Advertisement

تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة 003


(الْوكَالَة وَالْعَارِية)
(3/5)

فارغة
(3/6)

لوحة 43 من المخطوطة أ:
قَالَ جَابر بن عبد الله أردْت الْخُرُوج إِلَى خَيْبَر فآذنت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بذلك فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: ائْتِ وَكيلِي فَخذ مَعَه خَمْسَة عشر وسْقا، فَإِن ابْتغى مِنْك آيَة فضع يدك على ترقوته، وَاعْلَم أَن الْأَيْدِي ثَلَاث: يَد أَمَانَة كَالْوَكِيلِ وَالْمُودع، وَالشَّرِيك وَالْوَصِيّ وَالْحَاكِم وَالْمُرْتَهن، وَيَد ضامنة كَالْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِير، والمساوم وَالْمُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا، وَيَد مُخْتَلف فِيهَا وَهِي الْأَجِير الْمُشْتَرك وَالَّذين يتولون مَال غَيرهم خَمْسَة: أَب، جد، وَصِيّ، حَاكم، وَكيل، والعقود أَرْبَعَة أضْرب: عقد لَازم
(3/7)

من جِهَتَيْنِ كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالصُّلْح وَالْخلْع وَالنِّكَاح فِي أشهر الْوَجْهَيْنِ، وَمن قَالَ: إِنَّه غير لَازم من جِهَة الزَّوْج قَالَ: لِأَن الزَّوْج يملك فَسخه، وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا يملك قطعه وإزالته عَنهُ، كَمَا يملك المُشْتَرِي عتق العَبْد الْمُشْتَرى، وَأما اللَّازِم من جِهَة فكالرهن، وَالْكِتَابَة، وَالرَّابِع مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ السَّبق وَالرَّمْي، إِن قُلْنَا: إِنَّه إِجَارَة كَانَ لَازِما، وَإِن قُلْنَا: إِنَّه جعَالَة كَانَ جَائِزا، وَاعْلَم أَن كل من يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِي مَال غَيره لَا يجوز لَهُ أَن يَشْتَرِي لنَفسِهِ إِلَّا الْأَب خَاصَّة، إِن وكل المتداعيان وَكيلا وَاحِدًا لينوب عَنْهُمَا فَفِيهِ وَجْهَان، فَوجه الْجَوَاز: أَنه يُمكنهُ الدَّعْوَى، وَالْجَوَاب عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِقَامَة الْحجَّة وَوجه عدم الْجَوَاز: يُنَافِي الفرضين، إِذا شهد أحد الشَّاهِدين أَنه وكل فلَانا فِي يَوْم الْخَمِيس، وَشهد الآخر أَنه وَكله يَوْم الْجُمُعَة لم تثبت الشَّهَادَة، لِأَن تَوْكِيل الْجُمُعَة غَيره فِي الْخَمِيس، إِذا وَكله فِي كل قَلِيل وَكثير فالوكالة فَاسِدَة، وَيجوز للْمُسلمِ أَن يُوكل ذِمِّيا، إِذا ادّعى الْوكَالَة وَأقَام شَاهدا وَامْرَأَتَيْنِ أَو حلف تمّ الْمَقْصُود، لِأَن الْغَرَض
(3/8)

إِثْبَات المَال دون التَّصَرُّف، إِذا تصرف الْوَكِيل فِي بيع السّلْعَة فِي السّلْعَة (صَار ضَامِنا. مِثَاله: أَن يلبس الثَّوْب) فَإِذا بَاعه بعد ذَلِك هَل يَصح بَيْعه؟ وَجْهَان، لَو شهد أحد الشَّاهِدين أَنه أقرّ بتوكيله يَوْم الْخَمِيس، وَشهد الآخر أَنه أقرّ بذلك يَوْم الْجُمُعَة صَحَّ لِأَن الإقرارين إِخْبَار، ونقول فِي مَسْأَلَة الْعَارِية إِن الْإِذْن فِي تَفْوِيت الْيَد وجد حَقِيقَة، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي نفي الضَّمَان، فَإِنَّهُ لَو قَالَ: أتلف مَالِي وَعَلَيْك ضَمَانه لم يتناقض، نعم. لَو قَالَ: أتلف وَلَا ضَمَان عَلَيْك وَلَا يبْقى الضَّمَان، وَلَو أطلق الْإِذْن ساكتا عَن الضَّمَان حكم فِي الْأَمريْنِ بِقَرِينَة الْحَال، فَإِن شهِدت لنفي الضَّمَان انْتَفَى، وَإِن شهِدت للضَّمَان ثَبت، فالحمامي يَأْذَن فِي تَفْوِيت مَاله وقرينة الْحَال توجب الْعِوَض، وَإِنَّمَا حَال الْمُعير يشْعر بِأَنَّهُ رَضِي بتفويت الْيَد؛ لِأَنَّهُ قبض الْمَنَافِع وَلم يرض بتفويت الْملك.
(3/9)

(الْوكَالَة وَالْعَارِية)

(المسالة السَّادِسَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: التَّوْكِيل من غير رضَا الْخصم (قنو) :)

الْمَذْهَب: جَائِز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(3/10)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عدم رِضَاهُ عيب فَيرد شرعا؛ لِأَنَّهُ يطْلب زِيَادَة على الْمَقْصُود؛ لِأَن الْمَقْصُود معرفَة حَال من إِنْكَار وَإِقْرَار ليَأْخُذ أَو يُقيم بَيِّنَة وَلَا فرق بَين جَوَاب وَجَوَاب فِي تعرف الْحَال وَلَيْسَ الْحق غير الْجَواب، بل معرفَة الْحَال وَالْجَوَاب طَرِيق ذَلِك.
لَهُم:
الْمُدَّعِي قد اسْتحق جَوَاب الْمُدعى عَلَيْهِ وَلَا يبطل حَقه إِلَّا بِرِضَاهُ، تَأْثِيره: أَنه يتَصَرَّف فِي حَقه، وَدَلِيل الدَّعْوَى: أَن جَوَابه حق لَهُ وَلِهَذَا يحضرهُ الْحَاكِم وَيطْلب مِنْهُ الْجَواب وَيقف على طلب الْخصم وَينْتَفع بِهِ وَلَا يرضى بِالثّمن مِنْهُ، والخصومات حرَام، وَإِنَّمَا جَازَت للْحَاجة.
مَالك:
(3/11)

أَحْمد:
التكملة:
الدَّعْوَى حق الْمُدَّعِي فَإِنَّهَا طلب حَقه، وَهُوَ مُسْتَقل بِالْجَمِيعِ دون صَاحبه فَيجوز أَن يُقيم فِيهِ غَيره مقَامه إِذْ هُوَ قَابل للنيابة كَسَائِر الْحُقُوق، وتعلقه بِالْغَيْر لَا يمْنَع استقلاله بِهِ، كَمَا فِي قَضَاء الدُّيُون، ويتأيد بالمريض والمخدرة وَالْمُسَافر، فتوكيل هَؤُلَاءِ ينفذ دون رضَا الْخصم، فَإِن قَالُوا: الْإِنْكَار حق الْمُدَّعِي قبل الْمُدعى عَلَيْهِ، قُلْنَا: لَا نسلم أَولا افتقار الحكم إِلَى الْإِنْكَار، وَهَذَا ظَاهر فِي حق الْغَائِب، وَأما الْحَاضِر فِي الْبَلَد فَمن أَصْحَابنَا من جوز الْقَضَاء عَلَيْهِ وَإِن سلم فَهُوَ حق الشَّرْع يَطْلُبهُ الْحَاكِم رَجَاء أَن يقر فيستغني عَن الِاجْتِهَاد فِي حَال الشُّهُود، ثمَّ إِذا حضر وَسكت عَن الْجَواب قضى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَن الْمَقْصُود أَن يعرف انْتِفَاء إِقْرَاره لَا وجود إِنْكَاره وَلَو كَانَ هَذَا الْإِنْكَار حق الْخصم لسقط بإسقاطه، ثمَّ الْإِنْكَار حق الْمُدعى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ موكول إِلَى إخْبَاره وَالْمُدَّعِي لَا يطْلب إِنْكَاره بل إِقْرَاره، وَثَمَرَة الْإِنْكَار للْمُنكر وَهُوَ يدْفع الدَّعْوَى عَنهُ، وعَلى الْحَقِيقَة الْإِنْكَار تَكْذِيب الْمُدَّعِي فَلَا يَقع حَقًا لَهُ.
(3/12)

فارغة
(3/13)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: الْوَكِيل فِي الْخُصُومَة (قنز) :)

الْمَذْهَب: لَا يملك الْإِقْرَار.
عِنْدهم: يملك ذَلِك فِي مجْلِس الحكم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وَكيل بِالْخُصُومَةِ وَلَا يملك الْإِقْرَار لِأَنَّهُ قطع الْخُصُومَة، ويتأيد بِكَوْنِهِ لَا يملكهُ خَارج الْمجْلس فَنَقُول: الْوَكِيل بِالْإِقْرَارِ لَا يملك الْخُصُومَة فَكَذَلِك
(3/14)

عَكسه، وَالشَّيْء لَا يُسْتَفَاد من ضِدّه، ويتأيد بِالْإِبْرَاءِ وَالصُّلْح وَالْإِقْرَار بِالدَّمِ، وأدائها صَرِيحًا.
لَهُم:
وَكيل بِجَوَاب الْخصم فَملك الْإِقْرَار، لِأَن التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيل بجوابها لتصح فِيمَا يملكهُ الْمُوكل، وَإِنَّمَا يملك الْجَواب، فَالْجَوَاب الْمُطلق هُوَ الْمَمْلُوك، وتسميته خُصُومَة مجَاز لقَوْله تَعَالَى: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة} ، وَلَا يُمكن الْعَمَل بحقيقته إِلَّا أَن يُقَال: الْمُوكل فيحق ومجازه يَصح فِي الْأَحْوَال كلهَا.
مَالك: ق.
أَحْمد:
(3/15)

التكملة:
الْخُصُومَة عبارَة عَن فعل يبْقى الْفَاعِل مَعَه خصما وَالْإِقْرَار يضاد ذَلِك فَهُوَ عَاص للْمُوكل، ونقول: الْجَواب الْمُطلق الَّذِي جعلتم الْخُصُومَة مجَازًا عَنهُ إِقْرَار أم إِنْكَار أم شَيْء آخر؟ وَالْإِقْرَار ينبو عَنهُ لفظ الْخُصُومَة، وَتَحْقِيق الْكَشْف أَن الْمُطلق قَضِيَّة مُخْتَلفَة بَين مختلفتين كاللونية بَين السوَاد وَالْبَيَاض، وَالْجَوَاب الْمُطلق لَا يَصح إِلَّا بِقَرِينَة حَال تعرفه إِلَى المسميين، وَلِهَذَا لَا يَصح بِلَفْظ مَجْهُول يحْتَمل مَعْنيين، وَسَمَاع الْبَيِّنَة من ضَرُورَة الْخُصُومَة وَلَيْسَ الْإِقْرَار من ضَرُورَة الْخُصُومَة ثمَّ لَو وَكله فِي الْإِقْرَار لم يتَصَوَّر؛ لِأَنَّهُ يكون قد أقرّ الْمُوكل بِالْحَقِّ فللوكيل أَن يُؤَدِّي لَفظه ويخبر عَنهُ فَكيف يحمل الْوكَالَة على مَا لَو صرح بِهِ لم يَصح.
(3/16)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: الْوَكِيل بِالْبيعِ مُطلقًا (قنح) :)

الْمَذْهَب: لَا يَبِيع بِغَبن فَاحش وَلَا إِلَى أجل وَلَا بعروض.
عِنْدهم: يَصح مِنْهُ ذَلِك كُله.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وَكيل مُخَالف؛ لِأَنَّهُ وَكيل فِي البيع، وَقد بَاعَ من وَجه ووهب من وَجه والتبرع لَا يملكهُ؛ وَلِأَن ملك البيع كَالْأَبِ وَالْوَصِيّ؛ وَلِأَنَّهُ بدل مَال
(3/17)

بِغَيْر عوض، ثمَّ الْعرف أَنه إِذا أطلق البيع فَإِنَّهُ يقْصد بِهِ المربح أَو الْعَادِل، ونقيس على الشِّرَاء، فَإِنَّهُ لَو وكل فِيهِ لم يَصح بِالْغبنِ الْفَاحِش.
لَهُم:
وَكيل مُوَافق فَجَاز فعله، دَلِيل ذَلِك: أَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ البيع وَالْمَفْعُول بيع؛ لِأَنَّهُ يَقُول: بِعْتُك كَذَا وَالْمَوْجُود شرعا هُوَ الْمَعْقُود لفظا وَحَقِيقَة مُقَابلَة مَال بِمَال وَقد وجد.
مَالك: ق.
أَحْمد:
التكملة:
أمره بتفويت الْملك إِلَى بدل وَمُطلق كل شَيْء يحمل على الْكَامِل مِنْهُ، فَإِنَّهُ الأَصْل فِي كل مَوْجُود وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان لَا تكون إِلَّا بِدَلِيل وَصَارَ كالرقبة الْمُطلقَة فِي الْكَفَّارَة وَيحمل على الْكَامِل ثمَّ الْبَدَل جَائِز للمبدل، وَالْخَبَر يكون بالكامل لَا بالناقص وَإِطْلَاق البيع إِن عنوا بِهِ بِالْإِضَافَة إِلَى الثّمن فَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع لكَون الْمَبِيع معينا وَإِن عنوا بِهِ بِالْإِضَافَة إِلَى
(3/18)

الثّمن فَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ من أَن التفويت إِلَى بدل مُطلق، فَالْبيع مُقَابلَة بَين مالين حَقِيقَة ولفظا، ودعواهم أَن الثّمن مسكوت عَنهُ وَاقع من ضَرُورَة البيع غير صَحِيح؛ لِأَن الْمُعَامَلَة تقوم بالمقابلة، فَمن ذكرهَا فقد ذكرهمَا كالوزن لَا يُقَال الصنجة فِي الْوَزْن مسكوت عَنْهَا فَصَارَ المالان مذكورين فِي لفظ البيع على الْإِطْلَاق، بَقِي أَن يُقَال الْمُطلق يَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع المسميات حَتَّى لَو حلف لَا يعْتق حنث وبر بالسليم والمعيب. وَالْجَوَاب: أَن الْمَوْجُود الْمُطلق هُوَ الْكَامِل فَصَارَ الِاسْم الْمُطلق وَاقعا بإزائه هَذَا الأَصْل فِي الْوُجُود ثمَّ الْكَمَال مِمَّا شرع لغَرَض وَظهر بِالْمَعْنَى الَّذِي لأَجله شرع وَهُوَ الْخَبَر فِي الْمُتَنَازع فِيهِ.
(3/19)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: مُسلم وكل ذِمِّيا فِي شِرَاء خمر أَو خِنْزِير (قنط) :)

الْمَذْهَب: لَا يَصح التَّوْكِيل وَلَا الشِّرَاء.
عِنْدهم: يَصح التَّوْكِيل وَالشِّرَاء.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عقد لَا يجوز للْمُسلمِ أَن يَتَوَلَّاهُ بِنَفسِهِ وَلَا يَصح تَوْكِيله فِيهِ كَمَا لَو
(3/20)

وَكله فِي تَزْوِيجه بمجوسية.
لَهُم:
لَو نَص على ثمن فَاشْترط بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَقع الْملك لَهُ وَلَو كَانَ الْملك لَا يَقع لَهُ لما وَقع لَهُ عِنْد الْمُخَالفَة ثمَّ الْملك من حُقُوق العقد، وَهُوَ يَتَوَلَّاهُ فَكَانَ الْملك لَهُ.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
قَاعِدَة الْمَسْأَلَة: أَن الْملك فِي الْوكَالَة يَقع للْمُوكل هَذَا عندنَا وَعِنْدهم يَقع أَولا للْوَكِيل ثمَّ للْمُوكل وَيدل على أصل الْقَاعِدَة أَنه عقد تولاه الْغَيْر للْغَيْر وَصَحَّ لَهُ فانتقل الْملك إِلَى الْمَعْقُود لَهُ دون الْعَاقِد كالتوكيل فِي النِّكَاح وَلَو كَانَ وَكيلا فِي البيع كَانَ الثّمن للْمُشْتَرِي فنقيس الثّمن على الْمُثمن ثمَّ لَو اشْترى الْوَكِيل من يعْتق عَلَيْهِ لم ينعتق.
(3/21)

(الْمَسْأَلَة السِّتُّونَ بعد الْمِائَة: الْعَارِية (قس) :)

الْمَذْهَب: مَضْمُونَة.
عِنْدهم: أَمَانَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْعَارِية مَضْمُونَة، والمنيحة مَرْدُودَة، والزعيم غَارِم "، وَرُوِيَ أَنه اسْتعَار درع صَفْوَان بن أُميَّة فَقَالَ: أغصبا يَا مُحَمَّد
(3/22)

فَقَالَ: لَا، بل عَارِية مَضْمُونَة مُؤَدَّاة، فوصف الْعَارِية بِالضَّمَانِ.
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ على الْمُسْتَعِير غير الْمغل ضَمَان "، والمغل: الخائن.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قبض مَال الْغَيْر لمَنْفَعَة نَفسه لَا عَن اسْتِحْقَاق سَابق فَوَجَبَ عَلَيْهِ
(3/23)

الضَّمَان؛ لِأَن الْإِذْن كَانَ فِي الِاسْتِعْمَال فاقتصر عَلَيْهِ وَمَا ثَبت ضَرُورَة تعذر بهَا، وَضَمان الْعين أَمر وَرَاء الِاسْتِعْمَال فقد أَخذ مَال الْغَيْر لغرضه من غير اسْتِحْقَاق قبض فضمن كالمستام.
لَهُم:
قبض صدر عَن إِذن صَحِيح من جِهَة الْمَالِك فَلَا يُوجب الضَّمَان كالمستأجر؛ لِأَنَّهُ لما أذن لَهُ فِي الْمَنَافِع فَمن ضَرُورَته الْإِذْن فِي الْقَبْض، وَإِذا كَانَ قد ملكه الْمَنَافِع فالعين مَجْمُوع مَنَافِع.
مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
التكملة:
يحمل خبرهم على ضَمَان الْأَجْزَاء الْمُسْتَحقَّة بِالِاسْتِعْمَالِ، فَإِنَّهَا مَضْمُونَة عِنْد التَّعَدِّي ومجاوزة حد الْإِذْن، ونقول: الْأَخْذ تَفْوِيت يَد الْغَيْر حسا، وَإِن كَانَ الْغَرَض الْأَخْذ كَانَ تفويتا حكما أَيْضا بِخِلَاف
(3/24)

الْمُودع، فَإِنَّهُ أَخذ لغَرَض الْمَالِك وَهُوَ نَائِب عَنهُ، وَيَد الْمَالِك مستمرة حكما، ثمَّ الْقَبْض لَيْسَ مَأْذُونا فِيهِ لفظا بل لَازم مَدْلُول الْإِذْن فِي الِانْتِفَاع، وَذَلِكَ لضَرُورَة الَّذِي يضْطَر إِلَيْهِ فِي تَقْدِير مَدْلُول الْإِذْن جَوَاز الْقَبْض، أما نفي الضَّمَان، فَلَا ضَرُورَة فِيهِ، أَو نقُول: مَأْذُون فِيهِ لغيره لَا لعَينه، أَو نقُول: الْإِذْن دَلِيل الرِّضَا بتفويت الْيَد وَلَيْسَ فِيهِ تعرض للضَّمَان، وَلَيْسَ من شَرط الضَّمَان قبض غير مَأْذُون فِيهِ، لِأَن المضمن تَفْوِيت الْيَد الْمُسْتَحقَّة على صَاحبهَا وَلَا يجوز أَن يُقَال: عدم الْإِذْن شَرط فِيهِ لِأَن الشَّرْط مَا يتَوَقَّف الحكم على (وجوده كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاح وَمَا يتَوَقَّف الحكم) على عَدمه، فوجوده مَانع فَكَانَ الْإِذْن منافيا للضَّمَان بعد وجود سَببه، وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ لَو لم يكن الْجمع بَين جَوَاز الْقَبْض وَوُجُوب الضَّمَان، وَقد بَينا إِمْكَانه فَإِنَّهُ يَقُول: أَذِنت فِي الْقَبْض بِشَرْط الضَّمَان وَيدل عَلَيْهِ وجوب الرَّد؛ فَلَو كَانَ الْإِذْن فِي تَفْوِيت الْيَد لَا يدل على نفي إِعَادَة الْيَد كَيفَ يدل على نفي ضَمَان الْعين؟
(3/25)

فارغة
(3/26)

(الْإِقْرَار)
(3/27)

فارغة
(3/28)

لوحة 44 من المخطوطة أ:
قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ: من شرب مُسكرا وَأقر فِي حَال سكره لزمَه مَا أقرّ بِهِ، إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ألف وَلم يُفَسر، فَلَو فَسرهَا بحبات حِنْطَة صَحَّ، فَإِن فَسرهَا بكلاب فَفِيهِ وَجْهَان، وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ ألف وَدِرْهَم لزمَه دِرْهَم وَرجع فِي تَفْسِير الْألف إِلَيْهِ، قَالَ أَبُو حنيفَة: إِن عطف على الْعدَد الْمُبْهم مَوْزُونا (أَو مَكِيلًا) كَانَ تَفْسِيرا لَهُ بِخِلَاف المذروع والمعدود، إِذا قَالَ مائَة وَخَمْسُونَ درهما أَو خَمْسَة وَعِشْرُونَ درهما قَالَ أَكثر الْأَصْحَاب: يكون الدِّرْهَم الْمُفَسّر عَائِدًا إِلَى الرتبتين. قَالَ ابْن خيران: يكون لما يَلِيهِ من الرتبتين.
(3/29)

وَاعْلَم أَن الِاسْتِثْنَاء فِي اللُّغَة صَحِيح جَائِز. قَالَ تَعَالَى: {فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيس} ، وَقَالَ: {ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما} ، وَيجوز (أَن يسْتَثْنى) من الْجُمْلَة أَكْثَرهَا، كَمَا يجوز أقلهَا، قَالَ ابْن درسْتوَيْه: لَا يجوز إِلَّا الْأَقَل، وَبِه قَالَ أَحْمد. دليلنا قَوْله تَعَالَى: {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين} ،
(3/30)

وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: {لأغوينهم أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين} فاستثنى فِي مَوضِع الغاوين من الْعباد، وَاسْتثنى فِي مَوضِع الْعباد من الغاوين. وَقَالَ الشَّاعِر:
(أَدّوا الَّتِي نقصت تسعين من مائَة ... ثمَّ ابْعَثُوا حكما بِالْحَقِّ قوالا)

فَإِذا قَالَ ألف إِلَّا دِرْهَم رَجَعَ فِي تَفْسِير الْألف إِلَيْهِ بِمَا إِذا أسقط مِنْهُ الدِّرْهَم بَقِي شَيْء، أَو يجوز أَن يسْتَثْنى الدِّرْهَم من غير جنسه خلافًا لِأَحْمَد وَمُحَمّد، دليلنا: اسْتثِْنَاء إِبْلِيس من الْمَلَائِكَة وَهُوَ من الْجِنّ، وَقد قيل فِي الِاسْتِثْنَاء إِنَّه خبر بعد خبر، إِذا قَالَ لَهُ عَليّ دِرْهَم وَدِرْهَم إِلَّا دِرْهَم وَجب عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّهُ اسْتثْنى من دِرْهَم درهما، وَلَو قَالَ ثَلَاثَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَفِي ذَلِك ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه يلْزمه ثَلَاثَة، لِأَن الِاسْتِثْنَاء الأول رفع جَمِيع الْإِقْرَار فَبَطل (وَالثَّانِي مُعَلّق بِهِ فَبَطل بِبُطْلَانِهِ) ، وَالثَّانِي: يلْزمه دِرْهَم؛ لِأَن الِاسْتِثْنَاء الأول سقط، وَبَقِي
(3/31)

الثَّانِي فَسقط مِنْهُ دِرْهَمَانِ فَبَقيَ دِرْهَم، وَالثَّالِث: أَنه يلْزمه دِرْهَمَانِ، وَهُوَ الأقيس، وَلَو أقرّ بِثَوْب فِي منديل أَو بِتَمْر فِي جراب فالوعاء للْمقر؛ لِأَنَّهُ يحْتَمل فِي منديل لي، وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ كَذَا دِرْهَم بِالرَّفْع لزمَه دِرْهَم وَاحِد وَتَقْدِيره شَيْء هُوَ دِرْهَم، وَإِن قَالَه بالخفض لزمَه بعض دِرْهَم وَيكون كَذَا كِنَايَة عَن بعض مُضَاف إِلَى الدِّرْهَم، وَإِن نصب لزمَه دِرْهَم وَيكون مَنْصُوبًا على التَّفْسِير. وَمثله إِذا قَالَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَم، فَإِنَّهُ يُفَسر ذَلِك بشيئين: أَي شَيْئَيْنِ كَانَا فَإِن قَالَ كَذَا وَكَذَا درهما لزمَه دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّهُ ذكر جملتين، فَإِذا فَسرهَا بدرهم عَاد التَّفْسِير إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا كَقَوْلِه عشْرين درهما، فَإِنَّهُ يعود التَّفْسِير إِلَى الْعشْرين، وَإِذا أقرّ بِعَبْد عَلَيْهِ عِمَامَة دخلت الْعِمَامَة فِي الْإِقْرَار، وَلَو قَالَ دَابَّة عَلَيْهَا سرج لم يدْخل السرج، وَلَو قَالَ دَابَّة بسرجها أقرّ بالسرج، لِأَن الْبَاء تعلق الثَّانِي بِالْأولِ، إِذا قَالَ لَهُ عَليّ كَذَا وَلم يُفَسر قبل مَا (بقوله إِلَّا الْخمر وَالْخِنْزِير؛ لِأَنَّهُمَا لَا يثبتان فِي الذِّمَّة، وَاعْلَم أَن النّسَب لَا يثبت إِلَّا بِشَاهِد وَيَمِين وَلَا بِشَاهِد وَامْرَأَتَيْنِ) .
(3/32)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: غُرَمَاء إقراري الصِّحَّة وَالْمَرَض (قسا) :)

الْمَذْهَب: يحاصون فِي التَّرِكَة.
عِنْدهم: يتَقَدَّم غُرَمَاء الصِّحَّة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
(3/33)

لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
اسْتَويَا فِي الْوُجُوب فاستويا فِي الِاسْتِيفَاء (كدينى الْمَرَض) . دَلِيل الدَّعْوَى: أَن الْوُجُوب ظهر بقوله فِي ذمَّته، وَقَوله مَرِيضا كَقَوْلِه صَحِيحا فِيمَا هُوَ سَبَب الْوُجُوب، والذمة حَالَة الْمَرَض كهي حَال الصِّحَّة عهدا والتزاما فَإِذا اسْتَويَا وجوبا واستويا قَضَاء وَالْمَرِيض جَائِز التَّصَرُّف وَمَا فعله إِظْهَار وَاجِب وَلَا وَجه لتَعلق الدّين.
لَهُم:
مَحْجُور عَلَيْهِ فِي حق الْغُرَمَاء بحقهم فَلَا يقبل إِقْرَاره بِمَا يضرهم
(3/34)

كمن رهن مَالا ثمَّ أقرّ بِهِ، دَلِيل الْحجر: أَن حق الْغَرِيم يتَعَلَّق بِمَالِه عِنْد مَوته مُسْندًا إِلَى أول الْمَرَض، بَيَان الْإِسْنَاد أَن الْمَوْت هُوَ الْمُقْتَضِي للتعلق وَسَببه الْمَرَض وَالْمَوْت نِهَايَة الْعَجز وَأول الْمَرَض أول الْعَجز فاستند التَّعَلُّق إِلَى أول جُزْء من (أَجزَاء) السَّبَب.
مَالك: ق.
أَحْمد:
التكملة:
دينان ظهرا بطريقين متساويين فسوى بَينهمَا أَدَاء (كَمَا لَو ثبتا ببينتين) لَا فرق إِلَّا أَن الْإِقْرَار مظهر تَنْتفِي عَنهُ التُّهْمَة فَاكْتفى فِيهِ بقول وَاحِد، وَاعْتبر الْعدَد فِي الْبَيِّنَة، وَمحل ثُبُوت الدّين الذِّمَّة وَالْمَرَض لَا يخل بهَا، فَإِن الدّين ثَابت إِجْمَاعًا حَتَّى لَو أَبرَأَهُ غُرَمَاء الصِّحَّة أَو فضل عَنْهُم صرف إِلَى غُرَمَاء الْمَرَض وَلَا نظر إِلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير كإقرار متعاقبين فِي الصِّحَّة أَو فِي الْمَرَض ويتأيد بالأسباب المنشأة كالاستقراض والإتلاف
(3/35)

وَالشِّرَاء وَالنِّكَاح لما سوى بَينهمَا فِي الصِّحَّة وَالْمَرَض، ثمَّ الْمَرَض مَجْمُوع (الآلام) وَالْمَوْت أثر الْكل، فالإقرار الثَّانِي وجد قبل تَمام سَبَب التَّعَلُّق وَالدّين عندنَا فِي الذِّمَّة فِي حالتي الْحَيَاة وَالْمَوْت لَا يتَعَلَّق بِالْمَالِ (وَهُوَ فِي حَيَاته) مُخَيّر بَين أَن يقْضِي الدّين من هَذَا المَال أَو من غَيره وَله التَّصَرُّف فِي المَال بِالْبيعِ (والاستهلاك) لَكِن بِشَرْط أَن يقْضِي الدّين من مَحل آخر، أَو نسلم أَن التَّعْلِيق عِنْد الْمَوْت، وَالْمَوْت حَادث يُنَاسب تعلق الدّين بِالْعينِ بِخِلَاف زمن الْمَرَض ثمَّ الْمَوْت شَرط هَذَا التَّعْلِيق وَتَقْدِيم الْمَشْرُوط على الشَّرْط محَال.
(3/36)

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: الْإِقْرَار للْوَارِث فِي مرض الْمَوْت (قسب) :
الْمَذْهَب: صَحِيح فِي القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين} غير أَن آيَة الْمِيرَاث نسخت آيَة الْوَصِيَّة فَبَقيَ الدّين مُطلقًا فِي تَقْدِيمه على الْإِرْث.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْإِقْرَار مظهر ثُبُوت الدّين لِاجْتِمَاع أَرْكَانه، وكل دين ظهر ثُبُوته
(3/37)

وَجب أَدَاؤُهُ كإقراره فِي الصِّحَّة أَو إِقْرَاره لأَجْنَبِيّ والتبرع امْتنع حذرا من إيحاش بَاقِي الْوَرَثَة بالتخصيص وَفِيه قطيعة رحم.
لَهُم:
مُتَّهم فِي الْإِقْرَار بِدَلِيل مَنعه من التَّبَرُّع وَلَا ينْدَفع هَذَا بِدَلِيل عقله وَدينه لاطراد الْعرف، وَالْمَرَض أوجب حجرا فِي حق الْأَجْنَبِيّ فَهُوَ مُتَعَلق حق الْوَرَثَة وَالْمَنْع عَن التَّبَرُّع فِي حق الْغَيْر لَا يدل على الْحجر وَالثلث خَالص حَقه.
مَالك: إِن اتهمَ لم يقبل وَإِلَّا قبل.
أَحْمد: ف.
التكملة:
قَالُوا: (لَا يجوز) إِقْرَاره بِجَمِيعِ المَال لأَجْنَبِيّ؛ لِأَنَّهُ وجد نفاذا فِي الثُّلُث فَصَارَ الْبَاقِي جَمِيعه مَاله فيجد نفاذا إِلَى ثلث الْبَاقِي كَذَلِك خلاف الْوَارِث، فَإِنَّهُ لَا يجد الْإِقْرَار فِي حَقه نفاذا أصلا، قُلْنَا: فَقولُوا: لَو تبرع بِثلث المَال صَار الْبَاقِي كل مَاله فَجَاز التَّبَرُّع بِثُلثِهِ وَيبقى على مساق كَلَامهم جُزْء من المَال لَا ينفذ الْإِقْرَار فِيهِ، وَأما دَعوَاهُم التُّهْمَة فمحال، إِذْ لَيست حَال تُهْمَة، وَيبْطل بِمَا لَو أقرّ لمن يتبناه وَله ابْن عَم كاشح، فَإِنَّهُ يَصح، وَلَو
(3/38)

