Advertisement

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول 002


شرح تنقيح الفصول في علم الأصول

من بداية الباب الثالث عشر: في فعله صلى الله عليه وسلم إلى نهاية الكتاب
تأليف العالم المحقق / شهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي
(ت 684 هـ)
(دراسة وتحقيق)
رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية

إعداد الطالب
ناصر بن علي بن ناصر الغامدي

إشراف
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور / حمزة بن حسين الفعر

(القسم التحقيقي)
1421 هـ / 2000 م
(1/)

الباب الثالث عشر
في فِعْله صلى الله عليه وسلم (1)
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول
في دلالة فعله صلى الله عليه وسلم
ص: إنْ كان بياناً (2) لمُجْملٍ (3) فحكمه حُكْمُ ذلك المجمل: في الوجوبِ، أوالنَّدْبِ، أو الإباحةِ (4) .
وإن لم يكن بياناً وفيه قُرْبةٌ: فهو عند مَالِكٍ (5) رحمه الله
والأَبْهَرِيِّ (6)
_________
(1) قسَّم بعض الأصوليين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنواعٍ منها: الفعل الجِبِلِّي، والعادي، والدنيوي، والمُعْجِز، والخاصّ به، والبياني، والامتثالي، والمتعدِّي، والفعل المجرد الذي لم يقترن بشيءٍ مما سبق ذكره. ولكلِّ نوع من هذه الأنواع دلالة على الأحكام. انظر: المحقَّق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي شَامَة المَقْدِسي ص 40 - 45، البحر المحيط للزَّرْكشي 6 / 24 - 29. أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية، د. محمد سليمان الأشقر 1 / 215.
(2) البيان لغة: الظهور والوضوح. انظر مادة " بين " في: مختار الصحاح لأبي بكر الرازي. وفي الاصطلاح: عُرِّف بأنه: الدليل. وعُرِّف بأنه: إخراج الشيء عن حيِّز الإشكال إلى حيِّز الوضوح والتجلِّي. وله تعريفات أخر. انظر: قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني 2 / 55، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 / 25، مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص 328.
(3) المجمل لغة: المجموع، اسم مفعول من أجْمل. انظر مادة " جمل " في: لسان العرب لابن منظور. واصطلاحاً: هو اللفظ المتردد بين احتمالين فأكثر على السواء. انظر: شرح تنقيح الفصول للمصنف ص37، 274 (المطبوع) .
(4) حكم هذا القسم حُكي فيه الاتفاق. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2 / 173، منتهى السول والأمل لابن الحاجب ص 48، المحقق من علم الأصول لأبي شامة ص 57، بديع النظام (نهاية الوصول) لابن الساعاتي 1 / 257، أصول الفقه لابن مفلح 1 / 329 - 333، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للشوشاوي (رسالة ماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض تحقيق الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين) القسم الثاني ص 314.
(5) انظر النسبة إليه في: المقدمة في الأصول لابن القصَّار ص 61، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص 310، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للشريف التلمساني ص 569، وعليه أكثر المالكية. انظر: الضياء اللامع شرح جمع الجوامع لحلولو 2 / 129.
(6) انظر النسبة إليه في: إحكام الفصول ص 310، تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول للرَّهُوني
(
رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى بمكة تحقيق / الهادي شبيلي) القسم الأول ص 444. أمَّا ترجمته فهو: محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح التميمي، المعروف بأبي بكر الأَبْهَرِي ـ نسبة إلى أَبْهَر: مدينة مشهورة في أذربيجان ـ رئيس المالكية ببغداد، وإمام في القراءات والفقه، من تلاميذه القاضيان الباقلاني وعبد الوهاب. من تآليفه: " كتاب الأصول "، "إجماع أهل المدينة". ت 375هـ وقيل 395هـ. انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض 4/466، الديباج المُذهَب لابن فرحون ص351، سير أعلام النبلاء للذهبي 16 / 332.
(2/2)

وابن القَصَّار (1) والباَجِيِّ (2) وبعضِ الشافعية (3)
للوجوب، وعند الشَّافعي رحمه الله للندب (4) ،
وعند القاضي أبي
_________
(1) انظر: المقدمة في الأصول له ص 61 - 64.
أما ترجمته فهو: علي بن عمر بن أحمد البغدادي القاضي أبوالحسن، المعروف بابن القَصَّار، من كبار علماء المالكية، ولي قضاء بغداد، له كتاب لا يُعرف للمالكية كتابٌ في الخلاف أكبر منه، وهو "عيون الأدلة وإيضاح الملة في مسائل الخلاف ". ت397هـ. انظر: ترتيب المدارك 4/602، الديباج المذهب ص296، سير أعلام النبلاء 17 / 107، وله كتاب " المقدمة في الأصول " مطبوع بطبعتين.
(2) انظر: إحكام الفصول ص 310، الإشارة في معرفة الأصول للباجي ص 226 - 228. أما ترجمته
فهو: سليمان بن خَلَف التُّجِيْبيّ ـ نسبة إلى تُجِيْب: قبيلة من كِنْدة ـ المعروف بأبي الوليد الباجِي، نسبة إلى بَاجَة بالأندلس. من كبار المالكية، أخذ عن علماء المشرق والمغرب، له مناظرات مع ابن حزم، وله مؤلَّفات نافعة في الأصول وغيره، منها: " إحكام الفصول في أحكام الأصول " (ط) ، " الإشارة في أصول الفقه " (ط) ، " المنهاج في ترتيب الحجاج " (ط) ، " الحدود " (ط) ، " المنتقى شرح الموطأ " (ط) وغيرها.
ت 474هـ. انظر: ترتيب المدارك 4/802، الديباج المذهب ص197، سير أعلام النبلاء 18/535.
(3) انظر: شرح اللمع للشيرازي 1/546، نهاية الوصول في دراية الأصول لصفي الدين الهندي 5/2121، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي وابنه 2 / 265.

والقول بالوجوب رواية عن الإمام أحمد عليها أكثر أصحابه. انظر: العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى 3 / 735، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل الحنبلي 2 / 22، 4 / 126، شرح الكوكب المنير لابن النجار الفتوحي 2 / 187.
(4) نسبه إليه كثير من الأصوليين كما في: البرهان في أصول الفقه للجويني 1 / 322، المحصول في علم أصول الفقه للرازي 3 / 210، نهاية السول في شرح منهاج الأصول للإسنوي 3 / 21، تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي 2 / 910. لكن أبا المظفَّر السمعاني ذكر بأن الأشبه بمذهب الشافعي هو الوجوب. انظر: قواطع الأدلة له 2 / 177.

والقول بالندب هو للظاهرية. انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 1 / 458، وهو اختيار ابن المُنْتَاب وابن العربي والشريف التلمساني من المالكية. انظر: إحكام الفصول ص 310، المحصول في علم الأصول لابن العربي (رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحقيق / عبد اللطيف الحمد) ص 469، مفتاح الوصول ص 570. وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد، انظر: المسودة لآل ابن تيمية ص 187.
(2/3)

بَكْرٍ (1) منا (2) والإمام فخر الدين (3)
وأكثر المُعْتزلة (4) على الوقْف* (5) .
_________
(1) انظر النسبة إليه في: إحكام الفصول ص 310، الضياء اللامع 2 / 130. أما ترجمته فهو: محمد بن الطيِّب بن محمد البصري المعروف بالقاضي أبي بكر البَاقِلاَّنيّ، نسبةً إلى بيع البَاقِلاّ، انتهت إليه رئاسة المالكية في عصره، قيل: إنه شافعي، والصحيح أنه مالكي. وهو متكلم أَشْعري، وُصف بجودة الاستنباط وسرعة الجواب. من شيوخه: أبو بكر الأبهري وابن أبي زَيْد القَيْرواني، ومن تلاميذه: القاضي عبد الوهاب. ومن تصانيفه: في الأصول " التقريب والإرشاد " طبع منه ثلاثة أجزاء، وفي علم الكلام: التمهيد (ط) ، وفي علوم القرآن: إعجاز القرآن (ط) . ت 403 هـ. انظر: ترتيب المدارك 4 / 585، الديباج المذهب ص 363، سير أعلام النبلاء 17 / 190.
(2) ساقطة من متن هـ.
(3) الإمام الرازي قال بالوقف في كتابه: المحصول (3 / 230) ، لكنه اختار الوجوب في كتابه: المعالم في أصول الفقه ص 103، وكذلك في: المنتخب من المحصول (رسالة دكتوراه بجامعة الإمام بالرياض تحقيق/
عبد المُعِزِّ حريز) ص 302. أما ترجمته فهو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين التَّيمْي - نسبة إلى قبيلة من قبائل تَيْم - الرَّازِي - نسبة إلى الرَّيّ، المعروف بابن الخَطِيْب، فقيه شافعي، أصولي، مفسِّر، أشعري، فيلسوف، إمام وقته في العلوم العقلية. له تصانيف عديدة منها، في الأصول: " المحصول " (ط) ،

و" المعالم " (ط) ، و" المنتخب " رسالة بجامعة الإمام، وفي التفسير: "مفاتيح الغيب " (ط) ويسمى بالتفسير الكبير. رجع في آخر حياته إلى عقيدة السلف، ت 606هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 8/81، سير أعلام النبلاء 21/500، وفيات الأعيان لابن خِلِّكان 4 / 248.
(4) انظر النسبة إليهم في: المعتمد 1 / 348، منهاج الوصول إلى معيار العقول في علم الأصول للمهدي أحمد ابن يحيى بن المرتضى (المعتزلي) ص 570، هداية العقول إلى غاية السُّؤْل في علم الأصول للحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد (المعتزلي) 1 / 462 - 463.
والمعتزلة: اسم فرقة ظهرت في القرن الثاني وسموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء (ت 131 هـ)
- مؤسِّسها - مجلس الحسن البصري (ت 110 هـ) . قوي أمرهم في عهد المأمون والمعتصم والواثق "198-232هـ" وحملوا الناس على الاعتقاد بخلق القرآن. من عقائدهم: نفي صفات الله تعالى، وأنه لا يُرى في الآخرة، وأنه لا يَخْلُقُ فِعْلَ العبد، ولهذا يسمون: قدريِّة، سلكوا منهجاً عقلياً بعيداً عن الكتاب والسنة وعقيدة السلف في الاعتقاد. وهم فِرَقٌ شتَّى. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري 1/235. التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع للملطي ص 49، المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها تأليف: عواد المعتق ص 13 - 29.
(5) وممن قال بالوقف الصَّيْرفي، وابن فُوْرَك، والغزالي في: المستصفى (2/219) ، أما في كتابه " المنخول " ص (226) فقد قال بالندب. وهو رواية ثالثة عن الإمام أحمد اختارها أبوالخطاب في التمهيد 2/317. وانظر: الإحكام للآمدي 1/174، المحقق من علم الأصول لأبي شامة ص 67، البحر المحيط 6/31، شرح الكوكب المنير 2 / 188.
وفي المسألة قولان آخران لم يُذكرا وهما:
(2/4)

وأمَّا (1)
ما لا قُرْبة فيه كالأكل والشُّرْب واللِّباس (2) فهو عند الباجِيّ
للإباحة (3) ، وعند بعض أصحابنا (4) للندب (5) .
وأما إقْراره (6) صلى الله عليه وسلم [على الفعل] (7) فيدل على جوازه.

الشرح
البيان يُعدُّ كأنّه (8) منطوقٌ به في ذلك المُبيَّن، فبيانه صلى الله عليه وسلم للحجِّ الوارد في كتاب الله تعالى يُعَدُّ منطوقاً (9) به في آية الحج (10) ، كأنَّ الله تعالى قال: ولله على النَّاس حِجُّ البيت على هذه الصفة. وكذلك بيانه صلى الله عليه وسلم لآية الجمعة (11) فَعَلَها بخطبة وجماعة وجامع
_________
(1) أن فعله صلى الله عليه وسلم المجرد يدل على الإباحة نسبه الفخر الرازي (المحصول 3/230) ، الآمدي (الإحكام
1 / 174) إلى الإمام مالك. لكن قال القرافي: " الذي نقله المالكية في كتب الأصول والفروع عن مالك هو الوجوب - ثم قال - والفروع في المذهب مبنية عليه". نفائس الأصول 5 / 2318.
(
أنه يدل على الحَظْر ولا يعرف له قائلٌ معيَّن وإنما نُسِب إلى بعض من قال بأن الأصل في الأشياء قبل ورود السمعِ التحريمُ. ذكره الغزالي في المستصفى (2/220) وبناه الآمدي في الإحكام (1/174) على من يجوّز المعاصي على الأنبياء. قال أبو شامة: ((هذا قول رديء سخيف على أي الأصلين بُني)) المحقق من علم الأصول ص 72.
() ساقطة من س، ومتن هـ.
(2) ساقطة من س، ق، ومتن هـ.
(3) انظر: إحكام الفصول ص (309) ، وهذا القول هو الأشهر وعليه الأكثر. انظر: تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 439، البحر المحيط للزركشي 6 / 23، شرح الكوكب المنير 2 / 178، فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت لعبد العلي الأنصاري الهندي 2 / 231.
(4) لم أقف على أسمائهم. انظر: إحكام الفصول ص 309، المحصول لابن العربي ص 469، نشر البنود على مراقي السعود للعلوي الشنقيطي 2 / 8. وانظر: المنخول ص228، البحر المحيط للزركشي 6/23.
(5) وقيل بامتناع الاتباع فيه. انظر: المحقق من علم الأصول لأبي شامة ص 45، شرح الكوكب المنير
2 / 179.
(6) الإقرار لغة: الاعتراف والإذعان، مصدر أقرَّ. انظر مادة " قرر " في: لسان العرب. وفي اصطلاح الأصوليين والمحدثين: ((أن يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار قولٍ قيل أو فعلٍ فُعل بين يديه أو في عصره - من غير كافر - وعلم به، مع عدم الموانع)) . انظر: شرح اللُّمع للشيرازي 2/283 البحر المحيط للزركشي 6/54، شرح الكوكب المنير 3/194، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص 548، 555.
(7) ساقط من ق.
(8) في س: ((كونه)) وهو تحريف، لأن ما بعدها لم ينتصب بها.
(9) في ن: ((منطوق)) وهو خطأ نحوي؛ لعدم انتصابه على المفعولية.
(10) وهي قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] .
(11) وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]
(2/5)

وغير ذلك، فصار معنى الآية (1) : يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة - التي (2) هذا شأنها - من يوم الجمعة فاسعوا* إلى ذكر الله. وإذا كان البيان يُعدُّ منطوقاً (3) به في المبيَّن [كان حكمه حكم ذلك (4) المبيَّن] (5) : إن كان (6) واجباً فواجب، أو (7) مندوباً فمندوب، أو مباحاً فمباح.
أدلة القائلين بوجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم إن لم يكن فعله بياناً وفيه قُرْبة
حجة الوجوب: القرآن، والإجماع، والمعقول.
أما القرآن: فقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (8) والفعل [مأتيٌّ به] (9) فوجب أخذه؛ لأن ظاهر الأمر للوجوب.
وقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} (10) جعل تعالى اتباع نبيَّه من لوازم
[محبَّتِنا لله] (11) تعالى، ومحبَّتُنا لله تعالى واجبة، ولازم الواجب واجب، فاتباعه صلى الله عليه وسلم واجب (12) .
وقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ} (13) والأمر للوجوب.
_________
(1) في ق: ((آية الجمعة)) .
(2) ساقطة من ن.
(3) في ن: ((منطوق)) وهو خطأ نحوي؛ لعدم انتصابه على المفعولية.
(4) ساقطة من ق.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(6) ساقطة من س، ق.
(7) في ق: ((وإن)) وهو تكرار لا داعي له.
(8) الحشر، من الآية: 7.
(9) في س "ما يأتي". وهي غير موفية بالمراد، وفي ن: ((مما أتى به)) .
(10) آل عمران، من الآية: 31.
(11) في ن: ((محبة الله)) .
(12) انظر مزيداً من توضيح هذا الاستدلال في: نفائس الأصول 5 / 2320.
(13) هكذا في نسخة ش، جاءت في سياق قوله تعالى: { ... فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] . وفي جميع النسخ الأخرى قوله تعالى {فاتبعوه} وهي من الآية (153) الأنعام، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} وكذا من الآية (155) الأنعام، قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} الآية. والمثبت من نسخة (ش) أليق بالاستدلال؛ لأن عود الضمير عليه صلى الله عليه وسلم أولى من عوده على الصراط أو الكتاب. والله أعلم.
(2/6)

وأما الإجماع: فلأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لما أخبرتهم عائشة رضي الله عنها بأنه صلى الله عليه وسلم اغتسل من التقاء الخِتَانَيْن (1) ، رجعوا إلى ذلك بعد اختلافهم، وذلك يدلُّ على أنَّه عندهم محمول على الوجوب. ولأنهم (2) واصلوا الصيام لمَّا (3) واصل (4) ،
وخلعوا نِعَالهم لمَّا (5) خلع صلى الله عليه وسلم (6) ، وكانوا شديدين الاتباعَ له صلى الله عليه وسلم في أفعاله.
وأما المعقول فمن وجهين:
الأول: أن فعله صلى الله عليه وسلم يجوز أن يكون المراد به الوجوب، ويجوز أن لا يكون، والاحتياط يقتضي حمله على الوجوب (7) .
_________
(1) حديث اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في الغسل من التقاء الختانين واحتجاج عائشة رضي الله عنها بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، انظره في: المصنّف لعبد الرازق 1/249، شرح معاني الآثار للطحاوي (1/58) ، كما ورد موقوفاً على عائشة رضي الله عنها قولها: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ... )) . أخرجه النسائي (196) ، والترمذي (108) وقال: ((حسن صحيح)) ، وابن ماجه (608) وغيرهم، وصححه ابن كثير في كتابه: تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب ص 114، وانظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للزركشي ص 53، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني 1/121.
(2) في س: ((وأنهم)) .
(3) في ن: ((كما)) .
(4) في س: ((وصل)) . وحديث الوِصَال ورد بألفاظٍ مختلفةٍ من طرقٍ عِدَّةٍ في مصادر جَمَّةٍ. منها: ما رواه البخاري (1192) ومسلم (1102) عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل، فواصل الناس فشقَّ عليهم، فنهاهم. قالوا: إنك تواصل. قال: ((لست كهيئتكم، إني أظَلُّ أطْعَم وأسْقَى)) . قال النووي في معنى الوصال:
((
هو صوم يومين فصاعداً من غير أكل أو شرب بينهما)) شرح صحيح مسلم (7/183) .
(5) في ق: ((كما)) .
(6) حديث خلع النعال من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "بينما رسول صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال:» ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ «قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله:» إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قَذراً، أو قال أذىً ... «الحديث. رواه الإمام أحمد (3/20، 92) ، وأبوداود (650) والحاكم (955) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه النووي في: المجموع شرح المهذب 30/140، والألباني في: إرواء الغليل 1/314.
(7) ذكر القرافي في نفائس الأصول (5/2322) بأن الاحتياط والرجحان تارة يكون في أفعال المكلفين، وتارة يكون في أدلة المجتهدين. ففي الأول: الاحتياط والرجحان يقتضي الندب. وفي الثاني: يقتضي الوجوب؛ لإجماع الأمة على أن المجتهد يجب عليه الفتيا بالراجح والعلم به. والاحتياط المذكور هنا هو احتياط في الدليل لا في الفعل.
(2/7)

الثاني: أن تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب إجماعاً، والتزام مثل فعله صلى الله عليه وسلم - على سبيل الوجوب (1) - من تعظيمه، فيتعيَّن (2) .
دليل القائلين باستحباب اتباعه صلى الله عليه وسلم، إن لم يكن فعله بياناً وفيه قُرْبة
حجة الندب: أن الأدلة السابقة (3) دلَّتْ على رُجْحان الفعل (4) ، والأصل الذي هو براءة الذمة دلَّ (5) على عدم الحرج، فيُجْمع بين المُدْرَكَيْن (6) ، فيُحْمل على الندب.
وجوابه: أن ذلك الأصل ارتفع بظواهر الأوامر الدالَّة على الوجوب.
أدلة القائلين بالوقف ت
حجة الوقف: تعارض المدارك (7) .
ولأنه صلى الله عليه وسلم قد يفعل ما هو خاصٌّ به وما يَعُمُّه مع أمَّته، والأصل التوقف حتى يرد البيان (8) .
والجواب عن الأول: قد ذهب التعارض بما تقدَّم (9) من الجواب عن (10) أدلة الخصوم (11) .
وعن الثاني: أن الأصل استواؤه (12) صلى الله عليه وسلم مع أمته في الأحكام إلاّ ما دلّ الدليل عليه.
_________
(1) هنا زيادة ((له)) في ن خلت منها جميع النسخ.
(2) في س: ((فتعين)) .
(3) في ق: ((السالفة)) .
(4) أي الوجوب.
(5) ساقطة من ن.
(6) في ق: ((المَذْكُورَيْن)) .
(7) هذا الدليل الأول.
(8) هذا الدليل الثاني.
(9) وهو جوابه عن حجة القائلين بالندب الآنف الذكر.
(10) في ن: ((على)) . لم أعثر في المعاجم على تعدية الفعل ((أجاب)) بعلى، وإنما يتعدَّى بنفسه وبعن. انظر مادة " جوب " في: لسان العرب، وانظر: الأخطاء الشائعة في استعمالات حروف الجرّ د. محمود إسماعيل عمار ص 59.
(11) في ن: ((الخصوص)) وهو تحريف.
(12) في س: ((استواء)) .
(2/8)

حجة القائلين بأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي لا قُرْبة فيها أنها على الإباحة
حجة الإباحة فيما لا قُرْبة فيه: أن الأصل أن الطلب يتبع مصالح القربات، ولا قُرْبة، فلا مصلحة، فتعيَّنت الإباحة، لعصمته صلى الله عليه وسلم من المنهي (1) عنه، و (2) لأنه خلاف ظاهر حاله (3) .

حجة القائلين بأن أفعاله صلى الله عليه وسلم فيما لا قُرْبة فيها على الندب
حجة الندب: ظواهر الأوامر الدالة على جميع ما أتى به كما (4) تقدمت (5) .
إقرار النبي صلى الله عليه وسلم
ومثال إقراره صلى الله عليه وسلم الدالِّ على الجواز: أنه صلى الله عليه وسلم مَرَّ في مَخْرجه للهجرة برَاعٍ، فذهب أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه فأتاه (6) منه بلَبَنٍ (7) ، فلم يُنْكِر (8) عليه، فدلَّ ذلك على جوازه، ولأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعث والناسُ يأكلون أنواعاً من الملاذِّ من لحوم الأنعام، والفواكه، وغيرها، وكذلك المراكب [وغيرها] (9) ولم ينكرها صلى الله عليه وسلم، فدلَّ ذلك على إباحتها إلاَّ ما دلَّ الدليل على مَنْعه (10) .
_________
(1) في ق: ((النهي)) .
(2) في ق: ((أو)) بدلاً من ((و)) ، وفي ن: ((أولاً و)) .
(3) توضيح هذه الحجة هو: أن طلب الشارع لشيءٍ ما - سواء طلباً جازماً فيكون واجباً، أو غير جازمٍ فيكون مندوباً - إنما يحصل حيث وجدت القربات، وأفعاله صلى الله عليه وسلم كالأكل والشرب ليست قربة، فلا تكون مطلوبة، وهي ليست منهياً عنها أيضاً لعصمته، ولأنه خلاف ظاهر حاله في تجنب المحرمات والمكروهات فلم تبق إلا الإباحة.
(4) في س: ((مما)) .
(5) تقدمت هذه الأدلة ص (6) منها قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ، وقوله:
{فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وغيرها. فظاهر الأمر عموم اتباعه صلى الله عليه وسلم فيما فيه قربة وما لا قربة فيه، والظاهر في أفعاله التشريع؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات. ولمزيدٍ من التفصيل في حجج الإباحة والندب مع المناقشات انظر: إحكام الفصول ص 309، المحقق من علم الأصول لأبي شامة ص45 وما بعدها. أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم د. محمد الأشقر 1/219-249.
(6) في س: ((فأتى)) .
(7) الحديث فيه قصة طويلة، أخرجه البخاري (2439) ، (3652) ، ومسلم (2009) . انظر وجه إقراره صلى الله عليه وسلم في: شرح صحيح مسلم للنووي 18/116، فتح الباري لابن حجر 5/118، 7/12.
(8) هنا زيادة ((ذلك)) في ق.
(9) ساقط من ق.
(10) مسألة الإقرار وحجيته وشروطه وأنواعه، انظرها في: الإحكام لابن حزم 1 / 471، إحكام الفصول
ص 317، قواطع الأدلة 2 / 196، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل 2 / 24، الإحكام للآمدي 1/188، كشف الأسرار للبخاري 3/287، مفتاح الوصول ص 584، شرح الكوكب المنير 2/166، 194، تيسير التحرير لأمير بادشاه 3/128.
(2/9)

الفصل الثاني
في اتباعِهِ صلى الله عليه وسلم (1)
ص: قال جماهير الفقهاءِ والمعتزلةِ (2) : يجب اتباعُه صلى الله عليه وسلم في فِعْله، إذا عُلِم وجْهُه [وجب اتباعه] (3) في ذلك الوَجْه، لقوله تعالى: {وَمَا?آتَاكُم الرَّسُولُ?فخُذُوهُ} (4) والأمر ظاهر في الوجوب (5) .
وقال أبو علي بن خَلاَّدٍ (6) به (7) في العبادات فقط (8) .
_________
(1) هذه المسألة تسمَّى: بمسألة التأسِّي به صلى الله عليه وسلم. فمن سمَّاها: اتباعه صلى الله عليه وسلم فباعتبار قوله تعالى: "واتبعوه " [الأعراف: 158] ، ومن سمَّاها: التأسِّي به فباعتبار قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] .

ومرادهم بالاتباع أو التأسِّي بالرسول صلى الله عليه وسلم هو: أن نفعل صورة ما فَعَل، على الوجه الذي فعل، لأجل أنه فعل. ويكون التأسِّي به في الترك أيضاً: بأن نترك مثل ما ترك، على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك. ولكن الاتباع أوسع من التأسِّي؛ لأنه يشمل الاتباع في القول والفعل. انظر: المعتمد 343، بذل النظر في الأصول للأسْمَنْدي ص501 - 503، الإحكام للآمدي 1/172، شرح الكوكب المنير 2 / 196.
ويلاحظ هنا: أن هذه المسألة قد تلتبس بالمسألة السابقة في الفصل الأول ص (2) ، لأن القائلين هناك بأن دلالة فعله صلى الله عليه وسلم على الندب أو الوقف أي لا يجب التأسي، يقولون هنا: إنه يجب اتباعه صلى الله عليه وسلم والتأسِّي به. قال القرافي: ((هذه المسألة في غاية الالتباس بالتي قبلها، غير أنّ الفرق بينهما من جهةٍ، وهو أن البحث في المسألة الأولى أنه: هل نُصِبَ فِعْلُه عليه الصلاة والسلام دليلاً أم لا؟ فإن لم يُنْصَب دليلاً - كما في إمام الصلاة والخليفة وولاة الأمور - لكِن يجب اتباعه، كما تجب طاعتهم واتباعهم، وإن كنا لا نقول: بأنَّ أفعالهم نصبت دليلاً شرعياً)) انتهى بتصرّف من: نفائس الأصول 5 / 2334.
كذلك يمكن أن يُعرف الفرق بين المسألتين بأن الأولى: في دلالة فعله صلى الله عليه وسلم المجرّد وقد جُهِلت الصفة التي أوقعه عليها، آلْوُجوبُ أم الندب أم الإباحة؟. أما هنا فقد عُلِمت الصفة فوجب التأسِّي به على الوجه الذي أوقعه عليه.
(2) في س: ((وأكثرُ المعتزلة)) وهو من انفراداتها، وهو صواب أيضاً؛ لأنّ ابن خَلاَّد منهم، ولم يَقُلْ بقولهم. والمثبت هنا مَخْفُوضٌ لعطفه على ((الفقهاء)) وتقديره: ((وجماهير المعتزلة)) .
(3) ساقط من س.
(4) الحشر، من الآية: 7.
(5) انظر هذا القول وأدلته عند الجماهير من الفقهاء والمعتزلة في: المعتمد 1/354، التمهيد لأبي الخطاب
2 / 313، بذل النظر ص511، نهاية الوصول للهندي 5/2154، تحفة المسؤول للرهوني القسم
1 / 443، هداية العقول للحسين بن القاسم 1 / 462.
(6) هو: أبو علي محمد بن خَلاَّد البصري المعتزلي، تتلمذ على أبي هاشم الجبَّائي، وهو صاحب كتاب
" الأصول " وكتاب "الشرع " وغيرهما. مات ولم يبلغ حَدَّ الشيْخُوخة. انظر: طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ص 324، الفهرست لابن النديم ص 305.
(7) ساقطة من ق، ن.
(8) انظر مذهب ابن خلاَّد في: المعتمد 1 / 354، منهاج الوصول للمهدي ابن المرتضى ص 568، هداية العقول للحسين بن القاسم 1/462. وفي المسألة أقوال أخرى، منها: أن التأسي على الندب، ومنها:
(2/10)

طرق معرفة صفات أفعاله صلى الله عليه وسلم
وإذا وجب التأسِّي به وجب معرفةُ وَجْهِ فِعْله صلى الله عليه وسلم من الوجوب والندب والإباحةِ (1) : إمَّا بالنصِّ.
أو بالتخْيِيْر بينه وبين غيره فيما (2) عُلِم فيه [وجهٌ (3) ، فيُسَوَّى به (4) ] (5) .
أو بما يدلُّ على نفي قِسْمين فيتعيَّنُ الثالث.
أو بالاستصحاب في عدم الوجوب، وبالقُرْبةِ (6) على عدم (7) الإباحة فيَحْصُل (8) الندب.
وبالقَضَاءِ (9) على الوجوب.
وبالإدَامة مع التَّرك في بعض الأوقاتِ على الندب (10) .
وبعلامة الوجوب عليه كالأذان.
_________
(1) أنه على الإباحة، ومنها: التوقف، ومنها: المنع من التأسي. انظر: أصول السرخسي 2 / 86، قواطع الأدلة 2 / 179، المحقق من علم الأصول لأبي شامة ص 58، المسودة ص 186، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج 2 / 403، التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص 245، إرشاد الفحول للشوكاني 1 / 168.
() انظر أوجه فعله صلى الله عليه وسلم في: المعتمد 1 / 356، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 329، بذل النظر ص 510، الإبهاج 2 / 271، التوضيح لحلولو ص 245 - 246، نشر البنود 2/10.
(2) في س، متن هـ: ((مما)) .
(3) هنا زيادة ((ثبوته)) في متن هـ.
(4) في ن: ((بينه)) وهو تحريف؛ لأن الكلام ما تمَّ بها، بل لابد أن يأتي بعدها ((وبينه)) .
(5) ما بين المعقوفين في ق هكذا: ((وجه تسويته)) .
(6) في ق: ((القرينة)) والمثبت أصرح؛ لأن القربة من القرائن.
(7) في س، ومتن هـ: ((نفي)) .
(8) في متن هـ: ((فيتعيّن)) .
(9) القضاء لغة: الحكم ويأتي بمعنى الأداء. انظر مادة " قضي " في: مختار الصحاح.
وعرَّفه المصنف اصطلاحاً بأنه: إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عيَّنه الشرع لمصلحةٍ فيه. شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 73.
(10) أي من طرق معرفة الندب، المواظبة على الفعل مع الإخلال به أحياناً لغير عُذْر ولا نَسْخٍ. مثاله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بالأعلى والغاشية. رواه مسلم (878) . وقد أخلَّ بذلك، فكان يقرأ بالجمعة والمنافقون. رواه مسلم (877) . فمداومته على قراءة الأعلى والغاشية قد تشعر بالوجوب، فلما قرأ بغيرهما استفدنا الندب إذ الواجب لا يُخَلُّ به.
(2/11)

وبكونه جَزَاءً لسببِ الوجوبِ كالنَّذْر (1) .
الشرح
معنى (2) يجب اتباعه في ذلك الوجه أيْ: إنْ فَعَلَه على وجه الندب وَجَبَ علينا
أنْ نفعله على وجه الندب، أو فَعَله صلى الله عليه وسلم على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله كذلك (3) ، إذ لو خالفناه (4) في النيَّة ذهب الاتباع.
حجة ابن خلاَّد
ووجه تخصيص الوجوب بالعبادات: قوله صلى الله عليه وسلم: ((خُذُوا عَنِّي مناسككم)) (5)
و ((صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي)) (6) وظاهر المنطوق (7) الوجوب، لأنه أمر، ومفهومه (8) أن غير المذكور لا يجب وهو المطلوب، ولحديث (9) بَرِيْرة (10) قالت: يا رسول الله أَفَأَمْرٌ (11) منك أم تَشْفع؟ فقال:» إنمّا أنا شفيع «. فقالت: لا حاجة لي به (12) .
_________
(1) النَّذْر لغة: الإيجاب والالتزام والوعد. انظر مادة " نذر " في: القاموس المحيط. واصطلاحاً: التزام مسلمٍ مكلَّفٍ قُرْبةً. أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك مع الشرح الصغير للدَّرْدير 2 / 249.
(2) في س: ((معناه)) وهو خطأ؛ لعدم انسجام السياق بها.
(3) هنا زيادة ((على وجه الوجوب)) في ن ولا حاجة لها، لإنها تكرار.
(4) في ن: ((خالفنا)) والمفعول معلوم من السياق.
(5) هذا لفظ البيهقي في: السنن الكبرى 5/125، وابن عبد البَرِّ في: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 7 / 272، ورواه مسلم (1297) بلفظ ((لتأخذوا مناسككم..)) .
(6) رواه البخاري (631) .
(7) المنطوق لغة: اسم مفعول من نَطَقَ بمعنى: تكلَّم. انظر مادة " نطق " في: لسان العرب. واصطلاحاً: ما دلَّ عليه اللفظ في محلِّ النطق. منتهى السول والأمل لابن الحاجب ص 147.
(8) المفهوم لغة: اسم مفعول من فَهِم أي: عَلِم وعَقَل. انظر مادة " فهم " في لسان العرب. واصطلاحاً: ما دلَّ عليه اللفظ في غير محلِّ النطق. منتهى السول والأمل لابن الحاجب ص147.
(9) في ق: ((وبحديث)) بالباء.
(10) بَريْرة مولاة لعائشة رضي الله عنها. قيل: كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل عُتْبة بن أبي إسرائيل، وقيل غير ذلك. اشترتها عائشة رضي الله عنها فأعتقتها، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها. وقصتها في ذلك في الصحيحين: البخاري (5279) ، مسلم (1504) . انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 8/50
(11) في ق: ((أبِأََمْرٍ)) .
(12) الحديث من رواية ابن عباس رضي الله عنه أن زوج بَرِيْرة كان عبداً يقال له: مُغِيْث. كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباسٍ:» يا عباس ألا تعجب من حُبِّ مُغِيْثٍ بَرِيرةَ ومن بُغْضِ بَرِيرةَ مُغِيْثاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:» لو رَاجَعْتِهِ «. قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال:» إنما أنا أشفع «. قالت: لا حاجة لي فيه. رواه البخاري (5283) .
(2/12)

فدلّ على أن ما عدا الأمر الجازم لا يجب الاتباع فيه (1) .
وأصل التخيير التسوية: فإذا خُيِّر بين ذلك الفعل وبين ما عُلِم وجوبه كان ذلك الفعل واجباً، أو خُيِّر بينه وبين مندوب كان ذلك الفعل مندوباً، أو بينه وبين ما عُلِمتْ إباحته كان ذلك الفعل مباحاً.
سؤال: قال بعض [فضلاء* العصر] (2) : قول العلماء التخيير يقتضي التسوية (3) يُشْكل، فإن (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم أتِيَ (5) ليلة الإسراء بقَدَحين، أحدهما لَبَن والآخر خَمْر، وخُيِّر بينهما، فاختار اللَّبَن، فقال له (6) جبريل عليه السلام لو اخْترتَ الخمر لغَوَتْ أمَّتُك (7) . فالخمر موجِبٌ للإغواء، ومع ذلك خُيِّر بينه وبين موجب الهداية وهو اللَّبَن، وموجب الهداية مأمور به، وموجب الغَيّ والإغواء منهيٌ عنه، فقد وُجِد (8) التخيير لا مع الاستواء في الأحكام.
جوابه: أنَّ الحكم الشرعي كان في القدحين واحداً (9) ، وهو الإباحة، غير أنَّ الشيئين قد يستويان في الحكم الشرعي، ويكون* اختلافهما بحسب العاقبة (10) لا بحسب الحكم، كما انعقد الإجماع على جواز بناء ما شِئْنا من الدُّوْر وشراء ما شِئْنا من
_________
(1) ذكر المصنف حديث بَرِيْرة ليدلِّل على مذهب ابن خَلاَّد في أن التأسي به صلى الله عليه وسلم لا يكون في غير العبادات كالمناكحات والمعاملات..فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان شافعاً في مسألة المراجعة لا آمراً.
(2) ما بين المعقوفين في س: ((الفضلاء)) . ولم أقف على اسمه. وانظر السؤال وجوابه في: نفائس الأصول
5 / 2339.
(3) انظر قاعدة: التخيير واقتضائه التسوية أو عدمها في: الفروق للقرافي 2 / 8.
(4) في ق: ((بأن)) .
(5) في س: ((أوتي)) ولعلَّه تحريف؛ لأن روايات الحديث عبَّرت بالإيتاء وليس بالإتيان، ولأن ((أوتي)) يتعدى بنفسه لا بحرف الجرّ الباء. انظر مادة " أتي " في: لسان العرب.
(6) ساقطة من ن.
(7) الحديث رواه البخاري (3394) ومسلم (272) كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» ... ثم أتِيْتُ بإناءين، في أحدهما لَبَن وفي الآخر خمر. فقال: اشْربْ أيَّهما شِئْتَ. فأخذْتُ اللَّبن فشربْتُه. فقيل: أخَذْتَ الفِطْرة، أمَا إنك لو أخذْتَ الخمر غَوَتْ أمتك «. واللفظ للبخاري.
(8) في ن: ((وجب)) وهو صحيح أيضاً؛ لأن وجب بمعنى: ثبت. انظر مادة " وجب " في: لسان العرب.
(9) في ن: ((واحدٌ)) وهو خطأ نحوي. والمثبت هو الصواب، لأن خبر ((كان)) منصوب.
(10) في س: ((القاعبة)) وهو تحريف.
(2/13)

الدَّواب وزواج ما شِئْنا من النِّساء، ومع ذلك إذا عَدَل الإنسان عن أحد هذه إلى غيره (1) أمكن أن يقول له صاحب الشرع: لو اخترت تلك الدار أو الدابة أو المرأة لكانت مشئومة، كما جاء في الحديث (2) ، وإنْ كان للعلماء فيه خلاف في تأويله (3) ،
غير أن ذلك لا يمنع التمثيل (4) ، فإنه يكفي الإمكان فيما يُتَوَقَّعُ في (5) العواقب ولا (6) يُغيِّر الحكم الشرعي، كذلك القَدَحان حكمهما الإباحة، وأخبر جبريل عليه السلام أن الله تعالى* ربط بأحدهما حسن العاقبة، وبالآخر سوء العاقبة، وذلك غير الأحكام الشرعية. نعم، لو قال جبريل عليه السلام لو اخْتَرْتَ الخمر لأَثِمَتْ [أمَّتُك] (7) أشْكَل. أما العواقب فلا تُناقِض تَقَدُّم الإباحة.
وقولي: " أو بما يدلُّ على نفي قسمين فيتعيّن الثالث " معناه: أنَّ فِعْل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقع فيه (8) محرَّم لعصمته، ولا مكروه لظاهر حاله، فلم يَبْقَ إلا الوجوب والندب والإباحة، فهي ثلاثة، إذا دلَّ الدليل على نفي اثنين منها تعيَّن الثالث لضرورة الحَصْر،
_________
(1) في س، ق: ((غيرها)) وهو محتمل على تقدير عود الضمير على المعدود المحذوف، تقديره ((الأشياء)) . والله أعلم.
(2) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار «رواه البخاري (2858) ومسلم (2225) .
(3) من هذه التأويلات:
أ - أنَّ هذه الأشياء أكثر ما يتطيَّر به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره.
ب - إنْ كان الله خَلَق الشؤم في شيءٍ مما جرى من بعض العادة، فإنما يخلقه في هذه الأشياء، فالنفوس يقع
فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها. ويؤيد هذا المعنى حديث مسلم (2226) "إن كان، ففي المرأة
والفرس والمسكن " يعني الشؤم.
جـ - شؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للرِّيَب، وشؤم الفرس ألاَّ يُغْزى عليها، وشؤم الدار
ضيقها وسوء جيرانها.

انظر: فتح الباري لابن حجر 6/76. شرح صحيح مسلم للنووي 14 / 184.
(4) في س: ((التمسك)) .
(5) في ن: ((مِنْ أنّ)) .
(6) في ن: ((لا)) بدون الواو.
(7) هكذا أثبتت في هامش نسخة ز. وهو أليق في التعبير مما جاء في جميع النسخ، إذ خلتْ منها.
(8) في س، ن: ((في فعله)) وهو تكرار.
(2/14)

فإذا ذهبت الإباحة والندب تعيَّن الوجوب، [أو الوجوب والإباحة تعيَّن الندب] (1) ، أو الندب والوجوب تعيَّنت الإباحة.
ومعنى " الاستصحاب في عدم الوجوب وبالقُرْبة على عدم الإباحة " أي: من وجوه الاستدلال، أن يقول (2) : هذه قُرْبة لأنها صلاة أو صيام - مثلاً - فلا تكون مباحة؛ لأن الأصل في هذه الأبواب عدم الإباحة (3) ، والأصل أيضاً عدم الوجوب (4) فيتعين (5) الندب.
وبالقضاء على الوجوب: هذا على مذهب مَالِكٍ أنَّ النوافل لا تُقْضَى (6) . وأما على قاعدة الشَّافِعي أن العيدين يُقْضيان وكل نافلة لها سبب (7) فلا نقدر أن نقول: هذا الفعل (8) قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون واجباً، لأن القضاء ليس من خصائص الواجب، وإنّما يأتي ذلك على مذهب مالك ومن قال بقوله (9) .
_________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(2) في ن: ((تقول)) .
(3) أي الأصل في القربات: الندب أو الوجوب.
(4) أي الأصل (الاستصحاب) : براءة الذمَّة من الوجوب.
(5) في ن: ((فتعيّن)) .
(6) قال خليلٌ في مختصره: ((ولا يُقضى غيرُ فَرْضٍ إلاّ هي - يقصد ركعتي الفجر - فللزَّوال)) قال الحَطَّاب: هذا هو المشهور. وقيل: لا يقضيهما. مواهب الجليل لشرح مختصر خليل (2 / 392) ، وقال ابن جُزَيّ المالكي: ((ومن فاتته نافلةٌ لم يَقْضِها في المذهب إلا من فاتته ركعتا الفجر فيقضيهما بعد طلوع الشمس وفاقاً لهم)) ، أي للأئمة الثلاثة. قوانين الأحكام الشرعية ص 86.
(7) قال النووي في المنهاج: "ولو فات النَّفْل المؤقت نُدب قضاؤه في الأظهر". قال الشارح الشربيني: "خرج بالمؤقَّت ما له سبب كالتحيَّة والكسوف فإنه لا مدخل للقضاء فيه ". فعُلم من هذا أنه ليس كل نافلة لها سبب أنها تُقضى. والنوافل التي لها سبب كثيرة منها: الكسوف والاستسقاء والتحيَّة وركعتا الطواف وسنة الوضوء وسجدة الشكر والتلاوة.. إلخ. انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للخطيب الشربيني 1 / 310، 457.
(8) ساقطة من ق.
(9) ممن قال بقوله: أبو حنيفة، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية عنه. انظر: بدائع الصنائع للكاساني 2/273، المغني لابن قدامة 2 / 533، 544، المجموع شرح المهذب للنووي 3 / 532، نيل الأوطار للشوكاني 3 / 26.
(2/15)

وأما كون الأذان لا يكون إلا في واجب فظاهر، فإذا بَلَغَنا أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان لصلاةٍ، قلنا: تلك الصلاة واجبة لوجود خصوصية (1)
الوجوب.
وإذا بَلَغَنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نذر صلاة أو غيرها من المندوبات وفعلها قضينا على ذلك الفعل بالوجوب، لأن فعل المنذور واجب.
فهذه وجوهٌ من الاستدلال (2) على حكم أفعاله صلى الله عليه وسلم إذا وقعت.
تعارض فعله صلى الله عليه وسلم مع قوله، وتعارض الفعلين
ص: تفريع (3) :
إذا وَجَب الاتباع، وعارض [فِعْلُه صلى الله عليه وسلم قَوْله] (4) : فإن تَقَدَّم القولُ وتَأَخَّر الفعلُ نسخ (5) الفعلُ القولَ، كان القولُ خاصاً (6) به أو بأمته أو عمهما، وإن (7)
_________
(1) في ق، ن: ((خَصِيْصَة)) . لم أجدها فيما اطلعت عليه من المعاجم حاشا " المعجم الوسيط ". ففيه
((
الخَصِيصة: هي الصفة التي تميز الشيء وتحدده)) .
(2) في ن: ((الاستلالات)) ، وفي ق: ((الاستدلات)) وهو تحريف.
(3) فرَّع المصنف مسألة تعارض الأفعال على القول بوجوب التأسي به صلى الله عليه وسلم، لكنه اختصر عرض هذه الصور واقتصر على بعضها دون بعض.

قال حلولو: ((التعارض بين الشيئين هو تقابلهما على وجهٍ يمنع كلُّ واحدٍ منهما مقتضى الآخر أو بعض مقتضاه. وهو إما بين القولين، ومحله الترجيح، وإما بين الفعلين أو بين القول والفعل)) . التوضيح ص247. ثم حصر صور التعارض في (36) صورة. أما الحافظ العلائي في كتابه: تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال ص (121-123) فحصرها في (60) صورة بطريق التقسيم العقلي وقال: ((وأكثرها لا يقع له مثالٌ في السنة، ولهذا لم يعتمد هذا التقسيم أحدٌ في مصنفه مجموعاً هكذا، بل يذكر كلٌ واحدٍ شيئاً - ثم قال - وإنما تُذكر للتمرين وبيان الأحكام)) وأما ابن النجار الفتوحي في كتابه: شرح الكوكب المنير (2 / 200) فحصرها في (72) صورة. وأكثر ما وقفت عليه من حصر هذه الصور ما ذكره الدكتور / محمد الأشقر في كتابه النفيس: أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم 2/206 حيث حصرها في (144) صورة وقال: ((إلاَّ أن بعضها لا يُعقل، وبعضها لا فائدة في تفصيله، وبعضها لا يُعرف له أمثلة في السنة)) . ثم اختصرها في (18) صورة ذات أهمية وأثر.
(4) ما بين المعقوفين في ق هكذا: ((قوله صلى الله عليه وسلم فعله)) بتقديم وتأخير.
(5) سيأتي مبحث " النسخ " في الباب التالي لهذا الباب. انظر تعريفه ص 42.
(6) الخَاصُّ لغة: المُنْفَرِد وهو ضِدّ العام. انظر مادة " خصص " في: لسان العرب. واصطلاحاً: هو لفظ وضع لمعنى واحدٍ على سبيل الانفراد. انظر: كشف الأسرار للبخاري 1/88.
(7) في ن: ((وإذا)) وهي أداة شرط للمحقَّق، بينما ((إنْ)) أداة شرط للمُمْكن، وتأتي ((إنْ)) في موضع ((إذا)) وكلاهما سائغ هنا. انظر: مادة " أنن " في لسان العرب، ومادة " إنما " في: المصباح المنير.
(2/16)

تأخَّر القولُ - وهو عامٌّ (1) له ولأمته صلى الله عليه وسلم - أَسقَطَ (2) حُكمَ الفعلِ عن الكل، وإن اخْتَصَّ بأحدهما خصَّصهُ عن عمومِ حكمِ الفعل.
وإِنْ تَعَقَّبَ الفعلُ القولَ من غير تراخٍ وعَمَّ القولُ له ولأمته عليه الصلاة والسلام خصَّصه عن عموم القول، وإن اخْتَصَّ بالأُمَّةِ تَرَجَّح القول [على الفعل، وإنْ اختصَّ به جاز إن جوَّزْنا (3) نسخ الشيء قبل وقته (4) ] (5) ، [وإلاّ فلا (6) .
وإنْ لم يتقدَّم واحدٌ منهما رجح القول] (7) ؛ لاستغنائه [بدلالته عن غيره] (8) من غير عَكْسٍ (9) .
فإن عارض الفعلُ الفعلَ بأنْ يُقِرَّ شَخْصاً على فِعْلٍ فَعَلَ - هو صلى الله عليه وسلم - ضِدَّه فيُعْلَم خروجُه عنه. أو يفعل صلى الله عليه وسلم ضِدَّه في وقتٍ يُعْلم [لزومُ مِثْلِه له] (10) فيه فيكونُ نَسْخاً للأول (11) .
_________
(1) العَامُّ لغة: الشامل، من عمَّ الشيءُ: بمعنى شَمِل. انظر مادة " عمم " في: القاموس المحيط. واصطلاحاً هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وَضْعٍ واحدٍ دفعةً مِنْ غير حَصْرٍ. انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص 359.
(2) انظر: نفائس الأصول 6/2348 وما بعدها، لتعرف لماذا عبر المصنف بالسقوط بدلاً من النسخ
والتخصيص.
(3) في ن: ((جُوِّز)) .
(4) في ق: ((وقوعه)) .
(5) ما بين المعقوفين ساقط من س، متن هـ.
(6) توضيح العبارة السابقة: أن القول إذا اختص بالأمة، وجاء الفعل عقيبه، فلا نجوِّز احتمال اختصاص القول به، صيانةً له من الوقوع في المخالفة والمعاندة. وإن جوزنا احتمال اختصاص القول به فهو بناءً على تجويزنا نسخ الشيء قبل حضور وقته.
(7) ما بين المعقوفين ساقط من س، ق، متن هـ.
(8) ساقط من ن.
(9) هذا ما اختاره المصنف، وفي مسألة: " جَهْل المتقدم والمتأخر من القول والفعل " أقوال أخرى، منها: الفعل مقدَّم؛ لأنه أقوى في البيان، ومنها: الوقف حتى يتبيّن التاريخ. قال ابن العربي: ((ومالك رحمه الله تختلف فتاويه، فتارةً يقدِّم القول، وتارةً يقدِّم الفعل، وذلك بحسب ما يعطيه الدليل المغاير لهما. فدلّ على أن مذهبه يقتضي أنهما متعارضان تعارضاً مستوياً، فيجب طلب الدليل في غيرهما)) . المحصول له ص 478. انظر: إحكام الفصول ص315، قواطع الأدلة 2 / 194، المحصول للرازي 3/256-259، نفائس الأصول 6/2346، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 26 - 27، شرح الكوكب المنير 2/199، تيسير التحرير 3/148.
(10) ما بين المعقوفين في ن هكذا: ((لزومه)) .
(11) انظر الأمثلة على هذه الصور السالفة الذكر في: رفع النقاب للشوشاوي القسم 2 / 338 - 347.
(2/17)

الشرح
القاعدة (1) : أن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا، وتأخَّر أحدُهما عن (2) الآخر كان المتأخرُ [ينسخ المتقدِّمَ] (3) .
مسألة تقدُّم القول وتأخُّر الفعل
ولذلك قلنا: ينسخُ الفعلُ القولَ، إذا تأخر. فإن كان خاصاً به والفعلُ أيضاً منه حصل النسخ (4) . والخاصُّ بأمته يتقرَّر حُكْمه سابقاً ثم يأتي الفعل بعد ذلك (5) ، ويجب تأسِّيهم به صلى الله عليه وسلم فيتعلق بهم حكم الفعل أيضاً، وهو مناقض لما تقدَّم في حقِّهم من القول، فينسخ (6) اللاحقُ السابقَ في حقِّهم أيضاً (7) ؛ لأنه القاعدة. وكذلك أيضاً (8) إذا عَمَّهما (9) ، وحكم الفعل أيضاً يعمُّهما (10) ؛ أما هو صلى الله عليه وسلم فلأنَّه المباشر له، ولا يباشر شيئاً إلا وهو يجوز له صلى الله عليه وسلم [الإقدامُ عليه] (11) ، وأمَّا هُمْ فلوجوب تأسِّيهم به وانْدِرَاجِهم في
_________
(1) أي هذه قاعدة من قواعد الترجيح بين الأدلة المتعارضة. انظر: باب التعارض والترجيح في الباب الثامن عشر، ص 413.
(2) في ن: ((من)) ولم أجد فيما اطلعت عليه من المعاجم تعدِّي الفعل " تأخر " بـ" من ".
(3) في ن، ق: ((نسخاً للمتقدم)) خلافاً لجميع النسخ. ويلاحظ على هذه القاعدة: أنه لا يُصار إلى النسخ إلا بعد تعذُّر الجَمْع بينهما، كما هو مذهب جمهور الأصوليين، وقد ذكر المصنف ذلك في مبحث الترجيح ص (413) فقال: ((وإذا تعارض دليلان، فالعمل بكلِّ واحدٍ منهما من وجْهٍ أولى من العمل بأحدهما دون الآخر ... )) . والقول بالنسخ أو الترجيح أولاً عملٌ بأحدهما دون الآخر. انظر: الرسالة للشافعي ص341، الموافقات للشاطبي 5/342 وما بعدها.
(4) حصل النسخ في حقه دون أمته، لأن القول خاص به، أما أمته فيلزمها مثل فعله لوجوب التأسي به.
(5) أي: والقول الخاص بأمته كأن يقول: يجب عليكم صوم يوم عاشوراء، ثم يفطر فيه صلى الله عليه وسلم، وقد دل الدليل على وجوب التأسي به.
(6) في ق: ((فنسخ)) .
(7) أي: في حق أمته دونه صلى الله عليه وسلم، فلا يحصل له النسخ، لأن القول لم يتناوله.
(8) ساقطة من س، ق.
(9) في س: ((عمها)) وهو تحريف؛ لأن المراد تعميم النبي صلى الله عليه وسلم والأمة.
(10) في س: ((يعمها)) وهو تحريف؛ للعلّة السابقة.
(11) ساقط من س.
(2/18)

كلِّ ما شُرع له صلى الله عليه وسلم إلاَّ مادلَّ الدليل عليه، فيتناقض (1) ما تقدَّم في حقِّهم (2) من دلالة القول، فينسخ (3) الفعلُ المتأخرُ القولَ المتقدِّمَ (4) عنه وعنهم.
مسألة تقدُّم الفعل وتأخُّر القول
وبهذا يظهر أن القول إذا تأخر عن الفعل نسخه (5) بطريق الأوْلى إذا عمَّهما؛ لأنه أقوى من الفعل، والأقوى أولى بالنسخ للأضعف من غير عكس. فإنْ اختص القول بأحدهما أخرجه عن عموم حكم الفعل، وبقي الآخرُ على حكم الفعل (6) ؛ لعدم معارضة القول له في ذلك القسم، والنسخ لابدَّ فيه من التعارض.
مسألة تعقُّب الفعلِ القولَ
وإنْ تعقَّب الفعلُ القولَ من غير تَرَاخٍ، تَعَذَّر في هذه الصورة النسخُ؛ لأنَّ من شرط النسخ التراخي على ما سيأتي (7) ، وإذا تعذَّر النسخ لم يبْقَ إلا التخصيص. فإذا كان النص عامّاً له ولأمته صلى الله عليه وسلم خَصَّصه - هو صلى الله عليه وسلم - من (8) عموم ذلك القول، فيُعْلم أنه صلى الله عليه وسلم غيرُ مُرادٍ بالعموم. وإن اختَّص القول بالأمة، والفعلُ أيضاً شأنه أن يترتَّب في حقِّهم حُكْمُه، وهما متناقضان متعارضان، فيُقَدَّم القولُ على الفعل لقوته؛ لأن دلالته بالوَضْع (9) ، فلا يفتقر إلى دليلٍ يدلُّ على أنه حُجَّة، بخلاف الفعل لولا قوله تعالى:
_________
(1) في ق: ((فيناقض)) .
(2) وحقه صلى الله عليه وسلم.
(3) في ق: ((فنسخ)) .
(4) ساقطة من س.
(5) في ن: ((ينسخه)) .
(6) معنى العبارة: إن تأخر القول عن الفعل كأنْ يصلي النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وكان القول خاصاً به كأن يقول: لن أصلي إلى بيت المقدس، خرج هو عن حكم الفعل، وبقيت أمتَّه على حكمه. وإن كان القول خاصّاً بأمتِّه، كأنْ يقول لهم: لا تصلُّوا إلى بيت المقدس، خرجتْ عن حكم الفعل وبقي هو صلى الله عليه وسلم على حكمه. انظر المعتمد 1/360.
(7) انظر: الباب الرابع عشر: في النسخ ص 43، 45.
(8) في س: ((عن)) والمثبت أظهر، لتضمُّن حرف " من " معنى البعضيَّة.
(9) عرَّف المصنف الوَضْع بأنه: جَعْل اللفظ دليلاً على المعنى، وذكر أقسامه. شرح تنقيح الفصول ص20 (المطبوع) . والدلالة اللفظية الوَضْعية: هي كون اللفظ بحيث متى أطْلق أو تُخُيِّل فُهِم منه معناه للعلم بوَضْعه. التعريفات للجرجاني ص140.
(2/19)

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (1) ونحوه لتَعذَّر علينا نَصْبُ الفعل دليلاً.
مسألة تعارض الفعلين
وإذا فَعَل صلى الله عليه وسلم فِعْلاً وعُلِم بالدليل أنَّ غيره مكلَّفٌ بذلك الفعل، ثم يَرَى غيره يفعل ضِدَّ ذلك الفعل، فيُعْلم أن هذا الفاعلَ لهذا الضِدِّ خارجٌ من حكم ذلك الفعل المتقدِّم (2) ، ويبقى غَيْرُ هذا الذي أقرَّه (3) عليه* السلام مُنْدرِجاً في حكم ذلك الفعل.
أو يُعْلم بالدليل أنه عليه الصلاة والسلام يلزمه فِعْلٌ في وقت فيراه (4) قد فَعَل ضِدَّ ذلك الفعل [في ذلك الوقت] (5) ، فيُعلم نَسْخُه عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت وما بعده، فهذا هو معنى المسألتين الأخيرتين (6) في هذا الفصل (7) .
فائدة: قال الإمام فخر الدين (8) : التخصيص والنسخ في الحقيقة ما لَحِق إلا الدليلَ الدالَّ على وجوب التأسي، فإنه تناول* هذه الصورة وقد خرجت منه (9) .
سؤال: قال العلماء: من شرط الناسخ أن يكون مُساوياً للمنسوخ أو أقوى، والفعل أضعف، فكيف جعلوه في هذا المقام ناسخاً مع ضعفه عن المنسوخ؟ (10) .
_________
(1) الحشر، من الآية: 7.
(2) قال حلولو عن هذه الصورة من التعارض " وهذا يرجع إلى التخصيص بالإقرار" التوضيح ص251.
(3) في س: ((لقوله)) وهو تحريف ظاهر لا يتحقق به المعنى.
(4) في ن: ((فرآه)) ، والفاعل مقدَّر، تقديره " أحدٌ ".
(5) ساقط من ق.
(6) في ق، ن: ((الآخرتين)) وهو صحيح أيضاً ومفردها: آخرة مؤنث آخر بمعنى أخير وهو صحيح أيضاً. انظر مادة " أخر " في: مختار الصحاح.
(7) مشى المصنف في مسألة تعارض الفعلين مع القائلين بإمكان وقوعه، وسيورد بعد قليل نقلاً عن الآمدي والغزالي باستحالة وقوع التعارض بينهما.
(8) انظر: المحصول 3/262.
(9) لكن المصنف أورد إشكالاً على قول الإمام حيث قال في نفائس الأصول (6/2358) : ((يعسر الجمع بين هذا وبين ما تقدمّ من أن الفعل دليلٌ على الوجوب في حقنا، وإذا كان دليلاً قد نصَّبه صاحب الشرع
أمكن لحوق التخصيص له كسائر الأدلة، وكذلك يلحقه النسخ إذا علم أن العموم مرادٌ منه في جميع الأزمنة ... إلخ))
(10) انظر السؤال وجوابه أيضاً في نفائس الأصول (6/2347) : علماً بأن بعض العلماء يغلّط من يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ أو في مرتبته، بل يكفي مجرد صحة الخبر. وسيأتي مزيد تعليق على هذا الشرط في مباحث النسخ ص (83) هامش (3) .
(2/20)

جوابه: أنّ المراد بالمساواةِ المساواةُ (1) في السَّنَد (2) لا غير (3) ، وذلك لا يُناقض كَوْنَه فِعْلاً، ولذلك يجب أن نُفصِّل في هذه المسألة فنقول: القول والفعل إنْ كانا في زمانه صلى الله عليه وسلم وبحضرته فقد استويا، وإن نُقلا إلينا تعيَّن أنْ لا نقضي (4) بالنسخ إلا بعد الاستواء في نقل كل واحد منهما، فإنْ كان أحدُهما متواتراً (5) والآخرُ آحاداً (6) منَعْنا نسْخَ الآحادِ للمتواتر، هذا تلخيصُ هذا الَموْضعِ ولابدَّ منه.
فائدة: قال الشيخ سيف الدين (7) في " الإحكام " (8) : إذا كان الفعل لا يتكرر بل يختص بذلك الزمان بأن يقول عَقِيْبه أو مُتَراخياً عنه: هذا الفعل لا يُفْعل بعد هذا الوقت، ثم يَرِدُ القولُ بعد ذلك، لا يحصل تعارضٌ ألْبتَّة.
_________
(1) ساقطة من ن، ق.
(2) السَّنَد لغة: المُعْتَمد وهو يدلُّ على انضمام الشيء. معجم المقاييس في اللغة لابن فارس مادة " سند ". واصطلاحاً: الطريق الموصل إلى مَتْن الحديث. شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص160.
(3) في ن: ((غيره)) .
(4) في س، ق: ((يُقْضَى)) .
(5) سيأتي تعريفه ص 197.
(6) سيأتي تعريفه ص 218.
(7) هو أبوالحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التَّغْلِبي - نسبةً إلى قبيلة تَغْلِب - المعروف بسيف الدين الآمدي؛ نسبةً إلى بلدة ولادته: آمِد، بديار بكر. تفقَّه على المذهب الحنبلي ثم صار شافعياً، وهو أصولي، متكلّم، ويجيد البحث والمناظرة. من تصانيفه: الإحكام في أصول الأحكام (ط) ، منتهى السُّول في علم الأصول (ط) (وهو مختصر لكتابه الإحكام) . وفي علم الكلام له: أبكار الأفكار (ط) . ت 631هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/306، وفيات الأعيان 3/293، سير أعلام النبلاء 23/364.
(8) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (1 / 191) . وهذا الكتاب لسيف الدين الآمدي على طريقة المتكلمين، ذكر ابن خلدون في مقدمته (3 / 1065) بأن الآمدي، والفخر الرازي لخَّصا ما اشتملت عليه الكتب الأربعة: العُمَد للقاضي عبد الجبار، المعتمد لأبي الحسين البصري وهما معتزليان، والبرهان للجويني والمستصفى للغزالي وهما أشعريان. والآمدي يُكْثِر من اختيار مذهب الوقف، فمن أراد معرفة رأيه بوضوح فعليه بمختصره: منتهى السول في علم الأصول (ط) . وللإحكام طبعات كثيرة، منها: طبعة المكتب الإسلامي بتحقيق الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله، له عليها تعليقات سلفية وعلمية نفيسة.
(2/21)

فائدة: قال الشيخ سيف الدين (1) : أفعاله صلى الله عليه وسلم لا يمكن وقوعُ التعارض فيها حتى يَنْسخ بعضُها بعضاً أو يُخَصِّصه (2) ، فإنَّ الفِعْلين إنْ تَمَاثلا و (3) كانا في وقتين كالظُّهْر اليومَ والظُّهر غداً فلا تعارض، وإن اختلفا وأمكن اجتماعهما كالصلاة والصوم فلا تعارض، وإنْ تَعذَّر اجتماعهما لتناقض أحكامِهما [كما لو صام] (4) في وقتٍ وأكَل في مِثْل ذلك الوقت لم يتعارضا أيضاً؛ لأن الفعل لا عموم له حتى يَدُلَّ على لزوم ذلك الفعل (5) في جميع الأوقات فيناقضه ضِدُّه إذا وقع في تلك الأوقات الأُخَر، فإن دَلَّ دليلٌ من خارجٍ غير الفعل على (6) أن مثل ذلك الفعلِ يتكرر فالتخصيص (7) والتعارض إنما عرض لذلك الدال على التكرار (8) .
وكذلك إقراره صلى الله عليه وسلم لبعض الأمة على الترك مع القدرة على الفعل والعلم به لا يكون مُخصِّصاً وناسخاً إلا للدليل الدال على تكرار ذلك الفعل (9) .
_________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 1/190.
(2) في ق: ((تخصِّصه)) والمثبت أنسب للسياق.
(3) في س: ((أو)) وهو خطأ؛ لأن المراد العطف بالواو الذي يحصل بها معنى الجَمْع، لا التخيير.
(4) في س: ((كالصوم)) .
(5) في س، ن: ((الوقت)) وهو خطأ؛ لعدم إفادتها المعنى المراد.
(6) ساقطة في ن.
(7) في س "والتخصيص" بالواو. والمثبت هو الصواب؛ لإفادته معنى الترتيب، ولوجوب اقتران جواب الشرط بالفاء إذا كان جملةً اسْميَّة. انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 1 / 499.
(8) مثاله: إذا دلَّ دليلٌ على وجوب تكرر الصوم عليه في وقتٍ ما، ثم أفطر في مثل ذلك الوقت مع قدرته على الصوم، دلَّ أكْلُه على نسخ دليل تكرار الصوم في حقه، لا نسخ حكم الصوم السابق لعدم اقتضائه التكرار، فرَفْعُ حُكمٍ وُجد محالٌ. شرح الكوكب المنير 2/199.
(9) مثاله: كأن يدلَّ دليلٌ على وجوب تأسي أمته به صلى الله عليه وسلم في وقتٍ ما، ثم يُقرُّ آكلاً في مثل ذلك الوقت، فهذا نسخ أو تخصيص لدليل وجوب التأسي به في حق هذا الآكل. انظر: شرح الكوكب المنير 2 / 199.
(2/22)

قال الغزالي (1) في " المستصفى " (2) :
لا يُتَصور التعارض بين الأفعال بما هي أفعال ألبتَّة؛ لأن الفعلين لا يجتمعان في زمان واحد ألبتَّة، وإذا تعدد الزمان فلا تعارض، بخلاف الأقوال لها صيغ تتناول بها الأزمان، فيُتَصور التعارض (3) .
فائدة: مهما أمكن التخصيص لا يُعْدل عنه إلى النسخ (4) ؛ لأنه أقرب إلى الأصل من جهة أنه بيان المراد، فليس فيه إبطال مراد، بخلاف النسخ فيه إبطال المراد.
_________
(1) هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي - بتشديد الزاي نسبة إلى الغَزْل كالغَزَّال، وبتخفيفها نسبةً إلى غَزَالة قرية في طُوس، يلقب بحجة الإسلام، أصولي فقيه شافعي، اشتغل بالفلسفة والمنطق والتصوف، من شيوخه: إمام الحرمين الجويني، ومن تلاميذه: ابن بَرْهان وابن العربي وغيرهما. له تصانيف كثيرة منها في الأصول: المستصفى (ط) ، المنخول (ط) . شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل (ط) . وفي السلوك: إحياء علوم الدين (ط) ، وفي الفقه: الوسيط (ط) ، وفي المنطق: محك النظر (ط) ، معيار العلم (ط) ، وفي الفلسفة: تهافت الفلاسفة (ط) . وتوفي عام 505هـ. طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 6/191، وفيات الأعيان 4/216، سير أعلام النبلاء 19 / 322.
(2) انظر هذا النقل بتصرف في: المستصفى من علم الأصول (2/232) . وهذا الكتاب لأبي حامد الغزالي مشى فيه على طريقة المتكلمين، وهو تمام الكتب الأربعة (العمد، والمعتمد، والبرهان، والمستصفى) التي نوَّه عنها ابن خلدون في مقدمته (3 / 1065) بأنها أركان هذا العلم. وهو آخر كتب الغزالي الأصولية، تتجلِّى شخصيته فيه بوضوح. وله تقسيم وترتيب وعرض بديع. له اختصارات منها: الضروري في أصول الفقه لابن رشد (الحفيد) (ط) . وعليه شروحات منها: المستوفى للعبدري المالكي. وللمستصفى عدة طبعات منها: طبعة في أربعة أجزاء بتحقيق د. زهير حمزة حافظ. وطبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق الدكتور / محمد سليمان الأشقر. انظر: الفكر الأصولي د. عبد الوهاب أبوسليمان ص325 وما بعدها..
(3) مسألة تعارض الفعلين مما اختلف العلماء في إمكان وقوعه على قولين، الأول: يمتنع وقوع التعارض بينهما، وهو لأكثر الأصوليين حتى قال العلائي: ((وهذا القول هو الذي أطبق عليه جمهور أئمة الأصول)) تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال ص (59) . القول الثاني: يجوز وقوع التعارض بينهما كالقولين، وهو رأي الباجي وابن رشد والقرطبي والمازري وغيرهم. انظر: المعتمد 1 / 359، إحكام الفصول ص 314، البرهان للجويني 1 / 327، منتهى السول والأمل ص 50، بديع النظام (نهاية الوصول) لابن الساعاتي 1 / 264، أصول الفقه لابن مفلح 1 / 355، البحر المحيط للزركشي 6/43، التوضيح لحلولو ص 250، شرح الكوكب المنير 2 / 198، تيسير التحرير 3 / 147، إرشاد الفحول للشوكاني 1 / 176. وللوقوف على محل النزاع انظر: أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم للأشقر 2 / 173 - 176.
(4) قال المصنف: ((لأن التخصيص أهون وأقرب للجمع)) . نفائس الأصول 6 / 2358.
(2/23)

الفصل الثالث
في تأسِّيه صلى الله عليه وسلم (1)
مسألة تعبُّد النبي صلى الله عليه وسلم بشرع من قبله قبل نبوته
ص: مذهب مالكٍ وأصحابِه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبِّداً بشرع مَنْ قَبْله قبل نُبُوَّته (2) ، وقيل: كان متعبِّداً (3) ،
لنا أنه لو كان كذلك لافتخرتْ به أهل (4) تلك الملة وليس فليس.
_________
(1) مناسبة هذا الفصل لموضوع باب دلالة فعله صلى الله عليه وسلم هي: أن أفعاله صلى الله عليه وسلم قبل النبوَّة وبعدها، هل تكون موضعاً للتأسي به فيها فيما كان يفعله بمقتضى شرائع من قبله أم لا؟
اعتبر السرخسي وعبد العزيز البخاري البحث في مسألة: تعبد النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بشرع من قبله من

" أصول التوحيد " وليس من " أصول الفقه ". انظر: أصول السرخسي 1 / 100، كشف الأسرار للبخاري 3 / 398. وذكر أبو الحسن علي الأبْيَاري بأن هذه المسألة غير محتاج إليها في أصول الفقه. انظر: التحقيق والبيان في شرح البرهان ص 688 (رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى بمكة تحقيق / علي بن عبد الرحمن بسَّام) .
(2) انظر مذهب مالك وأصحابه في: تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السُّول للرهوني (رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى بمكة تحقيق / يوسف الأخضر القيم) القسم الثاني ص 797، التوضيح لحلولو
ص 251، رفع النقاب القسم 2 / 350، مراقي السعود إلى مراقي السعود لمحمد الأمين الجكني المعروف بالمرابط ص 264.
والقول بمنع التعبد قبل البعثة مذهب جمهور المتكلمين، وغيرهم. انظر: المعتمد 2 / 336، قواطع الأدلة 2 / 224، المنخول للغزالي ص 231، كشف الأسرار للبخاري 3 / 398، الضياء اللامع 2 / 141.
(3) وهو المختار عند الحنفية، وابن الحاجب من المالكية، والبيضاوي من الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة. انظر: العدة لأبي يعلى 3 / 765، منتهى السول والأمل ص205، كشف الأسرار للنسفي 2 / 171، جامع الأسرار للكاكي 3 / 906، الإبهاج 2/275، التقرير والتحبير 2 / 410، شرح الكوكب المنير 4/409.
ثم اختلف هؤلاء: على أيِّ شريعةٍ كان يتعبّد الله بها؟ فقيل: على شريعة آدم عليه السلام، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى عليهم جميعاً السلام. وقيل: على ما ثبت أنه شرعٌ من غير تعيين نبيّ. انظر هذه الأقوال وأدلتها في: البحر المحيط للزركشي 8 / 39.
والمذهب الثالث في المسألة هو: التوقف، وهو المختار عند أكثر الشافعية، منهم: الجويني والغزالي وابن بَرْهان والآمدي والسبكي وغيرهم، وهو محكيٌّ عن أبي هاشم الجبائي والقاضي عبد الجبار، وقوَّاه أبو الخطاب في التمهيد 2/413.

وهذا المذهب هو الأجدر بالقبول إذا لا دليل على القطع بواقع النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة: انظر: المعتمد 2/ 337، البرهان للجويني 1/ 334، المستصفي 1/391، الوصول لابن بَرْهان 1/389، الإحكام للآمدي 4/137، جمع الجوامع (بحاشية البناني) 2 / 353.
ولمعرفة سبب اختلافهم انظر: تقرير الشربيني على شرح المحلي لجمع الجوامع (بحاشية البناني) 2/ 352.
(4) ساقطة من س.
(2/24)

الشرح
هذه المسألة المختار* فيها أن نقول ((متعبِّداً)) بكسر الباء (1) على أنه اسم
فاعل (2) ، ومعناه: أنه صلى الله عليه وسلم كان -[كما قيل] (3) في سيرته - ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على طريقةٍ لا تليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار حراء (4) يَتَحَنَّث (5) - أي: يَتَعَبَّد - ويقترح أشياء لقُرْبها من المناسب في اعتقاده. ويخشى أن لا
تكون مناسبة لصانع العالم، فكان من ذلك في ألَمٍ عظيمٍ، حتى بعثه الله تعالى وعلَّمه جميع طرق الهداية وأوضح له جميع مسالك الضلالة، زال عنه ذلك الثِّقَل الذي كان يجده، وهو المراد بقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك} (6) على أحد التأويلات، أي الثِّقَل الذي كُنْتَ تجده من أمر العبادة والتقرُّب (7) ،
فهذا
_________
(1) انظر: نفائس الأصول (6/2360) . علماً بأن الإسنوي ضبط الفعل: " تُعُبِّد " بضمتين أي: كُلِّف فهو متعبَّد. انظر: نهاية السول (3/46) ، وكذلك السبكي ضبط كلمة " متعبَّد " بالفتح كما وضحه الزركشي في تشنيف السامع (3 / 432) وجلال الدين المَحلِّي في شرح جمع الجوامع (بحاشية البناني) (2/353) ، وكذلك أشار ابن أمير الحاج إلى الفتح كما في التقرير والحبير (2 / 412) . ولعل الأوجه في الاختيار هو ما اختاره القرافي بالكسر لما ذكره من الحجج بعد ذلك.
(2) اسم الفاعل: هو ما اشْتُقَّ من مصدر فِعْلٍ لمن قام به على معنى الحدوث، كضَارب، ومُكْرِم, وصيغته من الثلاثي علي زنة فاعل: كضَارب، ومن غير الثلاثي بلفظ المضارع بشرط تبديل حرف المضارعة بميم مضمومة وكَسْر ما قبل آخره: كمُكْرِم. شرح شذور الذَّهَب لابن هشام ص 385.
(3) ساقط من س.
(4) ساقطة من ن.
(5) حَنِث: الحاء والنون والثاء أصل واحد، وهو: الإثم والحرج، وفلان يَتَحَنَّث من كذا: يتأثم، والتأثم هو التنحيِّ عن الإثم، ومن ذلك التحنُّث: وهو التعبد. معجم المقاييس في اللغة لابن فارس، مادة " حنث ".
وحديث تحنُّثِهِ الليالي ذوات العدد في غار حراء أخرجه البخاري (3) ومسلم (160) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6) الشرح، الآيتان: 2، 3.
(7) انظر هذا التأويل في: الكشاف للزمخشري 4/759، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي 32/6. قال الطبري "وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها" جامع البيان 15/295
- ومن التأويلات: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له ذنوب في الجاهلية قبل النبوة فغفرها تعالى له، وقيل: ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقضي ظهره ثم قواه الله تعالى. وقيل: تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر ... إلى آخر هذه التأويلات. انظر: التفسير الكبير للرازي 32 / 5، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي

20 / 6، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي 15 / 389.
(2/25)

يتَّجه، أما بفتحها (1) فيقتضي أن يكون الله تعالى تعبَّده بشريعة سابقة، وذلك يأباه ما يحكونه من الخلاف هل كان متعبِّداً (2) بشريعة موسى أو عيسى فإن شرائع بني إسرائيل لم تَتَعَدَّهم (3) إلى بني إسماعيل (4) ، بل كل نبي من موسى وعيسى وغيرهما إنما كان يُبْعث إلى قومه فلا تتعدى رسالته قومه، حتى نقل المفسرون أن موسى عليه السلام لم يُبْعث إلى أهل مصر بل لبني إسرائيل، ليأخذهم من القِبْط (5) من يد فرعون (6) . ولذلك لما عَدَى البحر لم يرجع إلى مصر ليقيم فيها شريعته (7)
بل أعرض عنهم إعراضاً كُلّياً لما أخذ بني إسرائيل، وحينئذٍ لا يكون الله تعالى تعبَّد (8) نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بشرعهما (9) ألبتَّة، فبطل (10) قولنا: إنه كان متعبَّداً بفتح الباء بل بكسرها كما تقدَّم (11) ، وهذا بخلافه (12) بعد (13) نبوته صلى الله عليه وسلم، فإنه تعبده الله تعالى بشرع من قبله على - الخلاف في ذلك - بنصوص وردت عليه في الكتاب العزيز فيستقيم الفتح فيما بعد النبوة دون ما قبلها (14) .
_________
(1) أي فتح باء ((مُتَعبَّد)) على أنها اسم مفعول من غير الثلاثي: ((تعبَّد)) . انظر: شرح شذور الذهب لابن هشام ص 396.
(2) في ن: ((متعبّد)) وهو خطأ نحوي؛ لعدم انتصابه على أنه خبر كان.
(3) في جميع النسخ ((تتعداهم)) إلا النسختين م، ز ففيهما ((يتعداها)) . وكلها خطأ نحوي؛ لعدم حذف حرف العلة من الفعل المجزوم. ثم وجدْتُ على طرر النسخة " م " قوله: ((وفي نسخة: لم تتعدهم)) وهي الصواب. ومع ذلك توجد لغةٌ تجزم المعتلّ بحذف الحركة المقدرة على حرف العلة مع إبقائه. وجاءت قرآءةٌ لعكرمة في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] قرأها ((يراه)) بالألف في الآيتين، حكاه الأخفش. انظر: شرح التصريح على التوضيح لخالد الأزهري 1 / 87، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 8 / 498.
(4) في س: ((بني اسرائيل)) وهو خطأ وسَبْقُ قَلَمٍ من الناسخ.
(5) القِبْط: هم نصارى مصر، والواحد، قِبْطي. المصباح المنير مادة " قبط ". ولمعرفة أصولهم، انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة إصدار الندوة العالمية للشباب الإسلامي 2 / 1123، المنجد في الأعلام ص 433.
(6) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان 7/10، وتفسير أبي السعود 6/19.
(7) ساقطة من س..
(8) في ق: ((بعث)) وهي غير مرادة هنا.
(9) في ن: ((بشريعتهما)) .
(10) في ق: ((فيبطل)) .
(11) في بداية هذا الشرح، الصفحة السابقة.
(12) في س: ((الخلاف)) ، وفي ن: ((بخلاف)) . وكلاهما غير متَّسق مع السياق.
(13) ساقطة من ن.
(14) سترد هذه المسألة بعد قليل في ص 31.
(2/26)

حجة النّافين لتعبُّده صلى الله عليه وسلم بشرع مَنْ قبله قبل نبوته
ومما يؤكد أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبِّداً قبل نبوته بشرع أحدٍ (1) : أن تلك (2) الشرائع كانت داثرة لم يَبْقَ منها (3) ما يمكن التمسك به لأهلها فضلاً عن غيرهم، وهو صلى الله عليه وسلم لم يكن يسافر ولا يخالط أهل الكتاب (4) حتى يطلَّع على أحوالهم (5) ، فيَبْعُد مع هذا غاية البُعْد أن يَعْبُد الله تعالى بتلك (6) الشرائع. ولأنه لو كان (7) يتعبَّد (8) بذلك (9) [لكان يراجع] (10) علماء تلك الشرائع، ولو وقع ذلك لاشتهر.
حجة المثبتين لتعبده صلى الله عليه وسلم بشرع من قبله قبل نبوته
احتج القائلون بذلك: بأنه صلى الله عليه وسلم تناولته (11) رسالة من قبله فيكون متعبِّداً
بها (12) .
ولأنه (13) عليه* الصلاة والسلام كان (14) يأكل اللحم، ويركب البهيمة، ويطوف
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) ساقطة من س.
(3) في س، ن: ((فيها)) .
(4) في س: ((الكتب)) .
(5) أما سفره صلى الله عليه وسلم فقد ذكرتْ كتب السيرة بأنه خرج إلى الشام وهو صغير مع عمه أبي طالب، وهناك التقى الراهب بَحِيْرَا. كما كان يسافر في تجارة خديجة رضي الله عنها، ومع هذا فلا يُعْقل أن يتلقى النبي صلى الله عليه وسلم علم التوراة أو الإنجيل في سِنِّ التاسعة أو العاشرة أو الثانية عشرة - على اختلاف الروايات - وفي ساعة طعامٍ، وهو أٌميّ لا يقرأ ولا يكتب، فضلاً عن حاجز اللغة. انظر: عيون الأثر في فنون المغازي والمسائل والسير لابن سَيّد الناس ص52، السيرة النبوية لابن هشام 1/236، 244، السيرة النبوية الصحيحة د. أكرم العمري 1/106.
(6) في س، ن: ((على تلك)) .
(7) ساقطة من ق.
(8) في ن: ((يعتمد)) ، وفي ق: ((تعبَّد)) .
(9) ساقطة من س، وفي ن: ((ذلك)) .
(10) في ق: ((لراجع)) .
(11) في س ((تناوله)) وهو مقبول؛ لأن الفاعل ظاهر وهو مؤنث مجازي، فجاز في فعله عدم إلحاق تاء التأنيث، والأرجح إثباتها. انظر: شرح قطر الندى لابن هشام ص 169.
(12) هذا هو الدليل الأول.
(13) هذا هو الدليل الثاني.
(14) ساقطة من ن.
(2/27)

بالبيت، وهذه أمور (1) كلها (2) لابدَّ له (3) فيها من مستند، ولا مستند إلا الشرائع المتقدمة، خصوصاً على قول الأشاعرة (4) : إن العقل لا يفيد الأحكام وإنما تفيدها (5) الشرائع (6) .
والجواب عن الأول: أن ما ذكرتموه إنما [يتأتَّى في] (7) إسماعيل وإبراهيم ونوح عليهم السلام، لأنه صلى الله عليه وسلم من ذريتهم، أما موسى وعيسى عليهما السلام فلا، وقد وقع الخلاف في هؤلاء كلهم (8) : أيّهم كان (9) يَعْبد الله تعالى على شريعته؟ فأما هؤلاء الثلاثة فقد دَرَسَتْ (10) شرائعهم، وما دَرَس لا يكون حجة ولا يُعْبد الله تعالى به.
وعن الثاني: أن هذه الأفعال وإن قلنا بأن (11) الأحكام لا تثبت إلا بالشرع (12) فإنها تُسْتَصْحَب (13) فيها براءةُ الذمَّة من التَّبِعات (14) ، فإن الإنسان ولد بريئاً من جميع
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) ساقطة من ق.
(3) ساقطة من ن.
(4) الأشاعرة هم فرقة تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري ت 330هـ كان معتزلياً ثم ترك الاعتزال، واتخذ مذهباً بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة، ثم رجع وتاب وألَّف رسالته " الإبانة في أصول الديانة " قرر فيها مذهب السلف وموافقته للإمام أحمد رحمه الله، ولكن بقي أتباعه على مذهبه الثاني، فهم يثبتون لله سبع صفات ويؤولون الباقي، ولهم مخالفات أخرى في مسائل الاعتقاد على خلاف مذهب السلف. انظر: الملل والنحل للشهرستاني 1/106، خبيئة الأكوان في افتراق الأمم على المذاهب والأديان لمحمد صديق حسن خان ص 47، موقف ابن تيمية من الأشاعرة د. عبد الرحمن المحمود 2/694 وما بعدها.
(5) في ق: ((يفيدها)) وهو جائز. انظر هامش (12) ص (27) .
(6) هذا القول من الأشاعرة ليس مختصاً بهم، بل هو قول أهل السنة والجماعة (السلف) . انظر: الحُجَّة في بيان المَحَجَّة لقوَّام السنة أبي القاسم الأصبهاني (2/502) . وانظر قول الأشاعرة في: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص30.
(7) في س: ((يتناول)) .
(8) ساقطة من ن.
(9) في ن: ((كانوا)) وهو خطأ؛ لأن المراد باسم ((كان)) هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
(10) دَرَس الرَّسْمُ: عفا. ودَرَسَتْهُ الريحُ أي: مَحَتْهُ. فهو يتعدَّى ويَلْزم. انظر مادة " درس " في: لسان العرب، مختار الصحاح.
(11) في ق: ((إن)) .
(12) في س: ((الشرائع)) .
(13) في س: ((يستصحب)) وهو صحيح أيضاً. انظر هامش (11) ص (27) .
(14) في ن: ((التِّباعات)) وهي جمع ((تِبَاعة)) وهي مثل: التَّبِعة، وهي ما فيه إثم يُتَّبع به. انظر مادة " تبع " في: لسان العرب، مختار الصحاح.
(2/28)

الحقوق، فهو يَسْتَصْحِب هذه الحالة، حتى يدلَّ دليلٌ على شَغْل الذمَّة بحقٍّ، فهذا يكفي في مباشرته صلى الله عليه وسلم لهذه الأفعال.
فائدة: تقدَّم أن الصواب كَسْر الباء (1) ، وهو الذي يظهر لي (2) ، غير أنه وقع لسيف الدين في هذه المسألة كلام يدل على خلاف ذلك، وهو أن قال: غير مستبعد في العقل أن يعلم الله تعالى مصلحة شخص معين في تكليفه شريعة مَنْ قبله (3) ، وهذا كلام يقتضي فتح الباء، فانظرْ في ذلك لنفْسِك، وأما غيره فلم [أرَ له تعرضاً] (4) لذلك (5) ، فما أدري، هل اغترَّ بالموضع فأطلق هذه العبارة في الاستدلال، أو (6) هو أصل يعتمد عليه؟.
فائدة: حكاية الخلاف في أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبِّداً قبل نبوته بشرع من
قبله، يجب أن يكون مخصوصاً بالفروع دون الأصول. فإن قواعد العقائد كان
الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعاً، ولذلك (7) انعقد الإجماع على أن موتاهم
في النار يُعذَّبون على كفرهم، ولولا التكليف* لما عُذِّبوا (8) ، فهو صلى الله عليه وسلم مُتعبَّد
_________
(1) في كلمة ((متعبِّد)) . انظر ذلك في ص 25.
(2) ساقطة من ق.
(3) انظر الإحكام لسيف الدين الآمدي 4/137.
(4) في س، ق: ((أره يتعرَّض)) .
(5) قال الزركشي ـ بعد نقله لكلام القرافي هذا ـ قلت: ((قد وقع ذلك في عبارة غيره كما سبق)) البحر المحيط 8/42. وانظر هامش (1) ص (25) .
(6) في ق: ((أم)) وهو ما لا يجيزه كثير من علماء النحو والبلاغة؛ لأن ((هل)) خاصةٌ بالاستفهام عن التصديق، ولا يُطْلب لها تعيين أحد الشيئين كالهمزة و ((أم)) . انظر: مغني اللبيب لابن هشام 1 / 90 - 96، 657، عقود الجُمان في المعاني والبيان للسيوطي بشرح العمري المرشدي 1 / 174 - 176. لكن قال سيبويه: ((وإن شئت قلتَ: هل تأتيني أم تحدثني؟ وهل عندك بُرٌّ أم شعير؟)) الكتاب 3 / 176.
(7) في ق: ((وكذلك)) .
(8) مسألة انعقاد الإجماع على أن موتى الجاهلية في النار فيها نظر. فإن من أهل العلم من اعتبرهم من ((أهل الفترة)) وهم الذين عاشوا بين رسولين ولم يكن الأول مرسلاً إليهم ولا أدركوا الثاني. وحكمهم في الدنيا أنهم كفار، ولكن لا يُقطع بدخولهم النار إلا ما ورد في بعضهم من أحاديث خاصة بتعذيبهم؛ لعلم الله تعالى بمصيرهم وإعلامه نبيَّه صلى الله عليه وسلم بذلك. ومما يدل على عدم تعذيبهم قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15] . فلا مؤاخذة إلا بعد قيام الحُجَّة الرسالية. وقد جاءت أحاديث تفيد بامتحان الله لأهل الفترة في عَرَصَات يوم القيامة. انظر: شرح الأبِّي والسنوسي على صحيح مسلم 1 / 616، طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن قيم الجوزية ص 633، 652 وما بعدها، 675 - 682، روح المعاني للألوسي 8 / 38 وما بعدها، أضواء البيان تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 3 / 471 وما بعدها؛ أهل الفترة ومن في حكمهم لموفق أحمد شكري.
(2/29)

بشرع (1) من قبله بفتح الباء بمعنى: مُكلَّف، هذا لا مِرْيَة فيه، إنما الخلاف في الفروع خاصةً؛ فعموم إطلاق العلماء مخصوص (2) بالإجماع.
فائدة: قال المَازَري (3) والأبْيَاري (4) في " شرح البرهان " (5) (6) ، وإمام الحرمين (7) :
_________
(1) في ن: ((بشريعة)) .
(2) في ق: ((مخصَّص)) .
(3) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري ـ نسبةً إلى مدينة مازَر في جزيرة صقلية ـ من علماء المالكية الكبار، بلغ درجة الاجتهاد، كان أصولياً فقيهاً طبيباً رياضياً أديباً. من تآليفه: إيضاح المحصول من برهان الأصول (وهو شرح البرهان الجويني) ، والمُعْلِم بفوائد كتاب مسلم (ط) ، ت 536 هـ. انظر: الديباج المذهب ص374، سير أعلام النبلاء 20 / 104، وفيات الأعيان 4 / 285.
(4) في ن: ((الأنباري)) وهو تحريف. وترجمته: هو شمس الدين أبوالحسن علي بن إسماعيل بن علي الأبْيَاري - نسبةً إلى بلدة أبيار بمديرية الغربية بمصر، جمع بئر - أصولي فقيه مالكي، محدّث، متكلّم. كان الإمام ابن عقيل المصري الشافعي يُفضِّل الأبياري على الإمام فخر الدين الرازي في الأصول. من تلاميذه: ابن الحاجب، ومن تصانيفه: شرح البرهان للجويني. حقق القسم الأول منه د. علي عبد الرحمن بسَّام بجامعة أم القرى. ت 616 هـ. انظر: الديباج المذهب ص306، شجرة النور الزكية 1/166.
(5) انظر: التحقيق والبيان في شرح البرهان للأبياري ص 688 (رسالة جامعية) .
ـ أما كتاب "البرهان في أصول الفقه" فهو لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني ت478هـ مطبوع بتحقيق د. عبد العظيم الديب وهو أحد الأركان الأربعة التي قام عليها أصول الفقه (العمد، المعتمد، البرهان, والمستصفى) التي نوَّه عنها ابن خلدون في مقدمته (3/1065) ، مشى الجويني في كتابه البرهان على طريقة المتكلمين، وحفظ لنا آراء علماء الأصول المتقدمين التي اندثرت كتبهم، ويمتاز أسلوب الكتاب بعبارته الأدبية الشيقة، والكتاب يُعدُّ من مفتخرات الشافعية كما قال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى 5/192.
ـ وممن شرح البرهان: المازري في كتابه " إيضاح المحصول من برهان الأصول " وهو مازال مخطوطاً أو مفقوداً.

ـ وممن شرح البرهان: الأبياري في كتابه " التحقيق والبيان في شرح البرهان " حقق القسم الأول منه
د. علي عبد الرحمن بسام بجامعة أم القرى. وتعجَّب السبكي من عدم شرح الشافعية للبرهان، وإنما شرحه المالكيان السالفان الذكر، وكذلك الشريف أبويحيى المالكي إذ جمع بين الشرحين وأشار السبكي إلى تحاملهما على إمام الحرمين في شرحهما. انظر: طبقات الشافعية الكبرى 5 / 192. وانظر: مقدمة كتاب البرهان د. عبد العظيم الديب، الفكر الأصولي د. عبد الوهاب أبوسليمان ص287 وما بعدها.
(6) هنا زيادة والإمام في س، ن وهي غير مثبتة في ق، وهو الصواب، والله أعلم، لأن الفخر الرازي لم يذكر هذه الفائدة لا في محصوله، ولا في المنتخب، ولا في المعالم.
(7) انظر: البرهان لإمام الحرمين 1/333. وإمام الحرمين: هو أبوالمعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجُوَيْني ـ نسبةً إلى جُوَيْن من بلاد نيسابور ـ ولُقِّب بإمام الحرمين لمجاورته مكة والمدينة أربع سنين والتدريس بهما، وهو أصولي بارع وفقيه شافعي وأديب ومتكلم، رجع إلى معتقد السلف كما قرره في كتابه " الرسالة النظامية " من تآليفه في الأصول: التلخيص (ط) ، البرهان (ط) ، الورقات (ط) ، وفي الفقه: نهاية المطلب في دراية المذهب، وله في السياسة: الغياثي (غياث الأمم في التياث الظلم) (ط) ، وفي علم الكلام: الإرشاد (ط) . ت 478 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 5/165، سير أعلام النبلاء 18/468، وفيات الأعيان 3 / 167.
(2/30)

هذه المسألة لا تظهر (1) لها ثمرة في الأصول ولا في الفروع ألبتَّة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتَّب (2) عليها حكم في الشريعة ألبتة (3) ، وكذلك قاله (4) التَّبْريْزي (5) (6) .
مسألة تعبُّد النبي صلى الله عليه وسلم بشرع من قبله بعد نبوته
ص: وأما بعد نبوته صلى الله عليه وسلم: فمذهب مالكٍ رحمه الله وجمهور (7) أصحابه وأصحاب الشافعي وأصحاب (8) أبي حنيفة رحمة الله عليهم أجمعين أنه متعبَّد بشرع من قبله، وكذلك أمته، إلا ما خَصَّه (9) الدليل (10) .
ومنع [من ذلك] (11) القاضي أبو بكر
_________
(1) في ق، س: ((يظهر)) . وهو جائزٌ أيضاً. انظر: هامش (12) ص (27) .
(2) في ق: ((ولا يُبْنى)) .
(3) ساقطة في س.
(4) في ق: ((قال)) .
(5) انظر كتابه: تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه ص (320) تحقيق د. حمزة زهير حافظ (رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى) .

ـ والتَّبْريْزي هو: المُظَفَّر بن أبي محمد بن إسماعيل الرَّارَاني - نسبة إلى رَارَان: قرية بأصبهان ـ التَّبْريْزي ـ نسبة إلى تَبْريْز: بلد في أذربيجان - فقيه شافعي، أصولي نظار زاهد، استوطن مصر مدة طويلة يفتي ويدرس فيها. من مؤلفاته: تنقيح محصول ابن الخطيب وهو اختصار محصول الرازي. حققه د. حمزة زهير حافظ. توفي عام 621هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/373، طبقات الشافعية للإسنوي 2 / 314.
(6) المقصود من هذه الفائدة الدلالة على أن أفعاله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ليست موضعاً لاستنباط الأحكام الشرعية.
ولكن مما يستفاد منه مما كان قبل نبوته؛ عاداته الحسنة وأخلاقه الكريمة مما يظهر حسنه ولا يخالف شرعاً. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام 18/10، الشرائع السابقة ومدى حجيتها في الشريعة الإسلامية
د. عبد الرحمن الدرويش ص251.
(7) في ن: ((جميع)) وهو خطأ؛ لأن من المالكية من خالف جمهورهم كما سيأتي عن الباقلاني.
(8) ساقطة من س، ن، متن هـ. ولكنها مثبتة في جميع نسخ الشرح ومعظم نسخ المتن.
(9) في س: ((خصَّصه)) .
(10) هذا القول الأول في المسألة وهو أيضاً إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، انظر: العدة لأبي يعلى 3/753، وقال في المسودة ص (193) بأنها أصحّ الروايتين. وقال الجويني ((للشافعي ميل إلى هذا ... وتابعه معظم أصحابه)) . البرهان (1 / 503) . وانظر: قواطع الأدلة 2 / 209. وقال مُلاَّ جِيُون الميهوي:
((
وهذا أصل كبير لأبي حنيفة رحمه الله، يتفرع عليه أكثر الأحكام الفقهية)) شرح نور الأنوار على المنار بحاشية كشف الأسرار للنسفي 2/170، وانظر: أصول السرخسي 2 / 99، تيسير التحرير 2/121. وقال ابن العربي: ((ليس في مذهب مالك خلاف في أن شرع من قبلنا شرع لنا، وأول من يتفطن لهذا من فقهاء الأمصار مالك، وعليه عوَّل في كل مسألة)) القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (2 / 788) ويلاحظ هنا أن قوله: وأول من يتفطن لهذا.. إلخ فيه مبالغة وهو غير دقيق. وانظر: المقدمة في الأصول لابن القصار ص149، إحكام الفصول 394، الضياء اللامع 3 / 141.
(11) في س، متن هـ: ((منه)) .
(2/31)

وغيره [من أصحابنا] (1) . لنا قوله تعالى*: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (2) ، وهو (3) عام لأنه اسم جنس (4) أضيف.
الشرح
شرائع من قبلنا ثلاثة أقسام (5) :
منها ما لا (6) يُعْلم إلا بقولهم، كما في لفظ ما بأيديهم (7) من التوراة أن الله تعالى حَرَّم لحم الجَدْي (8) بلبن أمه (9) يشيرون إلى
_________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من ق، س. وهذا القول الثاني في المسألة، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، ومذهب طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية، عليه أكثر المتكلمين وجمهور المعتزلة، وهو مذهب ابن حزم. انظر: المعتمد 2/337، الإحكام لابن حزم 2/153، إحكام الفصول ص394، التمهيد لأبي الخطاب 2/416، المحصول للرازي 3/265، كشف الأسرار للبخاري 3/398، الإبهاج 2/276.
أما القول الثالث في المسألة، فهو: التوقف. انظر: التلخيص للجويني 2/265، البحر المحيط للزركشي 8/45.
(2) الأنعام، من الآية: 90.
(3) في ق: ((وهذا)) . والضمير في قوله ((وهو)) يرجع إلى لفظ: ((هُدَى)) في قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ} فهو يعمُّ جميع أنواع الهدى: الأصول والفروع. انظر: نفائس الأصول6/2377.
(4) اسم الجنس: هو ما كان دالاً على حقيقةٍ موجودةٍ وذواتٍ كثيرة. شرح المُفَصَّل لابن يعيش 1/26. وهو نوعان، اسم جنس إفرادي: وهو ما دلَّ على الماهِيَّة لا بقَيْد قِلَّة ولا كثرة كماءٍ وترابٍ، واسم جنس جَمْعي: وهو ما دلّ على أكثر من اثنين. وفُرِق بينه وبين واحِدِهِ بالتاء غالباً، كتمر وكَلِم وبَقَر. انظر: حاشية الصبَّان على شرح الأشْمُوني على ألفية ابن مالك 1 / 38.
والمصنف ذكر في مبحث أدوات العموم أن اسم الجنس إذا أضيف فإنه يعمّ، لكن ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل. انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص181.
(5) ساقطة من ن.
(6) في ن: ((لم)) .
(7) في س: ((في أيديهم)) .
(8) الجَديْ: هو الذكَر من أولاد المعز، والأنثى: عَنَاق، وقيدَّه بعضهم بكونه في السنة الأولى. انظر: المصباح المنير مادة " جدي ".
(9) جاء في العهد القديم (التوراة) . من سفر الخروج، الإصحاح (23) فقرة: 19، والإصحاح (34) فقرة: 26 ما نصُّه: ((ولا تَطْبُخْ جَدْياً بلبن أمِّه)) . وانظر: سفر التثنية الإصحاح (14) فقرة: 21.
(2/32)

المَضِيْرة (1) (2) .
ومنها (3) : ما علم بشرعنا وأمِرْنا نحن أيضاً به (4) وشُرع لنا، فهذا أيضاً لا خلاف في (5) أنه شرع لنا كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ش (6) مع قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} (7) الآية (8) .
وثالثها: أن يدلّ شرعنا على أنَّ فِعْلاً كان مشروعاً لهم ولم يقل لنا شرع لكم أنتم أيضاً، فهذا هو محل الخلاف لا غير (9) .
_________
(1) المَضِيرة: مُرَيْقة تُطبخ بلَبَنٍ وأشياء، وقيل: هي طبيخ يُتَّخذ من اللبن الماضر (الحامض) ، وهي عند العرب أنْ تطبخ اللحم باللبن البَحْت الصريح الذي قد حَذَى (قرَص) اللسان حتى يَنْضَج اللحمُ وتَخْثُر المَضِيْرة. لسان العرب مادة " مضر ".
(2) حُكم هذا القسم: أنه ليس شرعاً لنا بلا خلاف. انظر: الإحكام لابن حزم 2 / 154.
والأخبار التي يحكيها أهل الكتاب ولم تَثْبت بطريق شرعي معتبر تُسمَّى: إسرائيليات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يُروى منها ـ ما لم يُعلم أنه كذب ـ للترغيب والترهيب، فيما عُلِم أن الله تعالى أمر به في شرعنا ونهي عنه في شرعنا، فأما أن يَثْبُت شرعاً لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ... )) مجموع الفتاوى 1 / 251.
(3) في س، ق: ((ومنه)) . والمثبت أظهر؛ لعود الضمير على ((الأقسام)) .
(4) ساقطة من س.
(5) ساقطة من س، ق.
(6) البقرة، من الآية: 178.
(7) المائدة، من الآية: 45.
(8) القَدْر الذي أمِرْنا به في شرعنا وثبت أنه كان شرعاً لهم هو القِصاص في النفس، أما القِصاص فيما دون النفس والسّن والجروح فهو مما ثبت أنه شرع لهم ولم يرد في شرعنا أنه شَرْعٌ لنا، فيُلحق حينئذٍ بمحلِّ النزاع، ولهذا قال المصنف نفسه في كتابه نفائس الأصول (6/2374) : ((وآية السِّن استدلالٌ بشرع من قبلنا وهو مختلف فيه)) . إلا أن يقال بأن القصاص فيما دون النفس جاء في آيات أخرى كقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم} [البقرة: 194] . وقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ... } [الشورى:40] ، فيكون من القسم الذي لا نزاع فيه، لأنه عُلم من شرعنا أنه شرع لهم وأمرنا به في شرعنا. ومن الأمثلة الظاهرة على هذا القسم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
(9) قال المصنف: ((فلموطن الخلاف شرطان: ثبوته في شرعنا، وعدم ورود شرعنا باقتضائه منّا. فمتى انخرم أحد الشرطين انتفى الخلاف إجماعاً، على النفي أو على الثبوت)) . نفائس الأصول 6 / 2372. وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية 1 / 464.
(2/33)

كقوله تعالى حكايةً عن المنادي (1) الذي بعثه يوسف عليه السلام: {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} (2) فيستدل به على جواز الضمان (3) ،
وكذلك قوله تعالى حكايةً عن شُعَيْب (4) وموسى عليهما السلام: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ} (5) الآية يستدل بها على جواز الإجارة (6) ، بناءً على أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟.
أما ما لا يثبت إلا بأقوالهم فلا يكون حجة لعدم صحة السند وانقطاعه. ورواية الكفار لو وقعتْ (7) لم تقبل، فكيف وليس في (8) أهل الكتاب مَنْ يروي التوراة فضْلاً عن غيرها؟!. وما لا رواية فيه كيف يخطر بالبال أنه حجة؟!
_________
(1) لم تذكر كتب التفسير ولا كتب مبهمات القرآن ـ فيما اطلعت عليه ـ اسم المنادى، وهو المؤذِّن في قوله تعالى: { ... ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] . لكنَّه فتى من فتيان الملكِ عزيز مصر. انظر: فتح القدير للشوكاني 3/44.
(2) يوسف، من الآية: 72. والزعيم: الكفيل. انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني مادة " زعم ".
(3) الضمان لغة: الالتزام. المصباح المنير، مادة " ضمن ". اصطلاحاً: عرّفه ابن عرفة بأنه ((التزام دَيْنٍ لا يُسْقِطُه أو طَلَبِ مَنْ هو عليه لمن هو له)) حدود ابن عرفة بشرحه للرصَّاع 2 / 427. وقد أشار المصنف إلى الاستدلال بالآية على مشروعية الضمان في كتابه: الذخيرة 9 / 189.

