Advertisement

تقويم النظر في مسائل خلافية ذائعة 004


(كتاب النِّكَاح)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: الْمَرْأَة هَل تملك عقد النِّكَاح ولَايَة أَو نِيَابَة أَو اسْتِقْلَال؟ (ريو))
:
الْمَذْهَب: لَا فِي الْأَطْرَاف الثَّلَاثَة.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " أَيّمَا امْرَأَة أنكحت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل بَاطِل بَاطِل، فَإِن مَسهَا، فلهَا الْمهْر بِمَا اسْتحلَّ من فرجهَا، فَإِن اشتجروا فالسلطان ولي من لَا ولي لَهُ "، أثبت الْولَايَة عَلَيْهَا، وأكد
(4/25)

الْبطلَان بالتكرار، وعلق الْمهْر على الْمَسِيس لَا على العقد، وسمى الزَّوْج مستحلا، وَكَانَت عَائِشَة تخْطب وتعقد سواهَا.
لَهُم:
قَالَ الله تَعَالَى: {حَتَّى تنْكح زوجا غَيره} ، وَجه الدَّلِيل أَنه أضَاف النِّكَاح إِلَيْهَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قدرَة التَّزْوِيج ولَايَة، فَلَا تثبت للْمَرْأَة كالقضاء والإمامة، ونعني بِالْولَايَةِ إِثْبَات حكم لمصْلحَة يَرَاهَا الْمُثبت، فالتصرفات بَين نَائِب يعقل النَّقْل بِالِاسْتِيفَاءِ والإسقاط، ونقف على الْعقل وَالْملك وَالرِّضَا كَالْبيع، وَآخر يشغل محلا فَارغًا كالصيد، وَآخر يتَعَيَّن فِيهِ مصلحَة الْإِثْبَات، فَيحْتَاج إِلَى نظر كَالنِّكَاحِ وَالْوَلِيّ حَقه المرعي ذَلِك ونفرض فِي غير الكفؤ.
لَهُم:
تصرفت فِي مَحْض حَقّهَا وَهِي من أهل التَّصَرُّف، فصح كَمَا لَو باعت
(4/26)

مَالهَا، وَلَا شكّ أَن ملكهَا لنَفسهَا آكِد من ملكهَا لمالها، ثمَّ لَو أقرَّت بِالنِّكَاحِ صَحَّ وَالْإِقْرَار والإنشاء يتجاريان وَالنِّكَاح حَقّهَا لعود مقاصده إِلَيْهَا فَيعْتَبر لَهُ كَمَال عقلهَا كالخطاب وَلَا يقف على نَقصهَا الإضافي فَيسْقط عَنْهَا.
مَالك: لَا تزوج نَفسهَا إِن كَانَت جليلة.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قَالُوا: الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَا أعرفهُ، فَصَارَ كشاهد الأَصْل إِذا أنكر شَهَادَة شَاهد الْفَرْع. ثمَّ المُرَاد بِالْحَدِيثِ نِكَاح غير الكفؤ، وَهُوَ السَّابِق إِلَى الْفَهم، وَقَوله: " بَاطِل ": أَي سيبطله الْوَلِيّ. ثمَّ مَقْصُود الحَدِيث صِحَة نِكَاحهَا بِإِذن الْوَلِيّ وَهُوَ مَحْمُول على الْأمة؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي لَهَا ولي، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتبَة، فَإِنَّهُ لما قَالَ: بِإِذن وَليهَا اقْتضى الَّتِي لَهَا ولي، وَالْجَوَاب: رُجُوع الزُّهْرِيّ لَا يُؤثر فَلَعَلَّهُ نسي، وللدارقطني كتاب فِيمَن روى وَنسي، وَفرق بَين الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة، فَإنَّا نسْمع من رَاوِي الْفَرْع مَعَ وجود رَاوِي الأَصْل، وَلَا نقبل شَهَادَة الْفَرْع مَعَ إِمْكَان شَاهد الأَصْل، ثمَّ قَوْله: نكحت لم يخصص الكفؤ بل أطلق،
(4/27)

وتأكيد الْبطلَان يدل على نجازه، وعَلى قَوْلهم قد لَا يبطل، فَإِن الْوَلِيّ رُبمَا رَضِي، وَدَلِيل الْخطاب عِنْدهم لَيْسَ بِحجَّة، فَإِن قَالُوا: الْمَرْأَة تملك ذَاتهَا فلهَا نقل مَنَافِعهَا كَالْإِجَارَةِ، فَالْجَوَاب: أَن اسْتِيفَاء مَنْفَعَة الْبضْع لَا يتَصَوَّر من الْمَرْأَة وَالنِّكَاح حق عَلَيْهَا للزَّوْج، وكلامنا فِي الِاسْتِقْلَال وَالْولَايَة أظهر، وَكَلَامهم فِي الْوكَالَة أظهر، فَإِن الْوَلِيّ يَسْتَوْفِي نظره، وَتبقى الْحَاجة إِلَى عبارَة، وَالْمَرْأَة تملك ذَلِك فِي العقد إِلَّا النِّكَاح، وَالنِّكَاح الْحَال عبارَة من قبل نَفسهَا فَلَا يَصح.
والحرف أَنا نلحق النِّكَاح بالولايات ونسكت عَن النِّسَاء، وهم ينحون
(4/28)

بِهِ نَحْو التَّصَرُّفَات الْمَالِيَّة.
يسْتَحبّ أَن يَأْتِي بِالْخطْبَةِ الَّتِي رَوَاهَا ابْن مَسْعُود: الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا، من يهد اللَّهِ فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، {وَاتَّقوا اللَّهِ الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام إِن اللَّهِ كَانَ عَلَيْكُم رقيبا} ، {اتَّقوا اللَّهِ حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ} ، {اتَّقوا اللَّهِ وَقُولُوا قولا سديدا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع اللَّهِ وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما} .
وَيسْتَحب أَن يَقُول فِي آخرهَا: وَالنِّكَاح مِمَّا أَمر اللَّهِ بِهِ وَندب إِلَيْهِ، وَأما الْخطْبَة الَّتِي تتخلل النِّكَاح، فَهِيَ أَن يَقُول الْوَلِيّ: بِسم اللَّهِ وَصلى اللَّهِ على رَسُول اللَّهِ، أوصيكم بتقوى اللَّهِ، زَوجتك فُلَانَة، وَيَقُول الزَّوْج: قبلت ذَلِك إِلَّا أَنه يَقُول مَعَ زَوجتك: قبلت هَذَا النِّكَاح، قَالَ الشَّافِعِي: وَاجِب الْوَلِيّ أَن
(4/29)

يَقُول مَا قَالَ ابْن عمر: أنكحتك على مَا أَمر اللَّهِ من إمْسَاك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان.
قَالَ أَبُو دَاوُد: إِن كَانَت بكرا زَوجهَا الْوَلِيّ، وَإِن كَانَت ثَيِّبًا زوجت نَفسهَا.
ابْن جريج والإمامية يَقُولُونَ بِالْمُتْعَةِ، وَرجع عَنْهَا ابْن عَبَّاس، وَصورتهَا: أَن يَتَزَوَّجهَا إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة أَو مَجْهُولَة، قَالَ الشَّاعِر:
(أَقُول للشَّيْخ لما طَال محبسه ... يَا صَاح هَل لَك فِي فَتْوَى ابْن عَبَّاس)

(يَا صَاح هَل لَك فِي بَيْضَاء بهكنة ... تكون مثواك حَتَّى مصدر النَّاس)
(4/30)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: ريز:)

هَل لكل وَاحِد من الْأَب وَالْجد إِجْبَار الْبكر الْبَالِغَة على النِّكَاح.؟ .
الْمَذْهَب: نعم.
عِنْدهم: لَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا، وَالْبكْر تستأمر فِي نَفسهَا، وإذنها صماتها "، قسم النِّسَاء قسمَيْنِ، وخصصهما بحكمين، فَلَمَّا خصص الْبكر بالاكتفاء بالصمات انعكس فِي الثّيّب، فَإِذا خصص الثّيّب بِأَنَّهَا أَحَق يَنْبَغِي أَن ينعكس فِي الْبكر.
لَهُم:
رُوِيَ أَن خنساء أخْبرت النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَن أَبَاهَا زَوجهَا وَهِي كارهة
(4/31)

فَخَيرهَا، وَرُوِيَ أَن فتاة جَاءَت إِلَى عَائِشَة رَضِي اللَّهِ عَنْهَا وَقَالَت: إِن أبي زَوجنِي من ابْن عَم لي أرفع خسيسته، فحكت ذَلِك للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَرد نِكَاحهَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْولَايَة مستمرة عَلَيْهَا بعد الْبلُوغ، وَلَيْسَ فِي إجبارها تَفْوِيت رَأْي عَلَيْهَا، فَجَاز إجبارها؛ لِأَن سَبَب الْولَايَة الْأُنُوثَة، والاستقلال بِالتَّزْوِيجِ يبتني على وجود الِاسْتِقْلَال فِي حق المزوج، والمسلط فِي الصغر كَمَال حَال الْأَب لِأَن الْأَجْنَبِيّ لَا يُزَوّجهَا مَعَ صغرها، وَالْمعْنَى أَن النِّكَاح إرفاق وَحقه أَن لَا يشرع لَوْلَا الْحَاجة، فَاحْتَاجَ إِلَى كَمَال.
لَهُم:
بَالِغَة عَاقِلَة رَشِيدَة فَلَا تجبر كالثيب.
تَأْثِيره: أَن الثيوبة تدل على كَمَال الْحَال، وَالْعلَّة الصغر؛ لكَون النِّكَاح
(4/32)

مصلحَة كَمَا هُوَ فِي حق الرجل، وَعَلِيهِ الْولَايَة فِي حق الذّكر الصَّغِير وَلَا يُطَالب الْوَلِيّ ويجبره على النِّكَاح، وَإِذا عينت كُفؤًا يقدم على تعْيين الْوَلِيّ، وَإِنَّمَا صَار صماتها إِذْنا لنَصّ مُعَلل بالخفر.
مَالك: ق.
أَحْمد: وَافق، وَأما الصَّغِيرَة، فَإِنَّهَا يجبرها الْأَب.
التكملة:
قَالُوا: مَفْهُوم قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الثّيّب أَحَق " أَن الْبكر لَيست أَحَق، أما كَون الْوَلِيّ أَحَق، فَلَيْسَ من ضَرُورَته، الْجَواب: الْكَلَام إِذا خرج جملَة اعْتبر جملَة، وَمعنى جَمِيع الْكَلَام تَرْجِيح جَانب الثّيّب على الْوَلِيّ، فمفهومه تَرْجِيح جَانب الْوَلِيّ على الْبكر، قَالُوا: إِذا لم يدل الْمَنْطُوق عنْدكُمْ على اسْتِقْلَال الثّيّب بِالتَّزْوِيجِ كَيفَ يدل الْمَفْهُوم على اسْتِقْلَال الْوَلِيّ بتزويج الْبكر؟ ! الْجَواب: لعمرى أَن اللَّفْظ دلّ على اسْتِقْلَال الثّيّب، لَكنا تَرَكْنَاهُ لقَوْله: " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي "، وَخبر الخنساء روى البُخَارِيّ أَنَّهَا
(4/33)

كَانَت ثَيِّبًا، وَالْخَبَر الآخر فِيهِ إِشَارَة إِلَى عدم الْكَفَاءَة وَلَعَلَّه كَانَ ابْن عَم لأم
وَلَا نسلم أَن تَعْيِينهَا الكفؤ يقدم على تعْيين الْوَلِيّ، نعم، لَا ننكر أَن الأولى اتِّبَاع رأيها كَمَا أَن الأولى اتِّبَاع الْوَلِيّ، غَرَض الصَّبِي فِي جنس الطَّعَام الَّذِي يشتهيه، وَلَو اشْترى لَهُ غَيره جَازَ وَالْمَنْع جيد فِي الجدل، والحرف أَن مضرَّة النِّكَاح فِي حَقّهَا احتملت لبَقَاء النَّوْع وهون بالشهوة وَالْوَلِيّ يملكهُ فِي الصغر وَالْكبر، وَعِنْدهم هُوَ مصلحَة وَهِي الْآن قادرة عَلَيْهِ.
(4/34)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: (ريح) :)

الثّيّب الصَّغِيرَة هَل يجبرها الْوَلِيّ على النِّكَاح؟ .
الْمَذْهَب: لَا. بل ينْتَظر بُلُوغهَا واستنطاقها.
عِنْدهم: تجبر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
وَجه الدَّلِيل من الْخَبَر السَّابِق بِإِثْبَات الأحقية وَأدنى درجتها وجوب استئمارها، وَقد جَاءَ مُطلقًا: " لَا تنْكح الثّيّب حَتَّى تستأمر "، وَمَتى وقف الحكم على شَرط فَاتَ بفواته.
لَهُم: ...
(4/35)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ثيب فَلَا تزوج دون إِذْنهَا كالبالغة؛ لِأَن الثيوبة ممارسة تكسبها خبْرَة تميز بهَا بَين رجل وَرجل، فإذنها آكِد فِي الألفة وَإِنَّمَا للْوَلِيّ زفافها عِنْد تَكَامل الْمصلحَة فِي حَال الْبكارَة والمصلحة هَاهُنَا فِي إِذْنهَا.
لَهُم:
صَغِيرَة فَزَوجهَا أَبوهَا كالبكر؛ لِأَن النِّكَاح شرع لمصلحتها وَمَا فِيهِ من ملك عَلَيْهَا فَهُوَ وَسِيلَة مصلحتها، وَهِي عاجزة فَقَامَ أَبوهَا مقَامهَا، وَلَا يخْتَلف هَذَا بالبكارة والثيوبة كَمَا فِي ولَايَة المَال.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
الْعلَّة عِنْدهم الصغر، وَعِنْدنَا الْأُنُوثَة، فَإِذا فَوت عَلَيْهَا رَأْي لم يجز، وَقد حصل لَهَا بالثيوبة نوع رَأْي، وتقرر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَأَخَوَاتهَا أَن النِّكَاح ضَرَر فِي حق الْمَرْأَة بِالْوَضْعِ؛ لكَونه إرقاقا وتمليكا واستفراشا، وَفِيه
(4/36)

إذلال يَجْعَلهَا مصب فضلته الَّتِي يتَأَذَّى بهَا فَهِيَ والمستحم سَوَاء، وَلِهَذَا إِذا تعرى الْوَطْء عَن الْحل كَانَ عارا غير أَن دواعي الشَّهْوَة فِي الْمَرْأَة يهون عَلَيْهَا الْمَعْنى وكل ذَلِك لتَحْصِيل الْغَرَض الْكُلِّي من بَقَاء النَّوْع الْإِنْسِي.
والحرف أَن مصلحَة النِّكَاح عَامَّة، وَالْمَرْأَة مَحَله وَالْوَلِيّ يسْتَقلّ بِهِ ومراجعة الثّيّب أقرب فشرطت، وَلم يُمكن تَحْصِيله فلغا، وَعِنْدهم هِيَ عاجزة للصغر فَقَامَ الْوَلِيّ مقَامهَا.
(4/37)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة بعد الْمِائَتَيْنِ: (ريط) : المصابة بِالْفُجُورِ:)

الْمَذْهَب: وَاجِب استنطاقها.
عِنْدهم: يَكْفِي صماتها.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
ظَاهر قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا وَالْبكْر تستأمر وإذنها صماتها "، فالاكتفاء بالصمات خَاصَّة للبكر، وَهَذِه لَيست بكرا حَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ لَو أوصى للأبكار لم تدخل فِيهِنَّ. لَهُم: لما قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْبكر تستأمر "، قَالَت عَائِشَة: إِنَّهَا تَسْتَحي، فَقَالَ: " إِذْنهَا صماتها "، علل عَلَيْهِ السَّلَام بِالْحَيَاءِ، وَيحسن
(4/38)

التَّعْلِيل بِهِ؛ لِأَنَّهُ عقلة على اللِّسَان، وَالْحيَاء مَوْجُود هَاهُنَا، وَالْفَرْض فِي المكرهة أَو فِيمَن خالطت مرّة خُفْيَة وَذَلِكَ لَا يزِيل الْحيَاء بل يزِيدهُ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ثَابت بوقاع تَامّ، فَلَا نكتفي بصماتها كَالْوَطْءِ الْحَلَال، وَذَلِكَ لاعْتِبَار رِضَاهَا فِي التَّصَرُّف فِي نَفسهَا ناطقة يعْتَبر رِضَاهَا فِي العقد، فَاشْترط نطقها كالمنكوحة؛ لِأَن رِضَاهَا مُعْتَبر وَيعلم بالنطق (فَأَما غير النُّطْق) إِن دلّ فبقرينة، لَا أَنه وضع كَذَلِك.
لَهُم:
وجد عِلّة الِاكْتِفَاء بالصمات فَاكْتفى كالبكر، وَالْعلَّة تعذر الْإِذْن، والصمات إِذن بِدَلِيل الحمامي والمضيف. وَالتَّحْقِيق: أَن الْإِذْن يحصل تَارَة بالعبارة وَتارَة بِمَا يقوم مقَامهَا.
مَالك: لَا يجوز نِكَاح الْحَامِل من زنى.
(4/39)

أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
التكملة:
قَالُوا: الْمَنْقُول حِكَايَة حَال الثّيّب بِنِكَاح، فَإِنَّهَا تنطق غَالِبا، الْجَواب: مُطلق كَلَام الشَّارِع يحمل على شرع الْأَحْكَام وتخصيصه بالمنكوحة؛ لِأَنَّهَا فِي الْغَالِب تحْتَاج إِلَى دَلِيل وَإِن التزمنا أَن الرِّضَا إِنَّمَا يحصل بالنطق ألزمونا الْبكر.
وَالْجَوَاب: إِن كَانَ المزوج أَبَا أَو جدا، فَلَا يُرَاجِعهَا وَلَا يشْتَرط رِضَاهَا، فَإِنَّهُ مجبر، وَإِن زَوجهَا عَم أَو أَخ اعْتبر رِضَاهَا نطقا وَلَا يَكْفِي الصمت وَبِهَذَا الْمَنْع تستمر الطَّرِيقَة، ونقول: هِيَ قادرة على النُّطْق لصِحَّة آلَته، وَالْأَصْل اعْتِبَار النُّطْق، بِدَلِيل أَن من قدر عَلَيْهِ لَا يعدل عَنهُ، إِن ألزمونا كَونهَا لَا تسمى ثَيِّبًا فِي حق الرَّجْم، فَالْجَوَاب: أَن الرَّجْم خصص بِبَعْض الثّيّب بِدَلِيل دلّ عَلَيْهِ، كَمَا خصص بِالْحرَّةِ الْبَالِغَة الْمسلمَة أَيْضا على أصلهم، كَمَا أخرج عَنهُ المصابة بِشُبْهَة وَهِي ثيب، وَبِالْجُمْلَةِ: الْوُقُوف
(4/40)

على الْحيَاء وَعَدَمه بالقرائن لَا ينْحَصر، فوقفنا مَعَ الثيوبة الَّتِي علق الشَّرْع الاستنطاق عَلَيْهَا.
(4/41)

(الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: (رك) : ولَايَة الْفَاسِق النِّكَاح:)

الْمَذْهَب: لَا تصح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " النِّكَاح رق، فَلْينْظر أحدكُم أَيْن يضع كريمته؟ ".
أوجب النّظر وَذكر النّظر عليته وَالْفَاسِق قَاصِر عَن النّظر.
لَهُم: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/42)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كَمَال النّظر باجتماع أَسبَابه وتوفر دواعيه، وَذَلِكَ بِالْعَدَالَةِ والقرابة؛ ليجمع بَين الشَّفَقَة والرادع الديني وَهَذَا مَا نظر لنَفسِهِ فَكيف ينظر لغيره؟ ! وَلذَلِك لَا يَلِي المَال.
لَهُم:
ملئ على نَفسه فولي على غَيره؛ لِأَن عِلّة الْولَايَة كَمَال الشَّخْص بِالْعقلِ وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة فيتعدى إِلَى غَيره بِالسَّبَبِ المعدى، ثمَّ الْكَافِر يتَوَلَّى الْكَافِرَة، وَالْكفْر يزِيد على الْفسق، وَكَذَلِكَ المستور الْعَدَالَة تصح ولَايَته، وَلَو كَانَت الْعَدَالَة شرطا لوَجَبَ الشَّك فِيهِ، ثمَّ السَّيِّد الْفَاسِق يجْبر رَقِيقه.
مَالك: ف.
أَحْمد: وَافق فِي أحد الْوَجْهَيْنِ.
(4/43)

التكملة:
ندعي افتقار هَذَا العقد إِلَى نظر كَامِل، هَذِه مُقَدّمَة إِن تورعنا فِيهَا دللنا بِأَنَّهُ إرفاق، الْمُقدمَة الثَّانِيَة: أَن الْفَاسِق نَاقص النّظر بِدَلِيل سلبة الِاسْتِقْلَال فِي التَّصَرُّفَات، وشفقة الْإِنْسَان على وَلَده لَيست ضَرُورِيَّة، وَرُبمَا كَانَت فِيمَا يَدُور بَين وَلَده وأجنبي، فَأَما إِن كَانَ لِلْفَاسِقِ غَرَض فَهُوَ يقدمهُ على مصلحَة وَلَده، وَالْمَانِع عَن هَذَا الْخلق وازع الشَّرْع، وَأما الْمَشْهُور الْعَدَالَة فنعارضهم بالمستور الْحُرِّيَّة، ثمَّ الْمُعْتَبر ظَاهر الْعَدَالَة الَّتِي يكون بهَا مَقْبُول القَوْل، ونمنع الْكَافِر، وَمَعَ التَّسْلِيم هُوَ عدل فِي دينه، وتزويج السَّيِّد عَبده مَمْنُوع، وَفِي الْأمة قد نقل مَا كَانَ لَهُ إِلَى الزَّوْج، ثمَّ فسق السَّيِّد لَا يُؤثر تُهْمَة فِي ملكه، وَأما إِذا عضلها، فَإِنَّمَا لم يَنْعَزِل، وَإِن كَانَ نوع فسق؛ لِأَن العضل لَا يتَصَوَّر إِلَّا بعد طلب الْبَالِغَة، وَذَلِكَ فِي ولَايَة الاستئمار،
(4/44)

وَنحن نقُول على وَجه: إِن الْفَاسِق أهل ولَايَة الاستئمار، ثمَّ إِن سلم فَهَذِهِ صَغِيرَة لَا تُؤثر فِي الْعَدَالَة.
والحرف أَنا نعتبر الْعَدَالَة الوازعة وهم يعتبرون الشَّفَقَة.
(4/45)

(لوحة 56 من المخطوطة أ:)
(تَعْلِيل الشَّرْط بِذكر مُنَاسبَة بَينه وَبَين الْمَشْرُوط كتعليل الْأَسْبَاب بإبداء مناسباتها مَعَ الْأَحْكَام، غير أَن كل وَاحِد يُعلل على حسب مَوْضِعه فَوضع السَّبَب أَن وجوده يَقْتَضِي ثُبُوت الحكم، والمعلل يبين أَن وجوده يُنَاسب ثُبُوت الحكم، وَوضع الشَّرْط أَن عَدمه يمْنَع ثُبُوت الحكم، فَحق الْمُعَلل أَن يبين أَن انتفاءه يُنَاسب انْتِفَاء الحكم، وَهَذَا كالزنى مَعَ الْإِحْصَان، فَإِن الزِّنَى سَبَب يُنَاسب وجوده ثُبُوت الحكم فَإِنَّهُ جِنَايَة، وَالْحَد عُقُوبَة، والإحصان شَرط، فَنَاسَبَ انتفاؤه انْتِفَاء الحكم أَن غير الْمُحصن لَا يتَمَكَّن من التَّوَسُّع فِي الْمُبَاح، وَلزِمَ من هَذَا أَن نبين مُنَاسبَة عدم الشَّاهِدين وَانْتِفَاء حكم العقد.
ثمَّ الْمُنَاسب مَا أَشَارَ إِلَى رِعَايَة أَمر مَقْصُود للشَّرْع، وَقد بَان أَن قصد الشَّرْع حفظ الدّين وَالْعقل وَالنَّفس وَالْمَال، فَكلما قَامَ بِحِفْظ هَذِه فَهُوَ مُنَاسِب وَاقع فِي رتب الضَّرُورَة، وَكلما انتهض بِحِفْظ مصالحها وتهيئتها وتربيتها فَهُوَ فِي رُتْبَة الكمالات والتتمة، وَبَين هَاتين الرتبتين رتب الْحَاجَات.
مِثَاله أَن حضَانَة الصَّغِير وتربيته من رُتْبَة الضَّرُورَة؛ لِأَن بِهِ حفظ
(4/46)

الْأَنْفس، فَأَما اتِّصَاله إِلَى كفؤ فِي الزَّوْج، فَمن تَكْمِلَة عيشته وتتمة مصْلحَته، وَبَين ذَلِك أصل تَزْوِيجه، فَإِن (حُضُور الكفؤ) فرْصَة بَينهُنَّ وَإِذا اعْتبرت هَذِه الرتب وَجدتهَا فِي هَذِه الْأُمُور الْخَمْسَة وَبَين الرُّتْبَة الْعَالِيَة والطرف الآخر مَرَاتِب كَثِيرَة يسْلك فِيهَا الْعقل ويرجح الْبَعْض على الْبَعْض) .
وَاعْلَم أَن النِّكَاح لَا يدْخلهُ خِيَار الشَّرْط وَلَا خِيَار الْمجْلس؛ لِأَن الْعَادة جَارِيَة بالبحث قبل العقد. وَاعْلَم أَن الْقسم للحرائر وعماد الْقسم اللَّيْل، إِذا كَانَ عِنْده أَربع نسْوَة فسافرت وَاحِدَة بِغَيْر إِذْنه وظلم وَاحِدَة، فَلم يقسم لَهَا وَأقَام عِنْد الآخرتين ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ أَرَادَ أَن يقْضِي للمظلومة وقدمت الظالمة، فَإِنَّهُ يقسم للمظلومة ج أَيَّام وللقادمة أخمسة أدوار فَيحصل للمظلومة ية يَوْمًا عشرَة قَضَاء وَخَمْسَة أَدَاء وللقادمة ة،
(4/47)

ثمَّ يسْتَأْنف الْقِسْمَة وَيجوز لَهُ الِانْفِرَاد عَن الْجَمِيع لَكِن لَا يجوز لَهُ أَن يخص الْبَعْض دون الْبَعْض، وَمن أَرَادَ أَن يتَزَوَّج بأمته وَله ابْنَانِ زوجه ابْنه مِنْهَا، قَالَه ابْن الْحداد، وَقيل: يُزَوجهُ السُّلْطَان، وكل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَمْرو بن أُميَّة فِي نِكَاح أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان إِذا زَوجهَا وكيلان من اثْنَيْنِ فَالنِّكَاح للسابق، وَإِن جهل السَّابِق فسد النِّكَاح، قَالَ مَالك: يكون للسابق إِن لم يدْخل بهَا الثَّانِي، وَإِذا أَرَادَ الْحَاكِم أَن يتَزَوَّج من لَا ولي لَهَا، فَإِنَّهُ يرفع ذَلِك (إِلَى الإِمَام ليزوجه بِنَفسِهِ أَو يولي
(4/48)

من يُزَوجهُ وَلَا يتَوَلَّى طرفِي العقد، وَإِذا أَرَادَ الإِمَام أَن يُزَوّج من لَا ولي لَهَا فَفِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا أَنه يتَوَلَّى) طرفِي العقد، وَقيل: يُزَوجهُ الْحَاكِم، وَلَيْسَ الْحَاكِم وَكيلا لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ نَائِب عَن الْمُسلمين؛ وَلِهَذَا لَيْسَ للْإِمَام عَزله من غير سَبَب.
(4/49)

(من مسَائِل النِّكَاح)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ركا: حُضُور الْفَاسِقين.)

الْمَذْهَب: لَا ينْعَقد النِّكَاح بهما.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي مرشد وشاهدي عدل "، وَمُطلق كَلَام الشَّارِع يصرف إِلَى الْمَعْهُود الشَّرْعِيّ، والمعهود الْعُدُول كَمَا فِي
(4/50)

قَوْله تَعَالَى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشهود "، وَجه الدَّلِيل: أَنه ذكر الشُّهُود وَلم يشرط الْعَدَالَة، ويعبر بِالشَّهَادَةِ عَن الْحُضُور، قَالَ تَعَالَى: {مَا أشهدتهم خلق السَّمَوَات} أَي: مَا أحضرتهم.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
فقد شَرط انْعِقَاد النِّكَاح، فَلَا ينْعَقد؛ لِأَن الشَّرْط حُضُور شُهُود، وَالْفَاسِق لَا شَهَادَة لَهُ، وَلِأَنَّهَا شَهَادَة فتختص بِالْعَدَالَةِ كالحدود؛ لِأَن الشَّهَادَة حَيْثُ وضعت كَانَت لإِثْبَات الدَّعْوَى، وَلَا تتَصَوَّر الشَّهَادَة من فَاسق، بِدَلِيل مَا لَو وكل فِي البيع بِشَرْط الْإِشْهَاد، فَإِنَّهُ يخْتَص بِالْعَدْلِ.
(4/51)

لَهُم:
الْفَاسِق من أهل الْولَايَة فَيكون من أهل الشَّهَادَة؛ لِأَن الْمُعْتَبر تَنْفِيذ القَوْل على الْغَيْر، وَبَيَان الْأَهْلِيَّة أَن الشَّهَادَة قَول صَحِيح فأهله من كَانَ صَحِيح القَوْل.
مَالك: لَا يفْتَقر إِلَى شَهَادَة.
أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن حملُوا الشَّهَادَة على الْحُضُور قُلْنَا: مُطلق كَلَام الشَّارِع ينْصَرف إِلَى الْمَعْهُود، ويلزمهم تَعْدِيل امْرَأتَيْنِ بِرَجُل، وَهَذَا من خَواص الشَّهَادَات، ثمَّ النِّكَاح شرع لمصْلحَة الْخلق، وحافظ الشَّرْع عَلَيْهِ وصانه بالشهود عَن الْفَوات بالجحود كَيْلا يتَبَيَّن الْمَطْلُوب مِنْهُ، وَطَرِيق الصيانة فِيهِ الْإِشْهَاد وللشرع فِي تمهيد هَذِه الطَّرِيق مسلكان؛ أَحدهمَا: الْأَمر بِالْإِشْهَادِ وَالْآخر: اشْتِرَاط الشَّهَادَة، وَاشْتِرَاط الشَّهَادَة آكِد من الْأَمر بهَا؛ لِأَن الزَّوْجَيْنِ إِذا علما أَن لَا وُصُول إِلَى مقصودهما إِلَّا بِالشَّهَادَةِ اعتمداها وَلَو
(4/52)

كَانَ أمرا يحصل لَهما الْمَقْصُود دونه، فَلَمَّا رَأينَا الشَّارِع قد شَرط الشَّهَادَة عرفنَا أَنه شَرطهَا لتحقيق مقصودها وَهُوَ الْإِثْبَات. قَالُوا: لَو حضر مراهقان وعبدان قد علق عتقهما على مَا يُوجد سَاعَة العقد، فالإثبات بهم مُمكن، وعندكم لَا يَصح. وَالْجَوَاب: أَن هَذَا الْإِلْزَام عكس الدَّلِيل، فَإنَّا لَا ندعي أَن كل نِكَاح أمكن إثْبَاته وَجب أَن ينْعَقد بل ادعينا أَن مَا لَا يُمكن إثْبَاته لَا ينْعَقد.
(4/53)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ بعدالمائتين: ركب:)

هَل ينْعَقد النِّكَاح بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول.
لنا:
الحَدِيث الْمُقدم، وَظَاهره اشْتِرَاط رجلَيْنِ، وَإِن سمي رجل وَامْرَأَة شَاهِدين فَهَذَا قطعا لَا يعْمل بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصح كَشَهَادَة رجل وَامْرَأَة، وتعديل امْرَأتَيْنِ بِرَجُل أَمر شَرْعِي ورد فِي المَال، فَمَا الْجَامِع بَينه وَبَين النِّكَاح؟ ! .
لَهُم: ... ... ... ... ... ... ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لَيْسَ للنِّسَاء شَهَادَة أصلا؛ لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى ضبط ابْتِدَاء وَحفظ دواما
(4/54)

وَأَدَاء على الْوَجْه، وتقصر النِّسَاء عَن ذَلِك، بِدَلِيل أَنَّهَا لَا تسمع شَهَادَتهنَّ منفردات، وَمن لَا يثبت النِّكَاح بقوله لَا ينْعَقد بِحُضُورِهِ.
لَهُم:
أهل الشَّهَادَة بِدَلِيل المَال؛ لِأَن الشَّهَادَة قَول صَحِيح، وَقَوْلها صَحِيح، وشهادتهن أصل، بِدَلِيل قبُولهَا مَعَ إِمْكَان شَهَادَة الرِّجَال فَهِيَ مَقْبُولَة الْإِقْرَار مُطلقًا، فَتكون مَقْبُولَة الشَّهَادَة كَالرّجلِ، غَرَض التَّنْفِيذ بِالْإِطْلَاقِ احْتِرَازًا من العَبْد، وَالْجَامِع أَن الشَّهَادَة وَالْإِقْرَار خبران، ويتأيد بالرواية، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهَا.
مَالك: من شَرط النِّكَاح ترك التواصي بِالْكِتْمَانِ.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْعدَد فِي الشَّهَادَة متلقى من الشَّرْع، وَقد جَاءَ فِي الزِّنَى أَرْبَعَة، وَفِي
(4/55)

المداينة (رجل وَامْرَأَتَانِ) ، وَقَالَ فِي الرّجْعَة: (ذَوي عدل) ، وَقَالَ فِي النِّكَاح: (شَاهِدي عدل) ، والمنصوصات لَا تغير وَمَا لَيْسَ بمنصوص يلْحق بالمنصوص وَلَو جرى الْقيَاس لجَاز فِي الزِّنَى رجلَانِ وَأَرْبع نسْوَة ثمَّ الْأَلْيَق بِحَال النِّسَاء أَلا يشهدن وَلَا يتبرجن، وَاعْتِبَار الشَّهَادَة بِالْإِقْرَارِ بَاطِل، فَإِن العَبْد يقر على نَفسه فَيقبل وَلَا تقبل شَهَادَته، وَإِنَّمَا يرد إِقْرَاره فِيمَا يتَعَلَّق بالسيد من الْأَمْوَال. وَصحت الرِّوَايَة من الْمَرْأَة كَمَا صحت من العَبْد، وَلم تصح شَهَادَته، وَالْفِقْه فِيهِ أَن الرِّوَايَة لَا تخْتَص بشخص بل يقوم بهَا جمَاعَة، فَإِن نَسِيَهَا شخص ذكرهَا آخر، وَالشَّهَادَة يستحفظ فِيهَا اثْنَان، وفوات معنى الشَّهَادَة لنُقْصَان عقل الْمَرْأَة، وَلَوْلَا ذَلِك مَا عدل رجل امْرَأتَيْنِ.
(4/56)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ركج:)

غير الْأَب وَالْجد هَل يُزَوّج الصَّغِيرَة؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم، وَيثبت لَهَا الْخِيَار عِنْد الْبلُوغ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
توفّي عُثْمَان بن مَظْعُون وَأوصى فِي أَمر ابْنَته إِلَى أَخِيه قدامَة،
(4/57)

قَالَ ابْن عمر: فَزَوجهَا مني، فجَاء الْمُغيرَة إِلَى أمهَا ورغبها فِي المَال فرغبت وَرفعت الْقِصَّة إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، فَرد نِكَاحهَا، وَقَالَ: " إِنَّهَا يتيمة، وَإِنَّهَا لَا تنْكح إِلَّا بِإِذْنِهَا ".
وَجه الِاسْتِدْلَال ظَاهر. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يتم بعد الْبلُوغ ".
لَهُم: ... ... ... ... . .
(4/58)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
يدل على أَن نِكَاح الصَّغِير يفْتَقر إِلَى كَمَال نظر، وندعي أَن الْعم مثلا قَاصِر النّظر، دَلِيل الْمُقدمَة الأولى مَا لَا يخفى من الِاحْتِيَاط فِي النِّكَاح، وَخَوف غوائله، وَدَلِيل الْمُقدمَة الثَّانِيَة: كَون العقد لَا يلْزم، وَكَون الْعم لَا يتَصَرَّف فِي المَال، وَإِن وَقع الْفَرْض فِي الْحَاكِم لم يستقم فضل المَال، فتعلل بقصور الشَّفَقَة.
لَهُم:
الْعم مشارك فِي أصل الشَّفَقَة، (والتفاوت فِي مَرَاتِب الشَّفَقَة) غير مُعْتَبر، وتعطيل الْيَتِيمَة بعد وجود الكفؤ ضَرَر، فَقُلْنَا: يَصح مِنْهُ أصل العقد لوُجُود أصل الشَّفَقَة ولتفاوت الشَّفَقَة لَا يلْزم، وَإِن فرض فِي الْحَاكِم قيل: تصرف فِي مَالهَا فتصرف فِي بَعْضهَا.
مَالك:
(4/59)

أَحْمد:
التكملة:
بِالْجُمْلَةِ ولَايَة الْإِجْبَار حَيْثُ وجدت نصا أَو قِيَاسا على نَص، وَلَا نَص فِي الْأَخ وَلَا إِجْمَاع، وَطَرِيق إثْبَاته الاحتداء، وَالْمجْمَع عَلَيْهِ الْأَب وَالْجد وَلَيْسَ الْأَخ فِي مَعْنَاهُمَا فَإِن الأَصْل إِذا تصرف فِي فروعه كَانَ كالتصرف فِي نَفسه وَلَا خَفَاء بالفرقان بَين الْأَخ وَالْأَب فِي ذَلِك، وَلذَلِك لَا يَلِي المَال، وَلَا يلْزم عقده النِّكَاح؛ كل ذَلِك لغوامض غوائل النِّكَاح، وَإِثْبَات (الْخِيَار لَهَا) لَا يُفِيد بعد الوقاع وَلَا يتدارك الضَّرَر مَعَ إِثْبَات الْجَوَاز وَخيَار الرُّؤْيَة أَمر بدع فِي النِّكَاح لَا يشْهد لَهُ أصل، وَأما الْحَاكِم ولي المَال لما فِيهِ من مصلحَة الْيَتِيم كَيْلا تَأْكُله النَّفَقَات، وغوائل المَال قريبَة، وَثمن الْمثل مَعْرُوف.
(4/60)

وَحَاصِل الْكَلَام أَن أَمر النِّكَاح عَظِيم، ومضرته خُفْيَة، وَإِنَّمَا يصير عقد مصلحَة إِذا صدر من ذِي شَفَقَة كَامِلَة، وَأما بعد الْبلُوغ فعندنا كَمَا قبل الْبلُوغ إِنَّمَا تملك ولَايَة الاستئمار وَهِي من أهل الِاخْتِيَار، وكلامنا فِي ولَايَة الْإِجْبَار، وَأما تَزْوِيج الْمَجْنُونَة، فَإِنَّمَا جَازَ مَعَ فَتْوَى الطِّبّ، وَهَذَا من بَاب دفع المضار لَا من بَاب اقتناص الْمصَالح.
(4/61)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ركد:)

هَل يُزَوّج الابْن أمه بالبنوة؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي "، وَالِابْن لَيْسَ بولِي للْأُم بِدَلِيل سِيَاق الْخَبَر الَّذِي رَوَوْهُ، فَإِن أم سَلمَة قَالَت: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَة مصبية غيرى وأوليائي غيب، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " أما المصبية فَسَيَكْفِيكَهُم اللَّهِ،
وَأما الْغيرَة فأسأل اللَّهِ يذهبها عَنْك، وَأما الْأَوْلِيَاء فَلَا أرى فيهم أحدا يكرهني ".
(4/62)

لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْولَايَة للعصبات ". وَجه الدَّلِيل كَون الابْن عصبَة.
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لعمر بن أم سَلمَة: " يَا غُلَام، فزوج أمك من رَسُول اللَّهِ ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
غير منتم إِلَى شجرتها فَلَا يملك إنكاحها كالخال، وَتَقْرِيره مَا تقدم من كَون النِّكَاح مصلحَة عَامَّة تحْتَاج إِلَى رَأْي ثاقب وَنظر صائب، وَدَلِيل قُصُور الْوَلَد عَن ذَلِك عدم إعراضه فِي الْكَفَاءَة وَكَون الأنفة تحمله على كَرَاهِيَة هَذَا الشأ.
لَهُم:
الابْن أقرب النَّاس إِلَيْهَا فَزَوجهَا كَالْأَبِ، وَتَقْرِيره كَون النِّكَاح شرع
(4/63)

لمصلحتها، وَكَون الابْن عَالما بالمصالح، وتقديمه على الْعَصَبَات فِي الْإِرْث دَلِيل قربه، والموانع لَا أثر لَهَا كَمَا لَو كَانَ قَاضِيا أَو ابْن عَم.
مَالك: الابْن أولى من الْأَب.
أَحْمد:.
التكملة:
إِن فرض الْكَلَام فِي تَزْوِيج الْأُم أَو الْأَب المجنونين فالأصلح منع ذَلِك، ونقول: لَا يملك تَزْوِيج هَؤُلَاءِ أحد، لِأَن مَقَاصِد النِّكَاح فَاتَت فِي حَقهم، وَلَو طرى الْجُنُون لفسخ العقد، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُشِير الْأَطِبَّاء بذلك فَينزل منزلَة الدَّوَاء. ثمَّ إِثْبَات الْولَايَة للِابْن بالإجبار على أحد أَبَوَيْهِ الْمَجْنُون إِنَّمَا تثبت بِنَصّ، وَلَا نَص (أَو إِجْمَاع) ، وَلَا إِجْمَاع، أَو بِقِيَاس على غَيره وَالْمجْمَع عَلَيْهِم الْأَب وَالْجد وَالْحَاكِم وَلَيْسَ الابْن فِي معنى
(4/64)

وَاحِد مِنْهُم، أما إلحاقة بِالْأَبِ، فَلَا يُمكن لِأَن الْولَايَة منصب تَقْتَضِيه رُتْبَة الْأَب لَا رُتْبَة الابْن، وَإِن كَانَ النّظر إِلَى جَانب الْمولى عَلَيْهِ، فمراعاة الْأَب لمصَالح فَرعه لَا تناسبها مُرَاعَاة الْوَلَد لمصَالح الْأُم.
وَالْجَوَاب عَن منقولهم: إِمَّا أَن ذَلِك خَاص برَسُول اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَام) وَإِمَّا لِأَن الْوَلَد كَانَ ابْن عَم أمه. وَأما الصُّورَة الَّتِي لَا أثر لمنع الابْن من الْكَفَاءَة فِيهَا هِيَ أَن تتَزَوَّج شريفة بنبطي وتلد مِنْهُ ثمَّ تبين عَنهُ ثمَّ تعود إِلَيْهِ، فَلَيْسَ للْوَلَد الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ رُبمَا منعُوا فِي غير هَذِه الصُّورَة، وَقَالُوا: للْوَلَد الِاعْتِرَاض فِي الْكَفَاءَة والْحَدِيث الآخر عَن ثَبت، ونقول: الابْن يُدْلِي بِأَبِيهِ وَأمه، وَالأُم لَا تصلح عندنَا أَن تكون ولية نَفسهَا، وَالِابْن لَا يكون ولي نِكَاحهَا، قَالَه الْقفال.
(4/65)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(4/66)

الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ركه.
إِذا رضيت أقل من مهر الْمثل.
الْمَذْهَب: لم يكن للأولياء الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(4/67)

تصرفت فِي حَقّهَا وَهِي من أهل التَّصَرُّف فَلَا يعْتَرض عَلَيْهَا كَمَا لَو باعت مَالهَا بالبخس، دَلِيل كَون الْمهْر حَقّهَا تصرفها فِيهِ حبسا وَاسْتِيفَاء وإبراء، وَإِن قدر مثل مَنَافِعهَا فمنافعها مَالهَا، وَإِن قدر الْبضْع جزءها، فإهدارها للطرف إِن لم يُؤثر فِي الْإِبَاحَة أثر فِي نفي الضَّمَان.
لَهُم:
نقيس نُقْصَان الْمهْر على فَوَات الْكَفَاءَة، وَالْجَامِع أَن الزَّوْجَيْنِ يتعادلان فِي المنصب غَالِبا، ونقصان الْمهْر شين للنسب، ثمَّ ضَرَر بنساء عشيرتها، ثمَّ تَقْرِير الْمهْر إِلَى عشرَة حق الشَّرْع، وَإِلَى مهر الْمثل حق الْأَوْلِيَاء لتأثرهم بِهِ، ونسلم أَن الْمهْر حَقّهَا لكنه عبارَة عَن الْوَاجِب، وَالْكَلَام فِي الْوُجُوب، وَصَارَ كَالزَّكَاةِ تجب لله وَالْوَاجِب للْفُقَرَاء.
مَالك:
أَحْمد: ق.
(4/68)

التكملة:
الِاعْتِرَاض على عقدهَا بِالْفَسْخِ إِمَّا بِنَصّ أَو قِيَاس، وَلَا نَص، وَلَا أصل بتخيل إِلْحَاقه بِهِ سوى الِاعْتِرَاض عِنْد فَوت الْكَفَاءَة، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ لِأَن الِاعْتِرَاض على تصرف الْغَيْر فِي حَقه إِذا ثَبت تضرر عَظِيم لَهُ وَقع فِي النُّفُوس اعتياد يثبت بِضَرَر دونه، وَلذَلِك ثبتَتْ شُفْعَة المساهم لَا المجاور، ثمَّ لَو زوجت نَفسهَا بالنخالة أَو بقشور الرُّمَّان لم يعْتَرض عَلَيْهَا، وَقِيمَة بضع الْمَرْأَة يخْتَلف باخْتلَاف الرغبات فَرب نسيبة قَليلَة الْمهْر ووضيعة كَثِيرَة الْمهْر، فَلَيْسَ الْمهْر معيار النّسَب، بل مَحل الْمهْر من الْبضْع مَحل الثّمن من الْمُثمن (ويصل الْإِضْرَار بنساء الْعَشِيرَة منقوض) بِمَا لَو رَضِي الْوَلِيّ، وتحقيقه أَن النُّقْصَان لَا يحط من مهر الْمَوْطُوءَة بِالشُّبْهَةِ بل يعْتَبر قانون مهر الْمثل فِي الْعَشِيرَة، ثمَّ نعتبر بعده فَضِيلَة إِن كَانَت فِيهَا أَو فِي غَيرهَا، ونقيصة إِن كَانَت فِيهَا أَو فِي غَيرهَا، وَكَذَلِكَ الْمُسَامحَة (من إِحْدَاهُنَّ
(4/69)

تخْتَص بهَا) .
(4/70)

(لوحة 57 من المخطوطة أ:)
هَذَا الْفَصْل يَقع فِيمَا إِذا زوج مولاته من نَفسه ويدور فِي كثير من الْمسَائِل. نسلم وجود الْأَهْلِيَّة والمحلية والصيغة ونقول: الصِّحَّة حكم شَرْعِي مَعْنَاهُ اعْتِبَاره هَذَا العقد فِي إِيجَاب حكمه، فَلَا بُد من سَبَب وأمارة تدل على ثُبُوته فالأهلية عبارَة عَن صِفَات إِذا اجْتمعت لشخص أمكن أَن يعْتَبر قَوْله وَفعله فِي مجاري الْأَحْكَام، والمحلية مَجْمُوع صِفَات فِي الْمحل تقبل مَقْصُود الحكم فَيمكن إِثْبَات الحكم فِيهَا، والصيغة أَلْفَاظ منظومة يُمكن جلب الحكم بهَا، فَإِذا اجْتمعت الْأَهْلِيَّة والمحلية والصيغة وَهِي الْأَركان أمكن أَن يَصح العقد، وَمَعْنَاهُ لَو صَحَّ لم يُنَاقض أصلا شَرْعِيًّا وَلَا عقليا، لَكِن مَا الدَّلِيل على وُقُوع هَذِه الْعلَّة الممكنة وثبوتها؟ فَلَيْسَ كل مُمكن وَاقع لَكِن الْمُمكن مَا اسْتَوَى طرفاه وجودا وعدما، فَإِن وجد مَا يرجحه ثَبت وَإِلَّا بَقِي على عَدمه.
فَإِن قَالُوا: (الأَصْل اعْتِبَار كَلَام الْعَاقِل فَنَقُول: هَذَا الأَصْل إِن ادعيتموه عقلا فمحال؛ لِأَنَّهُ لَا مجَال للعقول فِي الْأَحْكَام، وَإِن ادعيتموه
(4/71)

شرعا، فَلَا يتعرف إِلَّا من نَص أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس عَلَيْهِمَا، فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا أعْطى الْعقل لاعْتِبَار قَوْله وَفعله، قُلْنَا: لِإِمْكَان اعْتِبَار قَوْله وَفعله أم لوجوبهما؟ ! للإمكان مُسلم للْوُجُوب وَلَا نسلم.
مَسْأَلَة: الْموقف بَاطِل خلافًا لَهُم. لنا: إِن إِذن الْوَلِيّ شَرط فِي الاستباحة فَإِذا تَأَخّر عَن العقد لم يَصح كَالشَّهَادَةِ.
مَسْأَلَة لَا ينْعَقد نِكَاح الْمُسلم مَعَ الذِّمِّيَّة بِشَهَادَة أهل الذِّمَّة خلافًا لَهُم.
لنا: أَن من لَا ينْعَقد بِشَهَادَتِهِ نِكَاح مُسلمين لَا ينْعَقد بِشَهَادَتِهِ نِكَاح مُسلم وذمية كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيّ وَلَا يحسن قِيَاس شَهَادَته على ولَايَته؛ لِأَن الْولَايَة تستدعي الشَّفَقَة وَطلب الْمصلحَة للْمولى عَلَيْهِ، وَالْكفْر لَا يُنَافِي ذَلِك وَالشَّهَادَة تستدعي حفظ الْحق وَالْكفْر يُنَافِي ذَلِك، فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْمُنكر الزَّوْج لم تَنْفَع شَهَادَة الذِّمَّة.
(4/72)

مَسْأَلَة: الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ وَالْأَخ من الْأَب سَوَاء فِي الْولَايَة فِي القَوْل الْقَدِيم، وَيقدم الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ فِي القَوْل الْجَدِيد، ومذهبهم الْحجَّة: أَخَوان يُزَوّج كل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا انْفَرد، فَإِذا اجْتمعَا تَسَاويا كَمَا تَسَاويا فِي الإدلاء وَلَا حجَّة فِي التَّقْدِيم بِالْمِيرَاثِ، فَإِن المشركة يقدم ولد الْأُم على ولد الْأَبَوَيْنِ وَلَا يقدم فِي الْولَايَة؛ وَذَلِكَ لِأَن قرَابَة الْأُم لَهَا مدْخل فِي الْمِيرَاث فرجح بهَا وَلَا مدْخل لَهَا فِي الْولَايَة فَلَا تَقْتَضِي التَّرْجِيح.
(4/73)

(من مسَائِل النِّكَاح)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ركو.)

إِذا زوج ابْنَته الصَّغِيرَة بِدُونِ مهر الْمثل.
الْمَذْهَب: يجب مهر الْمثل وَإِذا زَوجهَا من غير كفؤ لم ينْعَقد.
عِنْدهم: يجب الْمُسَمّى، وَينْعَقد.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... ... . .
(4/74)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عقد يتَضَمَّن إِضْرَارًا فَلَا ينْعَقد عَلَيْهَا كَمَا لَو بَاعَ مَالهَا بخسا؛ لِأَن العقد فوض إِلَيْهِ لينشئه وفْق الْمصَالح، وَعدم الْكَفَاءَة ونقصان الْمهْر يضاد الْمصَالح وَلَو فعلت هِيَ هَذَا رد عَلَيْهَا؛ وَلِأَن ترد هِيَ عَلَيْهِ أولى لِأَن يتَصَرَّف لَهَا.
لَهُم:
الْبضْع لَيْسَ مَالا حَتَّى يُقَال ينزل عَنهُ بِمَا لَا يُسَاوِيه وَغَايَة مَا يقدر أَنه امْتنع عَن تَحْصِيل زِيَادَة لَهَا، وَلَعَلَّه راقب فِي ذَلِك مصلحَة أُخْرَى، وشفقته تحقق ذَلِك، ثمَّ النِّكَاح لم يقْصد لِلْمَالِ، فَالْمَال فِيهِ تبع.
مَالك: ف.
أَحْمد: ف.
(4/75)

التكملة:
رُبمَا منعُوا أَنه يضر بهَا وَأَن الْمصلحَة فِي رِعَايَة الْكَفَاءَة وَالْمهْر فَحسب، وَزَعَمُوا أَن وَرَاء ذَلِك مصَالح، الْوَلِيّ أعرف بهَا، وَالْجَوَاب: أَن الْكَفَاءَة وَمهر الْمثل حَيْثُ شرعا كَانَا لابتغاء الْمصَالح، وَلذَلِك اعْتِرَاض عِنْد فواتهما، ولعمري أَن الْأَب ولي ابْنَته لَكِن فِي تَحْصِيل مَا لَيْسَ لَهَا أما تَفْوِيت مَالهَا فَلَا، أَلا ترى أَنه ينهب وَيفْعل الْوَصِيَّة لَهَا وَلَا يهب وَلَا يعْتق مَالهَا (كَذَلِك مَا نَحن فِيهِ يضر بهَا، فَلَا تملكه) ، وَيُمكن أَن نقُول: الْمهْر مُقَابل المَال وَمَنْفَعَة الْبضْع مَال، وَإِن سلمنَا أَنه غير تَفْوِيت فَهُوَ يحصل لما تيَسّر تَحْصِيله من غير ضَرَر وَلَا غرر، وَذَلِكَ وَاجِب على الْوَلِيّ كَمَا إِذا طلب مَالهَا بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل، فَإِنَّهُ لَا يَصح، فَإِن قَالُوا: هَذَا فَوَات يعود إِلَى بدل، فَإِنَّهُ مَا فعل ذَلِك إِلَّا وَقد رأى فِي الزَّوْج مصَالح توفّي على مهر الْمثل، وَالْجَوَاب رِعَايَة مثل ذَلِك لَا يُوقف الْأَحْكَام عَلَيْهِ بل يُرَاعى
(4/76)

مَا جعله الشَّرْع مصلحَة وَلِهَذَا لَو خَالع زَوْجَة الصَّبِي الشوهاء على أَضْعَاف مهرهَا لم يجز.
الْحَرْف الْخَاص بِالْمهْرِ أَنه عندنَا مَقْصُود بِالْعقدِ وَعِنْدهم تَابع، والحرف الْعَام أَن عندنَا فِيهِ ضَرَر خلافًا لَهُم.
(4/77)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ركز.)

الْوَلِيّ الْأَقْرَب إِذا غَابَ غيبَة مُنْقَطِعَة.
الْمَذْهَب: الْحَاكِم نَائِب الْأَبْعَد وَلَا تنْتَقل الْولَايَة إِلَى الْأَقْرَب دَارا.
عِنْدهم: ينْتَقل الْولَايَة إِلَى الْأَبْعَد.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ...
(4/78)

لَهُم: ... ... ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْأَقْرَب دَارا مَحْجُوب عَن الْولَايَة بالأقرب نسبا، وَهُوَ بَاقٍ فَبَقيَ الْحجب؛ لِأَن الْعلَّة الْقَرَابَة وأهلية النّظر وَتمكن الِانْتِفَاع بالمراسلة وَإِن خيف الْفَوات بالسلطان، وَالدَّلِيل على بَقَاء ولَايَته: بَقَاء سَببهَا وَهِي الْقَرَابَة الباعثة على النّظر ويتأيد بِمَا لَو زَوجهَا حَيْثُ هُوَ رُبمَا لَو كَانَ لَهُ وَكيل حَاضر.
لَهُم:
زَالَت ولَايَة الْأَقْرَب نسبا فانتقلت إِلَى الْأَقْرَب دَارا كَمَا لَو مَاتَ أَو جن، الدَّلِيل على الزَّوَال أَن الْولَايَة ترَاد للنَّظَر وَقد فَاتَ وَلَيْسَ الْمُعْتَبر أَهْلِيَّة النّظر بل انْتِفَاع الْمَرْأَة بِهِ وَهَذَا الْمطلب قد فَاتَ فَصَارَ كفوات الْأَهْلِيَّة ثمَّ ثُبُوت الْولَايَة لَهما يرجح الْأَقْرَب دَارا.
(4/79)

مَالك:
أَحْمد: ف.
التكملة:
لَهُم فِي طرفِي ولَايَة المَال منع، وَإِن سلمُوا فعذرهم أَنه يُمكن نَقله بسهولة، بِخِلَاف الْمَرْأَة، فَإِنَّهَا تحْتَاج إِلَى محرم ومراعاة مصَالح الْبضْع أَكثر من مُرَاعَاة مصَالح المَال، وَمِنْهُم من يسلم بَقَاء ولَايَة الْأَقْرَب نسبا وندعي أَيْضا ثُبُوتهَا للأقرب دَارا أَو نفرض كَمَا لَو غَابَ الْأَب وَالْجد حَاضر فَإِن قرَابَة الْجد ثَابِتَة، وَإِنَّمَا بِفضل الْأَب إِذا بالأكملية فَإِذا غَابَ فَاتَ هَذَا الْقدر، وقابل ضَرَر غيبته نفع الأكملية، الْجَواب: بِالْجُمْلَةِ منع انْقِطَاع نظره، فَإِن أَهْلِيَّة النّظر كَامِلَة قَائِمَة والباعث على النّظر تَامّ، وَإِن عرضت حَاجَة حاقة، فَالْحكم يُزَوّج، قَالُوا: احْتِمَال تَزْوِيجه إِيَّاهَا فِي الْغَيْبَة أَمر بعيد. الْجَواب: الِاحْتِمَالَات الْبَعِيدَة لَا تعْتَبر فِي إِثْبَات الْأَحْكَام ابْتِدَاء أما
(4/80)

بَقَاؤُهَا دواما فَيعْتَبر فِيهِ كل احْتِمَال وَإِن بعد، (والفارق أَن الحكم فِي الِابْتِدَاء على النَّفْي) ، فَيحْتَاج فِي إثْبَاته إِلَى أَرْكَانه وشرائطه أما الثَّابِت، فَالْأَصْل بَقَاؤُهُ، والعضل لَازم لَهُم جدا من جِهَة أَنه يُزَوّجهَا الْحَاكِم، وَلَا ينْتَقل إِلَى الْبعيد النّسَب إِذا عضلها الْقَرِيب النّسَب.
(4/81)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ركح.)

إِذا زوج أحد الْأَوْلِيَاء من غير كُفْء.
الْمَذْهَب: لَا ينْعَقد فِي قَول، وَينْعَقد فِي قَول، وَينْعَقد غير لَازم فِي قَول.
عِنْدهم: ينْعَقد وَيلْزم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... .
(4/82)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْحق مُتَعَدد فإسقاط أحد الْمُسْتَحقّين لَا يُوجب إِسْقَاط الآخر كالشفعة وَالْقصاص؛ لِأَن السَّبَب هُوَ الْأُخوة مثلا، وكل أَخ يُدْلِي بأخوة كَامِلَة، وَلَيْسَ يقف كَمَال أخوته على أَخ آخر فَهِيَ عقد تضمن ضَرَرا لسَائِر الْأَوْلِيَاء، فَوَجَبَ أَلا يلْزم قِيَاسا على مَا لَو عضل الْوَلِيّ، فَزَوجهَا الْحَاكِم، فَإِن للعاضل الْفَسْخ.
لَهُم:
عقد صدر من ولي كَامِل الْولَايَة، فَوَجَبَ أَن يلْزم كَمَا لَو انْفَرد دَلِيل ذَلِك أَن الْحق لَا يتَجَزَّأ، فَلَا يثبت بعضه كالإيمان.
(4/83)

مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
يلْزمهُم على أصلهم إِذا زوجت نَفسهَا من غير كُفْء وأفهمه أَن قطع النِّكَاح أَو دَفعه ثَابت للأخوة وفَاقا وكل وَاحِد مِنْهُم على قَوْلنَا ولي لَا الْوَلِيّ وَالْمَسْأَلَة فرع النِّكَاح بِلَا ولي وَسِيَاق الْكَلَام أَنه لَا يَصح دون الْوَلِيّ، ثمَّ الْوَلِيّ قد يتحد وَقد يَتَعَدَّد والمتعدد فِي حكم الْولَايَة كالواحد لِأَن سَبَب الْولَايَة وَاحِد وَهُوَ الْأُخوة مثلا، وَهَذَا الْحق يُضَاف بِكَمَالِهِ إِلَى كل أَخ، وَمُقْتَضى الْقيَاس أَن لَا ينْعَقد إِلَّا بهم جَمِيعًا، وَإِن كَانَ الزَّوْج كُفؤًا قَالُوا: هَذَا الْمُمْتَنع لَو كَانَ مُنْفَردا لامتنع العقد بامتناعه، وَكَذَلِكَ هَذَا الزَّوْج لَو كَانَ مُنْفَردا لصَحَّ العقد بتزويجه من غير كُفْء.
الْجَواب: هما وليان وَقد تعَارض فيهمَا سَببا الْفساد وَالصِّحَّة فسقطا إِذْ لَيْسَ أَحدهمَا أولى بِالِاعْتِبَارِ، فَبَقيَ الْأَمر على مَا كَانَ أَو يرجح جَانب
(4/84)

الْفساد حُرْمَة الأبضاع والعذر عَن التَّزْوِيج من الْكُفْء كَونه ينْفَرد بِهِ دون الآخر.
وَالْجَوَاب: أَن الْمَرْأَة إِذا طلبت الْكُفْء وَجب على الْكل الرِّضَا حَتَّى يَعْصِي الْمُمْتَنع وكل من لزمَه الرِّضَا فِي أَمر معِين استغني عَن مُرَاجعَته كالشفيع يتَمَلَّك الشّقص من غير مُرَاجعَة المُشْتَرِي؛ لِأَن الشَّرْع ألزمهُ الرِّضَا بِثمن العقد، والحرف أَن عندنَا يثبت لكل وَاحِد مِنْهُم حق كَامِل وَعِنْدهم الْحق الْوَاحِد ثَابت للْجَمِيع.
(4/85)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: ركط.)

هَل يُزَوّج الْوَلِيّ مولاته من نَفسه؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم، وَيَكْفِي أَن يَقُول: زوجتها من نَفسِي.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... . .
لَهُم: ... ... ... .
(4/86)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
أَمَانَة شَرْعِيَّة فَلَا تثبت فِي مَظَنَّة التُّهْمَة كَالشَّهَادَةِ، فَإِن الشَّارِع فوض العقد إِلَى الْوَلِيّ ليحتاط لَهُ بِنَظَر تَامّ، والمرء مُتَّهم فِيمَا يعود إِلَى نَفسه، وَلَيْسَ الْمَحْذُور بخس حَقّهَا بل بخس حق الشَّرْع من العقد الَّذِي يشْتَمل على مصَالح تدوم وَتبقى ويتأيد بالوكيل، فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي من نَفسه.
لَهُم:
التعويل على أَرْكَان العقد من الْأَهْلِيَّة والمحلية والصيغة وَلَا حَادث إِلَّا اتِّحَاد الْعقْدَيْنِ وَذَلِكَ غير مَانع، فَإِن الشَّخْص الْوَاحِد قد يُضَاف إِلَيْهِ أَمْرَانِ بسببين كالأخ من الْأُم إِذا كَانَ ابْن عَم يتأيد بِبيع الْأَب مَال الصَّغِير فِي نَفسه.
مَالك: ف.
أَحْمد: يُوكل من يُزَوّجهَا مِنْهُ وَلَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفسِهِ.
(4/87)

التكملة:
التَّزْوِيج فعل شَرْعِي والشرعي يثبت على مذاق الحسية، وَالْأَفْعَال الحسية المتعدية يَنْقَسِم إِلَى مَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد وَإِلَى مَا يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، والأركان الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة يتحد الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، ويلزمنا على هَذَا أَنه يَنْبَغِي أَن يَصح تَزْوِيج الْوَكِيل من نَفسه إِذا كَانَ من جِهَة الْوَلِيّ لِأَنَّهُ مَا اتَّحد الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، فَمن الْأَصْحَاب من قَالَ: يَصح، وَالْجَوَاز (أَن التَّزْوِيج صدر من الْوَكِيل حسا) ، وَالْمُوكل فاثم، فَكيف يُضَاف الْفِعْل إِلَى الْمُوكل وَهُوَ خلاف الْحس وَخلاف الشَّرْع أَيْضا؟ ! فَإِنَّهُ لَو حلف لَا يتَزَوَّج وَتزَوج وَكيله لم يَحْنَث وَالْوَكِيل لَو حلف لَا يتَزَوَّج وَتزَوج بِالْوكَالَةِ حنث، بَقِي علينا الْأَب، فَإِنَّهُ يَبِيع مَال ابْنه الصَّغِير من نَفسه وَقد اتَّحد البَائِع والمبتاع. وَهُوَ عَلَيْهِم أَيْضا، فَإِنَّهُم منعُوا الْوَكِيل أَن يَبِيع من نَفسه والتقصي عَن عُهْدَة إِلْزَام الْأَب أَن البيع وَإِن صدر من الْأَب حسا فَهُوَ من الابْن شرعا، وَذَلِكَ لمعنيين فِي حق الْأَب خَاصَّة.
أَحدهمَا: قِيَاس البعضية، وَالْآخر: الرِّفْق بالطفل.
(4/88)

والحرف أَن النِّكَاح عندنَا حق الشَّرْع لمصْلحَة عَامَّة فَاحْتَاجَ إِلَى تَامّ النّظر وَنظر الْمَرْء لنَفسِهِ تُهْمَة.
وَعِنْدهم هُوَ حق الْمَرْأَة، فَزَوجهَا بالنيابة ويتزوج بالاستقال.
(4/89)

(الْمَسْأَلَة الثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رل 230:)

هَل يجْبر السَّيِّد عَبده على النِّكَاح؟ .
الْمَذْهَب: أظهر الْقَوْلَيْنِ لَا، وَيجوز إِجْبَار العَبْد الصَّغِير وَالْإِمَاء.
عِنْدهم: يجْبر الْجَمِيع.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
بَالغ عَاقل فَلَا يجْبر على النِّكَاح كَالْحرِّ، وَتَقْرِيره أَن الْبلُوغ يتَضَمَّن أصل الْعقل، والذكورية تفِيد كَمَاله، وَكَمَال الْعقل يُنَاسب أَهْلِيَّة الِاسْتِقْلَال،
(4/90)

فَالْعقد حَقه وَهُوَ من أهل مُبَاشَرَته وغنمه لَهُ وغرمه عَلَيْهِ وَالنَّفس الَّتِي بهَا صَار ناكحا غير مَمْلُوكَة للسَّيِّد؛ لِأَنَّهَا لَيست مَالا.
لَهُم:
ملك عينة، فَملك تَزْوِيجه كالأمة، تَأْثِيره أَن ملك الرَّقَبَة سَبَب ملك النِّكَاح فِي حق الْأمة؛ لِأَن النِّكَاح يرد على الْعين أَو مَا هُوَ فِي حكم الْعين، فَالْعَبْد ملك السَّيِّد وَالنِّكَاح شرع لمصلحته فَجَاز انشاؤه لاصلاح ملكه كالأمة.
مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
التكملة:
ولَايَة الْإِجْبَار إِمَّا أَن تثبت ابْتِدَاء من جِهَة الشَّرْع أَو قِيَاسا على مَنْصُوص وَلَا نَص وَلَا أصل يُقَاس عَلَيْهِ، فَإِن الْملك لَيْسَ فِي معنى الْقَرَابَة، وَلَيْسَ هَذَا تَصرفا مِنْهُ لنَفسِهِ حَتَّى ينزل منزلَة بيع العَبْد وَلَيْسَ مستصلحا ملكه إِذْ الصّلاح بِالْوَطْءِ وَهُوَ غير مجبر عَلَيْهِ، بل هُوَ قَادر على الطَّلَاق. لم يبْق إِلَّا مَأْخَذ الْولَايَة على الْغَيْر، وَلَا سَبَب إِلَّا ملك الرَّقَبَة، فَلَا بُد من دَلِيل على ملك الرَّقَبَة سَبَب هَذِه الْولَايَة، وَلَا أصل يُقَاس عَلَيْهِ إِلَّا الْأمة، وَالْفرق بَين
(4/91)

الْأمة وَالْعَبْد أَولا لأَنا لَا نسلم أَنه يُزَوّج الْأمة لولاية الْإِجْبَار لَكِن بطرِيق التَّصَرُّف فِي حق نَفسه، فَإِن الْبضْع ملكه فَصَارَ كَالْإِجَارَةِ فمعقول النِّكَاح على الْأمة ملك الْمَنْفَعَة ومعقول النِّكَاح على العَبْد إِلْزَام ذمَّته المَال وَتَحْصِيل ملك النِّكَاح لَيْسَ لَهُ، وَلَيْسَ للسَّيِّد أَن يلْزم ذمَّة العَبْد مَالا وَلذَلِك لَا يجْبرهُ على الْكِتَابَة، وَإِن سلمنَا أَنه قبل الولايات لَكِن للسَّيِّد فِي الْأمة ملك الرَّقَبَة وَملك الْمَنْفَعَة.
(4/92)

(لوحة 58 من المخطوطة أ:)

إِذا كتب إِلَى الْوَلِيّ: زَوجنِي وليتك فقرأه الْوَلِيّ بِحَضْرَة شَاهِدين وَقَالَ: زَوجتك لم ينْعَقد. وَاعْلَم أَن من تزوج بِامْرَأَة حرم عَلَيْهِ أمهاتها على التَّأْبِيد وَتحرم بنتهَا تَحْرِيم جمع إِلَّا أَن يدْخل بهَا فَتحرم بنتهَا على على التَّأْبِيد وكل من يحرم عَلَيْهِ تَحْرِيم جمع يَصح نِكَاحهَا فِي عدَّة من حرمت بِسَبَبِهَا إِذا كَانَت الطَّلقَة ثَلَاثًا، وَالْأمة إِذا قتلت نَفسهَا أَو قَتلهَا سَيِّدهَا قبل الدُّخُول سقط الْمهْر، وَإِن قتلت الْحرَّة نَفسهَا فلهَا الْمهْر أما إِذا قتل الزَّوْجَة زَوجهَا أَو أَجْنَبِي اسْتَقر مهرهَا أمة كَانَت أَو حرَّة قَالَ الاصطخري: إِن كَانَت أمة سقط مهرهَا، لِأَن الْأمة كالمتاع إِذا تلف قبل الْقَبْض، وَبَعض الْأَصْحَاب يَقُول: فِي الْمَوْت مثل ذَلِك وَهَذَا لَيْسَ
(4/93)

بِصَحِيح؛ لِأَن الْأمة فِي أَحْكَام النِّكَاح كَالْحرَّةِ يَصح طَلاقهَا وظهارها وَالْإِيلَاء عَلَيْهَا، وَإِذا وطىء الْأَب جَارِيَة ابْنه نظرت، فَإِن لم تحمل مِنْهُ فَلَا يَخْلُو أما أَن يكون قد وَطئهَا الابْن أَولا، فَإِن لم يكن وَطئهَا فَلَا حد لشُبْهَة الْملك فِي مَال الْوَلَد، وَإِن كَانَ قد وَطئهَا الْوَلَد فَفِي الْحَد وَجْهَان، وَأما الْمهْر فَيجب فِي الْوَجْه الأول؛ لِأَن كل وَطْء يسْقط فِيهِ الْحَد للشُّبْهَة يجب فِيهِ الْمهْر وكل مَوضِع سقط الْحَد وَوَجَب الْمهْر حرمت على الابْن على التَّأْبِيد وَلَا تجب الْقيمَة، لِأَن ملك الابْن قَائِم، فَأَما إِذا أحبلها فَحكم الْحَد وَالْمهْر على مَا سبق، وَبَقِي الْكَلَام فِي الِاسْتِيلَاد وَقيمتهَا وَقِيمَة الْوَلَد، أما الِاسْتِيلَاد فَإِن الْوَلَد حر، وَهل تصير أم ولد؟ قَولَانِ: وَجه كَونهَا أم ولد أَنَّهَا علقت مِنْهُ بَحر بِحَق الْملك فَصَارَت أم ولد كَالْوَطْءِ فِي ملكه، وَيُفَارق الزَّوْجَة؛ لِأَنَّهَا حملت بمملوك.
قَالَ بعض الْأَصْحَاب: لَا يتَصَوَّر أَن يتَزَوَّج الْأَب بِجَارِيَة ابْنه؛ لِأَن الابْن يجب عَلَيْهِ أَن يعف أَبَاهُ فَلَا يجوز للْأَب أَن يتَزَوَّج بِجَارِيَة ابْنه لوُجُود الطول، وَمِنْهُم من قَالَ: يتَصَوَّر بِأَن يكون للِابْن أمة يحْتَاج إِلَيْهَا لَا غنى لخدمته بِهِ عَنْهَا وَلَا يملك غَيرهَا مَا يعف بِهِ أَبَاهُ وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْأَب صَحِيحا فعلى أحد الْقَوْلَيْنِ لَا يجب على الابْن نَفَقَته وَلَا إعفافه، فَيجوز أَن يتَزَوَّج بأمته على أَن فِي إعفاف الابْن قَوْلَيْنِ، وَإِذا وطىء الْأمة حرم عَلَيْهِ أمهَا وبنتها على التَّأْبِيد كَالْحرَّةِ؛ لِأَن هَذَا وَطْء لَهُ حُرْمَة يتَعَلَّق بِهِ لُحُوق النّسَب من أحَاط علمه بِمَدِينَة مَا من يحرم عَلَيْهِ جَازَ لَهُ أَن يتَزَوَّج من الْمَدِينَة وَلَو
(4/94)

اخْتلطت هَذِه الْمُحرمَة بِعَدَد مَحْصُور لم يجز، وَيجمع بَين الْأُخْتَيْنِ فِي ملك الْيَمين لَا فِي الْوَطْء؛ لِأَنَّهُ يقْصد بِملك الْيَمين التمول، فَإِذا أَرَادَ وَطْء وَاحِدَة حرم الْأُخْرَى على نَفسه بِبيع اَوْ كِتَابَة أَو عتق أَو تَزْوِيج، فَإِن رَهنهَا لم يكف، وَإِن كَانَ مَمْنُوعًا من وَطئهَا؛ لِأَن ذَلِك لحق الْمُرْتَهن، وَإِذا تزوج لَهُ ابْن أمْرَأَة لَهَا بنت وَبِالْعَكْسِ جَازَ أَن يتَزَوَّج وَلَده من وَلَدهَا، فَلَو ولدت ولدا كَانَ أَخُوهُ مزوجا بأخته، وَإِذا تزوج بِامْرَأَة جَازَ لَهُ أَن يُزَوّج ابْنه بأمها.
مَسْأَلَة: إِذا قبل امْرَأَة هَل تحرم أمهَا وابنتها؟ قَولَانِ: أَحدهمَا لَا تحرم، (وَالثَّانِي تحرم) وَهُوَ مَذْهَبهم.
لنا: أَنه لمس لَا يُوجب الْغسْل فَلَا يُوجب تَحْرِيم الْمُصَاهَرَة كالنظر إِلَى وَجههَا.
(4/95)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رلا.)

