Advertisement

تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة 002


(كتاب الزَّكَاة)
(2/5)

فارغة
(2/6)

(" كتاب الزَّكَاة ")
(2/7)

فارغة
(2/8)

لوحة 24 من المخطوطة أ:
مسَائِل الزَّكَاة مطمعة ممتنعة لامتزاج حق الله تَعَالَى فِيهَا بِحَق الْآدَمِيّ، وَكَونهَا تدخل تَحت الْعِبَادَات وَتَحْت الْمُؤَن والنفقات، ولهذه الْمعَانِي ترددت الآراء فِيهَا.
وَاعْلَم أَن فِي هـ من الْإِبِل شَاة، وَفِي شَاتَان كَذَلِك إِلَى كه وفيهَا بنت مَخَاض كَذَلِك إِلَى لَو وفيهَا بنت لبون إِلَى مو وفيهَا حقة إِلَى سا وفيهَا جَذَعَة إِلَى صا وفيهَا حقتان إِلَى قكا وفيهَا ج بَنَات لبون وَاسْتقر الْحساب عندنَا وَلَا تزَال تترقى العشرات فَإِذا صَار قل فحقة وبنتا لبون وَفِي قُم حقتان وَبنت لبون، وَفِي قن ثَلَاث حقاق هَكَذَا ينْحَصر الْوَاجِب فِي الحقاق وَبَنَات اللَّبُون وتنقضي على الأربعينات والخمسينات، (وَأَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ) يُوَافق إِلَى قك وَفِيه حقتان الواجبتان فِي صا، نعم إِذا زَاد على قك.
قَالَ: يستبقى الحقتان ويستأنف الْحساب فِي الزَّائِد فَيجب فِي هـ شَاة، وَكَذَلِكَ إِلَى كه فَيجب فِي قمه حقتان وَبنت خَاضَ فَإِذا بلغ قن وَجب ج حقاق ثمَّ يسْتَأْنف الْحساب إِلَى كه يُوجب بنت مَخَاض إِلَى لَو
(2/9)

فَيُوجب فِي قفو ثَلَاث حقاق وَبنت لبون، فَإِذا صَارَت قصو صَارَت د حقاق (كَذَلِك إِلَى ر ويبتدي كَذَلِك) بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَاعْلَم (أَنا إِذا ابتدأنا) بِالْإِبِلِ تأدبا بالْخبر الشريف وَكَأَنَّهُ جرى على غَالب أَمْوَال الْعَرَب.
وَاعْلَم أَن فِي ل من الْبَقر تبيع، وَفِي س تبيعان هَلُمَّ جرا فِي كل ل تبيع وَفِي كل م مُسِنَّة.
أما الْغنم فَفِي م شَاة شَاة، وَفِي قكا شَاتَان، وَفِي را ثَلَاث شِيَاه وَفِي ت أَربع شِيَاه، وَمَا بَين ذَلِك أوقاص لَا يعْتد بهَا، ثمَّ يسْتَقرّ الْحساب فِي كل ق شَاة شَاة، وَالشَّاة الْوَاجِبَة فِي الْغنم إِمَّا الْجَذعَة من الضَّأْن أَو الثَّنية من الْمعز، وَكَذَلِكَ الشَّاة المخرجة من الْإِبِل وجنسها من جنس غنم الْبَلَد بِخِلَاف مَا يُؤْخَذ من الْغنم فَإِنَّهُ من جنسه.
وَالْفرق بَينهمَا: أَن الشَّاة الْمَأْخُوذَة من الْإِبِل تتَعَلَّق بِالذِّمةِ وَمَا يتَعَلَّق بِالذِّمةِ ينْصَرف إِلَى مُطلق مَوْجُود الْبَلَد وَتلك تتَعَلَّق بِالْمَالِ فَأخذت من
(2/10)

جنسه، وَمن وَجب عَلَيْهِ بنت مَخَاض وَلم يكن فِي مَاله أَخذ مِنْهُ ابْن لبون، وَإِن لم يكن فِي مَاله جَازَ شري ابْن لبون، وَلَو كَانَ فِي مَاله بنت مَخَاض مَعِيبَة فَهِيَ كالمعدومة، وَإِن كَانَت كَرِيمَة لزمَه شِرَاء بنت مَخَاض، وَلَا تجب الزَّكَاة فِي الْخَيل وَلَا فِي الْمُتَوَلد بَين الظباء وَالْغنم.
(2/11)

(الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة وَالسِّتُّونَ: إِذا زَادَت الْإِبِل على 120: (سا))

الْمَذْهَب: فِي م بنت لبون وَفِي ن حقة.
عِنْدهم: يسْتَأْنف الْفَرْض بِالشَّاة وَبنت مَخَاض.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
كتب عَلَيْهِ السَّلَام كتاب الصَّدَقَة وَقَالَ فِيهِ: إِن زَادَت الْإِبِل على مائَة وَعشْرين فَفِي كل خمسين حقة، وَفِي الْأَرْبَعين بنت لبون، وَقرن الْكتاب بقراب سَيْفه، وَعمل بِهِ الشَّيْخَانِ رَضِي الله عَنْهُمَا.
لَهُم:
كتب عَلَيْهِ السَّلَام فِي صحيفَة عَمْرو بن حزم الزَّكَاة وَقَالَ: فَإِذا زَادَت الْإِبِل على مائَة وَعشْرين فَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَفِي خمسين حقة فَمَا فضل عَن ذَلِك يُعَاد إِلَى أول الْفَرِيضَة، فَإِذا بَقِي أقل من خَمْسَة عشر فَفِي كل خمس ذود شَاة.
(2/12)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الأَصْل أَن يجب فِي الشَّيْء من جنسه وخولف عِنْد الْقلَّة ضَرُورَة، فَأَما سُقُوط بنت مَخَاض لأَنا اقتصرنا على أَوسط الْأَسْنَان وَهِي الحقاق وَبَنَات اللَّبُون وَفِي الأوقاص على أوسطها وَهِي تِسْعَة لَا أَرْبَعَة عشر وَلَا أَرْبَعَة وَخير الْأُمُور أوساطها.
لَهُم:
مَا صرنا إِلَيْهِ وفْق الْقيَاس، وَهُوَ الِاسْتِقْرَار مَعَ الْعود بِدَلِيل عود التبيع فِي الْبَقر، وَإِيجَاب ثَلَاث بَنَات لبون إِمَّا أَن يكون مُخَالفا للنَّص فِي أَرْبَعِينَ وَثلث أَو مُخَالفا لِلْأُصُولِ، لِأَن الْبَعِير لَا يَأْخُذ قسطا من الْوَاجِب وَبِغير الْوَاجِب.
مَالك: يجب فِي صا إِلَى قك حقتان ويوافق فِي الثَّانِي.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
التكملة:
عبارَة مَا يحْتَمل الْمُوَاسَاة من جنسه فَلَا يعدل إِلَى غَيره قِيَاسا على كل مَال كثير، مَأْخَذ فِي نفي بنت مَخَاض، نقُول: سنّ لَا يتَكَرَّر وُجُوبه فِي مائَة وَعشْرين فَلَا يتَكَرَّر فِيمَا بعد، كالجذعة ثمَّ الْمُوَالَاة) بَين وقصين غير مَعْهُود بل الْعَادة أَن يَنْقَطِع كل وقص بنصاب وَقد والوا بَين وقصين من أحد
(2/13)

وَتِسْعين إِلَى مائَة وَعشْرين، وَإِلَى خَمْسَة ثمَّ أوجبوا بنت مَخَاض فِي مائَة وَخَمْسَة وَأَرْبَعين، وحقة فِي مائَة وَخمسين وَلم يعْهَد ذَلِك فِي الشَّرْع بل الترقي من بنت مَخَاض إِلَى بنت لبون إِلَى حقة ثمَّ جعلُوا وقص نِصَاب الحقة ثَلَاثِينَ وَهَذَا غير مَعْهُود، ثمَّ نقُول: النّصاب أَرْبَعُونَ لَكِن شَرعه أَن يزِيد على مائَة وَعشْرين (وَاحِدًا حكما) شَرْعِيًّا لَا نهتدي لَهُ، ثمَّ نَحن أَوجَبْنَا ثَلَاث بَنَات لبون فِي مائَة وَعشْرين بِخَبَر ابْن الْمُبَارك، وَيجوز أَن يُغير (الْوَاحِد الْفَرْض وَلَا يسْتَحق قسطا مِنْهُ كالأخوة مَعَ الْأَبَوَيْنِ فِي تَغْيِير فرض الْأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس، وَلَا نسلم أَن الْأَسْنَان) بَعْضهَا أصل بعض، بل كل سنّ أصل بِنَفسِهِ ويلزمهم الْجَذعَة لَا تَتَكَرَّر.
(2/14)

فارغة
(2/15)

فارغة
(2/16)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالسِّتُّونَ: (ب)) .
إِذا تلف مَال الزَّكَاة بعد التَّمَكُّن من الْأَدَاء.
الْمَذْهَب: لَا تسْقط.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَفِي أَمْوَالهم حق} ، وَقَوله: {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة} ، وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة "، دَلِيل على تعلق الْحق بِالْمَالِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْحق وَجب وتأكد فَلَا يسْقط بِهَلَاك المَال كالأثمان والأجور، وَبَيَانه
(2/17)

أَن السَّبَب يُرَاعى لثُبُوت الحكم لَا لبَقَائه، لِأَن بَقَاءَهُ يكون فِي الذِّمَّة.
لَهُم:
الْوَاجِب جُزْء من المَال وَقد هلك المَال فَلم يبْق جُزْء مِنْهُ فَسقط الْوَاجِب، ونقول (حق يتَعَلَّق بِعَين المَال) فَسقط بهلاكه كَالْعَبْدِ الْجَانِي لِأَن الْوَاجِب شكر نعْمَة المَال وَصَارَ كتعلق الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة بِالْبدنِ، وَلِهَذَا لَو تصدق بِهِ على فَقير سقط.
مَالك: ق.
أَحْمد: لَو تلف قبل التَّمَكُّن من الْأَدَاء لم يسْقط أَيْضا.
التكملة:
اسْتِبْقَاء الْأَسْبَاب لبَقَاء الْأَحْكَام مَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا، وَبَقَاء صور الْأَسْبَاب لَا يعْتَبر إِجْمَاعًا كصورة البيع، وَالنِّكَاح، بل نقدر بقاءها شرعا فَكَذَلِك النّصاب ثمَّ الزَّكَاة تشبه الْمُؤَن والنفقات فَتجب فِي الذِّمَّة كَسَائِر الْعِبَادَات ثمَّ يُخَاطب بِالْأَدَاءِ، وَلِهَذَا يَزْعمُونَ أَن الْمَجْنُون إِذا أَفَاق فِي أثْنَاء الشَّهْر يُخَاطب بِالْقضَاءِ لما فَاتَ، وكما يعقل وجوب الصَّوْم فِي
(2/18)

الذِّمَّة فِي حَال امْتنَاع الْأَدَاء تعقل الزَّكَاة فِي الذِّمَّة، وَإِن تعذر (الْأَدَاء من مَال معِين، وَتعين مَحل الْأَدَاء فِي الْوَاجِبَات الْمَالِيَّة غير مَعْقُول، إِذْ مَا من وَاجِب إِلَّا وَمن هُوَ) عَلَيْهِ مُخَيّر فِي أَدَائِهِ من أَي مَوضِع شَاءَ، وَكَذَا أروش الْجِنَايَات، فَإِن للسَّيِّد تأديته من مَال آخر، نعم إِذا مَاتَ العَبْد سقط الْوُجُوب لفَوَات مَحل الْوُجُوب، فَإِن: الْأَرْش وَاجِب فِي ذمَّته يتبع بِهِ بعد الْعتْق، ونقول: الزَّكَاة مُتَعَلقَة بِالْعينِ لَكِن على الْفَوْر وَهُوَ بِالتَّأْخِيرِ مَانع فضمن كَالْمُودعِ، ويلزمهم إِذا اسْتهْلك المَال عمدا، ونقول: إِذا هلك قبل التَّمَكُّن يضمن أَيْضا، وَمَسْأَلَة التَّطَوُّع بالنصاب على أصلهم، وَبِالْجُمْلَةِ عندنَا تتَعَلَّق الزَّكَاة بِالذِّمةِ، وَعِنْدهم تجب فِي الْعين.
(2/19)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالسِّتُّونَ: (ج)) .
الْمُسْتَفَاد فِي أثْنَاء الْحول المنعقد على كَمَال النّصاب.
الْمَذْهَب: يعْتَبر فِيهِ كَمَال الْحول.
عِنْدهم: يجب فِيهِ النّصاب بحول الزَّكَاة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من اسْتَفَادَ مَالا فَلَا زَكَاة فِيهِ حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول "، وَزَكَاة الْفطر لَيست زَكَاة مَال حَتَّى يتضمنها هَذَا النَّص وَالْعشر غير لَازم لِأَن الْخَبَر ورد فِي هَذِه الزَّكَاة الَّتِي يعْتَبر فِيهَا الْحول.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ فِيمَا دون خمس من الْإِبِل صَدَقَة، فَإِذا بلغت
(2/20)

خمْسا فَفِيهَا شَاة وَلَا شَيْء فِي زيادتها حَتَّى تبلغ عشرا، فَإِذا بلغت عشرا فَفِيهَا شَاتَان "، أوجب فِي الْخَمْسَة الْحَادِثَة بعد النّصاب وَبِمَا يحدث شَيْئا بعد شَيْء فإيجاب الشَّاة فِيهَا بطرِيق الضَّم.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمُسْتَفَاد مَال مَمْلُوك مثل الأول ملك بِمثل ملكه فَتعين فِيهِ الْحول لوُجُوب الزَّكَاة إِذْ قصد الارفاق، وَيجب أَن يكون بعد الارتفاق، والارتفاق يعْتَبر بالحول.
لَهُم:
مُسْتَفَاد من جنس النّصاب لم يزل من أَصله فضم إِلَيْهِ فِي الْحول، كالنتاج والأرباح وفقهه أَن فِي الْإِفْرَاد مشقة، وَمن حَيْثُ الحكم أَنه لَو ملك نِصَابا جَازَ لَهُ التَّعْجِيل زَكَاة نصب سيملكها يدل عَلَيْهِ الضَّم فِي الْعدَد، فَإِن الْعدَد عبارَة عَن أصل المَال الْوَاجِب والحول شَرط الْوُجُوب.
مَالك: يضم فِي الْمَاشِيَة لَا فِي النَّقْدَيْنِ.
(2/21)

أَحْمد:
التكملة:
أجمعنا على أَن الْمُسْتَفَاد يَنْضَم إِلَى النّصاب فِي الْعدَد وَالْقدر حَتَّى أَن من ملك مائَة وَعشْرين مثلا (فَلَو أتم ملك خَمْسَة مثلا) وَجَبت الزَّكَاة فِي الزَّائِد بِحِسَابِهِ عِنْد تَمام حوله.
وَكَذَلِكَ إِذا ملك من الْإِبِل خمْسا وَعشْرين ثمَّ ملك بَعِيرًا فِي الْحول وَجب فِيهِ جُزْء من سِتَّة وَعشْرين جُزْءا من بنت مَخَاض عِنْد تَمام حوله، فَهَذِهِ الزِّيَادَات لَو انْفَرَدت لم يجب فِيهَا شَيْء وَإِنَّمَا وَجَبت بِالضَّمِّ إِلَى النّصاب، وساعدونا على أَن الْمُسْتَفَاد بِبَدَل مزكى لَا يضم.
وَاعْلَم أَن الْحول شَرط بِالْإِجْمَاع، وَقد سقط اعْتِبَاره فِي السخال والأرباح فَاعْتقد الْخصم أَن الْمسْقط اتِّحَاد الْجِنْس واختلاط الْمَالَيْنِ وعسر التَّفْرِقَة وَهَذَا الْمَعْنى فِي مَحل النزاع مَوْجُود، ومعتقدنا أَن الْمسْقط حُصُول الزَّوَائِد من الأَصْل وتولدها وَكَونهَا تبعا، وَهَذَا الْمَعْنى مَفْقُود فِي مَحل النزاع، ويستدل فِي التّبعِيَّة بِأَن الصَّغِير يتبع أمه فِي الْإِسْلَام.
(2/22)

والحرف أَن عِلّة الضَّم فِي السخال والأرباح: التولد والفرعية وَعِنْدهم الجنسية.
(2/23)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالسِّتُّونَ: (د)) .
صغَار النعم إِذا بلغت نِصَابا سَائِمَة.
الْمَذْهَب: تنفرد وَينْعَقد عَلَيْهَا الْحول.
عِنْدهم: لَا إِلَّا أَن يكون مَعهَا وَلَو كَبِيرَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ الصّديق رَضِي الله عَنهُ: لَو مَنَعُونِي عنَاقًا مِمَّا أَعْطوهُ رَسُول الله لقاتلتهم. وَمَعْلُوم أَن العناق إِنَّمَا تجب فِي الصغار، وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة "، وَاسم الشَّاة يعم الصَّغِيرَة والكبيرة، والصغر وصف كالهزال.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " فِي خمس وَعشْرين بنت لبون " الْخَبَر.
(2/24)

فالتوقيف بِالنَّصِّ عَمَّا الزَّكَاة وَأَسْنَانهَا فَوَجَبَ اعْتِبَار ترتيبه، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا زَكَاة فِي السخال " وَقَالَ: " لَيْسَ فِي السخال صَدَقَة ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
نوع تجب فِيهِ الزَّكَاة مختلطا فَوَجَبَ مُنْفَردا كالمرضى؛ لِأَن الصغار المختلطة بالكبار ينْعَقد عَلَيْهَا الْحول، يحققه أَن الزَّكَاة وَجَبت إِمَّا شكرا للنعمة أَو مواساة للْفُقَرَاء وَأيهمَا كَانَ فقد تحقق.
لَهُم:
نقص يمْنَع وجوب السن الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فَمنع أصل الْوُجُوب قِيَاسا لنُقْصَان السن على نُقْصَان الْعدَد وفقهه: أَن الزَّكَاة لَا مجَال للْقِيَاس فِيهَا، وَمَتى أوجبتم الفصلان فقد جئْتُمْ بِغَيْر مَوْضُوع الشَّرْع فَصَارَ كَمَا لَو أوجبتم فِي الظباء.
مَالك:.
(2/25)

أَحْمد: وَافق مَالِكًا فِي رِوَايَة.
التكملة:
يَعْتَذِرُونَ عَن المراض والمهازيل بِأَن فِيهَا أَسْنَان الزَّكَاة، وَعذرهمْ فِيهَا إِذا كَانَ مَعَهم كَبِيرَة أَنَّهَا استتبعت الصغار، وَنحن نقُول يجب فِي الصغار مَا يجب فِي الْكِبَار بنت مَخَاض وَبنت لبون، وَفِي الْأَصْحَاب من قَالَ: يجب فصلان بِقِيمَة هَذِه، وَإِن سلمنَا أَنا نوجب الْمَنْصُوص عَلَيْهِ لم يلْزم أَنا لَا نوجب شَيْئا، فَإِن صفة الْوَاجِب وأصل الْوُجُوب قضيتان غير أَن لَا يلْزم من انْتِفَاء إِحْدَاهمَا انْتِفَاء الْأُخْرَى، وَذَلِكَ لِأَن مُطلق الْإِبِل وَالشَّاة بِمُطلق النَّص، وَلَا يلْزم تَقْيِيد (الْمُوجب تَقْيِيد) الْمُوجب فِيهِ، إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك للَزِمَ أَن لَا تجب بنت مَخَاض إِلَّا فِي بَنَات مَخَاض فَبَقيَ الْمُوجب على الْإِطْلَاق.
وَالْجَوَاب: أَن هَذَا تَخْصِيص عَرفْنَاهُ بِالْإِجْمَاع؛ لِأَن الْكِبَار لَا تجب إِلَّا فِي الْكِبَار، وَلم يجمعوا على أَن لَا يوجبوا سوى الْكِبَار فَبَقيَ أَن الفصيل وَجب غير مَنْصُوص عَلَيْهِ، نعم أَثْبَتْنَاهُ بِضَرْب من الِاسْتِدْلَال إِذا وَاجِب
(2/26)

الشَّيْء يكون من جنسه نظرا للْمَالِك وَالْفَقِير.
(2/27)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالسِّتُّونَ: (هـ)) .
الْخلطَة إِذا تمت بشرائطها.
الْمَذْهَب: تجْعَل الْمَالَيْنِ مَالا، والمالكين مَالِكًا.
عِنْدهم: لَا تَأْثِير للخلطة فِي الزكوات.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يجمع بَين متفرق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة "، وَقَوله: " فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة شَاة "، وَلم يتَعَرَّض لعدد
(2/28)

الْملاك، وحديثنا مُقَيّد وحديثهم مُطلق، والمقيد يقْضِي على الْمُطلق.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ فِيمَا دون خمس من الْإِبِل صَدَقَة ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تمت السَّائِمَة نِصَابا وَحَال حولهَا فَوَجَبت الزَّكَاة، كَمَا لَو كَانَا لمَالِك وَاحِد، لِأَن للخلطة أثرا فِي التَّعْلِيل، كَمَا إِذا خلط أَرْبَعِينَ بِأَرْبَعِينَ لم تجب إِلَّا شَاة، وَلَو أفرد وَجب شَاتَان، ثمَّ إِن السَّاعِي يَأْخُذ من أَي ملك أنْفق ثمَّ يرجع بِنَصِيب صَاحبه عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرك، حَيْثُ يجب على مولييه فطرته.
لَهُم:
النّصاب بعض السَّبَب وَبَعض السَّبَب عدم عِنْد الحكم، وَإِنَّمَا يجب
(2/29)

بِصفة الْغنى وَهَذَا فَقير بِدَلِيل أَنه يَأْخُذ الزَّكَاة وَلَا تجب عَلَيْهِ، بِدَلِيل استطاعة الْحَج، أما التراجع فتخفيف فِي حق السَّاعِي وَثَبت نصا أَيْضا، ويتأيد بِمَا لَو كَانَ الخليط ذِمِّيا أَو مكَاتبا حَيْثُ لَا تُؤثر الْخلطَة.
مَالك: إِنَّمَا تُؤثر الْخلطَة إِذا كَانَ مَال كل وَاحِد نِصَابا.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: لَو أَن سارقين سرقا نِصَابا لم يجب عَلَيْهِمَا الْقطع.
الْجَواب: لَو أَن النّصاب لمالكين وَسَرَقَهُ سَارِق لوَجَبَ الْقطع، وَإِنَّمَا لم يقطع فِي حق السارقين، لِأَن الردع والزجر لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِيمَا دون نِصَاب لِأَن النَّفس لَا تشوف إِلَى سَرقته، وَأما إِذا كَانَ الشَّرِيك فِي النّصاب ذِمِّيا أَو مكَاتبا لِأَن الْخلطَة جعل الْمَالَيْنِ مَالا والمالكين مَالِكًا، وَالذِّمِّيّ وَالْمكَاتب
(2/30)

لَا تجب عَلَيْهِمَا الزَّكَاة.
وَالْفِقْه فِي الْجَمِيع أَن الله تَعَالَى أوجب الزَّكَاة بِصفة الْيُسْر فَشرط وُجُوبهَا كَثْرَة مرفق المَال وَقلة مؤونته، وَقد وجد.
(2/31)

فارغة
(2/32)

لوحة 25 من المخطوطة " أ ":
الْأَمْوَال الَّتِي يجب إخْرَاجهَا فِي حق الله تَعَالَى ز الزَّكَاة، الرِّكَاز، الْمَعْدن، الْكَفَّارَة، الْفِدْيَة، الْفَيْء، الْغَنِيمَة. وَالزَّكَاة تجب فِي أَشْيَاء: (أ) الناض، (ب) مَال التِّجَارَة، (ج) وَالنعَم، (د) والمستنبتات، (هـ) والرقاب.
وَتجب الزَّكَاة بِسبع شَرَائِط: (أ) الْحُرِّيَّة، (ب) الْإِسْلَام، (ج) الْحول، (د) النّصاب، (هـ) الْإِمْكَان، (و) وَأَن لَا يكون عَلَيْهِ دين يسْتَغْرق مَاله فِي أحد الْقَوْلَيْنِ، (ز) وَأَن لَا تكون مهيئة للِانْتِفَاع.
وَلَا يعْتَبر الْحول فِي: هـ، (أ) المستنبتات، (ب) زَكَاة الْفطر، (ج) نِصَاب من الْغنم نتجت ثمَّ مَاتَت قبل الْحول، (د) وَمِائَة وَعِشْرُونَ شَاة أحد عشر شهرا، ثمَّ نتجت وَاحِدَة وَتمّ الْحول يخرج عَنْهَا شَاتَان، (هـ) إِذا اشْترى سلْعَة (للتِّجَارَة بِمِائَتي) دِرْهَم وَتمّ عَلَيْهَا الْحول وَهِي تَسَاوِي ثلثمِائة دِرْهَم زكى عَن ثلثمِائة فَإِن قبضهَا قبل الْحول زكى عَن الْمِائَتَيْنِ لحولها
(2/33)

وَالْمِائَة لحولها، وَلَا زَكَاة فِي ذهب حَتَّى يبلغ ك دِينَارا، وَفِيه نصف دِينَار وَمَا زَاد بِحِسَابِهِ، وَلَا زَكَاة فِي الْفضة حَتَّى تبلغ مِائَتي دِرْهَم وفيهَا هـ دَرَاهِم وَمَا زَاد بِحِسَابِهِ، وَتقوم سلْعَة التِّجَارَة بِالذَّهَب وَبِه، وبالفضة إِن اشْترى بهَا، وبغالب نقد الْبَلَد إِذا اشْتَرَاهَا بسلعة لم يخرج زَكَاتهَا، فَإِذا اشْترى سَائِمَة أَو نخلا (أَو كرما للتِّجَارَة) فَفِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: يزكيها بِقِيمَتِهَا.
وَالثَّانِي: يزكيها بِعَينهَا.
فَإِذا قُلْنَا: يزكيها بِعَينهَا إِن كَانَ نخلا أَو كرما فَهَل تقوم بِالْأَرْضِ دون النّخل وَالْكَرم فَتخرج زَكَاة التِّجَارَة عَنْهَا قَولَانِ.
إِذا كَانَ مَعَه ط من الْإِبِل تلف مِنْهَا د نظرت إِن كَانَ ذَلِك قبل الْحول وَجب عَلَيْهِ بحؤول الْحول شَاة ج، وَإِن كَانَ بعد حؤول الْحول وَبعد إِمْكَان الْأَدَاء وَجب شَاة أَيْضا.
وَإِن تلفت بعد الْحول وَقبل الْإِمْكَان فَإِن قُلْنَا: إِن إِمْكَان الْأَدَاء من شَرَائِط الْوُجُوب وَجَبت شَاة أَيْضا لِأَن مَا تلف قبل الْوُجُوب إِذا لم ينقص بِهِ النّصاب لَا حكم لَهُ.
(2/34)

(وَإِن قُلْنَا: إِن) إِمْكَان الْأَدَاء من شَرَائِط الضَّمَان جرى ذَلِك على قَوْلَيْنِ: إِن قُلْنَا: إِن الزَّكَاة تتَعَلَّق بالنصاب والوقص جَمِيعًا فقد وَجَبت الزَّكَاة عَلَيْهِ فِي ط، فَإِذا تلف مِنْهَا د سقط قدر قسطها، لِأَنَّهَا تلفت من غير تَفْرِيط هَذَا (مَشْهُور الْمَذْهَب) .
قَالَ أَبُو إِسْحَاق: تجب شَاة (وَوَجهه: أَن الزِّيَادَة) لما لم تكن شرطا فِي وجوب الشَّاة لم يسْقط شَيْء مِنْهَا بتلفها، وَإِن كَانَت مُتَعَلقَة بهَا وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي ح شُهُود على مُحصن بالزنى حكم الْحَاكِم بِشَهَادَتِهِم، ورجمه ثمَّ رَجَعَ د عَن الشَّهَادَة، فَإِن لَا يجب عَلَيْهِم شَيْء فَلَو رَجَعَ هـ وَجب عَلَيْهِ الضَّمَان لنُقْصَان من بَقِي عَن (الْعدَد الْمَشْرُوط فعلى) هَذَا لَو تلف من تِسْعَة هـ سقط خَمْسَة أتساع شَاة.
وَاعْلَم أَن الْجبرَان شَاتَان أَو عشرُون درهما فِي الصعُود وَالنُّزُول فِي أَسْنَان الْإِبِل، وَاعْلَم أَنه لَا صَدَقَة فِي العوامل وَإِن كَانَت سَائِمَة.
(2/35)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالسِّتُّونَ: الصَّبِي وَالْمَجْنُون (سو)) .
الْمَذْهَب: تجب الزَّكَاة فِي أموالهما.
عِنْدهم: لَا تجب إِلَّا زَكَاة الْفطر وَالْعشر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَفِي أَمْوَالهم حق مَعْلُوم} ، وَقَوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَة للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} ، دَلِيل على كَونهَا حق مَالِي، وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " ابْتَغوا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى خيرا كَيْلا تأكلها الصَّدَقَة ".
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " بني الْإِسْلَام على خمس " وعد مِنْهُمَا الزَّكَاة
(2/36)

وقرنه بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة فَدلَّ على أَنَّهَا عبَادَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أحد نَوْعي الزَّكَاة فصح من الصَّبِي كَزَكَاة الْفطر، ذَلِك لِأَن زَكَاة الْفطر تجب فِي الذِّمَّة وتؤدى من المَال، وتشترط فِيهَا النِّيَّة وَالْحريَّة وَالْإِسْلَام والنصاب على أصلهم لَا يبْقى إِلَّا أَن تِلْكَ لِسَلَامَةِ النَّفس وَهَذِه لِسَلَامَةِ المَال، ونقول: الزَّكَاة وَجَبت نَفَقَة وصلَة لقرابة الدّين كَنَفَقَة الْأَقَارِب.
لَهُم:
الزَّكَاة عبَادَة مَحْضَة وَلَا تجب على الصَّبِي وَالْمَجْنُون كَالصَّوْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا شرعت ابتلاء، وَتخرج على وَجه التَّعْظِيم، وَهَذَا الْمَعْنى لَا يحصل بالنيابة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(2/37)

التكملة:
إِن قَالُوا: زَكَاة الْفطر مؤونة وَهَذَا يجب على الْغَيْر بِسَبَب الْغَيْر منعنَا، وَقُلْنَا: الْوُجُوب يلاقي ذمَّة الصَّبِي وَالْعَبْد ثمَّ الْأَب وَالْمولى يتحملان ذَلِك، وَلَو قَدرنَا صَبيا تلْزمهُ زَكَاة المَال وَهُوَ فَقير كلفنا أَبَاهُ أَن يتَحَمَّل الزَّكَاة، بَقِي أَن الزَّوْج يتَحَمَّل عَن زَوجته زَكَاة الْفطر مَعَ يسارها، ذَلِك لِأَنَّهَا قدرت فقيرة فِيمَا يرجع إِلَى الزَّوْج.
ونقول: حَال الصَّبِي لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الْعِبَادَة، فَأهل الشَّيْء من كَانَ قَابلا لحكمه وَحكم الْعِبَادَة الثَّوَاب، وَالصَّبِيّ أهل ذَلِك، كَيفَ وَقد حصلنا لَهُ الْإِسْلَام وَهُوَ رَأس الْعِبَادَات، وَإِنَّمَا لم تجب عَلَيْهِ الْعِبَادَات الدِّينِيَّة لضَعْفه، والعبادات الْمَالِيَّة ثبتَتْ فِي ذمَّته مَالا لله، ثمَّ يُخَاطب بِأَدَائِهِ فِي ثَانِي الْحول، فخطاب الْوُجُوب مُنْفَصِل عَن خطاب الْأَدَاء، فَبَقيَ الْوُجُوب على جَرَيَان سَببه وَهُوَ ملك المَال وَقيام مَحَله وَهُوَ الذِّمَّة وهما للصَّبِيّ كَالْبَالِغِ.
ونقول: الزَّكَاة مركبة من شائبتين: المؤونة وَالْعِبَادَة، والمركب من
(2/38)

شائبتين يسْتَقلّ بِأَحَدِهِمَا وَصَارَ كالحد يجب على الْكَافِر للزجر وَإِن تعذر معنى التمحيص لما كَانَ الْحَد مركبا من شائبتين: الزّجر والتمحيص.
(2/39)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالسِّتُّونَ: (سز)) .
من ملك نِصَابا وَعَلِيهِ دين.
الْمَذْهَب: تلْزمهُ الزَّكَاة على القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: لَا تلْزمهُ إِن كَانَ الدّين تتَوَجَّه مُطَالبَته.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(2/40)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وجد سَبَب الزَّكَاة فَوَجَبت، بَيَانه: أَنه مَال بِصفة لمَالِك مَخْصُوص وَهُوَ بعد الدّين كقبله وَالدّين لَا يمْنَع الْملك، وَهَذَا يتَصَرَّف بالتبرعات وَالدّين فِي الذِّمَّة لَا اتِّصَال لَهُ بِالْمَالِ إِلَّا عِنْد الْقَضَاء وَهُوَ وَظِيفَة مَالِيَّة فَلَا يمْنَع الدّين وُجُوبهَا كالكفارات.
لَهُم:
فَقير فَلَا تجب عَلَيْهِ الزَّكَاة، دَلِيل ذَلِك: حل أَخذ الصَّدَقَة وَلَا تحل لَغَنِيّ، وَالْمَال مَشْغُول بحاجته فَلَا تجب فِيهِ الزَّكَاة كعبيد خدمته، فأحد المأخذين أَنه فَقير، وَالْآخر أَنه غير غَنِي ثمَّ السَّبَب ملك نِصَاب تَامّ وَهَذَا ملك نَاقص فَصَارَ كَالْمكَاتبِ.
مَالك: يمْنَع الدّين وجوب الزَّكَاة فِي النَّقْدَيْنِ.
أَحْمد: فِي الْأَمْوَال الظَّاهِرَة رِوَايَتَانِ.
(2/41)

التكملة:
كَون الدّين يُؤَدِّي من المَال لَا يمْنَع من وجوب الزَّكَاة كمن اشْترى بِمَال التِّجَارَة شِقْصا مشفوعا فَإِن الشَّفِيع يَأْخُذ من يَده، وَإِذا انْقَضى الْحول قبل الْأَخْذ وَجَبت الزَّكَاة.
وَإِن قُلْنَا: السَّبَب الْقَرَابَة فقد وجدت أَو ملك النّصاب فقد وجد، بقيا لنزاع فِي السَّبَب أَنه الْغَنِيّ أَو الْقَرَابَة الدِّينِيَّة والغنى شَرط وَلَيْسَ فِي هَذَا المأخذ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كثير نفع، فَإِن المَال يعْتَبر إِمَّا شرطا، وَإِمَّا سَببا، والنزاع أَن هَذَا المَال هَل يَكْفِي أم لَا؟
فَنَقُول: حَقِيقَة الْفقر والغنى بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيّ غير مُمكن الِاعْتِبَار، فَإِن قدر الْحَاجة لَا يَنْضَبِط وحد الضَّرُورَة وَاجِب الْمُجَاوزَة إِجْمَاعًا، وَالشَّرْع فسر الْغَنِيّ بِملك نِصَاب بِشَرْط السّوم والحول وَالْقطع نظريا بعد وَصَارَ كالسفر فِي الرُّخص وَهَاهُنَا سَبَب الْوُجُوب ملك النّصاب وَسبب الِاسْتِحْقَاق الْغرم فَصَارَ كَابْن السَّبِيل وَالْعَامِل لَازم عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ مَعَ غناهُ
(2/42)

يَأْخُذ الصَّدقَات وَالْمَال غير مَشْغُول بِالدّينِ فَإِنَّهُ يتَصَرَّف وينكح وَالْحريَّة سَبَب ظَاهر للاكتساب بل لَهُ جِهَة مَعْلُومَة وَهِي بَيت المَال، وَإِن قُلْنَا: وجوب الزَّكَاة فِي الذِّمَّة أوجبناها حَتَّى تستغرق.
(2/43)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالسِّتُّونَ: دفع الْقيم والزكوات (سح)) .
الْمَذْهَب: لَا يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من بلغت إبِله خَمْسَة وَعشْرين فَفِيهَا بنت مَخَاض " (فَإِذا لم تكن فَابْن لبون عدل من بنت مَخَاض) إِلَى ابْن لبون مُطلق مَعَ جَوَاز اخْتِلَافهمَا قيمَة.
وَكَذَلِكَ ترقى من سنّ إِلَى سنّ، والجبران عشرُون درهما أَو شَاتَان فَإِنَّهُمَا يتفاوتان كل ذَلِك لقطع النّظر إِلَى الْقيمَة.
لَهُم:
رأى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نَاقَة كوماء فِي إبل الصَّدَقَة فَقَالَ: " ألم أنهكم عَن
(2/44)

أَخذ كسر أثمن الْأَمْوَال " فَقَالَ السَّاعِي: أخذت بَعِيرًا ببعيرين.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يؤد الْوَاجِب فَلم يخرج عَن عهدته؛ لِأَن الْوَاجِب شَاة فِي خمس من الْإِبِل، والتعبد بِمَا ورد بِهِ الشَّرْع لَا يقوم غَيره مقَامه كالسجود وَالرُّكُوع.
لَهُم:
حق وَاجِب لله وبإيجابه لمستحقي الْكِفَايَة عَلَيْهِ فالسعي فِيهِ مُعَلل بالمالية الْمُطلقَة، دَلِيله الْجِزْيَة، وَدَلِيل كَونه لله افتقاره إِلَى نِيَّة ثمَّ الْفَقِير يقبض حِوَالَة الله تَعَالَى فَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها، وَحقّ الْفَقِير مُطلق وَهُوَ لسد الْخلَّة، وَحقّ الله مُقَيّد فَلَا بُد من حل الْقَيْد ليصرف إِلَى الْفَقِير.
(2/45)

مَالك: ق. وَأَجَازَ النَّقْدَيْنِ أَحدهمَا فِي الآخر بَدَلا لَا قيمَة.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: لَو أخرج معلوفة أَجْزَأَ، وَلَو ملك أَرْبَعِينَ معلوفة لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، قُلْنَا: لِأَنَّهُ قيد فِي الْمُوجب، وَأطلق فِي الْوَاجِب، وَالْمعْنَى أَن الْمُعْتَبر فِي حق الْمَالِك كَون المَال مرتفقا وَذَلِكَ بالسوم، وَفِي حق الْفَقِير كَونه رفقا وَيَقَع بالمعلوفة.
ونقول: شَرط الاستنباط من اللَّفْظَة أَن لَا تبقى فِي الملفوظ معنى دق أَو جلّ بتخيل أَنه مَقْصُود يفوت بِفَوَات اللَّفْظ إِلَّا اعْتبر بَيَانه أَنا إِذا لاحظنا جَانب الِابْتِلَاء، فالنزول عَن المَال الْمُطلق تَكْلِيف شَيْء وَاحِد، وَهُوَ إِزَالَة الْملك عَن مَال هُوَ وَسِيلَة إِلَى الْمَقَاصِد والابتلاء بالنزول عَن مَال معِين تَكْلِيف شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا بدل المَال الْمُطلق وَالْآخر ترك فرض فِي عين، وَترك وَسِيلَة الْمَقْصُود أيسر من ترك الْمَقْصُود.
(2/46)

فارغة
(2/47)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالسِّتُّونَ: النقدان (سط)) .
الْمَذْهَب: لَا يضم أَحدهمَا إِلَى الآخر إِلَّا فِي كَمَال النّصاب.
عِنْدهم: يضم بالأجزاء وبالقيمة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا ... .
لَهُم: ... .
(2/48)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مالان مُخْتَلفا الْجِنْس فَلَا يضم أَحدهمَا إِلَى الآخر فِي الزَّكَاة كالماشية. دَلِيل اخْتِلَاف الْجِنْس الِاسْم والحقيقة وَكَون الرِّبَا لَا يحرم بَينهمَا.
لَهُم:
النقدان فِي الزَّكَاة فِي حكم مَال وَاحِد بِضَم أَحدهمَا إِلَى الآخر كالصحاح والمكسرة والمعز والضأن، لِأَن الزَّكَاة وَجَبت فِي المَال بِصفة النَّمَاء والنماء فِي النَّقْدَيْنِ بِصفة الثمنية وَاحِد (وَحَال النَّقْدَيْنِ أَحدهمَا بِالْآخرِ بَدَلا لَا قيمَة) .
مَالك: تضم بالأجزاء.
أَحْمد: ق.
(2/49)

التكملة:
حَاصِل الْمَسْأَلَة زَكَاة الْمَوَاشِي زَكَاة عين بِالْإِجْمَاع، وَزَكَاة التِّجَارَة زَكَاة معنى وَقِيمَة بِالْإِجْمَاع، والنقدان دائران بَينهمَا فَمن حَيْثُ أَن النَّقْد لَا يزِيد بِنَفسِهِ كَمَا تزيد السَّائِمَة بل بِقِيمَتِه وماليته فَهُوَ كعروض التِّجَارَة، وَلذَلِك ألحقهُ أَبُو حنيفَة بعروض التِّجَارَة وَمن حَيْثُ أَنه يعْتَبر فِيهِ ملك الْعين فَحسب، وَيَنْقَطِع الْحول بِزَوَال الْملك عَنهُ ألحقناه بِزَكَاة الْعين، وَالَّذِي يدل على الْفرق بَين النَّقْدَيْنِ وَمَال التِّجَارَة أَن عرُوض التِّجَارَة تقوم مُفْردَة وَلَا يقوم الذَّهَب إِلَّا مَعَ وجود الْفضة وَلَا الْفضة إِلَّا مَعَ وجود الذَّهَب، وكونهما يجب فيهمَا ربع الْعشْر لَا يدل على الِاتِّفَاق فِي الْجِنْس بِدَلِيل المعشرات فَإِنَّهَا تتفق فِي الْعشْر وَنصف الْعشْر وَلَيْسَت جِنْسا وَاحِدًا.
(2/50)

فارغة
(2/51)

(الْمَسْأَلَة السبعون: وَاجِب النّصاب (ع)) .
الْمَذْهَب: يتَعَلَّق بِهِ وَبِمَا زَاد عَلَيْهِ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: لَا يتَعَلَّق إِلَّا النّصاب.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " إِذا بلغت الْإِبِل خمْسا وَعشْرين فَفِيهَا بنت مَخَاض إِلَى خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ".
وَجه الدَّلِيل: أَنه مد الْوَاجِب بِكَلِمَة إِلَى وَهِي للغاية، وَهَذَا يَقْتَضِي انبساط الْوَاجِب على الْجَمِيع.
لَهُم:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " فِي خمس من الْإِبِل شَاة وَلَا شَيْء فِي زيادتها حَتَّى تبلغ عشرا فَإِذا بلغت عشرا فَفِيهَا شَاتَان ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
النّصاب وَالزَّائِد عَلَيْهِ مَال وَاحِد من جنس وَاحِد فجميعه مَحل الْوُجُوب
(2/52)

بِدَلِيل أَنه يخرج شَاة من القطيع فَيسْقط عَنهُ الْفَرْض، وَالزَّكَاة إِمَّا أَن تجب شكر لنعمة المَال أَو مواساة للْفُقَرَاء وَهَذَا الْمَعْنى يعم كل المَال.
فالشرع لم يعْتَبر النّصاب لِامْتِنَاع أَن يتَعَلَّق الْوَاجِب بِالزَّائِدِ، بل حَتَّى لَا يجب فِي النَّاقِص وَصَارَ كنصاب السّرقَة.
لَهُم:
الزِّيَادَة لَهَا حكم نَفسهَا بِدَلِيل أَنه يتَعَلَّق بهَا وَاجِب جَدِيد إِذا بلغت قدرا مَعْلُوما، فَيجب أَن يَخْلُو عَن الْوَاجِب حَتَّى يبلغ ذَلِك الْقدر كالقدر الأول، وَاعْتِبَار النّصاب على خلاف الْقيَاس، لِأَن من ملك شَيْئا يجب أَن يواسي مِنْهُ، إِلَّا أَن النّصاب قدر لحَاجَة الْمَالِك (وَلَا حَاجَة) إِلَى مَا زَاد عَلَيْهِ.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " فِي خمس من الْإِبِل شَاة " أَي لَا تجب فِيمَا دون
(2/53)

ذَلِك فَصَارَ كتعيين ربع دِينَار للْقطع، وَلَا يدل على اقْتِصَار الْقطع عَلَيْهِ دون الزَّائِد، ونقول: إِذا هلك بعير من تِسْعَة سقط بِهِ شَيْء من الشَّاة لأَنا جعلنَا الزَّائِد كالوقاية، وَذَلِكَ كالربح يَجْعَل وقاية لرأس المَال فِي الْمُضَاربَة فَبعد مَا ظهر الرِّبْح إِذا وجد خسران انحصر فِيهِ.
عبارَة: جملَة لَا يجب فِيهَا أَكثر من فَرِيضَة فَإِذا تعلق جَوَاز الْأَخْذ بهَا تعلق الْوُجُوب بهَا كالأربعين.
(2/54)

لوحة 26 من المخطوطة أ:
لَا زَكَاة فِي المستنبتات إِلَّا فِي ثَلَاثَة: الرطب، وَالْعِنَب، وَمَا يصلح للخبز من الْحُبُوب وَفِيه الْعشْر إِن سقيت سيحا، وَإِن سقيت نضحا فَنصف الْعشْر يخرج ذَلِك بعد الْجَفَاف أَو بالخرص، إِذا اخْتلفت أَصْنَاف التمور: أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا: يخرج من الْأَغْلَب، الثَّانِي: الْأَوْسَط، الثَّالِث: من كل وَاحِد بِقَدرِهِ، الرَّابِع: يخرج الْجيد بِالْقيمَةِ.
الزَّكَاة قيل: تتَعَلَّق بِالْعينِ أَو الذِّمَّة قَولَانِ، فعلى هَذَا إِذا وَجَبت الزَّكَاة فِي النّصاب وَلم تخرج الْعَام فَفِي الْقَابِل إِن قُلْنَا: الزَّكَاة تتَعَلَّق بِالْعينِ وَلَا زَكَاة؛ لِأَن النّصاب قد نقص بِالْقدرِ الْمُسْتَحق مِنْهُ.
وَإِن قُلْنَا: إِنَّهَا مُتَعَلقَة بِالذِّمةِ فَإِن كَانَ لَهُ مَال آخر بِقدر قيمَة الزَّكَاة وَجب عَلَيْهِ الزَّكَاة، وَإِن لم يكن لَهُ غير هَذَا النّصاب بنى ذَلِك على الْقَوْلَيْنِ فِي
(2/55)

أَن الدّين هَل يمْنَع وجوب الزَّكَاة.
فَإِن قُلْنَا: يمْنَع لم يجب إِلَّا السّنة الأولة، وَإِن قُلْنَا: لَا يمْنَع وَجَبت فِي (السنين الْمُسْتَقْبلَة) .
وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَ لَهُ م هَلَكت وَاحِدَة ونتجت وَاحِدَة انْقَطع الْحول وَلَو تقدم النِّتَاج لم يَنْقَطِع، وَلَا زَكَاة فِي الْعَسَل.
(قَالَ الشَّافِعِي رَضِي) الله عَنهُ: وَقت الْخرص إِذا حل البيع وَذَلِكَ حِين يتموه الْعِنَب وَيرى فِي الْحَائِط الْحمرَة والصفرة.
إِذا قُلْنَا: الخارص بِمَنْزِلَة الْحَاكِم فَيجوز أَن يكون وَاحِدًا وَيعْمل بِاجْتِهَادِهِ، وَإِن قُلْنَا: هُوَ مقوم كَانَ اثْنَيْنِ، إِذا سقى تَارَة سيحا وَتارَة بِآلَة إِن كَانَ الزَّمَان (نِصْفَيْنِ فَفِيهِ) ثَلَاثَة أَربَاع الْعشْر: نصف الْعشْر من السيح، وَربع الشّعْر من الْآلَة، وَإِن اخْتلف الزَّمَان فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: يعْتَبر ذَلِك بِالنِّسْبَةِ، وَالْآخر يُؤْخَذ بالغالب وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة.
(2/56)

وَإِن كَانَ لَهُ قراحان أَحدهمَا سيح، وَالْآخر (بِآلَة فَإِنَّهُ) يضم أَحدهمَا إِلَى الآخر فِي النّصاب، وَيُؤْخَذ من السيحي الْعشْر، وَمن النضحي نصف الْعشْر، وَالْقَوْل قَول رب الزَّرْع مَعَ يَمِينه، وَيَمِينه اسْتِحْبَاب وَجها وَاحِدًا إِلَّا أَن تكون دَعْوَاهُ تخَالف الظَّاهِر.
وَجَمِيع مَا يخرج من الْبَحْر لَا زَكَاة فِيهِ وَلَا فِيمَا استخرج من معادن الأَرْض كالرصاص والنحاس إِلَّا أَن يكون للتِّجَارَة فَتجب قِيمَته إِذا كَانَ لَهُ إِنَاء وَزنه 200 دِرْهَم نقره وَقِيمَته ش فَأخْرج (هـ دَرَاهِم) فضَّة من غَيره لَا يجْزِيه خلافًا لَهُم، فَإِن أَعْطَانَا ربع عشرَة مشَاعا قبلنَا، وللساعي مَا يرى من بَيْعه.
وَإِن قَالَ: (أكسره وأعطيكم مِنْهُ لم) يجز لِأَنَّهُ يتْلف مَاله وَمَال الْمَسَاكِين، فَإِن أَعْطَانَا هـ دَرَاهِم فضَّة مَضْرُوبَة أَو مصاغة قيمتهَا سَبْعَة وَنصف جَازَ.
(2/57)

