Advertisement

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع 001



الكتاب: حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع
المؤلف: حسن بن محمد بن محمود العطار الشافعي (المتوفى: 1250هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«شرح المحلي على جمع الجوامع» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية العطار» عليه
[مُقَدَّمَة الْكِتَاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ قَالَ الشَّارِحُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَالتَّفْتَازَانِي أَوْ الِاسْتِعَانَةِ كَمَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ أَوْ هِيَ صِلَةٌ لِلْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ وَعَلَيْهِ يَرِدُ مَا أَوْرَدُوهُ مِنْ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْحَدَثَيْنِ وَمِمَّا أَجَابُوا بِهِ أَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي اعْتَبَرُوهُ فِي مُقَارَنَةِ الْحَالِ لِوُقُوعِ مَضْمُونِ عَامِلِهَا جَعَلُوهُ أَعَمَّ مِمَّا لَا يَفْضُلُ عَمَّا وَقَعَ فِيهِ وَمَا يَفْضُلُ عَنْهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّلَبُّسَانِ فِي زَمَانٍ بِهَذَا الْمَعْنَى وَأَمْكَنَ وُقُوعُ الِابْتِدَاءِ فِي حَالِ التَّلَبُّسَيْنِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ تَدَافُعِ الِابْتِدَاءَيْنِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بِالْجِنَانِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ وَالْآخَرُ بِآخَرَ مِنْهَا أَوْ يَكُونُ مَعًا بِالْجِنَانِ لِجَوَازِ إخْطَارِ الشَّيْئَيْنِ مَعًا بِالْبَالِ قَالَ اللَّيْثِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ وَفِي كِلَيْهِمَا نَظَرٌ.
أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ مَعْنَى الْعُمُومِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ النُّحَاةُ فِي مُقَارَنَةِ الْحَالِ لِلْعَامِلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَزْمَانٌ فَاصِلَةٌ عَنْ أَزْمَانٍ عَامِلَةٍ حَتَّى تَكُونَ مُقَارَنَتُهَا لَهُ بِبَعْضِهَا لَا بِتَمَامِهَا كَمَا فِي جَاءَ زَيْدٌ رَاكِبًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ قَبْلَ الْمَجِيءِ مُمْتَدًّا إلَيْهِ وَبَاقِيًا بَعْدَهُ.
وَأَمَّا جَوَازُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الرُّكُوبِ مُقَارِنًا لِلْمَجِيءِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَفِي التَّسْمِيَةِ وَالتَّحْمِيدِ أَيُّهُمَا أُخِّرَ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ مُقَارِنًا لِلِابْتِدَاءِ الَّذِي لَيْسَ لِزَمَانِهِ انْقِسَامٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّلَبُّسَ بِأَمْرٍ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ الْأَمْرِ فَلَوْ قَارَنَ بِالتَّسْمِيَةِ وَالتَّلَبُّسِ بِالتَّحْمِيدِ ذَلِكَ الِابْتِدَاءَ لَزِمَ وُقُوعُ ابْتِدَاءَيْنِ مُتَدَافِعَيْنِ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَالتَّحْمِيدَ الْمُعْتَدَّ بِهِمَا الْمَرْجُوُّ مِنْهُمَا حُصُولُ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ مَا يَكُونُ عَنْ قَلْبٍ حَاضِرٍ وَتَوَجُّهٍ تَامٍّ وَالْقَلْبُ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ التَّوَجُّهُ التَّامُّ إلَى شَيْئَيْنِ مَعًا مِثْلُ التَّسْمِيَةِ وَالتَّحْمِيدِ إلَّا نَادِرًا لِلْأَفْرَادِ الْمُتَجَرِّدِينَ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ الْعَوَائِقِ الْبَشَرِيَّةِ اهـ.
ثُمَّ إنَّ الْبَدْءَ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ إنَّمَا هُوَ فِي صَدْرِ الْفِعْلِ وَالْمَطْلُوبُ تَعْمِيمُ الْبَرَكَةِ فَمِنْ ثَمَّ رُجِّحَ تَقْدِيرُ الْمُتَعَلِّقِ خَاصًّا لِتَعُمَّ الْبَرَكَةُ سَائِرَ أَجْزَاءِ الْفِعْلِ فَتَقْدِيرُ أُؤَلِّفُ مُقْتَضٍ بِلَفْظِهِ صُحْبَةَ التَّأْلِيفِ لِمَا تَبَرَّكَ بِهِ لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِ أَبْتَدِئُ يُسَاوِي أُؤَلِّفُ مَثَلًا بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي هُوَ الْبَسْمَلَةُ أَوْ الْحَمْدَلَةُ لِمَا بُدِئَ بِهِ مَصْحُوبَ الْبَرَكَةِ عَلَى جَمِيعِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ ذَلِكَ إذْ فِيهِ الْحَضُّ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ فِي الْبِدَاءِ يَحْصُلُ هَذَا الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ اهـ.
وَقَدْ أَوْرَدَ سَمِّ هُنَا إشْكَالًا
(1/2)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
عَنْ شَيْخِهِ السَّيِّدِ عِيسَى الصَّفَوِيِّ حَاصِلُهُ أَنَّ جُمْلَةَ الْبَسْمَلَةِ إمَّا أَنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً أَوْ إنْشَائِيَّةً وَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْخَبَرِ الصَّادِقِ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَدْلُولُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِدُونِ التَّلَفُّظِ بِهِ وَيَكُونُ الْخَبَرُ حِكَايَةً عَنْهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ مُصَاحَبَةِ الِاسْمِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ مِنْ تَتِمَّةِ الْخَبَرِ وَهُمَا لَا يَتَحَقَّقَانِ إلَّا بِهَذَا التَّلَفُّظِ وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ شَأْنَ الْإِنْشَاءِ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَدْلُولُهُ بِالتَّلَفُّظِ بِهِ وَأَصْلُ الْجُمْلَةِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ غَالِبًا؛ لِأَنَّ نَحْوَ الْأَكْلِ وَالسَّفَرِ وَالذَّبْحِ مِمَّا لَيْسَ بِقَوْلٍ لَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُهُ عَلَى التَّلَبُّسِ بِالْبَسْمَلَةِ فَكَيْفَ يُقَدَّرُ مَثَلًا بِسْمِ اللَّهِ أَذْبَحُ أَوْ أُسَافِرُ بِقَصْدِ الْإِنْشَاءِ فَإِنْ جُعِلَتْ لِإِنْشَاءِ الْمُصَاحَبَةِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ لِإِنْشَاءِ مُتَعَلِّقِهَا وَالْأَصْلُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَذَلِكَ فِي غَايَةِ النُّدُورِ وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْمَعْنَى أَبْدَأُ أَوْ أَفْتَتِحُ بِسْمِ اللَّهِ أَيْ أَجْعَلُهُ بُدَاءَةَ الْفِعْلِ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْجُمْلَةُ لِإِنْشَاءِ الْجَعْلِ لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ مِمَّا مَرَّ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَلَا يَجْرِي حَقِيقَةً إلَّا فِي نَحْوِ التَّأْلِيفِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بُدَاءَةٌ حَقِيقَةً وَإِنْ أَمْكَنَ إجْرَاؤُهُ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ بِالْمُسَامَحَةِ فِي جَعْلِهِ بُدَاءَةً اهـ.
وَأَحْسَنُ مَا يُجَابُ بِهِ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْقَائِلَ إذَا شَرَعَ فِي ذَبْحٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ سَفَرٍ مَثَلًا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ تَقْدِيرَ أَتَبَرَّكُ أَوْ أَسْتَعِينُ فِي هَذَا الْفِعْلِ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَانَتْ الْجُمْلَةُ لِإِنْشَاءِ التَّبَرُّكِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ أَصْلًا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ تَقْدِيرَهُ أَذْبَحُ أَوْ أُسَافِرُ بِسْمِ اللَّهِ مَثَلًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ يَرِدُ مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ ظَاهِرٌ أَوْ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِخْبَارِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ مَنْ هُوَ؟ فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ لِهَذَا الْفِعْلِ تُغْنِي عَنْ الْإِخْبَارِ لَوْ كَانَ ثَمَّ أَحَدٌ يَحْتَاجُ إلَى الْإِخْبَارِ وَلَعَلَّك لَا تَجِدُهُ أَصْلًا فَإِنَّك إنْ قَصَدْت اللَّهَ بِالْإِخْبَارِ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ قَصَدْت نَفْسَك فَكَذَلِكَ وَلَهَا ثَمَّ ثَالِثٌ يُقْصَدُ بِالْإِخْبَارِ وَلَوْ كَانَ لَأَغْنَتْهُ الْمُبَاشَرَةُ لِلْفِعْلِ عَنْ الْإِخْبَارِ، فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ تَعَلَّقَ الْجَارُّ بِهَذَا الْفِعْلِ عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى التَّبَرُّكِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا فَمَعْنَى أَذْبَحُ أَتَبَرَّكُ أَوْ أَسْتَعِينُ فِي الذَّبْحِ بِالتَّضْمِينِ الْمَذْكُورِ فَتَكُونُ مَقُولَةً لِإِنْشَاءِ التَّبَرُّكِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ فِي الذَّبْحِ مَثَلًا، وَلَا يَكُونُ الْإِخْبَارُ بِهِ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَعْيِينِ مَحَلِّ التَّبَرُّكِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ، وَالْأَصْلُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِتَعْيِينِ مَحَلِّ التَّبَرُّكِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ وَإِنْ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْإِنْشَاءُ بِمُتَعَلِّقِهِ لَا بِهِ نَفْسِهِ وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ النُّدُورِ نَلْتَزِمُهُ.
وَنَقُولُ إنَّ النَّادِرَ يَرِدُ بِهِ الِاسْتِعْمَالُ أَحْيَانًا وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ أَوْ يُقَالُ إنَّ الْمُقَدَّرَ أَذْبَحُ أَوْ أُسَافِرُ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ إلَى التَّضْمِينِ فَجُمْلَةُ أَذْبَحُ مَثَلًا خَبَرٌ وَأَمَّا بِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ إنْشَاءٌ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّهَا خَبَرِيَّةُ الصَّدْرِ إنْشَائِيَّةُ الْعَجُزِ وَلَا يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّ الْخَبَرَ وَالْإِنْشَاءَ مُتَقَابِلَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُتَقَابِلَيْنِ وَالْحَالُ هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّنَا إذَا قَطَعْنَا النَّظَرَ عَنْ الْقَيْدِ وَنَظَرْنَا لِمَا تَمَّ بِهِ الْإِسْنَادُ مِنْ رُكْنَيْ الْجُمْلَةِ كَانَتْ خَبَرِيَّةً وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى الْقَيْدِ كَانَتْ إنْشَائِيَّةً فَالْخَبَرِيَّةُ وَالْإِنْشَائِيَّةُ بِاعْتِبَارَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ الْجُرْجَانِيَّ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ فِي مَبْحَثِ الْإِنْشَاءِ عِنْدَ قَوْلِ التَّفْتَازَانِيِّ " رُبَّ " لِإِنْشَاءِ التَّقْلِيلِ " وَكَمْ " الْخَبَرِيَّةُ لِإِنْشَاءِ التَّكْثِيرِ قَالَ لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ كَلَامًا مُحْتَمِلًا لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِحَسَبِ نِسْبَةٍ غَيْرِ نِسْبَةِ التَّقْلِيلِ وَالتَّكْثِيرِ فَإِذَا قُلْتَ كَمْ رَجُلٌ عِنْدِي فَهُوَ بِاعْتِبَارِ نِسْبَةِ الظَّرْفِ إلَى الرَّجُلِ كَلَامٌ خَبَرِيٌّ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ.
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ اسْتِكْثَارِك إيَّاهُمْ فَلَا يَحْتَمِلُهَا؛ لِأَنَّك اسْتَكْثَرْتهمْ وَلَمْ تُخْبِرْ عَنْ كَثْرَتِهِمْ اهـ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْجَوَابِ وَالْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا عَلَى الْأَوَّلِ إنْشَائِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَعَلَى الثَّانِي صَالِحَةٌ لِلْخَبَرِيَّةِ وَالْإِنْشَائِيَّة بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَتَأَمَّلْ وَقَوْلُ السَّيِّدِ الصَّفَوِيِّ وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْمَعْنَى إلَخْ يُشِيرُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ الْإِشْكَالِ وَفِيهِ أَنَّ جَعْلَ الْبَاءِ لِلتَّعْدِيَةِ
(1/3)

الْحَمْدُ لِلَّهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مُسْتَبْعَدٌ هُنَا جِدًّا فَإِنَّ بَاءَ التَّعْدِيَةِ هِيَ الْمُعَاقِبَةُ لِلْهَمْزَةِ فِي تَصْيِيرِ الْفَاعِلِ مَفْعُولًا كَمَا فِي ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ وَأَنَّ كَوْنَ الْجُمْلَةِ لِإِنْشَاءِ الْجَعْلِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْإِنْشَائِيَّةَ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا اسْتِحْدَاثُ مَدْلُولِهَا وَالْجَعْلُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ مُدِلًّا لَا لَهَا بَلْ هُوَ مَعْنًى خَارِجِيٌّ عَنْهَا وَقَوْلُهُ وَلَا يَجْرِي حَقِيقَةً إلَخْ يَعْنِي أَنَّ التَّأْلِيفَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَكُونُ مِنْ مَقُولَةِ اللَّفْظِ يَصِحُّ أَنْ يَفْتَتِحَ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْجُزْئِيَّةِ بِأَنْ تَجْعَلَ جُزْءًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُفْتَتَحُ بِجُزْئِهِ فَجَعْلُ الْبَسْمَلَةِ جُزْءًا مِنْ التَّأْلِيفِ وَاضِحٌ.
وَأَمَّا نَحْوُ الْأَكْلِ وَالذَّبْحِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ مَقُولَةِ اللَّفْظِ فَجَعْلُ الْبَسْمَلَةِ بُدَاءَةً لَهُ يَسْتَدْعِي جُزْئِيَّتَهَا مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهَا كَالْجُزْءِ فِي كَوْنِهَا تُذْكَرُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَحَالَ مُلَابَسَةِ أَوَّلِهِ فَقَدْ ظَهَرَ لَك وَجْهُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمُسَامَحَةِ وَمُخَالَفَةِ الْمَشْهُورِ وَلِبَعْضِ أَشْيَاخِنَا هُنَا تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أُمُورٍ لَا تَتِمُّ مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ لَيْسَ بِكَلَامٍ إلَى آخِرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَنَا فِي تَقْرِيرِ مَعْنَى كَوْنِ الْجُمْلَةِ خَبَرِيَّةَ الصَّدْرِ إنْشَائِيَّةَ الْعَجُزِ أَنَّهُ لَا وُرُودَ لِهَذَا السُّؤَالِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ فَفِيهِ أَنَّ دَعْوَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى أَسْتَعِينُ بِسْمِ اللَّهِ مم كَيْفَ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ عَنْ الْقَيْدِيَّةِ وَعَدَمِ ارْتِبَاطِهِ بِمَا قَبْلَهُ وَقَدْ اُضْطُرَّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى إلَى تَقْرِيرِ الْمُتَعَلِّقِ حَتَّى تَمَّ لَهُ مَا ادَّعَاهُ وَهُوَ رُجُوعٌ مِنْهُ لِأَصْلِ التَّرْكِيبِ فَالْكَلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ الْمُتَعَلِّقُ الَّذِي قَدَّرَهُ وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَجْرُورُ عَنْ حُكْمِ أَصْلِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ وَأَفْتَتِحُ بِسْمِ اللَّهِ وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ نَحْوُ هَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَلَوِيِّ عَلَى السُّلَّمِ فَقَالَ إنَّ الْمَجْرُورَ مُخْبَرٌ عَنْهُ فِي الْمَعْنَى وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْمَجْرُورِ بِحَرْفِ الْجَرِّ الزَّائِدِ أَمَّا الْمَجْرُورُ بِحَرْفِ الْجَرِّ الْأَصْلِيِّ فَإِنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ غَيْرُ صَرِيحٍ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ النُّحَاةُ فَلَوْ جَعَلْنَاهُ مُخْبِرًا عَنْهُ فِي الْمَعْنَى انْعَكَسَ الْحُكْمُ وَتَغَيَّرَ مَدْلُولُ التَّرْكِيبِ إذْ فَرْقٌ بَيْنَ إخْبَارِك بِوُقُوعِ ضَرْبِ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو وَالْمُؤَدَّى بِقَوْلِك ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وَإِخْبَارِك بِثُبُوتِ الضَّرْبِ لِعَمْرٍو فِي قَوْلِك: عَمْرٌو مُضْرَبُ زَيْدٍ فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْ التَّرْكِيبَيْنِ غَرَضًا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ قَدَّرَ الْمُتَعَلِّقَ فَضْلَةً نَحْوُ مُبْتَدِئًا وَمُسْتَعِينًا وَمُتَبَرِّكًا وَكَانَتْ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَالْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةُ الصَّدْرِ إنْشَائِيَّةُ الْعَجُزِ.
وَفِيهِ أَنَّ جَعْلَ الْبَاءِ لِلتَّعْدِيَةِ مم لِمَا سُمِعَتْ وَأَمَّا هَذِهِ الْمَنْصُوبَاتُ فَهِيَ أَحْوَالٌ تَسْتَدْعِي عَامِلًا وَالْعَامِلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَبْتَدِئُ مَثَلًا وَإِذَا قُدِّرَ الْفِعْلُ كَانَ أَحَقَّ بِالْعَمَلِ لِأَصَالَتِهِ كَمَا قَالَ فِي مِثْلِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ إذَا جَاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْمُقَدَّرَاتِ بِلَا دَاعٍ إلَيْهِ وَأَيْضًا قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ تَقْدِيرَ مُسْتَعِينًا وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَحْوَالِ لَيْسَ لِتَعَلُّقِ الْمَجْرُورِ بِهِ بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِمَعْنَى الْبَاءِ وَمِنْهَا أَنَّهُ فَسَّرَ فِي بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُصَاحَبَةَ وَالِاسْتِعَانَةَ بِالْمُلَاحَظَةِ وَالِاسْتِحْضَارِ وَهُوَ لَيْسَ مَعْنًى حَقِيقِيًّا لَهُمَا إذْ بَاءُ الْمُصَاحَبَةِ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى مُلَابَسَةِ الْفِعْلِ وَمُصَاحَبَتِهِ فَهِيَ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] وَبَاءُ الِاسْتِعَانَةِ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْآلَةِ كَكَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَلِذَلِكَ اُسْتُشْكِلَ جَعْلُ الْبَاءِ لِلِاسْتِعَانَةِ بِجَعْلِ اسْمِ اللَّهِ آلَةً لِلْفِعْلِ وَهُوَ تَرْكُ الْأَدَبِ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ هَذَا الْمَعْنَى مَجَازِيًّا يَلْزَمُ عَلَى إرَادَتِهِ ذَهَابُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ التَّرْكِيبِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ جَعْلِ الْبَاءِ لِلْمُلَابَسَةِ إفَادَةُ مُلَابَسَةِ
(1/4)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
التَّبَرُّكِ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْفِعْلِ وَمِنْ جَعْلِهَا لِلِاسْتِعَانَةِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَتِمُّ بِدُونِ ذِكْرِهِ تَعَالَى وَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَعْلِ اسْمِ اللَّهِ آلَةً مُنْدَفِعٌ بِعَدَمِ مُلَاحَظَةِ هَذِهِ الْجِهَةِ بَلْ الْمُلَاحَظُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَمَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ لَفَسَّرَ الْقَوْمُ بَاءَ الِاسْتِعَانَةِ وَلَمْ يُرَدْ الْإِشْكَالُ الْمَشْهُورُ ثُمَّ إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُلَاحَظَةِ وَالِاسْتِحْضَارِ وَفِي الْمَعْنَى وَهَلْ يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَجْمُوعَ الْمَعْنَيَيْنِ يُفَسَّرُ بِهِمَا كُلٌّ مِنْ الْمُلَابَسَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ لَزِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ بَاءِ الِاسْتِعَانَةِ وَالْمُلَابَسَةِ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى طَرِيقِ التَّوْزِيعِ يُقَالُ لَهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ تَغَايُرِ الْمَعْنَيَيْنِ لِمَ خَصَّ إحْدَيْهِمَا بِهَذَا دُونَ الثَّانِيَةِ.

(قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) تَجْرِي احْتِمَالَاتُ الِاسْتِغْرَاقِ وَالْجِنْسِ وَالْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ فِي " الـ " دُونَ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ لِنُدْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ وَلِكَوْنِ مَدْخُولِهِ فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ فَيَصْدُقُ بِأَيِّ فَرْدٍ كَانَ مِنْ أَفْرَادِ الْحَمْدِ وَالْمَقَامُ يَأْبَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي الْحَصْرَ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ جَعْلِهَا استغراقية أَوْ جِنْسِيَّةً أَوْ ظُهُورِ الْفَرْدِ بِحَيْثُ يَكُونُ خَارِجًا عَنْ الذِّهْنِ مُطْلَقًا بِجَعْلِهَا لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْدَ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَالْوَاجِبُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَانِيَةً لِيَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ غَيْرُهُ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي الْفُرُوعِ مِنْ اسْتِحْبَابِ إعْطَاءِ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ جِهَارًا وَآثَرَ التَّعْبِيرَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَأَسِّيًا بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَتَحٌ بِهَا وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ وَتَوْجِيهُ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ بِمَا سَيَأْتِي لِمُرَاعَاةِ جَانِبِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّوْجِيهَ مُنَاقَشٌ فِيهِ بِمَا سَتَسْمَعُهُ وَلِلتَّفَنُّنِ أَيْضًا فَيَكُونُ الْكَلَامُ مُحْتَوِيًا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ.
وَأَمَّا إنَّ الْفِعْلِيَّةَ أَبْلَغُ أَوْ الِاسْمِيَّةُ فَالتَّحْقِيقُ فِيهِ مَا قَالَ الْفَنَارِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي اخْتِيَارِ طَرِيقَةِ الْحَمْدِ وَتَرْجِيحِهَا جَانِبَ الْبَلَاغَةِ فَالْمَحْمُودُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الثَّابِتَةِ فَالْمُنَاسِبُ الِاسْمِيَّةُ كَمَا فِي سُورَةِ
(1/5)

عَلَى أَفْضَالِهِ.

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ الرُّبُوبِيَّةَ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ لِلذَّاتِ وَإِلَّا فَالْفِعْلِيَّةُ ثُمَّ إنَّ جَعْلَ الْجُمْلَةِ إنْشَائِيَّةً أَقْوَى لِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: تَوَافُقُهُمَا مَعَ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ إذْ هِيَ إنْشَائِيَّةٌ أَيْضًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَدَعْوَى بَعْضٍ تَجْوِيزَ خَبَرِيَّتِهَا تَكَلُّفٌ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِالثَّنَاءِ مُثْنٍ بِخِلَافِ الْمُخْبِرِ بِالصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِمُصَلٍّ فَلَوْ جُعِلَتْ جُمْلَةُ الْحَمْدَلَةِ خَبَرِيَّةً لَزِمَ تَخَالُفُ الْجُمْلَتَيْنِ خَبَرًا وَإِنْشَاءً وَفِي الْعَطْفِ خِلَافُ الثَّانِي مَا قَالَهُ الْفَنَارِيُّ إنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ وَأَمْثَالَهُ أَخْبَارٌ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْإِنْشَاءِ أَيْ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ مَجَازٌ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ لَيْسَ بِصَدَدِ الْإِخْبَارِ وَالْإِعْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ وَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ وَمَعْنَى " الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَمْدُ لَك يَا رَبُّ فَمَقْصُودُ الْمُتَلَفِّظِ بِهِ إنْشَاءُ تَعْظِيمِهِ تَعَالَى لِتَوْفِيقِهِ لِلْحَمْدِ وَإِيجَادِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَالْإِنْشَاءِ كَصِيَغِ الْعُقُودِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصِّيَغَ الْمَذْكُورَةَ إخْبَارٌ فِي اللُّغَةِ نَقَلَهَا الشَّارِعُ إلَى الْإِنْشَاءِ لِمَصْلَحَةِ الْأَحْكَامِ وَإِثْبَاتُ النَّقْلِ فِي أَمْثَالِ مَا نَحْنُ فِيهِ بِلَا ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ مُشْكِلٌ جِدًّا اهـ.
وَأَيْضًا رَجَّحَ الشَّارِحُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ نَحْمَدُك اللَّهُمَّ أَنَّهَا إنْشَائِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي.

(قَوْلُهُ: عَلَى أَفْضَالِهِ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحَقُّقِ الِاسْتِحْقَاقَيْنِ الذَّاتِيِّ وَالْوَصْفِيِّ فَإِنَّ لَفْظَ " اللَّهِ " أَعْلَمُ لِلذَّاتِ عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحَمْدُ أَوَّلًا تَنْبِيهًا عَلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ عُلِّقَ عَلَى الْأَفْضَالِ تَنْبِيهًا عَلَى الثَّانِي قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّيَالَكُوتِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ وَالِاسْتِحْقَاقُ الذَّاتِيُّ مَا لَا يُلَاحَظُ مَعَهُ خُصُوصِيَّةُ صِفَةٍ حَتَّى الْجَمِيعِ لَا مَا يَكُونُ الذَّاتُ الْبَحْثُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَمْدِ لَيْسَ إلَّا عَلَى الْجَمِيلِ سُمِّيَ ذَاتِيًّا لِمُلَاحَظَةِ الذَّاتِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ خُصُوصِيَّةِ صِفَةٍ أَوْ لِدَلَالَةِ اسْمِ الذَّاتِ عَلَيْهِ اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ لَا إشْعَارَ فِي الْكَلَامِ بِالِاسْتِحْقَاقِ الذَّاتِيِّ إذْ لَمْ يُعْهَدْ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ تَعْلِيقَ أَمْرٍ بِاسْمٍ غَيْرِ صِفَةٍ يَدُلُّ عَلَى مَنْشَئِيَّةِ مَدْلُولِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يُفْهَمُ بِالذَّوْقِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ الْحَمْدُ لِلْمُتَفَضِّلِ مَثَلًا لَا مِنْ أَنْ تَعَلَّقَ أَمْرٌ بِاسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مَنْشَئِيَّةِ مَدْلُولِهِ عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَقُولَ لَفْظَةُ " اللَّهِ " تَعَالَى لَمَّا دَلَّتْ عَلَى ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَاشْتُهِرَ اتِّصَافُ تِلْكَ الذَّاتِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي ضِمْنِ هَذَا الِاسْمِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُجْعَلَ لِلتَّعْلِيقِ بِهِ فِي حُكْمِ التَّعْلِيقِ بِالْمُشْتَقِّ الدَّالِّ عَلَى مَنْشَئِيَّةِ جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَالْإِفْضَالُ مَصْدَرُ أَفْعَلَ وَلَمْ يُسْمَعْ بَلْ الْمَسْمُوعُ فَضْلٌ عَبَّرَ بِهِ دُونَ أَنْعَمَ كَمَا فِي الْمُصَنَّفِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ أَنْعَامَهُ تَعَالَى بِمَحْضِ الْفَضْلِ لَا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْوُجُوبِ مَعَ الرَّمْزِ إلَى أَنَّ فِي الشَّرْحِ زِيَادَةَ فَوَائِدَ عَلَى الْمُصَنَّفِ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ الزِّيَادَةُ.
وَقَوْلُ الْحَوَاشِي فِي أَوْجُهِ التَّرْجِيحِ إنَّ الْإِفْضَالَ صَرِيحٌ فِي إيقَاعِ الْحَمْدِ فِي مُقَابَلَةِ الْفِعْلِ الصَّادِرِ مِنْ الْمَحْمُودِ بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عَلَى نِعَمٍ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ النِّعَمُ جَمْعَ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ أَوْ بِمَعْنَى الْمُنْعَمِ بِهِ بَلْ الثَّانِي هُوَ الْمُتَبَادِرُ وَالْحَمْدُ عَلَى الْفِعْلِ أَمْكَنُ مِنْ الْحَمْدِ عَلَى الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْفِعْلِ بِلَا وَاسِطَةٍ بِخِلَافِ الْحَمْدِ عَلَى الْأَثَرِ فَإِنَّهُ بِوَاسِطَةِ أَنَّهُ أَثَرُ الْفِعْلِ مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْأَثَرِ يُلَاحَظُ فِيهِ أَيْضًا الْفِعْلُ وَمُلَاحَظَةُ شَيْئَيْنِ أَقْوَى مِنْ مُلَاحَظَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ
(1/6)

وَآلِهِ.

هَذَا مَا اشْتَدَّتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
النِّعْمَةِ الْمَطْلُوبِ فِي مَقَامِ الْحَمْدِ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ إنَّ الْحَمْدَ هُوَ إظْهَارُ صِفَةِ الْكَمَالِ وَيَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالنِّسْبَةِ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ لَا الْحُكْمَ بِمَعْنَى الْإِيقَاعِ فَإِنَّهُ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالْحَاكِمِ إذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إذْعَانِ النِّسْبَةِ وَلَا دَلَالَةَ لِلَفْظِ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ خَبَرِ الشَّاكِّ فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ فِيهِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَجَوَّزَ الْحَوَاشِي فِي تَعْلِيقِ الظَّرْفِ وُجُوهًا مِنْهَا أَنَّهُ ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَمْدِ وَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ لُزُومَ الْإِخْبَارِ عَنْ الْمَصْدَرِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَعْمُولَاتِهِ إلَّا أَنْ يُغْتَفَرَ ذَلِكَ فِي الظُّرُوفِ لِكَثْرَةِ تَوَسُّعِهِمْ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِخْبَارِ حِينَئِذٍ إذْ الْمَعْنَى عَلَيْهِ الْحَمْدُ عَلَى أَفْضَالِ اللَّهِ ثَابِتٌ لِلَّهِ وَثُبُوتُ الْحَمْدِ عَلَى أَفْضَالِ اللَّهِ لِلَّهِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ الْمُضَافُ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ عَمَلَ الْمَصْدَرِ الْمُعَرَّفِ " بِأَلْ " قَلِيلٌ حَتَّى قَالَ الْجَامِيُّ وَلَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مِنْ الْمَصَادِرِ الْمُعَرَّفَةِ بِاللَّامِ عَامِلًا فِي فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ صَرِيحٍ بَلْ قَدْ جَاءَ عَامِلًا بِحَرْفِ الْجَرِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 148] وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَصْدَرَ إنَّمَا عَمِلَ؛ لِأَنَّهُ فِي تَقْدِيرِ انْحِلَالِهِ إلَى " أَنْ وَالْفِعْلِ " فَكَمَا لَا تَدْخُلُ لَامُ التَّعْرِيفِ عَلَى أَنْ مَعَ الْفِعْلِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُقَدَّرِ بِهِ وَبِهَذِهِ الْعِلَّةِ يَظْهَرُ لَك وَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّ فِيهِ إخْبَارًا عَنْ الْمَصْدَرِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَعْمُولَاتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْبَارٍ عَنْ الْمَوْصُولِ قَبْلَ تَمَامِ صِلَتِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ أَيْضًا فِي عِلَّةِ الِامْتِنَاعِ إنَّ فِيهِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْعَامِلِ وَمَعْمُولِهِ بِأَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ مَعْمُولٌ لِلْمَصْدَرِ فَهُوَ مِنْ بَقِيَّةِ الصِّلَةِ وَالْخَبَرُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا وَظَهَرَ لَك مِنْ هَذَا أَيْضًا ضَعْفُ تَجْوِيزِهِمْ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ حَمْدِي؛ لِأَنَّ فِيهِ عَمَلَ الْمَصْدَرِ مَحْذُوفًا وَعِلَّتُهُ مَا ذَكَرْنَا فَيَرْجِعُ لِحَذْفِ الْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ مَعَ بَقَاءِ مُتَعَلِّقِ الصِّلَةِ تَأَمَّلْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِخْبَارِ إلَخْ فَمُنْدَفِعٌ بِجَعْلِ الْجُمْلَةِ إنْشَائِيَّةً كَمَا بَيَّنَّا وَعَلَى تَقْدِيرِ خَبَرِيَّتِهَا يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا إخْبَارُ أَحَدٍ بَلْ قُصِدَ بِهَا تَحْصِيلُ الْحَمْدِ كَبَقِيَّةِ صِيَغِ الْأَذْكَارِ وَالتَّنْزِيهَاتِ وَكَيْفَ لَا وَمَنْ الَّذِي قُصِدَ إخْبَارُهُ حَتَّى تَكُونَ الْإِفَادَةُ لَهُ وَلَوْ فُرِضَ مُخَاطَبٌ قُصِدَ إخْبَارُهُ لَكَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ بِقَوْلِنَا السَّمَاءُ فَوْقَنَا وَنَقَلَ يَاسِينُ فِي حَوَاشِي الصُّغْرَى عَنْ الْعَلَّامَةِ عَلَاءِ الدِّينِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْجُمَلَ الْخَبَرِيَّةَ لَا يَلْزَمُهَا الْإِخْبَارُ بَلْ قَدْ تَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ وَالتَّحَزُّنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ وَالتَّحْمِيدُ فَيَكُونُ قَائِلُهَا حَامِدًا كَمَا كَانَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ مُتَحَسِّرَةً وَلَا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا مُحْتَمَلَةً لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ؛ لِأَنَّهَا إذَا نُظِرَ لِمُجَرَّدِ مَفْهُومِهَا تَحْتَمِلُهَا وَهَذَا هُوَ الْفَاصِلُ لِلْخَبَرِ عَنْ الْإِنْشَاءِ وَقَوْلُهُمْ فِي الْجَوَابِ إنَّنَا نُلَاحِظُ الْمُضَافَ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ يَأْبَاهُ مَقَامُ الْحَمْدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِضَافَةِ كَمَا قَالَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ الْإِشَارَةُ إلَى حُضُورِ الْمُضَافِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ كَمَا أَنَّ اللَّامَ إشَارَةٌ إلَى حُضُورِ مَا عُرِفَ بِهَا فِيهِ اهـ.
فَكَأَنَّهُ يَقُولُ الْإِفْضَالُ الْكَامِلُ الظُّهُورُ الْبَالِغُ إلَى حَدِّ حُضُورِهِ فِي ذِهْنِ كُلِّ أَحَدٍ مِمَّا يَسْتَحِقُّ الْمُتَّصِفُ بِهِ أَنْ يَحْمَدَهُ وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ يَبْقَى الْمُضَافُ فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ فَيَدُلُّ عَلَى فَضْلٍ مَا وَلَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ كَمَا سَيَتَّضِحُ لَك ذَلِكَ عَنْ قَرِيبٍ وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يُرَدُّ تَقْدِيرُ جَعْلِ الظَّرْفِ خَبَرًا عَنْ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ مَا رَجَّحْنَاهُ سَابِقًا أَنَّهَا إذَا جُعِلَتْ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ ذَلِكَ انْحِصَارُ عِلَّةِ ثُبُوتِ الْحَمْدِ لِلَّهِ فِي الْإِفْضَالِ
(1/7)

إلَيْهِ حَاجَةُ الْمُتَفَهِّمِينَ لِجَمْعِ الْجَوَامِعِ مِنْ شَرْحٍ يَحُلُّ أَلْفَاظَهُ وَيُبَيِّنُ مُرَادَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ غَيْرُ الْأَفْعَالِ كَالذَّاتِ وَصِفَاتِهَا الذَّاتِيَّةِ يَكُونُ عِلَّةً أَيْضًا أَمَّا إنْ جُعِلَتْ لِلْجِنْسِ فَلَا إيرَادَ إذْ ثُبُوتُ جِنْسِ الْحَمْدِ لِأَجْلِ الْإِفْضَالِ لَا يُنَافِي ثُبُوتَهُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا فَفِيهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجِنْسِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي ثُبُوتِ الِانْحِصَارِ فَإِنَّ انْحِصَارَ الْمَاهِيَّةِ فِي شَيْءٍ يَقْضِي أَنَّهُ لَا فَرْدَ لِمَا سِوَاهُ نَظِيرُ مَا قَالَهُ الْمَنَاطِقَةُ فِي الْكُلِّيِّ الْمُنْحَصِرِ فِي فَرْدِهِ ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلَّةِ هُنَا الْعِلَّةُ الْبَاعِثَةُ وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي صِفَةِ الْعَمَلِ لَا الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ كَمَا بَنَوْا عَلَيْهِ كَلَامَهُمْ وَلِذَلِكَ اسْتَشْكَلُوا وُقُوعَ الْحَمْدِ بِالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَتَكَلَّفُوا فِي جَوَابِهِ.

(قَوْلُهُ: وَآلِهِ) وَاقْتَصَرَ عَلَى الْآلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِالصَّحْبِ بَعْدَهُ اخْتَلَّ السَّجْعُ وَإِنْ قَدَّمَهُ يَلْزَمُ خِلَافُ الْمُتَعَارَفِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ هِيَ الْوَارِدَةُ فِي الْكَيْفِيَّاتِ الْمَرْوِيَّةِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحْبِ فَبِطَرِيقِ الْقِيَاسِ هَذَا إنْ فُسِّرَ الْآلُ بِأَقَارِبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ فُسِّرَ بِالْأَتْبَاعِ دَخَلَتْ الصَّحَابَةُ وَكَانَ فِيهِ تَوْرِيَةٌ وَهَذَا أَوْلَى لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ إيَّاهُ، وَلِوُجُودِ الْمُحَسِّنِ الْبَدِيعِيِّ (هَذَا مِمَّا اشْتَدَّتْ) أَوْرَدَ الْمُسْنَدَ إلَيْهِ اسْمَ إشَارَةٍ لِلْإِشَارَةِ إلَى كَمَالِ اسْتِحْضَارِهِ وَتَمْيِيزِهِ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ بِوَاسِطَةِ الْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ فَإِنَّ أَصْلَ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ أَنْ يُشَارَ بِهَا إلَى مَحْسُوسٍ مُشَاهَدٍ كَقَوْلِ ابْنِ الرُّومِيِّ
هَذَا أَبُو الصَّقْرِ فَرْدًا فِي مَحَاسِنِهِ ... مِنْ نَسْلِ شَيْبَانَ بَيْنَ الضَّالِّ وَالسَّلَمِ
وَتَقْرِيرُ الِاسْتِعَارَةِ هُنَا غَيْرُ خَفِيٍّ وَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وَالْحَمْلُ عَلَى الثَّانِي أَوْلَى لَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَدُّدُ صِلَاتِ الْمَوْصُولِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَيَّانَ فِي النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] الْآيَةَ وَكَأَنَّ هَذَا الْمَوْصُولَ وَصَلَاتَهُ شَرْحٌ لِلْمُتَّقِينَ وَتَرْتِيبُ هَذِهِ الصَّلَاةِ مِنْ بَابِ تَرْتِيبِ
(1/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ اهـ. بَلْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ وَضْعِ الْمَوْصُولِ أَنْ يُطْلِقَهُ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى مَا يُعْتَقَدُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ يَعْرِفُهُ بِكَوْنِهِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ حَاصِلٍ لَهُ فَلِذَا شُرِطَ فِي صِلَتِهِ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ لِزَوَالِ إبْهَامِهِ بِتِلْكَ الصِّلَةِ وَكَانَتْ الْمَوْصُولَاتُ مَعَارِفَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرْحَ لَا وُجُودَ لَهُ خَارِجًا قَبْلَ الْإِشَارَةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْلَمَ الْمُخَاطَبُ اتِّصَافَهُ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ وَمَا وَاقِعُهُ عَلَى شَرْحٍ كَمَا بَيَّنَهُمَا بِقَوْلِهِ لَهُ مِنْ شَرْحِ إلَخْ وَإِنَّمَا أَبْهَمَ الْمَحْكُومَ بِهِ أَوَّلًا ثُمَّ فَسَّرَهُ لِتَتَشَوَّقَ النَّفْسُ لِتَفْسِيرِهِ فَيَتَمَكَّنُ الْحُكْمُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ أَشَدَّ تَمَكُّنٍ وَقَدَّمَ بَعْضَ الصِّفَاتِ لِزِيَادَةِ ذَلِكَ التَّشَوُّقِ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ بِهَذَا إمَّا الْعِبَارَاتُ الذِّهْنِيَّةُ الَّتِي أَرَادَ الشَّارِحُ كِتَابَتَهَا كَمَا قَالَ نَظِيرُهُ الْعَلَّامَةُ الْقَوْشَجِيُّ فِي قَوْلِ الْعَضُدِ فِي مُفْتَتَحِ الرِّسَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ هَذِهِ فَائِدَةٌ، أَوْ الْمَعَانِي فَظَهَرَ أَنَّ الْمُسْنَدَ اسْمٌ نَكِرَةٌ يَتَنَاوَلُ سَائِرَ أَفْرَادِهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ فَهُوَ مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ صَادِقٌ عَلَى أَيِّ شَرْحٍ وَلِذَلِكَ احْتَاجَ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَقَوْلُ بَعْضِ الْحَوَاشِي: ثُمَّ إنْ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الْجِنْسِ إلَخْ، كَلَامٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ إذْ مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا وَقَعَتْ التَّسْمِيَةُ لِلشَّرْحِ كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ أَنَّهُمْ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ نَحْوَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَقُولُونَ وَسَمَّيْتُهُ كَذَا.
وَأَمَّا مَا هُنَا فَالْحَمْلُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ حَمْلِ الِاسْمِ عَلَى الْمُسَمَّى كَمَا تَوَهَّمُوهُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ وَإِنْ اُشْتُهِرَ وَطَفَحَتْ بِهِ عِبَارَاتُهُمْ فَلَا يَخْلُو عَنْ الْمُنَاقَشَةِ فَإِنَّ ذِكْرَهُمْ الْخِلَافَ فِي الذِّهْنِ هَلْ يَقُومُ بِهِ الْمُفَصَّلُ كَمَا يَقُومُ بِهِ الْمُجْمَلُ أَوْ لَا لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي إذْ يَقُومُ بِهِ الْأَمْرَانِ مَعًا بِدَلِيلِ تَقْسِيمِهِمْ الْعَلَمَ إلَى الْإِجْمَالِيِّ وَالتَّفْصِيلِيِّ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ عَلَى أَنَّ فِي ذِكْرِ الْقِيَامِ إشْعَارٌ بِالْقَوْلِ بِالْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ وَقَدْ نَفَاهُ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَثْبَتَهُ الْحُكَمَاءُ.
وَالْقَوْلُ بِعَلَمِيَّةِ الْجِنْسِ ضَعِيفٌ فَإِنَّ عَلَمِيَّتَهُ تَقْدِيرِيَّةٌ اضْطِرَارِيَّةٌ لِضَرُورَةِ الْأَحْكَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ حَتَّى قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الْجِنْسِ فِي الْمَعْنَى اهـ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدَّاعِيَ لِجَعْلِهِمْ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الْجِنْسِ وَتَرْجِيحَهُ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ تَصْحِيحُ الْمَعْنَى حَيْثُ اتَّحَدَا مَعْنًى فَمَا الْمُرَجَّحُ مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْعَلَمِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ يُنَافِيهِ دُخُولُ (الـ) فِي نَحْوِ الْمِفْتَاحِ وَالْكَافِيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِنَاؤُهُمْ جَعْلَهَا مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الشَّخْصِ عَلَى أَنَّ الذِّهْنَ يَقُومُ بِهِ الْمُفَصَّلُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ بَلْ يَكْفِي فِي وَضْعِ الْعَلَمِ الشَّخْصِيِّ اسْتِحْضَارُهُ وَلَوْ بِوَجْهٍ كُلِّيٍّ كَمَا بَيَّنَهُ الْعِصَامُ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْوَضِيعَةِ وَقَوْلُهُمْ هَلْ الشَّيْءُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَحَلِّهِ إلَخْ مِمَّا لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ وَالْعَرَضُ يَتَشَخَّصُ بِتَشْخِيصِ مَحَلِّهِ فَيَتَعَدَّدُ قَطْعًا وَكَذَلِكَ الْمَعَانِي تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ التَّعَلُّقَاتِ فَالْأَوْلَى هَلْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ التَّعَدُّدُ أَوْ لَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ تَنْبَنِي عَلَى الظَّاهِرِ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: اشْتَدَّتْ) أَيْ قَوِيَتْ وَقَوْلُهُمْ عَبَّرَ هُنَا بِ اشْتَدَّتْ وَفِي شَرْحِهِ لِمِنْهَاجِ الْفِقْهِ بِدَعَتْ؛ لِأَنَّ شُرُوحَ الْمِنْهَاجِ السَّابِقَةَ عَلَى شَرْحِهِ أَكْثَرُ وَأَجَلُّ وَأَفْيَدُ مِنْ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ فَحَاجَتُهُ إلَى شَرْحِهِ دُونَ حَاجَةِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ إلَى شَرْحِهِ مِنْ النِّكَاتِ الضَّعِيفَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تَعْلِيقَاتٍ أَضْعَفَ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ هُنَا دَعَتْ وَهُنَاكَ اشْتَدَّتْ لَارْتَكَبُوا لَهُ عِلَّةً أَيْضًا وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْطَرَ فِي حَوَاشِي أَمْثَالِ هَذَا الْكِتَابِ.
(قَوْلُهُ: الْمُتَفَهِّمِينَ) مِنْ التَّفَهُّمِ وَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ كَمَا تَأْتِي لِلصَّيْرُورَةِ كَتَحَجُّرِ الطِّينِ تَأْتِي لِلتَّكَلُّفِ وَالْمُرَادُ هُنَا لَازِمُهُ وَهُوَ إحْكَامُ الشَّيْءِ وَإِتْقَانُهُ؛ لِأَنَّ تَكَلُّفَ الْفِعْلِ يَقْضِي بِإِتْقَانِهِ وَأَحْكَامِهِ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ شُرُوحَ مَنْ قَبْلَهُ يَكْفِي لِأَصْلِ الْفَهْمِ لَكِنْ لَا يَكْفِي لِلتَّفَهُّمِ؛ لِأَنَّهُ التَّكَلُّفُ فِي الْفَهْمِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ فَشَرْحُهُ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِفَهْمِ الْكِتَابِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَفِيهِ مَدْحُ شَرْحِهِ وَبَيَانُ أَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ الشُّرُوحِ لَا يُغْنِي عَنْهُ (قَوْلُهُ: يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ) فِيهِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ فِي يَحِلُّ، وَالْأَلْفَاظُ
(1/9)

وَيُحَقِّقُ مَسَائِلَهُ وَيُحَرَّرُ دَلَائِلَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
قَرِينَةٌ أَوْ مَكْنِيَّةٌ فِي الْأَلْفَاظِ وَيَحِلُّ تَخْيِيلٌ وَمَا قِيلَ إنَّهُ تَرْشِيحٌ لِلْمَكْنِيَّةِ فَسَهْوٌ أَوْ فِيهِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ حَيْثُ أَسْنَدَ الْحَلَّ إلَى ضَمِيرِ الشَّرْحِ وَحَقُّهُ أَنْ يُسْنَدَ لِلْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الشَّرْحَ آلَةٌ فِي الْحَلِّ.
(قَوْلُهُ: وَيُبَيِّنُ مُرَادُهُ) أَيْ الْمُرَادُ مِنْهُ أَوْ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ أَوْ مُرَادُ مُؤَلِّفِهِ فَهُوَ مَجَازٌ حُذِفَ وَيُحْتَمَلُ الِاسْتِعَارَةُ الْمَكِنِيَّةُ فِي الضَّمِيرِ وَإِثْبَاتُ الْمُرَادِ تَخْيِيلٌ وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ اللَّازِمِ؛ لِأَنَّ حَلَّ الْأَلْفَاظِ يَلْزَمُهُ بَيَانُ الْمُرَادِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِاللُّزُومِ فِي أَمْثَالِهِ لَا اللُّزُومُ الْعَقْلِيُّ وَهُوَ عَدَمُ الِانْفِكَاكِ فَإِنَّ مُصْطَلَحَ الْمِيزَانِ الْمُقَامَ هُنَا خِطَابِيٌّ يَنْزِلُ عَلَى اصْطِلَاحِ الْبَيَانِيِّينَ فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ إنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ حَلَّ الْأَلْفَاظِ قَدْ لَا يَتَبَيَّنُ بِمُجَرَّدِهِ الْمُرَادُ وَتَبْيِينُ الْمُرَادِ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ حَلِّ الْأَلْفَاظِ كَأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَحْوِ وَالْمُرَادُ كَذَا.
(قَوْلُهُ: وَيُحَقِّقُ مَسَائِلَهُ) أَيْ يَذْكُرُهَا عَلَى وَجْهٍ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ وَهَذَا صَادِقٌ بِأَنْ يَصْحَبَهَا دَلِيلٌ أَوْ لَا وَالْمَسْأَلَةُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْقَضِيَّةِ الْمَلْفُوظَةِ كَذَلِكَ تُطْلَقُ عَلَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ فَإِنْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ قُدِّرَ مُضَافٌ أَيْ أَحْكَامُ مَسَائِلِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيُحَرِّرُ دَلَائِلَهُ) أَيْ يُخَلِّصُهَا عَمَّا يُخِلُّ بِوَجْهِ الدَّلَالَةِ أَوْ يَدْفَعُ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنْ الْمُنَوَّعِ شُبِّهَ ذَلِكَ التَّخْلِيصُ بِتَخْلِيصِ الرَّقَبَةِ مِنْ الرِّقِّ بِجَامِعِ زَوَالِ النَّقْصِ فِي كُلٍّ وَإِثْبَاتُ صِفَةِ الْكَمَالِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ وَالدَّلَائِلُ جَمْعُ دَلَالَةٍ بِمَعْنَى الدَّلِيلِ فَهُوَ جَمْعٌ قِيَاسِيٌّ كَمَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ
(1/10)

عَلَى وَجْهٍ سَهْلٍ لِلْمُبْتَدِئِينَ حَسَنٍ لِلنَّاظِرِينَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ آمِينَ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (نَحْمَدُك اللَّهُمَّ) أَيْ نَصِفُك بِجَمِيعِ صِفَاتِك إذْ الْحَمْدُ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ وَكُلٌّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى جَمِيلٌ وَرِعَايَةُ جَمِيعِهَا أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ الْمُرَادُ بِمَا ذَكَرَ إذْ الْمُرَادُ بِهِ إيجَادُ الْحَمْدِ لَا الْإِخْبَارُ سَيُوجَدُ وَكَذَا قَوْلُهُ نُصَلِّي وَنَضْرَعُ الْمُرَادُ بِهِ إيجَادُ الصَّلَاةِ وَالضَّرَاعَةِ لَا الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُمَا سَيُوجَدَانِ. وَأَتَى بِنُونِ الْعَظَمَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَبِفَعَائِلَ اجْمَعْنَ فِعَالَةً
وَقِيلَ جَمْعُ دَلِيلٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ قَالَ الْمَحَلِّيُّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِتَحْرِيرِ دَلَائِلِهِ تَحْرِيرَ دَلَائِلِهِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ وَهِيَ قَلِيلَةٌ كَمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ فَرُبَّمَا ذَكَرْنَا الْأَدِلَّةَ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ ذِكْرَ أَدِلَّةِ مَسَائِلِهِ مُحَرَّرَةً أَوْ أَعَمَّ مِنْ تَحْرِيرِ الْأَدِلَّةِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ وَمِنْ ذِكْرِهِ أَدِلَّةَ بَقِيَّةِ مَسَائِلِهِ مُحَرَّرَةً اهـ.
فَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ تَحْرِيرُ الدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي وَعَلَى الثَّانِي تَحْرِيرُ دَلَائِلِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَعَلَى الثَّالِثِ تَحْرِيرُ دَلَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهِ إمَّا بِأَنَّهَا فِيهِ أَوْ أَنَّهَا دَلَائِلُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَمَنْشَأُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ إضَافَةُ دَلَائِلَ إلَى الْكِتَابِ وَعَطْفُ هَذِهِ الصِّفَاتِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ تَامَّةٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ عَرِيقٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
إلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ
(قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهٍ) تَنَازَعَهُ كُلُّ مَنْ يَحِلُّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: سَهْلٌ لِلْمُبْتَدِئِينَ) لَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِصُعُوبَةِ كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ فُحُولِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ سُهُولَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوحِ لِزِيَادَةِ تَحْرِيرِهِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ سُهُومَ الْبَيَانِ لَا تُنَافِي غُمُوضَ الْمَطَالِبِ فِي ذَاتِهَا وَالْإِشْكَالُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: حَسَنٌ لِلنَّاظِرِينَ) أَيْ الْمُتَأَمِّلِينَ فِيهِ وَقَيَّدَهُ بِالنَّاظِرِينَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَحْسُنُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَحْسُنُ لِلنَّاظِرِينَ بِأَنْ يَقُومَ بِهِمْ مَا يَمْنَعُ إدْرَاكَ الْحُسْنِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ قَادِحٍ فِي حُسْنِ الشَّيْءِ فِي الْوَاقِعِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
وَإِذَا خَفِيتُ عَنْ الْغَبِيِّ فَعَاذِرٌ ... أَنْ لَا تَرَانِي مُقْلَةٌ عَمْيَاءُ
فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا مِنْ الْحُسْنِ إلَى حَدٍّ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ وَاحْتِمَالُ أَنَّ حُسْنَهُ لِلنَّاظِرِينَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَسَنًا فِي نَفْسِهِ بَعِيدٌ عَنْ الْمَقَامِ.

(قَوْلُهُ: بِجَمِيعِ صِفَاتِك) أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ لِعَجْزِ الْقُوَى الْبَشَرِيَّةِ عَنْ الْإِحَاطَةِ بِكِمَالَاتِهِ - تَعَالَى - تَفْصِيلًا وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَيْسَ مَدْلُولًا لِلصِّيغَةِ وَحْدَهَا إذْ الْمَدْلُولُ نُثْنِي عَلَيْك فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِمَعُونَةِ الْمَقَامِ وَلِذَا عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ إذْ الْحَمْدُ إلَخْ فَنَقَلَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ عَنْ الْفَائِقِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُقَدِّمَةَ الْقَائِلَةَ وَكُلٌّ مِنْ صِفَاتِهِ جَمِيلٌ لِإِفَادَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَذْكُورَ يَحْتَاجُ لِمَعُونَةٍ فَهَذَا إنْشَاءُ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِحَالِ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: بِمَا ذُكِرَ) أَيْ قَوْلُهُ نَحْمَدُك وَقَوْلُهُ إذْ الْمُرَادُ بِهِ أَيْ بِمَا ذُكِرَ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى كَوْنِ التَّعْظِيمِ مُرَادًا بِأَنَّ الْجُمْلَةَ قُصِدَ بِهَا إيجَادُ الْحَمْدِ وَإِنْشَاؤُهُ لَا الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ سَيُوجَدُ.
وَفِي تَصْدِيرِ الْمُضَارِعِ بِسِينِ الِاسْتِقْبَالِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ نَحْمَدُك وَنَحْوَهُ إنَّمَا يَكُونُ إخْبَارًا بِالنَّظَرِ لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبِلِ لَا الْحَالِ فَهُوَ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ مِنْهُ حَمْدٌ أَوْ إمَّا أَنَّهُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ أَوْ بِبَعْضِهَا فَلَا دَلَالَةَ لِلْكَلَامِ عَلَيْهِ فَهَذَا وَجْهٌ مُرَجَّحٌ لِاخْتِيَارِ جَعْلِ الْجُمْلَةِ إنْشَائِيَّةً وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الِاسْتِقْبَالُ هُنَا فِي الْجُمْلَةِ الْمُضَارِعَةِ مَعَ كَوْنِ الْمُضَارِعِ يَدُلُّ عَلَى الْحَالِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ فِعْلٌ لِسَانِيٌّ فَلَا يُمْكِنُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ بِهِ فَوَجَبَ أَنَّهُ إذَا كَانَ إخْبَارًا لَا يَكُونُ إخْبَارًا عَنْ الْحَالِ فَهُوَ إمَّا إنْشَاءٌ أَوْ خَبَرٌ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ لَكِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا عَنْ الِاسْتِقْبَالِ تَفُوتُ النُّكْتَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَا يَتِمُّ هَذَا فِي نُصَلِّي وَنَضْرَعُ إذْ الْمَقْصُودُ بِهِمَا الْإِنْشَاءُ، فَإِنْ قُلْت لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا عَنْ حَمْدٍ
(1/11)

لِإِظْهَارِ مَلْزُومِهَا الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ لَهُ يَتَأَهَّبُ لَهُ الْعِلْمُ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] .

وَقَالَ مَا تَقَدَّمَ دُونَ نَحْمَدُ اللَّهَ الْأَخْصَرُ مِنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
حَاصِلٍ كَمَا إذَا قِيلَ أَتَكَلَّمُ مُخْبِرًا عَنْ التَّكَلُّمِ الْحَاصِلِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ بِنَاءً عَلَى مَا حَقَّقَهُ بَعْضُ حَوَاشِي شَرْحِ الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْمُحَاكَاةُ عَنْهَا فِي الْوَاقِعِ فَلَا تَكُونُ حِكَايَةً عَنْ نَفْسِهَا إذْ مُحَاكَاةُ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ صَارَ احْتِمَالُ الْمُطَابَقَةِ واللامطابقة مِنْ خَوَاصِّ التَّصْدِيقَاتِ فَإِنَّ الصُّورَةَ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْمُحَاكَاةُ عَنْ أَمْرٍ وَاقِعٍ لَا تَجْرِي فِيهَا التَّخْطِئَةُ وَالتَّغْلِيطُ وَقَالَ مِيرْ زَاهِدْ فِي حَوَاشِي ذَلِكَ الشَّرْحِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ هُوَ مِصْدَاقُ الْقَضِيَّةِ وَمِصْدَاقُهَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ نَفْسَهَا وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إلَى قَوْلِهِ " وَأَتَى بِنُونِ الْعَظَمَةِ " تَوْجِيهٌ لِاخْتِبَارِ كَوْنِ الْجُمْلَةِ إنْشَائِيَّةً لِمَا ذُكِرَ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَنَاسُقِ الْجُمَلِ فِي الْعَطْفِ فَالْجُمَلُ الثَّلَاثَةُ مِنْ قِبَلِ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْإِنْشَاءِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِإِظْهَارِ مَلْزُومِهَا) أَيْ الْعَظَمَةِ وَذَلِكَ الْمَلْزُومُ تَعْظِيمُ اللَّهِ لَهُ كَمَا قَالَ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ إلَخْ وَعِلَّةُ الْإِظْهَارِ امْتِثَالٌ قَوْله تَعَالَى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]
وَخُلَاصَتُهُ، أَنَّهُ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْمُضَارِعِ الْمَبْدُوءِ بِالْهَمْزَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ إلَى النُّونِ الَّتِي لِلْجَمَاعَةِ أَوْ الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ وَإِنَّمَا لَمْ تُجْعَلْ النُّونُ مُسْتَعْمَلَةً فِي الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ جَرَى عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ الْإِنْشَائِيَّةَ وَالشَّخْصُ إنَّمَا يُنْشِئُ فِعْلَ نَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ لِمُشَارَكَةٍ. نَعَمْ، عَلَى تَقْدِيرِ الْخَبَرِيَّةِ هِيَ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ وَتَكُونُ إخْبَارًا عَنْهُ وَعَنْ لِسَانِ غَيْرِهِ وَقَدْ تَصِحُّ الْإِنْشَائِيَّةُ بِتَخَيُّلِ أَنَّهُ يُنْشِئُ الْحَمْدَ بِلِسَانِهِ وَبِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ فَتُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ حَامِدِينَ لَكِنَّهُ وَجْهٌ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخَيُّلِ فَلِذَا لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ الشَّارِحُ، وَجَعْلُ النُّونِ هُنَا لِلْمُعَظِّمِ نَفْسِهِ اسْتِعْمَالٌ كِنَائِيٌّ فَإِنَّ النُّونَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعَظَمَةِ لِيَنْتَقِلَ الذِّهْنُ مِنْهَا إلَى مَلْزُومِهَا الَّذِي وَهُوَ التَّعْظِيمُ كَذَا فِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ لَا فِي مَلْزُومِهِ فَإِنَّ اللَّازِمَ لَا يَدُلُّ عَلَى مَلْزُومِهِ بِجَوَازِ كَوْنِهِ أَعَمَّ وَإِنَّمَا الْمَلْزُومُ يَدُلُّ عَلَى لَازِمِهِ دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَلْزُومَ هُنَا لَازِمٌ أَيْضًا إذْ مُرَادُ الْبَيَانِيِّينَ اللُّزُومُ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ أَوْ الْغَلَبَةِ أَوْ الْقَرِينَةِ أَوْ الِادِّعَاءِ فَيَدَّعِي هُنَا مُسَاوَاةَ اللُّزُومِ وَالِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مَعْنًى كِنَائِيًّا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ يُرَادَ الْعَظَمَةُ وَالتَّعْظِيمُ مَعًا وَلَا يُقَالُ إنَّ فِي إظْهَارِ ذَلِكَ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّزْكِيَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا مَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْفَخْرِ لَا مَا كَانَتْ بِنَحْوِ تَعْرِيفِ مَقَامِهِ فِي الْعِلْمِ لِيَقْصِدَ وَيَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ إنَّ خِطَابَ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مِنْ عَبْدِهِ مَقَامُ التَّلَبُّسِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِالذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالِانْكِسَارِ وَلَيْسَ مَقَامَ تَعَرُّضٍ لِعَظَمَةِ الْعَبْدِ فَمُنْدَفِعٌ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا فَتُجْعَلُ هَذِهِ النِّعْمَةُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ مَعَ اعْتِرَافِهِ لِرَبِّهِ بِالْخُضُوعِ فَالْمُرَادُ بِالتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ هُنَا الِاعْتِرَافُ بَيْنَ يَدَيْ الْحَقِّ بِهَا فَتَكُونُ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ أَيْضًا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ أَيْضًا إنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِالتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ لَا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْخِطَابُ هُنَا مَعَهُ سُبْحَانَهُ.

(قَوْلُهُ: الْأَخْصَرُ مِنْهُ) أَفْعَلُ
(1/12)

لِلتَّلَذُّذِ بِخِطَابِ اللَّهِ وَنِدَائِهِ.

وَعَدَّلَ عَنْ الْحَمْدِ لِلَّهِ الصِّيغَةَ الشَّائِعَةَ لِلْحَمْدِ إذْ الْقَصْدُ بِهَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ مِنْ الْخَلْقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
التَّفْضِيلِ الْمُعَرَّفُ بِأَلْ كَالْمُضَافِ لَا يُسْتَعْمَلُ بِمِنْ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِأَنَّ " أَلْ " زَائِدَةٌ أَوْ جِنْسِيَّةٌ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَدْخُولَهَا فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ أَوْ بِأَنَّ مِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَخْصَرَ مُقَدَّرٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالْمَذْكُورِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًا ... وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ
كَذَا فِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَنُظِرَ فِي التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ بِصَيْرُورَةِ مَدْخُولِ " أَلْ " نَكِرَةً فَيَلْزَمُ نَعْتُ نَحْمَدُ اللَّهَ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَفْظُهُ بِالنَّكِرَةِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ (وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ) بِجَعْلِهِ بَدَلًا أَوْ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِيَّةِ قِيلَ وَهَلْ يُرَدُّ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا جِنْسِيَّةٌ؛ لِأَنَّ مَدْخُولَهَا لَهَا فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ مَدْخُولَا " أَلْ " الْجِنْسِيَّةِ فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ إجْرَاؤُهُ مَجْرَاهَا نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى فَلَا يُنَافِي صِحَّةَ إجْرَائِهِ مَجْرَى الْمَعْرِفَةِ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ.
أَقُولُ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ التَّكَلُّفِ فَالْأَحْسَنُ، الْقَوْلُ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ فَإِنَّ جَعْلَهَا جِنْسِيَّةً مُعَارَضٌ بِقَوْلِ الْجَامِيِّ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ إنَّ اللَّامَ فِي أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ لَا تَكُونُ إلَّا لِلْعَهْدِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُشَارُ بِاللَّامِ إلَى مُعَيَّنٍ بِتَعْيِينِ الْمُفَضَّلِ مَذْكُورٌ قَبْلَهُ لَفْظًا أَوْ حُكْمًا كَمَا إذَا طُلِبَ شَخْصٌ أَفْضَلُ مِنْ زَيْدٍ فَقُلْتَ عَمْرٌو الْأَفْضَلُ أَيْ الشَّخْصُ الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ زَيْدٍ.

(قَوْلُهُ: لِلتَّلَذُّذِ) بِخِطَابِ اللَّهِ وَنِدَائِهِ الْخِطَابُ بِالْكَافِ وَالنِّدَاءُ بِالْمِيمِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ يَا اللَّهُ حُذِفَتْ يَا وَعُوِّضَ عَنْهَا بِالْمِيمِ وَلِهَذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ عَنْهُ وَشُدِّدَتْ لِتَكُونَ عَلَى حَرْفَيْنِ كَالْمُعَوَّضِ عَنْهُ وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ لَاهُمَّ بِحَذْفِ " أَلْ " هَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَالْبَصْرِيِّينَ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ الْمِيمُ عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ وَالتَّقْدِيرُ يَا اللَّهَ آمِنَّا بِخَيْرٍ أَيْ اقْصِدْنَا ثُمَّ حُذِفَ لِلِاخْتِصَارِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَهُنَاكَ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْمِيمَ زَائِدَةٌ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنَى الْجَمْعِ كَمَا زِيدَتْ فِي " زُرْقُمٍ " لِشِدَّةِ الزُّرْقَةِ وَاِبْنُم فِي الِابْنِ قَالَ السَّيِّدُ وَهُوَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ وَإِنْ كَانَتْ عِوَضًا عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ فَإِنَّ التَّاءَ فِي قَوْلِنَا تَاللَّهِ بَدَلٌ مِنْ الْبَاءِ وَفِيهَا مَعْنَى التَّعَجُّبِ قَالَ الْكَمَالُ وَيَصِحُّ تَوْجِيهُ الْخِطَابِ أَيْضًا بِمَا فِي الْخِطَابِ وَالنِّدَاءِ مِنْ الْإِشْعَارِ بِأَنَّ حَمْدَهُ وَاقِعٌ عَلَى وَجْهِ الْإِحْسَانِ الْمُفَسَّرِ «بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ» ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْخِطَابِ وَالنِّدَاءِ دَالٌّ عَلَى الْحُضُورِ.

(قَوْلُهُ: إذْ الْقَصْدُ) أَيْ بِالصِّيغَةِ الشَّائِعَةِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ لِمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ الصِّيغَةُ الشَّائِعَةُ لِلْحَمْدِ مِنْ أَنَّ صِيغَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ " لِإِنْشَاءِ الْحَمْدِ أَيْ لِإِنْشَاءِ الثَّنَاءِ " عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ إلَخْ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلْعُدُولِ عَنْ تِلْكَ الصِّيغَةِ إلَى مَا قَالَهُ.
(قَوْلُهُ: مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ لَامَ " لِلَّهِ " لِلْمُلْكِ وَمِثْلُهُ مَا إذَا جُعِلَتْ لِلِاخْتِصَاصِ وَأَنَّ " أَلْ " استغراقية أَوْ جِنْسِيَّةٌ وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ الْخَلْقِ لِإِخْرَاجِ الْحَمْدِ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى إذْ مَرْجِعُهُ لِصِفَةِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالثَّنَاءِ وَصِفَاتُهُ تَعَالَى لَا تَتَّصِفُ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ لِلْإِيهَامِ اللَّفْظِيِّ وَإِنْ كَانَتْ اللَّامُ الَّتِي لِلْمُلْكِ مَعْنَاهَا الِارْتِبَاطُ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْفَتْحِ فِي حَوَاشِي الْحَنَفِيَّةِ وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ إذْ الصِّفَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِمَوْصُوفِهَا وَلَوْ جُعِلَتْ لَامُ " لِلَّهِ " لِلِاخْتِصَاصِ لَدَخَلَ الْحَمْدُ الْقَدِيمُ أَيْضًا وَيُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ مِنْ الْخَلْقِ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إذْ لَيْسَ غَرَضُهُ إلَّا بَيَانَ كَوْنِ الْجُمْلَةِ إنْشَائِيَّةً لَا خَبَرِيَّةً فَلَا يَضُرُّ خُرُوجُ ثَنَائِهِ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ.
وَأَقُولُ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ كَانَ الْغَرَضُ إنْشَاءً مَضْمُونًا وَهُوَ لَا يَصِحُّ كَمَا بَيَّنُوهُ وَهُوَ إنَّمَا الْمَقْصُودُ إنْشَاءُ الثَّنَاءِ بِمَضْمُونِهَا وَهُوَ حَاصِلٌ عَلَى تَقْدِيرِ شُمُولِ الْحَمْدِ الْقَدِيمِ أَيْضًا فَتَدَبَّرْ تَقْيِيدَهُمْ إفَادَةَ أَلْ الْجِنْسِيَّةِ لِلِاخْتِصَاصِ بِجَعْلِ لَامِ لِلَّهِ لِلْمُلْكِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ بَلْ
(1/13)

لَا الْإِعْلَامُ بِذَلِكَ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَصْلِ فِي الْقَصْدِ بِالْخَبَرِ مِنْ الْإِعْلَامِ بِمَضْمُونِهِ إلَى مَا قَالَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ بِرِعَايَةِ الْأَبْلَغِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
هِيَ وَحْدَهَا مُفِيدَةٌ لَهُ فَنَقُولُ كُلَّمَا كَانَ لَامُ الْمُلْكِ كَافِيًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ فَالْبِنَاءُ عَلَى دَلَالَةِ مَجْمُوعِ اللَّامَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ لَكِنْ الْمُقَدَّمُ حَقٌّ فَكَذَا التَّالِي.
وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَامَ الْمُلْكِ يَدُلُّ مَعْنَاهُ بِمُجَرَّدِ انْضِمَامِهِ إلَى مَجْرُورٍ فَمَعْنَاهُ اخْتِصَاصُ شَيْءٍ بِمَجْرُورِهِ لِاخْتِصَاصِ حَمْدٍ مُعَيَّنٍ بِكَوْنِ كُلِّ حَمْدٍ أَوْ جِنْسِ الْحَمْدِ أَوْ الْحَمْدِ الْمَعْهُودِ بِمَجْرُورِهِ فَإِنَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ إنَّمَا هِيَ مَجْمُوعُ اللَّامَيْنِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا خُصُوصِيَّةَ لِتَقْيِيدِ إفَادَةِ لَامِ الْمُلْكِ الِاخْتِصَاصَ بِانْضِمَامِ " أَلْ " الْجِنْسِيَّةِ بَلْ يَجْرِي هَذَا فِي الِاسْتِغْرَاقِ وَالْعَهْدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِفَادَةَ الْمَذْكُورَةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ضَمِيمَةِ اللَّامِ عَلَى سَائِرِ احْتِمَالَاتِهَا فَالْقَصْرُ قُصُورٌ لَا يُقَالُ اخْتِصَاصُ شَيْءٍ مَا بِمَجْرُورِهِ مَعْنًى كُلِّيٌّ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَعْنَى الْحَرْفِ جُزْئِيٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مُرَادُهُمْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْجُزْئِيِّ الْحَقِيقِيِّ وَالْإِضَافِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ قَالَ وَإِلَّا فَالِابْتِدَاءُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِنَا سِرْتُ مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ لَيْسَ جُزْئِيًّا حَقِيقِيًّا أَيْضًا إذْ ذَلِكَ الِابْتِدَاءُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا لَا تُحْصَى مِثْلَ الِابْتِدَاءِ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ وَكُلُّهَا مِنْ هَذِهِ أَفْرَادٌ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا ذَلِكَ الِابْتِدَاءُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْحُرُوفِ وَلَا شَكَّ أَنَّ اخْتِصَاصَ شَيْءٍ مَا بِاَللَّهِ تَعَالَى جُزْءٌ إضَافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى اخْتِصَاصِ شَيْءٍ مَا بِشَيْءٍ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْحُرُوفَ مَوْضُوعَةٌ لِمَعَانٍ جُزْئِيَّةٍ حَقِيقِيَّةً فَالدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْ الْفَهْمِ الْإِجْمَالِيِّ وَالتَّفْصِيلِيِّ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْفَتْحِ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى شَرْحِ التَّهْذِيبِ لِلْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ لَامَ الْمُلْكِ بِمُجَرَّدِ انْضِمَامِهِ إلَى الْمَجْرُورِ يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنَاهُ وَلَوْ إجْمَالًا فَيَكُونُ دَالًّا عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: لَا الْإِعْلَامُ بِذَلِكَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الثَّنَاءُ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ قَوْلُهُ إنَّهُ مَالِكٌ إلَخْ وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ جُمْلَةَ الْحَمْدِ لِلَّهِ إذَا كَانَتْ خَبَرِيَّةً لَا تُفِيدُ الْحَمْدَ وَهُوَ خِلَافُ الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَالِكٌ أَوْ مُخْتَصٌّ بِالْحَمْدِ حَامِدٌ قَالَ بَعْضٌ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِالْحَمْدِ لَيْسَ بِحَامِدٍ هُوَ الَّذِي أَقُولُ بِهِ اهـ.
وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَا إنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِمَا كَادَ يَصِيرُ إجْمَاعًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ جُمْلَةَ الْحَمْدَلَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ اسْمِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً خَبَرِيَّةً أَوْ إنْشَائِيَّةً مُفِيدَةٌ لِلْحَمْدِ ضِمْنًا وَقَالَ بَعْضٌ آخَرُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي هَذَا النَّفْيِ إشَارَةً إلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِحِ لَيْسَ إلَّا بَيَانَ مَا يُقْصَدُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي مَقَامِ الْحَمْدِ مِنْ إنْشَاءِ الثَّنَاءِ بِهَا وَإِنْ حَصَلَ بِهِ الثَّنَاءُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا أَيْضًا فَجَعَلَ الشَّارِحُ تِلْكَ الْجُمْلَةَ إنْشَائِيَّةً لِيُوَافِقَ الْوَاقِعَ مِنْ الْجَامِدِ لَا لِتَوَقُّفِ حُصُولِ الْحَمْدِ عَلَى كَوْنِهَا إنْشَائِيَّةً فَتَأَمَّلْ اهـ.
وَكُلُّ هَذَا بَعِيدٌ عَنْ مَذَاقِ عِبَارَةِ الشَّارِحِ بَلْ مَقْصُودُ مَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الْمَعَانِي مِنْ أَنَّ قَصْدَ الْمُخْبِرِ إمَّا إعْلَامُ الْمُخَاطَبِ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ وَهُوَ الْأَصْلُ أَوْ إعْلَامُهُ بِأَنَّ الْمُخْبِرَ عَالِمٌ بِذَلِكَ الْمَضْمُونِ كَقَوْلِك لِمَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ أَنْتَ تَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَالْأَوَّلُ مُسَمَّى فَائِدَةِ الْخَبَرِ وَالثَّانِي مُسَمَّى لَازِمِهَا إذْ إعْلَامُ الْمُخَاطَبِ بِأَنَّ الْمُخْبِرَ عَالِمٌ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ إعْلَامِهِ بِمَضْمُونِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْفَكُّ قَصْدُهُ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ عِنْدَ قَوْلِ التَّلْخِيصِ لَا شَكَّ أَنَّ قَصْدَ الْمُخْبِرِ إفَادَةُ الْمُخَاطَبِ إمَّا الْحُكْمَ أَوْ كَوْنَهُ عَالِمًا بِهِ أَيْ مَنْ يَكُونُ بِصَدَدِ الْإِخْبَارِ وَالْإِعْلَامِ لَا مَنْ يَتَلَفَّظُ بِالْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ فَإِنَّ كَثِيرًا مَا تُورَدُ الْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ لِأَغْرَاضٍ أُخَرَ سِوَى إفَادَةِ الْحُكْمِ أَوْ لَازِمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ امْرَأَةِ عِمْرَانَ {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران: 36] إظْهَارًا لِلتَّحَسُّرِ وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ زَكَرِيَّا {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} [مريم: 4] إظْهَارًا لِلضَّعْفِ وَالتَّخَشُّعِ إلَخْ قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّيَالَكُوتِيُّ وَقَوْلُهُ كَثِيرًا مَا تُورَدُ الْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ أَيْ مُرَادًا بِهَا مَعْنَاهَا وَلَيْسَ إنْشَاءً حَتَّى لَا يَصْلُحَ شَاهِدًا اهـ.
وَقَدْ سَبَقَ لَك أَيْضًا نَحْوُهُ وَحِينَئِذٍ فَمُرَادُ الشَّارِحِ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا خَبَرِيَّةً تَكُونُ خَارِجَةً عَنْ الْأَصْلِ فِي الْإِخْبَارِ مِنْ الْإِعْلَامِ فَالْمُتَكَلِّمُ بِهَا لَا يُقَالُ لَهُ مُعْلِمٌ بِالْخَبَرِ وَإِنَّمَا لَهُ مُخْبِرٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: إلَى مَا قَالَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ عَدَلَ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ نَحْمَدُك ثَنَاءً بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ حَيْثُ قَالَ الشَّارِحُ فِي تَفْسِيرِهِ أَيْ نَصِفُك بِجَمِيعِ صِفَاتِك وَقَوْلُهُ بِطَرِيقِ الْأَبْلَغِيَّةِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَرِعَايَةُ جَمِيعِهَا أَبْلَغُ فَأَبْلَغُ فِي كَلَامِهِ
(1/14)

وَهَذَا بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا.

وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ إلَّا الْأَبْلَغِيَّةُ هُنَاكَ بِأَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ فَذَلِكَ الْبَعْضُ أَعَمُّ مِنْ هَذِهِ الْوَاحِدَةِ لِصِدْقِهِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا الْكَثِيرَ فَالثَّنَاءُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ الثَّنَاءِ فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا نَعَمْ الثَّنَاءُ بِهَا مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ الثَّنَاءِ بِهِ.

(عَلَى نِعَمٍ) جَمْعُ نِعْمَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مِنْ الْمُبَالَغَةِ أَيْ أَزْيَدُ فِي الْمَعْنَى كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَأَمَّا كَوْنُهَا أَبْلَغَ مِنْ الْبَلَاغَةِ أَيْ أَتَمُّ بَلَاغَةً فَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا.

(قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الْحَمْدُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا أَيْ ثَنَاءٌ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ تِلْكَ الْوَاحِدَةُ هِيَ مَالِكِيَّةُ جَمِيعِ الْحَمْدِ وَاعْتَرَضَهُ الْكَمَالُ بِمَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ مَعْنَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كُلُّ حَمْدٍ مُسْتَحَقٌّ لَهُ تَعَالَى أَوْ مُخْتَصٌّ بِهِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ثَنَاءً بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ صِفَةٌ تَتَضَمَّنُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ إجْمَالًا؛ لِأَنَّ كُلَّ حَمْدٍ مَعْنَاهُ كُلُّ ثَنَاءٍ بِجَمِيلٍ وَكُلٌّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى جَمِيلٌ فَرِعَايَةُ الْأَبْلَغِيَّةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الشَّارِحُ حَاصِلَةٌ فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ أَظْهَرَ وَلَا يَدَّعِي أَنَّ الِافْتِتَاحَ بِمَا سِوَى مَا اُفْتُتِحَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ أَبْلَغُ مِنْ الِافْتِتَاحِ بِهِ إلَّا مَنْ ذَهِلَ عَنْ مُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلْأَدَبِ مَعَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَأَطَالَ الْمُحَشِّي فِي رَدِّهِ تَرَكْنَاهُ لِمَا فِي أَكْثَرِهِ مِنْ التَّكَلُّفِ وَالتَّحَامُلِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا رُوعِيَتْ الْأَبْلَغِيَّةُ وَلَفْظُ هُنَاكَ إشَارَةٌ لِقَوْلِهِ نَحْمَدُك اللَّهُمَّ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ) اعْتَرَضَ بِأَنَّ انْتِفَاءَ رِعَايَةِ الْأَبْلَغِيَّةِ صَادِقٌ بِإِرَادَةِ الثَّنَاءِ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ وَالثَّنَاءِ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ الصَّادِقِ بِالثَّنَاءِ بِكُلِّ الصِّفَاتِ وَبِبَعْضِهَا فَلَوْ حَذَفَ الشَّارِحُ قَيْدَ الْبَعْضِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَلْيَقَ بِمَقَامِ تَرْجِيحِ الْفِعْلِيَّةِ.
وَأَجَابَ الْمُحَشِّي بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: بِأَنْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ الْأَبْلَغِيَّةُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدًا لَهُ وَالْمَعْنَى وَإِنْ انْتَفَتْ مُرَاعَاةُ الْأَبْلَغِيَّةِ بِسَبَبِ أَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ بِالْبَعْضِ وَبِالْكُلِّ بِخِلَافِ إرَادَةِ الْبَعْضِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ التَّوَهُّمِ فَاحْتَاجَ لِبَيَانِهِ وَاسْتَغْنَى عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ بِأَنْ لِلتَّمْثِيلِ بِمَعْنَى كَانَ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ شَيْخَيْ الشَّافِعِيَّةِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ فِي كُتُبِهِمَا عَلَى مَا قَطَعَ بِهِ اسْتِقْرَاءُ كُلٍّ مِنْهُمَا فَتَابَعَهُمَا الشَّارِحُ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَذَلِكَ الْبَعْضُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إبْهَامُهُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ هَذِهِ الْوَاحِدَةِ لِصِدْقِهِ بِهَا وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا وَبِغَيْرِهَا مُطْلَقًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَوْ إنَّمَا اقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلُ فِي الْأَبْلَغِيَّةِ وَقَوْلُهُ فَالثَّنَاءُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْبَعْضِ أَبْلَغُ مِنْ الثَّنَاءِ بِهَا أَيْ مِنْ تِلْكَ الْوَاحِدَةِ وَقَوْلُهُ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي بَعْضِ التَّقَادِيرِ لَا كُلِّهَا إذْ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ تِلْكَ الْوَاحِدَةِ بِهِ فَالْمَوْجُودُ الْمُسَاوَاةُ لَا الْأَبْلَغِيَّةُ وَقَوْلُهُ أَيْضًا أَيْ كَمَا أَنَّ الثَّنَاءَ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ أَبْلَغُ وَقَوْلُهُ: نَعَمْ، اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَبْلَغُ دُفِعَ بِهِ تَوَهُّمُ أَرْجَحِيَّةِ الثَّنَاءِ بِهِ عَلَى الثَّنَاءِ بِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا أَيْ تَعْيِينُهَا بِالْعِبَارَةِ وَالْحَيْثِيَّةِ لِتَعْلِيلِ الْأَوْقَعِيَّةِ وَقَوْلُهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ أَيْ أَمْكَنُ فِيهَا
(1/15)

بِمَعْنَى إنْعَامٍ وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّعْظِيمِ أَيْ إنْعَامَاتٌ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْهَا الْإِلْهَامُ لِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَالْإِقْدَارِ عَلَيْهِ وَعَلَى صِلَةِ نَحْمَدُ.