بِأَيّ لفظ ينْعَقد النِّكَاح؟ .
الْمَذْهَب: بالإنكاح وَالتَّزْوِيج ومعناهما الْخَاص بِكُل لِسَان.
عِنْدهم: ينْعَقد بِهَذَا وَبِكُل لفظ يُنبئ عَن التَّمْلِيك.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَامْرَأَة مُؤمنَة ... ...} الْآيَة، وَجه الدَّلِيل أَنه جعل الْهِبَة خَالِصَة للنَّبِي، وَالضَّمِير فِي خَالِصَة عَائِد إِلَى الْهِبَة لَا إِلَى الزَّوْجَة (فكون الزَّوْجَة) خَالِصَة لَهُ قد اسْتُفِيدَ من آيَة أُخْرَى، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " (استحللتم فروجهن) بِكَلِمَة اللَّهِ " أَلا وَهِي النِّكَاح وَالتَّزْوِيج.
(4/96)

لَهُم:
صِحَة نِكَاح النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِلَفْظ الْهِبَة دَلِيل على أَن لفظ الْإِنْكَاح لَا يعْتَبر، وَرُوِيَ أَنه قَالَ لأعرابي: " ملكتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
النِّكَاح عقد خَاص شرع لحكم خَاص وَثَمَرَة خَاصَّة، فَلَا ينْعَقد إِلَّا بِلَفْظِهِ الْخَاص بِهِ وَالنِّكَاح لفظ لَا ينْعَقد بِهِ البيع (فَوَجَبَ أَن لَا ينْعَقد النِّكَاح بِالْبيعِ) ؛ لِأَن الأَصْل فِي الْأَلْفَاظ أَن تتحد دلالتها وَالْمجَاز فِيهَا عَارض.
لَهُم:
تصرف أمكن العقد بمجازة فَلَا يلغى، بَيَان الْإِمْكَان أَنه كنى بِالسَّبَبِ عَن الْمُسَبّب، وَذَلِكَ جَائِز لُغَة، وَملك النِّكَاح ملك مَنْفَعَة، وَملك البيع ملك رَقَبَة، وبواسطة الْمَنْفَعَة نعمل بِهِ تَصْحِيحا لكَلَام الْعَاقِل أَو
(4/97)

نجعله حَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ تمْلِيك فِي النِّكَاح.
مَالك: بوافق الْخصم وَيشْتَرط ذكر الْمهْر.
أَحْمد: ق.
التكملة:
مَعْقُود النِّكَاح من أغمض مَا يطلع عَلَيْهِ، وَقد اضْطَرَبَتْ فِيهِ مسالك الْفُقَهَاء، وَبِالْجُمْلَةِ ينطوي على مَقَاصِد غَرِيبَة لَا تعرب عَنْهَا العبارت الْمَوْضُوعَة لسَائِر الْعُقُود، وَالشَّرْع نصب عبارتي التَّزْوِيج والإنكاح وهما لَا ينبئان عَن مَقْصُود على وضع اللُّغَة وانعقد العقد بهما بتحكم الشَّرْع، فَمَا عداهما من الْأَلْفَاظ لَا يقوم مقامهما، غَايَته أَن يكون مُجملا ومجازا وَلَو جَازَ مثل ذَلِك جَازَ بِلَفْظ الْإِجَارَة والإحلال. وصحيح لفظ منقولهم: زوجتكها على أَن الرَّاوِي لَفْظَة ملكتكها مطعون فِيهِ، ونمنع
(4/98)

جَرَيَان الْملك فِي النِّكَاح، وَلَا نقُول: حكمه الْحل اللَّازِم على الزَّوْجِيَّة الشَّرْعِيَّة وَكَيف يقدر ملك الزَّوْج الْمَرْأَة وَالْمَنْفَعَة مُشْتَركَة بَينهمَا؟ فَإِن قَالُوا: عبر عَن السَّبَب بالمسبب، قُلْنَا: الْمُسَبّب الَّذِي يعبر بِالسَّبَبِ عَنهُ يَنْبَغِي أَن يكون لَازِما للسبب أبدا كالمطر مَعَ السَّحَاب وَملك الْمَنْفَعَة دون ملك الذَّات أَكثر وجودا مِنْهُ مَعَ ملك الذَّات، فَإِذا بَطل اللُّزُوم بَطل الِاسْتِعْمَال.
(4/99)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رلب)

نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت الْبَائِن.
الْمَذْهَب: يجوز وَيجوز نِكَاح أَربع سواهَا.
عِنْدهم: لَا يجوز شَيْء من ذَلِك.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
عُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم} ، وَقَوله تَعَالَى: {فانكحوا مَا طَابَ لكم} ، وَقَوله تَعَالَى: {ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا} ، وَلَيْسَ الْمَحْذُور عَلَيْهِ الْعَجز عَن الانفاق؛ لِأَنَّهُ يجوز أَن يستكثر السراري لَكِن الْمَحْذُور عَلَيْهِ الْعَجز عَن التحصين الْمُسْتَحق بِالنِّكَاحِ وَقد زَالَ بِالطَّلَاق هَذَا حجَّة فِي نِكَاح الْأَرْبَعَة سوى الْبَائِن.
(4/100)

لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ} ، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " مَلْعُون مَلْعُون من جمع مَاءَهُ فِي رحم أُخْتَيْنِ ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمحرم الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ نِكَاحا وَلم يُوجد؛ لِأَن الطَّلَاق أَزَال الْحل وَهِي الْآن انعدمت من قبل النِّكَاح؛ لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى مُحَلل، ويتأيد بِوُجُوب الْحَد عَلَيْهِ إِذا وَطئهَا، ثمَّ الْمحرم الْجمع وَلم يفعل الْجمع فَإِن بَقِي نِكَاح فَمن فعل اللَّهِ تَعَالَى.
لَهُم:
تربص عَن طَلَاق فَمنع التَّزْوِيج بأختها كالرجعية، ذَلِك لِأَن الْعدة من النِّكَاح على معنى أَن النِّكَاح قَائِم من وَجه، دَلِيل ذَلِك أَن عدَّة الْمُتَوفَّى حق النِّكَاح، فَإِنَّهَا تجب حَيْثُ لَا مَاء وَلَا توهم مَاء ثمَّ الْفراش قَائِم بِدَلِيل لحاق النّسَب وَملك الْيَد بَاقٍ.
(4/101)

مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
لَهُم منع بعيد فِي وجوب الْحَد وَكَيف يَصح وَلَو وَطئهَا بعد الْمُحَلّل وَجب الْحَد وَهِي أقرب إِلَى الْحل والمأخذ بفرق معنى الْآيَة الْمُحرمَة وَالْجمع يَسْتَدْعِي مجموعا ومجموعا فِيهِ وجامعا، وَالنَّظَر فِي الْمَجْمُوع فِيهِ وَلَا يجوز أَن يكون الْوَطْء؛ لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر، فَإِنَّهُ يتعاقب، وَلَا الْحَبْس، فَإِنَّهُ يجوز لَهُ نِكَاح أُخْت الْمُسْتَوْلدَة وَأُخْت المستبرأة فاتضح أَن الْمَجْمُوع فِيهِ النِّكَاح وَلَا نِكَاح فِي حق المبتوتة وَمَا تخيلوه من بَقَاء النِّكَاح بِالسُّكْنَى وَالْحَبْس وَالنَّفقَة غير صَحِيح، فَلَيْسَ النِّكَاح شَيْئا من ذَلِك وَلَو كَانَ النِّكَاح بَاقِيا لدرأ الْحَد وَلَو بشبهته. ثمَّ حق الشَّيْء لَا يقوم مقَام حَقِيقَته بِدَلِيل أَنَّهَا بعد الْعدة تبقى مُحرمَة على ابْن الزَّوْج، وَأَبِيهِ وتدوم حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وَالْعدة وَجَبت عندنَا مُوجب شغل الرَّحِم بِالْمَاءِ وَكَذَلِكَ ثبتَتْ بِوَطْء
(4/102)

الشُّبْهَة وقدرت بِالْأَقْرَاءِ دون الْأَشْهر بِخِلَاف عدَّة الْوَفَاة، فَإِن ادعوا أَن الْمحرم للْجَمِيع الغيظ المفضي إِلَى قطيعة الرَّحِم، لم نسلم لَهُم كل غيظ بل الغيظ الْجَارِي فِي النِّكَاح.
قَالَ تَعَالَى: {حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة وَأُمَّهَات نِسَائِكُم وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم وحلائل أَبْنَائِكُم} .
{وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم} .
{وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف} .
فالمحرمات أَرْبَعَة عشر: بِالنّسَبِ سبع بالرضاعة اثْنَتَانِ، بالصهر
(4/103)

أَربع، بِالْجمعِ وَاحِدَة.
من أسرار الشَّرْع أَن الرجل يكون محرما لامْرَأَة أَبِيه بعد الْبَيْنُونَة، وَلَا يكون الْأَب محرما لَهَا، وَهَذَا حَال الْأَب مَعَ زَوْجَة الابْن تعجب مِنْهُ الْقفال.
الإمامية: يجوز للرجل أَن يتَزَوَّج الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وخالتها بعد أَن يستأذنها.
(4/104)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رلج.)

المخلوقة من مَاء الزِّنَى.
الْمَذْهَب: يحل لَهُ نِكَاحهَا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
عُمُوم الْآيَة السَّابِقَة، وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْوَلَد للْفراش ".
وَقَوله تَعَالَى: {وَإِن كَانَت وَاحِدَة فلهَا النّصْف} ، وَجه الدَّلِيل أَن النّصْف للْبِنْت، وَلَيْسَ لهَذِهِ حق فِي الْمِيرَاث.
(4/105)

لَهُم:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم} ، وَهَذِه بنته حَقِيقَة وَبضْعَة بِدَلِيل قَوْله لفاطمة: " بضعَة مني " فالبنت مُحرمَة بِنَصّ الْكتاب، وَهِي بِوَضْع اللُّغَة من يخلق من مَاء الرجل، وخاطب الْعَرَب بعرفهم. والبنوة تُعْطِي الِاتِّصَال كَمَا يُقَال: ابْن سَبِيل.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
نِكَاح وجد من أَهله فِي محلّة بشرائطه فتم، والمقدر مَانِعا الْآيَة المُرَاد بهَا الْبِنْت شرعا، وَلَو أوصى لبنات فلَان لم تشاركهن بنت الزنية، وَكَذَلِكَ لَا تعْتق عَلَيْهِ إِذا اشْتَرَاهَا كَمَا تعْتق بنت الرشدة.
(4/106)

لَهُم:
الْمحرم فِي حق الْبِنْت البعضية لما فِي النِّكَاح من الإذلال، وَيحرم على الْمَرْء أَن يرق نَفسه، وَذَلِكَ معنى مُنَاسِب، وَلِهَذَا لم يملك أَوْلَاده فِي ملك الْيَمين، وَثَبت حُرْمَة الرَّضَاع لما فِيهَا من بعضية، وَالْمُعْتَبر مَا أنشز الْعظم، فعلة التَّحْرِيم الرَّضَاع، وَلَا نسب كَذَلِك هَاهُنَا (وَلَا يحرم نسب ذَلِك للبعضية) .
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
البعضية لَا تناسب التَّحْرِيم، فَإِن النِّكَاح لَا ملك فِيهِ وَلَا ذل، (بل هُوَ مُتْعَة، وإلذاذ، وَفِيه معنى التحصين) ، وَلَو كَانَ فِيهِ ذل لمنع فِي حق الْأَجْنَبِيّ، وَإِن كَانَ لابد مِنْهُ فأجزاء الْإِنْسَان أولى بِاحْتِمَال إذلاله، ثمَّ عَلَيْهِ
(4/107)

امْتنَاع نِكَاح بنت الرشدة النّسَب، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي رفع الْحجاب والتربية فَتحصل شَفَقَة توجب انحباس الشَّهْوَة، ثمَّ لَو حلت لَهُ لامتد طرفه إِلَيْهَا وَخيف الْفِتْنَة من ذَلِك فَكَانَ النّسَب منافيا لشرع النِّكَاح، فَهَذِهِ الْمعَانِي وَلعن ناكح يَده إِنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ يسفح مَاءَهُ لَا للْحُرْمَة والبعضية كَمَا زَعَمُوا، وَثُبُوت نَسَبهَا من الْأُم مُشكل علينا وَعَلَيْهِم؛ لِأَنَّهُ سَبَب الْإِرْث وَالنَّفقَة وَسَائِر الْأَحْكَام بعد قيام الزِّنَى، والعذر عَنهُ أَن منَاط النّسَب البعضية المحسوسة أَو المستندة إِلَى سَبَب شَرْعِي وَهِي من جَانب الْأُم محسوسة، وَكَذَلِكَ تبع الْوَلَد الْأُم رقا وحرية، (فَالْمُعْتَبر من جَانب الْأُم الْفراش وَمن جَانب الْأُم المحسوس) .
(4/108)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رلد.)

يُوجب الزِّنَى حُرْمَة الْمُصَاهَرَة.
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم} ، وَجه الدَّلِيل أَنه قَالَ ذَلِك بعد عد الْمُحرمَات وَلَيْسَ الْمُتَنَازع فِيهِ مِنْهُنَّ، فَإِن أبدوا مُحرمَات لَيْسَ فِي الْآيَة، فَذَلِك تَخْصِيص النَّص وَلَا يمْنَع الِاحْتِجَاج بِالْبَاقِي.
لَهُم:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم} ، وَجه الدَّلِيل تنَاول لفظ النِّكَاح الْحَلَال وَالْحرَام.
(4/109)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وصلَة شَرْعِيَّة فَلَا تعلق على الزِّنَى كالنسب، ذَلِك لِأَن بهَا تنسج الْأَنْسَاب وَيحصل التعاضد وَذَلِكَ نعْمَة لَا يَقْتَضِي تَعْلِيقهَا على الزِّنَى فَهُوَ وَطْء بمحض عُدْوانًا، فَلَا يثبت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة كَمَا لَو كَانَ بصغيرة أَو فِي غير المأتى.
لَهُم:
الْوَطْء سَبَب البعضية فَأوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة، ذَلِك لِأَنَّهُ يُوجب اخْتِلَاط الماءين والبعضية تَقْتَضِي الْحُرْمَة وتنافي الرّقّ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف. وَإِذا لَاطَ بِغُلَام حرم عَلَيْهِ بنته وَأُخْته.
التكملة:
إِن قيل: لم أثبتم الْمُصَاهَرَة بِوَطْء الشُّبْهَة؟ قُلْنَا: لِأَن اللَّهِ تَعَالَى
(4/110)

جمع بَين النّسَب والصهر وَثَبت النّسَب إِجْمَاعًا فَثَبت الصهر، وَإِن منعُوا العدوانية زَعَمُوا أَن هَذَا الْوَطْء مُبَاح من حَيْثُ أَنه حرث فِي مَحَله المقتضيه، وَهِي الْأُنُوثَة، وَإِنَّمَا حرم من خوف اخْتِلَاط الْمِيَاه وَانْتِفَاء الْولَايَة عَن الْمحل فَصَارَ كالاصطياد بفرس الْغَيْر وَالصَّلَاة فِي دَار الْغَيْر، وَوَجَب الْحَد لَا لذات الْوَطْء بل لصفته وَكَونه فِي ملك الْغَيْر، فَالْجَوَاب مطالبتهم بِالسَّبَبِ الْمُبِيح قَوْلهم هِيَ مَحل الْحَرْث (قُلْنَا جعلنَا بَين لبحث الْحَرْث) أَو ليمكن إِن زَعَمُوا الْوُجُوب لم يَجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا إِلَّا بِالْعودِ إِلَى مَسْأَلَة التحسين والتقبيح، وَإِن زَعَمُوا الْإِمْكَان مُسلم لَكِن يفْتَقر إِلَى دَلِيل فِي ثُبُوته، وَلنَا أَن نمْنَع الْجُزْئِيَّة بَين الْوَالِد وَالْولد وَمَا هِيَ إِلَّا فضلَة مستحيلة انفصلت مِنْهُ كَسَائِر الفضلات أجْرى اللَّهِ سنَنه بِخلق الْوَلَد مِنْهَا، وَإِن سلم فِي الْوَلَد فَكيف يدعى فِي الْأَبَوَيْنِ وهما شخصان منفصلان؟ .
(4/111)

مَذْهَب عَليّ وَقَول مُجَاهِد: أَن أُمَّهَات النِّسَاء يحرمن بِالدُّخُولِ بِالنسَاء كَمَا تحرم الربائب بِالدُّخُولِ بالأمهات.
الإمامية: من زنى بِامْرَأَة لَهَا بنت حرم عَلَيْهِ نِكَاحهَا، وَإِن فَارقهَا البعل، وَكَذَلِكَ إِن كَانَت فِي الْعدة، وَلَو عقد على امْرَأَة مُعْتَدَّة وَقد علم بذلك لم تحل لَهُ أبدا.
(4/112)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رله.)

إِذا استولد الْأَب جَارِيَة ابْنه.
الْمَذْهَب: لزمَه الْمهْر وَالْقيمَة.
عِنْدهم: تلْزمهُ الْقيمَة دون الْمهْر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول.
لنا: ... ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... ... . .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وَطْء فِي ملك الْغَيْر، فَيلْزمهُ الضَّمَان كَمَا لَو لم تحبل، وَلَو طئ
(4/113)

أحد الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة، فَإِنَّهُ يجب نصف الْمهْر وَنصف الْقيمَة، وَذَلِكَ لِأَن الْوَطْء فِي ملك الْغَيْر لَا يَخْلُو عَن ضَمَان زجرا (وجبر عقر أَو عُقُوبَة) ، وَملك الْوَلَد مَعْصُوم بِالْإِسْلَامِ وَالدَّار.
لَهُم:
الْوَطْء وَاقع فِي ملكه بِدَلِيل ثُبُوت النّسَب، فَإِن النّسَب لَا يُمكن إثْبَاته دونه ولولاه كَانَ حَرَامًا وَلم يثبت النّسَب، نعم لم يجب عِنْد عدم الإحبال لقَوْله: " أَنْت وَمَالك لأَبِيك "، (أما أحد الشَّرِيكَيْنِ) ، فالاستيلاء حَاصِل بِالْملكِ فِي (نصِيبه ثمَّ سرى) إِلَى نصيب شَرِيكه بِالْقيمَةِ، فَهُوَ فعل أوجب ضَمَان الْكل، فَلَا يُوجب ضَمَان الْجُزْء كَقطع الْيَد إِذا سرى.
مَالك:.
أَحْمد:.
(4/114)

التكملة:
الْمُصَحح للسبب فِي حق التَّمْلِيك أَن لَهُ أَن يتَمَلَّك الْجَارِيَة مَتى شَاءَ وَذَلِكَ مخرج الْفِعْل عَن العدوانية الْمَحْضَة فَيثبت النّسَب وَلَا يلْزم حل وَطْء الابْن لِأَن لَهُ حَقِيقَة الْملك، فَإِن قَالُوا: ضَمَان الْجُزْء دَاخل فِي ضَمَان الْكل لم نسلم أَن الْفَائِت بِالْوَطْءِ من الْمَضْمُون بِالْقيمَةِ بل الْقيمَة بدل الذَّات وَالْمهْر بدل مَنْفَعَة الْبضْع، وَكَيف يَسْتَقِيم الْقيَاس على سرَايَة الْقطع، وَلَو قطع غَيره ثمَّ حز رقبته لم تجب إِلَّا دِيَة وَاحِدَة، وَلَو وَطئهَا ثمَّ قَتلهَا وَجب الْمهْر وَالْقيمَة؟ ! وَبِالْجُمْلَةِ يَقُولُونَ: الِاسْتِيلَاء قد صَحَّ وَلَا يَصح إِلَّا فِي ملكه، وَطَرِيقه تملك الْجَارِيَة عِنْد الِاسْتِيلَاء صِيَانة لجزئه والاستيلاء بِالْوَطْءِ، فأثبتنا الْملك قبل الِاسْتِيلَاء ليخلق الْوَلَد حرا.
وَالْجَوَاب: أَن التَّمْلِيك والاستيلاء يَكْفِي فِيهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " أَنْت وَمَالك لأَبِيك "، فَلَا حَاجَة إِلَى هَذِه التعذرات.
(4/115)

(لوحة 59 من المخطوطة أ:)

نقيس فِي نِكَاح الْأمة مَا إِذا كَانَ تَحْتَهُ حرَّة وَالْعلَّة كَونه مرق وَلَده قَالُوا: إِنَّمَا لم يجز فِي الأَصْل لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا تنْكح الْأمة على الْحرَّة "، وَلَيْسَ ذَلِك مُعَللا بالإرقاق بل بِسَبَب آخر، وَهُوَ أَن الرّقّ مُؤثر فِي تنصف حُقُوق الرَّقِيق، ظهر ذَلِك فِي حق العَبْد حَتَّى لَا ينْكح إِلَّا اثْنَتَيْنِ، فالأمة لم يُمكن تنصف الزَّوْج فَنصف بالأحوال. وَقُلْنَا: تحل لمن لَيْسَ تَحْتَهُ حرَّة وَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرك لما لم يُمكن توزيع ذَاته على موَالِيه وزع بَينهم بِالزَّمَانِ، وَهَذِه الْعلَّة لَا تتقاصى خوف الْعَنَت وفقد الطول، وَهَذِه الْعلَّة مُؤثرَة؛ لِأَنَّهَا ظَهرت فِي قسم الْأمة، وَالْعلَّة المؤثرة أولى من غَيرهَا، وَالْجَوَاب: أَن مَا يتَضَمَّن التنصيف لَا حصر لَهُ إِذْ يجوز أَن ينْكح العَبْد دون الْأَحْرَار وَمن هُوَ أكبر سنا مِنْهَا دون من هُوَ أَصْغَر إِلَى غير ذَلِك،
(4/116)

فَلم اقْتصر فِي التنصيف على مَا ذكرْتُمْ؟ !
مَسْأَلَة: النّظر إِلَى الْفرج لَا يُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة خلافًا لَهُ، لنا: قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام وَقد سُئِلَ عَن الرجل يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ، أتحرم عَلَيْهِ أمهَا وابنتها؟ فَقَالَ: " لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال " وللخصم خبر يُوَافق فتواه لَكِن يرويهِ حَفْص عَن لَيْث، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/117)

عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة مَوْقُوفا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: حَفْص وَلَيْث ضعيفان.
مَسْأَلَة لَا يجوز للْحرّ أَن يتَزَوَّج بِأَكْثَرَ من أمة وَاحِدَة، قَالَ أَبُو حنيفَة: لَهُ أَن يتَزَوَّج بِأَرْبَع لنا أَنه حر لَا يخْشَى الْعَنَت فَلَا يحل لَهُ نِكَاح الْأمة كَمَا لَو كَانَت تَحْتَهُ حرَّة.
مَسْأَلَة: يجوز للْعَبد أَن يتَزَوَّج بِأمة وَلَو كَانَ تَحْتَهُ حرَّة خلافًا
(4/118)

لَهُ، لنا: أَنه عبد فَجَاز لَهُ التَّزَوُّج بِأمة كَمَا لَو لم تكن تَحْتَهُ حرَّة.
مَسْأَلَة: يجوز للْمُسلمِ أَن يجْبر الذِّمِّيَّة على الْغسْل من الْحيض خلافًا لَهُ. لنا: أَن حدث الْحيض يجْرِي مجْرى الْحيض فِي تَحْرِيم الْوَطْء بِدَلِيل الْمسلمَة، وَإِذا كَانَ الْوَطْء محرما ملك إجبارها على الْغسْل ليتوصل مَعَه إِلَى اسْتِيفَاء حَقه خرج غسل الْجَنَابَة على مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَن إِبَاحَة الْوَطْء لَا يقف عَلَيْهِ وعَلى أحد الْقَوْلَيْنِ هُوَ مثل غسل الْحيض، ولعمرى يحْتَاج الْغسْل إِلَى نِيَّة لَكِن إِذا أمكنت، فَأَما إِذا تَعَذَّرَتْ فَلَا تشْتَرط وَصَارَ كَنَفس الْغسْل، فَإِن الاستباحة تقف على غسل جَمِيع الْبدن، فَلَو تعذر غسل بعضه أَجْزَأَ غسل الْبَاقِي.
مَسْأَلَة: إِذا شَرط أَنه إِذا وَطئهَا فَلَا نِكَاح بَينهمَا فَالنِّكَاح بَاطِل.
قَالَ أَبُو حنيفَة يَصح وَيَلْغُو الشَّرْط، لنا أَنه نِكَاح شَرط فِيهِ انْقِطَاعه دون غَايَته، فَلم يَصح، كَمَا لَو قَالَ: زَوجتك إِلَى شهر.
(4/119)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رلو)

أَيجوزُ للْأَب نِكَاح جَارِيَة الابْن؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... .
لَهُم: ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
جَارِيَة لَهُ فِيهَا شُبْهَة ملك فَسقط بهَا الْحَد فَمنع من التَّزْوِيج بهَا كجارية مُكَاتبَة؛ وَذَلِكَ لِأَن حق الْملك ثَابت فِي ملك الابْن وينتقل حَقِيقَة
(4/120)

عِنْد الِاسْتِيلَاد فينفسخ النِّكَاح، والداعي إِلَى نقل الْملك حريَّة الْوَلَد، ثمَّ العقد يُفْضِي إِلَى الْوَطْء وَالْوَطْء يُفْضِي إِلَى الْحَبل ثمَّ الْوَلَد ثمَّ فسخ النِّكَاح فَصَارَ النِّكَاح عَبَثا.
لَهُم:
لَا حق لَهُ فِيهَا فَيصح نِكَاحهَا، وتوقع الِانْفِسَاخ لَا يمْنَع صِحَة النِّكَاح كَمَا لَو نكح جَارِيَة قريبَة فَهِيَ تعرض أَن يَمُوت فيرثها، ثمَّ لَو منع هَذَا ابْتِدَاء منع دواما، وَلَو اشْترى الابْن مَنْكُوحَة الْأَب لم يَنْفَسِخ العقد، وَلَو اشْترى الْمكَاتب زَوْجَة السَّيِّد يَنْفَسِخ النِّكَاح.
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
نمْنَع أَن للسَّيِّد حَقِيقَة ملك فِي مَال الْمكَاتب بِدَلِيل أَنه يَشْتَرِي مِنْهُ، ومحال أَن يَشْتَرِي ملك نَفسه، وَالدَّلِيل على أَن للْأَب حق ملك قدرته على التَّصَرُّف ونفوذ استيلاده، وَهَذَا فَارق الْوَارِث حَيْثُ لَا ينفذ تصرفه فِي
(4/121)

ملك الْمُورث، وَأما إِلْزَام الدَّوَام فمندفع فَإِن دوَام الْملك أقوى من ابْتِدَائه، فَإنَّا فِي الِابْتِدَاء نحاول إِثْبَات حكم مُمْتَنع فنحتاج إِلَى شُرُوط، وَفِي الدَّوَام نحتاج إِلَى قَاطع، وَظُهُور احْتِمَال الْفساد يمْنَع الِانْعِقَاد، وَلَا يقطع الدَّوَام، أَلا ترى أَن الرِّدَّة تمنع أول النِّكَاح وَلَو ارْتَدَّت مَنْكُوحَة لم يَنْقَطِع نِكَاحهَا فِي الْحَال بل إِذا أصرت على الْكفْر، كَذَلِك إِذا طَرَأَ ملك الابْن فِي الْمَنْكُوحَة للْأَب احْتمل أَن يبْقى إِلَى الإحبال وَاحْتمل أَن يَزُول فَلم نقطع بِالِاحْتِمَالِ، فَإِن أفْضى إِلَى الِاسْتِيلَاد قطع، وَأما حَقِيقَة الْملك فَهِيَ مُنَافِيَة للنِّكَاح، وَلَا يَنْضَم الشَّيْء إِلَى منافيه، وَملك الْمكَاتب يمْنَع الِانْقِطَاع عِنْد طريانه كملك الابْن، وَهَذَا الْمَنْع يتَعَيَّن طردا للْقِيَاس.
(4/122)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رلز.)

الْحر الْوَاجِد طول الْحرَّة.
الْمَذْهَب: لَا يجوز لَهُ نِكَاح الْأمة.
عِنْدهم: يجوز.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا (أَن ينْكح الْمُحْصنَات}
... ... ... ... . .) الْآيَة، فيتلقى مورد النَّص بِالْقبُولِ، واستبقينا أصل الِامْتِنَاع فِيمَا عدا صُورَة الْمُسْتَثْنى، وَلم يستفد حكم (فَسَاد) نِكَاح الْأمة من مَدْلُول الْآيَة بل الأَصْل الِامْتِنَاع، فَإِن الْآدَمِيَّة تنَافِي ملكي الْيَمين وَالنِّكَاح.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فانكحوا مَا طَابَ لكم} ، وَقَوله: (وَأحل لكم مَا
(4/123)

وَرَاء ذَلِكُم} .
وَجه الدَّلِيل: أَنَّهَا لَيست من الْمُحرمَات وَقد دخلت تَحت عُمُوم (مَا طَابَ لكم) .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
نِكَاح الْأمة أُبِيح للضَّرُورَة، فَلَا يجوز عِنْد عدمهَا، دَلِيل الدَّعْوَى أَن فِيهِ تَعْرِيض الْوَلَد للرق وَيجب على الْمَرْء صِيَانة جزئه عَن الرّقّ وَهُوَ مستغن عَن نِكَاح الْأمة، فَلَا تحل لَهُ كَمَا لَو كَانَت فِي نِكَاحه حرَّة.
لَهُم:
محللة للأزواج نِكَاحا فَجَاز تَزْوِيجهَا، وَإِن لم يعجز. دَلِيل الدَّعْوَى: الْآيَة، وَكَونهَا أُنْثَى آدمية وَمحل مُتَصَوّر النِّكَاح من قَضَاء الشَّهْوَة وَطلب الْوَلَد، وَلَو قَالَ السَّيِّد لعَبْدِهِ: تزوج حرَّة أَو أمة جَازَ لَهُ الْأمة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/124)

التكملة:
صون الْوَلَد عَن الرّقّ نوع نظر لَيْسَ بَعيدا عَن مناهج الشَّرْع. قَالُوا كَيفَ يمْنَع النِّكَاح لفَوَات صفة الْحُرِّيَّة فِي الْوَلَد وَلَو نكح عقيما أَو رتقاء جَازَ مَعَ فَوَات الْوَلَد؛ وَذَلِكَ لِأَن الْوَلَد من ثَمَرَات النِّكَاح، فَلَا تتَوَقَّف صِحَة الأَصْل عَلَيْهِ.
الْجَواب: الْعَقِيم والرتقاء لَيْسَ فِيهِ إِلَّا عدم الْوَلَد، وَذَلِكَ غير مَحْذُور، لَكِن الْحُصُول على وصف فَاسد مَحْذُور، وَلذَلِك يجوز الِامْتِنَاع عَن الْوَطْء وَفِيه عدم الْوَلَد، وَلَا يجوز وَطْء الْمُعْتَدَّة حذرا من خلط النّسَب، قَالُوا: إِذا نكح حرَّة وَتَحْته أمة جَازَ لَهُ أَن يَطَأهَا، وَإِن كَانَ مرقا لوَلَده، قُلْنَا: الْعلَّة منتصبة لنفي نِكَاح المستغني، فَلَا يرد هَذَا عَلَيْهِ نقصا لِأَن الشَّرَائِط تعْتَبر لابتداء الِانْعِقَاد وَقد منع الْمُزنِيّ هَذِه الْمَسْأَلَة، الْجَواب عَن الْمَنْقُول: أما قَوْله تَعَالَى: {فانكحوا مَا طَابَ لكم} ، أَرَادَ مَا حل وَفِيه النزاع، وَلَفظ النِّسَاء لَا يتَنَاوَل الْإِمَاء وَالْمرَاد نِكَاح الْحَرَائِر بِدَلِيل قَوْله: {مثنى وَثَلَاث وَربَاع} ، أما قَوْله: {وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم} فَهُوَ اسْتثِْنَاء عَن الْمُحرمَات بِأَسْبَاب
(4/125)

إضافية بَين الناكح والمنكوحة كالرضيع وَالرّضَاع، فَأَما الْمُحرمَات بأوصاف ذاتية كالكفر وَالرّق فَلم يذكرن.
قَالَ الثَّوْريّ: إِن خَافَ الْعَنَت جَازَ لَهُ نِكَاح أمة وَإِن وجد طول حرَّة.
قَالَ بعض أهل الْمَدِينَة: من عشق أمة وَخَافَ على نَفسه الْعَنَت بهَا جَازَ أَن ينْكِحهَا وَإِن كَانَ تَحْتَهُ حرَّة. حَكَاهُ الْقفال.
قَالَ الْمُزنِيّ: إِن وجد طول بعد نِكَاح الْأمة انْفَسَخ نِكَاحهَا.
(4/126)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رلح.)

نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة.
الْمَذْهَب: لَا تحل لمُسلم.
عِنْدهم: تحل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات} ، وَذَلِكَ تَقْيِيد بعد إِطْلَاق؛ لِأَن لَفْظَة (الفتيات) تتَنَاوَل المؤمنة والكافرة لكنه اسْتِدْرَاك بعد إِطْلَاق وَقيد بِذكر الْإِيمَان فَجرى مجْرى الشَّرْط كَمَا لَو قَالَ: أصرف مَالِي إِلَى الْعلمَاء الْفُقَرَاء، وَقَالَ تَعَالَى: {والطيبات للطيبين} .
لَهُم: ... ... ... ... ... ...
(4/127)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الأَصْل الْمَنْع من نِكَاح الْإِمَاء إِلَّا مَا اسْتثْنِي فَيجب رِعَايَة قيد الْإِيمَان فِيهِ، وَالْأَصْل امْتنَاع النِّكَاح بَين الْكفَّار وَالْمُسْلِمين؛ لِأَن مُعظم مَقَاصِد النِّكَاح لَا تتمّ بَينهم والمباينة ظَاهِرَة والنصوص فِي النَّهْي عَن مقارنتهم كَثِيرَة، وَإِنَّمَا اسْتثْنِي من ذَلِك صُورَة وَاحِدَة لمصْلحَة فَبَقيت فِي الْبَاقِي على الأَصْل.
لَهُم:
امْرَأَة لَو كَانَت حرَّة يحل نِكَاحهَا، فَكَذَلِك إِذا كَانَت أمة كالمسلمة، أَو امْرَأَة لَو كَانَت مسلمة يحل نِكَاحهَا، فَكَذَلِك إِذا كَانَت كِتَابِيَّة قِيَاسا على الْحرَّة؛ ذَلِك لِأَن الْأُنُوثَة مَحل النِّكَاح وَالْكفْر غير مَانع بِدَلِيل الْحرَّة، فَإِذا تمهدت الْمَحَلِّيَّة وانتفى الْمَانِع جَازَ النِّكَاح.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة: لَا يخفى أَن الْعلَّة إِذا كَانَت ذَات وصفين لَا يمْنَع كل وَاحِد مِنْهُمَا مُفردا
(4/128)

وَهَذَا جَوَاب قَوْلهم: أَن الْأمة يجوز نِكَاحهَا، والحرة الْكِتَابِيَّة يجوز نِكَاحهَا، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الرّقّ وَالْكفْر كل وَاحِد مِنْهُمَا على حَاله يُوجب امْتنَاع النِّكَاح أصلا، وَحَيْثُ شرع نِكَاح الرقيقة أَو الْكَافِرَة كَانَ رخصَة على خلاف الأَصْل والرخص لَا تتعدى مواردها بشرع الرُّخْصَة عِنْد قيام أصل وَاحِد مَانع من المرخص فِيهِ لَا يلْزم شرعها عِنْد اجْتِمَاع أصلين مانعين، وَلِهَذَا قَالَ الْأَصْحَاب: الْأمة الْكِتَابِيَّة اعتورها النُّقْصَان.
أَبُو ثَوْر: يحل نِكَاح الْمَجُوس.
(4/129)

قَالَ ابْن عَبَّاس: نِكَاح الْأمة خير من الاستمناء وَهُوَ خير من الزِّنَى. الإمامية: تحد المستمني على يَده. رخص فِيهِ ابْن دِينَار.
(4/130)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رلط.)

الْكَافِر إِذا أسلم عَن أُخْتَيْنِ أَو أَكثر من أَربع نسْوَة.
الْمَذْهَب: يخْتَار الْعدَد الْمَشْرُوع ويندفع نِكَاح الْبَاقِيَات.
عِنْدهم: يتدافع نِكَاحَيْنِ إِن كَانَ فِي عقد وَاحِد وَلَا يَصح مَا سبق.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
أسلم غيلَان بن سَلمَة عَن عشر نسْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " اختر أَرْبعا مِنْهُنَّ، وَفَارق سائرهن "، وَأسلم الْحَارِث بن قيس عَن
(4/131)

ثَمَان نسْوَة فَأمره أَن يخْتَار أَرْبعا وَيُفَارق أَرْبعا، قَالَ: ففارقت أقدمهن صُحْبَة، وَأسلم فيزور الديلمي عَن أُخْتَيْنِ فَقَالَ لَهُ: " اختر وَاحِدَة وَفَارق الْأُخْرَى ".
لَهُم: ... ... ... ... ... . .
(4/132)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول: لنا:
أنكحة الْكفَّار وَقعت على الصِّحَّة وطرى تَحْرِيم الْبَقَاء على الْجمع، فَإِذا أبطلنا نِكَاح إِحْدَاهمَا أَزَال الْجمع، دَلِيل صِحَة أنكحتهم قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " ولدت من نِكَاح لَا من سفاح "، ثمَّ لَو كَانَت الْخَامِسَة أَو إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ وَأسلم بَقِي النِّكَاح.
لَهُم:
الْمحرم الْجمع وَهُوَ بعد الْإِسْلَام جَامع بَين الْأُخْتَيْنِ وَالْخمس، تَأْثِيره أَن الْجمع فعل ينْطَلق على بَقَاء الْمَجْمُوع كَمَا ينْطَلق على ابْتِدَائه فبقاء الْمَجْمُوع كابتدائه حكما؛ لِأَنَّهُ لَو حلف لَا يلبس فاستدام حنث، فَإِذا كَانَ جَامعا بعد الْإِسْلَام حرم الْجَمِيع كابتداء الْجمع.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/133)

التكملة:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " اختر أَرْبعا مِنْهُنَّ وَفَارق سائرهن " يدْفع قَوْلهم: إِنَّه أمره بِالِاخْتِيَارِ، وَعين الْعدَد الْمُخْتَار وَلم يعين الْفِعْل الَّذِي بِهِ الِاخْتِيَار لِأَن هَذَا لَا يلائم مَذْهَبهم فعندهم لَا اخْتِيَار لَهُ إِن نكحوا على التَّعَاقُب، فَإِنَّهُ يَصح الْأَوَائِل، وَإِن نكحوا مَعًا بَطل الْجمع بقوله عَلَيْهِ السَّلَام: " اختر أَرْبعا مِنْهُنَّ "، وَتَعْيِين الْعدَد يدْفع هَذَا الْوَهم، ثمَّ اخْتِيَار ابْتِدَاء النِّكَاح فِي أَربع على رَأْيهمْ إِنَّمَا يكون إِذا نكحن دفْعَة وَالنَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام لم يستفصل وَتَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة لَا يجوز، وَلَا ندعي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علم مَوَاقِيت أنكحته، فَهَذَا مُسْتَحِيل، كَيفَ وَقد قَالَ: فعمدت إِلَى أقدمهن
(4/134)

صُحْبَة ففارقتها، وَالْفِقْه أَن دفع النِّكَاح بعد الْإِسْلَام شرع ضَرُورَة، والضرورة تنْدَفع برد أحد النكاحين، فَلَا حَاجَة إِلَى رد الآخر، ذَلِك ليرغب الْكَفَّارَة فِي الْإِسْلَام وليمتنع من كل مَا يتَضَمَّن تنفيرا، وَلذَلِك مَا أَخَذْنَاهُم بِمَا صدر مِنْهُم قبله، وَلَا نسلم أَنه جَامع بَين الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أسلم انْدفع أحد النكاحين، وَالْخطاب عندنَا يلاقي الْكفَّار، فَإِذا نكح أُخْتَيْنِ لم ينْعَقد النكاحان جَمِيعًا.
(4/135)

(الْمَسْأَلَة الْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رم.)

إِذا ارْتَدَّ بعد ارتداد زَوجته؟
الْمَذْهَب: لم ينْدَفع فسخ النِّكَاح.
عِنْدهم: ينْدَفع.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... .
لَهُم:
حَدِيث الرِّدَّة أَن الصّديق أقرهم على أنكحتهم، وَلَا يلْزم على هَذَا احْتِمَال اخْتِلَاف الْأزْوَاج فِيمَا بَينهم فِي الرِّدَّة، فَإِن ذَلِك لَا طَرِيق إِلَى تعرفه فَيقدر أَنهم توافقوا جَمِيعًا وَصَارَ الْأَقَارِب الْمَوْتَى بغرق لَا يُورث بَعضهم من بعض وَيقدر مَوْتهمْ مَعًا، وَلَو ادعينا الْإِجْمَاع فِي حَادِثَة الرِّدَّة لساغ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(4/136)

ردة الْمَرْأَة تفوت محلية الْحل فِي حق الْمُسلم، وَالْمُرْتَدّ مؤاخذ بِجَمِيعِ علائق الْإِسْلَام، وَلذَلِك منع من وَطْء الْمُرْتَدَّة وَمن ابْتِدَاء نِكَاحهَا ويستحيل أَن يُضَاف إِلَى اخْتِلَاف الدّين؛ لِأَنَّهُ يجوز للْمُسلمِ نِكَاح الذِّمِّيَّة، فَدلَّ على أَن الرِّدَّة فوتت محلية الْحل وَلذَلِك حرم وَطْؤُهَا بِملك الْيَمين أَيْضا على الْمُرْتَد.
لَهُم:
لم يختلفا دينا وَلَا دَارا فَلم تقع الْفرْقَة كَمَا لَو أسلما، وَذَلِكَ لِأَن النِّكَاح يَنْفَسِخ عِنْد ردتها باخْتلَاف الدّين، وَكَذَلِكَ يَنْفَسِخ بردة الزَّوْج إِذا انْفَرد، وَأما الِابْتِدَاء، فَإِنَّهُ لم ينْعَقد لتَحْرِيم الْوَطْء كَمَا لَا ينْعَقد نِكَاح الْمُعْتَدَّة، ودوام النِّكَاح لَا يَنْقَطِع بالعدة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/137)

التكملة:
قَوْلهم: تَحْرِيم الْوَطْء يمْنَع الِابْتِدَاء وَلَا يمْنَع الدَّوَام كالعدة بَاطِل؛ فَإِن كل مَا يُوجب تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا يقطع الدَّوَام وَيدْفَع الِابْتِدَاء كالرضاع، فَإِن فرقوا بِأَن الرِّدَّة يتَوَقَّع انقطاعها بَطل بِالْملكِ بِجِهَة الشِّرَاء، فَإِنَّهُ يتَوَقَّع انْقِطَاعه بِالْفَسْخِ وَغَيره، وَمَعَ ذَلِك قطع الدَّوَام، فَإِن قَالُوا: لَا نسلم قطع ابْتِدَاء النِّكَاح وَلَا نحرم الْوَطْء، قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مذهبا لأبي حنيفَة.
الْجَواب عَن حَدِيث الرِّدَّة، أَن الصّديق رَضِي اللَّهِ عَنهُ بنى على جَرَيَان ذَلِك بعد الْمَسِيس وَالْعود قبل مُضِيّ الْعدة، أَو لَعَلَّه نبه على إِعَادَة النِّكَاح وَلم ينْقل، أَو لَعَلَّه رأى ذَلِك رَأيا وَنحن نخالفه، ونقول: هما مُخْتَلِفَانِ فِي الدّين حكما، وَإِن اتحدا صُورَة؛ لِأَن أَحْكَام الْإِسْلَام بَاقِيَة فِي حق الْمُرْتَد لم يعطل تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَلَا يجوز أَن يَسْتَفِيد بردته مَقْصُوده، وَلِهَذَا يلْزم قَضَاء الصَّلَوَات بِخِلَاف الْكَافِر الْأَصْلِيّ.
(4/138)

(لوحة 60 من المخطوطة أ:)

إِذا زوج أمته من عَبده بِمِائَة وَقيمتهَا مائَة وَهُوَ يملك مائَة أُخْرَى لَا مَال لَهُ سوى ذَلِك وَأعْتق الْأمة أَو أوصى بِعتْقِهَا لم يكن لَهَا أَن تخْتَار (فرقة الزَّوْج قبل الدُّخُول؛ لِأَن ذَلِك يسْقط) الْمهْر فَلَا يخرج من الثُّلُث وَإِذا لم يخرج من الثُّلُث لم ينفذ الْعتْق فِي جَمِيعهَا وَإِذا لم تعْتق جَمِيعهَا لم يثبت لَهَا خِيَار فجر ثُبُوت الْخِيَار لَهَا إِسْقَاطه فَسقط الْخِيَار وَثَبت الْعتْق.
وَاعْلَم أَن خِيَار الْمُعتقَة فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: على الْفَوْر، تراخي ثَلَاثَة أَيَّام مَا لم يَمَسهَا باختيارها، إِذا قَامَت فَإِن كَانَ قد سمى لَهَا صَدَاقا فَهُوَ للسَّيِّد، وَإِن كَانَت مفوضة فَإِن كَانَ دخل بهَا قبل الْعتْق فالصداق للسَّيِّد، رُوِيَ أَن عُثْمَان رَضِي اللَّهِ عَنهُ حضر عقد ملاك وَتَوَلَّى الْخطْبَة ومقدمات العقد ثمَّ قَالَ: اعقدوا فَإنَّا قوم حرم وروى عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: " الْمحرم لَا ينْكح وَلَا ينْكح "، وَعمل عُثْمَان بِالْحَدِيثِ يمْنَع من تَأْوِيل الحَدِيث
(4/139)

بِحمْل النِّكَاح على الْوَطْء، فعلى هَذَا نِكَاح الْمحرم وإنكاحه بَاطِل خلافًا لَهُم، وتعلقوا بِمَا روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نكح محرما، قُلْنَا: روى الْأَصَم وَهُوَ عَتيق مَيْمُونَة أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نكح مَيْمُونَة بسرف وهما حلالان، قَالَ الشَّافِعِي: كَانَ ابْن عَبَّاس يعْتَقد أَنه من قلد الْهَدْي وَأَشْعرهُ فقد أحرم من غير تَلْبِيَة وَطواف، فَلَعَلَّهُ رأى ذَاك من رَسُول اللَّهِ وَأطلق لَفظه بِنَاء على اعْتِقَاده، ثمَّ النِّكَاح مَحل خَصَائِص
(4/140)

النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى صَحَّ من غير ولي وَبلا شُهُود وَبِغير مهر، فَكيف يتْرك نَصه الصَّرِيح بِخَاصَّة ثبتَتْ لَهُ، وَالْقِيَاس ظَاهر من جانبهم؛ لِأَن الْإِحْرَام عبَادَة والعبادات لَا تمنع النِّكَاح وَإِن منع بَعْضهَا الْوَطْء، وَغَايَة مَا يتَكَلَّف لنا أَن الْإِحْرَام يمْنَع استحلال الْوَطْء فَمنع النِّكَاح كالعدة؛ لِأَن مَقْصُود شرع النِّكَاح حل الْوَطْء فَإِذا لم يكن تَحْقِيقه عقيب العقد لم يجز شَرعه فِي الْحَال كالعدة، وَيُخَالف الصَّوْم وَالِاعْتِكَاف؛ فَإِن التخلي عَنْهُمَا بعد التَّلَبُّس بهما مُمكن، إِذا قَالَ: زَوجتك بِنْتي على أَن تزَوجنِي بنتك وَيكون مهر كل وَاحِدَة مِنْهُمَا كَذَا وَكَذَا سَوَاء اتّفق المهران أَو اخْتلفَا فَإِن هَاهُنَا لَا يكون شغارا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تشريك وَيكون النكاحان صَحِيحَيْنِ وَالْمهْر فَاسد؛ لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ سمى مهْرا جَائِزا إِلَّا أَنه شَرط نِكَاح إِحْدَاهمَا فِي نِكَاح الْأُخْرَى، وَذَلِكَ لَا يلْزم وَإِذا لم يلْزم وَجب أَن يرد الْمهْر إِلَى مَا حصل من الْمُحَابَاة لأَجله وَذَلِكَ مَجْهُول، ففسد الْمهْر دون العقد، وَصَارَ كَمَا لَو قَالَ: بِعْتُك هَذِه السّلْعَة بِأَلف على أَن تبيعني سلعتك، فَإِن البيع فَاسد؛ لِأَنَّهُ شَرط شرطا فَاسِدا يعود بِجَهَالَة الثّمن، إِلَّا أَن فِي البيع إِذا فسد الثّمن فسد العقد بِخِلَاف النِّكَاح فَإِن قَالَ: زَوجتك بِنْتي وَيكون بضع بِنْتي مهْرا لبنتك بَطل نِكَاح بنت الْمُوجب؛ لِأَنَّهُ شرك فِي بَعْضهَا وَلم يفْسد نِكَاح الْأُخْرَى.
(4/141)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رما.)

إِذا ارْتَدَّ أحد الزَّوْجَيْنِ بعد الدُّخُول.
الْمَذْهَب: لم تنتجز الْفرْقَة وَتوقف على انْقِضَاء الْعدة.
عِنْدهم: تنتجز قبل الْمَسِيس.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... . .
لَهُم: ... ... ... ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(4/142)

اخْتِلَاف دين طرى على نِكَاح صَحِيح متأكد بِالدُّخُولِ فَجَاز أَن يبْقى مَعَه النِّكَاح كَمَا إِذا أسلم أَحدهمَا، ذَلِك لِأَن النِّكَاح مِمَّا يتشوف الشَّرْع إِلَى إثْبَاته لإِقَامَة النَّوْع الْإِنْسِي.
لَهُم:
الرِّدَّة تنَافِي النِّكَاح فَبَطل، ذَلِك لِأَن النِّكَاح وصلَة، وَالرِّدَّة تقطع الْوَصْل والعصمة، وَلِهَذَا حرم الِاسْتِمْتَاع لَا إِلَى غَايَة، وَلَا بَقَاء للنِّكَاح مَعَ الْمنَافِي.
مَالك: رِوَايَتَانِ.
أَحْمد: ق.
التكملة:
جَوَاب من يَقُول: الرِّدَّة مُنَافِيَة للنِّكَاح أَن نقُول: الْمنَافِي إِمَّا ضد الْمَعْنى الَّذِي ثَبت لَهُ ذَلِك الحكم، وَإِمَّا مُبْطل الْمَعْنى، وَالرِّدَّة ضد الْإِسْلَام لَا ضد الْحل (فَإِن الْحل) لم يكن ثَابتا بِالْإِسْلَامِ بِدَلِيل الْكَافرين، وَإِن نَظرنَا إِلَى الْإِبْطَال بِالرّدَّةِ فالردة لم تبطل الإنسانية والذكورية والأنوثية الَّتِي تثبت الْأَهْلِيَّة والمحلية، نعم هِيَ مَانِعَة للنِّكَاح، وَالْمَانِع يَنْقَسِم إِلَى مؤبد كالرضاع
(4/143)

والصهر وهما يمنعان ابْتِدَاء النِّكَاح ودوامه، وَمُطلق يُرْجَى زَوَاله، وَإِن لم يتَعَيَّن وقته كالعدة، وَهِي تمنع الِابْتِدَاء دون الدَّوَام، فَإِذا عرف هَذَا فالردة تَنْقَسِم إِلَى مَا يصدر عَن كفر مُسْتَقر فِي الْقلب يبْقى طول الْعُمر غَالِبا، وَإِلَى وسواس يَزُول، فألحقنا ردة الْعُمر بِالرّضَاعِ وردة الوسواس بالعدة.
(4/144)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رمب.)

إِذا هَاجر الْحَرْبِيّ إِلَيْنَا بِذِمَّة مُؤَكدَة.
الْمَذْهَب: لم يَنْقَطِع نِكَاحه.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... ... .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {أَو من كَانَ مَيتا} ، وَمَا شابهها من آيَات الْكتاب الْعَزِيز.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا: اخْتِلَاف الدَّار لَا يَنْبَغِي أَن يكون مؤثرا فِي الْقطع كَمَا لَو دخل الْمُسلم
(4/145)

دَار الْحَرْب، وفقهه أَن ذَلِك يرجع إِلَى تبَاين الأصقاع وَذَلِكَ لَا أثر لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يزِيد على الدّين، وَاخْتِلَاف الدّين لَا أثر لَهُ.
لَهُم:
الْكَافِر ميت حكما بِدَلِيل الْكتاب؛ لِأَن من فَاتَ مِنْهُ مَا خلق لَهُ وَجحد الصَّانِع سقط تقومه وزالت عصمته فَصَارَ مَيتا، وَالنِّكَاح عماد وصلَة يَقْتَضِي السكن والألفة وَذَلِكَ يَزُول باخْتلَاف الدَّار. ويتأيد بالحربي المسبي، فَإِن نِكَاحه يَنْقَطِع وَلَيْسَ ذَلِك لرقه فالرق لَا يُنَافِي النِّكَاح.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
قَالُوا: العَبْد إِذا هَاجر إِلَيْنَا انْقَطع عَنهُ ملك السَّيِّد فلينقطع ملك الزَّوْج إِذا هَاجَرت الزَّوْجَة. قُلْنَا: فِيهِ خلاف، وَقد قيل: لَا يَنْقَطِع، فَإِن منع فينقلب عَلَيْهِم، فَإِن السَّيِّد لَو هَاجر لم يَنْقَطِع ملكه عَن العَبْد، وَالزَّوْج بمثابته، وَالسَّبَب فِيهِ أَن ملك السَّيِّد ملك يَمِين فثبتت على الْمَمْلُوك يَد الِاسْتِيلَاء مَقْصُودا، وَإِن ملك النِّكَاح لَا ينْدَرج تَحت الِاسْتِيلَاء، فَلذَلِك
(4/146)

لم يَنْقَطِع باستيلاء الْمَرْأَة على نَفسهَا. ثمَّ الذِّمِّيّ عندنَا حر لَا حجر عَلَيْهِ مَتى شَاءَ الِانْصِرَاف لزمنا أَن نبلغه مأمنه، والباعث على عوده إِلَى دَاره الْكفْر، فَإِذا اجْتمعت الْمقدرَة والباعث وَلَا مَانع فَكيف يلْحق بالموتى؟ ، ويتأيد كلما قدمْنَاهُ بِمَا إِذا هَاجر الْمُسلم إِلَى دَار الْحَرْب وقطن، فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِع نِكَاحه عَن زَوْجَاته المخلفات عندنَا.
والحرف: أَن الدَّار لَا تصلح لفسخ النِّكَاح عندنَا، وَعِنْدهم تصلح.
(4/147)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رمح.)

إِذا عتقت الْأمة تَحت حر.
الْمَذْهَب: لَا خِيَار لَهَا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
عتقت بَرِيرَة تَحت عبد يُقَال لَهُ: مغيث فَخَيرهَا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَت عَائِشَة رَضِي اللَّهِ عَنْهَا: وَلَو كَانَ زَوجهَا حرا لما خَيرهَا، وَنقل أَن عَائِشَة قَالَت لَهَا: " إِن شِئْت أَقمت تَحت العَبْد " هَذَا الْمَنْقُول خرجه مُسلم،
(4/148)

ومنقولهم مَوْقُوف على الْأسود.
لَهُم:
رُوِيَ أَن بَرِيرَة عتقت تَحت عبد فَخَيرهَا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ: " ملكت نَفسك فاختاري "، فَلَو كَانَ حرا لما خَيرهَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تبدلت حَالَة تنَاولهَا عقد النِّكَاح بِحَالَة تنَاوله عقد النِّكَاح، فَلَا يثبت لَهَا الِاخْتِيَار كَمَا لَو كَانَت مَرِيضَة فبرئت، دَلِيل ذَلِك أَنَّهَا لَو اخْتَارَتْ لم يحْتَج إِلَى عقد، وتحقيقه أَن الْمُسَاوَاة بَين الزَّوْجَيْنِ توجب قرارا وتأكيدا.
لَهُم:
بِالْعِتْقِ ازْدَادَ ملك الزَّوْج عَلَيْهَا؛ لِأَن ملك الْحل فِي الْأمة على النّصْف من الْحرَّة فَثَبت لَهَا دفع الزِّيَادَة.
(4/149)

مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
عبارَة ملك مَعْصُوم فَلَا يجوز إِبْطَاله إِلَّا بِسَبَب من الْمَالِك كملك الْيَمين، وَذَلِكَ؛ لِأَن حق الزَّوْج كَامِل فِي زَوجته الْأمة لَكِن منع من اسْتِيفَاء بعضه لقِيَام حق السَّيِّد وضيق الْمحل عَن الْوَفَاء بِالْجَمِيعِ، أَلا ترى أَنه لَو ظفر بالجارية فِي نوبَة السَّيِّد حل لَهُ مِنْهَا مَا يحل فِي نوبَته، فَإِذا زَالَت الزحمة حصلت لَهُ، وَهَذَا يُنَاسب تَقْرِير النِّكَاح لَا إِبْطَاله. ثمَّ هم المطالبون بِمَا يُوجب الْخِيَار حَيْثُ لَا نَص فِيهِ، وَالْفِقْه فِيهِ أَن السَّيِّد عقد بولايته وعقده للْأمة وَلِهَذَا لَا يَصح أَن يلْزمهَا بِالتَّزْوِيجِ من مجبوب وَإِن ألزمها البيع من مجبوب فَصَارَ كَالْأَبِ إِذا زوج الصَّغِيرَة، وروايتهم " ملكت نَفسك فاختاري " زِيَادَة فِي الحَدِيث لم تثبت، وَلَو صَحَّ فَمَعْنَاه: ملكت الْخِيَار فاختاري.
والحرف أَن فسخ النِّكَاح تَحت العَبْد مُسْتَنده إِضْرَار ينشأ من نقص الزَّوْج هَذَا عندنَا أَنَّهَا ملكت نَفسهَا أَو تجدّد لَهَا (ملك أَو تجدّد) زِيَادَة ملك عَلَيْهَا.
(4/150)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رمد.)

يَنْفَسِخ النِّكَاح بالعيوب الْخمس.
الْمَذْهَب: نعم.
عِنْدهم: لَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {ولهن مثل الَّذِي عَلَيْهِنَّ} ، وَجه الدَّلِيل: التَّسْوِيَة بَين الزَّوْجَيْنِ فِي الْحُقُوق، وَالزَّوْجَة تفسخ بالجب والعنة، فليفسخ الزَّوْج بالرتق والقرن.
لَهُم: ... ... ... ...
(4/151)

(الدَّلِيل من الْمَعْقُول:)

لنا:
النِّكَاح إِثْبَات حق فِي مَحل بعوض فإطلاقه يَقْتَضِي سَلامَة حق الِاسْتِمْتَاع وَالْمحل وَالْمَنَافِع، وكل حق ثَبت بِعقد جَازَ إِبْطَاله بِرَفْع العقد؛ لِأَن الْمحل كَانَ خَالِيا ثمَّ اشْتغل فأعيد إِلَى الأَصْل، ويتأيد بِخِيَار الْعتْق.
لَهُم:
عقد النِّكَاح لَا يقبل الْفَسْخ، دَلِيل الدَّعْوَى عدم الْإِقَالَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْوَطْء مُسْتَحقّ لَهما لتحصين الدّين، فَإِن أثبتنا الْمُطَالبَة للزَّوْج دونهَا فَاكْتفى بداعية طبعها عبارَة: ضَرَر ينشأ من فَوَات مَقْصُود العقد يشرع دَفعه بِدفع أصل العقد كَمَا لَو كَانَ فِي البيع، وَتَقْرِيره أَن من زوج أمته من شخص وباعها من غَيره وَخرجت رتقاء فقد وجد لكل وَاحِد مِنْهُمَا عقد هُوَ
(4/152)

السَّبَب وَملك هُوَ الحكم ملك الْيَمين للْمُشْتَرِي وَملك النِّكَاح للزَّوْج والذات تقبل الْملك من وَجْهَيْن، ثمَّ ثَبت الْخِيَار للْمُشْتَرِي دفعا للضَّرَر، فَكَذَلِك الزَّوْج وَطَرِيق دفع الضَّرَر رفع العقد وَإِن أمكن الزَّوْج بِالطَّلَاق فَكَذَلِك يُمكن المُشْتَرِي بِالْبيعِ، وفقهه: أَن فَوَات الْمَقْصُود الْخَاص بِالْعُقُودِ تَقْتَضِي بُطْلَانهَا، وَحَقِيقَة الْفَسْخ لَيْسَ نقل أَمْلَاك وأعيان لَكِن إِعَادَة مَا كَانَ على مَا كَانَ، وَلِهَذَا صَحَّ الْفَسْخ فِي السّلم، وَلَيْسَ الدَّاعِي إِلَى الْفَسْخ فِي البيع خُصُوص وصف المَال بل الْعُمُوم الضَّرَر، وَسبب الْفَسْخ لَيْسَ العقد كَمَا ظنوه لَكِن يخْتَلف الْمَقْصُود، وَبِالْجُمْلَةِ: النِّكَاح عندنَا قَابل للْفَسْخ خلافًا لَهُم.
(4/153)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رمه.)