وَإِن قُلْنَا (أُعْطِيكُم سَبْعَة) وَنصفا لم يجز، لِأَنَّهُ رَبًّا، وَإِن أَعْطَانَا قيمَة ذَلِك ذَهَبا جَازَ وأخذنا الْقيمَة، لِأَنَّهُ مَوضِع حَاجَة.
قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد: لَا يجوز، وَلَا (زَكَاة فِي السمسم والسلت ضرب من الشّعير يضم إِلَيْهِ. فِي السُّيُوب الْخمس، قيل: هِيَ عروق الذَّهَب وَالْفِضَّة ينساب فِي الأَرْض) .
(2/58)

(الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة وَالسَّبْعُونَ: (عا)) .
إِذا مَاتَ من عَلَيْهِ زَكَاة قبل أَدَائِهَا.
الْمَذْهَب: لَا تسْقط وَتخرج من مَاله.
عِنْدهم: تسْقط فِي أَحْكَام الدُّنْيَا فَإِن أوصى بهَا أخرجت من الثُّلُث.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(2/59)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حق للْفَقِير فَلَا يسْقط بِالْمَوْتِ كالعشر وَالزَّيْتُون، ذَلِك لِأَن الزَّكَاة تحقق وُجُوبهَا فِي حَال الْحَيَاة وَالْمَوْت لَا تَأْثِير لَهُ فِي إبِْطَال الْحُقُوق، ثمَّ هَذَا الْحق هَل يعقل وُجُوبه بعد الْمَوْت أم لَا، إِن لم يعقل فليلغ مَعَ الْوَصِيَّة بِهِ، وَإِن عقل فليثبت من غير وَصِيَّة.
لَهُم:
عبَادَة مَحْضَة فَسَقَطت بِالْمَوْتِ كَالصَّوْمِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حق للْفَقِير، بل رزق الْفَقِير على الله تَعَالَى، وَالْعشر عندنَا فِي معنى الزَّكَاة فَسقط وَإِن قُلْنَا لَا يسْقط فَهُوَ مؤونة الأَرْض.
مَالك:.
أَحْمد:.
(2/60)

التكملة:
اعتذروا عَن الْوَصِيَّة بِأَن الْوَاجِب وَإِن كَانَ عبَادَة إِلَّا أَن أَدَّاهَا من المَال ويمكنه أَن يَأْمر غَيره بِالْأَدَاءِ من مَاله فِي حَيَاته، فَكَذَلِك بعد وَفَاته وَلِأَنَّهُ ظهر وُجُوبه فِي حق الْوَرَثَة خرج من الثُّلُث فَنَقُول: الاحتساب من الثُّلُث خَارج عَن قِيَاس المذهبين، فَإِن مَا يُؤدى إِن كَانَ غير مَا وصّى بِهِ فَلَا يلْزم وَإِن كَانَ مَا وصّى بِهِ فَإِنَّمَا وصّى بِالزَّكَاةِ وَهِي من رَأس المَال، أَلا ترى أَنه لَو أَدَّاهَا فِي مرض مَوته حسبت من رَأس المَال؟
(2/61)

فارغة
(2/62)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالسَّبْعُونَ: الْحلِيّ الْمُبَاح (عب)) .
الْمَذْهَب: لَا زَكَاة على القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: " لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة "، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " زَكَاة الْحلِيّ إعارته ".
لَهُم:
قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: دخل عَليّ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي يَدي فتخات من ورق فَقَالَ: أتؤدين زَكَاتهَا؟ فَقلت: لَا. فَقَالَ: هِيَ حَسبك من النَّار.
(2/63)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَصْرُوف عَن جِهَة النَّمَاء إِلَى جِهَة ابتذال مُبَاح فَلَا تجب فِيهِ الزَّكَاة كأموال التِّجَارَة إِذا صرفت إِلَى البذلة، بَيَانه: أَن مَحل الزَّكَاة مَال نَام للمواساة وَهَذَا لِأَن الزَّكَاة وَجَبت بِصفة الْيُسْر، وَلِهَذَا اعْتبر الْحول والنماء بالتقلب.
لَهُم:
حكم يتَعَلَّق بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، فَتعلق بِالْعينِ مِنْهُمَا كالربا، وَدَلِيل تعلقه بِالْعينِ وُجُوبه بملكها، بِدَلِيل التبر والسبائك وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنَّهَا خلقت أَمْوَال تِجَارَة فَلَا تَتَغَيَّر.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(2/64)

التكملة:
منهاج الْكَلَام الْمَعْهُود بَيَان عِلّة الزَّكَاة فِي النَّقْدَيْنِ، وَبَيَان انتفائها فِي مَحل النزاع فَنَقُول: الزَّكَاة وَجَبت ارفاقا بالفقير وَلَا يُؤمر الْإِنْسَان أَن يرفق بِغَيْرِهِ ويضيع نَفسه، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " ابدأ بِنَفْسِك " فأداء المَال الْمُسْتَغْرق لحاجات الْإِنْسَان لَا ينتهض سَببا للْوُجُوب غير أَن حَقِيقَة الْحَاجة لَا يُمكن اعْتِبَارهَا فَلَا بُد من مرد ظَاهر قدرا وجنسا.
أما الْجِنْس فَالْمَال قِسْمَانِ: فَمِنْهُ مَا يشْتَمل على مَنَافِع فيطلبه الْإِنْسَان لعَينه وَهُوَ مَال الْقنية، وَالْآخر مَا يَنْفَكّ عَن الْمَنَافِع كالنقود، فَإِذا صرف من جِهَته صَار إِلَى مَا صرف إِلَيْهِ وَنظر إِلَى الْحَال الراهنة وَهُوَ صرفه من جِهَته الخلفية بِقصد صَحِيح شَرْعِي فَتَارَة يرصد للتِّجَارَة فَيلْحق بأموالها، وَتارَة يصرف إِلَى التحلي فَيلْحق بِثِيَاب البذلة، وَلَا يلْزم الْحلِيّ الْحَرَام، لِأَنَّهُ لَيْسَ قنية شرعا.
(2/65)

وعَلى هَذَا يمْنَع إِذا علفت السَّائِمَة بعلف مَغْصُوب، ونقول: تجب الزَّكَاة وَإِن سلمنَا فَإِنَّمَا سَقَطت الزَّكَاة لصفة السّوم وَلَا تَحْرِيم فِيهِ، ونقول: الذَّهَب إِذا سبك لم يكْتَسب صُورَة بل عدم صُورَة.
(2/66)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالسَّبْعُونَ: الْعشْر وَالْخَرَاج (عج)) .
الْمَذْهَب: يَجْتَمِعَانِ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَفِيمَا سقِِي بناضح نصف الْعشْر "، هَذَا دَلِيل إِيجَاب الْعشْر، وَالْخَرَاج مُتَّفق عَلَيْهِ.
لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يجْتَمع الْعشْر وَالْخَرَاج فِي أَرض مُسلم "،
(2/67)

وَلم ينْقل عَن أحد من الْأَئِمَّة أَنه جمع بَينهمَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حقان اخْتلفَا سَببا وَقدرا ووصفا ومصرفا فَجَاز أَن يجتمعا كالتاجر فِي حَانُوت غَيره تجب عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَالزَّكَاة، بَيَانه: أَن الْعشْر فِي الْخَارِج وَالْخَرَاج فِي الأَرْض ومصرف الْعشْر السهْمَان، ومصرف الْخراج الْجند.
لَهُم:
الْخراج وَالْعشر وظيفتا الأَرْض وَالسَّبَب الْوَاحِد لَا يُوجب حكمين مُخْتَلفين كَمَا لَو جعل نِصَاب السَّائِمَة للتِّجَارَة.
وتأثيره أَنه يُؤَدِّي إِلَى تَثْنِيَة الْوَاجِب، وَبَيَان ذَلِك: أَن سَببه الأَرْض إِضَافَته (إِلَيْهَا وإضافتها) إِلَيْهِ وَالْأَرْض مَال نَام فَلَا تَخْلُو عَن وَاجِب وَلَا يثنى فِيهِ وَاجِب.
مَالك: لَا يجب الْعشْر فِي أَرض خَرَاجِيَّة.
أَحْمد: ق.
(2/68)

التكملة:
نمْنَع أَن الأَرْض مَال نَام وَإِنَّمَا النامي مَا أودع فِيهَا، فَهِيَ كالحاضنة، والظئرة المَاء والهواء، فَأَما إِذا احتش مَا يبلغ نِصَابا إِنَّمَا لم تجب الزَّكَاة فِيهِ لِأَنَّهُ غير معد للنماء وَلَا هُوَ نَمَاء فِي نَفسه.
(2/69)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ: النّصاب فِي المعشرات (عد)) .
الْمَذْهَب: يعْتَبر.
عِنْدهم: لَا يعْتَبر فِي كل عشر حبات حَبَّة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق من التَّمْر صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ من الْوَرق صَدَقَة "، وقرينة التَّقْدِير تمنع من حمله على مُطَالبَة السَّاعِي، لِأَن الذَّهَب وَالْفِضَّة لَا يُطَالب بهما.
لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حق يجب فِي المَال وَيصرف إِلَى أهل السهْمَان فَاعْتبر فِيهِ النّصاب
(2/70)

كَسَائِر الْأَمْوَال، وَإِنَّمَا لم يعْتَبر فِيهِ الْحول، لِأَن الْحول يعْتَبر لتكامل النَّمَاء وَقد تَكَامل هَاهُنَا.
لَهُم:
حق يسْقط بتعذر الِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ، فَلم يعْتَبر فِي وُجُوبه النّصاب كالخراج.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن ألزمونا زَكَاة الرِّكَاز والمعادن منعنَا واعتبرنا النّصاب، وَإِن فرقوا بَين الْعشْر وَسَائِر الزكوات بالحول قُلْنَا: الْمَعْنى الْمُقْتَضى لاعْتِبَار النّصاب هُوَ أَن المَال الْقَلِيل لَا يحْتَمل الْمُوَاسَاة، وَهَذَا يعم جَمِيع الْأَمْوَال، وَالْمعْنَى فِي الْحول أَنَّهَا مهلة الاستنماء وَذَلِكَ يَلِيق بِمَال معد للنماء وَالزَّرْع كَانَ مُوجبا لَهُ، لِأَن كُله نما ثمَّ تبطل زَكَاة الْفطر فَإِنَّهُم اعتبروا فِيهَا الزَّكَاة دون الْحول ثمَّ جَمِيع الزكوات يتَكَرَّر وُجُوبهَا فيليق بهَا اعْتِبَار الْمَوَاقِيت دون الْعشْر الْوَاجِب مرّة وَاحِدَة فَصَارَ ذَلِك كَمَا فِي الْحَج وَالصَّلَاة.
(2/71)

فارغة
(2/72)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالسَّبْعُونَ: كل مَا يقتات غَالِبا ونادرا (عه)) .
الْمَذْهَب: تجب فِيهِ الزَّكَاة، وَفِي الزَّيْتُون قَولَانِ.
عِنْدهم: (تجب فِيمَا ينبته الْآدَمِيّ) .
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى معَاذ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَفِيمَا سقِِي بناضح أَو غرب نصف الْعشْر " يكون ذَلِك فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر والحبوب، فَأَما الْبِطِّيخ والقثاء وَالرُّمَّان فعفو عَفا عَنْهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
(2/73)

لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده} هَذَا مُطلق فِي كل مَا يحصد وتقييده بِخَبَر الْوَاحِد نسخ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الزَّكَاة تخْتَص بِمَا يكثر نَفعه وَلِهَذَا وَجَبت فِيمَا لَهُ در ونسل وَلم تجب فِي الْخَيل والحمر، وَكَذَلِكَ كَثْرَة النَّفْع فِي الْحُبُوب دون الْخضر بِدَلِيل اختصاصها بِخَمْسَة أوسق.
لَهُم:
أحد الواجبين الْمُعَلق على الأَرْض على الزَّرْع فعلق الْفَوَاكِه والخضروات كالخراج فَهُوَ مجمع عَلَيْهِ فِي هَذِه الْأَمْوَال، وتأثيره أَن الْعشْر مؤونة الأَرْض والمقتات والفواكه فِيهِ وَاحِد.
مَالك: ق.
(2/74)

أَحْمد: الثِّمَار الَّتِي تكال وَأوجب فِي اللوز لَا الْجَوْز.
التكملة:
مأخذهم أَن الْعشْر وَاجِب الأَرْض بِاعْتِبَار أَنَّهَا مَال نَام، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن تجب فِي كل نما أَرض إِلَّا مَا ورد فاستثنى بِهِ نَص كالحشيش والحطب، وورق الفرصاد، وقصب السكر، ومأخذنا أَن الْمُوجب للعشر هُوَ ملك الزَّرْع وَالْأَصْل نفي الْعشْر عَن الْجَمِيع إِلَّا مَا ورد فِيهِ الدَّلِيل، وَالْعقد الْإِجْمَاع فِي الأقوات وَلم نستبن أَن الخضروات بمثابتها لاختلافهما فِي مساس الْحَاجة.
(2/75)

فارغة
(2/76)

(كتاب الصّيام)
(2/77)

فارغة
(2/78)

لوحة 27 من المخطوطة " أ ":
ذهب أَكثر أَصْحَابنَا بل عامتهم أَن بَيَان مَا شرع الله من الْأَحْكَام على جَمِيع الْمُكَلّفين أَو بَعضهم من الْوَاجِب وَالنَّدْب والمباح والمحظور وَاجِب على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة.
نعم اخْتلفُوا فِي جَوَاز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل من الْخطاب، وَبَيَان تَخْصِيص الْعُمُوم إِذا أُرِيد بِهِ الْخُصُوص عَن وَقت وُرُود الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة إِلَى التَّنْفِيذ، فَمنع من ذَلِك بعض أَصْحَابنَا كالمزني والصيرفي، وَأَجَازَ ذَلِك أَكثر الْأَصْحَاب لذكر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بَيَان أَرْكَان الصَّلَاة وهيئاتها عَن وَقت الزَّوَال إِلَى أَن بَينهَا بِفِعْلِهِ، ثمَّ قَالَ: " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ".
وَالدَّلِيل من الْكتاب قَوْله تَعَالَى: {آلر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت} ، وَالتَّفْصِيل إِنَّمَا هُوَ تَفْسِير الْمُجْمل وَتَخْصِيص مَا أُرِيد تَخْصِيصه وَتَقْيِيد مَا أُرِيد تَقْيِيده، وَاعْلَم أَنه إِذا قَالَ: أَنا صَائِم إِن شَاءَ الله إِن جعل شرطا لم يَصح، وَإِن أَرَادَ أَن فعل ذَلِك مَوْقُوف على مَشِيئَة الله صَحَّ.
(2/79)

من طلع الْفجْر عَلَيْهِ وَهُوَ مجامع وَنزع لم يبطل صَوْمه، لِأَن النزع ترك الْفِعْل فَهُوَ كَمَا لَو حلف لَا لبست الثَّوْب فاشتغل بنزعه.
الرِّيق: إِذا جمعه فِي فِيهِ ثمَّ ابتلعه هَل يفْطر؟ وَجْهَان: إِذا نقل البلغم من صَدره، أَو من رَأسه إِلَى فِيهِ إِن ابتلعه أفطر، إِذا قدم من سَفَره فَوجدَ زَوجته طَاهِرا من الْحيض فَوَطِئَهَا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أُبِيح لَهُ الْإِفْطَار، إِن وطئ امْرَأَة وَهِي نَائِمَة لم تفطر وَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة، فَإِن أكرهها بِحَيْثُ لَا تقدر تمْتَنع لم تفطر، وَإِن خوفها فأطاعته فَفِي إفطارها قَولَانِ. إِذا وطئ فِيمَا دون الْفرج فَأنْزل أفطر وَلَا كَفَّارَة، وَإِن فعل ذَلِك فِي الدبر أَو فِي بَهِيمَة أفطر وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة خلافًا لَهُم.
قَالُوا: لِأَنَّهُ وَطْء لَا يحصل بِهِ الْإِحْصَان وَلَا الْإِحْلَال.
الْحَامِل والمرضع إِذا خافتا على أَنفسهمَا فأفطرتا وَجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء دون الْكَفَّارَة، وَإِن خافتا على ولديهما فأفطرتا فَالْمَشْهُور من الْمَذْهَب
(2/80)

(أَن) عَلَيْهِمَا الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة، وَتكره الْقبْلَة للصَّائِم إِن حركت شَهْوَته.
قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقبل بعض نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِم، وَكَانَ أملككم لإربه، قَالَ عُرْوَة، فَقلت لعَائِشَة: وَمن هِيَ إِلَّا أَنْت، فَضَحكت.
إِذا تلذذ بِالنّظرِ (فَأنْزل لم يفْطر) .
إِذا استمنى أفطر وَلَا كَفَّارَة، قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " اسْتَعِينُوا بقائلة النَّهَار على قيام اللَّيْل، وبالسحور على صَوْم النَّهَار ".
وَيجوز للْمُسَافِر أَن يَصُوم وَهُوَ عندنَا أفضل خلافًا لِأَحْمَد.
من جَازَ لَهُ الْإِفْطَار فِي رَمَضَان لعذر ثمَّ زَالَ الْعذر وَهُوَ مفطر لم يجب عَلَيْهِ الْإِمْسَاك بَقِيَّة النَّهَار، بل يَأْكُل حَيْثُ لَا يرَاهُ أحد كالمسافر إِذا قدم وَالْحَائِض إِذا طهرت.
(2/81)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالسَّبْعُونَ: تبييت النِّيَّة (عو)) .
الْمَذْهَب: لَا يَصح صَوْم شهر رَمَضَان إِلَّا بنية ليلية، وَكَذَا نذر صَوْم يَوْم بِعَيْنِه.
عِنْدهم: يَصح بنية نهارية فيهمَا جَمِيعًا، فَأَما النّذر الْمُطلق وَالْقَضَاء فيفتقر إِلَى نِيَّة ليلية.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من لم يجمع الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ " وروى من لم ينْو الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صَوْم لَهُ، وَلَا صِيَام لمن لم يبيت
(2/82)

الصّيام من اللَّيْل، وَلم يرد إِمْسَاكه جُزْء من اللَّيْل، لِأَن ذَلِك غير مَطْلُوب، وَحمله على الْقَضَاء وَالنّذر بَاطِل، لِأَن كَلَام الشَّارِع يحمل على مَا هُوَ ركن.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} ، وَهَذَا قد صَامَ لِأَن الصَّوْم عبارَة عَن الْإِمْسَاك، وروى أَن أَعْرَابِيًا شهد عِنْد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِرُؤْيَة الْهلَال نَهَارا فَأمر أَن يُنَادي من أكل فليمسك، وَمن لم يَأْكُل فليصم، وَكَذَلِكَ فعل فِي عَاشُورَاء.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يَأْتِ بِالْوَاجِبِ فَلم يخرج عَن عهدته، إِذْ الْفَرْض صَوْم الْيَوْم كُله وَقد صَامَ بعضه حَيْثُ الصَّوْم إمْسَاك مَعَ نِيَّة، وَمَتى وجدت ضحوة لم يرجع إِلَى مَا فَاتَ لِأَن النِّيَّة عَزِيمَة على الْفِعْل ووقتها وَقت إنشائها.
(2/83)

لَهُم:
النِّيَّة ضحوة وَقد قارنت الصَّوْم صُورَة فَيَنْبَغِي أَن تصح كالنفل، بَيَانه: أَن أول النَّهَار مُعْتَاد إِمْسَاكه وَالْمَشَقَّة فِي آخِره، وَإِنَّمَا اعْتبر إمْسَاك أَوله ليصير آخِره صوما فَهُوَ تَابع ومقارنة النِّيَّة للتابع لَيست شرطا فَتَصِح النِّيَّة نَهَارا مَعَ هَذَا خوفًا من فَوَات الْعِبَادَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: الْعِبَادَة فِي حكم الصِّحَّة وَالْفساد وَاحِدَة لَا تتجزأ، وَالنِّيَّة قصد التَّقَرُّب بِالْفِعْلِ وَلم يشْتَرط بِالْإِجْمَاع اقترانها بِجَمِيعِ الْعِبَادَة، بل اكْتفى بِجُزْء وَاحِد وَجَمِيع الْأَجْزَاء سَوَاء، وَلذَلِك صَحَّ النَّفْل بنية نهارية، وَإِنَّمَا اخْتصّت النِّيَّة فِي بعض الْعِبَادَات بأولها لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى تعْيين، وَمحل
(2/84)

النزاع اسْتغنى عَن ذَلِك بِتَعْيِين الْوَقْت.
الْجَواب: الأَصْل اعْتِبَار النِّيَّة المحققة فِي جَمِيع الْعِبَادَة، فَإِن تَصْحِيح الْقرْبَة دون قصد الْقرْبَة بعيد غير أَن الشَّرْع علم مَا فِي الاستدامة من الْمَشَقَّة فَاكْتفى بِالنِّيَّةِ فِي الْخَبَر الأول فَتكون مَوْجُودَة فِي جَمِيع الْعِبَادَة بَعْضهَا حَقِيقَة وَبَعضهَا حكما، وَفِي مَحل النزاع تضييق النِّيَّة على أول الْوَقْت مُمْتَنع فنقلت إِلَى مَا قبله وَقدر بَقَاؤُهَا، وَلَو جَازَ تَأْخِيرهَا مَا جَازَ تَقْدِيمهَا، فَإِذا نوى لَيْلًا فقد اشْتَمَلت النِّيَّة على جَمِيع النَّهَار وَنِيَّة النَّهَار يتعطل بهَا جُزْء مِنْهُ ونمنع تعْيين الْيَوْم للصَّوْم، فَإِن الْمُسَافِر يَصُوم فِيهِ نفلا، وَلنَا فِي التَّنَفُّل منع وَإِن سلمنَا فَهُوَ صَائِم من وَقت النِّيَّة وَالْأول إمْسَاك.
(2/85)

فارغة
(2/86)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ: تعْيين النِّيَّة (عز)) .
الْمَذْهَب: لَا يتَأَدَّى إِلَّا بنية مُعينَة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين} ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى ".
لَهُم:
الْآيَة العزيزية.
وَالصَّوْم عبارَة عَن الْإِمْسَاك مَعَ النِّيَّة وَقد وجد.
(2/87)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
صَامَ من غير نِيَّة فَلَا يَصح صَوْمه، ويعنى بِالصَّوْمِ الْإِمْسَاك فِي بَيَاض النَّهَار ونقول: عبَادَة يشْتَرط تعْيين النِّيَّة فِي قَضَائهَا فَاشْترط تعْيين النِّيَّة فِي أَدَائِهَا كَالصَّلَاةِ، وَلَا يلْزم الْحَج، لِأَنَّهُ يشْتَرط تعْيين النِّيَّة فِي قَضَائِهِ، ونقول: فقد شَرط الْعِبَادَة فَلم تصح.
لَهُم:
صَوْم عين فصح بِمُطلق النِّيَّة كالنفل، فَإِن من أصبح غير ناو وَأطلق النِّيَّة انْصَرف إِلَى النَّفْل وَالْوَاجِب عَلَيْهِ صَوْم وَمَتى أَتَى بِهِ لَا يبْقى عَلَيْهِ شَيْء، وَتَعْيِين الزَّمَان يُغني عَن تعْيين النِّيَّة، وَلَا فرق بَين تعْيين الزَّمَان وَتَعْيِين الْمَكَان.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
مطلع النّظر الْبَحْث عَن حَقِيقَة النِّيَّة وَوجه الافتقار إِلَيْهَا وَالنِّيَّة على ضَرْبَيْنِ: تقرب وتمييز، أما التَّقَرُّب فَفِي الْعِبَادَات إخلاص الْعَمَل لله تَعَالَى، وَأما التَّمْيِيز كَمَا فِي الدُّيُون فَإِنَّهُ يحْتَمل التَّمَلُّك هبة وَقَضَاء وَفِي مَحل النزاع
(2/88)

لَا خلاف أَن النِّيَّة للتقرب نفي الزَّائِد من كَونه فرضا أَو نفلا أَو قَضَاء فتبييته بِالنِّيَّةِ فالخصم اعْتبر نِيَّة التَّمْيِيز وَقد اسْتغنى فِيهَا بِالْوَقْتِ الْمُتَعَيّن، وَنحن نقف مَعَ نِيَّة التَّقَرُّب الَّتِي لَا يجوز أَن تَخْلُو الْعِبَادَة مِنْهَا، إِن ألزمونا الْوضُوء وَالْحج عبادات بنية مُطلقَة.
الْجَواب: أَن نقُول الْوضُوء رفع الْحَدث أَو اسْتِبَاحَة الصَّلَاة، وكل ذَلِك لَا يَنْقَسِم إِلَى فرض وَنفل.
أما الْحَج فَلَا يلْزم فَإِن نزاعنا وَقع فِي فعل مَأْمُور بأوامر مُخْتَلفَة وَلَا بُد من امْتِثَال ذَلِك الْأَمر بِالْقَصْدِ وَالْحج لَيْسَ من قبيل الْأَمر بِالْفِعْلِ بل ذَات الْمَأْمُور مُسْتَحقَّة الْحُضُور بالمناسك.
(2/89)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالسَّبْعُونَ: المطاوعة فِي شهر رَمَضَان (عج)) .
الْمَذْهَب: لَا تلزمها الْكَفَّارَة على الْمَنْصُور.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
خبر الْأَعرَابِي وَقَوله: هَلَكت وأهلكت، قَالَ: " مَاذَا صنعت؟ " قَالَ: واقعت أَهلِي فِي نَهَار رَمَضَان، فَقَالَ لَهُ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " أعتق رَقَبَة "، وَلم يتَعَرَّض للْمَرْأَة وَلَو كَانَ عَلَيْهَا شَيْء لذكره.
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من أفطر فِي نَهَار رَمَضَان فَعَلَيهِ مَا على
(2/90)

الْمظَاهر "، وَهَذِه قد أفطرت فعلَيْهَا الْكَفَّارَة الَّتِي على الْمظَاهر.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمَرْأَة سبق فطرها جِمَاعهَا فَصَارَ كَمَا لَو ابتلعت حَصَاة ثمَّ جومعت وَالْكَفَّارَة كَفَّارَة وقاع، وَهَذِه مواقعة لَا مواقعة لِأَن الْوَطْء من الرجل وَهِي مُمكنَة والتمكين من الْفِعْل دون الْفِعْل كالتمكين من الْقَتْل.
لَهُم:
اسْتَويَا فِي سَبَب الْكَفَّارَة فاستويا فِي وُجُوبهَا، دَلِيله الوقاع فِي حَالَة الْإِحْرَام بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا كَفَّارَة الْإِحْرَام، ذَلِك لِأَن الاسْتوَاء (فِي السَّبَب يَقْتَضِي الاسْتوَاء) فِي الحكم وإفطارها كإفطاره.
مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
(2/91)

التكملة:
مطلع النّظر تَحْقِيق المناط فِي مَحل الْإِجْمَاع من قصَّة الْأَعرَابِي ويشتمل على أَوْصَاف كَثِيرَة واختلافنا فِي وصف وَاحِد وَهُوَ كَونه وقاعا فَنحْن نعتبره، والخصم يعْتَبر عُمُوم وصف الْإِفْسَاد، وَقد يوافقون فِي اعْتِبَار الوقاع وَيدعونَ أَن الْمَرْأَة فِيهِ كَالرّجلِ.
وَقد نوافقهم على أَن المناط (مُطلق الْإِفْسَاد) ، وندعي أَنه هُوَ أفسد صَومهَا، ثمَّ الْكَفَّارَة تترتب على الوقاع المهلك وَإِنَّمَا وجد من الزَّوْج وَالْمَرْأَة مَحَله حَتَّى لَا يَصح مِنْهَا أَن يَقُول واقعت وَانْتِفَاء الْعلَّة يُوجب انْتِفَاء الْمَعْلُول ويتأيد هَذَا الْفَصْل بالعاقلة إِذا مكنت مَجْنُونا فَإِن الْحَد سَاقِط عَنْهَا عنْدكُمْ فَإِن ناقضونا بِحَدّ الزِّنَى وَكَونه يعمهما إِمَّا لِأَن الْفِعْل مُشْتَرك بَينهمَا، أَو لِأَن تمكينها بِمَنْزِلَة الْفِعْل.
قُلْنَا: الْحَقَائِق لَا تنْتَقض بِالْأَحْكَامِ، وَالصَّحِيح أَنه فَاعل فعل الْإِيلَاج وَالْمَرْأَة مُمكنَة إِلَّا أَن الشَّرْع لقب تمكينها زنى وربط بِهِ الْحَد وَذَاكَ إِلَيْهِ، بَقِي إِذا ألحقت بِهِ هُنَاكَ فلتلحق بِهِ هَاهُنَا.
(2/92)

وَالْجَوَاب: هَذَا قِيَاس وَلَا مجَال للْقِيَاس فِي الْأَسْبَاب.
(2/93)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالسَّبْعُونَ: الْإِفْطَار بِالْأَكْلِ وَالشرب (عط)) .
الْمَذْهَب: لَا يُوجب الْكَفَّارَة.
عِنْدهم: يُوجب بالغذاء والدواء.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: الْخَبَر الشريف.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تَارِك للصَّوْم فِي بعض الْيَوْم فَلم تجب الْكَفَّارَة عَلَيْهِ، كَمَا لَو ترك
(2/94)

الْجَمِيع بِأَن لم ينْو لِأَن حَقِيقَة الصَّوْم ترك الْأكل لَا ترك الْجِمَاع، فالجماع من الْمَحْظُورَات، وَمنا من سلم أَن الْجِمَاع ترك الصَّوْم غير أَنه لَو طلع الْفجْر عَلَيْهِ وَهُوَ مخالط وَجَبت الْكَفَّارَة كتركه الصَّوْم فِي بعضه، وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا ترك الصَّوْم فِي كل النَّهَار بِأَن لم ينْو.
لَهُم:
وجد الْإِفْطَار الْكَامِل فَوَجَبت الْكَفَّارَة كالجماع، ذَلِك لِأَن الصَّائِم مَأْمُور بالكف عَن الشهوتين والجنابة بارتكابهما وَاحِد، وَقد سوى الشَّرْع بَينهمَا تَحْرِيمًا وتحليلا، وَالْكَفَّارَة عُقُوبَة فصلحت للزجر عَن الْإِفْطَار سِيمَا وشهوة الْبَطن هِيَ الْأَكْثَر وقوعا فاقتضت الزّجر عَنْهَا.
مَالك: تجب الْكَفَّارَة بِكُل مَا يحصل بِهِ هتك حُرْمَة الصَّوْم إِلَّا الرِّدَّة.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْكَفَّارَة لَيست فِي مُقَابلَة الْمحل حَتَّى نَنْظُر إِلَى فَوَاته ونقطع بِالنّظرِ
(2/95)

عَن الْفَوْت، وَإِنَّمَا الْكَفَّارَة بأزاء الْفِعْل، إِمَّا جَزَاء عَلَيْهِ أَو محوا لأثره حَتَّى يصير كَأَن لم يكن، وَهَذِه الْمُنَاسبَة فِي خُصُوص معنى الوقاع (أَكثر لِمَعْنى الْحَظْر فِيهِ فَإِن الوقاع) بِاعْتِبَار أَصله حرَام والحل عَارض وَالْأكل مُبَاح، وَالْحُرْمَة لعَارض وَلِهَذَا يقْضِي بِتَحْرِيم كل امْرَأَة لم يعرف حلهَا، وبحل كل مأكل لم تعرف حرمته، فَإِن الزِّنَا حرَام لعَينه، وَأكل مَال الْغَيْر حرَام لغيره، وَملك الْمُبَاح لَا يُغير هَذَا الْمَعْنى لِأَن فِي الْجُمْلَة فِي الْوَطْء ابتذالا هُوَ بعد الْملك كَمَا كَانَ قبل الْملك.
أما من أفطر بِخَمْر فَنَقُول: النَّقْص يدل على من يسْتَدلّ بالمناسبة على اعْتِبَار الْمَعْنى فِي حق الحكم وَنحن نثبت اعْتِبَار وصف الوقاع بِالنَّصِّ يعم الشَّرْط الْمُضَاف إِلَيْهِ أَن يكون مناسبا حَتَّى يعْتَبر مَعَ السَّبَب غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن مناسبا آخر لم يعتبره الشَّرْع وَمن يتحجر عَلَيْهِ فِيمَا يَأْخُذ ويذر.
(2/96)

فارغة
(2/97)

(الْمَسْأَلَة الثَّمَانُونَ: (ف)) .
إِذا جَامع فِي يَوْمَيْنِ من رَمَضَان.
الْمَذْهَب: تجب كفارتان.
عِنْدهم: كَفَّارَة وَاحِدَة وَاخْتلفُوا كَمَا لَو كفر ثمَّ وطئ فِي يَوْم ثَان.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
خبر الْأَعرَابِي.
وَجه الدَّلِيل كَونه لم يسْأَله دفْعَة وَاقع أَو دفعات، وَلَو اخْتلف الحكم لاستفصله، دَلِيل كَونه عُقُوبَة: قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من أفطر
(2/98)

مُتَعَمدا "، علق الْكَفَّارَة على العمدية فَدلَّ على كَونهَا عُقُوبَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تكَرر سَبَب الْوُجُوب فتكرر الْوُجُوب كَمَا لَو ظَاهر ثمَّ ظَاهر، فَإِن الحكم مُوجب السَّبَب فَكَانَ على وَفقه وَالْيَوْم الثَّانِي كَالْيَوْمِ الأول فِي جَمِيع أَحْكَامه.
لَهُم:
الْكَفَّارَة تجب بهدم حُرْمَة رَمَضَان والشهر وَاحِد فَهُوَ بِمَثَابَة شَهْري التَّتَابُع، وَكَفَّارَة رَمَضَان عُقُوبَة، والعقوبات تتداخل كالحد.
الدَّلِيل على كَونهَا عُقُوبَة: اعْتِبَار العمدية فِيهَا خرج عَلَيْهِ مَا لَو وطئ ثمَّ كفر فَإِنَّهُ بِمَثَابَة مَا لَو حد ثمَّ وطئ، وَكَذَا إِذا وطئ فِي رمضانين هُوَ كَمَا لَو وطئ امْرَأتَيْنِ.
مَالك: ق.
(2/99)

أَحْمد: إِن كفر عَن الأول وَجَبت فِي الثَّانِي.
التكملة:
الْكَفَّارَة لَيست من قبيل الْعِبَادَات، فَإِن الْعِبَادَات مَطْلُوبَة، وَالْكَفَّارَة بِسَبَب يأباه الشَّرْع، وَلَيْسَت غَرَامَة، إِذْ الغرامات خير الْمحَال، وَالْكَفَّارَة تجب بِإِزَاءِ الْفِعْل إِجْمَاعًا، وَلِهَذَا تَتَعَدَّد فِي الْجَمَاعَة، إِذا قتلوا وَاحِدًا مَعَ اتِّحَاد الدِّيَة وَلَيْسَت عُقُوبَة، لِأَن الْعُقُوبَات تزجر عَن الْفِعْل، وَالْفِعْل إِنَّمَا يزْجر عَنهُ إِذا اتّصف بِالْحُرْمَةِ وَذَلِكَ عِنْد النَّهْي.
وَالْكَفَّارَة تجب بِأَسْبَاب لَا يتَعَلَّق بهَا النَّهْي وَلَا تُوصَف بِالْحُرْمَةِ كَالْقَتْلِ الْخَطَأ، فَهِيَ إِذا جنس بِنَفسِهَا تمحو أثر الْفِعْل، ونقول: هتك حُرْمَة الشَّهْر خيال بَاطِل، وَإِنَّمَا هُوَ جنى على نَفسه وَدينه، وَمِنْهُم من يَقُول: تعدد السَّبَب يُوجب تعدد الحكم فِي الْعِبَادَات والغرامات لَا فِي الْحُدُود (وَقد يسلمُونَ تعدد الحكم، أما الاستبقاء فَفِي الْعِبَادَات والغرامات لَا الْحُدُود) .
وَالْجَوَاب: أَن الأَصْل تعدد الْأَحْكَام بِتَعَدُّد الْأَسْبَاب وَأَن يَسْتَوْفِي
(2/100)

ذَلِك مَا لم يُوجد مَانع.
(2/101)

فارغة
(2/102)

(مسَائِل الصّيام)
(2/103)

فارغة
(2/104)

ص 28 من المخطوطة " أ ":
(الْمُكَلف الْمَحْكُوم عَلَيْهِ، وَشَرطه أَن يكون عَاقِلا يفهم الْخطاب، لِأَن التَّكْلِيف يَقْتَضِي الطَّاعَة بالإمساك، وَلَا يُمكن الْإِمْسَاك إِلَّا بِقصد النِّيَّة، وَشرط الْقَصْد الْعلم بِالْمَقْصُودِ وَفهم التَّكْلِيف، فَمن لَا يفهم كَيفَ يُقَال لَهُ: افهم، وَمن لَيْسَ لَهُ قصد صَحِيح، كَيفَ يُكَلف الْقَصْد الصَّحِيح؟
وَأما وجوب الزَّكَاة والغرامات والنفقات على الصّبيان فَلَيْسَ ذَلِك من التَّكْلِيف؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل التَّكْلِيف بِفعل الْغَيْر وَتجب الدِّيَة على الْعَاقِلَة لَا بِمَعْنى أَنهم يكلفون بِفعل الْغَيْر لَكِن بِمَعْنى أَن فعل الْغَيْر سَبَب لثُبُوت الْغرم عَلَيْهِم، وَكَذَا ملك النّصاب سَبَب لثُبُوت الزَّكَاة فِي ذمَّة الصَّبِي بِمَعْنى أَنه سَبَب لخطاب الْوَلِيّ بِالْأَدَاءِ فِي الْحَال وَسبب خطاب الصَّبِي بعد الْبلُوغ وَذَلِكَ لَا يَسْتَحِيل إِنَّمَا يَسْتَحِيل أَن يُقَال لمن لَا يفهم افهم.
وَبِالْجُمْلَةِ الصَّبِي يفهم الْخطاب بِالْقُوَّةِ وَيظْهر إِلَى (الْفِعْل بِالْبُلُوغِ) وَأمر الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْوَلِيّ فَهُوَ يُخَاطب الصَّبِي، وَإِنَّمَا تعرف السن الَّتِي يُخَاطب فِيهَا بِالشَّرْعِ وَالنَّاسِي أَيْضا غير مُخَاطب، وَكَذَا السَّكْرَان وَلُزُوم المغارم من قبيل ربط الْأَحْكَام.
(2/105)

وَقَوله تَعَالَى: {لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى} {خطاب للمنتشي، فَإِن قَالُوا} : عنْدكُمْ لَيْسَ من شَرط الْأَمر كَون الْمَأْمُور بِهِ مَوْجُودا وَعَدَمه أكد من عدم صفة فهمه.
الْجَواب: الْمَعْدُوم مَأْمُور على تَقْدِير الْوُجُود لَا أَيَّة مَأْمُور فِي حَالَة الْعَدَم لَا يبعد أَن يقوم بِنَفس الْأَب طلب تعلم الْوَلَد الْعلم قبل وجود الْوَلَد فَصَارَ الْوَلَد مطالبا بذلك الطّلب.
وَكَذَا اقْتِضَاء الطَّاعَة من الْعباد تعلق بهم وعَلى تَقْدِير وجودهم (فَإِذا وجدوا صَارُوا) مأمورين وَلَا يُسمى هَذَا الْمَعْنى فِي الأول خطابا إِنَّمَا يصير خطابا إِذا وجد الْمَأْمُور) .
وَاعْلَم أَنه يحسن أَن يُقَال: (لمن أوصى أَوْلَاده) بالتصدق بِمَالِه أَمر فلَان أَوْلَاده بِكَذَا وَإِن كَانَ بَعضهم يعد مجنيا أَو مَعْدُوما.
وَاعْلَم أَنه لَا يقف (الْإِفْطَار على الطَّعَام وَالشرَاب) فَحسب بل لَو بلع
(2/106)

حَصَاة أفطر والحقنة تفطر والتقطير فِي الإحليل، وَلَا يكره للصَّائِم أَن يكتحل (وَلَو وجد طعم الدَّوَاء فِي) حلقه لم يفْطر.
الشَّيْخ الْهم إِذا أجهده الصَّوْم جهدا غير مُحْتَمل أفطر وَتصدق عَن كل يَوْم (مدا) وَمن وَجب عَلَيْهِ) قَضَاء رَمَضَان فجَاء رَمَضَان آخر وَلم يقْض صَامَ الْأَدَاء وَكفر عَن الْغَائِب.
(2/107)

(الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة وَالثَّمَانُونَ: (فا)) .
إِذا انْفَرد بِرُؤْيَة الْهلَال ورد الْحَاكِم شَهَادَته إِن جَامع.
الْمَذْهَب: وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " صومكم يَوْم تصومون " دَلِيل على أَن الْيَوْم لَيْسَ من الشَّهْر، لِأَن النَّاس مَا صاموه وَكَونه لَا يمْنَع بِرُؤْيَة الْهلَال لما رُوِيَ أَن
(2/108)

عمر رَضِي الله عَنهُ أَمر إنْسَانا زعم أَنه رأى الْهلَال أَن يغسل وَجهه فَفعل وَعَاد فَمَا رَآهُ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
أفطر فِي يَوْم من رَمَضَان بجماع يَأْثَم فَوَجَبت الْكَفَّارَة كَالْيَوْمِ الثَّانِي وَالدَّلِيل على وجوب صَوْمه وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ، وَفطر غَيره لَا يلْزمه، كَمَا لَو شرب خمرًا يحسبها الْغَيْر مَاء أَو وطئ أَجْنَبِيَّة يحسبها النَّاس زَوجته.
لَهُم:
أفطر بِشُبْهَة فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ كَمَا لَو تسحر يظنّ أَنه ليل فَلم يكن ذَلِك لِأَن الْكَفَّارَة فِي الصَّوْم عُقُوبَة، وَالدَّلِيل على الشُّبْهَة أَن الشَّهْر فِي حق غَيره شعْبَان، بِدَلِيل أَنه لَو عد النَّاس مَعَه تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا فَلم يرَوا الْهلَال لزمَه الصَّوْم مَعَهم.
مَالك:
أَحْمد:
(2/109)

التكملة:
دَلِيل على كَونه من شهر رَمَضَان صلَاته واستثناؤه عَن تثبيت النِّيَّة وتعيينها عِنْدهم وَلُزُوم قَضَائِهِ بنية رَمَضَان، إِذا فَاتَ، أما هم فَيَقُولُونَ لما رد الْحَاكِم شَهَادَته حكمنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ من رَمَضَان كَيْلا يكون فِي حق شخص من شعْبَان، وَفِي حق آخر من رَمَضَان، وَلَعَلَّه أَخطَأ فِي النّظر، وَإِنَّمَا ألزمناه فِي الصَّوْم شَرَائِطه احْتِيَاطًا.
الْجَواب: الرُّؤْيَة مدرك من مدارك الْعلم حَتَّى لَو أَن أهل قَرْيَة رَأَوْا الْهلَال لَزِمَهُم الصَّوْم، وَإِن لم يلْزم غَيرهم على مَسَافَة الْقصر، ويستحيل أَن يُقَال: انْتِفَاء الْغَلَط لكثرتهم، فَإِن الْكَثْرَة تَنْفِي احْتِمَال الْكَذِب لَا الْغَلَط فَإِن الْغَلَط جَار، أما إِذا لم ير الْهلَال فِي تَاسِع وَعشْرين فَإِنَّهُ يفْطر سرا خيفة التُّهْمَة.
(2/110)

فارغة
(2/111)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالثَّمَانُونَ: (غب)) .
إِذا وصل إِلَى جَوْفه بمضمضة أَو إِكْرَاه.
الْمَذْهَب: لَا يفْطر فِي القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: يفْطر إِن كَانَ ذَاكِرًا للصَّوْم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ " وَالْخَطَأ لَا يرْتَفع إِنَّمَا نرفعه من حَيْثُ الْمَعْنى، وَلَا نعلق بِهِ حكما.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الصَّوْم مِمَّا ولج، وَالْوُضُوء مِمَّا خرج "، وَقَالَ
(2/112)

للقيط: " بَالغ فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق إِلَّا أَن تكون صَائِما فارفق "، وَإِنَّمَا نهى مَخَافَة الْوَاصِل.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وصل الْوَاصِل إِلَى جَوْفه بِغَيْر اخْتِيَاره فَلم يفْطر كَمَا لَو طَار إِلَى حلقه ذُبَابَة.
لَهُم:
لَو بَالغ أفطر لَا بالمبالغة بل بالواصل، وَكَذَا إِن لم يُبَالغ إِذْ الحكم مَعَ الْوَاصِل كَمَا قُلْنَا فِي الْقبْلَة نهى عَنْهَا الشَّاب، وَرخّص فِيهَا للشَّيْخ، ثمَّ إِن الشَّيْخ لَو قبل أفطر، عبارَة: وصل الْوَاصِل إِلَى جَوْفه وَهُوَ ذَاكر فَأفْطر
(2/113)

قِيَاسا على مَا لَو ظن أَنه ليل.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
الصَّوْم فعل أَمر العَبْد بِهِ وَهُوَ الْكَفّ، والإفطار فعل هُوَ ترك الصَّوْم وَفعله مَا تعلق بقدرته وَقس على النَّاسِي الله أطعمك وسقاك، وَالْأَصْل أَن من لَا يفعل شَيْئا لَا يُضَاف إِلَيْهِ، وحافر الْبِئْر فِي ملك الْغَيْر أضيف إِلَيْهِ لتعديه، قَوْلهم: الصَّوْم مِمَّا يلج، يرد عَلَيْهِ الاستقاء عِنْدهم النَّاسِي على خلاف الْقيَاس، وَإِلَّا الْفطر قد وجد.
وحرف المسالة أَن عندنَا كَمَا لَا يدْخل فِي الصَّوْم إِلَّا بِقصد لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا بِقصد، وَعِنْدهم يحصل الْإِفْطَار بالمنافي.
(2/114)

فارغة
(2/115)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالثَّمَانُونَ: (فج)) .
الْمَجْنُون إِذا أَفَاق فِي أثْنَاء الشَّهْر.
الْمَذْهَب: لَا يلْزمه قَضَاء مَا فَاتَ من أَيَّام الشَّهْر.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث " رفع التَّكْلِيف عَن الْمَذْكُورين وَيَقْتَضِي رفع مُطلق الْوُجُوب، وَاسْتثنى من ذَلِك النَّائِم بِدَلِيل.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} وَقد تحقق شُهُوده حَيْثُ أَفَاق فِي بعضه إِذْ كَانَت إِضَافَة وجوب الصَّوْم إِلَى الشَّهْر إِضَافَة مُطلقَة، وَهَذَا يدل على السَّبَبِيَّة، لِأَن الحكم أخص بِسَبَبِهِ من شَرطه، لِأَن السَّبَب مُوجب وَالشّرط غير مُوجب.
(2/116)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْإِيجَاب لَا يتَنَاوَل زمن الْجُنُون، فَإِذا أَفَاق لَا يتَنَاوَل الْإِيجَاب الزماني الْمَاضِي كَالصَّبِيِّ بلغ فِي بعض الشَّهْر، ذَلِك لِأَن الْإِيجَاب بخطاب الشَّرْع، لِأَنَّهَا عبَادَة سمعية، وَالْخطاب سَاقِط، وَالْوُجُوب بِالْخِطَابِ لَا بالأسباب، والمتكرر بِمُطلق الْأَمر.
لَهُم:
الْجُنُون يمْنَع من فهم الْخطاب فَلَا يمْنَع الْوُجُوب وَالْأَدَاء، إِذْ التَّصَوُّر كَالصَّوْمِ، لِأَن أَسبَاب الْأُمُور الحسية كالوقت للصَّلَاة، وَالْمَال لِلزَّكَاةِ وَإِذا حصلت حصل الْمُسَبّب، وَلِأَنَّهَا تَتَكَرَّر بِتَكَرُّر الْأَوْقَات، وَإِنَّمَا سقط الْقَضَاء إِذا أَفَاق بعد الشَّهْر للْحَرج، وندعي أَنه مُخَاطب.
مَالك: إِذا فَاتَ الشَّهْر فِي حَال حَيَاته فَعَلَيهِ الْقَضَاء.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
(2/117)

التكملة:
قَالُوا: خطاب الْأَدَاء التمَاس الْفِعْل من الْمُكَلف، وَالْمَجْنُون لَيْسَ أَهلا لَهُ، وخطاب الْوُجُوب الْإِثْبَات فِي الذِّمَّة، وَذمَّة الْمَجْنُون صَحِيحَة.
الْجَواب: هَذَا التَّقْسِيم مَقْبُول فِي الْمُعَامَلَات، فَإِن الْوَاجِب مثلا مَال مُقَدّر فِي الذِّمَّة، والعبادات لَيْسَ فِيهَا إِلَّا خطاب وَاحِد، وَهُوَ طلب الْفِعْل، وَالْفرق بَينهمَا أَن المَال الْمُؤَدى غير فعل الْأَدَاء، وَهَاهُنَا الْفِعْل الْمُؤَدِّي عين فعل الْأَدَاء، وَقد وَقع الِاشْتِرَاك فِي اللَّفْظ فَإِنَّهُ يُقَال: أَدَاء المَال وَأَدَاء الصَّلَاة فيظن أَن الْمُؤَدى فِي الصَّلَاة غير الْأَدَاء، والعذر عَن النَّائِم (أَن الشَّرْع) أدَار الْخطاب مَعَ الْعقل والنائم عَاقل، بِدَلِيل أَنه لَو روعه مُنَبّه فَزَالَ عقله وَجب عَلَيْهِ الضَّمَان، وَنسبَة النَّائِم إِلَى الْمَجْنُون نِسْبَة الْمُقَيد إِلَى الزَّمن.
حرف الْمَسْأَلَة عندنَا الْوُجُوب يتلَقَّى من خطاب الشَّرْع وَلَا خطاب فِي حق الْمَجْنُون، وَعِنْدهم يتلَقَّى من الْأَسْبَاب.
(2/118)