وهذه الآية {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] يستدلُّ بها أيضاً على مشروعية الجعالة. ذكر ذلك القرافي في الذخيرة (6/5) ويستدل بها أيضاً على صحة ضمان المجهول. انظر: أحكام القرآن لابن العربي 3/64، المغني لابن قدامة 7 / 73.
(4) ذكر ابن كثير أن المفسرين اختلفوا في رَجُل مَدْين على أقوال منها: أنه شعيب النبي عليه السلام وهو القول المشهور عند كثيرين، ومنها: أنه ابن أخي شعيب عليه السلام، وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب عليه السلام، ثم رَدَّ القول بأنه شعيب عليه السلام، وكذلك رَدَّ هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي بحجج وبراهين قوية. قال ابن جرير الطبري: ((وهذا مما لا يُدرك علمه إلا بخبرٍ، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جلَّ ثناؤه ... )) جامع البيان مجلد 11 / جزء 20/77. وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/238، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان للسعدي 4 / 16.
(5) القصص، من الآية: 27.
(6) الإجارة لغة: الكِراء على العمل. معجم المقاييس في اللغة لابن فارس مادة " أجر ". واصطلاحاً: عَقْد مُعاوَضَة على تمليك منفعة بعِوَضٍ بما يدلُّ على تمليك المنفعة من لفظٍ أو غيره. الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك للدردير 4 / 6.
واستدلَّ المصنف بآية [القصص: 27] على أصل مشروعية الإجارة. انظر: الذخيرة 5/371. واستخرج ابن العربي ثلاثين مسألة من هذه الأية، واستنبط منها أحكاماً كثيرة. راجع: أحكام القرآن 3 / 494.
(7) هنا زيادة ((رواية)) في س، وفي ن زيادة ((الرواية)) . كلتاهما لا حاجة لهما.
(8) في ق: ((من)) .
(2/34)

وبهذا يظهر لك بطلان قول (1) من استدل في هذه المسألة بقضية (2) رجم اليهوديَيْن (3) ، وأن (4) رسول الله اعتمد على أخبار ابن صُوْريا (5) أن فيها الرجم، ووجد فيها كما قال (6) ،
فان من أسلم من اليهود لم يكن له رواية في التوراة، وإنما كانوا يُعْمِلون فيها ما رأوه (7) ، أما أنَّ (8) لهم سنداً متصلاً (9) بموسى عليه السلام كما فعله (10) المسلمون في كتب الحديث فلا، وهذا معلوم بالضرورة لمن اطَّلع على أحوال القوم
_________
(1) ساقطة من جميع النسخ، والمثبت من نسخة ش. وهو الأنسب لتوجّه البطلان إلى القول.
(2) في ق: ((بقصة)) .
(3) ورد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا. فقال لهم رسول الله:» ما تجدون في التوراة في شأن الرَّجم؟ «فقالوا: نفضحهم ويُجْلدون. قال عبد الله بن سَلام: ارفع يديك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله فرُجِمَا. رواه البخاري (6841) ، مسلم (1699) .
(4) في س: ((أن)) بدون الواو.
(5) هو عبد الله بن صُوْريَا، ويقال: ابن صُوْر الإسرائيلي. وكان من أحْبار اليهود، يقال: إنه أسلم، كما قيل في قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِه} [البقرة: 121] ، أنها نزلت فيه وفي عبد الله ابن سَلام وغيرهما. وقيل: إنه ارتَدَّ ونزل فيه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر} [المائدة: 41] فالله أعلم. انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 4/115.
(6) يدلُّ على ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيهوديٍّ مُحَمَّمَاً (مسوّد الوجه من الحُممة) مجلوداً فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال:» هكذا تجدون حَدَّ الزاني في كتابكم؟ «قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم (وهو عبد الله بن صوريا) فقال: ((أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟)) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ... الحديث. رواه مسلم (1700) ..قال النووي رحمه الله: ((قال العلماء: هذا السؤال ليس لتقليدهم، ولا لمعرفة الحكم منها، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم. ولعلّه صلى الله عليه وسلم قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيّروا أشياء، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا لم يَخْفَ ذلك عليه حين كتموه..)) شرح صحيح مسلم 11 / 174. وانظر: فتح الباري لابن حجر 12 / 205.
(7) في ن: ((رواه)) وهو تصحيف.
(8) هنا زيادة ((يكون)) في ن، وهي مُقْحمة، بدليل بقاء ما بعدها " سنداً متصلاً " في حالة الانتصاب.
(9) المتصل لغة: اسم فاعل من اتَّصَل، ضِدّ انقطع. انظر مادة " وصل " في: القاموس المحيط. واصطلاحاً: ما اتصل إسناده مرفوعاً كان أو موقوفاً على من كان. ويسمَّى أيضاً: الموصول. انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/201، تيسير مصطلح الحديث د. محمود الطحان ص136.
(10) في ق: ((فعل)) .
(2/35)

وكاشفهم وعرف ما هم عليه، بل رسول الله يجب أنْ يُعْتقد أنه إنما اعتمد في رجم اليهوديين على وَحْي جاءه (1) من قبل الله تعالى، أما غير ذلك فلا يجوز (2) ، ولا يُقْدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم على دماء الخلق بغير مستندٍ صحيحٍ، فالاستدلال في هذه المسألة بهذه القضية (3) لا يصحُّ (4) ، بل لا يندرج في هذه المسألة إلا ما عُلِم أنه من شرعهم بكتابنا ومن قِبَل نبينا فقط.
حجة المثبتين من (5) وجوه:
أحدها: ما تقدّم من الآية (6) .
وثانيها: قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (7) [و" ما " عامة في جملة ما وصى به نوحاً ووصى به إبراهيم وموسى* وعيسى] (8) .
وثالثها: قوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (9) . تقديره: اتبعوا ملة أبيكم (10) إبراهيم (11) (12) .
_________
(1) في ن: ((جاء)) .
(2) انظر كلاماً قوياً في المسألة لابن حزم في: الإحكام 2 / 172، 154.
(3) في ق: ((القصة)) .
(4) ومع هذا فقد وُجد في كتب الأصول من يستدّل بحديث رجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهوديين على أن شرع من قبلنا شرع لنا، فعلى سبيل المثال انظر: كتاب في أصول الفقه للاَّمشي الحنفي ص158، روضة الناظر لابن قدامة 2/522
(5) ساقطة من ن.
(6) راجع ص 32 وهي قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] .
(7) الشورى، من الآية: 13.
(8) ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(9) سورة الحج، من الآية: 87 {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا} .
(10) ساقطة من ن.
(11) ساقطة من ق.
(12) هذا أحد الأوجه الإعرابية الخمسة؛ وهو إعراب " ملة " مفعولاً به لفعلٍ مقدَّر، وهو أقواها، ويشهد له قوله تعالى: {فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: 95] . انظر بقية الأوجه في: الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية للجَمَل 5 / 222.
(2/36)

ويَردُ على الكل أن المقصود قواعد العقائد لا جزئيات الفروع؛ لأنها هي التي وقع الاشتراك فيها بين الأنبياء كلهم، وكذلك* القواعد الكلية من الفروع (1) . أما جزئيات المسائل فلا اشتراك فيها (2) ، بل هي مختلفة في الشرائع (3) .
حجة النافين (4) من وجوه:
أحدها: أنه (5) لو كان صلى الله عليه وسلم متعبَّداً بشرع من قبله لوجب عليه مراجعة تلك الكتب، ولا يتوقف إلى نزول الوحي، لكنه لم (6) يفعل ذلك لوجهين، أحدهما: أنه لو فعله لاشْتَهر. والثاني: أن عمر رضي الله عنه طالع ورقة من التوراة فغضب (7) ، وقال: ((لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلا اتباعي)) (8) .
وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم لو كان متعبَّداً [بشرع من قبله] (9) لوجب على علماء الأمصار والأعصار أن يفعلوا ذلك ويراجعوا شرع من قبلهم، ليعلموا ما فيه، وليس كذلك.
_________
(1) مثل: وجوب الصلاة والزكاة والصوم، وتحريم الفواحش والقتل والسرقة.. ونحو ذلك.
(2) هنا زيادة ((بين الأنبياء كلهم)) في ن، وهي تكرار يمكن الاستغناء عنها.
(3) لمزيد معرفة أدلة المثبتين ومناقشتها: انظر: المعتمد 2/337، إحكام الفصول ص394، التلخيص للجويني 2/266، أصول السرخسي 2/99، التمهيد لأبي الخطاب 2/417، بذل النظر ص 682، الإحكام للآمدي 4/140، شرح مختصر الروضة للطوفي 3/170، موقع شرع من قبلنا من الأدلة د. عبد الله بن عمر الشنقيطي.
(4) في س: ((الباقين)) وهو تصحيف.
(5) ساقطة من ن.
(6) ساقطة من ن.
(7) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم
(8) رواه الإمام أحمد في مسنده 3/338، 278 من حديث عبد الله بن جابر رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فغضب، فقال:» أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده؛ لقد جئتكم بها نقيةً، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به، أو بباطل فتصدِّقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى عليه السلام حيّاً ما وسعه إلا أن يتَّبعني «متهوّكون: متحيِّرون وَزْناً ومعنى. الفتح الرباني لأحمد بن عبد الرحمن البنا 1/174. والحديث رواه الدارمي في سننه
(1/126) ، والبغوي في شرح السنة (1/270) وحسَّنه شعيب الأرناؤوط. وحسَّنه الألباني وذكر له شواهد عِدَّة، راجع: إرواء الغليل 6/34 الحديث رقم (1589) .
(9) ساقط من س، ن، ق. وهي مثبتة في ص، هـ، و.
(2/37)

وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم صَوَّب مُعاذاً في حكمه باجتهاد نفسه إذا عَدِم الحُكْمَ في الكتاب والسنة (1) ،
وذلك يقتضي أنه لا يلزمه (2) اتباع الشرائع المتقدمة.
والجواب عن الأول: أنه قد تَقَدَّم (3) أن شرع من قبلنا إنما يلزمنا إذا علمناه (4)
_________
(1) حديث معاذ رضي الله عنه: أن رسول الله لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال:» كيف تقضي إذا عرض لك

قضاء؟ «قال: أقضي بكتاب الله. قال:» فإن لم تجد في كتاب الله؟ «قال: فبسنَّة رسول الله. قال:» فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ «قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله صدره فقال:» الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله «.
رواه الإمام أحمد 5/230، 236، 242، وأبوداود (3592، 3593) ، والترمذي (1327) ، والدارمي 1/72 وغيرهم. واختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، وطال الكلام فيه.
? ... فممن ضَعَّفه: البخاري في التاريخ الكبير (2/277) ، والترمذي في سننه (1327) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/758) ، والجوزقاني في: الأباطيل والمناكير (1/106) وقال: ((هذا حديث باطل ... ، واعلم أنني تصفَّحتُ عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألتُ من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقاً غير هذا، ... . وبمثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصلٍ من أصول الشريعة، فإن قيل لك: إن الفقهاء قاطبةً أوردوه في كتبهم واعتمدوا عليه؟ فقل: هذا طريقه، والخَلَف قلّد فيه السلف، فإن أظهروا غير هذا مما ثبت عند أهل النقل رجعنا إلى قولهم، وهذا مما لا يمكنهم ألبتة)) . وممن ضعفَّه ابن حزم في الإحكام (2/428، 211) ، وابن الملقّن في خلاصة البدر المنير (2/424) وممن ضعفه أيضاً: العُقيلي، والدارقطني، وابن طاهر، وعبد الحق الإشبيلي، والسبكي، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/286) رقم الحديث (881) للألباني، وصحح الألباني معنى الحديث فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص، لكنه أنكر صحة المعنى في التفريق بين الكتاب والسنة، فالواجب ـ عنده ـ النظر في السنة وإن وُجد الحكم في الكتاب لأنها مبّينة له.
? ... وممن صَحَّح الحديث: الذين ذكرهم ابن حجر في قوله: ((وقد أطلق صِحَّته جماعة من الفقهاء كالباقلاني، وأبي الطيب الطبري، وإمام الحرمين، لشهرته وتلقي العلماء له بالقبول. وله شاهدٌ صحيح الإسناد، لكنه موقوف)) موافقة الخُبْر الخَبَرَ في تخريج أحاديث المختصر (1/119) . وصححه العظيم أبادي في عون المعبود (9/369) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (11/364) وقال: ((وهذا الحديث في المسانيد والسنن بإسناد جيد)) ، وكذا قال ابن كثير في مقدمة تفسيره (1/13) ، وحسَّنه الذهبي في تلخيص العلل المتناهية ص (269) وقال: ((وهذا حديث حسن الإسناد، ومعناه صحيح)) وقال في سير أعلام النبلاء (18/472) ((فإسناده صالح)) وقال الشوكاني: ((وهو حديث مشهور، له طرق متعددة، ينتهض مجموعها للحُجِّية، كما أوضحنا ذلك في مجموعٍ مستقلٍّ)) إرشاد الفحول (2/322) فالحديث صالحٌ للاحتجاج به وإن كان في إسناده ضَعْفٌ وجهالةٌ؛ لكنه يعتضد بقبول العلماء له، والآثار الصحيحة الموقوفة على الصحابة رضي الله عنهم. والله أعلم.
(2) في ق: ((يلزم)) .
(3) انظر: ص 33 - 34.
(4) في ن: ((علمنا)) .
(2/38)

من قبل نبينا صلى الله عليه وسلم بوحيٍ، أمَّا مِنْ قِبَلِهم فلا تلزم (1) مراجعتهم لعدم الفائدة في ذلك (2) . وهو الجواب عن الثاني.
وعن الثالث: أن من جملة الكتاب (3) دلالته على اتباع الشرائع المتقدمة (4) .
فائدة (5) : قال الإمام فخر الدين: إذا قلنا بأنه كان متعبَّداً فقيل: بشرع إبراهيم، وقيل: بل بموسى، وقيل: بل بعيسى عليهم الصلاة والسلام (6) . وهذا (7) الذي نقله الإمام في هذه المسألة لم ينقله " البرهان "، ولا " المستصفى " ولا سيف الدين، ونقلوا هذا النقل بعينه فيما قبل النبوة (8) ، ونقل المازري الخلاف بعينه في المسألتين (9) ، وكذلك القاضي عبد الوهاب (10) في " الملخص " (11) ،
وزاد في النقل
_________
(1) في س، ق: ((يلزم)) وهو جائز. انظر هامش (11) ص (27) .
(2) وكان جواب القرافي عن حديث ((لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي)) هو: ((لا يلزم من اتباع الرسل له ألاّ يكون متعبَّداً بالشرائع، لجواز أن يكون متعبَّداً بها، وهم على تقدير وجودهم يصيرون تابعين له فيما كانوا متَّبعين فيه، كما يصير الإمام مأموماً لطريانٍ عارضٍ)) نفائس الأصول 6/2373.
(3) في س: ((الكتب)) وهو تحريف؛ لأن المراد هنا بالكتاب القرآن.
(4) لمزيد معرفة أدلة النافين ومناقشتها، انظر: المصادر المذكورة في هامش (3) ص (37) .
(5) انظرها أيضاً في نفائس الأصول 6/2370
(6) هذا النقل عن فخر الدين فيه تصرُّف. انظر: المحصول 3/266.
(7) في س: ((وهو)) وهو تحريف؛ لا يؤدي الغرض منه.
(8) انظر: البرهان 1 / 333 - 334، المستصفى 1 / 391، الإحكام للآمدي 4 / 137.
(9) ممن نقله عن المازري: أبو عبد الله محمد الأصفهاني في كتابه: الكاشف عن المحصول 5/ 193، وانظر: نفائس الأصول 6 / 2370.
(10) هو القاضي أبومحمد عبد الوهاب بن علي بن نَصْر التَّغْلِبي ـ نسبة إلى قبيلة تغلب ـ البغدادي، فقيه مالكي، أصولي، شاعر، عابد، ولي القضاء في العراق وفي مصر، وصفه ابن القيم - في كتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية ص (164) - بأنه من كبار أهل السنة، من شيوخه: الأبهري وابن القَصَّار والباقِلاَّني، ومن تلاميذه: الخطيب البغدادي، وأبو إسحاق الشيرازي. ومن تآليفه: التلقين (ط) ، المعونة على مذهب عالم المدينة (ط) وهما في الفقه. والإفادة، والتلخيص (ويطلق عليه: الملخَّص) ، والمفاخر: كلها في أصول الفقه. توفي عام 422هـ. انظر: ترتيب المدارك 4 / 691، الديباج المذهب ص261، سير أعلام النبلاء 17 / 429.
(11) هذا أحد كتب القاضي عبد الوهاب الأصولية، ويطلق عليه: التلخيص ولم أقف عليه، ولست أدري هل ما زالت مخطوطته موجودة أم مفقودة؟ كسائر كتبه الأصولية. وقد ذكر القرافي في مقدمة الذخيرة التي سمَّاها

" تنقيح الفصول " أنه اعتمد على أخذ جملة كتاب " الإفادة " للقاضي عبد الوهاب وهو مجلدان في أصول الفقه. انظر: الذخيرة (1/55) . وها هو يعتمد أيضاً على كتاب " الملخص " في شرحه لتنقيح الفصول. وكذا قد اعتمد عليه وعلى " الإفادة " في كتابه: نفائس الأصول (1/92) وكذلك قد اعتمد الزركشي على كتب القاضي عبد الوهاب الأًصولية في كتابه: البحر المحيط (1/15) .
(2/39)

فقال: من الناس من قال كان متعبَّداً بشريعة (1) كل نبيٍّ تقدَّمه إلا ما نُسِخ أو دُرس (2) ، وهذا لم تنقله الجماعة (3) ، مع أنه غالب بحث الفقهاء في المباحث، فلا يخصُّون (4) شرعاً معيناً دون غيره.
قال القاضي: ومذهب المالكية (5) أن جميع شرائع الأمم شرع لنا إلا ما نسخ، ولا فرق بين موسى عليه السلام وغيره (6) .
قال ابن بَرْهان (7) : وقيل كان متعبِّداً قبل النبوة بشرع آدم عليه السلام؛ [لأنه أول الشرائع] (8) ، وقيل كان على دين نوح عليه السلام (9) .
_________
(1) في ق: ((بشرع)) .
(2) انظر: الكاشف عن المحصول للأصفهاني 5 / 193، البحر المحيط للزركشي 8/40، وانظر: نفائس الأصول 6 / 2370.
(3) يريد بهم من ذكرهم سلفاً وهم: الجويني والغزالي والآمدي والرازي.
(4) في س: ((يُخصِّصون)) .
(5) وهذا أيضاً مذهب الحنابلة. انظر: العُدَّة لأبي يعلى 3/757، المسودة ص 193.
(6) عند إطلاق " القاضي " ينصرف الذهن إلى القاضي الباقلاني. ولكن هذا النقل ربما كان عن القاضي
عبد الوهاب بقرينة العهد الذكري. ثم إن الأصفهاني في كتابه الكاشف عن المحصول (5 / 193) نقل هذا موصولاً بالقاضي عبد الوهاب. وانظر: نفائس الأصول 6 / 2371.
(7) هو أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن بَرْهان ـ بفتح الباء ـ الفقيه الشافعي الأصولي، كان حنبلي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، عُرِف بالذكاء والحفظ حتى ضرب به المثل، من شيوخه: ابن عقيل الحنبلي، والغزالي، والْكِيا الهرَّاسي. له ستة كتب في الأصول وهي: الوجيز، والأوسط، والبسيط، والوسيط، والتعجيز، والوصول إلى الأصول، والكتاب الأخير مطبوع بتحقيق د. عبد الحميد أبوزنيد، أما الكتب السابقة فلا يُدرى عن وجودها. توفي عام 518 هـ وقيل 520 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 6/30، وفيات الأعيان 1/99، سير أعلام النبلاء 19 / 456.
(8) ساقط في س.
(9) لم أجد هذا النقل عن ابن برهان في كتابه " الوصول إلى الأصول "، فلعلَّه في أحد كتبه الأصولية غير المطبوعة كـ" الأوسط ". والمصنف نفسه يعتمد على كتاب " الأوسط " لابن برهان كما في ص (97) ولكن وجدت هذا النقل عن ابن برهان في كتب أصولية أخرى، كالكاشف عن المحصول 5 / 193، ونهاية السول للإسنوي 3/48، والتقرير والتحبير 2/308. وانظر: نفائس الأصول 6 / 2371.
(2/40)

الباب الرابع عشر
في النسخ
وفيه خمسة فصول:
(2/41)

الفصل الأول
في حقيقته (1)
ص: قال القاضي منا (2) والغزالي (3) (4) : هو خِطابٌ دَالٌّ على ارتفاع حُكْمٍ
ثابتٍ بخطابٍ متقدِّمٍ على وَجْهٍ لولاه لكان (5) ثابتاً مع تراخِيْهِ عنه (6) . وقال الإمام فَخْرُ الدِّيْن: الناسخُ طريقٌ شرعيٌّ يدلُّ على أنَّ مِثْلَ الحكمِ الثَّابتِ بطريقٍ
شرعيٍّ (7) لا يوجد بعده، متراخياً عنه بحيث لولاه لكان ثابتاً (8) ، فالطريق
_________
(1) ذكر المصنف حقيقة النسخ اصطلاحاً. وأما حقيقته اللغوية فهي: الرفع والإزالة والإبطال والنقل والتحويل والتبديل والتغيير. انظر مادة " نسخ " في: لسان العرب، المصباح المنير، مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، وانظر كتاب: النسخ بين الإثبات والنفي د. محمد فرغلي ص 20 وما
بعدها، فقد توسع في التعريف اللغوي للنسخ.
(2) نسبه إلى القاضي الباقلاني كثيرٌ من الأصوليين منهم: الآمدي في الإحكام 3 / 105، وابن الحاجب في منتهى السول والأمل ص 154، وقال ابن السبكي: ((هذه عبارته في مختصر التقريب)) الإبهاج في شرح المنهاج 2 / 22.
(3) انفردت نسخة ن بزيادة ((من الشافعية)) .
(4) انظر: المستصفى 1 / 207.
(5) في ق: ((كان)) والمثبت أولى؛ لأن الأكثر اقتران جواب " لولا " باللام، وحذفها قليل في الكلام أو خاصٌ بالضرورة الشعرية، ولم يقع منه في القرآن شيءٌ. انظر: همع الهوامع للسيوطي 2 / 476.
(6) ممن اختار هذا التعريف: الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 1 / 245، وأبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع 1 / 481، وإمام الحرمين في التلخيص 2 / 452، وابن عقيل في الواضح في أصول الفقه 1 / 212، وهو تعريف ابن جُزي الكلبي من المالكية في تقريب الوصول ص 310. وانظر المناقشات حول التعريف في: الإحكام للآمدي 3 / 105، شرح البدخشي 2 / 163.
(7) ساقطة من ق، متن هـ.
(8) انظر: المحصول للرازي 3 / 285. لكن ذُكر في بعض النسخ المخطوطة للمحصول تعريف " النسخ " بدلاً من " الناسخ " وهي التي أثبتها مُحقِّق " المحصول " د. طه العلواني. وانظر المناقشات حول التعريف في: الكاشف عن المحصول للأصفهاني 5 / 213، رفع النقاب القسم 2 / 371، النسخ في القرآن الكريم د. مصطفى زيد 1 / 76 - 109، النسخ في دراسات الأصوليين د. نادية العمري ص 27 - 55.
(2/42)

يشمل (1) سائر المدارك: الخطابَ وغيرَه، وقوله: ((مثل الحكم)) : لأن الثابت قبل النسخ غيرُ المعدوم بعده (2) . وقوله: ((متراخياً عنه (3)) ) ؛ لئلا يَتَهَافَتَ (4)
الخطاب. وقوله: ((لولاه لكان ثابتاً)) احترازاً من المُغَيَّات (5) نحو الخطاب (6) بالإفطار بعد (7) [غروب الشمس] (8) فإنه ليس ناسخاً (9) [لوجوب الصوم] (10) .
الشرح
يَرِدُ على الأول أن النسخ قد يكون بالفعل كما تقدَّم (11) فلا يكون الحَدُّ (12)
_________
(1) في ق، متن هـ: ((تشمل)) وهي صحيحة أيضاً لأن ((الطريق)) تذكر وتؤنث، والتذكير أكثر وأجود. انظر: المذكر والمؤنث لأبي زكريا الفراء ص 87.
(2) بمعنى أن الحكم الأول لا يمكن رفعه بعد ثبوته، وإنما الذي يرتفع بالنسخ هو مثله؛ لأنه لو لم يرد النسخ لتجدد مثل الحكم الأول، فورود النسخ يمنع تجدد مثل الحكم الأول، انظر: رفع النقاب القسم 2/370.
(3) ساقطة من ن، متن هـ.
(4) التَّهَافُت: هو التساقط، مصدر تَهَافَتَ. انظر القاموس المحيط مادة " هفت ".
(5) المُغَيّا: اسم مفعول من غَيَّا، وهو من الغاية، وغاية كل شيء: مداه ومنتهاه. انظر مادة " غيا " في: لسان العرب، المعجم الوسيط.
(6) في ق: ((المخاطبة)) .
(7) في ق: ((عند)) .
(8) في س: ((الغروب)) .
(9) في ق: ((نسخاً)) .
(10) ما بين المعقوفين في ن، متن هـ هكذا: ((للصوم)) .
(11) أي قد يكون النسخ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما مرَّ في الباب السابق ص 16، 18.
(12) الحدُّ لغةً: المَنْع. انظر مادة " حدد " في: مختار الصحاح. واصطلاحاً: هو القول الدالُّ على ماهِيَّة الشيء. انظر: التعريفات للجرجاني ص 116. وعرَّفه المصنف بقوله: هو شرح ما دلَّ عليه اللفظ بطريق الإجمال. شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 4.

ومن شرط الحد كونه جامعاً لجملة أفراد المحدود، مانعاً من دخول غيره معه. انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 7، وانظر: حاشية الصبان على شرح السُّلَّم للملَّوي ص 84 - 85.
(2/43)

جامعاً (1) ، وكذلك يَنْتَقِض بالإقرار (2) وبجميع المدارك التي ليست خطاباً (3) ، وكذلك يَبْطُل بجميع ذلك اشتراطُه في الحكم السابق أن يكون [ثابتاً بالخطاب، فإنه قد يكون] (4) ثابتاً بأحد هذه الأمور، فلذلك عَدَل الإمام لقوله: ((طريق شرعي)) لِيَعُمَّ جميع هذه الأمور، فإن قُلْتَ: أنت شَرَعْتَ تَحُدُّ النسخ، والطريقُ ناسِخةٌ لا نَسْخٌ (5) ، والمصدر (6) غير الفاعل، فقد خرج جميع أفراد المحدود من الحَدِّ فيكون باطلاً.
قلتُ: الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى؛ ولذلك (7) قال الله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} (8) ، فأضاف تعالى فِعْل (9) النسخ إليه سبحانه وتعالى، وفعله تعالى هو هذه المدارك (10) وجعلها ناسخة، فالمصدر في التحقيق هو هذه (11) المدارك فاندفع السؤال (12) .
_________
(1) وكذلك لا يكون مانعاً؛ لأنه لو اختلفت الأمة في واقعة على قولين، وأجمعوا بخطابهم على تسويغ الأخذ بكل واحدٍ من القولين للمقلِّد، ثم أجمعوا بأقوالهم على أحد القولين، فإن حكم خطاب الإجماع الثاني دالٌّ على ارتفاع حكم خطاب الإجماع الأول. والإجماع لا يُنسخ ولا يُنسخ به، والحدُّ المذكور لم يمنع هذا من دخوله فيه، فلا يكون مانعاً. انظر: المعتمد 2 / 419، المحصول 3 / 284، الإحكام للآمدي 3 / 105.
(2) في ن: ((بالأخبار)) وهو تحريف. والمراد بالإقرار إقرار النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) كالمفهوم بنوعيه: الموافقة والمخالفة، على خلافٍ فيه، سيرد المثال عليه - عند المصنف - في ص 97 وما بعدها.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(5) في س: ((لا تنسخ)) . وهو خطأ للتناقض في المعنى.
(6) المصدر هو: الاسم الدالُّ على الحَدَث الجاري على الفعل، كالضَّرْب والإِكْرام. شرح قطر الندى لابن هشام ص 246.
(7) في ن: ((وكذلك)) وهو تحريف؛ لأنها لا تعطي معنى التعليل.
(8) البقرة، من الآية: 106.
(9) ساقطة من س، ق.
(10) نبَّه حلولو بأن إطلاق مثل هذا اللفظ (مدارك الأحكام مفعولة له تعالى) قد منع منه جماعة من السلف في القرآن، وهو أصل الأدلة وإن أريد بذلك العبارة أو الحروف المكتوبة، حسماً للباب وسداً للذريعة؛ لما في ذلك من إيهام القول بخلق القرآن. انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 257.
(11) هنا زيادة ((الأمور)) في س، ولا داعي لها.
(12) اعتراض حلولو على إجابة المصنف، وقال بأن الرفع غير المرفوع به. انظر: التوضيح شرح التنقيح
ص (257) . علماً بأن بعض الأصوليين ذكر بأن الناسخ يطلق على معانٍ: أظهرها أن يراد به الله تعالى، فيقال: نسخ الرب تعالى شريعةً بشريعةٍ، والخطاب، فيقال: نسخت آيةٌ آيةً، والمُعْتقِد؛
يقال: فلان نسخ الكتاب بالسنة، يعني يعتقد ذلك. انظر: التلخيص 2 / 456، الإحكام للآمدي
3 / 106، 108، شرح الكوكب المنير 3 / 528.
(2/44)

وقولي: ((مع تراخيه عنه)) (1) لأنه لو قال: افعلوا، لا تفعلوا لتهافت الخطاب، وأسقط الثاني الأول، وكذلك لو قال عند الأول: هو منسوخ عنكم بعد سنة، كان هذا الوجوب (2) مُغَيّاً بتلك الغاية من السنة (3) ، فلا يتحقق النسخ، بل ينتهي بوصوله لغايته، وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون الناسخ مسكوتاً عنه في ابتداء الحكم.
وقولي: ((على وَجْهٍ لولاه لكان ثابتاً)) ، احتراز (4) مما جُعِل له غايةٌ أولَ الأمر، فإنه لا يكون ثابتاً إذا وصل إلى تلك الغاية، فلا يقبل النسخ إلا إذا كان قابلاً للثبوت ظاهراً.
هل النسخ رَفْعٌ وإزالة أو بيان انتهاء المُدَّة؟ ت
ص: (5)
وقال القاضي منا (6) والغزالي (7) : الحكم المتأخر
_________
(1) ذكرت بعض كتب الأصول بأن هذا القيد لا داعي له، وكذلك القيد الآتي في قوله: ((على وجه لولاه لكان ثابتاً)) لأن ارتفاع الحكم يَدْرأ نقض الحدِّ بالمخصِّصات، فإنها دافعة لا رافعة. انظر: الإحكام للآمدي 3 / 106، نهاية الوصول في دراية الأصول لصفي الدين الهندي 6 / 2220، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 187.
(2) في ن: ((الجواب)) وهو تحريف.
(3) في ق: ((سنة)) .
(4) في ن، ق: ((احترازاً)) وهو متجهٌ؛ لأن انتصابه حينئذٍ إما على المصدرية وعامله تقديره ((أحترز)) أو منصوب على المفعولية لأجله وتقدير عامله ((قلت)) . والمثبت أولى لعدم احتياجه إلى التقدير، ويكون خبراً للمبتدأ ((قولي)) . والله أعلم.
(5) هذه المسألة هي: هل النسخ رفعٌ وإزالة أو بيان انتهاء المدَّة؟ . ومعنى " الرَّفْع " - كما في المحصول
(3 / 287) - أن خطاب الله تعلَّق بالفعل بحيث لولا طَرَيَان الناسخ لبقي، إلا أنه زال لطريان الناسخ. ومعنى " البيان " - كما في المحصول (3 / 287) - أن الخطاب الأول انتهى بذاته في ذلك الوقت ثم حصل بعده حكم آخر.

وتحرير محل النزاع: ذكره المصنِّف في كتابه: نفائس الأصول (6 / 2408) وهو أن كلا الفريقين متَّفِقٌ على أن الخطاب اقتضى الدوام باعتقادنا، وإنما الخلاف في نفس الأمر. ففريقٌ يقول: باقتضاء الدوام في نفس الأمر، والنسخ يرفع ويزيل الحكم المتقدم الدائم. والفريق الآخر يقول: لا دوام في نفس الأمر بل جُعل للحكم الأول غايةٌ والناسخ يبينها، فالنسخ بيان انتهاء مدة الحكم. وانظر: الكاشف عن المحصول 5 / 221.
وهل هذا الخلاف بينهما لفظي أو معنوي؟ فيه خلاف، انظر: نفائس الأصول 6 / 2418، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 187، مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت 2 / 66.
(6) انظر: المحصول لابن العربي ص 580، مفتاح الوصول للشريف التلمساني ص 594، البحر المحيط للزركشي 5 / 198.
(7) انظر: المستصفى 1 / 207. وممن ذهب إلى أن النسخ رفع وإزالة للحكم الأول: الباجي والأبياري وابن الحاجب من المالكية، والصيرفي وابن قدامة وابن تيمية وابن السبكي وابن الهمام وغيرهم. انظر: إحكام الفصول ص 389، روضة الناظر 1 / 283، منتهى السول والأمل ص 154، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13 / 274، جمع الجوامع مع شرح المحلِّي بحاشية البنَّاني 2 / 75، البحر المحيط للزركشي 5 / 198، تيسير التحرير 3 / 178.
(2/45)

يزيل (1) المتقدم. وقال الإمام (2) والأستاذ (3) وجماعةٌ (4) :
هو بيانٌ لانتهاء مدة الحكم (5) ، وهو الحق (6) ، لأنه لو كان دائماً في نفس الأمر لعلمه الله تعالى دائماً،
فكان يستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب العلم جهلاً (7) وكذلك الكلام القديم (8) الذي هو خبر عنه.
_________
(1) انفردت نسخة ن بزيادة هنا، وهي ((الحكم)) .
(2) المراد بالإمام: الرازي. وهو لم يُصرِّحْ بمذهبه في المحصول (3 / 287) ، لكنه صرَّح باختياره في كتابه: المعالم ص 116.
(3) الأستاذ إذا أطلق فالمراد به الأستاذ أبو إسحاق الإسْفَرَايِيْنِي، انظر نسبة هذا القول إليه في: المحصول للرازي 3 / 287، البحر المحيط للزركشي 5 / 199.
أما ترجمته فهو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مَهْران الإسفراييني - نسبة إلى إسْفَرَايِيْن، بليدة من نواحي نيسابور، عُدَّ من مجتهدي مذهب الشافعية، أصولي، مُحدِّث. من مصنفاته: " الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين " وفي الأصول: " تعليقة في أصول الفقه "وغير ذلك، توفي سنة 418 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 4 / 256، وفيات الأعيان 1 / 28.
(4) منهم: ابن حزم، وأبو الطيِّب الطبري، ابن فُوْرك، والبيضاوي، وأكثر الأحناف، وغيرهم. انظر: الإحكام لابن حزم 1 / 475، إحكام الفصول ص 390، كتاب في أصول الفقه للاَّمِشي الحنفي

ص 169، المغني في أصول الفقه للخَبَّازي ص 250، نهاية السول للإسنوي 2 / 548.
(5) الذين قالوا بأن النسخ بيان اختلفت عبارتهم، فذهب جمهور الفقهاء والإمام الرازي وجماعة المعتزلة إلى
أنه: بيان انتهاء أمَد الحكم، وقال آخرون: هو بيان انتفاء شرط استمرار الحكم وبه قال الأستاذ الإسفراييني. وبهذا يُعلم أن عزو القرافي للأستاذ مثل قول الإمام غير مُحَرَّر لوجود الفرق بين قوليهما، وقد نبَّه على ذلك حلولو في كتابه: التوضيح شرح التنقيح ص 256، 257.
(6) هنا زيادة ((الذي يتجه هنا)) في ن.
(7) ساقطة من س، ق، متن هـ.
(8) لفظ ((القديم)) مما يكثر استعماله عند المتكلمين، يُسمُّون به الله، ويصفون أسماءه وصفاته به، وأهل السنة لا يَعُدُّون ((القديم)) من أسماء الله وصفاته الحسنى، لأن أسماءه وصفاته توقيفية. قال ابن القيم في بدائع الفوائد (1 / 147) : ((ما يُطلق عليه (تعالى) من باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفياً: كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه)) فعلى هذا يصح إطلاق لفظ ((القديم)) من باب الإخبار لا الإنشاء. وقد جاء في الحديث الصحيح ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)) رواه أبو داود (466) وحسنه النووي في كتابه: الأذكار ص 46 وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 1 / 93.
(2/46)

الشرح
قال القاضي (1) :
النَّسْخ كالفَسْخ (2) ، فكما أن الإجارة إذا كانت شهراً يستحيل فسخها إذا انقضى الشهر، ويمكن فسخها في أثناء الشهر، لأن شأنها أن تدوم، فكذلك النسخ لا يكون إلا فيما شأنه أن يدوم. والجماعة يمنعون هذا التشبيه، ويقولون: إن (3) الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلو كان الحكم دائماً في نفس الأمر لعلم دوامه، ولو علم دوامه لتعذَّر (4) نسخه، فإن خلاف المعلوم مُحالٌ في حَقِّنا، فكيف في العلم القديم! وكذلك كل ما علمه الله تعالى فهو مُخْبَرٌ عنه بالكلام النَّفْسَاني (5) ،
_________
(1) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1 / 245، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العِزِّ الحنفي
ص 277، الشامل في أصول الدين للجويني ص 136، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد للبيجوري
ص 91، صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة للشيخ علوي السقَّاف ص 200 فبحثه في هذا نفيس.

وقول المصنف هنا: ((الكلام القديم)) مُجْملٌ ولكنه في اعتقاد الأشاعرة بمعنى أن صفة الكلام لله صفة قائمة بذاته أزلاً وأبداً، وأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته متى ما أراد. وأما عند أهل السنة والجماعة فصفة الكلام لله صفة ذات وصفة فعل، فجنس كلامه قديم وآحاده حادث، يحدثه الله متى شاء كما قال
تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] . انظر شرح المقاصد للتفتازاني 4 / 143 - 163، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 12 / 38، 105، 133، 371، 579. لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي شرح فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين
ص 74.
() انظر حجة القاضي في: نفائس الأصول 6 / 2408، رفع النقاب القسم 2 / 375.
(2) الفَسْخ: مصدر فَسَخَ تقول: فسختُ البيعَ أو العَقْد: نقضته وأبطلته ورفعته. انظر: المصباح المنير مادة
" فسخ "، الدرُّ النقي في شرح ألفاظ الخِرَقي لابن المَبْرد 1 / 188.
(3) ساقطة من ق.
(4) في ن: ((تعذر)) والمثبت أولى؛ لأن الأكثر في جوابها إذا كان ماضياً مثبتاً اقترانه باللاَّم. انظر: همع الهوامع 2 / 473.
(5) في ق: ((النفسي)) . وصفة الكلام - عند الأشاعرة - هي المعنى القائم بنفس الله. قال البيجوري:
((
واعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفسي القديم، بمعنى أنه صفة قائمة بذاته - ثم قال - ليست بحرف ولا صوت ... )) انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص (71، 82) ، وانظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني ص 105 - 131 وهذا مذهب باطل. وأما مذهب أهل السنة والجماعة من السلف الصالح فإنهم يثبتون لله صفة الكلام على الحقيقة، وهي صفة قائمة بذاته، {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} [التوبة: 6] . ومما يُردُّ به قولهم بالكلام النفسي قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز عن أمتي عمَّا حدثت به أنفسها مالم تتكلم به أو تعمل به)) رواه البخاري (6664) ومسلم (127) . فالحديث ظاهر في أن حديث النفس ليس كلاماً. وإذا كان كلام الله نفسياً فما الذي سمعه موسى عليه السلام وقد قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] ؟! . ثم أيُّ مزيَّةٍ لموسى عليه السلام في اصطفاء الله له بكلامه على من سمع الوحي بواسطة الملك أو كان إلهاماً؟!
(2/47)

وخبر الله تعالى [صِدْقٌ يستحيل الخُلْف (1) فيه، فلو أخبر عن دوامه تعذَّر نسخه، وكذلك لو شرعه دائماً (2) لكان تعالى] (3) قد أراد دوامه لأنه من جملة الكائنات*، ولو أراد دوامه لوجب الدوام، وحينئذٍ يتعذَّر النسخ، فلو وقع النسخ لَزِم مخالفةُ ثلاثِ صفاتٍ لله تعالى (4) ، وذلك محال (5) .
فهذه مَدَاركُ قطعيةٌ تُوجِب حينئذٍ أن الحكم كان دائماً في اعتقادنا لا في نفس الأمر، فالناسخ مُزِيلٌ للدوام من اعتقادنا لا من نفس الأمر، وحينئذٍ يكون النسخ كتخصيص العامِّ، ولذلك قيل: النسخُ تخصيصٌ في الأزمان (6) ، وهذا التفسير يَحْسُن فيما يتناول أزماناً، أمَّا ما لا يكون إلا (7) في زمانٍ واحدٍ كذبح
_________
(1) تتعلق بقدرته ومشيئته، يتكلم تعالى متى شاء بحرفٍ وصوتٍ مسموع. قال تعالى: انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية بشرح محمد خليل هَرَّاس ص 154، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر لصِدِّيق حسن خان ص 71، العقيدة السلفية في كلام رب البَريَّة ليوسف الجديع ص 79.
() في ق: ((الخلاف)) وهو صحيح أيضاً. والخُلْف هو الاسم من الإخلاف، وهو في المستقبل كالكذب في الماضي. لسان العرب مادة " خلف ".
(2) في ق: ((حكماً)) وهو تحريف.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(4) وهي العلم والكلام والإرادة. انظر: رفع النقاب القسم 2 / 376.
(5) للغزالي كلامٌ نفيس في الرد على هذه الدلائل وغيرها الرامية إلى إنكار كون النسخ رفعاً. انظر: المستصفى 1 / 208 - 212، وانظر أيضاً شرح مختصر الروضة للطوفي 2 / 261.
(6) قال الجويني في البرهان (2 / 843) : ((وقد صرَّح أبو إسحاق بأن النسخ تخصيص الزمان)) . وانظر: نفائس الأصول 6 / 2419.
(7) ساقطة من ن.
(2/48)

إسحاق (1)
عليه السلام فلا يكون تخصيصاً في الأزمان، بل رافعاً (2) لجملة الفعل
بجميع أزمانه.
_________
(1) هكذا في جميع النسخ إلا نسخة ش، فإن فيها ((إسماعيل عليه السلام)) . وهو الصحيح الذي أختاره، ولكني لم أشأ إثباتها في الكتاب؛ لأن نسخة " ش " كثيرة الأغلاط والتحريف، ولأني تَيقَّنْتُ من رأي المؤلف في الذَّبيْح بأنه " إسحاق " عليه السلام كما ذكره في ص (65) ، وكذا رجَّحه في كتابه: نفائس الأصول
(6 / 2450) ، وفي كتابه: الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة ص 92.
وفي مسألة الذبيح أقوالٌ ثلاثة: الأول: أنه إسماعيل عليه السلام، والثاني: أنه إسحاق عليه السلام، والثالث:

الوقف. والذي أميل إليه أنه إسماعيل عليه السلام؛ لأن الله تعالى قال: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 101 - 102] ، ثم قال عاطفاً على البشارة الأولى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112] ، فدلَّ ذلك على أن البشَارة الأولى شيء غير المُبَشَّر به في الثانية، فمن المقرر في الأصول أن النص إذا احتمل التأسيس والتأكيد كان حمله على التأسيس واجباً إلا لدليل، ومعلوم في اللغة أن العطف يقتضي المغايرة. والله أعلم. انظر: جامع البيان للطبري مجلد 12 / جزء 23 / 906، التفسير الكبير للرازي 26/ 133، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 15 / 99، القول الفصيح في تعيين الذبيح للسيوطي (رسالة موجودة في الحاوي للفتاوى له) 1 / 492 - 498، أضواء البيان للشنقيطي 6 / 691، نشر البنود 1 / 288. وانظر حاشية نفائس الأصول (6 / 2450) ففيها تحقيقٌ جيِّد.
(2) في ن: ((رفعاً)) .
(2/49)

الفصل الثاني
في حكمه
ص: وهو واقع (1) ، وأنكره بعض اليهود عقلاً وبعضهم سَمْعاً (2) ، وبعضُ المسلمين مُؤَوِّلاً لما وقع من ذلك بالتخصيص (3) .
لنا: [ما اتفقتْ عليه الأمم مِنْ] (4) أن الله تعالى شرع لآدم تزويج الأخ بأخته غير تَوْأمَتِهِ (5) ، وقد نُسِخ ذلك (6) .
_________
(1) أي حكم النسخ: واقعٌ شرعاً، والوقوع الشرعي دليل الجواز العقلي.
(2) انقسم اليهود إلى ثلاث فرقٍ: الشَّمْعُونية وقالت: يمتنع عقلاً وسمعاً، العِنَانية وقالت: يمتنع سمعاً لا عقلاً، العيْسَوية وقالت: يجوز عقلاً وسمعاً. انظر: الإحكام للآمدي 3 / 115، نفائس الأصول 6/ 2428، شرح مختصر الروضة للطوفي 2 / 266، التقرير والتحبير 3 / 58، التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة للباقلاني ص 140، الملل والنحل للشهرستاني 1 / 251، 256 - 257، النسخ في القرآن الكريم د. مصطفى زيد 1 / 27.
لكن حكاية خلاف اليهود في كتب أصول الفقه، مما لا يليق؛ لأن الكلام في أصول الفقه فيما هو مقررَّ في الإسلام، وفي اختلاف الفرق الإسلامية. أما حكاية الكفار فالمناسب لذكرها أصول الدين. وذكر العَطَّار: بأن مخالفة اليهود في ذلك ليتوصلوا إلى إنكار نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وشريعة عيسى عليه السلام لشريعة موسى عليه السلام. انظر: حاشية العطار على شرح المحلي لجمع الجوامع 2 / 119. وانظر: إرشاد الفحول 2 / 75. وذكر الشاطبي: أن أقوال أهل الأهواء غير مُعْتَدٍّ بها في الخلاف المقرَّر في الشرع. وأما نقل العلماء لأقوالهم، وأقوال اليهود والنصارى لا للاعتداد بها قطعاً وإنما ليردُّوها ويبيِّنوا فسادها. انظر: الموافقات 5 / 221.
(3) لم يشتهر هذا القول عن أحدٍ من المسلمين سوى أبي مُسْلِمٍ الأصفهاني المُعْتزلي (ت 322 هـ) ، وسيردُ تحرير مذهبه في مسألة جواز نسخ القرآن ص 61، انظر: المعتمد 1 / 370، الإحكام للآمدي

3 / 115، منتهى السول والأمل ص 154، أصول الفقه لابن مفلح 3 / 1117.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(5) التَّوْأم: مِنْ أتْأمَتِ المرأةُ؛ إذا وَضَعَتْ اثنين في بَطْنٍ، فهي مُتْئِم. والوَلَدَان: تَوْأمان، ويقال: هذا تَوْأم هذا، فَوْعَل. وهذه توأمة هذه، والجَمْع توائم. مختار الصحاح مادة ((تأم)) .
(6) هذا دليل أهل الإسلام على جواز النسخ عقلاً وسمعاً، وفي كُتب التاريخ: أن حواء عليها السلام، وَلَدَتْ أربعين بطناً، في كل بطنٍ ذكر وأنثى، فكان آدم عليه السلام يزوج لكلِّ ذكرٍ غير توأمته، ثم حُرِّم ذلك في زمان نوح عليه السلام. انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير 1 / 55، البداية والنهاية لابن كثير 1 / 58، وانظر: رفع النقاب القسم 2 / 380.
وانظر مسألة تزويج آدم للأخ بأخته غير توأمته ثم تحريم ذلك في: الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة
ص 90. وانظر تحريم تزويج الأخ بأخته في التوراة في: سفر التثنية، الإصحاح: 27، فقرة: 22.
(2/50)

الشرح
أما وقوع النسخ فلأنَّ الله تعالى أوجب وقوف الواحد مِنَّا للعشرة من الكفار
في الجهاد (1) ، ثم نَسَخَهُ بقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} (2) وصار الحكم أن يقف (3) الواحد منا (4) للاثنين بقوله تعالى: {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} (5) .
ونَسَخَ تعالى آياتِ (6) المُوَاْدَعَةِ (7) ،
ويقال:
_________
(1) في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] .
(2) الأنفال، من الآية: 66.
(3) في ن: ((يوقف)) والمثبت أنسب.
(4) ساقطة من ن، ق.
(5) الأنفال، من الآية: 66. وقد اختلف العلماء في وقوع النسخ في آية المصابرة، فالجمهور أنها منسوخة، وقد حكى ابن عطية الإجماع على ذلك. وقال آخرون: لم يقع فيها نسخ بل من باب التخفيف. والصحيح رأي الجمهور؛ لأنه رَفْع حُكْمٍ استقرَّ - وهو وجوب مصابرة الواحدة للعشرة - بحكم وجوب المصابرة للاثنين، وهذا هو النسخ بعينه. انظر أدلة الفريقين ومناقشتها في كتاب: الآيات المنسوخة في القرآن الكريم د. عبد الله الشنقيطي ص 99. وانظر أيضاً: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 2 / 383، 8/ 9، الناسخ والمنسوخ للنحاس 2 / 783، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 349.
(6) في ن، س: ((آية)) . والمثبت هو الصحيح؛ لأنها آيات وليست آية.
(7) في س، ن: ((المواعدة)) وهو تحريف.
* والمُوَادَعةُ والتَّوادُع: شِبْه المُصَالحة والتَّصَالُح، يقال: وادعَ [بني] فلان أي: صَالَحهم وسَالَمهم على ترك الحرب والأذى. وحقيقة الموادعة: المتاركة، أي: يَدَعُ كلُّ واحدٍ منهما ما هو فيه. انظر: لسان العرب مادة " ودع ".

وذكر الرصَّاع: بأن المُهادنة والصُّلْح والاسْتِيْمان والمُعَاهدة ألفاظٌ مترادفة، وعرَّف ابنُ عرفة " المهادنة " بأنها: عقدُ المُسْلم مع الحَرْبيّ على المسالمة مدةً ليس هو فيها تحت حكم الإسلام. انظر: شرح حدود ابن عرفة للرصَّاع 1 / 226. ومن أمثلة آيات الموادعة قوله تعالى: {الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة:109] ، وقوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ ش [النساء: 63] ، وقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61] ، وقوله تعالى: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً} [المزمل: 10] ، وغيرها. انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكِّيّ بن أبي طالب القَيْسِي ص 103.
(2/51)

إنها نَيِّفٌ (1) وعشرون (2) آيةً (3) بآية السَّيْف (4)
وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} (5) وبغيرها من الآيات (6) الدالة على
_________
(1) النيِّف: بالتشديد والتخفيف كمَيِّت ومَيْت والتشديد أفصح. وهو الزيادة، مِنْ: ناف، يقال: نَيِّفَ فلانٌ على الستين إذا زاد عليها. وكل ما زاد على العِقْد حتى يبلغ العِقْد الثاني فهو نَيِّفٌ. وقيل: النيِّف من واحد إلى ثلاث. والبِضْع من أربع إلى تسْع. ولا يقال نيّف إلا بعد عِقْد، نحو: عشرة ونيفٌ، عشرون ونيفٌ، مائة ونيفٌ. انظر: لسان العرب، والمصباح المنير كلاهما مادة " نيف ".
وبهذا يُعلم أن قول المصنف هنا: نَيِّفٌ وعشرون ليس جارياً وفق الصحيح من اللغة العربية.
(2) في س: ((عشرين)) وهو خطأ نحوي؛ لأن المعطوف على المرفوع مرفوع.
(3) قال ابن العربي: ((قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] ناسِخٌ لمائةٍ وأربَع عَشْرَة آية)) . أحكام القرآن 1 / 102، وكذا قال ابن جُزَيّ الغِرْناطي في مقدمة تفسيره " التسهيل في علوم التنزيل " في الباب السابع: الناسخ والمنسوخ 1 / 10 - 11.
(4) أصح الأقوال في آية السيف أنها قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ..} [التوبة: 5] . وقيل: إنها قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً..} [التوبة: 36] . وقيل: هما معاً. والمصنف رحمه الله جعلها قوله تعالى:
{
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ... } [التوبة: 73] . والخَطْب في هذا يسير. انظر روح المعاني للألوسي 5 / 246، النسخ في القرآن الكريم د. مصطفى زيد 2 / 503.
(5) التوبة، من الآية: 73، والتحريم، من الآية: 9.
(6) منها قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ... } [البقرة: 216] ، وقوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ... } [التوبة: 29] . انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي القيسي ص 103.
(2/52)

القتال (1) ،
وهو كثير في الكتاب والسنة (2) .
الحجة العقلية للشمعونية من اليهود المنكرين للنسخ عقلاً وسمعاً
وأما إنكار بعض اليهود له عقلاً فاحتجُّوا عليه (3) بأن النهي يعتمد المفاسد (4) الخالصة أو الراجحة، فلو جاز نسخه بعد ذلك لزم [تجويز أمر الله وإذنه] (5) في فِعْل المفاسد الخالصة أو الراجحة، وذلك على الله تعالى مُحَالٌ، بناءً على التحسين والتقبيح (6) ،
وقالوا عبارةً عامّةً: إن الفعل إمَّا أن يكون حسناً أو قبيحاً، فإن كان
_________
(1) مسألة نسخ آيات الموادعة بآية السيف مما اختلف فيها العلماء. ففريق يرى النسخ، وهو مرويٌ عن بعض التابعين وكثيرٍ من المفسرين على اختلافٍ بينهم في بعض الآيات. والفريق الآخر لا يرى النسخ. وقد ضَعَّفَ الزَّرْكَشِي - في البرهان في علوم القرآن (2 / 173) - ما لَهَج به كثيرٌ من المفسرين في الآيات الآمرة بالصبر على الأذى بأنها منسوخة بآية السيف، وذكر بأن الصحيح أنها ليست منسوخة، بل أمْر القتال من المُنْسَأ إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضَّعْف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فمن كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مُسْتَضْعَفٌ أو في وقت هو فيه مُسْتَضْعَف فليعملْ بآية الصبر والصَّفْح عَمَّنْ يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين. وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون)) الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم (2 / 413) .

والقول بأن جميع الآيات مُحْكَمة ولم يقع النسخ لآيات المُوَادَعة هو ما أختاره؛ لأن النسخ لا يُصَار إليه إلا عند التعارض ولا تعارض كما علمت. ومن رأى النسخ من السلف فيُحْمل على أحد اصطلاحاتهم فيه كتخصيصِ عامٍّ أو تقييد مُطْلقٍ أو بيان مُجْمَلٍ، لا النسخ بمعنى الرفع والإزالة. والله أعلم. انظر هذه المسألة بتوسع في: النسخ في القرآن الكريم د. مصطفى زيد 2 / 503 - 583، أهمية الجهاد في نشر الدعوة د. علي العلياني ص 148 وما بعدها.
(2) أي: وقوع النسخ كثير في الكتاب والسنة، وسترد أمثلته في الفصول التالية.
(3) ساقطة من س.
(4) في ن: ((الفساد)) وهي غير مستقيمة بدلالة ما بعدها.
(5) ما بين المعقوفين في ق هكذا: ((أذنه تعالى)) .
(6) مسألة التحسين والتقبيح سبق أن بحثها المصنف في الفصل السابع عشر من الباب الأول ص (88) من المطبوع فقرَّر بأن مذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح أنهما عقليان ويُرَتِّبُون على ذلك الذمَّ والمَدْح، أو العقاب والثواب الشرعيين، وهذا باطل. ومذهب الأشاعرة - ومنهم المصنف - أن العقل لا مَدْخل له في إثبات الثواب والعقاب الشرعيين، وهذا حقٌّ. ولكنَّهم غَلَوا حتى أبطلوا أن الأفعال لها صفات ذاتية من القبح والحسن تُدْرك بالعقل. ومذهب أهل السنة والجماعة وَسَطٌ بين الطرفين، فهم يُثْبتون لبعض الأفعال حُسْناً وقُبْحاً بالعقل، ولا يُرَتِّبُون على ذلك استحقاق العقوبة والمثوبة عليها إلا من جهة الشرع. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 8 / 428 - 436، مفتاح دار السعادة لابن القيم

2 / 402، وما بعدها. وانظر مذهب الأشاعرة في: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني ص 228، وانظر مذهب المعتزلة في: المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار ص234.
(2/53)

حسناً استحال النهي عنه، أو قبيحاً استحال الإذن فيه، فالنسخ محال على التقديرين (1) .
وجوابهم: أنَّا نمنع قاعدة الحسن والقبح، أو نسلمها ونقول لِمَ لا يجوز أن يكون الفعل مفسدة في وقت مصلحة في وقت؟. وذلك معلوم بالعوائد، بل اليوم الواحد يكون الفعل فيه حسناً في أوله قبيحاً في آخره، كما نقول في الأكل والشرب ولبس* الفَرَاء (2) وشرب الماء البارد وغيره، يَحْسُن جميع ذلك ويَقْبُح باعتبار وقتين من الشتاء والصيف، والحَرِّ والبرد، والصوم والفطر، والشِّبَع والجوع، والصِّحَّة والسَّقَم (3) .
حجة منكري النسخ سمعاً
احتج منكروه سمعاً بوجهين:
أحدهما: أنَّ الله تعالى لما شرع لموسى عليه السلام شَرْعَه، فاللفظ الدالُّ عليه إما أن يدل على الدوام أو لا، فإن دلَّ (4) على الدوام، فإمَّا أن يَضُمَّ إليه ما يقتضي أنه سينسخه أو لا، فإن كان الأول (5) فهو باطل من وجهين:
الأول: أنه يكون متناقضاً، وهو عَبَثٌ ممنوع (6) .
الثاني: أن هذا اللفظ الدال على النسخ وَجَب أن يُنْقَل (7) متواتراً، إذ لو جوَّزْنا
_________
(1) انظر: المحصول للرازي 3 / 298، كشف الأسرار للبخاري 3 / 304، نهاية السول للإسنوي 2 / 560، رفع النقاب القسم 2 / 388.
(2) الفَرَاء: جمع فَرْو وفَرْوَةٍ. وهي جلود بعض الحيوان، كالدِّبَبَة والثعالب، تُدبغ ويُتَّخَذ منها ملابس للدِّفْء وللزينة. المعجم الوسيط مادة " فرا ".
(3) انظر: بذل النظر للأسمندي ص 313، المحصول للرازي 3 / 302، الإحكام للآمدي 3 / 116، رفع النقاب القسم 2 / 388.
(4) هنا زيادة ((يكون)) في ن، ولا معنى لها.
(5) وهو: أن يضم إلى اللفظ الدال على دوام شرع موسى عليه السلام لفظاً يقتضي أنه سينسخه.
(6) وجه التناقض: أن الدوام يقتضي بقاء الحكم، والنسخ يقتضي زواله، فيكون الحكم باقياً زائلاً.
(7) في ن: ((ينتقل)) .
(2/54)

نَقْلَ الشرع غيرَ متواتر أو نَقْلَ صفته غير متواترة لم يحصل لنا علم بأن شرع الإسلام
غيرُ منسوخ، ولأن ذلك من الوقائع العظيمة التي يجب اشتهارها، فلا يكون نص
على النسخ وحينئذٍ لا يكون منسوخاً؛ لأن ذكر اللفظ الدال على الدوام [مع عدم الدوام] (1) تلبيسٌ، ولأنه يؤدي إلى عدم الوثوق بدوام الشرع (2) ، وأما إن لم ينص على الدوام فهذا مطلق يكفي في العمل به مرة واحدة، وينقضي بذاته، فلا يحتاج للنسخ ويتعذَّر النسخ فيه (3) .
الوجه الثاني (4) : أنه ثبت بالتوراة قول موسى عليه السلام: تَمَسَّكُوا بالسبت أبداً، ما دامت السموات والأرض (5) ، وهو متواتر، والتواتر حُجَّة.
والجواب عن الأول: أن نقول: اتفق المسلمون على أن الله تعالى شَرَع لموسىعليه السلام شَرْعه بلفظ الدوام، واختلفوا هل ذكر معه ما يدلُّ على أنه سيصير منسوخاً؟
فقال أبو الحُسَين (6) : يجب ذلك في الجملة وإلا كان تلبيساً (7) .
وقال جماهير أصحابنا وجماهير المعتزلة: لا يجب ذلك (8) ، وقد تقدَّم البحث في ذلك في تأخير البيان عن وقت الخطاب (9) .
_________
(1) ساقط من س، ن.
(2) في ن، س: ((الشرائع)) والمثبت أقرب؛ لأن الدوام لم يكتب لغير شرع الإسلام.
(3) انظر: المحصول للرازي 3 / 298، نهاية الوصول للهندي 6 / 2264.
(4) من احتجاج منكري النسخ سمعاً.
(5) انظر: العهد القديم (التوراة) ، سفر الخروج، الإصحاح: 31 الفقرتان: 16 - 17.
(6) في س: ((أبو الحسن)) وهو خطأ؛ لأن المراد به أبو الحسين البصري وهو: محمد بن علي بن الطيب البصري، أحد أئمة المعتزلة، كان مليح العبارة، قوي الحجة والعارضة، والدفاع عن آراء المعتزلة. من شيوخه: القاضي عبد الجبار، من تآليفه: المعتمد (ط) ، تصفح الأدلة وغيرهما. ت 436 هـ. انظر: شرح العيون للحاكم الجشيمي ص 382، وفيات الأعيان 4 / 271.
(7) انظر: المعتمد 1 / 371 - 372، وذكر الشيرازي هذا المذهب عن بعض الناس دون تسميتهم، انظر: التبصرة ص 257.
(8) وهو مذهب أكثر الأصوليين، ومن المعتزلة: أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار.
انظر في ذلك: المعتمد 1 / 315، إحكام الفصول ص 303، المحصول للرازي 3 / 302، المسودة ص 178، كشف الأسرار للبخاري 3 / 218.
(9) ذكر المصنف مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة في الفصل الخامس من الباب الثاني عشر ص (282) من المطبوع. وذكر فيها ثلاثة مذاهب: الجواز للجمهور، المنع لجمهور المعتزلة، التفصيل لأبي الحسين البصري. وانظر: نفائس الأصول 6 / 2436.
(2/55)

والجواب* عن (1) رأي أبي الحُسَين: أن ذلك القيد لم ينقل لوقوع الخلل في اليهود في زمن بُخْتُنَصَّر (2) فإنه أباد اليهود حتى لم يبق منهم من يصلح للتواتر (3) ،
وبه يظهر (4) الجواب عن شرعنا نحن لسلامته (5) عن الآفات.
وعن الثاني: أن (6) هذا النقل أيضاً (7) لا يصحُّ الاعتماد عليه لانقطاع عدد اليهود كما تقدَّم، ولأن لفظ " الأبد " منقول في التوراة وهو على خلاف ظاهره (8) .
أمثلة من التوراة على أن لفظ " الأبد " لا يراد به الدوام (9) قال في العبد: يُسْتخدم ست سنين ثم يُعْتق في السابعة، فإن أبى العتق فَلْتُثْقَبْ (10) أذنه ويُستخدم أبداً (11) . مع تعذر الاستخدام أبداً، بل العمر، فأطلق الأبد على العمر فقط.
_________
(1) في ق، ن: ((على)) ولست أعلم لها وجهاً. انظر هامش (10) ص (8) .
(2) بُخْتُنَصَّر قيل هو: بُخْتُرشه وقيل: نَبُوخَذْنَصَّر، وبُوخت: ابن، ونَصَّر: صنم، وكان وُجد عند صنم ولم يُعْرف له أب، فقيل هو: ابن الصنم. كان في خدمة ملوكٍ من الفرس في زمن " زرادشت " مُدَّعِي النبوة ومشرع دين المجوس، حَكَمَ بابل (605 - 562) قبل الميلاد. سار إلى بيت المقدس " أورْشَلِيم " ودمَّرها وقتل بعض اليهود ونفى بعضهم الآخر، وهو ما يعرف عند اليهود بالأسر البابلي. انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري 1 / 534 - 565، الكامل لابن الأثير 1 / 175، المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء 1 / 42، لسان العرب مادة " نصر "، الموسوعة العربية الميسرة 2 / 1821.
(3) ذكر المصنف فائدة في " نفائس الأصول " (6 / 2434) بأن مناظرة وقعت بينه وبين بعض اليهود. قال
بعضهم: كيف تَدَّعون أن شرعنا غير متواتر بسبب بُخْتُنَصَّر، والمنقول عندنا أن جمعاً منهم نحو الأربعين سلموا منه، وخرجوا إلى بعض الأقطار، ومثلهم يمكن أن يحصل به عدد التواتر؟ . فردَّ عليهم القرافي: أولاً: بعدم التسليم بصحة هذا النقل. وثانياً: سلَّمْنا، لكن لا يلزم أن يكون هذا الجمع حافظين للتوراة فلعلهم لا يعلمون شيئاً. وإذا شككنا في حالهم شككنا في التواتر، ويكفي في عدم الوثوق بأصل الشرائع الشك في بعض شروط التواتر.

وذكر المصنف في " الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة " ص (108 - 109) بأن بُخْتُنَصَّر قتل اليهود وحرق التوراة، ثم بعد سنين متطاولة لفَّق لهم عَزْرَا هذه التوراة الموجودة الآن مِنْ فصولٍ جمعها، لا يُدرى هل أصاب أو أخطأ؟ ، وفيها مالا يليق بالنبوات، وأين القطع بخبر الواحد؟!
(4) في ن: ((أظْهِر)) والمثبت أليق.
(5) في ص، ن: ((بسلامته)) .
(6) ساقطة من ن، س.
(7) ساقطة من ن، ق.
(8) قال الشوشاوي: ((إن لفظ " الأبد " ظاهر في عموم الأزمنة لا نَصٌّ ... )) رفع النقاب القسم
2 / 389. وسيأتي مثل هذا في كلام المصنف ص 80.
(9) هذا أول الأمثلة من التوراة على أن لفظ الأبد لا يراد به الدوام بل يأتي على خلاف ظاهره.
(10) في س، ن: ((فتثقب)) ، وفي ق: ((فليثقب)) . والمثبت من نسخة ص.
(11) انظر: سفر الخروج، الإصحاح: 21 الفقرتان: 2، 6، سفر التثنية، الإصحاح: 15 الفقرتان:
15 - 17.
(2/56)

وثانيها: قال في البقرة التي أمِروا بذبْحها تكون لكم سُنَّةً أبداً (1) ، ومعلوم أن ذلك ينقطع بخراب العالم وقيام الساعة.
وثالثها: أمِرُوا في قصة (2) دم الفِصْح (3) أن يذبحوا الحَمَل (4) ويأكلوا لحمه مُلَهْوَجاً (5)
ولا يكسروا منه عَظْماً ويكون لهم (6) هذا الحَمَل (7) سُنَّةً أبداً، ثم زال التعبد بذلك
أبداً (8) (9) .
_________
(1) انظر: سفر اللاَّويين، الإصحاح: 17 الفقرات: 1 - 7.
(2) في س: ((قضية)) ، وهي ساقطة من ق.
(3) في ق: ((الفسخ)) وهو تحريف. والفِصْح: مثل الفِطْر وزناً ومعنى، وهو الذي يأكلون فيه اللحم بعد الصيام، وهو عيد عند اليهود والنصارى. أما النصارى فبمناسبة قيام المسيح عليه السلام من القبر بزعمهم، ويسمى عيد القيامة، وهو يوافق ما بين 22 مارس و 25 إبريل حسب التقويم الميلادي ويُسبق هذا اليوم بالصيام لمدة أربعين يوماً. أما عند اليهود فيوافق 15 من الشهر السابع حسب التقويم العبري، ويسمى بعيد الفطير، وفي مثل هذا اليوم خرج بنو إسرائيل من مصر هرباً من فرعون الذي أنجاهم الله منه. انظر: العهد القديم: سفر التثنية الإصحاح: 16 الفقرات: 1 - 8، سفر اللاويين، الإصحاح: 23 الفقرة: 5، العهد الجديد إنجيل مَتَّى الإصحاح: 26 الفقرة: 5، إنجيل لوقا الإصحاح: 22 الفقرات: 7 - 23، الأجوبة الفاخرة ص 192، المصباح المنير مادة ((فصح)) ، كلمات غريبة: منصور الخميس ص 101.
(4) هكذا في نسخة و، وهو الصواب، خلافاً لجميع النسخ ففيها ((الجَمَل)) وهو خطأ؛ لأن الجمل من الحيوانات المحرَّمة على اليهود في شريعتهم جاء في سفر اللاَّويين، الإصحاح: 11 الفقرتان: 3 - 4 قوله: ((تأكلون كلَّ حيوانٍ مشقوقِ الظِّلْف ومُجْترٍّ. أما الحيوانات المجترَّة فقط أو المشقوقة الظلف فقط فلا تأكلوا منها، فالجَمَل غير طاهرٍ لكم؛ لأنه مجترٌّ ولكنه غير مشقوق الظلف)) .
(5) في ق: ((مملوحاً)) وهي ليست في التوراة.
والمُلَهْوَج: مفعول من لَهْوَج: بمعنى خَلَطَ، ولَهْوَج اللَّحْمَ: لم يُنْعِم شَيَّهُ. واللحم المُلَهْوَج: المَشْوي على النار من غير نُضْجٍ. قال الشاعر:
خير الشِّوَاء الطيِّبُ المُلَهْوَجْ قد هَمَّ بالنُّضْج ولَمَّا يَنْضَجْ

انظر: لسان العرب مادة " لَهَجَ ".
(6) في ق: ((لكم)) وهي غير مناسبة؛ لأن السياق ليس فيه توجيه الخطاب لهم.
(7) هكذا في نسخة و، وهو الصواب خلافاً لباقي النسخ. انظر هامش (4) من هذه الصفحة.
(8) كلمة ((أبداً)) ساقطة من ق.
(9) انظر: سفر الخروج، الإصحاح: 12 الفقرات: 1 - 17.
(2/57)

وقال في السِّفْر الثاني (1) : قَرِّبُوا إليَّ كل يوم خروفين، خروفاً غَدْوةً وخروفاً عَشِيَّةً قُرْباناً دائماً لأحْقَابكم (2) .
ثم مذهبهم منقوضٌ بصور، إحداها (3) : أن في التوراة أن السارق إذا سرق في المرَّة الرابعة تُثْقَب أذنه ويباع، وقد اتفقوا (4) على نسخ ذلك (5) .
وثانيها: اتفق اليهود والنصارى على أن الله تعالى فَدَىَ ولد إبراهيم من الذبح، وهو نص التوراة (6) ، وهو أشد أنواع النسخ؛ لأنه قبل الفعل الذي منعه المعتزلة (7) ، وإذا جاز في الأشدِّ جاز في غيره بطريق الأولى.
وثالثها: في التوراة أن الجمع بين الحُرَّة* والأمَة في النكاح كان
جائزاً في شرع إبراهيم عليه السلام لجمعه عليه السلام بين سارة (8) الحُرَّة
_________
(1) السفر الثاني هو سفر الخروج؛ لأن السفر الأول هو سفر التكوين. انظر: سفر الخروج، الإصحاح: 29 الفقرات: 38 - 42.
(2) وهم لا يفعلون ذلك لكونه منسوخاً. والأحْقَاب: جمع حُقُب وحُقْب وهو الدهر. والحُقُب: ثمانون سنة، وقيل أكثر من ذلك. قال الراغب: والصحيح أن الحِقْبة مدة مبهمة. انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، القاموس المحيط كلاهما مادة " حقب ".
(3) هكذا في ق. وفي جميع النسخ بالتذكير ((أحدها)) ، والصواب ما في نسخة ق: ((إحداهما)) بالتأنيث موافقةً للمعدود وهو: ((صور)) ومفرده: صُورة. وهكذا يقال في بقية الأعداد الآتية، ففي كلِّ النسخ كُتبت: ثانيها، ثالثها، رابعها، خامسها. والصواب: ثانيتها، ثالثتها ... خامستها. بالتأنيث فإن العدد إذا كان اسم فاعل وجب فيه أبداً أن يُذكَّر مع المذكر ويُؤَنَّث مع المؤنَّث. انظر هذه القاعدة في: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام 4 / 243، 248.
(4) في ن: ((اتفقنا)) والمثبت أوجه؛ لتستقيم الدعوى عليهم.
(5) انظر: سفر الخروج، الإصحاح: 22 الفقرات: 1 - 4، وانظر: نفائس الأصول 6 / 2430.
(6) انظر: سفر التكوين، الإصحاح: 22 الفقرات: 1 - 14، وانظر: الأجوبة الفاخرة ص 91، نفائس الأصول 6/2430. والذبيح - عند اليهود والنصارى كما هو عند بعض المسلمين - هو إسحاق عليه السلام، والصحيح أنه إسماعيل عليه السلام وقد سبق تفصيل الكلام في ذلك في حاشية رقم (1) ص 49.
(7) مسألة: النسخ قبل التمكن من الفعل وخلاف المذاهب فيها بحثها المصنف في ص 64.
(8) سارة: هي زوجة إبراهيم عليه السلام، وابنة عَمِّه: هاران الأكبر، وقيل: كانت ابنة ملك حرَّان، وكانت من أحسن النساء وجهاً، وكانت مُنِعَت الولد حتى أسنَّتْ، فوهبها الله إسحاق عليه السلام، ولها قصة - في البخاري برقم (3358) - مع فرعون مصر آنذاك. توفيت بالشام ولها 124 سنة. وسارة: اسم سامي، ومعناه: السيدة أو الأميرة. انظر: الكامل في التاريخ 1 / 88، فتح الباري لابن حجر 6 / 481.
(2/58)

وهاجر (1) الأمَة وحرمته التوراة (2) .
ورابعها: أن التوراة قال الله تعالى فيها لموسىعليه السلام: اخْرُجْ أنت وشعبك (3) لِتَرثوا الأرض المُقَدَّسة (4) التي وَعَدْتُ بها أباكم إبراهيم أن أورثها نَسْلَه. فلما ساروا إلى التِّيْهِ (5) قال الله تعالى: لا تدخلوها؛ لأنكم عصيتموني (6) . وهو عين النسخ.
وخامسها: تحريم السبت، فإنه لم يزل (7) العمل (8) مباحاً إلى زمن موسىعليه السلام وهو عين النسخ (9) .
_________
(1) هاجر: وقيل بالهمز: آجر، وهو اسم سرياني، معناه: المهاجرة. يقال: إن أباها كان من ملوك القبط، وهبها فرعون مصر آنذاك لسارة لتخدمها، فوهبتها لإبراهيم عليه السلام لعل الله يرزقه منها الولد، فولدت له إسماعيل عليه السلام، فحزنت سارة حزناً شديداً فوهبها الله تعالى إسحاق عليه السلام. وقعت الغيرة في قلب سارة وقالت في هاجر: لا تساكِنُنِي في بلد. فأوحى الله إلى إبراهيم أن يأتي مكة، وليس بها يومئذ زَرْعٌ ولا ضَرْعٌ. والقصة في البخاري برقم (3364) . انظر: الكامل في التاريخ 1 / 88، فتح الباري لابن حجر 6 / 485.
(2) انظر: سفر التكوين، الإصحاح: 16 الفقرة: 3، الأجوبة الفاخرة ص 91، نفائس الأصول
6 / 2430.
(3) في ق: ((شيعتك)) .
(4) اختلف المفسرون في تحديد الأرض المقدسة، فقيل: هي بيت المَقْدِس، وقيل: أريْحا، وقيل: الطُّوْر، وقيل: إيليا، وقيل: الشام، وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن. واختار الطبري عدم القطع بتحديدها غير أنها لا تخرج عن أن تكون من الأرض التي بين الفرات وعريش مصر. وصحح ابن كثير القول بأنها: بيت المقدس، وكذا الشيخ السعدي. انظر: جامع البيان للطبري مجلد: 4 / جزء: 6 / 234، تفسير البحر المحيط لأبي حيان 3 / 469، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1 / 139، 3 / 69، تيسير الكريم المنان للسعدي 1 / 473.
(5) التِّيْه: هي الأرض التي تاهوا فيها وهي بين مصر والشام، اخْتُلِف في طولها وعرضها، فقيل طولها: ثلاثون ميلاً، وقيل: ثلاثون فَرْسخاً، وقيل: اثنا عشر فَرْسخاً. أما عرضها: فقيل: ستة فراسخ، وقيل: تسعة فراسخ. انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان 3 / 473، والفرسخ: 5.04 كيلو متراتٍ،
والميل: 1.68 كيلو متراً. انظر: المقادير الشرعية والأحكام الفقهية المتعلقة بها لمحمد نجم الدين الكردي
ص 310.
(6) وردت هذه القصة في سورة المائدة، الآيات (20 - 26) . وانظر: سفر الخروج، الإصحاح:
6 الفقرات: 6 - 8، سفر العدد، الإصحاح: 14 الفقرات: 22 - 23، نفائس الأصول 6/2431.
(7) في ن: ((يدل)) وهو تحريف، لا معنى لها.
(8) ساقطة من س.
(9) انظر: سفر الخروج، الإصحاح: 20 الفقرة: 10، والإصحاح: 31 الفقرات: 12 - 17، الأجوبة الفاخرة ص 91 نفائس الأصول 6 / 2431.
(2/59)

وقد ذَكَرْتُ [صوراً كثيرةً] (1) غير هذه في: " شرح المحصول " (2) ، وفي كتاب: " الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة " (3) في الرد على اليهود والنصارى.
وأما من أنكر النسخ من المسلمين فهو مُعْترفٌ بنسخ تحريم الشحوم (4) ، وتحريم السبت (5) وغير ذلك من الأحكام، غير أنه يفسر النسخ في هذه الصور (6) بالغاية، وأنها انتهت بانتهاء غايتها (7) ، فلا خلاف في المعنى (8) .
_________
(1) ساقط من ن.
(2) انظرها في: نفائس الأصول في شرح المحصول 6 / 2430 - 2432. وقد تقدم التعريف به في القسم الدراسي.
(3) انظرها فيه ص 90 - 92. وقد تقدَّم التعريف به في القسم الدراسي.
(4) لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} [الأنعام: 146] . وانظر أيضاً: سفر اللاويين، الإصحاح: 7 الفقرات: 22 - 25.
(5) لقوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 154] ، وانظر أيضاً: سفر الخروج، الإصحاح: 20 الفقرة: 10.
(6) في ق: ((الصورة)) وهي في الحقيقة عدة صور كما مرَّ.
(7) في ن: ((نهايتها)) .
(8) هذا هو وجه التأويل الذي ذكره المصنف في المتن ص (50) في قوله: ((وبعض المسلمين مؤولاً لما وقع من ذلك بالتخصيص)) أي التخصيص بالغاية. قال ابن السبكي في " رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب " (4 / 47) : ((وأنا أقول: الإنصاف أن الخلاف بين أبي مسلم والجماعة لفظي، وذلك أن أبا مسلم يجعل ما كان مغياً في علم الله تعالى كما هو مغياً باللفظ، ويسمى الجميع تخصيصاً، ولا فرق عنده بين أن يقول: وأتموا الصيام إلى الليل، وأن يقول: صوموا، مطلقاً، وعلمه محيط بأنه سينزل: لا تصوموا وقت الليل. والجماعة يجعلون الأول تخصيصاً والثاني نسخاً ... )) فالنسخ تخصيص في الأزمان كتخصيص الأشخاص. وانظر: شرح المحلي على جمع الجوامع بحاشية البناني 2 / 89.

قال الشيخ الزُّرْقاني: ((إن أبا مسلم على فرض أن خلافه مع الجمهور لفظي لا يعدو حدود التسمية، نأخذ عليه أنه أساء الأدب مع الله في تحمسه لرأيٍ قائمٍ على تحاشي لفظٍ اختاره جَلَّتْ حكمته ودافع عن معناه بمثل قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] . وهل بعد اختيار الله اختيار؟! وهل بعد تعبير القرآن تعبير؟!)) . مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني 2 / 162. ثم إن هناك فروقاً كبيرة بين النسخ والتخصيص.
والذي يظهر لي أن الخلاف مع أبي مسلم خلاف معنوي لمخالفته نصَّ الكتاب وإجماعَ الأمة، يدل على ذلك تعسفه الشديد في تأويل الآيات الدالة على وقوع النسخ كما تعسَّف في تأويل الآيات الناسخة والمنسوخة بما لا يقبله العقل ولا يتفق مع النقل. وما اعتذار العلماء له وأنه يُسمِّي النسخ تخصيصاً إلا خشية الإثم من مخالفة الإجماع، إذ كيف لمسلمٍ - فضلاً عن عالمٍ - أن يجحد وقوعه في القرآن مع قيام الحجج القاطعة على وقوعه؟! فلا مانع من تخطئته مع كونه متأولاً باجتهاده. انظر: حاشية رقم (5) للدكتور: سليمان اللاحم محقِّق كتاب: الناسخ والمنسوخ للنحاس 1 / 400.
(2/60)

وقوع النسخ في القرآن
ص: ويجوز عندنا وعند الكافة نسخ القرآن (1) خلافاً لأبي مُسْلِمٍ الأصفهاني (2) ؛
_________
(1) أي وقوع النسخ في بعض آياته.
(2) هو: محمد بن بَحْر الأصفهاني، من كبار المعتزلة، كان نحوياً كاتباً بليغاً كان يتصرف للسلطان بأصبهان ثم تاب عن ذلك، له كتاب في التفسير سماه: جامع التأويل لمحكم التنزيل، وله: الناسخ والمنسوخ، وكتاب في النحو، توفي عام 322 هـ. انظر: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للبلخي والقاضي عبد الجبار ص 299، 323، معجم الأدباء لياقوت الحموي 18/ 35، بغية الوعاة للسيوطي 1/59.
* تحرير القول في مذهب أبي مسلم الأصفهاني:
اتفق العلماء على أنه يجيز النسخ عقلاً، ثم اختلفوا في مذهبه في جواز النسخ سمعاً على أقوالٍ ثلاثة:
الأول: ينكره سمعاً مطلقاً، وهو ظاهر نقل ابن عقيل عنه في: الواضح في أصول الفقه 4 / 197، والآمدي في: الإحكام 3 / 115، وابن الحاجب في: منتهى السول والأمل ص 154.
الثاني: ينكر وقوعه في الشريعة الواحدة. ذكره الجصاص في: أحكام القرآن 1 / 71، والرازي في: التفسير الكبير 20 / 93.
الثالث: ينكر وقوعه في القرآن فقط.. ذكره أكثر العلماء، ومنهم: النحَّاس في: الناسخ والمنسوخ
1 / 400، وانظر فواتح الرحموت 2 / 168.
أما النقل الأول: فإنه لا يصح عنه؛ لأنه لا يعقل. قال الشوكاني: ((فإنه إن اعترف بأن شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع؛ فهذا بمجرده يوجب عليه الرجوع عن قوله، وإن كان لا يعلم ذلك فهو جاهل بما هو من الضروريات الدينية، وإن كان مخالفاً لكونها ناسخة للشرائع، فهو خلاف كفري لا يلتفت إلى قائله. نعم، إذا قال: إن الشرائع المتقدمة مُغيَّاةٌ بغايةٍ هي البعثة المحمدية، وأن ذلك ليس بنسخ، فذلك أخف من إنكار كونه نسخاً غير مقيد بهذا القيد)) إرشاد الفحول 2 / 76.

وأما النقل الثاني: فإنه مستبعدٌ أيضاً؛ لأنه ما من أحدٍ إلا ويعلم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام وأن نكاح المتعة حُرم أبداً بعد الإباحة.
وأما النقل الثالث: فهو الأظهر في نسبته إليه. انظر: النسخ بين الإثبات والنفي د. محمد فرغلي
ص 87 - 98.
يلاحظ بأن المصنف ذكر في أول الفصل الثاني في حكم النسخ: أن بعض المسلمين أنكره مؤولاً لما وقع بالتخصيص. وهنا ذكر بأن أبا مسلم ينكر النسخ في القرآن. فصنيع المصنف أولاً يُشعر بأن أبا مسلم ينكر وقوع النسخ مطلقاً؛ لأنه لا يُعلم أحدٌ من المسلمين ينكر النسخ غير أبي مسلم، ثم صرَّح هنا بأن أبا مسلم ينكر النسخ في القرآن.
ثم لست أدري! لماذا تكلم المصنف عن مسألة نسخ القرآن هنا مع أن مكانها الصحيح في الفصل الثالث: " في الناسخ والمنسوخ " بدليل أنه أعاد ذكرها هناك؟ إلا أن يكون قد تابع الرازي عليها كما في المحصول 3 / 307. والله أعلم.
(2/61)

لأنَّ الله تعالى نسخ وجوب (1) وقوف الواحد للعشرة في الجهاد بثبوته للاثنَيْن، وهما في القرآن (2) .
الشرح
وثانيها: أن الله تعالى أوجب على المُتَوَفَّى عنها زوجُها الاعْتِدادَ (3) حَوْلاً بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} (4) ثم نُسِخ بقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} (5) .
_________
(1) ساقطة من ق، متن هـ.
(2) هذا الدليل الأول من أدلة وقوع النسخ عند الجمهور، فالآية المنسوخة هي قوله تعالى: { ... إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ..}
[الأنفال: 65] . والآية الناسخة هي قوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] وقد سبق الكلام عن الخلاف في وقوع النسخ فيها في هامش (6) ص 51.
(3) الاعتداد لغة: مصدر اعتدَّ، واعتدَّت المرأة عِدَّتها من العدد والحساب. وعِدة المرأة: هي الأيام التي بانقضائها يحل لها التزوج. انظر: المصباح المنير، مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني كلاهما مادة
" عدد ". والعِدَّة اصطلاحاً: مدة منع النكاح لفَسْخِه أو موتِ زَوْجٍ أو طلاقِهِ. حدود ابن عرفة مع شرحه للرصَّاع 1 / 305.
(4) البقرة، من الآية: 240.
(5) البقرة، من الآية: 234 وأولها {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} .

ويشار هنا إلى وقوع خلافٍ في نسخ عِدَّة المتوفَّى عنها زوجُها: فقد نقل القرطبي عن القاضي عياض بأن الإجماع منعقد على أن الحول منسوخ، وأن عدتها أربعة أشهر وعشر، ورُوي فيه خلاف عن مجاهد، قال القرطبي: ثم روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس، فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف. انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3 / 226، وانظر: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لابن العربي 2 / 31 - 32. وقيل: إن هذا ليس بنسخ، وإنما هو نقصان من الحول فلم يُنسخ الحولُ كله. انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي القيسي ص 153، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 213، وقد أطال الحديث عن هذه الآية أبو جعفر النحاس في كتابه: الناسخ والمنسوخ 2 / 70. والراجح هو القول بالنسخ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول)) البخاري (5336) مسلم (1488) . انظر أدلة كل فريق ومناقشتها في كتاب: الآيات المنسوخة د. عبد الله الشنقيطي ص 115.
(2/62)

ونسخ وجوب (1) التصدق [قبل النجوى] (2) الثابت (3) بقوله تعالى: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} (4) .
احتجَّ أبو مُسْلمٍ رحمه الله: بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه (5) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (6) ، فلو نُسِخ لبَطَل.
وجوابه (7) : أن معناه لم يتقدمه (8) من (9) الكتب ما يبطله، [ولا يأتي] (10) بعده ما يبطله ويبين أنه ليس بحق، والمنسوخ والناسخ حق، فليس هو (11) من هذا الباب.
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) ساقط من س، ن.
(3) ساقطة من ق.
(4) المجادلة، من الآية: 12 وأولها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} ، وهي الآية المنسوخة. أمَّا الآية الناسخة فهي قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَه} المجادلة، آية (13) . حكى ابن جزي المالكي في تفسيره الاتفاق على نسخ آية المجادلة. انظر كتابه: التسهيل لعلوم التنزيل 4 / 105، وانظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس 3/ 53، قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن لمرعي الكرمي ص 202، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17 / 301.
(5) ساقطة من ن.
(6) في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42] .
(7) انظر حجة أبي مسلم ودحضها في: المحصول للرازي 3 / 311، الإحكام للآمدي 3 / 120، 124، الإبهاج للسبكي وابنه 2 / 233، وانظر: التفسير الكبير للرازي 27 / 114، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 15 / 367.
(8) في ن: ((يتقدَّم)) .
(9) في ق: ((في)) .
(10) في ق: ((ولم يأت)) والمثبت أولى؛ لأنه تعبير القرآن.
(11) ساقطة من ق.
(2/63)

فائدة: أبو مُسْلِمٍ كنيته، واسمه عمرو (1) بن يحيى (2) قاله أبو إسحاق (3)
في
" اللمع " (4) .
حكم نسخ الشيء قبل وقوعه
ص: ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه (5) عندنا خلافاً لأكثر الشافعية والحنفية
_________
(1) في جميع النسخ ((عمر)) ما خلا النسختين ش، م ففيهما ((عمرو)) وهو الصواب؛ لأنه هو المُثْبَت في:
" شرح اللمع " للشيرازي 1 / 482، و " التبصرة " له أيضاً ص 251.
(2) اختلف الأصوليون في اسمه فقيل: محمد بن يحيى، وقيل: عمرو بن يحيى، وقيل: الجاحظ، وقيل غير ذلك، وقد ذكر شيئاً من هذا الاختلاف المصنف في نفائس الأصول (6 / 2429، 2442) . والذي ذكَرَتْهُ كُتُب التراجم أنه: محمد بن بَحْر. راجع ترجمته في هامش (2) ص (61) . وأما كنيته بأبي مسلم فانظرها في: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 299، لسان الميزان لابن حجر 7 / 105.
(3) هو: جمال الدين إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي، الشهير بأبي إسحاق الشيرازي، وُلد
بفيروز آباد بلدة قريبة من شيراز بفارس، فقيه شافعي أصولي مؤرخ، كان مضرب المثل في الفصاحة والمناظرة مع التقوى والورع. كتبه في الفقه مشهورة منها: التنبيه (ط) ، المهذب (ط) وله في

الأصول: التبصرة (ط) ، اللمع (ط) ، شرح اللمع (ط) ، وله في الجدل: الملخص في الجدل (رسالة ماجستير في أم القرى 1408 هـ) ، والمعونة في الجدل (ط) ، وله: طبقات الفقهاء (ط) توفي عام 476 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 4 / 215، سير أعلام النبلاء 18 / 452.
(4) لم يذكر أبو إسحاق اسم أبي مسلم في " اللمع " وإنما ذكره في: شرح اللمع 1 / 482، والتبصرة
ص 251. واللمع: كتاب مختصر في أصول الفقه الشافعي، وهو كتاب متين رصين، له شروحات منها: شرح اللمع للمصنف نفسه، طُبع " اللمع " ومعه تخريج الأحاديث لعبد الله الصديقي الغماري وتعليق يوسف المرعشلي طبعة عالم الكتب. كما طبع بمفرده بتحقيق: محيي الدين مِسْتو، يوسف بديوي،
طبعة: دار الكلم الطيب ودار ابن كثير. وشرح اللمع مطبوع بتحقيقين، الأول: تحقيق د. علي العميريني (لم يكتمل) ، والثاني: تحقيق د. عبد المجيد تركي.
(5) اختلفت عبارات الأصوليين في ترجمة هذه المسألة بغية الوصول إلى عبارة جامعة تضم جميع صور المسألة وأقسامها. والمصنف هنا عبر بتعبير عام فقال: ((ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه)) . وهذا التعبير أعمّ من كونه لم يحضر وقته، أو حضر ولم يُفعل منه شيء، أو فُعل بعضه ... وهذه الصور مندرجة في كلامه.
تحرير محل النزاع: انعقد الإجماع على جواز نسخ الشيء بعد فعل المكلف له، واتفق العلماء على جواز نسخ الشيء بعد مضي فترة كافية للفعل ولو لم يقع أداؤه في الخارج، خلافاً للكرخي الذي يشترط وقوع الفعل حقيقة قبل أن ينسخ. ومحل الخلاف: نسخ الشيء قبل التمكن من فعله وقبل مضي فترة تكفي لأدائه. انظر: نهاية الوصول للهندي 6 / 2272، الإبهاج 2 / 234، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 191.
(2/64)

والمعتزلة (1)
كنسخ ذبْح إسحاقعليه السلام قبل وقوعه (2) .
الشرح
المسائل في هذا المعنى أربع (3) :
إحداهن: أن يوقت الفعل بزمان مستقبل، فينسخ قبل حضوره (4) . وثانيها (5) : أن يؤمر به على الفور، فينسخ قبل الشروع فيه (6) . وثالثها: أن يشرع فيه، فينسخ قبل كماله (7) . ورابعها: أن يكون الفعل يتكرر فيُفْعل مراراً، ثم يُنْسخ (8) .
_________
(1) عزو المصنف القول بالمنع لأكثر الشافعية والحنفية غير مُحَرَّر. والصواب في الأقوال، أن المجيزين هم: جمهور الحنفية، والمالكية عن بكرة أبيهم كما قاله ابن العربي، وجماهير الشافعية، وأكثر الحنابلة، وعامة أصحاب الحديث، وأكثر الفقهاء، والظاهرية.

وأما المانعون فهم: المعتزلة وبعض الحنفية كالكرخي والجصاص والماتريدي والدبوسي، وبعض الشافعية منهم الصيرفي، وبعض الحنابلة منهم التميمي ونُقل عنه الجواز. انظر: المعتمد 1 / 375، الإحكام لابن حزم 1 / 512، إحكام الفصول ص 404، المحصول لابن العربي ص 591، المسودة ص 207، كشف الأسرار للبخاري 3 / 323، الإبهاج 2 / 234، تيسير التحرير 3 / 187.
(2) سبق في حاشية (1) ص (49) أن الصواب في الذبيح هو إسماعيل عليه السلام. وقصة الذبيح تجدها في سورة الصافات 101 - 107.
قال حلولو: ((وقد طاشت عقول المعتزلة بالآية، وتخبطوا فيها تخبطاً عسر عليهم الخروج، حتى أفضى الحال ببعضهم في ذلك والعياذ بالله إلى الكفر كما ذكره إمام الحرمين في الإرشاد عن بعضهم، أعاذنا الله من الزيغ والزلل)) التوضيح شرح التنقيح ص 260. انظر المناقشات التي أثيرت حول الاستدلال بقصة الذبيح في: إحكام الفصول ص 405، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 256، الوصول لابن البرهان 2/ 39، الإحكام للآمدي 3 / 126، فواتح الرحموت 2 / 78.
(3) راجع هذه الصور في: نفائس الأصول 6 / 2448، البحر المحيط للزركشي 5 / 220 - 233 وقد عد ستة أقسام، والآيات البينات على شرح جمع الجوامع للعبادي 3 / 182.
(4) مثالها: كأن يقول الشارع في رمضان: حُجُّوا هذه السَّنَة. ثم يقول قبل يوم عرفة: لا تحجُّوا. انظر: الإحكام للآمدي 3 / 126.
(5) هكذا في جميع النسخ. وفي النفائس (6 / 2448) : ((وثانيتهن)) وهكذا في ((ثالثتهن)) و ((رابعتهن)) وهو الصواب خلافاً لما هنا؛ لأن المعدود مؤنث. ويجوز أن يقول: إحداها، ثانيتها، ثالثتها.. إلخ. أما التذكير فلا يجوز. انظر حاشية (3) ص (58) .
(6) مثالها: كأن يقول الشارع: اذبحْ ولدك. فيبادر إلى إحضار أسبابه، فيقول قبل ذبحه: لا تذبحْه. انظر: المستصفى 1 / 215.
(7) مثالها: كأن يقول الشارع: صُمْ غداً، ثم ينسخه بعد شروعه في الصوم وقبل إتمامه. انظر: تيسير التحرير 3 / 187.
(8) وهو أكثر حالات النسخ، كأن يقول الشارع: صَلِّ الصبح كل يوم، ثم ينسخه بعد يومين مثلاً، وسيُمثِّل له المصنف - بعد قليل - بنسخ القبلة.
(2/65)

فأما الثلاثة الأول (1) فهي في الفعل الواحد غير المتكرر. وأما الرابعة: فوافقنا عليها المعتزلة لحصول مصلحة الفعل بتلك (2) المرَّات (3) الواقعة قبل النسخ، ومنه نسخ القبلة (4) وغيرها، ومنعوا قبل الوقت وقبل الشروع لعدم حصول المصلحة [من الفعل] (5) ، وترك (6) المصلحة عندهم ممتنع على قاعدة الحسن والقبح (7) . [والنقل في هاتين المسألتين في هذا الموضع قد نقله الأصوليون] (8) . وأما بعد الشروع وقبل الكمال فلم أرَ فيه نَقْلاً (9) ، ومقتضى مذهبنا جواز النسخ في الجميع.
ومقتضى مذهب المعتزلة التفصيل لا المنع مطلقاً ولا الجواز مطلقاً (10) ، فإن الفعل الواحد قد [لا تَحْصُل مصلحته] (11) إلا باستيفاء أجزائه، كذبح الحيوان، وإنقاذ
_________
(1) في س: ((الأولى)) .
(2) في س: ((تلك)) بدون الباء.
(3) في ن: ((المدة)) .
(4) كانت القبلة الأولى لبيت المقدس، ثم نُسِخت إلى البيت الحرام في قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } [البقرة: 144] ، وسيأتي كلام عنها في الفصل الثالث: في الناسخ والمنسوخ ص 87.
(5) في ن: ((للفعل)) .
(6) في ن: ((تلك)) وهو تحريف يقلب المعنى.
(7) انظر حجتهم في: المعتمد 1 / 376، ويُردُّ عليهم بحصول المصلحة، كتوطين النفس على الفعل، والعزم على الامتثال، فإنه يثاب على ذلك كله. انظر الرد على حجج المعتزلة في: الإحكام لابن حزم
1 / 512، شرح اللمع للشيرازي 1 / 487، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 362، المحصول لابن العربي
ص 590، كشف الأسرار للنسفي 2 / 145.
(8) ما بين المعقوفين في ق هكذا: ((وقد نقل الأصوليون هاتين المسألتين)) .
(9) تعقب الزركشي المصنف وحكى تصريح أبي إسحاق المروزي (ت 340 هـ) بجواز النسخ في هذه المسألة. انظر: البحر المحيط للزركشي 5 / 232.
(10) حكى الزركشي قول العَبْدَري في شرح المستصفى: أن النسخ في هذه المسألة متفق على جوازه عند الأشعرية والمعتزلة، ثم قال: ((وفي هذا رَدٌّ على القرافي وغيره حيث أجروا خلاف المعتزلة هنا)) البحر المحيط للزركشي 5 / 229. وفي كتاب: المعتمد (1 / 379) إشارة إلى عدم امتناعهم من النسخ في هذه الحالة في تأويله لمثال الذبيح. وانظر كذلك موضعاً آخر منه (1 / 381) .
(11) في ق: ((لا يُحصِّل مصلحةً)) .
(2/66)

الغريق، فإن مجرد قطع الجلد لا يُحصِّل مقصود الذكاة من إخراج الفضلات، وزهوق الروح على وجه السهولة، وإيصال (1) الغريق إلى قُرْب البَرِّ وتركه هناك لا يُحصِّل مقصود الحياة (2) ، وقد تكون المصلحة متوزِّعةً على أجزائه كسَقْي العَطْشان وإطعام الجَوْعان وكِسْوة العُرْيان، فإن كل جزءٍ من ذلك يُحصِّل جزءاً من المصلحة في الرَّي والشِّبَع والكِسْوة، ففي (3) القسم الأول مقتضى (4) مذهبهم المنع؛ لعدم حصول المصلحة. وفي الثاني الجواز؛ لحصول (5) بعض المصلحة المخرجة للأمر الأول عن العبث، كما انعقد الإجماع على حسن النهي عن القطرة الواحدة من الخمر، مع أن الإسكار لا يَحْصل إلا بعد قطرات، لكنه لا يتعين له بعضُها دون بعضٍ بل يتوزَّع عليها، فكذلك هاهنا (6) ، تتنزل (7) الأجزاء (8)
منزلة الجزئيات (9) ، كذلك يكتفى ببعض الأجزاء. غير أن هاهنا فَرْقاً أمكن ملاحظته، وهو أن المصلحة في الجزئيات الماضية في صورة المنقول عنهم مصالحُ تامةٌ أمكن أن يقصدها (10) العقلاء قصداً كلياً دائماً، بخلاف جزء المصلحة
_________
(1) في ق: ((إخراج)) .
(2) في ن: ((الجناية)) وهو تحريف.
(3) في ن: ((وفي)) .
(4) ساقطة من ن.
(5) في ن: ((كحصول)) وهو تحريف.
(6) في ق: ((هذا)) .
(7) في س: ((وتنزل)) ، وفي ق: ((يتنزل)) .
(8) الأجزاء جمع جزء وهو: ما يتركب الشيء منه ومن غيره. مثاله: كالسقف بالنسبة للبيت، فهو جزء

منه. انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 28، التعريفات للجرجاني ص 107، شرح السلم المنورق للملوي ص 80.
(9) الجزئيات جمع جزئي وهو: ما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه. مثاله: زيد، وضع للذات المخصوصة. انظر: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 27، 28، التعريفات للجرجاني ص 107، شرح السلم المنورق للملوي ص 64.
(10) في ق: ((تقصدها)) وهو صحيح أيضاً، لأن الفاعل إذا كان جمعاً جاز إلحاق تاء التأنيث بالفعل وجاء ترك الإلحاق، فمن أنث فعلى معنى: الجماعة ومن ذكر فعلى معنى: الجمع. انظر: شرح قطر الندى لابن هشام ص 169 - 170.
(2/67)

في نقطة الماء ونحوها، فإن القصد إليها نادر، ومع هذا الفرق أمكن أن يقولوا بالمنع مطلقاً في هذا القسم من غير تفصيل (1) .
احتج الشيخ سيف الدين الآمدي (2) في هذه المسألة بنسخ الخمسين صلاةً ليلة الإسراء حتى* بقيت خمساً (3) .
ويردُ عليه: أنها خبر واحد فلا تفيد القطع، والمسألة قطعية (4) . ولأنه نسخ قبل الإنزال (5) ، [وقبل الإنزال] (6) لا يتقرَّر (7) علينا (8) حكم (9) ، فليس من صورة النزاع.
حكم النسخ لا إلى بدل
ص: والنسخ لا إلى بدل (10)
خلافاً
_________
(1) انظر مزيداً من توضيح مذهب المعتزلة كما استخرجه المصنف من مقتضى قاعدتهم في التحسين والتقبيح في: رفع النقاب القسم 2 / 396.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3 / 130، ذكِر هذا الاحتجاج أيضاً في: التمهيد لأبي الخطاب 2 / 360، تيسير التحرير 3 / 187.
(3) حديث الإسراء والمعراج وفرض الصلوات عليه صلى الله عليه وسلم من رواية البخاري (349) ومسلم (259) ، (263) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(4) أما كون الخبر آحاداً فقد قال علاء الدين البخاري: ((الحديث ثابت مشهور، قد تلقته الأمة بالقبول، وهو في معنى التواتر، فلا وجه إلى إنكاره)) . كشف الأسرار للبخاري 3 / 326. وعدَّه السيوطي والكتاني من الأحاديث المتواترة. انظر: قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي ص 263، نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص 219، 220. ثم إن المسألة ظنية اجتهادية والتمسك في الظنيات بخبر الواحد جائزٌ وفاقاً. انظر: نهاية الوصول للهندي 6 / 2283.
(5) فيه نظر، بل بعد الإنزال، لأنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم في السماء، ولا عبرة في الإنزال إلى الأرض. انظر: رفع النقاب القسم 2 / 399.
(6) في ق: ((وحينئذٍ)) .
(7) في ن: ((يتعذر)) وهو تحريف.
(8) في ق: ((عليها)) وربما كان عود الضمير على: المسألة.
(9) لا يشترط في بلوغ الأمر أن يعمَّ جميع المكلفين، بل يكفي علم بعضهم. وقد علمه سيد الأمة وإمام المكلفين صلى الله عليه وسلم. انظر: شرح الكوكب المنير 3 / 531، والتقرير والتحبير 3 / 49.
(10) البَدَل لغة: هو قيام الشيء مقام الشيء الذاهب. ويقولون: بدَّلْتَ الشيءَ؛ إذا غَيَّرْتَه وإن لم تأت له
ببدل. معجم المقاييس في اللغة لابن فارس مادة " بدل ".

وفي الاصطلاح له معنيان، أحدهما عام، والآخر خاص. أما العام فهو: رَدُّ الحكمِ إلى ما قبل شرع الحكم المنسوخ ولو كان الإباحة الأصلية. مثاله: نسخ وجوب تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإباحة أو الاستحباب. والمعنى الخاص هو: قَصْر البدل على شرع حكمٍ جديدٍ ليحُلَّ محل الحكم المنسوخ. مثاله: نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان. ولكون البدل يرد على المعنيين السابقين وقع النزاع بين العلماء في اشتراط البدل أو عدمه في النسخ. انظر: شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 193، تيسير التحرير 3 / 197، النسخ في دراسات الأصوليين د. نادية العمري ص 257.
(2/68)

لقوم (1)
كنسخ الصدقة في قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} (2) لغير بدل.
الشرح
قيل: إن ذلك زال لزوال سببه وهو التمييز بين المؤمنين والمنافقين، وقد ذهب
_________
(1) المجوزون للنسخ لا إلى بدل: هم أكثر العلماء وجماهير الأصوليين. والمانعون من النسخ إلى غير بدل
هم قومٌ من أهل الظاهر والمعتزلة. أما ابن حزم فإنه يرى جواز نسخ الشيء بإسقاطه جملة، انظر: الإحكام (2 / 805) . وأمَّا أبو الحسين البصري في المعتمد (1 / 384) فمذهبه مع المجوِّزين، ونقل المنع عن بعض الناس دون تسميتهم. وذكر اللاَّمشي في كتابه أصول الفقه ص (174) أنه مذهب بعض أصحاب الحديث. واشتراط البدل ظاهر قول الشافعي حيث قال: ((وليس يُنسخ فَرْضٌ أبداً إلا أثبت مكانه فرضٌ، كما نُسخت قبلهُ بيت المقدس فأثْبِت مكانها الكعبة، وكلُّ منسوخٍ في كتابٍ وسنةٍ هكذا)) الرسالة ص (109) . ومن العلماء من أوَّلَ كلام الشافعي بحمله على غير ظاهره ليتوافق مع قول الجمهور. انظر: العدة لأبي يعلى 3 / 783، البرهان للجويني 2 / 856، الإبهاج 2 / 238، تحفة المسؤول للرهوني القسم 2 / 498، البحر المحيط للزركشي 5 / 237، التوضيح لحلولو ص 260.
* حقيقة الخلاف في المسألة:

المسألة لا نزاع فيها في واقع الأمر، لأن المشترطين للبدل فهموا البدل بالمعنى العام والجمهور لا يخالفونهم في اشتراطه. وأما الجمهور - غير الشارطين - فقد فهموا البدل بالمعنى الخاص، والخصم لا يخالفهم في عدم اشتراطه، ثم قد يقع النزاع في المثال تبعاً للاختلاف في معنى البدل. والله أعلم. انظر: الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع ص 455 (رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية تحقيق: سعيد المجيدي) ، التقرير والتحبير 3 / 57، شرح الكوكب المنير 3 / 548، نشر البنود 1 / 286.
(2) المجادلة، من الآية: 12، وصدرها قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} وهي الآية المنسوخة. والآية التي نسختها هي قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... } [المجادلة: 13] .
(2/69)

المنافقون* فاستغني عن الفرق (1) .
جوابه: روي أنه لم يتصدَّق إلا عليٌّ رضي الله عنه فقط (2) مع بقاء السبب بعد صدقته، ثم نسخ حينئذٍ.
احتجوا بقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} (3) فنصَّ تعالى على أنه لابد من البدل بأحسن أو مِثْلٍ (4) .
جوابه: أنَّ هذه صيغة شرطٍ، وليس من شَرْط الشَّرْط أن يكون ممكناً فقد يكون متعذراً (5) كقولك (6) : إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان، وهذا الشرط محال
_________
(1) معنى هذا الاعتراض: أن زوال التصدق ليس من باب النسخ بل من باب رفع الحكم لزوال سببه. انظر هذا الاعتراض في: المحصول للرازي 3 / 308، الإبهاج 2 / 231، نهاية السول للإسنوي 2 / 561.
* ما روي في سبب نزول آية التصدق عند المناجاة:
أ - عن ابن عباس أن قوماً من المسلمين كثرت مناجاتهم للرسول صلى الله عليه وسلم في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم، وكان صلى الله عليه وسلم سمحاً لا يرد أحداً فنزلت الآية. انظر: روح المعاني للألوسي 14 / 224.
ب - عن مقاتل أن الأغنياء كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره عليه الصلاة والسلام طول جلوسهم ومناجاتهم فنزلت الآية. انظر: أسباب النزول للواحدي ص 412.
جـ - عن ابن زيد: لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشق ذلك على أهل الحق ... قال: وكان المنافقون ربما ناجوا فيما لا حاجة لهم فيه. انظر: جامع البيان للطبري مجلد 14 / جزء 28 / 28.

د - عن زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون إنه أذن ... فكان ذلك يشقُّ على المسلمين. انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17 / 301.
(2) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه قال: ((إن في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحدٌ، ولا يعمل بها أحدٌ بعدي، آية النجوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ... } قال: كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً ثم نسِختْ، فلم يعمل بها أحدٌ فنزلت {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ... } رواه الحاكم في مستدركه 2 / 524 برقم (3794) . وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(3) البقرة، من الآية: 106.
(4) انظر: المعتمد 1 / 385، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 351، نهاية الوصول للهندي 6 / 2295، فواتح الرحموت 2 / 85.
(5) في ق: ((ممتنعاً)) .
(6) في س، ن: ((كقوله)) .
(2/70)

والكلام صحيح عربي، وإذا لم يستلزم الشرط الإمكان لا يدل على الوقوع مطلقاً فضلاً عن الوقوع ببدل (1) .
سلمناه (2) لكنه قد يكون رفعُ الحكم لغير بدل* خيراً للمكلف باعتبار مصالحه، والخِفَّة عليه، وبُعْده من الفتنة وغوائل التكليف (3) .
حكم النسخ بالأثقل
ص: ونسخ الحكم إلى الأثقل (4) خلافاً لبعض أهل الظاهر (5)
كنسخ عاشوراء
_________
(1) قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: ((وما أجاب به صاحب نشر البنود شرح مراقي السعود
(1 / 286) تبعاً للقرافي من أن الجواب لا يجب أن يكون ممكناً فضلاً عن أن يكون واقعاً، نحو: إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان، ظاهر السقوط أيضاً، لأن مَوْرد الصدق والكذب في الشرطية إنما هو الرَّبْطُ، فتكون صادقة لصدق ربطها ولو كانت كاذبةَ الطرفين لو حُلَّ ربطها، ألا ترى أن قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا..} [الأنبياء: 22] قضية شرطية في غاية الصدق مع أنها لو أزيل منها الربط لكذب طرفاها، إذ يصير الطرف الأول: كان فيهما آلهة إلا الله؛ وهذا باطل قطعاً، ويصير الطرف الثاني: فسدتا أي السموات والأرض وهو باطل أيضاً، والربط لاشك في صحته، وبصحته تصدق الشرطية ... إلخ)) مذكرة أصول الفقه ص 142.
(2) في س، ن: ((سلمنا)) .
(3) وهناك أجوبة أخرى، انظر: المستصفى 1 / 227، الوصول لابن برهان 2 / 24، الضروري في أصول الفقه لابن رشد ص 85، كشف الأسرار للنسفي 2 / 155، شرح مختصر الروضة للطوفي 2 / 299.
(4) أي: ويجوز نسخ الحكم إلى الأثقل. وتحرير محل النزاع هو: أن النسخ إلى الأخف - كالنسخ في آيتي المصابرة، ونسخ الاعتداد بالحول إلى الأشهر - جائز وواقع بالاتفاق. وأن النسخ إلى المثل أو المساوي
- كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة - أيضاً جائز وواقع بالاتفاق. وإنما النزاع في النسخ إلى الأثقل والأغلظ والأشق. فمن العلماء من منعه مطلقاً عقلاً وسمعاً، ومنهم من منعه سمعاً، ومنهم من جوزه مطلقاً. وجمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين على جوازه ووقوعه. انظر: إحكام الفصول ص 401، الإحكام للآمدي 3 / 137، منتهى السول والأمل ص 158، بديع النظام (نهاية الوصول) لابن الساعاتي 2 / 539، أصول الفقه لابن مفلح 3 / 1136، البحر المحيط للزركشي 5 / 240، رفع النقاب القسم 2 / 403، تيسير التحرير 3 / 199.
(5) قال ابن حزم: ((قال قوم من أصحابنا ومن غيرهم: لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل. وقد أخطأ هؤلاء القائلون)) الإحكام له 1 / 506، ونُسب هذا القول لمحمد بن داود الظاهري كما في المسودة
ص 201، والبحر المحيط للزركشي 5 / 240، وهو مذهب بعض الشافعية كما في شرح اللمع للشيرازي 1 / 494.

أما أهل الظاهر: هم طائفة من العلماء يأخذون بظواهر نصوص الكتاب والسنة، ويُعْرضون عن التأويل والقياس والرأي، وإمامهم في ذلك: أبو سليمان داود بن علي الأصبهاني (ت 270 هـ) ، وأبرز علمائهم أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (ت 456 هـ) وله كتاب " المحلى " يتجلّى فيه الفقه الظاهري. انظر: الملل والنحل للشهرستاني 1 / 243، كتاب: الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي لعارف خليل أبو عيد ص 131 - 149.
(2/71)

برمضان (1) .
الشرح
ونسخ الحبس في البيوت إلى الجَلْد والرجم (2) ، والرجم (3) أشد من الحبس (4) .
_________
(1) انظر: هذا الدليل في: إحكام الفصول ص 403، ميزان الأصول للسمرقندي 2 / 1001، المحصول للرازي 3 / 321، الإحكام للآمدي 3 / 137، منتهى السول والأمل ص 158.
قال المصنف في نفائس الأصول 6 / 2462: ((فيه خلاف؛ هل كان عاشوراء واجباً في الأصل أم لا؟ وهل نسخ وجوبه برمضان أم لا؟)) .
ودليل النسخ هو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شاء فليصمه ومن شاء أفطره)) رواه البخاري (1893) ، (2002) وله روايات وألفاظ متعددة في الصحيحين وغيرهما.
وانظر اختلاف العلماء في حكم صيام عاشوراء قبل فرض رمضان في: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص 339، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي القيسي ص 122، المنتقى شرح الموطأ للباجي 3 / 58، الاستذكار لابن عبد البر 10 / 137، المغني لابن قدامة 4 / 441، المجموع شرح المهذب للنووي 6 / 433.
ومن العلماء من لم يُسلِّم بوقوع النسخ هنا، لأن من شرط النسخ تعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، والدليلان هنا لم يتواردا على محلٍ واحد، وإنما يكون ذلك من باب التوافق في كون الله تعالى، لما رفع صوم عاشوراء فَرَض صوم رمضان. والله أعلم. انظر: شرح الكوكب المنير 3 / 530، الآيات المنسوخة في القرآن د. عبد الله الشنقيطي ص 127.
(2) ساقطة من ن، س، ش، وهي مثبتة في باقي النسخ.
(3) في ق: ((وهما)) وهو من انفراداتها.
(4) انظر هذا الدليل في: الوصول لابن برهان 2 / 26، المحصول للرازي 3 / 321، منتهى السول والأمل ص 158، تيسير التحرير 3 / 201.

