطع بهَا ثمَّ سَرَقهَا، لط، 39
اسْتِيعَاب الْأَطْرَاف، م، 40
حكم النَّبِيذ فِي التَّحْرِيم، مَا، 41
(1/120)

صيال الفحال، مب، 42
قسْمَة الْغَنَائِم بدار الْحَرْب، مج، 43
إِذا استولى الْكفَّار على أَمْوَال الْمُسلمين، مد، 44
من أسلم وَلم يُهَاجر، مَه، 45
سُقُوط الْجِزْيَة بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَام وتداخل السنين، مو، 46
الْكَلْب الْمعلم، مز، 47
مَتْرُوك التَّسْمِيَة، مح، 48
أَخذ الْجِزْيَة من الوثني العجمي، مط، 49
ذَكَاة الْجَنِين بِذَكَاة أمه، ن، 50
الْأُضْحِية، نَا، 51
الْيَمين الْغمُوس، نب، 52
التَّكْفِير بِالْمَالِ قبل الْحِنْث، نج، 53
الْقَضَاء على الغايب، ند، 54
قَضَاء القَاضِي فِي الْعُقُود والفسوخ، نه، 55
الْقَضَاء بِالنّكُولِ، نو، 56
بَيِّنَة ذِي الْيَد، نز، 57
الْقسَامَة، نح، 58
إِذا أعتق أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه وَهُوَ مُعسر، نط، 59
(1/121)

إِذا أعتق فِي مرض مَوته أعبدا لَا يملك سواهُم، س، 60
إِذا قَالَ لعبد أكبر مِنْهُ سنا أَنْت ابْني، سا 61
من ملك محرما غير الْأُصُول وَالْفُرُوع، سبّ، 62
بيع الْمُدبر، سج، 63
إِذا مَاتَ الْمكَاتب، سد، 64
إِذا زوج ابْنَته من مكَاتب ثمَّ مَاتَ، سه، 65
شَهَادَة الْقَابِلَة، سو، 66
الْمَحْدُود فِي الْقَذْف، سز، 67
شَهَادَة أهل الذِّمَّة، سح، 68
شَاهد وَيَمِين، سط، 69
شُهُود الطَّلَاق، ع، 70
نذر ذبح الْوَلَد، عا، 71
نذر اللجاج، عب، 72
الْكِتَابَة الْحَالة، عج، 73
إِذا استولد أمة الْغَيْر ثمَّ اشْتَرَاهَا، عد، 74
شَهَادَة أحد الزَّوْجَيْنِ للْآخر، عه، 75
(1/122)

(كتاب الطَّهَارَة)
(1/123)

فارغة
(1/124)

(كتاب الطَّهَارَة)
(1/125)

فارغة
(1/126)

لوحة 12:
الطَّهَارَة وَمَا تتأدى بِهِ عرفا شرعا، وَيَنْبَنِي على هَذَا مسَائِل مِنْهَا: إِزَالَة النَّجَاسَة، وَالْمَاء الْمُتَغَيّر، وَالنِّيَّة، وَالتَّرْتِيب، وَلَا ننكر أَن لَفْظَة طَاهِر وطهور كَانَتَا معروفتين عِنْد الْعَرَب فقد جَاءَ: ملاح التثني ريقهن طهُور.
لَكِن لما نقلت إِلَى الِاسْتِعْمَال الشَّرْعِيّ وَظهر التَّعَبُّد فِيهَا (بِحَيْثُ نجس) الْخمر وطهر الْخلّ، وَخرج الْأَذَى من مَكَان وَغسل أَو مسح غَيره وقفنا فِي الطَّهَارَة وَأَحْوَالهَا على قانون الشَّرْع والتوقيف، وَاعْلَم أَن الْأَحْكَام لَيست أوصافا للْحَال، بل تعلق خطاب الشَّرْع بِأَفْعَال الْمُكَلّفين وَلَا حكم قبل الشَّرْع، وَلَا حسن وَلَا قَبِيح، وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ مجَال فِي ذَلِك، بل لَهُ التَّصَرُّف فِي جَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَهِي مَسْأَلَة خلافية، وَلَا
(1/127)

نقر بمشهورات تُوصَف بالقبح وَالْحسن كالعدل وَالظُّلم والصدق وَالْكذب، فَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا حسن أَو قبح لذاته، كَمَا تُوصَف النَّار بالحرارة، وَلَو كَانَ كَذَلِك (لما اخْتلفت النَّحْل) والعادات، فَإِن الصدْق فِي الدّلَالَة على عورات الأصدقاء وَمُقَاتِل الْأَنْبِيَاء قَبِيح، وَالْكذب فِي إصْلَاح ذَات بَين حسن، وَلَوْلَا الشَّرَائِع والتمدن والعوائد مَا علق بخاطرك حسن وَلَا قبح، وَقد يبْعَث على الرَّحْمَة رقة غريزية وَلَا تطرد فِي الْغَيْر كالجازر لَا يرق لذبيحته رقة غَيره، وَقد وجدنَا الْخلق الْوَاحِد مَحْمُودًا مذموما، وَقد وصف الحقد شَاعِر فَقَالَ:
(وَمَا الحقد إِلَّا توأم الشُّكْر فِي الْفَتى ... وَبَعض السجايا ينتسبن إِلَى بعض)

(إِذا الأَرْض أدَّت ريع مَا أَنْت باذر ... من الْبذر فِيهَا فَهِيَ ناهيك من أَرض)
(1/128)

وحث آخر على الْبُخْل فَقَالَ ومدح:
(إِذا الْمَرْء لم يُوجب عَلَيْك عطاؤه ... صَنِيعَة قربى أَو خَلِيل توافقه)

(منعت وَبَعض الْمَنْع قهر وَقُوَّة ... وَلم يفتلذك المَال إِلَّا حقائقه)

وَاعْلَم أَن الطّهُور هُوَ المَاء الْمُطلق بِأَصْل خلقته، وَيكرهُ مشمسه طِبًّا.
وَأول الْكثير مِنْهُ القلتان وقدرها ث بالسلامي، وَهَذَا (الْقدر) لَا يُوصف بِالنَّجَاسَةِ، وَإِن ظَهرت فِيهِ حَتَّى يتَغَيَّر بعض أَوْصَافه الطّعْم، أَو اللَّوْن أَو الرّيح، وَاعْلَم أَن الْخصم يَدعِي كَون الطَّاهِر لَا يصير نجسا لَكِن إِذا قاربه النَّجس أخرجه من أَن يتَقرَّب بِهِ إِلَى المعبود، وَالطَّهَارَة تزيل هَذَا الْمَعْنى وَالْمُنَاسِب الْإِزَالَة فَمَا حصلت بِهِ (الْإِزَالَة) ناسب التَّطْهِير فَالْمَعْنى الْمَعْقُول أَن التلوث بِالنَّجَاسَةِ يخرج المتلوث عَن أَن
(1/129)

يتَقرَّب بِهِ إِلَى المعبود، لَكِن هَذَا الْمَعْنى الْمَعْقُول يصحب معنى تعبديا ذَلِك الْمَعْنى، أما فِي إِزَالَة النَّجَاسَة، فكون المَاء لَا يَتَنَجَّس بالملاقاة، وَأما فِي الْحَدث فَغسل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، فَإِذا عدى الْمَعْنى الْمَعْقُول تعدى مَعَه مَا يلْزمه من الْمَعْنى غير الْمَعْقُول وَصَارَ كَمَا أَن تَحْرِيم التَّفَاضُل فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة مَعْقُول وَإِسْقَاط الْجَوْدَة غير مَعْقُول، فَإِذا تعدى إِلَى غَيرهَا تعدى الْمَعْقُول ولازمه.
(1/130)

(كتاب الطَّهَارَة)

(الْمسَائِل)

(الْمَسْأَلَة الأولى: إِزَالَة النَّجَاسَة (أ)) .
الْمَذْهَب: الْمُتَعَيّن لَهَا المَاء.
عِنْدهم: بِكُل طَاهِر مَائِع مزيل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا} . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لأسماء، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/131)

" اغسليه بِالْمَاءِ ". نَص على المَاء، وَلَو ادعينا إِجْمَاع الصَّحَابَة على الِاقْتِصَار على أَن المَاء طهُور بِوَجْه.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
طَهَارَة ترَاد بهَا الصَّلَاة فَلم يقم فِيهَا غير المَاء مقَامه، كطهارة الْحَدث ذَلِك؛ لِأَن الطّهُورِيَّة صفة زَائِدَة على الطَّهَارَة، وَلَا تطلق إِلَّا على المَاء حَقِيقَة.
لَهُم:
مَائِع طَاهِر مزيل للعين فيصلح لإِزَالَة النَّجَاسَة كَالْمَاءِ، وَلَوْلَا أَنه مزيل مَا اقْتصر عَلَيْهِ فِي غسل طيب الْمحرم.
(1/132)

مَالك: ق.
أَحْمد: يكره الْوضُوء وَالْغسْل بِمَاء زَمْزَم وَبِمَا سخن بِنَجَاسَة. ق.
التكملة:
لنا ثَلَاثَة مآخذ، إِمَّا أَن ندعي بَقَاء عين النَّجَاسَة، وَالشَّاهِد قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " ثمَّ الطخيه بزعفران واللون لَا يبْقى دون الملون " وَفِي المَاء قُوَّة شَرْعِيَّة تحيله طَاهِرا، أَو ندعي أَن المَاء ينجس بملاقاة النَّجَاسَة وَالشَّرْع جعله طهُورا، ونستدل على ذَلِك بِأَن الْمُنْفَصِل جُزْء من الْمُتَّصِل، والمنفصل نجس فَكَذَا الْمُتَّصِل، وَالثَّالِث أَن الثَّوْب صَار نجسا حكما، وَالْمَاء يزِيل هَذِه النَّجَاسَة، ونعتذر عَن الْخمر المخللة بِأَنَّهَا استحالت بِنَفسِهَا
(1/133)

وَيفرق بَين المحترمة وَغَيرهَا؛ لِأَن المحترمة غير نَجِسَة، وَالْمَسْأَلَة لَازِمَة لَهُم أَيْضا من جِهَة طَهَارَة الغسالة.
وَالصَّحِيح أَن طَهَارَة الْخلّ رخصَة وهم يدعونَ أَن الْخلّ مزيل كَالْمَاءِ، وَلَا يسلمُونَ أَن الطَّاهِر يصير نجسا، إِذْ الْأَعْيَان لَا تنْقَلب، وَأما إِذا شاع النَّجس فِي الطَّاهِر اجْتنب الْجَمِيع، كَمَا لَو اخْتلطت أُخْته بأجنبيات، وَلَو كَانَ كَمَا ذكرُوا لجَاز الْغسْل بِهِ وأزال الْحَدث، وَتبقى على الْمُحدث نَجَاسَة، ونعتذر عَن طيب الْمحرم بِأَن الْقَصْد إِزَالَته وَلَو بمائع نجس.
(1/134)

فارغة
(1/135)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: الْمُتَغَيّر بمخالطة طَاهِر يسْتَغْنى عَنهُ. (ب))

الْمَذْهَب: لَا تجوز الطَّهَارَة بِهِ.
عِنْدهم: يجوز.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ظَاهر الْآيَة العزيزة ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تغير بمخالطة غير طهُور مَعَ غناهُ عَنهُ، فَلم تجز الطَّهَارَة بِهِ كَمَاء الباقلاء.
(1/136)

لَهُم:
المَاء ومخالطه طاهران، فصارا كَمَا لَو خالطه تُرَاب، والتغير غير مَانع بِدَلِيل الآجن، وتداول الصِّفَات على المَاء كأطوار الْخلقَة على الْإِنْسَان وَهُوَ فِي جَمِيعهَا إِنْسَان، وَالْإِضَافَة لَا تغير حكمه، كَمَا لَو أضيف إِلَى مقره.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: لَو كَانَ المغير مَانِعا لمنع بِمُجَرَّد الْوُقُوع، كالنجاسة فِي المَاء الْقَلِيل. الْجَواب: أَن هَذَا عكس الْعلَّة وَلَا يلْزم، وَبَيَانه أَنهم أرونا مَا تنجس، وَلم يتَغَيَّر، وَهُوَ المَاء الْقَلِيل بِالنَّجَاسَةِ، وَنحن إِنَّمَا عللنا بالتغير، وَيجوز أَن ينجس المَاء لِمَعْنى غير التَّغَيُّر، ثمَّ إِنَّا لَا نمْنَع بالمخالطة وَلَا بالتغير، بل بِزَوَال إِطْلَاق اسْم المَاء، وَاعْلَم أَن كل صفة ذاتية تلْزم المَاء فِي
(1/137)

مقرّ أَو ممر تزيل عَلَيْهِ إِطْلَاق الِاسْم بتغيره عَنْهَا، لَا إِلَيْهَا ذَلِك بضرورة الِاحْتِرَاز عَنْهَا، وَاعْلَم أَن مخالط المَاء إِن كَانَ طهُورا بقيا طاهرين، وَإِن كَانَ غير طهُور بقيا كَذَلِك، وَكَذَا النَّجس، فَإِن قَالُوا: لم يكْتَسب المَاء اسْما آخر، قُلْنَا: الْأَسْمَاء مِنْهَا مُفْردَة وَمِنْهَا مركبة ومضافة، والجميع يزِيل إِطْلَاق الِاسْم.
(1/138)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: نَبِيذ التَّمْر: (ج)) .
الْمَذْهَب: نجس لَا يجوز الْوضُوء بِهِ.
عِنْدهم: يجوز فِي السّفر عِنْد عدم المَاء.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا} ، رتب التَّيَمُّم على المَاء، فَلَا يجوز الْفَصْل بالنبيذ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَة على النَّص، وَذَلِكَ نسخ فَلَا يجوز بِخَبَر الْوَاحِد.
لَهُم:
خبر ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ لَيْلَة الْجِنّ، وَقد عمل بِهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي مَسْأَلَة الِاسْتِنْجَاء وَوجه دلَالَته قَوْله " معي نَبِيذ " مَعَ فَصَاحَته.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَا لَا يرفع الْحَدث، فَلَا تصح الطَّهَارَة بِهِ ... .
(1/139)

لَهُم:
نوع تطهر يُفْضِي إِلَى بدل فأفضى إِلَى بدلين كَالْعِتْقِ، ثمَّ إِن الرَّأْس وَالرجل عضوا طَهَارَة فَثَبت فيهمَا بدل، كالوجه وَالْيَدَيْنِ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الحَدِيث فِيهِ طعن، ثمَّ إِنَّه كَانَ بِمَكَّة وَآيَة التَّيَمُّم مَدَنِيَّة، ثمَّ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " تَمْرَة طيبَة وَمَاء طهُور ". يَقْتَضِي أَن يكون المَاء بِحَالهِ وَالتَّمْر على صورته ليصدق عَلَيْهِ الْوَصْف، فالسكنجبين لَا يُقَال لَهُ خل وَعسل إِلَّا مجَازًا، ثمَّ لَو كَانَ النَّبِيذ طهُورا مَا ترَتّب على المَاء وَلَا اخْتصَّ بِالسَّفرِ وَخبر الْوَاحِد فِيمَا يُخَالف الْأُصُول مَرْدُود، ثمَّ لَو كَانَ النَّبِيذ بدل المَاء لوَجَبَ أَن يكون أَعم مِنْهُ اعْتبر ذَلِك بِالشرابِ، وَمَا لَا يتَوَضَّأ بِهِ حضرا لَا يتَوَضَّأ بِهِ
(1/140)

سفرا، وَيَبْنِي الْكَلَام على أَنه لَا يجوز أَن يكون السّفر عِلّة الطّهُورِيَّة، ثمَّ حَال ابْن مَسْعُود لَا يَقْتَضِي اسْتِصْحَاب الأنبذة فِي السّفر.
(1/141)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة: شعر الْميتَة والعظم والعصب (د)) .
الْمَذْهَب: تنجس بِالْمَوْتِ.
عِنْدهم: لَا ينجس بِالْمَوْتِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
أما الدَّلِيل على الْحَيَاة فَقَوله تَعَالَى: {قَالَ من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم} ، وَالدَّلِيل الْكُلِّي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب "، وَقَوله تَعَالَى: {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة} .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أحد نَوْعي الطَّهَارَة، فَلَا يُفَارق الشّعْر فِيهِ أَصله كطهارة الْحَدث،
(1/142)

وَالْمُعْتَمد كَون الْأَجْزَاء تَابِعَة للْأَصْل طَهَارَة ونجسا، وَلذَلِك لَا يمس الْجنب الْمُصحف بِشعرِهِ.
لَهُم:
الَّذِي يثبت حكم النَّجَاسَة الْمَوْت، وَإِنَّمَا يحل حَيْثُ تحل الْحَيَاة، وَلَا حَيَاة فِي الشّعْر، وَأَبُو زيد يسلم أَن فِيهِ حَيَاة، وَيَقُول: الْمَوْت لَا ينجس لعَينه بل إِمَّا لأجل الفضول، أَو لحُرْمَة الْأكل.
مَالك: الْعظم تحله الرّوح لَا الشّعْر.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا رَضِي الله عَنْهُمَا.
التكملة:
إِن فرقوا بَين الْحَدث وَالْمَوْت بِأَن الْعلَّة ثمَّ الْوَضَاءَة، وَهُوَ يَشْمَل الشّعْر والبشر، وَالْعلَّة هَاهُنَا الْمَوْت، وَلَا يحل الشّعْر، فَالْجَوَاب منع عِلّة الْوَضَاءَة، فَإِن النَّظِيف يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ الكدر، ثمَّ على أصلهم آكِد، فَإِن الْعلَّة عِنْدهم الْخَارِج النَّجس ثمَّ حَاجَة الشّعْر إِلَى التَّطْهِير كحاجة الْجُمْلَة؛ لِأَنَّهُ بَعْضهَا وأبخره الفضول وَالشعر بعد الْمَوْت يعرض التّلف وَعدم الإحساس يُشَارِكهُ فِيهِ الْجُلُود المستحيلة، ثمَّ حُرْمَة التَّنَاوُل تعم الشّعْر والبشرة، وَلَيْسَ
(1/143)

تَحْرِيم الْأكل لعدم الإغذا، فَإِن التُّرَاب لَا يحرم الدِّرْهَم مِنْهُ، وَإِن كَانَ لَا يغذي وَلَا ينجس مَا يلقى فِيهِ، ثمَّ الشّعْر يتبع الْجُمْلَة حلا وَحُرْمَة وضمانا، وَشعر صيد الْحرم كجملته.
(1/144)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة: ذَكَاة غير الْمَأْكُول (هـ))
:
الْمَذْهَب: لَا تبقى مَعَه طَهَارَة الْجلد.
عِنْدهم: تفِيد فِي غير الْآدَمِيّ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب "، وَهَذِه ميتَة، والْحَدِيث صَحِيح، وَاسْتثنى المدبوغ بقوله: " هلا أَخَذْتُم إهابها فدبغتموه وانتفعتم بِهِ ".
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " دباغ الْأَدِيم ذَكَاته " شبه الدّباغ بالذكاة، والمشبه بِهِ أقوى من الْمُشبه والمشبه يُفِيد الطَّهَارَة، فالمشبه بِهِ أولى.
(1/145)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ذبح غير مَشْرُوع فَلَا تبقى مَعَه طَهَارَة الْجلد، كذبح الْمَجُوسِيّ، ثمَّ هَذَا حَيَوَان لَا يُؤْكَل لَحْمه، فَلَا تَأْثِير للذكاة فِي تَطْهِير جلده كالخنزير.
لَهُم:
مَا طهر جلده بالدباغ طهر بالذكاة، كالمأكول، ذَلِك لِأَن الدّباغ ينشف الرطوبات الَّتِي حلهَا الْمَوْت، والذكاة تمنع من تحللها أَولا فَكَانَ آكِد.
مَالك: وَافق أَبَا حنيفَة.
أَحْمد:
التكملة:
عِنْدهم الذَّكَاة فعل حسي، وَقد وجد من الْأَهْل بآلته فِي الْمحل، وَهُوَ نوع معالجة لطلب مَنْفَعَة هِيَ الْجلد، وَنحن نقُول: إِن الذَّكَاة فعل خَاص بِآلَة خَاصَّة فِي مَحل خَاص، وَهُوَ حَيْثُ يحل اللَّحْم لقَوْله تَعَالَى: {إِلَّا مَا ذكيتم} ، ونقول: تَحْرِيم ذبح الْحَيَوَان أصل، وَإِنَّمَا أُبِيح لحَاجَة اللَّحْم،
(1/146)

وَرُبمَا قَالُوا: مَا يعنون أَنه غير مَشْرُوع إِن عنيتم أَنه لم ينْتَصب سَببا للْحكم فَهُوَ مَحل النزاع، وَإِن عنيتم أَنه مَنْهِيّ عَنهُ فَمُسلم، لَكِن لم قُلْتُمْ: إِن الْمنْهِي عَنهُ لَا يكون صَحِيحا، وَقد عرف من مَذْهَبنَا أَن الصِّحَّة وَالْفساد لَا تتلقى من الْأَمر وَالنَّهْي، بل من الْأَركان والشرائط، وَالْجَوَاب أَن الْمَشْرُوع مَا اعْتَبرهُ الشَّرْع، وَالنَّهْي يدل على عدم المشروعية ويلزمهم نَجَاسَة اللَّحْم، عذرهمْ أَن الطَّهَارَة تعْتَبر حَيْثُ يكون الِانْتِفَاع، وَلَا انْتِفَاع بِاللَّحْمِ، ويعتذرون عَن ذبح الْمَجُوسِيّ بِأَن ذَلِك الشَّرْط ثَبت تعبدا.
(1/147)

فارغة
(1/148)

لوحة 13:
دَلِيل الْخطاب مَذْهَبنَا، وَكَانَ صاحبنا قيمًا باللغة، عَارِفًا بمجاري كَلَام الْعَرَب، قَالَ الْأَصْمَعِي: قَرَأت ديوَان هُذَيْل على فَتى بالحجاز يُقَال لَهُ: مُحَمَّد بن إِدْرِيس، ثمَّ إِن أَبَا عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَافق دَلِيل الْخطاب وَاسْتدلَّ على أَن لي الْمُعسر لَا يُبِيح حَبسه لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لي الْوَاجِد يُبِيح عرضه وعقوبته " وَأنكر على من أول قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لِأَن يمتلئ جَوف أحدكُم قَيْحا حَتَّى يرِيه خير من أَن يمتلئ شعرًا " بِأَنَّهُ الشّعْر الَّذِي
(1/149)

هجى بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ: لَو كَانَ كَذَلِك لجَاز أَن يحفظ يسير هجوه، وَإِنَّمَا المُرَاد جنس الشّعْر إِذا امْتَلَأَ الْإِنْسَان مِنْهُ فَشَغلهُ عَن مهمه، فدليل الْخطاب حجَّة يظْهر من فحواه، وَلما قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: الْهِرَّة لَيست بنجسة فِي معرض التَّعْلِيل دلّ على نَجَاسَة الْكَلْب، وَكَذَلِكَ انْقَطَعت مُرَاجعَته بِخِلَاف مَا لَو قَالَ: هِيَ تغتدى، أَو ذَات ذَنْب لحسن أَن يُقَال فالكلب كَذَلِك، وَاعْلَم أَن كل عَام يتَطَرَّق إِلَيْهِ التَّخْصِيص لَكِن يحسن إِخْرَاج نادره لَا ظَاهره، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " كل إهَاب " جَازَ أَن يخرج مِنْهُ إهَاب الْخِنْزِير وَالْكَلب لَا الشَّاء وَالْبَعِير وَاعْلَم أَن كل حَيَوَان طَاهِر فِي حَال حَيَاته كَيفَ عدم الْحَيَاة طهر جلده بالدباغ، وَجَمِيع الْحَيَوَان طَاهِر غير الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَمَا تولد مِنْهُمَا، أَو من أَحدهمَا "، وَاعْلَم أَن الدّباغ
(1/150)

بالشب والقرظ، وَفِي مَعْنَاهُمَا وَلَو كَانَ نجسا وَالله أعلم.
(إِذا عمل من جلد نجس حَوْض فَإِن كَانَ المَاء الَّذِي فِيهِ قُلَّتَيْنِ فالماء طَاهِر والحوض نجس، وَإِن كَانَ دون الْقلَّتَيْنِ فهما نجسان) ، وَاعْلَم أَن مَحل النِّيَّة الْقلب، فَإِن شَاركهُ اللِّسَان فَحسن، والعبادات فِي النِّيَّة على ثَلَاثَة أضْرب: قسم يفْتَقر إِلَى نِيَّة الْفِعْل كَالْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا يَقع إِلَّا فرضا، وَقسم يحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى نِيَّة الْفَرْضِيَّة كالكفارات والزكوات، وَقسم يحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى التَّعْيِين كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة، وَيجب أَن يَنْوِي فِي الْوضُوء رفع الْحَدث أَو مَا لَا يستباح إِلَّا بِالطَّهَارَةِ وَوقت النِّيَّة، أما الْمُسْتَحبّ فَعِنْدَ غسل الْيَدَيْنِ، وَأما الْوَاجِب فَعِنْدَ غسل الْوَجْه ويكلف أَلا يقطعهَا وَالنِّيَّة (عِنْد الْخصم تصرف) الْوضُوء إِلَى الْعِبَادَة وَالْوُضُوء إِذا حصل أَبَاحَ الصَّلَاة، فَهُوَ كالسعي إِلَى الْجُمُعَة إِن نوى بِهِ الْعِبَادَة كَانَ، وَإِلَّا أدّيت بِهِ الْجُمُعَة، وَاعْلَم أَن الْبِدَايَة بالميامن
(1/151)

يسْتَحبّ، وَالْوَاجِب من مسح الرَّأْس مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم، ثمَّ فرض الْوضُوء النِّيَّة وَغسل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين، وَالْمسح وَغسل الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وهما (الناتئان) عِنْد الْمفصل وَالتَّرْتِيب والتتابع.
وَالسّنَن: التَّسْمِيَة، وَغسل الْيَدَيْنِ قبل إدخالهما الْإِنَاء ثَلَاثًا والمضمضة (وَالِاسْتِنْشَاق) بَالغا إِلَّا أَن يكون صَائِما فيرفق، وتخليل اللِّحْيَة الكثة، وَمسح جَمِيع الرَّأْس، وَمسح الْأُذُنَيْنِ ظَاهرا وَبَاطنا بِمَاء جَدِيد وَإِدْخَال المسبحتين فِي الصماخين، وتخليل أَصَابِع الرجلَيْن بالخنصر أَو السبابَة، والشهادتان عِنْد الْفَرَاغ.
(1/152)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة: جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير والمتولد مِنْهُمَا (و))
:
الْمَذْهَب: لَا يطهر بالدباغ.
عِنْدهم: يطهر إهَاب الْكَلْب، وَالْخِنْزِير رِوَايَتَانِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
امْتنع عَلَيْهِ السَّلَام من دَار قوم فروجع فَقَالَ: إِن فِي دَارهم كَلْبا، فَقيل لَهُ فَفِي دَار فلَان هرة - دَار دَخلهَا - فَقَالَ: الْهِرَّة لَيست نَجِسَة إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات.
لَهُم:
(1/153)

قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر " يتَعَلَّق بِعُمُومِهِ، وَإِنَّمَا خرج من الْخِنْزِير نصا، ثمَّ الْخِنْزِير لَا يحمل إهابه الدّباغ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
نجس الْعين فَلَا يطهر جلده بالدباغ، كالخنزير؛ لِأَن الدّباغ يزِيل نَجَاسَة الميتات، وَدَلِيل نَجَاسَته نَجَاسَة لعابه، ونقول: جلد كلب فَكَانَ نجسا بعد الدّباغ كَمَا قبل الْمَوْت.
لَهُم:
حَيَوَان ينْتَفع بِهِ مُطلقًا اخْتِيَارا فطهر جلده بالدباغ كالشاة، وَلَا نسلم نَجَاسَته، بل هُوَ كالفهد، ونجاسة لعابه لَا تدل على نَجَاسَته؛ لِأَنَّهُ يرشح بَاطِنه، وَقِيَاسه أَن ينجس من الْحَيَوَان كُله. اسْتثْنى مِنْهُ الْآدَمِيّ لِحُرْمَتِهِ، والمأكول للْحَاجة.
مَالك: يطهر ظَاهر كل جلد لَا بَاطِنه.
أَحْمد: لَا يطهر جلد ميتَة بالدباغ.
(1/154)

التكملة:
رُبمَا قَالُوا بِنَجَاسَتِهِ حَيا، فَإِن الدّباغ يزِيل نَجَاسَة الْمَوْت، لَكِن يدعونَ أَن نَجَاسَة الْحَيَاة انْتَهَت بِالْمَوْتِ، لانْتِهَاء علتها وَهِي حذر الْخلطَة ويتوهم بتوارد الْمعَانِي المتماثلة التَّأْثِير الِاتِّحَاد، كمن اشْترى زَوجته فَإِن وَطئهَا المستمر حل بِالْملكِ لَا بِالنِّكَاحِ، نَحن نقُول: الشَّرْع إِذا أثبت حكما فِي مَحل ثَبت الحكم مَعَ بَقَاء الْمحل اسْما ووصفا والمتناسبة فِي نَجَاسَة الْكَلْب هُوَ الْمَعْنى الَّذِي ميزه عَن الْحَيَوَان وَهُوَ الْكَلْبِيَّة لَا غير إِذْ لَا يفارقها فِي وصف سواهُ، فَإِن قَالُوا النَّص فِي كلب حَيّ قُلْنَا فَمَا حدث إِلَّا الْمَوْت وَالْمَوْت إِن لم يُنَاسب التَّنْجِيس لم يُنَاسب التَّطْهِير، وَحَاصِل النّظر الْبَحْث عَن مَاهِيَّة الدّباغ فعندما يطهر؛ لِأَنَّهُ يسْتَخْرج العفونات ويطيب الْجلد وَلَا يزِيد على الْحَيَاة، وَأما حَدِيثهمْ فتخصيصه بِمَا أخرج مِنْهُ الْخِنْزِير، فَإِن قَالُوا: الدّباغ يحِيل الْعين فَهُوَ كالتخليل سلمنَا أَنه يحِيل، وَلَكِن لَا يزِيد على الْحَيَاة، وَبِالْجُمْلَةِ مَتى سلمُوا نَجَاسَته حَيا، فَالْمَسْأَلَة لنا والشأن فِي التَّسْلِيم.
(1/155)

فارغة
(1/156)

(المسالة السَّابِعَة: طَهَارَة الْحَدث (ز))
:
الْمَذْهَب: تفْتَقر إِلَى النِّيَّة.
عِنْدهم: لَا تفْتَقر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين} .
وَالْإِخْلَاص بِالنِّيَّةِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ "، وَالْوُضُوء عبَادَة وَعمل.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} الْآيَة، وَلم يذكر النِّيَّة وَلَو كَانَت شرطا لذكرها.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قَالَ صَاحب الْمَذْهَب طهارتان فَكيف تفترقان، يَعْنِي الْوضُوء وَالتَّيَمُّم.
(1/157)

ونقول: طَهَارَة حكمِيَّة ترَاد للصَّلَاة فافتقرت إِلَى النِّيَّة كالتيمم.
لَهُم:
المَاء طهُور بطبعه فَكيف اسْتعْمل طهر.
بَيَانه: أَن على أَعْضَاء الْمُحدث نَجَاسَة، بِدَلِيل مَنعه من الصَّلَاة وَأمره بِالطَّهَارَةِ فَصَارَ كالنجاسة العينية الَّتِي تزَال بِغَيْر نِيَّة، وَعمل المَاء فِي التَّطْهِير كعمله فِي الرّيّ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
كَون التَّيَمُّم يفْتَقر إِلَى نِيَّة يشكل عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ بدل وَيَقْتَضِي أَن يُسَاوِي مبدله، وَالتَّيَمُّم وَالْوُضُوء لَا يفترقان فِي صفة الْقرْبَة، والمأمورات تَنْقَسِم إِلَى مَا يفْتَقر إِلَى نِيَّة وَإِلَى مَالا يفْتَقر إِلَى نِيَّة، وَالضَّابِط فِي ذَلِك أَن كلما لَا ينْهض الْعرض العاجل حَافِظًا لأصله دون وَعِيد الشَّرْع، فَهُوَ قربَة، وتخيل الْوَضَاءَة فِيهِ معنى كلي لَا يعْتَبر وجود شَيْء مِنْهُ فِي آحَاد الصُّور،
(1/158)

ودعواهم أَن المَاء طهُور طبعا بَاطِل، بل هُوَ بِمَثَابَة التُّرَاب كِلَاهُمَا ثبتَتْ لَهُ الطّهُورِيَّة شرعا، وَلَا نسلم أَن على أَعْضَاء الْمُحدث نَجَاسَة، بِدَلِيل أَنه لَا ينجس بِهِ الثَّوْب الرطب إِن مَسّه، وَلَا تبطل صَلَاة حامله، وَبِالْجُمْلَةِ هم يشبهون الْأَعْضَاء بِالثَّوْبِ طَهَارَة ونجسا، وَنحن ندعي طَهَارَتهَا وَإِن ألزمونا كَون المَاء مُسْتَعْملا منعنَا، وَإِن سلمنَا فالعذر أَنه أدّيت بِهِ عبَادَة.
(1/159)

فارغة
(1/160)

فارغة
(1/161)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة: التَّرْتِيب فِي الْوضُوء (ح)) .
الْمَذْهَب: مُسْتَحقّ.
عِنْدهم: مُسْتَحبّ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} الْآيَة، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " ابدءوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ ". ثمَّ للتَّرْتِيب أدرج ممسوحا بَين مغسولين، وروى عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه تَوَضَّأ مُرَتبا، وَقَالَ: لَا يقبل الله الصَّلَاة إِلَّا بِهِ.
لَهُم:
الْآيَة وَجَاءَت بِالْوَاو وَهِي جَامِعَة لَا مرتبَة وَهِي مجزئة (فَمن علق الْأَجْزَاء على التَّرْتِيب فقد منع الْأَجْزَاء بِخَبَر الْوَاحِد وَذَلِكَ نسخ) .
(1/162)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوضُوء عبَادَة فَوَجَبَ أَن يكون مَعْلُوم الأَصْل وَالْوَصْف شرعا، وَالَّذِي نقل الْوضُوء الْمُرَتّب فَهُوَ الْمَشْرُوع.
لَهُم:
الْوضُوء عبَادَة، إِن قصدت بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ شَرط صِحَة الصَّلَاة، وَأَبُو زيد يَقُول: شَرط الْعِبَادَة يثبت بِمَا تثبت بِهِ أَرْكَانهَا وأركان الصَّلَاة ثبتَتْ نصا فَلَا يثبت شَرطهَا بِخَبَر الْوَاحِد.
مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: الْفِعْل لَا يشْتَرط، وَالتَّرْتِيب صفة الْفِعْل، الْجَواب: الْمَنْع وَلَا بُد من الْفِعْل، وَيدل على أَن الْوَارِد للتَّرْتِيب مَسْأَلَة حكمِيَّة، وَهِي إِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق، فَإِنَّهُ يَقع طَلْقَة وَاحِدَة، وَلَوْلَا التَّرْتِيب لوقعت الثَّلَاث، وعَلى كل حَال يتَمَسَّك بِأَن الْوضُوء عبَادَة، وَالْمَاء طهُور شرعا، والعبادات تتأدى كَمَا جَاءَت وَالَّذِي نقل التَّرْتِيب، فَإِن شَذَّ فعل على التَّرْتِيب فَلَعَلَّهُ عَن سَهْو وَوهم، ثمَّ يَقُولُونَ: الْوضُوء عبَادَة إِن
(1/163)

