Advertisement

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب 001



الكتاب: رَفْعُ النِّقَابِ عَن تنقِيح الشّهابِ
المؤلف: أبو عبد الله الحسين بن علي بن طلحة الرجراجي ثم الشوشاوي السِّمْلالي (المتوفى: 899ه)
المحقق: د. أَحْمَد بن محمَّد السراح، د. عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
أصل هذا الكتاب: رسالتي ماجستير
الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1425 ه - 2004 م
عدد الأجزاء: 6
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ

تأليف
أبي عَلي حسَين بن علي بن طَلحة الرّجراجي الشوشَاوي
المتوفى سنة 899 ه

تحقيق
أَحْمَد بن محمَّد السراح

المُقَدِمَة
إعداد:
د. أَحْمَد بن محمَّد السراح - د. عَبد الرّحمن بن عَبد الله الجبرين

مَكْتَبة الرُّشدِ
نَاشِرُون
(المقدمة/1)

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1425 ه - 2004 م

مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب 17522 الرياض 11494 - هاتف: 4593451 - فاكس: 4573381
E - mail: alrushd@alrushdryh.com
www.rushd.com

* فرع الرياض: طريق الملك فهد - غرب وزارة البلدية والقروية ت 2051500
* فرع مكة المكرمة: ت: 5585401 - 5583506
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - ت: 8340600 - 8383427
* فرع جدة: مقابل ميدان الطائرة - ت: 6776331
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - ت: 3242214 - ف: 2241358
* فرع أبها: شارع الملك فيصل ت: 2317307
* فرع الدمام: شارع ابن خلدون ت: 8282175

وكلاؤنا في الخارج
* القاهرة: مكتبة الرشد - مدينة نصر - ت: 2744605
* الكويت: مكتبة الرشد - حولي - ت: 2612347
* بيروت: دار ابن حزم ت: 701974
* المغرب: الدار البيضاء/ مكتبة العلم/ ت: 303609
* تونس: دار الكتب الشرقية/ ت: 890889
* اليمن - صنعاء: دار الآثار ت: 603756
* الأردن: دار الفكر/ ت: 4654761
* البحرين: مكتبة الغرباء/ ت: 957823
* الامارات - الشارقة: مكتبة الصحابة/ ت: 5632575
* سوريا - دمشق: دار الفكر/ ت: 221116
* قطر - مكتبة ابن القيم/ ت: 4863532
(المقدمة/2)

رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ
(المقدمة/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(المقدمة/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1).
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (2).
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (3)، أما بعد (4).
__________
(1) سورة آل عمران: آية رقم 102.
(2) سورة النساء: آية رقم 1.
(3) سورة الأحزاب: آية رقم 70، 71.
(4) من أول المقدمة إلى هنا خطبة الحاجة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمها أصحابه، وقد رويت عن عدد من الصحابة بألفاظ كثيرة فانظر: صحيح مسلم الحديث رقم 868 عن ابن عباس، وانظر: الترمذي الحديث رقم 1105 عن ابن مسعود، وانظر: =
(المقدمة/5)

فقد وقع اختيارنا على كتاب رفع النقاب عن تنقيح الشهاب وقمنا بتحقيقه لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه - في كلية الشريعة بالرياض - وذلك لأسباب منها:
1 - المساهمة في إخراج كنوز التراث الإسلامي المخطوطة.
2 - أهمية الكتاب في بابه؛ حيث إنه يشرح متنًا من أهم متون أصول الفقه الإسلامي، الذي هو تنقيح الفصول للقرافي.
3 - جودة عرض المؤلف لمسائل الكتاب، وإحاطته بكثير من جوانب الأصول.
4 - اهتمام المؤلف بالأمثلة والتطبيقات الفقهية.
5 - قلة الكتب المحققة في أصول فقه المالكية.
6 - أن هذا الكتاب يعتبر موسوعة فى أصول المالكية؛ حيث تجد فيه كثرة الأقوال والنقول عن علماء المالكية.
وقد جعلنا لهذا الكتاب مقدمة للتعريف بالمؤلف والكتاب وتشتمل على ثلاثة فصول هي على النحو الآتي:
الفصل الأول: التعريف بالمؤلف، ويشتمل هذا الفصل على ستة مباحث هي:
المبحث الأول: الحالة السياسية لعصر المؤلف.
المبحث الثاني: اسمه ونسبه.
__________
= السنن الكبرى للبيهقي 3/ 214، 215؛ حث أورد فيها كثيراً من الروايات.
(المقدمة/6)

المبحث الثالث: ولادته ونشأته.
المبحث الرابع: طلبه للعلم وأقرانه.
المبحث الخامس: جلوسه للتدريس - تلاميذه.
المبحث السادس: وفاته وثناء العلماء عليه.
الفصل الثاني: نظرة علمية إلى المؤلف، ويشتمل هذا الفصل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: عقيدته.
المبحث الثاني: مذهبه الفقهي.
المبحث الثالث: منزلته بين علماء عصره.
المبحث الرابع: آثاره العلمية.
الفصل الثالث: التعريف بالكتاب، ويشتمل هذا الفصل على ثمانية مباحث هي:
المبحث الأول: نسبة الكتاب للمؤلف.
المبحث الثاني: مصادر الكتاب.
المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب.
المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية وبيان وجوه الحسن والإجادة.
المبحث الخامس: التعريف بشروح التنقيح.
المبحث السادس: مقارنة بين هذا الكتاب وشرح التنقيح للقرافي.
(المقدمة/7)

المبحث السابع: استدراكات المؤلف على القرافي.
المبحث الثامن: منهج تحقيق هذا الكتاب ووصف النسخ.
***
(المقدمة/8)

الفصل الأول: التعريف بالمؤلف
المبحث الأول: الحالة السياسية لعصر المؤلف
الشوشاوي من علماء القرن التاسع، وكانت أهم الدول التي تحكم في ذلك العصر:
1 - دولة المماليك في مصر والشام والحجاز.
2 - الدولة العثمانية في تركيا.
3 - الدولة الزيانية بالمغرب الأوسط.
4 - الدولة الحفصية بتونس.
5 - الدولة المرينية والوطاسية بالمغرب.
وسنقتصر في هذا المبحث على الكلام عن الدولة المرينية والوطاسية بالمغرب.

أولاً: الدولة المرينية:
تولى في هذه الفترة اثنان من ملوك الدولة المرينية؛ فقد تولى أبو سعيد عثمان الحكم سنة 800 ه إلى سنة 823 ه، وفي عهده ضعفت الدولة المرينية وقويت الدولة الحفصية بتونس؛ حيث إن أبا فارس وهو من أعظم ملوك الدولة الحفصية قد تمكن من احتلال تلمسان والزحف إلى فاس، فطلب أبو سعيد عقد
(المقدمة/9)

الصلح معه، ثم خطب له على منابر المغرب (1)، وهكذا صارت الدولة المرينية تخطب للملوك الحفصيين وترهب جانبهم.
وفي عهده أيضًا بدأ الغزو الأجنبي على المدن والشواطئ المغربية، فقد قام الأسبان بالهجوم على مدينة تطوان سنة (803 ه) وخربوها، وبقيت خربة نحو تسعين سنة (2).
وقام البرتغال بالهجوم على سبتة واحتلالها سنة 818 ه (3)، وكان البرتغال قد اهتموا بتقوية أساطيلهم البحرية بجانب أن الدولة المرينية في المغرب ضعف اهتمامها بالأساطيل البحرية.
واحتلال سبتة بموقعها الاستراتيجي الهام قد زاد في ضعف الدولة المرينية، فبدلاً من أن تكون سبتة قلعة حصينة شامخة تشرف على مواقع الأعداء أصبحت بداية خطر يهدد الدولة في أي وقت، هذا بالإضافة إلى الخسارة العلمية؛ حيث فقد المسلمون اثنتين وستين خزانة علمية مملوءة بالكتب.
وفي سنة (823 ه) توفي أبو سعيد (4)، وتولى الحكم في السنة نفسها ابنه عبد الحق بن أبي سعيد بن أحمد بن أبي الحسن بن أبي سعيد بن يعقوب بن عبد الحق المريني (823 - 869 ه)، وهو آخر ملوك بني مرين وأطولهم عهدًا؛ إذ تولى العهد وهو صبي، وبذلك بدأ النفوذ الوطاسي وذلك بالوصاية على العرش، وسقطت الدولة المرينية بقتل آخر ملوكها وهو عبد الحق المريني
__________
(1) الاستقصاء 4/ 90، 91.
(2) الاستقصاء 4/ 89، 90.
(3) الاستقصاء 4/ 92، 93.
(4) انظر ترجمته وأخباره في: الاستقصاء 4/ 86، الضوء اللامع 5/ 124.
(المقدمة/10)

سنة 869 ه.
والوطاسيون هم الوزراء وممن برز منهم في عهد عبد الحق أبو زكريا يحيى الوطاسي (1)، وعلي بن يوسف الوطاسي (2)، ويحيى بن يحيى بن عمر الوطاسي (3).

ثانيًا: دولة الوطاسيين:
لم يتول الوطاسيون الحكم بعد مقتل آخر ملوك بني مرين سنة 869 ه مباشرة بل كانت هناك فترة بين الدولتين من 869 ه إلى 875 ه.
فقد تولى الحكم في هذه الفترة أبو عبد الله الحفيد نقيب الشرفاء، واسمه محمد بن علي الجوطي الإدريسي العمراني، وهو من أسرة تولت نقابة الشرفاء مدة طويلة، وكان بنو مرين يُجِلُّونهم ويتوددون إليهم (4)، وقد بايعه
__________
(1) هو أبو زكريا يحيى بن عمر بن زيان الوطاسي الوزير بمدينة فاس، وكان وزيرًا لعبد الحق، وكان في أيامه الوباء المسمى عند أهل فاس بوباء عزونة سنة ست وأربعين وثمانمائة (846 ه) وأخضع في هذه السنة الشاوية وخرب منازلهم، واتصف بالديانة وضبط الملك والرفق بالرعية والعدل، توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (852 ه)، وولى عبد الحق الوزارة من بعده لعلي بن يوسف الوطاسي.
انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس 2/ 535، درة الحجال 3/ 338 - 339.
(2) هو الوزير علي بن يوسف الوطاسي قدم على فاس، وهو أحد وزراء عبد الحق بمدينة فاس، توفي بتامسنا سنة ثلاث وستين وثمانمائة (863 ه).
انظر ترجمته في: درة الحجال 3/ 249، جذوة الاقتباس 2/ 462.
(3) هو يحيى بن أبي زكريا "يحيى" بن عمر بن زيان الوطاسي، ولاه عبد الحق المريني الوزارة بعد وفاة علي بن يوسف الوطاسي.
انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس 2/ 462، درة الحجال 3/ 249.
(4) انظر ترجمته في: جذوة الاقتباس 1/ 211 درة الحجال 2/ 28.
(المقدمة/11)

أهل فاس بالخلافة بعدما خلعوا طاعة المرينيين في ثورتهم التي كانت بقيادة خطيب القرويين عبد العزيز الورياغلي، وذلك في سنة 869 ه وهي السنة التي قتل فيها عبد الحق، وقد اضطربت أحوال المغرب في عهده غاية الاضطراب، فتمردت القبائل الشاوية وهددت كلاً من مكناس وفاس في زحفها شمالاً (1).
وانتهت فترة حكمه بخلعه سنة 876 ه.
وبعد خلع أبي عبد الله الحفيد انتقل الحكم إلى محمد بن الشيخ الوطاسي (876 - 910 ه).
وقصة توليه الحكم أنه نجا من بطش عبد الحق بن أبي سعيد المريني سنة 863 ه، ومعه محمد الحلو من بني وطاس، وكان محمد الشيخ قد وجه همه منذ البداية إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاحتلال الأجنبي، فاستولى على مدينة أصيلا التي كان البرتغال يطلعون إلى الاستيلاء عليها، ثم خرج من أصيلا زاحفًا نحو فاس سنة 872 ه، فالتقت به جيوش أبي عبد الله الحفيد وهزمته، ثم عاد مرة أخرى وضرب الحصار على مدينة فاس مدة سنتين إلى أن دخلها ظافرًا سنة 876 ه, واستمر حكمه إلى أن توفي سنة 910 ه. (2)
ولقد وقع في عهد محمد الشيخ الوطاسي عدة حوادث أهمها ما يلي:
1 - احتلال البرتغال لمدينة أصيلا سنة 876 ه، فبينما محمد الشيخ يحاصر فاسًا ولم تقم الدولة الوطاسية على قدميها بعد، احتل البرتغال أصيلا بأسطول يتكون من (308) باخرة وثلاثين ألف مقاتل، وفور احتلالهم
__________
(1) المغرب عبر التاريخ 2/ 64.
(2) انظر ترجمته وأخباره في: الاستقصاء 4/ 140، المغرب عبر التاريخ 2/ 64، 169.
(المقدمة/12)

لأصيلا حولوا مسجدها الأعظم إلى كنيسة (1).
2 - ثورة عمرو بن سليمان السياف (2) ببلاد سوس، وهذه الثورة من الحوادث والفتن التي حدثت في عهد محمد الشيخ وعاصرها الشوشاوي؛ حيث إنها وقعت في زمنه وفي بلده سوس وتمس الفقهاء.
وقصة هذه الفتنة أنه لما قتل الشيخ محمد بن سليمان الجزولي (3) سنة 870 ه، وقيل: إنه مات مسمومًا على يد بعض الفقهاء، وكان عمرو السياف أحد تلامذته، فلما سمع بمقتله قام يطالب بثأره ممن سمه من الفقهاء، فانتقم منهم ثم أخذ يدعو إلى الصلاة ويقاتل عليها، ولم يقف عند هذا الحد، بل دعا إلى نفسه وادعى علم الغيب، وربما ادعى النبوة وقاتل كل من ينكر عليه ذلك، وسمى أتباعه بالمريدين ومخالفيه بالجاحدين، واستمرت ثورته هذه عشرين سنة من حين قتل شيخه محمد الجزولي سنة 870 ه إلى أن قتل هو سنة 890 ه، فاستراح الناس من شره.
__________
(1) انظر: المغرب عبر التاريخ 1/ 171، الاستقصاء 4/ 110.
(2) هو عمرو بن سليمان المعيطي الشيظمي المشهور بالسياف، طالب بثأر الشيخ الجزولي وجمع الجيوش بسوس وسفك الدماء واستمر عشرين سنة، قتلته زوجته امتعاضًا لأجل ما كان عليه من الفساد في الأرض سنة تسعين وثمانمائة (890 ه).
انظر ترجمته في: الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام 5/ 55، 56.
(3) هو محمد بن سليمان بن داود بن بشر بن عمران الجزولي المغربي المالكي، ولد سنة ست وثمانمائة (806 ه) بجزولة، ثم رحل إلى مراكش وحفظ القرآن وأقام بها ستة عشر عامًا يشتغل في الفقه والعربية، ورحل إلى فاس وتلمسان وتونس، والقاهرة، ومكهَ والمدينة، وكان بارعًا في الفقه والأصلين متقدمًا في العربية.
توفي مسمومًا وهو في الصلاة عام سبعين وثمانمائة (870 ه)، من أشهر مصنفاته: دلائل الخيرات، وقد انتشر في بلاد المغرب الواسعة، وقد أطال صاحب الإعلام بمن =
(المقدمة/13)

ولم يظهر أثر لتدخل محمد الشيخ الوطاسي في هذه الفتنة بالرغم من قوتها وخطورتها (1).

حالة سوس السياسية:
كانت سوس في آخر العهد المريني وفي العهد الوطاسي تعيش حالة من الفوضى والاضطراب السياسي والإداري؛ حيث إنها لم تكن خاضعة للحكم المريني والوطاسي مباشرة، بل أخذت نوعًا من الاستقلال الذاتي، وكان يحكمها مباشرة الأشراف والوجهاء ورؤساء القبائل والقضاة والفقهاء، وقامت في سوس بعض الحروب بين القبائل البربرية والعربية.
ومن أبرز من أعطى صورة للحالة السياسية لسوس الرحالة والمؤرخ حسن الوزان (2) الذي كان سفيرًا للدولة الوطاسية في سوس، وسنذكر نماذج لوصفه.
يقول الحسن الوزان عن بلاد حاحه: لا يوجد في هذه البلاد أي مظهر من مظاهر القضاء ولا سيما في الجبل؛ حيث لا يوجد أمير ولا موظف، ويتمكن
__________
= حل مراكش وأغمات من الأعلام، في ترجمة الجزولي والنقل عمن ترجم له، والثناء عليه وعلى كتابه. انظر: ج 5/ 40 - 103.
(1) انظر: ثورة عمرو السياف في: الاستقصاء 4/ 122، 123، جذوة الاقتباس 1/ 241، المغرب عبر التاريخ 2/ 170، 171.
(2) هو الحسن بن محمد الوزان، ولد في غرناطة وهاجر منها صغيرًا مع أبيه إلى فاس فتعلم بها حتى ذاع صيته وعرف فضله، فانتدب لبعض الوساطات السياسية حتى وقع في أسر الفرنج وتنصر وبقي في إيطاليا، ويقال: إنه رجع إلى تونس وعاد إلى الإسلام، توفي سنة 957 ه، من أشهر مصنفاته: كتاب وصف أفريقيا وهو من أنفس الكتب عن أفريقيا.
انظر ترجمته في: الإعلام 2/ 217.
(المقدمة/14)

النبلاء الوجهاء من الاحتفاظ بشبه سلطة في داخل المدن، وهذه المدن نادرة (1).
ويقول عن مدينة تاكوليت إحدى مدن حاحه: وفي الزمن الذي قصدت فيه هذه البلاد كان يقوم فيها وجيه منزلته كمنزلة رئيس الوزارة، وكان يقوم بجميع مهام الإدارة (2).
ويقول عن مدينة تارودانت: ويحكم تارودانت وجهاؤها؛ إذ يتسلم أربعة منهم سويًا السلطة التي لا يحتفظون بها أكثر من ستة أشهر (3).
وأما وصفه للحروب الأهلية القائمة بين قبائل سوس فيقول عن بلاد حاحه: بأن سكانها في حالة حرب لا تهدأ، ولكنها حرب أهلية لا تحمل أي أذى للأجانب (4).
ويقول عن مدينة تيوت من بلاد السوس: إنهم يعيشون باستمرار في حالة حرب فيما بينهم، ومن النادر أن يقيموا في سلام (5).
هذه النماذج لوصف حسن الوزان لبعض مدن سوس تعطي صورة عن الحالة السياسية والإدارية لسوس، وأنها تتمتع بشبه استقلال عن الحكومة المرينية والوطاسية في فاس، لكنه استقلال اتسم بالفوضى الإدارية؛ حيث لا يوجد حاكم موحد يسيطر على البلاد وينظم شؤونها ويخمد الفتن والحروب القائمة بين الأهالي.
__________
(1) وصف أفريقيا للحسن الوزان ص 110.
(2) المصدر السابق ص 112.
(3) المصدر السابق ص 129.
(4) المصدر السابق ص 109 - 110.
(5) المصدر السابق ص 128.
(المقدمة/15)

ومن العوامل التي ساعدت على وجود هذا الوضع لسوس ما يلي:
1 - ضعف الدولتين المرينية والوطاسية وانشغالهما بالاعتداءات الخارجية من الأسبان والبرتغال عن تنظيم الوضع الداخلي للبلاد.
2 - بُعد منطقة سوس عن عاصمة الدولة فاس، وهذا الوضع لسوس هيأ ومهد لقيام الدولة السعدية في هذه المنطقة، بالإضافة إلى شعور الأهالي بضرورة تغيير الأوضاع وضرورة حمل السلاح لتحرير الأراضي التي سقطت في أيدي المحتلين النصارى، وقد اتخذ السعديون تارودانت عاصمة لهم، وبدأ نفوذهم في سوس مع وجود الدولة الوطاسية في فاس (1).
...
__________
(1) انظر تفصيل الكلام عن تأسيس السعديين لدولتهم في سوس في: كتاب المغرب الكبير 3/ 22، 33، 35.
(المقدمة/16)