قال ابن العربي: ((ومن الناس من يرى أنه (أي الحبس) أشد من الجلد)) أحكام القرآن (1 / 461) ، وهذا ينطبق على رعاع الناس ودهمائهم، أما النفوس الأبيَّة فتؤثر الحبس على الجَلْد لما في الجَلْد من المعرَّة، فتتوجَّه الأثقلية في الجَلْد إلى النفوس الأبيَّة. انظر: نفائس الأصول 6 / 2461.
* أما وقوع النسخ هنا فقد اختلف العلماء في ذلك، فمن العلماء من حكى الاتفاق على نسخ حكم الحبس والأذى في الآيتين من قوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 15 - 16] انظر: أحكام القرآن للجصاص 2 / 132، المحرر الوجيز لابن عطية 4/ 48، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 262.
ويرى الشيخ السعدي عدم وقوع النسخ في الآيتين بل هما محكمتان انظر: تيسير الكريم المنان 1 / 329 وانظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي القيسي ص 180.
ثم إن القائلين بالنسخ اختلفوا في الناسخ لهاتين الآيتين على أقوالٍ، انظرها في: هامش رقم (1) ص (91) .
(2/72)

احتجوا بقوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (1) وبقوله تعالى: {أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (2) والأثقل لا يكون خيراً ولا مِثْلاً ولا يُسْراً (3) .
والجواب عن الأول: قد يكون الأثقل أفضل للمكلف وخيراً له باعتبار ثوابه واستصلاحه في أخلاقه ومعاده (4) ومعاشه (5) . وعن الثاني: أنه محمول على اليسر في الآخرة حتى لا يتطرق إليه تخصيصات غير محصورة (6) ، فإن في الشريعة مَشَاقَّ (7) كثيرة (8) .
أنواع النسخ في القرآن وأحكامها
ص: ونسخ التلاوة دون الحكم (9) كنسخ: ((الشَّيْخُ والشَّيْخَة إذا زنيا
_________
(1) البقرة، من الآية: 106. وهذا الدليل الأول.
(2) البقرة، من الآية: 185. وهذا الدليل الثاني.
(3) انظر حجج المانعين في: إحكام الفصول ص 402، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 352، المحصول للرازي
3 / 321، الإبهاج 2 / 263.
(4) ساقطة من ن.
(5) انظر: إحكام الفصول ص 402، الوصول لابن برهان 2 / 26. وانظر وجهاً آخر من الجواب للمصنف في: نفائس الأصول 6 / 2463.
(6) في ق: ((محظورة)) وهو تحريف.
(7) في س، ن: ((مشاقاً)) وهو خطأ نحوي على المشهور؛ لأنها يجب أن تمنع من الصرف لِعلَّة كونها صيغة منتهى الجموع على وزن " مفاعل ". لكن أجاز قوم صرف صيغة منتهى الجموع إختياراً، وزعم قومٌ أن صرف مالا ينصرف لغة. انظر: شرح الأشموني على ألفية ابن مالك بحاشية الصبَّان 3 / 403.
(8) لكن المصنف لم يرتضِ تخصيص اليسر بالآخرة في النفائس (6 / 2463) إذ قال: ((بل يبقى على عمومه، والمراد باليسر ما يُسمى يُسراً لغة وعادة، وهو ما يستطيعه الإنسان، والله تعالى لم يكلفنا بغير المقدور، بل بما هو مقدور، والمقدور يسمى يسراً، ومنه قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] أي ما قدرتم عليه ... ثم قال: فلا تخصيص حينئذٍ، ولا حَجْر للخصم فيه، ولم يقع النسخ بالأثقل الذي ليس بمقدور، بل بالمقدور)) . وانظر ردود ابن حزم القوية على حجج المانعين في الإحكام 1/506 - 512.
(9) أي: ويجوز نسخ التلاوة دون الحكم، وهكذا يجوز نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخهما معاً. هذا مذهب جماهير العلماء، بل حكى بعض الأصوليين الإجماع والاتفاق على ذلك إلا ما نقل عن بعض المعتزلة وشواذهم. انظر المسألة وما قيل فيها في: المعتمد 1 / 386، الإحكام لابن حزم 1 / 477، إحكام الفصول ص 403، شرح اللمع للشيرازي 1 / 495، البرهان للجويني 2 / 855، أصول السرخسي 2 / 78، المحصول لابن العربي ص 587، روضة الناظر 1 / 294، الإحكام للآمدي 3 / 141، التقرير والتحبير 3 / 87، التوضيح لحلولو ص 262، شرح الكوكب المنير 3 / 553، الآيات المنسوخة في القرآن د. عبد الله الشنقيطي ص 74.
(2/73)

فارجموهما ألبتَّة نكالاً من الله)) (1)
مع بقاء الرجم.
والحكم دون التلاوة كما تقدَّم في الجهاد (2) .
وهما معاً لاستلزام [إمكان المفردات] (3) إمكان المركب* (4) .
الشرح
لأن التلاوة والحكم عبادتان منفصلتان (5) ، فلا يبعد في العقل أن يصيرا معاً
_________
(1) هذه تسمى: " آية الرجم ". قال ابن العربي: ((نسِخ هذا اللفظ كله إجماعاً، ويبقى حكمه إجماعاً)) المحصول له ص (588) . وقد ورد ذكر " آية الرجم " في الصحيحين عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه " آية الرجم " فقرأناها ووعيناها، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أوكان الحَبَل أو الاعتراف)) رواه البخاري (6830) ، ومسلم (1691) ، وزاد الإسماعيلي - بعد قوله: أو الاعتراف - وقد قرأناها: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة)) فتح الباري لابن حجر 12 / 173..وانظر هذه الآية في: سنن ابن ماجة (2553) ، وسنن البيهقي 8 / 367، وموافقة الخُبْر الخَبَر لابن حجر 2 / 303، الناسخ والمنسوخ للنحاس 1 / 435، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 46. وهذه الآية كانت من سورة الأحزاب. انظر: هامش (2) ص (76) .
(2) الآية المنسوخة حكماً لا تلاوة هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ... } [الأنفال: 66] . انظر هامش (2) ص (62) .
(3) ساقط من س.
(4) معنى هذه العبارة: أن ما يُمْكن في المفردات يلزم منه أن يُمْكن في المركبات التي تركَّب من المفردات، فالنسخ لما جاز في حالة إفراد التلاوة دون الحكم، وفي حالة إفراد الحكم دون التلاوة جاز نسخهما معاً في حالة تركيبهما واجتماعهما. انظر: رفع النقاب القسم 2 / 408.
(5) في ق: ((مستقلتان)) .
(2/74)

مفسدةً (1) في وقتٍ أو إحداهما دون الآخرى (2) ،
وتكون الفائدة في بقاء التلاوة دون الحكم ما يحصل من العلم بأن الله تعالى أنزل مثل [هذا الحكم] (3) رحمة منه بعباده (4) . وعن أنس نزل (5) في قتلى بئر مَعُوْنة (6) : ((بلِّغوا إخواننا أنَّا لقينا ربَّنا فرضي عنَّا وأرضانا)) (7) .
وعن أبي بكر رضي الله عنه كنا نقرأ من القرآن: ((لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كُفْرٌ بكم)) (8) ومثال التلاوة والحكم معاً: ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت (9) : ((كان فيما أنْزل الله تعالى: عَشْرُ رَضَعَاتٍ، فنُسِخْنَ بخَمْسٍ)) (10) ، وروي أن سورة (11)
_________
(1) في ن: ((مفيدة)) وهو تحريف يقلب المعنى.
(2) انظر: إحكام الفصول ص 403، الضروري من أصول الفقه لابن رشد ص 86، أصول السرخسي

2 / 80، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 368.
(3) في ن: ((هذه الأحكام)) .
(4) في س، ن: ((على عباده)) . ومن فوائد بقاء التلاوة دون الحكم أيضاً: التعبد بحروف الآية، وبقاء الإعجاز والتحدي بالإتيان بمثله، ومعرفة أسرار التشريع والتدرج في أحكام الشرع.
(5) في ن: ((أنزل)) .
(6) في س: ((معاوية)) وهو تحريف. وبئر معونة: هي بئر لبني سليم بين مكة والمدينة، وقيل: لبني عامر كانت عندها قصة الرجيع الوَقْعة المعروفة. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي 1 / 358.
(7) هذا مثال نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، والحديث عن أنس رضي الله عنه أن رعْلاً وذكْوان وعُصَيَّة وبني لِحْيَان استمدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدوٍّ، فأمدَّهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القُرَّاء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويُصَلُّون بالليل، حتى كانوا ببئر مَعُونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقَنَتَ شهراً يدعو في الصبح على أحياء العرب على رعْل وذكْوان وعُصَية وبني لِحْيَان. قال أنس: فقرأنا فيهم قرآناً ثم إنَّ ذلك رُفع: ((بلِّغوا عنَّا قومنا أنَّا لقينا ربنَّا فرضي عنَّا وأرضانا)) رواه البخاري واللفظ له برقم
(
4090) ، ومسلم (677) . وانظر القصة في: السيرة النبوية لابن هشام 3 / 260.
(8) حديث أبي بكر رضي الله عنه أورده السيوطي في مسند الصديق من كتابه: جمع الجوامع ص (65) . وأخرج البخاري (6830) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال - في خطبته الطويلة التي فيها آية الرجم -: ((ثم إنَّا كنَّا نقرأ من كتاب الله أن: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كُفْرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم - أو - إن كُفْراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم)) .
(9) ساقطة من ق.
(10) حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان فيما أنْزل من القرآن عَشْرُ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ ثم نسِخْنَ بخمس معلومات، فتوفي رسول الله وهُنَّ فيما يُقرأ من القرآن)) رواه مسلم (1452) . يستدل في هذا الحديث بالعشر على نسخ الحكم والتلاوة معاً اتفاقاً، ويستدل بالخمس على نسخ التلاوة دون الحكم عند الشافعي ومن معه، أما عند مالك ومن معه فالخمس أيضاً نسِختْ تلاوةً وحكماً بالمصَّة والمصَّتين. انظر: نيل السول على مرتقى الوصول لمحمد يحيى الولاتي ص 140.
(11) في ق: ((صورة)) وهو تحريف.
(2/75)

الأحزاب كانت تَعْدِل سورة (1) البقرة (2) .
حكم النسخ في الأخبار
ص: ونسخ الخبر (3) إذا كان متضمِّناً لحكمٍ عندنا (4) ، خلافاً لمن جوزه (5) مطلقاً (6) ،
أو منعه (7) مطلقاً (8) وهو أبو علي (9)
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) عن زرِّ بن حُبيش قال: قال لي أبَيّ بن كعب: ((كم تَعُدُّون سورة الأحزاب؟ قلتُ: ثلاثاً وسبعين آية..قال: لقد رأيْتُها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)) ، وفي رواية ((والذي يُحْلف به إنْ كانتْ لَتَعْدِلُ سورة البقرة)) رواه الإمام أحمد في مسنده 5 / 132، والحاكم في المستدرك 4 / 40 برقم (8068) وصححه، وابن حبان في صحيحه (4428، 4429) ، وحسَّنه ابن حجر في موافقة الخُبْر الخَبَر 2 / 304.
(3) أي: ويجوز نسخ الخبر ... إلخ. وتحرير محل النزاع هو: إن كانت الأخبار مما لا يمكن تغييره بأن لا يقع إلا على وجهٍ واحدٍ، كصفات الله تعالى، وخبر ما كان من الأمم الماضية، وما يكون كقيام الساعة، فلا يجوز نسخه بالإجماع؛ لأنه يفضي إلى الكذب، وذلك مستحيل في الوحي. وإن كان مما يصح تغييره بأن يقع على غير الوجه المُخْبَر عنه ماضياً كان أو مستقبلاً أو وعداً أو وعيداً أو خبراً عن حكم شرعي، فهو محل النزاع. انظر: الإحكام للآمدي 3 / 144، الكاشف عن المحصول 5 / 265، البحر المحيط للزركشي 5 / 244، رفع النقاب القسم 2 / 410.
(4) انظر: إحكام الفصول ص 399، التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص 263، رفع النقاب القسم 2/409.
ومن الأصوليين من نقل الاتفاق على جواز نسخ هذا النوع من الأخبار. انظر: الوصول لابن برهان 2 / 63، ونهاية الوصول للهندي 6 / 2318. وانظر: الإحكام لابن حزم 1 / 486، شرح اللمع للشيرازي 1 / 489، كشف الأسرار للبخاري 3 / 313.
(5) في متن هـ: ((جوَّز)) .
(6) وهم: أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري من المعتزلة، ومن غيرهم: القاضي أبو يعلى، وابن تيمية وغيرهم. انظر: المعتمد 1 / 387، العدة لأبي يعلى 3 / 825، المحصول للرازي

3 / 326، المسودة ص 196، رفع النقاب القسم 2 / 410.
(7) ساقطة من ن وكذا الكلمة التي بعدها. وفي س: ((ومنع)) ، وفي متن هـ: ((أو منع)) .
(8) ومن المانعين: الجبائيان، والصيرفي، وأبو إسحاق المروزي، والباقلاني، وابن السمعاني، وابن الحاجب، ونسبه العضد للشافعي، وقال الباجي: هو مذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين. انظر: المعتمد 1 / 389، إحكام الفصول ص 399، قواطع الأدلة 2 / 87، البحر المحيط للزركشي 5 / 245، مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2 / 195، رفع النقاب القسم 2 / 410.
(9) هو: أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن عبد السلام الجُبَّائِي - نسبة إلى جُبَّى، قرية من قرى البصرة - شيخ المعتزلة، وكان فقيهاً وزاهداً، تنسب إليه طائفة الجُبائية من تلاميذه: ابنه أبو هاشم. وله تفسير للقرآن، توفي عام 303هـ. انظر: طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ص287، وفيات الأعيان 3/398.
(2/76)

وأبو هاشم (1) وأكثر المتقدمين (2) . لنا: أن نسخ الخبر يوجب عدم المطابقة (3) وهو مُحَالٌ (4) ،
فإذا تضمن الحُكْمَ جاز نسخه؛ لأنه مستعار له ونَسْخُ الحكم جائز كما لو (5) عبَّر عنه بالأمر.
الشرح
قال " الإمام فخر الدين ": إن كان الخبر خبراً عما لا يجوز تغييره، كالخبر عن حَدَث العالم، فلا يتطرق (6) إليه النسخ. وإن كان عما يجوز تغييره، وهو إما ماضٍ أو مستقبل، والمستقبل إما [وعدٌ أو وعيدٌ أو خبرٌ] (7) عن حكم: كالخبر عن وجوب
الحج، فيجوز النسخ في الكل، ومنع أبو علي وأبو هاشم وأكثر المتقدمين الكل (8) .
قال (9) : لنا أنَّ الخبر إذا كان عن أمرٍ ماضٍ نحو: ((عمّرتُ نوحاً ألْفَ سَنَةٍ)) جاز أن يُبَيِّن مِنْ (10) بَعْدُ أنه ((ألف سنة إلا خمسين عاماً)) . وإن كان خبراً عن مستقبل
- كان وعداً أو وعيداً - فهو كقوله ((لأعاقبن الزاني أبداً)) فيجوز أن يُبَيِّن أنه أراد
_________
(1) هو: أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجُبَّائي، كان ذكياً، بصيراً، وإليه تنتسب طائفة البهشمية من المعتزلة، من تآليفه: كتاب في الاجتهاد، توفي سنة 321 هـ. انظر: طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ص 304، وفيات الأعيان 2 / 335.
(2) بقي مذهب رابع، وهو التفرقة بين الماضي والمستقبل، فمنع النسخ في الماضي؛ لأنه يكون تكذيباً، وأجازه في المستقبل؛ لجريانه مجرى الأمر والنهي، لأن الكذب يختص بالماضي، أما المستقبل فيُسمى خلف الوعد. انظر: نفائس الأصول 6 / 2469، الإبهاج 2 / 243، البحر المحيط 5 / 245، إرشاد الفحول 2 / 89.
(3) أي عدم مطابقة الخبر للمُخْبَر عنه، انظر: رفع النقاب القسم 2 / 411.
(4) انظر: نفائس الأصول 6 / 2470..
(5) ساقطة في س.
(6) في ن: ((يَطَّرَّق)) .
(7) في ن: ((وعداً أو وعيداً أو خبراً)) ولست أعلم لها وجهاً، لأنها خبر للمبتدأ " المستقبل ". إلا أن نقدّر محذوفاً تقديره ((أن يكون..)) .
(8) انظر: المحصول 3 / 325.
(9) أي الفخر الرازي، انظر: المحصول له 3 / 326.
(10) ساقطة من ن.
(2/77)

ألف سنة. وإن كان عن (1) حكم الفعل في (2) المستقبل فإنَّ الخبر كالأمر في تناوله الأوقات المستقبلة فيجوز أن يراد بعضها (3) .
احتجوا بأن نسخ الخبر يُوْهِم (4) الخُلْف.
قال (5) : وجوابه أن نسخ الأمر أيضاً يُوْهِم البَدَاء (6) .
قلت: أسماء الأعداد (7) نصوص لا يجوز فيها المجاز (8)
وإرادة (9) المتكلم بالألف (10) ألفاً (11) إلا خمسين عاماً (12) مجاز فلا يجوز، وأما إطلاق الأبد على ألف سنة فهو
_________
(1) ساقطة من س.
(2) ساقطة من ن.
(3) قال المصنف في النفائس (6 / 2471) : ((وهذه المُثُل كلها غرور لا حجة فيها، بل الحق استحالة النسخ في الخبر المحض)) . وقد ردّ المصنف على هذه الأدلة التي ذكرها الرازي بالتفصيل. انظر: نفائس الأصول 6 / 2469 - 2472.
(4) في ق: ((يوجب)) والمثبت هو المراد.
(5) أي الفخر الرازي. انظر: المحصول له 3 / 327.
(6) البداء لغة: من بدا يبدو بُدُواً وبداءً وبداءةً بمعنى: ظهر ونشأ رَأيٌ بعد أن لم يكن. انظر: الصحاح للجوهري مادة " بدا ". واصطلاحاً: عرَّفه المصنف في النفائس (6 / 2471) بقوله: ((هو الظهور بعد الخفاء، لقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] ، وقال:
{ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35] ، وسيذكر المصنف معناه بعد قليل.
والبداء مما قالت به الشيعة. انظر: الأصول من الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، دار الكتب الإسلامية، طهران (1388 هـ) 1 / 146، بحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي، دار الكتب الإسلامية، طهران (1387 هـ) 4 / 92 - 129. وانظر: شرح اللمع للشيرازي 1 / 485، التلخيص للجويني 2 / 462، 469. قال الفتوحي: ((والقول بتجدد علمه جلّ وعلا كفر بإجماع أئمة أهل السنة)) شرح الكوكب المنير 3 / 536.
(7) أسماء الأعداد اثنا عشر اسماً وهي: الواحد فما فوقه إلى التسعة، والعشرة، والمائة، والألف، وما عداها من أسامي العدد فمتشعِّبٌ منها. انظر: المفصل للزمخشري مع شرحه لابن يعيش 6 / 15.
(8) المجاز لغةً: مصدر ميمي من جاز المكان يجوزه إذا تعدَّاه. انظر: شروح التلخيص 4/20، واصطلاحاً: عرَّفه المصنف بقوله هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما. شرح التنقيح (المطبوع)

ص 43.
(9) في س: ((وأراد)) وهي غير موفية بالمراد.
(10) في ن: ((بألفٍ)) .
(11) في س: ((ألف سنة)) .
(12) ساقطة من ن، ق.
(2/78)

تخصيص في الخبر وهو مجمع عليه، إنما النزاع في النسخ وأين أحدهما من الآخر؟ وقد تقدَّمت الفروق بينهما (1) .
وأما قولهم: يوهم الخُلْف، فذلك (2) مدفوع بالبراهين الدالة على استحالة الخُلْف على الله تعالى والبَدَاء عليه، والبداء هو أحد الطرق التي استدلت به اليهود على استحالة النسخ (3) ، ومعناه: أمر بشيءٍ ثم بدا له أن المصلحة في خلافه، وذلك إنما يتأتى في حق من تخفى عليه الخفيات، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك (4) .
وجوابهم: أن الله تعالى عالم بأن الفعل الفلاني مصلحةٌ في وقتِ كذا مفسدةٌ في وقت كذا، وأنه ينسخه إذا وصل إلى وقت المفسدة، فالكل معلوم في الأزَل (5) ، وما تَجَدَّدَ العلمُ بشيءٍ، [فما لزم من النسخ البداء، فيجوز] (6) .
حكم نسخ الحكم المقيّد بالتأبيد
ص: ويجوز [نسخ ما] (7) قال فيه: افعلوه (8) أبداً (9) خلافاً
_________
(1) انظرها شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 230، وانظر: قواطع الأدلة 3 / 182، الإحكام للآمدي 3 / 113، مناهل العرفان للزرقاني 2 / 145.
(2) في س: ((ذلك)) والصواب المثبت كما في: ن، ق؛ لوجوب اقتران جواب " أمَّا " الشرطية بالفاء.
انظر: مغني اللبيب لابن هشام 1 / 120، وانظر: القسم الدراسي ص 173.
(3) مع أنَّه قد ورد في التوراة المحرَّفة نصوص تتضمن نسبة البداء إلى الله، تعالى عما يقولون. جاء في سفر التكوين، الإصحاح: 6 الفقرات: 5 - 7 ((ورأى الربُّ أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كلَّ تصوِّر فكرِ قلبِهِ يتَّسم بالإثم، فملأ قلبَه الأسفُ والحزن لأنه خلق الإنسان. وقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلقته عن وجه الأرض مع سائر الناس والحيوانات والزواحف وطيور السماء، لأني حزِنْتُ أني خلقته)) .
(4) انظر: البحر المحيط للزركشي 5 / 206، ففيه شرح موسّع للبداء.
(5) الأزَل: القِدم، ومنه قولهم: هذا شيء أزَليٌّ، أي قديم، وأصل الكلمة قولهم للقديم: لم يَزَلْ، ثم نسِب إلى هذا، فلم يستقمْ إلا بالاختصار، فقالوا: يَزَلِيٌّ، ثم أبدلت الياء ألفاً، لأنها أخف، فقالوا: أزَلِيٌّ، كما قالوا في الرُّمْح المنسوب إلى ذِيْ يَزَن: أزَنِيٌّ. انظر: لسان العرب مادة " أزل ".
(6) ما بين المعقوفين في ق هكذا: ((فلم يلزم البداء من النسخ فجاز)) .
(7) في ق: ((النسخ فيما)) .
(8) في متن هـ، ق: ((افعلوا)) .
(9) الجواز هو مذهب الجمهور وبعض الحنفية. انظر: المعتمد 1 / 382، قواطع الأدلة 3 / 83، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 348، نهاية الوصول للهندي 6 / 2304، كشف الأسرار للبخاري 3 / 316، التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص 263، وقد حكى الآمدي في الإحكام (3 / 134) اتفاق الجمهور على ذلك.
(2/79)

لقومٍ (1) ؛
لأن صيغة " أبداً " بمنزلة العموم في الأزمان (2) ، والعموم قابل للتخصيص والنسخ (3) .
الشرح
احتجوا بأن (4) صيغة " أبداً " لو جاز أن لا يراد بها الدوام لم يبق لنا طريق إلى
_________
(1) وفرّق ابن الحاجب بين قيد التأبيد في الفعل نحو: صوموا أبداً، وقيد التأبيد في الحكم (الخبر) نحو: الصوم واجب عليكم أبداً أو واجب مستمر، فأجاز النسخ في الأول، ومنعه في الثاني. انظر: منتهى السول والأمل ص 157، نشر البنود 1 / 290. وتبع الإسنويُّ وابنُ الهمام ابنَ الحاجب في التفريق. انظر: زوائد الأصول للإسنوي ص 309، التقرير والتحبير 3 / 71، وصرّح ابن السبكي والفتوحي بأن لا فرق بين العبارتين. انظر: جمع الجوامع بشرح المحلِّي وحاشية البناني 2 / 86، شرح الكوكب المنير 3 / 540.
(
) وهم بعض المتكلمين وعامة الحنفية منهم: الماتريدي، الجصاص، الدبوسي، البزدوي، السرخسي، ووجه عند الشافعية. انظر: التبصرة للشيرازي ص 255، أصول السرخسي 2 / 60، كشف الأسرار للبخاري 3 / 316، البحر المحيط للزركشي 5 / 217، فتح الغفار بشرح المنار لابن نجيم 2 / 131.
* هل للخلاف ثمرة؟ قيل: إن هذا الخلاف لا طائل تحته، لأنه لم يرد في الشرع نسخ عبادة مقيدة
بالتأبيد، وقال بعضهم: ثمرته تظهر في قلع شبهات اليهود لعنهم الله في ادعائهم تأبيد أحكامهم التوراتية. انظر: فواتح الرحموت 2 / 184.
(2) الأبد: الدهر والدائم، والتأبيد: التخليد. انظر: لسان العرب مادة " أبد ".
والأصل في " الأبد " التعميم في الأزمان، ولكن يمكن إطلاق " الأبد " على فترة محدودة وتريد بها غير التعميم في جميع الأبد، ويكون هذا من باب المبالغة مجازاً. انظر: شرح التسهيل لابن مالك 2 / 205، همع الهوامع للسيوطي 2 / 109.
قال الكفوي: ((أبداً (منكراً) يكون للتأكيد في الزمان الآتي نفياً وإثباتاً، لا لدوامه واستمراره، يقال: لا أفعله أبداً)) . الكليات له ص (32) . وذكر ابن العربي: أن لفظة " الأبد " تحتمل لحظة واحدة، وتحتمل جميع الأبد، وفرّع عليه: أن الرجل لو قال لامرأته: ((أنت طالق أبداً)) ، وقال: نويت يوماً أو شهراً كانت له عليها الرجعة. انظر: أحكام القرآن له 3 / 116.
(3) معنى هذا الدليل: أن لفظ التأبيد في تناوله لجميع الأزمان كلفظ العموم في تناوله لجميع الأعيان الداخلة تحته، ومعلوم أنه يجوز تخصيص العام فيُقْتصر على بعض أفراده بدليلٍ هو المخصِّص له، فيجوز كذلك قصر المؤبَّد على بعض الأزمان بدليلٍ هو الناسخ له. فلفظ " الأبد " ظاهرٌ في عموم الأزمنة لا نصٌّ فيها، وإرادة غير الظاهر بدليلٍ يدلُّ عليه أمرٌ لا غبار عليه. انظر بقية الأدلة في: المعتمد 1 / 371 وما بعدها، شرح اللمع للشيرازي 1 / 491، المحصول للرازي 3 / 328، الإحكام للآمدي 3 / 134، النسخ في دراسات الأصوليين د. نادية العمري ص 217 - 240.
(4) هنا زيادة: ((من)) في س وهي مقحمةٌ خطأً.
(2/80)

الجزم بخلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار؛ [لأن ذلك كُلَّه] (1) مستفادٌ من قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} (2) .
والجواب: [أن الجزم إنما حصل في الخلود ليس بمجرد لفظ " أبداً " بل
بتكرُّره] (3) تَكَرُّراً (4) أفاد القطع بسياقاته (5) وقرائنه (6) على ذلك (7) ، أما مجرد لفظة واحدة من " أبداً " (8)
فلا (9) توجب الجزم، والكلام في هذه المسألة إنما هو في مثل هذا (10) .
_________
(1) في ق: ((لأنه)) .
(2) هذه جزء من آيتين وردتا في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار. أما خلود أهل الجنة - نسأل الله من
فضله - فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} [النساء: 122] . وأما خلود أهل النار - نسأل الله السلامة - فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168 - 169] .
(3) في ن: ((بسياقته)) وهو تحريف.
(4) في ق، ن: ((تكراراً)) .
(5) ما بين المعقوفين جاء في ق هكذا: ((أن الخلود إنما حصل بتكرر لفظ الأبد)) .
(6) ساقطة في س، وفي ن: ((وقرائنة دالةٍ)) .
(7) تكرر لفظ ((أبداً)) في خلود أهل الجنة وأهل النار ما يربو على عشر مرات. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي لفظة " أبداً ".
(8) في س: ((أبد)) .

ساقطة في س.
(9) في س، ن: ((لا)) بدون الفاء، والمثبت من ق هو الصواب لوجوب اقتران " أما " الشرطية بالفاء. انظر: مغني اللبيب لابن هشام 1 / 120.
(10) انظر: رفع النقاب القسم 2 / 412.
(2/81)

الفصل الثالث
في الناسخ والمنسوخ
ص: يجوز عندنا نسخُ الكتاب بالكتاب وعند الأكثرين (1) .
الشرح
حجتنا: ما تقدَّم (2) في الرد على أبي مسلم الأصفهاني (3) .
احتجوا بقوله تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} (4) . وقد تقدَّم جوابه (5) .
ص: والسنة المتواترة بمثلها (6) .
الشرح
السنة المتواترة بمثلها هو (7) كالكتاب (8) بالكتاب لحصول المساواة والتواتر في البابين (9) : الناسخ والمنسوخ.
_________
(1) سبق بحث هذه المسألة في الفصل الثاني عند قول المصنف: ((ويجوز عندنا وعند الكافة نسخ القرآن، خلافاً لأبي مسلم الأصفهاني ... إلخ)) وقد ذكرتُ في هامش (2) في تلك الصفحة (61) بأن المصنف تبع الفخر الرازي في محصوله (3 / 307) عندما بحثها هناك، بينما موقعها المناسب هنا. ثم إن المصنف تبع الرازي هنا أيضاً في قوله: ((الأكثرين)) ، علماً بأن العلماء القائلين بجواز النسخ معظمهم حكى الإجماع والاتفاق على جواز النسخ في الصور الثلاث: الكتاب بمثله، والتواتر بمثله، والآحاد بمثله. انظر: الإحكام لابن حزم 1 / 518، الإشارة للباجي ص 267، إحكام الفصول ص 417، أصول السرخسي 2 / 67، الإحكام للآمدي 3 / 146، شرح مختصر الروضة للطوفي 2 / 315، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 67، رفع النقاب القسم 2 / 413، إرشاد الفحول 2 / 96، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 148.
(2) انظر ص (61 - 63) .
(3) في س، ن: ((الأصبهاني)) وهذه النسبة صحيحة أيضاً، لأن " الباء " الفارسية تارةً تُعرَّبُ باءً خالصةً، وتارةً فاءً. انظر: المعرَّب من الكلام الأعجمي للجواليقي ص (55) ، القاموس المحيط مادة " أصص ".
(4) فصلت، من الآية 42.
(5) انظر: ص (63) .
(6) قال الفتوحي: ((وأما مثال نسخ متواتر السنة بمتواتِرها، فلا يكاد يوجد، لأن كلها آحاد ... )) شرح الكوكب المنير 3 / 560.
(7) ساقطة من ق.
(8) سقطت كاف التشبيه من نسخة ن.
(9) هنا زيادة ((بين)) في ق، وهي مقحمة.
(2/82)

ص: والآحاد بمثلها (1) .
الشرح
[لأنَّا نشترط] (2) في الناسخ أن يكون مساوياً للمنسوخ أو أقوى (3) ، والآحاد مساويةٌ للآحاد فيجوز.
ص: وبالكتاب والسنة (4) المتواترة إجماعاً (5) .
الشرح
سبب (6) أن الكتاب والسنة المتواترة ينسخان خبر الواحد، أنَّهما (7) أقوى منه، والأقوى أولى بالنسخ.
_________
(1) مثال: حديث بريدة رضي الله عنه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((نهيتكم عن زياة القبور فزوروها)) رواه سلم (977) . وانظر: منتهى السول والأمل ص 160، وشرح الكوكب المنير 3 / 561.
(2) في ن، ق: ((يشترط)) .
(3) هذا الاشتراط قال به كثيرٌ من الأصوليين، وذكر المصنف في كتابه نفائس الأصول (6 / 2481) بأن هذه قاعدة الباب على الجادّة. وانظر: البرهان للجويني 2 / 854، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 79، التوضيح لحلولو ص 264.
لكن هناك من العلماء من لم يسلّم بهذا الاشتراط، منهم: ابن حزم والشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمهما الله، ومن حججهم: أن المتواتر والآحاد كلاهما وحيٌ من الله تعالى، فجاز أن ينسخ أحدهما الآخر، وأن المتواتر في وقته قطعي، ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي، فنسخه بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه، وقد عَرفْتَ أنه ليس بقطعي. ثم إن النسخ إنما يرد على الحكم الشرعي بغض النظر عن طريق ثبوته. انظر: الإحكام لابن حزم 1 / 518، إرشاد الفحول 20 / 98، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 153، أضواء البيان للشنقيطي 3 / 366، 6 / 63.
(4) في ن: ((بالسنة)) .
(5) صنيع حلولو في شرحه: التوضيح شرح التنقيح ص (264) يدل على أن قول المصنف ((إجماعاً)) يرجع إلى نسخ الآحاد بالكتاب، ونسخ الآحاد بالسنة المتواترة. أما الشوشاوي في شرحه: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب القسم (2 / 415) فقال: ((قوله " إجماعاً " راجع إلى الثلاث مسائل الآحاد)) . أي: نسخ الآحاد بالآحاد، والآحاد بالكتاب، والآحاد بالمتواتر، أما المسألة الأولى والثالثة فالإجماع فيهما مسلّم، وأما مسألة نسخ الآحاد بالكتاب فهي مسألة نسخ السنة بالكتاب التي قررَّ فيها المصنف بنفسه - كما في ص (87) - خلاف الشافعي وبعض أصحابه، فهي ليست محلَّ إجماع. ولهذا قال حلولو: ((أما نسخ السنة بالقرآن، فالصحيح جوازه، ومقابله مروي عن الشافعي ونسبه الرافعي لاختيار أكثر أصحابهم ... )) التوضيح ص 264.
(6) في ق، ن: ((بسبب)) والمثبت هو الصواب، لاستقامة السياق بها.
(7) في ق، ن: ((لأنهما)) .
(2/83)

حكم نسخ الكتاب بالآحاد
ص: وأما جواز نسخ الكتاب بالآحاد فجائز عقلاً غير واقع سَمْعاً (1) ، خلافاً لبعض أهل الظاهر (2)
والباجي (3) منا مستدلاً بتحويل القبلة عن بيت (4) المَقْدِس إلى
مكة (5) .
_________
(1) هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:
الأول: الجواز مطلقاً.
الثاني: الجواز عقلاً والمنع سمعاً.
الثالث: المنع مطلقاً. انظر: إحكام الفصول ص 426، شرح اللمع للشيرازي 1 / 501، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل 4 / 258، الوصول لابن برهان 2 / 48، ميزان الوصول للسمرقندي 2 / 1005، رفع النقاب القسم 2 / 416، نشر البنود 1 / 285، حاشية التوضيح والتصحيح لابن عاشور 2 / 81.
(2) انظر: الإحكام لابن حزم 1 / 505.

وممن وافق الظاهرية في جواز نسخ الكتاب بالآحاد الحنفية، انظر: التلويح إلى كشف حقائق التنقيح للتفتازاني 2 / 79، التقرير والتحبير 3 / 85، والطوفي في: شرح مختصر الروضة 2 / 325، والشوكاني في: إرشاد الفحول 2 / 98، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في: مذكرته في أصول الفقه
ص 152، وهو رواية عن الإمام أحمد، انظر: المسودة ص 106، أصول الفقه لابن مفلح 3/1144.
(3) مذهب الباجي ومن معه يوافق الظاهرية ومن معهم في الجواز عقلاً وسمعاً، لكن الباجي يفصّل فيقول بوقوع نسخ المتواتر بالآحاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: إحكام الفصول ص 426، والإشارة للباجي
ص 270 - 272. وممن ذهب إلى هذا التفصيل: الباقلاني كما في: البحر المحيط للزركشي 5/ 261، والسرخسي في أصوله 2 / 77 - 78، وابن رشد في: الضروري في أصول الفقه ص 86، والقرطبي في: الجامع لأحكام القرآن 2 / 151.
(4) ساقطة من س.
(5) يدل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآنٌ، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، فاسْتقبلُوها. وكانت وُجوهُهم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة)) رواه البخاري (403) ، ومسلم (526) .
الاستدلال بهذا الدليل على نسخ الكتاب بالآحاد غير متجه، لأن من العلماء من قال بأن استقبال بيت المقدس لم يثبت بالقرآن وإنما ثبت بالسنة، لأنه تواتر فعله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه. فالاستدلال به يتم على نسخ المتواتر بالآحاد. انظر هامش (2) ص (88) .
ولهذا كانت عبارة الباجي في الاستدلال هكذا: ((وقد كانوا يعلمون استقبال بيت المقدس من دين النبي صلى الله عليه وسلم ضرورةً)) إحكام الفصول ص 426، الإشارة له ص 271، إلاَّ أن يقال بأن استقبال بيت المقدس ثابت بالقرآن الكريم في قوله تعالى: س أَقِيمُوا الصَّلاةَ ش [الأنعام: 72] ، فإنه مجمل بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله، والبيان يُعدّ كأنه منطوق به في ذلك المبيّن. انظر: رفع النقاب القسم 2 / 417.
(2/84)

لنا: أن الكتاب متواتر قَطْعِيٌ (1) فلا يُرْفع بالآحاد المظنونة؛ لتقدُّمِ العلم على
الظنِّ (2) .
الشرح
[واستدلوا أيضاً بقوله تعالى] (3) : {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} (4) الآية نُسِختْ بنهيه عليه الصلاة والسلام عن أكْل كُلِّ ذي نابٍ من السِّبَاع* (5) وهو خبر واحد (6) .
وبقوله تعالى*: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} (7) نُسِخ ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تنْكَح المرأةُ على عَمَّتِها ولا على خَالَتِها)) (8) الحديث.
_________
(1) هنا زيادة ((قطع)) في س، ولا حاجة لها.
(2) انظر هذا الدليل في: البرهان للجويني 2 / 854، نواسخ القرآن لابن الجوزي من 101، التقرير والتحبير 3 / 82، وانظر مناقشة هذا الدليل في: إحكام الفصول ص 426، المستصفى 1 / 240، الوصول لابن برهان 2 / 48، منهج التحقيق والتوضيح في حلّ غوامض التنقيح للشيخ محمد جعيط 2 / 112.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(4) الآية 145 من الأنعام وتمامها: { ... إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
(5) ورد النهي من حديث أبي ثَعْلبة الخُشَنِي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي نابٍ من السباع. رواه البخاري (5530) ، ومسلم (1932) . ومن العلماء من عدَّه من الأحاديث المتواترة. انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص 161.
(6) يرى ابن العربي وابن الجوزي ومكي بن أبي طالب أن الآية مُحْكَمة وليست منسوخة بل السنة خصَّصتْ عمومها انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي 2 / 218، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 236، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي القيسي ص 249.
(7) الآية 24 من النساء، وقد سبقتها الآية 23 التي فيها المحرَّمات من النساء.
(8) الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُنْكَح المرأةُ على عمّتِها ولا على خالتها)) رواه مسلم برقم (1408) والرقم الخاص (37) ، ورواه البخاري بنحوه برقم (5109) .
لكن يرى ابن الجوزي وابن العربي ومكي بن أبي طالب أن الآية مُحْكَمة وليست منسوخة، وإنما السنة جاءت بالتخصيص. انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 269، الناسخ والمنسوخ لابن العربي
2 / 162 - 167، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي ص 184.
(2/85)

ولأنه دليل شرعي فَيَنْسَخ كسائر الأدلة.
ولأنه يخصِّص الكتاب فينسخه؛ لأن النسخ تخصيص في الأزمان (1) .
والجواب عن الأول: أن الآية إنما اقتضت التحريم إلى تلك الغاية فلا ينافيها ورود (2) تحريم بعدها، وإذا لم ينافِها (3) لا يكون نسخاً (4) ، لأن من شرط النسخ التنافي (5) .
وعن الثاني: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال*، فيُحمل العام على حالة عدم القرابة المذكورة (6) . سلمناه لكنه تخصيص، ونحن نسلمه إنما النزاع في النسخ.
وعن الثالث: الفرق، أن تلك الأدلة المتفق عليها مساوية أو أقوى (7) ، وهذا رجوع (8) ، فلا يلحق بها.
وعن الرابع: أن النسخ إبطال لما اتصف بأنه مراد، فيحتاط فيه أكثر من التخصيص؛ لأنه بيانٌ للمراد فقط.
وأما تحويل القبلة فقالوا احتفَّتْ به قرائن وجدها أهل قُبَاء (9) لما أخبرهم المُخْبر من
_________
(1) انظر: المعتمد 1 / 390، التبصرة للشيرازي ص 270، المحصول للرازي 3 / 333.
(2) في ن: ((وجود)) .
(3) في ن: ((ينافيها)) وهو خطأ نحوي على المشهور لعدم حذف حرف العلة من الفعل المجزوم بـ" لم ".
انظر: هامش (3) ص (26) ، وفي ق: ((ينافه)) وهي صحيحة، فيكون مرجع الضمير الغائب:
((ورود تحريم)) ومرجع الضمير الظاهر: ((التحريم)) الذي في الآية.
(4) في س: ((ناسخاً)) .
(5) معنى هذا الجواب: أن الآية تفيد حصر المحرمات في الماضي إلى وقت نزولها، وليس فيها منافاةٌ لتحريم شيءٍ جديدٍ في المستقبل. انظر: نفائس الأصول 6 / 2497، الكاشف عن المحصول للأصفهاني
5 / 274، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 195.
(6) كأنه يقول: وأحل لكم ما بقي من النساء في حالةٍ ما. انظر: رفع النقاب القسم 2 / 419.
(7) في ز: ((قوى)) وهو تحريف.
(8) في س: ((مرجوع)) وهو تحريف.
(9) قُبَاء: بضمٍّ وفتح، اسم بئر عُرفتْ بها، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وهي قرية على ميلين من المدينة، وجاءت في فضائل مسجدها أحاديث. انظر: معجم البلدان 4 / 342، أما الآن فهو حي من أحياء المدينة.
(2/86)

ضجيج أهل المدينة (1) ، وغير ذلك (2) حصل لهم العلم، فلذلك قبلوا تلك الرواية (3) . سلمنا عدم القرائن لكن ذلك فِعْل بعض الأمة، فليس حجة، ولعله مذهب لهم فإنه مسألة خلاف.
حكم نسخ السنة بالكتاب
ص: ويجوز نسخ السنة بالكتاب عندنا (4) خلافاً للشافعي رضي الله عنه وبعض أصحابه (5) .
لنا: نَسْخُ القبلة بقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} (6)
_________
(1) انظر: المحصول للرازي 3 / 339، الكاشف عن المحصول للأصفهاني 5 / 275.
(2) من كون الراوي صحابياً عظيماً يخشى افتضاح كذبه، وأن الصحابة كانوا يتوقعون تغير القبلة، بدليل تشوفه صلى الله عليه وسلم إلى تغييرها، قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء ... } [البقرة: 144] . انظر: نيل الأوطار للشوكاني 2 / 168.
(3) لكن المصنف في نفائس الأصول (6 / 2481) قال: ((والأصل عدم ذلك (أي عدم القرائن) ، والمروي أن المخبر أخبرهم في الصلاة فتحولوا فيها إلى القبلة)) . وذكر الغزالي بأن القول بالقرائن يؤدي إلى إبطال أخبار الآحاد. انظر: المستصفى 1 / 241، وانظر: إحكام الفصول ص 426.
(4) هذا مذهب جماهير العلماء. قال مكي بن أبي طالب القيسي: ((وعلى جوازه عامة الفقهاء، وهذا مذهب مالك وجماعة من أهل المدينة وأكثر أهل العلم)) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 67.
انظر: المعتمد 1 / 391، إحكام الفصول ص 424، التلخيص للجويني 2 / 521، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 384، منتهى السول والأمل ص 160، تيسير التحرير 3 / 202.
(5) في س: ((أصحابنا)) وهو خطأ واضح؛ لأنه لم ينقل عن أحدٍ من المالكية موافقةً للشافعي في هذه المسألة، بل المنقول فيها عن بعض أصحاب الشافعي. انظر: الإبهاج 2 / 248، البحر المحيط للزركشي
5 / 262. وأومأ إليه الإمام أحمد، انظر: العدة لأبي يعلى 3 / 80.
أما مذهب الشافعي في مسألة نسخ السنة بالكتاب فقد حُكِى فيه قولان، الجواز وعدمه، وعبارة الشافعي في الرسالة تفيد امتناع نسخ السنة بالقرآن. قال رحمه الله: ((فإن قال قائل: هل تُنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نُسِخت السنة بالقرآن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه سنةٌ تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتىتقوم الحجة على الناس، بأن الشيء يُنْسخ بمثله)) الرسالة ص 110، وقال: ((وهكذا سنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة رسول الله)) الرسالة ص 108.
وهناك من العلماء من عدَّ هذه هفوةً للشافعي رحمه الله وهناك من أوّل كلامه، انظر بحث ذلك في: قواطع الأدلة 3 / 176، جمع الجوامع بشرح المحلِّي وحاشية العطار 2 / 112، البحر المحيط للزركشي

5 / 260 - 279، الآيات البينات للعبادي 3 / 188 - 195.
(6) البقرة، من الآية: 144. وجاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله يحب أن يُوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} [البقرة: 144] فتوجَّه نحو الكعبة. رواه البخاري (399) واللفظ له، ومسلم (525) .
(2/87)

ولم يكن التوجه لبيت (1) المَقْدِس ثابتاً بالكتاب (2) عملاً بالاستقراء (3) .
الشرح
في كون التوجه لبيت المقدس ليس من القرآن، فيه نظر، من جهة أن القاعدة أن كل بيان لمُجْملٍ يُعدُّ مراداً [من ذلك] (4) المجمل وكائناً فيه (5) . والله تعالى قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} (6) ولم يبين صفتها، فبينها عليه الصلاة والسلام بفعله لبيت (7) المقدس [فكان ذلك مراداً بالآية، كما أنَّا نقول في قوله عليه الصلاة والسلام: ((فيما سَقَت السماءُ العُشْر)) (8) بيان لقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (9) وهو مراد منها،
_________
(1) ساقطة من س.
(2) اختلف العلماء في قبلة بيت المقدس المنسوخة، هل كانت ثابتة بالكتاب أو بالسنة؟
أ - أكثر العلماء على أن التوجه لبيت المقدس ليس في القرآن ذكره. قال القاضي عياض: ((الذي ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنةٍ لا بقرآن)) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 5 / 9، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 151، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 149.
ب - رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان عن أمر الله، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا ... }
[البقرة: 143] ، قال ابن العربي: ((فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس بأمرٍ منه، لأن هذا مما لا يدرك بالاجتهاد ... )) الناسخ والمنسوخ له 2 / 46.
ثمرة الخلاف: إن كان التوجه بأمر الله فهو نسخ قرآن بقرآن، وإن كان باجتهاده وفعله صلى الله عليه وسلم فهو نسخ سنة بقرآن. انظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص 191، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 146، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي القيسي ص 109 - 112.
(3) الاستقراء في اللغة: من القَرْو، واسْتَقْرَيْتَ البلادَ: تَتَبَّعْتَها، تخرج من أرضٍ إلى أرضٍ. انظر لسان

العرب مادة " قرأ ". واصطلاحاً: هو تتبُّع الجزئيات كلِّها أو بعضها للوصول إلى حكمٍ عامٍ يشملها
جميعاً. انظر: الكليات للكفوي ص 105، حاشية العطار على شرح الخبيصي ص 249، وانظر تعريف المصنف له: ص 502.
(4) في ص: ((بذلك)) ، وفي س: ((لذلك)) .
(5) سبق أن ذكر هذه القاعدة المصنف.
(6) البقرة، من الآية: 43.
(7) في ز: ((إلى البيت)) .
(8) رواه البخاري (1483) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريّاً العُشْر، وما سُقي بالنَّضْج نصف العشر)) .
(9) البقرة، من الآية: 43.
(2/88)

وكذلك هاهنا، وهو القاعدة: أن كل بيان لمجملٍ يُعدُّ مراداً من ذلك المجمل، فكان التوجه لبيت المَقْدِس] (1) بالقرآن بهذه الطريقة (2) .
حجة الشافعي (3) رضي الله عنه قوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (4) فجعله عليه الصلاة والسلام مبيِّناً بالسنة للكتاب المنزل، فلا يكون الكتاب ناسخاً للسنة، لأن الناسخ مبيِّن للمنسوخ، فيكون كل واحد منهما مبيِّناً لصاحبه فيلزم الدَّوْر (5) .
والجواب عنه: أن الكتاب والسنة ليس كل واحد منهما محتاجاً للبيان، ولا وقع فيه النسخ، فأمكن أن يكون بعض الكتاب بياناً لبعض السنة، والبعض الآخر الذي لم يبينه الكتاب [بياناً للكتاب] فلا دور، لأنه لم يوجد شيئان (6) كل واحد منهما متوقف على الآخر، بل الذي يتوقف عليه من السنة غير متوقف، [والبعض المتوقف عليه من الكتاب غير متوقف (7) . سلمناه، لكنه معارَض بقوله تعالى في حق الكتاب العزيز: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (8) ، والسنة شيء، فيكون الكتاب تبياناً لها، فينسخها وهو المطلوب (9) .
_________
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، من قوله [فكان ذلك مراداً بالآية ... - إلى قوله - ... لبيت المقدس] .
(2) انظر: نفائس الأصول 6 / 2486، نهاية السول 2 / 581، رفع النقاب القسم 2 / 417، منهج التحقيق والتوضيح للشيخ محمد جعيط 2 / 113 وقد جوّد هذا الكلام الطوفي في: شرح مختصر الروضة
(2 / 318) لكن الاصفهاني دفع هذا بأن كلام الرازي في محصوله (3 / 340) أن قبلة بيت المقدس لم تثبت بالكتاب نصاً ومنطوقاً، والذي ذكره القرافي هنا أنه كالمنطوق به، وفرق بين المنطوق به والمشبه بالمنطوق به. انظر: الكاشف عن المحصول 5 / 284.
(3) انظر معنى هذه الحجة في الرسالة للشافعي ص 111 - 113، وانظر: المحصول للرازي 3 / 342، نهاية السول 2 / 584.
(4) النحل، من الآية: 44.
(5) الدَّور لغة: مصدر، يدور، ومنه قولهم: دارت المسألة أي كلما تعلّقتْ بمحلٍّ توقفّ ثبوت الحكم على
غيره، فينتقل إليه، ثم يتوقّف على الأول وهكذا. المصباح المنير ص 202. واصطلاحاً: هو توقف كل واحدٍ من الشيئين على الآخر. الكليات للكفوي ص 447، وانظر التعريفات للجرجاني ص 140.
(6) في س: ((بيان)) .
(7) انظر هذا الجواب في: شرح مختصر الروضة للطوفي 2 / 317، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب
2 / 197.
(8) النحل، من الآية 89 قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} .
(9) انظر: أصول السرخسي 2 / 76. وهناك جواب آخر ذكره الرازي في محصوله (3 / 343) فانظره.
(2/89)

حكم نسخ الكتاب بالسنة المتواترة
ص: ويجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة لمساواتها له في الطريق العلمي عند أكثر أصحابنا (1) ، وواقع كنسخ الوصية للوارث (2) بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا وصية لوارث)) (3) (4) .
ونسخ آية (5) الحبس (6) في البيوت
_________
(1) في المسألة ثلاثة أقوال، الأول: الجواز عقلاً والوقوع سمعاً، وهو مذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين والحنفية والمالكية وبعض الشافعية ورواية عن أحمد وبعض الحنابلة. الثاني: عدم الجواز سمعاً، وهو قول الشافعي وأكثر أصحابه ورواية عن الإمام أحمد، وقول ابن بكير من المالكية. الثالث: يجوز سمعاً لكنه لم يقع، وهو قول ابن سُرَيج من الشافعية، وقواه أبو الخطاب من الحنابلة. انظر: الرسالة للشافعي ص 106، المقدمة في الأصول لابن القصار ص 141، المعتمد 1 / 392، الإحكام لابن حزم 1 / 518، إحكام الفصول ص 417، التبصرة ص 264، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 379، المسودة ص 202، كشف الأسرار للبخاري 3 / 335.
(2) آية الوصية المنسوخة هي قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] .
(3) الحديث روي عن جماعة كثيرة من الصحابة رضي الله عنهم بألفاظ متقاربة، وأوردها كلها الشيخ الألباني مع تخريجاتها، ثم قال: ((وخلاصة القول: أن الحديث صحيح لاشك فيه بل هو متواتر..)) إرواء الغليل 6 / 87 - 96، وانظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص (179) . والحديث أخرجه أبو داود (2870، 3465) ، والترمذي (2121) ، وابن ماجة (2713) وغيرهم. وانظر تحفة الطالب لابن كثير ص 3342، نصب الراية للزيلعي 4 / 403.
(4) اختلف العلماء القائلون بنسخ آية الوصية - في تعيين الناسخ لها على أقوال منها:

أ - أنها منسوخة بآية المواريث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..}
[النساء: 11] ، وبه قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وغيرهم، وهو رواية عن مالك.
ب - أنها منسوخة بحديث: ((لا وصية لوارث)) وهو الرواية الأخرى عن مالك، وبه قال القرطبي.
جـ - أنها منسوخة بالحديث مع ضميمة الآية وبه قال الشافعي وابن جزي من المالكية. انظر: الرسالة للشافعي 137 - 139، الإحكام لابن حزم 1 / 524، الناسخ والمنسوخ للنحاس 1 / 480، الناسخ والمنسوخ لابن العربي 2 / 18، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 263، التسهيل في علوم التنزيل
4 / 105، التوضيح لحلولو ص 267.
(5) ساقطة من متن هـ.
(6) وهي قوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15] .
(2/90)

بالرجم (1) . وقال الشافعي رضي الله عنه: لم يقع، لأن آية الحبس في البيوت نُسِختْ بالجلد (2) .
الشرح
واحتجوا أيضاً [على الوقوع] (3) بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا وصية
لوارث)) (4) . نَسَخت الوصيةَ للأقربين الذين في الكتاب، وبقوله عليه الصلاة والسلام:
((
لا تُنْكَح المرأة على عَمَّتِها)) (5) الحديث ناسخ لقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} (6) .
وأما قول الشافعي رضي الله عنه إن آية الحبس نُسختْ بالجلد، فذلك يتوقف على تاريخٍ لم يتحقَّقْ، ومن أين لنا أن آية الجلد نزلت بعد آية الحبس؟! بل ظاهر السنة يقتضي خلاف ما قاله، لأنه عليه الصلاة والسلام قال: ((خذوا عني قد جعل الله لهنَّ سبيلاً:
_________
(1) سبق تقرير الخلاف في القول بالنسخ في آية الحبس. واختلف القائلون بالنسخ في الناسخ لها على أقوال منها:
أ - أنها منسوخة بآية الجلد في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ... } .
[النور: 2] وقد حكى ابن عطية الإجماع على ذلك.
ب - أنها منسوخة بآية الجلد وبحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: ((خذوا عني قد جعل الله لهن
سبيلاً، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم ... )) الحديث رواه مسلم (1690) .
جـ - أنها منسوخة بحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه السابق، وحديث رجمه صلى الله عليه وسلم لماعزٍ رواه البخاري (6824) وغيره. انظر: الرسالة للشافعي 128 - 132، 248، أحكام القرآن للجصاص 2 / 135، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 262، المحرر الوجيز لابن عطية 4 / 48.
(2) انظر: الرسالة للشافعي ص 129، وانظر: المحصول للرازي 3 / 349.
(3) في س: ((بالوقوع)) .
(4) تقدَّم تخريجه.
(5) سبق تخريجه. ومن الغريب أن المصنف أورد هذه الحجة في مسألة نسخ الكتاب بخبر الآحاد، ثم يوردها هنا على مسألة نسخ الكتاب بالخبر المتواتر، فلعلّ هذا عائد إلى اختلاف كل قوم في طريق ثبوته. قال الفخر الرازي: ((وهذا خبر مشهور مستفيض، وربما قيل: إنه بلغ مبلغ التواتر)) التفسير الكبير 10 / 35.
(6) النساء، من الآية: 24، وهي آية المحرمات من النكاح.
(2/91)

الثيِّب بالثيِّب رَجْمٌ بالحجارة والبكْر بالبكْر جَلْدُ مائة جلدة وتَغْريبُ عام)) (1)
فظاهره يقتضي أنه (2) الآن نُسِخ ذلك الحكم (3) .
ويرد على الأول: أن الوصية (4) جائزة لغير الوارث إذا كان قريباً فدخله (5) التخصيص، والمُدَّعَى النسخ (6) .
وعلى الثاني (7) : أنه أيضاً تخصيص دخل في الكتاب لا نسخ؛ لأن بعض ما أحِلَّ حرم ولا تنازع فيه.
_________
(1) الحديث من رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلاً، البكْر بالبكْر جَلْد مائةٍ ونفي سنة، والثيّب بالثيّب، جلدة مائة جلدة والرجم)) رواه مسلم
(1690) وغيره.
لم أطلع في روايات حديث عبادة أن الثيب عليه الرجم فقط، كما ذكر ذلك المصنف، بل جميع ما اطلعتُ عليه أن الثيب عليه جلد مائة جلدة والرجم.

وقد ذكر الحازمي في كتابه " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار " ص (473) اختلاف العلماء في حديث عبادة أهو مُحْكم أم منسوخ في حق الزاني المحصن؟ والأكثرون على الثاني، وتمسكوا بأحاديث تدلُّ على النسخ، منها حديث رجمه صلى الله عليه وسلم ماعزاً دون الجلد. البخاري (6824) ، والله أعلم.
(2) في س: ((أن)) ، وهي غير مفيدة للمعنى.
(3) انظر: نفائس الأصول للمصنف 6 / 2494. وقال أبو بكر الجصاص: ((وأن آية الجلد التي في سورة النور لم تكن نزلت حينئذٍ، لأنها لو كانت نزلت كان السبيل متقدماً لقوله: ((خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً..)) ولما صحَّ أن يقول ذلك، فثبت بذلك أن الموجب لنسخ الحبس والأذى قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت وأن آية الجلد نزلت بعده)) أحكام القرآن له 2 / 135.
(4) الوصية في اللغة: من أوصى الرجل ووصَّاه: عهد إليه وسُميت وصيّةً لاتصالها بالميت. انظر: لسان العرب مادة: وصي، واصطلاحاً: عَقْدٌ يُوجب حقاً في ثلُث عاقده، يلزم بموته أو نيابةً عنه بعده. حدود ابن عرفة مع شرحه للرصَّاع 2 / 681.. وفي مواهب الجليل للخطاب (8 / 513) هي: تمليكٌ مضافٌ لما بعد الموت بطريق التبرع. وحكمها: الوجوب عند بعض العلماء، والجمهور على الندب. انظر: الذخيرة للقرافي 7 / 6.
(5) في س: ((فيدخله)) .
(6) من العلماء من رجَّح أن آية الوصية محكمة غير منسوخة، بل هي عامة دخلها التخصيص في الوالدين من غير رقٍّ أو اختلاف دِيْن وفي الأقربين الوارثين. أما ما عدا ذلك فلهم الوصية، وهو رأي الطبري في تفسيره 2 / 158، والنحاس في الناسخ والمنسوخ 1 / 486، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن
1 / 218.
(7) وهو ادِّعاء أن حديث ((لا تُنْكح المرأة على عمتها)) نسخ قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} وقد مرَّ جوابٌ للمصنف نحواً من هذا في ص (86) ، وانظر هامش (8) ص (85) .
(2/92)

حكم نسخ الإجماع والنسخ به
ص: والإجماع لا يُنْسخ ولا يُنْسخ به (1) .

الشرح
هذا نقل " المحصول " (2) ، وقال " الشيخ سيف الدين " (3) : كون الإجماع يُنْسخ الحكمُ الثابت به (4) نفاه الأكثرون وجوَّزه الأقلُّون (5) ، وكون الإجماع ناسخاً منعه الجمهور (6) .
وجوَّزه بعض المعتزلة وعيسى بن أبَان (7) .
_________
(1) شرح هذه المسألة الذي هنا منقول من نفائس الأصول (6 / 2500 - 2503) بحروفه تقريباً.
(2) المحصول في علم الأصول للفخر الرازي من أجلِّ كتب الأصول وأفخرها. ذكر الإسنوي أن استمداد المحصول كان من المعتمد لأبي الحسين البصري، والمستصفى للغزالي. وذكر ابن خلدون بأن الإمام الرازي أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج. له شرحان كبيران: نفائس الأصول للقرافي (ط) ، الكاشف عن المحصول للأصفهاني (ط) ، له مختصرات كثيرة منها الحاصل (ط) ، والتحصيل (ط) وغيرهما. انظر: نهاية السول 1 / 4، مقدمة ابن خلدون 3 / 1065.
(3) انظر كتابه: الإحكام في أصول الأحكام 3 / 160 - 161.
(4) ساقطة في س.
(5) لم أقف على تسمية هؤلاء الأقلِّين.
(6) قال ابن العربي: ((اتفق علماؤنا على أن الإجماع لا يَنْسَخ، لأنه ينعقد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وتجديد شرعٍ بعده لا يتصور، وهذا الظاهر على الجملة، بَيْد أن فيه تفصيلاً بديعاً: وذلك أن الإجماع ينعقد على أثرٍ ونَظَرٍ، فإن كان الإجماع على نَظَرٍ لم يَجُزْ أن يَنْسَخ، وإن انعقد على أثرٍ جاز أن يكون ناسخاً، ويكون الناسخ الخبر الذي انبنى عليه الإجماع)) . الناسخ والمنسوخ له 2 / 19.
(7) انظر تفصيل هذه المسألة والأقوال فيها في: المعتمد 1 / 400، الإحكام لابن حزم 1 / 530، إحكام الفصول ص 428، أصول السرخسي 2 / 66، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 388، نهاية الوصول للهندي 6 / 2366، كشف الأسرار للبخاري 3 / 334، تحفة المسؤول للرهوني القسم 2 / 528، التلويح للتفتازاني 2 / 79.
أما عيسى بن أبَان فهو: عيسى بن أبَان بن صدقة، أبو موسى الحنفي، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي؛ تفقّه على محمد بن الحسن الشيباني، تولّى قضاء العسكر ثم قضاء البصرة من تآليفه:
" اجتهاد الرأي "، " خبر الواحد "، " إثبات القياس " ت عام 221 هـ. انظر: الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص 151، الجواهر المضيّة في تراجم الحنفية 1 / 401. وقد جُمِعتْ أقواله الأصولية في رسالة ماجستير بجامعة أم القرى عام 1415 هـ إعداد الباحث / أحمد باكر الباكري.
(2/93)

وبنى الإمام فخر الدين هذه المسألة على قاعدةٍ (1) وهي: أن الإجماع لا ينعقد في زمانه عليه الصلاة والسلام، لأنه بعض المؤمنين بل سيّدهم، ومتى وُجِد قوله عليه الصلاة والسلام فلا عبرة بقول (2) غيره (3) ، وإذا لم ينعقد إلا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لم يمكن (4) نَسْخُه بالكتاب والسنة لتعذرهما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، ولا بالإجماع لأن هذا الإجماع الثاني إن كان لا عن دليل فهو خطأ، وإن كان عن دليل فقد غفل عنه الإجماع الأول فكان خطأً، والإجماع لايكون خطأً (5) ، فاستحال النسخ بالإجماع (6) . ولا بالقياس لأن من شرطه أن لا يكون على خلاف الإجماع، فيتعذر (7) نسخ الإجماع مطلقاً.
وأما كون الإجماع ناسخاً فقال (8) : لا يمكن أن يَنْسَخ كتاباً ولا سنةً؛ لأنه يكون على خلافهما فيكون خطأً، ولا إجماعاً (9) لأن أحدهما يلزم أن يكون خطأً لمخالفته لدليل الإجماع الآخر، ولا قياساً (10) لأن من شرط القياس عدم الإجماع، فإذا أجمعوا على خلاف حكم القياس زال القياس لعدم شرطه (11) .
_________
(1) انظر: المحصول للرازي 3 / 354.
(2) ساقطة من س.
(3) انظر ردّ المصنف على الرازي في قوله: ((فلا عبرة بقول غيره)) في نفائس الأصول 6 / 2501، ثم انظر تعقيب الأصفهاني على هذا الرد في: الكشاف عن المحصول 5 / 302.
(4) في س: ((يكن)) .
(5) ساقطة من ن.
(6) هنا زيادة: ((فيتعذر نسخ الإجماع مطلقاً)) وهي تكرار لا داعي لها.
(7) في ص: ((فاستحال)) .
(8) أي الإمام فخر الدين. انظر: المحصول 3 / 357.
(9) في ن: ((إجماع)) وهو خطأ فيما يبدو لي، لأنها معطوفة على منصوب، والعاطف حرف الواو، و" لا " زائدة لتوكيد النفي. انظر: مغني اللبيب 1 / 468.
(10) في ن: ((قياس)) انظر الهامش الآنف الذكر.
(11) أورد المصنف في نفائس الأصول (6 / 2502) إشكالاً على الرازي في كون الإجماع لا يُنسخ به مع أنه يُخصص به، لأن التخصيص لابد له من مستند، فكذا في النسخ، ويكون ذلك المستند هو الناسخ. وقد ردّ هذا الإشكال الأصفهاني في الكاشف عن المحصول 5 / 300.
(2/94)

وهذه الطريقة مشكلة بسبب أنَّ وجود (1) النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع وجود الإجماع، لأنه عليه الصلاة والسلام شهد لأمته بالعصمة فقال: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) (2) وصفة المُضَاف غير المضاف إليه، وهو عليه الصلاة والسلام لو شهد لواحدٍ في زمانه عليه الصلاة والسلام بالعصمة لم يتوقف ذلك على أن يكون بعده عليه الصلاة والسلام، فالأمة أولى (3) .
ثم إنه نقض هذه القاعدة بعد ذلك فقال* (4) : يمكن نسخ القياس في زمانه عليه الصلاة والسلام بالإجماع، فصرح بجواز انعقاد الإجماع في زمانه عليه الصلاة والسلام (5) .
_________
(1) ساقطة من س.
(2) لم أجده بهذا اللفظ فيما اطلعتُ عليه من كتب السنة، بل فيها لفظ " ضلالة " بدلاً من " خطأ "، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده 6 / 396، وأبو داود (4253) ، والترمذي (2167) ، وقال عنه: غريب من هذا الوجه، وابن ماجة (3950) وقال البوصيري: إسناده ضعيف. قال ابن حجر في: تلخيص الحبير (3 / 295) : ((حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو واحدٌ منها من مقال)) وقال الزركشي: ((واعلم أن طرق هذا الحديث كثيرة ولا يخلو من علّة وإنما أوردتُ منها ذلك ليتقوى بعضها ببعض)) المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر ص 62. وقال الحاكم - بتصرف - في مستدركه (1 / 116) : ((لابد أن يكون له أصل وله شواهد، لا أدعي صحتها ولا أحكم بتوهينها، بل يلزمني ذكرها لإجماع أهل السنة على هذه القاعدة من قواعد الإسلام)) . وانظر كلاماً للخطيب البغدادي في الحديث في: الفقيه والمتفقه 1 / 424. والحديث حسَّنه الألباني بطرقه في سلسلة الأحاديث الصحيحة، الجزء الثالث (1331) .
(3) انظر: نفائس الأصول 1 / 2500. والجواب عما أورده مشكلةً أن يقال: إن الإجماع لا ينعقد بمخالفته، ومع موافقته العبرة بسنته، وحينئذٍ يتوجه النسخ إلى مستند الإجماع. انظر: المعتمد 1 / 40، الإحكام لابن حزم 1 / 530، الناسخ والمنسوخ لابن العربي 2 / 19، الكاشف عن المحصول للأصفهاني 5 / 298 - 299.
(4) أي: الرازي في محصوله 3 / 358.
(5) قال تاج الدين الأرموي عن هذا التناقض في كتابه: الحاصل من المحصول (2 / 664) : ((وفيه إشكال)) ، وعبّر عنه سراج الدين الأرموي في: التحصيل من المحصول (2 / 28) بأن فيه نظر. وذكر هذا التناقض ابن السبكي في الإبهاج (2 / 254 - 255) دون أن يجيب عنه. وأما الأصفهاني فاعتذر عنه بأنه وقع سهواً من الإمام، انظر: الكاشف عن المحصول (5 / 308) ، وبمثله أجاب الإسنوي في نهاية السول
(2 / 594) . أما العبادي في الآيات البينات (3 / 179) فلم يرتضِ جواب السهو وقال بأن قول الرازي بإمكان نسخ القياس في زمانه صلى الله عليه وسلم بالإجماع، أي: على تقدير انعقاده.
(2/95)

وأما سيف الدين فلم يقل ذلك، بل قال: الإجماع الموجود بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لا ينسخ بنص ولا غيره إلى آخر (1) التقسيم (2) .
وقال أبو الحسين البصري في " المعتمد " (3) - الموضوع له في أصول الفقه - كما قاله المصنف، ثم قال: إن قيل: أيجوز (4) أن يُنْسَخ إجماعٌ (5) وقع في زمانه عليه الصلاة والسلام؟ قلنا: يجوز، وإنما منعنا (6) الإجماع بعده أن يُنْسخ، وأما في حياته فالمنسوخ الدليل الذي أجمعوا عليه لا حكمه (7) .
وقال أبو إسحاق: ينعقد الإجماع في زمانه عليه الصلاة والسلام (8) .
_________
(1) في ن: ((أخير)) وهو تحريف.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3 / 160.
(3) المعتمد هو أحد الكتب الأربعة التي اعتبرها ابن خلدون في مقدمته (3 / 1065) بأنها أركان هذا العلم، (العمد، المعتمد، البرهان، المستصفى) وهو مصدر أصيل في آراء واستدلالات المعتزلة، وقفتُ على طبعتين له، الأولى: بتهذيب وتحقيق / محمد حميد، وتعاون محمد بكر وحسن حنفي في مجلدين، دمشق: المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية عام 1384 هـ، والأخرى: تقديم وضبط / الشيخ خليل الميس، دار الكتب العلمية، بيروت. انظر: الفكر الأصولي د. عبد الوهاب أبو سليمان ص 226 وما بعدها.
(4) في ق، ن: ((يجوز)) . والمثبت من س، وهو الموافق لما في المعتمد 1 / 401.
(5) في ن: ((إجماعاً)) ، فيكون تقدير العبارة: أيجوز أن يَنْسخ الله حكماً أجمعت عليه الأمة؟ انظر: المعتمد
1 / 401.
(6) في ن: ((معنى)) وهي بلا معنى.
(7) لعلَّ غرض المصنف من سوق هذا النقل عن أبي الحسين البصري ليُفْهم منه تجويز انعقاد الإجماع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن هيهات! لأن أبا الحسين صرَّح قبل هذه النقل عنه بأسطرٍ فقال: ((ومعلوم أن الإجماع إنما انعقد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم)) المعتمد 1 / 401.
فإيراد أبي الحسين هذا إنما هو السؤال هنا على سبيل التقدير والفَرْض والتقسيم العقلي، وهو لا يدلُّ على الوقوع. وانظر: الكاشف على المحصول للأصفهاني 5 / 309.
(8) هكذا نقل المصنف هنا عن أبي إسحاق الشيرازي، والذي نقله في النفائس (6 / 2503) عنه أنه لا ينعقد في زمانه صلى الله عليه وسلم، والنقل الذي في النفائس هو الصواب كما في شرح اللمع (1 / 490) حيث قال: ((ولا يتصور الإجماع في زمانه ... )) .
(2/96)

وقال ابن بَرْهان في كتاب " الأوسط " (1) : ينعقد الإجماع في زمانه عليه الصلاة والسلام (2) . وجماعةٌ من المصنِّفين وافقوا الإمام فخر الدين على دعواه على ما فيها من الإشكال (3) .
وحجة الجواز لمن خالف (4) في هذه المسألة، فهي مبنية على أنه يجوز أن ينعقد إجماع بعد إجماعٍ مخالفٍ له، ويكون كلاهما حقاً، ويكون انعقاد الأول مشروطاً بأن لا يطرأ عليه إجماع آخر وهو شذوذ من المذاهب، فبُنِيَ (5) الشاذ على الشاذ، والكل ممنوع.
حكم نسخ الفحوى والنسخ به
ص: ويجوز نسخ الفَحْوى (6) - الذي هو مفهوم الموافقة - تبعاً* للأصل، ومنع أبو الحسين (7) من نسخه مع بقاء الأصل دفعاً للتناقض بين تحريم التأفيف - مثلاً -
_________
(1) كتاب الأوسط: هو واحدٌ من الكتب الأصولية الستة لابن برهان وهي: الوجيز، الأوسط، البسيط، الوسيط، التعجيز، الوصول إلى الأصول. والأخير منها مطبوع، والكتب الأخرى لم أقف عليها، وقد نقل بعض علماء الأصول من كتاب الأوسط كالقرافي هنا، والإسنوي في نهاية السول، والزركشي في البحر المحيط، والشوكاني في إرشاد الفحول. انظر: مقدمة: كتاب الوصول إلى الأصول لابن برهان، تحقيق د. عبد الحميد أبو زنيد ص 31.
(2) هكذا نَقَل المصنف هنا عن ابن برهان، والذي نقله في النفائس (6 / 2503) عنه أنه لا ينعقد، والنقل الذي في النفائس هو الصواب، كما قاله الزركشي: ((والذي وجدتُه في الأوسط لابن برهان في الكلام على حجية الإجماع أنه إنما يكون حجة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم)) البحر المحيط 6 / 454، وهكذا وجدتُ كلام ابن برهان في الوصول (2 / 51) ظاهره أن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
(3) انظر: إحكام الفصول ص 428، أصول السرخسي 2 / 66، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل
4 / 317، البحر المحيط للزركشي 5 / 284، نشر البنود 1 / 282.
(4) في ن: ((خلافه)) .
(5) في س: ((فينبني)) .
(6) الفحوى، لغة: معنى ما يعرف من مذهب الكلام، وفهمْتُهُ من فحوى كلامه، أي: معناه ولحنه. انظر مادة " فحا " في: لسان العرب، المصباح المنير. واصطلاحاً: هو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى. وهو مفهوم الموافقة الأولوي، ويسميه الأحناف: دلالة النص. انظر: شرح تنقيح الفصول للمؤلف ص 54 (المطبوع) ، كشف الأسرار للبخاري 1 / 184.
(7) انظر: المعتمد 1 / 405.
(2/97)

وحِلِّ الضرب (1) .
ويجوز النسخ به وفاقاً (2) لفظيةً كانت دلالته أو قطعيةً على الخلاف.

الشرح
قال الإمام فخر الدين: اتفقوا على جواز نسخ الأصل والفحوى معاً، وأما نسخ الأصل وحده فإنه يقتضي نسخ الفحوى، [لأن الفحوى تبع. وأما نسخ الفحوى] (3) مع بقاء الأصل فمنعه أبو الحسين (4) ، لئلا يَنْتَقِض الغَرَض [في الأصل] (5) كما تقدَّم في (6) التأفيف، فتحريمه لنفي العقوق وإباحة الضرب أبلغ في العقوق، فيبطل المقصود من تحريم التأفيف (7) .
وقال سيف الدين (8) : تَرَدَّد قول القاضي عبد الجبار (9) في نسخ الفحوى دون
_________
(1) مسألة نسخ الفحوى فيها ثلاثة أوجه، الأول: نسخ الفحوى والأصل معاً، كنسخ تحريم الضرب تبعاً لنسخ تحريم التأفيف، فهذا جائز بالاتفاق. والثاني: نسخ الفحوى مع بقاء الأصل، فهذا جوزه بعض العلماء ومنعه آخرون. الثالث: نسخ الأصل مع بقاء الفحوى، فهذا كذلك جوزه بعضهم ومنعه آخرون. وهناك تفصيلات أخرى في المسألة. انظر: المعتمد 1 / 404، المحصول للرازي 3 / 360، الاحكام للآمدي 3 / 165، مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2 / 200، المسودة ص 221، مفتاح الوصول ص 600، البحر المحيط للزركشي 5 / 300، التوضيح لحلولو ص 268، رفع النقاب القسم 2 / 429، شرح الكوكب المنير 3/ 576، فواتح الرحموت 2 / 155.
(2) مسألة: النسخ بالفحوى، حكى الرازي (3 / 361) ، والآمدي (3 / 165) ، الاتفاق على جوازه، لكن ذكر ابن السبكي عن إدعاء الاتفاق بأنه ليس بجيد، ونقل الخلاف في المسألة. وتعجّب الزركشي من حكاية الاتفاق، واختار أبو إسحاق الشيرازي المنع. انظر: اللمع للشيرازي ص 30، قواطع الأدلة 3 / 93، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب لابن السبكي 4 / 105 - 106، البحر المحيط للزركشي 5 / 301، الضياء اللامع لحلولو 2 / 102، رفع النقاب القسم 2 / 432.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(4) انظر: المعتمد 1 / 504.
(5) ساقطة من ن، وفي ق: ((في ذلك)) .
(6) في ق: ((من)) .
(7) انظر: المحصول للرازي 2 / 360.
(8) انظر: الإحكام للآمدي 3 / 165.
(9) هو: القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار، أبو الحسن الهَمَذَاني - نسبةً إلى هَمَذَان مدينة بالجبال نحو العراق - إمام المعتزلة في زمانه، شافعي المذهب، عدّ ابن خلدون في مقدمته (3 / 1065) كتابه:
" العمد " من أركان فن أصول الفقه، ومن تآليفه: المغني في أبواب التوحيد والعدل (ط) وهو كتاب كبير جداً، تنزيه القرآن عن المطاعن (ط) . ت عام 415هـ. انظر: شرح العيون للجشيمي ص365، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 5 / 97.
(2/98)

الأصل، فجوزه تارة ورآه من باب التخصيص؛ لأنه نص على الجميع، ثم خصص البعض (1) ، ومنعه مرة للتناقض، ونقْضِ الغرض (2) .
وقولي: ((كانت دلالته لفظيةً أو قطعيةً)) : أريد بالقطعية العقلية (3) الذي هو القياس، فإن الناس اختلفوا في تحريم الضرب مثلاً في تلك الآية (4) : هل هو ثابت بالقياس على تحريم التأفيف* بطريق الأولى، أو هو بدلالة اللفظ عليه التزاماً (5) لا بالقياس (6) ؟.
فإن كانت [دلالته التزاماً] (7) صحَّ النسخ بها، أو قياساً صحَّ النسخ بها، لأنه (8) حُكْمٌ [صار مناقضاً] (9) لحكمٍ متقدِّمٍ (10) ، فصحَّ النسخ (11) به كسائر ما يجوز به النسخ. نعم يشترط في المنسوخ أن يكون مثله في السند أو أخفض رتبة.
_________
(1) وجه التخصيص: أن قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [الإسراء: 33] نَصٌّ عام يقتضي تحريم كل أنواع الأذى، ثم خُصّص من ذلك بعض أنوعه، كالضرب مثلاً، لأن كل واحدٍ من الفحوى والأصل له دلالة مستقلة بنفسها.
(2) قال في المعتمد 1 / 405: ((ومَنَع منه في الدَّرْس، وهو الصحيح)) .
(3) وهو تعبير الرازي في محصوله 3 / 361، فسر معناها المصنف في كتابه: النفائس 6 / 2510: أي العقل أدرك الحكمة التي لأجلها ورد الحكم، فقاس في الصورة التي لم يرد فيها النص. ثم قال: يرد عليه أن القياس ليس يقيناً (قطعياً) لاحتمال الغلط.
(4) وهي آية الإسراء: 23: { ... فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} .
(5) دلالة الالتزام: عرَّفها المصنف بقوله: هي فهم السامع من كلام المتكلم لازم المسمّى البيِّن. انظر التعريف وشرحه ومثاله في: شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 24 - 25.
(6) انظر اختلاف العلماء في ثبوت تحريم ضرب الوالدين أهو مستفادٌ بدلالة اللغة أم بالقياس؟ في: الرسالة للشافعي ص 515، إحكام الفصول ص 509، التبصرة للشيرازي ص 227، نفائس الأصول

6 / 2510، جامع الأسرار في شرح المنار للكاكي 2 / 505، أصول الفقه لابن مفلح 3 / 1061.
(7) في س، ق: ((دلالة التزام)) .
(8) هذا تعليل لجواز النسخ بالفحوى على كلا التقديرين في دلالته، سواء كانت لفظية أم عقلية.
(9) هكذا في ن، وفي س، ق: ((طاريءٌ مناقضٌ)) وهو سائغ أيضاً.
(10) مثال النسخ بالفحوى: كما لو ورد نصٌ بتحليل الضرب، فيستدلُّ به - عن طريق الفحوى - على نسخ تحريم التأفيف الثابت بنصٍ متقدِّم.
(11) ساقطة من س.
(2/99)

حكم نسخ القياس والنسخ به
مسألة (1) : قال الإمام فخر الدين في " المحصول " (2) : نسخ القياس إن كان في حياته عليه الصلاة والسلام فلا يمتنع رفعه بالنص وبالإجماع وبالقياس، بأن يَنُصَّ عليه الصلاة والسلام في الفرع (3) بخلاف حكم القياس بعد استقرار التعبُّد بالقياس. وأما بالإجماع فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياساً، ثم أجمعوا على أحد القولين، كان إجماعهم رافعاً لحكم القياس المقتضي للقول الآخر. وأما بالقياس فبأن ينصّ في
صورةٍ بخلاف ذلك الحكم ويجعله معللاً بعلةٍ موجودةٍ في ذلك الفرع، [وتكون أمارة عِليَّتها] (4) أقوى من أمارة عِليِّة (5) الوصف للحكم الأول في الأصل (6) الأول.
وأما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فإنه يجوز نسخه في المعنى وإن كان لا يسمى نسخاً في اللفظ (7) ، كما إذا أفتى المجتهد بالقياس ثم ظفر بالنص أو بالإجماع أو بالقياس المخالف للأول (8) ، فإن قلنا: ((كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ)) (9) كان هذا الوُجْدان ناسخاً لقياسه الأول (10) ، وإن قلنا: ((المصيب واحد)) لم يكن القياس الأول متعبَّداً به (11) .
_________
(1) هذه مسألة: نسخ القياس والنسخ به، وقد نقلها المصنف بأكملها من المحصول (3 / 358 - 360) بتصرفٍ يسيرٍ، وكان ترتيبها الأولوي أن تأتي في المتن بعد مسألة: نسخ الإجماع والنسخ به وقبل نسخ الفحوى والنسخ به كما هي عادة كتب الأصول. انظر المسألة في: المعتمد 1 / 402، إحكام الفصول ص 429، المسودة ص 216، نهاية السول للإسنوي 2 / 593، كشف الأسرار للبخاري 3 / 331، التوضيح لحلولو ص 268.
(2) انظر: المحصول للرازي 3 / 358 - 360.
(3) في س: ((الفروع)) .
(4) في س: ((ويكون أمارة عِلّتها)) ، وفي ن: ((أمارة عليها)) ، وفي ق: ((فتكون أمارته عليها)) . والمثبت من ص، وهو الموافق لما في المحصول 3 / 359.
(5) في س: ((علة)) .
(6) ساقطة من س.
(7) ساقطة من ن.
(8) في المحصول للرازي (3 / 359) : ((أو قياسٍ أقوى من القياس الأول على خلافه)) .
(9) ستأتي هذه المسألة مبسوطة في الباب التاسع عشر: في الاجتهاد، الفصل السادس: في التصويب، ص 468
(10) هنا زيادة في المحصول 3 / 360: ((لكنه لا يُسمى ناسخاً، لأن القياس إنما يكون معمولاً به بشرط أن لا يعارضه شيء من ذلك)) .
(11) قال المصنف في النفائس 6 / 2505: ((لا نسلّم، فقد انعقد الإجماع على أنه يجب على كل مجتهد أن يعمل هو ومن قلّده بما أدى إليه اجتهاده من قياسٍ أو غيره، وإن كان قد أخطأ الحكم المقرر في نفس الأمر - ثم قال - ولا نعني بالتعبد إلا الوجوب ... )) .
(2/100)

وأما كون القياس ناسخاً فيمتنع في الكتاب والسنة (1) والإجماع، لأن تقدُّمَها يبطله (2) ، وأما القياس فقد تقدَّم القول فيه (3) .
حكم النسخ بالعقل
ص: والعقل يكون ناسخاً في حقِّ مَنْ سَقَطَتْ (4) رجْلاه فإن الوجوب ساقط عنه، قاله الإمام (5) .
الشرح
هذا (6) ليس نسخاً، فإنَّ بقاء المَحَلِّ شرطٌ، وعدمُ الحكم لعدم سببه أو شرطه
أو قيام مانعه ليس بنسخ وإلا كان النسخ واقعاً طول الزمان؛ لطريان (7) الأسباب
وعدمها (8) .
_________
(1) قال المصنف في النفائس 6 / 2506: ((قوله (أي الرازي) : نسخ القياس للسنة باطل بالإجماع. قلنا: كيف يُتصوَّر الإجماع مع أن العلماء اختلفوا في تقديم القياس على خبر الواحد، فعلى القول بتقديمه، لا يبعد أن يُتَصوَّر النسخ بأن يستقر التعبد بخبر الواحد، ثم ينص الشرع في زمان النبوة على حكم عليه يقتضي ضدّ مقتضى الخبر، فيبطل مقتضى الخبر)) .
(2) هذا التعليل ليس في المحصول، وإنما علّل الرازي امتناع كون القياس ناسخاً بالإجماع. انظر: المحصول
3 / 360.
(3) انظره في الصفحة السالفة.
(4) انفردت نسخة ق بقولها: ((سَقَطَ فانكسرتْ)) . وهو تعبير لا يفضي إلى الغرض المقصود من سقوط الرجلين، وهو سقوط فرض غسلهما، كما أن المثبت هو عبارة المحصول 3 / 74.
(5) عبارة الإمام الرازي في محصوله (3 / 74) في تخصيص العموم بالعقل هي: ((فإن قيل: لو جاز التخصيص بالعقل، فهل يجوز النسخ به؟ قلنا: نعم، من سقطت رجلاه سقط عنه فرض غسل الرجلين، وذلك إنما عُرف بالعقل)) .
ظاهر هذه العبارة يتناقض مع ما قرره في باب النسخ (3 / 285 - 286) ((ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخاً لحكم العقل، لأن العقل ليس بطريقٍ شرعي، ولا يلزم أن يكون العجز ناسخاً لحكم شرعي لأن العجز ليس بطريق شرعي)) . والصواب أن العقل لا يجوز النسخ به. انظر: إحكام الفصول

ص 391، شرح اللمع للشيرازي 1 / 513، رفع النقاب القسم 2 / 433. ولتوجيه ومناقشة قول الرازي انظر: جمع الجوامع لابن السبكي بشرح المحلّي وحاشية البناني 2 / 67، نهاية السول للإسنوي 2/ 551، التوضيح لحلولو ص 269، الآيات البينات للعبادي 3 / 177.
(6) ساقطة في س.
(7) في س، ق: ((بطريان)) .
(8) انظر: نفائس الأصول 5 / 2073.
(2/101)

الفصل الرابع
فيما يتوهم (1) أنه ناسخ
حكم الزيادة على النص
ص: زيادة صلاةٍ على الصلوات أو عبادةٍ على العبادات ليست نسخاً وفاقاً (2) ،
_________
(1) عبّر المصنف هنا: ((بالتوهم)) بينما تعبير الرازي في محصوله (3 / 363) هو: ((فيما يظن أنه ناسخ وليس كذلك)) ، والظن والوهم متباينان، فالظن يستعمل في الراجح، والوهم في المرجوح، وبينهما الشك وهو في الاحتمالين المتساويين. والجواب عن ذلك بأن الإمام نَظَر إلى من أثبت النسخ في هذه المسائل فعبّر بالظن، والمصنف نظر إلى من منعه فعبّر بالوهم. انظر: رفع النقاب القسم 2 / 436. وانظر تعريفات: الظن، والشك، والوهم في: الكليات للكفوي ص 528.
(2) هذه المسألة تعرف بمسألة: الزيادة على النص، هل تكون نسخاً؟
والمراد بالزيادة على النص: أن يوجد نص شرعي يفيد حكماً ثم يأتي نص آخر يزيد على الأول زيادة لم يتضمنها، ويسمى النص الأول: المزيد عليه، والثاني: المزيد. انظر كتاب: الزيادة على النص لفضيلة أستاذنا الدكتور عمر بن عبد العزيز ص 26.

ولحكم الزيادة على النص حالات؛ بحسب الزيادة، فهي: إما أن تكون مستقلة بنفسها عن النص المزيد عليه، أو لا تكون. فإن كانت مستقلة، فإما أن تكون من غير جنس المزيد عليه، أو تكون من جنسه فإن كانت من غير جنسه كزيادة الحج على الصلاة والزكاة، فهذه لا تكون نسخاً إجماعاً لعدم التنافي بين الزيادة والمزيد عليه، وممن حكى الإجماع والاتفاق على هذا: الجويني في التلخيص 2 / 105، والغزالي في المنخول ص 299، والرازي في المحصول 3 / 363، والطوفي في شرح مختصر الروضة2 / 291، والكاكي في جامع الأسرار 3 / 888، الضياء اللامع 2 / 111.
وإن كانت الزيادة المستقلة من جنس المزيد عليه، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، فقد قال جماهير العلماء - وهو الأصح عند الحنفية - أنها ليست بنسخ، وقال بعض العراقيين من الحنفية بأنها
نسخ. انظر: كشف الأسرار للبخاري 3 / 361، تيسير التحرير 3 / 220، فواتح الرحموت
2 / 113، بدائع الصنائع للكاساني 2 / 222 - 225. قال فضيلة الشيخ الدكتور عمر بن
عبد العزيز: ((غير أن المنقول (عن بعض العراقيين) لا يُعكِّر الاتفاق، ولا يمسُّه بالخَرْق، لأن العلماء تصدَّوا له بالإجابة عنه، وزيَّفُوه من أربعة أوجه ... إلخ)) الزيادة على النص ص 31.
أما الزيادة غير المستقلة فسيأتي حكمها بعد قليل في عبارة المتن القادمة ص (104) .
انظر هذه المسألة في: المعتمد 1 / 405، إحكام الفصول ص 411، أصول السرخسي 2 / 82، المستصفى للغزالي 1 / 222، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 398، الإحكام للآمدي 3 / 170، شرح المعالم في أصول الفقه لابن التلمساني 2 / 41، المغني في أصول الفقه للخبازي ص 259، التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص 269 - 272.
(2/102)

وإنما جعل أهل العراق (1) الوتر ناسخاً لما فيه من رفع قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} (2) فإن المحافظة على الوسطى تذهب لصيرورتها غير وسطى.
الشرح
زيادة الحج على العبادات في آخر الإسلام ليس نسخاً لما تقدَّمه من العبادات، لعدم المنافاة، ومن شرط النسخ التنافي. وأما زيادة الوتر لما اعتقد الحنفية أنه واجب (3) صارت الصلوات عندهم ستاً، وكلُّ عددِ زوجٍ لا توسُّط فيه، إنما يمكن التوسُّط في عددِ الفرد، كالخمسة اثنان واثنان وواحدٌ بينهما، أما الستة ثلاثة (4) وثلاثة، [لا يبقى شيء يتوسط] (5) بينهما، فارتفع الطلب المتعلِّق بالوسطى لزوال الوصف، والطلب لذلك حكم شرعي، فقد ارتفع حكم شرعي، فيكون نسخاً (6) .
_________
(1) المراد بهم بعض مشايخ الحنفية من أهل العراق، ولم أقف على أسمائهم. انظر: ميزان الوصول للسمرقندي 2 / 1013، كشف الأسرار للبخاري 3 / 361، التقرير والتحبير 3 / 102.
(2) البقرة، من الآية: 238.
(3) صلاة الوتر عند أكثر الحنفية واجبة، وعند بعضهم وغيرهم من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية سنة مؤكدة. انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام 1 / 436، رد المحتار (حاشية ابن عابدين) 2 / 438، الذخيرة للقرافي 2 / 392، مواهب الجليل للحطاب 2 / 384، مغني المحتاج للشربيني 1 / 451، معونة أولي النهى لابن النجار الفتوحي 2 / 8، المحلَّى لابن حزم 2 / 226.
(4) هكذا في جميع النسخ، والصواب أن يقال: ((فثلاثة)) بأن تقْرن الفاء في جواب أمَّا الشرطية، انظر هامش (2) ص (79) .
(5) في ق: ((ولا وسط)) بدلاً عما بين المعقوفين.
(6) ترَدُّ هذا الحجة بأن النسخ إنما يكون لحكم شرعي، وكون العبادة وسطى أمر حقيقي ليس بحكم شرعي. ثم إن وجوب المحافظة عليها قد ثبت بقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] والتصريح بها ثانياً موصوفةً بهذه الصفة إظهارٌ لزيادة الاهتمام بشأنها من حيث هي هي، والصفة لمجرد التعريف. انظر: الإحكام للآمدي 3 / 170، كشف الأسرار للبخاري 3 / 361، شرح البدخشي
2 / 263.
(2/103)

وهذا البحث مبني على أنها سُمِّيت وسطى لتوسُّطها بين عددين، وقيل: لتوسُّطها بين الليل والنهار وهي الصبح، وقيل: لتوسُّطها بين الأعداد الثُّنَائية والرُّبَاعية، وهي (1) الثُّلاثية، فتكون المغرب. وعلى القول الأول تكون العصر، لأن قبلها الصبح
والظهر، وبعدها المغرب والعشاء (2) .
حكم الزيادة غير المستقلة على النص
ص: والزيادة على العبادة الواحدة (3)
ليست نسخاً عند مالك* رحمه الله وعند
أكثر أصحابه* والشافعي (4) ، خلافاً للحنفية (5) ، وقيل: إن نفت
_________
(1) في ق: ((فتتوسط)) .
(2) جمع الحافظ الدمياطي (ت 705 هـ) كتاباً في بيان المراد بالصلاة الوسطى سماه: ((كشف المُغَطَّى في تبيين الصلاة الوسطى)) ، تحقيق مجدي فتحي السيد. عدَّ فيه سبعة عشر قولاً، كما ذكر الشوكاني في المسألة سبعة عشر قولاً في نيل الأوطار (1 / 311) ، ورجَّحا قول الجمهور: بأنها صلاة العصر مستدلين بحديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر. ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)) ثم صلاها بين العشاءين، بين المغرب والعشاء. رواه البخاري
(4533) وليس فيه: ((صلاة العصر)) ، ورواه مسلم واللفظ له برقم (627) ، والخاص (205) .
وأما قول الإمام مالك وأصحابه في المسألة فهو أنها: صلاة الصبح. انظر: أحكام القرآن لابن العربي
1 / 299، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3 / 209، البحر المحيط لأبي حيان 2 / 249.
(3) هذه مسألة الزيادة غير المستقلة على النص، كزيادة جزء أو شرط أو صفة، فالجزء كركعة على ركعات الصلاة أو زيادة التغريب على الزنا، والشرط كاشتراط الطهارة لصحة الطواف، والصفة كإيجاب الزكاة في المعلوفة بعد القول بإيجابها في السائمة من الغنم.

اتفق العلماء على أن الزيادة إذا وردت مقارنة فإنها لا تكون نسخاً كورود عدم قبول شهادة من حد في قذف زيادة على الجلد، واختلفوا في مجيء الزيادة متأخرة عن المزيد عليه إلى عدة مذاهب، ذكر المصنف منها هنا أربعة، وفي المسألة أقوال أخرى لم يذكرها المصنف، فانظر: المعتمد 1 / 405، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 398، نهاية الوصول للهندي 6 / 2390، كشف الأسرار للبخاري 3 / 361، البحر المحيط للزركشي 5 / 306، الزيادة على النص د. عمر بن عبد العزيز ص 37.
(4) هذا المذهب الأول وهو للجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والجبائيين من المعتزلة. انظر: المقدمة في الأصول لابن القصار ص 146، المعتمد 1 / 405، العدة لأبي يعلى 3 / 814، المحصول لابن العربي ص 394، المحصول للرازي 3 / 363، المسودة ص 207، مفتاح الوصول للشريف التلمساني
ص 600، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب لابن السبكي 4 / 116.
(5) هذا المذهب الثاني انظر: الغنية في الأصول لمنصور السجستاني ص 182، كتاب في أصول الفقه للاّمشي ص 174، المغني في أصول الفقه للخبازي ص 259، بديع النظام (نهاية الوصول) لابن الساعاتي
2 / 543، التوضيح لصدر الشريعة مع التلويح للتفتازاني 2 / 85.
(2/104)

الزيادة ما دل عليه المفهوم (1) الذي هو دليل الخطاب أو الشرط (2) كانت (3) نسخاً وإلا فلا (4) ، وقيل: إن لم يَجْزِ (5)
الأصلُ بعدها فهي نسخ وإلا فلا (6) ، فعلى مذهبنا زيادة التغريب (7) [على الجلد] (8) ليست نسخاً، وكذلك تقييد الرقبة بالإيمان (9)
_________
(1) المقصود به مفهوم المخالفة الذي يسمى: دليل الخطاب، وهو: إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه. شرح التنقيح (المطبوع) ص 53. والمصنف يريد بالمفهوم هنا: مفهوم الصفة وهو: تعليق الحكم بصفةٍ من صفات الذات، يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة. نهاية السول للإسنوي 2 / 208.
(2) مفهوم الشرط: هو تعليق الحكم على شيء بأداة الشرط، يدل على نفي الحكم عما انتفى فيه ذلك
الشيء. شرح البدخشي 1 / 433.
(3) هنا زيادة: ((الزيادة)) في س.
(4) هذا المذهب الثالث، ولم أقف على قائله. انظر: المعتمد 1 / 405، المحصول للرازي 3 / 364، الإحكام للآمدي 3 / 170، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 202.
(5) هكذا في جميع النسخ، وهي صحيحة، مأخوذة من جَزَى الشيء يَجْزي بمعنى كفى. وجَزَى عنك الشيء: مَضَى، وبعض الفقهاء يقولون أجْزَى بمعنى قضى. وهي هنا بمعنى الإجزاء. انظر مادة

" جزي " في: لسان العرب.
(6) هذا المذهب الرابع وهو قول القاضي الباقلاني والقاضي عبد الجبار وابن رشد، واختاره الباجي والغزالي وابن برهان وغيرهم. انظر: المعتمد 1 / 405، إحكام الفصول ص 411، المستصفى 1/ 222، الوصول لابن برهان 2 / 23، الضروري في أصول الفقه ص 85، رفع النقاب القسم 2 / 452.
(7) التغريب: الإبعاد، مصدر غَرَّب، والغَرْب: البُعْد، وتغريب الزاني: نفيه عن بلده الذي وقعت فيه الجناية. انظر مادة " غرب " في: المصباح المنير، النهاية في غريب الحديث والأثر. وقد جاء التغريب في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) رواه مسلم (1690) ولفظ ابن ماجة برقم (2550) : ((تغريب سنة)) وقد تقدم الحديث والكلام عليه أهو مُحْكَم أم منسوخ؟ في
ص (92) هامش (1) .
(8) ما بين المعقوفين ساقط من جميع النسخ ما خلا نسختي م، ز.
(9) الوارد في كفارة قتل الخطأ في قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ... } [النساء:
92] ، وأطْلِقتْ في كفارة الظهار في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة} مِّقَبْلِ أَن يَتَمَاسَّاش [المجادلة: 3] ، كما أطْلِقتْ في كفارة اليمين في قوله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] .

والتقييد هو: تناول اللفظ لمعيَّنٍ أو موصوفٍ بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه. انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص 39، 266، الحدود للباجي ص 47، شرح الكوكب المنير 3 / 393.
(2/105)

وإباحة قطع السارق في الثانية، والتخيير بين (1) الواجب وغيره، لأن المنع من إقامة الغير مُقَامه عقلي (2) لا شرعي، وكذلك لو وجب الصوم إلى الشفق (3) .
الشرح
حجتنا أن الله تعالى إذا أوجب الصلاة ركعتين ركعتين ثم جعلها أربعاً فإن هذه الزيادة لم تبْطِل وجوب الركعتين الأوليين (4) ولا تنافيهما، وما لا ينافي (5) لا يكون نسخاً.
فإن قلت: التشهد كان يجب بعد (6) ركعتين والسلام بآخر (7) ذلك (8) ، وبطل ذلك (9) ، وصار في موضع آخر، وهو بعد الأربع (10) ، فقد بطل حكم شرعي فيكون نسخاً.
_________
(1) في س: ((قبل)) وهو تحريف.
(2) أي حكم عقلي ويسمى بالإباحة الأصلية والبراءة الأصلية. انظر تعريفها ص 500.
(3) الشَّفَق: هو اختلاط ضوء النهار بظلام الليل عند غروب الشمس. وهما شفقان: الأحمر والأبيض، والأحمر قبل الأبيض، وبضيائه يدخل وقت عشاء الآخرة وقيل: الشفق: الحمرة التي في الغروب عند غيبوبة الشمس. عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي 2 / 279، وانظر: لسان العرب مادة: شفق.
(4) في س، ن: ((الأولتين)) وهي خطأ، والصواب المثبت؛ لأن تثنية المقصور الزائد على ثلاثة أحرف تجعل آخره ياءً، وتضيف إليه ياءً ونوناً مكسورة في النصب والجر. قال ابن مالك في الألفية:
آخِرَ مَقْصور تثنِّي اجْعَلْهُ يا إن كان عن ثلاثةٍ مُرْتقِيَا
فكلمة: أوْلَى تصير مثنَّاها: أوْلَيَان في الرفع، وأوْلَيَيْن في النصب والجر. انظر: شرح التسهيل لابن مالك 1 / 91، شرح ابن عقيل 1 / 532.
(5) في س، ن: ((يتنافى)) .
(6) انفردت بها نسخة ق وهو الأصوب، وفي سائر النسخ ((عَقِيب)) والتعبير بـ" عَقِيْب " بمعنى " بعد " مما لم يجوزه بعض أهل اللغة. انظر مادة " عقب " في: مختار الصحاح، المصباح المنير.
(7) في س: ((تأخر عن)) ، وهي ساقطة من ق.
(8) ساقطة من ق.
(9) ساقطة من س، ن.
(10) في س: ((أربع)) .
(2/106)

قلت (1) : لا نسلم أن الله تعالى أوجب السلام عقيب الركعتين لكونهما ركعتين بل أوجبه (2) آخر الصلاة كيف كانت ثنائيةً أو ثلاثيةً أو رباعيةً ولا مدخل للعدد في إيجاب السلام (3) ، بل كونه آخر الصلاة فقط، [وكون السلام آخر الصلاة] (4) لم يبطل، بل هو على حاله [فليس هو بنسخ] (5) .
وهذا السؤال هو مدرك الحنفية (6) ، واحتجوا أيضاً بأن الركعتين كانتا مجزئتين
[والآن هما] (7) غير مجزئتين، والإجْزَاء (8) حكم شرعي فقد ارتفع حكم شرعي، فيكون نسخاً (9) .
ولأن إباحة الأفعال بعد الركعتين كانت حاصلة ومع الزيادة بطلت هذه الإباحة والإباحة حكم شرعي ارتفع فيكون نسخاً (10) .
والجواب عن الأول: أنَّ معنى [قولنا: هما مجزئتان] (11) ، أنه لم يبقَ شيءٌ آخر يجب على المكلف، وقولنا: لم يجب عليه شيء (12) ، إشارة إلى عدم التكليف، وعدم التكليف حكم عقلي لا شرعي [والحكم العقلي رفعه ليس نسخاً، بدليل أن العبادة إذا وجبت (13) ابتداء فإن وجوبها رافع للحكم (14) العقلي] (15) ، وليس ذلك نسخاً إجماعاً.
_________
(1) في ق: ((قلنا)) .
(2) في ن: ((أوجب)) .
(3) في س: ((الصلاة)) ، وهو خطأ، لعدم دلالتها على المعنى المراد هنا.
(4) ما بين المعقوفين جاء في ق مختصراً هكذا ((وذلك)) .
(5) في ق: ((وهو غير نسخ)) ، وفي ن: ((فهو نسخ)) وهو خطأ، لأنه قلْبٌ للمعنى.
(6) انظر: تيسير التحرير 3 / 218، فواتح الرحموت 2 / 113.
(7) في ق: ((فصارتا)) .
(8) الإجْزَاء لغة: الاكتفاء، مِنْ أجْزَأ إجزاءً. انظر: مختار الصحاح مادة " جزأ ". واصطلاحاً: عرَّفه المصنف بقوله: هو كون الفعل كافياً في الخروج عن عهدة التكليف، وقيل: ما أسقط القضاء. شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ص 77.
(9) هذا الدليل الأول للحنفية.
(10) هذا الدليل الثاني للحنفية.
(11) في ق: ((الإجزاء)) .
(12) ساقطة من ن.
(13) في ز: ((أوجبت)) .
(14) في ز: ((الحكم)) .
(15) ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(2/107)

وعن الثاني: أن إباحة الأفعال (1) بعد الركعتين تابع لكونه ما وجب عليه شيء
آخر، وقولنا: ما وجب عليه (2) إشارة إلى نفي الحكم الشرعي، وبراءة الذمة التي هي حكم عقلي، [والتابع للعقلي عقلي] (3) ، فلا يكون رفعه نسخاً.
ومثال [نفي الزيادة بالشرط، أن يقول صاحب الشرع: إنْ كانت الغنم سائمةً ففيها الزكاة (4) ، ثم يقول: في الغنم] (5) مطلقاً الزكاة، فإن هذا العموم ينفي مفهوم الشرط المتقدِّم.
ومثال المفهوم، أن يقول: في الغنم السائمة الزكاة، ثم يقول: في الغنم
الزكاة، فإن هذا العموم رافعٌ للمفهوم المتقدِّم فيكون نسخاً، فإنه رفع ما هو ثابت بدليلٍ شرعي وهو الشرط* أو المفهوم، وهذا التقرير (6) مبني على أن النفي (7) الأصلي قد تقرَّر بمفهوم الشرط ومفهوم الصفة، وأن تقرير (8) النفي الأصلي حكم شرعي، وليس كذلك، لأن الله تعالى لو قال لا أشرع لكم في هذه السنة حكماً ولا أكلفكم بشيء لم يكن لله تعالى في هذه السنة شريعة عملاً بتنصيصه تعالى على ذلك، مع أنه تعالى قد قرَّر النفي الأصلي، وكذلك لما قرَّر رفع التكليف عن المجنون والنائم وغيرهما
_________
(1) في ن: ((الاشتغال)) .
(2) ساقطة في س.
(3) ساقط من ن.
(4) هذا القول على الفَرْض والتقدير، وإلا فقد جاء ما في معناه من حديث أنسٍ أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجَّهَهُ إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، وذكر كتاباً طويلاً في صدقة الماشية، فيه: وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا
كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٌ. رواه البخاري وهذا لفظه (1448) ، ولفظ أبي داود
(7651) : ((وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين شاةٌ)) . والسائمة من الماشية: الراعية، يقال: سَامَتْ تسُوم سَوْماً. وأسَامَها صاحبُها: أخرجها إلى المرعى. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مختار الصحاح كلاهما مادة " سوم ".
(5) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(6) في س، ق: ((التفريق)) وهو تحريف.
(7) في ن: ((المفهوم)) ولا مفهوم لها هنا.
(8) في ن: ((التقدير)) .
(2/108)

لم يكن ذلك حكماً شرعياً بل إخْبارٌ عن عدم الحكم (1) .
والجنوح إلى مفهوم الصفة هو (2) قول القاضي عبد الجبار، وهو مع تدقيقه قد فاته هذا الموضع (3) .
ومثال ما لا يجزئ بعد الزيادة: أن الصلاة فُرضتْ مَثْنَى مَثْنَى كما جاء في الحديث (4) ، فلما زيد في صلاة الحضر ركعتان، بقيت الركعتان الأوليان (5) لا تجزئان (6) بدون هذه الزيادة.
ومثال ما يجزئء منفرداً بعد الزيادة: زيادة التغريب بعد الجلد (7) ، فإن الإمام لو
_________
(1) في كلام المصنف هذا نظر - والله أعلم - لأنه ممن يرى أن مفهوم المخالفة أو دليل الخطاب حجة، فالحكم المستفاد منه يكون شرعياً لا عقلياً، ولهذا قال الآمدي: ((هذا على القول بإبطال دليل الخطاب، وإن سلمنا أن دليل الخطاب حجة، وأنه يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة، فلا يخفى أن وجوب الزكاة فيها يكون رافعاً لما اقتضاه دليل الخطاب فيكون نسخاً)) . الإحكام 3 / 172. على أن القول بالنسخ يمكن أن يُدْفع بأن يُعْتبر قوله ((في الغنم - مطلقاً - الزكاة)) عاماً عَارَضَ مفهومَ قولِهِ ((في الغنم السائمة زكاة)) ، فمن العلماء من يخصِّص العمومَ بالمفهوم، وفي هذا إعمالٌ للدليلين، ومنهم من يقدِّم العام لأنه منطوق ولا يَعْمل بالمفهوم لأنه أضعف. انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص 215، 270، وانظر: نثر الورود للشنقيطي 1 / 307.
(2) ساقطة في س.
(3) هذا وهم - والله أعلم - من المصنف، لأن مذهب القاضي عبد الجبار هو المذهب الرابع وهو: إذا لم يُجْزئ الأصل بعد الزيادة فنسخ وإلا فلا. كما حكاه عنه جمع كثير من الأصوليين. انظر: المعتمد
1 / 405، المحصول للرازي 3 / 264، الإحكام للآمدي 3 / 261، الإبهاج للسبكي وابنه 2/285. علماً بأن القاضي عبد الجبار وجمهور المعتزلة لا يقولون بمفهوم الصفة ولا الشرط أصلاً. انظر: المعتمد
1 / 142، 154.
(4) وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر
والسفر، فأُقِرَّتْ صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. رواه البخاري (350) واللفظ له، ورواه مسلم
(685) .
(5) في ق، ن: ((الأولتان)) والصواب المثبت كما سبق تعليله في هامش (4) ص (106) .
(6) في س: ((لا يجزئان)) والصواب المثبت؛ لأن تاء التأنيث تلْزَم الفعل إذا كان فاعله المؤنث ضميراً متصلاً. قال ابن مالك في الألفية: وإنما تلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ مُتَّصِلٍ أو مُفْهِمٍ ذاتَ حِرِ
انظر: شرح ابن عقيل 1 / 228.
(7) انظر: مفتاح الوصول للشريف التلمساني ص 599، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 51. وانظر: المبسوط للسرخسي 9 / 43، الذخيرة للقرافي 12 / 88، الحاوي الكبير للماوردي 13/ 193، المغني لابن قدامة 12 / 322.
(2/109)

اقتصر على الجلد واسْتَفْتى بعد ذلك، فقيل له: لابد من التغريب، فإنه لا يحتاج إلى إعادة الجلد مرةً أخرى، بخلاف المُصلِّي يحتاج إلى إعادة الجميع، ووجه الفرق على هذا المذهب: أن الأصل إذا لم يُجْزيءْ بعد الزيادة اشتدَّ التغيير فكان نسخاً، بخلاف القسم الآخر، التغيير فيه قليل.
وأما على أصلنا فهذه (1) الصور كلها ليست نسخاً، أما التغريب فلأنه رافع [لعدم وجوبه] (2) ، وعدم الوجوب حكم عقلي، [ورفع الحكم العقلي ليس] (3) نسخاً. وتقييد الرقبة بالإيمان رافع (4) لعدم لزوم تحصيل الإيمان فيها (5) ، وذلك حكم عقلي، وإباحة قطع الساق في الثانية (6)
ليست نسخاً، لأنه رافع لعدم الإباحة وهو حكم عقلي فلا يكون نسخاً.
فإن قلتَ: الآدميُّ وأجزاؤه محرَّم مطلقاً، وهذا التحريم حكم شرعي فيكون نسخاً [لِمَا رُفِع] (7) .
قلتُ: لنا هاهنا مقامان، أحدهما: أن ندَّعي أن الأصل في الآدمي وغيره عدم الحكم لا تحريم ولا إباحة؛ لأنه الأصل في أجزاء العالم كلها حتى وردت الشرائع،
_________
(1) في س: ((هذه)) وهو خطأ؛ لعدم اقترانها بالفاء في جواب الشرط. انظر هامش (2) ص (79) .
(2) في س: ((للعدم)) .
(3) في ق: ((ورفعه لا يكون)) .
(4) في ن: ((رافعاً)) ولست أعلم لانتصابها وجهاً.
(5) انظر الخلاف في اشتراط الإيمان في الرقبة في: بدائع الصنائع للكاساني 6 / 396، رد المحتار ابن عابدين
5 / 135، الذخيرة للقرافي 4 / 64، شرح الزرقاني على مختصر خليل 4 / 175، الحاوي الكبير للماوردي 10 / 461، الروض المربع للبهوتي ص 417، المغني لابن قدامة 13 / 517.
(6) تقطع يد السارق في المرة الأولى عملاً بقوله تعالى: {وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ، فإذا سرق مرة ثانية تقطع رجله اليسرى، وفي المرة الثالثة خلاف في القطع أو الحبس.