قصد بِهِ الْعِبَادَة وَإِلَّا فقد حصل شَرط الصَّلَاة، وَهَذَا أصل يطردونه فِي مسَائِل.
(1/164)

(المسالة التَّاسِعَة: تثليث مسح الرَّأْس (ط))
:
الْمَذْهَب: مسنون.
عِنْدهم: مَكْرُوه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
تَوَضَّأ عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاثًا وَقَالَ: هَذَا وضوئي ووضوء الْأَنْبِيَاء من قبلي، وَالْوُضُوء اسْم لجَمِيع هَذَا الْفِعْل، وَجَاء " وَمسح رَأسه ثَلَاثًا "، وخبرنا أولى لمَكَان زِيَادَته، وَالْوُضُوء يَشْمَل الْمسْح بِدَلِيل الْبر والحنث.
لَهُم:
قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: " بت عِنْد خَالَتِي مَيْمُونَة فَقَامَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَحل شناق الْقرْبَة وَغسل وَجهه وَيَديه ثَلَاثًا وَمسح بِرَأْسِهِ
(1/165)

وَأُذُنَيْهِ مسحة وَاحِدَة، وَغسل قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أحد قسمي الْوضُوء فسن فِيهِ التّكْرَار ثَلَاثًا كالغسل، وَقِيَاس الْمسْح على الْغسْل صَحِيح. فَالْقِيَاس تقريب فرع من أصل، وَلَا شَيْء أقرب من إِلْحَاق بعض الشَّيْء بِبَعْضِه.
لَهُم:
طَهَارَة مسح فَلَا يسن فِيهَا التّكْرَار كالتيمم وَمسح الْخُف، ذَلِك؛ لِأَن الْقَصْد فِيهَا التَّخْفِيف آلَة ومحلا، فَكَانَ، وفعلا ثمَّ سنة الرَّأْس الِاسْتِيعَاب فَلَا يسن فِيهِ التّكْرَار كَيْلا يجمع بَين سنتَيْن.
مَالك: الْمرة الْوَاحِدَة أفضل.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
التكملة:
يرَوْنَ أَن الْكَمَال فِي كل عُضْو بِزِيَادَة من جنس الأَصْل فِي مَحل الأَصْل وَقد تحقق ذَلِك بالاستيعاب فأغنى عَن التّكْرَار، وَنحن نقُول: إِنَّمَا يقوم
(1/166)

الِاسْتِيعَاب مقَام التّكْرَار، إِذا ضمن مَقْصُوده، وَالْمَقْصُود من التّكْرَار النَّظَافَة فِي مَحل أَصْلهَا وَالزَّائِد على الْمَمْسُوح من الرَّأْس فضل، فَلَا يقوم مقَام التّكْرَار ونقول: أصل مبَاشر بِالْمَاءِ فاستحب التّكْرَار فِيهِ كالمغسول، وَقَوْلنَا أصل احْتِرَاز من الْخُف، فَإِنَّهُ بدل، وَقَوْلنَا: مبَاشر بِالْمَاءِ احْتِرَاز من التَّيَمُّم، وَالْمَقْصُود أَن إِلْحَاق الرَّأْس بِالْوَجْهِ أولى من إِلْحَاقه بالخف، وإلحاق الْمسْح بِالْمَاءِ بِالْغسْلِ أولى من إِلْحَاقه بِالتُّرَابِ. قَوْلهم بني على التَّخْفِيف لَا معنى لَهُ إِلَّا أَنه دون الْغسْل، كَمَاء أَن الْوضُوء دون الْغسْل والعذر عَن تكْرَار مسح الْخُف كَونه يتْلف بذلك، وَلَا نسلم أَن تكْرَار الْمسْح يصير غسلا آيَته أَنه لَو أَتَى بِهِ مَكَان غسل الْوَجْه مَا أَجزَأَهُ.
(1/167)

(الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة: الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق (ي)) .
الْمَذْهَب: سنتَانِ فِي الطهارتين.
عِنْدهم: واجبتان فِي الْغسْل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
حَدِيث أم سَلمَة وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " يَكْفِيك أَن تحثي على رَأسك ثَلَاث حثيات من مَاء ثمَّ تفيضي عَلَيْك المَاء فَإِذا أَنْت قد طهرت "، ذكر الْغسْل وكيفيته، وَلم يذكر الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} .
(1/168)

أَمر بتطهير الْبدن وَهُوَ اسْم للجملة يَسْتَثْنِي مِنْهُ مَا يتَعَذَّر غسله.
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " بلوا الشّعْر وأنقوا الْبشرَة، فَإِن تَحت كل شَعْرَة جَنَابَة ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عضوان باطنان من أصل الْخلقَة، فَلَا يجب غسلهمَا فِي الْجَنَابَة كباطن الْعين، ثمَّ هَذِه طَهَارَة عَن حدث فَلَا تجب فِيهَا الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق قِيَاسا على الصُّغْرَى.
لَهُم:
عضوان ظاهران فَوَجَبَ غسلهمَا.
بَيَانه: أَنه يجب غسلهمَا من النَّجَاسَة، يبْقى أَنه لَا يفْطر ببلع الرِّيق وَذَلِكَ للضَّرُورَة، ويقابله أَنه لَو جعل فِيهِ شَيْئا لم يفْطر.
مَالك: ق.
(1/169)

أَحْمد: واجبتان فِي الطهارتين.
التكملة:
الْمُدَّعِي الْخصم وَيَكْفِينَا الْمُطَالبَة، ونستدل على أَنَّهُمَا باطنان بِأَنَّهُ لَا يجب إِيصَال المَاء إِلَيْهِمَا فِي الْوضُوء وَلَا فِي غسل الْمَيِّت، ثمَّ مُوجب الْأَمر الْإِتْيَان بِالْغسْلِ، وَلَا خلف أَن من اغْتسل وَلم يتمضمض يُسمى مغتسلا، وَحَاصِل النّظر الْخَوْض فِي لفظ الْغسْل ومعارضة حَدِيث أم سَلمَة، ويلزمهم أَن الْعين تنجس بالكحل النَّجس وَهِي مَعَ هَذَا عُضْو لَا يجب غسله، ويعتذرون عَن غسل الْمَيِّت بِأَن الْمَضْمَضَة تَتَضَمَّن تَشْوِيه خلقته.
(1/170)

لوحة 14 من المخطوطة أ:
حد الْمُلَامسَة أَن يُفْضِي بِشَيْء من جسده إِلَى جَسدهَا (من غير حَائِل سوى الشّعْر) وَالسّن وَالظفر عَامِدًا أَو نَاسِيا، وَفِي الملموس قَولَانِ، وَفِي ذَوَات الْمَحَارِم قَولَانِ. وَلَا ننكر أَن الْكِنَايَة والتعريض والاستعارة وَالْمجَاز عَادَة اللِّسَان (الْعَرَبِيّ وَأَن صيانته عَن ذكر الْفَوَاحِش عفته) لَكِن لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا فصريح لفظ اللَّمْس يُنَاسب نقض الطَّهَارَة، فتعسف اجتلاب شَيْء يكنى عَنهُ لَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَبَيَان التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي الْآيَة أَن قَوْله تَعَالَى: {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} ، أَي من النّوم وينعطف عَلَيْهِ {أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط} ، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ فِي الْمَعْنى قَوْله: {فَاغْسِلُوا} ثمَّ قَالَ: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} فقد تمّ حكم الْحَدث والجنابة فِي حَال وجود المَاء، ثمَّ قَالَ: {وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر} ، وَهُوَ تعرض لحالة تعذر اسْتِعْمَال المَاء فِيهَا، وَقَالَ: {فَلم تَجدوا مَاء} بَين (أَن كل من يلْزمه) الْوضُوء وَالْغسْل عِنْد وجود المَاء يلْزمه التَّيَمُّم عِنْد عَدمه، وَلَا يُمكن عطف {أَو لامستم النِّسَاء} على قَوْله: (وَإِن كُنْتُم
(1/171)

مرضى} ، فَإِن الْمَرَض وَالسّفر ليسَا من أَسبَاب الْأَحْدَاث، وَاعْلَم أَن حكم الْمَرْأَة فِي اللَّمْس حكم الرجل (وَمَسّ الْمَيِّت كمس) الْحَيّ والفرجان سَوَاء، وَاعْتبر فِي الْخُنْثَى لامسا وملموسا (بِعَين الْفرج ومنابته) الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة (إِذا مس الْإِنْسَان) بِذكرِهِ دبر غَيره يَنْبَغِي أَن ينْتَقض وضوء؛ لِأَنَّهُ مَسّه بِآلَة مَسّه، وَالْمذهب أَنه لَا ينْتَقض (لِأَنَّهُ مس بدنه) بِبدنِهِ، فَإِن قيل: أَلَيْسَ لَو مس دبر غَيره بِيَدِهِ انْتقض وضؤوه؟ قُلْنَا: فرق بَين الْيَد وَالذكر، أَلا ترى أَنه لَو مس ذكره بِيَدِهِ نقض، وَلَو مَسّه بِغَيْر يَده لم ينْتَقض، وَاعْلَم أَن الرّيح من الْقبل كَالرِّيحِ من الدبر ينْقض الْوضُوء، والمسبار (هُوَ الْميل) والحقنة إِذا خرجا نقضا (الْوضُوء وَإِن) لم يخالطهما شَيْء.
من خرج مِنْهُ مني واغتسل، ثمَّ خرج مِنْهُ شَيْء آخر واغتسل أعَاد الْغسْل خلافًا لأبي حنيفَة فَإِنَّهُ إِن قَالَ إِن خرج قبل الْبَوْل أعَاد الْغسْل.
وَاعْلَم أَن المشيمة نَجِسَة، لِأَن مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميت، وَكلما يخرج من مخرج حَيّ فَهُوَ نجس، كالأبوال والأرواث.
(1/172)

قَالَ أَحْمد: طَاهِر مِمَّا يُؤْكَل لَحْمه.
فِي دم (السّمك) وَجْهَان: أَحدهمَا أَنه نجس، وَالثَّانِي طَاهِر، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة، وَاحْتج بِأَنَّهُ لَو كَانَ نجسا لوقف إِبَاحَة السّمك على إهراقه كَسَائِر الْحَيَوَان، وَدَلِيلنَا: {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم} ، وَمَا ذَكرُوهُ غير صَحِيح؛ لِأَن سفح الدَّم لَا لنجاسته بل لِأَن الذّبْح وَجه سهل فِي موت الْحَيَوَان.
وذرق الْحمام نجس خلافًا لمَالِك وَأحمد وَأبي حنيفَة.
دليلهم: إِجْمَاع النَّاس على تَركه فِي الْمَسَاجِد وَعِنْدنَا ذَلِك ضَرُورَة.
(1/173)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة: لمس النِّسَاء غير الْمَحَارِم (يَا))
:
الْمَذْهَب: ينْقض الْوضُوء.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول.
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {أَو لامستم النِّسَاء} ذكر اللَّمْس فِي سِيَاق الْأَحْدَاث وَحَقِيقَته لمس الْيَد، وصريح اللَّمْس مُنَاسِب، فَإِنَّهُ يُحَرك الشَّهْوَة.
لَهُم:
روى أَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قبل بعض نِسَائِهِ وَصلى وَلم يتَوَضَّأ، وَجَاء أَن عَائِشَة لمست أَخْمُصُهُ وَهُوَ ساجد.
(1/174)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وجد اللَّمْس فِي مَحل الشَّهْوَة شرعا وطبعا فَأشبه اللَّمْس الْفَاحِش، ذَلِك؛ لِأَن الْأَجْنَبِيَّة مَحل الشَّهْوَة شرعا وطبعا، ثمَّ اللَّمْس سَبَب الْخَارِج فأقيم مقَامه احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ.
لَهُم:
الطَّهَارَة إِنَّمَا تجب عَن نَجَاسَة أَو سَببهَا وَلم يُوجد، إِذْ الأَصْل فِي إِيجَاب الطَّهَارَة الْخَارِج النَّجس واللمس الْمَذْكُور أُرِيد بِهِ الْجِمَاع، بِدَلِيل وجوب التَّيَمُّم على الْمُحدث وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ (غير الْآيَة) .
مَالك: إِن كَانَ بِشَهْوَة نقض.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
التكملة:
اعتراضهم على الْآيَة بِأَن الله حييّ كريم كنى بالْحسنِ عَن الْقَبِيح قَالَ:
(1/175)

{هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة} ، وَقَالَ: {كَانَا يأكلان الطَّعَام} .
وَيدعونَ أَن تيَمّم الْجنب إِنَّمَا أَخذ من هَذِه الْآيَة؛ لِأَنَّهَا ذكرت حكم الطهارتين بِالْمَاءِ ثمَّ بِالتُّرَابِ، وَالْجَوَاب: أَنَّهَا لَا ننكر الْكِتَابَة، وَإِنَّمَا يُصَار إِلَيْهَا إِذا لم يحسن الْمصير إِلَى الصَّرِيح، وَأما التَّيَمُّم فاستفيد من بَيَان الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، وَلذَلِك الْتبس على عمار حَتَّى تمعك فِي التُّرَاب، وَلم يرشده النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْآيَة، والأصلح أَن يجمع بَين
(1/176)

الْقِرَاءَتَيْن: لمستم ولامستم، وَفِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَلَا نسلم أَن الطَّهَارَة إِنَّمَا تجب عَن نَجَاسَة بل وَعَن سَبَب يُفْضِي إِلَيْهَا كالنوم.
(1/177)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة: لمس الذّكر بباطن الْكَفّ (يب)) .
الْمَذْهَب: ينْقض الْوضُوء.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
حَدِيث بسرة بنت صَفْوَان، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ "، وروى وضوءه للصَّلَاة.
(1/178)

لَهُم:
حَدِيث قيس بن طلق، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " إِن هُوَ إِلَّا بضعَة مِنْك ".
وَقَوله: " لَا وضوء إِلَّا من حدث، أَو ريح "، والاعتماد على حَدِيث قيس حَيْثُ ذكر الحكم وَالْعلَّة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
سَبَب الْخَارِج فأقيم مقَامه احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ؛ لأَنا لَا نعلم اللَّمْس الَّذِي تتعقبه الشَّهْوَة، فوقفنا مَعَ جنسه كالسفر وَالْمَشَقَّة.
لَهُم:
عُضْو مِنْهُ لَا ينْقض الْوضُوء لمسه كفخذه، وتأثيره أَن الطَّهَارَة عَن
(1/179)

نَجَاسَة وَلَا نَجَاسَة.
مَالك: وَافق فِي مس فرج الْكَبِير لَا الدبر.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا فِي الصَّغِير.
التكملة:
قَالُوا: إِنَّمَا يُقَام غير الْخَارِج مقَامه إِمَّا لتعذر مَعْرفَته لَو خرج كالنوم، أَو بِأَن يُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبا كالتقاء الختانين، أَو يكون الحكم مِمَّا يحْتَاط لَهُ، كَمَا يُقيم النِّكَاح مقَام الْوَطْء، وَالْوَطْء: مقَام حَقِيقَة البعضية فِي إِثْبَات
(1/180)

الْمحرم. الْجَواب: أَن هَذَا يُفْضِي إِلَى الْخَارِج فالتحق بِمَا ذَكرُوهُ، قَالُوا: فَكَانَ يَنْبَغِي أَنه إِذا لمس ذكر غَيره أَن ينْتَقض وضوء الملموس إِذْ الشَّهْوَة لَهُ. الْجَواب: الْمَنْع، ونقول: ينْتَقض، ثمَّ قِيَاس الذّكر على سَائِر الْبدن غير صَحِيح لما يخْتَص بِهِ من الْغسْل بإيلاجه، وَوُجُوب الْمهْر وَالْحَد.
(1/181)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة: الْخَارِج من غير السَّبِيلَيْنِ (يج) :)

الْمَذْهَب: لَا ينْقض الْوضُوء.
عِنْدهم: ينْقض إِن كَانَ نجسا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى حميد الطَّوِيل أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام احْتجم ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ، وروى وَلم يزدْ على غسل محاجمه.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من قاء أَو رعف أَو أمذى فِي صلَاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلَاته مَا لم يتَكَلَّم "، وروى أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قاء
(1/182)

فَأفْطر. قَالَ ثَوْبَان: أَنا صببت وضوءه عَلَيْهِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تَعْلِيق الْوضُوء على الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ كتعليق الصَّلَاة على الزَّوَال وَالصَّوْم على الشُّهُود، فَلَا يجب بِسَبَب آخر، ذَلِك لِأَن الْوضُوء عبَادَة تعبدية.
لَهُم:
خَارج نجس فنقض الْوضُوء كَمَا لَو كَانَ من السَّبِيلَيْنِ، ذَلِك لِأَن الْوَاجِب طَهَارَة فَلَا تجب إِلَّا عَن نَجَاسَة، والاقتصار على الْأَعْضَاء تيسيرا، وَالدَّلِيل على النَّجَاسَة قَوْله تَعَالَى: {ليطهركم بِهِ} .
(1/183)

مَالك: ينْقض الْخَارِج الْمُعْتَاد من السَّبِيل الْمُعْتَاد.
أَحْمد: ف.
التكملة.
يَعْتَذِرُونَ عَن القهقهة بِأَن الْإِثْم قَامَ مقَام النَّجَاسَة، ويعتذرون عَن خُرُوج الطَّاهِر من الْمخْرج الْمُعْتَاد بورود التَّعَبُّد بِهِ، وَإِنَّمَا يُعلل بِالنَّجَاسَةِ فِي غير مَحل النَّص، ويعتذرون عَن البلغم لطهارته، وَعَن الْمَنِيّ إِذا خرج من غير الْمخْرج الْمُعْتَاد بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُوجب الْغسْل؛ لأجل الشَّهْوَة، وَلَا شَهْوَة حَتَّى أَنه لَو خرج من سَبيله بِغَيْر شَهْوَة لم يُوجب غسلا، وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على أَن الْوضُوء غير مَعْقُول كَونه إِجْرَاء الطّهُور على أَعْضَاء طَاهِرَة، وَلَو كَانَ الْوضُوء عَن نَجَاسَة لاختص بمحلها، وَلم تكف فِيهِ الْأَحْجَار، وَالدَّلِيل على أَن السَّبَب الْخَارِج من الْمخْرج الْمُعْتَاد وجوب الْوضُوء بالطاهر، وَالنَّجس مِنْهُ والقليل وَالْكثير وَالْعين والأثر، وَبِالْجُمْلَةِ نَحن نعتقد التَّعَبُّد فِي الطَّهَارَة، وهم يرَوْنَ أَنه من نَجَاسَة حكمِيَّة وَالْغسْل إِزَالَة لَهَا.
(1/184)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة: القهقهة فِي الصَّلَاة (يَد) :)

الْمَذْهَب: يبطل الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء.
عِنْدهم: تبطل الصَّلَاة وتنقض الْوضُوء.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى جَابر رَضِي الله عَنهُ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " الضحك فِي الصَّلَاة يبطل الصَّلَاة، وَلَا ينْقض الْوضُوء ".
لَهُم:
أَخْبَار خلاصتها من ضحك فِي صلَاته وقهقه فليعد الْوضُوء وَالصَّلَاة.
(1/185)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
طَهَارَة تعبدية يتبع فِيهَا مورد الشَّرْع، وَلم تنقض الطَّهَارَة عَنْهَا بالقهقهة فِي الصَّلَاة، كَمَا لَو كَانَت صَلَاة جَنَازَة.
لَهُم:
الْإِثْم حدث شرعا، قَالَ ابْن عَبَّاس: الْحَدث حدثان: حدث من فرجك، وَحدث من فِيك.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
نقُول: إِلْحَاق القهقهة بالأحداث مُتَعَذر، فَإِنَّهَا لَا تنقض خَارج الصَّلَاة، وَمَا عهدنا حَدثا ينْقض فِي الصَّلَاة وَلَا ينْقض خَارِجهَا، وأخبارهم مدارها على عَمْرو بن عبيد وَكَانَ قدريا، وَمَعْلُوم أَن أَسبَاب الْأَحْدَاث تحكمات
(1/186)

لَكِن بعد أَن تثبت لَا تفرق بَين كَونهَا فِي الصَّلَاة، أَو خَارِجهَا ويلزمهم إِذا قهقه فِي التَّشَهُّد الْأَخير، فَإِنَّهُ يبطل طَهَارَته، وَلَا يبطل صلَاته، فَإِن كَانَت بَاقِيَة فَيَنْبَغِي أَن تبطل، وَإِن لم تكن بَاقِيَة فَيَنْبَغِي أَلا تنقض الطَّهَارَة على أَنه لَو كَانَت القهقهة بِمَثَابَة الْحَدث، فالحدث عِنْدهم فِي هَذِه الْحَال لَا يبطل الصَّلَاة ثمَّ الضحك بِمَثَابَة الْكَلَام يَعْتَذِرُونَ عَن صَلَاة الْجِنَازَة بِكَوْنِهَا لَيست صَلَاة حَقِيقِيَّة، وَلِهَذَا يتَيَمَّم لَهَا عِنْدهم مَعَ وجود المَاء.
(1/187)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة: مني الْآدَمِيّ (يه) :)

الْمَذْهَب: طَاهِر وَفِي غَيره ثَلَاثَة أوجه.
عِنْدهم: نجس.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام عَن الْمَنِيّ يُصِيب الثَّوْب: " إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة البصاق والمخاط، امسحه بِخرقَة أَو أمطه بإذخرة "، قَالَت عَائِشَة: كنت أفرك الْمَنِيّ من ثَوْبه عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ يُصَلِّي.
لَهُم:
رأى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عمارا يغسل ثَوْبه من النخامة فَقَالَ: " إِنَّمَا يغسل الثَّوْب من خَمْسَة: الْغَائِط، وَالْبَوْل، والقيء، وَالدَّم، والمني ". قَالَ لعَائِشَة: " إِذا رَأَيْت الْمَنِيّ رطبا فاغسليه، أَو يَابسا فافركيه ".
(1/188)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
متولد من أصل طَاهِر ليصير مثل الأَصْل، فَلَا يصير نجسا كالبيض وَاللَّبن، وَالْعَفو عَن غسله آيَة طَهَارَته.
لَهُم:
خَارج ينْقض الطَّهَارَة، فَكَانَ نجسا كالبول والمذي، بل أولى فَإِنَّهُ ينْقض الطَّهَارَة الْكُبْرَى.
مَالك: نجس.
أَحْمد: ق.
التكملة:
يفرقون بَين الْمَنِيّ وَاللَّبن بِأَن الْمَنِيّ نَاقض للطَّهَارَة، ويعتذرون من الْبيض بِكَوْن جنته نقية، ويزعمون أَن الِاقْتِصَار على فرك الْمَنِيّ رخصَة، وَمن أصلهم أَن النَّجَاسَة كَيفَ كَانَت طهر الْمحل ويلحقون الْمَنِيّ بالعلقة الْجَواب: أما الْأَخْبَار فضعيفة، ويلزمهم مَا اعتذروا عَنهُ، ونمنع نَجَاسَة الْعلقَة على قَول، ونقول: الْمَنِيّ أصل الْآدَمِيّ فَكَانَ طَاهِرا كالتراب، وتأثيره أَن
(1/189)

هَذِه تكرمة للآدمي. قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَقَد كرمنا بني آدم} وتنجيس مَا يخلق مِنْهُ يضاد التكرمة، وتبني هَذِه الْمَسْأَلَة من جانبهم على أَن الْحَدث نَجَاسَة حكمِيَّة تتَعَلَّق بِخَارِج نجس، فَحَيْثُ وَجَبت دلّ على خُرُوج النَّجس، ونقول على خبرهم يجوز أَن يجمع بَين أَشْيَاء فِي الذّكر، وَيخْتَلف حكمهَا، كَمَا نهى عَن كسب الْحجام، وحلوان الكاهن، وَمهر الْبَغي وَكسب الْحجام مَكْرُوه وقسيماه محرمان، وَإِن سلمنَا نَجَاسَة الْعلقَة، فَلِأَنَّهَا مَجْهُولَة فِي الرَّحِم فَرُبمَا صَارَت دَمًا فَكَأَنَّهَا نَجَاسَة مجاورة للنطفة.
(1/190)

فارغة
(1/191)

لوحة 15 من المخطوطة أ:
أورد فِي مَسْأَلَة الْأَوَانِي إِذا كَانَ أَحدهمَا (بولا ومنعنا فَهَل إِذا منع الْمُسْتَدلّ) النَّقْض يَنْقَطِع السَّائِل؟ قيل: يَنْقَطِع، وَالصَّحِيح أَنه لَا يَنْقَطِع، وَلَيْسَ لَهُ أَن ينصب دَلِيلا فِي مَحل الْمَنْع؛ لِأَن منصبه يُنَافِي منصب الِاسْتِدْلَال، (وَلَو فسح للسَّائِل فِي إِقَامَة دَلِيل على مَسْأَلَة النَّقْض زَالَ ضَابِط النّظر) .
وَمن قَوْلنَا فِي سُؤْر السبَاع أوضح وَمَا نقُوله لَا يحسن مِنْهُم الِاحْتِجَاج بِهِ لأَنهم لَا يقدرُونَ بالقلتين، وَالْخَبَر إِذا ورد حِكَايَة حَال لَا عُمُوم لَهُ، وَكَذَا إِذا كَانَ مَفْهُوم خطاب (على رَأْي) وَالنَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام بنى فِي الْخَبَر على الْغَالِب، وَأَنه ورد تردها السبَاع وتبول، فَبنى على ذَلِك، (وَاعْلَم) أَن شَرط الِاجْتِهَاد أَن يكون للإمارة مجَال فِي الْمُجْتَهد فِيهِ، وَلَا يجوز فِي تَمْيِيز الْمحرم وَالْميتَة عَن الذّكر والأجنبية، وَيَنْبَغِي أَن يتَأَكَّد باستصحاب حَال وَيكون مَعَ الْعَجز عَن الْيَقِين، وَلَا يكون على شاطئ نهر،
(1/192)

وَقيل يجوز، فَإِن لم تلح عَلامَة صب المَاء وَتيَمّم فَإِن تيَمّم قبل صب المَاء قضى.
وَمَسْأَلَة سُؤْر السبَاع يلْحقهَا أَن سُؤْر الْهِرَّة طَاهِر، فَإِن أكلت نجسا وولغت فِي مَاء قَلِيل فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه يفرق فِي الثَّالِث بَين الولوغ فِي الْحَال، أَو بعد غيبَة مُحْتَملَة للولوغ فِي مَاء كثير، وَالْأَحْسَن تَعْمِيم الْعُضْو (للْحَاجة وأدب الاستطابة ستر الْعَوْرَة وصرفها عَن النيرين وَلَا يَبُول فِي الْحُجْرَة وَلَا تَحت الشّجر المثمر، وَلَا يجلس فِي متحدث النَّاس ويعتمد على يسراه فِي الْجُلُوس وَلَا يستصحب مَا عَلَيْهِ اسْم الله تَعَالَى، وَيقدم يسراه دَاخِلا وَبِالْعَكْسِ ويستبرئ من الْبَوْل بالنحنحة ويستنجي بِكُل طَاهِر جامد منق غير مطعوم لَا حُرْمَة لَهُ غير مُتَّصِل بحيوان، وَيقف مَعَ الإنقاء وَالْعدَد والإيثار مُسْتَحبّ، وَلَا يسْتَعْمل يَمِينه فِي مس فرجه، ويمر كل حجر على جَمِيع الْموضع فِي أحسن الرأيين.
وَالْأَفْضَل أَن يجمع بَين المَاء وَالْحجر، بذلك مدح أهل قبَاء، وَإِذا اخْتلف اجْتِهَاد رجلَيْنِ فِي إناءين تَوَضَّأ كل مِنْهُمَا بِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ،
(1/193)

وَلَا يأتم بِصَاحِبِهِ) .
وولوغ الْكَلْب يغسل مِنْهُ الْإِنَاء سبعا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وعرقه وَسَائِر أَجْزَائِهِ كلعابه، وَفِي إِلْحَاق الْخِنْزِير بِهِ فِي غسل الْإِنَاء كَذَلِك قَولَانِ، وَالْأَظْهَر أَنه لَا يقوم الأشنان والصابون مقَام التُّرَاب، وَلَا غسلة ثامنة، إِذا غسل الْإِنَاء عَن ولوغ الْكَلْب فترشش من المَاء على ثوب قيل: يغسل الثَّوْب مرّة، وَقيل: بِعَدَد المرات الَّتِي بقيت.
إِذا ولغَ كلبان فَهَل لَهما حكم كلب وَاحِد فِي الْغسْل فِيهِ خلاف، وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا بِمَثَابَة (كلب وَاحِد) يلْحق بِمَسْأَلَة الاستطابة إِن كَانَ فِي الصَّحرَاء خمر من الأَرْض فَهِيَ كالبنيان، (وَإِن كَانَ الْبُنيان) فضاء بِغَيْر حَائِل فَهُوَ كالصحراء، (وَاعْلَم أَن الْعَوْرَة مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة، وَالركبَة والسرة ليستا مِنْهَا، عِنْد الْحَنَفِيّ الرّكْبَة عَورَة) .
(1/194)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة: إِذا اشتبهت عَلَيْهِ الْأَوَانِي (يو) :)

الْمَذْهَب: يتحري وَيتَوَضَّأ بالطاهر عِنْده.
عِنْدهم: لَا يتحَرَّى إِلَّا أَن يكثر عدد الطَّاهِر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
ندعي أَنه وَاجِد فَلَا يتَيَمَّم.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا} .
يدعونَ أَنه غير وَاجِد مَاء طَاهِرا بِيَقِين فيتيمم.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
اجْتِهَاد صَادف مَحَله فصح، كَمَا لَو كَانَ عدد الطَّاهِر أَكثر؛ لِأَن الِاجْتِهَاد تطلب حكم شَرْعِي بدليله، ونقول: شَرط للصَّلَاة أمكن حُصُوله بِالِاجْتِهَادِ فَوَجَبَ التَّوَصُّل إِلَيْهِ، كالقبلة والسترة.
(1/195)

لَهُم:
التَّحَرِّي مَظَنَّة الشَّك، فَلَا يَبْنِي عَلَيْهِ، وَالتُّرَاب طَاهِر بِيَقِين، وَرُبمَا وَقع على النَّجس، فاستعمال الطَّاهِر بِيَقِين أولى.
مَالك: ق.
أَحْمد: لَا يتحَرَّى وَيتَيَمَّم.
التكملة:
يلزمونا إِذا كَانَ أحد الإناءين بولا، واختلطت ميتَة بمذكاة، أَو أُخْته بأجنبيات، فَإِنَّهُ لَا يتحَرَّى، الْجَواب: مَسْأَلَة الْبَوْل مَمْنُوعَة رأى ابْن سُرَيج، وَإِن سلمنَا فالمياه النَّجِسَة لَهَا أصل فِي الطَّهَارَة وتعود بالمكاثرة طَاهِرَة بِخِلَاف الْبَوْل فيتأيد الظَّن بِأَصْل هُوَ اسْتِصْحَاب الْحَال، ويعتذرون من الستْرَة بِأَن غَايَة مَا يقدر أَنه صلى فِي ثوب نجس، وَذَلِكَ لَا يمْنَع صِحَة الصَّلَاة وَيَقُولُونَ الثَّوْب لَا بدل لَهُ وَبدل المَاء التُّرَاب.
(1/196)

وجهات الْقبْلَة مُمكن أَن يكون قبْلَة فِي مسكن آخر، وَأما إِذا كثرت الْأَوَانِي أَخذ بالأغلب، وَالْجَوَاب منع أَن الِاجْتِهَاد للضَّرُورَة، بل للْحَاجة، والمجتهد إِذا غلب على ظَنّه طرف صَار الآخر سَاقِطا، وَبِالْجُمْلَةِ يرجع النّظر إِلَى تعَارض الظنون، فالخصم يَدعِي وجود شَرط (التَّيَمُّم وَهُوَ الْعَجز عَن اسْتِعْمَال الطَّاهِر بِيَقِين، وندعي نَحن أَن المَاء الطَّاهِر حَاضر، وَقد غلب على الظَّن، متأبدا باستصحاب الْحَال إِذا انصب أحد الإناءين قبل الِاجْتِهَاد هَل يجْتَهد فِي الثَّانِي؟ ، وَجْهَان: أَحدهمَا لَهُ اسْتِعْمَاله من غير اجْتِهَاد؛ لِأَنَّهُ يشك فِي نَجَاسَته، وَالأَصَح أَنه يجْتَهد.
(1/197)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة: سُؤْر السبَاع (يز) :)

الْمَذْهَب: طَاهِر.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى جَابر قَالَ: سُئِلَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: أَنَتَوَضَّأُ مِمَّا أفضلت الْحمر؟
فَقَالَ: " نعم، وَبِمَا أفضلت السبَاع كلهَا "، حَدِيث صَحِيح فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ.
لَهُم:
سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَام عَن الْمِيَاه تكون بالفلاة تنوبها السبَاع. فَقَالَ: " إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم ينجس "، علل عدم النَّجَاسَة بِقدر المَاء لَا بِطَهَارَة الْوَارِد فَدلَّ على أَن مَا دون الْقلَّتَيْنِ نجس.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حَيَوَان يجوز اقتناؤه إعجاباً بِهِ فَحكم بِطَهَارَة سؤره كجوارح الطير إِذْ لَو
(1/198)