المبحث الثاني: اسمه ونسبه
أما اسمه فهو: حسين بن علي بن طلحة الرجراجي، الشوشاوي، وكنيته: أبو علي.
وقد اتفقت أغلب مراجع ترجمته على اسمه هذا، وكنيته، ولقبه (1).
وبعض المراجع ورد فيها أن اسمه حسن (2)، وبعضها كناه بأبي عبد الله (3)، والبعض الآخر زاد في لقبه: الوصيلي (4).
__________
(1) انظر ترجمة المؤلف في المراجع الآتية:
درة الحجال 1/ 244، كفاية المحتاج ص 138، مخطوط بالمكتبة العامة بالرباط (ج 709)، خلال جزولة 4/ 160، سوس العالمة ص 177، 159، 160، المعسول 6/ 169، كشف الظنون 2/ 1296، هدية العارفين 1/ 316، المغرب عبر التاريخ 2/ 222، النبوغ المغربي في الأدب العربي 1/ 227، 229، جريدة الميثاق العدد (237)، ذو الحجة عام 1396 ه والمراجع المذكورة في الهوامش (2) (3) (4).
(2) انظر: نيل الابتهاج ص 110، الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام 3/ 148، معجم المؤلفين 3/ 254.
(3) انظر: الموسوعة المغربية للأعلام البشرية 2/ 30، معجم المحدثين والمفسرين والقراء في المغرب الأقصى ص 19، الأعلام للزركلي 2/ 247.
(4) انظر: طبقات الحضيكي 1/ 177، 178، آسفي وما إليه ص 26، 142.
وكذلك ورد هذا اللقب "الوصيلي" في خواتم النسخ الثلاث لكتابه رفع النقاب عن تنقيح الشهاب.
(المقدمة/17)

وأما نسبه فيقتضي بيان نسبه إلى رجراجة، ونسبه إلى شيشاوة.
فأما الرجراجي: فنسبة إلى قبيلة رجراجة، وهي من قبائل المصامدة، والمصامدة هم: أقحاح البربر الذين لم يختلطوا بسواهم إلا نادرًا، وأهل المغرب الأقصى الأولون المختصون بسكنى جباله منذ الأحقاب المتطاولة (1).
والمصامدة كما قال ابن خلدون (2): هم من ولد مصمود بن يونس من شعوب البربر والبرانس، وهم أكثر قبائل البربر (3).
وذكر ابن خلدون أن رجراجة من المصامدة.
يقول ابن خلدون: إن من قبائل المصامدة هزميرة (4) ورجراجة وكلاوة (5) (6).
__________
(1) انظر: قبائل المغرب 1/ 323.
(2) هو المؤرخ المشهور عبد الرحمن بن محمد الشهير بابن خلدون الإشبيلي الأصل، التونسي المولد، ولد سنة (732 ه)، حفظ القرآن ومختصر ابن الحاجب الفرعي والأصلي، والمعلقات، أخذ عن أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، رحل إلى فاس، وغرناطة، وبجاية، ثم استقر به المقام في القاهرة، تولى قضاء المالكية وتصدر للإقراء بالجامع الأزهر وصنف تاريخه الكبير، توفي سنة ثمان وثمانمائة (808 ه).
انظر ترجمته في: كتابه العبر 7/ 379 - 462، الحلل السندسية في الأخبار التونسية ج 1 ق 3 ص 665 - 767، نيل الابتهاج ص 169، 170.
(3) تاريخ ابن خلدون 6/ 206.
(4) هزميرة كانت مستقرة بحوز مراكش. انظر: قبائل المغرب 1/ 326.
(5) كلاوة: تقع إلى الجنوب الشرقي من مراكش، بينها وبن ورزازات، وهي منقسمة إلى: شمالية وجنوبية. انظر: قبائل المغرب 1/ 325.
(6) تاريخ ابن خلدون 6/ 275.
(المقدمة/18)

وذكر المختار السوسي (1) أن الرجراجيين فخذ من أفخاذ البربر (2).
فتبين بهذا أن المؤلف بربري النسب، ولكن أين مواطن رجراجة؟
رجراجة مواطنهم على عدوة وادي "تانسيفت" في جنوب المغرب (3).
وبيّن لنا المختار السوسي مواطنهم فقال: ومواطنهم الأصلية ما بين "شيشاوة" إلى "أحمر" و"الشياظمة"؛ حيث أضرحة أسلافهم، ثم امتدت فروع منهم إلى سوس (4).
ولكن هل بقي الرجراجيون في مواطنهم أو تفرقوا؟
بيّن لنا عبد الوهاب بن منصور (5) ذلك فقال: وكانت مواطنهم على عدوتي وادي نسيفة "تانسيفت" عند مصبه في البحر، ثم تلاشوا في القبائل، فبعضهم بسوس، وبعضهم بالسراغنة، وبعض آخر في جهات أخرى، ولم يبق منهم في مواطنهم الأولى إلا قبيلة صغيرة مندمجة في شعب الشياظمة (6).
والبيت الرجراجي من أغنى البيوت رجالاً، كانت لهم سابقة في الدعوة
__________
(1) هو المختار السوسي، علامة سوس ومؤرخها، المجاهد الفذ، والعالم المتمكن، كرس حياته وجهده في تاريخ سوس، توفي رحمه الله سنة 1383 ه.
له أكثر من عشرين مؤلفًا، أشهرها: المعسول، وهو عشرون مجلدًا في تاريخ سوس.
انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي 7/ 92.
(2) انظر: المعسول 14/ 137.
(3) انظر كتاب: آسفي وما إليه لمحمد بن أحمد العبدي الكانوني ص 22.
(4) انظر: المعسول 14/ 137.
(5) مؤلف مغربي معاصر، من مصنفاته: قبائل المغرب وأعلام المغرب العربي.
(6) انظر: قبائل المغرب تأليف عبد الوهاب بن منصور ص 424.
(المقدمة/19)

إلى الإسلام، والجهاد في سبيل الله، ومحاربة الكفر والضلال، فقد عرفوا بمقاومة البرغواطيين الذين أتوا بديانة جديدة ودعوا إليها.
يقول ابن خلدون: وكان لهؤلاء المصامدة، صدر الإسلام بهذه الجبال، عدد وقوة وطاعة للدين ومخالفة لإخوانهم برغواطة في نحلة كفرهم (1).
وذكر المختار السوسي أن الرجراجيين من أوائل المعتنقين للإسلام في جنوب المغرب وعرفوا بمقاومة البرغواطيين (2).
والبيت الرجراجي من أغنى البيوت رجالاً؛ فهم بالإضافة إلى جهادهم ونضالهم فقد نبغ منهم علماء، وقد ذكر العبدي بعضهم في كتابه آسفي وما إليه.
وفصل القول في كتابه الياقوتة الوهاجة في مفاخر رجراجة، وقال إنه ذكر فيه من تراجم البيت الرجراجي مائة وخمسين ترجمة فأكثر (3).
والشوشاوي:
__________
(1) تاريخ ابن خلدون 6/ 224.
(2) انظر: المعسول 14/ 137.
البرغواطيون: قيل: إنهم من قبائل المصامدة.
وقيل: إن كلمة برغواطة تدل على نحلة دينية.
ومؤسس هذه النحلة هو طريف أبو صبيح ثم تولى بعده ابنه صالح بن طريف، وقد انتحل دعوة النبوة وادعى أنه نزل عليه قرآن، وقد ناضل البرغواطيون من أجل نحلتهم وسفكوا الدماء وخربوا البلاد، وقاومهم الرجراجيون واستمرت هذه المقاومة ثلاثة قرون من سنة 124 ه إلى سنة 454 ه، حيث جاءت الدولة المرابطية وحاربتهم وانتصرت عليهم.
انظر تفصيل الكلام عنهم في: المصدر السابق، وتاريخ ابن خلدون 6/ 207، قبائل المغرب 1/ 322، آسفي وما إليه ص 135.
(3) آسفي وما إليه ص 136.
(المقدمة/20)

نسبة إلى "شيشاوة" وتقال بالياء، وبالواو "شوشاوة"، واشتهرت نسبة المؤلف إليها بالواو وهي بلدة في جنوب المغرب تبعد عن مراكش حوالي اثنين وسبعين كيلوا مترًا في اتجاه الصويرة، ومنها يفترق الطريق إلى أغادير.
وهي من مواطن الرجراجيين الأصلية الواقعة جنوب وادي "تانسيفت".
يقول المختار السوسي في حديثه عن الرجراجيين: ومواطنهم ما بين "شيشاوة" إلى "أحمر" والشياظمة (1)؛ حيث أضرحة أسلافهم، ثم امتدت فروع منهم إلى سوس (2).
__________
(1) الشياظمة: موطنهم على الضفة الجنوبية لوادي تانسيفت إلى مرسى الصويرة وهم من العرب المضرية كما يوجد فيها من البربر: مسكالة ورجراجة، ويوجد فريق من الشياظمة شمال وادي أم الربيع، انظر: آسفي وما إليه ص 34.
(2) انظر: المعسول 14/ 137.
(المقدمة/21)

المبحث الثالث: ولادته ونشأته
ولادته:
لم تذكر المراجع التي ترجمت للشوشاوي السنة التي ولد فيها، واتفقت على أنه عاش في القرن التاسع، وحددت وفاته في آخر القرن (1)، فنستنتج من هذا أن ولادته في الغالب تكون في أول القرن التاسع؛ وذلك أن أول تأليف له هو كتاب الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة، فرغ من تصنيفه سنة 841 ه (2).

نشأته:
نشأ وترعرع منذ أيام طفولته في بادية رجراجة الواسعة الهادئة؛ حيث يسكن والده، وبعد ذلك انتقل إلى شيشاوة وإليها نسب.
ومما يؤكد انتقاله إلى شيشاوة ما ورد في مشجر نسبه الذي لخصه المختار السوسي، وفيه:
__________
(1) انظر من هذه المراجع: درة الحجال 1/ 244، نيل الابتهاج ص 110، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام 3/ 148.
(2) انظر: النسخة الخطية لكتاب الفوائد الجميلة المحفوظة بالمكتبة الحسينية بالرباط برقم 6827.
(المقدمة/22)

وكان سيدي حسين انتقل من المحل الذي يسكن فيه والده إلى "شيشاوة" (1).
إذًا الشوشاوي نشأ في بيت من بيوت العلم وهو البيت الرجراجي الذي أنجب عشرات الأعلام في مختلف ميادين المعرفة، واستمر في هذا البيت العلم والصلاح قرونًا طويلة، واستقر به المقام في أول حياته ونشأته في "شيشاوة" وهي من أهم مواطن رجراجة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعلماء "شيشاوة" يهتمون بعلم القراءات ووالد المؤلف كان ممن اهتم بهذا العلم.
يقول المختار السوسي: وأبوه علي بن طلحة مشهور في "شيشاوة" وله مؤلف في القراءات (2).
وهذا الاهتمام من علماء شيشاوة بالقراءات، وبالأخص والد المؤلف، له أثر على المؤلف في تكوينه العلمي واهتماماته العلمية، ويلاحظ هذا الأثر في أن أغلب مؤلفاته في علم القراءات.
وشيشاوة قريبة من مراكش، ومراكش تعتبر معقلاً من معاقل العلم في تلك الفترة.
وصفها العبدي الكانوني فقال: هي المدينة الغنية عن التعريف بعظمتها التاريخية وآثارها العالية الشهيرة بما حوته من حضارة وعلوم وفنون، كانت مهد الحضارة وعاصمة الدولة اللمتونية والوحدية والسعدية، وبعض ملوك العلوية.
وقد تسربت إليها الحضارة الأندلسية في الدولتين الأوليين حتى صارت
__________
(1) انظر: خلال جزولة 4/ 16.
(2) انظر: المصدر السابق 4/ 161.
(المقدمة/23)

مركز العلوم والفنون، وأشرقت بأفقها شمس الحكمة والمعارف وشيدت بها المعاهد الدينية الكبرى والمدارس العلمية والمصانع والقصور والبساتين والرياض الأنيقة (1).
__________
(1) انظر: آسفي وما إليه ص 59, 60.
(المقدمة/24)

المبحث الرابع: طلبه للعلم وأقرانه
استقر الشوشاوي في بداية حياته في شيشاوة وطلب العلم فيها وليس ببعيد أن يكون قد رحل إلى مراكش بدليل وروده ضمن المترجم لهم في كتاب الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام (1).
ومن شيشاوة انتقل إلى إيفسفاس في بلاد السوس.
وقد جاء في المشجر الذي لخصه المختار السوسي ما يلي: وكان سيدي حسين انتقل من المحل الذي يسكن به والده إلى شيشاوة ثم إلى "إيفسفاس"؛ حيث بنى زاوية ثم بنى الأخرى بأولاد برحيل (2).
وما ورد في هذا المشجر في بيان تنقلاته فيه اختصار شديد، وقد استدرك عزوزي إدريس في مقدمته لتحقيق كتاب الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة للشوشاوي، هذا النقص، وبين أماكن أخرى انتقل إليها الشوشاوي فتكون تنقلاته كالآتي:
رحل من "شيشاوة" إلى "تيديلي" بآيت وزكيت قيادة "أغرم".
ومن "تيديلي" إلى وادي قبيلة "تفنوت" قيادة "إسكاون".
__________
(1) انظر: ص 148.
(2) خلال جزولة 4/ 160.
(المقدمة/25)

ومن "تفنوت" إلى دوار "إيفسفاس" قيادة تفنكولت.
ومن "إيفسفاس" إلى أولاد برحيل (1).
وسوس كانت في تلك الفترة مزدهرة بالعلوم قد تضاهي مدينتي مراكش وفاس.
بين لنا المختار السوسي مكانة سوس فقال: سوس دائمًا تسير في قافلة المغرب العلمي بعد القرون الأولى إلى التاسع، فإن لم تتقدم قط فإنها ما تأخرت قط، بحسب ما توتاه من جهد المستطاع، فيجتهد سوس أن يتمشى على خطا المشيخة في فاس وأن يكون خير تلميذ لأفضل أستاذ (2).
وذكر المختار السوسي أيضًا أن سوس امتازت بالاستقلال في العلوم.
يقول المختار السوسي: إن هذه العلوم تبلغ من التمكن في سوس أحيانًا حتى تتخذ لها وجهة مستقلة وحتى تهيئ لها في الشعب قوة يمكن بها الاستمرار والاستقرار، ثم الاستقلال في الفهم (3).

أقرانه:
لم تذكر لنا مراجع ترجمته شيوخه، وإنما أشارت بعض المراجع إلى اثنين من أقرانه ربما أنه قد استفاد منهما واستفادا منه وهما:
الأول: وهو: عبد الواحد بن حسين الرجراجي، أبو مالك شيخ وادي
__________
(1) انظر مقدمة: الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة للشوشاوي تحقيق عزوزي إدريس ص 44.
(2) سوس العالمة ص 56.
(3) المصدر السابق ص 56، 57.
(المقدمة/26)

"نون" تصدر للإقراء، له شرح على المدونة، وألف في ظاءات القرآن وطاءاته ودالاته، توفي سنة 900 ه، ودفن في وادي "نون" (1).
وذكره عبد العزيز بن عبد الله في كتابه معجم المحدثين والمفسرين والقراء بالمغرب الأقصى، وأن له أرجوزة في الرسم القرآني (2).
ونسب المختار السوسي هذه الأرجوزة له وذكر أنها تبلغ مائتي بيت، وأنها معروفة عند القراء السوسيين (3).
وقد وردت رفقة عبد الواحد الرجراجي بالشوشاوي في درة الحجال (4) وفي نيل الابتهاج (5) ولعل تخصص كل منهما بعلم القراءات هو سبب هذه الرفقة.
يقول عبد الله كنون معقبًا على كلام ابن القاضي في إثبات هذه الرفقة: فأرى أن رفيقه هذا كان من طبقة القراء وهو اختصاص يشاركه فيه المترجم وذلك مما جمع بينهما وقوى رفقتهما (6).
الثاني: هو: يحيى بن مخلوف السوسي، الفقيه بمدينة فاس ونزيلها الأستاذ النحوي، رحل إلى فاس وأخذ عن الونشريسي، وعن أصحاب
__________
(1) انظر ترجمته في: درة الحجال 2/ 385، خلال جزولة 4/ 161، جريدة الميثاق العدد 237، ذو الحجة عام 1396 ه ص 4، سوس العالمة ص 178.
(2) وذكر أن لهذه الأرجوزة نسخة خطية في المكتبة الملكية بالرباط رقم (6696).
انظر: ص 25 من الكتاب المذكور.
(3) انظر: سوس العالمة ص 878.
(4) درة الحجال 1/ 244.
(5) نيل الابتهاج ص 110.
(6) جريدة الميثاق العدد (237) شهر ذي الحجة عام 1396 ه ص 4.
(المقدمة/27)

السنوسي، توفي سنة 927 ه (1).
وقد أثبت هذه الرفقة المختار السوسي فقال: ومن أقران الشوشاوي، وإن كان هذا أكبر منه، العلامة يحيى بن مخلوف السوسي (2).
...
__________
(1) انظر ترجمته في: درة الحجال لابن القاضي المكناسي 3/ 144، المعسول 13/ 271، خلال جزولة 4/ 161، لقط الفرائد لأحمد بن القاضي المطبوع مع مجموع باسم ألف سنة من الوفيات في ثلاثة كتب ص 288، جذوة الاقتباس ق 2 ص 544، نيل الابتهاج ص 359، درة الحجال 3/ 339.
(2) خلال جزولة 4/ 161.
(المقدمة/28)

المبحث الخامس: جلوسه للتدريس وتلاميذه
قبل الحديث عن مدرسة الشوشاوي وتدريسه نحب أن نذكر نبذة عن:

تاريخ المدارس بسوس:
اهتم المرينيون ببناء المدارس، وكان القصد من بناء هذه المدارس إيواء الطلبة، وللمدرسة مسجد في داخلها، وله إمام راتب من الطلبة أو غيرهم، ويتولى الإشراف على المدرسة مشرف يخضع لمراقبة القاضي بعد أن يختاره الطلبة، وكان عليه أن يجمع بين مهام المقتصد والمؤذن والبواب والخادم (1).
وكانت الهدايا والتبرعات من المحسنين تصل هذه المدارس، وكان للطلبة مؤونة يومية، كما تقام على شرف الطلبة مآدب داخل المدرسة بمناسبة احتفال عائلي أو عيد، فكان الطلبة يحظون بعطف سكان الحي، ويقوم بالتدريس في هذه المدارس علماء أجلاء، ولكل مدرسة خزانة علمية.
وقد ازدهرت المدارس وكثرت في عهد بني مرين الذين أنشأوا مدارس (2)
__________
(1) انظر: تاريخ ابن خلدون 7/ 459.
(2) من أهم المدارس في عهد بني مرين:
1 - مدرسة الحلفائيين بفاس، وهي أول ما بني من المدارس، أسسها يعقوب المريني سنة 679 ه، 2 - مدرسة البيضاء بناها أبو سعيد الريني سنة 720 ه، 3 - مدرسة الصهريج بناها أبو الحسن المريني سنة 721 ه 4 - مدرسة العطارين بنيت سنة 723 ه، 5 - مدرسة الطالعة بسلا بناها أبو الحسن المريني سنة 723 ه 6 - مدرسة المصباحية 7 - المدرسة =
(المقدمة/29)