أقرّ لِابْنِ عَمه (الْكَاشِح) وَله أم ضَعِيفَة لَا يَصح، ويتأيد مَا قُلْنَاهُ بِالْإِقْرَارِ للْأَجْنَبِيّ وَلَا عذر عَنهُ إِلَّا أَنه من حَوَائِجه وَهُوَ الْعذر فِي الْإِقْرَار للْوَارِث وَظُهُور الدّين بِالْإِقْرَارِ وَالْحريَّة وَالْعقل وَسَائِر الْأَركان واتهام الْمُسلم المتدين فِي حَال يُؤمن فِيهَا الْكَافِر ويبر الْفَاجِر لَا يجوز.
(3/39)

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: إِذا أقرّ بِمَال عَظِيم (قسج) :
الْمَذْهَب: قبل تَفْسِيره بِأَيّ قدر كَانَ.
عِنْدهم: الْعَظِيم مِائَتَا دِرْهَم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
اجتاز عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِي الله عَنهُ على قوم (يحلفُونَ) بَين
(3/40)

الرُّكْن وَالْمقَام ثمَّ قَالَ: " أَعلَى دم أم على مَال عَظِيم "؟ ففهم من الْعَظِيم زِيَادَة على أصل المَال، وَالشَّافِعِيّ (غلظ) الْيَمين بنصاب الزَّكَاة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْعَظِيم لفظ مُجمل يرجع فِي تَفْسِيره إِلَيْهِ كَلَفْظِ المَال، وَبَيَان الْإِجْمَال أَنه يحْتَمل عَظِيم الجثة وعظيم الْقدر وَبِمَعْنى أَن قدره عَظِيم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك (فقصر العظمة) على عشرَة أَو على مِائَتَيْنِ لَا معنى لَهُ.
لَهُم:
لفظان مُخْتَلِفَانِ فَلَا بُد من مَعْنيين مُخْتَلفين كَقَوْلِه مَال جيد، إِذْ لَا يقبل مِنْهُ رَدِيء، وَإِنَّمَا نزلناه على الْعشْرَة؛ لِأَنَّهُ نِصَاب السّرقَة أَو الْمِائَتَيْنِ بِخَبَر عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف، وَهَذَا من تَفْرِيع الْمَذْهَب، إِنَّمَا النزاع فِي أَنه لَا يقبل فِي تَفْسِيره مَال مُطلق.
مَالك: ق، وَقيل: قدر الدِّيَة، وَقيل مَا يزِيد على الْمُطلق.
أَحْمد:
(3/41)

التكملة:
بَقِي أَن يُقَال لَو أقرّ بِمَال نزل على أقل مَا يتمول، فَإِذا قَالَ عَظِيم وَجب أَن يكون لهَذِهِ الزِّيَادَة فَائِدَة، وَالْجَوَاب: أَن من الْأَصْحَاب من قَالَ: يجب أَن يُفَسر بِمَال عَظِيم الحجم أَو يزِيد على أقل مَا يتمول بِشَيْء، وَالْمذهب أَنه لَا يشْتَرط بل نقُول مَفْهُوم لفظ المَال مَا ينْتَفع بِهِ وَلَيْسَ من ضَرُورَته التَّقْوِيم والعصمة وَالضَّمان بِدَلِيل الْخمر وَالْخِنْزِير والحبة الْبر، فَلهُ تَفْسِير الْعَظِيم بالمتقوم وبتباين مَفْهُوم اللفظتين، بَقِي أَن يُقَال هَذَا الْمَعْنى ثَابت فِي لَفْظَة المَال فَيكون الْعَظِيم تَكْرَارا، فَنَقُول هَذَا الْمَعْنى لَا يثبت بِمَفْهُوم نفس المَال إِذْ وَصفه مِمَّا ينْتَفع بِهِ وَلكنه لَازم شَرْعِي، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا بَيَان محمل صَحِيح فَصَارَ كَقَوْلِه لَك مَال مُتَقَوّم، أَو نقُول: قدر أَنه فسره بِمَفْهُوم لفظ المَال تَأْكِيدًا لَهُ فَيجب أَن يقبل، إِذْ التَّأْكِيد مَعْهُود فِي المَال كَقَوْلِهِم مَال مُتَمَوّل، وَعبد مَمْلُوك وَعشرَة كَامِلَة فغايته أَنه عِنْد الْإِطْلَاق يشْعر بِزِيَادَة معنى ويتأيد بِمَا لَو قَالَ خطير ونفيس، فقد سلم أَكْثَرهم ذَلِك، وَالْفرق بَين الْجَوْدَة والعظم أَن الْجَوْدَة مضبوطة، والعظم غير مضبوطة.
(3/42)

فارغة
(3/43)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: إِذا أقرّ بعض الْوَرَثَة بدين وَأنكر الآخر (قسد) :)

الْمَذْهَب: لم يُؤَاخذ إِلَّا بِنَصِيبِهِ فِي الْمَنْصُور.
عِنْدهم: يُؤَدِّي من نصِيبه جَمِيع مَا أقرّ بِهِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين} ، وَجه الدّين: أَنه لَا يخلص للْوَارِث التَّرِكَة إِلَّا بعد الدّين، وَهَذَا قد اعْترف بِالدّينِ وَصَارَ مَا صَار إِلَى غَيره من الْوَرَثَة كالمغصوب.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
بِتَصْدِيق أَحدهمَا لَا يثبت إِلَّا نصف الدّين وَلَا يقْضِي مَا زَاد، كَمَا لَو
(3/44)

صدقه فِي النّصْف خَاصَّة؛ لِأَن الدَّعْوَى على الْمَيِّت والمصدق غَيره فَيَنْبَغِي أَن لَا يقبل إِلَّا أَنه قبل بطرِيق الْخلَافَة، وَإِنَّمَا خَلفه فِي النّصْف وَصَارَ كَمَا لَو أقرّ أحد الشَّرِيكَيْنِ على العَبْد الْجَانِي فَإِنَّهُ يُؤَاخذ بِحقِّهِ.
لَهُم:
اعْترف بِجَمِيعِ الدّين فَلَزِمَهُ، فَإِنَّهُ زعم بِإِقْرَارِهِ أَن لَا حق لَهُ فِيمَا فِي يَده إِلَّا بعد وُصُول صَاحب الدّين إِلَى حَقه فعومل بِمَا فِي زَعمه وَصَارَ مَا فِي يَده حَقًا للْغَرِيم فَقبل إِقْرَاره على نَفسه.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
الْمَوْت سَبَب زَوَال ملك الْمَيِّت وَحُصُول ملك الْوَارِث وَتعلق الدّين بِالتَّرِكَةِ وَالْكل وَاقع مَعًا كَمَا عرف من اقْترن الْأَحْكَام بالأسباب سَوَاء قضينا حكم الْمَوْت، أَو إِسْنَاده إِلَى الْمَرَض فَاعْتقد أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه أَن النّظر إِلَى ملك الْمَيِّت أولى، فَإِنَّهُ الأَصْل وَملك الْوَارِث يتلَقَّى مِنْهُ فقضاء دينه أولى، ثمَّ يصرف الْبَاقِي إِلَى الْوَرَثَة، فَكَانَ فِي التَّقْدِير كَأَنَّهُ
(3/45)

رهن عَبده ثمَّ مَاتَ أَو أقرّ بِالدّينِ وَمَات، فَكَانَ الدّين مُتَعَلقا واعتقد الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد أَن النّظر إِلَى جَانب الْوَارِثين واشتراك ملكهم، فَكَأَن الدّين تعلق بِملك مُشْتَرك.
عبارَة: أقرّ بدين مُتَعَلق بِمَال مُشْتَرك فَيلْغُو فِي نصيب شَرِيكه ويؤاخذ بِنَصِيبِهِ كَمَا لَو أقرّ بِجِنَايَة عبد مُشْتَرك، وَتَقْرِيره: أَن الدّين لَا يَصح من حَيْثُ الْإِقْرَار على ذمَّة الْمَيِّت؛ لِأَن قَول الْإِنْسَان لَا يقبل فِي حق غَيره إِلَّا فِي الشَّهَادَة.
وَالْحَاصِل أَنه أقرّ فِي ملكه وَملك شَرِيكه فيؤاخذ فِي ملكه.
(3/46)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: إِذا أقرّ الابْن الْمُسْتَغْرق للْأَب بِأَخ (قسه) :)

الْمَذْهَب: ثَبت نسبه وَورث فَإِن أقرّ اثْنَان بِأَخ رَابِع وَأنكر الثَّالِث لم يثبت النّسَب.
عِنْدهم: الْخلاف فِي الطَّرفَيْنِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
ترافع سعد بن أبي وَقاص وَعبد بن زَمعَة إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام
(3/47)

فِي ولد وليدة زَمعَة، فَزعم سعد أَنه ابْن أَخِيه عتبَة، وَقَالَ عبد هُوَ أخي ولد على فرَاش أبي فَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " هُوَ لَك يَا عبد الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر " وَكَانَ سعد يزْعم أَن أَخَاهُ أوصى إِلَيْهِ بِهِ لوطيء جاهلي وَزَمعَة زوج النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَلم يُوَافق على الْإِقْرَار وَقَالَ لَهَا: احتجبي عَنهُ.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(3/48)

إِقْرَار مِمَّن يحوز الْمِيرَاث فصح كَمَا لَو كَانَا اثْنَيْنِ وَعكس ذَلِك، والتأثير أَن الْإِقْرَار على الْغَيْر لَا يَصح إِلَّا أَنه قبل بطرِيق الْخلَافَة وَأَنه قَائِم مقَام الْوَارِث، والمشاركة فِي الْمِيرَاث فرع على ثُبُوت النّسَب وثبوته فِي حق الْوَارِث فرع ثُبُوته فِي حق الْمَيِّت.
لَهُم:
شَهَادَة فِي حق الْمَيِّت فَلَا تثبت بِالْوَاحِدِ كالشهادات، بَيَان الدَّعْوَى: أَن الْأُخوة مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا من رجل وَاحِد، وَالْحكم فرع الْعلَّة، فالثابت كَلَامه أَنه إِن أثبت هُوَ شَهَادَة على الْمَيِّت بِالْإِقْرَارِ فِي حق الْمقر وَالشَّهَادَة فِي حق الْغَيْر وَلِهَذَا ينْسب إِلَى الْأَب فَلَا بُد من الْعدَد وَلما فِيهِ من شُبْهَة الْإِقْرَار شَاركهُ فِي المَال.
مَالك: ف.
أَحْمد:
(3/49)

التكملة:
ساعدونا على أَن الْمقر لَهُ لَو أكذب الْمقر أَو كَانَ أسن من الْأَب أَو كَانَ مَعْرُوف النّسَب بِغَيْرِهِ أَو كَانَ أَبوهُ قد نَفَاهُ بِاللّعانِ أَنه لَا يثبت الْمِيرَاث فَنَقُول: طلب مِيرَاث الْبُنُوَّة وَلَيْسَ ابْنا شرعا فَلَا يسعف بِهِ كَمَا فِي الْمسَائِل الْأَرْبَع، لِأَن الْبُنُوَّة ثبتَتْ، فاستلحاق الْوَالِد لَا بِدَعْوَى الابْن وَيثبت بإلحاق من لَهُ رُتْبَة الْخلَافَة أَو بالفراش وَلَا معنى للإقرار بالأخوة، وَإِنَّمَا هِيَ بنوة الْأَب وبنوة الْأَب لَا تقبل التجزيء، وَالدَّلِيل الْقَاطِع أَنه لَا يصير عَمَّا لأَوْلَاد الْمقر المنكرين وَلَا حفدة لجده الْمُنكر وَلَو كَانَ أَخا لَهُ كَانَ عَم وَلَده، فَإِن قَالُوا: يصير عَمَّا ويرثهم ناقضوا، فَإِنَّهُ يحْتَاج أَن يزاحم الْعم الْمُنكر وَهَذَا لَا يجوز، فَإِن زعموه شَهَادَة، فالشهادة تفْتَقر إِلَى الْعَدَالَة وقيود أخر وَكلهَا مُنْتَفٍ وَيسمع قَول امْرَأَة فاسقة أَو كَافِرَة تقر أَن هَذَا أخي من غير تقدم دَعْوَى وإنكار، وَبعد هَذَا كُله النّسَب أَمر كَبِير
(3/50)

يتَعَلَّق عَلَيْهِ عدَّة أَحْكَام وَهُوَ مُشْتَرك بَين الْمقر وَالْمقر بِهِ وَكَيف تكون (شَهَادَة) وَالْمقر ذُو حَظّ فِيهِ.
(3/51)

لوحة 45 من المخطوطة " أ ":
إِذا كَانَ الْمَغْصُوب قَائِما رد، وَإِن كَانَ تَالِفا، فَإِن كَانَ من ذَوَات الْأَمْثَال كالحبوب والأدهان رد مثله، وَإِن كَانَ مِمَّا يتَفَاوَت كالثياب، وَالْحَيَوَان فَالْقيمَة، وَحكى المالكيون أَن من جنى على ذَات فأتلف غَرَض صَاحبهَا مِنْهَا فالمجني عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ رَجَعَ بِمَا نقصت، وَإِن شَاءَ سلمهَا وَأخذ قيمتهَا، وصوروا فِي ذَنْب حمَار القَاضِي.
قَالَ أَبُو حنيفَة: من قلع عين دَابَّة كالبعير وَالْبَقَرَة وَجب عَلَيْهِ نصف قيمتهَا، وَقيل الرّبع، وَشَرطهَا أَن تكون مُنْتَفعا بهَا من جِهَتَيْنِ، لَا كالحمار إِذا غصب عصيرا فتخمر فِي يَده وَجب عَلَيْهِ إراقته ورد مثل الْعصير، وَإِن صَار فِي يَده خلا رده، ورد مَا بَين قِيمَته عصيرا وخلا
(3/52)

إِن كَانَت قِيمَته نقصت بتخليله، وَمن الْأَصْحَاب من خرج وَجها آخر وَقَالَ: يجب عَلَيْهِ مثل الْعصير ورد الْخلّ، لِأَن الْعصير تلف بالتخمير فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانه، وَإِن عَاد خلا كَمَا قُلْنَا فِيهِ.
إِذا سمنت الْجَارِيَة الْمَغْصُوبَة ثمَّ ذهب سمنها، ثمَّ عَاد فَإِنَّهُ يردهَا وَيضمن السّمن الأول على أحد الْوَجْهَيْنِ. إِذا فتح قفصا على طَائِر وهيجه ضمن، وَإِن لم يهيجه ووقف زَمَانا طَويلا فَلَا ضَمَان. إِذا فتح دَارا وَدخل آخر فَأخذ المَال فَلَا ضَمَان على الفاتح. إِذا حل زقا فَسَأَلَ مَا فِيهِ ضمن؛ لِأَن السَّائِل لَا اخْتِيَار لَهُ. إِذا سرق فردة خرق قيمتهَا دِرْهَمَانِ وأتلفها وَقيمتهَا جَمِيعًا عشرَة دَرَاهِم فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن الْوَاجِب دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّهُ قيمَة مَا أتلف، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ ثَمَانِيَة؛ لِأَنَّهُ الْقدر الَّذِي نقصته الْقيمَة بِإِتْلَاف أحد الْخُفَّيْنِ، وَلَا يخْتَلف الْأَصْحَاب أَن الْقطع لَا يجب لِأَن مَا زَاد على الدرهمين ضمنه فِي ذمَّته لتفريقه بَين الْخُفَّيْنِ، وَمَا فِي ذمَّته لَا
(3/53)

يجب بِهِ الْقطع كَمَا لَو ذبح شَاة تَسَاوِي ربع دِينَار فِي الْحِرْز فنقصت قيمتهَا، ثمَّ أخرجهَا، فَإِنَّهُ لَا قطع عَلَيْهِ، إِذا غصب أَمْرَد فَنَبَتَتْ لحيته ونقصت قِيمَته بذلك ضمن النَّقْص، إِذا غصب جَارِيَة قيمتهَا مائَة فَسَمنت (فِي يَده أَو تعلمت) صَنْعَة فبلغت ألفا ثمَّ هزلت فِي يَده أَو نسيت الصِّنَاعَة فَعَاد إِلَى قيمتهَا وَجب عَلَيْهِ ردهَا ورد تِسْعمائَة.
قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب عَلَيْهِ رد ذَلِك إِلَّا أَن يكون طَالبه بهَا فِي تِلْكَ الْحَال فَمَنعه، وَلَو غصب جَارِيَة قيمتهَا مائَة فَسَمنت فبلغت قيمتهَا ألفا وتعلمت صَنْعَة فبلغت قيمتهَا أَلفَيْنِ ثمَّ هزلت ونسيت الصَّنْعَة فَعَادَت إِلَى مائَة، فَإِنَّهُ يردهَا وَيرد ألفا وَتِسْعمِائَة، وَإِن بلغت بالسمن ألفا ثمَّ عَادَتْ بالهزال إِلَى مائَة ثمَّ تعلمت صَنْعَة فبلغت ألفا ثمَّ نسيتهَا فَعَادَت إِلَى مائَة فَإِنَّهُ يردهَا وَيرد ألفا وَثَمَانمِائَة؛ لِأَنَّهَا نقصت بالهزال تِسْعمائَة وبنسيان الصَّنْعَة تِسْعمائَة، من اشْترى شِرَاء فَاسِدا لم يملك بِهِ وَكَانَ الْمُشْتَرى مَضْمُونا
(3/54)

عَلَيْهِ بِالْقيمَةِ وَعَلِيهِ أُجْرَة مثله للمدة الَّتِي (يُقيم فِي يَده) .
وَاعْلَم أَنه لَا ينظر إِلَى الْأَسْوَاق وَمَعْنَاهُ أَن يغصب عينا تَسَاوِي مائَة فيزيد سوقها فتبلغ ألفا ثمَّ يرجع إِلَى مائَة فَإِنَّهُ لَا يُطَالب بِالزَّائِدِ.
(3/55)

(مسَائِل الْغَصْب)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: إِذا فَقَأَ عَيْني عبد (قسو) .)

الْمَذْهَب: ضمن كَمَال قِيمَته وَلم يملكهُ فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: إِذا ضمنه ملكه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(3/56)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَاجِب بدل الْيَدَيْنِ، فَلَا يقف ضمانهما على إِزَالَة ملك الْعين كَمَا لَو فَقَأَ عينا وَاحِدَة. وَدَلِيل الدَّعْوَى: أَنه ضَمَان جِنَايَة، وَالْجِنَايَة على الْعين وَالضَّمان لما فَاتَ، وَالْغَائِب هُوَ الْعين، وَلَا نسلم أَن الْمُغَلب الْمَالِيَّة بل الدمية، والآدمي دم، وإلحاق الطّرف بِالنَّفسِ أنسب.
لَهُم:
العَبْد مَال وَلَا يبْقى للْمَالِك مَعَ أَخذ كَمَال قِيمَته كمن خرق ثوبا خرقا فَاحِشا، تَأْثِيره أَن معنى الْمَالِيَّة تغلب على أَطْرَاف العَبْد، فجهة الْمَالِيَّة لَا بُد من اعْتِبَارهَا، وَالْوَاجِب كَمَال بدل الذَّات وَلَا يبْقى مَعَ الْمُبدل.
مَالك: يجب بِالْجِنَايَةِ مَا نقص إِلَّا فِي الْمُوَضّحَة وَمَا بعْدهَا من الشجاج.
أَحْمد: ق.
(3/57)

التكملة:
جِنَايَة لَو قدرت على الْمُدبر اقْتَضَت ضمانا من غير ملك الْعين فَكَذَلِك الْقِنّ قِيَاسا على قطع إِحْدَى الْيَدَيْنِ، فَإِنَّهُم سلمُوا أَنه (يضمن) بِنصْف الْقيمَة وَلَا يملك، قَالُوا: إِنَّمَا لم يملك فِي هَذِه الصُّورَة؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى محَال، بَيَانه لَو كَانَ قيمَة العَبْد سِتّمائَة ونقصت قِيمَته بِالْقطعِ مِائَتَيْنِ بَقِي مَعَه أَرْبَعمِائَة لَهُ نصفهَا مَعَ ثلثمِائة تبلغ خَمْسمِائَة، فَلَو ملك الْغَاصِب النّصْف فَاتَ من حق الْمَالِك مائَة، قُلْنَا: فَإِذا صَار مَعَه أَرْبَعمِائَة وثلثمائة كملت سَبْعمِائة وَهَذَا أَكثر من الْقيمَة بِمِائَة فَهَلا ملك الْغَاصِب ربع العَبْد بِمِائَة ثمَّ إِذا التزموا أَن العَبْد مَال لَزِمَهُم أَنه يُؤْخَذ الْأَرْش كَمَا فِي الْأَمْوَال وَيبقى على الْملك وَهَذَا مَذْهَب مُحَمَّد وَقَول (لنا إِن قَالُوا) : أَطْرَاف العَبْد لَا تقوم وَحدهَا: لِأَن قوامها بِالنَّفسِ، قُلْنَا: بل تقوم على انفرادها؛ لِأَن التَّقْوِيم بِالْمَنْفَعَةِ وكل عُضْو لَهُ مَنْفَعَة لَكِن قِيَاس طرف العَبْد إِلَى نَفسه قِيَاس طرف الْحر إِلَى نَفسه وَالْحر هُوَ الْمُسْتَعْمل أَطْرَافه فضمن لَهُ، وَالسَّيِّد يسْتَعْمل طرف عَبده فضمن لَهُ، والحرف أَن الْمُغَلب فِي أَطْرَاف العَبْد قَضِيَّة الدمية عندنَا وَعِنْدهم الْمَالِيَّة.
(3/58)

فارغة
(3/59)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: المضمونات بِالْغَصْبِ (قسز) :)

الْمَذْهَب: لَا يملكهَا الْغَاصِب.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " على الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه "، وَجه الدَّلِيل أَنه يجب عَلَيْهِ رد الْعين فَمَا أَدَّاهُ هُوَ عوض عَنْهَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْغَصْب جِنَايَة فَلَا يكون سَببا للْملك كَمَا فِي حق الْمُدبر، وَذَلِكَ لِأَن الْملك حكم شَرْعِي فَيَقْتَضِي سَببا شَرْعِيًّا، وَالْغَصْب عدوان فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ
(3/60)

أَحْكَام الشَّرْع، وَالضَّمان لَا يصلح أَن يكون مملكا؛ لِأَن الضَّمَان مَبْنِيّ على الْغَصْب الَّذِي هُوَ السَّبَب، فَإِذا لم يصلح السَّبَب لم يصلح مَا بني عَلَيْهِ.
لَهُم:
الْغَصْب سَبَب ملك الْبَدَل فَيكون سَببا لملك الْمُبدل كَالْبيع حَتَّى لَا يجْتَمع فِي ملكه الْبَدَل الْمُبدل وَالْملك حَاصِل فِي الْبَدَل، بِدَلِيل ثُبُوت قضايا الْأَمْلَاك وَهُوَ بدل الْعين؛ لِأَن الْوَاجِب جَمِيع بدل الْعين وَبَعضهَا أَو معنى فِيهَا لَا يجوز أَن يُقَابل بِجَمِيعِ بدلهَا، والعذر عَن الْمُدبر أَنه قد اسْتحق الْعتْق.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
غَايَة مَا علينا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة استبطاؤهم تسبب الْملك وَإِبْطَال كل مَا يذكرُونَهُ ونقول: الْملك مَعْصُوم فَلَا يملك إِلَّا بِسَبَب من قبل الْمَالِك وَفَاء لحق الْعِصْمَة، وَالْمَوْجُود هُوَ الْغَصْب وَهُوَ عدوان، وَالضَّمان جبر مَا فَاتَ من الْيَد وَلَا يَصح الْفَوات مَا بَقِي، ويتأيد بِمَا لَو اخْتلف فِي قيمَة
(3/61)

الْمَغْصُوب وَحلف الْغَاصِب، فَإِنَّهُ يضمن بقوله وَيَمِينه وَلَا يملك، فَإِن قَالُوا: الْغَصْب يصلح أَن يكون مملكا؛ لِأَنَّهُ عبارَة عَن ثُبُوت يَد وَلَو كَانَ على مُبَاح صلح، الْجَواب: أَن هَذَا لَو صَحَّ أبطل مُعظم قَوَاعِد الشَّرِيعَة، وَرُبمَا قَالُوا لما ملك الْبَدَل ملك الْمُبدل، وَالْجَوَاب: أَنا لَا نسلم أَن المَال بدل الْعين، وَإِنَّمَا هُوَ بدل الْيَد، وَالْأَخْذ سَبَب الْملك بِشَرْط خلو الْعين عَن ملك، وَأما وَالْأَخْذ حرَام فَلَا ثمَّ وَلَو قَدرنَا الرِّضَا كَانَ يجب أَن يَزُول الْملك عِنْد الضَّمَان لَا عِنْد الْغَصْب كَمَا يَقُولُونَ ويلزمهم أَنه لَا ينفذ عتقه، والحرف أَن الْغَصْب عندنَا لَا يصلح سَببا للْملك وَإِنَّمَا الضَّمَان فِي مُقَابلَة الْيَد الْفَائِتَة، وَعِنْدهم يصلح للْملك وَالضَّمان فِي مُقَابلَة الْعين.
(3/62)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: زَوَائِد الْمَغْصُوب (قسح) :)

الْمَذْهَب: مَضْمُونَة على الْغَاصِب.
عِنْدهم: غير مَضْمُونَة إِلَّا أَن تطلب مِنْهُ فَمنعهَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَلَد مَغْصُوب فَيكون مَضْمُونا كالأم، دَلِيل ذَلِك: إِثْبَات الْيَد عَلَيْهِ
(3/63)

بعدوانية وَهُوَ حد الْغَصْب، ويتأيد بالغاصب من الْغَائِب، فَإِنَّهُ مَا فَوت الْيَد المحقة بل أثبت يَده على مَال الْغَيْر بعدوان.
لَهُم:
الزَّوَائِد لَيست مَغْصُوبَة فَلَا تكون مَضْمُونَة كَالْوَدِيعَةِ واللقطة، ذَلِك لِأَنَّهُ لم يصنع فِي الْوَلَد شَيْئا وَرُبمَا لم يعلم بِوُجُودِهِ فَكيف يعد غَاصبا لَهُ وَالْولد دخل فِي يَده بِغَيْر اخْتِيَاره وَلَا عدوانية ليده، فَإِن الْملك خلق فِي الأَصْل للتَّصَرُّف بِإِثْبَات الْيَد عَلَيْهِ ومناط الضَّمَان الْإِضْرَار بتفويت حق الْغَيْر وَلم يُوجد هَاهُنَا.
مَالك: يفرق بَين أَن يكون حَال الْغَصْب حَائِلا أَو حَامِلا فالحائل لَا يضمن.
أَحْمد: ق.
التكملة:
أثبت يَده العادية على مَحل قَابل للضَّمَان، فَدخل فِي ضَمَانه، كَمَا إِذا أَخذ صيد الْحرم وَولد فِي يَده فَإِن الْوَلَد مَضْمُون بالجزاء إِجْمَاعًا،
(3/64)

وَإِثْبَات الْيَد على الأَصْل تسبب إِلَى إِثْبَات الْيَد على الْفَرْع، والمتسبب كالمباشر بِدَلِيل حافر الْبِئْر، ونفيهم العدوانية أَمر شنع، فَإِن المَال وَإِن خلق للتَّصَرُّف لَكِن إِذا اخْتصَّ بِهِ مَالك صَار حَقه مَانِعا مِنْهُ، وَإِن اعتذروا عَن الْغَاصِب من الْغَاصِب فَإِنَّهُ فَوت عَلَيْهِ إِثْبَات الْيَد وَعَن اللّقطَة بِأَنَّهُ لَو تَركهَا أَخذهَا رَبهَا أَو أَمِين يحفظها عَلَيْهِ فليأخذوا مثله فِي الْمَسْأَلَة فَإِن حُصُول الْوَلَد على ملكه سَبَب إِمْكَان الْأَخْذ للْمَالِك حسا وَشرعا لَوْلَا يَد الْغَاصِب فَهُوَ دَافع مكنه الْمَالِك وَدفع الشَّيْء بعد سَببه يقوم مقَام قطعه بعد ثُبُوته فِي حكم الضَّمَان كمن غر بحريّة جَارِيَة، وشتان بَين يَد الْغَاصِب وَيَد الْمُودع؛ لِأَن الْمُودع يَده للْمَالِك وَالْغَاصِب يَده لنَفسِهِ، ويلزمهم الْمُودع إِذا جحد، فَإِنَّهُ مَا فَوت يَد الْمَالِك وَمَعَ هَذَا يضمن، وَكَذَلِكَ الْمُلْتَقط إِذا جحد فَإِنَّهُ مَا فَوت يدا، وحد الْغَصْب أَنه إِثْبَات الْيَد على مَال الْغَيْر بعدوان وَزَادُوا لَهُم فِي الْحَد مَعَ تَفْوِيت يَد الْمَالِك.
(3/65)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: مَنَافِع الْمَغْصُوب: (قسط) :)

الْمَذْهَب: تضمن بالفوات والتفويت تَحت الْيَد العادية.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أَمْوَال معصومة فتضمن، دَلِيل الدَّعْوَى أَن المَال يعلم شرعا وَقد قَامَ دَلِيله وَهُوَ الِاعْتِيَاض عَنْهَا بِالْإِجَارَة وَكَونهَا تصلح صَدَاقا وَالْمَال مَا يعده
(3/66)

النَّاس مَالا وَقد ثبتَتْ الْيَد عَلَيْهَا، وَيَد كل شَيْء بِحَسبِهِ فَهُوَ إِذا إِمَّا مستوف لَهَا أَو متسبب إِلَى إتلافها والأعيان وَالْمَنَافِع أَمْوَال.
لَهُم:
ضَمَان الْعدوان مُقَيّد بِالْمثلِ معقولا ونصا، وَلَيْسَت الْأَعْيَان وَالْمَنَافِع متماثلة. دَلِيل عدم الْمُمَاثلَة: كَونهَا أعراضا وجواهر، وَإِذا لم تضمن الْمَنَافِع بالمنافع فبالدراهم أولى ثمَّ الْمَنَافِع لَيست أَمْوَالًا أصلا؛ لِأَنَّهَا قبل وجودهَا لم تُوصَف بِشَيْء وَحَالَة الْوُجُود مَشْغُولَة بِالْعدمِ لم تحدث على ملك الْغَاصِب وتتلف بِنَفسِهَا.
مَالك: ف.
أَحْمد:
(3/67)

التكملة:
الْكَلَام فِي الْمَنَافِع منهجان: إِمَّا أَن نقومها أَو نعطلها فتفوت. فنفرض فِي الأول ونقول: مَنْفَعَة تضمن فِي العقد الصَّحِيح وَالْفَاسِد فتضمن فِي الِاسْتِيفَاء على ظن العقد كمنفعة الْبضْع، وَهَذَا الْفَرْض فِيمَا إِذا اسْتعْمل عبدا ظَنّه مُسْتَأْجرًا وَهَذَا تضييق عَلَيْهِم، وَلَا يَجدونَ فرقا بَين الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَة والمركوب بِشُبْهَة، وَإِن تركنَا هَذَا الْفَرْض قُلْنَا: مُسْتَعْمل عِنْد الْغَيْر فِي حياطته مفوت على الْمَالِك شَيْئا مُتَقَوّما شرعا فضمنه كمفوت الْحر وَأم الْوَلَد وَسَائِر الْأَمْوَال، وَثمّ طَرِيق يسْتَغْنى بهَا عَن الْخَوْض فِي تَحْقِيق الْمَنَافِع وَهِي أَن نقُول لكل مَالك فِي ملكه حقان: الْعين وَالْيَد وهما معصومان وتفويت الْعين يضمن فَكَذَلِك تَفْوِيت الْيَد، فَإِن قَالُوا: الْيَد الْمَاضِيَة لَا يُمكن تفويتها والمستقبلة لم تثبت، قُلْنَا: هَذَا من الْكَلَام لَو اعْتبر لامتنع التفويت وَالضَّمان الشَّرْعِيّ، فَإِن من أتلف حَيَوَانا ضمنه، وَمَعْنَاهُ
(3/68)

تَفْوِيت حَيَاته لَا إعدام عينه، والحياة الْمَاضِيَة لم تفت والمستقبلة لم تحصل وَمعنى اسْتِيفَاء الْمَنَافِع استهلاكه فِي جِهَة المنتفع بهَا كَأَكْل الْخبز، والحرف أَن الْمَالِيَّة عندنَا قَائِمَة بالمنافع كالأعيان وَيتَصَوَّر غصبهَا خلافًا لَهُم.
(3/69)

(الْمَسْأَلَة السبعون بعد الْمِائَة: المستكرهة على الزِّنَا (قع) :)