كَانَ نجس الْعين مَا جَازَ اقتناؤه كَذَا، وَترك أكله؛ لِأَنَّهُ تعدى أخلاقه، لَا لِأَنَّهُ نجس، ويتأيد بِطَهَارَة جلده مدبوغا.
لَهُم:
سبع محرم أكله فَأشبه الْكَلْب وَالْخِنْزِير؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حرم بِوَصْف السبعية إهانة لَهُ، وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ نجس كَالْكَلْبِ.
مَالك: ق.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
قَالُوا: الشَّيْء يحرم أكله، إِمَّا لعدم الإغذاء كالتراب والذباب، أَو لخبثه كالسم، أَو لكَونه يعدي خلقا ذَمِيمًا، أَو لحُرْمَة كالآدمي، وَهَذِه الْمعَانِي مَعْدُومَة فِي السبَاع، فَإِنَّهَا كَانَت تُؤْكَل قبل الْإِسْلَام فَبَقيَ تَحْرِيمهَا لنجاستها، ويعتذرون عَن جَوَاز بيعهَا بِأَن مَذْهَبهم جَوَاز بيع الْأَعْيَان النَّجِسَة، وَيمْنَعُونَ طَهَارَة عرقها، وَإِن سلمُوا فللضرورة، وَعِنْدهم لحم الْفرس مَكْرُوه (وسؤره وَالْحمار مَشْكُوك فِيهِ) وسؤر الهر للضَّرُورَة، وجوارح الطير
(1/199)

تَأْخُذ المَاء بمناقيرها، وَكَانَت ترد دور الْكُوفَة وَلَا ظلال لَهَا فَعَفَا عَنْهَا أَبُو حنيفَة للْحَاجة. الْجَواب: تَحْرِيم الْأكل خيفة الْأَعْدَاء فَصَارَ كَمَا نهى عَن رضَاع الحمقاء، وَعَن السم، وَالْأَصْل فِي الْحَيَوَانَات الطَّهَارَة، إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِع، وَقَوْلهمْ فِي دور الْكُوفَة فَالْجَوَاب عَنهُ أَن الْأَحْكَام تتَعَلَّق على الْحَاجَات الْعَامَّة لَا على حَاجَة بلد، وَعَلَيْهِم الدَّلِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لدعواهم النَّجَاسَة وجوارح الطير لَا يجوز أكلهَا إِجْمَاعًا، وسؤرها طَاهِر.
(1/200)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة: قَلِيل النَّجَاسَة (يح) :)

الْمَذْهَب: لَا يُعْفَى إِلَّا من مَحل النجو وَدم البراغيت.
عِنْدهم: يُعْفَى عَن هَذَا الْقدر أَيْن كَانَ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
عُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وثيابك فطهر} ..
لَهُم:
.
(1/201)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
النَّجَاسَة مجتنبة نصا، والكمية لَا أثر لَهَا، بل الْكل مستقذر، وَرخّص الشَّرْع فِي أَشْيَاء ضَرُورَة فتقدر بهَا وَتلك الضَّرُورَة تكَرر هَذَا الْحَدث وَتعذر المَاء، كل وَقت وكشف الْعَوْرَة.
لَهُم:
الشَّرْع يعْفُو عَن المحذورات إِذا قلت، وَلَا يلْتَفت إِلَى الْمحل، غير أَن التَّقْدِير إِلَى الشَّرْع، وَحَيْثُ عَفا عَن مَحل النجو كَانَ هُوَ قدر الْقلَّة فَسقط اعْتِبَار الْمحل.
مَالك: يُعْفَى عَن قدر الدِّرْهَم.
(1/202)

أَحْمد: يُعْفَى عَن النقطة والنقطتين.
التكملة:
قَالُوا: لَو عُفيَ عَن النَّجَاسَة فِي المنديل عقل أَن الْقَمِيص فِي مَعْنَاهُ، وَنسبَة المنديل إِلَى الْقَمِيص كنسبة بعض الْأَعْضَاء إِلَى بعض، وَهَذَا قِيَاس فَاسد أَولا؛ لِأَن الصَّحَابَة لم يتوهموا هَذَا التَّسَاوِي، وَكَذَلِكَ استمرت عَادَتهم على الِاسْتِنْجَاء مَعَ التَّحَرِّي عَن قَلِيل النَّجَاسَة فِي جَمِيع الْبدن وَمَا كَانَ كَذَلِك إِلَّا لِأَن مَحل النجو اخْتصَّ بِنَوْع حَاجَة يجوز أَن يَجْعَل منَاط هَذِه الرُّخْصَة، وَبِالْجُمْلَةِ نَحن نعلل بِالْحَاجةِ وَنَنْظُر إِلَى الْمحل وهم يعللون بالمقدار.
(1/203)

(المسالة التَّاسِعَة عشرَة: الِاسْتِجْمَار بِالْحجرِ (يط) :)

الْمَذْهَب: وَاجِب.
عِنْدهم: مسنون.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " إِنَّمَا أَنا لكم كالوالد لوَلَده، فَإِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار "، وَقَالَ: " اتَّقوا الْملَاعن وَأَعدُّوا النبل ".
(1/204)

لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من استجمر فليوتر، وَمن لَا فَلَا "، وَزَعَمُوا أَن التَّخْيِير يرجع إِلَى نَفسه الِاسْتِجْمَار.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
نَجَاسَة لَا تلْحق الْمَشَقَّة فِي محوها، فَشرط إِزَالَتهَا لاستباحة الصَّلَاة، كالزائد على الدِّرْهَم، وَالطَّهَارَة من النَّجَاسَة وَاجِبَة وتقليلها أَيْضا وَاجِب كَذَلِك أَسْفَل الْخُف.
لَهُم:
مَا لَا يُوجب إِزَالَته بالمائع مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ، لَا يجب بخفيفه كَدم البرغوث ثمَّ لَو كَانَ إِزَالَة هَذِه النَّجَاسَة مَا كفى فِيهِ الْحجر، كالزائد عَلَيْهَا.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
اعْتِبَار الدِّرْهَم لَا يدل عَلَيْهِ أصل، وَفِي تقليل النَّجَاسَة تطييب النَّفس،
(1/205)

وَأمن من الانتشار، وَلَا يبعد أَن يقْصد الشَّرْع تقليل النَّجَاسَة، وَلذَلِك أوجبتم فِي الْخُف الدَّلْك، وَفِي الْمَنِيّ الفرك، وَجَوَاب الْخَيْر: أَن التَّخْيِير فِي الإيتار، وَظَاهر هَذَا أَن لَا يحْجر فِي الِاقْتِصَار على حجرين وَلَكِن حمل ذَلِك على مَا بعد التَّثْلِيث، بِدَلِيل أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهي عَن أَن يجتزئ بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار.
(1/206)

فارغة
(1/207)

الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ: اسْتِقْبَال الْقبْلَة بالفرجين (ك) :
الْمَذْهَب: يجوز.
عِنْدهم: لَا يجوز الِاسْتِقْبَال، وَفِي الآخر رِوَايَتَانِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: رَأَيْت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام يقْضِي حَاجته مُتَوَجها نَحْو الْقبْلَة، وَذكر لَهُ أَن قوما يكْرهُونَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة بفروجهم، فَقَالَ: أقد فَعَلُوهَا؟ استقبلوا بمقعدي الْقبْلَة.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " إِذا أتيتم الْغَائِط فَعَظمُوا قبْلَة الله، وَلَا تستقبلوها وَلَا تستدبروها، لَكِن شرقوا، أَو غربوا ".
(1/208)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
غير مُسْتَقْبل الْمُصَلِّي بفرجه، وَلَا الْمُصَلِّي مُسْتَقْبل لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَو شَرق أَو غرب.
لَهُم:
كل حكم ثَبت للْقبْلَة فِي الصَّحَارِي مثله فِي الْبُنيان، وَيَقُول: اسْتقْبل الْقبْلَة بفرجه فِي قَضَاء الْحَاجة من غير ضَرُورَة، فَلَا يجوز كالمصحر.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْفرق بَين أَحْكَام الْقبْلَة فِي الصَّحرَاء، والبنيان أَن المتنفل يجوز لَهُ ترك الْقبْلَة مصحرا بِخِلَاف الْبُنيان، وَالْجَوَاب عَن خبرهم: أَن الْغَائِط
(1/209)

المطمئن من الأَرْض، وَذَلِكَ يكون فِي الصحارى، وتأييده قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: إِذا أتيتم، وَهَذَا إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الصحارى، فَإِن قَالُوا مَحل نزه عَن الْخَلَاء إِذا كَانَ غير مَبْنِيّ فنزه عَنهُ مَبْنِيا كالمسجد، قُلْنَا: هَذَا يُؤَدِّي إِلَى ترك اسْتِعْمَال الأخلية، وَفرق بَين الْمَسْجِد والجهة، إِذْ الْمَسْجِد لَا يجوز فِيهِ إِخْرَاج الدَّم بالفصد والحجامة بِخِلَاف الْجِهَة، وَالْمعْنَى فِي الْمَنْع من الْمَسْجِد أَنه لنَفس الْبقْعَة، وَهَاهُنَا الْمَنْع لاستقبال الْمُصَلِّين، ونسلم أَن الْمَنْع لأجل الْجِهَة لَكِن يجوز أَن نترخص فِيهِ ضَرُورَة.
(1/210)

(مسَائِل التَّيَمُّم)
(1/211)

فارغة
(1/212)

لوحة 16 من المخطوطة أ:
التَّعْلِيل لاخْتِصَاص التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ (أَنه أحد نَوْعي مَا يتَطَهَّر بِهِ فيعلق بالأعم وجودا كَالْمَاءِ) .
وَعلم أَن التَّيَمُّم لَا يرفع الْحَدث (بل يُبِيح الصَّلَاة وَكَذَلِكَ يَنْوِي وَيبْطل بِرُؤْيَة المَاء إِلَّا فِي الصَّلَاة، وَمَتى توجه الطّلب بَطل التَّيَمُّم (مثل) ظُهُور ركب، وَإِذا وجد المَاء) مَعَ الْعَجز عَنهُ، فَكَأَنَّهُ مَا وجده.
والعضو الْمُتَيَمم عَنهُ يُقَام التَّيَمُّم مقَامه فِي التَّرْتِيب، فَإِن كَانَ الْوَجْه مثلا غسل مِنْهُ (مَا أمكن) وَتيَمّم وتمم الْوضُوء إِن لم يجد تُرَابا طلى على يَدَيْهِ الطين حَتَّى يجِف وفركه وَيتَيَمَّم، وَإِذا بذل لَهُ لزمَه قبُوله لعدم الْمِنَّة، وَكَذَا المَاء بِخِلَاف الرَّقَبَة فِي الْكَفَّارَة، إِن تحقق الْمُسَافِر عدم المَاء حوله تيَمّم من غير طلب إِن توهم وجوده تردد فِي طلبه حَتَّى يلْحقهُ الْغَوْث، وَإِذا دخل عَلَيْهِ وَقت صَلَاة أُخْرَى فَفِي وجوب إِعَادَة الطّلب وَجْهَان، وَمَتى كَانَ عَن جنبتي الْمنزل يبعد مَسَافَة الاحتشاش لزمَه
(1/213)

طلبه؛ لِأَن جَانِبي الْمنزل منسوبان إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك أَمَامه وَخَلفه، ثمَّ إِن تَيَقّن وجود (المَاء قبل مُضِيّ الْوَقْت فَالْأولى التَّأْخِير قولا وَاحِدًا، وَإِن توقعه بغالب ظن فَقَوْلَانِ لتقابل فَضِيلَة أول الْوَقْت مَعَ ظن الْإِصَابَة) .
لَو صب المَاء فِي الْوَقْت وَتيَمّم، فَفِي الْقَضَاء وَجْهَان: وَجه الْوُجُوب أَنه عصى بإراقته بِخِلَاف مَا قبل الْوَقْت، وَبِخِلَاف (مَا لَو جَاوز) مَاء وَلم يتَوَضَّأ، إِن أعير الدَّلْو لزمَه قبُوله بِخِلَاف مَا لَو وهبه أَو ثمن المَاء، فَإِنَّهُ لَا يلْزمه الْقبُول لثقل الْمِنَّة، وَثمن الْمثل هُوَ مُقَدّر بِأُجْرَة النَّقْل، فَإِن كَانَ مَعَه ثمن المَاء ويفضل عَن حَاجته لزمَه الشِّرَاء، إِن مَاتَ صَاحب المَاء (ورفقته) عطاش يمموه وتصرفوا فِي المَاء، وضمنوه بِالثّمن، فَإِن الْمثل لَا يكون لَهُ قيمَة غَالِبا، إِذا أوصى بِمِائَة لأولى النَّاس بِهِ فَحَضَرَ جنب وحائض وميت فالميت أولى بِهِ؛ لِأَنَّهُ آخر الْعَهْد بِهِ، وَمن عَلَيْهِ نَجَاسَة أولى من الْجنب إِذْ لَا بدل لَهُ، وَالْجنب أولى من الْمُحدث إِذا كَانَ المَاء قدر الْوضُوء، وَالْمَاء لَهُم كلهم إِذا وجدوه مُبَاحا، وَيتَيَمَّم من الْمَرَض الَّذِي يخَاف من الْوضُوء مَعَه من فَوت الرّوح إِلَى شين ظَاهر يبْقى بالعضو، وَأما إِن كَانَ يتألم فِي الْحَال من أَمن الْعَاقِبَة لزمَه (الْوضُوء) وَيلْزم غسل مَا صَحَّ من
(1/214)

الْأَعْضَاء وَالْمسح على الْجَبِيرَة ثمَّ يتَيَمَّم مَعَ الْغسْل وَالْمسح، وَفِي تَقْدِيم الْغسْل على التَّيَمُّم (ثَلَاثَة أوجه) : أَحدهَا أَن لَا ينْتَقل عَن عُضْو مَا لم يتمم تَطْهِيره ثمَّ مهما تيَمّم لمَرض أَو جِرَاحَة أَعَادَهُ لكل صَلَاة وَلم يعد الْوضُوء وَلَا الْمسْح.
إِن كَانَ على وَجهه قرح وعَلى يَدَيْهِ قرح، وعَلى رجله قرح لزمَه أَن يغسل الصَّحِيح من وَجهه ثمَّ يتَيَمَّم (ثمَّ يغسل الصَّحِيح) من يَدَيْهِ ثمَّ يتَيَمَّم وَيغسل الصَّحِيح من رجلَيْهِ، ثمَّ يتَيَمَّم فَيحْتَاج إِلَى ثَلَاث تيممات، والمتيمم ينْزع الْخَاتم وَتَكون اليدان متصلتين حَتَّى يستوعبهما مسحا كَيْلا يثبت للغبار بالانفصال حكم الِاسْتِعْمَال.
(1/215)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ:)
الْمُتَيَمم إِذا رأى المَاء فِي خلال صلَاته (كَا) :
الْمَذْهَب: لَا تبطل صلَاته.
عِنْدهم: تبطل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} ... الْآيَة.
وَجه الدَّلِيل: أَنه أَمر بِالتَّيَمُّمِ للصَّلَاة، كَمَا أَمر بِالْغسْلِ، وَقد أَتَى بِهِ.
لَهُم: ... .
(1/216)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عَاجز عَن اسْتِعْمَال المَاء لَا تبطل صلَاته، وعجزه شَرْعِي لحُرْمَة الصَّلَاة وَالْمُعْتَمد بِمن الْمَشْرُوط لشرطه، فَلَا يشْتَرط بَقَاء الشَّرْط لبَقَاء الْمَشْرُوط كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاح.
لَهُم:
وجد المَاء الْمَقْدُور عَلَيْهِ فَبَطل تيَمّمه، كَمَا قيل الْإِحْرَام وَالصَّلَاة لَا يبْقى مَعَ الرُّؤْيَة حَتَّى يمْنَع، وَإِنَّمَا يُبْطِلهَا لتتأدى كَامِلَة فَهُوَ كالوصي إِذا بَاعَ مَال الْيَتِيم بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل.
مَالك: ق.
أَحْمد: وَافق.
التكملة:
تَكْبِيرَة الْإِحْرَام عِنْدهم لَيست من الصَّلَاة، وَيَقُولُونَ: كل جُزْء من الصَّلَاة يشْتَرط لَهُ مَا يشْتَرط للْآخر، كالسترة والقبلة، ويعتذرون عَن الصَّلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ بِأَنَّهَا لَا تقضي إِذا فَاتَت، فَلَو بطلت بِرُؤْيَة المَاء لفاتت إِلَى
(1/217)

غير شَيْء، ويعتذرون من سُؤْر الْحمار بِأَنَّهُ مَشْكُوك فِيهِ، وَالتُّرَاب طَاهِر بِيَقِين، ويلزمون الْمُسْتَحَاضَة إِذا انْقَطع دَمهَا فِي أثْنَاء الصَّلَاة، فَإِن صلَاتهَا تبطل؛ لِأَنَّهَا بِطَهَارَة ضَرُورَة، وَكَذَا من وجد الستْرَة، أَو انْقَضتْ مُدَّة الْمسْح أَو انخرق الْخُف عذرنا نمْنَع الْمُسْتَحَاضَة، وَأما الستْرَة قَالَ بعض الْأَصْحَاب: إِن كَانَت بعيدَة مِنْهُ لَا يلْزمه قطع الصَّلَاة لأخذها، ثمَّ إِن الستْرَة شَرط صِحَة الصَّلَاة، فَمَا انْعَقَدت الصَّلَاة بشرطها، ثمَّ يلْزمهُم أَن يتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته، كَمَا لَو سبقه حدث. ثمَّ نقُول: المَاء بِأَكْثَرَ من ثمنه مَعْفُو عَنهُ، لما فِيهِ من تَفْوِيت غَرَض دُنْيَوِيّ فَكيف تفوت الصَّلَاة المحترمة، وعَلى أصلهم ألزم حَيْثُ الشُّرُوع فِي التَّطَوُّع مُلْزم، وَبِالْجُمْلَةِ لَو شرطنا لصِحَّة صلَاته عدم المَاء دَائِما لَكَانَ مُصَليا على شكّ؛ لِأَن دوَام الْعَدَم مظنون.
(1/218)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ:)
إِذا وجد من المَاء مَا يَكْفِي بعض أَعْضَائِهِ (كب) :
الْمَذْهَب: يَسْتَعْمِلهُ وَيتَيَمَّم عَمَّا لم يغسلهُ فِي الْمَنْصُور.
عِنْدهم: لَا يسْتَعْمل المَاء بل يتَيَمَّم وَهُوَ القَوْل الثَّانِي.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
آيَة التَّيَمُّم.
وَجه الدَّلِيل: أَنه جعل شَرط التَّيَمُّم أَلا يجد المَاء، وَهَذَا وَاجِد.
لَهُم: ... .
(1/219)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أَمر بِالطَّهَارَةِ وَهِي متعذرة الْفِعْل وَالْمحل، والمأمور بأَشْيَاء إِذا قدر على بَعْضهَا تعين عَلَيْهِ لَا يسْقط المعجوز عَنهُ الْمَقْدُور عَلَيْهِ كستر الْعَوْرَة، وَإِزَالَة النَّجَاسَة، وَمن لَا يقدر على الْكل لَا يتْرك الْكل.
لَهُم:
عدم الطّهُور بِيَقِين فيعدل إِلَى التَّيَمُّم كالفاقد أصلا، ذَلِك لِأَن الطّهُور الشَّرْعِيّ مَا تستبيح بِهِ الصَّلَاة، وَلَا يستباح هَذَا الْقدر بِخِلَاف ستر بعض الْعَوْرَة وَإِزَالَة بعض النَّجَاسَة؛ لِأَنَّهُمَا محسوسان، وَالطَّهَارَة حكمِيَّة.
مَالك: وافقهم.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
(1/220)

التكملة:
إِن الزمونا عتق بعض رَقَبَة فِي الْكَفَّارَة، قُلْنَا: هُوَ مَأْمُور بِعِتْق رَقَبَة، وَبَعض الرَّقَبَة لَا يُسمى رَقَبَة، وَالتَّيَمُّم إِنَّمَا يستباح مَعَ عدم المَاء وَبَعض المَاء مَاء، وَيمْنَع أَن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى الْجمع بَين طهارتين، فَإِن التَّيَمُّم عَمَّا بَقِي من الْأَعْضَاء، ونمنع أَيْضا اجْتِمَاع الْبَدَل والمبدل، فَإِن الْأَعْضَاء المغسولة زَالَ حدثها بِالْغسْلِ وَالتَّيَمُّم عَن الْبَاقِي، ثمَّ يلْزمهُم من تَوَضَّأ وَشرع فِي الصَّلَاة وَسَبقه الْحَدث فعندهم، وَأحد قولينا أَنه يتَطَهَّر وَيَبْنِي فَلَو لم يجد مَاء تيَمّم، فَفِي هَذِه الصُّورَة قد جمع بَين المَاء وَالتُّرَاب، وَيعْتَذر عَن طريقتهم نمْنَع أَن حكم الْوضُوء اسْتِبَاحَة الصَّلَاة، بل حكمه رفع الْحَدث عَن بعض الْأَعْضَاء، وَإِنَّمَا لم تستبح الصَّلَاة لقِيَام الْحَدث فِي الْأَعْضَاء الْبَاقِيَة.
(1/221)

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ: إِذا نسي المَاء فِي رَحْله فَتَيَمم وَصلى، ثمَّ وجده (كج) :
الْمَذْهَب: يتَوَضَّأ وَيُعِيد فِي أحد الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: لَا يُعِيد وَهُوَ القَوْل الآخر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
الْآيَة العزيزة: { ... أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا} الْآيَة.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
(1/222)

لنا:
وَاجِد فَلم يَصح تيَمّمه كالذاكر، بِدَلِيل كَون المَاء فِي رَحْله، وَالنِّسْيَان ضد الذّكر لَا ضد الوجدان، والرحل أَمارَة المَاء، وَإِنَّمَا أَتَى من تَقْصِيره فَهُوَ كمن عَلَيْهِ كَفَّارَة ونسى أَنه يملك رَقَبَة وَصَامَ، فَإِنَّهُ لَا يجْزِيه وكناسي الطَّهَارَة.
لَهُم:
عَاجز عَن اسْتِعْمَال المَاء، فَإِذا تيَمّم وَصلى لَا يُعِيد، كَمَا لَو حَال بَينهمَا سبع، الدَّلِيل على عَجزه نسيانه الْمُحِيل بَينه وَبَين المَاء، كالحائل الْحسي، ثمَّ لَو وجد المَاء مَعَ حَاجته لسقيه وَسقي كراعة عد عَاجِزا، فالناسي أَجْدَر أَن يعد عَاجِزا.
مَالك: ق.
أَحْمد: وَافق.
التكملة:
إِنَّمَا منعُوا الرَّقَبَة من الْكَفَّارَة، وألزمونا إِذا أضلّ لرحله فِي الرّحال، وَاعْتذر أَبُو زيد عَن الرَّقَبَة فِي الْكَفَّارَة أَن الْمَقْصُود ملكهَا لَا
(1/223)

وجودهَا، وَلِهَذَا لَو وَجب على العَبْد كَفَّارَة فَقَالَ لَهُ السَّيِّد: أعتق هَذَا عَن كفارتك لم يلْزمه وَهَاهُنَا الْمَقْصُود الوجدان، وَالنَّاسِي غير وَاجِد، ونقول نَحن للمسألة صُورَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَن لَا يطْلب فَنَقُول لصَاحب المَاء ثَلَاثَة أَحْوَال أَولهَا: أَن يعْتَقد وجود المَاء فِي رَحْله فَلَا عذر لَهُ فِي التَّيَمُّم، أَو يجوز الوجدان فَلَا عذر لَهُ أَيْضا.
وَالثَّالِث أَن يعْتَقد وَهَذَا اعْتِقَاد فَاسد، فَلَا يبْنى عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَو اعْتقد أَنه متطهر، أما إِذا طلب فَلم يجد فَهُوَ قَاصِر لَا مقصر، وَهُوَ مَحل الْقَوْلَيْنِ، وَيُوجه القَوْل الْمَنْصُور أَن هَذَا كَانَ يُمكنهُ أَن يستديم الذّكر، فَلَمَّا تَركه أمكن أَن يُعَاقب على ذَلِك، وعَلى ذَلِك قَوْله: {رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا} ، فَكَانَ عِقَابه أَن وَجب عَلَيْهِ قَضَاء الصَّلَاة، وَمَسْأَلَة ضلال الرحل مَمْنُوعَة، وَإِن سلمنَا فَلَيْسَ الرحل إِذا فِي يَده.
(1/224)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ:)
التَّيَمُّم للفريضة قبل دُخُول وَقتهَا (كد) :
الْمَذْهَب: لَا يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
الْآيَة.
الْقيام إِلَى الصَّلَاة شَرط لوُجُوب الْغسْل أَو التَّيَمُّم مَعَ الْعَدَم، فَنحْن مَعَ الشَّرْط، وَظَاهر هَذَا أَن يكون المَاء كَذَلِك، لَكِن قَامَ الدَّلِيل على جَوَاز الْوضُوء فنفينا مَا عداهُ على الأَصْل.
لَهُم:
آيَة التَّيَمُّم.
وَوجه الدَّلِيل أَنه وصف الصَّعِيد بالطيب وأقامه مقَام المَاء، وَقَالَ تَعَالَى: {ليطهركم بِهِ} ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وترابها طهُورا "، وَالطهُور لَا يتَقَدَّر بِزَمَان دون زمَان.
(1/225)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
طَهَارَة ضَرُورَة فَلَا تجوز قبل وَقت الضَّرُورَة، أَو فَيجب أَن تقدر بِقدر الضَّرُورَة كطهارة الْمُسْتَحَاضَة، ذَلِك لِأَن التُّرَاب ملوث، وَإِنَّمَا احْتمل للْحَاجة فَيقدر بهَا.
لَهُم:
التُّرَاب خلف المَاء فَأعْطى حكمه، وَحكم المَاء التَّطْهِير، وَإِبَاحَة الصَّلَاة فِي كل حَال، فَيجب أَن يكون خَلفه كَذَلِك.
مَالك: ق.
أَحْمد: وَافق.
التكملة:
يمْنَعُونَ كَون التَّيَمُّم للضَّرُورَة، بِدَلِيل جَوَازه فِي النَّوَافِل، فَإِنَّهُ مُخَيّر بَين فعل النَّافِلَة وَتركهَا، وَأَنه يجوز فِي أول الْوَقْت، وَإِنَّمَا بَطل بِرُؤْيَة المَاء؛ لِأَنَّهُ خرج عَن كَونه بَدَلا، وترامى هَذَا الْبطلَان إِلَى أول التَّيَمُّم، لَكِن الصَّلَوَات السَّابِقَة وَقعت مسلمة إِلَى الله تَعَالَى، ويعتذرون عَن طَهَارَة الْمُسْتَحَاضَة بِأَنَّهَا
(1/226)

ترفع الْحَدث الْمَاضِي والمتجدد سلبه الشَّرْع حكم الْحَدث، فَصَارَ بِمَثَابَة الْعرق، لَكِن قدره بِوَقْت الضَّرُورَة، وَنحن نسلم الخلفية، لَكِن لَا نقيمها مقَام الأَصْل من كل وَجه، أَلا ترى أَن الذِّمَّة عِنْدهم خلف عَن الْإِسْلَام، وَلَا تقوم مقَامه من كل وَجه؟ وَالدَّلِيل على بَقَاء الْحَدث: وجوده بِرُؤْيَة المَاء وَالْحق أَن اسْتِبَاحَة الصَّلَاة وَرفع الْحَدث حكمان للْوُضُوء، وَالتَّيَمُّم يخلفه فِي أَحدهمَا: وَعِنْدهم يخلفه فيهمَا، ولأصحابنا منع فِي جَوَاز التَّيَمُّم للنوافل، ثمَّ إِن الْحَاجة إِلَى النَّوَافِل ماسة، فَإِنَّهَا تكمل الْفَرَائِض وكل وَقت وَقتهَا فَمَا تيَمّم لَهَا إِلَّا فِي وَقتهَا.
(1/227)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ)
: طلب المَاء قبل التَّيَمُّم (كه) :
الْمَذْهَب: وَاجِب.
عِنْدهم: لَا يجب إِلَّا فِي مظانه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
الْآيَة.
إِنَّمَا يعد عادما بعد الطّلب، فَفِي الشَّاهِد لَو قلت لصاحبك: ابتع لي كَذَا، فَإِن لم تَجِد فَكَذَا لم يجز شِرَاء الثَّانِي إِلَّا بعد طلب الأول وفوته.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " وترابها طهُورا " سَمَّاهُ طهُورا، وَلم يشْتَرط الطّلب.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
التَّيَمُّم مَشْرُوط بِعَدَمِ المَاء، وَلَا يعلم الْعَدَم إِلَّا بعد الطّلب؛ لِأَنَّهُ إِن
(1/228)

طلب احْتمل أَن يجد، وَالظَّاهِر وجود المَاء بِكُل مَكَان.
لَهُم:
عادم للْمَاء ظَاهرا فَتَيَمم، كَمَا لَو طلب، دَلِيل الْعَدَم: خلو الفلاة من الْمِيَاه، وَالْأَحْكَام تبنى على الظَّاهِر فَصَارَ كمن أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يُهَاجر وَفَاته صلوَات فَإِنَّهُ لَا يَقْضِيهَا؛ لِأَن الظَّاهِر خلو دَار الْحَرْب عَمَّن يعلم الصَّلَوَات.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
قَالُوا: طلب الرَّقَبَة فِي الْكَفَّارَة تعين؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو النَّاس من رَقِيق، وَطلب الْحَاكِم النَّص تعين؛ لِأَنَّهُ مَحْصُور فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَهُوَ طلب الشَّيْء من معدنه، فالشريعة وافية بأحكامها، وَكَذَلِكَ الْقبْلَة لَا تعد
(1/229)

والجهات الْأَرْبَع، وَنحن نقُول: قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " وترابها طهُورا " يَعْنِي بعد الطّلب بِدَلِيل أَن لَو كَانَ ذَلِك فِي الْعمرَان، ونقول: من أسلم فِي دَار الْحَرْب أَو الْإِسْلَام وَتمكن من السُّؤَال عَن الْفَرَائِض وَلم يسْأَل لم تسْقط عَنهُ، ونقول: الأَرْض مَظَنَّة المَاء؛ لِأَنَّهُ أحد الْمُبَاحَات وطالبه أَيْن كَانَ لَا يعد سَفِيها بِخِلَاف الْكَنْز وقصة النَّفر الَّذين عدموا المَاء، وشارفوا الْهَلَاك فترنم أحدهم بِبَيْت امْرِئ الْقَيْس:
(تيممت الْعين الَّتِي عِنْد ضارج ... يفِيء عَلَيْهَا الظل عرمضها طامي)

فَقَالَ بَعضهم: هَذِه ضارج فوجدوا المَاء، وخبروا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بذلك.
(1/230)

(من التَّيَمُّم وَالْمسح على الْخُف وَالْحيض)
(1/231)

فارغة
(1/232)

لوحة 17 من المخطوطة أ:
إِذا كَانَت الجبائر على مَوضِع التَّيَمُّم فَإِذا قُلْنَا: (يَكْفِيهِ الْمسْح بِالْمَاءِ مسح وأجزأه) ، فَإِن (قُلْنَا: يحْتَاج إِلَى) التَّيَمُّم؛ فَإِنَّهُ يمسح بِالْمَاءِ وَيتَيَمَّم وَيمْسَح بِالتُّرَابِ على الجبائر وَتلْزَمهُ الْإِعَادَة قولا وَاحِدًا؛ لِأَن الجبائر لَا يُجزئ مسحها عَن التَّيَمُّم، وَلَا يقوم بدل عَن بدل، فالتيمم لَا بدل لَهُ، وَاعْلَم أَن الموق هُوَ الجرموق، وَمسح النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام على الموق، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/233)

إِذا نزع الْخُف وَانْقَضَت مُدَّة الْمسْح، قَالَ فِي الْقَدِيم: يُعِيد الْوضُوء قَالَ فِي الْبُوَيْطِيّ: وحرملة يجْزِيه غسل الرجلَيْن، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة، وَجه القَوْل الأول: أَنه لما بَطل الْوضُوء فِي الرجلَيْن بَطل فِي الْجَمِيع؛ لِأَن الطَّهَارَة لَا تتبعض، وَالْوَجْه الثَّانِي أَن مسح الْخُف نَاب عَن غسل الرجل خَاصَّة فبظهورها بَطل مَا نَاب عَنهُ خَاصَّة، وَاعْلَم أَن شَرط مَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِ أَن يكون ساترا لمحل الْفَرْض قَوِيا حَلَالا، وَفِيمَا يشرج شقَّه خلاف، وَاعْلَم أَن قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يطهرن} ، يحْتَمل انتقالهن
(1/234)

حَالَة الْحيض وَيحْتَمل فعلهن الطُّهْر بِالْغسْلِ، فَكَانَ مُجملا، وَقد قرئَ مشدد الطَّاء فَيكون طَاهِرا فِي فعل الطَّهَارَة.
وَأول إِمْكَان الْحيض أول السّنة التَّاسِعَة، أَو الْعَاشِرَة فِي وَجه، وَأَقل مُدَّة الْحيض يَوْم وَلَيْلَة، وَأَكْثَره خَمْسَة عشر يَوْمًا، وَأَقل الطُّهْر خَمْسَة عشر يَوْمًا وَأَكْثَره لَا حد لَهُ، وأغلب الْحيض سِتّ أَو سبع، وأغلب الطُّهْر بَاقِي الشَّهْر.
وَيمْتَنع بِالْحيضِ كل فعل يحْتَاج إِلَى طَهَارَة وَالصَّوْم، لَكِن تقضيه بِخِلَاف الصَّلَاة وَالْجِمَاع، وَيُبَاح الِاسْتِمْتَاع بِمَا دون الْإِزَار، وَإِن جَامعهَا وَالدَّم غبيط تصدق بِدِينَار وَفِي آخِره بِنصْف دِينَار.
وَأما الِاسْتِحَاضَة فكسلس الْبَوْل لَا تمنع الصَّلَاة بل تتوضأ لكل صَلَاة فِي وَقتهَا وتتلجم وتستثفر، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/235)

