Advertisement

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول 001


الكتاب: جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول
المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ)
إعداد الطالب: ناصر بن علي بن ناصر الغامدي (رسالة ماجستير)
إشراف: فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور/ حمزة بن حسين الفعر
الناشر: رسالة علمية، كلية الشريعة - جامعة أم القرى
عام النشر: 1421 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع (الرسالة العلمية) ]
شرح تنقيح الفصول في علم الأصول

من بداية الباب الثالث عشر: في فعله - صلى الله عليه وسلم - إلى نهاية الكتاب
تأليف العالم المحقق / شهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي
(ت 684 هـ)
(دراسة وتحقيق)
رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية

إعداد الطالب
ناصر بن علي بن ناصر الغامدي

إشراف
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور / حمزة بن حسين الفعر

(القسم الدراسي)

1421 هـ / 2000 م
(/)

المقدمة
أحمد الله تعالى حمداً أستفتح به أبواب الدخول إلى دراسة علم الأصول، وأستمنح أسباب الحصول لتحقيق كتاب " شرح تنقيح الفصول "، وأستوضح به منهاج الوصول إلى مستصفى الحاصل ومنتخبِ المحصول، ومنتقى التحصيل ولبابِ المنخول، واستنجح به مقاصد بِرِّه الوَصولِ إلى منتهى السُّول وغاية المأمول، وأستوهب منه توفيقاً يكتب به الرضا والقبول، وأستصحب منه تسديداً يصون عن الخطأ والذهول في سلوك سبيلَيْ المنقول والمعقول.
وأُصلِّي وأُسلِّم على نبيه ورسوله محمدٍ أكرمِ نبيٍّ وأشرفِ رسول، المبعوثِ بأرفع دليلٍ وأنفعِ مدلول، المخصوصِ حكمُ شريعته بشمول العموم وعمومِ الشمول، المنصوص عِلْمُ نبوَّتِهِ بأقلام المعجزات وبنانِ المنقول في سطور الصدور وطروس (1)
النقول.
وعلى آله وأصحابه السَّادةِ البررة العدُوُل، الذين عليهم المِعْولُ في الهداية وإليهم العُدُول، ما حُرِّر منقولٌ وحُبِّر مقول (2) .
ورحم الله أئمتنا وعلماءنا الفحول، الذين أدركوا بالاجتهاد مناط العلة والمعلول، وأزالوا بسَبْر الأدلة قوادح الشُّبَه عن الدليل والمدلول، وأفتوا كلَّ مُسْتَفْتٍ وسؤول، ويسَّروا الوصول إلى فقه الأصول، فشكر الله لهم ما حَقَّقَ المفهومَ قلبٌ عقول، وما لَهَج بالمنطوق لسانٌ قؤول.
أما بعد:
((فأفضل ما اكتسبه الإنسان عِلمٌ يسعد به في عاجل معاشه وآجل معاده، ومن أفضل ذلك " علم أصول الفقه " لاشتماله على المعقول والمنقول، فهو جامع أشتات الفضائل، والواسطة في تحصيل لباب الرسائل، ليس هو من العلوم التي هي رواية صِرْفة لا حظَّ لشرف النفوس فيه، ولا من المعقول الصِّرْف الذي لم يَحُضَّ الشرعُ على
_________
(1) جمع طِرْس وهو الصحيفة. المصباح المنير مادة " طرس ".
(2) مقتبسة بتصرفٍ من مقدمة كتاب: همع الهوامع شرح لمع اللوامع في نظم الجوامع للعلامة نور الدين علي الأشموني (918 هـ) . مخطوط، مصورتها بجامعة أم القرى، بمركز البحث العلمي، رقم (67) ميكروفيلم.
(1/2)

معانيه، بل جمع بين الشرفين، واستولى على الطرفين، يُحْتاج فيه إلى الرواية والدراية، ويجتمع فيه معاقدُ النظر، ومسالكُ العِبَر، مَنْ جَهِلَه من الفقهاء فتحصيله أُجَاج، ومن سُلِب ضوابطُه عَدِم عند دعاويه الحِجَاج، فهو جدير بأن يُنَافس فيه، وأن يُشْتغل بأفضل الكتب في تلخيصاته ومبانيه)) (1) .
ولمَّا رأيتُ أنَّ تعلُّم مسائل الأصول معقودٌ بدراسة كتب الأوائل الفحول، تطفَّلتُ على موائدهم، واكتفيتُ بالكشف عن فرائدهم، وخِلْتُ أنَّ تحقيق كتبهم أيسرُ الدروبِ وأسهلُ الخطوبِ، وما درى المسكينُ أنَّ دون ذلك رُكوبَ الصِّعاب، والضرْبَ في وَعِر الوِهَاد والهِضَاب، حتى لقد أشفقْتُ بعد أن قُدِّر عليَّ ما يكون، أن أصِيْر فيه حَصْراً ممن لا يستطيعون مُضيّاً ولا يرجعون.
لكن بعد استحضار ما للعلم من مآثر، وتشجيعِ أهل الفضل والمفاخر، شمَّرتُ عن ساعد الجدِّ لتحقيق كتاب " شرح تنقيح الفصول " لعَلَمٍ شامخٍ من علماء الأصول، الإمامِ الهمامِ أبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن يَلِّين، الشهير بالقرافي، ذي الشرَف الوافي، والعقل الصافي، علماً بأن قِسْطي من تحقيق الكتاب هو القسم الثالث منه، ابتداءً من الباب الثالث عشر: في أفعاله - صلى الله عليه وسلم -، وانتهاءً بالباب العشرين في جميع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين، وهو آخر الكتاب (2) .
دواعي اختيار تحقيق الكتاب
لقد نَهَزَني (3) إلى اختيار كتاب شرح تنقيح الشهاب عِدَّةُ أسباب، منها:
أولاً: القيمة العلمية الرفيعة للكتاب، فإن مادته عميقة غزيرة، ومصادره أصيلة وفيرة، حوى نقولاتٍ نادرةً كثيرة، بعضها في غياهب (4) النسيان، لتعرُّض مظانِّها للفقدان: ككتاب الإفادة وكتاب الملخّص كليهما للقاضي عبد الوهاب البغدادي، وكتاب الأوسط لابن بَرْهان، وشرح البرهان للمازري، والجدل للحصكفي وغيرها (5) .
كما أن الكتاب امتاز بحسن التبويب والترتيب، والتقسيم والتنظيم، والتفنن في
_________
(1) نفائس الأصول للقرافي 1 / 89 - 90.
(2) قام أخي الفاضل / سعيد بن صالح بن عفيف بتحقيق القسم الأول من الكتاب، ابتداءً من أوله حتى نهاية الباب الثالث: في تعارض مقتضيات الألفاظ.
ثم يبدأ القسم الثاني، من الباب الرابع: في الأوامر إلى نهاية الباب الثاني عشر: في المجمل والمبيَّن، تحقيق أخي الفاضل / حسن بن إبراهيم بن خلوفة.
(3) نَهَزَه: دَفَعه. القاموس المحيط مادة " نهز ".
(4) الغَيْهب: الظلمة والغفلة. لسان العرب، مادة " غهب ".
(5) انظر: ص 134 القسم الدراسي.
(1/3)

إيراد السؤال والإشكال، والجوابِ عنه في أحسن مقال، فإن لم يُسْعِفْه الجوابُ بقي ماثلاً في انتظار حلِّ أولي الألباب. كما حشد القرافي كتابَه بالفروق بين المسائل، والتمييز بين المتشابه والمتماثل، هذا مع تَوْشِيَة (1) الكتاب بفوائد مهمة، وتحليته بزوائد جمَّة، وتوشيحه بنكتٍ جميلة، وتَدْبيجه بقواعد جليلة.
فلا جَرَم أن أضحى الكتابُ مَعِيْناً ارتوتْ منه كتبٌ عديدة، وينبوعاً نَهِل منه أصوليون نابهون مادةً فريدة، كالطوفي في شرح مختصر الروضة، والسبكي وابنه في الإبهاج في شرح المنهاج، والعلائي في كتبه، والإسنوي في منهاج السول، وابن جزي في تقريب الوصول، والزركشي في البحر المحيط وتشنيف المسامع، وحلولو المالكي في الضياء اللامع، وابن أمير الحاج في التقرير والتحبير، وابن النجار في شرح الكوكب المنير، وغيرهم جَمٌّ غفير (2) .
ثانياً: شهرة مؤلِّف الكتاب، ونبوغُهُ في علم الأصول، حتى عُدَّ أحدَ ثلاثة علماء عصره الذين انعقد الإجماع علة أفضليّتهم قاطبةً في الديار المصرية (3) .
ولمَّا مات القرافي عليه رحمة الله قال فيه ابن دقيق العيد رحمه الله: ((مات من يُرجع إليه في علم الأصول)) (4) ، ولهذا سجَّله الإمام السيوطي رحمه الله ضمن طبقة من كان بمصر من الأئمة المجتهدين (5) .
فالإمام القرافي بحقٍّ تميَّز بانفراداتٍ في مسائل أصوليةٍ بارزةٍ، وبتحريراتٍ نفيسةٍ راسخةٍ راكزةٍ، فيها جِدَّةٌ وحداثة، نبعتْ من جِهْبذٍ بَحَّاثة، تمتَّعتْ شخصيته بذكاءٍ خارق، وعبقرية فذَّة، تشهد له اختياراته ومناقشاته، وترجيحاته وتصحيحاته، ونقوده وردوده، ونظراته الثاقبة، وتقريراته الصائبة.
ولقد رأيتُني وأنا حَفيٌ بالبحث في الكتاب، كَلِفٌ بحَزْنه وسَهْله، شَغِفٌ بقراءته ودراسته أزداد قناعةً بعد قناعة ساعةً بعد ساعة ببراعة الشهاب القرافي وشموخِهِ، وتألُّقِ نجمِهِ وسطوعِهِ.
ثالثاً: الرغبة في الاطلاع على أصول فقهاء المدينة، دولةِ الإسلامِ، ومنبعِ العلم
_________
(1) التوشية: التحسين والتزيين، مصدر وَشَّ. معجم المقاييس في اللغة، مادة " وشي ".
(2) انظر: ص 148 - 153 القسم الدراسي.
(3) انظر: ص 48 القسم الدراسي.
(4) انظر: ص 48 القسم الدراسي.
(5) انظر: ص 48 القسم الدراسي.
(1/4)

النبوي، ولم تزل هذه الرغبة في ازدياد خصوصاً عند قراءتي شهادة شيخ الإسلام ابن تيمية (1) لأصول الإمام مالك رحمه الله، إذْ قال: ((ثم من تدبَّر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصولَ مالك وأهلَ المدينة أصحَّ الأصول والقواعد، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما. . .)) (2) .
والإمام الشهاب القرافي من المجتهدين في المذهب المالكي، النافذين إلى لُبِّه، الساعين في إرساء دعائمه وقواعده. فقد حرص في كتابه على إبراز أصول المالكية ليعلوُ شرفُهم في الأصول كما سمتْ مكانتهم في الفروع (3) . وفي سبيل ذلك رَصَد آراء المذهب وأقوالَه، وحرَّرها وقرَّرها، ونافح عنها ضدّ المُشنِّعين والشاغبين عليها، دون تعصُّبٍ أو تقليد، بل بوعيٍ رشيد، ومسلكٍ حميد، وإنصافٍ أكيد.
لهذه الأسباب وغيرها اشتدّ عزمي، وتأكَّد تصميمي على تحقيق الكتاب ودراسته مع قلَّة البضاعة، وقصور الباع في الصناعة.
المجهودات السابقة في إخراج الكتاب
لقد تمَّ طبع الكتاب - قديماً وحديثاً - عِدَّة طبعات، منها:
1 - طبعة المطبعة الخيرية بمصر سنة 1306 هـ، وبهامشها شرح ابن قاسم العبادي على ورقات إمام الحرمين.
2 - طبعة المطبعة التونسية بتونس سنة 1328 هـ / 1910 م، وبهامشها التوضيح شرح التنقيح لأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن اليزليطني الشهير بـ" حلولو ".
3 - طبعة مطبعة النهضة بتونس سنة 1340 هـ / 1921 م الجزء الأول منه، على هامش حاشية الشيخ محمد جعيط المسمَّاة بـ: منهج التحقيق والتوضيح لحلِّ غوامض التنقيح.
ثم طبع الجزء الثاني منه سنة 1345 هـ / 1926 م.
_________
(1) هو أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرَّاني الدمشقي الحنبلي. كان محيطاً بالعلوم والفنون النقلية والعقلية، نصر السنة وقمع البدعة وجاهد وامتحن، من مؤلفاته: مجموع الفتاوى (ط) ، منهاج السنة النبوية (ط) ، درء تعارض العقل والنقل (ط) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2 / 387.
(2) مجموع الفتاوى 20 / 328.
(3) انظر: ص 83، 134 القسم الدراسي.
(1/5)

4 - طبعة مطبعة النهضة بتونس سنة 1341 هـ / 1922 م، على هامش حاشية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور المسمَّاة: حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح.
5 - طبعة مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، ودار الفكر بمصر، الطبعة الأولى سنة 1393 هـ / 1973 م، بتحقيق / طه عبد الرؤوف سعد. وكتب عليها: طبعة جديدة مضبوطة منقَّحة.
6 - طبعة المكتبة الأزهرية للتراث بمصر. الطبعة الثانية سنة 1414 هـ / 1993 م بتحقيق / طه عبد الرؤوف سعد. وكتب عليها: طبعة جديدة مضبوطة منقَّحة.
7 - طبعة دار الفكر بلبنان. الطبعة الأولى سنة 1418 هـ / 1997 م،
باعتناء / مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر. كُتب عليها: طبعة جديدة منقَّحة مصحّحة.
هذه الإصدارات من طبعات الكتاب مشكورة مأجورة إن شاء الله تعالى، ولو لم يكن لها من الفضل سوى بزوغِ الكتاب ليرى النور، ويروج بين أيدي القُرَّاء لكفى.
وهو بِسَبْقٍ حَائزٌ تَفْضيلا مُسْتوجِبٌ ثَنَائِيَ الجميلا (1)
ومع اعترافي لهذه الطبعات بالفَضَل إلا أنَّها تشترك جميعاً في عروِّها عن القواعد العلمية المنهجية في التحقيق، تخلو من توثيق النقول، والتعليق على مسائل الأصول، مع ما اشتملتْ عليه من السقط والتحريف، والأغلاط الطباعية، مما جعلها تَفْقِد قيمتَها العلمية، ويُحتِّم إعادة تحقيقِه وتصحيحِه وفق المنهج العلمي المتبَّعِ في الرسائل الجامعية.
ولقد كانت النسخُ الأربعُ الأوائلُ - مع كونها عزيزة المنال، نادرة الشيوع - أحسنَ حالاً أو أهونَ سوءاً من النسخ الثلاثِ الأواخرِ، مع أن الأواخر رُقمتْ بأنها: مضبوطةٌ منقَّحةٌ مصحَّحةٌ، وحقيقة الحال أنَّها كانت مجرد دعوى، ينقضها التشويهُ والتحريفُ حتى غدا الكتابُ عديمَ الجدوى.
قال محقِّق طبعة الكليات الأزهرية والمكتبة الأزهرية: ((وكان حصولي على أصلٍ
_________
(1) قاله ابن مالك في مقدمة ألفيته في النحو، والضمير يعود على ابن معطي وله ألفية أيضاً. انظر: شرح ابن عقيل 1 / 37.
(1/6)

أطبع عليه الكتاب من أشق الأمور، حتى تفضل الشيخ حنفي عبد الجليل آدم من تشاد حفظه الله، فأهداني نسخةً جزاه الله خيراً. . . إلخ)) (1) فالمحقق - جزاه الله خيراً - لم يُفصِح عن هذا الأصل الذي اعتمده في التحقيق، ولم يبيِّن مصدره الأصلي المعتمد، بل لم يُرْفق صوراً له مع الكتاب المطبوع، فضْلاً عن كونه اعتمد على نسخةٍ واحدةٍ فقط مع كونها مبهمةً. ولقد بحثتُ عن شيءٍ يدلُّني على أصله الذي اعتمده، وأخذتُ أقارن بين نسخ المخطوطات التسعِ المتوفرةِ لديَّ وكتابِهِ المحقَّقِ المصحَّحِ!! فترجَّح لي أن صنيعه كان بمثابة التلفيق، وبمعزلٍ عن التصحيح والتحقيق.
وسأسلِّط الضوء على الطبعتين حديثتي السنِّ، الأولى: طبعة المكتبة الأزهرية للتراث، سنة 1414 هـ بتحقيق / طه عبد الرؤوف سعد. والثانية: طبعة دار الفكر ببيروت، باعتناء / مكتب البحوث والدراسات، سنة 1418 هـ، وهما المتداولتان في الأسواق، علماً بأن الثانية مطابقةٌ للأولى في أغلب أخطائها، جاريةٌ وفق سَنَنِها، بل أمعنتْ في الرداءة حينما خلطتْ المتن بالشرح دون التمييز بينهما بخطٍّ أو تسويدٍ أو كلمةِ " الشرح " أو ما شابه ذلك. كما أنَّ الأولى أفحش من الثانية في الأخطاء.
ويمكن إجمال الملاحظات عليهما فيما يلي:
أ - كثرة الأغلاط الطباعيِّة، والتحريفات والتصحيفات.
ب - وجود أسقاطٍ لكلماتٍ وعباراتٍ أخلَّت بمعنى عبارة الكتاب.
جـ - إقحام كلماتٍ وعباراتٍ خلتْ منها جميع النسخ الخطية التسعة.
د - التغيير في كلماتٍ لم ترد فيما وقفتُ عليه من المخطوطات، وهو تصرف
غير سائغ.
هـ - عدم التمييز بين عبارة المتن وعبارة الشرح من الناحية الطباعية في
بعض المواطن بالنسبة لطبعة المكتبة الأزهرية، وفي جميع الكتاب بالنسبة
لطبعة دار الفكر.

ولنضرب أمثلة على ذلك، كما في الجدول التالي:
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ، مقدمة لكتاب في الصفحة المرقمة بالحرف ن.
(1/7)

النص ... الملاحظة والتصويب ... ط. المكتبة الأزهرية ... ط. دار الفكر ... القسم التحقيقي
(كما جاء في الطبعتين)
ص ... سطر ... ص ... سطر ... ص ... سطر
1 ... فالناسخ مزيل للدوام في اعتقادنا لا في نفس الأمر ... في جميع النسخ الخطية " من " بدل من " في " ... 303 ... 2 ... 237 ... 15 ... 48 ... 6
2 ... قول موسى عليه السلام: تمكنوا بالسبت أبداً ... الصواب: تمسكوا ... 304 ... 20 ... 238 ... 23 ... 55 ... 7
3 ... في تأخير البيان عن وقت الحاجة ... الصواب: الخطاب ... 304 ... 26 ... 238 ... 28 ... 55 ... 13
4 ... قرِّبوا إليَّ كل يوم خروفين. . وهم لا يفعلون ذلك ... زيادة ليست في كل النسخ ... 305 ... 13 ... 239 ... 13 ... 58 ... 2
5 ... بصورٍ: إحداها. . ثانيتها. . ثالثتها. . رابعتها. . ... في كل النسخ: ثانيها ثالثها. . رابعها ... 305 ... 15 ... 239 ... 15 ... 58 ... 5
6 ... أن أرثها نَسْله ... الصواب: أورثها ... 305
7 ... في صورة المنقول عنه ... الصواب: عنهم ... 307
8 ... والبداء هو إحدى الطرق التي استدلت بها اليهود ... الصواب: أحد. . ... 310 ... 11، 12 ... 243 ... 8 ... 79 ... 4
به. .
9 ... وإذا جوَّزنا الإجماع السكوتي وكثير ممن اعتبر ... خطأ نحوي، الصواب: فكثير ... 332 ... 10 ... 260 ... 14 ... 148 ... 4
10 ... ومن الأصحاب من قال: إجماعهم حجة إن كان في عملٍ لا في نقلٍ نقلوه ... إجماعهم مطلقاً حجة وإن كان في عمل عملوه أو في نقل. . ... 334 ... 7 ... 262 ... 5 ... 154 ... 5
11 ... فكان ذلك دليل على. . ... خطأ نحوي، الصواب: دليلاً ... 334 ... 14 ... 262 ... 12 ... 155 ... 5
12 ... والخبر عن خلافاً الضرورة ... خطأ نحوي، الصواب: على خلاف ... 338 ... 13 ... 265 ... 15 ... 189 ... 7
13 ... فجعله كاذباً إذا حدَّث بكل ما سمع ... زيادة " كل " ليست في كل النسخ ... 347 ... 16 ... 272 ... 6 ... 192 ... 9
(1/8)

14 ... كما تقول: زيد فقيه. . . . لوجود الفرق ... زيادة سطرين ليست في كل النسخ ... 351 ... 6، 7 ... 274 ... 20 ... 201 ... 2
15 ... فقبلها مالك وأشهب. . . ... الصواب: فمنعها، كما في أكثر النسخ ... 378 ... 15 ... 294 ... 14 ... 285 ... 2
16 ... والقياس في الشريعة: مساواة الفرع للأصل ... الذي في النسخ: مسوٍّ مساوٍ، تسوية ... 384 ... 17 ... 299 ... 6 ... 303 ... 9
17 ... فإن عُلِم المتأخر نَسَخ المتقدم والأرجح إلى الترجيح ... الصواب: وإلاَّ رُجِعَ ... 421 ... 11 ... 329 ... 19 ... 413 ... 11
18 ... يترجح أحد القياسين على الآخر بالنص على علَّته أو لأنه يعود على أصله بالتخصص ... الصواب: أو ... 425 ... 13 ... 332 ... 28 ... 427 ... 3
لا يعود. .
19 ... فإنه حيٌّ يستحقها ... الصواب: حيٌّ ... 427 ... 1 ... 334 ... 6، 7 ... 431 ... 3
لا يستحقها
20 ... لا يجوز عنده أن يقلد عاميٌّ عامّياً في رؤية الهلال ... الصواب: إلاَّ في رؤية الهلال ... 434 ... 5 ... 340 ... 16 ... 452 ... 5
21 ... فإن شمولها يمنع من التمسك بها ... الصواب: لم يمنع من التمسك بها ... 447 ... 11 ... 352 ... 1 ... 500 ... 2
22 ... انتفاء الطهارة الكبرى بعذر من الابتداء ... الصواب: بَعْد زمن الابتداء ... 451 ... 17 ... 355 ... 12، 13 ... 512 ... 4

إلى غير ذلك من الأخطاء الفادحة الكثيرة، وليس الغرض هو الحصر، وإنما مجرَّد التمثيل.
فعلى هذا إن الكتاب بطبعاته الحالية لا يُطَمْئِن النفوس إلى الاعتماد على
نصوصه، والاحتجاج بها، والعَزْو إليها. ولعلَّ هذا يضاف إلى دواعي اختيار تحقيق الكتاب.
(1/9)

خطة البحث في الرسالة
للقيام بمهمَّة تحقيق الكتاب جعلتُ الرسالة في قسمين:
(1) القسم الدراسي (2) القسم التحقيقي.
القسم الأول: قسم الدراسة
وقد نظمته في ثلاثة فصولٍ تسبقها مقدمة.
المقدمة: تناولت فيها أهمية أصول الفقه، ودواعي تحقيق الكتاب، والمجهودات السابقة في تحقيقه، وخطة البحث، والمنهج المتبع في القسم الدراسي.
الفصل الأول: عصر المؤلف.
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث.
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية.
وقد عالجت هذا الفصل باختصار؛ لأنه ليس مقصوداً بالذات بل بالتبع، ولأن من تولَّى تحقيق القسم الأول تكفَّل بإشباع الدارسة. وقد بيَّنتُ أثر هذا العصر بأحواله على شخصية القرافي.
الفصل الثاني: حياة المؤلف.
وقد تضمَّن ثمانية مباحث.
المبحث الأول: اسمه وكنيته ولقبه وشهرته وأصله.
المبحث الثاني: مولده ونشأته.
المبحث الثالث: عقيدته ومذهبه الفقهي.
المبحث الرابع: شيوخه.
المبحث الخامس: تلاميذه.
المبحث السادس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث السابع: مصنفاته.
المبحث الثامن: وفاته رحمه الله.
(1/10)

جاءت دراسة هذا الفصل سريعة في معظم مباحثها، إلاَّ أني توسَّعت قليلاً في مبحث مصنفاته؛ لأنها الآثار الباقية بعد وفاة القرافي، ورجاءً أن يقف عليها من يروم تحقيقها.
الفصل الثالث: دراسة عن كتاب " شرح تنقيح الفصول "
وقد انتظم هذا الفصل في عشرة مباحث، كالتالي:
المبحث الأول: التعريف بمتن الكتاب " تنقيح الفصول ".
المبحث الثاني: عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه.
المبحث الثالث: الباعث على تأليف الكتاب وزمن تأليفه.
المبحث الرابع: موضوعات الكتاب ومضامينه ونظام ترتيبه.
المبحث الخامس: موارد الكتاب ومصادره.
المبحث السادس: منهج المؤلف في الكتاب وأسلوبه.
المبحث السابع: قيمة الكتاب العلمية ومحاسنه.
المبحث الثامن: المآخذ على الكتاب.
المبحث التاسع: مقارنة الكتاب بكتب الشروح الأخرى.
المبحث العاشر: وصف نسخ الكتاب ومنهج التحقيق.
وقد توسَّعتُ في هذا الفصل كثيراً، وضربت مزيداً من الأمثلة، لأنه المقصود بالدراسة أصالةً، ورجاءً في إعطاء صورة صادقة حقيقة - قدر المستطاع - عن منهج الكتاب وأسلوبه وموارده ومضامينه وقيمته والمآخذ عليه، وما يتبع هذه الدراسة مما له تعلُّق به.
القسم الثاني: القسم التحقيقي
وقد أوردتُ فيه نصَّ الكتاب محققاً موثقاً، محرَّر الأقوال، مُدعَّم الأمثال، مخرَّج الأحاديث معزوّ الآيات، مع التعريف بالمصطلحات، وتوضيح المشكلات والمشتبهات، وبيان محزِّ الخلاف والخصومات، كلُّ ذلك بحسب الجهد والطاقة، مع اعترافي بالعجز والفاقة.
(1/11)

منهج البحث في الرسالة
أرجأتُ الكلام عن منهج تحقيق الكتاب إلى المبحث العاشر من الفصل الثالث (1) ؛ وذلك لأني رأيت بأن موقعه اللائق به هناك لأمرين:
الأول: بعد توصيف ما حُزْتُه من النسخ الخطية مع عرض نماذج منها، صار من المناسب إتباع ذلك بمنهج التحقيق، والقواعد المنهجية المتبعة؛ لشدَّة اتصال المنهج بوصف النسخ.
الثاني: ليكون آخر ما يعلق بذهن القاريء من موضوعات الدراسة منهج التحقيق وهو أول ما يدخل به مباشرة عند قراءة نص الكتاب، وبهذا يكون مستصحباً هذا المنهج ومستحضراً له في أثناء تقليب صفحات الكتاب.
أما المنهج الذي اتبعته في القسم الدراسي فإني:
- عزوت الآيات إلى سورها.
- تركتُ تخريج الأحاديث إذا كانت مذكورةً في القسم التحقيقي، وخرَّجت
ما لم يرد فيه.
- ترجمت للأعلام الذين جاء ذكرهم في القسم الدراسي، مع الإحالة على موطن الترجمة لمن تُرجم له في القسم التحقيقي.
- شرحت الألفاظ الغريبة التي تبدو كذلك من وجهة نظري.
- عرفت بالمصطلحات والمدن والطوائف التي رأيت الحاجة داعيةً إلى ذلك.
- صنعت فهارس للقسم الدراسي.
هذا، ولقد حاولت في التحقيق الاقتصار على لفظٍ موجز ومعنىً مكتنز، حتى أجعل المكتوب بمقياس المطلوب تمشياً مع المرغوب، لكنَّه أملٌ حال دونه سوء التقدير وسقم التفكير. وأحبُّ أن أعلن بصوتٍ يبلغ الغاية، بأنني لم ولن أبلغ في تحقيق الكتاب النهاية، بل إذا حسَّنتُ الظنَّ قلتُ: خطوةٌ في البداية، فلا أشكُّ أن العمل في هذه الرسالة في حاجةٍ إلى التنقيح والتهذيب، والتصحيح والتشذيب، وهكذا شأن المرء فيما يكتبه، لا يكتب شيئاً في يومه إلا ويرى فيه خللاً في غده، وهذا من أعظم العبر على استيلاء النقص على جملة البشر.
_________
(1) انظر: ص 276 القسم الدراسي.
(1/12)

فإذا كان هذا شأن المرء مع ما يكتبه وشأنهُ التقصير، فما بال ناقده والناقدُ بصير، فليتلطَّف الناظرُ فيه مع غضِّ النظر، وليُوسِع العُذْرَ إن اللبيب من عَذَر. ولستُ أُزْجيه للناس بشرط البراءة من العيب، فإن الإنسان محلُّ النقصان بلا ريب، ويأبى الله العصمة لكتابٍ غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه.

سامحْ أخاك إذا خَلَطْ ... منه الإِصَابةَ بالغَلَطْ
وتَجَافَ عن تَعْنِيفِهِ ... إنْ زاغ يوماً أو قَسَطْ
واعْلَمْ بأنَّك إن طَلَبْـ ... ـتَ مُهذَّباً رُمْتَ الشَّطَطْ
ولو انْتَقَدْتَ بني الزَّمَا ... نِ وَجَدْتَ أكْثَرَهُمْ سَقَط
مَنْ ذَا الذي ما سَاءَ قَطْ ... ومَنْ له الحُسْنَى فَقَطْ
غيرَ نبيِّنا الذي ... عليه جبريلُ هَبَط (1)

وفي نهاية المطاف أودُّ البَوْح بكلماتٍ طالما اكتظَّ بها صدري وفاءً وعرفاناً:
? أولى هذه الكلمات دعوات ضارعات إلى ربِّ البريات أن يجعل عملي هذا امتداداً لغراس والديَّ اللَّذَين ما فَتِئَا صابرَيْن داعِيَيْن الله أن يكتب التوفيق للباحث وبحثه.
? ثاني هذه الكلمات دعوات وفيَّات من عالم الأسرار والخفيَّات أن يوفِّق فضيلة شيخي وأستاذي الدكتور / حمزة الفعر المشرف على الرسالة إلى كلِّ ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وأن يبارك له في أعماله وأحواله، وأولاده وأمواله، ومآبه ومآله، إنه تعالى قريب مجيب الدعاء، وإن أنس فلن أنس إجزاء شكري وتقديري لفضيلة شيخي وأستاذي الدكتور / مختار بابا آدو الذي تولَّى الإشراف على هذه الرسالة في بداياتها ثم اعتذر لظروفه الصحية أسأل الله تعالى أن يعافيه ويشافيه وأن يمتعه بالصحة والسلامة ويحسن لنا وله الختام. إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه.
? ثم دعوات صالحات مخلصات من إله الجمادات والكائنات لكل من قاسمني معاناة هذا البحث، ولكلِّ من كان له عليَّ فضل ومساعدة، فكم كانت لهم من فضائلَ بالغةٍ وأيادٍ سابغةٍ، وهم خَلْقٌ كثير، لا يضرُّهم أن جهلتموهم، فالله يعلمهم، والله يرحمهم، ويزجل لهم العطايا والهبات، فلهم منه عز وجل طوبى وحسنُ مآب.
_________
(1) الأبيات من مجزوء الكامل للحريري ما عدا البيت الأخير. انظر: شرح مقامات الحريري للشريسي
2 / 213.
(1/13)

ربِّ هبْ لي حُكْماً وألحقني بالصالحين، واجعلْ لي لسان صِدْقٍ في الآخرين، واجعلني من ورثة جنَّةِ النعيم. ربِّ أوزعني أن أشكرَ نعمتَك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1/14)

الفصل الأول
عصر المؤلف
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
(1/15)

التمهيد:
مما لا يسع أحداً إنكارهُ الأثر الكبير للوضع السياسي والفكري والاجتماعي ونحو ذلك على حياة الأفراد العلمية، فالإنسان مدنيٌّ بطبعه (1) ، يتفاعل مع محيطه، فيتأثر به، ويؤثر فيه.
وإن ما يطرأ على الساحة السياسية من أحداث لابد أن يظهر أثره في سير علماء العصر، كما أن التغيرات الفكرية، والحياة الاجتماعية لا يَقِلُّ تأثيرهما على هذه الشخصيات عن الحياة السياسية.
إن البحث في شخصية الإمام شهاب الدين القرافي يستدعي دراسة أحوال عصره وبيئته التي عاش فيها، لذا كان من المناسب إلقاء بعض الضوء على عصره، ولو بعجالة سريعة، بعيدة عن استطرادات المؤرِّخين التي ليست موضعها هنا.
_________
(1) انظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق د. على عبد الواحد وافي 1 / 337
(1/16)

المبحث الأول
الحالة السياسية
...
عاش القرافي المولود سنة 626هـ باكورة حياته - بما يزيد عن العشرين عاماً - في ظل الدولة الأيوبية (1) (564 - 648هـ) ، ثم عاش بقية حياته في عهد الدولة المملوكية (2) .
وقد اكتنف الدولتين أحداثٌ متلاحقة، وحروبٌ متعاقبة، واضطراباتٌ متفرقة. لكن يمكن أن يتركَّز الحديث عن أهم ما سجَّله التاريخ في هذه الحقبة الزمنية وفق المحاور التالية:
1 - الحروب الصليبية الشرسة:
لقد خاض سلاطين الأيوبيين والمماليك جهاداً باسلاً ضد الإفْرَنْج (3) الذين كانوا يدأبون ليل نهار على غزو بلاد المسلمين، ومحو آثار الإسلام، ونشر عقيدتهم الصليبية.
ولقد امتدتْ جذور هذه الحروب الصليبية قبل ولادة القرافي بزمن كبير، فقد بدأت حملتهم الأولى عام 492هـ، حيث توجهوا إلى بيت المقدس، واستولوا عليه، وقتلوا ما يزيد عن ستين ألف مسلم (4) . واستمرت الحروب سِجَالاً بينهم وبين المسلمين، وقصدوا الديار المصرية، فتمكنوا منها عام 564هـ (5) .
_________
(1) الأيوبية: مؤسسها صلاح الدين الأيوبي سنة 564هـ امتد سلطانها على مصر والشام واليمن وغيرها، تعاقب على ملكها ثمانية سلاطين آخرهم توران شاه، قامت دولة المماليك على أنقاضها عام 648هـ. انظر: معجم المصطلحات والألقاب التاريخية لمصطفى الخطيب ص 60
(2) المملوكية: أسسها المعز لدين الله أيبك الصالحي سنة 648هـ. والمماليك هم صنف من العبيد أصلهم أتراك وجراكسة استقدمهم الأيوبيين للخدمة العسكرية، ثم برز منهم أقوياء، قامت دولتهم على أنقاض الأيوبية. وهم نوعان المماليك البحرية حكموا ما بين (648 - 792هـ) . ومماليك بُرْجِية حكموا ما بين (792-924هـ) . انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ص 21 - 74
(3) الإفْرَنج: ويقال: الإفْرَنْجَة، والفَرَنْج، وهي كلمة فرنسية، هم سكان أوروبا ماعدا الأروام والأتراك. انظر: القاموس المحيط ص201، المنجد في اللغة مادة"إفرنج"
(4) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 12 / 257
(5) انظر: البداية والنهاية 12 / 255
(1/17)

ثم هيأ الله للأمة قائداً مظفَّراً هو " صلاح الدين الأيوبي " (1) الذي دحرهم، وتتبَّع فُلُولهم، ودكَّ جحافلهم، وحرَّرَ بيت المقدس من نَيْر احتلالهم سنة 583هـ (2) . وبعد صراعات داخلية بين أبناء صلاح الدين وإخوته حول الحكم ونحوه، انتهز الصليبيون هذه الفرصة فانقضُّوا مرة أخرى على بلاد المسلمين (3) .
وفي عام 646هـ جهَّز الصليبيون حملة عظيمة كان القصد منها الاستيلاء على القاهرة، فلما علم بها الملك الصالح نجم الدين أيوب (4) - وهو على فراش الموت - أمر بقتالهم. واستولى الصليبيون على دِمْياط (5) ، ومات الملك الصالح، فأخفت زوجته خبر وفاته لئلا يَفُتَّ ذلك في عَضُد الجنود. ثم تولى من بعده ابنه توران شاه (6) سنة 647هـ، فقاتل الإفرنج حتى هزمهم هزيمة ساحقة، غير أنه قُتِل سنة 648هـ، وبموته انْقَضَتْ دولة بني أيوب في مصر (7) .
ولما تسلم المماليك الحكم في مصر والشام كان ما يزال احتلال الصليبيين قائماً لبعض ديار الإسلام، فأَنْهك قواهم السلطان الظاهر بِيْبَرْس (8) الذي حكم من سنة
_________
(1) هو يوسف بن أيوب بن شاذي الكردي أبو المظفر، الملقب بالملك المظفر الناصر صلاح الدين الأيوبي. كان عادلاً وحازماً مجاهداً، قائد معركة حطين، أسَّس الدولة الأيوبية سنة 564هـ بمصر والشام. توفي سنة 589هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان 7 / 139، سير أعلام النبلاء للذهبي 21 / 278
(2) انظر: البداية والنهاية 12 / 320
(3) انظر: البداية والنهاية 12 / 277
(4) هو نجم الدين أيوب بن الكامل ناصر الدين محمد بن العادل سيف الدين أبي بكر الأيوبي، ولد بالقاهرة سنة 603هـ، وملك مصر سنة 637هـ، وبنى المدارس، واشترى المماليك. توفي سنة 647هـ.
انظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي 2 / 34
(5) دِمْياط: مدينة عريقة بمصر تقع عند ملتقى النيل بالبحر الأبيض المتوسط. وهي عاصمة محافظة دمياط الآن. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي 2 / 472، المنجد في الأعلام، ص246.
(6) هو الملك توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين، قَرَّب مماليكه، وأبْعَد مماليك أبيه، فنفرتْ منه قلوبهم، وقتلوه سنة 648هـ. وكانت مملكته شهرين. انظر: حسن المحاضرة 2 / 35
(7) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي 1 / 332 - 360
(8) هو الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بِيْبَرْس الصالحي المملوكي، أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب. تولى الحكم بعد قَتْل الملك سيف الدين قُطْز، كان عالي الهمة شديد البأس. توفي سنة 676هـ. انظر: وفيات الأعيان 4 / 155.
(1/18)

658هـ إلى 676هـ، ثم جاء من بعده السلطان المنصور قَلاَوُوْن (1) الذي حكم ما بين (678 - 689هـ) ، وجاهد في أثناء حكمه، وانتزع ما بأيدي الصليبيين من الحصون والمدن (2) .
2- الزحف المغولي الهمجي:
في مستهل القرن السابع الهجري أغار التتار (3) الهمجيين على الأقاليم الإسلامية ابتداءً من المشرق الإسلامي حتى الشام، فأحاطوا بالمدن، الواحدة تلو الأخرى، مثل: بخارى، وخرسان، وأذربيجان، وبعض مدن فارس سنة 618هـ، فعمَّت المصائب، وعظم القتل والتخريب والسلب والنهب، وحرَّقوا المساجد والمدارس والمنازل (4) .
وفي عام 656هـ هاجم هولاكو التتري (5) بجيشه الجرَّار مدينة بغداد، واستولى عليها، وقَتَل الخليفة العباسي آنذاك المستعصم بالله (6) وهو آخر خلفاء بني العباس، وبلغ عدد القتلى في هذه الواقعة المفجعة مليوناً وثمانمائة ألف (7) .
وزحف هولاكو إلى الشام، فأسقط مدنها، وعاث فيها فساداً، وانحاشَتْ عساكر المسلمين إلى مصر هرباً، ثم استجمعوا قواهم، وانتظمت أحوالهم، وخرجوا بقيادة الملك المظفر سيف الدين قُطْز (8) ، وهزم التتار هزيمة نكراء عام 658هـ، وكانت أول هزيمة مُنِيَ بها التتار منذ خروجهم من بلادهم، وتفرقوا بعد ذلك في الأرجاء (9) .
_________
(1) هو الملك المنصور قَلاَوُوْن بن عبد الله الصالحي المملوكي، أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب، كان حسن الصورة مهيباً شجاعاً. حكم مدة (12) سنة. توفي سنة 689هـ. انظر: البداية والنهاية 13 / 336
(2) انظر: الخطط المقريزية 2 / 238
(3) التَّتَار: هم قوم يسكنون مَنْغُوليا في أواسط آسيا، يتكونون من عدة قبائل، اشتهرت بالقوة والعنف. أول ملوكهم جنكيز خان. انظر: شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 5 / 65
(4) انظر: المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء 3 / 122، البداية والنهاية 13 / 82، 94
(5) هو هولاكو خان بن تولي خان بن جنكيز خان، أعظم ملوك التتار مهابة وخبرة بالحروب، كان ملكاً جباراً فاجراً لا يدين بدين، توفي سنة 664هـ. انظر: البداية والنهاية 13 / 245
(6) هو عبد الله بن المستنصر بالله العباسي. ولد عام 609هـ، وتولى الخلافة سنة 640هـ، كان كريماً حسن الديانة، لكن ليس له تيقُّظ تام ولا حزم، توفي سنة 656هـ. انظر: شذرات الذهب 5 / 270، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 537.
(7) انظر: البداية والنهاية 13 / 201
(8) هو الملك المظفر قُطْز بن عبد الله التركي المملوكي، كان بطلاً شجاعاً، سحق التتار في موقعة "عين جالوت"، كانت مدة ملكه نحو سنة، قتل مظلوماً سنة 658هـ. انظر: حسن المحاضرة 2 / 38
(9) انظر: خطط الشام لمحمد كرد علي 2 / 104 - 109
(1/19)

3- الاضطراب السياسي في المغرب والأندلس:
بعد انهيار صَرْح الخلافة الأموية في الأندلس، قامت دولة الطوائف المفككة، هذا الأمر مهَّد للعدو المتربص بافتراس قلاع مدن هذه الدولة، وسقطت قرطبة سنة 636هـ (1) ، وتلتها المدن الأخرى، ولم يبق سوى غرناطة وأعمالها إلى منتصف القرن السابع الهجري.
أما بلاد المغرب فقد آل أمر الحكم فيها إلى زعماء دولة الموحِّدين (2)
وفي أوائل القرن السابع استولى أبوزكريا الحَفْصي (3) على تونس، وأنشأ دولته الحفصيَّة، وظلت دولة الموحدين في باقي المغرب والأندلس. ولمَّا اتسع نطاق دولته وافقه ملوك شرق الأندلس وغربيّها بالبيعة (4) . وبعد وفاته آل الأمر لبنيه من بعده.

أثر الحالة السياسية على حياة القرافي:
يمكن تلمُّس تأثر القرافي بأحداث عصره فيما يلى:
(1) عايش القرافي أطماع الصليبيين في بلاد المسلمين، فكان لابد أن يتصدى المسلمون لهم بالسيف والسنان، وبالقلم والبنان. ولم تسجل لنا كتب التاريخ مشاركةً ميدانية للقرافي في الحروب والمعارك، بَيْد أنه أبلى بلاءً حسناً في تزييف عقائد اليهود والنصارى من خلال كتابه النفيس " الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة " (5) فلقد فَنَّد في هذا الكتاب شبهات اليهود والنصارى وأبطل معتقداتهم.
كما يمكننا أن نلمح من خلال كتابه دعوة المسلمين للجهاد والقتال، لما تفرضه طبيعة المرحلة التي كان يعيشها، فهو يخصم النصارى بأنهم تمرَّدوا على دعوة الإنجيل
_________
(1) انظر: تاريخ ابن خلدون 4/336 وما بعدها
(2) الموحِّدون: سلالة مغربية أسَّسها محمد بن تومَرْت على قواعد شيعية، تمكنت من إقامة دولة عربية إسلامية في المغرب على أنقاض دولة المرابطين، مؤسسها: عبد المؤمن بن علي بن مخلوف، حكمت ما بين (524 - 629هـ) . انظر: معجم المصطلحات والألقاب التاريخية ص 413
(3) هو أبو زكريا يحي بن عبد الواحد بن أبي حفص، ولد عام 598هـ، أول ملوك الدولة الحفصية. توفي سنة 647هـ. انظر: الوافي بالوفيات 4/ 593.
(4) انظر: تاريخ ابن خلدون 6/ 600 ومابعدها.
(5) انظر التعريف به ص (49) من القسم الدراسي.
(1/20)

الناطق بالمسالمة والمذلَّة، ومحبة الأعداء، ومباركة اللاَّعِنِين، والصلاة على من يطرد أتباع المسيح (1) ، ثم هم بعد هذا يستبيحون القتل والتخريب ومحرمات الإنجيل، فهم أشد الناس كفراً بالله وملائكته وأحكامه. بينما نحن المسلمين أُمرنا بالقتال والجهاد، وجعله تعالى من أعظم القربات، وأسباب السعادات (2) ، فما بالنا لا نقاتل أعداء الله أياً كان جنسهم، وقتالهم عندنا واجب مقدَّس بنص الآيات المحكمات من كتاب الله تعالى.
(2) إن سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وإقامة خلافة عباسية جديدة (صوريّة) في القاهرة، هذا الأمر جعل مصر محطَّ أنظار العلماء، وبؤرة استقطابٍ لهم، ولا شك بأن هذا له الأثر الكبير على حياة القرافي العلمية. زِدْ على ذلك أن الشيخين البارزين والعلمين الشهيرين: العز بن عبد السلام (3) ، وابن الحاجب (4) قد تركا الشام إلى مصر عام 639هـ، وذلك بسبب إنكارهما الشديد على حاكم دمشق تعاونَهُ مع الإفرنج وبذْلَه لهم بعض ديار المسلمين (5) .
وما خروجهما إلا صَدَىً للحالة السياسية السائدة في ذلك العصر، وقد استفاد القرافي من علميهما أيما استفادة.
_________
(1) انظر: إنجيل متى، الإصحاح: 5 الفقرات: 43 - 45، 48
(2) انظر: الأجوبة الفاخرة للقرافي ص (118) .
(3) انظر: ترجمته في القسم التحقيقي ص 449.
(4) ستأتي ترجمته ضمن شيوخ القرافي ص 38 من القسم الدراسي.
(5) انظر: البداية والنهاية 13 / 236.
(1/21)

المبحث الثاني
الحالة الاجتماعية
عاش القرافي في بيئةٍ يتألف سكانها من قوميات متبانية، وأجناس متفاوته، فيهم:
العرب والأكراد والأتراك والرومان والأقباط وغيرهم، كما ضمَّ المجتمع بين جانبيه طوائف ومللاً شتى، من سنة وشيعة ونصارى ويهود وصوفية ... إلخ.
وكان لدين الإسلام فضلٌ كبير في إذابة هذه العرقيات، وصهرها في بوتقة الأمة الإسلامية الواحدة.
وكانت الحياة الاجتماعية تتغير أنماطها تبعاً لنهج الحكم وسياسة الحاكم، هذا الاختلاف انعكس أثره في حياة الناس.
- الحالة الاجتماعية في حياة الملك الصالح نجم الدين الأيوبي (637 - 647هـ)
كان العدل فيها مبسوطاً بين الرعية، وقد عين نُوَّاباً بدار العدل؛ لإزالة المظالم، والنظر في شئون الرعية، وكان يعمل ليلاً نهاراً على درء الخطر الخارجي؛ لتبقى أوضاع بلاده مستقرة آمنة (1) .
وكان قد اشترى عدداً كبيراً من الأتراك (المماليك) ، وصاروا معظم عسكره، ورجحهم على الأكراد، وأمَّر منهم، وجعلهم بطانته المحيطين به (2) . وكانت توجد في عهده مفاسد ومنكرات أنكرها العز بن عبد السلام عليه مع كونه مهاباً جباراً لا يستطيع أحد أن يتكلم بين يديه (3) .
- الحالة الاجتماعية في حياة السلطان الظاهر بيبرس المملوكي (658 - 676هـ)
كان الرجل في غاية الاهتمام بأمر المسلمين، له مقصد صالح في نصرة الإسلام ومحبة العلماء. فتح فتوحات كثيرة كانت تحت أيدي الإفرنج، وبنى المساجد والمدارس ودور
_________
(1) انظر: وفيات الأعيان 5 / 85، والسلوك للمقريزي 2 / 306، 340
(2) انظر: سير أعلام النبلاء 23 / 191
(3) انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 8 / 211، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي 6 / 333
(1/22)

الأوقاف، وحاسب بشدة من ينتهك حرمات الله كشرب الخمر واقتراف الزنا. وشدَّد على النصارى والرافضة، ولم تكن لهم صولة ولا جولة، والبلاد في عهده كانت محميَّة من الخطر الخارجي، مما جعل الأوضاع تستقر والناس ينعمون بالأمن (1) .
? ومن حسنات الدولتين الأيوبية والمملوكية: محاربة المذهب الشيعي الذي عشَّش وفرَّخ في مصر مدة طويلة أيام الحكم الفاطمي (العبيدي) (2) . وسعت الدولتان إلى سحق آثار المذهب الشيعي، ومنعهم من الخطابة والتدريس، بل ردَّ الظاهر بيبرس شهادتهم، ولما ثاروا عليه واجههم بحزم وصَلَبهم (3) .
ولكن من المآخذ على الدولتين: انتشار التصوف في عهديهما، وتعظيم مشايخ الصوفية، وبناء الرُّبط والزوايا لهم (4) .
وأما العلماء في هذا العصر فقد كانوا على فريقين:
- فريق آثر ما عند الله، فأخذ يصدع بالحق، وينصح الحكام، ويحذرهم من البعد عن شرع الله كالعز بن عبد السلام، وابن الحاجب وغيرهما.
- والفريق الآخر غلب عليهم الطمع، والمكانة عند السلطان، فوافقوهم، وأجروا لهم الفتاوى حسب الأهواء، وهؤلاء لم يكن لهم وزن عند الناس.

أثر الحالة الاجتماعية على حياة القرافي:
هذه الأجواء الاجتماعية كان لها أثر على شخصية القرافي، ويمكن تلمُّس هذه الآثار فيما يلي:
(1) نظراً لتعايش المجتمع الإسلامي مع أهل الذمة، وحمايةً لأبناء المسلمين من الانزلاق وراء شبهات اليهود والنصارى انبرى القرافي لتأليف كتابه " الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة "، وقد سبق الكلام عن هذا في الأثر السياسي على القرافي (5) .
_________
(1) انظر: البداية والنهاية 13 / 260، النجوم الزاهرة 7/94، عصر سلاطين المماليك لمحمود رزق سليم 1/27
(2) الفاطمية: دولة شيعية كان أوّل ظهورها في تونس سنة 297هـ على يد عبيد الله المهدي، ولهذا تعتبر امتداداً للدولة العبيدية. كانت تنازع الدولة العباسية، امتدَّ نفوذها حتى شملت مصر والحجاز والشام واليمن. تعاقب عليها (14) خليفة. انتهت دولتهم سنة 567هـ. انظر: معجم المصطلحات والألقاب التاريخية ص317، 335.
(3) انظر: الخطط المقريزية 4 / 161
(4) انظر: الخطط المقريزية (2 / 414 - 436) لترى أعدادها والاهتمام بها.
(5) انظر: ص 20 من القسم الدراسي.
(1/23)

(2) ملازمة القرافي لشيخه العز بن عبد السلام ربما أكسبته نُفرةً من السلاطين، مع أن القرافي كانت لديه قدرة عجيبة على صنع التماثيل والمراصد الفلكية (1) التي كان السلاطين مولعين بها، ومع ذلك لم يكن له ذِكْرٌ على بلاطهم، ولم يتولَّ لهم شيئاً من مناصبهم.
(3) كان القرافي يلهج بأشعار، ويتمثل بها كثيراً مما يدل على تأثره بالحالة السائدة في عصره. فهويقول:
وإذا جَلَسْتَ إلى الرِّجِالِ وأشْرَقَتْ في جَوِّ باطِنِكَ العُلومُ الشُّرَّدُ
فاحْذَرْ مُناظرةَ الحَسْودِ فإنَّما تَغْتاظُ أنتَ ويستفيد ويَحْرَدُ (2)
يمكننا أن نستخلص من هذين البيتين بأن عادة سيئة كانت منتشرة بين العلماء مما حدا بالقرافي أن يقول ما قال.
وكان يُردَّد:
عَتَبْتُ على الدنيا لِتَقْديمِ جَاهِلٍ ... وتأخيرِ ذِيْ عِلْمٍ فقالتْ: خُذِ العُذْرا
بَنُو الجَهْل أبنائي وكلُّ فضيلةٍ فأبناؤها أبناءُ ضَرَّتي الأُخْرى (3)
فهذان البيتان يدلاَّن على مدى سخط القرافي على تولَّي بعض الحكام سلطة البلاد والحكم بين العباد، وتقديم العلماء غير المؤهَّلين أو الجديرين إلى مناصب الإفتاء والقضاء. والله أعلم.
(4) ينبغي ألاَّ ننسى أن كثرة التآليف من الإمام القرافي التي نالت إعجاب العلماء، لعله إفرازٌ لما نَعِمتْ به البلاد من أَمْن واستقرار، وتشجيع للعلم وأهله في بعض الحِقَب الزمنية. ولهذا شَهِد بعض علماء عصره بأن القرافي حرَّر أحد عشر عِلْماً في ثمانية أشهر، أو قال: ثمانية علومٍ في أحد عشر شهراً (4) .
_________
(1) سيأتي الحديث عن هذا ص (45) من القسم الدراسي.
(2) لم أهتد إلى قائله، لكنه موجود في: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي
ص 130, ويَحْرَد: يَغْضب ويغتاظ فيتحرَّش بالذي غَاظَه ويَهِمُّ به. المعجم الوسيط مادة " حرد ".
(3) انظره منسوباً إلى محيي الدين، المعروف بحافي رأسه في: الديباج المذهب ص 130
(4) انظر: الديباج المذهب ص 129
(1/24)

المبحث الثالث
الحالة العلمية
تَزْدان الحياة العلمية في أيِّ عصرٍ وتزدهر بمقدار كثرة المدارس المنتشرة، والخِزَانات العامرة بالكتب الوفيرة، وبزيادة الحوافز المبذولة لطالبي العلم والراغبين فيه.
... والحالة العلمية لم تُحَاكِ الحالةَ السياسية المضطربة، بل ظلَّتْ ناميةً مزدهرةً، فبعد أن كانت بغداد ـ عاصمة الخلافة العباسية ـ مَحَطَّ العلماء من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ إلا أن إمامتها للعلماء انحسرت بعد سقوطها على أيدي التتار.
... وأخذت دمشق والقاهرة تتنازعان الرئاسة العلمية، وصارتا موئل العلماء، غير أن كفَّة مصر رجحت حين تكاثر وفود العلماء إليها نتيجةً لتعرض الشام إلى الغزو الصليبي والتتري.
وكان من أسباب النهضة العلمية في مصر أيضاً أن الدولة الفاطمية (العبيدية) سعتْ حثيثاً إلى بناء المدارس، وتعليم المذهب الرافضي وفَرْضِه على الناس، ثم جاء صلاح الدين الأيوبي من بعدهم، فأنشأ المدارس السُّنِّية، وسعى إلى اجتثاث جذور المذهب الباطني الذي زرعته الدولة الفاطمية (العبيدية) ، وهكذا تتابع الملوك من بعده، ولاقى العلماء كل تشجيعٍ وإكرامٍ، وهكذا كان الأمر في عهد الدولة المملوكية.
ويلاحظ هنا أن بعض الكاتبين في تاريخ التشريع الإسلامي يصفون هذه الفترة الزمنية، والطور التاريخي بأنها فترة الجمود والتقليد، والهرم والشيخوخة (1) .
وفي تقديري إن هذا الحكم فيه مجافاة للواقع، وبُعْد عن الإنصاف، فلم يَخْلُ زمان من مجدِّدين يُحْيُون ما اندرس من علوم الشريعة، ويستنهضون همم الناس نحوها، وإن صَحَّتْ هذه المقولة في علم الفقه فلا تصحُّ في علم أصول الفقه، قال الشيخ محمد أبو زهرة (2) : ((هذا العلم الذي غرس غرسه الإمام الشافعي رحمه الله لم يَضْعف من بعده،
_________
(1) انظر: على سبيل المثال: تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ / محمد الخضري ص 248، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي 2/ 189.
(2) هو محمد بن أبو زهرة، من علماء الشريعة، وعضو المجلس الأعلى للبحوث العلمية، ووكيل كلية الحقوق بجامعة القاهرة. له أربعون مؤلَّفاً، منها: أصول الفقه (ط) ، تاريخ الجدل في الإسلام (ط) ، وكتب أخرى عن الأئمة الأعلام. ت 1394 هـ. انظر الأعلام للزركلي 6 / 25، أصول الفقه تاريخه ورجاله لشيخنا الدكتور / شعبان محمد إسماعيل ص 647.
(1/25)

حتى في عصور التقليد التي أَغْلقتْ فيها باب الاجتهاد، بل نما وترعرع. . . وكأن الفقهاء إذْ قيَّدوا أنفسهم في الفروع، قد اطلقوا لها الحرية في الأصول ... )) (1) .
وقد نبغ في هذا العصر - السابع الهجري - أساطين من العلماء، الذين
طَبَّقتْ شهرتهم الآفاق، وأَثرَوا بتصانيفهم الفريدة المكتبات، حتى غَدَتْ مَفْزعاً
لنَاهِليِ علوم الشريعة وغيرها، فمنهم: الإمام فخر الدين الرازي (2) ، وموفق الدين
ابن قُدَامة المقدسي (3) ، وسيف الدين الآمدي (4) ، وتقي الدين أبو عمرو
ابن الصَّلاح (5) ، وأبو عمرو ابن الحاجب المالكي، والحافظ المنذري (6) ، والعز بن عبد السلام، وابن مالك النحوي الأندلسي (7) ، والإمام النووي (8) والقاضي البيضاوي (9) ،
_________
(1) انظر: كتابه: " الشافعي " عهده آراؤه وفقهه ص 309.
(2) انظر ترجمته في: القسم التحقيقي ص 4.
(3) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، موفق الدين الدمشقي الحنبلي، كان إماماً في علوم كثيرة خاصةً الفقه والأصول والخلاف، وله كتاب: المغني في الفقه (ط) وروضة الناظر في أصول الفقه (ط) وغيرهما. توفي سنة 620هـ، انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 133
(4) انظر ترجمته في: القسم التحقيقي ص 21.
(5) هو عثمان بن عبد الرحمن الشَّهْرَزُوري الشافعي، المفتي والمفسر والأصولي واللغوي، وله آراء أصولية مبثوثة في مؤلفاته، منها: فتاوى ومسائل ابن الصلاح (ط) ، والمفتي والمستفتي (ط) ، مقدمته الشهيرة في مصطلح علوم الحديث (ط) . توفي سنة 643هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 8 / 326
(6) ستأتي ترجمته ضمن شيوخ المصنف ص 39 من القسم الدراسي.
(7) هو جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الجياني، إمام زمانه في العربية، كان عالماً بالقراءات. له مؤلفات شهيرة منها: التسهيل وشرحه (ط) ، الخلاصة وهي المشهورة بألفية ابن مالك في النحو (ط) . توفي سنة 672هـ. انظر: بغية الوعاة للسيوطي 1 / 130
(8) هو الحافظ محي الدين أبو زكريا يحيي بن شرف النووي، الفقيه الشافعي والمحدث، صاحب التصانيف النافعة، مثل: شرح صحيح مسلم (ط) ، المجموع شرح المهذب (ط) رياض الصالحين (ط) . انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 5 / 165
(9) هو عبد الله بن عمر بن محمد، المعروف بالقاضي البيضاوي، كان إماماً عابداً فقيهاً أصولياً مفسراً متكلماً، له قدم راسخة في التأليف، منها: منهاج الوصول (ط) ، أنوار التنزيل (ط) . توفي سنة 685هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 8 / 157
(1/26)

ابن دقيق العيد (1) ، وغيرهم كثير.
ومن مؤيدات نهضة الحالة العلمية في هذا العصر: أن حركة التأليف والتدريس كانت نشطة، ووقع التنافس في بناء دور المدارس العلمية، ولعل من المفيد أن نعرِّج على أهم المدارس التي كان للقرافي اتصالٌ بها، فمنها:
1- المدرسة الصَّاحِبية:
سميت بذلك نسبة لمنشئها الصاحب بن شُكْر (2) سنة 618هـ، جعلها وقْفاً على المالكية، وأجرى عليهم الأرزاق، وضم إليها مئات الكتب (3) . وقد نهل منها القرافي وغيره. قال عنها في كتابه " نفائس الفصول " (1/499) ((وهذه الفصول وجدتها في كتاب في الخزانة الصاحبية ... أسبع الله ظلالها)) .
2- المدرسة القَمْحِية:
شيدها صلاح الدين الأيوبي سنة 566هـ، وسميت بهذا لما كان يقسم على مدرسيها وطلابها من القمح الموقوف عليها.
وهي بجوار الجامع العتيق (جامع عمرو بن العاص) بمصر، وقد تولى القرافي التدريس بها حقبةً من الزمن (4) .
3- المدرسة الصالحية:
تنسب إلى مؤسسها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 641هـ. وقد تبوأت هذه المدرسة مكانة عالية في مصر، فقد كانت تُدرَّس فيها المذاهب الأربعة، واختير لها أفضل المشايخ، من بينهم الشهاب القرافي الذي تولَّى التدريس بها سنة 663هـ، ثم عزل، ثم أعيد، ثم ظلَّ يدرس فيها حتى مات رحمه الله (5) .
_________
(1) هو تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب المنفلوطي المالكي الشافعي، الشهير بابن دقيق العيد، حقق المذهبين، ولي قضاء الديار المصرية والتدريس، وله كتب نافعة مثل: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام
(ط) . توفي عام 702هـ. انظر: الديباج المذهب ص 411، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 6 / 2
(2) هو صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي بن الحسين الدميري، الشهر بالصاحب بن شكر، ولد سنة 540هـ وتفقه على مذهب مالك، استوزره الملك العادل الأيوبي. توفي سنة 622هـ. انظر: فوات الوفيات 2/193
(3) انظر: الخطط المقريزية 2 / 371، المنهل الصافي 1 / 277
(4) انظر: الخطط المقريزية 2 / 364، النجوم الزاهرة 5 / 385
(5) انظر الخطط المقريزية 2 / 374، المنهل الصافي 1 / 216، الدارس في تاريخ المدارس لعبد القادر النعيمي 1/316
(1/27)

4- المدرسة الطَّيْبَرْسِيَّة:
تقع بالقرب من الجامع الأزهر، تُنْسب إلى مؤسسها علاء الدين طَيْبَرس الخَازنْداري (1) وهيأها للدارسين سنة 680هـ، وتضم المدرسة قسماً للشافعية، وآخر للمالكية. وكان القرافي أول من درس فيها من المالكية (2) .
... وهناك مدارس أخرى كثيرة في حياة القرافي، لكن لم يذكر التاريخ لنا أنه باشر الدرس أو التدريس فيها. من هذه المدارس: المدرسة الظاهرية، والفارقانية، والسيوفية، والفائزية، والمنصورية، ومدرسة العادل، ومدرسة ابن رشيق. . إلخ (3)
... وبجانب هذه المدارس توجد الجوامع، كجامع عمرو بن العاص، وقد درَّس فيه القرافي، وأخذ عنه خلقٌ كثير (4) .
_________
(1) هو علاء الدين طَيْبَرس بن عبد الله الوزير، صهر الملك الظاهر، كان من أكابر الأمراء ومن أهل الحل والعقد، وكان دَيِّناً كثير الصدقات. توفي سنة 689هـ. انظر: البداية والنهاية 13/ 338
(2) انظر: الخطط المقريزية 2 / 383، الانتصار لواسطة عقد الأمصار 1 / 97، الوافي بالوفيات 6 / 233
(3) انظرها في: الخطط المقريزية 2 / 363 - 384، مساجد القاهرة ومدارسها لأحمد فكري 2 / 49 - 76
(4) انظر: الخطط المقريزية 2 / 383، الوافي بالوفيات 6 / 233
(1/28)

الفصل الثاني
حياة المؤلف
(1/29)

المبحث الأول
اسمه وكنيته ولقبه وشهرته وأصله
* اسمه: ... أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يَلِّيْن
* كنيته: ... أبو العباس.
* لقبه: ... شهاب الدين.
* شهرته: ... القرافي.
*وسبب هذه النسبة: ما ذكره بنفسه في كتابه العقد المنظوم في الخصوص والعموم (1 / 549) في الباب الثالث عشر حيث قال:
((
وهذا الباب يكون العموم فيه مستفاداً من النقل خاصة، وذلك هو أسماء القبائل التي هي أصل تلك الأسماء لأشخاص معينة من الآدميين، كتميم وهاشم. أو لماءٍ من المياه كغسَّان، أو لامرأةٍ كالقرافة، فإنها اسم لجدَّة القبيلة المسماة القرافة، نزلت هذه القبيلة بصِقْع من أصقاع مصر لما اختَطَّها عمرو بن العاص ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فعُرِف ذلك الصقع بالقرافة، وهو الكائن بين مصر وبركة الأشراف، والمسمى: بالقرافة الكبيرة. وأما سَفْح المقطَّم فمَدْفن، وسُمِّيَ بالقرافة للمجاورة تبعاً، ولذلك قيل له: القرافة الصغيرة)) .
ويؤكد القرافي أن شهرته بالقرافي لا تعود لكونه من سلالة هذه القبيلة، بل لسكناه بتلك البقعة حيث يقول: ((واشتهاري بالقرافي ليس لأجل أني من سلالة هذه القبيلة، بل للسكن بالبقعة الخاصة، فاتفق الاشتهار بذلك)) (1) .
* أصله: صرح القرافي بأصله في كتابه السالف الذكر إذْ قال: ((وإنما أنا من صُنْهَاجَة الكائنة في قُطْر مراكش بأرض المغرب)) . وصُنْهَاجة: بضم الصاد وفتحها بطن من البربر (2) ، وقيل: إنها قبيلة من حِمْير، وحمير من عرب اليمن (3) .
_________
(1) وانظر أقوالاً أخرى في سبب نسبته إلى القرافي في: الوافي بالوفيات 6 / 233، الديباج المذهب ص 129.
(2) انظر: نهاية الأرب في أنساب العرب للقلقشندي ص 317.
(3) انظر: الأنساب للسمعاني 3 / 590.
(1/30)