فارغة
(2/119)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ: (فد)) .
إِذا شرع فِي صَلَاة أَو صَوْم تطوع.
الْمَذْهَب: لَا يلْزمه إِتْمَامه وَلَا قَضَاؤُهُ إِن أفْسدهُ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رَوَت أم هَانِئ رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: كنت عِنْد النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَأتي بقدح فِيهِ شراب فَشرب وناولني فَشَرِبت، وَقلت: يَا رَسُول الله أذنبت ذَنبا فَاسْتَغْفر لي، فَقَالَ: " مَا فعلت؟ "، قلت: كنت صَائِمَة، قَالَ: " أعن قَضَاء؟ ". قلت: لَا. فَقَالَ: " لَا يَضرك ".
(2/120)

لَهُم:
قَالَت عَائِشَة: كنت وَحَفْصَة صائمتين فأهدى لنا طَعَام فأكلنا فَدخل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فابتدرتني حَفْصَة وَكَانَت بنت أَبِيهَا فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: " اقضيا يَوْمًا مَكَانَهُ "، وَدخل عَليّ ذَات يَوْم فَقَالَ: " إِنِّي صَائِم " فأهدي لنا حيس، فَقَالَ: " إِنِّي آكل وأقضي يَوْمًا ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تَارِك للصَّوْم فِي بعض الْيَوْم فَلَا يزِيد على ترك الْجَمِيع أما الْإِكْرَام والالتزام فَلَا يُوجد إِثْم إِنَّه عبَادَة لَا يجب الْمُضِيّ فِيهَا مَعَ الْإِفْسَاد فَلَا
(2/121)

تلْزم بِالشُّرُوعِ يخرج عَلَيْهِ الْحَج فَإِنَّهُ يمْضِي فِيهِ مَعَ الْإِفْسَاد.
لَهُم:
عبَادَة تلْزم بِالنذرِ فتلزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ، وَإِذا شرع فِي صَوْم نفل فَأول جُزْء أَتَى بِهِ انْعَقَد قربَة، والقرب لَا يجوز إِبْطَالهَا، قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} .
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
يلْزمهُم إِذا شرع فِي صَوْم ظن أَنه وَاجِب عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يلْزمه الْمُضِيّ فِيهِ، عِنْدهم أَن الْغرم يلْزم كالنذر، وَإِن كَانَ النّذر يلاقي كل يَوْم وَالْغُرْم بعضه.
قَالُوا: وَأجْمع الأصوليون على أَن من نَدم على طَاعَة وَتَابَ عَنْهَا كفر، وَاعْتَذَرُوا عَن الْأكل عِنْد الصّديق بالْخبر الْوَارِد فِيهِ من جبر قلب الْمُسلم.
وَالْجَوَاب: لَا نسلم أَن الْغرم مُلْزم، وَالنّذر الْتِزَامه صَحِيح صَرِيح وثابت
(2/122)

فِي الذِّمَّة كالديون، وَهَاهُنَا لم تُوجد الْعِبَادَة حَتَّى تحفظ.
ونقول: الصَّوْم لَا يتَجَزَّأ بل كُله عبَادَة وَبَعضه لَيْسَ بِعبَادة، وَهُوَ يشابه الْإِيجَاب وَالْقَبُول، وَالصَّحِيح أَن نسلم أَنه عبَادَة، لَكِن نقُول: الْجُزْء يحاكي أَصله وَلَو ترك أصل هَذِه الْعِبَادَة فِي الْيَوْم لم يلْزمه شَيْء، وَأما قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} أَرَادَ بِهِ الْوَاجِبَات.
(2/123)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّمَانُونَ: (فه)) .
إِذا نذر صَوْم الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق.
الْمَذْهَب: لَا ينْعَقد نَذره وَإِذا صَامَ لم يَصح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا تَصُومُوا يَوْم النَّحْر " فالنهي دَلِيل الْفساد وَفَسَاد الْمَنْذُور فَسَاد النّذر، فَإِن النّذر الْتِزَام يُرَاد للوفاء، فَلَمَّا امْتنع شرعا بَطل، وَصَارَ كنذر يَوْم أَيَّام الْحيض.
لَهُم:
نهى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن صَوْم هَذِه الْأَيَّام، وَلَو لم يتَصَوَّر لما نهى
(2/124)

وَعنهُ، وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود من النَّهْي امْتنَاع الْمُكَلف وَالصَّوْم شرعا هُوَ هَذَا الْإِمْسَاك، وَالدَّلِيل على المشروعية عمومات الْأَمر بِالصَّوْمِ كَقَوْلِه تَعَالَى: " الصَّوْم لي "، وَمُقْتَضى الْأَمر يَقْتَضِي شرع الْمَأْمُور.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أضَاف النّذر إِلَى غير مَحَله فلغا كالليالي، ذَلِك لِأَن الْمَنْذُور الصَّوْم وَلَيْسَت محلا وَلَا يحل صَومهَا، وَالْخُلَاصَة أَن الصَّوْم عقد شَرْعِي فَلَا ينْعَقد إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْع هُوَ الْإِيجَاب مرّة، والاستحباب مرّة، وهما معدومان.
ونقول: نذر مَعْصِيّة فَلَا يَصح قِيَاسا على جَمِيع الْمعاصِي، وَلَو صَامَ فِيهَا وَقضى لم يَصح.
لَهُم:
يَوْم فَيكون محلا للصَّوْم كَغَيْرِهِ، بَيَان الْمَحَلِّيَّة النَّهْي عَنهُ، الدَّال على تكونه فِيهِ، وَلِأَن الصَّوْم كف النَّفس عَن الشهوتين فمحله زمَان ذَلِك، وَالنَّهْي لَا لِمَعْنى يرجع إِلَى الْيَوْم بل لإجابة الدَّاعِي وهم أضياف الله فَصَارَ
(2/125)

كَالصَّلَاةِ فِي دَار مَغْصُوبَة، ونقول: نذر صدر من أَهله فِي مَحَله فصح.
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْجَواب عَن نُكْتَة الْمَسْأَلَة أَن نقُول: افهموا من الصَّوْم مَا تفهمون من صَلَاة الْحَائِض فَمَا يُخَالف بِهِ الْحَائِض لَو صلت هُوَ الَّذِي يُخَالف بِهِ صِيَام يَوْم الْعِيد وَالْحق أَن يحمل لفظ الشَّرْع على مَوْضُوعه.
وَمَعْنَاهُ أَن الصَّلَاة فِي اللُّغَة هِيَ الدُّعَاء، فَإِذا أطلقت شرعا أُرِيد بِهِ الصُّورَة الْمَعْلُومَة، فَإِذا قَالَ: لَا تصل لم يرد لَا تدع بل مَعْنَاهُ لَا تقدم على الصُّورَة الَّتِي صورتهَا لَك وسميتها صَلَاة، وَكَذَا فِي الصَّوْم.
أما كَونه صَحِيحا فَلَيْسَ جُزْءا من الْمُسَمّى حَتَّى يفوت الِاسْم بفواته، بل هُوَ تبع وجود الْمُسَمّى مَعَ زِيَادَة شَيْء آخر، وَهُوَ كَونه مُوَافقا لِلْأَمْرِ السَّابِق
(2/126)

وفساده تبع وجود الْمُسَمّى مُخَالفا لأمر سَابق، وبهذه الدقيقة ينْحل إِشْكَال الْمَسْأَلَة ثمَّ الْأَيَّام مَا كَانَت محالا لِأَنَّهَا بَيَاض نَهَار بل بِالشَّرْعِ وَالنَّهْي ينْصَرف إِلَى الْإِمْسَاك حسا، وَهَذَا يتَصَوَّر فِي يَوْم الْعِيد، وَالصَّوْم لَهُ طرفان: طرف يتَعَلَّق بالمأمور، وَهُوَ الْإِمْسَاك وَالنِّيَّة وَذَلِكَ مُتَصَوّر مِنْهُ، وطرف يتَعَلَّق بِالْأَمر وَهُوَ إِذْنه فِيهِ، فَإِذا لم يَأْذَن لَا يكون مَشْرُوعا، وَلَا نسلم أَن الْعِبَادَة بمجاهدة النَّفس بل بِطَاعَة الْأَمر ويلزمهم كَونه لَا يلْزم بِالشُّرُوعِ، وَكَونه لَا تَصُوم فِيهِ قَضَاء، ثمَّ افهم أَن الْحَائِض لَا يُخرجهَا الْحيض عَن أَهْلِيَّة الْعِبَادَة، أَلا ترى أَن الْمُحدث لَا تصح صلَاته وَلَو التزمها وَالْحيض كالجنابة.
(2/127)

فارغة
(2/128)

(مسَائِل الْحَج)
(2/129)

فارغة
(2/130)

لوحة 29 من المخطوطة " أ ":
" لما عسر على الْخلق معرفَة خطاب الله تَعَالَى فِي كل حَال لَا سِيمَا عِنْد انْقِطَاع الْوَحْي أظهر الله خطابه لخلقه بِأُمُور حسية هِيَ أَسبَاب للْأَحْكَام جعلهَا مُوجبَة ومقتضية، ونعني بالأسباب أَنَّهَا الَّتِي أضَاف الْأَحْكَام إِلَيْهَا لقَوْله تَعَالَى: {أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس} ، و {من شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} وَهَذَا فِيمَا يتَكَرَّر كالعبادات والغرامات، فَللَّه فِي الزَّانِي حكمان: أَحدهمَا وجوب الْحَد عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: نَصبه الزِّنَا سَببا للْوُجُوب فِي حَقه، لِأَن الزِّنَا لَا يُوجب الْحَد لذاته.
وَأما مَا يتَكَرَّر كَالْحَجِّ فَيمكن أَن يُقَال ذَلِك مَعْلُوم بقوله تَعَالَى: {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت} فسبب وجوب حج الْبَيْت دون الِاسْتِطَاعَة، وَلما كَانَ وَاحِدًا لم يجب فِي الْعُمر إِلَّا مرّة ".
" وَاعْلَم أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي التَّأْخِير لَا بِمَعْنى الْوُجُوب فَإِنَّهُ لَا قَائِل
(2/131)

بِوُجُوب التَّأْخِير، بل بِمَعْنى جَوَاز التَّأْخِير، وَذَلِكَ أَنه يَقْتَضِي إِيقَاع الْفِعْل لَا غير فَيصير متمثلا بالإيقاع فِي أَي زمَان كَانَ كَمَا يكون متمثلا بالإيقاع فِي أَي مَكَان كَانَ، لِأَن اللَّفْظ لَا يشْعر بِغَيْر الطّلب، خَالِيا عَن الطَّرفَيْنِ.
وَعند الْعِرَاقِيّ أَنه يَقْتَضِي البدار، فَإِن عارضونا بِأَن السَّيِّد إِذا أَمر عَبده بِفعل فتوانى فِيهِ كَانَ ملوما.
قُلْنَا: ذَلِك لِأَن قرينَة حَال السَّيِّد تَقْتَضِي البدار، لِأَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِيهِ، نعم النَّهْي يَقْتَضِي البدار، لِأَنَّهُ إِذا لم ينْتَه خَالف الْأَمر.
وَاعْلَم أَن الْأَمر قد يُطلق بِإِزَاءِ الْفِعْل، قَالَ الله تَعَالَى: (وَمَا أمرنَا إِلَّا
(2/132)

وَاحِدَة} ، {وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد} ، وَقد يُطلق بِإِزَاءِ قَول مَخْصُوص فَهُوَ فِي الْفِعْل مجَاز وَفِي القَوْل حَقِيقَة.
وَاعْلَم أَن أول فرض الْحَج سنة ووأخرة النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى سنة ي حَتَّى عَاد الزَّمَان إِلَى هَيئته، وَاعْلَم أَن الْمحرم إِذا لبس نَاسِيا فَلهُ نزع اللبَاس.
قَالَ بعض التَّابِعين: لَا يَنْزعهُ بل يشقه إِذا كَانَ مَعَه مَاء لَا يَكْفِيهِ لغسل الطّيب، وَالطَّهَارَة غسل الطّيب، لِأَنَّهُ يُمكنهُ بدل الْوضُوء التَّيَمُّم، وَإِن أمكنه قطع رَائِحَة الطّيب بِشَيْء غير المَاء فعل وَتَوَضَّأ بِالْمَاءِ " إِن كَانَ بِهِ جِرَاحَة فَشد عَلَيْهَا خرقَة، إِن كَانَت فِي غير الرَّأْس فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع من تَغْطِيَة بدنه إِلَّا بالمخيط، وَإِن كَانَت فِي رَأسه لَزِمته الْفِدْيَة ".
وَيجوز للْمحرمِ أَن يستظل فِي الْمحمل خلافًا لَهُم، قَالَ الله تَعَالَى: (إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن
(2/133)

يطوف بهما} قرئَ بِالْوَقْفِ على (جنَاح والابتداء) عَلَيْهِ أَن يطوف بهما، حَصى الْجمار بِقدر الْأُنْمُلَة تَقْرِيبًا.
وَرُوِيَ أَن سكينَة بنت الْحُسَيْن رَضِي الله عَنْهُمَا رمت بست حَصَيَات فأعوزتها السَّابِعَة فرمت بخاتمها فَيحْتَمل أَنه كَانَ فصه حجرا، فِي الْخَبَر " لَا تحرم الْمَرْأَة وَهِي غفل "، أَي حَتَّى تختضب وَتكره التطاريف.
من هوامش هَذِه اللوحة:
الْحَج: كَثْرَة الْقَصْد إِلَى مُعظم بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا.
(وَأشْهد من عَوْف حؤولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا)

يكره تَسْمِيَة من لم يحجّ صرورة، قَالَ النابعة:
(2/134)

(لَو أَنَّهَا عرضت لأشمط رَاهِب ... عبد الْإِلَه صرورة متعبد)

التَّلْبِيَة: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لَا شريك لَك لبيْك، إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك لَا شريك لَك، وَيُصلي على النَّبِي، فَإِن رأى حسنا يُعجبهُ قَالَ: لبيْك إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة.
يجب الْحَج بِسبع شَرَائِط: الْعقل، الْبلُوغ، الْحُرِّيَّة، الْإِسْلَام، الِاسْتِطَاعَة، تخلية الطَّرِيق، إِمْكَان السّير، الاضطباع من الضبع، وَهُوَ الْعَضُد، وَصورته: أَن يكْشف مَنْكِبه وَيخرج الرِّدَاء من تَحْتَهُ وَيجْعَل الطَّرفَيْنِ على مَنْكِبه الْأَيْسَر.
(2/135)

فارغة
(2/136)

فارغة
(2/137)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالثَّمَانُونَ: إِذا بذل الْوَلَد بدنه للْأَب أَو مَاله مَعَ عَجزه عَنْهُمَا أَو عَن أَحدهمَا (فو)) .
الْمَذْهَب: صَار بذلك مستطيعا وَفِي الْأَجْنَبِيّ وَجْهَان.
عِنْدهم: لَا يصير مستطيعا ببذل غَيره.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
{وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} .
لَهُم:
{وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا}
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْقُدْرَة أَمر حَقِيقِيّ حسي، وَذَلِكَ يحصل ببذل الابْن. دَلِيله: لَو بذل لَهُ المَاء فِي الطَّهَارَة فَإِنَّهُ يصير قَادِرًا وَلَا يجوز لَهُ التَّيَمُّم ثمَّ الزَّمن يصير بِالْمَالِ
(2/138)

قَادِرًا، كَمَا لَو أوجب عَلَيْهِ الْحَج وطرأ الزَّمن فَإِذا جَازَ أَن يبْقى الْوُجُوب جَازَ أَن يَبْتَدِئ.
لَهُم:
الْبَذْل لَا يجْرِي مجْرى الْملك وَالْقُدْرَة. دَلِيله: لَو كَانَ الْبَاذِل أَجْنَبِيّا، أَو بذل الابْن المَال، أَو بذل الرَّقَبَة فِي الْكَفَّارَة فَإِنَّهُ لَا يصير الْأَب بذلك مستطيعا لِلْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ لَو أذن السَّيِّد لعَبْدِهِ فِي الْحَج وَذَلِكَ لِأَن قدرَة الْمَرْء وصف يقوم بِهِ، وَالْإِبَاحَة وصف يقوم بالمبيح.
مَالك:
أَحْمد: ف.
التكملة:
مِنْهُم من يسلم أَن الزَّمن إِذا ملك مَالا يجب عَلَيْهِ الْحَج بِمَعْنى أَنه بِحَجّ غَيره فَيحصل لَهُ ثَوَاب نَفَقَته (فَيسْقط عَنهُ الْفَرْض) بِهَذِهِ الطَّرِيقَة وَاخْتَارَ ذَلِك أَبُو زيد.
(2/139)

وَالصَّحِيح من مَذْهَبهم أَنه لَا يجب عَلَيْهِ الْحَج، لِأَن الْحَج عبَادَة تُؤَدّى بأعمال الْبدن وَالْمَال فِيهَا تَابع، ثمَّ ثَبت أَن من لَا مَال لَهُ وَإِن قدر بِبدنِهِ لَا يجب عَلَيْهِ وَلَو كَانَ بِعَرَفَة.
فالعجز بِالْبدنِ أولى، ثمَّ فرقوا بَين الِابْتِدَاء والدوام يكون الِابْتِدَاء أصعب من الدَّوَام فَاشْترط لَهُ مَا لَا يشْتَرط لَهُ، وَاعْتَذَرُوا عَن المَاء بخلوه عَن الْمِنَّة.
أما نَحن فنمنع الْمسَائِل الَّتِي ألزمونا من بذل المَال وبذل الْأَجْنَبِيّ ونقول: يصير مستطيعا وَكَذَلِكَ فِي رَقَبَة الْكَفَّارَة، وَإِن فرقنا بَين الْوَلَد وَالْأَجْنَبِيّ فَيكون الْوَلَد كسب أَبِيه، وَرُبمَا قُلْنَا حَاله لَا تنَافِي دوَام الْوُجُوب (فَلَا ننافي ابْتِدَاء الْوُجُوب) مَعَ الْأَهْلِيَّة قِيَاسا على حَالَة الصِّحَّة والأهلية احْتِرَازًا عَمَّا بعد الْمَوْت ونعتذر عَن العَبْد بِعَدَمِ الْأَهْلِيَّة فَإِنَّهُ لَو كَانَ بِعَرَفَة لم يجب عَلَيْهِ الْحَج، ثمَّ الِاعْتِبَار فِي الْكَفَّارَات بِحَالَة الْأَدَاء فبذلك يصير الْوَالِد مستطيعا إِذا بذل لَهُ الابْن الرَّقَبَة، وَإِن قُلْنَا: الِاعْتِبَار بِحَال الْوُجُوب فقد اسْتَقر الصَّوْم فِي ذمَّته فَلَا يُبدل حكمه.
(2/140)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ: وجوب الْحَج (فز)) .
الْمَذْهَب: على التَّرَاخِي.
عِنْدهم: على الْفَوْر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
حج النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي السّنة الْعَاشِرَة من الْهِجْرَة وَكَانَ الْفَتْح سنة ثَمَان وَلَو كَانَ لَهُ عذر لأمر من لَا عذر لَهُ من الصَّحَابَة وَبَين ذَلِك، وتوهم أَن الله أطلعه على عمره توهم وغطى، فَالله تَعَالَى هُوَ المستأثر بِعلم الْغَيْب وَلم ينْقل هَذَا التَّوَهُّم.
لَهُم: ... .
(2/141)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
موسع الْوُجُوب مَعْقُول ومشروع بِدَلِيل الزكوات وَالْقَضَاء وَالنّذر وَالْكَفَّارَات وَالْأَمر بِالْحَجِّ جَاءَ مُطلقًا وَاقْتضى الطَّاعَة وَلم يتَعَرَّض لزمان بِعَيْنِه وَالتَّعْيِين يفْتَقر إِلَى زَائِد، وَإِذا لم يقتض الْفَوْر نفى التَّأْخِير فنسبة الزَّمَان، جَمِيعه إِلَى الْحَج كنسبة الْوَقْت إِلَى صلَاته.
لَهُم:
المأخذ الأول: كَون الْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب كالكسر يَقْتَضِي الانكسار وَالْغُرْم لَا يدع الذِّمَّة والتأخر، أما إِلَى غَايَة مَعْلُومَة، وَلم يقل بِهِ أحد، أَو إِلَى عَام يغلب على ظَنّه الْعَجز وَهَذَا مُمْتَنع.
المأخذ الثَّانِي: أَن التَّأْخِير تَفْوِيت فَالسنة يتخللها حوادث وَالْكَفَّارَات قَامَ دَلِيل على تَأْخِيرهَا ثمَّ هِيَ مُمكنَة الْأَدَاء دَائِما.
مَالك: ف.
أَحْمد: ف.
(2/142)

التكملة:
الْحَج عبَادَة أمدها الْعُمر فَأَي وَقت أَدَّاهَا وَقعت موقعها، وكما يجوز أَن يكون فِي الْوَاجِب الْمضيق مصلحَة يجوز أَن يكون فِي الْوَاجِب الموسع مصلحَة، ويتأيد بِأَن الْحَج مَتى فعل كَانَ أَدَاء وَلَو فَاتَ وقته قضي كالصلوات، وَالْحكمَة فِي كَون الْحَج وَظِيفَة الْعُمر حَتَّى لَا يَخْلُو جُزْء مِنْهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَو وَجب على الْفَوْر مَعَ الِاسْتِطَاعَة أدّى إِلَى خلل عَظِيم فَإِنَّهُ كَانَ يجب على أهل بلد فِي نوبَة وَاحِدَة وَرُبمَا كَانَ رِبَاطًا فيخلو الثغر ويجر فَسَادًا ثمَّ نقُول: التّرْك جملَة لَا يجوز بل التَّأْخِير وَكَونه يَعْصِي لَو مَاتَ بعد الِاسْتِطَاعَة وَلم يحجّ ذَلِك لأَنا جَوَّزنَا لَهُ التَّأْخِير بِشَرْط السَّلامَة كَمَا يجوز للزَّوْج ضرب زَوجته وَلَو مَاتَت ضمن.
(2/143)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالثَّمَانُونَ: (فح)) .
من عَلَيْهِ فرض الْحَج لَو تنفل بِهِ أَو نفل بِهِ.
الْمَذْهَب: لَا يَصح نفلا بل فرضا وَلَا يَقع إِلَّا عَن نَفسه.
عِنْدهم: يكون كَمَا أوقعه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
سمع النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام رجلا يُلَبِّي عَن شبْرمَة فَقَالَ لَهُ: " أحججت عَن نَفسك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حج عَن نَفسك ثمَّ عَن شبْرمَة "، وروى عَن نَفسك فلب.
لَهُم:
سمع النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام رجلا يُلَبِّي عَن نبشة فَقَالَ: " أحججت عَن
(2/144)

نَفسك "؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " حج عَن نبشة وَحج عَن نَفسك ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
فرض الْحَج أهم من فعله، وَالشَّرْع نَاظر الْعباد، وَمن النّظر لَهُم إِيقَاع نفل الْحَج عَن فَرْضه لكَونه عبَادَة الْعُمر، وَفِيه مشقة هَذَا، كَمَا نقُول فِي الْإِسْلَام لما كَانَ أصل الْعِبَادَات لَو أَتَى بِهِ كَيْفَمَا أَتَى بِهِ وَقع فرضا.
لَهُم:
عبَادَة تَنْقَسِم إِلَى نفل وَفرض فصح أَن يتَنَفَّل بهَا قبل أَدَاء الْفَرْض كَالصَّلَاةِ ونقول: عبَادَة مقدرَة بأفعالها فصح إِيقَاع نفلها قبل فَرضهَا كَالصَّلَاةِ، فَإِن الْحَج يعرف بأفعاله لَا بوقته، فالوقت يحْتَمل مَا وضع فِيهِ بِخِلَاف الصَّوْم، فَإِنَّهُ يقدر بِالْوَقْتِ.
مَالك: وَافق أَبَا حنيفَة فَيجوز أَن يحجّ عَن غَيره.
(2/145)

أَحْمد: ق.
التكملة:
يلْزمهُم إِذا أطلق النِّيَّة فَإِنَّمَا ينْصَرف إِلَى الْفَرْض وَيفرق بَين الصَّلَاة وَالْحج بِكَوْن الْحَج عبَادَة الْعُمر، وَبِمَا يتَضَمَّن من المشاق ونهار رَمَضَان أَيْضا ظرف الصَّوْم، وَبِالْجُمْلَةِ نقُول: وُقُوع نفل الْحَج عَن فَرْضه فِيهِ نظر، وَقد ورد مثله بِدَلِيل أَنه لَو أطلق النِّيَّة وَقعت عَن الْفَرْض وَالنِّيَّة الْمُطلقَة وَنِيَّة الْفِعْل وَاحِد، فَإِن قَالُوا عبَادَة لَا يتَعَيَّن وَقتهَا فَلَا يتَأَدَّى فَرضهَا بنية نفلها كَالصَّلَاةِ، فَإِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
الْجَواب: الْأَوْقَات تتَعَيَّن على معنين: أما أَن تتَعَيَّن بذاتها كالدلوك للصَّلَاة وَالشُّهُود للشهر، وَأما أَن يتَعَيَّن بِمَعْنى يقارنها كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام: " من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا "، فَصَارَ ذكره معينا للْوَقْت وَالْحج من هَذَا الْقَبِيل فَإِن الْمُكَلف أول إِحْرَام يحرمه أَمارَة على أَن الزَّمَان بعده مُتَعَيّن لِلْحَجِّ المفترض ويلزمهم مُطلق النِّيَّة فَإِنَّهَا تَنْصَرِف إِلَى الْفَرْض ويلزمهم إِذا نوى بِالطّوافِ النَّفْل فَإِنَّهُ ينْصَرف إِلَى الْفَرْض.
(2/146)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالثَّمَانُونَ:
شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة أشهر الْحَج (فط)) .
الْمَذْهَب: إِذا أحرم فِي غَيرهَا بِالْحَجِّ لم ينْعَقد إِحْرَامه حجا، وَهل ينْعَقد عمْرَة؟ قَولَانِ.
عِنْدهم: ينْعَقد إِحْرَامه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {الْحَج أشهر مَعْلُومَات} مَعْنَاهُ وَقت الْحَج أشهر.
لَهُم:
رُوِيَ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله} إِتْمَامهَا أَن يحرم بهَا من دويرة أَهله فَيلْزم من هَذَا أَن يَصح مِمَّن دَاره بعيدَة.
(2/147)

وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " وَهَذَا قد نوى الْإِحْرَام بِالْحَجِّ فَلَا يَقع لَهُ عمْرَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ركن من أَرْكَان الْحَج فَلَا يجوز فعله قبل دُخُول وقته كَسَائِر الْأَركان الدَّلِيل على كَونه ركنا: أَنه يُقَال لَهُ تمم وَيجب عَلَيْهِ إِحْضَار النِّيَّة فِيهِ والمضي وَلَا يستدام إِلَى سنة ثَانِيَة بِخِلَاف الْوضُوء فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ صلوَات.
لَهُم:
شَرط يدْخل بِهِ فِي الْعِبَادَة فَلَا يعين لَهُ وَقت الْعِبَادَة كَالْوضُوءِ للصَّلَاة الدَّلِيل على كَونه شرطا: أَنه يُرَاعى إِلَى آخرهَا، وأركان الْعِبَادَة مَا يُعَاقب الْبَعْض وَلَا يعْتَبر فِيهِ الْكَفّ عَمَّا ينكف عَنهُ فِي أَفعَال الْحَج، ولينافيه مَا يُنَافِي الْأَفْعَال.
مَالك: يكره الْإِحْرَام فِي غَيرهَا وَينْعَقد.
(2/148)

أَحْمد: وَافق أَبَا حنيفَة.
التكملة:
لَو أحرم بِعُمْرَة فِي شهر رَمَضَان وقضاها ثمَّ حج من عَامه لم يكن مُتَمَتِّعا بِخِلَاف مَا إِذا أحرم فِي شَوَّال، والمتمتع من زاحم أَفعَال الْحَج فِي وقته بِعُمْرَة، وَهَذَا يدل على الْفرق بَين الْوَقْتَيْنِ، ثمَّ من أحرم بِالْحَجِّ وسعى فِي رَمَضَان لزمَه الْإِعَادَة، وَلَو أَنه وجد الِاسْتِطَاعَة فِي شهر رَمَضَان وحضرته الْوَفَاة لم تلْزمهُ الْوَصِيَّة بِالْحَجِّ بِخِلَاف شَوَّال، وَالْإِحْرَام فِي غير أشهره مَكْرُوه فِي المذهبين.
استدلوا على أَن الْإِحْرَام شَرط بِكَوْنِهِ يعْتَبر فِي سَائِر الْعِبَادَة.
وَقَالُوا: الرُّكْن مَا يتركب مِنْهُ وَمن غَيره الْعِبَادَة وَهَذَا عندنَا مَمْنُوع، فَإِن التَّلْبِيَة لَا يشْتَرط بَقَاؤُهَا وَكَونه يبْقى لَا يدل على أَنه لَيْسَ بِرُكْن.
(2/149)

(الْمَسْأَلَة التِّسْعُونَ: (ص)) .
إِذا أحرم بحجتين أَو عمرتين.
الْمَذْهَب: ينْعَقد بِأَحَدِهِمَا.
عِنْدهم: ينْعَقد بهما فَإِذا شرع فِي أَحدهمَا صحت وَبقيت الْأُخْرَى فِي ذمَّته.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(2/150)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تنبني على الَّتِي قبلهَا، وَالْإِحْرَام كَمَا ذكرنَا جُزْء من الْحَج، وَقد تلبس بِهِ فَلَا يكون شَارِعا فِي حجَّتَيْنِ، كَمَا لَا يتَصَوَّر فِي صَومينِ وَلَا فِي صَلَاتَيْنِ.
لَهُم:
الْإِحْرَام إِلْزَام فشابه النّذر، وَالْعجز عَن الْأَدَاء لَا يمْنَع الصِّحَّة، كَمَا لَو أحرم لَيْلَة عَرَفَة مَعَ بعد دَاره، وفقهه أَن الِالْتِزَام لَا تقف صِحَّته على الْأَدَاء لِكَوْنِهِمَا منفصلين بِشَرْط الِالْتِزَام (أَن يكون الْمُلْتَزم) أَهلا، والملتزم مَشْرُوعا وَالْحج مُقَدّر بالأفعال لَا بِالزَّمَانِ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْمُعْتَمد أَن الْإِحْرَام ركن فَلَا يَصح مِنْهُ اثْنَان فِي وَقت وَاحِد، فَإِذا أَتَى بهَا
(2/151)

لَغَا مَا لَا يقبله الْوَقْت كالوقوفين والطوافين، وَعِنْدنَا الْعمرَة وَاجِبَة بِالْحَجِّ وَعِنْدهم هِيَ سنة وَحجَّتنَا قَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله} ، وانعقد الْإِجْمَاع أَن الْحَج وَاجِب، وَكَذَلِكَ الْعمرَة.
وحجتهم أَن الْعمرَة لَا تتأقت وَالْحج يتأقت وَكلما لَا يتأقت فَلَيْسَ بِوَاجِب وَهَذَا الخيال بَاطِل طردا وعكسا، فَإِن السَّلَام وَالْجهَاد وَالْقَضَاء وَالنّذر وَالْكَفَّارَة وَاجِبَات وَلَا تتأقت وَبِالْعَكْسِ رواتب النَّوَافِل تتأقت وَلَيْسَت بواجبة، وَعِنْدنَا الْإِفْرَاد أفضل من التَّمَتُّع، والتمتع وَالْقرَان جَمِيعًا رخصتان وَعِنْدهم الْقرَان أفضل.
(2/152)

(من مسَائِل الْحَج)
(2/153)

فارغة
(2/154)

لوحة 30 من المخطوطة " أ ":
إِذا اسْتَأْجرهُ ليحج عَنهُ فِي الْعَام الثَّانِي لم تصح الْإِجَارَة، هَذَا إِذا اسْتَأْجرهُ ليحج عَنهُ بِنَفسِهِ، فَأَما إِذا اسْتَأْجرهُ ليحصل لَهُ حجَّة جَازَ أَي وَقت كَانَ، لِأَن مَحل ذَلِك الذِّمَّة.
وَيجب الْجَزَاء بقتل الصَّيْد الْحرم عمدا كَانَ أَو خطأ، إِذا أتلف صيدا ماخضا ضمنه بِقِيمَة شَاة ماخض وَإِنَّمَا وَجَبت قيمتهَا، لِأَن الْحمل فِي الصَّيْد زِيَادَة، وَكَذَلِكَ فِي الشَّاة إِلَّا أَنه ينقص من لَحمهَا ويضرها، فقيمتها تزيد بِهِ وجسمها ينقص فأوجبنا الْقيمَة لتحصل الزِّيَادَة.
وَيجوز أَن ترعى غنمه حشيش الْحرم خلافًا لَهُم.
وَإِذا اشْترك الْمحل وَالْمحرم فِي صيد فعلى الْمحرم نصف الْجَزَاء.
وَاعْلَم أَن الْحمام كلما عب وهدر، وَمعنى عب: أَخذ المَاء جرعة
(2/155)

جرعة، والهدير صَوت الْحمام وتغريده: ترجيعه.
قَالَ الشَّافِعِي: الدباسي والقماري والفواخت والشفانين حمام.
قَالَ الْكسَائي: كل مطوق حمام. قَالَ أَبُو عبيد: الْحمام الوحشي،
(2/156)

واليمام الأنسي، وتستحب لمن فرغ من الْحَج أَن يزور قبر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام.
حكى الْعُتْبِي قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد قبر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فجَاء أَعْرَابِي فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله، سَمِعت الله يَقُول: {وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما} وَقد جئْتُك مُسْتَغْفِرًا لذنبي مستشفعا بك إِلَى رَبِّي ثمَّ قَالَ:
(يَا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم)

(نَفسِي الْفِدَاء لقبر أَنْت ساكنه ... فِيهِ العفاف وَفِيه الْجُود وَالْكَرم)

ثمَّ انْصَرف الْأَعرَابِي فَرَأَيْت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي النّوم فَقَالَ: الْحق الْأَعرَابِي فبشره بِأَن الله قد غفر لَهُ.
قَالَ الشَّافِعِي: قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِن أحصرتم فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} ، وأحصر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْحُدَيْبِية فَنحر الْبَدنَة عَن سَبْعَة
(2/157)

وَالْبَقَرَة عَن سَبْعَة، وَذَلِكَ سنة سِتّ وَلَا فرق بَين أَن يكون الْإِحْصَار من جِهَة الْمُشْركين أَو من جِهَة قطاع الطَّرِيق.
(2/158)

(الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة وَالتِّسْعُونَ: (صا)) .
الِاسْتِئْجَار على الْحَج.
الْمَذْهَب: يَصح.
عِنْدهم: لَا يَصح بل يعْطى رزقا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
حَدِيث الخثعمية وَقَوْلها: إِن فَرِيضَة الْحَج أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا، لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ؟ وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " أَرَأَيْت أَن لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته أَكَانَ يَنْفَعهُ ذَلِك " فجوز النِّيَابَة وَشبهه
(2/159)

بِالدّينِ، وَالدّين تدخله النِّيَابَة.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عمل مَعْلُوم يُمكن تَسْلِيمه وَالْقِيَام بِهِ غير مفترض على الْأَجِير فَجَاز وَصَارَ كبناء الْمَسَاجِد وَهَذِه الدَّعَاوَى ثَابِتَة وَتَصِح النِّيَابَة بِدَلِيل الزَّمن وبصحة حجَّة الابْن عَن الْأَب.
لَهُم:
عبَادَة بدنية فَلَا يَصح فِيهَا الِاسْتِئْجَار كَالصَّلَاةِ، بَيَان الدَّعْوَى أَن أفعالها بدنية وقوفا وسعيا، وَالْمرَاد من الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة الِابْتِلَاء بأتعاب الْبدن، لتطهر الطَّاعَة، وَهَذَا لَا يحصل بِعَمَل الْغَيْر.
مَالك: ق.
أَحْمد: وافقهم.
(2/160)

التكملة:
مطلع النّظر الْبَحْث عَن حَقِيقَة الِاسْتِئْجَار وشرائطه فَنَقُول: الْإِجَارَة مُقَابلَة الْمَنْفَعَة بِالْمَالِ.
وَمن اسْتَأْجر إنْسَانا فقد ملك مَنَافِعه، وللصحة شُرُوط: أَن تكون الْمَنَافِع مَعْلُومَة إِمَّا بِتَعْيِين زمَان الْعَمَل وَإِمَّا بِتَعْيِين مَحَله، وَأَن يكون مَقْدُورًا على تَسْلِيمه حسا وَشرعا، وَأَن يكون حَاصله كُله للْمُسْتَأْجر فَلَا يَصح أَن يطحن قَفِيزا بقشره، وَلَا يسلخ شَاة بجلدها، وأجمعنا على أَن من وَجب عَلَيْهِ الْحَج وطرأ عَلَيْهِ الزَّمن وَجب عَلَيْهِ أَن يسْتَأْجر من يحجّ عَنهُ، فَإِذا كَانَ الِاسْتِئْجَار مُمكنا حكما وَحَقِيقَة صَحَّ ثمَّ الْقَصْد بعث الزائرين إِلَى الْبَيْت وَعمارَة الْمَنَاسِك بهم وَعِنْدهم أَن الَّذِي يَدْفَعهُ الزَّمن بدل الْوَاجِب كالشيخ الْهم إِذا فدى عَن الصَّوْم وَهَذَا بَاطِل، فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لجرى مجْرى الْكَفَّارَات وَصرف إِلَى مصارفها وَاشْترط أَن يكون أَهلا ليَأْتِي بِمَا استنيب فِيهِ وَصَارَ كذبح الْمَجُوسِيّ.
(2/161)

فارغة
(2/162)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالتِّسْعُونَ: (صب)) .
إِحْرَام الصَّبِي الْمُمَيز.
الْمَذْهَب: صَحِيح وَيلْزمهُ الْكَفَّارَة بارتكاب مَحْظُورَات الْحَج.
عِنْدهم: لَا يَصح إِحْرَامه وَسلم أَكْثَرهم صِحَة حجه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى السَّائِب بن يزِيد قَالَ: حج بِي أبي وَأَنا ابْن سبع سِنِين. وروى أَن امْرَأَة رفعت صَبيا فِي محفتها وَقَالَت: يَا رَسُول الله أَلِهَذَا حج؟ قَالَ: نعم. وَمَا صَحَّ صَحَّ بوصفه الشَّرْعِيّ وَهُوَ اللُّزُوم.
(2/163)

لَهُم:
وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ أَن امْرَأَة قَالَت: " يَا رَسُول الله إِن فَرِيضَة الله على عبَادَة فِي الْحَج أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيع أَن يثبت على الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَضع الشَّرْعِيّ فِي الْحَج اللُّزُوم فَإِنَّهُ لم يوضع بِحَيْثُ يُمكن الْمُضِيّ فِيهِ إِلَّا وَهُوَ لَازم، وَإِمْكَان الْمُضِيّ احْتِرَازًا من العَبْد والمحصر، وَإِنَّمَا لَا يلْزم إنشاؤه ابْتِدَاء من الصَّبِي لكَونه وَظِيفَة الْعُمر، فَالْأَحْسَن أَن يَأْتِي بهَا كَامِلا وَصَارَ كالإسلام لَا يلْزمه إنشاؤه وَيصِح مِنْهُ.
لَهُم:
الْحَج عبَادَة لَا يلْزم الصَّبِي إنشاؤها وَلَا يلْزمه الْمُضِيّ فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَذَلِكَ لِأَن الصِّبَا يُنَافِي التَّكْلِيف وَإِنَّمَا صححناها مِنْهُ نظرا لَهُ، وَالْإِسْلَام
(2/164)

يَصح من غير نِيَّة وَمَعَ الْإِكْرَاه، وَإِذا لم يلْزم الْحَج لم تلْزمهُ الْكَفَّارَة.
مَالك: يجب على الْمولى لِأَنَّهُ عقد بِإِذْنِهِ.
أَحْمد: ق.
التكملة:
مطلع النّظر أَن الْحَج عِنْدهم من قبيل التكاليف الْمَشْرُوعَة ابتلاء وَالصبَا يُنَافِي الْتِزَام التكاليف، وَعِنْدنَا الْحَج من قبيل مَا يلْزم فِي ذمَّة العَبْد، وَالصبَا لَا يُنَافِي الْوُجُوب فِي الذِّمَّة وَالْكَفَّارَات فِي الْحَج كأروش الْجِنَايَات وَهِي إتلافات لاقت أبعاض الْحَج كالقلم وَالْحلق وَفعل الصَّبِي فِي الْإِتْلَاف كَفعل الْبَالِغ.
أما كَفَّارَة الظِّهَار وَالْيَمِين لَا تلْزم الصَّبِي إِذْ هِيَ مُوجب القَوْل، وَقَوله غير مُعْتَبر وَيدل عَلَيْهِ كَفَّارَة الصَّيْد فِي الْحرم بِأَن ذَلِك وَاجِب
(2/165)

على الصَّبِي إِجْمَاعًا، وَلَا فرق بَين كَفَّارَة الْحرم وَكَفَّارَة الْإِحْرَام.
فَإِن قَالُوا: الصَّيْد مَعْصُوم بِحَق نَفسه بالالتجاء وَإِنَّمَا صرف جَزَاؤُهُ إِلَى الْفُقَرَاء لِأَنَّهُ لَا وَارِث لَهُ.
قُلْنَا: هَذَا بَاطِل بل هُوَ حق الله تَعَالَى فَإِن الصَّيْد لَيْسَ أَهلا أَن يجب لَهُ.
(2/166)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالتِّسْعُونَ: (صج)) .
إِذا اشْترك محرمين فِي قتل صيد.
الْمَذْهَب: يجب جَزَاء وَاحِد فِي القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: كل وَاحِد جَزَاء كَامِل على القَوْل الثَّانِي.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أَن جمَاعَة محرمين قتلوا ضبعا فسألوا ابْن عمر عَن ذَلِك فَقَالَ: عَلَيْهِم جَزَاء وَاحِد.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ضَمَان حَيَوَان مَعْصُوم فَيقدر بِقدر الْحَيَوَان فَيكون الْوَاجِب فِيهِ، وَإِن
(2/167)

تعدد الْمُتْلف وَاحِدًا.
دَلِيله الدِّيَة، بَيَان أَن الضَّمَان فِي مُقَابلَة الْمُتْلف أَن الله تَعَالَى آمن الصَّيْد على المحرمين وَأَنه يتَقَدَّر بِقدر الْمُتْلف وَالْوَاجِب فِي مُقَابلَة الْمحل والتكفير يحصل تبعا.
لَهُم:
الْوَاجِب جَزَاء الْجِنَايَة، وَالْجِنَايَة كَامِلَة من كل وَاحِد مِنْهُم فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاء كَمَا لَو انْفَرد، دَلِيل الدَّعْوَى: أَن الْوَاجِب كَفَّارَة وَالْكَفَّارَة جَزَاء الْجِنَايَة لِأَنَّهَا تكفرها.
بَيَان الْجِنَايَة أَنه جنى على إِحْرَامه جِنَايَة كَامِلَة حَيْثُ فعل مَحْظُور إِحْرَامه.
مَالك: وَافق أَبَا حنيفَة.
أَحْمد: ق.
(2/168)

التكملة:
أما الْكَلَام فِي الْقَتْل فَهَل يَتَبَعَّض أم لَا؟ فسيجيء فِي الْجِنَايَات وَكَفَّارَة الْقَتْل قد ذكر صَاحب الإفصاح أَنه يجب على الْجَمَاعَة كَفَّارَة وَاحِدَة، وَلَا نسلم أَن الْجَزَاء فِي مُقَابلَة الْجِنَايَة وتسميته كَفَّارَة لَا اعْتِبَار بِهِ، بل الِاعْتِبَار بالمعاني ويتأيد مَا ندعيه بتعدي الْجَزَاء بالصيد.
(2/169)

فارغة
(2/170)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالتِّسْعُونَ: (صد)) .
مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه.
الْمَذْهَب: لَا يجب جَزَاؤُهُ.
عِنْدهم: يجب حَتَّى فِي السبَاع وَالنُّمُور.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " خمس من الدَّوَابّ يقتلن فِي الْحل وَالْحرم، الْحَيَّة، والغراب، وَالْعَقْرَب، والحدأة، وَالْكَلب الْعَقُور ".
قَالَ ابْن عُيَيْنَة: والعقور من كل حَيَوَان ودعا على أبي لَهب
(2/171)

أَن يُسَلط الله عَلَيْهِ كَلْبا فافترسه سبع، وروى أَن الْمحرم بقتل كل سبع.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم} وَهَذَا صيد، قَالَ الشَّاعِر:
(صيد الْمُلُوك أرانب وثعالب ... وَإِذا غضِبت فصيدك الْأَبْطَال)

والأرنب يُؤْكَل، والثعلب لَا يُؤْكَل.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
سبع مؤذ بطبعه فَكَانَ للْمحرمِ قَتله وَلَا شَيْء عَلَيْهِ كالذباب، وتأثيره: أَن قتل المؤذي رفع لأذائه فَصَارَ كَمَا لَو قصد الْمحرم إِقَامَة لطبعه مقَام الْفِعْل وَالْعرب لَا تعرف الصَّيْد إِلَّا مَا يُؤْكَل لَحْمه.
(2/172)

لَهُم:
كل حَيَوَان جَازَ اصطياده لنَوْع مَنْفَعَة فَهُوَ صيد وَمَنْفَعَة هَذِه جلودها وشعورها وعظامها وَهِي متوحشة ممتنعة.
مَالك: خص الإهدار بالمؤذي الْمُبْتَدِي.
أَحْمد: ق.
التكملة:
بِالْجُمْلَةِ تَعْلِيل بأذيته ونقيس على الفواسق وطبيعة الْإِيذَاء تقوم مقَامه كَأَهل دَار الْحَرْب لما كَانَ طبعهم قتالنا قاتلناهم فِي كل حَال ونستدل على كَونهَا لَيست صيدا بِأَنَّهُ سُئِلَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن الضبع أهوَ صيد؟ فَقَالَ: " نعم ". وَفِيه كَبْش.
وَمعنى كَونه صيدا أَي مَأْكُول، وَإِلَّا فَكل أحد يعلم أَنه متوحش والاصطياد إِنَّمَا أُبِيح للْحَاجة وَإِلَّا فَهُوَ تَعْذِيب الْحَيَوَان لغير مأكله.
(2/173)

قَالُوا: الصَّيْد كل حَيَوَان متوحش مُمْتَنع.
قُلْنَا: وَيكون مَأْكُولا وَلَا ينْتَفع بأجزائه، إِلَّا إِذا كَانَ مَأْكُولا، والثعلب والأرنب عندنَا مأكولان فِي وَجه.
(2/174)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالتِّسْعُونَ: (صه)) .
الْمحرم إِذا دلّ محرما على صيد فَقتله.
الْمَذْهَب: الْجَزَاء على الْقَاتِل لَا على الدَّال.
عِنْدهم: يجب الْجَزَاء على الدَّال وَالْقَاتِل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
روى عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه أوجب الْجَزَاء على الدَّال.
وَعَن عمر أَنه شاور عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فِي إِيجَاب الْجَزَاء على
(2/175)

الدَّال فأوجبه.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
علق الْجَزَاء على الْقَتْل والاصطياد، وَالدّلَالَة لَيست قتلا وَلَا اصطيادا، وَحَقِيقَة الْفِعْل دلَالَة على إِتْلَاف مَحل مَضْمُون فَلَا يكون سَببا للضَّمَان، كَمَا لَو دلّ على قتل مُسلم، وَغَايَة مَا وجد سَببا لَكِن مَعَ مُبَاشرَة فأسقط (حكم السَّبَب) كالحافر والدافع.
لَهُم:
اسْتحق الصَّيْد الْأَمْن بِالْإِحْرَامِ وَدخُول الْحرم، فَإِذا فَوت عَلَيْهِ حَقه بِالدّلَالَةِ وَجب الْجَزَاء، كَمَا لَو رَمَاه فَقتله وَصَارَ كَمَا لَو دلّ على الْوَدِيعَة، وَحَقِيقَة أَمنه بتواريه عَن الصَّائِد.
مَالك: ق.
أَحْمد: يلْزمهَا الْجَزَاء وَيلْزم الْمحرم مِنْهُمَا.
(2/176)

التكملة:
منقولهم يُعَارض بمنقولنا وَمعنى الْقيَاس، وَالدّلَالَة لَيست من مَحْظُورَات الْحَج، وَإِنَّمَا حرمت لِأَنَّهَا دلَالَة على مَعْصِيّة، وَكَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي أَنه إِذا دلّ حَلَالا أَنَّهَا لَا تحرم، وَإِنَّمَا حرمت لما روى أَبُو قَتَادَة قَالَ: خرج فِي رَهْط محرمين فَعَن لَهُم صيد فَشد عَلَيْهِ فاصطاده وَحمل إِلَى المحرمين فامتنعوا من أكله وسألوا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن ذَلِك فَقَالَ لَهُم: هَل أعنتم؟ هَل دللتم؟ ثمَّ لَا نسلم أَن الدَّال يحرم عَلَيْهِ الْأكل، وَإِن سلمنَا فَبِهَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا ضمن الْمُودع لِأَنَّهُ ترك الْحِفْظ الَّذِي الْتَزمهُ.
(2/177)

(الْمَسْأَلَة: ... ... ... .)