وَإِنَّمَا حَمِدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لِإِلْفِهَا الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ وَقَوْلُهُ مِنْ الثَّنَاءِ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْبَعْضِ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ بِالْعِبَارَةِ وَإِنْ قُصِدَ بِهِ مُعَيَّنٌ وَقَدْ يُقَالُ الثَّنَاءُ بِهَا وَإِنْ كَانَ أَوْقَعَ مِنْ حَيْثُ التَّعْيِينُ فَالثَّنَاءُ لَهُ أَبْلَغُ لِشُمُولِهِ لَهَا وَلِغَيْرِهَا الْكَثِيرَ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الثَّنَاءُ بِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ جَمِيعِ الصِّفَاتِ قَالَ الْبَعْضُ وَقَدْ يُوجَدُ أَيْضًا اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ الثَّنَاءَ بِالْجُمْلَةِ الْفَعِيلَةِ بِقَصْدِ الْمُوَافَقَةِ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالْمَحْمُودِ عَلَيْهِ أَيْ كَمَا أَنَّ نِعَمَهُ تَعَالَى لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ وَتَتَزَايَدُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ بِحَمْدِهِ بِمَحَامِدَ لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ.

(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى إنْعَامٍ) وَجْهُ الْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْجَمْعِ حَمْلُ النِّعَمِ عَلَى الْمُنْعَمِ بِهِ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُجْمَعُ إلَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْأَنْوَاعُ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ إنْ أُوقِعَ فِي مُقَابَلَةِ الْأَثَرِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إلَّا الْأَصْلَ إذْ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَالْحَمْدُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ كُلِّهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ لَهَا دَخْلًا فِي تَحَقُّقِ أَفْعَالٍ اخْتِيَارِيَّةٍ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا، عَلَى مَا هُوَ الشَّائِعُ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ الْمَنْسُوبُ لِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ سَوَاءٌ كَانَ مُخْتَارًا فِيهِ أَوْ لَا أَوْ أَنَّ الْحَمْدَ عَلَيْهَا مَجَازٌ عَنْ الْمَدْحِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ فَيَشْمَلُ الْأَخْلَاقَ النَّفْسَانِيَّةَ كَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ التَّفْتَازَانِيِّ فِي الْمُطَوَّلِ إنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ أَمْكَنُ مِنْ الْحَمْدِ عَلَى النِّعْمَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ فِعْلًا (فَالْجَوَابُ) أَنَّ الْأَثَرَ النَّاشِئَ عَنْ الْفِعْلِ قَدْ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهُ وَصُدُورُهُ عَنْهُ وَحِينَئِذٍ فَالْمَحْمُودُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ أَوْ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ مِمَّا لُوحِظَ فِيهِ الْفِعْلُ فَلَا مُنَافَاةَ هَذَا الْحَمْلُ تَصْرِيحُهُ فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ بِأَنَّ الْمَحْمُودَ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا.
(قَوْلُهُ: لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّعْظِيمِ) أَيْ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا فَإِنَّ التَّنْوِينَ قَدْ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ لَهُمَا مَعًا كَمَا هُنَا وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [فاطر: 4] أَيْ ذَوُو عَدَدٍ كَثِيرٍ وَآيَاتٍ عِظَامٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ إنْعَامَاتٌ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ النِّعَمَ جَمْعٌ كَثْرَةٍ وَالْإِنْعَامَاتِ جَمْعُ قِلَّةٍ؛ لِأَنَّ جُمُوعَ السَّلَامَةِ لِلذُّكُورِ أَوْ الْإِنَاثِ لِلْقِلَّةِ فَكَيْفَ فَسَّرَهَا بِهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَصْفَ بِالْكَثْرَةِ وَالْعِظَمِ دَفَعَ إرَادَةَ الْقِلَّةِ وَصَرَفَهُ إلَى الْكَثْرَةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْهُ الْإِلْهَامُ إلَخْ) خَصَّ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِمُنَاسَبَتِهِمَا لِلْمَقَامِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى صِلَةِ نَحْمَدُ) أَيْ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ وَلَا يُنَافِيهِ جَعْلُ بَعْضِهِمْ لَهَا تَعْلِيلِيَّةً وَذَكَرَهُ مَعَ كَمَالِ وُضُوحِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهُ يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُ عَلَى بِالْحَمْدِ فِي قَوْلِهِ يُؤْذِنُ الْحَمْدُ أَوْ بِمَحْذُوفٍ فَلِهَذَا اُحْتُرِزَ عَنْهُ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ جَعْلِي يُؤْذِنُ بِالْحَمْدِ إلَخْ صِفَةً لِنِعَمٍ فَلَوْ جُعِلَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقًا بِالْحَمْدِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ جُزْءًا مِنْ صِفَتِهِ وَامْتِنَاعُهُ بَدِيهِيٌّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةً لِنِعَمٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا تَنْتَظِمُ الْجُمْلَتَانِ أَعْنِي جُمْلَةَ نَحْمَدُك اللَّهُمَّ وَجُمْلَةَ يُؤْذِنُ الْحَمْدُ
(1/16)

عَلَى النِّعَمِ أَيْ فِي مُقَابَلَتِهَا لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَاجِبٌ وَالثَّانِيَ مَنْدُوبٌ.

وَوَصَفَ النِّعَمَ بِمَا هُوَ شَأْنُهَا بِقَوْلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
بِازْدِيَادِهَا، وَقَوْلُ النَّجَّارِيِّ إنَّ " عَلَى " لَيْسَتْ تَعْلِيلِيَّةً لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ هَذِهِ عِلَّةٌ بَاعِثَةٌ عَلَى الْحَمْدِ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ وَالْبَعْضُ قَالَ فِي جَوَابِهِ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَعْلِيلِ حُصُولِ الشَّيْءِ بِعِلَّةِ قَصْرِ حُصُولِهِ عَلَى تِلْكَ الْعِلَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ وَهُوَ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ.

(قَوْلُهُ: عَلَى النِّعَمِ) لَمْ يَقُلْ عَلَى الْإِنْعَامَاتِ مَعَ أَنَّهَا الْمُرَادَةُ كَمَا أَسْلَفَهُ مُجَارَاةً لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: أَيْ فِي مُقَابَلَتِهَا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمَحْمُودَ عَلَيْهِ مَا كَانَ عِلَّةً لِصُدُورِ الْحَمْدِ (قَوْلُهُ: لَا مُطْلَقًا) اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَّقَ الْحَمْدَ أَوَّلًا بِضَمِيرِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ وَهُوَ الْكَافُ فَيُفِيدُ الْحَمْدَ لِلذَّاتِ لَا فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ حَمِدَ حَمْدًا مُطْلَقًا أَيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الذَّاتِيِّ أَشَارَ لِمِثْلِ ذَلِكَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ التَّلْخِيصِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ قَالَ سَمِّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا مُطْلَقًا أَيْ مُطْلَقًا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ لَمَّا كَانَ الْأَوَّلُ أَيْ الْحَمْدُ عَلَى النِّعَمِ وَاجِبًا وَكَانَ الْوَاجِبُ أَهَمَّ مِنْ الْمَنْدُوبِ، لَمْ يُطْلَقْ الْحَمْدُ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِئَلَّا يَخْرُجَ الْأَهَمُّ بَلْ قَيَّدَ بِالنِّعَمِ لِيَحْصُلَ وَإِنْ حَصَلَ غَيْرُهُ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ اهـ.
قَالَ شَيْخُنَا وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ وَتَبِعَهُ الْمُسْتَشْكِلُ نَظَرَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَحْقِيِّينَ كَالْعِصَامِ فِي أَطْوَالِهِ بِأَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ إفَادَةَ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِشَيْءٍ يُفِيدُ عِلِّيَّةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُشْتَقًّا بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَالْعَلَمِ وَالضَّمِيرِ فَلَا يَدُلُّ التَّعْلِيقُ بِهِ عَلَى عِلِّيَّةِ الذَّاتِ وَلَئِنْ سُلِّمَتْ فَإِنَّمَا هِيَ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ غَيْرِ الذَّاتِ كَمَا فِي حَمْدِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ تَنْظِيرٌ فِي مَحَلِّهِ وَإِنْ تَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ الْجَوَابَ عَنْهُ وَحَيْثُ عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْحَمْدُ الْمُطْلَقُ أَصْلًا وَلَا التَّنْبِيهُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الذَّاتِيِّ وَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ الْإِشْكَالُ الْمُتَقَدِّمُ اهـ.
وَأَقُولُ قَدْ سَلَفَ مِنَّا مَا يُؤَيِّدُ كَلَامَ التَّفْتَازَانِيِّ وَلْنَذْكُرْ هُنَا أَيْضًا مَا يَنْدَفِعُ بِهِ مَا أَوْرَدُوهُ عَلَيْهِ قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ وَجْهُ دَلَالَةِ التَّعْلِيقِ الْحَمْدُ بِلَفْظِ اللَّهِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الذَّاتِيِّ أَنَّهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى جَمِيعِ الصِّفَاتِ جُعِلَ تَعْلِيقُ الْحَمْدِ بِهِ كَتَعْلِيقِهِ بِالْمُشْتَقِّ الدَّالِّ عَلَى مَنْشَئِيَّةِ جَمِيعِ الصِّفَاتِ وَيَكُونُ ذِكْرُ الْإِنْعَامِ كَأَنَّهُ تَخَصَّصَ بَعْدَ التَّعْمِيمِ أَوْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ ذَاتُ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِلصِّفَاتِ وَمُسْتَتْبِعَةً لَهَا بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعَانَةٍ بِالْغَيْرِ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ بِكَوْنِهَا سَبَبًا لِلْحَمْدِ بِخِلَافِ سَائِرِ الذَّوَاتِ وَوَجْهُ دَلَالَةِ تَعْلِيقِ الْحَمْدِ بِلَفْظِ اللَّهِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الذَّاتِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ تَعْلِيقَ الْحَمْدِ بِالْإِنْعَامِ فَالْعِبَارَةُ الظَّاهِرَةُ الْحَمْدُ لِلْمُنْعِمِ أَوْ لِمَنْ أَنْعَمَ فَإِذَا عَدَلَ إلَى تَعْلِيقِهِ بِاسْمِ الذَّاتِ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِنْعَامَ فَلَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ) أَيْ الْحَمْدَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً وَقَوْلُهُ وَاجِبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقَعُ وَاجِبًا لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهَا وَإِلَّا لَاسْتَغْرَقَ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ فِي أَدَاءِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ وَلَمْ تَفِ طَاقَتُهُ إذْ نِعَمُهُ تَعَالَى مُتَوَالِيَةٌ عَلَى الْعَبْدِ لَا تَنْقَطِعُ سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَجَدُّدِ الْأَعْرَاضِ فَإِنَّهُ إنْعَامٌ بِاسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الشُّكْرَ لَا يَنْحَصِرُ فِي اللِّسَانِ بَلْ يَعُمُّ الْجِنَانَ وَالْأَرْكَانَ فَيُمْكِنُ اسْتِغْرَاقُ عُمُرِهِ فِي الشُّكْرِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْلَى جَمِيعِ النِّعَمِ مُذْعِنًا بِذَلِكَ وَعُرُوضُ الْغَفْلَةِ لَا يَمْنَعُ اسْتِمْرَارَ الِاعْتِقَادِ كَمَا أَنَّ الْغَفْلَةَ فِي الْإِيمَانِ لَا تُزِيلُهُ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) أَيْ الْمُطْلَقُ.

(قَوْلُهُ: وَوَصَفَ النِّعَمَ) لَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّعَمِ الْمَعْنَى لَا اللَّفْظُ
(1/17)

(يُؤْذِنُ الْحَمْدُ) عَلَيْهَا (بِازْدِيَادِهَا) أَيْ يُعْلِمُ بِزِيَادَتِهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْإِلْهَامِ لَهُ وَالْإِقْدَارِ عَلَيْهِ وَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ النِّعَمِ. فَيَقْتَضِيَانِ الْحَمْدَ وَهُوَ مُؤْذِنٌ بِالزِّيَادَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحَمْدِ أَيْضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ بِمَا هُوَ مُنَاسِبٌ مِنْ شَأْنِهَا وَقَضِيَّةُ هَذَا تَعَيُّنُ ظَرْفِيَّةِ الْبَاءِ فِي بِقَوْلِهِ.
وَأَمَّا مَا جَوَّزَهُ الْكَمَالُ مِنْ إبْدَالِهِ بِقَوْلِهِ مِنْ بِمَا هُوَ شَأْنُهَا فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ جَعَلَ الْمَوْصُوفَ النِّعَمَ الَّتِي هِيَ الْمَعَانِي كَمَا هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ اقْتَضَى أَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِحَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ بِمَعْنَى قَوْلِهِ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَإِنْ جُعِلَ لَفْظُ النِّعَمِ مَذْكُورٌ اقْتَضَى أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ شَأْنُ لَفْظِ النِّعَمِ وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ نَظَرٌ اهـ. سَمِّ.
وَقَدْ يُمْنَعُ التَّكَلُّفُ بِأَنَّ حَذْفَ الْمُضَافِ كَثِيرٌ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ وَقَوْلُهُ وَفِي صُحْبَةِ ذَلِكَ نَظَرٌ أَيْ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ وَصْفٌ لِلنِّعَمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا وَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ شَأْنَ لَفْظِ النِّعَمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا.
(قَوْلُهُ: يُؤْذِنُ الْحَمْدُ عَلَيْهَا) لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَمْدَ مُطْلَقًا يُؤْذِنُ بِالزِّيَادَةِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحَمْدِ عَلَيْهَا بِدَلِيلِ نَحْمَدُك اللَّهُمَّ عَلَى نِعَمٍ وَلِيَصِحَّ وَصْفُ النِّعَمِ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا اهـ سَمِّ وَكَتَبَ الْغُنَيْمِيُّ أَقُولُ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُهُ اهـ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السِّنْدِيُّ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ قَوْلَهُ يُؤْذِنُ الْحَمْدُ بِازْدِيَادِهَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْحَمْدَ عَلَيْهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُعْلِمُ) تَفْسِيرٌ لِيُؤْذِنَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ لَكِنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى يَدُلُّ دَلَالَةً الْتِزَامِيَّةً كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ إلَخْ إذْ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى شَيْءٍ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْتِزَامًا فَالتَّجَوُّزُ فِي الْمُسْنَدِ الَّذِي هُوَ يُؤْذَنُ لَا فِي إسْنَادِهِ إلَى مَرْفُوعِهِ وَقَالَ الْكَمَالُ يُؤْذِنُ أَيْ يُعْلَمُ الْحَمْدُ عَلَيْهَا الَّذِي هُوَ شُكْرٌ إمَّا بِازْدِيَادِهَا؛ لِأَنَّ صِدْقَ الْوَعْدِ فِي قَوْله تَعَالَى {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] يَقْتَضِي كَوْنَ الشُّكْرِ مَلْزُومًا لِلِازْدِيَادِ فَوُجُودُهُ يُؤْذِنُ بِوُجُودِهِ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ لَا يَتَخَلَّفُ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ قَرِيبٌ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: بِزِيَادَتِهَا) لَمْ يُعَبِّرْ بِهِ الْمُصَنِّفُ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ لِمُزَاوَجَةِ قَوْلِهِ لِرَشَادِهِمَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي الِاكْتِسَابِ وَالْكَسْبِ وَأَصْلُ ازْدِيَادٍ ازْتِيَادٌ أُبْدِلَتْ التَّاءُ دَالًا (قَوْلُهُ: وَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ النِّعَمِ) مُجَرَّدُ هَذَا كَافٍ فِي صِدْقِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يُؤْذِنُ الْحَمْدُ بِازْدِيَادِهَا فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى مَا بَعْدَهُ إلَّا أَنْ أُرِيدَ بِالْحَمْدِ عَلَى النِّعَمِ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إلَيْهِ لِدُخُولِ الْحَمْدِ عَلَى كُلِّ إلْهَامٍ وَإِقْدَارٍ حِينَئِذٍ قَالَهُ سَمِّ.
(قَوْلُهُ: فَيَقْتَضِيَانِ الْحَمْدَ) أَيْ يَسْتَلْزِمَانِهِ وَاعْتَرَضَهُ سَمِّ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ يَقْتَضِيَانِ وُجُودَ الْحَمْدِ فَمَمْنُوعٌ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ أَوْ لَا يُوجَدَ الْحَمْدُ عَلَيْهِمَا بِأَنْ يَحْمَدَ الْإِنْسَانُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى النِّعَمِ فَقَدْ وُجِدَا فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ حَمْدٌ عَلَيْهِمَا إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَحْمَدْ بَعْدَ تِلْكَ الْمَرَّةِ وَإِنْ أَرَادَ يَقْتَضِيَانِ طَلَبَ الْحَمْدِ فَمُجَرَّدُ طَلَبِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُودِهِ لَا يُؤْذِنُ بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنَّمَا الْمُؤْذِنُ بِهَا وُجُودُهُ وَمُجَرَّدُ طَلَبِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَهُ إذْ امْتِثَالُ الطَّلَبِ غَيْرُ لَازِمٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ مُرَاعًى فِي الِاقْتِضَاءِ مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْعَبْدِ مِنْ امْتِثَالِ الطَّلَبِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ اهـ وَلَا يَخْفَى صَلَاحِيَّةُ الْجَوَابِ عَلَى اخْتِيَارِ كُلٍّ مِنْ الشِّقَّيْنِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُحْمَدُ عَلَى جَمِيعِ النِّعَمِ الْمُقَارَنَةِ لِلْحَمْدِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الْإِلْهَامَ وَالْإِقْدَارَ أَيْضًا فَلَا يَحْتَاجُ لِحَمْدٍ آخَرَ وَيُمْكِنُ أَنَّ الْحَمْدَ عَلَى جَمِيعِ النِّعَمِ الْحَالِيَّةِ وَالِاسْتِقْبَالِيَّة إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ الْحَمْدَ لَا يَكُونُ عَلَى
(1/18)

وَهَلُمَّ جَرَّا فَلَا غَايَةَ لِلنِّعَمِ حَتَّى يُوقَفُ بِالْحَمْدِ عَلَيْهَا {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] وَازْدَادَ وَزَادَ اللَّامَ مُطَاوِعًا زَادَ الْمُتَعَدِّيَ تَقُولُ زَادَ اللَّهُ النِّعَمَ عَلَيَّ فَازْدَادَتْ وَزَادَتْ.

(وَنُصَلِّي) .

(عَلَى نَبِيِّك مُحَمَّدٍ) .

مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَهِيَ الدُّعَاءُ بِالصَّلَاةِ أَيْ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ «أَمَرَنَا اللَّهُ نُصَلِّي عَلَيْك فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» إلَخْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ إلَّا صَدْرَهُ فَمُسْلِمٌ.

وَالنَّبِيُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
النِّعْمَةِ الْغَيْرِ مَوْجُودَةِ حَالَ الْحَمْدِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يُوقَفَ بِالْحَمْدِ عَلَيْهَا) أَيْ تِلْكَ الْغَايَةِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَهَلُمَّ جَرَّا فَحَتَّى تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَازْدَادَ وَزَادَ) اللَّازِمُ تَخْصِيصُ زَادَ بِتَقْيِيدِهِ بِاللَّازِمِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ ازْدَادَ مُطَاوِعٌ فِي حَالَتَيْ التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ.

(قَوْلُهُ: وَنُصَلِّي) لَمْ يُسَلَّمْ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَا يُوَافِقُ عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهِيَةِ إفْرَادِ الصَّلَاةِ عَلَى السَّلَامِ وَالْقَائِلُ بِالْكَرَاهَةِ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السِّنْدِيُّ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَغَيْرُهُ.

(قَوْلُهُ: مُحَمَّدٌ) عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى نَبِيٍّ لَا صِفَةٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعَلْمَ يَنْعَتُ وَلَا يُنْعَتُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ فِي قَوْله تَعَالَى {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} [فاطر: 13] مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي حُكْمِ الْإِعْرَابِ إيقَاعُ اسْمِ اللَّهِ صِفَةً لِاسْمِ الْإِشَارَةِ أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ وَرَبُّكُمْ خَبَرٌ إنَّمَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِهِ بِالْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ كَالْمُسْتَحِقِّ لِلْعِبَادَةِ وَإِلَّا فَتَجْوِيزُ نَعْتِ اسْمِ الْإِشَارَةِ بِمَا لَيْسَ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ وَمَا لَيْسَ بِمَوْصُولٍ مِمَّا أَجْمَعَ النُّحَاةُ عَلَى بُطْلَانِهِ وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ أَيْضًا بِامْتِنَاعِ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فِي مُفَصَّلِهِ وَأَيْضًا صَرَّحَ فِي أَوَائِلِ الْكَشَّافِ بِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يُوصَفُ بِهِ وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى عَلَمِيَّتِهِ ثُمَّ الْبَدَلِيَّةِ وَإِنْ جَوَّزَهَا فِي قَوْله تَعَالَى {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2] لَكِنْ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ هَا هُنَا أَيْضًا الصِّفَةُ السَّابِقَةُ وَتَقْرِيرُ النِّسْبَةِ تَبَعٌ وَالْبَدَلِيَّةُ تَسْتَدْعِي الْعَكْسَ.

(قَوْلُهُ: مِنْ الصَّلَاةِ) أَيْ مَأْخُوذَةٌ مِنْهَا وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ قَيْدٌ أَوَّلٌ مُخْرِجٌ لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَقَوْلُهُ الْمَأْمُورُ بِهَا قَيْدٌ ثَانٍ مُخْرِجٌ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْغَيْرِ مَأْمُورٍ بِهَا أَعْنِي صَلَاةَ اللَّهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ الدُّعَاءُ بِالصَّلَاةِ) فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ لِإِنْشَاءِ الدُّعَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَقَالَ الْكُورَانِيُّ الصَّلَاةُ نَفْسُ الدُّعَاءِ، وَالدُّعَاءُ يَلْزَمُهُ التَّعْظِيمُ فَإِنَّ مَنْ دَعَوْتَ لَهُ فَقَدْ عَظَّمْتَهُ فَأُطْلِقَ الْمَلْزُومُ وَأُرِيدَ اللَّازِمُ فَيَكُونُ مَجَازًا مُرْسَلًا أَيْ وَتُعَظِّمُ نَبِيَّك بِأَنْ تَقُولَ يَا إلَهَنَا صَلِّ عَلَيْهِ أَيْ عَظِّمْهُ وَبَجِّلْهُ اهـ.
قَالَ سَمِّ وَهُوَ تَوْجِيهٌ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ فَإِنَّ فِيهِ صَرْفَ الْكَلَامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَى ذَلِكَ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مَعَ مُخَالَفَةِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَظَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ فَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ مَعْنَى الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ الرَّحْمَةُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَرْحُومٌ فَلَا نَطْلُبُ لَهُ الرَّحْمَةَ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الرَّحْمَةِ وَمَرَاتِبَهَا لَا تَنْحَصِرُ وَلَيْسَ جَمِيعُهَا حَاصِلًا لَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَيُطْلَبُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَيْسَ حَاصِلًا لَهُ اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ السِّنْدِيُّ هَذَا عَجِيبٌ فَفِي النِّهَايَةِ قِيلَ إنَّ أَصْلَهَا فِي اللُّغَةِ التَّعْظِيمُ وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِنَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَظِّمْهُ فِي الدُّنْيَا بِإِعْلَاءِ ذِكْرِهِ وَإِظْهَارِ دَعْوَتِهِ وَإِبْقَاءِ شَرِيعَتِهِ وَفِي الْآخِرَةِ بِتَشْفِيعِهِ فِي أُمَّتِهِ وَمُضَاعَفَةِ أَجْرِهِ وَمَثُوبَتِهِ وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الصَّلَاةُ الَّتِي بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ لَا تُقَالُ لِغَيْرِهِ وَاَلَّتِي بِمَعْنَى الدُّعَاءِ تُقَالُ لِغَيْرِهِ وَمِثْلُ هَذَا مَذْكُورٌ فِي الشِّفَاءِ لِعِيَاضٍ نَقْلًا عَنْ الْقُشَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ نَعَمْ زَادَ الْكُورَانِيُّ حَيْثُ جَعَلَ الْأَصْلَ هُوَ الدُّعَاءُ وَاعْتَبَرَ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي التَّعْظِيمِ مِنْ بَابِ الِاسْتِعْمَالِ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ لَكِنَّهُ لَازِمٌ مَشْهُورٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ عِنْدَهُمْ حَتَّى قَالُوا إنَّهُ الْحَقِيقَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَخْذًا) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ لِأَجْلِ كَوْنِ صَلَاتِنَا عَلَيْهِ مَأْمُورًا بِهَا وَكَوْنِهَا بِمَعْنَى دُعَائِنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ أَخَذْنَا ذَلِكَ مِنْهُ أَخْذًا فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى هَاتَيْنِ الدَّعْوَتَيْنِ فَقَطْ.
وَأَمَّا الدَّعْوَى الَّتِي تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُ أَيْ الرَّحْمَةُ مِنْ صَلَاةِ اللَّهِ بِمَعْنَى رَحْمَتِهِ فَلَا يَدُلُّ لَهَا الْحَدِيثُ بَلْ هُوَ مَعْنًى لُغَوِيٌّ طَرِيقُ إثْبَاتِهِ النَّقْلُ عَنْهَا (قَوْلُهُ أَمَرَنَا اللَّهُ) أَمَرَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ كَمَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ يُقَالُ أَمَرْتُك الْخَيْرَ وَأَمَرْتُك بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ وَإِنْ كَانَ حَذْفُهَا مَعَ إنْ وَأَنْ مُطَّرِدًا.
(قَوْلُهُ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) أَيْ رَوَيَا غَالِبَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلَّا صَدْرَهُ فَمُسْلِمٌ وَذَلِكَ الصَّدْرُ هُوَ قَوْلُهُ «أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك»

(قَوْلُهُ: وَالنَّبِيُّ إلَخْ) لَمْ يَقُلْ وَهُوَ إنْسَانٌ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ فَرْدٌ وَالْمَقْصُودُ تَعْرِيفُ النَّبِيِّ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ
(1/19)

إنْسَانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَإِنْ أُمِرَ بِذَلِكَ فَرَسُولٌ أَيْضًا أَوْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ إذْ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَا يُعْرَفُ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ (قَوْلُهُ: إنْسَانٌ) عَبَّرَ بِهِ مُوَافَقَةً لِلْمَشْهُورِ فِي تَعْبِيرَاتِهِمْ فَهُوَ أَوْلَى وَلْيَشْمَلْ مَنْ اخْتَلَفَ فِي نُبُوَّتِهِ مِنْ الْإِنَاثِ فَإِنَّهُ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي نُبُوَّةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَسَارَةَ وَهَاجَرَ وَقَدْ حَكَى وُقُوعَ هَذَا الْخِلَافِ الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةَ فِي شَرْحِ قَصِيدَةٍ يَقُولُ الْعَبْدُ فِي بَدْءِ الْأَمَالِي وَقَدْ ذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي النُّبُوَّةِ فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْكُورَانِيِّ وَالنَّبِيُّ ذَكَرٌ إلَخْ وَقَالَ وَقَوْلُنَا ذَكَرٌ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ إنْسَانٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ اسْتِنْبَاءِ الْأُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُذَكَّرِهِ وَمُؤَنَّثِهِ بِالتَّاءِ فَيُقَالُ فِي الذَّكَرِ إنْسَانٌ وَفِي الْأُنْثَى إنْسَانَةٌ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ سَمِّ.
وَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا الْفَرْقُ فَإِنَّ إنْسَانَةً مُوَلَّدٌ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ
إنْسَانَةٌ فَتَّانَةٌ ... بَدْرُ الدُّجَى مِنْهَا خَجِلَ
مِنْ كَلَامِ الْمُوَلِّدِينَ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي اللُّغَةِ وَقَالَ مُحَشِّي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ أُخِذَ الْإِنْسَانُ جِنْسًا لِئَلَّا يَدْخُلَ الْمَلَكُ وَالْجِنُّ إذْ النَّبِيُّ لَا يَكُونُ إلَّا إنْسَانًا بِخِلَافِ الرَّسُولِ حَيْثُ جَوَّزُوا كَوْنَهُ مَلَكًا وَلِذَا قِيلَ بِالْعُمُومِ مِنْ وَجْهٍ بَيْنَهُمَا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ حَيْثُ جَوَّزَ فِي قَوْله تَعَالَى {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1] كَوْنَ الْمَلَكِ الْمُبَلِّغِ رَسُولًا بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَذَهَبَ التَّفْتَازَانِيُّ إلَى أَنَّ لِلرَّسُولِ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مُسَاوٍ لِلنَّبِيِّ. وَالْآخَرُ: أَخَصُّ مُطْلَقًا. وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ اهـ.
ثُمَّ إنْ أُرِيدَ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ فَالْمُرَادُ بِالْهِدَايَةِ الْإِيصَالُ بِالْفِعْلِ وَإِنْ أُرِيدَ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ فَالْمُرَادُ الدَّلَالَةُ.
(قَوْلُهُ: أَوْحَى إلَيْهِ) قَالَ مُحَشِّي الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ الْوَحْيُ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: مَا حَصَلَ بِلِسَانِ الْمَلَكِ فَوَقَعَ فِي سَمْعِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْمُبَلِّغِ بِآيَةٍ قَاطِعَةٍ وَالْقُرْآنُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَالثَّانِي: مَا وَضَحَ بِإِشَارَةِ الْمَلَكِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ بِالْكَلَامِ.
وَالثَّالِثُ: بِإِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ أَرَاهُ بِنُورٍ مِنْ عِنْدِهِ.
وَاَلَّذِينَ يَرَوْنَ الِاجْتِهَادَ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ جَعَلُوهُ قِسْمًا رَابِعًا وَسَمَّوْهُ وَحْيًا خَفِيًّا وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ وَحْيًا ظَاهِرًا فَالْوَحْيُ فِي التَّعْرِيفِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الشَّامِلِ لِهَذِهِ الْأَقْسَامِ؛ لِأَنَّ مَا بَلَّغَهُ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى الْخَلْقِ شَامِلٌ لِجَمِيعِهَا لَا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا ثَبَتَ بِكَلَامِ الْمَلَكِ أَوْ بِإِشَارَتِهِ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْمِيمِ فِي الْوَحْيِ بِجَعْلِهِ شَامِلًا لِمَا أُوحِيَ لِلنَّبِيِّ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ إيحَائِهِ إلَى غَيْرِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى نَصَّ عَلَى أَنَّهُ أَوْحَى إلَى إسْمَاعِيلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} [النساء: 163] الْآيَةَ وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَسُولًا لَا نَبِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا} [مريم: 54] مَعَ أَنَّ أَوْلَادَ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانُوا عَلَى شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ كَمَا فِي أَنْوَارِ التَّنْزِيلِ فَإِسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَبْعُوثٌ لِتَبْلِيغِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ مِنْ شَرِيعَةِ أَبِيهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ وَكَذَا أَنْبِيَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَبْعُوثُونَ لِتَبْلِيغِ التَّوْرَاةِ بَعْدَ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُوحًى إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 246] الْآيَةَ أَنَّهُ يُوشَعُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ شَمَوْئِيلُ وَأَنَّهُ قَالَ دُعِيتُ اللَّيْلَةَ وَأُوحِيَ إلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ شَمْعُونُ وَأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ إلَى قَوْمِك لِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّك فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَك فِيهِمْ نَبِيًّا.
وَعَنْ وَهْبٍ إنَّمَا كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى الْمَبْعُوثُونَ إلَيْهِمْ لِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنْ التَّوْرَاةِ فَأَنْبِيَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَبْعُوثُونَ بِالتَّوْرَاةِ بَعْدَ مُوسَى - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - دَاخِلُونَ فِي التَّعْرِيفِ كَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَا يَرِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ عَدَمُ شُمُولِهِ لِمَنْ يَدْعُو إلَى تَقْرِيرِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَذَلِكَ لَا يُشْكِلُ كَثْرَةُ الرُّسُلِ مَعَ قِلَّةِ الْكُتُبِ وَالصُّحُفِ الْمُنَزَّلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَظَهَرَ لَك مِنْهُ صِحَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ فَإِنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَرَسُولٌ أَيْضًا إذْ مَعْنَاهُ صَادِقٌ بِأَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً أَوْ يَكُونَ نُزِّلَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ وَدَعَا هُوَ إلَيْهِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ) أَيْ إنْسَانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ
(1/20)

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابٌ أَوْ نُسَخٌ لِبَعْضِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ كَيُوشَعَ فَإِنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَرَسُولٌ أَيْضًا قَوْلَانِ.

فَالنَّبِيُّ أَعَمُّ مِنْ الرَّسُولِ عَلَيْهِمَا وَفِي ثَالِثٍ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ مَعْنَى الرَّسُولِ عَلَى الْأَوَّلِ الْمَشْهُورِ وَقَالَ نَبِيِّك دُونَ رَسُولِك؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا وَلَفْظُهُ بِالْهَمْزِ مِنْ النَّبَأِ أَيْ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ وَبِلَا هَمْزٍ وَهُوَ الْأَكْثَرُ قِيلَ إنَّهُ مُخَفَّفُ الْمَهْمُوزِ بِقَلْبِ هَمْزَتِهِ يَاءً وَقِيلَ إنَّهُ الْأَصْلُ مِنْ النَّبْوَةِ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْبَاءِ أَيْ الرِّفْعَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَأَوْ عَطْفٌ عَلَى التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ وَالْوَاوُ عَطْفٌ عَلَى أُوحِيَ الْمَحْذُوفِ مَعَ مَعْطُوفِ أَوْ لِدَلَالَةِ مَا سَبَقَ.

(قَوْلُهُ: فَالنَّبِيُّ أَعَمُّ مِنْ الرَّسُولِ) أَيْ عُمُومًا مُطْلَقًا وَهُوَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي مُسَاوٍ لِلرَّسُولِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَالْقَوْلِ الثَّالِثِ مَنْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ بَلْ وَلِيٌّ فَقَطْ كَذَا قِيلَ قَالَ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ تَعْرِيفُ النَّبِيِّ بِإِنْسَانٍ بَعَثَهُ اللَّهُ لِلْخَلْقِ لِتَبْلِيغِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ لَا يَشْمَلُ مَنْ أُوحِيَ إلَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِكَمَالِهِ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلَى غَيْرِهِ كَمَا قِيلَ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ اهـ.
وَنُقِلَ عَنْهُ وَجْهُ التَّكَلُّفِ أَنْ يُحْمَلَ التَّعْرِيفُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنْسَانٌ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَبْلِيغِ مَا أَوْحَاهُ لِغَيْرِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ غَيْرًا بِالذَّاتِ أَوْ بِالِاعْتِبَارِ فَزِيدَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ مُغَايِرٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَمِلَ بِهِ اهـ. وَحِينَئِذٍ سَقَطَتْ هَذِهِ الْوَاسِطَةُ وَبَعْدَ تَسْمِيَةِ مِثْلِهِ وَلِيًّا فَإِنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لَعَلَّهَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَطْ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَفْظُهُ) أَيْ النَّبِيِّ لَا يُقَيِّدُ كَوْنَهُ مَهْمُوزًا أَوْ غَيْرَ مَهْمُوزٍ.
(قَوْلُهُ: بِالْهَمْزِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْرِفَةٍ أَيْ الْكَائِنُ نَعْتَ لَفْظٍ أَوْ نَكِرَةَ حَالٍ مِنْهُ عَلَى رَأْيِ مَنْ جَوَّزَ مَجِيءَ الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَأِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِ لَفْظِ الْكَائِنِ حَذْفُ الْمَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ وَإِبْقَاءِ الْمَعْمُولِ قَالَ الدَّمَامِينِيُّ وَقَدْ اعْتَمَدَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَعَاجِمِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبَحَثَ فِيهِمْ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْكَائِنَ الْمُقَدَّرَ فِي مِثْلِهِ لِلثُّبُوتِ كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَاللَّامُ فِيهِ حَرْفُ تَعْرِيفٍ لَا اسْمٌ مَوْصُولٌ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ مُخْبِرٌ) بِفَتْحِ الْبَاءِ أَوْ كَسْرِهَا عَلَى أَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنَّهُ الْأَصْلُ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَرَّفَهُ لِيُفِيدَ أَنَّهُ أَصْلٌ لِلْمَهْمُوزِ وَلَوْ نَكِرَةً لِتَوَهُّمِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَصْلٌ وَزَيَّفَهُ سَمِّ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَصْلًا لِمَهْمُوزٍ كَانَ بِمَعْنَى الْمَهْمُوزِ السَّابِقِ أَوْ كَانَ الْمَهْمُوزُ بِمَعْنَاهُ الْآتِي لِيَتَّحِدَ مَعْنَاهُمَا وَكَيْفَ مَعَ الِاخْتِلَافِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَصْلًا لِلْآخَرِ فَالتَّنْكِيرُ أَنْسَبُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الرِّفْعَةُ) قَالَ ابْنُ سم هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَقُولٍ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الشَّارِحِ مَا أُورِدَ
(1/21)

لِأَنَّ النَّبِيَّ مَرْفُوعُ الرُّتْبَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْخَلْقِ.

وَمُحَمَّدٌ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ مَفْعُولِ الْمُضَعَّفِ سُمِّيَ بِهِ نَبِيُّنَا بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَفَاؤُلًا بِأَنَّهُ يَكْثُرُ حَمْدُ الْخَلْقِ لَهُ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْجَمِيلَةِ كَمَا رُوِيَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ قِيلَ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَهَا لِمَ سَمَّيْتَ ابْنَك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِك وَلَا قَوْمِك قَالَ رَجَوْتُ أَنْ يُحْمَدَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى (هَادِي الْأُمَّةِ) أَيْ دَالُّهَا بِلُطْفٍ (لِرَشَادِهَا) يَعْنِي لِدِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ تَمَكُّنُهُ فِي الْوُصُولِ بِهِ إلَى الرَّشَادِ وَهُوَ ضِدُّ الْغَيِّ كَأَنَّهُ نَفْسُهُ وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] أَيْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
عَلَى مَنْ فَسَّرَهُ بِالرِّفْعَةِ بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْقَامُوسُ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبْوَةَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ اهـ.
وَأَقُولُ لَا وُرُودَ لِهَذَا السُّؤَالِ أَصْلًا فَإِنَّ تَفْسِيرَ الْمَذْكُورِ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ وَقَدْ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ إنَّ اسْتِعْمَالَ الثِّقَاتِ الْأَلْفَاظَ فِي الْمَعَانِي يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ نَقْلِهِمْ وَرِوَايَتِهِمْ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْخَلْقِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مُطْلَقًا وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ يَكُونُ مَرْفُوعَ الرُّتْبَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ أَيْضًا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَكُونُ مَرْفُوعَ الرُّتْبَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي غَيْرِهِ.

(قَوْلُهُ: هَادِي الْأُمَّةِ إلَخْ) بَدَلٌ مِنْ مُحَمَّدٍ لَا صِفَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ الْهِدَايَةُ تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا وَبِإِلَى وَبِاللَّامِ وَمَعْنَاهَا عَلَى الْأَوَّلِ الْإِيصَالُ، وَعَلَى الثَّانِي إرَادَةُ الطَّرِيقِ، قَالَ أَبُو الْفَتْحِ فِي حَاشِيَةِ الشَّرْحِ الْجَلَالِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْهُدَى بِمَعْنَى الْهِدَايَةِ تَتَعَدَّى إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي لَفْظًا أَوْ تَقْرِيرًا لِنَفْسِهِ أَوْ بِحَرْفِ الْجَرِّ إلَى وَاللَّامِ وَمَعْنَى الْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَلِذَا يُسْنَدُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] وَمَعْنَى الْمُتَعَدِّي بِحَرْفِ الْجَرِّ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا يُوصِلُ إلَى الْمَطْلُوبِ فَيُسْنَدُ تَارَةً إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَقَوْلِهِ لَهُ تَعَالَى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] وَتَارَةً إلَى الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] وَالتَّقْدِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَمَّا ثَمُودُ} [فصلت: 17] الْآيَةَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ إلَى الْحَقِّ أَوْ لِلْحَقِّ فَمَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا يُوصِلُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَفِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] إنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ إلَى الْحَقِّ فَمَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ إلَى الْمَطْلُوبِ فَلَا نَقْضَ بِهِمَا.
(قَوْلُهُ: بِلُطْفٍ) قَيْدٌ فِي مَعْنَى الْهِدَايَةِ فَقَدْ فَسَّرَهَا الرَّاغِبُ بِالدَّلَالَةِ بِلُطْفٍ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23] فَهُوَ التَّهَكُّمُ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي لِدِينِ الْإِسْلَامِ) أَيْ فَقَدْ أَطْلَقَ الرَّشَادَ وَأَرَادَ بِهِ دِينَ الْإِسْلَامِ إطْلَاقًا لِلْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ طَرِيقٌ مُوصِلٌ لِلرَّشَادِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ الَّذِي هُوَ إلَخْ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لِتَمَكُّنِهِ وَبِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ نَفْسُهُ لِبَيَانِ قُوَّةِ السَّبَبِ وَشِدَّةِ الْعَلَاقَةِ هُنَا وَإِنْ كَانَ يَكْفِ فِي التَّجَوُّزِ مُطَلَّقُ السَّبَبِيَّةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قُوَّةِ السَّبَبِ وَالرَّشَادُ الِاهْتِدَاءُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَالْغَيُّ الضَّلَالُ عَنْهُ فَهُمَا وُجُودِيَّانِ فَلِهَذَا قَالَ وَهُوَ ضِدُّ الْغَيِّ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ أَيْ الْهِدَايَةُ إلَى الرَّشَادِ بِمَعْنَى دِينِ الْإِسْلَامِ مَأْخُوذٌ أَيْ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] أَيْ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْآيَةَ سَبَبُ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى تَفْسِيرِ الرَّشَادِ فِيهِ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الشَّارِحُ وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْأَخْذِ أَنَّ
(1/22)

(وَعَلَى آلِهِ) هُمْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ بَيْنَهُمْ تَارِكًا غَيْرَهُمْ مِنْ بَنِي عَمَّيْهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
التَّعْبِيرَ فِي الْآيَةِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ اسْتِعَارَةٌ.
وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ وَلِجَوَازِ بَقَاءِ الرَّشَادِ فِي كَلَامِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ بَقَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الشَّارِحِ الْأَخْذَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِهِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنْ أَرَادَ أَنَّ مَا فِي الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُهْدَى إلَيْهِ هُنَا ذَلِكَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ الْمُهْدَى إلَيْهِ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَا يُنَاسِبُ حَمْلَهُ إلَّا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَى الرَّشَادِ لَا عَلَى نَفْسِ الرَّشَادِ إذْ لَيْسَ طَرِيقًا بَلْ هُوَ ثَمَرَةٌ لِلطَّرِيقِ بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّهُ عَبَّرَ فِيهِ بِالرَّشَادِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ بَلْ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا تَقَرَّرَ وَإِنْ أَرَادَ تَصْحِيحَ إرَادَةِ ذَلِكَ هُنَا بِدَلِيلِ مَا فِي الْآيَةِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِي التَّعْبِيرِ بِالْأَخْذِ مِنْ الْخَفَاءِ اهـ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السِّنْدِيُّ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا أَيْ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْآيَةِ وَالْمَقْصُودُ تَرْجِيحُ مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّرْحَ الَّذِي ذَكَرْنَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْقُرْآنِ مُوَافِقٌ لَهُ فَهُوَ أَوْلَى بِشَرْحِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ.

(قَوْلُهُ: وَعَلَى آلِهِ) كَرَّرَ الْجَارَّ رِعَايَةً لِلْأَدَبِ؛ لِأَنَّ تَكْرِيرَ الْمُتَعَلِّقِ يَسْتَلْزِمُ تَكْرِيرَ الْمُتَعَلَّقِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ نَوْعٌ آخَرُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ إفْرَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَلَاةٍ تَخُصُّهُ أَبْلَغُ فِي الْأَدَبِ مِنْ التَّشْرِيكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آلِهِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَذَا قِيلَ وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمَعْطُوفِ مُغَيِّرٌ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَلْ الْمُتَعَلِّقُ هُنَا لِحَرْفَيْ الْجَرِّ وَاحِدٌ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ فِيهِ التَّعَدُّدُ الِاعْتِبَارِيُّ فَتَمَّ مَا قَالَهُ (قَوْلُهُ: هُمْ كَمَا قَالَ) الضَّمِيرُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَقَارِبُهُ وَكَمَا قَالَ إلَخْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَفِي الْمُؤْمِنُونَ وَبَنِي هَاشِمٍ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ وَالْمُرَادُ مَا يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَاتِ مِنْ بَنَاتِ هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْآلِ وَإِنْ كَانَ أَوْلَادُهُنَّ خَارِجِينَ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ وَلِجَوَازِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا مَوْقِعُ هَذِهِ الْكَافِ (قُلْت) يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِتَشْبِيهِ الْقَوْلَيْنِ أَيْ أَقُولُ كَمَا قَالَ إلَخْ وَلَيْسَ بِالْجَيِّدِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْكَافَ هَاهُنَا لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْوُجُودِ وَهُوَ مَعْنًى غَرِيبٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ اللُّبَابِ وَعَلَاءُ الدِّينِ الْبِسْطَامِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى {رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] إذْ الْمَعْنَى أَوْجِدْ رَحْمَتَهُمَا إيجَادًا مُحَقَّقًا كَمَا أَوْجَدَا التَّرْبِيَةَ إيجَادًا مُحَقَّقًا.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَحَادِيثُ ثَلَاثَةٌ دَلَّ أَوَّلُهَا عَلَى أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ لِأَقَارِبِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ وَثَانِيهَا عَلَى أَنَّ الصَّدَقَاتِ لَا تَحِلُّ إلَّا لَهُ وَثَالِثُهَا عَلَى أَنَّ مَا لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَاتُ مَنْ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ خُمُسُ الْخُمُسِ فَدَلَّ مَجْمُوعُهُمَا عَلَى أَنَّ آلَهُ هُمْ أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْ يُقَالَ آلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ الْفَرْضُ بِالنَّصِّ وَكُلُّ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ الْمَذْكُورَةُ هُمْ أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ يَنْتِجُ آلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبُ وَهُوَ الْمُدَّعَى دَلِيلُ الصُّغْرَى الْحَدِيثُ الثَّانِي نَصًّا وَالثَّالِثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَ آلِ أَهْلُ وَدَلِيلُ الْكُبْرَى مَجْمُوعٌ لِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ لَا الْأَوَّلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ وَلَا الثَّالِثِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْمَوْصُوفُونَ بِاسْتِحْقَاقِ خُمُسِ الْخُمُسِ.
(لَا يُقَالُ) مُفَادُ الثَّالِثِ أَخَصُّ مِنْ مُفَادِ الثَّانِي فَهَلَّا أَغْنَى عَنْهُ (؛ لِأَنَّا نَقُولُ) مَوْضُوعُ النَّتِيجَةِ الْمُدَّعَاةِ لَفْظُ الْآلِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ سِوَى الثَّانِي مَعَ إفَادَتِهِ عِلَّةَ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ كَوْنُهَا أَوْسَاخَ النَّاسِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَعْلِيلَهَا فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ بِأَنَّ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يَكْفِيهِمْ أَوْ يُغْنِيهِمْ لِصِحَّةِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ عِلَّتَانِ ثُمَّ أَنْ يَرِدَ عَلَى الدَّلِيلِ النَّقْضُ التَّفْصِيلِيُّ بِمَنْعِ الصُّغْرَى بِسَنَدِ أَنَّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ أَعَمُّ مِنْ الْآلِ لِحُرْمَتِهَا عَلَى مَوَالِيهِمْ وَبِمَنْعِ الْكُبْرَى بِسَنَدِ أَنَّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ أَمْ مِنْ الْآلِ بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ مُخَصِّصًا الْآلُ بِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَيُجَابُ عَنْ النَّقْضِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ ثَبَتَ حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَوَالِي بِالنَّصِّ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يُقَالُ إنَّ لَفْظَ الْآلِ يَتَنَاوَلُهُمْ حُكْمًا لِخَبَرِ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» .
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ هَذَا
(1/23)

نَوْفَلَ وَعَبْدِ شَمْسٍ مَعَ سُؤَالِهِمْ لَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ «لَا أُحِلُّ لَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْئًا وَلَا غُسَالَةَ الْأَيْدِي إنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يَكْفِيكُمْ أَوْ يُغْنِيكُمْ أَيْ بَلْ يُغْنِيكُمْ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
النَّقْضَ لَا يَضُرُّ الْمُعَلَّ وَأَمَّا قَوْلُ النَّجَّارِيِّ فِي تَقْرِيرِ الْقِيَاسِ أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ لِاخْتِصَاصِهِمْ دُونَ بَنِي عَمَّيْهِمْ بِسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى وَكُلُّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ آلُهُ فَأَقَارِبُهُ الْمَذْكُورُونَ آلُهُ. اهـ. فَهُوَ عَكْسٌ لِلدَّعْوَى.
وَلَك أَنْ تُقَرِّرَ الِاسْتِدْلَالَ بِوَجْهٍ آخَرَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ بِأَنْ تَقُولَ آلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ لِقَرَابَتِهِ وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ لِقَرَابَتِهِ فَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ خُمُسَ الْخُمُسِ لِقَرَابَتِهِ وَالْمُسْتَحَقُّونَ خُمُسَ الْخُمُسِ لِقَرَابَتِهِ هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ فَآلُهُ هُمْ هَؤُلَاءِ إلَخْ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَدَلِيلُ الْأَوَّلِ الْحَدِيثُ الثَّانِي وَدَلِيلُ الثَّانِي الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَدَلِيلُ الثَّالِثِ الْأَوَّلُ فَصَارَ كُلُّ حَدِيثٍ لِمُقَدِّمَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِنَا لِقَرَابَتِهِ حَتَّى لَا يُنْتَقَضَ بِالِاعْتِبَارِ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ خُمُسَ الْخُمُسِ لِمُوجِبٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: نَوْفَلُ وَعَبْدُ شَمْسٍ) هُمَا وَهَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا غُسَالَةَ الْأَيْدِي) أَيْ لَا كَثِيرًا أَوْ لَا قَلِيلًا وَيُحْتَمَلُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى الصَّدَقَاتِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ وَهَذَا الْأَخِيرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الصَّدَقَاتِ مُطَهِّرَةٌ فَهِيَ كَالْغُسَالَةِ.
(قَوْلُهُ: لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ) فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ الظَّرْفِيَّةِ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِمْ خُمُسَ الْخُمُسِ بِتَمَامِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ قُلْتُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الظَّرْفِيَّةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَيْ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا ذُكِرَ فَلَا يُنَافِي اسْتِحْقَاقُ جُمْلَتِهِمْ تَمَامَ خُمُسِ الْخُمُسِ أَوْ أَنْ يُرَادَ بِخُمُسِ الْخُمُسِ الْمَفْهُومُ الْعَامُ الصَّادِقُ بِكُلِّ خُمُسٍ مِنْ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ وَحِينَئِذٍ تَصْدُقُ الظَّرْفِيَّةُ مَعَ اسْتِحْقَاقِهِمْ تَمَامَ خُمُسِ الْخُمُسِ لِصِحَّةِ ظَرْفِيَّةِ الْمَفْهُومِ الْعَامِّ لِفَرْدِهِ فِي الْجُمْلَةِ قَالَهُ سَمِّ وَلَا يَخْفَى بَعْدَ التَّوْجِيهِ.
الثَّانِي: مَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ فِي الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الْفُصَحَاءِ قَلِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْفُضَلَاءِ لَا يَخْلُو عَنْهَا وَالْأَوْلَى مِنْهُ أَنْ تُجْعَلَ لَا فِي قَوْلِهِ مَا يَكْفِيكُمْ مَصْدَرِيَّةً أَيْ لَكُمْ فِيهِ كِفَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بَلْ يُغْنِيكُمْ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَوْ مِنْ لَفْظِ النَّبْوَةِ لَا لِلشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي قَالَ سَمِّ وَلَا يَتَعَيَّنُ الْإِضْرَابُ بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُ أَوْ عَلَى
(1/24)

وَالصَّحِيحُ جَوَازُ إضَافَتِهِ إلَى الضَّمِيرِ " كُمْ " اسْتَعْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ.

(وَصَحْبِهِ) هُوَ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبِهِ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ وَهُوَ كَمَا سَيَأْتِي مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَطَفَ الصَّحْبَ عَلَى الْآلِ الشَّامِلِ لِبَعْضِهِمْ لِتَشْمَلَ الصَّلَاةُ بَاقِيَهُمْ.

(مَا) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ (قَامَتْ الطُّرُوسُ) أَيْ الصُّحُفُ جَمْعُ طِرْسٍ بِكَسْرِ الطَّاءِ (وَالسُّطُورُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
التَّرْدِيدِ إشَارَةً إلَى أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْأَمْرَيْنِ وَأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كِفَايَةً.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُ إضَافَتِهِ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يُضَافُ إلَّا إلَى ذِي شَرَفٍ لِمَا أَنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ وَالْمُفْصِحُ عَنْ الشَّرَفِ الِاسْمُ الظَّاهِرُ وَهِيَ شُبْهَةٌ ضَعِيفَةٌ إذْ الضَّمِيرُ كَمَرْجِعِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْخَفَاءِ يَزُولُ بِالْقَرِينَةِ الْمُصَاحِبَةِ لَهُ الْمَشْرُوطِ اسْتِعْمَالُهُ مَعَهَا عَلَى أَنَّ الْخَفَاءَ إنْ سَلِمَ فَفِي ضَمِيرِ الْغَائِبِ أَمَّا الْخِطَابُ فَقَدْ تُدَّعَى أَوْضَحِيَّتُهُ عَنْ الْعِلْمِ لِلِاشْتِرَاكِ فِيهِ وَتَعْيِينِ ضَمِيرِ الْخِطَابِ وَلِذَلِكَ كَانَ أَعْرَفَ الْمَعَارِفِ.

(قَوْلُهُ: هُوَ اسْمُ جَمْعٍ) لَا يُشْكِلُ بِوُجُودِ الْوَاحِدِ مِنْ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ قَدْ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ كَرَكْبٍ وَرَاكِبٍ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ لَا. وَلَمْ يَجْعَلْهُ جَمْعًا؛ لِأَنَّ فَعْلًا لَيْسَ مِنْ صِيَغِ الْجُمُوعِ وَفِي حَاشِيَةِ دده أَفَنْدِي عَلَى شَرْحِ تَصْرِيفِ الْغَزِّيِّ أَنَّ أَسْمَاءَ الْجُمُوعِ سَمَاعِيَّةٌ وَاعْتَرَضَ بِذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ: " إنَّ الْخَوَاصَّ اسْمُ جَمْعٍ لِخَاصَّةٍ " بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ (قَوْلُهُ: لِصَاحِبِهِ) صَرَّحَ بِالْإِضَافَةِ فِي الْمُفْرَدِ تَبَعًا لِلتَّصْرِيحِ بِهَا فِي اسْمِ جَمْعِهِ إذْ الْمُرَادُ هُنَا صَاحِبٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الصَّحَابِيُّ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَهُوَ الْكِتَابُ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) تَنَازَعَهُ كُلُّ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ مُؤْمِنًا فَخَرَجَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ كَافِرًا ثُمَّ آمَنَ وَمَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِغَيْرِ نَبِيِّنَا فَلَا يُسَمَّى وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَحَابِيًّا اصْطِلَاحًا وَلَمْ يَزِدْ فِي التَّعْرِيفِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ عَلَى الْإِيمَانِ شَرْطٌ لِدَوَامِ الصُّحْبَةِ لَا لِتَحَقُّقِهَا، وَالتَّعْرِيفُ لِمَنْ تَحَقَّقَتْ لَهُ الصُّحْبَةُ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: الشَّامِلِ لِبَعْضِهِمْ) أَيْ لِبَعْضِ الصَّحْبِ وَقَوْلُهُ لِتَشْمَلَ الصَّلَاةُ بَاقِيَهُمْ أَيْ بَاقِيَ الصَّحْبِ وَهُوَ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِآلٍ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَبَيْنَ الصَّحْبِ وَالْآلِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسْلَفَهُ فِي تَفْسِيرِ الْآلِ وَإِلَّا فَلَوْ فُسِّرَ بِالِاتِّبَاعِ دَخَلَتْ الصَّحَابَةُ بِالْأَوْلَى وَيَكُونُ ذِكْرُهُمْ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ اهْتِمَامًا بِشَرَفِهِمْ وَتَكُونُ النِّسْبَةُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ الْمُطْلَقَ.

(قَوْلُهُ: مَا قَامَتْ) أَيْ وُجِدَتْ (قَوْلُهُ: وَالسُّطُورُ) مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ صَحِيحٌ إذْ الطِّرْسُ الصَّحِيفَةُ وَهِيَ الْكِتَابُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ فَمَا قِيلَ: إنَّهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّ الطِّرْسَ الْوَرَقُ وَالسُّطُورَ حَالَّةٌ فِيهِ وَالْحَالُّ لَيْسَ جُزْءَ الْمَحَلِّ غَلَطٌ فَاحِشٌ. نَعَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالطُّرُوسِ الْوَرَقُ بِلَا سُطُورٍ مَجَازًا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى جُزْئِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ. قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
أَقُولُ: أَمَّا أَنَّ السُّطُورَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الصُّحُفِ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَيْسَتْ جُزْءًا خَارِجِيًّا كَمَا هُوَ مَطْمَحُ نَظَرِ الْمُعْتَرِضِ فَلْيُنْظَرْ وَقَالَ الْكَمَالُ حَمَلَ الشَّارِحُ الصُّحُفَ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَأَنَّ الْعَطْفَ عَلَيْهَا مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَتَوْجِيهُهُ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ قَالَ وَعُيُونُ الْأَلْفَاظِ خِيَارُهَا وَفِي تَرْكِيبِ الْمَتْنِ اسْتِعَارَةٌ
(1/25)

مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ صَرَّحَ بِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى (لِعُيُونِ الْأَلْفَاظِ) أَيْ لِلْمَعَانِي الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا بِاللَّفْظِ وَيَهْتَدِي بِهَا كَمَا يَهْتَدِي بِالْعُيُونِ الْبَاصِرَةِ وَهِيَ الْعِلْمُ الْمَبْعُوثُ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ (مَقَامَ بَيَاضِهَا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
بِالْكِنَايَةِ فِي الْأَلْفَاظِ بِتَشْبِيهِ أَنْوَاعِهَا بِذَوِي الْعُيُونِ الْبَاصِرَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ كُلٍّ ذَا أَجْزَاءٍ بَعْضُهَا أَشْرَفُ مِنْ بَعْضٍ وَالْعُيُونُ تَخْيِيلٌ وَالسُّطُورُ وَالطُّرُوسُ تَجْرِيدٌ وَالسَّوَادُ وَالْبَيَاضُ تَرْشِيحٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالطُّرُوسِ الْوَرَقَ بِدُونِ كِتَابَةٍ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ قَصْدُ تَمَكُّنِ تَجْنِيسِ الْقَلْبِ بَيْنَ الطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ وَرَدَّهُ سَمِّ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلطُّرُوسِ هُوَ الصُّحُفُ كَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ وَاجِبًا عِنْدَ انْتِقَاءِ قَرِينَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الَّذِي هُوَ الْوَرَقُ الْخَالِي عَنْ الْكِتَابَةِ وَرَاجِحًا عِنْدَ ضَعْفِهَا وَقَرِينَةُ هَذَا الْمَجَازِ عَطْفُ السُّطُورِ عَلَى الطُّرُوسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يُرَدْ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى عَطْفِهَا لِدُخُولِهَا فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذِهِ الْقَرِينَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ لَا لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا فِيمَا قَبْلَهَا بَلْ لِشَرَفِهَا لِدَلَالَتِهَا عَلَى اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ.
وَأَمَّا تَرَتُّبُ جِنَاسِ الْقَلْبِ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَذَلِكَ لَا يَحْسُنُ قَرِينَةً عَلَى الْحَمْلِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا مِنْ فَوَائِدِ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لَا مِنْ قَرَائِنِهِ وَفُرِّقَ بَيْنَ فَائِدَةِ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ بِشَرْطِهِ وَبَيْنَ قَرِينَتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَإِلَّا لَزِمَ صِحَّةُ الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِمُجَرَّدِ تَرَتُّبِ فَائِدَةٍ عَلَى إرَادَتِهِ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ عَاقِلٌ فَظَهَرَ أَنَّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْمَعْنَى الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ وَأَنَّ الْحَمْلَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ أَوْ رَاجِحٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ نُكْتَةٍ لِذَلِكَ الْعَطْفِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ فَبَيَّنَ الشَّارِحُ أَنَّ تِلْكَ النُّكْتَةَ هِيَ أَشَرَفِيَّةُ ذَلِكَ الْجُزْءِ لِكَوْنِهِ دَالًّا عَلَى اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ فَهُوَ الدَّالُّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَإِنْ كَانَ بِوَاسِطَةِ هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ.
وَأَنَا أَقُولُ إنَّ قَوْلَ الْكَمَالِ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ قَصْدُ تَمَكُّنِ إلَخْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ هِيَ قَصْدُ تَمَكُّنِ تَجْنِيسِ الْقَلْبِ أَيْ فَيَتَرَجَّحُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ وَلَمْ يُرِدْ الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ سَمِّ كَلَامَهُ وَيَدُلُّ لَهُ زِيَادَةُ لَفْظِ تَمَكُّنٍ وَإِلَّا لَقَالَ لِتَحْصِيلِ فَإِنَّ الْجِنَاسَ حَاصِلٌ لَكِنْ تَمَكُّنُهُ إنَّمَا يَكُونُ بِحَمْلِ الصُّحُفِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لِيَقَعَ التَّغَايُرُ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ فَيَحْصُلُ التَّمَكُّنُ الْمَذْكُورُ فَمَعْنَى كَلَامِ الْكَمَالِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَمَعَ بَيْنَ الطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ مَعَ كَوْنِ السَّطْرِ جُزْءًا مِنْهَا لِتَحْقِيقِ جِنَاسِ الْقَلْبِ وَيَزْدَادُ هَذَا تَمَكُّنًا بِالْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ.
وَأَمَّا دَعْوَى سَمِّ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُنَا رَاجِحٌ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ بَلْ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ أَرْجَحُ لِتَحْصِيلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ وَلِلسَّلَامَةِ مِنْ تَكَلُّفِ نُكْتَةٍ لِعَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
(قَوْلُهُ: لِعُيُونِ الْأَلْفَاظِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ لِلطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَامَتْ وَفِيهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ اسْتِعَارَةٌ إمَّا تَصْرِيحِيَّةٌ بِأَنْ اُسْتُعِيرَ لِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ لَفْظُ الْعُيُونِ بِجَامِعِ الِاهْتِدَاءِ وَالْقَرِينَةُ إضَافَةُ الْعُيُونِ لِلْأَلْفَاظِ وَإِمَّا مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الْأَلْفَاظِ بِذَوِي عُيُونٍ بَاصِرَةٍ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا بَعْضُ أَجْزَائِهِ أَشْرَفُ مِنْ بَعْضِهَا وَإِضَافَةُ الْعُيُونِ إلَيْهَا تَخْيِيلٌ وَالْبَيَاضُ وَالسَّوَادُ تَرْشِيحٌ عَلَى كُلٍّ وَالسُّطُورُ وَالطُّرُوسُ تَجْرِيدٌ عَلَى كُلٍّ، وَإِلَى عَلَاقَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَيُهْتَدَى بِهَا كَمَا يُهْتَدَى بِالْعُيُونِ الْبَاصِرَةِ فَالْبَاصِرَةُ اسْمُ نَسَبٍ أَيْ ذَوَاتُ الْبَصَرِ وَإِلَّا لَقَالَ الْمُبْصِرَةُ.
(قَوْلُهُ: الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا بِاللَّفْظِ) تَوْجِيهُهُ لِإِضَافَتِهِ الْعُيُونَ إلَى الْأَلْفَاظِ وَالضَّمِيرِ أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَيُهْتَدَى بِهَا وَقَوْلِهِ وَهِيَ الْعِلْمُ لِلْمَعَانِي وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةِ الْخَمْرِ إلَخْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَبْعُوثُ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ بِخِلَافِ الْعِلْمِ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ وَالْإِدْرَاكِ.
(قَوْلُهُ: مَقَامَ بَيَاضِهَا إلَخْ) الْمَقَامُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّارِحُ أَيْ مَقَامًا مِثْلَ مَقَامٍ فَحُذِفَ الْمَصْدَرُ وَأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ ثُمَّ حُذِفَتْ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَإِنَّمَا شَبَّهَ قِيَامَ الطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ بِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ بِقِيَامِ بَيَاضِ الطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُمَا وَحِفْظَهُمَا عَنْ الْعَدَمِ بِهِمَا لِكَوْنِهِمَا عَرْضَيْنِ قَائِمَيْنِ بِهِمَا
(1/26)

أَيْ الطُّرُوسِ (وَسَوَادِهَا) أَيْ سُطُورِ الطُّرُوسِ الْمَعْنَى نُصَلِّي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لَازِمَيْنِ لَهُمَا وَبِانْتِفَائِهِمَا انْتِفَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ وَكَذَا بَقَاءُ الْمَعَانِي وَحِفْظُهَا عَنْ الضَّيَاعِ بِالطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْقِيَامَيْنِ كَوْنُ كُلٍّ بِهِ بَقَاءُ مَا هُوَ قَائِمٌ بِهِ وَحِفْظُهُ وَلَا يَقْدَحُ فِي التَّشْبِيهِ كَوْنُ الْقِيَامِ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ بَيْنَ عَارِضٍ وَمَعْرُوضٍ.
وَفِي الْمُشَبَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَيْسَتْ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ عَرْضًا لِلطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ لَا يُعْطَى حُكْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَرَضَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْجَوْهَرِ لِقِيَامِهِ عَلَيْهِ وَالْجَوْهَرُ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ مَشْرُوطٌ بِهِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْآخَرِ إلَّا أَنَّ جِهَةَ التَّوَقُّفِ مُخْتَلِفًا فَانْدَفَعَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الدَّوْرِ هُنَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ الطُّرُوسُ وَأَيْ سُطُورُ الطُّرُوسِ) لَيْسَ تَفْسِيرًا لِبَيَاضِهَا وَسَوَادِهَا وَإِلَّا لَكَانَ الْمَعْنَى نُصَلِّي مُدَّةَ قِيَامِ الطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ مَقَامَ الطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ وَلَا مَعْنَى لَهُ بَلْ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِضَمِيرَيْهِمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَا يُنَافِيهِ عَوْدُ الضَّمِيرَيْنِ إلَى الْكُتُبِ فِي قَوْلِهِ الْمَعْنَى نُصَلِّي إلَخْ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ عِبَارَةٌ عَنْ الطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ وَإِنَّمَا سُطُورُ الطُّرُوسِ دُونَ الطُّرُوسِ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ لِتَحْقِيقِ مَا أَسْلَفَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
وَفِي الْكَمَالِ أَنَّ فِي ضَمِيرَيْ بَيَاضِهَا وَسَوَادِهَا اسْتِخْدَامًا بِرُجُوعِهِمَا لِلْعُيُونِ بِمَعْنَى الْبَاصِرَاتِ وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ الْعُيُونُ الْمُقَيَّدَةُ بِإِضَافَتِهَا لِلْأَلْفَاظِ وَآلَاتُ الْبَصَرِ الَّتِي يَرْجِعُ إلَيْهَا الضَّمِيرُ فِي الِاسْتِخْدَامِ لَيْسَتْ مِنْ مَعَانِي عُيُونِ الْأَلْفَاظِ بَلْ مِنْ مَعَانِي لَفْظِ الْعُيُونِ الْمُطْلَقِ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاحْتِمَالُ إلَّا عَلَى اعْتِبَارِ الْمُضَافِ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَهُوَ تَكَلُّفٌ. اهـ.
أَقُولُ تَقَدَّمَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا التَّكَلُّفِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَفْضَالِهِ فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ فَهُوَ جَوَابُنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّرُوسِ الصُّحُفُ وَعَطْفُ السُّطُورِ عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ لِاخْتِصَاصٍ وَذَلِكَ الْجُزْءُ بِكَوْنِهِ مَنَاطَ الْحُكْمِ مِثْلُ أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَوَجْهُهُ فَإِنَّ السُّطُورَ هِيَ الَّتِي لِلْمَعَانِي أَصَالَةً وَكَوْنُ الصُّحُفِ لَهَا إنَّمَا هُوَ بِتَبَعِيَّةِ السُّطُورِ وَالْمُرَادُ بِالْعُيُونِ الْمَعَانِي وَإِطْلَاقُ الْعُيُونِ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا آلَةً لِلِاهْتِدَاءِ وَإِضَافَةُ الْعُيُونِ إلَى الْأَلْفَاظِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عُيُونًا لِلْأَلْفَاظِ وَإِنَّمَا هِيَ عُيُونٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَهَا فَيَهْتَدُونَ بِهَا وَهِيَ مَدْلُولَاتٌ لِلْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً وَالْمُرَادُ بِالْمَقَامِ الْقِيَامُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لَا الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ وَالْمَعْنَى مَا بَقِيَتْ وَدَامَتْ الصُّحُفُ سِيَّمَا سُطُورُهَا لِأَجْلِ إفَادَةِ الْمَعَانِي مِثْلُ بَقِيَّةِ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ لِلصُّحُفِ وَالسُّطُورِ وَلُزُومِهَا لَهُمَا فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي دَوَامِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الْبَيَاضُ وَالسَّوَادُ وَلُزُومُهُمَا لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الصُّحُفُ وَالسُّطُورُ فَأَرَادَ تَوْقِيتَ بَقَاءِ الصَّلَاةِ بَقَاءَ الصُّحُفِ وَالسُّطُورِ لِلْمَعَانِي مِثْلُ لُزُومِ الْعَرْضَيْنِ مَحَلَّهُمَا وَكَانَ الشَّارِحُ مَالَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ فِي الْمَعَانِي الْمُحَقَّقَةِ دُونَ الْمُخَيَّلَةِ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الْأَلْفَاظِ فِي الْمَعَانِي الْمُحَقَّقَةِ وَحَمْلَهَا عَلَيْهَا إذَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُخَيَّلَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وُجُودٌ إلَّا بِمُجَرَّدِ التَّخَيُّلِ ثُمَّ هُوَ مَعْنًى لَهُ مُحَصَّلٌ فِي الْعَقْلِ لَا أَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُفْهَمُ أَصْلًا أَوْ لَا يُعْقَلُ كَمَا تُوُهِّمَ.
نَعَمْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْ بَلَاغَةِ الْكَلَامِ بَلْ عَنْ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ صَاحِبِ الذَّوْقِ السَّلِيمِ وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ لُطْفٍ يَدْعُو إلَى حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ بَلْ فِيهِ بُعْدٌ فَعِنْدَ اجْتِمَاعِهِ مَعَ بُعْدِ الدَّلَالَةِ يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعِ فَلِذَلِكَ رَدُّوا عَلَى الشَّارِحِ هُنَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْعُيُونِ عَلَى الْمَعَانِي بِعَلَاقَةِ الْآلِيَّةِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَلَيْسَ كُلُّ آلَةٍ لِلِاهْتِدَاءِ يَحْسُنُ فِيهَا إطْلَاقُ الْعَيْنِ إذْ لَا يُقَالُ لِلْجِبَالِ وَالْمَنَارَاتِ وَأَمْثَالِهَا كَالنِّيرَانِ إنَّهَا عُيُونٌ ثُمَّ إنَّ إضَافَةَ الْعُيُونِ لِلْأَلْفَاظِ بِهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ ظَاهِرَةٍ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِنَا قَامَ مَقَامَ كَذَا أَنَّهُ اسْمُ مَكَان فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمِيمِيِّ بَعِيدٌ وَأَنَّ مُقْتَضَى مُقَابِلِ الطُّرُوسِ وَالسُّطُورِ بِالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى صَاحِبِ الذَّوْقِ السَّلِيمِ فَتَرْكُهُ يُخْرِجُ الْمَعْنَى عَنْ الْحُسْنِ وَإِنْ عَطَفَ السُّطُورَ وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ بُعْدٍ وَإِنْ قَامَ الطُّرُوسُ وَالسُّطُورُ لِلْمَعَانِي بِمَعْنَى الْبَقَاءِ وَالِاسْتِمْرَارِ وَقِيَامُ الْعَرْضِ بِالْمَحَلِّ بِمَعْنَى اللُّزُومِ فَاعْتِبَارُ التَّشْبِيهِ لَا يَخْلُو عَنْ الْبُعْدِ فَتَرْجِيحُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ تُرِكَ لِسُلُوكِ الْجَادَّةِ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالطُّرُوسِ بَيَاضَ الْوَرَقِ فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ
(1/27)

مُدَّةَ قِيَامِ كُتُبِ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ قِيَامَ بَيَاضِهَا وَسَوَادِهَا اللَّازِمَيْنِ لَهَا وَقِيَامُهَا بِقِيَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَخْذِهِمْ إيَّاهُ مِنْهَا كَمَا عُهِدَ وَقِيَامُهُمْ إلَى السَّاعَةِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ بِطُرُقٍ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ أَيْ السَّاعَةُ» كَمَا صَرَّحَ بِهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ أَيْ لِابْتِدَاءِ الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِقَوْلِهِ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَأَبَّدَ الصَّلَاةِ بِقِيَامِ كُتُبِ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
السُّطُورَ الَّتِي هِيَ سَوَادُهُ وَقَدْ شَبَّهَ الْأَلْفَاظَ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْمُعَانَى بِالْهُدَاةِ إلَى السَّبِيلِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْهِدَايَةُ مَدَارُهَا عَلَى الْعَيْنِ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَهْتَدِيَ أَوَّلًا حَتَّى يَهْدِيَ غَيْرَهُ وَالْأَعْمَى لَا اهْتِدَاءَ لَهُ فَكَيْفَ يَهْدِي غَيْرَهُ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُبْصِرَ الْمُنْحَرِفَ عَنْ الطَّرِيقِ حَتَّى يَهْدِيَهُ إلَيْهِ أَثْبَتَ لَهُ الْعُيُونَ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيلِ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59] أَيْ آيَةً مُبْصِرَةً وَلَمَّا كَانَتْ هِدَايَةُ الْأَلْفَاظِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِبَقَائِهَا فِي الْمُصْحَفِ صَارَ كَأَنَّهَا إذَا كَانَتْ ثَمُودُ فِيهَا فَهِيَ ذَوَاتُ عُيُونٍ لَهَا سَوَادٌ هِيَ السُّطُورُ وَالْبَيَاضُ هِيَ الطُّرُوسُ بِمَعْنَى بَيَاضِ الْأَوْرَاقِ وَسَوَادِهَا وَهُمَا لَهَا قَائِمَانِ مَقَامَ بَيَاضِ الْعُيُونِ لِلْهُدَاةِ وَسَوَادِهَا لَهُمْ فَالْمَعْنَى مَا بَقِيَتْ الْأَلْفَاظُ الْهَادِيَةُ فِي الصُّحُفِ فَصَارَتْ كَالْهُدَاةِ ذَوَاتِ الْعُيُونِ وَصَارَ بَيَاضُ الْأَوْرَاقِ لَهَا كَبَيَاضِ عُيُونِ الْهُدَاةِ وَسَوَادُ السُّطُورِ كَسَوَادِ الْعُيُونِ وَهَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ حَسَنٌ يُوَافِقُهُ اللَّفْظُ بِلَا تَكَلُّفٍ وَلَا يَخْفَى حُسْنُ مَا فِي الْكَلَامِ مِنْ الْمَكْنِيَّةِ وَالتَّخْيِيلِ وَالتَّرْشِيحِ فَتَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ: مُدَّةَ قِيَامِ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الَّذِي يَصْلُحُ مَظْرُوفًا مُؤَبَّدًا بِهَذِهِ الْمُدَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ صَلَاةُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ قَوْلِهِ نُصَلِّي لَكِنْ صَحَّ جَعْلُ صَلَاتِنَا مَظْرُوفَةً بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِهَا لِذَلِكَ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الِادِّعَاءِ وَالْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي أَحْمَدُك حَمْدًا دَائِمًا اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَاصِلَ صَلَاتِنَا سُؤَالُ صَلَاةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهَذَا السُّؤَالُ لَا يَدُومُ بِخِلَافِ الْمَسْئُولِ الَّذِي هُوَ صَلَاةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ يَدُومُ فَالتَّأْبِيدُ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ لَهُ اهـ. سَمِّ.
(قَوْلُهُ: كَمَا عُهِدَ) أَيْ فَلَا يُرَدُّ أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَكُونُ بِإِلْهَامٍ أَوْ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ (قَوْلُهُ: وَقِيَامُهُمْ إلَى السَّاعَةِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ هُنَا الرِّيحُ اللَّيِّنَةُ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ فَلَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ وَلَا مُؤْمِنَةٌ وَالسَّاعَةُ لَا تَقُومُ إلَّا عَلَى الْأَشْرَارِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْحَقِّ) خَبَرٌ ثَانٍ أَيْ ثَابِتِينَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ ظَاهِرِينَ خَبَرٌ أَوَّلٌ أَيْ غَالِبِينَ غَيْرَهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْحَقِّ.
قَوْلُهُ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَالْفُقَهَاءُ فِي الدِّينِ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الْمَبْعُوثِ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِشُمُولِهِمْ لِعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَتَخْصِيصُهُمْ بِالْأَخِيرِ عُرْفٌ طَارِئٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَبَّدَ الصَّلَاةَ إلَخْ) تَوْجِيهٌ لِاخْتِيَارِ هَذَا التَّأْبِيدِ
(1/28)

كِتَابَهُ هَذَا الْمَبْدُوءَ بِمَا هِيَ مِنْهُ مِنْ كُتُبِ مَا يُفْهَمُ بِهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ.

(وَنَضْرَعُ) بِسُكُونِ الضَّادِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ أَيْ نَخْضَعُ وَنَذِلُّ (إلَيْك) يَا اللَّهَ (فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ) أَيْ نَسْأَلُك غَايَةَ السُّؤَالِ مِنْ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ أَنْ تَمْنَعَ الْمَوَانِعَ أَيْ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَمْنَعُ أَيْ تَعُوقُ (عَنْ إكْمَالِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْخَاصِّ وَقَوْلُهُ بِمَا أَيْ بِكَلَامٍ وَهُوَ الْخُطْبَةُ هِيَ أَيْ الصَّلَاةُ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَقَوْلُهُ مِنْ كُتُبِ خَبَرِ أَنَّ كِتَابَهُ وَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى فَنٍّ أَيْ أَنَّ كِتَابَةَ بَعْضِ كُتُبِ فَنٍّ يُفْهَمُ بِهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ الْمَذْكُورُ سَابِقًا بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْعِلْمُ الْمَبْعُوثُ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ فَإِنَّ كُتُبَ الْأُصُولِ مِنْ جُمْلَةِ الْآلَاتِ الَّتِي يُفْهَمُ بِهَا ذَلِكَ الْعِلْمُ الْمَبْعُوثُ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ الْأُصُولُ لَقَبٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطُ طَرِيقُ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ فَيَلْزَمُ دَوَامُ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ وَتَأْبِيدُ كُتُبِ الْعِلْمِ وَدَوَامُهَا تَأْبِيدُ كُتُبِ مَا يُفْهَمُ بِهِ إذْ دَوَامُ الْمُتَوَقِّفِ يَسْتَلْزِمُ دَوَامَ الْمُتَوَقَّفِ عَلَيْهِ وَتَأْبِيدُ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ تَأْبِيدَ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِدَوَامِ الْكُتُبِ دَوَامُهَا بِالنَّوْعِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ أَبَّدَ الصَّلَاةَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لَكِنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّحْدِيدَ وَالِانْقِطَاعَ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عِنْدَ الطُّولِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَلَا يُقَالُ فِي هَذَا التَّأْبِيدِ قُصُورٌ وَإِنَّمَا أَبَّدَ الصَّلَاةَ دُونَ الْحَمْدِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِحَمْدِ حَامِدٍ وَلَا بِعِبَادَةِ عَابِدٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا وَإِنْ كَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَنْوِيَ الْمُصَلِّي عَوْدَ نَفْعِهَا لَهُ فَتَأْبِيدُ الصَّلَاةِ تَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ لِلْمُصَلِّي وَالْمُصَلَّى عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَمْدِ فَإِنَّ تَأْبِيدَهُ إنَّمَا يُكْثِرُ الْفَائِدَةَ لِلْحَامِدِ.