المبحث الثاني
مولده ونشأته
* تاريخ ولادته:
كانت ولادته ونشأته بمصر سنة 626هـ، كما صرح بذلك بنفسه في كتابه
" العقد المنظوم " (1 / 550) ، إذْ قال: ((ونشأتي ومولدي بمصر سنة ست وعشرين وستمائة)) (1) .
* مكان ولادته:
ولد في قرية " بُوش " من صعيد مصر الأسفل غربي النيل (2) ، وتعرف أيضاً
بـ" بَهْفَشَيْم " (3) من أعمال البَهَنْسَا، ولذلك عُرِف بالبَهْفَشِيمي البَهَنْسي (4) .
* نشأته:
لم تُنْبئنا كتب التاريخ شيئاً ذا بالٍ مما يتعلَّق بنشأة الشهاب القرافي، غير أنه ينحدر من أصولٍ مغربية من قبيلة صنهاجة. ولعلَّ نزوح أسرته إلى أرض مصر كان في عهد والده أو قبل ذلك بقليل. ومما يؤكد حداثة هذا النزوح ثبات حفظ القرافي لكثير من أسماء القبائل المغربية، مما يدل على قرب عهد أسرته بها (5) . كما أن والده كُني بأبي العُلَى، ونُعِت بالشيخ الأجلّ (6) ، مما يشير إلى أن والد القرافي رحل إلى مصر رحلة علمية حتى اكتسب هذا الإجلال والتعظيم.
_________
(1) وهكذا توارد النقل عنه في: كشف الظنون 2 / 1153، هدية العارفين 1 / 90.
(2) انظر: معجم البلدان للحموي 1 / 508، الوافي بالوفيات 6/233.
(3) هكذا في: الوافي بالوفيات 6 / 233، بينما في: المنهل الصافي 1 / 215 " بَهَبْشِيْم ".
(4) انظر: الديباج المذهب ص 128، حسن المحاضرة 1 / 316.
(5) منها: صنهاجة، وهنتاتة، وزناتة، ودكالة، وغمارة، ومغراوة، وهيجانة، وهشكورة، وكدميولة، وبرغواطة، وهزميزة، ولمطة، وهرعة، ورباح. . . وغيرها كثير. انظر: العقد المنظوم للقرافي 1 / 551.
(6) جاء في مقدمة كتاب ترتيب الفروق واختصارها لتلميذ القرافي أبي عبد الله محمد البقوري 1 / 19 ((وبعد: فإني لما وقفتُ على الفروق التي لشيخنا الأجل، الإمام الأفضل، العالم العَلَم المشارك شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ الأجل المرحوم أبي العُلَى إدريس القرافي. . .)) .
(1/31)

وكانت مصر معقل العلم وموئل العلماء، حتى قال ابن خلدون (1) : ((ونحن لهذا العهد، نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر)) (2) .
وكانت القاهرة تعجُّ بالمساجد والمدارس ودور العلم، وبهذا تهيأت للشهاب القرافي منذ نعومة أظفاره فرصة تلقي العلم. فقد ذكرت بعض كتب التراجم بأن القرافي كان طالباً بالمدرسة الصاحبية، وكان يُعطى له من ريع وَقْفها، وفي مرةٍ لم يكن حاضراً، فلم يُعْرف اسمه، فكتب الشخص المسؤول عن حصر الغياب ونحوه اسمه بأنه " القرافي "؛ لأنه كان يأتي من تلك الجهة (3) . فهذا يعني أنه كان طالباً في هذه المدرسة، وكانت تجري عليه أرزاقها.
ومما يُسجَّل في طَوْر النشأة العلمية للقرافي شدة ملازمته لشيخه الجليل العز بن
عبد السلام منذ وطئت قدماه أرض مصر عام 639 هـ، وكان القرافي وقتذاك في الثالثة عشرة من عمره، فقد لازمه حتى توفي شيخه رحمه الله عام 660 هـ.
_________
(1) هو: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، فيلسوف مؤرخ، عالم بالاجتماع، فقيه مالكي، رحل إلى عدة بلدان تولَّى القضاء في مصر وتوفي بها، من مؤلفاته: العبر وديوان المبتدأ والخبر. . . (تاريخ ابن خلدون) (ط) ، رسالة في المنطق، ملخص المحصول للرازي، وغيرها. ت 808 هـ. انظر: الابتهاج ص 17، الضوء اللامع 4 / 145.
(2) مقدمة ابن خلدون 3 / 1025.
(3) انظر: الوافي بالوفيات 6 / 233، المنهل الصافي 1 / 215، تاريخ الإسلام للذهبي ص 176.
(1/32)

المبحث الثالث
عقيدته ومذهبه الفقهي

أولاً: عقيدة القرافي:
من الآثار العلمية والفكرية السائدة في عصر القرافي على شخصيته اعتقاده في مسائل أصول الدين بعقيدة الأشاعرة (1) .
فإن انتشار هذا المذهب في ديار مصر بصورة واسعة تمَّ عندما كانت تحت سلطنة السلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، وقد كان صلاح الدين يحفظ هذه العقيدة في صباه، وهكذا كان قاضيه. فلذلك عقدوا الخناصر، وشَدُّوا البَنَان على المذهب الأشعري، وحَمَلوا في أيام دولتهم كافَّةَ الناس على التزامه. فتمادى الحال على ذلك جميعَ أيام الملوك من بني أيوب (2) .
ولقد أسهم القرافي - كغيره من العلماء - ببعض مصنفاته في شرح المذهب الأشعري الذي يعتقده ويؤمن به، فهو يشرح كتاب: " الأربعين في أصول الدين (3) " للفخر الرازي الذي هو من أكابر علماء الأشاعرة، ومن المنظِّرين لهذه العقيدة.
إن أشعرية القرافي تبدو واضحةً للعَيَان عند الاطلاع على كثير من كتبه، فمؤلفاته تنبيء بأنه أشعريٌ خالص متمسِّك بها، ويُسمِّي أهل مذهبه بأهل الحق (4) ، وبأهل السنة (5) .
ومن النصوص الصريحة في انتحال القرافي مذهب الأشاعرة ما يلي:
(1) قال في كتابه: نفائس الأصول (1/419) ((. . . وليس كما قال، لأنَّا
- أيها الأشاعرة - نجوِّز تكليف مالا يطاق. .)) .
_________
(1) انظر التعريف بها ص (28) من القسم التحقيقي.
(2) انظر: الخطط المقريزية 4/184 وما بعدها.
(3) انظر: مؤلفات القرافي في العقيدة ضمن مصنفاته ص (50) من القسم الدراسي.
(4) انظر على سبيل المثال: كتابه الاستغناء في أحكام الاستثناء ص 420، 612، شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 48، 72.
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 138.
(1/33)

(2) وقال في كتابه: شرح تنقيح الفصول ص (145) ((. . . لم يقل بالكلام النفسي إلا نحن، ولذلك تُصُوِّر - على مذهبنا - تعلُّقه بالأزل. . .)) .
(3) وقال في كتابه: الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة ص (65) ((. . . ولذلك عَدَلْتُ عن بيان سماع موسى عليه السلام لكلام الله تعالى، وهو قائم بذاته بغير حَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وهو مبسوط في كتبنا الكلامية، وقد ذكرته مستوعباً في: شرح الأربعين للإمام فخر الدين، فمن أراده نظره هناك)) .
(
4) وقال في كتابه: الذخيرة (13/244) - بعد أن أورد مَقُولَة الشافعي:
((لو وَجَدْتُ المتكلمين لضربتهم بالجريد)) - قال: ((قال لي بعض الشافعية - وهو مُتَعيِّن فيهم يومئذٍ - هذا يدل على أن مذهب الشافعي تحريم الاشتغال بأصول الدين. قلتُ له: ليس كذلك، فإن المتكلمين اليوم في عُرْفِنا إنما هم الأشعري وأصحابه، ولم يُدْرِكوا الشافعي ولا تلك الطبقة الأولى، وإنما كان في زمان الشافعي عَمْرو بن عُبيد وغيره من المعتزلة المبتدعة أهل الضلالة، ولو وجدناهم نحن ضربناهم بالسيف فضلاً عن الجريد، فكلامه (أي الشافعي) ذَمٌّ لأولئك لا لأصحابنا. وأما أصحابنا القائمون بحجة الله، والناصرون لدين الله، فينبغي أن يُعظَّموا ولا يُهْتَضَموا؛ لأنهم القائمون بفرض كفايةٍ عن الأمة. . .)) .
ومع كون القرافي على مذهب الأشاعرة إلا أن ذلك لم يَحْمِله على التعصب وبَطَر الحق، فقد كان يتخلَّى عن مذهب قومه، ويُنْصف خصمه إذا كانوا على الحق.
يدلُّ على ذلك: اختياره ما يخالف مذهب الأشاعرة والجمهور في مسألة تحريم الشارع واحداً لا بعينه، واختيار أنه لا يمكن تحريم واحدٍ لا بعينه، وقال: ((والحق في هذا ما نسبه (أي الآمدي) للمعتزلة لا ما نسبه لأصحابنا)) (1) .
وما دام الحديث هنا عن عقيدة القرافي فمن إحقاق الحق أن نُشِيد بموقفه الباسل، وجهاده النبيل، النابع من إيمانه الراسخ بدين الإسلام عقيدةً وشريعةً ضِدَّ شبهات اليهود والنصارى ومفترياتهم. فلقد انْبَرَى لهم القرافي - وقد كانوا كُثُراً في عصره - يزيَّف معتقداتهم الباطلة، ويُفَنِّد طعونهم المسمومة في الإسلام وأهله. وفي هذا الصدد
_________
(1) انظر: نفائس الأصول 1/271 - 274، الفروق 2/8.
(1/34)

ألف كتابه الرائع: " الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة " (1) في الرد على اليهود والنصارى. فرَحْمةُ الله عليه رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
ثانياً: مذهبه الفقهي:
... لا يساور أحداً الشكُّ بأن الشهاب القرافي مالكيُّ المذهب، بل زعيم المالكية في عصره بإجماع من تَرْجَم له. وإليك عَرْضَ الدلائل القاطعة بمالِكِيَّتِهِ:
(1) قال في أول كتابه الذخيرة (1/34 - 36) ((أما بعد: فإن الفقه عماد الحق، ونظام الخلق، ووسيلة السعادة الأبدية، ولباب الرسالة المحمدية، مَنْ تحلَّى بلباسه فقد ساد، ومن بالغ في ضبط معالمه فقد شاد. ومن أجَلِّه تحقيقاً، وأقْربِه إلى الحق طريقاً: مذهبُ إمام دار الهجرة النبوية، واختياراتُ آرائه المرضيَّة. لأمور - ثم ساقها
وقال -: ولمَّا وهبني الله من فضله أن جعلني من حَمَلة طلبته، الكاتبين في صحيفته، تعينَّ علَيَّ القيامُ بحقه بحسب الإمكان، واستفراغ الجهد في مكافأة الإحسان. . . ثم قال: وقد آثرْتُ أن أجمع بين الكتب الخمسة التي عكف عليها المالكيون شرقاً وغرباً، حتى لا يفوت أحداً من الناس مطلب، ولا يعوزه أرب. . .)) .
- وقال أيضاً في الذخيرة (1/39) ((وبنيت مذهب مالك رحمه الله في أصول الفقه ليظهر عُلوُّ شرفه في اختياره في الأصول كما ظهر في الفروع. . .)) .
(2) وقع من القرافي في مواطن كثيرة من كتبه أنه إذا أراد حكاية قولٍ من علماء المالكية ولا سيما الباقلاني أن يُعقَّب بقوله: " مناَّ " (2) أو " من أصحابنا " (3) ، كما أنه إذا أراد الاستدلال لرأي المالكية عَبَّر بقوله: " لنا " (4) أي: معشر المالكية، وهكذا.
(
3) نصَّ القرافي بنفسه على اعتزائه إلى المذهب المالكي في مقدمات بعض كتبه، منها: كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء ص (85) ، قال: ((يقول العبد الفقير إلى مغفرة ربه أحمد بن إدريس المالكي عفا الله عنه. . .)) وتكررت نفس العبارة بحروفها تقريباً في مقدمة كتابه: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام. . . ص (30) .
_________
(1) انظره ضمن مؤلفاته ص 49.
(2) انظر: القسم التحقيقي، الصفحات: 4، 42، 223.
(3) انظر: القسم التحقيقي، الصفحات: 5، 55، 341.
(4) انظر: القسم التحقيقي، الصفحات: 24، 32، 499.
(1/35)

وفي مقدمة كتابه: الأمنية في إدراك النية ص (3) قال: ((أما بعد: فيقول الشيخ الفقيه الإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي. . .)) ولا شك بأن عبارات الثناء التي سبقت اسمه ليست من عنده، بل من زيادة النسَّاخ.
(4) أجمع كل من ترجم له بأنه ينتسب إلى المذهب المالكي، ولهذا جاءت ترجمته في كتب طبقات المالكية (1) دون طبقات المذاهب الأخرى.
هذه الدلائل كافية تماماً لإثبات مذهبه الفقهي، فلا حاجة لجلب النصوص والاستدلال على ما هو مشهور ثابت بالإجماع.
وبالرغم من كونه على المذهب المالكي لم يجْرِمنَّه شنآن قوم على ألاَّ يعدل مع المخالفين لمذهبه بل لم يظلّ متعصباً لمالكيته على حساب الحق الذي يدين به.
بل إنك تلمس في هذا الرجل المنصف محاربته السافرة للجامدين المتعصِّبين ولو كانوا من ذوي قرباه في المذهب. فعندما تعرَّض لما نقله عن " المدونة " من أن القائل لامرأته: أنت عليَّ حرام، أو أنت خَلِيَّة، أو وهبتك لأهلك، أنها تطلق منه بالثلاث، ولا تنفعه النية أنه أراد أقلّ من الثلاث (2) ناقش هذه المسألة ولم يرضها، وقال:
((
فهذه الأحكام حينئذٍ بلا مستندٍ، والفتيا بغير مستند باطلةٌ إجماعاً، وحرامٌ على قائلها ومعتقدها - ثم قال - لكن أكثر الأصحاب وأهل العصر لا يساعدون على هذا وينكرونه. وأعتقد أن ما هم عليه خلاف إجماع الأئمة، وهذا الكلام واضحٌ لمن تأمَّله بعقل سليمٍ، وحُسْن نظرٍ سالمٍ من تعصبات المذاهب التي لا تليق بأخلاق المتقين لله
تعالى)) (3) .
ولهذا لا غرو أن حرص القرافي رحمه الله في موسوعته الفقهية " الذخيرة " على بيان مذاهب الفقهاء عامةً والأئمة الثلاثة خاصةً بجانب مذهب الإمام مالك رحمه الله.
_________
(1) كالديباج المذهب ص 128 - 130، شجرة النور الزكية 1/188 - 189، الفكر السامي للحجوي
2 / 273.
(2) انظر: المدونة 5 / 393، 397، وانظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ص 222 وما بعدها.
(3) انظر: الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام ص 225.
(1/36)

قال في مقدمة الذخيرة (1/35) ((وقد آثرت التنبيه على مذاهب المخالفين لنا من الأئمة الثلاثة، ومآخذهم في كثير من المسائل؛ تكميلاً للفائدة، ومزيداً في الاطلاع، فإن الحق ليس محصوراً في جهةٍ، فيعلم الفقيه أي المذهبين أقرب للتقوى، وأعلق بالسبب
الأقوى ... )) .
ومن الدلائل المشيرة إلى إنصافِهِ وتجرُّدِهِ للحق ما يلي:
(1) جاء في الفروق (1/12) قوله ((وهنا سؤالان مشكلان على المالكية. . .)) . وفي موضع آخر من الفروق (3 / 171) قال: ((وهذا موضع مشكل على
أصحابنا)) .
(2) بعد مناقشته لمسألة بيع الطعام قبل قبضه قال في الفروق (1/193)
((فبقيت المسألة مشكلة علينا، ويظهر أن الصواب مع الشافعي)) .
(3) قال في كتابه: الاستغناء في أحكام الاستثناء ص (620) ((ولا ينبغي أن ينازعهم (يقصد الشافعية) أصحابنا في هذا؛ فإنه على القواعد)) .
وأخيراً الإمام القرافي رغم وصوله منزلةً علميةً رفيعةً نجده لا يتردد في الاعتراف بعجزه عن ضبط مسألةٍ ما، وهذا في الحقيقة من كمال تواضعه وتجرده، فمثلاً:
لمَّا تأمَّل تعريفه للرخصة في " تنقيح الفصول " قال: ((والذي تقرر عليه حالي في شرح المحصول، وها هنا، أني عاجز عن ضبط الرخصة بحدٍّ جامعٍ مانعٍ، أما جزئيات الرخصة من غير تحديدٍ فلا عُسْر فيه، إنما الصعوبة في الحدِّ على ذلك الوجه)) (1) .
وهكذا إذا أخطأ القرافي وتبيَّن له وجه الصواب، لا يستنكف أن يرجع
عن خطائه. قال في شرح تنقيح الفصول ص (43) ((وقولي في الكتاب (يعني المتن) : الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه. صوابه: اللفظة المستعملة أو اللفظ
المستعمل. . .)) .
رحمة الله على الإمام القرافي، وعلى علماء الأمة أجمعين. آمين.
_________
(1) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 87، نفائس الأصول 1 / 331 - 336.
(1/37)

المبحث الرابع
شيوخه
ربما كان من المتعذِّر حصر المشايخ الذين أخذ عنهم القرافي، فقد قيَّض الله له علماء أجلاء، وسأذكر أبرزهم، فمنهم:
1- أبو عمرو جمال الدين عثمان بن عمرو بن أبي بكر بن يونس المالكي المعروف بابن الحاجب (1) .
كان وقَّاد الذهن، متقناً لمذهب مالك، بارعاً في الأصول والفقه والعربية. صنَّف مختصرات طبَّقتْ شهرتها الآفاق منها: المختصر الفقهي: جامع الأمهات (ط) ، والمختصر الأصولي: منتهي السول ومختصره (ط) ، الكافية في النحو (ط) ، والشافية في الصرف (ط) توفي سنة 646هـ.
ذكر القرافي شيخه ابن الحاجب في كتابه الفروق (1 / 64) فقال:
((وقد وقع هذا البيت لشيخنا الإمام الصدر العالم، جمال الفضلاء، رئيس زمانه في العلوم، أو سيِّد وقته في التحصيل والفهوم: جمال الدين الشيخ أبي عمرو بأرض الشام، وأفتى فيه وتفنن، وأبدع فيه ونوَّع رحمه الله وقدَّس روحه الكريمة. . .)) .
2- شمس الدين عبد الحميد بن عَمَوَيْه بن يونس الخُسْرَوْشَاهي الشافعي (2) .
كان فقيهاً أصولياً متكلماً محققاً بارعاً في المعقولات، قرأ على الإمام الرازي، وأكثر من الأخذ عنه. صنَّف: مختصر المهذب للشيرازي، مختصر المقالات لابن سينا، توفي
سنة 652هـ.
ذكره القرافي في " شرح تنقيح الفصول " ص (33) (المطبوع) عند الكلام عن تحرير الفرق بين عَلَم الجنس وعَلَم الشخص واسم الجنس، فقال: ((وكان الخسروشاهي يقرره، ولم أسمعه من أحدٍ إلا منه، وكان يقول: ما في البلاد المصرية من يعرفه. . .)) (3) .
وكذلك ذكر في نفائس الأصول (2 / 704) بأنه قرأ المحصول وضبطه عليه.
_________
(1) انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 3 / 248، الديباج المذهب ص 189
(2) انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى 5 / 60
(3) وانظر: نفائس الأصول 2 / 601.
(1/38)

3 - أبو محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المُنْذِري (1) .
ولد بمصر عام 581هـ وطلب الحديث، فرحل من أجله إلى مكة والمدينة ودمشق وبيت المقدس، حتى صار أحد الحفاظ المشهورين، وتولى مشيخة دار الحديث
الكاملية، وبقي فيها حتى توفي عام 656هـ.
من مصنفاته: الترغيب والترهيب (ط) ، مختصر صحيح مسلم (ط) .
أخذ عنه خلق كثير منهم: العز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد، وقد أشار إليه القرافي في كتابه " الفروق " (2 / 191) .
4- عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم السُّلَمي الشافعي (2)
الملقَّب بسلطان العلماء، توفي سنة 660هـ.
أخذ القرافي عنه كثيراً، وكان شديد الإعجاب به، فها هو يقول عنه في
" الفروق " (2 / 157) ((ولم أر أحداً حرَّره هذا التحرير إلا الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله وقدَّس روحه، فلقد كان شديد التحرير لمواضع كثيرة في الشريعة معقولها ومنقولها، وكان يُفْتح عليه بأشياء لا توجد لغيره رحمه الله تعالى. . .)) .
وقال في موضع آخر من كتابه " الفروق " (4 / 251) ((لقد حضرت يوماً عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكان من أعيان العلماء، وأولي الجِدِّ في الدين، والقيام بمصالح المسلمين خاصةً وعامةً، والثبات على الكتاب والسنة، غير مُكْترثٍ بالملوك فضلاً عن غيرهم، لا تأخذه في الله لومة لائم. . .)) .
5- شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن شرف الدين المقدسي الحنبلي (3)
ولد بدمشق، ثم رحل إلى بغداد وتفقه فيها، واستقر بمصر، ودرس في المدرسة الصالحية، وتولى القضاء فيها، وكان يُعْتبر شيخ الحنابلة في مصر، توفي سنة 676 هـ ودفن بالقرافة الصغرى.
_________
(1) انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى 5 / 108، سير أعلام النبلاء 23 / 319.
(2) انظر: ترجمته في القسم التحقيقي ص 449.
(3) انظر: شذرات الذهب 5 / 353.
(1/39)

أخذ القرافي عنه كما جاء في " الديباج المذهب " ص (128) ، وسمع عليه
كتابه: وصول ثواب القرآن.
6- شمس الدين محمد بن عمران بن موسى المعروف بالشريف الكَرْكِي (1)
ولد بفاس، ثم قدم مصر، وكان صاحب علوم كثيرة، وكان شيخاً للمالكية والشافعية بالديار المصرية والشامية، قدم من المغرب بمذهب مالك، وصحب العز بن
عبد السلام وأخذ عنه الفقه الشافعي، توفي سنة 688هـ.
قال القرافي عنه: ((إنه تفرد بمعرفته ثلاثين عِلْماً وحده، وشارك الناس في
علومهم)) (2) .
_________
(1) انظر ترجمته في: الديباج المذهب ص 416، بغية الوعاة 1 / 202.
(2) انظر: الديباج المذهب ص 416.
(1/40)

المبحث الخامس
تلاميذه
لقد أصبح القرافي عَلَماً بارزاً من الأعلام المشار إليهم بالبنان، وقد أفاد منه كثيرٌ من الطلبة والمشتغلين عليه، وقد عُهِد إليه بالتدريس في بعض مدارس مصر الشهيرة، وبجامع عمرو بن العاص. ولا شك أن خلقاً كثيراً قد أخذوا عن الإمام القرافي، فمِنْ أبرز تلاميذه:
1 - عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف العَلاَمي الشافعي، المشهور بابن بنت الأعز (1)
كان فقهياً نحوياً ديِّنياً فصيحاً، وكان من أحسن القضاة سيرة، ولي خطابة الأزهر، والتدريس بالمدرسة الشريفية. قرأ على القرافي الأصول وتعليقة القرافي على المنتخب التي صنعها لأجله. توفي سنة 665هـ.
2 - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد البَقُّوري (2)
أخذ عن الإمام القرافي وغيره، واختصر كتابه " الفروق " وهَذَّبه ورتَّبه وسماه:
" ترتيب الفروق واختصارها " (ط) . توفي سنة 707هـ.
3 - صدر الدين أبو زكريا يحيى بن علي بن تمام السُّبْكي (3) .
برع في الفقه والأصول، وقرأ الأصول على الإمام القرافي، وسمع الحديث من غيره، تولي قضاء بعض البلاد المصرية، ثم درَّس بالمدرسة السيفية بالقاهرة حتى وفاته سنة 725هـ.
4 - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الولي بن جبارة المِرْدَاوي المقدسي الحنبلي (4)
كان أصولياً مقرئاً نحوياً فقيهاً بمذاهب الحنابلة زاهداً ديِّناً، انتهت إليه مشيخة بيت المقدس. قرأ الأصول على القرافي، ألَّف شرحاً كبيراً للشاطبية وغيره. توفي ببيت المقدس سنة 728هـ.
_________
(1) انظر: طبقات الشافعية الكبرى 8 / 172، فوات الوفيات 2 / 279.
(2) انظر: الديباج المذهب ص 410، شجرة النور الزكية 1 / 211.
(3) انظر: طبقات الشافعية الكبرى 10 / 391.
(4) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء 1 / 122، شذرات الذهب 3 / 87.
(1/41)

5 - زين الدين أبو محمد عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الشافعي (1)
كان رجلاً صالحاً زاهداً ذاكراً، ولي قضاء بعض البلاد المصرية، وكان من أعيان نوَّاب ابن دقيق العيد.
قرأ الأصول على الشهاب القرافي، وحدَّث بالقاهرة والمحلَّة ومكة والمدينة. توفي سنة 735هـ.
6- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن راشد القَفْصي (2) .
نزل بتونس، ثم رحل إلى الاسكندرية، ثم القاهرة، ولقي القرافي بها، ولازمه وانتفع به، وأجازه الإمام القرافي بالإمامة والأصول والفقه، كان فقيهاً فاضلاً متفنناً في العلوم، حج سنة 680هـ، وعاد إلى المغرب بعلمٍ جَمٍّ، ولي قضاء قَفْصة ثم عزل. توفي سنة 736هـ. من تآليفه: تحفة اللبيب في اختصار كتاب ابن الخطيب، تحفة الواصل في شرح الحاصل، المذهب في ضبط قواعد المذهب، وغيرها.
7 - محمد بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن عدلان الكِنَاني الشافعي (3) .
كان إماماً يُضرب به المثل في الفقه، عارفاً بالأصلين والنحو والقراءات، ذكياً نظاراً فصيحاً سليم الصدر، كثير المروءة، درَّس بأماكن كثيرة، أخذ الأصول عن الإمام القرافي. توفي سنة 749 هـ.
_________
(1) انظر: طبقات الشافعية الكبرى 10 / 89، الدرر الكامنة لابن حجر 3 / 197.
(2) انظر: الديباج المذهب ص 417، شجرة النور الزكية 1 / 207.
(3) انظر: طبقات الشافعية الكبرى 9 / 97، شذرات الذهب 3 / 164.
(1/42)

المبحث السادس
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
* مكانته العلمية:
مما لا ريب فيه أن القرافي تبوأ منزلة عالية، واعتبر من أكابر علماء عصره، قد شهد له بذلك معاصروه، ومن تلوه ممن قرأوا كتبه.
لقد أظهرت مصنفاته العديدة المتنوعة سمّو مكانته، وعلّو درجته في كثير من ميادين العلوم والفنون التي خاضها ودرسها.
فهو المتكلم الضليع، والمنطيق البارع، له دراية فائقة بعلم العقائد والتوحيد، وهو منافح صِنْديد عن عقيدة الإسلام وشريعته ضد شبهات اليهود والنصارى وأهل الزيغ والضلال (1) .
وهو المفسِّر المتمكِّن، له أقوال مبثوثة في مصنفاته (2) ،
ونقل عنه بعض المفسرين في تفاسيرهم (3) .
وهو لغويٌ كبير، أحاط بكثير من دقائق اللغة، وسبر غورها، وفهم سِرَّها. وتحريراتهُ ومصنفاتهُ تشهد له بذلك (4) .
وهو فقيهٌ متبحِّر، ومدقِّق متفرد، حسبك بموسوعته الفقهية الزاخرة " الذخيرة " فهي من أشهر كتب الفقه المالكي بل الفقه الإسلامي عامَّةً، وناهيك بكتابه الفذ
" الفروق " الذي يعتبر من أعظم مبتكراته الفريدة في علم القواعد الفقهية.
وهو أصوليٌ نظَّار نحرير، عقليته الأصولية بارعة قوية، ويكفيك برهاناً على إبداعاته الأصولية تصدِّيه لشرح أجلِّ كتب الأصول وهو " المحصول " للرازي. فقد أودع القرافي دُرَره ونفائسه في كتابه الموسوعي " نفائس الأصول في شرح المحصول ".
_________
(1) انظر: ما ألفه من كتب في علم العقائد وأصول الدين ضمن مؤلفاته: ص 49 - 50.
(2) أشار الصفدي في: الوافي بالوفيات (6 / 234) بأن للقرافي مصنَّفاً في تفسير الآية (8) من سورة

الأنبياء. وكتابه: " الاستغناء في أحكام الاستثناء " حافل بالعديد من تفسيراته للآيات. انظر: ص 240، 310، 401، 458، 517، 638.
(3) انظر على سبيل المثال: تفسير ابن جزي الكلبي المسمى: التسهيل لعلوم التنزيل 1 / 305، روح المعاني للألوسي 13 / 322.
(4) انظر: مصنفاته في اللغة ضمن مؤلفاته: ص 57، 58.
(1/43)

وبجانب إمامة القرافي في العلوم النقلية والعقلية الشرعية، كانت له معرفة ثاقبة ببعض العلوم التجريبية، ومشاركاته في هذا المضمار تُعْلن عن تبحُّره وتفنُّنه.
فله اطلاع واسع بالطب، فها هو يقول في " نفائس الأصول " (6 / 2602) بأن الترياق (1) نافع إلا إذا استعمله الممتلئ، أو صغير السن، أو أُخذ منه مقدار كبير، فإنه يقتل. وقال في النفائس (1 / 459) عن " ماء الهِنْدِباء " (2) : إنها تفتح سَدَد الكبد. وقال عن الَبَقْلة الحمقاء (3) المسماة بالرِّجْلة بأن عادة الأطباء يصفون بَزْرَها لتسكين العطش (4) .
وقد استعمل الحساب والجبر والمقابلة في باب " الفرائض " من كتابه
" الذخيرة " (5) وهو أمر لم يُسْبق إليه من قَبْلُ في كتب المالكيين. كما له تصنيف في الرياضيات (6) .
وتحدث عن علم الفلك والمواقيت حديث العالم الخبير، فبيَّن ما يشتمل عليه من العروض والأطوال والقطب والكوكب والشمس والرياح، وذلك عند الكلام على تحديد القبلة للمصلِّي في كتابه: " الذخيرة " (7) .
_________
(1) التِرْياق: ما يستعمل لدفع السُم من الأدوية والمعاجين، قيل: مأخوذ من ريق الحيات. انظر لسان العرب، المصباح المنير كلاهما مادة " ترق ".
(2) الهِنْدباء: نبات بري معمّر، زهوره زرقاء، سماه بعضهم: صديق الكبد، يصنع منه شراب، وهو فاتح للشهية، ومفرِّغ للصفراء، ومنقٍّ للدم وغير ذلك. انظر معجم الأعشاب والنباتات الطبية د. حسان قُبيْسي ص 326.
(3) البقلة الحمقاء: هي نبتة عشبية لَحمْية من فصيلة " الرجْلياَت " تسمى في لبنان: فرفحين، وتسمى: فَرفْخ، وتسمى في مصر والحجاز: رِجْلة. سميت بالحمقاء؛ لأنها تنبت في مسيل الماء فإذا جاء السيل ذهب بها. إذا خلط بزرها بالخل فإنه يصبر على العطش طويلاً، ولهذا يستصحبها المسافرون معهم. انظر: قاموس الغذاء والتداوي بالنبات لأحمد قدامة ص 80.
(4) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 8، وانظر ما قاله عن " السَّكَنْجَبِين " وأنه نافع للصفراء
ص (13) من المرجع السابق.
(5) انظر: الذخيرة 1 / 39، 13 / 91.
(6) وهو: ((المناظر في الرياضيات)) . انظره ضمن مؤلفاته: ص 59.
(7) انظر: الذخيرة 2 / 13، 125، وللقرافي كتاب " اليواقيت في علم المواقيت " انظر: ص 56 القسم الدراسي.
(1/44)

كما له معرفة بعلم الفيزياء يدلُّ عليها تفسيره للصوت وكيفية خروجه، فهو يقرِّر: بأن الصوت عبارة عن هواء خارج عبر مَجَارٍ هندسية دقيقة ذات تجويفات مُحْكمة، وليس شرطاً أن يصدر هذا الصوت عن حيٍّ، بل قد يصدر عن جماد (1) .
وفي الضوء أسهم بكتاب فريد مفيد فيه، وهو: " الاستبصار فيما تدركه
الأبصار " شرح فيه صفة الإبصار وانعكاس الصور، وتشريع العين، وخداع البصر (2) .
... كما كان للقرافي مهارة صناعية عجيبة، وقدرة اختراعية بديعة (3) ، فقد ابتكر صناعة آلات وتماثيل على هيئة إنسان أو حيوان، قال في " نفائس الأصول "
(
1 / 441) : ((وكذلك بلغني أن الملك الكامل (4) وُضِع له شَمْعدان (5) ، كلما مضى من الليل ساعة انفتح باب منه، وخرج منه شخص يقف في خدمة السلطان، فإذا انقضتْ عشر ساعات، طَلَع شخص على أعلى الشمعدان، وقال: صبَّح الله السلطان بالسعادة، فيعلم أن الفجر قد طلع. وعَمِلْتُ أنا هذا الشمعدان، وزِدْتُ فيه أن الشمعة يتغيَّر لونها في كل ساعة، وفيه أسَدٌ تتغيَّر عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد، ثم إلى الحُمْرة الشديدة، في كلِّ ساعةٍ لهما لون، فيُعْرف التنبيه في كل ساعةٍ، وتسقط حصاتان من طائرين، ويدخل شخص، ويخرج شخص غيره، ويُغْلق بابٌ ويُفتح باب، وإذا طلع الفجر طلع شخص على أعلى الشمعدان وأصبعه في أذنه يشير إلى الأذان، غير أني عجزْتُ عن صنعة الكلام. وصنعْتُ صورة حيوانٍ يمشي ويلتفت يميناً وشمالاً، ويُصفِّر، ولا يتكلم)) (6) .
_________
(1) انظر: باب اللغات في كتابه: نفائس الأصول 1 / 440 - 441
(2) انظره ضمن مؤلفاته: ص 59.
(3) انظر مقالاً طريفاً عنوانه: " علماء فنانون: الإمام القرافي " للأستاذ / عبد المجيد وافي، في مجلة الوعي الإسلامي - وزارة أوقاف الكويت عدد (40) السنة الرابعة، عام 1388 هـ، ص 54 - 59.
(4) هو أبو المعالي الملك الكامل محمد بن الملك العادل محمد بن أيوب من سلاطين الدولة الأيوبية ولد سنة 576هـ كان عارفاً بالأدب، وسمع الحديث ورواه، حكم سنة 615هـ حتى وفاته سنة 635هـ. انظر الوافي بالوفيات 1 / 193.
(5) الشَّمْعدان: هو عمود طويل له مراكز يوضع عليها الشمع للإنارة. انظر: المعجم الوسيط مادة " شمع ".
(6) معلوم من الشريعة حرمة صنعة التماثيل، ولكن لسنا ندري كيفية هذه التماثيل وهيئاتها، والظن بالقرافي امتناعه عن صناعة المُحرَّم. ويظهر لي أن صناعته هذه كانت في الصبا قبل بلوغه السنة التاسعة من عمره؛ لأن وفاة الملك كانت سنة 635هـ، وولادة القرافي كانت سنة 626هـ. فانظر - يالبيب - بماذا كان يشتغل أشبال المسلمين بالأمس وقارنه بترهات شبابنا اليوم!!
(1/45)

فلا عجب بعد هذا كله أن دعا القرافي إلى تعلم العلوم المساعدة للشريعة من حساب وهندسة وفلك وطب وفيزياء وكيمياء وغيرها. فها هو يقول في كتابه
" الفروق " (4 / 11) : ((وكم يخفي على الفقيه والحاكم الحق في المسائل الكثيرة بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة، فينبغي لذوي الهمم العليَّة ألا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم.
ولم أرَ في عُيوبِ الناسِ عَيْباً ... كنَقْصِ القَادِرين على التَّمَامِ)) (1)
* ثناء العلماء عليه:
... بعد الاطلاع على مكانته العلمية السامقة ومنزلته الرفيعة الشاهقة، ماذا عسى أهل العلم أن يقولوا فيه؟
... إليك بعض ما قيل فيه رحمه الله تعالى (2) :
... الإمام، العالم، الفقيه، الأصولي، العلامة الفهامة، وحيد دهره، وفريد عصره، نسيج وحده، وثمر سعده، شيخ الشيوخ، وعمدة أهل التحقيق والرسوخ، ذو العقل الوافي، والذهن الصافي، الشهاب القرافي.
الإمام الحافظ، والبحر اللافظ، المفوَّه المنطيق، الآخذ بأنواع الترصيع والتطبيق، كان حسن السمت والشكل، وكان مُحْرِزاً قَصَب السَّبْق، جامعاً للفنون، وكان مُرْتَحل العلماء من الأصقاع النائية.
كان إماماً بارعاً في الفقه، والأصول، والعلوم العقلية، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك، دلَّتْ مصنفاته على غزارة فوائده، وأعربتْ عن حسن مقاصده، جمع فأوعى، وفاق أضرابَه جِنْساً ونوعاً.
... كان أحسن مَنْ ألقى الدروس، وحلَّى مِنْ بديع كلامِه نُحوْرَ الطروس، إن عَرَضتْ حادثة فَبِحُسْن توضيحه تزول، وبعَزْمته تحول، فَلِفَقْده لسانُ الحال يقول:
_________
(1) البيت من بحر الوافر، وهو لأبي الطيب المتنبي. انظر: شرح ديوان المتنبي للبرقوقي 4 / 27.
(2) انظر: محصل هذه النعوت والأوصاف في: الديباج المذهب ص 128، نيل الابتهاج بتطريز الديباج للتنكتي ص 325، شجرة النور الزكية 1 / 188.
(1/46)

حَلَفَ الزمانُ ليأتينَّ بمثلِهِ ... حَنِثَتْ يمينُك يا زمانُ فكَفِّرِ (1)
- قال الطوفي (2) فيه: ((الشيخ الإمام الأوحد)) (3) .
- وقال الحافظ الذهبي (4) فيه: ((العالم الشهير، الأصولي. . . كان إماماً في أصول الدين، وأصول الفقه، عالماً بمذهب مالك، وبالتفسير، وعلوم أخر. . . وصنَّف في أصول الفقه الكتب المفيدة الكثيرة، واستفاد منه الفقهاء)) (5) .
- وقال ابن السبكي (6) فيه: ((أستاذ زمانه في المنطق والعقليات بأسرها)) (7) .
- وقال الحافظ العلائي (8) فيه: ((كان يجري بينه وبين العلامة شمس الدين
_________
(1) لم أتعرَّف على قائله. لكنه يتكرَّر وروده في كتب التراجم والتواريخ، مبالغةً في مَدْح العَلَم المترجَم له.

ولهذا قيل هذا البيت في: أبي بكر بن عمر الطريني (ت 827 هـ) ، انظر: المستطرف في كل فنٍّ مستظرف للأبشيهمي 1 / 320.
وقيل أيضاً في: ابن مرزوق الحفيد (ت 842 هـ) ، انظر: نفح الطيب للمقري التلمساني 5 / 423.
(2) هو نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد القوي الطوفي البغدادي الحنبلي. كان قوي الحافظة والذكاء، شارك في علوم كثيرة، منها: اللغة والتفسير والأصول والعقيدة. له مؤلفات كثيرة، منها: شرح مختصر الروضة (ط) ، الانتصارات الإسلامية في دفع شبه النصرانية (ط) وغيرها، ت 716 هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2 / 366.
(3) شرح مختصر الروضة 1 / 104.
(4) هو: الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الشافعي، اشتهر في علوم الحديث والتاريخ، له تصانيف نافعة كثيرة، منها: تاريخ الإسلام (ط) ، سير أعلام النبلاء (ط) ، ميزان الاعتدال (ط) وغيرها، ت 748 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى 9 / 100.
(5) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث وفيات 681 - 690 هـ) ص 176.
(6) هو: تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي، تتلمذ على أبيه تقي الدين السبكي، ولزم الذهبي، وله مشاركة في التاريخ والأصول والفقه والأدب وغير ذلك. له مصنفات مفيدة منها: طبقات الشافعية الكبرى (ط) ، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (ط) ، الأشباه والنظائر (ط) وغيرها. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر 2 / 425.
(7) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب 3 / 82.
(8) هو: صلاح الدين خليل بن كَيْكَلدي العلائي الشافعي إمام في الأصول والحديث والفقه، أخذ عن ابن الزملكاني وغيره. له مؤلفات نافعة منها: تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم (ط) ، تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال (ط) وغيرها. ت 761 هـ. انظر: الدرر الكامنة 2 / 179.
(1/47)

الأصفهاني (1) الأصولي (صاحب الكاشف على المحصول) مباحث كثيرة ويسيء عليه الأصفهاني الأدب، ويستطيل عليه كثيراً، وهو يحتمله. وجماعة من الفضلاء يرجحون الأصفهاني عليه في التحقيق، ولكن الشيخ شهاب الدين القرافي أعرف بتخريج المسائل الفقهية على قواعد الأصول، وأشهر بمعرفة القواعد الكلية، وأكثر فوائد، وله في تصانيفه نكت حسان لا توجد لغيره، ومطالعة كتبه مفيدة جداً، وله مشاركة قوية في الطب والعربية، وله نظم ونثر جيدان)) (2) .
- قال رئيس القضاة تقي الدين بن شكر (3) : ((أجمع الشافعية والمالكية على أن أفضل أهل عصرنا بالديار المصرية ثلاثةٌ: القرافي بمصر القديمة، والشيخ ناصر الدين ابن المنيرِّ (4) بالأسكندرية، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد بالقاهرة. . .)) (5) .
- وقال ابن دقيق العيد - لما مات القرافي - ((مات من كان يُرجع إليه في علم
الأصول)) (6) .
- ولا غرو بعد ذلك أن عَدَّه السيوطي (7) في حسن المحاضره (1 / 316) مجتهداً مطلقاً.
_________
(1) هو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمود العِجلي الأصفهاني الشافعي، رحل من أصفهان إلى بغداد واستقر في القاهرة، ولي قضاء قوص والكرك، وبقي مدرساً في القاهرة حتى مات سنة 688 هـ. كان إماماً في المنطق والكلام والأصول والجدل. من مؤلفاته: الكاشف عن المحصول (ط) . انظر: طبقات الشافعية الكبرى 8 / 100.
(2) نقلاً عن ترجمة العلائي للقرافي المثبتة في افتتاحية النسخة الخطية الأزهرية (هـ) لكتاب شرح تنقيح الفصول انظر: ص (244) القسم الدراسي.
(3) لم أقف على ترجمته.
(4) هو: ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور الجذامي الإسكندري المالكي المعروف بابن المنيِّر، ولي قضاء الإسكندرية وخطابتها. له كتاب: الانتصاف من الكشَّاف (ط) علَّق على اعتزاليات الزمخشري.
ت 683 هـ. انظر: الديباج المذهب ص 132.
(5) انظر: الديباج المذهب ص 129.
(6) انظر: المرجع المذكور في هامش (2) من هذه الصفحة.
(7) هو: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي، فقيه أصولي نحوي متكلم مفسِّر، له مؤلفات كثيرة جداً منها: الدر المنثور (ط) ، الإتقان في علوم القرآن (ط) ، الأشباه والنظائر (ط) ، الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع (ط) ، وغيرها. ت 911 هـ. انظر: شذرات الذهب 8 / 51.
(1/48)

المبحث السابع
مصنفاته
مصنفات القرافي ومؤلفاته شاهدة له بالبراعة والفضل واليراعة (1) . وقد دلَّتْ هذه المصنفات على غزارة فوائده، وأعربتْ عن حسن مقاصده، جمع فأوعى، وفاق أضْرابه جِنْساً ونوعاً، كان إماماً بارعاً في الفقة والأصول والعلوم العقلية، وله معرفة بالتفسير.
سارتْ مصنفاته مسير الشمس، ورُزِق فيها الحظَّ السامي عن اللَّمْس. كَمْ حرَّرَ مناط الإشكال! وفاق أضرابه النظراء والأشكال! وألَّفَ كتباً مفيدة، انعقد على كمالها الإجماع، وتشنَّفتْ بسماعها الأسماع (2) .
وإليك عَرْضاً لمؤلفات القرافي مُصنَّفةً حسب الفنون، ذاكراً: أين جاءت نسبة الكتاب إلى القرافي، وما موضوعه ومسائله، وأين مكانه: أهو مطبوع أم مخطوط؟
أولاً: العقيدة وأصول الدين:
(1) الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة
النسبة: نسبه إليه كثير من المصادر منها: الديباج المذهب ص 129، شجر النور الزكية 1/188، هدية العارفين ص 99، كشف الظنون 1/11، شرح تنقيح الفصول للقرافي ص (60) من قسم التحقيق.
الموضوع: يردُّ القرافي في هذا الكتاب على أباطيل وشبهات ومعتقدات اليهود والنصارى (3) .
المكان: مطبوع بحاشية كتاب: " الفارق بين المخلوق والخالق " لعبد الرحمن أفندي بمطبعة الموسوعات بمصر سنة 1322 هـ.
- وله طبعات تجارية أخرى منها: مكتبة وهبة - القاهرة - 1987م.
- طبعة مكتبة القرآن - بالقاهرة. دراسة وتحقيق/ مجدي محمد الشهاوي.
_________
(1) انظر: شجرة النور الزكية 1/188.
(2) مقتبس من كلام ابن فرحون في الديباج المذهب ص 128 - 129.
(3) سبقت الإشارة إليه في الفصل الأول ص 20 من القسم الدراسي.
(1/49)

- قام بتحقيقه الباحث/ ناجي محمد داود بجامعة أم القرى، رسالة دكتوراه في العقيدة عام 1404هـ.
- كما حقق الباحث/ سالم بن محمد القرني بابين من الكتاب رسالة ماجستير، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (كلية أصول الدين) سنة 1404هـ.
(2) أدلة الوحدانية في الرد على النصرانية
... النسبة: جاء ذكره في: هدية العارفين 1/99
... الموضوع: لعله نفسه الكتاب سالف الذكر.
... المكان: غير معروف.
(3) الإنقاد في الاعتقاد
النسبة: جاء ذكره عند المصنف في كتابه: " الاستغناء في أحكام الاستثناء "
ص 358، 363، وفي الذخيرة 13/235. كما نسبه إليه: الديباج المذهب ص ... 129، شجرة النور الزكية 1/189، هدية العارفين 1/99، إيضاح ... المكنون 1/ 135
الموضوع: واضح من إحالة المصنف إليه في كتابيه " الاستغناء " و " الذخيرة " أنه يعالج مشكلات تتعلق بعلم الكلام وإثبات وحدانية الله تبارك وتعالى وصفاته على طريقة الأشاعرة.
المكان: غير معروف.
تنبيه: جاءت تسمية الكتاب في بعض المصادر أنه: " الانتقاد في الاعتقاد ".
وفي بعضها: " الإنقاذ في الاعتقاد ".
(4) شرح الأربعين في أصول الدين
النسبة: ذكره المصنف في بعض كتبه منها: الفروق 3/27، نفائس الأصول 6 / 2837، الاستغناء في أحكام الاستثناء ص 363، الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة ص 65. كما جاءت النسبة إليه في: الديباج المذهب ص 129، شجرة النور الزكية 1/189، هدية العارفين 1/99.
(1/50)

الموضوع: كتاب الأربعين في أصول الدين للإمام فخر الدين الرازي من الكتب المشهورة في علم الكلام، ألَّفه الرازي لولده محمد، ورتبَّه في أربعين مسألة (1) ، وهو مطبوع بمكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة.
والإمام القرافي قام بشرح هذا الكتاب لما حواه من التأصيلات في علم العقائد والكلام.
المكان: غير معروف.

ثانياً: أصول الفقه:
(1) التعليق على المنتخب
النسبة: جاء ذكره عند المصنف في كتابه: نفائس الأصول (4/1734) وسماه: شرح المنتخب. كما جاء في الوافي بالوفيات 6/233، طبقات الشافعية الكبرى 8/172، الديباج المذهب ص 129، شجرة النور الزكية 1/188، المنهل الصافي 1/216، ونقل منه ابن السبكي في: الإبهاج 2/365، والإسنوي في: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ص 430.
الموضوع: " المنتخب " مختصر من المحصول، والمشهور أنه من تأليف الإمام الرازي، لكن القرافي أنكر نسبته إلى الإمام الرازي، ونقل عن شمس الدين الخسروشاهي (شيخ القرافي وتلميذ الرازي) بأن " المنتخب " لضياء الدين حسين (2) .
المكان: غير معروف.
(2) تنقيح الفصول في علم الأصول (أو في اختصار المحصول)
وسيأتي الكلام عنه - إن شاء الله - في الفصل الثالث من القسم الدراسي.
(3) شرح تنقيح الفصول
وسيأتي الكلام عنه مستوفى إن شاء الله في الفصل الثالث من القسم الدراسي.
(4) نفائس الأصول في شرح المحصول
النسبة: جاء ذكره في كتب القرافي الأخرى منها: الفروق 1/174، الاستغناء في
_________
(1) انظر: كتاب الأربعين في أصول الدين بتحقيق/ أحمد حجازي السَّقا ص 18.
(2) انظر: نفائس الأصول 1/105. وضياء الدين حسين لم أعثر له على ترجمة.
(1/51)

أحكام الاستثناء ص 86، 126، 229، 360، 369، شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 16، 44، 49، 62، 71، 93، 125. العقد المنظوم في الخصوص والعموم 2/161، 2/456.
كما نسبه إليه صاحب هدية العارفين ص 1/ 99.
الموضوع: الكتاب شرح موسوعي لكتاب المحصول للإمام الرازي، أكْثَر فيه القرافي من إيراد الأسئلة والإشكالات، واستمدَّ مادة شرحه مما يربو عن ثلاثين تصنيفاً في أصول الفقه.
المكان: طبع الكتاب في مكتبة نزار مصطفي الباز (المكتبة التجارية) في تسع مجلدات، بتحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض.
- كما تم تحقيقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض (رسائل دكتوراه) سنة 1406هـ على أيدي المشايخ الفضلاء د. عايض بن نامي السلمي
(القسم الأول) د. عبد الكريم بن علي النملة (القسم الثاني) د. عبد الرحمن المطير (القسم الأخير) .
(5) العقد المنظوم في الخصوص والعموم
النسبة: جاءت النسبة إليه في: كشف الظنون 2/1153، هدية العارفين 1/99
الموضوع: صرح المصنف بسبب تأليفه للكتاب بأن كثيراً من الفقهاء لم يحققوا معنى العموم والخصوص وأن العام التبس مفهومه بالمطلق. ثم عَدَّ صيغاً للعموم أوصلها إلى (250) صيغة، كما أوصل المخصصات إلى عشرة مخصصات.
المكان: طبع الكتاب على نفقة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب، دراسة وتحقيق الأستاذ/ محمد علوي بنصر. سنة 1418هـ.
- طبعة دار الكتبي بالقاهرة، وتوزيع المكتبة المكية بمكة المكرمة سنة 1420 هـ. بتحقيق الدكتور / أحمد الختم عبد الله.
ثالثاً: الفقه والقواعد الفقهية:
(1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام
النسبة: جاءت النسبة إليه في: الفروق 1/3، 51، 2/104، 4/6، 84، وفي نفائس الأصول 9 / 2910، وفي: شرح تنقيح الفصول ص (478) من قسم
(1/52)

التحقيق.
كما جاءت النسبة إليه في: الوافي بالوفيات 6/233، الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/99، كشف الظنون 1/21 وغيرها.
الموضوع: الكتاب يُعْنى ببيان الفرق بين الفُتْيا من المجتهد، والحكم من القاضي، وتصرفات الإمام علي أي وجهٍ تُحْمل؟. وما الحالات التي يُنْقص فيها حكم الحاكم؟. وجعله في أربعين سؤالاً.
المكان: للكتاب عدة طبعات منها: طبعة مطابع الأنوار سنة 1357هـ بتقديم/ محمود عرنوس، وتصحيح/ عزت العطار. وطبعة المكتب الثقافي للنشر والتوزيع بالقاهرة سنة 1989م بتحقيق/ أبو بكر عبد الرازق. وطبعة مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب سنة 1416هـ (الطبعة الثانية) بتحقيق/ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله.
(2) الأمنية في إدراك النية
النسبة: جاءت النسبة إليه في: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص 74، شرح تنقيح الفصول ص (383) من القسم التحقيقي، نفائس الأصول 4 / 1632، 8 / 3545، الفروق 1/71، 72.
كما جاءت النسبة إليه في: الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/ 99، إيضاح المكنون 3، 127، شجرة النور الزكية 1/ 188.
الموضوع: تناول فيه القرافي حقيقة النية، ومحلها، وشروطها، وأقسامها، وأحكامها، وفوائد أخرى متعلقة بالنية.
المكان: طبع الكتاب عدة طبعات منها: طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، وطبعة دار الفتح بالشارقة سنة 1416هـ.
طبعة مكتبة الحرمين - الرياض الطبعة الأولى 1408 هـ بتحقيق ودراسة د. مساعد ابن قاسم الفالح (رسالة ماجستير) ، كما حققه د. محمد بن يونس السويسي بالكلية الزيتونية للشريعة بتونس عام 1402هـ.
(3) أنوار البروق في أنواء الفروق: المسمي بـ " الفروق "
النسبة: نسبه المصنف إلى نفسه في: العقد المنظوم في الخصوص والعموم 2/205.
كما جاء ذكره في: الديباج المذهب ص 129، هداية العارفين 1/99، كشف الظنون 1/186، الوافي بالوفيات 6/233.
(1/53)

الموضوع: الكتاب فريد في بابه، لهج العلماء قديماً وحديثاً بالثناء عليه، وأكثروا من النقل عنه، وهو في بيان الفروق بين القواعد الفقهية، ذكر فيه مصنفه (548) قاعدةً، وفرَّع عليها فروعاً كثيرة.
المكان: له عدة طبعات منها:
- طبعة تونس سنة 1302هـ، وطبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
- طبعة دار المعرفة ببيروت، ومعها حاشية تسمَّى: إدرار الشروق على أنواء الفروق، وبالهامش: تهذيب الفروق (1) والقواعد السنية في الأسرار الفقهية (2) .
(4) الذخيرة أو الذخيرة في الفقه
النسبة: جاء ذكره في بعض كتب القرافي نفسه منها: الأمنية في إدراك النية
ص 62، الفروق 1/3، الاستغناء في أحكام الاستثناء ص 704، شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 75.
كما جاءت النسبة إليه في: الديباج المذهب ص (129) ، الوافي بالوفيات 6/233، شجرة النور الزكية 1/188، حسن المحاضرة 1/316، كشف الظنون 1/825 وغيرها.
الموضوع: الكتاب موسوعة فقهية ضخمة، صنعه المصنف من نحو أربعين مصنفاً من تصانيف المذهب، علاوة على كتب الفقه ... والأدب والمذاهب الأخرى، يُعْنى بعرض آراء المذاهب الأخرى، ويقارن بينها، ويذكر الحجج والمناقشات، كما أكْثَر من ذكر القواعد الأصولية، والفقهية، وتخريجات الفروع عليها.
المكان: مطبوع بدار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1994م، تحقيق د. محمد حجي وآخرون. والكتاب فيه أجزاء ناقصة لم تكتمل. ... ... ...
- كما توجد طبعة للجزء الأول منه بمصر بعناية كلية الشريعة بالأزهر سنة 1381هـ، وأعيد طبعه في الكويت سنة 1402هـ في موسوعة تحقيق التراث على نفقة وزارة الأوقاف.
_________
(1) لابن الشَّاط، سراج الدين أبي القاسم بن عبد الله الأنصاري الإشبيلي ت 723 هـ.
(2) لمحمد بن علي بن الشيخ حسين المكي، مفتي المالكية ت 1367 هـ.
(1/54)

- توارد الباحثون في أماكن متفرقة على تحقيق أجزاء من مخطوطاته منهم: إبراهيم العاقب أحمد - دكتوراه بجامعة أم القرى سنة 1409هـ، إبراهيم سيلا - ماجستير بالجامعة الإسلامية سنة 1406هـ، الحسن عمر مساعد - دكتوراه بالجامعة الإسلامية، محمد عالم عبد المجيد الأفغاني دكتوراه بجامعة أم درمان بالسودان سنة
1416هـ.
(5) البيان فيما أشكل من التعاليق والأيمان
النسبة: جاء ذكره في: البحر المحيط للزركشي 4 / 419، المعيار المعرب 2/97، الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/99 إيضاح المكنون 1/206 وجاءت تسميتها في أكثر هذه المصادر: البيان في تعليق الأيمان.
الموضوع: واضح من عنوانه أنه يبحث موضوع الحلف والأيمان، وتعليق الطلاق والاستثناء في اليمن ونحو ذلك.
المكان: مخطوط ضمن مجموع بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم (160ك) ، يقع في إحدى وعشرين صفحة من القطع الكبير (1) .
(6) كفاية اللبيب في كشف غوامض التهذيب (شرح تهذيب المدونة)
النسبة: جاءت النسبة إليه في مواهب الجليل شرح مختصر خليل 4 / 74،
4 / 115 ونقل عنه.
وكذلك جاءت النسبة إليه باسم " شرح التهذيب " في: الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/ 99، شجرة النور الزكية 1/ 188.
الموضوع: تهذيب المدونة لأبي سعيد البراذعي (2) اختصر فيه المدونة، واتبع طريقة ابن أبي زيد، وحذف ما زاده ابن أبي زيد في رسالته، وعَّول الناس عليه. والقرافي شرح هذا التهذيب.
_________
(1) انظر: الإمام الشهاب القرافي حلقة الوصول بين المشرق والمغرب في مذهب مالك للأستاذ/ الصغير بن عبد السلام الوكيلي 1/ 329 - 332.
(2) هو خلف بن أبي القاسم الأزذي القيرواني المعروف بالبراذعي، من كبار تلاميذ ابن أبي زيد والقابسي، ومن حفاظ المذهب، له مصنفات منها: التهذيب في اختصار المدونة وله شهرة واسعة، توفي بعد 430هـ. انظر: الديباج المذهب ص 182، سير أعلام النبلاء 17/ 523.
(1/55)

المكان: مخطوط في خزانة القرويين تحت رقم (386) (1)
(7) شرح التفريع لابن الجلاب (2)
النسبة: جاء ذكره في المعيار المعرب (2/ 97) لكن على أنه " اختصار علىالجلاَّب ". وجاءت النسبة إليه أيضاً في: الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/ 99، شجرة النور الزكية 1/188.
الموضوع: كتاب التفريع كتاب مُهمُّ ومشهور في المذهب المالكي، وفيه كثير من التفريعات الفقهية، وقد اعتمد عليه القرافي كثيراً في كتابه " الذخيرة ".
المكان: غير معروف.
(8) اليواقيت في علم المواقيت
النسبة: نسبه المصنف إلى نفسه في: الفروق (3/292) بعنوان: اليواقيت في أحكام المواقيت.
وكذا في: الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/99، إيضاح ... المكنون 2/732.
ونقل عنه الحطاب في: مواهب الجليل 1/15، 18، والونشريسي في: المنهج الفائق والمنهل الرائق والمعنى اللائق بآداب الموثق وأحكام الوثائق ص 360.
الموضوع: الكتاب يعالج موضوع أوقات العبادات وأزمنتها، وأحكامها الفقهية، وما يوصل إلى أسبابها من دورة الفلك. فالكتاب مزيج من الفقه والأصول، والفلك والمناظر (3) .
المكان: توجد منه نسخ خطية في:
- الخزانة العامة بالرباط، ضمن مجموع تحت رقم (160ك) .
- مكتبة كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط ضمن مجموع برقم (124/2) .
_________
(1) انظر: الإمام الشهاب القرافي حلقة وصل بين المشرق والمغرب للوكيلي 1 / 337 - 343.
(2) هو أبو القاسم عبيد الله بن الحسن بن الجلاب، تفقه على الأبهري وغيره، له كتاب في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع (ط) ، وعنه أخذ القاضي عبد الوهاب وغيره. توفي سنة 378هـ. انظر: الديباج المذهب
ص 237، شجرة النور الزكية 1/92.
(3) انظر: الإمام الشهاب القرافي حلقة وصل بين المشرق والمغرب للوكيلي 1/ 333
(1/56)

- الخزانة الحسنة بالرباط بالقصر الملكي برقم (3906) .
- المكتبة الوطنية بتونس برقم (2351) .
(9) الرائض في الفرائض
هذا الكتاب مُدْمجٌ ضمن كتاب " الذخيرة " 13 / 7.
وسبب إفراده هنا بكونه كتاباً مستقلاً للقرافي أن مصنفه قال: ((وقد سميته:
" الرائض في الفرائض " فمن أراد أن يفرده، فإنه حسن في نفسه، ينتفع به في المواريث نفعاً جليلاً إن شاء الله تعالى)) .

رابعاً: اللغة العربية:
(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء
النسبة: نسبه المصنف إلى نفسه في: الفروق 3/ 168، العقد المنظوم في الخصوص والعموم 2/305، 236، شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 61، 246، 251، 258.
كما جاء ذكره في: الديباج المذهب ص 129، إيضاح المكنون 1/72، هدية العارفين 1/99.
الموضوع: يعالج الكتاب مسألة الاستثناء في اللغة العربية ما حقيقته، وما أنواعه، وما أحواله وتطبيقاته في الأيمان والطلاق والأقارير؟ وقد استقصى المصنف آيات الاستثناء في كتاب الله وشرحها.
المكان: طبع الكتاب محققاً تحقيقاً علمياً من الدكتور طه محسن بمطبعة الإرشاد من إصدار وزارة الأوقاف العراقية سنة 1402هـ.
- وله طبعة تجارية بتحقيق/ محمد عبد القادر عطا دار الكتب العلمية بيروت سنة 1986م.
(2) الخصائص في قواعد اللغة العربية
النسبة: ذكره الزركلي في الأعلام (1/ 95) .
الموضوع: كما هو ظاهر من عنوانه، يبحث في موضوعات تتصل بالنحو وقواعد اللغة.
(1/57)

المكان: مطبوع بوزارة الثقافة والإعلام في بغداد (1) .
- وله نسخة خطية في مكتبة الجزائر برقم (100/ 1) (2) .
(3) القواعد الثلاثون في علم العربية
... النسبة: نسبه إليه الدكتور/ طه محسن في: الاستغناء في أحكام الاستثناء ص 31
وذكره بروكلمان في كتابه: تاريخ الأدب العربي (الأصل) 1/ 481 ... باسم: القواعد السنية في أسرار العربية.
الموضوع: لم أقف على موضوعاته.
المكان: مخطوط في المكتبة الوطنية بباريس ضمن مجموع (1013/ 5) .
(4) الأجوبة عن الأسئلة الواردة على خطب ابن نُبَاته (3)
النسبة: الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/99
الموضوع: خطب ابن نُباته رُزقتْ القبول من الجميع، ووقع الإجماع على أنه ما عُمل مثلها، لا من خطب بعدها ولا قبلها. وكان يحض الناس فيها على الجهاد في سبيل الله (4) .
وتبدو أن عنايةً خاصةً كانت لخطب ابن نباته من العلماء، فقد شرحها غير واحد من علماء اللغة، فلا يبعد أن يكون لفت نظر القرافي بعض المسائل اللغوية والأدبية المثارة حول هذه الخطب فأراد أن يحسم النزاع فيها كعادته (5) .
المكان: غير معروف.
_________
(1) الخصائص في النحو، تحقيق / طه محسن عبد الرحمن. جاءت الإشارة إلى ذلك في: مجلة الفيصل
(السعودية) في العدد (34) ، ربيع الثاني سنة 1400 هـ. ص 11 - 12. لكن جاء عنوانه فيها: الخصائص في النحو، تحقيق / طه محسن عبد الرحمن.
(2) انظر: مخطوطات الجزائر بمجلة المورد مجلد (5) عدد (3) ص 215 لهلال ناجي. (نقلاً عن مقدمة الاستغناء في أحكام الاستثناء) ص 29.
(3) هو عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نُبَاته الفارقي أبو يحيى، صاحب الخطب المشهورة، كان إماماً في علوم الأدب. سكن حلب، وكان خطيبها. توفي سنة 374هـ. انظر: وفيات الأعيان 3/ 156.
(4) انظر: وفيات الأعيان 3 / 156.
(5) انظر: الإمام الشهاب القرافي حلقة وصل بين المشرق والمغرب للوكيلي 1/ 356 - 357.
(1/58)

خامساً: العلوم العقلية العلمية:
(1) الاستبصار فيما تدركه الأبصار
النسبة: نسبه المصنف إلى نفسه: نفائس الأصول 6 / 2839.
كما جاء ذكره في: الديباج المذهب ص 129 بعنوان: الإبصار في مدركات الأبصار، وذكره: الوافي بالوفيات 6/ 223، هدية العارفين 1/ 99، كشف الظنون
1/ 77.
الموضوع: الكتاب يشرح ظاهرة الإبصار، ومراحل تكوُّن الصور في الذهن، ويبحث في حاسة العين وتشريحها، وانعكاس الصور، وخداع البصر، ونحو ذلك. وهو ردٌّ على ملك الإفرنج بصقلية في عهد الملك الكامل، كان قد وجَّه أسئلة علمية شائكة وعويصة، يريد بها وَصْم الإسلام بالنقص إنْ عجز المسلمون عن الإجابة عنها، فانبرى لها القرافي وجعلها في خمسين ... مسألة (1) .
المكان: مخطوط في: مكتبة أسعد أفندي في استامبول برقم (1270) ، وفي دار الكتب المصرية برقم (83) تيمور، وفي مكتبة الاسكوريال بمدريد برقم (707/ 9) ، وبخزانة المكتبة الخديوية برقم (22) ، وفي الزاوية الحمزاوية بتامْكُروت بالمغرب برقم (229) ضمن مجموع.
(2) المناظر في الرياضيات
النسبة: جاءت النسبة إليه في: هداية العارفين 1/ 99
الموضوع: لم أقف على موضوعاته.
المكان: غير معروف.