إِذا مَاتَ وَقد وَجب عَلَيْهِ الْحَج وَلم يوص بِهِ.
الْمَذْهَب: يقْضِي من تركته.
عِنْدهم: لَا يقْضِي مَا لم يوص بِهِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
مَا روى ابْن عَبَّاس أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: يَا
(2/178)

رَسُول الله إِن أُخْتِي نذرت أَن تحج وَمَاتَتْ قبل أَن تحج أفأحج عَنْهَا؟ قَالَ: لَو كَانَ على أختك دين أَكنت قاضيه؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَاقْض دين الله تَعَالَى فَهُوَ أَحَق بِالْقضَاءِ.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} وَالْمَيِّت غير مُكَلّف بِفَرْض وَلَا مستطيع لحج.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا: وَلِأَنَّهُ حق يدْخلهُ النِّيَابَة ليستقر عَلَيْهِ فِي حَال الْحَيَاة فَوَجَبَ أَن لَا يسْقط عَنهُ كالديون.
لَهُم: وَلِأَنَّهَا عبَادَة تعلّقت بِقطع مَسَافَة فَوَجَبَ أَن يسْقط بِالْمَوْتِ كالجهاد.
مَالك: لَا يقْضى مَا لم يوص بِهِ.
أَحْمد: يقْضِي من تركته.
التكملة:
قد قاسوا منع الْوُجُوب على الصَّلَاة فَقَالُوا: عبَادَة على الْبدن يُوجب
(2/179)

أَن تسْقط بِالْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ، وَنحن نقُول: قد وافقتمونا على أَنه لَو أوصى بِهِ لقضي من تركته وَالصَّلَاة لَا تخلف الحكم فِي عدم وقُوف فعلَيْهَا بَين أَن يُوصي بهَا أَو لَا يُوصي مَعَ أَن صَاحب الشَّرْع قد شبهها بِقَضَاء الدّين.
وَالدّين لَا فرق فِي قَضَائِهِ بَين أَن يُوصي بِهِ أَو لَا، وَقد روى أَيْضا أَن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا حج فَقَالَ لَهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حجي عَنْهَا فَأمرهَا بِالْحَجِّ عَنْهَا، وَلم يسْأَلهَا هَل أوصت بِهِ أم لَا؟
(2/180)

(كتاب الْبيُوع)
(2/181)

فارغة
(2/182)

لوحة 31 من المخطوطة " أ ":
فهم حَقِيقَة البيع وَحَقِيقَة الشَّرْط، وَوجه تَأْثِير الشَّرْط فِي البيع يكْشف عَن مسَائِل الْخِيَار، فَالْبيع سَبَب الْملك إِجْمَاعًا فعندنا يحصل بِهِ، وَعِنْدهم يحصل بِهِ، وَهُوَ عِنْدهم كالأداة، مَتى وجدت صَحَّ البيع، والنفوذ مُتَوَقف على أَن يسْتَعْمل هَذِه الأداة فِي مَحل الْمُسْتَعْمل عَلَيْهِ ولَايَة تَامَّة، وَيعرف النّفُوذ بعد اسْتِعْمَال الأداة بِقَرِينَة حَال الرِّضَا، وَعِنْدنَا نفس البيع ينْقل الْملك، وَآلَة هَذَا النَّقْل هُوَ اللِّسَان، والمصحح لهَذَا النَّقْل الْملك، فَإِن من كَانَ لَهُ (حق فِي مَحل) فَلهُ نَقله إِلَى غَيره.
وَهَذَا النَّقْل لَا يَصح إِلَّا بِشَرْط الرِّضَا وَفَاء لعصمة الْحق وَالرِّضَا لَا يتَصَوَّر (إِلَّا من) الْعَاقِل، وَلَا يعرف إِلَّا بِقَرِينَة الِاخْتِيَار، فالملك مصحح للتَّصَرُّف وَالرِّضَا شَرطه، وَالْعقل يصحح هَذَا (الشَّرْط وَالِاخْتِيَار) دَلِيله.
وَاعْلَم أَن خبر الْوَاحِد هُوَ الَّذِي لَا يَنْتَهِي إِلَى حد التَّوَاتُر فقد يَنْقُلهُ النَّفر (والرهط وَقَول الرَّسُول) لما علم صِحَّته لَا يُسمى خبر وَاحِد، وَخبر
(2/183)

الْوَاحِد يُفِيد غَلَبَة الظَّن، وَلَا يَسْتَحِيل أَن يتعبد بِهِ، فَيَقُول الشَّرْع جعل عَلَيْكُم عَلامَة وجوب الْفِعْل غَلَبَة ظنكم، كَمَا جعلت الزَّوَال سَبَب وجوب الصَّلَاة.
وَالدَّلِيل على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد رسل النَّبِي وقضاته وأمراؤه والمنفذ لقبض الصَّدقَات (فَإِنَّهُ كَانَ) ينفذ وَاحِدًا وَيجب سَماع كَلمته وطاعته، ثمَّ الْعَاميّ مَأْخُوذ بِالْعَمَلِ بقول الْمُفْتِي وَهُوَ وَاحِد، وَإِن رد من أَخْبَار الْآحَاد شَيْء فلعلة رد، والمقبول رِوَايَته كل مُسلم مُكَلّف عدل حَافظ انْفَرد، أَو شَارك وَتقبل رِوَايَة (من لَا تقبل) شَهَادَته خلافًا للجبائي.
وَقد أَخذ الصَّحَابَة بقول الْوَاحِدَة من أَزوَاج النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام،
(2/184)

وَخبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى مَقْبُول خلافًا للكرخي، (وَإِذا خَالف الرَّاوِي الْخَبَر، أَو أفتى بِخِلَافِهِ فَالْخَبَر حجَّة عَلَيْهِ كَمَا هُوَ حجَّة على غَيره.
وَقَالَ أهل الرَّأْي عمل الرَّاوِي بِخِلَاف مَا روى دَلِيلا على نسخه عِنْده أَو ضعفه.
وَاعْلَم أَن أقوى النَّقْل أَن يَقُول الصَّحَابِيّ سَمِعت النَّبِي يَقُول (أَو حَدثنِي وَهَذَا) لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إِجْمَال.
وَالثَّانِي: أَن يَقُول: قَالَ النَّبِي أَو حَدثنَا أَو أخبرنَا، وَهَذَا ظَاهره النَّقْل
(2/185)

من الصَّحَابِيّ، وَلَيْسَ نصا صَرِيحًا لِأَنَّهُ يَقُول الْوَاحِد منا قَالَ النَّبِي اعْتِمَادًا على أَنه بلغه متواترا.
وَالثَّالِث: أَن نقُول (أَمر رَسُول الله بِكَذَا) ، أَو نهى عَن كَذَا، وَقد يظنّ مَا لَيْسَ بِأَمْر أمرا.
وَالرَّابِع: أَن يَقُول (أمرنَا أَو نهينَا) .
وَالْخَامِس: (أَن يَقُول) كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا.
وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " نضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا فَرب حَامِل فقه (إِلَى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه) إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ".
(2/186)

عصمنا الله وَإِيَّاكُم عَن الزيغ والزلل بِحَق مُحَمَّد وَآله.
مِمَّن ولى رَسُول الله على الصَّدقَات كل وَاحِد من قيس بن عَاصِم وَمَالك بن نُوَيْرَة والزبرقان، وَوَجَب تصديقهم فِي الْأَخْذ
(2/187)

والإعطاء) .
(2/188)

(كتاب الْبيُوع)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالتِّسْعُونَ: (صو)) .
بيع الْأَعْيَان الغائبة.
الْمَذْهَب: بَاطِل فِي الْمَنْصُور فِي الْخلاف.
عِنْدهم: صَحِيح وَخيَار الرُّؤْيَة ثَابت.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
نهى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن بيع الْغرَر وَقد وجد.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من اشْترى شَيْئا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا
(2/189)

رَآهُ ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَجْهُول الأَصْل عِنْد الْعَاقِد حَالَة العقد فَلَا يَصح بَيْعه، كَمَا إِذا قَالَ: بِعْتُك شَيْئا، بَيَان الْجَهَالَة احْتِمَال وجوده وَعَدَمه بَيَان التَّأْثِير: تردد الْعقْدَيْنِ الصِّحَّة وَالْفساد فرجح تَغْلِيبًا للْحُرْمَة وَلِهَذَا نقُول: فَاتَت طَرِيق الْغِبْطَة فَلَا يَصح البيع.
لَهُم:
مَال مَمْلُوك فِي يَد البَائِع فصح بَيْعه كالمرئي، تَأْثِيره وجود الْأَهْلِيَّة والمحلية، وَحَقِيقَة الْمُعَاوضَة لَا تفْتَقر إِلَى سوى ذَلِك، فَلَو بَطل العقد بَطل
(2/190)

لعدم الرُّؤْيَة وَذَلِكَ لَا يبطل لِأَن الرُّؤْيَة أحد مدارك الْعلم وَالْعلم بِالظَّاهِرِ يَكْفِي، وَقد بني عَلَيْهِ جلّ أصُول الشَّرْع وَصَارَ كعلمه بِالْملكِ.
مَالك: يَصح إِذا وَصفه.
أَحْمد: يَصح إِذا ذكر صِفَات السّلم.
التكملة:
نسلم اجْتِمَاع أَرْكَان العقد وندعي فَوَات شَرط زَائِد لصِحَّته فَنَقُول: بيع فقد شَرطه فَلَا يَصح، لِأَن الرِّضَا بِالْمَبِيعِ شَرط.
قَالَ الله تَعَالَى: {إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم} وَهَذَا مُقْتَضى الْمُعَاوضَة، إِذْ هِيَ جبران الْفَائِت، وَهَذَا الْمَعْنى يعم الثّمن والمثمن، غير أَن الثّمن يقْصد الجنسية فَلَو جهلت كميته بَطل، والأعيان ترَاد لمعان فِيهَا،
(2/191)

وللجهل اعتبرتم الْخِيَار، ويتأيد مَا قَالُوهُ بالسلم، فَإِن الْجَهْل بصفاته يمْنَع الرِّضَا وَلَا يلْزم هبة الْمَجْهُول فَإِنَّهُ تمْلِيك بِغَيْر عوض.
وَكَذَلِكَ النِّكَاح لَيْسَ عقد مُعَاوضَة بل عقد ازدواج (تتمّ بمعرفته) الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة ثمَّ نسلم صِحَة العقد فَلم قَالُوا: إِنَّه ينْفد، إِن قَالُوا كل صَحِيح نَافِذ بَطل بالفضولي، وَإِن شرطُوا الْملك بَطل بالمكره، وَإِن شرطُوا الرِّضَا عدم فِي مَسْأَلَتنَا إِن اعتذروا عَن السّلم بالإبهام، وَتعذر التَّسْلِيم ألزمناهم بيع عبد من ثَلَاثَة أعبد.
وَتَحْقِيق شَرط التَّمْيِيز فِي الدُّيُون لَا مطمع فِيهِ بِالصِّفَاتِ، وَبِالْجُمْلَةِ عندنَا الْعلم بالمعقود عَلَيْهِ أصلا ووصفا شَرط صِحَة العقد، وَعِنْدهم الْمُشْتَرط الْقُدْرَة على التَّسْلِيم وَالْعَمَل بِأَصْل الْمَعْقُود عَلَيْهِ.
(2/192)

فارغة
(2/193)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالتِّسْعُونَ: (صز)) .
خِيَار الْمجْلس فِي الْمُعَاوَضَات.
الْمَذْهَب: يثبت فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الْمُتَبَايعَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا عَن مكانهما الَّذِي تبَايعا فِيهِ "، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " من اشْترى شَيْئا فَوَجَبَ لَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا لم يُفَارِقهُ ".
وَكَانَ ابْن عمر اشْترى شَيْئا يمشي أذرعا ليجب لَهُ، وَقد جَاءَ إِلَّا بيع
(2/194)

الْخِيَار.
لَهُم:
روى عَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: " البيع صَفْقَة أَو خِيَار "، وَمعنى ذَلِك صَفْقَة لَا خِيَار فِيهَا وصفقة فِيهَا خِيَار.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
البيع سَبَب زَوَال الْملك وَقد يتعقبه النَّدَم وَالشَّرْع نَاظر للعباد وللندم تَأْثِير بِدَلِيل الْإِقَالَة المحثوث عَلَيْهَا، فَنَقُول سَبَب ثُبُوت الْخِيَار، ودعت الْحَاجة إِلَيْهِ وَفِي إثْبَاته نظر فَيثبت كَخِيَار الشَّرْط.
لَهُم:
عقد مُعَاوضَة فَوَجَبَ أَن يلْزم بِنَفسِهِ كَالنِّكَاحِ لِأَن للعوض تَأْثِيرا فِي لُزُوم الْعُقُود فَإِن الْهِبَة قبل الْقَبْض غير لَازِمَة، وَتلْزم بِالْعِوَضِ وَكَذَا الطَّلَاق وَفِي مَسْأَلَتنَا أولى لِأَن الْعِوَض فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ دخيل وَهَاهُنَا أصل.
(2/195)

مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن اعتذروا عَن الْخَبَر بِأَن رِوَايَة مَالك، وَقد خَالفه فقد نقل من طرق، ومخالفته لَا تقدح فِيهِ، وَهُوَ محجوج بِهِ، وَإِنَّمَا خَالفه حَيْثُ رَأْي عمل أهل الْمَدِينَة بِخِلَافِهِ، فَإِن قَالُوا هُوَ خبر وَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى.
قُلْنَا: لَا يجوز تَكْذِيب الْعدْل مَا دَامَ صدقه مُحْتملا، ونقول أحد وصفي العقد فَلَا يثبت دون الرِّضَا قِيَاسا للُزُوم على الصِّحَّة، ودعواهم اللُّزُوم فِي وضع العقدان عنوا بِهِ لَا ينْعَقد إِلَّا لَازِما فَهُوَ مَحل الْخلاف وَإِن عنوا أَنه لَا بُد فِيهِ من اللُّزُوم فنسلم لَكِن طَرِيقه الرِّضَا باللزوم.
(2/196)

فارغة
(2/197)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالتِّسْعُونَ: خِيَار الشَّرْط (صَحَّ)) .
الْمَذْهَب: يُورث.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من ترك حَقًا أَو مَالا " فَهَذَا حق.
لَهُم: ... .
(2/198)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حق مَالِي فَجرى فِيهِ الْإِرْث ليَكُون للْوَارِث كَمَا كَانَ للموروث كحق الرَّهْن لِأَنَّهُمَا يظهران فِي ذَلِك ثمَّ هُوَ عبارَة عَن ملك الْفَسْخ، لِأَنَّهُ سَبَب شَرْعِي أَعنِي الشَّرْط فَأفَاد حكما شَرْعِيًّا وَلَيْسَ إِلَّا إِثْبَات الْفَسْخ.
لَهُم:
الْخِيَار صفة الْمُخْتَار فَلَا يُورث كعلمه، إِذْ لَا فرق بَين الْخِيَار وَالِاخْتِيَار والمشيئة، وللإنسان خيرتان: خيرة فِي إنْشَاء العقد وَأُخْرَى فِي لُزُومه، فَإِذا أطلق استوفاهما، فَإِذا اشْترط اسْتِيفَاء أَحدهمَا.
وَمعنى قَوْله: ولي الْخِيَار أَي فِي العقد، وَالْعقد قد تمّ يعْمل بِهِ فِي مَعْنَاهُ لَا فِي الْفَسْخ فَهُوَ ضِدّه.
مَالك: ق.
أَحْمد: ... ... ... .
(2/199)

التكملة:
إِن قاسوا على الْأَجَل فَالْجَوَاب أَن الْأَجَل يثبت رفقا بِمن عَلَيْهِ الدّين، فَإِذا مَاتَ لم ينْتَقل الدّين إِلَى ذمَّة الْوَارِث بل يتَعَلَّق بِالتَّرِكَةِ، فَلَو قُلْنَا: إِن الْأَجَل ينْتَقل إِلَى الْوَارِث، وَالدّين لَا ينْتَقل إِلَى ذمَّته لَكَانَ الدّين فِي مَحل وَالْأَجَل فِي مَحل وهما متلازمان، ثمَّ مصلحَة الْمَيِّت إِيفَاء دُيُونه.
عبارَة حق لَازم للمورث مَاتَ عَنهُ قبل تَمَامه فانتقل إِلَى الْوَارِث كَسَائِر الْحُقُوق الْمَالِيَّة، وَفِي الْعلَّة احْتِرَازًا عَن الْوكَالَة والحقوق الْجَائِزَة فَإِنَّهَا تبطل بالإغماء وَالْجُنُون فبالموت أولى، وَعَن النِّكَاح فَإِنَّهُ تمّ بِالْمَوْتِ، وَعَن حق الرُّجُوع فِي الْهِبَة فَإِنَّهُ للْوَاهِب من وَجه وَعَلِيهِ من وَجه.
وَتَقْرِير الْعلَّة أَن الْمَوْت لم يَجْعَل مُبْطلًا للحقوق بل مثبتا لَهَا، وَالدَّلِيل على ثُبُوت الْحق وماهيته أَن الْملك بالاجتماع يُورث وَله سَبَب هُوَ الْمَبِيع وَثَمَرَة هِيَ النّفُوذ، وَفِي الْملك خيرة ومشيئة تستوفى بهَا ثَمَرَات الْمَمْلُوك وَالْإِرْث يجْرِي فِي الْملك، وَكَذَلِكَ الشَّرْط سَبَب ثُبُوت الْحق
(2/200)

ونفوذ الْفَسْخ وخيرة الشارط آلَة اسْتِيفَاء هَذِه الثمرات وَالْإِرْث فِي الْحق الْمُقدر بِالشّرطِ.
(2/201)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالتِّسْعُونَ: (صط)) .
الْملك فِي مُدَّة الْخِيَار.
الْمَذْهَب: لَا يمْنَع الْخِيَار جَرَيَان الْملك فِي الْمَنْصُور.
عِنْدهم: يمْنَع فِي القَوْل الآخر ومذهبهم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لحبان بن منقذ: قل لَا خلابة. وَاشْترط الْخِيَار: ثَلَاثَة أَيَّام.
(2/202)

ومقصود دفع الخلابة يحصل بِإِثْبَات الْخِيَار فِي الِاسْتِدْرَاك مَعَ زَوَال الْملك، واتصال السَّبَب الْمُسَبّب.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم} وَبيع الْخِيَار لم يتَحَقَّق فِيهِ الرِّضَا فَلم ينْقل الْملك.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
السَّبَب النَّاقِل للْملك قد وجد فَهُوَ بِمَثَابَة البيع اللَّازِم فَإِن السَّبَب الْإِيجَاب وَالْقَبُول وَالْخيَار يُرَاد للْفَسْخ.
لَهُم:
عقد تَأْخِير فَلَا يُفِيد الْملك بِنَفسِهِ كَالْهِبَةِ قبل الْقَبْض وَالشّرط إِذا اقْترن بِالسَّبَبِ أخرجه عَن كَونه سَببا كَمَا لَو قَالَ: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق لم يكن الطَّلَاق سَبَب البينوتة إِلَّا مَعَ شَرطه، وَالْخيَار اسْتِبْقَاء مَا كَانَ لَهُ
(2/203)

بالخبرة الْأَصْلِيَّة، فَإِذا عقد استبقى تِلْكَ الْخيرَة فِي الحكم.
مَالك: وَافق أَبَا حنيفَة.
أَحْمد: ق.
التكملة:
البيع سَبَب مَنْصُوب للْملك وَلَا سَبِيل إِلَى قطع السَّبَب عَن الْمُسَبّب مَا أمكن.
فَإِن قيل: إِن كَانَ الْملك للْمُشْتَرِي كاللبن الْحَاصِل فِي مُدَّة الْخِيَار لم يرد على البَائِع إِذا فسخ.
الْجَواب: إِن كَانَ للْبَائِع فَلم يسلم للْمُشْتَرِي إِذا أَجَازُوا الْوَقْف.
قَول ثَالِث للشَّافِعِيّ: فَإِن منعُوا مَا ألزمناهم منعنَا مَا ألزمونا ويرتكب على مساق هَذَا القَوْل كَمَا يلْزم عَلَيْهِ ونحكم بسلامة الزَّوَائِد لمن حكمنَا لَهُ بِالْملكِ، وعَلى الْجُمْلَة مَا من صُورَة فِي تفريعات الْمَسْأَلَة إِلَّا وفيهَا خلاف.
(2/204)

قَالَ الْمُزنِيّ: مَذْهَب الْخصم يُؤَدِّي إِلَى محَال فَإِنَّهُ يَقُول: إِذا كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي وَحده خرج الْمَبِيع عَن ملك البَائِع وَلَا يدْخل فِي ملك المُشْتَرِي وَالْملك لَا بُد لَهُ من مَالك، لِأَنَّهُ من بَاب الْمُضَاف وَمَا يُفْضِي إِلَى الْمحَال محَال، وَحَقِيقَة الْخِيَار عندنَا ملك الْفَسْخ وَعِنْدهم اسْتِيفَاء مَا كَانَ لَهُ من خيرة.
(2/205)

(الْمَسْأَلَة الْمِائَة: (ق)) .
خِيَار أَرْبَعَة أَيَّام.
الْمَذْهَب: يفْسد العقد فِي الْحَال وَلَا يعود صَحِيحا.
عِنْدهم: يفْسد فِي الْيَوْم الرَّابِع وَرُبمَا قَالُوا هُوَ صَحِيح فَإِن لم يحدث الرَّابِع فسد.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
(2/206)

لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عقد فَاسد فَلَا يعود صَحِيحا إِلَّا باستئنافه عَارِيا عَن الْمُفْسد كَمَا لَو بَاعَ درهما بِدِرْهَمَيْنِ، ثمَّ هُوَ شَرط أوجب فِي العقد نقيض مَوْضُوعه فأفسده كَمَا لَو قَالَ: بِعْتُك على أَن أسلم نَهَارا وأسترد لَيْلًا، وَالنَّهْي دَلِيل الْفساد وَالْخيَار يضاد العقد، لَكِن ثَبت فِي الثَّلَاث نصا.
لَهُم:
حدث الْمُفْسد قبل تقرره فِي العقد فَصَارَ كَمَا لَو بَاعَ السّلْعَة برقمها ثمَّ
(2/207)

تبين فِي الْمجْلس، لِأَن الشَّرْط لَا يفْسد لذاته بل بِمُوجبِه، والموجب خِيَار الْيَوْم الرَّابِع وَلم يتَّصل بِالْعقدِ والهدنة إِذا عقدت أَكثر من الْمدَّة الشَّرْعِيَّة تصح بِحَذْف الزَّائِد ثمَّ الْفَاسِد صَحِيح بِأَصْلِهِ.
مَالك: يجوز قدر مَا يحتاجان إِلَيْهِ.
أَحْمد: يثبت من الْخِيَار مَا يتفقان عَلَيْهِ.
التكملة:
يدل على فَسَاد البيع بِأَن الْمَبِيع لَو تلف فِي هَذِه الْمدَّة ضمنه المُشْتَرِي بِالْقيمَةِ وَفِي الصَّحِيح بِالْمُسَمّى وبكونه لَا يسْتَحق بِهِ الشُّفْعَة ونمنع الْهُدْنَة وَإِن سلمُوا أَنه انْعَقَد فَاسِدا تعذر عَلَيْهِم التَّصْحِيح وَذَلِكَ أَن الْمُفْسد الَّذِي يحذفونه إِن عنوا بِهِ الشَّرْط فقد مضى وانحذف بِنَفسِهِ، وَإِن عنوا بِهِ الْمَشْرُوط فَهُوَ غير ثَابت حَتَّى ينحذف فَإِنَّهُم وَإِن اعتذروا أَن الْفَاسِد مَشْرُوع بِأَصْلِهِ لكِنهمْ يقرونَ أَنه غير مَشْرُوع بوصفه، والحذف تصرف شَرْعِي فيستدعي ثَابتا مَشْرُوعا حَتَّى ينحذف بِهِ.
(2/208)

قُلْنَا: حذفه وَبَقِي البيع فَاسِدا بِخِلَاف الْخِيَار الْمَشْرُوع فَإِنَّهُ حق ثَابت بِالْإِجْمَاع فعقل حذفه.
(2/209)

فارغة
(2/210)

(مسَائِل فِي الرِّبَا)
(2/211)

فارغة
(2/212)

لوحة / 32 خَ:
اخْتلف فِي صِحَة الْعلَّة الْمَقْصُورَة على أَصْلهَا فأبطلها أَصْحَاب الرَّأْي وأجزناها، وَمَالك وَقُلْنَا: عِلّة الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ كَونهمَا ثمنين، وَهَذَا الْوَصْف مَقْصُور عَلَيْهِمَا لَا يتعداهما، وَدَلِيل جَوَاز ذَلِك أَن علل الشَّرْع عَلَامَات للْأَحْكَام بِالْوَضْعِ من غير أَن تكون مُوجبَة لأحكامها بأنفسها فَيجوز أَن يرد الشَّرْع بِجعْل صفة خَاصَّة للشَّيْء عِلّة الحكم فِيهِ، وَلَا يشْتَرط تعديها جملَة، كَمَا يجوز أَن يشْتَرط تعديها إِلَى كثيرين.
وَفَائِدَة استنباط الْعلَّة الْمَقْصُورَة الْمَنْع من حمل غير الْمَنْصُوص عَلَيْهِ، أَو يكون التَّبْيِين إِلَى الْمَقْصد الشَّرْعِيّ، وعَلى هَذَا يجوز أَن يكون فِي الأَصْل الْوَاحِد عِلَّتَانِ: إِحْدَاهمَا متعدية، وَالْأُخْرَى مَقْصُورَة عَلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ النَّاظر ينظر وتستنبط الْعلَّة، فَإِذا صحت (لَهُ نظر بعد) ذَلِك هَل تتعدى أم لَا؟ فالتعدي وَعَدَمه بعد تَصْحِيح الْعلَّة، وَأما
(2/213)

التَّعْلِيل بِالِاسْمِ فقد منع مِنْهُ أَكثر أَصْحَاب الرَّأْي، وَأَجَازَهُ أَكثر القابسين من أَصْحَابنَا.
وَقَالُوا: الْعلَّة الشَّرْعِيَّة أَمارَة الحكم، وَأكْثر (الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة) معلقَة بالأسماء فَلَا ننكر أَن يَجْعَل الشَّرْع الِاسْم أَمارَة الحكم، كَمَا يَجْعَل الصّفة سِيمَا فِي الِاسْم (الْمُشْتَقّ) ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " إِن الشَّيْطَان يحضر البيع فشوبوا بيعكم بِصَدقَة ".
قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة} .
قَالَ بعض أَصْحَابنَا: لَيْسَ ذَلِك اسْتثِْنَاء وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَكِن، (وَقيل: هُوَ) اسْتثِْنَاء مُنْقَطع وَشَاهده:
(2/214)

(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس)

إِذا قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا، فَقَالَ: قبلت (انْعَقَد البيع، وَمثله لَو قَالَ: بِعني هَذَا بِكَذَا فَقَالَ: بِعْتُك) ، قَالَ أَحْمد: لَا ينْعَقد إِلَّا بِلَفْظ الْمَاضِي، إِذا قَالَ: أتبيعين فَقَالَ: بِعْتُك لم ينْعَقد، لِأَن قَوْله: أتبيعني اسْتِفْهَام لَا استدعاء، وَالَّذِي ينْعَقد بِهِ (البيع الْإِيجَاب) وَالْقَبُول، قَالَ الْخصم: التعاطي بيع.
قَالَ مَالك: البيع مَا يعده النَّاس بيعا، وَهَذَا لَهُ وَجه جيد فِي الشَّرْع، لِأَن البيع مَوْجُود قبل الشَّرْع، وَإِنَّمَا علق الشَّرْع عَلَيْهِ أحكاما، فَيجب أَن يرجع فِيهِ إِلَى عرف الْعَرَب، (كَمَا يرجع فِي الخزن) والإحياء وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن
(2/215)

يعْتَبر فِي هَذَا أَنَّهُمَا مَتى افْتَرقَا عَن ترَاض بالمعاوضة فقد تمّ البيع.
هَذَا وَلم ينْقل عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصْحَابه لفظ التبايع (وَلَو اسْتعْمل دَائِما لنقل ذَلِك) .
الدَّلِيل على أَن الطَّعَام لجَمِيع مَا يطعم قَوْله تَعَالَى: {فَلْينْظر الْإِنْسَان إِلَى طَعَامه} .
وَإِذا أسلم شَيْئا فِي شَيْء إِن لم يكن العوضان أَو أَحدهمَا مِمَّا فِيهِ رَبًّا جَازَ مثل أَن يسلم الثِّيَاب فِي الْحَدِيد.
وَأما إِن كَانَ العوضان فيهمَا الرِّبَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون عِلّة الرِّبَا فيهمَا وَاحِدَة أَو مُخْتَلفَة فَإِن كَانَت (الْعلَّة) فيهمَا مُخْتَلفَة جَازَ كإسلام
(2/216)

الدَّرَاهِم فِي الْحِنْطَة، وَإِن كَانَت الْعلَّة وَاحِدَة لم يجز كإسلام الدَّرَاهِم فِي الدَّنَانِير وَالْحِنْطَة فِي الشّعير، وَلَا يجوز التَّفَرُّق فِي ذَلِك قبل الْقَبْض.
(2/217)

(مسَائِل الرِّبَا)

(الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة بعد الْمِائَة: عِلّة الربوا (قا)) .
الْمَذْهَب: الطّعْم مَعَ الْجِنْس.
عِنْدهم: الْكَيْل وَالْوَزْن مَعَ الْجِنْس.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا تَبِيعُوا الْبر بِالْبرِّ وَلَا الشّعير بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْر بِالتَّمْرِ وَلَا الذَّهَب بِالذَّهَب وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء مثلا بِمثل عينا بِعَين كَيْلا بكيل يدا بيد ".
وَرُوِيَ: " لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا مثلا بِمثل ".
(2/218)

فَالْخَبَر الأول أطلق التَّحْرِيم إِلَى أَن يُوجد المخلص، وَالْخَبَر الثَّانِي ذكر الطّعْم وهواسم مُشْتَقّ فصلح أَن يكون عليته كالسارق.
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ مثلا بِمثل، وَالشعِير بِالشَّعِيرِ مثلا بِمثل، وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ مثلا بِمثل، وَالْملح بالملح مثلا بِمثل وَالْفضل ربوا ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حكم النَّص تَحْرِيم بيع هَذِه الْأَمْوَال بَعْضهَا بِبَعْض والتساوي مخلص فَعم الحكم وَخص المخلص، وَالتَّعْلِيل بالطعم صَالح، لِأَنَّهُ يُنبئ عَن مزِيد شرف، لِأَن بِهِ بَقَاء الْحَيَوَان فَصَارَ كالبضع عقد تميز عَن نَظَائِره بمزيد شرطين فَوَجَبَ أَن يُعلل بِوَصْف يَقْتَضِي الشّرف أَو يُوجب أَن يكون الأَصْل فِيهِ التَّحْرِيم كعقد النِّكَاح.
لَهُم:
الْأَمْوَال الْمَنْصُوص عَلَيْهَا مُتَسَاوِيَة قطعا، وَلِهَذَا تضمن بِالْمثلِ جيدها ورديئها سَوَاء بِالنَّصِّ فَظهر التَّفَاوُت بِنَفس التقابل، فالعلة التَّسْوِيَة حَتَّى لَا
(2/219)

يَخْلُو جزؤه عَن عوض فَإِذا تحققت التَّسْوِيَة كَانَت الْعلَّة جنس مَعَ الْكَيْل إِذْ الْعلَّة مَالهَا أثر فِي الْحِكْمَة، والكيل يُحَقّق الْمُمَاثلَة صُورَة وَالْجِنْس يحققها معنى.
مَالك: الْقُوت وَمَا يصلحه من جنس.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
فِيهَا مسلكان: الأول أَن الطّعْم يصلح للتَّعْلِيل لشرفه، وَبَان ذَلِك بتضييق الشَّرْع طرقه، كَمَا اعْتمد فِي الْبضْع، وَلَا يتَأَكَّد ذَلِك إِلَّا إِذا كَانَ العوضان معلومين وَلَا يلْزمه على هَذِه إِذا اخْتلفَا جِنْسا لِأَنَّهُ جَازَ للْحَاجة، وَإِن كَانَ فِي الْجيد بالرديء نوع حَاجَة لَكِن الْحَاجة تنْدَفع بهما.
المسلك الثَّانِي: أَن نقُول الشَّرْع نصب الطّعْم أَمارَة على الحكم فَنحْن
(2/220)

ندير الحكم مَعَه وَلَا نتعرض لكَونه مختلا أَو غير مختل فَصَارَ كَمَا نقُول فِي السّرقَة وَالزِّنَا وَالْعلَّة القاصرة إِذا نَص عَلَيْهَا جرت فِي محلهَا فَالله تَعَالَى الْمُبِيح الْمحرم، وَهَذِه أَمَارَات ثمَّ لَو كَانَ الْمَقْصُود الْكَيْل لاكتفى بِذكر مَكِيل وَاحِد، وَلما عدد أصُول المطعومات ثمَّ إِنَّه صَدره بِالتَّحْرِيمِ وَذكر المخلص فَصَارَ كَقَوْلِه: " لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث ".
فَإِن قَالُوا: هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع أجزناه وَشَاهده: {لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا تأثيما (25) إِلَّا قيلا سَلاما سَلاما} ، ثمَّ لَو كَانَت الْعلَّة التَّسَاوِي لَزِمَهُم فِي كل ذِي كم من مذروع أَو مَعْدُود.
(2/221)

فارغة
(2/222)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة بعد الْمِائَة: الْعلَّة فِي النَّقْدَيْنِ (قب)) .
الْمَذْهَب: الثمنية أَو جَوْهَر الثمنية.
عِنْدهم: الْوَزْن مَعَ الْجِنْس.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(2/223)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
التَّعْلِيل بالثمنيه مُنَاسِب لما فِيهِ من مزِيد شرف، فَأَما الجنسية فوصف تعم الخسائس والنفائس، قَالَ الشَّافِعِي: لَو كَانَت الْعلَّة الْوَزْن لما جَازَ إِسْلَام الدَّرَاهِم فِي الزَّعْفَرَان، ونقول: بيع صدر من أَهله فِي مَمْلُوكه الْمَقْدُور عَلَيْهِ الْمعِين الْمَعْرُوف فصح التَّعْلِيل كَبيع النّحاس بِالنُّحَاسِ.
لَهُم:
بِالْوَزْنِ مَعَ الْجِنْس تتَحَقَّق الْمُمَاثلَة صُورَة وَمعنى، إِذْ الحكم وجوب التَّسَاوِي (فعلته مَا تستدعيه الْعلَّة) بالثمنية بَاطِلَة لِأَنَّهَا عِلّة قَاصِرَة.
مَالك: يجوز بيع المصوغ من التبر بالتبر والمضروب بِقِيمَتِه وَأنكر أَصْحَابه ذَلِك.
أَحْمد: ف.
(2/224)

التكملة:
الحكم فِي مَحل النَّص ثَابت بِالنَّصِّ لعمري وبالعلة وَقد ثَبت الحكم بشيئين كَمَا بِالْكتاب وَالسّنة وتناقضهم بأواني النّحاس فَهِيَ موزونة جنس وَلَا رَبًّا فِيهَا، وأواني الذَّهَب وَالْفِضَّة يجْرِي فِيهَا الرِّبَا، إِن أوردوا على الدَّلِيل نمْنَع الدَّرَاهِم بِالدِّرْهَمَيْنِ نقضا.
فَالْجَوَاب: أَن الْعلَّة مُؤثرَة مُعْتَبرَة بِالْإِجْمَاع، إِذْ الْخصم يساعد على أَن البيع فِي الْمجمع عَلَيْهِ صَحَّ بمعان فِي المجتمعة هَاهُنَا وَظُهُور الْأَثر بِالْإِجْمَاع مَا ينْقض فَإِن النَّقْض بَيَان أَن مَا اعْتَمدهُ الْمُسْتَدلّ من الْمَعْنى غير مُعْتَبر، فَلَمَّا تساعدنا على اعْتِبَاره كَانَت مَسْأَلَة النَّقْض إشْكَالًا على الْفَرِيقَيْنِ.
بَقِي أَن يُقَال: إِنَّمَا صَحَّ لهَذِهِ الْعلَّة وَلِأَنَّهُ غير رِبَوِيّ فَنَقُول هَذَا الْآن إِشَارَة إِلَى مَانع يُعَارض الْعلَّة فَيمْنَع حكمهَا وَنفي الْمَوَانِع لَيْسَ من وَظِيفَة
(2/225)

الْمُسْتَدلّ، وَأما الْعَارِض مُدع فَعَلَيهِ إِثْبَات دَعْوَاهُ.
(2/226)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة بعد الْمِائَة: الْجِنْس بِانْفِرَادِهِ (قج)) .
الْمَذْهَب: لَا يحرم النِّسَاء فَيجوز إِسْلَام ثوب (فِي ثَوْبَيْنِ) .
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
نهى عَلَيْهِ السَّلَام عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وأرخص فِي السّلم، فتقييده بمختلفي الْجِنْس يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَأمر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عبد الله
(2/227)

ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن يُجهز جَيْشًا، وَأمره أَن يبْتَاع بَعِيرًا ببعيرين إِلَى إبل الصَّدَقَة.
لَهُم:
نهى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن بيع الْحَيَوَان نَسِيئَة، وَلَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ النَّسِيئَة من الْجَانِبَيْنِ، لِأَن ذَلِك استفدناه من نَهْيه عَن بيع الدّين بِالدّينِ، وَكَلَام الشَّارِع يجب أَن يحمل على فَائِدَة جَدِيدَة.
(2/228)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْجِنْس شَرط مَحْض فَلَا يسْتَقلّ بِتَحْرِيم النِّسَاء قِيَاسا على جَمِيع الشُّرُوط وَينزل الطّعْم مَعَ الْجِنْس منزلَة الزِّنَا مَعَ الْإِحْصَان، وَذَلِكَ أَن المخيل الْمُنَاسب الطّعْم لما فِيهِ من نوع شرف، فَأَما الجنسية فَهِيَ تعم الخسيس والنفيس.
لَهُم:
الْجِنْس أحد وصفي الْعلَّة الربوية فاستقل بِتَحْرِيم النِّسَاء كالوصف الآخر، لِأَن الحكم وجوب التَّمَاثُل وَذَلِكَ يحصل بِالْجِنْسِ والكيل، فالجنس يحصل التَّمَاثُل ذاتا والكيل التَّمَاثُل قدرا.
مَالك: لَا يجوز بيع حَيَوَان بحيوانين من جنسه وَصفته ويقصد بهما أَمر وَاحِد.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
هَذِه الْأَمْوَال لَا يحرم فِيهَا رَبًّا الْفضل وَلَا يحرم رَبًّا النَّسِيئَة، فَإِنَّهُ لَو بَاعَ
(2/229)

ثوبا بثوبين جَازَ وَربا الْفضل أفحش من رَبًّا النِّسَاء، فَإِن رَبًّا الْفضل فِي الكمية، وَربا النِّسَاء فِي الزَّمَان، وَبِالْجُمْلَةِ الْخصم الْمُدَّعِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وعلينا إبِْطَال مُسْتَنده وَإِن سلمنَا أَن الْجِنْس أحد وصفي الْعلَّة فَيجوز أَن ينْفَرد قسيمه بمزية لَا يُشَارِكهُ فِيهَا هَذَا الْوَصْف كَيفَ وَالشَّرْع قد نبه على ذَلِك بقوله: " إِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم يدا بيد ".
فَبين أَن الْبَاقِي بعد الجنسية مُسْتَقل بإفادة تَحْرِيم النِّسَاء إِن ألزمونا إِذا أسلم ثوبا فِي مثله نمْنَع فَلَا يجوز حَتَّى يكون فِي أَحدهمَا وصف زَائِد، وَنَذْكُر شَيْئا يَقع بِهِ الِاخْتِلَاف ونمنع الْإِقَالَة فِي السّلم.
فَإِن قَالُوا: هُوَ عقد بيع فَكيف لَا تجْرِي فِيهِ الْإِقَالَة.
قُلْنَا: إِذا اشْترى قَرِيبه هُوَ عقد بيع وَلَا إِقَالَة فِيهِ ثمَّ يلْزمهُم إِذا أسلم هرويا فِي مَرْوِيّ فهما جنس وَاحِد وَإِنَّمَا اخْتلفَا فِي الصَّنْعَة.
(2/230)

فارغة
(2/231)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة بعد الْمِائَة: التَّقَابُض فِي الْمجْلس فِي بيع الطَّعَام بِهِ (قد)) .
الْمَذْهَب: شَرط.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " يدا بيد " وَجَاء مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان إِلَى
(2/232)

طَلْحَة الصَّواف بورق فَأخذ بِهِ الذَّهَب فَسلم إِلَيْهِ الْوَرق، وتعلل طَلْحَة فِي الذَّهَب فَانْصَرف مَالك فتتبعه عمر رَضِي الله عَنْهُم فَقَالَ: لَا تُفَارِقهُ إِلَّا بِالْقَبْضِ، قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الذَّهَب بِالذَّهَب " وَعدد الْأَشْيَاء السِّتَّة إِلَّا هَاء وهاء.
لَهُم: ... .
(2/233)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ترك التَّقَابُض تمكن معنى الرِّبَا فِي العقد، لِأَن للمقبوض فضلا على غير الْمَقْبُوض، لِأَن الْأَعْيَان ترَاد للِانْتِفَاع، وَالْمَسْأَلَة تبنى على أَن الْعلَّة فِي الْأَمْوَال الطّعْم إِلَّا مَا ورد فِيهِ الِاسْتِثْنَاء وَهُوَ حَقِيقَة بِالْقَبْضِ.
لَهُم:
بَاعَ عينا بِعَين فَلَا يجب التَّقَابُض كَالثَّوْبِ بِالثَّوْبِ، بَيَانه: أَنه يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ، وتأثيره: أَن الْقَبْض حكم العقد أَو حكم حكمه فَإِذا شَرط صَار مُقَارنًا للْعقد أَو مُتَقَدما عَلَيْهِ فيغير مُقْتَضى العقد.
مَالك: ق.
أَحْمد:
التكملة:
إِن وَقع الْفَرْض على مطعوم غير مَنْصُوص عَلَيْهِ فَلَا طَرِيق إِلَّا بَيَان أَن الْعلَّة فِي الرِّبَا الطّعْم فَيلْحق بالربويات، وَالْقَبْض فِيهَا شَرط، وَإِن وَقع فِي
(2/234)

الْأَرْبَعَة فالنص يُغني، فَإِن حملُوا الْيَد على التَّعْيِين فقد قَالَ عينا بِعَين، ثمَّ الْإِشَارَة تحصل بِالرَّأْسِ وَالْعين وَغَيرهمَا وَالْيَد صَرِيحَة فِي الْقَبْض، ثمَّ الْقَبْض يفضل على غَيره عرفا وَعَادَة.
فَإِن قَالُوا: كَيفَ يكون شرطا وَقد تَأَخّر، قُلْنَا: هُوَ شَرط صِحَة وَالْعقد وَصَارَ كَمَا يَقُولُونَ فِي النَّقْدَيْنِ وَرَأس المَال فِي السّلم، وفقهه أَن مجْلِس العقد حَرِيم العقد فَأخذ حكمه، وَإِن اعتذروا عَن النَّقْدَيْنِ بِأَنَّهُمَا لَا يتعينان بِالتَّعْيِينِ كَانَ بهتا، ويلزمهم إِذا حضر أَحدهمَا فَإِنَّهُ لَا يكون بيع دين بدين، وَالدَّلِيل على أَن مجْلِس العقد حَرِيم العقد أَن عِنْدهم لَو بَاعَ بصنجة مَجْهُولَة أَو بِمَا بَاعَ بِهِ فلَان سلْعَته إِن ارْتَفَعت الْجَهَالَة فِي الْمجْلس صَحَّ العقد وَإِن تَأَخَّرت بَطل.
(2/235)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة بعد الْمِائَة: بيع الرطب بِالتَّمْرِ أَو بالرطب (قه)) .
الْمَذْهَب: بَاطِل.
عِنْدهم: صَحِيح.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام للسَّائِل عَن ذَلِك: " أينقص الرطب إِذا جف " فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: " لَا إِذن "، رَوَاهُ ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الدراقطني: الحَدِيث
(2/236)

صَحِيح، وبإسناد آخر أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ كَيْلا، وَفِي الْخَبَر الأول نبه على الْعلَّة.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " التَّمْر بِالتَّمْرِ مثلا بِمثل " وَقد وجد.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الأَصْل تَحْرِيم بيع هَذِه الْأَمْوَال، وَإِنَّمَا صَحَّ للْحَاجة فَوَجَبَ أَن يعْتَبر كَمَال الْحَاجة وَهِي بِكَمَال الْمَنَافِع فِي حَالَة الإدخار، فَلِأَن أَحدهمَا على هَيْئَة الادخار وَالْآخر لَا على الْهَيْئَة فَلَا يجوز بيع أَحدهمَا بِالْآخرِ كالحنطة بالدقيق والمقلية بِغَيْر المقلية.
لَهُم:
بَاعَ التَّمْر بِالتَّمْرِ مُتَسَاوِيا فصح كَمَا لَو بَاعه بعد الْجَفَاف، وفقهه أَن الرطب تمر، حَقِيقَة وَهُوَ بِمَنْزِلَة الصَّبِي من جنس النَّاس، فَإِذا بيع الْجِنْس
(2/237)

بِمثلِهِ صَحَّ للْخَبَر. قَالَ النُّعْمَان: لما سُئِلَ عَن ذَلِك لَا يَخْلُو أَن يكون تَمرا أَو غَيره، فَإِن كَانَ تَمرا فقد حصل التَّمَاثُل، وَإِن لم يكن فَلَا حرج.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
هما جنس وَاحِد لَكِن فِي حالتين فلاتحاد الْجِنْس تشْتَرط الْمُمَاثلَة ولاختلاف الْحَال يمْتَنع تحقيقها كالحنطتين مقلية وَنِيَّة، فَإِذا قَالُوا: الْحِنْطَة كَانَت قَابِلَة للتماثل فقولها بِفِعْلِهِ فَلم يحط الشَّرْع عَنهُ هَذَا الشَّرْط كَمَا لَو أراق المَاء بعد دُخُول الْوَقْت وَتيَمّم فَإِنَّهُ يلْزمه الْقَضَاء.
الْجَواب: أَولا منع مَسْأَلَة التَّيَمُّم فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا تَأْثِير لفعل
(2/238)

العَبْد فِي هَذَا الْبَاب سَوَاء عجز عَن الْقيام فِي الصَّلَاة بِفِعْلِهِ أَو بزمانة عارضة.
فَإِن قَالُوا: حديثنا مُطلق بِالْإِضَافَة إِلَى جَمِيع أَحْوَال التَّمْر، قُلْنَا: الْمُطلق لفظ لَا قيد فِيهِ لَا مَا يَنْفِي الْقَيْد بل هُوَ السَّاكِت عَن الْقَيْد نفيا وإثباتا نعم نفي الْقَيْد لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل، بل يَكْفِي انْتِفَاء دَلِيله، أما من أثبت قيدا افْتقر إِلَى دَلِيل.
وَقد ذَكرْنَاهُ فَإِذا ظهر دَلِيل الْقَيْد لم يكن نسخا للمطلق إِذْ لم يكن فِيهِ نفي، وَدَلِيل الْقَيْد بل هُوَ بَيَان أَمر زَائِد كَانَ مسكوتا عَنهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ الرطب وَالتَّمْر متماثلان صُورَة لَا حَقِيقَة، فَإِن حَقِيقَة الشَّيْء بِالْمَعْنَى الَّذِي خلق لَهُ، وَالْحكمَة فِي الأقوات غَرَض الإدخار، وَذَلِكَ يحصل بعد الْجَفَاف والرطوبة أَجزَاء مائية تفني باليبس.
(2/239)

فارغة
(2/240)

لوحة 33 من المخطوطة " أ ":
(اخْتلف فِي تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل من الْخطاب وَبَيَان تَخْصِيص الْعُمُوم من وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة، فَمنع بعض الْأَصْحَاب من ذَلِك، وَالْأَكْثَر الْمُجِيز، وَالدَّلِيل على الْجَوَاز قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه وَقل رب زِدْنِي علما} ، وَقَوله تَعَالَى: {إِن علينا جمعه وقرآنه (17) فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه (18) ثمَّ إِن علينا بَيَانه} ، وَثمّ للمهملة، وَقَوله: {كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت} ، وقصة الْبَقَرَة) .
(2/241)