نِكَاح الشّغَار.
الْمَذْهَب: بَاطِل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
نهى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن نِكَاح الشّغَار.
(4/154)

لَهُم: ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تعلل الْبطلَان بِالتَّعْلِيقِ حَتَّى لَو ترك الصِّيغَة الْأَخِيرَة صَحَّ العقد فَنَقُول: أضَاف الْبضْع إِلَى الزَّوْج وَإِلَى ابْنة الزَّوْج سَوَاء قَدرنَا الْإِضَافَة على الشَّرِيك أَو يكمل كل وَاحِد مِنْهُمَا، فَإِذا لم تكمل الْإِضَافَة للزَّوْج لم يفد الْحل؛ لِأَن الأَصْل فِي الأبضاع الْحُرْمَة، فَصَارَ كإضافته إِلَى رجلَيْنِ.
لَهُم:
أضَاف الْبضْع من يملك وَهُوَ الزَّوْج إِلَى من لَا يملك وَهُوَ ابْنَته فصح فِي حق من يملك كَمَا لَو أوصى لزيد وللرياح، أَو زَوجهَا من زيد وَمن الْحَائِط، وغايته أَنه شَرط شرطا فَاسِدا وَالنِّكَاح لَا يبطل بِالشّرطِ الْفَاسِد
(4/155)

كَمَا لَو شَرط أَن لَا يتسرى عَلَيْهَا.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن قيل: قد اخْتلفت الْإِضَافَة، فَإِنَّهُ أضَاف إِلَى الزَّوْج ملك النِّكَاح وَإِلَى ابْنَته ملك الْيَمين فَكَانَت كل إِضَافَة كَامِلَة، فَالْجَوَاب: انقسام الْملك إِلَى نِكَاح وَيَمِين ينشأ من الْمحل، وَإِلَّا حَقِيقَة التَّمْلِيك وَاحِد كتمليك الْعين وتمليك الْمَنْفَعَة، فصح أَن الْإِضَافَة إِلَيْهِمَا من جِهَة وَاحِدَة، والتعدد أورث نقصا فِي كل وَاحِد فتقاعد عَن اقْتِضَاء حكمه، والحرف أَنه أضَاف بضع ابْنَته إِلَى الزَّوْج وَإِلَى ابْنَته فبطلت الإضافتان، وَعِنْدهم أضَاف إِلَى
(4/156)

الزَّوْج حسب.
(4/157)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
(4/158)

(كتاب الصَدَاق)
(4/159)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
(4/160)

(كتاب الصَدَاق)

(لوحة 61 من المخطوطة أ:)

قَالَ عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ: لَا تغَالوا فِي صدقَات النِّسَاء مَا يبلغنِي أَن أحدا سَاق أَكثر مِمَّا سَارِق رَسُول اللَّهِ إِلَّا جعلت الْفضل فِي بَيت المَال فَاعْتَرَضتهُ امْرَأَة، وَقَالَت: كتاب اللَّهِ أَحَق أَن يتبع، يُعْطِينَا اللَّهِ ويمنعنا ابْن الْخطاب! فَقَالَ: أَيْن؟ قَالَت: قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} ، فَقَالَ عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ: كل النَّاس أفقه من عمر. وروى أَن مهر أم كُلْثُوم ابْنه
(4/161)

على أَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم، وَالْمُسْتَحب تَخْفيف الْمهْر قَالَت عَائِشَة: كَانَ صدَاق النَّبِي لزوجاته اثْنَتَيْ عشرَة أُوقِيَّة من الذَّهَب ونشا، وَيجوز أَن يَتَزَوَّجهَا على أَن يعلمهَا الْقُرْآن خلافًا لَهُم، ويكرهه أَحْمد وَمَالك (وَإِذا وهبت صَدَاقهَا قبل الدُّخُول فقد عفت عَن النّصْف فَإِن كَانَ بَاقِيا فِي ذمَّة الزَّوْج صَحَّ وَلم يفْتَقر هبة الْعين، وَوجه كَونه لَا يفْتَقر إِلَى الْقبُول: أَنه إِبْرَاء أَو إِسْقَاط كإسقاط الْقصاص وَالشُّفْعَة، وَإِذا عفت الْمَرْأَة، وَكَانَ الصَدَاق عينا احْتَاجَ إِلَى الْقبُول، لِأَنَّهُ تمْلِيك لَا يَصح بِلَفْظ الْإِبْرَاء.
مَسْأَلَة: إِذا تلف الصَدَاق قبل الْقَبْض وَجب الرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل فِي الْجَدِيد، وَإِلَى الْقيمَة فِي الْقَدِيم، ومذهبهم لنا أَنه عوض معِين، فَإِذا تلف
(4/162)

قبل الْقَبْض وَتعذر الرُّجُوع إِلَى المعوض وَجب الرُّجُوع إِلَى قيمَة الْعِوَض كَمَا إِذا اشْترى عبدا بِجَارِيَة وَقبض العَبْد وَهلك فِي يَده ثمَّ مَاتَت الْجَارِيَة قبل الْقَبْض.
مَسْأَلَة: الزِّيَادَة فِي الصَدَاق لَا تلْحق بِالْعقدِ خلافًا لَهُ. لنا: أَن مَا لَا يَتَّصِف بِالطَّلَاق قبل الدُّخُول لَا يسْتَقرّ مهْرا بِالدُّخُولِ كَالْخمرِ وَالْخِنْزِير، قَوْلهم: إِن بعد العقد حَالَة يملكَانِ فِيهَا التَّصَرُّف فِي النِّكَاح بِالطَّلَاق وَالْفَسْخ فَجَاز لَهما التَّصَرُّف فِي الزِّيَادَة على الْمهْر كحالة العقد لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ إِذا ذكر حَالَة العقد فقد بذل فِي مُقَابلَة مَا لَا يملكهُ وَهَاهُنَا بذل فِي مُقَابلَة ملكه فَصَارَ كَمَا لَو اشْترى مَاله من وَكيله.
مَسْأَلَة: إِذا طلق المفوضة بعد الدُّخُول وَجب لَهَا الْمُتْعَة فِي الْجَدِيد خلافًا لَهُم.
لنا: أَنَّهَا مُطلقَة لم تحصل على مَال مُجَرّد عَن مُقَابلَة الْإِتْلَاف، فَوَجَبَ لَهَا الْمُتْعَة كالمفوضة قبل الدُّخُول، وَلَا يُقَال: فِيمَا قستم عَلَيْهِ عري نِكَاحهَا عَن الْمهْر فشرع لَهَا الْمُتْعَة، وَهَاهُنَا لم يعر عَن الْمهْر فَصَارَ كَمَا لَو سمى
(4/163)

لَهَا ثمَّ طَلقهَا قبل الدُّخُول، وَالْجَوَاب أَن وجوب الْمهْر لَا يمْنَع من وجوب أَمر آخر كَمَا منع من النَّفَقَة وَالسُّكْنَى، وَأما الْمُسَمّى لَهَا إِذا طَلقهَا قبل الدُّخُول فَمن أَصْحَابنَا من لم يسلم على أحد الْقَوْلَيْنِ، وَإِن سلمنَا فَالْمَعْنى فِيهِ أَنه حصل لَهَا مَال فِي مُقَابلَة الابتذال بِالْعقدِ والحزن على الْفِرَاق فَقَامَ مقَام الْمُتْعَة، وَفِي مَسْأَلَتنَا الَّذِي حصل لَهَا مهر فِي مُقَابلَة الْوَطْء فَيجب أَن تجب الْمُتْعَة للابتذال والحزن على الْفِرَاق، وَتَقْرِير الْمُتْعَة رَاجع إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم بِشَرْط أَن لَا يزِيد على نصف الْمهْر إِن كَانَ فِي النِّكَاح أَو نصف مهر الْمثل.
(4/164)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رمو.)

هَل ينْعَقد الْمهْر بِمِقْدَار؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: أَقَله عشرَة دَرَاهِم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {أَن تَبْتَغُوا بأموالكم} علق على مُطلق المَال فالوقوف مَعَ مِقْدَار نسخ للإطلاق، وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من نكح امْرَأَة على كف من طَعَام كَانَ لَهَا صَدَاقا "، وَقَوله: " وَلَو كَانَ خَاتمًا من حَدِيد ".
(4/165)

لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {إِن تَبْتَغُوا بأموالكم} .
والحل الْمُسْتَثْنى عَن الأَصْل بِقَيْد لَا يُوجد دونه. وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة الواهبة: {خَالِصَة لَك} فَلَو لم يتَقَيَّد فِي نِكَاح غَيره بِمهْر بَطل التَّخْصِيص، وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمهْر شرع فِي النِّكَاح عوضا، ومقداره فِي العوضية وَاحِد، فالجميع مَال، فالمهر حق الْمَرْأَة بِدَلِيل أَنَّهَا تستوفيه وتبرئ مِنْهُ وَالْوَاجِب حَقّهَا،
(4/166)

وَالْوُجُوب صفته، ومحال أَن يُفَارق الْوَصْف الْمَوْصُوف.
لَهُم:
وجوب الْمهْر حق اللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيل أَنه لَا يقبل تراضيهما على الِانْعِقَاد دونه، فعندما يجب بِالْعقدِ وعندكم بِالدُّخُولِ، ذَلِك لِأَن حق اللَّهِ مُتَعَلق بالأبضاع بِدَلِيل حد الزِّنَى، وَحقّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يتَأَدَّى إِلَّا بِمَال مُقَدّر إِظْهَارًا للخطر، وَأَقل مَال شرِيف هَذَا، ويتأيد بِوُجُوب مهر المفوضة.
مَالك: أَقَله نِصَاب السّرقَة.
أَحْمد:
التكملة:
الْوُجُوب حق الْمَرْأَة، وَلَا نوجب للمفوضة، وَإِن سلم أصل الْوُجُوب فَلَا مُسْتَند للتقدير، فَإِن صِيَانة الْبضْع قد حصل بِكَثْرَة الشُّرُوط وصونه على الْبَذْل وَالْإِبَاحَة حَاصِل بِأَيّ مَال كَانَ، وَإِن لم يكن بُد من التَّقْدِير فالخمسة تصلح؛ لِأَنَّهَا تجب فِي نِصَاب زَكَاة، بل أقل مَا يتمول خطير شرعا يستباح بِهِ دم الصَّائِل عِنْد الدّفع، وَبِالْجُمْلَةِ: الْخصم هُوَ الْمُدَّعِي للتقدير فَهُوَ المطالب
(4/167)

بِبَيَان المأخذ، وَلَا شكّ أَن الْخصم لَو رد إِلَى مُجَرّد الْآيَة لتلقى من عمومها جَوَاز الابتغاء بِكُل مَال، وَإِنَّمَا قدر بِدَلِيل ظهر لَهُ فَوَجَبَ أَن يبديه، وَمن الْعجب أَنهم قَالُوا: لَو صرح بِنَفْي الْمهْر اسْتحق كَمَال الْمثل وَلَو صرح بِخَمْسَة لم يسْتَحق إِلَّا عشرَة.
(4/168)

زفر: مهر الْمثل. النَّخعِيّ: أَقَله 40 درهما. سعيد بن جُبَير: 50 درهما. ابْن شبْرمَة: 5 دَرَاهِم.
(4/169)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رمز)

هَل تسْتَحقّ المفوضة الْمهْر بِالْعقدِ؟
الْمَذْهَب: أظهر الْقَوْلَيْنِ أَنَّهَا لَا تسْتَحقّ بل يجب بِالْوَطْءِ مهر الْمثل.
عِنْدهم: تسْتَحقّ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... . .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {أَن تَبْتَغُوا بأموالكم} جعل الابتغاء بِالْمَالِ يدل على أَنه لَا يجوز دونه، وَدلّ على أَن المَال عوض أَيْضا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(4/170)

الْمهْر زَائِد فِي النِّكَاح فَلَا يثبت مَعَ النَّفْي كالزائد على مهر الْمثل، بِدَلِيل أَن العقد لَا يفْسد بفساده، وَلَيْسَ شرطا فِي النِّكَاح، فَإِن شَرط الشَّيْء مَا سبقه أَو قاربه، وَلم يشرع النِّكَاح لكسب المَال.
لَهُم:
عقد بعوض فَلَا ينْعَقد دونه كَالْبيع، ذَلِك لِأَن حل الْوَطْء يَسْتَدْعِي ملكا فِي الْمحل (وَلَيْسَ الْمحل) مُبَاحا كالحشيش والحطب فَاحْتَاجَ إِلَى عوض، وَلَو لم يكن الْعِوَض ملازما للنِّكَاح لانقسم إِلَى ذِي عوض (وَغير ذِي عوض) ، وَلَو كَانَ كَذَلِك جَازَ لوَلِيّ الطفلة أَن يُزَوّجهَا من غير عوض.
مَالك: إِن طقها قبل الْفَرْض فالمتعة مُسْتَحقَّة.
أَحْمد: ف.
التكملة:
النِّكَاح لَيْسَ فِيهِ ملك عندنَا بل حكمه الزَّوْجِيَّة، وَهِي قَضِيَّة شَرْعِيَّة
(4/171)

مقدرَة على مذاق المحسوس وَحَقِيقَة المحسوس اجْتِمَاع فردين ليصيرا شَيْئا وَاحِدًا كشقي المقراضين، قَالُوا: لَيْسَ يجب الْمهْر بِالْوَطْءِ وَلَو كَانَ مجَّانا لما وَجب، قُلْنَا: قد منع القَاضِي حُسَيْن ذَلِك، وَمَعَ التَّسْلِيم نقُول: وَجب لَا بدل الْبضْع، فَإِنَّهَا محللة بِالنِّكَاحِ، بل لِأَن النِّكَاح اشْتَمَل على ملك زَائِد ظهر أَثَره فِي الْحجر، فالمهر مُقَابل بِهِ عِنْد التَّسْمِيَة غير أَن يَد الْمَالِك لَا تتأكد إِلَّا بِالْوَطْءِ.
(4/172)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(4/173)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رمح.)

هَل تقرر الْخلْوَة الصَّحِيحَة الْمهْر؟
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَإِن طلقتموهن ... ...} الْآيَة، فالتوصلة باللمس وَاجِبَة قبل الطَّلَاق، فَإِن كَانَت الْآيَة لإِسْقَاط النّصْف فقد بَقِي النّصْف، وَإِن كَانَت لإِيجَاب النّصْف فإيجاب الْوَاجِب لَا معنى لَهُ، وَلَا تحمل على اللَّمْس بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ لَو كَانَ فِي مَلأ من النَّاس لم يُقرر الْمهْر، فاللمس هُوَ الوقاع.
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من كشف خمار امْرَأَة فَعَلَيهِ مهرهَا " فَألْحق
(4/174)

غير الْمَسِيس بالمسيس، وَقَالَ عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ لعنين قرر عَلَيْهِ الْمهْر: مَا ذنبهن إِن جَاءَ الْعَجز من قبلكُمْ؟ نبه على أَن الْوَاجِب عَلَيْهِنَّ التَّسْلِيم لَا غير.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
خلْوَة خلت عَن الْمَسِيس فَلَا تقرر الْمهْر كالفاسدة، وعَلى هَذَا نسلم أَن النِّكَاح مُعَاوضَة، ويلزمهم سُقُوط الْمهْر على قِيَاس الْمُعَاوَضَات، فَإِن الْبضْع الَّذِي هُوَ المعوض بزعمهم قد عَاد إِلَيْهِمَا سليما.
لَهُم:
أَتَت بِالتَّسْلِيمِ الْوَاجِب عَلَيْهَا فَيَنْبَغِي أَن يتَأَكَّد الْوَاجِب لَهَا من الْعِوَض كَمَا لَو سلم الدَّار الْمُسْتَأْجرَة، وَذَلِكَ لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهَا تَسْلِيم هُوَ غَايَة وسعهَا فاستحقت مَا لَهَا بِمَا عَلَيْهَا لتتحقق الْمُقَابلَة، والمعاوضة تثبت لكل حَقًا على الآخر، ثمَّ الزَّوْج بسبيل من تَقْرِير حَقه بِالْوَطْءِ فَيجب أَن
(4/175)

تكون الْمَرْأَة بسبيل من تَقْرِير حَقّهَا بالتمكن كَيْلا يضْربهَا.
مَالك: إِذا خلا بهَا وَادعت الدُّخُول فَالْقَوْل قَوْلهَا.
أَحْمد: ف.
التكملة:
الطَّرِيق فِي تَقْرِير حَقّهَا أَن ترفعه إِلَى الْحَاكِم فيجبره على الْوَطْء كَمَا قَالُوا فِي زَوْجَة الْمَجْبُوب، وَقُلْنَا فِي زَوْجَة الْمولى، ثمَّ التَّسْلِيم والتسلم متلازمان، فَلَمَّا لم يُوجد (التَّسْلِيم لم يُوجد) التسلم، وَالْفرق بَين الْإِجَارَة ومسألتنا أَن يفهم أَن الِاسْتِيفَاء يتَضَمَّن حُصُول الْغَرَض للْمُسْتَأْجر وفواته فِي حق الْمُؤَجّر، والمقتضي لقرار الْعِوَض فَوَاته فِي حق الْمكْرِي تَحْقِيقا لِمَعْنى الْجَبْر وَقد تحقق الْفَوات عِنْد التَّمْكِين، أما هَاهُنَا فبالخلوة لَا يفوتها شَيْء لِأَن مَنْفَعَة الْبضْع لَا تفوت إِلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ، وَكَذَلِكَ الْحر إِذا أجر نَفسه فَهُوَ بالتمكين يعطل نَفسه، وَالضَّابِط أَن فَوَات الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي جِهَة الْوَفَاء
(4/176)

بِحكم العقد سَبَب لتقرير الْعِوَض، وَهَذَا يُوجد عِنْد الِاسْتِيفَاء والتمكين جَمِيعًا فِي سَائِر الْعُقُود وَلَا يُوجد فِي النِّكَاح إِلَّا عِنْد الِاسْتِيفَاء.
(4/177)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رمط.)

إِذا وهبت الْمَرْأَة صَدَاقهَا من زَوجهَا.
الْمَذْهَب: يرجع عَلَيْهَا بِقِيمَة نصف الْمهْر فِي القَوْل الْمَنْصُور.
عِنْدهم: لَا يرجع وَهُوَ القَوْل الثَّانِي.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
الْآيَة العزيزة.
وَجه الدَّلِيل أَنه أثبت الرُّجُوع إِلَى النّصْف إِن أمكن، وأجمعت الْأمة على أَنه إِن لم يُمكن رَجَعَ إِلَى الْقيمَة.
لَهُم: ... ... ...
(4/178)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مُطلقَة غير ممسوسة فَثَبت للزَّوْج عَلَيْهَا نصف الْمهْر بِإِثْبَات اللَّهِ تَعَالَى عِنْد الطَّلَاق، وَلَو كَانَ عين الْمهْر تالفة كَانَ لَهُ قيمَة النّصْف، وَالْخَارِج عَن ملكهَا كالتالف فِي هَذَا الْمَعْنى فَلَا يمْنَع ذَلِك عوده إِلَى ملكه كَمَا لَو وهبته من اجنبي ووهبه لَهَا وكما لَو ابتاعه مِنْهَا، وَلَا يمْنَع ذَلِك عوده إِلَيْهَا مجَّانا كَمَا لَو وهبت لعبد الزَّوْج.
لَهُم:
الصَدَاق عَاد إِلَيْهِ مِنْهَا فَلَا يرجع إِلَيْهَا عِنْد الطَّلَاق بِشَيْء كَمَا لَو كَانَ دينا فأبرأته مِنْهُ، ذَلِك لأَنا لَو خلينا وَالْقِيَاس كُنَّا إِمَّا أَن نرد الصَدَاق كُله إِذا عَاد المعوض إِلَيْهَا سليما أَو نقرره كُله لِأَن الزَّوْج يسْقط ملكه كالعتاق فِي ملك الْيَمين لَكِن الشَّرْع حكم برد النّصْف وَقرر النّصْف ثمَّ كَانَ (تَقْرِير النّصْف مُسْندًا) إِلَى أصل العقد فَكَانَ الرَّد كَذَلِك فملكها النّصْف غير متقرر.
مَالك: ف.
(4/179)

أَحْمد: ف.
التكملة:
الْخصم هُوَ الْمُدَّعِي كَون الْهِبَة من الزَّوْج مَانِعا من الرُّجُوع فَعَلَيهِ الدَّلِيل، فَإِن قيل: إِنَّمَا يعدل إِلَى الْقيمَة عِنْد فقد الْعين وَعين الصَدَاق قَائِمَة فِي يَده فليمسكه عَن جِهَة الصَدَاق، ذَلِك لِأَن الْهِبَة مَوْقُوفَة فَإِن سلمت الْعَاقِبَة عَن الطَّلَاق سلم مَا قدرناه من هبة وَإِن طلق انْصَرف إِلَى جِهَة الصَدَاق كَالزَّكَاةِ تعجل قبل مُضِيّ الْحول فنحكم بِكَوْنِهَا زَكَاة (بِشَرْط سَلامَة النّصاب) ، فَإِن لم يسلم كَانَت صَدَقَة، وَالْجَوَاب: إِن إِمْسَاكه عَن جِهَة الصَدَاق يُعَارضهُ إمسكاه عَن جِهَة الاتهاب فَمَا الْمُرَجح؟ وَبِالْجُمْلَةِ لَا نسلم عود الصَدَاق إِلَيْهِ، فَإِن مَعْنَاهُ عود ملك الصَدَاق لَا عينه بِدَلِيل الْمسَائِل الْمَذْكُورَة، وَالطَّلَاق لَا يفْسخ عقد النِّكَاح وَلَا عقد الصَدَاق حَتَّى ينْتَقض الْملك فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِسْقَاط ملك الْبضْع، وَلَكِن الشَّرْع أثبت للزَّوْج ملكا جَدِيدا فِي نصف الصَدَاق لكَونه بذل المَال فِي طلب مَقْصُود وَلم يحصل لَهُ مَقْصُوده، ونعلم ظَاهرا أَن الزَّوْج إِنَّمَا يقدم على الطَّلَاق لضَرُورَة فنجبره على الْمهْر مَعَ فَوَات الْمَقْصُود إِضْرَارًا بِهِ فَأعْطَاهُ نصف الْمهْر وَقد تعذر هَاهُنَا بِخُرُوج الصَدَاق عَن ملكهَا فَرجع إِلَى الْقيمَة.
(4/180)

(الْمَسْأَلَة الْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رن.)

إِذا تزَوجهَا على ثوب هروي.
الْمَذْهَب: فَسدتْ التَّسْمِيَة وَوَجَب مهر الْمثل.
عِنْدهم: التَّسْمِيَة صَحِيحَة وَيجب الْوسط.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... . .
لَهُم: ... ... . .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمُسَمّى مَجْهُول فَيفْسد، وَيجب مهر الْمثل كَمَا لَو قَالَ: ثوبا أَو حَيَوَانا
(4/181)

مطلقين، وتأثيره أَن الْمُسَمّى يُرَاد للوصول إِلَيْهِ وجهله يمْنَع لاخْتِلَاف الصِّفَات فيتعارض الْوَصْف غَيره.
لَهُم:
تَسْمِيَة مَال لَا بازاء مَال فصح مَعَ جَهَالَة الْوَصْف كتسمية الشَّرْع الزكوات وأسنان الدِّيات، ذَلِك لِأَن الْبضْع لَيْسَ مَالا.
وتأثيره أَن العقد يصير التزاما بِمَال؛ لِأَنَّهُ عدم بِالْإِضَافَة إِلَى الْمُعَارضَة وَابْتِدَاء الْتِزَام المَال صَحِيح من الْجَهَالَة، دَلِيله: الْإِقْرَار بِالْمَجْهُولِ.
مَالك: وَافق أَبَا حنيفَة.
أَحْمد: ف.
(4/182)

التكملة:
نمْنَع دَعوَاهُم أَنه لَيْسَ بِمَال ونسلمها وندعي التقوم وَلَا نسلم أَنه الْتِزَام ابْتِدَاء إِذْ قد بذله فِي مُقَابلَة شَيْء وَإِذا كَانَ مُتَقَوّما فَالْقيمَة الشَّرْعِيَّة أولى، وَلَو صَحَّ مَا قَالُوهُ من النُّزُول على الْوسط صَحَّ أَن يُزَوجهُ إِحْدَى بَنَاته إِذا كَانَ لَهُ ثَلَاث كبرى ووسطى وصغرى وَيصرف إِلَى الْوُسْطَى، ولوجب أَن يَصح التسلم على هَذَا الْوَجْه، فَإِن قَالُوا: الصَدَاق أحد عوضي النِّكَاح، فصح مَجْهُولا كالبضع فنقلت فَلَا يَصح غير معِين كالبضع؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ إِذا لم تعْتَبر فِي أحد الْعِوَضَيْنِ لم يعْتَبر فِي الآخر كَالْقَبْضِ فِي السّلم وَالْمُعْتَبر الْوَصْف، فَإِن قَالُوا: جَهَالَة مهر الْمثل أَكثر، فَالْجَوَاب: مهر الْمثل يجب بِتَلف الْبضْع عَلَيْهَا بِعقد النِّكَاح وَمَا يجب بِالْإِتْلَافِ يَصح أَن يكون مَجْهُولا وَهَاهُنَا عوض يجب بِالشّرطِ وَالتَّسْمِيَة فَلَا يَصح مَجْهُولا كالعوض فِي البيع وَالْإِجَازَة.
(4/183)

(الصفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(4/184)

(لوحة 62 من المخطوطة أ:)

إِذا خالعت فِي مَرضهَا فمهر الْمثل من رَأس المَال وَمَا زَاد من الثُّلُث خلافًا لَهُ وَقَوله تَعَالَى: {لعدتهن} أَي فِي عدتهن، وَالْعدة: الطُّهْر الَّذِي لم يصبهَا فِيهِ. قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة} أَي فِي يَوْم الْقِيَامَة. وَاعْلَم أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام طلق حَفْصَة ثمَّ رَاجعهَا. وَاعْلَم أَن الطَّلَاق فِي الطُّهْر الَّذِي جَامعهَا فِيهِ وَطَلَاق الْحَائِض مَكْرُوه، وَطَلَاق الْمولي وَمن قضى عَلَيْهِ الحكمان وَاجِب، وَطَلَاق الْمُوَافقَة مَكْرُوه، وَطَلَاق من بَينهمَا نبوة مُسْتَحبّ، وَمَسْأَلَة حل الْجمع بَين الطلقات تنبني على فهم هَذِه الْقَاعِدَة وَهِي معنى
(4/185)

الْمَشْرُوع وَغير الْمَشْرُوع، وَقبُول الْمَشْرُوع يُطلق بِمَعْنى الْمُبَاح وَمُقَابِله غير الْمَشْرُوع بِمَعْنى الْمَحْظُور وَالْمَكْرُوه، وَقد يُطلق الْمَشْرُوع بِمَعْنى الْمَوْضُوع شرعا سَببا أَو حكما أَو شرطا، ويقابله غير الْمَشْرُوع بِمَعْنى المعرض عَنهُ الملغي فِي حق الْأَحْكَام إِذْ قد يقسم الشَّرْع إِلَى شرع الْإِبَاحَة وَالْإِطْلَاق، وَإِلَى شرع الْوَضع وَالِاعْتِبَار، ثمَّ الْوَضع يقسم إِلَى مَا وضع على وفْق الْمصلحَة الْعَامَّة وَالْحكمَة الْكُلية وَتسَمى عَزِيمَة؛ وَإِلَى مَا وضع على خلاف الأَصْل لحَاجَة أَو ضَرُورَة خَاصَّة فتسمى رخصَة، وَنَنْظُر هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى مَسْأَلَة التخلي من جِهَة كَون النِّكَاح عِنْدهم سنة فنقيضه بِدعَة، ونقول: النِّكَاح تأباه الْحُرِّيَّة، وَاعْلَم أَن من لم يدْخل بهَا لَيْسَ فِي طَلاقهَا سنة وَلَا بِدعَة وَكَذَلِكَ من دخل بهَا إِذا كَانَت حَامِلا أَو صَغِيرَة أَو آيسة، وَإِنَّمَا السّنة والبدعة فِي طَلَاق الْمَدْخُول بهَا إِذا كَانَت حَائِلا من ذَوَات الْأَقْرَاء، فَإِذا قَالَ لإحدى من لَا سنة وَلَا بِدعَة فِي طَلاقهَا: أَنْت طَالِق للسّنة أَو للبدعة وَقع فِي الْحَال، وَاعْلَم أَن الْعدَد لَيْسَ فِيهِ سنة وَلَا بِدعَة عندنَا، وَإِنَّمَا
(4/186)

تتَعَلَّق السّنة والبدعة بِالْوَقْتِ، فَإِذا أَنْت طَالِق ثَلَاثًا للسّنة، فَإِن كَانَت فِي زمَان السّنة أَعنِي طهرا لم يصبهَا فِيهِ وَقعت الثَّلَاث، وَإِن كَانَت فِي زمَان الْبِدْعَة لم يَقع عَلَيْهَا شَيْء فِي زمَان السّنة، وَإِن قَالَ: إِذا حِضْت فَأَنت طَالِق فَهَذَا قد أوقع طَلَاق الْبِدْعَة وأثم بِهِ.
وَإِن قَالَ: إِذا طهرت فَأَنت طَالِق، فقد أوقع طَلَاق السّنة، وَإِذا قَالَ: أَنْت طَالِق ملْء مَكَّة أَو ملْء الدُّنْيَا وَقعت وَاحِدَة، لِأَن الطَّلَاق حكم فَإِذا وَقع وَقع فِي جَمِيع الدُّنْيَا، قَالَ أَبُو حنيفَة: تقع بَائِنَة، إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق أَكثر الطَّلَاق وَقع ثَلَاثًا لِأَن الطَّلَاق وَقع ثَلَاثًا؛ لِأَن الطَّلَاق يُوصف بِالْكَثْرَةِ، إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق أكمل الطَّلَاق وَقعت وَاحِدَة سنة، إِذا قَالَ لَهَا: إِن بدأتك بالْكلَام فَأَنت طَالِق فَقَالَت: إِن بدأتك بالْكلَام فَعَبْدي حر فكلمها وكلمته لم تطلق وَلم يَقع الْعتْق، إِذا قَالَ لَهَا وَهِي واقفة فِي مَاء جَار: إِن وقفت فِي هَذَا المَاء فَأَنت طَالِق وَإِن خرجت فَأَنت طَالِق فوقفت أَو
(4/187)

خرجت لم تطلق، لِأَن المَاء الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ لم تقف فِيهِ، إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق إِن شِئْت فَقَالَت: قد شِئْت إِن شِئْت فَقَالَ: قد شِئْت لم تطلق، لِأَن الْمَشِيئَة خبر عَمَّا فِي نَفسهَا من الْإِرَادَة وَذَلِكَ لَا يتَعَلَّق بِشَرْط؛ لِأَنَّهُ إِخْبَار عَن فعل مَاض فَلم تقع مشيئتها بِوُجُوب مَشِيئَته؛ وَلِأَنَّهَا أخرت الْجَواب وَيجب على الْفَوْر.
(4/188)

(مسَائِل الْخلْع وَالطَّلَاق)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رنا.)

مَا هُوَ الْخلْع؟ .
الْمَذْهَب: فسخ على الْمَنْصُور حَتَّى لَو تكَرر لم يحْتَج إِلَى مُحَلل.
عِنْدهم: طَلَاق وَهُوَ القَوْل الآخر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... . .
لَهُم: ... ... ...
(4/189)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
فرقة تعرب عَن صَرِيح الطَّلَاق وَنِيَّته، فَكَانَت فسخا، كَمَا إِذا اشْترى الْمَمْلُوكَة (إِذا عتقت الْأمة تَحت عبد فَاخْتَارَتْ الْفِرَاق) وَالْخلْع يشْعر (بِمَعْنى الْفَسْخ) كخلع الْعظم وَالثَّوْب، وعَلى هَذَا القَوْل لَو نوى بِهِ الطَّلَاق لم يَصح لكَونه صَرِيحًا فِي معنى الْفَسْخ، وَقد تَقول: هُوَ ظَاهر فِي الْفَسْخ وبالنية يصرف إِلَى الطَّلَاق.
لَهُم:
فرقة مُتَعَلقَة بِسَبَب يخْتَص النِّكَاح، فَكَانَت طَلَاقا كَمَا لَو طَلقهَا على مَال؛ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ فسخا مَا صَار بِالنِّيَّةِ طَلَاقا كَمَا أَن الطَّلَاق لَا يصير بِالنِّيَّةِ فسخا.
مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
(4/190)

التكملة:
قَالُوا: لَو كَانَ فسخا لسقط الْمهْر قبل الْمَسِيس وَبعده، قُلْنَا: يسْقط الْمهْر فِي الْجَانِبَيْنِ، بَيَانه أَن الممسوسة إِذا اخْتلعت سقط مهرهَا لَكِن لزمَه مهر الْمثل بِالْوَطْءِ ولابد من معيار فِيهِ فَكَانَ المعيار مَا تَرَاضيا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي غير الممسوسة، فَإِنَّهَا تسْتَحقّ الْمُتْعَة عِنْد الطَّلَاق، فَكَانَ نصف الْمُسَمّى مُتْعَة النِّكَاح وَقد سقط الْمهْر كُله، قَالُوا: لَو كَانَ فسخا لما جَازَ على عوض جَدِيد كَسَائِر الْعُقُود. قُلْنَا: لَيْسَ مَال الْخلْع عوضا، وَإِنَّمَا هُوَ مَال قد أثر عينا للزَّوْج فِي الْخلْع، وَبِذَلِك نطق الْكتاب الْعَزِيز فالخلع فسخ، وَالْمَال زَائِد لطلب الْخَلَاص وَالْمَسْأَلَة دقيقة لِأَن قبُول العقد للْفَسْخ يحْتَاج إِلَى دَلِيل من نَص وَلَا نَص، أَو بِقِيَاس على عقد قَابل للْفَسْخ يَدعِي أَنه مشبه لعقد النِّكَاح فِي عِلّة قبُول الْفَسْخ، وللقياس مسلكان. أَحدهمَا: الْقيَاس على مَا ثَبت فِي النِّكَاح من أَنْوَاع الْقطع وَهُوَ ثَلَاثَة: الطَّلَاق وارتفاع النِّكَاح ضَرُورَة الرَّضَاع وَأَمْثَاله، وأنواع الْخِيَار كَمَا فِي الْجب والعنة والمعتقة تَحت العَبْد، والمسلك الآخر قِيَاس النِّكَاح على الْعُقُود الثَّابِتَة، والحرف أَن النِّكَاح عندنَا قَابل للْفَسْخ.
(4/191)

طَاوس: لَا يجوز أَن يَأْخُذ أَكثر مِمَّا أَعْطَاهَا.
الْحسن الْبَصْرِيّ: لَا يجوز الْخلْع إِلَّا عِنْد سُلْطَان.
الزُّهْرِيّ: الزَّوْج بِالْخِيَارِ بَين إمْسَاك الْعِوَض وَلَا رَجْعَة، أَو رده وَالرَّجْعَة.
(4/192)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رنب.)

هَل يلْحق المختلعة طَلَاق؟
الْمَذْهَب: لَا، وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة.
عِنْدهم: يلْحقهَا الصَّرِيح دون الْكِنَايَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " المختلعة لَا يلْحقهَا صَرِيح الطَّلَاق، وَإِن كَانَت فِي الْعدة ".
لَهُم:
قَالَ تَعَالَى: {الطَّلَاق مَرَّتَانِ} إِلَى قَوْله {فَإِن خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُود اللَّهِ فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} إِلَى قَوْله: (فَإِن طَلقهَا فَلَا تحل لَهُ من
(4/193)

بعد} شرع الْخلْع عقيب الطَّلَاق الرَّجْعِيّ، وَبَين أَن الطَّلَاق الثَّلَاث إِذا وَقع فَوت الْحل، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " المختلعة يلْحقهَا الطَّلَاق صَرِيحًا مَا دَامَت فِي الْعدة ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الطَّلَاق شرع لقطع النِّكَاح، وَلَا نِكَاح فِي الْمحل فَلَا يَقع الطَّلَاق كالمعتدة عَن الشُّبْهَة والمفسوخ نِكَاحهَا، دَلِيل الْمُقدمَة الأولى: أَن من طلق انْقَطع نِكَاحه، دَلِيل الْمُقدمَة الثَّانِيَة: أَن الْخلْع فسخ وَلَا وجود للمفسوخ بعد الْفَسْخ.
لَهُم:
لم يوضع الطَّلَاق لإِزَالَة الْملك فَلَا تفْتَقر صِحَّته إِلَى ملك، ونقول: طَلَاق صدر من أَهله فِي مَحل تَحت ولَايَته فَينْعَقد كالطلقة الثَّانِيَة فِي حق الرَّجْعِيَّة، وَذَلِكَ لِأَن حكم الطَّلَاق الْحُرْمَة لَا إِزَالَة النِّكَاح، فَإِنَّهُ مُرَاد
(4/194)

الشَّرْع فَلَا نفهم لَهُ مزيلا، وَالْعدة من آثَار النِّكَاح، فَإِن فِيهِ ملك حل وَملك يَد وَالْعدة إبْقَاء ملك الْيَد.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْمُعْتَمد أَن الطَّلَاق تصرف تمْلِيك يملك النِّكَاح وَيُسْتَفَاد مِنْهُ فَيَنْقَطِع بِزَوَال ملك النِّكَاح كالظهار وَالْإِيلَاء وَالرَّجْعَة وَالْخلْع والإبانة فَإِن قَالُوا الْعدة من حُقُوق النِّكَاح بِدَلِيل ثُبُوت النّسَب وَالنَّفقَة وَالسُّكْنَى، فَإِن انْتَفَى النِّكَاح من وَجه فَهُوَ بَاقٍ من وَجه، فَلْيَكُن ملك الطَّلَاق آخر مَا يرْتَفع تَغْلِيبًا لجَانب الْحَظْر، قُلْنَا: هلا طردتم ذَلِك فِي الْخلْع وَالْإِيلَاء وَالظِّهَار، فَهَذِهِ نقوض صَرِيحَة، وينتقض بالعدة فِي حق من انْفَسَخ نِكَاحهَا بِالرّدَّةِ، ثمَّ الْعدة وَجَبت عندنَا لحق المَاء الْمُحْتَرَم لَا حَقًا للنِّكَاح، فَعدَّة الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ وَالنَّفقَة مَمْنُوعَة إِلَّا فِي حق الْحَامِل لأجل الْحمل وَالسَّبَب هُوَ عندنَا من اثر النِّكَاح السَّابِق حَتَّى إِذا تراخت الْولادَة لم تحْتَمل الْعلُوق إِلَّا فِي الْعدة لم تثبت، وَأما السُّكْنَى فَمُسلم وَهُوَ حكم عدَّة وَجَبت عقب الطَّلَاق لَا
(4/195)

حكم النِّكَاح، وَأما سُكْنى النِّكَاح فقد انْقَطع بِدَلِيل أَن وجوب السُّكْنَى فِي النِّكَاح يسْقط بِرِضا الزَّوْجَة وَهَذَا لَا يسْقط.
والحرف أَن ملك الطَّلَاق يثبت بِنَاء على النِّكَاح؛ لِأَنَّهُ قَاطع لَهُ، هَذَا عندنَا، وَعِنْدهم يثبت ابْتِدَاء كَالْبيع وَأَمْثَاله.
(4/196)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رنج.)

تَعْلِيق الطَّلَاق بِالْملكِ.
الْمَذْهَب: بَاطِل.
عِنْدهم: صَحِيح.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا طَلَاق قبل النِّكَاح ".
لَهُم: ... ... ... .
(4/197)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
من لَا يملك الطَّلَاق الْمُبَاشر لَا تَنْعَقِد لَهُ صفة الطَّلَاق، دَلِيله: الصَّبِي وَالْمَجْنُون، وَالتَّعْلِيق تمهيد سَبَب الطَّلَاق، لِأَن قَوْله: أَنْت طَالِق سَبَب وَقد ذكره، فَإِذا قَالَ: إِن دخلت الدَّار فقد أَتَى بِكَلَام آخر يعْمل بِهِ للْحَاجة فَيكون شرطا دخل على الحكم لَا على السَّبَب فَمَا أعدم قَوْله: أَنْت طَالِق فَرجع إِلَى الحكم فَانْدفع؟
لَهُم:
التَّعْلِيق عقد يَمِين، فَلَا يشْتَرط فِي صِحَّته وجود ملك النِّكَاح كاليمين بِاللَّه تَعَالَى، ذَلِك لِأَنَّهَا شَرط وَجَزَاء عقد على نَفسه بِهِ أمرا مَا، وَكَذَلِكَ تكون الْأَيْمَان فَهُوَ يتَصَرَّف فِي نَفسه فَلَا يفْتَقر إِلَى سوى محلهَا وَهُوَ نفس الْحَالِف.
مَالك: إِن عين ذَلِك بِمدَّة صَحَّ وَإِلَّا لَغَا.
أَحْمد: وَافق فِي الطَّلَاق، وَفِي الْعتْق رِوَايَتَانِ.
التكملة:
معنى التَّطْلِيق إِيقَاع الطَّلَاق، ومساق كَلَامهم أَن التَّطْلِيق تصرف فِي
(4/198)

الطَّلَاق مُقَدّر شَرْعِي شرع بِنَاء لَا ابْتِدَاء، فَإِنَّهُ شرع لقطع النِّكَاح، فَكَانَ شَرعه قبله عَبَثا، ويتأيد بِالتَّعْلِيقِ الْمُطلق، فَإِنَّهُم وافقوا على أَنه لَا يَقع، صورته: أَن يَقُول لأجنبية: إِن دخلت الدَّار، فَأَنت طَالِق، وَإِنَّمَا لم يَصح لانْتِفَاء الْملك وَإِلَّا هُوَ أهل الْإِيقَاع الطَّلَاق والصيغة مفيدة، وَلم يعْدم سوى الْولَايَة، وَإِن سلمنَا أَن التَّعْلِيق يَمِين لَكِن نقُول: شَرط صِحَّته كَونه فِي ملك، وَالْحَاصِل أَن وُقُوع الطَّلَاق مَبْنِيّ على انْعِقَاد الْيَمين وانعقاده مَشْرُوط بِكَوْن الطَّلَاق مَعْلُوم الْوُقُوع وَهُوَ مَحل النزاع. إِلْزَام لَو قَالَ لأجنبية: تَزَوَّجتك على ألف وطلقتك على مائَة فَقَالَت: تزوجت وَقبلت الطَّلَاق انْعَقَد التَّزْوِيج وَلم يَقع الطَّلَاق، والخصم يَدعِي ملك التَّعْلِيق قبل النِّكَاح فَهُوَ المطالب بِالْحجَّةِ.
والحرف: أَن عندنَا التَّصَرُّف فِي الطَّلَاق دون ملكه لَا يتَصَوَّر، وَعِنْدهم التَّعْلِيق لَيْسَ طَلَاقا فِي الْحَال، وَإِنَّمَا يصير طَلَاقا عِنْد وجود الصّفة.
(4/199)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رند.)

الْجمع بَين الطلقات.
الْمَذْهَب: مُبَاح وَالْأولَى التدرج فِيهِنَّ.
عِنْدهم: بِدعَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ} ، وَقَوله تَعَالَى: {فطلقوهن لعدتهن} ، وَقَوله تَعَالَى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يغن اللَّهِ كلا من سعته} كَمَا قَالَ: {فانكحوا} .
لَهُم:
قيل للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: إِن فلَانا طلق زَوجته ألفا، فَقَالَ: بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاث فِي مَعْصِيّة اللَّهِ "، وطلق رجل زَوجته بَين يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَغَضب، وَقَالَ: " أَتَلْعَبُونَ بِكِتَاب اللَّهِ! "، وَقَالَ: " تزوجوا وَلَا تطلقوا، فَإِنَّهُ يَهْتَز
(4/200)

لَهُ عرش الرَّحْمَن "، " وَأبْغض الْمُبَاحَات إِلَى اللَّهِ الطَّلَاق "، وَقَالَ تَعَالَى: {الطَّلَاق مَرَّتَانِ ... ... ... ... .} الْآيَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الطلقات الثَّلَاث مَمْلُوكَة ومشروعة، فَلم يكره إيقاعها جملَة كَطَلَاق الْأَرْبَع نسْوَة، دَلِيل المشروعية الْآيَات، ونقول: طلقات جَازَ تفريقها على الْأَقْرَاء فَجَاز تفريقها على أَيَّام قرء وَاحِد كطلقات أَربع نسْوَة، وَتَقْرِيره أَن الْملك دَلِيل الْإِبَاحَة.
لَهُم:
أصل الطَّلَاق مَحْظُور بِدَلِيل الْآثَار المروية وَهُوَ نَظِير النِّكَاح الْمُسْتَحبّ فَكَانَ مَكْرُوها والواحدة رخص فِيهَا فبقينا فِي الزَّائِد على الأَصْل، وَكَون الشَّرْع شرع الطَّلَاق سَببا ورتب عَلَيْهِ حكما لَا يدل على حلّه بِدَلِيل الزِّنَى وَالسَّرِقَة وَالظِّهَار، فَإِنَّهُ نصبها أسبابا للْأَحْكَام وَهِي مُحرمَة.
مَالك: ف.
(4/201)

أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
يدلون على كَرَاهِيَة الطَّلَاق بِتَحْرِيمِهِ فِي زمَان الْحيض وَالطُّهْر الَّذِي جَامعهَا فِيهِ إِذْ الْحيض زمَان النفرة وَالطُّهْر الَّذِي جَامعهَا فِيهِ زمَان فتور الشَّهْوَة والطلقة الْوَاحِدَة تحقق الْخَلَاص، وَالزَّائِد عَلَيْهَا وَاقع فِي مَحل الِاسْتِغْنَاء. الْجَواب: نعم الطَّلَاق على خلاف قِيَاس النِّكَاح وَلَكِن النِّكَاح على خلاف الأَصْل لِأَن الْحُرِّيَّة فِي الْمحل تأباه، فَكَانَ الطَّلَاق ردا إِلَى الأَصْل كالعتاق فِي ملك الْيَمين، نعم يتَقرَّب بالعتاق؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاط لمحض حق العَبْد وَالطَّلَاق لَا يتَقرَّب بِهِ، فَإِن النِّكَاح يتَعَلَّق بِحَق الشَّرْع وَالنَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام طلق عِنْد الْحَاجة، ويتأيد بتكميل الْمبعض وتأبيد الموقت وَتَصْحِيح الْمُعَلق والمبهم وكل هَذَا يُنَاقض مَا قرروه، والأسباب تَنْقَسِم إِلَى مَا شرع للعباد وَإِلَى مَا شرع عَلَيْهِم، ويتبين ذَلِك فِي الثمرات، فَإِن الْحَد مِمَّا شرع للعباد عَلَيْهِم، وَالْملك فِي البيع مِمَّا شرع سَببه لَهُم، وَبِالْجُمْلَةِ شرع الطَّلَاق عندنَا شرع العزائم كَالْبيع، وَعِنْدهم شرع على منهاج الرُّخص.
(4/202)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رنه.)

الْكِنَايَات هَل تقطع الرّجْعَة؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: تقطع بقوله: اعْتدي واستبرئي رَحِمك وَأَنت وَاحِدَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... .
(4/203)

لَهُم: ... ... ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَاقِع بِالْكِنَايَةِ طَلَاق، وَحكم الطَّلَاق الرّجْعَة دَلِيل الدَّعْوَى أَن عندنَا الْجِهَة فِي رفع النِّكَاح الطَّلَاق، وَعِنْدهم: الطَّلَاق أُبِيح للْحَاجة ويندفع بِلَفْظِهِ، وَالْوَاقِع طَلَاق بِدَلِيل أَنه ينتقص بِهِ الْعدَد فقد وجد سَبَب حق الرّجْعَة بِشَرْطِهِ سليما عَن معَارض، فَيجب إثْبَاته؛ لِأَن سَببهَا النِّكَاح المتأكد لما فِيهِ من الألفة.
لَهُم:
الزَّوْج يملك الْإِبَانَة، وَالْمحل يقبلهَا، وَله أَهْلِيَّة التَّصَرُّف بِالْعقلِ وَالْبُلُوغ فصح كَمَا لَو كَانَ قبل الْمَسِيس وَبعد الْعدة، وبالخلع أَيْضا يملكهَا، وَلَا نظر إِلَى المعوض فِي تمْلِيك مَا لَيْسَ لَهُ، وَالْمعْنَى أَنه مَالك للنِّكَاح، فَملك إِسْقَاطه.
مَالك: الْكِنَايَات الظَّاهِرَة يَقع بهَا الثَّلَاث.
(4/204)

أَحْمد: الْكِنَايَات الظَّاهِرَة ثَلَاث وَإِن نوى وَاحِدَة، والخفية يَقع بهَا مَا نوى.
التكملة:
انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن الرّجْعَة لَا تَنْقَطِع بقوله: أَنْت طَالِق وَلَا تحصل الْبَيْنُونَة، فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ ذَلِك من حَيْثُ أَن الْبَيْنُونَة غير مَمْلُوكَة لَهُ أَو من حَيْثُ أَن اللَّفْظ قَاصِر، وَلَا قُصُور فِي اللَّفْظ بِدَلِيل حُصُولهَا بِمُجَرَّد الطَّلَاق قبل الْمَسِيس وإنباء اللَّفْظ عَن مَوْضُوعه فِي اللِّسَان لَا تخْتَلف بالمسيس وَعَدَمه، وأدل الْأَلْفَاظ على مضادة النِّكَاح الطَّلَاق، ونمنع أَن الْقيَاس يَقْتَضِي انْقِطَاع الرّجْعَة بعد الطَّلَاق، ونفرق بَين الطَّلَاق وَالْعِتْق وَالْإِبْرَاء بِكَوْن الشَّرْع يتشوف إِلَى الْعتْق وَأَمْثَاله وَلَا يتشوف إِلَى الطَّلَاق لَكِن إِلَى ضِدّه، ويلزمهم مَا سلموه من الْكِنَايَات الثَّلَاث ونعتذر
(4/205)

عَمَّا قبل الْمَسِيس بِكَوْن النِّكَاح مَا تَأَكد، ونعتذر عَن الْخلْع بِأَنا لَو جَوَّزنَا لَهُ الرُّجُوع أضررنا بِالْمَرْأَةِ، وَلَا نسلم أَن الصَّادِر إبانة بل طَلَاق، بَيَانه: أَن اللَّفْظ إِذا جعل كِنَايَة عَن غَيره فالمذكور حَقِيقَة هُوَ الْمَنوِي المكنى عَنهُ دون الملفوظ فَإِن من نَادَى آدَمِيًّا بليدا يَا حمَار كَانَ المنادى الْآدَمِيّ، يدل عَلَيْهِ أَن نِيَّة الطَّلَاق لَا بُد مِنْهَا فَإِذا تبين أَن الْوَاقِع طَلَاق ثمَّ الرّجْعَة عَقِيبه مجمع عَلَيْهَا، وَلَا يعنيهم الاسترواح إِلَى لفظ الْإِبَانَة.
والحرف: أَن عندنَا الْإِبَانَة بعد الْمَسِيس غير مَمْلُوكَة لَهُ بِغَيْر عوض وَلَا اسْتِيفَاء عدد، وَعِنْدهم: هِيَ مَمْلُوكَة.
(4/206)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/207)

(لوحة 63 من المخطوطة أ:)
إِذا كتب بِالطَّلَاق فَإِن تلفظ بِهِ وَقع، وَإِن تلفظ بِهِ وَلم ينْو لم يَقع خلافًا لِأَحْمَد؛ لِأَن (الْكِتَابَة تحْتَمل) تجويد الْخط وتجربة الْقَلَم، وَإِذا كتب أَنْت طَالِق ثمَّ استمد وَكتب إِذا وصل إِلَيْك كتابي نظرت، فَإِن فعل ذَلِك لِحَاجَتِهِ إِلَى الاستمداد لم يَقع الطَّلَاق إِلَّا بوصول الْكتاب، وَإِن فعل ذَلِك من غير حَاجَة وَقع الطَّلَاق فِي الْحَال، وَلم يتَعَلَّق بِالشّرطِ، وَهَذَا مثل أَن يَقُول: أَنْت طَالِق ثمَّ يسكت ثمَّ يَقُول: إِن دخلت الدَّار، فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّق بِالشّرطِ، وَلَو سكت لانْقِطَاع نَفسه ثمَّ ذكر الشَّرْط تعلق بِهِ، وَاعْلَم أَن من أصل الشَّافِعِي أَن كل قبُول فِي تمْلِيك، فَإِنَّمَا هُوَ على الْفَوْر، وَاعْلَم أَنه إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا وَقع الثَّلَاث لِأَن من شَرط الْمُسْتَثْنى أَن يبْقى بعده شَيْء من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق أول آخر الشَّهْر قيل: يَقع فِي السَّادِس عشر، وَقيل: أول الْيَوْم الْأَخير، إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق فِي شهر قبل مَا بعد قبله رَمَضَان، الْأَظْهر أَنه شَوَّال؛ لِأَنَّهُ أوقع الطَّلَاق فِي شهر وَصفه بِأَن قَالَ: قبل مَا بعد قبله رَمَضَان، ذَلِك يَقْتَضِي أَن قبله
(4/208)

رَمَضَان لِأَن مَا بعد قبل الشَّهْر هُوَ الشَّهْر نَفسه وَقَبله رَمَضَان.
وَإِذ قَالَ: إِذا طَلقتك فَأَنت طَالِق وَقع طَلْقَتَانِ.
مَسْأَلَة: إِذا قَالَ لَهَا فِي حَال الْغَضَب كِنَايَة من كنايات الطَّلَاق لم يَقع حَتَّى يَنْوِي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يَقع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع من غير نِيَّة وَهِي: اخْتَارِي، واعتدى، وأمرك بِيَدِك، لنا: أَن كل لفظ فِي الرِّضَا مَعْنَاهُ مَعْنَاهُ فِي الْغَضَب، وَلَا نظر إِلَى الْحَال يَقْتَضِي الشتم، فَإِن الْكِنَايَات الَّتِي سلموها تصلح للسبب.
مَسْأَلَة: إِذا قَالَ: أَنْت بَائِن وَنوى طَلْقَتَيْنِ وَقع خلافًا لَهُم؟
لنا: أَن من ملك إِيقَاع طَلْقَتَيْنِ ملك إيقاعهما بقوله: أَنْت بَائِن كَالْحرِّ تَحْتَهُ أمة، قَوْلهم: إِن هَذَا اللَّفْظ غير مُحْتَمل للعدد، وَإِنَّمَا أوقعنا الثَّلَاث لِأَن الثَّلَاث إِحْدَى البينونتين وَاللَّفْظ مُحْتَمل لَهَا فأوقعناها من طَرِيق الْمَعْنى لَا من طَرِيق الْعدَد، لَا يَصح؛ لِأَن لفظ بَائِن يحْتَمل مَا يُفَسر بِهِ.
(4/209)

مَسْأَلَة: إِذا قَالَ: إِذا لم أطلقك فَأَنت طَالِق فَمضى زمَان يُمكنهُ أَن يطلقهَا فِيهِ فَلم يُطلق وَقع عَلَيْهَا الطَّلَاق.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ على التَّرَاخِي إِلَى الْمَوْت، وَالشَّافِعِيّ ينظر إِلَى أَن إِذا ظرف زمَان فَهِيَ مثل مَتى، وَأَبُو حنيفَة ينظر إِلَى احتمالها للشّرط فَهِيَ عِنْده مثل (أَن وَقد تجازى) بمتى، قَالَ الشَّاعِر:
(مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره ... تَجِد خير نَار عِنْدهَا خير موقد)

وَللَّه در الْقَائِل: تِلْكَ نَار مُوسَى.
مَسْأَلَة: إِذا قَالَ لامْرَأَته: أَنْت عَليّ حرَام وَنوى تَحْرِيمهَا بِغَيْر طَلَاق لَزِمته كَفَّارَة يَمِين، وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ ذَلِك لأمته، قَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ يَمِين يصير بهَا موليا من زَوجته حَالفا فِي أمته، لنا أَنه كِنَايَة فِي الطَّلَاق فَلَا تَنْعَقِد بهَا الْيَمين بِاللَّه تَعَالَى كَسَائِر الْكِنَايَات، وَتعلق الْكَفَّارَة بهَا لَا يلْزم،
(4/210)

فَإِن الْكَفَّارَة تتَعَلَّق عِنْدهم بِالْحِنْثِ لَا بِاللَّفْظِ.
مَسْأَلَة: إِذا قَالَ: هَذَا الطَّعَام عَليّ حرَام لم (يتَعَلَّق بِهِ شَيْء، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ يَمِين يتَعَلَّق بِالْحِنْثِ بهَا الْكَفَّارَة، لنا: أَنه لفظ لم يذكر فِيهِ اسْم اللَّهِ تَعَالَى فَلم يكن يَمِينا) .
(4/211)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رنو)

أيصح اسْتِعْمَال الطَّلَاق وكناياته فِي الْعتاق؟ .
الْمَذْهَب: نعم.
عِنْدهم: لَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... .
لَهُم: ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(نوى بِلَفْظ يحْتَملهُ فَيَقَع مَا نوى كاستعمال الْعتاق فِي الطَّلَاق)
(4/212)

وَتَقْرِيره أَن الْملك قيد فِي الْمحل، وَحجر على الْمَمْلُوك (وَالطَّلَاق يشْعر بِإِسْقَاط ملك الْيَمين) ، وَالطَّلَاق يسْقط بِإِسْقَاط الْحجر، وَالطَّلَاق إِسْقَاط ملك النِّكَاح، وَاسْتِعْمَال الْمسْقط فِي مَحل قَابل للسقوط من أقرب وُجُوه الْمجَاز.
لَهُم:
شَرط تَصْحِيح الْمجَاز هُوَ الِاتِّصَال بَين اللَّفْظَيْنِ والمقاربة فِي الْمَعْنى الْخَاص وَقد انْتهى من الطَّلَاق وَالْعتاق لُغَة وَشرعا، فَإِن حكم اللَّفْظَيْنِ شرعا مدلولهما لُغَة وَالرّق ضعف وَالْعِتْق قُوَّة، عتق الطَّائِر إِذا كبر وَنبت جنَاحه، وثوب رَقِيق: أَي ضَعِيف النسج، وَمعنى الطَّلَاق غير ذَلِك.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
نسلم أَن النِّكَاح رق، وَأَن الطَّلَاق حل، أما خيالهم فِي ملك الْيَمين أَنه
(4/213)

يعْتَمد ضعفا فِي الْمحل وَالْعِتْق يحدث قُوَّة فَهُوَ بَاطِل، فَإِن، عِلّة الِاسْتِقْلَال فِي الْمَوْضِعَيْنِ هِيَ الإنسانية وَالْملك فِيهَا على خلاف الأَصْل، وَعند الزَّوَال يظْهر الِاسْتِقْلَال بِالْعِلَّةِ الْأَصْلِيَّة، ودعواهم أَن الشَّرْع أبطل فِي الرَّقِيق ثَمَرَة الإنسانية والحقه بالبهائم مصادم للْإِجْمَاع، فَإِنَّهُ أهل الْعِبَادَات، وَله مالكية النِّكَاح وَالْيَمِين حَتَّى يَصح مِنْهُم إنْشَاء التمليكات كلهَا، نعم لَا يسْتَقلّ الْملك عَلَيْهِ فَتَلقاهُ السَّيِّد لمَانع الرّقّ، وَعِنْدنَا يتَمَلَّك الْمولى، نعم. يفترقان فِي أَمريْن: أَحدهمَا أَن ملك الْيَمين يثبت إلزاما من الشَّرْع وَملك النِّكَاح بِالْتِزَام من الْمَرْأَة وَهَذَا لَا يُغير حَقِيقَة الشَّيْء، وَالْآخر أَن العَبْد فِي ملك الْيَمين أَعم ليحصل مَقْصُود الْملك بِخِلَاف النِّكَاح، فَإِن حق الزَّوْج (فضل بِهَذَا الْقدر من العَبْد) ، وَإِذا تبين أَن الْملكَيْنِ على خلاف الأَصْل فيستثنى فِي كل وَاحِد من الأَصْل بِقدر الْحَاجة.
(4/214)

(الصفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/215)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رنز.)

إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق وَنوى عددا.
الْمَذْهَب: وَقع.
عِنْدهم: تقع وَاحِدَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ...
لَهُم: ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
نوى بِلَفْظِهِ مَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ فَصحت نِيَّته كنية الثَّلَاث فِي قَوْله: أَنْت
(4/216)

بَائِن، ونقول: الطَّلَاق فعل يفْتَقر إِلَى فَاعل ومفعول بِهِ، وَالْكل مُجمل يحسن الاستفسار عَنهُ إِن لم يذكر، فَإِذا ثَبت الْإِجْمَال، وَهُوَ مُحْتَمل للعدد صَحَّ بِالنِّيَّةِ.
لَهُم:
قَوْله: أَنْت طَالِق وصف الْمَرْأَة بِصفة، والذات الموصوفة متحدة فتتحد الصّفة الْقَائِمَة بهَا، فَكَانَت نِيَّته لَغوا وَقد نوى مَا لَا يحْتَملهُ لَفظه فَبَطل كَمَا لَو قَالَ: اسْقِنِي وَنوى الطَّلَاق.
مَالك: ... ... ... ... . .
أَحْمد: خَالف إِلَّا أَن يَقُول: أَنْت طَالِق للسّنة أَو طَلِّقِي نَفسك، فَإِنَّهُ إِذا نوى الثَّلَاث وَقعت.
التكملة:
حَقِيقَة الْمَسْأَلَة يَتَّضِح بالبحث عَن وَجه تَأْثِير النِّيَّة فِي اللَّفْظ، وَلَا أثر لَهَا إِلَّا فِي تعْيين أحد الِاحْتِمَالَات سَوَاء كَانَت متقابلة كاللفظ الْمُشْتَرك أَو كَانَ
(4/217)

(أَحدهَا) أظهر مَعَ التأويلات، أما اللَّفْظ النَّص لَا تعْمل فِيهِ النِّيَّة، نعم رُبمَا يقْتَرن بِالْفَظِّ احتمالات لمعان لَازِمَة كالزمان وَالْمَكَان (فالنية إِلَى الصَّلَاة) وَالصَّوْم وَسَائِر الْأَفْعَال، فَلَو نوى بعض الْأَزْمِنَة بِلَفْظ الْفِعْل مَا وَقع فمعتقد الْخصم أَن الطلقات الَّتِي يَنْوِي عَددهَا لَازم اللَّفْظ، وَنحن نعتقدها مَدْلُول اللَّفْظ، ويلزمهم إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق وَأَشَارَ بأصابعه الثَّلَاث، فَإِنَّهُ يَقع وَلَو لم يكن مَدْلُول اللَّفْظ مَا وَقع بِالْإِشَارَةِ، ويلزمهم مَا لَو قَالَ لوَكِيله: طلق زَوْجَتي وَنوى الثَّلَاث فَقَالَ الْوَكِيل: طلقت، فَإِنَّهُ يَقع الثَّلَاث وَهَذَا لَا جَوَاب عَنهُ، ويلزمهم إِذا قَالَ: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ يَقع، وَقَوله: " ثَلَاثًا " تَفْسِير لشَيْء لأَجله كَانَ مَنْصُوبًا.
(4/218)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(4/219)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رنح)

إِذا قَالَ: أَنا مِنْك طَالِق وَنوى الطَّلَاق.
الْمَذْهَب: وَقع.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {فانكحوا مَا طَابَ لكم} ، وَقَالَ: {حَتَّى تنْكح زوجا غَيره} ، وَقَالَ: {فَلَا تعضلوهن أَن ينكحن} ، وَجه الدَّلِيل: تسميتهما متناكحين فَالْحكم يعمهما فَحكم الطَّلَاق أَيْضا يعمهما.
لَهُم: ... ... ... ... .
(4/220)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الطَّلَاق وَاقع بِكُل لفظ مُحْتَمل وَهَذَا مُحْتَمل وَلَا يتقاصر عَن قَوْله: اعْتدى أَو الحقي بأهلك، فَإِنَّهُ عبر بِالسَّبَبِ عَن الْمُسَبّب وَهَاهُنَا قد صرح (فَإِن عَلَيْهِ) بِالنِّكَاحِ نوع تكلّف وحجرا لحقها فَحسن أَن يَقُول: أَنا مِنْك طَالِق.
لَهُم:
تصرف أَخطَأ مَحَله فلغا، ذَلِك لِأَن الرجل لَيْسَ محلا للنِّكَاح فَإِن النِّكَاح رق، وَله الْحَبْس وَالْمَنْع.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
المُرَاد بِالطَّلَاق الْخَلَاص الْعرفِيّ فَهُوَ كَقَوْلِه: أَنا مِنْك باين، وَهَذَا لَازم
(4/221)

لَهُم، وَجَمِيع مَا سلموه من قَوْله: اعْتدى والحقي بأهلك لَيْسَ من ضَرُورَة الطَّلَاق، فَإِن ألزمونا إِذا قَالَ لزوجته: أَنا مِنْك حر فَفِيهِ لنا منع، فَنَقُول: يَقع الطَّلَاق مَعَ النِّيَّة، فَإِن ألزمونا إِذا قَالَ: أحللت أختك، فَالْجَوَاب: أَن هَذِه الْمَسْأَلَة غير منصوصة فَنَقُول: يَقع الطَّلَاق حملا على قَوْله: اعْتدي، وكل مَا يذكرُونَهُ من هَذِه الْمسَائِل نُشبههُ بالمسائل الَّتِي اجْتَمَعنَا عَلَيْهَا، فَإِن فرقوا بَينهَا فرقنا، وَبِالْجُمْلَةِ نطالبهم بِالْفرقِ بَينهَا وَبَين قَوْله: اعْتدي، ونفرق بِمَا يفرقون بِهِ، وَكَونهَا فِي حَبسه لَا يدل على ملك كَمَا أَنه فِي حبس الزَّوْجَات الْأَرْبَع عَن خَامِسَة وَفِي حبس زَوجته عَن أُخْتهَا.
(4/222)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رنط.)

إِضَافَة الطَّلَاق إِلَى جُزْء معِين.
الْمَذْهَب: وَقع وسرى.
عِنْدهم: لَا إِلَّا أَن يضيفه إِلَى الْوَجْه وَالرَّأْس والرقبة والفرج.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... . .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فطلقوهن} وَجه الدَّلِيل: أَن الْمُضمر هُوَ جمَاعَة النِّسَاء لَا لأجزائهن، فَإِنَّهَا تَابِعَة فأصالة الطَّلَاق فِيهَا لَا يجوز.
(4/223)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَحل النِّكَاح، فَكَانَ مَحل الطَّلَاق كالوجه وَالرَّأْس، لِأَن الْمَرْأَة مَحل فأجزاؤها مَحل، وَالْبَعْض فِي مَحل الطَّلَاق كالبعض فِي الطَّلَاق، وَبَعض الطَّلَاق كل، كَذَلِك بعض الْمحل كل فِي محلية الْوَاقِع وَصَارَ كالجزء الشَّائِع.
لَهُم:
الْيَد لَيست محلا للطَّلَاق فلغت، بَيَانه: أَنَّهَا لَيست محلا للنِّكَاح وَإِنَّمَا مَحل النِّكَاح الْمَرْأَة.
مَالك:
أَحْمد: يَقع إِذا أضَاف إِلَى عُضْو لَا تبقى الْحَيَاة مَعَ انْفِصَاله.
التكملة:
كل جملَة لَا تتجزأ فِي حكم الطَّلَاق فَذكر بعضه كذكر كُله بِدَلِيل الزَّمَان وَالْمَكَان والجزء الشَّائِع، وَصورته أَن تَقول: أَنْت طَالِق فِي هَذَا
(4/224)

الشَّهْر فِي هَذِه الدَّار، أَو نصفك طَالِق أَو نصف طَلْقَة، ونقول: أَي فرق بَين أَن يَقُول: نصفك طَالِق أَو نصفك الْأَعْلَى طَالِق أَو الْأَسْفَل أَو الْأَيْسَر أَو الْأَيْمن؟ ! فَإِن سلمُوا فِي الْأَعْلَى والأسفل ترقينا فِي الْعشْر وَعشر الْعشْر وَيكون الْأَمر فِيهِ رَاجعا إِلَى حد الإصبع مثلا، فَإِن منعُوا إِذا قل الْجُزْء نطالبهم بالمرد، فَإِن قَالُوا: يكون من مَقَاصِد النِّكَاح والتناسل يلْزمهُم إِذا قَالَ: جَمِيع بدنك سوى فرجك، وأرشق صِيغَة فِي الْبَيَان أَن من قَالَ لزوجته: إِن مسستك فَأَنت طَالِق فمس يَدهَا طلقت إِجْمَاعًا فَنَقُول: إِن لم تكن الْيَد الممسوسة مِنْهَا، فَلَا يَقع الطَّلَاق الْمُعَلق عَلَيْهَا، وَإِن كَانَ مِنْهَا فليقع الطَّلَاق الْمُنجز الْمُضَاف إِلَيْهَا، فَإِن ألزمونا بَقَاء اسْم الْمَرْأَة بعد زَوَال الْيَد فَذَلِك لِأَن الِاسْم الْمَوْضُوع بِإِزَاءِ الْجُمْلَة فَصَارَ كالعسكر إِذا انْفَصل مِنْهُ عشرَة مثلا، فَإِن اسْم الْعَسْكَر بَاقٍ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ النَّفر (الْمُنْفَصِل جُزْءا) مِنْهُ.
(4/225)

(الْمَسْأَلَة السِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رس.)