سادساً: فنون متنوعة:
(1) المنجيات والموبقات فيما يجوز وما يكره وما يحرم من الدعوات
النسبة: ذكره المصنف في كتابه: " الفروق " 1/144، 4/235 ونسبه إليه: الديباج المذهب ص 129، شجرة النور الزكية 1/188 هدية العارفين 1/99.
الموضوع: في الرقائق والآداب، وقد نقل القرافي منه بعض مسائله في كتابه
" الفروق " المشار إليه قريباً.
_________
(1) انظر: الإمام الشهاب القرافي حلقة وصل بين المشرق والمغرب للوكيلي 1/ 268 - 274.
(1/59)

المكان: ذكر بروكلمان في كتابه: تاريخ الأدب العربي (الأصل) 1/482 بأن له نسخة خطية في المكتبة البلدية بالإسكندرية برقم (16) فقه مالكي.
(2) مصنف في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الانبياء: 8]
النسبة: جاء في الوافي بالوفيات (6/ 234) قوله: ((حكى لي بعضهم أنه رأي مصنفاً كاملاً في قوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ}
[الأنبياء: 8] فبنى هذا على الاستثناء، وظن أن الآية: جسداً إلا يأكلون الطعام، وزاد ذلك ألفاً، فلمّا قيل له عن ذلك - بعد أن خرج عن بلده - اعتذر بأن الفقيه لقَّنه كذلك في الصغر. . .)) .
الموضوع: لم يظهر لي في ذلك شيء، فقد يكون في اللغة أو التفسير أو العقيدة ... أو جميع ذلك، والله أعلم.
المكان: غير معروف.
(3) البارز للكفاح في الميدان
النسبة: جاءت النسبة إليه في: الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/ 99، إيضاح المكنون (1/161) واسمه فيه: ((البارز لكفاح الميدان)) .
الموضوع: يبدو أنه في الفقه، وبالأخص في أحكام الجهاد. وهذا مجرد ظنٍّ فقط، والله تعالى أعلم.
المكان: غير معروف.
(4) الاحتمالات المرجوحة
النسبة: جاءت النسبة إليه في: الديباج المذهب ص 129، هدية العارفين 1/99.
الموضوع: يظهر من عنوانه أنه في علم الفقه أو الأصول؛ لأن موضوعات التراجيح والمحتملات يغلب بحثها فيهما، ولا دليل على ذلك إلا الظن، والله أعلم.
المكان: غير معروف.
وبعد هذا العرض لمؤلفات القرافي القيّمة يمكن معرفة التسلسل الزمني لكثيرٍ منها بصورة تقريبية في المخطط الزمني لمؤلفاته (1) .
_________
(1) انظره في القسم الدراسي ص 85.
(1/60)

المبحث الثامن
وفاته رحمه الله
بعد حياةٍ حافلةٍ بجليل الأعمال، وعمرٍ أفناه القرافي عليه رحمة الله في العلم تحصيلاً وتدريساً وتأليفاً، وبعد أن تخرَّج به عددٌ من تلاميذه النابهين، وخلَّف وراءه تَرِكةً عظيمة، وثروةً نفيسة من المصنفات الرائعة في مختلف العلوم.
وبعد هذه الرحلة الميمونة، وافته المنيَّة في: يوم الأحد آخر يوم من جمادى الآخرة سنة 684هـ، ودُفن يوم الإثنين غُرَّة رجب بالقرافة (1) .
وإذا كانت ولادته رحمه الله سنة 626هـ، فيكون عمره يوم وفاته ثمانية وخمسين عاماً تقريباً.
_________
(1) وهذا مذهب أكثر المترجمين. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي ص 177، الديباج المذهب ص 129، شجرة النور الزكية 1/189، حسن المحاضرة 1/316، درة الحجال في أسماء الرجال لابن القاضي 1/9، روضات الجنات 1/91، هدية العارفين 1/99. بينما رأى الصفدي في الوافي بالوفيات 6/233، وتبعه ابن تغري بردي في المنهل الصافي 1/217 أن وفاة القرافي كانت سنة 682هـ. والأول أضبط؛ لأن فيه تحديداً باليوم والشهر، ولأن رواته أعرف بتواريخ الوفيات كالذهبي والعلائي وعلماء المذهب المالكي. والله
أعلم.
(1/61)

الفصل الثالث
دراسة عن كتاب "شرح تنقيح الفصول"
(1/62)

المبحث الأول
التعريف بمتن الكتاب: " تنقيح الفصول "
إن التعريف بكتاب " شرح تنقيح الفصول " يستلزم باديء ذي بدء التعريف بالمتن " تنقيح الفصول "، ووجه هذا اللزوم: أن المتن صار كالقاعدة للبناء، فلولاه لما انتهض هذا الشرح وما قام على سوقه.
ومن التميّز الفريد الذي اتَّسم به هذا الشرح عن سائر الشروح امتزاجه بالمتن حتى غدا الكتاب (متناً وشرحاً) يشكّل وحدةً واحدة، وعروة وثقى لا انفصام لها.
فلو رُمْتَ فصل الشرح عن المتن لَعَيِيْتَ، ورُمْتَ المحال، وإلاّ كانت النتيجةُ الحصولَ على أشلاء ممزَّقة، ومقاطع مفرَّقة لا انسجام بينها.
وتأتي ضرورة إفراد التعريف بمتن الكتاب في مبحثٍ استقلالي أن المصنف ذكر فيه باعثَه على تأليفه، ومواردَه، وطريقتَه، وتسميتَه للكتاب، ونحو ذلك من الأمور التي تسهم بطريقٍ مباشر في التعرّف على شرح الكتاب.
والتعريف بالمتن سيكون وفق الخطوات التالية:
أولاً: عنوان المتن ونسبته إلى مؤلفه:
أطبقت نسخ المتن الخطية - التي وقفت عليها - على تسميته بـ" تنقيح الفصول في علم الأصول " (1) وهي تسمية المصنف له، قال - في صراحةٍ تامّةٍ -: ((وسمّيته: تنقيح الفصول في علم الأصول)) (2) .
وهذه العنونة للكتاب صريحة لا تدع مجالاً للشكِّ فيها، لكن مما يعكّر صفوَها تواردُ جميع نسخ الشرح الخطّية التي وقفت عليها على قول المصنف فيها: ((أما بعد: فإن كتاب " تنقيح الفصول في اختصار المحصول " كان قد يسّره الله عليّ ليكون مقدّمة أول كتاب الذخيرة في الفقه. . .)) (3) .
_________
(1) انظر صور هذه النسخ في الصفحات: 264، 266، 269، 272، 276.
(2) انظر الهامش السابق، وانظر: الذخيرة 1 / 55.
(3) لكن يلاحظ أن النسخ ص، و، ن جاء فيها " تنقيح الأصول " خِلافاً للنسخ الست البواقي. فلعلّه تحرَّف من النسَّاخ.
(1/63)

ففي هذا النص جاء اسم المتن على أنه: " تنقيح الفصول في اختصار المحصول ". فأيُّ التسميتين للكتاب أهدى سبيلاً وأقوم قيلاً؟
والجواب بداهةً: أن كلتا التسميتين حقٌ وصواب؛ لأنهما صادرتان من مشكاة واحدة، وهي ذات المصنف. ولو فرضنا وقوع تعارضٍ بين الاسمين لكان ترجيح الثاني أولى؛ لأن الشرح متأخر عن المتن، والمتأخر ينسخ المتقدم، فلعلَّ المصنف بعد أن سمّاه بـ" تنقيح الفصول في علم الأصول " بدا له أن يغيّر اسمه إلى: تنقيح الفصول في اختصار المحصول.
وإن لم تقع مصادمةٌ بين التسميتين، فلعلّ المصنف أوقعهما لهذا الكتاب قصداً وتنبيهاً للمطالع بأنهما صادقتان عليه (1) . وتعدُّدُ الاسم لمسمّىً واحدٍ ليس بمستغرب على صنيع القرافي، فها هو يسمي كتابه " الفروق " بأسماء متعددةٍ، فيقول: ((وسمّيته لذلك: أنوار البروق في أنواءِ الفروق. ولك أن تسمِّيه كتاب: الأنوار والأنواء. أو كتاب الأنوار والقواعد السنّية في الأسرار الفقهية. كلُّ ذلك لك)) (2) .
ومما يصدِّق تسمية " تنقيح الفصول في اختصار المحصول " مجيء عبارات للمصنف تردَّدتْ بين الحين والآخر بأنه اختصر ما ذكره في المتن من المحصول، مثل قوله في شرح التنقيح (المطبوع) ص 149: ((هذه المسألة نقلتها هاهنا (أي في التنقيح) واختصرتها كما وقعت في المحصول، وليست المسألة على هذه الصورة في أصول الفقه. . .)) .
وقال أيضاً في الشرح ص (121) من القسم التحقيقي: ((فهذه التفاصيل أولى من التعميم الأول (الذي جاء في المتن) ، وهو قول الإمام فخر الدين في المحصول)) (3) .
وكذلك قال في نسخ المتن الخطيّة: ((أما بعد: فإن هذا كتاب جمعتُ فيه مسائل
" المحصول " للإمام فخر الدين، وأضفتُ إليه مسائل كتاب الإفادة للقاضي
_________
(1) قال الشوشاوي في رفع النقاب القسم (1 / 80) شارحاً قول القرافي: ((وسمَّيته بتنقيح الفصول في علم الأصول)) ، قال: ((نبَّه المؤلف هاهنا على اسم كتابه هذا، وسمّاه في الشرح: تنقيح الفصول في اختصار المحصول، فله إذاً اسمان)) .
(2) انظر: الفروق 1 / 4.
(3) وانظر مزيداً من الأمثلة في: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 67، 76، 238، 261، 281.
(1/64)

عبد الوهاب المالكي وهو مجلدان، وكتاب الإشارة للباجي، وكلاماً لابن القصار في الأصول. .)) .
فهذه النصوص تبرهن على صحة التسمية الأخيرة، ولكن هذا يوقعنا في إشكال وسؤال، وهو: هل كتاب التنقيح حقّاً اختصار للمحصول؟
والجواب عنه: لا، ليس هو في واقع الأمر اختصاراً للمحصول بالمعنى المعهود للاختصار الذي لا يغادر أصله في صغيرةٍ ولا كبيرة. والحجة على هذا الادعاء: أن المصنف نفسه أعلن في صراحةٍ تامةٍ بأن اعتماده في هذا المختصر الأصولي كان على أخذ جملة كتاب: " الإفادة " للقاضي عبد الوهاب، وكتاب: " الإشارة " للباجي، و" مقدّمة " ابن القصار في أصول الفقه، وكتاب " المحصول " للرازي. وهذا ظاهر جداً في الكتاب؛ فإنه طافحٌ بآراء المالكية الأصولية، وهذا غير موجود في المحصول. فإذا كان الكتاب في أصله خلاصةً لما ورد في الكتب الأربعة المتقدّمة، بالإضافة إلى ما ضُمَّ إليها من مباحث وفوائد أصولية قد لا توجد في غيره، فإن تسميته بـ" اختصار المحصول " فيها تجوُّز وتسمُّح قد لا يُغْتفر إلاّ بالنظر إلى أنه التزم ترتيب وتبويب المحصول، وإلاّ فالكتاب بمباحثه وفوائده ومادَّته يأخذ صِبْغةً خاصةً، وصفةً استقلاليةً تجعلنا لا نستطيع أن نستغني عنه بكتاب.
وزبدة القول في المسألة: أن كتاب " تنقيح الفصول " كتابٌ قائمٌ بنفسه، مستقلٌّ بذاته، يستحقُّ أن يُسمَّى: تنقيح الفصول في علم الأصول. لكن لمّا كثر اعتماد القرافي في إنشائه للكتاب على تبويب وترتيب المحصول، مع نقل كثير من عباراته - ولو بالمعنى - استحقّ أيضاً أن يوسم بأنه: تنقيح الفصول في اختصار المحصول. والله تعالى أعلم.
أما نسبته إلى القرافي، فهي نسبة لا يرتقي إليها شكٌّ، ومن الدلائل عليها:
1 - مجيء ذكر الكتاب في كتب القرافي الأخرى، ومنها: نفائس الأصول
(1 / 333) ، الأمنية في إدراك النية، ص (58) ، العقد المنظوم في الخصوص والعموم (2 / 161) .
(1/65)

2 - كما جاءت النسبة إليه في: الديباج المذهب ص (129) ، المنهل الصافي
(1 / 216) ، شجرة النور الزكية (1 / 188) ، الوافي بالوفيات (6 / 233) ، حسن المحاضرة، (1 / 316) ، كشف الظنون (1 / 499) ، هديّة العارفين
(1 / 99) .
3 - تعاقب العلماء على شرحه (1) ، أو النقل عنه (2) مع تصريحهم بنسبته إليه.
ثانياً: الباعث على تأليف المتن وزمن تأليفه:
صرّح القرافي بالباعث على تأليف كتاب " تنقيح الفصول " بأنه مقدِّمةٌ لكتابه الجليل وسِفْرِه الكبير " الذخيرة في الفقه ".
فها هو يقول في كتابه الذخيرة (1 / 39) : ((وأقدِّم بين يديه (أي الذخيرة) مقدّمتين، إحداهما: في بيان فضيلة العلم وآدابه. . . والمقدمة الأخرى: في قواعد الفقه وأصوله، وما يُحتاج إليه من نفائس العلم، مما يكون حِليةً للفقيه، وجُنَّةً للمُناظر، وعوناً على التحصيل)) .
وعندما زَبَر المقدمة الثانية في الذخيرة (1 / 55) قال: ((المقدمة الثانية: فيما يتعيّن أن يكون على خاطر الفقيه من أصول الفقه، وقواعد الشرع، واصطلاحات العلماء، حتى تُخرَّج الفروع على القواعد والأصول، فإن كل فقهٍ لم يُخرِّج على القواعد فليس بشيء)) .
وبهذا أبان القرافي بجلاء غرضه من تأليف هذا المختصر الأصولي، وهو أن يكون مقدّمةً للموسوعة الفقهية الضخمة " الذخيرة ".
وهذه طريقة مستحسنة في التآليف، من شأنها أن توقف القاريء على القواعد الأصولية التي انبثقت منها تفاريع الفقه، وفتاوى الإمام، وترشده إلى مدارك أقوال العلماء ومنطلقاتهم ومآخذهم في الأحكام. ومن هنا ندرك مدى العلاقة الوثيقة بين علم الأصول وعلم الفقه، فالفقه بالنسبة للأصول كالثمرة للشجرة، وكاللَّبنات المشيَّدة على الأساس.
_________
(1) انظر أسماء هذه الشروح: ص (70) من القسم الدراسي.
(2) انظر مثلاً: شرح مختصر الروضة للطوفي (3 / 751) ، شرح الكوكب المنير 3 / 17، نشر البنود على مراقي السعود للعلوي الشنقيطي 1 / 12.
(1/66)

ولا غَرْوَ أن سلك القرافي هذا المسلك في التأليف، فلم يكن بِدْعاً من العلماء، بل سَبَق لعلماء أفذاذٍ انتهاجُها (1) .
أما زمن تأليف المتن فلا يُدرى على وجه التحديد، لكن جاء في خاتمة النسخة
(أ) المصوّرة من مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض قوله: ((كتبه لنفسه الفقير إلى رحمة ربه أبو بكر بن صارم في شهر ربيع الأول سنة ست وستين وستمائة. غفر الله له. . .)) (2) . فهذا التاريخ المرقوم هنا يقطع بأن تصنيف المتن كان سنة 666 هـ أو قبلها. وإذا كان شرح المتن وقع الانتهاء منه سنة 677 هـ، - كما جاء في بعض خواتيم نسخ الشرح - علمنا بأن الفاصل الزمني بين التأليفين إحدى عشرة سنة أو ما يزيد عليها. فالمتن من بواكير إنتاجات القرافي الأصولية، والشرح من أواخر تأليفاته (3) .
ثالثاً: موضوعات المتن ومضامينه:
كتاب " تنقيح الفصول " متن مختصر في أصول الفقه، لخَّص فيه القرافي مسائل هذا الفن، فأتى فيه على أبواب الأصول جميعها، ولم يفتْهُ إلاّ اليسير منها، في مائة فصل وفصلين منظومة تحت عشرين باباً.
_________
(1) من هؤلاء العلماء:

أ - الإمام ابن جرير الطبري (ت 310 هـ) ، بدأ كتابه الفقهي " لطيف القول " بمقدمةٍ أصوليةٍ سمّاها بعد ذلك بـ" الرسالة ". انظر: معجم الأدباء للحموي 18 / 74.
ب - أبو بكر الجصَّاص الحنفي (ت 370 هـ) ، بدأ كتابه " أحكام القرآن " بمقدِّمة أصولية سميت بعد ذلك بـ" الفصول في الأصول ". انظر: أحكام القرآن للجصاص 1/5، الفصول في الأصول له 1/ 23.
جـ - أبو الحسن ابن القصّار المالكي (ت 397 هـ) ، له كتاب " المقدمة في الأصول " وهو بمثابة مقدمة بين يدي كتابه الكبير الموسوم بـ" عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار ". انظر: المقدمة في الأصول لابن القصار ص 18 - 23.
د - المحدِّث أبو بكر البيهقي الشافعي (ت 458 هـ) ، بدأ كتابه " معرفة السنن والآثار " بأبوابٍ في أصول الشافعي رحمه الله. انظر: كتابه معرفة السنن والآثار 1 / 212.
هـ - أبو الوليد ابن رشد (الجد) ت 520 هـ، كتب مقدمة أصولية موجزة لكتابه " المقدمات
الممهدات " (ط) .
وأبو الوليد ابن رشد (الحفيد) ت 595 هـ، وضع مقدمةً في بعض مسائل الأصول لكتابه: " بداية المجتهد ونهاية المقتصد ". انظرها فيه (1 / 325) .
(2) انظر: صورة خاتمة النسخة المخطوطة ص 271 من القسم الدراسي.
(3) بالإمكان مراجعة المخطط الزمني لتآليف القرافي لتعلم موقعه الزمني. انظر: ص (85) .
(1/67)

وإليك عناوين الأبواب وبعض مضامينها:
الباب الأول: في الاصطلاحات، تناول فيه: الحد، وتفسير أصول الفقه، وتعريفات للحقيقة والمجاز والدلالة والمشترك والمتواطيء والمرتجل والمطلق والظاهر والمجمل والمبيّن والأمر والنهي والمفاهيم والحكم. . . إلخ.
الباب الثاني: في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه.
الباب الثالث: في تعارض مقتضيات الألفاظ.
الباب الرابع: في الأوامر. تناول فيه مسمّى الأمر وعوارضه ومتعلّقه ووسيلته، والتكليف بما لا يطاق، وخطاب الكفار، والأمر بعد الحظر، والأمر بالمركَّب.
الباب الخامس: في النواهي. تناول فيه مسمّاه، وأقسامه، ولازمه. . . إلخ.
الباب السادس: في العمومات. تناول فيه أدواته ومدلوله ومخصصاته. . . إلخ.
الباب السابع: في أقل الجمع.
الباب الثامن: في الاستثناء. تناول حدّه، وأقسامه، وأحكامه.
الباب التاسع: في الشروط. تناول فيه أدوات الشرط، وحقيقته، وحكمه.
الباب العاشر: في المطلق والمقيد.
الباب الحادي عشر: في دليل الخطاب أو مفهوم المخالفة.
الباب الثاني عشر: في المجمل والمبيّن.
الباب الثالث عشر: في فعله - صلى الله عليه وسلم -. تناول فيه دلالته على الأحكام، واتباعه، وحكم شرع من قبلنا.
الباب الرابع عشر: في النسخ.
الباب الخامس عشر: في الإجماع.
الباب السادس عشر: في الخبر.
الباب السابع عشر: في القياس.
الباب الثامن عشر: في التعارض والترجيح.
الباب التاسع عشر: في الاجتهاد. تناول فيه حكمه، وزمانه، وشرائطه، ونقضه، والتصويب، والاستفتاء، والتقليد.
(1/68)

الباب العشرون: في جميع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين. تناول فيه: الأدلة المختلف فيها كقول الصحابي، والاستصلاح، والاستحسان، والاستصحاب، والعرف. . . إلخ.
وتناول اصطلاحات فقهية يكثر شيوعها بين المتعاملين المكلفين كالنقل، والقبض، والإقباض، والإسقاط، والالتزام، والشركة، والإنشاء، والاختصاص، والإذن، والإتلاف، والتأديب. . . إلخ.
رابعاً: موارد المتن ومصادره:
كفانا القرافي مؤونة البحث والتنقيب عن المصادر التي استمدَّ منها مادة كتابه. فقد صرَّح في مقدمته قائلاً: ((واعتمدت في هذه المقدمة على أخذ جملة " الإفادة " للقاضي عبد الوهاب، وهو في مجلدين في أصول الفقه، وجملة " الإشارة " للباجي، وكلام ابن القصار في أول " تعليقه " في الخلاف، وكتاب " المحصول " للإمام فخر الدين الرازي. . .)) (1) .
لكن هل اقتصر المؤلف على هذه الكتب الأربعة في تحبير كتابه؟ نجد الجواب عند المؤلف نفسه، فهو يقول: ((مع أني زِدْتُ مباحث وقواعد وتلخيصات ليست في المحصول، ولا في سائر الكتب الثلاثة)) (2) .
خامساً: منهج المؤلف في المتن:
الكتاب يقوم على الاختصار، والاختصار: فيه ردُّ الكثير إلى القليل، وفي القليل معنى الكثير (3) .
وركوب هذا المَهْيع من التأليف يستدعي مهارةً فائقةً، وقدرةً عجيبةً، وذكاءً نادراً ولاسيما عند اختصار كتاب مَكيْنٍ كمحصول الرازي.
لهذا اقتصر القرافي فيه على ما تمسُّ إليه حاجة الفقيه مبتعداً عن الاستطرادات التي تخصُّ فحول الأصوليين.
_________
(1) انظر الذخيرة للقرافي 1 / 55.
(2) المصدر السابق 1 / 55.
(3) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (3 / 86) .
(1/69)

قال القرافي في مقدمة الذخيرة (1 / 55) : ((ولم أتعرّض فيها لبيان مدارك الأصول، فإن ذلك من وظيفة الأصولي، لا من وظائف الفقيه، فإن مقدّمات كل علم توجد فيه مسلّمة، فمن أراد ذلك فعليه بكتبه)) .
ثم قال بعد ذلك بقليل: ((بحيث إني لم أترك من هذه الكتب الأربعة (المشار إليها في مصادره وموارده) إلاّ المآخذَ والتقسيمَ، والشيءَ اليسير من مسائل الأصول، مما لا يكاد الفقيه يحتاجه)) .
ولعلَّ أبرزَ ركيزةٍ اتكأ عليها القرافي عند تأليفه لهذا المختصر الأصولي، هي: بيانه لمذهب الإمام مالك عليه رحمة الله في مسائل الأصول.
قال في الذخيرة (1 / 39) : ((وبيَّنْتُ مذهب مالك - رحمه الله - في أصول الفقه؛ ليظهر علو شرفه في اختياره في الأصول، كما ظهر في الفروع، ويطّلع الفقيه على موافقته لأصله، أو مخالفته له لمعارضٍ أرجح منه ... )) .
وقال في نسخ المتن الخطيَّة: ((وبيَّنْتُ مذهب مالكٍ في الأصول؛ لينتفع بذلك المالكيّة خصوصاً، وغيرُهم عموماً. . .)) .
هذا ما يمكن قوله هنا - باقتضابٍ - من لمحات سريعة عن منهج المؤلف في " تنقيح الفصول " تاركاً تفاصيل المنهج وجزئياته - تحاشياً للتكرار - في المبحث السادس من هذا الفصل (1) عند دراسة الكتاب باعتباره وحدةً واحدة متناً وشرحاً.
سادساً: شروحات المتن " تنقيح الفصول "
تداول العلماء كتاب " تنقيح الفصول " للقرافي منذ عصر مؤلفه إلى عصور متطاولةٍ تاليةٍ له، تداولوا هذا المتن شرحاً وتقييداً وتحشيةً واختصاراً. وما كثرة المشتغلين به إلاّ دليلٌ على علو مكانته، وسموِّ منزلته، وجودته وأهميّته.
أول هؤلاء المعنييِّن به شرحاً وبسطاً المؤلف نفسه، ويجيء الكلام عنه - إن شاء الله تعالى - في المباحث التالية لهذا المبحث.
وأما الشروحات والحواشي التي عرفتُها، فهاكها مرتبةً وفق التسلسل الزمني لتأليفها:
_________
(1) انظر: ص 102 القسم الدراسي.
(1/70)

1 - شرح تنقيح الفصول: لأحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي، المعروف بأبي العباس ابن البنا العدوي (1) . والشارح معاصر للشهاب القرافي؛ لأن ولادته كانت 649 هـ.
2 - تقييدات على تنقيح الفصول: لأحمد بن عبد الرحمن التادلي الفاسي (2) . ذكر صاحب الديباج المذهب بأن له على تنقيح القرافي تقييداً مفيداً. وتوجد منه نسخة خطيّة في دار الكتب المصرية بالقاهرة في مجلد كبير تحت رقم (805) أصول فقه.
3 - شرح تنقيح الفصول: لأبي زكريا يحيى بن أبي زكريا المِسْطَاسي، الفاسي الدار. عاش في آخر القرن السابع، وتوفي في أول القرن الثامن.
وهو من الشروح القديمة؛ لأن إحدى النسخ كتبت سنة 743 هـ. وجاء التعريف بهذا الشرح من ناسخ نسخة مكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم (352) ، قال: في آخرها: ((لخّص فيه أبو زكريا شرح القرافي على تنقيحه تلخيصاً جامعاً، وزاد عليه فوائد جليلة، وتنبيهات حسنة، أكثرها من كلام القرافي في شرح المحصول، وزاد على ذلك من كتاب سيف الدين الآمدي، وكتاب الباجي المترجم بالفصول، وهذا التقييد يغني عن شرح القرافي، ولا يغني هو عنه)) .
وشرح المسطاسي هذا من أهم مصادر شرح الشوشاوي حيث إنه اعتمد عليه كثيراً (3) .
_________
(1) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي، عُرف بابن البناء، مالكي المذهب، اشتهر باتباع السنة والصلاح والدين، له دراية بعلوم الفلك وبسائر العلوم. من تآليفه: منتهى السول في علم الأصول، تنبيه الفهوم على إدراك العلوم، شرح تنقيح القرافي، منهاج الطالب في تعديل الكواكب، ومقالات عديدة في أحكام النجوم وعلم الإسطرلاب. ت 721 هـ. انظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج ص 65، شجرة النور الزكية 1 / 216.
(2) هو أحمد بن عبد الرحمن التادلي الفاسي، مالكي المذهب. كان فقيهاً إماماً في أصول الفقه، مشاركاً في الأدب والعربية، ذا عفة ودين. له شرح عمدة الأحكام في الحديث، وشرح على رسالة ابن أبي زيد، توفي في المدينة عام 741 هـ. انظر: الديباج المذهب ص 138.
(3) انظر: القسم الدراسي لكتاب رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للشوشاوي. دراسة وتحقيق الدكتور / أحمد السَّراح ص (176 - 178) . ولم أعثر على ترجمةٍ للمِسْطَاسي.
(1/71)

4 - شرح تنقيح الفصول: لأبي الحسن علي بن يونس بن عبد الله الهواري التونسي (1) .
5 - شرح التنقيح: لأبي الحسن علي بن ثابت الأموي التلمساني (2) .
6 - التوضيح على التنقيح: لأبي القاسم محمد بن محمد بن علي النويري (3) .
7 - التوضيح شرح التنقيح: لأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن اليزليطني القروي الشهير بـ" حلولو " (4) .
وشرحه هذا مطبوع بهامش شرح تنقيح الفصول للقرافي بالمطبعة التونسية عام
(1328 هـ - 1910 هـ) . وسيأتي الكلام عنه عند مقارنته بشرح القرافي (5) .
8 - رفع النقاب عن تنقيح الشهاب: لحسين بن علي الشوشاوي (6) .
_________
(1) هو علي بن يونس بن عبد الله الهواري التونسي، نور العين أبو الحسن، مالكي المذهب، من العلماء المتبحِّرين له شرح على ابن الحاجب الأصولي، وشرح تنقيح القرافي. ولد سنة 668 هـ. انظر: نيل الابتهاج ص 204 ولم أقف على تاريخ وفاته.
(2) هو أبو الحسن علي بن ثابت بن سعيد القرشي الأموي التلمساني، فقيه مالكي ورع فاضل، أخذ عن ابن مرزوق الجد، وعنه ابن مرزوق الحفيد وغيره، له نحو ثمانية وعشرين تأليفاً، في أصول الدين والحديث والتاريخ والطب، منها ثلاثة شروح على البردة، وشرح لتنقيح القرافي، ت 829 هـ. انظر: نيل الابتهاج ص 207 هـ، معجم المؤلفين 2 / 414.
(3) هو محمد بن محمد بن علي بن محمد، أبو القاسم النويري، نسبة إلى قرية بصعيد مصر الأدنى، برع في الفقه وكثير من العلوم، وله فيها تآليف، منها: بغية الراغب على ابن الحاجب (فقه) ، وشرح التنقيح للقرافي في مجلد سمّاه: التوضيح على التنقيح، وشرح لطيبة النشر في القراءات العشر. ت 857 هـ. انظر: نيل الابتهاج ص 311، توشيح الديباج وحلية الابتهاج لبدر الدين القرافي ص 221.
(4) هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن موسى بن عبد الحق اليزليطني أو اليزليتني القروي، المعروف بحلولو الإمام العمدة المحقق الفقيه الأصولي، تولَّى قضاء طرابلس، له شرحان على جمع الجوامع شرح صغير وهو الضياء اللامع (طبع منه جزآن) ، وشرح كبير، له شرح على الإشارات للباجي، وشرح على تنقيح القرافي (ط) ، واختصر نوازل البرزلي. كان بالحياة سنة 875 هـ وعمره قريب من الثمانين. انظر: الضوء اللامع 1 / 260، نيل الابتهاج ص 83.
(5) انظر: المبحث التاسع، ص 202
(6) هو أبو علي الحسين بن علي بن طلحة الرجْراجي الشوشاوي، من أعلام سوس بالمغرب. شهرته ظهرت من كتبه، منها رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (رسالة جامعية) ، الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة
(ط) ، الأنوار السواطع شرح الدرر اللوامع في القراءات ت 899 هـ. انظر: نيل الابتهاج ص 110، درة الحجال 1 / 244.
(1/72)

وشرحه هذا كان رسالةً علمية للماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة 1407 هـ. حقق الدكتور / أحمد السَّراح القسم الأول من الكتاب، بينما حقق القسم الثاني منه الدكتور / عبد الرحمن الجبرين.
ولقد استفدت كثيراً من هذا الشرح في هذه الرسالة، فجزاهم الله خيراً. وسيأتي الحديث عنه عند مقارنته بشرح القرافي (1) .
9 - شرح تنقيح الفصول: لداود بن علي بن محمد القلتاوي الأزهري (2) .
10 - شرح فصول التنقيح: لأبي فارس عبد العزيز الأَدُوْزي السوسي (3) .
11 - منهج التحقيق والتوضيح لحلِّ غوامض التنقيح: لمحمد بن حمودة بن أحمد جعيط، مفتي الديار التونسية (4) .
وحاشيته هذه مطبوعة بمطبعة النهضة سنة 1345 هـ - 1926 هـ بتونس، وسيأتي الكلام عنها عند مقارنتها بشرح القرافي (5) .
12 - شرح تنقيح الفصول: للشيخ الطايع بن الحاج الفاسي (شيخ القرويين ورئيس مجلسها) ت: 1377 هـ، كان شرحاً متداولاً بين أيدي طلابه، منهم:
عبد الرحمن الفاسي، وقد أثنى عليه كثيراً (6) .
_________
(1) انظر: المبحث التاسع، ص 207
(2) هو داود بن علي بن محمد القلتاوي الأزهري نسبة إلى جامع الأزهر بمصر، فقيه نحوي، أحد شيوخ المالكية، من تآليفه: شرح مختصر خليل، شرح الألفية في النحو، وشرح الآجرومية، وشرح التنقيح في الأصول للقرافي، ت 902 هـ. انظر: توشيح الديباج ص 99، نيل الابتهاج ص116.
(3) هو عبد العزيز بن محمد بن محمد بن أحمد المرابط السملالي السوسي، أبو فارس الأدوزي. أديب من فضلاء المالكية، من أهل أدوز بسوس المغرب، احترف التعليم، وتنقَّل في عدة مدارس. له كتب منها: شرح معلقة امريء القيس، شرح الشمَقْمَقية، شرح التنقيح بخطِّه غير تام. ت 1336 هـ. انظر: الأعلام للزركلي 4 / 27.
(4) هو أبو عبد الله محمد بن الشيخ حمودة بن أحمد بن عثمان جعيط، جمال العلماء وأستاذ الأدباء، كانت أوقاته معمورة بالتدريس والإفادة والعبادة، كان يقول الشعر، تولى الإفتاء سنة 1331 هـ. له رسائل وتآليف، منها: تراجم علماء تونس، تقارير على صحيح مسلم، شرح البردة، حاشية على التنقيح مفيدة طبعت في مجلدين، ت 1337 هـ. انظر: شجرة النور الزكية 1 / 423، الأعلام للزركلي 6 / 110.
(5) انظر: المبحث التاسع، ص 212
(6) انظر: كتاب: الشهاب القرافي حلقة وصل بين المشرق والمغرب 1 / 283. ولم أقف على ترجمته.
(1/73)

13 - حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح: لمحمد الطاهر بن عاشور (1) وحاشيته هذه مطبوعة بمطبعة النهضة سنة 1341 هـ بتونس. وسيأتي الكلام عنها عند مقارنتها بشرح القرافي (2) .
وأما مختصرات تنقيح الفصول فما عرفته منها هو ما يلي:
1 - إقليد الأصول. وهو مختصر تنقيح الفصول، للقاضي ابن فرحون اليعمري المدني (3) ، وهذا المختصر لم يكمِّله صاحبه، بل وصل فيه إلى باب النسخ.
2 - مختصر تنقيح الفصول. لمؤلفٍ مجهول.
والمختصر مطبوع بكامله ضمن مجموعة متون أخرى في كتاب واحد اسمه:
" متون أصولية مهمَّة في المذاهب الأربعة ". الناشر: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، سنة 1413 هـ.
المتن الأول: مختصر المنار لزين الدين الحلبي الحنفي (4) .
المتن الثاني: الورقات لإمام الحرمين الجويني الشافعي.
المتن الثالث: مختصر تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي المالكي.
_________
(1) هو محمد الطاهر بن عاشور، رئيس المفتين المالكيين بتونس، وهو من أعضاء مجمعي اللغة العربية في دمشق والقاهرة، له مصنفات مطبوعة، منها: تفسيره العظيم: التحرير والتنوير (ط) ، مقاصد الشريعة الإسلامية (ط) ، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (ط) . ت 1393 هـ. انظر: الأعلام للزركلي 6 / 174. وله ترجمة حافلة في مجلة جوهر الإسلام العد 3 - 4 سنة 10 / 1979 م بقلم الحبيب بن الخوجة بعنوان: شيخ الإسلام وشيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور.
(2) انظر المبحث التاسع، ص 217
(3) هو القاضي إبراهيم بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون اليعمري الجياني الأصل المدني المولد، من أهل بيت علم، كان عالماً بالفقه والنحو والأصول والفرائض والوثائق والقضاء وبالرجال وطبقاتهم، تولى قضاء المدينة، أظهر مذهب مالك بعد خموله، من تآليفه: تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات لابن الحاجب، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (ط) ، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (ط) ، ت 799 هـ. انظر: نيل الابتهاج ص 30.
(4) هو زين الدين أبو العز طاهر بن الحسن بن عمر الحلبي الحنفي، المعروف بابن حبيب. برع في الأدب والنظم، وله مشاركة في التأريخ، من آثاره: شنف السامع في وصف الجامع (جامع بني أمية) ، حضرة النديم من تاريخ ابن العديم (في تاريخ حلب) ، أرجوزة الروض المروض في العروض، مختصر منار الأنوار للنسفي (ط) ت 808 هـ. انظر: الضوء اللامع 4 / 3.
(1/74)

المتن الرابع: قواعد الأصول لصفي الدين البغدادي الحنبلي (1) .
ويلاحظ بأن تسمية مؤلف مختصر تنقيح الفصول بالشهاب القرافي تسمية خاطئة؛ لأنه لم يؤثر عن مصنفات القرافي مثل هذا المختصر؛ ولأنه كُتِب في آخر هذا المختصر ص (104) ((والحمد لله وحده، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. قال مختصِرُهُ: حُرِّر في مدينة دمشق)) . والقرافي لم يؤثر عنه خروجه من مصر ألبتة.
وقد جاء في أول هذا المختصر قوله: الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فهذا مختصر يتضمَّن فوائد جمَّة من قواعد الأصول التي شملها تنقيح الفصول. ورتّبته على عشرين باباً. والله وليُّ التوفيق.
وهذه المتون عليها تعليقات للشيخ القاسمي (2) ، قال في نهاية تعليقه على مختصر تنقيح الفصول: ((والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وقد تمَّ تحرير هذه التعليقات في أوائل شوال عام 1324 هـ بدمشق الشام بقلم الحقير جمال الدين القاسمي. ومجموعها مستمد من شرح الإمام القرافي رحمه الله لأصله المطبوع سنة 1307 هـ، فجزاه الله خير الجزاء، آمين)) .
هذه بعض الشروحات والحواشي والمختصرات التي أمكنني الوصول إلى معرفتها، وليس يبعد وجود غيرها مما لم أعلمه؛ وذلك لشهرة كتاب " تنقيح الفصول " واهتمام ذوي العلم به.
_________
(1) هو صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله، أبو الفضائل البغدادي الحنبلي، الإمام الفرضي، أقبل على العلم مطالعة ومدارسة وتصنيفاً وافتاءً، له: شرح المحرر في الفقه، تسهيل الوصول في علم الأصول، تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصره: قواعد الأصول (ط) وغيرها. ت 739 هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2 / 428.
(2) هو جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم القاسمي الدمشقي، رحل إلى مصر والمدينة، ثم استقر بدمشق وعكف على التصنيف والدروس في التفسير وعلوم الشريعة والأدب، وله تصانيف كثيرة، منها: محاسن التأويل في تفسير القرآن الكريم (ط) ، إصلاح المساجد من البدع والعوائد (ط) ، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (ط) ، دلائل التوحيد (ط) ، وغيرها. ت 1332 هـ. انظر: الأعلام للزركلي 2 / 131.
(1/75)

المبحث الثاني
عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه
المطلب الأول: عنوان الكتاب
لم يضع مصنِّفُه عنواناً محدداً له، فكلُّ الذي ذكره في هذا الصدد أن أطلق عليه اسم " شرح " فقط.
قال في نسخ الشرح الخطية ((أما بعد: فإن كتاب " تنقيح الفصول في اختصار المحصول " كان قد يسرَّه الله عليَّ ليكون مقدمة أول كتاب " الذخيرة في الفقه "، ثم رأيتُ جماعة كثيرة رغبوا في إفراده عنها، واشتغلوا به، فلمَّا كثر المشتغلون به رأيت أن أضع له شرحاً يكون عوناً لهم على فهمه وتحصيله. . .)) .
فالمصنف قد نسج للمتن تسميةً خاصةً به، وهي: " تنقيح الفصول في علم الأصول " كما جاء في نسخ المتن الخطيَّة (1) .
ولمَّا طفق يشرح متنه لم ينسج لشرحه تسميةً خاصةً به سوى أنه ذكر كلمة
" شرح "، وترددت هذه الكلمة في تضاعيف الكتاب حيث قال: ((وفي هذه المواطن مباحث ومُثُل كثيرة نقلتها في كتاب " شرح المحصول "، وجعلتها مسائل خلاف مستقلّة، ومعها مباحث شريفة هنالك، لا يحتمل هذا الشرح المختصر ذلك)) (2) .
كما أن المصنف أشار إلى كتابه هذا " شرح تنقيح الفصول " في كتابه " العقد المنظوم في الخصوص والعموم " ولم يتجاوز كلمة " شرح "، فقال: ((إشكالٌ عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أُوْرِدُهُ على الفضلاء، والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجد له جواباً يرضيني، وإلى الآن لم أجدْه، وقد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرهما، مما يسَّره الله تعالى عليَّ من الموضوعات في هذا الشأن، وهو. . . إلخ)) (3) .
_________
(1) انظر: المبحث السابق، ص (63) ، فقد تمَّ تحرير هذا الاختلاف ومناقشته.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول ص 125 (المطبوع) .
(3) العقد المنظوم 2 / 161.
(1/76)

ويتلخّص مما تقدّم ذكره أن عنوان الكتاب هو:
" شرح تنقيح الفصول في علم الأصول (أو في اختصار المحصول) "
وتعضيداً لما سبق تقريره من تسميةٍ للكتاب يمكن الاستئناس بالأوجه التالية:
أولاً: لو رُحْنا نتصفّح فواتح النسخ الخطيّة وخواتيمها لوجدنا اختلافاً يسيراً في تسمية الكتاب، ففي صحائف عناوين النسخ نجد ما يلي:
* النسخة ز، م: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول.
* النسخة ق: شرح تنقيح الفصول في علم الأصول.
* النسخة ش: شرح التنقيح في أصول الفقه.
* النسخة هـ: شرح التنقيح.
* النسخة ن: شرح كتاب التنقيح.
وقد خلت النسخ س، ص، ومن صفحة عنوان الكتاب إلاّ ما كان من صَنْعة المُفهرسين.
ونجد في خواتيم هذه النسخ ما يلي:
* النسخة ن: كَمُل شرح التنقيح.
* النسخة م: هذا آخر شرح الكتاب المسمَّى بـ" تنقيح الفصول في اختصار المحصول ".
* النسخة س: تمَّ شرح الكتاب نفع الله به المسلمين.
* النسخ ز، ص، ش، و: هذا آخر شرح الكتاب نفع الله به المسلمين.
أما النسخة هـ فلم ترد فيها خاتمة للكتاب؛ لأنها مجذوذة، بها وقفة كاتبٍ، كما سيأتي ذكر ذلك في وصفها (1) .
وبعد هذا العرض لهذا التفاوت اليسير في الأسماء يبدو لنا أن أكثرها يقوم على الرمز والإشارة إلى اسم الكتاب، لا على تحقيق اسمه كاملاً بالدقَّة، فالناسخ يصيغ اسماً
- ولو مُرمَّزاً - للدلالة وعلى مسمَّى الكتاب.
_________
(1) انظر وصفها ص (226) من القسم الدراسي.
(1/77)

وأدقّ هذه التسميات وأتمها العبارات التي جاءت في فواتح النسخ ز، م، ق.
وقد اخترتُ إثبات تسمية النسخة " ق " على وجه هذه الرسالة باعتبارها نسخة عريقة ومصحَّحة ومدقَّقة.
ثانياً: النسخ المطبوعة من الكتاب:
- طبعة تونس التي بهامش حاشية محمد جعيط جاء اسم الكتاب: شرح تنقيح الفصول.
- طبعة تونس التي بهامش حاشية محمد الطاهر بن عاشور جاء اسم الكتاب: شرح تنقيح الفصول في الأصول.
- طبعة تونس التي بهامش شرح حلولو " التوضيح " جاء اسم الكتاب: شرح تنقيح الفصول في علم الأصول.
- طبعة مصر بتحقيق / طه عبد الرؤوف سعد جاء اسم الكتاب: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول.
ثالثاً: الكتب التي ترجمت للمؤلف:
- جاء في الديباج المذهب ص (129) : ((وكتاب " التنقيح " في أصول الفقه وهو مقدمة " الذخيرة " وشرحه كتاب مفيد)) . وهو عين ما جاء في: شجرة النور الزكية (1 / 188) ، وقريباً منه في: الفتح المبين في طبقات الأصوليين (2 / 86) .
- وفي الوافي بالوفيات (6 / 233) : ((وله التنقيح وشرحه)) وهو عين ما جاء في: المنهل الصافي (1 / 216) .
- وفي حسن المحاضرة (1 / 316) : ((والتنقيح في الأصول وشرحه)) .
- في الأعلام (1 / 95) : ((له مصنفات جليلة في الفقه والأصول، منها: شرح تنقيح الفصول - ط)) .
رابعاً: الكتب التي عُنيت بأسماء الكتب والمؤلفين:
- عدَّ في كشف الظنون ص (499) كتاب " تنقيح الفصول في الأصول " من مصنفات الشهاب القرافي، ثم قال: ((وقيل: له شرحٌ عليه)) .
- وفي هديَّة العارفين (1 / 99) ((وشرح التنقيح له)) .
(1/78)

خامساً: الكتب التي نقلت عن شرح التنقيح:
لم أقف على كتابٍ من الكتب التي أفادت من " شرح تنقيح الفصول " بحيث ذكرتْ تسميةَ الكتابِ تامَّة، فمعظمها اكتفى بالإشارة إلى الاسم، مثل: " شرح التنقيح " (1) .
_________
(1) انظر على سبيل المثال: شرح مختصر الروضة للطوفي 1 / 214، 251، 440، تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد للعلائي ص 81، 202، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي ص 201، 318، البحر المحيط للزركشي 3 / 108، 4 / 502، 5 / 285، 8 / 41، شرح الكوكب المنير للفتوحي 1 / 95، 344، 3 / 293، 333، إرشاد الفحول للشوكاني 1 / 574، نشر البنود للعلوي 1 / 22، 2 / 100، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص 104، 120، 122، 166، 167، 232.
(1/79)

المطلب الثاني: نسبة الكتاب إلى القرافي
لم أجد أحداً تردَّد في نسبة كتاب " شرح تنقيح الفصول " إلى الشهاب القرافي، فكلُّ من ذكره نسبه إليه. ولست أعلم كتاباً يحمل هذا العنوان حتى يُنْسب إلى غير القرافي. وكتاب القرافي هذا ليس من الكتب الخاملة - عديمةِ الشهرة - حتى يُخشى من وقوع اللبس والوهم في اعتزائه إليه.
ويمكن أن نستمد ثقتنا ويقيننا بأن هذا الكتاب صحيح الانتساب إلى الإمام الشهاب من الأمور التالية:
أو لاً: أن اسم مؤلفه جاء مسطوراً على جميع نسخ الشرح الخطيّة.
ثانياً: أن المؤلف أحال في تضاعيف كتابه هذا على بعض كتبه الأخرى التي عُلِمتْ صحة نسبتها إليه (1) ، من هذه الكتب:
أ - الذخيرة في الفقه. انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص 75، 114
ب - الأمنية (في إدراك النية) . انظر: شرح التنقيح (القسم التحقيقي)
ص 383.
جـ - الاستغناء في أحكام الاستثناء. انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص 61، 258.
د - شرح المحصول (نفائس الأصول) . انظر: شرح التنقيح (المطبوع)
ص 16، 62، القسم التحقيقي ص 60.
هـ - الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة. انظر: شرح التنقيح (القسم التحقيقي) ص 60.
والإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام. انظر: شرح التنقيح (القسم التحقيقي) ص 478.
ثالثاً: أن المؤلف أحال في كتابه: ((العقد المنظوم في الخصوص والعموم)) على كتابه هذا " شرح تنقيح الفصول ". انظر: الجزء الثاني منه ص (161) .
_________
(1) انظرها في مبحث مصنفات القرافي، ص 49-60
(1/80)

رابعاً: ومما يُسعف في التحقُّق من نسبة الكتاب إلى القرافي إجماع المفهرسين للكتب، والمترجمين للقرافي الذين ذكروا الكتاب بنسبته إليه دون أدنى تلكؤٍ أو اختلاج رَيْب (1) .
خامساً: نقولات أرباب الأصول من كتاب " شرح تنقيح الفصول للقرافي " مع التصريح باسمه واعتمادهم عليه في اقتباساتهم، وهذا مسلك قوي، ومستمسك جليّ، يقطع بسلامة النسبة، ولاسيّما عند معارضة هذه النصوص المنقولة بأصل كتاب القرافي، فتظهر الموافقة والمطابقة (2) .
سادساً: تصريح المصنف في الكتاب ببعض أسماء أشياخه (3) الذين أخذ عنهم مشافهةً، هذا التصريح يدعم صحة نسبة الكتاب إليه. من ذلك:
أ - قول المصنف في شرح التنقيح (المطبوع) ص (33) ((وكان الخسروشاهي يقرره، ولم أسمعه من أحدٍ إلاّ منه. . .)) .
ب - وقوله في شرح التنقيح (القسم التحقيقي) ص (537) ((سئل الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله عن قتل الهر المؤذي، هل يجوز أم لا؟ فكتب - رحمة الله عليه وأنا حاضرٌ - إذا خرجت أذيته عن عادة القطط، وتكرر ذلك منه قُتِل. . .)) .
سابعاً: وإذا كانت القيافة من وسائل إثبات النسب (4) ، فإن من اقتاف أسلوب القرافي، وتتبَّع نهجه في كتابه لا يجدُ بُدّاً من تسليم صحة نسبته إليه، فإن من سبر أغواره، واستكشف أسراره، اشتمَّ منه نَفَسَ القرافي المعهود في سائر كتبه، ومن أصدق القرائن المحتفّة بالكتاب، الشاهدةِ بصحة هذه القيافة: ولوع القرافي بإيراد الإشكالات، وإبداء الفروقات، وتقرير القواعد، وتكثير الفوائد، وانتهاجُه منهاج الحِجَاج، وأسلوب المناظرة، وطريقة الجدل، وهذه عادةٌ قَرَافيَّةٌ جرت في كل ما وقفتُ عليه من كتبه.
_________
(1) انظر الشواهد على ذلك فيما مرّ ذكره قريباً عند الكلام عن تحقيق عنوان الكتاب، ص 78
(2) انظر على سبيل المثال الإحالات الواردة في هامش (1) ص (79) من القسم الدراسي.
(3) انظر مبحث شيوخ المصنف ص 38-40
(4) قال ابن حزم ((فصحّ أن القيافة علم صحيح يجب القضاء به في الأنساب والآثار)) المحلى 10 / 182.
وانظر تعريف القيافة ص (449) من القسم التحقيقي.
(1/81)

المبحث الثالث
الباعث على تأليف الكتاب وزمن تأليفه
المطلب الأول: الباعث على تأليف الكتاب
لمعرفة دواعي التأليف فوائد جمَّة، لها أثر في معرفة منهج المؤلف، ونوعية الدراسة التي قام بها.
وقد تعارف المؤلفون على أن يُصدِّروا كتبهم بمقدّمةٍ يكشفون فيها سبب تأليف الكتاب، وطرفاً من معالم منهجهم فيه، وما يهمُّ القاريء معرفته حتى يكون على درايةٍ فيما يقرؤه.
وقد استهلَّ القرافي كتابه بمقدمةٍ أعلن فيها هدفه بوضوح، فقال: ((أما بعد فإن كتاب " تنقيح الفصول في اختصار المحصول " كان قد يسَّره الله عليّ ليكون مقدمة أول كتاب الذخيرة في الفقه. ثم رأيت جماعةً كثيرة رغبوا في إفراده عنها واشتغلوا به، فلمَّا كثر المشتغلون به رأيت أن أضع له شرحاً يكون عوناً لهم على فهمه وتحصيله، وأبيّن فيه مقاصد لا تكاد تُعْلم إلاّ من جهتي، لأني لم أنقلها عن غيري، وفيها
غموض،. . .)) .
وإذا ربطنا هذه المقدِّمة مع مقدِّمة المتن " تنقيح الفصول " (1) باعتبار الكتاب وحدة واحدة أمكن استخلاص بواعث القرافي على تأليف الكتاب متناً وشرحاً كما يلي:
1 - أن قواعد الفقه وأصوله من أنفس العلوم التي يحتاج إليها الفقيه عوناً له على التحصيل، وابتناءً لفروعه على التأصيل، وفهماً لمدارك العلماء في الأحكام، ومآخذ الفقهاء في الحلال والحرام.
2 - كثرة المشتغلين بمتن الكتاب وتداوله بينهم إقراءً ومذاكرةً وشرحاً وتدريساً احتفاءً به واعترافاً بقدْره، هذا الشأن حدا بالمصنف أن يصنع لهم شرحاً له، ولاسيما أن المصنف انكشفت له بعض الملاحظات على المتن أو نُبّه عليها، فأراد إصلاحها في الشرح (2) .
_________
(1) انظر: الذخيرة 1 / 39، 55. وانظر مبحث التعريف بمتن الكتاب من هذا الفصل ص (63) القسم الدراسي.
(2) انظر أمثلة على ذلك في: الصفحات 180-183 من القسم الدراسي.
(1/82)

3 - لقد بالغ القرافي في مختصره الأصولي في إيجاز العبارة بالرمز والإشارة، مما جعل كتابه في مسيس الحاجة إلى الشرح والإيضاح، فشرَحه على وجهٍ لا يُفضي إلى الإطناب، ولا يُخلّ بشيء من لطائف الكتاب، فلم يكن مطوَّلاً فيُمِلُّ إملالاً،
ولا مختصراً فيُخِلُّ إخلالاً.
4 - مُكْنَة القرافي وأهليّته على إيفاء الكتاب حقّه، بتحرير معاقده، وتفسير مقاصده، وتذليل صعابه، وفكِّ غوامضه، وحلِّ ألفاظه، وتوضيح معانيه؛ لأن القرافي ضمَّن مختصره مباحث من بنات أفكاره دون أن ينقلها عن غيره، وفيها غموض لا يُزَال إلاّ من جهته.
5 - إشهار المذهب المالكي الأصولي بين سائر المذاهب الأخرى، لتسمو مكانتهم ومنزلتهم الأصولية كما بزغتْ شمسهم في الفروع، وليرتفع العتب والملام عن الأئمة الأعلام عند مخالفة أحدهم لأصله لمعارضٍ أرجح منه. قال في الذخيرة (1 / 39) : ((وبيّنتُ مذهب مالك في أصول الفقه ليظهر علوُّ شرفه في اختياره في الأصول، كما ظهر في الفروع، ويطّلع الفقيه على موافقته لأصله، أو مخالفته له؛ لمعارضٍ أرجح
منه، فيطلبه حتى يطّلع على مدركه، ويُطْلِع المخالفين في المناظرات على أصله)) .
(1/83)

المطلب الثاني: زمن تأليف الكتاب
ورَّث القرافي ثروة نفيسة من مؤلفاته في فنون متنوعة عبر مشوارٍ علمي حافل، ومعرفةُ زمن تأليف الكتاب له أثرٌ ملموس يظهر في تحديد سَبْق المؤلف إلى رأيٍ سديدٍ أو تحريرٍ مفيدٍ، كما يمكن تحديد مدى إفادة المعاصرين للمؤلف من مؤلَّفه (1) .
كما أن معرفة الظروف الزمانية المحيطة بتأليف الكتاب تفيد في معرفة الرأي الذي استقرَّ عليه المؤلف أخيراً، وتفيد أيضاً في الوقوف على الأقدار العلمية والأطوار الفكرية للمصنف، فما كتبه في صدر شبابه وبداية مشواره، ليس كالذي كُتِب في أوْج سِنِّه واستواء نُضْجه.
وكتاب شرح تنقيح الفصول لم يشر القرافي إلى بداية تأليفه له، ولا الفترة الزمنية المستغرقة في تأليفه، وإنما مشى المصنف مع ما جرت به عادة بعض المؤلفين من تسجيل تاريخ الفراغ من تصنيفه، فها هو يقول: ((كان الفراغ من تأليفه يوم الإثنين لتسع ليالٍ مضتْ من شهر شعبان سنة سبعٍ وسبعين وستمائة)) (2) .
فعلى هذا يعدُّ هذا الكتاب من أواخر مصنفاته، لم يبق بينه وبين وفاته سوى سبع سنوات عليه رحمة الله تعالى.
وفي الصفحة التالية مخطَّطٌ زمني يحدد موقعه ضمن تآليفه الأخرى:
_________
(1) برزت هذه الظاهرة بوضوح مع شمس الدين محمد بن محمد الأصفهاني (ت 688 هـ) . فقد كان ينقل في كتابه: " الكاشف عن المحصول " كثيراً من تقريرات القرافي على شرح المحصول، والإشكالات عليه، وأجوبتها دون أن يذكره باسمه ولو مرةً واحدة. انظر: القسم الدراسي للجزء الأول من كتاب نفائس الأصول تحقيق د. عياض السلمي ص 121. كما قرَّر ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (8 / 101) بأن الأصفهاني أخذ محاسن ما في نفائس الأصول، ونقّحها، وحسَّنها أجود مما عند القرافي، ولكن الفضل يعود إلى القرافي في ابتكاره لها.
(2) انظر خواتيم بعض نسخ الشرح الخطية في الصفحات: 240، 253، 262.
(1/84)

المبحث الرابع
موضوعات الكتاب ومضامينه، ونظام ترتيبه
المطلب الأول: موضوعات الكتاب ومضامينه:
كانت طريقة الأوائل في مقدمات تآليفهم أن يضبطوا مقالاتِ الكتاب وأبوابَه بحيث يقف الناظر من مقدمة الكتاب على ما في أثنائه من تفاصيله.
فكل علمٍ لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه، فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومبانيه (1) .
وكتاب شرح تنقيح الفصول للقرافي لم ينوِّه صاحبه رحمه الله في مطلع كتابه إلى موضوعات الكتاب ومضامينه سوى أنه وشَّحه بقواعد جليلة وفوائد جميلة (2) .
بَيْد أنه صرَّح في كتابه المتن: " تنقيح الفصول " بأنه نَظَم مباحث الأصول في عشرين باباً تندرج تحتها مائة فصل وفصلان (3) ، وسبق لي سرد هذه الأبواب إجمالاً في المبحث الأول من هذا الفصل (4) .
ولعلَّ السرَّ الكامن وراء ترك القرافي تسمية هذه الأبواب والفصول في المقدمة هو كون الكتاب مختصراً، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى كونه تابعاً إلى حدٍّ كبير ترتيب وتبويب المحصول للرازي.
قال الطوفي: رحمه الله بعد أن عدد موضوعات تنقيح القرافي: ((وهو قريب من الترتيب قبله (وهو المحصول) ومقتضب منه، وهو (أي القرافي) كثيراً ما يَأْتمُّ بالإمام أبي عبد الله الرازي فيما يصحُّ عنده، على جهة التأدب والاعتراف بالفضيلة)) (5) .
هذا، وليس القصد من وراء هذا المبحث عرض ما حواه هذا القسم الثالث من الكتاب من مباحث تفصيلية ومسائل جزئية؛ لأن هذا موضعه في فهارس الكتاب.
_________
(1) انظر: المستصفى 1 / 34، شرح مختصر الروضة 1 / 98.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 2.
(3) انظر هذا المتن في مقدمة الذخيرة 1 / 55.
(4) انظر: ص 67- 69
(5) انظر: شرح مختصر الروضة 1 / 105.
(1/86)

وإنما المراد إعطاء القاريء تصوّراً إجمالياً عن الموضوعات الرئيسية التي حفل بها هذا القسم، ومدى أهميّته في أصول الفقه.
وبنظرةٍ فاحصة شمولية إلى موضوعات الكتاب أمكن تثليثه إلى ثلاثة أجزاء:
القسم الأول (1) : يشتمل على التعريفات والحدود والاصطلاحات، والأحكام التكليفية والوضعية التي يُفْتقر إليها في أصول الفقه. وهذه موضوعات تعتبر بمثابة الإرهاصة والتقْدِمة لدراسة الأصول. وهو يبدأ من الباب الأول، وينتهي بنهاية الباب الثالث.
القسم الثاني (2) : يشمل دلالات الألفاظ من الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبيّن، والمفاهيم. . . وهو يبدأ بالباب الرابع، وينتهي بالباب الثاني عشر. وهذه الموضوعات تعتبر ركيزة العمل الأصولي، فالأصوليون خاضوا معترك الدلالات باعتبارها طرق استثمار أدلة الأحكام الشرعية، وميدان الاجتهاد البياني.
وأما القسم الثالث: فلقد حفل بأهم موضوعات الأصول، التي هي أساس استنباط الأحكام الشرعية، وينبوع التفاريع الفقهية، فأتت موضوعاته على النحو التالي: أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنسخ، والإجماع، والخبر، والقياس، والتعارض والترجيح، والاجتهاد، والتقليد والفتوى، والأدلة المختلف في الاحتجاج بها.
وهذه المواد تشغل حيزاً كبيراً من كتب الأصول، بل هي لبُّه وأساسه. وناهيك بمبحث القياس وما يكتنفه من وعورة وعمقٍ عن غيره من المباحث، إليه المَفْزع إذا فُقِدتْ نصوص الشرائع، وظُنَّ ضيقُ المسالك وانسداد الذرائع.
إذا أعْيا الفقيهَ وجودُ نصٍ تعلَّق لا محالةَ بالقياس (3)
ثم إن النظر في الأدلة من اختصاص المجتهد، فلابد من معرفة مؤهلاته وصفاته وشرائطه ومسالكه في درء التعارض الواقع بين الأدلة والتراجيح بينها.
تلكم هي الخطوط العريضة لمضامين هذا الجزء أو القسم من هذا الكتاب الذي قمت بتحقيقه ودراسته.
_________
(1) تكفَّل أخي وصديقي المبارك / سعيد بن عفيف بتحقيقه ودراسته.
(2) اشتغل بتحقيقه أخي وصديقي الفاضل / حسن بن إبراهيم بن خلوفة.
(3) لم أقف على قائله، لكني وجدته في كتاب: التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين لابن السِّيد البطليوسي ص 213.
(1/87)

المطلب الثاني: نظام الكتاب وترتيبه
أما نظام ترتيب أبواب الكتاب وموضوعاته، فلا تسأل عن حُسنه وجودته، قد انتظم عِقْده في تسلسل منطقي ملائم، بحيث تبدو العلاقة واضحةً بين الموضوع في سياقه وسباقه ولحاقه.
فإذا نظرنا إلى الأقسام الثلاثة السالفة الذكر وجدناها متَّسقةً ومنسجمة، فالبدء كان بالحدود والتعريفات والأحكام الشرعية، ثم بمباحث دلالات الألفاظ، ثم بأدلة الشريعة المتفق عليها، فالمختلف فيها.
لكن لو جال البصر في نطاق دائرة القسم الأول لبدا لنا من الوهلة الأولى وجود بعثرةٍ في بعض فصول الباب الأول الذي أدرج القرافي تحته عشرين فصلاً. ففي الفصل الأول يتحدث عن حدِّ الحدّ، ثم ينتقل في الفصل الثاني إلى تفسير أصول الفقه، وفي الفصل الثالث: يبحث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل. وهكذا يجيء في الفصل الحادي عشر إلى الكلام عن خمس حقائق لا تتعلق بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم، ثم عن الحكم الشرعي، ثم عن الحسن والقبح، ثم عن الحقوق، ثم عن المعلومات وهكذا، وفي الباب الثالث يعقد مبحثاً في تعارض الألفاظ، وربما كان الأليق به أن يتأخر حتى يُدمج مع الباب الثامن عشر الذي في التعارض والترجيح.
وإذا كانت البعثرة والشَّتات سِمةً للقسم الأول من الكتاب، فإنك لا تلمس ذلك في بقية الكتاب، بل لقد جاءت مباحثه فصولاً وأبواباً منتظمة ومتسلسلة في حلقات يأخذ خِطَامُ بعضِها ببعض.
وتبياناً لهذا التسلسل المنطقي والترتيب الموضوعي أقول:
? الأدلة التشريعية إما أن تكون نصِّية أو مستنبطة. والنصيّة إما قولية أو فعلية ممن لا يجوز عليهم الخطأ، وهم: الله تعالى، والنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإجماع الأمة. والصادر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وعن الأئمة إما قولٌ أو فعلٌ، والفعل لا يدل إلاّ مع القول فتكون الدلالة القولية مقدمة على الدلالة الفعلية، والدلالة القولية تتناول البحث عن دلالات الألفاظ.
? ثم يجيء ذكر أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدها، وتقدمها على النسخ إنما كان؛ لأن الأفعال موجِبة ومثبتة ويدخل عليها النسخ.
?
(1/88)

ثم يأتي النسخ بعد الأفعال وقبل الإجماع؛ لأنه يدخل على الخطاب والأفعال، ويغيّر الأحكام، وهو لا يدخل على الإجماع.
? ويُذكر الإجماع ويقدّم على الخبر والقياس؛ لأن الإجماع دليل مقطوع به والخبر أكثره مظنون، وبالإجماع يُستدل على حجيّة القياس فكان أصلاً للقياس، والأصل مقدّم على الفرع.
? ثم يجيء ذكر الخبر بعد الأدلة المنصوصة القولية والفعلية والإجماع؛ لأن من لم يشاهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا أهل الإجماع، لا تصل إليه هذه الأدلة إلاّ بالنقل، فلابد من البحث عن النقل، وأحوال النقلة، وهو باب الأخبار.
? ويقدّم باب القياس على باب التعارض والترجيح، وباب الاجتهاد، وباب الأدلة المختلف فيها؛ لأنه دليل من أدلة الشرع مثبت، والمجتهد إنما يفتي إذا عرف القياس، وأدلة التشريع، والترجيح بين الأدلة البادية التعارض.
? وإذا ما انتهت مباحث الأدلة المتفق عليها (الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس) كان ختام الكتاب بذكر أدلةٍ اختلف المجتهدون في كونها طُرقاً إلى الأحكام الشرعية (1) .
وبهذا جاءت أبواب الكتاب وفصوله متتابعة النَّسق، متراصِفَة النَّظم، متناسبة الفِقَر، مطَّردة الانسجام، حسنة المنحى، منطقية التسلسل.
وفي ختام هذا المبحث يجدر التنبيه على ثلاث ملاحظات طالما أن مقام الكلام هنا عن النظام والترتيب والتبويب (2) .
الملاحظة الأولى: أن القرافي قال في مقدّمة كتابه " تنقيح الفصول ": ((ولخَّصْتُ جميع ذلك في مائة فصل وفصلين في عشرين باباً)) (3) .
فلو عَدَدْتَ فصول الكتاب لم تجد فيها زيادة على المائة إلاّ فصلاً واحداً مع أن المؤلف قال هنا: مائة فصل وفصلين، فبم يُجاب؟
_________
(1) سار على هذا المنحى بعض كتب الأصول على تفاوتٍ يسير بينها. منها: المعتمد لأبي الحسين البصري
1 / 8 - 9، التمهيد لأبي الخطاب 1 / 121 - 123، المحصول للرازي 1 / 167 - 169، شرح مختصر الروضة للطوفي 1 / 101 - 108.
(2) انظر مزيداً من الملاحظات على تسلسل وترتيب موضوعات الكتاب في: ص 167-168 من القسم الدراسي.
(3) انظر: مقدمة الذخيرة 1 / 55.
(1/89)

أجيب (1) : بأن الفصل المتمم لهذا العدد هو الفصل الأول في حقيقة الاجتهاد في الباب التاسع عشر (2) ؛ لأن المصنف أسقط لفظ الفصل هنالك مع أنه مرادٌ في المعنى، إذ عادة المصنف في سائر الأبواب أنه يقدّم فصل الحقيقة. فالصواب أن يقول المصنف: ((الباب التاسع عشر: في الاجتهاد، وفيه عشرة فصول. الفصل الأول: في حقيقته. وهو استفراغ الوسع في المطلوب لغةً. . .)) . وبهذا يتم استيفاء العدد المذكور.
الملاحظة الثانية: أن قول القرافي بأنه رتَّب كتابه في عشرين باباً يوهم بأن كل بابٍ تحته فصول أو فصلان على أقل تقدير. وحقيقة الأمر أن هناك خمسة أبوابٍ ليس فيها فصلٌ أصلاً، وهي:
الباب الثاني: في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه (3) .
الباب الثالث: في تعارض مقتضيات الألفاظ (4) .
الباب السابع: في أقل الجمع (5) .
الباب العاشر: في المطلق والمقيد (6) .
الباب الحادي عشر: في دليل الخطاب (7) .
كما أن من عادته عنونة الفصول بما يناسبها من العناوين، ما عدا الفصل الأول من الباب الثامن عشر، فإن القرافي لعلَّه ذهل عن تسجيل عوان له (8) .
الملاحظة الثالثة: أن القرافي قسّم الباب العشرين إلى فصلين. الفصل الأول: في أدلة المجتهدين. والفصل الثاني: في تصرفات المكلفين.
أما الفصل الأول فهو من صميم مباحث أصول الفقه. وأما الفصل الثاني فليس من اختصاص الأصولي بل يتعلّق بنظر الفقيه، فلا علاقة له ألبتة بمباحث أصول الفقه (9) .
_________
(1) انظر: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للشوشاوي، القسم الأول ص 77، القسم الثاني ص 1058.
(2) انظر: ص 436 القسم التحقيقي.
(3) انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص 99.
(4) انظر: المصدر السابق ص 112.
(5) انظر: المصدر السابق ص 233.
(6) انظر: المصدر السابق ص 266.
(7) انظر: المصدر السابق ص 270.
(8) انظر: ص 402 من القسم التحقيقي.
(9) ولهذا أضْرب صَفْحاً عن شرحه الشيخ حلولو في التوضيح ص (414) وقال: ((جملة ذلك يختص بنظر الفقيه لا الأصولي)) .
(1/90)