وتبادر الصَّلَاة، وَفِي تَجْدِيد الْعِصَابَة لكل فَرِيضَة وَجْهَان إِلَّا أَن يظْهر الدَّم، وَمهما شفيت قبل الصَّلَاة استأنفت الْوضُوء، وَإِن كَانَت فِي الصَّلَاة فَوَجْهَانِ أَحدهمَا: أَنه كالتيمم إِذا رأى المَاء فِي تِلْكَ الْحَالة.
والمبتدأة المميزة الَّتِي ترى الدَّم الْقوي أَو لَا تتحيض فِيهِ بِشَرْط أَلا يزِيد (على خَمْسَة) عشر يَوْمًا، والمبتدأة الَّتِي لَا تَمْيِيز لَهَا ترد إِلَى عَادَة نسَاء بَلَدهَا أَو عشيرتها بِشَرْط أَن لَا تنقص عَن سِتّ، وَلَا تزيد على سبع لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " تحيضي فِي علم الله سِتا أَو سبعا "، وَالْقَوْل الآخر: ترد إِلَى أقل مُدَّة الْحيض احْتِيَاطًا (لِلْعِبَادَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ) إِذا رَأَتْ الدَّم على حَالَة وَاحِدَة من اللَّوْن الدَّال على الْحيض، فَإِن لم يتَجَاوَز خَمْسَة عشر فَهِيَ الْمدَّة، فَإِن تجَاوز ردَّتْ إِلَى سِتّ أَو سبع أَو يَوْمًا فِي القَوْل الآخر، والمعتادة ترد إِلَى عَادَتهَا، وللحيض شرح يضيق عَنهُ هَذَا الْمُخْتَصر، وضاف (فتر عَن مسير) .
(1/236)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ)
: التَّيَمُّم بالأجزاء الأرضية غير التُّرَاب (كو) :
الْمَذْهَب: لَا يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " وترابها طهُورا " ذكر الأَرْض مُطلقًا فِي حكم الصَّلَاة، وخصص التُّرَاب بالطهورية وَالنُّزُول من الْعَام إِلَى الْخَاص دَلِيل التَّخْصِيص فَهُوَ كَقَوْلِه: " فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة ".
لَهُم:
آيَة التَّيَمُّم، والصعيد اسْم للصعيد على وَجه الأَرْض، وَمعنى طيب هَاهُنَا طَاهِر، وَقَول ابْن عَبَّاس: إِنَّه تُرَاب الْحَرْث، أَو المنبت، لَا يُقيد
(1/237)

بِهِ الْكتاب لِأَنَّهُ خبر وَاحِد.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(طَهَارَة شَرْعِيَّة، أَو حكمِيَّة فاختصت بِمَا جعله الشَّرْع طهُورا، وَغير التُّرَاب لَا يُشَارِكهُ فِي مزاياه لغباره الْمُتَعَلّق بالعضو، وَكَونه أَعم أَجزَاء الأَرْض وَالطَّهَارَة مِمَّا يعم بِهِ الْبلوى فعلق على الْعَام.
لَهُم:
لما كَانَ عدم المَاء مُمكنا أُقِيمَت الأَرْض مقَامه فجميعها قَائِم مقَام المَاء توسعة فَإِذا تقيد بِبَعْض أَجْزَائِهَا ضَاقَ، وَأما الْجَوَاهِر فَهِيَ مودعة فِيهَا) .
مَالك: يجوز بِالْأَرْضِ وَمَا اتَّصل بهَا حَتَّى الشّجر.
أَحْمد: ق.
التكملة:
أما نَحن فنحمل الطّيب على المنبت، وَبِذَلِك فسره ابْن عَبَّاس وَعلي رَضِي الله عَنْهُم، وَتَقْيِيد الْمُطلق يجْرِي مجْرى التَّخْصِيص وَالْبَيَان، وَجعل التُّرَاب طهُورا أظهر فِي تكرمة الْآدَمِيّ فَإِنَّهُ أديمه، ويلزمهم التَّيَمُّم بالزجاج والخزف والآجر، فَإِن اعتذروا بصلابته ألزمناهم التَّيَمُّم بِالْحجرِ، قَالُوا:
(1/238)

حرف " من " يسْتَعْمل لابتداء الْغَايَة، مَعْنَاهُ أَنه من وَقت الضَّرْب يَبْتَدِئ الْمسْح، وَهَذَا تعسف، ومدار الْمَسْأَلَة أَن التُّرَاب عندنَا عرفت طهوريته شرعا فنقف مَعَه وَعِنْدهم طهوريته؛ لِأَنَّهُ من أَجزَاء الأَرْض.
(1/239)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ 9
: إِذا لم يجد الطهُورَيْنِ المَاء وَالتُّرَاب (كز) :
الْمَذْهَب: صلى على حسب حَاله وَأعَاد.
عِنْدهم: لَا يُصَلِّي حَتَّى يقدر على أَحدهمَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله: عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور " نفي صِحَة الصَّلَاة بِغَيْر طَهَارَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
شَرط من شُرُوط الصَّلَاة، فَإِذا عجز عَنهُ لَا يجوز لَهُ ترك الصَّلَاة.
دَلِيله: ستر الْعَوْرَة وطهارة الثَّوْب وَالْمَكَان، وَغَايَة الشَّرْط تَنْزِيله منزلَة الرُّكْن وَلَو عجز عَن ركن لم يتْرك الصَّلَاة ثمَّ الشَّرْط زَائِد فَإِذا توقف عَلَيْهِ الْمَشْرُوط صَار أصلا وَوقت الصَّلَاة شرِيف.
(1/240)

لَهُم:
فقد شَرط أَهْلِيَّة أَدَاء الصَّلَاة، فَلَا يستبيح فعلهَا أَصله الطَّهَارَة عَن الْحيض. دَلِيل ذَلِك: الْإِعَادَة وَيُخَالف الستْرَة وَالثَّوْب النَّجس، لِأَن الصَّلَاة بهما لَا تُعَاد، ثمَّ من ظَاهر وَلم يقدر على الْعتْق وَلَا الصَّوْم لَا يستبيح وَطْء الْمظَاهر عَلَيْهَا كَذَلِك هَاهُنَا.
مَالك: لَا يُصَلِّي فِي الْوَقْت وَلَا يلْزمه الْقَضَاء.
أَحْمد: ق.
التكملة:
يلْزمهُم أَن من أفسد الْحَج، أَو الصَّوْم يجب عَلَيْهِ الْمُضِيّ فِيهِ كَيْلا يخلى الزَّمَان من ذَلِك الْفِعْل، ونقول: الْوَطْء حق الْمظَاهر، وَيجوز للْإنْسَان تَأْخِير حَقه، وَالصَّلَاة حق الله تَعَالَى، ثمَّ أَمر الْبضْع آكِد من سَائِر الحرمات، وَلِهَذَا من اخْتلطت أمته بالإماء لَا يتحَرَّى ليستبيح الْوَطْء، وَلَو نسي صَلَاة من خمس وَجب عَلَيْهِ أَن يَأْتِي بِالْجَمِيعِ، ثمَّ إِن هَذَا مُخَاطب بِالصَّلَاةِ وَلَو لم يكن أَهلا مَا خُوطِبَ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُون والمحدث مُخَاطب
(1/241)

بِالصَّلَاةِ، وعَلى هَذَا تخرج طَهَارَة الْحَائِض فَإِنَّهَا شَرط أَهْلِيَّة فعل الصَّلَاة، وَلِهَذَا لَو قدرت الْحَائِض على الطّهُور مَا جَازَ لَهَا اسْتِعْمَاله، وَلَا قَضَاء مَا يفوتها من الصَّلَوَات ونمنع الْإِعَادَة على قَول، وَقد يسوى بَين الطَّهَارَة والسترة فِي الْإِعَادَة والإجزاء، وحرف الْمَسْأَلَة: أَن الطَّهَارَة عندنَا شَرط أَدَاء الصَّلَاة، وَعِنْدهم شَرط أَهْلِيَّة الْأَدَاء.
(1/242)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ)
: الطَّهَارَة الْكَامِلَة قبل لبس الْخُف (كح) :
الْمَذْهَب: شَرط لصِحَّة الْمسْح.
عِنْدهم: لَا تشْتَرط للبس بل للْحَدَث.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أَبُو بكرَة الْخَبَر إِذا تطهر وَلبس خفيه، فاستدلالنا بِالشّرطِ، لَا بِمَفْهُوم الْخطاب؛ لِأَن (إِذا) كلمة شَرط وَمُطلق الطَّهَارَة ينْصَرف إِلَى جَمِيعهَا، لَا إِلَى بَعْضهَا.
لَهُم:
روى عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه أرخص أَن يمسح الْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام بليالهن، والمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة، وَأطلق.
(1/243)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كَمَال الطَّهَارَة شَرط الْمسْح، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعْتَبر ليُصَلِّي، أَو ليلبس وَلَا يُقَال يعْتَبر ليُصَلِّي؛ لِأَن الصَّلَاة تستباح بِالْمَسْحِ، وَالْحَدَث يَتَخَلَّل ذَلِك بَقِي أَن يعْتَبر صِحَة اللّبْس.
لَهُم:
الْوضُوء للوضاءة والنظافة، وَلَيْسَ فِي الْمسْح ذَلِك إِلَّا أَن الشَّرْع أَقَامَ الْخُف مقَام الرجل فَمنع الْخُف سريان الْحَدث إِلَيْهَا فَلَا يخْتَلف لبسه بالأحوال وَلِهَذَا جعل ابْتِدَاء الْمدَّة من حِين الْحَدث؛ لِأَن الْآن تحققت الْحَاجة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالَ مشايخهم: دوَام اللّبْس بِمَثَابَة ابْتِدَائه، الدَّلِيل عَلَيْهِ الْبر والحنث، فَإِنَّهُ لَو حلف لَا لبس الْخُف وَهُوَ لابس حنث إِن استدام فَإِذا لبس وتطهر، فَكَأَنَّهُ
(1/244)

لبس بعد التَّطْهِير يلْزمهُم على هَذَا أَن من تطهر وَلبس خفيه، ثمَّ أحدث لَا يجوز لَهُ الْمسْح، حَيْثُ اسْتِدَامَة اللّبْس كابتدائه فَكَأَنَّهُ قد ابْتَدَأَ اللّبْس بعد الْحَدث، وَلَا يستبعد نزع الْخُف ولبسه، فَإِن الْمحرم إِذا كَانَ فِي يَده صيد ثمَّ تحلل لَا يجوز لَهُ أَن يملكهُ حَتَّى يُرْسِلهُ، ثمَّ يعود لأَخذه، وللشرع تعبدات لَا تعقل، ونرى هَذَا فِي تَصَرُّفَات كَثِيرَة، فَإِن الْحَاكِم إِذا تعدى ولَايَته قيد شبر وَسمع بَيِّنَة ثمَّ عَاد إِلَى بَلَده لزمَه إِعَادَة السماع، وَالْمَقْصُود من الشَّهَادَة إِعَادَة الْفَهم، وَذَلِكَ لَا يخْتَلف بالأمكنة وَلَا نسلم أَن الْخُف يمْنَع من تلبس الْحَدث بِالرجلِ، فَإِن الْحَدث يَتَجَدَّد من الْبَاطِن ثمَّ الْحَدث لَا يَزُول عَن الْقدَم، بِدَلِيل مَا لَو انخرق الْخُف، أَو انْقَضتْ الْمدَّة بِأَن الْحَدث من ذَات الْمُحدث، وَالْمسح رخصَة، فالطهارة عندنَا شَرط اللّبْس فتتقدم عَلَيْهِ، وَعِنْدهم ترَاد حَتَّى إِذا أحدث بعد اللّبْس وَالطَّهَارَة لم يسر الْحَدث إِلَى الرجل.
(1/245)

فارغة
(1/246)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ)
: إِذا مسح فِي الْحَضَر ثمَّ سَافر (كط) :
الْمَذْهَب: أتم مسح مُقيم.
عِنْدهم: أتم مسح مُسَافر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} الْآيَة. مقتضاها: إِيجَاب غسل الرجل إِلَّا فِيمَا استثنته السّنة بِحكم الرُّخْصَة للمقيم وَالْمُسَافر، وَالْمُطلق لكل وَاحِد مِنْهُمَا من أول مسحة إِلَى آخِره لاقتران وصف الْحَالة بِالْمَسْحِ، وَهَذَا لم يكن مُسَافِرًا فَكيف يمسح مسح مُسَافر؟
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " يمسح الْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام "، وَهَذَا مُسَافر.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
المسحات أخذت حكم فعل وَاحِد وَعبادَة وَاحِدَة، وَقد اجْتمع فِيهَا
(1/247)

الْحَضَر وَالسّفر فغلب الْحَضَر، دَلِيل الِاتِّحَاد إرادتها لشَيْء وَاحِد وَهُوَ اسْتِبَاحَة الصَّلَاة عندنَا، وَالْمَنْع من السريان عنْدكُمْ، وَمَا أُرِيد لوَاحِد فَحكمه وَاحِد كَالْوَطْءِ فِي الْمهْر وَالْحَد، ويرجح الْحَضَر؛ لِأَنَّهُ أفضل.
لَهُم:
المسحات تتجزأ فَيثبت لكل وَاحِدَة حكم، كَمَا لَو دخل وَقت الظّهْر ثمَّ سَافر قبل الْعَصْر قصر، وَدَلِيل التجزي: تكررها وَدخُول الْحَدث بَينهَا، ثمَّ يَخْتَلِفَانِ أصلا فَتَصِح وَاحِدَة وتفسد وَاحِدَة، فاختلفا وَصفا كَصَوْم رَمَضَان.
مَالك: الْمُسَافِر يمسح بِغَيْر تأقيت.
أَحْمد: ق.
التكملة:
كَون المسحات ينْفَصل بَعْضهَا من بعض لَا يدل على أَنَّهَا لَيست عبَادَة وَاحِدَة كَالْحَجِّ، وبالحج أَيْضا نجيب عَن كَون فَسَاد الْبَعْض لَا يفْسد الْبَعْض، وَلَا خلاف أَن مبدأ الْمدَّة من حِين الْحَدث، وَلِهَذَا قَالَ الْمُزنِيّ: إِن من
(1/248)

أحدث فِي الْحَضَر أتم مسح مُقيم، وَالْحق أَن من لبس خفه وَهُوَ مُقيم فَلَا يطهر لنا عزمه على السّفر أَو الْإِقَامَة، وَلَا بحدثه يسْتَدلّ على إِقَامَته فَرُبمَا كَانَ لضَرُورَة، أما إِذا مسح فِي الْحَضَر تَبينا أَنه مُقيم، ثمَّ إِن نفس الْمدَّة لَا ترَاد لعينها إِنَّمَا ترَاد للمسح غير أَن ذَلِك يخْتَلف وَلَا يُمكن ضَبطه فضبطناه بالمدة، والمدة إِن لم تكن عبَادَة فالمسح فِيهَا عبَادَة، فَإِن قَالُوا: يَنْبَغِي أَن لَا يمسح مسح مُقيم؛ لأَنا مَا تحققنا حَاله وَلَيْسَ بمقيم مَحْض، فَالْجَوَاب: أَن حملنَا على الْأَقَل من حالتيه، وَهِي الْإِقَامَة فَإِن الْمسْح جَائِز بِالْجُمْلَةِ وَلَا يَخْلُو أَن يكون مُقيما أَو مُسَافِرًا، وَبِالْجُمْلَةِ المسحات عندنَا تجْرِي مجْرى الْعِبَادَة الْوَاحِدَة، وَعِنْدهم تجْرِي مجْرى الْعِبَادَات.
(1/249)

(الْمَسْأَلَة الثَّلَاثُونَ)
: إِذا انْقَطع دم الْحَائِض لأقله (ل) :
الْمَذْهَب: لَا يحل وَطْؤُهَا وَلَا لأكثره.
عِنْدهم: يحل لأكثره، وَإِذا مضى على أَقَله وَقت صَلَاة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا تطهرن فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله} والتطهير: الِاغْتِسَال. قَالَ تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} .
لَهُم: ... .
(1/250)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
طهرت وَلم تتطهر فَلَا يجوز وَطْؤُهَا، كَمَا لَو انْقَطع الدَّم لأقله.
وَمَعْنَاهُ وَلم يغْتَسل، وفقهه أَن حدث الْحيض وَالْوَطْء يحْتَاج إِلَى الِاحْتِيَاط فِيهِ، وَلَئِن زَالَ الْحيض فقد زَالَ إِلَى خلف وَهُوَ الْحَدث
لَهُم:
انْقَطع حَيْضهَا بِيَقِين فَحل للزَّوْج وَطْؤُهَا كَمَا لَو اغْتَسَلت، دَلِيل
(1/251)

الدَّعْوَى: أَنه لَو عَاد الدَّم كَانَ اسْتِحَاضَة، وَالْعلَّة فِي تَحْرِيم الْوَطْء هُوَ الْحيض وَإِلَّا الْمُحَلّل قَائِم فَيَعُود إِلَى الأَصْل عِنْد زَوَال الْحيض.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن عَلقُوا حل الْوَطْء على حل الصَّوْم ألزمناهم الَّتِي يَنْقَطِع دَمهَا لدوّنَ الْمدَّة، فَإِنَّهَا لَا تَصُوم، ثمَّ نقُول: الصَّوْم عبَادَة يحْتَاط لإيجابها، أما الْوَطْء فالغالب فِيهِ تَحْرِيم الْفِعْل، فَأَما قَول أبي زيد زَالَ حَيْضهَا يَقُول: زَالَ مُطلقًا لَا نسلم زَالَ إِلَى خلف، وَهُوَ الْحَدث نسلم، ونفرق بَين حدث الْحيض، وَحدث الْجَنَابَة، فَإِن حدث الْجَنَابَة من الْوَطْء فَلَا يحرم الْوَطْء، أما الْحيض فنفسه تَحْرِيمه للْوَطْء، فَكَذَلِك حَدثهُ، قَوْلهم فِي أدون الْحيض نوجب الْغسْل عَلَيْهَا ليَكُون فِي عداد الطاهرات، الْجَواب: اجعلوا وجوب الْغسْل عَلَيْهَا وَاجِبا فِي الْفرق بَينهَا وَبَين الْحيض بِأَن الْحَائِض لَا يجب الْغسْل عَلَيْهَا، فَلَمَّا اعتبروا الْغسْل دلّ على وُجُوبه فِي أدنى الْحيض
(1/252)

وَأَكْثَره وَحدث الْحيض عندنَا قَامَ مقَام الْحيض فِي تَحْرِيم الْوَطْء خلافًا.
(1/253)

فارغة
(1/254)

(كتاب الصَّلَاة)
(1/255)

فارغة
(1/256)

(كتاب الصَّلَاة)
(1/257)

فارغة
(1/258)

لوحة 18 من المخطوطة أ:
" الْأَفْعَال ثَلَاثَة فعل لَا عِقَاب فِي تَركه (مُطلقًا وَهُوَ النّدب، وَفعل يُعَاقب على تَركه) مُطلقًا وَهُوَ الْفَرْض، وَالْوَاجِب مثله، وهما اسمان مُتَرَادِفَانِ، وَفعل يُعَاقب عَلَيْهِ بِالْإِضَافَة إِلَى مَجْمُوع الْوَقْت، لَكِن لَا يُعَاقب بِالْإِضَافَة إِلَى بعض أَجزَاء الْوَقْت، وَيحْتَاج هَذَا إِلَى اسْم ثَالِث وتسميته وَاجِبا (أولى لِأَنَّهُ كَذَا) يَنْوِي وَكَذَا يَقع، وَلَيْسَ هَذَا لتعجيل الزَّكَاة؛ لِأَنَّهُ لم ينْو التَّعْجِيل وَلَا يجوز أَن تقع نفلا؛ لِأَنَّهُ لَا يجوز نِيَّة النَّفْل فِيهِ، فعلى هَذَا لَو مَاتَ فِي أثْنَاء الْوَقْت، فَإِن قَالُوا جَازَ لَهُ التَّأْخِير بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة، فَالْجَوَاب أَن الْعَاقِبَة مستورة عَنهُ فَكيف يتضمنها خطابه وَلَو سَأَلنَا عَن التَّأْخِير أجزناه لَهُ، وَهَذَا فصل يستظهر بِهِ فِي مَسْأَلَة اسْتِقْبَال الْقبْلَة "، وَهُوَ أَن مدرك الشُّرُوط والأسباب غير مدرك الْعِبَادَات إِذْ الْعِبَادَات تتلقى (من) الْأَمر وَالنَّهْي، والشروط والأسباب تتلقى وَصفا من الشَّرْع بِأَن يَقُول: جعلت البيع سَبَب الْملك والمماثلة شَرطه وَالنِّكَاح سَبَب الْحل وَالشَّهَادَة شَرطه، فخطاب الشَّرْع على ضَرْبَيْنِ: خطاب تَكْلِيف، وَذَلِكَ
(1/259)

يَقْتَضِي فهما عَاقِلا، فَلَو اخْتَلَّ بعض (هَذَا) الشَّرْط اخْتَلَّ الْخطاب، وَالْآخر خطاب إِخْبَار وَهُوَ أَن يَقُول وضعت هَذَا سَببا، وَهَذَا شرطا فَلَا يَسْتَدْعِي هَذَا الْخطاب قيام الْعقل والفهم، بل كل من اجْتمع لَهُ السَّبَب بِشَرْطِهِ حصل لَهُ الحكم. قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ: كل مُجْتَهد مُصِيب، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الْمُصِيب أحد الْمُجْتَهدين، فنحقق هَذَا ونقول: الْمُجْتَهد فِي تَنْقِيح المناط مُصِيب (من) الْجَانِبَيْنِ.
والمجتهد فِي تَحْقِيق المناط الْمُصِيب (وَاحِد) مِثَاله: (الْبر رِبَوِيّ) .
وَالِاجْتِهَاد فِي الْعلَّة، وكل مُجْتَهد مُصِيب عِنْد الله، فَلَيْسَ عِنْد الله عِلّة متعينة قبل الِاجْتِهَاد، وَهِي بعد الِاجْتِهَاد الطّعْم عِنْد الشَّافِعِي، والكيل عِنْد أبي حنيفَة، وَيجوز أَن يثبت حكم فِي شخص دون شخص،
(1/260)

كَالصَّلَاةِ للحائض والطاهر، أما إِذا اجْتَمعُوا على أَن الطّعْم علته، وَاخْتلفُوا فِي أَن هَذِه مطعومة لم يكن (السَّبَب إِلَّا وَاحِدًا) فَالْأول تَخْرِيج المناط، وَالثَّانِي تَحْقِيق المناط، ثمَّ الْمُصَلِّي مَأْمُور بالتوجه إِلَى عين الْكَعْبَة أَو إِلَى الْجِهَة لَا قصدا للجهة، بل للعين، بل يتَيَقَّن الشَّرْط لَا لأجل الشّطْر، بل لأجل الْعين، ثمَّ الِاجْتِهَاد لَا لحقيقة بل لإصابة الشّطْر الْقَائِم (مقَام الْجِهَة الْقَائِمَة) مقَام الْعين، فَإِذا بَان الْخَطَأ لم يعد الِاجْتِهَاد، وَالِاجْتِهَاد يبْنى على مقدمتين الْعَلامَة كالجدي مثلا، وَأَن هَذَا الجدي فلولا خَطؤُهُ من إِحْدَى المقدمتين لم يلغط وَصَارَ كَالْحكمِ إِذا استبان خطأه (فِي الثَّوْبَيْنِ والإناءين) وكما لَو تمّ ذَلِك فِي الْبُنيان فكثيرا مَا
(1/261)

يدْخل الْإِنْسَان دَارا ويعتقد أَن هَذِه الْقبْلَة وَيُصلي إِلَيْهَا.
(1/262)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ)
: وجوب الصَّلَاة (لَا) :
الْمَذْهَب: بِأول الْوَقْت وجوبا موسعا.
عِنْدهم: بآخر الْوَقْت.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس} . علق الْوَاجِب بِالْوَقْتِ، فمحله جَمِيع أَجْزَائِهِ.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَتى علق شَيْء بِوَقْت كَانَ مَحَله جَمِيع أَجْزَائِهِ، كالسيد إِذا أَمر عَبده بخياطة ثوب فِي يَوْم الْجُمُعَة، فَأَي وَقت خاطه من الْيَوْم امتثل، وَفِي
(1/263)

الْوَاجِبَات مَا هُوَ بِقدر الْوَقْت كَالصَّوْمِ، وَمِنْهَا مَا يفضل عَنهُ الْوَقْت كمسألتنا ثمَّ لَو أدّى فِي أول الْوَقْت سقط الْفَرْض.
لَهُم:
مُقْتَضى الْوُجُوب الموسع التَّخْيِير بَين الْفِعْل وَالتّرْك، وَذَلِكَ من عَلَامَات النَّفْل، وَلَو كَانَت قد وَجَبت بِأول الْوَقْت مَا وَجَبت بِآخِرهِ، وَلَو سَافر بعد أَن مضى من الْوَقْت قدر الصَّلَاة قصر، وَلَو وَجَبت بِأول الْوَقْت مَا قصر، وَيدل عَلَيْهِ أَنه لَو مَاتَ لم يعْص بِالتَّأْخِيرِ.
مَالك: ق.
أَحْمد:.
التكملة:
أشبه بِمَسْأَلَة الْحَج يتَأَخَّر وَلَا يتْرك وتشبه الدّين الْمُؤَجل يجوز تأديته فِي أول الْمدَّة موسعا، وَفِي آخرهَا يجب مضيقا، قَوْلهم: لَا يعْصى لَو مَاتَ بعد تكنه من الْأَدَاء، وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ: لَا يعْصى إِلَّا أَن تظهر لَهُ أَمَارَات الْمَوْت، وَمنع الْمُزنِيّ مَسْأَلَة الْقصر وَقَالَ: لَا يقصر، وَقَالَ
(1/264)

الْأَصْحَاب: الْقصر والإتمام من صِفَات الصَّلَاة، لَا من صِفَات الْوُجُوب فَتعْتَبر صفتهَا حَالَة أَدَائِهَا كمن كَانَ مَرِيضا فِي أول الْوَقْت لَا يسْتَقلّ بِالْقيامِ، وَصَحَّ فِي آخِره، فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْقيام، فَإِن قَالُوا: إِذا صلى أول الْوَقْت وَقعت نفلا، فَهَذَا مَا صَار إِلَيْهِ أحد، وَلَا يشبه تَعْجِيل الزَّكَاة؛ لِأَنَّهُ يَنْوِي بِالصَّلَاةِ الْأَدَاء، بِخِلَاف الزَّكَاة، وَاعْلَم أَن من مَذْهَبهم أَنه إِذا صلى فِي أول الْوَقْت وَقعت مُرَاعَاة فَإِن بَقِي إِلَى آخر الْوَقْت على صفة تلْزمهُ الصَّلَاة فَمَا أَدَّاهُ كَانَ فرضا، وَإِن لم يبْق بَان أَنَّهَا نفل.
(1/265)

فارغة
(1/266)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ)
: الْإِقَامَة كم هِيَ (لب) :
الْمَذْهَب: فُرَادَى سوى لفظ الْإِقَامَة فَهِيَ إِحْدَى عشرَة لَفْظَة.
عِنْدهم: مثنى.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَمر بِلَالًا أَن يشفع الْأَذَان، ويوتر الْإِقَامَة إِلَّا الْإِقَامَة، وَكَانَ أَوْلَاد أبي مَحْذُورَة يعتمدون مَذْهَبنَا حَتَّى استولى
(1/267)

الفاطميون سنة 362، وَفِي الْبَاب أَخْبَار كَثِيرَة.
لَهُم:
روى عَن أبي مَحْذُورَة أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام علمه الْإِقَامَة تسع عشرَة لَفْظَة، وَالْأَذَان سبع عشرَة لَفْظَة، وأخبار أخر.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْأَذَان لإعلام الْغَائِب، فَكَانَ شفعا، وَالْإِقَامَة للحاضر فَكَانَت وترا ثمَّ من الْوَاجِب الْفرق بَينهمَا ليعرفا، وَلَا تَكْفِي الْإِقَامَة فرقا؛ لِأَنَّهَا تَأتي بآخرها.
لَهُم:
الْإِقَامَة كالأذان فِي قصد الْإِعْلَام وَتَحْصِيل الثَّوَاب، وَقد زَادَت بِلَفْظَة الْإِقَامَة فَلَا أقل من تساويهما وَالتَّكْبِير فِي آخرهَا مرَّتَيْنِ، فَيجب أَن تكون فِي أَولهَا أَرْبعا، ثمَّ لفظ الْإِقَامَة مثنى، وَهُوَ الأَصْل فَحمل الْجَمِيع عَلَيْهِ.
(1/268)

مَالك: وَافق، إِلَّا أَن لفظ الْإِقَامَة فَرد.
أَحْمد: ق.
التكملة:
القَوْل الْقَدِيم لنا أَن لفظ الْإِقَامَة أَيْضا وتر فَيخرج بذلك عَن الْإِلْزَام وعَلى القَوْل الثَّانِي هُوَ مثنى، لِأَنَّهُ مَا جَاءَ إِلَّا الْآن فَيَقْضِي حَقه بتكراره، صَار إِلَى مَذْهَبنَا من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن عمر وَمن الْأَئِمَّة: مَالك وَإِسْحَاق والحنظلي وَأحمد وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة.
قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة يذكر الْفُقَهَاء السِّتَّة وَهُوَ سابعهم:
(1/269)

(أحبك حبا لَا يحبك مثله ... قريب وَلَا فِي العاشقين بعيد)

(وحبك يَا أم الْبَنِينَ مدلهي ... شهيدي أَبُو بكر فَنعم شَهِيد)

(وَيعرف وجدي قَاسم بن مُحَمَّد ... وَعُرْوَة مَا ألْقى بكم وَسَعِيد)
(1/270)

(وَيعلم مَا أخْفى سُلَيْمَان بعده ... وخارجة يبدى لكم وَيُعِيد)

(مَتى تسألي عَمَّا أَقُول وتخبري ... فَللَّه عِنْدِي طارف وَتَلِيدُ)
(1/271)

فارغة
(1/272)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ)
: إِذا اشتبهت عَلَيْهِ الْقبْلَة (لج) :
الْمَذْهَب: يُعِيد فِي أحد الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: لَا يُعِيد وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره} ، ونتمسك بِالْعُمُومِ.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فأينما توَلّوا فثم وَجه الله} . قَالَ عَامر بن ربيعَة: كُنَّا فِي سفر فاشتبهت علينا الْقبْلَة، فصلينا إِلَى جِهَة، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا تَيَقنا الْخَطَأ وحكينا ذَلِك للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَنزلت هَذِه الْآيَة.
(1/273)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَا أَتَى بِمَا أَمر بِهِ فَوَجَبت عَلَيْهِ الْإِعَادَة كَسَائِر الْأَوَامِر؛ لِأَنَّهُ مَأْمُور بالتوجه إِلَى الشّطْر والاشتباه عَارض يرْتَفع والمأمور بِهِ مُمكن الْوُقُوع فَصَارَ كالتحري فِي الثِّيَاب، والأواني وكالحاكم إِذا أَخطَأ النَّص.
لَهُم:
الشَّرْع لَا يُكَلف محالا، وَحَالَة الِاشْتِبَاه لَيْسَ فِي وَسعه إِدْرَاك الْجِهَة، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد ليتوجه إِلَى حَيْثُ يَظُنّهُ شطرا، وَقد فعل الْمَأْمُور بِهِ فبرئت ذمَّته، وَلِهَذَا لَو صلى إِلَى غير جِهَة اجْتِهَاده وصادف الشّطْر أعَاد فحاضر الْكَعْبَة هِيَ تعبده، وَتعبد الْغَائِب الشّطْر إِن علم وَالِاجْتِهَاد إِن جهل.
مَالك: وَافق أَبَا حنيفَة رحمهمَا الله.
أَحْمد: وَافق أَبَا حنيفَة رَضِي الله عَنْهُمَا.
التكملة:
خبرهم فِي سَنَده ضَعِيف، وَآيَة وَردت فِي النَّفْل، فَإِن قَالُوا: الأَصْل التَّوَجُّه إِلَى الله تَعَالَى أُقِيمَت الْكَعْبَة مقَامه، قُلْنَا: الْخلف بعد تصور الأَصْل وَالله لَيْسَ فِي جِهَة دون جِهَة، ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/274)

وَأما الْحَاج إِذا أخطئوا يَوْم عَرَفَة نمْنَع وتلزمهم إِعَادَة، وَإِن سلمنَا سُقُوط الْإِعَادَة لأجل الْمَشَقَّة، ثمَّ الْخَطَأ ثمَّ (فِي ركُوب) أَرْكَان الْعِبَادَة هَاهُنَا الْخَطَأ فِي أصل الْعِبَادَة.
وَأما صَوْم الْأَسير فَإِن صَادف شعْبَان لم يجزه، وَإِن صَادف شَوَّال أَجزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَو ترك صَوْم رَمَضَان عَامِدًا أَجزَأَهُ شَوَّال، لَو ترك الْقبْلَة عَامِدًا لم يجزه، وَفِي صلَاته إِلَى أَربع جِهَات منع. وَأما حَال المسايفة وَالنَّفْل فِي السّفر فَهَذِهِ أعذار أسقطت التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة. أما إِذا اجْتهد وَخَالف اجْتِهَاده وصادف الْقبْلَة نمْنَع ونقول: لَا يُعِيد، وَإِن قُلْنَا: يُعِيد؛
(1/275)

فَلِأَنَّهُ لم يبن على دَلِيل وَهَذَا إِلْزَام عكس الْعلَّة، فَإِنَّهُ يروم أَن يبين أَن صلَاته صَحِيحَة، إِذا وَافَقت اجْتِهَاده بِأَنَّهَا تبطل إِذا خَالَفت اجْتِهَاده، وَإِن صلى إِلَى الْكَعْبَة، وَلَعَلَّ لصِحَّة الصَّلَاة مَعَ مصادفة الْعين شَرط آخر، وَهُوَ الْبناء على طمأنينة، وَإِن عللوا فرض الْجِهَة ليَكُون متأديا فِي صلَاته، وَذَلِكَ يحصل بِمَا يَظُنّهُ جِهَة، وَهَذَا بَاب إِن فتح هدم قوانين الشَّرِيعَة، فَإِنَّهُ يَقُول: الْخمر حرمت للْفَسَاد فتباح لمن لَا يفْسد.
(1/276)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ)
: الصَّبِي إِذا صلى أول الْوَقْت وَبلغ فِيهِ (لد) :
الْمَذْهَب: لَا يجب عَلَيْهِ إِعَادَة الصَّلَاة.
عِنْدهم: يُعِيد وَهُوَ القَوْل الآخر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(1/277)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أدّى وَظِيفَة الْوَقْت فَخرج الْوَقْت عَن الْوُجُوب، أَو نقُول: لم يدْرك وَقت الْوُجُوب فَلَا يجب، وَذَلِكَ لِأَن الْوَقْت لَيْسَ لَهُ، إِلَّا وَظِيفَة وَاحِدَة وَصَارَ كالمتيمم إِذا صلى فِي أول الْوَقْت وَوجد المَاء فِي آخِره لَا يُعِيد وَصَارَ الْوَقْت فِي حَقه كالمنقضي، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَة إِذا صلت أول الْوَقْت وَانْقطع الدَّم.
لَهُم:
أدّى النَّفْل فَلَا يسْقط عَنهُ الْفَرْض كَالْبَالِغِ، لِأَن الْبلُوغ شَرط التَّكْلِيف وحد الْوَاجِب مَا تعرض للثَّواب يَفْعَله، وَالْعِقَاب بِتَرْكِهِ، وَلَا يتَصَوَّر هَذَا فِي حق الصَّبِي، ونقول: عبَادَة بدنية تفْتَقر إِلَى النِّيَّة فَلم تصح من الصَّبِي كَالْحَجِّ.
مَالك: وَافق أَبَا حنيفَة رحمهمَا الله.
أَحْمد:
(1/278)