الْمَذْهَب: تسْتَحقّ الْمهْر.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَالَ تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم} الْآيَة. أوجب المثلية فِي الْعدوان وَلَا مثلية بَين الْبضْع وَالْمَال؛ لِأَن الْأَمْوَال تتقابل صُورَة وَمعنى والمعنيان معدومان بَين الْبضْع وَالْمَال، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " ادرءوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ "، وَالْمَال ثَبت مَعَ الشُّبُهَات فَكيف يُوجب الْفِعْل
(3/70)

الْوَاحِد الضدين؟
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ندعي تقومها بِدَلِيل تقومها بِالْعقدِ وَفِي وَطْء الشُّبْهَة، والقيم بِقدر الرغبات فقد فَوت حَقًا مُتَقَوّما دون رِضَاهَا لَهَا فَيضمنهُ لَهَا (بمنافع بدنهَا فَإِن منعُوا الأَصْل عدنا إِلَى) مَنَافِع الْمَغْصُوب وَثبتت الْمَالِيَّة والتقوم والإتلاف فِي جنس الْمَنَافِع، فَإِن سلمُوا فالجمع بَين الْبضْع وَالْمَنَافِع سهل، فَإِن مَنَافِع الْأَعْضَاء بحسبها.
لَهُم:
ننكر أَولا وجود الْمَنَافِع وماليتها وتقومها ثمَّ نسلم أَن الْمَنَافِع تضمن بِالْمَالِ، ثمَّ ننكر وجوب الْمهْر لتَحْرِيم الْفِعْل وَوُجُوب الْحَد، ونقول: وَطْء تمحض عُدْوانًا فَلَا يُوجب مهْرا قِيَاسا على المطاوعة؛ لِأَن الْحَد ضَمَان زاجر وَالْمهْر ضَمَان جَائِز، وَالْأَصْل فِي الضَّمَان الزّجر والجبر بدل وَالْقَصْد حفظ الْمحل، وَيحصل ذَلِك بالزجر.
مَالك: ق.
أَحْمد: أصح روايتيه مثل مَذْهَبنَا.
(3/71)

التكملة:
نفحص عَن منَاط إِيجَاب الْمهْر فِي وَطْء الشُّبْهَة وَلَا يجوز أَن يكون لظن الْوَاطِئ مَعَ غلطه نفي أَن يكون لتفويت مَنْفَعَة الْبضْع، وَهَذَا حَاصِل فِي مَسْأَلَتنَا، فَإِن قيل: الْمهْر يجب بِالْعقدِ، وَالْوَطْء بِالشُّبْهَةِ يُقَاس عَلَيْهِ كالنسب، قُلْنَا: لَو كَانَ الحكم فِي الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ مَنْصُوصا صلح أَن يُقَاس عَلَيْهِ لكنه مُلْحق بالمنصوص فَيَنْبَغِي أَن نبحث عَن وَجه الْإِلْحَاق وَنَنْظُر هَل مثله فِي مَسْأَلَتنَا، ومنشأ خيالهم اشْتِرَاك لَفْظِي الْعِصْمَة وَالضَّمان، أما الْعِصْمَة فَتطلق حَقِيقَة فِي الْمَعْنى الْقَائِم بِالْمحل الْمُقْتَضِي تَحْرِيم إِبَاحَته، وَوجه الْحَقِيقَة فِيهِ أَن الْعِصْمَة هِيَ الْحِفْظ وَالْحُرْمَة، والمعصوم هُوَ الْمَحْفُوظ وَمُطلق الْعِصْمَة مجَاز فِي الْمَعْنى الْمُقْتَضِي بِالْمحل تضمين التّلف إِذْ فِي إِيجَاب قيمَة الشَّيْء مَا يخيل أَن الْمُتْلف كالمحفوظ وهما مَعْنيانِ متباينان لتباين أثريهما؛ لِأَن أَحدهمَا يمْنَع من الْإِتْلَاف قبل وُقُوعه وَيتَعَلَّق بالتكليف، وَالثَّانِي: تضمين الْمُكَلف (وَيتَعَلَّق بالمكلف) ، وَغَيره فَإِذا
(3/72)

تَحْرِيم الْبضْع عصمَة وَالضَّمان للتفويت فهما مَعْنيانِ، فَمَتَى وجدا وجد مَا يتَعَلَّق بهما أَو وجد أَحدهمَا يَقْتَضِي مَا يتَعَلَّق بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ عندنَا مَنْفَعَة الْبضْع مُتَقَومَة.
(3/73)

فارغة
(3/74)

(بَقِيَّة مسَائِل الْغَصْب)
(3/75)

فارغة
(3/76)

لوحة 46 من المخطوطة " أ ":
إِذا غصب أَرضًا فغرسها لزمَه قلع الْغَرْس وتسوية الأَرْض وَأُجْرَة الْمثل إِذا غصب دَارا فجصصها وزوقها كَانَ للْمَالِك مُطَالبَته بقلع الجص والتزويق؛ لِأَنَّهُ ملك الْغَاصِب شغل بِهِ ملك الْمَالِك، فَإِن نقصت قيمَة الدَّار بِإِزَالَة ذَلِك عَمَّا كَانَت قبل التزويق لزم الْغَاصِب التَّفَاوُت، وَإِن لم ينقص لم تلْزمهُ إِلَّا أُجْرَة الْمثل الْمدَّة الَّتِي أَقَامَت فِي يَده، فَأَما إِن لم يُطَالِبهُ الْمَالِك بقلعه وَأَرَادَ الْغَاصِب قلعه كَانَ لَهُ ذَلِك، فَإِن وهبه الْغَاصِب للْمَالِك هَل يجْبر على قبُوله؟ وَجْهَان، فَأَما إِذا نقل تُرَاب أَرض كَانَ عَلَيْهِ إِعَادَته إِن طَالبه الْمَالِك، فَإِن لم يُطَالِبهُ لم يكن لَهُ إِعَادَته، إِذا رأى دَابَّة قَائِمَة مَعَ صَاحبهَا فركبها لم يضمنهَا إِلَّا أَن ينقلها من مَكَانهَا، إِذا غصب زيتا فأغلاه فَكَانَ صَاعَيْنِ تَسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم فَعَاد بعد الطَّبْخ إِلَى صَاع يُسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم فَعَلَيهِ بدل الصَّاع التَّالِف وَلَا يحْتَسب لَهُ بِزِيَادَة قيمَة الصَّاع الثَّانِي، فَلَو كَانَ عوض الزَّيْت عصيرا وَالْحَال الْحَال فَفِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا حكمه
(3/77)

حكم الزَّيْت، وَالثَّانِي لَا يضمن شَيْئا؛ لِأَن التَّالِف بالنَّار مائية لَا قيمَة لَهَا، إِذا غصب ثوبا وزعفرانا لمَالِك وَاحِد فصبغ الثَّوْب بالزعفران، فَكَانَت قيمَة الثَّوْب عشرَة وَقِيمَة الزَّعْفَرَان عشرَة وَكَانَ بعد الصَّبْغ يُسَاوِي عشْرين فَلَا شَيْء على الْغَاصِب، وَإِن صَار يُسَاوِي ثَلَاثِينَ، فَلَا شَيْء للْغَاصِب؛ لِأَن أثر فعله فِي ملك غَيره فَأَما إِن نقصت الْقيمَة فَصَاحب الثَّوْب بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ رَضِي وَإِن شَاءَ طَالب بِنُقْصَان الْقيمَة، إِذا غصب شَاة وأحضر قصابا فذبحها كَانَ للْمَالِك أَن يستردها وَله مَا بَين قيمتهَا حَيَّة وذبيحة يُطَالب بهَا من شَاءَ من الْغَاصِب والقصاب، فَإِن غرم القصاب رَجَعَ القصاب على الْغَاصِب، وَإِذا غصب شَاة وأنزى عَلَيْهَا فَحله كَانَ الْوَلَد لصَاحب الشَّاة، وَإِن غصب فحلا وأنزاه على شاته كَانَ الْوَلَد لَهُ (لِأَنَّهُ يتبع الْأُم) ، وَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ، لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام " نهى عَن عسب الْفَحْل " إِلَّا أَن يكون قيمَة الْفَحْل قد نقصت بذلك فَيلْزمهُ مَا نقص.
(3/78)

فارغة.
(3/79)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: غصب الْعقار (قعا) :)

الْمَذْهَب: مُتَصَوّر وَيضمن بِالْغَصْبِ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من غصب شبْرًا من أَرض طوق بِهِ من سبع أَرضين يَوْم الْقِيَامَة ".
وَجه الدَّلِيل قَوْله: " غصب "، وَإِنَّمَا لم يذكر الضَّمَان؛ لِأَنَّهُ تعرض لأحكام الْآخِرَة فوزانه قَوْله تَعَالَى: {وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم} وَالْكَلَام بحقيقته حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز.
لَهُم:
قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من غصب شبْرًا من أَرض طوق بِهِ من سبع أَرضين يَوْم الْقِيَامَة "، وَجه الدَّلِيل: لوكان الضَّمَان وَاجِبا لذكره (وَقَوله غصب)
(3/80)

اسْتِعَارَة، وَقد رُوِيَ سرق أَرضًا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
الْغَصْب لَا يتَصَوَّر إِلَّا حَيْثُ يتَصَوَّر النَّقْل، وَأكْثر مَا يقدر منع الْمَالِك التَّصَرُّف وَهَذَا تصرف فِي الْملك لَا فِي الْعين، فَلَا يعد غصبا، وَالضَّمان يكون بِالْغَصْبِ، وَإِن تصورت الْيَد فِي الْعقار فَهِيَ حكمِيَّة.
مَالك: ق.
أَحْمد: إِن شغل الأَرْض بِفِعْلِهِ ضمن فَيكون مذْهبه: أَن لَا ضَمَان بِالْغَصْبِ.
التكملة:
أقرب الْمسَائِل اسْتِيلَاء الْمُسلمين على عقار فَإِنَّهُ يُفِيد الْملك كالمنقول وَمَا
(3/81)

هُوَ المملك من منقولهم المضمن من مَنْقُول دَار الْإِسْلَام وَكَذَلِكَ حكم عقارهم وَقد سلمُوا أَن من جلس على بِسَاط الْغَيْر أَو ركب دَابَّته ضمن من غير نقل وَلَا سير، وَكَذَلِكَ الْمُودع إِذا جحد الْوَدِيعَة وَالْمَوْجُود مِنْهُ قَول مُجَرّد، وَالْيَد عبارَة عَن الْقُدْرَة والاستيلاء على الشَّيْء لِاسْتِيفَاء مَا خلق لَهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ يتَفَاوَت بتفاوت الْأَعْيَان.
قَوْلهم: إِزَالَة (يَد الْمَالِك) لم يكن بِإِثْبَات الْيَد عَلَيْهِ غير صَحِيح لأَنا بَينا أَن الْيَد هِيَ الْقُدْرَة وَالتَّصَرُّف اسْتِعْمَال الشَّيْء فِيمَا خلق لَهُ، وَلَا يخفى أَن الْعين الْوَاحِدَة لَا تقبل التَّصَرُّف من شَخْصَيْنِ.
(3/82)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا غصب ساجة أدرجها فِي بنائِهِ (قَعْب) :)

الْمَذْهَب: نزعت بِحَق الْمَالِك.
عِنْدهم: ينْتَقل إِلَى الْقيمَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترده ".
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا: ... .
(3/83)

لَهُم:
اجْتمع حق الْمَالِك وَالْغَاصِب فَقدم حق الْغَاصِب لقِيَامه من كل وَجه فَإِن الساجة صَارَت كالهالكة لبيعها الْبناء وَصَارَت عقارا يسْتَحق بِالشُّفْعَة وَحقّ صَاحب الْعقار غير مجبور، وَحقّ الْمَالِك مجبور بِالْقيمَةِ.
مَالك: ق.
أَحْمد:
التكملة:
حق الْمَالِك الْمَعْصُوم بَاقٍ فِي الساجة وَفعل الْغَاصِب لَا يصلح لإِزَالَة ملكه فَيجب الرَّد عِنْد الْإِمْكَان، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن الْغَاصِب تلْزمهُ خسارة فِي الرَّد وَذَلِكَ مَعْهُود فِي مؤونة الرَّد وإبدال حق الْمَالِك بِالضَّمَانِ إبِْطَال لَهُ فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ مُمْتَنع إِلَّا بِرِضَاهُ، ونقول: مَا جَازَ رده وَجب رده، فَإِن قَالُوا: لَا يجوز رده فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى سفه كَانَ كَامِلا شنيعا
(3/84)

يأباه الشَّرْع، فَإِن الْخُرُوج من الْمَظَالِم حسن، وَلَو أَرَادَ صَاحب الْبناء نقضه لغَرَض جَازَ، أما من غصب خيطا (خاط بِهِ جرحه أَو جرح) عَبده فَإِنَّمَا لم يَنْزعهُ، فَإنَّا قَدرنَا (الْخَيط تَالِفا) لحُرْمَة الْآدَمِيّ وَله أشباه شرعا، فَإِنَّهُ لَو اضْطر فِي المخمصة جَازَ لَهُ أكل مَال غَيره، وَبِالْجُمْلَةِ الساجة بَاقِيَة وردهَا غير مُتَعَذر يدْخل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا غصب ثوبا فَصله قَمِيصًا وأمثال هَذِه الْوَاقِعَة، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: هُوَ بالصنعة قد أخرجهَا عَن أَن تكون بَاقِيَة من كل وَجه ويعدلون إِلَى الْقيمَة والمثار وَاحِد.
(3/85)

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا غصب حِنْطَة فطحنها (قعج) :
الْمَذْهَب: يغرم أرش نقص إِن كَانَ وَالْعين للْمَالِك.
عِنْدهم: يضمن قيمَة الْمَغْصُوب ويملكه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: الْخَبَر الشريف ( ... ) .
لَهُم:
دعِي النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى ضِيَافَة فَقدم إِلَيْهِ شَاة مصلية فَأخذ لقْمَة، وَجعل يلوكها وَلَا يسيغها وَقَالَ: " إِن الشَّاة تُخبرنِي أَنَّهَا ذبحت بِغَيْر حق فَقَالُوا: نعم. هِيَ لبَعض جيراننا أخذناها لنعطيهم الثّمن فَقَالَ: أطعموها الْأُسَارَى ".
(3/86)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَغْصُوب لَو لم يُغَيِّرهُ الْغَاصِب لم يملكهُ فَإِذا غَيره وَجب أَن لَا يملكهُ كَمَا لَو قطع الشَّاة الْمَغْصُوبَة وَلم يطبخها.
لَهُم:
أخرج الْعين عَن الْمَعْنى الْمَقْصُود بهَا بِزِيَادَة صفة فَزَالَ ملك الْمَالِك بِالْإِتْلَافِ كَمَا لَو وطئ جَارِيَة ابْنه فأحبلها.
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: الْمَعْنى فِي الأَصْل أَنه لم تذْهب منفعَته الْمَقْصُودَة بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا وألزمونا إِذا أحرق الشَّاة والعذر أَنه بِالذبْحِ قبل الطَّبْخ قد فَوت مَنَافِع الْحَيَاة من الدّرّ والنسل والحرث، وَأما التحريق فقد أخرج الْعين عَن الِانْتِفَاع، وَبِالْجُمْلَةِ فعل الْغَاصِب عدوان من كل وَجه خلافًا لَهُم، وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَالَّتِي بعْدهَا تبنى على هَذَا الْحَرْف وعَلى أَنه مَا أحدث بِفِعْلِهِ عينا
(3/87)

أُخْرَى، وَيَقُولُونَ: مَالِيَّة الْحِنْطَة غير مَالِيَّة الدَّقِيق فَإِنَّهُمَا يفترقان اسْما وَصُورَة، وَقد بطلت الْمعَانِي الحنطية بِفعل الْغَاصِب فضمنها، وَالْجَوَاب أَن مَالِيَّة الْحِنْطَة بِكَوْنِهَا قوتا وَهَذَا الْمَعْنى لَا يبطل بالطحن بل يصير أقرب إِلَى الْمَقْصُود، وَإِنَّمَا تَتَفَاوَت الْحِنْطَة والدقيق بالادخار فَإِن كَانَ ذَلِك ينقص الْحِنْطَة ضمنه الْغَاصِب، بَقِي أَن الْحِنْطَة كَانَت متهيئة لأغراض وماليتها بِاعْتِبَار الْكل وَقد فَاتَ بَعْضهَا فَكيف يهدر؟ الْجَواب: أَن الْعين إِذا استعدت لوجوه من الِانْتِفَاع بالتقوم بآحادها على الْبَدَل؛ لِأَن من ضَرُورَة صرفهَا إِلَى جِهَة صرفهَا عَن بَاقِي الْجِهَات وَالْمُعْتَبر تَقْوِيم الْعين فِي كل حَال.
(3/88)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا غصب حِنْطَة فبذرها (قعد) :)

الْمَذْهَب: الزَّرْع للْمَالِك.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ملك الْغَاصِب لَا بُد لَهُ من سَبَب، وَهَذِه الْأَفْعَال عدوانات، ويلزمهم إِذا
(3/89)

غزل الْقطن أَو طبع النقرة، فَإِن هَذِه الْأَفْعَال لَا تبطل ملك الْمَالِك وَالْعين بَاقِيَة إِنَّمَا تَغَيَّرت صفتهَا، وَمن ملك الشَّيْء، فَإِنَّمَا ملكه ناميا؛ لِأَن قيام الْملك بالجواهر سَبَب ملك مَا يقوم بهَا.
لَهُم:
الْعين الْمَغْصُوبَة صَارَت هالكة وَحدثت عين أُخْرَى بِدَلِيل زَوَال الِاسْم وَالصُّورَة وَالْمعْنَى، وَدَلِيل اخْتِلَاف الْجِنْس أَنه لَا يجوز أَخذ أَحدهمَا عَن الآخر فِي السّلم فَحدثت الْعين بِفعل الْغَاصِب فَتكون لَهُ، أما إِذا أَلْقَت الرّيح حَبَّة فِي أرضه فَنَبَتَتْ فالزرع لمَالِك الْحبَّة؛ لِأَنَّهُ لم يحدث بِفعل صَاحب الأَرْض.
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
يدعونَ أَن مَالِيَّة الْحِنْطَة غير مَالِيَّة الدَّقِيق، وَالْجَوَاب: هَذِه الْمَالِيَّة وَإِن سلم أَنَّهَا حَادِثَة لَكِنَّهَا حدثت فِي ملكه فَيخْتَص بهَا وَلَا يقطع ملكه عَنْهَا، ومذهبنا على جادة الشَّرْع، قَالُوا: نَص الشَّافِعِي على أَنه لَو غصب حِنْطَة
(3/90)

وبلها حَتَّى تعفنت أَنه يُخَيّر الْمَالِك بَين الْقيمَة وَتَكون الْحِنْطَة للْغَاصِب وَالْأَرْش، وَتَكون الْحِنْطَة للْمَغْصُوب مِنْهُ، فَهَلا أجزتم ذَلِك فِي الْحِنْطَة المطحونة، قُلْنَا: حكم يبْقى حَقه وأزال ملكه بتمليكه (فَلم تتناقض هَذِه الْقَاعِدَة وَلم يبْق إِلَّا التَّخْيِير، وَلَا يلْزم التَّعَرُّض لَهُ وَقد خرج قَول آخر أَنه لَا يُخَيّر، قَالُوا: وَقد نَص على أَنه لَو خلط) الْغَاصِب الزَّيْت بِزَيْت نَفسه فَلهُ أَن يُعْطي الْمَالِك من مَوضِع آخر وَهَذَا تمْلِيك بِالْغَصْبِ، قُلْنَا: وَفِيه قَول آخر أَنه يُشَارك الْمَالِك فِيهِ وَالْمَنْع مُتَعَيّن هَاهُنَا؛ لِأَن غَايَة الْمُمكن أَن يُقَال: تعذر الرَّد وَصَارَ كالهالك وَلَيْسَ الْمَالِك فِي هَذَا التَّقْدِير بِأولى من الْغَاصِب، بَقِي أَن يُقَال: (هلك مَال) الْغَاصِب لما خلطه بِملك الْمَالِك أَو يُقَال: هما شريكان وَالْأَوْجه الْمَنْع.
(3/91)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا خرق الثَّوْب خرقا فَاحِشا (قعه) :)

الْمَذْهَب: ضمن الْأَرْش لمَالِكه.
عِنْدهم: الْمَالِك بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمنه قيمَة الثَّوْب وَسلمهُ إِلَيْهِ وَإِن شَاءَ أرش الْجِنَايَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أتلف جُزْءا من جملَة فَلَا يُطَالب بِبَدَل الْجَمِيع، كَمَا لَو قطع إِحْدَى يَدي عبد، وَالْفرق بَين أرش الثَّوْب وَبَين مَا إِذا قطع يَدي عبد أَن أرش الْيَدَيْنِ قدره الشَّرْع بِقدر قيمَة الْجُمْلَة، وَأرش الثَّوْب غير مُقَدّر.
(3/92)

لَهُم:
كل عين لَو أتلفهَا لوَجَبَ عَلَيْهِ بدلهَا جَازَ أَن يجب عَلَيْهِ قدر ذَلِك الْبَدَل بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا مَعَ بَقَاء عينهَا كَمَا لَو غصب طَعَاما فبله.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
لَيْسَ إِذا وَجب الْبَدَل بِإِتْلَاف الْجَمِيع وَجب بِإِتْلَاف الْبَعْض، أَلا ترى أَن مَالا تذْهب منفعَته الْمَقْصُودَة بِإِتْلَاف بعضه كالحبوب والأدهان لَو أتلفهَا جَمِيعهَا لزمَه كَمَال الضَّمَان، ثمَّ لَا يلْزمه كَمَال الْبَدَل بِإِتْلَاف بَعْضهَا، أما إِذا بل الطَّعَام لَا يسلم فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَإِن سلمنَا فالجناية فِيهِ لم تَسْتَقِر وَلَا تناهى النُّقْصَان، وَالظَّاهِر أَنه إِذا تناهى لم يبْق مِنْهُ مَاله قيمَة فَيصير فِي معنى من أَخذ الثَّوْب رمى بِهِ إِلَى نَار فَإِنَّهُ يلْزمه كَمَال قِيمَته، وَفِي مَسْأَلَتنَا
(3/93)

قد أتلف جُزْءا وَاسْتقر فِيهِ الْجِنَايَة فَلم نجز الْمُطَالبَة بِقِيمَة الْجَمِيع.
(3/94)

(مسَائِل الْغَصْب)
(3/95)

فارغة
(3/96)

لوحة 47 من المخطوطة " أ ":
قَالَ أَبُو حنيفَة بالاستحسان، (قَالَ الشَّافِعِي رحمهمَا الله) من اسْتحْسنَ فقد شرع، وَالِاسْتِحْسَان ثَلَاث مَرَاتِب: مَا يستحسنه الْمُجْتَهد بعقله وَلَا شكّ أَنه يجوز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ عقلا، فَلَو ورد الشَّرْع بَان مَا سبق إِلَى أوهامكم فاستحسنتموه فَهُوَ حكم من الله لجَاز، لَكِن وُقُوع التَّعَبُّد بِهِ لَا يعرف من ضَرُورَة الْعقل وَنَظره إِلَّا أَن يرد فِيهِ مسموع وَلَو ورد لَكَانَ لَا يثبت بِخَبَر الْوَاحِد، فَإِن جعل الِاسْتِحْسَان مدْركا من مدارك الْأَحْكَام ينزل منزلَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، فَلَا يثبت بِخَبَر الْوَاحِد.
الثَّانِي: مَا يقطع بِهِ لهواه وَهَذَا لَا يجوز إِجْمَاعًا. الثَّالِث: أَن يَقُوله بِدَلِيل مثل أَن يحكم على الْحَادِثَة بنظائرها لدَلِيل حَاصِل من الْكتاب مثل قَوْله: " مَالِي صَدَقَة "، فَالْقِيَاس لُزُوم التَّصَدُّق بِكُل مَا يُسمى مَالا، اسْتحْسنَ أَبُو حنيفَة التَّخْصِيص بِمَال الزَّكَاة لقَوْله تَعَالَى: {خُذ من أَمْوَالهم} ، وَمثل هَذَا لَا يُنكر شبهه لَهُم قَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى:
(3/97)

{الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه} .
وَالْجَوَاب: أَن اتِّبَاع أحسن مَا أنزل إِلَيْنَا هُوَ اتِّبَاع الْأَدِلَّة فبينوا أَن هَذَا مِمَّا أنزل شبهه قَالُوا: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ حسن عِنْد الله تَعَالَى "، وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خبر وَاحِد. جَوَاب آخر: المُرَاد بِهِ جَمِيع الْمُسلمين أَو آحادهم إِن أُرِيد الْجَمِيع فَهُوَ صَحِيح؛ لِأَنَّهُ لَا يجْتَمع على الْخَطَأ وَإِن أُرِيد الْآحَاد لزم الِاسْتِحْسَان الْعَوام، قَالُوا: الْأمة استحسنت دُخُول الْحمام من غير تَقْدِير أُجْرَة، وَشرب المَال من السقاء، وَالْجَوَاب: من أَيْن عَرَفْتُمْ أَن الْأمة فعلت ذَلِك من غير دَلِيل، وَلَعَلَّ الدَّلِيل جَرَيَان ذَلِك من عصر الرَّسُول وَقرر عَلَيْهِ لأجل الْمَشَقَّة وَهِي سَبَب الرُّخْصَة، وَجَوَاب آخر تَسْلِيم السقاء المَاء إِبَاحَة، وَإِذا أتْلفه متْلف فَعَلَيهِ ثمن الْمثل؛ لِأَن قرينَة حَاله تدل على الْعِوَض، وَكَذَلِكَ الحمامي فَلَيْسَ
(3/98)

هَذَا ببدع بل بِقِيَاس، فرع لِابْنِ الْحداد إِذا غصب عبدا فجنى جِنَايَة تزيد على قِيمَته ثمَّ مَاتَ العَبْد كَانَ على الْغَاصِب قِيمَته فَإِذا أَخذهَا السَّيِّد تعلق أرش الْجِنَايَة بهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَت مُتَعَلقَة بِالْعَبدِ فتعلقت بِبَدَلِهِ، كَمَا أَن الرَّهْن إِذا أتْلفه متْلف وجهت قِيمَته وَتعلق الدّين بهَا، فَإِذا أَخذ ولي الْجِنَايَة الْقيمَة من الْمَالِك رَجَعَ الْمَالِك بِقِيمَة أُخْرَى؛ لِأَن الْقيمَة الَّتِي أَخذهَا اسْتحقَّت بِسَبَب كَانَ فِي يَد الْغَاصِب، فَكَانَت من ضَمَانه، قَالَ: وَلَو كَانَ العَبْد وَدِيعَة فجنى جِنَايَة استغرقت قِيمَته، ثمَّ إِن الْمُودع قَتله وَجَبت عَلَيْهِ قِيمَته وَتعلق بهَا أرش الْجِنَايَة فَإِذا أَخذهَا ولي الْجِنَايَة لم يرجع على
(3/99)

الْمُودع؛ لِأَنَّهُ جنى وَهُوَ غير مَضْمُون عَلَيْهِ، إِذا أَزَال الْمُسلم تأليف صَلِيب لم يضمنهُ، وَإِن كسر مِنْهُ مَا يصلح لغير ذَلِك ضمن. من غصب صَغِيرا حرا ثمَّ مَاتَ فِي يَده لم يضمن بِخِلَاف مَا لَو كَانَ عبدا، وَكَذَا إِذا كَانَ كَبِيرا قَالَ ابْن أبي هُرَيْرَة: يضمن منفعَته وَهَذَا غير صَحِيح؛ لِأَن الْمَنْفَعَة تلفت فِي يَد مَالِكهَا، وَهُوَ كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ ثِيَاب فبليت فِي زمن الْغَصْب.
(3/100)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا فَقَأَ عَيْني فرس (قعو) :)

الْمَذْهَب: لزمَه أرش مَا نقص.
عِنْدهم: عَلَيْهِ رفع الْقيمَة اسْتِحْسَانًا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
رُوِيَ عَن عمر وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: فِي عين الدَّابَّة ربع الْقيمَة.
(3/101)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَا لَا يضمن سَائِر أَطْرَافه، بمقدر لَا يضمن عينه بمقدر كالشاة.
لَهُم:
حَيَوَان يسْتَحق لأَجله سهم من الْغَنِيمَة فَكَانَ بدل عينه مُقَدرا كالآدمي.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
أما الْأَثر الَّذِي رَوَوْهُ فَيحْتَمل أَن يَكُونَا أوجبا أرش النُّقْصَان فَوَافَقَ ذَلِك ربع الْقيمَة كَمَا رُوِيَ عَن أبي بكر وَزيد رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهُمَا أوجبا فِي الْعين الْقَائِمَة ثلث الدِّيَة، وَكَانَ ذَلِك على طَرِيق الْحُكُومَة وَوَافَقَ الثُّلُث
(3/102)

وَالْوَصْف الَّذِي ذَكرُوهُ فِي دليلهم لَا تَأْثِير لَهُ فِي تَقْرِير الْبَدَل؛ لِأَن الصَّبِي وَالْكَافِر لَا يسْتَحق لأَجلهَا سهم ويتقدر بدل عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا، وَعِنْدهم يدل عَن الْبَقَرَة وَالْبَعِير مُقَدّر وَلَا يسْتَحق لأجلهما سهم ثمَّ الْمَعْنى فِي الأَصْل أَن بدل سَائِر أَطْرَافه مُقَدّر؛ وَلِأَن الْآدَمِيّ لما تقدر بدل عينه وَجب فِي إِحْدَاهمَا نصف الدِّيَة، فَلَو كَانَ فِي مَسْأَلَتنَا مُقَدرا لوَجَبَ نصف قِيمَته.
(3/103)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: الْمُسلم إِذا أراق خمر الذِّمِّيّ (قعز) :)

الْمَذْهَب: لَا ضَمَان عَلَيْهِ.
عِنْدهم: يضمن الْمُسلم بِالْقيمَةِ وَالذِّمِّيّ بِالْمثلِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " حرمت الْخمْرَة لعينها "، أَي لِمَعْنى فِيهَا، وَهِي الشدَّة المطربة وَالْعلَّة مَوْجُودَة فِي حق الْكَافِر حسب وجودهَا فِي حق الْمُسلم، وَلعن فِيهَا عشرَة، واللعن الشَّرْعِيّ لَا يُطلق إِلَّا فِي الْحَرَام.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر} الْآيَة.
(3/104)

وَجه الدَّلِيل: هَذَا الْخطاب مَعَ الْمُسلمين (وَكَانَت الْخمر قبل نُزُولهَا حَلَالا) .
وَالْخطاب خَاص بِالْمُسْلِمين فَبَقيَ فِي حق الْكَافِر على الأَصْل، وَفِي الْآيَة مَوَاضِع تدل على اختصاصها بِالْمُسْلِمين.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْخمر نَجِسَة فَلَا يجب ضَمَانهَا كالميتة وَهُوَ إِتْلَاف ورد على مَحل غير مُتَقَوّم فَلَا يُوجب الضَّمَان كالميتة وَالدَّم وَكَونه لَا يضمن بِالْمثلِ الْمُمكن دَلِيل عدم الضَّمَان؛ لِأَن ذَوَات الْأَمْثَال تضمن بِالْمثلِ وَالْخمر من ذَوَات الْمثل فَعدم الضَّمَان بِالْمثلِ مَعَ الْإِمْكَان دَلِيل سُقُوط الضَّمَان.
لَهُم:
فَاتَ الضَّمَان فِي حق الْكفَّار، فَلَا يثبت كالقبلة لأهل قبَاء كَيْلا يُكَلف مَا لَا نطيق بَيَانه أَنهم مقرون على اعْتِقَادهم وَقد أمرنَا بترك التَّعَرُّض لَهُم وَعقد الذِّمَّة إِذا عصم عينا قَومهَا.
(3/105)

مَالك: يجب الضَّمَان.
أَحْمد:
التكملة:
مثار النّظر الْبَحْث عَن عِلّة انْتِفَاء الضَّمَان فِي خمر الْمُسلم فَنَقُول: الأَصْل فِي الْخمر تَحْرِيم الشّرْب الثَّابِت بِالْإِجْمَاع ثمَّ يتبعهُ وجوب الإراقة إعداما للعين ثمَّ الْحَد جَزَاء ثمَّ التَّنْجِيس تنفيرا ثمَّ سُقُوط المغرم إهانة فَصَارَ كالحشرات، وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي خمر الْكَافِر، ويتأيد بِانْتِفَاء ضَمَان الْمثل مَعَ أَنه أقرب إِلَى جبر حَقه وَهُوَ متيسر، وَوُجُوب الْمثل المتيسر يمْنَع وجوب الْقيمَة كَمَا فِي سَائِر الضمانات فَسقط الْمثل إِجْمَاعًا وَالْقيمَة اسْتِدْلَالا، فَإِن اعتذروا بِأَن الْمُسلم لَا يملك الْخمر وَلَا يتَمَكَّن من تمليكها لم يسْتَقرّ على أصلهم لما جوزوا للْمُسلمِ أَن يُوكل ذِمِّيا يتجر لَهُ فِي الْخمر، وَتَصِح التِّجَارَة، وَتَكون الْأَثْمَان والأرباح للْمُسلمِ فليؤد مِمَّا اشْترى وَكيله فَإِن قَالُوا: فِيهِ إذلال، قُلْنَا: الإذلال بأَدَاء المَال الْمُتَقَوم أَكثر، وَأما الْآيَة
(3/106)