انظر الخلاف في المسألة: شرح فتح القدير لابن الهمام 5 / 382، الذخيرة 12 / 197، الحاوي الكبير للماوردي 13 / 321، المغني لابن قدامة 12 / 439، 446.
(7) في س: ((لأنه ارتفع)) وهو ساقط من ق.
(2/110)

كما تقرَّر أنه لا حكم للأشياء قبل الشرائع (1) ،
فعلى هذا الإباحة رافعة لعدم الحكم لا للتحريم فلا يكون نسخاً. أو نُسلِّم التحريم (2) ، ونقول حكمه التحريم* بمقتضى آدميَّته وشرفه من غير نظر إلى الجنايات، وهذا التحريم باقٍ، ولا تنافي بين تحريمه (3) من حيث هو هو (4) ، وإباحته من جهة الجنايات، كما أن إباحة الميتة من جهة الاضطرار لا تكون نسخاً للتحريم الثابت لها من حيث هي هي، وإنما يحصل التنافي أن لو أبحناه (5) من حيث هو هو، وأبحنا (6) الميتة من حيث هي ميتة، وإذا لم يحصل التناقض لا يكون نسخاً [فلا تكون إباحة يده مع الجناية نسخاً] (7) بل رفعاً (8) لعدم الحكم، فإن أحكام الجناية لم تكن مرتَّبةً (9) ، ثم (10) صارت مرتَّبةً (11) .
_________
(1) حكم الأشياء قبل ورود الشرع، إما أن يكون اضطرارياً كالتنفس في الهواء وغيره، فهذا لابد من القطع بأنه غير ممنوع، وإما أن لا يكون اضطرارياً كأكل الفاكهة ونحوها، فهذا فيه خلاف على أقوال، ذكر المؤلف أحد الأقوال وهو التوقف أو عدم الحكم في الأعيان قبل ورود الشرع. والثاني: أنها على
الإباحة، والثالث أنها على التحريم، والرابع: تحكيم العقل بناء على التحسين والتقبيح العقليين.

واعلم بأنه لا فائدة من عقد هذه المسألة إذ مجيء الشرع كافٍ في معرفة حكم هذه الأشياء، كما أن الأرض لم تخْلُ من نبي مرسل قال الله تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِير} [فاطر: 24] وقد تظهر فائدتها عند من نشأ في جزيرة أو بَرِّية مقطوعة ولم يَعرفْ شرعاً. انظر بحث المصنف لهذه المسألة في كتابه هذا شرح التنقيح (المطبوع) ص 88، 92، وانظر: كشف الأسرار للبخاري 3 / 193، الإبهاج للسبكي وابنه 1 / 142، شرح الكوكب المنير 1 / 323.
(2) هذا المقام الثاني.
(3) في س، ن: ((التحريم له)) .
(4) ساقطة من ن.
(5) في ن: ((أبحنا)) والمفعول به يُعلم من المقام أنه: الآدمي.
(6) في ق: ((حل)) .
(7) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(8) في ن: ((رفعٌ)) وهو جائزٌ أيضاً، باعتباره خبراً لمبتدأ محذوفٍ تقديره: هو. والمثبت أقعد، وهو على اعتبار أن " بل " عاطفة؛ لمجيء اسم مفرد بعدها. انظر: شرح الأشموني على ألفية ابن مالك بحاشية الصبان ص 3 / 167.
(9) في ق: ((مترتبة)) .
(10) ساقطة من ن.
(11) في ق: ((مترتبة)) .
(2/111)

وكذلك التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخاً (1) ؛ لأنه إذا قيل لك: لِمَ لا تتخير بين صلاة الظهر وصدقة درهم؟ تقول (2) : لأن البدل لم يشرع، فيشير (3) إلى عدم المشروعية، وعدم المشروعية حكم عقلي، فمتى خُيِّر* بين واجب وغيره فقد رفع عدم مشروعية ذلك البدل فقط.
ووجوب الصوم إلى الشفق يرفع عدم الوجوب من المغرب إلى الشفق، فهو حكم عقلي (4) ، وبهذه التقريرات (5) يتضح لك ما هو نسخ مما ليس بنسخ، فتأملها.
حكم النقص من النص
ص: ونقصان العبادة نسخ (6)
لما سقط دون الباقي إن لم يتوقَّفْ (7) ، وإن توقَّف
_________
(1) مثَّل له كثير من الأصوليين كما لو أوجب الله غسل الرجلين ثم خير بين الغسل والمسح على الخفين، فلا يكون هذا التخيير نسخاً لوجوب الغسل، لأن عدم التخيير، إنما هو لعدم مشروعية المسح، وعدم المشروعية حكم عقلي. انظر: المحصول للرازي 3 / 368، الإحكام للآمدي 3 / 174، رفع النقاب للشوشاوي القسم 2 / 455.
(2) في ن: ((يقول)) .
(3) ساقطة من ن.
(4) انظر: نفائس الأصول للمصنف 6 / 1524.
(5) في ن: ((التقديرات)) .
(6) هذه مسألة: ((النقص من النص)) وقد كتب فيها شيخنا الدكتور عمر بن عبد العزيز بحثاً بديعاً فريداً
فانظره. قال الشيخ حلولو: ((أشار غير واحد إلى أن الخلاف الذي في الزيادة جار في نقص جزء من العبادة أو شرطها)) . التوضيح شرح التنقيح ص 272.

محل النزاع: اتفق العلماء على أن نسخ ما لا تتوقف العبادة عليه يكون نسخاً له دون باقي العبادة، كما لو قال: أوجبت عليك الصلاة والزكاة، ثم قال: نسخت الزكاة. كما اتفقوا على أن نسخ جزءٍ من العبادة - كركعةٍ من ركعاتها أو شرطٍ كالطهارة أو استقبال القبلة - يكون نسخاً لذلك الجزء أو الشرط. ثم اختلفوا في باقي العبادة - المنقوص منها - هل يتناوله النسخ أم يبقى على ما كان عليه من الحكم السابق؟ اختلفوا على أقوالٍ ثلاثة، ذكر المصنف قولين هما، الأول: أن نقصان العبادة ليس نسخاً لأصلها مطلقاً، والثاني: نسخ جزء العبادة نسخ لها دون الشرط. أما الثالث: فهو إن نقصان العبادة يكون نسخاً لأصلها وهو مذهب بعض المتكلمين وبعض الحنفية. انظر: الفصول في الأصول للجصاص 2 / 280، المعتمد 1 / 414، العدة لأبي يعلى 3 / 837، إحكام الفصول ص 409، شرح اللمع للشيرازي 1 / 524، المستصفى 1 / 221، المحصول للرازي 3 / 373، تحفة المسؤول للرهوني القسم 2/ 545، شرح الكوكب المنير 3 / 585، تيسير التحرير 3 / 220، فواتح الرحموت 2 / 117، منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2 / 119.
(7) في متن هـ: ((تتوقف)) وهو خطأ، لأن الفاعل ضمير عائد على " الباقي " وهو مذكر. انظر: شرح قطر الندى لابن هشام ص 170. والمعنى المراد من العبارة هو: أن نسخ بعض العبادة وبقاء بعضها الآخر إن لم تتوقف صحة الباقي على الساقط فلا يكون نسخ الساقط نسخاً للباقي.
(2/112)

قال القاضي عبد الجبار: هو نسخ في الجزء دون الشرط (1) ، واختار الإمام
فخر الدين والكَرْخِي (2) عدم النسخ (3) .

الشرح
مثال نسخ مالا تتوقف عليه العبادة: نسخ الزكاة بالنسبة للصلاة، فإنه لا يكون نسخاً (4) . مثال الجُزْء: ركعة من الصلاة. مثال الشَّرْط: الطهارة مع الصلاة (5) .
لنا: أنَّ إيجاب ذلك كله (6) يجري مجرى إثبات الحكم للعموم، وكما أن إخراج بعض صور العموم لا يقدح، فكذلك هاهنا (7) .
احتجوا بأن نسخ هذه الركعة مثلاً يقتضي نفي عدم إجْزاء الركعة الباقية، فإنها كانت ما تجزيء ثم صارت تجزيء، ويقتضي رفع وجوب تأخير التشهد إلى بعد الركعة المنسوخة، فإنه ما بقي ذلك بعد النسخ، بل يتعجَّل (8) التشهد عقيب الباقي بعد
_________
(1) وبنحو هذا التفصيل قال القاضي الباقلاني وصححه الباجي. انظر: إحكام الفصول ص 409، الإشارة للباجي ص 387، التلخيص للجويني 2 / 5306، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 408، إرشاد الفحول
2 / 118.
(2) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال، المعروف بأبي الحسن الكرخي نسبة إلى كَرْخٍ بالعراق، انتهت إليه رئاسة الحنفية، وقد عدُّوه من المجتهدين في المسائل، كان عابداً متعففاً، من تلاميذه: أبو بكر الجصاص، وابن شاهين، من تآليفه: رسالة في الأصول، المختصر في الفقه، شرح الجامع الصغير. ت 340 هـ. انظر: تاج التراجم في طبقات الحنفية لابن قطلوبغا ص 39، الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي
ص 108، وقد جمع شيخنا الدكتور حسين الجبوري أقوال الكرخي الأصولية في رسالة منيفة.
(3) وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين. انظر المراجع السابقة في أول المسألة، هامش (6)
ص 112.
(4) لأن كل واحدة منهما عبادة مستقلة، لا تفتقر صحتها إلى الأخرى. انظر: رفع النقاب القسم 2/458.
(5) هذا مثال الشرط المنفصل عن العبادة. ومثال الشرط المتصل بها: كاستقبال القبلة للصلاة. وقد حكى المجد بن تيمية الإجماع على أن الشرط المنفصل ليس نسخاً. وحكاية الإجماع محل نظر. انظر: المسودة ص 212، نهاية الوصول للهندي 6 / 2408، البحر المحيط للزركشي 5 / 316.
(6) معنى هذا: أن إيجاب الحكم لجميع العبادة.
(7) انظر مزيد توضيحٍ لهذه الحجة في: الكاشف عن المحصول للأصفهاني 5 / 340، رفع النقاب القسم
2 / 460.
(8) في ق: ((بتعجيل)) .
(2/113)

النسخ، وكانت الركعة الباقية (1) تجزيء إذا فعل معها المنسوخة، والآن وجب علينا إخلاء الصلاة منها، والإجْزاء حكم شرعي (2) .
والجواب: أن عدم الإجزاء يرجع إلى إيجاب الركعة الثانية، ونحن قد سلمنا أنه انتسخ (3) ، إنما نتكلَّم في الركعة الباقية. وأما تأخير التشهد، فالتشهد لم يشرع عقيب ركعتين ولا ركعة بل آخر الصلاة، [وما زال يجب آخر الصلاة] (4) ، فما حصل نسخ، وكذلك إجْزاء الصلاة مع المنسوخة كان تابعاً لوجوبها، [ونحن نسلم أن
وجوبها] (5) نسخ، إنما النزاع فيما بقي (6) .
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) انظر هذه الحجج ومناقشها في المستصفى 1 / 221، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 409، بذل النظر للأسمندي ص 360، الإحكام للآمدي 3 / 178، فواتح الرحموت 2 / 117.
(3) في ق: ((نسخ)) .
(4) ساقط من ن.
(5) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(6) انظر: المحصول للرازي 3 / 374، الإحكام للآمدي 3 / 178.
(2/114)

الفصل الخامس
فيما يُعْرف به النسخ
ص: يُعْرف بالنصِّ على الرَّفْع (1) أو على ثبوت النقيض أو الضدِّ (2) ،
ويُعْلَم التاريخ (3) : بالنص على التأخير، أو السَّنَة، أو الغزوة، أو الهجرة، ويُعْلَم نسبة ذلك إلى زمان الحكم، أو برواية من مات قبل رواية الحكم الآخر (4) .
قال القاضي عبد الجبار (5) : قولُ الصحابي في الخبرين المتواترين هذا قَبْل ذلك مقبول (6) ، وإن لم يُقْبَل قوله في نسخ (7) المعلوم (8) ، كثبوت
_________
(1) هذا هو الطريق الأول من طرق معرفة الناسخ والمنسوخ؛ أن ينص الشارع على النسخ كما في قوله تعالى في آية المصابرة: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ} [الأنفال: 166] ، أو قوله عليه الصلاة والسلام:
((نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ... )) رواه مسلم (977) .
(2) الفرق بين الضِّدَّيْن والنقيضين أن الضدَّيْن وصفان وجوديان يتعاقبان موضعاً واحداً يستحيل اجتماعهما، ولكن قد يرتفعان، كالسواد والبياض لا يجتمعان في مكانٍ واحدٍ لكن يمكن أن يكون الشيء لا أسود ولا أبيض بل أخضر مثلاً. أما النقيضان فيستحيل اجتماعهما وارتفاعهما كالعدم والوجود والحركة

والسكون. انظر: التعريفات للجرجاني ص 179 مادة " ضدان ".
(3) ساقطة من ن. وهذا هو الطريق الثاني، وهو: أن يأتي نص بنقيض الحكم الأول أو بضده ويعلم التاريخ، ولم يمكن الجمع بينهما. مثال النقيض: في آيتي المصابرة من الأنفال 165 - 166، نسِخ ثباتُ الواحد للعشرة، فالتخفيف نقيض للثقل، ووقوف الواحد للاثنين نقيض وقوفه للعشرة. ومثال الضد: تحويل القبلة من جهةٍ إلى أخرى، فالتوجه إلى الكعبة ضد التوجه إلى بيت المقدس. انظر: المحصول للرازي 3 / 377، رفع النقاب القسم 2 / 462. ثم إن معرفة التاريخ تكون بأمور، ذكر المصنف منها ستة.
(4) وتوضيح هذه العبارة هو: أن يروي أحدَ الحكمين رجلٌ متقدِّم الصحبة، ويروي الآخرَ رجلٌ متأخِّر الصحبة، فتنقطع صحبة الأول - بموتٍ مثلاً - عند ابتداء الآخر بصحبته، فهذا يقتضي أن يكون خبر الأول متقدِّماً. أما لو دامت صحبة الأول مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصح هذا الاستدلال. انظر: المعتمد
1 / 417، المحصول 3 / 378، شرح مختصر الروضة للطوفي 2 / 344.
(5) انظر قوله في: المعتمد 1 / 417، المحصول 3 / 379، البحر المحيط للزركشي 5 / 320.
(6) قال غيره: لا يقبل، لأنه يقتضي نسخ المتواتر بخبر الواحد. انظر: الإحكام للآمدي 3 / 181، رفع النقاب القسم 2 / 468.
(7) ساقطة في س.
(8) في س: ((العموم)) وهو تحريف.
(2/115)

الإحْصان (1) بشهادة اثنين بخلاف الرجم وكشهادة النساء في الولادة دون
النسب (2) .
وقال الإمام فخر الدين (3) : قول الصحابي ((هذا منسوخ)) لا يُقْبل؛ لجواز أن يكون اجتهاداً منه، وقال الكَرْخي: إنْ قال ((ذا (4) نسخ ذاك)) لم يُقْبَل (5) ،
وإنْ قال: ((هذا منسوخ)) قُبل؛ لأنه لم يُخَلِّ للاجتهاد مجالاً فيكون قاطعاً به (6) ، وضعَّفه الإمام (7) .
_________
(1) الإحْصَان: مصدر أحْصَن، تقول: أحْصَن الرجلُ إذا تزوّج، والفقهاء يزيدون على هذا: مَنْ وَطِئ في نكاحٍ صحيحٍ، فهذا مُحْصِن ومُحْصَن. وأصل الإحْصَان: المنع، وله معانٍ منها: الإحصان المُوْجب رَجْمَ الزاني، والعفة، والحرية، والتزويج، والإسلام. انظر: المصباح المنير مادة " حصن "، تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص 323، الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي لابن المبرد الحنبلي 3/ 746.
(2) هذا تنظيرٌ للمسألة، كأنَّ سائلاً يقول: كيف قبلتم قوله في نسخ أحد المتواترين للآخر وقوله آحاد؟ . فالجواب: لا جَرَمَ في قبول شهادة شاهدين لإثبات الإحصان مع أنه يترتب عليه الرجم، ولا تقبل شهادتهما في إثبات الرجم نفسه، وكذلك يقبل قول القابلة في نسبة الولد لإحدى المرأتين ويترتب عليه ثبوت النسب لصاحب الفراش، مع أن شهادة المرأة لا تقبل ابتداء في ثبوت النسب.
قال المصنف في النفائس 6 / 2535: ((التقدم شرط النسخ، والإحصان شرط اعتبار الرجم، والولادة شرط ثبوت النسب، فقاس أحدهما على الآخر)) .
(3) انظر المحصول 3 / 379.
(4) في س: ((هذا)) .
(5) أي: إذا عيَّن الراوي النَّاسخَ لم يُقْبل؛ لأنه يجوز أن يكون قاله اجتهاداً. انظر: المحصول للرازي

3 / 381، التوضيح لحلولو ص 273.
(6) هذه مسألة: قول الصحابي: هذا منسوخ، أو هذا نسخ هذا، هل يقع به النسخ؟ فيها ثلاثة أقوال، الأول: يقع مطلقاً وهو للحنفية. الثاني: لا يقع مطلقاً وهو للأكثرين. الثالث: التفصيل، إذا عيّن الناسخ لم يقبل وإلا قُبل، وهو للكرخي. انظر: المعتمد 1 / 418، العدة لأبي يعلى 3 / 835، إحكام الفصول ص 427، نهاية الوصول للهندي 6 / 2417، التقرير والتحبير 3 / 78، تيسير3 / 222.
(7) وجه تضعيفه كما قال: لعلّه قاله - أي الصحابي - لقوة ظنّه في أن الأمر كذلك، وإن كان قد أخطأ فيه. انظر: المحصول 3 / 381، نهاية الوصول للهندي 6 / 2416.
(2/116)

الشرح
متى ثبت نقيضُ الشيء أو ضدُّه انتفى، فكان ذلك دليل الرفع. وأما النص
على السَّنَة (1) بأن يقول: كان (2) هذا التحريم سَنَةَ خَمْسٍ، ونعلم (3) أن الإباحة سَنَةَ
سَبْعٍ، فتكون الإباحة ناسخة لتأخُر تاريخها، وإن قال: في غزوة كذا، كان (4)
ذلك كتعيين السَّنَة، فإن الغزوات معلومة السنين، وينظر نسبة ذلك لزمان الحكم فينسخ المتأخر المتقدم، وكذلك إذا قال قبل الهجرة أو بعدها تتبيّن السَّنَة أيضاً.
ونظيرُ قولِهِ: [هذا منسوخ فيقبل] (5) لأنه لم يُخَلِّ للاجتهاد مجالاً قولُهم في الخبر المُرْسَل (6) : هو أقوى من المُسْند (7) عند بعضهم (8) ، لأنه إذا بيَّن (9) السند ورجاله (10) فقد جعل ذلك مجالاً في الاجتهاد في عدالتهم، أما إذا سكت عنه فقد التزمه في ذِمَّتِهِ، فهو أقوى في العدالة ممن لم يلتزم (11) .
_________
(1) في س: ((النسبة)) وهو تحريف.
(2) ساقطة من ق.
(3) في ن: ((يُعْلم)) .
(4) في ق: ((فإن)) .
(5) ساقط من ق.
(6) انظر تعريفه في هامش (3) ص (288) .
(7) المُسْند لغة: المرفوع اسم مفعول من أسند بمعنى: رفع. انظر: لسان العرب مادة " سند ". اصطلاحاً: هو ما اتصل سَنَدُه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: الباعث الحثيث لأحمد شاكر 1 / 144، تدريب الراوي للسيوطي 1 / 199.
(8) انظر بحث كون المرسل أقوى من المسند في: هامش (8) ص (289) .
(9) في ق: ((تبيّن)) .
(10) ساقطة من ق.
(11) هناك طرق أخرى يعرف بها النسخ، وطرق ملغاة في اعتبار الناسخية لم يتعرَّض لها المصنف فانظرها في: الإحكام لابن حزم 1 / 497، شرح اللمع للشيرازي 1 / 516، الإحكام للآمدي 3 / 181، تقريب الوصول لابن جزي ص 317، التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص 273، شرح الكوكب المنير
3 / 563، تيسير التحرير 3 / 222، فواتح الرحموت 2 / 119.
(2/117)

الباب الخامس عشر
في الإجماع
وفيه خمسة فصول:
(2/118)

الفصل الأول
في حقيقته (1)
ص: وهو (2) اتفاق أهل الحلِّ والعَقْد من هذه الأمة في أمرٍ من الأمور (3) .
ونعني بالاتفاق: الاشتراك إما في القول أو (4) الفعل أو (5) الاعتقاد.
وبأهل الحَلِّ والعَقْدِ: المجتهدين في الأحكام الشرعية (6) . وبأمرٍ من الأمور:
_________
(1) لحقيقة الإجماع اللغوية عدة معانٍ منها:
1 - العزم والتصميم. تقول: أجمعت على السفر، أي: عَزَمْت عليه وأزمَعْته.
2 ـ الاتفاق. تقول: أجمع القوم على كذا. أي: اتفقوا عليه.
3 - الصيرورة إلى الجمع، تقول: أجمع الرجل؛ إذا صار ذا جَمْع. مثل: ألْبَن وأتْمَر إذا صار ذا لبن وذا تمر وسيذكر المصنف هذا المعنى في آخر شرحه لهذا المتن. انظر: لسان العرب، تاج العروس كلاهما مادة " جمع ".
(2) في متن هـ: ((وهي)) ويكون مرجعه إلى: حقيقة.
(3) هذا تعريف الرازي وسار عليه المصنف والبيضاوي. انظر: المحصول 4/19، شرح البدخشي 2/377.
وفي هذا التعريف نظر، إذ ينبغي أن يزاد فيه قيدان، الأول: في عصر من العصور. لأن قوله: " اتفاق " اسم جنس أضيف إلى أهل الحل والعقد، فيعمُّ جميعهم إلى يوم القيامة، وهو باطل. والمصنف استدرك هذا القيد على الرازي في النفائس (6 / 2544) ولم يذكره هنا. القيد الثاني: بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن أكثر العلماء على أن الإجماع لا يكون حجة في عصره صلى الله عليه وسلم، لأنه إن وافقهم كان قوله هو الحجة لاستقلاله بإفادة الحكم، وإن خالفهم لم ينعقد الإجماع بدونه. انظر: هامش (3) ص (97) . وانظر تعريفات أخرى للإجماع في: جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني 2/ 176، الإحكام للآمدي 1/195، منتهى السول والأمل ص 52، نهاية الوصول للهندي 6/2422، كشف الأسرار للبخاري 3/424، المختصر في أصول الفقه لابن اللحَّام ص 74، نشر البنود 2/75، حُجِيَّة الإجماع د. محمد فرغلي ص22.
(4) في ن زيادة: ((في)) .
(5) في ن زيادة: ((في)) .
(6) قال حلولو: ((عبَّر المصنف عن المجتهدين بأهل الحل والعقد، والأول أخص في العبارة، وأفيد للمعنى المقصود، فإن أهل الحل والعقد قد لا يكونون مجتهدين)) التوضيح شرح التنقيح ص274.
(2/119)

الشَّرْعِيَّات (1) والعَقْلِيَّات (2) والعُرْفِيَّات (3) .
الشرح
قال إمام الحرمين في " البرهان " (4) : ((لا أثر للإجماع في العقليات (5) ،
فإن المعتبر فيها الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يعارضْها شِقَاقٌ ولم يَعْضُدْها وفَاقٌ، وإنما يعتبر الإجماع في السمعيات)) .
((وإذا أجمعوا على فعلٍ نحو: أكلهم الطعام دلَّ إجماعهم على إباحته، كما يدل أكله عليه الصلاة والسلام على الإباحة، ما لم تقم (6) قرينة دالة على الندب أو (7) الوجوب)) (8) . فهذا تفصيل حسن.
_________
(1) كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم الخنزير وحل البيع.
(2) كنفي الشريك عن الله تعالى وحدوث العالم وجواز رؤية الله تعالى.
(3) وهي العاديات كإباحة الأغذية النافعة كالخبز، وتحريم الأغذية الضارَّة كالسُّم. والذي في المحصول (4/21) : اللُّغَويَّات بدلاً من العرفيات، ولم يذكرها المصنف، والإجماع في اللغويات نحو: اتفاقهم على أن الفاء للترتيب والتعقيب. وكذلك يقع الإجماع في الدنيويات كالآراء والحروب وتدبير أمور الرعية. واعتبار الإجماع واقعاً في كل هذه الأمور ـ عند من لم يخصصه بالشرعيات فقط ـ إنما كان لأن تلك الأمور العقلية واللغوية والعرفية والدنيوية راجعة إلى الشرع، لأنها قد تترتب عليها أحكام شرعية، فيكون الإجماع فيها حجةً باعتبار ما يترتب عليها لا باعتبار ذاتها. أما مسألة شمول الإجماع للشرعيات واللغويات فمحلّ إجماع، وأما انعقاده في العقليات والدنيويات والعرفيات فمحل خلاف. انظر: ميزان الأصول للسمرقندي ص 765، الإبهاج للسبكي وابنه 2/349، الآيات البينات للعبادي 3/390، التوضيح لصدر الشريعة مع التلويح للتفتازاني 2 / 95، منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2/120، الجواهر الثمينة للمشاط ص 190.
(4) انظر: البرهان 1 / 458. وانظر: التلخيص لإمام الحرمين أيضاً 3 / 52.
(5) مسألة انعقاد الإجماع في العقليات محل خلافٍ، وسيبحثها المصنف في الفصل الخامس: في المجمع عليه

ص (182) . لكن يقال هنا: كون الدليل القاطع فيه كفايةٌ في إفادة العلم في العقليات لا يقتضي عدم حجية الإجماع في بعض المسائل العقلية. ولا مانع من تعدد الأدلة في إفادة مدلولٍ واحدٍ. انظر: سلم الوصول للمطيعي 3 / 238.
(6) في ق: ((يقم)) والمثبت أرجح. انظر: هامش (11) ص 27.
(7) في ن: ((و)) وهو خطأ، لأن القرينة لا تكون دالة على الندب والوجوب في آنٍ واحدٍ.
(8) هذه العبارة على مسألة أخرى، وهي: اتفاق أهل الإجماع على فعلٍ أو عمل، وهي في البرهان للجويني 1/456 ـ 457 الفقرات 660، 661، 662. وقد اختصرها المصنف هنا اختصاراً شديداً وبتصرف.
(2/120)

قال القاضي عبد الوهاب في " الملخص " (1) : اُخْتُلف في انعقاد الإجماع في العقليات، فقيل: لا يُعْلم بالإجماع عقلي؛ لأن العلوم العقلية (2) يجب تقديمها على السمعيات التي هي أصل الإجماع.
وقال القاضي أبو بكر رحمه الله (3) : ((العقليات قسمان: ما يُخِلُّ الجهلُ به بصحة الإجماع والعلم به كالتوحيد والنبوة ونحوهما، فلا يثبت بالإجماع (4) ، وإلا جاز ثبوته بالإجماع، كجواز رؤية الله تعالى، وجواز (5) العفو عن الكبائر، والتعبد بخبر الواحد، والقياس ونحو ذلك)) . (6) وقال أبو الحسين في " المعتمد " (7) : ((لا يجوز اتفاقهم على القول والفعل والرضا ويخبرون (8) عن (9) الرضا في أنفسهم، فيدل على حسن ما رضوا به، وقد يجمعون (10) على ترك القول [وترك] (11) الفعل فيدل (12) على أنه غير واجب، ويجوز أن يكون ما تركوه مندوباً إليه، لأن تركه غير محظور)) . فهذه التفاصيل أولى من التعميم الأول (13) وهو قول الإمام فخر الدين في " المحصول " (14) .
_________
(1) لم اهتد إلى توثيق هذا النقل في سائر كتب الأصول.
(2) في س: ((العلقلية)) وهو تحريف.
(3) انظر قوله هذا في البحر المحيط للزركشي 6 / 492.
(4) انظر بحث هذه المسألة في الفصل الخامس ص (182) .
(5) ساقطة من ق.
(6) هذا شرح المصنف على قوله في المتن: ((ونعني بالاتفاق: الاشتراك، إما في القول أو الفعل أو الاعتقاد)) .
(7) انظر: المعتمد 2 / 23 بمعناه.
(8) في ن: ((ويخبروا)) ولا وجه له لعدم الجازم أو الناصب، ولكن من النحاة من أجاز نصب الفعل على تقدير " أن " المحذوفة، وذكروا شواهد على ذلك. ونقل السيوطي عن أبي حيان: أن الصحيح قصره على السماع، فلا ينبغي أن يُجعل ذلك قانوناً كُلياً يقاس عليه. انظر: همع الهوامع 2 / 323، وانظر: شرح المفصّل لابن يعيش 7 / 8، 52.
(9) ساقطة من س.
(10) في ن: ((يجمعوا)) انظر: التعليق في الهامش قبل السابق، وفي ق: ((وإن أجمعوا)) بدلاً من قوله:
((وقد يجمعون)) .
(11) في ق: ((أو)) .
(12) في ق: ((دل)) .
(13) ساقطة من ن.
(14) وهو قوله: ((ونعنى بالاتفاق: الاشتراك، إما في القول أو الفعل أو الاعتقاد)) . انظر: المحصول للرازي 4 / 20.
(2/121)

حكم إجماع الأمم السالفة
وقال إمام الحرمين في " البرهان " (1) : ((اختلف الأصوليون في الإجماع في الأمم السالفة هل كان حجة؟ ً (2) فقيل: لا، وهو من خصائص هذه الأمة (3) ، وقيل: إجماع كلِّ أمةٍ حجةٌ، ولم يزل ذلك في الملل. وقال القاضي: لست أدري كيف كان (4) الحال؟)) .
قال الإمام (5) : ((والذي أراه أن أهل الإجماع إن قطعوا بقولهم في كل أمة فهو حجة؛ لاستناده إلى حجةٍ قاطعةٍ، لأن العادة لا تختلف في الأمم، وإن كان المستند مظنوناً فالوجه الوقف)) .
قال الشيخ أبو إسحاق في " اللُّمَع " (6) : ((الأكثرون على أن إجماع غير (7) هذه الأمة ليس بحجة*. واختار الشيخ أبو إسحاق الإسْفَرَاييني أنه حجة)) (8) .
_________
(1) انظر: البرهان 1 / 458.
(2) هذا تفريع للقيد المذكور في التعريف: ((من هذه الأمة)) . هل إجماع الأمم السابقة حجة أم لا؟ ذكر المصنف أربعة أقوال: أنه حجة، ليس بحجة، الوقف، التفصيل. قال الأبياري بتصرفٍ: ((ينبغي أن ينظر في هذه المسألة؛ هل لها فائدة في الأحكام وإلا فهي جارية مجرى التاريخ، كالكلام فيما كان عليه الصلاة والسلام قبل البعثة؟ والصحيح عندي بناؤها على أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فإن ثبت أنه شرع لنا، افتقر النظر في إجماعهم؛ هل كان حجة عندهم أم لا؟)) . التحقيق والبيان في شرح البرهان ص (965 - 966) . وقال ابن السبكي في الإبهاج 2/349 ((وإن وجب العمل به فيما مضى، لكن انتسخ حكمه منذ مبعث النبي صلى الله عليه وسلم)) .
(3) كرامةً لهذه الأمة، فإن اليهود والنصارى والمجوس قد أجمعوا على أشياء كانت باطلة. انظر: الغنية في الأصول لفخر الأئمة السجستاني ص (31) . والسر في اختصاص هذه الأمة بالصواب في الإجماع أنهم الجماعة بالحقيقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعِث إلى الكافَّة، والأنبياء يبعث كل نبي إلى قومه خاصة. انظر: البحر المحيط للزركشي 6 / 396.
(4) في ق: ((كانت)) ، وهو صواب أيضاً، لأن " الحال " تذكَّر وتؤنث، فيقال: حال حسن، وحال حسنة. وقد يؤنث بالهاء فيقال: حالة. وحال الإنسان أنثى، والحال من كل شيء مذكَّر. انظر: المذكر والمؤنث للأنباري ص 307، مادة " حول " في: لسان العرب، تاج العروس.
(5) إذا أطلق " الإمام " انصرف الذهن إلى الإمام فخر الدين الرازي. لكن هذا القول ليس له، وليس في كتبه: المحصول والمنتخب والمعالم. وإنما هو قول إمام الحرمين في البرهان (1 / 459) فقرة: 666. وانظر: شرح الكوكب المنير 2 / 236.
(6) انظر: اللمع ص 186، وشرح اللمع له أيضاً 1 / 702.
(7) ساقطة من ن.
(8) قال حلولو: ((الصحيح عدم حجيته)) التوضيح شرح التنقيح ص 274. وانظر: الإحكام للآمدي
1 / 225، كشف الأسرار للنسفي 2 / 108، البحر المحيط للزركشي 6 / 394، الضياء اللامع
2 / 243، شرح الكوكب المنير 2 / 236.
(2/122)

فائدة: تقول العرب: جَمَع الرجلُ قومَه وأجْمَع أمْرَه؛ قاله أبو علي (1) في
" الإيضاح " (2) . وتقول: أجْمَع الرجلُ؛ إذا صار ذا جَمْعٍ، مثل: ألْبَنَ إذا صار ذا لَبَنٍ وأتْمَر إذا صار ذا تَمْرٍ (3) ، فقولنا: أجمع المسلمون على وجوب الصلاة يصحُّ بمعنى: صاروا ذوي جَمْعٍ (4) ، وبمعنى: أجْمَعوا رأيهم (5) .
_________
(1) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الفَسَوِيّ النحوي، ولد في مدينة فسا، وهي من مدن فارس القديمة. رحل إلى بغداد وحلب وعاد إلى فارس ثم مات في بغداد عام 377هـ. أخذ النحو عن الأخْفَش الصغير، وأبي إسحاق الزَّجَّاج، وابن دُرَيْد وغيرهم. تخرَّج على يده ابن جِنِّي. انتهت إليه الرئاسة في النحو في عصره. انظر: معجم الأدباء للحموي 7 / 232، بغية الوعاة للسيوطي 1 / 496، وفيات الأعيان 2/80.
(2) انظره فيه: ص (194) وهذا الكتاب يُسمى بالإيضاح، وبالإيضاح والتكملة، وبالإيضاح في النحو، وهو مطبوع باسم: الإيضاح العَضُدِيّ، ألَّفه أبوعلي الفارسي لعَضُد الدولة بن بُوَيْه ت 372 هـ ليتعلم منه النحو، وهو كتاب سهل ومختصر في قواعد النحو. ويقال إن عضد الدولة استبسطه وقال لأبي علي:
((هذا الذي صنعته يصلح للصبيان)) فمضى أبو علي وصنف كتابه " التكملة " في فن الصرف ليكون تكملة للإيضاح. فلما وَقَفَ عليه عضد الدولة قال: ((غضب الشيخ وجاء بما لا نفهمه نحن ولا هو)) . انظر: مقدمة كتاب الإيضاح العضدي تحقيق د. حسن شاذلي فرهود، ومقدمة كتاب التكملة تحقيق د. كاظم بحر المرجان.
(3) العبارة السابقة جاءت في ق هكذا: ((مثل ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وذا تمر)) . وهذه الهمزة تسمى: همزة الصيرورة، ولمزيد معرفة مباحثها، انظر: شرح شافية ابن الحاجب لرضي الدين الاستراباذي
1 / 88.
(4) قال ابن التلمساني الفهري: ((ومن قال: إن أصله مِنْ أجْمع الرجل إذا صار ذا جَمْع فكان لا ضرورة إليه مع جريانه على الاشتقاق)) . انظر: شرح المعالم في أصول الفقه لابن التلمساني 2 / 54.
(5) ... في ق: ((أمرهم)) .
(2/123)

الفصل الثاني
في حكمه (1)
ص: وهو عند الكَافَّة حجةٌ خلافاً للنَّظَّام (2) والشيعة (3) والخوارج (4) (5) . لقوله
_________
(1) انظر الأدلة على حجية الإجماع والمناقشات في: الرسالة للشافعي 403، 471 ـ 476، المعتمد 2/4، الإحكام لابن حزم 1/539، العدة لأبي يعلى 4/1058، إحكام الفصول ص437، أصول السرخسي 1/295، المستصفى 1/328، التمهيد لأبي الخطاب 3/224، المحصول للرازي 4/35، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 469، فواتح الرحموت 2/397.
(2) في متن هـ: ((للناظم)) وهو خطأ. وهو أبو إسحاق إبراهيم بن سَيَّار بن هانيء البصري، سُمِّي بالنظَّام، لأنه كان يَنْظُم الخرز بسوق البصرة. كان يُظْهر الاعتزال، وتُنْسب إليه الفرقة " النظَّامية " من المعتزلة. وهو شيخ الجاحظ وابن أخت أبي الهُذَيل العلاَّف. قال ابن السبكي في الإبهاج (2/353) : ((وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة، وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع قوله: إن خبر الواحد قد يفيد العلم!! وأنكر القياس، وكل ذلك زندقة، وله كتابٌ نَصَر فيه التَّثْلِيث على التوحيد، وإنما أظهر الاعتزال خوفاً من سيف الشرع، وله فضائح عديدة، وأكثرها طعن في الشريعة المطهرة)) . توفي عام 231هـ انظر تاريخ بغداد 6/97، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص70، 264. وللدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة كتاب: ((إبراهيم بن سيار النظام وآراؤه الكلامية)) إصدار لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، عام 1365هـ.
(3) الشيعة: هم الذين شايعوا علياً رضي الله عنه، وقدموه على سائر الصحابة رضي الله عنهم، بل قالوا بأحقيته في الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقدوا بأن الإمامة لا تخرج عن أولاده، وأنهم معصومون عن الذنوب. وهم فِرَقٌ شَتَّى، منهم الغالية الكافرة، ومنهم دون ذلك، ويُسَمَّون أيضاً بالرافضة. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري 1/65، الملل والنحل للشهرستاني 1/169، كتاب: الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير وكتبه الأخرى قيِّمة في هذا الموضوع.
(4) الخوارج: فرقة ضالة، كان أول نشأتهم خروجهم على الإمام علي رضي الله عنه في أعقاب معركة صِفِّين سنة 37هـ. وهم فِرَقٌ شَتْى، تُجْمِع أصولُهم ـ على اختلافهم ـ على تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار، ووجوب الخروج على الحاكم الجائر، ويُسَمَّون أيضاً بالحَرُوريَّة والنواصِب..وَرَدَ في ذمِّهم أحاديث صحيحة.
انظر: مقالات الإسلاميين 1/167، الملل والنحل 1/131، كتاب: الخوارج، تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها، د. غالب بن علي عواجي.
(5) نقل المصنف في نفائس الأصول (6/2576) عن القاضي عبد الوهاب في " الملخص " بأن النظَّام قال بالإجماع، لكن عند تأمّل قوله ـ أي النظام ـ يقتضي عدم القول به. والرافضة تقول بالإجماع إذا وافقهم الإمامُ المعصومُ، فالحجة في قوله لا الإجماع. والخوارج قالوا بالإجماع من الصحابة قبل حدوث الفرقة والفتنة، وبالإجماع ممن بعدهم من أهل شيعتهم، لأن غيرهم ليس بمؤمنٍ عندهم. ونقل المصنف أيضاً عن ابن برهان في الأوسط: بأن المرجئة لا تقول بحجية الإجماع. انظر: منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2/121 وانظر مذاهب هذه الفرق الضالة في: المغني المجلد (17) قسم الشرعيات للقاضي عبد الجبار ص 160، المعتمد 2/4، البحر المحيط للزركشي 6/384، مبادىء الأصول إلى علم الأصول لأبي منصور جمال الدين الحِلِّي ص 190 (وهو كتاب في أصول فقه الشيعة) . شرح طَلْعة الشمس على الألفية لأبي محمد عبد الله السالمي 2/66 (كتاب في أصول فقه الأباضية من الخوارج) .
(2/124)

تعالى {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ} جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (1) وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على وجوب المتابعة (2) . وقوله عليه الصلاة والسلام*: ((لا تجتمعُ أمتي على خطأ)) (3) يدل على ذلك.
الشرح
أيضاً (4) قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (5) . قال أئمة اللغة (6) والمفسرون (7) : الوَسَط الخيار، سمي الخيار وَسَطاً: لتوسُّطه بين طَرَفَي الإفراط والتفريط، وإنما يحسن هذا المدح إذا كانوا على الصواب (8) .
_________
(1) النساء الآية: 115.
(2) تتمة وجه الدلالة من الآية: والإجماع من سبيل المؤمنين فيجب اتباعه. وتعتبر هذه الآية من أشهر الأدلة على حجية الإجماع. ويُذْكر في الاستدلال بها على الإجماع قصة لطيفة وقعت للشافعي رحمه الله تعالى. انظرها في أحكام القرآن للشافعي 1/39.
(3) سبق تخريجه.
(4) ساقطة من ن.
(5) البقرة، من الآية: 143.
(6) انظر: الصحاح للجوهري، لسان العرب كلاهما مادة " وسط ". وانظر: عمدة الحفاظ للسَّمِين الحلبي 4/309.
(7) انظر: جامع البيان للطبري 2/10، التفسير الكبير للفخر الرازي 4/88، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2/153.
(8) تتمة وجه الدلالة من هذه الآية: فيكون الله عز وجل أخبر عن خيرية هذه الأمة، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية، وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة. انظر: المحصول للرازي 4/66.
(2/125)

وقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (1) . وجه التمسك به (2) : ذِكْرُهم في سياق المدح يدلُّ على أنهم على الصواب، والصواب يجب اتباعه، فيجب اتباعهم. ولأنه تعالى وصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف، واللام للعموم، فيأمرون بكل معروفٍ، فلا يفوتهم حقٌّ؛ لأنه من جملة المعروف، ولقوله تعالى: {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر} (3) والمنكر باللام يفيد أنهم ينهون عن كل منكر، فلا يقع الخطأ بينهم (4) ويُوَافِقُوا عليه، لأنه منكر.
والعمدة الكبرى: أن كل نص من هذه النصوص مضمومٌ للاستقراء التام (5) من نصوص القرآن والسنة وأحوال الصحابة وذلك (6) يفيد القطع عند المطَّلِع عليه، وأن هذه الأمة معصومة من الخطأ وأن الحق لا يفوتها* فيما تثبته (7) شرعاً والحق واجب الاتباع، فقولهم واجب الاتباع.
احتجوا: بأن اتفاق الجمع العظيم على الكلمة الواحدة مُحالٌ في مجاري العادات، كما أن اتفاقهم على الميل إلى الطعام الواحد في الزمان الواحد محالٌ (8) .
_________
(1) آل عمران، من الآية: 110.
(2) ساقطة من ن.
(3) آل عمران، من الآية 104، 114. التوبة، من الآية 71.
(4) في ق: ((منهم)) .
(5) سبق تعريف " الاستقراء " هو ينقسم إلى قسمين: الاستقراء التام وهو: إثبات الحكم في جزئي لثبوته في كلِّي على الاستغراق. والاستقراء الناقص: وهو إثبات الحكم في كلِّي لثبوته في أكثر جزئياته من غير احتياج إلى جامعٍ، ويسمى عند الفقهاء: إلحاق الفرد بالأعم الأغلب.
فالأول حكمه يفيد القطع، والثاني يفيد الظن. انظر: الإبهاج 3 / 173، البحرالمحيط للزركشي 8/6، شرح الكوكب المنير4/418.
(6) ساقطة من ن.
(7) في س: ((يثبته)) . والمثبت هو الصواب. انظر: هامش (6) ص 109.
(8) هذا الدليل الأول، أورده المصنف حجةً لمنكري حجية الإجماع. ولكنه في الحقيقة دليل على من يقول بعدم إمكان الإجماع. انظر: منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2/123. ومسألة إمكان الإجماع والاطلاع عليه أو العلم به انظرها بتفصيل في: تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 467، حجية الإجماع
د. محمد فرغلي ص 79.
(2/126)

ولأن الله تعالى نهاهم عن المنكر بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (1) ، {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} (2) ، {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} (3) ، وغير ذلك من النصوص، ولولا أنهم قابلون للمعاصي لما صح نهيهم عن هذه المناكير (4) (5) .
والجواب عن الأول: أن اتفاقهم في زمن الصحابة ممكن، ولا يكاد يوجد إجماعٌ اليومَ إلا وهو واقع في عصر الصحابة (6) رضي الله عنهم، واجتماعهم (7) حينئذٍ ممكنٌ لعدم انتشار الإسلام في أقطار الأرض. ولأن (8) مقصودنا أنه حجة إذا وقع، ولم نتعرض للوقوع، فإن لم يقع فلا كلام، وإن وقع كان حجة، هذا هو المقصود (9) . وعن الثاني: أن الصيغ
_________
(1) النساء، من الآية: 29.
(2) الإسراء، من الآية: 32.
(3) الأنعام، من الآية: 151، والإسراء، من الآية: 33.
(4) في ن: ((المناكر)) وهو صحيح أيضاً، انظر مادة " نكر " في: لسان العرب، العين للخليل بن أحمد، وانظر: شذا العَرْف في فن الصَّرْف للحملاوي ص 144.
(5) هذا الدليل الثاني لمنكري الإجماع. وتتمة حجتهم: فذلك يدل على عدم عصمة المؤمنين، فلا يكون الإجماع حجة. انظر: إحكام الفصول ص437، رفع النقاب القسم 2/482.
(6) قال المصنف في نفائس الأصول (6/2552) : ((أكثر الإجماعات - بل الكلُّ إلا اليسير منها جداً ـ إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت الصحابة محصورين، يُعلم أحوالهم وعددهم قبل انتشارهم في أقطار الأرض. وتطرُّق الشك إلى اليسير من الإجماعات لا يبطل هذه المسألة، ولا يقدح فيها، بل في تلك المسائل الفروعية التي يُدَّعَى الإجماع فيها)) .
(7) في ق: ((وإجماعهم)) .
(8) ساقطة من ن.
(9) هناك جوابٌ أقرب، ذكره المصنف في نفائس الأصول (6/2550) مفاده: أن العادة قضت بتعذر اتفاق الجمع العظيم على شهوة الطعام الواحد، والميل إلى الكلمة الواحدة في الزمن الواحد، لأن هذه الأمور مبناها على الدواعي البشرية التي جُبلوا عليها، ودواعي البشر في الشهوة والنُّفْرة مختلفة جداً بل الشخص الواحد يخالف نفسه في ساعةٍ أخرى. أما اجتماع أهل الاجتهاد على حكم واحد فممكنٌ عادةً لوجود الداعي إليه من نصٍّ قاطعٍ أو ظنٍّ غالبٍ، كما لو رأى الجمعُ العظيمُ الغيمَ الرَّطِب في بلاد الأمطار والثلوج لاشتركوا جميعاً في ظن هطول المطر، وكذلك الرجل العدل الأمين يشترك كل من عرف حاله في ظن صِدْقِهِ وإن كانوا آلافاً، فظهر بهذا الفرقُ. وانظر: التوضيح لحلولو ص275.
(2/127)

العامة موضوعة في لسان العرب لكل واحدٍ واحدٍ (1) . لا للمجموع، فيكون كل واحد منهم (2)
غير معصوم، ولا نزاع في ذلك، إنما النزاع في مجموعهم لا في آحادهم، وقد تقدَّم بَسْطُ هذا في باب العموم (3) .
وأما إمام الحرمين في " البرهان " (4) . فسلك طريقاً آخر (5) ، وهو أن إجماعهم على (6) دليلٍ قاطعٍ أوجب لهم الاجتماع (7) ، فيكون قولهم حجة قطعاً لذلك القاطع، لا لقولهم (8) . والجمهور يقولون (9)
بل النصوص شهدت لهم بالعصمة (10) ، فلا يقولون إلا حقاً، استندوا لعلمٍ أو ظنٍّ. كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام معصوم لا ينطق عن الهوى، وما يقوله في التبليغ يجب اعتقاد أنه حق، كان مستنده ظناً أو علماً، فالقطع نشأ عن العصمة لا عن المستند.
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) المثبت هنا من ش، م، لأن عود الضمير إلى مجموع المؤمنين أنسب، يؤيده سياق الكلام بعده. بينما في

س، ق: ((منها)) ربما كان عوده إلى الأمة، وفي ن: ((منهما)) وهو تحريف.
(3) انظر ص 180، ص 195 من شرح تنقيح الفصول (المطبوع) .
(4) انظر: البرهان 1 / 436. والنقْل هنا بالفحوى ومُؤَدَّى الكلام. وانظر: رفع النقاب القسم 2/284.
(5) السِّرّـ والله أعلم ـ في انتهاج إمام الحرمين هذا المسلك ـ وهو مسلك عقلي ـ أن الاستدلال على حجية الإجماع بالأدلة السمعية ـ كتاباً وسنهً كما هو صنيع الجمهور ـ يداخله التأويل ويتطرَّقه الاحتمال، ولا يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القَطْع. انظر: البرهان 2/434-436. ويمكن أن يجاب عما أثاره إمام الحرمين من تضعيف الاستدلال بأدلة السمع على حجية الإجماع بأن حجيته استُفِيدتْ من مجموع أدلة الكتاب والسنة لا من دليلٍ واحدٍ بعينه، فالآيات الكثيرة والأحاديث العديدة وأمارات العقول تُنْتِج مجتمعةً أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة، والظن إذا احتفَّت به قرائن وتعاضدتْ مع كثرتها على معنىً واحدٍ كان ذلك مفيداً لحصول القطع. انظر: الإبهاج 2 / 364. وانظر: اختلاف العلماء في مستند حجية الإجماع: أهو السمع أم العقل أم هما معاً؟ في البحر المحيط للزركشي 6 / 386، إرشاد الفحول 1/292.
(6) في ق: ((عن)) .
(7) في ق: ((الإجماع)) .
(8) معنى كلامه: أن الإجماع صار حجةً بالنظر إلى مستنده، فلما كان مُسْتَنِداً إلي نصٍ قطعيٍ صار قولهم حجةً، لأنهم لا يجتمعون على رأيٍ واحدٍ في مسألة إلا ونصُّها مقطوعٌ به من كتابٍ أو سنةٍ متواترةٍ.
(9) في س: ((تقول)) ، ووجهه على تقدير: جماعة الجمهور. والمثبت أولى لعدم التقدير..
(10) انظر: المحصول للرازي 4 / 101.
(2/128)

حكم إحداث قولٍ ثالثٍ إذا أجمعت الأمة على قولين
ص: وعلى (1) منع القول الثالث (2) .
الشرح
قال الإمام فخر الدين في " المحصول " (3) : ((إحداث القول الثالث غير جائز عند الأكثرين. والحق أنه إن لزم منه الخروج عمَّا أجمعوا عليه امتنع وإلا جاز)) .
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: الجواز مطلقاً (4) ، والمنع مطلقاً (5) ، والتفصيل (6) .
_________
(1) العطف هنا معناه: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) الذي ذكره المصنف في آخر المتن السابق يدل على ثلاثة أشياء: الأول: على حجية الإجماع ومنع مخالفته، والثاني: على منع إحداث قول ثالث، والثالث: على عدم الفصل فيما جمعه الصحابة رضي الله عنهم (سيرد ذكره في المتن القادم) .
وإنما قدَّم المصنف الدليل على المدلول للاختصار. لأنه لو قدم المدلول لاحتاج إلى إعادة الدليل بعد كلِّ
مدلولٍ، فيكون تكراراً وتطويلاً. انظر: رفع النقاب للشوشاوي القسم 2 / 487.
(2) صورة المسألة: إذا اختلف أهل عصرٍ في مسألة على قولين؛ فهل يجوز لمن بعدهم أن يُحْدِث قولاً ثالثاً فيها؟.
ذكرالمصنف فيها ثلاثة أقوال كما في الشرح. والغريب من المصنف أنه كرَّر بحث المسألة مرة أخرى في عبارة المتن بعد القادمة. انظر: ص (134) .
(3) انظر المحصول 4 / 127. والنقل هنا بالمعنى.
(4) وهو لبعض الحنفية والظاهرية. انظر: المُحلَّي لابن حزم 1 / 561، النُّبَذ في أصول الفقه له أيضاً ص42، بديع النظام لابن الساعاتي 1 / 308، التوضيح لصدر الشريعة ومعه التلويح للتفتازاني 2 / 98، فتح الغفار لابن نجيم 3 / 7.
(5) وهو قول الجمهور انظر: المعتمد 1/44، إحكام الفصول ص 496، التبصرة للشيرازي ص 387، المنخول للغزالي ص 320، المحصول لابن العربي ص 517، لباب المحصول لابن رشيق المالكي ص 357، المسودة 326، كشف الأسرار للبخاري 3/435، التوضيح لحلولو ص 279.
(6) التفصيل هو: ما إذا كان في القولين قَدْرٌ مشتركٌ بينهما لم يجز إحداث قولٍ ثالثٍ فيها وإلا جاز. أو بعبارةٍ أخرى: إنْ لزم من القول الحادث رفْعُ القولين السابقين لم يجز إحداثه وإلا جاز. والقول بالتفصيل هو اختيار الرازي في المحصول (4/128) ، والآمدي في الإحكام (1/269) ، وابن الحاجب في منتهى السول والأمل ص 61، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول (6 / 2527) ، والطوفي في شرح مختصر الروضة
3 / 88، 93 وغيرهم.
ومن العلماء من ذكر قولاً رابعاً في المسألة، ذهب إليه بعض الحنفية، وهو: إنْ حَدَث القولان من الصحابة لم يجز إحداث قولٍ ثالثٍ وإلا جاز: انظر: أصول السرخسي 1/310، كشف الأسرار للبخاري 3/435.
(2/129)

احتج المانعون: بأن الأمة أجمعت قبل الثالث على الأخذ [بهذا القول، أو بهذا القول (1) ] (2) ، فالأخذ بالثالث خارقٌ للإجماع (3) .
ولأن الحق لا يفوت الأمة، فلا يكون الثالث حقاً، وإلا لَمَا فاتهم، فيكون باطلاً قطعاً وهو المطلوب (4) .
ويرد على الأول: أن الإجماع الأول (5) مشروط بألاَّ يجتمعوا (6) على أحدهما وقد أجمعوا ففات الشرط. فإن قلت: يلزمك ذلك في القول الواحد إذا أجمعوا عليه، فجاز أن يقال تمتنع (7) مخالفته بشرط ألاَّ يذهب أحد إلى خلافه. قلتُ: لو كان الأول مشروطاً لما كان هذا مشروطاً، [بسبب أن] (8) القول الواحد تعيَّنتْ فيه المصلحة، فلا معنى للشرطية، بخلاف القولين لم تتعين المصلحة في أحدهما عَيْناً، ولم يقل بكل واحد منهما إلا بعض الأمة، وبعض الأمة غير معصوم (9) .
وعن الثاني: لا نسلم تعيّن الحق في قول الأمة إلا إذا اتفقت كلها على قول، أما مع الاختلاف فممنوع، فظهر بهذه الأجوبة حجة الجواز.
مثال التفصيل: اختلفت الأمة على قولين: هل الجدُّ يقاسم الإخوة أو يكون المال كله له؟ (10) .
فالقول الثالث: أن الإخوة يحوزون المال كله على خلاف الإجماع،
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) ما بين المعقوفين في ن: ((بهذين القولين)) .
(3) هذا الدليل الأول للمانعين.
(4) هذا الدليل الثاني للمانعين.
(5) ساقطة من ق. والمراد بالإجماع الأول أي: إجماعهم على وجوب الأخذ بأحد القولين.
(6) أي: بألاَّ يجمع من بعدهما على أحد القولين.
(7) في ق: ((يمتنع)) .
(8) في ق: ((لأن)) .
(9) انظر: نفائس الأصول 6 / 2653.
(10) هذه العبارة في ق هكذا: ((هل يقاسم الجد الإخوة أو يحجبهم؟)) .

مسألة توريث الإخوة مع الجدِّ فيها مذهبان شهيران، الأول: الجد يحجب الإخوة والأخوات من جميع الجهات كما يسقطهم الأب، وهو قول جمع من الصحابة، منهم: أبوبكر وابن عباس رضي الله عنهم وجمع من التابعين وداود الظاهري وقول أبي حنيفة ورواية عن أحمد.
(2/130)

فالقول الثالث مُبْطِل لما أجمعوا عليه، فيكون باطلاً، لأن الحق لا يفوتهم، هذا قول الإمام فخر الدين وتمثيله (1) .
وقال ابن حَزْم (2) في " المُحلَّى " (3) : ((
إن بعضهم قال: المال كله للإخوة تغليباً للبُنوَّة على الأبوة)) (4) فلا يصح على هذا ما قاله الإمام من الإجماع (5) .
_________
(1) الثاني: الإخوة يرثون مع الجد، وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد، ثم اختلف هؤلاء في كيفية توريث الجد مع الإخوة على أقوال عدة. انظر: المبسوط للسرخسي 29/179، الحاوي الكبير للماوردي 8/119، المغني لابن قدامة 9/65، بداية المجتهد 5/413، حاشية الدسوقي 4/462.
() انظر: المحصول للرازي 4/128.
(2) هو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأمَوي ـ بالولاء ـ الظاهري ـ مذهباً ـ القرطبي مولداً. إمام عبقري في المعقول والمنقول والأدب والشعر. كان شافعياً، ثم انتقل إلى مذهب داود الظاهري. كان لآبائه رئاسة وإمارة. من مصنفاته في الأصول: الإحكام في أصول الأحكام (ط) ، النبذ في أصول الفقه (ط) . وفي الفرق: الفِصَل في الملل والنحل (ط) ، وفي الفقه: المحلَّي (ط) . وفي الأدب: طوق الحمامة في الألفة والإلاف (ط) . ت 456هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 18/184، ابن حزم خلال ألف عام لأبي عبد الرحمن الظاهري، ابن حزم: فقهه وآراؤه لمحمد أبو زهرة.
(3) انظر: المحلي 9/283، 292.

وكتاب المحلَّى اسمه: " المُحلى بالآثار شرح المُجلَّى بالاختصار " وهو مشهور متداول في الفقه الظاهري، مشحون بالآثار، فيه قوة حجة وبرهان. قال العز بن عبد السلام: ((ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل: المحلى لابن حزم والمغني للشيخ الموفق)) . يؤخذ عليه سلاطة لسان مؤلفه على الأئمة والعلماء، وإنكاره للتعليل والقياس. عليه مختصرات منها: الأنور الأعلى في اختصار المحلى لأبي حيان. وعليه رَدٌّ اسمه: السيف المُجلَّى.. وكتاب المحلى مطبوع بتحقيق: أحمد شاكر، وله طبعة أخرى. انظر: كشف الظنون 2 / 394
(4) يمكن أن يكون هذا قولاً ثالثاً في مسألة الجد والإخوة، وهو: توريث الإخوة وحجب الجدّ، لأن الجدّ يدلي بولادته لأبي الميت، فطريقه من الأبوَّة. والإخوة يدلون بولادة أبي الميت فطريقهم من البنوة. والبنوة أقوى من الأبوة. وهذا القول قال به: زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن غَنْم رضي الله عنهم. فعلى هذا لا يكون ثَمَّةَ إجماع على ضرورة توريث الجدِّ بكل حال. لأن القول الثالث نُقِل عن بعض الصحابة، لكن قيل برجوع زيدٍ وعليٍ رضي الله عنهما إلى مقاسمة الجد للإخوة. والله أعلم. انظر: تيسير التحرير 3/251.
(5) لئلا يُعْترض على القول بالتفصيل، بمثالٍ غير صحيح، يمكن أن يُمثَّل له بعِدَّة الحامل المتوفَّى عنها زوجها. قيل: تعتدُّ بالوضع، وهو لابن مسعود وأبي هريرة وغيرهما. وقيل تعتدُّ بأبعد الأجلين؛ الوَضْع أو الأشْهرُ (أربعة أشهرٍ وعشر) وهو لعلي وابن عباسٍ وغيرهما، فالقول بعدهم بالاعتداد بالأشهر فقط رفع لما اتفقوا على نفيه، فيكون خرقاً للإجماع. انظر: تيسير التحرير 3 / 251، الحاوي الكبير 11 / 235، بدائع الصنائع 3/286، شرح الزرقاني على مختصر خليل 4/106، المغني 11 / 227. .
(2/131)

حكم الفَصْل فيما أجمعوا على الجَمْع فيه
ص: وعدمُ (1) الفَصْل (2) فيما جمعوه فإن جميع ما خالفهم يكون خطأً لتعيُّن الحق في جهتهم.
الشرح
قال الإمام فخر الدين: ((إن قالوا لا يُفْصَل (3) بين المسألتين لم يَجْز الفَصْلُ، وكذلك إن علم أن طريقة الحكم واحدة في المسألتين، وإن لم يكن كذلك فالحق جواز الفرق، وإلا كان من وافق الشافعي في مسألةٍ لدليلٍ يلزمه أن يوافقه في الكل. وإنما لم يَجُز الفصل؛ لأنهم صرحوا بعدمه فيكون عدمه هو الحق، والفصلُ باطلاً (4) فيمتنع، ومثاله: ذوو الأرحام، اتفقوا على عدم الفصل بينهم، فمن ورَّث العَمَّة ورَّث الخالة بموجِب القرابة والرَّحِم، ومن لم يورِّث العمَّة لم يورِّث الخالة لضعف* القرابة
_________
(1) وأما مثال ما يجوز فيه إحداث قول ثالث ـ لأنه لا يرفع ما اتفق عليه ـ فهو: اختلافهم في جواز أكل المذبوح بلا تسمية. قال بعضهم: يَحِلُّ مطلقاً سواء كان الترك عمداً أم سهواً وهو مذهب الشافعية. وقال آخرون: لا يَحِلُّ مطلقاً وهو مذهب ابن حزم. فإحداث قولٍ ثالثٍ وهو التفريق بين العمد فلا تَحِلُّ والسهو فتحِلُّ لا يكون خرقاً للإجماع، وبه قال الأحناف والمالكية والحنابلة، انظر: المحلى لابن حزم 7/412، الحاوي الكبير للماوردي 15/10، 95، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيعلي 5/288، الذخيرة للقرافي 4/134، الروض المربع للبهوتي ص480.
() العطف هنا معناه: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) الذي ذكره المصنف في المتن قبل السابق يدل على عدم الفصل فيما جمعوه. أما صورة المسألة وشرحها فسيأتي في الشرح. أما الأقوال فيها فهي ثلاثة: الجواز مطلقاً، والمنع مطلقا، والتفصيل بين أن يُصرِّحوا بعدم الفصل في المسألتين أو تكون العلة في القولين واحدة، فلا يجوز الفصل حينئذٍ وإلا جاز. انظر: العدة لأبي يعلى 4/1116، إحكام الفصول ص499، شرح اللمع للشيرازي 2/730 التمهيد لأبي الخطاب 3/314، الوصول لابن برهان 2/110، بذل النظر للأسمندي ص559، نهاية الوصول للهندي 6/2534، التوضيح لحلولو ص281.
(2) في ق: ((التفصيل)) .
(3) في ق: ((لا فصل)) .
(4) في ن: ((باطل)) وهو صحيح إذا كانت الواو للاستئناف في قوله: ((والفصل باطل ... )) والمثبت ((باطلاً)) باعتبار أن الواو للعطف لكونها خبر ((فيكون)) .
(2/132)

عن التوريث فلا يجوز لأحدٍ أن يورث العمَّة دون الخالة، ولا الخالة دون العمَّة (1) ، فالطريقة واحدة في المسألتين..)) (2) .
وإن كان المدرك مختلفاً، بأن يقول [أحد الفريقين] (3) : لا أورِّث الخالة لأنها تُدْلي بالأم، ويقول الآخر: لا أورِّث (4) العمَّة لبعدها من الأب، جاز (5) بسبب أن اختلاف المدارك يسوِّغ ذلك، لأنه إذا قال: أورِّث العمة لشائبة الإدلاء بالأب ولا أورِّث الخالة لإدلائها بالأم، وجهة الأمومة ضعيفة. فهذا قد قال بالتوريث في العمَّة، وقد قاله بعض الأمة، فلم يَخْرِق الإجماع، وقال بعدم التوريث في الخالة، وهو قول بعض الأمة، فلم يخرق الإجماع، وكذلك قال باعتبار ما اعتبره من العلة بعضُ الأمة، وبإلغاء ما ألغاه بعض الأمة، فلم يخالف (6) الإجماع. أما لو كانت الطريقة واحدة كما في التمثيل الأول كان خارقاً (7) للإجماع باعتبار المدرك، لأن كل من قال باعتبار أحد المدركين قال باعتباره في الجميع، وانعقد الإجماع (8) على أنه إذا أُلغيت إحدى العلتين بقيت (9) الأخرى، فالقول بإلغائها في البعض دون اعتبار الآخر خلاف الإجماع.
_________
(1) مسألة توريث ذوي الأرحام ـ وهم الأقارب الذين لا فَرْض لهم ولا تعصيب ـ فيها قولان مشهوران، الأول: عدم توريثهم، فإذا لم يوجد مَنْ يرث فرضاً أو تعصيباً فإن المال يذهب إلى بيت المال، وبه قال زيد ابن ثابت رضي الله عنه والمالكية والشافعية. الثاني: يرثون إذا لم يوجد العاصب ولا صاحب الفرض ما عدا أحد الزوجين، وهو قول جمهور الصحابة والفقهاء والحنفية والحنابلة. ثم اختلف هؤلاء في كيفية توريثهم، أهو كالتعصيب أم بتنزيلهم منزلة من أدْلَوا به؟ انظر المسألة مبسوطة في: المبسوط للسرخسي 30/2، الحاوي للماوردي 8/73، المغني لابن قدامة 9/82، الذخيرة للقرافي 13/53، التحفة الخيرية على الفوائد الشنشورية للباجوري ص217.
(2) انظر: المحصول 4 / 130.
(3) ما بين المعقوفين في ق: ((واحد)) .
(4) في ق: ((أرث)) وهو تحريف.
(5) في ق: ((التفصيل)) .
(6) في ق: ((يخرق)) .
(7) في ن: ((خلافاً)) .
(8) ساقطة من ن.
(9) في ق: ((ثبتت)) .
(2/133)

ومن هاهنا حسن التنظير بالشافعي رضي الله عنه، فإن الإنسان إذا وافقه في مسألة لمدركٍ فقد اعتقد صحة ذلك المدرك، فيلزمه أن يتبعه في فروع ذلك المدرك كلها. أما إذا كانت مدارك الشافعي رضي الله عنه مختلفةً (1) كما هو الواقع فلا يلزم من موافقته في مسألة موافقته في جميع المسائل؛ لأن مدرك تلك المسائل غير مدرك تلك المسألة، فكذلك الأمة توافق بعضها في بعض مداركه، ولا توافق في البعض الآخر، فلا جَرَم صحَّ التفريق فيما قالوا فيه بعدم الفصل إذا اختلفت المدارك.
قال القاضي عبد الوهاب في " الملخص " (2) : إن عيَّنوا الحكم وقالوا لا يُفْصَل (3) حَرُم الفَصْل، وإن لم يُعيِّنوا ولكن أجمعوا عليه مجْملاً فلا يعلم تفصيله إلا بدليلٍ غير الإجماع، فإنْ دل الدليل على أنهم أرادوا مُعيناً تعيَّن أو أرادوا العموم تعيَّن العموم، وإن لم يدل دليل حصل العموم أيضاً، فإنَّ ترك البيان مع الإجمال (4) دليل التعميم، ومتى كان مدرك أحد الصِّنْفين مختلفاً أو جاز أن يكون مختلفاً جاز التفصيل بين المسألتين.
إحداث قول ثالث، والفصْل فيما جمعوا بينهما
ص: وإذا اختلف أهل (5) العصر الأول على قولين [لم يَجُزْ] (6) لمن بعدهم إحداث قولٍ ثالثٍ عند الأكثرين، وجوزه أهل الظاهر (7) . وفصَّل الإمام فقال: إنْ لزم منه خلاف ما أجمعوا عليه امتنع وإلا فلا، كما قيل: للجدِّ كل المال، وقيل: يقاسم الأخ، فالقول بجعل المال كلِّه للأخ [مناقض للأول] (8) . وإذا أجمعت (9) الأمة
_________
(1) في ن: ((مخلفة)) وهو تحريف.
(2) انظر قوله في: البحر المحيط للزركشي 6 / 522، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إليه في المسودة ص 328. وانظر: شرح الكوكب المنير 2 / 269.
(3) في ق: ((فصل)) .
(4) في ق: ((الإجماع)) وهو تحريف.
(5) ساقطة من ق.
(6) في متن هـ: ((فلا يجوز)) .
(7) هنا زيادة: ((والحنفية)) في متن هـ خلت منها جميع نسخ المتن والشرح. وهذا مذهب بعض الحنفية. انظر هامش (4) ص (129) .
(8) في ق: ((يناقض الأول)) .
(9) في ن، متن هـ: ((اجتمعت)) .
(2/134)

على عدم الفصل بين مسألتين (1) [لا يجوز] (2) لمن بعدهم الفصل بينهما.
الشرح
[هذه هي (3) التي تقدَّمت، وقد (4) تقدَّم بسطها (5) ، غير أني قدمتها] (6) في أول الكلام مجْملةً، ثم ذكرتها مفصَّلة (7) .
والفرق بين قولهم: لا يجوز إحداث القول الثالث، وبين قولهم: لا يجوز
الفصل بين مسألتين؛ أن القول الثالث يكون في الفعل الواحد [في ذاتٍ واحدةٍ] (8) ، كما نقول في سِبَاع الوحوش: قال بعضهم هي حرام (9) ، وقال بعضهم ليس بحرام (10) ، فالقائل (11) بأن (12) بعض السباع حرام وبعضها ليس بحرام خارق للإجماع فيكون باطلاً (13) ، وعدم الفصل يكون (14) في مسألتين مثل (15) توريث ذوي الأرحام [كما
_________
(1) في متن هـ: ((مُسْلِمين)) وهو تحريف.
(2) في متن هـ: ((لم يجز)) .
(3) ساقطة من ن.
(4) ساقطة من س.
(5) انظر ص (129) .
(6) ما بين المعقوفين في ق هكذا: ((هذه تقدَّم ذكرها)) .
(7) أي ذَكَرها في المتن أولاً مجملة حينما قال: ((وعلى منع القول الثالث)) ثم ذكرها هنا في المتن مفصلة. لكن المصنف بسط شرحها عند أول ذكرها.
(8) ما بين المعقوفين ساقط من ق، ن.
(9) وهو ظاهر مذهب الحنفية. انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام 9 / 510.
(10) وهو مذهب بعض المالكية، الكراهة دون التحريم. انظر: القوانين الفقهية لابن جُزَيّ ص166، مواهب الجليل 4/356.
(11) في ق: ((فالقول)) .
(12) ساقطة من ن.
(13) كيف يكون خارقاً للإجماع والفريقان لم يتفقا على قَدْر مشترك بينهما؟ بل القول الثالث هنا موافق لكل واحدٍ من القولين في وجه، ومخالف له في وجهٍ آخر. ولهذا أباحت الشافعية: الضَّبُع والثعلب، والحنابلة: الضبع فقط، وحرَّموا ما عدا ذلك. فيتوجَّه أن يكون هذا مثالاً على جواز إحداث قول ثالث، لأنه لا يلزم منه خلاف ما أجمعوا عليه. والله أعلم. انظر: رفع النقاب القسم 2/491، المغني لابن قدامة 13/319، الروض المربع ص476، مغني المحتاج 6/148.
(14) ساقطة من ن. والصواب إثباتها ليتحقق معنى الفرق بين: إحداث قول ثالث، وعدم الفصل فيما جمعوه، فالأول يكون في مسألة واحدة والثاني يكون في مسألتين. والله أعلم.
(15) في س: ((مع)) ولا معنى لها.
(2/135)

تقدم تقريره] (1) (2) .
حكم الإجماع على أحد القولين بعد الاتفاق على القول بهما
ص: ويجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد (3) خلافاً للصيرفي (4)
_________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(2) انظر: ص 132. وانظر الفرق بينهما في: اللمع للشيرازي ص 192، نفائس الأصول 6/2659، الإبهاج 2/372، نشر البنود 2 / 88. لكن من العلماء - كالآمدي وابن الحاجب - من جعلهما مسألة واحدة، ولم يفرق بينهما لتقاربهما في المعنى. انظر: الإحكام للآمدي 1/268، منتهى السول والأمل ص61، منهج التحقيق والتوضيح لجعيط 2/125.
(3) هذه المسألة الأولى في هذا المتن، وصورتها: إذا اختلف أهل العصر الواحد في مسألةٍ على قولين. فهل يجوز لهم -بعد ذلك -أن يجمعوا على أحدهما؟ ينبغي- عند تحرير النزاع فيها -أن يُفرَّق بين حالة استقرار الخلاف وثبوته، وحالة عدم استقرار الخلاف وأنهم مازالوا في مهلة النظر والبحث.
أما الحالة الأولى: وهي اتفاقهم قبل استقرار الخلاف، أو كما عبَّر الشيرازي في اللمع ص (190)
قبل أن يبرد الخلاف ويستقر، ففيها قولان، القول الأول: يجوز، وتصير المسألة إجماعية، وهو مذهب الجمهور. القول الثاني: لا يجوز.
أما الحالة الثانية: وهي اتفاقهم بعد استقرار الخلاف ففيها ثلاثة أقوال، الأول: لا يكون حجةً مطلقاً. الثاني: يكون حجةً وإجماعاً مطلقاً. الثالث: التفصيل، يكون حجة إذا كان مستند كلٍ منهم ظنيّاً كالقياس والاجتهاد، ولايجوز إذا كان مستندهم قطعياً حذراً من إلغاء القاطع. والمصنف-رحمه الله- لم يذكر الفرق بين حصول الاتفاق قبل خلافٍ مستقرٍ أو بعده، مع أنه ذكر ذلك في نفائس الأصول (6 / 2675) ، وكذلك الرازي في المحصول (4/135، 145) جَعَل لكل واحدةٍ منها مسألةً مستقلة. انظر المسألة في: الحدود للباجي ص63، شرح اللمع للشيرازي 2 / 734، شرح جمع الجوامع بحاشية البناني 2 / 185، التوضيح لحلولو ص281، شرح الكوكب المنير 3 / 276.
(4) ... هو أبو بكر محمد بن عبد الله البغدادي الصيرفي، نسبةً إلى صِرَافة الدراهم والدنانير. أحد أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي. من شيوخه: ابن سُريج، قال القفال عنه: بأنه أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، من مؤلفاته: شرح الرسالة للشافعي، كتابٌ في الإجماع، كتابٌ في الشروط وغير ذلك. ت 330هـ.

انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 3/186، وفيات الأعيان 4/199.
(2/136)

(1) .
وفي العصر الثاني (2)
لنا (3) وللشافعية (4) والحنفية (5) فيه قولان (6) مبنيَّان على أن إجماعهم على الخلاف (7) يقتضي أنه الحق، فيمتنع الاتفاق أو هو مشروط بعدم الاتفاق، وهو الصحيح.
_________
(1) ... ممن نقل هذا المذهب عن الصيرفي الإمامُ الرازي في المحصول (4/135) ، والهندي في نهاية الوصول
(6/2540) ، وفي هذه الحكاية عنه نَظَرٌ إن كان في حالة الاتفاق قبل استقرار الخلاف، قال الزركشي في البحر المحيط (6 / 503) ((ولم أره في كتابه، بل ظاهر كلامه يشعر بالوفاق في هذه المسألة)) . ويعضد هذا أن الشيرازي في اللمع ص (190) نفى أن يكون في هذه المسألة خلاف. وإن كان هذا النقل عنه بعد استقرار الخلاف، فقال الزركشي في البحر المحيط (6/505) ((ومنهم من نقل هاهنا عن الصيرفي: أنَّا إذا لم نشترط انقراض العصر لا يكون إجماعاً، لتقدُّم الإجماع منهم على تسويغ الخلاف)) . أما مذهب الصيرفي في المسألة الثانية وهي اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول بعد خلافٍ مستقرٍ فقد نقل الآمدي في الإحكام (1 / 278) عنه المنع. وانظر أيضاً: الكاشف عن المحصول 5 / 459.
(2) ... هذه هي المسألة الثانية، وصورتها: إذا اختلف أهل عصرٍ في مسألة على قولين، فهل يجوز للعصر الثاني أن يجمعوا على أحدهما؟ ، للحكم عليها حالتان:

الأولى: الاتفاق قبل استقرار الخلاف، فالجمهور على جوازه. الحالة الثانية: الاتفاق بعد خلافٍ مستقرٍّ. فكل من قال باشتراط انقراض العصر في الإجماع جوّز قطعاً حصول الاتفاق وجعله إجماعاً. ومن لم يعتبر انقراض العصر اختلفوا على ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقاً، المنع مطلقاً، التفصيل: إن كان مستند إجماعهم القياس والاجتهاد لا دليلاً قاطعاً جاز حصول الاتفاق وإلا فلا. انظر: المراجع السابقة المذكورة في المسألة الأولى هامش (3) ص (136) ، وانظر أيضاً: المستصفى1/369، والإحكام للآمدي1/278.
(3) رأي أكثر المالكية هو: جواز انعقاد الإجماع وارتفاع الخلاف السابق. ومنهم من يرى بقاء الخلاف السابق وعدم انقطاعه كالأبهري والباقلاني وابن خويز منداد. انظر: المقدمة في الأصول لابن القصار
ص 159، إحكام الفصول ص492، لباب المحصول لابن رشيق ص 360، مفتاح الوصول ص 750، التوضيح لحلولو ص281.
(4) عامة الشافعية على امتناع الاتفاق، وبعضهم يجوّز حصول الاتفاق. انظر: التبصرة ص 378، البرهان للجويني 1 / 456، الوصول لابن بَرْهان 2/102.
(5) رأي أكثر الأحناف جواز انعقاد الإجماع على أحد القولين وارتفاع الخلاف، لكن هذا الإجماع عندهم بمنزلة خبر الواحد في كونه موجباً للعمل غير موجبٍ للعلم. انظر: أصول السرخسي 1/319، كشف الأسرار للبخاري 3 /456، التقرير والتحبير 3 / 88.
أما مذهب الحنابلة فأكثرهم على أن اتفاق أهل العصر الثاني علىأحد قولي العصر الأول بعد استقرار الخلاف لا يكون إجماعاً، ويجوز الأخذ بالقول الآخر. وخالفهم أبو الخطاب وغيره. انظر: العدة لأبي يعلى 4 / 1105، التمهيد لأبي الخطاب 3 / 297، أصول الفقه لابن مفلح 2 / 445.
(6) ساقطة من س.
(7) هنا زيادة: ((هل)) في ن.
(2/137)

الشرح
لنا: أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في أمر الإمامة ثم اتفقوا عليها (1) ، فدلَّ على ما قلناه.
وأما المسألة الثانية: فصورتها أن يكون لأهل (2) العصر (3) الأول قولان، ثم يتفق أهل العصر الثاني على أحد ذَيْنِك القولين.
لنا: أنَّ هذا القول قد صار قولَ كلِّ (4) الأمة، لأن أهل العصر الثاني (5) هم كل الأمة، فالصواب لا يفوتهم فيتعيَّن قولهم هذا (6) حقاً وما عداه باطلاً (7) .
حجة المخالف: أن أهل العصر الأول قد اتفقوا على جواز الأخذ بكل واحدٍ من القولين بدلاً عن الآخر، فالقول بحصر الحق في [هذا القول] (8) خلاف الإجماع (9) .
ولقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (10) وهذا حكم وقع فيه النزاع في العصر الأول، فوجب رده إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تنحسم مادة النظر فيه لظاهر الآية (11) . ولقوله عليه الصلاة والسلام:
_________
(1) هذا دليل المصنف على جواز الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد. فقد وقع ذلك في عصر الصحابة في مسألة إمامة أبي بكر رضي الله عنه. والوقوع دليل الجواز. وأما مسألة اختلاف مبايعة بعض الصحابة لأبي بكر رضي الله عنه ثم اتفاقهم عليها انظرها في: صحيح البخاري (6830) ، مسند الإمام أحمد 1/55، مسند أبي بكر رضي الله عنه للسيوطي ص 88، الطبقات الكبرى لابن سعد 3/182، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) للذهبي 5 ـ 14.
(2) ساقطة من ن، س.
(3) في س: ((للعصر)) .
(4) في ن: ((أكثر)) وهو خطأ، لأن الإجماع لا ينعقد إلا بكل الأمة، وسياق الكلام بعد ذلك يدلُّ عليه.
(5) ساقطة من ن.
(6) ساقطة من ق.
(7) في ن: ((باطل)) خلافاً لجميع النسخ، ووجهه أنه خبرٌ للمبتدأ " ما " الموصولة باعتبار أن الواو مستأنفة.
(8) في ق: ((واحد)) وهي صحيحة، لكنها ليست في سائر النسخ.
(9) هذا الدليل الأول للمخالفين.
(10) النساء، من الآية: 59.
(11) هذا الدليل الثاني للمخالفين ومعنى العبارة الأخيرة: أنه لا يمكن حسم الخلاف الواقع في العصر الأول بمجرد إجماع أهل العصر الثاني على أحد القولين، لأن ظاهر الآية أوجب الرَّد إلى الكتاب والسنة فقط. والله أعلم. انظر: نفائس الأصول 6/2670.
(2/138)

((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) (1) وهذا عام سواء حصل بعدهم إجماع أو لا، ووجب إذا قال قائل بذلك القول المتروك (2) (3) أن يكون حقاً لظاهر الحديث (4) .
والجواب عن الأول: أن تجويز الأخذ بكلا القولين مشروط بألاَّ يحدث إجماع.
فإن قُلْتَ: يلزمك ذلك في الإجماع على القول الواحد أن يكون مشروطاً بعدم طريان الخلاف.
قُلْتُ: قد (5) تقدَّم الجواب عنه (6) .
وعن الثاني: أن موجب الرد هو التنازع، وقد ذهب بحصول (7) الاتفاق فينتفي الرد (8) .
_________
(1) رواه عَبْد بن حميد في " المنتخب من المسند " برقم (782) ، وابن حزم في: " الإحكام " وأنكر معناه 2/61، 251، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/923 ـ 925، وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 3/1057، وجلُّ المحققين والنقاد من أهل الحديث على تضعيفه أو تكذيبه. ولا تتقوى طرقه بعضها ببعض، لأنها لا تخلو من وضّاع أو انقطاع أو مجهول أو متروك ... إلخ. انظر: تحفة الطالب لابن كثير ص 137، تخريج أحاديث مختصر المنهاج للعراقي ص 23، المعتبر للزركشي ص80، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني 1/ 78 - 85.
(2) لكن ورد من حديث مسلم (2531) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((النجوم أَمَنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماءَ ما تُوعدون، وأنا أمَنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبْتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)) قال ابن حجرـ بتصرِّفٍ ـ هذا الحديث يؤدي صحة تشبيه الصحابة بالنجوم خاصةً، أما في الاقتداء فلا يظهر، نعم يمكن أن يُتَلمَّح ذلك في معنى الاهتداء بالنجوم..وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة، من طَمْسِ السنن، وظهور البدع، وفشو الفجور في أقطار الأرض. والله المستعان. انظر تلخيص الحبير 4/ 191.
() في ن: ((المتواتر)) وهو تحريف.
(3) هنا زيادة: ((وجب)) في ق، ز وهي زيادة حسنة يمكن إيرادها إذا طال الفصل بين العامل ومعموله، يشهد لذلك ما جاء في التنزيل في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 110] .
(4) هذا الدليل الثالث للمخالفين.
(5) ساقطة من ن.
(6) انظر ص 130.
(7) في ق: ((لحصول)) .
(8) وكذلك يمكن أن يجاب عنه بأن التعلّق بالإجماع يكون ردّاً إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. انظر: المحصول 4/141.
(2/139)

وعن الثالث: لا نسلم أن قوله باقٍ في العصر الثاني بعد الاتفاق حتى يحسن الاقتداء به.
مسألة: اشتراط انقراض عصر المجمعين
ص: وانقراض العصر (1)
ليس شرطاً (2) - خلافاً لقومٍ من الفقهاء والمتكلمين (3) - لتجدُّد الولادة كلَّ يومٍ فيتعذَّر الإجماع.
الشرح
لنا: النصوص الدالة على كون الإجماع حجةً (4) . ولأن التابعين يولدون في
زمن الصحابة، ويصير منهم فقهاء قبل انقراض (5) عصرهم، فيلزم ألاَّ ينعقد إجماع الصحابة دونهم، ثم عصر التابعين أيضاً كذلك، فتتداخل الأعصار في بعضها، فلا ينعقد
إجماع.
_________
(1) المراد بانقراض العصر: أي موت جميع مَنْ هو مِنْ أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة بعد اتفاقهم على حكمٍ فيها. انظر: كشف الأسرار للبخاري (3 / 450) . وانقراض العصر يمكن أن يتحقق في لحظة واحدةٍ بانهدام سقف أو غرق سفينة مثلاً. انظر: البحر المحيط للزركشي 6 / 483.

ومسألة اشتراط انقراض عصر المجمعين لانعقاد الإجماع اختلف فيها العلماء على مذهبين، الأول: لا يشترط، وهو للجمهور. الثاني: يشترط، وهو لبعض العلماء. ثم اختلف المشترطون على أقوالٍ؛ فمنهم من اشترطه مطلقاً، ومنهم اشترطه في عصر الصحابة دون غيره، ومنهم من اشترطه في الإجماع السكوتي دون غيره، وهناك أقوال أخرى أوصلها الزركشي في البحر المحيط (6/478 ـ 483) إلى ثمانية مذاهب. انظر المسألة في: المعتمد 2 / 41، الإحكام لابن حزم 1/558 إحكام الفصول ص467، البرهان للجويني 1/444، أصول السرخسي 1/315، المنخول ص317، التمهيد لأبي الخطاب 3/346، المحصول للرازي 4 / 147، المسودة ص 320، كشف الأسرار للبخاري 3/450، تحفة المسؤول للرهوني القسم
2 / 508، التوضيح لحلولو ص282.
(2) هذا مذهب جمهور العلماء. انظر المصادر الآنفة الذكر.
(3) منهم: ابن فورك، وقول بعض الشافعية، ورواية لأحمد اختارها أكثر أصحابه: انظر المصادر السابقة وأيضاً: شرح العمد لأبي الحسين البصري 1/153، العدة لأبي يعلى 4/1095 شرح اللمع للشيرازي 2/697، الإحكام للآمدي 1/256، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص78، التقرير والتحبير
3 / 115.
(4) فإنها مطلقة لم تفصِّل بين انقراض العصر وعدمه، فوجب أن تكون حجةًّ مطلقاً، والتقييد خلاف الأصل. انظر: إحكام الفصول ص 468، نهاية الوصول 6/2554.
(5) في ق: ((انقضاء)) .
(2/140)

احتجوا: بأن الناس ما داموا أحياء فهم في مهلة (1) النظر، فلا يستقرُّ الرأي، فلا ينعقد الإجماع (2) .
ولأن الله تعالى يقول: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (3) وأنتم تجعلونهم شهداء على أنفسهم (4) .
والجواب عن الأول: أن اتفاق الآراء الآن دل على صحتها عملاً بأدلة الإجماع، فيكون ما عداها باطلاً فلا يفيد الانتقال إليه (5) .
وعن الثاني: أن كون الإنسان شاهداً على غيره لا يمنع من قبول شهادته (6) على نفسه، قال الله تعالى: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} (7) ، ثم المراد بهذه الآية الدار الآخرة، والشهادة على الأمم يوم القيامة، فلا تعلُّق لها بما نحن فيه (8) .
_________
(1) في ن: ((مهتلة)) وهو تحريف.
(2) هذا الدليل الأول للمشترطين.
(3) البقرة، من الآية: 143.
(4) هذا الدليل الثاني للمشترطين، ومعنى هذا الاستدلال: أنه لو كان إجماعهم حجة عليهم ـ لا يجوز لهم مخالفته ـ لكانوا شهداء على أنفسهم، وهو خلاف دلالة الآية. نهاية الوصول للهندي 6 / 2556، وانظر: إحكام الفصول ص470.
(5) ساقطة من ن. وللغزالي أيضاً جواب سديد إذ يقول: ((فإنَّا لا نجوِّز الرجوع من جميعهم، إذ يكون أحد الإجماعين خطأ، وهو محال. أما بعضهم فلا يحلّ له الرجوع، لأنه برجوعه يخالف إجماع الأمة التي وجبت عصمتها عن الخطأ. نعم يمكن أن يقع الرجوع من بعضهم ويكون به عاصياً فاسقاً، والمعصية تجوز على بعض الأمة ولا تجوز على الجميع)) . المستصفى 1 / 361. وانظر: إحكام الفصول ص 472.
(6) في ن: ((قوله)) .
(7) النساء، من الآية: 135.
(8) انظر: شرح اللمع للشيرازي 1 / 699، نفائس الأصول 6 / 2682، كون المراد بالآية الدار الآخرة فيه نظر، فإن بعض المفسرين جعل الشهادة عامة في الدنيا والآخرة وهو الأوجه، ومما يدلًّ على الشهادة في الدنيا قول النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته حينما أثنوا على جنازةٍ قال: ((أنتم شهداء لله في الأرض)) رواه البخاري (1367) ، مسلم (949) . انظر: المحرر الوجيز لابن عطية 2/3، التفسير الكبير للرازي 4/91، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2/154.
(2/141)

حجية الإجماع السكوتي
ص: وإذا حكم بعض الأمة وسكت الباقون (1)
فعند الشافعي والإمام ليس بحجة ولا إجماع (2) . وعند الجُبَّائي (3) إجماع وحجة بعد انقراض العصر (4) .
_________
(1) هذه مسألة: " الإجماع السكوتي " وهو: أن يقول بعض المجتهدين في مسألة قولاً أو يفعل فعلاً ويسكت الباقون بعد إطلاعهم عليه دون إنكار. ويسمى الإجماع السكوتي عند الحنفية " بالرخصة " لأنه جُعِل إجماعاً ضرورةً للاحتراز عن نسبة الساكتين إلى الفسق والتقصير، ويسمى الإجماع القولي عندهم " عزيمة ". انظر: أصول السرخسي 1/303، كشف الأسرار للبخاري 3 / 326.
وقبل عرض مذاهب العلماء في حجيته، لابد من معرفة الشروط المعتبرة فيه، وهي:
1 - ألاَّ تظهر من الساكتين أمارةٌ دالةٌ على الرضا أو السخط. 2 - ظهور الحكم وانتشاره واشتهاره بين العلماء. 3 - أن تمضي مدة كافية للتأمل والنظر في حكم الحادثة. 4 - أن تنتفي دواعي السكوت من خوف أو اعتماده أن غيره كفاه مئونة الرد أو نحو ذلك. 5 - أن يكون السكوت قبل استقرار المذاهب في المسألة. 6 - أن تكون المسألة تكليفية. 7 - ألاَّ تتكرر المسألة مراراً مع طول الزمان.
انظر: رفع الحاجب لابن السبكي 2 / 203، البحر المحيط للزركشي 6/470، التوضيح لحلولو ص283، شرح الكوكب المنير 2/253، تيسير التحرير 3/246.

أما المذاهب فيها؛ فقد ذكر المصنف فيها أربعة مذاهب وهي أبرزها. وقد ذكر الزركشي فيها اثني عشر قولاً وكذا الشوكاني. انظر: البحر المحيط 6/456، إرشاد الفحول 1/326.
(2) هذا المذهب الأول، وهو للشافعي في الجديد، وداود الظاهري، وعيسى بن أبان، والباقلاني، وأبو عبد الله البصري من المعتزلة. انظر: شرح العمد 1/248، الإحكام لابن حزم 1/615 إحكام الفصول ص474، المنخول ص318، المحصول للرازي 4/153، كشف الأسرار للبخاري 3/427. وفصّل الزركشي في اختلاف نسبة هذا القول للشافعي. انظر: البحر المحيط 6/456ـ462.
(3) المراد به الأب: أبوعلي الجبائي. انظر مذهبه في شرح العمد 1/248، المعتمد 2/66.
(4) من العلماء من ذكر بأنه إجماع وحجة دون شرط الانقراض. ومنهم من قال: بأنه إجماعي قطعي، وآخرون بأنه ظني. وممن ذهب إلى أنه إجماع وحجة ـ على خلافٍ في التفصيل ـ أكثر الحنفية والمالكية، وبعض الشافعية وهو قول الإمام أحمد وأكثر أصحابه. انظر: إحكام الفصول ص473، شرح اللمع للشيرازي 2/691، أصول السرخسي 1/303، المسودة ص 335، جامع الأسرار للكاكي 3/930، مفتاح الوصول ص 745، الضياء اللامع لحلولو 2 / 246، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص77، غاية الوصول للأنصاري ص108، نشر البنود 2/94.
لم يذكر المصنف مذهب المالكية في هذه المسألة، وفي نفائس الأصول (6/2691) نقل عن القاضي
عبد الوهاب بأن مذهب المالكية أنه إجماع وحجة.
(2/142)

وعند أبي هاشم (1) ليس بإجماع، وهو حجة (2) . وعند أبي علي بن أبي هريرة (3) إن كان القائل حاكماً لم يكن إجماعاً ولا حجة، وإن كان غيره فهو إجماع وحجة (4) .
الشرح
حجة الأول: أن السكوت قد يكون لأنه في مهلة النظر، أو يعتقد أن (5) قول خصمه مما يمكن أن يذهب إليه ذاهب، أو يعتقد أن كل مجتهد مصيب، أو هو عنده (6) منكر ولكن يَعْتقد أن غيره قام بالإنكار عنه، أو يعتقد أن إنكاره لا يفيد، ومع هذه الاحتمالات (7)
لا يقال للساكت موافق للقائل، وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه: ((لا يُنْسب إلى ساكتٍ قولٌ)) (8) وإذا لم يكن إجماعاً لا يكون حجة، لأن قول بعض الأمة ليس بحجة.
_________
(1) المراد به أبو هاشم بن أبي علي الجبائي. انظر مذهبه في: شرح العمد 1/249، المعتمد 2 / 66.
(2) وهو مذهب بعض الشافعية كالصيرفي وغيره، وهو اختيار ابن الحاجب. انظر: التبصرة ص392، منتهى السول والأمل ص58، البحر المحيط للزركشي 6/461.
(3) في ن: ((هبيرة)) وهو تحريف. وابن أبي هريرة هو: القاضي أبو علي الحسن بن الحسين البغدادي. انتهت إليه إمامة الشافعية بالعراق، تفقه على ابن سريج، وله بعض المصنفات منها: شرح مختصر المزني ت 345 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 3 / 256، وفيات الأعيان 2 / 75.
(4) وذهب أبو إسحاق المروزي إلى عكس هذا المذهب. انظر المذهبين في: البحر المحيط للزركشي 6/463، 465، الإبهاج للسبكي وابنه 2/380.
(5) ساقطة من ن.
(6) ساقطة من ق.
(7) هذه الاحتمالات ذكرها الرازي في المحصول (4/153) وأوصلها إلى ثمانية. والمصنف عدَّ منها خمسة.
وانظر: المستصفى 1/359، روضة الناظر 2/493، الإبهاج للسبكي وابنه 2/381.

ولقد فنَّد هذه الاحتمالات جميعها الآمدي في الإحكام (1 / 253) ، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول (6/2570) . وقال المصنف في نفائس الأصول (6/2691) ((والأصل عدم هذه الاحتمالات، وندرة بعضها يسقطه عن الاعتبار)) .
(8) هذه من العبارات الرشيقة للشافعي رحمه الله كما قال الجويني في البرهان (1/448) فقرة (646) . ونص عبارة الشافعي ((لا يُنْسب إلى ساكتٍ قولُ قائلٍ ولا عملُ عاملٍ، وإنما يُنْسب إلى كلٍّ قولُه وعملُه))
الأم 1/152.
لكن هذا القول ـ الذي صار قاعدة ـ ليس على إطلاقه، لهذا وضع العلماء قيداً فقالوا: لا ينسب إلى ساكتٍ قولٌ، لكنَّ السكوتَ في مَعْرض الحاجة بيانٌ. انظر فروع القاعدة واستثناءاتها في: الأشباه والنظائر للسيوطي ص266، شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا ص337.
(2/143)

حجة الجُبَّائي (1) : أن السكوت ظاهر في الرضا ولاسيما (2)
مع طول المدة، ولذلك (3) قال عليه الصلاة والسلام في البِكْر: ((وإذْنُها صُمَاتُها)) (4) وإذا كان الساكت موافقاً كان إجماعاً وحجة، عملاً بالأدلة الدالة (5) على كون الإجماع حجة (6) .
حجة (7) [أبي هاشم] (8) : أنه ليس إجماعاً لاحتمال السكوت ما
تقدم (9) من غير الموافقة، وأما أنه حجة فإنه يفيد الظن والظن، حجة لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أمِرْتُ أن أقضي بالظاهر والله يتولَّى السرائر)) (10) . وقياساً على
_________
(1) المراد به الأب أبو علي.
(2) في ق، س: ((لا سيما)) بدون الواو قال الأشموني: ((وتشديد يائها، ودخول " لا " عليها، ودخول الواو على " لا " واجب، قال ثعْلب: من استعمله على خلاف ما جاء في قوله ((ولا سيما يوم)) فهو

مخطيء. وذكر غيره أنها قد تخفف وقد تحذف الواو ... )) شرح الأشموني على ألفية ابن مالك بحاشية الصبان 2/249.
(3) في ن: ((وكذلك)) ، والمثبت أليق بالسياق.
(4) رواه البخاري (6971) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البكر تستأذن)) قالت: إن البكر تستحيي قال: ((إذْنُها صُمَاتُها)) ورواه مسلم (1421) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والصُّمَات والصُّموُت هو السُّكات والسكوت وزناً ومعنىً. انظر: لسان العرب مادة " صمت ".
(5) ساقطة من ن.
(6) ليس سياق حجة الجبائي هكذا، بل هذه الحجة صالحة للقائلين بأن الإجماع السكوتي حجة وإجماعٌ مطلقاً من غير اشتراط انقراض العصر، كما قررها الشوشاوي في رفع النقاب (2/504) أما حجة الجبائي باختصار فهي: أن الساكتين إذا سمعوا الحكم وطال بهم زمان التفكير فإن اعتقدوا خلاف ما انتشر من القول فيها أظهروه إذا لم تكن تقية، فإن كانت ذكروا سببها، وإن ماتوا قبل من يَتَّقُونه صارت المسألة إجماعاً، وإن مات من يَتَّقُونه وجب أن يظهروا قولهم، فبان أنه لا يجوز انقراض العصر من غير ظهور خلافٍ لما انتشر، لهذا اشترط انقراض العصر. انظر: المغني المجلد (17) قسم " الشرعيات " للقاضي عبد الجبار ص236، المعتمد 1/67.
(7) ساقطة من س.
(8) ساقطة من س، ن.
(9) تقدَّم.
(10) هذا الحديث لا أصل له. قال ابن كثير: ((هذا الحديث كثيراً ما يلهج به أهل الأصول، ولم أقف له على سند، وسألت عنه الحافظ أبا الحجَّاج المِزِّي فلم يعرفه)) تحفة الطالب ص (145) وقال الزركشي: ((هذا الحديث اشتهر في كتب الفقه وأصوله، وقد استنكره جماعة من الحفاظ منهم المزي والذهبي، وقالوا: لا أصل له)) المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر ص (99) . وقد نبّه الحافظ بن حجر أنه من كلام الشافعي فظنَّه بعض من رأى كلامه أنه حديثٌ للنبي صلى الله عليه وسلم. انظر: موافقه الخُبْر الخَبَر (1/181) .
(2/144)

المدارك الظنية (1) .
حجة أبي علي (2) : أن الحاكم يُتْبِعُ أحكامَه ما يَطَّلع عليه من أمور رعيته (3) ، فربَّما علم في حقهم ما يقتضي عدم سماع دعواه (4) لأمر باطن يعلمه، وظاهر الحال يقتضي (5) أنه (6) مخالفٌ للإجماع، وكذلك في تحليفه وإقراره، وغير ذلك مما انعقد الإجماع على قبوله (7) ، وأما المفتي فإنما يفتي بناءً على المدارك الشرعية، وهي معلومة عند غيره، فإذا رآه خالفها نبَّهه، وأما أمور الرعية (8) وخواص أحوالهم فلا يَطّلع عليها إلا من ولي عليهم، فتلجئه الضرورة للكشف عنهم، فلا يشاركه غيره في ذلك، فلا يحسن الإنكار عليه، ثم إنه قد يرى المذهب المرجوح في حق غير هذا الخصم هو
_________
(1) وقال السخاوي: ((اشتهر بين الأصوليين والفقهاء ... ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة)) المقاصد الحسنة ص (117) .
ولكن هذا القول صحيح المعنى يشهد له حديث أم سلمة رضي الله عنها ترفعه ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضٍ، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)) رواه البخاري (6967) ومسلم (1713) وترجم له النسائي (5416) باب الحكم بالظاهر. كما يشهد له حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً عليه ((أن ناساً كانوا يُؤْخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر خيراً أَمِنَّاه وقرَّبناه وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نَأْمَنه ولم نصدّقه وإن قال: إنَّ سريرته حسنة)) رواه البخاري (2641) .
(
) ليس سياق حجة أبي هاشم هكذا كما وردت في كتب المعتزلة، بل حجته هي: أن الإجماع إنما ثبت من طريق القول أو الفعل أو الرضا به والاعتقاد له، فإذا ظهر من بعض الصحابة في الحادثة قول مخصوص، وظهر من الباقين السكوت عنه، لم يحصل فيه إجماع لا من طريق القول ولا الفعل ولا الرضا، لأن السكوت لا يعلم بمجرده الرضا. وأما أنه حجة لأن التابعين ومن بعدهم أجمعوا على الاحتجاج به، والمنع من مخالفته كالمنع من إحداث قول ثالث إذا اختلفوا على قولين. انظر: المغني المجلد (17) قسم " الشرعيات " للقاضي عبد الجبار ص237، شرح العمد 1/251، المعتمد 2/67
(2) أي: ابن أبي هريرة.
(3) في ن: ((عايبته)) ، ولست أعلم لها وجهاً.
(4) دعواه: أي دعوى الخصم.
(5) ساقطة من س.
(6) أي: أن حكم الحاكم.
(7) أي: قبول حكم الحاكم، لأن حكمه يرفع الخلاف والنزاع.
(8) في ن: ((الدعية)) وهو تحريف.
(2/145)

الراجح المتعين في حق هذا الخصم لأمر اطلع عليه، فلا يمكن الاعتراض عليه لهذه الاحتمالات (1) .
إذا قال بعض المجتهدين قولاً ولم ينتشر ولم يعلم له مخالف، هل يكون إجماعاً سكوتياً؟
ص: فإن قال بعض الصحابة قولاً ولم يُعْرف له مخالف (2) ، قال الإمام (3) : إن كان مما تَعُمُّ به البلوى (4) ، ولم ينتشر (5) ذلك القول فيهم، [ففيه مخالف لم يظهر] (6) ،
_________
(1) لكن اعترض ابن عاشور على قول المصنف هنا فقال: ((قوله (أي المصنف ... سَهْو ظاهر في تقرير حجته فالسكوت إنما كان تحاشياً للافتيات على الأمراء، لا لموافقتهم، ولا يردون أن في الإنكار فائدة؛ لأن الأحكام لا تنقض؛ ولأن الخلاف يرتفع بالحكم ... أما ما قرره المصنف فيفضي إلى أن ابن أبي هريرة يجوّز للحاكم خرق الإجماع لأمور ظنية، وهذا لا قائل به، ولو أراده المصنف لكان ذريعةً للظلمة يخرقون به الإجماعات، ولكن المصنف أجلّ من أن يقرّ هذا لو أعاد عليه النظر بعد أن سبقه القلم)) . حاشية التوضيح والتصحيح 2 / 105.
(2) الفرق بين هذه المسألة وسابقتها: أن الأولى القول فيها منتشر وظاهر، بينما في هذه لم يبلغ القول جميع المجتهدين. انظر: نفائس الأصول 6/2693، رفع النقاب القسم 2/507.
أمَّا الأقوال فيها فهي ثلاثة، لم يذكر المصنف منها سوى واحدٍ، وهي، الأول: يُلحق بالإجماع السكوتي، فيكون حكمه حجةً وإجماعاً. الثاني: لايكون إجماعاً ولاحجة، لأنه لم يبلغهم، فلو بلغهم ربما لم يسكتوا عليه. الثالث: التفصيل ـ وهو ما حكاه المصنف عن الرازي ـ فإن كان مما تعمُّ به البلوى ألْحِق بالسكوتي، لأنه لابدّ أن يكون للباقين قولٌ في المسأله لكنه لم يظهر، فيجري مجرى قول البعض بحضرة الباقين وسكوتهم عنه، وإن كان ممالا تعم به البلوى فلا يكون إجماعاً سكوتياً، أي ليس بإجماع ولا حجة، لاحتمال ذهول البعض عنه. انظر المسألة في: المعتمد 2/71، الإحكام لابن حزم 1/615، شرح اللمع للشيرازي 2/742، التمهيد لأبي الخطاب 3/330، المحصول للرازي4/159، الإحكام للآمدي 1/255، منتهى السول والأمل ص 59، التوضيح لحلولو ص283
(3) انظر: المحصول 4/159. وقد سبق تقرير مذهبه قريباً في الهامش السابق.
(4) ما تعم به البلوى هو: ما يحتاج الكل إليه حاجةً متأكدة تقتضي السؤال عنه مع كثرة تكرره، كمس الذَّكَر ونحوه. انظر: شرح جمع الجوامع بحاشية البناني 2/136، تيسير التحرير 3/112، رفع النقاب القسم 2/508.
(5) في ق: ((يَفْشُ)) .
(6) وقع في هذه العبارة اضطراب في النسخ المخطوطة للمتن والشرح، والمثبت من س، ص، و، ش، ومتن ز، ومتن د. وقريبٌ من ذلك في نسخة ن بزيادة كلمة " قول ": ((ففيه قول مخالف لم يظهر)) ..وسبب الاختيار المثبت أن المصنف قال في شرح هذا المتن ص (147) وقولي: ((فيه مخالف)) ، وهو ما أجمعت عليه نسخ الشرح، فكان ما أثبت أقرب لعبارة المصنف في شرحه. وفي ق: ((فيحتمل أن يكون فقيه مخالف لم يظهر)) . وفي متن هـ، ومتن ف ((فيحتمل أن يكون فيهم مخالف لم يظهر)) . وفي نسخة م: ((وفيهم فقيه مخالف لم يظهر)) . وفي ز: ((وبينهم وفيه مخالف لم يظهر)) .
(2/146)

فيجري مَجْرى قول البعض وسكوت البعض، وإنْ كان مما لا تعم به (1) البلوى فليس بإجماعٍ ولا حجةٍ.
الشرح
إذا كانت الفتوى مما تعم بها البلوى فإنَّ (2) سببها عامٌّ كدم البراغيث (3) وطين المطر والفِصَادة (4) وكونها تَنْقُض الطهارةَ ونحو ذلك (5) ، فشأن هذه الفتوى (6) أن تنتشر (7) بينهم لعموم سببها وشموله لهم، فإذا لم تنتشر (8) فبعضهم عنده علم تلك الفتوى لوجود سببها في حقه وهو إما موافق لما ظهر أو مخالف له.
وقولي: ((فيه مخالف)) : غير هذه العبارة أجود، بل نقول (9) : ((فيه قائل)) ، أما المخالف فلا يتعيَّن لاحتمال أنه موافق (10) .
وأما إذا لم تعم به البلوى فيتخرَّج على الإجماع السكوتي، هل هو إجماع وحجة أم
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) هنا زياد ة: ((كان)) في ق ولا وجه لها.
(3) جمع بُرْغُوث. الباء فيه مثلَّثة والأشهر الضَّم. وهي دويبة من صغار الهوامَّ، عضوض، شديد الوَثبِ، تعيش على جسم الإنسان والحيوانات اللبونة، تتغذى من الفضلات، لدغتها سامَّة، وقد تُسِّبب وباء الطاعون. انظر: تاج العروس، المعجم الوسيط كلاهما مادة " برغث "، ربيع الأبرار للزمخشري 4/478.
(4) الفِصَادة: مِنْ فَصَد يفصِد فَصْداً وفِصَاداً، وهي شَقُّ العِرْق ليسيل الدم. والفَصْد والحجامة والشَّرْط كلها تجتمع في أنها إخراجٌ للدم، لكنْ الشَّرْط: شَقُّ العِرْق طولاً، والفَصْد: شَقُّه عرضاً، والحجامة: مصُّ الدم بعد خروجه. انظر: تاج العروس مادة " فصد "، الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف بالكويت مادة
" حجامة " (17/14) ، الشرح الممتع على زاد المستنقع للشيخ محمد العثيمين 6/396.
(5) انظر أحكام المذكورات من حيث نقضها للطهارة في: الحاوي للماوردي 1/200، 295، المبسوط للسرخسي 1/85، 86، المغني لابن قدامة 2/484، 500، الذخيرة للقرافي 1/180، 193، 198.
(6) في ن: ((الفتاوى)) .
(7) في ق: ((تُفشى)) .
(8) في ق: ((تُفْشَ)) .
(9) في ن: ((يقول)) .
(10) ما كان أغنى المصنف عن هذا الاستدراك على نفسه لو أنه التزم نص عبارة المحصول (4/159) حيث قال: ((فلا بد وأن يكون لهم في تلك المسألة قول إما موافق وإما مخالف ولكنه لم يظهر)) .
(2/147)

لا؟ (1) . وهذا الذي نقلته هو قول الإمام فخر الدين في " المحصول " (2) ، ولما كان مذهبه في الإجماع السكوتي أنه ليس إجماعاً ولا حجة، [قال هنا] (3) كذلك، [وهو يتخرج] (4) على الخلاف المتقدِّم (5) .
ص: وإذا جوَّزنا الإجماع السكوتي فكثيرٌ ممن لم يَعتبر انقراض العصر في القولي اعتبره في السكوتي (6) .
الشرح
سبب الفرق أن الإجماع القولي قد صرَّح كل واحد بما (7) في نفسه، فلا معنى للانتظار، و [في السكوتي] (8) احتمال أن يكون الساكت في مهلة النظر (9) ،
_________
(1) لعلَّ هذا وقع سهواً من المصنف، لأن ما لا تعم به البلوى ولم ينتشر لا يتخرَّج على الإجماع السكوتي. وإنما الذي يتخرّج عليه هو ما تعم به البلوى ولم ينتشر، هذا ما ذكره الرازي في المحصول (4/159) . وربّما كان السبب في وقوع المصنف في هذا الوهم أن الرازي قال في الإجماع السكوتي بأنه ليس إجماعاً ولا حجة، فكذلك فيما تعم به البلوى ولم ينتشر أو ما لا تعم به البلوى. ولهذا قال حلولو: ((قول المصنف في الشرح: إن كان مما لا تعم به البلوى فيتخرج على الإجماع السكوتي ... غير صحيح، لما تقدَّم من أنَّ مثار الخلاف إنما هو بلاغ فتياه للباقين بالقيود المتقدمة، وفرض الصورة هنا إنما هو مع عدم البلاغ فلا يصح ـ ثم قال ـ وإذا لم يكن كذلك لم يكن للتفصيل بين ما تعم به البلوى وغيره معنى. والله أعلم)) التوضيح شرح التنقيح ص283. وانظر: منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2/129.
(2) انظر: المحصول 4/159.
(3) في ق: ((فهنا)) .
(4) في ق: ((فيتخرج)) .
(5) بل تتخرج المسألة حينئذٍ على مسألة قول الصحابي هل هو حجة؟ ، والله أعلم. انظر: العدة لأبي يعلى 4/1178، التبصرة ص395، إجمال الإصابة في أقوال الصحابة للعلائي ص35، إعلام الموقعين لابن القيم 4/104.
(6) سبق في مسألة حجية الإجماع السكوتي أن مذهب أبي علي الجبائي اشتراط انقراض العصر في حجية الإجماع السكوتي. وحكاه الشيرازي عن بعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره الآمدي. انظر: المعتمد 2/66، شرح اللمع للشيرازي 2/698، المحصول للرازي 4/151، الإحكام للآمدي 1/257، المسودة ص320، 335، البحر المحيط للزركشي 6/480.
(7) ساقطة من ن.
(8) ساقط من ن.
(9) حدَّها بعضهم بثلاثة أيام، والصحيح أنها تختلف باختلاف الواقعة ووضوح مستند الإجماع وغموضه، ويُجرى في ذلك مجرى العادة. انظر: التقرير والتحبير 3/135.
(2/148)

فيُنْتَظر (1) حتى ينقرض العصر، فإذا مات علمنا رضاه. قال الإمام فخر الدين: ((وهذا ضعيف؛ لأن السكوت إن (2) دل على الرضا دل في الحياة أو لايدل، فلا يدل عند الممات)) (3) .
حكم الإجماع المروي بخبر الآحاد
ص: والإجماع المرويُّ بأخبار الآحاد حجة خلافاً لأكثر الناس (4) ،
لأن هذه الإجماعات وإن لم تُفِد العلم (5) فهي تفيد الظن، والظن (6) معتبرٌ في الأحكام كالقياس وخبرالواحد (7) . غير أنَّا لا نكفِّر مخالفها (8) ، قاله الإمام (9) .
_________
(1) في س، ن: ((فينظر)) .
(2) في ن، س: ((إذا)) وهو ممكن. انظر: هامش (7) ص (16) . والمثبت هنا موافق للمحصول
4 / 151.
(3) عبارة الرازي في المحصول (4/151) أوضح مما ذكرها المصنف وهي: ((وهذا ضعيف، لأن السكوت إنْ دلَّ على الرضا وجب أن يحصل ذلك قبل الموت، وإن لم يدل عليه، لم يحصل ذلك أيضاً بالموت، لاحتمال أنه مات على ما كان عليه قبل الموت. والله أعلم)) .
(4) ممن قال بحجيته: الحنفية في المختار عندهم، والحنابلة، وبعض الشافعية كالرازي والآمدي، وبعض المالكية كالباجي وابن الحاجب، وصححه أبو الحسين البصري. وممن أنكر حجيته: بعض الحنفية وبعض المالكية كالباقلاني والغزالي من الشافعية. انظر: المعتمد 2/67، إحكام الفصول ص503، المستصفى 1/575، المحصول للرازي4/152، روضة الناظر 2/500، الإحكام للآمدي 1/281، مختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر للأصفهاني 1/614، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 529، التوضيح لحلولو 284، التقرير والتحبير 3/153، فواتح الرحموت2/301، ومنشأ الخلاف: اختلاف نظر كل فريق إلى دليل أصل الإجماع أيجوز أن يكون ظنياً أم لا؟ انظر: نهاية الوصول للهندي 6/2665.