(قَوْلُهُ: وَنَضْرَعُ) ضُمِّنَ مَعْنَى الْقَصْدِ أَوْ التَّوْجِيهِ فَعُدِّيَ بِإِلَى.
(قَوْلُهُ: بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ) أَسْنَدَهُ إلَيْهِ تَقْوِيَةً لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بِتَشْدِيدِ الضَّادِ وَالرَّاءِ وَأَنَّ أَصْلَهُ نَتَضَرَّعُ قُلِبَتْ التَّاءُ ضَادًا وَأُدْغِمَتْ فِي الضَّادِ.
(قَوْلُهُ: نَخْضَعُ وَنَذِلُّ) ؛ لِأَنَّ الضَّرَاعَةَ لُغَةً الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ نَسْأَلُك غَايَةَ السُّؤَالِ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ قَالَ الْكَمَالُ لَا يَخْلُو كَلَامُهُ عَنْ غُمُوضٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ أَيْ نَخْضَعُ وَنَذِلُّ تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى نَضْرَعُ لُغَةً وَقَوْلُهُ أَيْ نَسْأَلُك غَايَةَ السُّؤَالِ مِنْ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ تَفْسِيرٌ بِاعْتِبَارِ مَا اُشْتُهِرَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ فِي السُّنَّةِ أَهْلُ الشَّرْعِ " وَمِنْ " فِي قَوْلِهِ مِنْ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ بَيَانِيَّةٌ وَالْمُبَيَّنُ غَايَةُ السُّؤَالِ وَاعْتَرَضَهُ سَمِّ بِأَنَّ جَعْلَ مِنْ بَيَانِيَّةً لَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْ نَسْأَلَك تَفْسِيرٌ بِاعْتِبَارِ مَا اُشْتُهِرَ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ كَوْنِهِ تَفْسِيرًا بِاعْتِبَارِ مَا اُشْتُهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الدُّعَاءُ مَعَ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ فَيَكُونُ غَايَةُ السُّؤَالِ هُوَ الدُّعَاءُ مَعَ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ لَا مُجَرَّدُ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِالْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ فَالْمُلَائِمُ أَنْ تُجْعَلَ مِنْ ابْتِدَائِيَّةً أَوْ سَبَبِيَّةً اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ السُّؤَالُ بِوَاسِطَةِ الْخُضُوعِ بَلَغَ الْغَايَةَ اُعْتُبِرَ الْخُضُوعُ كَأَنَّهُ غَايَةُ السُّؤَالِ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ مِنْ ذِي الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ أَوْ تُجْعَلُ مِنْ بِمَعْنَى بَاءِ الْمُصَاحَبَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ غَايَةَ السُّؤَالِ.
(قَوْلُهُ: الْأَشْيَاءُ الَّتِي تَمْنَعُ) لَعَلَّ الْعُدُولَ عَنْ التَّعْبِيرِ بِالْمَانِعَةِ أَوْ الْمَوَانِعِ أَنَّهَا الْأَنْسَبُ بِتَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةً إلَى أَنَّ زَمَنَ اسْمِ الْفَاعِلِ أَعْنِي الْمَوَانِعَ أَعَمُّ مِنْ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ تَعُوقُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَضْمِينِ الْمَوَانِعِ مَعْنَى الْعَوَائِقِ؛ لِأَنَّهُ الْأَنْسَبُ بِالتَّعْدِيَةِ اهـ سَمِّ وَإِنَّمَا قَالَ أَنْسَبُ دُونَ أَنْ يَقُولَ الْمُنَاسِبُ لِتَعَدِّي مَنَعَ بِعَنْ كَتَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَتَعَدَّ عَاقَ إلَّا بِعَنْ كَانَ التَّضْمِينُ أَنْسَبَ
(1/29)

هَذَا الْكِتَابِ.

(جَمْعِ الْجَوَامِعِ) تَحْرِيرًا بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ الَّذِي إكْمَالُهُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِيمَا آمُلُهُ خُيُورٌ كَثِيرَةٌ وَعَلَى كُلِّ خَيْرٍ مَانِعٌ وَأَشَارَ بِتَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ إلَى جَمْعِهِ كُلُّ مُصَنِّفٍ جَامِعٍ فِيمَا هُوَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ كُلِّ مُخْتَصَرٍ يَعْنِي مَقَاصِدَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالْخِلَافِ فِيهَا دُونَ الدَّلَائِلِ وَأَسْمَاءِ أَصْحَابِ الْأَقْوَالِ إلَّا يَسِيرًا مِنْهُمَا فَذَكَرَهُ لنيركت ذَكَرَهَا فِي آخِرِ الْكِتَابِ (الْآتِي مِنْ فَنِّ الْأُصُولِ) بِإِفْرَادِ فَنٍّ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَثْنِيَتِهِ وَهِيَ أَوْضَحُ أَيْ فَنُّ أُصُولِ الْفِقْهِ أَوْ فَنُّ أُصُولِ الدِّينِ الْمُخْتَتَمِ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ التَّصَوُّفِ وَالْفَنُّ النَّوْعُ وَفَنُّ كَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لِئَلَّا يَكُونَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَصِحُّ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: هَذَا الْكِتَابِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ جَمْعَ الْجَوَامِعِ عَلَمٌ لَا اسْمُ جِنْسٍ وَسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَأَشَارَ بِتَسْمِيَتِهِ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: جَمْعِ الْجَوَامِعِ) أَيْ لِلْكُتُبِ الْجَوَامِعِ أَوْ الْمُصَنَّفَاتِ الْجَوَامِعِ فَهُوَ جَمْعُ جَامِعٍ عَلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ فَاعِلًا إذَا كَانَ وَصْفًا لِغَيْرِ عَاقِلٍ كَصَاهِلٍ يَنْقَاسُ جَمْعُهُ عَلَى فَوَاعِلَ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ إذَا كَانَ وَصْفًا لِعَاقِلٍ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجَمْعَ هُنَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَقَدْ سَهَا عَنْ شَرْطِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ جَعَلَ الْجَوَامِعَ وَصْفًا لِمُقَدِّمَاتٍ مَثَلًا أَوْ رَسَائِلَ أَيْ الْمُقَدِّمَاتُ الْجَوَامِعُ أَوْ الرَّسَائِلُ الْجَوَامِعُ كَانَ مُفْرَدُهُ جَامِعَةً وَيَكُونُ الْجَمْعُ قِيَاسِيًّا لَكِنْ الْمُتَبَادَرُ هُوَ الْأَوَّلُ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ كُلُّ مُصَنَّفٍ جَامِعٌ (قَوْلُهُ: تَحْرِيرًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَيْ عَنْ إكْمَالِ تَحْرِيرِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَيُفِيدُ أَنَّ الْكِتَابَ تَحَقَّقَ خَارِجًا وَأَنَّ الْخُطْبَةَ إلْحَاقِيَّةٌ وَالشَّارِحُ فَهِمَ هَذَا مِنْ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا الْكِتَابَ بِقَوْلِهِ الْآتِي مِنْ فَنَّيْ الْأُصُولِ إلَخْ وَلِذَلِكَ قَالَ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ وَقَرِينَةُ السِّيَاقِ هِيَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ لَاحِقِ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَى خُصُوصِ الْمَقْصُودِ أَوْ سَابِقِهِ.
وَأَمَّا قَرِينَةُ السِّبَاقِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فَهِيَ دَلَالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَى مَعْنًى يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْهُ مَعَ احْتِمَالِ إرَادَةِ غَيْرِهِ وَتُسَمَّى دَلَالَةَ السِّيَاقِ كَمَا أَنَّ قَرِينَةَ السِّيَاقِ تُسَمَّى كَذَلِكَ وَقَوْلُ الْكَمَالِ إنَّ الْحَمْلَ عَلَى إكْمَالِ التَّأْلِيفِ مُمْكِنٌ بِنَاءً عَلَى تَصَوُّرِهِ فِي الذِّهْنِ كَامِلًا مُتَّصِفًا بِمَا وَصَفَهُ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ قَدْ اسْتَبْعَدُوهُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقَعُ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا آمُلُهُ) حَالٌ مِنْ كَثْرَةٍ أَفَادَ بِهِ دَفْعَ مَا يُقَالُ مِنْ أَيْنَ كَثْرَةُ الِانْتِفَاعِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِهَا حَالَ السُّؤَالِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى كُلِّ خَيْرٍ مَانِعٌ) أَيْ نَوْعٌ مِنْ الْمَانِعِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ الْخَيْرِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَفْرَادُهُ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا الْمَعْنَى اللَّطِيفِ لَكَانَ الظَّاهِرُ مَنْعَ الْمَانِعِ بِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ فِي مَقَامِ النَّفْيِ أَوْلَى مِنْ الْجَمْعِ لِصِدْقِ نَفْيِ الْجَمْعِ مَعَ بَقَاءِ الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِتَسْمِيَتِهِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ إنَّمَا هِيَ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ وَلَمْحِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ الْإِضَافِيِّ إذْ لَا دَلَالَةَ لِلْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ الْعِلْمِيُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الذَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ.
(قَوْلُهُ: إلَى جَمْعِهِ كُلَّ مُصَنَّفٍ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ أَلْ فِي الْجَوَامِعِ استغراقية وَأَنَّ أَجْزَاءَ هَذَا الْجَمْعِ أَفْرَادٌ لَا جُمُوعٌ وَقَوْلُهُ فِيمَا أَيْ فِي فَنٍّ هُوَ أَيْ جَمْعُ الْجَوَامِعِ فِيهِ أَيْ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ وَهَذَا كَلَامٌ ادِّعَائِيٌّ كَقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ: الْبَالِغِ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالْأَصْلَيْنِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَضْلًا) مَصْدَرٌ إمَّا مَنْصُوبٌ بِفِعْلِ مَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِمُصَنَّفٍ أَوْ حَالٌ وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الشَّارِحُ فِي الثَّابِتِ مَعَ أَنَّ ابْنَ هِشَامٍ قَالَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّفْيِ كَقَوْلِك فُلَانٌ لَا يَمْلِكُ دِرْهَمًا فَضْلًا عَنْ دِينَارٍ أَيْ لَا يَمْلِكُ دِينَارًا بِالْأَوْلَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ إلَى جَمْعِهِ بِالنَّفْيِ بِمَعْنَى لَمْ يَتْرُكْ عَلَى أَنَّ الْبَعْضَ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ صِحَّةَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِثْبَاتِ.
(قَوْلُهُ: بِإِفْرَادِ فَنٍّ) يُحْتَمَلُ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ أَوْ يُرَادُ بِفَنِّ الْأُصُولِ الْجِنْسُ فَيُوَافِقُ التَّثْنِيَةَ وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِقَوْلِهِ الْآتِي الْبَالِغِ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالْأَصْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ بِتَثْنِيَتِهِ) قَالَ الْكَمَالُ كِلْتَا النُّسْخَتَيْنِ بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ مِنْ لَفْظِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ أَوْضَحُ) ؛ لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ نَصٌّ فِي الْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الْمُفْرَدِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ دَالًّا عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ مِنْ وَحْدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَيَصْدُقُ بِالِاثْنَيْنِ لَكِنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ لِقَرِينَةٍ تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ وَقَدْ يُوَجَّهُ الْإِفْرَادُ بِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْكِتَابِ بِالذَّاتِ أُصُولُ الْفِقْهِ وَالتَّثْنِيَةِ إلَى اشْتِمَالِ كِتَابِهِ عَلَى الْفَنَّيْنِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ خِلَافُهُ مِنْ الْإِفْرَادِ.
(قَوْلُهُ: الْمُخْتَتَمِ بِمَا يُنَاسِبُهُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فُنُونٌ ثَلَاثَةٌ لِخَتْمِهِ بِعِلْمِ التَّصَوُّفِ بِأَنَّ عِلْمَ التَّصَوُّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عِلْمٌ بَاحِثٌ عَنْ أَحْوَالِ النَّفْسِ
(1/30)

مِنْ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَى الِاسْمِ كَشَهْرِ رَمَضَانَ وَيَوْمِ الْخَمِيسِ وَمِنْ وَمَا بَعْدَهَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ (بِالْقَوَاعِدِ الْقَوَاطِعِ) قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ.

وَالْقَاعِدَةُ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَأَخْلَاقِهَا الْبَاطِنَةِ كَمَا أَنَّ الْفَنَّ الثَّانِيَ عِلْمٌ بَاحِثٌ عَنْ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ الْحَقَّةِ وَبِهَا طَهَارَةُ النَّفْسِ أَيْضًا لِخُلُوصِهَا مِنْ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ فَاشْتَرَكَا فِي ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلًّا طَهَارَةٌ لِلنَّفْسِ وَتَصْفِيَةٌ لَهَا فَجُعِلَ كَالْجُزْءِ مِنْ الْفَنِّ الثَّانِي لِشِدَّةِ الْمُنَاسَبَةِ وَأَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمُخْتَتَمِ إذْ خَاتِمَةُ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِنْهُ أَوْ كَالْجُزْءِ وَفِي كَوْنِ التَّصَوُّفِ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا كَلَامٌ ذَكَرْنَاهُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ الْأَثِيرِيَّةِ لِلشَّرِيفِ الْحُسَيْنِيِّ عَاقَتْ عَنْ إتْمَامِهَا عَوَائِقُ نَسْأَلُ اللَّهَ رَفْعَهَا (قَوْلُهُ: مِنْ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَخْ) أَيْ فَالْمُرَادُ مِنْ الْمُضَافِ الْمَعْنَى وَمِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ اللَّفْظُ كَمَا فِي سَعِيدُ كُرْزٍ وَدَفَعَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ تَوَهُّمَ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ قِيلَ وَمَا قَالَهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَلْ يَصِحُّ كَوْنُهُ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ وَفِيهِ أَنَّ إضَافَةَ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ قَبِيحَةٌ إلَّا فِيمَا سُمِعَ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَشَهْرِ شَعْبَانَ وَعِلْمِ النَّحْوِ وَشَجَرِ أَرَاكٍ فَلَا يَحْسُنُ حَيَوَانٌ وَإِنْسَانٌ رَجُلٌ وَالشَّارِحُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ حَمْلُ الْوَارِدِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَمَّى لِلِاسْمِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْسِينِ الْقَبِيحِ فِي الْوَارِدِ وَكَثِيرٌ يَخْرُجُ مِثْلُهُ عَلَى أَنَّهُ إضَافَةٌ بَيَانِيَّةٌ إلَّا أَنَّ قَاعِدَتَهُمْ فِي الْبَيَانِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُتَضَايِفَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي مِثْلِهِ عَلَى الْبَيَانِ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ الشَّائِعُ فِي الْبَيَانِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ مُطْلَقٌ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَأَوْهَى مِمَّا فَرَّ مِنْهُ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُتَعَارَفَ فِي اللُّغَةِ هُوَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ مَعْنَاهُ لَا إرَادَةُ اللَّفْظِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ قَلِيلٌ لَا يُعْدَلُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ عَلَى أَنَّ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ هُنَا تَوَقُّفًا إذْ لَفْظُ الْأُصُولِ لَيْسَ اسْمًا لِلْفَنَّيْنِ وَإِنَّمَا اسْمُ أَحَدِهِمَا أُصُولُ الْفِقْهِ وَاسْمُ الثَّانِي أُصُولُ الدِّينِ بَلْ اُشْتُهِرَ بِتَسْمِيَتِهِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ وَمَا بَعْدَهَا بَيَانٌ) فِيهِ تَسَاهُلٌ إذْ الْبَيَانُ إنَّمَا هُوَ الْمَجْرُورُ فَقَطْ وَالْمُبَيِّنُ الْقَوَاعِدُ قَالَ سَمِّ وَقَدْ يُقَالُ إنْ أُرِيدَ بِالْبَيَانِ مَا مَدْلُولُهُ حَقِيقَةُ الشَّيْءِ الْمُبَيَّنِ فَالتَّسَاهُلُ وَاضِحٌ وَإِنْ أُرِيدَ مَا يُبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ لَهَا مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
(قَوْلُهُ: بِالْقَوَاعِدِ الْقَوَاطِعِ) قِيلَ فِيهِ جِنَاسٌ مُضَارِعٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا فِي الْجِنَاسِ الْمُضَارِعِ التَّرْتِيبُ فِي الْحُرُوفِ وَلَا تَرْتِيبَ هَاهُنَا.

(قَوْلُهُ: قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ) أَيْ مَحْكُومٌ فِيهَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ حَمْلِيَّةٌ مُوجِبَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ لَيْسَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى الْإِفْرَادِ وَإِنَّمَا كُلِّيَّتُهَا أَنْ يَكُونَ الرَّبْطُ بَيْنَ الْمُقَدَّمِ وَالتَّالِي وَاقِعًا عَلَى جَمِيعِ الْأَوْضَاعِ وَالْأَحْوَالِ الْمُمْكِنَةِ الِاجْتِمَاعِ مَعَ الْمُقَدَّمِ وَالْحُكْمُ فِيهَا بِالتَّعْلِيقِ وَلَيْسَ مَقْصُودًا فِي مَسَائِلِ الْعُلُومِ إذْ لَا بَحْثَ فِيهِ
(1/31)

يُتَعَرَّفُ مِنْهَا أَحْكَامُ جُزْئِيَّاتِهَا نَحْوُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً.

وَالْعِلْمُ ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْقَاطِعَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لِعَدَمِ الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ وَالْحَمْلِيَّةُ السَّالِبَةُ لَا تَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ وَلَكِنَّ الْفَاضِلَ السَّيَالَكُوتِيَّ فِي حَوَاشِي الرَّازِيّ عَلَى الشَّمْسِيَّةِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْقَضَايَا السَّالِبَةَ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْفُرُوعِ كَمَا يَكُونُ مِنْ الْمُوجِبَاتِ يَكُونُ مِنْ السَّوَالِبِ قَالَ سَمِّ وَلَا يَكْفِي فِي كُلِّيَّةِ الْقَضِيَّةِ هُنَا مُجَرَّدُ كُلِّيَّةِ مَوْضُوعِهَا كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ وَإِلَّا لَدَخَلَ فِيهَا الْجُزْئِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ لِكُلِّيَّةِ الْمَوْضُوعِ فِيهِمَا وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ قَوْلِهِمْ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ مَثَلًا قَاعِدَةُ " مَنْ " حَمْلَ أَلْ فِي الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ.
وَأَقُولُ هَذَا تَوَهُّمٌ بَعِيدٌ جِدًّا فَإِنَّهُ مَتَى قِيلَ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا مَا هُوَ مُتَعَارَفٌ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا عَلَى سَائِرِ الْأَفْرَادِ لَا مَا مَوْضُوعُهَا كُلِّيٌّ.
(قَوْلُهُ: يَتَعَرَّفُ فِي صِيغَةِ التَّفَعُّلِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ بِالْكُلْفَةِ وَالْمَشَقَّةِ فَخَرَجَ مِنْ التَّعْرِيفِ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَكُونُ فُرُوعُهَا بَدِيهِيَّةً غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ إلَى التَّخْرِيجِ فَيَكُونُ ذِكْرُ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فِي الْفَنِّ عَلَى سَبِيلِ الْمَبْدَئِيَّةِ لِمَسَائِلَ أُخَرَ وَطَرِيقُ التَّعَرُّفِ أَنْ يَحْمِلَ مَوْضُوعَ الْقَاعِدَةِ كَالْأَمْرِ فِي مِثَالِنَا عَلَى جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ كَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ فَيَحْصُلُ قَضِيَّةٌ صُغْرَى وَتُجْعَلُ الْقَاعِدَةُ الْكُبْرَى فَيُقَالُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً يَنْتِجُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً فَالْقَاعِدَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ وَتَعَرُّفُهَا مِنْهَا بِإِبْرَازِهَا مِنْ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْإِبْرَازِ تَفْرِيعٌ.
(قَوْلُهُ: جُزْئِيَّاتِهَا) أَيْ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا فَإِنَّ مَوْضُوعَهَا أَمْرٌ كُلِّيٌّ كَالْأَمْرِ فِيمَا قِيلَ فَإِنَّهُ يَنْدَرِجُ فِيهِ جَمِيعُ جُزْئِيَّاتِهِ مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] .

(قَوْلُهُ: وَالْعِلْمُ ثَابِتٌ لِلَّهِ) مِثَالٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ لِلْقَاعِدَةِ قَالَ الْكَمَالُ وَالتَّمْثِيلُ بِهِ مَحَلُّ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً إذْ كُلٌّ مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الذَّاتِ أَمْرٌ وَاحِدٌ لَا تَكْثُرُ لَهُ فِي نَفْسِهِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ يَتَكَثَّرُ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ قُلْنَا التَّكَثُّرُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلتَّعَلُّقَاتِ لَا لِلصِّفَةِ ذَاتِ التَّعَلُّقِ فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ لَا قَاعِدَةٌ وَاللَّائِقُ لِلْمِثَالِ أَنْ يُقَالَ لِلْمُشَابَهَةِ مُحَالٌ فِي حَقِّ الْبَارِئِ وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَأَجَابَ سَمِّ بِأَنَّ التَّمْثِيلَ بِهِ لَا بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ قَائِلَةٍ كُلُّ شَيْءٍ مَعْلُومٌ لِلَّهِ وَالْحَامِلُ لِلشَّارِحِ عَلَى ذَلِكَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَغَيْرِهِ أَرَادَ بِالْقَوَاعِدِ أَعَمَّ مِمَّا كَانَتْ قَاعِدَةً بِنَفْسِهَا أَوْ بِمَا تَؤَوَّلُ إلَيْهِ اهـ.
وَأَقُولُ الْحَقُّ مَعَ الْكَمَالِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ قَوْلَنَا الْعِلْمُ ثَابِتٌ لِلَّهِ إلَخْ يَسْتَلْزِمُ مَا ذُكِرَ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْعِلْمِ مُطْلَقًا لَا يَسْتَلْزِمُ مَعْلُومِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ وَلِذَلِكَ احْتَاجَ الْمُتَكَلِّمُونَ بَعْدَ إثْبَاتِ صِفَةِ الْعِلْمِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى شُمُولِ عِلْمِهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ فِي إثْبَاتِ الْقُدْرَةِ احْتَاجُوا إلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى شُمُولِ تَعَلُّقِهَا بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَقَدْ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ أَوْ لِلَّهِ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ الشَّرَّ كَمَا يَخْلُقُ الْخَيْرَ أَوْ لَا فَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ ثُبُوتِ الْقُدْرَةِ مُسْتَلْزِمًا لِتَعَلُّقِهَا بِكُلِّ مُمْكِنٍ لَكَانَ الْخُلْفُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى ثُبُوتِ الْقُدْرَةِ لَهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَ قَوَاعِدِ الْعِلْمِ يَرْجِعُ لِنَفْسِ مَوْضُوعِ الْعِلْمِ عَلَى تَفْصِيلٍ مَشْهُورٍ مُبَيَّنٍ فِي كُتُبِ الْمَنْطِقِ وَمَوْضُوعُ عِلْمِ الْكَلَامِ ذَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُنَا الْعِلْمُ ثَابِتٌ
(1/32)

بِمَعْنَى الْمَقْطُوعِ بِهَا كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْفَاعِلِ إلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِمُلَابَسَةِ الْفِعْلِ لَهُمَا.

وَالْقَطْعُ بِالْقَوَاعِدِ الْقَطْعِيَّةِ أَدِلَّتُهَا الْمُبَيَّنَةُ فِي مَحَالِّهَا كَالْعَقْلِ الْمُثْبِتِ لِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى.

وَالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ الْمُثْبِتَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لِلَّهِ وَنَحْوُهُ يَرْجِعُ لِقَوْلِنَا اللَّهُ عَالِمٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
وَأَمَّا قَوْلُنَا كُلُّ شَيْءٍ مَعْلُومٌ لِلَّهِ فَالْمَوْضُوعُ فِيهِ الْمَعْلُومُ فَالْحَقُّ مَا نَقَلَهُ السَّيَالَكُوتِيُّ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ عَلَى الْعَقَائِدِ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّ الْعَقَائِدَ الْإِسْلَامِيَّةَ أَكْثَرُهَا قَضَايَا شَخْصِيَّةٌ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلُ، اللَّهُ عَالِمٌ اللَّهُ وَاحِدٌ وَمَوْجُودٌ وَقَدِيمٌ وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيٌّ صَادِقٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَيْضًا جَزَمَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيُّ فِي تَعْلِيقَاتِهِ عَلَى الْحَوَاشِي الشَّرِيفَةِ عَلَى شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْعَضُدِيِّ فِي بَحْثِ تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ مَسَائِلَ الْكَلَامِ لَيْسَتْ بِقَوَاعِدَ لِعَدَمِ كَوْنِهَا كُلِّيَّةً.
وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مَوْضُوعَهَا وَإِنْ كَانَ جُزْئِيًّا حَقِيقِيًّا لَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِوَجْهٍ كُلِّيٍّ فَتَكُونُ قَضَايَا كُلِّيَّةً مَوْضُوعُهَا مُنْحَصِرٌ فِي فَرْدٍ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ عَقَائِدُ جُزْئِيَّةٌ تُسْتَفَادُ مِنْهَا اهـ وَقَوْلُهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ إلَخْ أَيْ نَمْنَعُ فَإِنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا تَخْرُجُ الْقَضِيَّةُ عَنْ الشَّخْصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مُشَخَّصٌ وَتَصَوُّرُهُ بِالْوَجْهِ الْكُلِّيِّ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْمَقْطُوعِ بِهَا) إنْ قُلْتَ، إنَّ فِي عِبَارَاتِهِ تَنَافِيًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِمَعْنَى الْمَقْطُوعِ بِهَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا تَجَاوُزَ فِي الْإِسْنَادِ بَلْ فِي الْمُسْنَدِ وَقَوْلُهُ مِنْ إسْنَادِ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ التَّجَوُّزَ فِي الْإِسْنَادِ فِي الْمُسْنَدِ قُلْتُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى الْمَقْطُوعِ بِهَا أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةً بِهَذَا الْمَعْنَى وَأَنَّ هَذَا اسْمُ الْفَاعِلِ مُرَادٌ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ حَتَّى يَحْصُلُ التَّنَاقُضُ بَلْ أَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ حَالِ الْقَوَاعِدِ فِي الْوَاقِعِ مِنْ أَنَّهَا مَقْطُوعٌ بِهَا لَا قَاطِعَةٌ حَتَّى يَظْهَرُ التَّجَوُّزُ فِي الْإِسْنَادِ أَفَادَهُ سَمِّ وَفِيهِ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ أَنْ يُقَالَ وَالْقَوَاعِدُ مَقْطُوعٌ بِهَا لَا مَا ذَكَرَهُ فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ بِمَعْنَى الْمَقْطُوعِ بِهَا نَظَرًا لِلْمِثَالِ لَا لِمَفْهُومِ اللَّفْظِ لِيُوَافِقَ مَا بَعْدَهُ أَوْ الْمَعْنَى فَإِسْنَادُهَا مِنْ إسْنَادِ إلَخْ فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(قَوْلُهُ: لِمُلَابَسَةِ الْفِعْلِ) أَيْ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْحَدَثُ.

(قَوْلُهُ: كَالْعَقْلِ) فِي التَّمْثِيلِ بِهِ لِلْأَدِلَّةِ تَجَوُّزٌ إذْ الدَّلِيلُ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الْفِعْلِ بَلْ مُقَدِّمَاتٌ يَحْكُمُ بِهَا الْعَقْلُ وَيُمْكِنُ جَعْلُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَنَظَرِ الْعَقْلِ أَوْ تَأْوِيلُهُ بِالْمَفْعُولِ أَيْ الْمَعْقُولِ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ أَنَّ نَظَرَ الْعَقْلِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ فَمَا زَالَ الْإِشْكَالُ بَاقِيًا وَأَنَّ الْعَقْلَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ فَكَيْفَ يُؤَوَّلُ بِالْمَفْعُولِ فَإِنَّ الَّذِي يُؤَوَّلُ بِالْمَفْعُولِ مَصْدَرُ عَقَلَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ كَدَلِيلِ الْعَقْلِ أَيْ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي يَسْتَخْرِجُهُ الْعَقْلُ بِوَاسِطَةِ النَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْعَقْلِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: الْمُثْبِتِ لِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ) أَيْ لِقَاعِدَتَيْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَيْ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمُتَعَلِّقَتَيْنِ بِهِمَا وَهُمَا كُلُّ شَيْءٍ مَعْلُومٌ لِلَّهِ وَكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لِلَّهِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَالْعَقْلِ تَمْثِيلٌ لِأَدِلَّةِ الْقَوَاعِدِ وَكُلٌّ مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لَيْسَ بِقَاعِدَةٍ أَفَادَهُ سَمِّ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسْلَفَهُ وَفِيهِ مَا قَدْ سَمِعْتَ.

(قَوْلُهُ: وَالنُّصُوصُ وَالْإِجْمَاعُ) لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِالْكَافِ كَلَاحِقِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَوْعِ سَابِقِهِ لِتَعَلُّقِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِأُصُولِ الدِّينِ وَلَاحِقُهُ مُتَعَلِّقٌ بِأُصُولِ الْفِقْهِ مَعَ أَنَّ النُّصُوصَ تُطْلَقُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ قَطْعِيَّةَ الْمَدْلُولِ أَمْ لَا وَتَارَةً عَلَى مَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْمَدْلُولِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ) قَالَ بَعْضُ حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ بَلْ هُوَ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ أُورِدَ فِيهِ بِطَرِيقِ الْمَبْدَئِيَّةِ وَتَكْمِيلِ
(1/33)

لِلْبَعْثِ وَالْحِسَابِ.

وَكَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ الْمُثْبِتِ لِحُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ حَيْثُ عَمِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِهِمَا مُتَكَرِّرًا شَائِعًا مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ الَّذِي هُوَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ وِفَاقَ عَادَةً.

وَفِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأُصُولِ قَوَاعِدُ قَوَاطِعَ تَغْلِيبٍ فَإِنَّ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ مَا لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ كَحُجِّيَّةِ الِاسْتِصْحَابِ وَمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَمِنْ أُصُولِ الدِّينِ مَا لَيْسَ بِقَاعِدَةٍ كَعَقِيدَةِ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكَذَا مِمَّا سَيَأْتِي.

(الْبَالِغِ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالْأَصْلَيْنِ) ، لَمْ يَقُلْ الْأُصُولِيِّينَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ إيثَارًا لِلتَّخْفِيفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الصِّنَاعَةِ وَرَدَّهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْحَكِيمِ وَالْتَزَمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الدِّينِ لَكِنْ جِهَةُ الْبَحْثِ مُخْتَلِفَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إثْبَاتُ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنَّ مَوْضُوعَهُ الْأَدِلَّةُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَيْثُ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: لِلْبَعْثِ وَالْحِسَابِ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الْقَضَايَا فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ هِيَ قَوْلُك الْبَعْثُ ثَابِتٌ، الْحِسَابُ ثَابِتٌ الْقِيَاسُ حُجَّةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ اهـ.
قُلْت وَصَرِيحُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَدُّ هَذِهِ مِنْ الْقَوَاعِدِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ كُلِّيَّةِ مَوْضُوعِهَا فَكَانَ الْمَعْنَى بَعْثُ كُلِّ أَحَدٍ ثَابِتٌ، حِسَابُ كُلِّ أَحَدٍ ثَابِتٌ؛ أَيْ وَقَدْ خَصَّ مِنْهُ مَنْ لَا يُحَاسَبُ، كُلُّ قِيَاسٍ حُجَّةٌ كُلُّ خَبَرٍ وَاحِدٍ حُجَّةٌ اهـ. سَمِّ وَفِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ.

(قَوْلُهُ: حَيْثُ عَمِلَ) ظَرْفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُ بِهِمَا أَيْ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ) صِفَةٌ لِسُكُوتِ الْبَاقِينَ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ وِفَاقٌ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مِنْ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ وَبَيَانٌ لِمِثْلِ ذَلِكَ أَيْ كَالِاسْتِقْرَاءِ وَالِاسْتِصْحَابِ فَإِنْ قُلْتَ قَوْلُهُ مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ سُكُوتِيٌّ وَالْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ ظَنِّيٌّ وَلِهَذَا اُخْتُلِفَ فِي حُجِّيَّتِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِهِ لِلْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ قُلْت قَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ لَيْسَ مِنْ السُّكُوتِ الظَّنِّيِّ لِامْتِيَازِهِ بِتَكَرُّرِ الْعَمَلِ بِهِ وَشُيُوعِهِ وَكَوْنِ الْمَسْكُوتِ عَلَيْهِ مِنْ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعِيَّةَ عَادَةً فَقَوْلُهُ وِفَاقٌ عَادَةً أَيْ قَطْعًا أَفَادَهُ سَمِّ.

(قَوْلُهُ: تَغْلِيبٌ) أَيْ نَظَرًا إلَى الدَّلِيلِ كَمَا قَرَّرَهُ أَوَّلًا وَإِلَّا فَلَوْ نَظَرْنَا إلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ أَيْضًا كَانَ مَا جَعَلَهُ ظَنِّيًّا قَطْعِيًّا أَيْضًا إذَا الْقَطْعُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ كَالْمُتَوَاتِرِ وَقَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلَالَةِ وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَنِّيًّا وَقَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ كَمَظْنُونِ الْمُجْتَهِدِ فَإِنَّهُ قَطْعِيٌّ لِلْعَمَلِ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ اهـ.
زَكَرِيَّا ثُمَّ إنَّ التَّغْلِيبَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسْلَفَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ فَنِّ الْأُصُولِ بَيَانٌ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ حَالًا مِنْ الْقَوَاعِدِ وَالْبَاءُ فِي الْقَوَاعِدِ بِالْمُلَابَسَةِ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ الْآتِي وَالتَّقْدِيرُ الْآتِي حَالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِالْقَوَاعِدِ الْقَوَاطِعِ حَالَةَ كَوْنِهَا بَعْضَ الْأُصُولِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا فِيهِ قَوَاعِدُ قَوَاطِعَ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى دَعْوَى التَّغْلِيبِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّبْعِيضَ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ لِإِيهَامِهِ أَنَّهُ مَا أَتَى بِتَمَامِ الْفَنِّ وَإِنَّمَا أَتَى مِنْهُ بِالْقَاطِعِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ التَّغْلِيبَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُصُولِ الْفِقْهِ فِي الْقَوَاطِعِ خَاصَّةً إذْ كُلُّهُ قَوَاعِدُ كَمَا أَنَّ التَّغْلِيبَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُصُولِ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ خَاصَّةً إذْ كُلُّهُ قَوَاطِعُ وَفِيهِ أَنَّ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ مَا يَسْتَنِدُ لِلدَّلَالَةِ الظَّنِّيَّةِ كَالسَّمْعِيَّاتِ وَلِذَلِكَ وَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِيهَا وَلَمْ يُكَفِّرْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
(قَوْلُهُ: مَا لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ) مُوَافِقٌ لِمَا اسْتَظْهَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فَقَدْ حَكَى فِيهِ خِلَافًا هَلْ جَمِيعُ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ كُلِّهَا قَطْعِيَّةٌ أَوْ بَعْضُهَا قَطْعِيٌّ وَبَعْضُهَا ظَنِّيٌّ ثُمَّ قَالَ وَالْأَوَّلُ هُوَ رَأْيُ الْقَاضِي وَأَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَنَا.
(قَوْلُهُ: كَعَقِيدَةِ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَالْعَقِيدَةُ بِمَعْنَى الْمُعْتَقَدَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ أُصُولِ الدِّينِ الْمَسَائِلُ الْمُعْتَقَدَةُ لَا نَفْسُ الِاعْتِقَادِ.

(قَوْلُهُ: الْبَالِغُ مِنْ الْإِحَاطَةِ) مِنْ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} [فاطر: 40] أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِالْأَصْلَيْنِ مَقُولَةٌ بِالتَّشْكِيكِ كَأَنَّهَا مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ فَالْكِتَابُ بَلَغَ مِنْ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ بُلُوغَ ذَوِي الْجَدِّ وَالتَّشْمِيرُ فِي تِلْكَ الْمَرَاتِبِ وَمَا بَلَغُوهُ مِنْهَا هُوَ أَقْصَاهَا فَقَدْ بَلَغَ الْكِتَابُ أَقْصَاهَا فَقَدْ تَخَيَّلَ هُنَا مَا تَخَيَّلَ فِي قَوْلِ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ فِي وَصْفِ الْبَلَاغَةِ وَلَهَا مَرَاتِبُ شَتَّى إلَخْ وَيُقَالُ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ
(1/34)

مِنْ غَيْرِ إلْبَاسٍ (مَبْلَغَ ذَوِي الْجِدِّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ بُلُوغَ أَصْحَابِ الِاجْتِهَادِ (وَالتَّشْمِيرِ) مِنْ تِلْكَ الْإِحَاطَةِ (الْوَارِدِ) أَيْ الْجَائِي (مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ) بِضَمِّ الزَّايِ وَالْمَدِّ أَيْ قَدْرِهَا تَقْرِيبًا مِنْ زَهَوْتُهُ بِكَذَا أَيْ حَرَّزْته حَكَاهُ الصَّاغَانِيُّ قُلِبَتْ الْوَاوُ هَمْزَةً لِتَطَرُّقِهَا إثْرَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ كَمَا فِي كِسَاءٍ (مَنْهَلًا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْوَارِدِ (يُرْوِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مِنْ تِلْكَ الْإِحَاطَةِ وَجَعْلُ مِنْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلْغَايَةِ كَمَا قَرَّرَهُ الْكَمَالُ وَغَيْرُهُ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ إذْ الْغَايَةُ لَا تَقْتَضِي التَّلَبُّسَ بِالْمَجْرُورِ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا فَيَفُوتُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ وَقَدْ يُقَالُ لَا يَضُرُّ هَذَا الِاحْتِمَالُ إذَا كَانَ مَقَامُ الْمَدْحِ قَرِينَةً عَلَى الدُّخُولِ وَجَعْلُهَا لِلْبَيَانِ نَظَرَ فِيهِ الشِّهَابُ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ النَّظَرِ وَلَعَلَّهُ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْمُبَيَّنِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَفْعُولَ الْبُلُوغِ مُقَدَّرٌ أَيْ الْبَالِغُ مَرْتَبَةً هِيَ الْإِحَاطَةُ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُبَيَّنَ هُوَ قَوْلُهُ مَبْلَغُ ذَوِي الْجَدِّ فَهُوَ بَيَانٌ تَقَدَّمَ عَلَى مَبْنِيِّهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ مِنْ تِلْكَ الْإِحَاطَةِ تَكْرَارٌ ذَكَرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَحَلِّهِ إلَّا أَنَّ تَفْسِيرَهُ الْمُبَلَّغُ بِالْبُلُوغِ لَا يُسَاعِدُ هَذَا الْوَجْهَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ الْبَاسِّ) أَيْ فِي التَّعْبِيرِ بِالْأَصْلَيْنِ بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ بِالْأُصُولِينَ فَإِنَّهُ يَلْتَبِسُ بِجَمْعِ الْأُصُولِيِّ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْأُصُولِينَ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ وَالْجَمْعُ بِيَاءَيْنِ فَأَيْنَ الْإِلْبَاسُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ كَوْنُهُ بِبَاءٍ وَاحِدَةٍ لَا يَمْنَعُ إمْكَانَ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُذْهَلُ عَنْ كَوْنِهِ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَصْلَيْنِ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ جَمْعُ أَصْلِيٍّ بِنَاءً عَلَى الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِهِ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ وَتُوُهِّمَ أَنَّهُ بِيَاءَيْنِ أَفَادَهُ سَمِّ.
وَأَقُولُ إنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْمُنَاقَشَاتِ فِي غَايَةِ الْوَهْنِ لِذَلِكَ لَمْ نَرَ وَاحِدًا مِنْ مُحَقِّقِي الْأَعَاجِمِ يَسْطُرُونَهَا فِي كُتُبِهِمْ وَإِنَّمَا شَغَفَ بِأَمْثَالِهَا مَنْ تَعَوَّدَ نَقْدَ الْأَلْفَاظِ فِيمَا قَلَّ وَجَلَّ وَاللَّائِقُ الِالْتِفَاتُ لِجَانِبِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَاللُّبَابُ وَاللَّفْظُ كَالْقِشْرِ نَعَمْ الْأَدَبِيُّونَ يُحَافِظُونَ عَلَى تَحْسِينِ الْأَلْفَاظِ لِغَرَضٍ لَهُمْ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ إذْ الْمُعَانَى الْمَقْصُودَةُ لَهُمْ تَخَيُّلَاتٌ تُؤَدَّى بِهَا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَقْصِدْ مَا قَصَدَهُ سَمِّ بَلْ مَقْصُودُهُ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ الْبَاسِّ دَفَعَ مَا قَدْ يُقَالُ إنَّ التَّعْبِيرَ بِالْأَصْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَخْفِيفٌ فِيهِ إلْبَاسُ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الْأَصْلَيْنِ بِهَذَا الْعِنْوَانِ وَوَجْهُ الدَّفْعِ دَلَالَةُ السِّيَاقِ عَلَى أَنَّ أَلْ لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودِ مَا عَنْوَنَ عَنْهُ سَابِقًا بِقَوْلِهِ فِي الْأُصُولِ فَهُوَ قَرِينَةٌ عَلَى الْمُرَادِ وَلَا الْتِبَاسَ مَعَ الْقَرِينَةِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بُلُوغُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَبْلَغَ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ بِمَعْنَى بُلُوغٍ وَالْأَصْلُ بُلُوغًا مِثْلُ بُلُوغٍ وَعَطْفُ التَّشْمِيرِ عَلَيْهِ عَطْفُ لَازِمٍ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمُجِدَّ يُشَمِّرُ أَثْوَابَهُ وَيَكُفُّ أَذْيَالَهُ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا إزَالَةُ مَا يَعُوقُ وَيَشْغَلُ عَنْ الْجِدِّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْجَائِي) تَفْسِيرٌ لِلْوَارِدِ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمُرَادُ هُنَا مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ أَيْ الْحَاصِلُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْوُرُودِ حُصُولُ الْوَارِدِ وَالْقَرِينَةُ اسْتِحَالَةُ الْوُرُودِ الْحَقِيقِيِّ فَحَاصِلُ الْمَعْنَى الْحَاصِلِ مِنْ قَدْرِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ تَقْرِيبًا وَهَذَا مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِمَا كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ اخْتَصَرْته أَوْ أَخَذْته أَوْ جَمَعْتُهُ مِنْ كَذَا.
(قَوْلُهُ: تَقْرِيبًا) وَجْهُهُ أَنَّ الزُّهَاءَ اسْمٌ لِلْقَدْرِ الَّذِي يُحْرَزُ بِهِ الشَّيْءُ وَالْحِرْزُ إنَّمَا يُفِيدُ التَّقْرِيبَ فَيَكُونُ الزُّهَاءُ هُوَ الْقَدْرُ التَّقْرِيبِيُّ وَقَوْلُهُ مِنْ زَهَوْته بِكَذَا إلَخْ مَصْدَرُهُ الزَّهْوُ.
وَأَمَّا الزُّهَاءُ فَهُوَ اسْمٌ لِلْقَدْرِ الَّذِي يُحْرَزُ بِهِ الشَّيْءُ وَيُقَدَّرُ بِهِ لَا لِمُطْلَقِ الْقَدْرِ وَقَوْلُهُ قُلِبَتْ الْوَاوُ أَيْ الَّتِي آخِرُ زُهَاءٍ إذْ أَصْلُهُ زَهَاوٌ.
(قَوْلُهُ: حَالٌ) أَعْرَبَهُ حَالًا؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ إعْرَابِهِ مَفْعُولًا بِهِ لِلْوَارِدِ؛ لِأَنَّهُ كَوْنُهُ مَنْهَلًا يَقْتَضِي مِنْ كَثْرَةِ فَوَائِدِهِ مَا لَا يَقْتَضِيهِ
(1/35)

أَيْ كُلَّ عَطْشَانَ إلَى مَا هُوَ فِيهِ (وَيَمِيرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ يَعْنِي يُشْبِعُ كُلَّ جَائِعٍ إلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ مَارَ أَهْلَهُ أَتَاهُمْ بِالْمِيرَةِ أَيْ الطَّعَامِ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ يُشْبِعُ فَحَذَفَ مَعْمُولَيْ الْفِعْلَيْنِ لِلتَّعْمِيمِ مَعَ الِاخْتِصَارِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ وَالْمَنْهَلُ عَيْنُ مَاءٍ يُورَدُ وَوَصَفَهُ بِالْإِرْوَاءِ وَالْإِشْبَاعِ كَمَاءِ زَمْزَمَ فَإِنَّهُ (يَرْوِي) الْعَطْشَانَ وَيُشْبِعُ الْجَوْعَانَ وَمِنْ اسْتِعْمَالِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُمَا الْمَعْرُوفِ كَمَا هُنَا قَوْلُ الْعَرَبِ جُعْت إلَى لِقَائِك أَيْ اشْتَقْت وَعَطِشْت إلَى لِقَائِك أَيْ اشْتَقْت حَكَاهُ الصَّاغَانِيُّ (الْمُحِيطُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
كَوْنُهُ وَرَدَ الْمَنْهَلَ فَإِنَّ وَصْفَ زَيْدٍ بِأَنَّهُ بَحْرٌ مَثَلًا أَبْلَغُ مِنْ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ وَرَدَ الْبَحْرَ بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا إذَا جُعِلَ مَفْعُولًا لِوَارِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمَعْنَى وَصْفُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِأَنَّهُ وَرَدَ مَنْهَلًا يَرْوِي وَيَمِيرُ هُوَ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ مُصَنَّفٍ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ فَرُوِيَ مِنْهُ وَامْتَارَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ بَيَانًا قُدِّمَ عَلَى الْمُبَيَّنِ إذْ لَوْ أُخِّرَ عَلَى الْمُبَيَّنِ بِهِ مَعَ صِفَتِهِ فَأَتَتْ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ وَلَوْ فُصِلَ بِهِ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَصِفَتِهِ كَانَ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ خِلَافُ الْأَوْلَى فَشُبِّهَتْ الْكُتُبُ الَّتِي اسْتَمَدَّ مِنْهَا كِتَابَهُ بِمَنْهَلٍ يُرْوَى وَيَمِيرُ مِنْ وِرْدِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَيْرُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِ الْمَنَاهِلِ كَمَاءِ زَمْزَمَ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ الْمُصَرِّحَةِ وَشَبَّهَ كِتَابَهُ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ بِمَنْ وَرَدَ ذَلِكَ الْمَنْهَلَ عَلَى طَرِيقِ الْمَكْنِيَّةِ وَإِثْبَاتُ الْوُرُودِ تَخْيِيلٌ وَرَشَّحَ الِاسْتِعَارَتَيْنِ بِذِكْرِ الْإِرْوَاءِ وَالْمَيْرِ وَعَلَى مَا قَدَّرَهُ الشَّارِحُ فَإِنْ بَيَّنَّا عَلَى مَا جَوَّزَهُ السَّعْدُ مِنْ أَنَّ: زَيْدٌ أَسَدٌ اسْتِعَارَةٌ كَانَ فِي الْكَلَامِ الِاسْتِعَارَةُ الْمُصَرِّحَةُ فَقَطْ مُرَشَّحَةً بِذِكْرِ الْإِرْوَاءِ وَالْمَيْرِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَمْلُ الشَّارِحِ إيَّاهُمَا عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَمِنْ اسْتِعْمَالِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ إلَخْ؛ لِأَنَّ التَّرْشِيحَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ وَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ تَجْرِيدًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَإِنْ بَنَيْنَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ: زَيْدٌ أَسَدٌ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ لِوُجُودِ الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَمَنْهَلٌ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وَلَا اسْتِعَارَةَ أَصْلًا وَعَلَى الْأَوَّلِ دَرَجَ الشَّارِحُ حَيْثُ جَعَلَ يَرْوِي وَيَمِيرُ مُسْتَعْمَلَيْنِ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُمَا الْحَقِيقِيِّ إذْ هُمَا عَلَى أَنَّ مَنْهَلًا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ مُسْتَعْمَلَانِ فِي مَعْنَاهُمَا الْحَقِيقِيِّ أَلْبَتَّةَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السِّنْدِيُّ وَالْإِنْصَافُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَجْهٌ لَطِيفٌ مَعْنًى، بَعِيدٌ لَفْظًا وَالْأَقْرَبُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ أَنَّ مَنْهَلًا مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ فَإِنَّ وَصْفَهُ بِكَوْنِهِ وَارِدًا يَأْبَى اعْتِبَارَ كَوْنِهِ مَنْهَلًا إذَا الْمَنْهَلُ مَوْرُودٌ لَا وَارِدٌ وَأَيْضًا يَتَبَادَرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَنْهَلِ بَعْدَ الْوُرُودِ أَنَّهُ مَفْعُولُهُ فَصَرْفُهُ إلَى مَعْنًى آخَرَ حَمْلٌ عَلَى خِلَافِ الْمُتَبَادَرِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كُلَّ عَطْشَانَ) قَدَّرَ الْمَفْعُولَ كُلَّ عَطْشَانَ وَقَدَّرَهُ الْكَمَالُ كُلَّ مَنْ وَرَدَهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْمَنْهَلِ وَتَقْدِيرُ الشَّارِحِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِمَعْنَى يُرْوِي فَإِنَّ الْإِرْوَاءَ إزَالَةُ الْعَطَشِ وَتَعْلِيقُهُ بِالْعَطْشَانِ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيقِهِ الْوَارِدَ وَأَعَمُّ لِشُمُولِهِ غَيْرَ الْوَارِدِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي إفَادَةِ كَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي تَقْدِيرِ مَفْعُولِ يَمِيرُ.
(قَوْلُهُ: إلَى مَا) أَيْ فَنٍّ هُوَ أَيْ الْكِتَابُ فِيهِ أَيْ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْوِي الْعَطْشَانَ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِ) وَيَجُوزُ أَيْضًا ضَمُّهُ مِنْ أَمَارَ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي يُشْبِعُ) عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَقَوْلُهُ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ إلَخْ إشَارَةٌ لِلْعَلَاقَةِ وَهِيَ السَّبَبِيَّةُ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَرَّةِ سَبَبٌ فِي الْجُمْلَةِ لِلْإِشْبَاعِ.
(قَوْلُهُ: بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ) أَيْ سِيَاقِ الْمَدْحِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لِلتَّعْمِيمِ.
(قَوْلُهُ: يُورَدُ) فَإِنْ لَمْ يُورَدْ لَا يُسَمَّى مَنْهَلًا.
(قَوْلُهُ: وَوَصَفَهُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْمَنْهَلُ الْمَاءُ وَهُوَ لَا يُشْبِعُ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يُشْبِعُ كَمَاءِ زَمْزَمَ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّهَا تَعْلِيلِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَالْإِشْبَاعِ) عَدَلَ الشَّارِحُ عَنْ التَّعْبِيرِ بِالْمَيْرِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ يَمِيرُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ دُونَ الْإِتْيَانِ بِالْمِيرَةِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْمَيْرِ حَقِيقَةً.
(قَوْلُهُ: أَيْ اُشْتُقَّتْ) إنْ قِيلَ لِمَ أُفْرِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالتَّعْبِيرِ وَلِمَ لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي تَفْسِيرٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يُقَالَ عَطِشْتُ وَجُعْتُ إلَى لِقَائِك أَيْ اشْتَقْت مَعَ مُحَافَظَتِهِ عَلَى الِاخْتِصَارِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ التَّنْصِيصُ عَلَى اسْتِعْمَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الِاشْتِيَاقِ وَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِمَا ذُكِرَ لَا بِجَمْعِهِمَا فِي تَفْسِيرٍ وَاحِدٍ لِإِيهَامِ ذَلِكَ أَنَّ التَّفْسِيرَ رَاجِعٌ إلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ
(1/36)

أَيْضًا بِزُبْدَةِ أَيْ خُلَاصَةِ (مَا فِي شَرْحَيْ عَلَى الْمُخْتَصَرِ) لِابْنِ الْحَاجِبِ (وَالْمِنْهَاجُ) لِلْبَيْضَاوِيِّ وَنَاهِيكَ بِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِمَا (مَعَ مُزْبِدٍ) بِالتَّنْوِينِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ (كَثِيرٍ) عَلَى تِلْكَ الزُّبْدَةِ أَيْضًا (وَيَنْحَصِرُ) جَمْعُ الْجَوَامِعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
هُوَ مَجْمُوعُ الصَّادِقِ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ كَمَا يَصْدُقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَنْصِيصٌ عَلَى الْمَقْصُودِ وَفِيهِ أَيْضًا دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْعِبَارَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ عَطِشْت وَجُعْت وَاقِعَةٌ مِنْ الْعَرَبِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا وَرَدَ مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ خُلَاصَةُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ أَتَى بِزُبْدَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ لَا زُبْدَةِ جَمِيعِ مَا فِيهَا وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ حَيْثُ شَبَّهَ خُلَاصَةَ مَا فِي الشَّرْحَيْنِ بِزُبْدَةِ اللَّبَنِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: مَا فِي شَرْحَيْ إلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الشَّرْحَيْنِ مِنْ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا زَائِدَانِ عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْضًا وَلَمْ يَشْرَحْ الْمُصَنِّفُ الْمِنْهَاجَ بِتَمَامِهِ بَلْ كَمَّلَ مَا شَرَحَهُ وَالِدُهُ وَلَكِنْ شَرْحُ وَالِدِهِ قَلِيلٌ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فَأُطْلِقَ أَنَّهُ شَرَحَهُ أَوْ فِي كَلَامِهِ تَغْلِيبُ الشَّرْحِ الَّذِي لَهُ بِتَمَامِهِ وَهُوَ شَرْحٌ عَلَى الْآخَرِ أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ شَرْحِي عَلَى كَذَا يَصْدُقُ بِالْبَعْضِ.
(قَوْلُهُ: وَنَاهِيكَ بِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِمَا) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ خَبَرِ نَاهِيكَ وَنَاهِيكَ اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْ نَهْيُك عَنْ تَطَلُّبِ غَيْرِهِمَا حَاصِلٌ لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِمَا لِكِفَايَتِهِمَا وَالْغِنَى بِهِمَا أَوْ زَائِدَةٌ وَمَدْخُولُهَا خَبَرُ نَاهِيكَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَنَاهِيكَ بِحَالِهِ.
(قَوْلُهُ: بِالتَّنْوِينِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ) أَسْنَدَهُ الشَّارِحُ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ كَوْنِهِ مُضَافًا وَعَلَيْهِ فَمَزِيدُ اسْمِ مَفْعُولٍ وَأَمَّا عَلَى الْإِضَافَةِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَمُؤَدًّى الْوَجْهَيْنِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الْكَثْرَةَ عَلَى كِلَيْهِمَا وَصْفٌ لِلشَّيْءِ الْمَزِيدِ لَكِنْ مُرَادُ الشَّارِحِ اتِّبَاعُ ضَبْطِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهٌ لِاخْتِيَارِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الضَّبْطَ وَوَجْهُهُ فِي الْآيَاتِ بِمَا فِيهِ مِنْ وَصْفِ الشَّيْءِ الْمَزِيدِ عَلَيْهَا بِالْكَثْرَةِ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِمَزِيدِ الْكُتُبِ بِخَوْفِ الْإِضَافَةِ لِفَوَاتِ وَصْفِ الْمَزِيدِ عَلَيْهَا بِالْكَثْرَةِ وَتَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الْكُتُبِ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ كَوْنُ مَوْصُوفِ الْكَثِيرِ فِيهَا هُوَ الْكُتُبُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْحَصِرُ إلَخْ) مِنْ عَطْفِ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ فَلَا يُقَالُ إنَّ مَا تَقَدَّمَ إنْشَاءٌ وَهَذَا إخْبَارٌ أَوْ الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَهَذَا الْحَصْرُ جَعْلِيٌّ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي حَوَاشِي الْوَلَدِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: جَمْعُ الْجَوَامِعِ) بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ يَنْحَصِرُ فَلَيْسَ مِنْ حَذْفِ الْفَاعِلِ أَوْ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ بِحَذْفِ أَيْ ثُمَّ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَنَّ مُسَمَّى الْكُتُبِ وَالتَّرَاجِمِ الْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ يُرَادُ بِجَمْعِ الْجَوَامِعِ الْأَلْفَاظُ وَكَذَلِكَ الْمُقَدِّمَاتُ وَالْكُتُبُ فَالْحَصْرُ حِينَئِذٍ مِنْ قِبَلِ حَصْرِ الْكُلِّ فِي أَجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِجَمْعِ الْجَوَامِعِ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ بِالْمُقَدِّمَاتِ وَالْكُتُبِ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ هَذَا بِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ تَقْدِيرِ الشَّارِحِ لَفْظَ الْمَقْصُودِ فَالْمُنْحَصِرُ حِينَئِذٍ مَفْهُومُ كُلٍّ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْكِتَابِ فِي جُزْئِيَّاتِ مَفْهُومِ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى كُلِّيٌّ لِصِحَّةِ الْحَمْلِ وَزَادَ الشَّارِحُ لَفْظَ الْمَقْصُودِ لِدَفْعِ مَا يَرِدُ عَلَى الْحَصْرِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْضًا أَعْنِي وَيَنْحَصِرُ إلَخْ فَإِنَّهَا مِنْ مُسَمَّى الْكِتَابِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَلَا الْكُتُبِ السَّبْعَةِ وَزَادَ لَفْظُ الْمَعْنَى لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ.
وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ فَبِالْعَرْضِ؛ لِأَنَّهَا وَسَائِلُ لِفَهْمِ الْمَعْنَى وَلَفْظِهِ مِنْ تَبْعِيضِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكِتَابِ بَعْضٌ مِنْهُ إذْ هُوَ اسْمٌ لِجُمْلَةِ أَلْفَاظٍ مِنْهَا الْخُطْبَةُ وَالتَّرَاجِمُ وَغَيْرُهَا وَجَعَلَهَا صِلَةَ الْمَقْصُودِ وَالْتِزَامُ خُرُوجِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ عَنْ جَمْعِ الْجَوَامِعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الشَّيْءِ خَارِجٌ عَنْهُ تَكَلَّفَ مَعَ اقْتِضَائِهِ أَنَّ مُسَمَّى الْكِتَابِ الْأَلْفَاظُ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَعْنَى ثُمَّ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ جَعْلِ الْمُقَدِّمَاتِ مَقْصُودَةً هُنَا وَقَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فِي أُمُورٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَوْ مُقَدَّمَةٍ عَلَى الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا مَقْصُودَةً مِنْ الْكِتَابِ لَا يُنَافِي أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِلْمِ هَذَا مَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَرَّرَ بِهِ الْمَقَامُ
(1/37)

يَعْنِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ مِنْهُ (فِي مُقَدِّمَاتِ) بِكَسْرِ الدَّالِ كَمُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ لِلْجَمَاعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْهُ مِنْ قَدَمَ اللَّازِمِ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ وَمِنْهُ {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ} [الحجرات: 1] وَبِفَتْحِهَا عَلَى قِلَّةٍ كَمُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ فِي لُغَةِ مَنْ قَدَّمَ الْمُتَعَدِّيَ أَيْ فِي أُمُورٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَوْ مُقَدَّمَةٍ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِيهِ مَعَ تَوَقُّفِهِ عَلَى بَعْضِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَلَهُمْ هُنَا تَكَلُّفَاتُ احْتِمَالَاتٍ تُشَوِّشُ الْإِفْهَامَ.
(قَوْلُهُ: كَمُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ) أَيْ فِي أَنَّهَا مَكْسُورَةُ الدَّالِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ قُدِّمَ اللَّازِمِ) إنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ اللَّازِمِ دُونَ الْمُتَعَدِّي؛ لِأَنَّهَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْهُ لَأُضِيفَتْ إلَى مَنْ قَدَّمْته كَالطَّالِبِ أَوْ الْمُشْتَغِلِ بِهَا مَثَلًا لَا إلَى مَا تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إفَادَةِ أَنَّ التَّقَدُّمَ ذَاتِيٌّ لَهَا مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَسْرِ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى تَقَدَّمَ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى كَمَا فِي زَيْدٍ تَقَدَّمَهُ عُمَرُ وَكَذَا قِيلَ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمُتَعَدِّي.
(قَوْلُهُ: لَا تُقَدِّمُوا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ كَمَا هُوَ الْقِرَاءَةُ السَّبُعِيَّةُ وَمَعْنَاهُ تَتَقَدَّمُوا؛ لِأَنَّ قَدَّمَ رُبَاعِيٌّ وَقُرِئَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ بِتَاءَيْنِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ عَشْرِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: كَمُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ) أَيْ فِي كَوْنِهَا بِفَتْحِ الدَّالِ.
(قَوْلُهُ: فِي لُغَةٍ) حَالٌ مِنْ مُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ وَاللُّغَةُ الْأُخْرَى كَسْرُ دَالِهَا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْجَيْشِ لَيْسَتْ إلَّا بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ فِي أُمُورٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَفِيهِ مَعَ مَا قَبْلَهُ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ عَلَى هَذَا وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَمُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ فَقَدْ بَسَطَهُ الْعِصَامُ فِي شَرْحِ الْوَضِيعَةِ وَشَرَحْنَاهُ هُنَاكَ فِي حَاشِيَتِنَا عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ أَتَمَّ شَرْحٍ فَارْجِعْ إلَيْهِ إنْ شِئْت.
(قَوْلُهُ: عَلَى بَعْضِهَا) أَيْ عَلَى مَدْلُولِ بَعْضِهَا فَقَدْ
(1/38)

كَتَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ إذْ يُثْبِتُهَا الْأُصُولِيُّ تَارَةً وَيَنْفِيهَا أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وُجِدَ فِيهَا الْأَمْرُ أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْكِتَابِ وَالْعِلْمِ قَالَ سَمِّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ الْمُطَوَّلِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَمُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ مُوَافِقٌ لِمَا قَرَّرَهُ السَّعْدُ فَإِنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْمَقْصُودِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَيْهَا أَوَّلًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ مَعَ تَوَقُّفِهِ عَلَى تَعَلُّقِهَا بَعْدَ قَوْلِهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِيهِ فَتَصْلُحُ أَنْ تُجْعَلَ مُقَدِّمَةَ الْكِتَابِ مُتَضَمِّنَةً لِمُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ اهـ.
فَاعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مُقَدِّمَةَ الْعِلْمِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشُّرُوعُ فِي مَسَائِلِهِ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِحَدِّهِ وَغَايَتِهِ وَمَوْضُوعِهِ وَلَمْ تُذْكَرْ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ هُنَا فَهَذِهِ مُقَدِّمَةُ كِتَابٍ فَقَطْ فَجَعَلَهَا مُقَدِّمَةَ عِلْمٍ وَكِتَابٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ كَتَعْرِيفِ الْحُكْمِ فَاسِدًا اهـ.
وَأَقُولُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْفَسَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَالْمُحَشِّي
وَآفَتُهُ مِنْ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
فَإِنَّ الْمُحَشِّيَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا الْأَخْذِ وَإِنَّمَا الْمُصَنِّفُ لَمَّا عَرَّفَ فَنَّ الْأُصُولِ بِقَوْلِهِ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ مَوْضُوعِهِ بِأَنَّهُ هِيَ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ وَقَوْلُهُ فَالْأُصُولِيُّ الْعَارِفُ بِهَا إلَخْ يُؤْخَذُ مِنْهُ فَائِدَةُ هَذَا الْعِلْمِ وَهِيَ كَيْفِيَّةُ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَقَدْ وُجِدَتْ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي هِيَ مُسَمَّى مُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ وَذُكِرَ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ أَيْضًا تَعَارِيفُ اصْطِلَاحَاتٍ تُذْكَرُ فِي الْمَقْصُودِ كَتَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْمَقْصُودِ فَصَارَتْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مُقَدِّمَةَ كِتَابٍ أَيْضًا فَهِيَ صَالِحَةٌ لَهُمَا مَعًا فَإِنْ نُظِرَ لِجِهَةِ الْخُصُوصِ أَعْنِي بِذَلِكَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ فَهِيَ مُقَدِّمَةُ عِلْمٍ وَإِنْ نُظِرَ لِجِهَةِ الْعُمُومِ أَعْنِي جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مِمَّا لَهُ ارْتِبَاطٌ بِالْمَقْصُودِ فَهِيَ مُقَدِّمَةُ كِتَابٍ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَمِّ فَتَصْلُحُ حِينَئِذٍ كَيْفَ وَهُوَ مُعْتَرَفٌ بِأَنَّ مُقَدِّمَةَ الْعِلْمِ اسْمٌ لِلْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَسَيَأْتِي نَقْلُ كَلَامِ السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّفْتَازَانِيَّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ اعْتَرَضَ عَلَى الْقَوْمِ بِقَوْلِهِ إنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ تَوَقُّفِ الشُّرُوعِ فِي الشَّيْءِ عَلَى كَذَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الشُّرُوعُ بِدُونِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ شَيْئًا مَا ذُكِرَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَلَا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الطَّالِبِينَ يُحَصِّلُ كَثِيرًا مِنْ الْعُلُومِ الْأَدَبِيَّةِ كَالنَّحْوِ وَغَيْرِهِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ رَسْمِهَا وَغَايَاتِهَا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الطَّالِبِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى مُحَصَّلٌ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا قَصَدُوهُ وَلِأَنَّ تَمَيُّزَ الْعِلْمِ عِنْدَ الطَّالِبِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ الْمَوْضُوعِ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ بِجِهَاتٍ أُخَرَ، نَعَمْ، تَمَايُزُ الْعُلُومِ فِي أَنْفُسِهَا إنَّمَا يَكُونُ بِتَمَايُزِ الْمَوْضُوعَاتِ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: كَتَعْرِيفِ الْحُكْمِ) أَيْ وَكَتَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
(قَوْلُهُ: إذْ يُثْبِتُهَا الْأُصُولِيُّ) ضَمِيرُهُ يَعُودُ لِلْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ إمْكَانَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّصَوُّرِ بِوَجْهٍ مَا لَا عَلَى التَّصَوُّرِ بِالتَّعْرِيفِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ إمْكَانُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى وَجْهِ الْبَصِيرَةِ يَتَوَقَّفُ
(1/39)

(وَسَبْعَةِ كُتُبٍ) فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ خَمْسَةٌ فِي مَبَاحِثِ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ الْخَمْسَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ وَالسَّادِسُ فِي التَّعَادُلِ وَالتَّرَاجِيحِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا وَالسَّابِعُ فِي الِاجْتِهَادِ الرَّابِطِ لَهَا بِمَدْلُولِهَا وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ التَّقْلِيدِ وَأَحْكَامِ الْمُقَلَّدِينَ وَآدَابِ الْفُتْيَا.

وَمَا ضُمَّ إلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ الْمُفْتَتَحِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
عَلَى تَعْرِيفِهَا عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ أَعَمُّ مِنْ الْحَدِّ فَهُوَ يَصْدُقُ بِالرَّسْمِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَسَبْعَةُ كُتُبٍ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ) وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ خَتْمُ الْكِتَابِ السَّابِعِ بِمَا وُصِفَ بِهِ كِتَابُهُ لِخُرُوجِهِ بِزِيَادَةِ الْمَقْصُودِ وَظَرْفِيَّةُ الْكُتُبِ بِمَعْنَى الْأَلْفَاظِ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنِيُّ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الدَّالِّ فِي الْمَدْلُولِ وَهُوَ كَثِيرٌ شَائِعٌ كَعَكْسِهِ وَارْتِكَابُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الظَّرْفِيَّةِ لَا دَاعِيَ إلَيْهِ وَإِنْ اُشْتُهِرَ عَلَى أَنَّ مَا قَالُوهُ هُنَا لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ فَإِنَّهُمْ عَدُّوا الِارْتِبَاطَ جَامِعًا وَلَا يَحْسُنُ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الِارْتِبَاطِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا وَإِلَّا لَصَلَحَ إدْخَالُ فِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُرْتَبِطِينَ بِأَيِّ ارْتِبَاطٍ كَانَ وَجَعَلُوا الظَّرْفِيَّةَ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ وَالْمُتَعَارَفُ فِيهِ صِحَّةُ تَقْدِيرِ الْكَافِ وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا.
وَأَمَّا تَقْدِيرُ كَانَ فَمَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعَرَّفٍ يُحْوِجُ إلَى تَقْدِيرِ الِاسْمِ أَيْضًا ثُمَّ لَازِمُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَشْبِيهُ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ بِالْكَائِنَةِ فِي الْمَقْصُودِ فَلَا بُدَّ أَنْ تُعَرَّفَ تِلْكَ الْأُمُورُ الْكَائِنَةُ فِي الْمَقْصُودِ مَا هِيَ حَتَّى يُعْرَفَ أَنَّ بَيْنَ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ وَبَيْنَهَا وَجْهَ شَبَهٍ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: مَبَاحِثَ) جَمْعٌ مَبْحَثٍ وَهُوَ الْقَضِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْبَحْثِ أَيْ الْإِثْبَاتِ لِلْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ) مُرْتَبِطٌ بِالْأَمْرَيْنِ قَبْلَهُ وَعِنْدَ تَعَارُضِهَا
(1/40)

بِمَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ الْمُخْتَتَمِ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ خَاتِمَةِ التَّصَوُّفِ.

(الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) افْتَتَحَهَا بِتَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مُرْتَبِطٌ بِالثَّانِي وَقَوْلُهُ الرَّابِطُ لَهَا بِمَدْلُولِهَا أَيْ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ لَا بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهَا بِحَسَبِهِ مُرْتَبِطَةٌ بِمَدْلُولِهَا وَبَيْنَ الْبَيَانِ مُنَاسَبَةٌ ذَكَرَ التَّعَادُلَ وَالتَّرَاجِيحَ عَقِبَ الْأَدِلَّةِ.

(قَوْلُهُ: بِمَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ) صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ لَيْسَ مِنْهَا وَأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُفْتَتَحُ بِمَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَا غُبَارَ عَلَى مَنْ جَعَلَ مُفْتَتَحَ الْكَلَامِ بِمَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ أَفَادَهُ سَمِّ.
1 -
(قَوْلُهُ مِنْ خَاتِمَةِ التَّصَوُّفِ) مِنْ إضَافَةِ الدَّالِّ لِلْمَدْلُولِ وَزَادَ هُنَا لَفْظَ خَاتِمَةٍ دُونَ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ الْآتِي مِنْ فَنِّ الْأُصُولِ إلَخْ هَذَا مُقَامٌ مَقَامَ ذِكْرِ التَّرَاجِمِ وَتَفَاصِيلِهَا فَيُطَالَبُ فِيهِ ذِكْرُ لَفْظِ خَاتِمَةٍ أَوْ أَنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الْمُقَدِّمَاتِ هُنَا اسْتَدْعَى ذَكَرَ لَفْظَ خَاتِمَةٍ لِتَحْصِيلِ الْطِبَاقِ

[الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ]
(قَوْلُهُ: الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) الْأَوْجَهُ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرَ مَحْذُوفٍ اسْمِ إشَارَةٍ أَيْ هَذَا الْكَلَامُ إلَخْ اعْتَنَى بِشَأْنِ الْحُكْمِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْبَيَانَ الْحَاصِلَ لِوُضُوحِهِ بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَحْسُوسِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ اسْمُ الْإِشَارَةِ كَقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] وَيَصِحُّ جَعْلُ الْخَبَرِ مَحْذُوفًا أَيْ الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ هَذَا، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَعْنَى الْحَدَثِيُّ أَيْ التَّكَلُّمُ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ
قَالُوا كَلَامُك هِنْدًا وَهِيَ مُصْغِيَةٌ ... يَشْفِيكَ قُلْت صَحِيحٌ ذَاكَ لَوْ كَانَا
فَالْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ التَّكَلُّمُ الْآنَ الصَّادِرُ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَفِي سَبَبِيَّةٌ صِلَةٌ لَهُ فَالظَّرْفُ لُغَةٌ أَوْ مُسْتَقِرٌّ حَالٌ مِنْهُ أَوْ صِفَةٌ لَهُ أَيْ هَذَا الْكَلِمُ الْحَاصِلُ الْآنَ هُوَ التَّكَلُّمُ بِسَبَبِ الْمُقَدِّمَاتِ أَيْ بِسَبَبِ إيضَاحِهَا، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ كَائِنًا لِذَلِكَ أَوْ الْكَائِنَ لِذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالصَّدْرِ وَهُوَ مَا يُتَكَلَّمُ بِهِ فَفِي بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْأَلْفَاظُ إذْ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْكِتَابِ الْمُرَادِ بِهِ ذَلِكَ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْمَعَانِي فَفِي إمَّا سَبَبِيَّةٌ صِلَةٌ أَوْ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ أَوْ ظَرْفِيَّةٌ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الدَّالِ فِي الْمَدْلُولِ وَالظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ مَجَازِيَّةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَكْنِيَّةِ أَوْ التَّصْرِيحِيَّةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ وَلَك أَنْ تَجْعَلَ التَّقْدِيرَ جَاءَ الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَالْجُمْلَةُ فِعْلِيَّةٌ وَتَسْتَغْنِيَ عَنْ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ وَأَنْ لَا تُقَدِّرَ شَيْئًا أَصْلًا بِأَنْ تَجْعَلَ الْكَلَامَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَلَوْ قَالَ الْمُقَدِّمَاتُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَنْسَبَ بِبَقِيَّةِ التَّرَاجِمِ الْآتِيَةِ حَيْثُ قَالَ: الْكِتَابُ الْأَوَّلُ إلَخْ وَقَدْ يُوَجَّهُ صَنِيعُهُ بِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ أَلْ سِيَّمَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْخَطَابِيَّةِ الْجِنْسِيَّةُ فَفِيهِ إيهَامٌ أَنَّ الْكَلَامَ جَمِيعَهُ مُنْحَصِرٌ فِيهَا لِعِظَمِ نَفْعِهَا فَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلِاعْتِنَاءِ بِهَا وَحَثٌّ لِلطَّالِبِ عَلَى تَحْصِيلِهَا.
(قَوْلُهُ: افْتَتَحَهَا) أَيْ الْمُقَدِّمَاتِ قِيلَ الْأَنْسَبُ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ وَإِعَادَتُهُ إلَى الْكَلَامِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُفْتَتَحُ بِتَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ لِلْإِشَارَةِ إلَى بَعْضِيَّةِ التَّعْرِيفِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّ فَاتِحَةَ الشَّيْءِ مِنْهُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْغَالِبُ لَا بِشَيْءٍ أَجْنَبِيٍّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ اهـ.
قِيلَ إنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ أَيْضًا حَاصِلَةٌ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَدَعْوَى إيهَامِ التَّذْكِيرِ دُونَ التَّأْنِيثِ مَمْنُوعَةٌ، وَالْمُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَكُونُ التَّذْكِيرُ أَنْسَبَ إذَا حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ بِهِ أَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى التَّكَلُّمِ فَلَا؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ أُصُولِ الْفِقْهِ لَيْسَ تَكَلُّمًا حَتَّى يُنَاسِبَ جَعْلَهُ فَاتِحَةَ التَّكَلُّمِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَلَعَلَّ الشَّارِحَ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى التَّكَلُّمِ وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ.
(قَوْلُهُ: بِتَعْرِيفِ) أَيْ بِلَفْظِهِ بِنَاءً عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ أَنَّ
(1/41)

لِيَتَصَوَّرَهُ طَالِبُهُ بِمَا يَضْبِطُ مَسَائِلَهُ الْكَثِيرَةَ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَطَلُّبِهَا إذْ لَوْ تَطَلَّبَهَا قَبْلَ ضَبْطِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمُرَادَ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْأَلْفَاظُ فَالتَّعْرِيفُ جُزْءٌ مِنْهَا فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّعْرِيفِ مَعْنَاهُ أَحْتِيجَ لِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْ بِدَالِ تَعْرِيفٍ إلَخْ، ثُمَّ إنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ بَلْ لَمْ يُمْكِنْ ذِكْرُ التَّعْرِيفِ دُونَهُ كَيْفَ وَقَدْ قَالُوا مُعَرَّفُ الشَّيْءِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِإِفَادَةِ تَصَوُّرِهِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الِافْتِتَاحِ عَلَى الْعُرْفِيِّ؛ لِأَنَّ الِافْتِتَاحَ حَقِيقَةً لَيْسَ بِالتَّعْرِيفِ بَلْ بِالْمُعَرَّفِ.
(قَوْلُهُ: لِيَتَصَوَّرَهُ طَالِبُهُ) قَدْ يُقَالُ هَذَا الدَّلِيلُ لَا يُنْتِجُ افْتِتَاحَ الْمُقَدِّمَاتِ بِالتَّعْرِيفِ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمُعَرَّفِ الَّذِي هُوَ أُصُولُ الْفِقْهِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْكِتَابِ فَسَوَاءٌ ذُكِرَ التَّعْرِيفُ فِي أَوَّلِهَا أَوْ وَسَطِهَا أَوْ آخِرِهَا يَحْصُلُ تَقَدُّمُ التَّعْرِيفِ عَلَى الْمُعَرَّفِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنَّمَا يُنْتِجُ افْتِتَاحَ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ الَّتِي فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَبِهِ يُجَابُ بِأَنَّ طَلَبَ أُصُولِ الْفِقْهِ يَسْتَتْبِعُ طَلَبَ مُقَدِّمَاتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَوَّرَهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي طَلَبِ مُقَدِّمَاتِهِ أَيْضًا فَقَوْلُهُ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي طَلَبِهِ أَيْ الْمُسْتَتْبِعُ لِطَلَبِ مَا يَنْفَعُ فِيهِ أَوْ الْمُرَادُ بِطَلَبِهِ أَعَمُّ مِنْ طَلَبِهِ نَفْسَهُ وَطَلَبِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهِ فَكَانَ افْتِتَاحُ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ بِهِ مُتَحَقِّقًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الْمُقَدِّمَاتِ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِافْتِتَاحِهِ بِهِ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ أَفَادَهُ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ مُقَدَّمًا عَلَى نَفْسِهِ عَلَى كِلَا الْجَوَابَيْنِ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ الثَّانِيَ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ أَصْلًا إذْ حَاصِلُ الْإِيرَادِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَقْتَضِي افْتِتَاحَ الْمُقَدِّمَاتِ بِالتَّعْرِيفِ لَا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ حِينَئِذٍ افْتِتَاحُ الْأُصُولِ بِالتَّعْرِيفِ، ثُمَّ إنَّ مَبْنَى الِاعْتِرَاضِ تَعَلُّقُ اللَّامِ بِالِافْتِتَاحِ وَلَك أَنْ تَجْعَلَهَا مُتَعَلِّقَةً بِالتَّعْرِيفِ فَلَا يُرَادُ الِاعْتِرَاضُ أَصْلًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ افْتَتَحَهَا فَقَدْ ذَكَرَهُ لِبَيَانِ أَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ لَا لَأَنْ يُبَيِّنَ لَهُ عِلَّةً وَإِنَّمَا ذَكَرَ عِلَّةَ التَّعْرِيفِ لِيَظْهَرَ كَوْنُهُ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَعْنَى افْتَتَحَ الْمُقَدِّمَاتِ التَّعْرِيفُ الَّذِي هُوَ التَّصَوُّرُ لِيَتَصَوَّرَ أُصُولَ الْفِقْهِ طَالِبُهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ إلَخْ) عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ
(1/42)

لَمْ يَأْمَنْ فَوَاتَ مَا يُرَجِّيهِ وَضَيَاعَ الْوَقْتِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ فَقَالَ (أُصُولُ الْفِقْهِ) أَيْ الْفَنُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَخْ وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى التَّكَلُّفِ فِي الطَّلَبِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ؛ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهُنَا أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بَصِيرَةً مَا فَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّصَوُّرِ بِالتَّعْرِيفِ بَلْ التَّصَوُّرِ بِوَجْهٍ مَا أَوْ كَمَالِ الْبَصِيرَةِ فَلَا يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ التَّعْرِيفِ بَلْ لَا بُدَّ فِي كَمَالِهَا مِنْ التَّصْدِيقِ بِمَوْضُوعِيَّةِ الْمَوْضُوعِ وَفَائِدَةِ الْعِلْمِ وَيَزْدَادُ ذَلِكَ بِبَقِيَّةِ الْأُمُورِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْمَبَادِئِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا حَقِيقَةً كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي بَعْضِ حَوَاشِينَا الْمَنْطِقِيَّةِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فَرْدٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْبَصِيرَةِ وَهُوَ الْحَاصِلُ بِالتَّعْرِيفِ أَوْ الْمُرَادُ بَصِيرَةٌ ذَاتُ كَمَالٍ بَصِيرَةُ مَا، وَلَا بَصِيرَةَ بَالِغَةٌ فِي الْكَمَالِ.
الثَّانِي: إنَّ ضَبْطَ الْمَسَائِلِ بِدُونِ التَّعْرِيفِ مُمْكِنٌ بِأَنْ تُعَدَّ لِلطَّالِبِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ أَجَابَ الشَّارِحُ عَنْهُ بِوَصْفِ الْمَسَائِلِ بِالْكَثْرَةِ فَإِنَّ كَثْرَتَهَا تَمْنَعُ ضَبْطَهَا بِنَحْوِ هَذَا الطَّرِيقِ وَتُحْوِجُ إلَى التَّصَوُّرِ بِالتَّعْرِيفِ لَا يُقَالُ الْكَثْرَةُ لَا تُنَافِي الْإِمْكَانَ بَلْ وَلَا تَقْتَضِي الْمَشَقَّةَ كُلِّيًّا فَإِنَّ الْكَثْرَةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي نَحْوِ الْعَشْرِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَمْسِينَ وَالْمِائَةِ وَالْأَلْفِ وَالْوُقُوفُ عَلَى هَذِهِ الْمَقَادِيرِ بِنَحْوِ الْعَدَدِ مُمْكِنٌ بَلْ سَهْلٌ فِي بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ الظَّاهِرَةُ جِدًّا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ.
هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالُوهُ وَهُوَ ذُهُولٌ عَنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَتَضَبَّطُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مُحَصِّلٌ لِجِهَةِ الْوَحْدَةِ الَّتِي بِهَا صَارَتْ سَائِلُ الْعِلْمِ الْمُنْكَثِرَةُ شَيْئًا وَاحِدًا وَبِالْإِحَاطَةِ بِجِهَةِ الْوَحْدَةِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ الْإِجْمَالِيُّ بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ بِالْقُوَّةِ كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ.
وَأَمَّا سَرْدُ الْمَسَائِلِ مَعْدُودَةً فَلَا يَحْصُلُ جِهَةَ الْوَحْدَةِ فَلَا يُفِيدُ ضَبْطًا بَلْ تَحْصِيلًا لِبَعْضِ الْمَسَائِلِ بِالْفِعْلِ وَأَمَّا ضَبْطُ الْمَسَائِلِ فَحُصُولٌ لَهَا عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ وَالشَّارِحُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْحُصُولِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ، وَأَمَّا قَوْلُ سم بَقِيَ هُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ بِانْفِرَادٍ وَبِذَلِكَ يَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَطَلُّبِهِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى تَصَوُّرِهِ بِتَعْرِيفِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ تَصَوُّرِهِ بِتَعْرِيفِهِ فَهُوَ عَجِيبٌ مِنْ مِثْلِهِ كَيْفَ يَتَأَتَّى تَصَوُّرُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَسَائِلِ بِتَعْرِيفٍ يَخُصُّهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْضِي بِتَعَدُّدِ جِهَةِ وَحْدَةِ الْعِلْمِ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَلَيْسَ تَعْرِيفُ الْأَنْوَاعِ تَعْرِيفًا لِلْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَلَا فِي مَعْنَاهُ فَإِنْ قُلْت كُلُّ نَوْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ مَجْمُوعُ تَصْدِيقَاتٍ فَكَيْفَ يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّصَوُّرُ الَّذِي هُوَ
(1/43)