فالتحريم فِيهَا عَام وَالْخطاب مَعَ الْمُسلمين لشرفهم، ثمَّ إِنَّهَا دلّت على معنى ذاتي فِي الْخمر لَا تخْتَلف باخْتلَاف المخاطبين.
(3/107)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا غصب جَارِيَة فَحملت فِي يَده وَولدت (قعح) :)

الْمَذْهَب: نُقْصَان الْولادَة فِي الْأُم لَا يجْبرهُ الْوَلَد.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
النُّقْصَان فَوَات جُزْء والجزء مَضْمُون على الْغَاصِب وَالْولد ملك الْمَالِك فَلَا يضمن ملكه بِملكه وَالضَّمان لَا يسْقط إِلَّا بِالْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاء ونمنع اتِّحَاد
(3/108)

السَّبَب ونسلمه، ونقول: لَا يصلح الْوَلَد أَن يخلف لكَونه ملك الْمَغْصُوب مِنْهُ.
لَهُم:
الْوَلَد قَامَ مقَام النَّقْص فانعدم كَمَا لَو هزلت ثمَّ سمنت وَذَلِكَ؛ لِأَن سَبَب الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَاحِد وَهُوَ الْوَضع؛ لِأَن الْوَلَد لَا يقوم بِنَفسِهِ قبل الْولادَة وَالسَّبَب الْوَاحِد إِذا أخرج عَن ملكه مَالا وَأدْخل مَالا كَانَ الدَّاخِل خلفا عَن الْخَارِج.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
الْجَارِيَة مَغْصُوبَة بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وصفاتها الَّتِي قَامَت بهَا الْمَالِيَّة وكل مَغْصُوب عجز عَن تَسْلِيمه وَجب ضَمَانه، وَهَذَا شَأْن مَا فَاتَ من الْأُم
(3/109)

وَالْولد لَا يصلح جَابِرا؛ لِأَنَّهُ لَو انْتَفَى نُقْصَان الْأُم كَانَ الْوَلَد مَمْلُوكا وجبر ملك الْإِنْسَان يملكهُ لَا وَجه لَهُ، ويتأيد بِمَا إِذا مَاتَت الْأُم فَإِن الْوَلَد لَا يجبرها إِجْمَاعًا، وَإِن كَانَ فِيهِ وَفَاء بهَا ثمَّ لَو كَانَ الْوَلَد أقل من قيمَة النُّقْصَان لزم الْغَاصِب قدر التَّفَاوُت، ثمَّ قَالُوا لَو أمْسكهَا حَتَّى زَادَت قيمَة الْوَلَد وساوت قدر النُّقْصَان انْتَفَى الضَّمَان، وَهَذِه زِيَادَة حدثت لَا بِالْولادَةِ، ثمَّ لَو الْتزم الْأَرْش وردهما ثمَّ صَار الْوَلَد بِقدر التَّفَاوُت، قَالُوا: لَا يُعَاد الْأَرْش، وكل هَذَا تنَاقض، ثمَّ نمْنَع اتِّحَاد السَّبَب؛ فَإِن سَبَب النُّقْصَان الْولادَة وَسبب مَالِيَّة الْوَلَد الْعلُوق، فَإِنَّهُ مَال
(3/110)

قبل الِانْفِصَال بِدَلِيل أَن الْجَنِين إِذا كَانَ بَين مالكين وَعتق أَحدهمَا نصِيبه ضمن نصيب الآخر، وَإِن ضرب بَطنهَا فأجهضت ضمن نصيب الشَّرِيك.
(3/111)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: إِذا قدم الْغَاصِب الطَّعَام الْمَغْصُوب إِلَى الْمَالِك فَأَكله بِحكم الضِّيَافَة (قعط) :)

الْمَذْهَب: الضَّمَان على الْغَاصِب فِي القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يَأْتِ بِالرَّدِّ الْمُسْتَحق فَلَا يبرأ، بَيَانه: أَنه لم يصل إِلَيْهِ مَا أزيل فَإِنَّهُ أزيل
(3/112)

يَد الْمَالِك من الْملك وَأعَاد يَد الْإِبَاحَة بِدَلِيل أَن يَد الْمَالِك لَهَا أَحْكَام كَالْبيع وَالْهِبَة، ثمَّ قد غره، فَإِنَّهُ رُبمَا لَو علم أَنه لَهُ لم يَأْكُلهُ وَقد تتَصَوَّر يَد الْمَالِك وَلَا يكون بل كَمَا لَو اكترى دَارا قد أجرهَا.
لَهُم:
أَتَى بِالرَّدِّ الْمُسْتَحق عَلَيْهِ فبرئ من الضَّمَان كَمَا لَو علم. بَيَان الدَّعْوَى: أَن الْمُسْتَحق عَلَيْهِ عود يَد الْمَالِك، وَقد عَادَتْ وَلَا تكون يَد الْمَالِك إِلَّا يَد ملك بِدَلِيل أَنه لَو شَرط تَعْدِيل الرَّهْن عِنْد الْمَالِك لم يَصح، وَتَقْرِيره أَن الْمَالِك عَاد إِلَى الْمَالِك وَلَا يضمن الْغَاصِب.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
تخيلوا أَن عوده إِلَى يَد الْمَالِك يجْبر الْيَد الْفَائِتَة، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَنَّهُ مَا عَادَتْ يَد الْمَالِك الْفَائِتَة. بَيَانه: أَن الْيَد الْمُعْتَبرَة شرعا هِيَ الْقُدْرَة لَا الْجَارِحَة، وَالْقُدْرَة تخْتَلف فَمن قدر على جَمِيع التَّصَرُّفَات فِي عين كَانَ لَهُ
(3/113)

عَلَيْهَا يَد ملك فَإِن قدر على مُجَرّد الْحِفْظ لنَفسِهِ كَانَ مسترهنا فَإِن كَانَ ذَلِك للْمَالِك كَانَ مستودعا فَإِن قدر على مُجَرّد التَّصَرُّف كَانَ مُبَاحا، ونقول: قد يتَصَوَّر من الْمَالِك فعل فِي الْمَغْصُوب يُوجب الضَّمَان كالإتلاف وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَالْغَصْب وَالْعَارِية، هَذِه أَسبَاب جِهَات الضَّمَان، وَكَذَلِكَ لَو صدرت من أَجْنَبِي ضمن للْغَاصِب، فَلَو صدرت من الْمَالِك وطالب الْغَاصِب عَاد الْغَاصِب عَلَيْهِ، أما فِي مَسْأَلَتنَا هَذَا الْفِعْل لَا يعود بِهِ الْغَاصِب على الْمَالِك إِذْ لَو عَاد الْمَالِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غره فالصورة أَن يُطَالب الْمَالِك الْغَاصِب بِالْعينِ فَيُطَالب الْغَاصِب بِالضَّمَانِ فيطالبه الْمَالِك بِضَمَان الْغرَر فيستقر الضَّمَان على الْغَاصِب فَنحْن نقدر الضَّمَان عَلَيْهِ ابْتِدَاء لما كَانَ يُفْضِي إِلَيْهِ.
(3/114)

(الْمَسْأَلَة الثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: إِذا غصب شَيْئا وَتلف فِي يَده (قف) :)

الْمَذْهَب: يضمن بِأَكْثَرَ قِيمَته من حِين الْغَصْب إِلَى حِين التّلف.
عِنْدهم: يضمن قِيمَته وَقت الْغَصْب.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كل حَال ثبتَتْ فِيهَا يَد الْغَاصِب على الْمَغْصُوب جَازَ أَن تضمن قِيمَته فِيهِ كابتداء الْغَصْب.
(3/115)

لَهُم:
مَضْمُون بِالْقَبْضِ فَاعْتبر فِيهِ الْقيمَة حَال الْقَبْض كَالْمَرْأَةِ إِذا قبضت صَدَاقهَا.
مَالك:
أَحْمد: تعْتَبر الْقيمَة حِين التّلف.
التكملة:
قَالُوا فِي الِابْتِدَاء نقل الْمَغْصُوب عَن يَد الْمَالِك فضمن فِي تِلْكَ الْحَال وَهَاهُنَا لم ينْقل الْمَغْصُوب فَلم يطْلب بِقِيمَتِه كَمَا بعد التّلف، وَالْجَوَاب: لَا يمْتَنع أَن ينْقل وَيلْزمهُ الضَّمَان كَالْمُودعِ إِذا جحد الْوَدِيعَة وَيُفَارق مَا بعد التّلف، فَإِنَّهُ لَيْسَ بغاصب للعين، إِذْ رِوَايَته أَنه لَا يُطَالب بردهَا، وَأما الْمَرْأَة، فَالَّذِي قَبضته صَدَاقهَا وَمَالهَا وَمَا يحدث يحدث على ملكهَا.
(3/116)

لوحة 48 من المخطوطة " أ ":
للْمُفلس الْأَخْذ بِالشُّفْعَة وَالْعَفو؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذ فِي ذمَّته وَلَيْسَ بمحجور عَلَيْهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمكَاتب، أما الْمَأْذُون فَلهُ الْأَخْذ وَلَيْسَ لَهُ الْعَفو، وَالْقَوْل فِي ثمن الشّقص قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْبناء، قَوْله وَإِذا ورث اثْنَان دَارا بَينهمَا نِصْفَيْنِ فَمَاتَ أَحدهمَا وَورثه ابناه فَبَاعَ أَحدهمَا نصِيبه، فَإِن الشُّفْعَة تثبت لِأَخِيهِ وَعَمه هَذَا الْقيَاس، قَالَ مَالك: الْأَخ أولى بِهِ؛ لِأَنَّهُ أخص بِالشّركَةِ من الْعم وَحقّ الشُّفْعَة يُورث، وَبِه قَالَ مَالك خلافًا للعراقي وَأحمد يُورث على قدر الْحُقُوق، ومالا يحْتَمل الْقِسْمَة كالحمام وَالدَّار الصَّغِيرَة لَا شُفْعَة فِيهِ، وعهدة المُشْتَرِي على البَائِع، وعهدة الشَّفِيع على المُشْتَرِي، ويتوصل إِلَى إِسْقَاط الشُّفْعَة بِأَن يقر البَائِع بِسَهْم من الشّقص لولد المُشْتَرِي وَهُوَ صَغِير ثمَّ يَشْتَرِي لَهُ الْأَب الْبَاقِي، وَمن ذَلِك أَن يعْقد البيع بِثمن مَعْلُوم وَيذكر أَنه عوضا فِيهِ وَفَاء
(3/117)

بِالْقيمَةِ أحضراه مجْلِس العقد، وَإِذا أذن الشَّفِيع فِي البيع أَو أَبْرَأ من الشُّفْعَة قبل العقد لم تسْقط شفعته، والمطالبة على الْفَوْر مَا لم يمْنَع من ذَلِك عذر، فَإِذا لَقِي المُشْتَرِي بدأه بِالسَّلَامِ ثمَّ بالمطالبة، إِذا أَرَادَ فِي الْمُسَاقَاة أَن يشتركا فِي الزَّرْع على مَا يشرطانه أعَار صَاحب الأَرْض الأكار نصف أرضه وَيكون الْبذر بَينهمَا؛ أَولا يسْتَحق رب الأَرْض على الأكار أُجْرَة نصف الأَرْض وَيعْمل الأكار على الأَرْض، فَتكون الْغلَّة بَينهمَا وَلَا يسْتَحق الْعَامِل أُجْرَة نصف عمله؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَطَوّع بِمَا بذل، قَالَ الْمُزنِيّ: يكون الْبذر بَينهمَا ويكري صَاحب الأَرْض الأكار نصف أرضه بِأَلف ويكتري مِنْهُ نصف عمله على نصفه وَعمل عوامل بِأَلف ويتقاصان بذلك، وَتَكون الْغلَّة بَينهمَا، وَيُمكن بأسهل من ذَلِك، وَهُوَ أَن يكريه نصف أرضه بِعَمَلِهِ وَعمل عوامله على نصِيبه، وَإِن أَرَادَ أَن يكون الْبذر من أَحدهمَا، فَإِن كَانَ من رب المَال اسْتَأْجر مِنْهُ نصف عمله وَعمل عوامله على نصفه بِنصْف الْبذر وَنصف الأَرْض، وَإِن كَانَ الْبذر من الأكار اسْتَأْجر مِنْهُ بِنصْف عمله وَعمل عوامله وَنصف الْبذر نصف الأَرْض وتفتقر هَذِه الْإِجَارَة إِلَى تَقْدِير الْمدَّة ورؤية الأَرْض والعوامل، إِذا كَانَ على النّخل
(3/118)

المُشْتَرِي ثَمَرَة لم يثبت فِي الثَّمَرَة الشُّفْعَة خلافًا لَهُ.
(3/119)

(الشُّفْعَة وَالْمُسَاقَاة)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: مُسْتَحقّ الشُّفْعَة (قفا) :)

الْمَذْهَب: الشَّرِيك.
عِنْدهم: الشَّرِيك وَالْجَار.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " إِنَّمَا الشُّفْعَة فِيمَا لم يقسم فَإِذا وَقعت الْحُدُود، وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة " وَالْخَبَر صَحِيح، وَذكر تصريف الطّرق؛ لِأَنَّهُ الْغَالِب وَإِلَّا الأَصْل وُقُوع الْحُدُود، فَلَا يلْزم كوننا لَا نعتبر تصريف الطّرق.
(3/120)

لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " جَار الدَّار أَحَق بِالدَّار "، وروى جَابر: " جَار الدَّار أَحَق بشفعة الدَّار. ينْتَظر بهَا إِن كَانَ غَائِبا إِن كَانَ طريقهما وَاحِدًا "، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " الْجَار أَحَق بصقبه "، وَالْكَلَام لحقيقته، وَلَا يحمل على الْمجَاز إِلَّا بِدَلِيل.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْقيَاس يمْنَع الْأَخْذ بِالشُّفْعَة؛ لِأَنَّهُ يملك مَال الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه، لِأَن الشَّرْع ورد فِي الخليط فبقينا فِي الْجَار على مُقْتَضى الأَصْل، وَالضَّرَر لَا
(3/121)

يدْفع بِالضَّرَرِ وَلَو كَانَ الْجَار يسْتَحق الشّركَة بجواره فأقدم الشَّرِيك عَلَيْهِ.
لَهُم:
الشُّفْعَة وَردت بعلة الضَّرَر لسوء الْمُشَاركَة، وَالضَّرَر مَدْفُوع بِأخذ الشّقص من الدخيل وَهَذَا الضَّرَر مَوْجُود فِي الْجوَار؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِل الْملك اتِّصَال قَرَار وتأبيد فَاسْتحقَّ الشُّفْعَة كالشريك.
مَالك: وَافق وَقَالَ أَيْضا تثبت فِي السفن.
أَحْمد: ق.
التكملة:
بعض منقولهم مُجمل مثل الصقب، وَبَعضه فِي رَاوِيه مطْعن، ومنقولنا ثَبت السَّنَد، وَمَا يَصح من منقولهم محمله على الشَّرِيك، وَقد يُسمى جارا، وَقد تسمى الزَّوْجَة جارا:
(3/122)

(أيا جارتا بيني فَإنَّك طالقه ... )

ونقول: إِذا أثبت الشَّرْع الشُّفْعَة فِي الشّركَة فَبِأَي طَرِيق يُقَاس عَلَيْهَا الْجوَار وَالضَّرَر على الشَّرِيك أَكثر لما فِيهِ من مؤونة الْقِسْمَة ثمَّ لَو تَسَاويا مَا قدم الشَّرِيك على الْجَار وَمَا يقدر من الْخُصُومَة فَفِي الشّركَة مثله وَذَلِكَ ينْدَفع بالسلطان.
وحرف الْمَسْأَلَة: أَن الشُّفْعَة عِنْدَمَا معللة بِدفع ضَرَر الْقِسْمَة وَعِنْدهم بِرَفْع ضَرَر الدخيل.
(3/123)

فارغة
(3/124)

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: الشّقص الممهور (قفب) :
الْمَذْهَب: تثبت فِيهِ الشُّفْعَة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من كَانَ لَهُ أَرض أَو نخل فَلَا يَبِيعهَا حَتَّى يعرضهَا على شَرِيكه، فَإِذا بَاعهَا وَلم يُؤذنهُ فشريكه أَحَق بهَا "، وَجه الدَّلِيل قَوْله: " فَإِن بَاعهَا " جعل البيع شرطا فِي الْأَخْذ بِالشُّفْعَة، وَهَذِه الْعُقُود لَيست بيعا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(3/125)

شقص مَمْلُوك بعوض فثبتت فِيهِ الشُّفْعَة كَالْبيع، وَالْعلَّة دفع الضَّرَر لَا نفس البيع والمماثلة حَاصِلَة بِالْمثلِ وبالقيمة، وَلَا شكّ أَنه تقابله قيمَة وَهِي مُتَقَومَة بِدَلِيل العقد الصَّحِيح وَالْفَاسِد، فقد وَجب السَّبَب الدَّاعِي إِلَى إِثْبَات الشُّفْعَة وَتحقّق شَرطه فَثَبت.
لَهُم:
شقص مَمْلُوك لَا فِي مُقَابلَة مَال فَلم يُؤْخَذ بِالشُّفْعَة كَالْهِبَةِ.
تَأْثِيره: أَن الشُّفْعَة تملك بِمَا ملك المُشْتَرِي فَيكون إِذا ملكه بِمَالِه مثل وَلَا مثل للمنافع فقد ملك الشّقص بِمَا لَيْسَ بِمَال وَلَا تثبت فِيهِ الشُّفْعَة كَمَا لَو ملكه هبة.
مَالك: تثبت الشُّفْعَة بِقِيمَة الشّقص.
أَحْمد:
التكملة:
الصُّورَة الْمَفْرُوضَة قد صَار فِيهَا بعض الدَّار مَبِيعًا وَلَا شُفْعَة عِنْدهم،
(3/126)

وَهَذَا مَال ملك بِمَال فَأَي عذر لَهُم عَن سُقُوط الشُّفْعَة فِيهِ، وَجَوَاز منقولهم ظَاهر، وَنحن نعمل بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل نفي الشُّفْعَة فِيمَا سوى البيع والعذر عَن الْهِبَة أَنه لَا عوض لَهَا سوى الْمِنَّة أَو الثَّوَاب، وَلَا يُمكن الْأَخْذ بهَا، قَالُوا: وَمثل ذَلِك فِي الْمهْر، فَإِن الْمَرْأَة رغبت فِيهِ مَعَ أُمُور أخر من الزَّوْج وَذَلِكَ لَا يُمكن أَن يُؤْخَذ بِهِ، وَالْجَوَاب: أَنه لَا أثر لذَلِك بل الْأَثر لما يظْهر فِي العقد، وَذَلِكَ بِمَثَابَة مَا لَو بَاعَ الشّقص من قَرِيبه يُرِيد بِهِ صلَة رَحمَه، فَإِنَّهُ لَا يلْتَفت إِلَى هَذَا وَيُؤْخَذ بِمَا ظهر فِي العقد، والحرف أَن مَا قوبل بِهِ الشّقص من الْبضْع وَالْمَنَافِع هِيَ أَعْيَان مَضْمُونَة عندنَا كَسَائِر الْأَمْوَال خلافًا لَهُم.
(3/127)

فارغة
(3/128)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: كَيفَ نقسم الشُّفْعَة بَين الشُّرَكَاء (قفج) :)

الْمَذْهَب: على السِّهَام فِي القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: على الرُّءُوس وَهُوَ القَوْل الثَّانِي.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الشُّفْعَة حق الْملك فتقسم على قدره كالغلة وَالرِّبْح، ذَلِك لِأَن الشُّفْعَة
(3/129)

حق، وَإِنَّمَا اسْتحق بِملك نصِيبه، فَمَعْنَاه أَنه يسْتَحق بِملكه وَحُقُوق الْملك تتبع الْملك فتقدر بِهِ، فَأصل الْملك لأصل الشُّفْعَة وَالْقدر لقدر مَا يَأْخُذ إِن زوحم.
لَهُم:
اسْتَووا فِي سَبَب الِاسْتِحْقَاق فاستووا فِي الْأَسْبَاب، لِأَن الشُّفْعَة بِأَصْل الْملك لَا بِقَدرِهِ بِدَلِيل تَسَاوِي من قل نصِيبه وَمن كثر فِي الْأَخْذ بهَا، ذَلِك؛ لِأَن الشّركَة عِلّة الِاسْتِحْقَاق، ونقيس على الزِّيَادَة فِي عدَّة الشُّهُود إِقَامَة الْبَيِّنَة بِاثْنَيْنِ وَالزِّيَادَة فِي الْخراج.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
يلْزمهُم الفرسان والرجالة، فَإِن كل فريق مِنْهُم إِذا انْفَرد انْفَرد بِالْغَنِيمَةِ وَإِذا اجْتَمعُوا تفاوتت الْقِسْمَة بَينهم، ويلزمهم إِذا قطع يَد إِنْسَان، فَإِن
(3/130)

أرش الْجِنَايَة يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ، فَلَو قتل آخر تعلّقت أَيْضا الْجِنَايَة بِرَقَبَتِهِ (فَإِذا بِيعَتْ رقبته) قسمت الْقيمَة بَينهمَا، وَلَو خلف رجل بِنْتا وأختا، فَإِن الْفَاضِل عَن الْبِنْت للْأُخْت، فَلَو كَانَ من الْأُخْت أَخ قسم بَينهمَا الْبَاقِي.
عبارَة: فَائِدَة مَالِيَّة سَببهَا الْملك فتتوزع على قدر الْملك كالأرباح ونسلم لَهُم أَن أصل الْملك عِلّة كَامِلَة لإزعاج المُشْتَرِي وَدفع ضَرَره، لَكِن كل وَاحِد مسَاوٍ لصَاحبه فِي ذَلِك لَا جرم دفع كل ضَرَر عَن كل وَاحِد مِنْهُم بإزعاج المُشْتَرِي، فَأَما تَحْصِيل الْملك للشَّفِيع وتوسعة ريعه ففائدة ملكه وَالْكَلَام فِي تنَازع الشفعاء عِنْد الْقِسْمَة، وَلَا كَلَام بَين الشفعاء وَالْمُشْتَرِي ورد الْملك عَلَيْهِم من فَوَائِد ملكهم، فَإِذا انْفَرد وَاحِد فَهُوَ لَهُ وَأقرب مِثَال لما نَحن فِيهِ الْغَنِيمَة سِيمَا فِي الْأَرَاضِي وَالْمَسْأَلَة مُحْتَملَة.
(3/131)

(المسالة الرَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: إِذا بنى المُشْتَرِي أَو غرس (قفد) :)

الْمَذْهَب: لم ينْقض مَا بناه مجَّانا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
بِنَاء بِحَق وَلَا ينْقض بِنَاؤُه مجَّانا كَمَا لَو لم يكن شَفِيع، ذَلِك لِأَنَّهُ بنى فِي ملكه وَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَلم يتَعَلَّق بِهِ حق الْغَيْر، ثمَّ لَو بَاعَ أَو وهب صَحَّ
(3/132)

وَهُوَ محق فِي تصرفه، فَالْحق أَن ينظر لَهُم أَو يَأْخُذ الشَّفِيع مَعَ ثمن الْبناء ويتأيد بِمَا أَنه لَا ينْقض زرعه.
لَهُم:
تصرف من المُشْتَرِي يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال حق الشَّفِيع، فَجَاز للشَّفِيع نقضه كَمَا لَو بَاعه، وتحقيقه أَن الشَّرْع مكنه من الْوُصُول إِلَى الْمَبِيع بِدَلِيل الْقُدْرَة، وَالزِّيَادَة إبِْطَال حَقه وَالْمُشْتَرِي هُوَ الْمُسِيء على حق نَفسه.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
من لَا يقْلع زرعه قلع زرع الْغَاصِب لَا ينْقض بِنَاؤُه نقض بِنَاء الْغَاصِب كالمستعير إِذا اسْتعَار مُدَّة وَبنى وغرس أَو المُشْتَرِي إِذا رد عَلَيْهِ عوض الشّقص بِالْعَيْبِ، فَإِن البَائِع وَإِن اسْتحق اسْتِرْدَاده لَا ينْقض عَلَيْهِ، واحترزنا بقولنَا قلع زرع الْغَاصِب عَن منع لَهُم فَإِنَّهُم يَقُولُونَ بقلع زرعه إِن لم يبْذل الْأُجْرَة وَلَا يقْلع إِن بذل، وَهَذِه تميزه عَن الْغَاصِب واحترزنا بقولنَا لَا ينْقض بِنَقْض بِنَاء الْغَاصِب عَمَّا سلطناه عَلَيْهِ من النَّقْض لَكِن بِالْأَرْشِ،
(3/133)

والإنصاف أَن للْمُشْتَرِي ملكا وللشفيع حَقًا وَالضَّرَر متقابل لَكِن أَهْون الضررين أولى بِالِاحْتِمَالِ، فَكَمَا أَن الإهمال فِي الزَّرْع أَهْون من الْإِبْطَال بِالْقَلْعِ، فَكَذَلِك الْإِبْدَال أَهْون من الْإِبْطَال بِالنَّقْضِ.
(3/134)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: الْمُسَاقَاة على النّخل وَالْكَرم (قفه) :)

الْمَذْهَب: مُعَاملَة صَحِيحَة وَفِي سَائِر الشّجر قَولَانِ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
لما فتح عَلَيْهِ السَّلَام خَيْبَر عنْوَة أصَاب صفراء وبيضاء وَحَدَائِق فَقَسمهَا على الْغَانِمين، فاستغلوها فنقصت الثِّمَار فِي أَيْديهم فَقَالَ الخيابرة: نَحن أعلم بِأَمْر النخيل فساقاهم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَن يكون شطر الثِّمَار لَهُم،
(3/135)

والْحَدِيث نَص ومساقه دفع كل تَأْوِيل، فَإِنَّهُ بعث عبد الله بن رَوَاحَة خرصها، وَقَالَ: إِن شِئْتُم فلكم، وَإِن شِئْتُم فلي.
لَهُم:
رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَن المخابرة، فَإِن كَانَت مُشْتَقَّة من الْخَبِير وَهُوَ الأكار فَتطلق على الْمُسَاقَاة أَيْضا، وَإِن كَانَت من تصريف خَيْبَر فَهِيَ نهي عَن هَذِه الْمُعَامَلَة الَّتِي كَانُوا يرونها.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عين لَا تزكو ثمارها إِلَّا بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا، فَإِذا لم تجز إِجَارَتهَا للمنفعة الْمَقْصُودَة جَازَ أَن يعْقد عَلَيْهَا بِبَعْض نمائها كالدنانير وَالدَّرَاهِم.
(3/136)

لَهُم:
نوع إِجَارَة فَلَا يَصح على هَذَا الْوَجْه كالمزارعة، الدَّلِيل على أَنَّهَا إِجَارَة أَنه لَا بُد فِيهَا من إِعْلَام الْمدَّة وَالْجهل بِقدر الْعِوَض يبطل.
وَدَلِيل الْجَهْل: أَن النَّمَاء مَجْهُول وَمثله لَا يَجْعَل أُجْرَة (وَلَو جعل أُجْرَة) هَذَا الْعَامِل مَا يخرج من نخيل آخر لم يجز وَيُخَالف الْقَرَاض؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَة وَلَا يشْتَرط فِيهِ علم الْمدَّة.
مَالك: تجوز الْمُسَاقَاة على جَمِيع الشّجر.
أَحْمد: ق.
التكملة:
لفظ الْمُسَاقَاة فِي الْخَبَر يرد قَوْلهم: إِنَّهَا كَانَت مصالحة والمعاملة مَعَ الذِّمَّة كهي مَعَ الْمُسلمين، فَإِن ادعوا أَنهم كَانُوا أرقاء فَبَاطِل؛ لِأَنَّهُ لم ينْقل ذَلِك وَقد كَانُوا أَرْبَعِينَ ألفا وَلم ينْقل بيع وَاحِد مِنْهُم، وَيشْهد لما قُلْنَا أثر جلي ذكره الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم اتَّفقُوا على صِحَة
(3/137)

الْقَرَاض وَلَا ينْعَقد الْإِجْمَاع إِلَّا عَن تَوْقِيف أَو قِيَاس وَلَا تَوْقِيف فِيهِ، فَلم يكن مُسْتَند إِلَّا فهم صِحَة الْمُسَاقَاة واعتقادهم أَن الْقَرَاض فِي مَعْنَاهَا وَلَا يخفى تفَاوت الْعقْدَيْنِ وابتناؤها على حَاجَة الْأَغْنِيَاء، والعمال لاستنماء المَال، فَإِن قَالُوا: اسْتِئْجَار بِبَعْض النَّمَاء الْحَادِث من الأَصْل الْمُسْتَأْجر، فَلم يجز كَمَا لَو اسْتَأْجرهُ لرعي غنمه بِبَعْض أَوْلَادهَا.
فَالْجَوَاب: لَيْسَ، إِذا لم يَصح بِبَعْض النَّمَاء فِي بعض الْأَعْيَان لَا يَصح فِي غَيرهَا، أَلا ترى أَن البيع لَا يَصح فِي كثير من الْأَعْيَان وَيصِح فِي كثير، فَكَذَلِك الْإِجَارَة لَا تصح فِي بعض الْمَنَافِع وَتَصِح فِي بعض.
(3/138)

فارغة
(3/139)

لوحة 49 من المخطوطة " أ ":
الْإِجَارَة لَازِمَة. قَالَ الْخصم: يجوز للمكتري أَن يفْسخ الْإِجَارَة لعذر، وَاعْلَم أَن الْمَنْفَعَة تحدث على ملك الْمُسْتَأْجر خلافًا لَهُم، فعندهم تحدث على ملك الْمُؤَجّر، إِذا أكراه دَارا شهرا وَأَرَادَ أَن يكريها شهرا بعده من غير الْمُكْتَرِي لم يجز، وَالْإِجَارَة نوع من البيع يَقع على الْمَنَافِع، وَالْإِجَارَة تتَنَاوَل الْعين حَتَّى تستوفي مَنَافِعهَا، وَقَالَ أَكثر الْأَصْحَاب تتَنَاوَل الْمَنَافِع، وَإِذا اكترى دَابَّة وَجَاوَزَ بهَا الْمسَافَة المقررة، فَإِن كَانَ صَاحبهَا مَعهَا وَتَلفت بعد نزُول الْمُكْتَرِي فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَإِن تلفت تَحْتَهُ فقد تلفت بفعلين: أَحدهمَا مضمن، وَالْآخر غير مضمن فَمَاذَا يجب؟ قيل: نصف قيمتهَا، وَقيل: تسْقط الْقيمَة على الْمسَافَة وَتُؤْخَذ بِالنِّسْبَةِ لما زَاد على المقررة، فَأَما إِن لم يكن صَاحبهَا مَعهَا وَتَلفت فِي الْمسَافَة الزَّائِدَة ضمنهَا قولا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا تلفت تَحت يَده، إِذا قَالَ: أجرتك هَذِه الدَّار كل شهر بدرهم، وَلم يعين عدد الشُّهُور، فَالْإِجَارَة فَاسِدَة فِي الْمَشْهُور، وَقَالَ فِي
(3/140)