وقول المصنف هنا ـ تبعاً للرازي ـ ((خلافاً لأكثر الناس)) فيه نظر قد تبيَّن لك وجهه عند عرض رأي القائلين بحجية الإجماع المروي بأخبار الآحاد. ولهذا جاء في المسودة ص (344) ، وكشف الأسرار للبخاري (3/485) بأن أكثر العلماء على حجية العمل بالإجماع المنقول بالآحاد.
(5) في متن هـ: ((القطع)) .
(6) في متن هـ: ((وهو)) .
(7) هنا زيادة: ((عندنا)) في ق.
(8) هذا حكم منكر الإجماع الظني المستند للآحاد، لأنه مظنون بل لا يُضَلَّل منكره، بل يجوز الاجتهاد على خلافه إذا كان مع المجتهد دليل، وستأتي هذه المسألة في آخر هذا الفصل ص 166. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 19/270، رفع النقاب القسم 2/514، التقرير والتحبير 3/153، نشر البنود2/86.
(9) ليس كل ما سبق ذكره قولاً للرازي بل عبارته تنحصر في قوله ((والإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة خلافاً لأكثر الناس)) فقط، انظر المحصول4/152.
(2/149)

الشرح
ولأنه حجة شرعية فيصح التمسك (1) بمظنونه كما يصح بمقطوعه كالنصوص والقياس.
حجة المنع: أن خبر الواحد إنما يكون حجة في السنة وهذا ليس منها، ثم الفرق أن إجماع الأمة من الوقائع العظيمة فتتوفر الدواعي على نقلها، بخلاف وقائع أخبار الآحاد، فحيث نُقِل بأخبار الآحاد كان ذلك ريبة في ذلك النقل (2) .
فإن قلت: الصحيح قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى (3) ، مع أنه مما تتوفر الدواعي على نقله، فما الفرق؟ (4) . قلتُ: الفرق أن عموم البلوى أقل من الكل قطعاً (5) .
حكم الاستدلال بدليل أو تأويل لم يتعرض أهل العصر الأول لهما في إجماعهم
ص: قال (6) : وإذا استدل أهل (7) العصر الأول (8) بدليلٍ وذكروا (9) تأويلاً،
[واستدل أهل العصر الثاني بدليلٍ آخر* وذكروا تأويلاً] (10) آخر (11) ، فلا
_________
(1) في ق: ((التمثيل)) وهو تحريف.
(2) ساقطة من ق.
(3) انظر مسألة خبر الواحد فيما تعم به البلوي ص (267) من هذا الكتاب.
(4) هذا اعتراض على حجة المنع حاصله: قولكم بأن الإجماع مما تتوفر الدواعي على نقله لانتشاره يلزم أيضاً في خبر الواحد فيما تعم به البلوي، ومع هذا فهو مقبول، فليقبل الإجماع المنقول بالآحاد إذ لا فرق.
(5) قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ((هذا نص العبارة في جميع النسخ، ولاشك أن بها نقصاً. والظاهر أن أصلها: أن عموم البلوى أقل من اتفاق الكل قطعاً ... والمراد بكونه أقل أنه أضعف من اتفاق الكل ... )) حاشية التوضيح والتصحيح 2 / 106.
(6) ساقطة من ن، والقائل هو الإمام الرازي في المحصول 4/159.
(7) ساقطة من س، ق.
(8) ساقطة من ن.
(9) لو قال المصنف ((أو ذكروا)) لكان أولى إفادةً للتنويع والتقسيم، كما هي عبارة المحصول (4/159) .
(10) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(11) مثال الدليل: كأن يجمع أهل العصر الأول على أن النية واجبة بدليل قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... } [البنية: 5] . ثم يستدل أهل العصر الثاني على وجوبها بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات ... )) رواه البخاري (1) ، ومسلم (1907) . ومثال التأويل (بمعنى التفسير) كما إذا قال المجمعون في قوله صلى الله عليه وسلم: ((وعفِّرُوه الثامنةَ بالتراب)) رواه مسلم (280) أن تأويله عدم التهاون بالسبع بأن يُنقص عنها. ويؤوله من بعدهم بأن معناه أن التراب لمَّا صحب السابعة صار كأنه ثامنة، وهناك تأويلات أخرى. انظر: سبل السلام للصنعاني 1/53. وانظر هذه الأمثلة في: حاشية البناني على شرح الجوامع2/199، سلم الوصول للمطيعي3/936، وانظر مثالاً آخر في رفع النقاب القسم 2/515.
(2/150)

يجوز إبطال التأويل القديم، وأما الجديد فإن لزم منه إبطال القديم بطل وإلا فلا (1) .
الشرح
مثاله (2) : اللفظ المُشْتَرك، يحمله أهل العصر الأول على أحد معنييه، ثم في العصر الثاني يعتبرون المعنى الآخر الذي لم يعتبره العصر الأول (3) .
قال الإمام فخر الدين: ((المشترك لا يستعمل في مفهوميه وأحدهما (4) مرادٌ، والآخر ليس بمرادٍ، فلا يستقيم اعتبار التأويلين)) (5) .
_________
(1) كان الأنسب أن تكون هذه المسألة عقب مسألة حكم إحداث قول ثالث لقرب المناسبة بينهما، كما فعل حلولو في التوضيح ص (281) .
ـ ثم إن هذه المسألة تتعلق بدليل الحكم المجمع عليه، والعادة جرت بأن يكون الإجماع على حكم، فهذا الإجماع لا تجوز مخالفته. لكن كيف يكون الأمر لو أجمعوا على دليل الحكم أو تأويلٍ ما فهل يجوز الاستدلال بدليل آخر؟
? ... تحرير محل النزاع: إذا استدل أهل العصر الأول بدليل أو ذكروا تأويلاً، فلا يخلو الحال من أحد أمور ثلاثة:
أ - أن ينصُّوا على إبطال ما عداهما، فلا يجوز حينئذٍ لمن بعدهما إحداث دليل أو تأويل، لما فيه من تخطئة
الأمة فيما أجمعت عليه.
ب - أن ينصُّوا على صحة الاستدلال بدليلٍ آخر أو ذكر تأويلٍ آخر، فيجوز لمن بعدهم إحداث دليل جديد
أو تأويل جديد.

جـ - أن يسكتوا عن الأمرين، فهذه صورة النزاع. جمهور العلماء على الجواز إذا لم يلزم منه إبطال دليل أو
تأويلٍ للعصر الأول وإلا فلا. وقلَّة من العلماء على المنع مطلقاً. وفي المسألة أقوال أخرى، ذكرها
الزركشي في البحر المحيط (6 / 514) .
انظر المسألة في: المعتمد 2/51، الوصول لابن برهان 2/113، الإحكام للآمدي 1/246، منتهى السول والأمل ص62، المسودة ص328، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 519، التوضيح لحلولو ص281، تيسير التحرير 3/253.
(2) أي مثال التأويل.
(3) ومثال اللفظ المشترك: القُرْء فهو موضوع للطُّهْر والحيض. فإذا فسَّره أهل العصر الأول بالطُّهر فلا يجوز ـ عند الرازي لأهل العصر الثاني تفسيره بالحيض، لأنه يؤدي إلى إبطال تفسير أهل العصر الأول لعدم إمكان اجتماعهما. انظر: رفع النقاب القسم 2/515.أما المصنف فإنه يرى جواز حمل المشترك على معنييه. وقدسبقت منازعة المصنفِ للرازي في هذه المسألة ص (114) من هذا الكتاب المطبوع. وانظر أيضاً: نفائس الأصول 2/740 ففيه توسُّع.
(4) في ن، س ((فأحدهما)) . والمثبت أنسب، لأن الواو حالية.
(5) انظر المحصول 4/160.
(2/151)

ويرِدُ عليه: أن مذهب الشافعي* ومالكٍ والقاضي (1) وجماعةٍ كثيرة جوازه (2) فجاز أن يعتبر العصر الأول أحد المعنيين لحضور سببه ولا يَخْطُر (3) الآخر ببالهم لعدم حضور سببه، ثم في العصر الثاني يحضر سببه فيعتبرونه (4) دون الأول، والأمة لا يلزمها علم ما تحتاجه وعلم ما لا تحتاجه فقط (5) .
قال القاضي عبد الوهاب في " الملخص " (6) : إذا استدل أهل (7) الإجماع بدليل على حكم هل (8) يجوز أن يُسْتَدَلَّ بدليلٍ آخر على ذلك الحكم؟. منعه قوم لأن استدلال الأوَّلِين يقتضي أن ما عداه خطأ. قال: والحق أنه إن فهم عنهم (9) أن ما عداه (10) ليس بدليل على ذلك الحكم (11) امتنع الاستدلال بغيره، وإلاّ فلا يمتنع، لأنه لا يجب (12) عليهم ذكر كل ما يصلح الاستدلال به. وهل يصحُّ في كلِّ دليل (13) أن يُجْمِعوا أنه (14) ليس بدليل، أو (15) يُفَصَّل في ذلك؟ فيقال: كل ما يقبل النسخ أو
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) انظر: المصادر المذكورة في هامش (1) ص (151) . وانظر أيضاً: شرح المعالم 2 / 125، بديع النظام (نهاية الوصول) لابن الساعاتي ص 311، رفع الحاجب لابن السبكي 2 / 237، أصول الفقه لابن مفلح 2 / 444.
(3) في ن: ((يحضر)) .
(4) في ن: ((فيتعين)) .
(5) انظر: النفائس الأصول6/2679.
(6) انظر قوله في: نفائس الأصول 6 / 2777، وقد جاء بعض قوله في: رفع الحاجب لابن السبكي 2 / 237 - 239، البحر المحيط للزركشي 6/516.
(7) سقطت من جميع النسخ ما خلا نسختي ص، و.
(8) هكذا في جميع النسخ، والصواب" فهل" لأن القاعدة النحوية هي: كل جوابٍ يمتنع جَعْلهُ شرطاً فإن الفاء تجب فيه، من هذه المواضع أن يكون جواب الشرط جملة طلبية والاستفهام من الجمل الطلبية. انظر: أوضح المسالك لابن هشام4/192.
(9) في ن: ((عنه)) .
(10) هنا زيادة: ((دليل)) في ن، ولا حاجة لها.
(11) في ن زيادة: ((لأن استدلال الأولين)) ولا معنى لها.
(12) في ن: ((تجب)) ، وهو تصحيف.
(13) هنا زيادة: ((كلي)) في ق ولا حاجة لها.
(14) في ن: ((بين ما)) ، وهي ليست مناسبة.
(15) الحرف ((أو)) مثبت في جميع النسخ، وهو ليس مثبتاً في نفائس الأصول (6/2777) ، فعلى حذفها يكون قوله: ((يُفصَّل ... إلخ)) جواباً لسؤاله: ((هل يصح ... إلخ)) .
(2/152)

التخصيص صحَّ إجماعهم على عدم دلالته وإلا لم يَجُزْ إجماعهم لأنه حينئذٍ* خطأ؛ لأنه لا يصح أن يخرج عن كونه دليلاً (1) .
وإذا قلنا بجواز الاستدلال بغير ما استدلوا به، فهل يجوز الاستدلال بعِدَّة أدلةٍ وإنْ كانوا هم لم يستدلوا إلا بدليل واحدٍ؟ وهل يُسْتدل بغير جنس دليلهم ولا فرق بين الجنس الواحد والجنسين (2) ؟. هذا في الأدلة.
وإنْ عللوا بعلةٍ فهل (3) لنا أن نعلل بغيرها (4) ؟. لا يخلو إما أن يكون الحكم عقلياً أو شرعياً، فإنْ كان عقلياً لم يجز بغير علتهم على أصولنا في أن الحكم العقلي لا يعلل بعلتين، بخلاف الاستدلال عليه بعلتين (5) ، ومن جوزه جوزه هاهنا (6) .
وأما الشرعي: فإنْ فرَّعنا على أنه لا يجوز تعليله امتنع، وإلا جاز بشرط أن لا تُنَافي عِلَّتُنا عِلَّتَهم إلا أن يجمعوا على عدم التعليل بغير علّتهم فيمتنع مطلقاً.
حكم إجماع أهل المدينة
ص: وإجماع أهل المدينة عند مالكٍ رحمه الله فيما طريقه التوقيف حجةٌ خلافاً للجميع (7) .
_________
(1) أي: أن الدليل مُحْكم غير منسوخ ولا مخصّص، فيصحُّ لمن بعدهم الاستدلال به، ولايصح لأهل العصر الأول أن يجمعوا على أنه ليس بدليلٍ.
(2) أي: لا فرق بين أن يكون كلا الدليلين من القرآن أو السنة أو أحدهما من أحدهما والآخر من الآخر.
(3) في ن: ((هل)) وهو خطأ سبق التنبيه عليه. انظر هامش (8) ص (152) .
(4) كأن يجعل أهل العصر الأول العلة في الربا في البر الاقتيات، يجعل آخرون بعدهم العلة الادخار. انظر: حاشية العطار على شرح جمع الجوامع 2/235.
(5) هكذا في جميع النسخ، بينما في نفائس الأصول 6/2778 ((بدليلين فأكثر فإنه يجوز)) .
(6) المراد بالعبارة: من جوَّز تعليل الحكم العقلي بعلتين جوَّز أن يُعلَّل بغير ما علَّل به أهل العصر الأول.
(7) المصنف رحمه الله تعالى لم يبسط هذه المسألة بالشرح والتفصيل مع كونها من أبرز مسائل المالكية الأصولية، كما أن قوله هنا ((خلافاً للجميع)) غير محرَّر.
انظر المسألة في: المقدمة في الأصول لابن القصار ص75، 219، 242، 311، 317. إحكام الفصول

ص 480، الضروري في أصول الفقه (مختصر المستصفى) لابن رشد ص93، نفائس الأصول 6 / 2701، تقريب الوصول لابن جُزَيّ ص337، مفتاح الوصول ص 752، التوضيح لحلولو ص284، رفع النقاب القسم 2/517، نشر البنود 2/89، منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2/130، الجواهر الثمينة لأدلة عالم المدينة حسن المشاط ص207ـ213. وانظر أيضاً: المعتمد 2/34، المحصول للرازي4/162، مجموع الفتاوي لابن تيمية 20/294 التقرير والتحبير 3/133، عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالكٍ وآراء الأصوليين د. أحمد محمد نور سيف.
(2/153)

الشرح
لنا (1) : قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ المدينة لَتَنْفِي (2) خَبَثَها كما ينفي الكِيْرُ خَبَثَ الحديد)) (3) والخطأ خَبَثٌ فوجب نفيه (4) ، ولأن أخْلافهم تَنْقُل (5) عن أسلافهم، وأبناءهم (6)
عن آبائهم، فيخرج الخبر عن حَيِّز (7) الظن والتخمين (8) إلى حَيِّز (9) اليقين. ومن الأصحاب (10) من قال: إجماعهم مطلقاً حجةٌ وإنْ كان في عَمَلٍ عَمِلُوه أو (11) في نَقْل نَقَلُوه، ويدل على هذا القسم (12) الدليل الأول دون الثاني.
احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) (13) ، ومفهومه أن بعض الأمة يجوز عليه (14) الخطأ، وأهل المدينة بعض الأمة.
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) في ق: ((تنفي)) .
(3) رواه البخاري (1871، 1883، 7209) ، ومسلم (1381، 1383) كلاهما بنحوه، والكِيْر: الزِّقُّ الذي تُنْفخ فيه النار، وكير الحدَّاد هو المبني من الطين انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر مادة " كير ".
(4) لكن المصنف في نفائس الأصول (6/2712) نفى أن يكون في الحديث دلالة على الدعوى، لأن الخبث في عُرْف الشرع هو ما نُهي عنه، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((كَسْب الحَجَّام خبيثٌ)) [رواه مسلم في كتاب المساقات حديث رقم (41) ] . والخطأ والنسيان لا يتعلَّق بهما نهيٌ ولا غيره من الأحكام الشرعية.
(5) في ن، ق: ((ينقلون)) .
(6) في ن: ((وأبناؤهم)) وهي صحيحة أيضاً، قال ابن مالك:
وجائزٌ رفْعُكَ معطوفاً على منصوبِ إنَّ بعد أنْ تَسْتكْمِلا

وأشعر قوله هذا بأن النصب هو الأصل والأرجح؛ لكونه معطوفاً على اسم إن المنصوب، انظر: شرح ابن عقيل 1/191، حاشية الصبان على شرح الأشموني على الألفية 1/420.
(7) ساقطة من س، ق. وفي ن: ((خبر)) . والمثبت من ص، و، ز، لأنه أنسب للسياق.
(8) في ن: ((التخير)) وهو تحريف.
(9) في س: ((خبر)) .
(10) وهم أكثر المغاربة. انظر: إحكام الفصول ص 480، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1/ 495 - 496.
(11) هكذا في ق، ص، وهو الصواب؛ لإفادته معنى الإطلاق. وفي باقي النسخ ((لا)) .
(12) في ق: ((التقسيم)) .
(13) تقدَّم تخريجه.
(14) في س: ((عليهم)) وهو جائز بالنظر إلى معنى " بعض الأمة "، والمثبت بالنظر إلى لفظ " بعض " في كونه مفرداً.
(2/154)

وجوابه: أن منطوق الحديث المُثْبِت أقوى من مفهوم الحديث النافي.
حكم إجماع أهل الكوفة
ص: ومن الناس (1) من اعتبر إجماع أهل (2) الكوفه (3) .
الشرح
... ... سببه أن علياً رضي الله عنه وجَمْعاً كثيراً (4) من الصحابة والعلماء كانوا بها فكان ذلك دليلاً على أن الحق لا يفوتهم (5) .
حكم إجماع العِتْرة
ص: وإجماع العترة (6)
حُجة (7)
_________
(1) لم أجدْ أحداً سمّاهم فيما وقفت عليه من كتب الأصول.
(2) ساقطة من ق.
(3) من الأصوليين مَنْ يَذْكر حِيال هذه المسألة: ((إجماع المِصْرَين)) أي: الكوفة والبصرة، و ((إجماع الحرمين)) أي: مكة والمدينة، و ((إجماع أهل الفسطاط)) . انظر: الإحكام لابن حزم1/615، المستصفى1/351، نهاية السول3/265، البحر المحيط للزركشي 6 / 449، نشر البنود2/83.
(4) في س: ((كبيراً)) .
(5) اعتراض الجمهور على هذا الاستدلال بأن أهل الكوفة أو البصرة أو غيرهم هم بعض الأمة، والإجماع لاينعقد إلا بجميع مجتهدي الأمة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) سبق تخريجه. ثم لا مزية للكوفة ونحوها من حيث الشرع إلا وجود بعض الصحابة فيها، فيؤول الخلاف إلى حجية أقوال الصحابة رضي الله عنهم. انظر: الإحكام لابن حزم1/615، رفع النقاب القسم2/522.
(6) في ق، ن: ((العشرة)) وهو تصحيف.
والعِتْرة: بكسرٍ فسكون لغةً: لها معانٍ عدة منها: أقرباء الرجل من ولدٍ وغيره ورهطه وعشيرتة
الأدنون ممن مضى. انظر: لسان العرب مادة " عتر ". وفي الاصطلاح: هم أهل بيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم أزواجه وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم. وقيل: هم بنو عبد المطلب، وقيل: هم بنو هاشم، وقيل: هم الأقربون والأبعدون، فيدخل فيهم كلُّ قرشيٍّ. انظر: النهاية في غريب الحديث

والأثر مادة " عتر " لابن الأثير، فتح القدير للشوكاني 4/271، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 4/359، نفائس الأصول 6/2716، 2722، رفع النقاب القسم2/522، منهاج الوصول للمهدي بن المرتضى (زيدي) ص 619.
(7) ساقطة من جميع نسخ الشرح والمتن ما عدا النسختين: ق، ص.
(2/155)

عند الإمَامِيَّة (1) (2) .
الشرح
... ... لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (3) والخطأ رجْسٌ، فوجب نفيه.
وجوابه: أن الرجس ظاهر في المعصية (4) ، والاجتهادُ الخطأُ (5) ليس بمعصية، ولأن
_________
(1) الإمَامِيَّة: هي فرقة كبيرة من فرق الشيعة، بل يكاد يطلق اسم الرافضة والشيعة عليهم، ويُسمَّون: بالجَعْفَرِيَّة نسبة إلى جعفر الصادق، وبالاثني عشرية، لأنهم يقصرون الإمامة على اثني عشر إماماً، ابتداءً بعليِّ رضي الله عنه وأولاده وأحفاده وانتهاءً بالمهدي المنتظر. ويقابل هذه الفرقة: الزيدية والإسماعيلية. وسُميت الإمامية بذلك لقولهم بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمانٍ، وبالعصمة له. وهم أكبر فرق الرافضة اليوم، ويقطنون إيران والعراق وباكستان وما جاور الخليج العربي. انظر: الملل والنحل للشهرستاني 1/189، موسوعة الفرق الإسلامية د. محمد جواد مشكور (رافضي) ص 121، مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة د. ناصر القفاري 2/171، فرق معاصرة د. غالب عواجي 1/170.
(2) وممن قال بإجماع العترة: الزيدية، وجاء في المسودة ص (333) ((وقد ذكر القاضي في المعتمد هو وطائفة من العلماء أن العترة لا تجتمع على خطأ)) . انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية 7/ 395، وانظر: عدة الأصول للخراساني (رافضي) ص 288، أصول الفقه لمحمد الرضا المظفر (رافضي) 2/91، الفصول اللؤلؤية في أصول فقه العترة النبوية للقاضي إبراهيم الهادي (زيدي) ص228، البحر الممحيط للزركشي6/450.
قال المهدي بن المرتضى (زيدي) ((وفي هذه الحكاية (أي حجية إجماع العترة) عن الإمامية نظر، لأن الحجة عندهم إنما هي في قول المعصوم، يعني الإمام، فانضمام العترة إليه لا يكمِّله، وانفرادهم عنه لا ينقصه. فهذه الرواية لا تصح على مذهبهم. نعم ذكر الشريف المرتضى أن إجماع الإمامية حجة، لأنهم إذا أجمعوا على الخطأ وجب ظهور الإمام)) منهاج الأصول إلى معيار العقول ص 621.
(3) الأحزاب، الآية: 33.
(4) الرجس: هو اسم لكلِّ ما يُسْتقذر من عملٍ، ويطلق على القذر، والعذاب، والشك، والمأثم (المعصية) . انظر: لسان العرب مادة: " رجس "، عمدة الحفاظ 2/72، تفسير البحر المحيط لأبي حيان 7/224.
(5) ساقطة من ق.
(2/156)

صيغة الحصر متعذرة في ذلك (1) ، لأن إرادة الله تعالى شاملة لجميع أجزاء العالم، فيتعين إبطال الحقيقة، ووجوه المجاز غير منحصرة، فيبقى مُجْملاً، فسقط الاستدلال به (2) (3) .
حكم إجماع الخلفاء الراشدين
ص: وإجماع الخلفاء الأربعة حجة (4) عند أبي خازم (5) ، ولم يعتدَّ بخلاف زيد بن ثابت في توريث ذوي الأرحام (6) .

الشرح
... ... مستنده (7) : قوله عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي عضُّوا عليها بالنواجذ)) (8) وهذه صيغةُ تخصيصٍ تفيد الأمر
_________
(1) أي يتعذَّر حمل صيغة الحصر على إذهاب الرجس بمعنى الخطأ، لأن الله تعالى كتب على بني آدم وقوعهم في الخطأ، قال صلى الله عليه وسلم: ((كل بني أدم خطاء)) . رواه الترمذي (2499) ، ابن ماجه (4251) وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح 2 / 724.
(2) ساقطة من ق.
(3) وجواب آخر هو: أن الله كتب العصمة لمجموع الأمة، والعِتْرة هم بعض الأمة فلا إجماع. انظر: نهاية الوصول للهندي 6/2588، التوضيح لحلولو ص285، فواتح الرحموت2/286، إرشاد الفحول1/323.
(4) ساقطة من س. وحجية إجماع الخلفاء الأربعة رواية عن الإمام احمد وقال به أبو حازم من الحنفية كما سيأتي. انظر: العدة لأبي يعلى4/1198، أصول السرخسي 1/317 المسودة ص 340، تيسير التحرير 3/242، فواتح الرحموت 2 / 289.
(5) في ق: ((أبي هاشم خازم)) وإقحام هاشم هنا خطأ. وفي سائر نسخ الشروح والمتن بالحاء المهملة. والذي في أكثر كتب التراجم بالخاء المعجمة. وترجمته: هو عبد الحميد بن عبد العزيز البغدادي، كان ورعاً ذكياً عالماً بمذهب أبي حنيفة، ولي قضاء الشام والكوفة والكَرْخ، وكان شديداً على الأمراء. من كتبه: المحاضر والسجلات، أدب القاضي، الفرائض. ت 292هـ. انظر: الفوائد البهية ص86، الجواهر المضية1/296، الطبقات السنية4/267.
(6) ذكر الجصاص قصة أبي خازم مع الخليفة العباسي المعتضد بالله، وفيها أن أبا خازم حكم بردِّ أموالٍ تحصلَّت في بيت المال إلى ذوي الأرحام فهم أولى بها، فأنفذ المعتضد قضاءه وكتب به إلى الآفاق. انظر: الفصول للجصَّاص 3 / 302، كتاب الإجماع لأبي بكر الجصاص تحقيق زهير شفيق كبي ص183، وانظر: المبسوط للسرخي30/2، البداية والنهاية 11/78. ومسألة توريث ذوي الأرحام والخلاف فيها سبق الإشارة إليها.
(7) ساقطة من ن.
(8) هذا الحديث جزء من حديثٍ طويلٍ للعِرْبَاض بن سارية رضي الله عنه يرفعه. أخرجه أبو داود (4607) ، والترمذي (2676) ، وابن ماجه (43) ، والحاكم في مستدركه (1/95) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1/13) وإرواء الغليل 8/107.
(2/157)

باتباعها (1) واتباعهم (2) وهو المطلوب.
والجواب: أنه محمول على [اتباعهم للسنن] (3) والكتاب العزيز، ونحن نفعل ذلك (4) .
حكم إجماع الصحابة مع مخالفة التابعي
ص: قال الإمام (5) : وإجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين ليس بحجة (6) ، خلافا لقوم (7) .
الشرح
... ... لأن التابعين إذا حصل لهم أهلية الاجتهاد في زمن الصحابة بقى الصحابةُ بعضَ الأمة، وقولُ بعض الأمة ليس بحجة. قال القاضي عبد الوهاب: ((الحق التفصيل: إن حدثت (8) الواقعة قبل أن يصير التابعي مجتهداً، وأجمعوا على الفتيا فيها فلا عبرة بقوله (9) ، أو اختلفوا أو كانوا متوقِّفين (10) ، فإن اختلفوا امتنع عليه إذا صار مجتهداً إحداثُ قولٍ ثالثٍ، وإن توقَّفوا (11) فله أن يفتي بما يراه، فهذه ثلاثة أحوال. وإن
_________
(1) في ن: ((باعتبارها)) .
(2) ساقطة من ن.
(3) في ن: ((إتباع السنن)) .
(4) وجواب آخر وهو: أن العصمة إنما تكون لجميع الأمة، والخلفاء الراشدون هم بعض الأمة. انظر: شرح اللمع للشيرازي 2/715، التمهيد لأبي الخطاب3/280، التقرير والتحبير 3/131، رفع النقاب القسم 2/256، نثر الورود 2/430.
(5) انظر: المحصول للرازي 4/177.
(6) هذا مذهب الجمهور. انظر: إحكام الفصول ص 464، التبصرة ص 384، التمهيد لأبي الخطاب 3 / 267، بذل النظر ص 543، مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2/35.
(7) منهم: ابن خويز منداد من المالكية، وابن بَرْهان من الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وداود الظاهري. انظر إحكام الفصول ص 464، روضة الناظر2/460، المسودة ص333، البحر المحيط للزركشي6/435.
(8) في ق: ((كانت)) .
(9) هذا الرأي لمن لا يقول باشتراط انقراض العصر. أما من يشترط انقراض العصر فإنه يعتبر خلاف التابعي، فلا ينعقد إجماع الصحابة إذا أدركهم. انظر: الإحكام للآمدي1/240.
(10) في ن: ((متفقين)) وهو تحريف.
(11) في ن: ((اتفقوا)) وهو خطأ لإخلاله بالمعنى المراد.
(2/158)

حدثتْ بعد أن صار من أهل الاجتهاد فهو كأحدهم)) (1) . فصار للمسألة حالتان، في إحداهما (2) ثلاث حالات (3) .
حجة المخالف: قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (4) ولو لم يكونوا عدولاً ما (5) رضي عنهم (6) .
ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((لو أنفق أحدكم (7) مِلْءَ الأرض ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه)) (8) (9) .
والجواب عن الأول: أن الآية تقتضي (10) عدمَ المعصية، وحصولَ الطاعة في البيعة (11) ، ولا تعلَّق لذلك بالإجماع (12) .
_________
(1) انظر قوله في: شرح مختصر الروضة للطوفي 3 / 62، وأشار إليه الزركشي في البحر المحيط 6 / 436.
(2) في س: ((أحدهما)) وهو خطأ نحوي، لأن المعدود مؤنث فتجب الموافقة. انظر: شرح ابن عقيل 1/524
(3) انظر: رفع النقاب القسم 2/529.
(4) الفتح، من الآية: 18.
(5) في س، ق: ((لما)) وكلاهما جائز وإن كان الغالب في جواب " لو " الماضي المنفيّ تجرده من اللاّم. انظر: مغني اللبيب لابن هشام 1 / 517. وذكر الأستاذ/ عباس حسن في: " النحو الوافي " (4/498) عن بعض النحاة أن هذه اللام تسمى: ((لام التسويف)) .
(6) هذا الدليل الأول للمخالف. وبقية وجه الدلالة: فإذا كانوا عدولاً كان إجماعهم حجةً.
(7) في ن: ((أحدهم)) وقد جاءت رواية فيها هذا اللفظ، وعلى هذه الرواية يكون اللفظ الآخر في الحديث
((أحدكم)) بدلاً من ((أحدهم)) وسياق هذه الرواية هو: عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنحن خيرٌ أم مَنْ بعدنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أنفق أحدهم أُحُداً ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدكم ولا نصيفه)) رواه الإمام أحمد (6/6) وبتحقيق أحمد شاكر برقم (22715) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/16) ((وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح)) . ويتقوى الحديث بشواهده.
(8) لم أجده بهذا اللفظ، وبلفظٍ مقاربٍ له عند البخاري (3673) ومسلم (2541) عن أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)) .
(9) هذا الدليل الثاني للمخالف.
(10) في س: ((يقتضي)) وهو خطأ. انظر: هامش (6) ص 109.
(11) في ن، ق: ((التبعية)) وهو تحريف.
(12) جواب الرازي في المحصول (4/180) : أن الآية مختصة بأهل بيعة الرضوان، وبالاتفاق لا اختصاص لهم بالإجماع.
(2/159)

وعن الثاني: أنه يقتضي أن يكون قول كل واحد حجة، وأنتم لا تقولون به (1) .
هل يعتبر أهل البدع من أهل الإجماع؟
ص: قال (2) : ومخالفة مَنْ خالَفَنا في الأصول (3) إن كفَّرناهم لم نعتبرهم (4) ، ولا يَثْبُت تكفيرهم بإجماعنا، لأنه فرع تكفيرهم، فإن (5) لم نكفرهم اعتبرناهم (6) .
الشرح
... ... لا نعتبر (7) الكفار في الإجماع، لأن العصمة (8) ثبتت لهذه الأمة (9) وليس من جملتها الكفار، لأن المقصود بالعصمة (10) من اتصف بالإيمان، لا من بُعِثَ له عليه الصلاة والسلام (11) .
_________
(1) في نفائس الأصول (6/2728) جواب آخر وهو: إن هذا الحديث يقتضي أن مواهب الله تعالى وثوابه للسابقين أكثر، ولا يقتضي أنه معصوم من الخطأ بدليل أن عوام الناس لم يبلغ أحدهم نصف حال مالكٍ
والشافعي ونحوهما، ومع ذلك فليس قول كل واحدٍ منهم حجة.
(2) أي الإمام الرازي في المحصول 4/180. والنقل هنا بالمعنى.
(3) أي: في أصول الدين والعقائد.
(4) في ق: ((نقبلهم)) . والمراد بقوله: ((لم نعتبرهم)) أي في الإجماع.
(5) في ن: ((وإن)) بالواو.
(6) في المسألة أقوال أخرى منها: لا يُعْتبر بهم مطلقاً سواء كفَّرناهم أم بدَّعْناهم، لعدم اتصاف المجتهد الفاسق أو المبتدع بالعدالة. قال الأستاذ أبو منصور: ((قال أهل السنة: لا يعتبر في الإجماع وفاق القدرية والخوارج والرافضة ... )) البحر المحيط للزركشي (6/419) . وهو رأي جمهور الأحناف وبعض الحنابلة وبعض الشافعية وحكي عن مالك، وذكر أبو ثور بأنه قول أئمة أهل الحديث، وعزاه الجويني وابن السمعاني إلى معظم الأصوليين. ومن الأقوال في المسألة: أن المخالف يُعْتبر في حق نفسه خاصةً دون غيره. ومنها: التفريق بين الداعية لبدعته فلا يُعْتدّ به في الإجماع أو غيره فيعتدَّ به. انظر المسألة بأقوالها وتفصيلها في: الإحكام لابن حزم 1/629، إحكام الفصول ص 464، البرهان للجويني 1/441، أصول السرخسي1/311، قواطع الأدلة للسمعاني 3/254، المستصفى 1/343، التمهيد لأبي الخطاب3/252، الوصول لابن برهان2/86، الإحكام للآمدي 1/229، كشف الأسرار للبخاري3/439، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 485، التوضيح لحلولو ص286، شرح الكوكب المنير2/228، نشر البنود2/78.
(7) في ن، س: ((لا يعتبر)) .
(8) في س: ((المعصية)) وهو تحريف فاحش.
(9) أي أمة الإجابة. قال صدر الشريعة المحبوبي: ((والمراد بالأمة المطلقة: أهل السنة والجماعة، وهم الذين طريقتهم طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه دون أهل البدع)) التوضيح مع التلويح للتفتازاني 2 / 107.
(10) في س: ((المعصية)) وهو تحريف شنيع.
(11) وهم أمة الدعوة.
(2/160)

وأهل البدع (1) اختلف العلماء في تكفيرهم (2) نظراً (3) لما يلزم من مذهبهم من الكفر الصريح، فمن اعتبر ذلك وجعل لازم المذهب مذهباً (4) كَفَّرهم، ومن لم [يجعل لازم المذهب مذهباً] (5) لم يُكفِّرهم، فلهذه القاعدة (6) لمالكٍ والشافعي وأبي حنيفة والأشعري (7)
والقاضي في تكفيرهم قولان (8) ، فحيث بنينا على أنهم كفار ينبغي أن
_________
(1) قال ابن تيمية رحمه الله: ((والبدعة التي يُعدُّ بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتُها للكتاب والسنة كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة" مجموع الفتاوى 35/414.
(2) باب التكفير والتفسيق والتبديع خطر جداً، زلَّتْ فيه أقلام وأقدام، وطاشت فيه أحلام وأفهام، ووقعت فيه فتن عظام. والناس في تكفير أهل البدع طرفان ووسط. أما الطرفان فأحدهما: نفي التفكير مطلقاً عن أحد من أهل القبلة؛ وثانيهما: القول بالتكفير مطلقاً. أما الوسط فهو التفصيل في المسألة وذلك بأن أهل البدع ليسو على درجةٍ واحدةٍ من حيث البدعة ومن حيث توافر الشروط وانتفاء الموانع. انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص 432، موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء د. إبراهيم الرحيلي 1/163.
(3) ساقطة من ن.
(4) في ن: ((مذهب)) وهو خطأ نحوي، لأن الصواب أن تكون مفعولاً ثانياً لـ" جعل ".
(5) ما بين المعقوفين: ((يعتبره)) في ق.
(6) هذه العبارة في س كتبت ((وهذه هي القاعدة ولمالك والشافعي ... إلخ)) . وفي ن: ((وهذه القاعدة لمالك والشافعي ... إلخ)) والمثبت من ق.
(7) هو أبوالحسن علي بن إسماعيل الأشعري، يرجع نسبه إلى أبي موسى الأشعري، إليه تنسب الأشاعرة. كان معتزلياً، ثم انتقل إلى الأشعرية وأخيراً استقر حاله على مذهب السلف أهل الحديث. قيل: إنه مالكي، وقيل: شافعي، وقيل: كان مستقلاً في استنباط الأحكام. من تآليفه: إثبات القياس، الإبانة في أصول الديانة (ط) مقالات الإسلاميين (ط) . ت 324هـ..انظر: الديباج المذهب ص 293، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 3/247، وفيات الأعيان 3/284، وله ترجمة حافلة في كتاب: موقف ابن تيمية من الأشاعرة
د. عبد الرحمن المحمود 1/337.
(8) يبحث الأصوليون قاعدة: ((لازم المذهب)) في أبواب الاجتهاد والتقليد. انظر مثلاً: التبصرة ص 517، التمهيد لأبي الخطاب 4/368، تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهد من الأقوال د. عياض السلمي ص (88) . وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/217) : هل لازم المذهب مذهب أم لا؟ فأجاب: الصواب؛ أن مذهب الإنسان ليس بمذهبٍ له إذا لم يلتزمه ـ ثم قال ـ ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة ... الخ)) . وانظر: الشفا للقاضي عياض 2/586 ـ 625، مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/41، توضيح المقاصد شرح قصيدة ابن القيم للشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى 2/394، نواقض الإيمان الاعتقادية د. محمد الوهيبي 2/35.
(2/161)

يثبت ذلك بدليل غير إجماعنا، فإن إجماعنا لا يكون حجة على تكفيرهم، إلا (1) إذا كنَّا نحن كلَّ الأمة، ولا نكون (2) نحن [كل الأمة] (3) حتى يكون غيرنا كفاراً (4) ، فيتوقف كون إجماعنا حجة على كونهم كفاراً (5) ، ويتوقف كونهم كفاراً (6) على إجماعنا، فيتوقف* كل واحد منهما على الآخر، فيلزم الدور (7) .
هل ينعقد الإجماع بالأكثر مع مخالفة الأقل؟
ص: ويعتبر (8) عند أصحاب مالك رحمه الله مخالفة الواحد في إبطال الإجماع (9) خلافاً لقوم (10) .
_________
(1) في س: ((إذا)) وهو خطأ لأنه تكرار، ولاختلال المعنى.
(2) ساقطة من ق.
(3) في ق: ((كلها)) .
(4) في س: ((كافرا)) وهو صحيح أيضاً، وفي ن: ((كافر)) وهو خطأ نحوي، لأن خبر كان حقُّه النصب.
(5) في س، ن: ((كفار)) وهو خطأ نحوي، لأن خبر كان حقه النصب.
(6) هذه العبارة في س: ((فيتوقف تكفيرهم ... إلخ)) وفي ن: ((كفار)) وهو خطأ نحوي؛ لأن خبر " كون " حقه النصب.
(7) انظر: نفائس الأصول 6/2830
(8) هذه المسألة عنوانها: هل ينعقد الإجماع بالأكثر مع مخالفة الأقل؟. ذكر المصنف في المتن مذهبين تبعا للمحصول (4/181) . وزاد في الشرح مذهبين. وفي نفائس الأصول (6/2734) حكى خمسة مذاهب نقلاً عن الإحكام للآمدي (3/235) .
(9) وهو قول جماهير الأصوليين والفقهاء وبعض المعتزلة. انظر: شرح العمد 1/183، الإحكام لابن حزم 1/591، إحكام الفصول ص 461، أصول السرخسي 1/316 التمهيد لأبي الخطاب 3/260، نهاية الوصول 6/2614، كشف الأسرار للبخاري 3/453، التوضيح لحلولو ص286.
(10) وهو قول كثير من معتزلة بغداد، ورواية عن ابن حنبل في مقابل الأصح. انظر: شرح العمد 1/183، العدة لأبي يعلى 4/1118، البرهان 1/460، المسودة ص329، جامع الأسرار للكاكي 3/944، التقرير والتحبير 3 / 124. ولقد أوصل ابن السبكي الخلاف في المسألة إلى تسعة أقوال، والزركشي إلى عشرة. انظر: رفع الحاجب لابن السبكي 2 / 183، البحر المحيط 6/430، منها: أن اتفاق الأكثرية مع مخالفة الأقل يكون حجة لا إجماعاً، اختاره ابن الحاجب في منتهى السول والأمل ص (56) ، والشريف التلمساني في مفتاح الوصول ص (748) . ومنها: إن سَوَّغ الأكثرُ اجتهادَ الأقل كخلاف أبي بكرٍ رضي الله عنه في مانع الزكاة، وابن عباس رضي الله عنه في العول فلا إجماع، وإن لم يُسَوِّغه كخلاف ابن عباس رضي الله عنه في نكاح المتعة، وربا الفضل فلا تضرُّ مخالفته الإجماع، وبه قال الجصاص. انظر: الإجماع للجصاص تحقيق زهير كبي ص 177 ـ 183.
(2/162)

الشرح
... قال القاضي عبد الوهاب (1) : إذا خالف الواحد والاثنان ومَنْ قَصُر عن عدد التواتر فلا إجماع حينئذٍ. وقال قوم لا يضرُّ (2) الواحد والاثنان. وحكى عن بعض أصحابنا (3) وعن بعض المعتزلة (4) : لا يضرُّ مَنْ قَصُر عن عدد التواتر، وقاله أبو الحسين (5) الخيَّاط (6) من المعتزلة. وقال ابن الإخْشَاد (7) : لا يضر الواحد والاثنان في أصول الدين وما يتعلق بالتأثيم والتضليل، بخلاف مسائل الفروع (8) .
حجة الجواز (9) : قوله (10) عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بالسواد الأعظم)) (11) .
_________
(1) انظر هذا النقل عنه في: شرح مختصر الروضة للطوفي 3/55، التوضيح لحلولو ص 286.
(2) في ق: ((لا يعتبر)) .
(3) كخويز بن منداد: انظر: إحكام الفصول ص461، رفع النقاب القسم 2/535.
(4) انظر: المعتمد 2/29.
(5) في ن: ((الحسن)) وهو تحريف.
(6) هو أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخيَّاط، رأس الفرقة " الخيَّاطية " من المعتزلة، وأستاذ أبي القاسم الكعبي البلخي المعتزلي. من كتبه: الانتصار في الرد على ابن الراوندي الملحد (ط) . ت 300هـ وقيل: 290هـ. انظر: طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ص296، الملل والنحل للشهرستاني 1/89.
(7) هو أحمد بن علي بن بيغجور، أبوبكر الإخْشَاد، ويقال: الإخْشِيد، ويروى بالذال المعجمة في اللفظين. أحد رؤوس المعتزلة، بل إمام وقته، صاحب معرفة بالعربية والفقه. من كتبه: المعونة في أصول الفقه، كتاب الإجماع، مختصر تفسير الطبري. ت 326 هـ. انظر: الفهرست لابن النديم ص303، طبقات المعتزلة ص100، لسان الميزان للذهبي 1/231.
(8) انظر قوله في: شرح مختصر الروضة للطوفي 3/55، البحر المحيط للزركشي 6/433، رفع النقاب القسم 2/535.
(9) هذه أدلة المجوزين لانعقاد الإجماع مع مخالفة الواحد.
(10) هذا الدليل الأول.
(11) الحديث قطعة من حديث ابن ماجه (3950) عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)) وضعفه البوصيري. انظر: سنن ابن ماجه تحقيق خليل شيخا (4/327) . وقال الألباني: ((ضعيف جداً)) ضعيف سنن ابن ماجه ص318.
وعبارة ((السواد الأعظم)) جاءت في حديث الافتراق من حديث أبي أمامة مرفوعاً ((تختلف هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة)) قال: انعتهم لنا. قال: ((السواد الأعظم)) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة رقم (68) ، والبيهقي في سننه 8/188. وإسناده حسن. انظر: نصح الأمة في فهم أحاديث افتراق هذه الأمة لسليم الهلالي ص19.
أما وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتباع السواد الأعظم، والسواد الأعظم هم الأكثر، فيكون قولهم حجة. انظر: منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2/132.
(2/163)

ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ينكرون على الواحد والاثنين المخالفة لشذوذهم (1) .
ولأن اسم الأمة لا ينخرم بهم كالثور الأسْود - فيه شعرات بيض - لا يخرج عن كونه أسْود (2) .
ولأنه إذا كان (3) الإجماع حجة وجب أن يكون معه من يجب عليه الانقياد له (4) .
وجوابهم (5) عن الأول: أن ذلك يفيد غلبة الظن مع الأكثر (6) ، وأما الإجماع والقطع بحصول العصمة فذلك لا يفيده (7) . وعن الثاني: أن الإنكار وقع منهم لمخالفة الدليل الذي عليه الجمهور لا لخرق الإجماع. وعن الثالث: أن اسم الأسود حينئذٍ إنما يصدق مجازاً، بل الأسود بعضه، وكذلك الأمة لا يصدق على بعضها إلا مجازاً. وعن الرابع: أن المنقاد للإجماع (8) مَنْ بعدهم، ومِنْ عَصْرِهم (9) مَنْ (10) ليس له أهلية النظر، والنزاع هاهنا فيمن له أهلية النظر (11) .
_________
(1) هذا الدليل الثاني.
(2) هذا الدليل الثالث.
(3) في ق: ((قال)) وهو تحريف.
(4) هذا الدليل الرابع، ومعناه: لكي يكون الإجماع حجة فلا بد من وجود مخالف له، وإلا لما تحققت هذه الحجية.
(5) أي: جواب المانعين للإجماع إذا وجد المخالف عن أدلة المجوِّزين.
(6) ومع ذلك قد يفوتهم الحق ويصير مع الأقل. فالجماعة ما وافق الحق ولو كان وحده.
(7) وهناك جواب آخر لطيف ذكره الجويني في التلخيص 3/68. قال: ((ليس المعنى بقوله: ((عليكم بالسواد الأعظم)) التعرض للإجماع والاختلاف الراجع إلى مسائل الفروع التي الاختلاف فيها رحمة، وإنما أراد بذلك ملازمة جماعة الأمة وترك اقتفاء المبتدعة في عقائدها)) .
(8) في س: ((لإجماع)) .
(9) في ق: ((يحضرهم)) ، وفي ص: ((عاصرهم)) .
(10) في ن، ق: ((ممن)) .
(11) معنى هذا الجواب: أن الإجماع يكون حجة على المخالف إذا كان بعد انعقاده، ويكون حجة في عصر المجمعين على العوام ممن ليس لهم أهلية النظر. ومحل النزاع فيما إذا خالف المجتهد في وقت اجتماع الباقي على حكم المسألة.
(2/164)

حجة المنع: أن الأدلة إنما (1) شهدت بالعصمة لمجموع الأمة، والمجموع ليس بحاصلٍ فلا تحصل العصمة (2) .
حجة الفَرْق: أن أصول الديانات مداركها نظرية، والعقول قد تَعْرِض لها الشبهات، فلا يقدح ذلك في الحق الواقع للجمهور، ومدرك الفروع (3) (4) سمعي واجب النقل والتعلم (5) ، [وحصوله واجب] (6) على كل مجتهد، فما خالف الاثنان إلا لمدرك صحيح.
وجوابه*: كما تعرض الشبهة في العقليات تعرض في السمعيات، من جهة دلالتها ومن جهة سندها (7) ، ومن جهة [ما يعارضها بنسخها وغيره] (8) ، فالكل سواء.
تقدُّم الإجماع على الكتاب والسنة والقياس
ص: وهو (9) مُقدَّم (10) على الكتاب والسنة والقياس.
الشرح
... ... لأن الكتاب يقبل النسخ والتأويل (11) وكذلك السنة. والقياس يحتمل قيام
_________
(1) في س: ((إذا)) .
(2) ذكر الجويني في التلخيص (3/63) ، والشوشاوي في رفع النقاب القسم (2/536) : بأن أقوى دليل وأوضحه في المسألة أن ابن عباس رضي الله عنه خالف الصحابة في مسألة العول ولم يعدُّوه خارقاً للإجماع. انظر: المحلى لابن حزم 9/262.
(3) في ن: ((الفرق)) وهو تحريف.
(4) هنا زيادة ((غير)) وهي خطأ، لانقلاب المعنى المذكور.
(5) في ن: ((التعليم)) .
(6) ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(7) مطموسة في ن.
(8) ما بين المعقوفين كتب في ق: ((تعارضها ونسخها وغير ذلك)) وهو سائغ متجه أيضاً.
(9) أي: الإجماع، والمراد به الإجماع القطعي، كما سيذكره المصنف في الشرح. ووجه تقدمه على الأدلة الأخرى أن دلالته على الحكم قطعية، وليس المراد بتقدمه من حيث الرُّتْبة.
قال حلولو في التوضيح ص287: ((الصواب ذكر هذه المسألة في الترجيح كما يفعل غير المصنف)) .
(10) في ق: ((متقدم)) .
(11) التأويل: لغة: الرجوع، مِنْ آل يؤول أوْلاً. انظر: معجم المقاييس في اللغة مادة " أول ".
واصطلاحا: صرف الكلام عن ظاهره إلى محتمل مرجوح لدليلٍ. انظر: الحدود للباجي ص 45، التعريفات ص77، شرح الكوكب المنير 3/360
(2/165)

الفارق وخفاءَ هُ الذي مع وجوده يبطل القياس وفواتَ شرطٍ من شروطه (1) ، والإجماع معصوم قطعي ليس فيه احتمال، وهذا الإجماع المراد به (2) هاهنا هو الإجماع النطقي (3) القطعي (4) المشاهد، أو المنقول بالتواتر، وأما أنواع الإجماع الظنية كالسكوتي (5) ونحوه (6) ، فإنَّ الكتاب قد يُقَدَّم عليه.
حكم المخالف أو المنكر للإجماع القطعي
ص: واخْتُلف في تكفير مُخَالِفِه (7) بناءً على أنه قطعيٌّ (8) وهو الصحيح، ولذلك يَتَقَدَّم (9) على الكتاب والسنة، وقيل: ظني (10) .
_________
(1) انظر شروط القياس في: المعتمد 2/244، تقريب الوصول ص352، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص142، تيسير التحرير 3/278.
(2) ساقطة من ن، ق.
(3) ساقطة من س.
(4) في س، ن: ((اللفظي)) .
(5) في ن: ((كالسكوت)) .
(6) كالإجماع القولي المروي بطريق الآحاد، والإجماع الذي وقع بعد خلافٍ مستقِرٍّ، والإجماع الذي لم ينقرض فيه المجمعون. انظر: الإحكام للآمدي 3/181، التقرير والتحبير 3/151، فواتح الرحموت 2/303.
(7) تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على تكفير منكر ما عُلِم من الدين بالضرورة، وهو ما اشترك خاصة المسلمين وعامتهم في معرفة أنه من دين الإسلام، كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وحرمة الزنا والقتل ونحو ذلك، فهذا القسم خارج عن الكلام في حكم منكر الإجماع، لأن المراد بحكم الإجماع القطعي أثره الثابت به، ومنكر ما علم من الدين بالضرورة وإن كان مجمعاً عليه، لكنه ليس أثراً خاصاً بالإجماع القطعي. أما المجمع عليه القطعي ولم يعلم من الدين بالضرورة فالمشهور فيه ثلاثة أقوال: الأول: تكفير منكره، وهو قول الحنفية والجويني، لأنه بمثابة إنكاره الشرع الثابت. الثاني: لا يَكْفُر منكره وهو قول كثير من الأصوليين والمتكلمين، لأن طريق ثبوت الإجماع ظني. الثالث: التفريق بين إجماع الصحابة فيكفر منكره، وإجماع غيرهم فلا يكفر، قال به البزدوي من الأحناف. وبهذا يُعلم أن منشأ الخلاف في التكفير هو طريق ثبوت الإجماع، فمن أثبته بطريق القطع قال بتكفير منكره وإلا فلا. انظر: البرهان 1/462، المنخول ص309، شرح مختصر الروضة للطوفي 3/136، كشف الأسرار للبخاري 3/479، بيان مختصر ابن الحاجب للأصفهاني 1/617، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 44، التلويح للتفتازاني 2/108، البحر المحيط للزركشي 6/496، التوضيح لحلولو ص287، تيسير التحرير 3/258 حاشية البناني على شرح جمع الجوامع 2/202، نشر البنود 2/95.
(8) هنا زيادة: ((أوظني)) في س وهي زيادة غير صحيحة، لإخلالها بالمعنى.
(9) في متن هـ، ق: ((يقدم)) .
(10) قاله الرازي في المحصول 4/210، والطوفي في شرح مختصر الروضة 3/139.
(2/166)

الشرح
تكفير المخالف له إن قلنا به فهو مشروط بأن يكون المجمع عليه ضرورياً
من الدين، أما من جحد ما أُجْمِع عليه من الأمور الخفية في (1) الجنايات وغيرها [من الأمور] (2) التي لا يَطَّلع عليها ألا المتبحِّرون في الفقه فهذا لا نكفره (3) ، [إذا عُذِر] (4) بعدم الاطلاع على الإجماع.
سؤال: كيف تكفِّرون مخالف الإجماع*، وأنتم لا تكفِّرون جاحد أصل الإجماع كالنظَّام والشيعة وغيرهم، وهم أولى بالتكفير (5) ؛ لأن جحدهم يشمل كل إجماعٍ بخلاف جاحد إجماعٍ خاصٍّ لا (6) يتعدَّى جحدُه (7) ذلك الإجماع في مخالفة حكمه؟ (8) .
جوابه: أن الجاحد لأصل الإجماع لم يستقرَّ (9) عنده حصول الأدلة السمعية الدالة على وجوب متابعة الإجماع، فلم (10) يتحقق منه تكذيب صاحب الشريعة، ونحن إنما نكفر من جحد حُكْماً مجمعاً عليه ضرورياً من الدين، بحيث يكون الجاحد ممن يتقرَّر عنده أن خطاب الشارع ورد بوجوب متابعة الإجماع، فالجاحد على هذا التقرير يكون مكذِّباً لتلك النصوص، والمكذِّب كافرٌ، فلذلك كفَّرناه، فظهر الفرق.
_________
(1) في ن: ((من)) .
(2) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(3) في ن: ((لا نكفرهم)) ولا يسعفه السياق.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(5) في س: ((بالكفر)) .
(6) في ن: ((فلا)) .
(7) في س: ((جحوده)) ، وفي ن: ((جحد)) .
(8) انظر: نفائس الأصول 6/2769، شرح مختصر الروضة للطوفي 3/143، وانظر كلام محمد الطاهر بن عاشور في القسم الدراسي ص 221.
(9) في ق: ((تستقر)) وهو تصحيف.
(10) في ن: ((لم)) .
(2/167)

الدلالة على قطعية الإجماع
وأما وجه كونه قطعياً عند الجمهور (1) ، فهو ما حصل من العلم الضروريّ (2) من استقراء نصوص الشريعة بأنه حجة وأنه معصوم، والقائل بأنه ظني يلاحظ ما يستدل (3) به العلماء من ظواهر الآيات والأحاديث التي لا تفيد إلا الظن، وما أصله الظن أولى أن يكون ظنيَّاً.
ووجه الجواب: أن الواقع في الكتب (4) ليس هو المقصود، فإنَّا نذكر آيةً خاصةً أو خبراً خاصاً وذلك لا يفيد إلا الظن قطعاً. قال التَّبْرِيْزِيّ في كتابه المسمى
بـ" التنقيح في اختصار المحصول " (5) : ((وليس هذا (6) مقصود العلماء، بل هذا
الخبر مضاف (7) إلى (8) الاستقراء التام الحاصل من تتبُّع موارد الشريعة ومصادرها، فيحصل من ذلك المجموعِ القطعُ بذلك المدلول، وأن الإجماع حجة، والعلماء
في الكتب (9) ينبِّهون بتلك الجزئيات من النصوص على ذلك الاستقراء الكلي؛ وليس في الممكن أن يضعوا (10) ذلك المفيد للقطع في كتاب، كما أن المنبِّه (11) على سخاء
_________
(1) انظر: أصول السرخسي 1/295، الوصول لابن بَرْهان 2/72، المسودة ص315، البحر المحيط للزركشي 6/388، الضياء اللامع لحلولو 2 / 250.
(2) هنا زيادة: ((أي)) في ق.
(3) في ق: ((يسلك)) والمثبت أليق.
(4) في ن، س: ((الكتاب)) .
(5) هذا النقل بالمعنى. انظره في ص (365) وما بعدها. والكتاب أحد مختصرات المحصول، واسمه:
" تنقيح محصول ابن الخطيب " وقد زاد فيه بعض المباحث والمسائل، قام بتحقيقه الدكتور / حمزة زهير حافظ في رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى عام 1402 هـ.
(6) هنا زيادة ((هو)) في س ويسمى ضمير الشأن.
(7) في ق: ((المضاف)) وهو خطأ، لأنه ينبغي أن يكون خبراً. وفي ن: ((مضافاً)) وهو خطأ لأن الخبر
مرفوع.
(8) ساقطة من ن.
(9) في ن: ((الكتاب)) وهو خطأ.
(10) في س: ((تضعوا)) وهي تصحيف.
(11) في ن: ((التنبيه)) .
(2/168)

حاتم (1) في كتابه يَذْكُر (2) حكاياتٍ عديدةً، وهي وإن كثرت لا تفيد القطع، لكنَّ (3) القطعَ [بسخائه حاصلٌ] (4) بالاستقراء التام، فالغفلة (5) عن هذا هو الموجب لورود أسئلةٍ (6) وردت على الإجماع من عدم التكفير به (7) ، وكون أصله ظنياً وهو قطعي، إلى غير ذلك من الأسئلة (8) وهي بأسرها تندفع بهذا التقرير (9) .
_________
(1) هو أبو عدي حاتم بن عبد الله بن سعد الطَّائي، فارس وشاعر وجواد، صار مضرب المثل في الجود والكرم، حتى قيل في المثل: أجود من حاتم، وأسخى من حاتم عاش في الجاهلية.
انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة ص164، خزانة الأدب للبغدادي 3 / 127 وسيأتي الحديث عن سخائه في هامش (3) ص (206) .
(2) في ن: ((بذكره)) .
(3) في س: ((لأن)) .
(4) المثبت من ص، وفي سائر النسخ: ((حاصل بسخائه)) . وما في " ص " أليق؛ لأمن اللبس في تعلق الجار
والمجرور.
(5) في ق: ((والعقلية)) وهو تحريف.
(6) هكذا في ز، م. وفي سائر النسخ: ((أسولة)) وهي لغة في ((أسئلة)) انظر: لسان العرب مادة " سول ".
(7) ساقطة من ق.
(8) هكذا في ز، م. وفي سائر النسخ: ((الأسولة)) سبق قريباً التعليق على ذلك.
(9) في س، ن: ((التقدير)) ولقد ضعَّف الطوفي هذا التقرير فانظره في: شرح مختصر الروضة 3/139.
(2/169)

الفصل الثالث
في مُسْتَنَدِه (1)
ص: ويجوز عند مالك (2) رحمه الله تعالى انعقاده (3) عن (4) القياس (5) والدلالة والأمارة. وجوَّزه قوم بغير ذلك بمجرد الشبهة والبحث (6) . ومنهم من قال: لا ينعقد عن الأمارة بل لابد من الدلالة (7) ، ومنهم من فَصَّل بين الأمارة الجلِيَّة وغيرها (8) .
_________
(1) أي: مستند الإجماع. والمراد به: الدليل الذي اعتمد عليه الإجماع إبَّان صدوره. وقد اختلف العلماء في الإجماع، هل لابد له من مستندٍ؟ على قولين: الأول: لابد له من مستند وإن لم نطلَّع عليه، وهذا قول الجمهور. والثاني: يجوز صدوره من غير مستند بل على التبخيت والتوفيق من الله.

وعلى القول الأول ـ وهو وجوب وجود مستند للإجماع ـ هل ينعقد الإجماع عن دلالة وأمارة أم لاينعقد إلا عن دلالةٍ فقط؟ بكلٍّ قد قيل. والدلالة: نصٌ قاطع من كتابٍ أو سنةٍ متواترةٍ. والأمارة: دليل ظني من خبر آحاد أو قياس أو استحسان أو مصلحة ... إلخ.
(2) وهو قول الجمهور عامة. انظر: العدة لأبي يعلى 4/1125، إحكام الفصول ص500، أصول السرخسي 1/301، قواطع الأدلة للسمعاني 3/222، الإحكام للآمدي 1/261، 264، منتهى السول والأمل ص60، كشف الأسرار للبخاري 3/481، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 511، البحر المحيط للزركشي 6/399، الضياء اللامع لحلولو 2 / 244.
(3) في س: ((انعقاد)) وهو خطأ، لعدم تمام المعنى.
(4) ساقطة من س.
(5) خصَّ المصنفُ القياسَ بالذِّكْر مع أنه يدخل في الأمارة - لأنه دليل ظني - لأن الظاهرية يجوِّزون أن يستند الإجماع إلى الأمارة كخبر الواحد والعمومات، ولا يجوِّزونه عن القياس، إذ القياس ليس دليلاً شرعياً عندهم. أفاده الشوشاوي في رفع النقاب القسم 2/542.
(6) جلّ كتب الأصول لم تعيّن أصحاب هذا المذهب، بَيْدَ أن ابن بَرْهان في الوصول 1/114، والمجد ابن تيمية في المسودة ص330، وابن النجار في شرح الكوكب المنير 2/259 نسبوا هذا القول إلى بعض المتكلمين.
(7) من هؤلاء: ابن جرير الطبري، والظاهرية لأنهم ينفون القياس، وبعض المتكلمين. انظر: شرح العمد 1/234، الإحكام لابن حزم 1/538، شرح اللمع للشيرازي 2/683، رفع الحاجب لابن السبكي 2 / 226، البحر المحيط للزركشي 6/399.
(8) وهم بعض الشافعية. انظر: شرح العمد 1/234، البحر المحيط للزركشي 6/401.
(2/170)

الشرح
حجة الجواز بالأمارة: أنها أمر يفيد الظن فأمكن اشتراك الجميع في ذلك الظن كما أن الغَيْم الرَّطْب (1) إذا شاهده أهل الأرض كلهم اشتركوا (2) في غلبة الظن مِنْ قِبَلِهِ بالأمطار، وكذلك أمارات الخَجَل والوَجَل (3) المفيدة لظن (4) ذلك يمكن اشتراك الجمع* العظيم (5) في إفادة (6) ظنها لذلك، فكذلك أمارات (7) الأحكام من القياس وغيره، والمراد بالدلالة ما أفاد القطع، وبالأمارة ما أفاد الظن (8) ؛ لأن الدليل والبرهان (9) موضوعان (10) في عُرْف أرباب الأصول لما أفاد عِلْماً (11)
والأمارة لما أفاد ظناً (12) ؛
_________
(1) في ن: ((المركب)) وهو تحريف.
(2) هنا زيادة ((كلهم)) في س لا حاجة لها.
(3) أمارة الخجل: إحمرار الوجه، وأمارة الوجل (الخوف) : اصفراره. انظر: شرح السُّلَّم المُنَوْرَق للملَّوي بحاشية الصبان ص51.
(4) في س: ((الظن)) .
(5) ساقطة من ق.
(6) ساقطة من ق.
(7) في ن: ((أمارة)) .
(8) انظر تعريف كلٍّ من: الدلالة والأمارة في: المعتمد 1 / 5، المحصول للرازي 1 / 88، البحر المحيط للزركشي 1 / 53.
(9) جاء في تعريف البرهان عبارات متقاربة منها، هو: الحجة والدلالة، وهو: الذي يقتضي الصدق أبداً لا محالة، وهو: ما فَصَل الحق عن الباطل وميّز الصحيح من الفاسد بالبيان الذي فيه. انظر: الكليات للكفوي ص248ـ249. وعرَّفه الجرجاني في التعريفات ص (68) بقوله: هو القياس المؤلف من اليقينيات سواء كانت ابتداءً: وهي الضروريات، أو بواسطة: وهي النظريات.
(10) في ن: ((موضوع)) والأصل تطابق المبتدأ والخبر في التثنية، ومع ذلك يجوز هنا انفراد الخبر على تقدير: كلٌ منهما موضوعٌ. والله أعلم.
(11) جمهور الأصوليين على أن الدليل يشمل: القطعي والظني، وعرَّفوه بأنه: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، ويدخل في المطلوب الخبري ما يفيد القطع والظن..وذهب بعضهم إلى التفريق بين ما يفيد القطعَ فيُسمَّى دليلاً، وما يفيد الظنَّ فيُسمَّى أمارة. ولا مُشاحَّة في الاصطلاح. انظر: الحدود للباجي ص38، شرح اللمع للشيرازي 1/155، الإحكام للآمدي 1/9، تقريب الوصول ص99، البحر المحيط للزركشي 1/51، شرح الكوكب المنير 1/53.
(12) في ن، ق: ((الظن)) .
(2/171)

[والطريق صادق على الجميع، لأن الأوَّلَيْن طريق إلى العلم، والثالث طريق إلى الظن] (1) (2) .
وأما قولي: ((وجوزه قومٌ بمجرد الشبهة والبحث (3)) ) فأصل هذا الكلام أنه وقع في " المحصول " (4) أنه (5) : ((جوزه قوم بمجَّرد التَّبْخِيْت (6)
)) ، ووقع (7) معها من الكلام للمصنِّف ما يقتضي أنها شبهة لقوله في الرد عليهم: ((لو جاز بمجرد التبخيت (8) لانعقد الإجماع عن غير دلالة ولا أمارة وأنتم لا تقولون به)) (9) ، دل (10) على أن القائلين بالتبخيت (11) لا يجوِّزون (12) العُرُوَّ (13) عن الشبهة، وقال أيضاً عن الخصم: ((إنه جوَّزه
_________
(1) ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(2) انظر: المعتمد 1/5، نفائس الأصول 1/212.
(3) في س: ((البخت)) ولكن لا تشفع لها نسخ المتن والشروح. وإن كان ما بعدها يعضد هذه اللفظة، وسيأتي معناها بعد قليل.
(4) انظر: المحصول للرازي 4/187.
(5) ساقطة من ق.
(6) في ق: ((التبحيث)) وهو تصحيف، وليست في المحصول 4/187.

والتبخيت من البَخْت وهو الجَدّ والحَظُّ، كلمة فارسية معربة، وقيل: مولدة. قال الأزهري: لا أدري أعربي هو أم لا؟. ورجلٌ بخيت ذو جَدٍّ. قال ابن دريد: ولا أحسبها فصيحة. والمبخوت: المجدود (المحظوظ) . انظر: لسان العرب، المصباح المنير، تاج العروس، كلها مادة " بخت ". وعرَّفه الآمدي بقوله: ((وأما البَخْت والاتفاق: فعبارة عن وقوع أمرٍ ما لا عَنْ قصدٍ، ولا عن فاعل)) . المُبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص 118. وسيرد تفسير المصنف لها في ص 174.
(7) في ن: ((وقع)) بغير واو.
(8) في ق: ((التبحيث)) وهو تصحيف.
(9) عبارة المحصول (4/189) هي: ((أن ذلك يقتضي أن لا يصدر الإجماع لا عن دلالة ولا عن أمارة ألبتة، وأنتم لا تقولون به ... )) فأنت ترى أنه لم تقع في عبارته هذه كلمة ((التبخيت)) . والرازي قال ذلك جواباً على الدليل الأول للمخالفين وهو: ((أنه لو لم ينعقد الإجماع إلا عن دليلٍ، لكان ذلك الدليل هو الحجة، ولا يبقى في الإجماع فائدة)) . وبهذا يكون تفريع المصنف على قول الرازي بأن التبخيت هو الشبهة غير صحيح. والله أعلم.
(10) ساقطة من ق.
(11) في ن، ق: ((التبحيث)) وهو تصحيف.
(12) في ن، س: ((لا يجوز أن)) وهي غير مناسبة للسياق.
(13) في ن: ((يعدوا)) ، وفي س: ((يعروا)) وهما غير مناسبتين للسياق.
(2/172)

من غير دلالة ولا أمارة)) (1) ، ومتى انتفت الأمارة انتفت الشبهة قطعاً فصار لفظ المحصول فيه (2) تدافع (3) (4) .
واختلف المختصرون له: فمنهم من فسَّره بالشبهة (5) وهو سراج الدين (6) ، ومنهم من أعرض عنه بالكلية (7) ، ثم بعد وضع كتاب " الفصول " (8) طالعتُ كتباً كثيرة فوجدت هذه اللفظة فيها مضبوطة، ويقولون: منهم من جَوَّز الإجماع بالبخت (9) ، بالتاء المنقوطة باثنين من (10) فوقها، فدل على أن (11) قوله: ((بالتبخيت)) ليس بالثاء
_________
(1) ليست هذه العبارة في المحصول، لكن مؤداها أن الخصم يجوّز صدور الإجماع بالتبخيت، أي بغير مستند من دلالةٍ أو أمارة. انظر المحصول 4/187 ـ 189.
(2) ساقطة من س، ن.
(3) في ن: ((يتدافع)) .
(4) لفظ المحصول مستقيم لا تدافع فيه، فإنه لم ترد فيه عبارة ((الشبهة)) أصلاً بل وردت عبارة ((التبخيت)) ، وهي في مقابل: الدلالة والأمارة، بل إن عبارة المحصول ـ ابتداءً ـ توحي بأن التبخيت يفضي إلى التقوُّل في الدين بمجرد الحظ والهوى لا لشبهةٍ. انظر: المحصول (4/188) ..ثم إن صاحب المحصول في المسألة التي بعد هذه عبرّ عن الأمارة بالشبهة. انظر: المحصول 4/192، نفائس الأصول 6/2737.
(5) انظر: التحصيل من المحصول لسراج الدين الأُرْموي، (2/78) . لكن غلَّطه الأصفهاني في الكاشف عن المحصول 5 / 518. وكذلك ردَّه الإسنوي في نهاية السول 3/308.
(6) هو أبو الثناء سراج الدين محمود بن أبي بكر بن أحمد الأُرْموي، نسبةً إلى أُرْمِية من بلاد أذَربيجان، وتسمى الآن: ضيائية، تابعة لإيران. من علماء الشافعية في الأصول والمنطق، قرأ بالموصل وسكن دمشق وولي قضاء قُوْنية وتوفي بها. من تآليفه: التحصيل من المحصول (ط) بتحقيق د. عبد الحميد أبو زنيد، بيان الحق، شرح الوجير للغزالي. ت 682هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى 8/371، مقدمة كتاب التحصيل للأرموي.
(7) كتاج الدين الأرْموي في كتابه: الحاصل من المحصول (ط) ، والتبريزي في: تنقيح محصول ابن الخطيب (رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى) ، والنقْشَواني في: تلخيص المحصول (رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية) .
(8) المراد به " تنقيح الفصول ". والله أعلم.
(9) في ن: ((البحث)) وهو تحريف وخطأ، لأنه يؤدي خلاف المعنى المراد عند المصنف. ومن الكتب التي ذكرت ((البخت أو التبخيت)) التمهيد لأبي الخطاب 3/ 285.
(10) ساقطة من ن.
(11) ساقطة من ق.
(2/173)

المثلثة من المباحثة (1)
بل من البخت، فتحصَّل من ذلك أن من الناس من جوَّز الإجماع بالقِسْم (2) والبخت (3) ، أيْ: يُفْتُون (4) بغير مستند أصلاً، وأيُّ شيءٍ أفْتوا به كان حقاً، وأن الله تعالى جعل لهم ذلك، وأنهم مُنْطَقون (5) بالصواب، ولا يُجْرِي الله تعالى على لسانهم (6) إلا إياه، وهو أمرٌ جائزٌ عقلاً، غير أنه لابد له من دليل سمعي، فقائلوه يقولون: ذلك الدليل هو قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) (7) ونحوه، فمتى أجمعوا (8) كان حقاً ولا نَظَر إلى المستند، والفريق الآخر يقول (9) : فُتْياهم بغير مستند اتباعٌ للهوى، واتباع الهوى خطأ. فهذا تحرير هذه (10) المسألة.
حجة من قال لابد من الدلالة، وهي الدليل القاطع (11) : لأن الظنون تتفاوت، فلا يحصل فيها اتفاق، والدليل القاطع قاهر (12) لا مجال للاختلاف فيه، فيُتَصور بسببه الإجماع.
وجوابه: أن الغَيْم الرَّطْب تستوي (13) الأمة في الظن الناشيء منه ممن هو عارف بأحوال السُّحُب (14) . وكذلك كل أمارة تثير الظن، مع أن الدليل القطعي قد تَعْرِض فيه
_________
(1) في س: ((المباخثة)) ، وفي ن: ((المباختة)) وكلاهما تصحيف. كان من الأولى أن يقول المصنف: والحاء المهملة، من بحث: إذا سال وفتَّش عن الأمارة؛ لأن سكوته عن الخاء المعجمة يُوحِي بوجود كلمة " بخث " ولم أجدْها في معاجم اللغة..فالتغيير يكون في أمرين؛ في الحاء المهملة والثاء المثلثة. انظر: لسان العرب مادة " بحث ".
(2) القِسْم: بالكَسْر هو النصيب والحظ. انظر لسان العرب مادة " قسم ".
(3) في ن: ((البحث " وهو تصحيف.
(4) ساقطة من ق.
(5) في ق: ((يُنْطَقون)) .
(6) في ق: ((ألسنتهم)) .
(7) سبق تخريجه.
(8) في س: ((اجتمعوا)) .
(9) في ن، ق: ((يقولون)) .
(10) ساقطة من ن.
(11) في س: ((القطعي)) .
(12) في ق: ((قاصر)) والمثبت أصح.
(13) في س: ((يستوي)) .
(14) في ن، س: ((السحاب)) .
(2/174)

الشبهات، ولذلك اختلف العقلاء في حدوث (1) العالم، وكثيرٍ من المسائل العقليات القطعيات، لكن عروض الموانع لا عبرة به (2) ؛ لأنَّا لا (3) ندَّعِي وجوب حصول الإجماع، بل ندَّعِي أنه إذا حصل كان حجة، وتعذر حصوله في كثير من الصور لا يقدح في ذلك.
وأما وجه الفرق بين الجلية والخفية فظاهر مما تقدم (4) .
_________
(1) في س، ن، ق: ((حدث)) . والمثبت من ص، ز، م.
(2) في س، ن: ((بها)) ويكون مرجع الضمير إلى " الموانع ".
(3) ساقطة من ن.
(4) قال الشوشاوي: ((فإن الأمارة الجلية يمكن اجتماع الكل في الظن بموجبها بخلاف الخفية)) رفع النقاب القسم 2 / 548.
(2/175)

الفصل الرابع
في المجمعين (1)
ص: لا (2) يُعْتبر فيه جملة الأمة إلى يوم القيامة، [لانتفاء فائدة الإجماع] (3) .
هل يعتبر العوام من أهل الإجماع؟
ولا العوام (4) عند مالك رحمه الله وعند غيره (5) خلافاً للقاضي أبي بكر (6) ، لأن الاعتبار فرع الأهليَّة، ولا أهلية فلا اعتبار.
الشرح
أما جميع الأمة إلى قيام الساعة فلم يَقُلْ به أحد (7) ؛ فإنَّ (8) المقصود من هذه المسألة
_________
(1) أي: في بيان المعتبرين في انعقاد الاجماع.
(2) هكذا في ق: ((لا)) بدون الفاء. وفي جميع نسخ المتن والشرح ((فلا)) .
(3) ما بين المعقوفين ساقط من متن هـ.
(4) مسألة اعتبار قول العامي في الإجماع اختلفوا فيها على أقوالٍ ثلاثة. ذكر المصنف منها اثنين في المتن، والثالث في الشرح. وهي: يعتبر، لا يعتبر، يعتبر في الإجماع العام ولا يعتبر في الإجماع الخاص.
(5) هذا القول الأول، وهو للجمهور. انظر: التبصرة ص371، المنخول ص310، التمهيد لأبي الخطاب 3/250، المحصول لابن العربي ص 509، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 484، تيسير التحرير 3/224، نشر البنود 3/75 ـ 78.
(6) تواطأ الأصوليون على نسبة القول باعتبار العوام للقاضي أبي بكر الباقلاني، واختاره الآمدي. انظر: الإشارة للباجي ص 276، قواطع الأدلة 3/239، الإحكام للآمدي 1/226. لكن ابن السبكي والزركشي ينفيان هذه النسبة، قال ابن السبكي: ((وهو مشهور عن القاضي، نقله الإمام وغيره، وينبغي أن يُتَمهَّل في المسألة، فإن الذي قاله القاضي في مختصر التقريب ما نصه: الاعتبار في الإجماع بعلماء الأمة، حتى لو خالف واحد من العوام ما عليه العلماء لم يُكْتَرث بخلافه. وهذا ثابت اتفاقاً وإطباقاً ... )) انظر بقية القول في: الإبهاج (3/384) . وقال الزركشي: ((والذي رأيته في كتاب التقريب للقاضي التصريح بعدم اعتبارهم، بل صرح بنقل الإجماع على ذلك، وإنما حكى القاضي الخلاف في هذه المسألة على معنى آخر، وهو: أنَّا إن أدْرَجنا العوام في حكم الإجماع أطلقنا القول بإجماع الأمة، وإلا فلا نطلق بذلك، فإن العوام معظم الأمة وكثيرها. قال: والخلاف يؤول إلى العبارة، فهذا تصريحٌ من القاضي بأنه لا يُتوقف في حجية الإجماع على وفاقهم، وإنما المتوقف اسم الإجماع. وتصير المسألة لغوية لا شرعية. وهذا موضع حسن، فليُتَنبَّه له)) . سلاسل الذهب له ص343، وانظر: التلخيص 3 / 41.
(7) انظر: التوضيح لحلولو ص290، رفع النقاب القسم 2/550.
(8) في س: ((لأن)) .
(2/176)

كون الإجماع حجة، وفي يوم القيامة تنقطع تكاليف (1) الشرائع (2) .
وأما العوام فقال القاضي: هم مؤمنون ومن الأمة فيتناولهم اللفظ فلا تقوم الحجة بدونهم.
جوابه: أن أدلة الإجماع* يتعيَّن حملها على غير العوام، لأن قول العامي بغير مستند خطأ، والخطأ لا عبرة به، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على عدم اعتبار (3) العوام، وإلزامِهم اتباع العلماء. قال القاضي عبد الوهاب (4) : وقيل: يعتبر (5) العوام في الإجماع العام (6) كتحريم الطلاق (7) والزنا والربا وشرب الخمر، دون الإجماع الخاص (8) الحاصل في دقائق الفقه (9) .
المعتبر في الإجماع بحسب المجتهدين في كل فنٍ
ص: والمعتبر في كلِّ فَنٍّ أهلُ الاجتهاد في ذلك الفن، وإنْ لم يكونوا من أهل الاجتهاد في غيره، فيعتبر في الكلام (10) المتكلمون، وفي الفقه الفقهاء، قاله الإمام (11) .
_________
(1) في ق: ((التكاليف)) .
(2) في ق: ((والشرائع)) . وانظر: الإحكام للآمدي 1/225، نهاية الوصول للهندي 6/2647.
(3) في ن: ((اتباع)) .
(4) انظر قوله في: نفائس الأصول 6/2750، سلاسل الذهب للزركشي ص 343.
(5) في ق: ((تعتبر)) وهو جائز بحسب التقدير: جماعة العوام أو جمع العوام. انظر هامش (11) ص 67.
(6) الإجماع العام: هو ما يَعْلم الحكمَ فيه العلماءُ والعوام، وهو ما عُلم حكمه من الدين بالضرورة. انظر: رفع النقاب القسم 2/551. لكن هذا النوع من الإجماع لا حاجة إليه، لاستناده إلى القواطع من الكتاب والسنة المتواترة.
(7) الطلاق يكون حراماً إذا كان بِدْعِيّاً كالطلاق في حيضٍ أو في طهرٍ جامعها فيه. والتمثيل بهذا فيه نظر لخفاء حكم الطلاق البدعي على كثير من العوام. إلاّ أن يكون قصْد المصنف تحريم المطلَّقة بائناً على من طلَّقها، لكن العبارة لا تسْعفه. والله أعلم.
(8) ساقطة من ن. والإجماع الخاص مثل: أحكام البيوعات والمساقاة والقراض وأحكام العتق والجنايات مما لا يعلمه إلا العلماء.
(9) وبهذا القول قال الباجي في إحكام الفصول ص (459) ، وعزاه السمعاني لبعض أصحاب الشافعي وبعض المتكلمين وأبطله. انظر: قواطع الأدلة 3 / 242.
(10) علم الكلام عرَّفه ابن خلدون بقوله: ((علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة)) . مقدمته بتحقيق د. علي عبد الواحد وافي (3 / 1069) . وعرَّفه الجرجاني بقوله: ((علم يُبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام. وقيل: هو العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من الأدلة)) التعريفات ص236. وللسلف وأهل السنة كلام في علم الكلام انظر مثلاً: ذم الكلام وأهله لأبي إسماعيل الهروي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للاَّلكائي 3 / 528 وما بعدها، 4 / 706 وما بعدها.
(11) انظر: المحصول (4/198) في المسألة الرابعة.
(2/177)

وقال: لا (1) عبرة بالفقيه الحافظ للأحكام والمذاهب إذا لم يكن مجتهداً. والأصولي المتمكن من (2) الاجتهاد غير الحافظ للأحكام خلافه معتبرٌ على الأصح (3) .
حكم اشتراط التواتر في المجمعين
ولا يشترط بلوغ المجمعين إلى حَدِّ التواتر، بل لو لم يبْقَ إلاَّ واحدٌ - والعياذ
بالله - كان قوله حجة (4) .
حكم إجماع غير الصحابة
وإجماع غير الصحابة حجة خلافاً لأهل الظاهر (5) .
الشرح

الكلام في اشتراط التواتر في المجمعين
قال القاضي عبد الوهاب (6) : ((اختُلِف هل يشترط في الإجماع العددُ المفيدُ للعلم وهو عدد التواتر، فإن قَصُرُوا عن ذلك لم يكن حجة، قاله القاضي أبوبكر الباقلاَّني)) .
حجة عدم الاشتراط: قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} (7) ولم
_________
(1) ساقطة من س.
(2) هنا زيادة: ((أهل)) في ن، ومتن أ، وليست في سائر نسخ المتن والشرح.
(3) مسألة اعتبار الفقيه والأصولي من أهل الاجتهاد فيها أربعة أقوال: اعتبار قولهما، عدم اعتباره، اعتبار قول الأصولي دون الفقيه، عكسه. انظر: العدة لأبي يعلى 4/1136، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل 5 / 180، الإحكام للآمدي 1/228، نهاية الوصول للهندي 6/2651، كشف الأسرار للبخاري 3/444، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/33، التوضيح لحلولو ص291، شرح الكوكب المنير 2/225.
(4) انظر هذا القول للرازي في المحصول (4/199) المسألة الخامسة. ومسألة اشتراط التواتر في المجمعين فيها قولان: الأول: لا يشترط، وهو للجمهور. والثاني: يشترط، قال به الجويني في البرهان 1/443. وانظر: الإحكام للآمدي 1/250، نهاية الوصول 6/2654، التوضيح لحلولو ص292، شرح الكوكب المنير 2/252، تيسير التحرير 3/235، نشر البنود 2/81.
(5) انظر هذا القول للرازي في المحصول (4/199) المسألة السادسة. وانظر المسألة في: المعتمد 2/27، الإحكام لابن حزم 1/553، النبذ في أصول الفقه لابن حزم ص38، العدة لأبي يعلى 4/1090، إحكام الفصول ص486، شرح اللمع للشيرازي 2/702، المحصول لابن العربي ص 520، منتهى السول والأمل ص55، المسودة ص317، فواتح الرحموت 2/277.
(6) انظر: التوضيح لحلولو ص292.
(7) النساء، من الآية: 115.
(2/178)

يُفَصِّل بين قليلهم وكثيرهم. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) (1) ، وغير ذلك من الأدلة السمعية.
حجة الاشتراط: أنَّا مكلفون بالشريعة وأنْ (2) نقطع بصحة قواعدها في جميع الأعصار، ومتى قَصُر عددهم عن التواتر لم يحصل العلم [فيختلُّ العلم] (3) بقواعد الدين.
وجوابهم: أن التكليف بالعلم يعتمد سببَ حصول العلم، فإذا تعذَّر سبب حصول (4) العلم سقط التكليف به، ولا عجب في سقوط التكليف لعدم أسبابه أو شرائطه (5) .
العبرة في الإجماع بأهل كلِّ فنٍّ
وأما أن (6) العبرة بأهل ذلك الفن [خاصةً؛ فلأن غير أهل ذلك الفن] (7) كالعوام بالنسبة إلى ذلك الفن، والعامة لا عبرة بقولهم. وينبغي على رأي القاضي أن يَلْزَم اعتبارَ جميع أهل الفنون في كلِّ فَنٍّ، لأن غايتهم أن يكونوا كالعوام وهو يعتبر العوام (8) .
وأما قولي في الفقيه: " الحافظ " والأصولي: " المتمكن " فهو قول* الإمام فخر الدين رحمه الله (9) ، وفيه إشكالٌ من جهة أن الاجتهاد من شرطه معرفة الأصول والفروع (10) ، فإذا انفرد أحدهما يكون شرط الاجتهاد مفقوداً (11) ، فلا ينبغي اعتبار واحدٍ منهما حينئذٍ.
_________
(1) سبق تخريجه.
(2) في ق: ((وأنَّا)) .
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(4) ساقطة من ق.
(5) في ق: ((شروطه)) .
(6) ساقطة من ن.
(7) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(8) سبق الكلام في تحرير نسبة هذا القول للقاضي الباقلاني.
(9) انظر: المحصول (4/198) . وحجة الإمام في التفريق بينهما: أن الفقيه الحافظ للأحكام غيرَ المتمكِّن من الاجتهاد كالعامي فلا عبرة بقوله. وأما الأصولي المتمكِّن من الاجتهاد ـ وإن لم يكن حافظاً للأحكام ـ فلديه القدرة على التمييز بين الحق والباطل، فاعْتُبِر قولُه قياساً على غيره.
(10) اختلفوا في اشتراط معرفة التفاريع الفقهية، والأصح عدم الاشتراط وإلا لزم الدوْر، إذ كيف يحتاج إليها وهو الذي يولّدها بعد حيازة منصب الاجتهاد؟!. وقيل: يشترط معرفته بجُمَلٍ من فروع الفقه يحيط بالمشهور وببعض الغامض. وقيل: المراد بالفروع مواضع الإجماع والاختلاف خاصة؛ لئلا يفتي على خلاف الإجماع. انظر: تقريب الوصول ص434، البحر المحيط للزركشي 8/237، رفع النقاب القسم 2/553.
(11) في س: ((مفقود)) وهو خطأ نحوي؛ لعدم انتصابه على أنه خبر كان.
(2/179)

والقاضي عبد الوهاب أبو محمد ذكر عبارة تَقْرُب من السداد فقال: ((إذا أجمع (1) الفقهاء وخالفهم من هو من أهل النظر ومشاركون للفقهاء في الاجتهاد، غير أنهم لم يَتَسَمَّوا (2) بالفقه ولم يتصدَّوا (3) له، فالأصح اعتبار قولهم)) (4) . فهذه* العبارة تَقْرُب لأنه لم يُسْلب عنهم إلا التصدِّي للفقه والتوجه إليه، فأمكن أن يكون كل واحد منهم من أهل الاجتهاد، وحَكَى في اعتبار هؤلاء قولين (5) ، قال (6) : ((وقيل أيضاً: لا يُعْتَبر بقول من لا يقول بالقياس (7) ، لأن المُقَايسة هي طريق الاجتهاد، فمن لم يعتبرها لم يصلح للاجتهاد - قال - وهذا غير صحيح، فإنه لو لم يُعتبر مَنْ لا يَعْتبر بعض المدارك لألغينا من لا يعتبر المراسيل أو الأمر للوجوب أو العموم أو غير ذلك، وما من طائفة إلا وقد خالفت في نوع من الأدلة)) (8) . وأمَّا أن إجماع غيرالصحابة حجة: فلظواهر النصوص، والأدلة الدالة على كون الإجماع حجة.
واحتج أهل الظاهر: بأن ظاهر قولِهِ تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (9) وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (10) [لا يتناول مَنْ يَحْدُث بَعْدُ] (11) ، وهذه الضمائر إنما وُضِعتْ للمشافهة ومن هو حاضر (12) .
_________
(1) في س: ((اجتمع)) .
(2) في ق: ((يرتسموا)) ، وفي و، م: ((يتوسموا)) ، وكلها جائزة.
(3) في ق: ((يتصدَّروا)) وهي جائزة.
(4) انظر قوله في: نفائس الأصول 6/2751، التوضيح لحلولو ص292.
(5) في ن: ((قولان)) وله وجه إذا كان الفعل ((حُكي)) مبني على ما لم يُسمَّ فاعله.
(6) ساقطة من ن.
(7) عقد الرزكشي مسألة بعنوان: هل يعتبر بخلاف الظاهرية في الإجماع؟ فانظرها في البحر المحيط 6/424.
(8) انظر: نفائس الأصول 6/2751، البحر المحيط للزركشي 6/425.
(9) آل عمران، من الآية: 110.
(10) البقرة، من الآية: 143.
(11) ما بين المعقوفين مثبت من ص، وفي ن: ((فلا يتناول من يحدث بعد)) .
(12) العبارة في س، ق، ز، و، ش، م كتبت هكذا: ((واحتج أهل الظاهر بأن ظاهر قوله تعالى ... الآيات ... وهذه الضمائر إنما وضعت للمشافهة ومن هو حاضر، فلا يتناول من يحدث بعد)) والمشكل فيها تأخير خبر " أن " وهو ((فلا يتناول)) واقترانُه بالفاء، ولعلَّها زائدة، وأجاز الأخفش زيادتها في الخبر مطلقاً. انظر: مغني اللبيب لابن هشام 1 / 331. والجملة ((وهذه الضمائر ... إلخ)) معترضة. والله أعلم. والمثبت هنا من نسخة ص، وهو أضبط وأظهر.
(2/180)

وجوابهم: أن (1) النصوص (2) تتناول الجميع [مثل قوله] (3) تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} (4) ، وقولِهِ (5) عليه الصلاة والسلام: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) (6) ، ((ولا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك)) (7) ، وهذه صيغ (8) لا تختصُّ بعَصْرٍ (9) ، فوجب التعميم.
_________
(1) هنا زيادة: ((من)) في س، ن، ولا حاجة لها.
(2) هنا زيادة: ((ما)) في س، ن، ولا حاجة لها.
(3) في ق: ((لقوله)) .
(4) النساء، من الآية: 115.
(5) في ن: ((كقوله)) .
(6) سبق تخريجه.
(7) في ق: ((وهم على ذلك)) ، والحديث أخرجه البخاري (3116) ، (7311) ومسلم (1920) كلهما بلفظٍ مقارب لما ها هنا.
(8) في س: ((صيغة)) .
(9) في س: ((بنص)) وهو تحريف.
(2/181)

الفصل الخامس
في المُجْمَع عليه (1)
الإجماع في العقليات
ص: كلُّ ما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة عليه لا يثبت بالإجماع (2) ، كوجود الصانع وقدرته وعلمه والنبوة.
وما لا يتوقف عليه كحدوث (3) العالم والوحدانية فيَثْبُت (4) (5) .
الإجماع في الدنيويات
واختلفوا* في كونه حجة في الحروب والآراء (6) .
_________
(1) أي: في بيان ما يثبت بالإجماع وما لا يثبت، أو في بيان ما يصح فيه الإجماع ويكون حجة، وما لا يصح فيه ولا يكون حجة.
(2) العبارة في س هكذا ((كل ما يتوقف عليه كون الإجماع به عليه حجة لا يثبت بالإجماع)) . وفي ن: ((كل ما يتوقف عليه العلم بكون الإجماع حجة لا يثبت الاجماع)) وكلتاهما مختلَّتان. والمثبت من ق وسائر نسخ المتن والشرح.
(3) في س، ن: ((كحدث)) .
(4) في ق: ((فتثبت)) ، وهو تصحيف، أي: الإجماع , وفي س: ((فيُثْبِته)) .
(5) هذه المسألة مسألة الإجماع في العقليات (العقائد) . تحرير محل النزاع: اتفقوا على أن كل ما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة عليه أنه لا يثبت بالإجماع. ثم اختلفوا في جريان الإجماع على باقي العقليات على ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقاً، المنع مطلقاً، التفصيل بين كليات أصول الدين فلا يثبت به، وجزئياته فيثبت به. انظر: المعتمد 2/35، البرهان 1/458، المنخول ص316، منتهى السول والأمل ص63، التوضيح لصدر الشريعة مع التلويح للتفتازاني 2/95، البحر المحيط للزركشي 6/492، التوضيح لحلولو ص292، شرح الكوكب المنير 2/277، تيسير التحرير 3/262.
(6) صورة المسألة: إذا أجمع الصحابة رضي الله عنهم على كيفيةٍ معينةٍ في الحروب مثلاً، كترتيب الجيوش وتقسيمها إلى خمسة أقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب، وكذلك في تدبير أمور الرعية، فهل تجوز مخالفتهم فيما أجمعوا عليه في هذا ونحوه من مصالح الدنيا أو لا تجوز مخالفتهم؟. اختلفوا في جريان الإجماع على الدنيويات والحروب والسياسات على أقوال ثلاثة: لا يجرى مطلقاً، يجري مطلقاً، التفصيل، بجريانه في الدنيويات التي يترتب عليها حكم شرعي دون غيرها. انظر: المعتمد 2/35، شرح اللمع للشيرازي 2/687، الإحكام للآمدي 1/279، شرح مختصر الروضة للطوفي 3/132 وفيه تفصيل جيد، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 532، البحر المحيط للزركشي 6/494، رفع النقاب القسم 2/562.
(2/182)

حكم اشتراك الأمة في الجهل بشيءٍ ما
ويجوز اشتراكهم في عدم العلم بما لم يُكلَّفوا به (1) .
الشرح
الكلام على الإجماع في العقليات
كون الإجماع حجة فرع النبوة، والنبوة فرع الربوبية، وكونِ الإله سبحانه وتعالى عالماً: فإن من لم يعلم زيداً لا يرسله، مريداً (2) : فإنَّ اختيار زيدٍ دون (3) الناس للرسالة (4) فرع ثبوت الإرادة، والحياة (5) : لأن الحياة شرط في العلم والإرادة، فهذه شروط (6) في الرسالة، فلو ثبتت (7) بالإجماع الذي هو فرع الرسالة لَزِم الدَّوْر (8) ، وأما حدوث (9) العالم فلا يتوقف عليه الإجماع (10)
إلا بالنظر البعيد من جهة أنه يلزم من قدم العالم انتفاء
_________
(1) كتفضيل عمار بن ياسر على حذيفة بن اليمان أو عكسه رضي الله عن الجميع. انظر المسألة في: المعتمد 2/47، الإحكام للآمدي 1/279، التوضيح لحلولو 293، شرح الكوكب المنير 2/284.
(2) ساقطة من ق.
(3) هنا زيادة: ((اختيار)) في ن لا معنى لها.
(4) في س: ((للمراسلة)) .
(5) لو قال: ((حياً)) ، لكان أوفق للسياق، إذ يصير السياق: وكون الإله سبحانه وتعالى عالماً ... .، مريداً ... .، حياً ... .
(6) في ق: ((شرط)) .
(7) في ن، س: ((ثبت)) .
(8) وجه الدور: أن الإجماع متوقف على الدليل السمعي، والدليل السمعي متوقف على النبوة، والنبوة متوقفة على الربوبية وعلى كونه تعالى حياً عالماً قادراً مريداً، فظهر بذلك توقف الإجماع على هذه الأمور، إذ لولاها لما وجد الإجماع، فلو توقفت هذه الأمور على الإجماع للزم الدور، وهو ممنوع؛ لأنه محال. انظر: رفع النقاب القسم (2/260) . ونظير ذلك: أنه لا يسوغ الاحتجاج بالقرآن على وجود الصانع وإثبات النبوة، إذ لا نعلم صحته إلا بعد تقدُّم العلم بوجود الصانع وثبوت النبوة فيلزم الدور. انظر: التلخيص للجويني 3/52.
(9) المثبت من ز، م. وفي سائر النسخ: ((حدث)) .
(10) لأن العقل لو فرض قِدَم العالم لم يكن الإرسال مستحيلاً في ذاته، أي لا يتوقف إثبات النبوة على قِدَم العالم أو حدوثه، ومن ثمَّ فلا يتوقف الإجماع على حدوث العالم. انظر: رفع النقاب 2 / 561. وقال الفخر الرازي: ((لا يمكننا إثبات الصانع بحدوث الأعراض، ثم نَعْرِف صحة النبوة، ثم نَعْرِف به الإجماع، ثم نعرف به حدوث الأجسام)) المحصول 4/205. وانظر: شرح الكوكب المنير 2/278.
(2/183)

الإرادة، فإنَّ القديم يستحيل أن يراد؛ لأن (1)
الفاعل المختار لا يُتَصوَّر منه أن يقصد إلى إيجاد أثره إلا حالة عدمه (2) ، غير أنه لو فرضنا أن الله تعالى ما أحدث عَالَماً لم يكن الإرسال مستحيلاً عليه في ذاته، بل لابد من مُرْسَلٍ ومُرْسَلٍ إليه فقط (3) فهذا مانع خارجي (4) ، وكذلك (5) لو فرض العقل إلهين (6) أو أكثر تصوَّر (7) من كل واحد منهما الإرسال، هذا بالنظر إلى باديء النظر، وإن كان (8) من المحال أن يَثْبُت عَالَم مع الشركة حتى يُتَصَوَّر (9) فيه إرسال (10) ،
لكن المقصود في هذا الموضع ما يتوقف عليه الإرسال في مجاري العادات (11) .
_________
(1) ومن العلماء ـ كالشيرازي والسمعاني ـ من جعل حدوث العالم مما يتوقف الإجماع عليه فلا يثبت به. انظر: شرح اللمع للشيرازي 2/687، قواطع الأدلة 3/258 وانظر: البحر المحيط للزركشي 6/492 ـ 493. وقد أشار إلى ذلك المصنف في نفائس الأصول 6/2761.
(
) في ق، ن: ((ولأن)) .
(2) هذا تعليل على استلزام قدمِ العالم انتفاءَ الإرادة، وحاصله: أن القول بقدم العالم يفضي إلى سلب صفة الفاعلية والاختيار عن الرَّب تبارك وتعالى، إذ يستحيل تصور إيجاد أثر الفاعل ـ وهو المفعول ـ إلا عند عدمه. وإذا امتنعت الإرادة امتنع إرسال الرسل وامتنع الإجماع، فصار الإجماع متوقفاً على حدوث العالم لكن بنظر بعيد. والله أعلم.
(3) ساقطة من ن.
(4) يقصد ـ والله أعلم ـ أن افتراض أن الله لم يُحدِثْ عالماً لا يُحيل إرسال الرسل في حدّ ذاته، هذا الافتراض يمنع توقف الإجماع على حدوث العالم بالنظر البعيد. لكن هذا المانع خارجي من جهة وقوع الإرسال خارج العالم.
(5) في س: ((ولذلك)) .
(6) في س: ((المعين)) وهو تحريف.
(7) هنا زيادة: ((العقل)) في س، ن.
(8) ساقطة من ن.
(9) المثبت من ق، ص. وفي ن: ((ينتشر)) ، وفي س: ((ينشر)) ، وفي باقي النسخ: ((يتيسر)) .
(10) دلَّ عليه قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}
[الأنبياء: 22] . وقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .
(11) أي العبرة فيما يتوقف عليه الإرسال النظر القريب كوجود الصانع وصفاته، دون النظر البعيد الذي لا يُتوصّل إليه إلا بلزوماتٍ على خلاف العادة. لكن وقع خلاف فيما يتوقف عليه الإجماع من العقليات بالنظر البعيد، هل يكون الإجماع فيه حجة؟ فيه قولان. انظر: رفع النقاب القسم 2/561.
صحح الطوفي كلام المصنف الآنف الذكر وقال: إنه صحيح وإنْ نفر منه بعض من لا يفهمه أو من يفهمه بادي الرأي. انظر: شرح مختصر الروضة 3/132.
(2/184)

الإجماع في الحروب والآراء
قال القاضي عبد الوهاب (1) : والأشبه بمذهب مالكٍ أنه لا يجوز مخالفتهم فيما اتفقوا فيه من الحروب والآراء، غير أني لا أحفظ عن أصحابنا فيه شيئاً.
وحجته: أن عموم الأدلة يقتضي (2) أنهم معصومون مطلقاً [فيحرم مخالفتهم] (3) .
حجة الجواز: أن الأدلة إنما دلَّت على عصمتهم فيما يقولونه عن الله تعالى، وهذا ليس منه، فلا يكون قولهم حجة.
وجوابه: أن هذا تخصيصٌ، والأصل عدمه.
الكلام في اشتراك الأمة في الجهل بشيءٍ ما
وأما إشتراكهم في الجهل وعدم العلم بما (4) لم يكلفوا به (5) فهذا هو من ضرورات المخلوقات، ولم تجب الإحاطة إلا لله تعالى، وأما جهلهم بما كلفوا به فذلك محال عليهم؛ لأنه معصية تأباها العصمة.
قال القاضي عبد الوهاب (6) : ولا يجوز أن يجمعوا على فعل معصيةٍ في وقت (7) أو أوقات متفرقة؛ لأن تفرَّق (8) الأوقات لا يخرجهم عن كونهم مجمعين على معصية وكذلك الخطأ في الفتيا.
واختلفوا: هل يصح أن يجمعوا على خطأ في مسألتين كقول بعضهم بمذهب الخوارج، والبقية بمذهب المعتزلة (9) ، وفي الفروع مثل: أن يقول البعض بأن العبد يَرِث
_________
(1) انظر قوله في: شرح مختصر الروضة 3/133، البحر المحيط للزركشي 6 / 494، رفع النقاب القسم 2/562، حاشية التوضيح والتصحيح لابن عاشور 2 / 123.
(2) في س، ق: ((تقتضي)) وهو تحريف.
(3) في ق: ((فيحرم خلافهم)) .
(4) في ن: ((مما)) وهي غير مناسبة.
(5) في ن: ((فيه)) وهي غير مناسبة.
(6) انظر ما يشبه هذا النقل في: الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصرٍ فَرْض للسيوطي ص 103.
(7) ساقطة من ق.
(8) في ق: ((تفريق)) .
(9) كما في مسألة مرتكب الكبيرة، فإن الخوارج يحكمون عليه بالكفر، والمعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، فليس هو بمؤمن ولا كافر. ويتفق كلا المذهبين على تخليده في النار. وكلا المذهبين باطل، فإن مذهب أهل السنة والجماعة ـ المذهب الحق ـ أنه مؤمن عاصٍ، تحت مشيئة الربّ تبارك وتعالى، إن شاء عذبه ولا يُخلَّد في النار، وإن شاء عفا عنه. انظر شرح العقيدة الطحاوية ص442. وانظر مذهب الخوارج في: العقود الفضية في أصول الإباضية لسالم بن حمد العُماني ص 285، ومذهب المعتزلة في: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص 137، 697.
(2/185)

والبقية بأن (1) القاتل عمداً يرث (2) ؟! فقيل: لا يجوز (3) لأنه إجماع على الخطأ، وقيل: يجوز (4) لأن كل خطأ من هذين الخطأين لم يساعد عليه الفريق الآخر، فلم يوجد فيه إجماع.
تنبيه (5) : الأحوال ثلاث (6) : الحالة (7) الأولى: اتفاقهم على الخطأ في مسألة واحدة كإجماعهم على أن العبد يرث، فلا يجوز ذلك عليهم.
الحالة (8) الثانية: أن يخطيء كل فريق في مسألة أجنبية عن المسألة (9) الأخرى، فيجوز، فإنَّا نقطع أن كل مجتهد يجوز أن يخطيء، وما من مذهب من المذاهب إلا وقد وقع فيه ما يُنْكر وإن قلَّ، فهذا لابد للبشر منه، ولذلك قال مالك رحمه الله: ((كلُّ أحدٍ مأخوذٌ من قوله ومتروكٌ، إلا صاحبَ هذا القبر صلى الله عليه وسلم)) (10) .
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) انعقد الإجماع على عدم توريث العبد والقاتل. وما ذكره المصنف إنما هو من باب التمثيل. انظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص174 - 175، المغني لابن قدامة 9/123، 150.
(3) قال به الأكثرون. انظر: نهاية الوصول 6 / 2676، الإبهاج 2 / 371، التوضيح لحلولو ص 293، شرح الكوكب المنير 2 / 284.
(4) قال به الأقلُّون. انظر: روضة الناظر 2/491، الإحكام للآمدي 1/279، غاية الوصول للأنصاري ص109.
(5) انظر هذه الأحوال الثلاث بصورة بديعة في: نفائس الأصول 6/2763.
(6) في س، ق: ((ثلاثة)) وهو صحيح مراعاة لمعنى التذكير في كلمة ((أحوال)) لأن مفردها ((حال)) تؤنث وتذكّر. انظر: هامش (4) ص 122.
(7) ساقطة من ق، وفي س: ((الحال)) وهو جائز كما سبق ذكره آنفاً.
(8) ساقطة من ق.
(9) ساقطة من ق.
(10) نسبة هذا القول إلى الإمام مالك هي المشهورة عند المتأخرين. وصححه عنه ابن عبد الهادي في " إرشاد السالك " (مخطوط) 1/227. قاله الألباني في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ص49.
وأورد هذا الأثر أبو شامة المقدسي في " مختصر المؤمَّل في الردّ إلى الأمر الأول " ص66 عن الإمام مالك بلفظ ((ليس من أحدٍ إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر)) وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/91) ، وابن حزم في الإحكام (2 / 302، 331) وأبو شامة المقدسي في مختصر المؤمل ص66، كلهم من قول الحَكَم بن عتيبة ومجاهد.
وأخرج الطبراني في المعجم الكبير (11 / 339) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً ((ليس أحدٌ
إلا يؤخذ من قوله ويُدَع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 179: ((ورجاله موثوقون)) وانظر: الأسرارالمرفوعة في الأخبار الموضوعة لملا علي القاري ص 264.
(2/186)

الحالة الثالثة: أن يخطئوا في مسألتين في حكم المسألة الواحدة مثل (1) هذه المسألة، فإن العبد والقاتل كلاهما يرجع إلى فرعٍ واحدٍ وهو مانع الميراث، فوقع الخطأ فيه كله، فمن نظر إلى اتحاد الأصل منع، ومن نظر إلى تعدد الفروع (2) أجاز. فهذا تلخيص هذه المسألة*.
_________
(1) في س: ((مثال)) .
(2) في ق: ((الفرع)) .
(2/187)

الباب السادس عشر
في الخبر
وفيه عشرة فصول
(2/188)

الفصل الأول
في حقيقته (1)
وهو المُحْتَمِل للصدق والكذب لذاته (2) ، احترازاً من خبر المعصوم (3) .
والخبر على (4) خلاف الضرورة (5) .
الشرح
الخبر من حيث هو خبرٌ يحتمل الصدقَ: وهو المطابقة (6) ، والكذبَ: وهو عدم المطابقة، والتصديقَ: وهو الإخبار عن كونه صدقاً، والتكذيب: وهو الإخبار عن كونه
_________
(1) الخبر لغة: اسم لما يُنقل ويُتحدَّث به، أو هو: ما أتاك من نبأ عمَّن تستخبر، وهو النبأ. وخَبَرتُ الشيء: علمته. انظر: مادة "خبر" في لسان العرب، المصباح المنير. وقال الزركشي: "الخبر مشتق من الخَبَار وهي: الأرض الرخوة، لأن الخبر يثير فائدة، كما أن الأرض الخَبَار تثير الغبار إذا قرعها الحافر". البحر المحيط 6/72.
(2) اختار المصنف في أول الكتاب في الباب الأول، الفصل السادس تعريفاً للخبر أدقَّ فقال: ((هو الموضوع لِلفْظين فأكثر أُسْند مسمَّى أحدهما إلى مسمَّى الآخر إسناداً يقبل التصديق والتكذيب لذاته؛ نحو: زيد قائم)) . ثم شرحه، فانظره هناك ص40 (المطبوع) . وانظر: تعريفات الخبر في: المعتمد 2 / 75، الإحكام للآمدي 2 / 9، جمع الجوامع بحاشية البناني 2 / 108، التوضيح لحلولو ص 294، شرح الكوكب المنير 2 / 289، نفائس الأصول 6 / 2793.
(3) وهو خبر الله تبارك وتعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم وخبر جميع الأمة (الإجماع) ، فإنها أخبار وإن كانت لا تحتمل الكذب لا لذاتها وإنما لما عرض عليها من جهة صدق المُخْبِر.
(4) في س متن هـ: ((عن)) .
(5) إن قيل: الاحتراز إنما يكون عما لا يراد دخوله في التعريف. وخبر المعصوم والضروري داخل فيه؟ فالجواب: بأن في كلام المصنف مضافاً محذوفاً تقديره: احترازاً من خروج خبر المعصوم ... إلخ، ولهذا نظير عند المصنف كما في تعريف "التخصيص" ص 51 (المطبوع) . انظر: رفع النقاب القسم 2/570
(6) أي: مطابقة الخبر لواقع المُخْبَر عنه.
(2/189)

كذباً، فالصدق والكذب نسبتان (1) بين الخبر ومتعلَّقه عدميَّتان لا وجود لهما في الأعيان [بل في] (2) الأذهان، والتصديق والتكذيب خبران وجوديان [في الأعيان] (3) .
شروع في شرح القيد " لذاته " المذكور في تعريف الخبر
ثم الخبر من حيث هو خبر يحتمل ذلك، أما إذا عرض له من جهة المتكلِّم به (4) ما يمنع الكذب والتكذيب فإنه لا يقبلهما؛ وكذلك إذا قلنا: الواحد نصف الاثنين؛ يمتنع (5) الكذب والتكذيب، أو الواحد نصف العشرة يمتنع (6) الصدق والتصديق، ولكن ذلك بالنظر إلى متعلَّقه لا بالنظر (7) إلى ذاته، فلذلك قُلْتُ - في الحدِّ - لذاته.
سؤال: التصديق والتكذيب* نوعان من الخبر، والنَّوع (8) لا يعرف إلا بعد معرفة الجِنْس (9) ، فتعريف* الجنس به دَوْر والصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلَّقه، والنسبة بين الشيئين لا تعرف إلا بعد معرفتهما، فتعريف الخبر بهما تعريف الشيء بما لا يُعْرف إلا بعد معرفته، فهذا دَوْر أيضاً (10) .
جوابه: أنه (11) تقدَّم في أول الكتاب (12) أنّ التحديد بمثل هذا يجوز، وأنّ الحدَّ: هو
_________
(1) النسبة: هي إيقاع التعلّق بين الشيئين. التعريفات ص296.
(2) في ق: ((و)) وهو خطأ ظاهر؛ لأن واو العطف تفيد امتناع وجو النسبة العدمية في الأذهان، وهو مستحيل.
(3) ساقطة من س.
(4) ساقطة من ق.
(5) في ن: ((يُمْنع)) .
(6) في ن: ((يُمْنع)) .
(7) ساقطة من ق.
(8) النَّوْع: هو كُلِّيٌ مَقُول على كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب ما هو. مثل: إنسان فهو يصدق على أفراد كثيرة متفقة الحقائق، كزيد وعمرو. انظر: التعريفات ص302، شرح السلم المنورق للملَّوي بحاشية الصبّان ص70، تسهيل المنطق للبدخشاني ص46.
(9) الجِنْس: هو كلِّي مَقُول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب ما هو. مثل: حيوان فهو يصدق على أنواع كثيرة مختلفة الحقائق كإنسان وفرس انظر: التعريفات ص111 شرح السلم المنورق للملَّوي بحاشية الصبَّان ص68، تسهيل المنطق للبدخشاني ص47.
(10) انظر: التوضيح لحلولو ص295
(11) في ن: ((ما)) .
(12) انظر: الباب الأول: في الاصطلاحات، الفصل الأول: في الحد ص 6 (المطبوع) .
(2/190)

شرح اللفظ وبيان مسماه دون تخليص (1) الحقائق بعضها من بعض، [وبَسَطْتُهُ هنالك فَلْيُطالعْ ثَمَّة] (2) .