التكملة:
إِنَّمَا لزم الصَّبِي إِعَادَة الْحَج؛ لِأَنَّهَا عبَادَة الْعُمر فأداؤها فِي أكمل حالاته أحسن، ونسلم أَنَّهَا نفل، لَكِن إِذا أَدَّاهَا فِي أول الْوَقْت فقد أدّى وظيفته، ثمَّ نقُول: تكون مُؤَقَّتَة، فَإِن بلغ فِي آخر الْوَقْت قُلْنَا: إِنَّهَا كَانَت فرضا، وَصَارَ كمن عجل الزَّكَاة، وَالْفِقْه فِيهِ أَن الصَّبِي بمَكَان مرحمة، وَالشَّرْع ينظر لَهُ، وَمن النّظر لَهُ أَن يكون هَذَا الْمُؤَدِّي غير سَاقِط عَنهُ كَمَا قُلْتُمْ فِي عبد أجر نَفسه بِغَيْر إِذن سَيّده إِنَّه لَا يَصح، فَلَو أَنه اسْتهْلك مَنَافِعه وَقعت الْأُجْرَة للسَّيِّد فَكَذَا هَاهُنَا هَذِه الصَّلَاة لَا تجب عَلَيْهِ فِي أول الْوَقْت، لَكِن إِذا أَدَّاهَا وَبلغ حسبت لَهُ، وَقَالَ الشَّافِعِي: لَو أوصى الصَّبِي صحت وَصيته نظرا لَهُ مَعَ فَسَاد تَصَرُّفَاته؛ لِأَنَّهُ إِن عَاشَ فَلهُ أَن يرجع، وَإِن مَاتَ صرف مَاله إِلَى مَا أحبه وَلَيْسَت حَالَة بُلُوغ مراهق حَالَة نادرة، نعم صبي أَعقل من الْبَالِغين نَادرا، ثمَّ عنْدكُمْ أَن الصَّلَوَات تجب بآخر الْوَقْت، وَحَيْثُ تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة يكون مُخَاطبا، وَقد أَدَّاهَا فِي أول الْوَقْت فقد أدّى وَظِيفَة الْوَقْت.
(1/279)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ)
: الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الآخرتين (لَو) :
الْمَذْهَب: وَاجِبَة.
عِنْدهم: يخْتَار بَين الْقِرَاءَة وَالتَّسْبِيح.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
لما علم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الْأَعرَابِي الصَّلَاة ذكر الْقِرَاءَة وَقَالَ: كَذَلِك فافعل، وَالْقِرَاءَة فعل اللِّسَان.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: الْقِرَاءَة فِي الأولتين قِرَاءَة، وَفِي الآخرتين؛ أَي تنوب عَنْهَا.
وَرُوِيَ عَن عَليّ، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/280)

وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: إِن شَاءَ قَرَأَ وَإِن شَاءَ سبح، وَقَالَت عَائِشَة: فرضت الصَّلَاة فِي الأَصْل رَكْعَتَيْنِ زيدت فِي الْحَضَر، وقررت فِي السّفر.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْقيَاس قِيَاس شبه، وَهُوَ أَن يلْحق الآخرتين بالأولتين، وإلحاق بعض
(1/281)

الشَّيْء بِبَعْضِه مخيل.
لَهُم:
الركعتان الآخرتان زائدتان، بِدَلِيل خبر عَائِشَة، وَالْأَصْل اثْنَتَانِ وَكَذَلِكَ شرعت النَّوَافِل، ثمَّ إِنَّا مأمورون بِالصَّلَاةِ، وَهِي فعل مُجَرّد وَكَذَا كَانَت صدر الْإِسْلَام حَتَّى نزل {فاقرءوا مَا تيَسّر مِنْهُ} ، وَالْأَمر الْمُطلق لَا يَقْتَضِي التّكْرَار، فوجوب الْقِرَاءَة فِي الأولتين إِجْمَاعًا، فَلَا تلتحق بهَا الآخرتان.
مَالك: تجب الْقِرَاءَة فِي مُعظم الصَّلَاة.
أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن صَحَّ منقولهم، فَمَعْنَاه أَن الْقِرَاءَة فِي الأولتين كالقراءة فِي الآخرتين كَمَا يُقَال: كَلَام الْوَزير كَلَام الْأَمِير وَأَبُو، ... ... ... ... ... ... ...
(1/282)

يُوسُف أَبُو حنيفَة، وَقَول عَليّ وَابْن مَسْعُود قَول آحَاد الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي الْإِجْمَاع، فَإِن قَالُوا: لَا يسن قِرَاءَة السُّورَة فِي الآخرتين يمْنَع، وَإِن سلمنَا فَذَلِك لنَوْع تَخْفيف، فَإِن فرقوا بَين الْأَوَائِل والأواخر بالخفت والجهر بَطل بصلاتي الظّهْر وَالْعصر، وَلَيْسَ كلما يجْهر بِهِ وَاجِبا كالتكبير فِي فواصل الرَّكْعَات، وَلَا نسلم زِيَادَة الرَّكْعَتَيْنِ بل الشَّرِيعَة
(1/283)

وَردت شَيْئا فَشَيْئًا، وَلم يكن بَعْضهَا تبع بعض لتأخره عَنهُ، وَلَا نسلم أَن الصَّلَاة كَانَت فعلا مُجَردا، وَإِن سلمنَا فَبعد أَن فرضت الْقِرَاءَة صَارَت أصلا، وَأما حذفهَا فِي السّفر فعلى خلاف الأَصْل لَا جرم. قُلْنَا: هُوَ رخصَة، ثمَّ نقُول: الْقِرَاءَة تجب للتمييز بَين عبَادَة الْوُقُوف وَالْعَادَة، فَإِن ألزمونا التَّشَهُّد الأول أَنه لَا يجب فِيهِ ذكر نمْنَع.
(1/284)

لوحة 19 من المخطوطة أ:
{بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (1) الْحَمد لله رب الْعَالمين (2) الرَّحْمَن الرَّحِيم (3) مَالك يَوْم الدّين (4) إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين (5) اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم (6) صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين} آمين.
نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على أَنه من ترك حرفا فِي فَاتِحَة الْكتاب مُتَعَمدا بطلت صلَاته، هَذِه مُقَدّمَة، وَلَا خلاف أَن الْحَرْف المشدد بحرفين، هَذِه مُقَدّمَة تنْتج أَن من خفف حرفا مشددا عمدا بطلت صلَاته وَلذَلِك أثبتنا فَاتِحَة الْكتاب وفيهَا 14 تشديدة أعلمنَا عَلَيْهَا، وَاعْلَم أَن سِيبَوَيْهٍ جعل مخرج الضَّاد مُفردا وَهُوَ من أول حافة اللِّسَان وَمَا يَليهَا من الأضراس إِلَّا أَن قوما يخرجونها من الْجَانِب الْأَيْسَر من الْفَم، وَقوم من الْأَيْمن، وَلَيْث جعل مخرجها من مخرج الْجِيم والشين، وَأما
(1/285)

الظَّاء فمخرجها من طرف اللِّسَان وأطراف الثنايا.
وَاعْلَم أَن الصَّلَاة تشْتَمل على أَرْكَان ومسنونات وهيئات، وتتقدمها شَرَائِط، فالشرائط الَّتِي تقع خَارج الصَّلَاة، والأركان فِي أَثْنَائِهَا، والمسنونات مَا يجْبر بِالسُّجُود، والهيئات مَا عدا ذَلِك، فالشرائط هـ طَهَارَة بِمَاء طَاهِر، وَستر عَورَة بِثَوْب طَاهِر، ووقوف على بقْعَة طَاهِرَة، واستقبال الْقبْلَة، وَإِن كَانَت مَكْتُوبَة اشْترط الْعلم بِدُخُول الْوَقْت بِيَقِين أَو غَالب ظن، وَمن الْأَصْحَاب من يسدس بِالنِّيَّةِ، والأركان فِي الرَّكْعَة الأولى يَد (14) التَّكْبِير، وَالنِّيَّة، وَالْقِيَام (وَالْقِرَاءَة) ، وَالرُّكُوع، وطمأنينته، والاعتدال، وطمأنينته، والسجدة الأولى وطمأنينتها، والجلسة يبن السَّجْدَتَيْنِ، والسجدة الثَّانِيَة وطمأنينتها، وتفارق الرَّكْعَة الأولى الثَّانِيَة بِالتَّكْبِيرِ وَالنِّيَّة فَتبقى 12 ركنا، فَإِن كَانَ صبحا جلس للتَّشَهُّد الْأَخير وَفِيه (4) د أَرْكَان: الْجُلُوس، وَالتَّشَهُّد، وَالصَّلَاة على النَّبِي، والتسليمة الأولى فَتكون الْأَركان فِي الصُّبْح ل (30) ركنا، وَفِي الْمغرب مب (42) ركنا، وَفِي الرباعيات ند (54) ركنا، والمسنونات: الْجُلُوس للتَّشَهُّد الأول وَالتَّشَهُّد نَفسه وَالصَّلَاة على النَّبِي فِي قَول والقنوت، وَمَا عدا هَذَا هيئات.
(1/286)

وَاعْلَم أَن اللّحن الَّذِي لَا يحِيل الْمَعْنى مثل كسرة نون (نستعين) لَا تبطل، وَيكرهُ أَن يؤتم بِمن هَذِه صفته، واللحن الَّذِي يحِيل الْمَعْنى مثل رفع الْمَفْعُول إِن كَانَ فِي غير (الْفَاتِحَة) لعجز عَن التأدية لم تبطل؛ لِأَنَّهُ لَو ترك قِرَاءَة مَا زَاد على الْفَاتِحَة لم تبطل، وَإِن تعمد بَطل، وَيكرهُ التَّمام والأرت والألثغ، ويأتم بهؤلاء مثلهم.
(1/287)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ)
: قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة (لَو) :
الْمَذْهَب: ركن من تعمد تَركهَا بطلت صلَاته.
عِنْدهم: وَاجِبَة لَيست ركنا فَلَا تبطل الصَّلَاة بِتَرْكِهَا وَإِن عصى.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى عبَادَة بن الصَّامِت أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب "، وروى أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: " كل صَلَاة لَا
(1/288)

يقْرَأ فِيهَا بِفَاتِحَة الْكتاب فَهِيَ خداج " كَرَّرَه ثَلَاثًا.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فاقرءوا مَا تيَسّر مِنْهُ} ، هَذَا الْأَمر يقْضِي أَن تُجزئ الصَّلَاة بِأَيّ شَيْء قَرَأَ، فَمن قَيده بِشَيْء فقد نسخه، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا صَلَاة إِلَّا بقرآن "، وَقَالَ للأعرابي: اقْرَأ مَا تيَسّر.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْفَاتِحَة أشرف السُّور، وَالصَّلَاة أشرف الْأَحْوَال فَتعين الْأَشْرَف للأشرف.
لَهُم:
الْإِجْزَاء ثَابت فَلَا يُغير بِخَبَر الْوَاحِد، ونسلم أَن الْعِبَادَة يحْتَاط لَهَا
(1/289)

وَلذَلِك جَعَلْنَاهُ وَاجِبا، لَكِن الركنية تثبت بِأَمْر مَقْطُوع بِهِ، وَكَذَا قُلْنَا: السَّعْي وَاجِب لَا ركن، ثمَّ لَو تعيّنت الْفَاتِحَة للصَّلَاة هجر بَاقِي الْقُرْآن.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
أما قَوْله تَعَالَى: {فاقرءوا مَا تيَسّر مِنْهُ} ، فَهَذَا مُجمل فِي سُورَة مجملة طَوِيلَة وقصيرة، وَفَسرهُ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِفِعْلِهِ المتأكد، وَلَيْسَ التَّقْيِيد نسخا، إِنَّمَا هُوَ ضم حكم إِلَى حكم، ثمَّ الْقيام فِي الصَّلَاة مَا وَجب إِلَّا لأجل الْقِرَاءَة، فَإِن الْأَخْرَس يجب عَلَيْهِ الْقيام بِقدر الْفَاتِحَة عندنَا، وبقدر آيَة أَو ثَلَاث آيَات عنْدكُمْ فَدلَّ على أَن الْقِرَاءَة هِيَ الْمَقْصُود فَتَركهَا يبطل الصَّلَاة ويلزمهم الجلسة وَلَو ثبتَتْ بأخبار التَّوَاتُر مَا اخْتلف قَول أبي حنيفَة فِيهَا، فَإِن قَالُوا: الصَّلَاة أَفعَال، قُلْنَا: الَّذِي ورد الْأَمر بِالصَّلَاةِ، وَالْأَمر لَيْسَ بِفعل لَكِن وَجب الْفِعْل بِالْأَمر، قَوْلهم: الصَّلَاة كَانَت مجزئة قبل الْفَاتِحَة فَإِنَّهَا مَدَنِيَّة، قُلْنَا: الْأَحْكَام نزلت عقبه، فَبعد نزُول الْفَاتِحَة لَا إِجْزَاء، وَمَا نقلوه فِيهِ مطاعن، وتعليلهم بِأَنَّهُ إِذا داوم عَلَيْهَا نسي مَا عَداهَا يلْزمهُم مثله إِذا جعلوها وَاجِبَة.
وحرف الْمَسْأَلَة أَن تَقْيِيد مُطلق الْكتاب عندنَا يجْرِي مجْرى الْبَيَان،
(1/290)

وَعِنْدهم يجرى مجْرى النّسخ.
(1/291)

فارغة
(1/292)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ)
: الْبَسْمَلَة (لز) .
الْمَذْهَب: آيَة من الْفَاتِحَة وتتبعها فِي الْجَهْر.
عِنْدهم: لَيست من الْفَاتِحَة وَإِنَّمَا تكْتب فِي أَوَائِل السُّور تبركا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى طَلْحَة بن عبد الله عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: " من ترك بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فقد ترك آيَة من كتاب الله "، وعد الْحَمد سبع آيَات مِنْهَا: الْبَسْمَلَة، وَقَوله لبريدة: أعلمك أَنه لم تنزل على نَبِي بعد
(1/293)

سُلَيْمَان غَيْرِي، وَعلمه الْبَسْمَلَة.
لَهُم:
روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ إِخْبَارًا عَن ربه عز وَجل: " قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ "، فَلَو أَن الْبَسْمَلَة مِنْهَا كَانَ إِلَى إياك نستعين أَرْبَعَة نصفا وَتبقى اثْنَتَانِ وَنصف.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
إِجْمَاع الصَّحَابَة على جمع الْقُرْآن بَين الدفتين والبسملة تخطه بقلم الْوَحْي مَعَ التحريج من الزِّيَادَة وَالنَّقْص حَتَّى منعُوا من كتبه بالأعداد والأعلام على الْآي والسور، وَاتَّفَقُوا على أَن مَا بَين الدفتين قُرْآن، وَلَو قصد بإثباتها الفواتح ثبتَتْ بَين الْأَنْفَال وَالتَّوْبَة.
(1/294)

لَهُم:
الْقُرْآن لَا يثبت إِلَّا تواترا، وَلَو كَانَت الْبَسْمَلَة مِنْهُ لثبتت بِثُبُوتِهِ، وَكَذَا الحكم فِي الْإِجْمَاع لم يَقع على كَونهَا مِنْهُ، إِذْ لَو كَانَ لكفر جاحده وَفسق مخالفه، ثمَّ الْكَوْثَر ثَلَاث آيَات، وَلَو أَنَّهَا مِنْهَا لكَانَتْ أَربع آيَات.
مَالك: لَيست قِرَاءَة إِلَّا فِي النَّمْل وَيقْرَأ فِي أَوَائِل السُّور بعد الْفَاتِحَة لَا فِي الْفَاتِحَة.
أَحْمد: وَافق إِلَّا فِي الْجَهْر.
التكملة:
لم يرد بقوله تَعَالَى: قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ التشطير وَإِنَّمَا المُرَاد جزءين، وَإِذا صَحَّ منقولهم لم يزدْ فِي الصِّحَّة على منقولنا فيتعارض التَّرْجِيح بمنقولنا؛ لِأَنَّهُ أَكثر وَأشهر ويتضمن زِيَادَة، وَالْأَخْذ بِالزَّائِدِ أولى، وَنحن لَا نثبت أَن الْبَسْمَلَة قُرْآن علما بل عملا، قَالَ أَبُو حنيفَة: تجب كَفَّارَة صِيَام الْيَمين ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات؛ لِأَن ابْن مَسْعُود قَرَأَ كَذَلِك، فَأثْبت هَذِه الْقِرَاءَة الشاذة عملا لَا علما، ثمَّ نقُول: الْإِجْمَاع
(1/295)

يَنْقَسِم إِلَى مَقْطُوع بِهِ ومستدل عَلَيْهِ، فالمقطوع بِهِ يكفر مخالفه وَصَارَ بِمَثَابَة الْحجر من الْبَيْت، فَإِن من لم يطف بِهِ أَو قَالَ: لَيْسَ من الْبَيْت لم يكفر، وَإِن كَانَ من اسْتحلَّ ترك الطّواف بِالْبَيْتِ يكفر، لَكِن لما كَانَ الْحجر من الْبَيْت مستدلا عَلَيْهِ لَا مَقْطُوعًا بِهِ لم يكفر.
وَالدَّلِيل على الْجَهْر مَعَ مَا جَاءَ فِيهِ من النَّص أَنه ذكر بَين الْقعُود وَالرُّكُوع فتبع الْقِرَاءَة فِي الْجَهْر كالحمدلة، وَأما فِي الْكَوْثَر فَهُوَ بعض آيَة وَيكون الْعدَد قبل نُزُولهَا، وَقد اخْتلف فِي قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْبَسْمَلَة هَل هِيَ آيَة من كل سُورَة، أَو هِيَ بعض الْآيَة فِي أول السُّورَة؟
(1/296)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ)
: قِرَاءَة الْفَاتِحَة خلف الإِمَام (لح) :
الْمَذْهَب: تجب على الْمَأْمُوم.
عِنْدهم: تكره.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب "، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " مَالِي أَرَاكُم تنازعوني الْقُرْآن لَا تَفعلُوا إِلَّا بِأم الْقُرْآن، فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بهَا ".
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا} ، وروى جَابر أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام لَهُ قِرَاءَة ".
(1/297)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ركن فِي الصَّلَاة فَلَا تسْقط بالاقتداء كَسَائِر الْأَركان، ثمَّ الِاسْتِمَاع سنة وَالْقِرَاءَة ركن فَكيف يسْقط ركن بِسنة.
لَهُم:
من صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِإِمَام سَقَطت الْقِرَاءَة عَنهُ كالمسبوق بِرَكْعَة، وَلِأَن الْمَقْصُود من الْقُرْآن الْعَمَل بِهِ وتدبره وَذَلِكَ بالاستماع لَا بالمنازعة.
مَالك: لَا تجب إِذا جهر.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
التكملة:
تحمل الْآيَة العزيزة على الْإِنْصَات فِي الْخطْبَة، ثمَّ نقُول: يقْرَأ إِذا سكت الإِمَام وينصت إِذا قَرَأَ، فَإِن للْإِمَام سكتات إِذا تَركهَا عد مقصرا
(1/298)

هِيَ بعد التَّكْبِيرَة، وَبعد التَّأْمِين، وَقد جَاءَ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: من صلى خلف إِمَام فليقرأ فِي سكتاته، ومنقولاتهم ضَعِيفَة، وَمِنْهَا مَا يحمل على صَلَاة الْجَهْر فعلى أحد الْقَوْلَيْنِ لَا تجب الْقِرَاءَة فِيهَا، ونقول: الِاعْتِدَاد بالركعة للمسبوق على خلاف الْقيَاس لنَصّ ورد بذلك، وَبِالْجُمْلَةِ الْقدْوَة لَا تسْقط فرض الْقِرَاءَة عندنَا، وَعِنْدهم تسْقط، وَعَلِيهِ مدَار الْمَسْأَلَة.
(1/299)

الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ: قِرَاءَة الْقُرْآن بِغَيْر لَفْظَة الْعَرَب (لط) :
الْمَذْهَب: لَا يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {فاقرءوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن} ، وَالْقُرْآن هُوَ الْعَرَبِيّ.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى} ، {وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين} ، وَلَفظ الْقُرْآن لَيْسَ الصُّحُف وَلَا فِي الزبر. وَقَوله: {لينذركم بِهِ} ، وَفِي الْمُنْذرين عجم، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " نزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف " وروى أَن سلمَان، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/300)

كتب الْفَاتِحَة بِالْفَارِسِيَّةِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
إعجاز الْقُرْآن لفظ وَمعنى، وَبِه تحدى؛ لِأَنَّهُ نظم لم يعْهَد، وَدَلِيل صدق الرَّسُول فَتجب الْمُحَافظَة عَلَيْهِ، وَلَا يجب حفظه إِلَّا فِي الصَّلَوَات، وَلَو عبر عَن الْقُرْآن بِشعر لم يجز، وَقد نقل إِلَى لفظ مَوْزُون فَكيف يجوز بِلَفْظ أعجمي؟
لَهُم:
لَيْسَ الْمَقْصُود أَعْيَان الْأَلْفَاظ، بل مَعَانِيهَا فَإِذا تأدت بِأَيّ لفظ كَانَ حصل الْفَرْض، وَصَارَ كإخبار الرَّسُول وكالشهادة تعبدنا فِيهَا بِلَفْظ أشهد فَلَا يقوم مقَامه أعلم. وَيجوز من هَذَا أَن يُقَام بِالْفَارِسِيَّةِ، وَكَذَا التَّسْمِيَة فِي الذَّبِيحَة.
(1/301)

مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
قَوْله تَعَالَى: {إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى} ، حجَّة عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ لَو قرئَ بِمَا فِي الصُّحُف الأولى لم يجز، وَقد قيل: إِن الضَّمِير فِي الْآيَة عَائِد إِلَى الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَوْلهمْ: " أنزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف " حجَّة عَلَيْهِم أَيْضا؛ لِأَنَّهُ حصر فِي سَبْعَة وَلَا حصر عِنْدهم، قَالُوا: فقد قَرَأَ ابْن مَسْعُود طَعَام الْفَاجِر، قُلْنَا: كَانَ يلقن رجلا فَلم يفهم الأثيم فَقَالَ لَهُ الْفَاجِر مُفَسرًا، وَمن الْأَصْحَاب من منع نقل أَخْبَار النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِالْفَارِسِيَّةِ، وَمَعَ التَّسْلِيم فالمقصود مِنْهَا الحكم لَا اللَّفْظ بِخِلَاف الْكتاب الْعَزِيز، ثمَّ قد نقل الْقُرْآن على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا يجوز أَن يعبر عَنهُ بِغَيْر اللُّغَة الَّتِي نقل بهَا التَّوَاتُر وليت شعري كَيفَ يعبر عَن قَوْله تَعَالَى: {كهيعص (1) ذكر رحمت رَبك عَبده زَكَرِيَّا} وَقَوله: {فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجيا} ، وَقَوله:
(1/302)

{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر} وحرف الْمَسْأَلَة: أَن معجز الْقُرْآن عندنَا لفظ وَمعنى، وَعِنْدهم بِالْمَعْنَى.
(1/303)

(الْمَسْأَلَة الْأَرْبَعُونَ)
: رفع الْيَدَيْنِ عِنْد التَّكْبِير وَالرَّفْع مِنْهُ (م) :
الْمَذْهَب: يسن وَهِي هَيْئَة.
عِنْدهم: سنة فِي الِافْتِتَاح، بِدعَة فِي غَيره.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى نَيف وَثَلَاثُونَ نفسا من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم مِنْهُم عَليّ وَعمر أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حَتَّى تحاذي مَنْكِبَيْه، وَإِذا ركع، وَإِذا رفع، وَكَانَ لَا يرفع بَين السَّجْدَتَيْنِ.
(1/304)

لَهُم:
روى عَلْقَمَة قَالَ: قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ " أَلا أُصَلِّي لكم صَلَاة رَسُول الله وَصلى " وَلم يرفع يَدَيْهِ إِلَّا مرّة وَاحِدَة ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
صَلَاة يسْتَحبّ رفع الْيَدَيْنِ فِي افتتاحها فاستحب رفع الْيَدَيْنِ فِي أَثْنَائِهَا كَصَلَاة الْعِيدَيْنِ.
لَهُم:
رفع الْيَدَيْنِ تحريكهما فِي الصَّلَاة وَلَيْسَ بِأَمْر شاق حَتَّى يتعبد بِهِ ليتَحَقَّق الِابْتِلَاء وَهُوَ يشبه الْعَبَث، لَكِن الشَّرْع ورد بِهِ فِي افْتِتَاح الصَّلَاة فبقينا فِيمَا عداهُ على الأَصْل.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: صَلَاة الْعِيد تَكْبِيرَات يُؤْتى بهَا حَال الْقيام، وَفِي مَسْأَلَتنَا تَكْبِيرَة يُؤْتى بهَا فِي غير حَال الْقيام فَلم يسْتَحبّ رفع الْيَدَيْنِ فِيهَا كتكبيرة السُّجُود.
(1/305)

الْجَواب: معنى الأَصْل تبطل بِصَلَاة الْجِنَازَة، فَإِنَّهَا فِي حَال الْقيام وَلَا ترفع الْيَد فِيهَا، وَمعنى الْفَرْع لَا تصح؛ لِأَن التَّكْبِير بَين السَّجْدَتَيْنِ فِيهِ وَجْهَان (فِي أَحدهمَا) يسْتَحبّ الرّفْع ثمَّ تَكْبِيرَة بَين السَّجْدَتَيْنِ يتَّصل طرفها بسجود أَو قعُود، وَهَذِه التَّكْبِيرَة لَا يتَّصل طرفها بسجود وَلَا قعُود فَهِيَ كتكبيرة الِافْتِتَاح، وَبِالْجُمْلَةِ مدَار الْمَسْأَلَة على النَّفْل.
(1/306)

لوحة 20 من المخطوطة أ:
لوحة 27 من المخطوطة ب:
" لَيْسَ من شَرط الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ أَن يكون شَرطه حَاصِلا حَالَة الْأَمر بل قد يتَوَجَّه الْأَمر بِالشُّرُوطِ وَالشّرط على أَن يكون مَأْمُورا بتقدمة الشَّرْط فَيجوز عندنَا خطاب الْكفَّار بِفُرُوع الْإِيمَان خلافًا للخصم، وَلَا يمْتَنع قَول الشَّرْع بني الْإِسْلَام على خمس، وَأَنْتُم مأمورون بهَا، وبتقديم الْإِسْلَام عَلَيْهَا، وَصَارَ كالمحدث يُخَاطب بِالصَّلَاةِ بِشَرْط إِزَالَة الْحَدث.
وَالدَّلِيل على أَنه مُخَاطب بِالصَّلَاةِ حَالَة حَدثهُ أَنه لوترك الصَّلَاة وَهُوَ مُحدث عُوقِبَ على تَركهَا، وَترك الطَّهَارَة، ثمَّ لَو قُلْنَا: لَا يُؤمر بِشَيْء حَتَّى يَأْتِي بِمَا قبله كَانَ الْخطاب يتَوَجَّه بإجراء الْعِبَادَة الْوَاحِدَة على التَّرْتِيب فيخاطب بتكبيرة الْإِحْرَام ثمَّ بِالْقِرَاءَةِ، ويتأيد بقوله خطابا للْكفَّار {مَا سلككم فِي سقر (42) قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين} ، وَلم يكن ترك الصَّلَاة وارتكاب الْمعاصِي سَبَب عقابهم مَا عللوا بِهِ كَقَوْلِهِم فِي سقر، ولقالوا: عذبنا لأَنا خَالَفنَا وكفرنا.
فَإِن قيل: عقابهم على تكذيبهم (مُبَاح) وَغلط بارتكاب هَذِه الْأَسْبَاب، قُلْنَا: فتركهم المأمورات وارتكابهم لهَذِهِ الْأَسْبَاب مُبَاح بزعمكم، فَكيف يغلط، وأوجه مَا حمل عَلَيْهِ قَوْلهم لم نك من الْمُصَلِّين إِلَى الْمُسلمين، ثمَّ انْعَقَد الْإِجْمَاع على تَعْذِيب الْكفَّار بتكذيب الرَّسُول، قَالُوا: لَا معنى للْوُجُوب مَعَ اسْتِحَالَة الْفِعْل، وَلِهَذَا لَا يقْضِي،
(1/307)

قُلْنَا: الْإِسْلَام وفروعه وَإِنَّمَا لَا يَصح (الْفِعْل مِنْهُ لِأَنَّهُ) قدم شَرط الْأَهْلِيَّة للْأَدَاء فَهُوَ كالجنب بِالْإِضَافَة إِلَى الصَّلَاة، وَكَونه لَا يقْضِي لَا يدل على أَنه مَا وَجب (الْعقَاب بل) وَجب وَسقط عَنهُ عفوا، والمصلحة فِي ذَلِك ظَاهِرَة، وَالْقَضَاء فِي أَمر الْمُرْتَد بِأَمْر مُجَدد ".
وَاعْلَم أَنه إِذا قَالَ فِي الصَّلَاة {ادخلوها بِسَلام آمِنين} على قصد الْقِرَاءَة لم يضر، وَإِن قصد التفهيم، وَإِن لم يقْصد إِلَّا التفهيم بطلت صلَاته، وَفِي السُّكُوت الطَّوِيل فِي أثْنَاء الصَّلَاة وَجْهَان وَالْأَفْعَال بتحريك الْأَصَابِع (و) وَهِي الَّتِي يخيل للنَّاظِر الْأَعْرَاض عَن الصَّلَاة كثلاث خطوَات وَثَلَاث ضربات مُتَوَالِيَات، وَلَا يبطل بِمَا دون ذَلِك، وَلَا بمطالعة الْقُرْآن، وَلَا فِي التَّسْبِيح أَو الحك، وَإِذا مر الْمَار بَين يَدَيْهِ بَينه وَبَين سترته فليدفعه، فَإِن أفْضى (إِلَى قِتَاله فَهُوَ شَيْطَان) لفظ خبر شرِيف، وَلَا يَكْفِي فِي تحجير مَوضِع الْمُصَلِّي أَن يخط خطا على الأَرْض، وَإِن لم يجد الْمَار سَبِيلا سوى الْمَكَان فَلَا دفع.
وَاعْلَم أَن السجدات ثَلَاثَة: سُجُود السَّهْو، وَسُجُود التِّلَاوَة، وَيسْتَحب فِي أَربع عشرَة آيَة، وَلَا سجد فِي (ص) ، وَفِي الْحَج سَجْدَتَانِ خَالف الْخصم فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَيسْتَحب قبل سَجْدَة التِّلَاوَة وَتَكْبِيرَة مَعَ رفع (الْيَدَيْنِ إِن) كَانَ فِي غير الصَّلَاة، وَقيل: يجب التَّحَرُّم والتحلل دون
(1/308)

التَّشَهُّد، وَقيل لَا يجب التَّحَلُّل، والسجدة الثَّالِثَة: سَجْدَة الشُّكْر عِنْد تجدّد نعْمَة أَو دفع نقمة، وَيسْجد بَين يَدي الْفَاسِق شكرا على مُخَالفَة حَاله وَلَا يفعل ذَلِك بمشهد الْمُبْتَلى، وَقيل: يُؤَدِّي سُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر على الرَّاحِلَة وَجْهَان.
(1/309)

الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْأَرْبَعُونَ: إِذا تكلم فِي الصَّلَاة نَاسِيا أَو مكْرها (مَا) :
الْمَذْهَب: لَا تبطل صلَاته.
عِنْدهم: تبطل حَتَّى بالنفخ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: صلى بِنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاة الْعَصْر فَسلم من رَكْعَتَيْنِ.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الْكَلَام فِي الصَّلَاة يبطل الصَّلَاة وَلَا يبطل الْوضُوء "، وَالدَّلِيل على أَن ترك الْكَلَام شَرط قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لمعاوية
(1/310)

ابْن الحكم: " أَن صلَاته هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام الْآدَمِيّين "، فَبَان أَن الْكَلَام منَاف.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ترك الْكَلَام لَيْسَ من جملَة الصَّلَاة، وَلَا يتَأَدَّى بِهِ وَإِنَّمَا يَلِيق بِحَال من يُنَاجِي ربه أَن لَا يقبل على غَيره، فَالْكَلَام من مَحْظُورَات الصَّلَاة، وَمَعَ النسْيَان لَا يتَحَقَّق الْحَظْر إِذْ لَا خطاب ثمَّ جنسه فِي الصَّلَاة بِخِلَاف الْحَدث فَصَارَ كالسلام، فَإِنَّهُ لَا يبطل الصَّلَاة نَاسِيا.
لَهُم:
الصَّلَاة عبَادَة الله يجب ضَمَانهَا بِالْمثلِ إِذا أتلفهَا بالْكلَام عَامِدًا، وَكَذَلِكَ نَاسِيا كالمحرم إِذا جنى على إِحْرَامه فأتلف الصَّيْد نَاسِيا، وَكَذَلِكَ حُقُوق الْآدَمِيّين، فَإِن النسْيَان عذر يقوم بالمتلف لَا بِالْمحل، وَدَلِيل مُنَافَاة الْكَلَام قِرَاءَته لَا فرق بَين قَلِيله وَكَثِيره بِخِلَاف الْأَفْعَال.
مَالك: وَافق وَكَلَام الْعَامِد فِي مصلحَة الصَّلَاة لَا يفْسد.
أَحْمد: وفَاق.
(1/311)