كبيرة مشهورة وأغلبها في فاس والمدن الكبيرة.
هذا عن المدارس في العهد المريني، أما في العهد الوطاسي فلم يكن هناك اهتمام من الدولة في بناء الدارس، بل إن بناءها قائم على يد العلماء والأغنياء المحسنين وأغلبها في سوس.
يقول إبراهيم حركات: عرف هذا العهد انتشار المدارس بسوس خاصة، على يد عدد من العلماء والأغنياء المحسنين.
أما الدولة الوطاسية فلم يكن لها نشاط ملموس في بناء المدارس التي كانت في العاصمة قد بلغت الكفاية منذ عهد المرينيين، ولم تكن مدارس سوس ذات بناء نموذجي، وإنما كان انتشارها يدل على مدى الإقبال على العلم بهذه الناحية التي ازداد نشاطها الثقافي (1).
وفي القرن التاسع أزدهرت الحركة العلمية بسوس، وقد وصف هذا الازدهار العلمي المختار السوسي بقوله: فقد جاء التاسع بفاتحة خير وطلع بفجر منير وسفر عن وجه يقطر بشاشة وبشرًا، حقًا كان القرن التاسع قرنًا مجيدًا في سوس، ففيه ابتدأت النهضة العلمية العجيبة التي رأينا آثارها في التدريس والتأليف وكثرة تداول الفنون (2).
ولقد انتشرت المدارس بسوس انتشارًا واسعًا وهي مدارس أهلية متواضعة لا تتلقى إعانات من الحكومة.
__________
= البوعنانية بناها أبو عنان المريني سنة 757 ه وهي من أجمل وأكبر مدارس بني مرين.
انظر وصف هذه المدارس في: المغرب عبر التاريخ 2/ 134 - 136.
(1) انظر: المغرب عبر التاريخ 2/ 221.
(2) انظر: سوس العالمة ص 20.
(المقدمة/30)

يقول المختار السوسي في وصفها: وهي مدارس شعبية يقوم بها الشعب بجهوده الخاصة، ولم تعرف قط إعانة حكومية، وكثيرًا ما تكون في كل قبيلة مدرسة أو مدارس متعددة، وإن كانت القبيلة كثيرة الأفخاذ، فتبني كل فخذ مدرستها على حدة، وهذه المدارس تسمى مدارس علمية ليكون فرق بينها وبين كتاتيب القرآن التي لا تخلو منها كل قرية وإن صغرت (1).
وبيَّن السوسي موارد هذه المدارس المالية فقال: وأما المدارس التي تقرأ فيها القراءات السبع أو فنون العلوم، فإن لها نظامًا؛ إذ تشارط القبيلة الأستاذ الفقيه على أجرة معلومة من محصولهم: حبوبًا وإدامًا: زيتًا أو سمنًا أو هما معًا.
ومؤونة الطلبة تكون من مخزن المدرسة الذي يجمع فيه ثلث الأعشار من أصحاب المدرسة (2).
وكان لأستاذ المدرسة منزلة كبيرة في المدرسة والمجتمع.
يقول المختار السوسي: أما إدارة المدرسة والتكلم في شئون الطلبة فإنها في يد الأستاذ الذي يحترم احترامًا كبيرًا، وهو مفتي القبيلة وقاضيها الطبيعي (3).
ويدرس بهذه المدارس القراءات والحديث والتفسير والفقه والنحو وغير ذلك من الفنون، ولكن مدارس سوس اشتهرت بالقراءات.
يقول المختار السوسي: وفن القراءات وإتقانه والقيام عليه من الفنون
__________
(1) انظر: المصدر السابق ص 154.
(2) انظر: المصدر السابق ص 154.
(3) انظر: المصدر السابق ص 155
(المقدمة/31)

السوسية التي سايرت عصرهم العلمي من قديم، وهو فن شريف مؤسس على قواعد علمية (1).
ثم ذكر المؤلفات المعتمدة في هذا الفن (2) ومؤلفات السوسيين (3) وأبرز العلماء السوسيين (4) المبرزين في هذا الفن (5).
وسبب اهتمام سوس بعلم القراءات واشتهارها به: اعتناء أهالي سوس بحفظ القرآن وتربية أولادهم على ذلك، وعنايتهم بالمساجد وجعلها هي المقر لتحفيظ القرآن.
يقول المختار السوسي: للقرآن من نواحي فنونه الشتى اعتناء متفاوت من السوسيين وما سبب ذلك إلا لقيامهم بمساجد القرى أتم قيام بنظام خاص محافظ عليه.
ثم نجد كثيرًا في كل القرى من يحرص على أن يحفظ ولده القرآن بكل ما أمكن فيبذل جهده في ذلك إما بالرضا وإما بالرغم، وهذا هو السبب الباعث على تلك السيول الجرارة المتموجة من حفظة القرآن، وقلما نجد قرية في غالب نواحي سوس إلا وكان ربع سكانها أو ما يقرب من ذلك من حفظة
__________
(1) انظر: المصدر السابق ص 32.
(2) ذكر مؤلفات الشاطبي وابن الجزري وابن بري والخراز وأمثالهم.
(3) مثل شرح مورد الظمآن للشوشاوي، وشرح الدر واللوامع في قراءة نافع ليحيى بن سعيد الكرامي.
(4) منهم حسين الشوشاوي، وموسى الوسكاري، وأحمد بن يحيى الرسموكي ومحمد ابن علي الجزولي، وغيرهم.
(5) انظر تفصيل الكلام حول علماء سوس ومؤلفاتهم في: سوس العالمة ص 32، 33.
(المقدمة/32)

القرآن، وقد كانت مساجد للقرى مواضع حفظ القرآن وفي كبرياتها مواضع لإتقان رسمه المصحفي يرتحل إليها، ثم هناك مدارس كثيرة للمرتبة الثالثة وهي تعاطي فن القراءات السبع (1).

أ - مدرسة الشوشاوي البرحيلية:
بعد تنقلاته ورحلاته العلمية، وبعد أن استكمل علومه، استقر به المقام في أولاد برحيل، وأسس مدرسته البرحيلية المشهورة، وأمضى بهذه المدرسة حياته يدرس ويفتي ويؤلف، وقد ذكرها السوسي ضمن المدارس العتيقة بسوس.
يقول المختار السوسي: المدرسة البرحيلية تقع هذه المدرسة بقرية أولاد برحيل من قبيلة المنابهة (2) بضاحية تارودانت (3)، وفيها أمضى العلامة الأصولي حسين الشوشاوي حياته، وهو صاحب المؤلفات المفيدة في الأصول والتفسير والقراءات والطب (4).
وذكرها إبراهيم حركات ضمن المدارس التي لمع اسمها في العصر الوطاسي، وقال عنها: المدرسة البرحيلية قريبًا من تارودانت بأولاد برحيل (وهم عرب) ومن أوائل علمائها: حسين الشوشاوي العالم الأصولي (5).
ويبدو أن الشوشاوي كان يدرس الفنون التي ألف فيها وهي: الأصول
__________
(1) باختصار من سوس العالمة ص 31، 32.
(2) يقول المختار السوسي: وهي قبيلة غير كثيرة وسكانها الآن نحو سبعة عشر ألف نسمة، وقد فصل القول عن هذه القبيلة. انظر: خلال جزولة 4/ 153 - 162.
(3) وصفها المختار السوسي وذكر بعض أخبارها في كتابه خلال جزولة 4/ 146 - 152.
(4) انظر: سوس العالمية ص 159، 160.
(5) انظر: المغرب عبر التاريخ 2/ 222.
(المقدمة/33)

والفقه والقراءات، وفي مقدمة هذه الفنون علم القراءات، وذلك لاهتمام أهل سوس بهذا الفن.
يقول المختار السوسي: وللسوسيين مؤلفات في الموضوع ونعرف من أساطين هذا الفن كثيرين في الحياة العلمية السوسية منهم: حسين الشوشاوي (1).
واستمر التدريس بهذه المدرسة البرحيلية حتى أول القرن الثالث عشر الهجري.
يقول المختار أيضًا: ثم تتابعت الدراسة في المدرسة فمر فيها العلامة عبد الله الطاطائي (2) من أهل أوائل القرن الثالث عشر (3).
وذكر المختار أن أستاذًا شابًا درس بها في القرن الرابع عشر الهجري، ولكن لم يبق معه سوى ثلاثة من الطلاب فقط (4).
وهكذا أدت هذه المدرسة رسالتها العلمية طيلة خمسة قرون، كانت في البداية قوية شامخة إلى أن بدأ بها النقص في الكم والكيف شيئًا فشيئًا فآل أمرها إلى التلاشي نهائيًا (5).
__________
(1) انظر: سوس العالمة ص 32.
(2) هو أبو محمد عبد الله الطاطائي الرداني ثم البرحيلي في رأس وادي سوس، كان فقيهًا عالمًا عاملاً تقيًا نقيًا نزيهًا ناسكًا عابدًا مجاهدًا في التعلم أعوامًا كثيرة، وما تزوج حتى كبر، وكان حريصًا على كسب الحلال بالزراعة والتجارة وهي أكثر كسبه، وكان وجيهًا يدخل على الأمراء ويبلغهم حاجة من لا يستطيع إبلاغها ويشفع عندهم للضعفاء ويقبلون شفاعته، ممن أخذ عنه: أحمد محمد التمكبدشتي، توفي رحمه الله سنة 1234 ه.
انظر: خلال جزولة 4/ 162.
(3) خلال جزولة 4/ 161، 162.
(4) سوس العالمة ص 160.
(5) خلال جزولة 4/ 159، 160.
(المقدمة/34)

يقول المختار في وصفها: وبقرية أولاد برحيل مسجد نقي نظيف واسع حسن البناء إلا أن المدرسة العلمية القديمة إزاءه متلاشية من بناء قديم (1).

ب - تلاميذه:
أمضى الشوشاوي حياته في مدرسته البرحيلية يدرس فيها مختلف الفنون وخصوصًا فن القراءات، وهذا أكبر دليل على أنه قد تخرج على يديه عدد لا يستهان به من التلاميذ، ولكن مراجع ترجمته لم تذكر لنا مِنْ هؤلاء التلاميذ سوى تلميذ واحد تفقه به وأخذ عنه علومه وهو داود بن محمد بن عبد الحق التملي.
يقول الحضيكي في طبقاته: وممن أخذ عنه وتفقه على يده رضي الله عنه داود بن محمد بن عبد الحق التملي صاحب أمهات الوثائق (2).
ويقول في ترجمة داود: أخذ رضي الله عنه عن العالم الجليل سيدي حسين الشوشاوي وبه تفقه (3).
ويقول المختار السوسي في المعسول: الفقيه العالم المتفنن سيدي داود بن محمد بن علي التملي فقيه عصره تفقه بالفقيه سيدي حسين الشوشاوي (4).
ويقول في موضع آخر بعد ذكره لترجمته: وشيخه حسين الشوشاوي العلامة الأصولي رجراجي النسب (5).
__________
(1) خلال جزولة 4/ 159.
وعندما قمنا بزيارة لأولاد برحيل عام 1406 ه رأينا هذه المدرسة متلاشية لم يبق منها إلا الآثار.
(2) طبقات الحضيكي 1/ 177، 178.
(3) طبقات الحضيكي 1/ 214.
(4) المعسول 18/ 279.
(5) المعسول 6/ 169.
(المقدمة/35)

وقد كان داود بن محمد بن عبد الحق التملي فقيهًا عالمًا عاملاً ورعًا صالحًا أخذ عن الشوشاوي وعن عبد الواحد الرجراجي (1) وغيرهما، وتخرج على يده جماعة منهم: حسين بن داود الرسموكي (2)، توفي رحمه الله سنة 899 ه (3).
من أشهر مصنفاته: أمهات الوثائق (4) ولشهرة كتابه هذا يقال في ترجمته صاحب أمهات الوثائق، وله كتاب أجوبة لتلميذه حسين الرسموكي (5)، وكتاب وسيلة النشأة (6) شرح أرجوزة عبد الواحد الرجراجي في القراءات (7)،
__________
(1) هو رفيق الشوشاوي وقد سبقت ترجمته.
(2) هو حسين بن داود بن بلقاسم بن الحاج محمد بن يحيى الرسموكي كان عالمًا متفننًا في العلوم متوسعًا، له باع في الفقه والتفسير وغيرهما، وكان ورعًا زاهدًا ناسكًا وليًا صالحًا، من شيوخه: داود التملي، توفي سنة 914 ه، من مصنفاته: شرح رسالة أبي زيد، وشرح مختصر ابن الحاجب الفرعي، وشرح نظم بيوع ابن أبي جماعة لأبي زيد السنوسي، وشرح أوصاف الجنة، وشرح القصيدة التوحيدية.
انظر ترجمته في: المعسول 18/ 279، 280.
(3) انظر ترجمة داود التملي تلميذ الشوشاوي في: طبقات الحضيكي 1/ 214، المعسول 6/ 168، 169، المعسول 18/ 279، 280، لقط الفرائد لأحمد بن القاضي ص 274، سوس العالمة ص 178، خلال جزولة 4/ 160، جريدة الميثاق العدد 237 شهر ذو الحجة 1396 ه ص 4.
(4) يوجد الكتاب مخطوطًا في مجلد متوسط يزيد على 250 ورقة بخط مغربي وسط مبتور الآخر، وهو موجود بالمكتبة العامة بالرباط برقم د 4084.
(5) يوجد الكتاب مخطوطًا بتزنيت برقم 68، وفي مدرسة اذامنو برقم 212، ولدى محمد أزارين برقم 366، ولدى الطيب الجلاوي رقم 356، انظر الفهرس الموجود بالمجلس العلمي بتزنيت، والأرقام تعني رقم الكتاب في الفهرس.
(6) ذكره السوسي في سوس العالمة ص 178.
(7) ذكره السوسي في سوس العالمة ص 178.
(المقدمة/36)

وله فتاوى (1).
...
__________
(1) يوجد الكتاب مخطوطًا في تزنيت لدى مبارك جهادي، رقمه في فهرس المجلس العلمي بتزنيت 87.
(المقدمة/37)

المبحث السادس: وفاته وثناء العلماء عليه
وفاته:
اتفقت كتب التراجم على أن الشوشاوي - رحمه الله تعالى - توفي في آخر القرن التاسع (1)، وبعضها جزم بأنه توفي سنة 899 ه (2).
وقيل: إن سبب موته سقوط كتبه عليه.
يقول المختار السوسي: وقد شاع أن سبب موته سقوط كتبه عليه (3).
وهذا دليل على ملازمة الشوشاوي لكتبه للمذاكرة والتأليف حتى آخر لحظة من حياته، حتى كانت سببًا في وفاته - رحمه الله -، وقد دفن بأولاد برحيل وقبره مشهور هناك.
__________
(1) انظر: كفاية المحتاج ص 138 مخطوط بالمكتبة العامة بالرباط رقم ج 907، نيل الابتهاج ص 110، درة الحجال 1/ 244، طبقات الحضيكي 1/ 177، 178، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام 3/ 148، المعسول 6/ 169، خلال جزولة 4/ 160، سوس العالمة ص 177، آسفي وما إليه ص 142، كشف الظنون 2/ 1296، معجم المؤلفين 3/ 254.
(2) المراجع التي ورد فيها تحديد وفاته بسنة 899 ه هي: معجم المحدثين والمفسرين والقراء بالمغرب الأقصى ص 19، هدية العارفين 1/ 316، الأعلام للزركلي 2/ 247، القسم الدراسي لتحقيق الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة إعداد عزوزي إدريس ص 53.
(3) انظر: خلال جزولة 4/ 160.
(المقدمة/38)

يقول المختار السوسي: حسين بن علي الشوشاوي دفين أولاد برحيل (1).
ويقول الحضيكي: وقبره - رضي الله عنه - مشهور برأس وادي سوس (2).
وأكثر مراجع ترجمته ذكرت أنه توفي بتارودانت؛ وذلك أن بعضها نقل من بعض.
يقول المختار: والحقيقة أنه بعيد القبر من تارودانت (3).
وقبره موجود الآن في أولاد برحيل (4).
يقول المختار السوسي: مشهد سيدي حسين الشوشاوي من علماء التاسع، ويقرب مكانه من دار حيدة بأولاد برحيل وقد بنى عليه القائد الحاج حماد بن حيدة (5) قبة (6).

ثناء العلماء عليه:
الشوشاوي هو العالم الأصولي المقرئ المفسر الطبيب الزاهد الورع، آثاره تدل على علمه وتقواه - رحمه الله -، وقد أثنى عليه أكثر من ترجم له أو نظر في كتبه.
__________
(1) انظر: سوس العالمة ص 177.
(2) انظر: طبقات الحضيكي 1/ 177، 178.
(3) خلال جزولة 4/ 160.
(4) عندما قمنا برحلة علمية للمغرب عام 1406 ه رأينا قبر الشوشاوي في بلدة أولاد برحيل قد بني عليه قبة مرتفعة، والبناء على القبور من الابتداع في الدين ومخالف للسنة، فقد روى مسلم في صحيحه (2/ 667) عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه"، والبناء على القبور من الغلو في الصالحين وسببًا للتوسل بصاحب القبر والتبرك به أو دعائه وهذا شرك مناف للتوحيد.
(5) والده حيدة المنابهي تولى قيادة تارودانت وقبيلة المنابهة، توفي سنة 1335 ه.
انظر ترجمته في: خلال جزولة 4/ 154.
(6) انظر: خلال جزولة 3/ 182.
(المقدمة/39)

وممن أثنى عليه الحضيكي (1) في طبقاته؛ حيث قال: كان رضي الله عنه من أولياء الله الصالحين وعباده المتقين والمشهورين بالعلم والدين والمتبعين لسنة سيد المرسلين (2).
وأثنى عليه المختار السوسي وقال في معرض حديثه عن مدرسته: وفيها أمضى العلامة الأصولي حسين الشوشاوي حياته وهو صاحب المؤلفات في الأصول والتفسير والقراءات والطب (3).
وقد أثنى عليه محمد بن أحمد العبدي الكانوني فقال: الإمام الأستاذ المقرئ النظار أبو علي حسين بن علي بن طلحة الرجراجي (4).
وأثنى عليه عزوزي إدريس وبرهن على أن الشوشاوي نظار بقوله: والواقع أن الناظر في كتبه يلمس هذه الحقيقة وخاصة الكتاب الذي بين أيدينا الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة؛ فهو ينهج فيه طريقة السؤال والجواب بحيث يورد سؤالاً حول مسألة ثم يتولى الجواب عنه، فتراه يعلل ويناقش ويعترض، ويورد آراء العلماء، فمن تأمل طريقة تأليفه يدرك أنه من النظار الأولين، ومما يدلنا دلالة قاطعة على أنه كان نظارًا البابان اللذان عقدهما في
__________
(1) هو محمد بن أحمد الحضيكي، نسب له السوسي المدرسة الحضيكية وأثنى عليه فقال: هذا الرجل الذي نسبنا إليه مدرسة أفيلال طبقة وحده همة وإرشاداً وتحصيلاً وورعًا، فقد قام بالتأليف وبالتدريس، وبتربية المريدين قيامًا يعز نظيره، وذكر له مصنفات عديدة منها: "شرح الرسالة القيروانية"، و"طبقاته المشهورة بمناقب الحضيكي"، و"مختصر الإصابة"، و"شرح بانت سعاد"، و"شرح الطرفة في اصطلاح الحديث"، و"مجموعة الأجوبة الفقهية"، و"مجموعة في الطب"، و"حاشية على الشفا"، توفي سنة 1189 ه.
انظر ترجمته في: سوس العالمة ص 162، 193.
(2) طبقات الحضيكي 1/ 177.
(3) سوس العالمة ص 160.
(4) آسفي وما إليه ص 26.
(المقدمة/40)

آخر الكتاب الفوائد الجميلة فإنه عنون الأول بقوله: في السور التي تلقى على العلماء في المناظرات، وعنون الثاني بقوله: في الآيات التي تلقى في المناظرات (1).
وأثنى عليه عبد الله كنون حينما ترجم له في جريدة الميثاق فقال: وقد كان فقيهًا مفسرًا ضليعًا في العلوم العربية والإسلامية، إلى عبادة وتقوى ومتانة دين وتمسك بالسنة، انتفع به الناس وقصدوه لما يقصد في أمثاله من مسائل الدين والدنيا (2).
...
__________
(1) مقدمة تحقيق الفوائد الجميلة ص 46.
(2) جريدة الميثاق العدد 237، 15 ذو الحجة عام 1396 ه، ص 4.
(المقدمة/41)