هل توجد واسطة بين الصدق والكذب في الخبر؟
وقال الجاحظ (3) : يجوز عُرُوُّة عن [الصدق والكذب] ، (4) (5)
والخلاف لفظي (6) .
الشرح
قال أهل السنة: لا واسطة بين الصدق والكذب، لأنه لا واسطة بين المطابقة وعدمها.
_________
(1) في ن: ((تخصيص)) .
(2) ما بين المعقوفين مثبت من م، ز. وفي ن، س: ((وبَسْطُها هنالك فيطالع منه)) ، وفي ق: ((فيطالع هنالك)) . قد بسط المصنف هذه المسألة في كتابه البديع " الفروق " (1/18) فليُطالعْ ثمّة.
(3) هو عمرو بن بَحرْ بن محجوب، أبوعثمان الجاحِظ، من أهل البصرة، ومن شيوخ المعتزلة، وإليه تنسب فرقة "الجاحِظية". تتلمذ على النظَّام، وكان ذكياً سريع الخاطر والحفظ، قيل له "الجاحظ" لجحوظ عينيه أو نتوئهما، وهو مكثر من التآليف، منها: الحيوان (ط) ، البيان والتبيين (ط) وغيرهما. توفي عام 255هـ. انظر: طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار ص275، معجم الأدباء 16/74، وفيات الأعيان 3/470
(4) في ق: ((التصديق والتكذيب)) .
(5) انظر مذهب الجاحظ في المعتمد 2/75، بديع النظام لابن الساعاتي 2 / 321، أصول الفقه لابن مفلح 2 / 66، تحفة المسئول للرهوني القسم 2 / 543، تشنيف المسامع 2 / 932، وانظر رأي الراغب الأصفهاني في كتابه "مفردات القرآن" مادة "صدق" فإنه مِثْل رأي الجاحظ.
(6) هذه مسألة: هل الخبر ينقسم إلى صدق وكذب فقط أم توجد واسطة بينهما؟ فيها مذهبان؛ الأول: الخبر ينقسم إلى صدق وكذب ولا واسطة بينهما. وهو للجمهور وعبر المصنف عنهم في شرحه بـ"أهل السنة". الثاني: للجاحظ؛ وهو توجد واسطة بينهما، كأنْ يكون الخبر مطابقاً للواقع مع عدم الاعتقاد أو عكسه مثلاً. فهذه الصورة عريّة عن الصدق والكذب. ثم وقع اختلاف بين العلماء في نوع هذا الخلاف، فقيل: لفظي - وهو ما اختاره المصنف وأكثر الأصوليين. بمعنى أن الخلاف راجع إلى تفسير الصدق والكذب، فمن فسّر الصدق: بمطابقة الواقع ـ سواء اعتقد أم لم يعتقد ـ لم يقلْ بالواسطة، ومن فسَّره بالمطابقة مع الاعتقاد جعل الواسطة. وقيل: الخلاف معنوي وله أثر في الفروع الفقهية، وذكر له مثالاً الإسنويُّ في التمهيد ص (445) ، والزركشيُّ في البحر المحيط (6/84) . انظر: المعتمد 2/75، إحكام الفصول ص318، التمهيد لأبي الخطاب 3/11، المحصول للرازي 4/224، الإحكام للآمدي 2/10، منتهى السول والأمل ص66، رفع الحاجب لابن السبكي 2 / 294، تيسير التحرير 3/28، كتاب: الخلاف اللفظي عند الأصوليين د. عبد الكريم النملة 2/31.
(2/191)

وقالت المعتزلة: لفظ الكذب ليس موضوعاً لعدم المطابقة كيف كانت (1) ، بل لعدم المطابقة مع القصد لذلك (2) ، وبهذه الطريقة تثبت الواسطة، فإنه قد لا يكون مطابقاً ولا يقصد ذلك (3) ولا يعلم؛ فلا يكون صدقاً لعدم المطابقة ولا كذباً لعدم القصد [لعدم المطابقة] (4) .
حجتنا (5) : قوله عليه السلام: "مَنْ كَذَب عليّ متعمِّداً فَلْيتَبَوأْ مَقْعَدَه من النَّار" (6) . فلما قيدَّه بالعَمْد دل (7) على تصوره بدون العمد، كما قال تعالى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكم مُتَعَمِّداً} . (8)
وقال عليه السلام: "كفى بالرجل كذباً أنْ يُحدِّث بكلِّ ما سمع" (9) ، فجعله كاذباً إذا حدَّث بما سمع، وإن كان لا يعلم عدم مطابقته، فدل على أن القصد لعدم المطابقة ليس (10) شرطاً في تحقق (11) مسمَّى
الكذب.
حجة المعتزلة: قوله تعالى حكاية عن الكفار "أَفْتَرَى على اللهِ كذباً أمْ به
_________
(1) في ق: ((كان)) .
(2) في نسبة هذا القول للمعتزلة تجوُّزٌ، إذ المنقول في كتب الأصول أنه مذهب الجاحظ، وبعضها تذكر شيخه النظَّام. أما باقي المعتزلة، فقال أبوالحسين في المعتمد (2/76) : "وعند جماعة شيوخنا أن الخبر إما أن يكون صدقاً أو كذباً ـ ثم قال ـ ولقد أفسد قاضي القضاة قول أبي عثمان ... ". أي الجاحظ.
(3) في ن: ((لذلك)) .
(4) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(5) في ن: ((حجتها)) ربما كان وجهه عود الضمير إلى طائفة أهل السنة.
(6) رواه البخاري (110) ومسلم (3004) . بل هو متواتر. انظر: قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي ص23، نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتَّاني ص35. ورد في بعض النسخ مثل نسخة ن، س، و "من كذب علي عامداً متعمداً ... " وهي إحدى روايات الحديث، أخرجها أبونعيم الأصفهاني في حلية الأولياء 8/52.
(7) هنا زيادة: ((ذلك)) في س.
(8) المائدة، من الآية: 95
(9) رواه مسلم (5) بلفظ ((كفى بالمرء ... )) بدلاً من ((الرجل)) .
(10) في ن، س ((ليست)) .
(11) في ق، س ((تحقيق)) .
(2/192)

جِنَّةٌ " (1) فجعلوا (2) الجنون قَسِيْم (3) الكذب لعدم القصد فيه، مع أن خبره على التقديرين غير مطابق (4) فدل على اشتراط* القصد في حقيقة الكذب (5) .
وجوابهم: أنهم لم يقولوا كذب، بل افترى، والافتراء هو (6) ابتداء (7) الكذب واختراعه (8) ، فَهُمْ نوَّعوا (9) الكذب إلى اختراعٍ وجنونٍ، لا أنهم قسموا كلامه إلى كذبٍ وغيره، فيرجع الخلاف في ذلك إلى أن العرب هل وضعت لفظ (10) الكذب لغير المطابق كيف كان، [أو لعدم المطابقة مع القصد لذلك] (11) ؟ وهو معنى قولي: "والخلاف لفظي (12) ".
_________
(1) سبأ، من الآية: 8.
(2) في ق ((فجعل)) . والضمير في ((جعلوا)) عائد إلى الكفار.
(3) قَسِيْم الشيء: ما يكون مقابلاً للشيء ومندرجاً معه تحت شيء آخر، كالاسم قسيم للفعل، وكلاهما مندرجان (قِسْمان) تحت "الكلمة" التي هي أعم منهما. وقِسْم الشيء: ما يكون مندرجاً تحته وأخص منه، كالاسم أخص من الكلمة. انظر: التعريفات ص224.
(4) انفردت النسخة ص بزيادة "عندهم" هنا، وهي زيادة لطيفة إذْ من شأنها أن تخصّ التكذيب بالرسالة بالكفار.
(5) وجه الدلالة من طريق آخر: أن الكفار جعلوا إخباره صلى الله عليه وسلم عن نبوته إما كذباً وإما جنوناً. وإخباره عن نبوته حالة الجنون ليس كذباً، لأنه جُعل قسيماً للكذب، وقسيم الكذب لا يكون كذباً، وليس هو صدقاً أيضاً لأنهم لم يعتقدوا مطابقته على كلا التقديرين، فإخباره عن نبوته صلى الله عليه وسلم حالة الجنون ليس كذباً ولا صدقاً، وهو الواسطة. انظر: نهاية الوصول للهندي (7/2708) .
(6) ساقطة من ق
(7) شذَّت نسخة ز بلفظة "أشد" بدلاً من "ابتداء"، وهو شذوذ له وجه من اللغة كما ستراه في التعليق التالي.
(8) افْتَرى: اختلق، كما قال تعالى: {أمْ يقولون افْتَراهُ ... } [هود: 13] أي: اختلقه. وقال قوم مريم فيها كما حكى الله تعالى {لقد جئتِ شيئاً فرياً} [مريم: 27] أي: مصنوعاً مختلقاً. والفِرْية: الكِذْبة. انظر: لسان العرب مادة "فرا". لكن في كتاب "الفروق" لأبي هلال العسكري ص (51) فرَّق بين "اختلق" و"افترى" بأن "افترى": قَطَع على الكذب وأخبر به، و"اختلق": قدَّر كذباً وأخبر به. وقال السمين الحلبي في "عمدة الحفاط" مادة "فري" (3/225) : "الافتراء: أقبح الكذب، أو الكذب مع التعمد عند من يرى أن الكذب مخالفة ما في الواقع مطلقاً. وهناك توجيهات ومعانٍ أخرى للآية، منها؛ أن معنى الآية: افترى أم لم يَفْتَرِ فيكون مجنوناً، لأن الجنون لا افتراء له لعدم قصده. انظر: الكاشف عن المحصول للأصفهاني 5 / 582، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/50، روح المعاني للألوسي 11/284 وفيه أجوبة حسنة.
(9) في ق: ((قسموا)) .
(10) ساقطة من ق
(11) ما بين المعقوفين كُتب في ق هكذا ((أو لذلك مع عدم القصد له)) .
(12) ساقطة من ن.
(2/193)

هل يشترط في الخبر إرادة الإخبار؟
واختلفوا في اشتراط الإرادة في حقيقة كونه خبراً (1) ، فعند (2) أبي علي وأبي هاشم الخبريةُ معلَّلةٌ بتلك الإرادة (3) ، وأنكره الإمام (4) لخفائها، فكان (5) يلزم أن لا يُعْلم خبرٌ (6) ألبتَّة، ولاستحالة (7) قيام الخبرية بمجموع (8) الحروف لعدمه، ولا ببعضه وإلا لكان خبراً (9) ،
وليس فليس (10) .
الشرح
الخلاف في هذه المسألة مثلُ مسألة الأمر (11) .
قالوا (12) : الخبر قد يكون دعاءً نحو (13) : غفر الله لنا، وتهديداً (14) نحو قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لكم أيُّها الثَّقَلان} (15) وأمراً (16) نحو قوله تعالى: {والوالداتُ
_________
(1) في س ((كذباً)) وهو شذوذ لا توافقها عليه سائر النسخ.
(2) أطبقت نسخ المتن والشرح على إثبات كلمة ((وعند)) ما خلا نسختي ص، م ففيهما ((فعند)) وهو الأليق لكون الفاء فصيحةً، أفصحت عن جواب شرطٍ مقدّر تقديره: إذا أردت معرفة من اشترط الإرادة في الخبرية فأقول لك: عند أبي علي.. الخ
(3) معناه: أن الإرادة هي التي أوجبت كون اللفظ خبراً. انظر المسألة هذه في: المعتمد 2/73، شرح اللمع للشيرازي 2/567، المسودة ص232، شرح الكوكب المنير 2/298.
(4) أي: أنكر الإمام الرازي اشتراط الإرادة في الصيغة الخبرية لخفاء الإرادة، لأنها أمر باطني لا يُطَّلع عليه. انظر: المحصول 2/29، 4/223.
(5) في ق: ((وقال)) .
(6) في ن: ((الخبر)) .
(7) في ن متن هـ: ((والاستحالة)) وهو تحريف.
(8) في ن ((لمجموع)) .
(9) هذا جواب عن قول الجُبَّائيَيْن بأن الخبرية معللة بالإرادة، وسيشرحه المصنف.
(10) أي: وليس بعض الحروف خبراً، فليس الخبر معللاً بالإرادة. والله أعلم.
(11) انظرها في: مبحث الأمر من هذا الكتاب (المطبوع) ص138.
(12) هذه حجة المعتزلة على اشتراط الإرادة. انظر: المعتمد 2/73، المحصول للرازي 4/223، شرح الكوكب المنير 2/298.
(13) في ن: ((مثل قَدْ)) .
(14) في ن، س ((تهديد)) وهو خطأ نحوي؛ لأنه معطوف على خبر كان، فوجب فيه النصب.
(15) الرحمن، من الآية: 31.
(16) في ن، س: ((أمر)) وهو خطأ نحوي، لأن المعطوف على خبر كان منصوب.
(2/194)

يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَين} (1) وإذا [اختلفت موارد] (2) استعماله لا يتعيَّن للخبر إلا بالإرادة، كما قالوا لا تتعين صيغة الأمر للطلب إلا بالإرادة.
والجواب واحد: وهو أن الصيغة حقيقة في الخبر، فتنصرف لمدلولها بالوضع لا بالإرادة، وإذا فرَّعنا على هذه الإرادة (3) فهي علة عند أبي هاشمٍ للخبرية وهي كون اللفظ خبراً، وفَهِم عنهم الإمامُ (4) أن الخبرية أمر وجودي، فقال تلك الخبرية الموجودة لا يمكن أن يكون محلُّها مجموعَ الحروف؛ [لأن مجموع الحروف] (5) لا يوجد (6) ، بل يستحيل أن يوجد من الحروف دائماً إلا حرفٌ واحدٌ، لأن الكلام من المصادر السيَّالة، والمعدوم لا يكون محلاً للموجود (7) ، ولا يمكن أن يكون محلها بعض الحروف، لأن المحل يجب اتصافه بما قام به (8) فإذا (9) قام السَّوَاد بمحلٍّ يجب أن يكون [أسود، أو العلمُ (يجب أن) (10) يكون] (11) عالماً، كذلك إذا قامت الخبرية ببعض الحروف يجب أن يكون خبراً، ولكن بعض الحروف لا يكون خبراً إجماعاً (12)
_________
(1) البقرة، من الآية: 233.
(2) في س ((اختلف مراد)) .
(3) أي: إذا سلمنا اشتراط الإرادة، فهل هي علة الخبرية؟
(4) انظر: المحصول 2 / 29، وانظر نهاية الوصول للهندي 3 / 840.
(5) في ق: ((لأنه)) .
(6) أي: لا يوجد هذا المجموع دفْعةً واحدةً في آنٍ واحد.
(7) في ق، ن: ((للوجود)) ، والمراد من العبارة: أن المعدوم - وهو اجتماع الحروف دفعة واحدة لتكوين الخبرية - لا يكون محلاً للموجود الذي هو الخبرية.
(8) ساقطة من س.
(9) في س: ((فإن)) وهو سائغ.
(10) ما بين القوسين ساقط من ق.
(11) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(12) أوضح الشوشاوي الكلام السالف الذكر بعبارةٍ أسلس فقال: "إنّ ما قالته المعتزلة من كون الإرادة علةً للخبرية محال. وبيان استحالته: أن هذه الخبرية المعللة بالإرادة لا تخلو إما أن تقوم بمجموع حروف الخبر، وإما أن تقوم ببعض الحروف دون البعض، والكل باطل لأنه محال..فلا يصح قيامها بمجموع الحروف لعدم المجموع، لأن الكلام من المصادر السيَّالة كالماء يأتي بعض الحروف ويذهب بعضها، فلا يوجد منه أبداً إلا حرف واحد، فلا يمكن اجتماعها في حالةٍ واحدة من النطق، والإرادةُ تكون في دفعة واحدة فلا يصح قيامها بالمجموع لعدم المجموع، إذْ لو قلنا: قامت الخبرية بمجموع الحروف لأدَّى إلى قيام المعنى الوجودي بالأمر العدمي وذلك محال. ولا يصح أيضاً قيامها ببعض الحروف خاصة دون البعض، لأنه يلزم منه أن يكون ذلك البعض الذي قامت به خبراً، والبعض الآخر ليس بخبر، وذلك محال وهو خلال الإجماع" رفع النقاب القسم 2/580.
(2/195)

الفصل الثاني
في التواتر
وهو مأْخُوذٌ من مجيء الواحد بعد الواحد بفترة (1) بينهما (2) .
الشرح
و [من ذلك] (3) قوله تعالى: {ثمَّ أَرْسَلْنا رسلنا تَتْرَا} (4) أي: واحداً (5) بعد واحدٍ بفترة (6) بينهما (7) ، وقال بعض اللغويين (8) : مِنْ لَحْن العوام قولهم: ((تواترتْ كُتُبُك عليًّ (9)) ) ومرادهم: تواصَلتْ، وهو لَحْنٌ، بل لا يقال ذلك إلا في عدم التواصل (10) كما تقدَّم (11) .
وقال بعضهم: ليس هو مشتقّاً من هذا بل من التَّوَتُّر وهو الفَرْد، والوِتْر قد يتوالى وقد يتباعد بعضُه عن بعضٍ (12) .
_________
(1) في س: ((لفترة)) .
(2) والتواتر أيضاً: التتابع. انظر: لسان العرب، القاموس المحيط، المصباح المنير كلها مادة "وتر". وانظر: عمدة الحفاظ 4/281.
(3) ما بين المعقوفين في س: ((ومنه)) .
(4) الآية 44 من سورة المؤمنون. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبوجعفر "تترا" بالتنوين منصرفاً "تتراً" على أنها مصدر منوَّن، والألف عوضٌ عن التنوين في حالة الوقف. والباقون قرأوها بالألف بلا تنوين، لأنه مصدر مؤنث كدعوى. انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 12/125، اتحاف فضلاء البشر 2/284.
(5) في ن: ((واحد)) وهو خطأ نحوي، لأن ما بعد ((أي)) التفسيرية يكون عطف بيان لما قبلها، أو بدل، وهما تابعان لما يفسِّرانه. فيكون ((واحداً)) عطف بيان أو بدل لقوله ((تتراً)) وهو منصوب. انظر: مغني اللبيب لابن هشام 1 / 160.
(6) في س: ((لفترة)) .
(7) انظر: جامع البيان للطبري مجلد 10/ جزء 17/ صفحة 31، الفتوحات الإلهية (حاشية الجمل على الجلالين) 5/240.
(8) صرَّح المصنف باسمه في نفائس الأصول (6/2808) بأنه الجواليقي (ت 540 هـ) . انظر كتابه: تكملة إصلاح ما تغلط فيه العامة ص9.
(9) ساقطة من س.
(10) في ن: ((الواصل)) .
(11) قال الأصمعي: واتَرْتُ كتبي عليه: أتبعتُ بعضها بعضاً إلا أن بين كلّ واحدٍ منها وبين الآخر مهلة. وقال غيره: المواترة: التتابع بغير مهلة..وقال اللحياني: تواترت الإبل والقَطَا وكل شيٍء؛ إذا جاء بعضه في إثْر بعض، ولم تجىء مُصْطفَّة. وقال مرةً: التواتر: الشيء يكون هُنيْهةً ثم يجيء الآخر، فإذا تتابعت فليست متواترة، وإنما هي مُتَدَارِكة ومتتابِعة. انظر: لسان العرب مادة "وتر"، درة الغوَّاص في أوهام الخواص للحريري ص 12، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 12/125.
(12) انظر: لسان العرب مادة "وتر".
(2/196)

وفي الاصطلاح (1) : خبر أقوامٍ عن أمرٍ محسوسٍ (2) يستحيل تواطؤهم (3) على الكذب عادةً (4) .
الشرح
الأخبار في الاصطلاح ثلاثة أقسام: المتواتر وهو ما تقدم، والآحاد وهو ما أفاد ظناً كان المخبر واحداً أو أكثر، وما ليس بمتواتر ولا آحاد وهو خبر المنفرد (5) إذا احتفَّتْ به القرائن؛ فليس متواتراً لاشتراطنا في التواتر العدد؛ ولا آحاداً لإفادته العلم، وهذا القسم ما علمت له اسماً في الاصطلاح (6) .
وقولي: "عن أمرٍ محسوسٍ" احتراز من النظريات، فإنَّ الجَمْع العظيم إذا أخبروا عن حدوث (7) العالم أو غير ذلك فإن خبرهم لا يُحصِّل العلم (8) ، ونعني "بالمحسوس" ما
_________
(1) هذا تعريف المتواتر، أما التواتر: فهو تتابعُ خبرِ أقوامٍ عن أمر محسوسٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب عادةً. وقد فرقّ بينهما الآمدي في الإحكام 2/14، وانظر: الكاشف عن المحصول للأصفهاني 5 / 586.
(2) لو قال المصنف: ((مُحَسٍّ)) لكان أصوب من جهة الاشتقاق اللغوي، كما نبه عليه بنفسه ص (64) من المطبوع، والأمر واسع.
(3) في ق: ((طواطيهم)) ولعلّها لهجة. والله أعلم.
(4) تعريفات الأصوليين وكذا المحدثين للخبر المتواتر متقاربة، وهي صحيحة على اختلافٍ في الألفاظ. فمنها: أنه خبر جماعة يفيد بنفسه العلمَ بصدقه. انظر: ميزان الوصول 2 / 627، شرح المعالم لابن التلمساني 2 / 142، منتهى السول والأمل ص 68، أصول الفقه لابن مفلح 2 / 473، إرشاد الفحول 1/200، الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 16، إرشاد طلاب الحقائق للنووي ص179، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص161.
(5) في ق: ((الفرد)) .
(6) هذه القسمة مما انفرد بها المصنف فيما أعلم، وجمهور الأصوليين ـ ما عدا الحنفية ـ يقسمون الخبر إلى قسمين: متواتر وآحاد. والأحناف يقسمونه إلى: متواتر، ومشهور، وآحاد، ويجعلون المشهور واسطة بين المتواتر والآحاد، وهو الحديث الذي يُروى بطريق الآحاد ولكنه اشتهر في عصر التابعين أو تابعي التابعين، ويسمونه بالمستفيض على خلافٍ عندهم في عدد الرواة في كل طبقة. وأما الجمهور فيسمون مشهور الحنفية آحاداً، ويدخلون القسم الثالث الذي ذكره القرافي في الآحاد، لأن رواته آحاد وإن أفاد العلم لاحتفافه بالقرائن. والخطب سهل. انظر: إحكام الفصول ص319، روضة الناظر 1/347 الإحكام للآمدي 2/13، المغني في أصول الفقه للخبَّازي ص191، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/56، مفتاح الوصول للشريف التلمساني ص299، فواتح الرحموت 2/138.
(7) في ن، ق: ((حدث)) .
(8) بمعنى لو أخبر أهلُ السنة قاطبةً دَهْرياً بحدوث العالم لم يحصل له العلم لتجويزه غَلَطَهم. انظر: شرح الكوكب المنير 2/325.
(2/197)

يُدْرك بإحدى (1) الحواسِّ الخمس.
قال الإمام في " البرهان " (2) : "ويلحق بذلك ما كان ضرورياً بقرائن الأحوال كصُفْرة الوَجَل وحمُرْة الخَجَل، فإنه ضروري عند المشاهدة. "
وقولي: "يستحيل تواطؤهم على الكذب (3) " احترازُ (4) من (5) أخبار الآحاد.
وقولي: "عادةً" احترازُ (6) من (7) العقل، فإن العلم التواتري عادي لا عقلي، لأن العقل يُجوِّز الكذب على كل عددٍ وإنْ عَظُم، وإنما هذه الاستحالة عادية.
إفادة المتواترِ العلمَ والقَطعَ
وأكثر العقلاء على أنه مفيد للعلم (8) في الماضيات والحاضرات. والسُّمَنِيَّة (9) أنكروا العلم واعترفوا بالظن (10) ، ومنهم من اعترف به في الحاضرات فقط.
_________
(1) في س ((أحد)) ، وفي ن ((آحاد)) والمثبت هو الصواب؛ لأن المعدود مؤنَّث، والعدد ((إحدى)) يأتي موافقاً له. انظر: أوضح المسالك لابن هشام 4/243.
(2) انظر: البرهان لإمام الحرمين 1/369.
(3) هنا زيادة: ((عادة)) في س، والأولى عدمها، لأن المصنف سيذكرها في الاحتراز الآتي.
(4) في ن: ((احترازاً)) وقد سبق الكلام في مثلها.
(5) في س، ق: ((عن)) .
(6) في ن: ((احترازاً)) .
(7) في س: ((عن)) .
(8) انظر هذه في: الرسالة للشافعي ص 478، المقدمة في الأصول لابن القصار ص65، المعتمد 2/82، الإحكام لابن حزم 1 / 102، أصول السرخسي 1/283، قواطع الأدلة 2/240، الضروري من أصول الفقه لابن رشد ص 69، شرح مختصر الروضة للطوفي 2/74، 87 نشر البنود 2/23.
(9) السُّمَنيّة: بضم السين وفتح الميم، فرقة من أهل الهند، دهريون، تقول بالتناسخ وقدم العالم، زعموا ألا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس. قيل: إنها تنسب إلى بلدٍ اسمه "سُوْمْنَا" وقيل: نسبة إلى صنم يعبدونه اسمه سُومْنات. انظر: الفهرست لابن النديم 480، المنية والأمل في شرح الملل والنحل للمهدي المرتضى ص 62، الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي ص162، 214، 270، موسوعة الفرق الإسلامية د/محمد جواد مشكور ص 287، 316.
(10) انظر مذهب السُّمَنِية في: العدة لأبي يعلى 3/841، إحكام الفصول ص319، المستصفى 1/251، الوصول لابن بَرْهان 2/139، المحصول للرازي 4/227، التقرير والتحبير 2/307. ومن العلماء من نسب هذا المذهب أيضاً للبَرْهَمِيَّة، انظر: شرح اللمع للشيرازي 2/569، التمهيد لأبي الخطاب 3/15، الإحكام للآمدي 2/15، كشف الأسرار للبخاري 2/660 ونَسَبه اللاّمشي إلى النظَّام. انظر: كتاب في أصول الفقه له ص146.
(2/198)

الشرح
لنا: أنَّا نقطع بدولة الأكاسرة، والقياصرة (1) ، والخلفاءِ الراشدين، و (2) مَنْ بَعْدهم من بني أُميَّة وبني العباس من الماضيات، وإنْ كنا لا نقطع بتفصيل ذلك، ونقطع بوجود دِمَشْق وبغداد وخُرَاسان (3) ، وغير ذلك من الأمور الحاضرة، فقد حصل العلم بالتواتر من حيث الجملة*.
احتجوا: بأن كثيراً ما نجزم (4) بالشيء ثم ينكشف الأمر بخلافه، فلو كان التواتر يفيد العلم لما جاز انكشاف الأمر* بخلافه (5) .
ولأن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب فيجوز على المجموع (6) ، لأن (7) كل واحد من الزَّنْج (8) لمَّا كان أسود (9) كان مجموعهم سوداً (10) .
والجواب عن الأول: أن تلك الصور إنما حصل فيها الاعتقاد (11) ،
ولو حصل العلم
_________
(1) في ن، س: ((الأقاصرة)) ، والمثبت من ق، وهو الوارد في: المعجم الوسيط ص (770) مادة "قيصر" أن جمع قَيْصر قياصرة: وهو لقب يلقب به ملك الروم.
(2) الواو ساقطة من ن.
(3) هو أقليم قديم، قامت فيها الدعوة العباسية، من مدنها: نَيْسَابور، وهَرَات، وبَلْخ، ومَرْو. تتقاسمها اليوم إيران، وأفغانستان، وتركمانستان. انظر: المنجد في الأعلام ص230.
(4) في ن: ((يُجزم)) .
(5) هذا الدليل الأول للمنكرين إفادةَ المتواترِ العلمَ.
(6) هذا الدليل الثاني.
(7) في ن: ((ولأن)) بزيادة واو. وهو خطأ، لأن السياق ما يزال في بيان الدليل الثاني لهم.
(8) الزِّنْج والزَّنْج: بالكسر والفتح لغتان، جيل من السُّودان، وهم الزنوج، واحدهم: زَنْجي وزِنْجي. انظر: لسان العرب مادة "زنج".
(9) في ق: ((أسوداً)) وهو خطأ لأن ((أسود)) ممنوع من الصرف لعلتين: الوصفية، وأنه على وزن ((أفعل)) انظر: شرح المفصَّل لابن يعيش 1/58. ومع ذلك هنا رد من يجوّز صرف كلّ ما قيل فيه بأنه لا ينصرف. انظر: شيوخ الأشموني على ألفية ابن مالك بحاشية الصبان 3 / 403.
(10) في س، ن: ((أسود)) وهو صحيح أيضاً مراعاةً للَّفظ المفرد ((مجموع)) . والمثبت مراعاةً لاكتساب المفرد معنى الجمع بإضافته إلى ضمير الجمع، والله أعلم. انظر: حاشية الصبان على شرح الأشموني 2/372.
(11) الاعتقاد في اصطلاح المصنف يتناول جميع الإدراكات سواءً كانت قطعية أم ظنيةً غيرذلك. قال في نفائس الأصول (1/191) : "فظهر أن الاعتقاد المتعلق بالرجحان الكائن في الحقائق التي هي المعتقدات ينقسم إلى خمسة: العلم والظن والتقليد والجهل المركب والشك ... " والاعتقاد ـ في المشهور ـ هو الحكم الجازم المقابل للتشكيك انظر: الكليات للكفوي ص (151) .

فلعل المصنف يقصد به الإدراك الجازم في ظن المُعْتقِد ولو لم يكن مطابقاً للواقع أو الظن الغالب، بدليل أنه قال بعد ذلك: "ولو حصل العلم ... الخ" أي: اليقين المطابق للواقع، فإن الدرجة التي تنزل عن العلم هي الظن. والله أعلم.
(2/199)

لم يجز أن ينكشف الأمر بخلافه، ونحن لم نَدَّعِ حصول العلم في جميع الصور، بل ادَّعينا أنه قد يحصل، [وذلك لا ينافي] (1) عدم حصوله في كثير من الصور (2) .
وعن الثاني أن الأحكام قسمان، قسم: لا يجوز ثبوته للآحاد بل لمجموعها فقط، كإرواء مجموع القطرات من الماء، وإشباع مجموع لُقَم الخبز، وغَلَبة مجموع الجيش للعدو وغير ذلك، فهذه أحكام ثابتة للمجموعات دون الآحاد (3) . ومنها (4) : ما يثبت للآحاد فقط، كالألوان (5) والطُّعوم والروائح، فإنها (6) يستحيل (7) ثبوتها إلا للآحاد. أما المجموعات فأمور ذهنية، والأمور الذهنية لا يمكن أن تقوم بها كيفيات الألوان وغيرها، فحصول (8) العلم عند (9) مجموع إخبارات (10) المخبرين كحصول الرَّيِّ والشِّبع ونحوهما، فلا يلزم ثبوته للآحاد، فاندفع الإشكال.
وأما وجه الفرق بين الحاضرات والماضيات (11) : فلأن الماضيات غائبة (12) عن الحسِّ فيتطرَّق إليها احتمال الخطأ والنسيان، ولذلك (13) الدول المُتَقادِمة (14) لم يبقَ عندنا شيء من أحوالها. وأما الحاضرات فمعضودة بالحسِّ، فيبعد تطرُّق الخطأ إليها.
_________
(1) ما بين المعقوفين في س هكذا: ((ذلك، فلا يتنافى)) .
(2) في هذا الجواب نظر، إذ يفتح باب التشكيك في بعض صور المتواتر في إفادته العلم، والدعوى إنما كانت في إفادة كل صور التواتر للعلم لا أكثره، فمتى حكمنا بتخلِّف صورة واحدة انهدمت الدعوى. والله أعلم.
(3) في ق: ((الأفراد)) .
(4) في س، ق: ((ومنه)) . وهذا هو القسم الثاني من أقسام الأحكام.
(5) في س: ((كالأوزان)) وهو غير متَّجه.
(6) في ن: ((فإنه)) وهي ساقطة من ق.
(7) في ق: ((فيستحيل)) .
(8) في ن: ((فحصل)) .
(9) في س: ((غير)) وهو تحريف.
(10) في ق: ((إخبار)) .
(11) هذه حجة من اعترف بأن المتواتر يفيد العلم في الحاضرات دون الماضيات.
(12) في س: ((غابت)) .
(13) في ق: ((وكذلك)) .
(14) المُتَقَادمة: أي القديمة الماضية، من: تَقَادَم الشيءُ؛ بمعنى: قَدُم وطال عليه الأمد. انظر: المعجم الوسيط مادة "قدم".
(2/200)

والجواب: أن حصول الفرق لا يمنع من الاشتراك في الحكم، وقد بينَّاه فيما تقدم (1) .

إفادة المتواتر العلم الضروري
والعلم الحاصل منه ضروري (2)
عند الجمهور (3) خلافاً لأبي الحسين البصري (4) وإمام الحرمين (5) والغزالي (6) .
_________
(1) تقدم ذلك في حجة الجمهور بأن العلم حاصل بالدول الماضية والبلدان الغائبة، فبطل ما تعلَّقوا به. انظر: رفع النقاب القسم: 2/950.
ويمكن أن يُمثَّل لقول المصنف: "إن حصول الفرق لا يمنع من الاشتراك في الحكم" كما تقول: زيد فقيه وهو حيوان، وعمرو ليس بفقيه، فلا يلزم أن لا يكون عمرو حيواناً لوجود الفرق.
(2) هذه مسألة مفرَّعة عن سابقتها، وهي: هل المتواتر يفيد العلم الضروري؟
ابتداءً أذكر تقسيم العلماء للعلم إلى قسمين، الأول: العلم الضروري: وهو الذي لا يحتاج إلى نظرٍ واستدلال. أو هو: ما لزم المخلوقَ على وجهٍ لا يمكن دفعه عن نفسه بشكٍّ ولا شبهة، كالعلم الحاصل عن الحواس الخمس. والثاني: العلم النظري أو المكتسب أو الاستدلالي: وهو العلم الذي يحتاج إلى نظرٍ وفكرٍ واستدلالٍ؛ كالعلم بحدوث العالم مثلاً. انظر: العدة لأبي يعلى 1/80 وما بعدها، الحدود للباجي ص 25، 27، الشرح الكبير على الورقات للعبادي 1/258 وما بعدها.

أما مسألتنا هذه ففيها ثلاثة أقوال، الأول: المتواتر يفيد العلم الضروري وهو للجمهور، والثاني: يفيد العلم النظري، عزاه المصنف إلى أبي الحسين البصري والجويني والغزالي، ومعهم أيضاً الكعبي من المعتزلة، وأبوبكر الدقاق من الشافعية، واختاره أبوالخطاب. الثالث: التوقف، لتعارض أدلة الطرفين، وهو مختار الآمدي. وزاد الزركشي مذهباً رابعاً: وهو أنه بين الضروري والنظري. البحر المحيط له 6/107. انظر المسألة في: رسالة في أصول الفقه للعكبري ص119، التقريب والإرشاد للباقلاني 1/190، إحكام الفصول ص320، شرح اللمع للشيرازي 2/575، التمهيد لأبي الخطاب 3/22، المحصول للرازي 4/230، التوضيح لحلولو ص298 فتح الغفار 2/77، فواتح الرحموت 2/143، الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص16.
(3) انظر المراجع السابقة.
(4) انظر: المعتمد 2/81.
(5) انظر: البرهان 1/375.
(6) انظر: المستصفى 1/ 252 - 254، المنخول ص 237.
(2/201)

الشرح
حجة الجمهور: أنَّا نجد العلم التواتري [حاصل] (1) للصبيان والنسوان ومن (2) ليس له أهلية النظر، [فلو أنه نظري لما حصل إلا لمن له أهلية النظر] (3) .
حجة الفريق الآخر: أنا نعلم بالضرورة أنَّ المخبرين إذا توهّم السامع أنَّهم مُتَّهمون فيما أخبروا به لا يحصل له العلم، وإذا لم يتوهم ذلك حصل له العلم، وإذا علم أنَّهم من أهل الدِّيانة والصدق حصل له العلم بالعدد اليسير منهم (4) ، وإذا لم يحصل له العلم بأنهم كذلك ـ بل بالضِّد ـ لم يحصل العلم بإخبار الكثير منهم، وإذا كان العلم يتوقف حصوله على ثبوت أسبابٍ وانتفاء موانع، فلابد من النظر في حصول تلك الأسباب وانتفاء تلك الموانع: هل حصلت كلها أو بعضها؟ فيكون العلم الحاصل عَقِيْب التواتر نظرياً لتوقفه على (5) النظر.
والجواب: أن ذلك صحيح، لكن تلك المقدمات حاصلة في أوائل الفطرة (6) ، فهذا (7) العلم لا يحتاج إلى كثير (8) تأمل، ولا يقال للعلم: إنه نظري إلا (9) إذا لم يحصل إلا لمن له أهلية النظر، وقد بيَّنَّا أن الأمر ليس كذلك (10) .
_________
(1) تواترت جميع النسخ وتواطأت على إثبات "حاصل" بالرفع، ولست أعلم لذلك وجهاً مستقيماً. والصواب "حاصلاً" على أنه مفعول ثانٍ للفعل "نجد". قال ابن مالك:
انْصِبْ بفعْلِ القلْبِ جَزْأي ابْتدا أعْنِي: رأى، خَالَ، علمْتُ، وَجَدا
انظر: شرح ابن عقيل 1/207.
(2) في س: ((ما)) والمثبت هو الأولى، لأن الغالب في ((من)) الموصولة وقوعها على العالِم (العاقل) ، و ((ما)) لما لا يعقل، وقد يخرجان عن الغالب في مواضع. انظر: همع الهوامع للسيوطي 1/297.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(4) سيأتي بعد قليل مبحث اشتراط العدد في التواتر.
(5) في س: ((عن)) .
(6) أي: تلك المقدمات النظرية - التي أشار إليها الفريق السابق في حجتهم - تحصل في أوائل الفكرة، ولا يتجاوز الأمر هذا الحد إلى النظر والبحث والاستدلال.
(7) في ق "و".
(8) في س "كبير".
(9) ساقطة من ق.
(10) من العلماء من اعتبر الخلاف في كون المتواتر يفيد العلم الضروري خلافاً لفظياً يرجع إلى مقصود كلٍّ من الطرفين بالضروري. انظر وجهه في: المنخول ص238 بذل النظر ص381، شرح مختصر الروضة للطوفي 2/79، شرح المحلي على جمع الجوامع بحاشية البناني 2/123.
(2/202)

{اشتراط العدد في التواتر}
والأربعة لا تفيد العلم (1) قاله القاضي أبوبكر، وتوقَّف في الخمسة (2) .
قال الإمام فخر الدين (3) : الحق أن عددهم غير محصور خلافاً لمن حصرهم في اثْنَي عَشَرَ عددِ (4) نُقَباء موسى عليه السلام (5) ، أو عشرين (6) عند أبي الهُذَيل (7) لقوله تعالى: {إنْ يَكُنْ مِنْكم عِشْرونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائتين} (8) ، أو أربعين لقوله تعالى: {يا أيُّها النَّبيُّ حَسْبُك الله ومَنِ اتَّبَعك مِنَ المؤمنين} (9) وكانوا حينئذٍ أربعين (10) ،
أو سبعين عددِ المختارين من قوم موسى عليه السلام (11) ، أو
_________
(1) هذه مسألة: العدد في المتواتر؛ أهو محصور أم لا؟ فإن كان محصوراً فما أقل عددٍ يحصل به العلم؟ فيه الخلاف الذي سيذكره المصنف.
(2) انظر مذهبه في: البرهان 1/370، المنخول ص240، المحصول للرازي 4/260، المسودة ص235.
واشترط القاضي أبويعلى في العدة (3/856) والباجي في إحكام الفصول ص (323، 327) والجويني في التلخيص (2/288) أن يزيدوا عن الأربعة. وقال السمعاني: "والأحسن ما قاله أكثر الأصحاب" وهو أن يزيدوا عن الأربعة قواطع الأدلة 2/240.
(3) هذا مفاد كلامه في المحصول 4/265.
(4) في متن هـ: ((عِدَّة)) .
(5) الوارد في قوله تعالى: {ولقد أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بني إسرائيلَ وبَعَثْنَا منهمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيْباً ... } [المائدة:12] . والنقيب: كبير القوم، القائم بأمورهم الذي يُنقِّب عنها وعن مصالحهم، والتنقيب: التفتيش. والنقيب في كلام العرب كالعريف على القوم، غير أنه فوق العريف. انظر: جامع البيان للطبري مجلد 4/جزء 6/ 203، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/112. وانظر: لسان العرب مادة "نقب".
(6) في ق: ((العشرين)) .
(7) هو أبوالهُذَيل محمد بن الهُذَيل بن عبد الله العَلاَّف نسبةً إلى داره بالبصرة كانت في العَلاَّفين. شيخ المعتزلة، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء، وإليه تنسب الفرقة "الهُذَيْلِيَّة"، له جهالات وضلالات ردّها بعض المعتزلة، وكان النظَّام من أصحابه، ت 235هـ وقيل غير ذلك. انظر: طبقات المعتزلة ص254، نَكْتُ الهِمْيان ص277، الملل والنحل للشهرستاني 1/64، كتاب "أبوالهُذَيل العلاف أول متكلم إسلامي تأثر بالفلسفة". تأليف مصطفى الغزالي القاهرة 1949م.
(8) الأنفال، من آية: 65.
(9) الأنفال، من آية: 64.
(10) انظر: أسباب النزول للواحدي، ص 238، تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/31، فتح القدير للشوكاني 2/344..
(11) الوارد في قوله تعالى: {واختار موسى قَوْمَهُ سبعين رجلاً لِمِقَياتِنَا ... } [الأعراف: 155] . وكان موسى قد اختارهم من بني إسرائيل - وهم الذين لم يعبدوا العجل - ليعتذروا عن عبادة أصحابهم، وذهب بهم إلى طُوْر سَيْناء لميقات ربه. انظر: جامع البيان للطبري مجلد 6/ جزء 9/ 97، الفتوحات الإلهية للجمل 3/119.
(2/203)

ثلاثمائة عددِ أهل بدر (1) ، أو [أربعَ عَشْرةَ مائة] (2) عددِ بيعة الرِّضْوان (3) .
الشرح
إنما جزم القاضي رحمه الله بأن الأربعة لا تفيد العلم، لأن شهود الزنا أربعة، وهم محتاجون للتزكية (4) . [فلو كان خبر الأربعة يفيد] (5) العلم لأفاد خبرُ كلِّ أربعةٍ وحينئذٍ لا يحتاج للتزكية في صورة، لكنَّه خلافُ الإجماع، وتوقَّف في الخمسة لاحتمال حصول العلم بخبرهم. وهذا البحث من القاضي رحمه الله يقتضي أن العدد - بما هو عدد - هو مدرك العلم، بل (6) الحق أن القرائن لابد منها مع الخبر كما تقدَّم تقريره (7) في حجة إمام الحرمين (8) ، [وإذا كانت القرائن لابد منها، فأمكن] (9) حصولها مع الأربعة، وفي تلك الصورة لا يحتاج للتزكية.
_________
(1) جاء من حديث البراء رضي الله عنه: أنهم بِضْعةَ عشرَ وثلاثمائة. أخرجه البخاري (3957) . وانظر: الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن كثير ص 121.
(2) في جميع نسخ المتن والشرح ((عشرة)) فقط. والمثبت هنا من نسخة ص. وما في النسخ خطأٌ بيِّن يمكن عزوه إلى النُّسَّاخ أو سهو المؤلف، ويعضده أن المصنف في نفائس الأصول (6/2855) نقل عن التبريزي أنهم ألف وسبعمائة وارتضاه.
(3) جاء عددهم أربع عشرة مائة في حديث البراء رضي الله عنه، ورواية أخرى عنه أنهم أربع عشرة مائة أو أكثر، ومن حديث جابر رضي الله عنه أنهم خمس عشرة مائة، ومن حديث عبد الله بن أبي أوفى أنهم ألف وثلاثمائة، وكلها في البخاري (4150 ـ 4155) ومسلم (1856 ـ 1658) . وانظر: السيرة النبوية لابن هشام 3/437، تاريخ الإسلام للذهبي" مجلد المغازي" ص382 وما بعدها.
(4) انظر: الذخيرة للقرافي 10/ 207، 12/54.
(5) ما بين المعقوفين في ق: ((ولو أفاد خبرهم)) .
(6) في ق: ((و)) .
(7) هذه القرائن ترجع إلى الهيئات المُقارِنة للخبر، واختلاف أحوال المخبرين في اطلاعهم على قرائن التعريف، واختلاف إدراك المستمعين لتفاوت الأذهان والقرائح، واختلاف الوقائع في عظمها وحقارتها. انظر: شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/54، شرح الكوكب المنير 2/335.
(8) انظر: البرهان 1/369.
(9) ما بين المعقوفين في ق: ((وحينئذٍ يمكن)) .
(2/204)

والحق عند الجمهور (1) :
أنه متى حصل العلم كان ذلك العدد* هو عدد التواتر قلَّ أو كَثُر، وربما أفاد عددٌ قليلٌ العِلْمَ لِزَيْدٍ [ولا يفيده لِعَمْرٍو] (2) وربما لم يفد عددٌ كثيرٌ العلم لِزَيْدٍ وأفاد بعضُه العلمَ لِعَمْرٍو، وكل ذلك إنما سببه اختلاف أحوال المخبرين (3) والسامعين.
وهذه المذاهب المتقدمة في اشتراط عددٍ معينٍ إنما مدرك الجميع أن تلك الرتبة [من العدد] (4) وُصفتْ بمنقبةٍ حسنة، فجعل ذلك سبباً لأَنْ يَحْصلَ (5) لذلك العدد منقبة أخرى وهي تحصيل العلم، وهذا غير لازم، والفضائل لا يلزم فيها التلازم، وقد يحصل العلم بقول الكفار أحياناً، ولا يحصل بقول الأخيار أحياناً، بل الضابط حصول العلم؛ فمتى حصل فذلك العدد المُحصِّل له هو عدد التواتر (6) .

انقسام التواتر إلى: لفظيّ ومعنويّ
وهو ينقسم إلى اللفظي (7) (8) وهو: أن تقع الشَّرِكة بين ذلك العدد (9) في
_________
(1) انظر مذهب الجمهور وحججهم في عدم اشتراط العدد في: التلخيص 2/300، أصول السرخسي 1/294، المستصفى 1/411، التمهيد لأبي الخطاب 3/28، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل 2 / 355، مجموع الفتاوي لابن تيمية 18/50، كشف الأسرار للبخاري 2/657، التوضيح لحلولو ص298، نشر البنود 2/30، إرشاد الفحول 1/204 شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص163، ظفر الأماني للّكْنوي ص33، نظم المتناثر للكتاني ص18.

تنبيه: إن قيل: كيف نعلم العلم بالمتواتر مع الجهل بأقل عدده؟ قيل: كما يُعلم أن الخبز مُشْبِع والماء مُرْوٍ وإن جهلنا عدده. شرح الكوكب المنير 2/335.
(2) في ق: ((دون عمرو)) .
(3) في س: ((المجتهدين)) والمثبت هو الصواب، لأن المسألة في باب الأخبار لا الاجتهاد.
(4) ساقط من س.
(5) في ن: ((تحصل)) وهو صحيح أيضاً.
(6) قال المصنف في نفائس الأصول (6/3853) "كل طائفة عَمَدتْ إلى طائفة نسب الله تعالى إليها مزية حسنة فجعلت هذه المزية سبب كون قولهم؛ يفيد العلم. وهذا باطل، فإنه لا يلزم من حصول مزيةٍ معينةٍ حصولُ غيرها، وأين إفادة العلم من كونهم نقباء لموسى عليه السلام أو غير ذلك؟! ".
(7) في ن: ((لفظي)) .
(8) هنا زيادة: ((ومعنوي)) في ن، وهي زيادة مقحمة غير مناسبة لأن ما بعدها تعريف للَّفظي.
(9) ساقطة من س.
(2/205)

اللَّفظ المرويِّ (1) . والمعنوي: وهو وقوع الاشتراك في معنىً (2) عامٍّ؛ كشجاعة عليٍّ رضي الله عنه وسخاء حاتمٍ (3) .

الشرح
اللفظي كما نقول: إنّ القرآن الكريم متواتر؛ أي: كل لفظةٍ منه اشترك فيها (4) العدد الناقل للقرآن، وكذلك " دمشق " و" بغداد " أي جميع النَّقَلة نطقوا بهذا اللفظ.
وأما المعنوي: فلا تقع الشَّرِكة في اللفظ (5) كما يُروى أن علياً رضي الله عنه قتل ألفاً في الغزوة الفلانية، وتروى قصص أخرى بألفاظٍ أخرى، وكلها تشترك (6) (7) في معنى الشجاعة، فنقول: شجاعة علي رضي الله عنه ثابتة بالتواتر المعنوي. ويُروى أن حاتماً (8) وهب مائة ناقةٍ، ويروي (9) آخر (10) أنه وهب ألف دينار ونحو ذلك، حتى تتحصَّل حكايات مجموعها يفيد القطع بسخائه، وإن كانت (11) كل حكاية من [تلك الحكايات] (12) لم يتواتر لفظها، فهذا هو التواتر المعنوي.
_________
(1) انظر: نفائس الأصول 6 / 2856، شرح الكوكب المنير 2 / 329، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص 187.
(2) هنا زيادة: ((وهو)) في ق. وانظر تعريفات أخرى للمتواتر المعنوي في: الإبهاج 2 / 294، البحر المحيط للزركشي 6 / 116، شرح الكوكب المنير 2 / 332، فواتح الرحموت 2 / 150.
(3) القصص كثيرة الدالة على شجاعة علي رضي الله عنه وسخاء حاتم بن عدي وهي مبثوثة في كتب التاريخ والسير، أشار إلى بعضها الزركشي في كتابه: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر ص 107 ـ 108. وقال ابن حجر "الأخبار الواردة في سخاء حاتم فإنها كثيرة، لكنها لم تتفق على سياقٍ واحدٍ، ومجموعها يفيد القطع بأنه كان سخياً. وكذلك الأخبار الواردة في شجاعة علي، واستيعاب ذلك متعسِّر، فرأيت أن أشير إلى شيء من ذلك وفاءً بالتخريج ... " ثم ساق ابن حجر حكايات عن شجاعة علي وسخاء حاتم انظرها في موافقة الخُبْر الخَبَر في تخريج أحاديث المختصر 1/193 ـ 198.
(4) في ن: ((فيه)) .
(5) في ق: ((لفظه)) .
(6) في ن: ((مشترك)) .
(7) هنا زيادة: ((راجع إلى معنى كلٍّي كافٍ)) في ن.
(8) في س: ((حاتم)) وهو خطأ نحوي، لأن اسم إن منصوب
(9) في ن: ((وروى)) .
(10) في ق: ((أخرى)) .
(11) ساقطة من ن.
(12) ما بين المعوفين ساقط من ق.
(2/206)

شرط المتواتر
وشرطُهُ على الإطلاق (1) ، إن كان المُخْبِر لنا (2) غيرَ المباشر (3) .
استواءُ الطرفين والواسطة (4) . وإن كانَ المباشرَ فيكون (5) المُخْبَر عنه محسوساً (6) فإن الأخبار عن العقليات* لا يُحصِّل العلم (7) (8) .
الشرح
التواتر له أربع حالات: طَرَفٌ فقط إن كان المخبر هو المباشر. وطرفان بغير واسطة إن كان المخبر لنا غير المباشر. وطرفان وواسطةٌ وهو اجتماع ثلاثة: المباشر، وطائفة أخرى تنقل على الطائفة المباشرة، وطائفة ثالثة تنقل إلينا عن الواسطة الناقلة عن الطائفة المباشرة. وطرفان ووسائط كما في القرآن الكريم، فإن سامعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم نقله عنه (9) وسائطُ وقرونٌ حتى انتهى إلينا (10) .
بعد ستة أو
_________
(1) أي: وشرط المتواتر مطلقاً سواء كان لفظياً أم معنوياً. انظر: رفع النقاب القسم 2/597.
(2) ساقطة من ق.
(3) أي: غير مباشر للسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: رفع النقاب 2/597.
(4) المراد بالطرفين: الطبقة الأولى من الرواة، وهم: الطبقة المشاهدة المباشرة للسماع من النبي صلى الله عليه وسلم، والطبقة الأخيرة، وهم: الطبقة المخبرة التي وقف الإسناد عندها. والمراد بالواسطة: ما بين الطبقتين. والمراد بالاستواء: استواؤهم في الشرطين اللذين أشار إليهما المؤلف في حَدِّ التواتر، وهما: أن يكون كل طائفة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، وأن يكون المُخْبَر عنه أمراً محسوساً. انظر المسألة في: قواطع الأدلة 2/236، الإحكام للآمدي 2/25، تقريب الوصول ص 287، الإبهاج 2/294، البحر المحيط للزركشي 6/101، فواتح الرحموت 2/145، نشر البنود 2/25.
(5) في ق: ((فكون)) .
(6) ظاهر هذا يوهم أن كونه محسوساً خاصٌّ بخبر المباشر، وليس الأمر كذلك، بل هذا شرط في جميع أنواع المتواتر، وظاهره أيضاً أنه لا يشترط في المباشر إلا هذا، وليس كذلك، بل يشترط فيه أيضاً استحالة التواطؤ على الكذب عادة وهذا ما سيشير إليه المصنف في شرحه. انظر: رفع النقاب القسم 2 / 598.
(7) هنا زيادة: ((به)) في س.
(8) قول المصنف: ((فإن الإخبار عن العقليات لا يحصل العلم)) لأن تواطؤ الجمِّ الغفير على الخطأ في المعقولات معقولٌ ليس يستحيل عادة، فهؤلاء آلاف البشر يكذِّبون الأنبياء، ويقولون بقدم العالم، وهو تواطؤ باطل. أما في المُحسَّات فيستحيل عادةً التواطؤ على الكذب. انظر: المنخول ص243، المسودة ص234 نهاية السول 3/83، نشر البنود 2/23، نيل السول للولاتي ص150، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص172.
(9) في ق: ((إلى)) وهو متَّجه.
(10) ساقطة من ن.
(2/207)

سبعة (1) ونحو ذلك، وعلى (2) كل واحدٍ من هذه الطرق لابد من شرطين في الجميع: أن تكون (3) كل طائفة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، وأن يكون المُخْبَر عنه أمراً حسياً. فهذا معنى قول العلماء: من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة (4) ، معناه: إنْ كان له طرفان وواسطة، وإلا فقد لا يلزم ذلك في التواتر كما تقدم بيانه*.
_________
(1) أي بعد ستة قرون أو سبعة، وهذا كان في عصر المصنف عليه رحمة الله. وها هو قد انتهى إلينا ونحن في القرن الخامس عشر الهجري نسأل الله تعالى حسن الختام.
(2) ساقطة من س.
(3) في ق: ((يكون)) .
(4) هنا زيادة: ((هنا)) في ن.
(2/208)

الفصل الثالث
في الطرق المُحصِّلة للعلم غير التواتر (1) .
وهي سبعة: كون المُخْبَر عنه معلوماً (2) بالضرورةِ أو (3) الاستدلالِ، أو (4) خبرِ الله تعالى، أو (5) خبرِ الرسول صلى الله عليه وسلم، أو (6) خبرِ مجموع الأمة أو الجمعِ العظيم عن (7) الوِجْدَانيَّات (8) في نفوسهم، أو القرائنِ (9) عند إمام الحرمين (10)
_________
(1) يريد المصنف ـ في هذا الفصل ـ بيان الطرق التي يحصل بها العلم والقطع بصدق المُخْبَر عنه غير طريق التواتر، وهي طرق دالة على صدق الخبر. وهذا الفصل جاء عطفاً على الفصل الثاني: "في المتواتر" استطراداً منه رحمه الله. انظر المسألة في: المحصول للرازي 4/273، نهاية الوصول للهندي 6/2753، تقريب الوصول ص288، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/51، شرح الكوكب المنير 2/317، فواتح الرحموت 2/137، الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص17.

تنبيه: ذكر الشوشاوي أن الطرق المحصلة للعلم مطلقاً سبعةٌ أو أن العلم سبعة أقسام هي: الضروري، النظري، الحسي، التواتري، التجريبي، الحدسي، الوجداني، انظر: رفع النقاب القسم (2/599) . وقد ذكرها المصنف في الباب الأول: الفصل الثاني عشر "في حكم العقل بأمرٍ على أمر" انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص63.
(2) في ن: ((معلوم)) وهو خطأ نحوي، لأن خبر المصدر ((كون)) حقّه النصب.
(3) في ن: ((و)) وهو مما انفردت به خلافاً لسائر نسخ المتن والشرح. والأنسب أن تكون ((أو)) للتنويع والتقسيم في الطرق.
(4) في ن، ق: ((و)) والأنسب "أو" كما أكثر نسخ المتن وموافقةً لأن يكون المتن على نَسَقٍ واحد.
(5) في ن، ق: ((و)) . انظر التعليق السابق.
(6) في ق: ((و)) .
(7) في س: ((عند)) وهو تحريف.
(8) الوِجْدانيات لغة: جمع وِجْدان ويكون بمعنى الغضب والحزن والغنى واليسار. انظر: لسان العرب مادة "وجد". واصطلاحاً: ما يكون مدركه الحواسَّ الباطنة، أو نقول: هي المشاهدات الباطنة التي يجدها الإنسان في نفسه، كالجوع والعطش واللذَّة والألم والفرح والغضب والنشاط والكسل وغير ذلك. انظر: التعريفات ص305، رفع النقاب القسم 2/603.
(9) القرائن: جمع قرينة وهي لغة: فعيلة بمعنى فاعلة، مأخوذة من المقارنة (المصاحبة) . انظر: لسان العرب مادة "قرن". واصطلاحاً: أمر يشير إلى المطلوب. أو هي: ما يوضِّح عن المراد لا بالوضع، تؤخذ من لاحق الكلام أو سابقه. وهي إما لفظية أو معنوية أو حالية. انظر: التعريفات ص223، الكليات ص734.
(10) البرهان 1 / 373، 1 / 376.
(2/209)

والغزالي (1) والنظَّام (2) .
خلافاً للباقين (3) .
الشرح
المعلوم بالضرورة (4) نحو: الواحد نِصْف الاثنين وبالاستدلال (5) نحو: الواحد سُدُس عُشْرِ الستِّين (6) فإن الخبر (7) عن هذين* يقطع بصدقه، وكذلك من أخبر عن خبر الله تعالى (8) ، أو أخبر (9) الله تعالى عن قيام الساعة فإن خبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم يُقْطع بصدقهما (10) ، وكذلك مجموع الأمة (11) لأنه معصوم، ومثال إخبار الجَمْع
_________
(1) المستصفى 1/255، المنخول 237.
(2) انظر مذهب النظَّام في: التبصرة ص298، البرهان 1/375، المحصول للرازي 4/282.
(3) لعلَّه يريد بالباقين الأكثرين، وإلا فإن عدداً من الأصوليين وافقوا الجويني والغزالي والنظام في أن القرائن المحتفَّة بالخبر الآحادي تفيد العلم لا مجرد الظن، ومن هؤلاء: ابن برهان، والرازي، والآمدي، وابن الحاجب، وابن قدامة، وابن السبكي، وابن حجر، وغيرهم، وإليه ميل المصنف كما يتضح في آخر شرحه لهذا المتن، وفي تقسيمه السابق للخبر إلى: متواتر، وآحاد، ولا متواتر ولا آحاد وهو خبر الواحد المحتفُّ بقرائن تُكْسبه العلم. انظر: الوصول 2/150، المحصول للرازي 4/284، الإحكام للآمدي 2/32، منتهى السول والأمل ص71، روضة الناظر 1/365، جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني 2/131، شرح شرح نخبة الفكر ص215. وعلى كل حال، المسألة فيها ثلاثة مذاهب شهيرة، الأول: خبر الآحاد لا يفيد العلم مطلقاً بل الظن، وهو للأكثرين. الثاني: خبر الآحاد يفيد العلم مطلقاً، وهو لجماعة من أهل الحديث وأهل الظاهر ونصره ابن القيم وغيره. الثالث: خبر الآحاد المحفوف بالقرائن يفيد العلم فإنْ عَرِي عنها لم يفده، وقد علمْتَ من ذهب إليه. انظر علاوة على المراجع السالفة الذكر: الإحكام لابن حزم 1/105، أصول السرخسي 1/321، قواطع الأدلة 2 / 258، نهاية الوصول للهندي 6/2801، البحر المحيط للزركشي 6/134، فواتح الرحموت 2/152، أصول مذهب الإمام أحمد د. عبد الله التركي ص273، خبر الآحاد وحجيته د. أحمد محمود عبد الوهاب ص، مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ص 711 وما بعدها.
(4) هذا الطريق الأول.
(5) هذا الطريق الثاني.
(6) لأنك تستدل عليه بالقياس المنظوم من مقدمتين قطعيتين، كقولك: الواحد سُدُس الستة، والستَّة عُشْرِ الستين، فيُنْتِج لك: الواحد سُدُس عُشْرِ الستين. انظر: رفع النقاب القسم 2/602.
(7) في ن: ((المُخْبِر)) وهي سائغة أيضاً, والمثبت أليق لأن الكلام في الخبر لا المُخْبِر.
(8) هذا الطريق الثالث.
(9) في س، ق: ((خبر)) .
(10) في س، ن: ((بصدقه)) .
(11) هذا الطريق الخامس.
(2/210)

عن الوِجْدَانيات (1) أن يخبر كل واحد أنه وجد هذا الطعام شهيّاً أوكريهاً، فنقطع (2) بأن ذلك الطعام كذلك، فإن متعلَّق أخبارهم واحد (3) وإن لم يحصل القطع بما في نفس كل واحد من تلك الكراهة (4) ، لأن كراهة كل واحد منهم لم يُخْبِر عنها غيُره وإخبار الآخر إنما هو عن كراهة (5) أخرى قامت به فمُخْبَراتهم (6) متعددة وفي كل مُخْبَرٍ عنه خبر (7) واحد فلا يحصل القطع به، بخلاف متعلَّق تلك الكراهات أو اللذات، فإنه واحد، وهو كون ذلك الطعام كذلك، فإن إخبارات الجَمْع (8) اجتمعت فيه فحصل القطع، فهذا (9) هو (10)
صورة (11) هذه المسألة.
حجة إمام الحرمين (12) : أنا نجد المُخْبِر عن مرضه مع (13) اصفرار وجهه، وسقم جسمه، وغير ذلك من أحواله فإنا (14) نقطع بصدقه حينئذٍ. وكذلك كثير من الصور في غير المرض: من الغضب والفرح والبِغْضَة (15) وهو لا يُعدُّ ولا يحصى.
حجة المنع: أن كثيراً ما يقطع (16) بموت زيد ثم ينكشف الغيب عن كونه فُعِل
_________
(1) هذا الطريق السادس.
(2) في ق: ((فيقطع)) .
(3) وهو كونه شهياً أو كريهاً.
(4) في ق: ((الكراهية)) .
(5) في ن: ((كراهية)) .
(6) في س: ((مختبراتهم)) بدون الفاء.
(7) ساقطة من ق.
(8) في س: ((الجميع)) وهو سائغ، والمختار أوفق للسياق.
(9) في ق: ((فهذه)) .
(10) ساقطة من ق..
(11) في س: ((صور)) .
(12) انظر: البرهان 1/373، وكذلك 1/376.
(13) ساقطة من ن.
(14) في س: ((أنا)) خلافاً لسائر النسخ.
(15) البِغْضة: بالكسر والبَغْضاء: شِدَّة البُغْض وهو ضد الحب. انظر: مختار الصحاح، القاموس المحيط كلاهما مادة ((بغض)) .
(16) في ن: ((نقطع)) .
(2/211)

ذلك خوفاً من السلطان أو لغرضٍ آخر (1) .
ومع قيام [هذا الاحتمال] (2) لا يحصل العلم.
وجوابه: أنا نمنع أن الحاصل في تلك الصورة عِلْمٌ بل اعتقادٌ، ونحن لا ندَّعِي أن القرائن تفيد العلم في جميع الصور، بل في بعضها يحصل الظن، وفي بعضها الاعتقاد، وفي بعضها العلم. ونقطع في بعض الصور بما دلت عليه القرائن وأن الأمر لا ينكشف بخلافه، ومن أنصف (3) وراجع نفسه وجد الأمر كذلك في كثير من الصور. نعم؛ في بعضها ليس كذلك، و [ما النزاع فيه] (4) ، إنما النزاع: هل يمكن أن يحصل العلم (5) في صورة أم لا؟ فأنتم تنفونه على الإطلاق، ونحن نثبته في (6) صورة.
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) في ن: ((هذه الاحتمالات)) وهو مما انفردت به خلافاً لسائر النسخ.
(3) في س: ((اتصف)) وهو تصحيف.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(5) ساقطة من ن.
(6) في س: ((على)) وهو غير مستقيم.
(2/212)

الفصل الرابع
في الدالِّ على كذب الخبر (1)
وهو خمسة: منافاته لما علم بالضرورة، أو النظر، أو الدليل القاطع، أو فيما (2) شأنه أن يكون متواتراً [ولم يتواتر] (3) : كسقوط المؤذن (4) يوم الجمعة ولم يخبر به إلا واحد، وكقواعد (5) الشرع (6) ، أو لهما (7) جميعاً كالمعجزات، أو طُلِب في (8) صدور الرواة أو كتبهم بعد استقراء (9) الأحاديث فلم يوجد.
الشرح
قول القائل: "الواحد ليس نصف الاثنين" مخالف لما علم بالضرورة (10) (11)
_________
(1) المسألة في: المستصفى 1/ 267، المحصول للرازي 4/291، البحر المحيط للزركشي 6/123، شرح الكوكب المنير 2/318.
(2) ساقطة من ن.
(3) ساقطة من س.
(4) لو قال المصنف ((الخطيب)) لكان أوجه، إذ المؤذن قد يسقط دون أن يعلم به أحدٌ خلافاً للخطيب. ولعله سَبْقُ قَلمِ المصنفِ أو الناسخِ بقرينة قوله بعد ذلك: يوم الجمعة.
(5) في ن: ((وقواعد)) ، وفي متن هـ: ((أو لقواعد)) .
(6) ساقطة من ن، وفي ق: ((الشرائع)) .
(7) في س: ((هما)) . وضمير التثنية المذكور هنا يعود على: الغرابة كسقوط المؤذن، والشرف كقواعد الشرع، ويدل على ذلك سياق الكلام، وإن لم يتقدم لهما ذكر، نظير هذا في قوله تعالى: {كل من عليها فان} [الرحمن: 26] أي الأرض. وتقدير كلام المصنف: أو فيما شأنه أن يتواتر لغرابته كسقوط المؤذن، أو لشرفه كقواعد الشرع، أولهما جميعاً كالمعجزات، يعضد هذا التقدير ذكر المصنف لهما في الشرح. وانظر: رفع النقاب القسم 2/609.
(8) في ن: ((من الفرع)) وهي لا معنى لها هنا ألبتة.
(9) هكذا في أغلب نسخ الشرح والمتن حاشا ن، ق، ومتن د، ومتن الأزهرية أ، فإن فيها "استقرار" وهي تعطي معنىً مُتَّجِهًا بضميمة الاستقراء، فإن الأخبار النبوية استقرَّت في الدواوين فإذا فُتِّش فيها ولم يوجد، ولا في صدور الرواة دل على كذبه. وشرح المصنف قابلٌ لكلا اللفظين.
(10) ساقطة من ن.
(11) هذا الدال الأول.
(2/213)

ومثال الثاني (1) : الواحد ليس سُدُسَ عُشْرِ (2) الستين، ومثال الدليل القاطع (3) : أن (4) الشمس ليست طالعة ونحن نشاهدها طالعة (5) . وقواعد الشرائع (6) نحو: وجوب الصلاة والزكاة أو تحريم الخمر ونحو ذلك مما هو من قواعد الدين، فإن شأن هذا أن يتواتر لتوفر الدواعي على نقله، فسقوط المؤذن شأنه أن يتواتر لغرابته، وقواعد الدين شأنها أن تتواتر (7)
لشرفها، والمعجزات جمعت بين: الغرابةِ لكونها من خوارق العادات والشرفِ لأنها أصل النبوات، فإذا لم يتواتر شيء من ذلك ولم ينقله إلا واحد دل على كذب الخبر (8) إن كان قد حضره جمع عظيم (9) ولم يَقُمْ غيرُه مقامه في حصول المقصود منه (10) ،
فالقيد الأول احتراز (11) من انشقاق (12) القمر، فإنه كان ليلاً ولم يحضره عدد
_________
(1) هذا الدال الثاني.
(2) في ن: ((عُشْر سدس)) وهو قَلْبٌ حَميْد، لأنه غير مُخِلٍّ بالمعنى.
(3) هذا الدال الثالث.
(4) ساقطة من ق.
(5) فهذا الخبر كذب لمنافاته الدليل القاطع وهو الحس والمشاهدة. انظر: رفع النقاب القسم (2/606) . لكن الذي عناه الغزالي في المستصفى (1/267) وقريب منه الرازي في المحصول (4/291) بمنافاة الدليل القاطع أي: النص القاطع من كتاب أو سنة متواترة أو إجماع. وهو الأَسَدُّ، فتمثيل المصنف بطلوع الشمس يندرج تحت ما علم منافاته بالضرورة ولو حساً وهو الدال الأول، يعضد هذا أن ابن الحاجب في منتهى السول والأمل ص (67) اختصر ما يدل على كذب الخبر بقوله "وأما ما يعلم كذبه فما كان مخالفاً لما عُلم صدقه" وقد عَلِمْتَ أن مما يُعلم صدقُه خبرَ الله تعالى وخبرَ رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، فأين ضدّه عند المصنف؟! والله أعلم.
(6) هذا الدال الرابع، وهو ما شأنه أن يتواتر ولم يتواتر، وهو على ثلاثة أقسام؛ الأول: أن يكون الخبر فيه غرابة كسقوط الخطيب من المنبر يوم جمعة. الثاني: أن يكون شريفاً يتعلق بقواعد الشرائع والدين كوجوب الصلاة أو النص على إمامة علي رضي الله عنه. الثالث: أن يجمع الخبر بين الغرابة والشرف كالمعجزات.
(7) في ن: ((يتواتر)) وهو تصحيف..
(8) في ن: ((المُخبِر)) وهو جائز، لأن علاقة المُخْبِر بالخبر كعلاقة اللازم بالملزوم، والدال بالمدلول.
(9) في ن: ((كثير)) .
(10) معنى ما سبق: أن الدال على المخبر يكون كاذباً إذا لم يتواتر الخبر وهو مما تتوفر الدواعي على نقله لغرابته أو لشرفه أو لهما معاً بعيدين: القيد الأول: أن يحضره جمع عظيم، القيد الثاني: ألا يقوم غير هذا الخبر مقامه في حصول المقصود منه. وسيأتي تمثيل المصنف له.
(11) في ن: ((احترازاً)) وقد سبق الكلام عنه.
(12) في ق: ((اشتقاق)) وهو تحريف.
(2/214)

التواتر (1) ، والقيد الثاني احتراز (2) عن بقية معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام: كنبع الماء من بين أصابعه (3) ، وإشباع العدد العظيم من الطعام القليل (4) ،
فإنه حضره الجمع العظيم، غير أن الأمة اكتفت بنقل القرآن وإعجازه عن غيره من المعجزات، فنُقلتْ آحاداً (5) مع أن شأنها أن تكون متواترة.
وأما الأحاديث (6) فلها حالتان: أول الإسلام قبل أن تُدوَّن وتُضْبط، فهذه الحالة إذا طُلب حديث ولم يوجد ثُمَّ وجد لا يدل على كذبه، فإن (7) السنة كانت متفرِّقة في الأرض في صدور الحفظة.
_________
(1) انشقاق القمر معجزة حسية من معجزاته صلى الله عليه وسلم، جاء في ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشقّ القمر} [القمر:1] ، كما جاء خبرها في كتب الصحاح والسنن ودلائل النبوة، انظر مثلاً: البخاري (3636) وصحيح مسلم (2800) ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني ص 1 / 279، ودلائل النبوة للبيهقي 2/262. قال القاضي عياض: "أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه" الشفا لتعريف حقوق المصطفى (1/543) . والحديث جاء في نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص (222) . وبهذا يعلم أن التمثيل بانشقاق القمر في هذا الموضع محل نظر. ولهذا قال ابن حجر "أما انشقاق القمر فنُوزِع في التمثيل به" موافقة الخُبر الخَبر (1/201) . وأشار ابن السبكي (2 / 322) بأن الانشقاق متواتر منصوص عليه في القرآن، ومروي في الصحيحين وغيرهما من طرق، وقال: ((وله طرق أُخَر شتى بحيث لا يمتري في تواتره محدِّث)) .
(2) في ن: ((احترازاً)) قد سبق الكلام عنه.
(3) نبع الماء من بين أصابعه الشريفة جاء في أحاديث كثيرة منها: البخاري (3571) ، مسلم (2279) ، دلائل النبوة لأبي نعيم 2 / 405، دلائل النبوة للبيهقي 4 / 115، نظم المتناثر ص224.
(4) تكثير الطعام القليل ببركته صلى الله عليه وسلم وإشباع العدد العظيم أيضاً جاء فيه أحاديث كثيرة منها: البخاري (3578، 4101) ، مسلم (2039، 2280) ، دلائل النبوة لأبي نعيم 2 / 415، دلائل النبوة للبيهقي 3 / 422، نظم المتناثر ص224.

تنبيه: هذان المثالان أيضاً مما نوزع فيه المصنف، لأنهما متواتران. قال النووي في شرح صحيح مسلم (15/31) "هذه الأحاديث في نبع الماء من بين أصابعه، وتكثيره وتكثير الطعام، هذه كلها معجزات ظاهرات وجدت من رسول الله في مواطن مختلفة وعلى أحوال متغايرة، وبلغ مجموعها التواتر". وقال القاضي عياض في الشِّفا (1/496) "وكذلك قصة نبع الماء وتكثير الطعام رواها الثقات والعدد الكثير عن الجمَّاء الغفير عن العدد الكثير من الصحابة ... " وقال أيضاً في (1/498) ((وما عندي أوجبَ قولَ القائل: إن هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد، إلا قلةُ مطالعته للأخبار وروايتها، وشغلُه بغير ذلك من المعارف، وإلا من اعتنى بطرق النقل، وطالع الأحاديث والسير، لم يَرْتَبْ في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه ... ".
(5) في ن، س: ((آحاد)) وهو خطأ نحوي، لأنها حالٌ.
(6) هذا الدال الخامس على كذب الخبر.
(7) في ن: ((لأن)) .
(2/215)

والحالة الثانية: بعد الضبط التام وتحصيلها، إذا طُلب حديثٌ فلم يوجد في شيء من دواوين الحديث ولا عند رواته (1) دل ذلك على عدم صحته، غير أنه يشترط استيعاب الاستقراء (2) بحيث لا يبقى ديوان ولا راوٍ إلا (3) كُشِف (4) أمره في جميع [أقطار الأرض] (5) ، وهو عَسِرٌ أو متعذِّر (6) . وأما الكشف في البعض فلا يحصل القطع بكذبه لاحتمال أن يكون في البعض الآخر. وقد ذكر أبو حازم (7) في مجلس هارون الرشيد حديثاً وحضره ابن شهاب الزهري (8)
فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث [فقال له (9) أبو حازم] (10) أكلّ سنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَرَفْتَه (11) ؟ فقال: لا، فقال
_________
(1) في س: ((رواية)) وهو تحريف.
(2) في س: ((الإقراء)) وهو تحريف.
(3) في س: ((وإلا)) وهو تحريف.
(4) في ق: ((وكشف)) بزيادة واو الحال، وفي ن: ((وقد كشف)) بزيادة الواو وقد، وكلُّه له وجه في اللغة، بيد أن المثبت أقعد إذ قاعدة الجملة الفعلية الحالية إذا سُبق فعلها الماضي بـ "إلا" وقد تضمنت الجملة ضميراً يرجع إلى صاحب الحال فالأرجح حذف الواو و"قد" معاً انظر: شرح كافية ابن الحاجب للرضي 2 / 83 حاشية الصبان على شرح الأشموني 2/285.
(5) في ق: ((الأقطار)) .
(6) هذا توهين من المصنف للدال الخامس لتعذر الإحاطة، وهو حق. والله أعلم.
(7) في س "أبوحاتم" وهو تحريف. وأبوحازم هو سلمة بن دينار المدني الشهير بأبي حازم الأعرج، الإمام الزاهد الواعظ، وحديثه في الكتب الستة، وهو ثقة، روى عن الصحابي سَهْل بن سعد الساعدي وعن كبار التابعين، وأخذ عنه خلق كثير. له موقف مهيب مع الخليفة سليمان بن عبد الملك. ت 135 هـ وقيل: 140 هـ. انظر: حلية الأولياء 3 / 229، سير أعلام النبلاء 6/96، تهذيب التهذيب 2/373.
(8) هو أبوبكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، نسبةً إلى قبيلة زهرة بن كلاب. من مشاهير التابعين، أخذ عن عدد من الصحابة وعن فقهاء المدينة السبعة. وعنه أخذ مالك بن أنس وعمرو بن دينار وعطاء وخلق كثير. كان آية في الحفظ والضبط. ت125هـ..انظر: سير أعلام النبلاء 5/326 تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 108، تهذيب التهذيب 5/284.
(9) ساقطة من ن.
(10) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(11) في س، ن: ((عرفتها)) وهو جائر؛ لأن مرجع الضمير هو ((كلّ)) ، وقد اكتسب التأنيث بسبب إضافتها إلى المؤنث. وأما المثبت ((عرفته)) فالضمير فيه مراعاةً للفظ ((كل)) المذكَّر. قال ابن مالك:
ورُبَّما اكْسَبْ ثانٍ أوَّلا تأنيثاً إنْ كان لحذفٍ مُوْهِلا
انظر: شرح ابن عقيل 1 / 343.
(2/216)

له (1) : أثُلُثَيْها؟ فقال: لا، فقال له (2) : أنصفها؟ فسكت، فقال له (3) : اجعل هذا من (4) النصف الذي لم (5) تعرفه (6) ، [وهذا هو] (7) ابن شهاب الزهري [شيخ مالك] (8) ، فما ظنك بغيره؟!
_________
(1) ساقطة من ن، س.
(2) ساقطة من ن، س
(3) ساقطة من ن
(4) في س: ((في)) .
(5) في س: ((لا)) .
(6) نقل حلولو في التوضيح شرح التنقيح ص (305) عن العراقي اعتراضه على القرافي في إيراد هذه القصة، قال: إنهما ماتا قبل مجيء الدولة العباسية، وإنما كان اجتماعهما في مجلس سليمان بن عبد الملك". وهو حقٌّ لما علم من تاريخ وفياتهم.
(7) في ق: ((هذا وهو)) وهو مما انفردت به دون سائر النسخ.
(8) ساقطة من ن.
(2/217)

الفصل الخامس
في خبر الواحد (1)
وهو خبر العَدْلِ (2) الواحدِ (3) أو العدولِ المفيد للظن (4) وهو عند مالك رحمة الله عليه، وعند (5) أصحابه حجة (6) . واتفقوا على جواز العمل به (7) في الدنيويات والفتوى (8) والشهادات، والخلاف إنما هو في كونه حجة في حق المجتهدين* (9) ، فالأكثرون على أنه حجة لمبادرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى العمل به.
الشرح
كون خبر الجماعة إذا أفاد الظن يُسمَّى: خبر واحد، هو اصطلاح (10) لا لغة (11) .
_________
(1) ويُسمى: خبر الآحاد، وهو لغة: جمع أحد بمعنى واحد، وهمزته مُبْدلة من واو، فأصلها: وحد. انظر: لسان العرب مادة "أحد" و"وحد" واصطلاحاً: عرفوه بتعريفات متقاربة فمنها: هو خبر الواحد أو الجماعة الذين لا يبلغون حد التواتر.. وقيل: هو ما رواه الواحد أو الاثنان فصاعداً ما لم يبلغ حد الشهرة أو التواتر. وقيل: هو ما لم يَجْمع شروط المتواتر. انظر: تقريب الوصول ص289، التوضيح لحلولو 305، شرح الكوكب المنير 2/345. الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص16، شرح شرح النخبة للقاري ص209.
(2) العَدلْ: بمعنى العادل أو ذي عَدْل أو على طريقة المبالغة لأن المصدر وُضع موضع الصِّفة، وهو من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. انظر: شرح شرح النخبة للقاري ص247.
(3) ساقطة من متن هـ.
(4) عرَّف المصنف خبر الآحاد المقبولَ، لأنه سيُرتِّب عليه الحُجيّة والعمل، وإلا فهو اصطلاحاً أعمُّ من كونه مقبولاً.
(5) ساقطة من س، ق.
(6) انظر: المقدمة في الأصول لابن القصار ص67، إحكام الفصول ص324.
(7) عبرّ المصنف في المتن بقوله: "جواز العمل به ... " تبعاً للحصول (4/354) ، ومن الأصوليين من يعبِّر بوجوب العمل به، وآخرون يقولون بالتفصيل، أي: بالجواز في الدنيويات والوجوب في الفتوى والشهادات، وهو ما مشى عليه المصنف في آخر شرحه هذه العبارة، والقول بالتفصيل أولى.
(8) في ن: ((الفتاوى)) وهو مما استقلّت به، وهو صحيح أيضاً.
(9) في ق: ((المجتهد)) خلافاً لجميع النسخ.
(10) في ق: ((إصلاح)) وهو تحريف.
(11) لأن خبر الواحد لغة: خبر إنسانٍ واحدٍ، بينما في الاصطلاح يشمل خبر الواحد والاثنين والثلاثة ما لم يصل حدَّ التواتر، فكلُّه يُسمَّى: خبر واحد أو آحاد. انظر: التلخيص 2/325.
(2/218)

وقد تقدَّم أول الباب أن الأخبار ثلاثة أقسام: تواتر، وآحاد، ولا تواتر ولا آحاد وهو: خبر الواحد المنفرد إذا احتفت به القرائن حتى أفاد العلم:
وجمهور أهل العلم على أن خبر الواحد حجة عند (1) مالكٍ والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم (2) .
قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص" (3) : "اختلف الناس في جواز التعبد بخبر الواحد، فقال به الفقهاء والأصوليون، وخالف بعض المتكلمين (4) . "، والقائلون بجواز التعبد (5) به (6) اختلفوا في وقوع التعبد به (7) ، فمنهم من قال: لا يجوز (8) التعبد به (9) ، لأنه لم يرد التعبد به بل ورد السمع بالمنع منه، ومنهم من يقول (10) : يجوز العمل به إذا عضده غيره ووجد أمر (11) يقويه. ومنهم من يقول: لا يقبل إلا خبر
_________
(1) سقطت من جميع النسخ ما خلا نسخة ز.
(2) طال بحث الأصوليين كثيراً في حجية خبر الواحد والعمل به، ومذهب أهل السنة والجماعة والأئمة ـ كما ذكر المصنف ـ أنه حجة يجب العمل به لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والقياس عليه. وذهب بعض المتكلمين إلى أنه ليس بحجة، فمنهم من يردُّ حجيته عقلاً، ومنهم سمعاً، ومنهم من يمنع حجيته عقلاً وسمعاً، ومنهم من لا يحتج به إلا إذا عضده دليل آخر ... الخ. انظر تفصيلات الأدلة والمناقشات في: الرسالة للشافعي ص401، المعتمد 2/98، العدة لأبي يعلى 3/859، الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 2/279، الكفاية في علم الرواية له أيضاً ص 18، إحكام الفصول ص330، التلخيص 2/325، قواطع الأدلة 2/264، المحصول للرازي 4/353، الإحكام للآمدي 2/45، كشف الأسرار للبخاري 2/682، التوضيح لحلولو ص306، خبر الواحد وحجيته د. أحمد محمد عبد الوهاب، خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته لأبي عبد الرحمن القاضي برهون، الأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد د. سليم الهلالي.
(3) انظر رفع النقاب للشوشاوي القسم 2/617.
(4) وهم: جماهير القدرية، والرافضة، والقاساني وغيرهم. انظر: إحكام الفصول ص330، الإبهاج 2/300، التقرير والتحبير 2/361، أصول الفقه لمحمد رضا المظفر (رافضي) (2 / 61) إلا أنه نقل خلافاً في مذهبهم وقال بأن التحقيق أنهم يقولون بحجيته، وانظر: الفصول اللؤلؤية في أصول فقه العترة النبوية ص257.
(5) أي: عقلاً.
(6) ساقطة من س.
(7) أي: شرعاً.
(8) هنا زيادة: ((وقوع)) في س.
(9) ساقطة من ن.
(10) في ن: ((قال)) .
(11) في ن: ((أمراً)) ووجهه إذا كان الفعل ((وجد)) مبنياً للمعلوم.
(2/219)

اثنين فصاعداً إذا كانا عدلين ضابطين (1) ، قاله الجُبائي (2) . وحكى المازري وغيره (3) "أنه (4) قال (5) : لا يُقْبل في الأخبار التي تتعلق بالزنا إلا أربعة قياساً للرواية على الشهادة. " (6)
حجة المنع من جواز التعبد به (7) : أن التكاليف تعتمد تحصيلَ (8) المصالح* ودفعَ المفاسد وذلك يقتضي أن تكون (9) المصلحة أو المفسدة معلومة، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وهو يجوز خطؤه فيقع المكلف في الجهل والفساد، وهو غير جائز.
وهذه الحجة باطلة إما لأنها مبنية على قاعدة الحُسْن والقبح ونحن نمنعها (10) ، أو لأن الظن إصابته (11) غالبة وخطؤه نادر، ومقتضى القواعد أن (12) لا [تُتْرك المصالح] (13) الغالبة للمفسدة النادرة (14) ، فلذلك أقام صاحب الشرع الظن مقام العلم* لغلبة صوابه وندرة خطئه (15) .
_________
(1) الضابط: هو من يُثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. انظر: شرح شرح النخبة للقاري ص248.
(2) انظر: المعتمد 2/138، التبصرة ص312، البرهان 1/392، وسيأتي مزيدُ بيانٍ لمذهبه وحجته ومناقشته في الفصل السابع من هذا الباب.
(3) انظر: رفع الحاجب لابن السبكي 2 / 406، وانظر: المعتمد 2/138.
(4) أي الجبائي.
(5) ساقطة من ن.
(6) في رفع النقاب للشوشاوي القسم (2/615) تحرير بديع لهذه التقسيمات فطالِعْه ثمة.
(7) أي عقلاً.
(8) في ن: ((حصول)) .
(9) في س: ((يكون)) .
(10) سبق الكلام عنها وأن مذهب أهل السنة والجماعة الوسطية وهو عدم قبول قاعدة الحسن والقبح مطلقاً وعدم منعها مطلقاً.
(11) في س: ((إصابة)) وهو تحريف.
(12) ساقطة من ن.
(13) في ق: ((نترك المصلحة)) .
(14) راجع في ذلك كتاباً فريداً في بابه وهو: قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام ص145، وانظر: ترتيب الفروق للبقُّوري 1/43.
(15) يدل عليه قوله تعالى: {وما شهدنا إلا بما علمنا} [يوسف: 81] ، وقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات ... } [الممتحنة: 10] ، وقوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} [النور: 33] وكل ذلك بمعنى الظن وأقامه مقام العلم لغلبته. انظر: القطع والظن عند الأصوليين د. سعد الشثري.
(2/220)

حجة المنع من الوقوع (1) : قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} (2) وخبر الواحد لا يوجب علماً فلا يُتَّبع (3) . وقوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} (4) وقوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن} (5) في سياق الذم وذلك يقتضي (6) تحريم اتباع الظن وهذه النصوص كثيرة (7) .
وجوابها: أن ذلك مخصوص بقواعد الديانات وأصول العبادات القطعيات (8) ، ويدل على ذلك قوله عليه السلام " نحن نقضي بالظاهر والله يتولَّى السرائر" (9) ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة} (10) فجعل [الله تعالى] (11) الموجب للتبين (12) كونه فاسقاً، فعند عدم الفسق يجب العمل وهو المطلوب، وقوله تعالى (13) : {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (14) [أوجب تعالى الحذر] (15) بقول الطائفة الخارجة من الفرقة [مع أن] (16) الفرقة تصدق
_________
(1) أي شرعاً.
(2) الإسراء، من الآية: 36.
(3) في ن: ((يقع)) .
(4) يونس، من الآية: 36. والآية لم ترد في نسخة ن.
(5) الأنعام، من الآية: 116.
(6) ساقطة من س.
(7) يمكن أن يجاب عن الاستدلال بالآيات التي نَعَتْ على الظن بأن المراد به الظن المذموم المبني على التخمين والحَدْس ولا دليل عليه، لأن الظن في هذه الآيات مطلق، فيُحمل على الظن الكاذب جمعاً بين الأدلة. انظر: العدة لأبي يعلى 3/872، التمهيد لأبي الخطاب 3/402، نفائس الأصول 7/2943.
(8) انظر: نفائس الأصول 7/2942.
(9) مرَّ تخريجه.
(10) الجحرات، من الآية: 6.
(11) ساقط من ق.
(12) في ق: ((للتثبت)) وهي صحيحة أيضاً، وفي س: ((للتثبيت)) وهو تحريف.
(13) في س: ((ولقوله)) ، وفي ق: ((وكقوله)) .
(14) التوبة، الآية: 122.
(15) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(16) في ق: ((و)) .
(2/221)

على الثلاثة (1) ، فالخارج منها يكون أقل منها، فإذا وجب الحذر عند قولهم كان قولهم حجة وهو المطلوب، وقياساً على الفتوى والشهادة.
ومعنى قولي "اتفقوا على أنه حجة في الدنيويات. " أنه يجوز الاعتماد على قول العدل في الأسفار وارتكاب الأخطار إذا أخْبر أنها مأمونة، وكذلك سقي الأدوية، ومعالجة المرضى وغير ذلك من أمور الدنيا.
ويجوز بل يجب الاعتماد على قول المفتي وإن كان قوله لا يفيد عند المستفتي إلا الظن، ولذلك (2) أجمعت (3) الأمة على أن الحاكم يجب عليه أن يحكم بقول (4) الشاهدين، وإن (5) لم يحصل عنده إلا الظن، وإنما الخلاف إذا اجتهد العلماء في الأحكام المتعلقة بالفتاوى هل يجوز للمجتهد الاعتماد على ذلك؟
شروط قبول خبر الآحاد المتعلِّقة بالراوي
ويشترط في المخبر (6) العقلُ والتكليفُ (7) ، وإن كان تحمُّل الصبي صحيحاً، والإسلامُ، والضبْطُ (8) واخْتُلف في المبتدعة إذا
_________
(1) قال أبو هلال العسكري "والطائفة في الشريعة قد تكون اسماً واحداً. قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] . ولا خلاف في أن اثنين إذا اقتتلا كان حكمهما هذا الحكم ـ ثم قال ـ ويجوز قبول الواحد بدلالة قوله تعالى: {فلوا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] أي ليحذروا، فأوجب في خبر الطائفة، وقد تكون الطائفة واحداً " كتاب الفروق ص305، وانظر أيضاً: عمدة الحفاظ 2/425 مادة "طوف".
(2) في ق: ((وكذلك)) .
(3) في ن: ((اجتمعت)) .
(4) في ن: ((بحكم)) .
(5) ساقطة من س
(6) هذه شروط قبول خبر الآحاد المتعلقة بالراوي وهو المُخبْر.
(7) كان على المصنف أن يختار أحد الأمرين؛ إما أن يجعل من شروط المُخْبِر: العقل والبلوغ. أو يقول: التكليف، لأنه يتضمَّنهما.
(8) ساقطة من جميع نسخ المتن والشرح ما عدا نسخة متن هـ. وإثباتها واجب متحتّم، لأن هذا الشرط من أهم الشروط في المُخْبِر فلو كان عاقلاً بالغاً مسلماً عَدْلاً غير ضابط لم تقبل روايته باتفاق. قال ابن الصلاح "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتجُّ بروايته أن يكون عَدْلاً ضابطاً لما يرويه" علوم الحديث ص 104، انظر هذا الشرط وبقية الشروط في: العدة لأبي يعلى 3/924، 948، قواطع الأدلة 2/305، التمهيد لأبي الخطاب 3/105، الإحكام للآمدي 2/71، المغني للخبازي ص199، كشف الأسرار للبخاري 2/727 التوضيح لحلولو ص 309، رفع النقاب القسم 2/629، الكفاية في علم الرواية ص54، تدريب الراوي للسيوطي 1/352، ظفر الأماني للكنوي ص486.
(2/222)

كفرناهم (1) ، فعند القاضي أبي بكر (2) مِنَّا والقاضي عبد الجبار (3) لا تقبل روايتهم، وفصَّل الإمام فخر الدين (4) وأبوالحسين (5) بين من يبيح الكذب وغيره. والعدالةُ (6) ،
والصحابة رضوان الله عليهم عُدُول إلا عند قيام المعارض.
الشرح
حكم رواية الصبي
أما العقل فلأنه أصل الضبط (7) ، والتكليف هو الوازع عن الكذب، فمَنْ لا تكليف عليه هو آمن من عذاب الله تعالى في كذبه فيُقْدِم عليه، ولا يحصل الوثوق به، وتحمُّل (8) الصبي جائز؛ لأنه إنما يقبل أداؤه (9) وروايته بعد بلوغه وحصول التكليف (10) الوازع (11) في حقه (12) . وكذلك تحمَّل الفاسق والكافر، ويؤدون إذا زالت هذه النقائص (13)
_________
(1) لو قال المصنف: "واختلف في المبتدعة" مطلقاً دون قوله: "إذا كفرناهم" لكان أحسن، لأن هذا القيد يشعر بأن الخلاف مخصوص بالقول بتكفيرهم، وليس الأمر كذلك، بل وقع الخلاف أيضاً في المبتدعة ببِدَعٍ مفسِّقة كما سيأتي في الشرح.
(2) انظر: المحصول للرازي 4/396، الإبهاج 2/314، البحر المحيط للزركشي 6 / 143، شرح الكوكب المنير 2/405.
(3) انظر: المعتمد 2/135، الإبهاج 2/314.
(4) انظر: المحصول 4/396.
(5) انظر المعتمد 2/135.
(6) ساقطة من ق، متن هـ..
(7) فلا تقبل رواية المجنون ولا الصبي غير المميز لعدم العقل بالإجماع. انظر: نهاية السول 3/119، ظفر الأماني ص 486
(8) التحملَّ هو: تلقي الحديث وأخذه عن الشيوخ، ولا يشترط له الإسلام والبلوغ. انظر: شرح شرح النخبة للقاري ص792، تيسير مصطلح الحديث للطحان ص157.
(9) الأداء هو: رواية الحديث وإعطاؤه للطلاب، ويشترط له الإسلام والبلوغ. انظر: المرجعين السابقين.
(10) ساقطة من ق
(11) في ن: ((والوازع)) .
(12) انظر: إحكام الفصول ص365، إرشاد الفحول 1/214، الكفاية في علم الرواية ص25، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع للقاضي عياص ص 62، الباعث الحثيث لأحمد شاكر شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير 1/323.
(13) في ن: ((الموانع)) .
(2/223)

عنهم (1) ، فإنَّ من حَصَل له العلم بشيء (2) جاز له الإخبار عنه [ولا تضرُّه الحالة المقارنة لحصول العلم] (3) . ونقل في مذهب الشافعي (4)
رضي الله عنه قول (5) بجواز رواية الصبي، وهو منكر من حيث النظر والقواعد بخلاف التّحمُّل (6) ، وما زال الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون رواية العدول [فيما تحمَّلوه] (7) في حالة الكفر (8) والصبا (9) وذلك غير قادح، وكذلك الشهادة لا يقدح فيها أن وقت التحمُّل كان عدواً أو صبياً أو كافراً أو فاسقاً إذا سَلِمتْ حالة الأداء عن ذلك، فكذلك هاهنا.
حكم رواية الكافر
وأما الكافر الذي هو من غير أهل القبلة (10) فلا تقبل روايته في الدين، وإن كان أبو حنيفة رضي الله عنه قَبِل شهادة أهل الذمة (11) في الوصية وعلى بعضهم لقوله تعالى:
_________
(1) انظر: البحر المحيط للزركشي 6/148، تيسير التحرير 3/41، الباعث الحثيث 1/323، اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر للمناوي 2/666.
(2) في ق: ((لشيء)) وهو تحريف.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(4) وهو رواية عن الإمام أحمد. انظر: المسودة ص 258، الإبهاج 2/312، التمهيد للإسنوي ص445، البحر المحيط للزركشي 6/140، شرح الكوكب المنير 2/380، المجموع شرح المهذب للنووي 3/108، توضيح الأفكار للصنعاني 2/89..
(5) في ن: ((قولاً)) وهو خطأ نحوي؛ لأنه نائب فاعل لـ ((نُقل)) .
(6) وجه إنكاره ثلاثة أمور، الأول: لكونه غير مكلف فلا يحترز عن الكذب. الثاني: إذا لم تقبل رواية الفاسق مع وجود الوازع في حقه، فرواية الصبي أولى بالردّ لعدم الوازع أصلاً. الثالث: إقراره على نفسه لا يُقْبل، فأحرى أن لا يقبل قوله على الشريعة. انظر: المستصفى 1/291، المحصول للرازي 4/394، نهاية الوصول 6/2869 رفع النقاب القسم 2/630
(7) ساقط من س، وفي ق: ((فيما يحملوه)) .
(8) وانظر مثاله في: البحر المحيط للزركشي 6/148، التقرير والتحبير 2 / 318، فتح الباري لابن حجر 2 / 315.
(9) وانظر مثاله في: التقرير والتحبير 2 / 315، فتح الباري لابن حجر 7 / 102.
(10) أهل القبلة: هم من يدَّعي الإسلام، ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي، ما لم يكذّب بشيء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/282) ، شرح العقيدة الصحاوية ص (426) .
(11) أهل الذَّمَّة: هم الكفار المقيمون تحت ذِمَّة المسلمين بالجزية. الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي لابن المبرد الحنبلي 2/289.
(2/224)

{أو آخران من غيركم (1) } ، فالجمهور يقولون من غير تلك القبيلة، وأبو حنيفة يقول من غير دينكم، والمسألة مُسْتَقْصَاة في الفقه والخلاف (2) .
حكم رواية المبتدع
وأما المبتدعة فقد قَبِل البخاري (3) وغيره روايتهم كعَمْرو بن عُبيد (4)
وغيره من المعتزلة
_________
(1) الآية 106 من المائدة، وأولها: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ... } .
(2) أخطأ المصنف في حكاية خلاف أبي حنيفة مع الجمهور في مسألة شهادة الذمي على المسلم في الوصية في السفر، وأصاب في حكاية خلافه مع الجمهور في مسألة شهادة بعضهم على بعض. أما المسألة الأولى، فالخلاف فيها مع الإمام أحمد، فقد أجازها وقال به بعض الصحابة والتابعين. انظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (2/218) ، كشاف القناع للبهوتي (6 / 528) . ومما يدل على أنه ليس مذهباً للأحناف ما ذكره الجصاص في أحكام القرآن (2/617) بانتساخ حكم شهادة غير المسلم على المسلم الوارد في قوله تعالى: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] بآية {واستشهدوا شهيدين من رجالكم..} [البقرة: 282] ..وأما المسألة الأخرى، فقال المرغيناني "وتقبل شهاد أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم" شرح فتح القدير لابن الهمام 7/390، وانظر الخلاف في المسألتين في: المبسوط للسرخسي 16/133، بدائع الصنائع للكاساني 9 / 58، الذخيرة للقرافي 10/224، وقد عزا القرافي في ذخيرته المسألة الأولى للإمام أحمد والثانية لأبي حنيفة، المغني لابن قدامة 14 / 170، 173، الحاوي للماوردي 17 / 105، إيثار الإنصاف في آثار الخلاف لسبط ابن الجوزي ص341، جامع البيان للطبري مجلده / جزء 7 / 140.
(3) هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجُعْفي مولاهم، نسبةً إلى قبيلة جُعْفي بن سعد، إمام الحفاظ، صاحب "الجامع الصحيح المسند ... " الذي تلقته الأمة بالقبول، وله: الأدب المفرد (ط) ، التاريخ الكبير (ط) وغيرهما توفي عام 256 هـ، له ترجمة حافلة في: هداية الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر، وانظر: وفيات الأعيان 4 / 188، تذكرة الحفاظ 2/555.
أما قبول البخاري رواية بعض المبتدعة، فهذا واقع لا شك فيه، لكن يجمعهم الصدق والضبط والاتقان. وقد توسَّع الحافظ ابن حجر في الجواب عن كل راو تُكُلِّم فيه وهو من رجال البخاري. انظر: هدي الساري ص (543) ، البدعة وأثرها في الدراية والرواية للشيخ عائض القرني ص 180.
(4) هو أبو عثمان عَمْرو بن عُبيد بن باب التميمي مولاهم، البصري. تلميذ الحسن البصري وصاحب واصل بن عطاء. قال ابن حجر فيه "المعتزلي المشهور، كان داعية إلى بدعته" تقريب التهذيب ص (740) ، عُرف بالزهد والعبادة، له مقالات شنيعة. روى عن الحسن وأبي العالية وأبي قلابة، وروي عنه الأعمش والحمَّادان وابن عيينة وغيرهم. قال أبو حاتم فيه: متروك الحديث. وقيل عنه: يكذب في الحديث، وقال النسائي عنه: ليس بثقة ولا يكتب حديثه.. إلى آخر ما قيل فيه. ت عام 143هـ انظر: طبقات المعتزلة ص35، تهذيب الكمال للمزي 22/123، سير أعلام النبلاء 6/104.