وَاعْلَم أَن العقد إِذا جمع عوضين وَجب أَن يقسم أَحدهمَا على الآخر على قدر قيمَة الآخر، فَإِن كَانَ مُخْتَلف الْقيمَة اخْتلف مَا يَأْخُذ من الْعِوَض، بَيَانه أَنه إِذا كَانَ أحد الْعِوَضَيْنِ ثَوْبَيْنِ، والعوض الآخر دَرَاهِم فَإِنَّهُ إِذا احْتِيجَ إِلَى معرفَة كل وَاحِد مِنْهُمَا قوم الثوبان وَقسم الثّمن على قدر الْقِيمَتَيْنِ.
مِثَاله: اشْترى ثَوْبَيْنِ بِعشْرَة دَرَاهِم قيمَة أَحدهمَا سِتَّة وَالْآخر ثَلَاثَة فَإِنَّهُ يقسم الْعشْرَة على ثلثين وَثلث، وَقد فعلنَا ذَلِك فِيمَن اشْترى شِقْصا وسيفا بِمِائَة دِرْهَم فَطلب الشَّفِيع حَقه فَإِنَّهُ يقوم الشّقص وَالسيف.
فَإِذا قيل: قيمَة الشّقص سِتُّونَ وَقِيمَة السَّيْف ثَلَاثُونَ قُلْنَا للشَّفِيع خُذ الشّقص بِثُلثي الْمِائَة وَكَذَلِكَ لَو تلف أحد الْعَبْدَيْنِ فِي يَد البَائِع فَإِنَّهُ يسْقط من الثّمن نِسْبَة قِيمَته إِلَى قيمَة الْعَبْدَيْنِ وَيُخَير المُشْتَرِي، فعلى هَذَا إِذا بَاعَ مدا ودرهما بمدين، ينظر إِلَى مَا يُسَاوِي الدِّرْهَم فَيكون مدا وَنصفا فيخص الدِّرْهَم ثَلَاثَة أَخْمَاس مد.
(2/242)

بَيَانه: أَن الدِّرْهَم بِمد وَنصف وَمَعَهُ مد يكون ذَلِك خَمْسَة أَنْصَاف فَإِذا قسمنا عَلَيْهَا الْمَدّ حصل للدرهم ثَلَاثَة أَخْمَاس، وَإِذا بَاعَ درهما صَحِيحا ودرهما مكسرا بِدِرْهَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ اقْتضى أَن يكون ثمن الصَّحِيح أَكثر فَيُؤَدِّي إِلَى الْفضل.
وَاعْلَم أَن الْعصير من الْعِنَب يجوز بيع بعضه بِبَعْض مُتَسَاوِيا، لِأَنَّهُ حَاله حَال كَمَال، وَكَذَلِكَ عصير الرُّمَّان والسفرجل وَشبههَا، وَيجوز بيع هَذِه الْأَجْنَاس بِجِنْس آخر مِنْهَا مُتَفَاضلا، فَإِذا طبخت بالنَّار لم يجز بيع الْمَطْبُوخ مِنْهَا بالنيء من جنسه وَلَا الْمَطْبُوخ بالمطبوخ، لِأَن النَّار تعقد أجزاءه فيختلف الْعَسَل بالعسل لَا يُبَاع إِلَّا بعد التصفية من الشمع، وَفِي بيع السكر بعضه بِبَعْض وَجْهَان؛ لِأَن النَّار تدخله.
وَحكم الألبان حكم مَا هِيَ مِنْهُ فالبقر الْأَهْلِيَّة كلهَا جنس جواميسها وعربيها، والوحشية جنس، وَلِهَذَا لَا تضم إِلَيْهَا فِي الزَّكَاة.
وَالْغنم جِنْسَانِ ضَأْن ومعز، قَالَ الشَّافِعِي: لَا خير فِي زبد غنم بِلَبن غنم، وَلَا يجوز بيع مَا استخرج من شَيْء بذلك الشَّيْء كالشيرج
(2/243)

بالسمسم، وَالزَّيْت بالزيتون، وَلَا يجوز بيع المخيض الَّذِي استخرج زبده بِاللَّبنِ، لِأَن فِي اللَّبن زبدا، وَلَا زبد فِي المخيض فَيُؤَدِّي إِلَى التَّفَاضُل فَأشبه كسب السمسم بالسمم، وَلَا يجوز بيع اللَّبن وزنا، إِذا بَاعَ دجَاجَة مَعهَا بيض بدجاجة لم يجز وَلَا يجوز بيع اللَّبن بِالْحَيَوَانِ ذِي اللَّبن.
(2/244)

(من مسَائِل الرِّبَا)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة بعد الْمِائَة: مد عَجْوَة (قو)) .
الْمَذْهَب: يبطل العقد.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
أُتِي النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَام خَيْبَر بقلادة فِيهَا خرز وَذهب بِيعَتْ بسبعة دَنَانِير فَقَالَ: لَا، حَتَّى تميز.
(2/245)

وَجه الدَّلِيل: أَنه نهى عَن البيع إِلَى حِين التَّمْيِيز، وَالنَّهْي دَلِيل التَّحْرِيم، ثمَّ إِنَّه لم يستفصل عَن كمية الذَّهَب الَّذِي فِي القلادة فَلَو اخْتلف الحكم بِهِ لسأل، فَإِن تَأْخِير الْبَيَان عَن الْحَاجة لَا يجوز.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تمهد فِي الشَّرْع أَن أَجزَاء الْعِوَضَيْنِ يوزع على أَجزَاء الْعِوَض الآخر بِاعْتِبَار الْقيمَة فَيَقَع الْجُزْء للجزء لِأَنَّهُ عقد مُقَابلَة فَمن قَابل ثوبا يُسَاوِي عشرَة بِعَبْد يُسَاوِي مائَة قَابل درهما بِعشْرَة، وَمن اشْترى شِقْصا وسيفا بِمِائَة وزع الثّمن عَلَيْهِمَا بِقدر الْقيمَة لحق الشَّفِيع.
لَهُم:
وَقعت الْمُعَاوضَة عَن مُقَابلَة تَقْتَضِي صِحَة العقد وَأُخْرَى تَقْتَضِي
(2/246)

فَسَاده فرجحت الصِّحَّة كَمَا لَو أوصى بطبل لَهو طبل غَزْو، وتأثيره: إِن تَصْحِيح كَلَام الْبَالِغ الْعَاقِل وَاجِب مهما أمكن، والمقابلة الصَّحِيحَة مُقَابلَة الْآحَاد بالآحاد والباطلة التَّوْزِيع بِالْقيمَةِ فعملنا بالمصحح.
مَالك:
أَحْمد: وَافق إِلَّا فِي الْجِنْس الْوَاحِد فَإِنَّهُ يجوز بيع دينارين مُخْتَلفين بدينارين متفقين.
التكملة:
صَاحب الدِّينَار الَّذِي يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ وَصَاحب الدِّينَار الَّذِي يُسَاوِي درهما إِذا اشْتَركَا فِي شِرَاء حِنْطَة قسماها أَثلَاثًا، وَمُطلق العقد لَا يخْتَلف بالأفراد والاشتراك، فَدلَّ على أَن التَّوْزِيع بِقدر الْقيمَة كَذَلِك فِي مَحل النزاع، إِذا قَابل دِينَارا قِيمَته دِرْهَمَانِ، ودينارا قِيمَته دِرْهَم بدينارين وسطين فالجيد ثلثا مَا فِي الْجَانِب بِالْقيمَةِ فيقابل ثُلثي مَا فِي الْجَانِب الآخر وَهُوَ دِينَار وَثلث فَيظْهر التَّفَاضُل، نعم لَو بَاعَ جيدا ورديئا بجيد ورديء فقد يظْهر تساويهما، وَلَيْسَ بِصَحِيح، فَإِن التخمين غير مُحَقّق فَصَارَت
(2/247)

الْمُمَاثلَة مَجْهُولَة كَمَا لَو بَاعَ صبرَة بصبرة فَإِنَّهُ لَا يَصح على أَن فِي هَذِه الصُّورَة إِذا بَاعَ دِينَارا جيدا ودينارا رديئا بِدِينَار جيد ودينار رَدِيء نمْنَع ونقول: يَصح العقد.
فَإِن قَالُوا: الشَّرْع أبطل اعْتِبَار الْجَوْدَة، قُلْنَا: هِيَ مَالِيَّة لَا سَبِيل إِلَى إِبْطَالهَا بل أَبَاحَ فضل الْجَوْدَة عِنْد التَّسَاوِي فِي الْوَزْن والجنسية وَنحن لَا نعتبر الْمُسَاوَاة فِي الْقيمَة، وَلَكِن فضل الْوَزْن يظْهر عِنْد التَّوْزِيع بِاعْتِبَار الْقيمَة إِذا اخْتلف الْجِنْس وَالنَّوْع، وَمَا قَالُوهُ من تَرْجِيح جَانب الصِّحَّة بالضد أولى، بل تَرْجِيح الْحُرْمَة احْتِيَاطًا لمَال الرِّبَا، وَفِي كثير من الْعُقُود الشَّرْعِيَّة.
(2/248)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة بعد الْمِائَة:
إِذا اشْترى بِدَرَاهِم مُعينَة (قَز)) .
الْمَذْهَب: تتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَالَ عبد الله بن عمر: كُنَّا نبيع الْإِبِل بالنقيع بِالدَّنَانِيرِ ونأخذ مَكَانهَا الدَّرَاهِم، وبالدراهم وَيَأْخُذ مَكَانهَا الدَّنَانِير، وَلَو تعيّنت مَا جَازَ الِاسْتِبْدَال
(2/249)

كَيْلا يفوت الْقَبْض الْمُسْتَحق بِالْعقدِ، وَكَانَ ذَلِك يُوجب فسخ العقد كَمَا لَو هلك الْمَبِيع فَإِنَّهُ يَنْفَسِخ العقد لما قَبضه مُسْتَحقّا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لَهُم:
التَّعْيِين تَقْرِير مُقْتَضى العقد تَسْوِيَة بَين الثّمن والمثمن، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا نقل الْملك، وَهُوَ عقد مُقَابلَة وَإِنَّمَا يَصح العقد على تَقْدِير صيرورة الثّمن دَرَاهِم فتحقيق صورتهَا أولى، وَصَارَ كالمكيلات تصح فِي الذِّمَّة وتتعين بِالتَّعْيِينِ، ثمَّ الدَّرَاهِم قَابِلَة للتعيين والعاقد أهل ذَلِك فتعينت.
لَهُم:
التَّعْيِين يُغير مُقْتَضى العقد، لِأَن حكم الثّمن وُجُوبه فِي الذِّمَّة بِالْعقدِ، فَإِذا عينه فقد حصل وجوده شرطا للْعقد، وَحقّ الشَّرْط أَن يتَقَدَّم أَو يُفَارق وَيجْعَل التَّعْيِين كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُك بِجِنْس هَذِه الدَّرَاهِم وقدرها، وَالدَّلِيل
(2/250)

على أَن هَذَا حكم العقد جَوَازه فِي الذِّمَّة.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
نعتمد على التَّسْوِيَة بَين الثّمن والمثمن، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الدِّيَة رخصَة، لِأَن حمل الدَّرَاهِم يشق، وَيجوز السّلم فِي النُّقُود كالعروض (وَيَقُول: بِعْت) هَذِه الدَّرَاهِم بِكَذَا، ونمنع الِاعْتِيَاض عَن الثّمن قبل الْقَبْض إِذا كَانَ دينا كَالْمُسلمِ فِيهِ، ونقول: العقد سَبَب الْملك وَالدَّرَاهِم أعيانها قَابِلَة للْملك كالعروض، وَقد أضيف العقد إِلَيْهَا فَيُفِيد الْملك فِيهَا.
فَإِن قَالُوا: إِضَافَة البيع إِلَى الْمَبِيع معقولة بِكَوْنِهِ مَوْجُودا وَالثمن غير مَوْجُود.
قُلْنَا: لَا نسلم أَن الثّمن يحدث بِالْبيعِ، بل الْحَادِث بِالْبيعِ ملك الثّمن
(2/251)

على وزان ملك الْمُثمن.
بَيَانه: أَن الَّذِي فِي الذِّمَّة مَال مُقَدّر شرعا مَمْلُوك للْبَائِع فالملك فِيهِ غير ذَاته فذات الدّين الْمُقدر مَحل العقد وَالْملك فِيهِ حكم العقد وإنكارهم مَالِيَّة الدَّرَاهِم تصادم الْعرف وَالشَّرْع، قَالَ الله تَعَالَى: {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة} ، و {أَن تَبْتَغُوا بأموالكم} وَالْمَنْفَعَة فِيهَا مَوْجُودَة كَسَائِر الْأَعْيَان.
(2/252)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة بعد الْمِائَة: بيع الْعقار قبل الْقَبْض (قح)) .
الْمَذْهَب: لَا يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
لما بعث النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعتاب بن أسيد إِلَى مَكَّة قَالَ لَهُ: انههم عَن أَربع،
(2/253)

وعد مِنْهَا بيع مَا لم يقبض، وروى أَنه نهى عَن بيع الْمَبِيع قبل الْقَبْض، وَرُوِيَ أَنه نهى عَن بيع الطَّعَام قبل قَبضه. رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: أَنا أرى كل شَيْء مثله.
لَهُم: ... .
(2/254)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
فَاتَ ركن التَّصَرُّف فَبَطل، دَلِيل الدَّعْوَى: أَن البيع تصرف فِي الْمحل فيفتقر إِلَى مُمكن مِنْهُ، وَذَلِكَ بِالْيَدِ، وَلَا نسلم أَن الْملك يبْنى على الْقُدْرَة بل الْقُدْرَة بِالْيَدِ، وَدَلِيل قُصُور الْملك احْتِمَال الِانْفِسَاخ قبل الْقَبْض.
لَهُم:
وجد الْمُطلق للتَّصَرُّف وَزَالَ الْمَانِع فصح كَمَا بعد الْقَبْض، إِذْ الْمُطلق الْملك، وَقد وجد وَالْمَانِع فِي المنقولات الْغرَر بالانفساخ بِالْهَلَاكِ، وَقد أَمن هَذَا فِي الْعقار ويتأيد بِالْعِتْقِ وَالنِّكَاح فَإِنَّهُمَا يجوزان قبل الْقَبْض.
مَالك:
أَحْمد: غير الْمكيل وَالْمَوْزُون والمعدود يجوز.
(2/255)

التكملة:
إِن قَالُوا: ملك ربع بعوض فَجَاز قبل الْقَبْض كالشفعة فَهَذَا طرد مَحْض، وَلَا نسلم أَنه يُؤْخَذ بِالشُّفْعَة من غير قبض، بل إِن كَانَ المُشْتَرِي حَاضرا أمره الْحَاكِم بِالْقَبْضِ، وَإِن عدم وكل من يقبض عَنهُ، وَمَعَ التَّسْلِيم نقُول: الشُّفْعَة ملك شَرْعِي قهري لَا يعْتَبر فِيهِ الرِّضَا فَلَا يعْتَبر الْقَبْض.
قَالُوا: الْمكَاتب يتَصَرَّف بِالْيَدِ فليتصرف الْحر بِالْملكِ، قُلْنَا: تصرفه بِالْيَدِ ضَرُورَة تَحْصِيل الْعتْق، وَأما الْعتْق قبل الْقَبْض يمْنَع، وَمَعَ التَّسْلِيم نقُول هَذَا إِسْقَاط بِخِلَاف البيع، وَأما وجود الْحَد على البَائِع بِوَطْء الْجَارِيَة فَلَيْسَ لِأَنَّهُ مَا بَقِي فِي الْمحل شَيْء من علائق الْملك، فَإِن أَبَا حنيفَة يَقُول: إِذا وطئ الْمُطلقَة ثَلَاثًا فِي الْعدة حد، وَإِن كَانَ قيام الْعدة من أثر النِّكَاح.
(2/256)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة بعد الْمِائَة:
بيع لحم الشَّاة بِشَاة (قطّ)) .
الْمَذْهَب: بَاطِل.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَن بيع لحم الشَّاة بِالشَّاة يدا بيد، وَيَنْبَغِي التَّمَسُّك بِهَذَا الحَدِيث الصَّحِيح، فَإِن التَّمَسُّك بِمُطلق نَهْيه عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ ينقدح حمله على مُعْتَاد القصاب، وَهُوَ عِنْدهم مُمْتَنع، لِأَنَّهُ سلم فِي الْحَيَوَان، أَو سلم الْحَيَوَان فِي اللَّحْم من غير تسلم فِي الْمجْلس.
(2/257)

لَهُم: ... .
دَلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
بَاعَ مَال الرِّبَا بِمَا اشْتَمَل على جنسه، فَلَا يَصح كَبيع دهن السمسم بالسمسم، وَاللَّبن بِشَاة فِي ضرْعهَا لبن.
لَهُم:
ماليه اللَّحْم غير مَوْجُودَة فِي الشَّاة، وَإِنَّمَا الْمَوْجُود مَالِيَّة الْحَيَوَان، فَإِنَّهُ مستعد للطعم والتغدي، وَاخْتِلَاف الْمَالِيَّة بِحَسب اخْتِلَاف الْمَنَافِع، نعم يُمكن تَحْصِيل مَالِيَّة اللَّحْم بِصِيغَة مَشْرُوعَة حَتَّى لَو اختلست لم يكن اللَّحْم مَالا والتعرض للثبوت لَا حكم لَهُ قبل الثُّبُوت.
مَالك: ق.
(2/258)

أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن ألزمونا بيع السمسم بالسمسم وَالشَّاة بِالشَّاة مَعَ اشتمالهما على مَال الرِّبَا قُلْنَا: هَذَا كَلَام لَا يَصح مِنْكُم مَعَ تَصْحِيح البيع فِي مد عَجْوَة، وَعِنْدنَا بيع الْجَوْز بالجوز بَاطِل، وَإِنَّمَا صَحَّ السمسم بالسمسم، لِأَن الجنسية مُحَققَة وَتحقّق الْمُمَاثلَة بِالْكَيْلِ مَنْصُور.
نعم إِذا تمحص أحد الْعِوَضَيْنِ ذَهَبا تعين تَقْدِيره فِي الْجَانِب الآخر، ونقول: مَالِيَّة الدّهن غير مَالِيَّة السمسم، إِذْ الْعِوَض مِنْهُمَا مُخْتَلف كالشاة مَعَ اللَّحْم، وَلَا بُد فِي تَحْقِيق كل وَاحِد مِنْهُمَا من صفة مذمومة شرعا فصح أَن يسْتَأْجر عَلَيْهِ، نعم اعْتبر الشَّرْع فِي أَحدهمَا الْإِسْلَام وَالْعقل ويلزمهم قَوْلهم أَن من ذبح شَاة مَغْصُوبَة لم يَنْقَطِع حق الْمَالِك وَلَو حدثت مَالِيَّة اللَّحْم بِفِعْلِهِ لملكها كالبذر الْمَغْصُوب.
(2/259)

فارغة
(2/260)

(الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة بعد الْمِائَة: الْعينَة (قي)) .
الْمَذْهَب: العقدان صَحِيحَانِ.
عِنْدهم: تبطل بِالثَّانِي.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَأحل الله البيع} .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
اعْتِبَار أحد الْعقْدَيْنِ بِالْآخرِ، فَإِنَّهُمَا اسْتَويَا فِي اجْتِمَاع الْأَركان
(2/261)

والشرائط وخيال قَاعِدَة الرِّبَا بَاطِل، إِذْ الثَّوْب لَيْسَ من مَال الرِّبَا، وَلَا مُقَابلَة بَين عشرَة وَعشْرين، بل بَين عشرَة وثوب وَعشْرين وثوب.
لَهُم:
وَسِيلَة إِلَى الرِّبَا فتمنع مِنْهُ كَسَائِر وسائله، وكسائر وَسَائِل الْمَحْظُورَات من الْقَتْل والزنى وَغَيرهمَا.
مَالك: ف.
أَحْمد: ف.
التكملة:
نقُول: هُوَ وَسِيلَة إِلَى مَقْصُود هُوَ الْفضل أم إِلَى عين الرِّبَا، وَهُوَ مُقَابلَة الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ الآخر مَمْنُوع وَهُوَ الْحَرَام، وَالْأول مُسلم وَلَا تَحْرِيم فِيهِ، فَإِن النِّكَاح يُفِيد ملك مَقْصُود الزِّنَى، وَالنِّكَاح مَشْرُوع كَيفَ وَعِنْدهم لَو بَاعَ صبرَة بصبرتين كل حفْنَة بحفنتين صَحَّ؟
وَقد يحصل على مَقْصُود الرِّبَا، وَكَذَلِكَ مد عَجْوَة، وَكَذَا لَو كَانَ البيعان هَا هُنَا بِالنَّقْدِ، أَو كَانَ البَائِع الثَّانِي غير البَائِع الأول وَالنَّظَر جلي من جانبنا والخصم مطَالب بإبراز خياله.
(2/262)

فارغة
(2/263)

فارغة
(2/264)

(من مسَائِل الْبيُوع)
(2/265)

فارغة
(2/266)

لوحة 34 من المخطوطة " أ ":
اخْتلف فِي الْخَبَر إِذا خَالف قِيَاس الْأُصُول فَقَالَ جُمْهُور أَئِمَّة الحَدِيث: الْخَبَر إِذا صَحَّ سَنَده كَانَ أولى من قِيَاس الْأُصُول، وَقَالَ أهل الرَّأْي يرد الْخَبَر بِالْقِيَاسِ، وَبِذَلِك نرد خبر الْمُصراة فَنَقُول: قد ناقضتم فِي هَذِه الْقَاعِدَة لخَبر التوضوء بالنبيذ فَإِنَّهُ جَاءَ بِخِلَاف قِيَاس الْأُصُول، لِأَن الْأُصُول مَبْنِيَّة على أَن مَا جَازَ الْوضُوء بِهِ سفرا جَازَ حضرا.
ثمَّ لم يلْحقُوا نَبِيذ التَّمْر بنبيذ الزَّبِيب وَكِلَاهُمَا سَوَاء وَنَقَضُوا الْوضُوء بالقهقهة بِخَبَر الْوَاحِد، وَهُوَ خلاف الْقيَاس وَلم ينقضوا بالقهقهة فِي صَلَاة الْجِنَازَة وقبلتم أثرا من بعض الصَّحَابَة فِي الْجِنَايَة على عين الدَّابَّة بإلزامه ربع قيمتهَا.
وَالْقِيَاس يُوجب أَن يكون حكم أَطْرَاف الْحَيَوَان متناسبة الْقيمَة، ثمَّ الْقيَاس إِنَّمَا يعرف صِحَّته بسلامته من مُخَالفَة النُّصُوص، وَالنَّص
(2/267)

يثبت حكمه ابْتِدَاء، وَتُؤْخَذ مِنْهُ الأقيسة، فَلَا ثبات الْقيَاس يُعَارض الْخَبَر، وَالْخَبَر أصل بِنَفسِهِ.
وَاعْلَم أَنه إِذا اشْترى أمة مصراة هَل يثبت لَهُ الْخِيَار وَجْهَان، فَإِن قُلْنَا: لَهُ الْخِيَار فَهَل يرد مَعهَا شَيْئا وَجْهَان: أَحدهمَا يرد، لِأَن اللَّبن مَقْصُود، وَالثَّانِي لَا يرد، لِأَن لبن الآدميات لَا يُبَاع غَالِبا.
وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " الْخراج بِالضَّمَانِ "، أَي تكون خراج الْعين لمن لَو تلفت فِي يَده تلفت مِنْهُ فَإِذا اشْترى عبدا فأكسابه للْمُشْتَرِي، فَإِن وجد بِهِ عَيْبا رده وَأمْسك أكسابه لِأَنَّهَا حدثت فِي ضَمَانه، إِذْ لم يكن الرَّد بِالْعَيْبِ لحدوث عيب عِنْد المُشْتَرِي بطرِيق الْأَرْش أَن يقوم الْمَبِيع
(2/268)

صَحِيحا، وَيقوم معيبا وَيُؤْخَذ مِقْدَار النَّقْص من الثّمن.
مِثَاله صَحِيحه - ق 100 - مَعِيبَة ص 90 النَّقْص ي 10، فَإِذا كَانَ الثّمن - قن 150 - رَجَعَ بِعشْرَة وَهُوَ يه 15، إِذا اشْترى إبريق فضَّة وَزنه - ق - بِمِائَة فَوجدَ بِهِ عَيْبا وَحدث عِنْده عيب لم يُمكن الرُّجُوع إِلَى الْأَرْش لِأَنَّهُ رَبًّا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: يَنْفَسِخ العقد وَيرد الثّمن وَيدْفَع قيمَة الإبريق ذَهَبا، إِذا اشْترى عبدا مُطلقًا فَخرج خَصيا فَلهُ الرَّد، وَإِن كَانَ الْخصي أَكثر قيمَة ذَلِك لنُقْصَان الْخلقَة وَإِن شَرط أَن يكون خَصيا فَخرج فحلا فَلهُ الْخِيَار وَيرد العَبْد وَالْجَارِيَة بِالزِّنَا والبخر خلافًا لَهُم، وَيرد بالإباق.
(2/269)

إِذا وجد جَارِيَة مغنية فَلَا خِيَار لَهُ، لِأَن ذَلِك زِيَادَة فِي ثمنهَا من غير نقص فِي بدنهَا.
اعْلَم أَن العَبْد لَا يملك شَيْئا إِنَّمَا يملكهُ سَيّده، وَهل يملك بِالْإِذْنِ قَولَانِ: أَحدهمَا يملك وَبِه قَالَ مَالك خلافًا لَهُم.
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من بَاعَ عبدا وَله مَال فَالْمَال للْعَبد "، إِلَّا أَن يستثنيه السَّيِّد وَفِي الْخَبَر مطْعن، وَالْمذهب أَن مَاله للْبَائِع إِلَّا أَن يَشْتَرِطه الْمُبْتَاع.
بيع الْمُرَابَحَة جَائِز ويخبر بِرَأْس المَال، فَإِن كَانَ قد اغترم عَلَيْهِ شَيْئا فَإِن يتقوم عَليّ بِكَذَا، فَإِن كَانَ قد عمل فِيهِ بِيَدِهِ لم يضفه إِلَى رَأس المَال بل يَقُول: عملت فِيهِ مَا يُسَاوِي كَذَا.
(2/270)

(من مسَائِل الْبيُوع)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة بعد الْمِائَة: وَطْء الثّيّب (قيا)) .
الْمَذْهَب: لَا يمْنَع الرَّد بِالْعَيْبِ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الرَّد بِالْعَيْبِ وَالْخَرَاج بِالضَّمَانِ ".
لَهُم:
عمر وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا قضيا بامتناع الرَّد وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر صَارا إِلَى الرَّد مَعَ الْعقر.
(2/271)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
رد مَا اشْترى، كَمَا اشْترى بِعَيْب قديم لم يرض بِهِ فَجَاز كَمَا لَو رَضِي البَائِع، أَو نقيس على الْمَنَافِع، عبارَة المام من غير إيلام فَلَا يمْنَع من الرَّد كالاستخدام.
لَهُم:
الْبضْع فِي حكم الْأَجْزَاء وَالْوَطْء عيب عرفا وَشرعا يُوجب الْمهْر وَيثبت الْحَد إِذا خرجت بغيا، نعم يخرج عَن كَونه عَيْبا بِالْحلِّ وَالْفَسْخ إِزَالَة العقد من أَصله، وَالْوَطْء لَا يَخْلُو عَن الْعقر، أَو الْعقُوبَة إِلَّا إِذا كَانَ فِي الْملك.
مَالك: مُوَافق وَالْبكْر يردهَا وَيرد نقص الْبكارَة.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
لَا نسلم أَن الْوَطْء نقص، بل هُوَ إلذاذ وَإِن كَانَ نقصا لَكِن لَا فِي الْمَالِيَّة
(2/272)

إِذْ لَا فرق بَين ثيب وثيب، وَلَا يجب ذكر الْوَطْء فِي عقد الْمُرَابَحَة وَمَا تخيلوه من النَّقْص الْمَعْنَوِيّ منشؤه الْعَار وَهُوَ جَار فِي الْفُجُور بالغلام والإتيان فِي غير المأتى وَمُجَرَّد المضاجعة وَشَيْء من ذَلِك لَا يمْنَع الرَّد، لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بالمقاصد الْمَالِيَّة وَمَا نقلوه عَن الصَّحَابَة يسوغ الْخلاف ويلزمهم إِذا بَاعَ شِقْصا مشفوعا فَإِن الشَّفِيع يسْتَحقّهُ فَلَو رد بِالْعَيْبِ لم يسْقط حق الشَّفِيع وَلَو كَانَ العقد قد ارْتَفع من أَصله لسقط حق الشَّفِيع.
وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ عبدا بِجَارِيَة ثمَّ عتق مُشْتَرِي الْجَارِيَة ورد العَبْد بِالْعَيْبِ، فَإِن الْعتْق لَا ينْتَقض، ثمَّ لَو رَضِي البَائِع بِالرَّدِّ جَازَ وَلَو كَانَ العقد ارْتَفع من أَصله لم يجز الرِّضَا بِالزِّنَا، ثمَّ هَب أَن الْفَسْخ رفع للْعقد من أَصله لكنه فِي الْبَاقِي لَا فِي المستوفي.
(2/273)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة بعد الْمِائَة: الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة (قيب)) .
الْمَذْهَب: لَا تمنع الرَّد بِالْعَيْبِ.
عِنْدهم: تمنع وَوَافَقَ فِي الغلات والأكساب.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
الْآيَة.
النزاع فِي جَوَاز الرَّد والعموم يدل عَلَيْهِ وَلَا يُنكر تطرق التَّخْصِيص إِلَيْهِ لَكِن على مدعيه الدَّلِيل.
لَهُم: ... .
(2/274)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
رد مَا اشْترى، الْعبارَة كَمَا لَو حصلت الزَّوَائِد قبل الْقَبْض أَو هَلَكت ونفرض الْكَلَام فِي الْعقر، ونقيس على جَمِيع الْمَنَافِع، ونحسم إلحاقهم الْعقر بالأجزاء ونقول: وجد سَبَب الرَّد مَقْرُونا بِشَرْطِهِ.
لَهُم:
الْوَلَد مَبِيع وَامْتنع رده إِجْمَاعًا فَامْتنعَ رد الْأُم دونه كَمَا لَو وجد حَالَة البيع، الدَّلِيل على أَنه مَبِيع كَون الْفَرْع على وفْق الأَصْل بِدَلِيل الِاسْتِيلَاد وَالْأُضْحِيَّة.
مَالك: إِن كَانَت الزِّيَادَة رد مَعهَا بِخِلَاف الثَّمَرَة.
أَحْمد: ق.
التكملة.
الْمَبِيع مَا ورد العقد عَلَيْهِ وتلقاه الْإِيجَاب وَالْقَبُول وَلَيْسَ الْوَلَد كَذَلِك،
(2/275)

لِأَن البيع إِيجَاب وَقبُول من الْأَهْل مُضَاف إِلَى الْمحل ذكرا مَا لم يُوجد حَالَة البيع أَو وجد وَلم يذكر لم يكن مَبِيعًا إِلَّا إِذا كَانَ مَوْجُودا مُتَّصِلا بِالْمَبِيعِ حَقِيقَة أَو عرفا كأطراف العَبْد وثيابه.
وَلَا خلاف أَن الْوَلَد لَا يُقَابله قسط من الثّمن، فَإِن فسروا الْمَبِيع بالمملوك كَانَ خطأ لِأَن البيع سَبَب وَالْملك سَبَب وَالْملك حكمه، وَعِنْدنَا الشَّيْء إِذا زَاد بِنَفسِهِ فَتلك الزِّيَادَة أجسام يخلقها الله تَعَالَى مُضَافَة إِلَيْهِ فيجاوره.
يبْقى أَن يُقَال: فَلم صَار الْوَلَد مَمْلُوكا فَنَقُول: لِأَن الشَّارِع نصب ملك الْأُم سَببا لملك الْوَلَد كَمَا نصب البيع سَببا فِي ملك الْأُم وَإِلَيْهِ نصب الْأَسْبَاب وَالْأَحْكَام، وَوجه السَّبَبِيَّة فِيهِ أَن الزِّيَادَة حصلت بِسَبَب وجود الأَصْل وَيلْزم على قضائهم بالتبعية جَوَاز الرَّد حَتَّى يرد الزَّوَائِد تبعا وَكَونهَا مُسْتَقلَّة إِذا لم تمنع دُخُوله فِي البيع تبعا كَيفَ تمنع دُخُوله فِي الْفَسْخ تبعا.
(2/276)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة بعد الْمِائَة: الْمُصراة (قيج)) .
الْمَذْهَب: الحَدِيث الْمُسْتَدلّ بِهِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " من اشْترى شَاة مصراة فَهُوَ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها ثَلَاثًا إِن رضيها أمْسكهَا، وَإِن سخطها ردهَا ورد مَعهَا صَاعا من تمر "، وَأَبُو هُرَيْرَة من فُقَهَاء الصَّحَابَة وَالشّرط فِي الرِّوَايَة الْعقل وَالْحِفْظ وَالْعَدَالَة وَهُوَ وعَاء الْعلم.
لَهُم: ... .
(2/277)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
غر البَائِع المُشْتَرِي فَثَبت لَهُ الْخِيَار إِذا اخْتلف ظَنّه كَمَا لَو سود شعر الْجَارِيَة الشمطاء أَو جعد شعر الْغُلَام ثمَّ إِنَّه قد أوهم البَائِع غزارة اللَّبن وإيهامه بِمَثَابَة شَرطه بِدَلِيل السَّلامَة.
لَهُم:
التصرية لَيست عَيْبا لِأَنَّهَا إخفاء نزارة اللَّبن وَنَفس النزارة لَا تكون عَيْبا فيكف ستره؟ وَلَو اجْتمع اللَّبن بِنَفسِهِ لَا بِقصد من المُشْتَرِي لم يثبت الْخِيَار فَكَذَلِك إِذا جمعه لِأَن الْجمع لَا يُرَاد لعَينه إِنَّمَا يُرَاد للاجتماع، فَإِذا لم يُؤثر الِاجْتِمَاع فالجمع أولى.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(2/278)

التكملة:
قَالُوا: أَبُو هُرَيْرَة غير فَقِيه أَلَيْسَ روى الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار؟ ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَلسنا نَتَوَضَّأ بِالْمَاءِ المسخن؟ أفنتوضأ بِمَا يتَوَضَّأ مِنْهُ، والْحَدِيث مُخَالف لِلْأُصُولِ لِأَنَّهُ يتَضَمَّن ضَمَان اللَّبن بِالثّمن وَهُوَ من الْمِثْلِيَّات وَتَقْدِير الْمدَّة بِثَلَاثَة أَيَّام وبالصاع، وَيجوز أَن يكون قيمَة الشَّاة (صَاع) .
ونحمله على اشْتِرَاط الغزارة متأيدا بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ، وَهُوَ أَن الْقيَاس يثبت بِفَوَات أَمر مَشْرُوع أَو نُقْصَان بِأَمْر محسوس، وفوات الْفَضَائِل لَا يثبت الْخِيَار كالكتابة إِلَّا أَن تشْتَرط الْجَواب الحَدِيث لنَصّ التصرية سَببا فَحَمله على شَرط الغزارة تَعْطِيل وَالتَّقْدِير بِالثّمن لكَون
(2/279)

اللَّبن فائتا وَلَو كَانَ بَاقِيا لرده على جِهَته وَصَارَ كالغرة فِي الْجَنِين ثمَّ نوجب قوتا من الأقوات، إِذا زَاد الثّمن على الْمُثمن.
والْحَدِيث مقدم على كل قِيَاس جلي، وخفي، وَأَبُو هُرَيْرَة لَا مطْعن فِيهِ لمكانه من الصَّحَابَة وَابْن عَبَّاس أول الحَدِيث لَا قدح فِي الرَّاوِي.
(2/280)

فارغة
(2/281)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة بعد الْمِائَة: (قيد)) .
تَفْرِيق الصَّفْقَة.
الْمَذْهَب: يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الرَّد بِالْعَيْبِ ".
لَهُم: ... .
(2/282)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْخِيَار ثَابت لهَذَا وَقد رد مَا اشْترى كَمَا اشْترى، لِأَنَّهُ ملك النّصْف ورد النّصْف، والإيجاب وَإِن كَانَ بِصِيغَة الْإِفْرَاد فَهُوَ مُتَعَدد وَقد انْفَرد بعقده فَانْفَرد برده كَمَا لَو اشْترى رجل من رجلَيْنِ وَلَا فرق بَين تعدد الصَّفْقَة بِالْإِيجَابِ وتعددها بِالْقبُولِ.
لَهُم:
وجد مَا يمْنَع الرَّد وَهُوَ عيب الشّركَة، وَالدَّلِيل على أَنَّهَا عيب أَنه يرد عبدا قد اسْتحق نصفه، ثمَّ الْعين خرجت من ملك البَائِع جملَة بِالْإِيجَابِ وَالشَّرِكَة حصلت من بعد الْقبُول.
مَالك: رِوَايَتَانِ.
أَحْمد:.
التكملة:
إِن قَالُوا فِيهِ ضَرَر بالشقص. قُلْنَا: الْمَحْذُور ضَرَر يتَوَلَّد من تبعيض بيع وَاحِد، وَهَذَا بيعان، ثمَّ إِن لحق البَائِع ضَرَر فَعَن رِضَاهُ، ونقول: إِن
(2/283)

البيع بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول كَمَا ذكرنَا فِي عِلّة النَّقْدَيْنِ.
قَالُوا: الشّركَة حدثت فِي ملك المُشْتَرِي فَهِيَ كعيب حَادث فِي ملكه، وَالْحكم يُضَاف إِلَى آخر أَجزَاء الْعلَّة كمن وضع مَتَاعا فِي سفينة ملأى فغرقت يُضَاف التَّغْرِير إِلَيْهِ وَلَا أثر لفعل البَائِع وَصَارَ كَمَا لَو قطع البَائِع يَد العَبْد الْمَبِيع وَهُوَ فِي يَد المُشْتَرِي ثمَّ وجد بِهِ عَيْبا قَدِيما فَإِنَّهُ لَا يتَمَكَّن من الرَّد وَإِن كَانَ الْعَيْب الْحَادِث بِفعل البَائِع.
وَالْجَوَاب: نمْنَع مَسْأَلَة السَّفِينَة ونوجب الْغرم على الْجَمِيع، وَالشَّرِكَة مُضَافَة إِلَى العقد وَالْبَائِع شقص العَبْد لما بَاعه من اثْنَيْنِ.
(2/284)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة بعد الْمِائَة:
إِذا اشْترى بِشَرْط الْبَرَاءَة من الْعُيُوب (قيه)) .
الْمَذْهَب: فِي صِحَة العقد قَولَانِ، وَفِي صِحَة الشَّرْط قَولَانِ: الْمَنْصُور أَنه لَا يَصح.
عِنْدهم: يَصح العقد وَالشّرط وَلَا يملك الرَّد بِالْعَيْبِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الرَّد بِالْعَيْبِ " ونستفسرهم عَن مَانع الرَّد.
لَهُم: ... .
(2/285)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْإِبْرَاء نوع تمْلِيك فنافته الْجَهَالَة كَالْبيع، لِأَن الدّين فِي الذِّمَّة بِمَنْزِلَة الْعين، بِدَلِيل أَنه تملك ويتصرف فِيهِ وَتجب زَكَاته وَلَا يقبل التَّعْلِيق على الشُّرُوط وَالصِّفَات الْفَاسِدَة كَسَائِر التمليكات.
لَهُم:
الْإِبْرَاء إِسْقَاط فَلَا تنافيه الْجَهَالَة بِدَلِيل الْعتاق وَالطَّلَاق وَلَا يَصح بِلَفْظ الْإِسْقَاط وَلَا يفْتَقر إِلَى الْقبُول، وَلِأَن الدّين فِي الذِّمَّة مَعْدُوم والمعدوم لَا يملك ثمَّ الْجَهَالَة عندنَا إِنَّمَا تُؤثر فِي التمليكات إِذا كَانَ يتَعَذَّر مَعهَا التَّسْلِيم وَهَا هُنَا الْإِبْرَاء لَا يفْتَقر إِلَى تَسْلِيمه.
مَالك: يبرأ من الْعَيْب الْبَاطِن فِي الْحَيَوَان حسب.
أَحْمد: لَا يبرأ من عيب أصلا.
التكملة:
قَالُوا: الْعَيْب لم يكن سَببا لعَينه، بل لِأَن البَائِع الْتزم بِحكم الْعرف سَلامَة الْمَبِيع فَاسْتحقَّ المُشْتَرِي صفة السَّلامَة بالتزامه (فَإِذا فَاتَت) ثَبت
(2/286)

الْفَسْخ وَلَا يبْقى هَذَا مَعَ الْبَرَاءَة.
الْجَواب: إِن البيع سَبَب الْجَوَاز بِالنَّصِّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قضى بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالرِّضَا بِالْعَيْبِ مَعَ الْجَهْل بِهِ لَا يتَصَوَّر.
قَالُوا: إِذْ شَرط فقد رَضِي كل عيب.
الْجَواب: لَيْسَ معنى الْكَلَام الرِّضَا بِجَمِيعِ الْعُيُوب إِذْ لَو قدرت جَمِيع الْعُيُوب خرجت الْعين عَن الِانْتِفَاع، فَكيف يلْزم العقد بل الْمَعْنى الرِّضَا بِأَيّ عيب كَانَ، وَذَلِكَ مَجْهُول لَا يَصح الرِّضَا بِهِ ثمَّ الشَّرْع جعل الْعَيْب سَبَب الرَّد فَمن غَيره فقد عير مُقْتَضى العقد.
(2/287)

لوحة 35 من المخطوطة " أ ":
إِذا بَاعَ عَبْدَيْنِ وَشرط الْخِيَار فِي أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه لم يَصح، لِأَنَّهُ خِيَار مَجْهُول، وَإِن أعتق أَحدهمَا فَهَل يَصح؟ وَجْهَان: أَحدهمَا لَا يَصح لِأَنَّهُ جمع بَين عقدين مُخْتَلفين بِعقد وَاحِد، الثَّانِي: يَصح وَلكُل عقد حكمه وَهَذَا كالقولين فِي الصَّفْقَة إِذا جمعت بيعا وَإِجَارَة أَو بيعا ونكاحا.
اخْتلف قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْقِسْمَة هَل هِيَ بيع أَو إِقْرَار؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا أَنَّهَا بيع لِأَن كل جُزْء من ذَلِك مُشْتَرك بَينهمَا، فَإِذا تعين لأَحَدهمَا شَيْء بِالْقِسْمَةِ فقد اشْترى نصيب شَرِيكه مِمَّا تعين لَهُ بِنَفسِهِ مِمَّا تعين لشَرِيكه.
وَالثَّانِي: لَيست بيعا لِأَن لَهَا اسْما يَخُصهَا، والقرعة تدخل فِيهَا وَلَا تفْتَقر إِلَى لفظ بيع أَو تمْلِيك وَلَا يجوز إِلَّا بِقدر الْحَقَّيْنِ وَلَا يثبت فِيهَا شُفْعَة، وَفَائِدَة الْقَوْلَيْنِ تبين فِيمَا فِيهِ الرِّبَا، فَإِذا كَانَ الْمُشْتَرك جِنْسا فِيهِ الرِّبَا إِن قُلْنَا: إِنَّه بيع لم تجز قسمته إِلَّا كَيْلا، كَمَا لَا يجوز بَيْعه إِلَّا كَيْلا، وَإِن قُلْنَا لَيست بيعا جَازَ كَيْلا ووزنا هَذَا فِيمَا يُكَال كالحبوب وَالتَّمْر مِمَّا لَا يجوز بيع بعضه بِبَعْض، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يجوز بيع بعضه بِبَعْض مثل الرطب وَالْعِنَب.
إِن قُلْنَا: إِنَّهَا بيع لم تجز قسمته، وَإِن قُلْنَا لَيست بيعا جَازَ، إِذا بَاعَ
(2/288)

سَيْفا محلى بِفِضَّة بِدَرَاهِم لم يُخَيّر فَإِن بَاعه بِدَنَانِير كَانَ على قَوْلَيْنِ، لِأَن العقد جمع بَين عوضين مُخْتَلفين فِي الحكم.
وَالثَّانِي: يَصح، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَصح العقد عَلَيْهِ فَجَاز جَمعهمَا فِيهِ، وَإِن اخْتلف حكمهمَا كالسيف والشقص، إِذا اشْترى خَاتم فضَّة بِفِضَّة لم يجز، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، إِذا قسمت الْفضة على الْفضة والفص، وَإِذا بَاعه بِذَهَب كَانَ بيعا وصرفا وَفِيه قَولَانِ: إِذا كَانَ مَعَه دِينَار يُسَاوِي ك درهما (20 درهما) وَمَعَ آخري (10) دَرَاهِم وَأَرَادَ أَن يَشْتَرِي الدِّينَار بِعشْرين درهما فَإِنَّهُ يَشْتَرِي نصفه بعشة ويتقابضان فَيقبض الدِّينَار فَيكون نصفه لَهُ وَنصفه أَمَانَة فِي يَده وَيسلم الدَّرَاهِم ثمَّ يستقرضها فَيكون فِي ذمَّته مثلهَا ثمَّ يبْتَاع بهَا النّصْف الآخر الَّذِي فِي يَده فَيحصل الدِّينَار لَهُ وَعَلِيهِ ي دَرَاهِم (10 دَرَاهِم) قرضا فَإِن لم يفعل ذَلِك وَلكنه اشْترى الدِّينَار بِعشْرين وَقَبضه وَسلم الْعشْرَة الَّتِي مَعَه ثمَّ استقرضها وَسلمهَا عَن الْعشْرَة الْأُخْرَى فَهَل يجوز؟
وَجْهَان: أَحدهمَا لَا يجوز؛ لِأَن الْقَرْض يملك بِالتَّصَرُّفِ، وَهَذِه الدَّرَاهِم لم يتَصَرَّف فِيهَا وَإِنَّمَا ردهَا لَهُ على حَالهَا فَكَانَ ذَلِك فسخا للقرض.
وَالثَّانِي: يجوز وَهُوَ الْأَصَح؛ لِأَن هَذِه الدَّرَاهِم دَفعهَا إِلَيْهِ قَضَاء لما عَلَيْهِ من الدّين، وَذَلِكَ تصرف إِذا تصارفا فَلَا بَأْس أَن يطول لبثهما فِي الْمجْلس وَأَن يصطحبا من ذَلِك الْمجْلس إِلَى غَيره، فَإِن وكل أَحدهمَا عَن التَّقَابُض أَو هما جَازَ وَقَامَ الْوَكِيل مقَام الْمُوكل فَلَا يُفَارق قبل الْقَبْض، لِأَن الْمجْلس مُتَعَلق
(2/289)

ببدن الْمُتَعَاقدين، وَإِن تعذر التَّقَابُض فِي الْمجْلس تفاسخا فَإِن تفَرقا وَلم يتفاسخا فَهُوَ رَبًّا.
وَاعْلَم أَنه لَا فرق بَين دَار الْإِسْلَام وَالْحَرب فِي الرِّبَا وَلَا يجوز بَين الْمُسلمين وَلَا بَين مُسلم وحربي خلافًا لَهُم فِي دَار الْحَرْب.
(2/290)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة بعد الْمِائَة:
إِلْحَاق الزِّيَادَة بعد لُزُوم العقد (قيو)) .
الْمَذْهَب: لَا يجوز.
عِنْدهم: يجوز.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
البيع مُقَابلَة الثّمن بِالثّمن، وَقد صَار كل عوض مُسْتَغْرقا بِصَاحِبِهِ فالزائد ثمن لَا بمثمن وَبِالْعَكْسِ، ويتأيد بِالزِّيَادَةِ فِي الْمُسلم فِيهِ فَإِنَّهُ يمْتَنع، ويتأيد
(2/291)

بتسليمهم أَن الزِّيَادَة لَا تلْحق الشَّفِيع مَعَ الِاتِّفَاق أَنه يَأْخُذ بِثمن العقد.
لَهُم:
غير العقد من وصف مَشْرُوع إِلَى وصف مَشْرُوع فصح، كَمَا إِذا اسْتردَّ أرش عيب قديم مَعَ حُدُوث عيب عِنْده، وَالصِّفَات هِيَ ربح حَيَوَان عدل ثمَّ لَهما أَن يغيرا أصل العقد بالإقالة.
وَالْحَاصِل أَنه إِن انْفَسَخ العقد بِسَبَب يرجع إِلَيْهِ اسْتَقل بِهِ أَحدهمَا كالعيب وَإِن لم يقرن فالتراضي وَالْوَصْف إِن عَاد إِلَى الأَصْل فبالأرش وَإِلَّا بِالزِّيَادَةِ بِالتَّرَاضِي.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
لَا نسلم أَن الرِّبْح والخسران صفة العقد، بل صفة المَال، وصفات العقد
(2/292)