طَلَاق الْمُكْره وعتاقه وَيَمِينه
الْمَذْهَب: لَا يَقع شَيْء من ذَلِك.
عِنْدهم: يَقع الْجَمِيع.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... . .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} وَقَوله تَعَالَى: {فَإِن طَلقهَا فَلَا تحل لَهُ من بعد} .
(4/226)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حق مَعْصُوم فَلَا يقطع بِسَبَب من الْمُسْتَحق كرها كحق الشُّفْعَة، لِأَن عصمَة الْملك وحرمته تَقْتَضِي إبْقَاء ملكه لَهُ مَا دَامَ يُؤثر بَقَاؤُهُ وَالْمعْنَى جلي فِي الْمُنَاسبَة؛ لِأَنَّهُ يتم بِهِ حسم مَادَّة الظُّلم وَالْملك الْمَعْصُوم لَا يَنْقَطِع إِلَّا بِسَبَب صادر مِنْهُ مُضَاف إِلَيْهِ من وَجه (وَإِلَى الْمُكْره من وَجه) .
لَهُم:
طَلَاق صدر من أَهله تَحت ولَايَته فنفذ كَطَلَاق الهازل لِأَن التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة أَسبَاب الْأَحْكَام على وزان التَّصَرُّفَات الحسية بِالنِّسْبَةِ إِلَى آثارها، وَفِي اعْتِبَار قَول الْآدَمِيّ بَيَان شرفه وتميزه عَن غَيره من الْحَيَوَان سِيمَا وَهَذِه التَّصَرُّفَات الْمُتَنَازع فِيهَا لم يشرع طَرِيق فَسخهَا وردهَا بِخِلَاف البيع وَالْإِجَارَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: وَافق وَقَالَ: الْوَعيد لَيْسَ بإكراه.
(4/227)

التكملة:
نسائلهم مَا يعنون باسم الطَّلَاق، أيعنون بِهِ الصِّيغَة اللُّغَوِيَّة، أم الصِّيغَة الْمُعْتَبرَة شرعا؟ أما اللَّفْظ اللّغَوِيّ فَمُسلم وجوده لَكِن لم قَالُوا: يَنْقَطِع النِّكَاح بِهِ والصيغة الشَّرْعِيَّة لم تُوجد والانعقاد وَالِاعْتِبَار وصفان شرعيان للفظ المحسوس ثمَّ الْمُعْتَبر المنعقد ينتهض سَببا ينصب الشَّرْع؟ وَبَيَان هَذِه الْأَلْفَاظ أَن الشَّارِع جعل البيع سَببا مثلا، وَالْبيع اسْم مَجْمُوع من حُرُوف انتظمت كلمة ثمَّ مَجْمُوع كَلِمَات انتظمت كلَاما فَلَا اجْتِمَاع لَهَا فِي الْجِنْس فاعتبار الشَّرْع مَعْنَاهُ إمْسَاك الْجُزْء الأول فِي تَقْرِيره، وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الْأَجْزَاء فتصرف الشَّرْع فِي كلمتي الْإِيجَاب وَالْقَبُول يرْبط إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى، وَمثل ذَلِك فِي الطَّلَاق يحْتَاج إِلَى الِاعْتِبَار
(4/228)

الشَّرْعِيّ فَمَا الدَّلِيل على الِاعْتِبَار؟ وَالشَّرْع يُرَاعِي الْمصَالح وَلَا مصلحَة فِي هَذَا.
(4/229)

(اللوحة 64 من المخطوطة أ:)

(قَالَ: مَتى وَقع عَلَيْك طَلَاقي فَأَنت طَالِق قبله ثَلَاثًا، اخْتلف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك؛ ذهب ابْن الْحداد والقفال وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب إِلَى أَنه وَقع عَلَيْهَا الطَّلَاق.
وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه يَقع الطَّلَاق الْمُبَاشر دون الْمُعَلق بِصفة، قَالَ ابْن الْقَاص: وَإِن طلق امْرَأَته بِصفة وَقع الطَّلَاق لمجيء الصّفة إِلَّا وَاحِد وَهُوَ إِذا قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق الْيَوْم ثَلَاثًا إِن طَلقتك غَدا وَاحِدَة (وَطَلقهَا غَدا وَاحِدَة) ، وَقعت دون الثَّلَاث وَحكي هَذَا عَن ابْن سُرَيج، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا: إِذا طَلقتك فَأَنت طَالِق أُخْرَى قبل الَّتِي أوقعهَا عَلَيْك وَطَلقهَا وَقعت الَّتِي أوقعهَا وَلم تقع الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَو وَقعت لم تقع هَذِه الَّتِي أوقعهَا، وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه يَقع الطَّلَاق الْمُبَاشر وَتَمام الثَّلَاث من الْمُعَلق بِصفة وَبِه قَالَ الْخصم، فَأَما من قَالَ: لَا يَقع عَلَيْهَا طَلَاق أصلا تعلق بِأَنَّهُ إِن وَقع عَلَيْهَا مَا أوقعه وَجب أَن يَقع الطَّلَاق
(4/230)

الْمُعَلق بِهِ لِأَن الشَّرْط إِذا حصل وَجب حُصُول الْمَشْرُوط، وَإِذا وَقع قبله ثَلَاثًا لم يَقع مَا أوقعه؛ لِأَنَّهُ لَا يملك أَكثر من ثَلَاث، وَإِذا لم يَقع مَا أوقعه (لم يَقع) الثَّلَاث فإثبات هَذَا الطَّلَاق يُؤدى إِلَى نَفْيه فَلم يجز إثْبَاته وإيقاعه) ، قَالُوا: وَهَذَا مثل مَا قَالَه الشَّافِعِي: إِذا زوج الرجل عَبده من حرَّة بِصَدَاق ضمنه لَهَا ثمَّ بَاعهَا العَبْد بِالصَّدَاقِ قبل الدُّخُول لم يَصح البيع؛ لِأَنَّهُ لَو صَحَّ ملكت زَوجهَا وَإِذا ملكته انْفَسَخ النِّكَاح وَإِذا انْفَسَخ سقط مهرهَا، لِأَن الْفَسْخ كَانَ من جِهَتهَا قبل الدُّخُول فَإِذا سقط الْمهْر بَطل البيع؛ لِأَنَّهُ هُوَ عرضه فأفسد البيع لِأَن ثُبُوته يُؤَدِّي إِلَى نَفْيه كَذَلِك هَاهُنَا، وَمن قَالَ: يَقع الْمُنجز خَاصَّة، قَالَ: الْمُنجز طَلَاق أوقعه على زَوجته وَهُوَ مِمَّن يملك الطَّلَاق فَوَقع، فَأَما الْمُعَلق بِهِ فإيقاعه يُؤَدِّي إِلَى نَفْيه وَنفي الْمُبَاشر، فَيجب أَلا يَقع وَيحسن أَن يعلق هَذَا الطَّلَاق على مَشِيئَة اللَّهِ تَعَالَى وَيَقُول: مَتى وَقع على امْرَأَتي طَلَاقي دون أَن أستخير اللَّهِ تَعَالَى، فَهِيَ طَالِق قبله ثَلَاثًا، وَإِذا قَالَ: أَنْت طَالِق إِن شَاءَ اللَّهِ وَقع فِي الْحَال بِخِلَاف إِن، وَإِذا قَالَ طَالِق مَرِيضَة لم يَقع إِلَّا إِذا مَرضت، لِأَن الْحَال بِمَنْزِلَة الظّرْف للْفِعْل فَلَا يَقع قبلهَا، وَلَو قَالَ: مَرِيضَة كَانَ كَمَا لَو نصب وَيكون لحنا، واللحن
(4/231)

لَا يُغير الْمَعْنى، قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ: إِن كَانَ نحويا وَقع الطَّلَاق فِي الْحَال لِأَن مَرِيضَة صفة لَهَا وَهَذَا غير صَحِيح لِأَن مَرِيضَة نكرَة وَهِي معرفَة، (وَإِذا قَالَ: أَنْت طَالِق 5 (5) الاج (3) قَالَ الطَّبَرِيّ: تطلق ج (3) وَجهه: أَن 5 لَا تكون طَلَاقا، وَإِنَّمَا يكون الْموقع مِنْهَا ج (3) فَإِذا اسْتثْنى (ج (3) فَإِن كَانَ اسْتثْنى الْجَمِيع، فَلم يَصح الِاسْتِثْنَاء وَوَقع الْموقع، قَالَ أَكثر الْأَصْحَاب: يَقع ب (2) ، وَلَو قَالَ: أَنْت طَالِق 5 الْأَب وَقع على قَول الطَّبَرِيّ ا) ، وَلَو) طَلقهَا فِي مرض مخوف وَقيل: قبل أَن يعافى لَا يَقع فِي أحد الْقَوْلَيْنِ.
(4/232)

(من مسَائِل الطَّلَاق)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رسا.)

إِذا طَلقهَا وَاحِدَة أَو ثِنْتَيْنِ ونكحت غَيره ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِنِكَاح جَدِيد.
الْمَذْهَب: كَانَ لَهُ عَلَيْهَا مَا بَقِي من الطلقات.
عِنْدهم: يملك عَلَيْهَا ثَلَاثًا كَمَا لَو نكحت غَيره بعد الثَّلَاث.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {الطَّلَاق مَرَّتَانِ ... ... .} الْآيَة، وَجه الدَّلِيل قَوْله: {فَإِن طَلقهَا فَلَا تحل لَهُ من بعد حَتَّى تنْكح زوجا غَيره} ، وَهَذَا مُطلق وَحَتَّى للغاية فَيَقْتَضِي مَا يكون لَهُ غَايَة (وَالَّذِي يكون لَهُ غَايَة التَّحْرِيم، وَلَا تَحْرِيم فِي الطَّلقَة الْوَاحِدَة) .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لعن اللَّهِ الْمُحَلّل والمحلل لَهُ} ، وَجه الدَّلِيل: أَنه
(4/233)

سَمَّاهُ محللا كالمبيض والمسود فَمن وجد وجد أَثَره.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يجد الزَّوْج الثَّانِي مَحل الْعَمَل، فَلَا يعْمل؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَة إِلَيْهِ، إِنَّمَا الْحَاجة عِنْد الثَّلَاث وَهِي مُطلقَة ثَلَاثًا، فَلَا تحل إِلَّا بعد الْإِصَابَة من زوج آخر كَمَا لَو لم يتَحَلَّل النِّكَاح، ذَلِك لِأَن الطلقات الثَّلَاث مَحْذُورَة لما فِيهِ من إيغار قلب الْمَرْأَة وفوات النِّكَاح الَّذِي هُوَ مُتَعَلق بالمقاصد.
لَهُم:
وجد الزَّوْج الثَّانِي مَحل عمله فَعمل، بَيَانه أَنه مُحَلل، وَإِثْبَات الْحل لَهُ أصل فِي الشَّرْع كالطلقات الثَّلَاث، فَإِن الزَّوْج رفع التَّحْرِيم، والمناسبة أَن هَذَا نوع تشف وزجر عَن الْإِتْيَان بِهَذَا الْفِعْل.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
قبل وَطْء الزَّوْج الثَّانِي لم يبْق لَهُ إِلَّا ملك الْبَاقِي، وَالْأَصْل اسْتِصْحَاب
(4/234)

الْحَال فِي الحكم إِلَى طريان مغير، والمغير هُوَ الْوَطْء، وَلَا يصير مغيرا إِلَّا بِجعْل الشَّرْع وَلَا يعرف ذَلِك إِلَّا بِنَصّ أَو قِيَاس على مَنْصُوص وَلَا نَص إِلَّا بعد ثَلَاث وَلم يفهم مِنْهُ التَّغْيِير بل فهم مِنْهُ كَونه غَايَة التَّحْرِيم كانتهاء تَحْرِيم الْوَطْء للصيام بِمُضِيِّ الْيَوْم، فَإِذا لم يكن تَحْرِيم لم يعقل انْتِهَاء، وَالْوَطْء لَا يُنَاسب التَّحْلِيل وَأي مُنَاسبَة بَين أَن يخالط زيد زَوجته فَتحل لعَمْرو، فَإِذا انْتَفَت الْمُنَاسبَة انْتَفَى التَّأْثِير فَبَقيَ غَايَة مَحْضَة، فَإِن قَالُوا: يُنَاسب لكَونه عُقُوبَة قُلْنَا: أَولا لَا يكون عُقُوبَة على مُبَاح فَإِن تَفْرِيق الطَّلَاق على الْأَقْرَاء هُوَ السّنة عِنْدهم، فَكيف يُعَاقب عَلَيْهَا؟ وهب أَنه عُقُوبَة، فَإِنَّمَا يكون عُقُوبَة بعد الثَّلَاث فَأَما قبلهَا فَلَا، وَصَارَ كَمَا لَو قطع يَد شخص ثمَّ سرق لَا يكون الْقطع الْمُتَقَدّم عُقُوبَة على السّرقَة الْمُتَأَخِّرَة، فَإِن الْعُقُوبَات لَا تتقدم على الجرائم.
(4/235)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/236)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رسب.)

بِمَاذَا تعْتَبر عدَّة الطَّلَاق؟ .
الْمَذْهَب: بِالرِّجَالِ وَالْحر يُطلق ثَلَاثًا وَإِن كَانَ تَحْتَهُ أمة.
عِنْدهم: بِالنسَاء.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الطَّلَاق بِالرِّجَالِ وَالْعدة بِالنسَاء "، ثمَّ قد وَفينَا فِي جَانب الْمَرْأَة بالعدة، فَيجب أَن نفي فِي جَانب الرجل بِالطَّلَاق. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " يُطلق العَبْد طَلْقَتَيْنِ وَتعْتَد الْمَرْأَة بقرءين ".
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " طَلَاق الْأمة ثِنْتَانِ، وعدتها حيضتان ".
(4/237)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ملك يخْتَلف بِالرّقِّ وَالْحريَّة فَاعْتبر فِيهِ جَانب الْمَالِك قِيَاسا على ملك النِّكَاح، فَإِن الْحر بِالْإِجْمَاع ينْكح أَرْبعا وَالْعَبْد اثْنَتَيْنِ، ذَلِك لِأَن الْحُرِّيَّة تشعر بِالْإِطْلَاقِ والتوسعة فِي الإملاك وَالرّق يُنبئ عَن الضّيق، وَالطَّلَاق شرع لحَاجَة الزَّوْج أصلا وعددا وَلذَلِك فوض إِلَيْهِ فيناسب أَن يعْتَبر فِيهِ جَانِبه كالقسم لما شرع لحاجتها اعْتبر جَانبهَا.
لَهُم:
الطَّلَاق لإِزَالَة الْحل والحل نعْمَة وكرامة إِذْ النِّكَاح يعتمده وَهُوَ عقد مصلحَة من الْجَانِبَيْنِ وحظ الرَّقِيق فِي النعم والكرامات دون حَظّ الْأَحْرَار فَكَانَ حَال الْأمة دون الْحرَّة وَلِهَذَا امْتنع نِكَاح الْأمة إِلَّا فِي حَال عدم الْحرَّة أَو طولهَا وتفاوتا فِي الْقسم وَالْعدة قَضَاء لحق الْحل الْمُقْتَضى لَا لصيانة المَاء بِدَلِيل عدَّة الْوَفَاء.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/238)

التكملة:
يَقُولُونَ فِي الزَّوْج إِذا كَانَ عبدا: إِنَّا مَا أهملناه بل وَفينَا بِحَق التنصيف فِي النِّكَاح، فَوَجَبَ أَن يكون فِي هَذَا النّصْف مثل الْحر، الْجَواب: عَن الْعدة أَن التَّعَبُّد فِيهَا غَالب حَتَّى وَجَبت مَعَ تَيَقّن الْبَرَاءَة فالتحقت بالتكاليف وَاعْتبر فِيهَا جَانب الْمُكَلف بهَا. ومنقولهم رَوَاهُ مظَاهر بن أسلم وَهُوَ مَتْرُوك، ثمَّ ننزله على الْأمة إِذا كَانَت عِنْد عبد وَهُوَ الْأَكْثَر وقوعا، وَمثل هَذَا مُتَعَيّن للْجَمِيع بَين الْأَحَادِيث المتعارضة.
(4/239)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رسج.)

المبتوتة فِي مرض الْمَوْت.
الْمَذْهَب: لَا تَرث فِي أصح الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: تَرث فِي الْعدة وَهُوَ القَوْل الآخر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
لَهُم:
رُوِيَ أَن عُثْمَان رَضِي اللَّهِ عَنهُ ورث زَوْجَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مِنْهُ، وَكَانَ طَلقهَا فِي مرض الْمَوْت، وَقَالَ: من فر من كتاب اللَّهِ رد إِلَيْهِ،
(4/240)

وانتشر هَذَا الْقَضَاء فِي الصَّحَابَة (فَكَانَ إِجْمَاعًا) .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يُوجد سَبَب الِاسْتِحْقَاق فَلَا يَرث كَمَا لَو انْقَضتْ الْعدة، وكطلاق الصِّحَّة لِأَن السَّبَب النِّكَاح، وَالطَّلَاق قَاطع وَلَا مَانع مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاح فِي الْمَرَض، فَلَو خلينا وَالْقِيَاس مَا جعلنَا النِّكَاح مورثا، فَإِن زمَان الْإِرْث بعد الْمَوْت وَلَا نِكَاح حينذ لَكِن الشَّرْع نَصبه سَببا يكون عِنْد نهايته وَهَاهُنَا قد انْقَطع.
لَهُم:
النِّكَاح قَائِم فِي حق الْإِرْث فَصَارَ كَمَا قبل الطَّلَاق، ذَلِك لِأَن حَقّهَا تعلق بِمَا لَهُ لِأَن الْمَرَض سَبَب التَّعَلُّق، فَإِذا طَلقهَا فقد رام إبِْطَال سَبَب حَقّهَا، فَلَا يَصح وَلَو عتق عَبده فِي مَرضه لم يَصح مُتَّهمًا فِي إبِْطَال حَقّهَا.
مَالك: ف.
أَحْمد: ف.
التكملة:
دَعوَاهُم الْإِجْمَاع لَا مطمع فِيهِ فَإِنَّهُ نقل عَن زيد بن ثَابت قَالَ: لَو كَانَ
(4/241)

الْأَمر إِلَيّ مَا ورثتها وَلَو سلم سكُوت الضِّدّ مَا كَانَ إِجْمَاعًا، فَإِن الحكم فِي مَوضِع الِاجْتِهَاد وَللْإِمَام أَن يجْتَهد، ثمَّ قد رُوِيَ أَنه كَانَ بعد انْقِضَاء الْعدة وَلَا يُمكن قِيَاس حَالَة الْبطلَان على حَالَة عَدمه، فَإِن تمّ لَهَا أَن تغسله وَلَا تغسله هَاهُنَا، ثمَّ الْإِرْث فِي مَحل الْإِجْمَاع على خلاف الْقيَاس فَكيف يُقَاس عَلَيْهِ؟ وَالْمُعْتَمد أَن سَبَب إرثها النِّكَاح، وَقد أثبت بِالطَّلَاق الثَّلَاث، وَلذَلِك انْقَطع إِرْث الزَّوْج مِنْهَا وَلم يبْق إِلَّا الْعدة وعلقتها لَا تصلح للتوريث بِدَلِيل حَالَة الصِّحَّة وَحَالَة سؤالها وبدليل جَانب الزَّوْج وَمَا تعلقوا بِهِ من التُّهْمَة لَا أثر لَهُ وَيبْطل بِمَا لَو طَلقهَا قبل الدُّخُول وَبِمَا بعد الْعدة وَبِمَا لَو كَانَ ابْن عَم مكاشح فتبنى لقيطا أَو نكح على زَوجته ثَلَاثًا أَو نفى وَلَده بِاللّعانِ، فَإِن كل ذَلِك نَافِذ مَعَ التُّهْمَة وَمنع الْعتاق وَالْهِبَة لَيْسَ لحق الْوَارِث بل لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لِأَن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة " وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف طلق زَوجته لسؤالها.
(4/242)

صفحة فارغة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(4/243)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رسد.)

بِمَاذَا تحصل الرّجْعَة.
الْمَذْهَب: بالْقَوْل فَقَط.
عِنْدهم: بِالْوَطْءِ أَو النّظر إِلَى الْفرج، ونزولها عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِم، ولمسه إِيَّاهَا بشهوه.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... .
لَهُم:
قَالَ اللَّهِ تبَارك وَتَعَالَى: {فإمساك بِمَعْرُوف} ، وَقَالَ تَعَالَى:
(4/244)

{وبعولتهن أَحَق بردهن} .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الرّجْعَة سَبَب يَقْتَضِي ملك الْبضْع، فَلَا يَصح بِغَيْر القَوْل كَالنِّكَاحِ، ولسنا نقيس سَببا بِسَبَب، بل ندعي أَن مَحل النزاع غير مَحل الْوِفَاق، ذَلِك لِأَن الطَّلَاق قَاطع حكم النِّكَاح وَالْوَطْء لَيْسَ بِمَثَابَة القَوْل، فَإِنَّهُ مُحْتَمل وَشرف الْبضْع (ينبي عَن تَرْبِيَته) على فعل مُحْتَمل وَيدل على أصل الْكَلَام أَن الْإِشْهَاد على الرّجْعَة مَأْمُور بِهِ إِيجَابا واستحبابا فَلَا شَهَادَة على الْوَطْء.
لَهُم:
الْمَأْمُور بِهِ الْإِمْسَاك، وَالْوَطْء إمْسَاك، فَإِن قَوْله: أَمْسَكت فِي حكم الْوَعْد، تَحْقِيقه بِالْفِعْلِ فاعتبار نفس الْفِعْل أولى، وَذَلِكَ لِأَن الطَّلَاق لَا يزِيل الْملك بل يفوت الْحل فَيفوت الْملك ضَرُورَة، ثمَّ لَو قُلْنَا: إِنَّه يزِيل الْملك فشرطه انْقِضَاء الْعدة وَالرَّجْعَة تمنع تَمام الِانْقِضَاء وَالسَّبَب دون شَرطه عدم فِي حق الحكم.
مَالك: إِن نوى بذلك الرّجْعَة حصلت.
(4/245)

أَحْمد: وَافق الْخصم.
التكملة:
نفرض فِي اللَّمْس ونقول: فعل من قَادر على القَوْل فَلَا تحصل بِهِ الرّجْعَة كالخلوة، مَعَ أَن الْخلْوَة على أصلهم نازلة منزلَة الْوَطْء فِي إِيجَاب الْعدة وَتَقْرِير الْمهْر، وَلَا شكّ فِي أَن لَهَا دلَالَة على الرّجْعَة كاللمس، أَو نفرض فِي نُزُولهَا عَلَيْهِ أَو نقُول: فعل مِمَّن لَا تحصل لَهُ الرّجْعَة بقوله فَلَا تُؤثر كاللمس من جِهَتهَا وَهُوَ نَائِم، قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه اللَّهِ: لَا نتبع إِلَّا اللَّفْظ الْمَوْضُوع للدلالة على الرِّضَا الَّذِي هُوَ نَص فِيهِ لَا يحْتَمل غَيره، فَإِن الْوَطْء مثلا يدل على إِرَادَة (الْوَطْء لَا إِرَادَة) النِّكَاح، أما إِذا أسلم عَن أُخْتَيْنِ فوطئ أَحدهمَا أَو أبهم الطَّلَاق وَالْعتاق ووطئ فَلَا نسلم فيهمَا.
وَاعْلَم أَن من مَذْهَبنَا أَن الرّجْعَة ابْتِدَاء حل (لَا اسْتِدَامَة حل) قَالَ الشَّافِعِي: وَلما لم يكن نِكَاح وَلَا طَلَاق إِلَّا بالْقَوْل لم تكن رَجْعَة إِلَّا
(4/246)

بالْقَوْل وَهَذَا تَنْبِيه على أَن الْفِعْل لَيْسَ فِي معنى القَوْل فِي الأبضاع لِأَن مبناها على الِاحْتِيَاط.
(4/247)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رسه.)

وَطْء الرَّجْعِيَّة.
الْمَذْهَب: حرَام.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ...
لَهُم: ... ... ... ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ملك العقد عَلَيْهِ سَبَب الزَّوَال، فَلَا يُفِيد حل الْوَطْء كالملك (فِي
(4/248)

الْمُكَاتبَة) ومنهاج إِثْبَات السَّبَبِيَّة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِد، فَإِن ملك النِّكَاح وَالْيَمِين يَنْقَطِع بعد الطَّلَاق وَالْكِتَابَة وَملك الْإِنْسَان لَا يَنْقَطِع إِلَّا بِسَبَب من جِهَته وَلم يصدر مِنْهُ سوى الطَّلَاق، وَالْأَصْل فِي الأبضاع الْحُرْمَة والحل عَارض بِخِلَاف الْأَمْوَال، وَلِهَذَا يطْلب فِي كل امْرَأَة دَلِيل الْحل وَفِي كل مَال دَلِيل الْحُرْمَة.
لَهُم:
بَقَاء الْملك دَلِيل بَقَاء الْحل، وَدَلِيل بَقَاء الْملك وُقُوع الطَّلَاق الثَّانِي وَلَا يجوز أَن يَدعِي زَوَال الْملك وَبَقَاء العقد، فَإِنَّهُمَا متلازمان وَلِهَذَا لم يَصح فِيهِ شَرط الْخِيَار الْمنَافِي للْملك وَيدل عَلَيْهِ ظِهَار الرَّجْعِيَّة، فَإِنَّهُ يَصح مَعَ أَن حكمه التَّحْرِيم، وَكَذَلِكَ قَوْله: " أَنْت عَليّ حرَام " ينْعَقد وَيُوجب الْكَفَّارَة، وَتَحْرِيم الْمُحرمَة محَال.
مَالك: ق.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
سلمُوا أَنه تحرم الْخلْوَة بهَا والمسافرة بهَا لَا على قصد الارتجاع، وَمهما حرمت الْخلْوَة فالوطء أولى؛ لِأَنَّهَا لأَجله تحرم، ونقول: الطَّلَاق فِي
(4/249)

الأَصْل ضد النِّكَاح، وَلَو كَانَت بعد الطَّلَاق كَمَا كَانَت قبله لما احتسب عَلَيْهَا بالعدة، لِأَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن الْعدة جعلت قَضَاء لحق النِّكَاح أَو الْوَطْء، فَلَا يَقع فِي صلب النِّكَاح، وَإِنَّمَا تقع بعد اختلاله، وَلذَلِك إِذا قَالَ: مهما استنقيت بَرَاءَة رَحِمك فَأَنت طَالِق، فَإِذا طلقت لَزِمَهَا الِاسْتِئْنَاف، وَإِذا أَبَانهَا وشرعت فِي الْعدة ثمَّ نَكَحَهَا انْقَطَعت الْعدة الْوَاقِعَة بعد الْبَيْنُونَة، حَتَّى لَو مَضَت بَقِيَّة الْمدَّة فِي صلب النِّكَاح وَطَلقهَا فِي النِّكَاح بعد الْمَسِيس يلْزمهَا العودة إِلَى الْعدة بعد الطَّلَاق وَمَا مضى فِي صلب النِّكَاح تَعْتَد بِهِ والرجعية عِنْدهم جَارِيَة فِي صلب النِّكَاح.
(4/250)

(اللوحة 65 من المخطوطة أ:)

إِذا وطئ الْمولي هَل تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة؟ قَولَانِ: الْجَدِيد تجب، وَبِه قَالَ الْعِرَاقِيّ، وَإِذا (طلبت الْمَرْأَة الْفَيْئَة) أَو الطَّلَاق لزمَه أَحدهمَا، فَإِن لم يفئ فَهَل يُطلق الْحَاكِم عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْقَدِيم: لَا يُطلق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يضيق عَلَيْهِ حَتَّى يُطلق، وَفِي الْجَدِيد: يُطلق عَلَيْهِ، وَالطَّلَاق الْوَاجِب على الْمولي رَجْعِيّ، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد خلافًا لَهُم، فَإِنَّهُم قَالُوا: يَقع بَائِنا بِانْقِضَاء الْعدة، إِذا قَالَ لزوجاته: وَالله لَا أقربكن، قيل: يكون موليا من الْجَمِيع، وَقيل: إِنَّمَا يكون موليا من الَّتِي تبقى أخيرا إِذا وطئ صواحبها، إِذا قَالَ: أَنْت عَليّ كأمي إِن أَرَادَ بِهِ التوقير لم يكن ظِهَارًا، وَكَذَا إِن قَالَ: مثل أُخْتِي فَإِن أَرَادَ التَّحْرِيم كَانَ ظِهَارًا، وَإِن أطلق لم يكن
(4/251)

ظِهَارًا، وَاعْلَم أَن الْكَفَّارَة تجب بالظهار، وَالْعود أَن يمْسِكهَا زَمَانا يُمكنهُ فِيهِ الطَّلَاق فَلَا: يطلقهَا، قَالَ مَالك، وَأحمد: الْعود: الْعَزْم على الْوَطْء. قَالَ أَبُو حنيفَة: الْكَفَّارَة شَرط إِبَاحَة الْوَطْء وَلَيْسَت وَاجِبَة عَلَيْهِ، فَإِن وطئ قبل أَن يكفر فقد فعل محرما، وَلم تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة وَيُقَال لَهُ: لَا يحل لَك الْوَطْء ثَانِيًا حَتَّى تكفر، وَجَاء فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ يعودون لما قَالُوا} ، يَعْنِي وَالَّذين كَانَت عَادَتهم أَن يَقُولُوا هَذَا القَوْل قطعوه بِالْإِسْلَامِ ثمَّ يعودون لمثله، وَجه آخر: ثمَّ يعودون لما قَالُوا بِمَعْنى يتداركون مَا قَالُوا كَمَا يُقَال: عَاد عنت على مَا أفسد أَي تَدَارُكه بالإصلاح.
" وَاعْلَم أَن من شَرط الْفَرْع أَلا يكون مَعْلُوم الحكم بِالنَّصِّ (فَإِنَّهُ إِذا علم بِالنَّصِّ) ، وعدينا إِلَيْهِ مَا يُخَالِفهُ لم يجز وَإِن عدينا إِلَيْهِ مَا يُوَافقهُ فَهُوَ عَبث، قَالُوا: فالرقبة مَنْصُوص عَلَيْهَا فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَكَفَّارَة الْقَتْل وَاسْتِعْمَال النصين من غير قِيَاس مُمكن فَلم قستم أَحدهمَا على الآخر؟
(4/252)

وَالْجَوَاب أَنا تعرضنا لحكم النَّص بالمنصوص عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ عَام فِيهِ، وَذَلِكَ جَائِز بَيَانه أَن قَوْله: {فَتَحْرِير رَقَبَة} لَيْسَ نصا فِي أَن الْإِيمَان لَا يشْتَرط لكنه يشْعر بِهِ لعُمُوم الصِّيغَة وَنحن عَرفْنَاهُ بِالْقِيَاسِ وحملنا الرَّقَبَة الْمُطلقَة على الرَّقَبَة السليمة بطرِيق التَّخْصِيص كَمَا حملنَا السَّارِق الْمُطلق على سَارِق النّصاب، وَمن شَرط الْفَرْع أَن تكون عِلّة الأَصْل بَائِنَة فِيهِ) ، وَمن شَرطه أَلا يتَقَدَّم فِي الثُّبُوت على الأَصْل مِثَاله: قِيَاس الْوضُوء على التَّيَمُّم مَعَ تَأَخّر التَّيَمُّم عَنهُ، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَنه لابد أَن يعْتَقد لافتقار الْوضُوء إِلَى النِّيَّة دلَالَة سوى التَّيَمُّم فتعضد تِلْكَ الدّلَالَة بِدلَالَة أُخْرَى، فَإِذا اعتقدنا عَلَيْهِ دَلِيلا لم يمْتَنع الِاسْتِدْلَال بِالتَّيَمُّمِ وَصَارَ كَمَا تبين أَن الْعَالم يدل على قدم الصَّانِع لَكِن لَيْسَ وجود الصَّانِع حَاصِلا بِهَذَا الدَّلِيل، وَمن شَرطه أَلا يُقَاس الْفَرْع بِالْأَصْلِ فِي التَّخْفِيف والتغليظ والثبوت والسقوط، وَالتَّحْقِيق أَنه مَتى كَانَت الْعلَّة الجامعة للفرع وَالْأَصْل مُنَاسبَة لم تنَلْ بالافتراق ".
(4/253)

(الْإِيلَاء وَالظِّهَار وَالْكَفَّارَة)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رشو.)

الْمولي.
الْمَذْهَب: بعد الْمدَّة يُوقف على الْفَيْئَة أَو الطَّلَاق.
عِنْدهم: يَقع الطَّلَاق بِمُضِيِّ الْمدَّة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى {للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر} وَجه الدَّلِيل: تسميه إِيلَاء لَا طَلَاقا، وَتَقْدِيره بالمدة فَمن جعله طَلَاقا فَعَلَيهِ الدَّلِيل.
لَهُم:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر} ، وَجه
(4/254)

الدَّلِيل: أَنه قدره بأَرْبعَة أشهر فَمن زَاد على مُدَّة التَّرَبُّص فقد زَاد على النَّص.
قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي اللَّهِ عَنْهُمَا: كَانَ الْإِيلَاء طَلَاق الْجَاهِلِيَّة فَزَاد الشَّرْع فِيهِ أَََجَلًا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حلف على منع حق من حُقُوق النِّكَاح، فَلَا يَنْقَطِع بِهِ نِكَاحه كالحلف على منع النَّفَقَة، وَفِي الصُّورَتَيْنِ الطَّلَاق لدفع الضَّرَر، وَإِنَّمَا قدر الشَّرْع الْمدَّة فِي الْإِيلَاء فَلَا تصرف فِيهِ.
لَهُم:
الطَّلَاق يزِيل الْملك فَيحرم الْوَطْء، وَالْيَمِين يحرم الْفِعْل فَجَاز أَن يقوم مقَامه، يدل عَلَيْهِ أَن من حلف لَا يطَأ أَجْنَبِيَّة ثمَّ نَكَحَهَا لم يكن إِيلَاء وَتحقّق الضَّرَر الَّذِي تخيلتم دَفعه لَا يخْتَلف بتقدم السَّبَب وتأخره كالعنة فَهُوَ طَلَاق وَالشَّرْع فسخ يُنجزهُ بالأجل ليَكُون مخلصا للزَّوْج وَكَذَلِكَ لَو حلف ثَلَاثَة أشهر (ثمَّ ثَلَاثَة أشهر) لم يكن إِيلَاء وَالضَّرَر قَائِم فَعرف كَونه طَلَاقا لَا ضَرَرا.
(4/255)

مَالك: وَافق القَوْل الْجَدِيد، وَقَالَ: الْحَالِف بِغَيْر اللَّهِ مول.
أَحْمد: إِن حلف بِغَيْر اللَّهِ لَا يكون موليا.
التكملة:
قَول ابْن عَبَّاس: حِكَايَة حكم الْجَاهِلِيَّة لَا يلْزم اتِّبَاعه، وَقَوله: زَاد فِيهِ أَََجَلًا حِكَايَة عَن اعْتِقَاده، وَذَلِكَ لَا يلْزمنَا، وَلَا نسلم أَن الْيَمين يحرم الْمَحْلُوف عَلَيْهِ أما اخْتِصَاص الْإِيلَاء بِالنِّكَاحِ، فَذَلِك لِأَن الْمَدْفُوع مضرَّة تحققت بالْقَوْل وَالْفِعْل جَمِيعًا، فَإِنَّهُ آذاها بِاللِّسَانِ ثمَّ بالامتناع، فَإِذا سبق القَوْل النِّكَاح لم يكن إِيذَاء بالْقَوْل وَدَلِيل اعْتِبَار القَوْل بالإيلاء أَنه بعد الْمدَّة (لَو عجز عَن الْوَطْء) ، وَفَاء بالْقَوْل صَحَّ، وَمَسْأَلَة الْإِيلَاء ثَلَاثَة أشهر مَمْنُوعَة، وعَلى التَّسْلِيم نقُول: الْمَشْرُوع هُوَ الطَّلَاق بعد أَرْبَعَة أشهر بِحكم الْيَمين السَّابِقَة فقد انْحَلَّت لثَلَاثَة أشهر وَالْيَمِين الثَّانِيَة لم تتمّ
(4/256)

مدَّتهَا، فَكَانَ غير الْمَشْرُوع لَا يبْقى إِلَّا أَن هَذَا إِذا اعْتبر صَار حِيلَة فِي المضارة وَالشَّرْع لم يحسم بَاب الْحِيَل كحيلة إِزَالَة الْملك فِي إِسْقَاط الزَّكَاة وحيل التَّخَلُّص من الزِّنَى وَإِسْقَاط الْقطع بانفراد أحد اللصين بالنقب وَذَلِكَ لِأَن الْقَوَاعِد بنيت على الْمَقَاصِد الْكُلية ثمَّ لَا تنفك قَاعِدَة من حِيلَة تَنْقَضِي بهَا عهدتها، وَبِالْجُمْلَةِ مستندنا إِلَى حَقِيقَة الْإِيلَاء وَصورته فَإِنَّهُ يَمِين وصيغته إِخْبَار عَن الانكفاف عَن الْفِعْل فَصَارَ كَمَا لَو أَضَافَهُ إِلَى إطعامه وَمن حَيْثُ الْمَعْنى إِيجَاب الْكَفَّارَة فِيهِ مَعَ الْحِنْث هَذَا ظَاهره وباطنه، فَمن ادّعى كَونه طَلَاقا فَعَلَيهِ الدَّلِيل.
(4/257)

(الصفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
(4/258)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رسز.)

ظِهَار الذِّمِّيّ.
الْمَذْهَب: صَحِيح.
عِنْدهم: لَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا} .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي صَخْر البياضي حِين ظَاهر ثمَّ وطئ:
(4/259)

" اسْتغْفر رَبك وَلَا تعد حَتَّى تكفر "، وَجه الدَّلِيل أَن حكم الظِّهَار حُرْمَة مُؤَقَّتَة فَلَو صححناها من الْكَافِر كَانَت الْحُرْمَة غير مُؤَقَّتَة لِأَن الْكَفَّارَة لَا تصح مِنْهُ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
التَّحْرِيم لَا يصلح حكما للظهار؛ لِأَنَّهُ تَحْقِيق غَرَض الْمظَاهر، وَالْكَفَّارَة أَيْضا لَا تصلح؛ لِأَنَّهَا ماحية لَهُ، وَالْحكم لَا يمحو السَّبَب، فَحكمه إِذا التأثيم وَالْكَفَّارَة شَرط حل الْوَطْء، وَنسبَة الْكَفَّارَة إِلَى الظِّهَار نِسْبَة التَّوْبَة إِلَى الذَّنب، وَالْكَافِر أهل أَن يَأْثَم وَلَا يُنَافِي حَاله اشْتِرَاط الْكَفَّارَة كاشتراط الشَّهَادَة فِي نِكَاحه.
لَهُم:
الْكَفَّارَة عبَادَة، وَهِي حكم الظِّهَار، وَالْكَافِر لَيْسَ أَهلا لِلْعِبَادَةِ، دَلِيل كَونهَا عبَادَة بأدائها بِالصَّوْمِ بَدَلا من الْعتْق ومبدلا عَن الْإِطْعَام وَالشَّيْء لَا يَخْلُو عَنهُ بدله ومبدله ويفتقر إِلَى نِيَّة ويعقب بالثواب ومحو الْإِثْم ويفوض أَدَاؤُهَا إِلَى الْمُكَلف والعقوبات يستوفيها السُّلْطَان.
(4/260)

مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْوُجُوب يتلَقَّى من خطاب الْإِيجَاب لكَونه تكليفا، والشروط والأسباب تتلقى من خطاب الْوَضع بقصور أحد الخطابين عَن الْكَافِر لَا يبْقى سَببه وَهُوَ الْإِسْلَام لَا يقتضى قُصُور الْخطاب الآخر عَنهُ، فالكفارة وَاجِبَة على الْمُسلم بِإِسْلَامِهِ عِنْد ظِهَاره وَهِي مَشْرُوطَة فِي حل وَطئه وهما حكمان من جِهَتَيْنِ وَالْكَافِر يثبت فِي حَقه بِأحد الْحكمَيْنِ وَهُوَ الِاشْتِرَاط فَصَارَ كنصب البيع وَنصب الشَّهَادَة فِي النِّكَاح وَجَمِيع مَا حققوه من متشابه الْعِبَادَات مَوْجُودَة فِي كَفَّارَة الْفطر وَقد قضوا بِأَنَّهَا عُقُوبَة حَتَّى أسقطوها بِالشُّبُهَاتِ، فَلم يوجبوا على الْمُفطر أَيَّامًا إِلَّا كَفَّارَة وَاحِد ونفوها عَمَّن جَامع فِي صدر النَّهَار ثمَّ مرض أَو سَافر فِي آخِره ثمَّ الْكَفَّارَة قسم بِنَفسِهَا لَا عُقُوبَة وَلَا عبَادَة، لِأَن الْعِبَادَة مَا وَجب ابْتِدَاء ابتلاء وَالْكَفَّارَة تبنى على أَسبَاب غير مَشْرُوعَة والعقوبة مَا شرعت زاجرة وَالْكَفَّارَة فِي مَحل انْتِفَاء الزّجر كاليمين والحنث فالكفارة كاسمها ستارة لأثر الْفِعْل،
(4/261)

وَالنِّيَّة فِي الْكَفَّارَة للتمييز لَا للقربة، وَيُمكن أَن نقُول: وَجب عَلَيْهِ الصَّوْم وَهُوَ بسبيل من أَدَائِهِ بِشَرْط تَقْدِيم الْإِسْلَام كَالصَّلَاةِ فِي حق الْمُحدث.
(4/262)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رسح.)

إِذا وطئ الْمظَاهر عَنْهَا فِي أثْنَاء شهرى الصَّوْم.
الْمَذْهَب: لم يَنْقَطِع التَّتَابُع.
عِنْدهم: يَنْقَطِع وَيلْزمهُ الِاسْتِئْنَاف كَيفَ وطئ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا} ، وَجه الدَّلِيل: أَن الْمَأْمُور بِهِ شَهْرَان متتابعان وَقد أَتَى بِهِ، وَالْوَطْء لَيْلًا لَو قدح فِي التَّتَابُع دون إِفْسَاد الصَّوْم لقدح الزِّنَى لَيْلًا فَإِذا لم يَنْقَطِع بالزنى لم يَنْقَطِع بِوَطْء الزَّوْجَة.
لَهُم:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا} ، وَجه
(4/263)

الدَّلِيل أَن الْمَأْمُور بِهِ، وَطْء قبل الْمَسِيس فيفهم مِنْهُ التعرية والتخلية (فَإِذا عجز عَن التَّقْدِيم لم يعجز عَن التَّخْلِيَة) .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
المستديم أسعد حَالا من المستأنف، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: {وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل الْغُرُوب} ، فَلَو شرع فِي صَلَاة الْعَصْر فغربت الشَّمْس أَمر بالإتمام لَا بالاستئناف، وَلَو فَرضنَا فِيمَا لَو جَامع فِي لَيْلَة تسع وَخمسين كَانَ وُقُوع تسع وَخمسين يَوْمًا قبل الْمَسِيس أولى من وُقُوع الْجَمِيع بعده.
لَهُم:
الْكَفَّارَة لَا تَسْتَقِر فِي الذِّمَّة، نعم إِذا أَرَادَ الْوَطْء حيل بَينهمَا إِلَى أَوَان إِخْرَاج الْكَفَّارَة زجرا، وَلَا يتم غَرَض الزّجر إِلَّا بِمَا ذكرنَا فَأنْتم فهمتم
(4/264)

بالتقديم (تمحيص أثر الْجِنَايَة) ، وَنحن نفهم إتْمَام غَرَض الزّجر.
مَالك: وَافق أَبَا حنيفَة.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
النّظر إِلَى شَائِبَة الزّجر يُنَاقض مَا قرروه على أَن كل مَا يتخيل من الشائبتين فقد تأدى بِإِخْرَاج الْكَفَّارَة فَهِيَ الزاجرة وَهِي الممحصة، فَإِن قَالُوا: الْمَفْهُوم من التَّتَابُع صِيَام اللَّيْل، وَالنَّهَار غير أَن ضَرُورَة البشرية رخصت فِي الْفطر لَيْلًا فَبَقيَ الصَّوْم حكما كالمعتكف شهرا عَن نَذره، فَإِنَّهُ يخرج لقَضَاء حَاجته ضَرُورَة وَيبقى حكم الِاعْتِكَاف حَالَة الْخُرُوج حَتَّى لَو وطئ بَطل الِاعْتِكَاف، وَالْجَوَاب: تَقْدِير بَقَاء الصَّوْم لَيْلًا محَال لِأَن الشَّارِع مَا جعل
(4/265)

اللَّيْل مَحل الصَّوْم وَالْفطر فِيهِ عَزِيمَة كَالصَّوْمِ فِي نَهَار رَمَضَان بِدَلِيل تَحْرِيم الْوِصَال والرخصة لَا يحرم تَركهَا، أَلا ترى أَن الْمُعْتَكف لَو لَازم الْمَسْجِد وَلم يخرج للضَّرُورَة حَتَّى أرهقت جَازَ ذَلِك ثمَّ لَو وطئ غير الْمظَاهر عَنْهَا جَازَ وَكَونه بِاللَّيْلِ لم يبطل التَّتَابُع، وشأن الرُّخص الِاقْتِصَار على حد الْحَاجة.
(4/266)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رسط.)

إِعْتَاق الرَّقَبَة الْكَافِرَة.
الْمَذْهَب: لَا تجزي عَن الْكَفَّارَة.
عِنْدهم: يَجْزِي إِلَّا عَن كَفَّارَة الْقَتْل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِير رَقَبَة} .
أَمر بالتحرير وَلم يَأْتِ بِهِ لِأَن الْكَافِر لَا يقبل أثر الْعتْق، فَإِن رقّه قَائِم (بِبَقَاء نَفسه) وَهُوَ الْكفْر وَالرّق ثَابت فِي الْكفَّار بدار الْحَرْب، وَلِهَذَا ثَبت فِي حق النِّسَاء، وَإِن لم يقاتلن.
لَهُم:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِير رَقَبَة} .
وَجه الدَّلِيل أَنه أَمر بتحرير رَقَبَة مُطلقَة فَزِيَادَة وصف الْإِيمَان يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ فَامْتنعَ بِالْقِيَاسِ.
(4/267)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تَحْرِير فِي تَكْفِير فَاشْترط فِيهِ الْإِيمَان قِيَاسا على كَفَّارَة الْقَتْل، وَالْعلَّة الجامعة كَون الْإِيمَان يُنَاسب إسداء النعم وَصَارَ كَالزَّكَاةِ، فَإِن مصرفها الْمُسلمُونَ لهَذِهِ النِّسْبَة.
لَهُم:
أَتَى بِمَا أَمر بِهِ الدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه أَمر بِمُطلق الرَّقَبَة، وَلَا يلْزم اشْتِرَاط السَّلامَة، فَإِن الْمُطلق يحمل على الْكَامِل وَالْعَيْب نُقْصَان الْأَجْزَاء المحسوسة الَّتِي كَانَت الرَّقَبَة رَقَبَة بمجموعها، وَلَا يلْزم زَوَال الْعقل والتضرر فِي سَائِر القوى، فَإِنَّهَا مُلْحقَة بالأجزاء بِدَلِيل تَكْمِيل الضَّمَان، وَلَا يلْزم الْمُرْتَد فَإِنَّهُ هَالك حكما، وَبِالْجُمْلَةِ: الْعتْق إِسْقَاط وَقد وجد.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
لَيْسَ فِي اشْتِرَاط الْإِيمَان نسخ، لِأَن النّسخ إِثْبَات مَا دلّ الْكتاب على
(4/268)

نَفْيه أَو نفي مَا دلّ على ثُبُوته وَالْإِيمَان مسكوت عَنهُ فِي كَفَّارَة الْيَمين والظهارة، فَلم يكن إثْبَاته نسخا، نعم لَو لم يدل دَلِيل على اشْتِرَاط الْإِيمَان لأجزأ الْكَافِر لِأَن فِي الْكتاب الْعَزِيز إِيجَاب الرَّقَبَة من غير ذكر الْإِيمَان، فَهُوَ بَيَان لَا نسخ ثمَّ جَمِيع مسَائِل التَّقْيِيد نقض عَلَيْهِم، فَإِن مُطلق لفظ الرَّقَبَة يُطلق على الْمَعِيب وَالْمَجْنُون وَالْمُرْتَدّ حَتَّى لَو قَالَ: رقابي أَحْرَار عتق الْجَمِيع، فَإِذا هِيَ قيود أثبتناها بأدلة، وَبِالْجُمْلَةِ: لَا يُنكر الْخصم أَن الشَّرْع قصد بالعتاق تَخْلِيص العَبْد من الرّقّ، وَأَن هَذَا يُنَاسب الْإِسْلَام وَلَو كَانَ الْمَقْصُود الْإِسْقَاط لحصل بقتل العَبْد، فَإِن قَالُوا: فِي الْقَتْل عدوان فرضناه فِي عبد وَجب للسَّيِّد عَلَيْهِ قصاص، وعَلى الْحَقِيقَة المتسبب إِلَيْهِ حُصُول الْعتْق لَا عدم الرّقّ.
(4/269)

(الْمَسْأَلَة السبعون بعد الْمِائَتَيْنِ: رع.)

إِعْتَاق الْمكَاتب عَن الْكَفَّارَة.
الْمَذْهَب: لَا يُجزئ.
عِنْدهم: يُجزئ إِن كَانَ مَا أدّى.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... ... . .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْمكَاتب عبد، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/270)

مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم.
أثبت كَونه عبدا، وَالْآيَة تَقْتَضِي إِعْتَاق عبد مُؤمن وَهَذَا عبد مُؤمن.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْملك فِي الْمكَاتب نَاقص بِدَلِيل تخلف آثَار الْملك فِي حق السَّيِّد، فَإِنَّهُ لَو جنى عَلَيْهَا أَو وَطئهَا لزمَه الْأَرْش أَو الْعقر وَالْعِتْق تسْتَحقّ الْكِتَابَة فَلَا تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد لَا يَقع عَن جِهَتَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَن الْكِتَابَة (وَاجِبَة النُّجُوم) فِي ذمَّة العَبْد وَإِن خَالف الأَصْل لَكِن الشَّرْع اعْتَبرهُ فَهُوَ عتق عَن الْكِتَابَة لَا عَن الْكَفَّارَة.
لَهُم:
حكم الْكِتَابَة فك الْحجر لَا إِثْبَات الْحُرِّيَّة فَهُوَ كالمأذون لَكِن فك الْحجر عَن الْمكَاتب (للْمكَاتب) ، وَعَن الْمَأْذُون للسَّيِّد وَامْتِنَاع تَصَرُّفَات (السَّيِّد)
(4/271)

لزوَال الْيَد وَإِلَّا الذَّات مَمْلُوكَة لَهُ وَكَونه يستتبع الإكساب وَالْأَوْلَاد لِأَن بِالْعِتْقِ انْفَسَخت الْكِتَابَة فِي حق السَّيِّد وَوَقع عَن الْكَفَّارَة وَبَقِي فِي حق العَبْد كل ذَلِك تشوفا إِلَى تَحْصِيل الْعتْق ...
مَالك: ق.
أَحْمد: وَافق الْخصم.
التكملة:
ثُبُوت الْوَلَاء للْمكَاتب دَلِيل على أَنه يعْتق وَلم يُوجد مَا يصير بِهِ معتقا سوى الْكِتَابَة الَّتِي هِيَ عقد عتاقه فالعتاق من جِهَة الْكَفَّارَة إبِْطَال لهَذَا الْعتْق.
يبْقى أَن الْعتاق صَحِيح وَذَلِكَ أَبْرَأ من النُّجُوم، وَللسَّيِّد الْإِبْرَاء فَجعل عبارَة عَمَّا يملك كَمَا لَو قَالُوا فِي الْوَارِث: يعْتق لمكاتب أَبِيه مَعَ أَنه لَا يملكهُ عِنْدهم ذَلِك لِأَنَّهُ أَبرَأَهُ عَن النُّجُوم، وَلنَا أَن نتعرض لمحال العَبْد
(4/272)

دون سَبَب الْعتْق وجهته ونقدر ملكا لَا يقدر السَّيِّد على إبقائه فَلَا يَجْزِي إِسْقَاطه عَن الْكَفَّارَة كالملك فِي الْمُسْتَوْلدَة، وَتَقْرِيره أَن التَّقَرُّب إِلَى المعبود إِنَّمَا يكون ببذل مَا لَو لم يبذله لبقي لَهُ إِلَّا بِمَا هُوَ معرض للزوال شَاءَ أم أَبى والمناسبة فِي ذَلِك ظَاهِرَة لما فِيهِ من الِابْتِلَاء والامتحان بل هَذَا آكِد من الْمُسْتَوْلدَة؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَة بحياته بِدَلِيل حل وَطئهَا واللزوم فِي حق السَّيِّد بِالْإِضَافَة إِلَى الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاء، ونعتذر على العَبْد الْمُعَلق عتقه على طُلُوع الشَّمْس مثلا بِأَنَّهُ يقدر على اسْتِبْقَاء مَالِيَّته بِبيعِهِ.
(4/273)

(اللوحة 66 من المخطوطة أ:)

قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لن يَجْزِي والدا وَلَده ... . . "، الْخَبَر، مخرجه مخرج قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يلج الْجمل} مَعْنَاهُ أَن الْوَلَد لَا يَجْزِي الْوَالِد وَكَانَ الْوَالِد ينعتق لَا بِإِعْتَاق الْوَلَد، وَالله أعلم.
مَسْأَلَة: إِذا ملك رَقَبَة يحْتَاج إِلَيْهَا لخدمته لم يلْزمه عتقهَا خلافًا لَهُ. لنا: هُوَ أَن حَاجته تستغرق مَا مَعَه، فَكَانَ كَعَدَمِهِ فِي جَوَاز الِانْتِقَال إِلَى الْبَدَل كَمَا لَو كَانَ لَهُ مسكن يحْتَاج إِلَيْهِ، وَلَا يُقَال: الْمسكن لَيْسَ من جنس مَا يكفر بِهِ وَلَا هُوَ ثمن لَهُ وَهَاهُنَا وَاحِد لرقبة تجزي فِي الْكَفَّارَة؛ لِأَن معنى الأَصْل يبطل (بالمسكن الثَّانِي وَالثَّالِث وَمعنى الْفَرْع) ينكسر بِمَا إِذا وجد مَاء يحْتَاج إِلَيْهِ لشربه فَإِنَّهُ يجوز لَهُ الِانْتِقَال إِلَى التَّيَمُّم وَإِن كَانَ المَاء الَّذِي مَعَه يَجْزِي فِي الطَّهَارَة؛ وَلِأَنَّهُ لَو لزمَه العَبْد مَعَ وجود الْحَاجة إِلَيْهِ لم يفْتَرق
(4/274)

الْحَال بَين أَن يكون مَا مَعَه من جنس مَا يَجْزِي فِي الْكَفَّارَة أَو غَيره كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دين لَازم، فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
مَسْأَلَة: لَا يجب تعْيين النِّيَّة فِي الْكَفَّارَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ عَلَيْهِ كفارتان من جِنْسَيْنِ مُخْتَلفين وَجب عَلَيْهِ التَّعْيِين. لنا: هُوَ أَنَّهَا حُقُوق مخرجة على وَجه التَّكْفِير، فَلم تفْتَقر إِلَى نِيَّة التَّعْيِين كَمَا لَو كَانَت من جنس وَاحِد، وَلَا يُقَال: إِن فِي الأَصْل اتّفق الْمُوجب والموجب، فَلم يفْتَقر إِلَى التَّعْيِين وَهَاهُنَا عبادتان مُخْتَلِفَتَانِ فِي الْمُوجب والموجب، فافتقر إِلَى التَّعْيِين كالظهر وَالْعصر؛ لِأَن معنى الأَصْل يبطل بظهري يَوْمَيْنِ وَمعنى الْفَرْع لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لذكر العبادتين فِي الأَصْل لِأَن الصَّلَاة الْوَاحِدَة أَيْضا تفْتَقر إِلَى التَّعْيِين ثمَّ يَجْعَل ذَلِك مُعَارضَة فِي الأَصْل، ونقول: الصَّلَاة تفْتَقر إِلَى التَّعْيِين وَإِن كَانَت وَاحِدَة، وَالْكَفَّارَات لَو انْفَرَدت وَاحِدَة لم تفْتَقر إِلَى التَّعْيِين، فَكَذَلِك إِذا كَانَ مَعهَا غَيرهَا كصلاتي التَّطَوُّع.
مَسْأَلَة: إِذا عتق نصفي عَبْدَيْنِ أَجزَأَهُ عَن كَفَّارَته على أصح الْوُجُوه خلافًا لَهُم، لنا: هُوَ أَنه أخرج رَقَبَة كَامِلَة فَجَاز أَن تجزي فِي الْكَفَّارَة كَمَا لَو عتق نصفي رَقَبَة وَاحِدَة وَيُخَالف الْإِطْعَام لِأَن النَّص ورد فِيهِ بِقدر
(4/275)

الْمخْرج وَعدد الْمَسَاكِين.
مَسْأَلَة: لَا يجوز دفع الْكَفَّارَة إِلَى ذمِّي خلافًا لَهُ. لنا: هُوَ أَنه لَا يجوز دفع زَكَاة المَال إِلَيْهِ، فَلَا يجوز صرف الْكَفَّارَة إِلَيْهِ كالحربي وَالْمُرْتَدّ والمستأمن، فَإِن قَالُوا: هُوَ من أهل الدَّار منعنَا، وَإِنَّمَا يقر فِيهَا بالجزية.
مَسْأَلَة: لَا يجوز صرف الْكَفَّارَة إِلَى الْمكَاتب (خلافًا لَهُ. لنا هُوَ أَنه مَنْقُوص بِالرّقِّ، فَلَا يجوز صرف الْكَفَّارَة إِلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْقِنّ وكمكاتب نَفسه) .
(4/276)

(من مسَائِل الْعتْق وَالْكَفَّارَة)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رعا.)

من اشْترى من يعْتق عَلَيْهِ على نِيَّة الْكَفَّارَة.
الْمَذْهَب: لم يجز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ...
(4/277)

لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لن يَجْزِي والدا وَلَده حَتَّى يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه " أَي بالشرى كَقَوْلِهِم: أطْعمهُ فأشبعه أَي بِالْإِطْعَامِ، وَمن اشْترى نصف قَرِيبه قوم عَلَيْهِ بِالنَّصِّ وَلَو كَانَ عتقا عَلَيْهِ دون إِعْتَاقه لما قوم عَلَيْهِ كَمَا لَو ورث نصف قَرِيبه.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عتق يَسْتَغْنِي فِي الْوُقُوع عَن قَصده فَلَا ينْصَرف إِلَى جِهَته كَالْعِتْقِ الْمُعَلق على الشرى، وَصورته إِذا قَالَ للْعَبد: إِن بِعْتُك واشتريتك فَأَنت حر، وَذَلِكَ لِأَن الْمَأْمُور بِهِ إِزَالَة الْملك والشرى تَحْصِيل الْملك بِدَلِيل شرى الْأَجْنَبِيّ، وَقد انْعَقَد هَاهُنَا حَتَّى علق عَلَيْهِ الْعتْق، وَالْعِتْق بِالْقَرَابَةِ حكم شَرْعِي بِغَيْر اخْتِيَار.
لَهُم:
الْملك يُنَاسب الصِّلَة كالقرابة بِدَلِيل أَن من ملك عبدا وَجب عَلَيْهِ نَفَقَته، كَمَا تجب نَفَقَة قَرِيبه الْفَقِير، فَإِذا اجْتمع الْملك والقرابة فِي مَحل النزاع وَحكم
(4/278)

الشَّرْع بِحُصُول الْعتْق وَهُوَ يصلح أَن يكون صلَة أضيف إِلَى الوصفين فالعلة مركبة من جزءين وَالْملك هُوَ الْأَخير فأضيف إِلَيْهِ كَأَجر من يلقى فِي السَّفِينَة فيغرق ويتأيد بِثُبُوت الْولَايَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
تَسْمِيَته معتقا فِي الحَدِيث مجَاز، فالقرابة عِلّة الْعتْق والشرى مهد مَحل الْعتْق وَالْمُشْتَرِي جمع بَينهمَا فَقرب الْمحل من الْعلَّة فَصَارَ كمن قرب الْقطن من النَّار، فَإِنَّهُ يُسمى محرقا والحقيقة أَن يُوقد النَّار فِي مَحل يقبل أَثَرهَا عِلّة الإحراق وَكَذَلِكَ حافر الْبِئْر يضمن من تردى فِيهَا كحاز الرَّقَبَة، وَإِنَّمَا يثبت لَهُ الْوَلَاء؛ لِأَنَّهُ حكم الْعتْق عَلَيْهِ لَا حكم الْإِعْتَاق، أَلا ترى أَن من وَرثهُ قَرِيبه وَهُوَ نَائِم أَو صبي عتق عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ الْوَلَاء من غير إِعْتَاق غير أَن الْعتْق لَا يحصل فِي الْغَالِب إِلَّا بِالْإِعْتَاقِ فإخراج النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَلَامه مخرج الْغَالِب وَالْملك لَا يُنَاسب الصَّبِي، وَإِنَّمَا تطلق لَهُ التَّصَرُّفَات الَّتِي لَهُ لَا الَّتِي
(4/279)

عَلَيْهِ، والإنفاق تَخْيِير لكنه لحُرْمَة الزَّوْج كَيْلا يضيع حَتَّى لَو لم يملك الْمَالِك مَا يُنْفِقهُ وَجب فِي بَيت المَال وعَلى مياسير الْمُسلمين حَتَّى لَو تَرَكُوهُ حرجوا، ونمنع مَسْأَلَة السَّفِينَة وَرُبمَا قَالُوا: الشَّرْط وَالسَّبَب اصْطِلَاح الْفُقَهَاء، وَقصد الشَّرْع بِالْعِتْقِ لرقبة اخْتِيَارا وَقد حصل وَرُبمَا سلمنَا نَحن أَن الشرى عِلّة مُسْتَقلَّة لَكِن فِي التَّصَرُّف خلل، فَإِنَّهُ إِذا أعتق أَبَاهُ أَو ابْنه كَانَ الْحَظ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بعضه فَصَارَ كَمَا لَو اشْترى عبد نَفسه بنية الْكَفَّارَة، فَإِنَّهُ لَا يَجْزِي.
(4/280)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رعب.)

إِذا قَالَ: أعتق عَبدك عني وَنوى صرفه إِلَى الْكَفَّارَة فَقَالَ: أعتقت.
الْمَذْهَب: وَقع عَن الْكَفَّارَة.
عِنْدهم: لَا يَقع.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ...
لَهُم: ... ... ... ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عتق أمكن تَصْحِيحه عَن الْمسَائِل فصح كَمَا لَو ذكر الْعِوَض، بَيَانه: أَن
(4/281)

الْملك قد أدرج وَالْملك حَاصِل بعوض كالملك الْحَاصِل بِغَيْر عوض فَصَارَ كَمَا لَو قَالَ: أطْعم عني عشرَة مَسَاكِين عَن كَفَّارَة يَمِين، فَإِنَّهُ يَصح، وَإِن لم يذكر الْعِوَض، ونناقضهم بالتماسه بِعقد فَاسد وَلَا يُفِيد إِلَّا بِالْقَبْضِ.
لَهُم:
الْملك فِي الْمَوْهُوب مَوْقُوف على الْقَبْض، وَالْقَبْض فعل فَلَا ينْدَرج فِي القَوْل بِخِلَاف البيع، فَإِنَّهُ من جنس الالتماس والإسعاف وَلَا يلْزم البيع الْفَاسِد حَيْثُ يفْتَقر إِلَى الْقَبْض وَلَو وَقع هَاهُنَا أَجْزَأَ لِأَن الْقَبْض لَيْسَ ركنا فِي البيع لكنه اعْتبر هَاهُنَا لضعف الْملك.
مَالك: إِذا أعتق عَن غَيره صَحَّ كَمَا لَو قضى دين غَيره.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
لَيْسَ معنى درج البيع فِي الْإِعْتَاق على مِثَال طي شَيْء فِي شَيْء حَتَّى يعْتَبر بَينهمَا نوع تجانس بل مَعْنَاهُ أَن البيع الْوَاقِع مُقَدّر الْوُجُود شرعا وَإِن كَانَ مَعْدُوما حسا فالشارع يقدر بيعا، وَيثبت حكمه، فَلذَلِك يقدر هبة
(4/282)

وَيثبت حكمهَا وَيُمكن أَن يُقَال: لَا حَاجَة إِلَى تَقْدِير البيع وَالْهِبَة بل الْوَاقِع من ضَرُورَة تَصْحِيح اللَّفْظ هُوَ الْملك وَقد قدر الشَّرْع انْتِقَاله لِأَن الملتمس أهل الالتماس والمسعف أهل الْإِسْعَاف وَالْعِتْق الملتمس لَا يَسْتَحِيل أَن يَقع من الملتمس وَالْحق لَا يعدوهما فَلَمَّا توافقا عَلَيْهِ قدر الشَّرْع مَا هُوَ ضَرُورَة تصرفهما تشوفا إِلَى تَصْحِيح الْعتْق وَالْوَاقِع من ضَرُورَة الشَّيْء لَا يطْلب لَهُ سَبَب وَلَا يمْتَنع إِثْبَات ملك دون بيع وَهبة كَالْوَصِيَّةِ تفِيد الْملك بِالْمَوْتِ أَو الْقبُول من غير عوض وَلَا قبض وَهَذَا ملك قدره الشَّرْع لضَرُورَة صِحَة اللَّفْظ فلتقدرها هُنَا وَالْجَامِع خَاصَّة الْعتْق وتشوف الشَّرْع إِلَيْهِ وَالْمَال فِي الأَصْل مبذول فدَاء لترغيب المَال فِي الْإِجَابَة لَا ثمنا للْملك الْمُقدر وَهَذَا مُتَوَجّه.
(4/283)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رعج.)

اسْتِيعَاب الْمَسَاكِين السِّتين أَو الْعشْرَة فِي كفارتي الظِّهَار وَالْيَمِين.
الْمَذْهَب: وَاجِب.
عِنْدهم: لَو صرف إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي أَيَّام تفي عدد الْمَسَاكِين جَازَ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا} ، وَهَذَا ظَاهر، وَهُوَ كَقَوْل الْمُوصي اصرف هَذَا الطَّعَام إِلَى سِتِّينَ مِسْكينا، فَيَقْتَضِي اللَّفْظ وجوب الِاسْتِيعَاب
لَهُم: ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/284)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَاجِب التَّمْلِيك من سِتِّينَ فَيكون تَمْلِيكًا مِمَّن هُوَ مُسْتَحقّ لَهُ وَحقا لمن وَجب تَمْلِيكه كَمَا فِي الزَّكَاة، وَإِذا كَانَت حُقُوق سِتِّينَ فَلَا يَجْزِي وَاحِد.
لَهُم.
الْكَفَّارَة وَجَبت لله تَعَالَى ابتلاء وزجرا بتنقيص المَال فَحسب، نعم عين الشَّارِع مصرفه وَهُوَ الْمِسْكِين لَا لذاته بل لسد خلته وسد خلة شخص سِتِّينَ يَوْمًا كسد خلة سِتِّينَ مِسْكينا يَوْمًا فَهُوَ أحد ركني الْكَفَّارَة فَلَا يشْتَرط تعدده فِي الْأَجْزَاء قِيَاسا للمصروف إِلَيْهِ على المصروف فِيهِ فَإِنَّهُ لَو صرف الْمَدّ إِلَى وَاحِد واستعاده صَحَّ صرفه إِلَى آخر.
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالْآيَةِ وظاهرها وجوب الِاسْتِيعَاب، ومبدأ التَّعْلِيل فِي التَّأْوِيل كَون الْوَاجِب حق اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ بعد التَّسْلِيم لَا يُنَافِي وجوب الِاسْتِيعَاب بعد تَحْقِيق الْأَمر بِهِ، وَمَا تخيلوه من تنقيص وسد خلة (لَا يُوجب) ترك الظَّاهِر؛ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الْمَقْصُود سد خلة سِتِّينَ مِسْكينا استظهارا
(4/285)

بِإِجْمَاع هممهم وبركات دعواتهم فِي غَرَض التمحيص والمحو؛ لِأَن الْغَالِب أَن الْجمع الْكثير يشْتَمل على مجاب الدعْوَة، فَإِن قَالُوا: مَعْنَاهُ (فإطعام طَعَام) سِتِّينَ مِسْكينا فَالْجَوَاب أَن هَذَا تعسف ظَاهر؛ لِأَن الْإِطْعَام يتَعَدَّى إِلَى مفعولين يسْتَقلّ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا، أَحدهمَا الطَّعَام، وَالْآخر الْمطعم، وَالله تَعَالَى ذكر أحد المفعولين وَهُوَ الْمطعم، وَترك الثَّانِي وَهُوَ الطَّعَام فإلغاء الْمَفْعُول الْمُصَرّح بِهِ وإدراج الْمَحْذُوف مراغمة، فَإِن قيل: فقد قَالَ: " فليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار " وأقيم حجر وَاحِد ذُو ثَلَاث شعب مقَامهَا، فَالْجَوَاب: قد رُوِيَ ثَلَاث مسحات أَيْضا؛ وَلِأَنَّهُ علم قطعا أَن مَا عداهُ مسَاوٍ لَهُ فِي الْمَقْصُود وَلم يظْهر بَينهمَا فرق، وَهَاهُنَا أظهر فرق بَين الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة.
(4/286)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رعد.)

التفدية والتعشية فِي الْكَفَّارَة.
الْمَذْهَب: لَا يَجْزِي بل لَا بُد من التَّمْلِيك.
عِنْدهم: يَجْزِي.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فإطعام} ، وَقد وجد كَقَوْلِه عز وَجل: {ويطعمون الطَّعَام على حبه} .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قربَة مَالِيَّة مقصودها إِخْرَاج المَال إِلَى المحاويج فَتعين فِيهَا التَّمْلِيك قِيَاسا
(4/287)

على الْكسْوَة والعة على أقوى مَرَاتِب الشّبَه وأنهما خصلتان من خِصَال الْكَفَّارَة شرعتا لعوض وَاحِد (على شخص وَاحِد) ، وَإِن تشوفنا إِلَى الْمَعْنى فالتمليك أتم من التسليط.
لَهُم:
من لزمَه إطْعَام قوم قبل مِنْهُ إِبَاحَة الطَّعَام لَهُم، دَلِيله: نَفَقَة الزَّوْجَات؛ لِأَن الْمَقْصُود سد الْخلَّة وَلَا يفوت إِلَّا التَّصَرُّفَات كَالْبيع وَلم تصرف الْكَفَّارَة إِلَيْهِم للتِّجَارَة، وَأما الْكسْوَة فَهِيَ اسْم الثَّوْب وَلَا يصرف إِلَى الْمِسْكِين إِلَّا بالتمليك والإعارة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا صرف الْمَنَافِع.
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
نمْنَع الأَصْل الَّذِي قاسوا عَلَيْهِ ونقول: لَا يَكْفِي التَّقْدِيم إِلَى الزَّوْجَة بل يحْتَاج إِلَى تمليكها، وَالْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ أَن لِلزَّوْجَاتِ أَن يسقطن
(4/288)

ذَلِك، وَلَيْسَ للْفُقَرَاء إِسْقَاطه، قَوْلهم: الظَّاهِر الْإِطْعَام وَقد حصل، الْجَواب: الْإِطْعَام بِالْوَضْعِ الْحَقِيقِيّ الْإِيجَار فَإِذا أوجره الطَّعَام وَوصل إِلَى معدته وشبع سمي إطعاما حَقِيقَة وَذَلِكَ غير مَشْرُوط وَيحْتَمل التَّقْدِيم كَمَا ذَكرُوهُ وَيحْتَمل التَّمْلِيك كَمَا قَالَ الرَّاوِي: أطْعم رَسُول الله الْجدّة السُّدس، وَتَأْويل التَّمْلِيك لما فِيهِ من رِعَايَة حق الْمِسْكِين أولى، يدل عَلَيْهِ أَنه لَو ملكه الْحبّ (وَتلف لم يلْزمه إِبْدَاله، وَلَو قدم الطَّعَام إِلَيْهِ وَتلف لزمَه إِبْدَاله، يدل عَلَيْهِ أَنه لَو ملكه الْحبّ) كَفاهُ وَلَو كَانَ الْوَاجِب التَّمْكِين من الْأكل لوَجَبَ مُؤنَة الْخبز والطحن حَتَّى يستعد للْأَكْل.
(4/289)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رعه.)