التكملة:
منقولهم عَام فنحمله على حَالَة الذّكر، وَأما حُقُوق الْآدَمِيّين وصيد الْحرم وَجب فِيهَا الضَّمَان لعين الْإِتْلَاف، وكما أَن النسْيَان يقوم بالناسي وَلَا بِالْمحل فَكَذَلِك الْعمد، فَإِن قَالُوا: ترك الْكَلَام شَرط فَأشبه الْوَقْت وَالطَّهَارَة يمْنَع، وَإِنَّمَا هُوَ من محظوراتها كَمَا يَقُول فِي الترفه للْمحرمِ، وَخبر مُعَاوِيَة حجَّة لنا؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لم يَأْمر بِالْإِعَادَةِ، وَكَانَ قد شمت عاطسا فِي الصَّلَاة، وَيفرق بَين الْكَلَام والفعال، فَإِن اللِّسَان مَشْغُول الذّكر فَيمكن حفظه والجوارح فارغة فيعسر حفظهَا.
وحرف الْمَسْأَلَة هُوَ أَن الْكَلَام من مَحْظُورَات الصَّلَاة، وَلَا حظر مَعَ النسْيَان هَذَا عندنَا وَعِنْدهم تَركه شَرط، وَهُوَ من المنافيات، وَحكمه حكم الْحَدث.
(1/312)

فارغة
(1/313)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ)
: إِذا فَاتَتْهُ صلوَات وارتد ثمَّ عَاد (مب) :
الْمَذْهَب: يلْزمه قَضَاء الْفَوَائِت.
عِنْدهم: خلاف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} ، ومحال أَن يخلق الْإِنْسَان لشَيْء وَلَا يكون من أَهله.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف} ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " الْإِسْلَام يجب مَا قبله "، وَأهل الرِّدَّة زمن الصّديق لم يؤمروا بِإِعَادَة الصَّلَوَات.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مُكَلّف أمكنه التَّوَصُّل إِلَى الْعِبَادَة فَكَانَ من أَهلهَا كَالْمُسلمِ.
(1/314)

الدَّلِيل على تَكْلِيفه أَنه كلف الْإِيمَان، وَلِأَن الْخطاب أَمر وَنهي وَهُوَ مَنْهِيّ فَهُوَ مَأْمُور، ثمَّ هُوَ مَأْمُور بِتَصْدِيق الرَّسُول وَمَا جَاءَ بِهِ، وَمِمَّا جَاءَ بِهِ الْعِبَادَات، وَمَتى قَررنَا هَذَا فِيمَا يتْركهُ مُسلما كَانَ أظهر.
لَهُم:
الْكَافِر لَيْسَ من أهل الْعِبَادَة فَلَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء بِتَرْكِهَا، كالأصلي، لِأَن من لَا يكون من أهل الْعِبَادَة لَا يكون من أهل الْقَضَاء، الدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ من أَهلهَا: أَنَّهَا لَا تصح مِنْهُ وَالْعِبَادَة تصح مِمَّن يُثَاب عَلَيْهَا وَهَذَا من أهل النَّار وَقطع الْخطاب عَنهُ إهانة لَهُ.
مَالك: خلاف.
أَحْمد:
التكملة:
مَا نقلوه من الْآيَة وَالْخَبَر دَلِيل على أَنه مُخَاطب، وَأهل الرِّدَّة يحْتَمل أَنهم صلوا وَلم يؤمروا، وَلَيْسَ من شَرط كل حَادِثَة أَن ينْقل قَوْلهم لَو صلى لم تصح صلَاته، قُلْنَا وَكَذَا الْمُحدث، قَوْلهم: الْعِبَادَة قربَة، قُلْنَا: فَهُوَ مُخَاطب بِأَجل الْقرب وَهُوَ الْإِيمَان، وَيصِح مِنْهُ. قَوْلهم: حكم الْعِبَادَات الثَّوَاب، وَالْعِقَاب إِلَى الْوَعْد والوعيد، وَيجوز أَن يَصح الشَّيْء مِمَّن لَيْسَ
(1/315)

من أهل حكمه كَالْعَبْدِ الْمَأْذُون لَيْسَ من أهل حكم الْعُقُود وَهُوَ الْملك وَهُوَ من أهل الْعُقُود حَتَّى إِن العقد يَقع لَهُ عِنْدهم، وَيجوز أَن تحصل مِنْهُ الْعِبَادَة وَلَا يُثَاب عَلَيْهَا كالمرائي يَصح صَوْمه وَصلَاته وَلَا يُثَاب عَلَيْهِمَا.
(1/316)

لوحة 28 من المخطوطة ب من كتاب الصَّلَاة:

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْأَرْبَعُونَ:)
إِذا صلى أول الْوَقْت وارتد وَعَاد فِي الْوَقْت (مج) :
الْمَذْهَب: لَا يلْزمه إِعَادَة الصَّلَاة وَالْحج.
عِنْدهم: خلاف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم} ، علق إحباط الْعَمَل على الرِّدَّة وَالْمَوْت، وَالْمُعَلّق على شرطين لَا يُوجد إِلَّا بوجودهما.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك} ، وَقَوله تَعَالَى: {وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله} الْفَرِيضَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تمت الْعِبَادَة بركنها وَشَرطهَا فَبعد الْفَرَاغ مِنْهَا إِذا اخْتَلَّ شَرطهَا لَا يُبطلهُ
(1/317)

كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاح، وَقد أدّى وَظِيفَة الْوَقْت، أما صَلَاة الظّهْر، أَو الظّهْر مَوْصُوفَة بِصفة الْقرْبَة، وَفِي إِعَادَة ذَلِك حرج سِيمَا فِي الْحَج وَعدم الثَّوَاب لَا يَقْتَضِي بطلَان الْعِبَادَة كَصَلَاة الْمرَائِي.
لَهُم:
لَيْسَ من أهل الْعِبَادَة ابْتِدَاء فَلَا يكون من أَهلهَا دواما كالرضاع لما أبطل مكلفه النِّكَاح ابْتِدَاء أبْطلهُ دواما، وَالْإِسْلَام لَا يتَجَزَّأ؛ لِأَنَّهُ عبارَة عَن تَوْحِيد الله، وَذَلِكَ مُسْتَحقّ فِي جَمِيع الْعُمر فَإِذا بَطل فِي بعضه بَطل فِي جَمِيعه كَالصَّلَاةِ تبطل بِرُكْن مِنْهَا.
مَالك: قبل السَّلَام.
أَحْمد:
التكملة:
الْآيَة خطاب للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَاصَّة. الْآيَة الثَّانِيَة مُطلقَة وآيتنا مُقَيّدَة، وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد لَا سِيمَا فِي حَادِثَة وَاحِدَة، ونقول: الْإِسْلَام يفعل فِي لَحْظَة وَاحِدَة، ويستدام بِخِلَاف الصَّوْم وَالصَّلَاة، ثمَّ لَو كَانَ كَمَا زَعَمُوا لبطلت أنكحته وشهاداته وأقضيته وَحرمت ذبائحه، ثمَّ يجب فِيمَن ارْتَدَّ
(1/318)

لَحْظَة وَعَاد أَن يغلب الْإِسْلَام على الْكفْر ويمحوه ثمَّ للصَّلَاة حكمان سُقُوط الْفَرْض وَالثَّوَاب، فَإِن عدم الثَّوَاب بَقِي سُقُوط الْفَرْض، ثمَّ يبطل مَا قَالُوهُ بِالتَّيَمُّمِ إِذا رأى المَاء بعد مَا فرغ من الصَّلَاة، فَإِنَّهُ لَا يبطل صلَاته وَإِن أبطل تيَمّمه.
(1/319)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ:)
سُجُود السَّهْو (مد) :
الْمَذْهَب: سنة، وَمحله قبل الْإِسْلَام.
عِنْدهم: بعد التَّسْلِيم وَاخْتَارَهُ الْكَرْخِي.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِيمَا روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فَلَا يدْرِي أَثلَاثًا أم أَرْبعا؟ فليطرح الشَّك وليبن على الْيَقِين وليسجد سَجْدَتَيْنِ قبل السَّلَام ".
لَهُم:
" صلى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الظّهْر خمْسا فَقيل لَهُ: أَزِيد فِي الصَّلَاة؟ فتمم وَسلم وَسجد سَجْدَتَيْنِ "، وروى أَنه قَالَ: " من شكّ فِي صلَاته فَلم يدر أَثلَاثًا
(1/320)

صلى أم أَرْبعا؟ فليتحر أقرب ذَلِك إِلَى الصَّلَاة وليتمم وليسجد سَجْدَتَيْنِ ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
فعل مَشْرُوع فِي الصَّلَاة كَانَ مَحَله الصَّلَاة كَسَائِر أفعالها.
لَهُم:
مَا قبل السَّلَام جُزْء من الصَّلَاة فَلَا يكون محلا لسجود السَّهْو كَسَائِر أَجْزَائِهَا. الدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنه لَو سَهَا فِي آخر جُزْء وَسجد، وَالْفِقْه فِيهِ أَن السُّجُود جَائِز فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يتعقب السَّهْو لَكِن أخر عَنهُ كَيْلا يتَكَرَّر السَّهْو فَيبقى غير مَحْصُور؛ لِأَن السُّجُود لَا يتَكَرَّر وَلما كَانَ كَذَلِك أخر إِلَى الْفَرَاغ.
مَالك:.
أَحْمد:
(1/321)

التكملة:
منقولهم: جَمِيعهم مَنْسُوخ بِمَا روى الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُجُود السَّهْو قبل السَّلَام، وَقد كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يسْجد قبل السَّلَام وَهُوَ رَاوِي خبر ذِي الْيَدَيْنِ، فلولا علمه بالنسخ مَا اعْتمد ذَلِك وَيمْنَع أَنه لَو سَهَا قبل السَّلَام حَالَة سُجُود السَّهْو أَن يسْجد للسَّهْو، ثمَّ يَقُول بِالسَّلَامِ خرج من الصَّلَاة، وَحُرْمَة الصَّلَاة إِنَّمَا تبقى بِبَقَاء الصَّلَاة. وَالدَّلِيل على عَلْقَمَة: أَن الزِّيَادَة تبطل الصَّلَاة كَمَا يُبْطِلهَا النُّقْصَان فاحتاجت إِلَى جبران.
(1/322)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْأَرْبَعُونَ:)
إِذا وقفت الْمَرْأَة إِلَى جنب الرجل فِي الصَّلَاة (مَه) :
الْمَذْهَب: لَا تبطل صلَاته.
عِنْدهم: خلاف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يقطع صَلَاة الْمَرْء شَيْء ".
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " أخروهن من حَيْثُ أخرهن الله "، وَحَيْثُ ظرف مَكَان وَلَا يجب تَأْخِيرهَا فِي الْمَكَان إِلَّا فِي الصَّلَاة، وَقَوله: " خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا. وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا، والاحتراز عَن الشَّرّ
(1/323)

وَاجِب "، وَقد أخر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الْعَجُوز عَن الصَّفّ مَعَ كَون الِانْفِرَاد مَكْرُوها.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَأْمُوم وقف فِي مَحل الْمُبَالغَة فَلَا تبطل صلَاته، كَمَا لَو لم تكن الْمَرْأَة إِلَى جنبه ذَلِك؛ لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ مَا يبطل صلَاته ومنافاة الْجنب أَكثر، وَلَو كَانَ لصيقه جنبا لم تبطل صلَاته، ثمَّ كَانَ يجب أَن تبطل صَلَاة الْمَرْأَة أَيْضا؛ لِأَنَّهَا شاركته فِي كَونهَا مأمورة بِالتَّأْخِيرِ وَتَقْرِير الْحَرْف أَن صَلَاة الْمَأْمُومين لَا يرتبط الْبَعْض بِالْبَعْضِ.
لَهُم:
ترك فرضا هُوَ عَلَيْهِ فِي صلَاته فبطلت، كَمَا لَو ترك فرضا من أفعالها ذَلِك لِأَن تأخيرهن فرض؛ وَلِأَن الْمَرْأَة لَا تصلح للْإِمَامَة وَالرِّجَال أصل الْجَمَاعَات أذانا، وَإِقَامَة، وترتيب صُفُوف وَإِنَّمَا بطلت صلَاته دون صلَاتهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخَاطب بتأخيرها.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
إِن ألزمناهم صَلَاة الْجِنَازَة اعتذروا عَنهُ بِأَنَّهُ ذكر وَاحِد فَأشبه سُجُود
(1/324)

التِّلَاوَة، وَلَو أَن الْمَرْأَة تتلو وسجدت للتلاوة جَازَ للرِّجَال متابعتها، وَلَا نسلم أَنه ترك فرضا مَنْدُوبًا، فَإِن تَرْتِيب الْوُقُوف من الْأَدَب. قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " ليلني مِنْكُم ذَوُو الأحلام والنهى " وَلَو تقدم سَفِيه على حَلِيم لم تبطل صَلَاة أَحدهمَا، ومنقولهم مَحْمُول على النّدب والكراهية، وَلَو سلمنَا أَنه لَو ترك وَاجِبا لَيْسَ لِمَعْنى يخْتَص بِالصَّلَاةِ، بل لِأَن الْمَرْأَة نَاقِصَة فَلَا يُسَاوِي الْفَاضِل فَصَارَ كَمَا لَو كَانَ بِيَدِهِ مَغْصُوب أَو طُولِبَ بوديعة فَتحرم بِالصَّلَاةِ.
وَإِنَّمَا لَا تصح إِمَامَة الْمَرْأَة لنقصها عقلا ودينا، ثمَّ إِن التّبعِيَّة لَا تبطل موقفها إِلَى جنب الرجل كَمَا لَو وقف الْمَأْمُوم إزاء الإِمَام فَيَقُول موقف لَو وَقفه فِي صَلَاة الْجِنَازَة لم تبطل صلَاته، فَإِذا وَقفه فِي غَيرهَا لم تبطل كَمَا لَو وقف إِلَى جَانب عبد أَو صبي.
(1/325)

لوحة 29 من المخطوطة (ب) :
عَورَة الْأمة لَا نَص للشَّافِعِيّ فِيهَا وَالَّذِي نقل عَنهُ أَنَّهَا إِذا صلت مكشوفة الرَّأْس أجزأها، وَقَالَ أَصْحَابه: لَا يعرف أَبُو إِسْحَاق خلافًا فَإِنَّهَا يجوز لَهَا كشف رَأسهَا فِي الصَّلَاة لقصة عمر، وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِي حد عورتها على ثَلَاثَة أوجه، وَقد قَالَ: إِنَّهَا كعورة الرجل، وَقيل كعورة الْحرَّة إِلَّا رَأسهَا وساعديها وساقيها، فَإِن ذَلِك لَيْسَ بِعَوْرَة، وَقيل كعورة الْحرَّة إِلَّا رَأسهَا فَإِنَّهَا لَيست بِعَوْرَة، وعورة الْمُكَاتبَة والمدبرة وَالْمُعَلّق عتقهَا على
(1/326)

صفة وَأم الْوَلَد وَمن بَعْضهَا حر وَبَعضهَا رَقِيق كعورة الْأمة، وَفِي الْحَاوِي؛ وَكَأَنَّهُ وَجه فِيمَن بَعْضهَا حر وَبَعضهَا رَقِيق أَن عورتها كعورة الْحرَّة وَصَححهُ، وَالْمُعْتَبر فِي ستر الْعَوْرَة الجوانب وجهة الْعُلُوّ.
وَلَو صلى وَعَلِيهِ قَمِيص غير مزرور وعورته بَائِنَة مِنْهُ لم تصح صلَاته (وَلَو سترت لحيته رُؤْيَة عَوْرَته من جِهَة الطوق صحت الصَّلَاة على أحد الْوَجْهَيْنِ، وهما جاريان فِيمَا لَو كَانَ فِي قَمِيصه طَاقَة فَوضع يَده عَلَيْهَا من غير أَن يجمع الْقَمِيص بِيَدِهِ، وَلَو جمعه بِيَدِهِ صحت اتِّفَاقًا) . وَلَا يُرَاعِي ستر الْعَوْرَة من جِهَة السّفل حَتَّى لَو صلى فِي قَمِيص وَاسع الذيل جَازَ، وَإِن كَانَ على طرف سطح، وَمن فِي أَسْفَله يُشَاهد عَوْرَته صحت صلَاته، وَتوقف الإِمَام وَصَاحب الْمُعْتَمد فِي هَذِه الصُّورَة، وَحكى صَاحب بَحر
(1/327)

الْمَذْهَب عَن أَبِيه وَجها فِيهَا أَن صلَاته لَا تصح، وَيجب أَن يكون السَّاتِر للعورة من الجوانب الْعُلُوّ حَائِلا بَين النَّاظر ولون الْبشرَة، فَلَا يَكْفِي الثَّوْب الرَّقِيق الَّذِي يُشَاهد من وَرَائه سَواد الْبشرَة وبياضها، وَكَذَا الغليظ المهلهل - النسج - الَّذِي يظْهر بعض الْعَوْرَة من فرجه، فَإِن مَقْصُود السّتْر لَا يحصل بذلك، وَلَو ستر اللَّوْن وَوصف حجم الْأَعْضَاء فَلَا بَأْس كَمَا لَو وصف ثوبا صفيقا ووقف فِي الشَّمْس وَكَانَ حجم أَعْضَائِهِ يَبْدُو من وَرَائه، وَلَا يَكْفِي الْوُقُوف فِي المَاء الصافي، وَيَكْفِي المَاء إِذا علته خضرَة بِحَيْثُ يمْتَنع من رُؤْيَة اللَّوْن وَلَو كَانَ المَاء كدرا كَفاهُ فِي السّتْر على أصح الْوَجْهَيْنِ. وَيَكْفِي فِي التستر التطين مَعَ وجود الثِّيَاب وَادّعى الإِمَام فِيهِ
(1/328)

اتِّفَاق الْأَصْحَاب، وَفِي الْعدة حِكَايَة وَجه أَنه لَا يَكْفِي وَحَكَاهُ فِي الْبَحْر عَن ابْن أبي أَحْمد، وَغلظ لَا يعد ساترا، وعَلى الأول لَو لم يجد إِلَّا طينا فَهَل يجب عَلَيْهِ التطيين فِيهِ وَجْهَان:
أصَحهمَا الْوُجُوب، وَلَا يَكْفِي الْفسْطَاط الضّيق وَنَحْوه ساترا وَإِنَّمَا يُقَال هُوَ دَاخل فِيهِ، وَلَو وقف فِي حب وَصلى على جَنَازَة فَإِن كَانَ وَاسع الرَّأْس تظهر مِنْهُ الْعَوْرَة لم يجز، وَإِن كَانَ ضيق الرَّأْس فَفِيهِ خلاف بَين أَصْحَابنَا.
وَيسْتَحب للرجل أَن يُصَلِّي فِي أحسن مَا يجد من ثِيَابه بتعمم وبقميص ورداء، فَإِن اقْتصر على وَاحِد فالقميص أولى ثمَّ الْإِزَار ثمَّ السَّرَاوِيل، وَيسْتَحب أَن يَجْعَل على عَاتِقه مِمَّا فِي وَسطه شَيْئا وَلَو حبلا، أَو يربطه حَتَّى يخرج من خلاف أَحْمد. وَيسْتَحب للْمَرْأَة أَن تصلي فِي قَمِيص سابغ
(1/329)

وخمار وتتخذ جلبابا كثيفا فَوق ثِيَابهَا يتجافى عَنْهَا، وَلَا يبين حجم أعضائها.
(1/330)

(الْمَسْأَلَة: ... عَورَة الرجل (مو 46) :)

الْمَذْهَب: مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة على الصَّحِيح.
عِنْدهم: مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة مَعَ الرّكْبَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
مَا رُوِيَ عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَا فَوق الرّكْبَة وَدون السُّرَّة عَورَة ".
(1/331)

لَهُم:
مَا رُوِيَ عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الرّكْبَة من الْعَوْرَة ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أَن الرّكْبَة حد الْعَوْرَة فَلم تكن مِنْهَا قِيَاسا على السُّرَّة.
لَهُم:
أَن الرّكْبَة مفصل يجمع طرفِي عظم الْفَخْذ وَعظم السَّاق، وأحدها حاظر، وَالْآخر مُبِيح فَلَمَّا اجْتمعَا وَجب تَغْلِيب حكم الحاظر كالمرفق.
مَالك:
أَحْمد: السوءتان فِي رِوَايَة وَمثل مَذْهَبنَا فِي آخَرين وَهِي الْأَظْهر عِنْدهم.
التكملة:
وَلِأَن كشفها فِي الصَّلَاة لَا يبطل فَلم تكن عَورَة قِيَاسا على رَأس الْأمة،
(1/332)

فَإِن قيل: إِنَّمَا لم تبطل الصَّلَاة حَال كشفها؛ لِأَنَّهَا لَا تجَاوز ربع الْعُضْو.
قُلْنَا: هَذَا غير مُسلم، بل كثير الْعَوْرَة ويسيرها سَوَاء كَمَا سَنذكرُهُ، فَأَما مَا ذَكرُوهُ من حَدِيث عَليّ كرم الله وَجهه. فَالْجَوَاب عَنهُ: أَن رِوَايَة أَبُو الْجنُوب عقبَة بن عَلْقَمَة وَلَيْسَ بِثِقَة، فَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ، وَأما قَوْلهم: الرّكْبَة مفصل يجمع الحاظر والمبيح فعذر صَحِيح؛ لِأَن الحاظر الْفَخْذ وَلَيْسَ من الرّكْبَة بسبيل وَلَو جَازَ أَن يغلب الحاظر لاتصال عظم الْفَخْذ بالركبة لجَاز أَن يغلب الحاظر فِي جلد الْفَخْذ لاتصاله بجلد السَّاق، وَلما بذل تَعْلِيله فِي ذَلِك الْموضع فَكَذَلِك نجيب فِي مَسْأَلَتنَا مثله.
(1/333)

الْمَسْأَلَة: ... ... عَورَة الْحرَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة (مز 47) .
الْمَذْهَب: جَمِيع بدنهَا إِلَّا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ.
عِنْدهم: جَمِيع بدنهَا إِلَّا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وَظهر الْقَدَمَيْنِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
مَا رُوِيَ عَن أم سَلمَة أَنَّهَا قَالَت: " يَا رَسُول الله أَتُصَلِّي الْمَرْأَة فِي درع وخمار بِغَيْر إِزَار؟ قَالَ: نعم، إِذا كَانَ سابغا يُغطي ظُهُور قدميها ".
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أَنه عُضْو يجوز تغطيته فِي الْإِحْرَام فَوَجَبَ أَن يكون من الْعَوْرَة قِيَاسا
(1/334)

على سَائِر الْبدن.
لَهُم:
لِأَن الْقَدَمَيْنِ لَا تستر فِي الْعَادة فَوَجَبَ أَن لَا تبطل الصَّلَاة بكشفهما كالوجه؛ وَلِأَنَّهُ عُضْو ذُو أنامل فَلم يكن من الْعَوْرَة قِيَاسا على الْكَعْبَيْنِ.
مَالك:
أَحْمد: لَا يجوز أَن تكشف سوى وَجههَا.
التكملة:
وبعكسه الكفان لما لم يجب تغطيتهما فِي الْإِحْرَام دلّ على أَنَّهُمَا ليسَا من الْعَوْرَة.
وَأما قَوْلهم: إِن الْقَدَمَيْنِ لَا تستر فِي الْعَادة فَوَجَبَ أَن لَا تبطل الصَّلَاة بكشفهما كالوجه فَهَذَا منتقص بِالْحلقِ فَإِنَّهُ من عَادَة النِّسَاء كشفه فِي بُيُوتهنَّ وَكَذَلِكَ بعض الساعد وَبَعض السَّاق، ثمَّ الْمَعْنى فِي الْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا يجوز تغطيته فِي الْإِحْرَام والقدم بِخِلَافِهِ، وَأما قَوْلهم: عُضْو ذُو أنامل فَلَا تَأْثِير لَهُ؛ لِأَن الْوَجْه عُضْو غير ذِي أنامل وَلَيْسَ من الْعَوْرَة، وقياسهم على الْكَفَّيْنِ غير صَحِيح لما ذَكرْنَاهُ من افْتِرَاق الحكم فِي الْكَفَّيْنِ والقدمين حَال الْإِحْرَام.
(1/335)

فارغة
(1/336)

(الْمَسْأَلَة:
(مح 48)) .
إِذا مَا بدا من عَورَة الرجل أَو الْمَرْأَة شَيْء فِي الصَّلَاة مَعَ الْقُدْرَة على الستْرَة هَل تبطل أم لَا؟
الْمَذْهَب: نعم.
عِنْدهم: إِن كَانَ دون الدِّرْهَم من الْمُغَلَّظَة وَدون الرّبع من غَيرهَا فَلَا، وَإِن أَكثر من ذَلِك بطلت.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
مَا رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه قَالَ: " لَا يقبل الله صَلَاة امْرَأَة حَاضَت إِلَّا بخمار " وَتَقْدِيره امْرَأَة بلغت الْمَحِيض، وَهَذَا يدل على أَن شعرهَا يجب تخمير جَمِيعه.
(1/337)

لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أَن هَذَا حكم يتَعَلَّق بالعورة فَاسْتَوَى فِيهَا قليلها وكثيرها كالنظر.
لَهُم:
لِأَن ستر الْعَوْرَة حكم يسْقط فِي حَال الْعذر فَوَجَبَ أَن يكون فِي غير حَال الْعذر يخْتَلف قَلِيله وَكَثِيره كإزالة النَّجَاسَة والعذر الَّذِي يضبطها الْعَدَم وَمَا إِذا كشف الرّيح بعض عَوْرَته فِي الصَّلَاة فَرد الثَّوْب على مَا انْكَشَفَ.
مَالك: لَا تجب الْإِعَادَة.
أَحْمد:
التكملة:
وَلِأَن التَّحْدِيد بِمَا دون الدِّرْهَم لَيْسَ بِأولى من التَّحْدِيد بِالربعِ وَبِمَا فَوْقه وبالدرهم وَمَا فَوْقه، وَقد بَطل التَّحْدِيد بِمَا دون الرّبع، وَالدِّرْهَم، فَوَجَبَ أَن يكون التَّحْدِيد بِمَا دون الرّبع وَالدِّرْهَم مَسْأَلَة.
وَأما قَوْلهم: إِن مَا عَفا عَنهُ حَال الْعذر فَوَجَبَ أَن يخْتَلف حكمه قَلِيله وَكَثِيره فَهُوَ بَاطِل بِالنّظرِ، فَإِن نظرة الْفجأَة عُفيَ عَنْهَا للْعُذْر، وَيَسْتَوِي حكم
(1/338)

قليلها وكثيرها، وَأَيْضًا ينْتَقض مَا قَالُوهُ بِالْوضُوءِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنهُ عِنْد الْعَجز عَن اسْتِعْمَال المَاء وَالتُّرَاب وَلم يتَعَذَّر الْعَفو عَن بعضه على أَن الْمُفْتى فِي النَّجَاسَة أَنه عفى عَنْهَا للضَّرُورَة ولخوف الْمَشَقَّة فِي بَابهَا، وَأما الْعَوْرَة فَلَا مشقة تلْحق فِي سترهَا فافترق الْمَعْنى فيهمَا.
(1/339)

لوحة 30 من المخطوطة ب:
الْعَوْرَة الْخلَل فِي الثغور وَغَيرهَا، وَمَا يتَوَقَّع مِنْهُ ضَرَر يُقَال: أَعور الْمَكَان إِذا صَار ذَا عَورَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْمُنَافِقين من المقاتلين فِي الخَنْدَق: {إِن بُيُوتنَا عَورَة} أَي خَالِيَة نتوقع الْفساد فِيهَا، فَلذَلِك سميت السوءتان عَورَة؛ لِأَن (كشفهما مُوجب) خللا فِي حُرْمَة مكشوفهما، وَكَانَ وَجه الْمَرْأَة ومحاسن جَسدهَا عَورَة؛ لِأَنَّهُ يتَوَقَّع من رؤيتها وَسَمَاع كَلَامهَا خلل فِي الدّين وَالْعرض، وَلَيْسَ المُرَاد بالعورة المستقبح، فَإِن الْمَرْأَة الجملية تميل النُّفُوس إِلَيْهَا، وَبِهَذَا يظْهر أَن الْمَرْأَة مَعَ الْمَرْأَة كَالرّجلِ مَعَ الرجل، لَا كَالْمَرْأَةِ مَعَ الرجل، وَهِي مَسْأَلَة خلاف بَين الْعلمَاء هَل يجب أَن تستر جَمِيع بدنهَا عَن الْمَرْأَة أم لَا؟ ، وَلِهَذَا السِّرّ خُولِفَ بَين الْأمة والحرة فَجعلت عَورَة الْأمة كَالرّجلِ؛ لِأَنَّهَا لما امتهنت بِالْخدمَةِ صَارَت كالبهيمة وَسقط موقعها من النَّفس، فَلذَلِك لما رأى عمر رَضِي الله عَنهُ أمة مكشوفة الرَّأْس ضربهَا بِالدرةِ، وَقَالَ لَهَا: أتتشبهين بالحرائر يَا لكاع؟ ! ، وَسبب ذَلِك أَنَّهَا إِذا تشبهت بالحرائر الْتبس الْإِمَاء بالحرائر فَكَانَت سفلَة الْجَاهِلِيَّة،
(1/340)

وَمن يَزْنِي إِنَّمَا يقْصد الْإِمَاء فَإِذا الْتبس قصدن الْحَرَائِر أَيْضا بالزنى لعدم امتيازهن عَن الْإِمَاء فانتشر الْفساد وانخرقت الحرمات وثارت الْفِتَن بَين الزناة والأزواج، أما إِذا امتازت الْإِمَاء اقْتصر الْفساد عَلَيْهِنَّ، وَكَانَ ذَلِك أليق بسد الذريعة فِي تَخْفيف الْفساد بِحَسب الْإِمْكَان، وَمن هَذَا الْبَاب أَيْضا أجَاز جمَاعَة من الْعلمَاء فِي شِرَاء الْأمة أَن تقلب عُرْيَانَة إِلَّا من سرتها إِلَى ركبتها، وَأَن ينظر إِلَى مَا عدا ذَلِك كَمَا يَفْعَله الرجل مَعَ الرجل.
فَإِذا طرأت الستْرَة على الْعُرْيَان فِي أثْنَاء الصَّلَاة، أَو طرى الْعتْق على الْأمة فِي أثْنَاء الصَّلَاة هَل تبطل الصَّلَاة؛ لِأَن الستْرَة شَرط من حِينَئِذٍ وَلم يُوجد الشَّرْط فَأشبه طريان السَّاتِر طريان الْحَدث أَو لَا تبطل لِأَن الْمُصَلِّي دخل فِيهَا بِوَجْه مَشْرُوع والتغيير لم يكن من قبله وَلَا ينْسب إِلَيْهِ بِخِلَاف الْحَدث؛ فَإِنَّهُ ينْسب إِلَى الْمُصَلِّي فَيُقَال أحدث، وَلَا يُقَال أعتقت الْأمة نَفسهَا وَلَا جَاءَ الْمُصَلِّي لنَفسِهِ بسترة؟
وَنَظِير هَذِه الْمَسْأَلَة الْمُتَيَمم يدْخل فِي الصَّلَاة ثمَّ يطْرَأ عَلَيْهِ المَاء فَهَل تبطل صلَاته لبُطْلَان التَّيَمُّم بوجدان المَاء، أَو لَا تبطل؛ لِأَنَّهُ فِيهَا بِبَدَل وَهُوَ التَّيَمُّم وَهُوَ أولى بِالصِّحَّةِ من الْعُرْيَان، لِأَن الْعُرْيَان لم يدْخل بِبَدَل؟
(1/341)

(الْمَسْأَلَة:)
... إِذا عدم الستْرَة هَل يُصَلِّي قَائِما:
الْمَذْهَب: يُصَلِّي قَائِما.
عِنْدهم: يُصَلِّي قَاعِدا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَقومُوا لله قَانِتِينَ} ، وَهُوَ عَام فِي جَمِيع الْأَحْوَال.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم} ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيع ستر عَوْرَته إِلَّا إِذا جلس فَيصَلي جَالِسا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لِأَن الْقيام ركن من أَرْكَان الصَّلَاة وَستر الْعَوْرَة شَرط خَارج عَن الصَّلَاة،
(1/342)

والركن الدَّاخِل أهم من الشَّرْط الْخَارِج فَيصَلي قَائِما.
لَهُم:
لِأَن الْقيام إِنَّمَا يحسن مَعَ ستر الْعَوْرَة، وَأما مَعَ كشف الْعَوْرَة فالجلوس أليق بالأدب.
مَالك: وفَاق.
أَحْمد: وفَاق.
التكملة:
خَيره أَبُو حنيفَة بَين أَن يُصَلِّي قَائِما أَو قَاعِدا فِي رِوَايَة عَنهُ لتعارض فَوَات الرُّكْن بِالْجُلُوسِ فيفوته الْقيام، وفوات ستر الْعَوْرَة إِذا صلى قَائِما بِظُهُور السوءتين مَعَ الْقيام، وَلم يجزه الشَّافِعِي، وَمن وَافقه بل جزموا بِوُجُوب الْقيام؛ لِأَن الْقيام أفضل من الستْرَة لكَونه ركنا والسترة شَرط، إِذا كَانَ لَا بُد من فَوَات أَحدهمَا يقدر الْجمع بَينهمَا تعين السّتْر.
فَإِن كَانَ العراة جمَاعَة فِي ليل صلوا جمَاعَة؛ لِأَن الظلام يحجب بَعضهم عَن بعض وَإِن كَانُوا فِي نَهَار أَو ليل مقمر افْتَرَقُوا فِي الصَّلَاة، لِأَن الْأَركان والشروط أهم فِي نظر الشَّرْع فِي فَضِيلَة الْجَمَاعَة فيقدمان عَلَيْهَا تَقْدِيمًا للأعلى على الْأَدْنَى.
(1/343)

فارغة
(1/344)

(الْمَسْأَلَة:)
... إِذا كَانَ وَحده أيستر عَوْرَته؟
الْمَذْهَب: يستر.
عِنْدهم: لَا يلْزمه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي التِّرْمِذِيّ: " إيَّاكُمْ والتعري فَإِن مَعكُمْ من لَا يفارقكم إِلَّا عِنْد الْغَائِط وَحين يُفْضِي أحدكُم إِلَى أَهله فاستحيوهم وأكرموهم ".
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد} ، وَمَفْهُومه أَنه لَا يلْزمه فِي الْخلْوَة وَأَنه يخْتَص بالجلوة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ستر الْعَوْرَة إِنَّمَا هُوَ صون للْحُرْمَة، وضياع الْحُرْمَة مَعَ الأماثل من الْمَلَائِكَة أَشد من ضياعها مَعَ النَّاس.
(1/345)