الصِّحَّة واللزوم وَالْجَوَاز، ويلزمهم توقف ذَلِك على وجود الْمَزِيد عَلَيْهِ وَيعْتَذر عَن الْأَرْش بِكَوْنِهِ ثَبت بِأَصْل العقد.
وَقد سلم لَهُ فِي مُقَابلَته ترك الْمُطَالبَة، ثمَّ هَذَا بِمَثَابَة مَا لَو رد المُشْتَرِي أرش الْعَيْب الْحَادِث فِي يَده، وَإِن ألزمونا مهر المفوضة منعنَا، وَمَعَ التَّسْلِيم فَنَقُول: هُوَ فِي مُقَابلَة التَّمْكِين، فَإِن لَهَا أَن تمْتَنع، وَإِن ألزمونا عوض الْهِبَة فَهِيَ فِي مُقَابلَة اسْتِحْقَاق الرُّجُوع.
وَبِالْجُمْلَةِ مَا يرجع بِالْأَرْشِ لَيْسَ من المَال الَّذِي وَقعت عَلَيْهِ الْمُعَاوضَة بل شَيْء آخر بِسَبَب آخر بِدَلِيل مَا لَو بَاعَ عبدا بِجَارِيَة يعلم بهَا عَيْبا فَإِنَّهُ يجوز وَطْؤُهَا، وَلَو تعيّنت فِي رد الْأَرْش لم يجز الْوَطْء.
ثمَّ نقُول: الزِّيَادَة فِي الثّمن من الْمُثمن أم لَا، فَإِن لم تكن مِنْهُ فمحال أَن تكون زِيَادَة فِيهِ، وَإِن كَانَت مِنْهُ استدعت جَزَاء مثمنا.
(2/293)

فارغة
(2/294)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة بعد الْمِائَة: نزاع الْمُتَبَايعين فِي الثّمن أَو الْمُثمن (قيز)) .
الْمَذْهَب: يُوجب التَّحَالُف حالتي قيام الْعين وتلفها.
عِنْدهم: خالفوا فِي حَالَة الْهَلَاك.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ والسلعة قَائِمَة أَو هالكة تحَالفا ".
وَكَذَا روى الْوَلِيد فِي مخرجه عَن أَحْمد، وروى مُطلقًا: إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ تحَالفا.
(2/295)

لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ والسلعة قَائِمَة تحَالفا وترادا " شَرط التَّحَالُف عِنْد قيام السّلْعَة فَصَارَ بِمَثَابَة قَوْله: " إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أحد الْمُتَبَايعين فَيحلف عِنْد الِاخْتِلَاف فِي صفة العقد قِيَاسا للْبَائِع على المُشْتَرِي لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُدع ومدعى عَلَيْهِ، ويتأيد بِأَن المُشْتَرِي يُمكنهُ إِقَامَة الْبَيِّنَة وَصَارَ كَمَا لَو اخْتلفَا فِي صِيغَة العقد بيعا هُوَ أَو هبة ويتأيد بِحَال قيام الْمَبِيع وَبِمَا قبل الْقَبْض.
لَهُم:
الْمُدَّعِي هُوَ البَائِع فَإِن المُشْتَرِي قد سلمت لَهُ الْعين وحد الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي إِن سكت سكت عَنهُ.
مَالك: رِوَايَتَانِ.
(2/296)

أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
قَالُوا: إِنَّمَا سَمِعت بَيِّنَة المُشْتَرِي دفعا للْيَمِين عَن نَفسه، كَالْمُودعِ وَاعْتَذَرُوا عَن حَالَة قيام السّلْعَة بِكَوْن ذَلِك ثَبت بِالنَّصِّ.
الْجَواب: الْكُلِّي مَأْخَذ التَّحْلِيف وَالدَّعْوَى وَالْإِنْكَار ظُهُور الصدْق وخفاؤه، وَذَلِكَ لَا يخْتَلف بِهَلَاك السّلْعَة وقيامها فَكل من قويت جنبته حلف.
وَيمْتَنع اعْتِبَار قيام السّلْعَة وَصفا للتحالف، إِذْ لَا تَأْثِير لَهُ فِي الصدْق وَالْكذب، وحديثهم لَيْسَ يَنْفَكّ عَن تخيل مصلحَة فِي التَّسْوِيَة بَين الْمُتَعَاقدين وَإِن كَانَ مُرْسلا ثمَّ يُوَافق قِيَاس مَذْهَبنَا.
(2/297)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة بعد الْمِائَة: البيع الْفَاسِد (قيح)) .
الْمَذْهَب: لَا ينْعَقد.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
جَمِيع الْأَخْبَار المتضمنة المناهي عَن البيوعات الْفَاسِدَة، كَبيع وَشرط وَبيع المضامين، وحبل الحبلة، والملاقيح.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَأحل الله البيع} ، وَهَذَا بيع.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
نفرض الْمَبِيع بِالْخمرِ ونقيس على بيع الْخمر أَو نقُول لم يَأْتِ بِالْبيعِ الْمَشْرُوع فَلَا ينْعَقد، ونعني بالمشروع مَا وَصفه الشَّرْع سَببا، ونعني بالانعقاد: اعْتِبَار الشَّارِع لَهُ.
(2/298)

لَهُم:
مَا اتسعت طرفه جَازَ أَن يكون الْفَاسِد من طرفه كالكتابة وَهُوَ عقد وجد من أَهله وصادف مَحَله فصح كَالصَّحِيحِ.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
نناقضهم بِكَوْنِهِ لَا يلْزم بِالْقَبْضِ ونسوي بَين الثّمن والمثمن فِي كَونهمَا ركني العقد، وَالْبيع مُقَابلَة مَال مَعْلُوم، بِمَال مَعْلُوم وَلم يُوجد هَا هُنَا وَبَين أَنه غير مَشْرُوع لِأَن مَوْضُوع الشَّيْء سَببا يتلَقَّى من نَص أَو تَحْقِيق منَاط فِي مَوضِع إِجْمَاع.
أما الْقيَاس لَا مجَال لَهُ فِي الْأَسْبَاب وَلَا نَص فِي مَحل النزاع وَالْبيع الْمُطلق لَا يتَصَوَّر، وَكَذَا المَال الْمُطلق، ونمنع انْعِقَاد الْكِتَابَة الْفَاسِدَة، وَإِن سلمنَا فالعتق بِالتَّعْلِيقِ على الْأَدَاء وَالْعِتْق يتشوف إِلَى تَحْصِيله، وَالتَّعْلِيق
(2/299)

على الْأَمر الْفَاسِد الصَّحِيح، وَإِن ألزمونا فِي الْكِتَابَة لُزُوم الْعِوَض منعنَا، ونمنع سَلامَة الأكساب وَالْأَوْلَاد ونشترط صَرِيح التَّعْلِيق فِي الْكِتَابَة.
وَبِالْجُمْلَةِ النَّهْي عَن البيع يُفْسِدهُ ويخرجه عَن المشروعية وَعِنْدهم مَعَ النَّهْي هُوَ مَشْرُوع وَالسَّبَب الْحَرَام يثبت ملكا حَرَامًا.
(2/300)

فارغة
(2/301)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة بعد الْمِائَة: بيع الْفُضُولِيّ (قيط)) .
الْمَذْهَب: لَا يَصح.
عِنْدهم: يَصح وَيقف على إجَازَة الْمَالِك ويوافق فِي الشِّرَاء.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
دفع النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى عُرْوَة الْبَارِقي دِينَارا يَشْتَرِي بِهِ أضْحِية
(2/302)

فَاشْترى شَاتين وَبَاعَ إِحْدَاهمَا بِدِينَار، وَدفع إِلَى حَكِيم بن حزَام دِينَارا يَشْتَرِي بِهِ أضْحِية فَاشْترى شَاة وباعها بدينارين وَاشْترى بِأَحَدِهِمَا شَاة، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " بَارك الله لَك فِي صَفْقَة يَمِينك ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عقد تمْلِيك فَلَا يَصح إِلَّا من الْمَالِك، لِأَن البيع إِيجَاب الْملك، وَلِهَذَا لَو قَالَ مَلكتك صَحَّ، ونقيس على الطَّلَاق فَإِنَّهُ لَو طلق أَجْنَبِيَّة لَا يَصح، وعَلى الشِّرَاء فَإِنَّهُ لَو اشْترى لم يَصح.
(2/303)

لَهُم:
تصرف من أَهله فِي مَحَله فصح كالمالك؛ لِأَن الْأَهْلِيَّة بِالْعقلِ وَالْبُلُوغ والتمييز وَمحل العقد مَا قبل النَّقْل كالحسيات فَلَو امْتنع مُمْتَنع لحق الْمَالِك وَلَا ضَرَر عَلَيْهِ.
مَالك: يقف البيع وَالشِّرَاء على الْإِجَازَة.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ فِي البيع وَالشِّرَاء.
التكملة:
مَا نقلوه مَجْهُول، خبر حَكِيم يرويهِ رجل من الْحَيّ، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ فيهمَا حجَّة فَإِنَّهُمَا كَانَا وكيلين مطلقي التَّصَرُّف وَلِهَذَا باعا واشتريا، ونقول: إيقاف العقد بَاطِل فَإِنَّهُ مُخَالف الْحَقِيقَة من غير ضَرُورَة خَاصَّة وَلَا حَاجَة عَامَّة لِأَن تَقْدِير بَقَاء العقد الَّذِي قد تقضى مُخَالف للْحَقِيقَة وَلَا
(2/304)

يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا لحَاجَة، وَإِنَّمَا توقف الْإِيجَاب على الْقبُول لحَاجَة، وَكَذَلِكَ التَّوْكِيل.
وَبِالْجُمْلَةِ كل مركب من أَجزَاء متعاقبة يلْزم تَقْدِير الْبَقَاء فِي بعض أَجْزَائِهِ ليلحق بهَا الآخر كأركان الصَّلَاة ويلزمهم بيع الْفُضُولِيّ مَال الصَّبِي فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْدهم وَإِن بلغ وَأَجَازَ.
وَكَذَلِكَ لَو ورث الْفُضُولِيّ مَا بَاعه وأنفذ بيع نَفسه لم يَصح إِجْمَاعًا، فَإِن ألزمونا الْوَصِيَّة بِمَا جَاوز الثُّلُث.
قُلْنَا: ذَاك ابْتِدَاء عَطِيَّة من الْوَارِث وَلِهَذَا تعْتَبر فِيهِ شُرُوط أَو نقُول: ملك الْمُوصي ثَابت حَالَة الْوَصِيَّة.
(2/305)

(الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: (قك)) .
إِذا اشْترى الْكَافِر عبدا مُسلما.
الْمَذْهَب: لَا ينْعَقد فِي القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: ينْعَقد وَينفذ وَيُطَالب بِقطع الْملك بطريقه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
بِالشِّرَاءِ اكْتسب مالكية لم تكن فَلَا تصح كَمَا لَو تزوج بِمسلمَة، بَيَان
(2/306)

الدَّعْوَى: أَنه لم يكن مَالِكًا فَصَارَ مَالِكًا، وتأثيره أَن الْمَالِكِيَّة قهر وسلطنة فَلَا يثبت للْكَافِرِ على الْمُسلم، ونقول: مَبِيع لَا يقدر على تَسْلِيمه.
الْكَافِر يملك بَيْعه فَيملك شِرَاءَهُ، تَأْثِيره أَنَّهُمَا تصرفان فِي العَبْد فَلَو امْتنع كَانَ للْحكم وَهُوَ ثَابت للْكَافِرِ على الْمُسلم بِدَلِيل مَا إِذا أسلم فِي يَده أَو وَرثهُ عبارَة: تصرف صدر من الْأَهْل فِي الْمحل فصح.
مَالك: رِوَايَتَانِ.
أَحْمد: ق.
التكملة:
جَمِيع مَا ناقضونا بِهِ من إِجَارَة وَرهن وَغير ذَلِك لَا يَنْفَكّ عَن منع وَجها أَو قولا أَو بِنَاء على قَول، ومطلع النّظر أَن الْإِسْلَام يُنَافِي ملك الْكَافِر إِلَّا أَنا احتملناه فِي الدَّوَام ضَرُورَة الحذر عَن التحسير الَّذِي التزمناه بِعقد الذِّمَّة، وَلَا ضَرُورَة هَاهُنَا، وَاعْتِبَار البيع بِالشِّرَاءِ قِيَاس الشَّيْء على ضِدّه، فَإِن
(2/307)

أَحدهمَا يَنْفِي الْمَالِكِيَّة وَالْآخر يثبتها وَهُوَ كَمَا لَو قيل نفذ طَلَاق الْكَافِر فنفذ نِكَاحه.
وَصورته: إِذا أسلمت تَحْتَهُ فَطلقهَا ثمَّ أسلم قبل انْقِضَاء الْعدة فَإِنَّهُ يحْتَسب عَلَيْهِ هَذِه الطَّلقَة ونمنع الْأَهْلِيَّة والمحلية ونسوى بَين النِّكَاح وَالْبيع، وَلَو أسلم قبل الْقَبْض انْفَسَخ البيع (وحرف الْمَسْأَلَة أَن الْمَبِيع) عندنَا يحدث مالكية لم تكن، وَعِنْدهم لَا يحدث مالكية بل العَبْد مَمْلُوك وَإِنَّمَا تتبدل الْإِضَافَة.
(2/308)

لوحة 36 مخطوطة:
(الْعقل يُطلق على الْعُلُوم الضرورية وعَلى الغريزية وعَلى الْعُلُوم المستفادة من التجربة، وعَلى الْوَقار وعَلى من جمع إِلَى الْعلم وَالْعَمَل، فَإِذن لَا يُقَال: للحجاج عَاقل بل دَاء.
وَيُقَال: للْكَافِرِ فَاضل أَو كيس، وَقد حَده الباقلاني بِأَنَّهُ الْعلم بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات، وَقيل: هُوَ غريزة يتهيأ بهَا النّظر فِي المعقولات) إِذا خرج الْمَنِيّ أَو دم الْحيض من أحد فَرجي الْخُنْثَى لم يحكم بِبُلُوغِهِ لجَوَاز أَن يكون عضوا زَائِدا.
(2/309)

فَإِن قيل: أَلا جعلتم خُرُوج المَاء من أحد الفرجين دَالا على ذكورية أَو أنوثية كَمَا يعلم بالتبول.
فَالْجَوَاب: أَن الله أجْرى الْعَادة أَن الْبَوْل لَا يخرج إِلَّا من سَبيله وَلَيْسَ كَذَلِك الْمَنِيّ فَإِنَّهُ قد يخرج من جرح فِي الظّهْر، وَالدَّم يخرج من جَمِيع الْبدن، وَمِمَّا يلْتَحق بِمَسْأَلَة التَّأْبِير أَن كل عقد مُعَاوضَة يجْرِي مجْرى البيع مثل أَن يكون النّخل صَدَاقا أَو أُجْرَة أَو فِي عقد صلح، وَإِن أبر بعض الْحَائِط سرى الحكم إِلَى الْجَمِيع هَذَا إِذا كَانَت نوعا وَاحِدًا.
فَإِن كَانَت أنواعا فَوَجْهَانِ: الكرسف وَهُوَ الْقطن نَوْعَانِ، نوع لَهُ شجر نابت يتَكَرَّر خُرُوجه فِيهِ وَذَلِكَ بالحجاز وَالْبَصْرَة وَحكم هَذَا النَّوْع حكم النّخل إِذا بيع أَصله قبل ظُهُوره من حوزه كَانَ تَابعا لَهُ، وَإِن كَانَ بعد ظُهُوره كَانَ للْبَائِع، وَالنَّوْع الآخر: أَن يكون زرعا لَا أصل لَهُ ثَابت وَيكون بِبَغْدَاد وخراسان.
وَهَذَا النَّوْع إِذا بِيعَتْ الأَرْض لم يتبعهَا؛ لِأَنَّهُ مُودع فِيهَا وَالشَّجر الثَّابِت الَّذِي يتَكَرَّر حمله خَمْسَة أَنْوَاع: النّخل والقطن الصِّنْف الأول، وَالثَّانِي: مَا تخرج ثَمَرَته باززة لَا فِي كمام وَلَا ورد كالعنب، وَهَذِه الثَّمَرَة
(2/310)

تكون للْبَائِع؛ لِأَن ظُهُورهَا من شجرتها مثل ظُهُور الطّلع من قشره، وَالثَّالِث: مَا يخرج ثَمَرَته مثل التفاح إِن تناثر ورده فَهُوَ للْبَائِع.
الرَّابِع: مَا يخرج (من كمام كالرمان) والموز (إِذا) ظهر من الشّجر فِي كمامه فَهُوَ للْبَائِع.
الْخَامِس: مَا يقْصد ورده كالورد والياسمين هَذَا ينظر إِن كَانَ فِي جنبذه لم يتفتح فَهُوَ للْمُشْتَرِي، وَإِن تفتح فَهُوَ للْبَائِع.
(2/311)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: بيع لبن الآدميات (قكا)) .
الْمَذْهَب: يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(2/312)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَال فصح بَيْعه، لِأَن المَال مَا خلق لمصْلحَة الْآدَمِيّ، وَاللَّبن لَا يقوم غَيره مقَامه، وتأثيره أَن البيع نوع رَغْبَة ببذل عوض، فَإِذا صحت الرَّغْبَة شرعا صحت بعوض، وَلِهَذَا صحت بِالْإِجَارَة، وَالْعقد صدر من أَهله وَالْخلف فِي الْمحل وتنجيسه أَمر بدع.
لَهُم:
جُزْء آدَمِيّ والآدمي لَيْسَ بِمَال، دَلِيل الْجُزْئِيَّة أَن حُدُوثه حُدُوث الْمَنِيّ، وتأثيره أَن شرفه اقْتضى أَن لَا يكون مَالا وَإِنَّمَا جَازَ تنَاوله ضَرُورَة وَرُبمَا ادعينا نَجَاسَته.
مَالك: ف.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
دَلِيل كَون اللَّبن مَحل البيع: قبُول حكمه، وَهُوَ الْملك، فَإِن الْملك
(2/313)

اخْتِصَاص شَرْعِي بِعَين منتفع بهَا، وَمن ملك جَارِيَة أَو اسْتَأْجرهَا للرضاع اخْتصَّ بلبنها، وَلَو كَانَت حرَّة يخْتَص بذلك عينا ويدا، فَإِذا عرفنَا المناط فِي مَحل الْإِجْمَاع على جَوَاز بيع الشَّاة لم نوجب الِافْتِرَاق بِكَوْنِهِ لبن آدمية، ونقول الْإِنْسَان حَيَوَان مَخْصُوص بِصِفَات فالحيوانية دَاخِلَة فِي حَده، وَاللَّبن جماد وَلَيْسَ بِجُزْء حَيَوَان.
وَكَذَلِكَ الدَّم، وَإِنَّمَا الْآدَمِيّ لحم وَعظم وَعصب ومودع فِيهِ الدَّم، بَقِي أَنه لَو نزف مِنْهُ مَاتَ، وَكَذَا لَو منع الطَّعَام، وَيدل على الطَّهَارَة جَوَاز التَّنَاوُل قَوْلهم: تنَاوله رخصَة قَول شنع إِذا حل الْأَشْيَاء لبن الرَّضَاع، ومساق قَوْلهم يُفْضِي إِلَى (أَن الْأَنْبِيَاء غذوا) بِنَجَاسَة وبحرام، بل اللَّبن بِمَنْزِلَة الطَّعَام للكبار وَيدل عَلَيْهِ جَوَاز الرَّضَاع فِي حَال جَوَاز الْفِطَام قبل الْحَوْلَيْنِ، فَإِن كَانَ ضرب الْمدَّة للضَّرُورَة فلنحرم النُّقْصَان عَنْهَا، وَإِن عرف اسْتغْنَاء الصَّبِي يَقِينا أَو ظنا، ونمنع كَونه حَرَامًا على الْبَالِغ بل يكره لكَونه
(2/314)

يعاف.
وَدَلِيل طَهَارَته إِجْمَاع الصَّحَابَة على مُخَالطَة المرضعات، وَيلْزم على أصلهم انْتِقَاض طهر الْمَرْأَة بِخُرُوجِهِ.
(2/315)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: بيع الْكَلْب (قكب)) .
الْمَذْهَب: لَا يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْكَلْب خَبِيث وخبيث ثمنه "، وَنَهْيه عَن ثمن الْكَلْب، وَقَوله: " إِذا جَاءَ صَاحب الْكَلْب يطْلب ثمنه فاملؤا كَفه تُرَابا ".
لَهُم:
نهى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن ثمن الْكَلْب والسنور إِلَّا عَن كلب صيد أَو مَاشِيَة.
(2/316)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حَيَوَان نجس الْعين فَلَا يَصح بَيْعه كالخنزير، دَلِيل نَجَاسَته: خبر الْهِرَّة، ونجاسة عرقه، وسؤره، وَأَن تنجيسه أبلغ فِي الْفِطَام عَنهُ.
لَهُم:
جَازَ الِانْتِفَاع بِهِ فَجَاز بَيْعه، لِأَن البيع يُوصل إِلَى الِانْتِفَاع وَلِهَذَا جَازَت إِجَارَته وَلَيْسَ بِنَجس وَلَو كَانَ نجسا لما امْتنع بَيْعه.
مَالك: يَصح بيع الْمَأْذُون فِي إِمْسَاكه.
أَحْمد: ق.
التكملة:
نعتمد على كَونه نجس الْعين والنجاسة تمنع الِانْتِفَاع إِلَّا مَا ورد فِيهِ رخصَة ومعتدهم على أَن الِانْتِفَاع جَائِز مُطلقًا ثمَّ يَقُولُونَ: النَّجَاسَة تُؤثر فِي فَسَاد الصَّلَاة، أما البيع فيعتمد الْمَالِيَّة وقوامها بِالِانْتِفَاعِ، ويعتضدون بِالْهبةِ وَالْإِجَارَة وَالْوَصِيَّة.
الْجَواب: الأَصْل تَحْرِيم الِانْتِفَاع الْمُسْتَثْنى رخصَة، والترخيص لَا يصحح البيع كتناول الْميتَة ونظائرها، وَيدل عَلَيْهِ أَن ودك الْميتَة يصلح
(2/317)

لطلاء السفن والاستصباح فَلَا يَصح بَيْعه.
وَفِي الْإِجَارَة وَالْهِبَة منع وَالْوَصِيَّة خلَافَة وَلَيْسَت تَمْلِيكًا، وَلِهَذَا جرت فِي الْخمر مَعَ امْتنَاع البيع، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بقوله عَلَيْهِ السَّلَام: " إِلَّا كلب صيد " وَلَا كلب صيد. قَالَ الشَّاعِر:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان)

مَعْنَاهُ: وَلَا الفرقدان.
(2/318)

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: تَصَرُّفَات الصَّبِي الْمُمَيز (قكج) .
الْمَذْهَب: لاغية.
عِنْدهم: تقع نَافِذَة إِن أذن الْوَلِيّ وتقف على إِجَازَته.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح} .
وَجه الدَّلِيل: الْأَمر بالابتلاء وَطَرِيقه التَّصَرُّفَات.
(2/319)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تصرف كَامِل فيستدعي عقلا كَامِلا، دَلِيل نُقْصَان عقله كَونه لَا يُخَاطب وَلَا يَصح طَلَاقه، وَدَلِيل كَمَال الْعقل كَونه يشْتَمل على إِزَالَة وَتَحْصِيل فَلَا يملك الْكَامِل بالناقص.
لَهُم:
تصرف صدر من أَهله فِي مَحَله والأهلية بِالْعقلِ واعتباره وَاجِب حَتَّى لَا يلْتَحق بالبهائم وَهَذَا يفهم وَيفهم وَالْبيع قَول وَأَهله من عقله، ويتأيد بِصِحَّة نوافله وحجه ووصيته وَقبُول الْهِبَة.
مَالك:.
أَحْمد: يَصح بِإِذن الْوَلِيّ.
التكملة:
نَص على أَنه غير عَاقل وَلَا يَسْتَقِيم تَعْلِيلهم بِضعْف البنية فَإِن الْمَرِيض والزمن يكلفان ثمَّ لَو كَانَ عَاقِلا انْعَقَد تصرفه لنَفسِهِ وَلم يتَوَقَّف
(2/320)

على الْإِذْن بِخِلَاف الْمُرْتَهن فَإِن حَقه مُرْتَبِط بِالرَّهْنِ، ثمَّ نقُول الْعقل غريزة (أَو قُوَّة) تحدث مَعَ الْكَمَال فِي الْحَالة الَّتِي يُمكن أَن تُوجد مِنْهُ وَهَذِه الْحَالة لَا جُزْء لَهَا وَهِي على مِثَال قُوَّة الأحبال، وَإِن حصل للصَّبِيّ أُمُور عقلية فَتلك على طَرِيق التَّلْقِين ثمَّ الْمُعْتَبر فِي مَحل الْإِجْمَاع صفة الْعقل وَالصبَا (يُنَافِي ذَلِك) وَلَا نسلم انْفِصَال النّفُوذ عَن الِانْعِقَاد كَمَا تقدم فِي بيع الْفُضُولِيّ.
(2/321)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: إِذا بَاعَ نَخْلَة قبل التَّأْبِير (قكد)) .
الْمَذْهَب: الثَّمَرَة للْمُشْتَرِي.
عِنْدهم: للْبَائِع ف بِكُل حَال.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من بَاعَ نَخْلَة قبل أَن تؤبر فثمرتها للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع "، وَلَا يخفى تَقْرِير القَوْل بِالْمَفْهُومِ.
(2/322)

لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الثِّمَار قبل التَّأْبِير مُتَّصِلَة على وَجه لَا يعْتَاد نقلهَا فتبعت فِي البيع كالأبواب والرفوف وَالثِّمَار أولى، لِأَن اتِّصَاله خلقي.
لَهُم:
أَعْيَان مَمْلُوكَة تقبل الْإِفْرَاد وَلَا تتبع غَيرهَا كَمَا بعد التَّأْبِير، وَفِيه احْتِرَاز عَن الأجنة فَإِنَّهَا لَا تفرد وَالْفِقْه أَن الْملك ثَابت فِي الشَّجَرَة وَالثَّمَرَة وَالْبيع مُضَاف إِلَى الشَّجَرَة فقصر عَلَيْهِ.
مَالك: ق.
(2/323)

أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: الْفرق بَين الْمَنْطُوق والمسكوت مُسلم لَكِن فِي التَّخْصِيص الْجَارِي على خلاف الأَصْل، فَإِن الزَّكَاة منتفية فِي السَّائِمَة والمعلوفة فَإِذا أوجبهَا فِي السَّائِمَة بقيت فِي المعلوفة على حَالهَا.
الْجَواب: الزَّكَاة كَانَت منتفية فِي المعلوفة قبل الحَدِيث (لانْتِفَاء دليلها) وَبعد الحَدِيث صَارَت منتفية بِهِ، دَلِيل ذَلِك: أَن من سَأَلَ عَن الزَّكَاة فِي المعلوفة قبل الحَدِيث) صَحَّ أَن يتَوَقَّف بِخِلَاف بعد الحَدِيث.
فَإِن قَالُوا: يلْزم على قَوْلكُم القَوْل بِمَفْهُوم اللقب.
الْجَواب: قد قَالَ بِمَفْهُوم اللقب قوم وأحالوا تَركه فِي مسَائِل على دَلِيل صرف عَنهُ، وَالصَّحِيح أَنه غير لَازم فَإِن الْقَائِل بِالْمَفْهُومِ يتَمَسَّك بِدلَالَة فعل الْمُتَكَلّم من حَيْثُ أَنه لما حَضرته جملَة متحدة فاقتطع بَعْضهَا
(2/324)

بالمدلول دَلِيل على افْتِرَاق الْجُمْلَة ثمَّ الْجُمْلَة المتحدة تَارَة يحضر فِي الْمَدْلُول كَقَوْلِه: " فِي الْإِبِل السَّائِمَة " فَإِن الْإِبِل تجمع الْقسمَيْنِ، وَتارَة يحضر فِي الذِّهْن كَقَوْلِه: " الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا " فَإِن الثيبوبة والبكارة يحْضرَانِ الذِّهْن مَعًا بِخِلَاف اللقب.
(2/325)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: إِذا فرق بَين الْأُم وصغيرها فِي البيع (قكه)) .
الْمَذْهَب: لم يَصح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ " فرق بَين امْرَأَة وَوَلدهَا فَنَهَاهُ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن ذَلِك ورد البيع ".
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تَفْرِيق يحرم فِي البيع فَمنع صِحَّته، كَمَا لَو فرق بَين الْأُم وَالْحمل.
لَهُم:
عقد فَلَا يمْنَع التَّفْرِيق بَينهمَا صِحَّته كَالرَّهْنِ.
(2/326)

مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
لَا يَصح اعْتِبَار الْأُم وَالْولد بالأخوين لِأَن هَذَا محرم وَذَاكَ غير محرم، فَإِن قَالُوا: الْحمل يدْخل فِي إِطْلَاق البيع فَلم يجز إِفْرَاده.
قُلْنَا: أفنان الشّجر تدخل فِي إِطْلَاق بيع الشّجر وَيصِح إِفْرَاده، وقياسهم على الرَّهْن لَا يَنْفَعهُمْ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يمْنَع التَّفْرِيق صِحَة العقد وَلَا يمْنَع صِحَة عقد آخر، فَلِأَن التَّفْرِيق فِي الرَّهْن لَا يُؤَدِّي إِلَى إِضْرَار؛ لِأَنَّهُمَا فِي بلد وَاحِد فَلَا يعْدم الْحَضَانَة، وَلِهَذَا قُلْنَا: التَّفْرِيق فِي الرَّهْن غير محرم.
(2/327)

لوحة 37 من المخطوطة " أ ":
النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لَا يقر على مُنكر يجْرِي بِحَضْرَتِهِ؛ فشهوده وسكوته حجَّة، أما مَا يفعل على عَهده لَا بِحَضْرَتِهِ إِن تحققنا انتهاءه إِلَيْهِ فَهُوَ كشهوده، وَقد رُوِيَ أَن معَاذًا كَانَ يُصَلِّي خَلفه عشَاء الْآخِرَة وينصرف فَيصَلي فِي قومه فِي بني سَلمَة تكون لَهُ نَافِلَة، وَإِن كَانَت الْحَادِثَة مِمَّا يجوز أَلا تَنْتَهِي إِلَيْهِ لم يكن حجَّة، كَمَا رُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة أَنه قَالَ: كُنَّا نجامع ونكسل على عهد رَسُول الله وَلَا نغتسل.
(2/328)

فِي الْمَأْذُون ثَمَانِيَة عشر مَسْأَلَة تَضَمَّنت الورقة خمْسا، السَّادِسَة لَيْسَ للمأذون أَن يَأْذَن لعبد فِي التِّجَارَة كَالْوَكِيلِ لَيْسَ لَهُ أَن يُوكل من غير إِذن مُوكله خلافًا لَهُم.
السَّابِعَة: لَيْسَ لَهُ اتِّخَاذ الدعْوَة والضيافة خلافًا لَهُم.
الثَّامِنَة: إِذا ركبته الدُّيُون لَا يَزُول ملكه عَنهُ، وَلَا يدْخل فِي ملك الْغُرَمَاء.
التَّاسِعَة والعاشرة: إِذا احتطب واحتش لم يضم إِلَى مَال التِّجَارَة.
الْحَادِيَة عشرَة: لَيْسَ لَهُ أَن يُعَامل سَيّده.
الثَّانِيَة عشرَة: لَا يَصح شِرَاؤُهُ لأَب سَيّده فَإِنَّهُ يعْتق على سَيّده ويتضرر بذلك خلافًا لَهُم.
الثَّالِثَة عشرَة: زعم العَبْد أَن سَيّده قد أذن لَهُ فِي التِّجَارَة فَلَيْسَ لأحد
(2/329)

مُعَامَلَته مَا لم يعلم الْآذِن.
الرَّابِعَة عشرَة: زعم العَبْد الْمَأْذُون أَن سَيّده قد حجر عَلَيْهِ وَقَالَ السَّيِّد: لم أحجر عَلَيْهِ لَا تجوز مُعَامَلَته؛ لِأَن بِزَعْمِهِ لَا يَصح تصرفه.
الْخَامِسَة عشرَة: لَو أذن السَّيِّد للمأذون أَن يَأْذَن للْعَبد الَّذِي فِي يَده التِّجَارَة فَأذن صَحَّ، وَلَو حجر السَّيِّد على عَبده صَحَّ.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يَصح مَا لم يردهُ إِلَى يَده.
السَّادِسَة عشرَة: لَو أقرّ الْمَأْذُون لِأَبِيهِ أَو لِابْنِهِ بِمَال صَحَّ كَمَا لَو أقرّ لأَجْنَبِيّ.
السَّابِعَة عشرَة: لَو كَانَ فِي يَده عين مَال فأقرأنه مَغْصُوب أَو وَدِيعَة لم يَصح إِقْرَاره.
الثَّامِنَة عشرَة: لَو علم رجل أَنه مَأْذُون فعامله ثمَّ امْتنع عَن التَّسْلِيم كَانَ لَهُ ذَلِك مَا لم يشْهد أَنه مَأْذُون لِأَنَّهُ رُبمَا يُنكر السَّيِّد الْإِذْن فَيذْهب مَال البَائِع، وَهَذَا كَمَا أَن رجلا لَو ادّعى أَن فلَانا وكلني يقبض حَقه مِنْك وَصدقه على ذَلِك فَلهُ أَن لَا يسلم إِلَيْهِ الْحق مَا لم يشْهد على أَنه وَكله.
(2/330)

(مسَائِل الْمَأْذُون)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: إِذا أذن لعَبْدِهِ فِي نوع تِجَارَة (قكو)) .
الْمَذْهَب: لم يتعده.
عِنْدهم: ينْصَرف على الْإِطْلَاق.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... .
لَهُم: ... ... .
(2/331)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تصرف بِحكم الْأَمر فَلَا يتَعَدَّى الْمَأْمُور بِهِ، كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارب، ذَلِك لِأَنَّهُ قبل الْإِذْن (لم يكن متصرفا وَإِنَّمَا صَار متصرفا بِالْإِذْنِ) فَصَارَ كَمَا لَو استخدمه فِي شَيْء بِعَيْنِه فَإِنَّهُ لَا يتعداه.
لَهُم:
تصرف بِحكم فك الْحجر عَنهُ فَلَا يخْتَص كَالْمكَاتبِ عبارَة: تَخْصِيص لاقا مَحل الْغَيْر فلغا كَالْمكَاتبِ وَالْمُعتق؛ لِأَن تصرف العَبْد بأهليته لَا بِإِذن السَّيِّد لكَونه ذَا ذمَّة يتَعَلَّق بهَا خطاب الشَّرْع.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
يدل على مَذْهَبنَا وُقُوع حكم هَذَا التَّصَرُّف للسَّيِّد وَحكم السَّبَب تَابع
(2/332)

للمسبب ونمنع أَنه يَصح أَن يَشْتَرِي من مأذونه أَو وَكيله لأَنهم رُبمَا قَالُوا: يحصل ملك الْعين للسَّيِّد وَملك الْيَد للْعَبد.
قَالُوا: أول مَا تَلقاهُ من التَّصَرُّفَات الشِّرَاء، وَهُوَ تصرف باستيجاب الثّمن فِي الذِّمَّة وَذمَّة العَبْد لَهُ بِدَلِيل صِحَة إِقْرَاره فِيهَا بِالدّينِ وَالْقصاص دون الْيَد.
أما الرَّاهِن مَعَ الْمُرْتَهن فَإِن التَّصَرُّف غير وَاقع للْمُرْتَهن لَكِن تعلق لَهُ بِهِ حق فَاعْتبر إِذْنه لسُقُوط حَقه.
وَأما الْمكَاتب فَإِن تصرفه يُسْتَفَاد من الْكِتَابَة لَا من الْإِذْن وَصَارَ المُشْتَرِي يتَصَرَّف بِالْملكِ الْمُسْتَفَاد من البيع لَا بِإِذن البَائِع ثمَّ الْكِتَابَة إِذن عَام هَذَا قاعدتها شرعا، ثمَّ العَبْد بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ ملك للْمولى فَيملك مَنَافِع أَعْضَائِهِ.
وَالْكَلَام مَنْفَعَة اللِّسَان، فَإِذا أَمر بصرفه إِلَى جِهَة لم يجز أَن يصرفهُ
(2/333)

إِلَى جِهَة أَن يصرفهُ إِلَى جِهَة أُخْرَى.
(2/334)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: إِذا رَآهُ يتَصَرَّف ويسكت (قكز)) .
الْمَذْهَب: لَا يصير مَأْذُونا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا ضَرَر وَلَا ضرار ".
وَجه الدَّلِيل: أَن السَّيِّد إِذا رأى عَبده يتَصَرَّف وَسكت أوهم الْإِذْن لَهُ
(2/335)

وَفِيه غرر بالعامل فَكَمَا دفع الضَّرَر بِأَن لَا يدْفع حجر خَاص إِذْنا عَاما فنعتمدها هُنَا كَذَلِك.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
السُّكُوت كف عَن الْإِذْن فَكيف يكون إِذْنا؟ وَالسُّكُوت فِي الدّلَالَة على الْإِذْن مُتَرَدّد فَلَا يكْتَفى بِهِ كَمَا فِي التَّصَرُّف الْمَسْكُوت عَنهُ، وكما لَو رأى عَبده ينْكح أَو رأى الْمُرْتَهن يَبِيع الرَّهْن.
لَهُم:
العَبْد يتَصَرَّف لنَفسِهِ وَإِذن السَّيِّد كفك الْحجر عَنهُ، وبالسكوت يحصل ذَلِك وَصَارَ كالشفيع، وَقد جَاءَ السُّكُوت إِذْنا شرعا بِدَلِيل سكُوت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَمَّا يجْرِي بَين يَدَيْهِ، وبدليل صمَات الْبكر.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
سكُوت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَمَّا يجْرِي بِحَضْرَتِهِ لَيْسَ بمتردد؛ لِأَنَّهُ
(2/336)

يجب عَلَيْهِ الزّجر، وَترك الزّجر بعد وُجُوبه مَعْصِيّة، وَهُوَ الْمَعْصُوم الْمُطلق، وَالسَّيِّد لَا يجب عَلَيْهِ زجر عَبده عَن البيع، كَمَا لَا يجب عَلَيْهِ زَجره عَن النِّكَاح بل لَهُ أَن يسكت اسْتِخْفَافًا بِهِ.
وَأما سكُوت الْبكر فَلَا أثر لَهُ حَيْثُ لَا يفْتَقر الْأَب إِلَى رِضَاهَا، وَغير الْأَب وَالْجد لَا يكْتَفى بسكوتها على رَأْي، وَإِن سلم فصماتها مَعَ قرينَة الْحيَاء ظَاهر فِي الدّلَالَة على الرِّضَا، وَقد ورد النَّص بجعله دَلِيلا وَبِمَا انْفَكَّ فِي حق الثّيّب عَن الْقَرِينَة لم يقس عَلَيْهِ فَكيف يُقَاس عَلَيْهِ البيع وَمَا ذَكرُوهُ من الضَّرَر وَالْغرر فالمتصرف اغْترَّ وَالسَّيِّد مَا غره وَالشَّفِيع يسْقط حَقه بترك الْمُبَادرَة.
(2/337)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: الْمَأْذُون هَل تتَعَلَّق الدُّيُون بِرَقَبَتِهِ؟ (قكح)) .
الْمَذْهَب: لَا تتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ لَكِن بِكَسْبِهِ.
عِنْدهم: تتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ حَتَّى يُبَاع بهَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... .
لَهُم: ... ... .
(2/338)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
دين لزمَه بِرِضا مُسْتَحقَّة فَلَا يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ كَدين الاستقراض وتأثيره أَنه إِذا كَانَ بِرِضا مُسْتَحقَّة فَكَأَنَّهُ رَضِي بِالتَّأْخِيرِ والرقبة أصل من أَمْوَال السَّيِّد فَلَا يتَعَلَّق بهَا دين التِّجَارَة كَسَائِر أَمْوَاله.
لَهُم:
دين وَجب على العَبْد مُطلقًا وَظهر وُجُوبه فِي حق السَّيِّد، فَتعلق بِرَقَبَة العَبْد قِيَاسا على أَن الِاسْتِهْلَاك والذمة عبارَة عَن شخص الْمُلْتَزم ثمَّ ذمَّة العَبْد ضَعِيفَة فَقَوِيت بِالرَّقَبَةِ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ يتَعَلَّق الدّين بِتركَتِهِ لضعف ذمَّته.
مَالك:.
(2/339)

أَحْمد:.
التكملة:
أصل وجوب الدّين فِي الذِّمَّة أما تعلقه بِالرَّقَبَةِ، فَأمر زَائِد الْخصم هُوَ الْمَأْخُوذ بِبَيَان سَببه وَنسبه.
فَنَقُول: الدّين يتَعَلَّق بالمرهون ورقبة العَبْد الْجَانِي وبكسبه فِي التِّجَارَة وَلَا يُمكن قِيَاس مَسْأَلَتنَا على الرَّهْن فَإِنَّهُ يتَعَلَّق بِهِ بتعلق الْمَالِك، وَالْمَالِك هَا هُنَا لم يُوجد مِنْهُ غير الْإِذْن فِي مُبَاشرَة سَبَب الِالْتِزَام وَحَالَة الْإِذْن لَا دين وَقد أذن لَهُ أَن يتَصَرَّف بِنَفسِهِ لَا فِي نَفسه وَلَا يُمكن تلقيه من الْجِنَايَة، فَإِن ذَلِك حق ثَبت بِغَيْر رضَا مُسْتَحقّه ونعتمد على الْإِذْن فِي النِّكَاح فَإِن النَّفَقَة وَالْمهْر يتعلقان بِكَسْبِهِ وتشبيههم إِيَّاه بالمريض وَتعلق الدّين بِتركَتِهِ فَاسد؛ لِأَن الدّين يتَعَلَّق بِمَال من عَلَيْهِ الدِّيَة عندنَا بِالْمَوْتِ
(2/340)

وَالْحجر عِنْد الإفلاس لِأَنَّهُ ملكه وَيتَعَلَّق بِذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا ملكه كَمَا يتَعَلَّق بِذِمَّة أَبِيه لَو اسْتَحَقَّه ثمَّ مَاتَ لَا لتَعلق الدّين بِرَقَبَة أَبِيه، كَيفَ ورقبة الْحر لَيست مَالا حَتَّى يتَعَلَّق بِبَدَلِهِ مُتَعَدِّيا مِنْهَا بل تعلق بِهِ ابْتِدَاء لِأَنَّهُ ملكه ورقبة العَبْد ملك سَيّده، وَلَيْسَت مَال تِجَارَة ويلزمهم تعلق الدّين بِكَسْبِهِ أَولا.
(2/341)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: إِذا أبق الْمَأْذُون (قكط)) .
الْمَذْهَب: لم يصر بذلك مَحْجُورا عَلَيْهِ وَلَا يَنْعَزِل.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تصرف يملكهُ العَبْد قبل الْإِبَاق فَلَا يَزُول بالإباق كَطَلَاق زَوجته واكتساب مهرهَا ونفقتها.
(2/342)

لَهُم:
التِّجَارَة مستفادة بِالْإِذْنِ وَسبب الْإِذْن هُوَ الْولَايَة، وَقد زَالَت بالِاتِّفَاقِ. أَلا ترَاهُ لَا يملك بَيْعه وإجارته فَوَجَبَ أَن يسْقط الْإِذْن كَمَا لَو أعْتقهُ.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
لَا نسلم أَن الْولَايَة قد زَالَت بالإباق، بل هِيَ بَاقِيَة، وَلِهَذَا يجوز بَيْعه مِمَّن يعرف مَكَانَهُ وَيقدر عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لم يَصح بَيْعه وإجارته من كل وَاحِد لتعذر قَبضه، وَأما التِّجَارَة فتتوقف على صِحَة الْإِذْن وَذَلِكَ يتَعَلَّق بِكَوْن مَوْلَاهُ بَالغا رشيدا، وَكَون العَبْد مِمَّن يَصح تصرفه والعذر عَن الْكِتَابَة وَالْعِتْق أَن رابطة الِاسْتِخْدَام قد انْقَطَعت.
فَإِن قَالُوا: الْإِذْن بِحكم قرينَة الْحَال قَاصِر على مَا قبل الْكِتَابَة وَالْعِتْق لِأَنَّهُ وَقت الِاسْتِخْدَام وَذَلِكَ بِحكم الْقَرِينَة قَاصِر على مَا قبل الْإِبَاق فَإِنَّهُ وَقت الطَّاعَة.
الْجَواب: إِمْكَان الِاسْتِخْدَام قَائِم، وطاعته وأمانته فِي التِّجَارَة مستمرة، وَإِنَّمَا مُخَالفَته فِي الْبعد وَإِلَّا فَهُوَ مُطِيع لَهُ فَصَارَ كَمَا لَو عصى وَفسق
(2/343)

وَهُوَ فِي الْبَلَد، وَأما الْقَرِينَة فَتبْطل بِمَا إِذا استولد الْجَارِيَة المأذونة فَإِن قَضِيَّة الْحَال تَقْتَضِي بِأَنَّهُ لَا يرضى تبرجها للتِّجَارَة وَهِي فرَاشه.
(2/344)

(الْمَسْأَلَة الثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة:
هَل للمأذون عقد الْإِجَارَة على نَفسه (قل)) .
الْمَذْهَب: لَا وَفِي عقدهَا على دوابه وعبيده وَجْهَان.
عِنْدهم: لَا يعْقد الْإِجَارَة على نَفسه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
إِجَارَة نَفسه من مشوشات التِّجَارَة وصوارفها فَلَا يدل الْإِذْن فِي
(2/345)

التِّجَارَة عَلَيْهِ، وَعِنْدنَا الْمَأْذُون يقْتَصر على مُوجب الْإِذْن (لَيْسَ فِي الْإِذْن) إِجَارَته نَفسه لَا لفظا وَلَا عرفا.
لَهُم:
التِّجَارَة عبارَة عَن مُقَابلَة مَال بِمَال لطلب الرِّبْح وَهَذَا حَقِيقَة الْإِجَارَة وَلِهَذَا جَازَ إِجَارَة دَاره وَعَبده وَالْمَنْع بعيد إِذْ هِيَ من فَوَائِد مَال التِّجَارَة.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
إِن منعنَا إِجَارَة الدَّوَابّ فَلَا كَلَام، وَإِن جوزناها قُلْنَا: هُوَ مَأْذُون فِي أَمْوَال التِّجَارَة وَنَفسه لَيست من أَمْوَال التِّجَارَة، ونقول: الْقَرِينَة دلّت على خُرُوج إِجَارَته نَفسه من التِّجَارَة لِأَنَّهَا مَانِعَة مِنْهَا؛ لِأَن التِّجَارَة اقتناص الرِّبْح بترصد المواسم وانتهاز الفرص وَالْإِجَارَة قيد مَانع من التقلب.
قَالُوا: لَو عمل فِي الْإِجَارَة الْفَاسِدَة فَلهُ أُجْرَة الْمثل ثمَّ لَهُ أَن يتَصَرَّف فِيهَا
(2/346)

وَيَقْضِي بهَا دُيُونه، وَكَذَلِكَ مَا يكْتَسب بالاحتشاش والاحتطاب، فَإِذا تصرف فِي بذل منفعَته جَازَ أَن يتَصَرَّف فِي منفعَته.
الْجَواب: الْمَذْهَب الصَّحِيح أَنه لَا تتَعَلَّق ذمَّته بالاحتشاش والاحتطاب وَلَا خلاف أَنه لَا يتَصَرَّف فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَال تِجَارَة وَلَا يتَصَرَّف بِحَال فِي أُجْرَة الْمَنْفَعَة فَإِنَّهَا وَجَبت بالتفويت وَهِي كالأرش الْوَاجِب على قَاطع طرفه ونمنع الْمَأْذُون فِي النِّكَاح أَن يُؤجر نَفسه وَإِن سلمنَا فَهُوَ من لوازمه.
(2/347)

لوحة 38 من المخطوطة " أ ":
يَقُولُونَ فِي السّلم فِي الْمُنْقَطع: إِن الْقُدْرَة عِنْد الْمحل شَرط، وَلَكِن مَحل الدّين قد يكون بِالْمَوْتِ والمطالبة عِنْده تتَوَجَّه لحكم العقد، إِذْ الْمَوْت لَا يلْزمه شَيْئا، وَمعنى الْأَجَل بَيَان أقْصَى مُدَّة التَّأْخِير، فَإِذا للْعقد أجلان: مَشْرُوط مَشْرُوع، ومشروع غير مَشْرُوط، وَالْعبْرَة بالشرعية لَا بالاشتراط فَوَجَبَ أَن يقدر على التَّسْلِيم عِنْد كل أجل وَمَا ذَلِك إِلَّا باستمرار الْوُجُود من العقد إِلَى الْمحل الْمَشْرُوط.
وَالْجَوَاب: أَن الْمُعْتَبر هُوَ الْقُدْرَة عِنْد الْأَجَل الْمَشْرُوط؛ لِأَنَّهُ وَقت الْتِزَامه، وَكَذَلِكَ لَا يُطَالب قبله وَبِتَقْدِير الْمَوْت لَا مُطَالبَة عَلَيْهِ، وَلَا على الْوَارِث بل الْمُسْتَحق بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ فسخ وَإِن شَاءَ صَبر إِلَى الْمحل فَلَيْسَ فِي الْكل تَوْجِيه مُطَالبَة فِي وَقت يعجز عَنهُ.
(2/348)