الفصل الثاني: نظرة علمية إلى المؤلف
المبحث الأول: عقيدته
المذهب الأشعري هو المنتشر في المغرب في العصر الذي عاش فيه المؤلف.
يقول محمد المنوني: كانت المذاهب الغالبة على المغرب في الفترة المرينية هي: المذهب الأشعري في المعتقدات، والمذهب المالكي في الفقهيات، والصوفية السنية (1).
ويقول في موضع آخر: أما الاعتقادات فكانت على مذهب أبي الحسن الأشعري على طريقة المتقدمين من أتباعه بما فيهم إمام الحرمين، ومن شواهد هذا أن أبا الحسن (2) كان يقرأ بين يديه كتاب الإرشاد للإمام الآنف الذكر، وكان يصغي لما يلقى من أدلة أهل السنة وبيان مذاهبهم - يعني الأشاعرة - حتى إذا عرضت المذاهب المناهضة لأهل السنة يقول: دعوا هذا (3).
__________
(1) انظر: ورقات من الحضارة المغربية في عصر بني مرين 213.
(2) أي: أبو الحسن المريني.
(3) المصدر السابق ص 112.
(المقدمة/43)

والذي ظهر لنا أن الشوشاوي أشعري في العقيدة، وقد لمسنا هذا منه من خلال موقفه في بعض المسائل المتعلقة بالعقيدة، ونكتفي بذكر بعض نماذج لهذه المسائل؛ فهي كافية لبيان مذهبه:
النموذج الأول: ذكرالشوشاوي تعريف الحكم الشرعي بأنه: خطاب الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
ثم ذكر من محترزات التعريف (خطاب الله تعالى القديم) احترازًا من خطاب الله تعالى الحادث، وذلك أن كلام الله تعالى يقال للمعنى القائم بذات الله تعالى، ويقال أيضًا للفظ الدال على المعنى القائم بذات الله تعالى.
وهذا التقسيم الذي ذكره الشوشاوي إنما هو على مذهب الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله حقيقة في النفساني مجاز في اللساني، ويترتب على مذهبهم هذا أن الآيات ليست كلام الله، بل هي عبارة عن كلام الله أي: هي اللفظ الدال على المعنى القائم بذات الله.
يقول الشوشاوي: وإنما قلنا في الآيات القرآنية المعبر بها عن الأحكام الشرعية: حادثة؛ لأنها صفات المخلوقات؛ لأنها تكلم بها جبريل عليه السلام، ثم النبي عليه السلام، ثم حملة القرآن، فهي حادثة؛ لأن كلام الحادث حادث، وأما المعنى القائم بالنفس فهو قديم؛ لأنه صفة القديم جل وعلا، فتبين بما قررناه أن كلام الله تعالى يقال على الشيئين وهما الدليل ومدلوله، أحدهما قديم وهو المدلول، والآخر حادث وهو الدال (1).
النموذج الثاني: مذهب الأشاعرة في الصفات: تأويل بعض الصفات
__________
(1) انظر: (1/ 634 - 635) من هذا الكتاب.
(المقدمة/44)

إلى معانٍ أخرى تصرفها عن ظاهرها.
يقول الشوشاوي في كتابه قرة الأبصار على الثلاثة الأذكار: واختلفوا في معنى الرحمة قيل: إرادة الإنعام والإحسان.
وقيل: نفس الإنعام والإحسان.
وتظهر ثمرة الخلاف في قول القائل في الدنيا: اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك، وهل يجوز هذا الدعاء أو لا؟
فمن فسر الرحمة بالإرادة أو الإنعام قال: لا يجوز؛ لأن إرادة الله تعالى صفة قديمة أزلية، ومن فسر الرحمة بنفس الإنعام قال: يجوز الدعاء المذكور؛ لأن نفس الإنعام هي الجنة (1) اه.
وهذان التفسيران للرحمة فيهما تأويل للرحمة بالإنعام والإحسان أو إرادتهما، وهذا على مذهب الأشاعرة، وأما مذهب السلف فهو إثبات صفة الرحمة كما جاءت في القرآن والسنة بدون تأويل.
...
__________
(1) قرة الأبصار على الثلاثة الأذكار، الفصل السادس فيما يتعلق بالرحمن من الباب الثاني ص 87، 88 من نسخة خطية في مكتبة خاصة.
(المقدمة/45)

المبحث الثاني: مذهبه الفقهي
مذهب الشوشاوي الفقهي هو المذهب المالكي وذلك للأمور الآتية:
1 - أن المذهب المالكي هو المذهب المنتشر في المغرب على الصعيد الرسمي والشعبي قبل الدولة المرينية وبعدها.
يقول محمد بن شقرون: وفي مقدمة هذه العلوم نرى مذهب مالك في الفقه يأخذ المكانة الأولى، بل ينفرد بالميدان ويهيمن على البيئة المغربية منذ قيام دولة المرابطين إلى أن استولى بنو مرين على الأمر فازداد المذهب عمقًا، وتركز في جميع القطر المغربي على الصعيد الرسمي والشعبي، فانتصر المذهب المالكي وانتصر أصحابه.
ولم يكن غريبًا أن تبذل المجهودات الجبارة والعناية الخاصة لوقايته ولرعياته وللإلمام بأصوله وفروعه، فكان الأمر كذلك في الواقع؛ إذ أصبحت الدولة، والأوساط العلمية، وطبقات الشعب المختلفة لا تفكر في سواه، ولا تقتبس معلوماتها إلا منه باذلة أقصى الجهود لتفهم نصوصه وأحكامه، مطبقة بالحرف ما جاء في أصوله وفروعه، فكثر عدد الفقهاء وضخم إنتاجهم، حتى أصبح من العسير إحصاؤهم بالضبط، كما أصبحت مؤلفاتهم تقدر بالكميات الوافرة التي لا يمكن الإتيان على ذكرها وجمعها في قائمة محصورة (1).
__________
(1) انظر: مظاهر الثقافة المغربية تأليف د. محمد بن أحمد بن شقرون ص 192، 193.
(المقدمة/46)

2 - أن الشوشاوي صرح بانتسابه للمالكية في أكثر من موضع في كتابه هذا منها:
قوله: أي ومذهبنا نحن المالكية وهو قول جمهور العلماء جواز الواجب الموسع المحدود (1).
وقوله: وهذا المذهب الذي هو مذهبنا نحن المالكية وهو ثبوت الواجب الموسع (2).
وقوله: هذا قول ثانٍ، وهو قول الفقهاء، أن الوجوب عندنا نحن المالكية وعند بقية أهل السنة وهم الشافعية والحنفية والحنبلية متعلق بفرد واحد من حيث هو واحد أي تعلق الوجوب بخصلة واحدة من تلك الخصال من حيث هي خصلة (3).
3 - وجود ترجمة الشوشاوي في الكتب الخاصة بتراجم المالكية (4).
4 - اهتمام الشوشاوي بآراء الإمام مالك وأصحابه (5).
5 - اعتماده كثيرًا على كتب أصول فقه المالكية؛ حيث ينقل من كتب ابن القصار، وملخص القاضي عبد الوهاب وإحكام الفصول للباجي (6).
__________
(1) انظر: (2/ 587) من هذا الكتاب.
(2) انظر: (2/ 591) من هذا الكتاب.
(3) انظر: (2/ 596) من هذا الكتاب.
(4) انظر: نيل الابتهاج ص 110، كفاية المحتاج ورقة 38 مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم/ ج - 709.
(5) انظر: فهرس الأعلام.
(6) انظر: فهرس الكتب.
(المقدمة/47)

6 - إكثاره في الأمثلة الفقهية من الاستشهاد بنصوص كتب الفقه المالكي ككتب ابن أبي زيد وابن رشد وابن الحاجب (1).
...
__________
(1) انظر: فهرس الكتب.
(المقدمة/48)

المبحث الثالث: منزلته بين علماء عصره
الشوشاوي له منزلة عظيمة بين علماء عصره وخصوصًا علماء سوس، ويمكن معرفة منزلته بأمرين:
الأمر الأول: مقارنته مع أقرانه الذين عاصروه ونافسوه في العلم، وخصوصًا قرينه يحيى بن مخلوف السوسي الذي يعتبر من أشهر علماء سوس في تلك الفترة، بل إنه شيخ لبعض علماء فاس؛ لأنه رحل إليها.
وحينما قارن المختار السوسي بين الشوشاوي والسوسي قدم الشوشاوي عليه.
يقول المختار السوسي: ومن أقران الشوشاوي وإن كان هذا أكبر منه العلامة يحيى بن مخلوف السوسي المتوفى عام 927 ه، ولعله لم يدرك مقام الشوشاوي العلامة الكبير (1).
الأمر الثاني: تقديمه على علماء عصره السوسيين.
الشوشاوي برز في عدد من الفنون، والمختار السوسي حينما يذكر هذه الفنون وأشهر العلماء الذين ألفوا فيها يذكر في مقدمتهم الشوشاوي.
وحينما تكلم المختار عن القراءات جعل الشوشاوي في مقدمة العلماء المشهورين بهذا الفن.
__________
(1) خلال جزولة 4/ 161.
(المقدمة/49)

يقول المختار: وللسوسيين أيضًا مؤلفات في الموضوع ونعرف من أساطين هذا الفن كثيرين في الحياة العلمية السوسية منهم حسين الشوشاوي شارح مورد الظمآن (1).
وحينما تكلم عن فن التفسير جعل الشوشاوي في مقدمة الذين ألفوا في هذا الفن (2).
وحينما تكلم عن أصول الفقه ذكر في مقدمة العلماء السوسيين الشوشاوي (3).
وحينما تكلم عن فن الطب جعل الشوشاوي في مقدمة العلماء السوسيين في هذا الفن.
يقول المختار: لا تزخر (4) دراسة هذا الفن بطبيعة الحال - قبل العصر الحديث - إلا في الحواضر وفي أثناء أذيال المدنية التي تحتاج إليه غالبًا، وأما في البادية حيث الجو صقيل والهواء صحيح، والأجسام مستقيمة والأمزجة معتدلة فأنى يكثر الالتفات إليه إلا عند أفراد، وهذا هو الذي وقع في سوس، فإننا لم نعتده ذا انتشار في التأليف أو في التدريس إلا قليلاً، فأول من عرفنا له فيه مؤلفًا حسين الشوشاوي (5).
وما قدمه المختار إلا حينما عرف منزلته حق المعرفة ووجده يستحق التقديم
__________
(1) سوس العالمة ص 32.
(2) انظر المصدر السابق ص 33.
(3) انظر المصدر السابق ص 43.
(4) أي لم تزدهر وتكثر لأن زخر بمعنى امتلأ.
قال ابن منظور في اللسان (4/ 320): "زَخَرَ البحرُ يَزْخَرُ زخرًا وزُخُورًا، وَتَزخَّرَ: طما وَتَمَلأَ، وَزَخَر الوادي زَخْرًا: مَدَّ جدًا وارتفع فهو زاخر".
(5) انظر المصدر السابق ص 53.
(المقدمة/50)

على غيره من العلماء السوسيين في عصره خصوصًا الذين اشتهروا بالفنون التي اشتهر بها الشوشاوي.
***
(المقدمة/51)

المبحث الرابع: آثاره العلمية
يعتبر بعض العلماء (1) آثار الشوشاوي وكتبه العديدة دليلاً قويًا على مكانة هذا العالم والمستوى الرفيع الذي وصل إليه؛ إذ إن كتب التراجم لم توف هذا الرجل ما يستحقه ولم تكتب عنه إلا أسطرًا قليلة لا تتجاوز ذكر اسمه، وآثاره العلمية، وبعض كلمات الثناء التي اعتاد بعض المترجمين إطلاقها على كل أحد، وهذا الأمر يجعل لكتب الشوشاوي دورًا فعالاً في التعريف به، والكشف عن شخصيته.
ولقد استطعنا بعد تتبع ترجمة الشوشاوي في كثير من الكتب، ومراجعة كثير من فهارس المكتبات، معرفة ثمانية كتب من كتب الشوشاوي (2) وسنعرّف بكل منها تعريفًا موجزاً، ونبدأ بكتب الشوشاوي في علوم القرآن والقراءات لبروزه في هذا الفن وإكثاره من التأليف فيه.

أولاً: كتب الشوشاوي في علوم القرآن:
1 - الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة (3):
يعتبر هذا الكتاب أبرز كتب الشوشاوي وأهمها، وذلك راجع لأمرين:
__________
(1) انظر: مقال الأستاذ عبد الله كنون في جريدة الميثاق المغربية العدد/ 237 السنة 13 بتاريخ 15/ 12/ 1396 ه.
(2) لا ننسى الإشارة لجهود الأستاذ عزوزي إدريس محقق كتاب الفوائد الجميلة الذي سبقنا لحصر هذه الكتب والكتابة عنها وإن كنا قد عثرنا على نسخ أخرى لبعض الكتب إلا أننا لا ننكر استفادتنا مما كتبه جزاه الله خيرًا.
(3) ذكر هذا الكتاب منسوبًا للشوشاوي في: كشف الظنون 2/ 1296، هدية العارفين 1/ 316، سوس العالمة / ص 177، خلال جزولة 2/ 114، 4/ 161، آسفي وما إليه/ ص 142، النبوغ المغربي في الأدب العربي 1/ 227، الأعلام للزركلي 2/ 247.
(المقدمة/52)

1 - أن هذا الكتاب ألفه الشوشاوي ابتداء، فليس شرحًا على كتاب آخر، فلذا تبرز فيه شخصية الشوشاوي كثيرًا.
2 - أن موضوعه (علوم القرآن) وهو من الموضوعات الجديدة في بلاد المؤلف، فلا نعرف من سبقه في المغرب إلى مثله، ويعتبر كتاب البرهان للزركشي (1) أبرز من سبقه في المشرق من حيث الإحاطة بأنواع هذا العلم.
ولأهمية هذا الكتاب يحسن أن نعرض أبوابه ليحصل التصور لقيمة هذا الكتاب، فلقد قسمه الشوشاوي إلى عشرين بابًا هي:
1 - ما يتعلق بنزول القرآن.
2 - ما يتعلق بكتابته.
3 - ما يتعلق بقراءته.
4 - ما يتعلق ببعض مشكلاته في التفسير.
5 - ما يتعلق بأحوال حامل القرآن.
6 - في أحكام المعلم وما يتعلق به.
7 - ما يتعلق بفضائله.
8 - فيما يتعلق بختمه.
9 - في وعيده.
10 - في حقه.
11 - في أسمائه.
12 - في أصنافه.
13 - في عدد آياته وما يتعلق بذلك.
__________
(1) محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، تركي الأصل، نشأ بمصر وطلب العلم على فضلائها كالجمال الإسنوي والسراج البلقيني وغيرهما، وبرع في عدد من الفنون؛ كالفقه، والأصول، والحديث، وشرح كثيرًا من الكتب فيها، وله كتاب البحر المحيط من أجمع الكتب في الأصول، توفي سنة (794 ه).
انظر ترجمته في: الدرر الكامنة 4/ 17، الشذرات 6/ 355.
(المقدمة/53)

14 - هل القرآن مخلوق أم لا؟
15 - في تعظيمه بالحلف به أو ما في معناه.
16 - هل يجوز تفضيل بعض القرآن على بعض أم لا؟
17 - ما السور التي تلقى في المناظرات؟
18 - ما الآيات التي تلقى في المناظرات؟
19 - في فضل كل سورة على الاختصار.
20 - ما السور المنزلة في المدينة والمنزلة في مكة؟
هذه أبواب هذا الكتاب، وكما رأيت فقد استوعب الشوشاوي كثيرًا من الأنواع المتعلقة بعلوم القرآن، إلا أنه في أثناء الحديث يميل إلى الاختصار؛ فهو يطرح في صدر كل باب عددًا من الأسئلة تقل أو تكثر بحسب كثرة المادة العلمية وقلتها، وبعد أن يستكمل طرح الأسئلة يشرع في الإجابة عليها واحدًا بعد الآخر بالترتيب الذي طرحها به، ويكون جوابه - غالبًا - حاسمًا ومختصرًا إلا إذا كانت المسألة خلافية فإنه يشير إلى ما فيها من أقوال ويعرض أدلة كل قول ثم يرجح ما يراه (1).

نسخ الكتاب:
انتشرت نسخ هذا الكتاب انتشارًا كبيرًا في مكتبات المغرب
__________
(1) انظر: دراسة عن الكتاب للأستاذ عبد الله كنون في جريدة الميثاق المغربية العدد/ 237 السنة 13 بتاريخ 15/ 12/ 1396 ه، والقسم الدراسي من رسالة عزوزي ص 81 - 105.
(المقدمة/54)

وغيره (1)، وقد قام بتحقيقه الأستاذ عزوزي إدريس لنيل درجة الدبلوم من دار الحديث الحسنية بالرباط، سنة (1398 ه) ووضع قسمًا دراسيًا عرف فيه بالمؤلف وكتابه الفوائد الجميلة.

2 - تنبيه العطشان على مورد الظمآن (2):
شرح الشوشاوي بهذا الكتاب كتاب أبي عبد الله الخراز (3) المسمى: مورد الظمآن في رسم القرآن، وهو أرجوزة في رسم القرآن جمع فيها الخراز أربعة كتب وبين ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، وقد تتبع الشوشاوي أبيات المنظومة شارحًا وناقدًا، ولم يسلك طريقة الأسئلة التي سلكها في الكتاب السابق.
وقدم الشوشاوي هذا الكتاب بمقدمة طويلة تتعلق بعلوم القرآن.
وهذا الكتاب له نسخ عديدة بمكتبات المغرب (4).
__________
(1) من هذه النسخ: ما في الخزانة العامة بالرباط برقم/ 1131 ق، 3735 د، 1145 ق، وفي الخزانة الحسنية بالرباط برقم / 2465، 6827، 9777، وفي خزانة ابن يوسف بمراكش برقم/ 580، وفي خزانة علي بن أبي طالب بتارودانت برقم/ 91، وفي خزانة تمكروت برقم / 215، 481، 892، 1652، وذكر الزركلي نسخة في الظاهرية برقم/ 383 علوم قرآن فانظر: الأعلام 2/ 247.
(2) ذكره في درة الحجال 1/ 244، ونيل الابتهاج/ 110، وكفاية المحتاج/ 38 مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم/ ج - 709، وطبقات الحضيكي 1/ 177 - 178.
(3) أَبو عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم الشريشي المعروف بالخراز، إمام مقرئ من أهل فاس توفي سنة (718 ه)، انظر ترجمته في: غاية النهاية 2/ 237.
(4) منها أربع نسخ في الخزانة الحسنية بالرباط أرقامها/ 624 ق، و672 ق، 4312 د، 663 ق، ونسخة في الخزانة الحسنية بالرباط برقم/ 5729، ونسخة في خزانة تطوان برقم/ 847، ونسخة في خزانة القرويين برقم/ 1041، ونسخة في تمكروت برقم/ 1648.
(المقدمة/55)

3 - حلة الأعيان على عمدة البيان (1):
هذا الكتاب شرح به الشوشاوي عمدة البيان للخراز وهي منظومة في أحكام ضبط القرآن.
وقد تبع الشوشاوي الخراز في تقسيم الكتاب إلى ثمانية أبواب، غير أنه وضع لهذا الشرح مقدمة تناول فيها أحكام نقط المصحف وعدد الآي ونحوها من المباحث، ثم شرع في شرح المنظومة بيتًا بيتًا يورد على كل بيت أو مقطع يريد شرحه أسئلة ثم يجيب عنها.
ويوجد لهذا الكتاب نسختان: إحداهما في الخزانة العامة بالرباط (2)، والأخرى بالخزانة الحسنية بالرباط (3).

4 - الأنوار السواطع على الدرر اللوامع:
لم يذكر أحد ممن ترجم للشوشاوي هذا الكتاب ضمن كتبه، غير أن الأستاذ عزوزي وجده في الخزانة العامة بالرباط (4) فعده ضمن كتبه (5)، وقد وجدنا له نسخة أخرى في خزانة ابن يوسف بمراكش (6)، وهذا الكتاب شرح به الشوشاوي منظومة ابن بري (7) في القراءات المسماة: الدرر اللوامع في
__________
(1) ذكره المختار السوسي في سوس العالمة/ 177.
(2) برقم/659 ق.
(3) برقم/ 674.
(4) برقم/ 1204 ق.
(5) انظر: القسم الدراسي من رسالة عزوزي/ 64.
(6) برقم/ 469.
(7) أَبو الحسن علىِ بن محمد بن علي الرباطي المغربي المقرئ، المعروف بابن بري، توفي سنة (709 ه) وقيل غير ذلك، انظر ترجمته في: هدية العارفين / 1/ 716، والأعلام 5/ 5.
(المقدمة/56)

قراءة نافع (1).
وطريقة الشوشاوي في هذا الكتاب هي: أن يورد البيت أو المقطع المراد شرحه ثم يتلوه بتفسير معناه، ذاكرًا ما يتعلق به من خلاف أو فوائد أو غيرها.