بِأَيّ الْأَحْوَال يعْتَبر فِي الْكَفَّارَات.
الْمَذْهَب: بِحَال الْوُجُوب فِي قَوْله فَيلْزمهُ الْإِعْتَاق إِن كَانَ مُوسِرًا وَلَا ينْتَقل إِلَى الصَّوْم وَإِن أعْسر وَبِالْعَكْسِ.
عِنْدهم: بِحَال الْأَدَاء وَهُوَ قَول لنا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... الْآيَة العزيزة.
لَهُم: الْآيَة العزيزة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
انْعَقَد السَّبَب مُوجبا للإعتاق، وَالْأَصْل بَقَاء الْوُجُوب إِلَى حِين الْأَدَاء. دَلِيل الْوُجُوب سِيَاق الْآيَة وَتوجه الْخطاب فِي الْحَال بِهِ وإجراؤه على الْأَمر عِنْد الْأَدَاء (وَالْقَضَاء بسقوطه) تحكم من غير دَلِيل، وَكَذَلِكَ تقرر عِنْد
(4/290)

وجوب الصَّوْم حَتَّى تجب باسم التَّكْفِير، فاعتبرت فِيهِ حَالَة الْوُجُوب كالحدود.
لَهُم:
الصّيام بدل الْعتْق بِدَلِيل نظم الْآيَة وَتوقف الْوُجُوب فِي أَحدهمَا على الْعَجز عَن الآخر وشأن الْبَدَل أَن يُصَار إِلَيْهِ عِنْد الْعَجز كالتيمم مَعَ الْوضُوء وَالْقيمَة مَعَ الْمثل فِي الضَّمَان وَالْأَشْهر مَعَ الْأَقْرَاء فَإِذا لَا يبْقى الْبَدَل مَعَ الْقُدْرَة على الْمُبدل وَصَارَ كَالصَّلَاةِ إِذا فَاتَت حَالَة قدرَة الْقيام صلى قَاعِدا فَإِن وجد قبل الْقَضَاء قدرَة قَامَ.
مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
التكملة:
نمْنَع قَضِيَّة الْبَدَلِيَّة بل هما واجبان مُخْتَلِفَانِ فِي حالتين وَلَيْسَ فِي الْآيَة إِلَّا بَيَان وَاجِب كل حَالَة إِذْ الْبَدَل مَا يقوم مقَام الْمُبدل من بعض الْوُجُوه فِي تَحْصِيل مَقْصُود الْمُبدل، فَإِنَّهُ لَو كَانَ مثله من كل وَجه صَار أصلا مُسْتقِلّا
(4/291)

بِنَفسِهِ فالتيمم يُبِيح الصَّلَاة، وَالْوُضُوء يرفع الْحَد، فتباح الصَّلَاة لوُجُود شُرُوطهَا وَهُوَ الطَّهَارَة، وَأما الصَّوْم فَهُوَ مثل الْإِعْتَاق مُطلقًا فِي مَقْصُود الْكَفَّارَة من محو الْإِثْم والذنب وَحل وَطْء الْمظَاهر عَنْهَا وَجَوَاز الْإِقْدَام على الْمَحْلُوف عَلَيْهِ من غير فرق فَبَطل معنى الْبَدَلِيَّة وَصَارَ كخصال الْكَفَّارَة المخيرة، نعم جَمِيعًا ينسبان إِلَى سَبَب وَاحِد وَذَلِكَ لَا يُوجب الْبَدَلِيَّة كالرجم وَالْجَلد واجبان فِي الزِّنَى بحالتي الْبكارَة والثيابة وَالْجَلد مائَة مَعَ الْجلد خمسين فِي حالتي الرّقّ وَالْحريَّة، ثمَّ لَو تبدلت الْحَال بإحصان لم يَنْقَلِب الْجلد رجما، وَلَو عتق العَبْد لم تصر الْخَمْسُونَ مائَة، ثمَّ الزَّكَاة وَاجِب مَال فِي الذِّمَّة وَلِهَذَا نوجبه فِي قتل الصَّبِي وَالْمَجْنُون كإيجاب الزَّكَاة فِي مَالهمَا، ونقول: الْكَفَّارَة اسْم جنس كالعبادة، ثمَّ الصَّوْم وَالصَّلَاة واجبان مُخْتَلِفَانِ وَإِن شملهما قَضِيَّة الْعِبَادَة وَكَذَلِكَ الصَّوْم مَعَ الْإِعْتَاق فالعدول إِلَى أَحدهمَا إِسْقَاط الْوَاجِب الأول.
(4/292)

(اللوحة 67 من المخطوطة: أ:)

إِذا لَاعن الزَّوْج وَجب حد الزَّوْجَة إِلَّا أَن تلاعن، وَعِنْدهم الْوَاجِب عَلَيْهَا اللّعان وتحبس عَلَيْهِ، وَالْحجّة أَن الشَّارِع لما أَقَامَ اللّعان مقَام الشُّهُود فِي حق الزَّوْج فلتعمل على الأَصْل تَحْقِيقا لِمَعْنى الْبَدَلِيَّة ويتأيد بقوله تَعَالَى: {ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب أَن تشهد أَربع شهادت بِاللَّه} ، وَالْعَذَاب هُوَ الْحَد قَالَ تَعَالَى: {فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب} وَلَا يَسْتَقِيم حمله على الْحَبْس لِأَن الْحَبْس لَا يَقع مَقْصُودا بل وَسِيلَة إِلَى اسْتِيفَاء مَقْصُود.
وَاعْلَم أَن الْحر الْمُسلم إِذا قذف زَوجته الذِّمِّيَّة أَو الْأمة لَاعن خلافًا
(4/293)

لَهُم ومعتمدنا الْآيَة.
فَإِن قيل: اللّعان يسْقط الْحَد الْوَاجِب عنْدكُمْ وَيدْفَع الْوُجُوب عندنَا وَالزَّوْج لم يتَعَرَّض للحد هَاهُنَا، وَالْجَوَاب أَن اللّعان شرع لإِسْقَاط الْحَد وَنفي النّسَب وَقطع الْفراش والتشفي من الزَّوْجَة، وآحاد هَذِه الْمَقَاصِد تستقل بشرعه، فَإِن قيل: اللّعان حكمه وجوب الْحَد عَلَيْهِمَا وَلَيْسَت أَهلا لَهُ، قُلْنَا: لَا نسلم أَنه حكمه بل وجوب الْحَد لثُبُوت الزِّنَى، وَإِن سلمنَا فَلَا نسلم أَنَّهَا لَيست من أهل اللّعان.
وَاعْلَم أَن الْأَخْرَس أهل الْقَذْف وَاللّعان خلافًا لَهُم، أما أَهْلِيَّة الْقَذْف فَلِأَن إِشَارَته قَامَت مقَام الْعبارَة فِي جَمِيع التَّصَرُّفَات إنْشَاء وإقرارا، فَإِن قيل: ذَلِك خلاف الأَصْل بِاعْتِبَار الْحَاجة وَلَا حَاجَة لَهُ فِي تَصْحِيح قذفه إِذْ مُوجبه الْحَد أَو اللّعان فالنظر لَهُ فِي إِبْطَاله، وَالْجَوَاب: أَن قذف الزَّوْج بِهِ حَاجَة إِلَى تَصْحِيحه لنفي النّسَب وَقذف الْأَجْنَبِيّ
(4/294)

يصحح لحَاجَة الْمَقْذُوف يرحض عَنهُ الْعَار فَصَارَ كإقرار الْأَخْرَس بِالْقَتْلِ يصحح لحَاجَة مُسْتَحقّ الْقصاص، وَاعْلَم أَن النّسَب يَنْتَفِي فِي النِّكَاح الْفَاسِد، وَكَذَا فِي الصَّحِيح بعد انْقِطَاعه بِالْخلْعِ، وَعِنْدهم لَا يُلَاعن إِلَّا فِي نِكَاح، وَالْمُعْتَمد أَن اللّعان شرع لحَاجَة دفع النّسَب وَالْحَاجة قَائِمَة وَلَا فقه فِي اعْتِبَار النِّكَاح، وَاعْلَم أَنه لَا يجب الْحَد على الْملَاعن بِقَذْف الْأَجْنَبِيّ مَعَ الزَّوْجَة خلافًا لَهُم، ومعتمدنا دَعْوَى الشُّبْهَة، فَإِن الرِّيبَة وَاحِدَة أضافها إِلَيْهِمَا وَصدق بِاللّعانِ فِي حق الزَّوْجَة فَانْتقضَ ذَلِك شُبْهَة بدرء الْحَد، وَقد تعرض الْعجْلَاني لِشَرِيك، ... ... ... ... ... . .
(4/295)

ابْن السحماء وَلم يحد الْعجْلَاني، وَإِنَّمَا يجب الْحَد على الْأَجْنَبِيّ؛ لِأَن الْحجَّة مَا كملت وَالْحَد يسْقط بِالشُّبْهَةِ وَهَذَا كَقَوْلِهِم: لَو أقرّ الْمَقْذُوف بالزنى مرّة سقط الْحَد عَن الْقَاذِف وَلم يحد الْمَقْذُوف لعدم التّكْرَار.
وَاعْلَم أَنه إِذا شهد على زَوجته من ثَلَاثَة لم يثبت الزِّنَى خلافًا لَهُم.
وَالْمُعْتَمد أَنه شهد بِالْجِنَايَةِ على مَحل حَقه فَلَا يقبل كَمَا إِذا شهد على زنى أمته المطاوعة ونسلم سُقُوط الْمهْر كَيْلا يتَضَمَّن جلد مَنْفَعَة، فَإِن منعُوا الأَصْل فَرضنَا فِيهِ وقسناه على مَا إِذا شهد على قطاع الطَّرِيق بقتل عَبده مَعَ الْعَفو عَن الدِّيَة وَالْقصاص.
والحرف أَن الشَّهَادَة أَن يشْهد الْغَيْر على الْغَيْر، فَإِذا شهد لنَفسِهِ جَازَ
(4/296)

دَعْوَى حَقِيقَة شَهَادَة لفظا وَلَا يُمكن إنجاز قيام حَقه بِالْمحل فعندهم مورد الْعقل الذَّات.
(4/297)

(مسَائِل اللّعان)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رعو.)

مَا يُوجب قذف الزَّوْجَة.
الْمَذْهَب: الْحَد، وَاللّعان دَافع لَهُ.
عِنْدهم: اللّعان حسب، فَإِن امْتنع حبس حَتَّى يُلَاعن.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ} ، فعموم الْآيَة يتَنَاوَل الزَّوْج، نعم دَخلهَا التَّخْصِيص فاستثني عَنْهَا الزَّوْج الْقَاذِف إِذا لَاعن فَبَقيَ الْمُمْتَنع عَن اللّعان تَحت الْعُمُوم.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم فشهادة أحدهم أَربع شَهَادَات بِاللَّه} فَبين حَال الْأزْوَاج وَذكر مَا عَلَيْهِم بفاء التعقيب، وَبِهَذَا خَرجُوا عَن عُمُوم الْآيَة الأولى فوزان قَوْله تَعَالَى فِي
(4/298)

تِلْكَ: {فاجلدوا} قَوْله فِي هَذِه: {فشهادة} .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قذف مُحصنَة، وَمُوجب قذف الْمُحْصنَات الْحَد كَمَا قبل النِّكَاح؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير للنِّكَاح فِي إِسْقَاط مُوجب الْجِنَايَات فَسقط الْحَد فِي اللّعان حَيْثُ أَتَى بِحجَّة جعلت علما على صدقه فَصَارَ كالبينة.
لَهُم:
(اللّعان عُقُوبَة) لاحْتِمَال الْكَذِب المهلك، وَهُوَ كالحد للْأَجْنَبِيّ، وَله نكاية فِي النَّفس، وتأثير فِي الْمُرُوءَة، وَيثبت الْحُرْمَة، وَلَو كَانَ حجَّة مَا ثبتَتْ هَذِه الْأَحْكَام؛ لِأَنَّهُ لَا إِشْعَار فِي اللّعان بِقطع النِّكَاح وَثُبُوت الْحُرْمَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: إِذا لم يُلَاعن حد، وَإِن لَاعن لم يجب الْحَد على الْمَرْأَة وَفِي
(4/299)

حَبسهَا رِوَايَتَانِ.
التكملة:
سِيَاق الْآيَة حجَّة عَلَيْهِم، فَإِنَّهُ ذكر الزَّوْج ورميه وَعدم الشُّهُود، ثمَّ ذكر اللّعان وشرعه فِي حق الزَّوْج بَدَلا عَن الشُّهُود، لَا مُوجبا للرمي بفاء الْبَدَلِيَّة لقَوْله تَعَالَى: {فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ} {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا} . وَمَا تخيلوه من الْمَشَقَّة فِي اللّعان فَذَلِك من جبن النُّفُوس؛ وَمثله تَغْلِيظ الْأَيْمَان فِي مجْلِس الحكم، فَإِن الْيَمين شرعت حجَّة لَا عُقُوبَة وَإِن تَضَمَّنت كلفة فَالْعِبْرَة بِجِهَة المشروعية لَا بِمَا يلْزم عَنْهَا، وَيدل على نفي معنى الْعقُوبَة سَبَب نزُول الْآيَة لِأَن الْعجْلَاني لما قذف زَوجته هم النَّبِي بحده فَنزلت فسر بهَا سُرُورًا شَدِيدا وعدها الصَّحَابَة فِي حَقه نعْمَة، وَأما الْحُرْمَة، فقد ثبتَتْ فِي مَحل لَيْسَ فِيهِ عُقُوبَة كَحُرْمَةِ الرَّضَاع، وَلَعَلَّ ذَلِك كَرَامَة، فَإِن الصُّحْبَة بَينهمَا بعد اللّعان لَا تلتئم، ثمَّ عِنْدهم لَو أكذب نَفسه بعد اللّعان جَازَ لَهُ نِكَاحهَا، وَبِالْجُمْلَةِ: الزَّوْج معدول بِهِ قِيَاس قذف الْأَجَانِب، فَإِنَّهُ يطلع من زَوجته على أَمر لَا يفضى عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ شُهُود، فَكَانَ اللّعان مخلصا لَهُ، وَعرض الزَّوْجَة مصون عَن الزَّوْج كَمَا كَانَ قبل
(4/300)

النِّكَاح، وكما صينت نَفسهَا بِالْقصاصِ يصان عرضهَا بِالْحَدِّ.
(4/301)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رعز.)

العَبْد الْمَحْدُود وَالذِّمِّيّ.
الْمَذْهَب: من أهل اللّعان.
عِنْدهم: تعْتَبر الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام وَالْعَدَالَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
الدَّلِيل على شَائِبَة الْيَمين قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام للعجلاني: " قُم فاحلف "، وَقَوله بعد لعد لعان الْمَرْأَة: " لَوْلَا اللّعان كَانَ لي وَلها شَأْن "، فَكل زوج رام لَا شُهُود لَهُ متناول بِاللَّفْظِ.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم} ، والمستثنى يجب
(4/302)

أَن يكون من جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، هَذَا يدل على أَن اللّعان شَهَادَة، فَيجب أَن يَأْتِي بِلَفْظ الشَّهَادَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
من صَحَّ طَلَاقه أَو يَمِينه أَو إيلاؤه صَحَّ لِعَانه كَالْمُسلمِ الْحر، وَالْمعْنَى الدَّاعِي إِلَى شرع اللّعان لما اسْتَوَى فِيهِ كل زوج أعمى أَو بَصِير، عدل أَو فَاسق اسْتَوَى فِيهِ الْحر وَالْعَبْد وَالْكَافِر وَالْمُسلم، لِأَن الْمَعْنى يعم الْجَمِيع فَيجب تَعْمِيم الحكم تمهيدا لهَذِهِ الْقَاعِدَة وقطعا للنَّظَر المفضي إِلَى الْأَيْمَان والشهادات، وَاللّعان أصل قَائِم بِنَفسِهِ.
لَهُم:
اللّعان شَهَادَة، وَهَؤُلَاء لَيْسُوا من أهل الشَّهَادَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
الْإِنْصَاف أَن فِي اللّعان شائبتين: يَمِين وَشَهَادَة فلكونه، تَصْدِيق الْمَرْء نَفسه بقوله الْمُؤَكّد باسم اللَّهِ تَعَالَى هُوَ يَمِين؛ لِأَن هَذَا حد الْأَيْمَان، وَأَنه
(4/303)

يتَكَرَّر من شخص وَاحِد، ثمَّ لَا يُمكن تمحيص شَائِبَة الْيَمين، فَإِنَّهُ يُخَالف قِيَاس الْأَيْمَان إِجْمَاعًا حَيْثُ هُوَ يَمِين الْمُدَّعِي لإِثْبَات مَا يَدعِيهِ ابْتِدَاء، وَإنَّهُ لَو امْتنع عَن اللّعان فَلهُ أَن يعود إِلَيْهِ، وَحقّ الْيَمين يبطل بِالنّكُولِ وَيُخَالف قِيَاس الشَّهَادَات، فَإِنَّهُ شَهَادَة الْمَرْء لنَفسِهِ فِي مَحل عرضه وَذَلِكَ غير مَشْرُوع، وَشَهَادَة الْأَعْمَى فِي المحسوس لَا تقبل وَشَهَادَة الْفَاسِق فِي الْحُدُود لَا تقبل وَشَهَادَة الْوَاحِد لَا يحكم بهَا وَاللّعان قَول الْوَاحِد لنَفسِهِ، وَإِن كَانَ أعمى فَاسِقًا، ثمَّ لَا نسلم أَن العَبْد لَيْسَ من أهل الشَّهَادَة، فَإِن الْأَهْلِيَّة بِصِفَات تُؤثر فِي تَحْقِيق التَّصَرُّف على وَجه يتوفر عَلَيْهِ مَقْصُوده، وَذَلِكَ بِالْعقلِ الَّذِي هُوَ آلَة الضَّبْط والفهم وَالْحِفْظ، وبالعدالة الَّتِي تؤمن غائلة الْكَذِب، وَمَا عَداهَا صِفَات مُعْتَبرَة للقبول إِمَّا تعبدا كالحرية أَو لِمَعْنى كالبصر وَالْإِسْلَام، والأهلية اصْطِلَاح فقهي وَالْآيَة جعلت كل زوج رام أَهلا للشَّهَادَة الَّتِي هِيَ اللّعان، وَاللّعان رَأس بِنَفسِهِ مُنْقَطع عَن الشَّهَادَات والأيمان.
(4/304)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: (رعح) :)

إِذا أقرّ بِوَطْء أمته وَأَتَتْ بِولد يُمكن إِسْنَاده إِلَيْهِ لحقه.
الْمَذْهَب: يلْحقهُ إِن لم يدع الْعَزْل أَو الِاسْتِبْرَاء.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
مَا نقل فِي وليدة زَمعَة وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْوَلَد للْفراش "، وَهُوَ صُورَة النزاع، فَأَبُو حنيفَة لما بلغه مُطلق الْخَبَر حمله على الْمَنْكُوحَة وَالشَّافِعِيّ لما عرف السَّبَب أثبت فرَاش الْأمة.
(4/305)

لَهُم: ... ... ... ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَطْء سَبَب ظَاهر للعلوق كالجرح للزهوق، ثمَّ لَو أقرّ بِالْجرْحِ أضيف الزهوق إِلَيْهِ، وَإِن أمكن أَن يكون الزهوق بِسَبَب آخر، كَذَلِك هَاهُنَا، ويتأيد بِالْوَطْءِ بِشُبْهَة وَلَا تَأْثِير للظن بعد زَوَاله.
لَهُم:
الْإِقْرَار بِالْوَطْءِ يكون إِقْرَارا بِالْوَلَدِ لَو كَانَ الْوَطْء سَبَب الْوَلَد، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ إيلاج أَثَره الْإِنْزَال، والعلوق أَمر زَائِد، وَإِنَّمَا لحق بالفراش وَلَيْسَت فراشا، فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون شراها للتِّجَارَة فوطء الْأمة لَا يتَعَيَّن لاتخاذها فراشا فقد يقْصد قَضَاء الشَّهْوَة مَعَ بَقَاء الْمَالِيَّة.
مَالك:.
أَحْمد:.
(4/306)

التكملة:
الْوَطْء سَبَب للْوَلَد بمدلول الْعرف وَالْعقل وَالشَّرْع " تناكحوا تكثروا "، وَلما وَطئهَا وَلم يعْزل وَلم يستبرئ، فقد جعلهَا فراشا لِأَن بِالْعَزْلِ يعرف صرف فعل الْوَطْء عَن جِهَة الِاسْتِيلَاد، وبالاستبراء يعرف أَنه نَدم على الْوَطْء وردهَا إِلَى جِهَة التِّجَارَة، وَذَلِكَ كمن يحرث أَرضًا (بعد أَن) اتخذها مزرعة فَلَو لم ينثر الْبذر فِيهَا لم يتم فعله، وَإِن نثر الْبذر ثمَّ هجرها، وَلم يسقها يُقَال: نَدم على فعله، وَمَتى انْتَفَت هَذِه الْعَوَارِض كَانَ الْفِعْل بِنَفسِهِ اتِّخَاذ مزرعة، كَذَلِك هَاهُنَا، فَإِن فرقوا بَين الفراشين بِجَوَاز الْعَزْل منعناه فيهمَا أَو جوزناه فيهمَا على الصَّحِيح، فَإِنَّهُ لَا فرق بَين الِامْتِنَاع من أصل الْوَطْء أَو الِامْتِنَاع من إرْسَال المَاء، وَإِن فرقوا
(4/307)

بامتناع اللّعان فِي الْأمة منعناه على رَأْي، وَإِن سلمنَا فالعذر استغناؤه بِدَعْوَى الْعَزْل والاستبراء عَن اللّعان، وَإِن فرقوا بِأَن الْمُسْتَوْلدَة عِنْد الْعتْق تَعْتَد بِثَلَاثَة أَقراء لزوَال الْفراش وَالْأمة الموطؤة بقرء ومنعناه فِي الْمُسْتَوْلدَة واكتفينا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بقرء وَهُوَ دَلِيل بَرَاءَة الرَّحِم إِلَّا فِي النِّكَاح تعبدا وَامْتِنَاع بيع الْمُسْتَوْلدَة لحُرْمَة الْوَلَد وَلَا ولد هَاهُنَا.
(4/308)

(من مسَائِل اللّعان وَأول مسَائِل الْعدة)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رعط.)

النِّكَاح الَّذِي لم يتَّصل بِهِ إِمْكَان الْوَطْء. الْمَذْهَب: لَا يثبت فرَاش النّسَب.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا} ، وَقَالَ: {وَبث مِنْهُمَا رجَالًا} الْآيَة، وَجه الدَّلِيل إخْبَاره أَن خلق الْبشر من المَاء لَكِن أَقَمْنَا الْفراش مقَام الْوَطْء المفضي إِلَيْهِ لاشْتِمَاله عَلَيْهِ فَإِذا انْتَفَى يَقِينا لم يبْق مَا كَانَ وَسِيلَة إِلَيْهِ.
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْوَلَد للْفراش ".
(4/309)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يُوجد مَا يَقْتَضِي ثُبُوت النّسَب فَلَا يثبت؛ لِأَن السَّبَب الْوَطْء بِصفة مَخْصُوصَة، وَلم يُوجد، لِأَن أصل ثُبُوت النّسَب البعضية رأفة بِالْوَلَدِ وليكون ذخْرا لوالده، فَإِذا تحقق انْتِفَاء البعضية لم يكن بَينهمَا تراحم.
لَهُم:
قِيَاس السَّبَب يُوجب ثُبُوت الحكم؛ لِأَن الْمَعْنى الْخَفي لَا يُمكن أَن يكون منَاط الحكم فَانْقَطع النّظر عَنهُ وَتعلق الحكم بِالسَّبَبِ الْمَنْصُوب شرعا، وَنَظِيره السّفر مَعَ الْمَشَقَّة وَلَو اشْترى بكرا أَو مس امْرَأَة يتَيَقَّن انْتِفَاء الشّغل وَوَجَب الِاسْتِبْرَاء مَعَ ذَلِك.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
الْخَبَر ورد فِي وَاقعَة مُعينَة وَهِي وليدة زَمعَة، وَالْمرَاد بِالْوَلَدِ الْمَذْكُور ذَلِك الْمعِين وَالْألف وَاللَّام هَاهُنَا لتعريف الْمَعْهُود، وتلحق بِهِ كل صُورَة كَانَت فِي مَعْنَاهُ، وَكَانَ إِمْكَان الْوَطْء قَائِما بهَا، وَيجوز أَن يثبت الحكم عِنْد السَّبَب من غير تعْيين الْعلُوق مِنْهُ، أما أَن يثبت مَعَ تعْيين الانتفاء فَلَا وَهَذَا كالجرح يثبت الزهوق مَعَ إِمْكَان أَن يكون الْمَوْت بِغَيْرِهِ فَلَو تعقبه حز الرَّقَبَة انْقَطع
(4/310)

أثر الْجرْح وأضيف الزهوق إِلَى (حز الرَّقَبَة) ، وَأما الْمَشَقَّة فالسفر لَا يَنْفَكّ عَنْهَا إِذا قايست حَال كل مُسَافر إِلَى إِقَامَته، وَكَذَلِكَ تجدّد الْملك لَا يَخْلُو عَن احْتِمَال الشّغل، فَإِن الْبكر يُمكن علوقها وعود الْجلْدَة والإمكانات كَبِيرَة، فَإِن قَالُوا: المشرقي يُمكن أَن يصل إِلَى المغربية بِضَرْب من الكرامات أَو السحر، قُلْنَا: الْأُمُور الشَّرْعِيَّة لَا يجوز تَعْلِيقهَا على هَذِه الِاحْتِمَالَات.
(4/311)

(الْمَسْأَلَة الثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: (رف) :)

هَل يُورث حد الْقَذْف؟ وَهل يسْقط بِعَفْو الْمَقْذُوف؟ .
الْمَذْهَب: نعم.
عِنْدهم: لَا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... .
لَهُم:
(4/312)

قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة فِي الَّذين آمنُوا} يدل على أَنه لحق اللَّهِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لَو أقرّ بِالْقَذْفِ ثمَّ رَجَعَ لم يسْقط، وَلَو كَانَ الْمُغَلب حق اللَّهِ لسقط وَلَو تَسَاويا فَكَذَلِك دَرأ للحد بِالشُّبُهَاتِ، فَلَمَّا لم يسْقط دلّ على أَن الشَّرْع رعى فِيهِ حق الْآدَمِيّ هَذَا فِي صُورَة الْعَفو، وَيُقَال فِي الْإِرْث: كَانَ الْحق ثَابتا على وَجه يَسْتَوْفِيه الإِمَام مَعَ طلب الْمَقْذُوف والحادث الْمَوْت، وَلَا يُنَافِي قيام الْوَارِث مقَام الْمَوْرُوث كَمَا قَامَ مقَامه فِي دَعْوَى السّرقَة.
لَهُم:
لَو أَبَاحَ الْمَقْذُوف قذفه وَجب الْحَد فَإِذا عَفا كَانَ أولى بألا يسْقط، لِأَن الْإِبَاحَة تمنع انْعِقَاد السَّبَب وَالْعَفو إِسْقَاط الْوَاجِب، وَلذَلِك لَو اسْتَوْفَاهُ الْمَقْذُوف لم يبرأ جَانب الْقَاذِف، ثمَّ شَرط الْإِقَامَة طلبه وَقد تعذر بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا توقف على طلب الْمَقْذُوف؛ لِأَن قعوده عَنهُ (لَا يُورث تُهْمَة
(4/313)

لِأَن لَهُ حَقًا) .
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
يدل على أَن الْحَد لحق العَبْد أَن عرضه مصون لَهُ، وَالْقَذْف جِنَايَة عَلَيْهِ، فإلحاق الْعَار بِهِ مَعَ مَا فِيهِ من التشفي فَصَارَ كَالْقصاصِ الْوَاجِب بقتْله وَكَذَا لَا يسْقط بتقادم الْعَهْد، وَيدل على أَنه لحق اللَّهِ كَونه إِشَاعَة فَاحِشَة إِمَّا بهتانا عَلَيْهِ أَو لغير قصد إِقَامَة الْحِسْبَة، فَإِذا الشَّهَادَة وَالْعرض مَعْصُوم لله وَلِلْعَبْدِ، ثمَّ نعتذر بتشطره فِي حق العَبْد أَن التأثر برمي حر أَكثر من التأثر برمي عبد، وَيمْتَنع اسْتِيفَاء الْحَد إِذا أَبَاحَ الْمَقْذُوف قذف نَفسه، وَكَذَلِكَ نقُول: لَو اسْتَوْفَاهُ وَقع موقعه.
وَاعْلَم أَن فِي الْحُقُوق مَا يمحض حَقًا لله تَعَالَى كالرمي، وَمَا يمحض حَقًا للآدمي كالبعضية، وَمَا فِيهِ الشائبتان مَعًا كَالْقَتْلِ حق اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ يُوجب الْكَفَّارَة وَحقّ الْآدَمِيّ الْقصاص أَو الدِّيَة، وَكَذَلِكَ حد السّرقَة الْغرم
(4/314)

للآدمي وَالْقطع حق اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقَذْف من هَذَا الْقَبِيل، وَحقّ الْآدَمِيّ فِيهِ أظهر؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي إِلَّا بِطَلَبِهِ، وَلَا يَسْتَوْفِيه الْحَاكِم بِعِلْمِهِ، وَلَا بِكِتَاب قَاض وَلَا بِشَهَادَة على شَهَادَة.
(4/315)

(لوحة 68 من المخطوطة أ:)

إِذا كَانَت الْمُطلقَة من ذَوَات الْأَقْرَاء، فَإِن طَلقهَا طَاهِرا فَأَقل مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة لب يَوْمًا، ولحظه وَاحِدَة، وَلَا بُد من لَحْظَة أُخْرَى لتصدق، وَإِن لم تكن هَذِه اللحظة من الْعدة، وَذَلِكَ أَنه يحْتَمل أَن يكون طَلقهَا فِي اللحظة الْأَخِيرَة من الطُّهْر ثمَّ تحيض يَوْمًا وَلَيْلَة وتطهر، ية فَإِذا انْقَضى الطُّهْر انْقَضتْ الْعدة، لِأَن اللحظة الأولة قرء والطهران الْآخرَانِ قُرْآن إِلَّا أَنَّهَا لم تعلم إِلَّا بِمُضِيِّ لَحْظَة أُخْرَى من الْحيض بعد الطُّهْر، وَإِن كَانَت أمة فبمضي يو يَوْمًا ولحظتين، وَإِن طَلقهَا حَائِضًا قبل قَوْلهَا بعد مز يَوْمًا،
(4/316)

ولحظتين، وَهُوَ أَنه يحْتَمل أَن يكون فِي اللحظة الْأَخِيرَة من الْحيض ثمَّ تطهر يه يَوْمًا ثمَّ تحيض يَوْمًا وَلَيْلَة، ثمَّ تطهر أَيْضا يه يَوْمًا ثمَّ ترى الدَّم لَحْظَة وَاحِدَة، وَإِن كَانَت أمة فبمضي لَا يَوْمًا ولحظتين، وَإِن كَانَت حَائِلا فبأن يمْضِي بعد العقد، وَإِمْكَان الْوَطْء ف يَوْمًا، لِأَن الْوَلَد لَا يتَبَيَّن فِيهِ الْخلق إِلَّا فِي ف يَوْمًا. وَاعْلَم أَن الْعدَد بِالْأَقْرَاءِ وَيجب على من تحيض إِذا فَارَقت زَوجهَا بعد الدُّخُول أَو وطِئت بِشُبْهَة وَيُوضَع الْحمل يكون مِمَّن لحقه الْحمل وَإِن نَفَاهُ سَوَاء فَارقهَا حَيا أَو مَيتا وَالْعدة بالشهور على ضَرْبَيْنِ: عدَّة الْوَفَاة أَرْبَعَة أشهر وَعشر تجب على من توفّي عَنْهَا زَوجهَا وَهِي حَائِل سَوَاء كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء أَو لم تكن، وَسَوَاء دخل بهَا الزَّوْج أَو لم يدْخل، وَالثَّانيَِة ثَلَاثَة أشهر وَهِي عدَّة الصَّغِيرَة والآيسة إِذا وَطئهَا الزَّوْج أَو الْأَجْنَبِيّ بِشُبْهَة وَإِذا قَالَ: إِذا ولدت فَأَنت طَالِق فَولدت وَمضى مز يَوْمًا ولحظة وأخبرت بِانْقِضَاء عدتهَا قبل لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن تَلد وَلَا ترى الدَّم وتطهر يه يَوْمًا ثمَّ تحيض يَوْمًا وَلَيْلَة ثمَّ تطهر يه يَوْمًا ثمَّ ترى الدَّم لَحْظَة.
(4/317)

وَإِذا اشْترى جَارِيَة فَلَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا، وَلَو أعْتقهَا وَأَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا خلافًا لَهُم، وَوَقعت للرشيد فأفتاه أَبُو يُوسُف أَن يعتقها ويتزوجها، وَاعْلَم أَن الْعدة بالأطهار عندنَا، وَعِنْدهم بِالْحيضِ، وَحجَّتنَا أَن الْمَشْرُوع هُوَ الطَّلَاق السّني لقَوْله تَعَالَى: {فطلقوهن لعدتهن} أَي فِي زمَان إِمْكَان عدتهن فَوَجَبَ أَن يكون الزَّمَان عقب الطَّلَاق محسوبا من الْعدة، وإلغاء بَقِيَّة الطُّهْر والاحتساب من الْحيض يطول الْعدة عَلَيْهَا ويضر بهَا، وَكَذَلِكَ الِاسْتِبْرَاء، فَإِن الشِّرَاء لَا يخْتَص بِحَالَة الطُّهْر حَتَّى يلْزم الاحتساب بعده فَنَظَرْنَا إِلَى مَقْصُود الْبَرَاءَة وحصولها بِالْحيضِ ثمَّ الْمَقْصُود الْبَرَاءَة لحل الْوَطْء، فَيجب أَن يشرع على جِهَة يُفْضِي آخرهَا إِلَى الْوَطْء، وَفِي الطَّلَاق الْمَقْصُود النِّكَاح وَيجوز أَن يَقع فِي زمن الْحيض يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ} أَي: يكففن أَنْفسهنَّ عَن الْوَطْء فليتخص ذَلِك بِزَمَان إِمْكَان حل الْوَطْء وَهُوَ الطُّهْر وَوَطْء الْحَائِض مَمْنُوع فِي غير زمَان التَّرَبُّص، فَإِن قَالُوا: يُفْضِي قَوْلكُم إِلَى أَن تكون الْعدة ثَلَاثَة أَقراء إِلَّا زمَان الطُّهْر، قُلْنَا: ورأيكم يُفْضِي إِلَى ثَلَاثَة أَقراء وزمان الطُّهْر.
(4/318)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفا.)

عدَّة الزَّوْج هَل تَنْقَضِي بِوَضْع حمل من غَيره؟ .
الْمَذْهَب: (لَا، وَيَسْتَوِي فِيهِ الزِّنَى والشبهة وعدتا الْوَفَاة وَالطَّلَاق) .
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} وَقَوله: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء} وَتحمل الْحَامِل من الزَّوْج على الِاسْتِثْنَاء من الْعُمُوم بِدَلِيل فَتبقى الْحَامِل من غَيره تَحت الْعُمُوم.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي امْرَأَة أنكحت على قرب وَفَاة الزَّوْج: " لَو وضعت
(4/319)

وَالزَّوْج على السرير حلت "، فَصَارَ الْوَضع نوع عدَّة كالأقراء وَلَيْسَ أَحدهمَا بَدَلا عَن الْأُخَر وَهَذَا لَا ينْتَقل إِلَى الْحمل الطَّارِئ فِي الْعدة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْحَامِل من الزَّوْج الأول قاضية حق الزَّوْج بحضانة الْجَنِين وَحفظه، وتمكينها من الْخُرُوج وَالنِّكَاح يبطل هَذِه الْمَقَاصِد، فالعدة عبارَة عَن هَذَا الْحق للزَّوْج عَلَيْهَا وبقضائه انْقِضَاء الْعدة، وَهَذَا الْمَعْنى مَعْدُوم فِي حمل الزِّنَى بِأَنَّهُ غير مَحْفُوظ شرعا فَيبقى حق الزَّوْج.
لَهُم: ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(4/320)

مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
نمْنَع إلحاقهم الزِّنَى بِحمْل الزَّوْج بِدَلِيل الْحمل الطَّارِئ فِي الْعدة، فَإِنَّهُ لَو كَانَ من الزَّوْج انْتَقَلت إِلَى عدَّة الْحمل وَانْقَضَت بِوَضْعِهِ، وَإِن كَانَ من الزِّنَى لَا تَنْقَضِي الْعدة بِوَضْعِهِ، فَإِن قَالُوا: مَا صرتم إِلَيْهِ يمْنَع شرع الْعدة فِي حق غير الْحَامِل، قُلْنَا: الْحَائِل إِن كَانَت غير ممسوسة فَلَا عدَّة، وَإِن مَسهَا فَهُوَ سَبَب ظَاهر فِي الْحمل فَتعْتَد لَهُ، فالعدة زمَان ضرب لحفظ الْوَلَد إِمَّا علما أَو ظنا، وَأما عدَّة الْوَفَاة، فَإِن كَانَت مَوْطُوءَة فنهج القَوْل مَا سبق، وَإِن كَانَت غير ممسوسة، فَهُوَ زمَان حداد إِظْهَارًا للتأسف.
وعدة الصبية والآيسة على خلاف القياسين حفظ الْحمل وَبَرَاءَة الرَّحِم فقد فقدا جَمِيعًا فَلَا يرد نقضا) .
وَجَوَاب الْآيَة أَنَّهَا دَلِيل على انْقِضَاء أجل (الْحمل لَا غير فَيتَنَاوَل حد
(4/321)

حمل لَهُ أجل مَضْرُوب شرعا وَحمل الزِّنَى لَيْسَ لَهُ أجل تتناوله الْآيَة، أما حمل الشُّبْهَة فينقضي أَجله بِوَضْعِهِ وَلَا يلْزم انْقِضَاء حق) الزَّوْج، وَالْخَبَر ورد فِي وَاقعَة عين فيلتحق بهَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، وَلم يثبت أَن ذَلِك الْحمل كَانَ من غير زوج وَلَو كَانَ الْمَقْصُود الْبَرَاءَة لحصل إِذا كَانَ حمل الزَّانِي مُسْتَيْقنًا فَإنَّا نعلم يَقِينا فراغها من مَاء الزَّوْج.
الثَّلَاثَة قُرُوء عندنَا أطهار وَبِه قَالَ مَالك، وَعِنْدهم حيض.
(4/322)

الْمُعْتَدَّة: لَا تخرج من دَار الطَّلَاق إِلَّا بِفَاحِشَة، وَقيل: هِيَ إِيذَاء الأحماء ببذاء اللِّسَان.
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْفَاحِشَة: الزِّنَى.
الإمامية: الْآيَة من النِّسَاء بِالسِّنِّ لَا عدَّة عَلَيْهَا، وعدة الْحَامِل الْمُطلقَة أقرب الْأَجَليْنِ المتوفي عَنْهَا زَوجهَا أبعد الْأَجَليْنِ.
(4/323)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفب:)

إِذا أقرَّت بِانْقِضَاء عدتهَا ثمَّ أَتَت بِولد يحْتَمل أَن يكون الْعلُوق (بِهِ من النِّكَاح) .
الْمَذْهَب: لحق النّسَب مَا لم تنْكح زوجا يحْتَمل الْعلُوق مِنْهُ.
عِنْدهم: لَا يلْحق النّسَب.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... ...
لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْوَلَد للْفراش ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(4/324)

وجد سَبَب ثُبُوت النّسَب فَثَبت دَلِيل وجود النّسَب توهم الْعلُوق فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يُمكن اعْتِبَار سَبَب سوى هَذَا لتعذر ظُهُور الْوَطْء وَالْمَاء فَيبقى التَّوَهُّم خَاصَّة إحتياطا فِي إثْبَاته لحق الْوَلَد فَصَارَ كَمَا قبل الْإِقْرَار.
لَهُم:
أَتَت بِولد يُمكن أَن يكون الْعلُوق بِهِ بِوَطْء حَادث بعد الْإِقْرَار فَلَا يثبت النّسَب من الأول كَمَا لَو تزوجته، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أمينة على الْعدَد فَإِذا أمكن حمل قَوْلهَا على الصدْق حمل؛ لِأَن الْأمين لَا يكذب فِي خَبره مَعَ وجود مَحل الصدْق.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
نبحث عَن معنى الحَدِيث؛ وَمَعْنَاهُ: الْوَلَد لصَاحب الْفراش فَإِنَّهُ سيق لبَيَان نِسْبَة الْوَلَد إِلَى أَبِيه، لِأَن نسب الْأُم ظَاهر فَتَارَة يعلق الحكم على
(4/325)

حَقِيقَة الاستفراش كَوَطْء الشُّبْهَة إِجْمَاعًا، وَالْوَطْء فِي ملك الْيَمين عندنَا، وَتارَة يعلق على النِّكَاح الَّذِي هُوَ مَظَنَّة الاستفراش لعسر الإطلاع على حَقِيقَة الْوَطْء فمهما أمكن إِلْحَاق الْوَلَد بِهِ لحق إِلَّا إِذا تعذر ذَلِك إِمَّا بِانْقِضَاء أقْصَى مُدَّة الْحمل أَو بِنِكَاح آخر وَلَا نظر إِلَى انْتِفَاء الْفراش حَالَة الِانْفِصَال كَمَا فِي وَطْء الشُّبْهَة وَملك الْيَمين بل نراعيه حَالَة إِمْكَان الْعلُوق، يدل عَلَيْهِ إِذا جَاءَت بِولد فِي عدَّة البائنة بِحَيْثُ يُمكن استتار الْعلُوق إِلَى النِّكَاح إِذْ النّسَب يلْحقهُ مَعَ انْتِفَاء الْفراش بِالطَّلَاق الثَّلَاث.
(4/326)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفج:)

العدتان من رجلَيْنِ.
الْمَذْهَب: لَا تتداخلان.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} ، وَقَوله: {فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها} كل ذَلِك إِشَارَة إِلَى طلب فعل مِنْهَا وَهُوَ فعل الْكَفّ عَن النِّكَاح وأسبابه من الزِّينَة والتبرج، وَلَا يخفى أَدَاء حقين بِأَحَدِهِمَا.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا بلغن أَجلهنَّ} ، وَقَوله: {أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} ، وَالْأَجَل زمَان تَأْخِير الحكم بعد انْعِقَاد السَّبَب كَذَلِك الطَّلَاق
(4/327)

يَقْتَضِي ردهَا إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل النِّكَاح منطلقة، وتأخيره لتعرف بَرَاءَة الرَّحِم، فَإِذا انْقَضى أقْصَى الْأَجَليْنِ اندرج فِيهِ أقربهما كآجال الدُّيُون.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
إِذا فعلين فِي مَحل وَاحِد فِي وَقت وَاحِد غير مَعْقُول كصومي ظِهَار وَيَمِين وَلَا فرق بَين الْعدة وَالصَّوْم فِي كَونهمَا إمساكين وَإِن اخْتلفَا فِي الممسك عَنهُ وَفِي زمَان الْإِمْسَاك.
لَهُم:
الْمَقْصُود تَأْخِير النِّكَاح إِلَى مُضِيّ الْأَجَل، وَترك أَشْيَاء مُتعَدِّدَة فِي وَقت وَاحِد مُمكن، فَإِن الْجمع بَين الصَّلَاة والزنى فِي وَقت وَاحِد (محَال وتركهما فِي وَقت وَاحِد) مُمكن فَصَارَ كَمَا لَو حرم الْجِمَاع على الْمَرْأَة بِالصَّوْمِ وَالْإِحْرَام وَالْحيض، فَإِن الِانْتِهَاء عَن الْكل فِي (حَالَة وَاحِدَة) مُمكن.
مَالك:
أَحْمد:
(4/328)

التكملة:
مدَار نَظرنَا على الْجمع بَين التَّعَبُّد والبراءة والتربص والكف والانتهاء إِلَى مُدَّة والخصم يَبْنِي على إبِْطَال الْجَمِيع وَتَجْرِيد التّرْك الْمَحْض، فمسلكنا أولى فِي الِاحْتِيَاط ونفرض فِي الْحَائِل الْمُعْتَدَّة من الزَّوْج ثمَّ وطِئت بِشُبْهَة، فَنَقُول: حمل من غير الزَّوْج فَلَا تَنْقَضِي بِهِ عدَّة الزَّوْج كالحمل من الزِّنَى إِذا كَانَ الْحمل طارئا وَقد سلموه وَالْأَصْل شَاهد وَالْمعْنَى مُنَاسِب وَتَسْمِيَة الْعدة أَََجَلًا خطأ، فَإِن الْعدة اسْم لجَمِيع هَذِه الْمدَّة وَالْأَجَل غَايَة كل مُدَّة مقدرَة ومنقطعها قَالَ تَعَالَى: {فَإِذا بلغن أَجلهنَّ} ، وَقَالَ: {فَإِذا جَاءَ أَجلهم} ثمَّ الْمدَّة المضروبة تَنْقَسِم إِلَى مَا شرعت لتأخير حق العقد لسَبَب كأجل الدّين، وَإِلَى مُدَّة يُوفى فِيهَا حق كَالْإِجَارَةِ {فَلَمَّا قضى مُوسَى الْأَجَل} ، وَمَا نَحن فِيهِ من هَذَا الْقَبِيل وَمَا ذَكرُوهُ من الْقَبِيل الأول، وَالدَّلِيل على أَن الْبَرَاءَة لَيست كل الْقَصْد أَنه لَو علق طَلاقهَا
(4/329)

على بَرَاءَة رَحمهَا وَوَقع الطَّلَاق اعْتدت، وَأما انْقِضَاء الْعدة مَعَ الْجُنُون وَالْإِغْمَاء فَتلك أَحْوَال نادرة لَا تنقص الْأَجَل كَمَا فِي الصَّوْم، وَأما تدَاخل عدتي شخص نمْنَع، وَإِن سلمنَا، فالمستحق وَاحِد فَصَارَ كتعدد الوطيات مِنْهُ، وَمِثَال ذَلِك جراحتان من شخص وَاحِد وجراحتان من شَخْصَيْنِ.
(4/330)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفد:)

إِذا انعتقت أم الْوَلَد إِمَّا بِعِتْق السَّيِّد أَو بِمَوْتِهِ.
الْمَذْهَب: تربصت قرءا وَاحِدًا.
عِنْدهم: اعْتدت ثَلَاثَة أَقراء.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... ...
(4/331)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تربص سَببه الْوَطْء فِي ملك يَمِين فَيقدر بقرء وَاحِد كاستبراء الْأمة الْمُشْتَرَاة، وَتَحْقِيق وصف الْعلَّة الْمُنَاسبَة، لِأَن الْوَطْء سَبَب شغل الرَّحِم وَالْحَاجة ماسة إِلَى تعرف الْبَرَاءَة والمدة المضروبة صَالِحَة للتعرف، وَالْمعْنَى مُنَاسِب، وَالْأَصْل شَاهد، لَا فرق إِلَّا أَن الِاسْتِبْرَاء بعد سَبَب الْحل وَهُوَ الشِّرَاء وَفِي الْفَرْع بعد الْحل وَهُوَ النِّكَاح.
لَهُم:
الْعدة قَضَاء لحق الْفراش بِاسْتِيفَاء أَثَره بعد زَوَاله، والفراش هَاهُنَا ثَابت بِدَلِيل ثُبُوت النّسَب من غير استلحاق فَوَجَبَ قَضَاء حَقه بِالثلَاثِ ونقصان الْفراش إِن سلم فَلَا يزِيد على عَدمه وَلَو ظن أَنَّهَا مَنْكُوحَة اعْتدت بِثَلَاثَة أَقراء فالناقص أولى.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
قَضَاء حق الْوَارِث غير مَعْقُول فَلَا نَتْرُك الْمَعْنى الْمُخْتَار من طلب
(4/332)

الْبَرَاءَة، بِمَا لَا يعقل كَيفَ وَإِنَّمَا استقام لَهُم تِلْكَ الدَّعْوَى فِي النِّكَاح بعد الْوَفَاة فَإِنَّهَا وَجَبت من غير مَسِيس، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي مَحل النزاع، وعَلى التَّسْلِيم نقُول: الْفراش نَاقص، بِدَلِيل أَن الْوَلَد يَنْتَفِي مِنْهُ بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاء لَا بِاللّعانِ والجبر بِالْحُرِّيَّةِ الطارية بعد الْفراش غير مَعْقُول؛ لِأَنَّهُ لَا يلتقي الجابر بالمجبور، كَيفَ وَالْحريَّة تنَافِي فرَاش ملك الْيَمين فَكيف تجبر نَقصه.
(4/333)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفه.)

الْمُعْتَدَّة الْبَائِن الْحَائِل.
الْمَذْهَب: لَا تسْتَحقّ نَفَقَة الْحَامِل لَكِن تسْتَحقّ السُّكْنَى.
عِنْدهم: تسْتَحقّ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول: لنا قَوْله تَعَالَى: {أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم وَلَا تضاروهن لتضيقوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كن أولات حمل فأنفقوا عَلَيْهِنَّ} فإطلاق الْمسكن (فِي جملَة) المطلقات وَتَخْصِيص النَّفَقَة بأولات الْحمل دَلِيل التَّخْصِيص قَالَت فَاطِمَة بنت قيس: طَلقنِي زَوجي ثَلَاثًا فَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا
(4/334)

سُكْنى لَك وَلَا نَفَقَة " وَالْخَبَر صَحِيح.
لَهُم:
لما سمع عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ خبر فَاطِمَة بنت قيس قَالَ: كَيفَ نَدع كتاب رَبنَا بقول امْرَأَة لَعَلَّهَا أنسيت أَو شبه عَلَيْهَا ففهم عمر من كتاب اللَّهِ تَعَالَى إِيجَاب السُّكْنَى وَالنَّفقَة وبمقتضى ذَلِك رد قَوْلهَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ملك وَجب بِسَبَب الزَّوْجِيَّة على وَجه نَفَقَة الزَّوْجَات فَتسقط بِانْقِطَاع الزَّوْجِيَّة، وَقد انْقَطَعت بالبتات من كل وَجه وَلَيْسَ للزَّوْج عَلَيْهَا ملك يَد.
لَهُم:
محبوسة عَن نِكَاحه فاستحقت النَّفَقَة كالرجعية؛ لِأَن الْعدة للنِّكَاح بِدَلِيل عدَّة الْوَفَاة حَيْثُ لَا مَاء وَلَا يَد وَالْيَد قَائِمَة بعد الطَّلَاق، فَوَجَبت النَّفَقَة لِأَن الْحَبْس يُوجب ذَلِك وَصَارَ كرزق الْحَاكِم والمفتي لما عطلوا عَن المكسب
(4/335)

وَجَبت نَفَقَتهم فِي بَيت المَال،، وَكَذَلِكَ وَجَبت لَهَا السُّكْنَى.
مَالك: ق.
أَحْمد: لَا نَفَقَة لَهَا وَلَا سُكْنى.
التكملة:
قَالُوا: الْآيَة نبهت بالأعلى على الْأَدْنَى، فَإِن مُدَّة الْحمل تزيد على مُدَّة الْأَقْرَاء، قُلْنَا: الْأَمر بِالْعَكْسِ فَإِن الْحمل لَا يزِيد على سنتَيْن عِنْدهم (وَالْأَمر إِنَّمَا يبلغ سِنِين) ، فَإِن زَعَمُوا أَن فِي الْقِرَاءَة تَقْدِيمًا أَو تَأْخِيرا فالقرآن لَا يثبت بالرواية الشاذة، ومطلع النّظر أَن الْعدة حكم الْوَطْء الْمُحْتَرَم وَالنِّكَاح مُنْقَطع بِجَمِيعِ علائقه فَلَا تبقى نَفَقَة وَكَلَامهم يبتني على أَن نَفَقَة النِّكَاح بِالْحَبْسِ وَأَن حبس النِّكَاح بَاقٍ فَلَا تسلم بل هِيَ محتبسة بِقَضَاء حق التزمته بِالْعقدِ، وزمان تَسْلِيم الْمُسْتَحق لَا يضمن كمن اشْترى شَيْئا لَا يُمكن تَسْلِيمه إِلَّا فِي أَيَّام فالبائع محتبس بِتَسْلِيمِهِ فِي تِلْكَ الْأَيَّام بِغَيْر نَفَقَة من الْمُشْتَرى فالنفقة إِذا بتعطيل مَنَافِعهَا فَإِنَّهَا تبقى مرصدة لحظ الزَّوْج فِي زمن الْعدة يتَمَكَّن من مَنَافِعهَا وَأكْثر مَنَافِع النِّسَاء فِي الْبيُوت لَا فِي الْأَسْوَاق ثمَّ
(4/336)

الْحَبْس هَاهُنَا للشَّرْع وَهَذَا لَا يسْقط بِإِسْقَاط الزَّوْج وَنَفَقَة الْحَامِل بِسَبَب الْحمل وَهِي أَحَق النَّاس بِولَايَة الْحمل.
(4/337)

(اللوحة 69 من المخطوطة أ:)

جَاءَت هِنْد زَوْجَة أبي سُفْيَان إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَت: يَا رَسُول اللَّهِ إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح لَا يعطيني مَا يَكْفِينِي إِلَّا مَا أخذت مِنْهُ سرا فَهَل فِي ذَلِك شَيْء؟ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ السَّلَام: " خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ ".
فَوَائِد الحَدِيث: أَنه يجوز للْمَرْأَة أَن تخرج من بَيتهَا لحَاجَة، وَأَن تستفتي الْعلمَاء فِيمَا يعرض لَهَا، فَإِن صَوتهَا لَيْسَ بِعَوْرَة، وَأَن للْإنْسَان أَن يذكر مَا فِي غَيره من عيب عِنْد حَاجته إِلَى ذَلِك، وَأَن الْحَاكِم يحكم بِعِلْمِهِ، وَأَنه يقْضِي على الْغَائِب، وَالْأَشْبَه أَنه أفتاها لَا قضى لَهَا، فَإِن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضرا، وَأَن المراة تلِي نَفَقَة وَلَدهَا، وَأَن من لَهُ حق على غَيره يجوز أَن
(4/338)

يَأْخُذ مِنْهُ بِغَيْر علمه، وَأَنه يجوز أَن يكون من جنس حَقه، وَأَن نَفَقَتهَا وَنَفَقَة وَلَدهَا وَاجِبَة بِالْمَعْرُوفِ، وَأَن النَّفَقَة على الْأَب دون الْأُم، وَاعْلَم أَن الرَّضَاع الَّذِي تتَعَلَّق بِهِ الْحُرْمَة خمس رَضعَات متفرقات إِذا استعط بِاللَّبنِ خمس مَرَّات تعلق بِهِ التَّحْرِيم؛ لِأَن الرَّأْس جَوف، إِذا حقن بِهِ قَولَانِ عِنْدهم تثبت الْحُرْمَة برضعة وَاحِدَة، ومعتمدنا قَول عَائِشَة رَضِي اللَّهِ عَنْهَا: أنزل فِي الْقُرْآن عشر رَضعَات مَعْلُومَات نسخ مِنْهَا خمس وَبقيت خمس رَضعَات مَعْلُومَات وَتُوفِّي رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَالْأَمر كَذَلِك، والاعتراض عَلَيْهِ أَن اللَّهِ تَعَالَى علق الْحُرْمَة بِمُطلق الرَّضَاع فَقَالَ: {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم} وَالتَّقْيِيد بالخمس زِيَادَة على النَّص (وَذَلِكَ) نسخ فَيمْتَنع بِخَبَر الْوَاحِد، وَقد أجبنا عَن هَذَا الْمَعْنى.
(4/339)

وَالدَّلِيل على إبِْطَال مَذْهَبهم قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا تحرم المصة وَلَا المصتان وَلَا الإملاجة وَلَا الإملاجتان "، فَإِن زَعَمُوا أَنه نسخ حَتَّى سُئِلَ ابْن عَبَّاس أَن نَاسا يَقُولُونَ: الرضعة الْوَاحِدَة لَا تحرم فَقَالَ: كَانَ ذَلِك ثمَّ نسخ عارضناهم بقول عَائِشَة، فَإِن استروحوا إِلَى الْقيَاس على الْوَطْء فِي إِثْبَات حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وارتباطه بِهِ دون الْعدَد وَقَالُوا: إِذا لم يعْتَبر كَمَال مُدَّة الرَّضَاع، فَلَا مرد لَهُ إِلَّا مُجَرّدَة، قُلْنَا: هَذَا جمع بِالْقِيَاسِ فِي مَحل الْفرق بِالنَّصِّ ثمَّ الْفَارِق الْمَعْنَوِيّ أَن الْوَطْء سَبَب الْحُرْمَة من حَيْثُ إِنَّه سَبَب النّسَب بالعلوق وَهَذَا الْمَعْنى لَا يزْدَاد بالتكرار، فَإِن المحبل مِنْهَا وَاحِدَة والإرضاع سَبَب الْحُرْمَة بِاعْتِبَار مَا فِيهِ من النشز وَهَذَا يخْتَلف بالقلة وَالْكَثْرَة فَقضى الشَّرْع بِأَن الْكثير مُعْتَبر وَضبط ذَلِك بالخمس.
(4/340)

(النَّفَقَات وَالرّضَاع والتخلي)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفو.)

الْإِعْسَار بِالنَّفَقَةِ.
الْمَذْهَب: يُوجب فسخ النِّكَاح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ تَعَالَى: {فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان} ، وَقَالَ: {فأمسكوهن بِمَعْرُوف أَو فارقوهن بِمَعْرُوف} ، وَجه الِاسْتِدْلَال: أَن
(4/341)

التسريح بِالْإِحْسَانِ مُتَعَيّن عِنْد فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ.
لَهُم: ... ... ... ... . .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
نقُول: يتَعَيَّن التسريح وَلَا نتعرض لبَيَان أَنه فسخ أَو طَلَاق، بل إِذا امْتنع الزَّوْج عَنهُ تولاه الْحَاكِم كَسَائِر الْحُقُوق، وَالنَّفقَة حق ثَبت فِي النِّكَاح كِفَايَة لحاجتها (يتَكَرَّر مَعَ الْأَيَّام) ، ويتأيد بِفَسْخ نِكَاح الْمَجْبُوب والعنين،
(4/342)

بل أولى، فمدافعة الْبَاءَة، أيسر من مدافعة الْجُوع.
لَهُم:
النَّفَقَة تَابِعَة للنِّكَاح، فَإِنَّهُ لَيْسَ من عُقُود الْمُعَاوَضَات واكتساب المَال فَلَا يَنْفَسِخ بهَا، وَإِنَّمَا يَنْفَسِخ بِمَا هُوَ أصل فِيهِ وَهُوَ الْوَطْء، ثمَّ إِن اللَّهِ أنظر الْمُعسر (فَمَا) مضى مُنْقَطع الْمُطَالبَة، وَلَا تجب نَفَقَته مَا لم يَأْتِ فَكيف يفْسخ، ثمَّ المَال يُمكن تَحْصِيله من جِهَات فَلَا يَنْفَسِخ بفواته بِخِلَاف الْوَطْء وَالِاعْتِبَار بِنَفَقَة الْمُسْتَوْلدَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
نمْنَع كَون المَال تبعا بل شرع صِيَانة للنِّسَاء لضعفهن، فالبعل يَكْفِي الْمَرْأَة ويحصنها وَلَيْسَ الْوَطْء كل الْمَقْصد، فَإِن النِّكَاح ينْعَقد بِدُونِهِ فِي صُورَة الرتقاء والعنين وَلَا يتَصَوَّر قيام العقد بالتوابع، فَلَو كَانَ المَال تَابعا لما انْعَقَد
(4/343)

نِكَاح رتقاء بعنين وَفضل الْأَنْصَار، وَانْقِطَاع الْمُطَالبَة مُسلم، وَذَلِكَ لَا يمْنَع ثُبُوت الْفَسْخ، فالمجبوب لَا يُطَالب بِالْوَطْءِ، وَيفْسخ نِكَاحه، ثمَّ الْغَالِب من حَال النِّسَاء الْعَجز عَن الْكسْب وَعِنْدهَا نقُول: التسريح بِالْإِحْسَانِ مُعْتَبر بِنَصّ الشَّرْع فليحاكم إِلَى الْإِنْصَاف أرفع العقد عَنْهَا لمتحصن بِزَوْج أحسن آخر فِي مناهج الشَّرْع أم رفع الْحَبْس على مَا يَقُولُونَ حَتَّى تتخلى عَن الْقَيْد وتتردد فِي طلب المعاش مَعَ مَا عَلَيْهِ الْخلق من دواعي الْفساد؟ وَلَا يخفى أَن الأول أولى.
(4/344)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفز.)

نَفَقَة الْأَقَارِب.
الْمَذْهَب: تخْتَص بالأصول وَالْفُرُوع.
عِنْدهم: تثبت لكل ذِي رحم محرم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... ...
لَهُم:
قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّقوا اللَّهِ الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام} أَي والأرحام أَن تقطعوها، وَقَوله: {وتقطعوا أَرْحَامكُم} ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: أَنا الرَّحْمَن وَهَذَا الرَّحِم شققت لَهُ اسْما من اسْمِي فَمن
(4/345)

وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته ". فَنَقُول: وَمن صلَة الرَّحِم النَّفَقَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْقَرَابَة سَبَب استلحاق النّسَب وبعموم وصفهَا لَا يعْتَبر، والنزاع فِي تعْيين الْقَيْد الشَّرْعِيّ شرطا مَعهَا أهوَ الْحُرِّيَّة أم الرَّحِم.؟ وَالْحريَّة كَمَال قرَابَة لَهَا مزِيد تَأْثِير فَهِيَ رحم وَزِيَادَة وَمَعَهَا اقتران بِموضع الْإِجْمَاع معنى لَهُ مزِيد مُنَاسبَة لم يجز حذفه عَن دَرَجَة الِاعْتِبَار.
لَهُم:
الرَّحِم قرَابَة تحرم القطيعة فتوجب صلَة الْإِنْفَاق، ويتأيد بِتَحْرِيم النِّكَاح لما فِيهِ من الاستفراش وَالْجمع بَين محرمين كَيْلا تحدث الْبغضَاء، وَلَا ننكر اخْتِصَاص الْحُرِّيَّة بمزيد تَأْكِيد أوجب لَهُ النَّفَقَة مَعَ اخْتِلَاف الدّين وَذَلِكَ لَا يمْنَع إِلْحَاق الرَّحِم بِهِ كَالْإِرْثِ يقدم فِيهِ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب مَعَ الِاشْتِرَاك فِي أصل الْمِيرَاث
مَالك: لَا تجب على الْجد نَفَقَة، وَلَا تجب نَفَقَة الْأُم.
(4/346)

أَحْمد: تجب على الْوَارِث كالأخ وَابْنه وَالْعم وَابْنه.
التكملة:
يتأيد مزِيد الْحُرِّيَّة بِإِيجَاب نَفَقَة المولودين.
وَاعْلَم أَنه يتعارض فِي الْمَسْأَلَة أصلان؛ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُقَال: الأَصْل أَلا تجب نَفَقَة أحد على أحد، فَإِن الْملك مَعْصُوم وفقر الْقَرِيب مرصد لَهُ بَيت المَال، فَحَيْثُ وَجَبت النَّفَقَة لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوع قبلنَا وَبَقِي مَا عداهُ على الأَصْل، وَيحْتَمل أَن يُقَال: الأَصْل نَفَقَة كل فَقير لكَون المَال مخلوقا للْمصَالح غير أَن ذَلِك على الْإِطْلَاق لَا يُمكن فَأثْبت ضرب من الِاخْتِصَاص وَهُوَ الْملك، فالفاضل عَن الْحَاجة لَا يحل مَنعه عَن حَاجَة الْغَيْر فَحَيْثُ منع الْإِجْمَاع عَن الْأَجَانِب بَقِي فِي الْأَقَارِب على الأَصْل، وَحَاصِل كَلَامهم الِاسْتِدْلَال بِتَحْرِيم القطيعة على إِيجَاب الصِّلَة وَذَلِكَ فَاسد، فَإِن القطيعة إِضْرَار والصلة نفع، وَلَيْسَ فِي وجوب كف الْأَذَى مَا يُوجب احْتِمَال المؤونة كَمَا فِي حق جَمِيع الْمُسلمين فثم دَرَجَة وسطى وَهِي أَلا ينفع وَلَا يضر، وَتَحْرِيم النِّكَاح لَا يعقل مَعْنَاهُ، وَلَو تركنَا وَالْقِيَاس لما اهتدينا إِلَيْهِ، وَلَا تقاس عَلَيْهِ النَّفَقَة.
(4/347)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفح.)

نَفَقَة الزَّوْجَة.
الْمَذْهَب: تتقرر فِي الذِّمَّة وَلَا تسْقط بمرور الزَّمَان.
عِنْدهم: ف إِلَّا أَن يقررها الْحَاكِم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... ... .
(4/348)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَال وَجب فِي الذِّمَّة، فَلَا يسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان كالمهر والديون، ذَلِك لِأَن الْوَاجِب حق الْمَرْأَة، وَالْأَصْل أَن الْحق الْمَعْصُوم لَا يسْقط دون الِاسْتِيفَاء ومرور الزَّمَان يُنَاسب تَأْكِيد الْحُقُوق، وَالسَّبَب الْحَبْس أَو تَفْوِيت مَنَافِع الزَّوْجَة على اخْتِلَاف المذهبين وَقد تقررا بكمالهما فَلم يسْقط الْعِوَض.
لَهُم:
نَفَقَة لَا تقرر فِي الذِّمَّة كَنَفَقَة الْقَرِيب، ذَلِك لِأَن الْوَاجِب كِفَايَة الْوَقْت والماضي تستحيل كِفَايَته لتقضيه، نعم إِذا اتَّصل بِهِ الْقَضَاء تقرر؛ لِأَن فِيهِ مشابة الأعواض لكَونه وَاجِبا فِي عقد مُعَاوضَة، وَنَفَقَة الْقَرِيب مَحْض صلَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: رِوَايَتَانِ.
التكملة:
رُبمَا يتخيل أَن نَفَقَة الْقَرِيب تسْقط وَلَيْسَ كَذَلِك، لَكِن بَقَاء وَاجِب الْيَوْم يمْنَع وجوب نَفَقَة غَد، فَإِن شَرط وُجُوبهَا الْحَاجة وَهُوَ مستغن بِوَاجِب أمس الْبَاقِي فِي ذمَّة الْقَرِيب، فَصَارَ كَمَا لَو اسْتَوْفَاهُ وَلم يَأْكُلهُ، وكما لَو اسْتغنى
(4/349)

بدين لَهُ على غَيره بِخِلَاف الْمُتَنَازع فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تشْتَرط فِيهِ الْحَاجة بل لَو كَانَت غنية وَجَبت نَفَقَتهَا، وَالْفرق بَين النفقتين تقرر نَفَقَة بِقَضَاء القَاضِي دون نَفَقَة الْقَرِيب، كَمَا قَالُوا: كَيفَ توجبون الْقَضَاء وَهُوَ مَجْهُول الْقدر؟ ، قُلْنَا: هُوَ متقدر عندنَا على الْمُوسر والمعسر تلقيا من الْكتاب الْعَزِيز وَتَقْدِير طَعَام الْمَسَاكِين فِي الْكَفَّارَات.
(4/350)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رفط:)

إِذا ارتضع الصَّبِي من ثدي ميتَة.
الْمَذْهَب: لم تثبت حُرْمَة الرَّضَاع. .
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... . .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الرَّضَاع مَا أنبت اللَّحْم "، وَهَذَا رضَاع.
(4/351)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
جثة منفكة عَن الْحل وَالْحُرْمَة فَلَا يتَعَلَّق بلبنها حُرْمَة الرَّضَاع كالبهيمة، ذَلِك؛ لِأَن الْأُخوة فِي النّسَب وَالرّضَاع لسَبَب قرَابَة لاصقة بَينهمَا، وَإِنَّمَا هِيَ فرع الأمومة، فَإِذا بطلت الأمومة بَطل مَا يتَعَلَّق بهَا.
لَهُم:
نقيس على حَال الْحَيَاة، وَالْمُنَاسِب فِي الْجَمِيع أَن منَاط حُرْمَة النّسَب وَالرّضَاع هِيَ الْجُزْئِيَّة، وَذَلِكَ ثَابت بَين المرتضعين، وَمَوْت الْمَرْأَة لَا يفكها عَن الْحُرْمَة، فَإِنَّهَا تبقى محلا لحل النّظر واللمس، وَلَيْسَ اللَّبن للميتة، وَإِنَّمَا حصل حَال الْحَيَاة، فَصَارَ كلبن فِي ظرف (نجس) .
(4/352)

مَالك: ف.
أَحْمد: ف.
التكملة:
مُجَرّد وُصُول اللَّبن المغذي إِلَى جَوف الصَّبِي عديم الْأَثر فِي الحكم، فَإِن جَمِيع الأغذية فِي مَعْنَاهُ وَلَا حكم لَهَا فَلَا يتم الْكَلَام إِلَّا بِنِسْبَة اللَّبن إِلَى صَاحب اللَّبن وتلقي الحكم مِنْهَا، وَلَا نسلم أَن اللَّبن جُزْء لِأَن الْجُزْئِيَّة سَبَب التَّحْرِيم، وَإِن سلمنَا فَلَيْسَتْ الْأُخوة جزئية لاصقة، أما إِذا حلب اللَّبن فِي إِنَاء وَسقي الصَّبِي بعد موت الْمَرْأَة إِن ألزمونا هَذِه الْمَسْأَلَة منعنَا منعا محتجا فِي الْمَذْهَب مأخذه اسْتِحَالَة الأمومة.
(4/353)

(الْمَسْأَلَة التِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رص.)