تنبيه: لم يَرْوِ البخاري أي حديث عن عمرو بن عبيد، ولم يذكره ابن حجر في هدي الساري ص (543) في سياق أسماء من طُعن فيه من رجال البخاري، ولا ذكره السيوطي في تدريب الراوي (1/388) في سرد أسماء من رُمِي ببدعةٍ ممن أخرج لهم البخاري ومسلم، ولا جاء ذكره في: رجال الصحيحين للباجي، فلعل المصنف أراد غير البخاري ممن روى لعمرو بن عبيد، ولم أجد أحداً قبل روايته وقد جرَّحوه
(2/225)

وغيرهم (1) ، نظراً إلى أنهم من أهل القبلة من حيث الجملة، وردَّها غيرُهم لأنهم إما كفرة أو فسقة (2) ، وهو مذهب مالك (3) رحمه الله لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة} (4) وهؤلاء إما فسقة أو كفرة (5) .
اشتراط العدالة في الراوي
والعدالةُ شَرْطٌ: لقوله تعالى: {ذوى عدل منكم} (6) مع قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} (7) فهذا مطلق وذاك مقيد، والمطلق يحمل
_________
(1) في ق: ((وغيره)) .
(2) ضابط البدعة المكفرة هو: من أنكر أمراً مُجمعاً عليه متواتراً، ومنكر علم الله للأشياء حتى يخلقها، أو منكر علمه بالجزئيات، والقائلون بحلول الإلهية في علي رضي الله عنه أو غيره، ونسبة وقوع التحريف في القرآن، أو نسبة التهمة لعائشة رضي الله عنها، أو كبدع الجهمية، أو المنكرون لصفات الله تعالى، وأمثال ذلك مما كان التكفير به متَّفقاً عليه. وضابط البدعة المفسقة هو: ما لم يلزم منها تكذيبٌ بالكتاب ولا السنة، كبدع الخوارج والروافض غير الغلاة وبدع الطوائف المخالفين لأصول أهل السنة ولهم مستند في تأويلاتهم. انظر: شرح الكوكب المنير 2/402، هدي الساري لابن حجر ص544، فتح المغيث للسخاوي 2/ 58 ـ 70، معارج القبول للحكمي 3/1228.
(3) انظر مذهبه في عدم قبول رواية المبتدع مطلقاً في: إحكام الفصول ص377، التمهيد لابن عبد البر 1/66، الكفاية في علم الرواية ص116، 120.
(4) الحجرات من الآية: 6.
(5) مسألة الرواية عن المبتدعة تعدَّدتْ مشارب العلماء في حكمها، فمِنْ متحفِّظٍ لا يرى النقل عنهم ألبتة، لأنهم موطن تهمة وزيغ، فتُمْنع الرواية عنهم مطلقاً سواء خفَّت بدعتهم أم غَلُظتْ، دَعَوا إلى بدعتهم أم لا. وفريق ثانٍ يرى ألاَّ مانع من الرواية عنهم ـ مهما كانت بدعتهم ما لم تكن مكفِّرة ـ ما داموا صادقين. وتوسط فريق ثالث، فلم يرَ فتح الباب لكل مبتدع مهما كانت حاله ولا إغلاقَه في وجه كل مبتدع ولو كان ثَبْتاً لا يدعو لبدعته. فعلى هذا قالوا: تقبل رواية المبتدع بدعةً مفسِّقةً لا مكفِّرةً إذا لم يكن داعية إليها..قال ابن الصلاح "وهذا المذهب أعدل المذاهب وأولاها، وهو قول الأكثر من العلماء" علوم الحديث ص (114) . لكن لو قيل بقبول رواية المبتدع بدعةً مفسِّقةً سواء كان داعيةً أم لا مادام صادقاً ثبتاً لما بَعُدْنا عن الحقيقة، إذ العبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته. انظر المسألة في: نهاية الوصول (7/4874) ، التقرير والتحبير 2/319، شرح الكوكب المنير 2/402، رفع النقاب القسم 2/633، الكفاية في علم الرواية ص120، الباعث الحثيث 1/299، المُوْقِظة في مصطلح الحديث للذهبي ص66، شرح شرح النخبة ص521، البدعة وأثرها في الدراية والرواية للشيخ عائض القرني.
(6) الطلاق، من الآية: 6، وأولها {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوي عَدْل منكم وأقيموا الشهادة لله ... } الآية.
(7) البقرة، من الآية: 282.
(2/226)

على المقيد. ولقوله تعالى في الآية الأخرى {ممن ترضون من الشهداء} (1) وإذا اشْتُرِطتْ العدالة في الشهادة المتعلقة بأمر جزئي لا يتعداه الحكم المشهود به فأولى الرواية، لأنها (2) تُثْبتُ حكماً عاماً على الخلق إلى يوم القيامة، ولأن الدليل ينفي العمل بالظن خالفناه في حق العدل (3) ، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. ولقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} (4) دل على عدم قبول قول الفاسق فلابد من العلم بعدم الفسق حتى يتغيَّر حكم التوقف (5) وذلك هو ثبوت العدالة، وهو المطلوب.
تعريف الصحابي وعدالته
ومعنى قول العلماء: "الصحابة رضوان الله عليهم عدول (6)
" أي: الذين كانوا ملازمين له والمهتدين بهديه عليه الصلاة والسلام، وهذا هو أحد التفاسير للصحابة (7) . وقيل: الصحابة من رآه ولو مرةً، وقيل: من كان في زمانه (8) ،
وهذان القسمان
_________
(1) البقرة، من الآية: 282.
(2) في ن: ((التي)) وهي سائغة، وفي س: ((لا)) وهي خطأ إلا أن يكون قد سقط مها جزء الكلمة ((نها)) .
(3) في ق: ((العدول)) .
(4) الحجرات، من الآية: 6.
(5) الإضافة هنا بيانية، والمعنى حتى يتغير الحكم الذي هو التوقف. والتوقف يكون عند عدم العلم بالعدالة.
(6) اختلف في عدالة الصحابة على مذاهب شتى، منها:
1- ... الصحابة كلهم عدول مطلقاً، وهو مذهب أهل السنة ومن وافقهم، وهو الحق الذي تؤيده أدلة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
2- ... سلب العدالة عن الصحابة إلا قلة منهم، وهو مذهب الرافضة عليهم من الله ما يستحقون.
3- ... كلهم عدول إلا من قاتل علياً رضي الله عنه أو لابس الفتنة، وهو للمعتزلة.

4- ... إنما تثبت العدالة لمن لازم النبي صلى الله عليه وسلم دون من رآه أو زاره أو وفد عليه مدة يسيره.
5- ... الصحابة كغيرهم من المسلمين، فيهم العدل وغيره. وهذه الأقوال ما خلا الأول جرأة على الصحابة رضي الله عنهم. انظر: إحكام الفصول ص374، المستصفى 1/307، الموافقات للشاطبي 4/446، شرح الكوكب المنير 2/273، فواتح الرحموت 2/198، الباعث الحثيث 2/498، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 1/162، ظفر الأماني ص539، تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي ص71.
(7) ساقطة من ق.
(8) الصحابي لغة: نسبة إلى الصحابة، والصحابة في الأصل مصدر ثم صارت جمعاً، مفرده: صاحِب، ولم يُجمع فاعِل على فَعَالهَ إلا هذا، وصَاحَبَه: عَاشَرَه. انظر: مختار الصحاح، القاموس المحيط كلاهما مادة "صحب".

وأما اصطلاحاً: فالخلاف قائم بين المحدثين والأصوليين في تعريفه. قال ابن السمعاني: "وأما اسم الصحابي فهو من حيث اللغة والظاهر يقع على من طالته صحبته مع النبي صلى الله عليه وسلم وكثرت مجالسته، وينبغي أن يطيل المكث معه على طريقة السمع له والأخذ عنه ـ ثم قال ـ وهذا الذي ذكرناه طريق الأصوليين. وأما عند أصحاب الحديث فيطلقون اسم الصحابي على كل من روى عنه حديثاً أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدوُّن من رآه رؤيةً من الصحابة، وهذا لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم أعطوا الكل ممن يراه حكم الصحبة. قواطع الأدلة 2 / 486 - 489. وقال ابن حجر: "وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي هو: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام ـ ثم قال ـ هذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل، ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال شاذة، كقول من قال: لا يُعدُّ صحابياً إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا، أو استشهد بين يديه ... " الإصابة في تمييز الصحابة 1 / 158 ـ 159. ثم إن ثمرة الخلاف تظهر في تعديل الصحابة، جاء في تيسير التحرير (3 / 67) " وينبني عليه ـ أي على الخلاف في حقيقة الصحابي ـ ثبوت عدالة غير الملازم وعدم ثبوتها، فلا يحتاج إلى التزكية كما هو قول المحدثين وبعض الأصوليين، أو يحتاج إلى التزكية كما هو قول جمهور الأصوليين " انظر المسألة في: العدة لأبي يعلى 3 / 987، الإحكام للآمدي 2 / 92، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/67، جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني 2/166، البحر المحيط للزركشي 6/190، رفع النقاب القسم 2/639، فواتح الرحموت 2/202، علوم الحديث لابن الصلاح ص292، شرح المواهب اللدنية للقسطلاني 7/24، اليواقيت الدرر للمناوي 2/503، ظفر الأماني للكنوي ص925، تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة للعلائي ص 33 وما بعدها.
(2/227)

لا تلزم فيهما العدالة مطلقاً، بل فيهم العَدْل وغيره، بخلاف الملازمين له عليه السلام، وفَاضَتْ عليهم (1) أنواره، وظهرتْ فيهم بركاته وآثاره، وهو المراد بقوله عليه السلام "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (2) .
وقولي: "عند قيام المعارض": حَذَراً (3) من زنا مَاعِزٍ (4) والغَامِدِيَّة (5) وغير ذلك مما
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) سبق تخريجه.
(3) في ن: ((احترازاً)) .
(4) هو ماعز بن مالك الأسلمي. قال ابن حبَّان: له صحبة، وهو الذي رُجم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثبت ذكره في الصحيحين وغيرهما، ويقال: اسمه غريب، وماعزٌ لقب. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 5/521، أُسْد الغابة لابن الأثير 5 / 8. وحديث رجمه في البخاري (6814، 6824) ، مسلم (1692، 1695) .
(5) في ن: ((العامرية)) وهو تحريف، ولم أجد لها ترجمة، ولكن ذكر النووي في شرح مسلم (11/167) أنَّ غامد بَطْنٌ من جُهَينة من الأزدِ. وحديث رجمها في مسلم (1695، 1696) . وجاء في: المستفاد من مُبهمات المتن والإسناد لأبي زرعة العراقي (2 / 1124) بأن اسمها: سُبيعة، وقيل: أمية بنت فرج، وقيل: أبية.
(2/228)

جرى في زمن عمر في قصة أبي بَكَرة (1) وما (2)
فيها من القذف والجلد؛ القصة المشهورة (3) ،
فمع (4) قيام أسباب الردِّ لا تثبت العدالة، غير أنها هي (5) الأصلُ فيهم من غيرِ عصمةٍ (6) ، وغيرُهم الأصلُ
_________
(1) في س، ن: ((أبي بَكْرٍ)) وهو تحريف. وترجمته هو: نفيع بن الحارث بك كِلْدة الثقفي، يقال: ابن مسروح، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابي جليل كبير القدر، من فضلاء الصحابة، سُمِّي بأبي بَكْرة لأنه تدلَّى من حِصْن الطائف ببَكْرة. سكن البصرة، وأنجب أولاداً لهم شهرة، توفي عام 51هـ. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 6/369، البداية والنهاية 8/59.
(2) في س، ن زيادة: ((وما جرى)) وهي غير مثبتة في جميع النسخ..
(3) فحوى القصة أن أبا بكرة ومعه ثلاثة شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، وكان ولاَّه عمر على البصرة، وكانت بينهما منافرة. فكتب أبوبكرة لعمر بذلك، فعزله عمر وولَّى أبا موسى الأشعري بدله. ثم لما جاء الشهود والمغيرة إلى المدينة تلكَّأ أحدهم في الشهادة، فجلد عمر الثلاثة حدّ الفِرْية، ثم استتابهم فتابوا إلا أبا بكرة. وقال المغيرة: يا أمير المؤمنين اشْفِني من هذا العبد، وكان عبداً ثم أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهره عمر وقال له: اسكت، لو كملتْ الشهادة لرجمتُك بأحجارك. انظر القصة بوقائعها المثيرة في البداية والنهاية لابن كثير 7/83، 8/59، الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 159. قال ابن حجر في فتح الباري (5/321) "وأخرج القصة الطبراني في ترجمة شِبْل بن مَعْبد، والبيهقي من رواية أبي عثمان النهدي أنه شاهد ذلك عند عمر وإسناده صحيح. ثم انظر توجيه الشيرازي بأن هذا المعارض لا يجوِّز ردَّ أخبارهم في: شرح اللمع (2/638) . اقتصر البخاري على إيراد موضع الشهادة من القصة أورده معلقاً في صحيحه في كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف والسارق والزاني. قال وجلد عمر أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعاً بقذف المغيرة، ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (7/384) ، والبيهقي في سننه الكبرى (8/235) ، (10/152) وجمع الألباني طرق هذا الحديث في إرواء الغليل (8/28) وصححه. وأورد الحاكم القصة كاملة في مستدركه (3/448) وسكت عنه الذهبي. أورد ابن حجر في فتح الباري (5/321) استشكالاً في إخراج البخاري هذه القصة واحتجاجه بها في عدم قبول شهادة غير التائب من القذف، ومع ذلك احتج البخاري بحديث أبي بكرة في عدة مواضع، فكان الجواب بالفرق بين الشهادة والرواية، وأن الشهادة يُطْلب فيها مزيد تثبُّتٍ خلافاً للرواية..قال ابن حزم في المحلى (9/431، 433) "ما سمعنا أن مسلماً فسَّق أبا بكرة ولا امتنع من قبول شهادته على النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الدين".
(4) في ق: ((ومع)) .
(5) ساقطة من ن.
(6) قال الأبياري: ((وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلُّف بحثٍ عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلا من ثبت عليه ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك والحمد لله، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثبت خلافه. ولا الْتِفَاتٌ إلى ما يذكره أهل السِّيَر، فإن أكثره ضعيف، وما صحَّ فله تأويل صحيح". التحقيق والبيان في شرح البرهان (رسالة جامعية) ص 839.
(2/229)

فيه (1) عدُم العدالة (2) [حتى تثبت العدالة] (3) عملاً بالغالب في الفريقين.
تعريف العدالة
والعدالة (4) : اجتنابُ الكبائرِ وبعضِ الصغائر والاصرارِ عليها (5) والمباحاتِ القادحةِ في المروءة.
الشرح
الكبيرة والصغيرة يرجعان (6) إلى كِبَر (7) المفسدة
_________
(1) في ن، ق: ((فيهم)) . وهو صحيح أيضًا باعتبار معنى الجمع في قوله: ((غيرهم)) . ووجه المثبت باعتبار لفظ الإفراد في ((غير)) .
(2) ما حكم به المصنف هنا من أن الأصلَ في غير الصحابة عدمُ العدالة حتى تثبت العدالة هو قول الجمهور من المالكية والشافعية ورواية عن أحمد، ويقابل هذا القول رأي الأحناف وابن حبان وابن الوزير اليماني. انظر المسألة مبسوطة في كتاب: الإضافة دراسات حديثية د. محمد بازمول ص 40.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(4) العدالة لغة: مصدر عَدُل من باب ظَرُف، تقول: عَدُل يعدُل عدالةً وعُدولةً. والعَدْل: ضدّ الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم. انظر: لسان العرب، القاموس المحيط، مختار الصحاح كلها مادة "عدل". واصطلاحاً: لها تعريفات متقاربة، منها ما ذكره المصنف، ومنها ما قاله ابن حجر: "والمراد بالعدل: من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شِرْكٍ أو فسقٍ أو بدعةٍ.." نزهة النظر المطبوع مع شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص (247 - 248) . وقال السبكي "العدالة: هيئة راسخة في النفس تحمل على الصدق في القول في الرضا والغضب، ويعرف ذلك باجتناب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر، وملازمة المروءة، والاعتدال عند انبعاث الأغراض، حتى يملك نفسه عن اتباع هواه" الأشباه والنظائر له (1/451) . لكن الأمير الصنعاني له وجْهة نظرٍ أخرى، فهو يستدرك على تفسيرهم العدالة بالملكة بأنه ليس هذا معناها لغةً ولا أتى عن الشارع في ذلك حَرْف واحد، وتفسيرها بالملكة تشدُّدٌ لا يتم وجوده إلا في المعصومين وأفرادٍ خُلَّص المؤمنين، بل في الحديث: إن كل بني آدم خطَّاؤون، ولا يخفى أن حصول هذه الملكة لكل راوٍ من رواة الحديث معلوم أنه لا يكاد يقع. ومن طالع تراجم الرواة علم ذلك يقيناً. فالتحقيق أن العَدْل من قارب وسدد وغلب خيره على شرِّه. انظر: ثمرات النظر في علم الأثر له ص (55 ـ 60) . وانظر: المستصفى 1 / 293، جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني 2/148، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/63، البحر المحيط للزركشي 6/149، تيسير التحرير 3/44، الكفاية في علم الرواية ص 78، ظفر الأماني ص 540.
(5) في س: ((عليه)) وهو جائز. انظر: هامش (1) ص 31.
(6) هكذا أثبتت في جميع النسخ ((يرجعان)) ، والصواب ((ترجعان)) .
(7) هنا زيادة: ((المعصية)) في ن ولا معنى لها.
(2/230)

وصغرها (1) ، وقال بعض العلماء (2) : لا (3)
يقال في معصية الله تعالى صغيرةٌ نظراً إلى من عُصِى (4) بها مع حصول الاتفاق على أن العدالة لا تذهب بجميع الذنوب، بل الخلاف في التسمية.
قال بعض العلماء*: كل معصية فيها حَدٌّ فهي كبيرة، وكذلك [كلُّ ما] (5) ورد في الكتاب أو السنة لعنةُ فاعله أو التشديدُ في الوعيد عليه فهو (6) كبيرة ثم ما وقع من غير ذلك اعتبر بالنسبة إليه، فإن ساواه في المفسدة حُكِم بأنه كبيرة (7) ،
ووردت السنة
_________
(1) اختلف العلماء في انقسام الذنوب إلى: كبائر وصغائر، وطائفة من المعتزلة تجعلها كلها كبائر، ويحكمون بالتخليد في النار، والمرجئة تقول: الذنوب كلها صغائر مع الإيمان، فلا كبيرة مع الإيمان ولا حسنة مع الكفر. ومذهب أهل الحق ـ أهل السنة والجماعة ـ ومن وافقهم بأن الذنوب منها الكبائر ومنها الصغائر، ولا يليق إنكار الفرق بينهما وقد قال تعالى {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ... } [النساء: 31] وقال: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللَّمم} [النجم: 32] . انظر: الفروق للقرافي 4/65، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/158، مجموع الفتاوى لابن تيمية 11/657، البحر المحيط للزركشي 6/152، الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي 1/5، رفع النقاب القسم 2/641.
(2) أورد الطبري في تفسيره مجلد 4/جزء 5/ 59 أثراً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كل شيء عُصي الله فيه فهو كبيرة". من العلماء من شكك في صحة هذا القول إلى ابن عباس لمخالفته ظاهر القرآن، بينما صححه ابن حجر وأوَّله. انظر: فتح الباري (10/502) . وقال النووي في شرح صحيح مسلم (2/72) "ولا شك في كون المخالفة قبيحةً جداً بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكنْ بعضها أعظم من بعض ـ ثم قال ـ فسمَّى الشرع ما تكفِّره الصلاةُ ونحوها صغائرَ وما لا تكفِّره كبائرَ، ولا شك في حُسْن هذا، ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحةً بالنسبة إلى جلال الله تعالى فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها، لكونها أقلَّ قبحاً ولكونها متيسّرة التكفير والله أعلم".
(3) ساقطة من ن..
(4) في س، ن: ((عصا)) وهو خطأ. والصواب بناؤه على المجهول؛ لأن النظر في صغر المعصية لا يكون إلى العاصي وإنما إلى الله الذي عُصي بها.
(5) فه س: ((كلما)) وهو تحريف لأنه أداة شرط، يشترط في جوابها أن يكون فعلاً ماضياَ، ولا وجود له هنا. انظر: همع الهوامع للسيوطي 2/499.
(6) في ق: ((فهي)) . وهو ممكن باعتبار جعل " ما " الموصولة بمعنى التي. انظر: حاشية الصبَّان على شرح الأشموني 1 / 219.
(7) اختلف العلماء في الكبائر، هل تعرف بالحدِّ أم بالعدِّ؟ فالذين قالوا بالعدّ اختلفوا في حصرها، فأقلّ ما قيل سبع، وأكثره سبعون وقيل: سبعمائة. والذين قالوا بالحدّ اضطربوا في حدَّها، فابن حجر الهيتمي ذكر في حدّها في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/5) ما يربو على الثمانية. وأحسن ما يقال في تعريف الكبير هو: كل ما يوجب حَدَّاً في الدنيا أو وعيداً في الآخرة كالوعيد بالنار أو الغضب أو اللعنة أو عدم دخول الجنة أو لا يشمُّ ريحها أو قيل فيه: ((ليس مِنّا)) أو نحو ذلك. انظر: الإرشاد للجويني ص 328، مجموع الفتاوى لابن تيمية 11/650 ـ 658، الداء والدواء (الجواب الكافي) لابن القيم ص225، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص525، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص46، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/158، البحر المحيط للزركشي 6/153..
(2/231)

بأن القُبْلَةَ أو النَّظْرة في الأجنبية صغيرة (1) ، فيُنْظر أيضاً ما ساواهما (2) فهو صغيرة.
وأما الإصرار فيُخْرج الصغيرة عن [أن تكون] (3) صغيرة، ولذلك يقال: "لا صغيرة مع إصرار*، ولا كبيرة مع استغفار" (4) . والإصرار أن يكون العزم حاصلاً على معاودة مثل (5) تلك المعصية، أما من تقع (6) منه الصغيرة فيقلع عنها ويتوب ثم يواقعها من غير عَزْمٍ (7) سابقٍ على تكرار الفعل فليس بإصرار.
_________
(1) جاء في القُبْلة حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن رجلاً أصاب من امرأةٍ قُبْلةً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأُنزلتْ عليه {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهب السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114] . قال الرجل: ألي هذه؟ قال صلى الله عليه وسلم "لمن عمل بها من أمتي" رواه البخاري (4687) ومسلم (2763) . قال النووي في شرح صحيح مسلم (17/68) "وهي هنا من الصغائر لأنها كفرَّتها الصلاة ... ".
وجاء في النظرة حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللَّمم مما قال أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه" رواه البخاري (6612) ومسلم (2657) . واللَّمم: صغائر الذنوب. وعدَّ ابن النحاس النظرة من جملة الصغائر في كتابه: تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ص310.
(2) في س: ((ما سواها)) .
(3) في ق: ((كونها)) .
(4) روي هذا القول حديثاً، ولكنَّه لا يصح مرفوعاً. انظر: المغني عن الأسفار في الأسفار للعراقي بذيل إحياء علوم الدين 4/28، المقاصد الحسنة للسخاوي ص (545) ، كشف الخفاء للعجلوني (2/364) . ضعيف الجامع الصغير للألباني رقم (6308) . وروى موقوفاً عن أنس قال: "لا صغيرة مع إصرار" قال العراقي وابن النحاس: "وإسناده جيد" المغني عن الأسفار (تخريج إحياء علوم الدين) (4/28) ، تنبيه الغافلين ص (631) . وروى الطبري في تفسيره (مجلد 4/ جزء 5/59) وابن أبي حاتم في تفسيره 3 / 934 من طريق قيس بن سعد عن سعيد بن جبير قال: إن رجلاً قال لابن عباس: كم الكبائر؟ أسبعٌ هي؟ قال: ((إلى سبعمائةٍ أقرب منها إلى سبعٍ، غير أنه لا كبيرة مع استغفارٍ ولا صغيرة مع إصرار)) والحديث إسناده صحيح، فقيس بن سعد من رجال مسلمٍ وهو ثقة مكي، وسعيد بن جبير تابعي ثقة ثبت فقيه. انظر: تقريب التهذيب لابن حجر ص 374، 804.
(5) ساقطة من ن، ق. وهي مثبتة في باقي النسخ.
(6) في س، ق: ((يقع)) .
(7) ساقطة من ق.
(2/232)

فائدة (1) : ما ضابط الإصرار الذي يُصيِّر (2) الصغيرةَ (3) كبيرةً؟ قال بعض العلماء (4) : [حد ذلك] (5) أن يتكرر منه تكراراً (6) يُخِلُّ بالثقة (7) بصدقه كما تُخِلُّ (8) به ملابسة الكبيرة، فمتى وصل إلى هذه الغاية صارت الصغيرة كبيرة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف (9) الأحوال، والنظر في ذلك لأهل الاعتبار والنظر الصحيح من الحُكَّام وعلماء الأحكام الناظرين في التجريح (10) والتعديل.
والمباحات القادحة في المروءة (11) :
نحو الأكل في الطرقات، والتعرِّي في الخلوات ونحو ذلك مما يدل على أنه غير مكترث باستهزاء الناس به. قال* الغزالي (12) : إلا أن يكون (13) ممن يعمل ذلك على سبيل كسر النفس وإلزامها التواضع كما يفعله كثير من العباد.
_________
(1) انظر هذه الفائدة مبسوطة في: الفروق للقرفي 1/120، 4/67، وانظر: الذخيرة 10/223.
(2) في ن: ((تصير)) .
(3) في ق: ((الصغير)) .
(4) لعلَّ منهم شيخ المصنف: العز بن عبد السلام. انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام ص51.
(5) في ق: ((حدّه)) .
(6) في س: ((تكرار)) وهو خطأ، لأنه يجب انتصابه على المصدرية (مفعول مطلق) .
(7) في ق: ((الثقة)) بدون الباء.
(8) في س، ق: ((يخل)) .
(9) ساقطة من ق.
(10) في س: ((الترجيح)) وهو تحريف.
(11) المروءة لغة: مأخوذة من مَرُؤ ككَرُم، يَمْرُء مروءةً ومروَّة بالتشديد فهو مريء ككريم، أي ذو إنسانية وكمال رجولية. انظر: لسان العرب، القاموس المحيط، المصباح المنير مادة "مرأ".

واصطلاحاً: الاحتراز عن المباح مما يُستهجن من أمثاله عرفاً. وقيل: آدابٌ نفسانية تَحْمِل مراعاتُها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات. وقيل: هي صيانة النفس عن الأدناس وما يشينها عند الناس. وقيل: هي التخلق بأخلاق أمثاله وأقرانه في لبسه ومشيه وحركاته وسكناته وسائر صفاته. وكلها معانٍ متقاربة صحيحة. انظر: الغاية القصوى في دراية الفتوى للبيضاوي 2/1019، تيسير التحرير 3/44، شرح شرح النخبة للقاري ص248، المروءة وخوارمها لمشهور بن حسن آل سليمان ص21. وهو كتاب نفيسٌ فريدٌ في بابه، وقد عدَّ جملةً وافرةً من قوادح المروءة.
(12) لم أهتد إلى موضع هذا النقل من كتب الغزالي. وهو موجود في رفع النقاب للشوشاوي القسم 2/645.
(13) هنا زيادة: ((ذلك)) في ق لا حجة لها.
(2/233)

وقولي "بعض الصغائر": معناه أن من الصغائر ما لا يكون فيه إلا مجرد المعصية (1) كالكِذْبة التي لا يتعلق بها ضرر، والنظر لغير ذات مَحْرم، ومنها (2) ما يكون دالاً على الاستهزاء بالدين أو (3) المروءة كما لو قَبَّل امرأة في الطريق أو أمسك (4) فرجها بحضرة الناس (5) غير مُكْتَرِث بهم، فهذه أفعال من لا يوثق بدينه ولا مروءته، فلا تأمنه في (6) الشهادة على الكذب فيها.
فائدة (7) : (8) ما تقدَّم من أن الكبيرة تَتَبْع عِظَم المفسدة، فما لا تعظم مفسدته لا يكون كبيرة، استثنى صاحب الشرع من ذلك أشياء حقيرةَ المفسدة، وجعلها مسقطة للعدالة موجبة للفسوق (9) لقبح ذلك الباب (10) في نفسه لا لعظم المفسدة، وذلك (11) كشهادة الزور فإنها فسوق (12) مطلقاً وإن كان (13) لم يُتْلِف بها (14) على المشهود عليه إلا (15) فَلْساً واحداً (16) ، ومقتضى القاعدة (17) : أنها لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت
_________
(1) هنا زيادة: ((لله تعالى)) في س، وقد عَرَتْ منها جميع النسخ.
(2) في س: ((ومثله)) .
(3) في س: ((و)) .
(4) في ن، س: ((مسك)) والمثبت من ق ولعله الصواب، إذ في المعاجم أن ((أمسك)) يتعدَّى بنفسه خلافاً لـ ((مسك)) . انظر: لسان العرب مادة " مسك ".
(5) هنا زيادة: ((من)) في ن ولا معنى لها.
(6) في س: ((على)) .
(7) هذه الفائدة طرفٌ مما سبق ذكره مما استفاده المصنف سماعاً من شيخه العز بن عبد السلام. انظر تصريحه بذلك في كتابه: نفائس الأصول 7/2960.
(8) هنا زيادة: ((معنى)) في ن ولا معنى لها.
(9) في س: ((للفسق)) .
(10) ساقطة من ن.
(11) ساقطة من ق.
(12) في ن: ((فسق)) .
(13) ساقطة من ق.
(14) ساقطة من س.
(15) ساقطة من ق.
(16) ساقطة من ق، ن.
(17) في ق: ((العادة)) وهو تحريف.
(2/234)

مفسدتها، وكذلك السرقة والغصب لقبح هذه الأبواب في أنفسها، ومما يدل على التفرقة بين أسباب الفسوق وغيرها قوله تعالى: {وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان} (1) فرَّق تعالى بين الكفر والفسوق الذي هو الكبائر، [والعصيان الذي هو الصغائر] (2) التي ليست فسوقاً (3) .
حكم رواية الفاسق
ثم الفاسق (4)
إن كان فسقه مظنوناً قُبلتْ روايته بالاتفاق (5) ، وإن كان
_________
(1) الحجرات من الآية: 7.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من ق.
(3) انظر لبيان الفرق بين هذه المصطلحات في: الفروق للقرافي 1/120، 4/67، كتاب الفروق لإبي هلال العسكري ص253، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن للأنصاري ص529، التفسير الكبير للرازي 28/107.
(4) الفسق لغة: الخروج، يقال: فسقت الرُّطبة؛ إذا خرجت عن قشرتها. انظر: لسان العرب، المصباح المنير مادة " فسق ".

واصطلاحاً: الخروج عن طاعة الله عز وجل، وهو أعم من الكفر، فيشمل الكفر ومادونه، ويقع بالقليل من الذنوب والكثير، لكن الفسق عُرِف فيما كان كبيرة. ولهذا قال البيضاوي: "الفاسق: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة" انظر تفسيره: أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/41) ، وانظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، مادة " فسق "، عمدة الحفاظ 3/230، روح المعاني للألوسي 1/212، مدارج السالكين لابن القيم (1/359) وفيه تفصيل جيد.
(5) ممن حكى الاتفاق الرازي في محصوله (4/399) ، وعبَّر الآمدي في الإحكام (2/83) بالأظهر، ومن العلماء من استظهر الخلاف في المسألة كصفي الدين الهندي في: نهاية الوصول 7/2881، وانظر: البحر المحيط للزركشي 6/157. وللمسألة تحرير ألطف، ذكره الآمدي في الإحكام (2/83) ـ بعد أن نعلم أن المُقْدِم على الفسق عامداً عالماً به لا تقبل روايته إجماعاً ـ قال بتصرف: "الفاسق المتأول ـ الذي لا يعلم فسق نفسه ـ لا يخلو إما أن يكون فسفه مظنوناً أو مقطوعاً به، فإن كان مظنوناً كفسق الحنفي إذ شرب النبيذ، فالأظهر قبول روايته وشهادته. وإن كان فسقه مقطوعاً به فإما أن يكون ممن يتديّن بالكذب كالخطابية فلا نعرف خلافاً في ردّ روايته وشهادته، أو لا يكون ممن يرى الكذب كفسق الخوارج الذين يستبيحون الدار وقتل النساء والأطفال، فهو موضع خلاف، مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء والأصوليين قبول روايته وشهادته، ومذهب الباقلاني والجبائيين وجماعة من الأصوليين امتناع قبول روايتهم وشهادتهم وهو المختار". وانظر أيضاً: المعتمد 1/134، إحكام الفصول ص377، المستصفى 1 / 299.
(2/235)

مقطوعاً به قبل الشافعي
رواية أرباب الأهواء إلا الخَطَّابِيَّة (1) من الرافضة لتجويزهم الكذب لموافقة مذهبهم (2) ، ومنع القاضي أبوبكر من قبولها (3) . واختلف العلماء في شارب النبيذ من غير سُكْر (4) ، فقال الشافعي أحُدُّه وأقْبَلُ شهادته (5)
بناءً على أن فِسْقه مظنونٌ وقال مالك: أحُدُّه ولا أقْبَلُ شهادته (6) ، كأنه قطع بفسقه.
الشرح
معنى (7) ((الفسق المظنون الذي تقبل معه الرواية)) : أن يكون هو يعتقد أنه على (8)
_________
(1) الخَطَّابِيَّة: طائفة من غلاة الرافضة، أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع، الأسدي مولاهم، زعم أن الألوهية حلَّت في جعفر الصادق وفي آبائه من قبل، واستباح مع اتباعه ما حرَّم الله، وزعموا أن الجبت والطاغوت هما أبوبكر وعمر وأن البقرة هي عائشة عليهم لعنة الله وسخطه. تبرأ منهم جعفر وحاربهم، وقتله والي الكوفة آنذاك من العباسيين سنة 143هـ، وكانت دعوته سبباً في نشأة الإسماعيلية الباطنية. اقرأ عن هذه الفرقة في: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي ص172، عقائد الثلاث والسبعين فرقة لأبي محمد اليمني 1/461، الملل والنحل للشهرستاني 1/210، موسوعة الفرق الإسلامية لمحمد جواد مشكور ص234.
(2) انظر نص الشافعي في قبول رواية أهل الأهواء إلا من يستحل الكذب في: الأم 6/205، السنن الكبرى للبيهقي 10/208، حلية الأولياء للأصفهاني 9/114، الكفاية في علم الرواية ص 120، 126.
(3) انظر: المحصول للرازي 4/401، الإحكام للآمدي 2/83، ظفر الأماني ص490.
(4) انظر نزاع العلماء في شارب النبيذ، هل يُعدُّ فاسقاً أصلاً، وهل فسقه مظنون أم مقطوع؟ في: شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/62، البحر المحيط للزركشي 6/158، شرح الكوكب المنير 2/408، تيسير التحرير 3/43. ثم انظر خلافهم في حكم شارب النبيذ في: تحفة الفقهاء للمسرقندي 3/325 الحاوي للماوردي 13/387، بداية المجتهد 4/174، المغني لابن قدامة 12/513، الذخيرة للقرافي 4/117، البناية في شرح الهداية للعيني 11/434، حاشية البيجوري 2/245.
(5) انظر قوله في: الأم 8/310، السنن الكبرى للبيهقي 10/210..
(6) انظر: المدونة 4/410، الكافي لابن عبد البر ص 2 / 896، نفائس الأصول 7/2961، جواهر الأكليل 2/235. قال يحيى الرهوني "قال بعض أصحابنا: إن ذلك منه ـ أي الإمام مالك ـ بناءً على أنه فاسق قطعاً، والظاهر أنه فاسق ظناً عنده، لكن لم يبعّض الحكم كما فعل الشافعي" ثم نقل قولاً آخر عند مالك أنه لا يُحدُّ وتقبل شهادته وقال: صححه جمع من متأخري المالكية. انظر كلامه في: تحفة المسؤول القسم 2 / 585. وانظر: حاشية محمد الرهوني على شرح الزرقاني 8/155، التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص (312) وفيه تفصيل جيد.
(7) هنا زيادة: ((قولي)) في ن.
(8) ساقطة من س.
(2/236)

صواب لمستندٍ حصل له، ونحن نظن بطلان ذلك المستند (1) ولا نقطع ببطلانه، فهو في حكم الفاسق لولا ذلك المستند، أما لو ظننا فسقه ببيِّنةٍ شَهِدتْ بارتكابه أسبابَ الفسوق فليس هو (2) من هذا القبيل، بل تُردُّ روايته.
ومعنى ((أن أرباب الأهواء مقطوع بفسقهم)) أي: خالفوا قطعياً (3) ، وهم يعتقدون أنهم على صواب. والقسم الأول خالف ظناً فقط.
حجة الشافعي (4) : أنه من أهل القبلة فنقبل (5) روايتهم كما نورِّثهم ونَرِثهم ونُجْرِي (6) عليهم أحكام الإسلام.
حجة القاضي: أن مخالفتهم القواطع (7) تقتضي القطع بفسقهم، فيندرجون في قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} (8) . ولأن قبول (9) روايتهم ترويج (10) لبدعتهم فيحرم (11) .
وأما شارب النبيذ (12) : فالأمر فيه مبني على قاعدتين؛ إحداهما: أن الزواجر تعتمد المفاسد ودرأها لا حصول العصيان (13) ، ولذلك (14) نؤلم (15) الصبيان والبهائم
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) ساقطة من س.
(3) في ن، س: ((قطعاً)) .
(4) قبول رواية أهل الأهواء الذين لا يجوزّن الكذب.
(5) في ق: ((فتقبل)) .
(6) في ق، س: ((تجري)) .
(7) في ق: ((للقواطع)) ، وفي ن: ((لقواطع)) والمثبت هنا من سائر النسخ.
(8) الحجرات من الآية: 6.
(9) ساقطة من ن.
(10) في ن: ((تدريج)) وهو تحريف.
(11) في ق، س: ((فتحرم)) وهو متجه أيضاً، والمثبت من باقي النسخ.
(12) في س: ((الخمر)) وهو شذوذ عن جميع النسخ، وأين الخمر من النبيذ؟!
(13) أي: التأديب والزجر كان بسبب المفاسد الناجمة عن المعصية كإتلاف العقل، لا لمجرد المعصية، فإنه يظنها مباحة. انظر كلاماً للمصنف عن هذه القاعدة في: الفروق 4 / 180.
(14) في ق: ((فلذلك)) ، وفي س: ((فكذلك)) .
(15) في ن: ((يؤلم)) ، وفي ق: ((تؤلم)) .
(2/237)

استصلاحاً لهم وإن لم يكونوا عصاة، فكذلك (1) يقام الحدُّ على الحنفى لدرء (2) مفسدة السُّكْر وفساد العقل والتسبب له وإن لم يكن عاصياً لتقليده أبا حنيفة، فهذه القاعدة هي الموجبة لحدِّه وقبول (3) شهادته، ولا تَنَاقُض حينئذٍ [لأن الزواجرَ] (4) لدرء المفسدة، وقبولَ الشهادة لعدم المعصية (5) .
ويَرِدُ على الشافعي في هذه القاعدة (6) أنها وإن كانت صحيحة غير أنَّا لم نجدها إلا في (7) الزواجر التي ليست محدودة (8) ، أما المحدودة (9) فما عهدناها في الشرع إلا في المعاصي (10) .
القاعدة الثانية: وهي أن قضاء القاضي يُنْقَض (11) إذا خالف أحد أربعة أشياء: الإجماع أو النص الجلي (12) أو القياس الجلي أو القواعد (13) .
_________
(1) في ن: ((فلذلك)) .
(2) في س: ((لأن)) وهي غير موفية بالمراد.
(3) هنا زيادة: ((العقل والتسبب له)) وهي مقحمة لا معنى لها.
(4) في س: ((لأن الزجر)) ؛ وفي ن: ((إنما الموجب)) .
(5) وبمثله وجَّه الزركشي كلام الشافعي. انظر: البحر المحيط (6/158) . وفي هذا التوجيه حَلٌّ لإشكالٍ أورده المزني على الشافعي: كيف يحدُّ من شرب قليلا من نبيذٍ شديدٍ ويجيز شهادته. انظر: مختصر المزني بآخر الأم 8 /310.
(6) في ن: ((المسألة)) .
(7) هنا زيادة: ((هذه)) في ق.
(8) محدودة: أي لا حدٌّ فيها.
(9) في س ((المحدود)) وهو خطأ.
(10) عبارة المصنف في نفائس الأصول (7/2961) أوضح إذ يقول: "غير أنه يرد عليه ـ أي الشافعي ـ أن التأديب المعهود في الشرع للاستصلاح مع عدم الذنب غير محدود بعدد، وما عهدنا في الشرع حدّاً على مباح، وهذا حدٌّ عنده، فيتعيّن إما أن لا يَحُدَّه أو يُعصِّيه (أي يؤثّمه) ويحُدّه، كما قال مالك" أحدُّ وأردُّ شهادته".
(11) ساقطة من ق.
(12) ساقطة من س، ن.
(13) تفنن المصنف في توضيح هذه القاعدة ومُثُلِها في كتابه البديع النفيسي: "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام" ص88، 135. وانظر أيضاً: الفروق 2 / 101، 109، 4 / 40، نفائس الأصول 7 / 2961، الحاوي للماوردي 16/172، بدائع الصنائع للكاساني 9/133، المغني لابن قدامة 14/34، الذخيرة للقرافي 10/133، 139، تبصرة الحكام لابن فرحون 1/64، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص150، 161.
(2/238)

[فمتى خالف إحدى (1) ] (2) هذه (3) الأربعة قضاءُ قاضٍ لا لمعارض له (4) في القياس أو النص أو القواعد نُقَض، هذا هو (5) مدار الفتاوى في المذاهب (6) المعمول بها، وإذا كنا لا نقرِّه شرعاً مع تأكده بقضاء القاضي وبنقضه، فأولى أن لا نقره شرعاً إن لم يتأكد، وإذا لم نقِّره شرعاً لم يجز التقليد فيه، ويكون الناطق به من المجتهدين كأنه ساكت لم يقل شيئاً، والمقلد لذلك المجتهد كأنه لم يقلد أحداً، ومن (7) لم يكن مقلداً في شرب النبيذ كان عاصياً، والعاصي بمثل هذه الفِعْلة يكون فاسقاً؛ فلهذه القاعدة قال مالك: أحُدُّه للمعصية، وأردُّ شهادته لفسقه (8) ، وهو أوجه في النظر من قول الشافعي، لما تقدم من الإشكال على قول الشافعي، ومسألة النبيذ خولف فيها النصوص كقوله عليه السلام: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (9) ونحوه (10) ،
وهو كثير في السنة، والقياس الجلي على الخمر، والقواعد من جهة أن القاعدة سد الذريعة في صون العقول لانعقاد الاجماع على تحريم النقطة من الخمر وإن كانت لا تُسْكِر سداً [لذريعة الإسكار] (11) .
_________
(1) في ن، س: ((أحد)) والمثبت من ق، وهو الصواب لأن "إحدى" تجرى على القياس.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في ق.
(3) هنا زيادة: ((القواعد)) في س ولا حاجة لها.
(4) ساقطة من ق، س.
(5) ساقطة من ن.
(6) في س، ن، ق: ((المذهب)) والمثبت من بقية النسخ وهو الصحيح، لأن مرجع الضمير في قوله بعد ذلك: ((المعمول بها)) إلى المذاهب.
(7) ساقطة من ق.
(8) ساقطة من ن.
(9) رواه مسلم في كتاب الأشربة برقم عام (2003) وخاص (75) عن ابن عمر رضي الله عنهما. ومن الأحاديث التي بنحوه قوله صلى الله عليه وسلم "كل شراب أسكر فهو حرام" رواه البخاري (5585) ، ومسلم (2001) ، وحديث "ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أبوداود (3681) ، والترمذي (1865) ، وابن ماجة (3393) وصححه الألباني في إرواء الغليل 8/42.
(10) ساقطة من ق..
(11) في ق: ((للذريعة في الإسكار)) .
(2/239)

حكم رواية المجهول:
وقال أبوحنيفة (1) : يُقْبل قولُ المجهول (2) .
الشرح
خالفه الجمهور في ذلك لقوله عليه السلام "يَحْمِل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُوْلُه" (3) .
_________
(1) في متن هـ: ((الحنفية)) .
(2) والمجهول: هو كل من لم تُعرف عينه أوصفته. فعلى هذا جهالة الراوي على ضَربين. الضرَّبْ الأول: مجهول العين: وهو كل من لم يَرْوِ عنه إلا راوٍ واحدٌ ولم تُعلم حاله. أي لم يُوثَّق. والضرب الثاني: مجهول الحال ويّسمى بالمستور: وهو من روى عنه اثنان فأكثر لكن لم يوثَّق ولم تعلم عدالته ولا فسقه. وقيل بغير هذين التقسيمين. انظر: جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني 2/151، شرح الكوكب المنير 2/410، إرشاد طلاب الحقائق للنووي ص112، توضيح الأفكار للصنعاني 2/113.
وأما حكم روايته فالجمهور على عدم قبول روايته إلا إذا ارتفعت جهالته. ورأي أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد في مقابل المشهور قبول رواية المجهول، لكن ليس أيَّ مجهول كان. وقال السرخسي في أصوله (1/352) "المجهول من القرون الثلاثة عَدْل بتعديل صاحب الشرع إياه ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته، فيكون خبره حجة على الوجه الذي قررنا". قال علاء الدين النجاري في كشف الأسرار (2 / 719) ((فأما في زماننا فخبر مثل هذا المجهول لا يقبل، ولا يصح العمل به ما لم يتأيّد بقول العدول، ولهذا لم يجوّز أبو يوسف ومحمد رحمهما الله القضاء بشهادة المستور لأنهما كانا في زمن فشو الكذب)) .

وبهذا التحقيق والتحرير عُلم أن أبا حنيفة وأتباعه لا يقبلون رواية المجهول مطلقاً ما لم يكن من أهل القرون المفضلة الثلاثة الأولى. انظر المسألة في: الفصول في الأصول للجصاص 3 / 134، إحكام الفصول ص367، شرح اللمع للشيرازي 2/639، التمهيد لأبي الخطاب 3/121، المحصول للرازي 4/402، المغني في أصول الفقه للخبازي ص202، البحر المحيط للزركشي 6/159، التلويح للتفتازاني 2/10، 13، تيسير التحرير 3/48، فتح المغيث للسخاوي 2/52، شرح شرح النخبة للقاري ص514.
(3) تمام الحديث "ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" رواه البزار كما في: كشف الأستار للهيثمي (1/86) ، والطبراني في مسند الشاميين (1/344) ، والعقيلي في الضعفاء (1/9) ، وابن عدي في الكامل (1/152، 153) ، وغيرهم.
* وحشد الخطيب البغدادي طرقاً عديدة للحديث في كتابه: "شرف أصحاب الحديث" ص (63 - 68) ، كما عقد ابن القيم فصلاً خاصاً في بيانه طرقه في كتابه "مفتاح دار السعادة" (1/497) بتحقيق علي بن حسن الحلبي.
? ... أما درجة الحديث: فمن العلماء من ضعفه، ومنهم من حسّنه. فمن ضعفه: زين الدين العراقي في "التقييد والإيضاح" ص138، والبُلقيني في "محاسن الاصطلاح" ص219. والسخاوي في "فتح المغيث" 2/14. وضعَّفه الشيخ فهد الدوسري في كتابه: الروض البسام في تخريج أحاديث فوائد تمام (1/142 ـ 146) .
? ... وممن صححه: العلائي في "بغية الملتمس في سباعيات مالك بن أنس" بتحقيق حمدي السلفي ص34 ـ 35 وقال عنه "هذا حديث غريب صحيح". والقسطلاني في "إرشاد الساري" (1/4) . وقال الشيخ علي بن حسن الحلبي "وخلاصة القول في هذا الحديث ـ إن شاء الله ـ أنه حسن لغيره، لأن عدداً من طرقه خالٍ من الضعف الشديد، فمثلها بالتعدد تَجْبرُ الضعف" هامش (3) على مفتاح دار السعادة لابن القيم بتحقيقه (1/500) . وقال ابن الوزير اليماني في "العواصم والقواصم" (1/312) "وقد رويت له شواهد كثيرة.. وضعفها لا يضرُّ، لأن القصد التقّوي بها، لا الاعتماد عليها مع أن الضعف يعتبر إذا لم يكن ضعفاً بمرَّة أو باطلاً أو مردوداً أو نحو ذلك. فهذه الوجوه مع تصحيح أحمد وابن عبد البر وترجيح العقيلي لإسناده مع أمانتهم واطلاعهم يقتضي بصحته أو حسنه إن شاء الله تعالى".
(2/240)

وهو (1) صيغته (2) صيغةُ الخبر ومعناه الأمر، تقديره (3) : لِيَحْملْ هذا العلم [من كل خَلَفٍ عُدولُه] (4) . فلولا أن العدالة شرط (5) لبطلتْ (6) حكمة (7) هذا الأمر فإن العدل وغيره سواء حينئذٍ.
احتج أبوحنيفة: بقوله تعالى (8) : {إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا} (9) . أوجب الله تعالى التثبت عند وجود الفسق، فعند عدم* الفسق وجب أن لا يجب التثبت، فيجوز العمل وهو المطلوب.
ولقوله (10) تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (11) .
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) ساقطة من ن.
(3) في ق: ((أي)) .
(4) ما بين المعقوفين ساقط من ق. قد جاء في بعض طرق الحديث رواية بلفظ "لِيَحْمِلْ هذا العلم ... " بلام الأمر، انظرها في كتاب: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/17.
(5) هنا زيادة: ((وإلا)) في ن، والسياق مستقيم بدونها.
(6) في س: ((لبطل)) ، وفي ن: ((أُبطلتْ)) .
(7) ساقطة من س.
(8) هذا الدليل الأول لأبي حنيفة.
(9) الجحرات، الآية: 6.
(10) في ق: ((وبقوله)) خلافاً لجميع النسخ، وهو صحيح، تقديره: واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى.. وهذا هو الدليل الثاني.
(11) التوبة، الآية: 122.
(2/241)

أوجب الحذر عند قولهم ولم يشترط العدالة، فوجب جواز (1) قبول (2) قول (3) المجهول.
ولأن (4) أعرابياً جاء يشهد (5) عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهلال فقبل شهادته وأمر الناس بالصوم (6) . وإذا جاز ذلك في الشهادة جاز في الرواية بطريق الأولى؛ لأن الشهادة يشترط فيها ما لا يشترط في الرواية من الذكورية (7) والحرية والعدد وغير ذلك (8) .
والجواب عن الأول: أنا إذا علمنا زوال الفسق ثبتت (9) العدالة؛ لأنهما ضدَّان لا ثالث لهما، متى عُلم نفي (10) أحدهما ثبت الآخر. وعن الثاني: أن الطائفة مطلقةٌ في الآية فتُحمل على ما تقدَّم من تقييد السنة بقوله عليه السلام ". يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله". وعن الثالث: أن القصة محتملة من حيث اللفظ، وليس في الحديث أنه كان مجهولاً ولا معلوماً (11) ، غير أن قضايا الأعيان تتنزل (12) على القواعد،
_________
(1) ساقطة من ق.
(2) ساقطة من ق، ن.
(3) ساقطة من س.
(4) في س: ((أو لأن)) وهو تحريف. وهذا هو الدليل الثالث لأبي حنيفة.
(5) في ق: ((فشهد)) .
(6) لفظ الحديث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: إني رأيت الهلال ـ يعني رمضان ـ فقال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟)) . قال: نعم. قال: ((أتشهد أن محمداً رسول الله؟)) قال: نعم. قال: ((يا بلال، أذَّنْ في الناس فليصوموا غداً)) . هذا لفظ أبي داود في سننه (2340) وأخرجه الترمذي (691) ، والنسائي (2111) ، وابن ماجة (1652) وغيرهم. والحديث ضعفه الألباني في إرواء الغليل (4/15) ، وحسين سليم أسد في تحقيقه لمسند أبي يعلى (4/407) ، وصححه الحاكم في مستدركه (1/424) ووافقه الذهبي، وصححه الأعظمي في تحقيقه لصحيح ابن خزيمة (3/208) .
(7) جاءت هذه العبارة في ن هكذا "ما لا يشترط في الرواية المذكورة من الحرية ... "، والمثبت أنسب.
(8) انظر الفروقات بين الشهادة والرواية في: الرسالة للشافعي ص 372، أصول السرخسي 1/353، الفروق للقرافي 1/4، نفائس الأصول 7/2969، جمع الجوامع شرح المحلي بحاشية البناني 2/161، شرح الكوكب المنير 2/378، الكفاية في علم الرواية ص94، تدريب الراوي للسيوطي 1/392.
(9) في ق: ((تثبت)) .
(10) ساقطة من ق، وهو سقطُ مُخِلّ.
(11) يمكن أن يقال بأن هذا الأعرابي صحابيٌ ـ على حدّ من عرَّفه بكل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به ـ وإذا كان صحابياً فالصحابة عدول.
(12) في س: ((تمزل)) وهي تحرَّفه.
(2/242)

وقاعدة الشهادة العدالة (1) ، ولو نُقِل عن بعض قُضَاة الزمان أنه حكم بقول رجلٍ ولم يذكر صفته حُمِل على أنه ثبتتْ (2) عنده عدالته [فرسول الله صلى الله عليه وسلم أولى] (3) لاسيما وهو يقول: "إذا شهد ذَوَا عَدْل فصوموا وأفطروا وانْسُكوا" (4) فتصريحه (5) عليه السلام بالعدالة يأبى قبول شهادة المجهول.
طرق معرفة العدالة
وتثبت العدالة إما بالاختبار أو بالتزكية (6) واختلف الناس* في اشتراط العدد (7) في التزكية والتجريح (8) فشَرَطَه بعض المحدثين (9)
في التزكية والتجريح
_________
(1) انظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب ص82، فتح المغيث للسخاوي 2/58.
(2) في ق: ((تثبت)) ، وفي س: ((ثبت)) .
(3) في ن فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم.
(4) الحديث من رواية عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنا صحبنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتعلمنا منهم، وإنهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي علكيم فعدُّوا ثلاثين، فإن شهد ذوا عدلٍ فصوموا وأفطروا وانسكوا" رواه الدارقطني في سننه 2/167، وبألفاظٍ متقاربة رواه الإمام أحمد في مسنده 4/321، والنسائي (2115) ، وصححه الألباني في إرواء الغليل 4/16.
(5) في ن: ((فصريحه)) وهو تحريف.
(6) ذكر المصنف في المتن طريقين من طرق معرفة العدالة، منها الأول: الاختبار بمعرفة أحواله بالمخالطة، والثاني: التزكية، ويُطْلق عليها المحدثون "التنصيص على العدالة". وذكر المصنف ـ في شرحه ـ طريقاً ثالثاً وهو: الاستفاضة واشتهار أمره بالعدالة بين أهل النقل. انظر المسألة في: المحصول للرازي 4/408، فواتح الرحموت 2/188، رفع النقاب القسم 2/658، نشر البنود 2 / 47، علوم الحديث لابن الصلاح ص105، المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل د. فاروق حمادة ص164.
(7) مأخذ خلافهم نابع عن توصيف حالة المزكّي؛ أهو مُخْبِرٌ فيكتفى بالواحد أم شاهدٌ فيُشترط العدد؟ انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي 2/168، وانظر المسألة في: إحكام الفصول 369، التلخيص للجويني 2/361، نهاية الوصول للهندي 6/2895، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/64، شرح الكوكب المنير 2/424، تيسير التحرير 3/58، الكفاية في علم الرواية للخطيب ص96، الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي ص111، فتح المغيث للسخاوي 2/7.
(8) في متن هـ ((الترجيح)) وهو تحريف.
(9) نسبه الغزالي في المستصفى (1/303) ، والرازي في المحصول (4/408) لبعض المحدثين. وحكاه الباقلاني عن أكثر فقهاء المدينة. انظر: البحر المحيط للزركشي 6/166، قال الأبياري: ((أما عدد مزكِّي الشاهد ومجرِّحه فهو ثابت عند مالك، ولا أعرف له نصاً في تعديل الراوي وتخريجه، والذي يقتضيه قياس مذهبه أن يشترط العدد فيهما جميعاً)) التحقيق والبيان في شرح البرهان (رسالة جامعية) ص 729 - 730. وقال ابن حجر في فتح الباري (5/274) "إنه المُرجَّح عند الشافعية والمالكية وقول محمد بن الحسن واختاره الطحاوي"..وانظر: الضياء اللامع 2 / 199، توضيح الأفكار للصنعاني 2/87، البيان والتحصيل لابن رشد 10 / 112.
(2/243)

في (1) الرواية والشهادة.
واشترطه القاضي أبو بكر (2) في تزكية الشهادة (3) فقط (4) واختاره الإمام فخر الدين (5) .
إبداء أسباب الجرح والتعديل:
وقال الشافعي (6) : يشترط إبداء سبب التجريح دون التعديل (7) لاختلاف المذاهب، والعدالة شيء واحد، وعكس* قوم (8) لوقوع الاكتفاء بالظاهر في العدالة
_________
(1) في س: ((و)) وهو خطأ، لإخلالها بالمعنى المراد.
(2) في نسبة اشتراط العدد في الشهادة فقط دون الرواية للقاضي أبي بكر نظر، بل مذهبه جواز الاكتفاء بمزكٍّ واحدٍ في الرواية والشهادة. قال الجويني في التلخيص (2/362) "والقاضي رضي الله عنه يشير في تضاعيف الكلام إلى الاكتفاء بمزكٍّ واحدٍ في الشهود" وقال الرازي في المحصول (4/408) "وقال القاضي أبوبكر: لا يشترط العدد في تزكية الشاهد ولا في تزكية الراوي، وإن كان الأحوط ـ في الشهادة ـ الاستظهار بعدد المزكيّ". وانظر: الإحكام للآمدي 2/85، رفع الحاجب 2 / 388.
(3) في ن: ((الشاهد)) .
(4) هنا زيادة جاءت في النسخة ن: " ولم يشترطه القاضي أبوبكر فيهما، واشترطه قومٌ في تزكية الشهادة فقط" لم ترد هذه الزيادة بتَّةً في كل نسخ المتن والشرح المخطوطة، ولا عند كلِّ مَنْ شرح تنقيح الفصول، علماً بأن هذه الزيادة تهدم ما قبلها من مذهب القاضي وتفيدنا بمذهبه على الحقيقة.
(5) انظر: المحصول له (4/408) .
(6) انظر النسبة إليه في: الأم 6/205، البرهان للجويني 1/400، المحصول للرازي 4/409.
(7) هذه مسألة يُعْنون لها في علوم الحديث: بالجرح المبهم أو المجمل والجرح المفسَّر وكذا التعديل. فهل يشترط إبداء أسباب الجرح والتعديل؟. فيها أربعة أقوال، الأول: يكفي إطلاق الجرح والتعديل دون إظهار سببهما. الثاني: عكسه، يشترط إظهار سببهما، لأن الجارح قد يجرح بما لا يقدح، وثناء الناس في الثناء والتوثيق بما لا يقتضي العدالة. الثالث: يشترط إبداء أسباب الجرح دون التعديل، أما الأول فلاختلاف الناس فيما يجرح فلو أظهره ربما لم يُوافق عليه، وأما الآخر فلكثرة أسباب التعديل. الرابع: عكسه، يشترط إظهار أسباب التعديل دون الجرح، لكثرة التصنُّع في أسباب العدالة. انظر: الإحكام للآمدي 2/86، كشف الأسرار للبخاري 3/143، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/65، البحر المحيط للزركشي 6/178، التوضيح لحلولو ص314، شرح الكوكب المنير 2/420، تيسير التحرير 3/61، الكفاية للخطيب ص99، 107، توضيح الأفكار للصنعاني 2/94، تدريب الراوي للسيوطي 1/359، الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي ص79.
(8) لم أر أحداً ذكر تسميتهم غير أن الجويني في البرهان (1/400) ، والغزالي في المنخول ص (262) نسبه للقاضي أبي بكر، وهو وَهْم كما أبانه الزركشي في البحر المحيط (6/180) ، إذ مذهب القاضي عدم اشتراط إبداء أسباب الجرح والتعديل كما سيأتي.
(2/244)

دون التجريح، ونفى ذلك القاضي أبو بكر فيهما (1) .
الشرح
الاختبار: كالمعاملة (2) والمخالطة (3) التي تطلَّع على خبايا النفوس ودسائسها، والتزكية: ثناء العدول* المبرِّزين عليه بصفات العدالة على ما تقرَّر في كتب (4) الفقه (5) . وتُعلم العدالة أيضاً بغير هاتين الطريقتين وهي السُّمْعة (6) الجميلة المتواترة (7) أو المستفيضة، ولذلك نقطع بعدالة أقوام من العلماء والصلحاء من سلف هذه الأمة ولم نختبرهم (8) ، بل بالسماع المتواتر أو المستفيض، فهذا كافٍ وقد نصَّ الفقهاء على أن (9) من عُرِف بالعدالة لا تطلب (10) له تزكية (11) .
_________
(1) قال الزركشي في البحر المحيط (6/180) "وهذا هو اختيار القاضي أبي بكر، كذا نصَّ عليه في التقريب"، وممن نسبه إليه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص (107) ، والغزالي في المستصفى 1/303، والرازي في المحصول 4/410.
(2) في ن: ((بالمعاملة)) .
(3) هنا زيادة: ((والمعاملة)) في ن وهي مكررة.
(4) في س: ((كتاب)) والمثبت أنسب، لأنه جمع وهو أدلُ على المراد.
(5) هذه مسألة: ما تقع به ألفاظ التعديل، وصفتها مذكورة في كتب الفقه. حكى الباجي بأن مذهب مالك أن يقول المزكِّي: "فلان عَدْل رَضِيٌّ" ومذهب الشافعي بأن يقول: "فلان عَدْل مقبول الشهادة عَليَّ ولي". وبعضهم يقول: "لا أعلم إلا خيراً" انظر: إحكام الفصول ص370، رفع النقاب القسم 2/659، وانظر: كتب الفقه في أبواب الشهادة مثل: الحاوي للماوردي 16/194، المغني لابن قدامة 14/47، الذخيرة 10/204.
(6) في ن: ((السمعية)) وهو تحريف.
(7) ساقطة من ن.
(8) تفردت نسخة ق بكلمة ((ولم نرهم)) وهو متَّجِه.
(9) ساقطة من ن.
(10) في ق: ((يطلب)) .
(11) عقد الخطيب البغدادي في الكفاية ص (86) باباً ترجمته: "في المحدِّث المشهور بالعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المعدِّل"، ومثَّل: بمالك والثوري وابن عيينة وشعبة والأوزاعي والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وابن القطان، وابن المبارك، وابن حنبل، وابن المديني، وابن معين، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر. فهؤلاء لا يُسأل الناس عنهم، بل هم يُسألون عن الناس.
(2/245)

حجة اشتراط العدد في الجميع: أن التجريح والتعديل [صفتان فيحتاجان] (1) إلى عَدْلين فصاعداً كالترشد والتسفيه والكفاءة وغيرها.
حجة القاضي أبي بكر: أن الرواية يكفي فيها الواحد على الصحيح فأصلها كذلك، والشهادة لا يكفي فيها الواحد، فلا يكفي في أصلها (2) الواحد تسويةً بين البابين والفروع والأصول (3) ، وأما إبداء أسباب التجريح و (4) التعديل (5) فالفقه (6) فيه أن المُجرِّح والمُعدِّل إذا كان (7) عالماً مبرزاً (8) اكتفى الحاكم بعلمه عن سؤاله، فإن العالم لا يجرِّح إلا بما لو صرَّح به للحاكم (9) كان جرحاً، وكذلك التعديل.
وأما اختلاف المذاهب (10) : فالعالم المُتْقِن لا يجرح بأمرٍ مُخْتَلف فيه يمكن أن يصح التقليد فيه، ولا يُفسِّق بذلك إلا جاهل، فما من مذهب إلا وفيه أمور ينكرها أهل المذهب الآخر، ولا سبيل إلى التفسيق بذلك، وإلا لفسَّقتْ كلُّ طائفةٍ الطائفةَ (11) الأخرى، فتفْسُق جميع الأمة، وهو خلاف الاجماع، بل كل من قلَّد تقليداً صحيحاً فهو مطيع لله تعالى، وإن كان غيره من المذاهب يخالفه (12) في ذلك.
_________
(1) في س: ((صنفان محتاجان)) .
(2) ساقطة من ن.
(3) قد علمت أن هذا ليس مذهباً للقاضي أبي بكر، بل هو ما اختاره الرازي وغيره. فعلى هذا تكون حجة القاضي في الاكتفاء بمزكٍّ واحدٍ في الرواية والشهادة هي: أن إخبار المعدِّل عن عدالة الراوي أو الشاهد من قبيل الأخبار، ولهذا لا يشترط فيها لفظ الشهادة، فتزكيته لا تجري مجرى الشهادات. انظر: التلخيص للجويني 2/362.
(4) في ق: ((دون)) بدلاً من الواو، وهو خطأ بيّن، يتناقض بما جاء بعده.
(5) مراد المصنف هنا إيراد حجة القاضي أبي بكر في نفي اشتراط إبداء أسباب التجريح والتعديل، لأنه ذكر حجة الشارطين لإبداء سبب التجريح دون التعديل وذكر حجة الشارطين لإبداء سبب التعديل دون التجريح، ولم يذكر حجة النافين فيهما، فكان من الأولى للمصنف أن يقول هنا "وأما عدم إبداء أسباب التجريح والتعديل ... " أمْناً للبّسْ. والله أعلم.
(6) في س: ((والفقه)) وهو خطأ لوجوب اقتران جواب ((أما)) الشرطية بالفاء.
(7) في ق: ((كانا)) وهو تصحيف بقرينة ما بعدها.
(8) في ن: ((ممَّيزاً)) .
(9) في ق: ((الحاكم)) وهو تحريف.
(10) هذا جواب عمن اشترط إبداء سبب التجريح دون التعديل لاختلاف المذاهب، فقد يَجْرح بأمرٍ يسع فيه الخلاف فلا يكون جرحاً.
(11) ساقطة من ن.
(12) في ن: ((مخالفاً)) ، وفي س: ((مخالفه)) .
(2/246)

وأما الاكتفاء بالظاهر (1) ؛ فهو (2) شأن الجهلةِ (3) الأغبياءِ (4) الضعفاءِ الحزم (5) والعزم ومثل هؤلاء لا ينبغي للحاكم الاعتماد على قولهم في التزكية. وكل من كان يغلب عليه حسْنُ الظن بالناس لا ينبغي أن يكون مزكِّياً ولا حاكماً لبعده من الحزم (6) . وقد قال صلى الله عليه وسلم "الحزْمُ سوءُ الظن" (7)
فمن ضيع سوء
_________
(1) هذا جواب عمن اشترط إبداء سبب التعديل دون التجريح، وذلك لأن الناس يكتفون بالظاهر في العدالة، وهو لا يكفي.
(2) في س: ((هو)) وهو خطأ لأن جواب ((أما)) الشرطية يجب اقترانه بالفاء.
(3) هنا زيادة: ((و)) في ن.
(4) هنا زيادة: ((من)) في ق.
(5) في ق: ((الجزم)) وهو بمعنى العزم، والمثبت هو الصواب للحديث الآتي، ولأن التأسيس أولى من التأكيد.
(6) في س، ق: ((الجزم)) راجع هامش قبل السابق.
(7) روى هذا الحديث مرفوعاً وموقوفاً. فأما المرفوع فأخرجه القُضاعي في "مسند الشهاب" (1/48) عن عبد الرحمن بن عائذ رفعه مرسلاً، وأورده العلائي في "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" ص (223) على أنه مرسل. وقال الألباني عنه في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (1151) "ضعيف جداً"، وضعَّفه ابن الدبيغ في "تمييز الطيب من الخبيث" ص (70) . وأما الموقوف فقال السيوطي في "الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة " ص112: "رواه أبو الشيخ بسندٍ واه جداً عن علي موقوفاً". ويُروى مَثَلاً كما في "شعب الإيمان" للبيهقي (8/543) و"روضة العقلاء" لابن حبان ص (22) عن جرير عن الحكم بن عبد الله قال: "كانت العرب تقول: العقل التجارب، والحزم سوء الظن" وانظر: "مجمع الأمثال" للميداني (1/208، 214) . وللحديث شواهد، منها: حديث "احترسوا من الناس بسوء الظن". روُي مرفوعاً ومقطوعاً..فأما المرفوع فأخرجه الطبراني في "الأوسط" بتحقيق محمود الطحان برقم (602) ، وابن عدي في الكامل (6/403) ، وتمَّام في فوائده بتحقيق حمدي السلفي (1/692) ، وقال الألباني عنه في: سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (156) "ضعيف جداً". وأما المقطوع فله طريقان؛ الأول: من قول التابعي مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وصححه ابن حجر في "فتح الباري" (10/650) . والثاني: من قول الحسن البصري وصححه الألباني في: سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (156) ، وقال السخاوي عن هذين الحديثين في "المقاصد الحسنة" ص (43) : "وكلها ضعيفة، وبعضها يتقوى ببعض، وقد أفردْتُه في جزء، وأوردتُ الجمع بينها وبين قوله تعالى: {اجتنبوا كثيراً من الظن} [الحجرات:12] وما أشبهها مما هو في الحديث ... ". قال المناوي في "فيض القدير" (1/235) "ولا يعارض هذا خبر ((إياكم وسوء الظن" لأنه فيمن تحقق حسن سريرته وأمانته، والأول فيمن ظهر منه الخداع والمكر وخُلْف الوعد والخيانة، والقرينة تُغلِّب أحد الطرفين، فمن ظهرت عليه قرينةُ سوءٍ يُسْتعمل معه سوء الظن وخلافه خلافه، وفي إشعاره تحذيرٌ من التغفُّل وإشارةٌ إلى استعمال الفطنة". وقال البغوي في "شرح السنة" (13/111) . "فأما استعمال سوء الظن إذا كان على وجه الحذر وطلب السلامة من شر الناس فلا يأثم الرجل". وفي "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (2/35) "قال أحمد بن سنان: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: "خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم، والحديث. يعني لا يُسْتعمل حسن الظن في قبول الرواية عمن ليس بمَرْضي". وانظر: "روضة العقلاء" لابن حبان ص (127) .
(2/247)

الظن (1) فقد ضيَّع الحزم (2) ، نعم (3) لا ينبغي أن يبني على سوء ظنه شيئاً إلا لمستند شرعي، وهو معنى قوله تعالى "اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم" (4) أي: اجتنبوا العمل به حتى يثبت بطريق شرعي (5) . فالحقُّ مذهبُ القاضي.
تعارض الجرح والتعديل
ويُقدَّم الجرح على التعديل (6) إلا أن يَجْرَحه (7) بقتل إنسانٍ، فيقول المعدِّل: رأيْتُهُ حيّاً. وقيل: يُقدَّم المعدِّل إن (8) زاد عدده.
الشرح
إنما قُدِّم الجرح (9) لأن الجارح مطَّلع على ما لم (10) يطَّلعْ عليه المُعدِّل؛ [لأن المعدِّل] (11) مدركه استصحاب الحال، والمطَّلعُ على الرافع للاستصحاب (12) مقدَّمٌ على
_________
(1) في س: ((الجزم)) وهو خطأ واضح.
(2) في ق: ((الجزم)) راجع هامش.
(3) في ن: ((ثم)) .
(4) الجحرات، من الآية: 12.
(5) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 16/331، روح المعاني للألوسي 13/307.
(6) هذه مسألة تعارض الجرح والتعديل. ذكر المصنف فيها قولين؛ الأول: تقديم الجرح على التعديل ولو زاد عدد المعدِّلين. والمراد بالجرح هنا الجرح المفسَّر. وهذا رأي جمهور المحدثين والأصوليين. الثاني: عكسه إذا زاد عدد المعدِّلين. الثالث: التوقف لأجل التعارض، فلا يُقدَّم أحدهما إلا بمرجِّحٍ. انظر: إحكام الفصول ص376، المحصول للرازي 4/410، الإحكام للآمدي 2/87، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/65، البحر المحيط للزركشي 6/183، فواتح الرحموت 2/197، الكفاية للخطيب ص 105، تدريب الراوي للسيوطي 1/364، اليواقيت الدرر للمناوي 2/624، الرفع والتكميل للكنوي ص114.
(7) هنا زيادة: ((إنسان)) في ن وقد خلت منها جميع نسخ المتن.
(8) في متن هـ: ((إذا)) وهو مقبول أيضاً.
(9) في ن: ((المجرح)) .
(10) في س: ((لا)) وهو خطأ نحوي، لأن " لا " النافية إذا دخلت على المضارع تخلِّص المضارع بها للاستقبال، ونفي الاطلاع في الاستقبال حاصل للجارح والمعدِّل. وأما "لم" فلنفي المضارع وقلبه ماضياً. انظر: مغني اللبيب لابن هشام 1 / 474، 1 / 528.
(11) ساقطة من ن.
(12) ساقطة من ن.
(2/248)

المتمسِّك بالاستصحاب. أما إذا (1) جَرَحه بقتل من شُهِد بحياته فلا يمكن أن يقال اطَّلع الجارحُ على ما ذَهَل عنه المعدِّل فيحصل التعارض (2) والتوقف (3) ، وليس أحدهما أولى من الآخر فتُسْتصحِب الحالةَ السابقة المتقرِّرة من غير هاتين البيِّنتين، وكأنَّ هاتين البينتين ما وجدتنا.
ووجه تقديم (4) العدد الأكثر: أن الكثرة تقوِّي الظن والعمل بأقوى الظنين واجب كما في الأمارتين والحديثين وغيرهما.
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) في س: ((للتعارض)) التحمت الألف باللام.
(3) لأن كل واحدٍ منهما ادعى المعرفة بما أخبر به.
(4) في ن: ((تقدم)) ، وفي س: ((القول)) وهو خطأ إلاّ أن يكون بعدها ((بالعدد)) وهو ما لم يكن.
(2/249)

الفصل السادس
في مستند الراوي (1)

[فأعلى مراتبه] (2) أن يَعْلم (3) قراءته على شيخه أو (4) إخباره به (5) (6) و (7) يتفكر (8) ألفاظ قراءته. وثانيها: أن يَعْلم قراءة (9) جميع الكتاب ولا يَذْكُر الألفاظ ولا الوقت.
وثالثها: أن يشكَّ في سماعه فلا يجوز (10) له روايته (11) بخلاف الأوَّلين (12) .
_________
(1) أي في بيان الشيء الذي يستند إليه راوي الحديث، وترجم الرازي في المحصول (4/415) لهذا الباب بقوله: "في الأمور التي تجب ثبوتها حتى يحلّ للراوي أن يروي الخبر".
تنبيه: كان الأليق بالمصنف أن يُدرج هذا الفصل ضمن مسائل الفصل التاسع "في كيفية الرواية" لتشابه مباحثهما. انظر: التوضيح لحلولو ص315.
(2) في جميع نسخ المتن والشرح "فأعلاه" فقط، ويكون عود الضمير إلى "مستند" والمثبت هنا من النسختين م، ش، وهو الأوفق، لأنه سيذكر بعد ذلك: ثانيها وثالثها ورابعها فيكون عود الضمير حينئذٍ إلى "مراتبه". وهكذا كان الشأن في المحصول للرازي 4/415.
(3) في ق: ((تعلم)) والمثبت أنسب للسياق.
(4) في ن: ((و)) والمثبت أنسب لإفادة معنى التنويع والتقسيم.
(5) ساقطة من س. وفي ن، ق: ((له)) . والمثبت من بعض نسخ المتن، هـ، ومتن د، ومتن ف، وهو الأنسب لأن أخبر تارة يتعدّّى بنفسه، وتارة يتعدَّى بالباء. انظر: معاجم اللغة مادة " خبر ".
(6) هنا زيادة: " أو إجازته له " في س، خلت منها جميع نسخ المتن.
(7) انفردت النسخة س بالواو، وهو الصواب، لإفادتها معنى التشريك والعطف، وهي هكذا في المعتمد (2 / 142) ، والمحصول (4 / 415) ، ثم إن السياق يقتضيها بقرينة ما جاء في المرتبة الثانية.
(8) يريد المصنف بقوله: ((يتفكَّر)) أي. يتذكَّر بقرينة ما جاء في المرتبة الثانية، و" التذكر " عبارة عن المحصول 4/415.
(9) ساقطة من ق، وفي س: ((قرآءته)) وهي صحيحة أيضاً.
(10) في ق: ((تجوز)) .
(11) في س: ((رواية)) .
(12) حق هذه المرتبة أن تكون في المرتبة الرابعة، والرابعة في الثالثة، لأن المرتبة الثالثة انْزلُ في العلو من المرتبة الرابعة، إذ الجمهور على جواز اعتماد الراوي على خطه، وعدم جواز اعتماده على رواية خبرٍ يشكُّ في سماعه.
(2/250)

ورابعها: أن يعتمد على خطه (1) فيجوز عند الشافعي وأبي يوسف (2) ومحمد (3) خلافاً لأبي حنيفة (4) .
الشرح
إذا عَلِم قراءة جميع الكتاب (5) ولا يَذْكُر نطقه به (6) فهو جازم بروايته عن (7) شيخه من حيث الجملة، فيجوز العمل بما رواه لحصول الثقة بذلك، كما أن (8) مَنْ يَقْطع بأنه رأى مسألة في كتاب ولا يتذكر (9) صورة حروفها يجوز له (10) الاعتماد على ما جزم به
_________
(1) أي: أن الراوي لم يتذكر سماعه ولا قرآءته، لكنه يظن ذلك لما رآه من خطه. والضمير في "خطة" يحتمل عَوْده على شيخه أو على نفس الراوي، ولا مانع من كليهما. انظر: رفع النقاب القسم (2/675) ، قال الخبازي "والكتابة إن كانت تُذكِّره فهو حجة يُعمل به، بخطّه أو خط غيره، معروفٍ أو مجهولٍ، إذ المقصود هو الذكر" المغني في أصول الفقه ص222.
(2) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، كنيته أبويوسف، ولقبه القاضي، اشتهر بصاحب أبي حنيفة، وله آراء خالف فيها إمامه، ومن تلاميذه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن، من تآليفه: كتاب الخراج (ط) ، أدب القاضي على مذهب أبي حنيفة، وغيرهما. ولد بالكوفة عام 311هـ، وتوفي عام 182هـ. انظر: الجواهر المضنية 2/220، الفوائد البهيَّة 225، وفيات الأعيان 6/378.
(3) هو محمد بن الحسن بن فَرْقد الشيباني، المكْنّى بأبي عبد الله، صاحب أبي حنيفة، لازمه ثم لازم أبا يوسف، ثم رحل إلى المدينة، وأخذ الحديث من الإمام مالك. من تلاميذه: الشافعي. ومن تآليفه: الجامع الكبير (ط) ، الجامع الصغير (ط) ، المبسوط (ط) المسمَّى بالأصل، الحجة على أهل المدينة (ط) . الموطأ بروايته (ط) وغيرها. ولد عام 132هـ وتوفي عام 189هـ. انظر: الجواهر المضية 1/243، الفوائد البهية ص163، وفيات الأعيان 4/184.
(4) انظر المسألة ونسبة هذه المذاهب في: المعتمد 2/142، العدة لأبي يعلى 3/974، شرح اللمع للشيرازي 2/649، قواطع الأدلة 2/354، بذل النظر ص447، المحصول للرازي 4/416، كشف الأسرار للبخاري 3/104، جامع الأسرار للكاكي 3/753، شرح الكوكب المنير 2/258، الكفاية في علم الرواية ص233، 257، الإلماع للقاضي عياض ص 120، 139، علوم الحديث لابن الصلاح ص213.
(5) هذا تعليل جواز استناد الراوي ـ في رواية الخبر ـ إلى ما ذُكِر في المرتبة الثانية.
(6) ساقطة من ن.
(7) في ن: ((على)) .
(8) في س: ((أنه)) .
(9) في ن: ((يذكر)) .
(10) ساقطة من ن.
(2/251)

من ذلك بخلاف الشَّاكِّ (1) لا مستند له، لا علمٌ ولا ظنٌّ.
وأما الاعتماد على الخط فهي مسألةٌ ذاتُ (2) ثلاثةِ أقوال: اعتبره مالك في الرواية والشهادة بناءً على الإنسان قد (3) يقطع بصور الحروف وأنها لم تُبدَّل بقرائن حالية عنده لتلك الحروف لا (4) يمكن التعبير* (5) عن تلك القرائن، كما أن المُنْتَقِد للفضة والذهب يَقْطع [بجيِّدهما ورديئهما] (6) بقرائن في (7) تلك الأعيان لا يمكنه أن يعبر عنها.
وقيل: لا يعتمد على الخطِّ مطلقاً؛ لقوة احتمال التزْوير، ومن استقرأ أحوال المزوِّرين للخطوط علم أن وضع مثل (8) الخط ليس من البعيد المتعذِّر بل من القريب، حتى روى بعض المصنفين في مذهب مالك [أن مالكاً] (9) رجع عن الشهادة على الخطِّ (10) .
وفصّل الشافعي بين الرواية فتجوز؛ لأن الداعية (11) في التزوير فيها ضعيفة، لأنها لا تتعلق بشخص معين، وبين الشهادة (12) فيمتنع، لأنها تتعلق (13) بمعين وهو مظنة العداوة، ولا يتصور أن يعادي أحدٌ الأمةَ إلى [قيام الساعة] (14) ، ولأن الشهادة إنما تقع غالباً في
_________
(1) هنا زيادة: ((لأنه)) في ق، ولا حاجة لها.
(2) ساقطة من أكثر النسخ، والمثبت من نسخة ز، م هو الأنسب.
(3) ساقطة من ن.
(4) في ن: ((ولا)) بزيادة واو.
(5) في ن: ((التغير)) وهو تحريف.
(6) في ن: ((بجيدها ورديئها)) .
(7) ساقطة من ن.
(8) في ق: ((هذا)) وليس لها وجه.
(9) ما بين المعكوفين في ق، ن: ((أنه)) .
(10) انظر: المنتقى للباجي 5/199، الكافي لابن عبد البر 2/915، الذخيرة 10/156، 160، المعيار المعرب للونشريسي 10/196، 210، التوضيح لحلولو 315.
(11) في ن: ((الدعاية)) وهو تحريف.
(12) في س: ((الشهرة)) وهو تحريف.
(13) في ق: ((متعلقة)) ، وفي س: ((متعلق)) وهو خطأ معدوم تأنيثها.
(14) في ق: ((يوم القيامة)) .
(2/252)

الأموال النفيسة، وما (1) هو متعلِّق بالأغراض (2) من الأمور الخطرة (3) فتتوفر (4) الدواعي على التزوير فيها لتحصيلها بمقتضى الطباع البشرية (5) .
_________
(1) ساقطة من س.
(2) في ق، س: ((الأعراض)) بدون الباء. والمثبت هو الصواب لتصوّر تزوير الخطوط في الأغراض دون الأعراض.
(3) في ق: ((الخطيرة)) .
(4) في ن: ((فتتوافر)) .
(5) انظر: نفائس الأصول 7/2973.
(2/253)

الفصل السابع
في عدده (1)
والواحد عندنا وعند جمهور الفقهاء يكفي خلافاً للجُبَّائي (2) في اشتراط (3) اثنين (4) أو يعضد الواحدَ ظاهرٌ (5) أو عملُ بعض الصحابة أو اجتهادٌ (6) أو يكون منتشراً فيهم، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قبلوا خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين (7) وحدها وهو مما تعم به البلوى.
الشرح
احتج الجُبَّائي بأن رسول الله (8) صلى الله عليه وسلم لما سلم من اثنين قال له ذو اليدين (9) : أقَصُرتْ الصلاة أم نسِيْتَ يا رسول الله؟ ‍فقال: ((كلُّ ذلك لم يكن. فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فقال عليه السلام للصحابة "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ "
_________
(1) المراد بالمسألة: هل يشترط أن يتعدد خبر الواحد حتى يحتجَّ به؟ وقد تقدَّم طَرَفٌ منها في الفصل الخامس، عند ذكر أقوال وجوب التعبد بخبر الواحد، ولو ألحقها المصنف في الفصل الثامن "فيما اختلف فيه من الشروط لكان أليق بالترتيب، وهو صنيع المحصول 4/417.
(2) انظر مذهبه ومذهب الجمهور في: المعتمد 2/138، إحكام الفصول ص334، شرح اللمع للشيرازي 2/603، التبصرة ص312، البرهان 1/392، أصول السرخسي 1/321، 331، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل 4 / 386، المحصول للرازي 4/417، شرح مختصر الروضة 2/133، النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر ص42، تدريب الراوي للسيوطي 1/69.
(3) في س، متن هـ: ((اشتراطه)) .
(4) في ق: ((الاثنين)) .
(5) أي: نص ظاهر من كتاب أو سنة.
(6) أي قياس.
(7) سبق تخريجه.
(8) هذا الدليل الأول.
(9) ذو اليدين هو: الخِرْباق بن عمرو السُّلمي، ثَبَتَ ذكره بوصف "ذي اليدين" وبأنه رجل من بني سُليم، وبأنه الخِرْباق في صحيح مسلم ((574) في حديث السَّهو. انظر: الإصابة لابن حجر 2/350، أسد الغابة لابن الأثير 2 / 179، شرح صحيح مسلم للنووي 5 / 58 - 60.
(2/254)

فقالوا: نعم (1) فلم يقبل عليه السلام قول ذي (2) اليدين وحده، ولأن عمر رضي الله عنه لم يقبل خبر أبي موسى الأشعري وحده في الاستئذان (3) ، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعاً (4) ، ولأن النصوص مانعة من العمل بالظن كما تقدَّم بيانها (5) خالفناه في العدد إذا أجبروا فيبقى فيما عداه (6) على مقتضى الدليل (7) .
والجواب عن الأول: أنا نقول بخبر المنفرد ما لم تحصل (8) فيه رِيْبةٌ وتلك واقعة عظيمة في جمع عظيم فلو لم يخبر بها غير ذي اليدين لكان ذلك ريبة توجب الرد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوال الريبة، لا لأن العدد شرط.
وكذلك (9) لم يَردَّ عمر رضي الله عنه الخبر إلا لحصول الريبة بسبب أن الاستئذان أمر يتكرر فلو لم يعرفه إلا واحد لكان ذلك ريبة توجب (10) الرد.
_________
(1) حديث ذي اليدين من رواية أبي هريرة وغيره أخرجه البخاري (482) ومسلم (573، 574) بنحوه.
(2) في ق: ((ذو)) والمثبت هو الصواب، لأن الأسماء الخمسة ترفع بالواو، وتنصب بالألف وتجرُّ بالياء. و ((ذو)) من الأسماء الخمسة. انظر: شرح التصريح على التوضيح للأزهري 1 / 61.
(3) قال أبوسعيد الخدري: كنت في مجلسٍ من مجالس الأنصار، إذْ جاء موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعْتُ. فقال: ما منعك؟ قلتُ: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعْتُ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤن له فليرجع" فقال: والله لتُقِيمنَّ عليه بيّنة. أمنكم أحدٌ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنتُ أصغر القوم، فقمتُ معه، فأخبرتُ عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك. أخرجه البخاري (6245) ومسلم (2153) .
(4) هذا الدليل الثاني.
(5) ساقطة من ق. ومن هذه النصوص قوله تعالى: "إن يتَّبعون إلا الظن ... " [الأنفال: 116] ، وقوله "إن الظن لا يغني من الحق شيئاً" [يونس: 36] . انظر ص:
(6) في س: ((عداها)) .
(7) هذا هو الدليل الثالث.
(8) في ق: ((يحصل)) وهو سائغ أيضاً.
(9) هذا الجواب عن الثاني.
(10) في س: ((يوجب)) وهو خطأ نحوي.
(2/255)

وعن الثالث: أن ظواهر تلك النصوص مخصوصة بعمل الصحابة رضوان الله عليهم لقبولهم خبر عائشة المتقدِّم وخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجِزْيَة من المجوس (1) لمَّا روى لهم قوله عليه السلام "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" (2) .
_________
(1) في س "اليهود" وهو خطأ بّين.
(2) رواه الإمام مالك في الموطأ 2/278 برقم (42) عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمِعْتُ رسول الله يقول: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب". قال ابن عبد البر في التمهيد 2/114 "هذا حديث منقطع، لأن محمداً لم يلْقَ عمر ولا عبد الرحمن بن عوف ـ ثم قال ـ ولكن معناه متصل من وجوهٍ حسان". وقال ابن حجر في موافقة الخبر الخبر 1/179 "حديث غريب وسنده منقطع أو معضل". وأورد ابن حجر في تلخيص الحبير (3/177) طريقاً آخر عن زيد بن وهب قال: كنت عند عمر بن الخطاب فذكر عنده المجوس، فوثب عبد الرحمن بن عوف، فقال: أشهد بالله على رسوله الله لسمعته يقول: "إنما المجوس طائفة من أهل الكتاب فاحملوهم على ما تحملون عليه أهل الكتاب" وحسَّن إسناده ابن حجر. والحديث له شاهد عند البخاري برقم (3157) . وانظر: إرواء الغليل للألباني 5/88.
(2/256)

الفصل الثامن
فيما اخْتُلِف (1) فيه من الشروط (2)
قال الحنفية: إذا لم يَقْبَل راوي الأصلِ الحديث لا تُقْبل روايةُ الفرع، قال الإمام: إن جزم* كل واحد منهما لم يُقْبل وإلا عُمِل بالراجح (3) ، وقال أكثر أصحابنا والشافعية والحنفية: إذا شكَّ الأصل في الحديث لا يضر ذلك، خلافاً للكرخي (4) .
_________
(1) في س، ز: ((اختلفوا)) خلافاً لسائر نسخ المتن والشرح.
(2) هذا الفصل في بيان الشروط المختلف فيها؛ هل تعتبر هذه الرواية أو الراوي أم لا؟. قال الرازي في المحصول (4/417) "والضابط في هذا الباب: كل خصلة لا تقدح في غالب الظن بصحة الرواية ولم يعتبر الشرع تحقيقها تعبداً، فإنها لا تمنع من قبول الخبر".
(3) هذا النقل عن الإمام من المحصول (4/421) بمعناه، ولفظُه: "والضابط: أنه حيث يكون قول الأصل مُعادِلاً بقول الفرع تعارضا، وحيث ترجح أحدهما على الآخر فالمعتبر هو الراجح".
(4) يمكن تقسيم مسألة اختلاف الأصل (الشيخ) والفرع (التلميذ) إلى حالتين، الأولى: حالة الجزم، بأن يجزم الأصل بتكذيب الفرع، كأن يقول: ما حدثتك به، ونحو ذلك. وحكمها: حكى الآمدي في الإحكام (2/106) ، وابن الحاجب في منتهى السول ص (84) وغيرهما الاتفاق على ردّ رواية الفرع. فتخصيص المصنف الحنفية بالذكر في رد رواية الفرع فيه قصور من جهة أن المصنف لم يفصح عن نوع عدم قبول راوي الأصل الحديث، هل كان على سبيل الجزم والجحود والتكذيب أم على سبيل الشك والتوقف والنسيان؟ فالأول حُكي فيه الاتفاق على رد رواية الفرع، وليس خاصاً بالحنفية، علماً بأن السيوطي في تدريب الراوي (1/ 395) نقل في المسألة أربعة أقوال؟ الأول: الرد وهو مختار الأكثرين، الثاني: القبول، اختاره السمعاني، وعزاه الشاشي للشافعي، الثالث: تكذيب الأصل لا يقدح في صحة الحديث، إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل، جزم به الماوردي والروياني، الرابع: أنهما يتعارضان فيُصار إلى ترجيح أحدهما، اختاره الجويني. الحالة الثانية: حالة الشك، بأن يقول الأصل، لا أذكره، لا أعرفه، دون أن يجزم بعدم تحديثه، فجماهير الأصوليين والمحدثين على قبول الحديث، وبعض الحنفية ومنهم الكرخي، وبعض المحدثين يردُّون الحديث..انظر المسألة ومذهب الجمهور ومذهب الكرخي في: العدة لأبي يعلى 3/959، إحكام الفصول ص346، التلخيص للجويني 2/392، أصول السرخسي 2/3، قواطع الأدلة 2/355، كشف الأسرار للنسفي 2/75، البحر المحيط للزركشي 6/221، التوضيح لحلولو ص316، رفع النقاب القسم 2/691، شرح الكوكب المنير 2/537، فواتح الرحموت 2/218، الأقوال الأصولية للإمام الكرخي لفضيلة شيخنا د. حسين الجبوري ص78، الكفاية في علم الرواية للبغدادي ص418، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص651.
(2/257)

الشرح
حجة الحنفية: أن اعتبارَ الفرعِ، فرعُ اعتبار الأصل، والأصل أنكر أن يكون الفرع روى عنه فلا يقبل الفرع، كما لو قال الأصل في الشهادة: لم أعلم هذه الشهادة، أو أجْزِمُ بعدم تحمُّلِها، فإن الشهادة لا تقبل.
قال الإمام فخر الدين (1) : إذا لم يجزم بعدمه بل قال: لا أذْكُر أنه رواه عني قُبِلتْ رواية الفرع، لأن عدالته تقتضي (2) صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافي صدقه (3) ، فالمُثْبت مقدَّم على النافي، وإن جزم الأصل بعدم الرواية ولم يجزم الفرع بل قال: الظاهر أني رويته، قدم الأصل لجزمه، وإن جزم كل واحد منهما: هذا بالرواية وهذا بعدمها حصل التوقف، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر.
ووجه قول أصحابنا: أنه يقبل في شك الأصل أن عدالة الفرع تمنعه الكذب، والشك من الأصل لا يعارض اليقين.
هل يشترط في الراوي الفقه؟
والمنقول عن مالك رحمه الله أن الراوي إذا لم يكن فقيهاً فإنه كان يَتْرك روايته* (4) ووافقه أبوحنيفة (5) ، وخالفه الإمام فخر الدين وجماعة (6) .
_________
(1) هذا النقل من المحصول (4/421) بمعناه ومفاده، وقد زاد المصنف فيه تعليلات من عند نفسه.
(2) ساقطة من ق.
(3) في س: ((ضده)) وهو تحريف.
(4) نقل عن مالك قوله: ((ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء)) انظر: ترتيب المدارك 1 / 125، إسعاف المبطأ للسيوطي ص 3 وقد فسَّر الولاتي مراد الإمام مالك بالفقه بأنه الفهم لمعنى الخبر الذي يرويه لأمن الغلط فيها. انظر: نيل السول شرح مرتقى الوصول ص 260. وقال حلولو "وعندي أن هذا المروي عن مالك لا يدلُّ على أنه يقول باشتراط الفقه في الراوي، بل لعلَّه على جهة الاحتياط ليبني عليه مذهبه، لا أنه يقول: لا تقبل الرواية إلا من فقيه" التوضيح شرح التنقيح ص (318) .. وممن نسب اشتراط الفقه في الراوي لمالك الشوشاوي في: رفع النقاب القسم 2/695، الرهوني في: تحفة المسئول القسم 2/603، وابن جزي في: تقريب الوصول ص298، والعلوي الشنقيطي في: نشر البنود 2/41.
(5) لكن من الأحناف من يقيد "اشتراط الفقه في الراوي" فيما إذا خالفت الرواية القياس، ومنهم من لا يشترط الفقه أصلاً. انظر مذهب الحنفية في: أصول السرخسي 1/338، المغني في أصول الفقه للخبازي ص207، فتح الغفار لابن نجيم 2/80، تيسير التحرير 3/52، فواتح الرحموت 2/185. وممن اشترط الفقه في الرواية ابن حزم في الإحكام 1/133.
(6) انظر: مذهب الإمام الرازي في المحصول 4/422، وانظر: إحكام الفصول ص366، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/68، شرح مختصر الروضة 2/157، البحر المحيط للرزكشي 6/213، شرح البدخشي 2/350.
(2/258)

الشرح
حجة مالك: أن غير الفقيه يسوء فهمه فيفهم الحديث على خلاف وضعه، وربما خطر له أن ينقله بالمعنى الذي فهمه مُعْرِضاً عن اللفظ (1) ، فيقع الخلل في مقصود الشارع، فالحزم (2) أن لا يُروى عن غير فقيه، [ولقوله صلى الله عليه وسلم "نضَّر الله امْرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ (إلى من) ليس بفقيه" (3)
فجعل الحامل إما فقيهاً وغيره أفقه منه أو غيره جاهلاً (4) ، ولم يجعل من جملة الأقسام أن الحامل جاهل] (5) .
_________
(1) سيأتي مبحث حكم رواية الحديث بالمعنى في الفصل العاشر.
(2) في ق، س، ن: ((الجزم)) والمثبت من ز، م، ش وهو أنسب.
(3) الحديث هكذا جاء رسمه في النسخ: ق، ص، و، م، ز، وهو ساقط من النسختين س، ش. بينما جاء في النسخة ن بلفظ: "وربّ حامل فقه ليس بفقيه" بدون الزيادة المثبة فيما بين الحاصرتين (إلى من) . والصواب حذف هذه الزيادة لأنها مخلَّة بمعنى الحديث، ولم أجدها في كلّ ما وقفت عليه من طرق وألفاظ الحديث. لكني لم أشأ حذفها بل أثبتها هنا كما هي؛ لأن المصنف أثبتها هنا وفي الفصل العاشر من هذا الباب، وفرَّع عليها استدلاله على اشتراط الفقه في الراوي بأن الحديث لم يجعل من جملة الأقسام أن الراوي ليس بفقيه. وهذا الاستدلال لم أجده إلا عند المصنف. والذي عليه جماهير العلماء استدلالهم بالحديث على أنه ليس من شرط المخبر أن يكون فقيهاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ورب حامل فقه ليس بفقيه". انظر: الرسالة للشافعي ص 403، إحكام الفصول 366 المحصول للرازي 4/422، روضة الناظرين 1/394، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/68. أما تخريج الحديث: فقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون صحابياً، وقيل ثلاثون. وقد أخرجه جمع غفير من المحدثين في كتبهم، من ذلك أبو داود (3660) ، والترمذي (2656) ، وابن ماجة (230) وغيرهم وصححه ابن حجر في موافقه الخُبْر الخَبَر 1/363 ـ 378، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول رقم الحديث (404) ..ومن العلماء من عدَّ الحديث من قبيل المتواتر. انظر: قطف الأزهار المتناثرة للسيوطي ص28. وقد أفرد هذا الحديث بالتصنيف ـ بجمع طرقه وألفاظه ـ أبو عمرو أحمد المديني ت (333هـ) في كتاب بعنوان: "جزء فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: نضر الله امرءاً سمع مقالتي فأداها" تحقيق بدر البدر. دار ابن حزم ط (1) عام 1415هـ. وكذلك كتاب عظيم القدر للشيخ الدكتور/ عبد المحسن العباد بعنوان "دراسة حديث: نضّر الله امرأ سمع مقالتي.. رواية ودراية" مطابع الرشيد. ط (1) عام 1401هـ.
(4) في ن: ((جاهل)) وهو متجه على أنه خبر و: ((غيره)) مبتدأه.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من س، ش.
(2/259)

حجة الجواز: قوله عليه السلام "يحمل هذا العلم من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه" (1) ولم يشترط الفقه، فكان ساقطاً عن الاعتبار، ولأن العدالة تمنع من تبديل اللفظ إلا بشروطه، ومتى كان هذا هو لفظَ صاحب الشرع أو بدلَ لفظِه بشروطه، أمِنَّا الخَلَل فإن من شرط تبديل اللفظ مساواتَه في الدلالة.
أمور لا تقدح في الراوي:
قال الإمام (2) : ولا يُخِلُّ بالراوي تساهُله في غير الحديث، ولا جهلُه بالعربية، ولا الجهلُ بنسبه، ولا مخالفةُ (3) أكثر الأمة لروايته، وقد اتفقوا على أن (4) مخالفةَ الحُفَّاظ (5) لا تمنع من القبول، ولا كونُه على خلاف الكتاب، خلافاً لعيسى بن أبَان (6) .
الشرح
المقصود ضبط الشرائع فالتساهل في غيرها لا يضرُّ، إذا عُلم ضبطه وتشديده (7) في الحديث (8) .
_________
(1) سبق تخريجه.
(2) هذا النقل عن الإمام جاء في عدة مسائل متفرقة، فجمعها المصنف مختصرةً ونسبها إليه. انظر: المحصول (4/425، 426، 437، 438) . ثم إن المصنف ذكر في المتن ستة أمور لا تقدح في رواي الحديث، وذكر في الشرح الأدلة عليها.
(3) في متن هـ: ((خلاف)) .
(4) ساقطة من س.
(5) في ن: ((الحافظ)) وهو متجه أيضاً، فيكون هذا من باب: إضافة المصدر إلى فاعله، والمثبت ـ هنا ـ من باب إضافة المصدر إلى مفعوله.
(6) ممن عزا النسبة إليه: أبوبكر الجصاص في كتابه الفصول في الأصول 3/113، والمعتمد 2/154 وقواطع الأدلة 2/392، 412، والمحصول للرازي 4/438، والموافقات 3/189. وقال محمد المطيعي في سلم الوصول بحاشية نهاية السول للإسنوي (3/175) "وبذلك يعلم أن ما قاله عيسى بن أبان منفرداً به عن مشايخ الحنفية وعن أكثر العلماء لا وجه له ... " والواقع أنه قول جمهور الحنفية كما جاء في تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي ص (377) رسالة دكتوراة بالجامعة الإسلامية، وأصول السرخسي 1/364، وكشف الأسرار للبخاري 3/20.
(7) في ق: ((تسديده)) ولعل لها وجهاً سائغاً من حيث المعنى، وهو قريب من معنى ((الضبط)) ، والمثبت أولى لأن التأسيس مقدّم على التأكيد.
(8) وقيل بردّ رواية المتساهل. انظر: أصول السرخسي 1/373، المسودة ص266، جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني 2/148، رفع النقاب القسم 2/699 تدريب الراوي للسيوطي 1/401.
(2/260)

وإذا جَهِل العربيةَ فعدالته تمنعه أن يروى الحديث (1) إلا كما سمع وعلى إعرابه (2) وصورته، وأنه متى شكَّ في شيء تركه. [هذا كله أثر العدالة وهي موجودة] (3) فيُكْتفَى بها (4) .
والجهل بنسبه إنما يتوقع منه التدليس به (5) ، وتركيبه على نَسَبٍ آخر [فيقع التدليس] (6) ، ولكنْ هذا أمرٌ يتعلق بالراوي عنه الذي يُدلّس به، أما هو فلا (7) .
ومخالفة الأكثر [لروايته أو الحفاظ] (8) لا تقدح (9) ؛ لأنه قد ينفرد بما لم يطَّلعوا عليه (10) .
حجة عيسى بن أبان (11) : ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا رُوي لكم عني
_________
(1) ساقطة من ق، س.
(2) في ق: ((إعبرابه)) وهو تحريف.
(3) ما بين المعقوفين كُتب في ق هكذا: ((فهذه آثار العدالة)) .
(4) انظر المسألة في: المعتمد 2 / 136، نهاية الوصول للهندي 7/2922، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/68، التوضيح لحلولو ص318، فواتح الرحموت 2 / 184.
(5) ساقطة من س.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(7) انظر المسألة في: نهاية الوصول للهندي 7/2919، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/68، شرح الكوكب المنير 2/419، رفع النقاب القسم 2/699، فواتح الرحموت 2/184، الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص533.
(8) هكذا في ق، س، وفي ن: ((لرواية الحافظ)) وهو مقبول أيضاً.
(9) في س، ن، ق: ((لا يقدح)) . والمثبت من و، ص، وهو الصواب، وقد سبق التنبيه على مثله.
(10) في مخالفة الحفاظِ لما انفرد به الراوي الثقة حالتان: يُقْبل ما انفرد به في القَدْر الذي لم يخالفوه فيه، وأما في القَدْر الذي خالفوه فيه فقال الرازي: "الأولى أن لا يقبل، لأنه وإن جاز أن يكونوا سَهَوا وحفظ وهو، لكن الأقوى أنه سها وحفظوا هم، لأن السهو على الواحد أجْوزُ منه على الجماعة" المحصول (4/437) وبهذا يُعلم عدم تحرير المصنف قولَ الرازي في المسألة. ثم إن هذه المسألة تُعَنْون: ((بزيادة الثقة)) وسيأتي مزيد بحثها في الفصل العاشر وانظر: المنخول ص 280، آخر الكفاية في علم الرواية للبغدادي ص597، الإحكام للآمدي 2 / 108، نهاية الوصول للهندي 7 / 2948، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 72.
(11) حجته على اشتراطه ـ في قبول الرواية ـ عدمَ مخالفتها للكتاب. والحقيقة بأن الخلاف لا أثر له، لأن قبول خبر الواحد مرهون بتوافر شروطه، ومن شروطه عدم مصادمته للقرآن، فيُنظر حينئذٍ إلى التخصيص والتقييد والتأويل والنسخ. وقد نصَّ الشافعي رحمه الله بأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخالف كتاب الله تعالى أبداً. انظر: الرسالة ص149، 221، 228، وانظر: المعتمد 2/154، قواطع الأدلة 2/392.
(2/261)

حديثٌ فاعْرِضُوه على كتاب الله فإن وافقه (1) فاقبلوه وإن خالفه فردُّوه" (2) .
جوابه: أنه مُعارَضٌ بقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (3) ومن البيان التخصيص، والمخصِّص (4) ، مخالف للعام المخصَّص، فكان يلزم (5) ردُّه (6) وليس كذلك لظاهر الآية، ولأن ظاهر الحديث يقتضي ردَّه (7) وإن كان متواتراً وليس كذلك، بل يُحمل الحديث على ما إذا دلَّت قواطع الكتاب على نقيض مقتضاه مع تعذُّر التأويل (8) .
هل العبرة في الراوي بما رأى أم بما روى؟
ولا كونُ مذهبه على خلاف روايته وهو مذهب أكثر* أصحابنا (9) ،
_________
(1) في س: ((وافقوه)) ، وهو تحريف.
(2) رواه الدارقطني في "سننه" (4/208) ، والطبراني في "المعجم الكبير" برقم (13276) ، وابن عدي في "الكامل" 4/1387، وغيرهم، عن ابن عمر وثوبان رضي الله عنهما. قال الشافعي في "الرسالة" ص (225) "ما روى هذا أحدٌ يثْبُت حديثه في شيءٍ صَغُر ولا كبر ـ ثم قال ـ وهذه أيضاً رواية منقطعة عن رجل مجهول". وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" ص (260) "قال الخطابي: وضعته الزنادقة، ويدفعه حديث: أوتيت القرآن ومثله معه. وكذا قال الصَّغاني..قلت: وقد سبقهما إلى نسبة وضعه إلى الزنادقة يحيى بن معين ... على أن في هذا الحديث الموضوعِ نفسِه ما يدل على ردّه، لأناَّ إذا عرضناه على كتاب الله خالفه، ففي كتاب الله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] ونحو هذا من الآيات" وقال أحمد شاكر "هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن، بل ورد فيه ألفاظ كثيرة كلها موضوع أو بالغ الغاية في الضعف، حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد ... وقد كتب ابن حزم في هذا المعنى فصلاً نفيساً جداً في كتابه الإحكام (2/76 ـ 82) ، وروى بعض ألفاظ هذا الحديث المكذوب، وأبان عن عللها فشفى ... " هامش (4) من الرسالة للشافعي ص224. وانظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للزركشي ص175، الابتهاج في تخريج أحاديث المنهاج للغُمَاري ص103، سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني المجلد الثالث رقم (1087 ـ 1089) .
(3) النحل، من الآية: 24.
(4) في ن: ((التخصيص)) .
(5) في ن: ((يلزمه)) .
(6) في ق: ((دره)) وهو تحريف.
(7) في ق: ((دره)) وهو تحريف.
(8) هذا جواب على فرض التسليم بثبوته، ولا داعي لهذا الحمل إذا ثبتت نكارته وبطلانه.
(9) لم يجعل المصنف من شرط قبول الرواية عدم مخالفة الراوي لما رواه، إذ العبرة بما روى، وهو رأي أكثر المالكية وعليه الجمهور. انظر: النبذ في أصول الفقه لابن حزم ص98، العدة لأبي يعلى 2/589، إحكام الفصول ص345، التبصرة ص343، قواطع الأدلة 2/419، الوصول لابن برهان 2/195، التوضيح لحلولو ص318، إجمال الإصابة في أقوال الصحابة للعلائي ص83.
(2/262)

وفيه أربعة مذاهب، قال الحنفية (1) : إن خصصه رُجِع إلى مذهب الراوي لأنه أعلم (2) . وقال الكرخي (3) : ظاهر الخبر أولى. وقال الشافعي (4) : إن خالف ظاهرَ الحديث رُجِع إلى الحديث، وإن كان (5) أحدُ الاحتمالين (6) .
رجع إليه (7) . وقال القاضي عبد الجبار (8) : إن كان تأويله (9) على خلاف الضرورة ترك (10) وإلا وجب النظر في ذلك.
الشرح
هذه المسألة عندي ينبغي أن تُخصَّص (11) ببعض الرواة، فتحمل على الراوي المباشر للنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يحسن أن يقال هو أعلم بمراد المتكلم، أما مثل (12) مالك
_________
(1) في ن: ((الحنفي)) .
(2) هذا مقيد عند الحنفية بما إذا عمل الراوي بخلاف روايته بعد الرواية، أما قبلها أو لم يعرفْ تاريخه فليس ذلك بجرحٍ. انظر: أصول السرخسي 2/5، كشف الأسرار للبخاري 3/38، جامع الأسرار للكاكي 3/769، فواتح الرحموت 2 / 208.
(3) انظر مذهبه في: ميزان الوصول للسرقندي ص 655، بذل النظر ص482، التقرير والتحبير 2/352، الأجوبة الفاضلة للكنوي ص222، الأقوال الأصولية للإمام أبي الحسن الكرخي لفضيلة شيخنا الدكتور حسين الجبوري ص86، وقد ذكر بأن النقل عن الكرخي في هذه المسألة غير متفق.
(4) انظر النسبة إليه في: المحصول للرازي 4/439 وقال: "وهو ظاهر مذهب الشافعي"، الإحكام للآمدي 2/115، جمع الجوامع بحاشية البناني 2/146.
(5) في ق: ((رجح)) وهو شذوذ مخالف لجميع نسخ المتن والشرح. و ((كان)) هنا تامَّة بمعنى: حصل أو وُجد.
(6) هنا زيادة: ((أولى)) في ن وهي شاذة.
(7) معنى هذه العبارة: إذا كان مذهبُ الراوي وتأويلُه أحدَ محتملات ظاهر الحديث فإنه يُرجع إلى تأويل الراوي ومذهبه. وهذا يظهر جلياً في الأحاديث المجملة، والله أعلم.
(8) انظر مذهبه في: المعتمد 2/175، المحصول للرازي 4/439، إرشاد الفحول 1/243.
(9) في ق: ((تأوله)) .
(10) في ن: ((تركه)) .
(11) في ن: ((يخصص)) وهو تصحيف.
(12) ساقطة من س.
(2/263)