ثانيًا: كتب الشوشاوي الأخرى:
1 - رفع النقاب عن تنقيح الشهاب:
وهو شرحه على تنقيح القرافي وسنستوفي الكلام عليه في الفصل الثالث من هذه المقدمة إن شاء الله.

2 - قرة الأبصار على الثلاثة الأذكار (2):
كتاب صغير الحجم، غزير العلم، نادر المثال، تعرض فيه الشوشاوي لتفصيل الكلام على معاني ثلاثة أذكار مشهورة هي:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
وبسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
وقد عقد للكلام على كل ذكر منها بابًا رتبه على أسئلة وأجوبة، واستوفى فيه ما يتعلق بكل ذكر من قواعد وفوائد.
وللكتاب عدة نسخ في مكتبات المغرب وغيرها (3).
__________
(1) انظر: إيضاح المكنون 1/ 468.
(2) ذكره عبد العزيز بن عبد الله في الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية 2/ 30.
(3) منها نسختان في الخزانة العامة بالرباط برقم/ 937 د، 2426 د "ضمن مجموع"، ونسخة في الخزانة الحسنية بالرباط برقم/ 6636، ونسختان في الخزانة الوطنية =
(المقدمة/57)

3 - مجموعة في الطب (1):
كتاب صغير لا تتجاوز أوراقه (12) ورقة، ذكر فيه الشوشاوي عددًا من الأمراض وعلاجاتها، وقد أحصينا فيه أكثر من مائة وخمسين علاجًا، يذكر المرض ثم يذكر بعده صفة العلاج باختصار دون أن يلتزم ترتيبًا معينًا، وقد ختمه بفصول ذكر فيها عددًا من التمائم والجداول والطلاسم.
يوجد للكتاب نسخة مخطوطة في الخزانة الحسنية بالرباط (2).

4 - نوازل فقهية:
ذكر هذا الاسم عدد ممن ترجم للشوشاوي (3)، ولم نجد له كتابًا يحمل هذا الاسم، وقد سبقنا علامة سوس (المختار السوسي) إلى البحث عنه فلم يجده، فقال في كتابه خلال جزولة: "وأما نوازله الفقهية إن كان المعني بها مؤلفاً خاصاً فإني لم أقف عليها قط، وإنما رأيت له فتاوى متفرقة" اه (4).
والأرجح أنه لا يوجد للشوشاوي كتاب بهذا الاسم، وإنما له كما ذكر السوسي نوازل وفتاوى متفرقة.
ولعل الوهم في جعل هذا كتاباً مستقلاً جاء مما ذكره ابن القاضي (5) في
__________
= بتونس برقم/ 4003، 2546 م.
(1) ذكره السوسي في سوس العالمة/ 177، وخلال جزولة 4/ 161.
(2) برقم/ 7533.
(3) منهم ابن القاضي في درة الحجال 1/ 244، وأحمد بابا في النيل/ 110، والكفاية/ ورقة 38، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم/ ج - 709، والحضيكي في طبقاته 1/ 177 - 178.
(4) انظر: خلال جزولة 4/ 161.
(5) أَبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي العافية المكناسي الزناتي، المعروف بابن =
(المقدمة/58)

درة الحجال (1)؛ إذ هو أول من عرف ممن ترجم للشوشاوي، وقد ذكر أن له نوازل في الفقه، فلعله أراد هذه الفتاوى، وحمل كلامه من نقل عنه على أنها كتاب مستقل، والله أعلم.
...
__________
= القاضي، مؤرخ مشارك في عدد من العلوم، وفاته بفاس سنة (1025 ه)، له جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام مدينة فاس، ولقط الفرائد، وكتب أخرى.
انظر ترجمته في: دليل مؤرخ المغرب لابن سودة 1/ 44، الأعلام 1/ 236.
(1) اسمه درة الحجال في أسماء الرجال، ذيل به ابن القاضي على وفيات الأعيان،
انظر: دليل مؤرخ المغرب الأقصى 1/ 259.
(المقدمة/59)

الفصل الثالث: التعريف بالكتاب
المبحث الأول: نسبة الكتاب للمؤلف
يمكن معرفة اسم الكتاب ونسبته للمؤلف من طريقين:
الطريق الأول: من خلال كتب التراجم التي ورد فيها نسبة الكتاب للمؤلف وذكر اسمه.
الطريق الثاني: من خلال نسخ الكتاب التي ذكر في أولها وآخرها نسبة الكتاب للمؤلف وتحديد اسمه.
أما الطريق الأول وهو كتب التراجم، فإن مراجع ترجمته بعضها ورد فيها تسمية الكتاب بشرح التنقيح منسوباً للشوشاوي، وبعضها ورد فيها تسميته برفع النقاب عن تنقيح الشهاب منسوباً للشوشاوي.

أولاً: المراجع التي ورد فيها تسمية الكتاب بشرح التنقيح منسوباً للشوشاوي، منها:
1 - درة الحجال في أسماء الرجال؛ حيث جاء فيه: الحسين بن علي الرجراجي الشوشاوي، رفيق عبد الواحد الرجراجي، له شرح على مورد
(المقدمة/61)

الظمآن، وله نوازل في الفقه المالكي، وشرح تنقيح القرافي (1).
2 - نيل الابتهاج؛ حيث جاء فيه: حسن بن علي الرجراجي الشوشاوي، رفيق عبد الواحد الرجراجي، له شرح على مورد الظمآن، ونوازل في الفقه، وشرح تنقيح القرافي (2).
3 - كفاية المحتاج، حيث جاء فيه: حسين بن علي الرجراجي شوشاوي، له نوازل في الفقه، وشرح مورد الظمآن وتنقيح القرافي (3).
4 - طبقات الحضيكي؛ حيث ذكره باسم شرح التنقيح (4).
5 - الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام؛ حيث جاء فيه: حسن الشوشاوي، الفقيه الأصولي، له شرح على تنقيح القرافي (5).
6 - المعسول؛ حيث جاء فيه: حسين الشوشاوي، العلامة الأصولي، رجراجي النسب، ونعرف له خمسة مؤلفات، منها شرحه لتنقيح القرافي (6).
7 - النبوغ المغربي في الأدب العربي؛ حيث ذكر من كتب الأصول المؤلفة في العصر المريني شرح تنقيح القرافي للشوشاوي (7).
8 - معجم المؤلفين؛ حيث جاء فيه بعد ترجمته: من آثاره شرح على مورد
__________
(1) درة الحجال 1/ 244.
(2) انظر: ص 110.
(3) انظر: ص 38 مخطوط بالمكتبة العامة بالرباط رقم ج 709.
(4) انظر: 1/ 177، 178.
(5) انظر: 3/ 148.
(6) انظر: 6/ 169.
(7) انظر: 1/ 229.
(المقدمة/62)

الظمآن وشرح تنقيح القرافي (1).

ثانياً: المراجع التي ذكرت نسبة الكتاب للشوشاوي وذكرته باسم رفع النقاب عن تنقيح الشهاب منها:
1 - كتاب سوس العالمة؛ حيث جاء فيه: حسين بن علي الشوشاوي، دفين أولاد برحيل بقبيلة المنابهة، له رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (2).
2 - كتاب آسفي وما إليه؛ حيث جاء فيه: الإمام الأصولي المقرئ أَبو علي حسين بن طلحة الرجراجي الشوشاوي، ذو التآليف النافعة منها: كتاب الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة في علوم القرآن، وتنبيه العطشان على مورد الظمآن في رسم القرآن، ورفع النقاب عن تنقيح الشهاب يعني تنقيح القرافي (3).
3 - جريدة الميثاق؛ حيث كتب عبد الله كنون ترجمة للشوشاوي وقال: تقوم شهرة المترجم على جملة من الكتب التي ألفها في العلوم التي كان يتعاطاها وتلقاها الناس بعده بالقبول وهي شرح التنقيح للقرافي في الأصول سماه رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (4).
ومقدمة تحقيق الفوائد الجميلة حيث جاء فيها: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب، شرح الشوشاوي هذا وضعه على تنقيح الفصول في الأصول (5).
__________
(1) انظر: 3/ 254.
(2) انظر: ص 177.
(3) انظر: ص 142.
(4) انظر عدد: (237) 15 ذو الحجة 1396 ه.
(5) انظر: 1/ 63.
(المقدمة/63)

وأما الطريق الثاني وهو معرفة اسم الكتاب ونسبته للمؤلف من خلال نسخ الكتاب الثلاث.
فالنسخة الأولى وهي الأصل لا يوجد في أولها اسم الكتاب؛ لأنه قد سقط منها ورقتان، لكن في آخرها وردت نسبة الكتاب بدون ذكر اسمه؛ حيث جاء في آخرها ما نصه: قال واضع هذا الشرح رحمه الله وعفا عنه أَبو علي حسين بن علي الشوشاوي.
والنسختان اللتان رمزنا لهما برمز (ز) و (ط) فقد ورد في أولهما وآخرهما نسبة الكتاب للمؤلف وأن اسمه رفع النقاب عن تنقيح الشهاب.
ففي أول نسخة (ز) في صفحة العنوان ما نصه:
هذا كتاب فيه رفع النقاب عن تنقيح الشهاب مما عني بجمعه الفقيه الجليل حسين بن علي بن طلحة الرجراجي، وفي خاتمتها ما نصه: هذا تمام رفع النقاب عن تنقيح الشهاب مما جمعه الضعيف المذنب الخاطئ يرجو عفو ربه وغفرانه لجميع ذنوبه بمنه وفضله حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي.
وفي أول نسخة (ط) في صفحة العنوان بعد التسمية والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد ما نصه: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب مما جمعه العبد العاصي يرجو عفو ربه وغفرانه لجميع ذنوبه بمنه وفضله الحسن بن علي بن طلحة الرجراجي البويصيلي نسباً الشوشاوي رحمه الله تعالى.
وفي خاتمتها جاء ما نصه: هذا تمام رفع النقاب عن تنقيح الشهاب مما جمعه العبد العاصي المذنب الخاطئ يرجو عفو ربه وغفرانه لجميع ذنوبه بمنه وفضله حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي.
(المقدمة/64)

فهذه النصوص الأربعة التي وردت في النسختين لا تدع مجالاً للشك في نسبة الكتاب للشوشاوي، وبأن اسمه رفع النقاب عن تنقيح الشهاب، بالإضافة إلى المراجع التي ذكرت أن اسم الكتاب رفع النقاب عن تنقيح الشهاب والتي سبق ذكرها.
ولا تعارض بين ما ورد في بعض المراجع التي ذكرت أن اسم الكتاب شرح تنقيح القرافي، وبين ما ورد في بعض المراجع والنسخ الخطية بأن اسمه رفع النقاب عن تنقيح الشهاب؛ حيث إن بينهما إطلاقاً وتقييداً.

شرح عنوان الكتاب:
في ختام هذا المبحث يحسن أن نذكر شرح عنوان هذا الكتاب: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب.
قوله: (رفع) الرفع ضد الوضع، وفي اللسان: يقال: ارتفع الشيء ارتفاعاً بنفسه إذا علا، والرفع تقريبك الشيء من الشيء، ورفع لي الشيء أبصرته من بعد (1).
قوله: (النقاب) مصدر نقب والنقب: الثقب، والنقاب: الرجل العلامة، وما تنتقب به المرأة كما جاء في القاموس المحيط (2) فالنقاب هو الحجاب.
قوله: (تنقيح) التنقيح: التهذيب، وفي اللسان: "نقح النخل: أصلحه وقشره، وتنقيح الشعر: تهذيبه ...
__________
(1) انظر: لسان العرب مادة (رفع).
(2) انظر: القاموس المحيط مادة (نقب).
(المقدمة/65)

ونقح الكلام فتشه وأحسن النظر فيه، وقيل: أصلحه وأزال عيوبه، والمنقح الكلام الذي فعل به ذلك ... ونقح الكلام إذا هذبه وأحسن أوصافه" (1).
ومراد الشوشاوي بالتنقيح: تنقيح الفصول.
قوله: (الشهاب) أي: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي.
وعلى هذا يكون المعنى العام لعنوان الكتاب: رفع وإزالة الحجاب الذي يحول دون الاستفادة من كتاب تنقيح الفصول المنسوب لشهاب الدين القرافي، فكأن التنقيح عليه حجاب وغطاء يحول دون فهمه والاستفادة منه وذلك لكونه مختصراً، ومشتملاً على كثير من المسائل والأقوال التي تحتاج إلى توضيح وشرح.
...
__________
(1) انظر: اللسان مادة (نقح).
(المقدمة/66)

المبحث الثاني: مصادر الكتاب
قبل تعداد المصادر التي اعتمد عليها الشوشاوي في كتابه، نحب أن ننبه إلى أمرين:
الأول: يمكن تقسيم مصادر كتاب الشوشاوي من حيث اعتماده عليها إلى قسمين: مصادر أصلية ومصادر مساعدة.
ونعني بالمصادر الأصلية: تلك الكتب التي أكثر النقل عنها، وجعلها أصلاً في بناء مسائل الكتاب.
وأهم هذه الكتب في علم الأصول: شرح التنقيح للقرافي، وشرح التنقيح للمسطاسي، وشرح المحصول للقرافي، والملخص للقاضي عبد الوهاب، وإحكام الفصول للباجي، والمحصول لفخر الدين الرازي.
أما في الفقه: فكان اعتماده على مختصر ابن الحاجب الفرعي المسمى: جامع الأمهات، والتلقين للقاضي عبد الوهاب، ورسالة ابن أبي زيد، والفروق للقرافي.
وفي النحو كان اعتماده على مقدمة أبي موسى الجزولي، المعروفة باسم القانون.
هذه أبرز مصادر الشوشاوي، وأما ما عداها مما سنذكره بعد قليل، فيعتبر
(المقدمة/67)

مراجع مساعدة، أي: إنه لم يرجع إليها إلا قليلاً.
الثاني: قد يصرح الشوشاوي عند نقله من الكتاب باسمه واسم مؤلفه، وقد يذكر أحدهما، وربما لا يذكر واحداً منهما، وينسب إلى مجهول، كقوله: قال بعضهم، أو قال بعض الأشياخ.
وقد لا يذكر مما تقدم شيئاً، وإنما يقتبس من غير إشارة إلى أحد، وفي هذا القسم لا نجعل الكتاب من مصادره، إلا إذا قطعنا بالنقل، كأن تكون العبارة المنقولة من العبارات غير المتداولة في الكتب.
ومصادر هذا الكتاب شملت الفنون الآتية: التفسير وعلوم القرآن، والسنة وعلومها، وأصول الفقه، والفقه، واللغة والنحو، وغير ذلك (1)، وتفصيل هذه المصادر كما يأتي:

أولاً: مصادره في فن التفسير وعلوم القرآن هي ما يلي:
1 - أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المتوفى سنة 543 ه.
2 - التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 ه.
3 - الكشاف لأبي القاسم جار الله الزمخشري المتوفى سنة 538 ه.
4 - التحصيل لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي المتوفى سنة 440 ه (2).
5 - تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة
__________
(1) لمعرفة مواضع هذه المصادر انظر: فهرس الكتب في نهاية الكتاب.
(2) يوجد منه جزء مخطوط في خزانة ابن يوسف بمراكش برقم 658.
(المقدمة/68)

276 ه.
6 - مشكل إعراب القرآن لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 ه.
7 - معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء المتوفى سنة (207 ه).
8 - كتاب الغريبين: غريبي القرآن والحديث لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي المتوفى سنة 401 ه (1).
9 - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي المتوفى سنة 541 ه.
10 - غريب القرآن لأبي عبد الله محمد بن محمد المجاصي (2).
11 - قانون التأويل لأبي بكر محمد بن عبد الله المعافري المعروف بابن العربي المتوفى سنة 543 ه (3).

ثانياً: مصادره في السنة النبوية:
1 - موطأ الإمام مالك بن أنس الأصبحي المتوفى سنة 179 ه.
2 - القبس في شرح موطأ مالك بن أنس لأبي بكر بن العربي (4).
__________
(1) طبع منه الجزء الأول فقط.
(2) هذا الكتاب أرجوزة في غريب القرآن توجد منه نسخة خطية في المكتبة العامة بالرباط ضمن مجموع من ص 78 - 95 برقم د 1645.
(3) يوجد منه جزءان مخطوطان في جامعة الإمام برقم (888 ف)، ورقم (889/ ف)، وقد طبع بتحقيق محمد السلماني.
(4) يوجد مخطوطاً في الخزانة العامة بالرباط برقم (25 ج)، ومصور على ميكرو فيلم في مكتبة جامعة الإمام بالأرقام الآتية: (6312 ق)، ورقم (7317 ف)، ورقم =
(المقدمة/69)

3 - المعلم بشرح فوائد صحيح مسلم لأبي عبد الله محمد بن علي المازري المتوفى سنة 536 ه (1).
4 - إكمال المعلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة 544 ه (2).
5 - معرفة علوم الحديث للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المتوفى سنة 405 ه.

ثالثاً: مصادره في أصول الفقه:
أ - المصادر المالكية:
1 - شرح التنقيح لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي.
2 - شرح التنقيح (3) لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر المسطاسي (3).
3 - نفائس الأصول (4) في شرح المحصول لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (4).
__________
= (7318 ف)، وقد حقق قسم منه في جامعة أم القرى.
(1) يوجد مخطوطاً في: الخزانة العامة بالرباط برقم (2275 د)، وفي خزانة ابن يوسف بمراكش برقم (465)، وفي خزانة معهد محمد الخامس بتارودانت برقم (139 ك).
(2) يوجد مخطوطاً مع المعلم، انظر التعليق السابق.
(3) يوجد منه نسخة خطية بمكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم 352.
(4) حقق في كلية الشريعة بالرياض في ثلاث رسائل دكتوراه حققه كل من:
1 - أ. د. عياض بن نامي السلمي.
2 - أ. د. عبد الكريم بن علي النملة.
3 - د. عبد الرحمن بن عبد العزيز المطير.
ثم طبعته مكتبة نزار مصطفى الباز في تسع مجلدات.
(المقدمة/70)

4 - الإفادة للقاضي عبد الوهاب البغدادي المتوفى سنة 422 ه (1).
5 - الملخص للقاضي عبد الوهاب البغدادي (2).
6 - كلام ابن القصار في الأصول أو مقدمة ابن القصار علي بن عمر البغدادي المتوفى سنة 398 ه (3).
7 - إحكام الفصول في أحكام الأصول (4) لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة 474 ه.
8 - الإشارة لأبي الوليد الباجي (5).
9 - مختصر المنتهى لأبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب المتوفى سنة 646 ه.
10 - شرح البرهان لأبي عبد الله محمد بن علي المازري (6).
11 - شرح مختصر المنتهى لابن الحاجب الأصولي لأبي عبد الله محمد ابن هارون التونسي التوفى سنة 750 ه.
12 - شرح البرهان لأبي الحسن علي بن إسماعيل الإبياري المتوفى سنة 616 ه (7).
__________
(1) لم نجد هذا الكتاب.
(2) لم نجد هذا الكتاب.
(3) وهي مقدمة لكتابه في الخلاف، وقد حققت هذه المقدمة في جامعة الأزهر وطبعت في مجلد بتحقيق محمد بن الحسين السليماني عام 1996 م.
(4) محقق في الأزهر، وطبع بتحقيق عبد المجيد تركي.
(5) محقق في الأزهر.
(6) طبع في مجلد بتحقيق أ. د. عمار الطالبي عام 2001 م.
(7) حقق الجزء الأول منه جامعة أم القرى وحقق الجزء الثاني د. عبد المحسن بن محمد الريس.
(المقدمة/71)

ب - المصادر الشافعية:
1 - الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 ه.
2 - المحصول للإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 ه.
3 - البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني المتوفى سنة 478 ه.
4 - المستصفى لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي.
5 - المعالم للإمام فخر الدين الرازي (1).
6 - الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي ابن محمد الآمدي المتوفى سنة 631 ه.
7 - منتهى السول في علم الأصول لسيف الدين الآمدي.
8 - اللمع في أصول الفقه لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة 476 ه.
9 - فك الرموز في نشر الكنوز، وهو شرح كتاب ابن الحاجب (2) لقطب الدين الشيرازي المتوفى سنة 710 ه.
10 - الإملاء على معالم أصول الفقه لشرف الدين عبد الله بن محمد الفهري التلمساني المتوفى سنة 644 ه (3).
__________
(1) محقق في الأزهر وطبع في مجلد بتحقيق عادل عبد الموجود وعلي محمد معوض.
(2) يوجد منه الجزء الأول مخطوطاً في مكتبة الجامع الكبير بمكناس رقم 160، وحققه لنيل درجة الدكتوراه في كلية الشريعة، بالرياض كل من: د. عبد اللطيف الصرامي والشيخ عبد الرحمن العجلان.
(3) حقق في جامعة أم القرى وطبع في مجلدين بتحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض.
(المقدمة/72)

11 - تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه (1) للمظفر بن أبي الخير التبريزي المتوفى سنة 621 ه.
12 - التلخيص لإمام الحرمين الجويني.
13 - المنخول لأبي حامد الغزالي.
14 - الحاصل من المحصول لتاج الدين محمد بن الحسين الأرموي المتوفى سنة 653 ه.