لَهُم:
لَا معنى للاستتار مَعَ الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ؛ لأَنهم يرَوْنَ مَا تَحت السَّاتِر وَيصلونَ إِلَى دَاخل الْجَسَد إِلَى الْقُلُوب، فَإِذا لم يحجبهم الْجَسَد أولى أَن لَا يحجبهم الثَّوْب.
مَالك: وفَاق.
أَحْمد: وفَاق.
التكملة:
وَلِأَن الستْرَة تَعْظِيم للمستور عَنهُ، وللساتر لَا لأجل إِدْرَاك السوءة أَلا ترى لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها لبول أَو غَائِط، وَلَكِن غربوا أَو شرقوا "، فَأمر عَلَيْهِ السَّلَام بالاستتار عَن الْكَعْبَة تَعْظِيمًا لَهَا لَا؛ لِأَنَّهَا تدْرك السوءات وَالْمَلَائِكَة شَأْنهمْ أَن يعظموا؛ لأَنهم خَاصَّة الله تَعَالَى لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون فتعظيمهم أولى من تَعْظِيم الْبشر؛ وَلِأَنَّهُ إِذا تعود العري فِي الْخلْوَة وَقع ذَلِك مِنْهُ فِي الجلوة جَريا على الْعَادة من غير شُعُور، فَكَانَ سد الذريعة فِي ذَلِك أولى صونا لحُرْمَة الْمُؤمن وَأولى من الضّيَاع، وتدريبا على محَاسِن الْأَخْلَاق ومكارمها حَتَّى يكون ذَلِك عَادَة وديدنا.
(1/346)

فارغة
(1/347)

(الْمَسْأَلَة:)
... إِذا لم يجد إِلَّا حَرِيرًا أَو نجسا.
الْمَذْهَب: يُصَلِّي فِي الْحَرِير.
عِنْدهم: يُصَلِّي فِي النَّجس.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد} ، وَالنَّجس لَيْسَ من الزِّينَة وَالْحَرِير زِينَة.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " هَذَانِ حرامان على ذُكُور أمتِي "، وَأَشَارَ إِلَى الذَّهَب وَالْحَرِير.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لِأَن تَحْرِيم الْحَرِير لَا اخْتِصَاص لَهُ بِالصَّلَاةِ والنجاسة مُنَافِيَة للصَّلَاة ومختصة بهَا فَكَانَ اجتنابه أولى.
(1/348)

لَهُم:
لِأَن مَا عَم تَحْرِيمه فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا كَانَت مفسدته أعظم فَكَانَ اجتنابه أولى.
مَالك: وفَاق.
أَحْمد:
وَنَظِير مَسْأَلَتنَا إِذا وجد الْمحرم ميتَة وصيدا وَهُوَ مُضْطَر لأكل أَحدهمَا فَإِنَّهُ يَأْكُل الْميتَة وَيتْرك الصَّيْد؛ لِأَن تَحْرِيم الصَّيْد لأجل الْإِحْرَام وَتَحْرِيم الْميتَة لَا لأجل الْإِحْرَام، فَكَانَت الْمُنَافَاة بَين الْإِحْرَام وَالصَّيْد أَكثر من مُنَافَاة الْميتَة لَهُ كَذَلِك مُنَافَاة النَّجَاسَة للصَّلَاة أَشد من مُنَافَاة الْحَرِير لَهَا فَكَانَت مُلَابسَة الْحَرِير فِي الصَّلَاة أيسر، أَلا ترى أَن الْإِنْسَان فراره من عدوه الْخَاص بِهِ أَشد من فراره من عدوه الَّذِي يعادي جنسه، وَلَا يبغض شخصه؛ لِأَنَّهُ قد يستثنيه من جنسه بِخِلَاف عدوه نَفسه، وَكَذَلِكَ إكرامه (لصديقه نَفسه أَشد من إكرامه) لمن يحب جنسه، فالاختصاص أبدا لَهُ تَأْثِير عَظِيم فِي العرفيات
(1/349)

والشرعيات فَكَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا.
(1/350)

لوحة 21 من المخطوطة أَو 31 من ب:
نتكلم فِي معنى الْوَاجِب وَالْفَرْض وهما اسمان مُتَرَادِفَانِ (على حكم وَاحِد شَرْعِي) ، وَإِن اخْتلف مَعْنَاهُمَا لُغَة، فَالْوَاجِب السَّاقِط، قَالَ تَعَالَى: {وَجَبت جنوبها} ، وَالْفَرْض مَوضِع الْوتر من الْقوس، ولاختلاف اسميهما لُغَة فرق الْخصم (بَينهمَا فِي مسَائِل) وَهِي (الْوتر) والتلبية عِنْد الْإِحْرَام وَالْأُضْحِيَّة، وَسُجُود التِّلَاوَة، وَزَكَاة الْفطر، وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، وَزعم أَن هَذِه السِّتَّة وَاجِبَات لَا فَرَائض وَلَا سنَن، وَفسّر بعض أهل الرَّأْي الْفَرِيضَة بِمَا علم (وُجُوبه بِالْكتاب) ، وَالسّنة المتواترة، فَأَما مَا يعلم بأخبار الْآحَاد فَوَاجِب، وَهَذَا خطأ على أصلهم، لأَنهم فرضوا الْوضُوء من القهقهة فِي الصَّلَاة، وأوجبوا الْوضُوء بنبيذ التَّمْر، وَالْوُضُوء من الْقَيْء والرعاف، وَسموا الْوضُوء فِي هَذِه الْمَوَاضِع فَرِيضَة، وَإِنَّمَا تثبت هَذِه بروايات شَاذَّة، وفرضوا فِي عين الدَّابَّة
(1/351)

ربع قيمتهَا بأثر عَن بعض الصَّحَابَة، ثمَّ دليلنا أَن كل مَا جَازَ إِطْلَاق اسْم الْوَاجِب عَلَيْهِ جَازَ إِطْلَاق اسْم الْفَرِيضَة (عَلَيْهِ) كالصلوات والزكوات.
(وَاعْلَم أَن خطاب الشَّرْع إِمَّا أَن يرد باقتضاء الْفِعْل، أَو اقْتِضَاء التّرْك أَو (التَّخْيِير) بَينهمَا (فَإِن) ورد باقتضاء الْفِعْل فإمَّا أَن يقْتَرن بِهِ الْإِشْعَار بعقاب على التّرْك فَيكون وَاجِبا أَو لَا يقْتَرن فَيكون (ندبا، واقتضاء) التّرْك إِن أشعر بعقاب على الْفِعْل فَهُوَ مَحْظُور وَإِلَّا فمكروه) ، وَبعد فَلَا مشاحة فِي الْأَسْمَاء بعد الِاتِّفَاق على المسميات، وَاعْلَم أَن الْأَحْكَام السمعية لَا تدْرك بِالْعقلِ فَنحْن على بَرَاءَة الذِّمَّة إِلَى حِين وُرُود الْخطاب فَإِذا جَاءَ نَبِي وَأوجب خمس صلوَات تبقى صَلَاة سادسة، وَهَذَا اسْتِصْحَاب حَال أول، وَالثَّانِي اسْتِصْحَاب حَال الْعُمُوم إِلَى أَن يرد الْمُخَصّص (وَالنَّص إِلَى أَن يرد) النّسخ واستصحاب حكم دلّ الشَّرْع على ثُبُوته كالملك عِنْد جَرَيَان الْفِعْل المملك وشغل الذِّمَّة عِنْد الْإِتْلَاف.
وَاعْلَم أَن الْجَمَاعَات فِي الصَّلَوَات مُسْتَحبَّة وَلَيْسَت وَاجِبَة إِلَّا فِي الْجُمُعَة، وفضلها يدْرك (بِإِدْرَاك رَكْعَة مَعَ الإِمَام) . والمسبوق يَنْبَغِي أَن يكبر للْعقد ثمَّ للهوي، وَإِن اقْتصر على تَكْبِيرَة العقد (جَازَ) ، وَيسْتَحب (مُتَابعَة) الإِمَام والتخلف عَنهُ فِي الْأَفْعَال مَعَ
(1/352)

(سرعَة) اللحاق، فَإِن أدْركهُ سَاجِدا كبر للْإِحْرَام وَسجد غير مكبر، ثمَّ يقوم كَذَلِك؛ لِأَنَّهُ تَابع للْإِمَام فِي الْفِعْل وَلَيْسَ عَلَيْهِ هُوَ ذكر، فَإِذا قَامَ الإِمَام ابْتَدَأَ بِالْقِرَاءَةِ لَا بِدُعَاء الاستفتاح؛ لِأَنَّهُ قد تخَلّل بَينه وَبَين التَّكْبِير أَفعَال وَدُعَاء الاستفتاح مَكَانَهُ بعد التَّكْبِير فَسقط.
(وَيكرهُ أَن) يكبر للْإِحْرَام أَو يسْجد ويداه فِي كميه. وَيكرهُ وضع الْبَطن على الفخذين فِي السُّجُود، والإقعاء، ونقرة الْغُرَاب وافتراش السَّبع. وَاعْلَم أَن من فَاتَتْهُ صَلَاة جهر فأداها نَهَارا فليسر، وَإِن فَاتَتْهُ صَلَاة سر فأداها لَيْلًا أسر، فَإِن فَاتَتْهُ صَلَاة جهر فأداها لَيْلًا أسر، فَإِن فَاتَتْهُ صَلَاة جهر فأداها لَيْلًا هَل يجْهر فَوَجْهَانِ.
(1/353)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْأَرْبَعُونَ:)
إِذا بَان الإِمَام جنبا أَو مُحدثا (مو) :
الْمَذْهَب: لَا إِعَادَة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أنس قَالَ: " صلى بِنَا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَكبر وَكَبَّرْنَا مَعَه، فَأَشَارَ إِلَى الْقَوْم كَمَا أَنْتُم فَلم نزل قيَاما إِلَى أَن أَتَى نَبِي الله وَرَأسه يقطر مَاء " وَهَذَا نَص، فَإِنَّهُ عَاد وتمم الصَّلَاة، وروى الْبَراء قَالَ: صلى بِنَا النَّبِي عَلَيْهِ
(1/354)

السَّلَام وَلَيْسَ على وضوء فتمت للْقَوْم وَأعَاد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
لَهُم:
روى سعيد بن الْمسيب أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام صلى بِالنَّاسِ وَهُوَ جنب فَأَعَادَ وأعادوا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كل يُصَلِّي لنَفسِهِ وَيُؤَدِّي فَرْضه، وَالْجَمَاعَة تبعد الصَّلَاة عَن النسْيَان، والغفلة وَقصد الْمُتَابَعَة لَا يُخرجهُ عَن كَونه يُؤَدِّي فَرْضه، وَقد نَص أَبُو حنيفَة على أَنه لَو ارْتَدَّ الإِمَام لم تبطل صَلَاة الْمَأْمُور، وَكَذَا لَو صلى جمَاعَة الظّهْر يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ سعى إِلَى الْجُمُعَة بطلت صلَاته دون صلَاتهم وَقد أدّى الْمَشْرُوط بِشَرْطِهِ.
لَهُم:
اقْتدى بِمن لَيْسَ فِي صَلَاة فَهُوَ كَمَا لَو اقْتدى بِإِمَام وَبَان أَنه كَافِر أَو
(1/355)

امْرَأَة أَو علم بحدثه أَو بَان حَدثهُ فِي صَلَاة الْجُمُعَة، وَالْمُعْتَمد صَلَاة الْمَأْمُوم مرتبطة بِصَلَاة الإِمَام بِدَلِيل أَن الْمَأْمُوم (إِذا سَهَا يحمل الإِمَام سَهْوه) وَلَا يحْتَاج إِلَى سُجُود.
مَالك: إِن كَانَ الإِمَام نَاسِيا حَدثهُ فَصَلَاة الْمَأْمُوم صَحِيحَة.
أَحْمد: ق.
التكملة:
منقولهم ضَعِيف الْعذر عَن النقوض، أما إِذا بَان أَن الإِمَام كَافِر أَو امْرَأَة بطلت الصَّلَاة فرط فِي ترك التعرف والفراسة فقلما تخفى شمائل الْأُنْثَى، وبعيد أَن يلتبس كَافِر بِمُسلم فِي هَذَا الْمقَام فَإِن فرض فِي مستتر بالْكفْر فقد نقُول لَا إِعَادَة، وَأما إِذا علم بِحَدَث الإِمَام فَالصَّلَاة بَاطِلَة لفساد نِيَّته وَصَلَاة الْجُمُعَة فِيهَا منع، وَمَعَ التَّسْلِيم الْجَمَاعَة فِيهَا مَقْصُودَة
(1/356)

مَشْرُوطَة وَبهَا سميت، فَإِذا لم يُوجد الشَّرْط بطلت، أما غَيرهَا من الصَّلَوَات لَيست الْجَمَاعَة شرطا فِيهَا، وَبِالْجُمْلَةِ عندنَا صَلَاة الْمَأْمُوم لَا ترتبط بِصَلَاة الإِمَام، وَلَا تدخل فِيهَا.
(1/357)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ:)
إِذا اقْتدى مفترض بمتنفل (مز) :
الْمَذْهَب: يجوز وَيجوز مفترض مَعَ اخْتِلَاف النِّيَّة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
كَانَ معَاذ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الْعشَاء وَيعود إِلَى قومه فَيصَلي بهم هِيَ لَهُ نَافِلَة وَلَهُم مَكْتُوبَة، وَمثل معَاذ لَا يفوت على نَفسه فضل الْفَرِيضَة خلف رَسُول الله، وَمَا كَانَ يستبد بِهَذَا دون إِعْلَام النَّبِي
(1/358)

وَكَيف يخفي ذَلِك عَنهُ مَعَ صغر عَرصَة الْمَدِينَة حماها الله تَعَالَى أبدا.
لَهُم:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن "، وَمَا أَرَادَ أَن الإِمَام يلْتَزم صَلَاة الْمَأْمُوم فِي ذمَّته كالديون، بل أَرَادَ أَن صَلَاة الْمَأْمُوم تدخل فِي ضمن صَلَاة الإِمَام.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كَانَ يُصَلِّي لنَفسِهِ والاقتداء بالأفعال الظَّاهِرَة، وَالنِّيَّة أَمر بَاطِن، فَإِذا أَتَى بالأفعال حصلت فَضِيلَة الْجَمَاعَة فَنَقُول: صلاتان متفقتان فِي
(1/359)

الظَّاهِر فصح أَن تكون كل وَاحِدَة تَابِعَة لِلْأُخْرَى فِي الِاقْتِدَاء كالمتنفل خلف المفترض.
لَهُم:
ارتباط صَلَاة الْمَأْمُوم بِالْإِمَامِ يمْنَع من اخْتِلَاف نيتيهما، وَاخْتِلَاف الْأَفْعَال يمْنَع صِحَة الِاقْتِدَاء فَلَا تجوز الظّهْر خلف من يُصَلِّي الْجُمُعَة وَلَا الْجُمُعَة خلف متنفل، وَلَا الظّهْر خلف من يُصَلِّي الْمغرب، فَإِذا كَانَ اخْتِلَاف الْأَفْعَال يمْنَع فاختلاف النيات أولى.
مَالك: اخْتِلَاف النِّيَّة يمْنَع الِاقْتِدَاء.
أَحْمد: ق.
التكملة:
اعتذروا عَن اقْتِدَاء المتنفل بالمفترض بِأَنَّهُ يجوز بِنَاء النَّافِلَة على تحريمة الْفَرِيضَة بِأَن يُؤَدِّي صَلَاة، ويتبين أَن وَقتهَا مَا دخل فتنعقد لَهُ نفلا، أما نَحن فالأحكام الَّتِي ذكروها كلهَا لنا فِيهَا كَلَام، وعَلى التَّسْلِيم نقُول: إِنَّمَا لم
(1/360)

يَصح الِاقْتِدَاء لاخْتِلَاف الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَبَطل مَعَه الِاقْتِدَاء، أما الْخَبَر فيراد بالضامن من (ضَمَان الْإِكْمَال، وبكمال صلَاته تكمل الصَّلَاتَان) ، وَلَا يُرَاد أَن أَحدهمَا يدْخل فِي الْأُخْرَى، وَلَو قدر ذَلِك سَقَطت الْأَفْعَال والشرائط كَمَا يدْخل الْوضُوء فِي الْغسْل، وَأما الْمُبَالغَة؛ فَلِأَنَّهُ الْتزم ذَلِك، فَإِن قَالُوا: لَو سَهَا الإِمَام وَلم يسْجد سجد الْمَأْمُوم نمْنَع، وَإِن سلمنَا فَإِنَّمَا سجد؛ لِأَنَّهُ أَدخل النَّقْص على صلَاته، وَالْإِمَام ضمن كمالها، فَإِذا لم يَفِ كملها الْمَأْمُوم، وَأما إِذا سَهَا الْمَأْمُوم لم يسْجد؛ لِأَنَّهُ ضمن الْمُتَابَعَة، فَلَو سجد خَالف، أَو نقُول يجْبر نُقْصَان سَهْو الإِمَام فَضِيلَة الْمُتَابَعَة.
(1/361)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْأَرْبَعُونَ:)
إِذا صلى الْكَافِر جمَاعَة فِي مَسْجِد أَو غَيره (مح) :
الْمَذْهَب: لَا يحكم بِإِسْلَامِهِ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ "، علق الْعِصْمَة على الشَّهَادَتَيْنِ.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر} ، وَإِنَّمَا عمارتها بالصلوات، وَقتل بعض الصَّحَابَة قوما من الْكفَّار اعتصموا بِالسُّجُود فوداهم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " من صلى صَلَاتنَا وَأكل ذبيحتنا فَهُوَ منا "، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/362)

وَقَوله: " هلا شققت عَن قلبه ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْإِسْلَام إِقْرَار بِاللِّسَانِ واعتقاد بِالْقَلْبِ وَعمل بالأركان وَلم تُوجد، ثمَّ لَو اعْترف أَن الصَّلَاة من الْإِسْلَام لم نحكم بِإِسْلَامِهِ ثمَّ يحْتَمل أَن يكون فعله رِيَاء وهزوا ثمَّ الْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ اعْتِرَاف بالصانع والمرسل وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالصَّلَاة جُزْء من ذَلِك.
لَهُم:
(مَا أَتَى بِهِ إِسْلَام فَهُوَ كالشهادتين) ؛ لِأَن الصَّلَاة على هَذَا الْوَجْه من خَصَائِص الْإِسْلَام بِخِلَاف الْحَج وَالصَّوْم وَالصَّلَاة مُنْفَردا، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " من رَأَيْتُمُوهُ يلازم الْجَمَاعَة فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِسْلَامِ "،
(1/363)

والشهادتان قَول يدل على الْإِسْلَام، وكما أَن كلمة الْكفْر تدل عَلَيْهِ فَكَذَلِك السُّجُود للصنم.
مَالك:
أَحْمد: من صلى حكم بِإِسْلَامِهِ.
التكملة:
منقولهم لَا حجَّة لَهُم فِيهِ؛ لِأَن الْمُشْركين لَا يعمرون مَسَاجِد الله تَعَالَى: {مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله} ، وَالْخَبَر حجَّة لنا؛ لِأَن أَوله أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِذا قالوها وصلوا صَلَاتنَا، ثمَّ نقُول الْكَافِر لَا يُصَلِّي صَلَاتنَا، فَإِن من شَرطهَا تَقْدِيم الْإِيمَان، وَالَّذين وداهم عَلَيْهِ السَّلَام بِنصْف الدِّيَة، وَلَو كَانُوا مُسلمين لوداهم بِجَمِيعِ الدِّيَة وَإِنَّمَا فعل ذَلِك تألفا للقلوب، وَالْأَحْكَام الَّتِي تمسكوا بهَا مَمْنُوعَة، وَأما حكم الشَّافِعِي بِإِسْلَام الْمُرْتَد إِذا صلى فِي دَار الْحَرْب لَا الْكَافِر الْأَصْلِيّ، قَالُوا: فَإِذا اختتن مَا تَقولُونَ فِيهِ، قُلْنَا: الْخِتَان جرح
(1/364)

مؤلم لَا يتهم فِيهِ فَيجوز أَن يحكم بِإِسْلَامِهِ، قَالَ بَعضهم: الْخِتَان دَاع الْإِسْلَام.
قَالُوا: فَإِن أذن قُلْنَا يحكم بِإِسْلَامِهِ إِذا أَتَى بكلمتي الشَّهَادَتَيْنِ، أما من صلى للصنم يحكم بِكُفْرِهِ، لِأَن الْإِسْلَام الْتِزَام عَام، فَإِذا سجد للصنم فقد ترك إِسْلَامه فحكمنا بِكُفْرِهِ.
(1/365)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْأَرْبَعُونَ:)
الْوتر (مط) :
الْمَذْهَب: سنة مُؤَكدَة.
عِنْدهم: وَاجِبَة لَيست فرضا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى طَلْحَة بن عبيد الله أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ من قبل نجد ثَائِر الرَّأْس يسمع لصوته دوِي فَسَأَلَ رَسُول الله عَن الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ: خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَقَالَ: هَل عَليّ غَيْرهنَّ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَن تطوع ... الْخَبَر.
(1/366)

لَهُم:
روى أَبُو الدَّرْدَاء أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " إِن الله تَعَالَى زادكم صَلَاة إِلَى الصَّلَوَات الْخمس فصلوها من الْعشَاء إِلَى الْفجْر أَلا وَهِي الْوتر " أَمر بهَا ووقتها، وَالْأَمر والتأقيت للواجبات وَالزَّائِد عَن جنس الْمَزِيد عَلَيْهِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
يستصحب الْحَال فِي بَرَاءَة الذِّمَّة وَهِي دَلِيل مَعْمُول بِهِ، فَمن ادّعى شَيْئا بِلَا دَلِيل فَعَلَيهِ الدَّلِيل.
لَهُم:
الْوتر يقْضى ويتوقف، فَهِيَ كَسَائِر الْوَاجِبَات، وَإِنَّمَا جعلناها
(1/367)

وَاجِبَة؛ لِأَنَّهَا ثبتَتْ بأخبار الْآحَاد؛ وَلِأَنَّهَا تُؤدِّي فِي جَمِيع اللَّيْل فَأَشْبَهت النَّوَافِل، فقد سَقَطت عَن الْفَرْض دَرَجَة وَالْوُجُوب من السُّقُوط، وأذان الْعشَاء أَذَان للوتر، كَمَا فِي صَلَاتي مُزْدَلِفَة، ثمَّ صَلَاة الْجِنَازَة فرض كِفَايَة وَلَا أَذَان لَهَا.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
نقلهم نحمله على الِاسْتِحْبَاب وَالنَّدْب، وَلَا نسلم أَن الْوتر يقْضى، وَإِن سلمنَا فعلى سَبِيل النّدب، وَلَا نسلم أَنَّهَا مُؤَقَّتَة، وَإِن سلمنَا فالتأقيت لَا يدل على الْوُجُوب كَصَلَاة الضُّحَى، وَيجوز التَّنَفُّل عندنَا بِرَكْعَة وبثلاث رَكْعَات.
(1/368)

(الْمَسْأَلَة الْخَمْسُونَ:)
كمية الْوتر (ن) :
الْمَذْهَب: أَقَله رَكْعَة وَأَكْثَره إِحْدَى عشرَة، وَيسْتَحب السَّلَام عَن اثْنَتَيْنِ.
عِنْدهم: ثَلَاث رَكْعَات بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى ابْن عمر أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يُصَلِّي مثنى مثنى ويوتر بِرَكْعَة، وَكَذَلِكَ رَوَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا.
لَهُم:
رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يُوتر بِثَلَاث رَكْعَات لَا يسلم حَتَّى
(1/369)

ينْصَرف مِنْهُنَّ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " وتر اللَّيْل كوتر النَّهَار ثَلَاث رَكْعَات وَهِي الْمغرب "، وَنهى أَن يسلم عَن رَكْعَة فِي الْوتر.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الرَّكْعَة الْوَاحِدَة صَلَاة، بِدَلِيل أَنه يعْتَبر لَهَا أَرْكَان الصَّلَاة من الْقيام وَالْقِرَاءَة والسترة، والقبلة، والركعة الثَّانِيَة إِعَادَة الأولى وتكرارها.
لَهُم:
الرَّكْعَة الْفَذ لَيست صَلَاة وَلم تفرض، وَيكرهُ النَّفْل بهَا، وتتأيد بِأَن صَلَاة الصُّبْح فِي السّفر لَا تشطر كَسَائِر الصَّلَوَات، وَأَن الشَّرْع لم يفصل
(1/370)

بَين رَكْعَتَيْنِ بجلوس تشهد، وَلَو كَانَت الرَّكْعَة الْفَذ صَلَاة لفصل.
مَالك: الْوتر رَكْعَة قبلهَا شفع ينْفَصل عَنْهَا أَقَله رَكْعَتَانِ.
أَحْمد: ق.
التكملة:
منقولهم حَتَّى ينْصَرف مِنْهُنَّ زِيَادَة فِي الْخَبَر لم تنقل نقل الأَصْل، وَفِي بعض الْمَنْقُول طعن، وَبَعضهَا قد عمل ناقلها بِخِلَافِهَا، وَأما صَلَاة الْفجْر فَإِنَّهَا لم تشطر لانعقاد الْإِجْمَاع على ذَلِك، وَأَصله تعبد ثمَّ لَا يلْزمنَا ذَلِك مِنْهُم؛ لِأَن السّفر عِنْدهم لَا يشطر الصَّلَوَات لَكِن كَذَا فرضت وزيدت فِي الْحَضَر ويلزمهم صَلَاة الْمغرب، فَإِن الرَّكْعَة الْأَخِيرَة فصل الشَّرْع بَينهَا وَبَين الأولتين بالتشهد ثمَّ كل رَكْعَة متميزة عَن الْأُخْرَى بِالسُّجُود.
(1/371)

لوحة 22 من المخطوطة أ:
(الْعَزِيمَة فعيلة من الْعَزْم، وَهُوَ الْقَصْد الْمُؤَكّد، وَبِه وصف أولو الْعَزْم، وَهِي فِي خطاب الشَّرْع عبارَة عَمَّا لزم من الْعِبَادَات.
ويقابل الْعَزِيمَة الرُّخْصَة وَهِي عبارَة عَن السهولة، وَفِي خطاب الشَّرْع عَمَّا وسع للتكليف فعله بِعُذْر وَعجز مَعَ قيام السَّبَب الْمحرم وَأَعلاهُ إِبَاحَة قَول كلمة الْكفْر وَشرب الْخمر وَإِتْلَاف مَال مَعْصُوم عَلَيْهِ بِسَبَب الْإِكْرَاه والمخمصة والغصص بِمَا لَا يسيغه إِلَّا الْخمر الْحَاضِرَة وَدون ذَلِك مَا حط عَنَّا من الإصر والأغلال الَّتِي لَزِمت الْأُمَم قبلنَا، وعَلى الْحَقِيقَة تَسْمِيَة هَذِه رخصَة مجَاز فَإِن التَّضْيِيق على غَيرهَا لَيْسَ تضييقا علينا، ومراتب الرُّخص تَتَرَدَّد بَين هذَيْن الحدين، وَمن ذَلِك الْقصر وَالْفطر للْمُسَافِر، وَمن حَقه أَن يُسمى رخصَة؛ لِأَن السَّبَب الْوَقْت وشهود الْمصر فِي الشَّهْر وَالضَّرَر مرخص، أما التَّيَمُّم مَعَ عدم المَاء لَا يُسمى رخصَة، لِأَن لَا يُمكن أَن يُكَلف اسْتِعْمَال المَاء مَعَ عَدمه، فَلَا يكون السَّبَب قَائِما مَعَ اسْتِحَالَة التَّكْلِيف بِخِلَاف الْمُكْره على الْكفْر؛ فَإِنَّهُ قَادر على تَركه، وَقد يكون الْفِعْل الْوَاحِد رخصَة عَزِيمَة بِالْإِضَافَة إِلَى وصفين كالمضطر فِي المخمصة يجب عَلَيْهِ حفظ نَفسه ويفسح لَهُ فِي تنَاول الْميتَة أَو مَال الْغَيْر فَفعله من حَيْثُ
(1/372)

حفظ نَفسه وَاجِب، وَمن حَيْثُ إِنَّه مَا كلف هلك نَفسه رخصَة) ، فَإِذا فهمت الرُّخْصَة فالقصر مِنْهَا وترخص بسفر سِتَّة عشر فرسخا وَهُوَ الطَّوِيل وَيحْتَاج إِلَى ربط الْقَصْد بمَكَان مَعْلُوم، ويترخص عِنْد مُجَاوزَة السُّور وَعمْرَان الْبَلَد وَيَنْتَهِي السّفر بِالْعودِ إِلَى عمرَان الوطن وبالعزم على الْإِقَامَة مُطلقًا أَو مُدَّة تزيد على ثَلَاثَة أَيَّام، وَهَذِه الْمَسْأَلَة مستنبطة من إِذْنه عَلَيْهِ السَّلَام لمن عَاد من الْمُهَاجِرين إِلَى مَكَّة بعد الْفَتْح أَن يُقيم ثَلَاثًا فَدلَّ أَن الثَّلَاث فِي حكم السّفر.
وَمحل الْقصر الصَّلَوَات الرّبَاعِيّة، وَرخّص السّفر: الْقصر، وَالْجمع وَالْفطر، وَمسح ثَلَاث أَيَّام (وَالصَّوْم أفضل، وَيَقَع) الْجمع بَين صَلَاتَيْنِ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع إِن شَاءَ قدم الْعَصْر إِلَى الظّهْر وَالْعشَاء إِلَى الْمغرب، وَإِن شَاءَ أخر، وَفِي الْحَج يقدم الْعَصْر إِلَى الظّهْر بِعَرَفَة، وَيُؤَخر الْمغرب إِلَى الْعشَاء بِمُزْدَلِفَة، وَفِي الْمَطَر يقدم الْعَصْر إِلَى الظّهْر، وَالْعشَاء إِلَى الْمغرب، وَشرط الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ أَن يَنْوِي الْجمع عِنْد تحريمة الأولى فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَقبل التسليمة الأولى فِي القَوْل الثَّانِي، وَأَن يبْقى الْعذر الْمُبِيح
(1/373)

للْجمع إِلَى آخر الصَّلَاة، وَاعْلَم أَن الإِمَام يَنْوِي بالتسليمة الأولة الْخُرُوج من (الصَّلَاة وَالسَّلَام) على الْحفظَة، وعَلى من عَن يَمِينه، وبالثانية الْحفظَة، وَمن على يسَاره، وَالْمَأْمُوم إِن كَانَ عَن جنب الإِمَام نوى أَرْبَعَة أَشْيَاء: الْخُرُوج من الصَّلَاة وَالسَّلَام على الْحفظَة وعَلى الإِمَام والمأمومين، وَالْوَاجِب نِيَّة الْخُرُوج وَالْبَاقِي مُسْتَحبّ.
وَيسْتَحب أَن يَبْتَدِئ بِالسَّلَامِ مُتَوَجها.
(1/374)

(الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة وَالْخَمْسُونَ:)
الْقصر فِي السّفر (نَا) :
الْمَذْهَب: يتَخَيَّر الْمُسَافِر فِيهِ.
عِنْدهم: يتحتم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة} ، ذكره بِلَفْظ رفع الْجنَاح، قَالَ يعلى بن أُميَّة لعمر رَضِي الله عَنْهُمَا مَا بالنا نقصر؟ وَقد أمنا، فَقَالَ لَهُ: لقد تعجبت مِمَّا تعجبت مِنْهُ فَسَأَلت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: " صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته ".
لَهُم:
رَوَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: فرضت الصَّلَاة فِي الأَصْل رَكْعَتَيْنِ
(1/375)

زيدت فِي الْحَضَر وأقرت فِي السّفر، قَالَ ابْن عَبَّاس: شرعت صَلَاة الْحَضَر أَرْبعا، وَالسّفر اثْنَتَيْنِ، قَالَ ابْن عمر: الصُّبْح رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ (وَالْجُمُعَة رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ) تَمام غير قصر على لِسَان نَبِيكُم.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْقصر ثَابت نصا وإجماعا، وَالْحكم إِذا ثَبت علل تكثيرا للفوائد، وتعليل هَذَا بِالرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّهُ يثبت تَخْفِيفًا، وحد الرُّخْصَة مَوْجُود فِيهِ،
(1/376)

وَلذَلِك علق على السّفر لمشقته وَالْإِبَاحَة كَافِيَة فِي الرُّخص فَصَارَ كالمسح وَالْفطر، ثمَّ لَو صلى مُسَافر خلف مُقيم أتم يدل على أَن الْإِتْمَام أصل.
لَهُم:
مَا زَاد على رَكْعَتَيْنِ لَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهِ، بِدَلِيل جَوَاز تَركه لَا إِلَى بدل (وَبِغير مأثم) ثمَّ فِي تَفْوِيض ذَلِك إِلَى العَبْد رد التَّكْلِيف إِلَيْهِ والإسقاط ينْفَرد بِهِ الْمسْقط كَالنِّكَاحِ بِالطَّلَاق، ثمَّ التَّخْيِير يكون بَين شَيْئَيْنِ متساويين لَا بَين فعل وَترك، ثمَّ إِن الثَّوَاب وَاحِد.
مَالك: الْمَشْهُور من مذْهبه الْوِفَاق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا على الْآيَة: رفع الْجنَاح يسْتَعْمل فِي الْوَاجِب، قَالَ الله تَعَالَى: {فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما} ، وَالسَّعْي وَاجِب، وَالْجَوَاب: أَنه ورد بِسَبَب صنمين هما: إساف ونائلة تخوف الْمُسلمُونَ من الطّواف بَينهمَا، ثمَّ لَا نسلم أَنه مَحْض إِسْقَاط بل صَدَقَة فَهُوَ كالإبراء من الدّين،
(1/377)

وَلَا نسلم أَنَّهُمَا اسْتَويَا فِي الثَّوَاب، بل ثَوَاب الْإِتْمَام أَكثر ويلزمهم اقْتِدَاء الْمُسَافِر بالمقيم فَإِنَّهُ يتم، فَإِن قَالُوا: كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ ألزم نَفسه مُتَابَعَته ألزمناهم.
إِذا اقْتدى مُقيم بمسافر، فَإِنَّهُ لَا يقصر فوزان مَا قُلْنَا صَوْم شهر رَمَضَان للْمُسَافِر وصلاتا الظّهْر وَالْجُمُعَة، فَإِنَّهُ يتَخَيَّر فِي ذَلِك، وَلَيْسَ التَّخْيِير بَين فعل، وَلَا فعل بل بَين صَلَاتَيْنِ نَاقِصَة وتامة.
(1/378)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْخَمْسُونَ:)
العَاصِي بِسَفَرِهِ (نب) .
الْمَذْهَب: لَا يترخص رخص الْمُسَافِرين.
عِنْدهم: يترخص.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ} ، وَهَذَا بَاغ فَلَا يُبَاح لَهُ أكل الْميتَة.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فَمن كَانَ مَرِيضا أَو على سفر} الْآيَة، علق جَوَاز الْفطر على مُجَرّد السّفر، وَلَا يجوز منع هَذَا إِطْلَاق بأخبار آحَاد لَا بِقِيَاس.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الهائم لَا يترخص، والعاصي فِي إطراح قَصده كالهائم، وَلِأَن الْمعْصِيَة يجب اجتنابها فَكيف تكون سَبَب الرُّخص، والرخص إِعَانَة وَلَا يعان العَاصِي.
(1/379)