الْمُسَمَّى بِهَذَا اللَّقَبِ الْمُشْعِرُ بِمَدْحِهِ بِابْتِنَاءِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ إذْ الْأَصْلُ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مُفَادُ التَّعْرِيفِ.
قُلْت التَّصَوُّرَاتُ لَا حَجْرَ فِيهَا فَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ حَتَّى جَوَّزُوا تَصَوُّرَ التَّصَوُّرِ وَتَصَوُّرَ التَّصْدِيقِ بَلْ يَجُوزُ تَصَوُّرُ عَدَمِ التَّصَوُّرِ فَمَعْنَى تَصَوُّرِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ التَّصَوُّرُ حُضُورِيًّا فَمَعْنَى تَصَوُّرِهَا الِالْتِفَاتُ إلَيْهَا وَاسْتِحْضَارُهَا وَإِنْ كَانَ حُصُولِيًّا فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهَا الْأَصْلِيِّ فِي الذِّهْنِ مِنْ تَصْدِيقَاتٍ وَبِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الظَّنِّيِّ تَصَوُّرَاتٌ مَعَ الِاتِّحَادِ بِالذَّاتِ وَاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ الْوُجُودَيْنِ تَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ.
(قَوْلُهُ: الْمُسَمَّى بِهَذَا اللَّقَبِ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ عِلْمٌ لِلْفَنِّ لَا اسْمُ جِنْسٍ كَمَا مَالَ إلَيْهِ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ مُعَلِّلًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلْمًا لَمَا دَخَلَتْهُ لَامُ التَّعْرِيفِ الْجِنْسِيَّةُ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَدْخُولَ اللَّامِ لَفْظَةُ أُصُولٍ بِدُونِ إضَافَةٍ وَلَيْسَتْ الْعِلْمَ إنَّمَا الْعِلْمُ الْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ وَلَا تَدْخُلُهُ اللَّامُ.
(قَوْلُهُ: الْمُشْعِرُ بِمَدْحِهِ) بَيَانٌ لِكَوْنِهِ لَقَبًا إذْ اللَّقَبُ عَلَمٌ يُشْعِرُ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ وَإِنَّمَا قَالَ الْمُشْعِرُ؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا دَلَالَةَ لَهُ إلَّا عَلَى الذَّاتِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الْأَصْلِ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا نُقِلَ وَجُعِلَ عَلَمًا صَارَ مَلْحُوظًا فِيهِ هَذَا الْإِشْعَارُ وَتَحْقِيقُ الْمَقَامِ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُدَوَّنَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ حَصَلَتْ فِي ذِهْنِ الْوَاضِعِ بِأَمْرٍ كُلِّيٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا كَالْمَوْضُوعِ وَالْغَايَةِ مَثَلًا وَيُجْعَلُ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُشْتَرَكُ آلَةً لِلْوَضْعِ وَالْمَوْضُوعُ لَهُ جَمِيعُ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي جِهَةِ الْوَحْدَةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ وَغَيْرِ الْمُسْتَخْرَجَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْعِلْمُ الَّذِي تَتَزَايَدُ مَسَائِلُهُ مُتَحَقِّقًا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ فِي وَقْتٍ مَا وَالْعَالِمُ بِهِ إنَّمَا سُمِّيَ عَالِمًا بِاعْتِبَارِ الْمَلَكَةِ لَا بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقَاتِ بِالْمَسَائِلِ وَلَيْسَ هَذَا الْوَضْعُ مِنْ قَبِيلِ الْوَضْعِ الْعَامِّ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ الْخَاصُّ لِعَدَمِ التَّعَدُّدِ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ بَلْ الْوَضْعُ وَالْمَوْضُوعُ لَهُ شَخْصِيَّانِ ضَرُورَةَ كَوْنِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى شَخْصِيًّا إلَّا أَنَّ آلَةَ الْوَضْعِ مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ تَنْدَرِجُ فِيهِ الْأَجْزَاءُ الْمُسْتَخْرَجَةُ وَغَيْرُ الْمُسْتَخْرَجَةِ كَمَا إذَا قَدَّرَ الرَّجُلُ ابْنًا لَهُ وَوَضَعَ لَهُ اسْمًا، ثُمَّ إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَعَدُّدُ الْمَسَائِلِ وَالتَّصْدِيقَاتِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْمَحَالِّ نَظَرًا لِلْعُرْفِ كَانَتْ أَسْمَاءُ الْعُلُومِ أَعْلَامًا شَخْصِيَّةً وَإِنْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ كَانَتْ أَعْلَامًا جِنْسِيَّةً فَلِذَلِكَ جَعَلَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ لِلْمُخْتَصَرِ أُصُولَ الْفِقْهِ عِلْمَ جِنْسٍ مَعَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ أَعْلَامٌ شَخْصِيَّةٌ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِمُلَاحَظَةِ الِاعْتِبَارَيْنِ وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ مَسَائِلَ الْعُلُومِ تَتَزَايَدُ يَوْمًا فَيَوْمًا بِتَزَايُدِ الْأَفْكَارِ فَكَيْفَ يَتَحَصَّلُ وَضْعُ الِاسْمِ لَهَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الِاسْمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحْصِيلِهِ فِي الْخَارِجِ بَلْ فِي الذِّهْنِ وَيَكْفِي فِي اسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمُلَاحَظَةُ الْإِجْمَالِيَّةُ كَمَا قُلْنَا
(1/44)

(دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ تِلْكَ الْمَسَائِلِ مُسْتَخْرَجًا بِالْفِعْلِ وَبَعْضُهَا حَاصِلٌ بِالْقُوَّةِ تَدَبَّرْ.
(قَوْلَهُ دَلَائِلُ الْفِقْهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَإِنَّمَا لَمْ أَقُلْ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْأُصُولِ وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ يُجْتَنَبُ فِيهِ الْإِضْمَارُ مَا أَمْكَنَ وَلِتَغَايُرِ الْفِقْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَحَدُ جُزْأَيْ لَقَبٍ مُرَكَّبٍ مِنْ مُتَضَايِفَيْنِ وَالثَّانِي الْعِلْمُ بِالْمَعْرُوفِ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ الْمَخْصُوصَةِ كَالْمَنْطِقِ تُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْمَعْلُومَاتِ الْمَخْصُوصَةِ فَيُقَالُ مَثَلًا فُلَانٌ يَعْلَمُ النَّحْوَ أَيْ يَعْلَمُ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَأُخْرَى عَلَى الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومَاتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةُ كُلِّ عِلْمٍ مَسَائِلُهُ وَعَلَى الثَّانِي حَقِيقَتُهُ التَّصْدِيقَاتُ بِمَسَائِلِهِ.
وَأَمَّا جَعْلُهُمْ أَجْزَاءَ الْعُلُومِ الْمَوْضُوعَ وَالْمَبَادِئَ وَالْمَسَائِلَ فَتَسَاهُلٌ، وَيُطْلَقُ لَفْظُ الْعِلْمِ أَيْضًا عَلَى الْمَلَكَةِ وَأَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْفَنِّ هُوَ الْأَدِلَّةُ الْإِجْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَغْرَاضِهَا الذَّاتِيَّةِ وَمَوْضُوعُ الْعِلْمِ مَا هُوَ يَبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ عَنْ أَغْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَحْثِ عَنْ الْأَغْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ حَمْلُهَا عَلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ كَقَوْلِنَا الْكِتَابُ يُثْبِتُ الْحُكْمَ أَوْ عَلَى أَنْوَاعِهِ كَقَوْلِنَا الْأَمْرُ يُفِيدُ الْوُجُوبَ أَوْ عَلَى أَغْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَامُّ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَلَى أَنْوَاعِ أَغْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ حُجَّةٌ فِيمَا بَقِيَ إذَا عَلِمْت هَذَا تَعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ فَسَّرَ الْعِلْمَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَقِيلَ مَعْرِفَتُهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْأُصُولِيُّ الْعَارِفُ بِهَا فَصَالِحٌ لَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى الثَّالِثِ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ كَلَامِهِ وَسَتَسْمَعُ مَا فِيهِ وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ كَمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْهُ الشَّارِحُ لَكِنَّهُ مُعْتَرِضٌ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ فَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ تَعْرِيفًا لَهُ بِمَعْنَى الْمَسَائِلِ فَإِنَّهُ تَعْرِيفٌ بِالْمُبَايِنِ وَأَجَابُوا عَنْهُ إمَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ مَسَائِلُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ أَيْ الْمَسَائِلُ الْمَبْحُوثُ فِيهَا عَنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الدَّلَائِلِ كَقَوْلِنَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ مَثَلًا أَوْ أَنْ يُرَادَ بِالدَّلَائِلِ نَفْسُ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَيُضَعِّفُ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ أَنَّ حَذْفَ الْمُضَافِ فِي التَّعْرِيفَاتِ بَعِيدٌ سِيَّمَا مَعَ مُعَارَضَةِ مَا رَجَّحَ بِهِ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ إذْ الْأُصُولُ لُغَةً: الْأَدِلَّةُ فَهَذَا الْقَوْلُ يُبْعِدُ تَقْدِيرَ احْتِمَالِ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّعْرِيفَاتِ تُحْمَلُ عَلَى الْمَعَانِي الْمُتَبَادَرَةِ مِنْهَا وَالْمُبَادَرُ مِنْ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ عِنْدَهُمْ هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إلَخْ لَا مَسَائِلُ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ دَلَائِلَ إجْمَالِيَّةً وَإِنَّمَا هِيَ كُبْرَيَاتُ الدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] فَإِنَّهُ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَإِرَادَةُ مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ بَعِيدٌ جِدًّا قَلَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ أَحَدٌ وَأَيْضًا سَيَجِيءُ أَنَّ التَّفْصِيلِيَّةَ جُزْئِيَّاتٌ لِلْإِجْمَالِيَّةِ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ إذَا حُمِلَتْ الْإِجْمَالِيَّةُ عَلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا حُمِلَ عَلَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَنَحْوِهِ وَكَيْفَ تَتَحَمَّلُ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتُ أَمْثَالَ هَذِهِ التَّكْلِيفَاتِ الْبَعِيدَةِ وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ هُوَ الْمُرَادُ فَهُوَ مِنْ الْمُرَادِ الَّذِي لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ فَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السِّنْدِيُّ إنَّ الشَّارِحَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّ بَيَانَهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَأَمَّا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِبَاهِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ بِمَوْضُوعَاتِهَا، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ التَّعْرِيفَيْنِ بِاخْتِصَارٍ مُخِلٌّ.
وَهُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الْمُسَمَّى بِأُصُولِ الْفِقْهِ إمَّا الْمَسَائِلُ أَوْ التَّصْدِيقُ بِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ أَفْرَادَ الْمَوْضُوعِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْحُكْمِ فِي الْمَحْصُورَاتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَضِيَّةَ الطَّبِيعِيَّةَ لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَسَائِلِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بَيَانَ أَحْوَالِ الْأَفْرَادِ الَّتِي هِيَ الْأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ مَثَلًا قَوْلُنَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفَنِّ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِيهَا أَقِيمُوا الصَّلَاةَ آتُوا الزَّكَاةَ إلَخْ فَالْبَحْثُ عَنْ هَذِهِ الْجُزَيْئَاتِ الَّتِي هِيَ أَدِلَّةٌ تَفْصِيلِيَّةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ جَعْلَهُمْ أُصُولَ الْفِقْهِ الْمَسَائِلَ الْبَاحِثَةَ عَنْ أَحْوَالِ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ أَوْ
(1/45)

أَيْ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ كَمُطْلَقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِصْحَابِ الْمَبْحُوثِ عَنْ أَوَّلِهَا بِأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً وَالثَّانِي بِأَنَّهُ لِلْحُرْمَةِ كَذَلِكَ الْبَاقِي بِأَنَّهَا حُجَجٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ فَخَرَجَ بِالدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ نَحْوُ {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] وَصَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنْ لِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ حَيْثُ لَا عَاصِبَ لَهُمَا وَقِيَاسُ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ فِي امْتِنَاعِ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاسْتِصْحَابُ الطَّهَارَةِ لِمَنْ شَكَّ فِي بَقَائِهَا فَلَيْسَتْ أُصُولُ الْفِقْهِ وَإِنَّمَا يُذْكَرُ بَعْضُهَا فِي كُتُبِهِ لِلتَّمْثِيلِ (وَقِيلَ) أُصُولُ الْفِقْهِ (وَمَعْرِفَتُهَا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَعْرِفَتَهَا وَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي الْمَوْضُوعِ لِبَيَانِ مَا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ أَدِلَّتِهِ الْإِجْمَالِيَّةِ دُونَ التَّفْصِيلِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقْيِيدِ بِالْإِجْمَالِيَّةِ مُجَرَّدُ كَوْنِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ بِأَنْ لَا يَقَعَ التَّفْصِيلُ عُنْوَانَ الْمَبَاحِثِ أَوْ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَ الْإِجْمَالِيَّةِ وَالتَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاعْتِبَارِ لَا بِالذَّاتِ إذْ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ جِهَتَانِ {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [المجادلة: 13] مَثَلًا لَهُ جِهَةُ إجْمَالٍ هِيَ كَوْنُهُ أَمْرًا وَجِهَةُ تَفْصِيلٍ هِيَ كَوْنُ مُتَعَلِّقِهِ خَاصًّا هِيَ إقَامَةُ الصَّلَاةِ فَالْبَحْثُ عَنْهَا فِي هَذَا الْفَنِّ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى وَفِي الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ التَّالِيَةِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ) تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَالَ عَدَمُ الْإِيضَاحِ وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ التَّعْيِينِ أَيْ التَّفْصِيلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا أَنَّهَا مُهِمَّةٌ فِي أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً لِمَسَائِلَ جُزْئِيَّةٍ فَالْمُعَيَّنَةُ هِيَ الَّتِي عُيِّنَ كُلُّ دَلِيلٍ مِنْهَا لِمَسْأَلَةٍ جُزْئِيَّةٍ بِأَنْ يَدُلَّ عَلَيْهَا بِخُصُوصِهَا وَعَدَلَ عَلَى أَنْ يَقُولَ غَيْرُ التَّفْصِيلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ بِالْمُسَاوِي فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ (قَوْلُهُ كَمُطْلَقِ الْأَمْرِ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَقَاعِدَةِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِيهِ بِأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ أَيْ الْقَاعِدَةُ الْمَحْكُومُ فِيهَا عَلَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ بِأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ وَالْقَرِينَةُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا الْآتِي مِنْ فَنَّيْ الْأُصُولِ بِالْقَوَاعِدِ الْقَاطِعِ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِيهِ أَنَّ مِنْ لِلْبَيَانِ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ مَثَلًا مِنْ مَوْضُوعِ أُصُولِ الْفِقْهِ الْمَبْحُوثِ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِهِ وَالْمُرَادُ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ مَا خَلَا عَنْ خُصُوصِ الْمُتَعَلِّقِ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مِنْ نَاحِيَةِ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعْرِيفِ وَمُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى يَلْتَئِمَ مَعَ مَا سَبَقَ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا قَدْ سَمِعْته فَتَذَكَّرْ.
(قَوْلُهُ: الْمَبْحُوثِ عَنْ أَوَّلِهَا) وَهُوَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ أَيْ الْمُثْبِتُ لَهُ الْوُجُوبَ بِجَعْلِهِ مَوْضُوعًا لَهُ فَنَقُولُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
(قَوْلُهُ: وَالْبَاقِي) وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ أَيْ الْمُثْبِتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ الْحُجِّيَّةُ عَلَى قِيَاسِ مَا سَمِعْت فِي الْأَمْرِ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ) عَطْفٌ عَلَى الْأَمْرِ وَالْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَمْرِ وَمَا مَعَهُ وَأَرَادَ بِالْغَيْرِ نَحْوَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَالظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ إلَخْ وَقَوْلُهُ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْغَيْرِ وَأَرَادَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِنَا الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالْعَامُّ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ وَنَحْوَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ الدَّلَائِلُ التَّفْصِيلِيَّةُ) أَيْ الْقَضَايَا الْمَحْكُومُ فِيهَا عَلَى الدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ نَحْوُ قَضِيَّةِ {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] أَعْنِي أَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً لِيُنَاسِبَ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي قَوْلِهِ مِنْ دَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَيْسَتْ) أَيْ الدَّلَائِلُ التَّفْصِيلِيَّةُ أُصُولَ الْفِقْهِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَلَيْسَتْ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ لِيَكُونَ نَصًّا فِي نَفْيِ كَوْنِهَا بَعْضًا مِنْهُ الَّذِي هُوَ الْمُتَوَهَّمُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ مَعْرِفَتُهَا) لَمْ يُرِدْ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ كَتَصْوِيبِ الْأَوَّلِ الْوَاقِعِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ رَدَّ هَذَا الْقَوْلِ بَلْ بَيَانَ أَوْلَوِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوَاعِدِ أَشْيَعُ فِي الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَشَّى الْحَوَاشِي الشَّرِيفَةِ عَلَى الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ أَنَّ ابْتِنَاءَ الْمَطَالِبِ أَصَالَةً إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَعْلُومِ؛ لِأَنَّهُ الْمُوَصِّلُ.
وَأَمَّا عَلَى الْعِلْمِ بِهِ فَبِالتَّبَعِ فَإِذَا أُطْلِقَ الْأُصُولُ يَتَبَادَرُ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ أَصَالَةً فَانْدَفَعَ بِمَا قُلْنَاهُ إنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ تُطْلَقُ
(1/46)

أَيْ مَعْرِفَةُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ إذْ الْأُصُولُ لُغَةً الْأَدِلَّةُ كَمَا فِي تَعْرِيفِ جَمِيعِهِمْ الْفِقْهَ بِالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ لَا نَفْسِهَا إذْ الْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
عَلَى الْمَسَائِلِ وَعَلَى الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا هُنَا صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: أَيْ مَعْرِفَةُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ) أَيْ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِهَا وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي نَظِيرِهِ بَعْدُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مَعْرِفَةَ ذَاتِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ عِلْمٌ تَصَوُّرِيٌّ بَلْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهَا لِلْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَهُوَ تَصْدِيقٌ بِثُبُوتِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَقَعُ مَحْمُولَاتٍ لِلْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ مَثَلًا فَآلَ الْمَعْنَى إلَى أَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ عِلْمٌ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَرَّرُوا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْقَوَاعِدُ فَيَنْتَظِمُ الْكَلَامُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّأْوِيلِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا قَدْ سَمِعْته، قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَيْ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عِلْمُ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ قَوَاعِدَهُ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ تَوَصُّلًا قَرِيبًا بَلْ إنَّمَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مُحَافَظَةِ الْحُكْمِ الْمُسْتَنْبَطِ أَوْ مُدَافَعَتِهِ وَنِسْبَتُهُ إلَى الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ فَإِنَّ الْجَدَلِيَّ إمَّا مُجِيبٌ بِحِفْظٍ وَضْعًا أَوْ مُعْتَرِضٌ يَهْدِمُ وَضْعًا إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَكْثَرُوا فِيهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَبَنَوْا نِكَاتَهُ عَلَيْهِ حَتَّى تُوُهِّمَ أَنَّ لَهُ اخْتِصَاصًا بِالْفِقْهِ، وَأُصُولُ الْفِقْهِ وَإِنْ كَانَتْ أَصْلًا لِلْفِقْهِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ فَرْعٌ لِأُصُولِ الدِّينِ لِاحْتِيَاجِ كَوْنِ الْأَدِلَّةِ حُجَّةً لِمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ.
(قَوْلُهُ: أَقْرَبُ إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ) التَّعْبِيرُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْمَعْرِفَةِ قُرْبًا إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ لَهَا قُرْبٌ إلَيْهِ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ (قَوْلُهُ: إذْ الْأُصُولُ لُغَةً إلَخْ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَهُوَ أَمْرٌ عَامٌّ كُلِّيٌّ يَشْمَلُ الدَّلِيلَ وَغَيْرَهُ فَالدَّلِيلُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ فَكَيْفَ يَتِمُّ الْحَصْرُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَصْرَ إضَافِيٌّ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْرِفَةِ أَيْ إنَّ الْأُصُولَ الْأَدِلَّةُ لَا الْمَعْرِفَةُ وَأُورِدُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْأُصُولُ لُغَةً الْأَدِلَّةُ فَلَا مَعْنَى لِقُرْبِ الْأَوَّلِ إلَى الْمَدْلُولِ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ عَيْنُهُ حِينَئِذٍ وَالشَّيْءُ لَا يَقْرُبُ مِنْ نَفْسِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَعَمُّ مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ؛ لِأَنَّهَا تَشْمَلُهَا وَغَيْرَهَا كَأَدِلَّةِ الْفِقْهِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ الْأُصُولِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ أَقْرَبُ إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ مِنْ إطْلَاقِهَا عَلَى مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّ فَرْدَ الشَّيْءِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَوَابَ
(1/47)

(وَالْأُصُولِيُّ) أَيْ الْمَرْءُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْأُصُولِ أَيْ الْمُلْتَبِسُ بِهِ (الْعَارِفُ بِهَا) أَيْ بِدَلَائِل الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ (وَبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِهَا) يَعْنِي الْمُرَجِّحَاتِ الْمَذْكُورِ مُعْظَمُهَا فِي الْكِتَابِ السَّادِسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ بَقِيَتْ الدَّلَائِلُ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَسَائِلِ الْبَاحِثَةِ عَنْ أَحْوَالِ الدَّلَائِلِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تِلْكَ الْمَسَائِلَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ يَجْعَلُهَا كُبْرَى لِصُغْرَى هِيَ دَلِيلٌ تَفْصِيلِيٌّ نَحْوِ {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً ثَانِيهِمَا تَقْدِيرُ الْمُضَافِ وَعَلَيْهِمَا فَلَا إيرَادَ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَاكَ سَابِقًا.

[تَعْرِيفِ الْأُصُولِيّ]
(قَوْلُهُ: وَالْأُصُولِيُّ الْعَارِفُ إلَخْ) لَمَّا اعْتَبَرَ فِي الْأُصُولِيِّ مَا لَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ طُرُقُ الِاسْتِفَادَةِ وَحَالُ الْمُسْتَفِيدِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِتَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ بَعْدَ تَعْرِيفِ الْأُصُولِ فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الْكُورَانِيُّ مِنْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْأُصُولِ يَعْنِي تَعْرِيفَ الْأُصُولِيِّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُصُولِيِّ زِيَادَةُ اعْتِبَارٍ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأُصُولِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ فَلَا إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ صَحَّ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي مَفْهُومِ الْأُصُولِيِّ الَّذِي هُوَ مَنْسُوبٌ لِلْأُصُولِ مَا لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا تَوَقَّفَ عِنْدَ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِيِّ عَلَى مَعْرِفَتِهِ زَادَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا كَمَا بَيَّنَهُ الشَّارِحُ فَإِنْ قُلْت هَلَّا فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ الْأُصُولِيَّ بِمَنْ قَامَتْ بِهِ الْمَلَكَةُ كَمَا قَالَ الْكَسْتَلِيُّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ إنَّ الْعَالِمَ بِكُلِّ صِنَاعَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْ عَرَفَ جَمِيعَ مَسَائِلِهَا وَالْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ الْأُولَى تَهَيُّؤُهُ لَهُ تَهَيُّؤًا تَامًّا بِأَنْ تَحْصُلَ عِنْدَهُ مَبَادِئُهُ بِأَسْرِهَا مَعَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ مِنْهَا وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْعِرْفَانِ عِنْدَهُ بِالْمَلَكَةِ الثَّانِيَةِ، وَاسْتِحْصَالُهُ إيَّاهَا بِالْفِعْلِ بِأَنْ يَنْظُرَ فِي مَبَادِيهِ وَيَحْصُلَ مِنْهَا مُشَاهِدًا إيَّاهُ وَيُسَمَّى عَقْلًا مُسْتَفَادًا بِالْقِيَاسِ إلَيْهِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَلَكَةُ اسْتِحْضَارِهِ بَعْدَ غَيْبُوبِيَّتِهِ مَتَى شَاءَ مِنْ تَجَشُّمِ كَسْبٍ جَدِيدٍ وَيُسَمَّى عَقْلًا بِالْفِعْلِ فَأَسَامِي الْعُلُومِ تُطْلَقُ عَلَى الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى مَسَائِلِهَا وَلَكِنَّ الْحَاصِلَ لِلْإِنْسَانِ الْبَاقِي مَعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ الْعُلُومِ إمَّا مَلَكَةُ الِاسْتِنْبَاطِ أَوْ مَلَكَةُ الِاسْتِحْضَارِ حَتَّى إنَّهُ لَا يُرَادُ بِقَوْلِنَا فُلَانٌ فَقِيهٌ مُتَكَلِّمٌ غَيْرُ هَذَا اهـ.
وَأَيْضًا لَوْ فَسَّرَ الْأُصُولِيَّ هُنَا بِمَا ذَكَرْنَا كَانَ جَامِعًا لِمَعَانِي إطْلَاقَاتِ الْعِلْمِ الثَّلَاثَةِ وَلَا يُرَادُ الِاعْتِرَاضُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْكُورَانِيُّ قُلْت لَا يُسَاعِدُهُ ذَلِكَ عَلَى مَا سَلَكَهُ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ وَقَصَدَهُ وَظَهَرَ لَك مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْكَسْتَلِيِّ أَنَّ مَا قَالَهُ سم نَقْلًا عَنْ الصَّفَوِيِّ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ عَلَى التَّهَيُّؤِ أَيْضًا بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الشَّرِيفِ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَلَكَةِ وَجَعْلُهُ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مَرَاتِبَ الْمَلَكَةِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمَرْءِ الْمَنْسُوبِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأُصُولِيَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُتَلَبِّسُ) بَيَانٌ لِجِهَةِ النِّسْبَةِ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ بِالْعَارِفِ بِالْأُصُولِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ الْعَارِفُ بِهَا وَلِأَنَّ الْمُتَلَبِّسَ مَفْهُومُهُ أَعَمُّ مِنْ الْعَارِفِ إذْ الْمُلَابَسَةُ الْمُخَالَطَةُ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَقُومَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالْمُتَلَبَّسِ أَوْ يَقُومَ بِالْمُتَلَبِّسِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي لِلْأُصُولِ إذْ التَّلَبُّسُ هُوَ الِاتِّصَافُ بِالْعِلْمِ دُونَ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْبَارِدِ قَوْلُ بَعْضِ الْحَوَاشِي التَّلَبُّسُ بِالْقَوَاعِدِ مَجَازِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ فَالْجَوَابُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ اهـ.
إذْ الْعِلْمُ إمَّا نَفْسُ الْمَعْلُومِ وَالتَّغَايُرُ اعْتِبَارِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَمْرُ ظَاهِرٌ عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَعْلُومَ لَمَّا لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ الْعِلْمِ كَانَ التَّلَبُّسُ بِأَحَدِهِمَا تَلَبُّسًا بِالْآخَرِ حَقِيقَةً وَهَبْ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ فَأَيُّ حَجْرٍ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي الْمُرَجِّحَاتِ) أَيْ لِبَعْضِ الْأَدِلَّةِ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَأَتَى بِالْعِنَايَةِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ طُرُقِ اسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ مَا يَتَوَسَّلُ إلَيْهَا مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَغَيْرِهَا وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ طُرُقِ الْمُسْتَفِيدِ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى مَطْلُوبِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهَا فَتَخْصِيصُ الْأُولَى بِالْمُرَجِّحَاتِ وَالثَّانِيَةِ بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ خَفِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ لَا يَدُلُّ عَلَى خَاصٍّ بِخُصُوصِهِ وَلِهَذَا أَتَى بِالْعِنَايَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ إذْ الطُّرُقُ حَقِيقَةً الْمَسَائِلُ الْحِسِّيَّةُ وَقَالَ سم عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ
(1/48)

(وَ) بِطُرُقِ (مُسْتَفِيدِهَا) يَعْنِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لَمَّا كَانَتْ الْمُرَجِّحَاتُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ طُرُقًا لِاسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَإِنَّ الْمُرَجِّحَاتِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا وَإِنَّمَا طُرُقُ الِاسْتِفَادَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ هُوَ النَّقْلُ مَثَلًا عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ لِخَفَاءِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ وَلَمَّا كَانَ طُرُقُ الشَّيْءِ مَا يُوَصِّلُ إلَيْهِ وَلَيْسَتْ الْمُجْتَهِدُ طُرُقًا لِلْمُسْتَفِيدِ عَبَّرَ بِيَعْنِي أَيْضًا لِخَفَاءِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ اهـ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ إنَّ طُرُقَ الِاسْتِفَادَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ النَّقْلُ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ بِالْقِيَاسِ فَقَطْ وَأَمَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَلَا يُرْتَابُ فِي أَنَّ طَرِيقَهَا النَّقْلُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ لِلْأُصُولِيِّ إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ الْغَيْرِ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَيْضًا مَنْقُولٌ وَإِنْ كَانَ الْقَائِسُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأُصُولِيِّ هُنَا الْمُجْتَهِدَ بَلْ الْعَارِفَ بِفَنِّ الْأُصُولِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَبِطُرُقِ مُسْتَفِيدِهَا) جَعَلَ الْكَمَالُ وَمُسْتَفِيدِهَا عَطْفًا عَلَى الظَّرْفِ أَيْ وَبِمُسْتَفِيدِهَا وَزَعَمَ أَنَّ صَنِيعَ الشَّارِحِ تَكَلُّفٌ أَوْقَعَهُ فِيهِ تَرْكُ إعَادَةِ الْجَارِ وَهُوَ الْبَاءُ إذْ كَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يُقَالَ وَبِمُسْتَفِيدِهَا وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَثْقَلَ تَكْرَارَ الْجَارِ مَرَّةً ثَانِيَةً فَتَرَكَهُ اكْتِفَاءً بِوُضُوحِ الْمَعْنَى اهـ.
وَرَدَّهُ سم بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ مَا زَعَمَهُ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي تَقْرِيرِ الشَّارِحِ التَّكَلُّفَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ الْعَطْفُ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُضَافُ مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ الْمُتَعَاطِفَيْنِ وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ وَشُيُوعِهِ وَإِنْ أَرَادَ التَّكَلُّفَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الطُّرُقَ عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهَا طُرُقًا فَهَذَا مَمْنُوعٌ إذْ لَا مَعْنَى لِطُرُقِ الشَّيْءِ إلَّا الْأُمُورُ الْمُوَصِّلَةُ إلَيْهِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِنَا طَرِيقُ كَذَا إمَّا إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَ إلَيْهِ وَتَارَةً إلَى الْفَاعِلِ أَيْ الْمُوَصِّلِ فَالْمُرَادُ بِهِ يَصِلُ الْفَاعِلُ فِيهِ أَوْ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَالْمُرَجِّحَاتُ طَرِيقٌ لِلِاسْتِفَادَةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ لَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ بِهَا إلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَلَا تَكَلُّفَ فِي هَذَا الْمَعْنَى غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِيهِ غَرَابَةً وَدِقَّةٌ يُتَوَهَّمُ مِنْهَا التَّكَلُّفُ فِيهِ.
وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ مِنْ الْعَطْفِ عَلَى الْمُضَافِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَالْعَارِف بِمُسْتَفِيدِهَا وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ حِينَئِذٍ مَعْرِفَةُ ذَاتِ الْمُسْتَفِيدِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ وَلَا مَعْنَى لَهُ أَوْ مَعْرِفَتُهُ مِنْ حَيْثُ اسْتِفَادَتُهُ الْأَحْكَامَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ وَلَا مُسْتَلْزِمٍ لِلْمُرَادِ فَإِنْ أَرَادَ مَعْرِفَتَهُ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ الَّتِي يَتَوَقَّفُ تَأَمُّلُهُ لِلِاسْتِفَادَةِ عَلَى التَّلَبُّسِ بِهَا فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَكِنَّ الْعِبَارَةَ قَاصِرَةٌ عَنْ إفَادَتِهِ فَالتَّكَلُّفُ فِي صَنِيعِهِ لَا فِي صَنِيعِ الشَّارِحِ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الطَّرِيقُ قَدْ تُضَافُ إلَى السَّالِكِ الْوَاصِلِ بِالسُّلُوكِ فِيهَا إلَى الْمَقْصُودِ وَقَدْ تُضَافُ إلَى الْغَايَةِ الْمَقْصُودِ بِالسُّلُوكِ فِيهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا أَمَّا الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ فَفِيهِمْ أَنَّهُمَا فَاعِلُ الطَّرِيقِ أَوْ مَفْعُولُهُ كَمَا يُقَالُ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ فِيمَا ذَكَرَهُ إيهَامُ أَنَّ الطَّرِيقَ مُخْتَلِفَةٌ مَعْنًى وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ إرَادَةَ الطُّرُقِ مِنْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مَعْنًى خَفِيٌّ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ تَعْبِيرٌ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فِي التَّخَاطُبِ فَيَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا فِي مَقَامِ شَرْحِ أَلْفَاظِ التَّعْرِيفِ فَلَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِدَفْعِ
(1/49)

صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِشُرُوطِ الِاجْتِهَادِ وَبِالْمُرْجِحَاتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّهُ دَفْعٌ لَهُ بِمِثْلِهِ تَأَمَّلْ.
1 -
(قَوْلُهُ: الْمُجْتَهِدِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْتَفِيدُ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُقَلِّدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ بِوَاسِطَةِ دَلِيلٍ إجْمَالِيٍّ وَهُوَ أَنَّ هَذَا أَفْتَاهُ فِيهِ الْمُفْتِي وَكُلُّ مَا أَفْتَاهُ بِهِ الْمُفْتِي فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ لِآيَةِ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43] وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ فَجَعْلُهُ دَاخِلًا فِي الْمُسْتَفِيدِ سَهْوٌ اهـ. زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَبِالْمُرْجِحَاتِ إلَخْ) الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتُسْتَفَادُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ؛ لِأَنَّ اسْتِفَادَةَ تَعْيِينِ مَا هُوَ الدَّلِيلُ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُرَادُ إثْبَاتُهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ إنَّمَا هِيَ بِمَعْرِفَةِ الْمُرَجِّحِ الَّذِي قَامَ بِهَذَا الدَّلِيلِ دُونَ غَيْرِهِ كَأَنْ يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ وَآخَرُ عَلَى سُنِّيَّتِهِ وَأَحَدُهُمَا نَصٌّ وَالْآخَرُ ظَاهِرٌ فَالدَّلِيلُ هُوَ الْأَوَّلُ لِتَرْجِيحِهِ بِكَوْنِهِ نَصًّا وَهَذَا شُرُوعٌ مِنْ الشَّارِحِ فِي تَمْهِيدِ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ ذَكَرَهُ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ حَاصِلٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ كَمَا سَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ وَحُصُولُهُ مِنْهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ الْأَدِلَّةُ الْإِجْمَالِيَّةُ وَالْمُرَجِّحَاتُ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الدَّلِيلَ التَّفْصِيلِيَّ إنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي أَفَادَهُ بِوَاسِطَةِ تَرَكُّبِهِ مَعَ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ الَّذِي هُوَ كُلِّيٌّ لَهُ بِجَعْلِ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ مُقَدِّمَةً صُغْرَى وَالْإِجْمَالِيَّ كُبْرَى هَكَذَا {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً يُنْتِجُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ يُعْلَمُ بِمَعْرِفَتِهَا مَا هُوَ دَلِيلُ الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْمُسْتَفِيدَ لِلْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ إنَّمَا يَكُونُ أَهْلًا لِاسْتِفَادَتِهَا مِنْهُ إذَا قَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الِاجْتِهَادِ.
فَعُلِمَ أَنَّ ابْتِنَاءَ الْفِقْهِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَهِيَ أُصُولُهُ فَيَكُونُ الْأُصُولِيُّ مَنْ يَعْرِفُهَا وَأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقَانِ لِاسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ دُونَ الْإِجْمَالِيَّةِ وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الدَّلَائِلَ الْمَذْكُورَةَ وَالْمُرَجِّحَاتِ وَقَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الِاجْتِهَادِ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأُصُولِيِّ وَالْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِيِّ مَعْرِفَتُهَا وَفِي مُسَمَّى الْمُجْتَهِدِ قِيَامُهَا بِهِ لِاسْتِنْبَاطِهِ بِهَا الْأَحْكَامَ بِخِلَافِ الْأُصُولِيِّ. فَإِنْ قِيلَ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْته كَوْنَ الدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ أَيْضًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ لِابْتِنَائِهِ عَلَيْهَا.
أُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ أَفْرَادُهَا غَيْرَ مُنْحَصِرَةٍ لَمْ يَحْسُنْ جَعْلُهَا جُزْءًا مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ لِانْتِشَارِهَا فَفِي الْإِجْمَالِيَّةِ غِنًى عَنْهَا لِكَوْنِهَا كُلِّيَّاتِهَا وَيُعْلَمُ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ حُكْمُ الْجُزْئِيَّاتِ هَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْمُرَجِّحَاتُ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَتَا مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ بَلْ طَرِيقُ الِاسْتِفَادَةِ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْفِقْهِ.
وَأَجَابَ عَنْ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ عَدَمُ ذِكْرِهِمَا فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَعَدَمُ ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ بِأَنْ ذَكَرَهُمَا فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِمَا وَإِنْ جَازَ فِي ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ فِي ذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ فَذَكَرَ هُوَ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْأُصُولُ إشَارَةً لِلتَّوَقُّفِ الْمَذْكُورِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِمَا لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا مِنْهُ وَتَبَعًا لِلْقَوْمِ فِي عَدَمِ ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَإِنْ
(1/50)

أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا تُسْتَفَادُ دَلَائِلُ الْفِقْهِ أَيْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا وَبِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ أَيْ بِقِيَامِهَا بِالْمَرْءِ يَكُونُ مُسْتَفِيدًا لِتِلْكَ الدَّلَائِلِ أَيْ أَهْلًا لِاسْتِفَادَتِهَا بِالْمُرَجِّحَاتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
ذَكَرُوهُ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ الْمُصَنِّفِ يَدَّعِي أُمُورًا أَرْبَعَةً:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُسْتَفَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ.
الثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ ذِكْرَهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ عَلَى مَعْرِفَتِهَا.
الرَّابِعُ: أَنَّ ذِكْرَهُ إيَّاهَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ كَذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ أَيْ ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى عَرَبِيَّةً إلَخْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ صَرَّحَ بِالْأَرْبَعَةِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ أَمَّا بِالْأَوَّلِ فَفِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ.
وَأَمَّا بِالثَّانِي فَفِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ وَبِالثَّالِثِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا لَمْ تُذْكَرْ فِي كُتُبِهِ إلَخْ وَبِالرَّابِعِ بِقَوْلِهِ وَذَكَرَهَا حِينَئِذٍ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا) لَمْ يَقُلْ ابْتِدَاءً وَبِمَعْرِفَةِ الْمُرَجِّحَاتِ مُجَارَاةً لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ إضَافَةِ الطُّرُقِ الَّتِي هِيَ الْمُرَجِّحَاتُ إلَى الِاسْتِفَادَةِ يَقْتَضِي اسْتِفَادَةَ تِلْكَ الدَّلَائِلِ بِنَفْسِ الطُّرُقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ مَعْرِفَتِهَا فَبَيَّنَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا وَيَجْرِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَبِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) احْتَاجَ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَعَ ظُهُورِهِ إذْ لَا مَعْنَى لِدَلَائِلَ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ مِنْ جُمْلَةِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ: الْمُشَارُ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُسْتَفَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ لَيْسَ كُلُّ الْأَدِلَّةِ مُطْلَقًا كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ مُسْتَفَادُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ بَلْ بَعْضُ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَهُوَ مَا عَرَضَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ يَسْتَفِيدُ الْمُجْتَهِدُ بِالْمُرَجِّحَاتِ مَا يَدُلُّ مِنْهَا عَلَى الْحُكْمِ وَهُوَ الْبَعْضُ الرَّاجِحُ مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ جُمْلَةِ إلَخْ) حَالٌ مِنْ " مَا " وَ " مِنْ " تَبْعِيضِيَّةٌ (وَقَوْلُهُ عِنْدَ تَعَارُضِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِبَدَلٍ أَوْ تُسْتَفَادُ وَالضَّمِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ لِمَا وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا لِوُقُوعِهَا عَلَى دَلَائِلَ وَعَلَى الثَّانِي يَرْجِعُ لِدَلَائِلِ الْفِقْهِ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِقَوْلِهِ " دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ " لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعَارُضِ جَمِيعِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ لَفْظَةِ جُمْلَةِ بِمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَهْمُ التَّبْعِيضِ مَعَ زِيَادَتِهِ أَقْرَبُ وَبَقِيَ أَنَّ الدَّالَ عِنْدَ التَّعَارُضِ هُوَ الرَّاجِحُ وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ كَوْنَهُ لَيْسَ دَلِيلًا عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ الْمُرَجِّحِ لِمُقَابِلِهِ لَا يُنَافِي تَرْجِيحَهُ عِنْدَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ فَهُوَ دَلِيلٌ عِنْدَهُ أَوْ أَنَّهُ دَلِيلٌ لَوْلَا وُجُودُ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ الْمُعَارِضِ أَوْ الْكَلَامُ عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
(قَوْلُهُ: بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ) أَيْ بِقِيَامِهَا بِالْمَرْءِ لَمْ يَجْرِ عَلَى نَسَقِ سَابِقِهِ تَمْهِيدًا لِلِاعْتِرَاضِ الْآتِي عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصِّفَاتِ الْقِيَامُ لَا الْمَعْرِفَةُ الْمُوهِمُ لَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَقُلْ بِقِيَامِهَا بِهِ مَعَ أَخْصَرِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ قِيَامِهَا بِهِ لَا يُسَمَّى مُجْتَهِدًا فَلِذَلِكَ أَظْهَرَ وَلَمْ يَقُلْ بِقِيَامِهَا بِالْمُجْتَهِدِ فِرَارًا مِنْ التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ (قَوْلُهُ: لِتِلْكَ الدَّلَائِلِ) أَيْ التَّفْصِيلِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَيَسْتَفِيدَ) مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمِرَةٌ جَوَازًا لِعِطْفِهِ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ وَهُوَ اسْتِفَادَةُ أَيْ أَهْلًا؛ لَأَنْ يَسْتَفِيدَ الْأَدِلَّةَ فَيَسْتَفِيدَ أَيْ بِالْفِعْلِ وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ عَطْفًا عَلَى يَكُونُ لِعَدَمِ تَفَرُّعِ الِاسْتِفَادَةِ بِالْفِعْلِ عَلَى كَوْنِهِ أَهْلًا
(1/51)

فَيَسْتَفِيدُ الْأَحْكَامَ مِنْهَا وَلِتَوَقُّفِ اسْتِفَادَةِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا الَّتِي هِيَ الْفِقْهُ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ.
وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ ذَكَرُوهَا فِي تَعْرِيفِي الْأُصُولِ الْمَوْضُوعِ لِبَيَانِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ أَدِلَّتِهِ لَكِنَّ الْإِجْمَالِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ دُونَ التَّفْصِيلِيَّةِ لِكَثْرَتِهَا جِدًّا وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ صِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ وَأَسْقَطَهَا الْمُصَنِّفُ كَمَا عَلِمْت لِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ وَإِنَّمَا تُذْكَرُ فِي كُتُبِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لِلِاسْتِفَادَةِ نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَسْتَفِيدَ الِاسْتِفَادَةُ بِالْقُوَّةِ صَحَّ الرَّفْعُ بِالْعَطْفِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: الَّتِي هِيَ الْفِقْهُ) صِفَةُ الْأَحْكَامِ بِنَاءٌ عَلَى إطْلَاقِ الْفِقْهِ عَلَى الْمَعْلُومِ أَوْ بِتَقْدِيرِ الَّتِي هِيَ أَيْ عِلْمُهَا بِمَعْنَى التَّهَيُّؤِ الْفِقْهَ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ الشِّهَابُ مِنْ أَنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا حَيْثُ أَطْلَقَ الْفَهْمَ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُهُ وَمُنْشَؤُهُ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الَّتِي صِفَةُ الِاسْتِفَادَةِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ وَمَا قَالَهُ النَّاصِرُ جَعَلَ الِاسْتِفَادَةَ هِيَ الْفِقْهُ وَظَاهِرُهُ الِاسْتِفَادَةُ بِالْفِعْلِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ أَيْ بِجَمِيعِهَا التَّهَيُّؤُ لِلْعِلْمِ بِجَمِيعِهَا لَا الْعِلْمُ بِجَمِيعِهَا بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ) وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُرَجِّحَاتِ مَعْرِفَتُهَا وَفِي صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ قِيَامُهَا بِهِ.
(قَوْلُهُ: الْمَوْضُوعِ) الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الْجَعْلُ وَالتَّدْوِينُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِبَيَانِ التَّعْلِيلِ وَلَيْسَ بِالْمُرَادِ بِالْوَضْعِ مَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ أَعْنِي تَعْيِينَ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى حَتَّى يُرَدَّ أَنَّ التَّعْرِيفَ يَتَعَلَّقُ بِمُسَمَّى الْأُصُولِ وَالْوَضْعُ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْمَوْضُوعَ لَفْظُ الْأُصُولِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْأُصُولِ الْمُعَرَّفُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَرَّفُ بِالتَّعْرِيفَيْنِ السَّابِقَيْنِ فَلَا يَصِحُّ النَّعْتُ أَوْ يُقَدَّرَ الْمُضَافُ أَيْ تَعْرِيفُ مُسَمَّى الْأُصُولِ أَوْ الْمَوْضُوعُ اسْمُهُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهِ فَتَكُونُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ بَيَانًا لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ عِلْمُ الْأُصُولِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ فِي كَوْنِ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ إمَّا الْقَوَاعِدُ وَإِمَّا مَعْرِفَتُهَا لَكِنَّ بَعْضَ الْقَوَاعِدِ بَاحِثٌ عَنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَبَعْضُهَا بَاحِثٌ وَمُبَيِّنٌ لِلْمُرَجِّحَاتِ، وَبَعْضُهَا مُبَيِّنٌ لِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ لَا أَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ مُسَمَّى أُصُولِ الْفِقْهِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَجْعُولَيْنِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهَا لَا أَنْفُسُهَا كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِدَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهَا لَا أَنْفُسُهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَسْقَطَهَا الْمُصَنِّفُ) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ لِلْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ قَالَ النَّجَّارِيُّ وَلَعَلَّ شُبْهَتَهُ فِي الْإِسْقَاطِ أَنَّ مُسَمَّى الْأُصُولِ عِنْدَهُ الْأَدِلَّةُ الْإِجْمَالِيَّةُ وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ الْأَدِلَّةِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا قَالَهُ) أَيْ فِي
(1/52)

لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ قَالَ وَذِكْرُهَا حِينَئِذٍ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ كَذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ وَهُوَ ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى عَرَبِيَّةً وَأُصُولًا إلَى آخِرِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ هَذَا كَلَامُهُ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْمَتْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي أُورِدَتْ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ إلَى الْأُصُولِ الَّذِي هُوَ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ.
(قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَقَوْلُهُ وَذِكْرُهَا حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأُصُولِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ ذُو الدَّرَجَةِ) الضَّمِيرُ لِلْمُجْتَهِدِ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُجْتَهِدِ تَعْرِيفٌ لِلْفَقِيهِ؛ لِأَنَّهُ فُسِّرَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَالُوا.
(قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ الْمَذْكُورُ الْمُتَضَمِّنُ لِتِلْكَ الدَّعَاوَى.
(قَوْلُهُ: لِظَاهِرِ الْمَتْنِ) إنَّمَا قَالَ ظَاهِرِ إلَخْ إشَارَةً إلَى
(1/53)

فِي أَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ لِلدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ كَمَا قَالَ مِنْ إسْقَاطِهَا مِنْ تَعْرِيفَيْ الْأُصُولِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ بِأَنَّهَا طَرِيقٌ لِلدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ سَرَى إلَيْهِ مِنْ كَوْنِ التَّفْصِيلِيَّةِ جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ وَهُوَ مُنْدَفِعٌ بِأَنَّ تَوَقُّفَ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا الْمُفِيدُ لِلْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
احْتِمَالِ تَقْدِيرِ مُضَافٍ قَبْلَ الضَّمِيرِ فِي اسْتِفَادَتِهَا وَمُسْتَفِيدِهَا أَيْ اسْتِفَادَةِ جُزْئِيَّاتِهَا وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا.
(قَوْلُهُ: الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ إلَخْ) أَقُولُ مُجَرَّدُ كَوْنِهَا طَرِيقًا لِلدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهَا مِنْ الْأُصُولِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأُصُولِ طَرِيقًا لِبَعْضٍ آخَرَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَى كَوْنِهَا طَرِيقًا مَا ذُكِرَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَوْنِهَا طَرِيقًا بَلْ هُوَ كَوْنُهَا طَرِيقًا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ الْأُصُولِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ خُرُوجَهَا كَافٍ وَكَوْنُهَا طَرِيقًا لَا مَدْخَلَ لَهُ فَلَا وَجْهَ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ فَضْلًا عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ وَكَيْفَ سَلَّمَ لَهُ الشَّارِحُ الْبِنَاءَ وَنَازَعَ فِي الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ وَهَلَّا نَازَعَهُ فِي نَفْسِ الْبِنَاءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا صَنَعَهُ مَبْنِيًّا عَلَى التَّنَزُّلِ مَعَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: جَعْلُ الْمَعْرِفَةِ أَيْ بِطَرِيقِ اسْتِفَادَتِهَا جُزْءًا مِنْ مَدْلُولِ الْأُصُولِ دُونَ الْأُصُولِ لَمْ يَسْبِقْنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ فَذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَأَخَذَهُ الْمُتَعَقِّبُونَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ اهـ. نَجَّارِيٌّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ إسْقَاطِهَا) بَيَانٌ لِمَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَالْإِشَارَةِ إلَى جَعْلِ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقًا لِلْإِجْمَالِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ) أَيْ فَمَا ثَبَتَ لَهَا يَثْبُتُ لِلْإِجْمَالِيَّةِ وَقَدْ ثَبَتَ لِلتَّفْصِيلِيَّةِ التَّوَقُّفُ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا فِي التَّمْهِيدِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ لِلْإِجْمَالِيَّةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ مَا سَرَى إلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا طَرِيقٌ لِلْإِجْمَالِيَّةِ فَهَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الدَّعْوَى الْأُولَى.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا أَيْ تَعَلُّقُهَا بِشَيْءٍ خَاصٍّ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْمُقْتَضِي تَوَقُّفَ الْإِجْمَالِيَّةِ أَيْضًا عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ إفَادَتَهَا الْأَحْكَامَ الْمَخْصُوصَةَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْأُولَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمُفِيدُ لِلْأَحْكَامِ فَهَذَا الْقَدْرُ خَاصٌّ بِهَا لَا يَتَعَدَّاهَا إلَى الْكُلِّيِّ فَمَنَاطُ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ خَاصِّ مَادَّةِ {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] لَا مِنْ مَادَّةِ كَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ إذَا الْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا) أَيْ الْإِجْمَالِيَّةِ، وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ لَوْ تَنَزَّلْنَا وَقُلْنَا إنَّ تَوَقُّفَ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَتَتَوَقَّفُ الْإِجْمَالِيَّةُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ جَرَيْنَا فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا إلَخْ فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي مُسَمَّى الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهَا عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا لِلْمَرْءِ لَا مَعْرِفَتُهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُسَمَّى الْأُصُولُ مَعْرِفَتُهَا لَا حُصُولُهَا وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مَفْهُومِ الْأُصُولِيِّ هُوَ مَعْرِفَةُ الْقَوَاعِدِ الْمُفِيدَةِ لِتِلْكَ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِمْ الْمُجْتَهِدُ هُوَ الْعَارِفُ بِكَذَا فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ هِيَ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا الْأُصُولِيُّ وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ تَوَقُّفُ الْفِقْهِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا
(1/54)

عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا لِلْمَرْءِ لَا مَعْرِفَتِهَا.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِيِّ مَعْرِفَتُهَا لَا حُصُولُهَا كَمَا تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَعْقُودِ لَهَا الْكِتَابَانِ الْبَاقِيَانِ لِكَوْنِهَا مِنْ الْأُصُولِ فَالصَّوَابُ مَا صَنَعُوا مِنْ ذِكْرِهَا فِي تَعْرِيفَيْهِ كَأَنْ يُقَالَ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا وَقِيلَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
يَتَوَقَّفُ عَلَى الصِّفَاتِ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِالْمُجْتَهِدِ وَالصِّفَاتُ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِالْمُجْتَهِدِ لَيْسَتْ بِقَوَاعِدَ يَعْرِفُهَا الْأُصُولِيُّ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ أَيْضًا ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْأُصُولُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ) أَيْ حَالَ كَوْنِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ وَهِيَ حَالٌ لَازِمَةٌ أَتَى بِهَا لِرَبْطِ الْكَلَامِ بِهَا لَا لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ.
(قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا) أَيْ قِيَامُهَا بِالْمَرْءِ لَا مِنْ حَيْثُ مَعْرِفَتُهَا كَمَا زَعَمَ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: وَبِالْجُمْلَةِ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ الْفَاءُ تَدُلُّ عَلَى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ إنْ أَرَدْت الْقَوْلَ بِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ إلَخْ قَالَ سم أَوْ التَّقْدِيرُ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ إلَخْ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي نَحْوِ {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] إنَّ التَّقْدِيرَ وَأَمَّا رَبُّك فَكَبِّرْ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا مِنْ الْأُصُولِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ الْمَعْقُودِ لَهَا الْكِتَابَانِ الْبَاقِيَانِ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ يُقَالَ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَبَّرَ بِفِعْلِ الِاسْتِقْبَالِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِثَالٌ لِمَا صَنَعُوا وَهُوَ مَاضٍ لَا مُسْتَقْبَلٌ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ التَّقْدِيرَ فَالصَّوَابُ مِثْلُ مَا صَنَعُوا وَصَوَابِيَّةُ ذَلِكَ الْمَثَلِ لَيْسَ إلَّا بِصَوَابِيَّةِ مُمَاثِلِهِ اهـ.
أَقُولُ أَوْ التَّقْدِيرُ فَالصَّوَابُ نَوْعُ مَا صَنَعُوا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِمْ لَهُ وَصَوَابِيَّةُ إلَخْ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِهَا وَمُسْتَفِيدِهَا أَيْ الْإِجْمَالِيَّةِ مُنْتَقَدٌ بِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ طُرُقٌ لِاسْتِفَادَةِ الدَّلِيلِ الْجُزْئِيِّ وَأَنَّ الْفَقِيهَ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ بِهَا الدَّلِيلَ الْجُزْئِيَّ لَا الْكُلِّيَّ لَكِنَّ عِبَارَتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ عِبَارَةَ الْمَتْنِ مِنْ تَسْمِيَةِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طُرُقًا وَالْأَوْضَحُ أَنْ يُقَالَ وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ جُزْئِيَّاتِهَا وَصِفَةُ مُسْتَفِيدِهَا أَوْ تُغَيَّرُ الصِّفَةِ بِالْحَالِ كَمَا فِي الْمَحْصُولِ فَيُقَالُ وَحَالُ مُسْتَفِيدِهَا، ثُمَّ إنَّ هَاهُنَا تَحْقِيقًا غَيْرَ مَا ارْتَضَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَهُوَ أَنَّ مَبَاحِثَ التَّرْجِيحِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِ دُونَ مَبَاحِثِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهَا مُتَمِّمَاتٌ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَيُعَرَّفُ أُصُولُ الْفِقْهِ بِأَنَّهُ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا وَقِيلَ الْعِلْمُ بِهِمَا لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ تَمَايُزَ الْعُلُومِ بِتَمَايُزِ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي يُبْحَثُ فِيهَا عَنْ أَحْوَالِهَا وَإِلَيْهَا تَرْجِعُ مَوْضُوعَاتُ الْمَسَائِلِ وَمَوْضُوعُ الْأُصُولِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَمَبَاحِثُ التَّرْجِيحِ الْبَحْثُ فِيهَا عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ بِاعْتِبَارِ تَعَارُضِهَا.
وَأَمَّا مَبَاحِثُ الِاجْتِهَادِ فَبَعْضُ مَسَائِلِهِ فِقْهِيَّةٌ مَوْضُوعُهَا فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَمَحْمُولُهَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ كَمَسْأَلَةِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِغَيْرِهِ فِي عَصْرِهِ، وَمَسْأَلَةِ لُزُومِ التَّقْلِيدِ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ وَبَعْضُهَا اعْتِقَادِيَّةٌ كَقَوْلِهِمْ
(1/55)

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُتَقَدِّمُ: الْفَقِيهُ: الْمُجْتَهِدُ، وَكَذَا عَكْسُهُ الْآتِي فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ فَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ أَيْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ هُوَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَالْعَكْسُ لَا بَيَانُ الْمَفْهُومِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ تَعْرِيفَيْ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ مَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ أَيْ إلَخْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمُجْتَهِدُ فِيمَا لَا قَاطِعَ فِيهِ مُصِيبٌ وَقَوْلِهِمْ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ غَيْرُ جَائِزٍ وَنَحْوِهِمَا وَلِهَذَا نَبَّهَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ مَبَاحِثَ الِاجْتِهَادِ كَالتَّابِعِ وَالتَّتِمَّةِ لِأُصُولِ الْفِقْهِ فَهِيَ مُتَمِّمَةٌ لِمَقَاصِدِهِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِدْخَالِهَا فِي الْأُصُولِ وَضْعًا فَأُدْخِلَتْ فِيهِ حَدًّا اهـ.
مُلَخَّصًا مِنْ الْكَمَالِ، ثُمَّ إنَّكَ قَدْ عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَجْعُولَةِ مِنْ الْأُصُولِ هِيَ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهِمَا فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ الْقَوَاعِدُ وَمَعْرِفَتُهَا وَلَا شَيْءَ مِنْ هَاتَيْنِ بِقَوَاعِدَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا أَنْفُسُهُمَا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُتَقَدِّمُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ تَنْتَفِي الْحَاجَةُ إلَى تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ سَلَكَ فِي تَعْرِيفِهِ مَسْلَكَ الْقَوْمِ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ حَيْثُ أَخَذُوا فِي تَعْرِيفِهِ مَا يَتَوَقَّفُ الْفِقْهُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: الْمَاصَدَقِ) اسْمٌ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا مِنْ مَا وَصَدَقَ فِعْلًا مَاضِيًا جُعِلَ اسْمًا لِأَفْرَادِ الْكُلِّيِّ كَمَاصَدَقَ الْإِنْسَانِ أَيْ أَفْرَادُهُ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا فَهُوَ اسْمٌ مُعْرَبٌ فَيَكُونُ هُنَا مَجْرُورًا.
(قَوْلُهُ: وَالْعَكْسُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ ثَابِتٌ وَالْمُرَادُ بِهِ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ قَوْلُنَا مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ أَنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ تَعْرِيفًا وَهَذَا وَإِنْ وَافَقَ الِاصْطِلَاحَ فِي بَابِ التَّعْرِيفِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُهُ فَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ رَافِعًا لِدَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ تَعْرِيفٌ لِلْفَقِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ تَعْرِيفًا وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ وَيُجَابُ بِحَمْلِ التَّعْرِيفِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى التَّعْرِيفِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ التَّبْيِينُ الْأَعَمُّ مِنْ تَبْيِينِ الْحَقِيقَةِ وَتَبْيِينِ الْمَاصَدَقَ فَلَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةُ كَوْنَ تَبْيِينِ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفًا اصْطِلَاحًا اللَّازِمُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ اللَّازِمُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ نَمْنَعُ دَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ بِالْمُجْتَهِدِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا بِتَعْرِيفِ الْفَقِيهِ بِالْمُجْتَهِدِ بَيَانَ الْمَاصَدَقِ لَمْ تَكُنْ الشُّرُوطُ مَقْصُودَةً لَهُمْ فِي بَيَانِ الْفِقْهِ أَصْلًا حَتَّى يُقَالَ إنَّهُمْ ذَكَرُوهَا وَإِنْ فُهِمَ لُزُومًا مِنْ قَوْلِهِمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاعْتِرَاضُ بَاقٍ عَلَى دَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ إمَّا يَمْنَعُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ تَعْرِيفٌ كَمَا دَرَجَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَإِمَّا يَمْنَعُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ الشُّرُوطَ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ كَذَا قِيلَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمَنَاطِقَةُ مِنْ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّعْرِيفِ شَرْحُ الْمَاهِيَّةِ نَعَمْ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ يَلْزَمُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالتَّعْرِيفِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ) أَيْ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ وَإِلَّا فَكُلُّ تَعْرِيفٍ وَمُعَرَّفٍ مُخْتَلِفَا الْمَفْهُومِ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ مَفْهُومِهِمَا أَنَّ مَفْهُومَ الْفَقِيهِ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ إلَخْ وَمَفْهُومَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَفْرِغُ وُسْعَهُ فِي تَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَاعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ تَعْلِيلَهُ عَدَمَ إرَادَةِ بَيَانِ الْمَفْهُومِ بِالِاخْتِلَافِ الْمَفْهُومِ بِأَنْ يُرَادَ تَعْرِيفَ كُلٍّ مِنْ الْفَقِيهِ وَالْمُجْتَهِدِ بِالْآخَرِ تَعْرِيفًا رَسْمِيًّا لِتَلَازُمِ مَفْهُومِهِمَا وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِلَازِمِ مَفْهُومِهِ مِنْ طُرُقِ بَيَانِ الْمَفْهُومِ غَايَتُهُ أَنَّهُ رَسْمِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ بَنَى التَّعْلِيلَ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ فِي بَيَانِ مَقَامِ الِاصْطِلَاحِيَّاتِ بِتَعْرِيفَاتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ لَا الرَّسْمِيَّةِ إذْ لَا فَائِدَةَ يُعْتَدُّ بِهَا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا فَإِذَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ لَمْ يَكُنْ الْمُنَاسِبُ إلَّا بَيَانَ حَقِيقَتِهِ الذَّاتِيَّةِ إذْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِبَيَانِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ لَكِنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَفْهُومِهِمَا أَيْ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ وَإِنَّمَا تَرَكَ هَذَا الْقَيْدَ لِظُهُورِهِ وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ وَحِينَئِذٍ فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ لَا الْمَفْهُومِ فَقَوْلُهُ
(1/56)

لِذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَهُ تَصْرِيحًا بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا.

(وَالْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ أَيْ وَالْمَطْلُوبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَفْهُومِ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ (قَوْلُهُ: لِذَلِكَ) أَيْ لِعِلْمِهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ: أَيْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ الشَّارِحُ تَمَامَ التَّعْرِيفِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ) كَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الزَّنْجَانِيِّ وَمُرَادُ الشَّارِحِ بِذَلِكَ النَّقْضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِهَذَا الْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ فِي قَوْلِهِ وَمَا قَالُوا الْفِقْهُ إلَخْ إذْ مَعْنَاهُ مَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
(قَوْلُهُ: تَصْرِيحًا بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا الْفَائِدَةُ فِي تَصْرِيحِ بَعْضِهِمْ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ.

[تَعْرِيفِ الْفِقْه]
(قَوْلُهُ: وَالْفِقْهُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَا دَاعِيَ لِتَعْرِيفِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَرَّفَ الْفِقْهَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ لِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ الْإِضَافِيِّ وَالْفِقْهُ الْوَاقِعُ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ لَا مَعْنَى لَهُ كَالزَّايِ مِنْ زَيْدٍ حَتَّى يُعَرِّفَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْرِيفِ جُزْئِهِ الْأَوَّلِ أَعْنِي أُصُولَهُ.
وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فَإِنَّمَا عَرَّفُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا مَعْنَى أُصُولِ الْفِقْهِ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْمُرَكَّبِ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْزَائِهِ فَتَعَرَّضُوا لِتَعْرِيفِ طَرَفَيْهِ، ثُمَّ عَرَّفُوهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى اللَّقَبِيِّ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ غَايَةُ الْمُنَاسَبَةِ وَالِارْتِبَاطِ نَاسَبَ تَعْرِيفَهُ عَقِبَ تَعْرِيفِهِ لِالْتِفَاتِ النَّفْسِ إلَى بَيَانِهِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِبَيَانِ الْأُصُولِ وَكَفَى بِهِ دَاعِيًا وَأَبْلَغُ مِنْهُ أَنَّ لَفْظَ أُصُولِ الْفِقْهِ لَمَّا كَانَ لَقَبًا مُشْعِرًا بِمَدْحِ هَذَا الْفَنِّ بِابْتِنَاءِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ، وَلَا شُبْهَةَ فِي تَوَقُّفِ الْمَدْحِ بِذَلِكَ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّ الْفِقْهَ ذُو خَطَرٍ وَقَدْرٍ وَإِلَّا فَلَا مَدْحَ بِذَلِكَ الِابْتِنَاءِ وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَ الْمُضَافِ إلَيْهِ بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ دُونَ مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَنْبَنِي عَلَى الدَّلِيلِ اهـ.
قِيلَ مَبْنَى السُّؤَالِ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُصَنِّفَ الْفِقْهَ لِوُقُوعِهِ جُزْءًا فِي قَوْلِنَا أُصُولُ الْفِقْهِ وَلَك أَنْ تَقُولَ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ لِوُقُوعِهِ جُزْءًا مِنْ تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ بِقَوْلِنَا دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ اهـ.
وَأَقُولُ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ بِمَا ذُكِرَ شَهِيرٌ لَا يَحْتَاجُ لِبَيَانِهِ بِاعْتِبَارِ جَعْلِهِ جُزْءًا مِنْ الْمُعَرَّفِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِذِكْرِهِ بَيَانُ جِهَةِ شَرَفِ فَنِّ الْأُصُولِ وَإِظْهَارُهَا قَالَ الْمُجِيبُ وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ جَعْلِهِ جُزْءًا مِنْ الْمُعَرَّفِ أَنْ لَا يَحْتَاجَ لِبَيَانٍ وَإِلَّا نَافَى ذِكْرَهُ فِي التَّعْرِيفِ كَيْفَ وَقَدْ قَالُوا مُعَرَّفُ الشَّيْءِ مَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَتُهُ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَجْزَاءُ التَّعْرِيفِ مَعْلُومَةً عِنْدَ السَّامِعِ قَبْلَ الْمُعَرِّفِ فَتُذْكَرُ لَهُ مَحْمُولَةً عَلَيْهِ لِتَنْكَشِفَ لَهُ الْحَقِيقَةُ الْمَجْهُولَةُ عِنْدَهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ) تَعْرِيفٌ لِعِلْمِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسَائِلِ كَمَا هُوَ أَحَدُ إطْلَاقِ مَعْنَى الْعِلْمِ، ثُمَّ إنَّ الْحُكْمَ يُطْلَقُ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ إلَخْ وَهَذَا اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ وَعَلَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ الَّتِي بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ إيجَابِيَّةً كَانَتْ أَوْ سَلْبِيَّةً وَعَلَى إذْعَانِ تِلْكَ النِّسْبَةِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ وَهَذَا مُصْطَلَحُ الْمَنَاطِقَةِ وَعَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ إذَا عَبَّرُوا عَنْ الْحُكْمِ الْخَبَرِيِّ بِالنِّسْبَةِ التَّقْيِيدِيَّةِ أَضَافُوا الْمَحْكُومَ بِهِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا مَعْنَى قَوْلِنَا زَيْدٌ أَبُوهُ قَائِمٌ زَيْدٌ قَائِمُ الْأَبِ حَيْثُ فُسِّرَ الْعِلْمُ هُنَا بِالتَّصْدِيقِ الَّذِي مَوْرِدُهُ النِّسْبَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَعَيَّنَ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ هُنَا بِالنِّسْبَةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ أَيْ بِجَمِيعِ النِّسَبِ التَّامَّةِ اهـ.
قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ حُقِّقَ أَنَّ النِّسْبَةَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَ زَيْدٍ وَقَائِمٍ مَثَلًا هُوَ الْوُقُوعُ بِعَيْنِهِ وَاللَّاوُقُوعُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَا نِسْبَةٌ أُخْرَى هِيَ مَوْرِدُ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَأَنَّهُ قَدْ تُتَصَوَّرُ تِلْكَ النِّسْبَةُ فِي نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ حُصُولِهَا وَلَا حُصُولِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَعَلُّقٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَعَلُّقَ الثُّبُوتِ أَوْ الِانْتِفَاءِ وَتُسَمَّى حُكْمِيَّةً وَمَوْرِدَ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَنِسْبَةً ثُبُوتِيَّةً أَيْضًا نِسْبَةُ الْعَامَّ إلَى الْخَاصِّ أَعْنِي الثُّبُوتَ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَصَوَّرُ أَوَّلًا فِي حُصُولِهَا وَقَدْ تُسَمَّى سَلْبِيَّةً أَيْضًا إذَا اُعْتُبِرَ انْتِفَاءُ الثُّبُوتِ.
وَقَدْ تُتَصَوَّرُ بِاعْتِبَارِ حُصُولِهَا أَوَّلًا حُصُولُهَا فِي نَفْس الْأَمْرِ فَإِنْ تَرَدَّدَ فَهُوَ الشَّكُّ وَإِنْ أَذْعَنَ لِحُصُولِهَا أَوَّلًا حُصُولُهَا فَهُوَ التَّصْدِيقُ الْمُسَمَّى بِالْحُكْمِ فَالنِّسْبَةُ الثُّبُوتِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا عُلُومٌ ثَلَاثَةٌ:
اثْنَانِ تُصُوِّرَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَالثَّانِي يَحْتَمِلُهُ، وَالثَّالِثُ تَصْدِيقِيٌّ فَظَهَرَ. أَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ لَيْسَ مُغَايِرًا لِلْوُقُوعِ وَاللَّاوُقُوعِ وَأَمَّا النِّسْبَةُ التَّقْيِيدِيَّةُ الْمُغَايِرَةُ لَهَا فَمِمَّا لَا تَثْبُتُ وَإِلَّا لَزِمَ ازْدِيَادُ أَجْزَاءِ الْقَضِيَّةِ وَتَصَوُّرَاتُ التَّصْدِيقِ عَلَى أَرْبَعَةٍ اهـ.
وَمَا حَقَّقَهُ ذَلِكَ الْفَاضِلُ هُوَ مُخْتَارُ الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ فِي حَاشِيَةِ التَّهْذِيبِ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَ الْمُرَكَّبَ التَّامَّ مُشْتَمِلًا عَلَى نِسْبَةٍ تَامَّةٍ يَرْتَبِطُ بِهَا
(1/57)

أَيْ بِجَمِيعِ النِّسَبِ التَّامَّةِ (الشَّرْعِيَّةِ) أَيْ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الشَّرْعِ الْمَبْعُوثِ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ (الْعَمَلِيَّةِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمَحْمُولُ بِالْمَوْضُوعِ وَأَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ غَيْرُ وَاقِعَةٍ وَهِيَ نِسْبَةٌ تَقْيِيدِيَّةٌ هِيَ مَوْرِدُ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ عِنْدَهُمْ لَكِنَّهُ خِلَافُ التَّحْقِيقِ وَعَلَيْهِ دَرَجَ سم.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ تَفْرِيعًا عَلَى كَلَامٍ ذَكَرَهُ لَا يَخْلُو عَنْ مُنَاقَشَةِ اللَّهِ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ مِنْ الْفِقْهِ فَمِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ كَيْفَ وَعِلْمُ الْفِقْهِ أَمَّا التَّصْدِيقَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَسَائِلِ أَوْ نَفْسِ الْمَسَائِلِ وَالْمَسْأَلَةُ لَا تَكُونُ إلَّا خَبَرِيَّةً فَلْيُتَأَمَّلْ، وَوَافَقَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ وَزَادَ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَسَلَفُهُ فِي ذَلِكَ النَّجَّارِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأَعَاجِمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ فَلْيُنْظَرْ مَا سَلَفَ النَّجَّارِيِّ وَلَا يُقَالُ إنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِمُقَايَسَةِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اصْطِلَاحَاتٌ طَرِيقُهَا النَّقْلُ عَنْ أَرْبَابِهَا لَا الْمُقَايَسَةُ وَالِاسْتِظْهَارُ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ مَا هُوَ مَفْقُودٌ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَالْقَوْمُ يُقَلِّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إلَى كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ فَيَقَعُونَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْغَلَطَاتِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الشَّرْعِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ لَزِمَ اسْتِدْرَاكُ قَيْدِ الْمُكْتَسَبِ وَقَيْدٌ مِنْ أَدِلَّتِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ مَا لَمْ يُرْوَ عَنْهُ كَالثَّابِتِ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضٌ مِنْ الشَّرْعِ فَيَكُونَ هَذَا الْأَخْذُ مِنْ أَخْذِ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ كَقَوْلِك أَخَذْت خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَعُمُّ الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ وَالِاعْتِقَادِيَّة فَهُوَ كُلٌّ وَالْأَحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ بَعْضٌ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ النِّسْبَةَ فِي قَوْلِهِ شَرْعِيَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِ الْمَنْسُوبِ وَالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ بِالْبَعْضِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ كَذَا قِيلَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ الشَّارِحَ بِصَدَدِ بَيَانِ جِهَةِ النِّسْبَةِ وَهِيَ أَنَّ نِسْبَتَهَا لِلشَّرْعِ بِاعْتِبَارِ أَخْذِهَا مِنْهُ وَنَمْنَعُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الْقِيَاسِ لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَالْقِيَاسُ مُسْتَنِدٌ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَيْضًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الشَّرْعِ بِالْوَاسِطَةِ وَظَهَرَ أَمْرُ النِّسْبَةِ عَلَى هَذَا ظُهُورًا بَيِّنًا.
1 -
(قَوْلُهُ: النَّبِيُّ الْكَرِيمُ) آثَرَ التَّعْبِيرَ بِالنَّبِيِّ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالرَّسُولِ؛ لِأَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالرَّسُولِ شَائِبَةَ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ الْمَبْعُوثِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ أَكْثَرُ
(1/58)

أَيْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ وَأَنَّ الْوِتْرَ مَنْدُوبٌ (الْمُكْتَسَبِ) ذَلِكَ الْعِلْمُ (مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ) أَيْ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
اسْتِعْمَالًا.
(قَوْلُهُ: الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ) مِنْ قَبِيلِ تَعَلُّقِ الْإِسْنَادِ بِطَرَفَيْهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ النِّسَبُ وَالْمُرَادُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَمَلِ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ الْعَمَلَ وَمَحْمُولُهَا الْكَيْفِيَّةَ وَهِيَ الْوُجُوبُ وَأَخَوَاتُهُ كَمَا يُقَالُ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ مَثَلًا، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْعَمَلِ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ أَنَّ تَعَلُّقَهَا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُفِيدٌ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَمُعْتَبَرَةٌ مَعَهُ حَتَّى يَرِدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْكَيْفِيَّةُ عِبَارَةً عَنْ الْأَحْوَالِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْفِقْهِ بَلْ قَيْدٌ لِلْمَوْضُوعِ وَتَتِمَّةٌ لَهُ مَعْنَاهُ أَنَّ تَعَلُّقَهَا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا يَثْبُتُ لَهَا الْكَيْفِيَّةُ وَأَنَّهَا مِنْ عَوَارِضِهَا لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا وَلَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَظَهَرَ أَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفِقْهِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ فَيُبْحَثُ عَنْهَا بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَمَوْضُوعُ مَسَائِلِهِ رَاجِعٌ لِمَوْضُوعِهِ بِأَنْ يَكُونَ ذَاتَه أَوْ نَوْعَهُ أَوْ عَرَضًا ذَاتِيًّا لَهُ أَوْ نَوْعًا مِنْ عَرَضِهِ الذَّاتِيِّ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ.
وَفِي كُتُبِ الْمَنْطِقِ مَسْطُورٌ، وَأُورِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ أَنَّهُ يُبْحَثُ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ عَنْ أَفْعَالِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَمُتْلَفَاتِ الْبَهَائِمِ وَأَنَّهُمْ عَدُّوا مِنْ الْفِقْهِ عِلْمَ الْفَرَائِضِ وَمَوْضُوعُهُ التَّرِكَةُ.
وَالْجَوَابُ كَمَا أَفَادَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ مَوْضُوعُهَا رَاجِعًا إلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا حَتَّى يَرْجِعَ مَوْضُوعُهَا إلَيْهِ كَمَسْأَلَةِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى فِعْلِ الْوَلِيِّ وَأَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفَرَائِضِ قِسْمَةُ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لَا التَّرِكَةُ إذْ الْمُبَيَّنُ فِيهِ أَحْوَالُ قِسْمَتِهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْقِسْمَةُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ فَيَكُونَ مَوْضُوعُهُ الْعَمَلُ أَيْضًا.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ سم وَتَبِعُوهُ فِيهِ مِنْ أَنَّ تَعْمِيمَ الْأَفْعَالِ يَجْعَلُهَا شَامِلَةً لِأَفْعَالِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ يَجْعَلُهَا شَامِلَةً لِغَيْرِ الْوُجُوبِ وَأَخَوَاتِهِ كَالْمَنْعِ وَالضَّرْبِ فِي نَحْوِ قَوْلِنَا زِنَا الصَّبِيِّ يُمْنَعُ مِنْهُ، وَالْأَمْرِ فِي قَوْلِنَا صَلَاةُ الصَّبِيِّ يُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ نَحْوَ الْمَنْعِ وَالْأَمْرِ وَالضَّرْبِ لَيْسَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَةِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَغَيْرِهِمَا وَتِلْكَ الْأَحْكَامُ هِيَ الْمُرَادَةُ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ كَمَا حَقَّقُوهُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَدُّدُ الْكَيْفِيَّاتِ وَتَكَثُّرُهَا الْمُؤَدِّي لِعَدَمِ الضَّبْطِ وَالِانْتِشَارِ وَأَنَّا إذَا وَجَدْنَا فِعْلَيْنِ تَعَلَّقَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ نَوْعَ تَعَلُّقٍ نَقُولُ الْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ كَيْفِيَّةٌ لِلْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ وُجُوبُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ إلَخْ فِي سِيَاقِ رَدِّ قَوْلِ النَّاصِرِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ صُورَتُهُ وَهَيْئَتُهُ كَتَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا وَأَنَّهُ سَهْوٌ وَلَقَدْ صَدَقَ فِي الْحُكْمِ بِالسَّهْوِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِهِمْ.
وَأَمَّا الْبَحْثُ عَنْ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ خَلًّا مَثَلًا وَعَنْ سَبَبِيَّةِ الزَّوَالِ لِلظُّهْرِ وَنَحْوِهِمَا فَيَرْجِعُ لِلتَّأْوِيلِ السَّابِقِ بِأَنْ يُقَالَ اسْتِعْمَالُ الْخَمْرِ الْمُسْتَحِيلَةِ خَلًّا جَائِزٌ وَالصَّلَاةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الزَّوَالِ تَجِبُ قَالَ سم أَيْضًا.
وَأَمَّا قَوْلُنَا اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَاجِبٌ فَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ الْوَاجِبِ لِلِاعْتِقَادِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْفِقْهِ بِخِلَافِ الْعِلْمِ بِنَفْسِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فَمِنْ الْكَلَامِ وَيَرُدُّهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ عَلَى الْخَيَالِيِّ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَنْدَرِجَ الِاعْتِقَادُ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَاجِبَةٌ فَيَكُونَ دَاخِلًا فِي الْفِقْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الِاعْتِقَادِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِكَيْفِيَّةٍ مِثْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَاجِبَةٌ أَيْ الِاعْتِقَادُ بِوُجُودِهِ وَصِفَاتِهِ وَاجِبٌ فَيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ الِاعْتِقَادِ اهـ.
لَا يُقَالُ عَمَّمَ الشَّارِحُ الْفِعْلَ الْقَلْبِيَّ كَالنِّيَّةِ قُلْنَا النِّيَّةُ أَيْضًا مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْقَلْبِ وَأَمَّا الِاعْتِقَادُ وَالْمَعْرِفَةُ وَنَحْوُهُمَا فَلَيْسَا مِنْ الْأَفْعَالِ الْقَلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ وَلَوْ جَعَلْنَا أَمْثَالَ الِاعْتِقَادِيَّاتِ دَاخِلَةً فِي مَوْضُوعِ الْفِقْهِ لَزِمَ اخْتِلَاطُ مَسَائِلِهِ بِمَسَائِلِ الْكَلَامِ وَلَا يَصِحُّ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: ذَلِكَ الْعِلْمُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ
(1/59)