رابعاً: مصادره الفقهية وجميعها في الفقه المالكي:
1 - الفروق لشهاب الدين القرافي، يذكره الشوشاوي باسم القواعد السنية.
2 - المختصر الفقهي المسمى "جامع الأمهات" لأبي عمرو عثمان بن الحاجب (2).
3 - التلقين للقاضي عبد الوهاب البغدادي (3).
4 - المعونة للقاضي عبد الوهاب البغدادي (4).
5 - الرسالة لابن أبي زيد القيرواني المتوفى سنة 389 ه.
__________
(1) حقق في جامعة أم القرى وقد حققه حمزة زهير حافظ عام 1402 ه.
(2) يوجد مخطوطاً في الخزانة العامة بالرباط برقم 887 د، 1474 د.
(3) يوجد مخطوطاً في الخزانة العامة بالرباط برقم (ج - 672).
وخزانة ابن يوسف بمراكش برقم (609)، ومكتبة المعهد الموريتاني للبحث العلمي برقم 254. وطبع في مجلد بتحقيق محمد ثالث سعيد الغاني.
(4) يوجد منه نسخة مصورة في مركز البحث بجامعة أم القرى برقم (23) عن نسخة مكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم 777.
(المقدمة/73)

6 - الذخيرة لشهاب الدين القرافي (1).
7 - المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد المتوفى سنة 520 ه.
8 - البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل (2) لأبي الوليد ابن رشد، وذكره الشوشاوي باسم جامع البيان.
9 - التنبيه على مبادئ التوجيه (3)، وهو شرح على المدونة لأبي الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي.
10 - تنبيه الطالب لفهم كلام ابن الحاجب (4)، وهو شرح لمختصر ابن الحاجب الفرعي تأليف محمد بن عبد السلام التونسي المتوفى سنة 746 ه.
11 - شرح التلقين (5) لأبي عبد الله محمد بن علي المازري المتوفى سنة 536 ه.
12 - حلل المقالة (6) في شرح كتاب الرسالة لأبي عمران موسى بن أبي علي الزناتي المتوفى سنة 702 ه.
__________
(1) طبع منه الجزء الأول بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد السميع أحمد إمام.
(2) طبع وصدر في 18 جزءًا بتحقيق لجنة من علماء المغرب.
(3) يوجد مخطوطاً في خزانة القرويين بفاس برقم (1132).
(4) يوجد مخطوطاً في خزانة ابن يوسف بمراكش برقم 322، ومصور فلمياً في مركز البحث بجامعة أم القرى برقم 328.
(5) يوجد مخطوطاً في المكتبة الحسنية بالرباط.
(6) يوجد مخطوطاً في الخزانة الملكية بالرباط برقم (5221)، وجزء منه في خزانة تطوان برقم 852.
(المقدمة/74)

13 - التعليقة (1) لأبي إسحاق إبراهيم بن حسن بن إسحاق التونسي المتوفى سنة 443 ه.
14 - النكت (2) والفروق لمسائل المدونة لعبد الحق بن محمد السهمي القرشي المتوفى سنة 466 ه.
15 - الأمنية في إدراك النية، للقرافي.
16 - مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل على كشف أسرار المدونة، لأبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي، من علماء القرن السابع (3).
17 - النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني (4).
18 - المدخل في الفقه، لابن طلحة الأندلسي.
لم نعثر عليه، وقد نقل عنه الونشريسي في المعيار (5).
19 - التبصرة لأبي الحسن علي بن محمد الربعي اللخمي المتوفى سنة
__________
(1) لم نجد هذا الكتاب.
(2) لم يرجع إليه الشوشاوي مباشرة، بل ورد ذكره حينما نقل عن شرح التنقيح للقرافي، ويوجد مخطوطاً في خزانة ابن يوسف بمراكش برقم 499، ولكن حالته لا تسمح بمطالعته.
(3) يوجد مخطوطاً في الخزانة العامة بالرباط برقم (253 ج)، ورقم (418 ق) وخزانة القرويين برقم 381.
(4) يوجد مخطوطاً في دار الكتب الوطنية في تونس برقم (28087)، (6167)، (5728 - 5730)، (6716)، وفي خزانة ابن يوسف في مراكش برقم (305)، والخزانة العامة بالرباط برقم (1731)، و (306 ج)، وخزانة القرويين برقم (338)، ورقم (793).
(5) انظر: المعيار المعرب 1/ 433، 12/ 26.
(المقدمة/75)

478 ه (1).
20 - الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لأبي محمد عبد الله بن نجم ابن شاس الجذامي المتوفى سنة 610 ه (2).
21 - الجامع لأبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي المتوفى سنة 451 ه (3).
22 - التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة للقاضي عياض (4).

خامساً: مصادره في اللغة العربية هي:
1 - العين للخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة 175 ه.
2 - مختصر العين (5) لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي المتوفى سنة 379 ه.
3 - إصلاح المنطق لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت المتوفى سنة 244 ه.
__________
(1) توجد منه أجزاء مخطوطة في دار الكتب الوطنية بتونس برقم (19772)، ومكتبة الاسكوريال برقم (1082)، وخزانة ابن يوسف برقم (112) وخزانة القرويين برقم (795).
(2) يوجد مخطوطاً في دار الكتب الوطنية بتونس برقم (13482)، ورقم (13483)، وفي الخزانة الملكية بالرباط برقم (7984)، (8964)، وخزانة ابن يوسف في مراكش برقم (464)، والمكتبة الأزهرية بمصر برقم (1095)، ورقم (15651).
(3) يوجد مخطوطاً في خزانة ابن يوسف برقم 477.
(4) يوجد مخطوطاً في الخزانة الملكية بالرباط برقم (534)، وخزانة القرويين برقم (333 - 336)، وخزانة ابن يوسف في مراكش برقم (179).
(5) يوجد مخطوطاً في مكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم (192)، وخزانة ابن يوسف بمراكش برقم (468)، وفي مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (8598 خ).
(المقدمة/76)

4 - تثقيف اللسان تأليف عمر الصقلي المتوفى سنة 501 ه.
5 - الفصيح لأبي العباس أحمد بن يحيى النحوي الشيباني المعروف بثعلب المتوفى سنة 291 ه.
6 - شرح الفصيح (1) لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي المتوفى سنة 570 ه.
7 - كتاب الأفعال لأبي بكر محمد بن عمر الإشبيلي المعروف بابن القوطية المتوفى سنة 367 ه.
8 - سر الصناعة لأبي الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة 392 ه.
9 - فقه اللغة لأبي منصور عبد الملك الثعالبي المتوفى سنة 430 ه.
10 - درة الغواص للقاسم الحريري.
11 - المصباح في اختصار المفتاح في المعاني والبديع لأبي عبد الله، بدر الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك المتوفى سنة 686 ه.
12 - الأمالي لأبي علي القالي البغدادي المتوفى سنة 356 ه.
13 - المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده المتوفى سنة 458 ه.

سادساً: مصادره في النحو هي:
1 - الكتاب لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بسيبويه المتوفى سنة 180 ه.
__________
(1) يوجد مخطوطاً في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى برقم 241 فيلم.
(المقدمة/77)

2 - المفصل في علم العربية لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة 538 ه.
3 - المذكر والمؤنث لأبي بكر محمد بن القاسم بن بشار المعروف بابن الأنباري المتوفى سنة 328 ه.
4 - الجمل لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي المتوفى سنة 337 ه.
5 - الإيضاح لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي المتوفى سنة 377 ه.
6 - المقدمة في النحو المعروفة "بالقانون" لأبي موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي المتوفى سنة 616 ه (1).
7 - الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني الأزدي المتوفى سنة 392 ه.
8 - الألفية لابن مالك وهو: جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الأندلسي المتوفى سنة 672 ه.
9 - شرح جمل الزجاجي لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن عصفور المتوفى سنة 669 ه.
10 - شرح التسهيل لابن مالك (2).
11 - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لأبي محمد عبد الله بن هشام المتوفى سنة 761 ه.
__________
(1) حققها مع شرح الجزولية للشلوبين الشيخ ناصر الطريم في جامعة الإمام.
(2) يوجد له نسخة خطية مصورة في مركز البحث بجامعة أم القرى برقم 953 نحو.
(المقدمة/78)

12 - شرح الفصل تأليف يعيش بن علي بن يعيش المتوفى سنة 643 ه.
13 - شرح الإيضاح تأليف عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة 471 ه.
14 - المشكاة والنبراس شرح كتاب الكراس (1) للجزولي تأليف إبراهيم بن عبد السلام أَبو إسحاق العطار المتوفى سنة 677 ه.
15 - شرح الألفية للحسن بن قاسم المرادي المتوفى سنة 749 ه.
16 - الاستغناء في أحكام الاستثناء للقرافي.

سابعاً: مصادره في السيرة النبوية الشريفة:
1 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض.
2 - الشفا في شرف النبي المصطفى لابن سبع (2).

ثامناً: مصادره في العقيدة:
1 - الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة للقرافي.
2 - فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.
3 - الإرشاد لأبي المعالي الجويني.
4 - المقصد الأسنى في أسماء الله الحسنى لأبي حامد الغزالي.
5 - العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية للجويني.
__________
(1) يوجد مخطوطاً في خزانة القرويين بفاس برقم ل 40/ 507.
(2) لم نجد هذا الكتاب.
(المقدمة/79)

تاسعاً: مصادره في المنطق:
1 - الجمل لأبي عبد الله محمد بن ناماور الخونجي المتوفى سنة 646 ه.
2 - الملخص للإمام فخر الدين الرازي (1).
3 - شرح عيون الحكمة للإمام فخر الدين الرازي.

عاشراً: مصادره في السلوك والأخلاق والمعارف العامة:
1 - سراج المريدين لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي (2).
2 - معراج السالكين لأبي حامد الغزالي.
3 - إحياء علوم الدين للغزالي.
4 - المعارف لأبي محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة المتوفى سنة 276 ه.
5 - جامع بيان العلم وفضله لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي المتوفى سنة 463 ه.
...
__________
(1) يوجد منه صورة خطية بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم 3576 فيلم.
(2) يوجد مخطوطاً في خزانة ابن يوسف بمراكش برقم 697.
(المقدمة/80)

المبحث الثالث: منهج المؤلف العام في هذا الكتاب
اعتاد المؤلفون تصدير كتبهم بمقدمة، يبينون فيها: أسباب تأليفهم للكتاب، وبعض معالم منهجهم فيه، ومصادرهم، إلى غير ذلك مما يهم القراء معرفته.
غير أن الشوشاوي في كتابه هذا، خالف عادة المؤلفين، وشرع في شرح كلام القرافي من غير مقدمة.
ولم يكن أمامنا لمعرفة منهج الشوشاوي في هذا الكتاب سوى استعراض الكتاب، واستقراء منهج المؤلف من خلاله، ولا ريب أن مثل هذا العمل يعطي صورة تقريبية للمنهج؛ لأن الشوشاوي - ككثير من المؤلفين السابقين - لم يلتزم منهجاً واحداً في معالجة جميع موضوعات الكتاب، وإنما يخضع ذلك لحاجة الموضوع وطبيعته.
وسنتبين ملامح منهجه من خلال النقاط الآتية:

أولاً: التبويب والترتيب:
تبع الشوشاوي القرافي في ترتيب أبواب وفصول الكتاب، وهذا يحتمه كونه شرحاً لكتاب القرافي، ومع هذا، فقد كان ينقده، ويعترض عليه في الترتيب، ويقترح التقديم أو التأخير أو الدمج، كما تميز بترتيب المسائل وحسن
(المقدمة/81)

عرضها داخل الفصل.

ثانياً: الأسلوب:
أسلوب الشوشاوي في معظم الكتاب متوسط، وإن كان يغلب عليه البسط والإطناب، مما يدعوه أحياناً إلى التكلف.

ثالثاً: منهج الشوشاوي في شرح كلام القرافي:
استخدم الشوشاوي في هذا الكتاب طريقة الشرح بالقول؛ حيث يورد فيها قطعة من المتن مصدرة بكلمة: قوله، ويعقب هذه القطعة بحرف: (ش) علامة الشرح، ثم بعد ذلك يجزئ هذه القطعة من المتن إلى جمل، ويبدأ بشرحها وترتيبها حسب نوعية الموضوع.
وقد يكتفي الشوشاوي بعد إيراد القطعة من المتن بالتمثيل أو الاستدلال؛ لوضوح النص، لكن هذا الصنيع نادر، ومن الصفات التي يمكن أن نلمسها لشرح الشوشاوي كلام القرافي ما يأتي:
1 - التمهيد، وأكثر ما يفعله في بداية الأبواب والفصول، وأحياناً المسائل.
وغالب تمهيداته تكون بشرح معنى الباب أو الفصل. أو بالربط بينه وبين ما قبله.
أو بمقدمات للباب أو الفصل أو المسألة يتوقف عليها فهم غيرها.
أو غير هذه الأمور، وأحياناً يترك التمهيد، كما فعله في باب التعارض والترجيح ومواضع أخرى.
(المقدمة/82)

2 - حصر وعد المباحث المتعلقة بالفصل في أوله، وفي بعض الأحيان، يستعرض هذه المباحث ويذكرها.
3 - إعادة صياغة كلام القرافي - قبل الشروع في شرحه - بأسلوب يساعد على فهمه، كأسلوب التقسيم، أو غيره.
4 - ربط كلام القرافي في المواضع الأخرى بكلامه في المسألة المراد بحثها، وبيان موافقته لها، أو تناقضه معها.
5 - الاستدراك على القرافي بإضافة أقوال، أو أدلة، أو أقسام، أو غيرها، والاعتراض على ما أورده من معلومات، أو ما ساقه من أدلة، إن كان عليها اعتراض، مع الاعتذار عنه أحياناً.
6 - العناية باختلاف نسخ المتن، وتوجيهها، والاستدلال بها.
7 - شرح الكلمات الغريبة وتفسيرها، سواء كانت من المتن أو غيره.
8 - التوسع، وأحياناً الإطناب في الشرح، والإكثار من الاستطرادات المختلفة، خاصة في علم التفسير، وعلم النحو.
9 - استخدام التنبيهات، والفروع، والتوجيهات، ونحوها.

رابعاً: التعريفات اللغوية:
يعرف الشوشاوي - غالباً - موضوعات الأبواب، كما عرف الاستثناء، والمجمل، والمبين، والنسخ، والإجماع، والقياس، والاجتهاد.
وقد يترك التعريف اللغوي لموضوع الباب، كما فعل في باب الخبر، وباب التعارض والترجيح.
(المقدمة/83)

وقد يعرف ما يتطرق له البحث، سواء كان من موضوعات الفصول أو غيرها، كما عرف المؤول، والتأسي، والمتواتر، والسبر، والتقليد، والاستفتاء، والاستصحاب، والعادة، والذريعة، ولكنه غالباً لا يفعل ذلك إلا في موضوعات الأبواب.

خامساً: الحدود الاصطلاحية:
يكتفي الشوشاوي في الحدود - غالباً - بحد القرافي في المتن، ويشرحه شرحاً وافياً، وقد يبين محترزاته، وما عليه من اعتراضات، وجوابها.
وفي أحيان قليلة يورد حدوداً أخرى، وقد يختارها ويفضلها على حد القرافي في متنه، كما اختار حد ابن الحاجب في باب النسخ.
وقد لا يتعرض الشوشاوي للحد، تبعاً للقرافي، كما في الإطلاق والتقييد، والتعارض والترجيح.

سادساً: المسائل الخلافية:
يبحث الشوشاوي المسائل التي أوردها القرافي في المتن، وقد يزيد بعض المسائل التي لم يتعرض لها، وسنبين منهجه في بحث المسائل الخلافية من خلال النقاط الآتية:
1 - يحرر الشوشاوي محل النزاع في كثير من المسائل.
2 - يبين سبب الخلاف، ومرجعه، في كثير من المسائل.
3 - يحرص على التمثيل للمسألة قبل الشروع فيها، ولا شك أن هذا يساعد على تصور المسألة.
(المقدمة/84)

4 - يعرض في جميع مسائل الكتاب الأقوال في المسألة، ويختلف منهجه في هذا أيضاً تبعاً للمسائل.
فقد يكتفي بما عرض القرافي في المتن، ويشرع هو في التمثيل أو الاستدلال أو غيرهما.
وقد يعيد صياغة ما في المتن بشكل أكثر وضوحاً.
وقد يعيدها وينسب ما لم ينسب منها إلى قائله.
وقد يعيدها ويزيد عليها أقوالاً لم يأت بها القرافي.
وبالرغم من اختلاف منهجه، إلا أنه يهتم غالباً ببيان مذهب المالكية.
5 - يستدل في جميع المسائل التي يبحثها، لكن الأدلة تقل وتكثر تبعاً لأهمية المسألة، ويمكن أن نلحظ منهجه في الاستدلال من خلال الملامح الآتية:
أ - تنوع أدلة الشوشاوي، فهو يستدل ويستشهد بالآيات، والأحاديث، وآثار الصحابة (1)، وأقوال العلماء (2)، وكلام العرب، والقواعد النحوية، والشعر (3)، وحتى القصص والحكايات.
ب - تقديمه - غالباً - عند سرد الأدلة: الآيات، فالأحاديث، فالآثار، فالإجماع، فالقياس، فكلام العرب.
ج - ذكره - في الغالب - وجه الاستشهاد من الدليل.
وأما طريقة عرضه للأدلة، فإن أغلب ما سار عليه في هذا الكتاب هو
__________
(1) انظر: فهرس الآيات والأحاديث والآثار.
(2) انظر: فهرس الأعلام والكتب.
(3) انظر: فهرس الأشعار.
(المقدمة/85)

تقديم حجة القول الراجح، ثم يتلوها بحجج الأقوال الأخرى، قارناً الإجابة عن حجة كل فريق بأدلته.
وقد يجيب عن جميع الأدلة، سواء كانت للقول الراجح أو غيره.
وقد يسرد الأدلة لجميع الأقوال دون إجابات.
وقد يجيب عن بعض الأدلة ويترك بعضها.
وقد يكتفي بدليل القول الراجح.
لكن أغلب ما سار عليه في هذا الكتاب هو الطريقة الأولى، وهي الاستدلال للقول الراجح، ثم سرد أدلة الأقوال الأخرى، والإجابة عن حجة كل فريق منها بعد أدلته.
6 - تصريح الشوشاوي بالترجيح في هذا الكتاب قليل، ولكن هناك قرائن قد تدل على ترجيحه أو اختياره بعض الأقوال. وأقوى هذه القرائن أن يصفه بأنه المشهور، أو قول الجمهور، أو الذي عليه العمل.
ومن القرائن أيضاً: تقديمه للراجح، ومنها: عدم الرد على أدلته، فهذه القرائن قد يفهم منها ميل الشوشاوي أو اختياره لما صحبته هذه القرائن أو بعضها.
7 - يذكر الشوشاوي أحياناً ثمرة الخلاف في المسألة، وقد يذكر ما يخرج على المسألة من فروع.