الْإِمْلَاء: تصح فِي الشَّهْر الأول وَتبطل فِيمَا عداهُ، إِذا اكترى دَارا وَأَرَادَ أَن يكريها قبل الْقَبْض لم يجز فِي الْمَشْهُور، وَأما بعد الْقَبْض فَيجوز أَن يكريها حَتَّى من الْمكْرِي خلافًا لَهُم فِي الْمكْرِي، وَيجوز للمكتري أَن يكْرِي الدَّار وَلَو بِأَكْثَرَ مِمَّا اكترى بِهِ، قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز بِأَكْثَرَ مِمَّا اكترى وَهل يثبت فِي الْإِجَارَة خِيَار الْمجْلس وَجْهَان، وَأما خِيَار الشَّرْط فَلَا يدْخل فِي الْإِجَارَة خلافًا لَهُم؛ لِأَنَّهُ عقد يقْصد بِهِ الْمَنْفَعَة فَلَا يثبت فِيهِ خِيَار الشَّرْط كَالنِّكَاحِ، وَإِذا أجر مَنْفَعَة بِمَنْفَعَة جَازَ خلافًا لَهُم ووافقوا فِيمَا إِذا كَانَتَا لَا من جنس وَاحِد، وَحجَّتنَا: أَنَّهُمَا منفعتان وَيجوز عقد الْإِجَارَة على كل وَاحِد مِنْهُمَا فَجَاز إِن يَجْعَل إِحْدَاهمَا عوضا عَن الْأُخْرَى كَمَا لَو كَانَتَا من جِنْسَيْنِ، وَلَا يُقَال إِن الْجِنْس الْوَاحِد حرم النِّسَاء فِي الْأَعْيَان، فَكَذَلِك الْمَنَافِع، لأَنا نقُول: الْإِجَارَة لَيست نسَاء، لِأَن النِّسَاء أَن يتَأَخَّر الْحق إِلَى أجل، وَالْأَجَل فِي الْإِجَارَة يسْتَوْفى بِهِ الْحق، وَإِذا اسْتَأْجر ظِئْرًا بكسوتها ونفقتها
(3/141)

لم يجز خلافًا لَهُم، فَإِنَّهُم قَالُوا يجوز اسْتِحْسَانًا، وَحجَّتنَا: أَنه عقد مُعَاوضَة، فَلَا يجوز أَن يَجْعَل الْعِوَض فِيهِ الطعمة، وَالْكِسْوَة كَالْبيع وَيجوز بيع الدَّار الْمُسْتَأْجرَة فِي أحد الْقَوْلَيْنِ خلافًا لَهُم؛ لِأَنَّهُ عقد تقصد بِهِ الْمَنْفَعَة، فَلَا يمْنَع البيع كَالنِّكَاحِ، وَإِذا أعتق العَبْد الْمُسْتَأْجر عتق.
وَلَيْسَ للْعَبد الْخِيَار فِي فسخ الْإِجَارَة خلافًا لَهُم، لِأَن هَذَا عقد لَازم قبل أَن يملك التَّصَرُّف فَلَا يملك فَسخه بِملك التَّصَرُّف، كَمَا لَو زوج الْأَب ابْنَته ثمَّ بلغت، والعذر عَن الْأمة إِذا عتقت تَحت عبد مَا عَلَيْهَا من ضَرَر. وَإِذا أجر الْوَلِيّ الصَّبِي الَّذِي فِي حجره ثمَّ بلغ، فَلَا خِيَار لَهُ خلافًا لَهُم. وَيجوز اسْتِئْجَار الْمَصَاحِف والدفاتر للنَّظَر فِيهَا خلافًا لَهُم، وَالْحجّة: أَنَّهَا مَنْفَعَة مَقْصُودَة يجوز إعارتها فَجَاز إِجَارَتهَا.
(3/142)

(مسَائِل الْإِجَارَة)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: الْأُجْرَة (قفو) :)

الْمَذْهَب: تتعجل إِلَّا أَن يشْتَرط التَّأْجِيل.
عِنْدهم: تتأجل إِلَّا أَن يشْتَرط التَّعْجِيل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {أَن تَبْتَغُوا بأموالكم} ، وَجه الدَّلِيل: أَنه سمي مَا يبْذل فِي الْبضْع مَالا فَلَا خلاف أَن الْمَنَافِع تبذل فِي الصَدَاق، فَدلَّ على ماليتها.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ} ، وَجه الدَّلِيل: أَنه علق اسْتِحْقَاق الْأُجْرَة بِفعل الْإِرْضَاع، وعندكم يسْتَحق بِمُطلق العقد.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عوض فِي بيع فَيملك بِنَفس العقد، وتحقيقه: أَن الْمَنَافِع جعلت بِمَنْزِلَة
(3/143)

الْأَعْيَان حكما بِدَلِيل صِحَة العقد عَلَيْهَا، وَالْعقد لَا بُد لَهُ من مَحل، وَبِذَلِك ملك بعد الْإِجَارَة وَيملك مَا يقابلها وَلِهَذَا يَجْعَل صَدَاقا.
لَهُم:
عقد مُعَاوضَة مُطلقَة بِمُقْتَضى التَّسَاوِي فِي الْملك، وَلم يملك المعوض بِنَفس العقد فَلَا يملك الْعِوَض، ذَلِك لِأَن الْمَنْفَعَة مَعْدُومَة وَلَيْسَت مورد الْملك وَلَيْسَت مَالا؛ لِأَنَّهَا تتجدد.
مَالك: يجب يَوْمًا وَيَوْما ويوافق الْقَرَافِيّ.
أَحْمد:
التكملة:
قَوْله اسْتَأْجَرت بِكَذَا كَقَوْلِه: اشْتريت بِكَذَا، وَمُطلق هَذِه الْأَلْفَاظ
الْإِلْزَام، والالتزام الْمُطلق منتجز اللُّزُوم، فَلَا فرق بَين أَن يَقُول اسْتَأْجَرت الدَّار شهرا وَعلي كَذَا، وَبَين أَن يَقُول لفُلَان عَليّ كَذَا أَو لله عَليّ
(3/144)

كَذَا، فاللفظ دَال على تنجز اللُّزُوم وَلَو أخر الْبَدَل إِلَى اسْتِيفَاء جَمِيع الْمُبدل كَانَ ذَلِك تأجيرا للبدل عَن الْمُبدل، فَإِن قيل: يملك بِكُل جُزْء مَا يَسْتَوْفِيه جُزْءا فآحاد الْأَجْزَاء لَا يتقوم، فَإِنَّهُ لَو أفرد بِالْعقدِ لم يَصح، فَكيف ينزل العقد على تَقْدِير لَو صرح بِهِ لم يَصح وَلَو لم يسْتَحق الْأُجْرَة بِمُطلق العقد لما ملك بِشَرْط التَّعْجِيل، يدل عَلَيْهِ أَنه لَو ضمن الْأُجْرَة ضَامِن صَحَّ وَهُوَ توثقه لجَانب الْوُجُوب وَيصِح الرَّهْن عَلَيْهَا وَهُوَ توثقة لجَانب الِاسْتِيفَاء وَيصِح الْإِبْرَاء عَن الْأُجْرَة وَالْإِبْرَاء إِمَّا تملك، أَو إِسْقَاط وَيصِح الشِّرَاء بِهَذِهِ الْأُجْرَة، ثمَّ عقد الْإِجَارَة يتَعَدَّى إِلَى غير الْعَاقِد، فَلَا بُد من مَحل وَالْعقد الَّذِي لَا يتَعَدَّى النّذر، وَأَمْثَاله وَبِالْجُمْلَةِ اعْتِبَار حَقِيقَة الْوُجُود فِي الْمَنَافِع يتَعَذَّر لَكِن يقدر ذَلِك ضَرُورَة تَصْحِيح العقد.
(3/145)

وحرف الْمَسْأَلَة أَن الْمَنَافِع وَإِن كنت مَعْدُومَة إِلَّا أَن الشَّارِع قدرهَا مَوْجُودَة، وَعِنْدهم هِيَ مَعْدُومَة.
(3/146)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: موت أحد المستأجرين (قفز) :)

الْمَذْهَب: لَا يفْسخ الْإِجَارَة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمَنَافِع نزلت منزلَة الْأَعْيَان حكما فَجرى فِيهَا الْإِرْث كالأعيان، والحوادث تستند إِلَى أَسبَابهَا كمن نصب شبكة ثمَّ مَاتَ أَو حفر بِئْرا فِي مَحل عدوان، فالصيد لناصب الشبكة وَالْغُرْم على حافر الْبِئْر وَالْإِرْث أوسع من العقد، فَإِنَّهُ يَصح فِي الْمَجْهُول.
(3/147)

لَهُم:
الشُّفْعَة مَعْدُومَة فَلَا يَتَنَاوَلهَا العقد وَإِنَّمَا تَنْعَقِد عِنْد وجودهَا شَيْئا فَشَيْئًا، وَإِن مَاتَ الْمُؤَجّر لم ينْعَقد العقد فِيمَا يحدث؛ لِأَن الْعين الْآن مَمْلُوكَة للْوَارِث فَتحدث الْمَنْفَعَة على ملكه.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
نسلم جدلا أَن الْمَنَافِع لم تقدر مَوْجُودَة إِلَّا أَنه جرى سَبَب ملكهَا فِي حَال الْحَيَاة، فَإِذا وجدت اسْتندَ الْملك إِلَى السَّبَب السَّابِق فِي حَال الْحَيَاة كناصب الحبالة، وحافر الْبِئْر، وَلَا يلْزمنَا كَون الْعَارِية تبطل بِالْمَوْتِ لِأَنَّهَا عقد إِبَاحَة لَا عقد تمْلِيك. ووزان مَسْأَلَتنَا إِذا أجر عَبده ثمَّ أعْتقهُ، فَإِن الْعتْق كالموت فِي كَونه قَاطعا للْملك، وَمَعَ هَذَا الْإِجَارَة لَا تبطل وَالْمَنَافِع
(3/148)

عندنَا تملك على حَالهَا، قَالُوا: لَو أوصى بِرَقَبَة لشخص وبمنافعها لآخر فَرد صَاحب الْمَنْفَعَة الْوَصِيَّة عَادَتْ الْمَنْفَعَة إِلَى الْمُوصى لَهُ بِالرَّقَبَةِ، لَا إِلَى الْوَرَثَة، فَدلَّ على أَن الْمَنْفَعَة لَا تورث على انفرادها، وَهَذَا فِيهِ منع، بل تعود الْمَنْفَعَة إِلَى الْوَرَثَة.
حرف الْمَسْأَلَة: أَن الْمَنَافِع قدرت مَوْجُودَة حكما فملكها الْمُسْتَأْجر وورثت عَنهُ.
(3/149)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: إِجَارَة الْمشَاع (قفح) :)

الْمَذْهَب: صَحِيحَة.
عِنْدهم: بَاطِلَة من الشَّرِيك.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْإِجَارَة بيع النافع وَبيع الْمشَاع جَائِز لِأَن الْمشَاع لَهُ مَنْفَعَة إِذْ هُوَ جُزْء
(3/150)

جملَة منتفع بهَا وَلِهَذَا تجب الْأُجْرَة إِذا سكن دَارا اسْتَأْجر فِيهَا جُزْءا مشَاعا وَتَسْلِيم الدَّار تَسْلِيم الْمَنَافِع، وَصَارَ كَمَا لَو أجر من رجلَيْنِ، فَقَوله أجرتكما كَقَوْلِه أجرتك وأجرتك.
لَهُم:
أجر مَا لَا يقدر على تَسْلِيمه، فَلَا يَصح كَمَا لَو أجر الْمَغْصُوب؛ لِأَن تَسْلِيم الْمَنَافِع باستيفائها بِدَلِيل أَن الدَّار إِذا سلمت إِلَى الْمُسْتَأْجر فانهدمت قبل الِانْتِفَاع كَانَت فِي ضَمَان الْمُؤَجّر وَالِانْتِفَاع بالمشاع لَا يتَصَوَّر كسكنى نصف الدَّار وركوب نَص الدَّابَّة مشَاعا.
مَالك: ق.
أَحْمد:
التكملة:
إِذا أجر من اثْنَيْنِ ثمَّ مَاتَ أَحدهمَا طرت الإشاعة وَلم يمْنَع صِحَة العقد وَكلما منع مُقَارنَة الِانْعِقَاد منع طاريه وَهَذَا عِنْدهم أولى لِأَن الْمَنَافِع لَا تملك إِلَّا شَيْئا فَشَيْئًا، فَكَانَ الطاري قد قَارن ابْتِدَاء مَا.
(3/151)

عبارَة: وجد العقد من أَهله وصادف مَحَله واقترن بِشَرْطِهِ وَهُوَ الْقُدْرَة على التَّسْلِيم فصح، وَتَسْلِيم كل شَيْء على حسب حَاله، وَالْإِجَارَة عقد مُعَاوضَة وعقود الْمُعَاوَضَات تبتنى على الْعرف كَمَا إِذا بَاعَ بِنَقْد مُطلق، فَإِن من اشْترى دَارا مَمْلُوءَة أقمشة كَانَ عَلَيْهِ تفريغها لَكِن كَمَا جرت الْعَادة بِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ عندنَا يُمكن تَسْلِيم الْمشَاع.
(3/152)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة: الْأَجِير الْمُشْتَرك (قفط) :)

الْمَذْهَب: لَا يضمن مهما اقتصد فِي عمله فِي الْمَنْصُور.
عِنْدهم: خلافًا وَهُوَ القَوْل الآخر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حصل الْفساد بِفعل مَأْذُون فِيهِ من جِهَة الْمَالِك، فَلَا يجب عَلَيْهِ الضَّمَان كالأجير الْمُنْفَرد؛ لِأَنَّهُ دق دق مثله، وَهَذَا هُوَ الْمَأْذُون فِيهِ وَالْمُنْفَرد عَلَيْهِ
(3/153)

الْمَنْفَعَة لَا الْعَمَل وَالضَّمان مُؤَاخذَة فَيَقْتَضِي عُدْوانًا وَلَا عدوان وَصَارَ كالفاصد وَأَمْثَاله حَيْثُ لَا ضَمَان عَلَيْهِم.
لَهُم:
حصل الْفساد بِفعل غير مَأْذُون فِيهِ فَيجب الضَّمَان كَمَا إِذا لم يقْصد؛ لِأَنَّهُ أذن لَهُ فِي الدق المزين لَا المخرق، والأجير بَائِع عمله وَالْإِطْلَاق يَقْتَضِي السَّلامَة كالبياعات والمعيب لَا يكون سليما وَلَا يدْخل تَحت العقد الْمُطلق فَهُوَ عيب تولد من عمل مَضْمُون، فَكَانَ مَضْمُونا.
مَالك: يضمن.
أَحْمد: ق.
التكملة:
بِالْجُمْلَةِ الْأَجِير الْمُنْفَرد نقص مَا فِي الدق من مثله قد يسلم وَقد لَا يسلم وَالْعقد مُطلق، فَلم لَا يخْتَص بِالتَّسْلِيمِ وسلامة الْعَاقِبَة غير مَقْدُور لَهُ والعقود لَا ترد على غير مَقْدُور وَيُخَالف التَّغْرِير، فَإِنَّهُ عقد مَأْذُون فِيهِ
(3/154)

لَكِن بِحَيْثُ لَا يسري، فَكَانَ فِيهِ نوع عسر وغرر لكنه يحْتَمل، وَالْإِجَارَة لَا تحْتَمل الْعرف لَكِنَّهَا تكون فِيمَا يوثق بِتَسْلِيمِهِ، ونناقضهم بالفصد والحجامة، فَإِنَّهُ يقْصد السَّلامَة وَالصَّلَاح ثمَّ إِذا صَار قتلا لَا ضَمَان، فَإِن قَالُوا: لَا يُمكن أَن يُقَال لَهُ: اجرح جرحا لَا يسري بَطل عَلَيْهِم بسراية الْقصاص، فَإِنَّهَا مَضْمُونَة عِنْدهم، وَلَا يزَال نلزمهم الْأَجِير الْمُنْفَرد ونناقضهم بِهِ ونجمع بَينهمَا بالحجام والفاصد وَعمل الْمُنْفَرد أَيْضا مَضْمُون وَالْأُجْرَة تَسْتَقِر بِعَمَلِهِ وَلَكِن أقيم التَّمَكُّن مقَام الِاسْتِيفَاء فِي تَقْرِير الْعِوَض على أَن ضَمَان الْمُقَابلَة بالمعاقدة لَا يُوجب ضَمَان الغرامة وَلَا يُنَاسِبه.
والحرف أَن أظهر الْقَوْلَيْنِ أَن يَده يَد أَمَانَة.
(3/155)

(الْمَسْأَلَة التِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: شَرط الْإِجَارَة فِي ابْتِدَاء الْمدَّة (قصّ) :)

الْمَذْهَب: أَن تقارن العقد.
عِنْدهم: يجوز أَن تتأخر عَنهُ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(3/156)

عقد مُعَاوضَة على معِين شَرط تَأْخِير تَسْلِيم الْمَعْقُود عَلَيْهِ فَلم يَصح كَمَا لَو شَرط تَأْخِير التَّسْلِيم فِي الْمَبِيع بِشَرْط الْمُعَاوضَة الْمَحْضَة كَون الْمَعْقُود عَلَيْهِ مَوْجُودا معينا مَقْدُورًا على تَسْلِيمه وَهَذِه الشَّرَائِط سَقَطت لَا مُطلقًا لَكِن بطرِيق إِقَامَة ذِي الْمَنْفَعَة مقَامهَا فَلم يجز تَأْخِيره عَن العقد.
لَهُم:
كل شَيْئَيْنِ جَازَ العقد عَلَيْهِمَا صَفْقَة وَاحِدَة جَازَ العقد على كل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَردا كالعبدين وَقد عقد على مَنْفَعَة تستوفى حَالا فحالا فَجَاز أَن يَقع على مَا يتَأَخَّر فِيهِ اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة كَالنِّكَاحِ على الصَّغِيرَة.
مَالك: إِذا أطلق اقْتضى أَن يكون عقيب العقد.
أَحْمد:
التكملة:
لما قَامَ ذُو الْمَنْفَعَة مقَام الْمَنْفَعَة كَانَ من شَرط عُقُود الْمُعَاوَضَات تعقب التَّسْلِيم حَتَّى لم يجز أَن يتَأَخَّر فِي البيع أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام بِالشّرطِ، وَأما فِي
(3/157)

الْإِجَارَة، فَلَا يجوز شَرط أَكثر من أَرْبَعَة أَيَّام لم يجز تَأْخِير التسليط وَقد تسامحنا بِإِقَامَة ذِي الْمَنْفَعَة مقَامهَا فَلَا نتسامح بترك التسليط قَالُوا: هُوَ فِي الْحَال ملك الْمَنْفَعَة فِي الشَّهْر الْمُقَابل إِلَّا أَن ذَلِك تَأْجِيل، فَالْجَوَاب: لَو كَانَ كَذَلِك جَازَ تَعْجِيل الْأُجْرَة، ثمَّ نقُول: تراخي الْأَجَل فِي الْمَعْقُود عَلَيْهِ على خلاف الْقيَاس، وَإِنَّمَا جَازَ فِي السّلم للْحَاجة، فَإِن قَالُوا: هَذَا كَالْوَصِيَّةِ بثمرة وَاحِدَة وبالقراض يُوجب استحقاقا فِي ربح لم يُوجد، فَالْجَوَاب: أَن الْوَصِيَّة تفارق عقد البيع فتفارق الْإِجَارَة، والحرف أَن عندنَا أُقِيمَت الْعين مقَام الْمَنَافِع فتحتاج أَن يصادفها العقد، وَعِنْدهم العقد على الْمَنَافِع.
(3/158)

(إحْيَاء الْموَات وَالْوَقْف وَالْهِبَة واللقطة)
(3/159)

فارغة
(3/160)

لوحة 50 من المخطوطة " أ ":
حمى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - النقيع لخيل الْمُسلمين وَلَا حمى إِلَّا لله وَرَسُوله، وَيجوز للْإِمَام أَن يحمي للْمُسلمين موضعا، حمى عمر رضوَان الله عَلَيْهِ موضعا، وَولى عَلَيْهِ مولى يُقَال لَهُ هني وَقَالَ: يَا هني ضم جناحك للنَّاس، وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم، فَإِن دَعوته مجابة، وَأدْخل رب الصريمة وَرب الْغَنِيمَة وَإِيَّاك وَنعم ابْن عَفَّان وَنعم ابْن عَوْف، فَإِنَّهُمَا إِن تهْلك ماشيتهما يرجعا إِلَى نخل وَزرع، وَإِن رب الصريمة وَالْغنيمَة يأتيني بعياله وَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أفتاركهم أَنا لَا أَبَا لَك والكلأ
(3/161)

أَهْون عَليّ من الدِّينَار وَالدِّرْهَم والحقوق هِيَ الَّتِي لابد للمحيا مِنْهَا.
قَالَ أَبُو حنيفَة: حَرِيم الْبِئْر أَرْبَعُونَ ذِرَاعا، وَالْعين خَمْسُونَ ذِرَاعا، (وَإِذا خرب الْمَسْجِد أَو الْمحلة أَو الدَّار الْمَوْقُوفَة على جِهَة لم يجز نقص ذَلِك وَلَا نَقله إِلَى غَيره وَبِه قَالَ مَالك. قَالَ أَحْمد: إِذا خربَتْ الدَّار جَازَ بيعهَا وَيصرف ثمنهَا إِلَى وقف آخر، إِذا شَرط فِي الْوَقْف أَن يخرج من شَاءَ من أهل الْوَقْف وَيدخل من شَاءَ كَانَ فَاسِدا؛ لِأَنَّهُ شَرط مَا يباين
(3/162)

مُقْتَضى العقد.
وَاعْلَم أَن الْوَقْف فِي الْمَرَض وَصِيَّة) (وَاعْلَم أَن الْحَيَوَان الْكَبِير الجثة لَا يكون لقطَة فِي الصَّحَارِي، فَمن أَخذه ضمنه، وَاخْتلف فِيهِ فِي الْعمرَان، قيل: تكون لقطَة؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي للسقي والعلف وَسَوَاء فِي التَّعْرِيف قَلِيل اللّقطَة وكثيرها مِمَّا تبتغيه النَّفس وتطلبه، فَأَما غير ذَلِك فَيجوز للملتقط الِانْتِفَاع بِهِ من غير تَعْرِيف النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام تَمْرَة فَقَالَ: " لَوْلَا أَنِّي أخْشَى أَن تكون من تمر الصَّدَقَة لأكلتها "، وقدرها مَالك بِربع دِينَار، وَأَبُو حنيفَة بِعشْرَة دَرَاهِم، وَمن أَصْحَابنَا من قدرهَا بِدِينَار) .
مَا خرب من بِلَاد الْمُسلمين، وباد أَهله لَا يملك بِالْإِحْيَاءِ خلافًا، وَالْحجّة أَنَّهَا أَرض جرى عَلَيْهَا ملك من لَهُ حُرْمَة، فَلَا يملك بِالْإِحْيَاءِ كَمَا لَو عرف مَالِكهَا، وَالْفِقْه فِيهِ أَنه لَا يَخْلُو أَن يكون لمَالِكهَا وَارِث أم لَا فَإِن كَانَ فَهِيَ لَهُ وَإِلَّا فَهِيَ لبيت المَال.
(3/163)

وَاعْلَم أَن الْحَشِيش النَّابِت فِي الأَرْض الْمَمْلُوكَة لمَالِك الأَرْض، وَقَالَ أَبُو حنيفَة غير مَمْلُوك وَلَا يجوز بَيْعه إِلَّا بعد الْحِيَازَة، لنا أَنه نَمَاء ملكه لم يملكهُ غَيره فَوَجَبَ أَن يكون لَهُ كالحطب والقصب (إِذا وقف على وَلَده وَولد وَلَده دخل فِيهِ ولد الْبَنَات خلافًا لَهُم، لنا أَنه أضَاف أَوْلَاد الْأَوْلَاد إِلَيْهِم فَإِذا دخل ولد الْبَنِينَ، وَجب أَن يدْخل ولد الْبَنَات؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْإِضَافَة سَوَاء، وَإِذا اسْتثْنى الْوَاقِف أَن ينْفق على نَفسه فِي حَيَاته لم يجز خلافًا لَهُ، لنا أَنه أَزَال ملكه لَا إِلَى مَالك، فَهُوَ كَمَا لَو أعتق عَبده وَشرط أَن تكون غَلَّته لَهُ، وَلَا يُقَال: إِن مَنْفَعَة العَبْد لَا تكون مُسْتَحقَّة للْمُعْتق بِحَال، وَقد تكون مَنْفَعَة الْمَوْقُوف للْوَاقِف كَمَا لَو وقف بِئْرا، فَإِنَّهُ يُشَارك فِيهَا الْمُسلمين) ؛ (لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَمَا ذكر فَالْوَاجِب أَن يكون جُزْءا من مَنْفَعَة الْمَوْقُوف بِإِطْلَاق الْوَقْف كَمَا كَانَ لَهُ ذَلِك فِيمَا اعتبروا بِهِ) .
(3/164)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: إِذن الإِمَام فِي إحْيَاء الْموَات (قصا) :)

الْمَذْهَب: لَا يفْتَقر إِلَيْهِ الْمُسلم وَلَا يملك بِهِ الْكَافِر.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ "، وَقَوله: موتان الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ، ثمَّ هِيَ لكم مني أَيهَا الْمُسلمُونَ خَاصَّة جعل
(3/165)

الْأَحْيَاء سَببا للْملك وَلم يشرط إِذن الإِمَام، ثمَّ خصص الْمُسلمين بذلك.
لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ للمرء إِلَّا مَا طابت بِهِ نفس إِمَامه "، وَقَوله: " عادي الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مُبَاح فِي عَرصَة التمول، فَلَا يفْتَقر إِلَى إِذن الإِمَام كالصيود، دَلِيل الْإِبَاحَة كَونه لم تثبت عَلَيْهِ يَد، وَالْيَد تصلح للتَّمَلُّك، بِدَلِيل مَا لَو اتَّصل بِهِ إِذن الإِمَام، وَأما الذِّمِّيّ فَلَو ملك بِالْإِحْيَاءِ صَار أصلا فِي دَار الْإِسْلَام وَهُوَ سَاكن بِأُجْرَة وَلَا ولَايَة للْإِمَام على الْمُبَاحَات والإقطاع للترجيح.
لَهُم:
للْإِمَام ولَايَة على ذَلِك، فَلَا يملك بِغَيْر إِذْنه كَمَال بَيت المَال، دَلِيل الدَّعْوَى الإقطاع، وتأثيره أَن الافتيات عَلَيْهِ لَا يجوز وَالذِّمِّيّ يملك بِالسَّبَبِ الَّذِي يملك الْمُسلم فَصَارَ كَالْبيع والاحتطاب والاحتشاش.
(3/166)

مَالك: مَا قرب من الْعِمَارَة بِحَيْثُ يتشاح فِيهِ يحْتَاج إِلَى إِذن، وَيجوز للذِّمِّيّ.
أَحْمد:
التكملة:
الْعلمَاء وَإِن اخْتلفُوا فِي أَن الْأَمْوَال أَصْلهَا الْحَظْر أَو الْإِبَاحَة فَلم يَخْتَلِفُوا أَن الصَّيْد والحشيش والموات (خَال من ملك) ، وَأَنه مَتى تثبت عَلَيْهِ الْيَد ملك، ثمَّ الَّذِي يحصل بِهِ الْملك فِي مَوضِع الْوِفَاق الْإِحْيَاء لَا الْإِذْن فَإِنَّهُ لَو أذن لَهُ وَلم يحي لم يملك، وَولَايَة الإِمَام لَا تخرجه عَن التَّمْلِيك بِالْإِحْيَاءِ، كَمَا أَن لَهُ ولَايَة التَّقْدِيم فِي الصَّلَوَات، ثمَّ يتَقَدَّم بِغَيْر إِذْنه وَيصِح، وَكَذَلِكَ الْحَاكِم لَهُ تَقْدِيم من شَاءَ من الْخُصُوم، ثمَّ يسْبق أَحدهمَا بِالدَّعْوَى، فَيصح سماعهَا.
فَإِن قَالُوا: الْموَات كَانَ للْكفَّار ثمَّ ملكه الْمُسلمُونَ وَالْإِمَام وليهم.
قُلْنَا: فَكَانَ يَنْبَغِي أَنه لَو خرب قوم من الْمُسلمين الْموَات أَن يضمنوه
(3/167)

وَلَا خلاف أَنه يجوز لآحاد الْمُسلمين حفر الْأَرَاضِي، وَنقل ترابها للتطيين وَشِرَاء الْكَافِر ابتنى على ملك غَيره فَهُوَ فِيهِ تبع.
وَقَوْلهمْ حق الْكَافِر من الدُّنْيَا أَكثر من الْمُسلم، فسنتكلم عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَة الِاسْتِيلَاء.
والحرف أَن الْموَات عندنَا تجْرِي مجْرى الْمُبَاحَات وَأَن الذِّمِّيّ لَيْسَ من أهل الدَّار.
(3/168)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: الْوَقْف (قصب) .)