التخلي لنوافل الْعِبَادَة.
الْمَذْهَب: أفضل من النِّكَاح.
عِنْدهم: النِّكَاح أفضل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا} والحصور: هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء مَعَ الْقُدْرَة، وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " أحب الْمُبَاحَات إِلَى اللَّهِ النِّكَاح "؛ سَمَّاهُ مُبَاحا، وَقَوله: " ثوابك على قدر نصبك "، وتعب الْعِبَادَة أَكثر.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {فانكحوا مَا طَابَ لكم} ، وَقَول النَّبِي غ = عَلَيْهِ السَّلَام:
(4/354)

" تناكحوا تكثروا " " وَيَا معشر الشَّبَاب عَلَيْكُم بِالنِّكَاحِ، من تزوج فقد أحصن ثُلثي دينه "، وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يواظب عَلَيْهِ. وَقَالَ الْبَراء: زوجوني زوجوني لَا ألْقى اللَّهِ عزبا، فَإِن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " شِرَاركُمْ عُزَّابُكُمْ ".
(4/355)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وجد سَبَب زِيَادَة الثَّوَاب فِي جَانب الْعِبَادَة فَوَجَبَ أَن يكون ثَوَابهَا أَكثر، كل ذَلِك حث عَلَيْهَا فَفِي النِّكَاح من دَعْوَى الطَّبْع مَا يَكْفِي فِي الْحَث عَلَيْهِ.
لَهُم:
عقد تتَعَلَّق بِهِ مصَالح دينية ودنيوية، فَوَجَبَ أَن يكون أولى من النَّوَافِل قِيَاسا على الْإِمَامَة وَالْقَضَاء فجهة الْمصَالح الدِّينِيَّة مُتَابعَة الْأَمر وصون الْفرج وَتَحْصِيل الْوَلَد من المصلحتين، والدنيوية الاعتضاد والسكن وَغير ذَلِك.
مَالك:
أَحْمد:
(4/356)

التكملة:
الْأَوَامِر لَا تدل على الْوُجُوب مُطلقًا، بل بإزائها أوَامِر بِالْعبَادَة، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم} ، {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} ثمَّ مَا ذكر من قيام الْغَرَض يحصل بالتواق، وَكَذَلِكَ صون الْفرج يخَاف على التائق، وعَلى الْجُمْلَة الْأَوْلَوِيَّة متعارضة وَرُبمَا كَانَت مُتَقَارِبَة لَكِن إِذا حققنا جِهَة غير التائق كَانَت الْعِبَادَة أولى، فَإِن النِّكَاح مَعَ مَا فِيهِ من الْمصَالح يُوقع أَيْضا فِي مَحْظُورَات بِسَبَب اكْتِسَاب المَال والمداراة الَّتِي رُبمَا لم يقم بهَا فَإِن حصل مصلحَة فقد فَاتَهُ مصَالح.
(4/357)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(4/358)

(كتاب الْجِنَايَات)
(4/359)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
(4/360)

(كتاب الْجِنَايَات)

(اللوحة رقم 70 من المخطوطة أ:)

مَسْأَلَة: الْمُسلم بالذمي مَبْنِيَّة على أَنَّهُمَا متفاوتان فِي الْعِصْمَة عندنَا، وَعِنْدهم متساويان، فَنَقُول أَولا فِي بَيَان الْعِصْمَة: إِنَّهَا معنى شَرْعِي مُقَدّر فِي الْمحل يَقْتَضِي صيانته بِقدر الْإِمْكَان، وَمن آثارها تَحْرِيم إِتْلَافه وتأثيم الْمُتْلف وَإِيجَاب الضَّمَان عَلَيْهِ وَالْقصاص، والخصم يعْتَقد أَن الْقصاص شرع زجرا فَهُوَ جَزَاء الْقَتْل عَاجلا كالعقوبة الأخروية، ومعتقدنا أَن الْقصاص أحد الضمانين ثمَّ الْكَفَّارَة، ونظن أَنَّهَا بدل الْمحل، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَنَّهَا تجب فِي الظِّهَار والحنث، وَلَيْسَ ثمَّ مَحل مَضْمُون وَإِنَّمَا وَقع هَذَا فِي الخيال من جَزَاء الصَّيْد، فَإِنَّهُ ينحى بِهِ نَحْو الْإِبْدَال وَقد يُسمى كَفَّارَة على الْحَقِيقَة شرعت لتمحو أثر الْفِعْل، فَإِن قيل: الْعِصْمَة عبارَة عَن الْمَنْع الشَّرْعِيّ من الْفِعْل وَذَلِكَ يعم قتل الْمُسلم وَالذِّمِّيّ على سَوَاء وَالْمعْنَى الْمُقدر فِي الْمحل
(4/361)

غير مَعْقُول، قُلْنَا المقدرات الشَّرْعِيَّة تعرف بأسبابها وآثارها كالملك الْمُقدر فِي الْمحل يعرف بِسَبَبِهِ وَهُوَ إِطْلَاق التَّصَرُّف فَإِن الْمُقدر فِي الْمحل يعرف بِسَبَبِهِ وَهُوَ البيع وأثره وَهُوَ إِطْلَاق التَّصَرُّف، فَإِن الْمُقدر الشَّرْعِيّ لَا يحسن، وَإِنَّمَا يعرف بمقتضيه وَمُقْتَضَاهُ كَذَلِك الْعِصْمَة، فَإِن الْمحل إِذا كَانَ كَافِرًا ثمَّ أسلم تَغَيَّرت أَحْكَامه حَتَّى ارْتبط بقتْله مَا لم يكن قبل وَحَال الْقَاتِل تخْتَلف بِكفْر الْمَقْتُول وإسلامه فَعرف أَن تغير الْأَحْكَام لاخْتِلَاف حَال الْمحل فالحال الْحَادِثَة منَاط هَذِه الْأَحْكَام وَهِي الْمُسَمَّاة عصمَة وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: " عصموا منى دِمَاءَهُمْ "، ثمَّ الْمحل مَعْصُوم فِي حق الصَّبِي، وَلَو كَانَت الْعِصْمَة خطابا للْفَاعِل لاستحالت فِي حق الصَّبِي، وَاعْلَم أَنه يَنْبَغِي للسَّائِل أَن يكْشف مَا يسْأَل عَنهُ ليَقَع الْجَواب بِحَسبِهِ، فَإِنَّهُ لَو قَالَ: مَا تَقول فِي النَّبِيذ؟ لم يحسن؛ لِأَنَّهُ لَا يعلم سُؤَاله عَن نَجَاسَته، أَو عَن حد شربه، أَو جَوَاز الْوضُوء بِهِ فَيَنْبَغِي للسَّائِل أَن يذكر مَقْصُوده من هَذِه المطالب وَلَا يُكَلف المسؤول استفساره، وَكَذَا لَا يَقُول بقتل الْمُسلم بالكافر لَكِن يخصص بالذمي وَقيل: إِن كَانَ المسؤول شافعيا صَحَّ لِأَن الْمُسلم لَا يقتل عِنْده
(4/362)

بالكافر أصلا، وَإِن كَانَ حنفيا لم يَصح، وَاعْلَم أَن حق الْمَعْطُوف أَن يُشَارك الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي أصل الحكم لَا فِي تفاصيله قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا وَآتُوهُمْ} عطف الإيتاء الْوَاجِب على الْكِتَابَة المستحبة، وَكَذَلِكَ قَوْله: {كلوا من ثمره} إِلَى أَن قَالَ: {وَآتوا حَقه} .
وَمن هَذَا النمط عطف الْمعَاهد على الْمُسلم؛ فَكَأَنَّهُ حرم قتل الْمُسلم إِذا قتل وَحرم قتل الْمعَاهد ابْتِدَاء، ثمَّ الْمعَاهد يُسمى نَادرا بِالْإِضَافَة إِلَى طبقَة الْكفَّار والمسمى النَّادِر يجوز أَن يخرج عَن عُمُوم اللَّفْظ إِلَّا أَن يقْتَصر عَلَيْهِ.
وَاعْلَم أَنه إِذا قتل حر كَافِر عبدا مُسلما لم يقتل، وَكَذَلِكَ لَو قتل عبد مُسلم حرا كَافِرًا، وَإِن قتل من نصفه حر وَنصفه عبد عبدا لم يقتل، فَإِن قتل من هُوَ مثله قيل: لَا يقتل أَيْضا وَفِيه نظر؛ لِأَن الْقصاص يَقع بَين الجملتين وهما سَوَاء.
(4/363)

(كتاب الْجِنَايَات)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصا.)

أيقتل الْمُسلم بالذمي؟
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {وَلنْ يَجْعَل اللَّهِ للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا} وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وهم يَد على من سواهُم، أَلا لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر "، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/364)

(وَقَول عَليّ رَضِي اللَّهِ عَنهُ) إِشَارَة إِلَى مَا فِي الصَّحِيفَة: الْعقل، وفكاك الْأَسير، وَألا يقتل مُؤمن بِكَافِر.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {كتب عَلَيْكُم الْقصاص} ، {وَمن قتل مَظْلُوما} وَهَذَا عَام يجْرِي على عُمُومه إِلَّا مَا خصّه الدَّلِيل، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: (" الْعمد قَود " وَكَونه عَلَيْهِ السَّلَام) أقاد مُسلما بذمي وَقَالَ: " أَنا أَحَق من وفى بِذِمَّتِهِ " جعل الْقود مَعْلُول الْوَفَاء بِالذِّمةِ، وَقَالَ: " وَلَا ذُو
(4/365)

عهد فِي عَهده " وَذَلِكَ يدل على أَن المُرَاد بالكافر فِي الْخَبَر الْمَشْهُور الْحَرْبِيّ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول.
لنا:
الْكفْر مُبِيح للدم والذمة حاظرة فقيام عين الْمُبِيح مَعَ اسْتِمْرَار الحاظر يَكْفِي شُبْهَة فِي دَرْء الْعقُوبَة، الدَّلِيل عَلَيْهِ قيام الْملك فِي الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة وَفِي الْأُخْت من الرَّضَاع والمجوسية من كَونه يدْرَأ الْعقُوبَة وَالدَّلِيل على أَن الْكفْر مُبِيح كَونه أَعلَى الجرائم وَكَون الْقَتْل أَعلَى الْعُقُوبَات.
لَهُم:
دم الذِّمِّيّ مَضْمُون بالقود فِي الْجُمْلَة فضمن فِي حق الْمُسلم، دَلِيل كَونه مَضْمُونا بقتل الذِّمِّيّ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَن الْقصاص يعْتَمد الْأَهْلِيَّة والمحلية وَالسَّبَب، فلولا تَكَامل هَذِه الْأَشْيَاء مَا قتل بِهِ الذِّمِّيّ وَلَو كَانَ الْكفْر مبيحا لمنع طارية اسْتِيفَاء الْقصاص والتعدي إِلَى المَال فَلم يقطع الْمُسلم بِسَرِقَة مَال الذِّمِّيّ.
مَالك: ق.
(4/366)

أَحْمد: ق.
التكملة:
من الْمحَال حمل خبرنَا على الْحَرْبِيّ الَّذِي أمرنَا بقتاله وَقَتله، ووزانه قَوْلك: من صَامَ لَا يصلب وَمن زكى لَا يرْجم، وخبرهم يرويهِ الْبَيْلَمَانِي مُرْسلا، ويروى أَن الْمَقْتُول عبد اللَّهِ بن أُميَّة الضمرِي وَقد عَاشَ إِلَى عهد عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ ثمَّ لَو سلم لَهُم مَا يحملون الْخَبَر عَلَيْهِ فَأَي ضَرُورَة تلجئ إِلَى ذَلِك؟ وَمَا الْمَانِع من إجرائه على الْعُمُوم؟ وَمنع الْمُسَاوَاة بَين الْمُسلم وَالْكَافِر مَعَ اخْتِلَافهمَا فِي أعظم الْأَشْيَاء وَهُوَ الْإِيمَان فالكفر إِذا سَبَب الإهدار إِمَّا بِنَفسِهِ أَو بِوَاسِطَة الحراب وَالْإِسْلَام سَبَب الْعِصْمَة للْمُسلمِ وَمِنْه تنشأ عصمَة الْكَافِر، قَوْلهم: الْإِسْلَام الطَّارِئ لَا يمْنَع قُلْنَا: هَذِه
(4/367)

الصُّورَة لَا نَص للشَّافِعِيّ فِيهَا فتمنع، وَأما الْقطع فِي السّرقَة، فاليد لَا تقطع فِي مُقَابلَة المَال كَيفَ وَالْمَال مَرْدُود وَالْيَد مَقْطُوعَة بل الْحَد وَاجِب لله تَعَالَى لكَون السّرقَة فَاحِشَة فِي نَفسهَا، ثمَّ يلْزمهُم يَد الْمُسلم تقطع بِسَرِقَة مَال الذِّمِّيَّة وَلَا تقطع يَده بِيَدِهَا فَدلَّ على أَن مَنْهَج قطع السّرقَة غير مَنْهَج قطع الْقصاص.
عبارَة: مَنْقُوص بالْكفْر فَلَا يقتل بِهِ الْمُسلم كالحربي، ذَلِك لِأَن الْقصاص يعْتَمد الْمُسَاوَاة وَمِنْه اسْمه وَاسم الْمُقْتَص، وَإِنَّمَا لم تعْتَبر الْمُسَاوَاة فِي الْعدَد والذكورية؛ لِأَن الْإِجْمَاع انْعَقَد على ترك ذَلِك قَالَ عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ: " لَو تمالأ أهل صنعاء أقدتهم بِهِ " وَكَانَ ذَلِك لحكمة الردع والزجر.
(4/368)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصب.)

أيقتل الْحر بِالْعَبدِ؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى الْحر بِالْحرِّ} ، فَظَاهره يَقْتَضِي أَلا يقتل حر بِعَبْد لَكِن قيل للتّنْبِيه، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: لَا يقتل حر بِعَبْد " قَالَ عَليّ رَضِي اللَّهِ عَنهُ: من السّنة أَلا يقتل حر بِعَبْد، وهم عمر بقتل مُسلم بذمي فَقَالَ لَهُ زيد: أتقتل أَخَاك بعبدك، وَهَذَا عبارَة عَن اتِّفَاق الصَّحَابَة.
(4/369)

لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من حرق حرقناه إِلَى قَوْله: وَمن قتل عَبده قَتَلْنَاهُ " دلّ هَذَا اللَّفْظ بتنبيهه أَن من قتل عبد غَيره قتل بطرِيق الأولى إِلَّا أَنه قَامَ الدَّلِيل على انتساخ الْمَنْطُوق بِهِ فَبَقيَ الْمَفْهُوم.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمُتْلف مَنْقُوص بِالرّقِّ فَلَا يُؤْخَذ بِهِ الْحر. الدَّلِيل عَلَيْهِ الْأَطْرَاف، ذَلِك لانتقاص النفسية بالمالية، وَالْقصاص يعْتَمد الْمُسَاوَاة وَالْعَبْد صَار مبتذلا ممتهنا كَالْبَهَائِمِ وَالْقصاص تَعْظِيم لحظر الْمحل، والآدمي خلق ليَكُون مستسخرا لَا مستحسرا وَالسَّيِّد يعتقهُ بوحده حكما كَالْأَبِ، يدل عَلَيْهِ أَن الْحر لَا يقتل بالمكاتب فبالعبد أولى.
لَهُم:
مَضْمُون بالقود فِي الْجُمْلَة فضمن بِحَق الْحر كَالْحرِّ بَيَان أَنه
(4/370)

مَضْمُون بالقود أَنه يقتل بِهِ عبد مثله فَلَو قدر مَانِعا فِي حق الْحر كَانَ الرّقّ. وَالرّق لَا يُورث شُبْهَة؛ لِأَنَّهُ لَو أورث شُبْهَة فِي الْمحل لما قتل العَبْد كَيفَ والقيمتان قائمتان فِي حَقه الموثمة وَهِي كَونه أدميا والمقومة بِالدَّار ثمَّ قبُول إِقْرَاره فِيمَا يُوجب سفك دَمه (دَلِيل على أَن دَمه لَهُ لَا لسَيِّده) .
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
لَيْسَ إِذا قتل العَبْد بِعَبْد مثله يدل على أَنه يقتل بِهِ الْحر، أَلا ترى أَن الْمَجُوسِيّ يتَزَوَّج مَجُوسِيَّة وَلَا يتَزَوَّج بهَا الْمُسلم، ونقول: العَبْد دم وَمَال بِدَلِيل بَيْعه ويلزمهم الطّرف أما قصد الْإِقْرَار فيؤاخذ بِهِ لِأَن مبناه على الصدْق وَانْتِفَاء التُّهْمَة، وَالسَّيِّد مُتَّهم فِي إِقْرَاره على العَبْد، ثمَّ لَو كَانَت الْمَالِيَّة زِيَادَة فِي الْمحل لأفردت الذِّمِّيَّة بِضَمَان، وَالَّذِي يدل على أَن محلية الْقصاص للسَّيِّد أَنه لَا ضَمَان على من أذن لَهُ، وَبِالْجُمْلَةِ: نقيس النَّفس على الطّرف. فَإِن فرقوا بَينهمَا بِأَن الْكَفَّارَة تجب فِي النَّفس دون الطّرف.
(4/371)

فَالْجَوَاب: أَن الْكَفَّارَة قضيتها بعيدَة عَن الْقصاص وَلذَلِك لَا تثبت عِنْدهم فِي الْعمد وَتثبت فِي الْخَطَأ وَالدَّم هُوَ الْفَائِت فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَتجب فِي الظِّهَار كَمَا تجب فِي الْقَتْل، وَعِنْدنَا لَا فرق بَين الطّرف وَالنَّفس، وكما نقْتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ نقطع أَطْرَافهم بطرفه، وَلَو تصور فِي النَّفس مَا يتَصَوَّر فِي الطّرف من الشلل وَزِيَادَة الإصبع لمنعنا الْقصاص مَعَ التَّفَاوُت وَحَيْثُ نتخيل زِيَادَة تمنع الْقصاص وَذَلِكَ من حق الْحَامِل.
(4/372)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
(4/373)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصج.)

بِمَاذَا يضمن العَبْد إِذا قتل؟ .
الْمَذْهَب: بِقِيمَة مَا بلغت.
عِنْدهم: إِن زَادَت على دِيَة الْحر ردَّتْ إِلَيْهَا وَنقص عشرَة دَرَاهِم، وَفِي الْأمة خَمْسَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... . .
لَهُم: ... ... ... ... . .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَاجِب هُوَ الْقيمَة فَيَنْبَغِي أَن تبلغ مَا بلغت كالبهيمة؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ دِيَة
(4/374)

لوَجَبَ الْمَعْهُود، والذمية أصل فِي القوام، والمالية أصل فِي نظر الشَّرْع، وهب أَن الْوَاجِب بدل نفس إِلَّا أَنه بدل معياره الْمَالِيَّة بِدَلِيل الْقَلِيل الْقيمَة.
لَهُم:
الْمُغَلب جَانب الذِّمِّيَّة وَلَا يُزَاد على دِيَة الْحر، لِأَن فِي العَبْد ذِمِّيَّة ومالية والمالية تَابِعَة للذمية، وَجعل الْوَاجِب فِي مُقَابلَة الأمثل أولى؛ سِيمَا وَالسَّبَب هُوَ الْقَتْل وَهُوَ فعل يحل الْحَيَاة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الدَّلِيل على أَن الْوَاجِب سلك بِهِ مَسْلَك الْبَدَل عَن المَال، وَأَن النَّفس تطلب قيمتهَا وانعمرت بالمالية أُمُور، مِنْهَا: أَن العَبْد إِذا قتل قبل الْقَبْض فِي البيع لم يَنْفَسِخ، وَلَو مَاتَ انْفَسَخ، وَلَو وَجَبت الْقيمَة بَدَلا عَن النَّفس وَالنَّفس لَيست مَالا فقد فَاتَت الْمَالِيَّة الَّتِي هِيَ مورد العقد فَوَجَبَ أَن تبطل.
وَمِنْهَا أَن العَبْد الْمَرْهُون إِذا قتل جعل بدله رهنا وَحقّ الْمُرْتَهن لَا يتَعَلَّق
(4/375)

إِلَّا بمالية.
وَمِنْهَا: أَن السَّيِّد لَو قتل العَبْد الْمَرْهُون غرم للْمُرْتَهن، والمالية فَاتَت عِنْدهم تَابِعَة لفَوَات الْأَطْرَاف كفوات الْبضْع عِنْد قتل المراة، وَمَا فَاتَ تَابعا لَا ضَمَان لَهُ، وَالْقَتْل تصرف فِي النَّفس وَلَيْسَت مَالا، وَمن الْعجب أَنهم قَالُوا: السَّيِّد يضمنهُ بأقصى قِيمَته وَلَو زَادَت على دِيَة الْحر، وَالْأَجْنَبِيّ لَا يضمنهُ للْمُرْتَهن إِلَّا بِدُونِ دِيَة الْحر.
وَمِنْهَا: أَن حول التِّجَارَة لَا يَنْقَطِع بقتل العَبْد بل يسْتَمر على قِيمَته.
وَمِنْهَا: أَن الْبَدَل مَصْرُوف إِلَى السَّيِّد.
كل هَذِه شَوَاهِد على تَغْلِيب الْمَالِيَّة.
(4/376)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصد.)

إِذا اشْترك جمَاعَة فِي قطع يَد.
الْمَذْهَب: قطعُوا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... . .
لَهُم: ... ... ... ... .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَا صين بِالْقصاصِ عَن الْمُنْفَرد بِالْجِنَايَةِ صين عَن المشتركين فِي الْجِنَايَة
(4/377)

كالنفس، ذَلِك لِاتِّفَاق النَّفس والطرف فِي منَاط الْقصاص، فَأَي معنى قدر فِي النَّفس يُوجب الْقصاص فَمثله فِي الطّرف.
لَهُم:
الْقصاص جَزَاء الْعدوان وَهُوَ مُقَيّد بِالْمثلِ وَإِذا قَطعنَا يدين بيد لم تحصل الْمُمَاثلَة، وَذَلِكَ لِأَن الْقطع يتَجَزَّأ، وكما لَا يقطع يَد بيدين لَا تقطع يدين بيد، وَإِنَّمَا قتلنَا الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ لِأَن الْقَتْل لَا يتَجَزَّأ، وَلَا أثر عَن عمر، ثمَّ إِذا كَانَت الصَّحِيحَة لَا تُؤْخَذ بالشلا وَهُوَ فَوَات وصف ففوات الْعدَد أولى.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
حَاصِل النّظر التَّفْرِقَة وَالْجمع بَين النَّفس والطرف فَنَقُول: أحد
(4/378)

موجبي التفويت فالطرف الْمَعْصُوم تساوى النَّفس فِيهِ كالموجب الثَّانِي، ذَلِك لِأَن التفويت فِي الْمَوْضِعَيْنِ يُوجب تَارَة الْقصاص وَتارَة الدِّيَة، وَقد اسْتَويَا فِي الدِّيَة فِي حالتي الْإِفْرَاد والاجتماع، كَذَا فِي الْقصاص فالديتان تتوزع على الْجَمَاعَة وكأنا نستدل بِإِحْدَى النتيجتين على الْأُخْرَى.
فَإِن قَالُوا: النَّفس لَا تتجزأ، قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَا يَتَعَدَّد فَلَا ينْسب إِلَى كل وَاحِد على الْكَمَال، ثمَّ نقُول: الْيَد مركبة من أَجزَاء لَا تتجزأ وَقد فعل الْجَمِيع فِي كل جُزْء فعلا وَاحِدًا فَهُوَ بِمَثَابَة النَّفس ونقول: النَّفس تتجزأ استحقاقا، وَإِن لم تتجزأ ذاتا ثمَّ إِن عنيتم أَن الصَّادِر من كل وَاحِد قطع بعض الْيَد فَمَمْنُوع، وَإِن عنيتم أَنه بعض قطع الْيَد فَمُسلم، وَإِن قطع الْبَعْض مَعْنَاهُ أَنه يَنْقَطِع بِفعل أَحدهمَا غير مَا يَنْقَطِع بِفعل الآخر وَبَعض الْقطع هُوَ أَن يجْتَمع الْأَفْعَال وَيكون الْجَمِيع قطعا وَاحِدًا، لِأَن الْقطع عبارَة عَمَّا يحصل بِهِ الِانْقِطَاع فالقطع مُتحد ضَرُورَة اتِّحَاد الْمحل.
(4/379)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصه.)

هَل يقتل الْوَاحِد بِالْجَمَاعَة قصاصا؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ...
لَهُم: ... ... ... . .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْجَمَاعَة أَمْثَال الْوَاحِد، فَلَا يقابلهم، لِأَن الضَّمَان إِمَّا أَن يكون مُقَابلَة
(4/380)

الْفِعْل وَلم يتقاوما، لِأَن الْمَوْجُود قتل وَاحِد وَالنَّفس الْوَاحِدَة لَا تحْتَمل إِلَّا قتلا وَاحِدًا والمستغرق بآحاد الْحُقُوق لَا يتَأَدَّى بِهِ الْجَمِيع قِيَاسا للنَّفس على الطّرف.
لَهُم:
الْجَمَاعَة يقتلُون بِالْوَاحِدِ فَقتل بِالْجَمَاعَة، دَلِيل الْمُمَاثلَة قَتلهمْ بِهِ، وَذَلِكَ أَن الْوَاحِد إِذا قتل عشر قتلات فَإِذا قَتله عشرَة فقد وجد فِيهِ عشر قتلات وَحَقِيقَة الْقَتْل جرح يتعقبه زهوق الرّوح.
مَالك: ف.
أَحْمد: إِن طلبُوا الْقصاص قتل بهم وَإِلَّا بِمن طلب.
التكملة:
الاجتزاء بِالْوَاحِدِ عَن الْجَمِيع لَا يَقع، وَلَو بَادر أحد الْأَوْلِيَاء وَقتل كَانَ مُسْتَوْفيا حَقه فَثَبت أَن الْقَاتِل لَا يَتَّسِع لأكْثر من قتل وَاحِد؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِيهِ زِيَادَة للَزِمَ الْوَلِيّ الْمُنْفَرد لأَجلهَا شَيْء فَنَقُول: مَا يتَأَدَّى بِهِ حق الْآحَاد لَا يتَأَدَّى بِهِ حق الْجَمِيع كالطرف، وَلَا فرق بَين النَّفس والطرف فِي منَاط الْقصاص وَيدل على أصل الْقَاعِدَة أَن شريك الخاطئ بِالْإِجْمَاع وَشريك
(4/381)

الْأَب عِنْدهم لَا قصاص عَلَيْهِمَا، وَلَو كَانَ قتلا كَامِلا مَا امْتنع عَنْهُمَا الْقصاص فَإِن ألزمونا تعدد الْكَفَّارَة على شُرَكَاء الْقَتْل منعنَا، ثمَّ من عَلَيْهِ قصاص وحد زنى يقتل قصاصا وَلَو كَانَ فِيهِ وَفَاء بالحقين قتل بهما، قَوْلهم: حد الْقَتْل جرح يتعقبه زهوق الرّوح بَاطِل بِمَا لَو جرح زيد فزهقت نفس عَمْرو وَهَذَا جرح يعقبه زهوق الرّوح، فَإِن قيل: أردنَا بِهِ روح الْمَجْرُوح لزم مَا لَو جرح وحز الرَّقَبَة، فَإِن قَالُوا: نُرِيد زهوق روح الْمَجْرُوح بِالْجرْحِ، قُلْنَا: فهاهنا لَا يتَحَقَّق فَإِنَّهُ يُمكن أَن يكون الزهوق بِالْجرْحِ الآخر.
(4/382)

(اللوحة 71 من المخطوطة أ:)

الْعمد: أَن يقْصد ضربه بِمَا يقتل غَالِبا.
الْخَطَأ: أَن لَا يَقْصِدهُ مثل الَّذِي يَرْمِي فَيُصِيب إنْسَانا.
شبه الْعمد: أَن يَقْصِدهُ لَكِن بِمَا لَا يقتل غَالِبا.
وَاعْلَم أَن الدِّيَة الْمُغَلَّظَة تجب فِي الْعمد وَشبهه، والمخففة فِي الْخَطَأ، فالمغلظة ل 30 حَقه ل 30 جَذَعَة م 40 حوامل، قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: كه 25 بنت مَخَاض كه 25 بنت لبون كه 25 حَقه كه 25 جَذَعَة، وَتجب فِي الْعمد الْمَحْض فِي (مَال الْقَاتِل) حَالَة وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، قَالَ الْخصم: تجب مُؤَجّلَة فِي ثَلَاث سِنِين.
وَاعْلَم أَن دِيَة الْخَطَأ تتغلظ بِالْقَتْلِ فِي الْحرم أَو فِي الْأَشْهر الْحرم أَو كَانَ ذَا رحم محرم من النّسَب خلافًا لَهُم ولمالك، وَالْمَدينَة على القَوْل الْجَدِيد
(4/383)

لَا يحرم صيدها فَلَا تغلظ فِيهَا الدِّيَة.
وَاعْلَم أَن دِيَة الخطا ك (20) بنت مَخَاض ك (20) ابْن لبون ك (20) حَقه، ك (20) جَذَعَة. إِن أعوزت الْإِبِل اخْتلف قَول الشَّافِعِي؛ قَالَ فِي الْقَدِيم: على أهل الذَّهَب غ / 1000 / دِينَار، وعَلى أهل الْوَرق 12000 دِرْهَم، وَبِه قَالَ مَالك، وَفِي الْجَدِيد: إِذا أعوزت الْإِبِل رَجَعَ إِلَى قيمتهَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يجوز الْعُدُول إِلَى النَّقْدَيْنِ مَعَ وجود الْإِبِل. وَالدية عِنْد أبي حنيفَة يغ 10000 دِرْهَم، وَتجب دِيَة شبه الْعمد على الْعَاقِلَة مُؤَجّلَة ثَلَاث سِنِين.
إِذا قتل الزَّوْج زَوجته وَله مِنْهَا ابْن يَرِثهَا لم يجب الْقصاص.
(4/384)

أَبَوَانِ لَهما ابْنَانِ قتل أَحدهمَا الْأَب وَقتل الآخر الْأُم وَجب الْقصاص على قَاتل الْأُم لِأَن قَاتل الْأَب ورث الْقصاص عَلَيْهِ أمه وَالْأَخ فَلَمَّا قتل الْأَخ الْأُم يَرِثهَا وورثها قَاتل الْأَب، فانتقل الْقصاص إِلَيْهِ فَسقط وَيسْقط حق شريكها إِلَى سَبْعَة أَثمَان الدِّيَة لِأَن حَقّهَا الثّمن.
أَربع أخوة قتل الثَّانِي الْكَبِير، وَقتل الثَّالِث الصَّغِير، وَجب الْقصاص على قَاتل الْكَبِير.
إِذا قطعت امْرَأَة يَد رجل فَقطع يَدهَا ثمَّ مَاتَ فلوليه الْقصاص، فَإِن عَفا على مَال فعلى أحد الْوَجْهَيْنِ ثَلَاثَة أَربَاع الدِّيَة، لِأَن دِيَة يَد الْمَرْأَة نصف دِيَة يَد الرجل، وَالثَّانِي: نصف الدِّيَة اعْتِبَارا بيد الرجل فَلَو قطعت يَدَيْهِ فَقطع يَديهَا ثمَّ مَاتَ فعلى أحد الْوَجْهَيْنِ: الْعَفو على نصف الدِّيَة وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ الْعَفو؛ لِأَنَّهُ استوفى بدل يَده وَقيمتهَا الْكَامِلَة فَلَو قطعت يَدي رجل وَرجلَيْهِ فَقطع يَديهَا ورجليها ثمَّ مَاتَ واندمل جرحها فلولي الْمَجْنِي عَلَيْهِ الْقصاص وَلَيْسَ لَهُ الْعَفو على مَال وَجها وَاحِدًا لِأَن قيمَة يَديهَا
(4/385)

ورجليها دِيَة الرجل.
وَاعْلَم أَن الدِّيَة لَا تتغلظ عِنْدهم بِالْقَتْلِ فِي الْحرم، ومعتمدنا قَضَاء عمر وَعُثْمَان رَضِي اللَّهِ عَنْهُمَا فِي امراة قتلت فِي المطاف بالأقدام وإيجابهم ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم: سِتَّة آلَاف للدية وألفين للحرم، وَقَول الصَّحَابِيّ إِذا خَالف الْقيَاس دلّ على نَص سَمعه من الرَّسُول فَالْآن كلما يذكرهُ الْخصم من قِيَاس فَهُوَ حجَّة لنا؛ لِأَن الصَّحَابِيّ مَا خَالفه إِلَّا اتكالا على نَص سَمعه، فَإِن ألزمونا ابْن عَبَّاس غلظ الدِّيَة مرَّتَيْنِ بسببين، قُلْنَا: ذَلِك قِيَاس فَإِنَّهُ اعْتقد أَن تعدد الْأَسْبَاب يُوجب تعدد الْأَحْكَام فَلَا نقلده فِي هَذَا الْقيَاس.
(4/386)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصو.)

الْقَتْل بالمثقل.
الْمَذْهَب: يُوجب الْقصاص.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
عمومات الْكتاب الْعَزِيز فِي قتل الْقَاتِل بالمقتول، وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْعمد قَود " وَقَوله: " من حرق حرقناه " وَرُوِيَ أَن يَهُودِيّا رضخ رَأس جَارِيَة فَأمر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَن يرضح رَأس الْيَهُودِيّ بَين حجرين.
(4/387)

لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وأنزلنا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد} . قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " أَلا إِن فِي قَتِيل عمد الْخَطَأ قَتِيل السَّوْط والعصا مائَة من الْإِبِل "، وَقَالَ: " كل شَيْء خطأ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَلَا قَود إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَلَا قَود إِلَّا بحديد ".
لنا:
قتل عمد مَحْض، بَيَان الْقَتْل أَن من صلب شخصا أَو حرقه فقد قَتله،
(4/388)

وَالْقَتْل مَأْخُوذ من الْكسر يُقَال: قتلت الْخمر، والعمدية ظَاهِرَة، وَآلَة الشَّيْء مَا يصلح لَهُ وَيحصل بِهِ، والمثقل صَالح للْقَتْل وتخريب الْبَاطِن وَقد وجد.
لَهُم:
قتل تمكنت الشُّبْهَة مِنْهُ فَلَا يُوجب الْقصاص، ذَلِك لِأَن الشُّبْهَة فِي الْآلَة أَن المثقل لَيْسَ آله الْقَتْل حَيْثُ لم يخلق لَهُ وَالْقَتْل تخريب البنية ظَاهرا وَبَاطنا، فَأَما زهوق الرّوح فَلَيْسَ إِلَيْنَا.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن جَحَدُوا العمدية قُلْنَا: الشَّرْع أمرنَا برجم الزَّانِي ويستحيل أَن نتعبد بالْخَطَأ أَو بِشُبْهَة على أَنا لَا نحتاج إِلَى تَقْرِير أَن هَذَا عمد فتقرير
(4/389)

الضروريات يخفيها، فَإِن قَالُوا: الْقصاص مَنُوط بِصُورَة الْجرْح فَإِن الْعمد لَا اطلَاع عَلَيْهِ، وَلذَلِك علق على غرز الإبرة إِن لم يعقب فِي الْمحل ورما شَدِيدا لم يُوجب الْقصاص، والمرجع فِي هَذَا إِلَى الْعَادَات، وَالْعرْف فِي الْعمد أَنه كل فعل قصد بِهِ عين الشَّخْص وَعلم حُصُول الْمَوْت بِهِ قطعا، وحد شُبْهَة الْعمد مَا لم يعلم قطعا أَن الْمَوْت حَاصِل بِهِ، فَإِن قَالُوا: الْآلَة غير معدة للْقَتْل بَطل بِالْقِيَاسِ والمثبت وَفِيمَا صَارُوا إِلَيْهِ خرم قَاعِدَة الْقصاص، فَإِن النَّاس إِذا علمُوا أَنهم لَا يقتلُون بِالْقَتْلِ بالمثقل فَعَلُوهُ ذَرِيعَة إِلَى الْفساد ودرء الْعقُوبَة عَنْهُم ويلزمهم أَن يَحْنَث لَو حلف مَا قتلت وَأَن الْكَفَّارَة تجب بِهَذَا الْقَتْل، وَأما حَدِيثهمْ (فمتروك الظَّاهِر فَإِن قَتِيل) الْعَصَا لَو كَانَ مجروحا وَجب الْقصاص فَالْمُرَاد بِالْحَدِيثِ مَا جرت بِهِ الْعَادة
(4/390)

من التَّأْدِيب.
(4/391)

(صفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/392)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصز.)

مُوجب الْعمد فِي القَوْل الْمَنْصُور.
الْمَذْهَب: أحد أَمريْن إِمَّا الْقصاص وَإِمَّا الدِّيَة.
عِنْدهم: الْقصاص هُوَ الْوَاجِب.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " ثمَّ أَنْتُم يَا خُزَاعَة قتلتم هَذَا الْقَتِيل من هُذَيْل وَأَنا وَالله عَاقِلَة، فَمن قتل بعده قَتِيلا فأهله بَين خيرتين إِن أَحبُّوا قتلوا وَإِن أَحبُّوا أخذُوا الْعقل "، جعل الْخيرَة إِلَى الْأَوْلِيَاء.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {كتب عَلَيْكُم الْقصاص ... ... . .} الْآيَة، أوجب الْقصاص نصا فَمن زَاد الدِّيَة فقد نسخ، وَقَالَ تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم ... ... . .}
(4/393)

الْآيَة وَقَالَ: {وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة} ، وَقَالَ: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عين معصومة مَضْمُونَة فتضمن بِالْمَالِ كَسَائِر الْأَعْيَان، لِأَن الْوَاجِب حق آدَمِيّ، وَهُوَ مَبْنِيّ على التَّحْصِيل لَا التفويت والتحصيل بِالْمَالِ، أما الْقصاص فَزِيَادَة تَفْوِيت إِلَّا أَنه بدل توقيفي للتشفي فَلَا يمْنَع الْبَدَل القياسي فَثَبت التَّخْيِير بِتَعَدُّد الْمَقْصد وَسقط الْجمع لِاتِّحَاد الْمَضْمُون.
لَهُم:
عدوان مَحْض فَلَا يُوجب المَال قِيَاسا على الزِّنَى وَلَا شكّ فِي العدوانية وضمانها مُقَيّد بِالْمثلِ بِدَلِيل الْآيَة وَالْعدْل يَقْتَضِي ذَلِك، وَمن أتلف مثلهَا لزمَه مثله لَا يمْتَنع وَالنَّفس مثل النَّفس وَالْقَتْل كَالْقَتْلِ فَإِن تحمل الْأَمَانَة يشْتَرك فِيهَا الْقَاتِل والمقتول وَلها خلقا فقد قدر على اسْتِيفَاء جنس حَقه بِكَمَالِهِ فَلَا يعدل عَنهُ.
مَالك: رِوَايَتَانِ؟ .
(4/394)

أَحْمد: ق.
التكملة:
عبارَة: عوضان مُخْتَلِفَانِ اسْتَويَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّبَب فَيُخَير الْمُسْتَحق بَينهمَا كَمَا لَو كَانَ رَأس الشاج أَصْغَر من رَأس المشجوج، ونقول: الْآدَمِيّ نفس من وَجه؛ لِأَنَّهُ مستعد لاستعمال الْأَشْيَاء، مَال من وَجه؛ لِأَنَّهُ مستعد أَن يسْتَعْمل فَالدِّيَة بدله من حَيْثُ هُوَ مَال وبدله لَهُ أَو لخليفته فالأدلة أَوْلَوِيَّة نفس الْجَانِي أَو المَال، وَمعنى حُصُول الشَّيْء للْإنْسَان أَن يتَمَكَّن من التَّصَرُّف فِيهِ نَحْو مَا جرت بِهِ الْعَادة تَارَة بالتحصيل كالتجارة وَتارَة بالتفويت كوقود الْحَطب، وَالْقصاص من هَذَا الْقَبِيل، قَوْلهم: هُوَ عدوان إِن أَرَادوا بِهِ أَنه مُخَالفَة الْأَمر فَمَا وَجب الضَّمَان لذَلِك بِدَلِيل بَقَاء التَّحْرِيم بعد إِبَاحَة الْإِنْسَان نَفسه، فَإِن أَرَادوا بِهِ تَعَديا على الْغَيْر فَمُسلم، ونسلم أَنه مُقَيّد بِالْمثلِ، وَلَكِن بِالْمثلِ الْمُمكن لَا الْمُطلق، قَوْله تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم} ، ورد فِي تَحْرِيم الْقَتْل فِي الْأَشْهر الْحرم، وَقَوله: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} لَا يمس مَقْصُود الْمَسْأَلَة لأَنا لَا نسلم أَن الْقصاص وَالدية جزاءان بل عوضان.
(4/395)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصح.)

الْمُكْره على الْقَتْل.
الْمَذْهَب: يلْزمه الْقصاص فِي أحد الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: لَا يلْزمه وَهُوَ القَوْل الآخر.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
ظَاهر قَوْله تَعَالَى: {وَمن قتل مَظْلُوما فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا} ، وَالْمرَاد هَاهُنَا بالسلطان بالِاتِّفَاقِ سلطنة الْقَتْل.
(4/396)

لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ "، وَمَعْلُوم أَنه لم يرد صُورَة الْفِعْل وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ رفع حكمه
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْقَتْل بعد الْإِكْرَاه كَالْقَتْلِ قبل الْإِكْرَاه فِي الْمَعْنى الْمُقْتَضِي لإِيجَاب الْقصاص؛ لِأَن الْقَتْل أوجب بِكَوْنِهِ عمدا مَحْضا محرما وَقد وجد دَلِيل الجرم التأثيم، وَرُبمَا قسنا على الْمُضْطَر فِي المخمصة إِذا قتل مَعْصُوما وَأكله، وَإِن كَانَ فِيهِ منع نقلنا الْكَلَام إِلَيْهِ.
لَهُم:
قَتله دفعا لشر الْإِكْرَاه فَلَا يلْزمه الْقصاص، كَمَا لَو قتل الْمُكْره لِأَن فعل الْمُكْره انْتقل إِلَيْهِ وَصَارَ الْمُكْره آلَة لَهُ. وَدَلِيل انْتِقَال الْفِعْل: نَقله عِنْد إِتْلَاف المَال فَوَجَبَ الضَّمَان على الْمُكْره، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَو تَركه وطبعه لم يفعل
(4/397)

وَصَارَ كالسهم.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
لَا نزاع فِي أَنه قَاتل، وَالْقَتْل عبارَة عَن حَرَكَة حَادِثَة فِي مَحل الْقُدْرَة مَوْقُوفَة على إِرَادَة الْفَاعِل، يدل عَلَيْهِ أَن الزِّنَى وَالْقَتْل يحرمان على الْمُكْره، وَشرب الْخمر، وَإِتْلَاف المَال يجبان عَلَيْهِ، وَكلمَة الرِّدَّة تُبَاح لَهُ، وَالْحكم لَا يتَعَلَّق إِلَّا بِفعل فَاعل مُخْتَار، وكل فعل تسبقه دَاعِيَة من النَّفس والدواعي تخْتَلف، فَإِن زادوا فِي حد الْقَتْل الْمُوجب للْقصَاص الِاخْتِيَار (قُلْنَا: اعْتِبَار صفة الِاخْتِيَار) بِنَاء على أَن الْقصاص عُقُوبَة تستدعي جِنَايَة وَالْقصاص عندنَا عوض فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا إِتْلَاف نفس
(4/398)

مَعْصُوم. نعم، لم يجب على الْمُخطئ (لِأَن جِهَة العوضية فِيهِ للتشفي) ، وَلَا يعقل التشفي من الخاطئ، وَلَو سلمنَا أَنه عُقُوبَة فالجناية من الْمُكْره متكاملة، وَالْمَشَقَّة إِذا لم تنف التَّكْلِيف لَا توجب تَخْفيف الْجِنَايَة كَمَا لَو فر من الصَّفّ، وَوُجُوب الْقصاص لَيْسَ بِاعْتِبَار تَحْرِيم الْفِعْل فَلَا يكون الْمُبِيح شُبْهَة، ثمَّ الْإِكْرَاه لَا يُبِيح الْقَتْل وَإِيجَاب الْقصاص على الْمُكْره؛ لِأَنَّهُ قَاتل بِجِهَة أُخْرَى.
(4/399)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: رصط.)

شُهُود الْقصاص إِذا رجعُوا وَقَالُوا: تعمدنا قتل هَذَا الْمَعْصُوم وَقد قتل.
الْمَذْهَب: وَجب عَلَيْهِم الْقصاص.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
شهد رجلَانِ عِنْد عَليّ رَضِي اللَّهِ عَنهُ على رجل بِالسَّرقَةِ ثمَّ رجعا وَقَالا: أَخْطَأنَا، السَّارِق غَيره فَقَالَ: " لَو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما " علق الْقطع على التعمد فَيَنْبَغِي إِذا وجد أَن يجب.
لَهُم: ... ... ... ... . .
(4/400)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قَتله فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقود وَذَلِكَ لوُجُوب الدِّيَة الْمُغَلَّظَة عَلَيْهِم؛ وَلِأَنَّهُم أهدروا دم الْمَشْهُود عَلَيْهِ وحركة اللِّسَان إِذا أفضت إِلَى الْقَتْل كحركة الْيَد وَالسَّبَب الْقوي ينزل منزلَة الْمُبَاشرَة، وَالْقَتْل مَوْجُود مِنْهُم إِمَّا حكما وَإِمَّا حَقِيقَة.
لَهُم:
الْقَتْل مُبَاشرَة (جُزْء الْفِعْل) مُبَاشرَة وَلم يُوجد ذَلِك؛ لِأَنَّهُ جَزَاء الْعدوان، وَالْمَوْجُود مِنْهُم إِيجَاب فَكيف يجازون عَلَيْهِ بالإيجاد؟ وقصارى مَا نقدر أَنهم مكنوا مِنْهُم كالممسك وَكَمن رفع (جنَّة المتترس) .
مَالك:
أَحْمد:
(4/401)

التكملة:
نسوى بَينهم وَبَين الْمُكْره، وَمَا قَتله بِحكم الْقَتْل بل بِحكم السَّبَب، وَلذَلِك لَو وَقع الْقَتْل خطأ، وَالسَّبَب عَامِد كَمَا لَو خيل إِلَى إِنْسَان أَن بَين يَدَيْهِ صيدا وأكرهه على الرَّمْي، فَكَانَ آدَمِيًّا، قتل الْعَامِد الْمُكْره، وَالدَّلِيل على أَن السَّبَب سَبَب: ملقي الْحَيَّة ومشلي الْأسد.
عبارَة: أحد موجبي التفويت فنيط بِشَهَادَة الزُّور قِيَاسا للْقصَاص على الدِّيَة الْمُغَلَّظَة، لِأَن الْقصاص ضَمَان الْمحل كالدية والتفويت الْحكمِي كالحسي بِدَلِيل الْأَمْوَال، أما لَو عَادوا قبل الْقَتْل فَمَا فوتوا الْعِصْمَة، وَلَو مَاتَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ، فَمَا فَاتَ بِجِهَة تفويتهم، وَيدل عَلَيْهِ انْتِفَاء الدِّيَة فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ.
(4/402)

(الْمَسْأَلَة الثلاثمائة: ش.)

إِذا ثَبت الْقصاص بَين صغَار وكبار.
الْمَذْهَب: لم يكن للكبار الِانْفِرَاد باستيفائه.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل: من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ...
لَهُم:
قصَّة ابْن ملجم، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/403)

وَقَتله الْحسن رَضِي اللَّهِ عَنهُ قصاصا وَفِي الْوَرَثَة صغَار وكبار وَلم ينكروا ذَلِك فَكَانَ إِجْمَاعًا، قَالَ الشَّافِعِي: إِن ابْن ملجم قتل عليا رَضِي اللَّهِ عَنهُ متأولا فأقيد بِهِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حق مُشْتَرك بَين جمَاعَة فَلَا يجوز لأَحَدهم أَن ينْفَرد باستيفائه كَسَائِر الْحُقُوق، وَإِذا انْفَرد الْكَبِير فقد استوفى حَقه وَحقّ الصَّغِير وَلَا ولَايَة لَهُ عَلَيْهِ، وَحقّ الْقصاص يثبت للمقتول يثبت للمقتول لِأَن سَببه وجد فِي حَقه، وَالْقصاص أحد الْبَدَلَيْنِ فَالدِّيَة تثبت لَهُ ثمَّ لوَرثَته كَذَلِك الْقصاص.
لَهُم:
حق لَا يتَجَزَّأ ثَبت بِسَبَب لَا يتَجَزَّأ، فَثَبت لكل وَاحِد على الْكَمَال، بَيَان عدم التجزئ أَنه لَا يتَجَزَّأ اسْتِيفَاء، فَلَا يتَجَزَّأ ثبوتا، فَإِذا اسْتَوْفَاهُ، فقد استوفى حَقه، فَلم يبْق للْآخر حق لفَوَات مَحل الْحق وَسَببه الْقَرَابَة وَهِي كَامِلَة ثمَّ هُوَ من جنس الولايات وَهِي للكبار فَهِيَ (كولاية النِّكَاح) .
(4/404)

مَالك: ف.
أَحْمد: ق.
التكملة:
طَريقَة السَّمْعَانِيّ نسلم أَن الْحق لكل وَاحِد كَامِل غير أَنه بِكُل حَال مُتحد والمتحد إِذا أضيف جمعه إِلَى زيد خلا مِنْهُ عَمْرو، فَإِذا انْفَرد باستيفائه جمع مَعَ احْتِمَال إِضَافَته إِلَى شَرِيكه ثَبت شُبْهَة عدم الِاسْتِحْقَاق فمنعت الِاسْتِيفَاء الدَّلِيل عَلَيْهِ إِذا عَفا بعض الْوَرَثَة أَو كَانَ بَين حَاضر وغائب، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَوْفِيه الْحَاضِر خيفة أَن يَسْتَوْفِي حَقًا سَاقِطا ليوهم عَفْو الْغَائِب، وَأما قتل ابْن ملجم؛ لِأَنَّهُ يسْعَى فِي الأَرْض فَسَادًا، وَلَعَلَّ اجْتِهَاد الْحسن رَضِي اللَّهِ عَنهُ أدّى إِلَى ذَلِك، وَالْحَاصِل أَن الْقصاص عوض قَابل للتجزي، وَالْوَرَثَة يستحقونه إِرْثا، وَالصَّبِيّ أهل لاستحقاقه، فَيلْزم بِهَذِهِ الْمُقدمَات أَنه شريك الْكَبِير، والخصم يُنَازع فِي الْجَمِيع
(4/405)

ونقسيس الْقصاص على الدِّيَة، فَإِنَّهَا تثبت لَهُم بِالْوَجْهِ الَّذِي ثَبت بِهِ الْقصاص، وَالدَّلِيل على التجزئة العَبْد الْمُشْتَرك إِذا قتل فَإِن الْقصاص لمَالِكه وَتفرد عَفْو أحد الشَّرِيكَيْنِ فِي نصِيبه، ثمَّ أَهْلِيَّة الصَّبِي ظَاهِرَة بِدَلِيل أَنه يسْتَحق الدِّيَة، وَأما إِنْكَار الْإِرْث فِيهِ فمحال بِدَلِيل أَنه ثَبت للْوَارِث وتمنعه مَوَانِع الْإِرْث.
(4/406)

(اللوحة 72 من المخطوطة أ:)

" الشجاج الَّتِي قبل الْمُوَضّحَة لَيْسَ فِيهَا قصاص وَلَا تَقْدِير، والموضحة فِيهَا الْقصاص وأرشها خمس من الْإِبِل نصف عشر الدِّيَة وَمَا دونهَا لَا قصاص فِيهِ لَكِن أرش مُقَدّر، وَفِي الهاشمة عشر أبل، وَفِي المنقلة خَمْسَة عشر، والآمة ثلث الدِّيَة؛ لِأَنَّهَا جَائِفَة، وَكَذَلِكَ الدامغة "، فَإِذا كَانَت الشَّجَّة فَوق الْمُوَضّحَة كَانَ فِيهَا الْقصاص فِي الْمُوَضّحَة وَأخذ أرش مَا بَقِي، فَفِي الهاشمة مُوضحَة وَخمْس من الْإِبِل، والمنقلة مُوضحَة وَعشر إبل، وَفِي الآمة يقْتَصّ مُوضحَة وَيَأْخُذ الْبَاقِي.
وَاعْلَم أَنه إِذا استوفى قطع الْيَد بِآلَة مَسْمُومَة فسرى السم إِلَى النَّفس فقد مَاتَ من سببين: الْقطع والسم، وَالْقطع غير مَضْمُون فَيجب عَلَيْهِ نصف الدِّيَة.
وَاعْلَم أَن فِي الْمُوَضّحَة إِن كَانَت فِي غير الرَّأْس وَالْوَجْه فَفِيهَا الْقصاص، وَلَا يجب الْمُقدر بل حُكُومَة، وَإِذا رَمَاه بِسَهْم فأنفذه فهما جائفتان فيهمَا ثلثا الدِّيَة.
وَاعْلَم أَن إذهاب الْبكارَة لَيست جَائِفَة، فَإِن كَانَت أمة وَجب مَا نقصت وَإِن كَانَت حرَّة فَفِيهَا حُكُومَة، وَإِن كَانَ بِوَطْء إِكْرَاه فالمهر والحكومة، وَإِذا
(4/407)

قطع أذنية فَذهب سَمعه فديتان، لِأَن مَنْفَعَة السّمع لَيست فِي الْأذن، وَهُوَ كَمَا لَو قطع أَنفه فَذهب شمه، بِخِلَاف اللِّسَان فَإِن مَنْفَعَة الْكَلَام فِيهِ.
وَاعْلَم أَن فِي الْعقل الدِّيَة، فَإِن كَانَ يجن يَوْمًا وَيَوْما فَنصف الدِّيَة وبحسابه وَفِي الأجفان الْأَرْبَعَة الدِّيَة، إِذا استؤصلت الشّعْر فِي العوالي ثلثا الدِّيَة، وَفِي الأسفلين الثُّلُث، فِي الْأَهْدَاب الْحُكُومَة، إِن قطع الجفون مَعَ الْأَهْدَاب فَفِيهَا وَجْهَان: أَحدهمَا الدِّيَة حسب لِأَن الشّعْر إِذا كَانَ على الْعُضْو تبعه فِي الضَّمَان، وَالثَّانِي: تجب الْحُكُومَة فِي الشّعْر، وَفِي الْأنف الدِّيَة، وَهِي فِي المارن مِنْهُ، وَهُوَ مارق دون القصبة.
إِن جنى على لِسَانه فَأذْهب بعض كَلَامه وزع الدِّيَة على الْحُرُوف وَهِي 28 قَالَ الاصطخري: الِاعْتِبَار بحروف اللِّسَان، وَفِي كل سنّ خمس من الْإِبِل فَإِن زَادَت على عشْرين فَفِيهَا وَجْهَان: أَحدهمَا تجب الدِّيَة وَلَا يُزَاد عَلَيْهَا، وَالثَّانِي تجب فِيهَا حَتَّى لب (32) سنا، وحد الْيَد من الْكُوع، قَالَ قوم: من الْمرْفق، وَفِي أُصْبُعه عشر من الْإِبِل، وَفِي أُنْمُلَة ثَلَاث وَثلث وَفِي أُنْمُلَة الْإِبْهَام خمس.
(4/408)

وَاعْلَم أَن الدِّيَة فِي قدم الْأَعْرَج وَيَد الأعسم.
وَاعْلَم أَن فِي ثدي الرجل حُكُومَة، وَفِي ثدي الْمَرْأَة الدِّيَة فَإِن صَارَت جَائِفَة فَالدِّيَة وَثلثا الدِّيَة هَذَا فِي الْمَرْأَة.
وَاعْلَم أَن فِي الضلع جملا، إِذا اصطدم الفارسان فماتا فعلى كل وَاحِد مِنْهُمَا نصف دِيَة صَاحبه.
مَسْأَلَة: يقطع طرف العَبْد بِطرف العَبْد خلافًا لَهُم، لنا أَن كل شَخْصَيْنِ جرى الْقصاص بَينهمَا فِي النَّفس جرى الْقصاص بَينهمَا فِي الطّرف السَّلِيم كالحرين، وَلَا يمْنَع من ذَلِك أَن تَسَاوِي الحرين فِي الْأَطْرَاف مَقْطُوع بِهِ شرعا بِخِلَاف الْعَبْدَيْنِ؛ لأَنا فِي عبد قَلِيل الْقيمَة نقطع يَد عبد كثير الْقيمَة، وَأخذ النَّاقِص بالكامل جَائِز.
(4/409)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة بعد الثلاثمائة: شا.)

إِذا قطع يَمِيني رجلَيْنِ.
الْمَذْهَب: يقطع بِمن بَدَأَ بِهِ وبمن لَهُ الْقرعَة إِن قطعهمَا مَعًا، وَللْآخر الدِّيَة.
عِنْدهم: يقطع بهما، ونؤخذ الدِّيَة لَهما فِي الصُّورَتَيْنِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ...
لَهُم: ... ... ... ... . .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
بعض الْيَد لَا تسْتَحقّ قصاصا ابْتِدَاء فَلَا تسْتَحقّ إِيفَاء، فَإِنَّهُ لَو قطع
(4/410)

بعض يَد لم تقطع بعض يَده، وَالْمحل مَشْغُول بِحَق الأول لَا يَتَّسِع للثَّانِي أَو لكل وَاحِد لَا بِعَيْنِه، فَيتَعَيَّن بِالْقُرْعَةِ وَالْمحل مَمْلُوك للمستقص بِدَلِيل أَنه يعْفُو ويعارض. لَهُم: اسْتَويَا فِي سَبَب الِاسْتِحْقَاق فاستويا فِي الِاسْتِحْقَاق كالشفعاء وَالْوَرَثَة لِأَن الِاسْتِحْقَاق فرع على سَببه، وَالْقصاص إِبَاحَة فعل فِي الْمحل لَا أَنه يملكهُ بِدَلِيل أَن ضَمَان يَد الْجَانِي لَو قطعهَا أَجْنَبِي للجاني لَا للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ، وَحكم هَذَا وَحكم الدِّيات كَحكم الْمُبَاحَات إِنَّمَا يملك بالحيازة.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
عبارَة: مَحل وَاحِد فَلَا يضمن بِالْقصاصِ وَالدية لشخص وَاحِد كالنفس وَالْحكم مجمع عَلَيْهِ فِي النَّفس فعندنا يقتل بأحدهم وَتُؤْخَذ الدِّيَة
(4/411)

للباقين، وَعِنْدهم يقتل بِالْجَمِيعِ، وَالْعلَّة أَن الْقصاص وَالدية عوضان مُخْتَلِفَانِ، ونسلم الاسْتوَاء فِي سَبَب الِاسْتِحْقَاق، وتوزع الْيَد فِي ذَاتهَا لَكِن لَا نسلم توزعها فِي الِاسْتِيفَاء فَإِن كل جُزْء لَا يتَجَزَّأ تأثر بِفعل الْجَمِيع فَلم يُمكن أَن يُضَاف الْبَعْض إِلَى أحدهم والصادر من كل وَاحِد بعض الْقطع لَا قطع الْبَعْض كَمَا تقدم.
ونقول: الْآدَمِيّ خلق مَعْصُوما أَو عصم بِسَبَب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون سَقَطت عصمته لِمَعْنى فِيهِ، وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ لكل أحد قَتله كالزاني الْمُحصن، فَبَقيَ أَنه سَقَطت عصمته، لِأَن ذمَّة الْمَمْلُوك للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ، فَإِذا ملكه الأول لم يَتَّسِع للْبَاقِي، فَإِن الْمَبِيع لَا يُبَاع.
(4/412)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة بعد الثلثمائة: شب.)

شريك الْأَب.
الْمَذْهَب: يجب عَلَيْهِ الْقصاص.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
ظواهر النُّصُوص الدَّالَّة على إِيجَاب الْقصاص فِي الْعَامِد، وَقَوله تَعَالَى {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} دَلِيل على أَن كل وَاحِد يُؤَاخذ بِفِعْلِهِ لَا بِفعل شَرِيكه.
لَهُم: ... ... ... ...
(4/413)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تمّ السَّبَب فِي الشَّرِيك فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقصاص بِدَلِيل قيام السَّبَب مَا لَو كَانَ الشَّرِيك أَجْنَبِيّا، فَإِن الْقود يجب وَمَا وَجب بِفعل غَيره، وَسبب الْوُجُوب الْقَتْل الْعمد، وَقد وجد مِنْهُمَا، نعم، تعذر اسْتِيفَاء الْقصاص من الْأَب لأمر يعود إِلَيْهِ، فَصَارَ كَمَا لَو رميا إِلَى إِنْسَان فَقبل الْإِصَابَة مَاتَ أَحدهمَا.
لَهُم:
زهقت الرّوح بفعلين: أَحدهمَا مُوجب وَالْآخر غير مُوجب، فَلَا يجب كشريك الخاطئ، لِأَن هَذِه شُبْهَة تسْقط لإيجاد الْقَتْل والمقتول فالقتل الْمَوْجُود من أَحدهمَا هُوَ الْقَتْل الْمَوْجُود من الآخر فَيكون عين مَا يُوجب عين مَا لَا يُوجب هَذَا محَال، وَدَلِيل عدم الْوُجُوب على الْأَب حُرْمَة الْأُبُوَّة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/414)

التكملة:
يبْحَث عَن وَجه اعْتِبَار السَّبَب حَالَة الِاشْتِرَاك فَنَقُول: سَبَب الْقصاص أَو الدِّيَة هُوَ الْقَتْل إِجْمَاعًا، إِذْ هُوَ مُتحد بِدَلِيل اتِّحَاد الْأَثر وَالْمحل وَقد صدر هَذَا الْوَاحِد مِنْهُمَا على معنى أَن مَجْمُوع الْفِعْل صَار قتلا وَاحِدًا فالصادر من كل وَاحِد بعض مَا صَار قتلا، وَدَعوى كَمَال الْقَتْل من كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاطِل وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ الْقصاص على شريك المخطىء، واتحاد الْمحل بعد كَمَال الجنايتين لَا يُورث شُبْهَة كقذف شَخْصَيْنِ لشخص، أَو زنيتين بِامْرَأَة، فالسبب الْكَامِل لابد مِنْهُ فِي حق كل وَاحِد وَصَارَ كالإيجاب وَالْقَبُول لعقدين، فإضافة الْقَتْل إِلَى كل وَاحِد على تَقْدِير صُدُور الْفِعْل مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَن تكون جَمِيع الْأَفْعَال بِحَيْثُ لَو صدرت من هَذَا الَّذِي يُوجب عَلَيْهِ الْقصاص لوَجَبَ وَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا العمدية والعدوانية، وَإِمَّا أَن يمْنَع امْتنَاع وجوب الْقود على الْأَب، بل نقُول: وَجب وَسقط كَمَا لَو اشْترى أَبَاهُ أَو سلم اندفاعه بعد انْعِقَاد سَببه أَو اندفاعه مُطلقًا لَكِن لِمَعْنى فِي الْفَاعِل لَا
(4/415)

فِي الْفِعْل، بِخِلَاف الخاطئ فَإِن الْخلَل فِي الْفِعْل فَلهَذَا يُوصف بِهِ فَيُقَال: قتل خطأ.
(4/416)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة بعد الثلثمائة: شج.)

سرَايَة الْقصاص.
الْمَذْهَب: مهدرة.
عِنْدهم: مَضْمُونَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... . .
لَهُم: ... ... ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
(4/417)

قطع مَشْرُوع فَلَا تكون سرايته مَضْمُونَة كَقطع السّرقَة، بَيَان ذَلِك أَن قطع الْيَد حَقه، فَلَا يجب بِاسْتِيفَاء حَقه ضَمَان عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُون فِيهِ على الْإِطْلَاق بِغَيْر شَرط، والسراية لَيست فعله، فَلَا يُكَلف عدمهَا، والاحتراز عَنْهَا غير مُمكن فقد تلفت نَفسه فِي الْوَفَاء بِمُوجب الْجِنَايَة فَهدر كالسارق.
لَهُم:
قتل بِغَيْر حق فَيكون مَضْمُونا، دَلِيل الدَّعْوَى أَن الْقَتْل قد وجد وَلَا يخْتَلف بِكَوْن الْفِعْل مَأْذُونا فِيهِ كالمضطر فِي المخمصة، فَإِنَّهُ مَأْذُون فِي تنَاول مَال الْغَيْر وَيضمن، فالإذن يسْقط الْإِثْم لَا الضَّمَان فَإِن الْمحل مَعْصُوم وَحقه فِيهِ الْقطع لَا الْقَتْل.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْمَوْجُود مِنْهُ الْقطع حَقِيقَة، فَإِنَّهُ إبانة الْمفصل وَبِأَن صَار قتلا لَا يُخرجهُ عَن كَونه قطعا فَإِن الْقطع أَعم من الْقَتْل وَيُؤْخَذ فِي حَده فَهُوَ بالحيوانية مَعَ
(4/418)

الإنسانية، يدل عَلَيْهِ أَن من ادّعى أَن فلَانا قطع يَد عَبدِي وَشهد لَهُ أحد الشَّاهِدين بِأَنَّهُ قطع وَشهد الآخر بِأَنَّهُ قتل لم يثبت دَعْوَاهُ، وَلَو شهد الآخر بِأَنَّهُ قطع وسرى ثَبت الْقطع، وَلَو كَانَت السَّرَايَة تبطل كَونه قطعا لبطلت الشَّهَادَة كالصورة الأولى، وَمُطلق الْقَتْل لَيْسَ سَببا للضَّمَان بِدَلِيل قتل الإِمَام للسارق وَالزَّانِي وَكَذَلِكَ الصَّائِل.
وَبِالْجُمْلَةِ كل فعل كَانَ مُسْتَحقّ الْإِيقَاع فِي الْمحل إِذا سرى كَانَت النَّفس مهدرة، وَلَيْسَ الْفِعْل ذَا جِهَتَيْنِ قطع وَقتل، بل فعل وَاحِد لَهُ وصفان خَاص وعام، فَإِذا أثبتنا حكما بأخص وَصفيه فقد أثبتنا الْأَعَمّ.
ثمَّ الهاشمة: وَهِي الَّتِي تهشم الْعظم.
(4/419)

ثمَّ المنقلة: وَهِي الَّتِي تهشم الْعظم وتنقل مِنْهُ مَا رق.
ثمَّ الآمة: وَهِي الَّتِي تبلغ أم الرَّأْس، وَهِي المأمومة أَيْضا، وَأم الرَّأْس هِيَ الخريطة الَّتِي فِيهَا الدِّمَاغ، وَقيل: هِيَ الدامغة، وَقيل: الدامغة الَّتِي تخسف الدِّمَاغ وَلَا حَيَاة بعْدهَا. وَقد ذكرت الدامعة بعد الدامية؛ لِأَنَّهَا تَدْمَع بَعْدَمَا دميت، والموضحة أَن تقرع الْعظم بالمرود إِن كَانَت من الْجَسَد.
(4/420)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة بعد الثلثمائة: شدّ.)

الْمُمَاثلَة فِي جِهَة اسْتِيفَاء الْقصاص.
الْمَذْهَب: مُعْتَبرَة.
عِنْدهم: لَا تعْتَبر ويقتصر على السَّيْف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رُوِيَ أَن يَهُودِيّا رضخ رَأس جَارِيَة من الْأَنْصَار فرضخ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَأس الْيَهُودِيّ بَين حجرين، ونتمسك بقوله تَعَالَى: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} ، وَقَوله: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم} .
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا قَود إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَلَا قَود إِلَّا بحديدة ".
(4/421)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْوَاجِب يُسمى باسم الْقصاص وَهُوَ يُنبئ عَن الْمُمَاثلَة؛ لِأَنَّهُ من اقتصاص الْأَثر، وكما تعْتَبر الْمُمَاثلَة فِي الأَصْل تعْتَبر فِي الْوَصْف.
لَهُم:
الْقطع إِذا سرى صَار قتلا وَسقط حكم الطّرف، دَلِيله قتل الْخَطَأ، فَإِنَّهُ إِذا قطع يَده وسرت وَجب عَلَيْهِ الدِّيَة وَسقط أرش الْيَد فقد تعدى عَلَيْهِ بِجرح قَاتل، فَلَا يسْتَوْجب إِلَّا الْقَتْل، لِأَن الْقطع الساري قتل من أَوله.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
الْحَاصِل أَن كلا يَدعِي أَن الْمُمَاثلَة فِي الْقصاص متحققة فِي مذْهبه، فَنحْن ندعي أَنا نقابل الْفِعْل بِالْفِعْلِ، وهم يدعونَ أَنا لَو فعلنَا ذَلِك وَلم يمت احتجنا إِلَى حز رقبته، وَهَذِه زِيَادَة على الْفِعْل، فَنَقُول: الْقَتْل
(4/422)

حصل بِالسّرَايَةِ وَهُوَ أَشد من قتل الصَّبْر، فَلَا يحصل بِهِ تَمام التشفي، وتوقع الزِّيَادَة فِي ثَانِي الْحَال لَا يمْنَع اعْتِبَار الْمُمَاثلَة، فَإنَّا نقطع طرف الْقَاطِع مَعَ إِمْكَان السَّرَايَة، وَأما الْجَائِفَة، وأمثالها إِذا لم (تسر لم نعتمدها فَكَذَلِك) إِذا سرت، وَإِنَّمَا جَازَ للْوَلِيّ الْعُدُول إِلَى حز الرَّقَبَة لكَونه أخف.
وَبِالْجُمْلَةِ: الرَّقَبَة أحد الْأَطْرَاف وَالْمَقْصُود الْقَتْل فَمن أَي طرف (حصل كَانَ) .
(4/423)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة بعد الثلثمائة: شه.)