نعم وَلَا ننكر أَن الْمَوْت أجل العقد شرعا وَلَا يلْزم أَن يعْتَبر فِيهِ مَا يعْتَبر فِي الْأَجَل الْمَشْرُوط بِدَلِيل الْعلم بالأجل فَإِنَّهُ شَرط فِي الْمَشْرُوط دون الْمَشْرُوع.
فَإِن قيل: الِاحْتِرَاز عَن الْجَهْل بالأجل الْمَشْرُوع غير مُمكن (فاحتملناه والاحتراز عَن الْعَجز عِنْده مُمكن) .
فَإِن تسلم فِي مُسْتَمر الْوُجُود فَلَا يحْتَمل.
الْجَواب: أَن الأول أَيْضا مُمكن فَإِن تسلم حَالا لَا يَقع فِيهِ جَهَالَة الْأَجَل فيعتذرون بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تضييق بَاب الرُّخْصَة لِأَن السّلم عقد مفاليس.
وَالْجَوَاب: أَن نقُول: وَكَذَلِكَ أَكثر من يحْتَاج إِلَى قبُول السّلم الدهاقين والتنا تضيق أَيْديهم فيبيعون فِي الذِّمَّة مِمَّا يتوقعون من ريع ضياعهم فَلَو قيدنَا السّلم بمستمر الْوُجُود لانسد بَاب الرُّخْصَة.
من أسلم فِي ثوب على صفة خرقَة أحضرها حَال العقد لم يَصح لجَوَاز أَن تهْلك الْخِرْقَة، وَالْمُسلم فِيهِ يَنْبَغِي أَن يكون مَعْلُوما عِنْدهمَا وَعند غَيرهمَا.
وَكَذَلِكَ أجل السّلم فَيجوز إِلَى مِيقَات مَعْلُوم عِنْد الْجُمْهُور
(2/349)

كالمهرجان، وَلَا يجوز تَعْلِيقه بأعياد الذِّمَّة إِلَّا أَن تكون مَعْرُوفَة عِنْد الْمُسلمين.
وَلَا يَصح السّلم فِي أَجود الْجِنْس، وَقيل: يَصح فِي الأردا، والأردأ هُوَ بِالْإِضَافَة إِلَى أَنْوَاع ذَلِك الْجِنْس لَا الرداءة الَّتِي هِيَ عيب فالمعيب لَا يَصح السّلم فِيهِ، وَمن شَرطه قبض رَأس المَال فِي الْمجْلس.
(2/350)

(مسَائِل السّلم)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: السّلم فِي الْمُنْقَطع (فَلَا)) .
الْمَذْهَب: صَحِيح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
لما قدم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام الْمَدِينَة وجدهم يسلفون فِي الثِّمَار السّنة والسنتين وَالثَّلَاث فَقَالَ: " من أسلم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم، وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم ".
(2/351)

وَجه الدَّلِيل: أَنه وجدهم يسلفون فِي الثِّمَار وَالْمرَاد بِهِ مَا لم يُوجد، وَذكر شَرط السّلم وَلم يذكر الْمَوْجُود.
لَهُم:
نهى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن بيع الثِّمَار قبل بَدو صَلَاحهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ السّلم، لِأَن بيع الثِّمَار بِشَرْط الْقطع جَائِز. وَقَالَ: أَرَأَيْت إِن لَو منع الله الثَّمَرَة فَبِمَ يَأْكُل أحدكُم مَال أَخِيه؟
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أسلم فِي مضبوط بِالْوَصْفِ عَام الْوُجُود مَقْدُور على تَسْلِيمه لَدَى الْمحل
(2/352)

فَجَاز كالموجود عِنْد العقد فَإِن الْقُدْرَة ترَاد لوقت الْمُطَالبَة عِنْد الْمحل وَلَا مُطَالبَة قبل الْمحل فَلَا تعْتَبر الْقُدْرَة فِيهِ.
لَهُم:
أسلم فِيمَا لَا يقدر على تَسْلِيمه فَلَا يَصح كَالْمَعْدُومِ حَال السّلم، تَأْثِيره: فَوَات الْقُدْرَة الْمَشْرُوطَة لصِحَّة العقد، وَدَلِيل الدَّعْوَى جَوَاز فَوت الْمُسلم إِلَيْهِ وَيجوز أَن يَمُوت فَهِيَ مَعْدُومَة فِي تِلْكَ الْحَال.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
مطلع النّظر الْبَحْث عَن الْقُدْرَة على التَّسْلِيم وَلَا خلاف فِي اشْتِرَاطهَا لَكِن لَا يعْتَبر الْيَقِين فِي الْإِجْمَاع وَلَا يحْتَمل كل شكّ بِالْإِجْمَاع وَهُوَ كَالْبيع، فَإِذا بَاعَ غَائِبا صَحَّ مَعَ احْتِمَال تلفه لَكِن الْقُدْرَة عَلَيْهِ مستبقية، فاستصحب فِيهَا الْحَال، وَلَو أبق عَبده، فَأخْبر بعوده إِلَى بَلْدَة يجوز أَن يُقيم فِيهَا إِلَى حِين الْقُدْرَة عَلَيْهِ لم يَصح العقد لاستصحاب حَال الْعَدَم، وَقد
(2/353)

بنيت الْمَسْأَلَة على (التَّسْوِيَة بَين) الثّمن والمثمن فَإِنَّهُم يسلمُونَ أَنه لَو بَاعَ بمكيل وموزون فَكَانَ مُنْقَطِعًا صَحَّ وَالسّلم بيع الْمكيل، وَأي فرق بَين بيع الْمكيل وَالْبيع بالمكيل؟
ومعتمدهم مَا تخيلوه من أَن الثّمن حكم العقد وَالْعجز عَن تَسْلِيمه لَا يمْنَع البيع كَشِرَاء الْمُفلس وَالْعَبْد مَعَ عجزهما، وَلذَلِك جوزوا الْكِتَابَة الْحَالة وَلنَا فِي الْجَمِيع منع.
ونقول: الثّمن والمثمن ركنان، عبارَة حَالَة لَا يجب فِيهَا التَّسْلِيم بِحكم الشَّرْط فَلَا يشْتَرط فِيهَا الْقُدْرَة على التَّسْلِيم قِيَاسا على مَا بعد الْمحل.
وَبِالْجُمْلَةِ انعدام الْمُسلم فِيهِ فِي الْحَال لَا يعْدم وجود الْقُدْرَة فِي ثَانِي الْحَال، وَعِنْدهم يمْنَع تحقق الْقُدْرَة.
(2/354)

فارغة
(2/355)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: السّلم فِي الْحَال (قلب)) .
الْمَذْهَب: صَحِيح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من أسلم فليسلم إِلَى أجل مَعْلُوم "، فَجعل
(2/356)

الْأَجَل شرطا فِي السّلم وَنهى عَلَيْهِ السَّلَام عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان، وَرخّص فِي السّلم وَمَا رخص فِيهِ تبع بِهِ مورد الشَّرْع وَإِنَّمَا ورد السّلم مُؤَجّلا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ: إِذا جَازَ السّلم مُؤَجّلا فحالا أجوز، وَعَن الْغرَر أبعد، أحد عوضي البيع فَثَبت فِي الذِّمَّة كالعوض الآخر.
لَهُم:
أسلم فِي معجوز عَنهُ فَلَا يَصح، إِذْ الْقُدْرَة شَرط فِي السّلم وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بالأجل لِأَنَّهُ عقد محاويج، وَصَارَ كالكتابة عنْدكُمْ فَإِنَّهَا لَا تصح إِلَّا مُؤَجّلَة.
مَالك: ف.
أَحْمد: ف.
(2/357)

التكملة:
الْجَواب عَن الحَدِيث أَن مَعْنَاهُ من أسلم فِي مَكِيل فَلْيَكُن مَعْلُوم الْكَيْل، وَمن أسلم فِي مُؤَجل فَلْيَكُن مَعْلُوم الْأَجَل، وَلَا نسلم أَنه عقد محاويج، بل نوع بيع، وَالسَّبَب الظَّاهِر فِي الْقُدْرَة عندنَا كَونه حرا مُطلق التَّصَرُّفَات، فَهُوَ أهل الْملك بالاتهاب والاحتطاب وَالْإِرْث.
وَعِنْدهم: الْقُدْرَة بالأجل، أما النَّهْي عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان فَالْمُرَاد بِهِ الْأَعْيَان، فَإِن الَّذِي لَا يكون عِنْد أحد وَلَيْسَ الْمَعْنى فِي هَذِه الرُّخْصَة اسْتثِْنَاء عَن تَحْرِيم بيع كَمَا تخيلوه بل الرُّخْصَة فِيهِ إِثْبَات أحد الْعِوَضَيْنِ دينا مَعَ تعين الآخر.
وَبِالْجُمْلَةِ الْأَجَل وَالسّلم عندنَا رخصَة وَعِنْدهم هُوَ عَزِيمَة.
(2/358)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: السّلم فِي الْحَيَوَان (قلج)) .
الْمَذْهَب: صَحِيح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
استسلف النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بكرا وَأدّى بازلا. وَقَالَ: خَيركُمْ أحسنكم قَضَاء، واستسلف ابْن الْعَاصِ فِي تجهيز جَيش بَعِيرًا ببعيرين إِلَى إبل الصَّدَقَة.
(2/359)

وَكَانَ ابْن عَبَّاس يسلف فِي الوصائف.
لَهُم:
نهى عَلَيْهِ السَّلَام عَن السّلف فِي الْحَيَوَان، وَالسَّلَف (يَشْمَل الْقَرْض وَالسّلم وَقَالَ:) لَا خير فِي بيع الْحَيَوَان نَسِيئَة، قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: آخر آيَة نزلت على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام آيَة الرِّبَا وَمَات، وَلم يبين كثيرا مِنْهَا، وَإِن من الرِّبَا السّلم فِي السن.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أَرْكَان السّلم اجْتمعت وَلَا نظر إِلَّا فِي الْمحل وَمحله مَا قبل حكمه،
(2/360)

وَحكمه إِثْبَات الْحَيَوَان فِي الذِّمَّة، وَالْحَيَوَان يثبت فِي الذِّمَّة فَكَانَ محلا، دَلِيل ثُبُوته فِي الذِّمَّة الصَدَاق وإبل الدِّيَة والغرة.
لَهُم:
أسلم فِي مُخْتَلف الصِّفَات فَلَا يَصح كَمَا فِي الْجَوْهَر، وتأثيره أَن الْإِيهَام يُؤثر فِي العقد وَالْحَيَوَان لَا يضْبط بِالْوَصْفِ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
نحمل منقولهم على مَا كَانَت الْعَرَب تعتاده من البيوعات الْفَاسِدَة إِن اعْترضُوا على حديثنا بِأَنَّهُ كَانَ فِي دَار الْحَرْب فَفِيهِ مَا يدْرَأ هَذِه الشُّبْهَة لِأَنَّهُ قَالَ أجهز جَيْشًا وَإِنَّمَا يُجهز الْجَيْش من دَار الْإِسْلَام.
(2/361)

فَإِن قَالُوا: إِنَّه لم يذكر الْأَجَل، قُلْنَا: الرَّاوِي ذكر المهم وَالْأَجَل كَانَ مَعْلُوما عِنْده (أَو لَعَلَّ زمن الصَّدَقَة كَانَ مَعْلُوما ومحصول كَلَامهم أَن الْمُسلم فِيهِ غير مُتَعَيّن من غَيره وَذَلِكَ بَاطِل) ، بل معنى تَعْيِينه على أَن الْمُعَامَلَات تنبني على الْمُسَامحَة والمساهلة، فَإِن من اشْترى عبدا وَرَآهُ لم يحط بِجَمِيعِ أَوْصَافه وَلَعَلَّ مِنْهَا مَا يكشفه الزَّمن الطَّوِيل وتناقضهم بالنبات.
ثمَّ الْوَاجِب تَسْلِيم الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات فِي أدنى الدَّرَجَات وَكلما تشْتَرط رُؤْيَته فِي البيع يشْتَرط وَصفه، لِأَن التِّجَارَات عُقُود مراضاة وَلنَا فِي الأكارع والرءوس منع.
(2/362)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: هَل يجوز أَن يكون رَأس المَال جزَافا (قلد)) .
الْمَذْهَب: نعم.
عِنْدهم: إِن كَانَ مِمَّا يُكَال أَو يُوزن فَلَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(2/363)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لَهُم:
عوض فِي عقد لَا تعْتَبر فِيهِ الْمُمَاثلَة فَلَا يجب معرفَة قدره كَالثّمنِ فِي البيع.
لَهُم:
عقد يقْصد بِهِ الرِّفْق فِي تَأْخِير أحد بدليله فَاعْتبر معرفَة الْمِقْدَار الآخر كالقرض.
مَالك: إِذا تعين بِالْعقدِ احْتِيجَ إِلَى ضبط وَصفه.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
التكملة:
إِن قَالُوا: على الأَصْل الَّذِي قسنا عَلَيْهِ أَنه لَا يتَعَيَّن معرفَة قدر المعوض فِيهِ فَكَذَلِك الْعِوَض، وَفِي السّلم اعْتبر قدر المعوض فَكَذَلِك الْعِوَض، فَهَذَا يبطل بِمَا إِذا كَانَ رَأس المَال مِمَّا يُكَال أَو يُوزن فَإِنَّهُ يعْتَبر قدر المعوض، وَلَا
(2/364)

تعْتَبر معرفَة قدر الْعِوَض، لِأَنَّهُ لَيْسَ إِذا اعْتبر فِي المعوض الَّذِي فِي الذِّمَّة يجب أَن يعْتَبر فِي الْعِوَض الْمعِين كَالْعلمِ بِالصِّفَاتِ فَإِنَّهَا تعْتَبر فِي المعوض لَا فِي الْعِوَض.
وَأما إِذا كَانَ رَأس المَال فِي الذِّمَّة اعْتبر معرفَة الْمِقْدَار وَهَا هُنَا التَّعْيِين يُغني عَنهُ وَالسّلم يُفَارق الْقَرْض، لِأَن فِي الْقَرْض يرد الْمثل وَهَا هُنَا لَا يرد الْمثل، ونناقضهم بِمَا إِذا كَانَ رَأس المَال مذروعا.
وَبِالْجُمْلَةِ لَا أثر للْجَهْل بالمقدار مَعَ التَّعْيِين.
(2/365)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: إِذا وجد بِالْمُسلمِ فِيهِ عَيْبا وَحدث عِنْده عيب (قله)) .
الْمَذْهَب: يرجع بِأَرْش الْعَيْب.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(2/366)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أحد نَوْعي البيع فجا أَن يثبت الرُّجُوع فِيهِ بِأَرْش الْعَيْب، كَبيع الْأَعْيَان.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لَهُم:
لَو عدنا بِالْأَرْشِ فسخنا العقد فِي غير الْمَعْقُود عَلَيْهِ بِدَلِيل جَوَاز إِبْدَاله لَو لم يحدث بِهِ عيب عِنْده، وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْبُوض غير الْمَعْقُود عَلَيْهِ.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
مَا زعموه يَنْبَنِي على أَن الرُّجُوع بِالْأَرْشِ فسخ للْعقد فِي جُزْء من الْمَبِيع وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْمَبِيع هُوَ الْأَجْزَاء الَّتِي تنَاولهَا العقد، فَأَما الصِّحَّة والسلامة الَّتِي يثبت الأَرْض فِي مقابلتها فَلَيْسَتْ بمعقود عَلَيْهَا، ثمَّ لَو
(2/367)

سلمنَا هَذَا لَهُم فالمقبوض هُوَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ، وَلِهَذَا ينفذ فِيهِ التَّصَرُّف، وَإِنَّمَا جَازَ إِبْدَاله قبل حُدُوث الْعَيْب لِأَنَّهُ بِالْفَسْخِ يخرج عَن أَن يكون الْمَعْقُود عَلَيْهِ فَأَما قبل الْفَسْخ فَهُوَ مَعْقُود عَلَيْهِ.
وَاعْلَم أَن حرف الْمَسْأَلَة: أَن عندنَا الْمَقْبُوض هُوَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ كَالْمَبِيعِ وَعِنْدهم الْمَقْبُوض غير الْمَعْقُود عَلَيْهِ.
(2/368)

(" مسَائِل الرَّهْن ")
(2/369)

فارغة
(2/370)

لوحة 39 من المخطوطة " أ ":
يجوز أَخذ الرَّهْن من كل حق ثَابت فِي الذِّمَّة يَصح اسْتِيفَاؤهُ من الرَّهْن وعقده لَيْسَ بِلَازِم قبل الْقَبْض، وَرهن العَبْد الْمُرْتَد وَبيعه جَائِز؛ لِأَن الرِّدَّة لَا تزيل ملكه وَإِنَّمَا تعرضه للتلف فَهُوَ كَالْمَرِيضِ المدنف.
وَاعْلَم أَنه إِذا شَرط الْمُرْتَهن بيع الْمَرْهُون إِذا حل الْحق لم يجز أَن يَبِيعهُ بِنَفسِهِ، وَلَو وَكله الرَّاهِن فِي ذَلِك، فالوكالة فَاسِدَة، وَإِذا بَاعَ لم يَصح، قَالَ مَالك والعراقي: يَصح كَمَا لَو وَكله فِي بيع عين أُخْرَى ليقضيه دينه مِنْهَا، وَدَلِيلنَا: أَنه تَوْكِيل فِيمَا يتنافى فِيهِ الفرضان فَلم يَصح كَمَا لَو وَكله
(2/371)

فِي بيع شَيْء من نَفسه وينافي الفرضين أَن الرَّاهِن يُرِيد اسْتِيفَاء الثّمن وَالصَّبْر على الْمَبِيع، وَالْمُرْتَهن يُرِيد تَعْجِيل الْحق وَيُفَارق غير الرَّهْن من أَمْوَاله، لِأَن حق الْمُرْتَهن لَا يتَعَيَّن فِيهِ، فَإِن وكل الرَّاهِن غير الْمُرْتَهن صَحَّ، إِذا شرطا أَن يكون الرَّهْن على يَد عدل صَحَّ، وَإِذا قَبضه الْعدْل لزم، وَيصِح تَوْكِيل هَذَا الْعدْل فِي البيع، فَإِن عزل الرَّاهِن الْعدْل صَحَّ، وَلم يملك البيع.
وَبِه قَالَ أَحْمد خلافًا لمَالِك وَلَهُم، لأَنهم قَالُوا: لَا يَنْعَزِل لِأَن الْوكَالَة صَارَت من حُقُوق الْمُرْتَهن، وَدَلِيلنَا: أَن الْوكَالَة عقد جَائِز فَلَا يلْزم الْعَاقِد الْقيام عَلَيْهَا كَسَائِر الوكالات، إِذا وضعا الرَّهْن على يَد عدل وَمَات نظرت فَإِن اتفقَا على كَونه فِي يَد عدل آخر أَو يَد الْمُرْتَهن جَازَ، وَلَو اخْتلفَا فالحاكم يَضَعهُ عِنْد من يرتضيه.
فَإِن كَانَ الرَّهْن فِي يَد الْمُرْتَهن فالرهن بِحَالهِ فَإِن مَاتَ وَرَضي الرَّاهِن أَن يكون فِي يَد وَرَثَة الْمُرْتَهن كَانَ فِي أَيْديهم إِن اخْتَارُوا وَإِن أَبى لم يجْبر على ذَلِك؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِي بأمانة الْمُرْتَهن فيضعه الْحَاكِم عِنْد من يرَاهُ.
(2/372)

وَإِن عين الْعدْل شَيْئا لَا يجوز أَن يَبِيع إِلَّا بِهِ، وَمَعَ الْإِطْلَاق لَا يجوز غير ثمن الْمثل حَالا من نقد الْبَلَد خلافًا لَهُم، إِذا كَانَ الرَّاهِن أمة حَامِلا فضربها ضَارب فَأَلْقَت جَنِينا مَيتا فعلى الْجَانِي عشر قيمَة الْأُم، وَيكون ذَلِك للرَّاهِن لِأَنَّهُ بدل الْوَلَد وَلَا يدْخل فِي الرَّهْن وَلَا يجب أرش مَا نقص بِالْولادَةِ، لِأَن ذَلِك قد دخل فِي بدل الْجَنِين.
فَأَما إِذا كَانَت دَابَّة وَأَلْقَتْ جَنِينا مَيتا فَإِنَّهُ يجب مَا نقصت بِوَضْعِهِ وَيكون ذَلِك رهنا، لِأَنَّهُ بدل من الْجِنَايَة على الرَّهْن، إِذا أقرّ مقرّ بِالْجِنَايَةِ على الرَّهْن فَإِن كذباه سقط حَقّهمَا، وَإِن كذبه الرَّاهِن وَصدقه الْمُرْتَهن سقط حق الرَّاهِن وَتعلق حق الْمُرْتَهن بِأَرْش الْجِنَايَة، فَإِن قَضَاهُ الرَّاهِن من مَاله أَو أَبرَأَهُ هُوَ رَجَعَ الْأَرْش إِلَى الْمقر، لِأَن الرَّاهِن يقر أَنه لَا حق فِيهِ، وَإِن صدقه الرَّاهِن وَكذبه الْمُرْتَهن سقط حق الْمُرْتَهن من الْوَثِيقَة (وَكَانَ
(2/373)

للرَّاهِن الْأَرْش) .
(2/374)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: رهن الْمشَاع (قلو)) .
الْمَذْهَب: صَحِيح.
عِنْدهم: خلافًا وَإِن طرت الإشاعة رِوَايَتَانِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فرهان مَقْبُوضَة} ، وَصفَة محكمَة كَمَا يُقَال: هبة مَمْلُوكَة، وَقَالَ تَعَالَى: {كل نفس بِمَا كسبت رهينة} أَي حبيسة، هَذَا دَلِيل على أَن حكم الرَّهْن الْحَبْس، قَالَ الشَّاعِر:
(ففارقتك برهن لَا فكاك لَهُ ... يَوْم الْوَدَاع فأمسى الرَّهْن قد غلقا)
(2/375)

فَإِذا كَانَ مَعْنَاهُ الْحَبْس، فَمَعْنَى العقد لُغَة هُوَ حكمه كالتسليم فِي السّلم.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الرَّهْن وَثِيقَة لجَانب الِاسْتِيفَاء؛ لِأَنَّهُ يَصح مِمَّا يَصح فِيهِ الِاسْتِيفَاء وَحَقِيقَة الْوَثِيقَة ثُبُوت زِيَادَة حق من جنس مَا كَانَ ثَابتا قبل وَصَارَ، كالكفالة تثبت بهَا من جنس مَا كَانَ ثَابتا وَهُوَ الْمُطَالبَة لَا الدّين كَذَلِك هَا هُنَا فالمستحق بيع أَمْوَاله يخْتَص الْمُرْتَهن بِهَذِهِ الْعين وَلَو ثَبت بهَا الْبَعْض لم تكن وَثِيقَة بل حَقِيقَة.
لَهُم:
الرَّهْن وَثِيقَة لجَانب الِاسْتِيفَاء لِأَنَّهُ يخْتَص بِمَا بِهِ الِاسْتِيفَاء فَيَنْبَغِي أَن يثبت بِهِ بعض مَا يثبت بِالِاسْتِيفَاءِ كالكفالة لما كَانَت وَثِيقَة لجَانب الْوُجُوب ثَبت بهَا بعض مَا يثبت بِحَقِيقَة الْوُجُوب، وَالثَّابِت بِالْحَقِيقَةِ ملك الْعين وَالْيَد وَلَا يُمكن إِثْبَات ملك فَثَبت ملك الْيَد، والشائع لَا يقبل ذَلِك وَمحل العقد مَا قبل حكمه.
(2/376)

مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
نناقضهم بِمَا إِذا رهن عينا من اثْنَيْنِ حَيْثُ قَالُوا: يَصح، وَلَو رهن من كل وَاحِد مِنْهُمَا نصفهَا قَالُوا: لَا يَصح، فَنَقُول: عقد جَازَ على عين من اثْنَيْنِ فَجَاز فِي نصفهَا من كل وَاحِد مِنْهُمَا قِيَاسا على البيع وَالْهِبَة فِيمَا لَا يحْتَمل الْقِسْمَة.
أما الْآيَة الَّتِي استدلوا بهَا فسياقها جوابها، وَالْمرَاد بهَا رهن مَا أمكن قَبضه حَقِيقَة وَنَقله إِلَى يَد الْمُرْتَهن وَالْآيَة أَمر بِالرَّهْنِ الْمَقْبُوض على سَبِيل الْإِرْشَاد كَمَا فِي الْإِشْهَاد وَلَيْسَ فِيهَا بَيَان حكم الرَّهْن، وَيكون تَقْيِيده الرَّهْن بالمقبوض هَاهُنَا إِشَارَة إِلَى أَن الْمَرْهُون يَنْقَسِم إِلَى مَقْبُوض وَغير مَقْبُوض، وَهَذَا أَمر بِأَحَدِهِمَا توثيقا لجَانب الْوُجُوب.
ونقول: تعلق الدّين بِالْعينِ هُوَ الْمَقْصُود لأَنا سبرنا فَمَا وجدنَا غَيره،
(2/377)

وَلَيْسَ بتخيل مَقْصُود وَرَاء مَا ذكرنَا سوى الْيَد ويستحيل ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرَاد لعَينه أَو لفائدة يَسْتَحِيل أَن يُرَاد لصورته.
فَإِن إِثْبَات الْيَد على ملك الْغَيْر وَحفظه تَعب مَحْض، فَإِن أُرِيد لفائدته فَلَا فَائِدَة سوى الِاسْتِيلَاء والاستيلاء غير مُسْتَحقّ وَلِهَذَا لَا يملك البيع إِلَّا بِرِضا الرَّاهِن أَو أَمر الْحَاكِم، وباطل أَن يُقَال: المُرَاد الْأَمْن من الْجُحُود، فَإِن طَرِيق ذَلِك الْإِشْهَاد، فالإشهاد أَمن من الْجُحُود، وَالرَّهْن أَمن من الْفلس.
وَبِالْجُمْلَةِ نسبر ونقسم فَلَا نجد غير مَا ذكرنَا وعَلى الْمُعْتَرض بَيَان أَن الْيَد مَقْصُود وعلينا نفي ذَلِك.
(2/378)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: مَنَافِع الْمَرْهُون (قلز)) .
الْمَذْهَب: لَا نعطل على الرَّاهِن، فَلهُ الِانْتِفَاع بهَا انتفاعا لَا يبطل حق الْمُرْتَهن.
عِنْدهم: لَيْسَ للرَّاهِن الِانْتِفَاع بالمرهون.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الرَّهْن محلوب ومركوب وعَلى الَّذِي يحلبه ويركبه نَفَقَته ".
وَجه الدَّلِيل: أَنه بالِاتِّفَاقِ لَا يكون محلوبا وَلَا مركوبا للْمُرْتَهن فَانْصَرف إِلَى الرَّاهِن وَهُوَ الَّذِي تجب عَلَيْهِ نَفَقَته والْحَدِيث صَحِيح وفتوى رَاوِيه بِخِلَافِهِ لَا يقْدَح فِيهِ.
(2/379)

لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
انْتِفَاع لَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل حق الْمُرْتَهن فَلَا يمْنَع مِنْهُ قِيَاسا على سقِِي الدَّابَّة وعلفها؛ لِأَن حَقه فِي تعلق الدّين بِالْعينِ وَذَلِكَ لَا يسْقط بِالِانْتِفَاعِ.
لَهُم:
محبوسة بِحكم عقد لَهَا على اسْتِيفَاء مَال فَلَا يكون للْمَالِك الِانْتِفَاع بهَا قِيَاسا على الْمَبِيع (قبل الْقَبْض فَإِن البَائِع) إِذا حَبسه على الثّمن لم يكن للْمُشْتَرِي الِانْتِفَاع بِهِ ويبنى على الْمَسْأَلَة السَّابِقَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(2/380)

التكملة:
فرض الْأَصْحَاب فِيمَا إِذا كَانَ عبدا كسوبا ليتَمَكَّن من اسْتِيفَاء منفعَته فِي يَد الْمُرْتَهن وَلَا فَائِدَة فِي هَذَا الْفَرْض إِذْ الْخصم لَا يمْنَع الِانْتِفَاع لثُبُوت يَد الْمُرْتَهن بل لزوَال يَد الرَّاهِن.
ويتأيد ذَلِك بالجارية الْمُزَوجَة يستردها السَّيِّد نَهَارا للِانْتِفَاع بهَا بل أولى، فَإِن الزَّوْج قد يتَضَرَّر، وَكَذَلِكَ العَبْد الْجَانِي يتَعَلَّق الْأَرْش بِرَقَبَتِهِ وَينْتَفع بِهِ مَوْلَاهُ.
وَقد نسلم أَن ملك الْيَد هُوَ الحكم وَلَكِن الْمَنْفَعَة (بِملك الْعين تملك) فَإِنَّهَا معَان حَادِثَة فِي الْعين تضيع بالتعطيل كثمار الْأَشْجَار، وَلَيْسَ الْكَلَام فِي الِانْتِفَاع، بل فِي ملك الْمَنَافِع وَالِانْتِفَاع استيفاؤها كاجتناء الثِّمَار.
أما الْمَنْع قبل الْقَبْض فقد لَا يثبت حق الْحَبْس على قَول بل تسلم إِلَى المُشْتَرِي، وَإِن سلمنَا فالثمن إِن كَانَ مُؤَجّلا كَانَت الْمَنَافِع للْمُشْتَرِي لتستوفى بطريقه، وَإِن كَانَ حَالا فتمكينه من الِانْتِفَاع إِضْرَار بالبائع.
(2/381)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: عتق الْمَرْهُون (قلح)) .
الْمَذْهَب: الْمَنْصُور أَنه لَا ينفذ الآخر إِن كَانَ مُوسِرًا أنفذ وَإِلَّا فَلَا.
عِنْدهم: ينفذ على كل حَال.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مسْقط حق الْمُرْتَهن فَلَا يَصح كَالْبيع اللَّازِم، وتأثيره أَن حق الْمُرْتَهن لَازم
(2/382)

لَا يملك الرَّاهِن إِسْقَاطه، بَيَان الدَّعْوَى: أَن حق الْمُرْتَهن مَالِي، وَالْإِعْتَاق إِسْقَاط المَال وَالْحق يتَعَلَّق بِالْعينِ وَالْإِعْتَاق تصرف فِي الْعين فَصَارَ كعتق الْمَرِيض.
لَهُم:
مُكَلّف أضَاف الْعتْق إِلَى ملكه فنفذ كَالْعَبْدِ الْمُسْتَأْجر وَالْمَبِيع قبل الْقَبْض وَصَارَ كالحسيات، وتأثيره أَن مَحل الْعتْق الْملك، فَإِذا سَقَطت بِهِ الْيَد كَانَ ذَلِك بيعا وَصَارَ كالمرهون إِذا قتل عبدا.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
يلْزمهُم عتق العَبْد الْمَأْذُون إِذا أحاطت بِهِ الدُّيُون فَإِنَّهُ لَا ينفذ، وَلَا يلْزمنَا عتق العَبْد الْمُسْتَأْجر، فَإِن الْإِجَارَة تتَعَلَّق بالمنافع، وَتبقى بعد الْعتْق إِلَى تَمام الْمدَّة، وَلَا يلْزم الْمَبِيع قبل الْقَبْض، إِذْ الدّين غير مُتَعَلق بِالْعينِ حَتَّى لَو أفلس المُشْتَرِي لم يقدم البَائِع بِالثّمن، نعم لَهُ فسخ البيع وَلِهَذَا يَصح رهن
(2/383)

الْمَبِيع من البَائِع قبل الْقَبْض بِالثّمن وَوُجُود أحد المتعلقين يمْنَع الآخر.
فَإِن قَالُوا: الرّقّ ضعف شَرْعِي يتَعَلَّق بِالْمحل عقَابا على الْكفْر وَالْعِتْق يزِيل الرّقّ فتزول مَعَه الْمَالِيَّة تبعا فَلَيْسَ الْإِعْتَاق فِي مَحل الرَّهْن.
وَالْجَوَاب: أَن الرّقّ اسْم الْملك فِي الْآدَمِيّ وهما اسمان مُتَرَادِفَانِ أَو نوع وجنس كالتفاح والفاكهة وعَلى التَّسْلِيم نقُول: الْعتاق تصرف من الْمَالِك وَلَيْسَ لَهُ من عَبده سوى الْملك وَالرّق إِن قدر فَهُوَ للشارع، فَكيف يملك العَبْد إِسْقَاطه، نعم إِذا سقط الْملك انْتَفَى الرّقّ.
(2/384)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: زَوَائِد الْمَرْهُون العينية (قلط)) .
الْمَذْهَب: لَا يتَعَدَّى حكم الرَّهْن إِلَيْهَا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
نعول على الْخَبَر الْمُتَقَدّم فِي مَنَافِع الْمَرْهُون، فَإِن الْأَحْكَام متعارضة فالاستيلاء وَالتَّعْيِين للأضحية يسري، وَالنِّكَاح وَأرش الْجِنَايَة وَحقّ الرُّجُوع فِي الْهِبَة وَتَعْلِيق الْعتْق وَحقّ الْقصاص لَا يسري.
لَهُم: ... .
(2/385)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْجَارِيَة وَوَلدهَا محلان متفاصلان فرهن أَحدهمَا لَا يُوجب رهن الآخر، تَأْثِيره أَنه لم يرْهن الْوَلَد فَلَو كَانَ مَرْهُونا كَانَ رهن الْأُم، وَالأُم رهن بِمُبَاشَرَة السَّبَب فِيهَا.
لَهُم:
حق لَازم تعلق بِالْعينِ (فسرى إِلَى الْوَلَد) كالملك، وفقهه أَن الْوَلَد حدث فِي مَحل حق الْمُرْتَهن وَهُوَ عين الْجَارِيَة فعدي إِلَى الْفَرْع، فَإِن الْمحل إِذا انبسط انبسط الْحق عَلَيْهِ كالمالية.
مَالك: يدْخل الْوَلَد لَا غير.
أَحْمد: ق.
(2/386)

التكملة:
زَعَمُوا أَن الْعقر مَرْهُون وخيالهم فِيهِ أَن الْبضْع متحابة نَحْو الْأَجْزَاء فَصَارَ الْمهْر كأرش قطع الْيَد، وَالْكَلَام عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَة وَطْء الثّيّب وَملك الْيَد لَيْسَ حكما للْعقد، وَلَو سلم فَلَيْسَ الْوَلَد جزأ من الْأُم بل مُودع فِيهَا، وَالأُم حَيَوَان وأجزاؤها مَا قَامَت بهَا الْحَيَاة، وَلَا نسلم أَن الْيَد وصف الأَصْل حَتَّى يتَعَدَّى إِلَى فَرعه فَإِن الْأَحْكَام خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين منعا وإطلاقا وَصِحَّة وَفَسَادًا وَلَا نسلم أَن الْمُتَوَلد من الشَّيْء يَتَّصِف بِصفتِهِ فَفِي المحسوس يتَوَلَّد الْأسود من الْأَبْيَض، ويتأيد (بتولد الْمَنْكُوحَة الْمُسْتَأْجرَة) .
(2/387)

(الْمَسْأَلَة الْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا تلف الْمَرْهُون (قُم)) .
الْمَذْهَب: لم يسْقط بِهِ شَيْء من الدّين إِذْ هُوَ أَمَانَة.
عِنْدهم: يضمن بِأَقَلّ الْأَمريْنِ قيمَة أَو دينا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رُوِيَ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: " لَا يغلق الرَّهْن من راهنه لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه ".
وَجه الدَّلِيل: قَوْله من راهنه أَي من ضَمَان راهنه وَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَمَّا كَانَ تعتاده الْعَرَب من غلاق الرَّهْن.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الرَّهْن بِمَا فِيهِ ".
(2/388)

وَقَوله: ذهبت الرَّهْن بِمَا فِيهَا.
وَرُوِيَ أَن رجلا رهن عِنْد آخر فرسا بدين لَهُ فنفقت وَرفعت الْقِصَّة إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ للْمُرْتَهن: " ذهب حَقك ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يُوجد سَبَب الضَّمَان فَلَا يثبت لِأَنَّهُ تعلق الدّين بِالْعينِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي ضمانا؛ لِأَن الْحَبْس لتأكيد حَقه فَلَا يجوز أَن يَجْعَل سَببا لإسقاطه وتوهينه، وَعِنْدنَا أَنه إِذا قبض استوفى عين حَقه كَمَا فِي السّلم إِذا قبض الْمُسلم فِيهِ، إِذْ لَا يجوز قبض بدله.
(2/389)

لَهُم:
المستوفي بِالدّينِ مَضْمُون فالمقبوض بوثيقة مَضْمُون، بَيَان الدَّعْوَى: أَن الدّين لَا يُمكن قَبضه لِأَنَّهُ أَمر حكمي، وَالْقَبْض حسي وَإِنَّمَا يصير مَا قَبضه مَضْمُونا ثمَّ يتساقطان مُبَادلَة شَرْعِيَّة فوثيقة الِاسْتِيفَاء تجْرِي مجْرى حَقِيقَة الِاسْتِيفَاء وَصَارَ كالمقبوض على جِهَة السّوم.
مَالك: يضمن من الرَّهْن مَا يخفى هَلَاكه كالنقدين بِخِلَاف مَا يظْهر كالحيوان.
أَحْمد: ق.
التكملة:
وَبِالْجُمْلَةِ ذمَّة الرَّاهِن مَشْغُولَة وَلم يجز سَبَب تفرغها، ونناقضهم بِمَا إِذا كَانَ الرَّهْن معدلا عِنْد ثَالِث فَإِنَّهُم سلمُوا أَن الدّين لَا يسْقط إِذا تلف، وَكَذَلِكَ ولد الْمَرْهُون مَرْهُون عِنْدهم، وَلَو تلف مَعَ بَقَاء الأَصْل لم
(2/390)

يسْقط بِهِ شَيْء وأخبارهم ضَعِيفَة، وَلَو سلمنَا أَن الرَّهْن أوجب ملك الْيَد لَكِن يَد مُسْتَحقَّة لإعادته والمستحقة لَا تضمن، وَلَا نسلم أَن الدُّيُون تتعارض بل تبقى، وَلِهَذَا لَو برِئ من أَحدهمَا بَقِي الآخر، وَلَو كَانَ حكم الرَّهْن ملك الْيَد فَكيف صَحَّ عِنْد ثَالِث؟
وَالْيَد الْمَأْذُون فِيهَا لَيست منَاط الضَّمَان، وَالدية اسْتِحْقَاق تمْلِيك بعض الْأَعْيَان فَإِذا تسلم الدِّرْهَم فقد ملكه، ونسلم أَن الدّين شَيْء فِي الذِّمَّة وَلكنه يتَأَدَّى بِالْعينِ، فَإِن الدَّرَاهِم الْمعينَة هِيَ الَّتِي فِي الذِّمَّة؛ لِأَن الدّين عبارَة عَن الدَّرَاهِم الْمُطلقَة أَعنِي الدِّرْهَم بحده وَحَقِيقَته، وَتَكون الْحَقِيقَة مَوْجُودَة فِي كل دِرْهَم، ويلزمهم إِذا مَاتَ الْمَرْهُون فَإِن تَجْهِيزه على الرَّاهِن وَكَذَلِكَ لَو بَاعه من الْمُرْتَهن وَجب إقباضه.
(2/391)

فارغة
(2/392)

(من مسَائِل الرَّهْن)
(2/393)

فارغة
(2/394)

لوحة 40 من المخطوطة " أ ":
يَبِيع ولي الصَّغِير فِي رهن مَاله والارتهان لمَاله الأحظ لَهُ، إِمَّا إِن بَاعَ مَاله وَأخذ رهنا على فَاضل الثّمن عَن الْقيمَة بعد اسْتِيفَاء الْقيمَة جَازَ مثل أَن يَبِيع مَا يُسَاوِي مائَة بِمِائَة وَعشْرين وَيقبض مائَة ويرتهن على عشْرين وَهل يَأْخُذ رهنا على مائَة وَعشْرين فَفِيهِ خلاف بَين الْأَصْحَاب.
وَإِمَّا إِن أقْرض وَإِنَّمَا يجوز ذَلِك إِذا خَافَ عَلَيْهِ جَائِحَة وَصَرفه إِلَى ذمَّة ثِقَة فَيجوز أَخذ الرَّهْن.
وَاعْلَم أَن الأَرْض الخراجية إِن كَانَ الإِمَام تَركهَا فِي أَيدي الْغَانِمين، وَضرب الْخراج عَلَيْهَا صَحَّ رَهنهَا، وَالْخَرَاج على الرَّاهِن، وَإِن كَانَ الإِمَام قد استطاب نفوس الْغَانِمين ووقفها على الْمُسلمين لم يجز رَهنهَا.
وَاعْلَم أَن رهن الْمَبِيع فِي مُدَّة الْخِيَار إِن كَانَ الْخِيَار لَهما أَو للْبَائِع لم يجز، وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي فَوَجْهَانِ.
إِن قُلْنَا: التَّدْبِير وَصِيَّة صَحَّ رهن الْمُدبر، وَإِن قُلْنَا: هُوَ تَعْلِيق عتق بِصفة لم يَصح الرَّهْن، وَمن شَرط الرَّهْن أَن يكون مَعْلُوما إِن قَالُوا كَانَت وَاقعَة
(2/395)

أبي طَلْحَة فِي صدر الْإِسْلَام فاحتيج إِلَى تَأْكِيد الْفِطَام عَن الْخمر حَتَّى أَمر بِكَسْر الدنان.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ أَيْضا ضرب الْجِزْيَة كَانَ ليستعين بِمَال الْكفَّار وَقد زَالَت هَذِه الْحَاجة فَقَالُوا: لَا تضرب الْجِزْيَة وَإِنَّمَا يتبع موارد النَّص وَلَا نعرج من هَذِه الْأَحْوَال وَلَا نسلم أَنه ورد نَص بِكَسْر الدنان، وَلَا نسلم أَن الْخمر كَانَت مُبَاحَة إِنَّمَا تَأَخّر التَّحْرِيم إِلَى مِيقَاته.
قَالُوا: هَب أَن التَّخْلِيل حرَام فَمَا الدَّلِيل على تَحْرِيم الْخلّ؟ قُلْنَا: إِذا كَانَ الْفِعْل حَرَامًا دلّ على أَن الْمَفْعُول حرَام كَيْلا تتناقض الْأُمُور الشَّرْعِيَّة.
قَالُوا: كَونه مُنْتَفعا بِهِ يُؤثر فِي اقْتِضَاء الْحل وَالْمَانِع الشدَّة، وَقد زَالَت، قُلْنَا: منتفع مخترع أَو متكسب إِن قُلْتُمْ حصل ابْتِدَاء من الله تَعَالَى فَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِن قُلْتُمْ حصل بكسب قُلْنَا: بكسب مَشْرُوع أَو مَحْظُور؟ الأول
(2/396)

مَمْنُوع، وَالثَّانِي لم يستفد بِهِ الْحل.
قَالُوا: لَو كَانَت جِنَايَة اتِّخَاذ الْخمر تناسب إبِْطَال الْمَالِيَّة فتوبته من الْجِنَايَة واشتغاله بالإصلاح يُنَاسب تَحْصِيل الْمَالِيَّة.
قُلْنَا: ذَلِك يَصح فِي جِنَايَة لَا يتَعَلَّق بهَا مصَالح الْخلق فَأَما مَا عجلت عُقُوبَته لمصْلحَة عَامَّة فالتوبة لَا تدرؤه كالحدود وَالْكَفَّارَات، وعقوبة اتِّخَاذ الْخمر إِتْلَاف الْمَالِيَّة وسد بَاب الْإِصْلَاح حفظا للعقول فَلَا يسْقط بِالتَّوْبَةِ كَحَد الشّرْب عِنْدهم وَأحد قولينا.
أما ولد الزِّنَى، فحرمته لحقه، وَلِهَذَا يعْتَبر فِيهَا صِفَاته الَّتِي بهَا يحقن دَمه.
(2/397)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: رهن الْمَغْصُوب من الْغَاصِب (قما)) .
الْمَذْهَب: لَا يدْرَأ ضَمَان الْغَصْب بل يكون مَضْمُونا إِذا تلف.
عِنْدهم: ينتفى ضَمَان الْغَصْب وَيبقى مَضْمُونا بِأَقَلّ الْأَمريْنِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(2/398)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْعين مَضْمُونَة قبل الرَّهْن والطارئ الرَّهْن وَلَا يُنَافِي الضَّمَان حَقِيقَة وَلَا حكما فَإِن الْغَاصِب مسك لغرضه، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهن، أَلا ترى أَنه لَو ارْتهن ثمَّ تعدى فَلَيْسَ الثَّوْب صَار ضَامِنا وَبَقِي مرتهنا، فَكَذَلِك إِذا غصب ثمَّ ارْتهن يَنْبَغِي أَن يكون غَاصبا وَلما لم ينتف الْغَصْب الطَّارِئ بِالرَّهْنِ الثَّابِت لم ينتف الْغَصْب الثَّابِت بِالرَّهْنِ الطَّارِئ.
لَهُم:
حكم الرَّهْن ثُبُوت الْيَد، فَإِذا ثبتَتْ انْتَفَى عدوان الْيَد فَيَنْتَفِي حكم الضَّمَان، لِأَن الْيَد العادية على جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا أَنَّهَا منسوبة إِلَى التَّعَدِّي، وَالْأُخْرَى أَنَّهَا غير مُسْتَحقَّة، فَإِذا بَطل أحد الوصفين بالإيداع وَصَارَت الْيَد منسوبة إِلَى الْملك انْتَفَى الضَّمَان، وَإِن ثبتَتْ غير مُسْتَحقَّة فَكَذَلِك إِذا تبدلت الصّفة الْأُخْرَى.
(2/399)

مَالك: ف.
أَحْمد: ف.
التكملة:
فِي الْمَسْأَلَة طَرِيق آخر وَهُوَ أَنه لم يَتَجَدَّد إِلَّا مُجَرّد قَوْله: رهنت وَلم يجر إِذن فِي الْقَبْض.
فَنَقُول: الْعدوان مطرد وَمَا طَرَأَ غير تَامّ، لِأَنَّهُ لم يَتَجَدَّد لَهُ حق الْإِمْسَاك، إِذْ الرَّهْن لَا يلْزم بِمُجَرَّد قَوْله: " رهنت " وَلَا بُد من إِذن فِي الْقَبْض، وجريان صُورَة النَّقْل أَو مضى مُدَّة يتَصَوَّر فِيهَا الْقَبْض، فَإِن سلمُوا أَن الرَّهْن لم يلْزم تمّ الْغَرَض، وَإِن قَالُوا: يلْزم نقلنا الْكَلَام إِلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ حكم الرَّهْن تعلق الدّين بِالْعينِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الضَّمَان كَمَا لَو قتل العَبْد الْمَغْصُوب عبد الْغَاصِب، وَتعلق الْأَرْش بِرَقَبَتِهِ وعَلى التَّسْلِيم نقُول: غَايَة الْكَلَام زَوَال صفة العدوانية وَذَلِكَ لَا يزِيد على زَوَال الْيَد العادية وبالاتفاق لَو غصبه غَيره مِنْهُ يبْقى الضَّمَان عَلَيْهِ، لِأَن يَد الْمَالِك لم
(2/400)

تعد والموجب تَفْوِيت يَده فَلَمَّا لم تعد لَا يبرأ خرج عَلَيْهِ الْإِيدَاع، فَإِن يَد الْمُودع (يَد الْمُودع) شرعا.
وَفِي الْمَسْأَلَة منع، وللشيخ أبي عَليّ وَجه فِي منع لُزُوم الرَّهْن فَيُقَال: للرَّاهِن أَن يسْتَردّهُ قهرا بِحكم الْغَصْب، ثمَّ الْمُرْتَهن يسْتَردّهُ بِحكم الرَّهْن، وللمرتهن أَيْضا أَن يردهُ قهرا ليبرأ من الضَّمَان ثمَّ يسْتَردّهُ للرهينة.
(2/401)

فارغة
(2/402)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: استدانة قبض الْمَرْهُون (قمب)) .
الْمَذْهَب: لَيست شرطا فِي صِحَة الرَّهْن.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عقد من شَرط لُزُومه الْقَبْض فَلَا يشْتَرط فِيهِ اسْتِدَامَة الْقَبْض كَالْهِبَةِ؛ لِأَن الْمَقْصُود هُوَ البيع عِنْد الْمحل وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي دوَام الْقَبْض.
(2/403)

لَهُم:
رهن مَقْبُوض فَلَا يملك الرَّاهِن استرجاعه إِلَى يَده كَمَا لَو كَانَ الرَّهْن لَا مَنْفَعَة لَهُ، ونقول: مَحْبُوس لِاسْتِيفَاء الْحق فَاسْتحقَّ الْحَبْس على الدَّوَام كالمستأجر؛ لِأَن الْمَقْصُود التَّوَثُّق فَإِذا زَالَت يَده زَالَ التَّوَثُّق.
مَالك: ف.
أَحْمد:.
التكملة:
فرقوا بَين الرَّهْن وَالْهِبَة (فَإِن الْهِبَة) الْمُسْتَحق فِيهَا الْملك فَلم يشْتَرط لَهُ اسْتِدَامَة الْقَبْض وَهَا هُنَا الشَّرْط التوثقة فَاشْترط لَهَا اسْتِدَامَة الْقَبْض كَالْمَبِيعِ فِي يَد البَائِع، وَمَا قَالُوهُ فِي الْهِبَة يُنكر تأييد الْقَبْض فَإِنَّهُ يفْتَقر إِلَيْهِ وَإِن كَانَ الْمَقْصُود نقل الْملك، وَإِن أَرَادوا بِالْقَبْضِ فِي الرَّهْن استدامته حكما فَكَذَا نقُول، وَأَن حكم الرَّهْن ثَابت فِي مُدَّة إِجَارَة الْمَرْهُون وَلِهَذَا لَا تجوز المسافرة والتغرير بِهِ، وَإِن أَرَادوا الْقَبْض الْمشَاهد فَغير مُعْتَبر بِالْإِجْمَاع
(2/404)