الْمَذْهَب: يلْزم بِنَفسِهِ لَا يفْتَقر إِلَى حكم حَاكم.
عِنْدهم: لَا يلْزم إِلَّا بِحكم حَاكم أَو يخرج مخرج الْوَصَايَا ويتسع لَهُ الثُّلُث.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
نقل عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَنهم وقفُوا أملاكهم، مِنْهُم: أَبُو بكر وَعُثْمَان، وَعَائِشَة وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن وَابْن مَسْعُود والمسور والمقداد، وَلم يرجع أحد مِنْهُم وَلَا من ذُرِّيتهمْ وَهَذَا يُورث
(3/169)

علما ضَرُورِيًّا.
لَهُم:
قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: جَاءَ مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام بِإِطْلَاق الْوَقْف، وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: لَا حبس عَن فَرَائض الله، وَقَالَ: لَا حبس بعد سُورَة النِّسَاء، وَجَاء أَبَا عبد الله بن زيد إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَا: إِنَّه قد تصدق بحائطه وَهُوَ قوام عيشنا فَرده النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْهِمَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(3/170)

إِزَالَة ملك على وَجه الْقرْبَة، فَكَانَ لَازِما بِنَفسِهِ كَالْعِتْقِ. أَو نقُول: تحبيس أصل وتسبيل ثَمَرَة فَلَزِمَ بِنَفسِهِ كَمَا لَو وقف أَرضًا مَسْجِدا، وَالْعلَّة فِي لُزُوم الْوَقْف مساس الْحَاجة إِلَيْهِ، وَالْحَاجة إِلَى الفنادق والقناطر أَعم من الْمَسَاجِد وَكَذَلِكَ الرَّبْط والمدارس.
لَهُم:
الْوَقْف لَا يزِيل الْملك بِنَفسِهِ، بِدَلِيل الْعَمَل بِشَرْطِهِ، وَلَو زَالَ الْملك لما بَقِي الْعَمَل بِشَرْطِهِ وَصَارَ كالمساجد الَّتِي لَا يتبع فِيهَا شَرط الْوَاقِف فِيمَن يُصَلِّي فِيهَا، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يدل على زَوَال الْملك لَا سِيمَا وَهُوَ تَعْطِيل الْأَمْوَال وتمليك الْمَعْدُوم للمعدوم.
مَالك: الْوَقْف لَا يَزُول ملكه عَن الْوَقْف.
أَحْمد:
التكملة:
نقيس الْمدرسَة على الْمَسْجِد وننصر أَن الْملك فِي الْوَقْف لله تَعَالَى: ونقول: الصَّلَاة قربَة يفْتَقر فِي إِقَامَتهَا إِلَى بقْعَة، وَكَذَلِكَ دراسة الْعلم وَتعلم الْقُرْآن والجميع أَوْصَاف بقْعَة مَمْلُوكَة بِجِهَة الْعِبَادَة، فَإِن قَالُوا: وَالْمَسْجِد
(3/171)

أَيْضا لَا يلْزم بقوله بل إِذا صلى فِيهِ وَاحِد، قُلْنَا: فَقولُوا فِي الْمدرسَة كَذَلِك يلْزم إِذا درس فِيهَا وَاحِد ثمَّ لَو راعيتم فِي الْمَسَاجِد قِيَاس الهبات، فالملك خَارج إِلَى الله تَعَالَى فَقولُوا: يحْتَاج أَن يُصَلِّي فِيهِ نَائِب الله تَعَالَى وَهُوَ الإِمَام، وَفِي اتِّبَاع شَرط الْوَاقِف فِي الْمَسْجِد اخْتِلَاف بَين الْأَصْحَاب، مِنْهُم من قَالَ لَو خصصه بأصحاب الحَدِيث مثلا فِي إِقَامَة شعاره لم يجز لغَيرهم والاعتماد فِي الْوَقْف على الحَدِيث.
(3/172)

فارغة
(3/173)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: الْهِبَة (قصج) :)

الْمَذْهَب: لَا رُجُوع بعد الْقَبْض إِلَّا للْأَب، وَفِي الْأُم خلاف.
عِنْدهم: لَا يرجع الْقَرِيب بل الْغَرِيب.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يحل لأحد أَن يهب هبة وَيرجع فِيهَا إِلَّا الْأَب فِيمَا وهبه لوَلَده ". وَرُوِيَ أَن النُّعْمَان بن بشير أنحله أَبوهُ غُلَاما وَأخْبر بذلك النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: " أكل ولدك نحلته " قَالَ: لَا. قَالَ: فاسترده.
(3/174)

لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْوَاهِب أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا ".
وَرُوِيَ عَن عمر وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: من وهب من ذَوي مَحَارمه فَلَا رُجُوع لَهُ، وَدَلِيل اقتضائها الْعِوَض قَوْله تَعَالَى: {فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا} ، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " من اصْطنع إِلَيْكُم مَعْرُوفا فكافئوه ".
(3/175)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عقد تمّ بركنيه مُفِيد لحكمه فَلَا يكون للْوَاهِب الرُّجُوع فِيهِ بِنَفسِهِ كَالْبيع.
بَيَان الحكم جَوَاز الْوَطْء، وَلم يُوجد سَبَب الْفَسْخ إِلَّا العقد، وَالشَّيْء لَا يصلح سَببا للنقيض وَلَا ولَايَة للْوَاهِب على رد ملكه من ملك الْمَوْهُوب لَهُ والعوض لَيْسَ مَقْصُود الْهِبَة.
لَهُم:
عقد تخلف عَنهُ مَقْصُوده فَثَبت فِيهِ حق الْفَسْخ كالعيب، دَلِيل ذَلِك أَن الْمَقْصُود الْعِوَض، وَهُوَ مَعْلُوم شرعا وَعرفا، وذوو الْمَحَارِم قد حصل لَهُ من جانبهم الثَّوَاب وَهُوَ غَرَض صَحِيح.
مَالك: يلْزم بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول.
أَحْمد: ف.
(3/176)

التكملة:
منقولهم ضَعِيف السَّنَد، والتحية رد السَّلَام، وبنوا كَلَامهم على دعويين: إِحْدَاهمَا: أَن كل هبة تَقْتَضِي بِحكم الْحَال عوضا، وَالْأُخْرَى: أَن الْعِوَض لم يسلم لَهُ، وهما ممنوعان، فَإِن الْهِبَة لَو اقْتَضَت عوضا لبطلت دون تَفْضِيل الْعِوَض، كَمَا لَو ذكر عوضا مَجْهُولا ثمَّ لَو كَانَ كَمَا زَعَمُوا كَانَت الْهِبَة بيعا، وَالْبيع تمْلِيك بِبَدَل وَهَذَا تمْلِيك بِغَيْر بدل، وتنعقد الْهِبَة بِشَرْط الثَّوَاب بيعا على رَأْي كَمَا ينْعَقد البيع بِغَيْر ثمن هبة على رَأْي، وَبِالْجُمْلَةِ لَو كَانَت الْهِبَة تبتني على الْعِوَض بِقَرِينَة الْحَال لكَانَتْ كَلَفْظِ البيع دون تَعْرِيف الْعِوَض مُفسد، وَمهما أكل الْمُتَّهب من الْمَوْهُوب فقد فَاتَ الْعِوَض فليطالب بِقِيمَتِه، ثمَّ الْعَاقِل لَا يهب درهما طَمَعا
(3/177)

فِي دِرْهَم، وَعِنْدهم أَنه لَو أَخذ درهما بَطل رُجُوعه مَعَ أَنه يحْتَمل أَنه أَخذه على رَجَاء غَيره، وَكَانَ يَنْبَغِي على هَذَا أَن يفْسد فِي أَمْوَال الرِّبَا.
(3/178)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: هبة الْمشَاع احْتمل الْقِسْمَة أَو لم يحْتَمل (قصد) :)

الْمَذْهَب: صَحِيحَة توجب الْملك مَعَ الْقَبْض.
عِنْدهم: توجب الْملك الْمشَاع غير الْمُحْتَمل الْقِسْمَة لَا فِي الْمُحْتَمل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَالَ الصّديق لعَائِشَة: كنت أنحلتك جذاذ عشْرين وسْقا وَإنَّك مَا حُزْتِيهِ وَلَا قبضتيه وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال الْوَارِث، وَجه الدَّلِيل قَوْله:
(3/179)

" حُزْتِيهِ "، فَدلَّ أَن الْقَبْض بالحيازة، وروى جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنهم قَالُوا: لَا تتمّ الْهِبَة إِلَّا أَن تكون محوزة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عقد تمْلِيك فِي الْمشَاع فَأثْبت حكمه كَالْبيع، وتأثيره أَن مَا هُوَ مَحل الْملك هُوَ مَحل الْهِبَة، وَلِهَذَا ينْعَقد العقد فِي الْمشَاع، فقد تحقق من الْأَهْل فِي الْمحل وَالتَّسْلِيم فِي الْمشَاع حسب التَّسْلِيم فِي الْمُقَرّر، وَالدَّلِيل على قبض الْمشَاع البيع وَرَأس المَال فِي السّلم.
لَهُم:
الْقَبْض ركن فِي بَاب الْهِبَة، وَلم يُوجد بِتَمَامِهِ فَصَارَ كَمَا لَو لم يتم الْقبُول، وَبَيَانه: أَن الْقَبْض إِنَّمَا يتم بِالْقِسْمَةِ فِيمَا تحتمله؛ لِأَن الْقَبْض عبارَة عَن الْحِيَازَة.
مَالك: ق.
(3/180)

أَحْمد:
التكملة:
الْقَبْض مَعَ الشُّيُوع تَامّ وَلَا نزيدهم على الْقَبْض بِالْبيعِ، فَإِنَّهُ يُفِيد نقل الضَّمَان والتسليط على التَّصَرُّف، وَكَذَلِكَ الْقَبْض فِي البيع الْفَاسِد مَعَ الشُّيُوع يُفِيد الْملك، وَكَذَلِكَ لَو سلم إِلَيْهِ ألفا نصفا قرضا وَنصفا قراضا ملك النّصْف الَّذِي هُوَ قرض على الشُّيُوع، وَكَذَلِكَ لَو وهب اثْنَان من وَاحِد وَقبض دفْعَة وَاحِدَة لزم عِنْدهم وَلم يصدر من كل وَاحِد إِلَّا التسليط على الْمشَاع، قَالُوا: الدَّلِيل على أَن الْقِسْمَة من تَمام الْقَبْض أَن من اشْترى شِقْصا مشفوعا مشَاعا وقاسمه البَائِع، فَإِن الشَّفِيع يَأْخُذهُ بِالشُّفْعَة وَلَا تنقص الْقيمَة، وَلَو لم تكن من تَمام الْقَبْض لنقضها كَسَائِر تَصَرُّفَات المُشْتَرِي، وَالْجَوَاب أَن الْقيمَة تَقْرِير حق الشَّفِيع فَكيف ينقضها،
(3/181)

قَالُوا: فَالْمُشْتَرِي يُطَالب بِالْقيمَةِ قبل الْقَبْض وَلَوْلَا أَنَّهَا من الْقَبْض لما جَازَ ذَلِك، وَالْجَوَاب: إِن قُلْنَا إِن الْقِسْمَة بيع فَلَا تصح قبل الْقَبْض؛ لِأَن التَّصَرُّفَات قبل الْقَبْض ممتنعة عندنَا لضعف الْملك، وَإِن قُلْنَا: إِنَّهَا تَمْيِيز وَإِقْرَار فَهَذَا قبض حَقِيقَة.
(3/182)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: جِهَة اللّقطَة بعد تَعْرِيف سنة (قصه) :)

الْمَذْهَب: جِهَة التَّمْلِيك بِشَرْط الضَّمَان للغني وَالْفَقِير.
عِنْدهم: جِهَة الصَّدَقَة فَتجوز للْفَقِير لَا للغني وَيتَصَدَّق بهَا على نَفسه بِشَرْط الضَّمَان.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رُوِيَ أَن سَائِلًا سَأَلَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن اللّقطَة، فَقَالَ: " اعرف عفاصها ووكاءها وَعرفهَا سنة، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فشأنك بهَا "، والتقط أبي بن كَعْب صرة فِيهَا ثلثمِائة دِينَار فَقَالَ لَهُ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام:
(3/183)

عرفهَا حولا ثمَّ قَالَ: استمتع بهَا ".
لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من الْتقط لقطَة فليعرفها حولا كَامِلا، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا تصدق بهَا، فَإِن قدم رَبهَا وَرَضي بِالْأَجْرِ وَإِلَّا ضمن لَهُ ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
من جَازَ لَهُ الِالْتِقَاط جَازَ لَهُ الْإِنْفَاق بعد التَّعْرِيف كالفقير؛ لِأَن اللّقطَة مَال الْغَائِب فِي يَده وَحقه الْحِفْظ، وَالْحِفْظ إِمَّا بالإمساك أَو يملك بِشَرْط ضَمَان فَيصير مَحْفُوظًا فِي ذمَّته، وَالصَّدَََقَة (تبطل بِالضَّمَانِ وَلَو وَجب لتعين) .
(3/184)

لَهُم:
من لَا تحل لَهُ الصَّدَقَة لَا تحل لَهُ اللّقطَة، تَأْثِيره: أَن النّظر للْمَالِك وَاجِد وجهة التَّصَدُّق أجمع للنَّظَر من جِهَة التَّمْلِيك، فالصدقة وُصُول المَال إِلَيْهِ بِالْأَجْرِ.
مَالك: يملكهَا الْغَنِيّ دون الْفَقِير، وَلَا قطّ الْحَيَوَان الصَّغِير إِذا أكله لَا غرم عَلَيْهِ.
أَحْمد: إِذا وجد بَهِيمَة فِي ملكة ملكهَا.
التكملة:
الْمُعْتَمد على حَدِيث الْجُهَنِيّ الَّذِي جمع أَنْوَاع الضوال وَحَدِيث أبي بن كَعْب قَالَ الشَّافِعِي: كَانَ من مياسير الصَّحَابَة، وَأما الْقيَاس فَلَا مدْخل لَهُ فِي مبادئ أَحْكَام على أَن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن ملك الْمَالِك لَا يَزُول إِلَّا بِسَبَب من جِهَته، وَقِيَاس الْغَنِيّ على الْفَقِير لَا يجوز إِلَّا أَنا لَو
(3/185)

قَدرنَا توارد الْأَحَادِيث فِي الدّلَالَة على زَوَال ملكه ونقتدي فِيهِ الْإِزَالَة بالتصدق وبالتمليك وأردنا أَن نرجح أحد المسلكين فجانبنا أقرب، فَإِن فِيهِ إحْيَاء حق الْمَالِك بترغيب النُّفُوس فِي الْتِقَاطه وتملكه بِشَرْط الضَّمَان وَلَا ثَوَاب فِي الْمُعَاوضَة، وَمَا ذَكرُوهُ ينفر عَن الِالْتِقَاط فَلَا يرغب فِيهِ إِلَّا أولو الطمع.
(3/186)

(مسَائِل الْفَرَائِض)
(3/187)

فارغة
(3/188)

لوحة 51 من المخطوطة أ:
تكلم فِي جَمِيع أَبْوَاب الْفَرَائِض عَليّ، زيد، ابْن مَسْعُود، ابْن عَبَّاس، وَتكلم فِي أَكْثَرهَا أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان، معَاذ، قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام " أفرضكم زيد "، وخطب عمر بالجابية وَقَالَ: من أحب أَن يسْأَل عَن الْقُرْآن فليسل أبي بن كَعْب، وَمن أحب الْفَرَائِض فليسل زيدا، وَمن أحب الْفِقْه فمعاذ وروى ابْن الْمَاجشون، ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(3/189)

عَن ابْن شهَاب: لَو هلك عُثْمَان وَزيد فِي بعض الزَّمَان لهلك علم الْفَرَائِض، وَخلاف الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فِي الْفَرَائِض على ز أَقسَام (سَبْعَة) :
أ - (1) فَرَائض الصلب، ب - (2) حكم الْعَوْل.
ج - (3) الرَّد.، د - (4) الْجدَّات.
هـ - (5) الْجد.، و - (6) الْوَلَاء.
ز - (7) ذَوُو الْأَرْحَام.
وَمَتى اجْتمع عَليّ وَزيد على حكم، فَإِن تابعهما ابْن عَبَّاس خالفهما ابْن مَسْعُود وَبِالْعَكْسِ، وَرُبمَا اجْتمع عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَخَالفهُم زيد، وَإِذا اجْتمع ثَلَاثَة مِنْهُم على أصل فِي الْفَرَائِض فهم على ضَرْبَيْنِ: أَن يجتمعوا على أصل الْبَاب وفروعه كاجتماع عَليّ وَزيد وَابْن مَسْعُود على
(3/190)

تعصيب الْأَخَوَات مَعَ الْبَنَات وَبَنَات الابْن وَلَا خلاف بَينهم فِي فروع هَذَا الْبَاب، فَأَما ابْن عَبَّاس فأسقطهن.
الضَّرْب الثَّانِي: أَن يجتمعوا على أصل ويختلفوا فِي فروعه كاجتماع (عَليّ وَزيد) وَابْن مَسْعُود على تَوْرِيث الْأُخوة وَالْأَخَوَات مَعَ الْجد، ثمَّ اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة توريثهم وَخَالفهُم ابْن (عَبَّاس فِي الأَصْل) فأسقطهم، وَكَذَلِكَ اجْتمع عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس على القَوْل بِالرَّدِّ مَعَ اخْتلَافهمْ فِي كيفيته وَخَالفهُم زيد فِي الأَصْل، واجتماع هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة اجْتِمَاع الْفُقَهَاء، وكل مَسْأَلَة انْفَرد فِيهَا عَليّ تَابعه ابْن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح، وتابع زيدا مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأكْثر
(3/191)

الْمَدَنِيين، وتابع ابْن مَسْعُود عَلْقَمَة وَالْأسود، وَتَابعه مَسْرُوق فِي بَاب الْجد، وتابع أَبُو حنيفَة فِي الْجد أَبَا بكر وَابْن عَبَّاس، وَالْمجْمَع على توريثهم
(3/192)

الابْن وَابْنه وَإِن سفل، وَالْأَب وَأَبوهُ وَإِن علا، (وَالْأَخ من) كل جِهَة وَابْن الْأَخ إِلَّا من الْأُم، وَالْعم إِلَّا من الْأُم وَالزَّوْج وَمولى النِّعْمَة، وَالْبِنْت وَبنت الابْن وَإِن نزلت دَرَجَة أَبِيهَا، وَالأُم وَالْجدّة من الْجِهَتَيْنِ، وَالْأُخْت من كل جِهَة وَالزَّوْجَة ومولاة النِّعْمَة، وَتسقط بنت الابْن بالابن، والأجداد بِالْأَبِ، والجدات بِالْأُمِّ، وَيسْقط ولد الْأُم بأَرْبعَة؛ بِالْوَلَدِ وَولد الابْن، وَالْأَب وَالْجد.
وَيسْقط ولد الابْن بِثَلَاثَة بالابن وَابْن الابْن وَالْأَب، وَيسْقط ولد الْأَب بهؤلاء الثَّلَاثَة وبالأخ من الْأَبَوَيْنِ. إِذا اسْتكْمل (الْبَنَات الثُّلثَيْنِ سقط بَنَات الابْن إِلَّا أَن يكون مَعَهُنَّ أَو أنزل مِنْهُنَّ ابْن ابْن فيعصبهن، وَإِذا اسْتكْمل الْأَخَوَات من الْأَبَوَيْنِ الثُّلثَيْنِ سقط الْأَخَوَات من الْأَب إِلَّا أَن) يكون مَعَهُنَّ أَخ لَهُنَّ فيعصبهن. والعصبة إِذا انْفَرد ورث المَال (وَإِذا كَانَ مَعَهم) ذُو فرض يُدْلِي بِهِ، وَكَانَ الْبَاقِي للْعصبَةِ، فَإِن استغرقت الْفُرُوض المَال سقط.
(3/193)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: الصَّبِي الْمُمَيز الَّذِي يعقل عقل مثله (قصو) :)

الْمَذْهَب: لَا يَصح إِسْلَامه، وَقيل: يَصح فِي حكم الْآخِرَة.
عِنْدهم: يَصح إِسْلَامه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث: عَن الصَّبِي ... الحَدِيث "، وَجه الدَّلِيل أَنه لما رفع الْقَلَم رفع الْخطاب فَلَا يُخَاطب بِالْإِسْلَامِ، وَلَا يَصح صدوره مِنْهُ.
لَهُم:
رُوِيَ أَن عليا كرم الله وَجهه وَهُوَ طِفْل قَالَ:
(3/194)

(سبقتكموا إِلَى الْإِسْلَام طفْلا ... صَغِيرا مَا بلغت أَوَان حلمي)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يعرف إِسْلَامه فَلَا يحكم، لِأَن الِاعْتِقَاد ركن وَلم يعرفهُ وَخَبره مُحْتَمل أَن يكون قد عرف وَلم يعْتَقد، وَدَلِيل الشَّرْع اتَّصل بِخَبَر الْبَالِغ دون الصَّبِي، وَالدَّلِيل عدم خطابه بِالْإِسْلَامِ وَهَذَا اعْتِقَاد كَامِل فَيَقْتَضِي نظرا كَامِلا وَالْإِسْلَام لَا يعقل إِلَّا بعد تقدم الْإِلْزَام كَمَا لَا يعقل جَوَاب إِلَّا بعد سُؤال.
لَهُم:
خبر عَن اعْتِقَاد صَحِيح فصح كَالْبَالِغِ؛ لِأَنَّهُ يخبر عَن التَّوْحِيد بشرائطه وَهُوَ أهل الِاعْتِقَاد بعقله وتمييزه وَقد وجد مِنْهُ الْإِسْلَام فصح، وَالْإِسْلَام فرض فَلَا يسْقط بِعُذْر الصِّبَا.
مَالك: لَا يكون مُسلما بِإِسْلَام الْأُم.
أَحْمد:
(3/195)

التكملة:
الْأَحْكَام الدنيوبة مُتَعَلقَة بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ الاستسلام الَّذِي لَا يعقل إِلَّا بخطاب وَفرق بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام. قَالَ الله تَعَالَى: {قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا} ، وَلِهَذَا لم يعقل الْإِسْلَام قبل وُرُود الشَّرْع، وَلَكِن عقلت الْمعرفَة وَالنَّظَر؛ لِأَنَّهُ لَا إِلْزَام فإسلام الصَّبِي كإسلام من أسلم قبل الْبعْثَة، فَإِن الشَّرِيعَة لم تلْزم الصَّبِي، وَإِنَّمَا حلنا بَينه وَبَين أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قد بَدَت مِنْهُ مخايل الْإِسْلَام، فَرُبمَا رداه وَدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين لكَونه مُسلما فِي أَحْكَام الْآخِرَة، وَالله أعلم بسريرته، فَإِن قَالُوا أوجب عَلَيْهِ الْإِسْلَام عقله، فَالْجَوَاب أَن الْعقل لَا يُوجب شَيْئا وَلَا نسلم عِقَاب صبيان الْكفَّار.
ونقول: من صَحَّ إِسْلَامه تبعا لِأَبَوَيْهِ لم يَصح إِسْلَامه لنَفسِهِ كَيْلا يصير التَّابِع أصلا ونقف مَعَ هَذَا الْحَرْف وَهُوَ أَن الْإِسْلَام بحقيقته لَا يُوجد من صبي، وَلَا يُمكن أَن يُقَال: إِن الْإِسْلَام وَاجِب فِي ذمَّته، لِأَن إِيجَاب الْعِبَادَات والتكاليف فِي الذِّمَّة محَال، إِذْ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا خطاب طلب الْفِعْل، وَذَلِكَ لَا يعقل فِي الذِّمَّة، فَإِن ناقضونا بالذمي، فَإِنَّهُ غير مَحْمُول على الْإِسْلَام، وَلَو أسلم قُلْنَا من قَالَ إِنَّه غير مَحْمُول على الْإِسْلَام، وَهل الْجِزْيَة إِلَّا حمل على الْإِسْلَام لكَونهَا عُقُوبَة.
(3/196)

الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: الْفَاضِل عَن سِهَام ذَوي الْفُرُوض (قصز) :
الْمَذْهَب: لبيت المَال إِن لم يكن ثمَّ عصبَة.
عِنْدهم: يرد على ذَوي الْفُرُوض.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " إِن الله تَعَالَى لم يكل مواريثكم إِلَى ملك مقرب، وَلَا نَبِي مُرْسل، وَإِنَّمَا قسمهَا بِنَفسِهِ فَقَسمهَا أحسن قسم فَأعْطى كل ذِي حق حَقه أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث ".
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لَا رد على الزَّوْجَيْنِ فَكَذَلِك ذَوُو الْفَرْض؛ لِأَن مُقْتَضى فرضهم
(3/197)

وَاحِد، وَلِهَذَا اسْتَووا فِي الْعَوْل، وَالنِّكَاح قرَابَة كَمَا أَن الْوَلَاء يحدث قرَابَة، وَالله تَعَالَى قدر الْفُرُوض وَحدهَا وَذَلِكَ يَنْفِي الزِّيَادَة، وجهة الْمُسلم جِهَة وارثة فالفاضل مَصْرُوف إِلَيْهِم؛ لأَنهم يتحملون الْعقل كالورثة.
لَهُم:
إِذا ضَاقَ المَال عَنْهُم قسم على قدر سِهَامهمْ فَكَذَا إِذا اتَّسع، وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى لما ذكر سِهَامهمْ مَا أَرَادَ أعيانها، وَإِنَّمَا أَرَادَ نسب بَعضهم إِلَى بعض وَأما الزَّوْجَانِ فبالموت انْقَطع مَا بَينهمَا وَإِنَّمَا توارثا بِحرْمَة العقد.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
قَالُوا: للْبِنْت النّصْف مِيرَاثا بِحَق الْبُنُوَّة، وَالْبَاقِي لَهَا بالرحم الْمُرْسلَة الَّتِي شاركت بهَا سَائِر الْأَقَارِب، وَالْجَوَاب: أَن هَذِه الرَّحِم صَارَت مقتضية الْحق بِقَضَاء حق الْبُنُوَّة؛ لِأَن الْبُنُوَّة تَتَضَمَّن الرحمية الْمُرْسلَة لَا محَالة،
(3/198)

فالرحمية من الْبُنُوَّة بِمَنْزِلَة السّقف من الْبَيْت والخمسة من السِّتَّة، فَمن ملك بَيْتا بِعشْرَة دَرَاهِم لَا يملك السّقف بِعشْرَة أُخْرَى، فَإِن من ملك الْبَيْت ملك السّقف، وَلَو كَانَت الرحمية الْعَامَّة قَضِيَّة شَامِلَة للْجَمِيع لوَجَبَ أَن يقسم الْبَاقِي بَين ذَوي الْفُرُوض بِعَدَد رُءُوسهم وَلَا نفضل بِنْتا على أم.
عبارَة ذُو سهم لَا تعصيب لَهُ فَلَا يرد عَلَيْهِ كالزوج.
ومخرجهما من ج فرض كل اثْنَتَيْنِ فَصَاعِدا من الْبَنَات أَو بَنَات الابْن أَو الْأَخَوَات من الْأَبَوَيْنِ أَو الْأَخَوَات من الْأَب، وَالثلث ومخرجه مخرج
(3/199)

الثُّلثَيْنِ فرض كل اثْنَيْنِ فَصَاعِدا من ولد الْأُم ذكرهم وأنثاهم فِيهِ سَوَاء وَهُوَ للْأُم مَعَ عدم الْوَلَد وَعدم الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا من الْأُخوة وَالْأَخَوَات، وَالسُّدُس ومخرجه من و، فرض كل وَاحِد من الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْوَلَد، وَهُوَ للْأُم مَعَ كل اثْنَيْنِ فَصَاعِدا من الْأُخوة وَالْأَخَوَات، وَالْجد مَعَ الْوَلَد، وَالْجدّة أَو الْجدَّات، ولبنت الابْن أَو بَنَات الابْن مَعَ بنت الصلب تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ، وَللْأُخْت من الْأَب، أَو الْأَخَوَات من الْأَب مَعَ الْأُخْت من الْأَبَوَيْنِ تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ وللواحد من ولد الْأُم.
شَذَّ عَن الْأُصُول مَسْأَلَتَانِ: (زوج وأبوان، وَزَوْجَة وأبوان، للْأُم فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا ثلث الْبَاقِي بعد فرض الزَّوْجَيْنِ هما العمريتان) .
(3/200)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: ذَوُو الْأَرْحَام (قصح) :)

الْمَذْهَب: لَا يَرِثُونَ.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ الله تَعَالَى: {وَلكُل جعلنَا موَالِي مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ} ، وَالْمولى يُطلق على الْعصبَة هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ عمم الْكل وَجعل لكل إِنْسَان عصبَة، وَالْجهل بهَا لَا يَقْتَضِي صرف المَال إِلَى غير مُسْتَحقّ، وَرُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ عَن مِيرَاث الْعمة وَالْخَالَة فَركب إِلَى قبَاء يستمطر الْوَحْي وَيَقُول: اللَّهُمَّ عمَّة وَخَالَة، وَعَاد فَقَالَ: لَا مِيرَاث لَهُنَّ.
(3/201)

لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} ، وَقَوله: {وللرجال نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ وللنساء نصيب} .
قَالَ وَاسع بن حبَان: توفّي ثَابت بن الدحداح وَلم يدع وَارِثا
(3/202)

فَدفع رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام مَاله إِلَى ابْن أُخْته أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " الْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ يَرِثهُ وَيعْقل عَنهُ "، وَأعْطى عمر الْخَالَة الثُّلُث، والعمة الثُّلثَيْنِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(3/203)

الْإِرْث عرف توقيفا لَا قِيَاسا لكَونهَا مقادير شَرْعِيَّة تحرم بنت الْبِنْت، وتورث ابْن الْعم فَيتبع النَّص وَلَا نَص فِي ذَوي الْأَرْحَام والمقدرات على أَصله لَا تثبت قِيَاسا، وانعقد الْإِجْمَاع أَن كل أُنْثَى وارثة يعصبها أَخُوهَا، ونرى بنت الْأَخ لَا يعصبها أَخُوهَا، فَدلَّ على أَنَّهَا غير وارثة وَبِالْجُمْلَةِ الْقيَاس لَا يجرى فِي الْمِيرَاث.
لَهُم:
الْإِرْث يبْنى على الْولَايَة وَكلما قطعهَا قِطْعَة كالرق وَاخْتِلَاف الدّين، وَالْمِيرَاث يقدم فِيهِ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب كالولاية، وَالْوَارِث نَائِب عَن الْمَيِّت يَبْنِي ملكه على ملكه، وَحَوله على حوله وَيرد بِالْعَيْبِ، وذوو الْأَرْحَام لَهُم الْولَايَة؛ لأَنهم يبذلون التَّجْهِيز والتكفين والدفن.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
الْآيَة الَّتِي استدلوا بهَا مجملة لَيْسَ فِيهَا تعرض للميراث، فيكفينا
(3/204)

دَعْوَى الْإِجْمَال، ونحملها على الْحَضَانَة والتربية والتجهيز والتكفين، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بهم الْأَقَارِب الْمَذْكُورين فِي آيَة الْمِيرَاث، وَقَوله فِي كتاب الله يدل على ذَلِك؛ لِأَن ذَوي الْأَرْحَام لم يذكرُوا فِي كتاب الله، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْخَال معَارض بأحاديثنا، وَيحْتَمل أَن يكون منهاجه كَقَوْلِه: " الْجُوع زَاد من لَا زَاد لَهُ ".
وَمَعَ تعَارض الْأَحَادِيث لَا يستبعد التَّأْوِيل الْغَرِيب ثمَّ المَال يصرف إِلَى جِهَة الْإِسْلَام لَا إِلَى جِهَة الْمُسلمين، فَلَا وَجه لقَولهم (ترجح) ذَوي الْأَرْحَام، فَإِنَّهُ يخرج أَيْضا فِي عمَارَة قناطر ومصالح وَيصرف إِلَى الرَّقِيق وَالْكَافِر إِذا تعلق بِهِ مصلحَة (الْإِسْلَام وَبِالْجُمْلَةِ نصيب الرَّحِم للتوارث كالنسب حكم شَرْعِي لَا بُد لَهُ من مُسْتَند، وَإِمَّا أَن يثبت أصلا أَو فرعا لَا أصل لَهُ، وَلم يرد فِي ذَلِك) نَص وَمَوْضِع النَّص لَا يُقَاس عَلَيْهِ هَاهُنَا؛ لأَنهم لَيْسُوا على قِيَاس ذَوي الْفُرُوض، حَيْثُ لم
(3/205)

يقدر لَهُم وَلَا على قِيَاس الْعَصَبَات؛ لأَنهم لَا يَأْخُذُونَ مَا فضل عَن الْفُرُوض (بل يرد على الْفُرُوض ويحرمون) .
(3/206)

الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة: المشركة (قصط) :
الْمَذْهَب: يُشَارك ولد الْأَبَوَيْنِ وَالأُم.
عِنْدهم: يستأثر ولد الْأُم بسهمهم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: هبوا أَن أباهم كَانَ حمارا، فَمَا زادهم ذَلِك إِلَّا قربا، وَقيل: بل ولد الْأَبَوَيْنِ قَالَ ذَلِك لعمر.
لَهُم: ... .
(3/207)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
شاركهم فِي قرَابَة الْأُم، وَانْفَرَدَ بِقرَابَة الْأَب، فَإِذا لم يُوجب التَّقْدِيم لم يُوجب التَّأْخِير، وَإِنَّمَا قدمت قرَابَة الْأُم لقوتها فعمرت قرَابَة الْأُم وَلما لم تظهر قرَابَة الْأُبُوَّة ظَهرت قرَابَة الأمومة، وَفِي هَذِه الصُّورَة يَرث بِالْفَرْضِ لَا بِالتَّعْصِيبِ.
لَهُم:
عصبَة لم تَجِد (فضلا فَسقط) كالأخ من الْأَب، وَهَذَا لِأَن قرَابَة الْأُم هَاهُنَا للترجيح (فَلَا تكون للاستحقاق) وَلَو كَانَت سَببا لَاسْتَحَقَّ الْفَرْض والتعصيب، وَدَلِيل بَقَاء تعصيبه أَنه فِي هَذِه الْحَالة تسْقط الْأُخْت من الْأَب ثمَّ لَو أَن ولد الْأُم وَاحِد وَولد الْأَب عشرَة فلجميعهم السُّدس.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
(3/208)

التكملة:
حرمانهم مَعَ الْمُسَاوَاة فِي الِاسْتِحْقَاق لَا وَجه لَهُ؛ لأَنهم لم يتميزوا إِلَّا بِقرَابَة الْأَب وقرابة الْأُم تَابِعَة لقرابة الْأَب سَاقِطَة الْعبْرَة إِذا أمكن الْعَمَل بِقرَابَة الْأَب، وَأما إِذا لم يُمكن فَجعل قرَابَة الْأُم سَاقِطَة مَعَ وجودهَا خَارج عَن الإفادة، وَبِهَذَا نجيب عَن الصُّورَة الَّتِي فِيهَا وَاحِد من ولد الْأُم، وعدة من ولد الْأَبَوَيْنِ، فَإِن تمّ ظهر ابْن قرَابَة الْأُم فَهُوَ إِذا عصبَة، وَقد وجد فِي حَقه سَبَب آخر فَصَارَ كَابْن عَم هُوَ أَخ لأم.
(3/209)

(الْمَسْأَلَة المائتان: الْجد مَعَ الْأُخوة وَالْأَخَوَات (ر) :)

الْمَذْهَب: لَا يحجبهم بل يقاسمهم.
عِنْدهم: يحجبهم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم} ، وَقَوله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن يُوسُف: {وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق} ، وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " ارموا بني إِسْمَاعِيل "، وَقَوله تَعَالَى: (وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح
(3/210)

آباؤكم} .
وَجه الدَّلِيل: أَن اسْم الْأَب يُطلق على الْجد فحجب كَالْأَبِ الْأَدْنَى.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْجد وَالْأَخ اسْتَويَا فِي الإدلاء إِلَى الْمَيِّت فاشتركا فِي الْمِيرَاث كالأخوين لِأَن الْجد أَبُو أَبِيه، وَالِابْن ابْن ابْنه، والإدلاء بالبنوة فِي التَّعْصِيب أقوى من الْأُبُوَّة، بِدَلِيل تَقْدِيم الابْن على الْأَب وَإِن سمي الْجد أَبَا فعلى طَرِيق الْمجَاز.
لَهُم:
كل حكم يثبت للْأَب يثبت للْجدّ من الاستبداد بِالْولَايَةِ ورد الشَّهَادَة ودرء الْقصاص وَالْعِتْق عِنْد الْملك وَملك المَال عِنْد الْحَاجة، وَإِذا استولد جَارِيَته ملكهَا، فَإِذا كَانَ كَذَلِك ساواه فِي حجب الْأُخوة، ثمَّ إِن الْأَخ يسْقط إِذا بَقِي فَرْضه وَلَا يُشَارِكهُ دَائِما.
مَالك: ق.
(3/211)