مُسْتَحقّ الْقصاص فِي النَّفس إِذا قطع الطّرف وَعَفا عَن النَّفس.
الْمَذْهَب: لم يلْزمه أرش الْيَد سَوَاء وقف الْقطع أَو سرى.
عِنْدهم: إِن وقف ضمن، وَإِن سرى لَا يضمن، وَالضَّمان بِالدِّيَةِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... . .
لَهُم: ... ... ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
يَد قطعت على وَجه الإهدار فطريان العاصم لَا يرد ذَلِك مَضْمُونا
(4/424)

كالمرتد، قد استوفى بعض حَقه وَأسْقط الْبَعْض، فَلَا يلْزمه الضَّمَان، كَمَا لَو اسْتحق الْقصاص فِي الطّرف فَقطع أُنْمُلَة وَعَفا ذَلِك، لِأَن النَّفس هَذِه الْجُمْلَة يدل عَلَيْهِ أَنه لَو شهد لَهُ بِالْقصاصِ فَقطع الطّرف ثمَّ عَاد الشَّاهِد ضمن وَلَوْلَا أَنه أثبت حَقًا فِي الطّرف لما ضمن.
لَهُم:
تعدى بِقطع الطّرف فضمنه كَمَا لَو قطعه ابْتِدَاء، ذَلِك لِأَن الْقطع غير الْقَتْل، وَلَو أَن من لَهُ الْقصاص طَالب من عَلَيْهِ الْقصاص بِأَن يُمكنهُ من قطع يَده لم يلْزمه ذَلِك، وَلَو أَن شَفِيع شقص ذِي شجر قطع بعض الشّجر وَنزل عَن الشُّفْعَة ضمن الشّجر، وَلَو لم ينزل لم يضمن.
مَالك: يجب على الْوَلِيّ الْقصاص فِي الْيَد.
أَحْمد: تلْزمهُ الدِّيَة عَفا أَو لم يعف.
التكملة:
مَسْأَلَة الْمُرْتَد لَازمه لَهُم، وَلَا فرق بَينهَا وَبَين مَسْأَلَتنَا إِلَّا فِي أَن الْمُرْتَد مهدر على الْعُمُوم، وَهَذَا على الْخُصُوص لمستحق الْقصاص، ثمَّ لَو كَانَ مَعْصُوما لوَجَبَ الضَّمَان، وَإِن حز الرَّقَبَة بعده، وآكد من ذَلِك إِذا اندمل وحز بعد ذَلِك، وَالْيَد عنْدكُمْ معصومة، وَإِنَّمَا لم تهدر لضَرُورَة الِاتِّصَال بِالْبدنِ عِنْد الْقَتْل، وَهَاهُنَا هِيَ غير مُتَّصِلَة فَهُوَ كَمَا لَو قطعه أَجْنَبِي لم يكن
(4/425)

لصَاحب قصاص النَّفس أَن يضمنهُ، يدل عَلَيْهِ أَنه لَو قطع طرف إِنْسَان ثمَّ اسْتحق نَفسه لم يسْقط ضَمَان الْقطع، وَقد صَارَت الْيَد إِلَى حَالَة لَو بقيت لَكَانَ يستوفيها وَلَكِن لما قطع وَبَقِي على حكم الْعِصْمَة لم يُؤثر فِيهِ مَا طرا، وَأما مَسْأَلَة الشُّفْعَة لَا نسلم بل يجب الضَّمَان بِكُل حَال، وَإِن سلم، فَهُوَ مُخَيّر فِي طَرِيق الضَّمَان؛ لِأَنَّهُ إِذا بدل الثّمن بِالثّمن بدل جَمِيع الدَّار بأجزائها، وَقد أثبت لَهُ الشَّارِع هَذِه الْخيرَة أَن يضمن بِالْقيمَةِ إِن لم يَأْخُذ وبالثمن أَن أَخذ، وَبِالْجُمْلَةِ: الْقطع وَاقع على وَجه الإهدار فَلَا يعود مَضْمُونا.
(4/426)

(اللوحة 73 من المخطوطة أ:)

مَا دون أرش الْمُوَضّحَة يضْرب على الْعَاقِلَة خلافًا لَهُ، فَنَقُول:
ضرب الدِّيَة على الْعَاقِلَة، وَإِن كَانَ على خلاف الْقيَاس، فقد الْمَعْنى الْمُقْتَضِي للاستيفاء وَالْخلاف فِي تَعْيِينه فَاعْتقد الْخصم أَن الْمَعْنى فِيهِ التَّخْفِيف فِي حق القاتلين؛ لأَنهم كَانُوا أحلاس السِّلَاح فَكثر وُقُوع الْقَتْل الْخَطَأ بَينهم فَلَو ضرب الْجَمِيع على الخاطئ لكفوا عَن حمل السِّلَاح وبادت الْحَوْزَة بذلك فَضرب بعض الدِّيَة على الْعَاقِلَة، وَهَذَا مَذْهَبهم، وَهَذَا الْمَعْنى يَقْتَضِي تحمل الدِّيَة عِنْد كَثْرَة المَال، إِمَّا إِذا قل فَلَا يثقل على الْجَانِي، وَالتَّقْدِير أخذناه من الشَّرْع فِي الْجَنِين، وَذَلِكَ خمس إبل فَهُوَ أول الْكَثْرَة، وَإِمَّا معتقدنا فَهُوَ أَن تحمل الْعَاقِلَة لشرف الْقَتْل مُبَالغَة فِي صَوته، وَلَا يخفى أَن المَال الْمَضْرُوب على الْجَمَاعَة أنص وَلم يضْرب على الْجَانِي لتتحد جِهَة الْوُجُوب وجهة الِاسْتِيفَاء وَهَذَا المعني ضرب الْكل على الْعَاقِلَة كَثِيرَة وقليلة، وَمَا تخيلوه لَا يَنْتَظِم، فَإِن الْقلَّة وَالْكَثْرَة تخْتَلف باخْتلَاف الْغنى والفقر، ثمَّ الْقَلِيل إِذا توالى صَار كثيرا، ثمَّ نسألهم عَن الضَّابِط فَإِن قَالُوا: كل قَلِيل يبْقى عَلَيْهِ وكل كثير يضْرب عَلَيْهِم، بَطل لما ذَكرْنَاهُ من اخْتِلَاف الْقلَّة وَالْكَثْرَة
(4/427)

بالأشخاص.
فَإِن قَالُوا: أقل مُقَدّر شرعا، بَطل بدية أُنْمُلَة وَاحِدَة، فَإِنَّهُم لَا يرَوْنَ تحمل ذَلِك، فَإِن قَالُوا: بدل النَّفس يتَحَمَّل وَمَا دونه فَلَا يبطل بِبَعِير وَاحِد تجب قيمَة عبد، فَإِن قَالُوا: هُوَ بدل نفس نصا، قُلْنَا: بَاطِل بِأَرْش الْمُوَضّحَة، فَإِن قَالُوا: هُوَ مثل بدل النَّفس، بَطل بجراحة توجب بَعِيرًا فَإِنَّهُ مثل بدل نفس العَبْد، فَلَا يسْتَقرّ قدمهم فِي مقَام التَّقْدِير.
مَسْأَلَة: يجرى الْقصاص بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي الْأَطْرَاف خلافًا لَهُم.
لنا: أَن كل قصاص ثَبت بَين الذُّكُور ثَبت بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث كالنفس، وَلَا أثر لقصورهن عَن رُتْبَة الْعَدَالَة، فالعدل يقاص الْفَاسِق وَاخْتِلَاف الْمَنَافِع لَا عِبْرَة بِهِ وَالْمكَاتب يقاص الْحر، وَإِنَّمَا لم يقطع الْيَمين باليسار لاختلافهما نوعا، ثمَّ تبطل بيد الأعسر تعْمل عمل الْيَمين وَلَا تقطع بهَا.
مَسْأَلَة: إِذا حبس صَغِيرا فِي بَيت فلدغه حَيَوَان فَمَاتَ لَا يضمنهُ
(4/428)

خلافًا لَهُم. لنا: هُوَ أَن مَا لَا يضمنهُ إِذا مَاتَ حتف أَنفه لَا يضمنهُ إِذا مَاتَ لديغا كَالْوَدِيعَةِ وَالْحر الْكَبِير، ونفرض فِي حر حبس فِي بَيت مظلم بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ الِاحْتِرَاز عَن الْحَيَوَان، وَيُفَارق حفر الْبِئْر، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الصَّغِير وَالْكَبِير.
مَسْأَلَة: إِذا مَاتَ الْقَاتِل وَجَبت الدِّيَة للْوَلِيّ خلافًا لَهُم، وَالْفِقْه فِيهِ أَن الْقود حق ثَابت يسْقط بِرِضا صَاحبه فَإِذا مَاتَ رَجَعَ إِلَى الْبَدَل كَمَا لَو عَفا أحد الشَّرِيكَيْنِ.
مَسْأَلَة: إِذا قطع يَد رجل ذَات خَمْسَة أَصَابِع وَيَد الْقَاطِع ذَات أَرْبَعَة أَصَابِع فالمقطوع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ اقْتصّ وَأخذ أرش الإصبع وَإِن شَاءَ عَفا وَأخذ دِيَة الْيَد. قَالَ أَبُو حنيفَة: إِن شَاءَ أَخذ الدِّيَة، وَإِن شَاءَ اقْتصّ وَلَا يَأْخُذ الْأَرْش. لنا أَن الإصبع مَقْصُودَة بِالْقصاصِ وَالْأَرْش، فَإِذا وَجب الْقصاص عِنْد وجوده وَجب الْأَرْش عِنْد عَدمه كَمَا لَو قطع أصبعين لرجل وللقاطع أَحدهمَا، وَالِاعْتِبَار باسيتفاء الْحق لَا بِوَضْع السكين حَيْثُ وَضعهَا الْجَانِي.
(4/429)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة بعد الثلثمائة: شو.)

إِذا قطع أَحدهمَا من الْكُوع وَالْآخر من الْمرْفق.
الْمَذْهَب: وَجب الْقصاص عَلَيْهِمَا.
عِنْدهم: يجب على الثَّانِي دون الأول.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... ... .
(4/430)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
اشْتَركَا فِي سَبَب الْقصاص مُوجب الْقصاص عَلَيْهِمَا كَمَا لَو اخْتلف الْمحل، ذَلِك لِأَن السَّبَب هُوَ الْجرْح المفضي إِلَى الزهوق، وَإِنَّمَا صَار سَببا لما يحدث من الْأَلَم، ولاشك أَن الأول ضعفت بِهِ الرّوح حَتَّى لَا تحمل قفل الثَّانِي.
لَهُم:
الْقَاتِل هُوَ الثَّانِي فَلَزِمَهُ الْقصاص كَمَا لَو قطع الأول الْيَد وحز الثَّانِي الرَّقَبَة ذَلِك لِأَن الْفِعْل الأول انْعَدم بانعدام مَحَله، وَلِهَذَا يعالج اللدغ بقلع مَحل اللدغة، يدل عَلَيْهِ مَا لَو اندمل الْموضع وَقطع الثَّانِي، فَإِنَّهُ لَا يقتل الأول وَإِن كَانَ أثر الْأَلَم بَاقِيا.
مَالك:
أَحْمد: ق.
التكملة:
حَاز الرَّقَبَة مَا قتل بتراكم الْأَلَم بل بِفعل جَدِيد مُسْتَقل، أما هَاهُنَا فَالْأول نزف من الدَّم مَا أَوْهَى بِهِ الْقُوَّة فضعفت الْأَعْضَاء لذَلِك، ثمَّ هَذَا الْجَارِح
(4/431)

الثَّانِي أضَاف ألما إِلَى ألم فزهقت النَّفس بالفعلين وَهَذَا مَعْرُوف من مجاري الْعَادَات، وَكَذَلِكَ نقُول: بعد الِانْدِمَال إِن كَانَ بِحَيْثُ يُمكن إِضَافَة الْمَوْت إِلَى الأول وكما أَن الأول غير مُسْتَقل فَالثَّانِي غير مُسْتَقل.
(4/432)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة بعد الثلثمائة: شز.)

مُبَاح الدَّم إِذا التجأ إِلَى الْحرم.
الْمَذْهَب: لَا يعصمه.
عِنْدهم: يعصمه (وَلَكِن ألجئ إِلَى الْإِخْرَاج) .
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْحرم لَا يعيذ عَاصِيا وَلَا فَارًّا بخربة وَلَا دم ".
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {أَو لم يرَوا أَنا جعلنَا حرما آمنا ... ...} الْآيَة، والأمن إِنَّمَا يكون للخائف، وَقَوله تَعَالَى: {وَمن دخله كَانَ آمنا} إِشَارَة لى من
(4/433)

يعقل.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وجد سَبَب الْقَتْل وَوَجَب فاستوفى كالطرف، فَلَو منع مَانع كَانَ لحُرْمَة الْحرم وَلَا يجوز أَن يكون مَانِعا، لأَنا إِنَّمَا نستوفي بِإِذن اللَّهِ حق اللَّهِ أَو حق عَبده وَطَاعَة أَمر اللَّهِ تَعْظِيمًا لله.
لَهُم:
الْحرم بقْعَة جليلة ميزت عَن سَائِر الْبِقَاع بِالْإِضَافَة إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذا أفادت الملتجئ أَمَانًا كَانَ مناسبا، اعْتبر ذَلِك بِالشَّاهِدِ من دور الْمُلُوك وَلذَلِك يعْصم الصَّيْد فالآدمي أولى؛ لِأَن الْإِبَاحَة فِي الْآدَمِيّ عارضة، وَفِي الصَّيْد أَصْلِيَّة، وَإِنَّمَا لم يعْصم الطّرف لأَنا ننحو بِهِ نَحْو الْأَمْوَال، وَلم يعْصم من قتل فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خرق الْحُرْمَة.
مَالك: ق.
أَحْمد:
(4/434)

التكملة:
نَحن لَا نمْنَع أَن للحرم حُرْمَة غير أَن الْحق الثَّابِت يُنَاسب إِطْلَاق الِاسْتِيفَاء وَلَو قتل فِي الْحرم وَقع مُسْتَحقّا بِلَا خلاف، وَلَا يَأْثَم المستوفي للْقَتْل من حَيْثُ إِنَّه استوفى حَقه، نعم يَأْثَم بهتك الْحُرْمَة كالمصلي فِي دَار مَغْصُوبَة، وَكَذَلِكَ الْحَامِل الجانية يمْتَنع قَتلهَا لَا لأجل اسْتِيفَاء الْقصاص، بل لمَكَان الْوَلَد، فَمن اشْتغل بِإِثْبَات قيام الْحق وَجَوَاز الِاسْتِيفَاء وَنفي الْإِثْم كَانَ عادلا عَن نهج الْكَلَام، فالإنصاف أَن هَذَا يقتل اجْتمع فِيهِ مَعْنيانِ: مُطلق ومانع، فعصمه النُّفُوس مُطلقَة والبقعة مَانِعَة، لَكنا نرجح الْإِطْلَاق لِأَن حق العَبْد شرع لنفعه ومصلحته، وَالله تَعَالَى مستغن عَن الْحُقُوق، وَحقّ العَبْد مبْنى على الشُّح، وَحقّ اللَّهِ على المساهلة، فتقديم حق العَبْد لِحَاجَتِهِ لَا لشرفه، ويتأيد بِمن اجْتمع عَلَيْهِ قصاص وحد، فَإِنَّهُ يقدم الْقصاص، وَأما الصَّيْد، فَلَا حق فِيهِ لأحد قبل الْحِيَازَة ويلزمهم الطّرف.
(4/435)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة بعد الثلاثمائة: شح.)

دِيَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ الذِّمَّة.
الْمَذْهَب: ثلث دِيَة الْمُسلم، والمجوسي 800 دِرْهَم.
عِنْدهم: مثل دِيَة الْمُسلم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " فِي النَّفس المؤمنة مائَة من الْإِبِل "، خص المؤمنة بِكَمَال الدِّيَة، وَرُوِيَ أَن عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ قضى فِي دِيَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ بأَرْبعَة آلَاف، ودية الْمَجُوسِيّ ثَمَانمِائَة دِرْهَم.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى أَهله} ، كَمَا قَالَ فِي حق الْمُسلم: {ودية مسلمة إِلَى أَهله} ، وَرُوِيَ
(4/436)

أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ودى قتل عَمْرو بن أُميَّة بدية حُرَّيْنِ، وَرُوِيَ عبَادَة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " دِيَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ مثل دِيَة الْمُسلم ".
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
نقض الْكفْر أعظم من نقص الْأُنُوثَة وَأولى بِالنُّقْصَانِ، ذَلِك لِأَن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن لَا يضمن الْآدَمِيّ بِالْمَالِ لعدم الْمُمَاثلَة، وَإِنَّمَا ضمن بِالنَّصِّ فاقتصر عَلَيْهِ، وَعلل بالشرف، والشرف قِيَامه بِمَا خلق لَهُ من الْعِبَادَة.
لَهُم:
حر ذكر فَأشبه الْمُسلم، ذَلِك لِأَن الدِّيَة بدل النَّفس، وكماله بِكَمَال النَّفس وكمالها بِكَمَال الْمَالِكِيَّة الَّتِي اخْتصَّ بهَا من بَين سَائِر الْحَيَوَانَات وَهِي مالكية المَال وَالنِّكَاح.
مَالك: وَافق فِي الْمَجُوسِيّ، وَفِي البَاقِينَ نصف الدِّيَة.
(4/437)

أَحْمد: إِذا قتلا عمدا فَالدِّيَة، وَإِن قتلا خطأ فَنصف الدِّيَة.
التكملة:
التَّضْمِين من آثَار الْعِصْمَة وَقد افْتَرقَا فِيهَا، لِأَن العاصم فِي حق الْمُسلم إِسْلَامه، وَهِي معنى ذاتي، وَفِي حق الذِّمِّيّ الْأمان وَهُوَ معنى عرضي، فالمسلم مَعْصُوم بِعَيْنِه، وَالذِّمِّيّ مَعْصُوم لغيره، والمعصوم لغيره يقدر فِي ذَاته، ثمَّ كَمَال دِيَة الْإِنْسَان بِكَمَالِهِ وَكَمَال كل شَيْء ببلوغ مَا خلق لَهُ والآدمي خلق لِلْعِبَادَةِ المكتسبة بِكَمَال الْعقل الَّذِي بِهِ يتَحَمَّل الْأَمَانَة، وَلذَلِك نقص بدل الْأُنُوثَة لنُقْصَان عقل الْأُنْثَى، وَبدل الْجَنِين حَيْثُ لم تكمل بنيته، وَإِنَّمَا لم ينقص بدل الصَّبِي لقُرْبه من رُتْبَة الْكَمَال، وَنقص الْمَجْنُون عَارض يُرْجَى زَوَاله، وَهَذِه الرُّتْبَة نقص عَنْهَا الْكَافِر فنقصت دِيَته، وَيجوز أَن يظْهر أثر الْكفْر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِدَلِيل ضرب الْجِزْيَة والذل بِالرّقِّ، فَإِذا ثَبت أصل التَّفَاوُت، فالتقدير تلقيناه من الْأَثر الْمَرْوِيّ عَن عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ رَضِي اللَّهِ عَنهُ.
(4/438)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة بعد الثلثمائة: شط.)

إِفْسَاد منابت الشُّعُور الْخَمْسَة.
الْمَذْهَب: لَا يُوجب كَمَال الدِّيَة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا ... ... ... . .} الْآيَة. عدد الْمَنَافِع الْمُنعم بهَا على الْآدَمِيّ وَلم يذكر الْجمال.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير لتركبوها وزينة} فرق بَين الْمَنْفَعَة والزينة، وَقَالَ: {وَلكم فِيهَا جمال حِين تريحون} .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
لم يفوت إِلَّا مُجَرّد جمال فَلم تجب عَلَيْهِ الدِّيَة كحلق شعر الصَّدْر، ذَلِك لِأَن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن لَا يجب فِي الأبعاض مَا يجب فِي الْجُمْلَة، وَلَيْسَ
(4/439)

الْجمال مثل الْمَنْفَعَة فَيلْحق بهَا والقوام بالمنافع لَا بالجمال.
لَهُم:
فَوت الْجمال على الْكَمَال فَيلْزمهُ كَمَال الدِّيَة كَمَا لَو قطع الْأذن الشاخصة ومارن الْأنف، ونفرض فِي الْأَصَم والأخشم، ذَلِك لِأَن الْجمال مَطْلُوب كالمنفعة، والرغبات متوجهة إِلَيْهِ، وَالْمَال يبْذل فِيهِ وَهَذَا يُنَاسب إِيجَاب الدِّيَة كالمنفعة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
أصل الضَّمَان مُتَّفق عَلَيْهِ، والنزاع فِي التَّقْدِير وَلَا نَص فِيهِ وَلَا يُمكن رده إِلَى الأَصْل لِأَن الْمَعْنى فِي الأَصْل لَا يُنَاسب تعْيين مِقْدَار فَامْتنعَ إثْبَاته.
أما الْحُكُومَة فِي تَقْوِيم يخْتَلف باخْتلَاف الصِّفَات فَلَا تفْتَقر إِلَى نَص (والشارع نزل) الْأَطْرَاف منزلَة النَّفس لِأَن بهَا بقاءها، ونمنع
(4/440)

وجوب الدِّيَة فِي أذن الْأَصَم ومارن الأخشم، وَإِنَّمَا نوجب فِي الصَّحِيحَيْنِ، لِأَن فيهمَا مَنْفَعَة حفظ الصَّوْت والرائحة، ثمَّ نقُول: أَي جمال فِي شَارِب بِغَيْر لحية أَو لحية بِغَيْر شَارِب؟ ثمَّ الْجمال بِمَجْمُوع صِفَات من حسن الْبشرَة وَبَقَاء اللَّوْن وتناسب الْخلقَة، وَالشعر بعد ذَلِك تَابع فَهُوَ حسن بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ، فَإِن قَالُوا: فِي الأشفار مَنْفَعَة، قُلْنَا: هِيَ نافعة للجفن، وَلِهَذَا لَو قطع الجفن بِشعرِهِ تَبعته وَوَجَبَت دِيَة وَاحِدَة.
(4/441)

(الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة بعد الثلثمائة: شي.)

جَنِين الْأمة.
الْمَذْهَب: يعْتَبر بِقِيمَة أمه فَيجب عشر قيمتهَا.
عِنْدهم: يعْتَبر بِقِيمَة نَفسه وَيجب عشرهَا إِن كَانَ أُنْثَى وَنصف عشرهَا إِن كَانَ ذكرا.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... .
لَهُم: ... ... ... ...
(4/442)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْجَنِين يتَعَذَّر تقويمه بِنَفسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقف على صِفَاته فاعتبرناه بِأُمِّهِ، يدل عَلَيْهِ أَنه جُزْء مِنْهَا يتغذى بهَا كأجزائها ويتبعها بيعا وإرثا وَوَصِيَّة، وَلَو كَانَ يعْتَبر بِنَفسِهِ لضمن بدية كَامِلَة.
لَهُم:
إِذا اعتبرتم الْجَنِين بِأُمِّهِ رُبمَا أدّى إِلَى أَن تكون قِيمَته مَيتا أَكثر من قِيمَته حَيا حَيْثُ تكون قِيمَته عشْرين وَقِيمَة الْأُم ألف فَصَارَت قِيمَته بذلك مائَة، بل هُوَ شخص مُنْفَرد بِجِنَايَة فَانْفَرد بضمانه، يدل عَلَيْهِ أَنه مُنْفَرد عَنْهَا فِي الْأَحْكَام الْمَالِيَّة يُورث وَيَرِث ويوصى بِهِ وَله وَيصرف الضَّمَان إِلَى أَقَاربه لَا إِلَى أمه وَهَذَا يدل على انْفِصَاله.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/443)

التكملة:
منشأ الْخلاف أَن الْجَنِين الْحر الْمَضْمُون عِنْد إعواز الْغرَّة بِخمْس من الْإِبِل فَنحْن نعتقد أَن المرعي نسبته إِلَى الْأُم بِعشر دِيَتهَا فأوجبنا عشر دِيَة الْأمة، وَبِالْجُمْلَةِ ثمَّ شائبتان متقاومتان الِاتِّصَال والانفصال والاتصال أولى لِأَن اعْتِبَار الْجَنِين بِنَفسِهِ يتَعَذَّر؛ لِأَنَّهُ رُبمَا خرج قطعا أَو مُضْغَة وَلَو خرج صَحِيحا لم يُمكن أَن يقوم لِأَن الْمعَانِي لَا تدْرك فِيهِ، قَوْلهم: إِذا اعتبرناه بِالْأُمِّ رُبمَا زَاد بدله، قُلْنَا: وَمَا الْمَانِع من ذَلِك؟ وَيجوز أَن يزِيد بدل بَهِيمَة على بدل آدَمِيّ.
(4/444)

(اللوجة 74 من المخطوطة أ:)

لَا دَلِيل على النَّافِي عِنْد قوم، وَعَلِيهِ الدَّلِيل عِنْد آخَرين، وَقيل: عَلَيْهِ الدَّلِيل فِي العقليات دون الشرعيات، وَالْمُخْتَار أَن مَا لَيْسَ بضروري وَلَا يعرف إِلَّا بِدَلِيل فالنفي فِيهِ كالإثبات، وَيُقَال للنافي: مَا ادعيت نَفْيه عرفت ذَلِك فِيهِ بِدَلِيل أظهره بِغَيْر دَلِيل إِن كَانَ ضَرُورِيًّا فلنشترك فِيهِ، وَإِن كَانَ بِغَيْر دَلِيل فَهُوَ شَاك، وَالْجَاهِل لَا يُكَلف الدَّلِيل على جَهله، وَلَو لم يجب الدَّلِيل على النَّافِي لسعدنا فِي الصَّانِع والنبوات، وَلِأَن كل مُثبت مَقْصُود فِي صُورَة النَّفْي فَقَالَ: عوض مُحدث لَيْسَ بقديم، وَأما جَاحد الدّين فَهُوَ يعلم بَرَاءَة ذمَّته وَلَا طَرِيق إِلَى مشاركته فِي ذَلِك وَإِذا وَقع مثل ذَلِك فِي العقليات اشْترك الْكل فِيهِ ثمَّ إِن يَمِينه دَلِيل.
وَاعْلَم أَنه لَا حجَّة فِي اسْتِصْحَاب الْإِجْمَاع فِي مَحل الْخلاف. مِثَاله: مَسْأَلَة: الْمُرْتَدَّة، واستصحاب الْحَال فِي عصمتها كَمَا يفعل الْخصم فالخصم لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَقُول: أَنا ناف وَلَا دَلِيل على النَّافِي، وَقد تقدم أَن عَلَيْهِ الدَّلِيل، وَإِمَّا أَن يظنّ أَنه أَقَامَ دَلِيلا، وَإِن ظن ذَلِك فقد أَخطَأ فَإِن الحكم
(4/445)

إِنَّمَا يستدام إِذا دلّ دَلِيل على دَوَامه فَمَا الدَّلِيل على دوَام الْعِصْمَة إِن كَانَ نصا فأبرزه فَلَعَلَّهُ يدل على الْعِصْمَة مَعَ عدم الرِّدَّة؟ أَو ترك دَلِيلا عَاما، فلابد من دَلِيل التَّخْصِيص بِهَذِهِ الْحَال، وَإِن كَانَ إِجْمَاعًا، فالإجماع مُنْعَقد على الْعِصْمَة قبل الرِّدَّة، أما حَال الرِّدَّة فموضع الْخلاف وَلَو كَانَ إِجْمَاعًا كَانَ مخالفه خارقا للْإِجْمَاع (وكل ذَلِك يضاد) نفس الْخلاف لَا يُمكن استصحابه مَعَ الْخلاف وَالْإِجْمَاع يضاد الْخلاف، وَلَيْسَ كَذَلِك الْعُمُوم وَالظَّاهِر وأدلة الْعقل، فَإِن الْخلاف لَا يضادها، فَإِن الْمُخَالف يقر بِأَن الْعُمُوم يتَنَاوَل مَحل الْخلاف بصورته (لَكِن نخصصه) بِدَلِيل والمخالف لَا يسلم شُمُول الْإِجْمَاع لمحل الْخلاف، فَإِن قَالُوا: لم تنكرون على من يَقُول: إِن الأَصْل أَن مَا ثَبت دَامَ إِلَى حِين وجود الْقَاطِع فَلَا يفْتَقر الدَّوَام إِلَى دَلِيل؟ قُلْنَا: كلما ثَبت وَجَاز أَن يَدُوم وَأَن لَا يَدُوم فَلَا بُد لدوامه من دَلِيل سوى دَلِيل الثُّبُوت كجلوس زيد فِي السُّوق إِذا لم يعْهَد مِنْهُ دوَام ذَلِك، وَلَوْلَا التعارف أَن الْجِدَار إِذا ثَبت لم ينهدم إِلَّا بهادم لافتقر
(4/446)

ثُبُوته إِلَى دَلِيل.
(وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَ للمقتول جد وَأَخ لِأَبَوَيْنِ وَأَخ لأَب وَقُلْنَا: أَن الْأَيْمَان تقسم، فَإِنَّهُ يحلف الْجد 17 يَمِينا وَالْأَخ من أبوين: 34 يَمِينا وَلَا يحلف الْأَخ من الْأَب؛ لِأَنَّهُ غير وَارِث، وَلَو كَانَ مَوضِع أَخ لأَب أُخْت لأَب حلف الْجد ... ... ... ... ... يَمِينا وَالْأَخ.
وَلَو ترك جدا وَخُنْثَى مُشكلا من أَبِيه، فَإِن الْجد يحلف ثُلثي الْأَيْمَان وَيَأْخُذ نصف الدِّيَة وَالْخُنْثَى يحلف نصف الْأَيْمَان وَيَأْخُذ ثلث الدِّيَة فَيحلف على أَكثر مَا يسْتَحق لتَكون الْيَمين على يَقِين وَالْأَخْذ بِيَقِين) .
(4/447)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة بعد الثلثمائة: شيا.)

الْقسَامَة مَعَ اللوث.
الْمَذْهَب: يبْدَأ بأيمان المدعين وَتجب لَهُم الدِّيَة إِذا.
عِنْدهم: يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ فَحسب ويغرمون الدِّيَة بعد ذَلِك.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
محيصة وَعبد اللَّهِ خرجا إِلَى خَيْبَر فَقتل عبد اللَّهِ فجَاء محيصة
(4/448)

وحويصة عماه، وَعبد الرَّحْمَن أَخُوهُ إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وقصا عَلَيْهِ قصَّته فَقَالَ: " أتحلفون خمسين يَمِينا وتستحقون دم صَاحبكُم " فَأَبَوا، فَقَالَ: " إِذن تحلف الْيَهُود "، فَلم تطب نُفُوسهم فوداه النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام.
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر، وَرُوِيَ أَن رجلا أَتَى إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: أخي قتل فِي بني فلَان فَقَالَ: " اجْمَعْ خمسين رجلا يحلفُونَ أَنهم مَا قَتَلُوهُ وَلَا عرفُوا لَهُ قَاتلا " فَقَالَ لَيْسَ لي من أخي إِلَّا ذَلِك؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " وَلَك مائَة من
(4/449)

الْإِبِل ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْيَمين حجَّة فِي حق من قويت جنبته كالمنكر وَالْمُودع والملاعن، وَفِي مَسْأَلَتنَا قويت جنبتهم لوُجُود اللوث، ثمَّ بينتهم لَا تقطع الْخُصُومَة فَإِن الدِّيَة وَاجِبَة عَلَيْهِم.
لَهُم:
الْيَمين شرعت دافعة لَا مثبتة، فَلَا نشرعها هَاهُنَا مثبتة، كَيفَ وَهِي مَشْرُوعَة لإبقاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، وَأما سَبَب وجوب الدِّيَة، فَإِن أهل الْمحلة بِمَثَابَة عَاقِلَة الْقَاتِل، والعاقلة تدي لوُجُود الْقَتْل مِنْهَا لأخذهم بِالْحِفْظِ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
لنا عدَّة نُصُوص أَنه بَدَأَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْقسَامَة بِيَمِين الْمُدَّعِي ثمَّ الْيَمين
(4/450)

لَا ترَاد إِلَّا لقطع الْخُصُومَة وَالدية هَاهُنَا وَاجِبَة بعد الْيَمين فَمَا وَقت الْيَمين المَال، وَلَا المَال الْيَمين، يدل عَلَيْهِ أَنه إِذا حلف الْمُدعى عَلَيْهِ، فَلَا يجوز أَن يجب بِيَمِينِهِ شَيْء وَتبقى مُجَرّد الدَّعْوَى وَلَا يجب بهَا شَيْء، ومنقولهم فِيهِ طعن، فَقَوْلهم: الْعَاقِلَة التزموا الْحِفْظ هَذَا بَاطِل بل هُوَ شَيْء ثَبت نصا غير مُعَلل، قَوْلهم: يتم قبله حكما كَيفَ يكون كَذَلِك؟ وَالْقَاتِل الْمُبَاشر معِين، ثمَّ لَو التزموا بِالْحِفْظِ وصرحوا بِهِ مَا لَزِمَهُم شَيْء شرعا فَكيف يلْزمهُم بطرِيق الدّلَالَة وَلَو كَانَ الْغرم يجب لأجل التناصر لوَجَبَ على سكان الْمحلة كَمَا يجب على الْملاك، فَكيف يخص بالملاك.
(4/451)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة بعد الثلثمائة: شيب.)

الْقَتْل الْعمد.
الْمَذْهَب: يُوجب الْكَفَّارَة.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
روى ابْن الْأَسْقَع قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي صَاحب لنا أوجب النَّار على نَفسه بِالْقَتْلِ فَقَالَ: " أعتقوا عَنهُ رَقَبَة يعْتق اللَّهِ بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا مِنْهُ من النَّار "، وَالَّذِي يُوجب النَّار هُوَ الْمُتَعَمد، وَكَون النَّبِي لم (يستفصل دَلِيلا على إِيجَاب) الْكَفَّارَة فِي جنس الْقَتْل.
(4/452)

لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم} جعل اللَّهِ ذَلِك جزاءه فَزِيَادَة الْكَفَّارَة نسخ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ} ، فَبين أَن التَّكْفِير يجْرِي فِي الصَّغَائِر، وَقَالَ تَعَالَى: {إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات} ، فَجعل الْكَفَّارَة حَسَنَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
حق مَضْمُون فِي النَّفس بِالْكَفَّارَةِ فضمن فِي الْعمد وَالْخَطَأ كحق الْآدَمِيّ، ذَلِك لِأَن لله حَقًا هُوَ الْمَضْمُون فِي النَّفس فِي الْخَطَأ إِجْمَاعًا، والعمد لَا يسْقط ضَمَان الْمُتْلفَات وَالْكَفَّارَة مُؤَاخذَة وعقوبة تناسب العمدية.
لَهُم:
الْعدوان الْمَحْض لَا يصلح سَببا لِلْكَفَّارَةِ كالردة والزنى، ذَلِك لِأَن الْكَفَّارَة فِيهَا معنى التَّكْفِير لكَونهَا تتأدى بِالصَّوْمِ، وَاسْمهَا يُعْطي ذَلِك، والعدوان لَا يكون سَبَب الْعِبَادَة.
(4/453)

مَالك: ف.
أَحْمد:
التكملة:
النَّص ورد فِي الْخَطَأ ثمَّ ألحق بِهِ شبه الْعمد، وَإِن فَارقه فِي تَغْلِيظ الدِّيَة لاشْتِمَاله عَلَيْهِ والعمد يشْتَمل على شبه الْعمد فَكَانَ مُشْتَمِلًا على الْخَطَأ وَزِيَادَة الْجِنَايَة توجب التَّغْلِيظ، وَحَاصِل الْكَلَام أَن الْكَفَّارَة جبر الْمحل أوجزاء الْفِعْل، ونقول: الْمَقْتُول اشْتَمَل على مَالِيَّة ونفسية، فالمالية تهيئة لِأَن ينْتَفع بِهِ وَلذَلِك ملك بِالسَّبْيِ، والنفسية تهيئة لِأَن تملك، وَذَلِكَ حق العَبْد وباعتباره صَار مَضْمُونا بِالْقصاصِ، وتهيئة لِلْعِبَادَةِ وَذَلِكَ لله وَبِه يضمن بِالْكَفَّارَةِ، وَمعنى قَوْلنَا: " حق اللَّهِ " أَي شَيْء يحصل السَّعَادَة عِنْد اللَّهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى مستغن عَن الْحُقُوق، وَقَوله تَعَالَى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم} لَا يمْنَع إِيجَاب الْكَفَّارَة؛ لأَنا لَا نعدها جَزَاء لَكِن جبرا، وَالدَّلِيل على أَن فِي العَبْد حَقًا لله كَونه لَا يستباح قَتله بإباحته، وَقَوله: {جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا} يدل على أَنه قتل مستحلا ثمَّ الْآيَة لم تتعرض لأحكام الدُّنْيَا.
(4/454)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة بعد الثلثمائة: شيج.)

مَا أتْلفه الْبُغَاة على أهل الْعدْل.
الْمَذْهَب: مَضْمُون فِي أحد الْقَوْلَيْنِ.
عِنْدهم: لَا يضمن وَهُوَ القَوْل الْأَخير.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... . .
لَهُم:
روى الزُّهْرِيّ عَن إِجْمَاع الصَّحَابَة على أَن كل دم أريق على تَأْوِيل الْإِسْلَام، فَهُوَ هدر، وَقد أَجمعُوا بعد الْقِتَال فَلم يُطَالب بَعضهم بَعْضًا بِدَم وَلَا مَال.
(4/455)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
إِتْلَاف بِغَيْر حق فَأوجب الضَّمَان كَأَهل الْعدْل، دَلِيل الدَّعْوَى: إثمهم بإتلافهم وَالْمَال مَعْصُوم، والبغاة ملتزمو أَحْكَام الْإِسْلَام وَقد وجد السَّبَب وَهُوَ إِتْلَاف بِغَيْر حق ونمنع إِلْحَاق التاويل الْفَاسِد بِالصَّحِيحِ بطرِيق الْإِثْم.
لَهُم:
أتلفوا بِتَأْوِيل فَاسد فَينزل منزلَة التَّأْوِيل الصَّحِيح فِي سُقُوط الضَّمَان كَأَهل الْحَرْب، ذَلِك لِأَن الضَّمَان يجب بالإلزام والالتزام وَقد عدما، يدل عَلَيْهِ أَن أحكامهم نَافِذَة فِيمَا أَقَامُوا من حد وَأخذُوا من زَكَاة، وشهادتهم مَقْبُولَة عِنْد قُضَاة أهل الْعدْل.
مَالك: ق.
أَحْمد:
التكملة:
إِن كَانَ الضَّمَان مجتمعه الْمُتْلف ذُو ذمَّة والمتلف مَعْصُوم مُحْتَرم، والإتلاف منفك عَن اسْتِحْقَاق وَعَن شُبْهَة اسْتِحْقَاق، والعدوان لَا يصلح
(4/456)

لنفي الضَّمَان بِخِلَاف الْعَادِل، فَإِنَّهُ محق بِالْقِتَالِ يحملهُ على الظَّاهِر وَلَا يضمن مَا يتْلف لضَرُورَة قِتَاله حَتَّى لَو اتلف فِي غير الْقِتَال ضمن، وعَلى مساق الْكَلَام يضمن الْحَرْبِيّ مَا أتْلفه ونطالبه بِهِ مَعَ الظفر إِن لم يسلم لَكِن الْإِسْلَام يجب مَا قبله، ونقول: الْمُعْتَبر فِي الْخطاب إِمْكَان الْبَلَاغ، وَإِمَّا تَنْفِيذ أحكامهم فلحفظ الْحُقُوق فِي الْقطر الَّذِي استولوا عَلَيْهِ.
(4/457)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة بعد الثلثمائة: شيد.)

الْمُرْتَدَّة.
الْمَذْهَب: تقتل.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ "، وَلَفظه: " من " تَشْمَل الذّكر وَالْأُنْثَى إِذا اجْتَمعُوا. " من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ ". " من تعلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَهُوَ آمن ". وَلَو قَالَ: من دخل دَاري فَأكْرمه لزمَه إكرام من يدْخل من النِّسَاء.
(4/458)

لَهُم:
رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَن قتل النِّسَاء: " مَا بالها قتلت وَلم تقَاتل؟ أدركوا خَالِدا فَقولُوا لَهُ: لَا تقتل امْرَأَة وَلَا ذُرِّيَّة وَلَا عسيفا ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وجد الْمُقْتَضِي للْقَتْل، وَهُوَ الْكفْر وَامْتنع قتل الْكَافِرَة الْأَصْلِيَّة لمصْلحَة وأقيم الرّقّ مقَامه، وَهَذِه كَافِرَة معاندة، فتحتم قَتلهَا كالمرتد، لِأَن الْكفْر عناد لَا يُمكن الصّرْف عَنهُ إِلَّا بالتخويف، وَلَا تخويف أبلغ من الْقَتْل.
لَهُم:
الْقَتْل لَيْسَ عُقُوبَة على الْكفْر بل على الْمُحَاربَة وَالْمَرْأَة غير محاربة، وَالْكفْر جِنَايَة على حق اللَّهِ تَعَالَى وعقوبته فِي الْآخِرَة وَمَا عجل من عُقُوبَة فلمصالح الْعباد، ثمَّ الْكَافِرَة الْأَصْلِيَّة لَا تقتل، وَإِن قتل الْكَافِر الْأَصْلِيّ.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/459)

التكملة:
قَوْلهم: الْكَافِر الْأَصْلِيّ يقتل؛ لِأَنَّهُ حَرْب، والكافرة الْأَصْلِيَّة لَا تقتل؛ لِأَنَّهَا لَيست حَربًا، قضيتان فيهمَا النزاع، وَلَا نَخُوض فِي ذَلِك بل نمْنَع الْمُقدمَة الثَّالِثَة، وَهِي قَوْلهم: الْمُرْتَد يقتل؛ لِأَنَّهُ حَرْب، لَيْسَ لذَلِك بل لتبديل الدّين وَالدَّلِيل الْقَاطِع أَن الْكَافِر الْأَصْلِيّ يقر مَعَ الْجِزْيَة بِخِلَاف الْمُرْتَد، وَيُوجد هَذَا فِي الْكَافِر الرئيس والراهب والعسيف.
وَبِالْجُمْلَةِ لَيست الرِّدَّة مثل الْكفْر الْأَصْلِيّ حَتَّى تقاس الْمُرْتَدَّة على الْكَافِرَة الْأَصْلِيَّة. بَيَان أَن الْمُرْتَد معاند أَنه أصر على بَاطِل عرف بُطْلَانه، فَإِن ألزمونا شرع قتل الْكَافِر الوثني وَهُوَ غير معاند فَهَذَا عكس الْعلَّة فَإنَّا لم نلزم إِلَّا قتل كل معاند فِي كفره، فَأَما الْقَتْل فبسبب آخر لَا يمْتَنع، فَإِن قَالُوا: يَكْفِي التخويف بالنَّار. قُلْنَا: والتخويف بِالْقَتْلِ لَا يُنَافِي التخويف بالنَّار بِدَلِيل الْمُرْتَد، ومعتمدهم أَن حُرْمَة قَتلهَا ثَابِتَة قبل الرِّدَّة وَالرِّدَّة غير صَالِحَة للْإِبَاحَة، وَالْجَوَاب أَن مَا ذَكرُوهُ اسْتِصْحَاب الْإِجْمَاع فِي مَحل الْخلاف، فَلَا يكفيهم بَيَان أَن الرِّدَّة غير مبيحة مَا لم يثبتوا أَن سَبَب التَّحْرِيم بَاقٍ فالمرحم عندنَا الْإِسْلَام.
(4/460)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة بعد الثلثمائة: شيه.)

أَمَان العَبْد الْمَحْجُور عَلَيْهِ.
الْمَذْهَب: صَحِيح.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
عُمُوم قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " وَلَا ذُو عهد فِي عَهده "، والمستأمن من العَبْد ذُو عهد، وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " يسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم ". قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: أَدْنَاهُم عبيدهم.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {ضرب اللَّهِ مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء} ، وَمَا قدر عَلَيْهِ من التَّصَرُّفَات فبدليل دلّ عَلَيْهِ.
(4/461)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْأمان دفع الشَّرّ عَن الْمُسلم فملكه بعلة الْإِسْلَام، ثمَّ العَبْد يملك الْجِهَاد بِمَا فِيهِ من نَفسه يتَحَمَّل بهَا الْأَمَانَة، ثمَّ الْأمان لإسماع كَلَام اللَّهِ، وَالْعَبْد يملك الإسماع فَملك الطَّرِيق إِلَيْهِ فَهُوَ يملك الْأمان، إِمَّا لِأَنَّهُ كفى بِهِ شرا أَو بِكَوْنِهِ طَرِيق إسماع كَلَام اللَّهِ تَعَالَى.
لَهُم:
لَا يملك الْجِهَاد، فَلَا يملك الْأمان كَالصَّبِيِّ، ذَلِك لِأَن الْجِهَاد يكون بِالنَّفسِ أَو بِالْمَالِ وَهَذَا لَا يملكهَا وَلِهَذَا يَأْثَم إِذا جَاهد بِغَيْر إِذن، والأمان جِهَاد أَو تبع الْجِهَاد؛ لِأَنَّهُ من مصَالح الْجِهَاد.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
العَبْد يملك الْقِتَال، فَإِنَّهُ مُخَاطب متحمل للأمانة كَالْحرِّ، مَعَ أَنه مَال
(4/462)

منتفع بِهِ فَفِيهِ شائبتان: يملك الْأمان بِإِحْدَاهُمَا، نعم وعديل الْقِتَال لَكِن يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى مَنَافِعه الْمَمْلُوكَة عَلَيْهِ فَهُوَ الْمقَاتل بِاعْتِبَار النفسية المعاند بِاعْتِبَار الْمَالِيَّة، فَكَانَ بِالْقِتَالِ مُطيعًا عَاصِيا كالمصلي فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة، يدل عَلَيْهِ مَا إِذا أذن لَهُ السَّيِّد، فَإِنَّهُ يملك وَيُسْتَفَاد بِالْإِذْنِ مَا يَقع للْإِذْن كَبيع مَاله، أما الرَّاهِن لَا يَسْتَفِيد من إِذن الْمُرْتَهن بيع مَال نَفسه بل البيع مَمْلُوك لَهُ بِملك الْمحل غير أَن حق الْمُرْتَهن مَانع فَاعْتبر إِذْنه لسُقُوط حَقه، وَلَا نقُول: الْأمان شرع لدفع شَرّ الْكفَّار، بل ليتَمَكَّن الْكَافِر من اسْتِمَاع كَلَام اللَّهِ، وَأَن سلمنَا أَنه تبع الْجِهَاد فَيقبل الِانْفِصَال عَن الأَصْل، فَإِن الْحر الزَّمن وَالْمَرْأَة لَا يملكَانِ الْجِهَاد (لانْتِفَاء بَيِّنَة الْجِهَاد) ، ويملكان الْأمان اسْتِقْلَالا، وَهَذَا كإسلام الصَّبِي الْمُمَيز يحصل تَارَة تبعا لِأَبَوَيْهِ، وَأُخْرَى باستقلاله عِنْدهم وَأحد قولينا.
(4/463)

(مسَائِل الْحُدُود)

(اللوحة 75 من المخطوطة أ:)

مَسْأَلَة: الْمُكْره على الزِّنَى لَا يجب عَلَيْهِ الْحَد فِي الْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ الْمُكْره سُلْطَانا أَو حَاكما لم يجب، فَنَقُول: مَا وَجب بِهِ الْحَد إِذا فعله (مُخْتَارًا لم يجب) بِهِ الْحَد إِذا فعله مكْرها كشرب الْخمر، قَالُوا: الْإِكْرَاه على الزِّنَى لَا يَتَأَتَّى من الرجل لمَكَان خَوفه وَلما يَأْتِي من الْمَرْأَة لم يُوجب الْحَد عَلَيْهَا، قُلْنَا: الْخَوْف إِنَّمَا يكون إِن لَو لم يفعل ويلزمهم السُّلْطَان وَالْحَاكِم.
مَسْأَلَة: إِذا وطئ امْرَأَة فِي فرَاشه ظَنّهَا زَوجته لم يحد خلافًا لَهُم، فَنَقُول: وَطئهَا مُعْتَقدًا حلهَا فَلم يجب عَلَيْهِ الْحَد كَمَا لَو زفت إِلَيْهِ.
مَسْأَلَة: تقبل الشَّهَادَة على الزِّنَى وَإِن تَفَرَّقت فِي مجَالِس خلافًا لَهُ. فَنَقُول: كل شَهَادَة يثبت بهَا الْحق إِذا تأدت فِي مجْلِس يثبت بهَا الْحق إِذا تأدت فِي مجَالِس كَسَائِر الشَّهَادَات، وَأما شَهَادَة النِّكَاح فالمقصود بهَا إِظْهَار العقد، وَذَلِكَ لَا يحصل إِلَّا عِنْد الِاجْتِمَاع وَإِلَّا شهد أَحدهمَا على العقد وَالْآخر على الْإِقْرَار.
(4/464)

مَسْأَلَة: الشَّهَادَة على الزِّنَى وَالسَّرِقَة وَالشرب تقبل وَإِن تقادم عَهده خلافًا لَهُ، فَنَقُول: كلما ثَبت بِهِ الْحق الحَدِيث ثَبت بِهِ الْحق الْقَدِيم كَالْإِقْرَارِ بِهَذِهِ الْحُدُود أَو الشَّهَادَة بِالْقصاصِ، وَمَا تخيلوه من تُهْمَة فتنتفي عَن الْعدْل وَيحْتَمل أَنه أخر إِقَامَة الشَّهَادَة ليرتئي فِي هَذَا الْمقَام المزلق، وَإِن فرقوا بَين الْقصاص والزنى بِأَن الْقصاص والزنى فَإِن للْقصَاص من يُطَالب بِهِ، لم يفرقُوا بَينه وَبَين السّرقَة، فَإِن للسرقة من يُطَالب بهَا وَحكمهَا عِنْدهم حكم الزِّنَى.
مَسْأَلَة: لَا يجب على الإِمَام وَالشُّهُود حُضُور الرَّجْم، والبداية بِهِ بل هُوَ كَسَائِر الْحُدُود، وَلَقَد أَمر رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - برجم مَاعِز وَلم يشهده وَلم يستنب، وَأما مَذْهَب الْخصم فَمَا رُوِيَ أَن عليا رَضِي اللَّهِ عَنهُ لما رجم الهمدانية لفها فِي عباءة وحفر لَهَا حفيرة ثمَّ قَامَ فَحَمدَ اللَّهِ وَقَالَ: أَيهَا النَّاس إِن الرَّجْم رجمان: رجم سر ورجم عَلَانيَة، فرجم السِّرّ أَن تشهد عَلَيْهِ الشُّهُود فَحِينَئِذٍ يبْدَأ الشُّهُود ثمَّ الإِمَام ثمَّ النَّاس، ورجم الْعَلَانِيَة: أَن يشْهد على الْمَرْأَة مَا فِي بَطنهَا فَيبْدَأ الإِمَام بِالرَّجمِ ثمَّ النَّاس.
(4/465)

مَسْأَلَة: إِذا شهد أَرْبَعَة على الزِّنَا ثمَّ رَجَعَ وَاحِد مِنْهُم لزمَه الْحَد دون البَاقِينَ، وَلَو انْفَرد الْوَاحِد مِنْهُم بِالشَّهَادَةِ فَقَوْلَانِ. والخصم يُوجب الْحَد فِي الصُّورَتَيْنِ، ونظرنا فِي غَايَة الظُّهُور فَإِن جَوَاز الشَّهَادَة لَا أقل من أَن تثبت شُبْهَة فِيمَا يسْقط بِالشُّبْهَةِ، فالسبب الْمُبِيح للشَّهَادَة أَنه إِخْبَار على وَجه خَاص وَلَا يتَعَلَّق بِشَهَادَة غَيره فَلَيْسَ على بَصِيرَة من أَمر غَيره، وَغَايَة الْخصم التَّمَسُّك بأثر عمر وَأَنه حد أَبَا بكرَة لما شهد على الْمُغيرَة، ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/466)

وتخلف أَخُوهُ زِيَاد، قَالُوا: وَهَذَا حكم مُخَالف للْقِيَاس، وَالْجَوَاب: أَولا هَذَا مِمَّا انْفَرد بِهِ عمر وَلَقَد خَالفه أَبُو بكرَة وأصر على شَهَادَته حَتَّى هم عمر بحده ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ عَليّ: إِن حددته وَجب الْحَد على الْمُغيرَة، وَهَذَا أَمر يتَعَلَّق بالإقالة، فلعمر أَن يحكم فِيهِ بِاجْتِهَاد ويسلك بِهِ جادة الْقيَاس حَتَّى لَا يتَّخذ النَّاس الشَّهَادَة وَسِيلَة إِلَى الْقَذْف، وَنحن لَا نرى هَذَا الْقيَاس، فَإِن الْعدْل الَّذِي يقبل قَوْله فِي الشَّهَادَة لَا يتخذها سَببا إِلَى الْقَذْف.
(4/467)

(مسَائِل الْحُدُود)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة بعد الثلثمائة: شيو.)

إِذا زنى الْبكر.
الْمَذْهَب: وَجب الْحَد والتغريب.
عِنْدهم: لَا يجب التَّغْرِيب.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
خرج النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ذَات يَوْم فَقَالَ: " خُذُوا عني، خُذُوا عني قد جعل اللَّهِ لَهُنَّ سَبِيلا: الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام، وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم "، وَقَوله فِي قصَّة العسيف: " الشَّاة والوليدة رد عَلَيْك وعَلى ابْنك جلد مائَة وتغريب عَام "، وَنقل ذَلِك عَن الشَّيْخَيْنِ.
(4/468)

لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا} ، فَمن زَاد التَّغْرِيب فقد نسخ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الزِّنَى من فرَاغ البال، وَالسّفر سَبَب الْمَشَقَّة، وَالْإِنْسَان يبلغ فِي بَلَده من الْغَرَض مَا لَا يبلغ غَرِيبا، فصلح التَّغْرِيب حدا، كَيفَ وَقد قرن الْإِخْرَاج من الوطن بِالْقَتْلِ، فالتحق بأشد الْعُقُوبَات.
لَهُم:
التَّغْرِيب لَا يصلح حدا؛ لِأَن الْحَد مَا منع، والتغريب يعرض للزنى وَيفتح بَابه لزوَال الْحيَاء فِي الغربة، وَلَو غربت الْمَرْأَة ومحرمها كَانَ عِقَاب من لم يجن.
مَالك: يغرب الرجل لَا الْمَرْأَة.
أَحْمد: وَافق فِي التَّغْرِيب، والمحصن يجلد ويرجم.
(4/469)

التكملة:
دوران قَوْلهم فِي التَّغْرِيب أَنه يرفع الْحيَاء، فَلَا يشرع قَول من يَقُول: الْحَد على ملإ من النَّاس يرفع الْحيَاء، فَلَا يشرع وَلَا قَائِل بذلك، لَكِن يُقَال: الْحَد عُقُوبَة زاجرة فَمَتَى عَاد عَادَتْ الْعقُوبَة، ثمَّ إِنَّا تلقينا التَّغْرِيب من النَّص، فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى معنى، وَيُمكن أَن يُعلل بمحو أثر الْفَاحِشَة ببعد جَانبهَا، ثمَّ الحَدِيث بَيَان لقَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يتوفاهن الْمَوْت أَو يَجْعَل اللَّهِ لَهُنَّ سَبِيلا} ، فَإِن قيل: كَانَ الْجلد كل الْحَد، فبالتغريب صَار بعضه، قُلْنَا: كُلية الْحَد عبارَة عَن شرع الْحَد وَانْتِفَاء غَيره، أما شرع الْحَد فدلت عَلَيْهِ الْآيَة وَلم تدل على انْتِفَاء غَيره بِعَدَمِ دَلِيل عَلَيْهِ، فَإِذا ورد بِهِ دَلِيل شرع، وَلم ينْسَخ لِلْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لم يثبت شَيْئا تَضَمَّنت الْآيَة نُسْخَة، وَلَعَلَّ الأولى فِي الجدل تَسْلِيم كَون الْجلد كل الْحَد وَشرع التَّغْرِيب لاندراس ذكر الْفَاحِشَة فَهُوَ وَاجِب آخر غير الْحَد.
(4/470)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة بعد الثلثمائة: شيز.)

هَل الْإِسْلَام شَرط فِي الْإِحْصَان؟ .
الْمَذْهَب: لَا.
عِنْدهم: نعم.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام رجم يهوديين زَنَيَا، قَالَ ابْن عمر: وَكَانَا قد أحصنا، فَإِن قَالُوا: رجمهما بِحكم التَّوْرَاة، قُلْنَا: بِهِ أُسْوَة، وَشرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم ينْسَخ، فَإِن قَالُوا: رجمهما سياسة، فَكَذَا نقُول: وَهل الْحَد إِلَّا سياسة.
لَهُم:
قَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الجنايتان وَاحِد، وَالْكفْر بالتغليظ أولى، وَبَيَان استوائهما أَنَّهُمَا ارْتِكَاب
(4/471)

مَحْظُور الشَّرْع وَالْكفْر لَا يسْقط الْخطاب.
لَهُم:
الدّين يعْتَبر إِجْمَاعًا فَاعْتبر كَمَاله، ذَلِك لِأَن الزِّنَى لَا يكون بِجِنَايَة إِلَّا بعد اعْتِقَاد الْحُرْمَة وَذَلِكَ بِالدّينِ، وَيَنْبَغِي أَن يعْتَقد دينا هُوَ نعْمَة، وَكَمَال النِّعْمَة لَا بُد مِنْهُ لكَمَال الْعقُوبَة، وَالنعْمَة الْكَامِلَة هُوَ الْإِسْلَام وَهُوَ حد يعْتَبر فِي وُجُوبه الْإِحْصَان فَاعْتبر الْإِسْلَام كَحَد الْقَذْف.
مَالك: ف.
أَحْمد:
التكملة:
الْكفَّار يكمل جلد أبكارهم ورجم ثيبهم كالمسلمين لِأَن الْفِعْل يعْتَبر للحد بِصفة كَونه جِنَايَة وَتثبت هَذِه الصّفة بِقِيَام خطاب التَّحْرِيم واعتقاد الْفَاعِل قيام الْخطاب واستواء الْكَافِر وَالْمُسلم الثيبين فِي الْمَعْنى يُوجب التَّسْوِيَة فِي الْحَد لَا فَارق إِلَّا الْكفْر، وَهُوَ جِنَايَة تناسب التَّغْلِيظ لَا
(4/472)

التَّخْفِيف وَلَو أثر الْكفْر تَخْفِيفًا لتشطر الْجلد، فَإِن التشطير أيسر من الْإِسْقَاط، ثمَّ الْمُعْتَبر فِي الْحَد هُوَ الْحُرِّيَّة وَالْعقل والإصابة فِي الْحَلَال وَالدّين، وَقد اكتفينا فِي كل مِنْهَا بِمَا وَقع عَلَيْهِ الِاسْم وَيَكْفِي من الدّين هَاهُنَا اعْتِقَاد التَّحْرِيم.
(4/473)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة بعد الثلثمائة ك شيح.)

الْعدَد فِي الْإِقْرَار بالزنى.
الْمَذْهَب: لَا يعْتَبر.
عِنْدهم: يحْتَاج إِلَى أَرْبَعَة أقارير.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
خبر الغامدية، وَأَنَّهَا أقرَّت مرّة وَقَالَت فِي الثَّانِيَة: أتردني كَمَا رددت ماعزا، وَلم يُنكر النَّبِي عَلَيْهَا وَلَا قَالَ لَهَا: تحْتَاج إِلَى أَرْبَعَة أقارير، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " واغد يَا أنيس إِلَى امْرَأَة هَذَا فَإِن اعْترفت فارجمها ".
لَهُم:
قصَّة مَاعِز وَأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أعرض عَنهُ حَتَّى أقرّ أَرْبَعَة أقارير ثمَّ قَالَ لَهُ: " الْآن أَقرَرت أَرْبعا ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وجد سَبَب وجوب الْحَد، فَوَجَبَ ذَلِك، لِأَن الْإِقْرَار سَبَب الْوُجُوب
(4/474)

وَقد وجد وَصَارَ حجَّة باعترافه مَعَ عدم التُّهْمَة.
لَهُم:
نقيس على الشَّهَادَة فَنَقُول: إِحْدَى حجتي الزِّنَى فاختصت بِزِيَادَة عدد كَالشَّهَادَةِ، كل ذَلِك سترا لهَذِهِ الْحَال الْفَاحِشَة حَتَّى ضيق عَلَيْهَا بتكثير الشُّهُود وتكرير الأقارير.
مَالك: ق.
أَحْمد: ف.
التكملة:
قَضِيَّة مَاعِز لَا حجَّة فِيهَا؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام أعرض كَيْلا يسمع الْفَاحِشَة، وَمَا كَانَ مقرا إِنَّمَا كَانَ يَقُول: طهرني، وَكَأن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أنكر حَاله وَلِهَذَا سَأَلَهُ وَسَأَلَ عَنهُ وَفرق بَين الْإِقْرَار وَالشَّهَادَة لِأَن فِي زِيَادَة الشَّهَادَة معنى وتوثقة لَيست فِي تكْرَار الْإِقْرَار، والمستند فِي هَذِه الْمَسْأَلَة النُّصُوص، والخوض فِي الْقيَاس لَا وَجه لَهُ، فَإِن المقدرات لَا تعرف بِالْقِيَاسِ.
(4/475)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة بعد الثلثمائة: شيط.)

الْعَاقِلَة إِذا مكنت صَبيا أَو مَجْنُونا أَو مكْرها.
الْمَذْهَب: وَجب عَلَيْهَا الْحَد.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِيَة وَالزَّانِي ... } الْآيَة، سَمَّاهَا زَانِيَة وَبَدَأَ بهَا وَالِاسْم بحقيقته حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز، ووزان الْآيَة قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِق والسارقة} ، سوى بَينهمَا حدا واسما.
لَهُم:
قَول اللَّهِ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم} ، وَجه الدَّلِيل: إِضَافَة الْفِعْل إِلَى الرجل وَجعل النِّسَاء محلا كالأرض لِلْحَارِثِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الدَّلِيل على أَنَّهَا زَانِيَة الِاسْم والحقيقة وَوُجُوب حد الزِّنَى عَلَيْهَا وَلم تكن
(4/476)

بزانية فِي مَحل الْإِجْمَاع لِمَعْنى فِي الرجل لَكِن لِمَعْنى فِيهَا، يدل عَلَيْهِ أَن الرجل لَو زنا بصغيرة سمي زَانيا، وَصُورَة فعل الزِّنَى مَوْجُودَة مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ قضى شَهْوَة الْفرج على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ.
لَهُم:
لَيست زَانِيَة، فَلَا تحد، لِأَن الزِّنَى حَرَكَة الرجل، يُقَال: زنا فِي الْجَبَل إِذا صعد، وَمحل الْفِعْل لَا يُشَارك الْفِعْل، وَالْفرق بَينهمَا: أَن الْمَرْأَة مَوْطُوءَة وَالرجل واطئ وَيجب الْمهْر عَلَيْهِ لَهَا لَكِن وَجب الْحَد عَلَيْهَا حَيْثُ مكنت من زنا وأفعال هَؤُلَاءِ لَيست زنى فَلَا يجب عَلَيْهَا الْحَد وَسميت زَانِيَة مجَازًا.
مَالك: ق.
أَحْمد:
التكملة:
يشْهد لكَونهَا زَانِيَة وجوب الْحَد على من قَالَ لَهَا: زَنَيْت وَتعلق الْبر والحنث بِفِعْلِهَا إِذا عقدت الْيَمين على الزِّنَى، وَقَول الغامدية زَنَيْت لقَوْل مَاعِز، وَقَوْلهمْ: إِن الزِّنَى فعل، جَوَابه أَن نقُول. تمكينها فعل أم لَيْسَ بِفعل؟ فَإِن لم يكن فعلا فَبِمَ عَصَتْ وحدت وعماذا زجرت؟ وَبِالْجُمْلَةِ
(4/477)

تسمى زَانِيَة وَالْمَوْجُود مِنْهَا فعل التَّمْكِين من الْإِيلَاج، والحقيقة أَن الزِّنَى من كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ فعله الْمحرم عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعَة الْمَخْصُوصَة وَهُوَ قَضَاء وطر الْفرج بطرِيق مَقْصُود محرم قطعا هَذَا حد الزِّنَى، فالرجل بالإيلاج، وَإِن كَانَ مَعَ عَاقِلَة أَو مَجْنُونَة، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة بالتمكين، وداعية الْمَرْأَة كداعية الرجل، وَحَقِيقَة الْجِمَاع التقاء الختانين، وَإِنَّمَا سمي الرجل واطئا وَالْمَرْأَة مَوْطُوءَة؛ لِأَن الْغَالِب سُكُون الْمَرْأَة وحركة الرجل، وَإِلَّا البضعان متماسان أَحدهمَا مُحِيط وَالْآخر محاط بِهِ وَالْفِعْل وَاحِد.
(4/478)

(الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكّ.)