لِأَنَّهُ يجوز رده إِلَى يَد الرَّاهِن لينْتَفع بِهِ.
فَإِن قَالُوا: الْعلَّة خوف الْجُحُود بَطل بِمَا إِذا أَعَارَهُ للرَّاهِن، وَيُفَارق الرَّهْن الْإِجَارَة بِأَن الْمَقْصُود من الْإِجَارَة الْمَنَافِع وَذَلِكَ لَا يُمكن إِلَّا بِالْقَبْضِ وقياسهم على مَا لَا مَنْفَعَة فِي قِيَاس فَاسد، لِأَن مَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ لَيْسَ فِيهِ استرجاعه غَرَض صَحِيح فَإِنَّهُ لَو زوج حرَّة وَسلمهَا إِلَى زَوجهَا لم يجز لَهُ استرجاعها مِنْهُ، وَلَو زوج أمة كَانَ لَهُ استرجاعها ليستوفي مَنْفَعَتهَا.
(2/405)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: الرَّهْن قبل وجوب الْحق (قمج)) .
الْمَذْهَب: لَا يَصح.
عِنْدهم: يَصح شَرطه قبل، فَإِذا وَجب الْحق ارْتهن.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وَثِيقَة فِي حق فَلَا تسبق الْحق من غير حَاجَة كالإشهاد.
(2/406)

لَهُم:
أذن فِي إمْسَاك مَاله فَجَاز تَعْلِيقه بِشَرْط، كَمَا إِذا قَالَ: إِذا جَاءَ فلَان فاقبض مِنْهُ مَالِي وَدِيعَة، ونقول: مَا لَا يبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة جَازَ تَعْلِيقه بِالشّرطِ كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
قَالُوا: الشَّهَادَة إِخْبَار فَلَا تصح قبل الْمخبر بِهِ وَالرَّهْن توثقه فصح قبل كضمان الدَّرك.
الْجَواب: كَمَا لَا تصح الشَّهَادَة مَا لم تثبت لَا يَصح التَّوَثُّق مَا لم يثبت، وَلنَا فِي ضَمَان الدَّرك منع، وَإِن سلمنَا قُلْنَا فِي تَصْحِيحه قبل الْوُجُوب حَاجَة، وَلَا حَاجَة هَا هُنَا ونمنع صِحَة الرَّهْن بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة.
وَالْفرق بَينه وَبَين الطَّلَاق أَن الطَّلَاق يَصح تَعْلِيقه بِطُلُوع الشَّمْس ومجيء الْمَطَر، وَالرَّهْن لَا يَصح فِيهِ ذَلِك.
(2/407)

فَإِن قَالُوا: هُوَ إِيجَاب رهن فَجَاز قبل ثُبُوت الدّين كَالرَّهْنِ الْمَشْرُوط فِي إِيجَاب البيع قبل تَمَامه.
قُلْنَا: لَيْسَ إِذا جَازَ فِي إِيجَاب البيع جَازَ قبل وجوده كَالشَّهَادَةِ تجوز فِي إِيجَاب البيع وَلَا تجوز قبل وجوده، وَلِأَن الرَّهْن فِيمَا ذَكرُوهُ لَا يسْبق الْحق لِأَنَّهُ ثَبت بِثُبُوتِهِ وَفِي مَسْأَلَتنَا يسْبق الْحق وَالرَّهْن تَابع للحق فَلَا يجوز أَن يسْبقهُ.
(2/408)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا ارْتهن عصيرا فَوَجَدَهُ خمرًا وَاخْتلفَا (قمد)) .
الْمَذْهَب: القَوْل قَول الرَّاهِن فِي الْمَنْصُور.
عِنْدهم: القَوْل قَول الْمُرْتَهن.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
اخْتلفَا فِي صفة يجوز حدوثها بعد الْقَبْض فَكَانَ القَوْل قَول من ينفيها كالعيب فِي الْمَبِيع.
(2/409)

لَهُم:
رهن معيب فَكَانَ القَوْل فِيهِ قَول الْمُرْتَهن كَمَا لَو قَالَ: أقبضته معيبا وَالْمُرْتَهن يُنكر قبض الرَّهْن على وَجه يجوز قَبضه فَكَانَ القَوْل قَوْله، كَمَا لَو اخْتلفَا فِي أصل الْقَبْض.
مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
الْفرق بَين إِنْكَار الْعصير وَبَين إِنْكَار أصل الْقَبْض: أَن الأَصْل عدم الْقَبْض، وَهَاهُنَا الأَصْل الْقَبْض الصَّحِيح وَالدَّعْوَى عدم الصِّحَّة يدل عَلَيْهِ أَن فِي البيع لَو اخْتلفَا فِي أصل الْقَبْض كَانَ القَوْل قَول المُشْتَرِي وَلَو اخْتلفَا فِي عيب بِالْمَبِيعِ كَانَ القَوْل قَول البَائِع.
(2/410)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة (قمه)) .
تَخْلِيل الْخمر.
الْمَذْهَب: حرَام والخل من ذَلِك نجس.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى أنس قَالَ: جَاءَ أَبُو طَلْحَة رَضِي الله عَنْهُمَا إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لما حرمت الْخمر فَقَالَ: عِنْدِي خمر لأيتام ورثوها فَقَالَ لَهُ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " أرقها "، قَالَ: أَفلا أخللها؟ قَالَ: " لَا "، أَمر بالإراقة وَنهى عَن التَّخْلِيل مَعَ كَونهَا لأيتام.
لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " خير خلكم خل خمركم ".
(2/411)

وَرُوِيَ: " يحل الدّباغ الْجلد كَمَا يحل الْخمر الْخلّ "، والمشبه بِهِ أقوى من الْمُشبه.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تصرف فِي الْخمر ليتمولها فَلَا تصح كَالْبيع، بَيَان الدَّعْوَى: أَن وضع المخلل فِيهَا تصرف.
وتأثيره: أَن التَّخْلِيل قلب عين، وقلب الْأَعْيَان إِلَى الله تَعَالَى فَبَقيَ مُجَرّد التَّصَرُّف وَهُوَ حرَام، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ جَوَاز الإراقة وَلَو جَازَ التَّخْلِيل مَا جَازَت الإراقة.
لَهُم:
إصْلَاح جَوْهَر فَاسد وتطهير نجس فَكَانَ مَشْرُوعا كالدباغ؛ لِأَن الشَّرْع مَا ورد بالإصلاح.
بَيَان الدَّعْوَى: أَن الخمرية صفة فَاسِدَة فَهُوَ يبدلها بالخلية الصَّالِحَة
(2/412)

وَلِهَذَا جَازَت الإراقة، فالإصلاح أولى فَصَارَ كالكافر يطْلب إِسْلَامه قبل إعدامه.
مَالك: رِوَايَتَانِ.
أَحْمد: ق.
التكملة:
لَيْسَ من كَلَام الْمَسْأَلَة فَرضهَا فِي التَّخْلِيل بالملح وَنَحْوه، فَإِن الْملقى ينجس عندنَا، ثمَّ ينجس الْخلّ وَلَا يطهر الْملح بالتخليل تلقيا مِمَّا مهدناه فِي إِزَالَة النَّجَاسَة من أَن غير المَاء لَا يطهر.
نعم خُصُوص هَذِه الْمَسْأَلَة مَا إِذا خلل بِالنَّقْلِ من ظلّ إِلَى شمس أَو عَكسه.
وَأما الْخمْرَة المحترمة فَهِيَ طَاهِرَة فِي جَمِيع صور التَّخْلِيل إِلَّا فِي إِلْقَاء الْملح، وَمن الْأَصْحَاب من سوى بَين المحترمة وَغَيرهَا.
أما الدن حكم بِطَهَارَتِهِ على خلاف الْقيَاس، وَالْوَجْه فِي مساق هَذَا
(2/413)

النّظر الْمَنْع وَتَخْصِيص الحكم بالخمرة الَّتِي لَا تحرم.
وعَلى الْجُمْلَة هَذِه الْمَسْأَلَة غامضة، ويعارض قَوْلهم إصْلَاح جَوْهَر فَاسد قَوْلنَا: إِفْسَاد جَوْهَر صَالح، نعني بِهِ مَا يلقى فِي الْخمر من المخللات، وَبِالْجُمْلَةِ التَّخْلِيل إبْقَاء المشتد لَا إِزَالَة الشدَّة.
(2/414)

(من مسَائِل الْبيُوع)
(2/415)

فارغة
(2/416)

لوحة 41 من المخطوطة أ:
الْمُفلس إِذا حجر عَلَيْهِ تعلّقت الدُّيُون بِعَين مَاله، وَمنع من التَّصَرُّفَات فَلَو تصرف لم ينفذ تصرفه، وَمن وجد من غُرَمَائه عين مَاله كَانَ أَحَق بِهِ.
وَإِذا اشْترى (شِقْصا من دَار) ثمَّ أفلس وَعلم الشَّرِيك بِالْبيعِ وَأَرَادَ الْأَخْذ بِالشُّفْعَة، وَأَرَادَ الرُّجُوع فِي الشّقص فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن البَائِع أَحَق بِهِ.
(2/417)

الثَّانِي: أَن الشَّفِيع يَأْخُذ بِالشُّفْعَة وَيكون الثّمن للْبَائِع دون الْغُرَمَاء.
الثَّالِث: أَن الشَّفِيع يَأْخُذ وَالْبَائِع أُسْوَة الْغُرَمَاء، وَوَجهه: أَن حق الشَّفِيع سَابق لحق البَائِع فَكَانَ مقدما عَلَيْهِ وَكَونه أُسْوَة الْغُرَمَاء، لِأَن حق البَائِع فِي الْعين لَا فِي بدلهَا، بِدَلِيل أَنه لَو بَاعهَا ثمَّ أفلس شَارك البَائِع الْغُرَمَاء فِي الثّمن، إِذا كَانَ الدّين مُؤَجّلا فَأَرَادَ الْمَدْيُون سفرا يزِيد على الْأَجَل لم يكن لغريمه مَنعه وَلَا الْمُطَالبَة بكفيل هَذَا إِذا سَافر لغير جِهَاد، فَإِن سَافر لجهاد اخْتلف الْأَصْحَاب فِيهِ.
وَاعْلَم أَنه يجوز للْمَرْأَة أَن تتصرف فِي مَالهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا، قَالَ مَالك: إِنَّمَا تتصرف بِغَيْر إِذْنه فِي الثُّلُث، إِذا عقل الْمَجْنُون أَو بلغ الصَّبِي انْفَكَّ الْحجر عَنهُ، وَلم يفْتَقر إِلَى حكم حَاكم.
وَاعْلَم أَن طَرِيق الصُّلْح على الْإِنْكَار أَن يحضر أَجْنَبِي وَيصدق الْمُدَّعِي ويصالحه، وَيجوز أَن يصالحه للْمُدَّعى عَلَيْهِ، وَيجوز أَن يصالحه لنَفسِهِ،
(2/418)

من شرع روشنا فِي طَرِيق نَافِذ لَا يضر بالمارة جَازَ لِأَنَّهُ ارتفق بِمَا لم يتَعَيَّن لَهُ مَالك من غير ضَرَر فَهُوَ كالمشي فِي الطَّرِيق خلافًا لَهُم، فَإِنَّهُم قَالُوا لآحاد الْمُسلمين مَنعه.
فَأَما إِن وَضعه على جِهَة تضر بالمارة فَصَالحه الإِمَام عَنهُ على شَيْء لم يجز لِأَن هَذَا الْهَوَاء لَا يَصح بَيْعه مُفردا، وَلَا يجوز للْإِمَام أَن يفعل مَا يضر بِالْمُسْلِمين.
وَبِالْجُمْلَةِ مَتى كَانَ ذَلِك فِي درب نَافِذ لَا يضر بِأحد لَا يُعَارضهُ جَاره مَا لم يضع خشبه عَلَيْهِ، وَلَو جَاوز نصف عرض الطَّرِيق.
أما إِن كَانَ لَهُ بَاب فِي الشَّارِع وَظهر دَاره إِلَى درب مُشْتَرك لم يجز لَهُ أَن يشرع روشنا فِي ظهر دَاره؛ لِأَنَّهُ لَا حق لَهُ فِي الدَّرْب الْمُشْتَرك، فَإِن كَانَ فِيهِ بَاب فقد اخْتلف فِي ذَلِك. قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد: يجوز وأجراه مجْرى
(2/419)

الطَّرِيق النَّافِذ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: لَيْسَ لَهُ، لِأَن الدَّرْب مَمْلُوك لقوم مُعينين، فَإِن صالحوه عَن ذَلِك لم يجز، لِأَن ذَلِك بيع الْهَوَاء دون الْقَرار، إِذا بنى صَاحب الْعُلُوّ حيطانا ليضع السّقف عَلَيْهَا، فَإِن كَانَت بآلتها الْقَدِيمَة فَهِيَ لصَاحب السّفل، وَإِن كَانَت بِآلَة جَدِيدَة فَهِيَ لصَاحب الْعُلُوّ وَلِصَاحِب السّفل سُكْنى الْبَيْت، وَلَيْسَت لَهُ أَن يدق فِي الْحِيطَان وتدا وَمَتى أَرَادَ صَاحب الْعُلُوّ النَّقْض كَانَ لَهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يجْبر على بنائِهِ.
وَاعْلَم أَن للْمَالِك أَن يَبْنِي فِي ملكه حَماما بَين الدّور ومستوقد خباز وفران وَلَو بَين العطارين خلافًا لَهُم.
(2/420)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: إفلاس المُشْتَرِي بِالثّمن (قمو)) .
الْمَذْهَب: يثبت للْبَائِع حق الْفَسْخ مَعَ قيام الْمَبِيع.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " من ابْتَاعَ سلْعَة ثمَّ أفلس فَأدْرك رجل سلْعَته فَهُوَ أَحَق بهَا ".
لَهُم:
روى عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ فِي مثل هَذِه الصُّورَة للْبَائِع: أُسْوَة الْغُرَمَاء.
(2/421)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يسلم لَهُ مَطْلُوبه من الْعِوَض فَرجع فِي مبذوله من المعوض كالمشتري إِذا لم يسلم لَهُ الْمَبِيع، وتأثيره أَن ملك الْعِوَض ملك المعوض لتحَقّق الْمُقَابلَة، فَإِن وَجب قبض الثّمن أَو تَسْلِيم بدله، فَالْكل معجوز عَنهُ.
لَهُم:
الْقُدْرَة على التَّسْلِيم فِي الثّمن لَا تشْتَرط لجوازه لَدَى العقد فَلَا يُوجب فَوَاتهَا بعد العقد ثُبُوت حق الْفَسْخ.
دَلِيل الدَّعْوَى: جَوَاز الشِّرَاء مَعَ عدم الْقُدْرَة، وتأثيره أَن تَسْلِيم الثّمن لَيْسَ بِوَاجِب وَلَا يتَصَوَّر فالعجز عَنهُ لَا يتَصَوَّر إِذْ التَّسْلِيم لبدله لكَونه دينا وَالدّين لَا يتسلم بل يسْقط بالمقاصة.
مَالك: ق.
(2/422)

أَحْمد: ق.
التكملة:
أحد عوضي الْمَبِيع فَتعذر تَسْلِيمه فَوَجَبَ حق الْفَسْخ كَالْمَبِيعِ، وَإِن أردنَا تضييقا نقيس على إِسْلَام الْمُسلم إِلَيْهِ عَن الْمُسلم فِيهِ، فَإِن سلمُوا ثُبُوت الْفَسْخ فِيهِ انتظم الْقيَاس واندفع فرقهم بَين الثّمن والمثمن، فَإِن الثّمن وَالْمُسلم فِيهِ يستويان فِي الدِّينِيَّة، وَإِن منعُوا الْمُسلم فَرضنَا فِيهَا وقسنا على انْقِطَاع الْجِنْس وَلَا يَجدونَ بَينهمَا فرقا، فَإِن الْمُؤثر فِي إِثْبَات حق الْفَسْخ تعذر الْمُسلم فِيهِ وَلَا اثر لاخْتِلَاف أَسبَاب التَّعَذُّر وَمَا قاسوا عَلَيْهِ من إفلاس المُشْتَرِي المفارق للْعقد بِمَنْع صِحَة البيع هُنَاكَ ونسوي بَين الْفلس الْمُقَارن والطارئ.
فَإِن قَالُوا: انْقِطَاع الْجِنْس فِي الْمُسلم فِيهِ يُوجب حق الْفَسْخ، وَإِن تلف رَأس المَال.
فَالْجَوَاب: أَنا نقف مَعَ الْفَائِدَة ثمَّ نرْجِع إِلَى بدل رَأس المَال، وَهَاهُنَا لَا فَائِدَة فِي الْفَسْخ، فَإِنَّهُ يرجع بِالثّمن حَتَّى لَو كَانَت الْقيمَة أَكثر من الثّمن.
قُلْنَا: يفْسخ ويلزمهم إِذا اشْترى بفلوس فكسدت فَإِن عِنْدهم يَنْفَسِخ
(2/423)

العقد ونفرق بَين الثّمن وَالْمهْر بِأَن الثّمن ركن وَالْمهْر تَابع ويلزمهم عجز الْمكَاتب بإفلاسه.
(2/424)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: السَّفِيه المبذر (قمز)) .
الْمَذْهَب: يحْجر عَلَيْهِ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رُوِيَ أَن عبد الله بن جَعْفَر اشْترى دَارا للضيفان بستين ألفا، فَبلغ ذَلِك عليا (رَضِي الله عَنهُ) فَقَالَ: " وَالله لأغدون إِلَى عُثْمَان ولأحجرن
(2/425)

عَلَيْهِ "، فَاغْتَمَّ عبد الله، فَأتى إِلَى الزبير وَأخْبرهُ فَقَالَ: أشركني فِيهَا فأشركه، فَلَمَّا قيل لعُثْمَان فِي ذَلِك قَالَ: إِنِّي لأَسْتَحي أَن أحجر على رجل شَرِيكه الزبير لحذقه بِالتِّجَارَة.
وَجه الدَّلِيل: اتِّفَاق الْمَذْكُورين على الْحجر وحيلتهم فِي الْخَلَاص.
لَهُم:
روى أَن حبَان بن منقذ كَانَ شَيخا يكثر الْبياعَات ويغبن فَشَكا أَهله إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وسألوه الْحجر عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي رجل لَا أَصْبِر عَن الْبياعَات، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام: " إِذا بَايَعت فَقل لَا خلابة، وَاشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا ".
وَجه الدَّلِيل: أَنه لم يحْجر عَلَيْهِ وَعلمه طَرِيق الْخَلَاص.
(2/426)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الشَّرْع نَاظر وَالسَّفِيه مختل فِي إِثْبَات النّظر وَالْحجر نظر فَيَنْبَغِي أَن يثبت كالصغير.
بَيَان الدَّعْوَى: تَركه النّظر لنَفسِهِ وَنظر الشَّرْع لتارك النّظر مُتَعَيّن، إِذْ الْعلَّة فَوَات النّظر، وَلَا فرق بَين فَوَاتهَا بِالتّرْكِ أَو بفقد الْأَهْلِيَّة، وَفِيه إبْقَاء أَمْوَاله الَّتِي بهَا حَيَاته.
لَهُم:
مُكَلّف فَلَا يحْجر عَلَيْهِ كالرشيد، تَأْثِيره أَن التَّصَرُّف وجد من أَهله فِي مَحَله فصح، فَلَو منع منع لحقه، وَحقه لَا يمْنَع حَقه وعقله بَاقٍ بِدَلِيل الْخطاب فَكيف يحْجر عَلَيْهِ.
مَالك: ق.
احْمَد: ق.
التكملة:
حَدِيث حبَان لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لما سَأَلَ أَهله الْحجر لم يُنكر عَلَيْهِم
(2/427)

وَقَالَ: لَا بيع بِنَاء على قَول أَهله فَلَمَّا عرف أَنه غير سَفِيه، بل تعين فِي البيع لم يحْجر عَلَيْهِ.
فَإِن قَالُوا: أَلَيْسَ لَا نولي عَلَيْهِ فِي النِّكَاح منعنَا، وَالصَّحِيح التَّسْلِيم، والعذر أَن الْبضْع لَيْسَ مَحل التبذير، ونسلم وجود الْأَهْلِيَّة بِالْعقلِ، وندعي عَارض السَّفه.
قَالُوا: هُوَ جَان فَلَا نَنْظُر لَهُ، قُلْنَا: النّظر لَهُ لآدميته والعذر عَن التكاليف أننا لم نكلف السَّفِيه اتخذ الْجُهَّال السَّفه جنَّة دون التَّكْلِيف.
ونقول: التَّكْلِيف يلاقي الْبدن، وَالْبدن لَيْسَ محلا للتبذير، ونقول: طَلَاقه لكَونه يلاقي النِّكَاح، وَقد أسلفنا أَن الْبضْع لَيْسَ بِمحل التبذير ويلزمهم كَونه لَا يسلم إِلَيْهِ مَاله.
فَإِن قَالُوا: ذَلِك عُقُوبَة يلْزمهُم كَونه يسلم إِلَيْهِ إِذا بلغ خمْسا وَعشْرين سنة قَوْلهم قد عبر سنّ التَّأْدِيب لَا يسلم، وَلِهَذَا يحد وَيُعَزر على الجرائم.
(2/428)

فارغة
(2/429)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: الصُّلْح على الْإِنْكَار (قَمح)) .
الْمَذْهَب: بَاطِل.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الصُّلْح جَائِز إِلَّا صلح أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا ". وَلَو جَازَ الصُّلْح مَعَ الْإِنْكَار كَانَ فِيهِ إحلال الْحَرَام؛ لِأَن الْمُدَّعِي قبل الصُّلْح مَا كَانَ لَهُ أَخذ مَال الْمُدعى عَلَيْهِ فصلحه أحل مَا كَانَ حَرَامًا فَدخل فِي النَّهْي.
(2/430)

لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَالصُّلْح خير} ، وَهَذَا مُطلق، وتقييده بِحَالَة دون حَالَة نسخ، والنسخ بِخَبَر الْوَاحِد أَو الْقيَاس لَا يجوز، وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دخل الْمَسْجِد ورجلان يتنازعان ثوبا وَقد علت أصواتهما فَقَالَ للْمُدَّعى عَلَيْهِ: " هَل لَك فِي الشّطْر "؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: " هَل لَك فِي الثُّلثَيْنِ؟ " قَالَ: نعم. وَجه الدَّلِيل: أَنه دَعَاهُ إِلَى الصُّلْح مَعَ الْإِنْكَار.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الصُّلْح مُعَاوضَة فَلَا تصح مَعَ الْإِنْكَار، تَأْثِيره أَنه لَا عوض فِيهِ، إِذْ لَا يسْتَحق على الْمُدعى عَلَيْهِ عوض فِي مُقَابلَته؛ لِأَن الْعين يغلب فِيهَا جَانب الْمُدعى عَلَيْهِ لأجل يَده، وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فقد فقد الْعِوَض وَمَوْضِع الِاتِّفَاق صَحَّ معاوضته وَهِي حَالَة الْإِقْرَار.
لَهُم:
الْحق يثبت للْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ حملا لقَوْل الْإِنْسَان على الصدْق مهما
(2/431)

أمكن تَرْجِيحا للصدق لأجل الْعقل فقد ثَبت فِي حَقه فصلح أَن يَصح الصُّلْح مُعَاوضَة من جَانب الْمُدعى عَلَيْهِ كِفَايَة للشر وبذل المَال لذَلِك جَائِز، ويتأيد بِالْإِبْرَاءِ وَيصْلح الْأَجْنَبِيّ.
مَالك: ف.
أَحْمد:
التكملة:
قَالُوا: إِذا اقْتضى قَول أحد الْمُتَعَاقدين الْجَوَاز رجح، كَمَا إِذا شهد بحريّة عبد ثمَّ اشْتَرَاهُ.
الْجَواب: لَيْسَ صِحَة الشِّرَاء ثمَّ اكْتِفَاء بقول أَحدهمَا أَيهمَا كَانَ بل اكْتِفَاء قَول من رَاعى الشَّرْع قَوْله بِدَلِيل أَنه لَو قَالَ: استولدت جاريتي فَأنكرهُ أَجْنَبِي وأقدم على شِرَائهَا لم يَصح، وَكَذَلِكَ لَو شهد بحريّة عبد وَشهد الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَيْضا بحريّة عبد للشَّاهِد وَردت شَهَادَتهمَا فتبادلا الْعَبْدَيْنِ
(2/432)

بالمعاوضة صَحَّ البيع وَالْعقد بَاطِل بِمُوجب قَول الْمُتَعَاقدين جَمِيعًا لكنه بَاطِل بقول: من لم يلْتَفت الشَّرْع إِلَيْهِ صَحِيح بِمُوجب قَول راعاه الشَّرْع، فَإِن كل مَالك يزْعم أَن مَا فِي يَده لَهُ، وَلِهَذَا لَو ادَّعَت الْمَرْأَة الطَّلَاق فَأنْكر الزَّوْج ثمَّ تخالعا صَحَّ وَلزِمَ المَال، وَإِن ادّعى الزَّوْج الطَّلَاق ثمَّ تخالعا لم يَصح، فَإِن ألزمونا صِحَة الصُّلْح بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة.
قُلْنَا: إِن كَانَ قد قضى الْحَاكِم بهَا لم يَصح الصُّلْح، وَلنَا فِي صلح الْمُتَوَسّط كَلَام.
(2/433)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا مَاتَ الْمحَال عَلَيْهِ مُفلسًا (قمط)) .
الْمَذْهَب: لَا يرجع الْمُحْتَال على الْمُحِيل.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لي الْوَاجِد ظلم، وَمن أُحِيل على مَلِيء فَليَحْتَلْ "، وروى " من أتبع على مَلِيء فَليتبعْ "، أَمر بالاتباع
(2/434)

وَعِنْدهم لَا يتبع والملاءة لَيست شَرط صِحَة الْحِوَالَة، بِدَلِيل أَنَّهَا تصح على غير مَلِيء وَإِنَّمَا ذكر الملاءة بِنَاء على الْغَالِب.
لَهُم:
روى أَن عُثْمَان حكم بِالرُّجُوعِ فِي مثل ذَلِك وَقَالَ: لاتوى على مَال امْرِئ مُسلم.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
بَرَاءَة مُطلقَة فَلَا يرجع كَمَا لَو صرح دَلِيل أصل الْبَرَاءَة سُقُوط الْمُطَالبَة لَا إِلَى غَايَة وَالْحوالَة تَقْتَضِيه لِأَنَّهَا تَحْويل من مَكَان إِلَى مَكَان فتستدعي فرَاغ الْمحل الْمَنْقُول مِنْهُ ثمَّ لَو أفلس الْمحَال عَلَيْهِ وَهُوَ حَيّ لم يعد.
لَهُم:
بَرَاءَة نقل وتحويل فَتكون سَلامَة الْمُنْتَقل إِلَيْهِ شرطا فِي تَمام الْبَرَاءَة كَمَا إِذا بَاعَ بِالدّينِ ثوبا من صَاحب الدّين فَإِن سَلامَة الثَّوْب شَرط وَالْحوالَة تدل على النَّقْل وَإِذا نقل قصد السَّلامَة وَالْعرْف كالشرط.
(2/435)

مَالك: ق.
أَحْمد:.
التكملة:
سُقُوط الْمُطَالبَة عَن الْمُحِيل بعد ثُبُوت الدّين فِي السُّقُوط، والسقوط إِنَّمَا يكون بمانع حسي كالإعسار أَو شرطي كالتأجيل، وَقد انتفيا جَمِيعًا، فَإِن الْمُحِيل مُوسر، وَالدّين حَال.
فَإِن قَالُوا: يجوز عِنْد إِثْبَات الْأَجَل ابْتِدَاء فِي الدّين الْمحَال، قُلْنَا: الْأَجَل الْمَجْهُول بالِاتِّفَاقِ لَا يجوز، وَغَايَة هَذَا الْأَجَل موت الْمحَال عَلَيْهِ مُفلسًا ثمَّ الْمُحْتَال اسْتحق الدّين فِي ذمَّة الْمحَال عَلَيْهِ فَإِن استبقينا دينه فِي ذمَّة الْمُحِيل تعدد الدّين، وَالْمُعْتَمد أَن الْإِعْسَار الطَّارِئ بعد بَرَاءَة الْمُحِيل لَا يُوجب الرُّجُوع كالعسر بالإفلاس فِي حَال الْحَيَاة، وَبَرَاءَة الْحِوَالَة بَرَاءَة
(2/436)

نقل لَا بَرَاءَة اعتياض، وَالرُّجُوع بِمَا يطْرَأ من الْإِعْسَار حكم الْمُعَاوضَة، وَلَيْسَ هَذَا بطرِيق الْمُعَاوضَة، لِأَنَّهُ لَا يَصح بِلَفْظ الْمُعَاوضَة وَلَا يَصح مَعَ اخْتِلَاف الْجِنْس وتفاوت الْقدر.
(2/437)

(من مسَائِل الْإِعْسَار الْمَيِّت الْمُفلس وَالْكَفَالَة وَالضَّمان وَالشَّرِكَة)

(الْمَسْأَلَة الْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة:
من ثبتَتْ عسرته (قن)) .
الْمَذْهَب: يجب تخليته وَلَا يجوز ملازمته.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة} .
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من أنظر مُعسرا أظلهُ الله تَحت عَرْشه يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله "، وَهَذَا يدل على أَنه لَا يلْزم الإنظار.
(2/438)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كل دين لَا يملك بِهِ الْمُطَالبَة لَا يملك بِهِ الْمُلَازمَة كالمؤجل.
لَهُم:
دين حَال فَأشبه الدّين على الْمُوسر.
مَالك: ق. وَقَالَ لَا تسمع الْبَيِّنَة على الْإِعْسَار.
أَحْمد: يُؤجر وَتصرف أجرته فِي دينه.
التكملة:
لَا يُقَال: إِن الْمَعْنى فِي الأَصْل أَنه لَو تكفل بِهِ كَفِيل لم يُطَالب بِهِ وَفِي مَسْأَلَتنَا: لَو تكفل بِهِ كَفِيل طُولِبَ لِأَن هَذَا لَو كَانَ فوتا صَحِيحا لَا يُوجب الْفرق بَينهمَا فِي الْمُطَالبَة لمن عَلَيْهِ الدّين وَإِنَّمَا لم نوجب الْفرق بَينهمَا فِي مُطَالبَته لم نوجب الْفرق بَينهمَا فِي ملازمته، وَالْفرق بَين مَا
(2/439)

قاسوا عَلَيْهِ وَالْفرع أَن الأَصْل يسْتَحق بِهِ الْمُطَالبَة وَالْجِنْس بِخِلَاف الْفَرْع.
(2/440)

ص 42 / من المخطوطة أ:
الْإِجْمَاع الْعَام كإجماع النَّاس على وجوب الصَّلَوَات وعددها، فَهَذَا لَا يسوغ مُخَالفَته، وَالْخَاص اتِّفَاق عُلَمَاء الْعَصْر على حكم الْحَادِثَة، وَمن الْإِجْمَاع مَا يكون على حكمين فِي حَادِثَة فَيدل على عدم حكم ثَالِث.
وَاعْلَم أَنه إِذا كفل ببدن رجل وَشرط أَنه مَتى لم يحضرهُ فعلى الْحق الَّذِي عَلَيْهِ أَو قَالَ: عَليّ كَذَا وَكَذَا لم يَصح وَلم يجب الشَّيْء الْمَضْمُون خلافًا لَهُم.
وَالْكَفَالَة ببدن الصَّبِي وَالْمَجْنُون صَحِيحَة، لِأَن الْحق فِي ذمتهما، وَقد يحْتَاج إِلَى إحضارهما للشَّهَادَة عَلَيْهِمَا بِالْإِتْلَافِ وَإِنَّمَا يَصح بِإِذن الْوَلِيّ، وَالْكَفَالَة ببدن الْمكَاتب لَا تصح، لِأَن الْحق الَّذِي عَلَيْهِ غير لَازم،
(2/441)

وَإِذا رهن شَيْئا وَلم يُسلمهُ وكفل آخر بِتَسْلِيمِهِ لم يَصح لِأَن التَّسْلِيم غير لَازم.
وَإِذا فسخ فِي شركَة الْعَنَان أحد الشَّرِيكَيْنِ كَانَ للْآخر أَن يتَصَرَّف فِي نصيب نَفسه، وللفاسخ أَن يتَصَرَّف فِي الْجَمِيع.
والقراض وَالْمُضَاربَة مُتَرَادِفَانِ، وَهُوَ أَن يدْفع شخص إِلَى شخص مَالا ليتجر لَهُ فِيهِ على أَن مَا يحصل من الرِّبْح بَينهمَا حسب مَا شرطا، فالحجازيون يسمونه قراضا، والعراقيون مُضَارَبَة، وَلَا يجوز الْقَرَاض إِلَّا بالنقدين.
وَإِذا قَالَ: خُذ هَذِه الْألف قراضا على أَن لَك النّصْف إِلَّا عشرَة لم يَصح، لِأَن الرِّبْح قد يكون أقل من عشرَة.
وَبِالْجُمْلَةِ تَقْدِير الرِّبْح بِغَيْر جُزْء من المَال لَا يَصح، وَإِذا دفع إِلَى رجلَيْنِ مَالا قراضا بِالنِّصْفِ فنض المَال ثَلَاثَة آلَاف فَقَالَ رب المَال: رَأس المَال أَلفَانِ فَصدقهُ أَحدهمَا وَكذبه الآخر وَقَالَ: بل رَأس المَال ألف، فَالْقَوْل
(2/442)

قَول الْعَامِل مَعَ يَمِينه، فَإِذا حلف كَانَ الرِّبْح أَلفَيْنِ ونصيبه مِنْهَا خَمْسمِائَة لِأَن لَهُ الرّبع فَبَقيَ أَلفَانِ وَخَمْسمِائة فَأخذ رب المَال أَلفَيْنِ رَأس المَال؛ لِأَن الآخر يصدقهُ فَيبقى خَمْسمِائَة ربحا فيقتسمانها على الثُّلُث لرب المَال الثُّلُثَانِ وللعامل الثُّلُث، لِأَن نصيب رب المَال من الرِّبْح (نصفه وَنصِيب) الْعَامِل الرّبع فيقسمان بَاقِي الرِّبْح على ثَلَاثَة، وَمَا أَخذ الجاحد فِيمَا زَاد على نصِيبه كالتالف مِنْهَا؛ لِأَن التَّالِف فِي الْمُضَاربَة يحْسب من الرِّبْح، والقراض يشبه الْوكَالَة.
(2/443)

(الْمَيِّت الْمُفلس وَالْكَفَالَة وَالشَّرِكَة)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: الْمَيِّت الْمُفلس (قِنَا)) .
الْمَذْهَب: يَصح ضَمَان مَا عَلَيْهِ من دين.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى سَلمَة بن الْأَكْوَع أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أُتِي بِجنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا فَقَالَ: هَل عَلَيْهِ من دين؟ قَالُوا: نعم. فَقَالَ: هَل ترك شَيْئا؟ فَقَالُوا: لَا، فَامْتنعَ من الصَّلَاة عَلَيْهِ، فَقَامَ أَبُو قَتَادَة وَقَالَ: هُوَ عَليّ،
(2/444)

وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " الْآن بردت جلدته عَن النَّار "، وَقَوله للخثعمية: " أَرَأَيْت أَن لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيتيه ".
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الدّين بَاقٍ فَصحت الْكفَالَة بِهِ.
(2/445)

بَيَانه أَنه كَانَ مَوْجُودا إِلَى حِين الْمَوْت وَالْمَوْت لَا يسْقط الْحُقُوق لَكِن ينْقل من دَار إِلَى دَار وَصَارَ كالبر وَالْإِثْم وَلِهَذَا تبقى الْكفَالَة بعد الْمَوْت وَيصِح الْإِبْرَاء وتبرع الْأَجْنَبِيّ.
لَهُم:
دين سَاقِط فَلَا تصح الْكفَالَة بِهِ كَمَا بعد الْإِبْرَاء.
دَلِيل السُّقُوط: أَن الذِّمَّة خربَتْ فقلم يبْق لَهُ مَحل، لِأَن الذِّمَّة الْتِزَام وعهد، والحياة من ضَرُورَة الذِّمَّة وَالْكَفَالَة الْتِزَام الْمُطَالبَة وَقد سَقَطت لِأَن الدّين عبارَة عَن وجوب تَسْلِيم وبالموت لَا يجب.
مَالك: ق.
أَحْمد:.
(2/446)

التكملة:
مطلع النّظر الْبَحْث عَن حكم الضَّمَان وَمحله، وَإِلَّا فسائر متعلقاته من الضَّمَان والمضمون لَهُ، وَصِيغَة الضَّمَان لَا تخْتَلف، وَالدَّلِيل على بَقَاء الدّين صِحَة الْأَدَاء وَالْإِبْرَاء وَبَقَاء الدّين عِنْد وجوب الضَّمَان.
قَالُوا: مَحل الْوُجُوب الذِّمَّة، وَقد تلفت.
دَلِيل ذَلِك: سُقُوط الدّين عَن الْحَرْبِيّ إِذا استغرق لضعف الذِّمَّة، فالميت أولى، وَكَذَلِكَ حُلُول الْأَجَل لَا يُفِيد الْإِفْرَاد بالإسقاط.
الْجَواب: أَن الْعَهْد وَتحمل الْأَمَانَة لَا يبطل بِالْمَوْتِ.
(2/447)

فارغة
(2/448)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة:
الْكفَالَة بالأعيان الْمَضْمُونَة والأنفس (قنب)) .
الْمَذْهَب: لَا تصح، وَقيل: فِيهِ قَولَانِ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
أجَاز ابْن مَسْعُود كَفَالَة النَّفس وعَلى ذَلِك كَانَ السّلف، وَلم يُنكره مُنكر فَكَانَ إِجْمَاعًا.
(2/449)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كَفَالَة أَخْطَأت محلهَا فلفت.
بَيَانه: أَن مَحل الْكفَالَة الدُّيُون؛ لِأَن الدُّيُون، لِأَن الْكفَالَة مَشْرُوعَة لالتزام الْحق فِي الذِّمَّة، والأعيان لَا تثبت فِي الذمم، وَوُجُوب الْعين يَنْبَنِي على الدَّعْوَى وتسلم الْعين بِالْغَصْبِ وَلم يوجدا فِي حق الْكَفِيل، فقد كفل مَا لَا يقدر على تَسْلِيمه وَهُوَ الْآدَمِيّ الْمَكْفُول.
لَهُم:
تكفل مَضْمُون وَيجب تَسْلِيمه فصح كَمَا لَو تكفل بدين.
بَيَان الدَّعْوَى: أَنا نعني كَونه مطالبا يجب عَلَيْهِ الْحُضُور وَقد أمكن تَسْلِيمه بِأَن يحضرهُ وَالتَّسْلِيم مِمَّا يعْتَاد، وَالْكَفَالَة الْتِزَام الْمُطَالبَة لَا الْتِزَام الدّين (إِذن الدّين) لَا يكون فِي جِهَتَيْنِ والمطالبة بِهِ مُمكنَة.
(2/450)

مَالك:.
أَحْمد:.
التكملة:
خبر ابْن مَسْعُود ورد فِي قوم ارْتَدُّوا فاستتابهم وكفلهم عَشَائِرهمْ وَهَذِه كَفَالَة فَاسِدَة، فَإِن الْكفَالَة ببدن من عَلَيْهِ حد أَو قصاص بَاطِلَة، وَإِنَّمَا فعله ابْن مَسْعُود لمصْلحَة وَدَعوى الْإِجْمَاع بَاطِل، عبارَة تكفل بِمَا لَا يقدر على تَسْلِيمه شرعا فَلَا يَصح كَمَا لَو تكفل بالطير فِي الْهَوَاء، وَذَلِكَ (لِأَنَّهُ) إِن كفل بِغَيْر إِذن الْمَكْفُول فَهُوَ مُتَبَرّع فَلَا يلْزم الْمَكْفُول الْحُضُور مَعَه وَالْحَاكِم لَا يجبيه إِلَى إِحْضَاره، وَكَذَلِكَ الْحَال إِذا كفله فَإِنَّهُ لَا يثبت لَهُ عَلَيْهِ ولَايَة، وَلَا يُمكنهُ أَن يُطَالِبهُ بأَدَاء الدّين وَلَا إِذْنه لَهُ يُوجب عَلَيْهِ شرعا أَن
(2/451)

يحضر مَعَه.
(2/452)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: ضَمَان المَال الْمَجْهُول وَمَا لم يجب (قنج)) .
الْمَذْهَب: لَا يَصح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
ضَمَان مَال مَجْهُول بِعقد وَلَا يَصح، كَمَا لَو قَالَ: ضمن بعض مَالك على فلَان.
(2/453)

لَهُم:
ضَمَان وَيصِح تَعْلِيقه على الْخطر فصح فِي الْمَجْهُول كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق ونقول: عقد ثَبت من غير ذكر بدل فَجَاز أَن يثبت مَعَ الْجَهَالَة كَالنِّكَاحِ.
مَالك: ف.
أَحْمد: (ف) .
التكملة:
قَالُوا: لم يكن مَعْلُوما فِي الْحَال فَهُوَ مَعْلُوم فِيمَا بعد فَصَارَ كضمان الْعَهْد والدرك وَمَا يلقِي فِي الْبَحْر.
الْجَواب: هَذَا بَاطِل بِالْبيعِ، وَالْإِجَارَة فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون مَعْلُوما فِي ثَانِي الْحَال، والجهالة فِي الْحَال نمْنَع مِنْهَا وَضَمان الدَّرك لَا يَصح فِي أحد الْقَوْلَيْنِ، وَإِن سلمنَا فَالضَّمَان هُنَاكَ يتَنَاوَل جَمِيع الثّمن وَهُوَ مَعْلُوم، وَإِنَّمَا تحصل الْجَهَالَة فِي الثَّانِي عِنْد ظُهُور الِاسْتِحْقَاق وَهَذَا لَا يمْنَع كَون الْمَعْلُوم مَضْمُونا، كَمَا لَو بَاعَ ثَلَاثَة أعبد بِثمن وَاحِد ثمَّ اسْتحق أحدهم صَحَّ البيع فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ.
(2/454)

وَأما ضَمَان مَا يلقِي فِي الْبَحْر فَذَلِك استدعاء إِتْلَاف على جِهَة الْقرْبَة لتخليص المَال وَلَيْسَ بِضَمَان، أَلا ترى أَنه يَصح أَن يضمن أَكثر من قيمَة الْمَتَاع ويقارن الطَّلَاق وَالْعتاق، فَإِنَّهُ يَصح على بعض مَجْهُول، أَلا ترى أَنه لَو قَالَ أحد هَؤُلَاءِ حر أَو أحد هَؤُلَاءِ: طَالِق، صَحَّ بِخِلَاف الضَّمَان.
وَأما الْمهْر الْمَجْهُول يثبت فِي النِّكَاح لتلف الْبضْع وَهُوَ بِمَنْزِلَة قيمَة المُشْتَرِي فِي البيع الْفَاسِد وَفِي مَسْأَلَتنَا الْمَالِيَّة فِي الذِّمَّة بِالْعقدِ فَهُوَ كَالثّمنِ فِي البيع وَالْأُجْرَة فِي الْإِجَارَة.
(2/455)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة:
إِذا شَرط الشريكان تفاضل الرِّبْح (قند)) .
الْمَذْهَب: لَا يَصح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " الوضيعة على رَأس المَال وَالرِّبْح على الْعَمَل ".
(2/456)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
شركَة أَخْطَأت محلهَا فلغت كَبيع الْحر.
بَيَانه: أَن محلهَا المَال لَا الْعَمَل، دَلِيله أَن الْعَمَل مَعْدُوم ومجهول، وَالْمحل لَا بُد أَن يكون مَعْلُوما وموجودا، وَالَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ عقد الشّركَة المَال فَيُقَال: عقد على هَذَا المَال، وَلذَلِك يُوجب إِحْضَار المَال.
لَهُم:
عقد الشّركَة مَا أوجبه الِاشْتِرَاك كعقد التَّمْلِيك، وَلَيْسَ ذَلِك اشتراكا فِي المَال، بِدَلِيل إِمْكَان الشّركَة فَلَا بُد أَن يكون حكمه اشتراكا يتعقبه، وَهُوَ الِاشْتِرَاك فِي الْعَمَل، فَكَانَ الِاشْتِرَاك فِي الْعَمَل حكمه، وَكَذَلِكَ يُرَاد للنمو والنمو يكون بِالْعَمَلِ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(2/457)

التكملة:
العقد وَارِد على المَال وَالْحكم ثُبُوت الشّركَة فِيهِ حَتَّى يصير بَينهمَا على الشُّيُوع، فَإِذا كَانَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا عشرَة واشتركا فَمَعْنَاه أَن أحدهم بَاعَ النّصْف الْمشَاع من مَاله بِالنِّصْفِ الْمشَاع من مَال صَاحبه فصارا شَرِيكَيْنِ فِي جَمِيع المَال، وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا عشرَة وَللْآخر خَمْسَة فَمَعْنَى الشّركَة أَن صَاحب الْعشْرَة بَاعَ ثلث مَاله مشَاعا بِثُلثي مَال صَاحبه، إِذْ هُوَ مثله قدرا فَصَارَ الْجَمِيع بَينهمَا على الشُّيُوع أَثلَاثًا.
وَهَذَا لتحقيق معنى الصّرْف، لِأَنَّهُ بيع النَّقْد بِجِنْسِهِ مُتَسَاوِيا وَلذَلِك شَرط إِحْضَار الْمَالَيْنِ فِي الْمجْلس وَإِثْبَات يديهما عَلَيْهِمَا، نعم ينْفَرد عقد الصّرْف بِأَنَّهُ لَا يَصح إِلَّا مَعَ اتِّحَاد الْجِنْس وَالنَّوْع فَلَا يَصح بَين الصَّحِيح والمكسر وَالدِّينَار وَالدِّرْهَم؛ لِأَن الْمَقْصُود أَن يصير المالان مَالا وَاحِدًا صُورَة وَحكما بِخِلَاف الصّرْف، وَيدل على مَا ذَكرْنَاهُ إِضَافَة العقد إِلَى المَال، وَالْأَصْل ثُبُوت الحكم فِي مَحل الْإِضَافَة.
(2/458)

فارغة
(2/459)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: شركَة الْمُفَاوضَة والأبدان وَالْوُجُوه (قنه)) .
الْمَذْهَب: لَا يَصح إِلَّا شركَة الْعَنَان.
عِنْدهم: تصح جَمِيعهَا إِلَّا الْأَبدَان فِي الاحتطاب والاحتشاش.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
(2/460)

لَهُم:
الْإِجْمَاع مُنْعَقد من لدن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَإِلَى الْآن على الِاشْتِرَاك فِي الْأَعْمَال وَفِي الْأَثر: " تفاوضوا فَإِن فِيهِ بركَة ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عقد الشّركَة ليشارك أَحدهمَا الآخر فِي كَسبه، فَلَا يَصح كَمَا لَو اشْتَركَا فِي الاحتشاش. الدَّلِيل فِي الْمُفَاوضَة شركَة لَا تصح مَعَ تفاضل الْمَالَيْنِ فَلَا تصح مَعَ تساويهما. الدَّلِيل فِي شركَة الْوُجُوه شركَة على غير مَال فَلَا تصح كشركة الاحتطاب والاحتشاش.
لَهُم:
نوع شركَة تخْتَص باسم، فَكَانَ بهَا مَا يَصح كشركة الْعَنَان.
(2/461)

مَالك: الْمُفَاوضَة جَائِزَة والأبدان مَعَ اتِّفَاق الصَّنْعَة.
أَحْمد: تجوز شركَة الْأَبدَان فِي كل شَيْء.
التكملة:
قَالُوا فِي جَمِيع هَذِه الْمسَائِل (العقد يُضَاف إِلَى الْعَمَل) وَحكمه ثُبُوت الشّركَة فِيهِ حَتَّى يصير كل وَاحِد مِنْهُمَا بعضه لَهُ اسْتِقْلَالا وَالْبَعْض لشَرِيكه نِيَابَة، وَلَا يعبد وُقُوع الشّركَة فِي الْعَمَل كَالْوَكِيلِ من رجلَيْنِ فِي شِرَاء عبد وَالْوَكِيل فِي شِرَاء نصف عبد إِذا اشْترى جَمِيعه لنَفسِهِ وكالعامل فِي الْقَرَاض، فَإِن عمله مُشْتَرك بيه وَبَينه الْمَالِك وكل جَهَالَة فِيهِ فبالربح تصير مَعْلُومَة.
الْجَواب: أما الْقَرَاض فَثَبت ضَرُورَة وَهُوَ جعَالَة لَا شركَة وَتَعْلِيق الرِّبْح على تَحْصِيل الْكسْب كتعليق الْجعل على رد الْآبِق.
والجهالة تحْتَمل فِيهِ للْحَاجة. قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ: لَا أعلم أَن فِي الدُّنْيَا شَيْئا بَاطِلا إِن لم تكن شركَة الْمُفَاوضَة بَاطِلَة، لِأَن هَذَا عقد غرر لِأَن مَا يلْزم أَحدهمَا من غَرَامَة تلْزم الآخر وَبِمَا دون هَذَا تفْسد الْعُقُود.
(2/462)

فارغة
(2/463)