ولقد حاول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور تسويغ عقد المصنف لهذا الفصل ضمن مباحث الأصول، فقال: ((ذكر في هذا الفصل قواعد وضوابط تتفرّع عنها تصاريف أبواب الفقه، وتفيد العالم بها ملكةً يفهم بها خواص الأبواب وفروقها، فلا تكاد تشتبه عليه أحكام الأبواب المتشابهة، وذلك عون كبير على فقه القضاء والفتوى.
ويُعبّر عن هاته الضوابط والقواعد والكليات بـ" الأصول القريبة "؛ لأنها تتفرع عنها أحكام فقهية، ووصِفتْ بالقرب؛ لأن علاقتها بالفقه أقرب من علاقة مسائل الأصول المتعارفة به، حتى إنك تجد كثيراً منها عبارةً عن مسائل فقهية مدونة بكيفيةٍ كليةٍ تنطبق على أبواب كثيرة، وهي نفسها متفرِّعة عن دلائل الفقه الإجمالية التي هي الأصول المتعارفة. فإذا نُظر إليها بالنسبة لعلم الأصول كانت فروعاً، وإذا نظر إليها بالنسبة لجمعها فروعاً كثيرةً في جهةٍ واحدة بحيث يمكن للفقيه أن يستحضر بسببها بعض الفروع كانت أصولاً، فسمَّوها " القريبة " للاحتراز عن أصول الفقه.
وقد ذكر المصنف هنا منها طائفةً نافعة بعد فراغه من أصول الفقه قصداً لجعلها برزخاً بين الأصول وبين الفقه الذي ذكره في كتابه " الذخيرة " التي جعل لها هذا الكتاب توطئةً كما قدَّمه في الديباجة)) (1) .
ثمَّ إن اختتام الكتاب بمثل هذا الفصل النافع الجامع لتصرفات المكلفين لعلَّه تمشّياً مع عادة مالكية حميدة، امتازت بها طريقة التصنيف عندهم، ولهذا لا عجب أن ختم القرافي كتابه " الذخيرة " بكتاب الجامع، وعبّر عن سرِّ صنيعه هذا بقوله: ((وهذا الكتاب (يقصد: الجامع) يختصُّ بمذهب مالك، ولا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب، وهو من محاسن التصنيف؛ لأنه تقع فيه مسائل لا يناسب وضعها في رُبْعٍ من أرباع الفقه، أعني: العبادات، والمعاملات، والأنكحة، والجنايات. فجمعها المالكية في أواخر تصانيفهم وسمَّوْها بـ" الجامع " أي: جامع الأشتات من المسائل التي
لا تناسب غيره من الكتب، وهي ثلاثة أجناس: ما يتعلق بالعقيدة، وما يتعلق
بالأقوال، وما يتعلق بالأفعال. . .)) (2) .
_________
(1) حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح 2 / 233. .
(2) انظر: الذخيرة 13 / 231 - 232.
(1/91)

ومهما قيل من أسباب، فإننا يمكن أن نَسْتَلْهِم سبب إقحام هذا الفصل في كتابه المؤسس على أصول الفقه مما ذكره في عبارته الأخيرة من المتن " تنقيح الفصول " إذ يقول: ((فهذه أبواب مختلفة الحقائق والأحكام، فينبغي للفقيه الإحاطة بها لتنشأ له الفروق، والمدارك في الفروع)) (1) .
_________
(1) انظر: ص (538) القسم التحقيقي.
(1/92)

المبحث الخامس
موارد الكتاب ومصادره
إن مما يميّز الكتاب، ويرجِّح كِفَّة ميزانه أصالة مصادره وتنوّعها، وكذلك قدرة مؤلفه على الإفادة منها، وحسن اقتناص الفوائد التي حوتها.
وإن الواقف على كتب القرافي في جملتها يلمح حرصه البالغ، واهتمامه الشديد بالكتب والتآليف والمراجع؛ لأن إنطلاقة العلم والبحث لا يمكن أن تسمو وترقى دون أن تستند إلى أرضية صلبة من تراث الأمة الفكري. ويُخيَّل إليَّ أن القرافي يمتلك مكتبة كبيرة جداً عامرةً بشتى الفنون والعلوم.
فانظر - يا رعاك الله - إليه وهو يحشد عدداً كبيراً من كتب الفقه المالكي فقط عند تأليفه للذخيرة ناهيك عن مصادره الأخرى فيه. قال في الذخيرة (1 / 39) :
((
وقد جمعت له من تصانيف المذهب نحو أربعين تصنيفاً ما بين شرحٍ، وكتابٍ مستقل، خارجاً عن كتب الحديث واللغة)) .
وأمَّا مصادره الأصولية التي هي موضع احتفائنا بها هنا فقد نيَّفت على الثلاثين مصدراً في كتابه " نفائس الأصول " حيث قال: ((وجمعت له نحو ثلاثين تصنيفاً
في أصول الفقه للمتقدّمين والمتأخرين من أهل السنة والمعتزلة، وأرباب المذاهب
الأربعة. . .)) (1) .
هذه الوفرة الكثيرة من المصادر كانت تلازم القرافي باعتبارها آليَّات بحثه وتأليفه. ولهذا لمّا عرضتْ له مشكلة بدا فيها تناقض الرازي في محصوله في لفظة " البَخْت "
و" البحث "، قال: ((ثم بعد وضع كتاب الفصول طالعت كتباً كثيرة فوجدت هذه اللفظة فيها مضبوطة. . .)) (2) .
وانظر موقع " شرح تنقيح الفصول " الزمني، إذ يُعدُّ من خواتيم تآليفه، فالظن عندي غالبٌ أن القرافي قد استفاد كثيراً من جملة المصادر التي سلف اعتماده عليها. ولقد زَخَر هذا الشرح بالنصوص والآراء المنقولة عن العلماء السابقين، وقد
_________
(1) نفائس الأصول 1 / 91.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 173، وانظر: ص 166 من المطبوع.
(1/93)

أفاد منها القرافي، لكن المصنف لم يصرِّح بجميع موارده في الكتاب، ولم يكشف في مقدّمة شرحه عن المصادر التي استمدّ منها مادته، والمراجع التي ارتوى منها. نعم لقد نصَّ في المتن " تنقيح الفصول ": بأنه أفاد من " الإفادة "، وحصّل من " المحصول "، وأشار إلى " الإشارة "، ونقل باختصار من " مقدمة ابن القصّار " (1) .
وفي الحقيقة ليست هذه كل مصادره، بل أفاد من عدد يزيد على أضعاف أضعافها في " شرح التنقيح ". ولقد استفتيتُ كتاب القرافي نفسه، واستنطقتُ سطوره وكلماته، وذلك بملازمة قراءته، وتمعُّنِ مادّته، وعرض محتوياته على مصادر التوثيق المتنوعة، وكان همّي - وأنا أحقق الكتاب - مراجعة النصوص من مصادرها الأصلية، ولاسيما التي ذُكرتْ أسماؤها، ولقد وُفِّقتُ في توثيق كثيرٍ منها، لكنَّ أسباباً حالت دون ذلك في بعضها الآخر، منها:
- ضياع بعض الكتب وفقدانها، أو أنها في غياهب خزائن المخطوطات في زوايا مهملة لم تُعرِّف بها الفهارس والمسارد.
- بقاء بعضها مخطوطاً لم يقيّض له أن يطبع حتى كتابة هذه السطور.
- تنائي بعضها عن الأيدي مما لم يمكِّن الباحث من الوصول إليه بسهولة.
مسرد المصادر:
وإليك الآن مسرداً بالمصادر التي استقى منها القرافي مادته العلمية دون التعريف
بها؛ لأن ما نصَّ عليه المؤلف قد جاء التعريف به في موضعه في أثناء التحقيق، وما لم ينصَّ عليه جاءت بياناته مستوفاةً في فهرس المصادر.
وقد جعلتُ المسرد في قسمين، القسم الأول: في المصادر المصرّح بأسمائها، وفي هذا القسم لم أشر إلى مواضع الاستفادة منها في الكتاب؛ لأن فهرس أسماء الكتب الواردة في النص فيه غناء عن ذلك. والقسم الثاني: في المصادر التي أفاد منها دون التصريح بأسمائها، وهي على ضَرْبين، الضرب الأول: مصادر كتابيّة، وقد أحلت على بعض المواضع من الكتاب التي أحسب أنه أفاد منها، والثاني: مصادر شفوية، وهي ما سمعه القرافي من مشايخه وأقرانه ونظرائه مشافهةً من غير واسطة.
_________
(1) انظر: المبحث الأول من هذا الفصل، ص 69 القسم الدراسي.
(1/94)

القسم الأول: المصادر المصرَّح بأسمائها:
أولاً: في أصول الفقه:
1 - الرسالة للإمام الشافعي (ط) .
2 - الملخَّص للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي.
3 - المعتمد لأبي الحسين البصري (ط) .
4 - اللُّمع لأبي إسحاق الشيرازي (ط) .
5 - البرهان لإمام الحرمين الجويني (ط) .
6 - المستصفى لأبي حامد الغزالي (ط) .
7 - شفاء الغليل في بيان الشَّبه والمخيل ومسالك التعليل لأبي حامد الغزالي (ط) .
8 - الأوسط لابن بَرْهان البغدادي.
9 - شرح البرهان، المسمَّى: إيضاح المحصول من برهان الأصول لأبي عبد الله المازري.
10 - المحصول للإمام الرازي (ط) .
11 - شرح البرهان، المسمَّى: التحقيق والبيان في شرح البرهان لأبي الحسن الأبياري (رسالة دكتوراه بأم القرى) .
12 - التنقيح في اختصار المحصول، المسمَّى: تنقيح محصول ابن الخطيب لأمين الدين المظفَّر التبريزي (رسالة دكتوراه بأم القرى) .
13 - الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين الآمدي (ط) .
14 - شرح المحصول، المسمَّى: نفائس الأصول. للمؤلف نفسه.
ثانياً: في الفنون الأخرى:
1 - التوراة (العهد القديم) (ط) .
2 - النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، لابن أبي زيد القيرواني، في الفقه (مخطوط) .
3 - المحلَّى لابن حزم، في الفقه (ط) .
4 - المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات الأمهات مسائل المشكلات. لابن رشد (الجد) ، في الفقه
(ط) .
(1/95)

5 - الجدل للحصكفي، في الجدل.
6 - الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين، في علم الكلام (طبع منه جزء، والباقي مخطوط أو مفقود) .
7 - الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة للمصنف نفسه، في العقيدة (ط) .
8 - الغياثي ويسمى أيضاً: غياث الأمم في التياث الظُّلَم، في السياسة الشرعية
(ط) .
9 - الإيضاح العضدي لأبي علي الفارسي، في علم الصرف (ط) .
10 - إحياء علوم الدين للغزالي، في الرقائق والتصوف (ط) .
11 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، في السيرة والشمائل
(ط) .
12 - الأمنية في إدراك النية للمؤلف نفسه، في الفروق والقواعد الفقهية (ط) .
13 - الإحكام في تمييز الفتاوى والأحكام في تصرفات القاضي والإمام للمؤلف نفسه، في الفروق والقواعد الفقهية (ط) .
القسم الثاني: المصادر غير المصرح بأسمائها.
إنما جازت الدعوى بأن المصنف نقل منها؛ لأنه صرَّح بأسمائهم دون كتبهم، ومن المعلوم أن النقل سيكون من كتبهم؛ لأنني بالتتبع والاستقراء وجدت القرافي لم يلجأ إلى النقل بالواسطة، والله أعلم.
الضرب الأول: المصادر الكتابيّة:
1 - المقدِّمة في أصول الفقه لابن القصّار المالكي، في الأصول (ط) انظر مواضع الإفادة في: 3، 441، 445، من القسم التحقيقي.
2 - التقريب والإرشاد للباقلاني، في الأصول (طبع منه ثلاثة أجزاء) . انظر: ص 45 من القسم التحقيقي، وانظر: ص 149 من المطبوع.
3 - الإفادة للقاضي عبد الوهاب البغدادي، في الأصول. انظر ص 267 من المطبوع.
4 - إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي، في الأصول (ط) . انظر الصفحات: 5، 513 من القسم التحقيق.
(1/96)

5 - الإشارة في معرفة الأصول لأبي الوليد الباجي، في الأصول (ط) انظر:
ص 424، 427 من القسم التحقيقي.
6 - شرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي، في الأصول (ط) . انظر: ص 64 من القسم التحقيقي.
7 - المنتخب للإمام الرازي، في الأصول (رسالة دكتوراة بجامعة الإمام) .
انظر: ص (485) القسم التحقيقي.
8 - المعالم للإمام الرازي، في الأصول (ط) . انظر (46) القسم التحقيقي.
9 - الحاصل من المحصول لتاج الدين الأرموي (1) ، في الأصول (ط) . انظر: ص (173) القسم التحقيقي.
10 - التحصيل من المحصول لسراج الدين الأرموي، في الأصول (ط) . انظر: ص (173) القسم التحقيقي.
11 - تلخيص المحصول لنجم الدين النقشواني (2) ، في الأصول (رسالة دكتوراة بالجامعة الإسلامية) . انظر: ص (173) القسم التحقيقي.
12 - قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعز الدين بن عبد السلام، في الأصول والقواعد الفقهية (ط) . انظر: ص (525) القسم التحقيقي.
13 - الكشاف للزمخشري (3) ، في التفسير (ط) . انظر: ص (25) القسم التحقيقي.
_________
(1) هو محمد بن الحسين بن عبد الله الأرموي من تلاميذ الفخر الرازي، برع في العقليات، من مؤلفاته: الحاصل (ط) اختصر به محصول الرازي، ت عام 653 هـ وقيل: 656 هـ. انظر: الوافي بالوفيات
3 / 353، طبقات الشافعية للإسنوي 1 / 451.
(2) هو أحمد بن أبي بكر بن محمد نجم الدين النقشواني أو النخجواني نسبة إلى بلاد بأقصى أذربيجان، من تآليفه: تلخيص المحصول (رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية) وله شرح الإشارات، وشرح كليات القانون لابن سينا. توفي في حدود 651 هـ. انظر: روضات الجنات 1 / 77.
(3) هو أبو القاسم جار الله محمد بن عمر بن محمد الخوارزمي المعتزلي، برع في اللغة والنحو والتفسير، من مؤلفاته: المفصَّل (ط) ، الكشاف (ط) ، أساس البلاغة (ط) وغيرها. ت عام 538 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 12 / 179، معجم الأدباء 19 / 126.
(1/97)

14 - تكملة إصلاح ما تغلط فيه العامة لابن الجواليقي (1) . في اللغة (ط) . انظر: ص (196) القسم التحقيقي.
15 - نقَلَ عن الزناتي، ويخيَّل إليّ أنه من رسالة له بعنوان: الكشط عن
المقلدين. انظر: ص (446) القسم التحقيقي.
الضرب الثاني: المصادر الشفوية.
1 - نقل عن العز بن عبد السلام في مواضع منها:
- قوله: ((وكان الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه من الشافعية، يقول في هذا الفرع: إنه آثم. . .)) انظر: ص (449) القسم التحقيقي.
- قوله: ((وقد قصد الشيخ عز الدين بن عبد السلام تغيير محراب قبة الشافعي، والمدرسة، ومصلَّى خولان، فعاجله ما منعه من ذلك. . .)) . انظر: ص (454) القسم التحقيقي.
- قوله: ((سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهر المؤذي هل يجوز
أم لا؟ فكتب رحمه الله وأنا حاضر. . .)) . انظر: ص (537) القسم التحقيقي.
2 - ونقل عن بعض الحنابلة، قال: ((مع أني سألت الحنابلة، فقالوا مشهور مذهبنا منع التقليد. . .)) . انظر: ص (489) القسم التحقيقي.
وختاماً ينبغي التنبيه إلى أن المصادر التي سردتها آنفاً إنما اختصت بالقسم الثالث من الكتاب الذي قمتُ بتحقيقه (من الباب الثالث عشر إلى الباب العشرين) .
ولكن الكتاب قد حوى جملةً وافرةً من المصادر في القسم الذي لم أحققه قد صرَّح بأسمائها، أرى أنه من المناسب الإشارة إليها هنا مع الإحالة على كتاب شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ؛ لأن من فوائد التذكير بها أنه ليس من المستبعد أن تكون مصادرَ له في القسم الثالث من غير أن يصرّح بأسمائها، وإليك أسماءها ومصنفيها:
أولاً: في أصول الفقه
1 - الإفادة للقاضي عبد الوهاب. انظر: ص 267.
_________
(1) هو أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي، أديب لغوي، سمع الحديث، درَّس بالنظامية. من مؤلفاته: شرح أدب الكاتب، المعرب من الكلام الأعجمي (ط) ، تكملة درة الغواص (ط) . ت 540 هـ. انظر: معجم الأدباء 19 / 205، وفيات الأعيان 5 / 342.
(1/98)

2 - المنتخب لفخر الدين الرازي (رسالة دكتوراه بجامعة الإمام) . انظر:
ص 183.
3 - المعالم لفخر الدين الرازي (ط) . انظر: ص 122.
4 - روضة الناظر لابن قدامة المقدسي (ط) . انظر: ص 180.
5 - شرح المعالم لابن التلمساني الفهري (1) (ط) . انظر: ص 116.
ثانياً: في الفقه
1 - مختصر الخرقي (2) في الفقه الحنبلي (ط) . انظر: ص 245.
2 - النكت والفروق لمسائل المدونة لعبد الحق محمد السهمي الصقلّي (3) (مخطوط) انظر: ص 54.
3 - المدخل في الفقه لابن طلحة الأندلسي (4) . انظر: ص 244.
4 - الطراز لسند بن عنان الأزدي (5) . انظر: ص 158.
5 - الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس (6) (ط) . انظر:
ص 246.
6 - الذخيرة في الفقه للمؤلف نفسه (ط) . انظر: ص 75.
_________
(1) هو عبد الله بن محمد بن علي الفهري، شرف الدين ابن التلمساني، فقيه أصولي متكلم شافعي، شرح المعالم في أصول الفقه (ط) ، وشرح المعالم في أصول الدين، وكلاهما للفخر الرازي. ت 644 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 8 / 160.
(2) هو أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الشهير بالخِرَقي، من كبار فقهاء الحنابلة، له المختصر في الفقه الذي شرحه ابن قدامة في كتابه " المغني ". ت 334 هـ. انظر: شذرات الذهب 2 / 336، طبقات الفقهاء لابن كثير ص 172.
(3) هو عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي الصقلي المالكي من مصنفاته: النكت، تهذيب الطالب. ت 466 هـ. انظر: الديباج المذهب ص 275.
(4) هو أبو بكر عبد الله بن طلحة بن محمد البابري الأشبيلي، فقيه أصولي مفسر نحوي، أخذ عن الباجي، من مصنفاته: المدخل في الفقه. توفي سنة 523 هـ. انظر: شجرة النور الزكية 1 / 130.
(5) هو أبو علي سند بن عنان بن إبراهيم الأزدي الفقيه المالكي، سمع من أبي بكر الطرطوشي، كان زاهداً فاضلاً. شرح المدونة في كتابه الطراز. ت 541 هـ. انظر: الديباج المذهب ص 207.
(6) هو عبد الله بن نجم بن شاس الجذامي السعدي فقيه مالكي، درَّس بمصر، وكتابه " الجواهر الثمينة " (ط) نفيس جداً جاء على ترتيب الوجيز للغزالي. ت 610 هـ. انظر: الديباج المذهب ص 229.
(1/99)

ثالثاً: في اللغة والنحو والأدب والبلاغة
1 - الصحاح للجوهري (1) (ط) . انظر: ص 190.
2 - شرح كتاب سيبويه (2) للسيرافي (3) . انظر: ص 256.
3 - المسائل الشيرازيات لأبي علي الفارسي. انظر: ص56.
4 - المفصّل للزمخشري (ط) . انظر: ص 32، 33.
5 - شرح المفصّل لابن يعيش (4) (ط) . انظر: ص 108.
6 - إصلاح المنطق لابن السكّيت (5) (ط) . انظر: ص 182.
7 - الملحة في الإعراب للحريري (6) (ط) . انظر: ص 65.
8 - شرح الجمل لابن السِّيْد البَطَلْيَوسي (7) . انظر: ص 182.
_________
(1) هو أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، حجة في اللغة، وعرف بالذكاء. من مؤلفاته: شرح أدب الكاتب، الصحاح (ط) . ت 393 هـ. انظر: بغية الوعاة 1 / 446.
(2) هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه من بلاد فارس نشأ بالبصرة، أخذ عن الخليل بن أحمد، وهو إمام البصريين في النحو. ألف " الكتاب " في النحو (ط) . ت 188 هـ وقيل غير ذلك. انظر: إنباه الرواة 2 / 346، معجم الأدباء 16 / 114.
(3) هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله المرزبان السيرافي من أرض فارس، عالم مشارك في اللغة والنحو والفقه والقراءات والحديث وغيرها، له شرح كتاب سيبويه، الوقف والابتداء. ت 368 هـ. انظر: معجم الأدباء 8 / 145، إنباه الرواة 1 / 313.
(4) هو يعيش بن علي بن يعيش، موفق الدين الأسدي، من كبار العلماء في العربية، من مصنفاته: شرح المفصل (ط) ، شرح التصريف، ت 643 هـ في حلب. انظر: شذرات الذهب 5 / 228، بغية الوعاة 2 / 351.
(5) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت. روى عن الأصمعي، وأبي عبيدة، برع في علوم اللغة. من مؤلفاته: إصلاح المنطق (ط) ، المقصور والممدود، وغيرها، ت 244هـ. انظر: معجم
الأدباء 2 / 50، وفيات الأعيان 6 / 395.
(6) هو القاسم بن علي بن محمد أبو محمد الحريري البصري، أحد أئمة اللغة والأدب. من مصنفاته: المقامات الحريرية (ط) ، درة الغواص في أوهام الخواص (ط) ، ملحة الإعراب (ط) . ت 516هـ انظر: إنباه الرواة 3 / 23، بغية الوعاة 2 / 257.
(7) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السِّيْد البَطَلْيَوسي، أديب لغوي، ولد بمدينة بَطَلْيَوس بالأندلس، من مؤلفاته: الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف. . . (ط) ، الحلل في شرح أبيات
الجمل. ت 521 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 12 / 122، إنباه الرواة 2 / 141.
(1/100)

9 - شرح الإيضاح للجرجاني (1) . انظر: ص 183.
10 - شرح الجزولية للزيدي (2) . انظر: ص 244.
11 - الاستغناء في أحكام الاستثناء للمؤلف نفسه (ط) . انظر: ص 61.
رابعاً: في التفسير
1 - الكشاف للزمخشري (ط) انظر: ص 32.
2 - المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي (3) (ط) . انظر: ص 20.
_________
(1) هو عبد القادر بن عبد الرحمن الجرجاني، إمام في اللغة والبلاغة، أول من كشف عن علم المعاني والبيان. من مؤلفاته: دلائل الإعجاز في المعاني (ط) ، شرح الإيضاح وأسرار البلاغة. ت 471 هـ. انظر: إنباه الرواة 2 / 188، بغية الوعاة 2 / 106.
(2) لم أظفر له بترجمة.
(3) هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن المحاربي، المعروف بابن عطية الأندلسي، عالم فقيه مالكي مفسر نحوي من مؤلفاته: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (ط) ت 546 هـ. انظر: الديباج المذهب
ص 275.
(1/101)

المبحث السادس
منهج المؤلف في الكتاب وأسلوبه
المطلب الأول: منهج المؤلف في الكتاب
من الملاحظ في عادات البشر أنها جارية وفق سَنَنٍ واحدٍ. والإمام الشهاب القرافي لم يُصرِّح بمنهجه في كتابه " شرح تنقيح الفصول "، لكنه جرى فيه على حَذْو منهجه المرسوم في كتابه الموسوعة " الذخيرة ".
ولعلّ عدم تصريحه بمنهجه في هذا الكتاب أنه كتاب متوسط أو دونه بقليل، فلم ير حاجةً إلى إبراز معالم منهجه فيه. بينما أجْلى طريقته ومنهجه في كتابه
" الذخيرة " لأنه مشروع عمره، وذخره عند الله تعالى في يوم المعاد، وذخيرة لطلبة العلم في تحصيل مطالبهم (1) .
قد تختلف طرائق التأليف والمناهج بالنظر إلى طبيعة البحث، فهناك مغايرات في منهجية البحث الفقهي، والبحث الأصولي. بَيْد أن هناك أموراً مشتركة في كل
بحث، فلنأخذ في بيان هذه القواسم المشتركة التي جاءت في كتبه: " الذخيرة "
و" نفائس الأصول " و" شرح تنقيح الفصول ". نذكرها مجملةً، ثم نفصِّلها بعد
ذلك، علماً بأن هذه الملامح تمثِّل مميزات القرافي المنهجية:
- حرص على جمع الأقوال والآراء والمذاهب في المسألة، والتزم بعزو كل نقل لقائله في الأعم الأغلب، حتى إذا وقع خلل في النقل استدركه المطالع من موضع العزو، وهذا من مميزاته.
- سعى إلى إبراز المذهب المالكي في المسائل على وجه الخصوص؛ لإظهار شرفه بين المذاهب.
- حرَّر المسائل وقرَّرها وفق منهج علمي سليم، يقوم على ذكر الآراء وتحرير النزاع إن اقتضى المقام، ثم يذكر أدلة كل فريقٍ في تجرُّدٍ تام، وموضوعية خالية عن التعصب، ثم يجيل النظر في تلك الأدلة، مناقشاً لها، ومفنِّداً لأدلة الخصم، بما لا يدع
_________
(1) انظر: الذخيرة 1 / 40.
(1/102)

لهم حجة قوية، حتى يخلص إلى القول الفصل فيها مستخدماً أسلوب تقرير القاعدة في الحجاج، وأحياناً تتساوى أدلة الطرفين في نظره، فلا يغلِّب رأياً على رأي، ثم هو يفصح عن منشأ الخلاف وسببه، وعن ثمرته في بعض الأحايين.
- كما يلاحظ في منهجيات القرافي في كتبه سعيه الحثيث على إيراد الإشكالات والسؤالات التي قد تنشأ في خاطر القاريء، ثم يجيب عنها إن أسعفه الجواب، وإلا يتركها كما هي، إن استبدَّ الإشكال في نفسه، وعجز عن الجواب عنه. وهذا مما امتاز به القرافي عن غيره.
- حرص القرافي على إثبات الفروقات بين المسائل المتشابهة كلما أمكنه ذلك وهذه خصيصة تميَّز بها منهج القرافي في تآليفه.
- من عادته وديدنه إثبات ما يحضره من فوائد وقواعد، وتنبيهات وتفريعات، واستطرادات قد تكون خارجة عن الموضوع في ثنايا كتبه، وقد سطَّرها تحت عنوانات صغيرة، كقوله: فائدة، تنبيه، فرع. . . إلخ.
- له عناية فائقة بالحدود والتعريفات، مقارنةً وشرحاً واعتراضاً وترجيحاً، هذه العناية تحكم ببراعة القرافي ودقته حيال تعامله مع الألفاظ والاصطلاحات.
تلكم هي أبرز خصائص منهج القرافي في سائر كتبه، وتِيْكم هي الخطوط العريضة لهذا المنهج. فالقرافي يبدو من خلاله أنه متابعٌ لغيره في بعض الخطوات، لكن له انفرادات تميّز بها دون أن يشركه فيها غيره.
وإن القاريء لكتاب " شرح تنقيح الفصول " بفحْصٍ وتأملٍ يمكنه تلمُّس تلك السمات المنهجية العامة في هذا الكتاب.
فإلى بيان المنهج الذي انتهجه القرافي وترسَّم خطاه في الجوانب التفصيلية التالية:
أولاً: تعامل المؤلف مع المتن:
سبقت الإشارة إلى أن الكتاب متناً وشرحاً يعتبر وحدة واحدة لا يمكن الفصل بينهما (1) ، ولكن كيف كان المؤلف يشرح المتن؟
_________
(1) انظر: ص 63 من القسم الدراسي.
(1/103)

تعامل القرافي مع متن الكتاب تعاملاً مطَّرداً في الغالب، فهو يأتي به أولاً بحسب المقطع الذي يريد التعليق عليه، ثم يطفق في شرحه له. ولكن هناك تفاوت يسير وقع في هذا التعامل، يمكن حصره في نمطين:
1 - تفاوت تقطيعه للمتن، فمرَّةً يأتي بمقطعٍ طويل في عدة صفحات، ثم يعقبه بتعليق قصير في بضع أسطر (1) . وحيناً يأتي بقطعةٍ صغيرة في بضع أسطر، ثم يشرحها في عدة صفحات (2) ، أو يأتي بجزء سطرٍ ويشرحه في أكثر من صفحة (3) .
2 - أحياناً يورد المتن، ثم عند شرحه له يقسِّمه إلى جُملٍ وفقرات، ويقدّم لبعضها بقوله: ((قولي: كذا وكذا. . .)) (4) أو يقول: ((قوله: كذا وكذا)) (5) .
ثانياً: اصطلاحات الكتاب
استعمل القرافي اصطلاحات معينة في كتابه على سبيل الاختصار والترميز، يمكن الكشف عن مراده منها بالاستقراء والتتبُّع، فمنها:

المصطلح ... الإمام ... القاضي ... الأستاذ ... قولي في ... قولي في ... لنا، قلنا، أصحابنا، عندنا، مذهبنا، أصلنا ... أهل الحق
" الأصل " ... " الكتاب "
المراد منه ... فخر الدين الرازي ... أبو بكر الباقلاني ... أبو إسحاق الإسفراييني ... المتن ... المتن ... المالكية ... الأشاعرة

ملاحظات:
1 - شذَّ مرَّةً في لفظ " الإمام " فقد أطلقه على إمام الحرمين (6) ، ومرَّةً قيَّد فقال: ((قال الإمام في البرهان)) (7) .
2 - شذَّ في موضعين في إطلاق لفظ " القاضي " على القاضي عبد الوهاب (8) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 456 - 458، 503 - 509.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 249 - 254.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 129 - 131.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 14، 99، 222.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 286.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 122.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 198.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 40، 297.
(1/104)

3 - إذا عطف أصحاب مالك على الإمام مالك فإنه يقول: وأصحابه، ولكن في مواضع من كتابه كان يقول ((عند أصحابه)) دون سابق ذكرٍ للإمام مالك، وكان يريد بهم أصحاب مالك وقد نبَّه المصنف نفسه عليها (1) .
ثالثاً: طريقة عرض المسائل:
لم يَسِر القرافي على نمطٍ واحدٍ في عرض مسائل الكتاب، بل سلك فيها سبلاً متنوعة، ربما كان مرد هذا الاختلاف طبيعة المسائل المراد بحثها.
وإليك أنماطاً من كيفية عرض المسائل وفق النقاط التالية:
1 - عرض الأقوال والأدلة:
أ - في غالب المسائل يذكر الأقوال، وأدلة كلِّ قولٍ مبتدئاً بالقول الراجح عنده غالباً، ذاكراً دليله بدون مناقشة، ثم يذكر أدلة الأقوال الأخرى المرجوحة، مناقشاً لها ومعترضاً عليها، والأمثلة على ذلك: دلالة فعله - صلى الله عليه وسلم - (2) ، مسألة تعبده - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله قبل النبوة (3) ، حجية الإجماع (4) ، إفادة التواتر العلم (5) ، حجية القياس (6) ، حكم التقليد في الفروع (7) .
ب - وتارةً قليلة يذكر الأقوال، والأدلة، مع الاعتراض على جميع الأدلة، دون الإجابة عنها، وربما كان هذا الصنيع إيماءً إلى ضعف الاستدلال بما استدل به كل
فريق، ومثاله شرع من قبلنا، أهو شرعٌ لنا أم لا؟ (8)
جـ - وتارة كثيرة يذكر الأقوال، وأدلتها، دون مناقشةٍ لها ولا ترجيح. وفي هذا إشارة عند المصنف إلى قوة الخلاف في المسألة، ووجاهة مدرك كل واحد منها.
_________
(1) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 118، 130، 131، 133، 135.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 2 - 4، 6 - 8.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 27 - 28.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 124 - 128.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 198 - 201.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 305 - 310.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 444 - 445.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 31 - 32، 36 - 39.
(1/105)

والأمثلة على ذلك: الاختلاف في اشتراط الفقيه في الراوي (1) ، حجية المرسل (2) ، حجية الإجماع السكوتي (3) ، مسلك الطرد (4) ، تفويض الحكم إلى المجتهد
(العصمة) (5) .
د - وتارة قليلة يكتفي بمجرد ذكر الأقوال دون أدلتها، ربما لأنها أقوال لا تقوم على مستندات قويةً، مثل: الخلاف في الشرع الذي كان - صلى الله عليه وسلم - متعبداً به (6) ، هل المباح حكم شرعي (7) ؟
هـ - وتارة متوسطة يذكر رأي الجمهور أو الأكثرين دونما إشارة إلى المخالفين، مع ذكر أدلة الطرفين في الشرح، مثل: التعليل بالعلة المركبة (8) ، القياس في العقليات (9) ، القياس في الأسباب (10) .
ووتارة قليلة يعدل عن ذكر رأي الجمهور، ويقتصر على قول الأقلِّين، مع الأدلة، مثل: حكم رواية المجهول (11) ، إجماع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم (12) ، حكم إثبات القياس أصول العبادات (13) .
2 - عرض المذاهب في المسألة:
لم يلتزم القرافي ترتيب الأقوال والمذاهب في المسألة بحسب زمن قائليها، وليس له في هذا العرض منهج ظاهر، فكان في أغلب الأحايين يقدم المذهب الذي يرتئيه،
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 258 - 260.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 288 - 290.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 142 - 146.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 347 - 348.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 517 - 518.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 39.
(7) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 70.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 376 - 378.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 386 - 388.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 391 - 393.
(11) انظر: القسم التحقيقي ص 240.
(12) انظر: القسم التحقيقي ص 157.
(13) انظر: القسم التحقيقي ص 395.
(1/106)

وأحياناً يبدأ بقول الجمهور والأكثرين (1) ، وأحياناً يقدّم مذهب مالك وأصحابه، ويلاحظ عليه في عرض مذهب المالكية أنه يبدأ بهم ويعطف عليهم الجمهور، فمثلاً يقول: ((عندنا وعند الكافة)) (2) ، ((مذهب مالك وجمهور العلماء)) (3) ، ((والأكثرون من أصحابنا وغيرهم)) (4) ، وأحياناً نادرة يؤخر مذهب مالك (5) ، وأحياناً يحكي أقوال أفراد من العلماء في المسائل (6) ، وفي أحايين يُبهم أصحاب الأقوال، فيقول: ((خلافاً لبعضهم)) (7) ، ((خلافاً لقوم)) (8) ، ((وجماعة)) (9) . وفي مواطن كثيرة كان القرافي يقتصر في المسألة على مذهب الإمام الرازي وأقواله دون غيرها (10) .
ويلاحظ بصفة عامة أن المصنف كان يترك أقوالاً في المسألة، إما غفلة منه لها، أو لضعفها عنده وعدم انتهاض الدليل عليها، أو لسبب آخر.
3 - طريقة التقرير للمسألة:
سلك القرافي طريقة التقرير في مسائل الاتفاق، أو كان الخلاف فيها غير معتبر
عنده، فإنه كان يكتفي بتقرير القول فيها كأنها مسلَّمة لا تقبل الجدل. ومن الأمثلة على ذلك:
أ - قال ((كل ما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة عليه لا يثبت بالإجماع، كوجود الصانع وقدرته وعلمه، والنبوة. . .)) (11) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 411.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 182.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 165.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 295.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 375.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 374.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 258.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 101، 160، 367، 382، 393.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 257.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 142 - 143، 292، 336 - 338.
(11) انظر: القسم التحقيقي ص 363.
(1/107)

ب - قال ((وهو (أي الإجماع) مقدَّمٌ على الكتاب والسنة والقياس)) (1) .
جـ - قال ((وإذا زادت إحدى الروايتين على الأخرى - والمجلس مختلف - قُبلت، وإن كان واحداً - ويتأتَّى الذهول عن تلك الزيادة - قُبلتْ، وإلا لم تقبل)) (2) .
د - قال ((يجوز التعليل بالأوصاف العرفية كالشرف، والخِسَّة، بشرط اطرادها وتميُّزها عن غيرها)) (3) .
هـ - قال ((ويمتنع الترجيح في العقليات؛ لتعذر التفاوت بين القطعيين)) (4) .
4 - العناية بتصوير المسألة
عُني القرافي بتصوير بعض المسائل في ثنايا كتابه، من ذلك:
أ - قال في تصوير مسألة اتباعه - صلى الله عليه وسلم - ((معنى يجب اتباعه في ذلك الوجه، أي: إنْ فَعَله على وجه الندب وجب علينا أن نفعله على وجه الندب، أو فَعَله - صلى الله عليه وسلم - على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله كذلك، إذ لو خالفناه في النيّة ذهب الاتباع)) (5) .
ب - قال في تصوير مسألة حكم نسخ الشيء قبل وقوعه ((المسائل في هذا المعنى أربع - ثم عدَّها وقال - فأما الثلاثة الأول، فهي في الفعل الواحد غير المتكرر، وأما الرابعة فوافقنا عليها المعتزلة. . .)) (6) .
جـ - قال ((وأما المسألة الثانية فصورتها أن يكون لأهل العصر الأول قولان، ثم يتفق أهل العصر الثاني على أحد ذَيْنك القولين)) (7) .
د - من الطرق المحصِّلة للعلم غير التواتر إخبار الجمع عن الوجدانيات، بيّن المصنف فيها صورة المسألة وقال ((فهذا هو صورة هذه المسألة)) (8) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 10، 201، 401.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 61.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 441.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 341.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 12.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 66.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 138.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 211.
(1/108)

5 - تلخيص المسألة وتحصيلها:
انتهج القرافي هذه الطريقة في مواضع من كتبه، وهذا المنهج مفيد في طرائق
التعليم، فبعد بحث المسألة بتشعباتها ومناقشاتها قد يعزب عن ذهن المطالع أصل المسألة ولبُّها، فيعمد المؤلف إلى لملمة فلولها، وتجميع شعثها، وتلخيصها. فمن ذلك:
أ - قال في آخر مسألة تعارض فعله - صلى الله عليه وسلم - مع قوله: ((فهذا هو معنى المسألتين الأخيرتين في هذا الفصل)) (1) وبعدها بأسطر قال: ((هذا تلخيص هذا الموضع، ولابد منه)) (2) .
ب - قال في مسألة إحداث قول ثالث: ((فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال. . .)) (3) .
جـ - عرض مسألة إمكان أن تخطيء جميع الأمة في ثلاث حالات، ثم قال:
((فهذا تلخيص هذه المسألة)) (4) .
د - قال في مسألة قادح الفرق في آخرها: ((فهذا تلخيص هذا الموضع)) (5) .
6 - سوق الأمثلة على المسألة:
يظهر اهتمام القرافي بالتمثيل لبعض المسائل، وتخريج الفروع عليها، فمن ذلك التمثيل على: إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - (6) ، نفي الزيادة بالشرط (7) ، نسخ ما لا تتوقف عليه العبادة (8) ، إحداث قول ثالث (9) ، المتواتر اللفظي والمعنوي (10) ، العلة التي لا تعود على الأصل بالتخصيص (11) ، والتمثيل عموماً على مسالك العلة (12) وقوادحها (13) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 20.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 21.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 129.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 187.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 362.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 9.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 108.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 113.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 130.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 206.
(11) انظر: القسم التحقيقي ص 427.
(12) انظر: القسم التحقيقي ص 320 وما بعدها.
(13) انظر: القسم التحقيقي ص 349 وما بعدها.
(1/109)

رابعاً: عرض مواطن الخلاف:
في مسائل عديدة كان المصنف يصرح بوقوع الاختلاف فيها، ويعبّر حيال ذلك بقوله: أ - ((اختلفوا في اشتراط الإرادة في حقيقة كونه خبراً. . .)) (1) .
ب - ((اختلفوا في جواز دخول القياس في العدم الأصلي)) (2) .
جـ - ((اختلفوا: هل يجوز تساوي الأمارتين؟)) (3) .
د - ((اختلف الناس في اشتراط العدد في التزكية والتخريج)) (4) .
هـ - ((اخْتُلف في المبتدعة إذا كفرناهم)) (5) .
ولنتعرف على منهج القرافي في عرض الخلافيات من حيث تحرير النزاع، ومنشأ الخلاف، وثمرته.
1 - محل الخلاف:
لم يحرِّر القرافي النزاع في جميع المسائل الخلافية إلا في عددٍ قليلٍ منها، التي ربما رأى أنها بحاجةٍ إلى تحرير أمناً من وقوع الالتباس فيها. مثل: مسألة شرائع من قبلنا (6) ، نقل الخبر بالمعنى (7) ، الخلاف في حجية القياس في الشرعيات دون الدنيويات (8) ، القياس في اللغات (9) .
2 - تأصيل الخلاف:
في بعض الأحايين يبين القرافي منشأ الخلاف ومبناه، ومردَّه وسببه، والأغلب عليه تركه له. ومن الأمثلة على ذلك: مبنى الخلاف في نسخ الإجماع (10) ، الخلاف في
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 194.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 393.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 402.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 243.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 222.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 32.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 293 - 294.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 311.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 390.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 97.
(1/110)

تكفير مخالف الإجماع مبنيٌّ على أنه قطعي أم ظنِّي (1) ، منشأ الخلاف في اختلاف العدد الذي يتحقق به التواتر (2) .
3 - ثمرة الخلاف:
في مواضع قليلة بيّن القرافي نوع الخلاف، وأنه لفظيّ لا ثمرة تترتب عليه. من أمثلة ذلك:
أ - قال: ((وقال الجاحظ: يجوز عروُّه عن الصدق والكذب، والخلاف لفظي)) (3) .
ب - نقل عن بعض العلماء قولهم في مسألة تعبده - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله قبل نبوته:
((هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع ألبتة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتَّب عليها حكم في الشريعة ألبتة)) (4) .
جـ - قال: ((أما من أنكر النسخ من المسلمين فهو معترف بنسخ تحريم
الشحوم. . . غير أنه يفسّر النسخ في هذه الصور بالغاية، وأنها انتهت بانتهاء غايتها، فلا خلاف في المعنى)) (5) .
خامساً: الحدود والألفاظ:
1 - يولي القرافي الحدود عنايةً خاصةً، ورعايةً فائقةً.
- فهو يستهلُّ المصطلح بتعريفه لغةً، ثم يعقبه بالتعريف الاصطلاحي، كما في تعريفه: للتواتر (6) ، والاجتهاد (7) ، والسنة (8) .
- وربَّما عكس فأتى بالتعريف اصطلاحاً أولاً، ثم في الشرح يعرِّفه لغةً، وهذا نوع استدراك منه على ما فاته في المتن. مثل تعريف: الإجماع (9) ، والقياس (10) ، والسبر والتقسيم (11) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 166.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 205.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 191.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 31.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 60.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 196 - 197.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 436.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 273.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 119، 123.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 300، 303.
(11) انظر: القسم التحقيقي ص 345.
(1/111)

- في مواضع أخرى خالف القرافي طريقة الازدواج بين التعريفين (اللغوي والاصطلاحي) فيقتصر على إيراد التعريف الاصطلاحي فقط، كما في تعريفه: للنسخ (1) ، الخبر (2) ، المرسل (3) ، والاستصحاب (4) ، والاستحسان (5) .
- وفي حالات نادرة لم يتعرض لتعريف المصطلح لغةً واصطلاحاً، مثل التعارض والترجيح.
- يذكر عادة قيود التعريف، ومحترزاته، كما أنه يقوم بشرح ألفاظه، وأحياناً يذكر الاعتراضات ويجيب عنها.
- في الأغلب يكتفي بحدٍّ واحدٍ للمحدود، وفي حالات قليلة، يورد حدِّين مثل: النسخ (6) ، والقياس (7) ، وأورد للصحابي ثلاثة تعريفات (8) ، وذكر سبعة أقوال في تعريف النظر (9) ، ومع ذلك كان يختار من هذه الحدود ما يراه راجحاً.
2 - يضبط اللفظ الذي يحتاج إلى تحرير، ليرتفع الإشكال، مثل لفظ: " متعبِّد " و" متعبَّد "، أيهما الصواب، أن نقول: أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة متعبِّداً أم متعبَّداً بشرع من قبله؟ (10) .
كما أنه يحرر الاصطلاحات اللفظية التي توجد عند قوم دون آخرين مثل: " تنقيح المناط " و" تخريج المناط "، ولهذا قال ((فيحصل لنا في تنقيح المناط مذهبان، وفي تخريج المناط قولان)) (11) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 42.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 189.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 291 - 292.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 498.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 513.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 42.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 300، 301.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 227.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 437.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 25.
(11) انظر: القسم التحقيقي ص 318 وما قبلها.
(1/112)

3 - يناقش الأصوليين فيما درجوا عليه من تسميات، ويعلِّل وجه التسمية على النحو المشهور، مثل وقفته عند مصطلح " السبر والتقسيم "، فإن التسمية الصحيحة
له: التقسيم والسبر؛ لأننا نقسِّم أولاً، ثم نختبر تلك الأوصاف، لكن التقسيم وسيلة، والسبر مقصد، وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل، فاتفق الاصطلاح على " السبر والتقسيم " (1) .
4 - يشرح أحياناً الألفاظ الغريبة، مثل: البداء (2) ، البخت (3) ، المناط (4) وغيرها.
سادساً: الاستدلال والحجاج والترجيح:
نلحظ في منهج القرافي استدلاله بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول والقواعد وأقوال أهل العلم، كما نلاحظ ولعه الشديد بالمناقشات والمساجلات، ويتّسم منهجه الاستدلالي بامتزاج العقل بالنقل، والرأي بالأثر.
(1) الآيات: يبدأ استدلاله بملك الكلام وكلام الملك: القرآن الكريم، وهو أول ملاذٍ لطالب حجةٍ أو مُعوِز برهانٍ، ونظرة عابرة في فهرس الآيات يتبيَّن مدى اهتمام القرافي بالاستدلال بالقرآن. ويلاحظ في منهجه اجتزاؤه من الآيات بموضع الشاهد فقط، حتى لو كان كلمة واحدة كقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ} [الأعراف: 158] (5) ، كما لوحظ عليه متابعته للأصوليين في كتابة الآية {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ}
[التوبة: 5] مجرَّدة من الفاء (6) ، كما أن الإمام القرافي لم يلتزم قراءة واحدةٍ في بعض الآيات، فمرةً يختار قراءة أبي عمرو وابن كثير ونافع وابن عامر كما في قوله تعالى:
{فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ} [الأنفال: 66] ، ومرةً يقرأ بقراءة حمزة والكسائي وخَلَف كما في قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}
[الحجرات: 6] ، وفي الأعم الأغلب كانت القراءة متمشِّيةً مع قراءة عاصم (7) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 345 - 346.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 79.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 174.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 314.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 6.
(6) انظر ذلك في مبحث المآخذ ص 157 من القسم الدراسي.
(7) انظر ص 158 من القسم الدراسي
(1/113)

(2) - الأحاديث: يتلو القرآن استدلاله بالسنة الشريفة والآثار المنيفة، فقد بلغ مجموع الأحاديث والآثار المستدل بها في القسم الذي أحققه ما يزيد على التسعين حديثاً وأثراً. والمصنف يحرص على إظهار وجه الدلالة بما يستدلُّ به. والقرافي يروي الأحاديث بمعناها دون التقيد بألفاظها، ولا يُعنى بتخريجها، مكتفياً بجوهر المعنى كما هي عادة كثير من الأصوليين. هذا الأمر أوقعه في الاستشهاد بأحاديث ضعيفة بل موضوعة، كما أن رواية الحديث بالمعنى أدَّت إلى تغيير بعض ألفاظه مما رتَّب عليه استدلالاً به بينما الحديث بلفظه الصحيح لا يستدل به على المدَّعى، مثل حديث ((الرضاع لحمة كلحمة النسب)) لفظه الصحيح ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) (1) ، وحديث ((. . . ربّ حامل فقه إلى من ليس لفقيه. . .)) لفظه الصحيح ((. . . فربّ حامل فقه ليس بفقيه. . .)) (2) .
(3) - الإجماع: لم يَفُت القرافي استدلاله بالإجماع، وما اتفق عليه العلماء في عدة مواضع من كتابه، لكن المصنف أطلق حكاية الاتفاق والإجماع في بعض المسائل، وفي هذا الإطلاق نظر، وقد نبهتُ عليه في مواضعه (3) .
(4) - المعقول: أما استدلاله بالمعقول فما أولعه به! وما أبرعه فيه! فهو فارس هذا الميدان، ولا تكاد تخلو مسألة من حجة عقلية أو برهان منطقي. ولهذا يكثر في حجاجة من الفنقلة (فإن قيل، فإن قلت) لدفع اعتراضٍ موهوم، أو شبهة حائمة.
(5) - الأشعار: لم يتجلَّ منهج القرافي في استشهاده بالأشعار في هذا القسم الذي أحققه، فإنه لم يورد شعراً سوى ثلاثة أبيات. ولكن لا يُحكم عليه بقلة مراعاة استشهاده بالشعر، بل لقد نيَّفت استشهاداته بالشعر بما يزيد على خمسة وعشرين بيتاً في القسم الذي لم أحققه من الكتاب.
(6) - النقول: عضَّد القرافي استدلالاته بنقول أهل الفن في المسألة، سواء صرَّح بأسمائهم أو أبهم، فتارةً ينقل عن فحول الأصوليين في المسألة، وهذا كثيرجداً،
_________
(1) انظر القسم التحقيقي ص 370 مع التعليق (1) .
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 259 مع التعليق (3) . وانظر: القسم الدراسي ص 160.
(3) وانظر مبحث المآخذ ص161 من القسم الدراسي.
(1/114)

لا تكاد تخلو بضع صفحات من نقلٍ عنهم. وتارةً ينقل عن الفقهاء وأئمة المذاهب في المسائل الفقهية (1) ، وتارةً ينقل عن المفسرين عند تفسير الآيات (2) ، وتارةً ينقل عن أهل اللغة إذا كان البحث لغويّاً (3) .
(7) - القواعد: يستعمل القرافي أسلوب التقعيد عند حجاجه واستدلاله، وهذا نابعٌ من اهتمام خاص ملازم لشخصية القرافي، فإنه كَلِفٌ بالقواعد والضوابط. ومن أمثلة ذلك:
أ - قوله ((البيان يعدُّ كأنه منطوق به في ذلك المبيَّن. . . وإذا كان البيان يعدُّ منطوقاً به في المبيَّن)) (4) وقال في موضع آخر ((القاعدة: أن كل بيان لمجملٍ يعدُّ مراداً من ذلك المجمل وكائناً فيه)) (5) .
ب - قوله ((والقاعدة: أن الأخص أبداً مقدَّم على الأعم)) (6) .
جـ - قوله ((وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل)) وبعدها بقليل ((الحكم مهما أمكن أن يكون معلّلاً لا يجعل تعبُّداً)) (7) .
د - قوله: ((القاعدة: أن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا، وتأخر أحدهما عن الآخر كان المتأخر ينسخ المتقدم)) (8) .
(8) - المناقشات: بعد تدعيم المسألة بالأدلة، يناقش القرافي الاعتراضات الواردة عليها، ويدفع الإيرادات والشبهات، أو يورد على الاستدلالات اعتراضات وإشكالات.
فقد ناقش آراء المذاهب المخالفة لما يراه مناقشة قوية محكمة، سواء كان ميدان هذه المناقشة الأصول (9) أو الفروع (10) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 224، 236، 252، 340، 400.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص: 25، 26، 104، 125، 444.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 123، 125، 196، 345.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 5 - 6.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 88.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 335.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 346.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 18.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 496 - 498، 504 وما بعدها.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 533.
(1/115)

وكان رحمه الله كثير التعقُّب للإمام الرازي باعتبار أن كتابه شرح التنقيح مبناه على كتاب المحصول في كثيرٍ من مسائله، وقد اتخذت تعقيباته مناحياً شتىً، في الحدود (1) ، والنقول (2) ، والأدلة (3) ، والأمثلة (4) ، والعبارات (5) ، والمسائل (6) .
(9) - الترجيح: تجلَّت في هذا الكتاب مهارة القرافي العلمية، فتراه يختار ويرجح، وقد استعمل عدداً من التعبيرات في اختياره، وبيان ترجيحاته. منها قوله: المختار (7) ، الصواب (8) ، الحق (9) ، الصحيح (10) ، أولى (11) ، الظاهر (12) ، أصح (13) .
فإذا عدمنا عبارة صريحةً في الترجيح، فيمكن تلمُّس ترجيحاته بقرائن وتلميحات كتعبيره بقوله " لنا " أو بقوله " حجة المخالف " فيعلم أنه على الرأي الآخر، أو بتقديمه - في أثناء العرض - للراجح على غيره مع عدم الاعتراض عليه. . . إلخ.
سابعاً: النقول والاقتباس:
إن حرص القرافي على تدعيم المسائل بالنقول والاقتباس من الآخرين يبدو ظاهراً جليّاً في سائر مؤلفاته، ويمكن تبيين منهجه في هذه النقول من خلال كتابه هذا وفق
ما يلي:
1 - التصرف في النقل:
إن أكثر نقولات القرافي كانت بتصرفٍ في العبارة دون التقيد بالنقل الحرفي، فهو يصوغ العبارات بأسلوبه الخاص.
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 438.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 149.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 384 - 385.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 130 - 131.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 172.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 382.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 25.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 29.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 46.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 465.
(11) انظر: القسم التحقيقي ص 121.
(12) انظر: القسم التحقيقي ص 474.
(13) انظر: القسم التحقيقي ص 437.
(1/116)

- في حالات نادرة ينقل النص بحروفه تقريباً، مثل: ما نقله من كتابه الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة للرد على اليهود في مسألة إنكارهم النسخ (1) . ومسألة الإجماع لا ينسخ ولا نسخ به نقلها تقريباً من نفائس الأصول (2) .
- وفي حالات كثيرة يتصرف في النقل، ويوفي بالمراد من المسألة.
- وفي بعض النقول يبلغ به التصرف في العبارة إلى حدٍّ يصعب معه الحكم بنسبة العبارة إلى مظانها ومصدرها، وربمّا أدَّى هذا الاختزال إلى الإخلال بالمعنى المنقول، مثل: نقله لحجة الرازي في مسألة القياس في العدم الأصلي (3) ، وكذلك
ما نقله عن الغزالي في محترزات شروط المصلحة المعتبرة في الشرع (4) .
2 - مصدر النقل:
تنوَّع منهجه في ذكر مصدر النقل واسم المنقول عنه:
- فأحياناً يصرِّح بالمصدر وصاحبه كما في قوله: ((قال ابن بَرْهان في كتاب الأوسط)) (5) و ((قال المازري والأبياري في شرح البرهان)) (6) ، و ((قال إمام الحرمين في الشامل)) (7) . . . وهكذا.
- وأحياناً قليلة يقتصر على ذكر الكتاب دون مؤلفه، مثل قوله: ((هذا نقل المحصول)) (8) .
- وفي أحايين كثيرة يكتفي بذكر المؤلف دون كتابه، وفي الغالب يمكن الاهتداء إلى مظان النقل في كتبه. ولكن في بعض المواضع عسر الوقوف على هذا النقل (9) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 56 - 60 مع التعليق (2) ، (3) .
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 93 مع التعليق (1) .
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 394 مع هامش (5) .
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 495 مع هامش (14) .
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 97.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 30.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 442.
(8) انظر: القسم التحقيقي 93.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 534 هامش (5) .
(1/117)

- وفي مراتٍ يتجاوز القرافي هذه الطريقة، فينقل نصوصاً من غير عزوها إلى أصحابها أو كتبهم، ظهر لي هذا بينما كنت أقابل نصوصه بما في كتب غيره، فتبيَّنتْ لي مشابهة بينها. مثل قوله: ((قال بعض العلماء: حدُّ ذلك أن يتكرر منه تكراراً يخلُّ بالثقة بصدقه. . .)) (1) في ضابط الإصرار الذي يصيِّر الصغيرة كبيرة.
- ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن القرافي ينقل عن معاصريه مشافهة سواء كانوا شيوخاً له أو قرناء فضلاء (2) .
3 - حدود النقل ونهايته:
لم يجعل القرافي علامةً مميزة تفصل بين منقوله ومقوله، سوى أنه يبدأ بالنقل بقوله: قال فلان كذا وكذا. . . ولكنه لا يختم القول المقتبس بكلمة " انتهى " أو نحوها، وبهذا يختلط المنقول بالمقول. وهذا مما يجهد الباحث في الوقوف على نهاية النقل، ولاسيما إذا كان النقل من مصادر مفقودة أو مخطوطة تعذَّر الحصول عليها، أو كانت هذه النقول مشافهة.
- وإنصافاً للحقيقة أقول بأن القرافي حدَّد نهاية النقل في مواضع يسيرة جداً من الكتاب، فيختم بقوله: ((قاله الإمام)) (3) .
- ويكون الختام أحياناً بإرداف نقلٍ آخر بعده، فيُعلم انتهاء ما سبقه، مثل: قوله ((وقال أبو إسحاق: ينعقد الإجماع في زمانه عليه الصلاة والسلام. وقال ابن برهان في كتابه الأوسط: ينعقد الإجماع في زمانه عليه الصلاة والسلام)) (4) .
- وأحياناً تعلم نهاية النقل بانتقاله إلى مسألة أخرى (5) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 233 هامش (4) ، والنقل هذا موجود بمعناه في: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص 51.
(2) سبقت الإشارة إلى المصادر الشفوية لكتاب القرافي في ص (98) من القسم الدراسي.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 101، 177.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 96 - 97.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 20 - 23.
(1/118)

4 - طول النقل وقصره
غالب نقولاته جاءت متوسطة المقدار، قد تقصر أحياناً حتى تغدو جزء سطرٍ (1) ، وتزيد حتى تبلغ قريباً من الصفحة (2) . وهذا نادر جداً. والغالب عليها مجيئها في بضع أسطر.
ثامناً: العناية بإثبات الفروق، وإيراد الإشكالات:
انتهج القرافي في تأليفه لكتابه وكتبه الأخرى منهج تبيان الفروق بين المسائل
العلمية، فقد حرص على إظهار جملةٍ وافية من الفروق الدقيقة بين المسائل التي ربما يقع فيها الاشتباه، من أمثلة ذلك:
أ - قال: ((ووجه الفرق على هذا المذهب. . .)) (3) .
ب - وقال: ((ومع هذا الفرق أمكن أن يقولوا بالمنع مطلقاً. . .)) (4) .
جـ - وقال: ((فظهر الفرق بين العدم والإعدام)) (5) .
وقد رصدتُ جملة ما ذكر فيه الفرق بين مسائل هذا القسم الذي أحققه، فبلغت ما يقارب خمسةً وعشرين فرقاً.
أمَّا الإشكالات فالقرافي صاحب عقليَّة تتَّقد ذكاءً وفطنة، لهذا تميَّز منهجه بإثارة إشكالات وجيهة قوية في خضمِّ المناقشات، ومعركة الحجاج والخصام. قد يكون هو المورد لها أو غيره، ثم يجيب عنها إجابةً موفَّقة مسدَّدة، كما في:
أ - قوله: ((غير أن هاهنا إشكالاً، وهو أن الجمهور على جواز تعليل الحكم بعلتين، والجمهور على سماع الفرق، فيبطل قوله: إن سماع الفرق ينافي تعليل الحكم بعلتين؟ والجواب: ... )) (6) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 96.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 152 - 153.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 110.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 68.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 394.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 362.
(1/119)

ب - قوله: ((سؤال: قال بعض فضلاء العصر: قول العلماء التخيير يقتضي التسوية يُشكل، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتي بقدحين ... جوابه: أن الحكم الشرعي كان في القدحين واحداً ... )) (1) ، وفي أحايين كثيرة تعتاص هذه الإشكالات على الناظر فيها، فتبقى جاثمةً في مكانها بانتظار إجابةٍ مسعفةٍ أو تسليمٍ بها بلا محيص، فمن ذلك:
أ - قوله: ((سؤال: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية (2) ، وهي غير مفيدةٍ للمقصود، بسبب أن الفعل في سياق الإثبات مطلق لا عموم فيه. . .)) (3) .
ب - قوله: ((غير أن هاهنا إشكالاً، وهو أن مطلق الظن كيف كان لم يعتبره صاحب الشرع، بل ظنٌّ خاصٌ عند سببٍ خاص، فما ضابط هذا الظن الحاصل
هاهنا؟ ... )) (4) .
هذا، وقد أحصيتُ - في هذا القسم الذي أحققه - ما يناهز خمسة عشر إشكالاً أو سؤالاً.
تاسعاً: استعمال عنوانات صغيرة في الكتاب:
مما يلفت نظر المطالع في هذا الكتاب احتواؤه على عناوين صغيرة كثيرة، مثل: فائدة، تنبيه، قاعدة، فرع، سؤال، تفريع، مسألة. . . وهكذا.
لهذا أمكنني الجزم بأن هذه طريقة منهجية متميزة سلكها القرافي في كتابه عن قصد، وهي ظاهرة قرافيَّة فاشية في معظم كتبه.
وفي هذا الجدول إحصاء تقريبي لعدد هذه العنوانات التي جاءت في القسم الذي أحققه (5) .