أَحْمد: ف.
التكملة:
جِهَة الْأُخوة مورثة بِنَصّ الْكتاب فحجب المدلي بهَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم بِنَصّ أَو قِيَاس على نَص وَلم يثبت حجب الْأَخ الْجد نصا، وَإِنَّمَا حجب الْأَب، وَالِابْن وَابْن الابْن، وَلَيْسَ الْجد فِي معنى وَاحِد من هَؤُلَاءِ ويرجح الْأَب على الْأَخ، لَا لأجل أَنه بِنَفس البعضية بل للبعضية المتأكدة بِالْقربِ، فَإِن كَانَ الْجد يدل بالبعضية، فَلَيْسَ لَهُ قرب، وَإِن نزل الْجد منزلَة الْأَب فِي الْأَحْكَام الَّتِي ذكروها فقد نزل الْأَخ بِمَنْزِلَة الابْن عِنْد عدم الابْن فِي أَنه عصب أُخْته بِخِلَاف الْعم وَابْن الْأَخ، وَأَن الذّكر ليستغرق وَالْأُنْثَى النّصْف، والانثيين الثُّلُثَانِ وَالْجد يُفَارق الْأَب فِي الْمِيرَاث فِي العمريتين، وَبِالْجُمْلَةِ الْجد وَارِث، وَالْأَخ وَارِث فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يسقطا مَعًا، أَو
(3/212)

يسْقط أَحدهمَا، وَيَرِث الآخر، وإسقاطهما مَعًا لَا يُمكن، وَالتَّرْجِيح يحكم فَبَقيَ أَن يرثا مَعًا، فَأَما تفاصيل أَحْوَالهم فبالتوقيف وَاتِّبَاع الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم حجَّة إِذا اجْتمع الْجد مَعَ الْأُم أَخذ مثلي مَا يَأْخُذ الْأُخوة لَا ينقصُونَ الْأُم من السُّدس، فَلَا ينقصُونَ الْجد من ضعف السُّدس.
(3/213)

لوحة 52 من المخطوطة أ:
إِذا ورد نَص بتعليق حكم على وصف وَظَهَرت الْمُنَاسبَة لِمَعْنى يتضمنه ذَلِك الْوَصْف وَانْقطع أثر صُورَة الْوَصْف كَانَ اعْتِبَاره على مذاق التحكمات الجامدة الَّتِي لَا نستشف مِنْهَا مخايل الْمَعْنى وَجب إِحَالَة الحكم على مُتَضَمّن الْوَصْف، وَإِن كَانَ للوصف خُصُوص أثر فَلَا سَبِيل إِلَى الْغَايَة، وَقد يُفْضِي هَذَا إِلَى نفي الحكم مَعَ وجود الْوَصْف لانفكاكه عَن الْمَعْنى الْمُنَاسب، فَبِهَذَا قد يُزَاد على المنقوص وَينْقص وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الْقَاتِل لَا يَرث " الصَّحِيح أَن الْقَاتِل قصاصا وحدا يَرث لأَنا فهمنا من الْقَتْل أمرا، ذَلِك الْأَمر مَخْصُوص بِبَعْض أَنْوَاع الْقَتْل فَنَقُول: لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يناط الحرمان بِالْقَتْلِ لصورته أَو لِمَعْنى يتضمنه، وَذَلِكَ الْمَعْنى إِذا كَانَ مناسبا لَا بُد من اعْتِبَاره.
وَقد اضْطربَ رَأْي الْمُجْتَهدين فِي منَاط الحكم من الْقَتْل، وَالْقَتْل يَنْقَسِم إِلَى عمد وَخطأ، وَالْخَطَأ يَنْقَسِم إِلَى: مبَاشر وتسبب، فالشافعي عمم الحرمان، وَأَبُو حنيفَة خصص بالمباشر وَقَالَ: من حفر بِئْرا فِي مَحل
(3/214)

عدوان فتردى فِيهَا قَرِيبه وَرثهُ، وَكَأَنَّهُ يَقُول قَائِلا حَقِيقَة، فَإِن الْهَلَاك حصل بالحركة لَا بِالْحفرِ، وَعِنْدنَا هُوَ قَاتل بِدَلِيل الدِّيَة وَالْكَفَّارَة، وَالْقَتْل فِي حق الْقَاتِل يَنْقَسِم إِلَى مَا يصدر عَن مُكَلّف، وَإِلَى مَا يصدر عَن غير مُكَلّف، وَيَنْبَنِي على ذَلِك مَسْأَلَة الصَّبِي وَالْمَجْنُون، ثمَّ الْقَتْل الْعمد يَنْقَسِم إِلَى مَحْظُور وَغير مَحْظُور، والمحظور لَا محَالة ينْدَرج تَحت الْعُمُوم، وَغير الْمَحْظُور يَنْقَسِم إِلَى مُبَاح كَالْقَتْلِ قصاصا وَقتل الصَّائِل والباغي، وَإِلَى وَاجِب كَالْقَتْلِ حدا فتردد الشَّافِعِي فِي هَذِه الصُّورَة وَقطع أَن كل قتل مَضْمُون بدية أَو كَفَّارَة، أَو قتل فَهُوَ يُوجب الحرمان، وَمَا لَا يُوجب شَيْئا فَهُوَ هدر.
ثمَّ ثار بعد هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الْوَصِيَّة للْقَاتِل فَمنع مِنْهَا الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة، وَهَذَا زِيَادَة على الْمَنْصُوص عملا بِالْمَعْنَى، إِمَّا تشوفا إِلَى مُقَابلَة المتعجل بضد قَصده، أَو نظرا إِلَى أَن المَال المستعجل بَاب وَاحِد يسْتَحق تَارَة بِقرَابَة وَتارَة بزوجيه وَتارَة بِوَصِيَّة، فَمَا كَانَ عِلّة الْإِسْقَاط فِي أَحدهَا كَانَ عِلّة فِي الْبَوَاقِي، وأحق الْعَصَبَات البنون ثمَّ بنوهم، ثمَّ الْأَب، ثمَّ الْجد، وَقد ذكرنَا حَاله مَعَ الْأُخوة، ثمَّ بَنو الْأَب، ثمَّ بنوهم، ثمَّ بَنو الْجد، ثمَّ بنوهم، وعَلى هَذَا لَا يَرث بَنو أَب (أَعلَى وَهُنَاكَ بَنو أَب) أقرب مِنْهُم، وَإِن سفلوا وَأولى ولد كل أَب أقربهم إِلَيْهِ فاستووا فأولاهم من
(3/215)

كَانَ لأَب وَأم والبنون وبنوهم والأخوة من الْأَبَوَيْنِ والأخوة من الْأَب يعصبون أخواتهم ويمنعونهن الْفَرْض ويقتسمون مَا ورثوا للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ وَالْأَخَوَات مَعَ الْبَنَات عصبَة يرثن ويحجبن كالأخوة، وَقد يجْتَمع للْأَب وَالْجد الْفَرْض والتعصيب مَعَ إناث الْوَلَد.
(3/216)

(مسَائِل من الْفَرَائِض)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة بعد الْمِائَتَيْنِ: الْمُرْتَد إِذا مَاتَ أَو قتل مُرْتَدا (را) :)

الْمَذْهَب: كَانَ مَاله فَيْئا.
عِنْدهم: مَا اكْتَسبهُ قبل الرِّدَّة لوَرثَته الْمُسلمين، مَا اكْتَسبهُ بعد الرِّدَّة فَيْء.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا الْكَافِر الْمُسلم "، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا توارث بَين أهل ملتين شَتَّى "، وَهَذَا نَص فِي
(3/217)

الْبَاب.
لَهُم:
قتل عَليّ رَضِي الله عَنهُ الْمُسْتَوْرد الْعجلِيّ على ردته، وَصرف مَاله إِلَى ورثته الْمُسلمين، قَالَ زيد بن ثَابت أَرْسلنِي أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ مُنْصَرفه من قتال الْمُرْتَدين، وَأَمرَنِي أَن أجعَل مَال كل وَاحِد مِنْهُم لوَرثَته من الْمُسلمين، وَلم يرد خِلَافه عَن أحد.
(3/218)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كَافِر فَلَا يَرِثهُ الْمُسلمُونَ كَسَائِر الْكفَّار، لِأَن الْمُوَالَاة شَرط الْإِرْث، لِأَن الوراثة خلَافَة فِي الْملك، فَإِذا انْقَضتْ الْمُوَالَاة انْقَطَعت الْخلَافَة، وَلِهَذَا قَطعنَا الْمِيرَاث، وَلَا نسلم ثُبُوت حكم الْإِسْلَام لَهُ، وَإِنَّمَا لم يقسم مَاله رَجَاء فيئته.
لَهُم:
الْمُرْتَد لَهُ حكم الْإِسْلَام، بِدَلِيل أَنه لَا يكون مَاله فَيْئا فِي الْحَال، وَأَنه لَا يقر على كفره وَيُؤمر بِقَضَاء الصَّلَوَات وَولده من الْكِتَابِيَّة مُسلم، وَالْمَال تبع النَّفس فورث كَالْمُسلمِ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْآثَار الَّتِي نقلوها عَن آحَاد الصَّحَابَة فدعواهم فِيهَا الْإِجْمَاع لَا وَجه لَهُ؛ لِأَن الْخلاف تحقق من التَّابِعين وَلَوْلَا أَن الْخلاف عَن الصَّحَابَة لما تحقق من التَّابِعين، وَلَعَلَّ أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فعل ذَلِك لمصْلحَة رَآهَا.
(3/219)

قَوْلهم: مُسلم حكما كَلَام لَا أصل لَهُ، فَإِنَّهُ مَتى تحقق الْكفْر انْتَفَى الْإِسْلَام، وَأما قَضَاؤُهُ الصَّلَوَات فَهَذَا الحكم عندنَا يخْتَص بالكافر أَيْضا لِكَوْنِهِمَا مخاطبين بِفُرُوع الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا سقط عَن الْكَافِر تَخْفِيفًا، أما الْمُرْتَد فَلَا يسْتَحق التَّخْفِيف وَالْولد يتبع أمه لِأَنَّهَا جُزْء مِنْهُ دينا، وَالَّذِي يدل على أَنه كَافِر حَقِيقَة وَحكما شرع الْقَتْل فِي حَقه على كفره وَكَونه لَا يَرث الْمُسلم وَلَا الْمُرْتَد، والمرء يُورث من حَيْثُ يَرث، ثمَّ فِي أَي وَقت يُورث، أيورث وَهُوَ حَيّ؟ هَذَا محَال، لِأَن مِيرَاث الْأَحْيَاء لَا يَصح، وَإِذا مَاتَ فَهُوَ كَافِر حَقِيقَة، ويلزمهم مَا اكْتَسبهُ مُرْتَدا، فَإِنَّهُم لم يورثوا بِهِ عَنهُ، ثمَّ نقُول: الرِّدَّة أبطلت عصمَة النَّفس فأبطلت عصمَة المَال، لِأَن المَال تَابع للنَّفس.
(3/220)

فارغة
(3/221)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة بعد الْمِائَتَيْنِ: الْقَتْل من الصَّبِي وَالْمَجْنُون (ر ب) :)

الْمَذْهَب: يَقْتَضِي حرمَان الْمِيرَاث.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ للْقَاتِل من الْمِيرَاث شَيْء "، وَهَذَا عَام.
لَهُم: ... .
(3/222)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قتل بِغَيْر حق فَيُوجب حرمَان الْإِرْث، لِأَن حرمَان الْمِيرَاث يتَعَلَّق بِنَفس الْقَتْل سَوَاء كَانَ عُدْوانًا أَو مؤثما، بِدَلِيل الْخَطَأ، وفقهه أَن سَبَب الحرمان قطع الْمُوَالَاة الَّتِي هِيَ شَرط الْإِرْث.
لَهُم:
جَزَاء فعل مَحْظُور لَا يتَعَلَّق بِفعل الصَّبِي وَالْمَجْنُون، دَلِيله الْقود، وتأثيره: أَن حرمَان الْمِيرَاث لَيْسَ فِيهِ جبر (الْمحل وَقد جبر) بِالدِّيَةِ وَإِنَّمَا يُقَابل جَزَاء الْفِعْل، وَالْجَزَاء يفْتَقر إِلَى حظرية وخطاب.
مَالك: الْقَاتِل عمدا لَا يَرث.
أَحْمد: ق.
التكملة:
بِالْقَتْلِ قطع الوصلة فَلَا يثبت فِي حَقه مَا هُوَ وصلَة كَمَا فِي حق الْبَالِغ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَتْلِ قطع الرَّحِم الَّتِي هِيَ سَبَب الْمِيرَاث، ثمَّ يلْزمهُم الخاطئ، فَإِن فعله غير مؤثم، وَمَعَ هَذَا حرمه الْمِيرَاث، وَبِالْجُمْلَةِ الْعلَّة فِي
(3/223)

قطع الْمِيرَاث قطع الْمُوَالَاة، قَوْلهم فِي الْموضع الْمُتَّفق عَلَيْهِ قد استعجل مَا أَخّرهُ الله تَعَالَى، قُلْنَا: يبطل بِأم الْوَلَد، وَالْمُدبر وَصَاحب الدّين الْمُؤَجل، فَإِن الْمُدبر وَأم الْوَلَد يعتقان، والغريم يسْتَحق الدّين، أما الْقَتْل الْوَاجِب، وَالْقَتْل الْمُبَاح، قُلْنَا فيهمَا منع، فَنَقُول: يحرم الْمِيرَاث، وَإِن شِئْنَا خرجناه على طريقتنا؛ لأَنا قُلْنَا بِغَيْر حق، وَهَذَا قَاتل بِحَق.
(3/224)

(المسالة الثَّالِثَة بعد الْمِائَتَيْنِ: الْقرَابَات بِنِكَاح الْمَجُوس وَوَطْء شُبْهَة (ر ج) :)

الْمَذْهَب: يَرث بأقوى قرابتيه.
عِنْدهم: يَرث بهما.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(3/225)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
شخص وَاحِد فَلَا يجمع بَين فرضين كَمَا لَو كَانَت زَوجته هِيَ بنت أَو هِيَ أم، وَذَلِكَ لِأَن الْفُرُوض مقدرَة لَا يجوز الْمَزِيد عَلَيْهَا كالحدود والعبادات، قَالَ الشَّافِعِي: لَو قضينا بذلك لزم مِنْهُ أَن تحجب نَفسهَا وَذَلِكَ مستبعد.
لَهُم:
قرابتان لَهما اسمان فورث بهما كَابْن الْعم إِذا كَانَ أَخا لأم، والأسباب إِذا تعدّدت تعدّدت مسبباتها، ثمَّ الْأَب وَالْجد يجْتَمع لكل مِنْهُمَا الْفَرْض والتعصيب بِجِهَة وَاحِدَة، فَلِأَن يجْتَمع لشخص فرضان بجهتين كَانَ أولى.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
الْجمع فِي التَّوَارُث بقرابتين حكم شَرْعِي لَا يعرف إِلَّا بِدَلِيل شَرْعِي
(3/226)

وَهُوَ النَّص، أَو الْقيَاس على مَنْصُوص وَلَا نَص وَلَا أصل يُقَاس عَلَيْهِ، فَإِن قستموه على ابْن الْعم الْأَخ من الْأُم لم يَصح أَولا؛ لِأَن هَذِه قَرَابَات أذن الشَّارِع فِيهَا، وَثَانِيا؛ لِأَنَّهَا فرض وتعصيب.
قَالُوا: إِذا ورثنا بالأمومة مُفْردَة وبالأخوة مُفْردَة، فالجمع بَينهمَا لَا يزِيد عَلَيْهِمَا، وَالْجَوَاب: أَنه شرع كل وَاحِد مِنْهُمَا يدل على الْأُخْرَى وَلم يشرع الْجمع، قَوْلهم: الْجمع لَا يزِيد على الْإِفْرَاد مناكرة للمعقول وينتقص عَلَيْهِم بالأخت من الْأَبَوَيْنِ.
(3/227)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة بعد الْمِائَتَيْنِ: إِذا قتل الْعَادِل الْبَاغِي (ر د) :)

الْمَذْهَب: لَا يَرث.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
عُمُوم قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ للْقَاتِل من مَال مقتوله شَيْء "، وَقَالَ تَعَالَى: {فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله} أَمر بِالْقِتَالِ لَا بِالْقَتْلِ.
لَهُم: ... .
(3/228)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمَأْمُور بِهِ الْقِتَال لَا الْقَتْل، فوجود الْقَتْل فِيهِ تعد من وَجه فَأوجب حرمَان الْإِرْث كالمؤدب وَالْإِجْمَاع وَاقع على أَنا لَا نذفف على جريحهم وَلَا نقْتل أسيرهم، وَلَا نبدأهم بِقِتَال، فالقصد كف شرهم لَا إعدامهم فَصَارَ كالروح.
لَهُم:
مَأْمُور بِالْقِتَالِ وَهُوَ سَبَب الْقَتْل فَسقط عَنهُ مُوجب حكم الْقَتْل كَالْقصاصِ وَالْكَفَّارَة؛ لِأَنَّهُ لما أذن فِيهِ اسْتَحَالَ أَن يُؤَاخذ بِهِ كَمَا فِي الجلاد بل أولى، فَإِن الْجلد لَا يُفْضِي إِلَى الْقَتْل غَالِبا، والقتال يُفْضِي إِلَى الْقَتْل غَالِبا.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
قَالُوا: فعل الْمُؤَدب وَالزَّوْج مُتَعَدٍّ، فَلهَذَا أوجب الضَّمَان وَالْكَفَّارَة
(3/229)

وَهَذَا الْفِعْل لَا يُوجب ضمانا وَلَا كَفَّارَة، فَلَا يحرم الْإِرْث.
الْجَواب: قد بَينا وَجه التَّعَدِّي فِيهِ، فَإِنَّهُ أَمر بِالْقِتَالِ لَا بِالْقَتْلِ لَكِن لما كَانَ التَّعَدِّي فِيهِ أقل لم يُوجب الضَّمَان وَلَا الْكَفَّارَة، وَالْفرق فِي هَذَا يُوجب الْفرق فِي الْمِيرَاث، أَلا ترى أَن الْعَامِد يلْزمه الْقصاص والخاطئ لَا يلْزمه، وَمَعَ هَذَا اتفقَا فِي حرمَان الْإِرْث، ثمَّ إِن المصول عَلَيْهِ إِذا قتل الصَّائِل لَا ضَمَان وَلَا كَفَّارَة وَمَعَ هَذَا لَا يَرث، وَيدل على جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ أَن الْخِتَان يحرم الْمِيرَاث إِذا قتل، وَقد فعل فعلا مَأْمُورا بِهِ، ثمَّ هُوَ عنْدكُمْ شبه عمد، وَبِالْجُمْلَةِ الْمَسْأَلَة مشكلة لعدم الضَّمَان وَالْكَفَّارَة.
(3/230)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة بعد الْمِائَتَيْنِ: الْمُوَالَاة (ر هـ) :)

الْمَذْهَب: لَا يُورث بهَا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
سَبَب لَا يُورث بِهِ مَعَ وجود السَّبَب بِحَال، وَلَا يُورث بِهِ مَعَ فَقده كالرضاع.
(3/231)

لَهُم:
الْإِرْث مرّة بِالْفَرْضِ وَمرَّة بِالتَّعْصِيبِ ثمَّ الْإِرْث بِالْفَرْضِ يسْتَحق بمعنيين أَحدهمَا يلْحقهُ الْفَسْخ وَهُوَ النِّكَاح، وَالْآخر لَا يلْحقهُ الْفَسْخ، وَهُوَ النّسَب (فَيجب أَن يكون فِي التَّعْصِيب كَذَلِك، فَالَّذِي يلْحقهُ الْفَسْخ الْمُوَالَاة وَالَّذِي لَا يلْحقهُ الْفَسْخ النّسَب) .
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
قَالُوا: الرَّضَاع لم يسْتَحق بِهِ الْإِرْث فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام والموالاة اسْتحق بهَا. الْجَواب: لَيْسَ إِذا ورث فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام ورث بِهِ الْآن كالهجرة، قَالُوا: الْإِرْث ثَبت بَين الرجل وَالْمَرْأَة بِثَلَاثَة أوجه: الْعتْق، وَالنّسب، وَعقد النِّكَاح فَيجب أَن يثبت بَين الرجلَيْن والمرأتين من ثَلَاثَة أوجه، وَهَذَا يَنْقَلِب عَلَيْهِم، فَإِن الْإِرْث لَا يثبت (والمرأتين من ثَلَاثَة أوجه وَهَذَا يَنْقَلِب عَلَيْهِم، فَإِن الْإِرْث لَا يثبت من الرجل) بَين الرجلَيْن من أَرْبَعَة أوجه
(3/232)

فَيجب أَن يثبت بَين الرجل وَالْمَرْأَة من أَرْبَعَة أوجه.
من هوامش لوحة 52 أ:
اعْلَم أَن مخرج كل كسر عدد مَا فِي الْوَاحِد من أَمْثَاله، فمخرج النّصْف من اثْنَيْنِ، وَالثلث من ثَلَاثَة، فَإِذا أردْت مخرج كسرين فَمَا زَاد، عملت مخرج كسرين مِنْهُمَا بِأَن تنظر إِن كَانَ سمى أحد المخرجين بعد سمى الْمخْرج الآخر فالمعدود، وَهُوَ مخرج الكسرين، وَإِن باينه ضربت أَحدهمَا فِي الآخر، وَإِن وَافقه ضربت وفْق أَحدهمَا فِي الآخر، فَإِذا عملت مخرجا لكسرين عملت بِهِ، وبمخرج الْكسر الثَّالِث كَذَلِك، فعلى هَذَا مخرج ثلث وَربع وَسدس من اثْنَي عشر ومخرج ثلث وَثمن وَسدس من أَربع وَعشْرين، والعددان المتوافقان هما اللَّذَان بعدهمَا عدد ثَالِث، وهما متفقان بِأَكْثَرَ مَا بعدهمَا، والعول هُوَ أَن تزيد السِّهَام على الْمخْرج، وَأَنت إِذا جمعت السِّهَام فمهما بلغت فَهُوَ أصل الْمَسْأَلَة.
مِثَاله: زوج وَأُخْت وَأم، أَصْلهَا من سِتَّة: للزَّوْج ثَلَاثَة، وَللْأُخْت ثَلَاثَة، وَللْأُمّ اثْنَان تعول إِلَى ثَمَانِيَة، فَصَارَ ذَلِك أصل الْمَسْأَلَة، فقد كَانَ للزَّوْج نصف يصير لَهُ ربع وَثمن، وَكَذَلِكَ للْأُخْت، وَكَانَ للْأُم الثُّلُث فَيصير لَهَا الرّبع.
قَالَ بعض الْأَصْحَاب: كل قتل مَضْمُون لَا إِرْث مَعَه، وَقيل مَتى لحقته التُّهْمَة بِوَجْه لَا يَرث.
(3/233)

مَذْهَب عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِ أَن دِيَة الْمَقْتُول لِلْعَاقِلَةِ.
الْوَلَاء الْمُرَتّب على الْعتْق يُورث بِهِ، وَلَا يُورث وَهُوَ للكبر من الْعَصَبَات، مِثَاله: مُعتق مَاتَ وَخلف ابْنَيْنِ فَمَاتَ أَحدهمَا وَخلف ابْنا ثمَّ مَاتَ الْمُعْتق فَمَاله لِابْنِ مُعْتقه، وَلَا شَيْء لِابْنِ الابْن الدارج، وَالنِّسَاء لَا يرثن إِلَّا من أعتقن أَو أعتق من أعتقن.
اخْتصم عَليّ وَالزُّبَيْر فِي موَالِي صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب فَقَالَ عَليّ: أَنا أَحَق؛ لِأَنِّي أَعقل عَنْهُم، وَقَالَ الزبير: أَنا أَحَق لأَنهم موَالِي أُمِّي قضى عمر بِأَن يعقل عَنْهُم عَليّ ويرثهم الزبير.
(3/234)

(مسَائِل الْوَصَايَا)
(3/235)

فارغة
(3/236)

لوحة 53 من المخطوطة أ:
إِذا أوصى لوَاحِد بِنصْف، وَلآخر بِثلث، وَلآخر بِربع فَالْمَال وَالثلث بَينهم على يج. قَالَ أَبُو حنيفَة: يعْطى صَاحب النّصْف مَه، وَصَاحب الثُّلُث مج، وَصَاحب الرّبع مب؛ لِأَن صَاحب النّصْف فضل صَاحب الثُّلُث بسهمين من يب فيدفعان إِلَيْهِ وهما يفضلان صَاحب الرّبع كل وَاحِد بِسَهْم فبقى ح بَينهم أَثلَاثًا، فَإِن لم تجز الْوَرَثَة فَعِنْدَ أبي حنيفَة أَن من أوصى لَهُ بِأَكْثَرَ من الثُّلُث إِنَّمَا تضرب بِالثُّلثِ.
وَاعْلَم أَنه إِذا قَالَ: إِن كَانَ فِي بَطْنك ذكر فَلهُ دِينَارَانِ، وَإِن كَانَ أُنْثَى فدينار، فَإِن كَانَ ذكرا أَو أُنْثَى فَلهُ مَا قَالَه، وَإِن كَانَ ذكرا وَأُنْثَى فَلَهُمَا ثَلَاثَة دَنَانِير، فَأَما إِن قَالَ: إِن كَانَ مَا فِي بَطْنك أَو حملك ذكرا فَلهُ
(3/237)

دِينَارَانِ (وَإِن كَانَ أُنْثَى فَلهُ دِينَار) ، فَكَانَ تؤما ذكرا وَأُنْثَى فَلَا شَيْء لَهُ، وَإِذا أوصى لما تحمل فُلَانَة صَحَّ، وَإِذا أوصى بِمَنْفَعَة أمة على التأييد أَو مُدَّة مَعْلُومَة صَحَّ، وَفِي النَّفَقَة ثَلَاثَة أوجه على الْوَصِيّ لَهُ أَو فِي كسب الْمُوصى بِهِ، أَو بَيت المَال، وَوجه هَذَا الْوَجْه: أَنه حَيَوَان مُحْتَرم، وَإِن وَطئهَا الْمُوصي لَهُ فَلَا حد عَلَيْهِ، وَلَا يملك (وَطئهَا، وَإِن) وَطئهَا الْوَارِث لَا حد عَلَيْهِ، وَعَلِيهِ الْمهْر للْمُوصى لَهُ، وَإِذا أعتق أمته فِي مَرضه الْمخوف وَتَزَوجهَا ثمَّ مَاتَ لم تَرثه؛ لِأَنَّهَا لَو ورثته كَانَ عتقهَا وَصِيَّة للْوَارِث، وَإِن أبطل الْعتْق بَطل النِّكَاح وَالْمِيرَاث جَمِيعًا، فصححنا الْعتْق وَالنِّكَاح وأبطلنا الْمِيرَاث.
وَفِي ملك الْمُوصى لَهُ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا تدخل فِي ملكه بِغَيْر اخْتِيَاره وَلَيْسَ هَذَا مَشْهُورا وَوجه: أَنه يسْتَحق بِالْمَوْتِ فَهُوَ كالميراث؛ وَلِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يبْقى على الْمَيِّت؛ لِأَنَّهُ صَار جمادا وَلَا يجوز أَن ينْتَقل إِلَى الْوَارِث لقَوْله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة} فَبَقيَ أَن ينْتَقل إِلَى الْمُوصى لَهُ،
(3/238)

وَالثَّانِي: أَن يملك بِالْقبُولِ، وينتقل بِالْمَوْتِ إِلَى الْوَرَثَة وَهُوَ مَذْهَبهم؛ لِأَنَّهُ تمْلِيك لغير معِين فَلم يسْبق الْملك الْقبُول كَسَائِر الْعُقُود، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنا نتبين بِالْقبُولِ أَنه انْتقل إِلَيْهِ من حِين الْمَوْت اخْتِيَار الْمُزنِيّ، فَإِن رد أَو قبل الْمَوْت لم يُؤثر، وَإِن رد بعد الْمَوْت وَقبل الْقبُول نفذ، وَإِن رد بعد الْمَوْت وَالْقَبُول وَالْقَبْض لم يَصح وَإِن كَانَ قبل الْقَبْض فَفِيهِ خلاف، وَإِذا مَاتَ الْمُوصى لَهُ قَامَ وَارثه مقَامه فِي الْقبُول وَالرَّدّ، قَالَ أَبُو حنيفَة: يملك بِمَوْتِهِ، لنا أَنه تمْلِيك يفْتَقر إِلَى الْقبُول، فَإِذا مَاتَ قبل الْقبُول لم يتم كَالْبيع إِذا أوصى لأقارب فلَان دخل فِيهِ كل أَقَاربه والوالدون والمولودون، وحجته فِي الْوَالِدين والمولودين قَوْله تَعَالَى: {للْوَالِدين والأقربين} ، وَالْجَوَاب: أَولا نقُول من دخل فِي عقد الْأمان باسم الْقَرَابَة دخل فِي الْوَصِيَّة باسم الْقَرَابَة كذي الرَّحِم الْمحرم وإفراد الْوَالِدين والمولودين بِالذكر لَا يخرجهم عَن الْقَرَابَة، كَمَا أَن إِفْرَاد جِبْرِيل وَمِيكَائِيل بِالذكر عَن الْمَلَائِكَة لَا يخرجهم من الْمَلَائِكَة.
(3/239)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة بعد الْمِائَتَيْنِ: إِذا أوصى بِثلث مَاله أَو بِنصفِهِ (رو) :)

الْمَذْهَب: يقسم الثُّلُث أَو مَا أجَاز الْوَرَثَة على خَمْسَة.
عِنْدهم: يقسم على سَهْمَيْنِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لسعد: " تصدق بِالثُّلثِ وَالثلث كثير "، وَقَوله: " إِن الله جعل لكم فِي آخر أعماركم ثلث أَمْوَالكُم زِيَادَة فِي حسناتكم ".
(3/240)

وَجه الدَّلِيل: أَنه عَلَيْهِ السَّلَام عين الثُّلُث للْوَصِيَّة فَمَا زَاد عَلَيْهَا لَيْسَ مَال الْمُوصي فَتبْطل الْوَصِيَّة بِهِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
صادفت الْوَصِيَّة ملك الْمُوصي، فانعقدت بِدَلِيل أَن الْوَرَثَة لَو أجازوها كَانَ التَّمْلِيك مُضَافا إِلَى الْمُوصي مَذْهَبهم، وَقَوْلنَا: وَالْوَصِيَّة صَحِيحَة وللورثة حق الِاعْتِرَاض لرفع ضَرَر فأبطلت الْوَصِيَّة فِيمَا يتضررون بِهِ، وَنفي التَّفَاوُت الَّذِي قَصده الْمُوصي، وَالْوَصِيَّة يتشوف الشَّرْع إِلَى
(3/241)

صِحَّتهَا بِدَلِيل نفوذها فِي الْمَجْهُول.
لَهُم:
مَا زَاد على الثُّلُث يصادم حق الْوَرَثَة بِيَقِين، فَإِذا ردُّوهُ بَطل، كَمَا لَو أوصى بِثلث مَاله وَنصف مَال جَاره، وَدَلِيل مصادمته حق الْوَارِث ارتداده برده.
مَالك: ق.
أَحْمد:.
التكملة:
يلْزمهُم إِذا أوصى بستمائة، وَلآخر بسبعمائة وَمَاله ألف ورد الْوَرَثَة فَإِنَّهُمَا يقتسمان على نِسْبَة الْوَصِيّين، وَكَذَلِكَ لَو عتق عَبْدَيْنِ بِهَذِهِ النِّسْبَة أَو حابى ويلزمهم إِذا أوصى بِالثُّلثِ وَالرّبع وَالسُّدُس وَبِالْجُمْلَةِ بكسور هِيَ فِيمَا دون الثُّلُث ورد الْوَرَثَة، فَإِن الثُّلُث يقسم بَين هَؤُلَاءِ على
(3/242)