سابعاً: النقول والإِحالات:
زخر كتاب الشوشاوي بعدد ليس قليلاً من النقول، وقد تنوعت نقوله،
(المقدمة/86)

فتجده ينقل عن الأصوليين، والفقهاء، والمفسرين، والنحاة، وغيرهم (1)، وكانت أكثر نقوله وبخاصة الفقهية والأصولية عن المالكية، كما نقل كثيراً عن القرافي، سواء في شرحه للتنقيح، أو شرح المحصول، أو القواعد، أو غيرها (2).
كما أكثر من النقل عن المسطاسي في كتابه شرح التنقيح (3).
ونقل عن شروح أخرى لم نطلع عليها.
والشوشاوي - في الغالب - يعزو النقل إلى صاحبه، وقد يعزوه إلى الكتاب، وفي بعض الأحيان يحدد مكان النقل من الكتاب، كما يفعله في نقله عن الحاجب والقرافي (4) غالباً.
وغالب نقوله بالمعنى؛ حيث يتصرف في الكلام المنقول، بزيادة، أو نقص، أو تغيير، لكن ذلك لا يخل بالمعنى - غالباً -.
وإلى جانب النقول، تعددت إحالات الشوشاوي على أبواب ومسائل كتابه، وهو في إحالاته يحدد الباب والفصل والمسألة والنص، وقد يخل بهذه القاعدة في حالات نادرة جداً.
هذه ملامح مجملة، تعطي صورة تقريبية عن طريقة الشوشاوي في هذا
__________
(1) انظر: فهرس الأعلام.
(2) انظر مواضع الإحالة على هذه الكتب في: فهرس الكتب.
(3) انظر مواضع الإحالة على كتاب المسطاسي في: فهرس الكتب.
(4) انظر مواضع الإحالة على كتاب جامع الأمهات والقواعد السنية في: فهرس الكتب.
(المقدمة/87)

الكتاب، وإن كنا ذكرنا في أول هذا المبحث أن الشوشاوي لم يلتزم طريقة واحدة في كل الكتاب، وإنما كان ينوع ذلك بحسب حاجة الموضوع المطروق، والله الموفق.
***
(المقدمة/88)

المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية وبيان وجوه الحسن والإجادة
إن قيمة أي كتاب علمية تعتمد على مؤلفه، وموضوعه، ومادته العلمية، ومصادره، فإذا كان المؤلف قديراً، والموضوع مهماً، والمادة غزيرة، والمصادر أصيلة، علت قيمة الكتاب، وكثرت الاستفادة منه.
ولقد تجمعت هذه العناصر الأربعة في كتاب الشوشاوي، إضافة إلى أمور أخرى مساعدة، مما يجعل كتاب الشوشاوي يزاحم غيره من الكتب في المكتبة الأصولية، وسنعرض فيما يلي أهم النقاط التي تتضح من خلالها القيمة العلمية لكتاب الشوشاوي ونبين وجوه الحسن والإجادة:
1 - إن هذا الكتاب شرح لتنقيح الفصول للقرافي، وقد علم القارئ قيمة هذا المختصر العلمية، الذي جمع لباب أصول فقه المالكية، وبالإضافة إلى محصول الرازي، وبالتالي ندرك قيمة هذا الشرح، الذي تناول مسائل المختصر بالتفصيل والبيان.
2 - إن الكتاب يعتبر موسوعة لأصول فقه المالكية؛ حيث يحرص مؤلفه على بيان موقف المذهب المالكي من كل مسألة.
فهو يعتني بآراء مالك وأصحابه المتقدمين، كما يعتني بمن جاء بعدهم من رجال المذهب المالكي، فتجد آراء أبي الفرج، والقاضي إسماعيل،
(المقدمة/89)

والأبهري، وأمثالهم.
كما تجد اهتماماً بآراء المبرزين في علم الأصول من المالكية، كالقاضي الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي، والباجي، والمازري، وابن الحاجب وغيرهم.
وتجد أيضاً النقول العديدة عن كتب الأصول المالكية، كالملخص للقاضي عبد الوهاب، وإحكام الفصول للباجي، وشرح المحصول للقرافي، وشرح البرهان للمازري، وشرح البرهان للإبياري، ومختصر ابن الحاجب، وشروح التنقيح، وغيرها.
3 - مع جمع الكتاب لآراء المالكية، واهتمامه بها، إلا أنه أيضاً محتوٍ على آراء المذاهب الأخرى في كل مسألة مع عرض الحجج والمناقشات.
4 - اعتمد الشوشاوي - رحمه الله - في كتابه هذا على شرح القرافي، وشرح المسطاسي لكتاب التنقيح، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إنه قد حوى ما فيهما، وبالإضافة إليهما نقل عن بعض الشراح ممن لم يسمهم، وهذا بلا شك يزيد قيمة هذا الشرح؛ إذ فيه عصارة أفكار من سبقه إلى شرح التنقيح.
5 - بسط الشرح، وطول نفس الشوشاوي في عرض المسائل، أثرى مادة الكتاب بكثير من المسائل والفوائد.
ولقد اشتمل على عدد من المعارف التي تتصل بمواطن البحث، يجدها القارئ مبثوثة في ثنايا الكتاب.
ومع أن هذا قد يعتبر من الاستطراد المخرج عن الموضوع، إلا أن رد كل علم إلى المتخصصين فيه شأن ذوي الألباب، فإذا طالعت باب أقل الجمع، أو
(المقدمة/90)

الاستثناء، أو حروف المعاني فكأنك تطالع كتاباً في النحو.
وإذا طالعت باب الأخبار تظن أنك تقلب كتاباً في المصطلح، وقد تقلب الصفحات في تفسير آية، أو تصريف كلمة.
6 - استخدام الشوشاوي للتمهيد في أغلب الأبواب والفصول، وعنايته في أغلب تمهيداته بشرح معنى الباب أو الفصل.
7 - حصر أو عرض المسائل المراد بحثها في الفصل قبل الشروع فيها.
8 - حسن ترتيب المسائل داخل الفصل، وحسن عرض المسألة؛ حيث يبدأ غالباً بالأقوال، فمحل النزاع أو سبب الخلاف، ثم التمثيل للمسألة، ثم الحجاج والإجابة عنها.
9 - الربط بين كلام القرافي في المواضع الأخرى من الكتاب وكلامه في المسألة.
10 - العناية باختلاف نسخ المتن وتوجيه اختلافها.
11 - نسبة النقول - في الغالب - إلى أصحابها.
12 - تحديد مكان النقل والإحالة - أحياناً - من الكتاب المنقول عنه.
13 - استيفاء الأقوال في المسألة ونسبتها إلى أصحابها.
14 - وفرة وتنوع أدلة الشوشاوي.
15 - ذكر وجه الاستدلال من الدليل - غالباً -.
16 - وفرة الأمثلة في الكتاب حتى لا تكاد تخلو مسألة ولو كانت فرعية من مثال أو أكثر.
(المقدمة/91)

17 - ذكره - في مواضع كثيرة - لمحل النزاع وسبب الخلاف في المسألة.
18 - اهتمامه بثمرة الخلاف في المسألة والفروع الفقهية التطبيقية.
19 - اهتمامه بشرح الكلمات الغريبة التي ترد في أثناء الشرح.
20 - عنايته بالتوجيهات والفوائد العلمية المتنوعة.
21 - إنصافه في بحث المسائل؛ حيث لا تجد منه ميلاً إلى نصرة مذهبه، بل أحياناً يصرح بترجيح غيره.
22 - كثرة استدراكاته على القرافي.
إما بزيادة أقوال في المسألة، أو بزيادة أدلة، أو بزيادة أقسام ونحوها.
وإما بالاعتراض عليه فيما يورده من أدلة وآراء، أو بيان تناقض أقوال المؤلف في مواضع أخرى، مع الموضع الذي يجري بحثه.
وقد يزيد الشوشاوي مسائل برأسها لم يتعرض لها القرافي.
23 - وأخيراً مما يدل على قيمة هذا الكتاب العلمية واهتمام علماء المالكية به، أنه كان يدرس في المغرب، وخصوصاً في سوس.
يقول المختار السوسي في ترجمته للمؤلف: حسين بن علي الشوشاوي دفين أولاد برحيل بقبيلة المنابهة، له رفع النقاب عن تنقيح الشهاب يعني تنقيح القرافي، وهو يدرس به في سوس (1).
__________
(1) سوس العالمة ص 177، وانظر أيضاً: خلال جزولة 4/ 161، وجريدة الميثاق العدد 237، 15 ذو الحجة 1396 ه، ومقدمة تحقيق الفوائد الجميلة 1/ 45.
(المقدمة/92)

ومن أشهر العلماء السوسيين الذين كانوا يدرسون الكتاب، الفقيه الأصولي أَبو فارس الأدوزي (1)، الذي كان لا يدرس الأصول إلا بشرح الشوشاوي، ذكر ذلك المختار السوسي حينما تكلم عن فن أصول الفقه في بلاد السوس وأنه بدأ الاهتمام به وتدريسه من بداية القرن التاسع وذكر من أشهر المؤلفين الشوشاوي.
يقول المختار السوسي: وكأبي فارس الأدوزي المولع بتدريس التنقيح شرح الشوشاوي (2).
والمدرسة التي درس بها أَبو فارس هي المدرسة البوعبدلية قرب تزنيت، وصفها المختار فقال: هذه المدرسة من كبريات مدارس سوس (3)، وذكر أنها لم تعد مدرسة علمية نشيطة إلا بعد عام 1240 ه (4)، وقال: إنها لا تزال تقوم بالواجب إلى الآن على يد أستاذها سيدي الحاج إبراهيم (5).
وكان المختار السوسي رحمه الله قد قام بزيارة لهذه المدرسة عام 1363 ه (6).
...
__________
(1) هو أَبو فارس عبد العزيز بن محمد الأدوزي الفقيه الأصولي الأديب درس بالمدرسة البوعبدلية قرب تزنيت عدداً من الفنون ومنها: أصول الفقه بشرح الشوشاوي، له مصنفات منها: شرح الشمقمقية في الآداب، شرح قفا نبك لامرئ القيس، شرح قصائد عربية جاهلية، مجموعة فتاويه، سنن العيد، شرح فصول في التنقيح، توفي رحمه الله سنة 1336 ه.
انظر ترجمته في: خلال جزولة 4/ 13، 14، سوس العالمة ص 165، 205، دليل مؤرخ المغرب لابن سودة 1/ 83، 2/ 432.
(2) سوس العالمة ص 43.
(3) خلال جزولة 4/ 20.
(4) سوس العالمة ص 165.
(5) انظر المصدر السابق.
(6) انظر: خلال جزولة 4/ 22.
وعندما قمنا برحلة علمية للمغرب عام 1406 ه زرنا هذه المدرسة البوعبدلية والتقينا =
(المقدمة/93)

المبحث الخامس: التعريف بالقرافي وشروح التنقيح
أولاً: التعريف بمؤلف التنقيح:
هو شهاب الدين أَبو العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن ابن عبد الله القرافي الصنهاجي: نسبة إلى قبيلة صنهاجة.
والقرافي: نسبة إلى قرافة محلة بمصر القديمة، ولد القرافي في قرية من قرى بوش (1) سنة 626 ه (2)، وفي هذه القرية الصغيرة نشأ القرافي وتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن.
أخذ عن مشاهير العلماء، وممن أخذ عنهم:
1 - سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام.
2 - وجمال الدين عثمان بن عمر بن الحاجب.
3 - وشمس الدين الخسروشاهي.
__________
= شيخ هذه المدرسة أحمد بن محمد بن عبد العزيز الأدوزي، وقد أكد لنا أن جده كان يدرس كتاب رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للشوشاوي، وأنه نسخ من هذا الكتاب نسخة بخط يده، وقد سمح لنا بأخذ صورة ورقية للكتاب.
(1) هي قرية بمصر. انظر: معجم البلدان 1/ 508.
(2) المراجع التي حددت تاريخ ميلاده هي: كشف الظنون 2/ 1153، هدية العارفين 1/ 90.
(المقدمة/94)

وغيرهم.

مكانته العلمية وتلاميذه:
كان القرافي - رحمه الله - عالماً إماماً مجتهداً، انتهت إليه رئاسة المالكية، وكان بارعاً في الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والنحو، يقصده العلماء من الآفاق البعيدة للأخذ عنه.
وممن أخذ عنه: أَبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري (1).
وعبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف بن بدر العلامي (2).
وشهاب الدين المرداوي (3).
__________
(1) هو أَبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري نسبة إلى بقور بباء موحدة مفتوحة وقاف مشددة، هكذا في الديباج، وفي نفح الطيب: اليقوري نسبة إلى يقورة بالياء المثناة والقاف المشددة بالأندلس، سمع من القاضي الشريف محمد الأندلسي، زار مصر وهو في طريقه إلى الحج ثم رجع إلى مراكش وبها توفي سنة سبع وسبعمائة (707 ه)، صنف إكمال الإكمال للقاضي عياض في شرح صحيح مسلم وكتب تعليقات على كتاب القرافي في الأصول.
انظر ترجمته في: الديباج 1/ 316، نفح الطيب 2/ 53.
(2) هو عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف بن بدر العلامي المعروف بابن بنت الأعز، كان فقيهاً نحوياً أديباً ولي القضاء، وخطابة الأزهر، والتدريس، وعزل عن القضاء فتوجه إلى الحجاز وحج ثم رجع إلى القاهرة وتولى القضاء إلى أن توفي سنة 695 ه.
انظر ترجمته في: النجوم الزاهرة 8/ 82، شذرات الذهب 5/ 431.
(3) هو شهاب الدين أَبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الوالي بن جبارة المرداوي الفقيه الحنبلي، ولد بالشام سنة 649 ه، ثم رحل إلى مصر ودرس الأصول على شهاب الدين القرافي، ثم رحل إلى دمشق، واستقر به المقام في بيت المقدس ودرس هناك القراءات وعلوم العربية، توفي سنة 728 ه. =
(المقدمة/95)

ومحمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي (1).

وفاته:
توفي القرافي - رحمه الله - بدير الطين بمصر القديمة سنة أربع وثمانين وستمائة (684 ه) (2).

مصنفاته في أصول الفقه:
1 - تنقيح الفصول في اختصار المحصول.
2 - شرح تنقيح الفصول.
3 - نفائس الأصول في شرح المحصول (3).
4 - العقد المنظوم في الخصوص والعموم (4).
5 - التعليقات على المنتخب (5).
__________
= انظر ترجمته في: غاية النهاية 1/ 122، شذرات الذهب 6/ 87.
(1) هو محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي، ولد بقفصة وتعلم بها ورحل إلى تونس والإسكندرية والقاهرة والتقى القرافي ولازمه حتى أجازه، ثم رجع إلى بلده وتولى القضاء، توفي سنة 736 ه،
انظر ترجمته في: نيل الابتهاج ص 235.
(2) انظر ترجمته في: الديباج المذهب 1/ 236 - 239، الوافي بالوفيات للصفدي 6/ 233، 234، المنهل الصافي لابن تغري بردي 1/ 215 - 217، حسن المحاضرة 1/ 316، درة الحجال 1/ 8 - 9 هدية العارفين 1/ 99، الفصل الأول من القسم الدراسي لتحقيق كتاب الاستغناء (6 - 33)، القسم الدراسي لتحقيق نفائس الأصول إعداد أ. د عياض السلمي (10 - 105).
(3) وهو مطبوع.
(4) طبع في مجلدين بتحقيق أحمد الختم عبد الله.
(5) وردت نسبته له في الديباج 1/ 237، والوافي بالوفيات 6/ 233.
(المقدمة/96)

ثانياً: التعريف بشروح التنقيح:
أ - الشروح الموجودة:
1 - شرح تنقيح الفصول لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، وهو مؤلف التنقيح المتوفى سنة 684 ه.
وهذا الشرح من أهم الشروح؛ لأن الشارح هو مؤلف المتن وهو أعرف من غيره بخفايا المتن، ولاعتماد الشراح الذين جاءوا من بعده عليه، وقد وضح القرافي أهمية الشرح؛ حيث قال: "فلما كثر المشتغلون به رأيت أن أضع لهم شرحاً يكون لهم عوناً على فهمه وتحصيله وأبين فيه مقاصد لا تكاد تعلم إلا من جهتي؛ لأني لم أنقلها عن غيري وفيها غموض.
وأوضح ذلك إن شاء الله تعالى بقواعد جليلة وفوائد جميلة ابتغاء ثواب الله عز وجل" (1).
وقد فرغ القرافي من تأليفه سنة 677 ه (2).
2 - رفع النقاب عن تنقيح الشهاب لحسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي، وهو الكتاب الذي حققناه، وهذه مقدمة تحقيقه.
3 - شرح التنقيح لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر المسطاسي الفاسي الدار،
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 2.
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 460، وقد طبع هذا الشرح بتحقيق طه عبد الرؤوف سعد.
(المقدمة/97)

وهو عبارة عن تلخيص لشرح التنقيح للقرافي، وأضاف عليه المسطاسي إضافات من شرح المحصول للقرافي وكتاب الإحكام لسيف الدين الآمدي وكتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي.
وقد جاء وصفه في إحدى نسخه بما نصه: "لخص فيه أَبو زكريا شرح القرافي على تنقيحه تلخيصاً جامعاً عليه فوائد جليلة وتنبيهات حسنة أكثرها من كلام القرافي في شرح المحصول وزاد على ذلك من كتاب سيف الدين وكتاب الباجي المترجم بالفصول، وهذا التقييد يغني عن شرح القرافي ولا يغني هو عنه" (1).
والمسطاسي يهتم في شرحه هذا بذكر الأقوال والأدلة والاعتراضات، وهذا الكتاب من أهم مصادر الشوشاوي في الأصول؛ حيث إنه اعتمد عليه في كثير من المسائل والأقوال ونقل عنه كثيراً.

نسخ الكتاب:
وجدنا لهذا الكتاب نسختين في مكتبة الجامع الكبير بمكناس.

النسخة الأولى: برقم (352):
وهي تامة عدا ما سقط من أولها في المقدمة قد أكلت الأرضة أطرافها خصوصاً الطرف العلوي في أغلب الصفحات؛ حيث إن بعض الصفحات ينقص منها خمسة أسطر وهذا النقص عائق عن الاستفادة من الكتاب استفادة تامة.
__________
(1) انظر: الورقة الأخيرة من نسخة الكتاب الخطية المحفوظة في خزانة الجامع الكبير بمكناس برقم 352.
(المقدمة/98)

عدد صفحاتها (259) صفحة مختلة في ترتيب بعض الصفحات، والصفحات من الحجم الكبير بمقاس 24 × 20.
وعدد الأسطر في كل صفحة 39 سطراً.
وعدد الكلمات في كل سطر 18 كلمة.
ناسخها: إسحاق بن علي الجزولي، تاريخ النسخ: شهر ذي الحجة عام 743 ه.