العنوان ... فائدة ... قاعدة ... سؤال ... فرع ... تنبيه ... مسألة ... تفريع ... المجموع الكلي
عدد التكرار ... 15 ... 40
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 13.
(2) وهي قوله تعالى: س فاعتبروا يا أولي الأبصار ش [الحشر: 2] .
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 306.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 381.
(5) انظر: ص 656 من القسم الدراسي لمعرفة العدد الإجمالي لهذه العناوين في كل الكتاب.
(1/120)

إن هذا الاستعمال لا يقوم على طريقةٍ واحدةٍ في جميع المواضع التي ذكرت فيه، فالمعلومات المندرجة تحت أيٍّ منها مشابهةٌ في نوعها للأخرى، ولا يظهر فرق واضح بين المادة العلمية المنطوية تحت عنوان " فائدة "، ولا المعلومات المنضوية تحت عنوان
" تنبيه " (1) . والمصنف لم يُشعرنا بأن ثمة خلافاً في استعمال هذه العنوانات خلال الكتاب، ولكن جملتها لا تحيد عن كونها مسألة أصولية أو لغوية أو تعقيباً أو تصحيحاً أو نقلاً عن أحدٍ.
عاشراً: ربط مسائل الكتاب:
لإحكام الربط بين موضوعات الكتاب بعضها ببعض، وخاصةً ما يتكرر الحديث عنها استعمل القرافي طريقة الإحالة أو الإشارة الموحية بهذا الربط، فإذا عرضت له مسألة في خضم بحث مسألةٍ أخرى، فإنه يحيل إلى موطنها اللائق بها، فإن سبقتْ عبَّر بقوله: ((كما تقدم)) (2) . وإن كان البحث وقع في لاحق عبَّر بقوله: ((سيأتي)) (3) .
كما أن القرافي يُحيل إلى مصادر أخرى مما ألّفه من الكتب طلباً للتوسع والبسط، وزيادةً في التوثيق والتأكيد (4) .
_________
(1) مما يؤكد هذا أن القرافي في كتابه " نفائس الأصول " (9 / 3963) ذكر مسألة بعنوان " فائدة " ثم في كتابه شرح التنقيح ص 448 من القسم التحقيقي عنوان لها بـ" قاعدة "، فالخطب سهل.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص: 43، 136، 204.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 19.
(4) مثل إحالته على كتابيه: الأجوبة الفاخرة، والنفائس (شرح المحصول) . انظر: القسم التحقيقي
ص 60، وكذلك الإحالة على كتابه " الأمنية " ص 383 في القسم التحقيقي.
(1/121)

المطلب الثاني: أسلوب المؤلف في الكتاب
يجدر بنا ونحن في مقام الحديث عن أسلوب الكتاب أن نأخذ بعين الاعتبار الفن الذي تصدَّى القرافي لبحثه، ألا وهو: " أصول الفقه ". وهذا العلم من العلوم الدقيقة العميقة، التي تحتاج إلى نظرٍ عميقٍ وأسلوبٍ دقيقٍ، وذهنٍ صافٍ وذكاءٍ كافٍ.
وأساليب القرافي وعبارات جاءت - في الجملة - مهذَّبةً غير نابية، ومعاني الكتاب مع ألفاظه كانت متعانقةً متآخيةً، فلم تنْبُ لفظةٌ عن لفظة، ولم تَنْشُز عبارةٌ عن عبارة.
وبحسب المعايشة الطويلة مع الكتاب، يمكن الكلام عن أسلوبه في النقاط التالية:
1 - المصطلحات المنطقية والبراهين العقلية
يلاحظ في أسلوب الكتاب طغيان المصطلحات المنطقية والجدلية، كالجنس، والفصل، والحد، والبرهان، والمنع، والتسليم، والضروري، واللزوم، والنقيض، والمحال، والتصور، والدور، والاحتراز، والقيد، وغيرها كثير، وهذا يعود إلى اختلاط الأساليب المنطقة والطرائق الجدلية بعلم أصول الفقه، والإمام القرافي إمام في العقليات والمناظرات، فلا جَرَم أنَّ أسلوب الكتاب جدليٌ منطقي.
كما يلاحظ أيضاً التأنُّق والتفنُّن عند سَوْق الأدلة والبراهين، من أمثلة ذلك:
أ - قوله: ((فيتوقف كون إجماعنا حجة على كونهم كفاراً، ويتوقف كونهم كفاراً على إجماعنا، فيتوقف كل واحدٍ منهما على الآخر، فيلزم الدور)) (1) .
ب - قوله: ((إن اعتبار الفرعِ فرعُ اعتبار الأصل. . .)) (2) .
جـ - قوله: ((لأن ما يفيده ذلك الخبر لا يعتبر، والذي هو معتبر لا يفيده ذلك الخبر)) (3) .
د - قوله: ((فما أقاموا فيه الدليل لا نزاع فيه، وما فيه نزاع لم يقيموا الدليل عليه)) (4) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 162.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 258.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 267.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 475.
(1/122)

2 - ظهور المعنى وسلامة اللغة والتركيب
بالرغم من وعورة مباحث أصول الفقه، وغلبة الأساليب المنطقية والجدلية في
عرضه، إلاَّ أن الكتاب جاء في أغلبه واضحَ المعنى، سهل القراءة لدى المتخصصين في هذا العلم.
ولكن كان يجنح أحياناً إلى الغموض في العبارة، والتعقيد في طريقة عرض المسألة، بحيث يعتاص فهمها إلا بعد مزيد تأمُّلٍ وتكرارٍ (1) .
كما أن لغة الكتاب - إن جاز لي أن أحكم عليها - فصيحةٌ سليمة، لا لحن فيها، ولا عاميةٌ. ولكن ربَّما وقع في بعض الهنات التي قلما يسلم منها كتاب (2) .
والمصنف لم يتكلَّف في أسلوب عرضه الألفاظ الوحشية، والكلمات النادرة، بل جاءت كلماته سهلة مأنوسة، وكانت تراكيبه جزلةً مدروسة، لولا بعض التراكيب اليسيرة (3) .
3 - عبارات الجزم والقطع
يلاحظ أن القرافي في بعض مواقفه يلجأ إلى تأكيد كلامه، وتقوية حجته بعباراتٍ قويَّة فيها الجزم والقطع، من ذلك:
أ - قوله: ((فهذا برهان قاطع على بطلان الحسن والقبح العقليين)) (4) .
ب - قوله: ((فهذه مدارك قطعية تُوجب حينئذٍ أن الحكم. . .)) (5) .
جـ - قوله: ((فإنَّا نقطع أن كل مجتهدٍ يجوز أن يخطيء، وما من مذهب من المذاهب إلا وقد وقع فيه ما يُنكر وإن قلَّ، فهذا لابد للبشر منه)) (6) .
د - قوله: ((وأما أنه جازمٌ بهما فمحالٌ ضرورةً)) (7) .
_________
(1) انظر مثلاً على ذلك ما جاء في الصفحات: 66 - 68، 195 من القسم التحقيقي.
(2) انظر بعض المآخذ اللغوية في ص 173 من القسم الدراسي.
(3) انظر أمثلتها في مبحث المآخذ ص 169 من القسم الدراسي.
(4) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 91.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 48.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 186.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 409.
(1/123)

وفي سبيل هذا القطع لا يبالي بمن خالفه، ولا يعبأ بكثرتهم، فيقول مثلاً:
أ - ((والإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة خلافاً لأكثر الناس)) (1) .
ب - ((وأما النكرة في سياق النفي، فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين. يقولون: النكرة في سياق النفي تعمُّ. وأكثر هذا الإطلاق
باطل)) (2) .
ويمكن تحليل هذا الموقف منه بإرجاعه إلى قوة شخصية القرافي العلمية، وما حباه الله من رسوخ في التأليف، حتى غدا يكتب بقناعة أكيدة.
4 - المحسنات البلاغية
اكتنف الكتابَ أساليبُ بلاغية متنوعة، ففي علم المعاني تنوَّع أسلوبه ما بين الخبر والإنشاء، فوظَّف الخبر في العرض والتقرير، وتوسَّل بالإنشاء للإثارة والتنبيه
والتعجب.
ويظهر الأسلوب الإخباري لمجرَّد العرض عندما يبدأ القرافي بعرض آراء الآخرين، كما يلاحظ في النصوص التالية:
أ - ((قال جماهير الفقهاء والمعتزلة يجب اتباعه - صلى الله عليه وسلم - في فعله. . .)) (3) .
ب - ((قال القاضي منَّا والغزالي: هو خطاب دالٌّ على ارتفاع حكم
ثابت. . .)) (4) .
جـ - ((وقال أبو حنيفة: يقبل قول المجهول)) (5) .
د - ((والأكثرون اتفقوا على التمسك به، وأنكره بعضهم، وقال: يلزم التخيير أو التوقف)) (6) . بينما يستعمل القرافي الأسلوب الخبري التقريري عندما يبدأ بتقديم رأيه في الموضوع، ويتبين ذلك فيما يلي:
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 149.
(2) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 181.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 10.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 42
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 240.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 410.
(1/124)

أ - ((إذا استُفْتي مجتهدٌ فأفتى، ثم سئل ثانيةً عن تلك الحادثة فإن كان ذاكراً لاجتهاده الأول أفتى، وإن نسي استأنف الاجتهاد)) (1) .
ب - ((الإجماع لا يُنسخ، ولا يُنسخ به)) (2) .
جـ - ((يمتنع الترجيح في العقليات؛ لتعذر التفاوت بين القطعيين)) (3) .
د - ((ويشترط في المخبر العقل والتكليف، وإن كان تحمُّل الصبي صحيحاً، والإسلام، والضبط)) (4) .
و ((وهو (الإجماع) مقدَّمٌ على الكتاب والسنة والقياس)) (5) .
وهذا الأسلوب طاغٍ على عبارات الكتاب، ولاسيما المتن، والقرافي بهذا يشعرنا بأستاذيته، ويجب ألاَّ ننسى السنين التي قضاها في التعليم والتدريس، فلعلَّ هذا أثر من آثارها.
أما الأسلوب الإنشائي فقد وجد في بعض تعبيرات الكتاب، سواء أكان أمراً أم استفهاماً أم تعجُّباً أم رجاءً، وكأنَّ القرافي يستعمله في المواضع التي يودّ به تنبيه المرء إلى أمرٍ مهمٍّ، فمن ذلك:
أ - قوله: ((واعلمْ أن المقدَّرات في الشريعة لا يكاد يعرى عنها باب من أبواب
الفقه)) (6) .
ب - قوله: ((واعلمْ أن الذريعة كما يجب سدُّها يجب فتحها ويكره ويندب
ويباح)) (7) .
جـ - قوله: ((فانظرْ في ذلك لنفسك، وأما غيره (الآمدي) فلم أَرَ له تعرضاً
لذلك، فما أدري، هل اغترَّ بالموضع فأطلق هذه العبارة في الاستدلال أو هو أصل يعتمد عليه؟!)) (8) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 480.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 93.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 411.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 222.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 165.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 382.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 505.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 29.
(1/125)

د - قوله: ((وبهذه التقريرات يتَّضح لك ما هو نسخ مما ليس بنسخ، فتأملْها)) (1) .
هـ - قوله: ((إذا كان المجتهد ذاكراً للاجتهاد ينبغي ألاَّ يقتصر على مجرد الذكْر، بل يحركه لعلّه يظفر فيه بخطأ أو زيادة. . .)) (2) .
وقوله: ((كيف يتخيل عاقل أن المطالبة تتوجه على أحدٍ بغير مطالب
به؟!)) (3) .
وفي علم البيان استعمل التشبيه، فقال: ((النسخ كالفسخ، فكما أن
الإجارة. . .)) (4) . وقال أيضاً: ((ولأن اسم الأمة لا ينخرم بهم كالثور الأسود - فيه شعرات بيض - لا يخرج عن كونه أسود)) (5) .
وفي علم البديع استعمل أسلوب " الترديد " (6)
وهو من الفصاحة اللفظية،
كقوله ((وليس فليس)) (7) ، وقوله: ((ومن لا فلا)) (8) . وكذلك استعمل أسلوب
" التَّسْجيع " (9) ، وهو وإن لم يكن مقصوداً لذاته، تمشِّياً مع طبيعة البحث الأصولي لكن جرى القلم ببعض العبارات المسجوعة، وكأنَّها سُطِّرت عفو الخاطر، من ذلك:
أ - قوله: ((وهو مَهْيع متَّسِع، ومسلك غير ممتنع)) وقال بعدها بقليل ((فليس هذا باباً اخترعه، ولا بِدْعاً ابتدعه)) (10) .
ب - قوله: ((وابن القاسم لا يقبل قول القاسم)) (11) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 112.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 482.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 382
(4) انظر: القسم التحقيقي ص47.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 164.
(6) قال ابن حجة الحموي ((الترديد: هو أن يعلِّق الشاعر لفظةً في بيت واحد بمعنى، ثم يرددها فيه

بعينها، ويعلقها بمعنىً آخر. . .)) خزانة الأدب 1 / 359.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 24، 194.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 458.
(9) وهو السجع، وهو: اتفاق الفواصل في الكلام المنثور في الحرف أو الوزن. الطراز ليحيى العلوي اليمني ص407.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 507.
(11) انظر: القسم التحقيقي ص 451.
(1/126)

جـ - قوله: ((فقد قوي الاستبراء على منع المبادي، ولم يَقْوَ على قطع التمادي)) (1) .
واستعمل أسلوب " التطبيق " (2) حينما قال ((ومن محاسن العبارة في هذه المسألة
أن يقال: إن الأمر بالشيء نهيٌ عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمرٌ بأحد
أضداده)) (3) .
5 - الأسلوب مع الآخرين:
التزم القرافي رحمه الله تعالى في كتاب الأدب الجمَّ مع الآخرين، وأوجب الأدب
ما كان مع الله جلَّ جلاله وكتابه المبين ومع نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومع علماء الأمة رحمة الله عليهم أجمعين.
فتأمَّل بماذا عبَّر من أسلوب يفيض إجلالاً لله تباركت أسماؤه. قال: ((فالكلِّي هو الذي لا يمنع تصورُه من وقوع الشِّرْكة فيه، سواء امتنع وجوده كالمستحيل، أو أمكن ولم يوجد كبحر الزئبق، أو وجد ولم يتعدَّد كالشمس، أو تعدَّد كالإنسان. وقد تركتُ قسمين، أحدهما محال، والثاني أدب)) (4) .
ثم قال في الشرح: ((لكن إطلاق لفظ " الكلي " على واجب الوجود سبحانه وتعالى فيه إيهامٌ تمنع من إطلاقه الشريعة، فلذلك قُلتُ تركتُه أدباً. . . فأقسام الكلي عندهم ستة، وهي في هذا الكتاب أربعة)) (5) .
وقال بإزاء القرآن الكريم ((وأما الكتب السالفة، فلم يؤمر بتعلُّمها؛ لعدم صحتها، وأدباً مع الأفضل منها، وهو القرآن)) (6) .
وأما في جانب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فقال: ((وبهذا يظهر لك بطلان قول من استدلَّ في هذه المسألة بقضية رجم اليهوديين، وأن رسول الله اعتمد على أخبار ابن صُوْريا أن فيها الرجم، ووجد فيها كما قال،. . . بل رسول الله يجب
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 84.
(2) وهو التضادُّ والمطابقة والطِّباق، وهو أن يؤتى بالشيء وضده في الكلام. الطراز ليحيى اليمني ص 383.
(3) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 136.
(4) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 27.
(5) المصدر السابق ص 28.
(6) المصدر السابق ص 29.
(1/127)

أن يُعتقد أنه إنما اعتمد في رجم اليهوديين على وحيٍ جاءه من قبل الله تعالى، أما غير ذلك فلا يجوز، ولا يُقْدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على دماء الخلق بغير مستندٍ صحيح)) (1) .
أما مع العلماء الأجلاء، فإنه تلَّطف معهم في العبارة، وأثبت فضلهم، وأعلى أقدارهم، وكل هذا ظاهرٌ في الأوصاف التي يخلعها عليهم، وإكثار الترحُّم عليهم، بل الترضِّي عنهم، كقوله: ((مذهب مالك، وجمهور العلماء رضي الله عنهم وجوبه وإبطال التقليد)) (2) ، وقال: ((منهم الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما)) (3) ، وقال ((وأما الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه. . .)) (4) ، واسمعه وهو يدعو لشيخه العز بن عبد السلام رحمه الله: ((وكان الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام قدَّس الله روحه من الشافعية يقول. . .)) (5) .
كما أنه يعترف لهم بالفضل فيقول: ((غير أن هاهنا قاعدة للحنفية أخبرني
فضلاؤهم، وهي. . .)) (6) .
ويقول: ((قال بعض فضلاء العصر. . .)) (7) ، وقال: ((فذكرتُ هذا لبعض العلماء الأعيان. . .)) (8) .
وكان الإمام الشهاب القرافي رحمه الله يلتمس للعلماء المعاذير، فها هو يقول:
((فلا يوجد عالم إلا وقد خالف من كتاب الله وسنة نبيّه عليه الصلاة والسلام أدلةً كثيرة، ولكن لمعارضٍ راجحٍ عليها عند مخالفها)) (9) . وقد أوَّل كلاماً للشافعي ليستقيم على وجهٍ صحيحٍ في مسألة عموم المشترك، فقال: ((ولعل الشافعي رضي الله عنه يريد
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 35 - 36.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 441.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 269 - 270.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 449.
(5) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 174.
(6) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 185.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 13.
(8) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 187.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 507.
(1/128)

بأنه حقيقة: أنه في كل فردٍ على حياله لا في الجميع: إلى أن قال - وهو اللائق بمنصب هذا الإمام العظيم)) (1) .
والإمام القرافي عليه رحمه الله وإن التزم جانب اللطف مع المخالف إجمالاً، إلا أنه وردت عبارات فيها شدَّة، ربما أشعرت بالتهكم بالمخالف، وهذا نادرٌ جداً، ومع ذلك فالقرافي في صنيعه هذا لا يقصد الإساءة والسخرية - حاشاه - بل قصد التنبيه على الخطأ الجسيم غير اللائق صُدُوره من أهل العلم والفضل، والله تعالى أعلم. فمن ذلك:
أ - قوله: ((وقول الإمام ومن وافقه باطل - ثم قال - فإهمال الرجحان هنا ليس بجيِّد)) (2) .
ب - قوله: ((احترازاً مما توهمه الشيخ ابن أبي زيد وغيره - ثم قال - وليس كما زعموا)) (3) .
ب - قوله: ((فإنكار الإمام منكر)) (4) .
د - قوله في تعريف الاستحسان ((وقيل: " هو الحكم بغير دليل ". وهو اتباعٌ للهوى)) (5) .
هـ - قوله: ((ولا يفسِّق بذلك إلا جاهل)) (6) .
وقوله: ((أما الاكتفاء بالظاهر فهو شأن الجهلة الأغبياء الضعفاء الحزم
والعزم)) (7) .
ز - قوله: ((فعلى هذا لا ينحصر فرض العين في العبادات، ولا في بابٍ من أبواب الفقه، كما يعتقده كثيرٌ من الأغبياء)) (8) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 116.
(2) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 120.
(3) المصدر السابق ص 55.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 284.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 513.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 246.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 247.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 457.
(1/129)

6 - الأسلوب مع الذات:
كيف كان الإمام القرافي يخاطب نفسه، وهو يعالج مسائل الأصول العويصة؟ إن من عجائب هذا الكتاب أنك وأنت تقرؤه تستمع إلى محاورات نفسية بين القرافي والمسائل التي يخوض غمارها، وحديثُ النفس ذو شجون، فما أكثر خلجات النفوس وتفاعلاتها!!
فالقرافي إذا أعجبه ما سطَّره عبَّر بكلماتٍ تدل على سروره وفرحه به، وتلْمسُ من عباراته اعتزازه وثقته بما يكتب ويحرِّر، وليس هذا نابعاً من العُجب بالنفس فيما أَحْسَب، بل لعلَّه من باب التحدّث بنعمة الله تعالى. فاستمع إليه وهو يقول:
أ - ((وقد ذكرنا منه جملةً من الكتاب العزيز هنالك - يشير إلى كتابه " الاستغناء " - فمن أرادها فليطالعه، فإنها فوائد غريبة، وقواعد جليلة، وهي كلُّها من فضل الله تعالى، وله المنة في جميع الأحوال، لا إله إلا الله هو الكبير المتعال)) (1) .
ب - بعد أن أورد سؤالاً على لفظٍ من ألفاظ الأيمان قال ((قلتُ: السؤال حسن قوي غير أن الجواب عنه حسن جميل)) (2) .
جـ - ولما فرَّق بين ورود الخاص على العام وورود المقيد على الإطلاق قال ((فأحد البابين بعيد من الآخر، مع أن جماعة من العلماء لم يفرِّقوا، وساقوا الجميع مساقةً
واحدةً، والفرق كما رأيت، فهو موضوع حسن، لم أرَ أحداً تعرَّض إليه)) (3) .
وفي موضع آخر لنفس المسألة قال: ((فهذا فرق عظيم ينبغي أن تلاحظه فهو نفيس في الأصول والفروع)) (4) .
د - ((فهذا هو تلخيص هذا الموضع، وهو موضع حسن غريب)) (5) .
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 258.
(2) المصدر السابق ص 217.
(3) المصدر السابق ص 267.
(4) المصدر السابق ص 221.
(5) المصدر السابق ص 155.
(1/130)

هـ - ((فهذا برهان قاطع على بطلان الحسن والقبح العقليين، ولم أره مسطوراً، وقد نقلتُ في شرح المحصول طرقاً عديدة عن الأصحاب، وبيَّنتُ ما عليها من الإشكال، واخترت هذه الطريقة)) (1) .
ومع ما يقع في الكتاب من عباراتٍ توميء إلى اعتداده وثقته بما يكتب إلا أن المصنف رحمه الله كان يعبِّر في مواطن أخرى بعباراتٍ يُشْتمُّ منها رائحة التواضع والتراجع، ونكرانه لذاته، وتسليمه بالعجز، ومحدودية قدرته، فاستمع إليه وهو يقول:
أ - ((فلذلك زدتُ أنا من عندي القيود التي بعد هذا القيد. . . فبقيتْ هذه الزيادة مضمومةً إلى كلامه (الرازي) ، وهو غير جيد مني، بسبب. . . فبقي الكلام كله باطلاً، بل ينبغي لي أن ابتديء حدّاً مستأنفاً، فأقول: الشرط. . . فهذا هو الحد المستقيم، وأما الذي لي والإمام في الأصل فباطلٌ)) (2) .
ب - ((إذا تقرر هذا فأقول: النكرة في سياق النفي تقتضي العموم في أحد
قسمين. . . وما عدا ذلك فلا عموم فيه، فهذا هو تلخيص ذلك الإطلاق فيما وصلتْ إليه قدرتي)) (3) .
جـ - لما ذكر تعريف التخصيص ومحترزاته في المتن ثم شرحها قال أخيراً: ((وهذا الحد باطل مع هذا التحرير العظيم، الذي لم أر أحداً جمع ما جمعت فيه - ثم قال - فينبغي أن يؤتى بعبارة تجمع هذه النقوض، وتخرج الاستثناء، وفيها عُسْر)) (4) .
د - ((والذي تقرَّر عليه حالي في شرح المحصول، وهاهنا، أني عاجز عن ضبط الرخصة بحدٍّ جامعٍ مانعٍ. أما جزئيات الرخصة من غير تحديدٍ فلا عُسْر فيه، إنما الصعوبة في الحد على ذلك الوجه)) (5) .
_________
(1) المصدر السابق ص 91.
(2) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 262.
(3) المصدر السابق ص 184.
(4) المصدر السابق ص 52.
(5) المصدر السابق ص 78.
(1/131)

هـ - لمَّا عرَّف العام في المتن قال - في الشرح - ((وسبب هذه العبارة والاحتياج إليها إشكالٌ كبيرٌ، عادتي أورده، ولم أر أحداً قط أجاب عنه، وهو: ... )) (1) ، ثم سرد الإشكال، وذكر محاولات المجيبين عنه، واعترض عليهم، وقال أخيراً ((فهذا المُلجيء لهذا الحدِّ الغريب)) (2) .
هذا الخلق الكريم من القرافي الذي لمسناه من عباراته المتواضعة التي تشهد بيقين على صدْق تحرِّيه للحق، وشدة تواضعه وتراجعه أقول هذا الخلق لم يفارق تلابيب القرافي حتى في آخر تأليفٍ له. فهو يقول في كتابه " العقد المنظوم في الخصوص والعموم " (2 / 161) ((إشكالٌ عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أُوْرِدُه على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجدْ له جواباً يرضيني، وإلى الآن لم أجدْه، قد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرها مما يسَّره الله تعالى علي من الموضوعات في هذا الشأن. . .)) .
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 38.
(2) المصدر السابق ص 39.
(1/132)

المبحث السابع
قيمة الكتاب العلمية ومحاسنه
إن القيمة العلمية لأي كتاب ترتكز على ثلاثة أركان: الكاتب، والكتاب، والفن المكتوب فيه.
أما الكاتب فقد علمتَ عند سوق ترجمته فَوْزَه بقصب السبق، وإحرازَه القِدْح المعلَّى في علوم الشريعة، ولاسيما علم أصول الفقه، فقد علا كَعْبه فيه، وتألَّق نجمه في بيان مراميه.
وأما العلم الذي كتب فيه فهو علم أصول الفقه، وقيمته لا تُنكر، ومنزلته أشهر من أن تُذكر، ومزاياه أكثر من أن تُحصر.
وأما ثالثة الأثافي فكتاب الشهاب القرافي، مادته غزيرة، ومصادره وفيرة، وعبارته متينة، وبراهينه قوية.
قال فيه الحافظ العلائي: ((وهو من أنفس كُتبه)) (1) .
وقال عنه ابن فرحون: ((وشرحه كتاب مفيد)) (2) .
وقال فيه محمد الطاهر بن عاشور: ((فإنه جمع فوائد عزَّتْ عن أن تُسام، واستوعب مسائل أصول الفقه بما ليس وراءه للمستزيد مرام)) (3) .
وتنبع قيمة الكتاب العلمية، ويمكن تسنُّمه منصباً رفيعاً بين كتب الأصول للجوانب التالية:
أولاً: كونه إفرازةً من إفرازات المدرسة الرازيَّة في الأصول.
فكتاب " المحصول " كتاب طبَّقتْ شهرته الآفاق، مجرد ذكره يغني عن جزيل الثناء عليه، وحسبك أن مؤلفه خُصَّ بلقب " الإمام " حتى إذا أطلق - بإطلاق - لم يتبادر إلى الأذهان سواه. صنَّف الرازي محصوله بعد نضج علمي تام، واستقرار قواعد هذا الفن الجليل.
_________
(1) ذكره العلائي في ترجمة القرافي المثبتة في فاتحة النسخة الخطية الأزهرية هـ. انظر ص 244 القسم الدراسي.
(2) الديباج المذهب ص 129.
(3) انظره في: حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح 1 / 3.
(1/133)

والشهاب القرافي لم تكن علاقته بالمحصول وليدة أيام، بل امتدَّت جذورها إلى سنوات طويلة، فقد اختصره في باكورة حياته العلمية في " تنقيح الفصول "، ثمَّ علَّق على " المنتخب " وشرح المحصول في موسوعته العجاب " نفائس الأصول ". وأخيراً اختصر شرحه هذا في " شرح تنقيح الفصول ". وهكذا تعامل القرافي مع المحصول، فقد عايشه أدواراً وأطواراً، حتى أكسبَتْهُ هذه المعايشة الدؤوبة مهارةً فائقة، ودُرْبةً متقنةً، وخبرةً واسعة في علم الأصول.
ثانياً: أصالة مصادر الكتاب وعراقتها التي استقى منها معلوماته، ومادته كتابه، في شتَّى الفنون ابتداءً بكتب الأصول، ومروراً بالتفاسير وكتب الحديث والفقه واللغة والنحو، وانتهاءً بالكلام والمنطق. وقد سبقت الإشارة إلى هذه المصادر في المبحث الخامس (1) .
ثالثاً: احتواء كتابه على نقولٍ كثيرةٍ لم تكن ميسورة الحصول، بل يصعب إليها الوصول، وهي نقولات يُفتقر إليها نظراً لتعذُّر الوقوف على مصادرها الأصلية، وهو بعمله هذا حفظ لنا بعضاً من هذه المفقودات النفيسة، كنقولاته عن: الملخَّص والإفادة كليهما للقاضي عبد الوهاب البغدادي، والأوسط لابن برهان، وشرح البرهان للمازري، والجدل للحصكفي، وغيرها.
ولا ننسى - ونحن في مقام التذكير بأهميَّة الكتاب وقيمته العلمية - أن نعزِّز هذه القيمة والأهمية بنقولاته عن مشايخه وفضلاء عصره التي استفادها مشافهةً منهم، وبثَّها في ثنايا كتابه كالعز بن عبد السلام، والخسروشاهي، وغيرهما.
رابعاً: إسهام الكتاب في خدمة أصول المالكية مع الاعتناء بآراء الإمام مالك وأصحابه الأصوليين، ولا سيما المتقدمين منهم، كابن قاسم، وأشهب، وسحنون. كما يُعنى بإبراز آراء فحول الأصوليين من رجال المذهب المالكي، كأبي الفرج، وأبي بكر الأبهري، وابن القصار، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب البغدادي، وأبي الوليد الباجي، وابن رشد (الجد) ، والمازري، والقاضي عياض، والأبياري. وبعض هؤلاء لا يُعرف له كتاب مطبوع يمكن الوقوف على آرائه فيه.
_________
(1) انظرها فيه: ص 95 وما بعدها من القسم الدراسي.
(1/134)

وبهذه العناية بآراء المالكيين الأصولية تنضاف للكتاب قيمة كبرى، وأهمية قصوى لمن شاء الاطلاع على أقوالهم وأصولهم، ولاسيما أن الجامع لها عَلَمٌ مدقِّق ومحقِّق، من المجتهدين فيه، الجامعين لقواعده، النافذين إلى لُبِّه، والمخرِّجين فيه، الساعين في إرساء دعائمه.
وبحقٍّ لقد أسهم كتاب القرافي في تبيان أصول المالكية في الجملة، وخرَّج وفق قواعدهم بعض المسائل التي لم يُعْلم لهم نقلٌ فيها، من ذلك قوله:
أ - ((والنقل في هاتين المسألتين في هذا الموضع قد نقله الأصوليون. أما بعد الشروع، وقبل الكمال فلم أَرَ فيه نقلاً، ومقتضى مذهبنا جواز النسخ في الجميع)) (1) .
ب - ((قال القاضي عبد الوهاب: والأشبه بمذهب مالكٍ أنه لا يجوز مخالتفهم فيما اتفقوا فيه من الحروب والآراء، غير أني لا أحفظ عن أصحابنا فيه شيئاً)) (2) .
جـ - ((فعلى مذهبنا زيادة التغريب ليست نسخاً)) (3) .
د - ((إذا فعل المكلَّف فِعْلاً مختلفاً في تحريمه غير مقلِّد لأحدٍ، فهل نؤثمه بناءً على القول بالتحريم، أو لا نؤثمه بناءً على القول بالتحليل، مع أنه ليس إضافته إلى أحد المذهبين أولى من الآخر،، ولم يسألنا عن مذهبنا فنجيبه؟ ولم أرَ لأحدٍ من أصحابنا فيه نقلاً)) (4) ثم نقل جواب العز بن عبد السلام في هذه المسألة.
وكان يرحمه الله يحكي الخلاف القائم بين أهل المذهب نفسه في المسائل مشيراً إلى الراجح أو المشهور وأحياناً يترك الخلاف كما هو لقوته ووجاهته (5) .
كما أن الإمام القرافي كان شديد المنافخة عن مذهب الإمام مالك رحمه الله في صدِّ التشنيع والتشغيب عليه.
من الأمثلة على ذلك قوله:
أ - ((وبهذا يظهر بطلان التشنيع على المالكية، حيث جعلوا تلك السُّنة في الصلاة سبباً لوجوب السجود)) (6) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 66.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 185.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 105.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 449.
(5) انظر على سبيل المثال: ص 252، 311 - 313، 397.
(6) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 175
(1/135)

ب - ((ومما شُنِّع على مالك رحمه الله مخالفته لحديث بيع الخيار مع روايته له، وهو مَهْيع متسَّع، ومسلك غير ممتنع، فلا يوجد عالم إلا وقد خالف من كتاب الله، وسنة نبيّه عليه الصلاة والسلام أدلةً كثيرة لمعارضٍ راجحٍ عليها عند مخالفها. . .)) (1) .
جـ - ((ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع. وليس كذلك. . .)) (2) .
لكنه رحمه الله لم يكن متعصباً للمذهب على حساب الحق وهو في معرض بيان المسائل الأصولية، فمثلاً يقول:
أ - ((فتأمَّل ذلك، فقد غلط فيه جماعة من أكابر الفقهاء المالكية وغيرهم. . .)) (3) .
ب - ((تنبيه: قال مالك والشافعي وابن حنبل: إن النهي يدل على الفساد، وقال أبو حنيفة: هو يدل على الصحَّة، فالكلُّ طردوا أصولهم إلا مالكاً)) (4) .
ولم تقتصر عناية القرافي على نقل آراء علماء مذهبه بل شملت عنايته كذلك رَصْد آراء علماءٍ أفذاذٍ من فحول الأصوليين، ممن لا تعرف لهم تآليف يُعوَّل عليها:
كأحمد بن حنبل، وأبي إسحاق الإسفراييني، وعيسى بن أبان، وأبي الحسن الكرخي، وأبي بكر الصيرفي، وابن سريج وغيرهم. ومن المعتزلة كأبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم، والنظَّام، والجاحظ، والقاضي عبد الجبار وغيرهم.
خامساً: بروز شخصية القرافي الفذَّة في هذا الكتاب، وفي سائر كتبه عامةً. فلقد وُهِبَ شخصيةً فريدةً مستقلة لم تكن منساقةً وراء الأقوال دون تمحيص، ولم تَنْجرَّ خلف أحدٍ بدافع التبعيّة والتقليد، ومع كونه مالكياً إلاّ أن اختياراته ومناقشاته، وترجيحاته وتنقيحاته، ونقوده وردوده، توحي بانخلاعه عن ربقة التعصّب المذهبي، فكانت نظراته عند عرضه لمسائل الخلاف موضوعيةً حياديةً.
وتلازمنا هذه الشخصية المتميزة دائماً في ثنايا الكتاب من خلال مخالفته لآراء بعض العلماء، وإصداره أحكاماً عليها، وانفراداته في بعض المسائل العلمية.
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 507.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 504.
(3) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 212.
(4) المصدر السابق ص 176.
(1/136)

ولنأخذ أمثلة سريعة تبرهن صحة الادعاء باستقلالية شخصية القرافي، وبروزها بصورة واضحة في جوانب عديدة:
(1) مخالفته لبعض آراء العلماء، من ذلك:
أ - مخالفته للجمهور والأكثرين:
- قال: ((اختلف الفضلاء في مسمى لفظ " المضمر " حيث وجد، هل هو جزئي أو كلِّي؟ فرأيت الأكثرين على أن مسماه جزئي - ثم ساق حججهم وقال - والصحيح خلاف هذا المذهب، وعليه الأقلون، وهو الذي أجزم بصحته، وهو أن مسمّاه كلِّي. . .)) (1) .
وقال: ((وأما النكرة في سياق النفي، فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين، يقولون: النكرة في سياق النفي تعم، وأكثر هذا الإطلاق
باطل)) (2) .
ب - مخالفته لجمهور المالكية إن لم يكن جميعهم، كما في مسألة التعليل بالاسم، فالقرافي لم ينقل سوى الاتفاق على عدم جواز التعليل بالاسم، بينما أكثر المالكية على جوازه مطلقاً (3) .
جـ - مخالفته للقاضي عبد الوهاب في قوله باشتراط تقدُّم الوجوب في القضاء (4) .
د - مخالفته لأبي إسحاق الشيرازي في بيان المراد بالقياس في اللغات (5) .
هـ - مخالفته لشيخه العز بن عبد السلام في الجواب عن إشكال وهو أن القول بأن النهي لا يقتضي التكرار يلزم منه ألا يوجد عاصٍ في الدنيا ألبتة (6) .
ومخالفته لعيسى بن أبان في قوله يشترط في قبول الخبر ألاّ يخالف الكتاب (7) .
_________
(1) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 34 - 35.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 181.
(3) انظر: المسألة: ص 381 من القسم التحقيقي مع التعليق رقم (5) .
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 389 - 390.
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 169.
(6) انظر: القسم التحقيقي، ص 260.
(7) انظر: القسم التحقيقي، ص 178.
(1/137)

ز - مخالفته لأهل الظاهر في قصرهم حجيّة الإجماع على الصحابة (1) .
ح - مخالفته للباجي في تجويزه لنسخ المتواتر (الكتاب) بالآحاد (2) .
ط - مخالفته للشافعي في قوله بعدم جواز نسخ السنة بالكتاب (3) .
ي - مخالفته للإمام الرازي، وهي كثيرة نبّهت على جملةٍ منها في المبحث التاسع من هذا الفصل (4) .
(2) تصريحه باختياراته وترجيحاته، من ذلك:
أ - قوله: ((الصحيح أن عرض الطعام وتقديمه للضيف إذنٌ له في تناوله)) (5) .
ب - قوله في مسألة التعليل بالأوصاف المقدَّرة بعد مناقشته للرازي: ((فإنكار الإمام منكر، والحق التعليل بالمقدرات)) (6) .
جـ - في مسألة: هل يكتفى بالظاهر في أمر العدالة؟ قال: ((فالحق مذهب القاضي)) (7) .
د - قال في مسألة تعبُّد النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله قبل البعثة، قال: ((هذه المسألة المختار فيها أن نقول: متعبِّداً بكسر الباء على أنه اسم فاعل. . .)) (8) .
هـ - قال في مسألة حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الثاني، قال: ((فيه قولان مبنيان على أن إجماعهم على الخلاف يقتضي أنه الحق، فيمتنع الاتفاق. أو هو مشروط بعدم الاتفاق، وهو الصحيح)) (9) .
_________
(1) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 74.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 84.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 87.
(4) انظر: القسم الدراسي ص 183، 195.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 533.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 384.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 248.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 25.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 138.
(1/138)

(3) إصداره أحكاماً على بعض الأقوال التي يوردها في كتابه، ويعطيها ما تستحقه من التقدير، من مدحٍ أو قدح. ومن أمثلة ذلك:
أ - لمَّا أورد كلاماً لإمام الحرمين في الإجماع عقَّب القرافي بقوله: ((فهذا تفصيلٌ حسن)) (1) .
ب - ولمّا أورد كلاماً فيه تفصيل لأبي الحسين البصري، قال: ((فهذه التفاصيل أولى من التعميم الأول)) (2) .
جـ - قال في مسألة التقليد في أصول الدين: ((والغزالي يميل إليه)) (3) .
د - لمّا أورد قولاً للمصوّبة، قال: ((فهذا منع حسن أيضاً على دليل المخطِّئة)) (4) .
هـ - وقال: ((والجنوح إلى مفهوم الصفة هو قول القاضي عبد الجبار، وهو مع تدقيقه قد فاته هذا الموضع)) (5) .
ووقال: ((فلهذه القاعدة قال مالك: أحدُّه للمعصية، وأردُّ شهادته لفسقه، وهو أوجه في النظر من قول الشافعي، لما تقدم من الإشكال على قول الشافعي)) (6) .
ز - وقال: ((وكثير من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا، ويقولون: مذهب الشافعي كذا؛ لأن الحديث صحَّ به، وهو غلط، فلابد من انتفاء المعارض)) (7) .
حـ - ولمّا أورد قول الأصمّ في مسألة تصويب المجتهدين قال عنه: ((إنه في غاية العسر من جهة تصوُّره - ثم قال - فهذا المذهب مشكل)) (8) .
(4) انفراداته عن سائر الأصوليين في بعض المسائل، هذه الانفرادات لا أزعم تفرّده بها عن غيره، ولا أجزم بذلك، ولكن باستقراءٍ غالب، واطلاع واسع لكتب الأصول، ظهر لي تميّز هذه الآراء وتفردها، مع ما تتَّسم به من جدَّةٍ وحداثة. فمن ذلك:
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 120.
(2) انظر: القسم التحقيقي 121.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 489.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 476.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 109.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 239.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 508.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 475.
(1/139)

أ - تعريفه للحكم الشرعي بأنه: ((كلام الله القديم المتعلِّق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو ما يوجب ثبوت الحكم أو انتفاءه)) ثم قال: ((فيجتمع في الحدِّ " أو " ثلاث مرات، وحينئذٍ يستقيم وتجمع جميع الأحكام الشرعية، وهذا هو الذي أختاره، ولم أرَ أحداً ركَّب الحدَّ هذا التركيب)) (1) .
ب - جرت عادة الأصوليين تقسيم الحكم الوضعي إلى السبب، والشرط، والمانع، والصحة، والفساد، وبعضهم يزيد الرخصة، والعزيمة. والشهاب القرافي زاد قسماً جديداً إليها، وهو: " التقادير الشرعية ": وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاء المعدوم حكم الموجود (2) .
جـ - قرَّر القرافي قاعدة جديدة في العموم، وهي: ((العام في الأشخاص مطلق في الأزمان والأمكنة والأحوال والمتعلَّقات)) (3) .
د - تقسيمه للخبر قسمةً ثلاثية، وهي: خبر متواتر، وخبر آحاد، وخبر لا متواتر ولا آحاد، وهو: خبر الواحد المنفرد إذا احتفَّتْ به القرائن حتى أفاد العلم. وقال القرافي عن هذا الثالث: ((وهذا القسم ما علمت له اسماً في الاصطلاح)) (4) .
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 70. لكن نبه فضيلة شيخنا الدكتور عياض السلمي إلى أن القرافي ليس أول من نصَّ على إدخال الأحكام الوضعية في تعريف الحكم، بل سبقه ابن الحاجب إلى ذلك، فقال: ((هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع)) [مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 1 / 220] ، فيصعب التوفيق ولاسيما أن ابن الحاجب شيخ القرافي ولا يُظنُّ عدم اطلاعه على كتابه. انظر كتابه: شهاب الدين القرافي حياته وآراؤه الأصولية ص 82 وما قبلها. لكن يظهر لي أن سَبْق القرافي في محلِّه، إذْ عبَّر بـ" كلام " بدلاً من " خطاب "، وزاد قيد " القديم " وقد أوضح ذلك القرافي في شرحه ص (67) من المطبوع. فهذا موطن السَّبْق والجِدَّة علاوةً على إضافة الأحكام الوضعية في التعريف لكن بصياغة وتركيبٍ يغاير ما عليه عبارة ابن الحاجب التي ربما اطّلع عليها القرافي ولم تعجبه. والله أعلم.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 80. وممن نوَّه إلى أن هذه الزيادة كانت من القرافي تقي الدين الحصني (829 هـ) في كتابه: القواعد 1 / 199.
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 200، وقد أشار شيخنا الدكتور عياض السلمي إلى أن القرافي أسبق المتكلمين فيها، ومن عداه من المتقدمين إنما تفهم استنتاجاً لا تصريحاً. وذكر بأن الذين أتوا بعد القرافي اختلفوا وخاضوا فيها وأطالوا وانقسموا ما بين مؤيد ومعارض. انظر: شهاب الدين القرافي حياته وآراؤه الأصولية ص127
(4) انظر التعليق عليه في: هامش (6) ص 197 من القسم التحقيقي.
(1/140)

هـ - تقسيمه لأدلة المجتهدين إلى قسمين: أدلة مشروعية الأحكام، وأدلة وقوع الأحكام (1) . وفي الحقيقة القرافي مسبوق إلى ذلك من شيخه العز بن عبد السلام،
فقد ذكر هذه القسمة في كتابه " قواعد الأحكام " (2) لكن القرافي وسَّع القول
فيها، وأجلاها، وميَّز الفروق بينها حتى كأنه المبتكر لها، ولاسيما في كتابه النفيس
" الفروق " (3) .
وسبقه في الكتابة عن مقاصد الشريعة الإسلامية، وإن كان مسبوقاً إلى ذلك من غير المالكية (4) ، لكن لعلّ انتقال فكرة المقاصد إلى المذهب المالكي وتكريسها وترسيخها كانت قد تمَّت على يديه. ولسنا ننسى أن المصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والاستحسان من الأسس المعتمدة في أصول المالكية (5) .
ز - إتيانه بفوائد جديدة، وتفصيلات حميدة في مسألة فرض العين، وفرض الكفاية مع الأمثلة، وتقريره للضوابط لكلٍّ منها، ومن الذين يتعيَّن عليهم الفرض الكفائي. وقد جمع ذلك في موطن واحدٍ قلَّما يتعرض له الأصوليون بهذا التوضيح اللطيف، والتفصيل المنيف (6) .
سادساً: احتواء الكتاب على معلوماتٍ قيِّمةٍ فريدة خارج موضوع الأصول
لقد حفل الكتاب بعديدٍ من المسائل والقضايا التي وردت في طياته، والشأن فيها أنها لا تمتُّ إلى موضوعات أصول الفقه بِصِلةٍ، بَيْد أنها في تمام الجودة وغاية النفاسة، ولو رُحْنا نفتِّش عنها في مظانَّ أخرى ربما لم نظفر عليها بمثل هذا الازديان والإتقان. فمن الأمثلة على ذلك:
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 491.
(2) انظرها فيه: ص 451.
(3) انظرها فيه في: الفرق السادس عشر 1 / 128.
(4) كإمام الحرمين في البرهان 2 / 782، والغزالي في المستصفى 1 / 416، 2 / 306، والرازي في المحصول 5 / 159، 6، 162، والآمدي في الإحكام 3 / 274، 4 / 275، والعز بن عبد السلام في كتابه " قواعد الأحكام في مصالح الأنام ".
(5) انظر الأمثلة على تطرّق القرافي للمقاصد في القسم التحقيقي في: ص 324، 494، 503.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 456 - 458.
(1/141)

(1) الوضع الاجتماعي للمرأة
ما رأي القرافي في موضوع المرأة؟ وما نظرته حيالها في ظل الموروثات والتقاليد الاجتماعية؟ والجواب: نجده في الفصل السادس من باب المجمل والمبين حيث قال: ((يجب البيان لمن أُريد إفهامه، ثم المطلوب قد يكون عِلْماً فقط كالعلماء بالنسبة إلى الحيض، أو عملاً فقط كالنساء بالنسبة إلى أحكام الحيض وفقهه. . .)) (1) .
ثم عقَّب في الشرح فقال: ((وقولهم: إن النساء أُردْن للعمل فقط غير مُتَّجِهٍ؛ بسبب أن النساء أيضاً مأمورات بتحصيل العلم، فكذلك مِنْ سَلَفِ هذه الأمة عائشةُ رضي الله عنها، التي قال فيها عليه الصلاة والسلام ((خذوا شطر دينكم عن هذه الحُميراء)) (2) ، وكانت من سادات الفقهاء، وكذلك جماعة من نساء التابعين وغيرهم. غاية ما في الباب أن التقصير عن رتبة العلم ظهر في النساء أكثر، وذلك لا يبعثنا على أن نقول: المطلوب منهنَّ العمل فقط، بل الواقع اليوم ذلك، أمَّا أنه حكم الله فغير ظاهر)) (3) .
فالمرأة المسلمة مطالبة بالتعلُّم ورفع الجهل عن نفسها؛ لأنها مربية الأجيال. ولكن تعلمها وعملها يجب أن ينضبط وفق أحكام الشريعة، لا كما يهوى دعاة تحرير المرأة على طريقة التحلُّل والتفسُّخ.
(2) الرقائق والزهد مع تصحيح المفاهيم
أ - قال في فصل الحَصْر ((ومن ذلك قوله تعالى: {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ
وَلَهْوٌ. . .} [الحديد: 20] ، وحصرها في اللعب مع أنها مزرعة الآخرة، وفيها تُحصَّل الولاية والصدِّيقية، وتُكتسب المراتب العليَّة، والدرجات الرفيعة، وكل خيرٍ مكتسب في الآخرة فهو في هذه الدار، وهذه خيراتٌ حِسانٌ، وفضائل علميَّة للدنيا، فكيف تُحصر في اللَّعب؟! وإنما ذلك باعتبار من آثَرَها، فإنها في حقِّه لَعِبٌ صِرْف،
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 285.
(2) حديث غريب جداً بل منكر، لا يُعرف له إسناد. انظر: كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني
1 / 374.
(3) شرح تنقيح الفصول ص 286.
(1/142)

وتلك المحاسن لا ينال هذا منها شيئاً، فهو حصر بحسب بعض الاعتبارات، وهو كثير في القرآن الكريم)) (1) .
ب - قال: ((فائدة: ما ضابط الإصرار الذي يُصيِّر الصغيرة كبيرة؟ قال بعض العلماء: حدُّ ذلك أن يتكرر منه تكراراً يخلُّ بالثقة بصدقه، كما تخلُّ به ملابسة الكبيرة، فمتى وصل إلى هذه الغاية، صارت الصغيرة كبيرة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، واختلاف الأحوال، والنظر في ذلك لأهل الاعتبار، والنظر الصحيح من الحكَّام وعلماء الأحكام الناظرين في التجريح والتعديل - ثم قال - فائدة: ما تقدَّم من أن الكبيرة تتبع عظم المفسدة، فما لا تعظم مفسدته لا يكون كبيرة، استثنى صاحب الشرع من ذلك أشياء حقيرة المفسدة، وجعلها مسْقِطةً للعدالة، موجبة للفسوق لقبح ذلك الباب في نفسه، لا لعظم المفسدة، وذلك كشهادة الزور، فإنه فسوق مطلقاً، وإن كان لم يُتلِفْ بها على المشهود عليه إلا فَلْساً واحداً، ومقتضى القاعدة أنها
لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، وكذلك السرقة والغصْب لقبح هذه الأبواب في أنفسها)) (2) .
(3) توضيح معاني الأحاديث المشتبهة
يقع في بعض الأحاديث إشكال في التوفيق بينها، وقد وقفت على بعض المواضع المفيدة التي أجاب فيها القرافي عن هذا الاشتباه والإشكال. منها:
أ - قوله: ((فائدة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) (3) فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب (4) ،
فما الفرق وما الجواب؟ الجواب من وجهين، أحدهما: ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه، فقال: إن منصب الخطيب حقير قابل للزلل، فإذا نطق
_________
(1) المصدر السابق ص 61.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 233 - 235.
(3) هذا الحديث ملفَّق من حديثين. انظرهما في مبحث المآخذ على الكتاب ص 160 من القسم الدراسي.
(4) حديث الخطيب ذكره المصنف قبل ذلك وهو الذي قال في خطبته: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصيهما فقد غوى. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعْصِ الله ورسوله)) رواه مسلم
(
870) .
(1/143)

بهذه العبارة قد يتوهَّم فيه - لنقصه - أنه إنما جمع بينهما في الضمير؛ لأنه أهمل الفصل بينهما في الضمير والفرق، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية. ومنصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غاية الجلالة والبعد عن الوهم والتوهم، فلا يقع بسبب جمعه عليه الصلاة والسلام إيهام التسوية. وثانيهما: ذكره بعض الفضلاء، فقال: كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة، وتقدم الظاهر من الجملة الواحدة يُبْعد استعمال الظاهر في موضع
الضمير، بل الضمير هو الحسن. وكلام الخطيب جملتان، إحداهما مدح، والأخرى ذم، فلذلك حَسُن منه استعمال الظواهر مكان المضمرات)) (1) .
ب - قال في معرض ردّه على الذين يكتفون بالظواهر عن أحوال الناس في أمر العدالة: ((وأما الاكتفاء بالظاهر فهو شأن الجهلة الأغبياء الضعفاء الحزم والعزم، ومثل هؤلاء لا ينبغي للحاكم الاعتماد على قولهم في التزكية. وكلُّ من كان يغلب عليه حسن الظن بالناس لا ينبغي أن يكون مزكِّياً ولا حاكماً لبُعْده من الحزم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - ((الحزم سوء الظن)) ، فمن ضيَّع سوء الظن، فقد ضيع الحزم. نعم لا ينبغي أن يبني على سوء ظنه شيئاً إلا لمستندٍ شرعي، وهو معنى قوله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12] أي: اجتنبوا العمل به حتى يثبت بطريقٍ شرعي)) (2) .
(4) الدراية بالواقع مع وقائع تاريخية:
يمكن تصيُّد بعض المواقف في الكتاب التي تدلُّ على معايشة القرافي لواقعه وفهمه وفقهه له، مع ما في ذلك من تسجيلها في صفحات التاريخ. من ذلك درايته الدقيقة بما حواه كتاب التوراة (العهد القديم) ، مما مكَّنه من تفنيد دعواهم الباطلة بإنكار النسخ (3) .
ومن الأمثلة أيضاً، قوله: ((قال: تقلَّد محاريب البلاد العامرة التي تتكرر الصلاة فيها، ويُعلم أن إمام المسلمين بناها ونصبها أو اجتمع أهل البلدة على بنائها. . .)) ثم قال في الشرح: ((قلت: هذا بشرط أن لا يشتهر الطعن فيها كمحاريب القرى
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 100 - 101.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 247 - 248.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 53 - 60.
(1/144)

وغيرها بالديار المصرية، فإن أكثرها ما زال العلماء قديماً وحديثاً ينبِّهون على فسادها، وللزين الدمياطي في ذلك كتابٌ ولغيره. وقد قصد الشيخ عز الدين بن عبد السلام تغيير محراب قبة الشافعي والمدرسة، ومصلَّى خولان، فعاجله ما منعه من ذلك، وهو قضيته مع بني الشيخ وإسقاطه معين الدين، وعَزَل نفسه عقيب ذلك. وكذلك محاريب المحلَّة مدينة الغربية، والفيوم، ومنية ابن خصيب، وهي لا تعدُّ ولا تُحصى، لا يجوز أن يقلِّدها عالم ولا عامي)) (1) .
(5) واقع الرافضة وشبهاتهم
نبَّه القرافي إلى بعض ألاعيبهم واحتيالهم إزاء النصوص بما يتوافق مع عقيدتهم. من ذلك:
أ - قال في اشتراط معرفة النحو للمجتهد: ((وأما النحو والتصريف واللغة، فلأن الحكم يتبع الإعراب، كما قال عليه الصلاة والسلام ((ما تركنا صدقةٌ)) بالرَّفْع، فرواه الرافضة بالنَّصْب، أي: لا يورث ما تركناه وقْفاً، ومفهومه: أنهم يورثون في غيره. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الشيعة ((أبا بكر وعمر)) فانعكس المعنى، أي: يا أبا بكرٍ وعمر، فيكونان مقتدِيَيْن
لا مقتدىً بهما، وهو كثير)) (2) .
ب - قال: ((وقال القاضي: فتح هذا الباب يحصِّل غرض الشيعة من الطعن على الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم يكفرون الصحابة، فإذا قيل لهم: إن الله تعالى وعد المؤمنين بالجنة، وهم قد آمنوا، يقولون: إن الإيمان الذي هو التصديق صدر منهم، ولكن الشرع نقل هذا اللفظ إلى الطاعات، وهم صدَّقوا وما أطاعوا في أمر الخلافة، فإذا قلنا: إن الشرع لم ينقل استدّ هذا الباب الرديء)) (3) .
(6) إعلاء شأن الجهاد مع شدة الوطأة على الكفار
يمكن أن نلمح في تعبيرات القرافي في كتابه هذا اهتمامه بأمر الجهاد وبِغْضَته للكفر وأهله وضرورة إجبارهم على الإسلام، من هذه المواقف:
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 453 - 455.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 466 - 467.
(3) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 43 - 44.
(1/145)

أ - قوله بأن آية السيف نسخت آيات الموادعة (1) .
ب - قال: ((حجة الجمهور: أن أصول الديانات مهمة عظيمة، فلذلك شرع الله تعالى فيها الإكراه دون غيرها، فيكره على الإسلام بالسيف والقتال والقتل وأخذ الأموال والذراري، وذلك أعظم الإكراه. . .)) (2) .
جـ - قال في معنى الإتلاف وأنه يكون لتعظيم الله تعالى: ((أو لتعظيم الله تعالى كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم، وإفساد الصُّلْبان، أو لتعظيم الكلمة كقتل
البغاة. . .)) ثم قال في الشرح ((من ذلك - أعني القتال للإتلاف - قتال الظلمة؛ لدفع ظلمهم، وحسم مادة فسادهم، وتخريب ديارهم، وقطع أشجارهم، وقتل دوابهم إذا لم يمكن دفعهم إلا بذلك - ثم قال - وكذلك إتلاف ما يُعصى الله تعالى به من الأوثان والملاهي)) (3) .
د - تكلم عن مدى ارتباط مراعاة المصلحة في مسألة تترُّس الكفار بجماعةٍ من المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا واستولوا علينا وقتلوا كافة المسلمين، ولو رميناهم لقتلنا الترس معهم (4) .
هـ - قال: ((ومرَّ بي في بعض الكتب - لست أذكره الآن - أن الكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة، فالجهاد خاصٌ بالمؤمنين، لم يخاطب الله تعالى بوجوب الجهاد كافراً، وهو متَّجه أن يكون وجوب الجهاد مستثنىً من الفروع لعدم حصول مصلحته من الكافر. . .)) (5) .
وقال: ((إن التبليغ يقتضي المصلحة، فقد تكون في التعجيل، وقد تكون في التأخير، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام لو أوحي إليه بقتل أهل مكة بعد سنة كانت المصلحة تتقاضى تأخير ذلك إلى وقته لئلا يستعدَّ العدو للقتال، ويعظم الفساد، ولذلك أنه عليه الصلاة والسلام لمَّا أراد قتالهم قطع الأخبار عنهم، وسد الطرق حتى
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 51 - 53.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 471.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 535 - 536.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 495.
(5) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 166.
(1/146)

دهمهم، وكان ذلك أيسر لأخذهم وقهرهم، فكذلك يجوز تأخير الإبلاغ في بعض الصور بل يجب)) (1) .
ز - قال: ((نقل صاحب الطراز وغيره أن اللاحق بالمجاهدين، وقد كان سقط الفرض عنه يقع فعله فرضاً بعد ما لم يكن واجباً عليه، وطرد غيره من العلماء في سائر فروض الكفاية)) (2) .
ح - قال: ((وينبِّه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِح} [التوبة: 120] ، فأثابهم الله على الظمأ والنَّصَب وإن لم يكونا من فعلهم؛ لأنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين، وصون المسلمين، فالاستعداد وسيلة الوسيلة)) (3) .
(7) التربية والتأديب
وفي أمور تربية الأسرة وتأديبها قال: ((يلحق بالتأديب تأديب الآباء والأمهات للبنين والبنات، والسادات للعبيد والإماء، بحسب جناياتهم واستصلاحهم على القوانين الشرعية من غير إفراطٍ، وكذلك تأديب الأزواج للزوجات على نحو ذلك، وكذلك تأديب الدواب بالرياضات، ومهما حصل ذلك بالأخف من القول لم يجز العدول إلى ما هو أشد منه لحصول المقصود بذلك، فالزيادة مفسدة بغير مصلحة فتحرم، حتى قال إمام الحرمين: إذا كانت العقوبة المناسبة لتلك الجناية لا تؤثر في استصلاحه عن تلك المفسدة، فلا يحلُّ أن يُزجر أصلاً، أما بالمرتبة المناسبة فلعدم الفائدة، وأما ما هو أعلى منها فلعدم المبيح له، فيحرم الجميع حتى يتأتَّى استصلاحه بما أن يُرتَّب على تلك الجناية)) (4) .
سابعاً: عظيم أثر هذا الكتاب على الكتب التالية له. ويمكنني أن أقول في ثقةٍ: إنه ليس يوجد أصوليٌّ نابِهٌ لم يسمع بهذا الكتاب، أو لم يُفِدْ منه، وقلَّما تجد باحثاً معاصراً لم يجعله مصدراً من جملة مصادره الأصولية.
_________
(1) المصدر السابق ص 285.
(2) المصدر السابق ص 185.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 506.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 538 - 539.
(1/147)

كما أن الكتاب وكتب القرافي الأصولية عامةً تعتبر مادة غزيرة استمدَّها كبار الأصوليين من بعده في مؤلفاتهم، من هؤلاء:
1 - نجم الدين الطوفي، في كتابه " شرح مختصر الروضة " صرَّح قائلاً: ((فاعلم أن مادَّته (أي مادة كتاب شرح مختصر الروضة) ، وهي الكتب التي جمع منها هي. . .، والتنقيح وشرحه للشيخ شهاب الدين القرافي)) (1) .
وقد أفاد منه في مواضع كثيرة منها: 1 / 214، 251، 440، 2 / 257، 318، 461، 502، 3 / 7، 93، 115، 212، 340، 412، 576، 623.
2 - ابن جزي الكلبي الغرناطي (2) ، في كتابه: تقريب الوصول إلى علم
الأصول. وهو يكاد يكون مختصراً لكتاب القرافي " شرح التنقيح ". انظر مثلاً الصفحات: 97، 103، 107، 129، 147، 167، 175، 191، 231، 250، 257، 277، 287، 404، 418، 451.
3 - تقي الدين السبكي (3) ، وابنه تاج الدين، في: الإبهاج في شرح المنهاج. انظر: 1 / 152، 205، 372، 2 / 105، 277، 314، 381، 3 / 248.
4 - صلاح الدين العلائي الكيكلدي، في ثلاثةٍ من كتبه، " تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم "، انظر الصفحات: 100، 150، 205، 250، 273، 305، 363، 400، 423، وفي: " تحقيق المراد بأن النهي يقتضي الفساد ".
_________
(1) انظره في: 3 / 751.
(2) هو أبو القاسم محمد بن أحمد بن جُزَي الكلبي الغرناطي، إمام مالكي حافظ فقيه، ألَّف في فنون عديدة، من تآليفه: القوانين الفقهية (ط) ، المختصر البارع في قراءة نافع، أصول القرَّاء الستة غير نافع، التسهيل لعلوم التنزيل ويُسمَّى: تفسير ابن جزي (ط) ، ت 741 هـ. انظر: الديباج المذهب ص 388، شجرة النور الزكية 1 / 213.
(3) هو تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي الشافعي كان مدققاً بارعاً في العلوم، له استنباطات لم يُسبق إليها، تولى قضاء الشام، وعدَّه السيوطي من المجتهدين. له: الإبهاج في شرح المنهاج
(ط) شرحه إلى قول البيضاوي ((الواجب إن تناول كل واحد فهو فرض عين)) ، ثم أكمله ابنه
تاج الدين. وله فتاوى السبكي (ط) ، قضاء الأرب في أسئلة حلب (ط) ، ت 756 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 10 / 139.
(1/148)

انظر الصفحات: 81، 138، 202. وفي: " تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال " انظر: ص 132، 146.
5 - تاج الدين السبكي، في كتابيه: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، انظر: 1 / 538، 2 / 45، 291، 383، 450، 3، 72، 83، 279، 376، 4 / 17. وفي: منع الموانع عن جمع الجوامع ص 147.
6 - جمال الدين الإسنوي (1) في كتابيه: نهاية السول في شرح منهاج الوصول، انظر: 1 / 98، 130، 376، 2 / 53، 93، 135، 240، 370، 496، 3 / 247، 264، 4 / 532، 626. وفي: التمهيد في تخريج الفروع على
الأصول، انظر الصفحات: 95، 127، 201، 280، 318.
7 - يحيى الرهوني (2) ، في: تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (رسالة دكتوراه بأم القرى) القسم 2 / 333.
8 - بدر الدين الزركشي (3) ، في ثلاثة من كتبه: البحر المحيط، انظر: 1 / 32، 2 / 351، 3 / 108، 4 / 520، 5 / 285، 6 / 433، 7 / 188، 8 / 281. وفي: تشنيف المسامع بجمع الجوامع، انظر: 1 / 336، 2 / 791، 3 / 27. وفي: سلاسل الذهب، انظر: الصفحات: 92، 119، 231، 404.
_________
(1) هو جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي الشافعي. مؤرخ ومفسِّر وفقيه وأصولي، عالم بالعربية، انتهت إليه رئاسة الشافعية، من مؤلفاته: نهاية السول (ط) ، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ط) ، زوائد الأصول (ط) ، طبقات الشافعية (ط) ، الكواكب الدرية في تنزيل الفروع الفقهية على القواعد النحوية (ط) . ت 772 هـ. انظر: حسن المحاضرة 1 / 429، شذرات الذهب 6 / 224.
(2) هو يحيى بن موسى الرهوني المالكي، كان فقيهاً إماماً في أصول الفقه، أديباً، انفرد بتحقيق مختصر ابن الحاجب الأصولي، وله عليه شرح حسن مفيد، وكان إماماً في المنطق والكلام. ت 774 هـ أو 775 هـ. الديباج المذهب ص 436.
(3) هو بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المعدي، فقيه شافعي، أصولي، أخذ عن الإسنوي، درَّس وأفتى، وله تصانيف كثيرة واسعة منها: البحر المحيط في أصول الفقه (ط) ، تشنيف المسامع بجمع الجوامع (ط) ، البرهان في علوم القرآن (ط) ، الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة (ط) وغيرها. ت 794 هـ. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر 3 / 397، شذرات الذهب 6 / 335.
(1/149)

9 - ابن اللَّحام البعلي (1) ، في كتابيه: المختصر في أصول الفقه، انظر الصفحات: 97، 106، 167. والقواعد والفوائد الأصولية، انظر: الصفحات: 104، 120، 122، 166، 232.
10 - ابن أمير الحاج (2) في: التقرير والتحبير، انظر: 1 / 121، 2 / 412، 3 / 62.
11 - أبو بكر الجراعي (3) ، في: شرح مختصر أصول الفقه (رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية) القسم: 1 / 129.
12 - علاء الدين المرداوي الحنبلي (4) ، في التحبير شرح التحرير (رسالة دكتوراه بجامعة الإمام) القسم: 2 / 194، 601، 664، 990، والقسم: 3 / 240، 264، 552، 666، 757.
13 - حلولو المالكي، في: الضياء اللامع شرح جمع الجوامع، انظر: 1 / 141، 187، 221، 283، 317، 333.
_________
(1) هو علاء الدين أبو الحسين علي بن محمد بن علي بن عباس البعلي الحنبلي، المعروف بابن اللَّحام، صار شيخ الحنابلة في الشام مع ابن مفلح، يحرر المذاهب من كتبهم، من مصنفاته: المختصر في أصول الفقه
(ط) ، القواعد والفوائد الأصولية (ط) ، الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ط) ، ت 803 هـ. انظر: الضوء اللامع 5 / 320، شذرات الذهب 7 / 31.
(2) هو محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي بن سليمان الحلبي الحنفي، يعرف بابن أمير الحاج، وبابن الموقت، لازم ابن الهمام في الفقه والأصلين تصدَّى للإقراء والافتاء، من تصانيفه: التقرير والتحبير في شرح التحرير لابن الهمام (ط) ، بغية المهتدي في شرح منية المصلي، ذخيرة القصر في تفسير سورة العصر.
ت 879 هـ. انظر: الضوء اللامع 9 / 210، شذرات الذهب 7 / 328.
(3) هو تقي الدين أبو بكر بن زيد بن أبي بكر الحسني الجراعي الدمشقي الحنبلي، فقيه، تصدى للتدريس والإفتاء بل ناب في القضاء، من تصانيفه: شرح مختصر أصول الفقه (رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية، وأم القرى) ، حلية الطراز في حلِّ الألغاز (ط) ، غاية المطلب في معرفة المذهب، ت 883 هـ. انظر: الضوء اللامع 11 / 32، شذرات الذهب 7 / 337.
(4) هو علاء الدين علي بن سليمان بن أحمد الدمشقي الصالحي الحنبلي، المعروف بالمرداوي، تصدَّى للإقراء والإفتاء، من كتبه: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (ط) ، تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول، ثم شرح في: التحبير في شرح التحرير (رسائل دكتوراه بجامعة الإمام) . ت 885 هـ. انظر: الضوء اللامع 5 / 225، شذرات الذهب 7 / 340.
(1/150)

14 - ابن زكري التلمساني المالكي (1) ، في: غاية المرام في شرح مقدمة الإمام
(شرح ورقات إمام الحرمين، رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية) ، انظر الصفحات: 27، 51، 62، 121، 139.
15 - خالد بن عبد الله الأزهري (2) ، في: الثمار اليوانع على أصول جمع الجوامع (رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى) القسم: 1 / 327، 345، 367، 503، 557، 578.
16 - زكريا الأنصاري (3) ، في غاية الوصول شرح لب الأصول، انظر:
ص 19، 45.
17 - ابن النجار الفتوحي (4) ، في: شرح الكوكب المنير، انظر: 1 / 95، 344، 2 / 284، 389، 3 / 17، 293، 337، 4 / 91، 535.
18 - أمير باد شاه (5) ، في: تيسير التحرير، انظر: 3 / 44، 4 / 197، 255.
_________
(1) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن زكري المانوي التلمساني، فقيه أصولي، مشارك في التفسير والمنطق والكلام، وله فتاوى كثيرة منقولة في المعيار المعرب للونشريسي. من مؤلفاته: بغية الطالب في شرح عقيدة ابن الحاجب، منظومة في علم الكلام، غاية المرام في شرح مقدمة الإمام (رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية) ت 899 هـ. انظر: نيل الابتهاج ص 84، معجم الأصوليين 1 / 213.
(2) هو زين الدين خالد بن عبد الله بن أبي بكر الجرجي الأزهري المصري الشافعي، برع في العربية، وشارك في غيرها. من مؤلفاته: شرح التصريح على التوضيح (ط) ، المقدمة الأزهرية في علم العربية، الألغاز النحوية، الثمار اليوانع على أصول جمع الجوامع (رسالة جامعية بأم القرى) . ت 905 هـ. انظر: الضوء اللامع 3 / 171، معجم المؤلفين 1 / 668.
(3) هو زين الدين أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري، لقب بشيخ الإسلام، عالم مشارك في شتى العلوم، الفقه والأصول والتفسير والعربية والمنطق وغيرها. له مؤلفات كثيرة منها: أسنى المطالب في شرح روض الطالب (ط) ، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس بالقرآن (ط) ، فتح الرحمن على متن لقطة العجلان (ط) ، غاية الوصول شرح لب الأصول (ط) ، وغيرها، ت 926 هـ. انظر: شذرات الذهب 8 / 134، معجم الأصوليين 2 / 107.
(4) هو تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المصري الحنبلي، الشهير بابن النجار، انتهت إليه رئاسة المذهب. له: منتهى الإرادات، الذي شرحه البهوتي (ط) ، شرح الكوكب المنير (ط) .
ت 972 هـ. انظر: السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد 2 / 854.
(5) هو محمد أمين بن محمود البخاري، المعروف بأمير بادشاه، فقيه حنفي محقق، له تصانيف منها: تيسير التحرير في شرح التحرير لابن الهمام (ط) ، تفسير سورة الفتح، فصل الخطاب في التصوف. ت نحو
972 هـ، وقيل: حوالي 987 هـ. انظر: الأعلام 6 / 41، معجم المؤلفين في 3 / 148.
(1/151)