قدر وصاياهم.
وَالْوَصِيَّة تحْتَمل مَا لَا تحتمله عُقُود الْمُعَاوَضَات من الْجَهْل والعدم وتراخي الْقبُول مرحمة للعباد، وَيَنْبَغِي أَن يفْرض الْكَلَام فِيمَا إِذا وصّى لعالم بِنصْف مَاله، ولجاهل بِالثُّلثِ ليظْهر غَرَض الْمُوصي فِي التَّفَاوُت وَيكون للْمُوصي قصدان: أَحدهمَا زحمة الْوَرَثَة بالوصايا، وَالْآخر التَّفَاوُت بتفضيل الْعَالم على الْجَاهِل فالوارث يدْفع مَا يتَعَلَّق بِهِ وَله ذَلِك فَيبقى قصد التَّفَاوُت، أما لَو أوصى بِالزِّيَادَةِ على مَاله فَهُوَ غير صَحِيح.
(3/243)

فارغة
(3/244)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة بعد الْمِائَتَيْنِ: إِذا أوصى بِجَمِيعِ مَاله وَلَا وَارِث لَهُ (ر ز) :)

الْمَذْهَب: نفذ فِي الثُّلُث وَبَطل فِي الْبَاقِي.
عِنْدهم: تنفذ فِي الْجَمِيع.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " إِن الله جعل لكم فِي آخر أعماركم ثلث أَمْوَالكُم "، وَجه الدَّلِيل: أَنه جعل لَهُ الثُّلُث، فَمَا زَاد لَيْسَ لَهُ (إِذا أوصى بِجَمِيعِ مَاله وَلَا وَارِث لَهُ قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد فِي أحد روايتيه الْوَصِيَّة صَحِيحَة) .
لَهُم: ... .
(3/245)

الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
الْمُسلمُونَ وَرَثَة؛ لأَنهم يعْقلُونَ عَنهُ، وَإِن كَانَ ذِمِّيا حموه فَلهم الْولَايَة الَّتِي يسْتَحق الْمِيرَاث بهَا وَيجب الْقصاص لَهُم، فَلهَذَا قُلْنَا: مَاله لَهُم (بوصيته وَقد صادمت) حُقُوقهم فارتدت كَمَا لَو كَانَ لَهُ وَرَثَة من النّسَب.
لَهُم:
لَا وَارِث لَهُ فنفذت وَصيته فِي الْجَمِيع والمسلمون لَيْسُوا وَرَثَة بِدَلِيل أَنه يجوز تَفْضِيل الْأُنْثَى على الذّكر، وَلَو أوصى لآحاد الْمُسلمين صَحَّ وَلَا تصح الْوَصِيَّة لوَارث وَبَيت المَال للأموال الضائعة لَا بِحكم الْإِرْث.
مَالك: ق
أَحْمد: ف.
التكملة:
تصرف فِيمَا لم يُعْط فَلم ينفذ، فَإِن قَالُوا: خُوطِبَ من لَهُ وَرَثَة
(3/246)

لِئَلَّا يدعهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس، فَالْجَوَاب بل هُوَ خطاب عَام، وَلِهَذَا لَا فرق بَين أَن يكون الْوَرَثَة أَغْنِيَاء أَو فُقَرَاء وَالنَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام أعرب عَن صُورَة حَال الْمُخَاطب وَرُبمَا منعُوا أَن من لَا وَارِث لَهُ يقتل قَاتله، وَهَذَا لعمري مَذْهَب مُحَمَّد، ونقول: جِهَة الْإِسْلَام هِيَ الوارثة لَا آحَاد الْمُسلمين وَلِهَذَا تصرف فِي مصَالح الدَّار وَيُمكن أَن يرتكب أَن الْمُسلمين هم الْوَارِث يمْتَنع أَن يُعْطي الإِمَام من أوصى لَهُ غير الْوَصِيَّة وَمَا يجْرِي هَذَا المجرى.
(3/247)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة بعد الْمِائَتَيْنِ: الْمُوصي إِلَيْهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي نوع (ر ح) :)

الْمَذْهَب: لَا يملك التَّصَرُّف فِي سواهُ ويوصي.
عِنْدهم: لَهُ التَّصَرُّف فِي سَائِر الْأَنْوَاع ويوصي
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تصرف بالتفويض فَهُوَ كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارب، تَحْقِيقه إِن قبل التَّفْوِيض مَا
(3/248)

كَانَ لَهُ التَّصَرُّف فقد نَهَاهُ عَن الْبَاقِي أَو سكت عَنهُ فَبَقيَ مَا لم يَأْمُرهُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّفْوِيض كَمَا قبل التَّفْوِيض.
لَهُم:
تصرف بِحكم الْولَايَة فَلَا يخْتَص تصرفه بِنَوْع كولي عهد الإِمَام وَالْحَاكِم عِنْد عدم الْأَب، الدَّلِيل على أَنَّهَا ولَايَة أَنَّهَا لَا تصح من الْفَاسِق وَالْوَكِيل يجوز أَن يكون فَاسِقًا، ثمَّ إِنَّهَا تُضَاف إِلَى مَا بعد الْمَوْت وَبعد الْمَوْت نزُول أَمْلَاك الْمُوصي، فَكيف يملكهَا غَيره، وَالْولَايَة لَا تتجزأ فَصَارَ كَمَا لَو قَالَ طلقت بعضك، فَإِنَّهُ يُطلق الْكل.
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: الْوَصِيَّة ولَايَة، وَالْولَايَة لَا تتجزأ وَمَا لَا يتَجَزَّأ فإثبات بعضه إِثْبَات كُله، وَهَذِه غير مسلمة، أما الدَّلِيل على أَنَّهَا لَيست ولَايَة فكونها تصح لعبد الْأَطْفَال الْمُوصى إِلَيْهِم، وَعبد الطِّفْل لَيْسَ لَهُ ولَايَة عَلَيْهِ،
(3/249)

فَإِن قَالُوا: شَرط الْوكَالَة أَن تبقى ولَايَة الْمُوكل، قُلْنَا: فَشرط الْولَايَة أَن تنقل مَاله وَلَيْسَ لَهُ ولَايَة بعد الْمَوْت، وَلَو أَرَادَ الْأَب أَن ينصب وَصِيّا على أطفاله بعد الْبلُوغ تنقل الْقُوَّة لَهُ هَل الْبلُوغ مَا كَانَ لَهُ ذَلِك، بل يقدر بَقَاء ولَايَة الْأَب بعد الْمَوْت لحَاجَة الطِّفْل، وَإِنَّمَا انْعَزل الْوَكِيل بِالْمَوْتِ؛ لِأَن تصرفه كَانَ فِي حَالَة الْحَيَاة، وَالْإِطْلَاق يفهم مِنْهُ ذَلِك، وهب أَنا سلمنَا كَونهَا ولَايَة لَكِن سَببهَا التَّفْوِيض فتقدرت بِهِ، ثمَّ ولَايَة الْوَصِيّ تخَالف ولَايَة الْأَب، فَإِنَّهَا يجوز أَن تقدر بِزَمَان وبحادثة كقدوم غَائِب، وَيجوز أَن يُوصي إِلَى اثْنَيْنِ، وَولَايَة الْأَب عَامَّة، وَبِالْجُمْلَةِ لكل عقد حكم وتحتمل بعض الْعُقُود مَا لَا يحْتَمل بعض، وَلكُل ولَايَة قُوَّة، فولاية الْأَب فَوق ولَايَة الْوَصِيّ.
(3/250)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة بعد الْمِائَتَيْنِ: الْوَصِيَّة للْقَاتِل (ر ط) :)

الْمَذْهَب: صَحِيحَة فِي أحد الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: لَا تصح.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين} .
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
عقد تمْلِيك فصح للْقَاتِل كَسَائِر التمليكات، دَلِيل ذَلِك افتقاره إِلَى
(3/251)

الْإِيجَاب وَالْقَبُول وَالْملك يحصل فِيهَا بِالْعقدِ، وَلِهَذَا اعْتبر أَهْلِيَّة الْعَاقِد فَصَارَ محسنا قدر إساءة الْمُوصى لَهُ ومقابلة الْمُسِيء بِالْإِحْسَانِ حسن.
لَهُم:
الْمُوصى لَهُ خَليفَة الْمُوصي، والخلافة إِنَّمَا تتَحَقَّق بعد الْمَوْت فَصَارَت الْوَصِيَّة بِمَثَابَة الْقَرَابَة، فَالْوَصِيَّة والقرابة سببان، إِلَّا أَن أَحدهمَا اسْتِخْلَاف شَرْعِي وَالْآخر بِفعل العَبْد، ثمَّ الْوَارِث يحرم بِالْقَتْلِ فَكَذَا الْمُوصى لَهُ وَلَيْسَت عقد تمْلِيك بِدَلِيل تَعْلِيقهَا على مَا بعد الْمَوْت، وعَلى الْمَجْهُول والمعدوم.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
إِذا فَرضنَا الْكَلَام فِيمَا إِذا تقدم الْجرْح كَانَ أظهر؛ لِأَن الْمُوصي قد رَضِي بِفعل الْمُوصى لَهُ وقابل إساءته بِإِحْسَان، وَالشَّرْع لَا ينْهَى عَن ذَلِك، بل يحث عَلَيْهِ، وَمن الْأَدَب النَّبَوِيّ: " أحسن إِلَى من أَسَاءَ إِلَيْك " ثمَّ هَذَا عقد تمْلِيك صَدَقَة أَو هبة كَيفَ قدر إِلَّا أَنه أوسع بَابا من التمليكات وَالْقَتْل
(3/252)

إِنَّمَا يُنَافِي الْإِرْث فَلم يكن فِي معنى الْمَنْصُوص، وَمَا يوردونه من الاستعجال ومؤاخذة الْمُسِيء بَاطِل بالمستولدة إِذا قتلت مَوْلَاهَا، فَإِنَّهَا تنعتق كَمَا تقدم، ثمَّ لَيْسَ الْمَوْت سَببا للاستحقاق، بل عقد الْوَصِيَّة ثمَّ الْقَتْل يُنَاسب منع الْمِيرَاث لما فِيهِ من قطع الْمُوَالَاة الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْإِرْث، وَلِهَذَا لَا نورث الرَّقِيق وَالْكَافِر لانْقِطَاع الْمُوَالَاة، وَالْقَتْل ضد الْمُوَالَاة، لِأَن الْمُوَالَاة عبارَة عَن التعاون على أَسبَاب الْبَقَاء وعذقها الشَّرْع بِالْقَرَابَةِ فَلم يلْتَفت إِلَى آحَاد الصُّور من الْكَاشِح والمحب، وَبِالْجُمْلَةِ مَتى أثبت الشَّرْع، حكما مَقْرُونا بِسَبَب فإلحاق غَيره بِهِ عَارِيا عَن تِلْكَ الْمُنَاسبَة تجاسر على الشَّرْع.
(3/253)

الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: إِذا اشْترى الْوَصِيّ شَيْئا من مَال الْيَتِيم (ر ى) :
الْمَذْهَب: لم يَصح.
عِنْدهم: يجوز بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يَشْتَرِي الْوَصِيّ من مَال الْيَتِيم شَيْئا وَلَا الإِمَام من الْمغنم شَيْئا " وَلم يفصل.
لَهُم: ... .
(3/254)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
من لَا يجوز لَهُ أَن يَشْتَرِي بِثمن الْمثل لَا يجوز لَهُ أَن يَشْتَرِي بِأَكْثَرَ كَالْوَكِيلِ.
لَهُم:
تصرف بِولَايَة مُسْتَحقَّة فَجَاز أَن يَشْتَرِي قِيَاسا على الْجد، وَيُخَالف الْوَكِيل، فَإِنَّهُ يتَصَرَّف بِالْإِذْنِ.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
دَعوَاهُم أَنه تصرف بِحكم الْولَايَة قد تقدم جَوَابه، وَعِنْدنَا يتَصَرَّف
(3/255)

بالتفويض وَيتَوَجَّهُ عَلَيْهِم كَونه لَا يشترى بِثمن الْمثل نقصا أبدا، وَقد تفرق بَينه وَبَين الْجد، لِأَن الْجد يجوز أَن يَشْتَرِي بِثمن الْمثل.
(3/256)

(الْوَدِيعَة وَمَا بعْدهَا من ربع الْبيُوع)
(3/257)

فارغة
(3/258)

لوحة 54 من المخطوطة أ:
إِذا أَرَادَ الْمُودع سفرا كَانَ لَهُ رد الْوَدِيعَة إِلَى صَاحبهَا أَو وَكيله، فَإِن دَفعهَا إِلَى الْحَاكِم مَعَ وجود أَحدهمَا ضمن، فَإِن لم يحضر أَحدهمَا وَاحْتَاجَ إِلَى السّفر دَفعهَا إِلَى الْحَاكِم وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، فَلَو دَفنهَا وَلم يعلم بهَا أحدا ضمن، وَكَذَا إِذا أعلم بهَا غير ثِقَة، فَإِذا حَضرته الْوَفَاة جرى مجْرى السّفر، وَإِن أودعها عِنْد ثِقَة جَازَ مَعَ عدم الْحَاكِم، وَإِذا جن الْمُودع أَو حجر عَلَيْهِ لسفه كَانَ على الْمُودع رد الْوَدِيعَة إِلَى الْحَاكِم؛ لِأَن إِذْنه فِي الْإِيدَاع بَطل والناظر عَلَيْهِ الْحَاكِم، إِذا أودع دَرَاهِم فِي كيس فَكسر الْخَتْم أَو حل الشد ضمن؛ لِأَنَّهُ خرق حرز الْوَدِيعَة وهتك حرمتهَا، وَإِن خرق فَوق الشد ضمن مَا خرق.
وَاعْلَم أَن الْغَنِيمَة مَا أَخذ من الْمُشْركين بالقهر وَالْغَلَبَة، والفيء مَا انجلوا عَنهُ، والجزية والعشور وأموال الْخراج مقسوم على خَمْسَة: للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، لِذَوي الْقُرْبَى وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب ابْنا عبد منَاف، لِلْيَتَامَى، للْمَسَاكِين، لِابْنِ السَّبِيل، فَأَما الْفَيْء فَأَرْبَعَة أخماسه كَانَ لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وخمسه يقسم على خَمْسَة كخمس الْغَنِيمَة خمسه لرَسُول الله مقسوم على
(3/259)

أَرْبَعَة أَخْمَاس فَيكون من عشْرين سَهْما، فَلَمَّا توفّي (النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام) انْتقل السهْم الَّذِي كَانَ لَهُ من الْخمس إِلَى الْمصَالح، وَأما أَرْبَعَة أَخْمَاس الْفَيْء فَفِيهَا قَولَانِ: أَحدهَا أَنَّهَا انْتَقَلت إِلَى المرابطين؛ لِأَن بهم ينتصر الْإِسْلَام كَمَا كَانَ ينتصر بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام، وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّهَا لمصَالح الْمُسلمين.
مَسْأَلَة: إِذا قَالَ الإِمَام من أَخذ شَيْئا فَهُوَ لَهُ فَهُوَ شَرط بَاطِل خلافًا لَهُم، لنا آيَة الْغَنِيمَة وَعِنْدهم لَا يُخَمّس.
مَسْأَلَة: إِذا فتح بَلَدا وملكت أَرض وَجب قسمتهَا بَين الْغَانِمين، قَالَ أَبُو حنيفَة الإِمَام بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أجلاهم مِنْهَا وَأقر غَيرهم من الْكفَّار فِيهَا، وَإِن شَاءَ قسمهَا بَين الْغَانِمين، وَإِن شَاءَ أقرّ أَهلهَا فِيهَا بالخراج. لنا آيَة الْغَنِيمَة وَلِأَنَّهُ نوع مَال فَلم تكن قسمته موكولة إِلَى اخْتِيَار الإِمَام كالمنقولات.
وَلَا يُقَال: إِن المنقولات لَا يَصح وضع الْخراج عَلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِك
(3/260)

الْعقار؛ لأَنا لَا نسلم أَنه يجوز ضرب الْخراج عَلَيْهَا وَمَا فعله عمر فِي أَرض السوَاد إِنَّمَا هُوَ أُجْرَة أَو ثمن.
مَسْأَلَة: الإِمَام بِالْخِيَارِ فِي أُسَارَى الْمُشْركين بَين الْقَتْل والاسترقاق والمن وَالْفِدَاء. قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز الْمَنّ وَالْفِدَاء.
لنا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام من على ثُمَامَة بن أَثَال، وَإِنَّمَا يفعل الإِمَام ذَلِك إِذا علم أَن فِيهِ مصلحَة، وَأما سِلَاحهمْ فَإِنَّمَا لم يدْفع إِلَيْهِم؛ لِأَنَّهُ صَار مَمْلُوكا.
مَسْأَلَة: لَا يجوز صرف شَيْء من الصَّدقَات المفروضات إِلَى (الْكفَّار قَالَ الْخصم: يجوز صرف صَدَقَة الْفطر إِلَى أهل الذِّمَّة) .
(3/261)

الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: إِذا تعدى الْمُودع فِي الْوَدِيعَة (ريا) :
الْمَذْهَب: يضمن، فَإِن عَاد إِلَى الوثاق لم يبرأ من الضَّمَان.
عِنْدهم: يبرأ من الضَّمَان بعوده.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " على الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه "، وَجه الدَّلِيل أَن يَده قد صَارَت عَادِية آخذة، فَالضَّمَان عَلَيْهِ إِلَى أَن يرد، فَمن ادّعى الرَّد أَو طريان قَاطع للضَّمَان فَعَلَيهِ الدَّلِيل.
لَهُم: ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
زَالَت يَد الْوَدِيعَة فارتفع العقد؛ لِأَنَّهَا دخلت فِي ضَمَان الْمُودع وَصَارَت
(3/262)

يَده عَادِية؛ لِأَن يَده عَادِية فِي الْحِفْظ، فَإِذا خَان فقد استردها، ثمَّ لَو أودع الْغَاصِب صَار أَمينا فَإِذا خَان الْأمين صَار غَاصبا والأشياء تعرف بنظائرها.
لَهُم:
مُودع مُوَافق فبرئ من الضَّمَان؛ لِأَن العقد لم يرْتَفع كالإيمان لَا يرْتَفع بترك الصَّلَاة؛ وَلِأَنَّهُ أَمر بِالْحِفْظِ وَالْخلاف لَا يلاقي الْأَمر حَتَّى يرفعهُ إِنَّمَا يلاقي الْمَأْمُور والوديعة عقد حفظ على الْعُمُوم فَأَي وَقت يحفظ فقد جَاءَ بِمُقْتَضى العقد ثمَّ لَو خَان فِي بعض الْوَدِيعَة بَقِي أَمينا، فَكَذَلِك فِي بعض الزَّمَان.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
قَالُوا: لَو رد إِلَى يَد وَكيل الْمَالِك أَو نَائِبه خرج عَن الْعهْدَة والآن مهما عَاد إِلَى الْحِفْظ فقد رد إِلَى الْيَد الثَّابِتَة الممسكة لأَمره فِي الْحِفْظ فَخرج عَن الْعهْدَة. الْجَواب: ذَلِك صَحِيح إِن ثَبت أَن الْمَالِك رَاض بائتمانه بعد الْخِيَانَة، فَإِن الْخِيَانَة هدمت الْأَمَانَة، وَإِذا انْهَدم الْحِرْز لم يرض الْمَالِك بإيداع مَاله
(3/263)

فِيهِ، قَالُوا: حَال المَال قَاطِعَة بِطَلَب الْحِفْظ وإرادته فِي كل وَقت (ونعد الْخِيَانَة بعض الْأَحْوَال) ، الْجَواب: نعم يُؤثر الْحِفْظ لَكِن على كَرَاهِيَة كَمَا يُؤثر حفظ مَاله الَّذِي فِي يَد الْغَاصِب وَلَا يدل على أَن يَد الْغَاصِب يَد أَمَانَة. قَالُوا: إِن نظرتم إِلَى شوب قلبه بالخيانة فَهُوَ كَمَا لَو سمع بِفِسْقِهِ أَو رَآهُ قد أَخذ مَال غَيره وخان فِي وَدِيعَة أُخْرَى. الْجَواب: هَذِه احتمالات يجوز أَن يطيب الْقلب مَعهَا، أما إِذا خَان فِي هَذِه الْوَدِيعَة لم يبْق احْتِمَال، قَالُوا: مَا ذكرتموه بَاطِل بالمستأجر على الْحِفْظ إِذا خَان ثمَّ عَاد أَمينا فَإِنَّهُ يسْتَحق الْأُجْرَة.
الْجَواب: إِنَّه إِن اُسْتُؤْجِرَ على حفظ مَال وخان فِيهِ لَا يبرأ عَن الضَّمَان؛ لِأَن العقد اقْتضى جعل يَده حرْزا أَو مُقَابلَة مَنْفَعَة فِي الْحِفْظ (بِأُجْرَة) .
(3/264)

فارغة
(3/265)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: إِذا أودع صَبيا فأتلف الْوَدِيعَة (ريب) :)

الْمَذْهَب: يجب الضَّمَان فِي مَال الصَّبِي وَيتَعَلَّق بِرَقَبَة العَبْد.
عِنْدهم: لَا ضَمَان على الصَّبِي وَيتَعَلَّق بِذِمَّة العَبْد يتبع بِهِ إِذا عتق.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... .
لَهُم: ... .
(3/266)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَاجِب ضَمَان اسْتِهْلَاك فيؤاخذ بِهِ الصَّبِي كَالْبَالِغِ؛ لِأَن الصّبيان يؤاخذون بِضَمَان الْأَفْعَال وَمن ضمن المَال بِالْإِتْلَافِ قبل الْإِيدَاع ضمنه بعد الْإِيدَاع بذلك كَالْبَالِغِ، وَمن شِيمَة الْمُرَاهق أَن يحفظ وَلَو أودع عبدا فأتلفه وَجب الضَّمَان، وَضَمان الْإِتْلَاف حكمه يَدُور مَعَ الْإِتْلَاف فَمَتَى وجد وجد.
لَهُم:
هُوَ بالإيداع للصَّبِيّ مسلط على الِاسْتِهْلَاك وَلَا ضَمَان؛ لِأَنَّهُ أثبت للصَّبِيّ يدا على المَال فَهُوَ رَاض بِالْإِتْلَافِ وَصَارَ كتقديم الطَّعَام، وللإنسان ملكان ملك عين وَملك يَد، وَقد أثبت للصَّبِيّ ملك الْيَد، وَقد تملك بِالْيَدِ مُفْردَة عَن الْعين كَالْمكَاتبِ والمأذون وَالْوَكِيل.
(3/267)

أَحْمد:
التكملة:
نمْنَع من أَنه مكنه من الْإِتْلَاف بل استحفظه، وَإِن سلمناه، فالتمكن لَا يسْقط الضَّمَان كمن ترك مَتَاعه فِي مفازة، أَو شمر فرسه، فقد رفع يَده عَن الْمَتَاع وَالْفرس وَالضَّمان على متلفهما ذَلِك لِأَن الْمُسَلط على التَّصَرُّفَات لَيْسَ هُوَ ملك الْيَد بل ملك الْعين، وَإِنَّمَا ترَاد الْيَد لنقل الضَّمَان وَالْقَبْض، وأسعد النَّاس بذلك أَبُو حنيفَة، فَإِنَّهُ قَالَ: بيع الْعقار قبل الْقَبْض صَحِيح فَنَقُول الْمكَاتب مَا تصرف بِملك الْيَد، بل لَهُ ملك الْعين من وَجه، وَكَذَلِكَ الْمَأْذُون يتَصَرَّف بِملك الْعين؛ لِأَنَّهُ نَائِب عَن سَيّده، ثمَّ الْيَد تقسم إِلَى يَد ملك وَيَد أَمَانَة وَلم يثبت للصَّبِيّ يَد الْملك إِنَّمَا ثبتَتْ لَهُ يَد الْوَدِيعَة، وَمَعْنَاهَا جعل يَده نائبة عَن يَد الْمَالِك فِي الْحِفْظ، فَكَأَنَّهُ ضم يدا
(3/268)

أُخْرَى حافظة لهَذَا الْملك إِلَى يَده ويلزمهم إِذا أودعهُ عبدا، فَإِنَّهُ يضمن، فَإِن قَالُوا مَا مكنه من الْإِتْلَاف؛ لِأَن السَّيِّد لَا يملك دم العَبْد بَطل بِمَا لَو صرح بِالْإِذْنِ فِي قَتله، فَإِنَّهُ يسْقط الضَّمَان.
(3/269)

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: السَّلب (ريج) :
الْمَذْهَب: يسْتَحقّهُ الْقَاتِل.
عِنْدهم: لَا يسْتَحق إِلَّا أَن يُنَادي الإِمَام بذلك.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " أَيّمَا مُسلم قتل مُشْركًا فَلهُ سلبه "، وَقَالَ: " من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه "، وَقَول الشَّارِع مَحْمُول أبدا على تَقْرِير الْقَوَاعِد.
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ للمرء إِلَّا مَا طابت بِهِ نفس إِمَامه ".
(3/270)

وَخبر اللَّذين قتلا أَبَا جهل، وَأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أعْطى سلبه أَحدهمَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَال تفرد الْقَاتِل باستيلائه عَلَيْهِ، فتفرد بِملكه كالصيد، وَنزل هَذَا الأَصْل فِي الْغَنَائِم خوف الْفساد بالاشتغال عَن الْقِتَال بالغنائم، أما هَاهُنَا فقد كفى شَره وَانْفَرَدَ بقتْله فَانْفَرد بسلبه.
لَهُم:
مَأْخُوذ بشوكة الْمُسلمين فَكَانَ مقسوما بَينهم كَسَائِر الْغَنَائِم، بَيَانه: أَنه لَوْلَا قوتهم لم يقف وَيقتل وَصَارَ كالواحد ينْفَرد بِفَتْح حصن.
مَالك: ف.
أَحْمد:
(3/271)

التكملة:
لزِيَادَة العناء تَأْثِير فِي زِيَادَة الِاسْتِحْقَاق، بِدَلِيل فضل الْفَارِس على الراجل فليعلل ذَلِك بالترغيب، فَإِن اعْترضُوا بتفاصيل الْمَذْهَب من حرمَان قَاتل المنهزم، وَقَاتل من أثخنه غَيره قلب عَلَيْهِم بِمَا لَو نَادَى الإِمَام وَظهر الْجَواب، يفهم معنى التَّخْصِيص بالترغيب من قبل الْمقَاتل لَا المنهزم ونقول: هَذَا مَال مُبَاح وَطَرِيق اسْتِحْقَاقه حيازته، وَالْأَمْوَال وَإِن كَانَت للْكفَّار إِلَّا أَنَّهَا قدرت مُبَاحَة حَتَّى ملكت بِالِاسْتِيلَاءِ، وَهَذَا الْقيَاس كَانَ يَقْتَضِي أَن يملك الْغَنَائِم كل من حازها لَكِن ترك ذَلِك لمصْلحَة وسياسة حَرْب.
(3/272)

فارغة
(3/273)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: إِذا جَاوز الدَّرْب فَارِسًا فنفق فرسه (ريد) :)

الْمَذْهَب: لم يسْتَحق سهم الْفَارِس.
عِنْدهم: يسْتَحق.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة " علق الْغَنِيمَة بالشهود، وَهُوَ يُوَافق الْقيَاس، فَكيف يلْحق بِهِ دُخُول الدَّرْب وَلم يساوه؟
لَهُم:
قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا يطئون موطئا يغِيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلا إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح} فَجعل مُجَرّد وَطْء دِيَارهمْ جهادا
(3/274)

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله} وَقد حصل الإرهاب بِدُخُول الدَّار.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لَا يُوجد سَبَب اسْتِحْقَاق الْفَارِس فَلَا يسْتَحق سهم الْفَارِس، كَمَا لَو هلك قبل الدَّرْب؛ لِأَن السَّبَب قِتَالهمْ فَارِسًا، فالجهاد فعل فَهُوَ كضرب زيد لَا يُوجد بِدُونِ ضربه.
لَهُم:
مُجَاهِد فَارس فَاسْتحقَّ سهم فَارس؛ لِأَن دُخُول دَار الْحَرْب جِهَاد؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْجِهَاد، وَلَو شهد الْوَقْعَة فَارِسًا وَلم يُقَاتل اسْتحق، وَأول السَّبَب يُفْضِي إِلَى نهايته وَلِهَذَا أقيم الْأَجَل مقَام حَقِيقَة الْقُدْرَة فِي السّلم.
مَالك:
أَحْمد:
(3/275)

التكملة:
عبارَة: شهد الْحَرْب رَاجِلا فَلَا يسْتَحق سهم فَارس كَمَا لَو كَانَ مستعارا، أَو بَاعَ الْفرس. قَالُوا: لَا خلاف أَن حَيَاة الْفرس إِلَى (حِين تَمام الِاسْتِيلَاء غير مُعْتَبر) ، وَسبب ملك الْغَنِيمَة الِاسْتِيلَاء، وَأول أَسبَاب الِاسْتِيلَاء دُخُول الدَّار لما فِيهِ من الْقَهْر وَالْغَلَبَة، وَلِهَذَا يتَعَيَّن على الْمُسلم الْجِهَاد إِذا دخل الْكفَّار أَطْرَاف بِلَادهمْ فاعتبرنا دُخُول الدَّار. الْجَواب: السَّبَب مَا نَصبه الشَّرْع سَببا، وَهُوَ شُهُود الْحَرْب، وَفِيه مُنَاسبَة، والقتال هُوَ الْمُؤثر فِي الْقَهْر ثمَّ مُبَاشرَة عينه لم تشْتَرط بل الاستعداد لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ من الحزم اشْتِغَال الْجَمِيع بِالْقِتَالِ، وكل مَا يذكرُونَهُ منقوض بِمَا لَو بَاعَ الْفرس أَو مَاتَ الْفَارِس أَو كَانَ الْفرس مستعارا.
(3/276)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: اسْتِيعَاب الْأَصْنَاف الثَّمَانِية فِي الصَّدقَات (ريه) :)

الْمَذْهَب: وَاجِب.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} الْآيَة. أضَاف الصَّدقَات إِلَيْهِم بلام التَّمْلِيك وَعطف الْبَعْض على الْبَعْض فَاقْتضى الِاشْتِرَاك.
لَهُم:
ظَاهر قَوْله تَعَالَى: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ} الْآيَة، وَجه الدَّلِيل: أَنه جعل عَطاء الْفُقَرَاء خيرا، وَالصَّدقَات إِذا أطلقت شرعا أُرِيد بهَا الْفَرْض. قَالَ تَعَالَى: {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة} ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} .
(3/277)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ملك مُضَاف إِلَى أَصْنَاف بأوصاف فَوَجَبَ أَن يستووا استحقاقا قِيَاسا على مَا لَو أوصى لَهُم.
لَهُم:
الزكوات لله تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا عبَادَة مَحْضَة فَهِيَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة غير أَن الْفُقَرَاء لَهُم رزق على الله تَعَالَى بوعده، فأحيلوا على الْأَغْنِيَاء والجهات إِلَى عَددهَا جِهَات حاجات؛ فأيها وَقع جَازَ وَصَارَ بِمَثَابَة إِضَافَة الصَّلَاة إِلَى الْكَعْبَة وَلَا يجب استيعابها.
مَالك: يدْفع إِلَى أمسهم حَاجَة.
أَحْمد: من ملك خمسين درهما لم يجز لَهُ الْأَخْذ.
التكملة:
الْمُعْتَمد الْآيَة المسوقة لَا بِأَنَّهُ صرف الصَّدقَات إِلَى الْمَذْكُورين إِمَّا حَقًا لَهُم أَو نَفَقَة دَاره برابطة قرَابَة الْإِسْلَام، أَو حَقًا لله تَعَالَى صرف إِلَيْهِ
(3/278)

بِوَاسِطَة أَيْديهم وكيفما مَا قدر، فَالظَّاهِر (مستغن باستيفائهم) وَإِيجَاب الصّرْف إِلَى جَمِيعهم بِلَا حَاجَة إِلَى الْخَوْض فِي أَن الْحق لله أَو للْفُقَرَاء، فالقراءة تَقْتَضِي الصّرْف إِلَيْهِم على الِاسْتِيعَاب، فَإِن قَالُوا صِيغَة الْآيَة إِخْبَار فَلم يُؤْخَذ مِنْهُ الْوُجُوب، إِنَّمَا الْوُجُوب مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى: {وَآتوا الزَّكَاة} والمأخوذ من هَذِه الْآيَة جَوَاز صرفهَا إِلَيْهِم.
الْجَواب: لَو كَانَ الْمَقْصُود مَا ذَكرُوهُ قَالَ: إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء أَو الْمَسَاكِين فَلَمَّا عدل عَن صِيغَة التَّخْيِير إِلَى صِيغَة التَّشْرِيك دلّ على مَا قُلْنَاهُ، فَإِن قَالُوا: الْوَاو بِمَعْنى أَو. قُلْنَا: الظَّاهِر مَا قُلْنَاهُ فعلى مدعي غَيره
(3/279)

الدَّلِيل.
(3/280)