لِلْأَحْكَامِ فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِغَيْرِهَا مِنْ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ وَبِقَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ وَبِقَيْدِ الْعِلْمِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمُكْتَسَبَ صِفَةٌ لِلْعِلْمِ وَلَيْسَ تَقْدِيرَ النَّائِبِ لِلْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَيْ.
(قَوْلُهُ: لِلْأَحْكَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْأَدِلَّةِ وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ لَامِيَّةٌ (قَوْلُهُ: بِقَيْدِ الْأَحْكَامِ إلَخْ) أُخْرِجَ بِهِ لَا بِالْعِلْمِ لِشُمُولِهِ فِي نَفْسِهِ لِلتَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ وَإِنْ كَانَ هُنَا يَنْصَرِفُ لِلتَّصْدِيقِ بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِالْأَحْكَامِ وَبِالنَّظَرِ إلَى هَذَا قَالَ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ هُنَا بِالْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ ظَنًّا إلَخْ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ هُنَا التَّصْدِيقُ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ تَصْدِيقٌ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ بِانْصِرَافِهِ إلَى التَّصْدِيقِ يَخْرُجُ تَصَوُّرُ الْأَحْكَامِ فَلَا يُقَالُ جَعْلُ الْعِلْمِ شَامِلًا لِلتَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ يُؤَدِّي إلَى خُلُوِّ التَّعْرِيفِ عَنْ قَيْدٍ مُخْرِجٍ لِتَصَوُّرِ الْأَحْكَامِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ) الْمُرَادُ بِالذَّوَاتِ مَا لَوْ وُجِدَ فِي الْخَارِجِ كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَاهِيَّاتُ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِالْعَقْلِ لَا بِنَفْسِهَا فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ وُجُودُهَا فِي الْخَارِجِ كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَيَصِحُّ قَوْلُهُ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُودِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ فِي الْخَارِجِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فَلَا وَقَدْ حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى أَتَمَّ تَحْرِيرٍ وَالْمُرَادُ بِالصِّفَاتِ الْمَعَانِي الَّتِي إنْ وُجِدَتْ فِي الْخَارِجِ لَمْ تَقُمْ بِنَفْسِهَا فَتَدْخُلُ فِيهِ صِفَاتُ الْبَارِي وَالْأَفْعَالُ وَالْأُمُورُ الِاعْتِيَادِيَّةُ وَقَدْ يُشْكِلُ ذَلِكَ بِدُخُولِ الْحُكْمِ حِينَئِذٍ فِي الصِّفَاتِ وَيُجَابُ بِأَنَّ جَعْلَ جِنْسِ التَّعْرِيفِ هُوَ الْعِلْمُ بِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ خُرُوجُ الْعِلْمِ بِمَا عَدَاهُ مِنْ الصِّفَاتِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْحُكْمِ قَدْ يَكُونُ تَصَوُّرًا وَهُوَ أَيْضًا خَارِجٌ.
(قَوْلُهُ: الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ) الْمُرَادُ بِالْعَقْلِيَّةِ مَا حَكَمَ بِهَا الْعَقْلُ بِدُونِ الِاسْتِنَادِ لِلْحِسِّ وَبِالْحِسِّيَّةِ خِلَافُهَا فَالْأَحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ كَثُبُوتِ الرَّفْعِ لِلْفَاعِلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاضِعِ عَقْلِيَّةٌ وَإِلَى غَيْرِهِ حِسِّيَّةٌ لِاسْتِنَادِهَا لِلْحِسِّ وَهُوَ السَّمَاعُ وَثُبُوتُ الْإِحْرَاقِ لِلنَّارِ حِسِّيٌّ لِاسْتِنَادِ الْعَقْلِ فِيهِ إلَى الْإِحْسَاسِ بِإِحْرَاقِ أَفْرَادِهَا فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ إنَّهُ أَغْفَلَ التَّنْبِيهَ عَلَى خُرُوجِ الْوَضْعِيَّةِ كَثُبُوتِ الرَّفْعِ لِلْفَاعِلِ وَاعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ بِأَنَّ النَّارَ الْكُلِّيَّةَ مُحْرِقَةٌ هُوَ الْعَقْلُ لَا الْحِسُّ وَإِنْ كَانَ الْحِسُّ يَحْكُمُ بِالْجُزْئِيِّ فَلَوْ قَالَ وَإِنَّ هَذِهِ نَارٌ مُحْرِقَةٌ لَأَجَادَ اهـ.
عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْلُ أَلْ فِي النَّارِ لِلْحُضُورِ فَيَكُونُ إشَارَةً إلَى نَارٍ حَاضِرَةٍ جُزْئِيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ وَإِنْ كَانَ عِلْمًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ ثُبُوتُ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى لَكِنَّهُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عِلْمِيَّةً وَاعْتِقَادِيَّةً وَلِلْمُحَشِّي هَاهُنَا كَلَامٌ فِي أَنَّ اعْتِقَادَنَا أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ وَأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِنْ الْفِقْهِ أَوْ الْكَلَامِ وَأَطَالَ ذَيْلَ الْكَلَامِ وَتَرَدَّدَ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ تَفْصِيلًا طَوِيلًا انْحَطَّ آخِرَ الْكَلَامِ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْمَسَائِلَ الِاعْتِقَادِيَّةَ الَّتِي طَرِيقُهَا السَّمْعُ فَقَطْ فِقْهٌ عِنْدَهُ قَالَ.
وَفِي شَرْحِ الْوَالِدِ عَلَى الْمِنْهَاجِ اسْتِظْهَارُ أَنَّ وُجُوبَ اعْتِقَادِ أَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ الدِّيَانَاتِ بِالسَّمْعِ لَا يُسَمَّى فِقْهًا قَالَ وَلَكِنِّي لَسْت أُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَقُولُ مَا نَقَلْته لَك سَابِقًا هُوَ التَّحْقِيقُ فَلَا يُوقِعَنَّكَ هَذَا التَّطْوِيلُ فِي تَشْكِيكٍ وَالشَّيْخُ النَّجَّارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ
(1/60)

كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَبِقَيْدِ الْمُكْتَسَبِ عِلْمُ اللَّهِ وَجِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ بِمَا ذُكِرَ وَبِقَيْدِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الْمُكْتَسَبِ لِلْخِلَافِيِّ مِنْ الْمُقْتَضَى وَالنَّافِي الْمُثْبَتِ بِهِمَا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْفَقِيهِ لِيَحْفَظَهُ عَنْ إبْطَالِ خَصْمِهِ فَعِلْمُهُ مَثَلًا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي أَوْ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لَا يَدْخُلُ الِاعْتِقَادَاتُ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ فِيهَا بِحُصُولِ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ لَا بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ عَلَى الِاعْتِقَادِيَّاتِ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ قَبِيلِ الْعُلُومِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأَفْعَالِ وَإِنْ أُطْلِقَتْ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى مُتَعَارَفِ اللُّغَةِ.
(قَوْلُهُ: كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ إلَخْ) مَثَّلَ بِمِثَالَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَسَائِلَ الِاعْتِقَادِيَّةَ قِسْمَانِ مَا دَلِيلُهُ الْعَقْلُ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَمَا دَلِيلُهُ السَّمْعُ كَالْمِثَالِ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: عِلْمُ اللَّهِ وَجِبْرِيلَ) أَيْ فَلَا يُسَمَّى وَاحِدٌ مِنْهَا فِقْهًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُنْقَسِمَ إلَى الضَّرُورِيِّ وَالْكَسْبِيِّ هُوَ الْعِلْمُ الْحُصُولِيُّ وَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ حُضُورِيٌّ وَعِلْمُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُسْتَنِدٌ لِلْوَحْيِ.
وَأَمَّا عِلْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَاصِلُ عَنْ اجْتِهَادٍ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ الْكَمَالُ إنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لِلْحُكْمِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِنَقْلٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ أَوْ إخْبَارِهِ عَنْهُ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا يُعَدُّ فِقْهًا بَلْ هُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ وَبِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى فِقْهًا بِالْإِصْلَاحِ وَتَسْمِيَتُهُ فِقْهًا هُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ عِلْمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَاصِلَ عَنْ اجْتِهَادٍ لَا يُسَمَّى فِقْهًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِلْمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ بَلْ بِبَعْضِهَا وَهُوَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ وَاسْتَشْكَلَ الشِّهَابُ خُرُوجَ عِلْمِ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ بِأَنَّهُ حَيْثُ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ التَّهَيُّؤُ لَزِمَ ثُبُوتُ هَذَا الْمَفْهُومِ بِأَسْرِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا جِبْرِيلُ قَالَ سم وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ هَذَا الْإِشْكَالِ نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ لَمْ نَقُلْ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنْ قُلْنَا بِهِ فَحُكْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاجْتِهَادِ إنْ كَانَ خَطَأً فَلَا يُقَرُّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ صَوَابًا يَنْقَلِبُ بِوَاسِطَةِ التَّقْرِيرِ إلَى الضَّرُورِيِّ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْوَحْيِ وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يُشْبِهُ الْوَحْيَ اهـ.
وَأَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا كُلِّهِ فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْعِلْمَ عَلَى التَّهَيُّؤِ فَالْمُرَادُ التَّهَيُّؤُ الْحَاصِلُ عَنْ مُمَارَسَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوَاعِدِ وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَمَّا الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا الْمَعْنَى فِطْرِيٌّ فِيهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِطَرِيقِ الْكَسْبِ كَالْمُجْتَهِدِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: الْمُكْتَسَبِ لِلْخِلَافِيِّ) قَالَ الْكَمَالُ هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الْخِلَافِيَّ يَسْتَفِيدُ عِلْمًا بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ وَانْتِفَائِهِ مِنْ مُجَرَّدِ تَسَلُّمِهِ مِنْ الْفَقِيهِ وُجُودُ الْمُقْتَضَى وَالنَّافِي إجْمَالًا وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حِفْظُهُ عَنْ إبْطَالِ الْخَصْمِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ الْمَذْكُورِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي فَيَكُونَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ كَانَ فَقِيهًا فَالصَّوَابُ أَنَّ قَيْدَ التَّفْصِيلِيَّةِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ عِلْمِ الْخِلَافِيِّ بَلْ هُوَ تَصْرِيحٌ بِاللَّازِمِ فَهُوَ لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ كَقَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا فَإِنَّهُ لِلْبَيَانِ إذْ لَا اكْتِسَابَ إلَّا مِنْ الدَّلِيلِ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ صَنِيعُ الشَّارِحِ حَيْثُ ذَكَرَ الِاحْتِرَازَ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْقُيُودِ وَمَا بَعْدَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ صَنِيعُ الشَّارِحِ أَيْ إلَى كَوْنِ مِنْ أَدِلَّتِهَا لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ فَالضَّمَائِرُ فِي قَوْلِهِ وَبَعْدَهُ وَعَنْهُ تَرْجِعُ إلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ الْخِلَافِيِّ عِلْمٌ مُدَوَّنٌ يُقَارِبُ مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ وَفَنِّ الْمُنَاظَرَةِ وَدَلَائِلُهُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْجَدَلِ إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ حِفْظُ الْمُدَّعَى
(1/61)

وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ هُنَا بِالْعِلْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَإِبْطَالُ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ مُدَّعَى الْخَصْمِ فَالْخِلَافِيُّ مَنْسُوبٌ لِعِلْمِ الْخِلَافِ أَيْ الْمُشْتَغَلِ بِهِ فَلَا تُتَوَهَّمُ مِنْ بَعْضِ الْحَوَاشِي هَاهُنَا وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنْ التَّمْثِيلِ بِابْنِ الْقَاسِمِ الْآخِذِ عَنْ أَشْهَبَ وَبِالْمُزَنِيِّ الْآخِذِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْخِلَافِيَّ خَاصٌّ بِمَنْ أَخَذَ الْحُكْمَ عَنْ نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ حَافِظٍ لِقَوْلِ إمَامِهِ يُرِيدُ تَأْيِيدَهُ وَلَوْ فِي عَصْرِنَا وَقَالَ زَكَرِيَّا الْحَقُّ أَنَّ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ خَرَجَ بِهِ الْعِلْمُ الْمَذْكُورُ لِلْمُقَلِّدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُهُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ بِوَاسِطَةِ دَلِيلٍ إجْمَالِيٍّ كَمَا مَرَّ اهـ.
وَبَقِيَ هَاهُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا طَالَعَ الْمُقَلِّدُ الْمَسَائِلَ مَعَ الدَّلَائِلِ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ عَنْ أَدِلَّتِهَا فَيَكُونُ فَقِيهًا مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ الْمُقَلِّدِ قَالَ الْخَيَالِيُّ وَغَايَةُ مَا يُقَالُ إنَّهُ كَمَا أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ الْمُقَلِّدِ كَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْإِجْمَاعَيْنِ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْفِقْهِ مَعْنَيَانِ وَعَدَمُ حُصُولِ أَحَدِهِمَا فِي الْمُقَلِّدِ لَا يُنَافِي حُصُولَ الْآخَرِ فِيهِ. اهـ.
قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ يَعْنِي أَنَّ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ تَنَافِيًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ الْغَيْرَ الْمُجْتَهِدُ الْعَالِمُ بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ فَقِيهًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْفَقِيهِ إلَّا الْعَالِمُ بِالْفِقْهِ وَالْفِقْهُ هُوَ الْمَسَائِلُ الْمُدَوَّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ يُنَافِيهِ فَوَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ التَّوْفِيقُ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْفِقْهِ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لِلْمُقَلِّدِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ فَبِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ يَكُونُ فَقِيهًا.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ وَهُوَ الْعِلْمُ بِمَعْنَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ عَنْ الْأَمَارَاتِ.
فَبِاعْتِبَارِ عَدَمِ حُصُولِهِ لَا يَكُونُ فَقِيهًا (وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ إلَخْ) إنْ قُلْت هَلَّا أَبْقَاهُ عَلَى مَعْنَاهُ لِإِمْكَانِهِ بِحَمْلِ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ وَمُقَلِّدِيهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَمُقَلِّدِيهِ الْعَمَلُ بِمَا يَظُنُّهُ وَإِنْ خَالَفَ الْوَاقِعَ فَإِذَا ظَنَّ حُكْمًا حَصَلَ لَهُ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ بِأَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مُقَلِّدِيهِ وَالدَّلِيلُ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ تَحْصِيلَ الْيَقِينِ بِالْأَحْكَامِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ مُخْتَصٌّ بِالْمُجْتَهِدِ وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا نَظَرَ فِي دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ
(1/62)

وَإِنْ كَانَ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ ظَنًّا كَمَا سَيَأْتِي التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي هُوَ لِقُوَّتِهِ قَرِيبٌ مِنْ الْعِلْمِ وَكَوْنُ الْمُرَادِ بِالْأَحْكَامِ جَمِيعًا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ أَكَابِرِ الْفُقَهَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَحَصَلَ لَهُ ظَنُّ الْحُكْمِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ قَطْعًا وَكُلَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا يَكُونُ مَعْلُومًا مَا عِنْدَهُ قَطْعًا.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَلِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمَظْنُونَ الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ رَأْيُ الْمُجْتَهِدِ يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ بِهِ قَطْعًا وَكَثُرَتْ الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ مُتَوَاتِرَةَ الْمَعْنَى.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فَرْعُ الْعِلْمِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَطْعِيَّةَ لَيْسَتْ حَاصِلَةً عَنْ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ بَلْ الْحَاصِلُ عَنْهُ هُوَ ظَنُّ الْحُكْمِ فَالْحُكْمُ ظَنِّيٌّ مِنْ حَيْثُ اسْتِفَادَتُهُ مِنْ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ لَكِنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ وَالِاتِّبَاعِ عَلَيْهِ قَطْعًا أَوْصَلَهُ إلَى الْعِلْمِ بِثُبُوتِهِ قَطْعًا وَهَذَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مُفَادِ الدَّلِيلِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْمَدْلُولِ ظَنِّيًّا وَلِذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ فَإِنْ قُلْت فَمُعْظَمُ مُتَضَمَّنِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ ظُنُونٌ قُلْنَا لَيْسَتْ الظُّنُونُ فِقْهًا وَإِنَّمَا الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ قِيَامِ الظُّنُونِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ أَخْبَارُ الْآحَادِ وَأَقْيِسَةُ الْفِقْهِ لَا تُوجِبُ عَمَلًا لِذَوَاتِهَا وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ وَهِيَ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ رِوَايَةِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَإِجْرَاءِ الْأَقْيِسَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ إلَخْ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَإِنْ زَائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ ظَنِّيٌّ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ وَالدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ لَا يُنْتِجُ إلَّا ظَنًّا فَدَلَالَتُهُ ظَنِّيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَدِّمَاتُهُ كُلُّهَا ظَنِّيَّةً أَوْ بَعْضُهَا لَا يُقَالُ إنَّ الْفِقْهَ أَحْكَامٌ قَطْعِيَّةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ طَرِيقٍ قَطْعِيٍّ كَإِجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ بَلَغَ الْمُجْتَهِدَ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِالْتِزَامِ خُرُوجِهَا عَنْهُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ الْأَدِلَّةُ اللَّفْظِيَّةُ لَا تُفِيدُ إلَّا ظَنًّا وَكَذَا مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْفِقْهِ وَمَشَى عَلَيْهِ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَجَعَلَ التَّعْبِيرَ بِالظَّنِّ تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الضَّرُورِيَّةُ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَإِنَّ الْمُجْتَهِدِينَ اسْتَنْبَطُوهَا وَحَصَّلُوهَا عَلَى أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ فَلَيْسَتْ فِي أُصُولِهَا ضَرُورِيَّةً بِمَعْنَى أَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِمْ بِلَا دَلِيلٍ إلَّا أَنَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهَا الْتَحَقَتْ بِضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَلِذَلِكَ كَفَّرُوا جَاحِدَهَا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْمَحْصُولِ قَدْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْفِقْهِ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ إنَّ الْعِلْمَ بِأَحْكَامِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ لِحُصُولِهِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا بِالِاسْتِدْلَالِ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّى الْفِقْهِ فِي شَيْءٍ اهـ.
وَهُوَ كَلَامٌ وَجِيهٌ وَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَمْيَلُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ اسْتَنْبَطَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بَعِيدٌ فَإِنَّ وُجُوبَ أَمْثَالِهَا مِنْ عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْآنَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فَهِيَ مِنْ الْقَوَاطِعِ يَقِينًا.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ) قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ إشْعَارٌ بِأَنَّ عَلَّاقَةَ الْمَجَازِ فِيهِ الْمُجَاوَرَةُ أَوْ الضِّدِّيَّةُ أَوْ الْمُشَابَهَةُ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ التَّعَارِيفَ تُصَانُ عَنْ الْمَجَازِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَاضِحَةٍ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ بِالظَّنِّ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ هُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ شَائِعٌ عُرْفًا فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى الْقَرِينَةِ. اهـ.
أَقُولُ قَدْ أَبْعَدَ الْمَرْمَى حَيْثُ جَعَلَ الْقَرِينَةَ مَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ وَكَيْفَ تَكُونُ قَرِينَةُ الْمَجَازِ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ
سَهْمٌ أَصَابَ وَرَامِيهِ بِذِي سَلَمٍ ... مَنْ بِالْعِرَاقِ لَقَدْ أَبْعَدْت مَرْمَاك
وَجَعَلَهُ قَوْلَ الشَّارِحِ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ إلَى آخِرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعِلْمِ فِي الظَّنِّ مَجَازٌ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّهَيُّؤِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْمَلَكَةِ الْمَشْهُورُ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْعِلْمِ وَبَيْنَ الظَّنِّ الَّذِي لَيْسَ مِمَّا يَسْتَغِلُّ فِيهِ لَفْظَ الْعِلْمِ إلَّا الْمَنَاطِقَةُ وَالْكَلَامُ هُنَا بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ فِي رَدِّ كَلَامِ النَّاصِرِ الْآتِي اعْتَرَفَ بِأَنَّ الشَّارِحَ بَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّ الْعِلْمَ الْمُفَسَّرَ بِهِ الْفِقْهُ وَهُوَ الظَّنُّ وَثَانِيًا أَنَّ الْفِقْهَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ التَّهَيُّؤُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَدْ يُقَالُ إنَّ اعْتِبَارَ الْمُجَاوَرَةِ هَاهُنَا لَا يَتِمُّ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ الْمُرَادُ بِالْمُجَاوَرَةِ مَا يَعُمُّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا حَالًّا فِي الْآخَرِ بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ الْحُلُولِ أَوْ كَوْنَهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ أَوْ كَوْنَهُمَا مُتَلَازِمَيْنِ فِي الْوُجُودِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْخَيَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اهـ.
وَلَا مُلَابَسَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ لَا يُقَالُ
(1/63)

فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً مِنْ أَرْبَعِينَ سُئِلَ عَنْهَا لَا أَدْرِي؛ لِأَنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِلْعِلْمِ بِأَحْكَامِهَا بِمُعَاوَدَةِ النَّظَرِ، وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ شَائِعٌ عُرْفًا يُقَالُ فُلَانٌ يَعْلَمُ النَّحْوَ وَلَا يُرَادُ أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِهِ حَاضِرَةٌ عِنْدَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ بَلْ إنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِذَلِكَ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ قَيْدٌ وَاحِدٌ جَمْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُعَرَّفَ بِخِطَابِ اللَّهِ الْآتِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الظَّنُّ وَالْعِلْمُ مُتَجَاوِرَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهُوَ النَّفْسُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْيَقِينِ يَزُولُ الظَّنُّ وَعِنْدَ وُجُودِ الظَّنِّ يَزُولُ الْيَقِينُ فَهُمَا مُتَنَافِيَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ إنْ قِيلَ هُمَا يَتَعَاقَبَانِ فِي الْمَحَلِّ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِمَا بِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُمَا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ قُلْنَا الْمُجَاوَرَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا حَيْثُ يَكُونَانِ مَعًا فِي الْمَحَلِّ.
(قَوْلُهُ: فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مُقَدِّمَةِ التَّمْهِيدِ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا لَا أَدْرِي وَقَدْ وَقَعَ قَوْلُ لَا أَدْرِي لِغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ.
(قَوْلُهُ: بِمُعَاوَدَةِ النَّظَرِ) مِنْ الْعَوْدِ بِمَعْنَى الصَّيْرُورَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٍ عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} [الأعراف: 89] فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمُعَاوَدَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ نَظَرٌ فِي تِلْكَ وَنَسِيَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ التَّهَيُّؤِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ التَّهَيُّؤَ الْبَعِيدَ حَاصِلٌ لِغَيْرِ الْفَقِيهِ وَالْقَرِيبَ لَا ضَابِطَ لَهُ إذْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَيَّ قَدْرٍ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ يُقَالُ لَهُ التَّهَيُّؤُ الْقَرِيبُ وَلَا يَلِيقُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْجَدِّ الْعِلْمُ وَيُرَادُ بِهِ تَهَيُّؤٌ مَخْصُوصٌ لَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا دَلَالَةَ لِلَفْظِ الْعِلْمِ عَلَى تَهَيُّؤٍ مَخْصُوصٍ فَقَوْلُكُمْ لَا ضَابِطَ لَهُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إدْرَاكِ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْكَامِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ عُرْفًا إطْلَاقُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَلَكَةِ أَفَادَهُ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ السُّؤَالِ وَقَدْ اعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ الشَّارِحَ بِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ هَاهُنَا الظَّنُّ مَجَازًا وَذَكَرَ هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّهَيُّؤُ مَجَازًا فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَافٍ.
وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهُ هَذَا وَالْأَحْسَنُ مَا أَفَادَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ هُوَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْحَاصِلَةِ لَهُ بِالْفِعْلِ حَاصِلَةً بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ قَالَ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْجَمِيعِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ تَتَزَايَدُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ التَّعْرِيفِ فِقْهُ مِثْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِثُبُوتِ لَا أَدْرِي فِي حَقِّهِ اهـ.
وَأَقُولُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَ الْمُزَنِيّ وَسَحْنُونٍ الْآخِذِينَ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَالْمُخَرِّجِينَ عَلَى قَوَاعِدِهِمْ لَا يُسَمَّى مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِاجْتِهَادِهِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسَائِلِ الَّتِي اسْتَنْبَطُوهَا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَادِثَةٍ لَيْسَ لِإِمَامِهِ فِيهَا نَصٌّ أَمَّا مَا خَالَفَ فِيهِ إمَامَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُجْتَهِدًا فِيهِ وَهَذَا فِي أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَثِيرٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى لِلْمُصَنِّفِ مَا خُلَاصَتُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوُضُوءِ تَفَرُّدَاتِ الْمُزَنِيّ لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ إذَا لَمْ يُخَرِّجْهَا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَ فِي مَسْأَلَةِ خَلْعِ الْوَكِيلِ أَنَّ الْمُزَنِيّ لَا يُخَالِفُ أُصُولَ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُمَا يُخَالِفَانِ أُصُولَ صَاحِبِهِمَا اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنْ يَلْحَقَ مَذْهَبَهُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ بِالْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ مَا انْحَازَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي أَصْلٍ يَتَعَلَّقُ الْكَلَامُ فِيهِ بِقَاطِعٍ وَإِذَا لَمْ يُفَارِقْ
(1/64)

فَخِلَافُ الظَّاهِرِ وَإِنْ آلَ مَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ كَوْنِهِمَا قَيْدَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى.

(وَالْحُكْمُ) الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ بِالْإِثْبَاتِ تَارَةً وَالنَّفْيِ أُخْرَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الشَّافِعِيَّ فِي أُصُولِهِ فَتَخْرِيجَاتُهُ مُخَرَّجَةٌ عَلَى قَاعِدَةِ إمَامِهِ وَإِنْ كَانَ لِتَخْرِيجٍ مُخَرَّجٍ الْتِحَاقٌ بِالْمَذْهَبِ فَأَوْلَاهُ تَخْرِيجُ الْمُزَنِيّ لِعُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَتَلَقِّيه أُصُولَ الشَّافِعِيِّ اهـ.
وَفِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ أَنَّ الْمُزَنِيّ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَزِيدُونَ عَلَى اجْتِهَادِهِ اجْتِهَادًا وَلَكِنْ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُزَنِيّ رُبَّمَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ وَانْحَازَ عَنْ الْمَذْهَبِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ اهـ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوْجُهُ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى مَذْهَبِهِ يُخَرِّجُونَهَا عَلَى أُصُولِهِ وَيَسْتَنْبِطُونَهُ امِنْ قَوَاعِدِهِ وَيَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ اهـ.
قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَقَوْلُهُ وَيَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا إلَى آخِرِهِ يُوهِمُ أَنْ يُعَدَّ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَوْلُ الْفَصْلُ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ وَلَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مَا نَافَى قَوَاعِدَ مَذْهَبِهِ لَمْ يُعَدَّ وَمَا نَاسَبَهَا عُدَّ.
(قَوْلُهُ: فَخِلَافُ الظَّاهِرِ) إذْ الظَّاهِرُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي مَعْرِضِ التَّقْيِيدِ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا قَيْدٌ مُسْتَقِلٌّ لَا جُزْءُ قَيْدٍ قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى تَدْقِيقَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَعْرِيفَاتِهِمْ أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَشَايِخِ الْأُصُولِ فَجَعْلُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قَيْدًا وَاحِدًا جَمْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ.
وَفِي سم كَلَامٌ طَوِيلٌ تَرَكْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ التَّعْمِيمِ فِي مَوْضُوعِ الْعِلْمِ مَعَ قِلَّةِ جَدْوَاهُ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَلِكَ التَّعْمِيمِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ آلَ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي الِاحْتِرَازِ إذْ يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا يُحْتَرَزُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ.

(قَوْلُهُ: الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ لِتَبَادُرِ ذِهْنِ الْأُصُولِيِّ عِنْدَ سَمَاعِهِ إلَيْهِ وَكَذَا ذِهْنُ طَالِبِ الْأُصُولِ إذْ عُلِمَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ أَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَلَيْسَتْ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ كَمَا يُوهِمُهُ ذِكْرُهُ عَقِبَ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ الْأَحْكَامُ حَتَّى يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ وَهُوَ هَذَا الْمَعْنَى لِلُزُومِ اسْتِدْرَاكِ قَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ الْحُكْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَكُونُ إلَّا شَرْعِيًّا وَيَلْزَمُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الْمُعَرَّفُ بِهِ الْفِقْهُ تَصَوُّرًا لِتَعَلُّقِهِ بِمُفْرَدٍ وَهُوَ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنِسْبَةٍ مَعَ أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ قَبِيلِ التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصْدِيقَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسَائِلِ، ثُمَّ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي هُنَا كَلَامٌ فِي تَقْسِيمِ أَلْ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَذْهَبَيْ النُّحَاةِ وَالْبَيَانِيِّينَ فِيهَا هُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُحَرَّرٍ كَمَا يُعْلَمُ بِالْوُقُوفِ عَلَى حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ تَطْوِيلٌ بِمَا لَا دَاعِيَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ تَسَاهُلٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ جَارٍ بَيْنَ الْبَيَانِيِّينَ وَلَيْسَ لِلنُّحَاةِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ صِنَاعَتِهِمْ وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ تَبَعًا لِلْبَيَانِيِّينَ لِتَعَلُّقِ غَرَضٍ لَفْظِيٍّ بِهِ كَذِكْرِهِمْ نِكَاتَ حَذْفِ الْفَاعِلِ فِي بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ فَلَا تُفْعَلُ وَآثَرَ التَّعْبِيرَ بِالْمُتَعَارَفِ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ أَخْصَرِيَّتِهِ إشَارَةً إلَى أَتَمِّيَّةِ الْمَعْرِفَةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: بِالْإِثْبَاتِ تَارَةً إلَخْ) كَقَوْلِهِ الْحُكْمُ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ ذِكْرِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَهُوَ الْبَحْثُ عَنْ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ لَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ ذَكَرَ الْحُكْمَ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ قَبْلَهُ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْحُكْمِ وَلِذَلِكَ جُعِلَتْ أَلْ لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالْإِثْبَاتِ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ السَّبَبِيَّةِ وَلَا تَنَاقُضَ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ تَارَةً؛ لِأَنَّ كُلًّا بِاعْتِبَارٍ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَالْإِثْبَاتَ بَعْدَهَا أَوْ هُمَا بِالنَّظَرِ لِحَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي، ثُمَّ إنَّ تَوَقُّفَ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ بِالْوَاسِطَةِ فَإِنَّ إثْبَاتَ الْأُصُولِيِّ لَهُ وَنَفْيَهُ لَيْسَ مِنْ الْمَسَائِلِ بَلْ مِنْ الْمَبَادِئِ فَذِكْرُهُ إنَّمَا هُوَ لِتَوَقُّفِ بَعْضِ
(1/65)

(خِطَابُ اللَّهِ) أَيْ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ الْأَزَلِيُّ الْمُسَمَّى فِي الْأَزَلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمَبَادِئِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ تَوَقُّفُ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى الْمُتَوَقِّفِ عَلَى شَيْءٍ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: خِطَابُ اللَّهِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُصْطَلَحَ هُوَ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ كَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا نَفْسِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَفْعَلُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالذَّاتِ بَلْ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ إذَا نُسِبَ لِلْحَاكِمِ يُسَمَّى إيجَابًا وَإِذَا نُسِبَ إلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ وَهُوَ الْفِعْلُ يُسَمَّى وُجُوبًا وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْإِيجَابِ يُقَالُ أَوْجَبَ الْفِعْلَ فَوَجَبَ فَكَيْفَ يَكُونُ عَيْنَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرَتُّبُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارٍ عَلَى نَفْسِهِ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إذْ مَرْجِعُهُ إلَى تَرَتُّبِ أَحَدِ الِاعْتِبَارَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُك ضَرَبْت تَأْدِيبًا مَعَ أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ التَّأْدِيبُ هُوَ الضَّرْبُ إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فِعْلًا مُؤْلِمًا اُعْتُبِرَ ضَرْبًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ قُصِدَ بِهِ التَّأَدُّبُ تَأْدِيبٌ، ثُمَّ عَلَّلَ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ نَفْسِهِ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَاعْتَبَرَ أَنَّهُ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي مُتَرَتِّبٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ حَقَّقَ أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ الْإِيجَابِ وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ الْوَاضِحُ أَنَّ كَلَامَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ أَثَرُ الْخِطَابِ هَذَا وَلَوْ حُمِلَ الْخِطَابُ عَلَى مَا خُوطِبَ بِهِ أَيْ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ وَهُوَ الْأَثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَحِينَئِذٍ يُرَادُ بِالْحُكْمِ مَا حُكِمَ بِهِ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ لَا يُنَاسِبُ الْحَمْدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْخِطَابَ بِالْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ إلَخْ وَهُوَ مَا وَقَعَ بِهِ التَّخَاطُبُ.
وَفِي سم كَلَامٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ هَاهُنَا وَأَرَادَ أَيْضًا عَدَمَ تَنَاوُلِ الْحُكْمِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ مَا ثَبَتَ بِنَحْوِ الْقِيَاسِ إذْ لَا خِطَابَ فِيهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ وَنَحْوَهُ كَاشِفٌ عَنْ خِطَابِهِ تَعَالَى وَمُعَرِّفٌ لَهُ.
1 -
(قَوْلُهُ: أَيْ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ) الْخِطَابُ فِي الْأَصْلِ تَوْجِيهُ الْكَلَامِ نَحْوَ الْغَيْرِ لِلْإِفْهَامِ، ثُمَّ نَقُلْ إلَى الْكَلَامِ الْمُخَاطَبِ بِهِ وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الشَّارِحُ وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَنَوِّعَ إلَى الْأَقْسَامِ الْآتِيَةِ هُوَ هَذَا لَا الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَقَيَّدَ الْكَلَامَ بِالنَّفْسِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظِيَّ لَيْسَ بِحُكْمٍ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الْمُخْتَصَرِ وَوَصْفُهُ بِالْأَزَلِيِّ بَعْدَ وَصْفِهِ بِالنَّفْسِيِّ مِنْ قَبِيلِ الْوَصْفِ بِاللَّازِمِ لَا مَا قَالَهُ الشِّهَابُ مِنْ أَنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْمَوْصُوفِ كَقَوْلِهِمْ الْجِسْمُ الطَّوِيلُ الْعَرِيضُ الْعَمِيقُ لَهُ فَرَاغٌ يَشْغَلُهُ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَنَّ الْأَزَلِيَّ قِيلَ هُوَ مُرَادِفُ الْقَدِيمِ وَقِيلَ أَعَمُّ لِتَخْصِيصِ الْقَدِيمِ بِمَا لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَزَلِ) قَالَ الشِّهَابُ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالْمُسَمَّى وَلَا كَوْنُهُ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ فِيهِ لِاسْتِلْزَامِهِمَا وُجُودَ التَّسْمِيَةِ فِي الْأَزَلِ بَلْ وُجُودُ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ لِقَوْلِهِ حَقِيقَةً إذْ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا اهـ.
قَالَ سم لَا شُبْهَةَ فِي قُوَّةِ هَذَا الْإِشْكَالِ وَصُعُوبَتِهِ نَعَمْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ لَكِنْ عَلَى مَعْنَى الْمُسَمَّى فِيمَا لَا يَزَالُ حَالَ كَوْنِهِ
(1/66)

خِطَابًا حَقِيقَةً عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَيَأْتِي (الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَلْحُوظًا فِي الْأَزَلِ أَيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْآنَ هَذَا اللَّفْظُ إطْلَاقًا حَقِيقِيًّا بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ وَبِمُلَاحَظَتِهَا أَيْ بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِ وُجُودِهِ وَعَدَمِ أَوَّلِيَّتِهِ انْتَهَى وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ وَلَوْ قِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ التَّسْمِيَةَ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْإِشْكَالِ بَلْ الْمَعْنَى مُقَدَّرًا تَسْمِيتَةُ بِذَلِكَ لَتَمَّ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّجَّارِيِّ إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِالْمُسَمَّى وَالْمُسَمَّى بِذَلِكَ هُوَ اللَّهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ سَمَّاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ بَلْ بِاسْمٍ إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِحُرُوفٍ هِجَائِيَّةٍ كَانَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَطَّرَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَسْمِيَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ لِلْأُصُولِيِّينَ وَلَوْ أَصْطَلَحُوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِغَيْرِ هَذَا الِاسْمِ لَسَاغَ لَهُمْ كَبَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا أَرْبَابُ الِاصْطِلَاحِ وَلَيْتَ شِعْرِي مَاذَا يَصْنَعُ فِي مُقَابِلِ هَذَا الْقَوْلِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ لَا يُسَمَّى فِي الْأَزَلِ خِطَابًا بَلْ فِيمَا لَا يَزَالُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) كَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ إطْلَاقُ الْخِطَابِ عَلَيْهِ مَجَازٌ وَالْحُدُودُ تُصَانُ عَنْ الْمَجَازِ اهـ.
وَأَقُولُ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنَّهُ إشَارَةٌ إلَى مُقَابِلٍ لَهُ وَأَمَّا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ فِي ذَلِكَ فَطَرِيقَةُ النَّقْلِ عَنْهُمْ لَا دَعْوَى التَّصْحِيحِ الْمُشْعِرِ بِضَعْفِ مُقَابِلِهِ بَلْ هُوَ إشَارَةٌ إلَى مُخْتَارِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ قِدَمِ الْحُكْمِ وَالْخِطَابِ بِنَاءً عَلَى أَزَلِيَّةِ تَعَلُّقَاتِ الْكَلَامِ وَتَنَوُّعِهِ فِي الْأَزَلِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَغَيْرِهِمَا وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ كَمَا سَيَأْتِي أَيْ فِي تَوْجِيهِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً مِنْ أَنَّهُ نَزَّلَ الْمَعْدُومَ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ وَالْخِطَابَ حَادِثَانِ بِنَاءً عَلَى حُدُوثِ تَعَلُّقَاتِ الْكَلَامِ وَعَدَمِ تَنَوُّعِهِ فِي الْأَزَلِ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ حَقِيقَةً عَلَى الْأَصَحِّ إلَى أَنَّ تَفْسِيرَ خِطَابِ اللَّهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ الْأَزَلِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ أَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَيُفَسَّرُ الْخِطَابُ بِالْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ لِلْإِفْهَامِ أَوْ الْكَلَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ إفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ اهـ.
فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْخِطَابُ فِي الْأَزَلِ مُتَعَلِّقًا بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ يَلْزَمُ طَلَبُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ الْمَعْدُومِ وَهُوَ سَفَهٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ السَّفَهَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ مِنْ الْمَعْدُومِ حَالَ عَدَمِهِ.
وَأَمَّا طَلَبُهُ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَلَا كَمَا إذَا قَدَّرَ الرَّجُلُ ابْنًا لَهُ فَأَمَرَهُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَالَ الْوُجُودِ وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَفْعَلَ فِيمَا يَزَالُ فَلَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ) قَالَ الشِّهَابُ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِيَعْنِي بَدَلَ أَيْ اهـ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ وَالْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلْمُكَلَّفِ الْمَلْزُومِ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْبَالِغِ الْعَاقِلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَقَدْ فَسَّرَهُ هُنَا بِالْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَفِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْمَلْزُومِ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ لِسَلَامَتِهِ هُنَا مِنْ نَوْعِ تَكْرَارٍ فِي الْمَعْنَى إذْ مِنْ جُمْلَةِ التَّعَلُّقِ الْإِلْزَامُ فَيَصِيرُ حَاصِلَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْمُلْزِمِ بِالْفِعْلِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُلْزَمِ بِالْفِعْلِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَفَسَّرَهُ فِيمَا يَأْتِي بِالْمَلْزُومِ إلَخْ مُرَاعَاةً لِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ إذْ لَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ لِلْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَهُوَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ.
(قَوْلُهُ: تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا) أَيْ صُلُوحِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِهِ وَهَذَا التَّعْلِيقُ قَدِيمٌ بِخِلَافِ التَّنْجِيزِيِّ فَإِنَّهُ حَادِثٌ
(1/67)

قَبْلَ وُجُودِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَتَنْجِيزِيًّا بَعْدَ وُجُودِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا كَمَا سَيَأْتِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لِأَنَّهُ التَّعَلُّقُ بِالْفِعْلِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَتَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ. .
1 -
(قَوْلُهُ: قَبْلَ وُجُودِهِ) وَكَذَا بَعْدَهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَكَذَا بَعْدَ الْبَعْثَةِ غَيْرُ مُسْتَكْمِلٍ بَقِيَّةَ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ كَالْعِلْمِ بِالْبَعْثَةِ وَبُلُوغِ الْأَحْكَامِ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا) قَالَ الشِّهَابُ سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمَتْنِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ مِنْهُ وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَبِهِ يُوَجَّهُ كَلَامُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَيْنِ مَعًا يُعْتَبَرَانِ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ الَّذِي أَسْلَفْنَاهُ وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ هُنَا " وَتَنْجِيزِيًّا " دُونَ " أَوْ تَنْجِيزِيًّا " وَقَالَ الْعَضُدُ فِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْخِطَابِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ الْكَلَامُ الَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ يُفْهَمُ فَيُسَمَّى وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ الْكَلَامُ الَّذِي أَفْهَمَ لَمْ يَكُنْ خِطَابًا وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ الْكَلَامَ حُكْمٌ فِي الْأَزَلِ أَوْ يَصِيرُ حُكْمًا فِيمَا لَا يَزَالُ اهـ.
فَأَنْتَ تَرَاهُ صَرَّحَ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ التَّنْجِيزِيِّ اهـ.
قَالَ سم وَحَاصِلُهُ مُنَازَعَةُ الشَّارِحِ فِي اعْتِبَارِ التَّنْجِيزِيِّ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ، وَصَرِيحُ الْعَضُدِ بِخِلَافِهِ.
وَأَقُولُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِظَاهِرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَمُجَرَّدُ مُخَالَفَةِ الْعَضُدِ لَا تَقْدَحُ فِي ذَلِكَ لِلْقَطْعِ بَعْدَ الْتِزَامِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ تَقْلِيدَ الْعَضُدِ مَعَ الْقَطْعِ بِاطِّلَاعِهِمَا عَلَى كَلَامِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ اتِّفَاقُ الْقَوْمِ عَلَى مَا قَالَهُ بَلْ لَوْ فُرِضَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَيْهِ جَازَ لَهُمَا الْمُخَالَفَةُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى مَا شَاءَ إذْ لَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ بِهِ مَعَ قَيْدِ الْآخَرِ فِي الْخَارِجِ إذْ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ صِفَةِ التَّنْجِيزِ وَمُقَابِلِهِ مَعًا كَمَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ قَبْلِيَّةِ الْوُجُودِ مَعَ بَعْدِيَّتِهِ بِالنَّظَرِ إلَى مُكَلَّفٍ وَاحِدٍ حَتَّى يُوجَدَ التَّعَلُّقَانِ فِي الْخَارِجِ مَعًا وَيَكُونَ الْخِطَابُ مُتَّصِفًا بِالتَّعَلُّقَيْنِ مَعًا بِأَنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا أَيْضًا وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالتَّعَلُّقَيْنِ بِكُلِّ تَعَلُّقٍ فِي وَقْتِهِ أَيْ أَنَّهُ بِحَيْثُ يَتَعَلَّقُ قَبْلَ الْوُجُودِ بِهَذَا الْوَجْهِ وَبَعْدَهُ بِذَلِكَ الْوَجْهِ وَهَذَا الِاتِّصَافُ دَائِمِيٌّ لِلْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَفْعَالِ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الصِّفَتَيْنِ مَعًا فِي وَقْتٍ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ كُلٍّ فِي وَقْتِهَا الَّتِي هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِهِ وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ الْحُكْمِ بِعَدَمِ وُجُودِ التَّنْجِيزِيِّ فَإِنَّ اللَّازِمَ وُجُودُ التَّنْجِيزِيِّ فِي وَقْتِهِ لَا دَائِمًا وَإِنَّمَا اللَّازِمُ دَائِمًا هُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا جَاءَ وَقْتُ التَّنْجِيزِ تَنَجَّزَ وَهَذَا مَوْجُودٌ بِلَا رَيْبٍ وَكَذَلِكَ يُشْكِلُ قَوْلُهُ هُنَا إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّارِحَ أَرَادَ أَنَّهُ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا فِي الْحَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا فِيمَا قَبْلُ وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَةُ الْعِبَارَةِ عَلَيْهِ قَاصِرَةً وَإِنَّ حَمْلَ الْمَتْنِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقٌ لَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ تَعَلُّقٍ فَيَكْفِي فِي صِدْقِهِ أَدْنَى تَعَلُّقٍ فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا التَّعَلُّقِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْقَوْمِ وَمُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ.
فَالِاعْتِذَارُ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ وَلَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ مِمَّا لَا يُقْبَلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ يُؤْخَذُ عَلَى إطْلَاقِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ هُنَا ضَرُورَةً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ اصْطِلَاحَاتِ الْفُنُونِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا لِمَكَانِ الْإِلْبَاسِ وَإِيهَامِ أَنَّهُ اصْطِلَاحُ أَهْلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَا اصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا لِأَغْرَاضٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ فَتَغْيِيرُ تِلْكَ الِاصْطِلَاحَاتِ كَثِيرًا يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ تِلْكَ الْأَغْرَاضِ وَتَرْتَفِعُ الثِّقَةُ بِالنَّقْلِ عَنْ الْمُصْطَلَحِ الْأَوَّلِ وَأَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَهُوَ عَبَثٌ يُحْتَرَزُ عَنْ مِثْلِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّا إذَا أَخَذْنَا فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ التَّعَلُّقَ التَّنْجِيزِيَّ بَعْدَ الْبَعْثَةِ لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِالضَّرُورَةِ وَصَارَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ لَغْوًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَكَيْفَ ذَكَرُوهُ وَعَدُّوهُ مَسْأَلَةً وَالْمَسَائِلُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَظَرِيَّةً وَقَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] وَنَقَلُوا فِيهِ خِلَافَ الْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ يَرُدَّانِ قَوْلَهُ إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَالْأَقْرَبُ أَنْ لَا يُجْعَلَ جُزْءًا مِنْ التَّعْرِيفِ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِوَقْتِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِتَقْدِيرٍ وَذَلِكَ بَعْدَ
(1/68)

(مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ) أَيْ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي فَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ الْقَلْبِيَّ الِاعْتِقَادِيَّ وَغَيْرَهُ وَالْقَوْلِيَّ وَغَيْرَهُ وَالْكَفَّ وَالْمُكَلَّفَ الْوَاحِدَ كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَصَائِصِهِ وَالْأَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدِ وَالْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْبَعْثَةِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ لُزُومِ لَغَوِيَّةِ قَوْلِهِمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ تَأَمَّلْ جِدًّا.
(قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَقْيَسُ أَوْ فَتْحِهَا أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْكِسَائِيّ بِجَوَازِ إضَافَةِ حَيْثُ إلَى الْمُفْرَدِ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَنْ يُجْعَلَ أَنَّ وَمَعْمُولَهَا فِي التَّقْدِيرِ اسْمَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ ثَابِتٌ فَعَدُّ الْفَتْحِ لَحْنًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ يُوجِبُ الدَّوْرَ إذْ التَّكْلِيفُ بِمَعْنَى إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ نَوْعٌ مِنْ الْحُكْمِ فَإِدْخَالُهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ دَوْرٌ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا سَهْوٌ؛ لِأَنَّ أَخْذَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْحُكْمِ فِي تَعْرِيفِهِ لَا يُوجِبُ الدَّوْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِدُونِ تَعَقُّلِ مَفْهُومِ الْحُكْمِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
وَأَقُولُ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْفَ وَالْمُكَلَّفُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مَفْهُومُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الذَّاتِ وَالْوَصْفِ كَمَا هُوَ حَالُ الْمُشْتَقَّاتِ وَتَعَقُّلُ مَفْهُومِ الْمُرَكَّبِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَعَقُّلِ كُلٍّ مِنْ جُزْئَيْهِ وَالتَّكْلِيفُ أَحَدُ جُزْئَيْهِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إلَخْ مَمْنُوعٌ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَقُّلُ الذَّاتِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْوَصْفِ فِي مَفْهُومِ الْمُشْتَقِّ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ وَارْتِكَابُ التَّجْرِيدِ فِي مِثْلِهِ مُخِلٌّ بِالتَّعْرِيفِ (قَوْلُهُ: فَيَتَنَاوَلُ) أَيْ التَّعْرِيفَ لَا الْفِعْلَ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ قَوْلُهُ الْآتِي وَالْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثَةِ إذَا الْمُتَعَلِّقُ هُنَاكَ صِفَةُ الْخِطَابِ اهـ.
وَأَقُولُ يَصِحُّ رَفْعُ الْفِعْلِ وَنَصْبُ الْقَلْبِيِّ وَكَذَا رَفْعُ الْمُكَلَّفِ وَنَصْبُ الْوَاحِدِ وَرَفْعُ الْمُتَعَلِّقِ وَيُجْعَلُ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرًا أَيْ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ تَبَاعُدًا عَنْ التَّكْرَارِ اللَّفْظِيِّ مَعَ ظُهُورِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ إسْنَادَ التَّنَاوُلِ إلَى ضَمِيرِ التَّعْرِيفِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مَجَازٌ إذْ الْمُتَنَاوَلُ الْفِعْلُ أَوْ الْمُكَلَّفُ أَوْ الْمُتَعَلِّقُ (قَوْلُهُ: الِاعْتِقَادِيَّ) أَيْ كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ فِعْلٌ لِلنَّفْسِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ نَفْسَهُ بَلْ بِأَسْبَابِهِ الْمُحَصِّلَةِ لَهُ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُعَدُّ فِعْلًا عُرْفًا لَا يَنْفَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ كَوْنَهُ لَيْسَ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ مَقْدُورٌ بِنَفْسِهِ لِلْمُكَلَّفِ وَلَا يَتَعَلَّقُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ إلَّا بِهِ نَفْسِهِ أَفَادَهُ سم وَبِهِ يَظْهَرُ لَك مَا رَدَدْنَا بِهِ كَلَامَهُ سَابِقًا فِي إدْخَالِ مِثْلِ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَاجِبٌ تَحْتَ مَوْضُوعِ عِلْمِ الْفِقْهِ إذْ حَاوَلَ هُنَاكَ أَنَّ الِاعْتِقَادَ فِعْلٌ.
وَأَمَّا أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ هَلْ هُوَ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ أَوْ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ فَسَيَأْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي حَاشِيَةِ الْمَقُولَاتِ الصُّغْرَى.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الِاعْتِقَادِيِّ وَهُوَ الْفِعْلُ الْقَلْبِيُّ الَّذِي لَيْسَ اعْتِقَادِيًّا كَالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ الْقَوْلِيِّ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَوْلُهُ وَغَيْرَهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفِعْلِ الْقَلْبِيِّ وَالْقَوْلِيِّ كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَفْعَالِ مِثْلِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ أَوْ غَيْرِ الْقَوْلِيِّ وَهُوَ أَقْرَبُ (قَوْلُهُ وَالْكَفَّ) أَيْ كَفَّ النَّفْسِ وَزَجْرَهَا الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ النَّهْيِ فَعَطْفُهُ عَلَى الْقَوْلِيِّ عَطْفٌ خَاصٌّ أَتَى بِهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَدَمِ شُمُولِ التَّعْرِيفِ لَهُ النَّاشِئِ عَنْ تَوَهُّمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا.
(قَوْلُهُ: وَالْمُكَلَّفَ الْوَاحِدَ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ اسْمُ جَمْعٍ يَصْدُقُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَالتَّعْبِيرُ بِهِ أَظْهَرُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمُكَلَّفِينَ لِظُهُورِ الْمُرَادِ فِي الْجِنْسِ دُونَ الْجَمْعِ وَفِي إدْخَالِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَصَائِصِهِ إدْخَالٌ لِنَحْوِ خُزَيْمَةَ فِي جَعْلِ شَهَادَتِهِ شَهَادَةَ اثْنَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدِ) فِيهِ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَحْمَدُك عِنْدَ قَوْلِهِ الْأَخْصَرُ مِنْهُ سُؤَالًا وَجَوَابًا فَلَا إعَادَةَ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَعَلِّقَ) أَيْ وَالْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ عَطْفٌ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا قَالَ سم وَسَهَا شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ فِي بَعْضِ مَرَّاتِ تَدْرِيسِ الشَّرْحِ فَقَالَ
(1/69)

مِنْ الِاقْتِضَاءِ الْجَازِمِ وَغَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ الْآتِيَةِ لِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَالْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ وَعَلَّقُوهُ عَنْهُ فَاحْذَرْهُ (وَقَوْلُهُ بِأَوْجُهِ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَعَلِّقِ وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ قَبِيلِ مُلَابَسَةِ الشَّيْءِ لِأَوْصَافِ أَنْوَاعِهِ وَلَيْسَتْ صِلَةَ الْمُتَعَلِّقِ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْخِطَابِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ لَا تِلْكَ الْأَوْجُهَ وَلِأَنَّ مَعْنَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِشَيْءٍ بَيَانُ حَالِهِ مِنْ كَوْنِهِ مَطْلُوبًا أَوْ غَيْرَهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْخِطَابُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَلْ الْخِطَابُ مُتَّصِفٌ بِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الِاقْتِضَاءِ) بَيَانٌ لِأَوْجُهِ وَالْمُرَادُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ أَوْ الْكَفِّ فَيَشْمَلُ الِاقْتِضَاءَ الْجَازِمَ الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَغَيْرَ الْجَازِمِ لِيَشْمَلَ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ وَقَوْلُهُ وَالْآتِيَةِ صِفَةٌ لِمَدْخُولَاتِ مِنْ أَوْ لِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
(قَوْلُهُ: لِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ) عِلَّةٌ لِشُمُولِ التَّعْرِيفِ الْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثِ بِجَعْلِ الْحَيْثِيَّةِ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَيَيْهَا مَعًا وَهُمَا التَّقْيِيدُ وَالتَّعْلِيلُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ التَّعَلُّقُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ وَهُوَ مَعْنَى التَّقْيِيدِ أَوْ بِسَبَبِ وُجُودِ الْإِلْزَامِ وَلِأَجْلِ تَحَقُّقِهِ وَهُوَ مَعْنَى التَّعْلِيلِ فَتَنَاوَلَتْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةُ الْأَوَّلَ وَهُوَ الِاقْتِضَاءُ الْجَازِمُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّقْيِيدِ وَتَنَاوَلَتْ الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الِاقْتِضَاءُ غَيْرُ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْخِطَابِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِفِعْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالْمُرَادُ بِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا تُجَامِعُهَا وَلَا تُخْرِجُهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ دُخُولَهَا فِيمَا قَبْلَهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْقَصْدِ بِهَا إدْخَالُ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْقَطْعِ بِدُخُولِهَا فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْهَا فَعُلِمَ انْدِفَاعُ قَوْلِ التَّفْتَازَانِيِّ لَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِبَارَ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ الْإِبَاحَةِ بَلْ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَصْرِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى التَّقْيِيدِ وَانْدِفَاعِ مَا أَوْرَدَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مِنْ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ التَّعْرِيفِ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْإِلْزَامُ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِأَجْلِ الْإِلْزَامِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِلْزَامَ نَفْسَهُ.
وَأَيْضًا الْمَعْهُودُ أَنَّ الْحَيْثِيَّاتِ تُعْتَبَرُ لِلْإِخْرَاجِ وَالِاحْتِرَازِ لَا لِلْإِدْخَالِ كَمَا قَالَهُ اهـ.؛ لِأَنَّ مَبْنَى إيرَادِهِ الْأَوَّلِ عَلَى قَصْرِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى التَّعْلِيلِ وَمَبْنَى إيرَادِهِ الثَّانِي عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْإِدْخَالُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إخْرَاجُ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ تَكُونُ لِلْإِدْخَالِ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ اهـ.
مُلَخَّصًا مِنْ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي كِلَا مَعْنَيَيْهِ مَعًا مَجَازٌ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فَحَمْلُ التَّعْرِيفِ عَلَى مِثْلِهِ بَعِيدٌ سِيَّمَا مَعَ خَفَاءِ الْقَرِينَةِ، ثُمَّ إنَّ صَرْفَ الْحَيْثِيَّةِ التَّقْيِيدِيَّةِ إلَى بَعْضِ أَقْسَامِ التَّعَلُّقِ وَالتَّعْلِيلِيَّةِ إلَى بَعْضٍ آخَرَ يُوجِبُ بُعْدًا آخَرَ فِي الْكَلَامِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ الَّذِي لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ وَحِينَئِذٍ فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ الْحَيْثِيَّةُ التَّقْيِيدِيَّةُ وَمُرَادُ الشَّارِحِ عُمُومُ التَّكْلِيفِ لِلتَّكْلِيفِ أَصَالَةً وَتَبَعًا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَصَالَةً كَنَفْسِ الْإِلْزَامِ أَوْ تَبَعًا كَتَوَابِعِ الْإِلْزَامِ وَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَيْثِيَّةَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَقَرَّرَ تَقْتَضِي شُمُولَ التَّعْرِيفِ لِخِطَابِ الْوَضْعِ إذْ يَصْدُقُ عَلَى الْخِطَابِ الْوَارِدِ بِكَوْنِ الزِّنَا سَبَبًا لِلْحَدِّ مَثَلًا أَنَّهُ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ الزِّنَا لِأَجْلِ أَنَّهُ مُلْزَمٌ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ إذْ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ
(1/70)

لِلْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا كَالْأَوَّلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدَا أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِمَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَخَرَجَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَذَوَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْجَمَادَاتِ كَمَدْلُولَيْ {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} [البقرة: 255] {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف: 47] وَبِمَا بَعْدَهُ مَدْلُولُ وَمَا تَعْمَلُونَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
يُوجَدْ أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّ غَرَضَهُ إخْرَاجُ خِطَابِ الْوَضْعِ كَمَا سَيُفْصِحُ عَنْهُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ الَّذِي أَثْبَتَ بِهِ الشَّارِحُ تَبَعِيَّةَ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرَ لِلتَّكْلِيفِ حَاصِلُهُ الدَّوَرَانُ وَمَحَلُّ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ لَا مُضَاعِفَ لَهُ وَقَدْ أَضْعَفْته بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ الْوَضْعِ بِثُبُوتِ خِطَابِ الْوَضْعِ فِي حَقِّ مَنْ انْتَفَى عَنْهُ التَّكْلِيفُ كَمَا فِي غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ إذْ لَمْ يَثْبُتَا فِي حَقِّ مَنْ انْتَفَى عَنْهُ التَّكْلِيفُ أَصْلًا. .

(قَوْلُهُ: لِلْأَخِيرَيْنِ) أَيْ لِلِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ كَالْأَوَّلِ الظَّاهِرِ أَيْ الِاقْتِضَاءِ الْجَازِمِ، فَإِنَّ تَنَاوُلَ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لَهُ ظَاهِرٌ، وَلِلْأَخِيرَيْنِ خَفِيٌّ؛ لِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ الْجَازِمَ هُوَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَذَلِكَ مَعْنَى التَّكْلِيفِ.
وَأَمَّا الِاقْتِضَاءُ غَيْرُ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرُ فَلَا إلْزَامَ فِيهِمَا، فَفِي تَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لَهُمَا خَفَاءٌ وَبَيَّنَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدْ أَيْ وَلَوْلَا ثُبُوتُ تَعَلُّقِ إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ لَمْ يَثْبُتْ تَعَلُّقُهُمَا حَتَّى إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُ إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ قَبْلَ ثُبُوتِ تَعَلُّقِ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُمَا مُنْتَفِيَانِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَائِهِ أَيْ وَبَعْدَ الْبَعْثَةِ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُهُمَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ تَعَلُّقُ إيجَابِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِمَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الِانْتِفَاءِ قَبْلَهَا لَا يَقْتَضِي كَوْنَ خُصُوصِ بَعْضِهَا عِلَّةً فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ انْتِفَاءً وَوُجُودًا.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الِانْتِفَاءِ قَبْلَهَا وَالثُّبُوتِ بَعْدَهَا يَتَضَمَّنُ الدَّوَرَانَ وَهُوَ مِنْ مَسَالِكِ الْغَايَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ فَيَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ بَعْضِهَا لِلْبَعْضِ الْآخَرِ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا تَعْيِينُ خُصُوصِ التَّكْلِيفِ لِلْعِلِّيَّةِ دُونَ الْعَكْسِ فَلِمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ أَصَالَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَكَوْنِهِ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مِنْ الْبَعْثَةِ (قَوْلُهُ:، ثُمَّ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ بِخُرُوجِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقِيَاسِ إذْ لَا خِطَابَ. وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ كُلًّا مِمَّا ذُكِرَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ لَهُ أَيْ إنَّهُ كَاشِفٌ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُعَرِّفٌ لَهُ وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا أَدِلَّةً لِأَحْكَامٍ. أَفَادَهُ سم. وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَا إشْعَارَ فِي الْكَلَامِ بِوُرُودِ اعْتِرَاضٍ أَصْلًا وَإِنَّمَا الْوَجِيهُ أَنَّهُ لَمَّا فَسَّرَ الْخِطَابَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِذَاتِهِ أَعْنِي الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ أَشَارَ إلَى مَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ دَلِيلِهِ تَكْمِيلًا لِلْبَيَانِ وَتَوْضِيحًا لِلْمَقَامِ فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ النَّجَّارِيُّ مِنْ أَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا إطْلَاعٌ لَنَا عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ إثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا لَا خُرُوجًا وَلَا دُخُولًا؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى فَمَا الطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الطَّرِيقَ إلَيْهِ الْأَلْفَاظُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالسُّنِّيَّةُ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) لَمْ يَخْرُجْ بِقَوْلِهِ الْمُتَعَلِّقُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلْخِطَابِ إذْ خِطَابُهُ تَعَالَى لَا يَخْلُو عَنْ تَعَلُّقٍ بِشَيْءٍ.
(قَوْلُهُ: بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ) أَيْ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} [البقرة: 255] مِثَالٌ لِلْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ وَوُجُوبِهَا وقَوْله تَعَالَى {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] مِثَالٌ لِلْمُتَعَلِّقِ بِصِفَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَذَوَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْجَمَادَاتِ) بَقِيَ عَلَيْهِ ذَوَاتُ الْبَشَرِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ وَبَقِيَّةُ الْحَيَوَانَاتِ وَأَفْعَالُهُمَا وَصِفَاتُهُمَا وَصِفَاتُ الْمُكَلَّفِينَ الَّتِي لَيْسَتْ أَفْعَالًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي بَيَانِ الْإِخْرَاجِ بِالْعِنْوَانِ التَّنْصِيصُ عَلَى كُلِّ مَا خَرَجَ بَلْ يَكْفِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْبَعْضِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) قَالَ النَّاصِرُ
(1/71)

وَلَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ فِي مَالِهِمَا مِنْهُ كَالزَّكَاةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ.
وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ فَهُوَ أَيْ الْخِطَابُ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِهِمْ وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ الْمَوْلَى التَّفْتَازَانِيَّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ فِي مَبْحَثِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ صَرَّحَ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَعَمَلَكُمْ وَعَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ وَمَعْمُولَكُمْ بِشُمُولِ مَعْمُولَكُمْ عَلَى الثَّانِي لِلْأَفْعَالِ قَالَ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ أَوْ لِلْعَبْدِ لَمْ نُرِدْ بِالْفِعْلِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ وَالْإِيقَاعُ بَلْ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَادِ وَالْإِيقَاعِ أَعْنِي مَا يُشَاهَدُ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مَثَلًا وَلِلذُّهُولِ عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ يَعْنِي شُمُولَ الْمَعْمُولِ لِلْأَفْعَالِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ مَا مَصْدَرِيَّةً اهـ.
أَيْ فَكَذَا الْفِعْلُ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِهِ هُنَا حَيْثُ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْخِطَابِ الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِدُهُ الْمُكَلَّفُ بِهِ الْخَارِجُ لَا إيقَاعُ هَذَا الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهَذَا نَفْيُ الْخِطَابِ التَّكْلِيفِيِّ عَنْ فِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ الْوَضْعِيَّ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ نَفْيًا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» إلَخْ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ عَنْ فِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ إذْ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِهِمَا عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ هُوَ لَا بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَذَا وَيَكُونُ نَفْيًا بِمَعْنَى النَّهْيِ، ثُمَّ كَانَ الْأَنْسَبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَخَرَجَ بِالْمُكَلَّفِ فِعْلُ غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ أَوْ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِإِيهَامِ عِبَارَتِهِ نَفْيَ خِطَابِ الْوَضْعِ أَيْضًا فَيُخَالِفُ مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ وَقَدْ يُقَالُ يُوقِعُ هَذَا الْإِيهَامَ كَوْنُ الْكَلَامِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِفِعْلِ كُلٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا جَعْلُ الشِّهَابِ عَمِيرَةَ الْمَنْفِيَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كُلًّا مِنْ الْخِطَابَيْنِ فَمُنَافٍ لِكَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي كَمَا اعْتَرَفَ هُوَ وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ دَلِيلًا وَغَيْرَهُ وَأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ كَذَا لَيْسَ فِعْلًا قَطْعًا فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ كَذَا وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا إلَّا أَنَّ الشَّيْءَ الْمُضَافَ إلَيْهِ الْكَوْنُ قَدْ يَكُونُ فِعْلًا وَالْخِطَابُ الْمُبَيِّنُ لِكَوْنِ الْفِعْلِ كَذَا خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ قَطْعًا إذْ لَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِهِ إلَّا طَلَبَهُ أَوْ الْإِذْنَ فِيهِ أَوْ بَيَانَ حَالِهِ كَبَيَانِ كَوْنِهِ سَبَبًا وَكَأَنَّ الشَّيْخَ تَوَهَّمَ أَنَّ جَعْلَ الْكَوْنِ الْمُضَافِ إلَى الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَ الْخِطَابِ ابْتِدَاءً مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقًا لَهُ وَلَوْ صَحَّ مَا تَوَهَّمَهُ لَزِمَ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ ابْتِدَاءً بِالْكَوْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْبِيرُ الشَّارِحِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا أَفَادَهُ سم.
(قَوْلُهُ: وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلَخْ) هَذَا دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيهَا ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يُتَوَهَّمُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ وَلِيِّهِمَا وَبَقِيَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى نَفْيِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِمَا ذُكِرَ مَا أَوْرَدَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} [النور: 58] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُرْشِدُوا الْقَاصِرِينَ لِلِاسْتِئْذَانِ بِدَلِيلِ تَصْدِيرِ الْآيَةِ بِخِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ أَنَّ خِطَابَ الْأَمْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإِرْشَادِ الْقَاصِرِينَ لِذَلِكَ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْإِرْشَادِ إلَى شَيْءٍ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ مُبَيِّنٌ لِحَالِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَنْفِيُّ هُوَ التَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ وَالتَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْإِرْشَادِ وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ فِي نَحْوِ خَبَرِ «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ» فَالتَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْأَوْلِيَاءِ.
(قَوْلُهُ: بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ) إنْ كَانَ وَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ فِي مَالِهِمَا أَوْ مِنْ الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ فَقَوْلُهُ فِي مَالِهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرَارٍ مَحْذُوفٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْ مَا الْوَاقِعِ عَلَى الْمُؤَدَّى
(1/72)

وَضَمَانِ الْمُتْلَفِ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا لِتَنَزُّلِ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ وَصِحَّةُ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا لَيْسَ هُوَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا كَالْبَالِغِ بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِفِعْلِ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
أَيْ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ عَلَى الْوَلِيِّ كَائِنًا فِي مَالِهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَضَمَانِ الْمُتْلَفِ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَدَاءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ فَالضَّمَانُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِضَمَانِ بَدَلِ الْمُتْلَفِ أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا وَجَبَ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ عَلَى الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ وَالضَّمَانُ عَلَى هَذَيْنِ بِمَعْنَى الْمَضْمُونِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُخَاطَبُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ حُذِفَ وَأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ أَيْ يُخَاطَبُ خِطَابًا كَخِطَابِ صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ حَيْثُ فَرَّطَ ظَرْفٌ لِيُخَاطَب أَوْ لِأَتْلَفَتْهُ.
(قَوْلُهُ: كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ) هَذَا عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ الصَّوْمِ وَفَرَّقَ بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَشُقُّ أَمْرُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنْ قُلْت قَوْلُنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ مَنْدُوبَةٌ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ النَّدْبَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى مَنْدُوبَةٍ مَطْلُوبَةٌ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَلَا أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْ الْوَلِيِّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِطَابَ الْوَلِيِّ بِأَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى نَدْبِهَا أَنَّ لَهَا حُكْمَ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ إثَابَةُ فَاعِلِهِ وَعَدَمُ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ الْإِشْكَالِ.
(قَوْلُهُ: الْمُثَابِ عَلَيْهَا) بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلصَّبِيِّ فَنَائِبُ فَاعِلِ الْمُثَابِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى أَلْ الْوَاقِعَةِ عَلَى الصَّبِيِّ فَالصِّلَةُ جَارِيَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ أَوْ نَعْتٌ لِعِبَادَةِ فَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى الصَّبِيِّ فَالنَّعْتُ سَبَبِيٌّ وَالصِّلَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ وَلَمْ يَبْرُزْ لَا مِنْ اللَّبْسِ أَوْ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ فَالنَّعْتُ حَقِيقِيٌّ بِمَعْنَى الَّتِي يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَيْهَا قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا لِتَقْوَى الشُّبْهَةُ فِي تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِهَا إذْ الصِّحَّةُ وَحْدَهَا تَتَحَقَّقُ بِاسْتِجْمَاعِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْفِعْلِ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ الطَّلَبُ بِهِ كَالْمُبَاحِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ هُوَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ صِحَّةِ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا كَمَا فِي الْبَالِغِ أَيْ حَتَّى يُقَالَ أَمْرُهُ بِهَا نَصٌّ فِي تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَاعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ أَمْرَ الْبَالِغِ بِهَا عِلَّةٌ لِلصِّحَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَذَا قَوْلُهُ بَلْ لِيَعْتَادَهَا قَضِيَّتُهُ أَنَّ الِاعْتِيَادَ عِلَّةٌ لِلصِّحَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
وَأَجَابَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الِاعْتِيَادَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ بَاعِثَةٌ لِحَمَلَةِ الشَّرْعِ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا فَأَحْكَامُ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهَةٌ عَنْ الْعِلَلِ الْبَاعِثَةِ.
وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعَبُّدُ بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ شَرْعًا وَلِهَذَا لَوْ أَعَادَ الظُّهْرَ مَثَلًا مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ خَلَلٍ فِي فِعْلِهَا أَوَّلًا كَانَتْ بَاطِلَةً فَيَصِحُّ تَعْلِيلُ صِحَّتِهَا بِالْأَمْرِ بِهَا وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَأْمُورٌ بِهَا رَاجِعٌ لِلْعِبَادَةِ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ صِحَّةَ عِبَادَةِ الْبَالِغِ مَأْمُورٌ بِهَا فَتَكُونُ الصِّحَّةُ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ رَاجِعًا لِلصِّحَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُكَلَّفِ لِلْعُمُومِ فِي أَشْخَاصِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَأَنَّ امْتِنَاعَ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَتَالِيَيْهِ فِي الظَّاهِرِ نَفْيٌ لِلتَّكْلِيفِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ.
(وَفِي التَّحْقِيقِ) أَيْ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لِذَلِكَ وَتَحْرِيرِهِ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى نَفْيِ التَّكْلِيفِ عَنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ دُونَ سَائِرِهَا وَالتَّخْصِيصُ بِالنَّظَرِ لِلْأَوَّلِ رَاجِعٌ لِعُمُومِ الْأَشْخَاصِ الْمَلْزُومِ وَإِلَى الثَّانِي رَاجِعٌ لِعُمُومِ الْأَحْوَالِ اللَّازِمِ أَفَادَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ قَالَ سم وَحَاصِلُهُ حَمْلُ أَلْ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ أَوْ الْأَحْوَالِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا يُوجِبُ اخْتِلَالَ التَّعْرِيفِ إذْ لَا يَصْدُقُ حِينَئِذٍ إلَّا عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ كُلِّ مُكَلَّفٍ سِوَى مَا وَقَعَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْوَاحِدِ كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنِّسْبَةِ لِخَصَائِصِهِ فَالْوَجْهُ حَمْلُ الـ فِي الْمُكَلَّفِ عَلَى الْجِنْسِ
(1/73)

كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَالْمُكْرَهِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ.
وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ الْآتِي فَلَيْسَ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَيَكُونُ مَقْصُودُ الشَّارِحِ بَيَانَ الْوَاقِعِ وَدَفْعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْرِيفِ قَصْدًا إلَى زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَإِلَّا فَلَا ضَرُورَةَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنَّ كُلَّ خِطَابٍ تَعَلَّقَ بِجِنْسِ الْمُكَلَّفِ فَهُوَ حُكْمٌ وَأَمَّا أَنَّ الْخِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ كُلِّ مُكَلَّفٍ أَوْ لَا فَأَمْرٌ آخَرُ اهـ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَخْ أَنَّ مَا أَفَادَهُ هَذَا النَّفْيُ مِنْ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ الْبَالِغِينَ الْعَاقِلِينَ يَرْجِعُ عِنْدَ تَحْقِيقِهِ وَتَحْرِيرِهِ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِهِمْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ فَيَكُونُ الْخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ فِي الْوَاقِعِ مُتَعَلِّقًا بِأَفْعَالِ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ فَالتَّخْصِيصُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْوَالِ قَالَ النَّاصِرُ مَا حَاصِلُهُ إنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَخْ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَرَدَّهُ ابْنُ قَاسِمٍ بِأَنَّ اسْتِلْزَامَ الْعُمُومِ فِي الْأَشْخَاصِ لِلْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّخْصِيصِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا اللَّازِمِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِلْزَامِ هَاهُنَا أَنَّهُ إذَا عَمَّ الْحُكْمُ فِي الْوَاقِعِ الْأَشْخَاصَ لَزِمَ أَنْ يَعُمَّ أَيْضًا فِي الْوَاقِعِ الْأَحْوَالَ وَذَلِكَ يُنَافِي التَّخْصِيصَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا مَعْنَى لَهُ لَا أَنَّ الصِّفَةَ إذَا أَفَادَتْ الْعُمُومَ فِي الْأَشْخَاصِ كَانَتْ مُفِيدَةً لَهُ فِي أَحْوَالِهَا أَيْضًا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّخْصِيصَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ وَحْدَهَا كَمَا لَا يَخْفَى فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا هُوَ الْحَقُّ هَذَا وَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ أَلْ هَاهُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُمُومِ وَرَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا وَرَدَ عَنْ الشِّهَابِ تَأَمَّلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ وَيَحْمِلُ كَلَامُ الشَّارِحِ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ إيرَادِ تَقْرِيرِهِ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُكَلَّفِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالشُّمُولِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ وَإِذْ لَا يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ بِفِعْلِ مُكَلَّفٍ فَيُفِيدُ عَكْسَ التَّعْرِيفِ فَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ فَلَا يَفْسُدُ عَكْسُ التَّعْرِيفِ وَالثَّانِي عَلَى التَّحْقِيقِ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ فَسَادَ عَكْسِ التَّعْرِيفِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ يَرْجِعُ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ عَلَى مِنْوَالِ مَا سَبَقَ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي) قَالَ الشِّهَابُ فِيهِ قُصُورٌ عَنْ تَنَاوُلِ خِطَابِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيبًا أَوْ اكْتِفَاءً أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ حَيْثُ أُطْلِقَ التَّكْلِيفُ فِي كَلَامِهِمْ يُرِيدُونَ بِهِ قَسِيمَ الْوَضْعِ بِأَنْوَاعِهِ مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ كَوْنُ الْغَفْلَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مَعَهَا مَوَانِعَ مِنْ تَعَلُّقِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ عُلِمَ كَوْنُهَا مَوَانِعَ أَيْضًا مِنْ بَقِيَّتِهَا لِظُهُورِ أَنَّ مَانِعِيَّتَهَا لَيْسَ إلَّا لِعَدَمِ التَّأَهُّلِ مَعَهَا لِلْخِطَابِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ) أَيْ حَيْثُ أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَمْلِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى مَعْنَيَيْهَا التَّقْيِيدِ
(1/74)

وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ زَادَ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ مَا يُدْخِلُهُ فَقَالَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ أَوْ الْوَضْعِ.
لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الْوَضْعِ مَا مُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ سَبَبًا لِزَوَالِ الظُّهْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَالتَّعْلِيلِ يَدْخُلُ خِطَابُ الْوَضْعِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي أَدْخَلَ بِهِ الشَّارِحُ الِاقْتِضَاءَ الْغَيْرَ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدْ الْوَضْعُ أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الطَّرِيقُ الْمَذْكُورُ حَاصِلُهُ الدَّوَرَانُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَحَلُّ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَقَدْ عَارَضَهُ هُنَا ثُبُوتُ خِطَابِ الْوَضْعِ مَعَ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ فِي الْجُمْلَةِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ وَالِاقْتِضَاءِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ إذَا لَمْ يَثْبُتَا بِدُونِ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ أَحَدٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ زَادَ أَوْ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْخِطَابُ نَوْعَانِ تَكْلِيفِيٌّ وَوَضْعِيٌّ فَإِذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ ذِكْرُ الْآخَرِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْهُ يَمْنَعُ كَوْنَ الْخِطَابِ الْوَضْعِيِّ حُكْمًا فَكَيْفَ ذَكَرَهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بَلْ كَيْفَ يَصِحُّ وَقَدْ يُقَالُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةٍ أَوْ الْوَضْعِ لِدُخُولِهِ فِي الْحَدِّ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ الْأَعَمُّ مِنْ الصَّرِيحِ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ إذْ مَعْنَى سَبَبِيَّةِ الزَّوَالِ مَثَلًا إيجَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ فَانْدَفَعَ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الْوَضْعِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: زَادَ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ) قَالَ الشِّهَابُ فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ السَّابِقِ فِيهِ تَسَامُحٌ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تَلْزَمُ مَنْ جَعْلِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ أَعَمُّ مِنْ الصَّرِيحِيِّ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ إذْ جَعْلُ الزِّنَا سَبَبًا لِلْحَدِّ مَثَلًا يَرْجِعُ إلَى إيجَابِ الْحَدِّ عِنْدَ الزِّنَا وَجَعْلُ الطَّهَارَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ يَرْجِعُ إلَى تَجْوِيزِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ عِنْدَهَا وَتَحْرِيمِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَقِسْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعْرِيفِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَتِمُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَدْخُلُهُ مِنْ أَنَّ قَيْدَ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ يُخْرِجُهُ اهـ.
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَا نَقَلْنَا عِبَارَتَهُ قَالَ سم وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَدْفُوعٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ وَاحِدٌ فَالتَّعْرِيفَانِ حِينَئِذٍ مُتَسَاوِيَانِ فِي أَدَاءِ الْمُرَادِ وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ فَتَمَّ كَلَامُ الشَّارِحِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ لُزُومَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ بَلْ حَاصِلُ كَلَامِهِ حِكَايَةُ أَمْرٍ وَاقِعٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ مَا ذُكِرَ قَاصِدًا بِزِيَادَتِهِ الْإِدْخَالَ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا أَنَّ الْإِدْخَالَ مُتَوَقِّفٌ فِي الْوَاقِعِ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوَّلًا فَأَمْرٌ آخَرُ وَلَوْ سَلِمَ فَالْمُرَادُ مَا يُدْخِلُهُ إدْخَالًا ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ لَا يَلِيقُ بِالْحُدُودِ فَلَا يُنَافِي دُخُولَهُ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ قِيلَ بَعْضُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَيُشْكِلُ قَوْلُهُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ إلَخْ مِنْ لَازِمِهِ صِيَغُ الْعُمُومِ وَالْحُكْمُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ قُلْنَا الْحُكْمُ عَلَى الْعَامِّ قَدْ يَكُونُ عَلَى مَجْمُوعِ أَفْرَادِهِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ وَكَلَامُ الشَّارِحِ جَارٍ عَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ مَنْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وَالتَّقْدِيرُ وَفَرِيقٌ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ إلَخْ فَلَا يَلْزَمُ الْعُمُومُ. اهـ.
مُلَخَّصًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ لِلْعُمُومِ الِإِفْرَادِيِّ لَا لِلْعُمُومِ الْمَجْمُوعِيِّ وَقَدْ قَالُوا إنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَالْحُكْمُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِفْرَادِ دُونَ الْمَجْمُوعِ وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمَعْنَى جَمِيعُ مَنْ جَعَلُوهُ مِنْهُ زَادُوا إلَخْ وَهُوَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ مِثْلُ الْأَوَّلِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْتِزَامِهِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ إلَخْ) اعْتِرَاضٌ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لِلْخِطَابِ الشَّامِلِ لِخِطَابِ التَّكْلِيفِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ وَقَدْ أَوْرَدَ التَّفْتَازَانِيُّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ فِي التَّلْوِيحِ.
وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعَلُّقِ الْوَضْعِيِّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُجْعَل فِعْلُ الْمُكَلَّفِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا مَثَلًا لِشَيْءٍ أَوْ يُجْعَلَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا مَثَلًا لَهُ وَالشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَرْتَضِ هَذَا الْجَوَابَ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الضِّمْنِيَّ بِكَوْنِ الزَّوَالِ سَبَبًا لِلظُّهْرِ مَثَلًا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ أَوَّلًا بِالذَّاتِ بِالزَّوَالِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُبَيِّنُ وَهُوَ كَوْنُهُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَإِنْ تَكَلَّفْنَا بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبَيِّنُ فِي الْجُمْلَةِ
(1/75)

وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ ثَمَّ لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَهُوَ كَوْنُ الزَّوَالِ سَبَبًا لَهُ فَالْوُجُوبُ لَيْسَ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ وَإِنَّمَا فِعْلُهُ نَفْسُ الظُّهْرِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَعْوَى تَعَلُّقِهِ بِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَا يَشْمَلُ أَيْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادَرِ الْخَالِي عَنْ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِالْحُدُودِ وَإِلَّا بِطَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِدُونِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى ارْتِكَابِهِ الثَّانِي أَنَّا إذَا اعْتَمَدْنَا عَلَى هَذَا التَّكَلُّفِ نَقُولُ إنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ يَكُونُ الزَّوَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ كَمَا أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ الظُّهْرُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ التَّكَلُّفِ تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الزَّوَالِ عَلَى وَجْهٍ خَالٍ عَنْ التَّكَلُّفِ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ.
وَكُلٌّ مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ حُكْمٌ وَضْعِيٌّ مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ مَقْصُودٌ إنْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي هُوَ الْمَقْصُودُ وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ تَنَاوَلَ التَّعَلُّقَ الْأَوَّلَ لَا يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ قَطْعًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا مُتَعَلِّقُهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ أَيْ لَا يَشْمَلُ هَذَا الْوَضْعَ الْخَاصَّ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِخُصُوصِ مَا لَيْسَ بِفِعْلٍ تَعَلُّقًا خَالِيًا عَنْ التَّكَلُّفِ بِأَنْ يُلَاحَظَ تَعَلُّقُهُ بِهِ ابْتِدَاءً وَعَدَمُ شُمُولِهِ لِذَلِكَ لَا يَنْدَفِعُ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ بَيَانُ مُتَعَلِّقِ آخِرِ الْخِطَابِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِخُرُوجِ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ مُتَعَلِّقَيْهِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ تَعَلُّقِهِ بِهِ ظَاهِرًا لَا يَنْدَفِعُ بِبَيَانِ دُخُولِهِ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الْآخَرِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ تَعَلُّقِهِ بِهِ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَلَا يُدْفَعُ فِي اعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ التَّعَلُّقَيْنِ وَكَوْنُ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ بِخُصُوصِهِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ اتِّحَادُ الْخِطَابِ وَإِلَّا لَزِمَ امْتِنَاعُ تَعَدُّدِ الْحُكْمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَعَدَّدَ فِيهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقَاتِهِ لَا يُقَالُ شَرْطُ مُتَعَلِّقِ الْوَضْعِ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا فَغَيْرُهُ وَإِنْ وَقَعَ مُتَعَلِّقًا فِي الظَّاهِرِ لَا يَكُونُ الْخِطَابُ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ الْوَضْعِيَّاتِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا بَاطِلٌ لِتَصْرِيحِ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِهِ حَتَّى ابْنِ الْحَاجِبِ نَفْسِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الِاعْتِرَاضَ لَيْسَ هُوَ بِمَا لَيْسَ فِعْلًا فَقَطْ بَلْ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا مُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ شَامِلٌ لِمَا لَيْسَ فِعْلًا أَصْلًا كَالزَّوَالِ وَلِمَا هُوَ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَا يَشْمَلُهُ التَّعْرِيفُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لِقَيْدِهِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا يُقَالُ بَلْ يَشْمَلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْمُكَلَّفِ أَعْنِي الْإِنْسَانَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا اعْتِبَارَ لِمِثْلِ هَذَا فِي غَيْرِ التَّعْرِيفِ لِعَدَمِ انْفِهَامِهِ مِنْ اللَّفْظِ فَكَيْفَ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى مَا مُتَعَلِّقُهُ فِعْلُ الْبَهِيمَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِجِنْسِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقُ الْحَيَوَانِ إذْ لَا يُقْدِمُ عَلَى ذَلِكَ عَاقِلٌ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ سم.
وَأَقُولُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي جَوَابِ التَّفْتَازَانِيِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا تَكَلَّفَهُ فِي إيرَادَاتِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى هَذَا الْقَصْرِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنَّفُ) السِّينُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ أَيْ أَعْمَلَ بِمَعْنَى أَطْلَقَ (وَقَوْلُهُ كَغَيْرِهِ) تَقْوِيَةٌ وَسَنَدٌ لِلْمُصَنِّفِ.
وَأَمَّا هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَاسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ أَوْ حَالٌ مِنْ الْمُضَافِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِعْمَالِ طَلَبُ الْعَمَلِ كَالِاسْتِخْرَاجِ وَالِاسْتِغْفَارِ طَلَبُ الْخُرُوجِ وَالْمَغْفِرَةِ فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَعْنَى الطَّلَبِ يَبْقَى مَعْنًى لَا الْأَعْمَالِ كَمَا ذَكَرَهُ وَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ لِلْكَلَامِ كَبِيرُ مَعْنًى فَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ طَلَبٌ مَجَازِيٌّ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا فِي الْمَكَانِ مُفِيدًا لَهُ كَأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ الْعَمَلُ وَالْإِفَادَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّأْكِيدِ هَاهُنَا نَعَمْ السِّينُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي نَحْوِ حَدِيثِ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» الْحَدِيثَ قَالُوا إنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ وَبَيَّنُوا بِأَنَّ هَذَا الِافْتِرَاقَ وَاقِعٌ أَلْبَتَّةَ فَالتَّأْكِيدُ فِيهِ ظَاهِرٌ دُونَ مَا هُنَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ) عَدَّى اسْتَعْمَلَ بِاللَّامِ إمَّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اسْتَعَارَ أَوْ هِيَ بِمَعْنَى فِي، ثُمَّ إنَّ عَلَامَةَ هَذَا الْمَجَازِ الْمُشَابَهَةُ فَإِنَّ الْمَعْنَى مَحَلٌّ لِتَرَدُّدِ الْفِكْرِ وَجَوْلَاتِهِ كَالْمَكَانِ وَالْقَرِينَةَ اسْتِحَالَةَ كَوْنِ الْمَعْنَى مَكَانًا كَذَا قَرَّرَ سم وَمَنْ اعْتَبَرَ الْمُشَابَهَةَ فِي أَنَّ كُلًّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ خِطَابَ اللَّهِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُنَا لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ كَمَا إنَّ الْمَكَانَ الْحِسِّيَّ يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابَ الْمَحَزَّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَرَتُّبُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ عَلَى التَّعْرِيفِ السَّابِقِ فَهُوَ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَجَوُّزٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ هُنَا فِي الْقَرِيبِ بِعَلَاقَةِ الضِّدْيَةِ وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ هَذَا
(1/76)

كَثِيرًا وَيُبَيِّنُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ كَمَا سَيَأْتِي.