19 - محمد بن أبي بكر الأشخر الزبيدي (1) ، في: شرح ذريعة الوصول إلى اقتباس زبدة الأصول (رسالة ماجستير بأم القرى) . انظر: ص 241.
20 - ابن قاسم العبادي (2) ، في كتابيه: الشرح الكبير على الورقات انظر: 1 / 244، 419، 2 / 151، 187، 531، 541. وفي: الآيات البينات 3 / 178 وغيرها.
21 - محمد التمرتاشي الغزي الحنفي (3) ، في كتابه: الوصول إلى قواعد الأصول. انظر ص 110، 220.
22 - محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (4) ، في: إجابة السائل شرح بغية الآمل. انظر: ص 298.
23 - سيدي عبد الله العلوي الشنقيطي (5) ، في: نشر البنود على مراقي السعود، انظر: 1 / 22، 28، 98، 128، 2 / 54، 81، 100، 140.
_________
(1) جمال الدين محمد بن أبي بكر الأشْخَر الزبيدي اليمني الشافعي، فقيه أصولي نحوي نسابة ناظم، من
تآليفه: شرح شذور الذهب، شرح ذريعة الوصول (رسالة ماجستير بأم القرى) ، ت 991 هـ. انظر: البدر الطالع للشوكاني 2 / 146، 3 / 164.
(2) هو شهاب الدين أحمد بن قاسم العبادي القاهري الشافعي، عالم فقيه مدقق محقق، من تآليفه: الشرح الكبير على الورقات (ط) ، الآيات البينات على شرح جمع الجوامع (ط) حاشية على شرح المنهج
(ط) . ت 994 هـ. انظر: شذرات الذهب 8 / 433، معجم المؤلفين 1 / 230.
(3) هو شمس الدين محمد بن عبد الله بن أحمد، الخطيب العمري التمرتاشي الغزي الحنفي، شيخ الحنفية في عصره، من تآليفه: تنوير الأبصار، معنى الحكام على الأحكام، الوصول إلى قواعد الأصول (ط) .
ت 1004 هـ. انظر: الأعلام 6 / 239.
(4) هو محمد بن إسماعيل بن صلاح الكحلاني، المعروف بالأمير الصنعاني، محدِّث فقيه أصولي، مجتهد من أئمة اليمن، رحل إلى الحرمين ثم عاد إلى صنعاء. له كتب كثيرة منها: سبل السلام (ط) ، تطهير الاعتقاد (ط) ، توضيح الأفكار (ط) ، إجابة السائل (ط) وغيرها. ت 1182 هـ. انظر: البدر الطالع 2 / 133، معجم المؤلفين 3 / 132.
(5) هو عبد الله بن إبراهيم بن عطاء الله العلوي الشنقيطي. عالم أديب، من مؤلفاته: نشر البنود على مراقي السعود (ط) ، روضة النسرين في الصلاة والسلام على سيد المرسلين. ت في حدود 1230 هـ. انظر: معجم المؤلفين 2 / 220.
(1/152)

24 - محمد بن علي الشوكاني (1) ، في: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، انظر: 1 / 174، 574، 2 / 57، 83، 265، 351.
25 - محمد الأمين الجكني المعروف بالمرابط (2) ، في: مراقي السعود إلى مراقي السعود. انظر الصفحات: 63، 124، 183، 328، 402.
26 - محمد بن يحيى الولاتي (3) ، في: نيل السول على مرتقى الوصول، انظر الصفحات: 35، 56، 138، 200.
27 - محمد الأمين الشنقيطي (4) ، في: نثر الورود على مراقي السعود. انظر:
1 / 37، 197، 236، 2 / 443، 500، 599. وهناك كتب كثيرة ليست في علم الأصول لكنها قد أفادت من كتاب الشهاب القرافي، والمقام يضيق عن تعدادها.
_________
(1) هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الصنعاني، المعروف بالشوكاني، من الأئمة المجتهدين المحققين، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة، منها: فتح القدير في التفسير (ط) ، نيل الأوطار (ط) ، السيل الجرار (ط) ، القول المفيد في حكم التقليد (ط) در السحابة في مناقب الصحابة (ط) ، إرشاد الفحول (ط) وغيرها ت 1250 هـ. انظر: أبجد العلوم لصديق حسن القنوجي 3 / 201، الإمام الشوكاني ومنهجه في أصول الفقه لشيخنا د. شعبان محمد إسماعيل ص 15 وما بعدها.
(2) هو محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني الإبراهيمي المعروف بالمرابط؛ لشدة مرابطته لتعلُّم العلم وتعليمه، من علماء الشناقطة الأفذاذ، له رسائل فقهية عديدة، ومن تآليفه: النصيحة في الفقه، مراقي السعود إلى مراقي السعود (ط) ، المنهج إلى المنهج في قواعد مذهب الإمام مالك، وغيرها ت 1325 هـ
أو 1326 هـ. انظر ترجمته في مقدمة كتابة: مراقي السعود بتحقيق د. محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي.
(3) هو محمد يحيى بن محمد المختار بن الطالب عبد الله الشنقيطي الولاتي، من فقهاء المالكية، كان قاضي قضاة الحوض بصحراء الغرب الكبرى، تردد على تونس. له مؤلفات كثيرة منها: فتح الودود على مراقي السعود (ط) ، نيل السول (ط) ، إيصال السالك في أصول الإمام مالك، وغيرها. ت 1330 هـ.
انظر: الأعلام 7 / 142.
(4) هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، مفسِّر أصولي نحرير، درَّس بالحرم النبوي، وفي الرياض، وفي الجامعة الإسلامية بالمدينة، وتوفي بمكة عام 1393 هـ، له كتب مفيدة جداً على رأسها: أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن (ط) ، نثر الورود على مراقي السعود (ط) ، مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر (ط) ، آداب البحث والمناظرة (ط) . انظر: الأعلام 6 / 45.
(1/153)

وختاماً لهذا المبحث أسرد وجوهاً أخرى لمحاسن الكتاب ومزاياه، التي من شأنها أن ترفع مكانته، وتعلي منزلته إلى مصافِّ الكتب المتميزة، فمن ذلك:
(1) حسن التنظيم والتقسيم، وجودة الترتيب والتبويب. هذه السمة البارزة أتت على أغلب موضوعات الكتاب إلاّ ما سبق التنبيه عليه في المبحث الرابع من هذا الفصل (1) .
(2) مما يزيد من جلالة قدر الكتاب، ويفضي حسناً إلى محاسنه قوة المادة العلمية التي حواها الكتاب، مع متانة الأسلوب، ورصانة التعبير، وتأييد أقواله بالحجج القواطع، والبينات النواصع، والأدلة اللوامع، والبراهين السواطع.
(3) كشفه عن المدلولات اللغوية للمصطلحات الأصولية، وشغفه بالتدقيق وراء الألفاظ والعبارات مع إنعامه النظر فيها، كما في لفظ: الإجماع (2) ، والقياس (3) ، ولفظ " متعبّد " أهو اسم فاعل أم اسم مفعول (4) ؟
وأحياناً ينبه على أخطاء وأوهام قد يقع فيها كثير من الكاتبين. مثل تنبيهه على لفظ " المحسوسات "، وأن الصواب هو لفظ " المُحسَّات " (5) . وكذلك ما نقله عن بعض اللغويين بأن من لحن العوام قولهم: تواترت كتُبك عليَّ، مرادهم: تواصلت (6) .
(4) اهتمامه الدقيق بإيجاد الفروق بين المسائل التي قد يقع بينها اشتباه، ولا غَرْو في ذلك فهو صاحب كتاب " الفروق " الذي لم يؤلَّف له نظير يضاهيه ويضارعه (7) .
(5) حرصه على تنبيه طلبة العلم إلى ما قد يغلطون فيه تحاشياً للوقوع فيه، فمن ذلك:
أ - قال: ((وكثيراً ما يغلط طلبة العلم في إيراد العكس، فيوردونه كما يوردون النقض، وهو غلط كما بيّنتُ لك، فقد ظهر الفرق بين النقض، والعكس، وعدم التأثير، فتأمل ذلك)) (8) .
_________
(1) انظر: القسم الدراسي ص 89
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 123.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 303.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 25.
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 64.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 196.
(7) سبق التمثيل على ذلك في مبحث منهج المؤلف، انظر: ص 119
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 355.
(1/154)

ب - قال: ((وكثير من الفقهاء غلط في تصويرها حتى خرَّج عليها ما ليس من فروعها)) (1) .
جـ - قال: ((فتأمل ذلك، فقد غلط فيه جماعة من أكابر الفقهاء المالكية
وغيرهم ... )) (2) .
د - قال: ((وقولي: على تقدير ورود الأمر، قصدتُ به التنبيه على أن قول النحاة " لوجود غيره " ليس هو كما يفهمه أكثر الناس. . .)) (3) .
(6) بحسِّه الأصولي الدقيق كان يتلمَّس الاستشكالات البعيدة، التي قد تنقدح في ذهن القارئ. فقد تعرّض لمباحث شائكة، ومسائل معضلة. والشهاب القرافي مولع بإيرادها، شغوف بكشف غوامضها على طريقته التعليمية الفذة بالأدلة الناطقة والنَّصَفَة الفائقة، فأحسن وأجاد، وأتقن وأفاد (4) .
(
7) توخِّيه الصدق والأمانة، في جميع ما ينقله عن غيره، وبُعْده عن
تشويه النص أو التبديل فيه، وقد علّل القرافي إهمال ذكر قائل القول بأنه مؤلمٌ في التصانيف (5) . وبيَّن لذلك فائدتين (6) :
الأول: الاعتراف بالفضل لأهله. والثانية: التمكن من تصحيح العبارات التي قد يقع فيها تحريف أو تصحيف، وذلك بعرضها على أصولها المنقولة عنها. وخيراً فعل، فقد ساعدت هذه الطريقة على تصحيح نقولاته التي وهم فيها، أو أخطأ النسّاخ في استنساخها.
بل لقد أربى على الغاية في توثيق الآراء عندما يخالجه الشك فيها، أو يبعثه باعثٌ إلى ذلك، من الأمثلة على ذلك:
أ - عندما نقل عن إمام الحرمين مذهب الحنابلة بجواز التقليد في أصول الدين، قال: ((مع أني سألت الحنابلة فقالوا: مشهور مذهبنا منع التقليد)) (7) .
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 159.
(2) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 212.
(3) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 109.
(4) سبق الكلام عن هذه الإشكالات في مبحث: منهج المؤلف ص 119
(5) انظر: الذخيرة 1 / 38.
(6) انظر: نفائس الأصول 1 / 96.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 489.
(1/155)

ب - وفي مسألة إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، أيهما يقدَّم؟ نقل فيها خلاف أبي حنيفة وأبي يوسف، ثم قال: ((هذه المسألة مرجعها إلى الحنفية، وقد سألتهم عنها، ورأيتها مسطورة في كتبهم على ما أصف لك، قالوا. . . إلخ)) (1) .
جـ - اعترض على الفخر الرازي في نقله مذهب الباقلاني، وقال: ((بل المنقول في كتاب القاضي أنه قال ... إلخ)) (2) .
د - ولمّا استشكل لفظاً أورده الرازي في محصوله أهو " البحث " أم " البخت "، وما مراده به؟ عاد إلى جميع مختصرات المحصول، وطالع كتباً كثيرة حتى وجد هذه اللفظة مضبوطة محررة (3) .
(
8) تصحيح القرافي لأوهام نفسه وأغلاط ذاته، هذه الأخطاء كانت قد وقع فيها عند تأليف المتن " تنقيح الفصول " أول الأمر. فأصبحنا نرى تراجعاً من المصنف في كتابه هذا. ومع ما في هذا التصرف من شجاعةٍ أدبية، وتواضعٍ جمٍّ كريم، فهو مما يزيد من قدر الكتاب وتقديره (4) .
(9) وشّى كتابه بفوائد مهمة، وحلاَّه بزوائد جمَّة، ووشَّحه بنكت جميلة، ودبَّجه بقواعد جليلة. هذه الأمور وإن جاء بعضها على سبيل الاستطراد إلاّ أنها أضفت إلى الكتاب حُسناً وبهاءً، وكسرتْ من حِدَّة هذا العلم ولأوائه، وكان يضع بعضها تحت عنوانات صغيرة. وإليك إحصاءً تقريبيّاً لكل ما عنون له القرافي في كتابه بعنوانات صغيرة، كقوله: فائدة، قاعدة، فرع، تنبيه، مسألة، سؤال. . . إلخ.

العنوان ... فائدة ... سؤال ... فرع ... تنبيه ... قاعدة ... مسألة ... تفريع ... المجموع الكلي
عدد التكرار ... 54 ... 114
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 118 - 119.
(2) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 149.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 172 - 174.
(4) انظر الأمثلة على ذلك ص 180-183 من القسم الدراسي.
(1/156)

المبحث الثامن
المآخذ على الكتاب
غلب على طبع البشر وقوع الخطأ والسهو منهم، وكلما سنحت فرصةٌ لمراجعة ما سوَّده المؤلف، فإنه قطعاً سيكمل ما نقص، ويصلح ما فسد، ويرأب ما انصدع، ويُحسِّن ما استقبح من مقولاته، ويدقِّق النظر في نقولاته، إلى غير ذلك من ضرورة المراجعات، واستيفاء الإصلاحات.
ولقد عشتُ مع هذا الكتاب رَدْحاً من الزمن أقلِّبُ صفحاته، وأتفحَّصُ كلماته، وأتأمَّل عبارته، وأتفهَّم مقاصده، وأدرس فروعه وقواعده، فبان لي - إن جاز لي أن ألاحظ على هذا العلاَّمة الذي بلغ الذروة في الإجادة والإفادة، وحسن التأليف، وروعة التصنيف - أقول بان لي: أن فيه عباراتٍ غيرَ محرَّرة، ومسائلَ مكررة، ونقولاتٍ غير مدقَّقة، وآراءٍ غير موثقة، وأساليبَ غير منقَّحة، وأخطاءً غير مصحَّحة
وأعْلن باديء ذي بَدْءٍ بأن هذه التعقُّبات والمؤاخذات، لا تحطُّ من قَدْر عمل المؤلف لضآلتها بجانب بحر حسناته الغزيرة، ولورودها مورد التوهُّم والذهول، والسهو والخطأ، التي ما فتئت تلازم البشر، وحَسْبه أن صوابه أكثر من خطئه، وأن المؤاخذات يسيرة مقارنة بمواطن الإبداع والإحسان والإجادة. والإنسان محلُّ النسيان، والقلم ليس بمعصوم من الطغيان، وبالله التوفيق وعليه التكلان.
وقد أجْملت المآخذ في النقاط التالية:
أولاً: الآيات القرآنية.
(1) درج المصنف- ولعلَّه من النسّاخ -على كتابة الآية {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] مجرَّدة من الفاء، ولقد أطبقت النسخ الخطية على كتابتها: اقتلوا المشركين (1) .
وهذا التجاوز يتساهل فيه كثير من الأصوليين، وما ينبغي لهم ذلك.
_________
(1) هذا فيما يخص الموضع المذكور في ص 416 من القسم التحقيقي. وهكذا جاءت أيضاً في مواضع
أخرى. انظر: الصفحات: 37، 178، 199، 207 من (المطبوع) .
(1/157)

(2) أورد ما ليس بقرآن على أنه قرآن عندما أراد التمثيل بـ" أو " التخييرية، فقال: ((و" أو " و" إما " للتخيير، نحو قوله تعالى: فتحرير رقبة مؤمنة أو إطعام ستين مسكيناً)) (1) .
(3) مما يسجل على المصنف أنه لم يضطرد قراءة واحدة في ثلاثة مواضع من
كتابه، بل انتقل من قراءة إلى أخرى، والأعم الأغلب اتخاذه قراءة واحدة. ففي موضع قرأ قوله تعالى: {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ} [الأنفال: 66] بالتاء
في " تكن " وهي قراءة سبعية (2) ، هذا باستثناء النسخة " ن " ففيها " يكن ".
وكذلك أطبقت النسخ الخطية على إثبات القراءة بقوله تعالى: {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ} [الحجرات: 6] وهي أيضاً قراءة سبعية (3) . وربما كان دافعه إلى ذلك ما يستدعيه مقام الاستدلال. أما الموضع الأول فلعله تصرُّفٌ من النسَّاخ (4) .
ثانياً: الأحاديث والآثار
لم يُعْنَ المؤلف - عفا الله عنه - بتخريج الأحاديث بتاتاً، ولا ببيان درجتها، وفي الأعم الأغلب يرويها بالمعنى دون ألفاظها، ويبدو أن القرافي - فيما يظهر لي - بضاعته في الحديث مزجاة، وليس من أهل هذه الصنعة. وإليك أمثلةً تثبت ذلك.
(1) إيراده في استشهاداته أحاديث ضعيفة أو ضعيفة جداً أو لا أصل لها،
مثل: - حديث: ((أمرت أن أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر)) . لا أصل له، وكثيراً ما يلهج به الأصوليون وربما كان من كلام الإمام الشافعي رحمه الله (5) .
- حديث: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) . جلُّ المحققين والنقَّاد من أهل الحديث على تضعيفه أو تكذيبه (6) .
_________
(1) هكذا جاء نص المؤلف في جميع المخطوطات ما عدا نسخة " ش " أثبت ناسخها مكانها آية (89) من سورة المائدة، والنسخة المطبوعة أثبت فيها آية (95) من المائدة. وقد نبه الشوشاوي على أن ذلك وقع سهواً وغفلة من المصنف. انظر: رفع النقاب القسم 1 / 842.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص (51) مع التعليق (4) .
(3) انظر: القسم التحقيقي ص (241) مع التعليق (9) .
(4) انظر الموضع الثالث: ص443 هامش (8) من القسم التحقيقي.
(5) انظر الحديث وتخريجه ص 144 هامش (10) من القسم التحقيقي.
(6) انظره في: ص 139 هامش (2) من القسم التحقيقي.
(1/158)

- حديث: ((الحزم سوء الظن)) . لا يصح مرفوعاً، ولا موقوفاً، وإنما صحَّ مقطوعاً (1) .
- حديث: ((عليكم بالسواد الأعظم)) . ضعيف (2) .
- حديث: ((إذا رُوي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه)) . هذا الحديث وضعته الزنادقة، وقد عرضناه على كتاب الله فخالفه، فهو مردودٌ بحمد الله (3) .
- حديث: ((تعمل هذه الأمة برهةً بالكتاب، وبرهةً بالسنة، وبرهةً بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا)) . وهو حديث ضعيف، لا تقوم به حجة (4) .
(2) قلة العناية بألفاظ الأحاديث، مع أن تقييدها بألفاظها أمر لا يُعْجز من أراده فمثلاً:
- روى حديث عائشة - رضي الله عنها - في نسخ عشر رضعات بالمعنى، وهو في صحيح مسلم (5) .
- حديث: ((لا تقتلوا الصبيان)) . لم أجده بهذا اللفظ على كثرة ما وقفت عليه (6) .
- حديث: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) . ليس هكذا في دواوين السنة بل فيها لفظ ((ضلالة)) (7) .
- حديث: ((أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء ثم مجَجْته، أكنتَ شاربه؟!)) لم أجده بهذا اللفظ فيما وقفت عليه (8) .
_________
(1) انظر الكلام عليه في: ص 247 هامش (7) من القسم التحقيقي.
(2) انظره في: ص 163 هامش (11) من القسم التحقيقي.
(3) انظر الحديث والتعليق عليه ص 262 هامش (2) من القسم التحقيقي.
(4) انظر: ص 309 وهامش (2) من القسم التحقيقي.
(5) انظر: ص 75 هامش (10) من القسم التحقيقي.
(6) انظر: ص 416، هامش (2) من القسم التحقيقي.
(7) انظر: ص 95 هامش (2) من القسم التحقيقي.
(8) انظر: ص 308 هامش (2) من القسم التحقيقي.
(1/159)

- حديث: ((لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)) . لم أجده بهذا اللفظ، وإنما بلفظ ((مثل أحُدٍ ذهباً)) (1) .
(3) وقوع التلفيق بين بعض الأحاديث، ولعلها كُتبتْ من ذاكرة المؤلف ومحفوظاته من غير مراجعة أو تدقيق. من ذلك:
- أورد حديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما)) (2) وهو مُلفَّق من حديثين كليهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:
الأول: قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) [البخاري برقم (15) ] . والثاني: قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. . .)) [البخاري برقم (16) ] .
- أورد حديث الرجل الذي وَقَصتْه دابته في أخاقيق جرذان، ووصفه بأنه كان مُحْرماً، والواقع أنهما حديثان مختلفان، ووقعتان متغايرتان، وإن اشترك كلاهما في وَقْص الدابة لكل منهما (3) .
(4) تبديل ألفاظ الحديث بألفاظ أخرى، مع ما يترتب على ذلك من استدلال بالحديث المُغيَّر. مثال ذلك:
- حديث: ((الرضاع لحمة كلحمة النسب)) . لا يوجد بهذا اللفظ في دواوين السنة بحسب الإطلاع، وقد فرَّع عليه معنى استنبطه منه، وإنما هو ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) (4) .
- حديث: ((نضَّر الله امْرءاً سمع مقالتي فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من ليس بفقيه)) . لم تَرِدْ رواية في جميع ما وقفت عليه بلفظ: ((ورُبَّ حامل فقه إلى من ليس بفقيه)) ، بل كل الذي وجدته
((فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه)) . والمصنف استدل بما ذكره من حديث على اشتراط
_________
(1) انظر: ص 159 هامش (8) من القسم التحقيقي.
(2) انظره في: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 100.
(3) انظر: التعليق (11) ص 297 من القسم التحقيقي.
(4) انظر: ص 370، هامش (1) من القسم التحقيقي.
(1/160)

الفقه في رواية الحديث، وجماهير العلماء على عدم اشتراط الفقه في الراوي ويستدلون لهذا بالحديث نفسه، لكنْ بألفاظه المعهودة المحفوظة (1) .
(5) مما يدل على خِفَّة ذات يده في الحديث، وَهْمه في نسبة بعض الأحاديث والآثار لغير أصحابها فمن ذلك:
- أسند لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً بينما هو من كلام غيره، وهو: ((نعم العبد
صهيب، لو لم يَخَف الله لم يعصه)) (2) .
- نسبته أثراً لابن عباس رضي الله عنهما: ((كنا نأخذ بالأحاديث فالأحدث من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) . وإنما هو مدرج من كلام ابن شهاب الزهري بلفظ: ((وإنما يؤخذ من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الآخر فالآخر)) وهي رواية البخاري. أو بلفظ: ((وكان صحابة رسول الله يتبعون الأحدث. . .)) (3) وهي رواية مسلم.
- زعم أن البخاري وغيره رَوَوْا لعَمْرو بن عُبيد مع أنه لم يقبله أحد، بل جرَّحوه لكونه رأساً في البدعة ومن الدعاة إليها (4) .
ثالثاً: دعاوى الإجماع والاتفاق
جازف القرافي عليه الرحمة والمغفرة على ادعاء الإجماع في بعض المسائل، وحكى الاتفاق عليها سواء في مسائل العقائد أو الأصول أو الفروع، ولو أنه قال: لا أعلم فيها خلافاً لكان أولى، فما يدريه لعلهم اختلفوا ولم يطلع على اختلافهم.
ومن الأمثلة على ذلك:
(1) في العقائد. أ - قال: ((فإن قواعد العقائد كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعاً، ولذلك انعقد الإجماع على أن أمواتهم في النار يعذبون على كفرهم)) . مع أن بعض أهل العلم جعلهم من أهل الفترة (5) .
_________
(1) انظر: ص 259، هامش (3) من القسم التحقيقي.
(2) ذكره في: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 108، وانظر: كشف الخفاء، والإلباس للعجلوني
2 / 323.
(3) انظر: ص 423، هامش (3) من القسم التحقيقي.
(4) انظر: ص 225، هامش (4) من القسم التحقيقي.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 29، هامش (8) .
(1/161)

ب - حكى الاتفاق على تخطئة الاجتهاد في مسائل أصول الدين. لكن دعوى الاتفاق محل نظر، فإن طائفة من العلماء ترى عدم تأثيم أو تكفير المجتهد المخطيء في المسائل العلمية (1) .
جـ - قال: ((ولذلك لم يعذر الله بالجهل في أصول الدين إجماعاً)) ودعوى الإجماع منقوضة بما ذكره بنفسه في كتابه الفروق (2 / 149 - 151) (2) .
(
2) وفي الأصول. أ - قال في الفصل الثالث من باب النسخ (المتن) : ((يجوز عندنا نسخ الكتاب بالكتاب وعند الأكثرين، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بمثلها وبالكتاب والسنة المتواترة إجماعاً)) (3) . أما مسألة نسخ الآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر فالإجماع فيهما مسلَّم، وأما مسألة نسخ الآحاد بالكتاب فالمصنف نفسه قرَّر فيها خلاف الشافعي وبعض أصحابه، فليست مسألة إجماعية (4) .
ب - تابع القرافي الإمام الرازي والآمدي في حكايتهما الاتفاق على جواز النسخ بالفحوى. لكن قال ابن السبكي عن ادعاء هذا الاتفاق بأنه ليس بجيد، وتعجب منه الزركشي (5) .
جـ - حكى الاتفاق على عدم جواز التعليل بالاسم، وحكاية الاتفاق منقوضة بمذهب أكثر المالكية وغيرهم (6) .
(3) في الفروع واللغة. أ - قال: ((وإن المسكرات حرام في جميع الملل، وإن وقع الخلاف في اليسير الذي لا يسكر، ففي الإسلام هو حرام، وفي الشرائع المتقدمة حلال. أما القدر المسكر فحرام إجماعاً من الملل)) . لكن من العلماء من نازع في ادعاء تحريم المسكرات في الملل السابقة (7) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 468 هامش (5) .
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 472 هامش (3) .
(3) انظر: متن المؤلف فقط ص 82 - 83 من القسم التحقيقي.
(4) انظر: هامش (5) ص 83. وانظر: ص 87 من القسم التحقيقي.
(5) انظر المسألة في: القسم التحقيقي ص 98، هامش (2) .
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 381 هامش (5) .
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 328، هامش (4) .
(1/162)

ب - نقل الإجماع على ثبوت المجاز. ومعلوم أن في ثبوت المجاز خلافاً عريضاً قديماً وحديثاً (1) .
رابعاً: النقول ونسبة الآراء
وقع من المصنف جملةٌ من المؤخذات تتعلق بنسبة الأقوال والآراء إلى أصحابها، وتتعلق بالنقولات والتصرف فيها، أو يكون النقل على خلاف واقع المنقول عنه ونحو ذلك، وكل ذلك مردُّه إلى السهو والوهم الملازم لطبيعة البشر.
ومن الأمثلة على ذلك:
(1) خطأ في النقل والعزو. أ - نقل بأن مذهب أبي إسحاق في مسألة انعقاد الإجماع في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - جواز انعقاده. وصواب النقل عنه: أنه لا تنعقد، وهكذا فعل مع مذهب ابن برهان (2) .
ب - نقل كلاماً للشيرازي وعزاه إلى " اللمع " (3) والصواب: " شرح اللمع " والمؤلف لم يُبْعد النُّجْعة، فاللمع وشرحه كلاهما لأبي إسحاق، وربما أراد الاختصار في الاسم.
(2) خطأ في نسبة الآراء إلى أصحابهما ومذاهبها. من ذلك:
أ - نسب للشافعية القول بأن جواز تقليد الصبي والأنثى والكافر الواحد في الهدية والاستئذان لاحتفاف القرائن بها، بينما الصحيح عندهم عدم اشتراط احتفاف القرائن (4) .
ب - لم يُصِبْ في نسبة جواز القياس في الرخص للشافعي، فما في رسالة الشافعي على خلاف هذه النسبة (5) .
جـ - أخطأ في حكاية خلاف أبي حنيفة مع الجمهور في مسألة شهادة الذمي على المسلم في الوصية في السفر (6) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 390 هامش (10) .
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 96 هامش (7) ، ص 97 هامش (2) .
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 64 هامش (4) .
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 452 هامش (12) .
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 397 هامش (4) .
(6) انظر: هامش (2) ص 225 من القسم التحقيقي.
(1/163)

د - وهم المصنف في حكاية رأي القاضي عبد الجبار في مسألة حكم الزيادة غير المستقلة على النص أهي نسخ أم لا؟ (1)
(3) التساهل في النقل.
تختلف طرائق العلماء في الاقتباس من الكتب والنقل منها. فمنهم من يحافظ على ما ينقله بنصِّه وفصِّه، ومنهم من ينقل بالمعنى والفحوى، ولا تَثْريب على كلا المسلكين، بَيْدَ أن المعاتبة والملامة تتجه نحو من ينقل من الكتب فيحيل المعنى أو يُغْمضه أو يُبْهمه أو يُشْكله. وقد وقع القرافي رحمه الله في شيء من ذلك بحسب ما ظهر لفهمي القاصر، فمن ذلك:
أ - أورد نقلاً عن الرازي في محصوله (3 / 266) لكن فيه تصرُّف ليس كما هو (2) .
ب - نقل عبارةً عن الإمام الرازي ثم أردفها بجُمَلٍ وعباراتٍ أخرى ليست عنده، وعقَّب عليها بقوله: ((قاله الإمام)) وليس للإمام منها سوى الأولى (3) .
جـ - ساق حجة أبي علي الجبائي في الإجماع السكوتي على غير طريقته (4) ، وهكذا فعل في سياق حجة أبي هاشم (5) .
د - نقل عن ابن القصار بأن ابن القاسم لا يقبل قول القاسم. وهذا النقل فيه تسمُّح فإن ابن القصار ذكر رواية ابن القاسم عن مالك بعدم قبول قول القاسم (6) .
هـ - قال بأن الآمدي رجَّح الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجه. والصواب: أنه بوجهٍ واحد، وأما تقديم الحظر على الوجوب رجحه الآمدي بوجهين، فالمصنف دمج المسألتين معاً، وجعل الترجيح فيها من ثلاثة أوجه (7) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 104 - 105، ص 109 هامش (3) .
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 39 هامش (6) .
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 149، هامش (9) .
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 144 هامش (6) .
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 149، هامش (1) .
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 450، ص 451 هامش (3) .
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 406 هامش (9) .
(1/164)

(4) يُعْرِض عن سَرْد الأقوال كلها في المسألة الواحدة، ولا يستوفيها، بل يقتصر على قولين ونحوهما، ويعرض عن بقيتها، وربما كان باعثه على ذلك الاقتصار على الأقوال القوية دون الضعيفة بحسب ما بدا له، مع الأخذ بطبيعة كتابه المختصر في الحسبان.
ومن ذلك:
أ - مسألة دلالة فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - المجرد ذكر فيها ثلاثة أقوال، بينما فيها قولان آخران لم يذكرهما المصنف (1) .
ب - مسألة اعتبار أهل البدع من أهل الإجماع ذكر فيها قولاً واحداً، وفي المسألة أقوال أخرى أبرز مما ذكره المصنف (2) .
جـ - مسألة رواية الحديث بالمعنى ذكر فيها مذهبين، بينما صاحب كتاب
" توجيه النظر إلى علم الأثر " عدَّ ثمانية أقوال بل تسعة (3) .
د - اقتصر المصنف في مسألة حكم اجتهاد غير النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته على قول
واحد، وفي المسألة ستة أقوال (4) .
هـ - لم يحك مذهب الوقف في مسألة تعبد النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله قبل البعثة مع كونه الأرجح عند بعض الأصوليين (5) .
وأضْرب صَفْحاً عن ذكر رأي جمهور الأصوليين في مسألة إثبات أصول العبادات بالقياس (6) .
(5) نسبة القول إلى مجاهيل ومبهمين، كقوله: قال بعضهم (7) ، وخلافاً
_________
(1) انظر الصفحات 2 - 4، وهامش (5) ص 4 من القسم التحقيقي.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 160 هامش (6) .
(3) انظر المسألة في: القسم التحقيقي ص 292 هامش (8) . وانظر كتاب: توجيه النظر للشيخ طاهر الجزائري 2 / 686.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 460 هامش (3) .
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 24 هامش (6) .
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 395 هامش (4) .
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 389.
(1/165)

لقوم (1) ، وجوَّزه الأقلون (2) ، قال غيره (3) ، خلافاً لبعض الفقهاء (4) .
(6) عدم فصل القرافي بين كلامه وكلام غيره، فيَحْدث تداخُلٌ بين ما له وما لغيره. وهذا أوقعني في عُسْرٍ شديدٍ للتمييز بينهما ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولاسيما إذا كان المنقول عنه مفقوداً كأقوال القاضي عبد الوهاب وغيره (5) .
(7) إغفاله إظهار المذهب المالكي في بعض المسائل.
إن الشهاب القرافي حرص على إجلاء المذهب المالكي، بل صرَّح بأن منهجه في الكتاب هو: إبراز مذهب الإمام مالك الأصولي ليظهر شرفه فيه كما ظهر في الفروع (6) . وقد بيَّنتُ طَرَفاً من هذا الاهتمام عند الحديث عن القيمة العلمية للكتاب (7) . لكن من المآخذ الكبيرة على الإمام القرافي رحمه الله أنه لم يحرِّر الأقوال كثيراً في مسالة إجماع المدينة، ولم يُطل النفس فيها، حتى إن العالم المحقِّق حلولو دهش من ذلك فقال: ((هذه المسألة من أمَّهات مسائل المذهب وقواعده، والعجب من المصنف كيف لم يَهْتبل بها، ولم يحرِّر النقل فيها مع كثرة تدقيقه وتحريره واهتباله بقواعد المذهب، وقد اشتهر بين النظار أن إجماع أهل المدينة عند مالك رحمه الله
تعالى)) (8) .
كما أن الإمام القرافي أورد بعض مسائل أصولية مع بيان مذاهب القائلين فيها، وتجده في الوقت نفسه يُعْرض عن إبداء رأي المالكية فيها، مع أن الكتاب برُمَّته تأسَّس لبيان أصول المالكية.
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 158، 421.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 93.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 447.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 371.
(5) انظر على سبيل المثال الصفحات: 40، 100 - 101، 185، 290 - 291، 317، 389،
441 - 442 من القسم التحقيقي.
(6) انظر: الذخيرة 1 / 39.
(7) انظر: ص 134 من القسم الدراسي.
(8) التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص 284.
(1/166)

من أمثلة ذلك: مسألة الإجماع السكوتي (1) ، حتى قال صاحب نشر البنود:
((ولا أدري لِمَ لمْ يَعْزُ قولاً من تلك الأقوال لأهل المذهب، مع أن كتابه موضوع بالذات لبيان أصول مالك، ومع أن أهل المذهب لابد أن يقولوا ببعض هذه الأقوال اتفاقاً أو اختلافاً، والخلاف في ذلك معروف في المذهب. . .)) (2) .
ومن الأمثلة أيضاً: مسألة نقل الخبر بالمعنى (3) . وربما كان السبب في عدم التصريح برأي المذهب في بعض المسائل موافقة المالكية لتلك الأصول، فإن التقارب المنهجي ظاهر وواضح فيما بينها.
خامساً: الترتيب والتسلسل.
جاء الكتاب في الجملة منتظم الفصول والأبواب، مرتب المسائل والأبحاث، وقد سبق الكلام عن هذه الميزة في المبحث الرابع من هذا الفصل (4) .
لكن في مواطن قليلة ربما اعترى الكتابَ اختلالٌ في تنظيم مادته، ولم يراعِ المصنف التسلسل المنطقي في التقاسيم والتراتيب. فمن ذلك:
(1) في الفصل الثالث: الناسخ والمنسوخ، قَسَّم النسخ إلى: نسخ الكتاب بالكتاب والمتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد، ثم ذكر نسخ الآحاد بالكتاب والآحاد بالمتواتر ثم انتقل إلى نسخ الكتاب بالآحاد، وعاد مرة أخرى إلى نسخ السنة بالكتاب ثم تكلم عن نسخ الكتاب بالسنة المتواترة (5) . . . إلخ، فأنت تجد تشويشاً في الترتيب والتقسيم. ولكني وقفْتُ على تقسيمٍ بديعٍ، وترتيبٍ رائعٍ لهذه الأقسام عند الطوفي في شرح مختصر الروضة (2 / 329) ، فليُطالَعْ ثمَّة.
(2) بحث مسألة حكم انعقاد الإجماع في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في باب النسخ، عند مسألة " الإجماع لا يُنسخ ولا يُنسخ به " (6) ، مع أن موطنها الطبيعي أن تكون في باب الإجماع، كما أن المصنف لم يُشِرْ إليها هناك.
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 142 - 143.
(2) نشر البنود للعلوي الشنقيطي 2 / 94.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 292 - 293.
(4) انظر: ص 88 من القسم الدراسي.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 82 - 90.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 93 وما بعدها.
(1/167)

(3) بحث مسألة وقوع الإجماع في العقليات عند شرحه لحدِّ الإجماع (1) ، مع أن محلّها في الفصل الخامس: في المجمع عليه (2) .
(4) ذكر قاعدة في التعارضات في الباب العشرين: أدلة المجتهدين (3) ، بينما مكانها اللائق بها في باب التعارض والترجيح (4) ؟.
(5) بحث مسألة التعليل بالمحلِّ (5) قبل مسألة التعليل بالعلة القاصرة (6) ، مع أن الأُولى فرع الثانية، فكيف يُقدَّم الفرع ويؤخَّر الأصل؟! وهذا اضطرَّ المصنف أن يُحيْل استيفاء بحث الأولى في اللاحق لها.
(6) خرج عن الترتيب المعهود عند الأصوليين في: " تعريف النظر ". إذ عرَّفه في باب الاجتهاد (7) ، بينما مألوف الأصوليين جَعْله في افتتاحيَّات كتبهم.
(7) ينتقل المصنف في شرحه للمتن من مسألة إلى أخرى دون أن يشعر القاريء بانتقاله إلى مسألة جديدة (8) ، مما اضطرَّني إلى وضع عناوين فاصلة بين ما سبق شرحه، وما سيشرحه بعد ذلك.
سادساً: الشرح والعبارات
بالرغم من وضوح عبارات الكتاب، واستقامة تعبيراته، في الأعم الأغلب لكن لمست بعض الملاحظات في هذا الصدد. فمن ذلك:
(1) الغموض والإخلال.
أ - في مبحث كيفية رواية غير الصحابي ومراتبها، ذكر سابعها: وهي المناولة المقرونة بالإجازة (9) . لكنه أتى بهذه العبارة مجتزأة من المحصول (4 / 453) مع أنها
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 120، 121.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 182.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 519 وما بعدها.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 402.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 367.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 378.
(7) انظر: ص (437) من القسم التحقيقي.
(8) انظر على سبيل المثال: ص 6، ص 8، ص 9.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 282 هامش (9) .
(1/168)

أصلٌ لعبارة المصنف، وعبارة المصنف فرع لها. وكذلك فعل في المرتبة الثامنة: وهي الإجازة (1) . فذِكْرُ التفريع والترتيب على الأصل دون سابق معرفة بالعبارة الأساس أو الأصل يوقع القاريء في ارتباكٍ واضطرابٍ.
ب - نتيجة لشدة الاختصار وقع في إخلالٍ بالمعاني المتضمنة، كما في قوله في باب الخبر ((وإن كان المباشر، فيكون المخبر عنه محسوساً)) (2) .
وكذلك صارت العبارة مختلَّةً بسبب شدة الاختصار من المحصول (5 / 410 - 412) في مسألة تعارض الدليلين، إذا كان أحدهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، والآخر عكسه (3) .
جـ - قال في الفصل الثالث من باب النسخ (المتن فقط) : ((يجوز عندنا نسخ الكتاب بالكتاب وعند الأكثرين. والسنة المتواترة بمثلها. والآحاد بمثلها، وبالكتاب والسنة المتواترة إجماعاً)) فقوله: ((إجماعاً)) لم يشرحْه المصنف مبيِّناً إلامَ يرجع؟! مما حَيَّر الشرَّاح الآخرين، فحُلُولو أرجعه إلى نسخ الآحاد بالكتاب والآحاد بالمتواتر، والشوشاوي أرجعه إلى نسخ الآحاد بالآحاد، والآحاد بالكتاب، والآحاد بالمتواتر (4) .
(2) الركاكة في التعبير.
ظهرت لي ركاكةٌ في بعض تعبيرات الكتاب، ربَّما كان الأولى أن يُعبَّر عنها بعباراتٍ أخرى. وقد تبدو هذه العبارات والتراكيب مستقيمة من وجهة نظر قاريءٍ آخر، لكني هنا أُعبِّر عن رؤيتي ووجهة نظري. فمن ذلك:
أ - قال: ((فلا تأمنه في الشهادة على الكذب فيها)) (5) . والأحسن لو قال:
((فلا تأمنه على الكذب في الشهادة)) . والله أعلم.
ب - قال: ((حجة الفريق الآخر: أنا نعلم بالضرورة أن المخبرين إذا
توهَّم السامع أنهم متَّهَمون فيما أخبروا به لا يحصل له العلم. . .)) (6) . والأفضل لو
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 283 هامش (1) .
(2) انظر: التعليق (6) ص (207) من القسم التحقيقي.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 414 هامش (6) .
(4) انظر المسألة والإحالات عليها في ص 82 - 83، وهامش (5) من ص 83 من القسم التحقيقي.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 234.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 202.
(1/169)

قال: ((حجة الفريق الآخر: أنا نعلم بالضرورة أن السامع إذا توهم أن المخبرين متَّهمون. . .)) .
جـ - قال: ((وقال القاضي أبو بكر رحمه الله: العقليات قسمان: ما يخلُّ الجهلُ به بصحة الإجماع، والعلم به كالتوحيد والنبوة ونحوهما، فلا يثبت بالإجماع، وإلا جاز ثبوته بالإجماع، كجواز رؤية الله تعالى. . .)) (1) . قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بإزاء هذه العبارة ((والظاهر أن العبارة حُرِّفت)) (2) .
د - قال: ((قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: يجب اتباعه - صلى الله عليه وسلم - في فعله، إذا علم وجهه وجب اتباعه في ذلك الوجه. . .)) (3) . والعبارة الأسدُّ هي: ((قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: يجب اتباعه - صلى الله عليه وسلم - في فعله إذا علم وجهه)) مع حذف ما بعده؛ لأنه تكرار مَحْض أوْرَثَ ركاكةً في الجملة.
(3) الاستطرادات البعيدة.
وقع المصنف في استطرادات عما هو بصدد الكلام فيه، وهي وإن كانت خارجة عن جادة الموضوع إلا أنها تحوي فوائد عظيمة، وما كثرة هذه الاستطرادات المبثوثة في الكتاب إلا دليلٌ على الرُّكَام المَعْرفيِّ الهائل عند القرافي الذي وجد طريقه للتنفيس فيها، والحال أنها ظاهرة عَمَّتْ عصره. من هذه الاستطرادات:
أ - سؤال بعض الفضلاء له عن إشكالٍ حول التخيير يقتضي التسوية، بينما الخمر واللَّبَن لا يستويان وقد خُيِّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما يوم الإسراء، ثم جوابه عن هذا السؤال، وهذا الاستطراد نبع من كلامه عن مسألةِ طريقةِ معرفةِ وَجْهِ فعله - صلى الله عليه وسلم -، إما بالنص أو بالتخيير بينه وبين غيره. . . إلخ (4) .
ب - لما تحدث القرافي عن سد الذرائع باعتباره أحد أدلة المجتهدين، استطرد
فقال: ((تنبيه: ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد، والمصلحة المرسلة،
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 121.
(2) حاشية منهج التوضيح والتصحيح 2 / 95.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 10 السطر 3.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 11، 13.
(1/170)

وسد الذرائع، وليس كذلك. . .)) (1) . وهذا الاستطراد مقبول؛ لأنه في محله. لكنه استرسل فتكلَّم عما شُنِّع على الإمام مالك - رحمه الله - في مخالفته للحديث، وأنه خالفه لمعارضٍ أرجح (2) ، وهذا لا تعلُّق له بموضوع المسألة، ولا جامع بينهما إلا ذِكْر التشْنيع على الإمام مالك رحمه الله تعالى.
جـ - لما سَجَّل مذهب أبي مسلم الأصفهاني في إنكاره نسخ القرآن (3) استطرد فذكر فائدةً عن اسمه وكنيته، وهذا الاستطراد خارج عن جادَّة الموضوع (4) .
د - لما بحث في العدالة - وهي شرط في صحة الرواية - استطرد فبحث حَدَّ الكبيرة والصغيرة. وليس بحثهما من متعلِّقات البحث الأصولي، ولكن اشتدَّ استطراده بدرجةٍ بعيدةٍ حينما أخذ يبحث عن ضابطِ الإصرار الذي يُصِّير الصغيرةَ كبيرة (5) .
(4) التكرار والإعادة.
وقع في الكتاب تكرار لبعض مباحثه ومسائله وقواعده، وهذا المأخذ وإن كان يَشِين التآليف، لكن يبدو أنه هدف مقصود للمصنف، فإن مما اتَّسم به منهجه التكرارُ في بعض مواضع الكتاب.
وهذه الظاهرة فاشية في أغلب تآليفه عليه رحمة الله، ولهذا نجده يعلِّل هذا المسلك بأن المقام الذي ورد فيه تكرار محتاجٌ إلى ذلك؛ ليرتِّب عليه أحكاماً معينة، كما أن في التكرار مزيدَ توضيحٍ للواقف عليه؛ بسبب تغيير العبارة أو زيادة الألفاظ (6) .
وإليك تمثيلاً لبعض ما تكرر في الكتاب:
أ - مسألة الإجماع في العقليات، تكررت في: ص 120 - 121، 182.
ب - مسألة إحداث قول ثالث إذا أجمعت الأمة على قولين، جاءت في:
ص 129، وفي: ص 134.
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 503 - 504.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 507.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 61.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 64.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 230 - 233.
(6) انظر: كتابه العقد المنظوم في الخصوص والعموم 2 / 257.
(1/171)

جـ - مسألة إجماع أهل الكوفة، وردت في باب الإجماع، ص 155، وفي باب: أدلة المجتهدين ص 519.
د - مسألة وقوع النسخ في القرآن عند أبي مسلم الأصفهاني، ذكرها في:
ص 50، 61، 82.
هـ - مسألة القياس في الدنيويات ذكرها في الشرح، ص 311، ثم ذكرها بعد ذلك في المتن ص 312.
ومسألة تنقيح المناط، بحثها في: ص 314، وكذلك في ص 348.
ز - مسألة التقليد في أصول الدين، بحثها في: ص 441، وفي ص 487.
حـ - مسألة حكم الأشياء قبل ورود السمع، تكررت في: ص 88 (المطبوع) ، 92 (المطبوع) ، 403، 500.
ط - قاعدة نقض قضاء الحاكم إذا خالف الإجماع أو النص الصريح أو القياس الجلي أو القواعد، جاءت في: ص 238، 447، 479.
(5) عدم إيضاح ما ذكر أنه " ظاهر "
يشير القرافي أحياناً في كتابه إلى ظهور القول، أو أن كذا وكذا ظاهر، أو أنه ضعيف دون أن يبين للقاريء وجه ظهوره أو تضعيفه. فمن ذلك:
أ - قال: ((وأما وجه الفرق بين الجلية والخفية فظاهر مما تقدم)) (1) .
ب - قال: ((وضعَّفه الإمام)) (2) .
جـ - قال: ((لأنا إن قلنا: كل مجتهد مصيب فظاهر)) (3) .
د - قال عند تعداد مسالك العلة: ((فالأول: النص على العلة، وهو ظاهر)) (4) .
(6) صور من التناقض والتضارب.
وقع المصنف فيما يبدو أنه تناقض في بعض المسائل. من ذلك:
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 175.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 116.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 303.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 320.
(1/172)

أ - مسالة تفاوت العلوم: مرةً يذكر عدم التفاوت بينها (1) ، وفي موضع آخر يفيد كلامُه حصولَ التفاوت (2) .
ب - حكى الإجماع على أن العامي له أن يقلد من شاء بغير حَجْر في موضع (3) ، وفي موضع آخر حكى خلافاً بين العلماء في العامي من يقلد إذا اختلف العلماء عليه أيقلِّد أيهما شاء أم يتحرَّى (4) ؟
سابعاً: مآخذ لغوية.
وقع المصنف - رحمه الله - على جلالة قدره وغزارة علمه في بعض أخطاء نحوية ولغوية، وهي وإن كانت قليلة لكنها لا تليق بمكانة القرافي الرفيعة، ولاسيما أن له اهتماماً كبيراً ومشاركة واضحة في اللغة هذا إن صحتْ نسبتها إليه، ولعل هذه المؤاخذات لها أوجهٌ أخرى من اللغة لم أقفْ عليها، فيكون الصواب معه فيها، أو تكون من خطأ النسَّاخ، أو لم يتمكَّن المصنف من مراجعة كتابه بعد تسويده، والله أعلم. فمن الأمثلة على ذلك:
(1) حذف الفاء في جواب " أما " الشرطية، والواجب اقتران جوابها بها،
ولا يكاد يعرى عنها إلا لضرورة أو نُدْرة.
قال ابن مالك في ألفيته:
أمَّا كَمَهْمَا يَكُ مِنْ شيءٍ وفَا لِتِلْو تِلْوِها وُجُوباً أُلِفَا (5)
وكتاب القرافي جاء فيه خلاف هذه القاعدة ولا ضرورة مُلْجئة إلى ذلك، مثال ذلك:
أ - قال في المتن: ((وأما ترجيح المتن قال الباجي. . .)) (6) . والصواب: فقال الباجي.
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 411 هامش (9) .
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 266 - 267.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 448 هامش (6) .
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 482 - 483 وهامش (3) ص 481.
(5) انظر: شرح الأشموني على ألفية ابن مالك بحاشية الصبان 4 / 62، مغني اللبيب لابن هشام 1 / 120.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 424.
(1/173)

ب - قال: ((أما الستة ثلاثة وثلاثة)) (1) . والصواب: فثلاثة وثلاثة.
جـ - قال: ((أما الموقوف على بعض الصحابة يقوله من قبل نفسه ... )) (2) . والصواب: فيقوله ... إلخ.
(2) عبَّر القرافي بقوله: ((ويقال: إنها نيِّفٌ وعشرون آية)) (3) . والصواب: ألا يقال " نيِّف " إلا بعد عَقْدٍ، فيقال: عشرون ونيِّف، مائة ونيِّف. والله أعلم.
(3) قال ((حجة الجمهور: أنَّا نجد العلم التواتري [حاصل] للصبيان والنسوان ومن ليس له أهلية النظر)) (4) .
ومحلُّ النظر كلمة " حاصل " فإن رسمها على هذه الصورة لستُ أعلم له وجهاً سليماً، فالصواب أن تكون " حاصلاً " على أنها مفعول ثانٍ للفعل " نجد ".
قال الحريري في ملحة الإعراب (5) :
لكنَّ فِعْلَ الشَّكِ واليَقِينِ يَنْصِبُ مَفْعولين في التَّلْقِينِ
تقولُ: قدْ خِلْتُ الهِلالَ لائِحا وقدْ وَجدْتُ المُسْتَشَارَ ناصِحَا
ولا أظنُّها تُحمل على لغة ربيعة في حذف الألف من المُنَوَّن المنصوب حملاً له على صورة المنوَّن المرفوع والمجرور؛ فيقولون: رأيتُ زيدْ، والسبب في عدم هذا الحَمْل أن حذف ألف التنوين إنما يكون عند الوقف، ولا وقْف هنا (6) .
قال ابن مالك في الألفية (7) :
تَنْويناً اثرَ فَتْحٍ اجْعَلْ ألِفَا وَقْفَاً وَتِلْوَ غَيْرِ فَتْحٍ احْذِفَا
ثامناً: أوهام علمية.
وقع المصنف عليه الرحمة والمغفرة في أوهامٍ علمية متنوعة، منها ما يتصل بالعقيدة وبالأسماء، وبالتمثيل، وبغير ذلك، وقد تمَّ التنبيه عليها في مواضعها. بعض
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 103.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 419.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 52 هامش (2) .
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 202.
(5) شرح ملحة الإعراب للحريري ص 162.
(6) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 9 / 69، همع الهوامع للسيوطي 3 / 386.
(7) انظر: حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك 4 / 286.
(1/174)

هذه الملاحظات قابل للأخذ والردِّ، وقد يكون الصواب فيها مع القرافي، وبعضها يُعدُّ هفوةً أو زلةً صدرتْ بسبب وَهْمٍ بشري أو غفلةٍ إنسانية. ويمكن تلخيص هذه الأوهام فيما يلي:
(
1) قوله في كلام الله تعالى بالكلام النفسي تمشِّياً مع معتقده الأشعري، وهذا مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة السلف الصالح (1) .
(2) تجويزه خُلوَّ حكمِ الله عن علَّةٍ بحجة أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهذا التجويز ناشيء عن اعتقاد الأشاعرة بأن الله خَلَق الخَلْق وأمر ونهى لا لعلةٍ ولا باعث، بل فعل ذلك لمحْضِ المشيئة، وصِرْف الإرادة. وأهل السنة والجماعة يثبتون الحكمة والتعليل في خلقه سبحانه وتعالى، وفي أمره (2) .
(3) قوله بأن أول واجب على المكلف هو النظر، وهذا مذهب الأشعرية في الجملة، أما أهل السنة والجماعة فيقرِّرون بأن الواجب الأول على المكلف هو الشهادتان (3) .
(4) يؤاخذ القرافي على تعبيره بأهل السنة في مقابلة رأي غيرهم، وهم: أحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وهؤلاء هم أساطين أهل السنة (4) .
(5) قوله بأن الكافر يُكْره على الإسلام بالسيف إن لم يقبل دعوة الإسلام مختاراً، مع أن الله تعالى يقول: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] .
(6) قال: ((كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم)) (5) . ولست أدري كيف يُمْحى الكفر من القلب بالقتل؟! إلا أن يكون قتل بعضهم سبباً في إسلام غيرهم.
(7) قوله بنسخ آيات الموادعة بآية السيف، وهو قولٌ لبعض العلماء، والصواب أنها محكمة؛ لأن من شرط النسخ التعارض، ولا تعارض (6) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 47، هامش (6) .
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 364 هامش (1) . وانظر: كتاب المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين د. محمد العروسي عبد القادر ص 271 - 286.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 472 هامش (5) .
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 485 هامش (8) وما بعدها.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 536 وهامش (1) .
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 51، وانظر هامش (1) ص 53.
(1/175)

(
8) قوله بأن الذبيح هو إسحاق عليه السلام، وهو رأي لبعض العلماء، لكن الذي عليه الأكثر من الصحابة والتابعين والعلماء أنه إسماعيل عليه السلام، ولعل الرأي القائل بأنه إسحاق عليه السلام تسلَّل من الإسرائيليات. والله أعلم (1) .
(9) قوله بأن لقاء أبي حازم سلمة بن دينار لابن شهاب الزهري كان في مجلس هارون الرشيد. وهذا خطأ لا يصححه التاريخ، فإن كلا العالمين ماتا قبل مولد هارون الرشيد رحمهم الله. ولعلَّ المصنف قلَّد غيره من المؤرخين أو وقع منه ذلك سهواً (2) .
(10) فسَّر حُسْن النَّسَق بفصاحة اللفظ، وهذا وهم، وغير مراد، ومخالف لتفسير الباجي الذي نقله عنه. وهذا التفسير أوقع المصنف في تكرارٍ خاطيء (3) .
(11) أخطأ في التمثيل لما ينافي الدليل القاطع بمن يقول: الشمس ليست طالعة، وهي طالعة. وهذا مخالف لتمثيل الغزالي الذي اختصر المصنف كلامه في هذا الموضع (4) .
(12) مع دقته المعهودة، لكن كانت تغيب عنه هذه الدقة أحياناً، مثل تعبيره عن مسألة " الأخذ بأقل ما قيل " بقوله: ((الأخذ بالأخف)) (5) ، إلا أن يكون هذا اصطلاحاً خاصاً به.
(13) ادعاؤه بأن قول الشافعي: ((إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي)) ليس من خصوصيات الإمام الشافعي رحمه الله، ولكن تقي الدين السبكي عارضه في ذلك، ودلَّل على أنها من خصوصياته (6) .
(14) وقع منه خَلْط بين المرتبة الثالثة والمرتبة الرابعة من مراتب رواية الصحابي لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - (7) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 49 هامش (1) .
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 216 - 217.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 420 هامش (3) ، ص 425.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 214 هامش (5) .
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 516 هامش (1) .
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 508 هامش (7) .
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 271 هامش (10) .
(1/176)

(15) وَهْمه في نسبة بيت الشعر:
بلادٌ بها نِيْطَتْ عَليَّ تَمَائِمي وأولُ أرضٍ مسَّ جِلْدِي تُرَابُها
لأبي تمَّام، والواقع أنه ليس له (1) .
(16) انقلب عليه مذهب ابن عُلَيَّة في الشرح، إذ قال عنه بأنه أوجب جلسة التشهد الأولى قياساً على الثانية، وحقيقة مذهبه ما قرره المصنف نفسه في المتن برد حكم الجلسة الثانية إلى الأولى (2) .
(17) وقع تحريف في بعض أسماء الأعلام في الكتاب، كقوله عن " الحَصْكَفي " بأنه " الحَسْكَفي " (3) . ونقل عن الشيرازي أن اسم أبي مسلم الأصفهاني: " عمرو بن يحيى "، والصواب أنه " محمد بن بحر " (4) .
تلكم هي أهم المؤاخذات على الكتاب، وهي مجرد سَنَحاتٍ وخواطر تراءت لي في تضاعيف تحقيق الكتاب، اقتضت طبيعة البحث مني تسجيلَها وتقييدَها، عائذاً بالله من التعاظم والتطاول، وهي ليست أحكاماً نهائية، فإن إصدار الأحكام على كتب العلماء الأفذاذ المهرة ذي الشهرة يستلزم مؤهلاتٍ خاصة، وكفاءاتٍ نادرة، لا يحظى بها سوى العلماء.
((ولا يمكن جعل هذه المآخذ ذريعةً إلى ترك الصواب الجمِّ، ولا أستحل وَصْم المصنف بارتكاب الذمِّ، والذَّنْب الواحد لا يُهْجر له الحبيب، والروضة الحسناء لا تُتْرك لموضع قَبْرٍ جديب، والحسنات يذهبن السيئات، ولو ذهبنا نترك كل كتاب وقع فيه غَلَط، أو فَرَط من مصنفه سَهْو أو سَقَط، لضاق علينا المجال، وجَحَدْنا فضائل الرجال.
ولقد نفع الله الأمة بكتب طارت كل المطار، وجازتْ أجواز (5) الفلوات وأثْبَاج (6) البحار، وما فيها إلا ما وقع فيه عَيْب، وعُرِف منه غَلَطٌ بغير شكٍّ
ولا رَيْب، لكن لم يجعله الناس سبباً لرَفْضها وهَجْرها، ولا توقفوا عن الاستضاءة بأنوار الهدية من أفق فَجْرها)) (7) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 315.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 337، وكذلك ص 340 هامش (9) .
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 317 هامش (4) .
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 64 هامش (2) .
(5) جمع " جَوْز " وهو وسط الشيء ومعظمه. المعجم الوسيط مادة " جوز ".
(6) جمع " ثَبَج " وهو وسط الشيء إذا تجمَّع وبَرَز. المعجم الوسيط مادة " ثبج ".
(7) من كلام ابن دقيق العيد رحمه الله، كما في طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 9 / 236.
(1/177)

المبحث التاسع
مقارنة الكتاب بكتب الشروح الأخرى
ينبغي باديء ذي بدء عند عقد مقارنة بين شروحات " تنقيح الفصول " أن نستصحب في أذهاننا البَوْن الشاسع، والفرق الواسع بين المستوى العلمي للقرافي ومستويات بقية الشراح العلمية كحلولو، والشوشاوي، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد جعيط.
هذا الفارق الرئيس يُكْسب كتاب القرافي قوة ومتانة، فيزيد من ثقة الناس به، وكلُّ الشروح موضع ثقة إن شاء الله تعالى ولكن بنسبٍ متفاوتة. وإذا كان الماتن شارحاً لكتابه، فسيكون أدرى بخفاياه، وأعلم بمقاصده من غيره، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولهذا قال القرافي بنفسه في مقدمة شرح التنقيح: ((فلما كثر المشتغلون به
(أي المتن) ، رأيت أن أضع لهم شرحاً يكون عوناً لهم على فهمه وتحصيله، وأبيِّن فيه مقاصد لا تكاد تُعلم إلا من جهتي، لأني لم أنقلها عن غيري، وفيها غموض)) (1) .
وفي هذا المبحث سأتطرق لعقد مقارنات سريعة بين شروحات التنقيح المطبوعة. ولكن أرى من المفيد أن أمهِّد قبل ذلك بمقارنات مهمة تتعلق بالكتاب، مثل: مقارنة شرح التنقيح بالمتن نفسه، ومقارنة شرح التنقيح بشرح المحصول (نفائس الأصول) ، ومقارنة شرح التنقيح بالمحصول للرازي. لهذا انتظم هذا المبحث المقارنات التالية:
المقارنة الأولى: مقارنة شرح التنقيح بالمتن " تنقيح الفصول "
ربما كان من المناسب أن تُعْقد هذه المقارنة في المبحث الأول من هذا الفصل عند الكلام عن المتن. لكن رأيت إرجاء الحديث عنها هنا؛ لتنتظم تحت مبحث المقارنات. وأؤكِّد هنا - عند عقد المقارنة - ما سجلته في بداية المبحث الأول من هذا الفصل (2) من أن هذا الكتاب (متناً وشرحاً) يعتبر وحدة واحدة لا يمكن فصل الشرح عن المتن، لهذا لن نكون دقيقين إذا قلنا بأن شرح تنقيح الفصول كسائر شروحات متون الكتب الأخرى، فالقرافي لما رغب في شرح متنه، فإنه قرَّر المتن كما هو، وأَتْبَعه بمزيد
_________
(1) انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 2.
(2) انظر: القسم الدراسي ص 63
(1/178)

توضيحات لغموض أو إشكال، كما أنه دلَّل على المسائل الواردة فيه، وناقش ورجَّح أحياناً. . . وهكذا (1) .
ففي المتن " تنقيح الفصول ": ذكر المصنف المسائل الأصولية، وآراء المذاهب والعلماء فيها، والتعاريف والحدود، وعرضاً سريعاً للأدلة على وجه الاختصار.
وفي الشرح " شرح تنقيح الفصول ": تابع المصنف شرح بعض الحدود، واستكمل بقية الأدلة، ووجه الاستدلال بها، مع الاعتراضات والأجوبة، وزاد في النقولات الداعمة للآراء في المسألة الأصولية.
إن المختصرين عادةً يضطرُّون - بحكم طبيعة الاختصار - إلى إيجاز العبارة، وإلغازها في إشارة، مما قد ينتج عنه عدم الوفاء بالفكرة المراد إيضاحها، وحصول غموض وإشكال في المختصر.
لهذا قال الطوفي مشيراً إلى هذا المعنى ((قد حصل في " المختصر " في هذه المسائل تداخلٌ بموجب الاختصار، وقد فصَّلْتُه في الشرح كما رأيت. والله أعلم)) (2) .
وانطلاقاً مما سلف ذكره آنفاً، نلحظ - ونحن نقلب صفحات الكتاب - تسجيل القرافي تراجعاته عما ذكره في المتن، فبعد أن أورد في المتن بعض أمورٍ تابعاً فيها الرازي في محصوله، أو مقرِّراً لها من تلقاء نفسه ابتداءً، نجده عند تأليف الشرح لا يرتضيها، ولا يُسلِّم بها، بل يسعى لتفنيدها ونقدها.
ويجب ألا ننسى - في ظل عقد هذه المقارنة بين المتن والشرح - أن القرافي صنَّف المتن في باكورة حياته العلمية (3) ، وربما كانت العجلة تدفعه إلى سرعة تأليفه ليخوض غمار موسوعته " الذخيرة "، ويمخر عباب بحارها. هذا الاستعجال خلَّف وراءه نوعَ أخطاءٍ وهفواتٍ كشفتْ الممارسةُ بعد ذلك، وطولُ باعِ القرافي في التأليف، أنَّها لم تكن في محلِّها. فبعدما يربو على عشر سنواتٍ، وبعد ما يقارب عشر مؤلفات (4) تكشَّفتْ للمصنف هذه الملاحظات، فأراد التنبيه عليها في الشرح.
_________
(1) انظر: الصفحات التالية من القسم التحقيقي لترى نَقْلة المصنف بين المتن والشرح، ص 450، 449، 458.
(2) انظر: شرح مختصر الروضة 3 / 452. والطوفي يقصد بالمختصر: البلبل، وهو مختصر روضة الناظر.
(3) انظر: القسم الدراسي ص 67.
(4) انظر: المخطط الزمني لتآليف القرافي، ص 85.
(1/179)

وإليك تمثيلاً لهذه التراجعات والتصحيحات التي جاءت في الشرح خلافاً لما ذكره في المتن:
أولاً: استدراكات القرافي على نفسه لما قرَّره في المتن من تلقاء نفسه.
(1) قال في الشرح: ((وقولي في الكتاب (المتن) : الحقيقة: استعمال اللفظ في موضوعه، صوابه: اللفظة المستعملة، أو اللفظ المستعمل. . . فالحقُّ أنها موضوعة للَّفظ المستعمل، لا لنفس استعمال اللفظ. . .)) (1) .
وهكذا أيضاً صوَّب حدّ المجاز بنفس الطريقة (2) .
(2) لمّا عرَّف التخصيص وذكر محترزاته في المتن، ثم شرحها في الشرح، قال أخيراً: ((وهذا الحد باطل، مع هذا التحرير العظيم، الذي لم أَرَ أحداً جمع ما جَمعْتُ فيه - ثم قال - فينبغي أن يؤتى بعبارة تجمع هذه النقوض، وتُخرج الاستثناء، وفيها عُسْر)) (3) .
(
3) قال في الشرح: ((وقولي: كما يترادف مفهوم المخالفة ودليل الخطاب وتنبيهه، صوابه: الاقتصار على الأوَّلَين، ونترك تنبيه الخطاب؛ لأنه لم يتقدم له ذكر في مفهوم المخالفة)) (4) .
(4) قال في المتن: ((الفصل الحادي عشر: خمس حقائق لا تتعلق إلاّ بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم)) ثم قال في الشرح: ((صوابه أن يقول: بالمعدوم وبالمستقبل. . . ولو قلت: بالمستقبل، لأجزأ، لكن التصريح بالمعدوم أحسن؛ لأنه أنَصُّ على اعتبار المعدوم في ذلك. وألحقتُ بعد وضع هذا الكتاب (المتن) لهذه الخمسة خمسةً أخرى، فصارت عشرةً. . .)) (5) .
(5) قال في المتن - حسب النسخ الخطيَّة وخلافاً للمطبوع الذي تصرَّف فيه محققه - قال ((يجوز عند المالكية والشافعي رضي الله عنه وجماعة من أصحابه استعمال
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 43.
(2) انظر: المصدر السابق ص 45.
(3) المصدر السابق ص 52.
(4) المصدر السابق ص 57.
(5) المصدر السابق ص 62.
(1/180)