و (1) مخالفتِه لحديث بيع الخيار (2) الذي رواه (3) وغيره من الأحاديث فلا يندرج في هذه المسألة، لأنه لم يباشر المتكلّمَ حتى يحسن أن يقال فيه لعله شاهد من القرائن الحالية أو المقالية ما (4) يقتضي مخالفته، فلا تكون المسألة على عمومها (5) .
حجة الاعتماد على الحديث مطلقاً: أن الحجة في لفظ صاحب الشرع لا في مذهب الراوي فوجب المصير إلى الحديث.
حجة الحنفية: أن (6) المباشر يُحصِّل من القرائن ما يقتضي تخصيص العام، فيُرجع إليه في التخصيص، كما يُرجع إليه في أصل الحديث.
حجة الشافعي: أن الحديث إذا كان له ظاهر رُجع إليه، لأن الحجة في ظواهر (7) الشريعة لا في مذاهب (8) الرواة، أما إذا لم يكن له ظاهر فقد سقطت الحجة منه فيعتمد على تفسير الراوي، لأنه أعلم بحال المتكلم ولم يعارضْه ظاهر شرعي، وهذا كاللفظ
_________
(1) في ق: ((في)) بدل الواو وهو متجه أيضاً.
(2) عرَّفه ابن عرفة بأنه: "بيْعٌ وقِّف بَتُّهُ أولاً على إمضاءٍ يُتَوقَّع" شرح حدود ابن عرفة للرصَّاع 1/365. والمراد بالخيار هنا: خيار المجلس وهو: "أن يثبت الخيار للمتابعين مدةَ جلوسهما معاً حتى يتفرقا" مواهب الجليل 6/302. وأما حكمه: فقال المصنف في الذخيرة 5/20 "وخيار المجلس عندنا باطل، والبيع لازم بمجرد العقد، تفرَّقا أم لا، وقاله أبوحنيفة. وقال الشافعي وابن حنبل بعدم اللزوم، وخيار المجلس حتى يتفرقا أو يختارا الإمضاء، وحكاه أبوالطاهر عن ابن حبيب ... ".
(3) رواه الإمام مالك في الموطأ (2/671) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المتبايعان كلٌ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرَّقا إلا بيع الخيار" ورواه البخاري (2111) ومسلم (1531) . وانظر مذهب مالك في مخالفته لما رواه في المنتقى للباجي 5/55، التمهيد لابن عبد البر 24/290، 14/7، الاستذكار لابن عبد البر 20/222.
(4) في س: ((فلا)) وهو تحريف.
(5) قد نبه المصنف إلى هذا المعنى في باب العموم من هذا الكتاب (المطبوع) ص219. وانظر: نفائس الأصول 7/2998، التوضيح لحلولو ص319.
(6) ساقطة من ن.
(7) في ن: ((ظاهر)) .
(8) في س: ((مذهب)) .
(2/264)

المشترك (1) ، كما إذا (2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعتدِّي بقرء وقرء وقرءة فحمله الراوي على الأطهار صحَّ ذلك (3) .
وأما مذهب القاضي عبد الجبار فقد حكى خلافاً وذلك عَسِرٌ؛ لأن ما هو على خلاف الضرورة كيف يمكن أحداً (4) أن يقول هو معتبر؟! فكأنه تفسير لا خلاف (5) . وأما قوله: ((نظر في ذلك)) ، فهو خلافٌ لمن جَزَم بتقديم الخبر أو (6) المذهب، ووجهه: أنه موضعُ تَعَارُضٍ لما تقدَّم من المدارك المتعارضة، فينظر في كل مادة ما يقتضي ترجيح بعض ذلك (7) [على بعض] (8) .
حكم قبول الخبر في مسائل الاعتقاد
وإذا ورد الخبر في مسألة علمية (9) وليس في الأدلة القطعية ما يَعْضُده رُدَّ؛
_________
(1) عرَّفه المصنف في الفصل السادس من الباب الأول ص (29) من المطبوع. بأنه ((اللفظ الموضوع لكل واحدٍ من معنيين فأكثر كالعين)) فالعين تطلق على الباصرة والجارية والذهب. انظر: الكليات للكفوي مادة "عين" ص599، 642.
(2) في ق: ((لو)) .
(3) القُرْء والقَرْء بالضم والفتح يطلق على الحيض والطهُّر. انظر: لسان العرب، النهاية في غريب الحديث، عمدة الحفاظ جميعها مادة "قرأ".
(4) هكذا في ق، ص، وهو الصواب، ويكون حينئذٍ منصوباً بنزع الخافض، تقديره: لأحدٍ. وفي سائر النسخ ((أحدٌ)) ولستُ أعلم وجهه. ولو قال المصنف: ((كيف يمكن أن يقول أحدٌ هو معتبر؟!)) لكان أبعد عن الإشكال.
(5) هنا زيادة ((فيه)) وهي شاذة تفردَّت بها نسخة: ق. وتوضيح هذه العبارة: أن القاضي عبد الجبار لما قال: إن كان مذهب الراوي يخالف الرواية ضرورةً، فكأنه يصوِّر خلافاً في هذه الحالة، وهو عَسِرٌ، لأن كل من خالف الضرورة لا يُلْتفُ إلى قوله، وهذا باتفاق. فآلت حكاية القاضي عبد الجبار للخلاف تفسيراً وشرحاً. والله أعلم.
(6) في س: ((أن)) وهو تحريف.
(7) معنى هذه العبارة: أن قول القاضي عبد الجبار: إذا لم يكن مخالفاً للضرورة فننظر في المرجحات. هذا القول مخالف لمن جزم بتقديم الرواية مطلقاً، ومخالفٌ لمن جزم بتقديم مذهب الراوي مطلقاً. وانظر: رفع النقاب القسم 2/507.
(8) ساقطة من ن.
(9) المسائل العلمية هي: مسائل الاعتقاد التي يعلمها السامع ويعتقدها كصفات الرَّبِّ تبارك وتعالى، ورؤيته في الآخرة، وعذاب القبر ونعيمه، وإثبات العرش.
(2/265)

لأن الظن لا يكفي في القطعيات وإلا قُبِل (1) .
الشرح
مسائل أصول الدين المطلوب فيها اليقين وهو المكلف به فيها عند الجمهور، فإذا ورد ما يفيد الظن وفي الأدلة العقلية ما يقتضي ذلك المطلب بعينه حصل المقصود بذلك القطعي (2) وبقى السَّمْعي مؤكِّداً (3) له ومؤنِّساً؛ فإن اليقين بما ورد فيه السمع والعقل
_________
(1) هذه المسألة مفرَّعة على مسألة: إفادة خبر الآحاد العلمَ، التي سبقت الإشارة إليها، فمن قال بإفادة الآحاد الظن لم يقبله في مسائل الاعتقاد، ومن قال بإفادته العلم احتج بالآحاد في مسائل الاعتقاد. والذي أعتقده صواباً في هذه المسألة أن خبر الآحاد حجة في العقائد والأحكام. قال ابن عبد البر "ليس في الاعتقاد في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله أو صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أجمعت عليه الأمة. وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يُسلّم له ولا يناظر فيه" جامع بيان العلم وفضله (2/ 943) . وقال أبو المظفّر السمعاني "وكذلك أجمع أهل الإسلام ـ متقدموهم ومتأخروهم ـ على رواية الأحاديث في صفات الله عز وجل، وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة والحوض وإخراج الموحِّدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار ... وفضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومناقب الصحابة وأخبار الأنبياء المتقدمين عليه، ما أشبه ذلك مما يكثر عدُّه ذكره. وهذه الأشياء كلها علمية لا عملية، إنما تروى لوقوع علم السامع بها. فإذا قلنا إن: خبر الواحد بها لا يجوز أن يُوجِب العلمَ، حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ، وجعلناهم لاغين هاذِّين مشتغلين بما لا يفيد أحداً شيئاً ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دوَّنوا في أمور الدين مالا يجوز الرجوع إليه، والاعتماد عليه " الانتصار لأصحاب الحديث ص 36 - 37..وانظر أيضاً: مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ص (479 ـ 761) ، شرح الكوكب المنير 2/352، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص (179 - 184) . وهناك كتبٌ استبحرت في معالجة هذا الموضوع الخطير معالجةً مُحْكمةً، منها:
1 - وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، والرد على شبه المخالفين للألباني. 2 - أصل الاعتقاد د. عمر الأشقر.
3 - الأدلة والشواهد على وجوب العلم بخبر الواحد في الأحكام والعقائد. سليم الهلالي. 4 - حجية أحاديث الآحاد في الأحكام والعقائد للأمين الحاج محمد أحمد. 5 - حجية الآحاد في العقيدة ورد شبهات المخالفين د/ الوهيبي.
(2) في ن: ((العقيلي)) .
(3) في ن: ((مؤكد)) وهو خطأ نحوي، لأنه حال منصوب.
(2/266)

[أشد] (1) بخلاف العقل وحده (2) ، وإن لم يكن غيره رُدَّ لعدم الفائدة فيه، لأن ما يفيده ذلك الخبر لا يعتبر، والذي هو معتبر لا يفيده ذلك الخبر، فيسقط (3) اعتباره.
حكم الخبر فيما تعمُّ به البلوى
وإنْ اقتضى عملاً تعمُّ به البلوى (4) قُبِل عند المالكية (5) والشافعية (6) ، خلافاً للحنفية (7) . لنا حديث عائشة المتقدِّم في التقاء الختانين (8)
الشرح
قالت الحنفية: ما تعم به البلوى شأنه أن يكون معلوماً عند الكافة، لوجود سببه عندهم، فيحتاج كلٌّ منهم لمعرفة حكمه، فيسأل عنه ويُروَى الحديث فيه، فلو كان فيه حكم لعلمه الكافَّة، فحيث [لم يعلمه الجمهور] (9) دلَّ ذلك (10) على بطلانه.
_________
(1) هذه الزيادة أثبتُّها من النسختين و، ص، وهي تضفي معنىً مناسباً للسياق أنسب من عدمها. والله أعلم.
(2) هذا بناءً على القول بحصول التفاوت في العقليات، وهي مسألة خلاف، وتترجم بـ: "تفاوت العلم". والأرجح ـ والله أعلم ـ حصول التفاوت. انظر: كشف الأسرار للنسفي 1/311، مجموع فتاوى ابن تيمية 7/564، البحر المحيط للزركشي 1 / 79، رفع النقاب القسم 2/707، شرح الكوكب المنير 1/61، القطع والظن عند الأصوليين د. سعد بن ناصر الشثري (1/27) وفيه بحث نفيس.
(3) في ق: ((مسقط)) .
(4) معنى: خبر الآحاد فيما تعمّ به البلوى: أي ما تمس إليه حاجة الناس في عموم الأحوال ويكثر السؤال عنه. وقد سبق التعريف بعموم البلوى.
(5) انظر مذهبهم في: إحكام الفصول ص344. الضروري في أصول الفقه (مختصر المستصفى) لابن رشد ص81، تحفة المسئول للرهوني القسم 2 / 631، التوضيح لحلولو ص319.
(6) انظر مذهبهم في: المستصفى 1 / 321، شرح اللمع للشيرازي 2/606، المحصول للرازي 4/442، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص62. وهو مذهب الحنابلة والظاهرية أيضاً، انظر: العدة للقاضي أبي يعلى 3/885، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل 4 / 389، شرح مختصر الروضة للطوفي 2/233، الإحكام لابن حزم 1/153.
(7) لكن خلاف الأحناف مقصور على ما إذا كان حكم مسألة عموم البلوى الوجوب. أما المندوب فيقبلون فيه خبر الواحد. انظر: أصول السرخسي 1/368، كشف الأسرار للنسفي 2/52، كشف الأسرار للبخاري 3/35، التقرير والتحبير 2 / 394.
(8) سبق تخريجه.
(9) ما بين المعقوفين كتب في ق: ((لم يعلموه)) .
(10) ساقطة من ق.
(2/267)

وقد نقضوا أصلهم بأحاديث قبلوها فيما تعم به البلوى، فأثبتوا الوضوء من القهقهة (1) والفِصَادة (2) والحِجَامة (3) (4) أخبار آحاد، مع [أن هذه الأمور] (5) مما تعم بها (6) البلوى، وكذلك الوضوء من القيء والرعاف (7)
ونحو ذلك*.
واحتجوا أيضاً (8) بقوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} (9) خالفناه في قبول خبر الواحد إذا لم تعم به البلوى، فيبقى على مقتضى الدليل فيما عداه،
_________
(1) أحاديث القهقهة رويت مرسلة ومسندةً. فمن المرسل حديث أبي العالية: أن رجلاً تردَّى في بئر والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه أبو داود في مراسيله ص 118. ومن المسند: حديث ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ضحك في الصلاة قهقهةً فليُعدْ الوضوء والصلاة" رواه ابن عدي في الكامل (3/167) ، ومنها حديث أبي هريرة في سنن الدارقطني (1/164) . وهذه الأحاديث مخرجةً باستيفاء في "نصب الراية" للزيلعي (1/47ـ54) وفي أسانيدها نظر، ولهذا قال الإمام أحمد وغيره: ليس في الضحك حديث صحيح انظر: تلخيص الحبير لابن حجر 1/ 115.
(2) في ق: ((القصد)) .
(3) استدلوا بحديث تميم الداري مرفوعاً "الوضوء من كل دم سائل" رواه الدارقطني في سننه (1/157) وفيه انقطاع وجهالة. انظر: نصب الراية للزيلعي 1/37.
(4) هنا زيادة كلمة: ((بأحاديث)) في ن، س، ولا حاجة لها.
(5) ما بين المعقوفين في ق: ((أنها)) .
(6) في ن، ق ((به)) وهو سائغ باعتبار عود الضمير على ((ما)) المصولة في قوله: ((مما تعم)) . والمثبت: وجهه عود الضمير إلى ((الأمور)) .
(7) استناداً إلى حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مَذْيٌ فلينصرف فليتوضأ ثم ليبْنِ على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم" رواه ابن ماجة (1221) . وصححه الزيلعي في "نصب الراية" 1/38. وضعفه البوصيري. انظر: سنن ابن ماجة 2/69..وانظر مسألة نواقض الوضوء بهذه الأشياء عند الأحناف في: بدائع الصنائع 1/37، 48، شرح فتح القدير 1/39، 51.
تنبيه: مهَّد المصنف العذر للأحناف في نفائس الأصول (7/3003) بأن بإمكانهم ادعاء التواتر في زمن أبي حنيفة، لأنه أدرك الصدر الأول وعشرة من الصحابة، فلا يلزم من عدم تواترها عندنا عدم تواترها عنده" وفي الحقيقة هذا اعتذار ضعيف لأن ادعاء التواتر والاشتهار أمرٌ موكولٌ إلى أهله في هذا الشأن، وهم أهل الحديث وأئمته. والله أعلم. وانظر: شرح مختصر الروضة 2/235.
(8) ساقطة من ن.
(9) يونس، من الآية: 36.
(2/268)

وهو معارَضٌ بقوله تعالى: س {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} (1) ومقتضاه الجزم بالعمل عند عدم الفسق كان فيما تعم به (2) البلوى أم لا
_________
(1) الحجرات، من آية: 6.
(2) في ق: ((فيه)) .
(2/269)

الفصل التاسع
في كيفية الرواية (1)
مراتب رواية الصحابي
ص: إذا قال الصحابي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أو أخبرني أو شافهني فهذا أعلى المراتب (2) .
وثانيها: أن يقول: قال عليه السلام (3) .
وثالثها: [أن يقول] (4) أمَر (5) بكذا أو نَهَى عن كذا، فهذا (6) كله محمول عند المالكية (7) على أمره عليه السلام، خلافاً لقوم (8) .
_________
(1) بحث علماء الأصول وعلماء الحديث كيفيات تحمُّل الرواية وأدائها وألفاظ الرواية ومراتبها وحكمها، ووقع بينهم اختلاف في التقسيم والترتيب والحصر، ولا ضير في ذلك إذ الغاية من معرفة ألفاظ الرواية ومراتبها الحكم عليها من جهة القبول والرفض. والله أعلم.
(2) حكم هذه المرتبة: أنها حجة مجمع عليها، لعدم تطرّق الاحتمال إليها، وهي الأصل في الرواية والتبليغ. انظر: المستصفى 1/309، الإحكام للآمدي 2/95، الإبهاج 2/328، البحر المحيط للزركشي 6/296، شرح الكوكب المنير 2/481، نشر البنود 2/62.
(3) حكم هذه المرتبة: أنها حجة عند الأكثرين؛ لأن قول الراوي: ((قال عليه الصلاة والسلام)) ظاهره النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابي لا يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن قدامة في روضة الناظر (1/342) ((ولهذا اتفق السلف على قبول الأخبار مع أن أكثرها هكذا، ولو قُدِّر أنه مرسل فمرسل الصحابي حجة)) . انظر: التمهيد لأبي الخطاب 3/185، الإحكام للآمدي 2/95، نهاية الوصول للهندي 7/3000، التقرير والتحبير 2/350، التوضيح لحلولو ص320.
(4) ساقطة من جميع النسخ، والمثبت هنا من نسخة ن، وهو الأنسب تمشِّياً مع سياق جميع المراتب المذكورة.
(5) هنا زيادة: ((عليه السلام)) في جميع نسخ المتن والشرح ما خلا النسختين س، ومتن د. وقد رأيت إسقاطها؛ لأن المصنف سيذكر في الشرح ـ بعد قليل ـ ما يدلُّ على عدم ذكر الفاعل، وأن لفظ ((أَمَر بكذا ونَهى عن كذا)) يحتمل أن يكون فاعل هذا الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره. انظر هامش (10) ص (271) .
(6) س، متن هـ، ن: ((وهذا)) .
(7) انظر: إحكام الفصول ص (385) ، تقريب الوصول ص (304) ، نيل السول للولاتي ص (151) ، وهذا مذهب الجمهور، قال الآمدي في الإحكام (2/96) : ((والذي عليه اعتماد الأكثرين أنه حجة، وهو الأظهر، وذلك لأن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن يكون عارفاً بمواقع الخلاف والوفاق ... )) وانظر: العدة لأبي يعلى 3/999، المحصول للرازي 4/446، فواتح الرحموت 2/206، الكفاية في علم الرواية للبغدادي ص 419.
(8) نُسب إلى داود الظاهري وبعض المتكلمين. انظر: التلخيص للجويني 2/411، التمهيد لأبي الخطاب 3/186، البحر المحيط للزركشي6/297، التبصرة والتذكرة (شرح ألفية العراقي) 1 / 127.
(2/270)

الشرح
الفرق بين قال وما قبلها، أن قوله: ((قال)) يصدق مع الواسطة وإن لم يُشَافَهْ، كما يقول أحدنا اليوم: قال النبي عليه السلام، [وإن كان لم يسمعه] (1) ، ولا شك أن اللفظ الدال على المشافهة أنَصُّ (2) في المقصود وأبعد عن الخلل المتوقع من الوسائط.
ودون ذلك أمر أو نهى؛ لأنه يدخله احتمالُ الوسائط وتوقُّعُ الخلل من قِبَلها مضافاً إلى الخلل الحاصل من اختلاف الناس في صيغتي (3) الأمر والنهي، هل هما للطلب الجازم أو (4) لا؟ (5) واحتمال آخر وهو أن ذلك الأمر للكل أو للبعض (6) وهل (7) دائماً أو غير دائم (8) ؟
وقولي: ((إنه محمول عند المالكية على أمره عليه السلام)) : أريد إذا لم يُذْكر النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر، بل يقول الراوي: أمر بكذا أو أمرنا بكذا، فان (9) اللفظ يحتمل أن فاعل هذا الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره (10) ، لكن العادة أن من له رئيس معظّم فقال أمر بكذا أو
_________
(1) في ق: ((وإن لم يكن سمعه)) .
(2) في ن: ((نص)) .
(3) في ن: ((صيغة)) .
(4) في س، ن: ((أم)) وهو مالا يجيزه الأكثر، وجوَّزه سيبويه. انظر الهامش (6) ص 29.
(5) راجع مسألة صيغة الأمر موضوعة للوجوب أم لغيره ص (177) من هذا الكتاب (المطبوع) .
(6) راجع مسألة قول الصحابي: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا أمر أو قضى بكذا" هل يقتضي العموم
ص (188) من هذا الكتاب (المطبوع) .
(7) ساقطة من ق.
(8) راجع مسألة الأمر للتكرار والاستمرار أم لا ص (130) من هذا الكتاب المطبوع.
(9) في ن: ((لأن)) .
(10) هنا يبدو وقوع المصنف في خلطٍ بين المرتبة الثالثة هذه، والمرتبة الرابعة التي في المتن التالي، فقد جعلهما سواءً في عدم تسمية الفاعل. والذي وقفتُ عليه في كتب الأصوليين والمحدثين هو التفريق بينهما بأن صيغة المرتبة الثالثة ((أمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهى عليه الصلاة والسلام عن كذا)) ففيها التصريح بفاعل الأمر أو النهي، أما المرتبة الرابعة فصيغتها "أُمِرْنا بكذا أو نُهينا عن كذا" لم يُسمَّ فيها الفاعل. وهذا الفرق هو الذي جعل المرتبة الرابعة أحط من المرتبة الثالثة والله أعلم. انظر: العدة للقاضي أبي يعلى 3/992، 1000، إحكام الفصول ص 385، 386، المحصول للرازي 4/446، 447، الضياء اللامع لحلولو 2/219، فواتح الرحموت 2/207، الكفاية في علم الرواية ص 419ـ420، شرح ألفية السيوطي في الحديث 1 / 104، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص569 ـ 571.
(2/271)

أمرنا بكذا، إنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو عظيم الصحابة ومرجعهم والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم. فتنصرف إطلاقاتهم إليه صلى الله عليه وسلم، أما مع تعيين الفاعل للأمر فلا يبقى هنالك احتمال ألبتَّة (1) .
حجة غير المالكية: أن الفاعل إذا حذف احتمل (2) النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، فلا نثبت شرعاً بالشك*.
وجوابه: ظاهر الحال صارف للنبي صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم تقريره.
ص: ورابعها: أن يقول: أُمِرْنا بكذا أو نُهِيْنا عن كذا (3) ، فعندنا (4) وعند الشافعي (5) يحمل على أمره ونهيه (6) صلى الله عليه وسلم، خلافاً للكرخي (7) .
وخامسها: أن يقول: السنة كذا، فعندنا يحمل على سنته عليه السلام* خلافاً لقوم (8) .
_________
(1) مراده ـ والله أعلم ـ لا يبقى احتمال في أن يكون فاعل هذا الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، لكن يبقى الاحتمالان السابقان اللذان ذكرهما المصنف قريباً، وهما: دخول الوسائط أو حصول خللٍ في فهم صيغة الأمر والنهي.
(2) في ن: ((احتمال)) وهو تحريف.
(3) بصيغة البناء للمجهول أو على ما لم يسمَّ فاعله. وكذا إذا قال: رُخَّص لنا، وأبيح لنا، وحُرِّم علينا.
(4) انظر: إحكام الفصول ص386، تحفة المسؤول للرهوني القسم 2 / 605، التوضيح لحلولو ص321، نشر البنود 2/64.
(5) انظر: الوصول لابن برهان، 2/198، المحصول للرازي 4/447، نهاية السول للإسنوي 3/178، الكفاية في علم الرواية ص 420.
هذا هو مذهب الجمهور ومنهم الحنابلة انظر: العدة لأبي يعلى 3/991، التمهيد لأبي الخطاب 3/177 وهو مذهب عامة الأحناف، قال علاء الدين السمرقندي في ميزان الأصول ص (659) ((قال عامة مشايخنا بأنه يكون حجةً ... )) وانظر: كتاب في أصول الفقه للاَّمشي ص151، تيسير التحرير 3/169، وانظر تدريب الراوي للسيوطي 1/208.
(6) أثبتتْ من النسختين ز، م، وقد خلت منها سائر النسخ.
(7) وكذا السرخسي والصيرفي وداود وابن حزم، وحجتهم: أن قول الصحابي ((أمرنا)) يتطرق إليه ثلاثة احتمالات: الواسطة، اعتقاد ما ليس بأمرٍ أمراً، كون الآمر غير النبي صلى الله عليه وسلم من العلماء أو الأمراء. انظر: الإحكام لابن حزم 1 / 208، التبصرة ص 331، أصول السرخسي 1 / 380، المنخول ص 279، بذل النظر ص 478، البحر المحيط للزركشي 6 / 299، التقرير والتحبير 2 / 351، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص 563، الأقوال الأصولية للإمام الكرخي لشيخنا د. حسين الجبوري ص 78.
(8) الخلاف في هذه المسألة كسابقتها، ولهذا من الأصوليين من دمجهما في مرتبةٍ واحدةٍ. انظر: المراجع السابقة المذكورة في هامش (4) ، (5) من هذه الصفحة.
(2/272)

الشرح
قد [تقدم تقرير] (1) أمرنا ونهينا (2) . وأما السنة فأصلها في اللغة: الطريقة (3) ، ومنه سنن الطريق (4) الذي يُمْشَى (5) فيه، غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته (6) عليه السلام في الشريعة، فمن رجَّح اللغة توقَّفَ لعدم تعين ذلك النوع من السنة التي تقتضيها اللغة (7) ، ومن لاحظ النقل (8) حمله على الشريعة.
وللعلماء خلاف في لفظ السنة، فمنهم من يقول: السنة هو المندوب (9) ولذلك تُذْكر قُبَالة الفرض، فيقال فروض الصلاة كذا (10) [وسننها كذا] (11) ، ومنهم من يقول: السنة ما ثبت من قبله (12) عليه السلام بقول (13) أو فعل [غير القرآن] (14) كان واجباً أو سنةً (15) ، فيقال من السنة كذا، ويريد أنه وجب (16) بالسنة، ولذلك يقول الشافعي الختان
_________
(1) في ن: ((تقرر تقدم)) والمثبت أوضح في المعنى.
(2) انظر ص (271) وانظر هامش (10) ص (271) .
(3) أصل السُّنة من قولهم: سننْتُ الشيء بالمِسَنِّ، إذا أمررته عليه حتى يؤثِّر فيه سَنَناً، أي: طرائق. وتطُلق السنة على السيرة؛ حميدة كانت أم ذميمة. انظر: لسان العرب، المصباح المنير، تاج العروس جمعيها مادة:
"سنن ". وانظر: البحر المحيط للزركشي 6/5.
(4) سَنَن الطريق وسُنَنه وسِنَنه وسنُنُه أي: نَهْجه ومحجته وجهته. انظر: لسان العرب، القاموس المحيط كلاهما مادة " سنن ".
(5) هنا زيادة: ((هو)) في ن، ولا حاجة لها.
(6) في ق، س: ((لطريقه)) .
(7) ساقطة من س.
(8) انظر كلام المصنف على " النَّقل " في اللغةِ والخلاف فيه في هذا الكتاب ص (43) من المطبوع.
(9) هذا إطلاق للسنة في عُرْف الفقهاء. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي 3 / 148، الدرر النقي في شرح ألفاظ الخرقي لابن المبرد 1/67.
(10) ساقطة من ن.
(11) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(12) في س: ((فعله)) وهو تحريف.
(13) في ق: ((من قول)) .
(14) ساقطة من ن.
(15) هذا إطلاق للسنة في عُرْف الأصوليين، ولو زاد في التعريف "أو تقرير" لكان أكمل، وإن كان بعضهم يُدخل التقرير في الفعل؛ لأن التقرير عبارة عن الكفّ عن الإنكار، والكفُّ فِعْل. انظر: الإحكام للآمدي 1/169، منتهى السول والأمل ص47، نهاية السول للإسنوي 3/5، شرح الكوكب المنير 2/160
(16) في ن: ((واجب)) وهو سائغ أيضاً.
(2/273)

من السنة وهو عنده واجب (1) ،
ومنهم من يقول: السنة ما فعله عليه السلام وواظب عليه (2) .
ص: وسادسها: أن يقول عن النبي عليه السلام، فقيل: يُحمل على سماعه هو، وقيل: لا.
الشرح
يحتمل أن يكون المراد رَوَى عن النبي، فلا يلزم أن يكون هو سامعاً، أو يكون المراد أخذْتُ (3) عن النبي صلى الله عليه وسلم أو نقلتُ [عن النبي صلى الله عليه وسلم] (4) فيكون هو السامع (5) ، فاللفظة (6) محتملة (7) ، فمنهم من غلَّب ظاهر حال (8) الصحابي، [وأن الغالب عليه أن يكون] (9) هو
_________
(1) في حكم الاختتان ثلاثة آراء، الأول: أنه واجب في حق الرجال والنساء وهو الصحيح المشهور من مذهب الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة. الثاني: أنه واجب في حق الرجال ومكرمة أو مستحب في حق النساء. وهو قول بعض الشافعية ورواية عند الإمام أحمد. الثالث: أنه سنة في حق الرجال والنساء وهو مذهب الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية. انظر: المجموع شرح المهذب 1/349، طرح التثريب للعراقي

2/75، شرح فتح القدير لابن الهمام 1/63، المنتقى للباجي 7/232. معونة أولى النهي لابن النجار 1/247، تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم ص 100.
(2) وكذلك تطلق السنة على ما يقابل البدعة، فيقال: أهل السنة وأهل البدعة. انظر: الفِصَل في الملل والنحل (2/271) ، الموافقات للشاطبي (4/290) ـ والسنة عند المحدثين: كل ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو تقرير أو صفةٍ خَلْقية أو خُلُقية أو سيرة، سواء كان قبل البعثة أم بعدها. انظر: توجيه النظر للجزائري 1/37، السنة ومكانتها من التشريع الإسلامي للسباعي ص48، وقد توسَّع شيخنا د. شعبان محمد إسماعيل في تعريفات " السنة " في كتابه: دراسات حول القرآن والسنة ص (80 - 95) فطالعه ثمة.
(3) في س: ((أُحدِّث)) وهو سائغ أيضاً.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س، ق.
(5) قال المصنف في كتابه: نفائس الأصول (7/3009) ((إن هذه الصيغة تحتمل في العامل في المجرور أمرين، أحدهما: تقريره روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مشافهةً. وثانيهما: نُقل لي عن النبي صلى الله عليه وسلم. والأول ظاهر حال الصحابي؛ لأن النفوس مجبولة على طلب علو السند، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، والصحابي متمكّن من سؤاله، فلا يتركه تحصيلاً لزيادة الظن أو اليقين)) .
(6) في ق: ((فاللفظ)) .
(7) في ق: ((محتمل)) ، وفي ن: ((مجملة محتملة)) .
(8) ساقطة من س، ن.
(9) ما بين المعقوفين في ق: ((من أنّه)) .
(2/274)

السامع فجَعَله (1) مباشراً، أو ينظر إلى احتمال اللفظ فلا تتعين المباشرة (2) .
ص: وسابعها: كُنَّا نفعل كذا، وهو يقتضي كونه شرعاً (3) .
الشرح
لأن مقصود (4) الصحابي أن يخبرنا بما يكون شرعاً بسبب أنهم كانوا يفعلون ذلك، وأن الغالب اطلاعه عليه السلام على ذلك وتقريره عليه (5) ، وذلك يقتضي الشرعية (6) ،
_________
(1) في ق: ((فيكون)) .
(2) جاء في " فواتح الرحموت " (2/207) بأن أكثر أهل الأصول في هذه الرتبة على احتمال الإرسال، وأن لفظة ((عن)) تدلُّ على الواسطة، لكن يكون حجة بناء على مسألة تعديل الصحابة. وانظر: المعتمد 2/174، نهاية الوصول للهندي 7/3006، الإبهاج 2/330، البحر المحيط للزركشي 6/304، علوم الحديث لابن الصلاح ص61.
(3) هذه المرتبة ذكر لها ابن السبكي وغيره أربعة ألفاظ؛ أعلاها: كناَّ معاشر الناس، أو كانت الناس تفعل كذا في عهده صلى الله عليه وسلم، وهذه حجة؛ لأن ظاهره الإجماع مع تعضيده بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: كناّ نفعل كذا في عهده صلى الله عليه وسلم، فهذه دون ما قبلها لاحتمال عود الضمير في "كنَّا" إلى طائفة مخصوصة، وهل لها حكم الرفع؟ فيه خلاف. الثالث: كان الناس يفعلون كذا، دون إضافته إلى عهد النبوة، فهذه دون الثانية من جهة عدم التصريح بعهده صلى الله عليه وسلم، وفوقها من جهة تصريحه بجميع الناس، وهل تكون حكاية إجماع؟ فيه خلاف. الرابع: كنا نفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا، أو كان يُفعل كذا، وهو دون الكلّ، لعدم التصريح بالعهد وبما يعود عليه الضمير، ألطائفةٍ أم للناس؟ . وهل هو موقوف أو له حكم الرفع؟ فيه خلاف. وبهذا تُدْرك عدم تحرير المصنف لألفاظ هذه المرتبة. انظر هذه الألفاظ وأحكامها مستوفاةً في: الإبهاج 2/330، البحر المحيط للزركشي 6/305، التوضيح لحلولو ص (322) . وانظر: العدة لأبي يعلى 3/998، إحكام الفصول ص388، قواطع الأدلة 2/198، 470، المستصفى 1/249، تيسير التحرير 3/69، فواتح الرحموت 2/207، نشر البنود 2/65، الكفاية في علم الرواية ص 422، تدريب الراوي 1/204، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص555.
(4) في ق: ((قصد)) .
(5) قال المصنف في كتابه: نفائس الأصول (7/3010) ((يكفي في تنبيهنا على شرعيته أن الراوي رأى السواد الأعظم يفعله، فيغلب على ظنه أنهم على الصواب، فيخبرنا بذلك، سواء اطلع على علم النبي عليه الصلاة والسلام أم لا. وقد كان مالك وجماعة من العلماء يعتمدون على أقضية الصحابة وإن صدر ذلك من بعضهم، من غير أن ينضم إليه علم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، لقوله عليه السلام: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) ـ سبق تخريجه_ فلعلّ هذا مدرك الراوي)) .
(6) في ن: ((الشريعة)) .
(2/275)

وأيضاً فالصحابة رضوان الله عليهم يقتضي حالهم أنهم لا يُقِرُّون بين أظهرهم إلا ما يكون شرعاً، فيكون ذلك شرعاً.
مراتب رواية غير الصحابي
ص: وأما غير الصحابي: فأعلى مراتبه أن يقول: حدَّثني أو أخْبَرني [أو سمعتُه (1) ، وللسامع منه أن يقول حدثني أو أخبرني أو سمعته يحدّث عن فلان، إن قصد إسماعه خاصةً أو في جماعة، وإلا فيقول] (2) : سمعته يحدث (3) .
الشرح
إذا حدَّث جماعةً هو أحدُهم صَدَق لغةً أن يقول: حدثني وأخبرني، وأما إذا لم يقصِدْ إسماعَه ولا إسماع جماعةٍ هو فيهم لا يصْدُق أنه حدَّثه ولا أخبره، بل يصدق أنه
سمع فقط، فإن سماعه (4) لا يتوقف على [قصد إسماعه] (5) .
ص: وثانيها (6) : أن يقول له (7) : أسمعت هذا من فلان؟ فيقول (8) : نعم، أو يقول (9) بعد الفراغ (10) : الأمر كما قُرِيء (11) ، فالحكم مثل الأول في وجوب العمل ورواية
_________
(1) في ن: ((سمعت)) .
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) هذه المرتبة يصطلح عليها المحدثون بالسماع من الشيخ سواء من صدره أو سطره. ويسمّيها الأصوليون: قراءة الشيخ، وفي كون هذه المرتبة أعلى من التي تليها وهي: القرآءة على الشيخ خلافٌ، مع الاتفاق بكونهما أعلى المراتب. انظر: المستصفى 1/309، المحصول للرازي 4/450، شرح مختصر الروضة للطوفي 2/203 كشف الأسرار للبخاري 3/78، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/69، البحر المحيط للزركشي 6/309، التوضيح لحلولو ص323، شرح الكوكب المنير 2/490 فواتح الرحموت 2/210، علوم الحديث لابن الصلاح ص132، فتح المغيث للسخاوي 2/151، ظفر الأماني للكنوي ص504.
(4) هنا زيادة: ((هو)) في ن، س.
(5) في س: ((قصده سماعاً)) والمثبت أوضح في المراد.
(6) في س: ((وثالثها)) وهو تحريف. والمرتبة الأولى هي المذكورة في المتن السابق.
(7) أي: أن يقول الراوي لشيخه بعد القراءة.
(8) أي: الشيخ.
(9) أي: الشيخ.
(10) أي: بعد فراغ التلميذ من القراءة.
(11) تسمَّى هذه المرتبة بالقراءة على الشيخ أو العرض أو عرض القراءة. انظر المراجع السالفة في هامش (3) في هذه الصفحة.
(2/276)

السامع (1) .
الشرح
لأن لفظة ((نعم)) في لغة العرب تقتضي إعادة الكلام الأول وتقريره، فإذا قلْتَ لغيرك: أقام زيد؟ فيقول: نعم، تقديره: نعم قام زيد، فإذا قيل له: أسمعت هذا؟ فقال (2) : نعم؛ [تقديره: نعم] (3) سمعته.
وقوله الأمر كما قُرِيء المراد بالأمر مسموعه وما ضَبَطه، تقديره الذي سمعْتُه وضبطْتُه (4) مثلُ الذي قُرِيء، فيكون عين المسموع له، لأنا (5) لا نعني بعينه إلا ذلك، فإن اللفظ إذا أعيد بعينه كان الثاني مثل الأول قطعاً، وكلما كرَّر الإنسان (6) الفاتحة كانت أصواته الثانية مِثْلَ أصواته الأولى (7) لا عَيْنَها، بل هي أمثالٌ تُكَرَّرُ.
_________
(1) قال الشوشاوي في " رفع النقاب " القسم 2/726 ((أما كون هذا القسم مثل القسم الأول في
وجوب العمل فهو أمر متفق عليه. أما كونه مثل الأول في رواية السامع فهو مختلَفٌ فيه، فجرى
كلام المؤلف على قولٍ، إذ فيه للمحدَّثين ثلاثة أقوال؛ قيل: قراءة الشيخ على الطالب أصح، وهو
مذهب الجمهور. وقيل: قراءة الطالب على الشيخ أصح على عكس الأول، وهو مذهب
مالكٍ رضي الله عنه. وقيل: هما سواء، وهو مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً ... )) ثم ذكر مأخذ كل قول.
وانظر: التوضيح لحلولو ص324، الكفاية في علم الرواية ص 262، تدريب الراوي للسيوطي 1/426، الباعث الحثيث 1/330.

* لكن اختلفوا في كيفية أداء السامع لما تحمَّله قراءةً على شيخه، فقيل: له أن يقول: حدثني وأخبرني وسمعته، وقيل: بل لابد من تقييد ذلك بالقراءة، وقيل: ليس له أن يقول إلا أخبرني وأخبرنا، بناء على التفريق بينها وبين حدثني وحدثنا، وقيل غير ذلك. انظر: إرشاد طلاب الحقائق للنووي ص123، توضيح الأفكار للصنعاني 2/188، توجيه النظر للجزائري 2/712.
(2) في ق: ((فيقول)) .
(3) ساقطة من س.
(4) في ق: ((وما ضبطته)) .
(5) ساقطة من ن.
(6) في ق: ((إنسان)) .
(7) في ق: ((الأُوَل)) .
(2/277)

ص: وثالثها: أن يكتب (1) إلى غيره سماعه (2) ، فللمكتوب إليه [أن يعمل
بكتابه] (3) إذا تحقّقه أو ظنه (4) ، ولا يقول: سمعتُ ولا حدثني (5) ، ويقول: أخبرني (6) .
الشرح
قد تقدَّم أن (7) الاعتماد على الخط والكتابة جوَّزه في الرواية كثيرٌ ممن منعه في الشهادة، وتقدَّم الفرق بينهما، وتوجيهُ الخلاف في ذلك (8) ، وكونُ المكتوب إليه يقول: ((أخبرني)) معناه: أعلمني، والإعلام والإخبار يصدق لغةً (9) بالرسائل (10) ، وفي التحقيق
_________
(1) أي: أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئاً من حديثه.
(2) في ق: ((بسماعه)) ، وفي ن: ((سماعاً)) .
(3) ما بين المعقوفين في ق هكذا ((العمل بكتابته)) .
(4) هذه هي المرتبة الخامسة عند المحدثين، وتسمَّى: بالكتابة أو المكاتبة، وهي: أن يكتب الشيخ للطالب الذي يريد الرواية عنه شيئاً من مروياته (مسموعاته) ، أو يأذن لغيره أن يكتب عنه للطالب، سواء كان الطالب حاضراً مجلس الشيخ أم غير حاضر. وهي نوعان، الأول: كتابة مقرونة بالإجازة، كأن يقول له في آخر الكتاب: ((ارْوِ عنّي ما في الكتاب)) أو يقول: ((هذا سماعي وأجزتك أن ترويه عني)) . وحكمه: جواز الرواية بها اتفاقاً. الثاني: كتابة مجردة عن الإجازة، وحكمه: منع قوم الرواية بها، والأكثرون على جواز الاحتجاج بها. انظر: الإحكام للآمدي 2/101، نهاية الوصول للهندي 7/3011، رفع النقاب القسم 2/729، شرح الكوكب المنير 2/509، تيسير التحرير 3/92، المُحدِّث الفاصل للرامهرمزي ص 441، 452، الكفاية في علم الرواية ص336، الإلماع للقاضي عياض ص83، تدريب الراوي 1/480.
(5) لأن الكتابة ليست مما يُسمع، ولا هي من الحديث. انظر: رفع النقاب القسم 2/730.
(6) نُقل عن الليث بن سعد وغيره جواز إطلاق: حدثنا وأخبرنا. وجوّز آخرون: أخبرنا دون حدثنا. وقال الصنعاني في توضيح الأفكار 2/209 ((والمختار الصحيح اللائق بمذهب أهل التحرّي والنزاهة أن يقيد ـ عند الرواية ـ ذلك فيقول: أخبرنا كتابةً، أو كتب إليّ، أو نحو ذلك تحرزاً من اللبس والإيهام)) وانظر: البحر المحيط للزركشي 6/322، علوم الحديث لابن الصلاح ص173.
(7) ساقطة من ن.
(8) انظر ص 251 وما بعدها.
(9) ساقطة من ن.
(10) قال ابن فارس: ((الخاء، والباء، والراء، أصلان، فالأول: العلم ... )) معجم المقاييس في اللغة، مادة "خبر" وجاء في لسان العرب ((قولهم: لأخْبُرَنَّ خُبْرَك، أي: لأعْلَمَنَّ عِلْمك)) انظر مادة " خبر ". وانظر الفرق بين الإخبار والإعلام في كتاب: الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص104.
(2/278)

هو مجاز لغوي حقيقة اصطلاحية (1) ، فإن الإخبار لغةً إنما هو في اللفظ، وتسمية الكتابة (2) إخباراً أو خَبَراً؛ لأنها تدل على ما يدل عليه الإخبار، والحروف الكتابية موضوعة للدلالة على الحروف اللسانية، فلذلك سميت خبراً أو إخباراً من باب تسمية الدليل باسم المدلول.
ص: ورابعها: أن يقال له: هل سمعْتَ هذا (3) ، فيشير برأسه أو بأصبعه، فيجب العمل به (4) ،
ولا يقول المشار إليه: أخبرني ولا حدثني ولا سمعته (5) .
الشرح
هذه الإشارة قائمة في اللغة والعُرْف مقام قوله: نعم، فتفيد غلبة الظن أنه معتقِدٌ صحةَ ما قيل له، والعمل بالظن واجب في [هذا الباب] (6) ، ولا تسمى هذه
الإشارة خبراً ولا إخباراً ولا حديثاً، ولا هي شيء يسمع (7) ، فلا يقول: سمعته (8) ،
_________
(1) الحقيقة قد تكون مجازاً، والمجاز قد يصير حقيقةً، والذي يَعْنِينا هو الثاني؛ وهو صيرورة المجاز حقيقةً عرفية، لأن المجاز إذا كثر استعماله صار حقيقةً عرفية وهُجِرتْ حقيقته اللغوية، فصار مجازاً لغوياً، مثل الغائط؛ كان مجازاً في قضاء الحاجة، وحقيقته في المكان المُطْمَئِن من الأرض، ثم تعُوُرف هذا المجاز، وكثر استعماله حتى صار حقيقةً سابقة إلى الفهم. انظر: الطراز ليحيى العلوي اليمني ص49، وانظر كلام المصنف في ذلك: ص44 (المطبوع) .
(2) ساقطة من ن، وفي ق: ((الكتاب)) .
(3) في ق: ((كذا)) .
(4) ساقطة من س، ق، متن هـ.

هذه المرتبة وكذا المرتبتان التاليتان؛ الخامسة السادسة تلتحق بالمرتبة الثانية عند المحدثين، وهي القراءة على الشيخ، سواء أقرَّ بالمسموع أو أشار أو سكت انظر: المستصفى 1 / 309، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/69، الكفاية في علم الرواية ص 259، تدريب الراوي 1/434. وحكم هذه المرتبة: وجوب العمل بها عند جماهير المحدثين والفقهاء، وخالف بعض الظاهرية وبعض الشافعية إذ شرطوا نطق الشيخ وإقراره تصريحاً. انظر: البحر المحيط للزركشي 6/317، علوم الحديث لابن الصلاح ص141، توضيح الأفكار للصنعاني 2/191.
(5) في ق، ن: ((سمعت)) . وهذا أحد الأقوال، إذ لابد من التقييد بالقراءة، وقيل: يجوز مطلقاً، وقيل: يجوز في ((أخبرني)) دون الباقي. انظر: شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/69، الكفاية في علم الرواية
ص 296، توضيح الأفكار للصنعاني 2 / 191.
(6) في ن: ((الشرع)) .
(7) في س: ((تسمع)) .
(8) لأنها من المُبْصَرات لا من المسموعات.
(2/279)

ويُحْتاج (1) في هذا المقام إلى الفرق بينها وبين الكتابة، فإنَّ كليهما فعل، وكلاهما لا يصدق عليه الإخبار حقيقةً لغويةً، فيقع الفرق من وجهين (2) ، أحدهما: أن الكتابة أمسُّ بالإخبار في كثرة الاستعمال، فلما اطَّرد* ذلك صار كأنه موضوع للإخبار، والإشارة أقل من الكتابة في ذلك، وتداولُ المُكاتَبات بين الناس أكثر من تداول الإشارات (3) ، ولذلك امتلأت الخزائن من الكتب، والدول من الدواوين كلها بطريق الكتابة. وثانيهما في الفرق: أن الكتابة فيها وضع اصطلاحي بخلاف الإشارة.
ص: وخامسها: أن يقرأ عليه، فلا ينكره* بإشارة ولا عبارة، ولا يعترف، فإن غلب على الظن اعترافهُ لزم العمل (4) ، وعامة الفقهاء جوّزوا روايته، وأنكرها (5) المتكلمون، وقال بعض المحدثين: ليس له أن يقول إلا أخبرني قراءة عليه (6) .
وكذلك الخلاف لو قال القاريء للراوي بعد قراءة الحديث: أأرويه (7) عنك؟ فقال: نعم، وهو السادس (8) ، وفي مثل هذا اصطلاحُ المحدِّثين (9) وهو من مجاز
_________
(1) في ن: ((ولا يحتاج)) بزيادة ((لا)) النافية وهو خطأ؛ لأنه خلاف المقصود.
(2) في س: ((جهتين)) .
(3) في ن، ق: ((الإشارة)) .
(4) أي: أن يقرأ الطالب على الشيخ فيقول الطالب لشيخه: هل حدّثك فلان بهذا؟ فيسكت دون إنكار أو إقرار أو إشارة. وهذه المرتبة ـ كما أسلفت ـ داخلة في مرتبة القرآءة على الشيخ عند المحدثين وبعض الأصوليين، والحكم عليها واحد. انظر: المستصفى 1/ 309، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/69، البحر المحيط للزركشي 6/317، الكفاية في علم الرواية ص 280، علوم الحيث لابن الصلاح ص141، توضيح الأفكار للصنعاني 2/191.
(5) في ق: ((وأنكره)) .
(6) انظر الخلاف في جواز الرواية بهذا الطريق في: شرح اللُّمع للشيرازي 2/651، المحصول للرازي 4/451، شرح مختصر الروضة للطوفي 2/203، كشف الأسرار للبخاري 3/78، البحر المحيط للزركشي 6/419، إرشاد طلاب الحقائق للنووي ص124، فتح المغيث للسخاوي 2/184.
(7) في ن متن هـ: ((أرويه)) .
(8) يعني أن الخلاف المذكور في المرتبة الخامسة هو أيضاً كذلك يجري في المرتبة السادسة، وهي، أن يقول القاريء للشيخ بعد الفراغ من قرآءة الحديث: أأرويه عنك؟ فيقول الشيخ: نعم. انظر: رفع النقاب للشوشاوي القسم 2/735.
(9) أي: أن المحدثين لا يفرِّقون في الحكم على الرواية بين سكوت الشيخ أو نطقه، فالكل تصحُّ الرواية به. انظر هامش (4) ص (279) .
(2/280)

التشبيه (1) (2) ، شُبِّه (3) السكوت بالإخبار (4) .
الشرح
إذا غلب على (5) الظن اعترافه لزم العمل به؛ لأن العمل بالظن واجب، غير أن هاهنا إشكالاً (6) : وهو أن مطلق الظن كيف كان لم يعتبره صاحب الشرع، بل [ظنٌ خاصٌّ] (7) [عند سببٍ خاصٍّ] (8) ، فما ضابط هذا الظن الحاصل (9) هاهنا؟. فإن قلنا: يكفي مطلق الظن ضَعُف من حيث القواعد، وإن قلنا: المطلوب ظن خاص ضعف ضبطه (10) .
ووجه تجويز الرواية أمران، أحدهما: قياساً على العمل به (11) ، وثانيهما: أن الظن حصل باعترافه فتجوز الرواية، كما لو قال: نعم.
_________
(1) في ق: ((الشبيه)) ، وفي س: ((الشبه)) .
(2) المجاز: ضد الحقيقة، وإنما يقع المجاز ويعُدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة: التوسع، والتوكيد، والتشبيه، فإذا انعدمت هذه المعاني تعينَّت الحقيقة. كما أن للمجاز عدة أقسام وأنواع، كمجاز الحذف، والزيادة، والتضاد وغيرها، ومجاز التشبيه أحد هذه الأقسام. انظر: الخصائص لابن جني 2/442، المزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي 1 / 356.
(3) في س: ((يشبه)) وهو تحريف.
(4) هذا عجيب من المصنف، لأنه إذا وقع تشبيه السكوت بالإخبار فتشبيه الإشارة بالإخبار أولى بالوقوع منه. ومع ذلك منع المصنف هناك ـ في المرتبة الرابعة ـ أن يقول المشار إليه: أخبرني أو حدثني أو سمعته، وهنا نقل الخلاف في الرواية في حال السكوت، فنقْلُ الخلاف في الرواية حال الإشارة أولى وأظهر، وهذا ما فعله المحدثون وبعض الأصوليين. انظر المراجع المذكورة في هامش (5) ص 279، وهامش (6) ص 280. وانظر حكاية التعجب في: نهاية الوصول للهندي 7/3011، البحر المحيط للزركشي 6/311، 321.
(5) في س: ((عن)) .
(6) في س: ((إشكالان)) وهو تحريف لأنه إشكالٌ، وخطأ نحوي؛ لأن اسم " إن " منصوب.
(7) في ق: ((ظناً خاصاً)) وهو جائز على أن ((بل)) عاطفة على الضمير المفعول به في قوله ((يعتبره)) .
(8) ساقط من س.
(9) ساقط من ن.
(10) ماذا لو قيل في ضبطه بالنظر إلى قرائن الأحوال الظاهرة من تيقُّظِ الشيخ التام عند الإقراء عليه، وفهمه لما يقرأ، وإصغائه الدقيق مع عزوفه عن الصوارف القاطعة عن المتابعة، وكونه لا يقرُّ على خطأ أو وَهْم، بل يحرص على التصحيح والتصويب؟. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص141، توضيح الأفكار للصنعاني 2/191.
(11) ساقطة من ق، ن.
(2/281)

حجة المنع: أن الرواية هي التحمُّل والنقل، وهو لم يأذن في شيء فيتحمَّل عنه، والتحمل بغير سماع ولا ما يقوم مقام السماع لا يجوز (1) .
وقوله: ((أخبرني قراءةً عليه)) : معناه أن إخباره لم يكن بإسماعي (2) لفظاً (3) [من قِبَله] (4) ، لأنه ساكت بل إخباري قراءةً عليه، فكأنه فسَّر* الإخبار بأنه قرأ عليه، فإن
((قراءةً)) منصوب على التمييز والتمييز مُفسِّر (5) .
وأما قوله: ((نعم)) فهو أقوى من الأول لوجود التصريح بالجواب من حيث الجملة (6) .
ص: وسابعها: إذا قال له: حدِّثْ عني ما في هذا الكتاب، ولم يقل له (7) : سمعتُه، فإنه لا يكون محدِّثاً له به، وإنما أذِن له في التحديث (8) عنه (9) .
_________
(1) لكن أجيب بمنع الثاني؛ لأن هاهنا ما يقوم مقام السماع، وهو غلبة الظن باعترافه. انظر: رفع النقاب القسم 2/734.
(2) في ق: ((بسماعي)) وهو تحريف، وفي ن: ((سماعياً)) وهو سائغ.
(3) في ن: ((لفظياً)) .
(4) ساقط من ق.
(5) التمييز عند النحاة: هو اسمٌ فَضْلةٌ نكرةٌ جامدٌ، مفسِّرٌ لما انبهم من الذوات. شرح قطر الندى لابن هشام ص 223. شرح الحدود النحوية للفاكهي ص 171.
(6) إذا كان الأمر كذلك كان الأولى تقديم المرتبة السادسة على المرتبة الخامسة التي ليس فيها إلا السكوت فقط.
(7) ساقط من ن.
(8) في ق، ن: ((التحدث)) وهكذا في سائر نسخ المتن ما عدا نسخة متن د، ونسخة س. والمثبت أقعد؛ لأن ((حدَّث)) مصدرها ((التحديث)) . انظر: لسان العرب مادة " حدث ".
(9) هذه المرتبة تسمى: بالمناولة: وهي إعطاء الشيخ للطالب شيئاً ـ ككتابٍ ونحوه ـ من مروياته، سواء كان الإعطاء تمليكاً أو هبةً أو بيعاً أو إجارة أو إعارة. انظر: ظفر الأماني للكنوي ص (519) . وهي نوعان، الأول: مناولة مقرونة بالإجازة، ولها صور منها، أن يقول الشيخ: خُذْ هذا الكتاب فهو سماعي وروايتي، فارْوِهِ عنَّي، أو أجزتُ لك روايته عني. أو يجيء الطالب إلى الشيخ بكتابٍ أو جزءٍ من حديثه فيَعْرِضه عليه ليتأملَّه، وهو عارف يَقِظ، فيقول الشيخ: وقفْتُ عليه، وهو سماعي، فارْوِ عني، وتسمَّى هذه الصورة عَرْضاً أو عَرْض المناولة للتفريق بينها وبين عرض القرآءة. وحكم هذا النوع: هو الاتفاق على صحة الرواية بها. الثاني: مناولة مجردة عن الإجازة، بأن يدفع الشيخ الكتاب، ويقول: هذا حديثي أو سماعي، ولا يقول له: ارْوِه عني، أو أجزت لك روايته عني. حكمها: أنها مناولة مختلَّة، لا تجوز الرواية بها، وحُكي عن طائفة جواز الرواية بها. انظر: المحصول للرازي 4/453، نهاية الوصول للهندي 7 / 3012، البحر المحيط للزركشي 6 / 324، التوضيح لحلولو ص 324، رفع النقاب القسم 2 / 737، شرح الكوكب المنير 2 / 503، فواتح الرحموت 2/211، الكفاية في علم الرواية ص 326، علوم الحديث لابن الصلاح ص165، توضيح الأفكار للصنعاني 2/204، تدريب الراوي 1/467.
(2/282)

وثامنها: الإجازة (1)
تقتضي أن الشيخ أباح له أن يحدث به، وذلك إباحة للكذب، ولكنه في عُرْف المحدثين (2) معناه: أن ما صحَّ عندك أني سمعته فارْوه عني. [والعمل عندنا (3) بالإجازة جائزٌ (4) خلافاً لأهل الظاهر (5) في اشتراطهم المناولة، وكذلك إذا كتب إليه أن الكتاب الفلاني رويتُه فارْوه عني إن (6) صح عندك، فإذا صح عنده جازت له الرواية، وكذلك إذا قال له مشافهةً: ما صح عندك من حديثي فارْوه
عني] (7) .
_________
(1) ينبغي أن يلاحظ أن ما ذكره المصنف هنا هو: مناولة مقرونة بالإجازة، لكن دخلها الخلل من جهة عدم تصريح الشيخ بالسماع، ومعلوم أن شرط الرواية السماع، لأجل ذلك لم تَجُزْ الرواية بها عنه. والمصنف ـ عفا الله عنه ـ اجتزأ كلام الرازي في المحصول (4/453) ، فأتى بهذه العبارة هنا دون عبارة المحصول السابقة لها التي هي أصلٌ لهذه.
() الإجازة، لغة: العبور، والانتقال، والإباحة القسيمة للوجوب والتحريم. انظر: لسان العرب مادة
" جوز "، وانظر: فتح المغيث للسخاوي 2/214، توضيح الأفكار للصنعاني 2/193.
واصطلاحاً: الإذن في الرواية لفظاً أو كتابة. انظر: شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص (677) ، ظفر الأماني للكنوي ص (512) . والإجازة أنواع وضروب، أطنب المحدثون في أوصافها. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص151، الإلماع للقاضي عياض ص88، توجيه النظر للجزائري 1/479.

لو ذكر المصنف صورة الإجازة هنا ثم ذكر نوعيها من الإجازة المطلقة، والمقيدة، ثم حكم عليهما، كما ذكرهما في الشرح لكان أولى. انظر: المحصول للرازي 4 / 454.
(2) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص151، الإلماع للقاضي عياض ص88، فتح المغيث للسخاوي 2/217، توضيح الأفكار للصنعاني 2/193.
(3) في ن: ((عنده)) والمثبت أوضح.
(4) هذا رأي جمهور الأصوليين والمحدثين، والمحكي عنهم الوجوب، فلعلَّ المصنف أصدر الحكم بالجواز في مقابلة قول الرأي الآخر في أنه غير جائز. انظر المعتمد 2/171، العدة لأبي يعلى 3 / 983، إحكام الفصول 382، الإبهاج 2/335، كشف الأسرار للبخاري 3 / 88، علوم الحديث لابن الصلاح ص 153، الإلماع للقاضي عياض ص 88.
(5) وهو رواية عن الشافعي. انظر: الإحكام لابن حزم 1/273، التلخيص للجويني 2/391، البحر المحيط للزركشي 6/328، الكفاية في علم الرواية ص316، تدريب الراوي 1 / 449.
(6) في متن هـ ((إذا)) وهو مقبول أيضًا. انظر هامش (7) ص 16.
(7) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(2/283)

الشرح
إيضاح للمرتبة السابعة وحكمها
لا يمكنه أن يسند الرواية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقل له (1) : سمعْتُه، فإنه لم يُثْبِتْ أصْلَ نفسه، فيبطل (2) العمل به.
إيضاح المرتبة الثامنة وهي الإجازة
والإجازة تقتضي بظاهرها الكذب؛ لأن لفظها أجزْتُ لك أن تروي عني كل شيء، أو أجزْتُ لك الرواية عني مطلقاً (3) ، فهذا يقتضي أنه يروي* عنه كل شيء، وهو إباحة الكذب، [أما لو قُيِّدتْ بقوله (4) : أجزت لك أن تروي عني (5) ما صح عندك أني أرويه (6) لم تكن إباحةً للكذب] (7) ، وكذلك إذا (8) قال له (9) المجيز: لك (10) ذلك بشرطه شرعاً (11) أو بشرطه المعتبر عند أهل الأثر، فهذا كله مقيد، وليس فيه إباحة كذب.
والعمل بالإجازة جائز، معناه إذا صح عنده أن مجيزه روى (12) هذا بطريق صحيح، فيرويه (13) هو عنه بمقتضى الإجازة، فيتصل السند وإذا اتصل السند جاز العمل.
_________
(1) ساقطة من ن. والمعنى المقصود هنا: إذا لم يقل الشيخ للتلميذ.
(2) في ن: ((فبطل)) .
(3) تسمى هذه بالإجازة المطلقة، وهي التي ظاهرها يقتضي إباحة الكذب؛ لأنه أباح له أن يحدِّث بما لم يحدثه به.
(4) في ق: ((نحو)) .
(5) ساقطة من ق.
(6) هذه تُسمَّى بالإجازة المقيدة، وهي التي أشار إليها المصنف في المتن بقوله: ((في عرف المحدثين)) سواء كانت مشافهةً أو مناولةً أو مكاتبةً، كما ذكر المصنف صورها في المتن.
(7) ما بين المعقوفين ساقط من ن.
(8) في ق: ((لو)) .
(9) ساقطة من س، ن.
(10) في س، ن: ((له)) .
(11) في ن: ((الشرعي)) .
(12) في قي: ((يروي)) .
(13) في ق: ((فيروي)) ، وفي س: ((ويرويه)) .
(2/284)

قال القاضي عبد الوهاب (1) : اختلف أهل العلم (2) (3) في الإجازة، وهي: أن يقول الراوي لغيره قد أجزْتُ لك أن تروي هذا الكتاب عني أو يكتب إليه بذلك فمنعها (4)
مالك وأشهب (5) وعليه أكثر الفقهاء، واختلفوا فيما يقول المُجَاز إذا أجزْنا (6) ذلك، فقيل: يقول ((أخبرني إجازة)) ولا يقول ((أخبرني مطلقاً، ولا حدثني)) . وقيل: يقول ((كتب إليّ (7) وأجازني)) فقط (8) .
_________
(1) انظر قوله في: رفع النقاب للشوشاوي القسم 2/740، وأشار إليه السيوطي في تدريب الراوي 1/449.
(2) في ن: ((المذهب)) .
(3) هنا زيادة: ((وأهل الحديث)) في ن.
(4) هكذا في أكثر النسخ ولا سيما العريقة منها. أما في النسخ ز، م، ش، ففيها ((فقبلها)) والمثبت أولى؛ لأن الثابت عن أشهب هو المنع. انظر: فتح المغيث (2 / 218) ، ولأنه نقل عن الإمام مالك المنع، قال ابن قاسم: سألت مالكاً عن الإجازة، فقال: لا أراها، إنما يريد أحدهم أن يقيم المقام اليسير ويحمل العلم الكثير. وبنحوه نقل عنه ابن وهب. انظر: الكفاية في علم الرواية ص (316) ، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/1159) ، فتح المغيث للسخاوي (2/219) . ومع ذلك قال الخطيب البغدادي ((ثبت عن مالك رحمه الله أنه كان يحكم بصحة الرواية لأحاديث الإجازة. فأما الذي حكيناه عنه آنفاً فإنما قاله على وجه الكراهة أنْ يجيز العلم لمن ليس من أهله ... )) الكفاية في علم الرواية ص (317) . وقال الأبياري: ((اختلف قول مالك في إسناد الرواية إلى الإجازة، والصحيح عندي ما قدمته فيها)) وهو عدم الجواز. التحقيق والبيان (رسالة جامعية) ص 848، وفي نشر البنود (2/69) حكى المنع عن مالك. وقال القاضي عياض ((وروى الوجهان عن مالك، والجواز عنه أشهر، وهو مذهب أصحابه من أهل الحديث وغيرهم، وظاهر رواية الكراهة عنه لمن لا يستحقها لا لنفسها)) . إكمال المعلم بفوائد مسلم (1 / 190) . وحكى ابن عاشور بأن لمالك ثلاثة أقوال: الإباحة، والمنع، والكراهة. انظر: حاشية التوضيح والتصحيح 2 / 148..
(5) هو أشْهَب بن عبد العزيز بن داود القيسي الجَعْدي، اسمه: مسكين، وأشهب لقب، روى عن مالك والليث والفضيل بن عياض وغيرهم، انتهت إليه الرئاسة في مصر بعد ابن القاسم. قال الشافعي عنه: ما رأيت أفقه من أشهب. توفي عام 204هـ. انظر: ترتيب المدارك 2/447، وفيات الأعيان 1/238، الديباج المذهب ص162.
(6) في ن: ((جوزنا)) وهي بنفس المعنى.
(7) في ق "أو".
(8) وقيل يجوز بأي لفظٍ مِنْ: حدثنا وأخبرنا ونحوهما مطلقاً. وقيل: يقول: أنبأنا. انظر هذه الأقوال في: إحكام الفصول ص382، شرح اللمع 2/651، المسودة ص288، كشف الأسرار للبخاري 3/90، الكفاية في علم الرواية ص 330، إرشاد طلاب الحقائق للنووي ص 136، فتح المغيث للسخاوي 2/305.
(2/285)

حجة أهل الظاهر: أن خصوص هذا الكتاب الذي وجده الآن لم يسمعه من شيخه، فلم يتصل السند فيه، فلا يجوز نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز العمل به.
وجوابهم: أن السند متصل بالطريق الذي بيَّناه. وقد صح عنده (1) رواية مجيزه له فاتصل السند، ولا حاجة للمناولة؛ لأنه إذا ثبت أن مجيزه يرويه، فهذا (2) الطريق (3) يقوم (4) مقام المناولة، والمقصود حصول اتصال السند بطريق صحيح كيف كان.
ومعنى قوله: ((إن الكتاب الفلاني رويته فاروه عني إذا صح عندك)) معناه: إذا صحَّ عندك [أن النسخة التي معك هي] (5) النسخة التي رويتُها أنا، أو هي مُقابَلةٌ (6) عليها مُقَابَلةً لا يُشك أن هذه مثلَ تلك من غير زيادة ولا نقص. أما صحة أصل الرواية في ذلك الديوان من حيث الجملة لا تبيح له إباحة جميع نُسَخه كيف كانت؛ لاحتمال الزيادة أو النقص، فلا تجوز الرواية ولا العمل (7) ،
وفي الأول تجوز الرواية والعمل، ومعنى جواز العمل: أنه يجوز للمجتهد أن يجعله مستنده في الفتيا بحكم الله تعالى، أما
_________
(1) في ن: ((عند)) وهو تحريف.
(2) في ق: ((فهذه)) ، وفي س: ((هذه)) وهو مقبول، لأن ((الطريق)) تذكر وتؤنث، والتذكير فيه أكثر وأجود. انظر: المذكر والمؤنث للفراء ص 87، لسان العرب مادة " طرق ".
(3) في ق: ((الطريقة)) .
(4) في ن، ق: ((تقوم)) وهو متَّجه؛ لما ذكر في هامش (2) من هذه الصفحة.
(5) ساقط من ن.
(6) ساقطة من س.
والمقابلة في اللغة من قابل الشيء بالشيء مقابلةً وقِبالاً، أي: عارضه. ومقابلة الكتاب بالكتاب أي معارضته، إذا جعلت ما في أحدهما مثل ما في الآخر. انظر: لسان العرب مادة " قبل "، فتح المغيث للسخاوي 3/75.
وفي الاصطلاح: أن يقابل الناسخ نسخته أو ما نقله بأصل شيخه أو بأصل موثوق به، وإصلاح ما يوجد من فروق أو تصحيف أو تحريف أو زيادة أو نقص. انظر: الكفاية في علم الرواية ص239، فتح المغيث للسخاوي 3/78، توثيق النصوص وضبطها عند المحدثين د. موفق بن عبد الله ص125.
(7) قال الخطيب البغدادي: ((يجب على من كتب نسخةً من أصل بعض الشيوخ أن يُعارض نسخته بالأصل. فإن ذلك شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع)) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/428.

وقال القاضي عياض: ((وأما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعيّنة لابد منها. ولا يحلُّ للمسلم التقّي الروايةُ ما لم يُقَابِل بأصل شيخه أو نسخةٍ تحقّق ووَثِق بمقابلتها بالأصل ... )) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص 158 - 159.
(2/286)

من ليس بمجتهد فلا يجوز له العمل بمقتضى حديثٍ وإن صحَّ عنده سنده، لاحتمال نسخه وتقييده وتخصيصه وغير ذلك من عوارضه التي (1) لا يضبطها إلا المجتهدون (2) ، وكذلك لا يجوز للعامي الاعتماد على آيات الكتاب العزيز لما تقدَّم، بل الواجب على العامي تقليدُ مجتهدٍ مُعْتَبرٍ ليس إلا، لا يُخلِّصه من (3) الله تعالى إلا ذلك، كما أنه لا يخلِّص المجتهدَ التقليدُ، بل يؤدي إليه اجتهادُه بعد بذل جهده بشرطه.
_________
(1) في س، ن: ((الذي)) .
(2) في ن: ((المجتهدين)) وهو خطأ نحوي، لأن موقعها الإعرابي فاعل مرفوع بالواو؛ لأنه جمع مذكر سالم.
(3) في ق: ((مع)) .
(2/287)

الفصل العاشر
في مسائل شتى (1)
حجية الحديث المرسل
ص: فالأولى (2) : المراسيل (3)
عند مالك وأبي حنيفة وجمهور المعتزلة حجة (4) ،
_________
(1) أي: في بيان مسائل متفرقة مختلفة، لم تجتمع في جنسٍ واحد، ولا ينظمها عِقْد واحد. وهي ثلاث مسائل، الأولى: في حجية الحديث المرسل. والثانية: في حكم رواية الحديث بالمعنى. والثالثة: في حكم زيادة الثقة.
(2) في ق: ((الأولى)) وفي س، ن: ((فالأول)) والمثبت من ز، م، ش ومتن ر، ومتن أ.
(3) جمع مُرسل، لغة: المُطْلق، والمُهْمَل، وهو اسم مفعول من أرسل. انظر: لسان العرب مادة " رسل ".

واصطلاحاً: اختلفت عبارات الأصوليين والمُحدِّثين، والأقدمين منهم والمتأخرين في تعريف المرسل، ومردُّ اختلافهم إلى الاختلاف في موقع السقط من الإسناد. فالحديث المرسل عند المتقدمين: هو ما سقط من سنده رجل واحد، سواء كان المُرسِل تابعياً أو من بعده. فعلى هذا الاصطلاح يكون الحديث المرسل والمنقطع سواء. والمُرسل عند أهل الأصول: ما رواه العدل من غير إسناد متصل، أو هو قول العدل غير الصحابي ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . والحديث المرسل الذي استقرَّ عليه اصطلاح المتأخرين: هو ما سقط من آخر إسناده مَنْ بَعد التابعي. وصورته: أن يقول التابعي ـ سواء كان صغيراً أو كبيراً ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا أو فُعِل بحضرته كذا ونحو ذلك. انظر اصطلاح الأصوليين للمرسل في: الرسالة للشافعي ص461، المعتمد 2/143، منتهى السول والأمل 87، البحر المحيط للزركشي 6/338، التوضيح لحلولو ص326، شرح الكوكب المنير 2/574، فواتح الرحموت 2 / 222. وانظر اصطلاح المحدثين للمرسل في: معرفة علوم الحديث للحاكم ص32، الكفاية في علم الرواية ص 384، جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ص16. فتح المغيث للسخاوي 1/156، شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص 399.
(4) وهو أيضاً رواية عن أحمد وبعض المحدثين، واشترطوا العدالة في المُرْسِل. والأحناف قيدوا الحجية بمراسيل أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة. انظر: المقدمة في الأصول لابن القصار ص 71، المعتمد 2 / 143 العدة لأبي يعلى 3/906، 917، إحكام الفصول ص349، أصول السرخسي 1/360، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل 4 / 421، الإحكام للآمدي 2/123، المسودة ص250، كشف الأسرار للبخاري 3/7، الضياء اللامع 2 / 209، نشر البنود 2/56 جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ص27، 92، فتح المغيث للسخاوي 1/161، تدريب الراوي للسيوطي 1/223، ظفر الأماني للكنوي ص351.
(2/288)

خلافاً للشافعي (1) ؛ لأنه إنما أرسل حيث جزم بالعدالة [فيكون حجة] (2) .
الشرح
حجة الشافعي رضي الله عنه: أنه إذا سكت عن الراوي جاز أن يكون إذا اطلعنا نحن عليه
لا نقبل (3) روايته، ولم نُكلَّف نحن بحسن ظن المُرْسِل (4) فيه، فحصول الظن لنا إذا كشفنا حاله أقوى من حصوله إذا قلدناه فيه وجهلناه، والدليل ينفي العمل بالظن (5) كما تقدَّم (6) ، خالفناه إذا عُلِمتْ عدالة الراوي بالبحث والمباشرة، فيبقى على مقتضى الدليل فيما عداه.
حجة الجواز: أن سكوته عنه مع [عدالة الساكت] (7) وعلمِهِ أن روايته يترتَّب عليها شرع عام، فيقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكَّاه عندنا قبلنا تزكيته وقبلنا روايته، فكذلك سكوته عنه، حتى قال بعضهم: إن المُرْسَل أقوى من المُسْند (8)
بهذا (9) الطريق، وهو أن المُرْسِل قد
_________
(1) وهو أيضاً مذهب جماهير المحدثين، وأهل الظاهر، وبعض الأصوليين، ورواية أخرى عن أحمد. انظر: المراجع السابقة، وانظر أيضاً: الرسالة للشافعي ص461ـ465 الإحكام لابن حزم 1/145، التبصرة ص326، المستصفى 1/318، التمهيد لأبي الخطاب 3/131، نهاية الوصول للهندي 7/2976، التمهيد لابن عبد البر 1/51، علوم الحديث لابن الصلاح ص54، توجيه النظر للجزائري 2/559.
وقداختلفت الروايات عن الإمام الشافعي في قبول المرسل، هل يردُّه مطلقاً أم يقبله بشروط؟ وسيأتي في الشرح ذكرها.
(2) ساقط من ق.
(3) في ن: ((لا تقبل)) .
(4) في ن: ((المراسل)) والمثبت هو الصواب؛ لأنه الموافق للاصطلاح.
(5) ساقطة من ن.
(6) انظر: ص 221.
(7) ما بين المعقوفين في ق: ((عدالته)) .
(8) قال به عيسى بن أبان، وهو رأي لبعض الحنفية وبعض المالكية. قال ابن عبد البر: ((وقالت طائفة من أصحابنا: مراسيل الثقات أولى من المسندات، واعتلُّوا بأن من أسند لك فقد أحالك بالبحث عن أحوال من سمَّاه لك. ومن أرسل من الأئمة حديثاً مع علمه ودينه وثقته، فقد قطع لك على صحته وكفاك النظر ... )) التمهيد له (1/3) . وانظر: الفصول في الأصول للجصاص 3 / 146، أصول السرخسي 1/361، قواطع الأدلة 3 / 41، كشف الأسرار للبخاري 3 / 13، التقرير والتحبير 2/385.

لكن اعتبر العلائي تقديم المرسل على المسند غلواً، وذكر أقوالاً في أرجحية أحدهما على الآخر ولا سيما عند التعارض. انظر: جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص29.
(9) في ن: ((لهذا)) والخطب سهل؛ لأن اللام كما تكون للتعليل فكذا الباء السببية.
(2/289)

تذمَّم الراوي وأخذه [في ذمته] (1) عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، أما إذا أسند فقد فوَّض أمره للسامع ينظر فيه ولم يتذمَّمه، فهذه الحالة أضعف من الإرسال (2) .
المراسيل التي يقبلها الشافعي
فرع: نُقِل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: لا أقبل المراسيل (3) إلا مراسيل سعيد بن المسُيَّب (4) ، فإني اعتبرتها فوجدتها مسندةً (5) ، ففي الحقيقة ما اعتبر إلا مسنداً.
قال القاضي عبد الوهاب (6) في " الملخص ": ظاهر مذهب الشافعي رد المراسيل مطلقاً وهو قول أصحاب الحديث، ومن أصحابه من يقول: إن مذهبه قبول مراسيل الصحابة، وأما مراسيل التابعين فيعتبرها بأمور تقويها (7) ، أحدها: إذا كان ظاهر حاله أن ما يرسله يسنده (8) غيره (9) . وثانيها: أن ما أرسله قال به بعض الصحابة. وثالثها: أن يفتي به عامةُ العلماء. ورابعها: أن يُعْلم [من حاله] (10) أنه إذا سمَّى لا يُسمِّي
_________
(1) ساقط من ن.
(2) سلف نقل هذا القول من المصنف في ص (117) .
(3) في س، ن: ((المراسل)) لم أقف على هذا الجمع إلا إذا قيس على: مُسند مساند مسانيد، ومنكر مناكر مناكير. انظر: المغرب في ترتيب المعرب لابن المطرز، لسان العرب كلاهما مادة " رسل "، وانظر: مادة " سند " في القاموس المحيط، هامش (4) ص 127.
(4) هو سعيد بن المُسَيَّب بن حَزَن المخزومي، من كبار التابعين والمحدثين، وأحد فقهاء المدينة السبعة، ولد في أول خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر وأقضيته. توفي عام 94هـ
وقيل غير ذلك. انظر: وفيات الأعيان 2 / 375، تهذيب التهذيب 2 / 335، سير أعلام النبلاء
4 / 217.
(5) قال الشافعي: ((إرسال ابن المسيب عندنا حسن)) مختصر المزني بهامش الأم (8 / 78) ، وقال: ((ليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب)) المراسيل لابن أبي حاتم ص (12) ، وقال: ((لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعاً إلا وجدنا ما يدلُّ على تسديده، ولا أَثره عن أحدٍ فيما عرفناه عنه إلا ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه ... )) الأم 3/ 188.
(6) أشار إليه الزركشي في البحر المحيط 6/349.
(7) في س: ((بأحد أمور أربعة تقويها)) وهو خطأ؛ لأنه يعتبر المراسيل بالأمور الأربعة مجتمعة لا بواحدٍ منها. وفي ن، ق: ((بأمور أربعة)) والمثبت هنا من سائر النسخ.
(8) ساقطة من س.
(9) في ن: ((غيرها)) ولا أعلم لها وجهاً.
(10) ساقط من ن.
(2/290)

مجهولاً ولا من فيه علةٌ تمنع من (1) قبول حديثه*. ومن أصحابه من يقول مذهبه قبول مراسيل سعيد والحسن (2)
دون غيرهما (3) ، وحُكي عن بعض من يقبل المراسيل أنه شرط أن يكون المُرْسِل صحابياً أو تابعياً دون تابعي التابعي (4) إلا أن يَثْبتَ أنه إمام، وقاله عيسى بن أبان (5) .
سؤال: الإرسال هو إسقاط صحابي من السند* (6) ، والصحابة كلهم عدول، فلا فرق بين ذكره والسكوت عنه، فكيف جرى الخلاف فيه؟
جوابه (7) : أنهم عدول إلا عند قيام المعارض (8) وقد يكون المسكوت [عنه منهم] (9)
_________
(1) ساقطة من ن.
(2) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار، ولد في خلافة عمر رضي الله عنه سنة 21هـ، روى عن جمع من الصحابة، وهو من علماء التابعين وزهادهم، ومن المجاهدين. توفي عام 110هـ. انظر: وفيات الأعيان 2 / 69، تهذيب التهذيب 1 / 481، سير أعلام النبلاء 4 / 563.

عامة كتب الأصول ومصطلح الحديث تذكر قبول الشافعي مراسيل ابن المسيب، أما نسبة قبول مراسيل الحسن إليه فلم أرها إلا هنا، وفي التوضيح شرح التنقيح لحلولو ص327، ورفع النقاب للشوشاوي القسم 2/746، وابن التلمساني في شرح المعالم ص 2 / 208، ونقله الزركشي في البحر المحيط (6/353) عن الجويني. وقال ابن التركماني: ((وقد ذكر البيهقي في رسالته إلى الجويني أن الشافعي لم يخص مرسل ابن المسيب بالقبول، بل يقبل مرسله ومرسل غيره من كبار التابعين كالحسن وابن سيرين وعطاء وسليمان بن يسار إذا اقترن بها ما يؤكدها من الأسباب)) الدر النقي بذيل السنن الكبرى للبيهقي 10/304 وانظر: شرح علل الترمذي لابن رجب ص 186.
(3) اختلف أئمة الشافعية في توجيه مذهب الشافعي في الحكم على المرسل، وقد أطال النفسَ في تحريره واستقصائه ـ بلا مزيد فيما أعلم ـ الزركشي، فانظره في: البحر المحيط 6/353 ـ 367 وانظر: الرسالة للشافعي ص461 ـ 467.
(4) في ق: ((التابعين)) وهو مقبول.
(5) انظر النسبة إليه في: أصول السرخسي 1/363، ميزان الأصول للسمرقندي 2 / 644، بديع النظام (نهاية الوصول) لابن الساعاتي 1 / 390.
(6) هذا التحديد للإرسال وفْق ما استقر عليه اصطلاح المحدثين، وإلا فهو أعم مما ذكر، كما هو عند الأصوليين. ثم يمكن أن يُسقْط التابعي تابعياً آخر من السند. ولهذا تعقَّب السخاوي المصنف في هذه العبارة فقال: ((ليس بمتعيّن فيه)) انظر: فتح المغيث للسخاوي 1/156، وراجع هامش (3) ص 288.
(7) هذا الجواب ساقط من ق.
(8) تقدم إيضاح معنى المعارض عند المصنف.
(9) ما بين المعقوفين في ن: ((عند من)) .
(2/291)

عَرَض في حقه ما يوجب القَدْح فيُتَوقَّف في قبول (1) الحديث حتى يعلم سلامته عن القادح. وإسقاط تابعيٍّ أو غيرِه يسمى منقطعاً [لا مرسلاً] (2) في الاصطلاح (3) .
حكم رواية الحديث بالمعنى
ص: ونَقْل الخبر بالمعنى عند أبي الحسين البصري (4) ، وأبي حنيفة (5) والشافعي (6) جائز خلافاً لابن سيرين (7) [وبعض المحدثين] (8)
بثلاثة شروط: أن لا تزيد الترجمة،
_________
(1) ساقط من ق.
(2) ساقط من س، ن.
(3) انظر: نفائس الأصول 7/3032.
(4) انظر: المعتمد 2/141.
(5) وهو مذهب أكثر أتباعه، لكن بشرط ألاَّ يكون اللفظ مشتركاً أو مجملاً أو مشكلاً. انظر: أصول السرخسي 1/355، ميزان الاصول للسمرقندي 3 / 650، فتح الغفار لابن نجيم 2/104، تيسير التحرير 3/97، فواتح الرحموت 2 / 213.
(6) انظر: الرسالة للشافعي ص270ـ275، 370، 374، 380، وانظر: التلخيص 2/404، المحصول للرازي 4/466، الإحكام للآمدي 2/103، البحر المحيط للزركشي 6/270، وممن جوز الرواية بالمعنى من المالكية الباجي في إحكام الفصول ص384، وابن العربي في محصوله ص497، وابن الحاجب في منتهى السول والأمل ص83، وانظر: نشر البنود 2/57 ـ 62، وجوَّز الحنابلة أيضاً الرواية بالمعنى؛ انظر: العدة لأبي يعلى 3/968، التمهيد لأبي الخطاب 3/161، شرح الكوكب المنير 2/530.
(7) هو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، وسيرين مولى لأنس بن مالك رضي الله عنه ولد في آخر خلافة عثمان بن عفان، روى عن جمع من الصحابة، كان ورعاً فقيهاً عالماً مشهوراً بتعبير الرؤيا. توفي عام 110هـ. وفيات الأعيان 4 / 181، تهذيب التهذيب 5 / 139، سير أعلام النبلاء 4 / 606.
(8) ما بين المعقوفين ساقط من س. وممن ذهب إلى منع الرواية بالمعنى ابن حزم والجصاص وبعض الشافعية، وحكاه الخطيب في الكفاية ص (198) عن كثير من السلف وأهل التحري في الحديث، ونقله الجويني في البرهان (1/656) عن معظم المحدثين وشرذمة من الأصوليين.

واختلفت الرواية عن الإمام مالك، فنقل عنه الخطيب في الكفاية ص (288) أنه لا يُجوِّز الرواية بالمعنى وأيده القرطبي، وقال هو الصحيح من مذهب مالك. وروُي عنه أنه يجيزها وأيده القاضي عياض في الإلماع ص (179) ، وحمل رواية المنع على الاستحباب. وجاء في شرح العضد لمختصر ابن الجاجب (2/70) أنه روي عن مالك أنه كان يشدد في الباء والتاء في مثل: بالله وتالله، فلا يجوِّز أحدهما مكان الآخر مع ترادفهما وتوازيهما، وحُمل تشديده ذلك على المبالغة في أن الأولى صورته، لا أنه يجب صورته. وللباجي توضيح جيد لمذهب الإمام مالك. انظر: إحكام الفصول ص 384. انظر: المسألة في: الفصول في الأصول للجصاص 3 / 211، الإحكام لابن حزم 2/87، التبصرة ص346، كشف الأسرار للبخاري 3/111، الضياء اللامع 2 / 214، نثر الورود 1/408، الكفاية في علم الرواية ص178، 188، فتح المغيث للسخاوي 3/140، تدريب الراوي 1/533
(2/292)

ولا تَنْقُص، ولا تكون أخفى (1) ؛ لأن المقصود إنما هو إيصال المعاني (2) ، فلا يضر فوات غيرها (3) .
الشرح
متى زادت عبارة الراوي أو نقصت، فقد زاد في الشرع أو نقص، وذلك حرام إجماعاً، ومتى كانت عبارة الحديث جلِيَّة فغيَّرها (4) بعبارة خفية فقد أوقع في الحديث وَهْناً يوجب (5) تقديم غيره عليه بسبب خفائه، فإن الأحاديث إذا تعارضتْ (6) في الحكم الواحد يُقدَّم أجْلاها على أخفاها، فإذا كان أصل الحديث جلِياً فأبدله بخفيٍّ فقد أبطل (7)
_________
(1) وفي المسألة مذاهب أخرى، منها: يجوز للصحابة دون غيرهم، لظهور الخلل في اللسان بعدهم، وقيل:
يجوز للصحابة والتابعين فقط، وقيل: يجوز إذا نسي اللفظ دونما إذا ذكره، إلى غير ذلك من الأقوال.
ومنهم من جوَّز في الأوامر والنواهي دون الأخبار، ومنهم من جوَّز في الإفتاء والاحتجاج والمذاكرة دون الرواية والتبليغ. انظر هذه الأقوال وأدلتها في: أحكام القرآن لابن العربي 1 / 35، البحر المحيط للزركشي 6 / 275، التوضيح لحلولو ص 328، فتح المغيث للسخاوي 3 / 141، تدريب الراوي
1 / 536، وقد استبحر في بحث هذه المسألة في صفحات كثيرة كتاب " توجيه النظر " للجزائري 2/671 فانظره.
() مرد هذه الشروط إلى اشتراط عدم إحالة المعنى بأن يكون عالماً بدقائق الألفاظ، بصيراً بمقادير التفاوت بينها. وكذلك اتفقوا على عدم جواز تغيير الألفاظ المتعبَّد بها كالأذان والأذكار والتشهد، وكذلك عدم تغيير الألفاظ التي من جوامع الكلم، كالخراج بالضمان، ومِنْ حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، والبينة على المدعي، وأن لا يكون المروي بالمعنى من باب المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وكذلك لا يجري الخلاف فيما يستدل به على حكم لغوي إلا أن يكون المغيِّر عربياً ممن يُستدّل بكلامه، وكذلك لا يجوز لأحد أن يغيِّر لفظ كتابٍ مصنَّفٍ ويُثبت بدله لفظاً آخر بمعناه. انظر مواضع الاتفاق هذه في: الكفاية في علم الرواية ص198، علوم الحديث لابن الصلاح ص213، البحر المحيط للزركشي 6/271، شرح علل الترمذي لابن رجب ص 108، نشر البنود 2/62.
(2) في س: ((المعنى)) .
(3) في ق، ن: ((غيره)) وهو تحريف.
(4) في س: ((فعبّرها)) ، وفي ق: ((فعبَّر عنها)) .
(5) في ق: ((فوجب)) .
(6) في ن: ((كان)) ولا أعلم لها وجهاً.
(7) في ق: ((بطل)) .
(2/293)

منه مزية (1) حسنة تُخِلُّ به عند التعارض، وكذلك إذا كان الحديث خفي العبارة فأبدلها بأجلى منها، فقد أوجب له حكم التقديم على غيره، وحكم الله أن يُقدَّم غيرُه عليه عند التعارض. فقد تسبَّبَ (2) بهذا التغيير (3) في العبارة إلى تغيير (4) حكم الله تعالى وذلك لا يجوز، فهذا هو مستند (5) هذه الشروط، [فإذا حصلت هذه الشروط] (6) حينئذٍ يجري الخلاف في الجواز، أما عند عدمها فلا يجوز إجماعاً (7) .
حجة الجواز: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمعون (8) الأحاديث، ولا يكتبونها، ولا يكررون عليها، ثم يروونها بعد السنين الكثيرة، ومثل هذا يَجْزِم الإنسان فيه أن نفس العبارة لا تنضبط بل المعنى فقط، ولأن أحاديث كثيرة وقعت بعباراتٍ مختلفة وذلك مع اتحاد القصة، وهو دليل جواز النقل بالمعنى، ولأن لفظ السنة ليس متعبَّداً (9) به بخلاف لفظ القرآن، فإذا ضُبِط المعنى فلا يضرُّ (10) فوات ما ليس بمقصود.
حجة المنع: قوله عليه السلام ((رحم الله ـ أو نضَّر الله ـ امْرَءاً سمع مقالتي فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه، ورُبَّ حاملِ فقه (إلى من) (11)
ليس بفقيه)) (12) ، فقوله: ((أدَّاها كما سمعها)) يقتضي أن يكون اللفظ المؤدَّى كاللفظ
_________
(1) في ق: ((مرتبة)) .
(2) في س: ((تسببت)) .
(3) في ق، ن: ((التعبير)) وهو سائغ.
(4) في ق، ن: ((تغير)) .
(5) في ق: ((سبب)) وهو متَّجِه أيضاً.
(6) ساقط من ن.
(7) انظر: نفائس الأصول 7/3035.
(8) في س: ((يستمعون)) .
(9) في س: ((معتبراً)) وهذا التعبير غير لائقٍ إطلاقه على ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم.
(10) في ن: ((يضدّ)) ولعلَّه تحريف.
(11) ما بين الحاصرتين ساقط من النسختين ن، س، وهو الصواب؛ لأن الحديث لم يثبت بها فيما وقفت عليه. وإنما لم أحذفها؛ لأن المصنف أمعن في إثباتها ليستقيم له استدلاله المذكور في ص (259) .

كما أن سائر النسخ الخطية قد صححت إثبات هذه الزيادة. انظر: هامش (3) ص (259) .
(12) سبق تخريجه.
(2/294)

المسموع عملاً بكاف التشبيه، والمسموع في الحقيقة إنما هو اللفظ وسماع المعنى تَبَعٌ له، والتشبيه وقع بالمسموع فلا يشبهه (1) حينئذٍ إلا مسموع (2) ، أما المعنى فلا، وذلك يقتضي أنه عليه السلام أوجب نَقْلَ مثل ما سمعه لا خلافَه، وهو المطلوب (3) .
حكم زيادة الثقة
ص: وإذا زادتْ إحدى الروايتين على الأخرى - والمجلسُ مختلفٌ - قُبِلتْ، وإن كان واحداً - ويتأتَّى (4) الذُّهُول عن تلك الزيادة - قُبِلتْ، وإلا لم تقبل (5) .
_________
(1) في ن، س: ((يشبه)) .
(2) في س: ((مسموعاً)) وهو صحيح بالنسبة لما سبقها وهو ((يشبه)) .
(3) والجواب عنه أنه صلى الله عليه وسلم أوجب ذلك على غير الفقيه دون الفقيه، وإلا فلا فائدة من هذا التعليل. ثم إن هذا الحديث بعينه قد رُوي بالمعنى، فروى بعضهم ((نضرَّ الله)) ، وبعضهم ((رحم الله)) ، وغير ذلك من الألفاظ. انظر: إحكام الفصول ص385، المستصفى 1/317.
* لعل هنا نكتة في إيراد المصنف الحديث باللفظين، وإلا فقد سبق له إيراده بلفظ واحد كما في
ص (259) . والله أعلم.
(4) في ق: ((وتأتى)) .
(5) هذه مسألة ((زيادة الثقة)) . والمراد بزيادة الثقة: ما تفرد به الراوي الثقة من زيادة في الحديث عن بقية الرواة الثقات عن شيخ لهم. انظر الباعث الحثيث (1/190) . وأما حكم هذه الزيادة من حيث القبولُ والردُّ فينظر أولاً إلى أحوال مجلس الرواية، وهي ثلاثة أحوال؛ الأولى: أن يُعْلم تعدُّدُه فتقبل قطعاً، وهذا قد حكاه المصنف. الثانية: أن يُشْكل الحال، فلا يُعلم تعدُّدُه أو اتحاده، فمن العلماء من جزم بقبولها، ومنهم من رجح القبول، ومنه من توقف حتى يوجد المرجِّح. الثالثة: أن يُعلم اتحادُ المجلس، ففي هذه الحالة اختلف العلماء على مذاهب؛ منها: قبولها مطلقاً سواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرَّتْ الحكم أم لا، وثانيها: عدم قبولها مطلقاً، وثالثها: الوقف، ورابعها: إن كان غيره لا يتأتى منه الذهول لم تقبل وإلا قبلت، وهذا حكاه المصنف، وخامسها: إن كانت الزيادة تُغيِّر إعراب الباقي كما لو رَوَى راوٍ: في أربعين شاةً شاةٌ، وروى الآخر: نصف شاة، لم تقبل ويتعارضان فلابد من الترجيح، وسادسها: لا تقبل إلا إذا أفادتْ حكماً شرعياً، ذكره المصنف في الشرح. وسابعها: عكسه. وقيل غير ذلك. انظر هذه المذاهب وحججها في: المعتمد 2/128 الإحكام لابن حزم 1/223، أصول السرخسي 2/25، قواطع الأدلة 3/13، المحصول للرازي 4/473، الإحكام للآمدي 2/108 المسودة ص 299، نهاية الوصول للهندي 7/2949، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/72، البحر المحيط للزركشي 6/232 ـ 246، التقرير والتحبير 2/391، التوضيح لحلولو ص329، شرح الكوكب المنير 2/541، فواتح الرحموت 2/221، نشر البنود 2/36، النكت على ابن الصلاح لابن حجر 2/686، فتح المغيث للسخاوي 1/245 تدريب الراوي 1/285..
(2/295)

الشرح
قال القاضي عبد الوهاب (1) في " الملخص ": إذا انفرد بعض رواة الحديث بزيادة وخالفه بقية الرواة، فعند (2) مالك (3) وأبي الفرج (4) من أصحابنا تقبل (5) إن كان ثقة ضابطاً (6) . وقال الشيخ أبوبكر الأبهري (7) وغيره لا تقبل (8) ، ونفوا الزيادة المروية في حديث عدي بن حاتم* ((وإن أكَل فلا تأكل)) (9)
وبالأول قال الشافعية.
حجة الجواز: أن انفراده بالزيادة كانفراده بحديثٍ آخر، فتقبل كما يقبل
الحديث الأجنبي، وأما ما يُفرق به [من أن] (10) انفراده بالزيادة يُوجِب [فيه
وَهْناً] (11) بخلاف الحديث الأجنبي، فمدفوع بأنه قد يسمع ولا يسمعون، ويذكر
_________
(1) انظر: رفع النقاب القسم 2/768. وإلى مذهبه أشار الزركشي في البحر المحيط 6/235، 236.
(2) في ن: ((فعن)) والمثبت أنسب للسياق.
(3) انظر مذهبه في: المقدمة في الأصول لابن القصار ص92، الضياء اللامع لحلولو 2/171، نشر البنود 2/36.
(4) هو عمرو بن محمد بن عمرو الليثي البغدادي، ولي قضاء طرسوس وأنطاكية والثغور، أخذ عنه أبوبكر الأبهري، كان فصيحاً فقيهاً. من مؤلفاته: الحاوي في مذهب مالك، اللمع في أصول الفقه. توفي عام 331هـ انظر: الديباج المذهب ص309، شجرة النور الزكية 1/79.
(5) في ن، ق: ((يقبل)) والصواب المثبت؛ لأن مرجع الضمير مؤنث. انظر: هامش (6) ص 109.
(6) وهو ما ذهب إليه الباجي في: الإشارة ص251، وابن العربي في: محصوله ص508، وغيرهما.
(7) انظر الضياء اللامع لحلولو 2/171.
(8) في س: ((لا يقبل)) والمثبت هو الصواب، لأن مرجع الضمير مؤنث. انظر: هامش (6) ص 109.
(9) روى عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إذا أرسلت كَلْبكَ المُعَلَّم فقتل فكُلْ، وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسكه على نفسه ... )) الحديث رواه البخاري (175) وبنحوه مسلم برقم عام (1929) وخاص (2) في كتاب الصيد.

قال ابن رشد في المقدمات الممهدات (1/418) : ((وما روى شعبة عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أكل الكلب فلا تأكل)) [بنحوه البخاري برقم (5487) لكن عن الشعبي لا شعبة] قد خالفه فيه همَّام ولم يذكر هذه الزيادة [حديث همام عن عدي عند البخاري برقم (5477) ] . واللفظة إذا جاءت في الحديث زائدة لم تقبل إذا كانت مخالفة للأصول. وقد روى ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ما تشهد الأصول بصحته، وهو أنه قال: ((إذا أكل فكل)) )) . [رواية ابن عمرو عن أبي ثعلبة الخشني عند أبي داود برقم (2852) ] ، لكن ابن حجر في فتح الباري (9/752) قال: ((وسلك بعض المالكية الترجيح، فقال: هذه اللفظة ذكرها الشعبي ولم يذكرها همام، وعارضها حديث أبي ثعلبة، وهذا ترجيح مردود)) .
(10) في س، ن: ((بأن)) .
(11) في ن: ((وَهْيٌ)) لو قال: ((وَهْياً)) لكانت صحيحة لانتصابها على المفعولية. والوَهْيُ: الضَعْف. انظر مادة " وهي " في: مختار الصحاح.
(2/296)

وينسون، وعدالته وضبطه يوجب (1) قبول قوله مطلقاً، وقد يكون المجلس (2) واحداً (3) ، ويَلْحَق بعضَهم ما يشغله عن سماع جميع الكلام.
حجة المنع: أن روايةَ جميع الحفاظ (4) - غيرَ هذا الراوي - عدمَ الزيادة [في روايتهم تقوم (5) مقام تصريحهم] (6) بعدمها، وتصريحهم مقدَّم على روايته هو.
والجواب: أنه ليس كالتصريح بل يتعين حمله على الذهول الشاغل، جمعاً بين ظاهر عدالة راوي الزيادة وعدالة التاركين لها.
قال القاضي (7) : ((واختلف في صفة (8) الزيادة المعتبرة، فقيل: الاعتبار بالزيادة اللفظية فقط المفيدة لحكم شرعي، ولا تكون (9) تأكيداً ولا قصة (10) لا يتعلق بها حكم شرعي، كقولهم في مُحْرِمٍ وَقَصَتْ (11)
به ناقته في أُخَاقِيق جُرْذان (12) فإنَّ ذِكْر الموضعِ لا يتعلق به
_________
(1) في ن: ((توجب)) .
(2) في س: ((الملجس)) وهو تحريف.
(3) في ق: ((واحد)) وهو خطأ نحوي، لأن خبر كان حقه النصب.
(4) في س، ق: ((الحافظ)) .
(5) في س، ن: ((يقوم)) والمثبت من و، ص وهو الصواب. انظر: هامش (6) ص 109.
(6) ما بين المعوقفين في ق هكذا: ((فذلك كتصريحهم)) .
(7) جرت عادة المصنف إطلاق لفظ ((القاضي)) على القاضي أبي بكر الباقلاني. غير أن المراد بالقاضي هنا القاضي عبد الوهاب الذي مرَّ ذكره قريباً، يؤيد ذلك أن الزركشي في البحر المحيط (6/238) حكى هذا القول عن القاضي عبد الوهاب. والله أعلم.
(8) ساقطة من س.
(9) في ق: ((ولا يكون)) وهو خطأ. انظر: هامش (6) ص 109.
(10) في ن: ((ولا قضية)) .
(11) قال ابن الأثير: ((وفي حديث المحرم ((فوقصت به ناقته فمات)) . الوَقْص: كسر العنق. وَقَصْتُ عنقه أقِصُها وَقْصَاً، ووَقَصَتْ به راحلته، كقولك: خُذِ الخطام، وخُذْ بالخطام. ولا يقال: وقَصَتْ العنقُ نفسها، ولكن يقال وُقِصَ الرجل فهو موقوص)) . النهاية في غريب الحديث والأثر. مادة " وقص ".

وقد جاء حديث المحرم الذي وقصته دابته في: البخاري (1265) ، ومسلم (1206) وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما من غير ذكرٍ لـ" أخَاقيق جُرْذان ".
(12) جاءت هذه اللفظة في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وفيه: ((فوقعت يَدُ بَكْرِهِ - الإبل الفتي - في أخَاقيق الجُرْذان، فاندقَّتْ عنقه ... فمات)) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير. (2/362) برقم (2329) . وفي رواية عند الإمام أحمد في مسنده (4/359) ((ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جُرْذان
(2/297)

حكم شرعي، وكذلك الناقة دون الفرس. وأما الزيادة في المعنى فلا عبرة بها، بل يجب الأخذ بالزيادة اللفظية وإن أدَّتْ إلى نقصانٍ من جهة المعنى، ولا يُعتدّ بزيادة المعنى في باب الترجيح؛ لأن الزيادة إنما تكون في النقل، والنقل إنما يكون في اللفظ، ويصير (1)
ذلك كخبرٍ مفيدٍ مبتديءٍ.
_________
(1) فهوى بعيره، وهوى الرجل، فوقع على هامته فمات)) . وفي رواية عنده أيضاً ((وقعت يدُ بَكْره في بعض تلك التي تَحْفِرُ الجُرذان)) . وفي روايةٍ عنده (4/357) ((فدخل خُفُّ بعيره في جحر يَرْبوع فوقصه بعيره فمات)) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/42) ((رواها كلها أحمد والطبراني، وفي إسناده أبوجناب وهو مدلس وقد عنعنه. والله أعلم)) .
? ... أما معنى ((أُخَاقيق جُرذان)) فالأخاقيق: شقوق الأرض كالأخاديد، واحدها: أُخْقُوق. يقال: خَقَّ في الأرض وخّدَّ بمعنىً. وقيل: إنما هي: لخُاقيق، واحدها: لُخْقُوق. والأول أصح. والخُقّ: الجُحرْ. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة: خفق، وكذلك لسان العرب. وأما الجُرْذان: جمع الجُرَذ، وهو الذكَر الكبير من الفأر، وقيل: هو ضَرْب من الفأر، أعظم من اليربوع أكْدَر، في ذَنَبه سواد. انظر: النهاية لابن الأثير 1/249، لسان العرب مادة " جُرد ".

وأنبه هنا بأني لم أجد في كل ما وقفت عليه من روايات الحديث السالف الذكر أن هذا الرجل كان مُحرماً، ولا أنه كان في عرفة؛ فعلهما واقعتان منفصلتان، وحينئذٍ لا يصلح التمثيل به، وربما كان منشأ اللَّبس اشتراك الرجلين في كونهما وقصَتْ بهما دابتهما. والله أعلم.
() في ن: ((ويكون)) .
(2/298)

الباب السابع عشر
في القياس
وفيه سبعة فصول
(2/299)

الفصل الأول
في حقيقته (1)
ص: وهو إثباتُ مِثْلِ حُكْمِ معلومٍ لمعلومٍ آخرَ لأجْل اشتباههما في علةِ الحكم
عند المُثبت (2) .
فالإثبات المراد به: المشتركُ بين العلم والظنِّ والاعتقاد (3) ، ونعني (4) بالمعلوم (5) : المشتركَ بين [المعلوم والمظنون] (6) ، وقولنا: عند المُثبت، ليدخل فيه القياس الفاسد.
الشرح
_________
(1) سيذكر المصنف حقيقة القياس اللغوية في آخر شرح هذا المتن. انظر: ص 303.
(2) هذا تعريف الرازي في: محصوله (5 / 11) ، وقال: ((بأنه أسدُّها)) وارتضاه تاج الدين الأرموي
في: الحاصل من المحصول (2 / 826) ، وسراج الدين الأرموي في: التحصيل من المحصول
(2 / 156) ، والبيضاوي في: منهاج الأصول انظر: نهاية السول للإسنوي 4 / 2.

وللوقوف على تفاصيل تعريفات القياس. انظر: المعتمد 2 / 195، البرهان 2 / 489، المحصول لابن العربي ص 521، الإحكام للآمدي 3 / 184، الكاشف عن المحصول للأصفهاني 6 / 134، نهاية الوصول للهندي 7 / 3024، شرح مختصر الروضة 3 / 219، كشف الأسرار للبخاري 3 / 491، البحر المحيط للزركشي 7 / 7، التوضيح لحلولو ص 331، فواتح الرحموت 2 / 451، دراسات أصولية في حجية القياس وأقسامه د. رمضان عبد الودود ص 26.
(3) سواء تعلّقت هذه الثلاثة بثبوت الحكم أو عدمه، والقدر المشترك بينها هو: حكم الذهن بأمرٍ على أمْرٍ. انظر: المحصول للرازي 5 / 11، نهاية السول 4 / 2، نبراس العقول للشيخ عيسى منون ص 15.
(4) في ق: ((يعني)) وهو تصحيف، يدلُّ عليه قوله فيما بعد ((وقولنا)) .
(5) المراد بالمعلوم: هو المتصوَّر، أي: الذي تحصل صورته في العقل. انظر: نهاية السول 4 / 3، شرح البدخشي 3 / 5، نبراس العقول ص 19، الصالح في مباحث القياس عند الأصوليين لشيخنا الدكتور / السيد صالح ص 23.
(6) في متن هـ: ((العلوم والظنون)) وهو تحريف.
(2/300)

لأنَّا إذا أثبتنا (1) فقد نعلم ثبوت (2) الحكم في الفروع، وقد نعتقده اعتقاداً جازماً لا (3) يحتمل عدم المطابقة، وقد نظنُّه (4) ، فاشتركت الثلاثة في الإثبات فهو مرادنا.
وقولي (5) : ((معلوم)) أولى من قول مَنْ قال: إثباتُ حكمِ [أصلٍ لفرعٍ] (6) ، أو
إثباتُ حكمِ الأصلِ في الفرع (7) ؛ لأن الأصل والفرع إنما يُعْقلان (8) بعد معرفة
القياس، فتعريف القياس بهما (9) دَوْر (10) ، فإذا قلنا: ((معلوم)) اندفعتْ هذه الشبهة الموجبة للدَّوْر.
وقولي: ((لأجل اشتباههما في علة الحكم)) احتراز (11) من إثبات الحكم بالنص، فإن ذلك لا يكون قياساً، كما لو ورد نصٌّ يخصُّ الأُرْزَ (12) بتحريم الربا
_________
(1) هذا التعليل لما ذكره في المتن من اشتراك " الإثبات " بين العلم والظن والاعتقاد.
(2) في ن: ((بثبوت)) .
(3) ساقطة من س، ن، ق، ش. وهي مثبتة في ص، م، ز، و، وهو الصواب؛ لأن الجملة الفعلية ((لا يحتمل ... )) صفة كاشفة لقوله: ((جازماً)) . وبدون " لا " النافية يبطل المعنى، والله أعلم.
(4) في ن: ((يظنه)) وهو تصحيف.
(5) في ق: ((وقلنا)) .
(6) هكذا في ق، وهو واضح المعنى. وفي سائر النسخ ((فرعٍ لأصلٍ)) وهو خطأ إذا كان متعلَّق الجار والمجرور كلمة ((إثبات)) ، ويمكن أن يتَّجه إذا علَّقنا الجار والمجرور بـ ((فرعٍ)) وفيه بُعْد.
(7) ممن ذكر هذا في تعريفه: أبو الحسين البصري في المعتمد 2 / 195، 443، والقاضي أبو يعلى في العدة
1 / 174، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 1 / 447، والشيرازي في شرح اللمع 2 / 755، والأسمندي في بذل النظر ص 581، وابن الحاجب في منتهى السول والأمل ص 166، والنسفي في كشف الأسرار 2 / 196.
(8) في ق: ((يعقل)) وهو خطأ نحوي؛ لأن اسم " إن " المذكور اثنان، وهما: الأصل والفرع فلابد من مطابقة خبره له فيكون ((يعقلان)) . كما في قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] .
(9) في س: ((بها)) وهو تحريف؛ لأن مرجع الضمير مثنى.
(10) هناك من دفع إيراد هذا الدَّوْر. انظر: حاشية السعد على شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2 / 204، تشنيف المسامع 3 / 151، التوضيح لحلولو ص 331، شرح البدخشي 3 / 5.
(11) في ن: ((احترازاً)) وقد سبق توجيه ذلك.
(12) في س: ((الأرد)) وهو تحريف، وفي ق: ((الرُّزّ)) وهي مما يستعمله بعض العامة الآن، وهو استعمال صحيح فصيح؛ لأنه لُغة في ((الأُرْز)) . وهناك لغات أخرى. انظر: الصحا