فَقَوْلُهُ هُنَا (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَقُولُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمَجَازِ قَوْلُهُ مِنْ هُنَا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْمُشَارِ بِهِ لِلْبَعِيدِ لِحَمْلِهِ عَلَى التَّجَوُّزِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَعْنَى غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَكَأَنَّهُ بَعِيدٌ أَوْ بِاعْتِبَارِ انْقِضَاءِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ لَفْظَةِ مِنْ هُنَا وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَيُبَيَّنُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ) قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ثَمَّ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى أَزْيَدَ مِنْ مَشَارِبِهَا إلَيْهِ لُوحِظَ فِيهِ كَوْنُهُ مَكَانًا وَأَمَّا بَيَانُ ذَاتِهِ فَبِقَرِينَةٍ خَارِجِيَّةٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا. .

(قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ هُنَا وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ) الْقَوْلُ بِمَعْنَى الْمَقُولِ مُبْتَدَأٌ وَهُنَا مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى الْقَوْلِ بِمَعْنَى الْمَقُولِ وَقَوْلُهُ أَيْ مِنْ هُنَا جَعَلَهُ النَّاصِرُ خَبَرًا عَنْ الْقَوْلِ بِإِقَامَتِهِ أَيْ مَقَامَ قَوْلِنَا مَعْنَاهُ وَأَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ إذْ إرَادَةُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظَةِ " أَيْ " بَعِيدٌ جِدًّا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ يُقَالُ فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ أَيْ وَمِنْ هُنَا أَيْ هَذَا اللَّفْظُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَقُولُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَارَ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وَجُمْلَةُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ مَفْعُولُهُ وَلَك أَنْ تَجْعَلَ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ أَيْ قَضِيَّةُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ نَاشِئَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَامِلُ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ أَنَّ الْمُعَلَّلَ لَا يَكُونُ إلَّا فِعْلًا وَلَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْوَاقِعِ خِطَابَ اللَّهِ أَنْ نَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الِاعْتِقَادُ أَيْ مِنْ أَجْلِ اعْتِقَادِ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ نَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ وَجَعَلَ الشَّارِحُ مِنْ تَعْلِيلِيَّةً لَا ابْتِدَائِيَّةً مَعَ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْمَكَانِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِثَمَّ لِتَخَلُّفِ ضَابِطِ الِابْتِدَائِيَّةِ فِيهِ فَإِنَّ الرِّضَا يَقُولُ إنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِمِنْ الِابْتِدَائِيَّةِ شَيْئًا مُمْتَدًّا كَالسَّيْرِ وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بِهَا الشَّيْءَ الْمُبْتَدَأَ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِهَا أَصْلًا لِلشَّيْءِ الْمُمْتَدِّ نَحْوَ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ فَإِنَّ الْخُرُوجَ لَيْسَ شَيْئًا مُمْتَدًّا إذْ هُوَ الِانْفِصَالُ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ خُطْوَةٍ وَتُعْرَفُ بِأَنْ يَحْسُنَ فِي مُقَابَلَتِهَا إلَى أَوْ مَا يُفِيدُ فَائِدَتَهَا نَحْوُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَلْتَجِئُ إلَيْهِ فَالْبَاءُ هُنَا أَفَادَتْ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ اهـ.
ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ هُوَ الِاعْتِقَادُ لَا التَّلَفُّظُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَالِاعْتِقَادُ لَيْسَ أَمْرًا مُمْتَدًّا وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ أَصْلًا لِأَمْرٍ مُمْتَدٍّ إلَّا بِتَكَلُّفٍ كَمَا لَا يَظْهَرُ أَصْلُ مُقَابَلَةِ مِنْ هُنَا بِإِلَى أَوْ مَا يُفِيدُ فَائِدَتَهَا فَضْلًا عَنْ حُسْنِ مَوْقِعِهَا إلَّا بِتَكَلُّفٍ أَيْضًا بِخِلَافِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ إنَّ التَّعْلِيلَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِصِحَّةِ الِابْتِدَاءِ بَلْ هُوَ أَظْهَرُ لِلْمُنَاسِبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَالَ الْكَمَالُ وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِنَا بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ أَنَّا نَقُولُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَلَا حُكْمَ عِنْدَنَا لِلْعَقْلِ بِحُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا أَخَذْنَا الْخِطَابَ جِنْسًا يَتَنَاوَلُ الْمَخْلُوقَ وَغَيْرَهُ وَبِإِضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ خَرَجَ خِطَابُ مَنْ سِوَاهُ فَلَا حُكْمَ إلَّا خِطَابُهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ غَيْرُ وَافِيَةٍ بِإِيضَاحِ هَذَا الْمَحَلِّ اهـ.
وَمُرَادُهُ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَعُمُّ مِنْ تَعْرِيفِنَا الْحُكْمَ بِمَا ذُكِرَ أَنْ نَقُولَ إلَخْ فَنُوَجِّهُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْحَمْلِ عَلَى الْعِلْمِ أَيْ ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ وَعِلْمِ هَذَا الْقَوْلِ السَّابِقِ لِلْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لَا الْمُطْلَقِ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ مَخْصُوصًا هُوَ خِطَابُ اللَّهِ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أَنْ لَا حُكْمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا لِلَّهِ كَمَا أَفَادَتْهُ لَا الَّتِي هِيَ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِالْأَخَصِّ الِاخْتِصَاصُ بِالْأَعَمِّ حَتَّى يَتَفَرَّعَ عَلَى الْأَوَّلِ اعْتِقَادُ الثَّانِي.
وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ نَفْيَ جِنْسِ مُطْلَقِ الْحُكْمِ بَلْ نَفْيَ جِنْسِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ أَوْ يُقَالُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ فَإِذَا اخْتَصَّ بِهِ تَعَالَى هَذَا الْحُكْمُ الْمَخْصُوصُ لَزِمَ اخْتِصَاصُ الْمُطْلَقِ بِهِ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ النَّفْيُ بِلَا الَّتِي هِيَ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هِيَ لِنَفْيِ جِنْسِ مَا فِيهِ الْكَلَامُ مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُقَالُ إنَّ السُّؤَالَ سَاقِطٌ مِنْ أَصْلِهِ بَعْدَ أَنْ عَرَفْت تَأْوِيلَ الْكَمَالِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ) الْمُنَاسِبُ لِعُمُومِ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ
(1/77)

(لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ) فَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
تَعْرِيفُ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ أَصْلٌ لِهَذَا الْقَوْلِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ كَيْفَ وَصِحَّةُ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْقَصْرِ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ حُكْمٌ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَصِحَّ التَّعْرِيفُ بِكَوْنِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُحَشِّي فَهِمَ أَنَّ إنْكَارَ الْكَمَالِ مِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ بِأَنَّ التَّصَوُّرَ الْمُسْتَفَادَ بِالتَّعْرِيفِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِلْحُكْمِ فَقَالَ لَيْسَ الْعِلَّةُ التَّعْرِيفَ الَّذِي هُوَ التَّصَوُّرُ بَلْ التَّصْدِيقُ الضِّمْنِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ التَّعْرِيفِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَنَا لَا حُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا فَإِنَّ مَنْ جَوَّزَ الْحُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَقُولُ بِأَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ خِطَابَ اللَّهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِاَللَّهِ فَمَعْرِفَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَصْلًا لِلِاخْتِصَاصِ بَلْ الِاخْتِصَاصُ أَصْلٌ لَهُ، ثُمَّ اعْتَرَضَ الْمُحَشِّي كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ التَّعْرِيفُ السَّابِقُ أَنَّ الْحُكْمَ التَّكْلِيفِيَّ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ لَا مُطْلَقُ الْحُكْمِ الشَّامِلِ لِلتَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ
(1/78)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لَا حُكْمَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ يَتَضَمَّنُ حُكْمَيْنِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ وَالنَّفْيُ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَكِنَّهُ أَرَادَ التَّنْصِيصَ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ إذْ هُوَ مُنْحَصِرٌ فِي الْوَاقِعِ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ فَقَطْ وَمَعْنَى حُكْمِ الْعَقْلِ عِنْدَهُمْ أَيْ إدْرَاكُهُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى
(1/79)

فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ وَقَوْلُهُ أَيْ لَا يُؤْخَذُ إلَّا مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِمَّا سَيَأْتِي عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْ بَعْضِهِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَلِمَا شَارَكَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِهِمَا عَنْهُ مَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وِفَاقًا بَدَأَ بِهِ تَحْرِيرًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ فَقَالَ (الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ) لِلشَّيْءِ (بِمَعْنَى: مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ) كَحُسْنِ الْحُلْوِ وَقُبْحِ الْمُرِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
إلَخْ وَلَيْسَ الْعَقْلُ مُسْتَبِدًّا بِالْحُكْمِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا لِلْعَقْلِ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بَلْ جَعَلُوهُ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِهِ يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ سَمْعٍ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فَمَا كَانَ حَسَنًا عَقْلًا جَوَّزَهُ الشَّرْعُ وَمَا كَانَ قَبِيحًا عَقْلًا مَنَعَهُ الشَّرْعُ فَالشَّرْعُ عِنْدَهُمْ تَابِعٌ لِلْعَقْلِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ إنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحِهَا وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقَبِيحَ مَا قَبَّحَهُ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا سَيَأْتِي عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ) أَيْ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَاجِلًا وَالثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ آجِلًا عَلَى الْفِعْلِ وَمِنْ وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ إلَخْ مَا سَيَأْتِي وَقَوْلُهُ الْمُعَبَّرِ نَعْتٌ لِمَا وَضَمِيرُ بَعْضِهِ يَعُودُ لِمَا وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْبَعْضِ تَرَتُّبُ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ وَالثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ عَلَى الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ أَيْ الْعَقْلِيَّيْنِ وَهَلْ مَحَلُّ النِّزَاعِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فَقَطْ أَوْ يَعُمُّ التَّكْلِيفِيَّ وَالْوَضْعِيَّ؟ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْعَضُدِ وَالشِّهَابِ الْعُمُومُ.
(قَوْلُهُ: وَلِمَا شَارَكَهُ إلَخْ) الضَّمِيرُ فِي شَارَكَهُ وَفِي عَنْهُ يَرْجِعَانِ لِبَعْضٍ وَيَصِحُّ رُجُوعُ ضَمِيرِ عَنْهُ لِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وَهُوَ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لَفْظًا لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ رُتْبَةً؛ لِأَنَّهُ فَاعِلُ شَارَكَ وَضَمِيرُ بِهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا الْفَائِدَةُ فِي تَقْسِيمِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ إلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْمَعْنَى الثَّالِثِ وَاعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ قَوْلَ الشَّارِحِ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ حَذْفَهُ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِمَا عَنْهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَتَكَلَّفَ سم فِي الْجَوَابِ بِمَا أَثَرُ الْكُلْفَةِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وِفَاقًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ يَحْكُمُ وَقَوْلُهُ بَدَأَ بِهِ أَيْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وِفَاقًا.
(قَوْلُهُ: لِلشَّيْءِ) لَمْ يَقُلْ وَالْحُسْنُ لِلشَّيْءِ وَالْقُبْحُ لَهُ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ اخْتِصَارًا
(1/80)

(وَ) بِمَعْنَى (صِفَةِ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ) كَحُسْنِ الْعِلْمِ وَقُبْحِ الْجَهْلِ (عَقْلِيٌّ) أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
لِوُضُوحِ الْمَقَامِ وَإِيمَاءً إلَى أَنَّهُ قَدْ يُوصَفُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِاعْتِبَارَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي الصِّدْقِ الضَّارِّ وَالْكَذِبِ النَّافِعِ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مُلَائِمَةِ الطَّبْعِ) فَمَا وَافَقَ الطَّبْعَ فَحَسَنٌ وَمَا نَافَرَهُ فَقَبِيحٌ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا وَلَا حَسَنًا وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِهَذَا الْمَعْنَى بِالْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ فَيُقَالُ الْحَسَنُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَالْقَبِيحُ مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَمَا خَلَا عَنْهُمَا لَا يَكُونُ شَيْئًا مِنْهُمَا وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ مُلَابَسَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ لِصِدْقِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِمَا بَعْدَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا وَتَمَامِيَّةُ هَذَا الْوَجْهِ تَنْبَنِي عَلَى جَعْلِ الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الشَّامِلِ لَهَا مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا وَهُوَ الظَّاهِرُ فَالْأَحْسَنُ أَنَّهُ مِنْ مُلَابَسَةِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى بِمَعْنَى مُصَاحَبَتِهِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَالْمُرَادُ لَفْظُ الْحُسْنِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ أَنَّهُ بِصَدَدِ بَيَانِ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَلِمَا شَارَكَهُ فِي التَّعْبِيرِ إلَخْ وَكَأَنَّهُ قَالَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ يُطْلَقُ بِالْإِطْلَاقَاتِ الثَّلَاثَةِ كَذَا وَكَذَا إلَخْ لَكِنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ لِصِحَّةِ الْحَمْلِ أَيْ مَعْنَاهُمَا عَقْلِيٌّ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ بِمَعْنَى عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ حَالٌ إمَّا مِنْ الْحُسْنِ أَوْ الْقُبْحِ عَلَى تَجْوِيزِ سِيبَوَيْهِ مَجِيءَ الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَأِ أَوْ مِنْ مَرْفُوعٍ عَقْلِيٍّ، وَإِضَافَةُ مَعْنَى لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ وَإِضَافَةُ مُلَائِمَةٍ لِلطَّبْعِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ.
وَكَذَا الْمُنَافَرَةُ وَزَادَ لَفْظُ الْمَعْنَى حَتَّى فَاتَهُ الِاخْتِصَارُ الْمَقْصُودُ لَهُ وَلَزِمَ ارْتِكَابُ خِلَافِ مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ بَيَانِيَّةِ الْإِضَافَةِ وَلَمْ يَقُلْ وَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِمُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَدْخُولَ الْبَاءِ هُوَ الْمُرَادُ بِالْقُبْحِ وَالْحُسْنِ وَلَوْلَا زِيَادَتُهُ لَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ وَعَلَيْك بِالِاعْتِبَارِ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ جَرَيَانِ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَاعْتَبِرْ (قَوْلُهُ: وَبِمَعْنَى صِفَةِ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَقَعَتْ فِي مَتْنِ الْمَوَاقِفِ أَيْضًا فَقَالَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ يُقَالُ لِمَعَانٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: صِفَةُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ فَقَالَ السَّيِّدُ أَيْ كَوْنُ الصِّفَةِ صِفَةَ كَمَالٍ وَكَوْنُ الصِّفَةِ صِفَةَ نُقْصَانٍ يُقَالُ الْعِلْمُ حَسَنٌ أَيْ لِمَنْ اتَّصَفَ بِهِ كَمَالٌ وَارْتِفَاعُ شَأْنٍ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ أَيْ لِمَنْ اتَّصَفَ بِهِ نُقْصَانٌ وَاتِّضَاعُ حَالٍ اهـ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي التَّوْضِيحِ الْمَعْنَى الثَّانِي كَوْنُهُ صِفَةَ كَمَالٍ وَكَوْنُهُ صِفَةَ نُقْصَانٍ. اهـ.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ الْمُسَمَّاةِ بِالتَّلْوِيحِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى الْعِلْمُ حَسَنٌ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ اهـ.
فَالْمُرَادُ مِنْهُ صِفَةُ كَمَالٍ لِلشَّخْصِ وَصِفَةُ نُقْصَانٍ لَهُ وَهِيَ الْمَلَكَاتُ الْفَاضِلَةُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالنَّقْصُ نَقَائِضُهَا إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت اتِّجَاهَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الشِّهَابُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَبِمَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ صِفَةَ كَمَالٍ أَوْ نَقْصٍ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ نَفْسَهَا هِيَ الشَّيْءُ الْمُتَّصِفُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَمَا تَكَلَّفَ بِهِ سم فِي رَدِّ اعْتِرَاضِهِمَا بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً فَتَكُونُ الصِّفَةُ هِيَ عَيْنُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ الْحُسْنَ كَمَالٌ لِشَيْءٍ مَا كَيْفَ وَكَمَالُ الْجَهْلِ أَقْبَحُ مِنْ نَقْصِهِ وَكَذَلِكَ كَمَالُ كُلٍّ شَرٍّ نَقْصٌ.
وَأَمَّا مَا تَمَسَّكَ بِهِ مِنْ كَلَامِ السَّيِّدِ وَكَلَامِ الْمَوَاقِفِ فَلَا يُفِيدُهُ بَلْ عِبَارَةُ حَاشِيَةِ الْعَضُدِ مُجْمَلَةٌ عَلَى عِبَارَتِهِ الْمُفَصِّلَةِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ كَيْفُ وَقَرِينَةُ هَذَا الْحَمْلِ صَرْفُهُ عِبَارَةَ مَتْنِ الْمَوَاقِفِ الْمُوَافَقَةِ لِمَا فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ عَنْ ظَاهِرِهَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا) أَيْ يَصْدُقُ بِهِ وَيُدْرِكُهُ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى وُرُودِ شَرْعٍ، ثُمَّ إنَّ الْمُدْرَكَ إمَّا كُلِّيٌّ وَإِمَّا جُزْئِيٌّ وَالثَّانِي إمَّا صُوَرُ الْمَحْسُوسَاتِ وَإِمَّا
(1/81)

(وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ) وَ (الذَّمِّ عَاجِلًا) وَالثَّوَابِ (وَالْعِقَابِ آجِلًا) كَحُسْنِ الطَّاعَةِ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ (شَرْعِيٌّ) أَيْ لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ أَيْ لَا يُؤْخَذُ إلَّا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُدْرَكُ إلَّا بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَعَانٍ مُنْتَزَعَةٌ مِنْهَا وَمُدْرِكُ الْكُلِّيَّاتِ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ وَهِيَ الْقُوَّةُ الْعَاقِلَةُ وَمَا عَدَاهَا فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُرْتَسِمَةٌ فِي آلَاتِهَا وَمُدْرِكُ الْمَعَانِي الْجُزْئِيَّةِ الْقُوَّةُ الْوَاهِمَةُ وَمُدْرِكُ صُوَرِ الْمَحْسُوسَاتِ هُوَ الْحِسُّ الْمُشْتَرَكُ وَمَا قِيلَ هُنَا إنَّ إسْنَادَ الْإِدْرَاكِ لِلْعَقْلِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ بَابِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى آلَتِهِ فَإِنَّ الْمُدْرِكَ حَقِيقَةً هُوَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ فَمَعْنَى عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَقْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ هُوَ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ الَّذِينَ الْكَلَامُ بِاصْطِلَاحِهِمْ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى (قَوْلُهُ: وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ إلَخْ) إنْ أُرِيدَ بِتَرْتِيبِ ذَلِكَ حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ قُدِّرَ فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ أَيْ اسْتِحْقَاقُ تَرَتُّبِ إلَخْ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ اسْتِحْقَاقُ التَّرَتُّبِ لَا نَفْسُهُ لِجَوَازِ تَخَلُّفِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّرْتِيبِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لَا حُصُولَهُ بِالْفِعْلِ فَلَا تَقْدِيرَ وَعَاجِلًا وَآجِلًا ظَرْفَانِ لِلْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ أَوْ لِلتَّرْتِيبِ إنْ كَانَ بِمَعْنَى لِحُصُولٍ بِالْفِعْلِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ الْمُقَدَّرِ وَلَا لِلتَّرْتِيبِ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ بِالنَّظَرِ إلَى الظَّرْفِ الثَّانِي لِتَحَقُّقِهِمَا فِي الْحَالِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: كَحُسْنِ الطَّاعَةِ) يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ لِتَرَتُّبِ الْمَدْحِ عَاجِلًا وَالثَّوَابِ آجِلًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ يَخْتَصُّ بِالْحَرَامِ فَالْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ حِينَئِذٍ وَاسِطَةٌ.
(قَوْلُهُ: شَرْعِيٌّ) أَيْ مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّرْعِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ خِطَابُ اللَّهِ وَرَدَ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ بِكَوْنِ شَيْءٍ سَبَبًا لِلْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ إلَخْ حَتَّى يَعْتَرِضَ أَنَّ هَذَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ الْآنَ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا حُكْمَ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ) يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ قَضِيَّةَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ فِي جُزْأَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ الْمُفَادِ بِطَرِيقِ الْحَصْرِ حَتَّى يَكُونَ مَا أَثْبَتَهُ الْمُخَالِفُ لِلْعَقْلِ هُوَ مَا أَثْبَتْنَاهُ لِلشَّرْعِ مَعَ أَنَّ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْمُخَالِفُ إنَّمَا هُوَ إدْرَاكُ الْعَقْلِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاَلَّذِي أُثْبِتَ لِلشَّرْعِ فِي الْجُمْلَةِ الْحَصْرِيَّةِ كَوْنُهُ حَاكِمًا فَلَمْ يَتَّحِدْ مَوْرِدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى الْخَصْمِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ فِي كِلَا جُزْأَيْ الْحَصْرِ هُوَ الْإِدْرَاكُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلَا يُدْرَكُ إلَّا بِهِ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يُحْكَمُ بِهِ إلَّا بِالشَّرْعِ أَيْ لَا يَكُونُ وَاسِطَةً فِي إدْرَاكِهِ أَيْ إنَّهُ طَرِيقٌ إلَى إدْرَاكِهِ لَا كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّ طَرِيقَ إدْرَاكِهِ الْعَقْلُ فَظَهَرَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ لَا يَحْكُمُ إلَخْ تَجَوُّزٌ فِي الظَّرْفِ عِلَاقَتُهُ اللُّزُومُ أَوْ السَّبَبِيَّةُ وَجُعِلَ التَّجَوُّزِ عَقْلِيًّا مِنْ قَبِيلِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى مَكَانِهِ الْمَجَازِيِّ لِاشْتِمَالِ الشَّرْعِ عَلَى الْحُكْمِ اشْتِمَالَ الْكُلِّ عَلَى بَعْضِهِ أَوْ حَذْفِيًّا أَيْ ذُو الشَّرْعِ لَا يُلَائِمُهُ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ الْمَذْكُورُ وَإِنَّمَا أَتَى بِالْحَصْرِ هُنَا دُونَ الْعَقْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الشَّرْعُ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ أَيْضًا وَلَا مَدْخَلَ عِنْدَنَا لِلْعَقْلِ فِي الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّارِعُ مَعَ أَنَّهُ دَافِعٌ لِلتَّجَوُّزِ فِي الْمُسْنَدِ وَهُوَ " يَحْكُمُ " وَالْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَهُوَ الشَّارِعُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إلَّا الشَّرْعُ فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّجَوُّزِ فِيهِمَا مُحَافَظَةً عَلَى ذِكْرِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَنْسُوبِ.
(قَوْلُهُ: الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ فَالشَّرْعُ أَعَمُّ مِنْ الْمَبْعُوثِ بِهِ الرُّسُلُ لِمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ
(1/82)

(خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَقْلِيٌّ أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ لِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الْكَذِبِ الضَّارِّ أَوْ بِالنَّظَرِ كَحُسْنِ الْكَذِبِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الصِّدْقِ الضَّارِّ وَقِيلَ الْعَكْسُ وَيَجِيءُ الشَّرْعُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاحْتِرَازُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَاكِمٌ بِذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ لِرَسُولٍ أَوْ نَبِيٍّ لَيْسَ بِرَسُولٍ فَالْوَجْهُ تَرْكُ هَذَا الْقَيْدِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ نَظَرًا لِكَثْرَةِ حَمْلِهِ شَرْعَ الرُّسُلِ الْآخِذِينَ لِلْأَحْكَامِ مِنْهُمْ وَبِأَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ الْمَارِّ أَعْنِي اسْتِوَاءَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ وَهُوَ مَعْنَى الرَّسُولِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ حُذِفَ عَامِلُهُ أَيْ نُخَالِفُ خِلَافًا أَوْ هُوَ حَالٌ بِتَأْوِيلِهِ بِ " مُخَالِفًا " وَقَوْلُهُ فِي قَوْلِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ الْعَامِلِ فِي " خِلَافًا " وَالْأَصْلُ تَخَالَفَ خِلَافًا بِقَوْلِنَا إنَّهُ شَرْعِيٌّ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَقْلِيٌّ وَضَمِيرُ إنَّهُ يَرْجِعُ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِتَأْوِيلِهِ بِمَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ) أَيْ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالرَّوَافِضِ كَمَا فِي الْمَنْخُولِ لِلْغَزَالِيِّ قَالَ فِيهِ رَدًّا لَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَدَلِ أَنْتُمْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ حُسْنَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحَهَا مُسْتَدْرَكُ الْعُقُولِ وَأَوَّلُهَا وَنَحْنُ نُنَازِعُكُمْ فِي ذَلِكَ وَمَوَاضِعُ الضَّرُورَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَإِنْ نَسَبُونَا إلَى عِنَادٍ عَكَسْنَا عَلَيْهِمْ دَعْوَاهُمْ، ثُمَّ الْعِنَادُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ وَنَحْنُ الْجَمْعُ الْغَفِيرُ وَالْجَمْعُ الْكَثِيرُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنَّا التَّوَاطُؤُ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَمَرِّ الدُّهُورِ مِنْ غَيْرِ فَرْضِ رُجُوعِ أَحَدٍ مِنَّا إلَى الْإِنْصَافِ وَلَنَا فِي تَحْقِيقِ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ اعْتِدَاءٌ يُجَانِسُ الْفِعْلَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْغَافِلَ عَنْ الْمُسْتَنِدِ فِيهِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بَيْنَهُمَا وَالْمُخْتَلِفَانِ فِي صِفَةِ الذَّاتِ يَسْتَحِيلُ اشْتِبَاهُهُمَا وَتَجَانُسُهُمَا وَكَذَا يُقَالُ فِي النِّكَاحِ وَالزِّنَا.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ مَصْلَحَةٍ) قَالَ الشِّهَابُ قَدْ يُشَكَّكُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ الْعَقْلُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَى الْفِعْلِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ فَهُوَ حُكْمٌ بِذَلِكَ لِوَسَطٍ إذْ هُوَ مَا يُقْرَنُ بِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُ حِينَ يُقَالُ؛ لِأَنَّهُ كَذَا وَكُلُّ حُكْمٍ كَذَلِكَ فَهُوَ نَظَرِيٌّ فَتَقْسِيمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إلَى ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ مِنْ تَقْسِيمِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِوَسَطٍ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يُنَافِيهَا إذَا كَانَ بِتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَالِانْتِقَالِ مِنْهَا إلَى الْمَطْلُوبِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ زَوْجٌ ضَرُورِيٌّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ سُلِّطَ مُقَارِنٌ لَهَا فِي الْإِدْرَاكِ وَهُوَ أَنَّهَا تَنْقَسِمُ بِمُتَسَاوِيَيْنِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ قَدْ تَحْتَاجُ لِوَسَطٍ بِدُونِ حَرَكَةٍ فَكِّرْ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّشْكِيكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ أَيْ الْحُسْنَ مَثَلًا لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمَعْنَى يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ الَّذِي فِي الْفِعْلِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ فَلَا تَشْكِيكَ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ) .
قَالَ الشِّهَابُ: الْأَوَّلُ يُشِيرُ إلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالثَّانِي يُشِيرُ لِلتَّحْرِيمِ اهـ قَالَ سم أَمَّا إسْقَاطُهُ الْإِبَاحَةَ فَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَشْمَلُهَا إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ.
وَأَمَّا تَرْكُهُ الْكَرَاهَةَ فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ يَتَرَتَّبُ الْمَدْحُ عَلَى تَرْكِهَا فَيَشْمَلُهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إذْ لَمْ يَرِدْ اشْتِرَاطُ تَرَتُّبِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِلَّا أَشْكَلَ عَلَى الشِّهَابِ فِي عَدِّ النَّدْبِ إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ عِقَابٌ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ السَّيِّدِ فِي حَوَاشِي الْعَضُدِ مَا يُفِيدُ إدْخَالَ الْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ أَيْضًا عِنْدَهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْفَتْحِ كَوْنَ الْفِعْلِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الذَّمَّ عِنْدَ الْعَقْلِ وَبِالْحُسْنِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا قَيَّدُوهُ بِكَوْنِ الْفِعْلِ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ، ثُمَّ الْقُبْحُ هُوَ مَعْنَى الْحُرْمَةِ وَالْحُسْنُ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ وَتَارِكُهُ الذَّمَّ عِنْدَ الْعَقْلِ فَهُوَ الْوُجُوبُ، وَإِلَّا فَإِنْ اسْتَحَقَّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ فَقَطْ فَهُوَ النَّدْبُ، أَوْ اسْتَحَقَّ تَارِكُهُ الْمَدْحَ فَقَطْ فَهُوَ الْكَرَاهَةُ، أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ وَلَا تَرْكِهِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ فَهُوَ الْإِبَاحَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي أَنَّهُ عَقْلِيٌّ وَفِي يَحْكُمُ بِهِ وَهُوَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِمَعْنَى التَّرَتُّبِ السَّابِقِ وَفِي قَوْلِهِ أَيْ يُدْرِكُ إلَخْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَعْنَى حُكْمِ الْعَقْلِ إدْرَاكُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ كَالْإِسْنَوِيِّ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْحَاكِمَ حَقِيقَةً هُوَ الشَّرْعُ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعَقْلَ هَلْ هُوَ كَافٍ فِي مَعْرِفَتِهِ أَوْ لَا
(1/83)

فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ كَحُسْنِ الصَّوْمِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَقُبْحِ صَوْمِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالَ وَقَوْلُهُ وَكَغَيْرِهِ عَقْلِيٌّ وَشَرْعِيٌّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا وَتَرْكُهُ كَغَيْرِهِ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ لِلْعِلْمِ بِهِمَا مِنْ ذِكْرِ مُقَابِلِهِمَا الْأَنْسَبِ كَمَا قَالَ بِأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الْعِقَابَ عِنْدَهُمْ لَا يَتَخَلَّفُ وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، وَالثَّوَابُ يَقْبَلُهَا وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَيْضًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: كَحُسْنِ الصِّدْقِ) تَمْثِيلُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْمُشَارِ إلَيْهِمَا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ أَوْ تَمْثِيلٌ لِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ إدْرَاكِ حُسْنِ إلَخْ وَالنَّظَرُ فِي حُسْنِ الْكَذِبِ النَّافِعِ إلَى نَفْعِهِ وَفِي قُبْحِ الصِّدْقِ الضَّارِّ إلَى ضَرَرِهِ (وَقَوْلِهِ وَقِيلَ الْعَكْسُ) يَعْنِي قُبْحَ الْكَذِبِ النَّافِعِ وَحُسْنَ الصِّدْقِ الضَّارِّ نُظِرَ فِي الْأَوَّلِ إلَى كَوْنِهِ كَذِبًا وَفِي الثَّانِي إلَى كَوْنِهِ صِدْقًا (وَقَوْلُهُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ) أَيْ لِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ إلَخْ) أَيْ يُدْرِكُ ذَلِكَ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ فِي إدْرَاكِهِمَا لِتَوَقُّفِ إدْرَاكِهِ إيَّاهُمَا عَلَى وُرُودِهِ فَإِنَّهُ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْفِعْلَ جِهَةُ حُسْنٍ أَوْ جِهَةُ قُبْحٍ قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ وَقَدْ لَا يُدْرِكُ الْعَقْلُ لَا بِالضَّرُورَةِ وَلَا بِالنَّظَرِ وَلَكِنْ إذَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ عُلِمَ أَنَّ ثَمَّةَ جِهَةً مُحَسِّنَةً كَمَا فِي صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ أَوْ جِهَةً مُقَبِّحَةً كَصَوْمِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالَ حَيْثُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ فَإِدْرَاكُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَوْقُوفٌ عَلَى كَشْفِ الشَّرْعِ عَنْهُمَا بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَمَّا كَشْفُهُ عَنْهُمَا فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ بِهِمَا بِأَمْرِهِ إمَّا بِضَرُورَتِهِ أَوْ بِنَظَرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ) أَيْ مِنْ حُسْنِ الْفِعْلِ أَوْ قُبْحِهِ لِخَفَاءِ مَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ (وَقَوْلُهُ كَغَيْرِهِ إلَخْ) إشَارَةٌ لِسُؤَالَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَفْظِيٌّ وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ الْخَبَرِ الْمُطَابَقَةُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هُنَا لِإِفْرَادِ الْخَبَرِ وَتَثْنِيَةِ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ تَرَكَ ذِكْرَ الْمُقَابِلِ فِي جَانِبِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ فَمَا وَجْهُهُ وَفِي قَوْلِهِ: الْأَنْسَبِ إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ سُؤَالٍ مُرَتَّبٍ عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ مَا وَجْهُ تَعَيُّنِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ دُونَ مُقَابِلِهِمَا؟
(قَوْلُهُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ) وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِأَحَدِهِمَا وَحُذِفَ خَبَرُ الْآخَرِ لِدَلَالَةِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ الْمُبْتَدَأِ مُفْرَدًا لَفْظًا وَمَعْنًى وَقَوْلُهُ أَوْ كِلَاهُمَا أَيْ عَلَى تَقْدِيرِهِ مُفْرَدًا لَفْظًا فَقَطْ (قَوْلُهُ: الْأَنْسَبِ كَمَا قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ بَيَانٌ لِحِكْمَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا الْمُقَابِلِ دُونَ عَكْسِهِ لَا قَيْدٌ لِلْمُقَابِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عُلِمَ مِنْ ذِكْرِهِ الْمُقَابِلَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْعِقَابَ عِنْدَهُمْ لَا يَتَخَلَّفُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بِمُجَرَّدِهِ إنَّمَا يُثْبِتُ نِسْبِيَّةَ مُقَابِلِ الثَّوَابِ فَلَا بُدَّ فِي تَتْمِيمِ الدَّلِيلِ مِنْ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَاسَبَ إيثَارَ الثَّوَابِ بِالذِّكْرِ نَاسَبَ إيثَارَ مَا يُنَاسِبُهُ وَهُوَ مُقَابِلُ الْمَدْحِ الَّذِي هُوَ الذَّمُّ لِلْمُنَاسِبَةِ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَخَلَّفْ) أَيْ فَهِيَ أَخَصُّ بِهِمْ وَأَلْصَقُ وَكَانَ الْأَنْسَبُ عِنْدَ إرَادَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إيثَارَهُ بِالذِّكْرِ لِمَزِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ مُعْتَقِدِهِمْ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ
(1/84)

(وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَا عَسَاهُ أَنْ يُقَالَ لَا دَخَلَ لِلْأَخَصِّيَّةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. .

(قَوْلُهُ: وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا إنَّمَا ذَكَرَهُمَا الْأَصْحَابُ بَعْدَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْ تَنَزَّلْنَا مَعَكُمْ وَسَلَّمْنَا جَدَلًا قَوْلَكُمْ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ لَكِنْ لَا يَصِحُّ قَوْلُكُمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْمُصَنِّفُ أَوْرَدَهُمَا لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لِذِكْرِهِمَا بَعْدَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَائِدَةٌ لِفَهْمِهَا مِنْهَا اهـ.
قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَمَّا أَوَّلًا فَبِأَنَّ التَّنَزُّلَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ قَوْلَ الْمَحْصُولِ وَاعْلَمْ أَنَّا مَتَى بَيَّنَّا فَسَادَ الْقَوْلِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ فَقَدْ صَحَّ مَذْهَبُنَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا مَحَالَةَ فَيُمْكِنُ أَنَّ الْأَصْحَابَ سَلَّمُوا أَيْ جَدَلًا بِالْقَوْلِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، ثُمَّ بَيَّنُوا أَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ لَا يَصِحُّ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ اهـ.
مَا نَصُّهُ اعْلَمْ وَفَّقَك اللَّهُ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامَ نَظَرًا وَبَيَانُهُ هُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَازِمًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ لُزُومًا قَطْعِيًّا لَا يُتَصَوَّرُ إقَامَةُ الدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْقَطْعِيِّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْدَ تَسْلِيمِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ أَصْلًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ اللُّزُومُ الْقَطْعِيُّ لِوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا حُكْمَ لَهَا قَبْلَ الشَّرْعِ بِالْعَقْلِ.
وَمَتَى كَانَ اللُّزُومُ الْقَطْعِيُّ وَاقِعًا إمَّا حَقِيقَةً أَوْ بِحُكْمِ التَّسْلِيمِ اسْتَحَالَ تَخَلُّفُ اللَّازِمِ عَنْهُ فَلَا يَقْبَلُ الْمُعَارَضَةَ وَمَتَى كَانَ اللَّازِمُ ظَنِّيًّا وَكَانَ وُقُوعُ الْمَلْزُومِ ظَنِّيًّا كَانَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ قَابِلًا لِلْمُعَارَضَةِ لَكِنْ مَتَى سَلِمَ لَهُمْ قَاعِدَةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَطْعًا عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَلَا يُمْكِنُنَا إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَالصَّوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لَهُمْ الْقَاعِدَةَ أَصْلًا انْتَهَى وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّنَزُّلَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَتَهُ وَبِاحْتِمَالِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَنَصُّهُ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا مُتَابَعَةٌ لِلْأَصْحَابِ وَاقْتِدَاءٌ بِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إلَى التَّنَزُّلِ حَيْثُ أَفْرَدَهُمَا بِالذِّكْرِ مَعَ فَهْمِهِمَا مِمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهُمَا أَوْ قَصَدَ الِاحْتِيَاطَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّنَزُّلُ فَذَكَرَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ التَّنَزُّلَ وَعَدَمَهُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ لُزُومِ التَّنَزُّلِ لَكَانَ ذِكْرُهُمَا إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْجَدَلِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ نَقْلِ الْخِلَافِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ إذْ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَخْصِيصِ ذِكْرِ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْجَدَلِ وَبَيَانِ عَدَمِ تَمَامِ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى خُصُوصِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمُعْتَرِضُ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَقْلِيدِ الْأَصْحَابِ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يُفِيدُ تَأَمَّلْ هَكَذَا اعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَا يَدْفَعُ اعْتِرَاضَهُ حَيْثُ قَالَ: مَسْأَلَةٌ تُرْسَمُ بِشُكْرِ الْمُنْعِمِ؛ شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَا يُدْرَكُ وُجُوبُهُ بِالْعَقْلِ عِنْدَنَا وَهَذَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْأَصْلِ الَّذِي سَبَقَ عَقْدُهُ اهـ.
فَتَرْجَمَ هَذَا الْأَصْلَ بِمَسْأَلَةٍ مُعْتَرِفًا بِانْدِرَاجِهِ تَحْتَ مَا سَبَقَ عَقْدُهُ وَهُوَ مَسْأَلَةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ وَكَفَى بِهِ سَلَفًا لِلْمُصَنِّفِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ ذَلِكَ يَعْنِي الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ وَاقِعًا فِي قِسْمِ الضَّرُورِيَّاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مُدْرَكٌ بِالنَّظَرِ عَقْلًا وَالْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ فِي بُطْلَانِ مَا صَارُوا إلَيْهِ أَنَّ الشُّكْرَ تَعَبٌ لِلشَّاكِرِ نَاجِزٌ وَلَا يُفِيدُ الْمَشْكُورَ شَيْئًا فَكَيْفَ يَقْضِي الْعَقْلُ بِوُجُوبِهِ فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ يُفِيدُ الشَّاكِرَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ فِي الْأَجَلِ وَالْعَقْلُ قَاضٍ بِاحْتِمَالِ التَّعَبِ الْعَاجِلِ لِارْتِقَابِ النَّفْعِ الْآجِلِ قُلْنَا كَيْفَ يُدْرَكُ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُ الْعَاقِلُ هَذَا وَالْمَشْكُورُ يَقُولُ لَا يَجِبُ عَلَيَّ نَفْعُك ابْتِدَاءً وَمَا يَنْفَعُنِي فَأُعَوِّضُك فَإِنْ قِيلَ يَدْرَأُ الشَّاكِرُ بِالشُّكْرِ الْعِقَابَ الْمُرْتَقَبَ عَلَى تَرْكِ الشُّكْرِ قُلْنَا كَيْفَ يُعْلَمُ ذَلِكَ وَالْكُفْرُ وَالشُّكْرُ سِيَّانِ فِي حَقِّ الْمَشْكُورِ اهـ.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَةِ فِي بَيَانِ التَّنَزُّلِ أَنْ يُقَالَ تَنَزَّلْنَا مَعَكُمْ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ يَلْزَمُكُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الشُّكْرُ عَقْلِيًّا فَإِنَّ الْعَقْلَ إذَا خُلِّيَ وَنَفْسَهُ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ الْحُسْنَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُشْتَمِلَ عَلَيْهَا الشُّكْرُ إمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِعَةً لِلْمَشْكُورِ أَوْ إلَى الشَّاكِرِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلُ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ
(1/85)

أَيْ وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِإِنْعَامِهِ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالصِّحَّةِ وَغَيْرِهَا بِالْقَلْبِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِشُكْرِ شَاكِرٍ أَوْ عِبَادَةِ عَابِدٍ كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ الْغِنَى الْمُدَلْمَقُ إذْ لَوْ انْتَفَعَ بِذَلِكَ لَزِمَ افْتِقَارُهُ إلَى خَلْقِهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ.
وَأَمَّا فَلِأَنَّ النِّعْمَةَ الْوَاصِلَةَ إلَى الشَّاكِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُسْدِيهَا وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَا تُسَاوِي عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ فَلَا يَسْتَوْجِبُ شُكْرًا فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ الشُّكْرُ وَاجِبًا فَيَكُونَ الشُّكْرُ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ الشِّقِّ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ النِّعْمَةَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) قَالَ الْكَمَالُ كَلَامُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الشُّكْرُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَوْضُوعَهَا الشُّكْرُ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ وَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ كَصَرْفِ النَّظَرِ إلَى مَصْنُوعَاتِهِ وَالسَّمْعِ إلَى تَلَقِّي أَوَامِرِهِ وَإِنْذَارِهِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ. قَالَ سم بَعْدَ تَسْلِيمِ الشَّارِحِ إنَّ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ يَكُونُ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ الشَّارِحَ فَرَضَ الْخِلَافَ فِي بَعْضِ صُوَرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّ الشُّكْرَ بِالْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الشُّكْرِ الْعُرْفِيِّ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى الشُّكْرِ الْعُرْفِيِّ بِجَعْلِ أَوْ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَإِدْخَالِ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ صَرْفِ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ لِلطَّاعَةِ فِي قَوْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ أَوْ الثَّنَاءُ بِغَيْرِهِ فَيَمْنَعُهُ الشَّارِحُ اُعْتُبِرَ فِي مَعْنَى الشُّكْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنْ يَكُونَ الثَّنَاءُ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَالْعُرْفِيُّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ اهـ.
ثُمَّ إنَّ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ الثَّنَاءُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ عُمُومٌ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ فَإِنَّ إطْلَاقَ الثَّنَاءِ عَلَى عَمَلِ اللِّسَانِ حَقِيقَةٌ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ مَجَازٌ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ الذِّكْرُ بِخَيْرٍ فَيَخْتَصُّ بِاللِّسَانِ فَإِنْ مَشَيْنَا عَلَى أَنَّهُ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ كَانَ بِاللِّسَانِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا تَجَوُّزَ وَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ لُزُومُ وُقُوعِ الْمَجَازِ فِي التَّعْرِيفِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا وَهِيَ تَقْسِيمُهُ إلَى الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ وَقَوْلُ سم إنَّ الشَّارِحَ فَرَضَ الْخِلَافَ إلَخْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ الشَّارِحَ صَوَّرَ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ بِغَيْرِ وَجْهِهِ.
(قَوْلُهُ: لِإِنْعَامِهِ) تَعْلِيلٌ لِلثَّنَاءِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لِاعْتِبَارِهِ فِي مَفْهُومِ الشُّكْرَ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ الشُّكْرِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشِّهَابِ إنَّ الشَّارِحَ أَخَذَهُ مِنْ تَرْتِيبِ الشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ إذْ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: بِالْخَلْقِ) قَالَ الشِّهَابُ حَقِيقَةُ الْخَلْقِ الْإِيجَادُ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِنْعَامِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُنْعَمًا بِهِ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلْقِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَكَذَا الرِّزْقُ إنْ ضُبِطَ بِالْفَتْحِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَصْدَرِ فِي الْحَاصِلِ بِهِ أَمْرٌ شَائِعٌ. اهـ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّ بِالْخَلْقِ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّنَاءِ وَقَوْلُهُ الرِّزْقِ بِكَسْرِ الرَّاءِ لِإِعْطَائِهِ الرِّزْقَ وَكَذَا الصِّحَّةُ أَيْ يُثْنَى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: بِالْقَلْبِ) مُتَعَلِّقٌ بِالثَّنَاءِ وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَعْتَقِدَ تَفْسِيرٌ لِلثَّنَاءِ بِالْقَلْبِ وَتَعَلُّقُ الْإِيجَابِ الَّذِي شَرَطَهُ كَوْنُ مُتَعَلِّقِهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا بِالِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ كَيْفٌ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعَلُّقُهُ بِأَسْبَابِهِ الْمَقْدُورَةِ كَالنَّظَرِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ إلَخْ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِقَلْبِهِ عَلَى الْمُنْعِمِ بِغَيْرِ
(1/86)

وَلِيُّهَا أَوْ اللِّسَانِ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ يَخْضَعَ لَهُ تَعَالَى (وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ لَا الْعَقْلِ) فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.

(وَلَا حُكْمَ) مَوْجُودٌ (قَبْلَ الشَّرْعِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَا يُفْهِمُ صُدُورَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا وَكَذَا قَوْلُهُ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِقَلْبِهِ عَلَى الْمُنْعِمِ بِغَيْرِ مَا يُفْهِمُ صُدُورَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا أَوْ كَذَا قَوْلُهُ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِلِسَانِهِ بِغَيْرِ التَّحَدُّثِ الْمَذْكُورِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا أَوْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الثَّنَاءِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صُدُورِ تِلْكَ النِّعْمَةِ مِنْ الْمُنْعِمِ وَلَا تَحَدَّثَ بِهَا وَأَنَّ الثَّنَاءَ بِالْقَلْبِ يَصْدُقُ بِنَحْوِ اعْتِقَادِ الْكَمَالِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَالثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ يَصْدُقُ بِنَحْوِ وَصْفِهِ بِالْكَمَالِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ بَلْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ بِأَنَّ فِي الْمَوْضُوعِينَ عَلَى التَّمْثِيلِ عَلَى مَا هُوَ عَادَتُهُ تَبَعًا لِشَيْخَيْ مَذْهَبِهِ وَيَكُونُ مُخَالَفَةُ الْأُسْلُوبِ فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ وَاعْلَمْ أَنَّ تَمْثِيلَهُ الثَّنَاءَ بِالْقَلْبِ وَالثَّنَاءَ بِاللِّسَانِ وَالثَّنَاءَ بِغَيْرِهِمَا بِمَا ذَكَرَهُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ فَمَنْ تَبْلُغُهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ وَصَلَتْ لَهُ نِعْمَةٌ وَلَمْ يُلَاحِظْ أَنَّ اللَّهَ مُولِيهَا وَلَمْ يَتَحَدَّثْ بِهَا وَلَا وُجِدَ مِنْهُ نَحْوُ خُضُوعٍ أَثِمَ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْفُرُوعِ خِلَافُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْحَمْدِ عَلَى النِّعْمَةِ وَاجِبًا أَنَّهُ يَقَعُ وَاجِبًا لَا أَنَّهُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَلِيُّهَا) أَيْ مُولِيهَا وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ اللِّسَانِ مِنْ الْجَوَارِحِ وَقَوْلُهُ كَأَنْ يَخْضَعَ إلَخْ تَمْثِيلٌ لِلثَّنَاءِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ لَا لِلْغَيْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كُلُّ ثَنَاءٍ بِفِعْلٍ خُضُوعٌ لِلَّهِ تَعَالَى إذْ لَا يَكُونُ الْفِعْلُ ثَنَاءً إلَّا إنْ كَانَ خِدْمَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ خِدْمَةٍ خُضُوعٌ فَالْإِتْيَانُ بِالْبَاءِ أَوْلَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْخُضُوعِ خُصُوصُ سُكُونِ الْأَعْضَاءِ مَهَابَةً مِنْهُ تَعَالَى كَمَا يُفْعَلُ بَيْنَ أَيْدِي الْمُلُوكِ أَوْ تُجْعَلُ الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةً.
(قَوْلُهُ: وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ) هَذَا الْكَلَامُ وَقَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ إلَخْ يَقْضِي بِإِثْمِ مَنْ تَرَكَ الشُّكْرَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْفُرُوعِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ غَفَلَ مُطْلَقًا عَنْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَى النِّعَمِ وَلَمْ يَتَحَدَّثْ بِهَا وَلَا لَاحَظَ الْخُضُوعَ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ مَا ذَكَرَهُ بِأَنْ يُرَادَ الِاعْتِقَادُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ النِّعَمَ أَنَّ مُولِيَهَا هُوَ اللَّهُ وَالتَّحَدُّثُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إنْ سُئِلَ عَنْ مَوْلَى النِّعَمِ لَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ اللَّهُ وَالْخُضُوعُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ عِزَّةَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ رَأَى نَفْسَهُ خَاضِعَةً لِذَلِكَ.
وَفِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ لِلْقَرَافِيِّ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ إطَاعَتُهُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ أَوْ الِاعْتِقَادِ أَوْ التَّرْكِ لِلْمُحَرَّمِ أَوْ الْمَكْرُوهِ وَأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ الطَّاعَاتُ الْوَاجِبَةُ وَمَا هُوَ مَنْدُوبٌ وَهُوَ الطَّاعَاتُ الْمَنْدُوبَةُ، ثُمَّ قَالَ فَظَهَرَ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ الْوَاجِبُ جُزْءُ هَذَا الْمَجْمُوعِ لَا كُلُّهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشُّكْرَ مَجْمُوعُ الطَّاعَاتِ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلُهُ فَظَهَرَ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ غَيْرُ وَاجِبٍ إلَخْ كَلَامٌ غَيْرُ لَائِقٍ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] نَعَمْ الْمَقْصُودُ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِجَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَكِنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الشُّكْرِ، ثُمَّ حَمْلُ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ غَيْرُ لَائِقٍ، ثُمَّ إنْ صَدَقَ مَعْنَى الشُّكْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إتْيَانِ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ إلَخْ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ وَلَوْ دَعْوَتُهُ إلَى الْإِيمَانِ دُونَ وُجُوبِ الشُّكْرِ فَهُوَ آثِمٌ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ شُكْرٌ وَعَبَّرَ هَاهُنَا بِالدَّعْوَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي تَحْقِيقِ الْحُكْمِ مُجَرَّدُ الْبَعْثَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَةِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ إلَى الشَّرْعِ الْمُرْسَلِ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ التَّنْجِيزِيَّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِتَبْلِيغِهِ وَفِيمَا بَعْدُ بِالْبَعْثَةِ رِعَايَةً لِمَا فِي الْآيَةِ الْمُسْتَدَلِّ بِهَا أَعْنِي قَوْلَهُ {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] . .

(قَوْلُهُ: وَلَا حُكْمَ) أَيْ لَا حُكْمَ مُتَعَلِّقٌ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ قَدِيمٌ لَا يَنْتَفِي وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ السَّابِقُ تَجَوُّزًا قَالَهُ زَكَرِيَّا وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى خِلَافِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ
(1/87)

أَيْ الْبَعْثَةِ لِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ إلَخْ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُصُولِ أَيْ الْعَقَائِدِ وَالْفُرُوعِ فَلَا يَجِبُ تَوْحِيدُهُ وَلَا غَيْرُهُ قَبْلَ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: مَوْجُودٌ) قَالَ الشِّهَابُ التَّصْرِيحُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْخَبَرِ مَعَ كَوْنِهِ اسْتِقْرَارًا عَامًّا فِي الْمَزْجِ الَّذِي يُصَيِّرُ الْمَجْمُوعَ كَلَامًا وَاحِدًا غَيْرُ مُنَاسِبٍ اهـ.
وَرَدَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّ كَوْنَ الْمَزْجِ يُصَيِّرُ الْمَجْمُوعَ كَلَامًا وَاحِدًا حَقِيقَةً مَمْنُوعٌ قَطْعًا وَكَوْنُهُ يُصَيِّرُهُ كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ لَوْ سَلِمَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَبَرِ لَمَّا كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَادَّةُ الْوُجُودِ فَيُفِيدُ انْتِفَاءَ وُجُودِ نَفْسِ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ أَوْ مَادَّةُ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ يُحْتَمَلُ مَعَهُ حُصُولُ نَفْسِ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْمَعْلُومِ احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى بَيَانِهِ حَتَّى يُعْلَمَ الْمَقْصُودُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ قَوْلِهِمْ السُّكُونُ الْعَامُّ يَجِبُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وُجُوبَ حَذْفِهِ فِي كَلَامٍ لَا يُنَافِي ذِكْرَهُ فِي كَلَامٍ آخَرَ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى بَيَانِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّارِحُ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِالْحُكْمِ وَيُقَدَّرُ الْخَبَرُ بَعْدَ الظَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ لَكَانَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي لَفْظِ حُكْمَ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَا مَبْنِيٌّ مَعَهَا عَلَى الْفَتْحِ فَلَا تَنْوِينَ فِيهِ نَعَمْ جَوَّزَ الْبَغْدَادِيُّونَ نَصْبَ التَّشْبِيهِ بِالْمُضَافِ مَعَ إسْقَاطِ تَنْوِينِهِ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ نَحْوُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت اهـ.
أَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَبَرِ إلَخْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ حَذْفَ الْخَبَرِ قَرِينَةٌ عَلَى تَقْدِيرِهِ كَوْنًا عَامًّا وَلَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ التَّخْصِيصَ لَذَكَرَهُ إذْ لَا مَعْنَى لِحَذْفِهِ حِينَئِذٍ وَقَوْلُهُ وُجُوبَ حَذْفِهِ فِي كَلَامٍ إلَخْ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ الْحَذْفُ وَاجِبًا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِوُجُوبِهِ فَهَذَا تَخْصِيصٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْبَعْثَةِ لِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ) فَسَّرَ الشَّرْعَ بِالْبَعْثَةِ دُونَ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ وَظَاهِرُ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا قِيلَ جَمِيعُ الرُّسُلِ وَهُوَ مَا قَبْلَ آدَمَ عَلَى الْجَمِيعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ الْحَلِيمِيِّ فِي مِنْهَاجِهِ فِي بَابِ مَنْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَاقِلًا ذَا رَأْيٍ وَنَظَرٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ دِينًا فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ دَعْوَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا شَكَّ أَنَّهُ سَمِعَ دَعْوَةَ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَطَوُّلِ أَزْمَانِ دَعْوَتِهِمْ وَوُفُورِ عَدَدِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وَاتَّبَعُوهُمْ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ وَخَالَفُوهُمْ فَإِنَّ الْخَبَرَ قَدْ يَبْلُغُ عَلَى لِسَانٍ الْمُخَالِفِ كَمَا يَبْلُغُ عَلَى لِسَانِ الْمُوَافِقِ وَإِذَا سَمِعَ آيَةَ دَعْوَةٍ كَانَتْ إلَى اللَّهِ فَتَرَكَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِعَقْلِهِ عَلَى صِحَّتِهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ كَانَ بِذَلِكَ مُعْرِضًا عَنْ الدَّعْوَةِ فَكَفَرُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ بِدِينٍ وَلَا دَعْوَةِ نَبِيٍّ عُرِفَ أَنَّ فِي الْعَالَمِ مَنْ يُثْبِتُ إلَهًا وَمَا يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَإِنْ كَانَ فَأَمْرُهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ يَعْنِي فِي أَنَّ الْإِيمَانَ هَلْ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ النَّقْلِ اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي ثُبُوتِ تَكْلِيفِ كُلِّ أَحَدٍ الْإِيمَانَ بَعْدَ وُجُودِ دَعْوَةِ أَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِ، وَفِي تَعْذِيبِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَهَذَا مَا اعْتَمَدَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ إنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَيْسَ فِي هَذَا مُؤَاخَذَةٌ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ.
وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي اعْتِمَادِهِ حَتَّى قَالَ فَمَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَقَصَّرَ فِي الْبَحْثِ عَنْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ فَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي نَجَاةِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ اهـ.
لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَشَاعِرَةُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ وَالشَّافِعِيَّةُ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ لَا يُعَذَّبُونَ وَقَدْ صَحَّ تَعْذِيبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَحَادِيثَهُمْ آحَادٌ لَا تُعَارِضُ الْقَطْعَ بِعَدَمِ تَعْذِيبِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْذِيبُ مَنْ صَحَّ تَعْذِيبُهُ مِنْهُمْ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعَالَى وَرَسُولِهِ نَظِيرُ مَا قِيلَ فِي كُفْرِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبِأَنَّ تَعْذِيبَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْأَحَادِيثِ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ غَيَّرَ
(1/88)

لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ حِينَئِذٍ مِنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15] أَيْ وَلَا مُثِيبِينَ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الثَّوَابِ بِذِكْرِ مُقَابِلِهِ مِنْ الْعَذَابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَبَدَّلَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِمَا لَا يُعْذَرُ بِهِ كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَتَغْيِيرِ الشَّرَائِعِ لَكِنَّ هَذَا لَا يُوَافِقُ إطْلَاقَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَلَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا وُجُوبَ إلَّا بِالشَّرْعِ حَتَّى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّا لَا نَتَعَبَّدُ أَصْلًا وَفَرْعًا إلَى بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَنْ ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ بَقِيَ شَرْعُهُ إذْ ذَاكَ كَعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَبْقَ إشْكَالٌ أَصْلًا، ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ كُلُّ مَنْ كَانَ بَيْنَ رَسُولَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وَلَا أَدْرَكُوا الثَّانِيَ فَهُمْ أَهْلُ فَتْرَةٍ وَقَدْ فُهِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِأَحْكَامِ الْإِيمَانِ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ نَعَمْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمِلَلُ مِنْ الْفُرُوعِ هَلْ هُوَ كَالْإِيمَانِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ هَذَا النِّزَاعُ فِيهِ نَظَرٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي بِأَنْ يُرَادَ بِهِ لَا حُكْمَ أَصْلِيًّا وَلَا فَرْعِيًّا يَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ قَبْلَ بَعْثَةِ أَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ إلَيْهِ وَإِنْ بُعِثَ إلَى غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ) أَيْ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ وَقَوْلُهُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ لَا شَرْعَ وَهُوَ ظَرْفٌ لِلِانْتِفَاءِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا دَلِيلٌ أَتَى وَمَا سَيَجِيءُ أَنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْقَيْدِ دَلِيلٌ لِمَنٍّ تَأَمَّلَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ) بَيَانٌ لِلَازِمِهِ وَقَدْ يُمْنَعُ اللُّزُومُ بِانْفِكَاكِ التَّرَتُّبِ عَنْ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الظُّهْرِ مَثَلًا بِدُخُولِ وَقْتِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ثَوَابٌ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَرَتُّبُ مَا ذُكِرَ تَرَتُّبَ اسْتِحْقَاقِ الشَّخْصِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ أَوْ نَفْسَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا لَازِمٌ لِتَحَقُّقِ الْحُكْمِ فَإِنْ قُلْت هَذَا الدَّلِيلُ بِتَقْدِيرِ تَمَامِيَّتِهِ إنَّمَا يَنْهَضُ لِنَفْيِ مَا كَانَ مَلْزُومًا لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دُونَ غَيْرِهِ كَالْإِبَاحَةِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الْجَمِيعِ وَأَيْضًا لِلْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يَمْنَعُوا كَوْنَ مَا ذُكِرَ لَازِمًا مُطْلَقًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا بِشَرْطِ وُجُودِ الْبَعْثَةِ فَلَا يَدُلُّ انْتِفَاؤُهَا قَبْلَهَا عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ فَإِذَا انْتَفَى مَلْزُومُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ انْتَفَى غَيْرُهُ أَيْضًا وَأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مُطْلَقًا حَيْثُ أَثْبَتُوا الْإِثْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ خِلَافًا لِلْمُحْتَرَزِ وَإِذَا كَانَ لَازِمًا عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا فَانْتِفَاؤُهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ: بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} [الإسراء: 15] الْآيَةَ) قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ يَتِمُّ إذَا كَانَ مَقْصُودُنَا تَحْصِيلَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عِلْمِيَّةً فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالدَّلَائِلِ الظَّنِّيَّةِ اهـ.
وَقَدْ ضَعَّفَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا آيَةُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ الْعَقْلِيُّ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ أَلْبَتَّةَ وَهَذَا بَاطِلٌ فَذَاكَ بَاطِلٌ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ الشَّرْعُ وَادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ اسْتِمَاعُ قَوْلِهِ وَالتَّأَمُّلُ فِي مُعْجِزَاتِهِ أَوْ لَا يَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ بَطَلَ الْقَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ وَإِنْ وَجَبَ فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالشَّرْعِ فَإِنْ وَجَبَ بِالْعَقْلِ فَقَدْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ الْعَقْلِيُّ وَإِنْ وَجَبَ بِالشَّرْعِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي أَوْ غَيْرَهُ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حَاصِلُ الْكَلَامِ إلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ يَقُولُ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أَنِّي أَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي وَهَذَا إثْبَاتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّرْعُ غَيْرَهُ كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ وَلَزِمَ.
أَمَّا الدَّوْرُ وَالتَّسَلْسُلُ وَهُمَا مُحَالَانِ قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ إذَا أَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّهُ رَسُولٌ ثَبَتَ صِدْقُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ مَحْذُورٍ مِنْ إثْبَاتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ أَوْ الدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّرْعُ بِمَعْنَى أَنَّ
(1/89)

الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّكْلِيفِ وَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ السَّابِقُ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ مِنْهُ وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ (بَلْ الْأَمْرُ) أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ (مَوْقُوفٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
ثُبُوتَهُ بِإِخْبَارِ مَنْ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ بِالْمُعْجِزَةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ وَلَيْسَ حَاصِلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أَنِّي أَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي حَتَّى يَلْزَمَ إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ بَلْ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَجِبُ صِدْقِي وَتَصْدِيقِي فِي كُلِّ مَا أَدَّعِيهِ وَلَيْسَ فِي هَذَا إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَلَا دَوْرَ وَلَا تَسَلْسُلَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ يَقْطَعُ بِهِ أَنَّ الْخَصْمَ مُوَافِقٌ عَلَى أَنَّ الثُّبُوتَ بِالشَّرْعِ فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ الشَّرْعُ وَتَجِبُ الْمُتَابَعَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ مَعَ اقْتِرَانِ الْمُعْجِزَةِ وَتَمَكُّنِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ مِنْ النَّظَرِ وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ إذَا ادَّعَى النَّبِيُّ الرِّسَالَةَ وَاقْتَرَنَ بِدَعْوَاهُ الْمُعْجِزَةُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ وَكَانَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ عَاقِلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ النَّظَرِ فَقَدْ ثَبَتَ لِلشَّرْعِ وَاسْتَقَرَّ وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ سَوَاءٌ نَظَرَ أَمْ لَمْ يَنْظُرْ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ الِاسْتِمْهَالُ وَلَوْ اسْتَمْهَلَ لَمْ يَجِبْ الْإِمْهَالُ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِإِيجَادِ الْعِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ الَّذِي هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعِقَابِ عَلَى وُجُودِ مَعْنَى لَفْظِ التَّكْلِيفِ إنْ لَمْ تَكُنْ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً أَوْ عَلَى وُجُودِ مَعْنًى هُوَ التَّكْلِيفُ إنْ كَانَتْ بَيَانِيَّةً أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِقَابَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مُلْزَمٍ بِهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، وَالثَّوَابُ يَكُونُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ تَارَةً وَعَلَى غَيْرِهِ التَّابِعِ فِي الْوُجُودِ لِلْمُلْزَمِ بِهِ أُخْرَى بَلْ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ بِهِ كَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَصَوْمِهِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ بِوَاسِطَةٍ أَظْهَرُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهَا تَارَةً بِوَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِهَا.
(قَوْلُهُ: وَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يُقَالُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّ خِطَابَ اللَّهِ الَّذِي فَسَّرْت بِهِ الْحُكْمَ قَدِيمٌ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ فَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أُمُورٍ فَإِذَا انْتَفَى وَاحِدٌ مِنْهَا انْتَفَى هُوَ وَالتَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ جُزْءٌ مِنْهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ قَبْلَ الشَّرْعِ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ قَالَ الْكَمَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ إلَخْ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ الْقَدِيمُ وَذَلِكَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ وَصْفِهِ بِكَوْنِهِ حُكْمًا أَيْ تَسْمِيَتُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى حُكْمًا قَبْلَ حُصُولِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ خِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ وَأَنَّ الْحَادِثَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ عِنْدَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ مُسَمَّاهُ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ فِي الْأَزَلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا وَبِالْفِعْلِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا وَأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ قَيْدٌ فِي مُسَمَّاهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ مَعْنَاهُ نَفْيُ حُصُولِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ اهـ.
وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا حُكْمَ إلَخْ ظَاهِرٌ ظُهُورًا تَامًّا فِي أَنَّ الْمَنْفِيَّ قَبْلَ الشَّرْعِ نَفْسُ الْحُكْمِ لَا شَيْءٌ خَارِجٌ عَنْهُ كَتَعَلُّقِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ أَوْ صَرِيحِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ لَا مُشَاحَةَ فِيهِ فَلِهَذَا دَرَجَ الشَّارِحُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَتْنِ وَصَرَّحَ بِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ هُنَا وَفِيمَا سَبَقَ وَالشَّارِحُ ثَبَتَ ثِقَةً فَيَكُونُ تَصْرِيحُهُ بِذَلِكَ لِثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِهِ وَلَوْ مِنْ الْبَعْضِ وَلَمْ يَثْبُتُ اتِّفَاقٌ وَلَا قَاطِعَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَقْصُودَهُ مُجَرَّدُ تَوْجِيهِ ظَاهِرِ الْمَتْنِ وَالْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ وَلَا مِنْ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا لِلْمُصَنِّفِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ فَتَذَكَّرْ مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ) أَيْ هُنَا وَإِلَّا فَقَدْ يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ) الشَّأْنُ هُوَ الْحَدِيثُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ يَعْنِي أَنَّ الْأَمْرَ الثَّابِتَ فِي الْوَاقِعِ لِوُجُودِ الْحُكْمِ كُلَّ وَقْتٍ هُوَ أَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ مَوْقُوفٌ فَالشَّأْنُ هُوَ وَقْفُ وُجُودِ الْحُكْمِ وَالْمَوْقُوفُ هُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ فَلَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ بِقَوْلِهِ مَوْقُوفٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَوْقُوفٌ خَبَرُ هُوَ أَوْ أَنَّهُ مَحْذُوفٌ وَالضَّمِيرُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ عَائِدٌ عَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ وَالتَّقْدِيرُ بَلْ الْأَمْرُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ هُوَ أَوَانُهُ أَيْ الْوُجُودُ مَوْقُوفٌ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ إنَّمَا أَغْفَلَ التَّصْرِيحَ بِهَذَا الْمُقَدَّرِ لِوُضُوحِهِ كَذَا قِيلَ وَيَرِدُ عَلَى تَقْدِيرِ لَفْظَةِ " أَنَّهُ " أَنَّ فِيهِ حَذْفَ الْمَوْصُولِ الْحَرْفِيِّ وَبَعْضِ صِلَتِهِ وَيَرِدُ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ الْحَدِيثَ الْمُطَابِقَ لِمَا فِي نَفْسِ
(1/90)

إلَى وُرُودِهِ) أَيْ الشَّرْعِ أَشَارَ بِهَذَا كَمَا قَالَ إلَى أَنَّهُ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ مِنَّا فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِالْوَقْفِ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَنْ نَفَى مِنَّا الْحُكْمَ فِيهَا وَبَلْ هُنَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى الْأَوَّلِ إذْ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْعِ مُشْتَمِلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْأَمْرِ الْمُطَابِقَةَ لِلْوَاقِعِ فَغَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ الْكَاذِبُ وَهُوَ زَيْدٌ قَائِمٌ مَثَلًا وَإِنْ أَرَادَ الْمُطَابِقَةَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ خَبَرٍ فَإِنَّ الْمُخْبِرُ مُظْهِرٌ لِمُطَابَقَةِ خَبَرِهِ إذَا كَانَ بِصَدَدِ الْإِخْبَارِ فَلَا يَظْهَرُ كَبِيرُ فَائِدَةٍ لِقَيْدِ الْمُطَابَقَةِ وَكَأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ صِدْقِ الْجُمْلَةِ عَلَى الشَّأْنِ الْمُطَابَقَةُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِدْقَ الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ هُوَ اتِّحَادُهُمَا خَارِجًا الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهُوَ وَلَا يَلْزَمُ الْمُطَابَقَةُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هَذَا وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى وَجْهٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ أَصْلًا فِي صِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى شَأْنَ النَّاسِ وَحَالَهُمْ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِمْ وَبِمُلَاحَظَةِ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ فَالظَّرْفِيَّةُ فِيهِ نَظِيرُ الظَّرْفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ الدَّارُ فِي نَفْسِهَا قِيمَتُهَا كَذَا أَيْ بِمُلَاحَظَةِ نَفْسِهَا.
وَقَوْلُ سم فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الشَّارِحِ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الْأَمْرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْوُجُودِ أَيْ بَلْ وُجُودُهُ مَوْقُوفٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى ذَلِكَ فَقَوْلُهُ أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِهِ أَيْ وَهُوَ تَقَرُّرُ وُجُودِهِ أَيْ ثُبُوتِهِ وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ اهـ لَا يَخْفَى مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ رَكَاكَةِ التَّرْكِيبِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ مَجْمُوعُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ هَكَذَا بَلْ الْأَمْرُ أَيْ وُجُودُهُ فِي وُجُودِهِ وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَخَلَّصَ عَنْ الرِّكَّةِ فَعُدِلَ عَنْ تَقْدِيرِ لَفْظِ الْوُجُودِ إلَى لَفْظِ التَّقَرُّرِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الْحَوَاشِي إنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تُجْعَلُ فِي بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ زِيَادَةُ رَكَاكَةٍ عَلَى رَكَاكَةٍ وَقَوْلُ سُمْ أَيْضًا إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي خَبَرِ لَفْظِ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ أَنْ يَكُونَ قَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ وَيُحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الضَّمِيرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الِاسْمِ الظَّاهِرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ كَذَلِكَ اهـ.
غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإِنَّ النُّحَاةَ إنَّمَا أَوْجَبُوا كَوْنَ خَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ بِمَعْنَى الْقِصَّةِ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا جُمْلَةً؛ لِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَلْيَكُنْ لَفْظُ الشَّأْنِ أَوْلَى بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ سم وَلَوْ سَلِمَ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بَلْ يَجُوزُ تَخْرِيجُهَا عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا الْإِخْبَارَ عَلَى ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِمُفْرَدٍ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ كَمَا أَنَّهُمْ جَوَّزُوا حَذْفَ أَحَدِ جُزْأَيْ الْجُمْلَةِ الْمُخْبَرِ بِهَا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ الْمَانِعِينَ مِنْهُ فَيَجُوزُ تَخْرِيجُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَذْفِ أَحَدِ جُزْأَيْ الْجُمْلَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: إلَى وُرُودِهِ) أَيْ الشَّرْعِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْثَةُ كَمَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُ بِهَا لَزِمَ وَصْفُ الْبَعْثَةِ بِالْوُرُودِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ إذْ الْبَعْثَةُ هِيَ الْإِرْسَالُ وَوَصْفُ الْإِرْسَالِ بِالْوُرُودِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَحْكَامُ لَمْ يَحْسُنْ الْإِضْرَابُ إذْ التَّقْدِيرُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الْأَحْكَامِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَى وُرُودِ الْأَحْكَامِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ وُرُودُ الْأَحْكَامِ الْبَعْثَةَ. اهـ. سم.
وَقَدْ يُجَابُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُرُودِ الْوُجُودُ فَالْمَعْنَى إلَى وُجُودِ الْإِرْسَالِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي مَقُولَةٍ بَعْدَ هَذِهِ (قَوْلُهُ أَشَارَ بِهَذَا) أَيْ بِقَوْلِهِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ وَقَصَدَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ دَفْعَ مَا يُقَالُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْإِضْرَابِ لِفَهْمِهِ مِنْ النَّفْيِ قَبْلَهُ بَلْ الْإِتْيَانُ بِهِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ لَمْ يُرِدْ مَعْنَى أَنَّا أَوَّلًا نَدْرِي هَلْ الْحُكْمُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْبَعْثَةِ أَوْ لَا بَلْ أَرَادَ أَنَّ وُجُودَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُرُودِ الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ) أَيْ فِي شَأْنِ الْأَفْعَالِ وَالْمُرَادُ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ الْأَفْعَالَ وَالِاعْتِقَادَاتِ وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِالِاعْتِقَادَاتِ بِاعْتِبَارِ أَسْبَابِهَا لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْكَيْفِ لَا الْفِعْلِ حَقِيقَةً وَإِنْ عُدَّتْ مِنْ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَامَحَةِ.
(قَوْلُهُ: فِيهَا) أَيْ الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: إذْ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْعِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إلَى فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى عَلَى وَإِنْ كَانَ الْأَحْسَنُ التَّعْبِيرَ بِعَلَى وَاسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ فَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَالْأَحْكَامُ هِيَ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّهُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَكُونُ حَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى الشَّرْعِ أَوْ أَنَّ الْأَحْكَامَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْأَحْكَامِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْعِ هُنَا الْبَعْثَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَحْكَامَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ قَبْلَ التَّبْلِيغِ.
(قَوْلُهُ: مُشْتَمِلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَهُ إلَخْ) أَيْ مُحْتَوٍ عَلَيْهِ احْتِوَاءَ الْمَلْزُومِ عَلَى لَازِمِهِ لَا احْتِوَاءَ الْكُلِّ عَلَى مَا فِي ضِمْنِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاءَ قَبْلَهُ وَالْوُجُودَ بَعْدَهُ خَارِجَانِ عَنْ مَفْهُومِ
(1/91)

وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ) فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَمَا قَضَى بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ضَرُورِيٌّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
تَوَقُّفِ الْحُكْمِ، لَازِمَانِ لَهُ، كَذَا قَرَّرَ الشِّهَابُ وَجَعْلُ الْمَلْزُومِ مُحْتَوِيًا عَلَى لَازِمِهِ تَسَامُحٌ إذْ الِاسْتِلْزَامُ مُغَايِرٌ لِلِاحْتِوَاءِ لَكِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ اعْتِرَاضُ النَّاصِرُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ مَعْنَى الِاشْتِمَالِ وَمَدْلُولِهِ الَّذِي هُوَ احْتِوَاءُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ حَيْثُ قَالَ أَيُّ مُحْتَوًى مَفْهُومُهُ احْتِوَاءُ الْكُلِّ عَلَى مَا فِي ضِمْنِهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِانْتِفَاءَ قَبْلَهُ وَالْوُجُودَ بَعْدَهُ خَارِجَانِ عَنْ مَفْهُومِ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ لَازِمَانِ لَهُ وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُ بِأَنَّ الْوُجُودَ بَعْدَهُ لَا يَلْزَمُ مَفْهُومُ الْمُتَوَقِّفِ لِذَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْطَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَشْرُوطُهُ الَّذِي قَدْ لَا يُوجَدُ بَعْدَهُ اهـ.
فَمُنْدَفِعٌ بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ أَنَّ الْمُسْتَلْزِمَ مَفْهُومُ التَّوَقُّفِ لِذَاتِهِ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ مَفْهُومُ التَّوَقُّفِ لِلْغَيْرِ وَبَيَانُ هَذَا الْمَلْزُومِ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِي الْحُكْمِ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَلَا بُدَّ فَإِذَا حُكِمَ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الشَّرْعِ لَزِمَ انْتِفَاؤُهُ قَبْلَهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ هَذَا وَقَوْلُهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ. .