اللفظ في حقائق. .)) (1) . . ثم قال في الشرح: ((وقولي أول المسألة: وجماعة من أصحابه، أريد أصحاب مالك، وسبق القلم في الأصل (المتن) إلى: المالكية،
وصوابه: ويجوز عند مالك والشافعي وجماعة من أصحاب مالك. . .)) (2) .
(6) قال في الشرح: ((ولذلك اخترتُ طريق سيف الدين (الآمدي) على طريق الإمام فخر الدين الرازي - ثم قال - غير أني بعد وضع هذا الكتاب (المتن) رأيتُ كلام أبي الحسين في كتابه " المعتمد في أصول الفقه "، وقد حكى عن
شيعة المعتزلة الخلاف مطلقاً من غير تقييد، كما حكى الإمام، فرجعتُ إلى طريقة الإمام. . .)) (3) .
(7) قال في المتن فيما يدل عليه الأمر: ((وعلى النهي عن أضداد المأمور به عند أكثر أصحابه. . .)) ثم قال في الشرح: ((أريد بالضمير في قولي: ((وأصحابه)) مالكاً رضي الله عنه)) (4) .
وقال في المتن: ((وهو عنده للتكرار. . .)) ثم قال في الشرح: ((وقولي في أصل الكتاب (المتن) : ((عنده)) أريد مالكاً)) (5) .
(8) لمَّا أورد في بحث ترجيح الأقيسة في المتن كلام الباجي بأن أحد القياسين ترجَّح على الآخر لكون علة أحدهما متعدِّية (6) . قال في الشرح: ((العلة المتعدِّية أولى من القاصرة، غير أن هذا لا يستقيم من جهة أن القاصرة لا قياس فيها، والكلام إنما هو في ترجيح الأقيسة، فإن كان في ترجيح العلل من غير قياس صحّ)) (7) .
(9) يناقش نفسه ويُنْصِفها، فهو يقول عمّا كتبه أولاً في المتن بأنه وقع منه
سهو. قال: ((والذي في الأصل (المتن) ما أرى نقله إلاّ سهواً)) (8) .
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 114.
(2) المصدر السابق ص 118.
(3) المصدر السابق ص 93.
(4) المصدر السابق ص 135، وهكذا في ص 133، 134.
(5) المصدر السابق ص 130.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 427.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 428 - 429.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 336.
(1/181)

(10) لمّا عرّف الرخصة في المتن، قال في الشرح: ((ومع هذا الاحتراز لا يَسْلم الحدُّ عن الفساد، فإن في الشريعة رُخَصاً لم أُلْهَم لها حالةَ ذِكْري لهذا الحدِّ، وهي: الإباحة. . . - ثم ذكرها، وقال - فلا يكون حدِّي جامعاً. .)) (1) .
(11) عند تعريفه لأصول الفقه، ذكر لتعريف الأصل في المتن ثلاثة معانٍ، ثم قال في الشرح: ((فذكرت في هذا الكتاب (المتن) في الأصل ثلاثة معانٍ: منها واحد لغوي، واثنان اصطلاحيان، وبقي واحدٌ لم أذكره ها هنا، وذكرته في شرح المحصول، وهو: " ما يُقاس عليه ". . . ثم قال: فيصير للأصل أربعة معانٍ)) (2) .
ثانياً: استدراكات القرافي على ما كان تابعاً فيه محصول الرازي
(1) قال في المتن: ((وليس من شرطه (الأمر) تحقُّقُ العقاب على تركه عند القاضي أبي بكر والإمام، خلافاً للغزالي)) ثم قال في الشرح: هذه المسألة نقلتها
هاهنا، واختصرتها كما وقعت في المحصول، وليست المسألة على هذه الصورة في أصول الفقه، ولا قال القاضي هذه العبارة، ولا الغزالي أيضاً، بل المنقول في كتاب القاضي. . . إلخ)) (3) .
(2) قال في المتن: ((الثالث: الإعادة: وهي إيقاع العبادة في وقتها بعد تقدّم إيقاعها على خللٍ في الإجزاء، كمن صلّى بدون ركن، أو في الكمال: كصلاة
المنفرد)) .
ثم قال في الشرح: ((هذا هو لفظ المحصول في اشتراط الوقت، وأما مذهب
مالك، فإن الإعادة لا تختص بالوقت. . .)) (4) . ففي المتن نقل عن المحصول اشتراط الوقت، ثم استدرك في الشرح بأن مذهب مالك لا يشترط الوقت.
(3) قال في المتن: ((الحكم الشرعي: هو خطاب الله القديم. . .)) ثم قال في الشرح: ((إني اتبعتُ في هذا الحدِّ الإمام فخر الدين رحمه الله، مع أني غيَّرتُ بالزيادة في قولي: " القديم " - ثم قال - والصحيح أن يُقال: كلام الله القديم. . .)) (5) .
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 86.
(2) المصدر السابق ص 16.
(3) المصدر السابق ص 149.
(4) المصدر السابق ص 76.
(5) المصدر السابق ص 67.
(1/182)

(4) قال في المتن: ((ومذهب الراوي يخصص. . .)) . ثم قال في الشرح:
((هذه المسألة منقولة هكذا على الإطلاق (1) ، والذي أعتقده أنه مخصوص بما إذا كان الراوي صحابياً. . .)) (2) .
(5) لمَّا عرَّف الاستثناء في المتن تبعاً للرازي، قال في الشرح: ((قولي: أو ما يقوم مقامها، لا يصح - ثم قال - هذا الحدُّ ذكره الإمام - أعني هذا القيد - على هذه الصورة من الإشكال، بل ينبغي أن يُقال في حَدِّه. . .)) (3) .
(
6) مثَّل في المتن على مسألة البيان بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بطوافه طَوَافَيْن على أنه متمتع. ثم قال في الشرح: ((وتمثيلي بكونه - صلى الله عليه وسلم - طاف لهما طوافين مبنيٌّ على أنه عليه الصلاة والسلام كان في حجة الوداع متمتعاً، وهي مسألة ثلاثة أقوال، قيل: متمتعاً، وقيل: مفرداً، وقيل: قارناً. والإمام فخر الدين مثَّل بذلك، واتَّبعْتُه)) (4) .
(7) أورد في المتن - في مسألة حكم النسخ بالعقل - قول الإمام الرازي بأن العقل يكون ناسخاً في حق من سَقَطتْ رِجْلاه، فإن الوجوب ساقط عنه. ثم قال في الشرح مستدْرِكاً على مقالة الرازي: ((هذا ليس نسخاً - ثم قال - وإلاّ كان النسخ واقعاً طول الزمان لطريان الأسباب وعدمها)) (5) .
(8) قال في الشرح: ((وأما قولي في الفقيه: " الحافظ "، والأصولي: " المتمكن " فهو قول الإمام فخر الدين رحمه الله، وفيه إشكال ... إلخ)) (6) .
(9) قال في الشرح: ((فهذه التفاصيل أولى من التعميم الأول، وهو قول الإمام فخر الدين في المحصول)) (7) والتعميم الأول هو الذي جاء ذكره في المتن أولاً.
_________
(1) انظر: المحصول للرازي 3 / 126.
(2) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 219.
(3) المصدر السابق ص 238.
(4) المصدر السابق ص 281.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 101.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 179.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 121 هامش (14) .
(1/183)

المقارنة الثانية: المقارنة بين " شرح تنقيح الفصول "
و" نفائس الأصول "
تنبع أهمية المقارنة بين الكتابين من كونهما كتابين أصوليين لمؤلِّفٍ واحدٍ، فبعقد مقارنة وموازنة بينهما يظهر لنا مدى نمو الفكر الأصولي عند القرافي، ومدى ثباتيَّة واستقرارية آرائه الأصولية.
وكتاب " نفائس الأصول " صَنَعه القرافي ليكون شرحاً للمحصول، وإثارة للإشكالات الواردة على مسائله مع حلِّها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فما كان له من تعقبّات في النفائس على محصول الرازي، جاءت في كتابه " شرح تنقيح الفصول " على شكل تقريراتٍ مُسلَّمة باعتباره متأخِّر التأليف عن الأول.
وأودُّ - قبل عقد المقارنة بينهما - أن أبيِّن في عجالةٍ سريعة منهج القرافي في كتابه نفائس الأصول حتى ترتكز عملية المقارنة على خَلْفيَّةٍ ذِهْنيَّةٍ ذاتِ صورةٍ واضحةِ المعالم والسِّمات.
شَرَح القرافي كتاب " المحصول " للرازي بطريقتين، الأولى: طريقة القول، بمعنى " قال فأقول ". فهو يورد قول صاحب المحصول أو طَرَفاً منه، ثم يشرحه بتقريرٍ أو إيراد أسئلةٍ أو نحو ذلك. والثانية: طريقة الشرح بالمضمون، دون التزامٍ لذكر المتن، فنجده يذكر رأس المسألة كما يذكره الإمام أو يختصره، ثم يتناول ما ذكره الإمام تحت هذا العنوان بالشرح والتقرير كلمةً كلمةً أو جملةً جملةً، فيقول مثلاً: قوله ((كذا وكذا. . .)) ، تقريره: ((كذا وكذا. . .)) ، فإن وافقه اكتفى بتقرير كلامه، وأجاب عن الأسئلة القوية الواردة عليه. وإن خالفه أورد عليه الأسئلة والاعتراضات التي يرى أنها قويّة، سواء كانت مما أورده العلماء السابقون أم مما جادتْ به قريحته، وتفتَّق عنها ذهنه. فإذا انتهى من الكلام عن عبارة المحصول ما لها وما عليها، انتقل إلى الكلام عن مختصراته، فيذكر موافقتهم للمحصول أو مخالفتهم، ويوازن بين عبارة المحصول ومختصراته، ويبيِّن أيهما أسلم وأصوب (1) .
_________
(1) انظر: القسم الدراسي لكتاب نفائس الأصول. الجزء الأول بتحقيق فضيلة شيخنا د. عياض السلمي
ص 111 - 113.
(1/184)

هَاتِهِ هي الخطوط العريضة لملامح منهج القرافي في كتابه نفائس الأصول. وفي الحقيقة بان لي أن الكتابين يتّفقان في كثير من الخصائص المنهجية للقرافي سواء في:
حَشْد الآراء والنقولات، أو إيراد الأسئلة والإشكالات، أو عرض الأدلة والمناقشات، أو الاهتمام بالحدود والتعريفات، أو التنبيه على الفروقات، أو وقوع التكرارات، أو كثرة الاستطرادات، من فوائد وتنبيهات.
والآن لأذكر نُتَفاً من وجوه المقارنة بين الكتابين بحسب ما أسْعف به الوقت:
أولاً: التوسع والتفصيل في النفائس، والإجمال والاختصار في شرح التنقيح:
تعرَّض القرافي لمسائل كثيرة في " نفائس الأصول " بينما أغفلها أو اختصرها في
" شرح التنقيح "، والسبب في هذا ظاهرٌ جداً، وهو ما تقتضيه ضرورة التعليق على كتاب المحصول هذا بالنسبة للنفائس، وما تقتضيه ضرورة الاختصار والتوسط بالنسبة للتنقيح وشرحه.
ولهذا صرَّح القرافي في كتابه " شرح التنقيح " في غير ما موضع بهذه الحقيقية، من ذلك:
(1) قال: ((والتفرقة بين الدلالة باللفظ، ودلالة اللفظ من مُهمَّات مباحث الألفاظ، وقد ذكرتُ هنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه، وفي شرح المحصول ذكرتُ خمسة عشر وجهاً، وهذه الثلاثة تكفي في هذا المختصر)) (1) .
(2) قال في آخر الباب الثالث: ((وفي هذه المواطن مباحث ومُثُلٌ كثيرة نقلتها في كتاب شرح المحصول، وجعلتها مسائل خلاف مستقلّة، ومعها مباحث شريفة هنالك، لا يحتمل هذا الشرح المختصر ذلك)) (2) .
(3) قال في مبحث الحسن والقبح العقليين: ((وقد نقلتُ في شرح المحصول طُرقاً عديدة عن الأصحاب، وبيَّنتُ ما عليها من الإشكال، واخترتُ هذه الطريقة)) (3) .
(4) قال في الفصل التاسع في لحن الخطاب. . . ((وفي مفهوم العدد إشكالٌ، وتفصيله مبسوط في المحصول وشرحه)) (4) .
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 26.
(2) المصدر السابق ص 125.
(3) المصدر السابق ص 91.
(4) المصدر السابق ص 56.
(1/185)

(5) قال: ((فتنبّه لهذه القاعدة الغريبة، وقد بسطْتُها في شرح المحصول)) (1) .
(6) قال في مبحث حكم الأشياء قبل ورود الشرع ((وقد قرَّرتُ ذلك نقلاً وبحثاً في شرح المحصول)) (2) .
(7) قال في فصل الحقيقة والمجاز: ((وفي هذه المواطن مباحث كثيرة مستوعبة في شرح المحصول)) (3) .
(
8) وقال في محاولة إثبات النسخ في شريعة اليهود: ((وقد ذكرتُ صوراً كثيرة غير هذه في شرح المحصول)) (4) .
ثانياً: التشابه بين عبارة شرح التنقيح وعبارة نفائس الأصول
يوجد تشابه كبير في كثير من مسائل الكتابين من جهة العبارة والنقل، ففي بعض المباحث في " شرح التنقيح " تكاد تكون منقولة بحروفها من " نفائس الأصول "، وهذا أمرٌ متوقَّعٌ ورودُه؛ لعدم طريان ما يقتضي التغيير، ولا غَضَاضة في ذلك. والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
(1) مسألة: الإجماع لا يُنسخ ولا يُنسخ به (5) .
(2) مسألة: تعريف السبر والتقسيم وسبب التعبير بذلك (6) .
ثالثاً: بعض المسائل التي ما تزال مشكلة عند القرافي رحمه الله في الكتابين:
رغم التأخر الزمني في تأليف كتاب " شرح تنقيح الفصول "، مما يعني استواء النضج الأصولي عند القرافي إلاّ أن الرجل أعلن في كتابه توقُّفَه في بعض المسائل، وعدم الجزم برأيٍ واضحٍ فيها، وهذه مَنْقبةٌ جليلة للمؤلف - عليه رحمة الله - يحدوه إليها إنصافُهُ للحقيقة واعترافُهُ بالعجز البشري، وتنمُّ عن حسن تواضعه. من ذلك:
(1) عجزه عن تحديد الرخصة بحدٍّ يضبط أفرادها، قال: ((والذي تقرَّر عليه
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 71.
(2) المصدر السابق ص 93.
(3) المصدر السابق ص 44.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 60.
(5) انظر: نفائس الأصول 6 / 2500، القسم التحقيقي ص 93.
(6) انظر: نفائس الأصول 8 / 3358، القسم التحقيقي ص 345.
(1/186)

حالي في شرح المحصول وهاهنا: أنِّي عاجزٌ عن ضبط الرخصة بحدٍّ جامعٍ مانع. أما جزئيات الرخصة من غير تحديد فلا عُسْر فيه، إنما الصعوبة في الحدِّ على ذلك
الوجه)) (1) .
(2) استشكاله لنوع دلالة العام أهي مطابقيَّة أم تضمنيَّة أم التزاميَّة؟
قال: ((قلت هذا سؤال صعب، وقد أوردته في شرح المحصول، وأجبت عنه بشيء فيه نكارة، وفي النفس منه شيء)) (2) .
(
3) استشكاله لنقل الأصوليين الخلاف في أقل الجمع دون التفريق بين جموع القِلَّة والكثرة، فكيف يصح دخول جموع الكثرة في محل النزاع في أقل الجمع؟!.
قال في تنقيح الفصول في الباب السابع في أقل الجمع ((وعندي أن محل النزاع مشكل؛ لأنه إن كان الخلاف في صيغة الجمع التي هي الجيم والميم والعين لم يمكن إثبات الحكم لغيرها من الصيغ، وقد اتفقوا على ذلك. وإن كان في غيرها من صيغ الجموع، فهي على قسمين: جمع قلة. . . وجمع كثرة. . . فإن كان الخلاف في جموع الكثرة فأقلها أحد عشر، فلا معنى للقول بالاثنين والثلاثة، وإن كان في جموع القلة فهو مستقيم)) (3) .
ثم قال في الشرح - بعد توضيح هذا الإشكال: ((بل الذي تقتضيه القواعد أن يقولوا: أقل مسمَّى الجمع المنكَّر من جموع القلة: اثنان أو ثلاثة، وأقل جموع الكثرة المنكرة: أحد عشر، هذا متجه لا خفاء فيه، أمَّا التعميم فمشكل جداً)) (4) .
والقرافي حتى بعد تأليفه لما أعْتقدُ أنه آخر كتبه في حياته ما زال هذا الإشكال قائماً عنده فها هو يقول في كتابه العقد المنظوم (2 / 161) : ((إشكال عظيم صعب لي نحو عشرين سنة أُوْرِدُه على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجد له جواباً يرضيني، وإلى الآن لم أجده، وقد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرهما مما يسرَّه الله تعالى علي من الموضوعات في هذا الشأن. . .)) ثم
أورده.
_________
(1) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 87.
(2) المصدر السابق ص 26.
(3) المصدر السابق ص 233.
(4) المصدر السابق ص 235.
(1/187)

رابعاً: بعض ما تميَّز به " نفائس الأصول " عن " شرح تنقيح الفصول "
كتاب " نفائس الأصول " - بحكم موسوعيته - تناول مسائل أصولية أكثر عدداً، وأوسع بحثاً من كتاب " شرح تنقيح الفصول ". ولهذا تميّز " النفائس " بكثرة النقولات من المصادر المتنوعة، وبسط الأقوال في المسألة، وتحرير محل النزاع، وحشد مئات الفوائد والنكت المنوَّعة.
ومن الأمثلة على بعض مميزات النفائس:
(
1) يقتضب الأقوال الواردة في المسألة الواحدة إذا عرضها في " شرح التنقيح " بينما في " النفائس " يوردها كاملةً، كمسألة اعتبار مخالفة الواحد في إبطال الإجماع، قال في النفائس (6 / 2735) ((فهذه خمسة مذاهب لم يَحْكِ الإمام منها إلا
مذهبين)) ، بينما في شرح التنقيح تابع فيه الإمام (1) .
(2) لم يذكر القرافي في " شرح التنقيح " في مسألة حصول الاتفاق بعد الاختلاف ما إذا كان الاتفاق بعد خلافٍ مستقر أم قبله (2) ؟، مع أنه ذكر هذا التحرير في النفائس (6 / 2675) ، وهو الأحسن.
(3) عرض مسألة إجماع أهل المدينة عرضاً سريعاً وقصيراً في " شرح التنقيح " (3) ، بينما تناولها بالبحث الدقيق في " النفائس " (6 / 2701) ، وأجاب عن اعتراضات الخصوم، وقرَّر فيها اختلاف أهل مذهبه في تعيين موطن الحجية في عمل أو إجماع أهل المدينة.
خامساً: بعض ما تميَّز به " شرح تنقيح الفصول " عن " نفائس الأصول "
قيل: يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، وكتاب "شرح التنقيح " كتاب دون المتوسط مقارنةً بكتاب "النفائس "، ومع ذلك يمكن اعتبار كتاب "شرح التنقيح "امتاز بمميزات فاقت كتاب " النفائس "، ربما كان من أوَّليَّات هذا التميز الوقوف على آراء القرافي الأخيرة لكون الكتاب متأخر التأليف عن النفائس. ومن هذه المميزات أيضاً:
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 162.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 136 هامش (6) .
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 153.
(1/188)

(1) زيادة شرحٍ وإيضاح بالأمثلة في بعض المواطن مثل: قوله ((وبكونه جزاءً لسبب الوجوب كالنذر)) ، فإنه شرحها في شرح التنقيح (1) ، ولم يتعرَّض لها في النفائس (5 / 2341) .
(
2) تجنبه لأوهامٍ وقعت في النفائس، منها قوله - في النفائس (6 / 2370) - بأن الرازي قال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على شرع إبراهيم، وقيل: نوح، وقيل: موسى، وقيل: عيسى عليهم السلام أجمعين، بينما في المحصول (3 / 266) لم يذكر نوحاً. ثم نجده في شرح التنقيح لم ينسب نوحاً إلى مقالة الرازي، وهو الصواب (2) .
سادساً: اختلاف آراء القرافي بين " التنقيح وشرحه " و" نفائس الأصول "
بمطالعة الكتابين نلاحظ وقوع القرافي في تباينٍ وتعارضٍ في بعض أقواله وآرائه. وليس بمستغربٍ حصول التناقض في كلام البشر، فقد كتبه الله تعالى عليهم؛ لإظهار كمال علمه وقدرته، وعلوِّ شأنه وقداسته.
والإمام القرافي لمَّا ألَّف متن " تنقيح الفصول " في بداية مشواره العلمي لعلَّه سطَّر فيه كثيراً من المسائل تابعاً فيها غيره، ثم بشرحه للمحصول في " نفائس الأصول " غيَّر بعضاً مما قرَّره سلفاً، ثم فاته أحياناً أن ينبِّه إلى هذه التغييرات في أقواله وآرائه واستدراكاته في شرح تنقيح الفصول.
وسأحاول أن أشير - ما أمكنني الوقوف عليه - إلى هذه الاختلافات، فمن
ذلك:
(1) قال في شرح التنقيح " اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم " (3) . بينما في نفائس الأصول نقل عن الباجي وغيره الخلاف في المسألة، ثم قال ((فهذه ثلاثة أقوالٍ لم يحكها المصنف (الرازي)) ) (4) ، وكذلك لم يحكها المصنف في شرح التنقيح.
(
2) في تنقيح الفصول أثبت تعريفاً للاجتهاد تبعاً للرازي، لكنه في نفائس الأصول (9 / 3790) أورد عليه إشكالاً وناقشه، ولم يرتضه، ثم أورد تعريفاتٍ
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 15.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 38.
(3) انظر: القسم التحقيق ص 381 هامش (5) .
(4) نفائس الأصول 8 / 3535.
(1/189)

أخرى، وناقشها. وصنع تعريفاً خاصاً به، رأى أنه سالمٌ من الاعتراضات، وشرحه هناك. ثم إن المصنف فاته أن ينبِّه في شرح التنقيح على ما استشكله على الرازي، ولم يورد تعريفه المختار (1) .
(3) اعترض القرافي على الرازي في النفائس عندما عرَّف الإجماع بأنه ((اتفاق أهل الحلِّ والعقد من هذه الأمة في أمرٍ من الأمور)) فأورد عليه بأن هذه العبارة تعمُّ جميع أهل الحل والعقد إلى يوم القيامة؛ لأنه اسم جنس أضيف، وهو غير مراد، ثم اقترح لدفع هذا الإيراد زيادة ((من كل عصرٍ)) (2) .
ما سبق ذكره لم يورده في شرح تنقيح الفصول، بل تابع فيه الرازي ولم يستدرك عليه (3) .
(4) في تعريف " الخبر " قرَّر في النفائس بما يوافق الرازي في اعتراضاته على تعريفات الخبر الثلاثة (4) ، ودفع ما لا يرى وجاهته ثم اختتم بحثه هذا بتعريفه المختار للخبر، وهو: ((اللفظتان فأكثر أسند بعض مسبباتهما لبعضٍ إسناداً يحتمل التصديق والتكذيب)) (5) .
لكنه في تنقيح الفصول وشرحه عرَّف الخبر في الباب السادس عشر بأنه: ((هو المحتمل للصدق والكذب لذاته)) (6) ، وبهذا ترد عليه الاعتراضات المذكورة في النفائس. والغريب في شأن المصنف أنه في الفصل السادس من الباب الأول عرَّف الخبر بأنه ((هو الموضوع للفظين فأكثر أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر إسناداً يقبل التصديق والتكذيب لذاته، نحو: زيد قائم)) ثم شرحه هناك (7) .
(
5) قال في شرح التنقيح في مسألة النسخ بالأثقل - تابعاً المحصول (3/321) - ((وعن الثاني: أنه محمول على اليسر في الآخرة حتى لا يتطرَّق إليه تخصيصات غير
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 436 هامش (4) .
(2) انظر: نفائس الأصول 6 / 2544.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 119 هامش (3) .
(4) انظر: المحصول 4 / 217 - 221.
(5) نفائس الأصول 6 / 2793.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 189 هامش (2) .
(7) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 40.
(1/190)

محصورة؛ فإن في الشريعة مشاقَّ كثيرة)) (1) ، لكنه في نفائس الأصول (6 / 2463) لم يرتضِ تخصيص اليسر بالآخرة، واعترض على الرازي فيما قاله، وهو الأوجه.
المقارنة الثالثة: مقارنة " شرح تنقيح الفصول " بـ" المحصول " للرازي
المحصول، وما أدراك ما المحصول! المحصول هو محصول كتب المتقدمين من الأصوليين، ولقد استوعب الإمام الرازي أهم الكتب الأصولية لسابقيه، فدرس البرهان للجويني، والعمد للقاضي عبد الجبار، وحفظ المستصفى للغزالي، والمعتمد لأبي الحسين البصري، فجمع أمهات الكتب الأربعة التي تعتبر أصول هذا الفن ومسائله وتفريعاته على طريقة المتكلمين (2) .
وبعد أن حقَّق المذهبين: المعتزلي والأشعري، ووقف على الاتجاهين خرج في محصوله بما استحسنه من كلام الفريقين دون أن يسير فيهم سير المقلدين، بل ينظر ويوازن ويدقق ويمحص، وينسج لنفسه أسلوباً فريداً لم يُسبق إليه، فهو يذكر المسألة ويفتح باب تقسيمها إلى فصول وفروع، ثم يقسم الفصل والفرع إلى أجزاء
وهكذا. . .، ويستعمل غالباً طريقة السبر والتقسيم حتى لا يشذّ عن المسألة شيء له بها علاقة، فانضبطت له القواعد، وانحصرت المسائل (3) .
ثم إن الرازي كان مولعاً بالاستكثار من الأدلة والاحتجاج (4) ، وربما كان اهتمامه بعلم الكلام والفلسفة وراء ذلك الاستكثار؛ ولهذا طَغَتْ على كتاباته الفقهية والأصولية والتفسيرية وغيرها المنهجيةُ الكلامية.
ولقد لَقِيَتْ طريقة الرازي قبولاً منقطع النظير عند الشافعية وغيرهم، ورزق المحصول شهرة واسعة بين الأصوليين، وشغف من جاء بعده بمنهجه وأسلوبه، ولهذا تعاقب المتأثرون بطريقته على شرحه المحصول أو اختصاره أو التعليق عليه.
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 73 هامش (8) .
(2) انظر: مقدمة ابن خلدون 3 / 1065، القسم الدراسي للمحصول بتحقيق د. طه العلواني 1 / 51.
(3) انظر: الوافي بالوفيات 4 / 249.
(4) انظر: مقدمة ابن خلدون 3 / 1065.
(1/191)

من بين هؤلاء المتأثرين به الشهاب القرافي، فها هو يقول حامداً صنيعه:
((ورأيت كتاب المحصول للإمام الأوحد فخر الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ الإمام العلامة أبي حفص عمر الرازي قدَّس الله روحه جمع قواعد الأوائل، ومستحسنات الأواخر بأحسن العبارات، وألطف الإشارات، وقد عظم نفع الناس به، وبمختصراته، وحصل لهم بسببه من الأهلية، والاستعداد مالم يحصل لمن اشتغل بغيره، بسبب أنه ألَّفه من أحسن كتب السنة، وأفضل كتب المعتزلة، " البرهان "
و" المستصفى " للسنة، و" المعتمد " و" شرح العمد " للمعتزلة، فهذه الأربعة هي أصله مصاناً بحسن تصرفات الإمام، وجودة ترتيبه وتنقيحه، وفصاحة عبارته، وما زاده فيه من فوائد فكره وتصرفه، وحسن ترتيبه وإيراده وتهذيبه. . .)) (1) ، وشرح القرافي المحصول في كتابه النفيس " نفائس الأصول ". واختصر المحصول في " تنقيح الفصول "، وعلَّق على " المنتخب " فكانت معايشته للمحصول طويلة وعميقة.
لكن هل كان القرافي تابعاً للرازي في كلِّ ما يقرِّره؟ وما مدى التفاوت بين كتاب شرح تنقيح الفصول وكتاب المحصول؟
إن مجرد مقارنةٍ عجلى تنطلق من النظر إلى فهرس مسائل المحصول وشرح التنقيح لتعطي حكماً سريعاً بأن القرافي يكاد لم يتجاوز ما في كتاب المحصول. ولكن هذا الحكم فيه تجنٍّ على القرافي، ومحقٌ لشخصيته، حقاً لقد اقتفى القرافي نهج المحصول في التبويب والتقسيم، والترتيب والتنظيم في غالب الكتاب، كما أنه أكثر من نقولاته
عنه. غير أنه لم يَجْرِ على رَسْم الرازي دون تدخُّلٍ وتصرُّفٍ، بل صحح أخطاءً، وتمَّم نقصاً، وزاد مسائل، ووضَّح غموضاً، وحذف بعض المباحث إما لأنها توجب الإملال والكلال، أو لأنها تمثّل استطراداً لا يتلائم مع المختصر، ولا يتعلق بها كبير فائدة، أو لكونها ضعيفة لا حاجة إليها.
_________
(1) نفائس الأصول 1 / 90.
(1/192)

ولندْلُفْ الآن إلى ذكر بعض أوجه هذه المقارنة:
أولاً: ترجمة المسألة وعنونه الفصل أو الباب
اجتهد القرافي في كتابه شرح التنقيح على إثبات فهرسةٍ للمسائل وعنونةٍ للفصول والأبواب أكثر دقّة وأدلَّ على المقصود مما جاء في المحصول. فمن ذلك:
(1) ترجم الرازي لمسألة النسخ قبل التمكن بقوله: ((اختلفوا في نسخ الشيء قبل مضي وقت فعله)) (1) ، بينما غيَّر القرافي هذه الترجمة بقوله ((ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه)) (2) . هذه الترجمة أعمُّ من كونه لم يحضر وقته، أو حضر ولم يُفعل منه شيء، أو فُعل بعضه ثم جاء النسخ. والقرافي صنع ذلك ليُدْرج صور المسألة وأقسامها تحت عنوانٍ واحد.
(2) في الفصل الرابع من الباب الرابع عشر في النسخ. عَنْون له بقوله: ((فيما يتوهم أنه ناسخ)) (3) . بينما عنوان الرازي هو ((فيما ظُنَّ أنه ناسخ، وليس
كذلك)) (4) . وتعبير القرافي أدقّ؛ لأنه يعطي فيه حكمه ورأيه، فعبَّر بالوهم نظراً إلى من منعه. بينما الرازي عبَّر بالظن نظراً إلى من أثبته.
(
3) في الباب العشرين عنون له القرافي بقوله: ((في جميع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين)) (5) وتحته فصلان، الفصل الأول: في الأدلة، ثم سرد تسعة عشر دليلاً باستقرائه. فالمصنف اجتهد في حصر كلِّ دليلٍ يمكن للمجتهد أن يستدل به، فجاء تعبيره بقوله: ((في جميع أدلة المجتهدين. . .)) ، بينما الرازي كان عنوانه هو
((الكلام فيما اختلف فيه المجتهدون من أدلة الشرع)) (6) وبحث تحته إحدى عشرة
مسألة.
_________
(1) المحصول 3 / 311. بيّن المصنف في النفائس 6 / 2456 بأن هذه الترجمة التي في المحصول مشوَّشة، ثم إنه اطلع على ترجمتها في مختصرات المحصول فوجد فيها أيضاً تشويشاً، وأن مردّه إلى أصل هذه المختصرات وهو المحصول.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 64، هامش (5) .
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 102.
(4) المحصول 3 / 363.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 491.
(6) المحصول 6 / 95.
(1/193)

ثانياً: الحدود والمصطلحات:
كان القرافي يناقش الرازي فيما لا يرتضيه من تعريفات، ويغيَّر في ألفاظها؛ وذلك لما عُهِد في القرافي من دِقَّة وشدَّة تحرٍّ في الحدود والألفاظ. من الأمثلة على ذلك (1) :
(1) قال في شرح التنقيح في حدِّ العزيمة ((وقال في المحصول: العزيمة هي جواز الإقدام مع عدم المانع (2) . فيرِدُ عليه أن أكل الطيبات، ولبس الثياب من العزائم؛ لأنه يجوز الإقدام عليها، وليس منها مانع على زعمه في المانع. . . فلذلك زِدْتُ في حدِّي: طلب الفعل مع عدم اشتهار المانع الشرعي. . .)) (3) .
(
2) قال في المتن في حدِّ الشرط ((هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر، ويلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. . .)) ثم قال في الشرح ((نقلت قول الإمام في المحصول (4) ، فإنه لم يذكر في ضابط الشرط غير قوله: هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر، ولم يزد على هذا. . . فلذلك زدتُ أنا من عندي القيود التي بعد هذا القيد فقلتُ: ويلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، فبقيتْ هذه الزيادة مضمونةً إلى كلامه، وهو غير جيد مني، بسبب أن القيد الأول الذي ذكره يلزم أن يوجد في جميع الشروط، وهو غير لازم الوجود. . . فبقي الكلام كلُّه باطلاً، بل ينبغي لي أن أبتديء حدّاً مستأنفاً، فأقول: الشرط: ما يلزم من عدمه العدم،
ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. . . فهذا هو الحدُّ المستقيم، وأما الذي لي والإمام في الأصل (المتن) فباطل)) (5) .
(3) قال عند كلامه عن حدِّ الرخصة ((وفسرَّها الإمام فخر الدين في المحصول بجواز الإقدام مع قيام المانع، وذلك مشكل)) (6) .
_________
(1) سبق مجيء أمثلة تصلح أن تسجّل هنا، مثل: المثال (2) في حدِّ الإعادة، والمثال (3) في حدِّ الحكم الشرعي، والمثال (5) في حدِّ الاستثناء، انظرها ص182-183 من القسم الدراسي.
(2) انظر: المحصول 1 / 120
(3) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 87.
(4) انظره في: 3 / 57.
(5) شرح التنقيح (المطبوع) ص 261 - 262.
(6) المصدر السابق ص 85، وانظر المحصول 1 / 120.
(1/194)

(4) قال في شرح التنقيح عند مناقشة تعريفات " النظر ": ((وأما قولهم: ترتيب تصديقات، فهو قول الإمام فخر الدين، وهو باطل؛ فإن النظر إن كان في الدليل كفى فيه مقدمتان، وتصديقات جمع ظاهر في الثلاث)) (1) .
ثالثاً: الاستدراكات والتعقبات:
لم يكن القرافي - وقد أوتي شخصيةً مستقلةً - أن يكون تابعاً مقلِّداً لما يحكيه الرازي في محصوله، بل كان يقبل منه ما يرى صوابه وهو كثير، وينتقد ما يرى خطأه والأمثلة على ذلك:
(
1) في مسألة التعليل بالأوصاف المقدَّرة أشتدَّ نكير الرازي فيها، وجعلها من جنس الخرافات والتَّرهات (2) . بينما القرافي أنكر على الرازي حتى كاد يطير لبُّه ويطيش عقله من إنكار الرازي لأمرٍ بدهي عليه مدار الفقه، ثم راح يحشد له الدلائل على أن المقدرات في الشريعة لا يكاد يعرى عنها باب من أبواب الفقه، وقال أخيراً بأن إنكار الإمام منكر (3) .
(2) اعترض على تمثيل الرازي في مسألة منع إحداث قولٍ ثالثٍ إذا أجمعت الأمة على قولين، فإن الرازي مثَّل لها بمسألة توريث الإخوة مع الجدِّ، إما المقاسمة أو المال كله للجدِّ، فإحداث قول ثالث - وهو صيرورة المال كله للإخوة - على خلاف الإجماع. فالقرافي أورد نقلاً عن ابن حزم في المحلَّى بأن هذا القول الثالث ممن قال به بعضهم، فقال القرافي ((فلا يصح على هذا ما قاله الإمام من الإجماع)) (4) .
(3) في مسألة نسخ الإجماع والنسخ به ذكر القرافي بأن الرازي بنى المسألة على قاعدة أن الإجماع لا ينعقد في زمانه - صلى الله عليه وسلم -. وعقَّب عليه بأن هذه الطريقة مشكلة بسبب أن وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع وجود الإجماع. ثم سجَّل القرافي على الرازي تناقضاً في قوله؛ لأن الرازي نقض هذه القاعدة عندما قال بإمكان نسخ القياس في زمانه - صلى الله عليه وسلم - بالإجماع، فصرَّح بجواز انعقاد الإجماع في زمانه - صلى الله عليه وسلم - (5) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 438.
(2) انظر: المحصول 5 / 318 - 320.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 382 - 384.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 129 - 131، المحصول 4 / 127.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 93 - 97، المحصول 3 / 354، 358.
(1/195)

(
4) في أول باب التعارض والترجيح نقل القرافي قول الإمام الرازي بأنه: إن وقع التعارض في فعلٍ واحدٍ باعتبار حكمين فهذا متعذّر. ثم قال القرافي - في الشرح - عن هذا القول ((ليس كما قال)) وشرحه هناك (1) .
(5) قال في شروط الاجتهاد ((حصر المتعيِّن في خمسمائة آية قاله الإمام فخر الدين وغيره، ولم يحصر غيره ذلك، وهو الصحيح)) (2) ثم علَّل وجه هذه الصحة.
(6) في مسألة عدم دخول القياس فيما لا يتعلَّق به عمل كفتح مكة عَنْوة قال القرافي في الشرح ((غير أن الإمام فخر الدين أطلق القول في ذلك، والحقُّ هذا
التفصيل)) (3) .
(7) قال في أقسام البيان ((يمكن البيان من الله تعالى بالقول. وأما بالفعل، والكتابة، والإشارة، فقد صرَّح الإمام فخر الدين على استحالة البيان بها على الله تعالى. . . وفيما قاله نظر. . .)) (4) .
(8) قال في دلالة الأمر على الإجزاء ((وما ذكرته من الدليل هو مستند الإمام في المحصول، وليس بشيء)) (5) .
رابعاً: التصرُّف في النقل عن المحصول
تنوعَّت طريقة القرافي في نقله عن المحصول، وتعددت أساليبه، ولكن تتفق جميع هذه الطرق في أنها نقل بالمعنى والفحوى دون اللفظ والحرف.
وإليك أنماطاً لنقولاته:
(1) نقل القرافي صفحات كثيرة من المحصول في مسألة ترجيح الأخبار في الإسناد (6) وفي المتن (7) فيما لا يزيد عن خمسة أسطر، وكان نقله فيها باختيار واختصار وانتخاب واقتضاب.
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 403، 405، المحصول 5 / 380 - 388.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 465، وانظر المحصول 6 / 23.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 400، وانظر: المحصول 5 / 354.
(4) شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 279.
(5) المصدر السابق ص 134.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 421؛ المحصول 5 / 415 - 425.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 425، المحصول 5 / 428 - 433.
(1/196)

(
2) مسألة نسخ القياس والنسخ به يبدو أنها فاتت القرافي في أول تأليفه للمتن تنقح الفصول، فاستدركها في أثناء شرحه (1) ، ونقلها برُمَّتها من المحصول (2) ، مع تصرفٍ يسير.
(3) في باب الأخبار بحث القرافي في الأمور التي لا تقدح في الراوي نقلاً عن المحصول، وقد جمعها القرافي ودمجها في مكانٍ واحدٍ (3) ، بينما بحثها الرازي في أماكن متفرِّقة (4) .
(4) يتصرَّف في النقل حتى يكاد أن يتغيّر مذهب الرازي بل تغيَّر، مثل ما نقله فيما لايقدح في الراوي إذ قال: ((قال الإمام. . . وقد اتفقوا على أن مخالفة الحفاظ لا تمنع من القبول)) (5) بينما قول الرازي هو: ((فقد اتفقوا على أن ذلك لا يقتضي المنع من قبول ما لم يخالفوه فيه. . . وأما القدْر الذي خالفوه فيه، فالأولى ألا يُقبل. . .)) (6) .
(5) لمَّا غيَّر القرافي في عبارة الرازي استدرك على نفسه في الشرح كما في مسألة
ما تعم به البلوى إذا لم ينتشر هل يكون إجماعاً سكوتياً؟ قال القرافي في المتن ((قال الإمام: إن كان مما تعم به البلوى ولم ينتشر ذلك القول فيهم، ففيه مخالف لم
يظهر. . .)) (7) ثم قال في الشرح ((وقولي: فيه مخالف، غير هذه العبارة أجود، بل نقول: فيه قائل، أما المخالف فلا يتعيَّن لاحتمال أنه موافق)) (8) وما أغنى المصنف عن هذا الاستدراك على نفسه لو التزم عبارة المحصول ((فلابد وأن يكون لهم في تلك المسألة قولٌ، إما موافق وإما مخالف، ولكنه لم يظهر)) (9) .
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 100.
(2) انظر: المحصول 3 / 358 - 360.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 260.
(4) انظر: المحصول 4 / 425، 426، 437، 438.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 260، 261 هامش (10) .
(6) المحصول 4 / 437.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 146، وانظر: المحصول 4 / 159.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 147.
(9) المحصول 4 / 159.
(1/197)

(
6) حكم على لفظ المحصول بأن فيه تدافعاً وتناقضاً في مسألة مستند الإجماع، أيجوز أن يكون بالتبخيت؟ فإن القرافي قال في الشرح ((وأما قولي: وجوَّزه قوم بمجرد الشبهة والبحث، فأصل هذا الكلام أنه وقع في المحصول أنه: جوَّزه قوم بمجرد التبخيت، ووقع معها من الكلام للمصنف ما يقتضي أنها شبهة ... )) (1) وفي الحقيقة بالتأمل في كلام الرازي في محصوله لا يظهر أيُّ تدافعٍ أو اضطرابٍ (2) ، والله أعلم.
(7) ينقل عن المحصول مع المبالغة في الاختصار حتى يقع الاختلال في العبارة مثل مسألة تعارض دليلين كلٌّ منهما عامٌّ من وجه وخاصٌّ من وجه (3) .
خامساً: الإضافات والزيادات
القرافي ضمَّن كتابه " شرح التنقيح " أبحاثاً لم يتناولها الرازي في محصوله، والعكس كذلك لكن المقام هنا - ونحن في مجال المقارنة - يزيد أن نبيّن ما امتاز به المتأخر عن المتقدّم. من هذه المباحث:
(1) نقل القرافي من التوراة نصوصاً تكذِّب دعوى اليهود في إنكار النسخ (4) .
(2) حكم إجماع الأمم السالفة أيكون حجة أم لا (5) ؟، وكذا مسألة إجماع أهل الكوفة (6) .
(3) تفصيل القرافي في مسألة اعتماد الراوي على خطِّ شيخه في الرواية (7) .
(4) تفنيد القرافي للمكتفين بالظاهر في تعديل الراوي (8) .
(5) التوسع في تعريف كلٍّ من: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط، والتفريق بينها (9) .
_________
(1) القسم التحقيقي ص 172، هامش (9) .
(2) انظر: المحصول 4 / 187 - 189، والقسم التحقيقي، هامش (4) ص 173.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 414 هامش (6)
(4) انظر القسم التحقيقي ص56-59.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 122.
(6) انظر القسم التحقيقي ص 155.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 251، 252.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 247.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 314.
(1/198)

(6) ذكر في مسألة ترجيحات الأخبار - سواءً في الإسناد أو المتن - زياداتٍ لم ترد في المحصول (1) وكذا الحال في تراجيح الأقيسة (2) .
(7) الفصل الثالث: فيمن يتعيَّن عليه الاجتهاد (3) ـ من الباب التاسع عشر: في الاجتهاد - يُعدُّ من الموضوعات الجديدة بالنسبة للمحصول.
(8) الصور المستثناة من تحريم التقليد عند الإمام مالك رحمه الله، وهي أربع عشرة صورة (4) .
(9) بحث القرافي -ضمن أدلة المجتهدين - في أدلةٍ لم يتعرض لها الرازي في محصوله، منها: العوائد (العُرْف) (5) ، وسد الذرائع (6) ، والاستدلال (بالملازمات) (7) .
(10) وهناك إضافات كثيرة جداً لم ترد في المحصول، تتعلق هذه الإضافات بمجالاتٍ عديدة، منها:
أ - أنواع جديدة من الأدلة، مع أوجه الاستدلال؛ والمناقشات، كما في مسألة اعتبار الواحد في إبطال الإجماع (8) ، ومسألة خبر المجهول (9) ، والتعليل بالحكمة (10) .
ب - مسائل جزئية فرعية، مثل: الخلاف في تكفير المتبدع (11) ، ومسألة التخيير يقتضي التسوية وما يرد عليها من إشكال (12) .
جـ - قواعد وضوابط فقهية مفيدة، مثل: الفصل الثاني - برُمَّته - في تصرفات المكلفين من الباب العشرين (13) . ومثل: قاعدة في التعارض بين الأصلين، والبيِّنتين،
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 418، 424.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 427.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 456.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 441 - 455.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 501.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 503.
(7) انظر: القسم التحقيقي ص 509.
(8) انظر: القسم التحقيقي ص 163 وما بعدها.
(9) انظر: القسم التحقيقي ص 240 وما بعدها.
(10) انظر: القسم التحقيقي ص 369.
(11) انظر: القسم التحقيقي ص 161.
(12) انظر: القسم التحقيقي ص 12.
(13) انظر: القسم التحقيقي ص 525 - 539.
(1/199)

والأصل والظاهر وهكذا (1) ، ومثل: التوسع في الكلام عن مقاصد الشريعة مع التمثيل (2) .
د - تصوير المسألة وتحرير محلِّ نزاعها، مثل: هل يجوز انقسام الأمة إلى قسمين كلّ منهما مخطيء في جانب؟ (3)
سادساً: المميزات والحسنات
لا جَرَمَ أن كتاب " المحصول " تبوّأ منزلةً ساميةً بين كتب الأصول، وامتيازاته تفوق الحصر، وليس المقام هنا لتعدادها، وإنما المقصود تسليط الضوء على ما امتاز به
" شرح تنقيح الفصول " للقرافي عن " المحصول " الذي يعدُّ من أحد ركائزه الأساسية.
وإليك طَرْفاً منها:
(1) مما ينبغي أن يسجَّل لكتاب القرافي من محاسن في مقابلة " المحصول " إعراضه عن تلك الشَّبَه والمطاعن التي حِيْكت على عدالة الصحابة رضوان الله عليهم. ساقها الرازي في محصوله (4 / 307 - 350) حكايةً عن الخوارج، وعن النظَّام فيما نقلها عنه الجاحظ. فإنه - عفا الله عنه - جاء بها مفصَّلةً موسَّعةً بحيث لم يدع شبهةً من شبهاتهم إلا أوردها لهم دون أن يُكلِّف نفسه عناء تفنيدها ودَحْضها واحدةً تلو الأخرى. فكان حتماً عليه أن يَضْرِب صَفْحاً عن ذِكْرها، أو يجيب عنها بما يُسكِّن الفؤاد إن استحسن أو استجاز ذكرها.
(2) تحاشى القرافي في كتابه كثيراً من المباحث الكلامية اللاَّئق بحثُها في كتب العقيدة والكلام، بينما جاءت مبحوثةً في كتاب المحصول. منها:
أ - مسألة عصمة الأنبياء، كمدخلٍ للبحث في أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - (4) .
ب - مسألة بقاء الأعراض عند الكلام عن النسخ، أهو رفع أم بيان (5) ؟
_________
(1) انظر: القسم التحقيقي ص 519 وما بعدها.
(2) انظر: القسم التحقيقي ص 324 وما بعدها.
(3) انظر: القسم التحقيقي ص 186.
(4) انظر: المحصول 3 / 225.
(5) انظر: المحصول 3 / 287.
(1/200)

جـ - مسألة اللُّطْف، والإمامة، وعصمة الأئمة عند الرافضة ضمن مبحث حجية الإجماع (1) .
د - مسألة خلاف الأشاعرة مع المعتزلة في تفسير العلَّة، أهي: المؤثر أم الموجب أم الداعي أم المعرِّف. . . إلخ (2) ؟
هـ - مسألة تعليل أفعال الله وأحكامه بالمصلحة والحكمة (3) .
(3) حسن عرض القرافي لبعض المسائل في كتابه بأحسن مما جاءت في المحصول وهو كثير، ومن أمثلته: مسألة إحداثٍ قولٍ ثالثٍ إذا أجمعت الأمة على قولين (4) .
(4) تجنُّب القرافي للأدلة ضعيفة الاستدلال، وأقام عوضاً عنها أدلةً أقوى، كما في مسألة نسخ الكتاب والمتواتر بالآحاد (5) ، واختياره أجوبةً على اعتراضات الخصم أسدّ من أجوبة الرازي في محصوله، كما في أجوبة الأدلة الثلاثة الأولى للخصم في مسألة إجماع أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول (6) .
المقارنة الرابعة: مقارنة " شرح التنقيح " بالشروحات الأخرى
سبق في المبحث الأول من هذا الفصل سَرْدُ أسماء الشروحات والحواشي لكتاب
" تنقيح الفصول " للقرافي (7) ، وغاية ما وقفتُ عليه ثلاثة عشر شرحاً، لكن المطبوع منها أربعة، ذلك مبلغي من العلم، وهي: التوضيح في شرح التنقيح لحلولو، ورفع النقاب عن تنقيح الشهاب للشوشاوي (رسالة جامعية) ، منهج التحقيق والتوضيح لحلّ غوامض التنقيح لمحمد جعيط، حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح لمحمد بن الطاهر عاشور. وسأعقد مقارنةً إجمالية أبيّن فيها توصيفاً سريعاً لهذه الشروحات مبرزاً أهم السِّمات والفروقات في منهجها، وما لها من مميزات، وما عليها من ملاحظات.
_________
(1) انظر: المحصول 4 / 101 - 126.
(2) انظر: المحصول 5 / 127.
(3) انظر: المحصول 5 / 172 - 198.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 129، المحصول 4 / 127.
(5) انظر: القسم التحقيقي ص 84 وما بعدها، المحصول 3 / 333 وما بعدها.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 139 - 140، المحصول 4 / 141.
(7) انظر: القسم الدراسي ص 70 - 75.
(1/201)

أولاً: التوضيح شرح التنقيح لحلولو القيرواني
قال حلولو في مقدمة كتابه ((إن الباعث لي على شرح هذا الكتاب ما رأيت من تشاغل المريدين لقراءة علم أصول الفقه به دون غيره؛ لما اشتمل عليه من واضح
العبارة، وبيَّن الدلالة والإشارة، مع ما فيه من فائدة العزو في بعض المسائل لأهل المذهب. . .)) (1) .
ومن أبرز ملامح منهج الكتاب ومميزاته ما يلي:
(1) طريقته في الشرح أنه يورد الجملة الأولى من بداية نص " تنقيح الفصول "
- وهي التي يُفهم منها عنوان المسألة - ثم يقول: إلى آخره. ثم يشرح هذه القطعة شرحاً إجمالياً عاماً، من دون مراعاة لفظ أو عبارة القرافي.
(2) يقول في افتتاحية شرحه للمقطع المراد شرحه مثلاً: في كلامه ثلاث مسائل أو مسألتان. . . وهكذا، كما فعل عند بداية الباب الثالث عشر في فعله - صلى الله عليه وسلم -. قال:
((في كلامه مسألتان، إحداهما: دلالة فعله، الثاني: دلالة الإقرار)) (2) .
(3) أميز ما تميَّز به شرح حلولو عن شرح القرافي العناية الفائقة بنقل الأقوال والمذاهب والآراء في المسألة الأصولية باستقصاءٍ جيدٍ، وتحريرٍ بديعٍ، قلَّما تجده في
غيره. فمثلاً:
أ - في مسألة الإجماع السكوتي نقل فيها تسعة مذاهب (3) ، بينما هي عند القرافي أربعة مذاهب (4) .
ب - ذكر في مسألة القَدْح بالنقْض ثمانية مذاهب (5) ، بينما عند القرافي أربعة مذاهب (6) .
_________
(1) التوضيح شرح التنقيح ص 2.
(2) التوضيح شرح التنقيح ص 243.
(3) التوضيح شرح التنقيح ص 282 - 283.
(4) انظر: القسم التحقيقي ص 142.
(5) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 350 - 351.
(6) انظر: القسم التحقيقي ص 349.
(1/202)

جـ - في مسألة الاكتفاء بإطلاق التعديل أو التجريح دون إبداء سببه نقل فيها تفصيلات وأقوالاً كثيرة (1) .
(4) يعتني بالنقل عن كثير من علماء المالكية غير الذين نقل عنهم القرافي.
(5) يبرز المذهب المالكي بشكلٍ أوضح أحياناً مما عند القرافي، مع تحريره الدقيق للخلاف الموجود بداخل المذهب، مثل:
أ - مسألة إجماع أهل المدينة (2) ، بل تعجَّب من قلَّة اهتبال المصنف لها (3) .
ب - مسألة تقديم القياس على خبر الآحاد المنقولة عن مالك، ورجَّح حلولو النقل القائل بتقديم خبر الآحاد على القياس (4) .
(6) يهتمُّ بالحدود والتعريفات، ويورد أكثر من تعريف ثم يناقشها، ويشرح الحدَّ لغةً واصطلاحاً كما في حدِّ النسخ، والإجماع، والخبر، والقياس، والمناسبة أو المناسب، والاجتهاد.
(7) في مواطن من شرحه استيفاء وتوسع أزيد مما جاء في شرح القرافي. مثل:
أ - مسألة إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - (5) -.
ب - مسألة تعارض الفعلين أو الفعل مع القول، أورد عليها تقسيماً حاصراً، حتى بلغت ثلاثين صورةً من صور التعارض، ثم شرحها بأكثر مما عند القرافي (6) .
جـ - في مسألة مراتب رواية غير الصحابي عن شيخه، عدَّ فيها عشر مراتب، وشرحها (7) .
(8) يكثر من العنونة بـ" تنبيه "، فما تكاد تطوي بضع صفحات إلا وتجد فيها تنبيهاً أو تنبيهين أو تنبيهات (8) .
_________
(1) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 313 - 315.
(2) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 284 - 285.
(3) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 284 - 285.
(4) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 333.
(5) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 243 - 244.
(6) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 247 - 251.
(7) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 323 - 326.
(8) انظر على سبيل المثال الصفحات: 246، 262، 257، 272، 326، 330 من الكتاب.
(1/203)

(9) يذكر صورة المسألة، ويحرر النزاع في بعض المسائل، مثل:
أ - مسألة النسخ قبل التمكن، قال: ((واختلفت عبارات العلماء في ترجمة هذه المسألة. . .)) (1) ثم عدَّها.
ب - مسألة الزيادة على النص أهي نسخ أم لا (2) ؟
جـ - مسألة انعقاد الإجماع بعد الاختلاف (3) .
(10) ينقل من شرح القرافي بعض المسائل بنصِّها وحروفها، منها:
أ - مسألة اشتراط الإرادة في الخبر (4) .
ب - مسألة الاعتماد على الخط (5) .
جـ - مسألة النسخ قبل التمكن (6) .
(11) يبيّن ثمرة الخلاف أهي لفظية أم معنوية. مثل:
أ - الخلاف في تعبُّده - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله قبل النبوة (7) .
ب - الخلاف في اعتبار النقض قادحاً (8) .
جـ - الخلاف في تفسير الإيماء (9) .
(12) تميَّز شرح حلولو بحسن العرض وتقسيماته للمسائل، من أمثلة ذلك:
أ - تقسيماته للشروط المتعلقة في باب الخبر (10) .
ب - ذكر في مسألة التعليل بالاسم صوراً، وذكر الخلاف فيها على عكس حكاية القرافي الاتفاق عليها (11) .
_________
(1) التوضيح شرح التنقيح ص 258.
(2) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 269.
(3) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 281.
(4) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 296 السطر قبل الأخير.
(5) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 315 السطر 17.
(6) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 259 السطر 2.
(7) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 252.
(8) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 351.
(9) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 338.
(10) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 308.
(11) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 361.
(1/204)

(
13) تبع حلولو في شرحه نفس ترتيب وتبويب القرافي، لكنه كان يُدمج عدداً من المسائل في موطن واحدٍ، مثل:
أ - قوله: ((فيه مسائل: إجماع أهل الكوفة، الثانية: إجماع أهل البيت، الثالثة: إجماع الخلفاء الأربعة)) (1) .
ب - قوله: ((فهاهنا مسائل، أحدها: إذا أجمع أهل العصر الأول على قولين، فهل يجوز إحداث قول ثالث. . .)) ثم ضمَّ إليها مسألة: إذا أجمعوا على عدم التفضيل بين مسألتين، ومسألة إذا تأوَّل أهل عصر تأويلاً أو استدلوا بدليل هل لمن بعدهم أن يستدلوا بغيره (2) .
لكنه كان يستدرك على المصنف بعض ترتيبه للمسائل، مثل:
أ - قال عند مسألة التعليل بالمحلِّ ((والمناسب في وَضْع التأليف ذكر القاصرة عقب المحلِّ أو قبله، لكن المصنف أخَّر الكلام على القاصرة، فلنتابعه)) (3) .
ب - قال عن الفصل السادس في مستند الراوي من باب الخبر ((الأولى في ذكر
هذا الفصل أن يذكره مع مسائل الفصل التاسع (في كيفية مراتب الرواية) لأنه الأليق به)) (4) .
(14) انفرد شرح حلولو بزيادات في مسائل لم يبحثها القرافي في شرحه، أو بشرح مسائل في المتن لم يتعرض القرافي لشرحها، من ذلك:
أ - تحدَّث عن عصمة الأنبياء، ووضَّح بأن عادة الأصوليين جارية بتقديم الكلام منها بين يدي مسألة الاحتجاج بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - (5) .
ب - لمَّا أغفل القرافي الكلام عن أركان القياس وشروطها عقد فصلاً مطوّلاً،
وقال: ((فصل: اعلم أنه لابد للقياس من معرفة أركان القياس وشروط كل ركن،
_________
(1) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 285.
(2) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 279 - 281.
(3) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 358.
(4) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 315.
(5) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 243.
(1/205)

ولم يتكلم المصنف عنها إلا على العلة في آخر الكتاب، فإنه قد ذكر هناك بعض شروطها، فلنذكر هنا ما أجمله من الأركان وشروطها. . .)) (1) .
جـ - تكلَّم عن مسلك الإجماع، ومثَّل له، وقد نَسِيه القرافي، وقال حلولو
((والبداية به أولى لعدم تطرق النسخ إليه)) (2) .
د - قسَّم الاستصحاب إلى عدة أقسام، لم يناولها القرافي، ثم ذكر المذاهب فيها والأمثلة عليها (3) .
هـ - شرح ما لم يشرحه المصنف، مثل: الترجيح في العقليات أو القطعيات (4) .
(15) استدرك حلولو على القرافي وتعقبَّه في عددٍ من المسائل، من ذلك:
أ - قال عن جوابٍ للقرافي عن تعريف الرازي للنسخ بأنه غير صحيح (5) .
ب - لما قال القرافي في نسخ السنة بالقرآن إجماعاً، قال: ((والصحيح جوازه، ومقابلة مروي عن الشافعي)) (6) .
جـ - لمَّا عبر القرافي في تعريف الإجماع بأهل الحل والعقد ناقشه حلولو ورأى بأن الأحسن التعبير بالمجتهدين (7) .
د - قال ((قول المصنف في الشرح: إن كان مما لا تعم به البلوى فيتخرج على الإجماع السكوتي، هل حجة أم لا، غير صحيح)) (8) .
هـ - قال: ((وأما قول المصنف إن العدالة اجتناب الكبائر، فليس بصحيح. . .)) (9) .
واستدرك على القرافي في تعريفه للصحابي (10) .
_________
(1) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 334 - 337.
(2) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 338.
(3) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 402 - 403.
(4) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 373.
(5) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 357.
(6) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 264.
(7) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 274.
(8) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 283.
(9) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 310.
(10) انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 311.
(1/206)

وأخيراً على جلالة قدر الكتاب وأهميته وما امتاز به من مميزات فريدة، فإن الملحظ البارز عليه خلوُّه من عرض الأدلة والمناقشات ونحو ذلك إلا نادراً، فرحم الله مصنِّفه وبارك في علمه.
ثانياً: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للشوشاوي الرجراجي
إن شرح الشوشاوي - نظراً لتأخره الزمني - يُعدُّ خلاصةً للشروح التي سبقته، فقد استفاد من شرح القرافي، وشرح المسطاسي، وأخرى لم يصرِّح بها، بل لقد نوَّع الشوشاوي مصادر شرحه وكثَّرها حتى قاربت الثمانين مصدراً، ولهذا زَخَر كتابه بنقولات عديدة لم يوردها القرافي في شرحه، فكان حجم كتابه ثلاثة أضعاف حجم شرح القرافي. فهو - بحقٍّ - أوسع الشروح وأكثرها بَسْطاً وإسهاباً.
وأما طريقة الشوشاوي في شرحه فإنه يشرح المتن بطريقة القول، فهو يأخذ المتن مَقْطعاً مَقْطعاً، ثم يُجزِّئه إلى جُمَلٍ صغيرة، كل جملة تتضمَّن موضوعاً محدداً، ثم يبدأ بشرح ما يتطلّبه الشرح من الناحية اللغوية والاصطلاحية، ويتطرَّق للخلاف، وذكر القوال والاستدلال إن كانت المسألة خلافية، مع تدعيم الشرح بعديدٍ من الأمثلة والتطبيقات الواقعية والفرضية، وهذا أبرز ما يتميز به، وبهذا يسهل فهم القواعد الأصولية (1) .
وليَجْرِ الحديث عن جوانب أخرى من سمات ومميزات هذا الشرح، من ذلك:
(1) تميّز الشوشاوي بوضع تمهيدٍ لكثيرٍ من أبواب الكتاب، وبعض مسائله، هذا التمهيد بمثابة إرهاصة لما اشتمل عليه الباب من فصول، وما تحويه الفصول من مطالب ومسائل وموضوعات. خُذ مثلاً على ذلك:
أ - عند قول القرافي في الباب الثالث عشر: ((تفريع: إذا وجب الاتباع، وعارض فعلُه قولَه. . .)) (2) .
قال الشوشاوي ((كلام المصنف هاهنا في حكم الدليلين إذا تعارضا بنفي أو إثبات ينبغي أن نقدّم هاهنا أربعة أمور. . .)) (3) ثم ذكرها.
_________
(1) راجع القسم الدراسي لكتاب: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للباحثين الفاضلين د. أحمد السراح،
د. عبد الرحمن الجبرين.
(2) القسم التحقيقي ص 16.
(3) رفع النقاب القسم 2 / 336.
(1/207)

ب - وفي الفصل الخامس: فيما يعرف به النسخ قال ((أي في بيان الطريق الذي يعرف به النسخ، وهو محصور في قسمين: لفظي، ومعنوي. . .)) (1) .
جـ - وفي الفصل الثالث: في ترجيح الأخبار قال ((اعلم أن الترجيح يكون في الأخبار، ويكون في الأقيسة، ويكون في طرق العلل، وقد عقد المؤلف لكل واحدٍ من هذه الثلاثة فصلاً يخصُّه. . . والترجيح في الأخبار على قسمين: إما في إسنادهما، وإما في متنها. ومعنى إسنادها: أي إسناد الحديث إلى رواته، ومعنى متنها: أي لفظ الحديث نفسه)) (2) .
(2) في التبويب والترتيب سار الشوشاوي على طريقة القرافي، وهذا يحتِّمهُ كونه شرحاً للكتاب. ومع ذلك، كان الشوشاوي ينتقد القرافي ويعترض عليه في الترتيب، ويقترح تقديماً أو تأخيراً أو دمجاً ونحو ذلك: مثل:
أ - استنكر الشوشاوي على المصنف لما لم يُلحق مسائل الفصل الرابع: فيما يتوهم أنه ناسخ لمسائل الفصل الثالث: في الناسخ والمنسوخ (3) .
ب - تعرض القرافي في الفصل الثامن من باب الخبر للشروط المختلف فيها، هل تعتبر في الرواية أم لا؟ مع أن الفصل الذي سبقه كان بعنوان ((في عدده)) ، وهو ينبغي دخوله ضمن الشروط المختلف فيها، فكان الأولى دمجها تحت فصلٍ واحد (4) .
(3) تبدو عند الشوشاوي عناية بمراعاة ما جاء في نسخ كتاب القرافي واختلافها، مثل:
أ - قوله ((وفي بعض النسخ: وبكونه جزءاً لسبب الوجوب كالنذر، من غير ألف قبل الهمزة)) (5) .
ب - قوله ((وفي بعض النسخ: والغزالي من الشافعية)) (6) .
_________
(1) رفع النقاب القسم 2 / 465.
(2) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 980. وانظر أمثلة أخرى في القسم 2 / 313، 582، 840، 1020.
(3) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 435.
(4) انظر: رفع النقاب 2 / 689.
(5) رفع النقاب القسم 2 / 334.
(6) رفع النقاب القسم 2 / 365.
(1/208)

جـ - قوله ((في بعض النسخ: لا من جهة الأدلة المنصوصة)) (1) .
(
4) اعتنى الشوشاوي عنايةً جيدة بالحدود والمصطلحات والألفاظ، وقد يشرح حدوداً لم يشرحها القرافي مثل حد العلم، والتواتر، والاجتهاد، والمندوب، ... إلخ. ويذكر أكثر من تعريف وربما اختار وفضَّل ما لم يرجحه القرافي كحدِّ النسخ، ويهتم بالشرح اللغوي للمصطلح كحدِّ المرسل، والبخت، والذريعة، والتقليد. . . إلخ.
(5) ينقل الشوشاوي عباراتٍ وجملاً من شرح القرافي في مواضع كثيرة جداً من كتابه (2) .
(6) برع الشوشاوي في شرحه بجمع الأدلة، وأوجه الاستدلال بها، والاعتراضات عليها، والأجوبة عنها، وجاء في هذا بأكثر مما جاء في شرح القرافي، مثل: مسألة شرع من قبلنا (3) ، ومسألة حجية خبر الآحاد (4) ، ومسألة الترجيح في العقليات (5) .
(7) حوى شرحه كثيراً من الاستطرادات الخارجة عن موضوع المسألة، مثل: تعيين الذبيح (6) . تعيين الصلاة الوسطى (7) ، أسماء علماء المدينة السبعة (8) ، تحديد أهل العِتْرة (9) ؟، تعذيب الميت ببكاء أهله (10) ، المواضع التي يجوز فيها حَذْف " أن " المصدرية (11) ، مصطلحات حديثية (12) ، أصل كلمة بغداد ومعناها (13) ، وغيرها.
_________
(1) رفع النقاب القسم 2 / 1229.
(2) انظر مثلاً الصفحات 348، 426، 595، 652، 742، 836، 910، 1139 من القسم الثاني.
(3) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 360 - 361.
(4) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 617 - 523.
(5) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 962 - 966.
(6) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 398.
(7) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 439.
(8) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 519.
(9) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 523.
(10) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 623.
(11) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 682.
(12) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 751.
(13) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 1086.
(1/209)

(
8) في عرض الأقوال والآراء والمذاهب في المسألة كثيراً ما يقتصر على الأقوال التي يوردها القرافي، فيقول مثلاً: ((ذكر المؤلف في جواز نسخ الخبر ثلاثة أقوال)) (1) ،
((ذكر المؤلف في جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة أقوال)) (2) وهكذا. . .
وفي حالات قليلة يزيد عليها بما يعرفه، ففي مسألة التعبد بشرع من قبلنا قبل النبوة، قال: ((ذكر فيها المؤلف قولين، وفيها قول ثالث بالوقف)) (3) . وفي مسألة الإجماع السكوتي قال: ((اختلف الأصوليون فيه على خمسة أقوال، ذكر المؤلف أربعةً، والخامس هو: إجماع وحجة مطلقاً)) (4) ، وفي مسألة العصمة (التفويض) قال: ((ذكر المؤلف فيه ثلاثة أقوال. . . فهذه الثلاثة ذكرها المؤلف، وفيه قولان آخران)) (5) .
(9) له إسهامات زائدة في تحرير مذهب الإمام مالك في بعض المسائل، من ذلك: مسألة اشتراط الفقه في الراوي (6) ، حجية إجماع أهل المدينة (7) ، الأصول التي انفرد بها الإمام مالك رحمه الله (8) .
(10) له اهتمام بتحرير محل النزاع، مثل: الخلاف في النسخ بالأثقل (9) ، الخلاف في حجية قياس الأشباه (10) .
كما أنه يبيّن منشأ وسبب الخلاف، كما في: سبب الخلاف في نسخ الخبر (11) ، سبب الخلاف في إحداث قول ثالث (12) .
_________
(1) رفع النقاب القسم 2 / 409.
(2) رفع النقاب القسم 2 / 1132.
(3) رفع النقاب القسم 2 / 349.
(4) رفع النقاب القسم 2 / 504.
(5) رفع النقاب القسم 2 / 1250.
(6) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 697.
(7) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 517.
(8) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 1205.
(9) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 403.
(10) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 864.
(11) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 410.
(12) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 492.
(1/210)