إِذا عقد على ذَوَات مَحَارمه كَأُمِّهِ وَأُخْته ووطئ.
الْمَذْهَب: حد.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم} ، أضَاف التَّحْرِيم إِلَى عينهن فخرجن عَن أَن يكن محلا.
لَهُم: ... ... ... . .
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
كَون الْمحل محلا إِنَّمَا يعرف بِالشَّرْعِ لَا حسا، وَالأُم فِي حق الابْن لَيست
(4/479)

محلا فَصَارَ العقد عَلَيْهَا كلا عقد فَوَجَبَ الْحَد، ثمَّ الأَصْل فِي الأبضاع التَّحْرِيم، وَإِنَّمَا يستباح بِالْعُقُودِ الشَّرْعِيَّة، فَهُوَ إِذن عقد أَخطَأ مَحَله قطعا فَلَا يثير شُبْهَة كَمَا لَو عقد على غُلَام.
لَهُم:
وَطْء وجد عقيب عقد مُعْتَبر فأسقط الْحَد قِيَاسا على مَا لَو وطئ فِي نِكَاح بِغَيْر ولي وَلَا شُهُود، ذَلِك لِأَن العقد صَادف مَحَله لِأَن الْمَرْأَة مَحل العقد بِدَلِيل حَالهَا مَعَ الْأَجْنَبِيّ وبكونها أُنْثَى آدمية، ثمَّ الشُّبْهَة من مشابهة هَذَا العقد للْعقد الْحَلَال، ويتأيد بِمَا لَو أشترى أُخْته رضَاعًا، فَإِنَّهُ لَا يحد بِوَطْئِهَا.
مَالك: ف.
أَحْمد:
التكملة:
أجمعنا على أَنه لَو اشْترى أمه وَوَطئهَا مَعَ الْعلم بِحُصُول الْعتْق وَجب الْحَد فَإِن يجب عَلَيْهِ فِي النِّكَاح أولى؛ لِأَن الشِّرَاء عقد العقد وَأفَاد الْملك، ثمَّ الْقَرَابَة قطعته، وَعِنْدهم لَو طرى على النِّكَاح رضَاع أَو مصاهرة، ووطئ
(4/480)

مَعَ الْعلم وَجب الْحَد، فَنَقُول: إِذا كَانَ طريان ذَلِك يدْفع شُبْهَة عقد قد سبق (فَلِأَن تنفى بِهِ) الشُّبْهَة أولى، فَإِن قَالُوا: مَا الشُّبْهَة الدارئة للحد؟ قُلْنَا: هِيَ شُبْهَة فِي الْفَاعِل، وَهِي جَهله بِالتَّحْرِيمِ، وَذَلِكَ إِذا ظن الْمَوْطُوءَة منكوحته أَو أمته أَو أَمْثَال ذَلِك، أَو اشْتِبَاه تَحْرِيم الْفِعْل على الْعلمَاء كَالنِّكَاحِ بِغَيْر ولي ولاى شُهُود، فَإنَّا لَا نعلم محرم هُوَ ام لَا؟ وعَلى هَذَا نِكَاح الْمُتْعَة يجب فِيهِ الْحَد، لِأَن بُطْلَانه مَعْلُوم، الثَّالِث قيام الْمُبِيح بِعَيْنِه كالملك فِي الْأُخْت من الرَّضَاع وَالْجَارِيَة الْمَنْكُوحَة وَالْجَارِيَة الْمُشْتَركَة وَفِيه اخْتلف قَول الشَّافِعِي، فَإِن منع انحصرت الشُّبْهَة فِي قسمَيْنِ، وَإِن سلم، فَلِأَن عين الْبضْع للْمَالِك وَلِهَذَا يصرف إِلَيْهِ بدله، وَإِنَّمَا منع من الْوَطْء لمَانع فَصَارَ كَمَا لَو منع عَن وَطْء زَوجته حيض، والاستئجار على الزِّنَى هَذَا طَرِيقه، فَإِنَّهُ بَاطِل قطعا وَهِي مَسْأَلَة مُفْردَة.
(4/481)

(اللوحة 76 من المخطوطة أ:)

الْإِجَارَة عقد شرع بطرِيق الضَّرُورَة لدفع حَاجَة يعْتَاد دَفعهَا بطرِيق الْإِجَارَة لَا لتمليك مُطلق للمنفعة، أَلا ترى أَنه (لَو اسْتَأْجر الْأَشْجَار يستظل بهَا ويجفف عَلَيْهَا) ثَوْبه لم يَصح، وَإِن كَانَت مَنْفَعَة حَقِيقَة إِلَّا أَنه لَا يحْتَاج إِلَى استيفائها عَادَة كَذَلِك هَاهُنَا مَنَافِع الْبضْع لَا يعْتَاد استيفاؤها بطرِيق الْإِجَارَة، فَلَا تكون الْإِجَارَة سَببا للتَّمْلِيك فِيهَا، وَمِمَّا يلْتَحق بِمَسْأَلَة السَّيِّد وَعَبده أَن نقُول: اسْم الْحق مُشْتَرك يسْتَعْمل تَارَة فِي معنى مُفْرد وَيكون نقيض الْبَاطِل، وَيسْتَعْمل مُضَافا وَهُوَ الَّذِي يخْتَص بِهِ الْغَيْر وَيطْلب مِنْهُ رِعَايَة جَانِبه لِأَن كل شَيْء سَبَب لِمَعْنى يطْلب مِنْهُ، فَمن كَانَ ذَلِك الْمَعْنى مَطْلُوبا لَهُ كَانَ الْحق لَهُ وَتبين إِذا أَن الْحَد ينْتَفع بِهِ الْمَالِك لِأَن بِهِ يصلح ملكه، فَيملكهُ كَمَا يملك التَّعْزِير.
مَسْأَلَة: يقطع السَّارِق فِي ربع دِينَار، وَعِنْدهم فِي عشرَة دَرَاهِم، لنا: مَا رَوَت عَائِشَة رَضِي اللَّهِ عَنْهَا عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: " لَا يقطع السَّارِق إِلَّا فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا " لِأَنَّهُ سرق ربع دِينَار من حرز مثله لَا
(4/482)

شُبْهَة لَهُ فِيهِ وَالسَّارِق من أهل الْقطع، فَوَجَبَ الْقطع كَمَا لَو هتك الْحُرْمَة مَعَ آخر وَأخذ ربع دِينَار وَأخذ شَرِيكه تَمام دينارين، وَلَا يُقَال: إِن الْمَعْنى فِي الأَصْل أَن الْمَسْرُوق لَو قسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ يحصل لكل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يجوز أَن يكون صَدَاقا فَجَاز أَن يجب الْقطع.
وَفِي مَسْأَلَتنَا الْمَسْرُوق قدر لَا يتَقَدَّر بِهِ الْمهْر، فَلَا يتَقَدَّر بِهِ نِصَاب السّرقَة كَمَا دون الرّبع، لِأَن معنى الأَصْل يبطل بِمَا إِذا وقف أَحدهمَا خَارج الْحِرْز وَدخل الآخر وَأخذ دينارين، فَإِنَّهُ لَا يجب الْقطع على الْخَارِج وَإِن كَانَ الْمَأْخُوذ نِصَابا فِي حق كل وَاحِد مِنْهُمَا، وَمعنى الْفَرْع لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِذا لم يتَقَدَّر بِهِ عوض فِي عقد لم يتَقَدَّر بِهِ النّصاب.
مَسْأَلَة: يجب الْقطع بِسَرِقَة الْمُصحف وَغَيره من الْكتب خلافًا لَهُ.
لنا: أَن مَا تعلق بِهِ الْقطع قبل أَن يكْتب عَلَيْهِ تعلق بِهِ بعد الْكِتَابَة كالثياب، وَالِاخْتِلَاف فِي بيع الْمَصَاحِف حدث بعد زمن النَّبِي فَلَا يُغير حدا
(4/483)

ثَبت فِي زمن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِن قَالُوا: حُقُوق النَّاس مُتَعَلقَة بالمصحف لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " تعلمُوا الْقُرْآن "، والتعلم لَا يكون إِلَّا بالتمكين، قُلْنَا: الْوَاجِب تعلم فَاتِحَة الْكتاب والتعلم لَا يُنَافِي الْيَد. وَاعْلَم أَن أَبَا حنيفَة لَا يُوجب الْقطع بِسَرِقَة الْكتب وَإِن كَانَ عَلَيْهَا حلي قِيمَته نِصَاب، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهَا الْقِرَاءَة لَا المَال، وَإِذا سرق إِنَاء من فضَّة قِيمَته نِصَاب وَفِيه مَاء أَو خمر وَجب الْقطع عندنَا خلافًا لَهُم، والملاهي إِن كَانَت مفصلة قيمتهَا ربع دِينَار وَجب الْقطع.
(4/484)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكا.)

إِذا اسْتَأْجر امْرَأَة ليزني بهَا فزنى.
الْمَذْهَب: وَجب الْحَد.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... . .
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {وآتوهن أُجُورهنَّ} أَي مهورهن، وَالْمهْر خَاصَّة للنِّكَاح فقد وجد بِشُبْهَة النِّكَاح فدرأ الْحَد، وَرُوِيَ أَن أمْرَأَة استسقت رَاعيا فأبي إِلَّا أَن تمكنه فَفعلت فَرفعت الْقِصَّة إِلَى عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ فدرأ الْحَد عَنْهَا.
(4/485)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
زَان فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَد، دَلِيل ذَلِك مَا قبل هَذَا العقد، فَلَو خرج عَن الزِّنَى لَكَانَ بِهِ، وَهَذَا عقد بَاطِل وجوده عدم فقد أَخطَأ مَحَله؛ لِأَن الْبضْع لَيْسَ مَالا وَلَا شُبْهَة إِذْ لم يُصَادف مَحَله وَلَو صَحَّ دَعْوَى الْمجَاز انْعَقَد بِهِ النِّكَاح.
لَهُم:
عقد الْإِجَارَة يحْتَمل أَن يجوز بِهِ عَن النِّكَاح؛ لِأَنَّهُمَا يعقدان على الْمَنْفَعَة وَإِذا اتّفق مَحل الْعقْدَيْنِ احْتمل الْمجَاز بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، فَكَانَ ذَلِك شُبْهَة، وَلَو قَالَ: أمهرتك لأزني بك سقط الْحَد، وَإِن منعتم ألزمناكم أَن لَو قَالَ: نكحتك لأزني بك وَالْمهْر من خَواص النِّكَاح.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
أما أثر عمر رَضِي اللَّهِ عَنهُ فقد قيل: إِن الْمَرْأَة كَانَت قريبَة عهد بِالْإِسْلَامِ جاهلة بِتَحْرِيم الزِّنَى، ثمَّ هُوَ مَذْهَب وَاحِد من الصَّحَابَة فِي مَحل الِاجْتِهَاد فَلَا يُقَلّد، وَبِالْجُمْلَةِ نقُول: الْإِجَارَة عقد مَالِي يعْتَمد ملك الْيَمين،
(4/486)

والمستمتع يدْخل بِملك النِّكَاح، فقد أَخطَأ العقد مَحَله وَالْمهْر لَازم للنِّكَاح، وَوُجُود لَازم الشَّيْء لَا يثبت شُبْهَة فِيهِ كَمَا لَو زنى بمشهد عدُول وَولي، فَإِن هَذَا شَرط النِّكَاح ولازمه وَيجب الْحَد، وَيدل عَلَيْهِ أَنه إِذا قَالَ لغيره: زَنَيْت بعوض وَجب عَلَيْهِ الْحَد، ثمَّ الْمُسْتَوْفى بِالْعقدِ إِن كَانَ مَنْفَعَة حَقِيقَة لَكِن حكمه حكم الأجراء لِأَن الشَّرْع أعْطى مَنَافِع الْبضْع أَحْكَام الْأَعْيَان وَهَذَا لَا يجْرِي فِيهَا الْبَدَل وَالْإِبَاحَة بِخِلَاف سَائِر الْمَنَافِع، وَلِهَذَا التَّأْبِيد شَرط التَّمْلِيك فِيهَا، وَلِهَذَا قَالُوا: وَطْء الثّيّب يمْنَع الرَّد بِالْعَيْبِ.
(4/487)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكب.)

اللواط.
الْمَذْهَب: يُوجب الْحَد.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من وجدتموه يعْمل عمل قوم لوط فَاقْتُلُوهُ: الْفَاعِل وَالْمَفْعُول "، وروى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي اللَّهِ عَنهُ: " إِذا
(4/488)

أَتَى الرجل الرجل فهما زانيان ".
لَهُم:
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
االواط مثل الزِّنَى فَيُوجب مَا يُوجب فَهُوَ كَالْقَتْلِ بالمدية بإضافته إِلَى السَّيْف والمماثلة صُورَة وَمعنى؛ لِأَنَّهُ إيلاج فرج فِي فرج محرم لقَضَاء الشَّهْوَة والفرج مشتهى طبعا محرم شرعا ونمنع عدم جَرَيَان الْقيَاس فِي الْأَسْمَاء.
(4/489)

لَهُم:
هَذَا لَيْسَ بزنى، لِأَن لَهُ اسْما يَخُصُّهُ والأسماء لَا تثبت بِالْقِيَاسِ وينفى عَنهُ الزِّنَى وَلَيْسَ فِي معنى الزِّنَى؛ لِأَن الزِّنَى يفْسد الْفرش ودواعيه آكِد؛ لِأَنَّهُ من الْجَانِبَيْنِ، فَلَا يلْحق اللواط بِهِ، فَلَا هُوَ هُوَ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ.
مَالك: يرْجم بكرا كَانَ أَو ثَيِّبًا.
أَحْمد: وَافق مَالِكًا.
التكملة:
طَرِيق الْمَعْنى تَنْقِيح المناط فِي حد الزِّنَى فَنَقُول: الْحَد عُقُوبَة فَيعْتَبر (لَهُ مَا هُوَ جِنَايَة) ، وَفعل الْجِنَايَة إيلاج فرج فِي فرج كَمَا ذكر وَقد وجد باللواط، يبْقى أَن الزِّنَى فِي مَحل الْحَرْث وَهُوَ مفْسدَة للنسب، وَهَذِه زِيَادَة غير مُعْتَبرَة إِجْمَاعًا بِدَلِيل الزِّنَى بالصغيرة، وَالْحكم الْمُعَلل بِمَعْنى إِنَّمَا يدار على سَبَب ظَاهر إِذا احْتمل ذَلِك السَّبَب ذَلِك الْمَعْنى واشتمل عَلَيْهِ، أما إِذا عرف انْتِفَاء ذَلِك الْمَعْنى قطعا، فَلَا يعْتَبر كالجرح المستعقب الزهوق هُوَ مُوجب الْقصاص؛ لِأَنَّهُ سَبَب الزهوق غَالِبا، وَمَعَ ذَلِك لَو تعقبه حز الرَّقَبَة
(4/490)

لم يبْق سَببا، فَإِن قيل: كَيفَ بَقِي فرق بَين الْمُحصن وَالْبكْر فِي جَانب (الْمَفْعُول والإحصان عديم الْأَثر فِي حَقه؟ ، قُلْنَا: لَا يشرع فِي الْمَفْعُول بِهِ) غير الْجلد على هَذَا المساق.
(4/491)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكج.)

سَرقَة الْفَوَاكِه الرّطبَة.
الْمَذْهَب: يجب فِيهِ الْقطع.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
العمومات الدَّالَّة على قطع السَّارِق، وَرُوِيَ: " لَا قطع فِي شَيْء من الثِّمَار حَتَّى يؤويها الجرين، وَلَا فِي شَيْء من الْمَوَاشِي حَتَّى يؤويها المراح ".
(4/492)

لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا قطع فِي ثَمَر وَلَا كثر "، وَقَالَ: " ادرءوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ "، وَذَلِكَ يخصص كثيرا من العمومات الْوَارِدَة فِي الْحُدُود.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
سرق نِصَابا كَامِلا من حرز مثله لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ، وَالسَّارِق من أهل
(4/493)

الْقطع، بَيَان الْأَوْصَاف ظَاهِرَة، والمالية كَامِلَة، والتفاوت فِي الْبَقَاء لَا أثر لَهُ كالحيوان مَعَ الجماد، والقوارير مَعَ زير الْحَدِيد، والمالية بِالْعرْفِ.
لَهُم:
مَال تافه لَا يُوجب الْقطع أَو نَاقص الْمَالِيَّة، ذَلِك لِأَن المَال مَا يصلح للْحَال والمآل وَهَذَا إِنَّمَا يصلح للْحَال وَحَال الْمَالِيَّة لقِيَام الرُّطُوبَة الْمفْسدَة فَأعْطِي حكم التَّالِف كالمرتد لما انْعَقَد سَبَب هَلَاكه عد هَالكا.
مَالك: ق.
أَحْمد:
التكملة:
الْجمع بَين الْحَدِيثين: أَن الثِّمَار كَانَت فِي حدائقهم غير محرزة فِي غَالب الْأَمر، وَإِنَّمَا تحرز بالجرين، ثمَّ الأدهان والخلول من الْمَائِعَات وتدخر، وَكَذَلِكَ الْفَاكِهَة الرّطبَة كالعنب وَالرّطب يتمول زبيبا وَتَمْرًا ويعد من أيسر الْأَمْوَال، والطبائخ والرياحين أَمْوَال مَقْصُودَة يرغب فِيهَا
(4/494)

ويتجر بهَا، وَكَمَال الْمَالِيَّة بِكَمَال الْمَنَافِع والقيم، ويتأيد بِأَن ولي الْيَتِيم يجوز (لَهُ صرف) مَاله فِيهَا وَيجوز جعلهَا صَدَاقا، ثمَّ مَا لَيْسَ بِمَال فِي الْحَال كالجحش (لتوهم ضَرُورَته) مَا لَا يجب الْقطع بسرقته (فَمَا هُوَ) مَال فِي الْحَال أولى، وَالْمُرْتَدّ لَا نجعله مَيتا.
(4/495)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكد.)

أيقيم السَّيِّد الْحَد على عَبده؟ .
الْمَذْهَب: نعم. عِنْدهم: لَا الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " أقِيمُوا الْحُدُود على مَا ملكت أَيْمَانكُم "، وَظَاهره الْوُجُوب، فَلَا أقل من أَن يَقْتَضِي الْجَوَاز، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " إِذا زنت أمة أحدكُم فليجلدها الْحَد ".
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " أَرْبَعَة إِلَى الْوُلَاة: الْخراج، وَالْحَد،
(4/496)

وَالْجُمُعَة وَالصَّدقَات ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْمَالِك أولى من السَّيِّد بِدَلِيل أَنه تقدم عَلَيْهِ فِي ولَايَة النِّكَاح وَصَارَ مثل التَّصَرُّفَات الَّتِي يلقيها السَّيِّد على عَبده، وَلَا يملك الإِمَام مثلهَا على رَعيته، وَالْحَد مشوب بِحَق الْآدَمِيّ، وَهُوَ أَيْضا من قبيل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ ويتوقف على الْقُدْرَة وَالسَّيِّد قَادر.
لَهُم:
الْحَد حق لله تَعَالَى فَلَا يملك استيفاءه غير الإِمَام، لِأَنَّهُ النَّائِب بِدَلِيل سَائِر الْحُقُوق، ذَلِك خشيَة التواكل لَو فوض إِلَى آحَاد الْمُسلمين.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/497)

التكملة:
الْمعول عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " أقِيمُوا الْحُدُود على مَا ملكت أَيْمَانكُم "، وَيُمكن الْجمع بَينه وَبَين قَوْله: " أَرْبَعَة إِلَى الْوُلَاة "، وَأقرب مَا يتَمَسَّك بِهِ الْقيَاس على التَّعْزِير لحق اللَّهِ تَعَالَى، فَإِن السَّيِّد يملكهُ، وَأي بعد فِي أَن يُقَال: استنبت السادات بِحكم الْمصلحَة فِي اسْتِيفَاء هَذَا الْحق كَمَا فِي التَّعْزِير فالسيد أهل لإِقَامَة الْحَد قَادر عَلَيْهِ من عَبده فَيملكهُ، وَبَيَان الْأَهْلِيَّة أَنَّهَا بِالْعقلِ الْهَادِي إِلَى كَيْفيَّة الْإِقَامَة، وَالْإِسْلَام الْبَاعِث على فعل الْأَصْلَح، وَبِالْجُمْلَةِ: نسلم أَن الْحَد حق لله تَعَالَى وَأَن الإِمَام نَائِبه، ونبين أَن السَّيِّد فِي مَعْنَاهُ، وَلَا مجَال للتُّهمَةِ، فَإِن السَّيِّد متشوف إِلَى الْحَد ليمنعه بِهِ عَن الزِّنَى المهلك، وَأما سَماع الْبَيِّنَة فيستدعي أَهْلِيَّة الِاجْتِهَاد.
(4/498)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكه.)

نِصَاب مَا أَصله على الْإِبَاحَة.
الْمَذْهَب: يجب الْقطع بسرقته.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
العمومات.
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " النَّاس شُرَكَاء فِي ثَلَاث: النَّار وَالْمَاء والكلأ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي الشّركَة أبدا لَكِن بالحيازة اخْتصَّ بِهِ قوم فَبَقيَ مُجَرّد اسْم الشّركَة شُبْهَة فِي إِسْقَاط الْحَد، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: لَا قطع على سَارِق الطير.
(4/499)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْعبارَة:
ونقول: الْإِبَاحَة لَا تصلح شُبْهَة لعدمها فِي الْحَال، فَصَارَ كتقدم الْملك وَلَيْسَت تافهة، لِأَن الْمرجع فِي ذَلِك إِلَى الرغبات والقيم والأسواق.
لَهُم:
تافه فَلَا يقطع بسرقته كَمَا دون النّصاب، ذَلِك لقلَّة الرَّغْبَة، وَالنُّقْصَان من حَيْثُ الْجِنْس أولى بِالِاعْتِبَارِ من النُّقْصَان من حَيْثُ الْقدر.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
المُرَاد بقَوْلهمْ: مَا قبل الْإِحْرَاز إِجْمَاعًا، وَإِمَّا إِسْقَاط الْحَد عَن الْأَب بِسَرِقَة مَال ابْنه فَذَلِك لأجل حق النَّفَقَة، وَأَن مَاله معرض لِحَاجَتِهِ وعصمة يَده من حَاجته، وَلَيْسَ الْوَلَد ملك الْأَب، وَلذَلِك يجب عَلَيْهِ حد الزِّنَى إِذا زنى بأمته، وَإِنَّمَا يسْقط الْقصاص لقَوْله: " لَا يقتل وَالِده بولده "،
(4/500)

وتناقضهم بالآبنوس والساج فقد نَص أَو حنيفَة: أَنه يجب الْقطع بسرقتهما مَعَ أَنَّهُمَا كَانَا على الْإِبَاحَة، وَكَذَلِكَ الْخشب المنحوت، وَدَعوى تفاهة هَذِه الْأَمْوَال وقاحة فَإِن الرغبات متوجهة نَحْوهَا، والبازي الْمُثمن يُرْسل فِي طلب الصَّيْد لعزته، والرغبات تخْتَلف، والمعول عَلَيْهَا فِي كل وَقت وعَلى الْقيمَة، ويتأيد بإصداقها وشرائها للْيَتِيم، ثمَّ التفاهة لَا تسْقط الْحَد بِدَلِيل سَرقَة قشور الرُّمَّان وأقماع الباذنجان وخليع الْحصْر إِذا بلغ ذَلِك نِصَابا، وَخبر الطير لم يَصح، وَإِن صَحَّ فَالْمُرَاد بِهِ الموكر على شجر الْبُسْتَان.
(4/501)

(اللوحة 77 من المخطوطة أ:)

إِذا ابتلع جَوْهَرَة فِي الْحِرْز لم تخرج الْجَوْهَرَة مِنْهُ وَلَا قطع عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أتلفهَا بذلك، فَهُوَ كَمَا لَو أكل الطَّعَام فِي الْحِرْز، وَأما إِن خرجت مِنْهُ فَهَل يجب الْقطع؟ وَجْهَان: وَجه وُجُوبه: أَنَّهَا خرجت فِي وعَاء فَهُوَ أخرجهَا فِي كمه، وَوجه عدم الْوُجُوب أَنه ضمنهَا بالبلع فَكَانَ إتلافا؛ لِأَنَّهُ أكره على إخْرَاجهَا حَيْثُ لَا يُمكنهُ الْخُرُوج بِدُونِهَا، وَإِذا اشْترك جمَاعَة فِي السّرقَة، فَإِن بلغ مَا سَرقُوهُ إِذا قسم عَلَيْهِم ربع دِينَار للْوَاحِد وَجب الْقطع، فَإِن انْفَرد كل وَاحِد بِإِخْرَاج شَيْء اعْتبر بِنَفسِهِ إِن بلغ مَا أخرجه نِصَابا قطع، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجمع مَا اخرجوه وَيقسم بَينهم، فَإِن أصَاب الْوَاحِد نِصَابا قطعُوا، فَيكون الْخلاف فِي صُورَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا أَن يخرج الْوَاحِد أقل من نِصَاب فيقطعان عِنْده إِذا تمّ نصابين، وَعِنْدنَا يقطع الَّذِي أخرج أَكثر من نِصَاب، فَإِن سرق الْوَاحِد نِصَابا وَالْآخر أقل من نِصَاب قطع سَارِق النّصاب عندنَا وَعِنْدهم لَا يقْطَعَانِ، وَفِي السّرقَة بَين الزَّوْجَيْنِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا أَنه لَا قطع بَينهمَا لما بَينهمَا من الِاتِّحَاد الْعرفِيّ وَهَذَا
(4/502)

مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه اللَّهِ، وَالثَّانِي أَن بَينهمَا الْقطع؛ لِأَنَّهُ اتِّحَاد لم يُوجِبهُ الشَّرْع، وَالثَّالِث أَن الزَّوْجَة لَا تقطع لأجل حق النَّفَقَة وَالزَّوْج يقطع، وخيال أبي حنيفَة فِي الزَّوْج أقرب لأجل حق النَّفَقَة، وَغَايَة جَوَابنَا عَنهُ: أَن النَّفَقَة لَيست حكم الزَّوْجِيَّة، وَإِنَّمَا هِيَ حكم التَّمْكِين، وَلذَلِك أسقط بالنشوز مَعَ قيام النِّكَاح، فَإِن قيل: النِّكَاح سَبَب التَّمْكِين فيضاف الحكم إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَب النّسَب، قُلْنَا: نعم. النِّكَاح يُوجب التَّمْكِين، وَأما فعل التَّمْكِين فمرتبط باختيارها، فَلَا يُضَاف فعل التَّمْكِين إِلَى النِّكَاح، أَو نقُول: وَجَبت النَّفَقَة فِي النِّكَاح وجوب الأعواض والأعواض يَقْتَضِي اخْتِصَاص حكم الشُّبْهَة فِيهَا بِمحل الْعِوَض وَلَا يتعداه كالغريم لَهُ حق من مَال صَاحبه بِجِهَة العوضية فَلَو سرق مَاله قطع والاتحاد الْعرفِيّ رُبمَا يأباه ذَوُو الْمُرُوءَة ويترفعون عَن اسْتِعْمَال مَا يخص الزَّوْجَة.
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ: الِاتِّحَاد نتيجة الْمحبَّة والعشق لَا نتيجة النِّكَاح، وَلَيْسَ التباين فِي النِّكَاح ببدع، وَلذَلِك شرع الطَّلَاق وَكَانَ هَذَا الْإِنْكَار يصادم النَّص، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا لتسكنوا إِلَيْهَا وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة} ، والأصلح أَن يُقَال: الِاتِّحَاد النَّاشِئ عَن الزَّوْجِيَّة دون الِاتِّحَاد النَّاشِئ عَن الْقَرَابَة، فَإِن النِّكَاح بِعرْض الزَّوَال، ثمَّ النِّكَاح يُرَاد لِاتِّحَاد الْقَرَابَة بِالْوَلَدِ فَكيف يعْطى حكم الْقَرَابَة؟ وَالدَّلِيل على أَنه لَاحق للزَّوْج فِي مَال زَوجته أَنه يَزْنِي بجاريتها فَيحد.
(4/503)

(الْمَسْأَلَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكو.)

النباش.
الْمَذْهَب: يقطع.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ البني عَلَيْهِ السَّلَام: " من حرق حرقناه، وَمن نبش قطعناه "، وَلَيْسَت لَفْظَة الْقطع مُحْتَملَة، وَإِنَّهَا لَا ترَاد هَاهُنَا إِلَّا لقطع الْيَد، قَالَت عَائِشَة رَضِي اللَّهِ عَنْهَا: " سَارِق مَوتَانا سَارِق أحيائنا "، واللغة تثبت بقولِهَا وَحكم السَّارِق الْقطع.
(4/504)

لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا قطع على المختفي، قيل: هُوَ النباش بلغَة الْمَدَنِيين.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
سرق نِصَابا كَامِلا من حرز مثله لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ فَوَجَبَ الْقطع، ذَلِك لِأَن السّرقَة من المسارقة وَقد وجد، والمالية ظَاهِرَة، وَلِهَذَا يجب ضَمَانه والحرز ظَاهر، لِأَن الْقَبْر مَوضِع الْكَفَن، وتكفين الْمَيِّت لَيْسَ بتضييع بل وَاجِب وَيَكْفِي مسارقة أعين النَّاس، فَهُوَ كَمَال غَابَ عَنهُ صَاحبه وقنع بأعين المارين.
لَهُم:
لم يُوجد سَبَب الْقطع إِذْ لم تُوجد السّرقَة، فَإِن السّرقَة أَخذ المَال على جِهَة المسارقة لَا عين المالكين وَالْأَخْذ هَاهُنَا من الْمَيِّت، ثمَّ لم يُوجد
(4/505)

الْحِرْز بِدَلِيل أَنه لَو كَانَ فِي الْقَبْر ثوب خَز لم يجب الْقطع بسرقته، ثمَّ قد تمكنت الشُّبْهَة من الْمَسْرُوق؛ لِأَنَّهُ أعد للبلى والقبر يملكهُ لَا يحرزه، وَإِن سَارِق الْأَعْين؛ فَلِأَنَّهُ يفعل فَاحِشَة.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
المآخذ ثَلَاثَة: إِيجَاب الْقطع عَلَيْهِ ابْتِدَاء بِالنَّصِّ على قطع النباش وقطعهم يُنَاسب ذَلِك، وَالثَّانِي أَنه سَارِق بِخَبَر عَائِشَة رَضِي اللَّهِ عَنْهَا ولصورة فعله فَكَانَ السّرقَة حبس النبش نَوعه، وَإِنَّمَا جَازَ أَن ينفى عَنهُ لفظا؛ لِأَنَّهُ صَار لَهُ اسْما أشهر، الثَّالِث: نسلم أَنه لَيْسَ بسارق ونقطعه قِيَاسا على السَّارِق لوُجُود فعل السّرقَة مِنْهُ، فَإِنَّهُ سرق مَالا مُتَقَوّما مَعْصُوما مَقْصُود الْحِفْظ شرعا كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة: تجب كَفَّارَة الْجِمَاع على الْأكل وَإِن كَانَ النَّص ورد فِي الْجِمَاع، فَإِذا فَرضنَا فِي قبر فِي بَيت كَانَ الْكَلَام أظهر، فَإِن طرقوا الشُّبْهَة بِأَن الْكَفَن لَا مَالك لَهُ، قُلْنَا: يبطل بِمَال الْمَيِّت
(4/506)

الَّذِي عَلَيْهِ دين فَإِن المَال لَيْسَ لَهُ وَلَا للْوَارِث وَيجب الْقطع بسرقته وَالْمَبِيع فِي زمن الْخِيَار لَا مَالك لَهُ عِنْدهم، وعَلى الْجُمْلَة: الْكَفَن مَمْلُوك لمن هُوَ لَهُ مُتَقَوّم، وَلِهَذَا لَو أكل السَّبع الْمَيِّت كَانَ الْكَفَن للْوَارِث وَعدم الْملك لَا يخرج الْفِعْل عَن كَونه فَاحِشَة، وَلَا الْكَفَن عَن كَونه مَقْصُود الْحِفْظ عَن السراق.
(4/507)

(الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكر.)

هبة الْمَسْرُوق من السَّارِق.
الْمَذْهَب: لَا يسْقط الْقطع.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
سرق سَارِق خميصة صَفْوَان، فَاسْتَيْقَظَ فأمسكه وَحمله إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَأمر بِقطعِهِ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ. مَا أردْت هَذَا، هِيَ لَهُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " هلا قبل أَن تَأتِينِي بِهِ "، وَهَذَا نَص، وَلَو أَن ثمَّ مَوضِع شُبْهَة لنبه عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْهَا إِلَى دَرْء الْحَد.
لَهُم: ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/508)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
ثبتَتْ السّرقَة فَوَجَبَ الْقطع، وَهِي خَالِيَة عَن شُبْهَة، ذَلِك لِأَن الْملك يقْتَصر على الْحَال وَلَا يتَقَدَّم سَببه، فَلم يُؤثر فِي السّرقَة السَّابِقَة، ووزانه مَا لَو زنى بِجَارِيَة ثمَّ اشْتَرَاهَا قبل الْإِمْضَاء وَبعد الْقَضَاء، فَإِنَّهُ لَا يسْقط الْحَد، وَكَذَلِكَ لَو اشْترى الْحِرْز الْمَسْرُوق مِنْهُ.
لَهُم:
سَرقَة تمكنت مِنْهَا الشُّبْهَة فمنعت من الْقطع، وَذَلِكَ لِأَن الْعين قد ملكهَا السَّارِق فالعين (الَّتِي سَرَقهَا هِيَ الْعين) الَّتِي ملكهَا، واتحاد الْعين كاتحاد الْملك، ثمَّ الْإِمْضَاء ثَمَرَة الْقَضَاء فَكلما يشرط للْقَضَاء يشرط للإمضاء؛ لِأَنَّهُ بِثمنِهِ وَبِه يظْهر.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/509)

التكملة:
نستدل بِعُمُوم آيَة السّرقَة وَعَلَيْهِم التَّخْصِيص، أما إِقْرَار الْمَالِك للسارق بِالْعينِ فَيحْتَمل أَن يكون لَهُ قبل السّرقَة أَو مَعهَا أَو بعْدهَا وَهَذَا شُبْهَة، وَلذَلِك إِذا رَجَعَ الشُّهُود تختل الْحجَّة إِذْ لَيْسَ صدقهم أَولا بِأولى من صدقهم ثَانِيًا، وَكَذَلِكَ لَو فسقوا تَبينا فَسَاد حَالهم أَولا: فَإِن قَالُوا: الْخُصُومَة شَرط الْقَضَاء وَالْقطع من الْقَضَاء، فَلَا يُمكن بِغَيْر خُصُومَة. قُلْنَا: لَا نسلم أَن الْخُصُومَة من شَرط الْقَضَاء بل لَو أقرّ أَو قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة حسبَة قطع، ثمَّ نقُول: الْقطع غير الْقَضَاء لِأَن الْقَضَاء إِظْهَار حكم السّرقَة أَو إثْبَاته على خلاف فِيهِ، وَالْقطع لَا يكون حكم السّرقَة؛ لِأَنَّهُ فعل محسوس، بل حكم السّرقَة وجوب الْقطع (فَإِن الْإِنْسَان بِاعْتِبَار أَنه يَمُوت ويحيا) .
(4/510)

(الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكح.)

الْقطع وَالْغُرْم.
الْمَذْهَب: يَجْتَمِعَانِ.
عِنْدهم: لَا يَجْتَمِعَانِ.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد ".
لَهُم:
قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا} جعل الْقطع جَزَاء الْفِعْل فَمن زَاد الْغرم فقد زَاد فِي النَّص، وَذَلِكَ نسخ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْكَلَام فِي الضَّمَان فَنَقُول: تحقق سَببه، ذَلِك لِأَن السَّبَب هُوَ أَخذ مَال
(4/511)

الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه؛ وَلِأَنَّهُ بِالْيَدِ فَوت على الْمَالِك الْمَنَافِع فَصَارَ كَأَنَّهُ أتلف الْعين لتعذر الِانْتِفَاع، غَايَته أَنه وَجب حَقًا لله تَعَالَى الْقطع، وَيجوز أَن يجتمعا كمن قتل صيد الْحرم الْمَمْلُوك وَمن سرق خمر ذمِّي على أصلكم يحد وَيغرم.
لَهُم:
سَرقَة وَردت على مَال غير مَعْصُوم وَلَا مُتَقَوّم لحق آدَمِيّ فَلَا يجب الضَّمَان، بَيَان الدَّعْوَى: وجوب الْقطع حق لله تَعَالَى بِدَلِيل أَنه لَا يسْقط بِإِسْقَاط الْآدَمِيّ، وَالْجِنَايَة على حق اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك بِأَن تنقل الْعِصْمَة إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذا انْتَقَلت الْعِصْمَة إِلَى اللَّهِ ضَرُورَة لم يبْق المَال مَعْصُوما.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
مطلع النّظر أَن الْقطع وَالْغُرْم حكمان مُخْتَلِفَانِ فلابد لَهما من سببين،
(4/512)

فَنَقُول: تعدد السَّبَب يتلَقَّى من تعدد الْفِعْل، وَقد يتلَقَّى من تعدد الْجِهَات لفعل وَاحِد فيتوفر عَلَيْهِ بِاعْتِبَار كل جِهَة حكم، وَكَانَ فِي معنى فعلين كالمصلي فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَاسْتِيفَاء الْقصاص من الْحَامِل، وَكَذَلِكَ السّرقَة فعل وَاحِد فلحق الْمَالِك يجب الضَّمَان، وَلحق الله تَعَالَى يجب الْقطع وَحقّ اللَّهِ تَعَالَى فِي عرض السَّارِق وَكَونه جنى عَلَيْهِ (فَإِن الْإِنْسَان بِاعْتِبَار أَنه يَمُوت ويحيا) نفس وَبِاعْتِبَار أَنه يمدح ويذم عرض، وَفِي النَّفس حق اللَّهِ تَعَالَى بِلَا خلاف، وَالسَّرِقَة فَاحِشَة مُحرمَة لحق اللَّهِ تَعَالَى بِكَوْنِهَا تلطخ عرض السَّارِق، وَيجوز أَن يجب الْقطع على جَزَاء مُخَالفَة الْأَمر، لِأَن من حق اللَّهِ تَعَالَى أَو نَهْيه أَن يعظم بالامتثال فشرع الْقطع زجرا عَن الْإِخْلَال بالتعظيم وَالْغُرْم بِحَق الْآدَمِيّ.
(4/513)

(الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ بعد الثلثمائة: شكط.)

إِذا سرق عينا فَقطع بهَا ثمَّ سَرَقهَا.
الْمَذْهَب: يقطع ثَانِيًا.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
آيَة السّرقَة: {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} .
لَهُم:: ... ... ...
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
تحقق سَبَب الْقطع فَوَجَبَ كَمَا لَو ابْتَدَأَ، وَكَونه قطع بهَا نوبَة لَا تكون
(4/514)

شُبْهَة؛ لِأَنَّهُ حد استوفي على جريمة تقدّمت فَصَارَ بِمَثَابَة من زنى ثمَّ حد ثمَّ زنى، ثمَّ السَّارِق إِذا انتزعت الْعين من يَده بَقِي كَسَائِر الْأَجَانِب فَهُوَ كسارق آخر.
لَهُم:
سَقَطت الْعِصْمَة فِي حَقه حَتَّى قُلْنَا: لَا يضمنهَا، فَإِذا اشْتَرَاهَا الْمَالِك بَقِي أثر سُقُوط الْعِصْمَة شُبْهَة فِي دَرْء الْحَد ثمَّ مسْقط الْعِصْمَة الْقطع وَهُوَ قَائِم ثمَّ هُوَ حد يعْتَبر فِيهِ الْخُصُومَة، وَيُشبه حد الْقَذْف، وَلَو قذف إنْسَانا فحد ثمَّ عَاد وقذفه لم يحد.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
السّرقَة بقيودها مَوْجُودَة فِي الْمرة الثَّانِيَة، وَالْحَاجة ماسة إِلَى شرع الْقطع (واتحاد الْعين وَالسَّارِق لَا يثير شُبْهَة كَمَا فِي الزِّنَى) وَالْقطع السَّابِق فِي مُقَابلَة الْجِنَايَة السَّابِقَة وَالثَّانِي للثَّانِيَة، فَهُوَ كَمَا لَو سَرَقهَا من مَالك آخر أَو دَخلهَا صَنْعَة والصنعة تغير الصّفة لَا الْعين، وعذرنا عَن حد الْقَاذِف أَن
(4/515)

الْمَقْصُود بحده بَيَان كذبه كَيْلا يتَغَيَّر الْمَقْذُوف وَيَكْفِي مرّة، هَذَا إِذا قذفه (بِمَا قذفه) بِهِ أَولا، فَأَما إِذا قذفه بِغَيْر مَا قذفه بِهِ أَولا يجب الْحَد، وَبِالْجُمْلَةِ نمْنَع سُقُوط الْعِصْمَة، وعَلى التَّسْلِيم نقُول: لَا معنى لَهُ إِلَّا أَن المَال صَار مَعْصُوما لله تَعَالَى حَتَّى أمكن وجوب الْقطع، وَوُجُود حَالَة تحقق وجوب الْقطع يَسْتَحِيل أَن تصير شُبْهَة فِي قطع آخر، وعَلى هَذَا لَو سرق من يَد السَّارِق وَجب الْقطع لِأَن السّرقَة من الْغَاصِب توجب الْقطع، وَإِن قُلْنَا: لَا يجب؛ فَلِأَن يَده لَيست حرْزا.
(4/516)

(الْمَسْأَلَة الثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة: شل.)

هَل تقطع الْيُسْرَى فِي الْمرة الثَّالِثَة؟ .
الْمَذْهَب: نعم.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
آيَة السّرقَة، وَالْحجّة قَوْله تَعَالَى: {أَيْدِيهِمَا} ؛ فَظَاهر الْآيَة يدل على جمع، وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " من سرق فَاقْطَعُوا يَده الْيُمْنَى "، ثمَّ من سرق كَذَلِك حَتَّى استوعب الْأَطْرَاف وَقَالَ فِي الْخَامِسَة: " الْقَتْل ".
لَهُم:
رُوِيَ عَن عَليّ رضوَان اللَّهِ عَلَيْهِ أَنه أُتِي بسارق مَقْطُوع الْيَد وَالرجل
(4/517)

فَقَالَ: إِنِّي لأستحيي من اللَّهِ تَعَالَى أَن لَا أترك لَهُ يدا يَأْكُل بهَا ويستنجي بهَا.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
إِيجَاب الْقطع فِي إِحْدَى الْيَدَيْنِ إِيجَاب فِي الْأُخْرَى لتساويهما؛ لِأَن التَّنْصِيص على شَيْء تنصيص على مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كَالْعَبْدِ وَالْأمة، ثمَّ الْيَسَار مَحل قطع بِدَلِيل مَا لَو قطعهَا الإِمَام، فَإِنَّهُ يسْقط الْحَد وَيجْزِي ثمَّ هِيَ آلَة الْجِنَايَة كاليمنى.
لَهُم:
قطع الْيَدَيْنِ إِتْلَاف حكما فَلَا يشرع كالحقيقي، دَلِيل ذَلِك وجوب كل الدِّيَة والجثة صَارَت تالفة بِالْإِضَافَة إِلَى معنى الْبدن، وَلِهَذَا لَا يقطع فِي الثَّانِيَة مَعَ أَنَّهَا أقرب إِلَى أُخْتهَا من الرجل، وَالْحَد يَنْبَغِي أَن يكون زاجرا لَا متلفا.
مَالك:
(4/518)

أَحْمد:
التكملة:
جَمِيع الْأَيْدِي مَحل الْقطع بِدَلِيل الْآيَة؛ لِأَنَّهُ ذكر الْأَيْدِي بِصِيغَة الْجمع، واليسرى مَحل، فَإِنَّهَا مَحل مَقْصُود الْقطع وَهُوَ حِكْمَة الزّجر، وَلَا نسلم أَن قطع الْيَدَيْنِ إهلاك، فَإِن النَّفس بَاقِيَة من كل وَجه، بِدَلِيل وجوب الْقصاص وَالدية، وهب أَنه كَذَلِك فَمَا الْمَانِع مِنْهُ؟ أَلَيْسَ الأول قطعا؟ وَالثَّانِي فِي مَعْنَاهُ، وَمنع إِضَافَة الحكم إِلَى الآخر ونمنع مَسْأَلَة الزورق والأمتعة، وَلَا دَلِيل لَهُم على أَن هَذَا الْقطع غير مَشْرُوع.
(4/519)

(الصفحة الفارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
(4/520)

(اللوحة 78 من المخطوطة أ:)

(اسْتعْمل الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَابنَا) الْقيَاس فِي إِثْبَات اسْم الْخمر للنبيذ ثمَّ أدخلوه بعد ذَلِك فِي الْعُمُوم الْوَارِد فِي تَحْرِيم الْخمر، قَالَ بعض الْأَصْحَاب: ذَلِك من طَرِيق الِاسْم العادم دون الْقيَاس، لِأَن الْخمر مَا خامر الْعقل وستره، وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي النَّبِيذ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " كل مُسكر خمر "، وَيدل على أَن مَا جَازَ ثُبُوته بِخَبَر الْوَاحِد جَازَ ثُبُوته بِالْقِيَاسِ كأحكام الْفُرُوع، ثمَّ قد وجدنَا أَسمَاء كَثِيرَة وضعت بعد اللُّغَة كالجنس والأسماء المعربة كالنمارق والإستبرق، فَإِذا جَازَ نقل غير
(4/521)

الْعَرَبِيّ إِلَى الْعَرَبِيّ فَقِيَاس بعض أَسمَاء اللُّغَة على بعض أجوز، قَالُوا: فالعربية قد فرقت فِي الصّفة الْوَاحِدَة بَين أسمائها وَلم تسْتَعْمل الْقيَاس فِيهَا فَقَالُوا للمشقوق الجفن: أشتر، وَالْأنف: أجدع، والشفة، أعلم، وسمو الْفرس الْأسود أدهم، وَلم يطلقوا ذَلِك على الْحمار، وَالْجَوَاب: أَن منع الْقيَاس فِي بعض اللُّغَة لَا يَقْتَضِي الْمَنْع فِي الْكل، فَإِن من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَا لَا يجرى الْقيَاس فِيهِ مثل اللّعان والقسامة وَلَا يدل على منع الْقيَاس من بَاقِي الْأَحْكَام، وللخصم أَن يَقُول: تَحْرِيم الْخمر كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ أَكثر شرابهم الفضيخ والبتع، وَكَانَ العنبي يجلب إِلَيْهِم فيبعد أَن يشْتَهر تَحْرِيم مَا ندر عَلَيْهِم وَيخْفى تَحْرِيم مَا اشْتهر الْجَواب: إِنَّمَا اشْتهر تَحْرِيم العنبي بِالنَّصِّ ونسلم هَاهُنَا أَن الْخمر هُوَ العنبي
(4/522)

خَاصَّة لَا مَا عداهُ، وَلَا يثبت تَحْرِيم غير العنبي باسم الْخمر لَكِن بالاستدلال من الِاشْتِرَاك مَعَ الْخمر فِي الْمَعْنى الْمُقْتَضِي للتَّحْرِيم وَهُوَ الْمُحَافظَة على الْعقل بِأَن يصرف عَنهُ مَا يُفْسِدهُ، قَالُوا: فَإِذا الْإِلْزَام بَاقٍ فَإِن شراب الْمَدِينَة غير العنبي، فَلم لم يَقع الاعتناء بِتَحْرِيمِهِ لَو كَانَ محرما؟ وَالْجَوَاب أَن أهل الْمَدِينَة لم يَكُونُوا مقصودين على الْخُصُوص بل قصد التَّحْرِيم على الْعُمُوم.
وَاعْلَم أَن الْخِتَان وَاجِب للذكور وَالْإِنَاث البلغ عندنَا خلافًا لَهُم.
قَالَ بعض الأكابر: الْخِتَان دَاع الْإِسْلَام وَالْمَسْأَلَة مشكلة، فَإِن مضمونها إِيجَاب جرح مخطر، وَذَلِكَ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا ثَبت وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " ألق عَنْك شعر الْكفْر واختتن " لَيْسَ (بالغافي الطّهُور لقرينته) ، فَإِن قَالَ الْخصم: هُوَ قطع مؤلم، وَالْأَصْل نفي الضرار، قُلْنَا:
(4/523)

هَذَا كَلَام من يَنْفِي كَونه مَشْرُوعا وَهُوَ مَشْرُوع وَلَا يتَّجه لَهُم قِيَاس فِي نفي الْوُجُوب إِلَّا ويصادمه نفي الِاسْتِحْبَاب، ونقول: اتِّفَاق النَّاس على هَذَا الْقطع المؤذي من غير أَن يتَعَلَّق بمصلحة بدنية يدل على أَنهم رَأَوْهُ مِمَّا لابد مِنْهُ، وينضم إِلَى ذَلِك كشف الْعَوْرَة، وَيرد على ذَلِك ختان الصّبيان، فَإِنَّهُ غير وَاجِب وَتكشف لَهُ الْعَوْرَة، والمخلص من ذَلِك أَنا نجيز النّظر إِلَى فروج الْأَطْفَال.
(4/524)

(الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلثمائة: شلا.)

النَّبِيذ قَلِيله وَكَثِيره، نيئه وطبيخه.
الْمَذْهَب: حرَام.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " إِن من التَّمْر خمرًا، وَإِن من الْبر خمرًا "، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " الْخمر من هَاتين الشجرتين: النَّخْلَة وَالْكَرم "، وَقَالَ: " أنهاكم عَن قَلِيل مَا أسكر كَثِيره "، وَقَالَ: " كل مُسكر حرَام، وَمَا أسكر الْفرق مِنْهُ فالحسوة مِنْهُ حرَام ".
(4/525)

لَهُم:
ظَاهر قَوْله تَعَالَى: {وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب ... ... ... .} الْآيَة، وَجه الدَّلِيل: أَنه من علينا بذلك، وَهُوَ مُطلق فِي النبئ والمطبوخ، نسخ النيئ، بَقِي الْمَطْبُوخ، وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " إِذا اغتلمت عَلَيْكُم هَذِه الْأَشْرِبَة فاكسروها بِالْمَاءِ " "، وَقَول ابْن مَسْعُود: شهِدت تَحْرِيم النَّبِيذ كَمَا شهدتم ثمَّ شهِدت تحليلها فَحفِظت ونسيتم.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
شراب مشتد مسكرة، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخمرِ، وتأثيره أَن الْخمر حرمت لما تُفْضِي إِلَيْهِ من السكر المفضي إِلَى الْعَدَاوَة والبغضاء، والصد عَن الصَّلَاة فَحرم الْقَلِيل صونا عَن الْكثير، وَالْمعْنَى مَوْجُود فِي النَّبِيذ، وَيُمكن أَن
(4/526)

يُقَال: النَّبِيذ خمر؛ لِأَنَّهُ يخَامر الْعقل.
لَهُم:
فِي الْخمر مَنَافِع كَثِيرَة وَفِي النَّبِيذ، إِلَّا أَن الشَّرْع حرم الْخمر لعينها، فَبَقيَ النَّبِيذ مُبَاحا إِلَّا أَن الْمُسكر حرَام لما فِيهِ من الْأَذَى فَبَقيَ على مَا كَانَ؛ سِيمَا وَهُوَ أنموذج شراب الْآخِرَة، فَلَا بُد من مَعْرفَته.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
التكملة:
الْمَسْأَلَة من الْجَانِبَيْنِ مَبْنِيَّة على الحَدِيث، وَالسكر حرَام إِجْمَاعًا، وَللَّه حمى هُوَ مَحَارمه، وَمن حام حول الْحمى أوشك أَن يَقع فِيهِ، وَالنَّفس أَمارَة بالسوء، وَالْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة.
(إِن السَّلامَة من سعدى وجارتها ... أَلا تمر على حَال بواديها)

ثمَّ قَوَاعِد الشَّرْع متبعة، وَمَتى حرم شَيْئا لأمر حرم مَا يُفْضِي إِلَيْهِ أَلا ترَاهُ حرم الْخلْوَة بالأجنبية، والتأفيف للْوَالِدين، وتوابع الْمَحْظُور محظورة، يدل عَلَيْهِ أَن الْقدح الَّذِي يتعقبه السكر حرَام، وَمَعْلُوم أَن السكر مَا حصل
(4/527)

بِهِ، وَإِنَّمَا حصل بِهِ وَبِغَيْرِهِ، فالجميع إِذا حرَام، وَالشَّرْع فِي مثل هَذَا يعرض عَن الْقدر، وَينظر إِلَى الْجِنْس، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ الرَّضَاع عِنْدهم، والمفطرات بالِاتِّفَاقِ والمذاهب تتعرف بمساقها، فَمَا أفْضى إِلَى فَسَاد فَهُوَ فَاسد، وَالله لَا يجب الْفساد، وَمن مَذْهَبهم أَن من شرب وَلم يسكر فَمَا شربه لَيْسَ بِحرَام، فَإِن ضربه الْهوى فَسَكِرَ، صَار حَرَامًا مَا شربه.
(4/528)

(الصفحة فارغة)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
(4/529)

(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلثمائة: شلب.)

إِذا صالت بَهِيمَة مَمْلُوكَة على إِنْسَان فَقَتلهَا دفعا عَن نَفسه.
الْمَذْهَب: لَا ضَمَان.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا: ... ... ... ... ... ... ...
لَهُم:
قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " العجماء جَبَّار "، فَإِذا كَانَ فعلهَا هدرا كَانَ همها بِالْفِعْلِ هدرا، بِخِلَاف الْأَب وَالسَّيِّد، فَإِن فعلهمَا مُعْتَبر، وَكَذَلِكَ
(4/530)

العَبْد يتَعَلَّق الضَّمَان بِرَقَبَتِهِ، وَالْمَجْنُون وَالصَّبِيّ فعلهمَا مُعْتَبر، وكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ لَا يلْزم الضَّمَان بِفِعْلِهِ إِذا صَار بِخِلَاف الْبَهِيمَة.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
قتلت شرعا فَلَا تضمن كصيد الْحرم، وَحقّ الْعِصْمَة أَلا يتَعَرَّض للدابة ابْتِدَاء، أما احْتِمَال الشَّرّ فَلَا نكلفه، وَقتل هَذِه الْبَهِيمَة لِمَعْنى فِيهَا هدرت كالفواسق الْخمس، والمؤذية قطعا كالمؤذية طبعا، ثمَّ هِيَ قتلت نَفسهَا بإلجائها إِيَّاه إِلَى قَتلهَا وَالْمَوْجُود مِنْهُ دفع لَا قتل.
لَهُم:
معصومة بِحَق الْمَالِك فَلَا يسْقط ضَمَانهَا بالصيال، دَلِيل الدَّعْوَى سُقُوط الْعِصْمَة بِإِبَاحَة الْمَالِك ولسقوط عصمته بِالرّدَّةِ، والعصمة قَائِمَة قبل الصيال فَفعل الْغَيْر لَا يهدرها، كَمَا لَو قَتله بِسَبَب المخمصة، والمعاني الْمُوجبَة للعصمة قَائِمَة. ثمَّ إِنَّه مَال وكل ذَلِك لَا يَزُول بالصيال.
مَالك: ق.
أَحْمد: ق.
(4/531)

التكملة:
الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فشغلها بِالْإِتْلَافِ إِنَّمَا يُؤْخَذ من نَص فِي الْمَسْأَلَة أَو من قِيَاس على مَنْصُوص أَو مجمع عَلَيْهِ، وَلَا نَص فِي الْمَسْأَلَة وَلَا إِجْمَاع إِلَّا إِتْلَاف مَال لَا أذية بِهِ، وَإِذا أوجب الشَّرْع الضَّمَان بِإِتْلَاف مَال لَا أذية فِيهِ وَلَيْسَ فِي الْإِتْلَاف دفع لأذيته، فَلَا يكون فِي مَعْنَاهُ إِتْلَاف هُوَ دفع الأذية، فَمن أَرَادَ أَن يلغي هَذَا الْوَصْف الْمُؤثر فَعَلَيهِ الدَّلِيل، ويحقق هَذَا الْكَلَام الْمُنَاسبَة وَشَهَادَة الشَّرْع، أما الْمُنَاسبَة فواضحة إِذْ إِلْزَام الْإِنْسَان احْتِمَال الْأَذَى من مَال الْغَيْر ظلم، وَمهما قيد الدّفع بِشَرْط الضَّمَان كَانَ ظلما، وَشَهَادَة الشَّرْع دفع صيد الْحرم، وَكَذَلِكَ الْأَب إِذا صال، وَالسَّيِّد أغير على الْوَلَد وَالْعَبْد، وَكَذَلِكَ الصَّبِي وَالْمَجْنُون، وَيخرج على كلامنا أكل مَال الْغَيْر فِي المخمصة وإلقاء مَاله فِي الْبَحْر عِنْد خوف الْغَرق، فَإِن هَذَا لَيْسَ لدفع أذية المَال، وَإِنَّمَا هُوَ لحفظ النَّفس أَعنِي نفس الدَّافِع، وَإِن ادعينا أَنه لَيْسَ بِمَال عِنْد الصيال توجه، ويعارضونا بالجحش الصَّغِير وَكَونه لَيْسَ بِمَال وَيضمن، وَالْجَوَاب أَنه لَا أذية مِنْهُ.
(4/532)

(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلثمائة: شلج.)

قسْمَة الْغَنَائِم فِي دَار الْحَرْب.
الْمَذْهَب: يجوز.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
قسم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام غَنَائِم بدر ببدر، وَغَنَائِم خَيْبَر بِخَيْبَر،
(4/533)

وَغَنَائِم أَوْطَاس بأوطاس، وَبني المصطلق ببني المصطلق، وَقَالَ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خَمْسَة وَلِلرَّسُولِ} ، وكوننا غَانِمِينَ لَا نقف على حُصُولهَا فِي دَارنَا، فمطلق الْآيَة يُوجب الْخمس لله وَالْبَاقِي لأوليائه.
لَهُم:
قسم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام غَنَائِم بدر بِالْمَدِينَةِ وَغَنَائِم حنين بالجعرانة من رستاق مَكَّة، وَلَو جَازَ أَن تقسم فِي الْحَرْب مَا كلف النَّقْل.
(4/534)

الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
وجد سَبَب الْملك فَثَبت الْملك، هَذَا لِأَن الْقِسْمَة لَيست إِلَّا تعْيين الْأَنْصِبَاء وإقرارها، والاستيلاء هُوَ سَبَب الْملك، وَقد وجد بِدَلِيل الْمُبَاحَات وَالدَّار للْمُسلمين إِن نووا الْإِقَامَة.
لَهُم:
لم يتم الِاسْتِيلَاء، فَلَا يثبت المَال كَمَا قبل انْقِضَاء الْوَقْعَة، ذَلِك لِأَن الْيَد
ثَابِتَة عَلَيْهَا من وَجه دون وَجه لكَونهَا فِي دَارهم، ثمَّ الْجِهَاد سَبَب الِاسْتِحْقَاق، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بقلع شوكتهم أَو بالأمن مِنْهَا، وَذَلِكَ بالإحراز.
مَالك:
أَحْمد:
التكملة:
الِاسْتِيلَاء سَبَب الْملك، والمباح المنفك عَن اخْتِصَاص ذِي حُرْمَة هُوَ مَحَله، وَالْمُسلم أهل، ثمَّ السراق يملكُونَ أَمْوَال دَار الْحَرْب وهم بهَا
(4/535)

والأماكن لَا أثر لَهَا فِي التَّمْلِيك بِدَلِيل أَنه لَو فر عبد من عبيدهم إِلَى معسكر الْمُسلمين عتق، وَإِن كُنَّا فِي دَارهم وَهِي دَار تصح فِيهَا الْقِسْمَة فجازت، ذَلِك لِأَن للْإِمَام قسمتهَا، ومعسكر الإِمَام دَار من دور الْإِسْلَام، بِدَلِيل العَبْد إِذا هرب إِلَيْنَا، فَإِن ألزمونا جَوَاز أَخذ العلوفة ألزمناهم الْمَنْع من ذَلِك، وَلَعَلَّ الْعذر الْحَاجة إِلَى العلوفة.
(4/536)

(الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلثمائة: شلد.)

إِذا استولى الْكفَّار على أَمْوَال الْمُسلمين وأحرزوها بدار الْحَرْب.
الْمَذْهَب: لَا يملكونها.
عِنْدهم: ف.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
رُوِيَ أَن الْمُشْركين أَغَارُوا على سرح الْمَدِينَة وفيهَا نَاقَة النَّبِي العضباء، وأسروا جَارِيَة من الْأَنْصَار، ثمَّ أَنَّهَا هربت على النَّاقة ونذرت إِن نجتها لتنحرنها، فَلَمَّا عَادَتْ إِلَى الْمَدِينَة وَعرف النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ذَلِك قَالَ: " بئس مَا جزيتهَا "، واسترجعها.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ} ، وَجه الدَّلِيل: أَنه سماهم فُقَرَاء، وَرُوِيَ أَن الْكفَّار أخذُوا
(4/537)

بَعِيرًا من الْمُسلمين فَلَمَّا ظهر عَلَيْهِ مَالِكه قَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنْت أَحَق بِهِ "، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " هَل ترك لنا عقيل من ربع ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
مَحل مَعْصُوم بِالْإِسْلَامِ، فَلَا يملك بِالِاسْتِيلَاءِ كالرقاب، وكما لَو كَانَ المستولي مُسلما وَنَقله إِلَى دَار الْحَرْب، ذَلِك لِأَنَّهُ مَال مَمْلُوك، والاستيلاء تملك الْمُبَاح، وَالسَّبَب يعْمل إِذا صَادف مَحَله، وَالْكفَّار مخاطبون
(4/538)

بالمنهيات، وَلِهَذَا يقطع سارقهم، وَيحد زانيهم.
لَهُم:
سَبَب يملك بِهِ الْمُسلم مَال الْكَافِر فَملك بِهِ الْكَافِر مَال الْمُسلم كَالْبيع، لِأَن الْمُسلم وَالْكَافِر سَوَاء فِي أَحْكَام الدُّنْيَا وَنصِيب الْكَافِر أتم، وَلَو منع مَانع كَانَ الْخطاب وَالْكفَّار لَا يخاطبون بالفروع، فَهُوَ سَبَب صدر من أَهله فِي مَحَله، ذَلِك لِأَن المَال مَحل الْملك وَله خلق، وعصمته خلاف الأَصْل تثبت بخطاب المخاطبين.
مَالك: ف.
أَحْمد: ف.
التكملة:
نصب الِاسْتِيلَاء سَبَب للْملك لَا يعرف إِلَّا من نَص أَو قِيَاس على مَنْصُوص وَلَا نَص فِي الْمَسْأَلَة، وَالْأَصْل الْمجمع عَلَيْهِ الِاسْتِيلَاء على مَال مُبَاح منفك عَن اخْتِصَاص ذِي حُرْمَة كالحشيش وَالصَّيْد وَمَال الْكفَّار، وَلَيْسَ مَال الْمُسلم فِي معنى ذَلِك بِدَلِيل أَنه لَا يملكهُ مُسلم آخر بِالِاسْتِيلَاءِ،
(4/539)

ويلزمهم أَن الرّقاب لَا تملك بِالِاسْتِيلَاءِ، وَالْآيَة لَا حجَّة فِيهَا فَإِنَّهُ يُقَال: غصب فلَان مَال فلَان فأفقره، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ زَوَال الْيَد، وَلِهَذَا يكون فَقِيرا وَيسْتَحق سهم الْفُقَرَاء إِذا انْقَطع عَن مَاله.
وَقَوله: " هَل ترك لنا عقيل من ربع " أَي أخر بِهِ، ونقول: هَل الِاسْتِيلَاء سَبَب يثبت الْملك أم ناقل؟ فآخر الْقسمَيْنِ مَمْنُوع، وَالْمحل لَا يقبل الأول، فَإِنَّهُ مَمْلُوك للْمُسلمين إِجْمَاعًا، وَإِثْبَات الْملك فِي مَمْلُوك مُمْتَنع ضَرُورَة أَن المثلين لَا يَجْتَمِعَانِ، فَإِن ألزمونا اسْتِيلَاء الْمُسلم على مَال الْكفَّار منعنَا ملك الْكَافِر، لِأَن الْملك اخْتِصَاص شَرْعِي وَلَا اخْتِصَاص إِلَّا بِقطع رَحْمَة الْغَيْر وَهِي غير مُنْقَطِعَة إِجْمَاعًا، ونمنع على هَذَا صِحَة مبايعة الْكفَّار بل هُوَ احتيال فِي أَخذ أَمْوَالهم، وَذَلِكَ جَائِز.
(4/540)

(الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلثمائة: شله.)

من أسلم وَلم يُهَاجر إِلَيْنَا.
الْمَذْهَب: تضمن نَفسه وَمَاله قصاصا ودية وَكَفَّارَة.
عِنْدهم: خَالف إِلَّا فِي الْكَفَّارَة.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
العمومات الْوَارِدَة فِي وجوب الْقصاص وَالدية بقتل الْمُسلم وَأخذ مَاله كَقَوْلِه: {النَّفس بِالنَّفسِ} ، وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد "، وَيدل على الْعِصْمَة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ ".
لَهُم:
قَالَ تَعَالَى: {وَمن قتل مُؤمنا خطئا فَتَحْرِير رَقَبَة} ، وَقَالَ: {وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة} أَرَادَ الذِّمِّيّ، وَقَالَ: {فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة} أَرَادَ من أسلم فِي دَار
(4/541)

الْحَرْب فَأوجب الْكَفَّارَة، فَلَو أَوجَبْنَا الدِّيَة بَطل التَّقْسِيم وَعَاد الثَّلَاثَة الْأَقْسَام إِلَى قسمَيْنِ.
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
الْعِصْمَة كَرَامَة، وَالْإِسْلَام يُنَاسب جلب الكرامات، وَالشَّيْء يفهم من ضِدّه، فَكَمَا فهم أَن الْكفْر مُبِيح فهم أَن الْإِسْلَام عَاصِم، وَالْإِسْلَام شكر النِّعْمَة وَيَقْتَضِي الزِّيَادَة مِنْهَا، وَلِهَذَا الْمُسلم الْمُسْتَأْمن فِي دَار الْحَرْب مَضْمُون.
لَهُم:
الْعِصْمَة نعْمَة دنيوية، وَالْإِسْلَام أعظم من أَن يُؤْتى فِي أُمُور الدُّنْيَا بل مقْصده الْآخِرَة، فكم من كَافِر موسع عَلَيْهِ، وَالدُّنْيَا جنَّة الْكَافِر، وَإِنَّمَا العاصم الدَّار بِدَلِيل الذِّمِّيّ، وَذَلِكَ لِأَن مَنْفَعَة الدَّار صَالِحَة للعصمة والعصمة هِيَ التقوم، والتقوم بالعبرة وَالْعبْرَة بالإحراز فِي الدَّار.
مَالك: ق.
(4/542)

أَحْمد: ق.
التكملة:
إِن حملُوا الْخَبَر على الْعِصْمَة المؤثمة، قُلْنَا: هَذِه أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم فتقسيم الْعِصْمَة إِلَى مؤثمة ومقومة لَا دَلِيل عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا فِي اللُّغَة عبارَة عَن الْحِفْظ، وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن معنى مُقَدّر فِي الْمحل يَقْتَضِي حفظه والذب عَنهُ بالتأثيم والتضمين، والعصمة على الْحَقِيقَة بالفطرة لَكِنَّهَا بطلت بالْكفْر وتعود بِالْإِسْلَامِ، وَالْإِسْلَام يصلح أَن يكون عَاصِمًا لَا على معنى أَنه جرد الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة بل أَنه سلمهَا مَعَ الْأُمُور الأخروية، فَيجب أَن يزْجر عَن إِتْلَاف الْمُسلم ويعاقب عَلَيْهِ بِالْقصاصِ وَالدية لتبقى نَفسه وَمَاله يَسْتَعِين بهما على الْعِبَادَة، فَإِذا جَازَ أَن ينَال بِالْجِهَادِ الْغَنِيمَة فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة لم لَا يجوز بِالْإِسْلَامِ؟ الْجَواب من الْآيَة أَن للشَّافِعِيّ فِي الدِّيَة قَوْلَيْنِ فَنَقُول: تجب الدِّيَة بقتل الْمُسلم الَّذِي لم يُهَاجر إِلَيْنَا إِذا قتل خطأ وَتَكون الْآيَة ساكتة عَن الدِّيَة، واستفدناها من
(4/543)

مَوضِع آخر وَهُوَ قَوْله: " فِي النَّفس المؤمنة مائَة من الْإِبِل "، وَإِن قُلْنَا: لَا تجب فسقوطها لَا لكَونه فِي دَار الْحَرْب بل لَو وَقع الْقِتَال فِي دَار الْإِسْلَام وَرمي إِلَى صف الْكفَّار فَأصَاب مُسلما كَانَ كَذَلِك والعذر فِيهِ عدم التَّحَرُّز من قتل الْمُسلم إِذا كَانَ فِي جمع الْكفَّار.
(4/544)

(اللوحة 79 من المخطوطة أ:)

الشرذمة القليلة إِذا توغلوا دَار الْحَرْب وقاتلوا فَمَا كسبوا غنيمَة تخمس خلافًا لَهُم:، فَنَقُول: الْغَنِيمَة هِيَ المَال الْمَأْخُوذ من الْكفَّار بِالْجِهَادِ وَهَذَا كَذَلِك، وَلَا عِبْرَة بكمية الْمُجَاهدين إِذْ لَيْسَ لَهُ حد، {كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن اللَّهِ} ، بذلك نطق الْكتاب الْعَزِيز، ويتأيد بِمَا لَو دخلُوا بِإِذن الإِمَام، وَاعْلَم أَن سبي الزَّوْجَيْنِ أَو أَحدهمَا يُوجب انْفِسَاخ النِّكَاح خلافًا لَهُم، فنفرض فِي التَّزْوِيج ونقول: أحد نَوْعي الْملك فَيَنْقَطِع بالاسترقاق كملك الْيَمين بل أولى، فَإِن ملك الْيَمين أقوى، وَتَقْرِيره أَن ملك الْيَمين لم يَنْقَطِع لمنافاة بَين كَون الشَّخْص مَالِكًا ومملوكا فَإِن الْآدَمِيّ يشْتَمل على نفسية بهَا يستسخر ومالية بهَا يستسخر فالمالكية تعتمد جِهَة النفسية والملوكية تعتمد، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
(4/545)

جِهَة الْمَالِيَّة، وَلَا يَسْتَحِيل أَن يكون المسبي مَمْلُوكا مَالِكًا، لَكِن الشَّرْع كَمَا علم مَا يلْزم ذَلِك من التَّنَاقُض فِي ثَمَرَات الْأَحْكَام، فَإِن مُقْتَضى الرّقّ الْحجر، وَمُقْتَضى الْحُرِّيَّة الْإِطْلَاق، وَالْجمع بَين هَاتين التمرتين مُتَعَذر، فلابد من دفع إِحْدَاهمَا فدفعنا مالكيته، وَذَلِكَ أقل الضررين لكَونه غير مَعْصُوم، وَكَذَلِكَ النِّكَاح، بَقِي أَن يُقَال: النِّكَاح (مَشْرُوع) فَفِي حق العَبْد إِجْمَاعًا، (وَملك) الْيَمين غير مَشْرُوع، وَالْجَوَاب: الْمَنْع، ونقول: العَبْد يملك المَال بِتَمْلِيك السَّيِّد كَمَا يملك النِّكَاح وَلَا يلْتَزم بَينهمَا فرقا، ومعتمدهم أَن النِّكَاح ينْعَقد مُطلقًا، والسبي الطَّارِئ لَا يرد على ذَات العقد بِالْفَسْخِ،، وَلَا على حكمه بِالْقطعِ كَالطَّلَاقِ، وَلَا على شَرطه بالتفويت كالرضاع؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَرط النِّكَاح انْتِفَاء الرّقّ، فَكَانَ السَّبي أَجْنَبِيّا عَن النِّكَاح، فَإِن مَحَله الذَّات بِصفة كَونهَا مَالا، وَمحل النِّكَاح الذَّات بِصفة كَونهَا إنْسَانا. الْجَواب أَنا نبطل النِّكَاح من الْوَجْه الَّذِي ذَكرُوهُ، وَإِنَّمَا يُبطلهُ لمنافاة الْحكمَيْنِ كَمَا قَررنَا وَلذَلِك يَصح النِّكَاح الطَّارِئ لِأَن الْمَالِك رَضِي بِمَا يلْزمه.
(4/546)

وَاعْلَم أَن الْخَيل والضب، والضبع والثعلب حَلَال خلافًا لَهُم، وَالدَّلِيل على إِبَاحَة الضَّب والضبع أَخْبَار وَردت فيهمَا، وَقد أكل خَالِد الضَّب على مائدة النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ مِمَّا تستطيبه الْعَرَب، فَمَا ينْدَرج تَحت مُطلق قَوْله تَعَالَى: {وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث} ، وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب الْعَرَب، فَإِن تتبع غَيرهم يصعب، ومأخذ الْمَذْهَب تأصيل الْإِبَاحَة إِلَى وُرُود التَّحْرِيم، وَعِنْدهم بِأَصْل التَّحْرِيم إِلَى قيام دَلِيل الْمُبِيح، وَحجَّتنَا قَوْله تَعَالَى: {قل لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير} ، ثمَّ الْتحق بذلك ذُو
(4/547)

الناب والمخلب العادي، وحجتهم أَن الذّبْح إِيذَاء وَالْأَصْل تَحْرِيمه، ونعتذر عَن تَحْرِيم الهر بِأَن ذَلِك مِمَّا انْعَقَد بِهِ الْإِجْمَاع وَلَعَلَّ الْعلَّة حُرْمَة الطّواف.
تمّ بِحَمْد اللَّهِ
(4/548)