(قَوْلُهُ: وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ) صِيغَةُ فَعَّلَ هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّصْيِيرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَيِّرُوا الْعَقْلَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْعَقْلِ حَاكِمَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مُنْشِئٌ لِلْحُكْمِ إذْ الْمُنْشِئُ لَهُ اتِّفَاقًا مِنَّا وَمِنْهُمْ لَيْسَ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَمُقَابَلَةُ قَوْلِهِ وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ لِقَوْلِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ بِاعْتِبَارِ لَازِمِهِ إذْ يَلْزَمُ مِنْ إدْرَاكِ الْعَقْلِ الْحُكْمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ تَابِعٌ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الذَّاتِيَّيْنِ لِمُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا يَنْفَكَّانِ عَنْ ذَلِكَ الْمُتَعَلِّقِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ أَوْ بِاعْتِبَارِ لَازِمِ قَوْلِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ إذْ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِنَا الْحُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَدَمُ إدْرَاكِ الْعَقْلِ لَهُ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَنَفْيُهُ قَبْلَ الشَّرْعِ نَفْيٌ لِتِلْكَ التَّبَعِيَّةِ فَيَنْتَفِي إدْرَاكُ الْعَقْلِ لَهُ فَاسْتَقَامَتْ الْمُقَابَلَةُ وَاعْتُرِضَ هَذَا بِأَنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الذَّمِّ عَاجِلًا وَالْعِقَابِ آجِلًا شَرْعِيٌّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَجَابَ النَّاصِرُ بِأَنَّ مَا هُنَا أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ لِشُمُولِهِ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ وَاخْتِصَاصِ مَا تَقَدَّمَ بِالْحَرَامِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ اهـ.
قَالَ سم وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ تَصْرِيحٌ بِتَحْكِيمِ الْعَقْلِ لِاحْتِمَالِ التَّوَقُّفِ وَأَيْضًا فِيمَا هُنَا زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ تَفْصِيلُ مَذْهَبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَقْضِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ) يَعْنِي اعْتَقَدَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ حَاكِمًا فِي الْأَفْعَالِ فَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ حَكَّمَتْ وَلَيْسَ الْمَعْنَى جَعَلَتْهُ حَاكِمًا كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
وَكَأَنَّهُ فِي فِرَارٍ عَنْ جَعْلِ صِيغَةِ فَعَّلَ بِمَعْنَى جَعَلَ؛ لِأَنَّ الْجَعْلَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ صِيغَةَ فَعَّلَ لِلنِّسْبَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ جَعَلَ بِمَعْنَى اعْتَقَدَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: 19] أَيْ اعْتَقَدُوهُ حَاكِمًا فَالْأَحْسَنُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ وَتَعَلُّقُ الْجَارِ بِحَكَّمَتْ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادُ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ وَالِاعْتِقَادَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا سَمِعْت مِرَارًا.
(قَوْلُهُ: فَمَا قَضَى إلَخْ) مَا إمَّا مَوْصُولَةٌ أَيْ فَالْحُكْمُ الَّذِي قَضَى الْعَقْلُ بِهِ أَوْ شَرْطِيَّةٌ فَالتَّقْدِيرُ فَأَيُّ حُكْمٍ قَضَى الْعَقْلُ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ إدْرَاكُ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَالْوُجُوبِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ عَلَى الْمَوْصُولِيَّةِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ وَهِيَ خَبَرٌ أَيْضًا عَنْ اسْمِ الشَّرْطِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ خَبَرَ اسْمِ الشَّرْطِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً هُوَ جَوَابُهُ وَقِيلَ الْخَبَرُ فِعْلُ الشَّرْطِ وَقِيلَ مَجْمُوعُهُمَا وَقَدْ أَوْرَدَ النَّاصِرُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ أَنَّ جَوَابَ اسْمِ الشَّرْطِ الْمَرْفُوعِ بِالِابْتِدَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ضَمِيرٍ يَرْبِطُهُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ هُنَا لَزِمَ مَحْذُورٌ صِنَاعِيٌّ وَإِنْ قُدِّرَ بِأَنْ قِيلَ الْأَصْلُ فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَقْضِيِّ بِهِ مِنْ وُجُوبٍ مَثَلًا لَزِمَ أَنَّ قَوْلَهُ أَمْرٌ مُسْتَدْرَكٌ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ غَيْرُ قَضَاءِ الْعَقْلِ فِي الْفِعْلِ الضَّرُورِيِّ مَثَلًا بِمَا قَضَى بِهِ فِيهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمَا تَقَدَّمَ اهـ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي أَمْرِ قَضَائِهِ بَيَانِيَّةٌ سَلَّمْنَا أَنَّهَا غَيْرُ بَيَانِيَّةٍ فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ التَّفْصِيلُ وَهُنَا مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ فَتَفَاصِيلُ مُقْتَضَى قَضَائِهِ بِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ فِي فِعْلٍ مِنْ تِلْكَ
(1/92)

كَالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ اخْتِيَارِيٌّ لِخُصُوصِهِ بِأَنْ أَدْرَكَ فِيهِ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً أَوْ انْتِفَاءَهُمَا فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الضَّرُورِيَّ مَقْطُوعٌ بِإِبَاحَتِهِ. وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ يَنْقَسِمُ إلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَةٍ فِعْلُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: ضَرُورِيٌّ) يُطْلَقُ الضَّرُورِيُّ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا لَا قُدْرَةَ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَعَلَى مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ دُعَاءً تَامًّا لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ كَمَا سَيَجِيءُ فِي قَوْلِهِ وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ إلَخْ وَالتَّنَفُّسُ فِي الْهَوَاءِ أَشْبَهُ بِالثَّالِثِ مِنْهُ بِغَيْرِهِ مَعْلُومٌ أَنَّ التَّنَفُّسَ اخْتِيَارِيٌّ فَلَا يُنَافِي جَرَيَانَ الْأَحْكَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ نَحْوُ الْهَلَاكِ وَمَنْدُوبًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى تَرْكِهِ مَفْسَدَةٌ وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَمَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا عَلَى تَرْكِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا مَفْسَدَةٌ وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ كَتَنَفُّسٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ كَالْقَتْلِ وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى فِعْلِهِ مَفْسَدَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ وَهُوَ أَنَّ الضَّرُورِيَّ مَقْطُوعٌ بِإِبَاحَتِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ الِانْقِسَامَ إلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ بِالِاخْتِيَارِيِّ وَالِاقْتِصَارَ فِي الضَّرُورِيِّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَمَا أَجَابَ بِهِ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِبَاحَةِ الْإِذْنُ فَيَشْمَلُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ أَيْضًا فَلَا يَخْلُصُ بِالْكُلِّيَّةِ وَبَقِيَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الضَّرُورِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى بِالِاخْتِيَارِيِّ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا اخْتِيَارِيٌّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ اخْتِيَارِيٌّ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِخُصُوصِهِ) أَيْ لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الِاخْتِيَارِيِّ أَيْ لِخُصُوصِيَّةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ أَوْ عَدَمِ اشْتِمَالِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَا بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ وَأَنَّهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَضَى مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَضَى الْمَذْكُورُ أَوْ بِقَوْلِهِ اخْتِيَارِيٌّ وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَوْ فِعْلٌ يَخْتَارُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ أَوْ الْكَفَّ عَنْهُ أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِ خُصُوصِيَّةٍ وَجَوَّزَ الْأَخِيرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ إلَخْ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قَضَى الْمَذْكُورِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِي بَعْضٍ مِنْهَا لِخُصُوصِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ فَقَدْ قَالَ شِهَابٌ إنَّ لِخُصُوصِهِ مُتَعَلِّقٌ بِيَنْقَسِمُ أَوْ بِمُقَدَّرٍ أَيْ وَالِاخْتِيَارِيُّ الْمَقْضِيُّ فِيهِ لِأَجْلِ خُصُوصِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ أَدْرَكَ فِيهِ) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَضَى الْمُعَلَّلِ بِالْخُصُوصِيَّةِ وَضَمِيرُ فِيهِ يَعُودُ عَلَى الِاخْتِيَارِيِّ الْمَقْضِيِّ فِيهِ لِخُصُوصِهِ فَإِدْرَاكُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَإِدْرَاكُ الْمَفْسَدَةِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ وَإِدْرَاكُ انْتِفَائِهِمَا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ) ضَمِيرُ قَضَائِهِ يَعُودُ إلَى الْفِعْلِ وَضَمِيرُ فِيهِ يَعُودُ لِلشَّيْءِ.
(قَوْلُهُ: فِعْلُهُ) فَاعِلُ اشْتَمَلَ
(1/93)

فَحَرَامٌ كَالظُّلْمِ أَوْ تَرْكُهُ فَوَاجِبٌ كَالْعَدْلِ أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ فِعْلُهُ فَمَنْدُوبٌ كَالْإِحْسَانِ أَوْ تَرْكُهُ فَمَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ فَمُبَاحٌ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْضِ) الْعَقْلُ فِي بَعْضٍ مِنْهَا لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ كَأَكْلِ الْفَاكِهَةِ فَاخْتُلِفَ فِي قَضَائِهِ فِيهِ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَقَوْلُهُ أَوْ تَرْكُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ نُكْتَةَ تَقْدِيمِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ عَلَى الْفَاعِلِ مُرَاعَاةُ قُرْبِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ الَّتِي هِيَ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ قُرْبِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عُمْدَةٌ بِخِلَافِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ وَبَقِيَ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِعْلُهُ عَائِدٌ لِلْفِعْلِ فَيَلْزَمُ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَافَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَالْمُضَافَ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ فَتَغَايَرَا أَوْ لَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَسَبَ هُنَا الْمَفْسَدَةَ وَالْمَصْلَحَةَ إلَى الْفِعْلِ الْمُضَافِ مَعَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ الْفِعْلُ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ خَارِجًا لِاتِّحَادِهِمَا خَارِجًا أَوْ بِجَعْلِ الْفِعْلِ الْمُضَافِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَاشِئٌ عَنْ الثَّانِي فَتَظْهَرُ النِّسْبَةُ وَأُورِدُ أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ أَنْ تَتَقَابَلَ الْأَقْسَامُ فِيهِ وَالْقِسْمُ الْمُسَمَّى بِالْمَنْدُوبِ صَادِقٌ بِالْمُسَمَّى بِالْوَاجِبِ لِاشْتِمَالِ فِعْلِهِ أَيْضًا عَلَى مَصْلَحَةٍ وَالْمُسَمَّى بِالْمَكْرُوهِ صَادِقٌ بِالْمُسَمَّى بِالْحَرَامِ لِاشْتِمَالِ تَرْكِهِ أَيْضًا عَلَى مَصْلَحَةٍ فَقَدْ لَزِمَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ جَعْلُ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ حَذَفَ مِنْ تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنْ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ قَيْدًا يُسْتَفَادُ مِنْ مُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ بِشَيْءٍ فِي مَقَامِ تَمْيِيزِهِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِهِ وَانْتِفَائِهِ عَنْ الْمُقَابِلِ الْآخَرِ وَالْمَحْذُوفُ لِقَرِينَةٍ كَالثَّابِتِ فَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبِ أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ فِعْلُهُ أَيْ وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ تَرْكُهُ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ فَخَرَجَ الْوَاجِبُ وَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَكْرُوهِ أَوْ تَرْكُهُ أَيْ وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ تَرْكُهُ بِقَرِينَةِ مَا ذُكِرَ فَخَرَجَ الْحَرَامُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ إلَخْ) هَذَا سَلْبٌ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌّ؛ لِأَنَّ لَيْسَ بَعْضُ صُوَرِ السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ فَالْقَضِيَّةُ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ لَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ مِنْ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ نَكِرَةٌ وَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَفْظَ الْبَعْضِ رَجَعَ لِلسَّلْبِ الْجُزْئِيِّ (وَقَوْلُهُ لِخُصُوصِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَقْضِ أَيْ فَإِذَا انْتَفَى قَضَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ لَا يَنْتَفِي قَضَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَهُوَ انْتِفَاءُ الْقَضَاءِ وَحِكَايَةِ الْخِلَافِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ فَقَوْلُهُ لِخُصُوصِهِ دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّنَاقُضِ الْمَذْكُورِ وَلَا تَنَاقُضَ أَيْضًا بَيْنَ مَا هُنَا وَقَوْلِهِ سَابِقًا وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ مُهْمَلَةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْكُمُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ اسْتِقْلَالًا وَالْمُوجَبَةُ الْمُهْمَلَةُ لَا تُنَاقِضُ السَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ.
وَأَمَّا مَا أُجِيبَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ فِي الْجَمِيعِ إلَّا أَنَّهُ تَارَةً يَقْضِي لِلْخُصُوصِ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ بِأَنْ أَدْرَكَ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً أَوْ انْتِفَاءَهُمَا وَتَارَةً لَا يَقْضِي لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَا ذُكِرَ بَلْ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ
(1/94)

عَلَى أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (فَثَالِثُهَا لَهُمْ الْوَقْفُ عَنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ) أَيْ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مَحْظُورٌ أَوْ مُبَاحٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَمْنُوعٌ مِنْهُ فَمَحْظُورٌ أَوْ لَا فَمُبَاحٌ وَهُمَا الْقَوْلَانِ الْمَطْوِيَّانِ دَلِيلُ الْحَظْرِ أَنَّ الْفِعْلَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ اللَّهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ عَلَى الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ أَيْضًا لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ فِي الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَانْتِفَاؤُهُمَا عَنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: فِي قَضَائِهِ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ أَيْ دَلِيلِ الْمُقْتَضَى بِهِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُقْتَضَى بِهِ الَّذِي هُوَ مُدْرَكُ الْعَقْلِ وَقَضَاؤُهُ إدْرَاكُهُ فَالضَّمِيرُ فِي دَلِيلِهِ لِلْقَضَاءِ بِمَعْنَى الْمَقْضِيِّ بِهِ فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ، أَوْ مَقْضِيِّ قَضَائِهِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَقْوَالٍ) فِيهِ أَنَّ الْقَضَاءَ كَمَا عَلِمْت بِمَعْنَى الْمَقْضِيِّ بِهِ وَثَالِثُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ الْوَقْفُ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَيُجَابُ بِالتَّغْلِيبِ أَوْ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّفْصِيلِيِّ كَمَا فِي غَيْرِ الثَّالِثِ وَالْإِجْمَالِيِّ كَمَا فِيهِ إذْ فِيهِ قَضَاءٌ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا) أَيْ الْأَقْوَالَ بِمَعْنَى الْمَقُولَاتِ أَيْ الْمُعْتَقَدَاتِ فَإِنَّ ضَمِيرَ ثَالِثِهَا يَعُودُ لِلْأَقْوَالِ فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ وَصَرَّحَ بِتَعْيِينِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ الْوَقْفُ وَأَشَارَ إلَى تَعْيِينِ الِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَدْرِي أَنَّهُ مَحْظُورٌ) فِيهِ أَنَّ تَفْسِيرَ الْوَقْفِ بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَقْوَالِ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ لَا فِي الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَاخْتُلِفَ فِي قَضَائِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ حُمِلَ سَابِقًا عَلَى الْمَقْضِيِّ بِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ.
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَضِيَّةَ مَانِعَةٌ خُلُوٍّ كَمَا أَنَّهَا مَانِعَةٌ جَمْعٍ فَتَكُونُ مُنْفَصِلَةً وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْإِبَاحَةِ اسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْمُصَنِّفِ وَحِينَئِذٍ فَدَعْوَى عَدَمِ الْخُلُوِّ عَنْهُمَا مَمْنُوعَةٌ لِجَوَازِ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا مَثَلًا لَكِنْ خَفِيَتْ الْمَصْلَحَةُ أَوْ الْمَفْسَدَةُ عَلَى الْعَقْلِ فَلَمْ يُدْرِكْ فِيهِ شَيْئًا وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ أَوَّلًا فَمُبَاحٌ مَمْنُوعٌ أَيْضًا، الْجَوَازُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَا) أَيْ مَعَ وُجُودِ الْحُكْمِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَ صَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ.
(قَوْلُهُ: وَهُمَا الْقَوْلَانِ الْمَطْوِيَّانِ) الضَّمِيرُ لِلْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ فَمَحْظُورٌ قَوْلُهُ فَمُبَاحٌ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ دَلِيلُ الْحَظْرِ فَهُوَ نَظِيرُ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لِلْبُدَخْشِيِّ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لِلْعِبَادِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَوُرُودِ الشَّرْعِ مُبَاحَةٌ عِنْدَ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ وَبَعْضِ الْإِمَامِيَّةِ مِنْ الشِّيعَةِ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَفَسَّرَ الْإِمَامُ تَوَقُّفَهُمَا بِعَدَمِ الْحُكْمِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْأَحْكَامَ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ السَّمْعِ فَحَيْثُ لَا شَرْع لَا حُكْمَ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ هُوَ الْحَقُّ وَنَظَرَ فِيهِ الشَّارِحُونَ بِأَنْ لَيْسَ تَوَقُّفًا بَلْ قَطْعًا بِعَدَمِ الْحُكْمِ وَبِأَنَّ عَدَمَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِ السَّمْعِ عَيْنُ النِّزَاعِ خُصُوصًا عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ وَتَسْلِيمِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَقْلًا وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ التَّوَقُّفُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ أَيْ لَا نَدْرِي أَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ فَلَا نَدْرِي أَهُوَ إبَاحَةٌ أَوْ لَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ عِنْدَ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ فَلَوْ فُسِّرَ التَّوَقُّفُ بِعَدَمِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَبَعْدَهَا يَكُونُ لِتِلْكَ الْأَفْعَالِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ تَعَالَى لَا مَحَالَةَ فَيَلْزَمُ حُدُوثُهُ.
1 -
(قَوْلُهُ: دَلِيلُ الْحَظْرِ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِبْطَالِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ لِظُهُورِ أَخْذِهِ مِمَّا سَبَقَ لَهُ فَإِنَّهُ سَاقَ اسْتِدْلَالَ الْأَصْحَابِ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ قَبْلَهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلَانَ دَلِيلَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ اللَّازِمِ مِنْهُ بُطْلَانُ دَلِيلِ الْوَقْفِ وَهُوَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا لِانْتِفَائِهِ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ الْفِعْلَ تَصَرُّفٌ إلَخْ) أَيْ وَكُلُّ تَصَرُّفٍ فِي مِلْكِ اللَّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَمْنُوعٌ فَهَذَا التَّصَرُّفُ مَمْنُوعٌ دَلِيلُ الْكُبْرَى الْقِيَاسُ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْكُبْرَى بِالْفَرْقِ بَيْنَ تَضَرُّرِ الشَّاهِدِ دُونَ الْغَائِبِ وَأَيْضًا حُرْمَةُ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الشَّاهِدِ
(1/95)

بِغَيْرِ إذْنِهِ إذْ الْعَالَمُ أَعْيَانُهُ وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَبْدَ وَمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَوْ لَمْ يُبِحْ لَهُ كَانَ خَلْقُهُمَا عَبَثًا أَيْ خَالِيًا عَنْ الْحِكْمَةِ وَوَجْهُ الْوَقْفِ عَنْهُمَا تَعَارُضُ دَلِيلَيْهِمَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَهُمْ أَيْ لِلْمُعْتَزِلَةِ إلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ فُقَهَائِنَا أَيْ كَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْحَظْرِ وَبَعْضِهِمْ بِالْإِبَاحَةِ فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ تَشَعُّبِ ذَلِكَ عَنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ مَا ابْتَغَوْا مَقَاصِدَهُمْ وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا أَيْ كَالْأَشْعَرِيِّ فِيهَا بِالْوَقْفِ مُرَادُهُ بِهِ نَفْيُ الْحُكْمِ فِيهَا أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِذْنِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يُبَحْ) نَظْمُ الْقِيَاسِ هَكَذَا لَوْ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِعْلُ كَانَ خَلْقُهُمَا عَبَثًا وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَالْجَوَابُ بِالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ وَبِالْحِلِّ بِأَنَّهُ رُبَّمَا خَلَقَهُمَا لِيَشْتَهِيَهُ فَيَصْبِرَ عَنْهُ فَيُثَابَ عَلَيْهِ أَوْ خُلِقَ لِغَرَضٍ آخَرَ لَا نَعْلَمُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِبَاحَةِ عَبَثٌ.
(قَوْلُهُ: وَوَجْهُ الْوَقْفِ) لَمْ يَقُلْ وَدَلِيلُ الْوَقْفِ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ إذْ لَا حُكْمَ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلَيْنِ فَإِنَّ فِيهِمَا حُكْمًا وَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ) تَنَازَعَهُ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ وَعُمُومُ الْأَفْعَالِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ فِي الْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ الْعَقْلُ فِيهِ مَصْلَحَةً وَلَا مَفْسَدَةً وَيُجَابُ بِأَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ فَلَا مُخَالَفَةَ.
(قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ لِغَفْلَتِهِمْ) بَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَقُولُ قَوْلَ ذَلِكَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ تَحْقِيقًا وَالْقَوْلُ يُنْسَبُ لِقَائِلِهِ وَإِنْ اعْتَقَدَ غَيْرُهُ غَلَطَهُ فِيهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّفْيَ حَقِيقَةً بَلْ حُكْمًا أَيْ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَنْفِيِّ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ صُدُورَهُ عَنْهُ فِي حُكْمِ غَيْرِ الصَّادِرِ لِعَدَمِ جَرَيَانِهِ عَلَى قَوَاعِدِهِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ تَشَعُّبِ) أَيْ تَفَرُّعِ ذَلِكَ عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ الْعَقْلُ لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ مَصْلَحَةً وَلَا مَفْسَدَةً بَلْ قَضَى فِيهِ دَلِيلٌ عَامٌّ فَكَيْفَ يَتَفَرَّعُ ذَلِكَ عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِأُصُولِهِمْ هَاهُنَا مُجَرَّدُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ.
(وَهَاهُنَا فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ) وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى عِنْدَ تَرْجَمَةِ الْقَفَّالِ الْكَبِيرِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ الْكِبَارِ فَقَالَ إنَّ مَذَاهِبَ تُحْكَى عَنْ هَذَا الْإِمَامِ فِي الْأُصُولِ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى قَوَاعِدِ الْمُعْتَزِلَةِ حَتَّى إنَّ أَبَا سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيَّ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِهِ فَقَالَ قَدَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ وَدَنَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ أَيْ دَنَّسَهُ مِنْ جِهَةِ نَصْرِهِ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكُنْت أَغْتَبِطُ بِكَلَامٍ رَأَيْته لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ وَلِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقَتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي مَسْأَلَةِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَهُوَ أَنَّهُمَا لَمَّا حَكَيَا الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ عَقْلًا عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنَ سُرَيْجٍ وَغَيْرَهُ كَانُوا قَدْ بَرَعُوا فِي الْفِقْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي الْكَلَامِ وَطَالَعُوا عَلَى الْكِبَرِ كُتُبَ الْمُعْتَزِلَةُ فَاسْتَحْسَنُوا عِبَارَاتِهِمْ وَقَوْلَهُمْ يَجِبُ شُكْرُ الْمُنْعِمِ عَقْلًا فَذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ غَيْرَ عَالَمِينَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ قَبِيحِ الْمَذْهَبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ.
وَأَمَّا الْقَفَّالُ فَقَدْ قَالَ فِي حَقِّهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ إنَّهُ كَانَ مَائِلًا عَنْ الِاعْتِدَالِ قَائِلًا بِالِاعْتِزَالِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ اهـ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ الْقَفَّالَ أَخَذَ عِلْمَ الْكَلَامِ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْفِقْهَ.
(قَوْلُهُ: لِلْعِلْمِ بِهِ) عِلَّةٌ لِكَوْنِ قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ التَّشَعُّبِ وَقَوْلِهِ مَقَاصِدَهُمْ أَيْ أُصُولَهُمْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ) أَيْ اسْتِحَالَتُهُ عَقْلًا فِي الثَّلَاثَةِ وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَالتَّكْلِيفِ الْمُحَالِ بِأَنَّ الْمُحَالَ فِي الْأَوَّلِ رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وَفِي الثَّانِي رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ كَتَكْلِيفِ الْغَافِلِ
(1/96)

أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي كَالنَّائِمِ وَالسَّاهِي فَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ مَنَعَ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ وَجَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ أَنَّ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ وَقَدْ مَنَعَ هَذَا بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ ذَاكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ عَلَى أَنَّ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فَائِدَةً مَفْقُودَةً فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّخْصِ هَلْ يَمْتَثِلُ بِالْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ أَوْ لَا وَلَكِنَّهُ يَبْقَى الْإِشْكَالُ بِالْمُلْجَأِ فَإِنَّ تَكْلِيفَهُ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْلِيفِ الزَّمِنِ بِالْمَشْيِ وَالْإِنْسَانِ بِالطَّيَرَانِ الَّذِي سَيَأْتِي عَدُّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الَّذِي جَوَّزَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ سم إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِمُجَرَّدِ أَنَّ الْمُلْجَأَ سَاقِطُ الِاخْتِيَارِ رَأْسًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ وَأُورِدَ عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ تَكْلِيفُ الْعَبْدِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْإِجْمَالِيَّةَ حَاصِلَةٌ بِالْفِطْرَةِ وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي انْتِفَاءِ الْغَفْلَةِ عَنْ التَّكْلِيفِ وَالْمُكَلَّفِ بِهِ وَهُوَ الْمَعْرِفَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ وَبِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ فَهْمُ الْمُكَلَّفِ تَكْلِيفَهُ بِأَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَ قَدْرَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ لَا أَنْ يَصْدُقَ بِتَكْلِيفِهِ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَعَدَمُ تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ وَهُوَ هُنَا قَدْ فَهِمَ ذَلِكَ وَأَنْ يَصْدُقَ بِهِ.
وَأَمَّا الْغَافِلُ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ فَهُوَ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ كَالصِّبْيَانِ أَوْ يَفْهَمُ لَكِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ كَاَلَّذِي لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ دَعْوَةُ نَبِيٍّ فَظَهَرَ أَنَّ الْغَافِلَ عَنْ التَّصَوُّرِ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ لَا الْغَافِلَ عَنْ التَّصْدِيقِ وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمَعْرِفَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ فَقَدْ ضَعُفَ بِامْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ أَمَّا امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْأَوَّلِ وَيُمْكِنُ التَّقْدِيرُ فِي جَانِبِ الْخَبَرِ أَيْ أَمَّا الْأَوَّلُ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ أَوْ فَامْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ؛ لِأَنَّ إلَخْ وَهُوَ أَوْجَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَزْعُ الْخُفِّ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ وَلِمُوَافَقَةِ كَلَامِهِ فِي الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي) قَالَ النَّاصِرُ يَصْدُقُ بِالْمَجْنُونِ وَنَفَى تَكْلِيفَهُ اتِّفَاقًا وَيُمْكِنُ عَدَمُ صِدْقِهِ عَلَيْهِ بِجَعْلِ مَنْ كِنَايَةً عَنْ الْمُكَلَّفِ أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِقَرِينَةِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ السَّابِقِ اهـ.
قَالَ سم وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ كَالسَّاهِي وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَغَيْرِهِمْ لَا يُجَوِّزُهُ مَنْ مَنَعَ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ انْتَهَى يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِلَافِ فِي الْمَجْنُونِ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّ إطْلَاقَ السَّكْرَانِ يَشْمَلُ الْمُتَعَدِّيَ بِسُكْرِهِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ كَغَيْرِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَمَا نُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ مِنْ تَصَرُّفِ النَّاقِلِ لَهُ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ حُكْمًا لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بَلْ مِنْ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لِتَسَبُّبِهِ فِي إزَالَةِ عَقْلِهِ بِمُحَرَّمٍ قَصْدًا وَعَبَّرَ كَغَيْرِهِ بِالتَّكْلِيفِ مَعَ قُصُورِهِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَلَوْ عَبَّرَ وَأَبْدَلَهُ بِتَعَلُّقِ خِطَابٍ غَيْرِ وَضْعِيٍّ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى اعْتِذَارٍ.
(قَوْلُهُ: فَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ) أَيْ الْمَطْلُوبَ بِالتَّكْلِيفِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُقْتَضَى اللَّازِمَ إذْ التَّكْلِيفُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْيَانَ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ
(1/97)

بِالشَّيْءِ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: امْتِثَالًا) افْتِعَالًا مِنْ مَثَلَ بِوَزْنِ ضَرَبَ أَيْ قَامَ وَانْتَصَبَ أَوْ امْتَثَلَ أَمْرَهُ أَيْ احْتَذَاهُ أَيْ اقْتَدَى بِهِ هَذَا مَعْنَاهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ النَّاصِرُ زِيَادَةَ لَفْظِ الِامْتِثَالِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الِامْتِثَالَ بِالْإِتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ كَمَا أُمِرَ بِهِ فَمَفْهُومُهُ هُوَ مَفْهُومُ مَا قَبْلَهُ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ سَوَاءٌ جُعِلَ حَالًا أَوْ مَفْعُولًا لَهُ فَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ مَعَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِامْتِثَالُ أَيْ قَصْدُهُ مِنْ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَمَا سَيَأْتِي فِي تَقْسِيمِهِ وَتَعْرِيفَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَضَى هُوَ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لَهُ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ صَحَّحَا عَدَمَ اعْتِبَارِ قَصْدِ الِامْتِثَالِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي حُصُولِ الثَّوَابِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَهُنَا اعْتَبَرَاهُ فِي الْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ الْمُكَلَّفِ بِهِ كَفًّا كَانَ الشَّيْءُ أَوْ غَيْرَهُ فَلَمْ يُفَرِّقْ هُنَا بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ.
وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِلِامْتِثَالِ فَسَّرَهُ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي مَقَامٍ يُنَاسِبُهُ لَا جَمِيعُهُمْ وَقَدْ فَسَّرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ فِي تَقْرِيرِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي حَمَلَ الِامْتِثَالَ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى قَصْدِهِ فَوَافَقَ مَا صَوَّبَهُ وَبِأَنَّهُ إذَا أَعْرَبَ امْتِثَالًا مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ أَفَادَ مَعْنَى الْقَصْدِ قَطْعًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ لِأَجْلِ الِامْتِثَالِ إلَّا الْإِتْيَانُ بِهِ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى مَا صَوَّبَهُ فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ الْفَائِدَةَ عَلَى جَعْلِهِ مَفْعُولًا لَهُ وَلَا تَصْوِيبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَبِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِامْتِثَالَ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَفْهُومُهُ هُوَ مَفْهُومُ مَا قَبْلَهُ حَتَّى تَنْتَفِي الْفَائِدَةُ قَيَّدَ فِيهِ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ بِكَوْنِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ كَمَا أُمِرَ بِهِ وَأَطْلَقَ فِيمَا قَبْلَهُ عَنْ هَذَا الْقَيْدِ فَتَغَايَرَا تَغَايَرَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَذِكْرُ الْمُقَيَّدِ بَعْدَ الْمُطْلَقِ يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ فَنَفْيُ
(1/98)

وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّكْلِيفِ بِهِ وَالْغَافِلُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْمَالِ وَقَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي زَمَانِ غَفْلَتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْفَائِدَةِ مَمْنُوعٌ.
وَعَنْ الثَّانِي يُمْنَعُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ وَتَعْرِيفَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَضَى هُوَ الْفِعْلُ لَا يُنَافِي أَنَّ الْفِعْلَ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَإِنَّمَا أَطْلَقُوهُ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ كَافٍ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ تَمْيِيزُ الْحُكْمِ وَأَقْسَامُهُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِحُصُولِ ذَلِكَ التَّمْيِيزِ مَعَ إطْلَاقِهِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحُ لَمْ يُصَرِّحَا هُنَا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا أَطْلَقَا وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ بَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُقَيَّدُ مَا هُنَا بِالْأَمْرِ لَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ قَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْمَالِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّعْمِيمِ وَعَدَمِ إثْبَاتِ الدَّلِيل لِلْمُدَّعِي بِتَمَامِهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا أَعَمُّ مِمَّا بِالْفِعْلِ وَبِالْقُوَّةِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا يَأْتِي مَا هُوَ بِالْفِعْلِ فَلَا تَخَالُفَ أَوْ إنَّ مَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ غَيْرِهِمَا وَمَا ذَكَرَاهُ فِيمَا يَأْتِي مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا اهـ مُلَخَّصًا وَلَا يَخْفَاك التَّكَلُّفُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ (لَا يُقَالُ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ فُقَهَائِنَا أَنَّ مَنْ أَتَى بِالْوَاجِبِ مَثَلًا غَافِلًا عَنْ مُلَاحَظَةِ الِامْتِثَالِ غَيْرَ مُتَصَوِّرٍ لَهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَهُوَ يُنَافِي اعْتِبَارَ الِامْتِثَالِ فِي مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ (وَأُجِيبَ) بِاحْتِمَالِ مُخَالَفَةِ طَرِيقَتَيْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَبِاحْتِمَالٍ لِلتَّوْفِيقِ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ عِلَّةَ إتْيَانِهِ بِالْفِعْلِ لَاحَظَ أَنَّهَا قَصْدُ الِامْتِثَالِ وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ فَالدَّلِيلُ صَحِيحٌ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا أَوْ الِامْتِثَالُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ التَّكْلِيفَ.
(قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ) أَتَى بِهِ مَعَ تَقَدُّمِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنْ وَجَبَ وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ تَوَقُّفَ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ بِالشَّيْءِ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّكْلِيفِ وَامْتِنَاعَ وُجُودِهِ بِدُونِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَوَقُّفَ نَفْسِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعُهُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ اهـ.
وَقَوْلُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إلَخْ أَيْ لِجَوَازِ أَنْ يُكَلَّفَ غَيْرُ الْعَالِمِ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِالتَّكْلِيفِ فَيَأْتِيَ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ امْتِثَالًا قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى أَنْ يَقْتَضِيَ التَّكْلِيفُ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ امْتِثَالًا أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالتَّكْلِيفِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ امْتِثَالًا غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنْ الْغَافِلِ فَيَمْتَنِعُ طَلَبُهُ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَكَذَا عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ لِكَوْنِ تَكْلِيفِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ لَا التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ.
وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا بَعْدَ الْإِعْلَامِ بِهِ فَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِعْلَامِ لَا عَلَى التَّكْلِيفِ حَالَ الْغَفْلَةِ بَلْ التَّكْلِيفُ إذْ ذَاكَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِغَيْرِ مَقْدُورٍ وَتَكْلِيفٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالتَّكْلِيفُ حَقِيقَةً إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْإِعْلَامِ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ صِحَّةُ الِاسْتِلْزَامِ الَّذِي مَنَعَهُ وَانْدِفَاعُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ إلَخْ؛ لِأَنَّا لَمْ نَأْخُذْ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ فِي التَّكْلِيفِ مِنْ مُجَرَّدِ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي مُقْتَضَاهُ بَلْ مِنْ اعْتِبَارِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهِ وَالْفَائِدَةِ فِي التَّكْلِيفِ بِهِ اهـ.
مُلَخَّصًا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَوَقُّفَ نَفْسِ التَّكْلِيفِ إلَخْ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِاسْتِلْزَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ التَّكْلِيفُ بِدُونِ الْعِلْمِ كَانَ تَكْلِيفًا بِغَيْرِ مَقْدُورٍ وَتَكْلِيفًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَأَجَابَ النَّجَّارِيُّ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ كَمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا الْجَوَابُ أَقْعَدُ فَإِنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا تُعَلَّلُ بِالثَّمَرَاتِ وَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَابِعَةٌ لِأَفْعَالِ اللَّهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ لَا إلَى الْحَقِّ تَعَالَى لِتَعَالِيهِ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ أَنْ يَبْعَثَهُ شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ (قَوْلُهُ: بَعْدَ يَقَظَتِهِ) أَيْ زَوَالِ غَفْلَتِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْمَالِ) أَخْرَجَ غَيْرَ الْمَالِ كَالْخَمْرَةِ الْمُحْتَرَمَةِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ لَا ضَمَانَ فِيهِ وَإِنْ امْتَنَعَ إتْلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الصَّلَاةِ) أَيْ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا) قَدْ
(1/99)

وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَنْ يَدْرِي وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَمَّا أُلْجِئَ إلَيْهِ كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ عَلَى شَخْصٍ يَقْتُلُهُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهِ الْقَاتِلِ لَهُ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ بِالْمُلْجِئِ إلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُلْجِئَ إلَيْهِ وَاجِبُ الْوُقُوعِ وَنَقِيضُهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ وَقِيلَ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ كَحَمْلِ الْوَاحِدِ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِي التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّ وُجُوبَ قَضَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هُنَا شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اشْتِغَالُ ذِمَّتِهِ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ الْغَفْلَةِ وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا.
الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِعْلِ لِلصَّلَاةِ قَضَاءً وَهُوَ الْحَاصِلُ بَعْدَ زَوَالِ الْغَفْلَةِ وَهَذَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْإِتْلَافِ فَاشْتِغَالُ ذِمَّتِهِ بِالْبَدَلِ يَثْبُتُ حَالَ الْغَفْلَةِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَوُجُوبُ أَدَاءِ الْبَدَلِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ زَوَالِ الْغَفْلَةِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي إلَخْ) هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ مَا السَّابِقُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ أَيْ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْأَوَّلِ مَثَلًا كَمَا بَيَّنَّاهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ يَدْرِي) إنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَنْ يَدْرِي لِتَتِمَّ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَافِلِ وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ فِي تَفْسِيرِ مَفْهُومِهِ إلَى هَذَا الْقَيْدِ إذْ مَفْهُومُ الْمُلْجَإِ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَافِلِ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَتَصَادَقَانِ فِيمَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَهُوَ غَافِلٌ (قَوْلُهُ: وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) أَيْ لَا سَعَةَ مِنْ نَدَحْت الشَّيْءَ إذَا وَسَّعْته.
(قَوْلُهُ: عَمَّا أُلْجِئَ إلَيْهِ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِأَنَّ ذِكْرَ قَوْلِهِ أُلْجِئَ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الْمُلْجَأِ فِيهِ دَوْرٌ وَدَفَعَهُ سم بِأَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُلْجَأَ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ أَيْ الشَّخْصُ الْمَعْرُوفُ بِهَذَا الِاسْمِ وَأُلْجِئَ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: يَقْتُلُهُ) صِفَةٌ لِشَخْصٍ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ إذْ فَاعِلُ يَقْتُلُهُ هُوَ الْمُلْقَى وَلَمْ يَبْرُزْ جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ لِأَمْنِ اللَّبْسِ هُنَا بِظُهُورِ أَنَّ الْقَاتِلَ هُوَ الْمُلْقَى أَوْ حَالٌ مُنْتَظَرَةٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْمُلْقَى.
(قَوْلُهُ: الْقَاتِلِ لَهُ) صِفَةٌ لِلْوُقُوعِ وَضَمِيرُ لَهُ لِلشَّخْصِ الْمُلْقَى عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَاجِبُ الْوُقُوعِ) أَيْ عَادَةً وَكَذَا قَوْلُهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ (قَوْلُهُ: وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ) أَيْ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ بِهَا يُتَمَكَّنُ مِنْهُمَا وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ فِي وَاجِبِ الْوُقُوعِ وَمُمْتَنِعِهِ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ) وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ لَيْسَ مِنْهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الطَّاقَةَ هِيَ الْقُدْرَةُ فَمَا يُطَاقُ هُوَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ سَوَاءٌ امْتَنَعَ لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ أَوْ امْتَنَعَ لَا لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْمُحَالُ لِغَيْرِهِ كَخَلْقِ الْأَجْسَامِ وَبِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَذْكُورَةَ لِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَهِيَ الِاخْتِيَارُ هَلْ يَأْخُذُ فِي الْأَسْبَابِ جَارِيَةً فِي تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ رَدِّ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ لِانْتِفَائِهَا فِيهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ مُنَافٍ لِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْهُ قَالَ سم مَا ادَّعَاهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ مَا ذُكِرَ مَمْنُوعٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ بِنَاءِ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنْبَنِيَ فَرْدُ الشَّيْءِ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ حُكْمِهِ فَقَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ أَيْ الَّذِي هَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ أَيْ لِأَجْلِ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ الَّذِي
(1/100)

مِنْ الِاخْتِيَارِ هَلْ يَأْخُذُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
هَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ اسْتِثْنَاؤُهُ عَنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزِ لَهُ عَنْهُ وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُنَافَاةِ الَّتِي ادَّعَاهَا آخَرُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَضُدُ وَغَيْرُهُ لَكِنْ يَحْتَاجُ لِتَحْرِيرِ فَرْقٍ وَاضِحٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ التَّكَالِيفِ بِالْمُحَالِ كَالتَّكْلِيفِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَهُوَ صَعْبٌ جِدًّا وَفِي عِبَارَةِ الزَّرْكَشِيّ فِي بَيَانِ الْمُلْجَأِ أَخْذًا مِنْ مَنْعِ الْمَوَانِعِ مَا يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ وَذَلِكَ كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ فَهُوَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْوُقُوعِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ وَلَا هُوَ بِفَاعِلٍ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ كَالسِّكِّينِ فِي يَدِ الْقَاطِعِ فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فِعْلٌ وَحَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ اهـ.
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاخْتِيَارِ مَنْ لَا فِعْلَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَرْدَ الشَّيْءِ يَسْرِي إلَيْهِ الْحُكْمُ مِمَّا انْدَرَجَ هُوَ فِيهِ إذْ الْحُكْمُ عَلَى الْكُلِّيِّ أَوْ الْعَامِّ بِحُكْمٍ حُكْمٌ عَلَى سَائِرِ أَفْرَادِهِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ الثَّانِيَ تَخْصِيصٌ فَمَا مَعْنَى إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْهُ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكُلِّيَّ أَوْ الْعَامَّ فَإِنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الْبِنَاءِ يُشْعِرُ بِالْمُقَايَسَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمُغَايَرَةِ فَقَوْلُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنْبَنِيَ إلَخْ كَلَامٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ وَاعْتَرَضَ النَّاصِرُ أَيْضًا قَوْلَ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إلَخْ بِأَنَّ الْبِنَاءَ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ فَكَانَ الظَّاهِرُ إسْقَاطَ لَفْظِ جَوَازِ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ حُكْمُ الْأَصْلِ وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ فِي الِاصْطِلَاحِ مَحَلُّ الْحُكْمِ لَا الْحُكْمُ كَمَا فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْبِنَاءُ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ مَا ذَكَرَهُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّعْلِيلَ بِأَنَّ هَذَا فَرْدُ ذَاكَ فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُ كَمَا مَرَّ اهـ.
وَفِيهِ مَا مَرَّ قَالَ النَّاصِرُ فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ مِنْ إدْرَاجِ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ كَوْنُ الْمُلْجِئِ إلَيْهِ مُحَالًا وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا.
قُلْت الْمُمْكِنُ
(1/101)

فِي الْمُقَدِّمَاتِ مُنْتَفِيَةً فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَإِلَى حِكَايَةِ هَذَا وَرَدِّهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِتَعْبِيرِهِ بِالصَّوَابِ.

(وَكَذَا الْمُكْرَهُ) وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
بِالذَّاتِ قَدْ يَجِبُ لِشَيْءٍ كَتَعَلُّقِ الْعِلَّةِ الْمُوجَبَةِ بِهِ كَالْإِلْقَاءِ مِنْ شَاهِقٍ وَيَسْتَحِيلُ لِآخَرَ كَأَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْعِلَّةُ الْفَاعِلِيَّةُ بِالِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ مُحَالًا بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْعِبَارَاتِ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فِي الْمُقَدِّمَاتِ) يَعْنِي مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَأْمُورُ بِهِ

(قَوْلُهُ: وَكَذَا) الْمُشَارُ إلَيْهِ الْغَافِلُ وَالْمُلْجَأُ بِاعْتِبَارِ تَأْوِيلِهِ بِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ فِي تَعْرِيفِ الْمُلْجَأِ وَتَعْرِيفِ الْمُكْرَهِ صَرِيحٌ فِي تَغَايُرِهِمَا وَهُوَ أَيْضًا صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثًا كُلٌّ مِنْهَا أَبْعَدُ مِمَّا تَلِيهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْمَتْنِ قَالَ فَأَبْعَدُهَا تَكْلِيفُ الْغَافِلِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي وَيَتْلُوهَا تَكْلِيفُ الْمُلْجَأِ فَإِنَّهُ يَدْرِي وَلَكِنْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ الْفِعْلِ وَيَتْلُوهَا الْمُكْرَهُ فَإِنَّهُ يَدْرِي وَلَهُ مَنْدُوحَةٌ بِالصَّبْرِ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ لَا يُلَائِمُهُ مَا ذَكَرَهُ سم بِقَوْلِهِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ وَأَتْبَاعِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُلْجَأَ قِسْمٌ مِنْ الْمُكْرَهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ جَوَازِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ كَعَكْسِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ وَحُسْنِهِ لِنُكْتَةٍ وَهِيَ هُنَا مُخَالَفَةُ الْمُلْجَأِ كَغَيْرِهِ بِضَعْفِ الْخِلَافِ فِيهِ جِدًّا حَتَّى عُدَّ الْمُخَالِفُ مُخْطِئًا كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِتَعْبِيرِهِ بِالصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ فِيهِ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ اهـ.
وَأَقُولُ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ دَوْرٌ وَيُجَابُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلْجَأِ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ وَاحْتِرَازُهُمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ كَوْنَ الصَّوَابِ الِامْتِنَاعُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقَوْلُهُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ أَيْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُنَافِيه التَّعْبِيرُ بِلَوْ لِأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ النَّفْيِ وَلَوْ مَعْنًى كَالِامْتِنَاعِ هُنَا كَانَ النَّفْيُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاطِفَاتِ قَالَ الْكَمَالُ فِيهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ دَعْوَى الْخِلَافِ فِي تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِنَقِيضِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ
(1/102)

بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَمْنُوعَةٌ فَقَدْ حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِتَرْكِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَالتَّكْلِيفِ بِتَرْكِ قَتْلِ الْمُكَافِئِ عُدْوَانًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّ قَوْلَهُ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ وَقَوْلَهُ فِي الْمَكْرُوهِ عَلَى الْقَتْلِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْقَتْلِ الصَّادِرِ لِلْإِكْرَاهِ بِتَرْكِهِ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ الْمُكْرَهِ وَحَالَ الْمُبَاشَرَةِ مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُمْ قَائِلُونَ بِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ فِعْلِ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ فِعْلِ الْمُكْرَهِ وَقَدْ وَافَقَهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى انْقِطَاعِ التَّكَلُّفِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ مَعَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ قَبْلَ صُدُورِهِ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ هَلْ يَجُوزُ عَقْلًا تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ ثُبُوتُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَإِنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الثَّانِي لَا مَعَ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ فِي الْأَمْرَيْنِ اهـ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ أَوْ بِنَقِيضِهِ عَلَى الصَّحِيحِ لَا يُعَارِضُهُ حِكَايَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِنَقِيضِ الْفِعْلِ فِي صُورَتِهِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّكْلِيفِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِيثَارُ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِكْرَاهُ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ لِإِيثَارِهِ نَفْسَهُ وَمَعْنَى التَّكْلِيفِ بِهِ مِنْ حَيْثُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّ تَخْصِيصَ الْمُكْرَهِ بِالذِّكْرِ لِوُضُوحِ الْخِلَافِ بِالْفِعْلِ مَعَهُمْ فِيهِ لَا لِاخْتِصَاصِ فِعْلِ الْمُكْرَهِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ بِهَذَا الْخِلَافِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُمْ يَفْرِضُونَ النِّزَاعَ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ لِإِيضَاحِ التَّصْوِيرِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَامًّا عَلَى أَنَّهُ يُبْطِلُ الِاعْتِرَاضَ الثَّانِيَ مِنْ أَصْلِهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ حَالُ الْقُدْرَةِ وَأَنَّهُ مَفْقُودٌ فِي الْمُكْرَهِ حَتَّى فِي تِلْكَ الْحَالِ فَالتَّخْصِيصُ بِالْمُكْرَهِ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى
(1/103)

فَإِنَّ الْفِعْلَ لِلْإِكْرَاهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الِامْتِثَالُ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ (وَلَوْ) كَانَ مُكْرَهًا (عَلَى الْقَتْلِ) لِمُكَافِئِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْقَتْلِ لِلْإِكْرَاهِ بِتَرْكِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَإِثْمُ الْقَاتِلِ) الَّذِي هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
امْتِثَالِ ذَلِكَ) أَيْ تَكْلِيفُهُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْفِعْلَ) لِلْإِكْرَاهِ قَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْصِدَ بِالْفِعْلِ دَاعِيَ الشَّرْعِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُقَابِلِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَبْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَا يَتَأَتَّى مَا ذَكَرَهُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِهِ) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَحْصُلُ وَمَجْرُورُهَا عَائِدٌ إلَى الْفِعْلِ فَالْمَعْجُوزُ عَنْهُ هُوَ الِامْتِثَالُ وَإِنْ وُجِدَ الْفِعْلُ بِدُونِهِ وَأَمَّا النَّقِيضُ فَهُوَ مَعْجُوزٌ عَنْهُ نَفْسُهُ لِوُجُودِ الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِالنَّقِيضِ وَإِلَّا لَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ) الضَّمِيرَانِ لِلْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مَعَهُ إلَى أَنَّ امْتِنَاعَ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ حَالَةَ الْفِعْلِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْفِعْلِ قَالَهُ عَمِيرَةُ وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ عِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ وَهُمْ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مُنْتَفٍ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ وَالِانْتِفَاءُ الَّذِي يَخُصُّ الْمُكْرَهَ الِانْتِفَاءُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: لِمُكَافِئِهِ) أَوْ لِغَيْرِهِ الْمُحْتَرَمِ الْمَفْهُومِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ التَّكْلِيفُ فِي الْمُكَافِئِ الَّذِي يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْقَوَدُ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ النَّاصِرُ قَوْلُهُ لِمُكَافِئِهِ بَيَانٌ لِمُتَعَلِّقِ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا قَدَرَهُ بِخُصُوصِهِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ لَوْ أَظْهَرُ فِيهِ إذْ رُبَّمَا يُقَالُ فِي غَيْرِ الْمُكَافِئِ يُكَلَّفُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِلْإِكْرَاهِ) صِلَةُ الْقَتْلِ وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَقَوْلُهُ بِتَرْكِهِ صِلَةُ تَكْلِيفِهِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى تَرْكِهِ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ النَّاصِرُ وَلَمْ يَقُلْ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَتَرَكَهُ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّرْكِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَى قَتْلِ الْمُكَافِئِ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِالْفِعْلِ وَلَا بِنَقِيضِهِ كَمَا قُلْتُمْ فَلِأَيِّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْإِثْمُ فَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِثْمَ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِيثَارُ أَيْ تَقْدِيمُهُ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ عَلَى مُكَافِئِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى تَرْكِهِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُكْرَهَ لَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ قَتْلِهِ لِمُكَافِئِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْمُكْرَهُ لَهُ إنْ لَمْ يَقْتُلْ ذَلِكَ الْمُكَافِئَ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ) ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْسُنُ الْإِيرَادُ إذَا
(1/104)

(لِإِيثَارِهِ نَفْسِهِ) الْبَقَاءَ عَلَى مُكَافِئِهِ الَّذِي خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا الْمُكْرِهُ بِقَوْلِهِ اُقْتُلْ هَذَا وَإِلَّا قَتَلْتُك فَيَأْثَمُ بِالْقَتْلِ مِنْ جِهَةِ الْإِيثَارِ دُونَ الْإِكْرَاهِ وَقِيلَ يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ (قَوْلُهُ: لِإِيثَارِ نَفْسِهِ بِالْبَقَاءِ) هَذَا لَا يَتَأَتَّى إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ بِهِ غَيْرَ الْقَتْلِ كَالْقَطْعِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِيثَارُ بِالْبَقَاءِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ بِهِ مُفَوِّتًا لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَمْتَثِلْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: الَّذِي خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا الْمُكْرَهُ) نَعْتٌ لِمُكَافِئِهِ وَالْهَاءُ فِي خَيَّرَهُ لَيْسَتْ عَائِدَ الْمَوْصُولِ بَلْ تَعُودُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْعَائِدُ الضَّمِيرُ فِي بَيْنَهُمَا وَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَوْصُولِ وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ الَّذِي خَيَّرَهُ الْمُكْرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ وَأَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ الَّذِي مُثَنًّى فِي الْمَعْنَى صِفَةٌ لِلْبَقَاءَيْنِ الْمَذْكُورِ وَالْمُقَدَّرِ مُضَافًا إلَى قَوْلِهِ مُكَافِئَةٌ بِدَلِيلِ إتْيَانِهِ بِالْعَائِدِ مُثَنًّى فِي قَوْلِهِ بَيْنَهُمَا وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ بِالْقَتْلِ) قَالَ النَّاصِرُ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ فَيَأْثَمُ بِالْإِيثَارِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِثْمِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا الْقَتْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ وَلَا بِنَقِيضِهِ لَا حَالَ مُبَاشَرَتِهِ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ وَلَا قَبْلَهَا لِأَنَّ الْقُدْرَةَ إنَّمَا تُوجَدُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ التَّكْلِيفُ وَالنَّهْيُ إلَّا بِإِيثَارِهِ نَفْسَهُ أَيْ بِالْعَزْمِ عَلَى ذَلِكَ فَالْإِثْمُ إنَّمَا هُوَ بِهِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْحَامِلَ لِلشَّارِحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُوَافَقَةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَهُوَ إنَّمَا صَرَّحَ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ فَهُوَ أَيْ الْقَتْلُ ذُو جِهَتَيْنِ جِهَةِ الْإِكْرَاهِ وَلَا إثْمَ مِنْ نَاحِيَتِهَا وَجِهَةِ الْإِيثَارِ وَلَا إكْرَاهَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ أَصْلُ الْقَتْلِ لَا عِقَابَ فِيهِ وَالْقَتْلُ الْمَخْصُوصُ فِيهِ عِقَابٌ لِتَضَمُّنِهِ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ إيثَارُ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ اهـ.
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِثْمَ بِالْقَتْلِ مِنْ جِهَةِ الْإِيثَارِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ أَنَّ إثْمَهُ بِالْقَتْلِ لِأَجْلِ تَضَمُّنِ ذَلِكَ الْقَتْلِ إيثَارَ نَفْسِهِ وَلَا يَنْهَضُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِالْقَتْلِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ بِهِ وَإِثْمُ فَاعِلِهِ مِنْ حَيْثُ تَضَمُّنُهُ الْإِيثَارَ.
وَأَمَّا جَعْلُهُ الْإِثْمَ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِيثَارِ لِأَنَّهُ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِهِ فَلَا يُنَاسِبُ فَرْضَ هَذَا الْقَوْلِ الصَّحِيحِ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ الْمُسْتَدْعِي لِفَرْضِ كَوْنِ السُّؤَالِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ الْمُشَارُ إلَيْهِمَا بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ مُتَعَلِّقَيْنِ بِحَالِ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ الْعَزْمَ لَا يَكُونُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ بَلْ قَبْلَهَا وَهَذَا الْعَزْمُ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى يَأْثَمُ بِهَا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي إثْمَهُ بِالْقَتْلِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ تَضَمُّنِهِ الْإِيثَارَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ)
(1/105)

لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِي بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لِدَاعِي الشَّرْعِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَنَوَاهَا عِنْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ أَوْ بِنَقِيضِهِ صَابِرًا عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَامْتَنَعَ مِنْهُ صَابِرًا عَلَى الْعُقُوبَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالثَّانِي لِلْأَشَاعِرَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
يَعْنِي قَبْلَ التَّلَبُّسِ فِي الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ الثَّانِي مَفْرُوضٌ فِيمَا قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَفْرُوضٌ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ) أَيْ التَّكْلِيفِ بِنَوْعَيْهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ إضَافَةُ الِامْتِثَالِ إلَى الْإِشَارَةِ إذْ الِامْتِثَالُ يُضَافُ لِلتَّكْلِيفِ دُونَ الْمُكَلَّفِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزَّكَاةِ فَنَوَاهَا) قَالَ النَّاصِرُ لَوْ قَالَ فَنَوَاهُ لَكَانَ أَوْفَقَ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَلِلْوَاقِعِ قَالَ سم وَجَّهَ لَهُ وَلِلْوَاقِعِ أَنَّ الْمَنْوِيَّ فِي الْوَاقِعِ هُوَ أَدَاؤُهَا هَذَا مُرَادُهُ ثُمَّ رَدَّ الِاعْتِرَاضَ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي نِيَّةِ الزَّكَاةِ مُلَاحَظَةُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ زَكَاةٌ وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْأَدَاءِ وَقَصْدُهُ وَأَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِ مَذْهَبِ الشَّيْخِ مُوَافِقًا لِاعْتِرَاضِهِ فَلَا يُسَوَّغُ لَهُ بِذَلِكَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّارِحِ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى اعْتِقَادِهِ الِاعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَالنَّاصِرُ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِالنَّقِيضِ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا بِالصَّبْرِ الْمَذْكُورِ إذْ لَا يَحْصُلُ النَّقِيضُ إلَّا بِهَذَا الصَّبْرِ وَكُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَأَجَابَ النَّاصِرُ بِجَعْلِهِ مُبَالَغَةً عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِنَقِيضِهِ مُجَرَّدًا عَنْ النَّظَرِ إلَى التَّكْلِيفِ بِهِ وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ آخَرَ أَوْضَحَ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ إلَخْ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أُكْرِهَ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي كَلَّفَهُ الشَّارِعُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ دُونَ التَّكْلِيفِ بِالنَّقِيضِ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ بِهِ بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ دُونَ التَّكْلِيفِ بِالنَّقِيضِ تَارَةً يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ وَالزِّنَا وَتَارَةً لَا يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ بَلْ يَجُوزُ تَعَاطِي الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْصِيلَ الْمَنْدُوحَةِ فِي الْإِكْرَاهِ بِاعْتِبَارِ مُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ وَأَنَّهُ تَارَةً يَجِبُ ارْتِكَابُهَا وَتَارَةً لَا وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ لَا تُنَافِي وُجُوبَ الصَّبْرِ عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ مُطْلَقًا إذَا كُلِّفَ بِنَقِيضِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ فِي صِحَّةِ تَوْجِيهِهِ حِينَئِذٍ بِمَا مَرَّ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْفِعْلَ لِلْإِكْرَاهِ إلَخْ الْمُقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ نَظَرَ فِي التَّكْلِيفِ إلَى حَالِ الْمُبَاشَرَةِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمْ ثُبُوتُ التَّكْلِيفِ قَبْلَ حُدُوثِ الْفِعْلِ وَانْقِطَاعِهِ حَالَ حُدُوثِهِ اهـ.
قَالَ سم وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ مُنَافٍ لِأَصْلِهِمْ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي التَّكْلِيفِ وَعَدَمِهِ بِحَالِ حُدُوثِ الْفِعْلِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَكْسُ أَصْلِهِمْ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِيمَا ذُكِرَ بِمَا قَبْلَ حُدُوثِ الْفِعْلِ لَا بِحَالِ حُدُوثِهِ إذْ التَّكْلِيفُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ قَبْلَ الْحُدُوثِ وَيَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ حَالَ الْحُدُوثِ وَلَا خَفَاءَ فِي قُوَّةِ هَذَا الْإِشْكَالِ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعْتَزِلَةِ هُنَا بَعْضُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ السَّيِّدِ الْمُعْتَزِلَةَ فِي قَوْلِ الْمَوَاقِفِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْقُدْرَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ بِقَوْلِهِ أَيْ أَكْثَرِهِمْ وَإِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ خَالَفَ بَقِيَّةَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِ إنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّهُ حَالُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لِلْأَشَاعِرَةِ) أَيْ لِجُمْهُورِهِمْ إذْ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ مَنْ قَالَ إنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ
(1/106)

وَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آخِرًا وَمِنْ تَوْجِيهِهِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ.

(وَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا) بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمُبَاشَرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آخِرًا) أَيْ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فَقَالَ وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ ثُمَّ يَرِدُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِرُجُوعِهِ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إلَخْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَمُّحٌ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ تَوْجِيهِهِمَا إلَخْ) لِأَنَّ تَوْجِيهَ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى فَرْضِ كَلَامِهِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ وَتَوْجِيهَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ إلَخْ يَدُلُّ فَرْضَ كَلَامِهِ فِيمَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إلَخْ) فِيهِ تَسَمُّحٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ نِزَاعَ الْفَرِيقَيْنِ الْوَاقِعَ بِالْفِعْلِ لَمْ يَتَوَارَدُوا فِيهِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِيهِمَا حَقِيقَةً.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الْأَوَّلِ إلَخْ) فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَهَا إلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ قُبَيْلَ التَّلَبُّسِ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لَا تَكْلِيفَ بِهِ وَلَا بِنِقْضَيْهِ وَبَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ لِلْإِكْرَاهِ يَمْتَنِعُ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا وَبِنَقِيضِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِرُجُوعِ الْمُصَنِّفِ إلَى الثَّانِي وَأَنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولِهِمْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّحْقِيقُ هُوَ الثَّانِي وَبِالْجُمْلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَقَعْ لَهَا تَحْرِيرٌ عَلَى مَا يَنْبَغِي فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَا فِي مَوَادِّهِ فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهَا فَلْيُرْجِعْ لِمُطَوَّلَاتِ كُتُبِ الْكَلَامِ وَلِأَجْلِ هَذَا الِاضْطِرَابِ أَمَرَ الشَّارِحُ أَثْنَاءَ الْبَحْثِ بِالتَّأَمُّلِ.

(قَوْلُهُ: وَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ) قَالَ النَّاصِرُ الْأَمْرُ هُوَ الْإِيجَابُ وَالنَّدْبُ وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا وَتَنْجِيزِيًّا مَعًا فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَمْرٌ بِالْمَعْدُومِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ ذَاتُ الْخِطَابِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْأَمْرَ هُنَا هُوَ الْأَمْرُ الْمَعْنَوِيُّ الْآتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ أَيْ الْكَلَامُ فِي الْأَزَلِ إلَى أَمْرٍ وَغَيْرِهِ لَا الْأَمْرُ التَّنْجِيزِيُّ الَّذِي هُوَ قِسْمٌ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَسَيَأْتِي تَنَوُّعُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ إلَخْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ أَيْضًا يَكُونُ مَعْنَوِيًّا كَمَا يَكُون تَنْجِيِزيًّا فَإِنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَمِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ انْقِسَامُ كُلٍّ مِنْ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ إلَى تَنْجِيزِيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ فَسَقَطَ الْإِشْكَالُ رَأْسًا وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ قَدْ تُسْتَشْكَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا فِي حَالِ الْغَفْلَةِ وَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْمَوْجُودِ فِي حَالِ غَفْلَتِهِ.
أَشْكَلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْدُومِ بَلْ الْغَافِلُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَعْدُومُ مَأْمُورًا بَعْدَ وُجُودِهِ بِالْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وُجُودِهِ كَانَ الْغَافِلُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِد
(1/107)

بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ لَا تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
قَبْلَ تَذْكِيرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا حَالَ غَفْلَتِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي حَالِ غَفْلَتِهِ فَيَكُونُ حُكْمُ الْغَافِلِ كَحُكْمِ الْمَعْدُومِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَكُونُ مَأْمُورًا حَالَ عَدَمِهِ وَلَا حَالَةَ غَفْلَتِهِ وَيَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ وُجُودِهِ أَوْ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي حَالَةِ الْعَدَمِ وَحَالَةِ الْغَفْلَةِ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِإِفْرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا اهـ.
مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَعْدُومِ هُوَ الْأَمْرُ الْمَعْنَوِيُّ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ حَالَ عَدَمِهِ تَعَلَّقَ بِالْغَافِلِ حَالَ غَفْلَتِهِ بِالْأَوْلَى بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الصَّوَابِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ فَيَشْمَلُ الْمَعْدُومَ حَقِيقَةً وَالْمَوْجُودَ الَّذِي لَمْ يَتَّصِفْ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ فَالْغَافِلُ قَبْلَ وُجُودِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ وُجُودِهِ حَالَ غَفْلَتِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ التَّعَلُّقِ بِطَرِيقِ اسْتِمْرَارِ التَّعَلُّقِ حَالَ الْعَدَمِ وَالْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ فِي مَسْأَلَةِ الْغَافِلِ الَّذِي نُفِيَ عَلَى الصَّوَابِ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ لَا تُشْكَلُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَلَا تَشْتَبِهُ هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ مَا يَشْمَلُ مَا وُجِدَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ لَا يُسَوَّغُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ وُجِدَ بِدُونِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ اهـ.
بِقَوْلِهِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّعْمِيمِ لِأَنَّ مَنْ وُجِدَ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ قَبْلَ وُجُودِهِ وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ وُجُودِهِ وَقَبْلَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ فِيهِ اهـ. لِأَنَّ هَذَا نَقْضٌ لِمَا بَنَى عَلَيْهِ جَوَابَ الْإِشْكَالِ تَأَمَّلْ وَنَعَمْ مَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا يَظْهَرُ تَعَلُّقُهَا بِهَذَا الْفَنِّ أَصْلًا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ فُرُوعِ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ) وَمِنْهَا الْبَعْثَةُ لَكِنْ يَجِبُ كَوْنُ الْبَاءِ لِلْمَعِيَّةِ لَا لِلْمُلَابَسَةِ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ الْبَعْثَةُ وَلَا يَصِحُّ مُلَابَسَةُ الشَّخْصِ لَهَا بِخِلَافِ الْمُصَاحَبَةِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَكَلَامُ سم هُنَا مَعَهُ بَعِيدٌ عَنْ مَذَاقِ كَلَامِهِ.
(قَوْلُهُ: يَكُونُ مَأْمُورًا إلَخْ) إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا عَلَى وَجْهِ التَّنْجِيزِ لَزِمَ تَفْسِيرُ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وَإِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا إلَّا بِقَيْدٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا حَالَ عَدَمِهِ وَهُوَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ مِنْ إثْبَاتِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا حَالّ الْعَدَمِ فَاللَّائِقُ بِالْإِيضَاحِ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيُوجَدُ بِشَرْطِ التَّكْلِيفِ طَلَبٌ مِنْهُ فِي الْأَزَلِ مَا يَفْهَمُهُ وَيَعْقِلُهُ إذَا وُجِدَ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَإِذَا وُجِدَ بِهَا تَعَلَّقَ بِهِ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ بِذَلِكَ الطَّلَبِ الْأَزَلِيِّ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ طَلَبٍ آخَرَ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْعَضُدِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّعَلُّقَ وَاحِدٌ فَلِذُلِّك قَالَ النَّاصِرُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ بَلْ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَبَاحِثِ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ إذَا اُعْتُبِرَ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ وَحْدَهُ كَافِيًا فِي تَحَقُّقِ مَفْهُومِ الْحُكْمِ اهـ.
وَهُوَ وَجِيهٌ وَقَالَ النَّجَّارِيُّ ثُمَّ إنَّ هَذَا كُلَّهُ يَعْنِي لُزُومَ التَّنَاقُضِ وَغَيْرُهُ مَبْنِيٌّ كَمَا تَرَى عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ يُسَمَّى حُكْمًا بِدُونِ التَّعْلِيقَيْنِ أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ مُسَمَّى الْحُكْمِ هُوَ الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ التَّعَلُّقُ بِفِعْلِ
(1/108)

بِأَنْ يَكُونَ حَالَةَ عَدَمِهِ مَأْمُورًا (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي نَفْيِهِمْ التَّعْلِيقَ الْمَعْنَوِيَّ أَيْضًا لَنَفِيهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَالنَّهْيَ وَغَيْرَهُ كَالْأَمْرِ وَسَيَأْتِي تَنَوُّعُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَى الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ.

(فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمُكَلَّفِ عِنْدَ وُجُودِهِ بِشَرَائِطِ التَّكْلِيفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْكَمَالُ فَلَا إشْكَالَ اهـ.
وَكَلَامُ سم يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنْ التَّنَاقُضِ بِأَنَّ حَاصِلَ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ تَعْلِيقُ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ عَلَى الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ فَالْمُتَوَقِّفُ عَلَى الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ الْمُنْتَفِي قَبْلَهُ هُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَالْمَطْلُوبُ إثْبَاتُهُ قَبْلَ الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ هُوَ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ اهـ.
وَنَازَعَ النَّاصِرُ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا يَثْبُتُ إلَخْ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي تَعَلُّقِ الْأَمْرِ لَا الْحُكْمِ وَأَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ قِسْمَانِ مَعْنَوِيٌّ وَتَنْجِيرِيٌّ وَأَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَعْنَوِيَّ غَيْرُ الْحُكْمِ التَّنْجِيزِيِّ الَّذِي هُوَ مُرَادُ الشَّارِحِ هُنَا بِالْحُكْمِ فَمِنْ أَيْنَ لَزِمَ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْمَبْحَثِ تَحَقُّقُ مَفْهُومِ الْحُكْمِ عِنْدَ تَحَقُّقِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ حَتَّى يَتَأَتَّى هَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّيْخِ اهـ.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ تَعْلِيقَ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لَيْسَ مِنْ التَّعَلُّقِ فِي شَيْءٍ بَلْ يَرْجِعُ لِتَخْصِيصِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِمَا بَعْدَ الْوُجُودِ فَلَيْسَ ثَمَّ إلَّا تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ فَإِنَّ قَصُدَ التَّعَلُّقُ عَلَى حَالَةِ الْوُجُودِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الشَّارِحِ لَيْسَ تَعَلُّقًا حَالَةَ الْعَدَمِ بَلْ هُوَ عَدَمُ التَّعَلُّقِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلتَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَكَوْنِهِ عَدَمًا لِلتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لَا يَجْعَلُهُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بَلْ هُوَ عَدَمٌ لِلتَّعَلُّقِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَا يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ حَالَةَ عَدَمِهِ إلَخْ) يَنْبَغِي هُنَا إرَادَةُ عَدَمِهِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ يُوجَدَ هُوَ وَلَا تُوجَدَ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ وَقَوْلُهُ مَأْمُورًا أَيْ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا.
(قَوْلُهُ: لِنَفْيِهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ) وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَسَّمِ نَفْيُ الْأَقْسَامِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْأَمْرُ وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَمْرِ نَفْيُ تَعَلُّقِهِ قَالَ سم لِبَاحِثٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا النَّفْيُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ النَّفْيَ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ فَهَلَّا أَثْبَتُوا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بِمَعْنَى إرَادَةِ الْفِعْلِ مِنْهُ إذَا وُجِدَ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ اهـ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ وَنَفْيُهُمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ يَقْتَضِي نَفْيَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ يَقْتَضِي نَفْيَ تَعَلُّقِهِ وَأَمَّا أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا فَشَيْءٌ آخَرُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ وَغَيْرُهُ) النَّهْيُ يَشْمَلُ غَيْرَ الْجَازِمِ أَيْضًا فَيَنْحَصِرُ قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ فِي الْإِبَاحَةِ وَقَوْلُهُ كَالْأَمْرِ أَيْ فَيَتَعَلَّقَانِ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلُهُ سَيَأْتِي أَيْ فَتَسْمِيَةُ الْمُصَنِّفِ لَهُ أَمْرًا بِحَسَبِ الْأَزَلِ صَحِيحٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَصَحُّ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ إلَى الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ لَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِتَعَلُّقِ النَّهْيِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِمَّا سَيَأْتِي وَلَا يَرِدُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ مَفْهُومٌ أَيْضًا مِمَّا سَيَأْتِي فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ لِأَنَّ وَجْهَ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مُخَالَفَةِ الْمُعْتَزِلَةِ لِئَلَّا يُغْفَلَ عَنْ ذَلِكَ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ الْفِعْلَ) قَالَ الْكُورَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ جَعَلَ الْمُقَسَّمَ نَفْسَ الْخِطَابِ دُونَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ جِنْسُ الْحُكْمِ فَالْعُدُولُ عَنْ الْحُكْمِ لَا وَجْهَ لَهُ الثَّانِي أَنَّهُ جَعَلَ التَّرْكَ فِي الْحَرَامِ مُتَعَلِّقَ الِاقْتِضَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ غَيْرُ مَقْدُورٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَفِّ الثَّالِثُ: أَنَّهُ جَعَلَ خِلَافَ الْأَوْلَى مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَوَّلِيَّةِ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ جَعَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامَ لِلْخِطَابِ مِمَّا لَا مَانِعَ عَنْهُ وَكَوْنُهُ جِنْسًا لِلْحُكْمِ غَيْرُ مَانِعٍ وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ تَقْسِيمِ الْحُكْمِ بَيَانُ صِحَّةِ جَعْلِهَا أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ رَدًّا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَعْلِ بَعْضِهِمْ إيَّاهَا أَقْسَامًا لِلْحُكْمِ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةٌ وَالتَّعْبِيرُ الْوَاقِعُ هُنَا وَاقِعٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ فَالْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ إلَخْ فَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ الْقَوْمَ هُنَا فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّرْكِ ثُمَّ حَقَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِمَّا هُنَا.
وَعَنْ
(1/109)

أَيْ طَلَبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الثَّالِثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعَرُّضٌ لِكَوْنِ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلِيَّةٌ أَوْ ثَانَوِيَّةٌ بَلْ عِبَارَتُهُ مُحْتَمَلَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ الْأَقْسَامِ فِي الْجُمْلَةِ لِتَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِبَيَانِهَا كَذَلِكَ إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْأُصُولِيِّ فِي تَمْيِيزِ الْأُولَى مِنْهَا عَنْ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَجْعَلْهَا أَقْسَامًا لِلْحُكْمِ بَلْ لِلْخِطَابِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ مِمَّا أَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ وَيَرِدُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ فِي الْحَقِيقَةِ لِنَوْعٍ مِنْ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ لَا الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ فَإِنَّ أَقْسَامَهُ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّ مِنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ.
ثُمَّ إنَّ الْأُصُولِيَّ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْخِطَابِ الْعَامِّ وَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِنَوْعٍ مِنْهُ مُسَمًّى بِالْحُكْمِ فَأَيُّ دَاعٍ لِجَعْلِ الْمُقَسَّمِ مُطْلَقَ الْخِطَابِ مَعَ أَدَائِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الِانْحِصَارِ وَتَصْحِيحِ جَعْلِهَا أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ مَا يَحْتَاجُ لِمَعُونَةٍ بِأَنْ يُرَادَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ فَيَعُودُ لِلْحُكْمِ وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمُوَرَّدَ نَفْسَهُ أَجَابَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَيْهِ جَوَابُهُ فَلَا حَاجَةَ لِجَوَابِهِ الدَّاعِي لِلتَّكْرَارِ وَعَلَى الثَّالِثِ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ فِي التَّقْسِيمَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ أَوَّلَ الْمَبَاحِثِ هِيَ التَّقْسِيمَاتُ الْأَوَّلِيَّةُ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ بَيْنَ أَرْبَابِ التَّدْوِينِ.
وَفِي الْكَمَالِ أَنَّ إسْنَادَ الِاقْتِضَاءِ إلَى الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ مَجَازٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ النَّفْسِيَّيْنِ خِطَابٌ نَفْسِيٌّ لَا أَمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ مُغَايِرٌ لَهُ وَكَتَبَ حَاشِيَةً عَلَى هَذَا نَصُّهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ جَعَلَ لِلِاقْتِضَاءِ اقْتِضَاءً أُسْنِدَ إلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ حَيْثُ جَعَلُوا لِلْجَدِّ جَدًّا أَسْنَدُوهُ إلَيْهِ اهـ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِطَابِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فَلَيْسَ مَصْدَرًا أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا اقْتَضَى وُقُوعَ الْخِطَابِ هُنَا عَلَى الِاقْتِضَاءِ يَمْنَعُ مِنْهُ قِسْمُ الْإِبَاحَةِ الْآتِي فِي الِاقْتِضَاءِ إذْ لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُ الشَّارِحِ فِي اعْتِرَاضِهِ الْآتِي عَلَى الْمُصَنِّفِ.
وَالصَّوَابُ أَوْ خُيِّرَ لِبَقَاءِ الْمَحْذُورِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ فِي خُيِّرَ إلَى الْخِطَابِ بِمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ عَلَى هَذَا فَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ هُنَا الطَّلَبُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَيَرْجِعُ لِتَعَلُّقِ الْخِطَابِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اشْتِقَاقُ الْفِعْلِ وَهُوَ اقْتَضَى مِنْهُ لَا بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي هُوَ مَبْنَى الِاعْتِرَاضِ وَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخِطَابِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِسْنَادُ مِنْ قَبِيلِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى مَا هُوَ كَالْآلَةِ لَهُ كَمَا قَالُوا فِي إسْنَادِ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ لِلْقُدْرَةِ لَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وُقُوعُ الْمَجَازِ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّا نَقُولُ كَمَا فِي سم أَنَّ التَّعَارِيفَ الضِّمْنِيَّةَ لَا تَضَايُقَ
(1/110)

كَلَامِ اللَّهِ النَّفْسِيَّ (الْفِعْلُ) مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءِ (اقْتِضَاءً جَازِمًا) بِأَنْ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
فِيهَا أَوْ يُدَّعَى شُهْرَةُ هَذَا الْمَجَازِ اهـ.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ تَعْرِيفًا ضِمْنِيًّا أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّقْسِيمِ إذْ التَّقَاسِيمُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعَارِيفِ الْأَقْسَامِ وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُضَايَقَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقْسِيمُ دُونَ التَّعْرِيفِ وَأَمَّا دَعْوَى أَشَهْرِيَّةِ الْمَجَازِ فَلَا تَتِمُّ فِي نَفْسِهَا هُنَا وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي كُلِّ اعْتِرَاضٍ عَلَى التَّعْرِيفِ بِوُقُوعِ الْمَجَازِ فِيهِ يَسُدُّ بَابَ الِاعْتِرَاضِ لِجَرَيَانِهِ فِي كُلِّ مَجَازٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ.
(قَوْلُهُ: كَلَامُ اللَّهِ النَّفْسِيُّ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّامَ فِي الْخِطَابِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ وَالْمَعْهُودُ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ سَابِقًا فِي قَوْلِهِ وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ إلَخْ لَكِنْ لَا بِاعْتِبَارِ الْقُيُودِ لِئَلَّا يَقَعَ تَكْرَارٌ إذَا طُلِبَ الْفِعْلُ مَثَلًا مِنْ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْقُيُودِ بِجَعْلِ مَا هُنَا تَفْصِيلًا لِلْإِجْمَالِ السَّابِقِ.
(قَوْلُهُ: الْفِعْلُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْتَمِلُ نَحْوَ الْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءٍ) الْجَارَّانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْفِعْلِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ إنَّمَا هُوَ الْأَثَرُ الْحَاصِلُ مِنْ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ فَأَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ لِشَيْءٍ وَحَمْلُ الْفِعْلِ عَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ لَا تُنَافِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ لِأَثَرٍ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَعْلِيقَ الِاقْتِضَاءِ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ إيجَادُ الْأَثَرِ لِتَوَسُّطِهِ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْأَثَرِ فَإِنَّ مَعْنَى وُجُوبِ الْأَثَرِ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِهِ أَيْ إدْخَالُهُ فِي الْوُجُودِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْفِعْلِ بِالتَّرْكِ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ فِعْلِ الشَّيْءِ وَكَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ التَّرْكِ الْكَفُّ لَا يُنَافِي ذَلِكَ اهـ.
وَفِيهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ أَيْضًا لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِتَوَقُّفِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُمْ التَّكْلِيفُ إنَّمَا هُوَ بِالْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ أَيْ بِالذَّاتِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ تَبَعًا لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ بِهِ فَهُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ (قَوْلُهُ: اقْتِضَاءً جَازِمًا) الِاقْتِضَاءُ لَيْسَ بِجَازِمٍ حَقِيقَةً وَلَا مُنْقَسِمٌ إلَى مَجْزُومٍ بِهِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ كُلَّ طَلَبٍ حَاصِلٍ فَهُوَ مَجْزُومٌ بِحُصُولِهِ وَإِنْ كَانَ طَلَبَ نَدْبٍ بَلْ الطَّلَبُ مَجْزُوم فِيهِ بِمُتَعَلِّقِهِ أَيْ مَقْطُوعٌ فِيهِ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَإِسْنَادُ جَازِمًا إلَى ضَمِيرِ الِاقْتِضَاءِ مَجَازٌ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْفَاعِلِ
(1/111)

(فَإِيجَابٌ) أَيْ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى إيجَابًا (أَوْ) اقْتِضَاءً (غَيْرَ جَازِمٍ) بِأَنْ جَوَّزَ تَرْكَهُ (فَنُدِبَ) .

(أَوْ) اقْتَضَى (التَّرْكَ) لِشَيْءٍ اقْتِضَاءً (جَازِمًا) بِأَنْ لَمْ يُجَوِّزْ فِعْلَهُ (فَتَحْرِيمٌ) .

(أَوْ) اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
إلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ الْمَجَازِيِّ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ الْجَازِمُ قَالَهُ النَّاصِرُ.
(قَوْلُهُ: فَإِيجَابٌ) أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَوُجُوبٌ وَمِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَوَاجِبٌ لِأَنَّ الْإِيجَابَ هُوَ الْحُكْمُ وَالْوُجُوبُ أَثَرُهُ وَالْوَاجِبُ مُتَعَلِّقُهُ.

وَقَوْلُهُ فَتَحْرِيمٌ أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَحُرْمَةٌ وَمِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَحَرَامٌ لِمَا عُرِفَ وَإِنْ كَانَ التَّعْبِيرُ بِكُلٍّ مِنْهَا صَحِيحًا إذْ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ خِطَابُ اللَّهِ إذَا أَنْسَبُ إلَى الْحَاكِمِ سُمِّيَ إيجَابًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ إلَى مَا فِيهِ الْحُكْمُ وَهُوَ الْفِعْلُ يُسَمَّى وُجُوبًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ حُرْمَةً أَوْ حَرَامًا فَالْوُجُوبُ وَالْإِيجَابُ مَثَلًا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ وَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ فِيمَنْ عَبَّرَ بِهَا وَمَنْ عَبَّرَ بِالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ اهـ.
زَكَرِيَّا وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالْخِطَابِ لَا نَفْسَ الْخِطَابِ وَإِنَّ جَعْلَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ تَسَامُحٌ لَا يُقَالُ لَا تَغَايُرَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْحُكْمِ وَدَلِيلِهِ لِأَنَّهُ نَفْسُ قَوْلِهِ افْعَلْ لِأَنَّا نَقُولُ الْحُكْمُ هُوَ الْقَوْلُ النَّفْسِيُّ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَعْنَاهُ الْمَصْدَرِيَّ وَالدَّلِيلُ هُوَ الْقَوْلُ اللَّفْظِيُّ (أَوْ اقْتَضَى التَّرْكَ) أَيْ الْكَفَّ قَالَ الْعَضُدُ يَرِدُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْكَفِّ فِي قَوْلِهِ كُفَّ نَفْسَك فَعَلَى حَدِّ الْوُجُوبِ عَكْسًا وَعَلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ طَرْدًا أَيْ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الْوُجُوبِ وَدُخُولِهِ فِي حَدِّ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إيجَابٌ لِلْكَفِّ تَحْرِيمٌ لِلْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ فِيهِمَا بِأَنْ يُقَالَ الطَّلَبُ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ أَوْ مِنْ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ عَنْهُ اهـ.
أَيْ فَيُعْتَبَرُ قَيْدُ الْحَيْثِيَّةِ فِيهِمَا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ إيجَابٌ أَوْ نَدْبٌ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلٍ هُوَ الْكَفُّ وَتَحْرِيمٌ أَوْ كَرَاهَةٌ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْكَفِّ عَنْ فِعْلٍ فَظَهَرَ أَنَّ الْفِعْلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَنَاوِلٌ لِلْكَفِّ وَأَنَّ إسْقَاطَ الْمُصَنِّفِ فِيهِ غَيْرَ الْكَفِّ الَّذِي زَادَهُ غَيْرُهُ فِي حَدَّيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ الْمُعْتَبَرِ قَالَ السَّيِّدُ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَى الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الصَّوْمُ وَاجِبًا لِأَنَّ صُومُوا طَلَبٌ لِفِعْلٍ هُوَ كَفٌّ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُمْنَعَ كَوْنُهُ كَفًّا لِأَنَّ جُزْأَهُ أَعْنِي النِّيَّةَ غَيْرُ كَفٍّ اهـ.
وَالنَّاصِرُ أَوْرَدَ مَا أَوْرَدَهُ الْعَضُدُ سَاكَتَا
(1/112)

(بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ) بِالشَّيْءِ كَالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينَ» (فَكَرَاهَةٌ) أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالْمَخْصُوصِ يُسَمَّى كَرَاهَةً وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَخْصُوصِ دَلِيلُ الْمَكْرُوهِ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ أَوْ دَلِيلُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِنْ الْمَخْصُوصِ (أَوْ بِغَيْرِ مَخْصُوصٍ) بِالشَّيْءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
عَنْ جَوَابِهِ فَشَنَّعَ عَلَيْهِ سم بِمَا رَأَيْنَا تَرْكَهُ خَيْرًا مِنْ نَقْلِهِ وَفِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ عَلَى الشَّمْسِيَّةِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالنَّهْيِ لَيْسَ هُوَ عَدَمَ الْفِعْلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ لِأَنَّ عَدَمَهُ مُسْتَمِرٌّ مِنْ الْأَزَلِ فَلَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ وَلَا حَاصِلًا بِتَحْصِيلِهِ بَلْ الْمَطْلُوبُ بِهِ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ وَحِينَئِذٍ يُشَارِكُ الْأَمْرُ النَّهْيَ فِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْكَفُّ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ وَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ إدْرَاجُهُ فِي الْأَمْرِ وَيُمْكِنُ إخْرَاجُهُ عَنْهُ بِأَنْ يُقَيَّدَ الْأَمْرُ بِأَنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُهُمْ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالنَّهْيِ هُوَ عَدَمُ الْفِعْلِ وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ اسْتِمْرَارِهِ إذْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ الْفِعْلَ فَيَزُولُ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ وَلَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فَيَسْتَمِرُّ. اهـ.
قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ قَوْلُهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ أَيْ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ طَلَبَ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ نَحْوُ اضْرِبْ أَوْ طَلَبَ الْكَفِّ لَكِنْ لَا يَكُونُ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ بِأَنْ يَكُونَ طَلَبَ مُطْلَقِ الْكَفِّ نَحْوُ اُكْفُفْ أَوْ تَكُونُ الْخُصُوصِيَّةُ مُسْتَفَادَةً مِنْ ذِكْرِ الْمُتَعَلِّقِ نَحْوُ اُكْفُفْ عَنْ الزِّنَا قَالَ فَتَدَبَّرْ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ.