(
11) انفرد الشوشاوي بمباحث مستقلة لم يبحثها القرافي في كتابه، مثل: اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمان ومكان فعله (1) ، شروط الرواية بالمعنى (2) ، ما انفرد به المالكية في أصولهم كمراعاة الخلاف، والحكم بين حكمين (3) .
ولكن ذهل الشوشاوي أن يبحث مسألة نسخ القياس والنسخ به، وهي من مباحث شرح القرافي (4) .
(12) استدرك الشوشاوي على القرافي في عددٍ من المسائل، من ذلك:
أ - قال ((قوله: أو بالاستصحاب في عدم الوجوب، وبالقربة على نفي الإباحة، يعني: أن من وجوه الاستدلال: أن الاستصحاب يدل على عدم الوجوب، وكونه قربةً يدلُّ على عدم الإباحة، وهذا تكرار؛ لأنه أحد أقسام ما يدل على نفي قسمين، فجعله المؤلف قسيماً للذي قبله مع أنه أحد أقسامه، لأنه حين انتفى الوجوب والإباحة تعيَّن الندب. فصوابه أن يقول: كالاستصحاب في عدم الوجوب مع القربة في نفي الإباحة فيحصل الندب)) (5) .
ب - قال ((انظر قول المؤلف: لو امتنع ذلك لامتنع وجود المقتضى والمانع، فإن مذهب الإمام منع اجتماعهما، فهو استدلال بمحل النزاع. . .)) (6) .
جـ - لما قال القرافي: ((أو بإذن غير الشرع: كقبض المبيع بإذن البائع والمُسْتام، والمبيع الفاسد، والرهون، والهبات. . . إلخ)) (7) قال الشوشاوي ((قوله: أو بإذن غير الشرع، بل نقول: هذه الأشياء كلها فيها أيضاً إذن الشرع)) (8) .
د - لما ذكر القرافي الخلاف في المقلِّد، هل يجب عليه الاجتهاد في أعيان المجتهدين أو لا يجب (9) ؟
_________
(1) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 326.
(2) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 760.
(3) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 1205.
(4) انظر: القسم التحقيقي من هذه الرسالة ص 100.
(5) رفع النقاب القسم 2 / 332.
(6) رفع النقاب القسم 2 / 952.
(7) انظر: القسم التحقيقي من هذه الرسالة ص 527 - 528.
(8) رفع النقاب القسم 2 / 1278.
(9) انظر: القسم التحقيقي من هذه الرسالة ص 481.
(1/211)

عقَّب الشوشاوي فقال: ((وهذا مناقض للإجماع الذي ذكره في الفصل الثاني
(باب الاجتهاد) عند قول المصنف؛ قاعدة: انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حجر. . .)) (1) .
وأخيراً، إن أبرز ما يمتاز به شرح الشوشاوي ولعه الشديد بإيراد الأمثلة والتفاريع الفقهية التي تسهِّل فهم القواعد الأصولية، وكذلك يتَّسم أسلوب الشوشاوي بالوضوحِ والسلاسة والبساطة ونبذ العمق مقارنةً بأسلوب القرافي الذي يمتاز بالعمق والرصانة ويكتنفه بعضَ الغموض والصعوبة.
ومع قيمة كتاب " رفع النقاب " العلمية، لكنه يلاحظ عليه كثرة استطراداته وإطناباته التي تخرج عن حدِّ الموضوع، والتي تستغرق عدة صفحات أحياناً، مع الاعتراف بحسن هذه المعلومات الواردة في الاستطراد. فرحمه الله تعالى وبارك في
علمه.
ثالثاً: منهج التحقيق والتوضيح لحلِّ غوامض التنقيح للشيخ محمد جعيط
قال الشيخ محمد جعيط في مقدمة حاشيته: منهج التحقيق والتوضيح:
((أما بعد: فلما كان فن الأصول هو الأساس الذي أقيم عليه الفقه في الدين، وآلة استنباط الشرائع من كتاب الله وسنة خير المرسلين. . . وكانت قواعد الوصول وقع فيها الخلاف بين العلماء الفحول، المتفرِّع عنه الخلاف في فروع تلك الأصول، بحيث إن أصول المذاهب صارت في الأكثر متقابلة، وبعض القواعد هي عند البعض حقة وعند الآخر باطلة، فلا يسوغ لمن يروم معرفة أصول مذهب مالك، أن يشتغل بكتب مذهب النعمان ليأخذ أصوله من هنالك، وقد فشا عندنا بالجامع الأعظم في الديار التونسية، تعاطي المالكية لأصول السادة الحنفية والشافعية، والسر في ذلك، عدم وجود الكتب المؤلفة في أصول مذهب مالك، ولم يَجْرِ عندنا بحرُها العباب، ولم يوجد منها سوى تنقيح العلامة الشهاب، ومع ذلك فما وردوا موارده العذبة لصعوبة
عباراته، وغموض إشاراته، ولم يوجد مَنْ كَشَف عن مخدّرات معانيه، ولا من حقَّق
_________
(1) رفع النقاب القسم 2 / 1169.
(1/212)

مسائله المودعة فيه. . . وقد كنتُ في حال اشتغالنا بالأخذ عن مشايخنا مصابيح الأمة، عاكفاً على قراءته لما فيه من الفوائد الجمَّة المهمة، وحين أهَّلنا القدير، لإقراء هذا الكتاب بالإذن من مشايخنا النحارير، طمحتْ أنفسنا في تعليقٍ عليه أنقل فيه كلام المحققين من أهل الأصول، لقصد توضيح مهامّه تنقيح المحصول. . .)) (1) .
ومن سمات منهج الحاشية ومميزاتها ما يلي:
(1) يعلِّق تعليقات قليلة جداً في أغلب المواطن، وهذا ما يقضيه العمل في
الحواشي، ولهذا نجده في الباب الثالث عشر في فعله - صلى الله عليه وسلم - لم يتحدّث سوى عن حديث بريرة إذ أورده كاملاً، وكذلك حديث الشؤم في ثلاثة، ولم يزدْ على هذا.
وكذلك قفز الفصل الثاني والثالث والسادس والسابع من باب الخبر دون أيّ
تحشية، وكذا الفصل الثالث من باب الاجتهاد.
(2) يُعطي ملخصاً لما يحويه الباب أو الفصل من مباحث، مثل: الفصل السابع: فيما يدخله القياس (2) ، الفصل الرابع: في الدال على عدم اعتبار العلَّة (3) ، الباب الثامن عشر: في التعارض والترجيح (4) ، الفصل الرابع: في ترجيح الأقيسة (5) .
(3) يلخّص ما جاء في شرح القرافي أحياناً ويضمِّنه كتابه، مثل: ما جاء في كلامه عن تعارض القولين للمجتهد الواحد (6) ، وفي الدالّ على كذب الخبر (7) .
(4) إن أبرز ما اتِّسم به كتاب محمد جعيط كثرة نقولاته من الكتب الأخرى، فالحاشية في أغلبها نقولات من كتب الأصوليين بالنص والعبارة، فهو ينقل كثيراً عن الإسنوي والرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والبيضاوي، والغزالي، وابن السبكي، وغيرهم.
ومن أمثلة هذه النقول، ولاسيما من شرح الإسنوي:
_________
(1) منهج التحقيق والتوضيح 1 / 2 - 3.
(2) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 175.
(3) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 164.
(4) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 177.
(5) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 183.
(6) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 178.
(7) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 140.
(1/213)

أ - في الفصل الثالث: في مستند الإجماع، قال ((لخّص المحقق الإسنوي في شرح المنهاج هذا المبحث، فقال. . .)) (1) .
ب - في الفصل التاسع: في كيفية الرواية، من باب الخبر قال ((قد فصَّل الإسنوي هاته المسألة في شرحه المنهاج، فقال. . .)) (2) .
جـ - في مسألة نقل الخبر بالمعنى (3) ، ومسألة أقسام المناسب (4) ، ومسألة الاستفتاء (5) .
وكذلك نقل الشيخ جعيط نقلاً مباشراً من محصول الرازي ولاسيما لزيادة تفصيلٍ تركه القرافي في كتابه، مثل: أنواع الإيماء (6) .
(5) يقارن الشيخ جعيط أحياناً الأقوال والمسائل بما جاء في مختصرات المحصول، كالمنتخب، والحاصل، والتحصيل (7) .
كما أنه يقارن فيما ينقل بكلام الحنفية، وينقل عنهم كابن الهمام، وفخر الإسلام البزدوي، ابن أمير الحاج، وصدر الشريعة (8) .
(6) يهتم بإظهار المذهب المالكي والنقل عن علمائه كابن رشد، والأبياري،
وابن الحاجب، الرهوني، وغيرهم.
ويستدل لمذهب مالك في سد الذرائع بأدلة لم يوردها القرافي في شرحه مع التمثيل (9) ، كما أنه توسَّع قليلاً في إجماع أهل المدينة وقال ((فإذا سمعت هذا القول الحقيق، فيسهل عليك استخراج زبدة مخيض هذا التحقيق)) (10) .
_________
(1) منهج التحقيق والتوضيح 2 / 134.
(2) منهج التحقيق والتوضيح 2 / 149.
(3) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 152.
(4) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 158.
(5) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 205.
(6) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 156.
(7) انظر مثلاً: 2 / 115، 126 من منهج التحقيق والتوضيح.
(8) انظر مثلاً: 2 / 114، 117، 147، 172 من منهج التحقيق والتوضيح.
(9) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 213 - 214.
(10) منهج التحقيق والتوضيح 2 / 131.
(1/214)

(7) يشرح بعض القيود في التعريفات، مثل ما جاء في حد: النسخ، والإجماع والقياس، والدوران، والاستحسان، والترجيح، والاجتهاد، كما يشرح بعض الألفاظ، مثل: الوسطى (1) ، العصمة (2) .
(8) يُعنى بتخريج الأحاديث، وإتمام ألفاظها، مثل: حديث تحويل القبلة (3) ، وحديث لا وصية لوارث (4) ، وحديث: لا كبيرة مع استغفار (5) ، وحديث قتل
النبي - صلى الله عليه وسلم - للنضر بن الحارث (6) .
(9) جاء في الحاشية استيفاء وتوسيع في بعض المواطن زيادةً على ما في شرح
القرافي، من ذلك:
أ - الإطالة في بيان الآية {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. . .} [الأنعام: 145] هل هي منسوخة أو لا (7) .
ب ـ بيّن وجه الدلالة من قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ. . .} [النساء: 115] وناقش هذا الاستدلال على حجية الإجماع بما لم يذكره القرافي (8) .
كما أنه بيَّن وجه الدلالة من الحديث ((أصحابي كالنجوم. . .)) على عدم انعقاد إجماع العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول (9) .
جـ - أورد أمثلةً جيدة على قبول رواية صغار الصحابة رضي الله عنهم لم ترد عند القرافي (10) ، كما أنَّه مثَّل لما غفل عنه القرافي كما في: قادح النقض (11) .
_________
(1) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 112.
(2) انظر: منهج التحقق والتوضيح 2 / 114.
(3) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 145.
(4) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 190.
(5) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 117.
(6) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 220.
(7) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 112 - 113.
(8) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 122.
(9) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 127.
(10) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 142.
(11) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 164.
(1/215)

د - وسَّع الكلام وفصَّله، كما في: مسألة تكفير مخالف الإجماع (1) ، شروط المجتهد (2) ، مسألة التصويب (3) .
(10) استدرك الشيخ جعيط على القرافي وتعقَّبه في بعض المسائل، من ذلك:
أ - قال عند الكلام على حجية قول الصحابي: ((واعلم أن حكاية هذه الأقوال على الوجه الذي ذكره المصنف غلط، لم يتنبّه إليه أحدٌ من الشارحين، وسببه اشتباه مسألة بمسألة. . .)) (4) .
ب - قال: ((ترجم المصنف المسألة بالأخذ بالأخف، وفسَّرها بالأخذ بأقل ما قيل وهما مسألتان)) (5) .
جـ - عقَّب على القرافي في عدد الأقوال في مسألة التعليل بالحكم، فقال: ((ظاهر كلام المصنف أن في هاته المسألة قولين. والتحقيق أن فيها ثلاثة أقوال. . .)) (6) .
د - في تمثيل القرافي على نسخ الحكم والتلاوة معاً بحديث عائشة رضي الله عنها: كان فيما أنزل الله عشر رضعات فنُسِخن بخمس، قال: ((الاستدلال لا يتمّ لما نقله المصنف عن عائشة رضي الله عنها، وهو مطلق الإنزال، بل لابدّ أن ينضمّ إليه كونه من القرآن، لأن السنة أيضاً منزلة)) (7) .
هـ - أثبت أن حادثة انشقاق القمر متواترة على خلاف ما قرَّره القرافي (8) .
ولما استدلَّ القرافي على أن الطائفة أقل من ثلاثة، تعقَّبه جعيط بأن فيه نظراً (9)
وأخيراً فإن حاشية الشيخ محمد جعيط اختصَّت مواضع من شرح القرافي ومتنه بالتعليق يراها محتاجةً لذلك، ثم لا ينفكُّ يعالج الموضوع إما بتوضيح المراد، أو تتميم
_________
(1) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 133.
(2) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 190 - 193.
(3) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 195 - 203.
(4) منهج التحقيق والتوضيح 2 / 208.
(5) منهج التحقيق والتوضيح 2 / 219.
(6) منهج التحقيق والتوضيح 2 / 171.
(7) منهج التحقيق والتوضيح 2 / 111.
(8) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 140.
(9) انظر: منهج التحقيق والتوضيح 2 / 142.
(1/216)

المقصود، أو سوق الأدلة، مع حرصه على الإحاطة بأشهر ما كُتِب في الموضوع مما يحتاجه المطالع.
فالحاشية لم تقتصر على خصوص المواضع التي عُنيتْ بها، بل تُقدِّمُ مع ذلك جملةً صالحة مما أنتجتْهُ قرائح رجال هذا الفن العظيم. والمحشِّي في هذا يحشد نقولات كثيرة في حاشيته من شرح الإسنوي ومنهاج البيضاوي وغيرهما.
ولكن مما يلاحظ على الحاشية ترك مصنّفها التعليق على مواضع كثيرة من الكتاب، وقفزه لأبواب دون تحشية، ولعلَّ هذا الترك لوضوح المسألة عنده، أو لعدم الحاجة إلى ذلك، والله أعلم.
رابعاً: حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح للشيخ محمد الطاهر بن عاشور
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في مقدمة حاشيته: التوضيح والتصحيح: ((أما بعد: فدونك - أيها الخاطب - مخدَّراتِ المعاني من حجابها، والآتي فصول أصول الفقه من أبوابها، دُرراً تزين عندك جيدها، ومفاتيحَ تحلُّ عنك ما ارتجّ وصيدها (1) ، ونبراساً يضيء لك المسلك الصريح من مسالك كتاب " التنقيح "، فإنه جمع فوائد عزَّت عن أن تُسام، واستوعب مسائل أصول الفقه بما ليس وراءه للمستزيد مرام، على أنه صعب الثنايا، شديد الخبايا، محتاجٌ لرفع حجابه، وتبيان مرامي شهابه، فكثيراً ما تألَّقت منه بروق الإشكال ليلاً، وأجلبت كتائبه على الناظرين من الحيرة رَجِلاً وخيلاً، وكنتُ قد انْتُدِبتُ لتدريسه، والتقاط ما تناثر من نفيسه، فلمَّا سهَّل الله إتمامه،. . . وجدْتُ ما علّقتُه عليه يصلح أن يبرز تأليفاً مستقلاً، ويحل من نفوس الطالبين محلاً، فإن نفوسهم لم تزل تتقصَّى آثار شرائده، وتتوخّى تحصيل فوائده، فتحول دون أمانيهم قلاقةُ تركيبه، كما تحول دون الخيل شراسه حبيبه، وعسى أن يجعلوا هذا التعليق حجر الأساس، فيشيِّدوا عليه من صروح المعارف ما يَبْهتُ الناس.
وأول ما صَررَفتُ إليه الهمَّة في هاته الحاشية هو: تحقيق مراد المصنف رحمه، ثم تحقيق الحق في تلك المسائل، مع تمثيلها بالشواهد الشرعية، وتنزيلها على ما ليس
_________
(1) الوصيد: عتبة الباب. المعجم الوسيط مادة " وصد ".
(1/217)

متداولاً من الفروع الفقهية، لتكون في ذلك دربة على استخدام الأصول للفقيه. وقد أعرضْتُ عن التطويل بجلب الأقوال؛ لأن في ذلك ما يضيِّع الزمان ويؤدي إلى الملال، وعن الإكثار من المسائل والفوائد، والتطوُّح (1) إلى المستطردات الشوارد،. . . وتعرضْتُ إلى ترجمة من لم تكن ترجمته شهيرة، أو كان في ذكره عبرة للمتعلِّم
وبصيرة)) (2) .
ويمكن الحديث عن خصائص هذه الحاشية وسماتها وفق ما يلي:
(1) نظراً لكون كتاب ابن عاشور حاشيةً لذا لم تستوعب تعليقاته معظم مسائل كتاب " تنقيح الفصول " فهو يأخذ مقتطفات من المتن ثم يعلق عليها، ومع ذلك قد قفز فصولاً من الكتاب مثل: الفصل السادس والسابع من الباب السادس عشر، والفصل الثالث من الباب الثامن عشر.
(2) يمهّد للمسائل المراد بحثها ببيان المراد بالترجمة، وبتصوير المسألة فمثلاً:
أ - قال - في الفصل الثاني: في اتباعه - صلى الله عليه وسلم -: ((لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد يفعل الشيء وقصده التشريع، ويفعل الآخر لضرورة دنيوية مثل النوم والطعام واللباس وغيرها، ويفعل غيرهما على أنه خاصٌ به مثل الوصال في الصوم والزيادة على الأربع، بحثوا هنا عن الطرق التي يتعرف بها حال فعله وحكمه. . .)) (3) .
ب - قال في بداية باب الإجماع: ((. . . رأى أنهم يطلقون كلمة الإجماع على ثلاثة أمور، الأولى: اتفاق المسلمين جيلاً بعد جيل على إسناد قول أو فعل أو هيئة للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنها بيان مجمل أو تشريع موصل. . . وهو المعبَّر عنه بالمعلوم ضرورةً وبالمتواتر من الدين. . . الثاني: اتفاق مجتهدي عصر من عصور الإسلام على حكمٍ لدليل. . . الثالث: سكوت العلماء في عصر على قولٍ أو فعلٍ. . . وهو المعبر عنه بالإجماع السكوتي. . .)) (4) .
جـ - قال بين يدي الفصل الرابع: في الدال على عدم اعتبار العلية: ((يعبر عن هذا الباب في بعض كتب الأصول بالقوادح؛ لأنه يبحث عنها من حيث إنها تُورد في
_________
(1) التطوُّح: الإلقاء والرمي والذهاب. انظر: المعجم الوسيط مادة " طوح ".
(2) حاشية التوضيح 2 / 3 - 4.
(3) حاشية التوضيح 2 / 62.
(4) حاشية التوضيح 2 / 92 - 93.
(1/218)

المناظرات، فتسمَّى بالقوادح، أو من حيث يوردها المجتهد في خاصة نفسه لاختبار استنباطه، فتُسمى دليلاً على عدم العلية، وكلها راجعة للمنع، لأنه الأعم. . .)) (1) .
د - قال في مقدمة الباب العشرين في جميع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين:
((
عَقَد المصنف هذا الباب في فصلين، الفصل الأول: لتحديد الأدلة المختلف فيها بين من يعتدُّ بخلافه من العلماء، وهو الذي ترجمه الغزالي في المستصفى بالأصول الموهومة، ولذا تكلم فيه على أشياء تقدَّم الكلام عليها؛ لأن هذا أجدر موضع بأن تذكر فيه كمسألة إجماع أهل الكوفة، والفصل الثاني فصل جليل في تصرفات المكلفين، وهو قواعد يعبر عنها بالأصول القريبة ذكرها هنا لأنها واسطة بين الأصول والفقه)) (2) .
(3) ترجم في حاشيته بما يربو على خمسين عَلَماً، وعرَّف ببعض المصطلحات كالبخت (3) والتواتر (4) وغيرهما. ومثَّل لمسائل أصولية لم يتعرَّض لها القرافي في
شرحه، كمسائل النسخ (5) وما يعرف به النسخ (6) .
(4) له تحريرات بديعة ومفيدة في بعض المسائل، منها:
أ - نبَّه إلى أن الفعل الجبلِّي منه - صلى الله عليه وسلم - يمكن أن يكون مجالاً للاقتداء به، ووضع له ضابطاً (7) .
ب - حرَّر في الإجماع أقسامه التي يحتج بها ويمكن انعقادها تحريراً جيداً (8) .
جـ - حرَّر في مسألة وسيلة المحرَّم قد تكون غير محرَّمة وقال ((تنقيح هاته المسألة أن نقول: قد يكون الشيء الواحد وسيلة لمتعددٍ مختلف الحكم، فينشأ في اعتبار بعض
_________
(1) حاشية التوضيح 2 / 174.
(2) حاشية التوضيح 2 / 217.
(3) انظر: حاشية التوضيح 2 / 121.
(4) انظر: حاشية التوضيح 2 / 128.
(5) انظر: حاشية التوضيح 2 / 88.
(6) انظر: حاشية التوضيح 2 / 91.
(7) انظر: حاشية التوضيح 2 / 60.
(8) انظر: حاشية التوضيح 2 / 92.
(1/219)

المقاصد منه دون بعض تعارض فإما أن يُرجَّح بشيءٍ من المرجِّحات، وإما أن يتوقف فيه)) (1) .
د - قال: ((وفي عدِّ السبر والتقسيم دليلاً على العلية تسامح؛ لأنه طريق لمعرفة حال الوصف المراد التعليل به، فليس هو مثال المناسب والشبه والدوران؛ لأن تلك أدلة على العلية، أي تدل على علية الوصف المشتمل عليها. وأما السبر وتنقيح المناط فطريق يتوصل به إلى معرفة ما هو علَّة ثم لابدّ معهما من استخدام المناسب أو
الشبه أو الدوران ليتعيَّن ما هو علة من غيره، فلو ذكروهما في طرق الاستدلال كان أرشق)) (2) .
هـ - قال: ((قوله (أي القرافي) : ويشترط في المُخْبر العقل. . . إلخ، ليس المراد بالعقل عقل التكليف؛ لأنه داخل في مسمَّى التكليف، بل المراد عقل الفطنة، وهو الذي يعبِّر عنه المحدثون بالضبط، ويعبّر عنه الفقهاء في صفات الشاهد بالتيقُّض. . .)) (3) .
(5) بالرغم من كون الحاشية نُتفاً من التعليقات إلا أن ابن عاشور وسَّع الكلام واستوفاه في بعض المسائل بشكلٍ جيد، من ذلك: توسعه في الكلام عن تقسيمات المناسب باعتبار الجنس والنوع، ومثَّل لها، وردَّها إلى معنى الجنسية والنوعية، وقال أخيراً ((هذا ما ظهر لي في فائدة هذا التقسيم وأثره، والمراد من ألقابه التي ما رأيت من أفصح عنها إفصاحاً يبيّن المراد)) (4) .
وكذلك توسّع كثيراً في الكلام عن قادح الكسر (5) .
(6) له عناية ظاهرة بما جاء في نسخ كتاب القرافي، فقد نبّه على ما جاء فيها من تحريفات، وأشار إلى ما ينبغي اعتماده منها (6) .
_________
(1) حاشية التوضيح 2 / 226.
(2) حاشية التوضيح 2 / 173 - 174.
(3) حاشية التوضيح 2 / 134.
(4) حاشية التوضيح 2 / 166 وانظر ما قبلها.
(5) انظر: حاشية التوضيح 2 / 176 - 178.
(6) انظر على سبيل المثال الصفحات: 2 / 63، 150، 176، 222 من حاشية التوضيح.
(1/220)

كما أنه يصوِّب عبارة القرافي بما يراه الصواب، ولو لم يستند هذا التصويب على نسخ الكتاب (1) .
(
7) يسعى إلى تحرير مذهب المالكية - في بعض المسائل - أكثر مما فعل القرافي، مثل: مسألة إجماع المدينة (2) ، وحجية قول الصحابي (3) ، والرواية عن الشيخ بمجرد الإجازة المطلقة (4) ، والقياس في المقدرات والكفارات والحدود (5) .
(8) انفرد بزيادات لطيفة لم يرد بحثها عند القرافي، منها: جواز القياس على أفعال الله تعالى في الدنيا بأهل الجرائم في مذهب مالك (6) ، وبيان شروط المجتهد (7) ، وغيرها.
(9) استطرد الشيخ ابن عاشور في مواضع من حاشيته، منها: التعريف بأهل البيت (8) ، وحكم الصلاة على أهل الأهواء (9) ، والأكل مما أكل منه الكلب المُعلَّم (10) ، شرح بيت حسان بن ثابت (11) .
(10) له استدراكات وتعقبات على بعض ما جاء في كتاب القرافي، منها:
أ - قال عن سؤال: كيف تكفِّرون مخالف الإجماع، وأنتم لا تكفرون جاحد أصل الإجماع كالنظَّام؟ قال ((لا مخلص من هذا الإيراد، وهو أدلُّ دليلٍ على فساد القول بتكفير جاحد حجية الإجماع عن اجتهاد، والجواب عنه غير صحيح. . . إلخ)) (12) .
_________
(1) انظر مثلاً: 2 / 149، 154، 169، 172، 207، 217.
(2) انظر: حاشية التوضيح 2 / 108.
(3) انظر: حاشية التوضيح 2 / 218.
(4) انظر: حاشية التوضيح 2 / 148.
(5) انظر: حاشية التوضيح 2 / 189.
(6) انظر: حاشية التوضيح 2 / 190.
(7) انظر: حاشية التوضيح 2 / 210.
(8) انظر: حاشية التوضيح 2 / 111.
(9) انظر: حاشية التوضيح 2 / 136.
(10) انظر: حاشية التوضيح 2 / 152.
(11) انظر: حاشية التوضيح 2 / 157.
(12) حاشية التوضيح 2 / 119 - 220.
(1/221)

ب - خالف القرافي في لفظ حديث: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) وقال بأن المعروف هو لفظ " ضلالة "، ثم خالفه بالاستدلال به على حجية الإجماع (1) .
جـ - ناقش القرافي في اختياره لتعريف الرازي للنسخ، وقال عنه ((فيه تطويل وتعقيد)) (2) .
د - خالف القرافي في تجويزه النسخ لا إلى بدل، وقال: ((التحقيق أنه لم يقع، وأن حكم صدقة المناجاة الصواب أنه نسخ إلى بدل، وهو الزكاة. . .)) (3) .
هـ - في مواضع مختلفة يقول عما يورده من كلام القرافي: ((كلام المصنف غير واضح الدلالة على المراد منه)) (4) ، وفي موضع آخر يقول: ((وتمثيل المصنف سهو واضح)) (5) ، ويقول عن دليل أورده المصنف ((دليل غريب جداً)) (6) ، وهكذا. . وبالجملة حاشية ابن عاشور حاشية نفيسة للغاية حوت تحريرات بديعة، واستدراكات حسنة، وتعليقات رائعة، كل ذلك بأسلوب بلاغي أنيق، وبعبارة أدبية راقية. نعم لقد خَلَتْ الحاشية في كثير من مواضعها من الاستدلالات وعرض الأقوال، ولكن هذا مما صرَّح به ابن عاشور في منهجه بدايةً. فرحمه الله تعالى، ونفع بعلمه.
_________
(1) انظر: حاشية التوضيح 2 / 98.
(2) حاشية التوضيح 2 / 71.
(3) حاشية التوضيح 2 / 76.
(4) حاشية التوضيح 2 / 122.
(5) حاشية التوضيح 2 / 138.
(6) حاشية التوضيح 2 / 172.
(1/222)

المبحث العاشر
وصف نسخ الكتاب ومنهج التحقيق
المطلب الأول: وصف نسخ الكتاب الخطية ومتنه

أولاً: وصف نسخ شرح تنقيح الفصول.

(1) وصف النسخة " س "

- موقع النسخة ورقمها: مكتبة أوسكريال بالقرب من مدريد بأسبانيا برقم
(1503) .
- يوجد منها نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية في القاهرة برقم (276) . وكذلك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم (6038 ف) .
- رمزها: " س " أخذاً من كلمة " أوسكريال ".
- عدد الأوراق: 136 ورقة.
- عدد الكلمات: 11 - 14 كلمة.
- عدد الأسطر: 32 -35 سطراً.
- نوع الخط: أندلسي حسن، مكمَّل بخطوط أندلسية أخرى، منها المحدث، ومنها
القديم. وقد كتبت عناوين الفصول وبداية السطر الأول من كل متن بخطٍ
عريضٍ مكبرَّ.
- اسم الناسخ: كتب اسمه في صفحة العنوان: محمد بن غازي.
- تاريخ النسخ: في صفحة العنوان - وهي ملصقة بأول الكتاب - كُتب بخطٍ
حديثٍ أقدَّرُ أنه من عمل موظفي فهرسة المخطوطات: " عليه قرآءة في آخره
سنة 727هـ ". ولم أجده على الورقة الأخيرة، ولم أقف على ما بعدها.
- الوصف والحالة: هي نسخة كاملة لا نقص في صفحاتها.
- في النسخة حَرْقٌ ذهب بالسطور السفلى من منتصف الأوراق، من أول المخطوطة حتى الورقة رقم 75.
(1/223)

- ثم يظهر آثار البلل فيها من الورقة 78 إلى آخر المخطوطة. يبدو أنه من جَرَّاء إطفاء الحريق، أدَّى هذا البلل إلى ذوبان حِبْر المخطوطة في أسافلها وجنباتها، فغرقت الكلمات فيه، ولم يصبح بالإمكان تفحّص معالمها، ولم أُشِرْ إلى هذا الطمس في الهامش لضآلة جدوى ذلك.
- يوجد طمس وإنمحاء للسطر الأول، وأحياناً الثاني في كثير من ورقات
المخطوط.
- يوجد بهامشها إلحاقات وتصويبات.

(2) وصف النسخة " ن "

- موقع النسخة ورقمها: الخزانة الناصرية بتَمْكُروت في المغرب برقم (2515) .
- رمزها: " ن " أخذاً من كلمة " الناصرية ".
- عدد الأوراق: 110 ورقة.
- عدد الكلمات: (11 - 14) كلمة.
- عدد السطور: (31 - 33) مسطراً.
- نوع الخط: مغربي، في قرآءته عُسْر وصعوبة.
- اسم الناسخ: محمد بن محفوظ ( ... ) غير مقروء، كتبه لصاحبه في الله/ علي
ابن محمد الجزولي.
- تاريخ النسخ: الأربعاء، شوال 735هـ أي أنها كتبت بعد وفاة المؤلف
بنصف قرنٍ تقريباً، فهي قريبة العهد منه.
- الوصف والحالة: نسخة كاملة لا نقص في أوراقها، ولكن فيها طمس في
مواضع قليلة جداً في حدود (1 - 5) كلمات.
- لم تخْلُ من أسقاط وأغلاط، وتصحيف وتحريف.
- بها آثار قليلة من التآكل من أطرافها ببسب الأَرَضة.
- الهوامش خالية من التصحيحات والإلحاقات إلا النزر اليسير جداً.
- عليها تمليك لأولاد سيدي موسى بن مسعود.
- وعليها أيضاً تحبيس.
(1/224)

(3) وصف النسخة " ق "

- موقع النسخة ورقمها: خزانة القرويين في فاس بالمغرب برقم (351) .
- رمزها: " ق " أخذاً من كلمة " القرويين ".
- عدد الأوراق: 167 ورقة.
- عدد الكلمات: (8 - 12) كلمة.
- عدد الأسطر: 23 سطراً.
- نوع الخط: مشرقي جلي، يوجد في بعض كلماته ضَبْطٌ بالشَّكل.
- اسم الناسخ: أحمد بن حسن بن عثمان الدميري.
- تاريخ النسخ: الإثنين 17/ ربيع الآخر / 861هـ، أي بعد قرنين سلفا من
وفاة مصنِّفه عليه الرحمة.
- الوصف والحالة: كاملة لا نقص فيها، لكن بها آثار أرَضة في كَعْب الكتاب
ذهبت ببعض الكلمات.
- يوجد في بعض كلماتها وسطورها شطب إماَّ تفادياً للتكرار أو تصحيحاً لخطأ.
- يوجد بهامشها تصويبات بالخط نفسه وأحياناً بخطٍ مغاير.
- يوجد بهامشها عناوين لبعض المسائل بغير خط ناسخ الأصل.
- يوجد في بعض عبارات هذه النسخة تعبيرات مختلفة تماماً للنسخ الأخرى مما يدعو إلى التكهُّن بأنها نسخة من إبرازة أخرى للكتاب، أي بمثابة إصدارٍ جديدٍ للكتاب.
- عليها خَتْم تمليكٍ باسم/ عبيد ربه الأعلى عبد الله ... (لم استطع قراءة الباقي) . اشتراه من الفقيه ... (غير واضح) بن الشيخ الإمام الفهامة الهمام أبي المكارم سيدي الحسن بن رحال.
- عليها تحبيس من السيد بو بكر بن سيدي عبد الكريم البازعي لخزانة القرويين
(عام 1299هـ) .
- جاء في فهرس مخطوطات خزانة القرويين (1 / 343) لمحمد العابد الفاسي قوله في وصف الكتاب: ((جزء واحد بخطٍ مشرقي صحيح مقروء ... خَرَقه السوس، بأطرافه تلاشٍ، مرمَّز بعض رؤوس المسائل بالأحمر. .)) .
(1/225)

(4) وصف النسخة " هـ "

- موقع النسخة ورقمها: المكتبة الأزهرية في القاهرة بمصر برقم (1583)
عروسي 42242 أصول فقه.
- رمزها: " هـ " أخذاً من كلمة " الأزهرية ".
- عدد الأوراق: 186 ورقة.
- عدد الكلمات: (8 - 11) كلمة.
- عدد السطور: 21 - 22 سطراً.
- نوع الخط: مشرقي معتاد جلي.
- تاريخ النسخ: مجهول. لكن جاء في صفحة العنوان قوله ((من فوائد شيخنا العلامة صلاح الدين خليل العلائي الشافعي فسح الله في مدَّته: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن يلِّين الصنهاجي ... العلامة شهاب الدين أبو العباس المالكي المعروف بالقرافي ... )) ثم ساق ترجمة القرافي. هذا النقل يدلُّ على أن ناسخها كان قد انتسخها قبل 761هـ وهو تاريخ وفاة العلائي رحمه الله. والخط على العنوان هو نفسه في أصل الكتاب.
- اسم الناسخ: مجهول.
- الوصف والحالة: هذه النسخة مجذوذة من آخرها. ففيها وَقْفةُ كاتب، إذْ بلغ في نسخها إلى الفصل الرابع من الباب الرابع عشر في " النسخ " عند قوله: ((وكذلك التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخاً، لأنه إن قيل لك: لِمَ لا تخيرّ بين صلاة الظهر وصدقة درهم تقول)) أ. هـ.
- فشا فيها الخطأ والتصحيف والتحريف.
- في هامشها شيءٌ من التصويبات اليسيرة.
كما يوجد بهامشها ما يدلُ أنها معارضة بنسخة أخرى، لأنه يرمز لذلك في الهامش بقوله: " نسخة " وبالرمز " خ " وهذا كان قليلاً.
- عليها تمليك باسم: حسن (الحرلي) ؟ الحنفي.
(1/226)

(5) وصف النسخة " ش "

- موقع النسخة ورقمها: مكتبة شستربتي بدِبْلِن في إيرلندا برقم (4383) .
- توجد منها نسخة مصورة في المكتبة المركزية بجامعة أم القرى بمكة برقم
(131) .
- رمزها: " ش " وهو الحرف الأول من " شستربتي ".
- عدد الأوراق: 170 ورقة (من أ، ب) .
- عدد الكلمات: تتراوح الكلمات في السطر الواحد بين (11 - 16) كلمة
والغالب 13 كلمة.
- عدد الأسطر: 25 سطراً.
- نوع الخط: نسخي جيد، صحيح مقروء.
- اسم الناسخ: سالم بن الحاج منسي (أو منشي) بن عمر (المغربي)
المالكي.
- تاريخ النسخ 13/ رجب/ 1051هـ.
- الوصف والحالة: نسخة كاملة لا نقص فيها، ولا طمس.
- كثيرة الأسقاط والأغلاط.
- مثخنة بالتحريف، ومفعمة بالتصحيف.
- ليس في هوامشها أي تعليقات أو تصويبات تذكر، مما يدلُ على عروِّها من المقابلة والمعارضة.
- عليها (نوبات) ، منها: نوبة عبد الله راضي بالجامع الأزهر بمصر ومنها: نوبة محمد.
- كُتب في آخرها: برسم سيدنا ومولانا الشيخ إبراهيم بن مولانا المرحوم شيخ محمد أفندي العجمي القادري (أو القائدي) .
(1/227)

(6) وصف النسخة " و "

- موقع النسخة ورقمها: دار الكتب الوطنية بتونس برقم (2857) .
- توجد منها نسخة مصورة في المكتب المركزية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم (3818) .
- رمزها: " و " أخذاً من الكلمة " الوطنية ".
- عدد الأوراق: 180 ورقة.
- عدد الكلمات: ما بين (10 - 13) كلمة.
- عدد الأسطر: 25 سطراً.
- نوع الخط: مغربي، تَعْسر قراءته أحياناً.
- اسم الناسخ: مجهول.
- تاريخ النسخ: 2/ جمادي الأولى / 1261هـ أي أنها حديثة العمر والسَّن.
- الوصف والحالة: نسخة كاملة لا نقص فيها سوى الورقة " 36 ".
- لم تَخْلُ من تحريفات عجيبة، وأغلاط فاحشة، وسَقْطٍ كثير.
- خَلتْ من التصحيحات والإلحاقات مما يشعر بفقدانها المقابلة والمعارضة.
(1/228)

(7) وصف النسخة " ز "

- موقع النسخة ورقمها: المكتبة الأزهرية في القاهرة بمصر برقم خاص
(1948) وعام (53129) .
- رمزها: " ز " أخذاً من الكلمة " الأزهرية ".
- عدد الأوراق: 265 ورقة.
- عدد الكلمات: (8 - 12) كلمة.
- عدد الأسطر: (21 - 23) سطراً.
- نوع الخط: مشرقي واضح.
- اسم الناسخ: محمد جاد شماح المالكي؛ لأبيه: جاد شماح.
- تاريخ النسخ: 28/ ربيع الآخر/ 1290هـ أي أنها حديثة العمر والسن.
- الوصف والحالة: نسخة كاملة لا نقص فيها ولا طمس.
- فيها أسقاط وأخطاء وتحريف وتصحيف.
- ضرب الناسخ على بعض كلماتٍ فيها.
- كما جاء في حواشيها تصويبات، وإلحاقات بخط ناسخها حيناً وحيناً آخر بخطٍ رديء وريشة عريضة مغاير للأصل.
- يوجد بهامشها ما يدلُ على أنها قوبلت وروجعت على نسخةٍ أخرى. ويرمز لذلك بالرمز " خ " وأحياناً بلفظ: " نسخة ".
- وُضِعتْ بعض العناوين على هامشها، وهذا كان وقوعه نادراً.
(1/229)

(8) وصف النسخة " م "

- موقع النسخة ورقمها: دار الكتب المصرية في القاهرة بمصر برقم (276)
أصول فقه طلعت، رقم الميكروفلم (9047) .
- رمزها: " م " أخذاً من كلمة " المصرية ".
- عدد الأوراق: 265 ورقة.
- عدد الكلمات: 8 - 11 كلمة.
- عدد السطور: 23 سطراً.
- نوع الخط: مشرقي جليّ.
- اسم الناسخ: علي بن أحمد الدولتلي (لقباً) الشافعي (مذهباً) المنصوري
(بلداً) .
- تاريخ النسخ: 6/ ربيع الآخر/ 1291هـ، أي أنها حديثة العمر والسِّن.
- الوصف والحالة: نسخة كاملة لا نقص فيها ولا طمس.
- بهامشها إلحاقات وتصحيحات.
- احتوت على كثيرٍ من التصحيف والتحريف.
- بهامشها ما يدل أنها معارضة على نسخة أخرى يرمز لذلك بالرمز " خ " وأحياناً باللفْظ " في نسخة ".
- جاء في الورقة رقم (245) قوله: ((بلغ مقابلة)) .
(1/230)

(9) وصف النسخة " ص "
- موقع النسخة ورقمها: دار الكتب المصرية في القاهرة بمصر برقم (819)
أصول فقه. رقم الميكرفلم (40310) .
- رمزها: " ص " أخذاً من كلمة " المصرية ".
- عدد الأوراق: 217 ورقة.
- عدد الكلمات: (10 - 12) كلمة.
- عدد الأسطر: 23 سطراً.
- نوع الخط: مغربي جيد ومنسق وواضح.
- اسم الناسخ: مجهول.
- تاريخ النسخ: الخميس 15 / ربيع الآخر / 1292 هـ، فهي حديثة العمر
والسِّن.
- الوصف والحالة: نسخة كاملة ليس فيها نقص ولا طمس.
- يوجد بها بعض السقط، وشيء من التحريف والتصحيف.
- يوجد بهامشها تصحيحات وإلحاقات بنفس خط الأصل.
- يوجد بهامشها ما يدلُّ على أن ناسخها راجعها وقابلها على نسخة أو نسخ أخرى إذ يشير إلى ذلك بلفظ " نسخة ".
- ويلاحظ على هذه التقييدات أنها مستمدة من نسخٍ لم أقف عليها؛ لأن بعضها مغاير لبقية النسخ المتوفرة لدي.
- كُتب في صفحة العنوان: دخل في نوبة الحقير / محمد المكي بن عزوز سنة 1307 هـ.
(1/231)

ثانياً: وصف نسخ تنقيح الفصول (متن الكتاب) .
(1) النسخة " د ":
- موقعها ورقمها ورمزها: مكتبة الحرم النبوي الشريف برقم (94 / 80) .
ومصورتها بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم
(5365 / 2) . رمز لها بالرمز " د " أخذاً من بلد
مصدرها " المدينة ".
- أوراقها وأسطرها وخطها: 32 ورقة، 25 سطراً، خط مغربي.
- ناسخها وتاريخها: غير معروفين.
- وصفها: لم تخلُ من تحريفات وتصحيفات وأغلاط وأسقاط، ويوجد طمس لبعض
الصفحات، كما يوجد بها اختلاف في الخطوط، مما يدل على تعاقب
أيدي النساخ على كتابتها، وليس في هوامشها ما يشير إلى معارضتها
بنسخٍ أخرى.

(2) النسخة " ف ":
- موقعها ورقمها ورمزها: مكتبة مظهر الفاروقي بالمدينة المنورة. ومصورتها بمكتبة
الجامعة الإسلامية بالمدينة برقم (6827 / 2) . رمزها
" ف " أخذاً من: " فاروقي ".
- أوراقها وأسطرها وخطها: 50 ورقة، 17 سطراً، خط مشرقي.
- ناسخها وتاريخها: غير معروفين.
- وصفها: النسخة هذه يبدو فيها التلفيق بين عدة كتب، فهي مشوشة غير مرتبة
الأوراق، فلا تجد رابطةً أحياناً بين الصفحة (أ) والصفحة (ب) . كما
أنها تحتوي أسقاطاً من نص الكتاب يبلغ أحياناً خمسة أسطر.
(1/232)

(3) النسخة " أ ":
موقعها ورقمها ورمزها: مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم
(6079 ف) ، ورمزها " أ " نسبة إلى: " الإمام ".
- أوراقها وأسطرها وخطها: 173 ورقة، 14 سطراً، خط مشرقي.
- ناسخها وتاريخها: أبو بكر بن صارم، بتاريخ 666 هـ.
- وصفها: بالرغم من تقدُّم سنِّها، وعراقتها، لكن ذلك لم يشفع لها لتحتلَّ مركز
الصدارة بين نسخ المتون الأخرى، وذلك لكثرة تحريفاتها وأغلاطها، كما
يوجد بها أسقاط كثيرة. وليس في حواشيها ما يشير إلى معارضتها مع
نسخٍ أخرى.

(4) النسخة " ر ":
- موقعها ورقمها ورمزها: المكتبة الأزهرية بالقاهرة برقم (982) أصول الفقه.
ورمزها " ر " نسبة إلى حرف الراء في كلمة " الأزهرية ".
- أوراقها وأسطرها وخطها: جاءت ضمن مجموع يبتدي بالرقم: 112، وينتهي
بالرقم: 153. أي: 40 ورقة، 13 سطراً. والخط
مغربي.
- ناسخها وتاريخها: غير معروفين. لكن جاء في طُرَّة الكتاب من الورقة الأخيرة
قوله: من كتب المرحوم حسن جلال باشا هديةً للجامع الأزهر
تنفيذاً لوصيته.
- وصفها: يوجد بها تحريفات وتصحيفات، ولكنها كتبت بعناية يدلُّ على ذلك
وجود تصحيحات في هوامشها. لكن عند مقارنتها بالنسخة متن " هـ "
التي تلي هذه نجدها لا ترجح عليها في الصحة والإتقان.
(1/233)

(5) النسخة متن " هـ ":
- موقعها ورقمها ورمزها: المكتبة الأزهرية بالقاهرة تحت رقم (124) أصول الفقه
ورمزها: " متن هـ " أخذاً من كلمة " أزهرية "، وسُبِق
الرمز بكلمة متن تمييزاً لها عن نسخة " هـ " فهي من نسخ
الشرح الخطية (1) .
- أوراقها وأسطرها وخطها: تقع 68 ورقة، 13 سطراً، خط مشرقي مشكول في
كثيرٍ من الأحيان.
- ناسخها وتاريخها: غير معروفين. لكن وجد على اللوحة الأولى منها عبارة: مِلْك
الفقير إلى الله تعالى سليمان بن داود الحزتباوي المالكي مذهباً
عفي عنه.
- وصفها: هي نسخة تامةً، كتبت بعنايةٍ جيدة، ولم تخلُ من تحريفات وأسقاط لكن
مما يميزها عن سائر نسخ المتن أنها مقابلة ومصحّحة ومدقَّقة.
يدل على ذلك وجود كلمات في الهامش مثل: بلغ، صحَّ. . . إلخ.

ملاحظة: هذه النسخة اعتمدتها في المقابلة مع نسخ الشرح الثلاث نسخة
" ق "، ونسخة " ن "، ونسخة " س " (2) .

وفيما يلي صور ونماذج من نسخ الشرح والمتن الخطية:
_________
(1) انظر وصفها: ص 226.
(2) سيأتي في منهج تحقيق الكتاب سبب هذا الاختيار، انظر ص 278.
(1/234)

المطلب الثاني: منهج تحقيق الكتاب
... لما كان التحقيق يتضمن معنى " التحرير والتنوير " أو " التدقيق والتعليق " لذا جعلتُ منهجي في تحقيق هذا الكتاب يتضمن هذين الجانبين، يُعْنى الجانب الأول بضبط النص، والجانب الآخر بخدمة النص.
* أولاً: التحرير والتدقيق:
- بعد التفتيش الدؤوب، وخوض غمار التنقيب عن نسخ الكتاب عثرتُ على تسع نسخ خطية فقط.
- لم أجدْ من بين تلك النسخ نسخة المؤلف، ولا نسخة قرئت عليه، ولا نسخة تلاميذه، ولا نسخة كُتبتْ في عصره، ولم تصرِّح نسخة منها بأنها قوبلتْ على نسخة المؤلف. كما أنها جميعاً خَلَتْ من وجود سماعات عليها. لكن وُجد على بعضها تمليكاتٌ وأختامٌ، بعضها مقروء والآخر غير مقروء، ولم أعثر على تراجمهم. أما نُسَّاخها فلم أظفر بترجمةٍ لهم، لأقف على مستواهم العلمي. والذي يظهر لي أنهم ممن احترفوا مهنة النَّسْخ والوِرَاقة.
لهذا كلِّه لم أعتمد واحدةً منها " أصلاً " تقابل عليها بقية النسخ، فآثرت تحقيق الكتاب على طريقة " النص المختار "، وهي طريقة - شاقة وعسيرة تعظم معها مسئولية التحقيق.
وبعد المقارنة بين النسخ مجتمعةً بنظرةٍ فاحصةٍ تبيَّن لي أنهَا متقاربة من حيث المكانة والمنزلة، وليس من بينها نسخةٌ فائقةٌ متميِّزةٌ تتبوَّأ مركز الصدارة، وتصلح أن تكون أصلاً يعتمد عليه.
ثم ألفيتها تشترك في الخصائص التالية:
- احتواؤها على التصحيف والتحريف والخطأ والسقط.
- اعتناء نساخها بإعجام الحروف.
- دأبهم على أن يشيروا إلى المتن بالحرف " ص " وإلى الشرح بالحرف " ش ".
- ليس هناك ما يدلُّ أن بين أيَّ نسخةٍ وأخرى أي نسبٍ ومصاهرة.
(1/278)

لكن ليس من المسلك الرشيد والتصرف السديد أن تُعْتمد كافة هذه النسخ
" أصولاً " ويُثْقل كاهلُ الحواشي بالمغايرات والفروقات التي لا طائل من ورائها.
لذا رُحْتُ أَنْتخِبُ منها ما يمكن الاعتماد عليه للوفاء بعبارة المصنف، فوقع الاختيار - بعد الدراسة والتأمل - على ثلاث نسخٍ خطيةَّ وهي:
نسخة القرويين المرموز لها بالرمز " ق ".
نسخة الأوسكريال ذات الرمز " س ".
نسخة الناصرية التي رمزها " ن ".
وجعلتُ النسخ البواقي نسخاً ثانوية يُلتفت إليها عند الحاجة فقط.
وسبب هذا الاختيار: أن هذه النسخ الثلاث قد اتَّسمتْ بسماتٍ ومؤهلاتٍ، منها:
- عراقتها وقِدَمها إذا ما قورنت بالنسخ الأخرى حديثات العُمْر والأسنان.
- قلة أخطائها وأسقاطها نسبةً إلى النسخ الأخرى.
- أنها نسخ مُتْقنة بدرجةٍ أعلى من الأخريات.
- أما بالنسبة لنسخ المتن، فقد وقع الاختيار على النسخة " متن هـ "؛ لما حظيت به من امتيازات أكثر من غيرها؛ مثل كونها معارضةً بنسخٍ أخرى، وقلِّة أسقاطها وأغلاطها. . . إلخ، وقد تمتَّ المقابلة بها مع النسخ الثلاث فيما يختصُّ بالمتن.
* طريقة العمل في تحرير وضبط النص:
1 - قابلتُ بين النسخ الثلاث، فأثبْتُ ما اتفقتْ على إثباته، احتراماً لإجماعهم، ولم أَعْدِلْ عن عباراتها بزيادةٍ أو حذفٍ أو تبديلٍ طالما بقي سياق النص منسجماً من حيث المعنى، ولم يوجد الخلل فيه.
2 - إذا كان اتفاق النسخ الثلاث على عبارة مختلَّة أو مشوَّشة - حسب ما ظهر لي - فإني أثبتُ في صُلبْ الكتاب العبارة الصائبة أو الأصوب من النسخ الثانوية، معلِّلاً في الهامش لهذا الاختيار، ومشيراً إلى العبارة المرجوحة.
فإن لم أعثر - في جميع النسخ - على عبارةٍ صحيحةٍ وقد تواطأت كلها على ما تبيَّن لي خطؤه أثبتُّهُ كما هو بين معقوفين خشية أن يكون قد قصر نظري عن إدراكه،
(1/279)

ومحافظةً على حالة الكتاب كما خرج عن مؤلفه، ثم أشير في الهامش إلى ما أعتقده صواباً.
3 - عند اختلاف النسخ الثلاث في عبارةٍ ما وازنتُ بينها واجتهدتُ ما وسعني الاجتهاد، ورجَّحتُ ما أمكنني الترجيح، فأَخْتار صحيحها في مقابل الخطأ، وأصحَّها في مقابل الصحيح، أو أختار الأوفق والأليق بالسياق بما يغلب على ظني أن هذا الاختيار يُفْصح عن رأي المؤلف ويؤدي عبارته، وربما استأنستُ بما جاء في النسخ الثانوية، ثم أثبتُ الألفاظ المرجوحة أو الخاطئة في الهامش مع الإشارة إلى تعليل الاختيار.
4 - إذا استوتْ عبارات النسخ الثلاث في الصحة، وتعادلت فيما بينها - كما يقع هذا في الترادف ونحوه - كان الترجيح بما عليه نسختان في مقابل الأخرى؛ لأن الكثرة من أسباب الترجيح. فإن استقلَّتْ كلُّ نسخةٍ بلفظةٍ مغايرةٍ للأخرى كان الترجيح بما تعاضدت عليه أكثر النسخ الثانوية دون الإشارة في الهامش إلى تعليل الاختيار.
5 - لم أثبتْ من الفروقات والمغايرات بين النسخ ما ليس له تأثير في المعنى أو قيمة في قرآءة النص تفادياً تسويد الحواشي بما لا طائل من ورائه.
فعلى هذا اتبعْتُ ما يلي:
أ - إذا كان الاختلاف سببه الرسم الإملائي قصدْتُ إلى إثبات المألوف الآن، والمعروف من قواعد الإملاء الحديثة من غير إشارة إلى ذلك.
ب - لم أرَ داعياً لذكر الاختلافات في عبارات الترحُّم والترضَّي والثناء ونحو ذلك، بل وقع المَزْج بين النسخ، واختيار الأكمل مما جاء فيها.
جـ - أهملتُ الإشارة إلى الاختلاف بين النسخ في عبارات التصريح بالأسماء، مثل: " قال الإمام "، وفي نسخة: " قال الإمام فخر الدين " وفي أخرى " قال الإمام فخر الدين الرازي "، واخترت الأكمل والأوضح.
د - إذا وردت في بعض النسخ الآياتُ ناقصةً وفي أخرى أتمَّ فإني أختار الأتم والأكمل دون الإشارة إلى ما في باقي النسخ.
6 - إذا وردتْ زيادة في إحدى النسخ، وكان إسقاطها من النص يؤثر في المعنى، فإني أُثبتها في النص، وأشير في الهامش إلى أنها ... ساقطة من النسخة كذا وكذا، وكذلك الحال إذا كانت الزيادة فيها كبير فائدةٍ فإنني أثبتُها. ...
(1/280)

أمَّا إن كانت الزيادةُ إثباتُها مما يُخلُّ بالمعنى، أو لا حاجة إلى إثباتها لقلَّة فائدتها، فإنني لا أثبتها في صُلْب الكتاب، وأشير في الهامش إليها بعبارة: ((هنا زيادة كذا في النسخة كذا)) .
7 - إذا كان السقط أو التحريف أو التغيير في كلمة واحدةٍ في النص، فإني أضع فوقها الرقم فقط دون التقويس عليها أما إذا كان السقط أو التحريف أو التغيير في أكثر من كلمة فإني أشملها بمعقوفتين هكذا [] واضعاً رقماً في الآخر يشير إلى الهامش.
8 - لجأْتُ إلى نُسخ المتن الخطية الأخرى كلما وُجد اضطراب واقع في المتن بين النسخ المتعددة الثلاث لا يمكن علاجه إلا بالرجوع إلى نسخ المتن.
9 - اجتهدت في إخراج نص الكتاب إخراجاً فنياً سليماً من الأخطاء الشكلية بحسب الطاقة، وفي سبيل ذلك قمتُ بعمل الآتي:
أ - وضعْتُ متن الكتاب في أعلى الصفحة بخط مسوَّدٍ عريضٍ مسبوقاً بحرف ص رمزاً لنص المتن. ثم يجيء الشرح بعده بخط أصغر حجماً، ومفصولاً عن المتن بفاصلٍ كُتب في وسطه كلمة " الشرح " هكذا:

ب - ضبطتُ بالشَّكل ما يُشْكل أو ما يُخشى وقوع اللَّبس بدونه.
جـ- وضعْتُ علامة نجمة هكذا: * للدلالة على نهاية الورقة من المخطوط، ثم كتبْتُ في الهامش شمال الأسطر تحديداً لرمز المخطوط مع رقم الورقة، وجعلتهما بين معقوفين مسبوقين بنجمةٍ هكذا: * [ق: 122] .
د - صنعْتُ عناوين عند بداية كل مسألةٍ أصولية جديدة داخل الكتاب لتوضيح موضوع النص، وميَّزتُ هذه العناوين بجعلها داخل مستطيل هكذا: ت لتميزها عن عبارات الكتاب.
(1/281)

* ثانياً: التنوير والتعليق:
1 - عزوتُ الآيات إلى سورها مشيراً إلى أرقامها، جعلتها بين ... قوسين مزهرين {} ، والتزمت أن أرسمها بالرسم ... العثماني، وإذا احتاج المقام إلى ذكر أول آية أو آخرها أو تفسيرها، فعلتُ ذلك في الهامش وإلاَ فلا.
... * وإذا ورد لفظ الآية مخالفاً لما في المصحف العثماني (حسب قراءة حفص عن عاصم) ، فإنْ كان قرآءةً أشرتُ في الهامش إلى وجوه القراءات وأصحابها، فإنْ تأكدتُ من عدم القرآءة به أثبتُّ ما في المصحف دون الإشارة إلى ذلك في الهامش.
2 - خرَّجْتُ الأحاديث والآثار من دواوين السنة متقيداً في التخريج بحسب ... اللفظ الوارد في الكتاب إنْ عثرتُ عليه، وإلا ذكرتُ من أخرج الحديث ... بنحوه.
- فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيتُ في الإحالة عليهما أو على مَنْ عنده منهما، مشيراً إلى رقم الحديث بين قوسين حسب ترقيم فؤاد عبد الباقي.
- وإنْ كان الحديث في غير الصحيحين خرَّجته تخريجاً موجزاً، مبتدئاً بكتب السنن الأربعة ونحوها، مشيراً إلى رقم الحديث بين قوسين أو رقم الجزء والصفحة، ثم أنقل ما وقفْتُ عليه من أحكام علماء هذا الفن على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً.
وأنبه هنا إلى وجود إطالةٍ في تخريج بعض الأحاديث؛ لأمورٍ اقتضتْها تلك الأحاديث.
3- وثقتُ النصوص التي نقلها المصنف عن غيره، ونسبتُ كلَّ قولٍ إلى قائله سواءً كانت تلك النصوص من كتبٍ مطبوعةٍ أو مخطوطةٍ أمكنني الوصول إليها، فإن عييتُ عن العثور عليه رُحْتُ أوثق النقل من الكتب التي اتفقت مع المؤلف في هذا النقل وهو ما يُعرف " بالنقل بالواسطة "، والضرورة لها أحكامها.
* غالباً ما يكون نقل المصنف للأقوال بالمعنى لا بالحروف، فإن بانت لي مغايرةٌ كبيرةٌ في هذا التصرف نبَّهتُ على ذلك في الهامش، وربما نقلتُ النص بأحرفه ليتجلَّى للقاريء وجه هذه المغايرة.
(1/282)

4- وثقتُ الآراء المنسوبة إلى العلماء أو المذاهب بالرجوع إلى كتبهم إنْ ... وُجدت، وإلا فمن الكتب التي نسبت هذا الرأي أو المذهب إليه.
مع العناية الشديدة بإبراز رأي المالكية وتحرير مذهبهم ما استطعت إلى ذلك
سبيلاً.
5- ربطْتُ المسائل الواردة في الكتاب بأهم المصادر التي تناولَتْهابالبحث والدراسة، وراعَيْتُ - قدر الإمكان - ترتيب المصادر الأصولية حسب الترتيب الزمني لوَفَيَات مصنِّفيها، ولم أراعِ ذلك تماماً في غير مسائل الأصول.
... - كما راعَيْتُ تنويع المصادر الأصولية حسب المذاهب، فأذكرُ مرجعاً أو أكثر في مذهب المعتزلة والظاهرية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
6- علَّقتُ على المسائل التي يغلب على ظني أن المصنف لم يستوفِ الكلام عنها ... بما يجلِّيها، أو في المسائل التي ظهرتْ لي مجانبتُه للصواب فيها رحمه الله تعالى وعفا عنَّا
وعنه.
7- إذا لم يتعرض المؤلف لشرحِ أو إيضاحِ مسألةٍ ما وردت في المتن، فإني أقوم بالتعليق عليها في موضعها من المتن. أما ما تعرَّض له بالشرح في شرحه فإني أترك التعليق عليه في المتن، وأعلِّقُ عليه في الشرح إذا تطلب المقام ذلك.
8- حرصت في التعليقات على تقييد ما ذكره المصنف مما جاء في كتبه الأخرى كـ" نفائس الأصول " و " الفروق " و " الذخيرة " وغيرها، مما يتَّصل بالمسألة نفسها، وإنما فعلتُ ذلك؛ لتكتمل في ذهن القاريء صورةٌ وافيةٌ عن رأي المصنف في المسألة الواحدة، وكما قيل: " صاحب البيت أدرى بما فيه ".
9- لم ألتزم الترجيح في كل المسائل المختلف فيها؛ لأن شأن ذلك في الأبحاث المطوَّلة، أما في بحوث التحقيق فلا مجال له؛ خوفاً من إثقال الحواشي. ومع ذلك إنْ لاح لي وَجْهُ الترجيح بيسرٍ وسهولةٍ وكان ظاهراً ذكرتُه. ... ... ...
10- عَّرفْتُ بالألفاظ الغريبة، وبالمصطلحات العلمية: كالأصولية والفقهية والحديثية والنحوية والمنطقية. . إلخ.
(1/283)

- فبالنسبة للألفاظ اللغوية لخَّصتُ ما ورد من معانيها في المعاجم، ثم أشرتُ إلى المصادر عقبها دون التقيد بنسبة معنىً إلى مصدره.
- وبالنسبة للمصطلحات الأصولية نقلتُ فيها تعريف المصنف الذي ذكره في كتابه من القسم الذي لم أحقِّقْه، لأن الكتاب وحدةٌ واحدهٌ، فإن لم أجده فيه، ولا في كتابه " نفائس الأصول "، أو لم أرتضه نقلتُ تعريفاتٍ أخرى عند ... غيره.
- وأنبِّهُ هنا بأنه قد جرى مني في مواضع عِدَّة عدم تعريف المصطلح عند أول ورودٍ له؛ لأنه لم يرد أصالةً أو في بابه الخاص به، وإنما كان ورودُه حينها على سبيل الاستطراد والتَّبَع، ولكني أرجأْتُ التعريف به حتى يُذكر في موطنه اللائق به بحيث يتوقف فهم النص عليه، وهذا سِرُّ ما وقع من الإحالة على لاحق.
- كما أنبِّهُ إلى أن الإحالات على المصادر الواقعة عقب التعريفات لا تعني ضرورةً أن يكون التعريف اقْتُبِس منها نصّاً، بل قد يكون كذلك، أو أنها قاربته، وقد تغايره، فأذكرها لفائدةٍ فيها يمكن تلمُّسها في حالة رجوع القاريء إليها.
- وبالنسبة للمصطلحات الفقهية حرصتُ - كلما كان ذلك متيسِّراً - أن يكون حدُّها وفْقاً للمذهب المالكي؛ لأنها المقصودة بالذات في كتبهم، وأحياناً أُرْدِفُه بتعريفٍ آخر من غير المذهب المالكي؛ لوضوحه وسهولته، فإن لم يتيسَّرْ لي ذلك عرَّفتُ المصطلح من أي مصدرٍ يُعْنى بتعريف المصطلحات الفقهية.
11- ذكرتُ مذاهب الفقهاء في مسائل الخلاف الفروعية التي يذكرها المصنف على سبيل التمثيل، أو تكون ثمرةَ خلافٍ لقاعدة أصولية، أو نحو ذلك.
12- ترجمتُ للأعلام عند أول ورودٍ لذكْر العَلَم.
- وقد راعيت أن تكون الترجمة موجزة تضمنت: اسم العلم، ومذهبه، وبعض صفاته، ووفاته، وذكر بعض كتبه إن وُجدتْ مشيراً إلى ما علمتُهُ مطبوعاً منها بحرف
(ط) بين قوسين.
* وأنبه هنا إلى أني تَجنَّبتُ ترجمة الأعلام المعلومين بالضرورة كالأنبياء والخلفاء الراشدين والصحابة المشهورين والأئمة الأربعة.
13- عزوْتُ الأشعار إلى أصحابها بعد تقرير بُحُورها، وأحلْتُ على أماكن وجودها في دواوين الشعر، وكتب الأدب واللغة.
(1/284)

14- عرَّفتُ بالمواضع والأماكن الغريبة.
15- عرَّفتُ بالكتب الوارد ذكرها في الكتاب، ما لم يكن قد وقع التعريف به في القسم الدراسي.
16- عرَّفتُ بالفِرَق والطوائف والمِلَل والنِّحَل والمذاهب ماعدا المذاهب الفقهية الأربعة المشتهرة؛ لشهرة الانتساب إليها.
17- أَلْحقتُ بالكتاب محتوىً يضمُّ. . فهارس تُعِين المطالع في الكتاب للوصول إلى ما يريد بلا عناءٍ ومشقة.

فهذا منهجي الذي رسمتُ إطاره، وحدَّدتُ مساره، فلم أترك لنفسي الحَبْل على الغارب، بل قيَّدتُ خطاي به غير سارب، فإن قفوته من غير أن يعزب عني أغلبه وأكثره فذاك الأمل المنشود أطيبه وأوفره. وإن وقع مني خلل وتقصير، فأنا خليق به وجدير؛ لأن الإنسان محلُّ الغلط والنسيان، والربُّ أهل التقوى والغفران.
وختاماً أدعو الخالق الباريء المصوِّر ألاَّ ينطبق عليّ ما وُصِف به الناسخ الذي جاء ذكره في كتاب القرافي " نفائس الأصول " (6/2388) إذ قال: ((فائدة: رأيتُ في شرح المقامات أن بعض الفضلاء بعث بناسخٍ إلى صديقٍ له ومعه رُقْعة مكتوب فيها: قد بعثتُ إليك بناسخٍ وأعرِّفك بصفته، أنه إنْ نَسَخ مَسَخ، وإنْ نَقَط غَلَط، وإنْ أَشْكَل أَشْكلَ، ولقد أَمْليْتُه زَيْداً، فسمع عَمْرواً، وكتب خالداً، وقرأ عبد الله)) .
(1/285)