لَهُم:
سفر لَيْسَ بِمَعْصِيَة فأباح الرُّخْصَة كالمباح، لِأَن الْمعْصِيَة لَا تعود إِلَى ذَات السّفر كمسح الْخُف الْمَغْصُوب وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة تخَالف من شرب مَحْظُورًا حَتَّى زَالَ عقله حَيْثُ لَا يلْحق بالمجنون فِي سُقُوط خطابه؛ لِأَن مُجَرّد شربه مَعْصِيّة، وَلِهَذَا يحد فَصَارَ كَمَا لَو أنشأ الْمعْصِيَة فِي السّفر فَإِنَّهُ يترخص.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: العَاصِي بِسَفَرِهِ يمسح يَوْمًا وَلَيْلَة، وَهَذِه رخصَة. الْجَواب: الصُّورَة مَمْنُوعَة، وَإِن سلمنَا، فَلذَلِك لَيْسَ من رخص السّفر، وَكَذَلِكَ إِذا أنشأ الْمعْصِيَة سفرا نمْنَع أَن يترخص، وَإِن سلمنَا فَهَذِهِ الصُّورَة مَا تعرضنا لَهَا فِي دليلنا فَلَا نجيب عَنْهَا، فَأَما من كسر رجله فعجز عَن الْقيام فَإنَّا نوجب عَلَيْهِ قَضَاء الصَّلَوَات إِذا زَالَت الزمانة، وَهَذَا بعيد، بل نقُول
(1/380)

الْكسر لَا يُرَاد للزمانة، بل لما أحدث من الوهن واستتبع ذَلِك الزمانة، ثمَّ الذرائع إِلَى الشَّيْء تُعْطِي صفته (حلا وحرما) ، وَقد لعن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْخمر عشرَة، وَكَذَلِكَ من خرج من بَيته مُجَاهدًا أَو حَاجا أثيب على أول خطْوَة أما من أنشأ الْمعْصِيَة فِي السّفر فزنا أَو شرب فمعصية مجاورة للسَّفر، والخف الْمَغْصُوب نمْنَع من الْمسْح عَلَيْهِ، وَمَعَ التَّسْلِيم نقُول: الْمسْح مُرَتّب على ستر الْقدَم وَكَذَلِكَ الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَهُوَ عَاص بشغل ملك الْغَيْر.
وحرف الْمَسْأَلَة أَنه أنشأ أَسْفر على هَذَا الْوَجْه كَانَ مَحْظُورًا من كل وَجه، وَعِنْدهم، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(1/381)

الحظرية زَائِدَة على ذَات السّفر.
(1/382)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْخَمْسُونَ:)
التَّسْلِيم (نج) :
الْمَذْهَب: يتَعَيَّن لِلْخُرُوجِ من الصَّلَاة.
عِنْدهم: لَا يتَعَيَّن فَلَو بدله بِغَيْرِهِ من كَلَام أَو فعل منَاف للصَّلَاة تمت صلَاته.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور، وتحريمها التَّكْبِير، وتحليلها التَّسْلِيم ". حصر التَّحْلِيل فِي التَّسْلِيم، وَهَذَا يسْتَدلّ فِي الْخَبَر، لَا بِدَلِيل الْخطاب.
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِ مَسْعُود: إِذا رفعت فِي السُّجُود وَقَعَدت
(1/383)

بِقدر التَّشَهُّد فقد تمت صَلَاتك، وَرُوِيَ أَنه قَامَ فِي الظّهْر إِلَى خَامِسَة وَلم ينْقل أَنه أعَاد وَلم يسلم من الظّهْر، وَقَالَ لمعاوية بن الحكم: " لَا يصلح لصلاتنا شَيْء من كَلَام النَّاس "، وبالسلام يقبل على الْآدَمِيّين.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
التَّسْلِيم من الصَّلَاة ذَلِك؛ لِأَنَّهُ لَو جلس قدر التَّشَهُّد فَهُوَ فِي الصَّلَاة وَهَذَا الْخَبَر الَّذِي إِلَيْهِ مِنْهَا لَو اقْتدى مقتد فِيهِ صَحَّ، وَلَو سَهَا كبر، وَلَو نوى الْإِقَامَة تغير فرض السّفر ثمَّ يعقبه السَّلَام، فَلَو كَانَ مُبْطلًا أعَاد فَتعين أَنه مِنْهَا، وَيصْلح لذَلِك لتردده فِي التَّشَهُّد بِخِلَاف الْحَدث.
لَهُم:
التَّسْلِيم لَا تتأدى بِهِ الصَّلَاة، إِنَّمَا هُوَ مُحَلل وَلَا يُرَاد لعَينه، فَصَارَ
(1/384)

كالسعي إِلَى الْجُمُعَة، يُؤَيّدهُ أَنه لَو جَاءَ بِالتَّسْلِيمِ فِي غير وقته بطلت صلَاته والتسليمة الثَّانِيَة غير وَاجِبَة فَجَاز إِبْدَال الأولة، ثمَّ لَو أَنه من الصَّلَاة مَا صرف بِهِ وَجهه عَن الْقبْلَة كَسَائِر أَجزَاء الصَّلَاة.
مَالك: يسلم وَاحِدَة إِمَامًا كَانَ أَو فَذا.
أَحْمد: ق.
التكملة:
حَدِيث ابْن مَسْعُود مَوْقُوف عَلَيْهِ، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ قاربت التَّمام كَمَا قَالَ: من وقف بِعَرَفَة فقد تمّ حجه، وَلَا نسلم أَن الْكَلَام فِي هَذِه الْحَال من كَلَام الْآدَمِيّين، بل حكمه حكم: {ادخلوها بِسَلام آمِنين} ، و {يُوسُف أعرض عَن هَذَا} ، فَإِنَّهُ لما قصد لَهُ من قِرَاءَة أوَامِر، وَفرق بَين التسليمة الأولى وَالْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ بالأولة خرج من الصَّلَاة، وَلِهَذَا لَو نوى الْإِقَامَة لَا يتَغَيَّر فَرْضه، وهيئة الْمُسلم أَن يفْتَتح بِالتَّسْلِيمِ مُسْتَقْبلا، ثمَّ يجوز ترك الِاسْتِقْبَال لعذر كَمَا فِي خطْبَة الْجُمُعَة الْقَائِمَة مقَام رَكْعَتَيْنِ، أما بطلَان الصَّلَاة بالْكلَام فِي أَثْنَائِهَا فلمخالفة التَّرْتِيب، وَلَا نسلم أَن التَّسْلِيم ضد الصَّلَاة، وَإِن سلمنَا فَنحْن نتبع فِيهِ مورد الشَّرْع، ثمَّ يلْزمهُم إِذا انْقَضتْ
(1/385)

مُدَّة الْمسْح أَو تخرق الْخُف فِي هَذِه الْحَال، فَإِن صلَاته تبطل، وَكَذَلِكَ الْمُتَيَمم إِذا رأى المَاء، وَلَا يَنْفَعهُمْ قَوْلهم: إِن هَذِه الْأَشْيَاء تقع لَا بِاخْتِيَارِهِ؛ لأَنهم عَلقُوا على الضِّدّ وَقد وجد.
(1/386)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ:)
لفظ التَّكْبِير (ند) :
الْمَذْهَب: يتَعَيَّن لانعقاد تحريمة الصَّلَاة.
عِنْدهم: كل لفظ يُعْطي معنى التَّكْبِير.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
الْخَبَر السَّابِق، وَلما عرف التَّكْبِير بِالْألف وَاللَّام انْصَرف إِلَى الْمَعْهُود وَلَفظ التَّكْبِير معنى لَا يُوجد لغيره، وروت عَائِشَة أَنه كَانَ يفْتَتح الصَّلَاة بقوله: " الله أكبر "، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "، وَذَلِكَ بَيَان لمجمل الْقُرْآن.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {قد أَفْلح من تزكّى (14) وَذكر اسْم ربه فصلى} ربط الصَّلَاة باسمه الْكَرِيم مُطلقًا، فَمن خصصه بِلَفْظ دون غَيره فقد قيد مُطلق الصَّلَاة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {أقِم الصَّلَاة لذكري} .
(1/387)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
التَّكْبِير جُزْء من الصَّلَاة فَكَانَ مُتَعَيّنا كَسَائِر أَجْزَائِهَا بِدَلِيل اعْتِبَار النِّيَّة فِيهِ، والعبادات لَا يَهْتَدِي الْقيَاس إِلَى تفاصيلها ومقاديرها ونقيس على الشَّهَادَة عِنْد الْحَاكِم، وعَلى لفظ الْأَذَان.
لَهُم:
على الْبدن وَهُوَ الرُّكْن وَاللَّفْظ آلَته وَيجوز إِبْدَال الْآلَة بِمِثْلِهَا إِذا حصل الْمَقْصُود، كَمَا أَنا جَوَّزنَا إِبْدَال المَاء بِغَيْرِهِ فِي إِزَالَة النَّجَاسَة لما عقلنا الْغَرَض، وَكَذَلِكَ الشَّاة فِي الزَّكَاة، وَإِنَّمَا تعيّنت لَفْظَة الشَّهَادَة عِنْد الْحَاكِم؛ لِأَنَّهَا إِخْبَار وَيَمِين وَتعين الْأَذَان؛ لِأَنَّهُ إِعْلَام وَكَذَلِكَ ورد وَيجوز إِبْدَاله.
مَالك: ينْعَقد بقوله: " الله أكبر " فَحسب.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
التكملة:
قَوْله تَعَالَى: {قد أَفْلح من تزكّى} المُرَاد بِهِ صَدَقَة الْفطْرَة، (وَذكر
(1/388)

اسْم ربه فصلى} تَكْبِيرَات الْعِيد وَصلَاته، وعَلى أَن الذّكر بِسم الله مُطلق فيقيده، ونسلم أَن الْمَقْصُود التَّعْظِيم لَكِن بِاللَّفْظِ الشَّرْعِيّ، ثمَّ يلْزمهُم تَغْيِير الْأَفْعَال، وَيجوز عِنْد الْفجْر أَن يُبدل الْقيام وَالْقعُود بِالْإِيمَاءِ، وَقَوله: " الله أكبر "، فَزِيَادَة لَا تحيل الْمَعْنى، ثمَّ نقُول: الْمَقْصُود فِي هَذَا الرُّكْن عمل اللِّسَان بِمَا ورد بِهِ الشَّرْع، ثمَّ نقُول: الشَّهَادَة لَو كَانَت حلفا وإخبارا لجازت إِذا أخبر وَحلف، وَتَكون الْيَمين أقوى لِأَنَّهَا مُسْتَقْبلَة.
عبارَة تحريمة الصَّلَاة تعرف من لَفْظَة التَّكْبِير مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَلم نحكم بانعقادها كَقَوْلِه: اللَّهُمَّ غفرا، ويتحقق على الزُّهْرِيّ بِالنَّصِّ أَن الْأَذَان أَخفض حَالا من الصَّلَاة أَن يُرَاد لَهَا والنطق شَرط فِيهِ وَالصَّلَاة أولى، وَبِالْجُمْلَةِ التَّكْبِير عندنَا ركن فَتعين، وَعِنْدهم الرُّكْن فعل اللِّسَان بالثناء.
(1/389)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْخَمْسُونَ:)
تَارِك الصَّلَاة مُتَعَمدا (نه) :
الْمَذْهَب: يقتل حدا ضربا بِالسَّيْفِ.
عِنْدهم: لَا يقتل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من ترك صَلَاة مُتَعَمدا كفر "، انتظم الحَدِيث الْكفْر، وَالْقَتْل قَامَ الدَّلِيل على عدم الْكفْر بَقِي الْقَتْل، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ} ، أَي صلواتكم إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " نهيت عَن قتل الْمُصَلِّين ".
(1/390)

لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث "، وَلَيْسَ ترك الصَّلَاة مِنْهَا، وَالنَّص على الْحصْر فِي ثَلَاث فَالزِّيَادَة تَقْتَضِي إبِْطَال الْحصْر.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
فِي المنهيات مَا يجب بِهِ الْقَتْل لغلظه فَيجب أَن يكون فِي المأمورات كَذَلِك؛ لِأَن الْعُقُوبَات شرعت روادع وبقدر الجريمة الْعقُوبَة، وَالصَّلَاة تشبه الْإِيمَان؛ لِأَنَّهَا تَتَكَرَّر فِي الْأَوْقَات بِخِلَاف الْحَج وَالصَّوْم وَالزَّكَاة، إِذْ هِيَ مرّة فِي الْعَام ثمَّ الصَّلَاة لَا تصح فِيهَا النِّيَابَة وَلَا تفتدى، وَلَا يسْقط وُجُوبهَا بِحَال.
لَهُم:
فرع من فروع الْإِيمَان فَلَا يجب الْقَتْل بِتَرْكِهِ كَالصَّوْمِ، ذَلِك؛ لِأَنَّهُ جِنَايَة
(1/391)

على مَحْض حق الله فَلَا يُعَاقِبهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا لكَونهَا دَار ابتلاء؛ وَلِأَن ترك الصَّلَاة من حَيْثُ هُوَ ترك لَا يتمحص جريمة؛ لِأَنَّهُ ترك وَاجِب، وبهذه الشُّبْهَة يدْرَأ الْحَد، وَصَارَ كَمَا غصب مَال الْغَيْر لَا يُعَاقب لِأَن أصل الْأَمْوَال الْإِبَاحَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: يكفر.
التكملة:
نقُول بِمُوجب الحَدِيث فتارك الصَّلَاة كَافِر بعد إِيمَان من وَجه؛ لِأَن الصَّلَاة إِيمَان من وَجه ثمَّ إِن الحَدِيث قد زيد عَلَيْهِ، بِدَلِيل الصَّائِل، وقاطع الطَّرِيق، وَالْجَوَاب عَن طَريقَة أبي زيد يَأْتِي فِي الْمُرْتَدَّة.
قَوْله: ترك الصَّلَاة لَيْسَ بِمَعْصِيَة من كل وَجه مَمْنُوع، فَإِن الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة مَا تعلق بِهِ الْأَمر وَالنَّهْي، وَلَا نَنْظُر إِلَى أَنه فعل أَو ترك، وَالشَّيْء لَا يحرم وَلَا يُبَاح لعَينه وجنسه، وَلَو كَانَ كَذَلِك لما وجد من جنس الْمعْصِيَة مُبَاح والزنى وَالنِّكَاح تَحت جنس وَاحِد.
وَبِالْجُمْلَةِ عندنَا الْفِعْل وَترك الْفِعْل سَوَاء فِي الْحرم والحل، وَالدَّلِيل على
(1/392)

أَحْمد أَنَّهَا عبَادَة من فروع الْإِيمَان، فَلَا يكفر بِتَرْكِهَا مَعَ اعتقادها كَالصَّوْمِ، وَبِالْجُمْلَةِ الصَّلَاة عندنَا أَجْدَر بمشابهة الْإِيمَان من وُجُوه وَعِنْدهم حكمهَا حكم سَائِر الْفُرُوع.
(1/393)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْخَمْسُونَ:)
الشَّهِيد (نو) :
الْمَذْهَب: لَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ.
عِنْدهم: يصلى عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ جنبا غسل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا} وَرُوِيَ من جِهَات فِي قَتْلَى أحد مَا مَعْنَاهُ أَنهم مَا غسلوا وَلَا صلى عَلَيْهِم، وَقَالَ: " ادفنوهم بدمائهم "، وَهَذِه الرِّوَايَة وَإِن كَانَت نفيا إِلَّا أَن فِي ضمنهَا إِثْبَاتًا، كَمَا لَو قَالَ هَذَا وَارِث فلَان لَا وَارِث لَهُ غَيره.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وصل عَلَيْهِم} ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " صلوا على من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله "، وَرُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا تَابع النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وغزا فَقتل
(1/394)

فصلى عَلَيْهِ، وَصلى على شُهَدَاء أحد وَحَمْزَة بَين يَدَيْهِ حَتَّى صلى عَلَيْهِ سبعين مرّة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أَخذ حكم الْأَحْيَاء بِدَلِيل الْآيَة، والحياة فِي الْجنَّة حَيَاة الْأَبَد وتكرمة الشَّهَادَة تغني عَن غَيرهَا وَإِنَّمَا حلت زَوجته؛ لِأَن فِي رقها ضَرَرا، وَكَذَلِكَ مَاله ينْقل إِلَى أَقَاربه لينْتَفع بِهِ، وَدَفنه لصيانته.
لَهُم:
مُسلم طَاهِر يصلى عَلَيْهِ كَسَائِر الْمَوْتَى الْمُسلمين؛ لِأَنَّهُ تطهر بِالشَّهَادَةِ
(1/395)

فَاسْتحقَّ الرَّحْمَة وَالصَّلَاة رَحْمَة وَرَحْمَة الله مَرَاتِب، وَقد صلى على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَإِنَّمَا لم يغسل الشَّهِيد؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيد اسْتِبَاحَة صَلَاة، وَلَا حدث عَلَيْهِ فَإِن الْغسْل لَا يزِيل الْحَدث، إِذْ لَو حمله مصل لم يجز.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْآيَة الَّتِي احْتَجُّوا بهَا مُطلقَة فتخص بِغَيْر الشَّهِيد، والأعرابي يحْتَمل أَنه قتل خَارج المعركة، أَو أُرِيد بِالصَّلَاةِ الدُّعَاء لَهُ، وَرُوِيَ ذَلِك، وَكَذَا الصَّلَاة على شُهَدَاء أحد، قَوْلهم: الْغسْل للتطهير والتكفين يبطل بِغسْل
(1/396)

الطِّفْل بل أولى، فالطفل مَقْطُوع بعصمته.
(1/397)

لوحة: 23 من المخطوطة أ:
قَوْلهم مَسْأَلَة الشَّهِيد مُسلم طَاهِر طرد مَحْض لَا فقه فِيهِ، وَكَثِيرًا مَا نورد من الْمسَائِل أَمْثَال ذَلِك فينبه عَلَيْهِ، وَيُسمى هَذَا النَّوْع الْمُطَالبَة بعلة الأَصْل، فَيحْتَاج أَن يدل على أَن عِلّة الصَّلَاة على الْمُسلم كَونه مُسلما طَاهِرا، والصائر إِلَى هَذَا النَّوْع من الأقيسة لَا يعْتَبر الإحالة والمناسبة، ونقول: الْقيَاس لَا معنى لَهُ إِلَّا رد فرع إِلَى أصل يكون الأَصْل مُتَّفقا عَلَيْهِ بِجَامِع، وندعي تحقق أَرْكَان الْقيَاس بذلك.
وَالْجَوَاب: أَن مَا ذَكرُوهُ يحْتَاج إِلَى شَرط وَهُوَ أَن يكون الْجَامِع مغلبا على الظَّن بِمَعْنى مَا مخيل أَو مُنَاسِب أَنه عِلّة الحكم وَلم يذكر وَجها يُوجب عَلَيْهِ الظَّن، وَلَا يبْقى إِلَّا قَوْله وجدت أصلا مجمعا عَلَيْهِ.
فَنَقُول الْمجمع عَلَيْهِ وَفِيه النزاع، وَلَيْسَ كل شَيْئَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي الْعلَّة، ويتصفان بِوَصْف يدل على أَن مَا اشْتَركَا فِيهِ عِلّة فِي اتصافه أَلَيْسَ الشَّهِيد وَغَيره يوصفان بِأَنَّهُمَا مختونان؟ أَيجوزُ أَن يَجْعَل الْخِتَان عِلّة الصَّلَاة؟ وَيُقَال آدَمِيّ مختون يصلى عَلَيْهِ كَسَائِر الْمُسلمين كلا بل يجب أَن تكون الْعلَّة الجامعة تغلب على الظَّن (إِن لم يُوجب الْيَقِين أَن الحكم)
(1/398)

لزم الأَصْل بسببهما، وَإِلَّا فَهُوَ طرد مَحْض.
وَاعْلَم أَن الشَّهِيد إِذا أُصِيب فِي المعركة وَأخرج مِنْهَا سَاعَة وَمَات لم يخرج عَن الشَّهَادَة. والعادل إِذا قَتله الْبَاغِي شَهِيد فِي أحد الْقَوْلَيْنِ بِخِلَاف الْبَاغِي وقاطع الطَّرِيق حكمه حكم الْبَاغِي.
وَمن يقْتله قَاطع الطَّرِيق شَهِيد فِي أحد الْقَوْلَيْنِ. وَالنِّيَّة فِي غسل الْمَيِّت وَاجِبَة عِنْد بعض الْأَصْحَاب. وَإِذا مَاتَ رجل لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ رجل وَلَا امْرَأَة قريبَة أَو مَاتَت امْرَأَة بِهَذِهِ النِّسْبَة يمما وَإِذا وجد بعض الْمَيِّت غسل، وَالْمَشْي أَمَام الْجِنَازَة أفضل خلافًا، وَالْعلَّة كَون المشيع جَاءَ شافعا، وَالْوَلِيّ فِي الصَّلَاة الْأَب، ثمَّ أَبوهُ وَاعْتبر التَّعْصِيب وَكَثْرَة الشَّفَقَة.
وَاعْلَم أَنه إِذا صلي على جَنَازَة لَيْلًا فَقِيَاس قَوْلنَا الْجَهْر، وفرائض الْجِنَازَة النِّيَّة وَالتَّكْبِير مقترنين وَالْقِيَام وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالصَّلَاة على النَّبِي، وَالسّنَن: الاستفتاح، والتعوذ، وَرفع الْيَدَيْنِ، وَالدُّعَاء للْمَيت، والتكبيرات
(1/399)

بعد الْإِحْرَام وَالسَّلَام الْأَخير.
والموتى أَرْبَعَة: من لَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ، وَقد ذكر، وَمن يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ كالسقط، وَمن يصلى عَلَيْهِ وَلَا يغسل هُوَ الَّذِي يخَاف أَن ينْفَصل إِذا غسل، وَالرَّابِع يصلى عَلَيْهِ وَيغسل.
وَالْمحرم إِذا مَاتَ يغسل وَيصلى عَلَيْهِ وَلَا يخمر وَجهه، وَلَا رَأسه، وَلَا يقرب طيبا.
(1/400)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ:)
غسل الزَّوْج زَوجته (نز) :
الْمَذْهَب: جَائِز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رُوِيَ أَن عليا غسل فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا وَلم يُنكر الصَّحَابَة ذَلِك فَصَارَ إِجْمَاعًا، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " أَنْت زَوجته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة "، لَيْسَ حكما يخْتَص بهما، بل سَائِر الْأمة كَذَلِك، وَالرَّسُول لم يعرفهَا وَقت وفاتها بل قَالَ أَنْت أول أَهلِي لحَاقًا بِي، وَلم يرد أَنَّهَا غسلت نَفسهَا.
(1/401)

لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حق ثَبت لأحد المتناكحين على صَاحبه فَثَبت لصَاحبه عَلَيْهِ كَالْوَطْءِ وحقوقه ذَلِك لِأَنَّهُمَا ركنا العقد كَالثّمنِ والمثمن فِي البيع وهما مشتركان فِي مقاصده، وَالْمَوْت لَا يخرج الْمحل عَن قبُول الْحل وَالْحُرْمَة بِدَلِيل غسل الرجل الرجل وَالْمَرْأَة الْمَرْأَة.
لَهُم:
حل اللَّمْس مُسْتَفَاد لعقد النِّكَاح وَقد زَالَ، دَلِيله: الْوَطْء وَزَوَال الْمحل وَأَنه صَار بِمَنْزِلَة الجماد وَلِهَذَا جَازَ لَهُ نِكَاح أُخْتهَا وَأَرْبع سواهَا
(1/402)

وَالْمِيرَاث خلَافَة حكمِيَّة ثبتَتْ للزَّوْج، وَلم يكن لَهَا غسل نَفسهَا، وَإِنَّمَا غسلته لِأَن النِّكَاح قَائِم بِدَلِيل الْعدة وَكَونهَا بِالْأَشْهرِ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق رِوَايَة وَلَا تغسل الزَّوْجَة زَوجهَا.
التكملة:
يجوز أَن يبْقى أثر النِّكَاح فِي حكم دون حكم، بِدَلِيل المبتوتة فِي مرض الْمَوْت وَكَونهَا تَرث فقد بَقِي النِّكَاح فِي حق الْإِرْث دون غَيره، وَعِنْدنَا ذَلِك فِي الرّجْعَة، وَلَا نسلم أَنَّهَا التحقت بالجمادات بِدَلِيل كَونهَا تغسل، فَإِن قَالُوا: ملك الْيَمين يبطل بِمَوْت الْمَمْلُوك فَكَذَلِك هَاهُنَا، قُلْنَا: لَا فرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ وَيجوز للسَّيِّد غسل مملوكته، وَأما إِذا مَاتَ السَّيِّد لَا تغسله الْأمة؛ لِأَنَّهَا انْتَقَلت إِلَى ملك الْوَرَثَة، وَبِالْجُمْلَةِ يلْزمهُم المبتوتة فِي مرض الْمَوْت؛ فَإِنَّهَا تَرث عِنْدهم لقِيَام النِّكَاح من وَجه، وَأما الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ؛ فَلِأَنَّهُ قد زَالَ الْمَانِع وَهُوَ خوف التباغض ثمَّ نسلم أَن النِّكَاح قد زَالَ من كل وَجه يُمكن زَوَال انْتِهَاء لَا زَوَال انْقِطَاع، بل قد تَأَكد فاستعقب حكمه بِدَلِيل
(1/403)

الْإِرْث، وَلَا فرق بَين الْغسْل وَالْإِرْث.
(1/404)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْخَمْسُونَ:)
الصَّلَاة على ميت غَائِب بِالنِّيَّةِ، وعَلى جُزْء من الْمَيِّت، وعَلى الْقَبْر (نح) :
الْمَذْهَب: جَائِز.
عِنْدهم: لَا يجوز إِلَّا أَن يُوجد الْأَكْثَر أَو الشّطْر الَّذِي فِيهِ الرَّأْس.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
صلى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام على النَّجَاشِيّ وعَلى قبر مسكينة قد صلي عَلَيْهَا وَصلى عَلَيْهِ الصَّحَابَة أَفْوَاج، وَلَو كَانَت صلَاته على النَّجَاشِيّ؛ لِأَنَّهُ
(1/405)

لَو كوشف فَرَآهُ لنقل، ثمَّ قد صلى على الصَّحَابَة مَعَه، فَإِن قَالُوا: كَانَ النَّجَاشِيّ فِي رَهْط كفار وَقُلْنَا دَاره دَار هِجْرَة لَا تَخْلُو مِمَّن يُصَلِّي عَلَيْهِ سِيمَا مَعَ مَكَانَهُ من الْملك.
لَهُم:
رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَتَى جَنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا فَأخْبرهُ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قد صلى عَلَيْهَا، وَقَالَ: الصَّلَاة على الْجِنَازَة لَا تُعَاد، ثمَّ إِجْمَاع السّلف على أَن الصَّحَابَة مَا كَانُوا يعيدون الصَّلَاة على الْجِنَازَة مَعَ آثَارهم الْحَسَنَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وَقع الِاتِّفَاق على أَن الْوَالِي إِذا لم يصل على الْجِنَازَة جَازَت صلَاته بعد الْقَوْم، وَمَعْلُوم أَن حق الْمَيِّت قد قضي، وَالْفِقْه فِيهِ أَن الصَّلَاة شرعت دُعَاء أَو شَفَاعَة للْمَيت وَالْخَيْر مستكثر مِنْهُ إِلَّا أَنَّهَا فرض كِفَايَة وَلَا
(1/406)

نوجب ذَلِك أَن يُعَاد وَصَارَ كالسلام وَالْجهَاد.
لَهُم:
الصَّلَاة شرعت لحق الْمَيِّت حَيْثُ هِيَ دُعَاء لَهُ وبدليل تولي أَهله لَهَا فَإِذا قضيت مرّة لَا تُعَاد صَار كسجود التِّلَاوَة وَلَيْسَت هَذِه الصَّلَاة نَافِلَة فتعاد كالنوافل، بل هِيَ فرض كِفَايَة والفرائض لَا تُعَاد ووزانه من الْجِهَاد أَن تقهر كل الْكفَّار وَهُنَاكَ يسْقط فرض الْجِهَاد.
مَالك: وَافق الْخصم.
أَحْمد:.
التكملة:
حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ لم يَصح، وَأما قَوْله: لم ينْقل عَن الصَّحَابَة إِعَادَة صَلَاة الْجِنَازَة، قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ شهرته بَينهم أغنت عَن نَقله، وَقد بَينا أَن فروض الكفايات إِذا قَامَ بهَا الْبَعْض لَا يمْنَع الْبَاقُونَ من فعلهَا كالجهاد وَالسَّلَام.
أما سَجْدَة التِّلَاوَة، فَإِنَّهَا تجب وتستحب للتالي والمستمع وَقد
(1/407)

قضينا حَقّهَا فوزان مَسْأَلَتنَا أَن يحضر آخر وَيسمع فَإِنَّهُ يسْتَحبّ لَهُ السُّجُود ثمَّ من صلى فقد أسقط الْفَرْض عَن نَفسه، فَإِن قُلْنَا: لَا يُعِيد جَازَ، وَأما إِن لم يصل فقد سقط الْفَرْض عَنهُ بِفعل غَيره والفضيلة أَن يسْقط عَنهُ بِفعل نَفسه فَلَا يمْنَع.
إِن قَالُوا: هَذِه الصَّلَاة حق الْمَيِّت، وَالْأَصْل أَن يُبَاشِرهَا بِنَفسِهِ، قُلْنَا: وَقع الِاتِّفَاق على أَنه يدعى للْمَيت ويستغفر لَهُ ويصل إِلَيْهِ ثَوَاب الْقُرْآن وَالصَّلَاة عَلَيْهِ فِي حكم ذَلِك، عبارَة قضي حق الْمَيِّت بِأَقَلّ مَا يسْقط بِهِ الْفَرْض وَذَلِكَ لَا يمْنَع من الزِّيَادَة كرد السَّلَام وَالْجهَاد.
(1/408)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ:)
الْآدَمِيّ إِذا مَاتَ (نط) :
الْمَذْهَب: لَا ينجس فِي أصح الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: نجس بِالْمَوْتِ ويطهر بِالْغسْلِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُسلم لَيْسَ بِنَجس حَيا وَلَا مَيتا ".
لَهُم: ... .
(1/409)

الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
آدَمِيّ فَلَا ينجس بِالْمَوْتِ كالشهيد، وَوُجُوب غسله لَا يدل على نَجَاسَته كالجنب.
لَهُم:
وجوب غسله دَلِيل نَجَاسَته كَالثَّوْبِ النَّجس، وَبِهَذَا يُفَارق الشَّهِيد فَإِن الشَّهِيد لَا يغسل. عبارَة حَيَوَان لَهُ نفس سَائِلَة وَلَا يعِيش فِي المَاء فنجس بِالْمَوْتِ كَالْإِبِلِ وَغَيرهَا من الْحَيَوَان الطَّاهِر.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
يفرق بَين الْمَيِّت وَالثَّوْب، فَإِن نَجَاسَة الثَّوْب مجاورة، فَكَانَ غسله لإزالتها، وَلَو كَانَ الْمَيِّت نجسا لكَانَتْ نَجَاسَته نَجَاسَة عين، وَالْغسْل لَا يُؤثر فِي ذَلِك، وتشبيههم الْآدَمِيّ بِغَيْرِهِ من الْحَيَوَان بَاطِل، فَإِن الْإِبِل وَالْبَقر لَا تطهر بِالْغسْلِ، وَكَذَلِكَ الْعُضْو الْبَائِن لَا يطهر بِالْغسْلِ على أَن أَبَا بكر
(1/410)

الصَّيْرَفِي قَالَ: الْعُضْو طَاهِر.
(1/411)

(الْمَسْأَلَة السِّتُّونَ:)
الصَّلَاة على الْمَيِّت (س) .
الْمَذْهَب: الْوَلِيّ أولى من الْوَالِي فِي القَوْل الْجَدِيد.
عِنْدهم: الْوَالِي أَو الْوَلِيّ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يؤم رجل فِي سُلْطَانه وَلَا أَمِير فِي إمارته ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ولَايَة يعْتَبر فِيهَا تَرْتِيب الْعَصَبَات فَكَانَ الْوَلِيّ الْمُنَاسب فِيهَا مقدما على
(1/412)

السُّلْطَان كولاية النِّكَاح، ولَايَة يقْصد بهَا الدُّعَاء للْمَيت وَالِاسْتِغْفَار لَهُ، فَالْمُنَاسِب أشْفق من السُّلْطَان، وَهِي مُتَعَلقَة بِحَق آدَمِيّ فَصَارَت كالغسل.
لَهُم:
ولَايَة فِي إِمَامَة سنّ لَهَا الِاجْتِمَاع فَكَانَ السُّلْطَان أولى بهَا كَالْجُمُعَةِ وَيُفَارق ولَايَة النِّكَاح حَيْثُ الْقَصْد بهَا دفع الْعَار، فَكَانَ الْوَلِيّ أَحَق بهَا ثمَّ إِن الْوَلِيّ يلْزمه طَاعَة الْوَالِي فَيقدم المطاع كَالْأَبِ مَعَ الابْن.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
تفارق هَذِه الصَّلَاة سَائِر الصَّلَوَات لما فِيهَا من حق الْمَيِّت، وَالْخَبَر الَّذِي أوردوا إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَوَات غير صَلَاة الْجَنَائِز وَهِي الَّتِي لَا يتَعَلَّق بهَا حق آدَمِيّ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله "، وَالْمرَاد بِهِ
(1/413)

غير صَلَاة الْجِنَازَة وَلم يكن تَقْدِيم الْأَب على الابْن لمَكَان الطَّاعَة، بل لِأَنَّهُ أَكثر حنة وشفقة على الْمَيِّت.
(1/414)