(قَوْله بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ لَفْظِيٍّ لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالْخُصُوصِ.
(قَوْلُهُ: كَالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) مَثَّلَ بِحَدِيثَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي النَّهْيِ بَيْنَ اقْتِرَانِهِ بِعِلَّةِ حُكْمِهِ وَعَدَمِ اقْتِرَانِهِ بِهَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا) أَيْ الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ أَيْ طُبِعَتْ عَلَى طَبْعِهِمْ مِنْ النُّفُورِ وَالتَّوَحُّشِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ عَجَلٍ أَيْ وَإِذَا كَانَتْ عَلَى طَبْعِ الشَّيَاطِينِ كَانَتْ أَعْطَانُهَا مَظِنَّةَ الشَّيَاطِينِ لِأَنَّ اتِّحَادَ الطِّبَاعِ مَظِنَّةُ ائْتِلَافِ الذَّوَاتِ كَمَا قِيلَ شَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَخْصُوصِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْكَرَاهَةَ الْمُتَحَقِّقَةَ حَيْثُ كَانَ دَلِيلُ الْمَكْرُوهِ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْحَدُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ التَّقْسِيمِ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ كَوْنُ الِاقْتِضَاءِ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ وَكُلٌّ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ لَيْسَ نَهْيًا فَقَوْلُهُ عَنْ الْمَخْصُوصِ أَيْ عَنْ النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ فَلَيْسَ مَنْشَأُ السُّؤَالِ مُجَرَّدَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ مَخْصُوصًا وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَخْصُوصِ وَقِيَاسُ الْمَخْصُوصِ مَخْصُوصٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْشَأَ السُّؤَالِ مُجَرَّدُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الشَّارِحِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَلْحُوظُ مُجَرَّدَ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ خُصُوصِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْمَقِيسِ فَتَأَمَّلْ اهـ. سم.
وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ الْمُثْبِتَيْنِ لِلْكَرَاهَةِ لَا مُطْلَقِ إجْمَاعٍ وَقِيَاسٍ حَتَّى يَتِمَّ مَا ذَكَرَهُ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ مُخَالَفَةُ مَنْشَأِ السُّؤَالِ لِمَوْرِدِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنَّ مَوْرِدَ السُّؤَالِ هُنَا التَّعْرِيفُ الضِّمْنِيُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ التَّقْسِيمِ وَمَنْشَؤُهُ مَا ذَكَرَهُ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا) حَالٌ مِنْ دَلِيلٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ دَلِيلَ الْمَكْرُوهِ.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ أَوْ دَلِيلُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَخْصُوصِ قَالَ سم فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ اللَّازِمَ لِلْإِجْمَاعِ مُطْلَقُ الْمُسْتَنِدِ أَمَّا كَوْنُهُ نَهْيًا مَخْصُوصًا فَمِنْ أَيْنَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ غَيْرَ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ قِيلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمُسْتَنَدٍ مَخْصُوصٍ قُلْنَا هَذَا مَمْنُوعٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ خُصُوصًا وَتَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِمَا كَانَ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ مُتَأَخِّرٌ عَنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ حُدُوثَهُ لَا يُنَافِي اعْتِبَارَ الْمَخْصُوصِيَّةِ فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْقَدِيمَ تَفْسِيرُ الْمَخْصُوصِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي قَصَرَ الِاصْطِلَاحُ الْحَادِثُ اسْمَ الْكَرَاهَةِ عَلَيْهَا فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ) أَيْ النَّهْيُ اللَّفْظِيُّ وَمَعْنَى كَوْنِهِ لَفْظِيًّا أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يُفِيدُهُ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ الْمُسْتَفَادُ إلَخْ لَا أَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ لَفْظًا لِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ هُنَا وَقَوْلُهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ أَوَامِرِهَا أَيْ اللَّفْظِيَّةِ وَفِي كَلَامِهِ
(1/113)

فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ (فَخِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ يُسَمَّى خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا يُسَمَّى مُتَعَلِّقُهُ بِذَلِكَ فِعْلًا كَانَ كَفِطْرِ مُسَافِرٍ لَا يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ تَرْكًا كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ قِسْمِي الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الطَّلَبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ الْمُقْتَضِيَةُ لِلتَّوْزِيعِ أَيْ وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ هَذَا الْمَنْدُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْ تَرْكِ ذَلِكَ الْمَنْدُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ وَكَذَا سَيَأْتِي تَوْجِيهُ تَسْمِيَتِهِ غَيْرَ مَخْصُوصٍ مَعَ كَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ خَاصًّا وَهُوَ تَرْكُ الْمَنْدُوبِ مَثَلًا قَالَ النَّاصِرُ السِّرُّ فِي جَمْعِ الْأَوَامِرِ وَإِفْرَادِ النَّهْيِ تَعَدُّدُ مُتَعَلِّقَاتِ الْأَوَامِرِ وَهِيَ الْأَفْعَالُ الْمُتَنَوِّعَةُ يَعْنِي الْمُعَبَّرَ عَنْهَا فِي كَلَامِهِ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَاتِّحَادُ مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ لَفْظُهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ) وَإِنَّمَا قَالَ هُنَا مُسْتَفَادٌ يُفِيدُ فِي مَبْحَثِ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهِ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هُنَا اللَّفْظَانِ وَفِيمَا سَيَأْتِي النَّفْسِيَّانِ وَفِي الْأَوَّلَيْنِ تَنْتَفِي الْعَيْنِيَّةُ وَالتَّضْمِينُ وَفِي الْآخَرَيْنِ تَنْتَفِي الْإِفَادَةُ الَّتِي هِيَ الدَّلَالَةُ. اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ) قَالَ سم قَدْ يُسْتَشْكَلُ ذَلِكَ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ لِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ صِيغَةً دَالَّةً عَلَى طَلَبِ التَّرْكِ الْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْأَوْلَى مَعَ انْتِفَاءِ الصِّيغَةِ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ قَطْعًا.
وَأَقُولُ سَلَّمْنَا هَذَا الِاقْتِضَاءَ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الصِّيغَةُ بِالْقُوَّةِ لِأَنَّ وُرُودَ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْمَنْدُوبِ الْمُفِيدَةِ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فِي قُوَّةِ وُرُودِ صِيغَةِ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَلَا إشْكَالَ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى مُتَعَلِّقُهُ بِذَلِكَ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْخِطَابَ الْمَذْكُورَ مُتَعَلِّقٌ بِتَرْكِ الشَّيْءِ وَالْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْأَوْلَى ذَلِكَ الشَّيْءُ لَا تَرْكُهُ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْخِطَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ هُوَ الْأَوْلَى لَا خِلَافُ الْأَوْلَى.
وَأَجَابَ سم فَقَالَ كَمَا أَنَّ التَّرْكَ مُتَعَلَّقُ الْخِطَابِ كَذَلِكَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ مُتَعَلَّقُهُ لِأَنَّهُ مُتَعَلَّقُ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُهُ وَمُتَعَلَّقُ الْمُتَعَلَّقِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاسِطَةِ فَالْمُتَعَلَّقُ صَادِقٌ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِالْوَاسِطَةِ وَهَذَا أَعْنِي الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَاسِطَةِ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا بِقَرِينَةِ تَمْثِيلِهِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الْمُتَعَلِّقِ فَإِنْ قُلْت قَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّ الْمِثَالَ لَا يُخَصَّصُ فَالتَّمْثِيلُ لِمُتَعَلَّقِ الْمُتَعَلِّقِ لَا يَمْنَعُ إرَادَةَ نَفْسِ الْمُتَعَلِّقِ أَيْضًا قُلْت الِاقْتِصَارُ فِي التَّمْثِيلِ عَلَى مُتَعَلَّقِ الْمُتَعَلِّقِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْكَ فِي قَوْلِهِ أَوْ تَرْكًا الْمُمَثَّلَ بِهِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِالْوَاسِطَةِ غَيْرُ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَالْأَمْرُ بِصَلَاةِ الضُّحَى يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهَا وَالنَّهْيُ مَعْنَاهُ طَلَبُ التَّرْكِ فَحَاصِلُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهَا طَلَبُ تَرْكِ تَرْكِهَا فَالتَّرْكُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِلَا وَاسِطَةٍ.
وَالثَّانِي هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْوَاسِطَةِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِلَا وَاسِطَةٍ لَا يَكُونُ إلَّا تَرْكًا وَأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَاسِطَةِ قَدْ يَكُونُ تَرْكًا كَمَا فِي تَرْكِ الضُّحَى وَقَدْ يَكُونُ فِعْلًا كَمَا فِي فِطْرِ الْمُسَافِرِ الْمَذْكُورِ وَبِمَا مَرَّ يُعْلَمُ انْدِفَاعُ الِاسْتِشْكَالِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَقْسِيمَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ) أَيْ الْفَارِقُ أَوْ عَلَى ظَاهِرِهِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ قِسْمَيْ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ) الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةٌ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَقُلْ بَيْنَ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ لِأَنَّ الْفَرْقَ لَيْسَ بَيْنَ قِسْمَيْهِمَا وَهُمَا الطَّلَبُ بِالْمَخْصُوصِ وَالطَّلَبُ بِغَيْرِهِ اهـ.
وَقَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ يُرِيدُ بِالْقِسْمَيْنِ الشَّيْئَيْنِ الْمَطْلُوبَيْنِ بِالْمَخْصُوصِ وَبِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ إنَّ الطَّلَبَ فِي الْمَطْلُوبِ بِالْمَخْصُوصِ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَالِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ أَمَكْرُوه هُوَ إلَخْ وَنَقَلَ سم عَنْ النَّاصِرِ فِي دَرْسِهِ أَنَّ الْقِسْمَيْنِ هُمَا النَّهْيُ الْمَخْصُوصُ وَغَيْرُ الْمَخْصُوصِ الدَّالَيْنِ عَلَى الطَّلَبَيْنِ وَحِينَئِذٍ يُشْكَلُ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلَفْظِ قِسْمَيْ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهَا الْإِجْمَالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ وَتُجْعَلُ إضَافَتُهَا مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ اهـ.
وَقَالَ النَّاصِرُ فِي الْحَاشِيَةِ فَرَّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ لِيُعْلَمَ مِنْهُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ
(1/114)

فِي الْمَطْلُوبِ بِالْمَخْصُوصِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ فَالِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ أَمَكْرُوهٌ هُوَ أَمْ خِلَافُ الْأَوْلَى اخْتِلَافٌ فِي وُجُودِ الْمَخْصُوصِ فِيهِ كَ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ خِلَافَ الْأَوْلَى وَقِيلَ مَكْرُوهٌ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»
وَأُجِيبَ بِضَعْفِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَتَقْسِيمُ خِلَافِ الْأَوْلَى زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأُصُولِيِّينَ أَخْذًا مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَابَلُوا الْمَكْرُوهَ بِخِلَافِ الْأَوْلَى فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ بِالنَّهْيِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْخِطَابَيْنِ الْمَدْلُول عَلَيْهِمَا بِهِمَا. اهـ.
وَمَا قَالَهُ الْأَوَّلَانِ أَوْفَقُ بِكَلَامِ الشَّارِحِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْلِيلِ الشِّهَابِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَطْلُوبِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ أَنَّ الطَّلَبَ لِلتَّرْكِ الْكَائِنَ فِي نَهْيِ أَوْ تَرْكِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِالْمَخْصُوصِ وَمَعْنَى كَيْنُونَتِهِ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَشَدُّ) وَجْهُ الْأَشَدِّيَّةِ أَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ مَا ثَبَتَ قَصْدًا وَمَا ثَبَتَ ضِمْنًا وَالْأَوَّلُ أَشَدُّ مِنْ الثَّانِي أَيْ آكَدُ (قَوْلُهُ: فَالِاخْتِلَافُ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَتْنِ وَقَوْلُهُ اخْتِلَافٌ فِي وُجُودِ الْمَخْصُوصِ أَيْ وَعَدَمِهِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى رَجَحَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ لِأَنَّهُ أَنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلِ سَنِّ إفْطَارِهِ وَهُوَ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ أَفْطَرَ فِيهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «أُمِّ الْفَضْلِ أُمَامَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نِسَاءً اخْتَلَفْنَ عِنْدَهَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ بَعْضُهُنَّ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُنَّ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلْت إلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ» وَلَيْسَ النَّهْيُ مُسْتَفَادًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمْ لِضَعْفِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: زَادَهُ الْمُصَنِّفُ) قَالَ الْكَمَالُ الْمَعْرُوفُ لِلْأُصُولِيَّيْنِ تَقْسِيمُ الْأَحْكَامِ إلَى الْخَمْسَةِ وَهِيَ مَا عَدَا خِلَافَ الْأَوْلَى وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ عِنْدَهُمْ طَلَبُ التَّرْكِ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ وَلَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ ذُو النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ آكَدُ مِنْهَا فِي الثَّانِي وَهُوَ ذُو النَّهْيِ غَيْرِ الْمَخْصُوصِ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَشْيَاءَ هَلْ هِيَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي خَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الثَّانِيَ بِاسْمِ خِلَافِ الْأَوْلَى تَمْيِيزًا لَهُ كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ التَّعَرُّضُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فَظَهَرَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ الْأَوْلَى وَجَعْلَهُ اسْمًا لِنَوْعٍ مِنْ الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ أَمْرٌ اخْتَرَعَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَنَّهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِطَرِيقَةِ الْأُصُولِيِّينَ مُخَالِفٌ لِطَرِيقَةِ الْبَعْضِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا سَمَّوْا بِخِلَافِ الْأَوْلَى مُتَعَلَّقُ الْحُكْمِ لَا الْحُكْمِ بَلْ تَسْمِيَةُ الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى صَادِرٌ عَنْ غَفْلَةٍ عَنْ مُنَافَاتِهِ لِلْأَدَبِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَخْذًا) قَالَ النَّاصِرُ أَخْذُ الْمُسَمَّى صَحِيحٌ وَأَمَّا أَخْذُ الِاسْمِ فَلَا لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِذَلِكَ لَا تَسْتَلْزِمُ تَسْمِيَةَ طَلَبِ تَرْكِهِ بِذَلِكَ وَفِيهَا بَشَاعَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى اهـ.
وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ كَلَامِ الْكَمَالِ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ تَسْمِيَةَ طَلَبِ التَّرْكِ بِذَلِكَ لَيْسَ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِذَلِكَ حَتَّى يُنَاقَشَ فِيهِ بِمَنْعِ الِاسْتِلْزَامِ بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُمْ لَمَّا أَطْلَقُوا خِلَافَ الْأَوْلَى عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ صَحَّ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى ذَلِكَ إطْلَاقُهُ عَلَى نَفْسِ الطَّلَبِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتَعَلَّقِ عَلَى الْمُتَعَلَّق وَكَأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ ذُو خِلَافٍ الْأَوْلَى أَيْ الطَّلَبُ الْمُتَعَلِّقُ بِتَرْكِ خِلَافِ الْأَوْلَى.
وَأَمَّا الْبَشَاعَةُ فَقَدْ يُخَفِّفُ أَمْرَهَا أَنَّ الْأَسَامِيَ الِاصْطِلَاحِيَّةَ لَا يَلْزَمُ فِيهَا مُلَاحَظَةُ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ الْمَحْذُورِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى صُعُوبَةُ تَسْمِيَةِ الطَّلَبِ بِذَلِكَ عَلَى الْقُلُوبِ اهـ.
أَقُولُ دَعْوَى أَنَّ الْأَسَامِيَ الِاصْطِلَاحِيَّةَ لَا يَلْزَمُ فِيهَا مُلَاحَظَةُ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ يُبْطِلُهَا اسْتِقْرَارَ الْمَنْقُولَاتِ كَيْف وَالْمَنْقُولُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ فَتَأَمَّلْ لَا يُقَالُ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ أَشْنَعُ مِنْ إطْلَاقِ خِلَافِ الْأَوْلَى لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُخَالِفِ الْأَوْلَى وَلَمْ يُشْتَهَرْ اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ فَإِنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي مُثْبِتِ الْحُرْمَةِ وَمُثْبِتُ الْكَرَاهَة فِي مُتَعَلَّقِهِمَا فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ إطْلَاقِهِمَا الْمَذْكُورِ مُنَافَاةً لِلْأَدَبِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ) أَيْ مِنْ كَلَامِ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَحَيْثُ ظَرْفٌ لِهَذَا الْمَحْذُوفِ.
(قَوْلُهُ: فِي النِّهَايَةِ) أَيْ فَرَّقَ فِي النِّهَايَةِ أَوْ فَارَقَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ إنَّمَا نُقِلَ فِيهَا الْفَرْقُ وَلَكِنْ لَمَّا أَقَرَّهُ كَانَ كَأَنَّهُ قَائِلٌ بِهِ فَنُسِبَ إلَيْهِ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ مَا فَرَّقَ بَلْ نَقَلَ الْفَرْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْكَمَالِ حَيْثُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ
(1/115)

الْمَقْصُودِ وَغَيْرِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْأَمْرِ وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَخْصُوصِ أَيْ الْعَامِّ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَيُطْلِقُونَ الْمَكْرُوهَ عَلَى ذِي النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَخْصُوصِ وَقَدْ يَقُولُونَ فِي الْأَوَّلِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً كَمَا يُقَالُ فِي قِسْمِ الْمَنْدُوبِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَعَلَى هَذَا الَّذِي هُوَ مَبْنَى الْأُصُولِيِّينَ يُقَالُ أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ فَكَرَاهَةٌ.

(أَوْ) اقْتَضَى الْخِطَابُ (التَّخْيِيرَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ النِّهَايَةِ التَّعَرُّضُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ يُقَالُ فِيهِ مَكْرُوهٌ وَمَا لَا فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَقْصُودِ أَنْ يَكُونَ مُصَرَّحًا بِهِ كَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلُوا كَذَا أَوْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ كَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَ بِمُسْتَحَبٍّ فَإِنَّ تَرْكَهُ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ لِأَنَّا اسْتَفَدْنَاهُ بِاللَّازِمِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ.
(قَوْلُهُ: الْمَقْصُودُ وَغَيْرُ الْمَقْصُودِ) قَالَ الشِّهَابُ فَسَّرُوا الْمَقْصُودَ بِالصَّرِيحِ وَغَيْرَ الْمَقْصُودِ بِغَيْرِ الصَّرِيحِ فِرَارًا مِمَّا يَقْتَضِي غَيْرُ الْمَقْصُودِ مِنْ كَوْنِ الشَّارِعِ لَمْ يَقْصِدْ النَّهْيَ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ أَنْ يُرَادَ الْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ وَغَيْرُ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ بَلْ بِالْقَصْدِ التَّبَعِيِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ غَيْرُ الْمَقْصُودِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْعَامُّ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ) قَالَ الشِّهَابُ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّهْيَ الطَّالِبَ لِتَرْكِ شَيْءٍ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْأَوَامِرِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ خَاصًّا لِأَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِشَيْءٍ خَاصٍّ لَكِنَّهُ لِتَوَقُّفِ طَلَبِهِ لِتَرْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى عَامٍّ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ جَازَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَامٌّ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ تَوَقُّفِهِ عَلَى عَامٍّ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِصَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا نَهْيٌ عَنْ تَرْكِهَا وَهَذَا النَّهْيُ خَاصٌّ لِخُصُوصِ مُتَعَلِّقِهِ لَكِنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ بِشَيْءٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَلَمَّا تَوَقَّفَ ثُبُوتُهُ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْعَامِّ وُصِفَ بِأَنَّهُ عَامٌّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذَا دَفْعُ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ نَهْيٌ عَامٌّ مُتَعَلِّقٌ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَانَتْ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ كُلِّيَّةٌ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْهَا وَخَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَأَنَّ أَمْرَ النَّدْبِ نَهْيٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى ضِدِّهِ سِيَّمَا إنْ قُلْنَا إنْ عَيَّنَهُ كَمَا سَيَجِيءُ فَالْأَصْوَبُ تَعْبِيرُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِالْمَقْصُودِ وَغَيْرِ الْمَقْصُودِ اهـ.
وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ لَا كَوْنُ النَّهْيِ مُتَعَلِّقًا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَالنَّهْيُ الصَّرِيحُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا أَيْ مُتَعَلِّقًا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ غَيْرُ عَامٍّ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لِثُبُوتِهِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ بِخِلَافِ الضِّمْنِيِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمُتَعَلِّقِهِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ قَوْلُنَا كُلُّ أَمْرٍ بِشَيْءٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ تَوَقُّفُ ثُبُوتِ النَّهْيِ لِمُتَعَلِّقِهِ عَلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَعَدَمُ تَوَقُّفِهِ لَا الشُّمُولُ لِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَعَدَمُ الشُّمُولِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشِّهَابِ أَنَّ قَوْلَهُ نَظَرًا إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَيْ الْعَامِّ وَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ خُلُوُّ قَوْلِهِ عُدِلَ عَنْ التَّعْلِيلِ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ حِينَئِذٍ إذْ مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ بِالْعُدُولِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِظُهُورِهِ وَصَرِيحُ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ يَعْنِي عَدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْمَخْصُوصِ نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِمُتَعَلِّقِهِ وَإِلَى غَيْرِ الْمَخْصُوصِ أَيْ الْعَامِّ نَظَرًا إلَى دَلِيلٍ يَعُمُّ الْأَوَامِرَ النَّدْبِيَّةَ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَالنَّهْيُ فِيهِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْ نَهْيٍ مَخْصُوصٍ بِمُتَعَلِّقِهِ بَلْ مِنْ الْأَمْرِ النَّدْبِيِّ بِوَاسِطَةِ هَذَا الدَّلِيلِ الْعَامِّ. اهـ.
يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ عَدَلَ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ عِلَّةٌ لِلْعُدُولِ نَظَرًا لِلْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ وَيُمْنَعَ عَدَمُ الْفَائِدَةِ بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِ الْمَخْصُوصِ الْعَامِّ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ وَهِيَ دَفْعُ الِاعْتِرَاضِ السَّابِقِ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ مَا يَشْمَلُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً حَتَّى يَتَوَجَّهَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ بَلْ الْعَامُّ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرَهُ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ اسْتِفَادَةَ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا تَحْتَاجُ إلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي كَوْنِهَا أَدِلَّةً مَخْصُوصَةً كَالنَّهْيِ الْمَخْصُوصِ فَفِي اعْتِبَارِ كَوْنِ هَذَا النَّهْيِ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِمَا ذُكِرَ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ وَعَلَى كُلِّ حَالٍّ فَمَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ نَظَرًا إلَى مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةَ أَيْ نَظَرًا إلَى تَوَقُّفِهِ عَلَى
(1/116)

بَيْنَ فِعْلِ الشَّيْءِ وَتَرْكِهِ فَإِبَاحَةُ ذِكْرِ التَّخْيِيرِ سَهْوٌ إذْ لَا اقْتِضَاءَ فِي الْإِبَاحَةِ وَالصَّوَابُ أَوْ خُيِّرَ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ عَطْفًا عَلَى اقْتَضَى وَقَابَلَ الْفِعْلَ بِالتَّرْكِ نَظَرًا لِلْعُرْفِ وَإِلَّا فَالتَّرْكُ الْمُقْتَضَى فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلٌ هُوَ الْكَفُّ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَأَنَّهُ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ.

(وَإِنْ وَرَدَ) الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ بِكَوْنِ الشَّيْءِ (سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا) الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَا يَعُمُّهَا.

(قَوْلُهُ: بَيْنَ فِعْلِ الشَّيْءِ وَتَرْكِهِ) يَدْخُلُ فِيهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ كَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِأَنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إلَى بَدَلٍ أَوْ لَا اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: ذِكْرُ التَّخْيِيرِ سَهْوٌ) تَكَلَّفَ فِي دَفْعِهِ بِأَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ الْإِفَادَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لَا خُصُوصُ الطَّلَبِ كَمَا هُوَ مَبْنَى الْحُكْمِ بِالسَّهْوِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَمِنْهَا أَنَّ اقْتَضَى يَأْتِي بِمَعْنَى أَعْلَمَ وَبِمَعْنَى أَدَّى غَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْمُشْتَرَكَ فِي مَعْنَيَيْهِ وَهُوَ جَائِزٌ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَلَى تَضْمِينِ اقْتَضَى مَعْنَى يَصْلُحُ لَأَنْ يَقَعَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا أَيْ إفَادَةِ الْخِطَابِ التَّخْيِيرَ مِنْ بَابِ عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا اهـ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْوَاوِ وَكُلُّهَا تَمَحُّلَاتٌ.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا لِلْعُرْفِ) أَيْ الَّذِي لَا يَعُدُّ التَّرْكَ فِعْلًا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا نُفِلَ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ الْمَذْكُورَةَ بِالنَّظَرِ لِلْعُرْفِ فَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَإِنَّ التَّرْكَ إلَخْ فَحَذَفَ الْجَوَابَ وَأَبْقَى عِلَّتَهُ. (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ) أَيْ الْفِعْلَ الْمُكَلَّفَ بِهِ.

(قَوْلُهُ: الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ) قُيِّدَ بِالنَّفْسِيِّ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ اللَّفْظِيُّ لِأَنَّ الشَّائِعَ إسْنَادُ الْوُرُودِ إلَيْهِ دُونَ النَّفْسِيِّ وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَادُ إلَى كُلٍّ مَجَازًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوُرُودِ الْمَجِيءُ وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ.
(قَوْلُهُ: بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَخْ) الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ مُلَابَسَةِ الْمُتَعَلِّقِ لِمُتَعَلِّقِهِ لَا لِلتَّعَدِّيَةِ لِاقْتِضَائِهَا وُقُوعَ الْوُرُودِ عَلَى الْكَوْنِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا) جُعِلَ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ كَوْنُ الشَّيْءِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَرَدَّهُ الْعَضُدُ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ فَقَالَ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ جُمْلَةِ أَقْسَامِ الْوَضْعِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إذْ بَعْدَ وُرُودِ أَمْرِ الشَّرْعِ بِالْفِعْلِ فَكَوْنُ الْفِعْلِ صَحِيحًا أَيْ مُوَافِقًا لِلْأَمْرِ أَوْ بَاطِلًا أَيْ مُخَالِفًا لَهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ الشَّارِعِ بَلْ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فَهُوَ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ عَقْلِيٌّ.
(قَوْلُهُ: الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ فَقَالَ جَعْلُهَا لِلتَّقْسِيمِ يَقْتَضِي وُرُودَ الْخِطَابِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَأَنَّ الْوَضْعَ هُوَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ بِذَلِكَ وَلَا خَفَاءَ فِي بُطْلَانِهِ إذْ الْوَارِدُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ أَحَدَهَا وَضْعٌ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ غَيْرُهُ فَالصَّوَابُ بِشَهَادَةِ الذَّوْقِ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَارَةِ إذَا كَانَتْ الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ وَرَدَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِأَنْ وَرَدَ كَوْنُهُ سَبَبًا مَثَلًا فَإِنَّ وُرُودَ كَوْنِهِ سَبَبًا يَسْتَلْزِمُ وُرُودَهُ بِكَوْنِهِ أَحَدَهَا فَلَا إشْكَالَ قَالَ وَنَظِيرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ قَوْلُهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ اهـ.
وَلَمَّا أَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَيْهِ أَنَّ أَوْ فِيهِ لِلتَّرْدِيدِ وَهُوَ يُنَافِي التَّحْدِيدَ أَجَابَ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ بِمَا حَاصِلُهُ كَمَا بَيَّنَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ فَلَوْ صَحَّ اعْتِرَاضُ الشَّيْخِ لَزِمَ بُطْلَانُ هَذَا الْجَوَابِ الَّذِي أَطْبَقُوا عَلَى قَبُولِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُنْقَسِمُ تَعَلُّقُهُ إلَى الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ مَعَ أَنَّهُ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَقَطْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ثُبُوتِ التَّعَلُّقِ بِالْوَجْهِ الْآخَرِ فَدَلَّ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى التَّقْسِيمِ مَا ادَّعَاهُ الشَّيْخُ اهـ.
وَأَقُولُ كَلَامُ سم مَآلُهُ جَعْلُ الْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا لَا يَخْفَى فَهُوَ تَسْلِيمٌ لِلِاعْتِرَاضِ فَتَشْنِيعُهُ عَلَى شَيْخِهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا يَقْتَضِيه عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَإِنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ وَأَلْجَأَ إلَّا الِاعْتِرَافَ بِهِ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَةِ شَنَّعَ عَلَى سم وَبَعْضًا انْتَصَرَ لَهُ وَلَمْ يَأْتِيَا بِمَا
(1/117)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
يُؤَيِّدُ مَقَالَتَهُمَا حَتَّى إنِّي رَأَيْت تَقْرِيرًا مَنْسُوبًا لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا أَطَالَ فِيهِ الْقَوْلَ مُعَقِّدًا لِلْعِبَارَةِ مُرْتَكِبًا وُجُوهًا مِنْ التَّكَلُّفِ الْتَحَقَ بِهَا كَلَامُهُ بِاللُّغْزِ وَالْمُعَمَّى وَأَعْجَبُ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَجْرَى احْتِمَالَيْ التَّقْسِيمِ وَغَيْرِهِ فِي الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنْ وَرَدَ إلَخْ.
وَأَنَّى بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَ لَك الْمَقَامَ تَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي كَلَامِهِمْ مِنْ الْأَوْهَامِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ إلَخْ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حُكِمَ فِيهَا بِلُزُومِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ وَضْعًا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى وَضْعًا عَلَى تَقْدِيرِ وُرُودِ الْخِطَابِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا إلَخْ فَعَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِ الْوَاوِ لِلتَّقْسِيمِ يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاصِرُ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ يُسَمَّى وَضْعًا وَهُوَ بَاطِلٌ فَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ وُرُودَ الْخِطَابِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا إلَخْ يُسَمَّى وَضَعَا أَيْ يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَعْطُوفَةِ بِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى أَوْ وَضْعًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّاصِرِ إذْ الْوَارِدُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ أَحَدَهَا إلَخْ وَسَمِّ أَخَذَ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ وَرَدَّ بِهِ عَلَى النَّاصِرِ فَرَدَّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ بِكَلَامِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَعْلِ الْوَاوِ لِلتَّقْسِيمِ وَبَيْنَ جَعْلِهَا بِمَعْنَى أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةُ الْخِطَابِ وَضْعًا تَحَقُّقُهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ تَحَقُّقَ الْخِطَابِ فِي أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالثَّانِي صَحِيحٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّاصِرِ جَعْلُهَا لِلتَّقْسِيمِ إلَخْ.
فَإِنْ قُلْت إذَا خَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى مُصْطَلَحِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إنَّ الْكَلَامَ هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ وَفِعْلُ الشَّرْطِ قَيْدٌ لَهُ هَلْ يَسْتَقِيمُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ.
قُلْت لَا فَإِنَّ الْمَحْذُورَ بَاقٍ بِعَيْنِهِ إذْ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْخِطَابِ بِالْوَضْعِ مُقَيَّدٌ بِوُرُودِ كَوْنِهِ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ أَيْ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَأَمَّا إنْ جُعِلَتْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَانَ مَعْنَى تَسْمِيَتِهِ وَضْعًا مُقَيَّدٌ بِتَحَقُّقِ كَوْنِهِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا إلَخْ فَيَنْدَفِعُ الْمَحْذُورُ فَظَهَرَ أَنَّ اسْتِقَامَةَ الْكَلَامِ إنَّمَا تَتِمُّ عَلَى جَعْلِهَا بِمَعْنَى أَوْ.
وَأَمَّا جَعْلُهَا تَقْسِيمِيَّةً فَلَا سَوَاءٌ جَعَلْنَا الْقَضِيَّةَ شَرْطِيَّةً مُوَافِقَةً لِاصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ وَهُوَ التَّقْرِيرُ الْأَوَّلُ أَوْ جَعَلْنَاهَا حَمْلِيَّةً بِاعْتِبَارِ مَا تَئُولُ إلَيْهِ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا هُوَ التَّقْرِيرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ عَلَى التَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ ارْتِبَاطُ الثَّانِي بِالْمُقَدَّمِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَعْطُوفَةِ لَا عَلَى الْمَجْمُوعِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْحُكْمُ مُقَيَّدًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَيْضًا لَا عَلَى الْمَجْمُوعِ فَالتَّقْرِيرَانِ سَوَاءٌ وَمَنْشَأُ هَذَا كُلِّهِ وُرُودُ حَرْفِ الشَّرْطِ فِي التَّقْسِيمِ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَتِهِ كَمَا هُوَ صَنِيعُ الشَّارِحِ فَإِنَّ قَوْلَهُ الْوَاوُ تَقْسِيمِيَّةٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ إلَخْ التَّقْسِيمُ مَعَ أَنَّ مَقَامَ التَّقْسِيمِ يُنَافِي التَّعْلِيقَ لِتَبَايُنِ الْمَقَامَيْنِ فَإِنَّ فِي التَّعْلِيقِ حُكْمًا وَلَا حُكْمَ فِي التَّقْسِيمِ وَمَفَادُ التَّقْسِيمِ غَيْرُ مُفَادِ التَّعْلِيقِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ لَا يُقَالُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا يَقْتَضِي أَنَّ غَرَضَهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ التَّقْسِيمُ لِأَنَّ التَّقَاسِيمَ تَتَضَمَّنُ حُدُودَ الْأَقْسَامِ.
قُلْت لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَوْ سُلِّمَ فَالتَّقْسِيمُ حَاصِلٌ فِي ضِمْنِ التَّعْلِيقِ أَيْ عَرَفْت حُدُودَهَا مِنْ التَّقْسِيمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ التَّعْلِيقُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ حَتَّى يَكُونَ حَامِلًا لِلشَّارِحِ عَلَى جَعْلِ الْوَاوِ تَقْسِيمِيَّةً. الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا نَبَّهَ بِتَكْرِيرِ مِنْ عَلَى أَنَّ حُدُودَ خِطَابِ الْوَضْعِ لَمْ تُعْرَفْ مِمَّا ذُكِرَ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي هُنَاكَ فَلَوْ كَانَ غَرَضُ الْمُصَنِّفِ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ التَّقْسِيمَ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ حُدُودَ أَقْسَامِ الْوَضْعِ لَمْ تُعْرَفْ مِمَّا ذُكِرَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ لِأَنَّ التَّقَاسِيمَ تَتَضَمَّنُ تَعَارِيفَ الْأَقْسَامِ وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ بَلْ اعْتَرَفَ هُوَ بِمَعْرِفَتِهَا فِي أَثْنَاءِ عِبَارَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَعْجَبُ مِنْ جَوَابِ سم تَمَسُّكُهُ فِي تَأْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ وَلَمَّا أَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَخْ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ تَعْرِيفٌ لِلْحُكْمِ وَالتَّعْرِيفِ لَا حُكْمَ فِيهِ فَلَيْسَ قَضِيَّةً وَمَا هُنَا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ أَوْ حَمْلِيَّةٌ عَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ بِلَفْظِ أَوْ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ.
وَالْجَوَابُ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَحَدٍ احْتِمَالَيْ أَوْ وَدَعْوَى سم أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِ أَوْ تَنْوِيعِيَّةً أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُنْقَسِمُ تَعَلُّقُهُ إلَخْ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْف وَقَدْ لَزِمَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَضَمُّنُ التَّعْرِيفِ لِلتَّقْسِيمِ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فِي الْوَاقِعِ فَقَدْ أَخْرَجَ مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْإِمَامُ اعْتِرَاضًا وَجَوَابًا عَنْ
(1/118)


وَهِيَ فِيهِ أَجْوَدُ مِنْ أَوْ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَحَذْفُ مَا قَدَّرْته كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْمُخْتَصَرُ أَيْ كَوْنُ شَيْءٍ الْعِلْمُ بِهِ مَعْنًى مَعَ رِعَايَةِ الِاخْتِصَارِ وَوَصْفُ النَّفْسِيِّ بِالْوُرُودِ مَجَازٌ كَوَصْفِ اللَّفْظِيِّ بِهِ الشَّائِعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مَوْضُوعِهِ وَتَثْبُتُ بِهِ فِي تَقْوِيَةِ كَلَامِهِ بَعْدَ صَرْفِهِ عَمَّا أَرَادُوهُ وَتَأْوِيلِهِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَإِنَّمَا مَعْنَى كَلَامِ الْإِمَامِ مَنْعُ كَوْنِ أَوْ لِلتَّرْدِيدِ وَجَعَلَهَا لِلتَّنْوِيعِ وَأَنَّ الْمُعَرِّفَ الْحُكْمُ بِنَوْعَيْهِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمَنَاطِقَةِ إنَّهُ يَمْتَنِعُ دُخُولُ أَوْ فِي التَّعَارِيفِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالرَّسْمِ وَمِنْ كَوْنِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلشَّكِّ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيَّنُوهُ هُنَاكَ فَأَيْنَ مَقَامُ التَّعْرِيفِ وَالِاخْتِلَافِ فِي أَوْ الْوَاقِعَةِ فِيهِ مِنْ مَقَامِ التَّعْلِيقِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الشَّرْطِ.
وَفِي الْوَاوِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ الْمُدَّعَى أَنَّهَا تَقْسِيمِيَّةٌ فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ
صَارَتْ مُشَرِّقَةً وَصِرْت مُغَرِّبًا ... شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ وَرَحِمَنَا مَعَهُمْ وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ ثُمَّ إنَّ التَّقْسِيمَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ أَوْ التَّقْسِيمِيَّةِ عَلَى مَا زَعَمَهُ الشَّارِحُ إمَّا رَاجِعٌ إلَى الشَّيْءِ أَوْ إلَى كَوْنِ الشَّيْءِ أَوْ إلَى الْخِطَابِ الْوَارِدِ بِهَذَا الْكَوْنِ وَكُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ فِيهِ أَجْوَدُ مِنْ أَوْ) لِأَنَّهَا لِلْجَمْعِ فِي الْحُكْمِ فَهِيَ أَنْسَبُ بِجَمْعِ الْحُكْمِ فِي أَفْرَادِ الْمُقَسَّمِ وَهُوَ هُنَا الشَّيْءُ الْمُقَدَّرُ بِخِلَافِ أَوْ فَإِنَّهَا لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ فَقَدْ تُوُهِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَقَطْ وَهَذَا فِي تَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا هُنَا أَمَّا فِي تَقْسِيمِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّهَا أَجْوَدُ بَلْ مُتَعَيِّنَةٌ اهـ. زَكَرِيَّا
وَإِنَّمَا قَالَ أَجْوَدُ لِأَنَّ لِأَوْ مُنَاسَبَةً بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ الْأَقْسَامِ لِإِفَادَتِهَا الِانْفِصَالَ الْحَقِيقِيَّ بَيْنَ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضِ الْمُفْضِي عَدَمُهُ إلَى فَسَادِ التَّقْسِيمِ فَظَهَرَ أَنَّ أَجْوَدِيَّةَ الْوَاوِ نَظَرًا إلَى الْمُقَسَّمِ مَعَ الْأَقْسَامِ وَأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِي جَمِيعِهَا وَأَنَّ فِي الْوَاوِ جَوْدَةً أَيْضًا بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْأَقْسَامِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ لُوحِظَ هَذَا بِخُصُوصِهِ كَانَتْ هِيَ أَجْوَدَ مِنْ الْوَاوِ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَوْنُ الشَّيْءِ) تَفْسِيرٌ لِمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ الَّذِي هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَالتَّشْبِيهُ لَا يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ ثُبُوتُ الْجَارِّ هُنَا لَا فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ لَا تَفْسِيرَ لِمَا قَدَّرَهُ لِأَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ لَا كَوْنِ الشَّيْءِ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَاهَلَ بِحَذْفِ الْجَارِّ مُرَاعَاةً لِعِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ.
(قَوْلُهُ: لِلْعِلْمِ بِهِ مَعْنًى) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخِطَابَ النَّفْسِيَّ لَا يَكُونُ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ الْخِطَابُ لَا يُقَالُ مَقَامَ التَّعْرِيفِ لَا يَكْفِي فِيهِ الْقَرِينَةُ الْعَقْلِيَّةُ لِأَنَّ قَوْلَ الْمَقَامِ هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّعْرِيفِ وَإِنْ فُهِمَ فِي ضِمْنِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْرِيفَ الضِّمْنِيَّ لَا يُرَاعَى فِيهِ مَا يُرَاعَى فِي التَّعْرِيفِ الصَّرِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَوَصْفُ النَّفْسِيِّ بِالْوُرُودِ) أَيْ إسْنَادُ الْوُرُودِ إلَيْهِ فَالْوَصْفُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَقَوْلُهُ مَجَازٌ أَيْ عَقْلِيٌّ مِنْ بَابِ الْإِسْنَادِ إلَى السَّبَبِ فَإِنَّ الْخِطَابَ النَّفْسِيَّ الْمَذْكُورَ سَبَبٌ لِوُرُودِ الرَّسُولِ بِمَا ذُكِرَ وَيَصِحُّ جَعْلُ الْمَجَازِ مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ فَإِنَّ مِنْ لَازِمِ الْوُرُودِ بِالشَّيْءِ التَّعَلُّقُ بِهِ فَالْمُرَادُ بِالْوُرُودِ التَّعَلُّقُ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ وَالْقَرِينَةُ اسْتِحَالَةُ الْحَقِيقَةِ.
(قَوْلُهُ: الشَّائِعِ)
(1/119)

وَالشَّيْءُ يَتَنَاوَلُ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرَ فِعْلِهِ كَالزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالزَّوَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَإِتْلَافِ الصَّبِيِّ مَثَلًا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي مَالِهِ وَأَدَاءِ الْوَلِيِّ مِنْهُ (فَوَضْعٌ) أَيْ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى وَضْعًا وَيُسَمَّى خِطَابَ وَضْعٍ أَيْضًا لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ بِوَضْعِ اللَّهِ أَيْ بِجَعْلِهِ كَمَا يُسَمَّى الْخِطَابُ الْمُقْتَضَى أَوْ الْمُخَيَّرَ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الْمُتَعَارَفُ كَمَا تَقَدَّمَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا) أَيْ حُدُودَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَحَدُّ الْإِيجَابِ الْخِطَابُ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ اقْتِضَاءً جَازِمًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ شَائِعٌ فِي الْخِطَابِ اللَّفْظِيِّ دُونَ النَّفْسِيِّ (قَوْله وَالشَّيْءُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ أَيْ وَقَوْلُهُ وَاعْتِقَادُهُ أَوْ أَرَادَ بِفِعْلِهِ مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُ فِعْلِهِ) تَحْتَهُ شَيْئَانِ مَا لَيْسَ فِعْلًا أَصْلًا وَمَا لَيْسَ فِعْلًا لِلْمُكَلَّفِ بَلْ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فَلِذَا مَثَّلَ الشَّارِحِ بِثَلَاثَةِ أَمْثِلَةٍ.
(قَوْلُهُ: لِوُجُوبِ الضَّمَانِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالضَّمَانِ الْمَضْمُونُ بِهِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الْمُضَافُ لِلضَّمَانِ الثُّبُوتُ لَا الطَّلَبُ الْجَازِمُ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالْوُجُوبِ الْمُقَدَّرِ الْمُضَافِ لِأَدَاءِ الْوَلِيِّ الطَّلَبَ الْجَازِمَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ قَالَهُ النَّاصِرُ قَالَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ جَعْلِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنَيَيْهِ يُذْكَرُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْوُجُوبُ هُنَا ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا صَنَعَهُ مِنْ تَقْدِيرِ الْوُجُوبِ فِي الْمَعْطُوفِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُضَافَ تَسَلَّطَ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ فِي الْمَعْطُوفِ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمَعْطُوفِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَا هُنَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ لَا قَرِيبًا مِنْهُ اهـ.
وَأَقُولُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا فَهِمَهُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ أَنَّ سَبَبَ قُرْبِهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ تَعَدُّدُ لَفْظِ الْوُجُوبِ الْمَذْكُورِ وَالْمُقَدَّرِ بَلْ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدَ مَعْنَيَيْ الْوُجُوبِ هُنَا لُغَوِيٌّ وَالْآخَرُ عُرْفِيٌّ فَلَا اشْتَرَاك حَقِيقَةً وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْمَنْقُولَاتُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا ظَهَرَ دَعْوَى كَوْنِهِ قَرِيبًا مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَفَسَادُ جَعْلِهِ مِنْهُ الْمَبْنِيُّ عَلَى التَّكْلِيفِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ فَقَالَ وَإِنَّمَا قَالَ قَرِيبٌ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ الْمُشْتَرَكِ لِاخْتِلَافِ الْوَضْعَيْنِ إذْ الْوُجُوبُ الْأَوَّلُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالثَّانِي بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ.
(قَوْله لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ بِوَضْعِ اللَّهِ) أَيْ تَعْلِيلٌ لِتَسْمِيَتِهِ بِالْوَضْعِ وَبِخِطَابِ الْوَضْعِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ فَقَالَ أَخْصَرُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهُ أَيْ الْخِطَابَ وَضْعُ اللَّهِ أَيْ جَعْلُهُ اهـ.
قَالَ سم لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الْخِطَابِ وَضْعَ اللَّهِ أَيْ جَعْلَهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ وَهُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ قَدِيمَةٌ فَلَيْسَتْ جَعْلًا وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْجَعْلُ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِمُتَعَلَّقِهِ كَوْنُ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى الْخِطَابُ) الْأَنْسَبُ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِ وَيُسَمَّى خِطَابَ وَضْعٍ.
(قَوْلُهُ: الْمُقْتَضَى أَوْ الْمُخَيَّرُ) الْإِسْنَادُ فِيهِمَا مَجَازِيٌّ إذْ الْمُقْتَضَى وَالْمُخَيَّرُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الْمُتَعَارَفُ أَيْ مِنْ أَنَّهُ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ) نَبَّهَ بِتَكْرِيرِ مِنْ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ بِالسُّنَّةِ لِلْوَضْعِ خِطَابُ الْوَضْعِ لَا حُدُودُ أَقْسَامِهِ أَيْضًا وَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ السَّابِقَةَ تَتَضَمَّنُ تَعَارِيفَ أَقْسَامِهِ فَيَكُونُ التَّقْسِيمُ غَيْرَ مَقْصُودٍ أَصَالَةً كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَقَوْلُهُ وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ إلَخْ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا فِي تَقْوِيَةِ اعْتِرَاضِ النَّاصِرِ وَرَدِّ مَا تَمَحَّلُوا بِهِ فِي دَفْعِهِ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ) فِي إطْلَاقِ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُنْقَسِمِ إلَى السَّبَبِ وَغَيْرُهُ تَجَوَّزَ حَيْثُ أَطْلَقَ
(1/120)

وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ بِالْجَامِعِ الْمَانِعِ الدَّافِعِ لِلِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ مَا عُرِفَ رُسُومٌ لَا حُدُودٌ لِأَنَّ الْمُمَيَّزَ فِيهَا خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
الْمُتَعَلِّقَ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْمُتَعَلِّقِ إذْ الْمُتَعَلِّقُ حَقِيقَةً هُوَ الْكَوْنُ وَفِي قَوْلِهِ وَسَيَأْتِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ حُدُودِ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ حُدُودُ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ لِكَوْنِ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ مُتَعَلِّقَاتِ تِلْكَ الْأَقْسَامِ فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِّ السَّبَبِ أَنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ سَبَبًا مَعْنَاهُ جَعْلُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ وَمِنْ حَدِّ الشَّرْطِ أَنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ شَرْطًا مَعْنَاهُ جَعْلُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ وَهَكَذَا.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ) الْحَدُّ الْمُضَافُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّعْرِيفِ بِدَلِيلِ تَعَلُّقِ الْجَارِّ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ بِمَعْنَى الْمُعَرَّفِ وَقَوْلُهُ الدَّافِعُ لِلِاعْتِرَاضِ وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْحَدَّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِمَعْنَى الْمُعَرَّفِ سَوَاءٌ كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ فَلَا يَتَّجِهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ التَّعَارِيفَ الْمَذْكُورَةَ رُسُومٌ لَا حُدُودٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا ثُمَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ رُسُومٌ وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهَا حُدُودٌ اسْمِيَّةٌ وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ حُدُودٌ حَقِيقِيَّةٌ مَمْنُوعٌ كَمَا سَتَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ إلَى قَوْلِهِ نَعَمْ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَوْنِهَا رُسُومًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ فِيهَا خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ تَعْرِيفَ الْإِيجَابِ بِأَنَّهُ الْخِطَابُ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ اقْتِضَاءً جَازِمًا بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ نَفْسِيٌّ فَهُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ فَلَا يَكُونُ خَارِجًا اهـ.
وَبَعْدَ أَنْ قَوَّى هَذَا الِاعْتِرَاضَ سم وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَوَاشِي الْعَضُدِ صَرَّحُوا بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ هُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ وَإِنَّمَا أَسُنِدَ إلَى الْخِطَابِ مُبَالَغَةً كَمَا فِي جَدِّ جَدِّهِ وَيُوَافِقُهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّارِحِ نَعَمْ يُخْتَصَرُ فَيُقَالُ الْإِيجَابُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ الْجَازِمِ إلَخْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاقْتِضَاءُ غَيْرَ الْخِطَابِ لَمْ يَكُنْ هَذَا اخْتِصَارًا لَهُ بَلْ تَمَحُّلٌ فِي الْجَوَابِ بِمَا لَا تَقْبَلُهُ الْأَلْبَابُ فَقَالَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الشَّارِحَ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِنَقْلٍ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُمَيِّزَ هُنَا خَارِجٌ أَوْ بِأَنَّهُ أَجَابَ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْمُعْتَرِضِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا حُدُودٌ لَا رُسُومٌ وَأَنَّ الْمُمَيِّزَ فِيهَا ذَاتِيٌّ لَا عَرَضِيٌّ اهـ.
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ دَعْوَى أَنَّ الشَّارِحَ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْفَ وَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّ سَوَقَ الْعِبَارَةِ يَأْبَى دَعْوَى التَّنَزُّلِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ وَبَعْضُ مَنْ كَتَبَ هُنَا دَفَعَ إشْكَالَ الشِّهَابِ بِحَمْلِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى الطَّلَبِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَلَزِمَ عَلَيْهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لَهُمْ اضْطِرَارَهُ إلَى أَنَّ لِلِاقْتِضَاءِ مَعْنَيَيْنِ وَأَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى الطَّلَبِ.
وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ فِي الِاخْتِصَارِ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادُوهُ وَأَنَّ تَصْرِيحَهُمْ بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ الْخِطَابُ لَمْ يُرِيدُوا بِهِ الْحَصْرَ أَوْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْخِطَابِ وَبَعْدَ أَنْ تَكَلَّفَ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ الْبَعِيدَةَ رَجَعَ آخَرُ إلَى أَنَّ الطَّلَبَ ذَاتِيٌّ أَيْضًا فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا سِوَى إطَالَةِ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَرَامُ.
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ سم عَنْ النَّاصِرِ فِي دَرْسِهِ مِنْ أَنَّ انْقِسَامَ التَّعْرِيفِ إلَى الْحَدِّ وَالرَّسْمِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ كَالْإِنْسَانِ وَأَمَّا الْأُمُورُ الْجَعْلِيَّةُ فَهِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ يَعْتَبِرُهَا الْعَقْلُ فَإِذَا جَعَلَ لَهَا الْعَقْلُ جِنْسًا وَفَصْلًا وَعَرَّفَهَا بِذَلِكَ فَذَلِكَ حَدٌّ لَهَا وَالْأَجْنَاسُ وَالْفُصُولُ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الْعَقْلُ ذَاتِيَّاتٍ لَهَا فَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ دَاخِلٌ وَخَارِجٌ كَالْأُمُورِ الْحَقِيقِيَّةِ فَسَاقِطٌ جِدًّا بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْمَاهِيَّاتِ قِسْمَانِ مَاهِيَّاتٌ حَقِيقِيَّةٌ كَمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ.
وَمَعْنَى كَوْنِهَا مَاهِيَّاتٍ
(1/121)

نَعَمْ يُخْتَصَرُ فَيُقَالُ الْإِيجَابُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ الْجَازِمِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ وَسَيَأْتِي حَدُّ الْأَمْرِ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ وَالنَّهْيُ بِاقْتِضَاءِ الْكَفِّ كَمَا يُحَدَّانِ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ وَلِلْكَفِّ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَا عَدَا الْإِبَاحَةِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
حَقِيقَةً أَنَّهَا مُحَقَّقَةُ الْوُجُود خَارِجًا إمَّا بِوُجُودِ أَفْرَادِهَا فِي الْخَارِجِ أَوْ بِوُجُودِهَا نَفْسِهَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُودِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ وَهَذِهِ الْمَاهِيَّاتُ تَعَارِيفُهَا تُكَوِّنُ حُدُودًا وَرُسُومًا فَمَا كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ فَحَدٌّ أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ فَرَسْمٌ وَتُسَمَّى هَذِهِ حُدُودًا وَرُسُومًا حَقِيقِيَّةً.
وَأَمَّا الْمَاهِيَّاتُ الِاعْتِبَارِيَّةُ كَحَقَائِقِ الْأُمُورِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ كَمَا هُنَا فَلَهَا حُدُودٌ وَرُسُومٌ أَيْضًا وَتُسَمَّى حُدُودًا وَرُسُومًا اسْمِيَّةً لِأَنَّهَا بِحَسَبِ الِاسْمِ ثُمَّ إنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى ذَاتِيَّاتِ الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَعَرَضِيَّاتِهَا وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهَا عَسِرٌ جِدًّا وَاصِلٌ إلَى حَدِّ التَّعَذُّرِ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الشَّمْسِيَّةِ عَنْ ابْنِ سِينَا وَذَلِكَ لِاشْتِبَاهِ الْجِنْسِ بِالْعَرَضِ الْعَامِّ وَالْفَصْلِ بِالْخَاصَّةِ.
وَأَمَّا الْمَاهِيَّاتُ الِاعْتِبَارِيَّةُ فَأَمْرُ الْفَرْقِ سَهْلٌ لِأَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ النَّقْلُ عَنْ الْوَاضِعِ فَمَا اعْتَبَرَهُ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ الْمُسَمَّى الَّذِي وُضِعَ لَهُ الِاسْمُ فَذَاتِيٌّ وَمَا لَا فَعَرَضِيٌّ وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي كُتُبِ الْمَنْطِقِ وَالْمَسْأَلَةُ شَهِيرَةٌ فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَى الشَّيْخِ الْحَالُ حَتَّى قَالَ مَا قَالَ وَتَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْكَمَالِ الْمُمَيِّزُ لِتَعَلُّقِ الِاقْتِضَاءِ بِالْفِعْلِ وَتَعَلُّقِهِ بِالتَّرْكِ وَتَعَلُّقِ التَّخْيِيرِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَتَفْسِيرُ الْمَاهِيَّةِ بِمَاهِيَّةِ الْحُكْمِ فَغَيْرُ دَافِعٍ لِاعْتِرَاضِ الشِّهَابِ أَيْضًا لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْخِطَابِ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الْحُكْمِ عِنْدَ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فَلَيْسَ خَارِجًا عَنْ مَاهِيَّتِه.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ يُخْتَصَرُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ الدَّافِعِ لِلِاعْتِرَاضِ دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِوَجْهٍ فَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِصَارُ حُدُودِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فَكَيْف يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ آخِرَ الْكِتَابِ إنَّ اخْتِصَارَهُ مُتَعَذِّرٌ وَرَوْمُ النُّقْصَانِ مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي) مَقْصُودُهُ بِهَذَا بَيَانُ مُسَاوَاةِ الْمَحْدُودِ هُنَا مِمَّا عَدَا الْإِبَاحَةَ لِلْمَحْدُودِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْمَعْنَى فَمُسَاوَاةُ التَّعَارِيفِ هُنَا لِلتَّعَارِيفِ بَعْدَ تَوْجِيهِ التَّعْبِيرِ عَنْ الْمَحْدُودِ هُنَا بِالْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَفِيمَا بَعْدُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُحَدَّانِ) أَيْ كَمَا يُحَدُّ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ وَالنَّهْيِ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْكَفِّ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ مُلَاحَظَةُ كُلٍّ عَلَى حِدَتِهِ وَإِفْرَادُهُ بِتَعْرِيفٍ يَخُصُّهُ فِي قَوْلِهِ وَسَيَأْتِي حَدُّ الْأَمْرِ إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ أَعْنِي قَوْلَهُ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْضًا فَيَكُونُ الْمَعْنَى فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالنَّهْيِ وَإِنَّمَا أَجْمَلَ الشَّارِحُ إيثَارَ الِاخْتِصَارِ مَعَ وُضُوحِ الْمُرَادِ.
(قَوْلُهُ: فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا) أَشَارَ بِالْفَاءِ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا نَتِيجَةُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ وَأَخَوَاتِهِ هُنَا بِالْخِطَابِ الْمُقْتَضِي وَبِالِاقْتِضَاءِ وَحَدِّ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِيمَا يَأْتِي بِالِاقْتِضَاءِ وَحَدِّهِمَا بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخِطَابِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْحَدِّ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْمَحْدُودِ ثُمَّ الْمُنَاسِبُ لِسِيَاقِهِ السَّابِقُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى التَّوْزِيعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَحْدُودَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِمَجْمُوعِ لَفْظَيْ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ هُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الْمَحْدُودِ الْمُعَبَّر عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالْمَعْنَى الْمَحْدُودُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ أَلْفَاظِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى هُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الْمَحْدُودِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِلَفْظِ النَّهْيِ وَاعْتَرَضَ النَّاصِرُ
(1/122)

نَظَرًا هُنَا إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ وَهُنَاكَ إلَى أَنَّهُ كَلَامٌ.

(وَالْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي مُرَادَفَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِمَا عَدَا الْإِبَاحَةَ مَعَ أَنَّ التَّرَادُفَ الِاتِّحَادُ فِي الْمَفْهُومِ وَالِاتِّحَادُ مَفْقُودٌ هُنَا لِأَنَّ الطَّلَبَ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ أَخَذَ بِشَرْطِ الْجَزْمِ وَفِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأُولَى أَخَذَ بِشَرْطِ عَدَمِهِ وَفِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَخْذٌ لَا بِشَرْطٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَغَايَةُ مَا هُنَاكَ التَّسَاوِي فِي الْمَاصَدَقِ لَا الِاتِّحَادُ فِي الْمَفْهُومِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ التَّرَادُفَ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَفْهُومُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الذَّاتُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ اهـ.
وَهَذَا كَلَامٌ غَيْرُ تَامٍّ فَإِنَّ الشَّارِحَ فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ عَلَى أَنَّ اتِّحَادَ الْحَدِّ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْمَحْدُودِ وَمَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْمَحْدُودَ هُوَ الْمَفْهُومُ لَا الْأَفْرَادُ فَالشَّارِحُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّرَادُفِ فَقَدْ لَزِمَ مِنْ كَلَامِهِ وَدَعْوَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُكَابَرَةٌ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ إلَخْ مُشَاغَبَةٌ فَإِنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّفْظِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنًى جُزَيْئًا أَوْ كُلِّيًّا فَالْأَوَّلُ يُرَادُ مِنْهُ الذَّاتُ إذْ هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ فَلَفْظُ زَيْدٍ مَثَلًا يُرَادُ بِهِ الذَّاتُ الْمُشَخِّصَةُ.
وَالثَّانِي يَتَعَيَّنُ إرَادَةُ الْمَفْهُومِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَجِيءُ قَصْدُ الذَّاتِ أَيْ الْإِفْرَادِ عِنْدَ انْعِقَادِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْقَضَايَا الْمَحْصُورَةِ وَقَدْ يُرَادُ الْمَفْهُومُ نَفْسُهُ كَمَا فِي الْمُعَرَّفِ، وَالْقَضِيَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ مُحَقِّقِي الْمَنَاطِقَةِ حَقَّقَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَحْصُورَاتِ عَلَى مَفْهُومِ الْكُلِّيِّ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ وَالْمَسْأَلَةُ شَهِيرَةٌ حَتَّى إنَّنَا فَرَدْنَاهَا بِرِسَالَةٍ فَتَمَّ إيرَادُ النَّاصِرِ.
نَعَمْ تَمْهِيدُهُ لِذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ بِقَوْلِهِ إنَّ الْمَاهِيَّةَ قَدْ تُؤْخَذُ بِشَرْطِ شَيْءٍ إلَخْ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ بَيَانُهُ يَسْتَدْعِي تَطْوِيلًا فَمَنْ رَجَعَ لِحَوَاشِينَا الْكُبْرَى عَلَى الْمَقَالَاتِ عَلِمَ مَا فِيهِ وَقَوْلُ بَعْضِ مَنْ كَتَبَ مُجِيبًا عَنْ اعْتِرَاضِ النَّاصِرِ إنَّ الْوَجْهَ فِي دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ مَنْعُ قَوْلِهِ: لَا اتِّحَادَ هُنَا فِي الْمَفْهُومِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُدَّعَى اتِّحَادُ الْأَمْرِ وَمَجْمُوعُ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَاتِّحَادِ النَّهْيِ وَمَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَلَا شَكَّ أَنَّ مَفْهُومَ الْأَمْرِ وَمَفْهُومَ مَجْمُوعِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ أَيْ الْمَفْهُومَ الَّذِي يَجْمَعُ وَيَعُمُّ الْإِيجَابَ وَالنَّدْبَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ وَمَفْهُومُ النَّهْيِ وَمَفْهُومُ مَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى أَيْ الْمَفْهُومُ الَّذِي يَجْمَعُ وَيَعُمُّ الثَّلَاثَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اقْتِضَاءُ التَّرْكِ فَيَكُونُ لَفْظُ الْأَمْرِ مُرَادِفًا لِمَجْمُوعِ لَفْظَيْ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَلَفْظُ النَّهْيِ مُرَادِفًا لِمَجْمُوعِ أَلْفَاظٍ ثَلَاثَةٍ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ مَجْمُوعَ لَفْظِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَفْظٌ حَتَّى يَتَحَقَّقَ التَّرَادُفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ الْأَمْرِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الثَّانِي وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمَجْمُوعَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مَفْهُومِ اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ وَمَفْهُومِ اقْتِضَاءِ التَّرْكِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّدْبِ مُغَايِرٌ لِصَاحِبِهِ بِقَيْدٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ وَكَذَا الثَّلَاثَةُ فَانْدِرَاجُهَا تَحْتَ اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ انْدِرَاجُ النَّوْعِ تَحْتَ الْجِنْسِ وَالشَّارِحُ لَمْ يَدَّعِ اتِّحَادَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ الْمَفْهُومِ الَّذِي هُوَ الْجِنْسُ بَلْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَمَفْهُومُ الْأَمْرِ مُطْلَقٌ وَهَذِهِ الْمَفَاهِيمُ مُقَيَّدَةٌ وَالْمُطْلَقُ لَا يُرَادِفُ الْمُقَيَّدَ وَأَيْضًا الْمَفْهُومُ الَّذِي يَعُمُّ ذَلِكَ الْمَجْمُوعَ وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ بِلَفْظٍ مُفْرَدًا سم لِأَنَّ التَّرَادُفَ إنَّمَا يَكُونُ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ بَلْ دُلَّ عَلَيْهِ بِمُرَكَّبٍ إضَافِيٍّ فَاتِّحَادُ مَفْهُومِهِ بِمَفْهُومِ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ لَا يَنْفَعُ فِي دَعْوَى التَّرَادُفِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ لِلْمُعَبَّرِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ فِي الْمَوْضُوعَيْنِ وَاحِدٌ وَاخْتَلَفَ الْعِبَارَةُ عَنْهُ فِيهِمَا لِلْمُنَاسَبَةِ فَعَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِالْإِيجَابِ وَغَيْرِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ وَالْإِيجَابِ وَغَيْرُهُ مُنَاسِبٌ لَهُ وَعُبِّرَ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَلَامٌ وَالْكَلَامُ يُنَاسِبُهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ.

[تَعْرِيف الْفَرْض وَالْوَاجِب]
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ) أَيْ هَذَانِ اللَّفْظَانِ إذْ التَّرَادُفُ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ وَانْجَرَّ الْكَلَامُ إلَيْهِمَا
(1/123)

مُتَرَادِفَانِ) أَيْ اسْمَانِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ كَمَا عُلِمَ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا جَازِمًا (خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) فِي نَفْيِهِ تَرَادُفَهُمَا حَيْثُ قَالَ هَذَا الْفِعْلُ إنْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَالْقُرْآنِ فَهُوَ الْفَرْضُ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ الثَّابِتَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَبِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَهُوَ الْوَاجِبُ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ الثَّابِتَةِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَلَا تَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ بِخِلَافِ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْخِلَافُ (لَفْظِيٌّ) أَيْ عَائِدٌ إلَى اللَّفْظِ وَالتَّسْمِيَةِ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ كَمَا يُسَمَّى فَرْضًا هَلْ يُسَمَّى وَاجِبًا وَمَا ثَبَتَ بِظَنِّيِّ كَمَا يُسَمَّى وَاجِبًا هَلْ يُسَمَّى فَرْضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
مِنْ جَعْلِ الْإِيجَابِ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الَّذِي إذَا أُضِيفَ إلَى مَا فِيهِ الْحُكْمُ سُمِّيَ وَاجِبًا وَوُجُوبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ أَوَّلًا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلَا يُقَالُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْوَاجِبَ.
(قَوْلُهُ: مُتَرَادِفَانِ) أَيْ اصْطِلَاحًا لَا لُغَةً وَلَعَلَّ الْحُكْمَ بِالتَّرَادُفِ بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ تَسَمُّحٌ لِمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا الْأَحْكَامَ اللَّفْظِيَّةَ مُتَفَرِّعَةً عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَهُمَا بِحَسَبِهِ لَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ وَمُتَرَادِفٌ بِمَعْنَى مُرَادِفٍ أَيْ مُرَادِفٌ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فَلَا يَرِدُ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ شَرْطَ التَّثْنِيَةِ صَلَاحِيَةُ الْمَعْنَى لِلتَّجْرِيدِ وَهُوَ هُنَا لَا يَصْلُحُ لَهُ لِأَنَّ التَّرَادُفَ تَفَاعُلٌ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ وَلَك أَنْ تَقُولَ أَيْضًا يَصِحُّ إطْلَاقُ مُتَرَادِفٍ عَلَى الْوَاحِدِ بِقَيْدِ مَعَ فَيُقَالُ مُتَرَادِفٌ مَعَ الْآخَرِ.
(قَوْلُهُ: لِمَعْنًى وَاحِدٍ) أَيْ مَفْهُومٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ التَّرَادُفَ يُعْتَبَرُ فِيهِ اتِّحَادُ الْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ وَهِيَ مَفَاهِيمُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ لَك.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ وَقَوْلُهُ كَمَا عُلِمَ إلَخْ الْمُرَادُ بِعِلْمِهِ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ عِلْمُ ذَاتِهِ لَا بِوَصْفِ كَوْنِهِ وَاحِدًا سُمِّيَ بِلَفْظَيْنِ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِمَّا سَبَقَ ذَاتُهُ لَا بِهَذَا الْوَصْفِ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا التَّشْبِيهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَعْلُومَ هُنَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ لَا شَيْءٌ آخَرُ يُشْبِهُ الْمَعْلُومَ مِنْهُ وَالتَّشْبِيهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ وَيُجَابُ بِتَغَايُرِهِمَا اعْتِبَارًا فَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ مُشَبَّهٌ بِاعْتِبَارِ ذِكْرِهِ هُنَا مُشَبَّهٌ بِهِ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ فَالْأَحْسَنُ أَنْ تُجْعَلَ الْكَافُ بِمَعْنَى عَلَى وَمَا مَصْدَرِيَّةً أَيْ بِنَاءً عَلَى عِلْمِهِ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ قَالَ) ظَرْفٌ لِنَفْيِهِ وَالْحَيْثِيَّةُ تَعْلِيلِيَّةٌ فَهُوَ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَفْيِ التَّرَادُفِ بَيْنَهُمَا بَلْ لَزِمَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: هَذَا الْفِعْلُ) أَيْ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا جَازِمًا.
(قَوْلُهُ: إنْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ إلَخْ) هَذَا الِاصْطِلَاحُ وَإِنْ اُشْتُهِرَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَكِنْ يَكْثُرُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ مَا يُخَالِفُهُ وَهُوَ إطْلَاقُ الْفَرْضِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ وَالْوَاجِبِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ كَقَوْلِهِمْ الْوِتْرُ فَرْضٌ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ فَرْضٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيُسَمُّونَهُ فَرْضًا عَمَلِيًّا لَا عِلْمِيًّا يَلْزَمُ اعْتِقَادُهُ حَقِيقَةً وَكَقَوْلِهِمْ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ قَالَهُ الْكَمَالُ.
(قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِمْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَلَيْسَ مُفَرَّعًا عَلَى التَّسْمِيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ فَهُوَ الْوَاجِبُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حِينَئِذٍ أَنَّ لِلتَّسْمِيَةِ مَدْخَلًا فِي عَدَمِ الْفَسَادِ فَلَا يَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى إلَخْ) الْعَامِلُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَمَا بَعْدَ هَلْ وَلَا يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّ أَدَوَاتِ الِاسْتِفْهَامِ لَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا لِأَنَّ هَلْ ضَعِيفَةٌ فِي الِاسْتِفْهَامِ لِتَطَفُّلِهَا فِيهِ فَلَيْسَتْ كَالْهَمْزَةِ الْعَرِيقَةِ فِيهِ وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الدَّنَوْشَرِيُّ فَقَالَ
(1/124)

فَعِنْدَهُ لَا أَخْذًا لِلْفَرْضِ مِنْ فَرَضَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى حَزَّهُ أَيْ قَطَعَ بَعْضَهُ، وَلِلْوَاجِبِ مِنْ وَجَبَ الشَّيْءُ وَجْبَةً سَقَطَ. وَمَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ سَاقِطٍ مِنْ قِسْمِ الْمَعْلُومِ. وَعِنْدَنَا نَعَمْ أَخْذًا مِنْ فَرَضَ الشَّيْءَ قَدَّرَهُ، وَوَجَبَ الشَّيْءُ وُجُوبًا ثَبَتَ، وَكُلٌّ مِنْ الْمُقَدَّرِ وَالثَّابِتِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ بِقَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ وَمَأْخَذُنَا أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا عِنْدَهُ أَيْ دُونَنَا لَا يَضُرُّ فِي أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لِأَنَّهُ أَمْرٌ فِقْهِيٌّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
وَهَلْ فِي الِاسْتِفْهَامِ قَبْلَ وَجَدْ ... مَعْمُولُ مَا بَعْدُ لِضَعْفٍ فَاعْتَمِدْ
(قَوْلُهُ: فَعِنْدَهُ لَا أَخْذًا إلَخْ) عِنْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِلَا لِتَضَمُّنِهَا لِمَعْنَى الْفِعْلِ أَيْ انْتَفَتْ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ وَأَخْذًا مَفْعُولٌ لَهُ لَا لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى حَزَّهُ) أَيْ قَطَعَ بَعْضَهُ أَيْ فَالْفَرْضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ أَيْ الْمَقْطُوعِ بِهِ وَاعْتَرَضَ النَّاصِرُ الْأَخْذَ الْمَذْكُورَ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَوْجِيهَهُمْ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا أُرِيدَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ لَكِنَّ أَمْثِلَتَهُمْ تُخَالِفُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَطْعَ بِالْأَحْكَامِ لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ الْمُعَرَّفِ بِالْعِلْمِ أَيْ الظَّنِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الِاعْتِرَاضَ الْأَوَّلَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الشَّارِحِ لِأَنَّهُ حَاكٍ لَهُ عَنْهُمْ بَلْ وَلَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ بِجَامِعِ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ احْتِمَالُهُ نَاشِئًا عَنْ الدَّلِيلِ كَمَا نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي أُصُولِهِمْ.
وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ لَزِمَ هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ يُسَمَّى فِقْهًا وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ بِوَجْهٍ وَلَوْ سُلِّمَ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ تَفَاسِيرِ الْفِقْهِ عِنْدَهُمْ مَا يَتَنَاوَلُ الْقَطْعِيَّ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي أُصُولِهِمْ.
(قَوْلُهُمْ سَاقِطٌ مِنْ قِسْمِ الْمَعْلُومِ) لِأَنَّ الْمَعْلُومَ هُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ وَلِذَا يُسَمُّونَ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ بِالْفَرْضِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَمَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ بِالْفَرْضِ عَمَلًا فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا نَعَمْ) يُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ فَعِنْدَهُ لَا أَخْذًا.
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَ الشَّيْءُ وُجُوبًا ثَبَتَ) مِمَّا يُرَجِّحُ أَخْذَنَا لِلْوَاجِبِ مِنْ وَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ اتِّحَادُ الْوَاجِبِ وَمَأْخَذُهُ فِي الْمَصْدَرِ فَإِنَّ مَصْدَرَ كُلٍّ الْوُجُوبُ بِخِلَافِ أَخْذِهِمْ لَهُ مِنْ وَجَبَ بِمَعْنَى سَقَطَ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ عَلَيْهِ مُخْتَلِفٌ لِأَنَّ مَصْدَرَ الْوَاجِبِ الْوُجُوبُ وَمَصْدَرُ مَأْخَذِهِ عِنْدَهُمْ الْوَجْبُ أَوْ الْوَجْبَةُ أَفَادَهُ الْكَمَالُ.
(قَوْلُهُ: وَمَأْخَذُنَا أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا) أَيْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ فَرْضٍ لُغَةً بِمَعْنَى قَدْرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ بِمَعْنَى حَزٍّ وَاسْتِعْمَالَ وَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِمَعْنَى سَقَطَ فَاصْطِلَاحُنَا أَوْلَى فَهَذَا بَيَانٌ لِمُرَجِّحِ مَأْخَذِنَا الَّذِي عَارَضَهُ مَأْخَذُهُمْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَإِنْ قُلْت قَدْ فَرَّقَ عِنْدَكُمْ بَيْنَهُمَا فِي الطَّلَاقِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الطَّلَاقُ وَاجِبٌ عَلَيَّ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقُ فَرْضٌ عَلَيَّ.
وَفِي الْحَجِّ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ وَالرُّكْنُ بِخِلَافِهِ وَالْفَرْضُ يَشْمَلُهُمَا فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوَاجِبِ قُلْت ذَلِكَ لَيْسَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ حَقِيقَتِهِمَا بَلْ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ وَلِاصْطِلَاحٍ آخَرَ فِي الْحَجِّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَيْنِ فِي الطَّلَاقِ لَيْسَا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ بَلْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مَعَ أَنَّ أَصْحَابَنَا نَقَضُوا أَصْلَ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا جَعْلُهُمْ مَسْحَ رُبْعِ الرَّأْسِ وَالْقَعْدَةِ آخِرَ الصَّلَاةِ فَرْضَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ.
(قَوْلُهُ: أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ بِقَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ) أَيْ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الثَّابِتِ بِالْقَطْعِيِّ وَالثَّابِتِ بِالظَّنِّيِّ تَفَاوُتٌ فِي الرُّتْبَةِ إذْ التَّفَاوُتُ فِي الرُّتْبَةِ لَا يَقْتَضِي التَّفَاوُتَ فِي التَّسْمِيَةِ فَاتِّحَادُهُمَا تَسْمِيَةٍ لَا يُوجِبُ اتِّحَادَهُمَا رُتْبَةً كَمَا لَا يُوجِبُ اتِّحَادُ دَلِيلِهِمَا رُتْبَةً قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ عَائِدٌ إلَى التَّسْمِيَةِ فَنَحْنُ نَجْعَلُ اللَّفْظَيْنِ اسْمًا لِمَعْنًى وَاحِدٍ لِتَفَاوُتِ أَفْرَادِهِ وَهُمْ يَخُصُّونَ كُلًّا مِنْهُمَا بِقِسْمٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَيَجْعَلُونَهُ اسْمًا لَهُ وَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُمَا مُتَرَادِفَيْنِ جَعَلَ خَبَرَ الْوَاحِدِ الظَّنِّيَّ بَلْ الْقِيَاسَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ فِي مَرْتَبَةِ الْكِتَابِ الْقَطْعِيِّ حَيْثُ جَعَلَ مَدْلُولَهُمَا وَاحِدًا وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ اهـ.
وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ كَالسُّيُوطِيِّ فِي طَبَقَاتِ النُّحَاةِ مِنْ أَنَّ السَّعْدَ التَّفْتَازَانِيَّ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ وَكَلَامُهُ فِي حَاشِيَةِ التَّلْوِيحِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْتَصِرُ لِلشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا السَّيِّدُ فَحَنَفِيٌّ بِاتِّفَاقٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَا تَقَدَّمَ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ) لَمْ يَقُلْ وَيَأْثَمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ أَمْرٌ فِقْهِيٌّ أَيْ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي عَمِلَهَا وَهُوَ الْفِقْهُ وَجَعَلَ كَوْنَ صَلَاةِ تَارِكِهَا
(1/125)

لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا.

(وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ مُتَرَادِفَةٌ) أَيْ أَسْمَاءٌ لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ كَمَا عُلِمَ مِنْ حَدِّ النَّدْبِ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ (خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابَنَا) أَيْ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ فِي تَفْهِيمِ تَرَادُفِهَا حَيْثُ قَالُوا هَذَا الْفِعْلُ إنْ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ السُّنَّةُ أَوْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ كَأَنْ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية العطار]
صَحِيحَةً الَّذِي هُوَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ خِطَابِ الْوَضْعِ مِنْ الْفِقْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ أَيْ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ صَحِيحُ لِأَنَّ الْفِقْهَ بَاحِثٌ عَنْ الْخِطَابَيْنِ التَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ تَحِلُّ وَتَحْرُمُ وَتَصِحُّ وَتَفْسُدُ.
(قَوْلُهُ: لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ) قَالَ النَّاصِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنْ يُقَالَ لَا مَدْخَلَ لِلتَّسْمِيَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ الْمُجْتَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْفِقْهِيِّ لَا عَنْ التَّسْمِيَةِ فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ مَدْخَلِيَّةِ التَّسْمِيَةِ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ إذْ لَوْ كَانَ لَهَا مَدْخَلٌ فِيهِ كَانَ النِّزَاعُ فِيهَا نِزَاعًا فِيهِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ مَعْنَوِيًّا وَلَعَلَّ وَجْهَ مَا عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِعَدَمِ الْفَسَادِ مَدْخَلِيَّةُ التَّسْمِيَةِ كَانَ النِّزَاعُ فِيهَا فَرْعَ النِّزَاعِ فِيهِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ مَعْنَوِيًّا وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ ظَنِّيَّةَ الدَّلِيلِ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلتَّسْمِيَةِ بِالْوَاجِبِ أَيْ السَّاقِطِ وَلِعَدَمِ الْفَسَادِ بِالتَّرْكِ وَكَانَتْ قَطْعِيَّةُ الدَّلِيلِ سَبَبًا لِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ لِعَدَمِ الْفَسَادِ مَدْخَلٌ فِي التَّسْمِيَةِ بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَعْتَبِرْ السَّبَبَ.

[تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ]
(قَوْلُهُ: وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ) وَمِثْلُهُ الْحَسَنُ وَالنَّفَلُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ (قَوْله مُتَرَادِفَةٌ) أَيْ اصْطِلَاحًا لُغَةً نَظِيرَ مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ.
(قَوْلُهُ: كَمَا عُلِمَ) أَيْ عَلَى مَا عُلِمَ أَيْ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ لَا بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُسَمًّى بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ) كَالْبَغَوِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَالْخُوَارِزْمِي فِي الْكَافِي وَالْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ قَالُوا) ظَرْفٌ لِنَفْيِهِمْ وَالْحَيْثِيَّةُ تَعْلِيلِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: هَذَا الْفِعْلُ) أَيْ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ ظُلْمًا غَيْرُ جَازِمٍ الَّذِي هُوَ كُلِّيٌّ وَفَائِدَةُ الْإِشَارَةِ بَيَانُ أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ لَا فِي مُطْلَقِ الْفِعْلِ وَلَيْسَتْ الْإِشَارَةُ لِلْفِعْلِ الْجُزْئِيِّ كَمَا تُوهِمُهُ الْإِشَارَةُ إذْ الْجُزْئِيُّ الْحَقِيقِيُّ لَا تُتَصَوَّرُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ وَلَا فِعْلُهُ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ مَتَى فَعَلَهُ مَرَّةً انْقَضَى فَالْمُعَادُ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ بَلْ فِعْلٌ مُمَاثِل