النسخة الثانية: برقم (314):
وهي ناقصة الأول؛ حيث قد سقط منها سبعة أبواب ولم تبدأ إلا من الفصل الأول من الباب الثامن في الاستثناء، وناسخها يختصر في كثير من المسائل ولا يمكن الاستفادة من هذه النسخة بدون النسخة الأولى، ولا يوجد عليها اسم ناسخ ولا تاريخ نسخ، عدد صفحاتها (228 صفحة)، وعدد الأسطر في كل صفحة 28 سطراً.
4 - التوضيح في شرح التنقيح.
تأليف: أحمد بن عبد الرحمن بن موسى بن عبد الحق اليزليتي المعروف بحلولو، نزيل القيروان بتونس المتوفى سنة 898 ه، وشرحه هذا ليس مطولاً بل إنه في بعض الأحيان أخصر من شرح التنقيح للقرافي يهتم شارحه بحصر الأقوال في المسألة ويكثر من الأقوال أحياناً، وينسبها لأصحابها في أغلب الأحيان ولا يذكر أدلة الأقوال إلا نادراً، ويعتني بالنقل عن علماء المالكية.
يتعرض لما أشكل في الكتاب دون غيره؛ بحيث إنه لا يشرح كل ألفاظ
(المقدمة/99)

الكتاب، وله تنبيهات واستدراكات قيِّمة (1).
5 - حاشية منهج التوضيح والتصحيح لحل غوامض التنقيح (2).
تأليف: محمد بن حمودة بن أحمد بن جعيط المتوفى سنة 1337 ه (3).

ب - الشروح التي لم نجدها، ولكن ورد ذكرها في بعض كتب التراجم وهي:
1 - شرح التنقيح لأبي العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي المعروف بابن البنا العدوي المتوفى سنة 721 ه (4).
وردت نسبة شرح التنقيح له في: نيل الابتهاج (5) وجذوة الاقتباس (6) والإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام (7).
2 - التوضيح شرح التنقيح لأبي القاسم محمد بن محمد بن علي النويري المتوفى سنة 857 ه. وردت نسبته له في نيل الابتهاج (8).
3 - شرح التنقيح لداود بن علي بن محمد الفلتاوي الأزهري المتوفى سنة
__________
(1) طبع هذا الشرح بهامش شرح التنقيح للقرافي طبعته المطبعة التونسية عام 1328 ه.
(2) طبع مع شرح التنقيح للقرافي في تونس عام 1340 ه.
(3) انظر ترجمته في: معجم المؤلفين 9/ 158.
(4) انظر ترجمته في: نيل الابتهاج ص 65، وجذوة الاقتباس ق 1/ 148 - 152، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام 2/ 202، درة الحجال 1/ 14.
(5) انظر: ص 65.
(6) انظر: 1/ 152.
(7) انظر: 2/ 202.
(8) انظر ترجمته ونسبة الكتاب له في: نيل الابتهاج ص 311.
(المقدمة/100)

902 ه، وردت نسبته له في نيل الابتهاج (1).
4 - شرح التنقيح لأبي فارس عبد العزيز الأدوزي المتوفى سنة 336 ه، وهو الذي سبق ذكره بأنه يدرس كتاب رفع النقاب للشوشاوي.
وقد وردت نسبة هذا الكتاب له في خلال جزولة (2) وسوس العالمة (3)، ولكنه غير تام.
يقول المختار السوسي في ذكر مصنفاته: "شرح له على التنقيح للقرافي غير تام وفي الوجود منه 120 صفحة، وهو شرح وسط بخط المؤلف جمعه حين كان مكبًا على تدريس الكتاب للتلاميذ" (4).
...
__________
(1) انظر ترجمته ونسبة الكتاب له في: نيل الابتهاج ص 117.
(2) انظر: 4/ 14.
(3) انظر: ص 205.
(4) خلال جزولة 4/ 14.
(المقدمة/101)

المبحث السادس: مقارنة بين هذا الكتاب وشرح التنقيح للقرافي
يعتبر شرح القرافي أول وأشهر وأهم شروح التنقيح، وذلك راجع إلى أن مؤلفه هو مؤلف المتن، وبالإضافة إلى ذلك فإنه هو الشرح المنتشر بين القراء في زماننا؛ ولذا فإن عقد مقارنة بين هذا الشرح وشرح الشوشاوي تظهر للقارئ مستوى وقيمة شرح الشوشاوي.
ولن نتعرض في هذه المقارنة للتفريعات والمسائل؛ لأن هذه قد تتبعناها في أثناء التحقيق، وبينا ما أخذه الشوشاوي عن القرافي، وما لم يأخذه. وإنما سنقتصر في المقارنة بينهما على الملامح الرئيسة، والمنهج العام، ثم نبين ما يتميز به كل من الشرحين عن الآخر.

أولاً: المقارنة بين شرح الشوشاوي وشرح القرافي في الملامح الرئيسة والمنهج العام:
1 - التقسيم والترتيب:
يتفق الكتابان في تقسيم المعلومات الأصولية إلى أبواب وفصول، كما يتفقان في ترتيب هذه الأبواب والفصول، وذلك راجع لكون الكتابين يشرحان متنًا واحدًا، فهما بلا شك سيتابعان هذا المتن في ترتيبه.
وينفرد الشوشاوي هنا بتقسيم بعض الأبواب والفصول إلى مسائل أو
(المقدمة/102)

مطالب ثم يعرضها على التوالي، وهذا يساعد القارئ على الاستيَعاب والمتابعة، وبخاصة أن الشوشاوي يبين - غالبًا - في صدر الباب أو الفصل عدد هذه المسائل أو الطالب، كما سبق أن عرفت ذلك في أثناء الكلام عن منهجه.

2 - شرح المتن:
بيّنا في منهج الشوشاوي لشرح المتن، أنه يورد القطعة من المتن سواء كانت حدًا أو مسألة أو غيرهما، ثم يقوم بتقسيمها إلى جمل، ويتتبع هذه الجمل بالشرح والبيان؛ ولذا فإنه لا يترك من المتن شيئًا لا يتعرض لشرحه.
أما القرافي، فإن شرحه أقرب للتعليقات والفوائد منه إلى الشرح، حيث إنه يورد القطعة من المتن تطول أو تقصر، ثم يتبعها بشرح ما يراه مشكلاً أو محتاجًا إلى شرح، وقد يتبعها بالأدلة (1)، أو بالأمثلة (2).
فنجده أحيانًا يعلق على الصفحة من المتن ببضعة أسطر (3)، وأحيانًا يعلق على القطعة الواحدة بعدة صفحات (4).

3 - عرض المسائل:
سبق البيان أن القرافي لا يتعرض إلا لشرح ما أشكل، أو ما يحتاج إلى إضافة، وكذلك كان يفعل في المسائل.
فنجده أحيانًا لا يعلق على المسألة بشيء، وأحيانًا يستوفي كل ما يتعلق بها، وأحيانًا يقتصر على بعض أجزاء المسألة، كتفصيل الأقوال، أو عرض
__________
(1) انظر: شرح القرافي/ 417.
(2) انظر: المصدر السابق/ 266.
(3) انظر: المصدر السابق/ 448 - 450.
(4) انظر: المصدر السابق/ 249 - 254.
(المقدمة/103)

الأدلة، أو بيان محل النزاع، ونحو ذلك.
أما الشوشاوي فقد عرفنا أن من منهجه استيفاء كل ما يتعلق بالمسائل - غالبًا - من تحرير محل النزاع، إلى ثمرة الخلاف، والفروع الفقهية.

4 - المادة العلمية:
عرفنا في أثناء الحديث عن قيمة كتاب الشوشاوي أنه عبارة عن خلاصة للشروح التي سبقته، وعلى رأسها شرح القرافي، فقد أفاد كثيرًا من كتاب القرافي، ونقل عنه في مواضع عديدة بعزو وبدون عزو.
أما زيادة الشوشاوي على شرح القرافي في مادته العلمية فينبئك عنها حجم الكتابين؛ حيث يبلغ حجم كتاب الشوشاوي أكثر من ثلاث مرات من حجم كتاب القرافي، وقد تمثلت المادة العلمية التي زادها الشوشاوى على ما في شرح القرافي في مباحث مستقلة أو أمور فرعية، ولكي تتضح الصورة سنعرض أهم زياداته في القسمين المذكورين:

أ - المباحث المستقلة:
انفرد الشوشاوي بمباحث مستقلة لم يبحثها القرافي، وقد تكون هذه المباحث مسائل برأسها؛ كمسألة جواز الاستثناء المنقطع، ومسألة مفهوم الغاية، ومسألة اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمان ومكان فعله، ومسألة حد النسخ لغة.
وقد تكون هذه المباحث مسائل أشار إليها القرافي، لكن الشوشاوي أكملها، ومنها: مقدمات الاستثناء، وأقسام الاستثناء، وأقسام البيان، وشروط الرواية بالمعنى، والأشياء التي انفرد بها مذهب المالكية.
(المقدمة/104)

ب - الأمور الفرعية:
كان للشوشاوي زيادة في أمور فرعية كثيرة، فقد جاء بحجج وأدلة كثيرة لم يأت بها القرافي، كما زاد إجابات عن بعض الأدلة التي جاء بها القرافي.
وبالإضافة إلى ذلك زخر كتابه بنقول عديدة، أصولية وفقهية، لم يوردها القرافي في شرحه.
هذا كله بالإضافة إلى الاستطرادات العديدة، في مباحث وفنون شتى أشرنا إلى أكثرها في أثناء الكلام على منهج الشوشاوي (1).

5 - الأسلوب:
يفارق الشوشاوي القرافي في أسلوبه مفارقة واضحة؛ فالقرافي يميل في شرحه إلى الإيجاز والعمق، بينما يميل الشوشاوي إلى الوضوح والبسط، كما أن القرافي لا يعتني بترتيب المعلومات المعروضة، فشرحه - كما ذكرنا قبل - أشبه بتعليقات أو فوائد، أما الشوشاوي فيعتني عناية كبيرة بترتيب المعلومات المعروضة.

6 - الأقوال والمذاهب:
يقتصر القرافي - غالبًا - على ما أورده في المتن من أقوال ومذاهب في المسألة، أما الشوشاوي فإنه يعيد المذاهب - غالبًا - بأسلوب آخر، وينسب منها ما لم ينسب، وقد يأتي بأقوال أخرى لم يوردها القرافي في متنه، ولم
__________
(1) سبق بيان ذلك في منهج الشوشاوي.
(المقدمة/105)

يتعرض لها في شرحه.

7 - الأدلة:
يفترق الكتابان في الاستدلال على المسائل في ناحيتين:
أ - أن الأدلة في كتاب الشوشاوي أكثر مما في كتاب القرافي.
ب - في طريقة عرض الأدلة: يتميز الشوشاوي بحسن عرضها وترتيبها مع العناية بالإجابة عنها، بينما يركز القرافي في عرضه للأدلة على تقرير الدليل وإيضاحه، ولا يجيب - غالبًا - عن الأدلة المرجوحة، ولا يعتني بتقسيم الأدلة وترتيبها، بل قد يجمع عددًا من الأدلة في سياق واحد، تحت عنوان: حجة الجواز أو حجة النع، ونحو ذلك.

ثانيًا: ما يتميز به شرح القرافي عن شرح الشوشاوي:
عرفنا فيما سبق أن الشوشاوي اعتمد في شرحه كثيرًا على شرح القرافي؛ ولذا فإن الباحث والقارئ لا يكاد يجد شيئًا ينفرد به شرح القرافي عن شرح الشوشاوي، سوى ميزتين معنويتين.
أولاهما: الفرق بين المؤلفين، من حيث المقدرة العلمية، والمستوى الفكري؛ حيث يتفوق القرافي على الشوشاوي كثيرًا، وهذا بلا شك يعطي الكتاب مزيدًا من الثقة لدى القراء، ويجعله عميق الأفكار، غزير الفوائد.
والثانية: أن مؤلفه - أعني القرافي - هو مؤلف المتن، فلذلك سيكون أعلم بمقاصده في متنه، وأعرف بخفايا متنه من غيره.
وهاتان الميزتان هما اللتان جعلتا كتاب القرافي يسلم من الأوهام العلمية، والخطأ في فهم مراد الماتن، وعدم الاستطراد في تفسير كلام الماتن
(المقدمة/106)

واحتمالاته، وهي الأشياء التي وجد شيء منها في كتاب الشوشاوي.

ثالثًا: ما يتميز به كتاب الشوشاوي:
من أهم ما يتميز به شرح الشوشاوي كونه خلاصة أو بالأحرى موسوعة لشروح التنقيح؛ حيث اعتمد في شرحه على عدد من شروح التنقيح عرفنا منها: شرح القرافي، وشرح المسطاسي، وهناك شروح أخرى لم نعرفها، لعدم تصريحه بأسماء أصحابها، وعدم وجودها لنقارن ما نقله منها بما فيها.
كما تميز الشوشاوي في شرحه بحرصه على التمهيد للأبواب والفصول والمسائل واعتنائه اعتناءً كبيرًا بالأمثلة والتطبيقات الفقهية، إضافة إلى هذا فهو يهتم بتحرير محل النزاع، وبيان سبب الخلاف، وثمرته، والعناية بالتعريفات اللغوية، وشرح الغريب، بل التوسع والاستطراد في ذلك أحيانًا.
***
(المقدمة/107)

المبحث السابع: بعض استدراكات المؤلف على القرافي
الشوشاوي حينما شرح تنقيح الفصول للقرافي لم يكن مجرد ناقل وشارح، بل ظهرت شخصيته العلمية من خلال استدراكاته على القرافي، وفيما يلي بعض الأمثلة لهذه الاستدراكات:

المثال الأول: في الفصل السادس من الباب الأول:
عرّف القرافي العام بأنه: هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في محاله نحو: اقتلوا المشركين.
وذكر الشوشاوي اعتراضين على هذا التعريف فقال:
واعترض هذا الحد بأن قيل: هذا الحد لا يتناول من المحدود شيئًا؛ لأن تعليق الحكم على معنى كلي بقيد تتبعه في محاله هو حقيقة العلة، لا حقيقة العام؛ لأن المعنى الكلي إذا علق عليه حكم وجرى معه في جميع موارده نفيًا وإثباتًا فهو علة مطردة منعكسة، ولا معنى لتتبع المعنى الكلي بالحكم في محاله إلا اطراده وانعكاسه فهو حد لعموم المعاني، وإنما وضع الحد المذكور لعموم الألفاظ، فالحد إذًا لا يتناول المحدود.
الثاني: أن كلامه هذا مناقض لكلامه في باب العمومات؛ لأن ظاهر
(المقدمة/108)

كلامه ها هنا: أن مدلول العموم كلي لقوله: هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي، وظاهر كلامه في باب العمومات: أن مدلول العموم كلية؛ لأنه قال في باب العمومات في الفصل الثاني في مدلوله: وهو كل واحد واحد لا الكل من حيث هو كل فهو كلية لا كل وإلا لتعذر الاستدلال به حالة النفي والنهي. انتهى نصه (1).
فالمراد بالمدلول والموضوع واحد وهو المسمى؛ لأن هذه الألفاظ الثلاثة مترادفة على معنى واحد، فما ذكره المؤلف في باب العموم هو الصحيح؛ لأن مدلول العام هو الكلية لا الكل ولا الكلي (2).

المثال الثاني: في الفصل السابع من الباب الأول:
مثّل القرافي في الشرح للنقل الذي هو بدون علاقة بلفظ الذات والجوهر عند المتكلمين (3).
وذكر الشوشاوي اعتراضًا على هذا التمثيل وذلك أن القرافي كلامه في المتن وفي الشرح متناقض.
يقول الشوشاوي: واعترض على المؤلف تمثيله في الشرح النقل الذي يكون بغير علاقة بالجوهر عند المتكلمين؛ لأنه قال في الشرح: لا علاقة بين النفيس والمتحيز الذي لا يقبل القسمة (4).
__________
(1) شرح التنقيح للقرافي ص 195.
(2) انظر: (1/ 347 - 349) من هذا الكتاب.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 47.
(4) انظر: المصدر السابق ص 47.
(المقدمة/109)

وهذا مخالف لتمثيله في أقسام المجاز؛ لأنه قال: وخاص كاستعمال لفظ الجوهر في النفيس (1).
فبيّن في أقسام المجاز أن الجوهر عند المتكلمين مجاز، وذلك مخالف لما ذكره في الشرح في التمثيل للنقل بالجوهر فكلامه في الموضعين متناقض، فظاهر كلامه أولاً أن الجوهر عند المتكلمين مجاز، وظاهر كلامه في الشرح في هذا الموضع أن الجوهر عند المتكلمين نقل لا مجاز، فانظره (2).

المثال الثالث: في الفصل التاسع من الباب الأول:
نسب القرافي للقاضيين: القاضي عبد الوهاب، والقاضي أبي الوليد الباجي أنهما ذكرا في لحن الخطاب ثلاثة أقوال: قيل: هو دلالة الاقتضاء، وقيل: هو مفهوم الموافقة، وقيل: هو مفهوم المخالفة.
ولكن الشوشاوي استدرك على القرافي هذه النسبة وقال: وليس الأمر كذلك؛ لأن القاضيين المذكورين لم يذكرا الخلاف في لحن الخطاب بل نصا على أن لحن الخطاب هو دلالة الاقتضاء خاصة، ولم يذكرا أنه يقال لمفهوم الموافقة ولا لمفهوم المخالفة، نعم ذكر القاضي عبد الوهاب في الخلاف في تسمية دلالة الاقتضاء: هل تسمى لحن الخطاب أو تسمى فحوى الخطاب؟ قولين.
ذكر ذلك في كتاب الإفادة ونصه: لحن الخطاب: قيل: هو دلالة الاقتضاء، وقيل: بل الذي يطلق على دلالة الاقتضاء فحوى الخطاب؛ لأن اللغة تقتضي الاصطلاحين. انتهى نصه.
__________
(1) انظر: شرح التنقيح ص 44.
(2) انظر: (1/ 447، 448) من هذا الكتاب.
(المقدمة/110)

وما نسبه المؤلف إلى القاضي عبد الوهاب وهم؛ لأن قوله: وقال القاضي عبد الوهاب: واللغة تقتضي الاصطلاحين، يقتضي أن القاضي ذكر ذلك في لحن الخطاب، وليس الأمر كذلك، إنما ذكر القاضي عبد الوهاب ذلك في تسمية دلالة الاقتضاء: هل تسمى لحن الخطاب أو تسمى فحوى الخطاب؟
وما نسبه المؤلف أيضًا إلى القاضي أبي الوليد الباجي بقوله: وقال الباجي: هو دليل الخطاب، وهم أيضًا؛ لأن الباجي لم يذكر في كتبه الثلاثة؛ الفصول والإشارة والمنهاج، في لحن الخطاب إلا دلالة الاقتضاء خاصة (1).

المثال الرابع: في الفصل الرابع عشر من الباب الأول:
يقول القرافي في التنقيح: تنبيه: لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب، بل تقدم سببه عند الإمام والمازري وغيرهما من المحققين خلافًا للقاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء، فإن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمن الحيض (2).
ويقول في الشرح: قولي: خلافًا للقاضي عبد الوهاب، معناه أنه قال: إن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه، فاشترط في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب ولم يجعل ذلك شرطًا عامًا (3).
وقد استدرك الشوشاوي على القرافي واعترض عليه تخصيصه هذا الخلاف بالحائض؛ حيث قال: "وظاهر هذا أن هذا الخلاف خاص بالحائض وهو ظاهر كلام المؤلف في الشرح أيضًا وليس كذلك، بل وقع الاختلاف بين
__________
(1) انظر: (1/ 506 - 508) من هذا الكتاب.
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 74.
(3) انظر: المصدر السابق ص 74.
(المقدمة/111)

الأصوليين في الحائض وغيرها من المسافر والمريض، فذكر المازري فيهم أربعة أقوال:
قيل: يخاطب الجميع؛ لأن القضاء واجب عليهم، والقضاء حقيقة في ترك الواجب.
وقيل: بعدم خطابهم، قاله الكرخي؛ لأن جواز التأخير أو وجوب التأخير ينافي الوجوب.
وقيل: بخطاب المسافر والمريض؛ لأنهما لو صاما لبرئت ذمتهما بخلاف الحائض فلا يجب عليها؛ إذ لا يجتمع الوجوب والتحريم.
وقيل: بخطاب المسافر دون المريض والحائض؛ لأن المريض في حكم العاجز، والعاجز لا يكلف، وأما المسافر فيجوز له التأخير ولم يسقط عنه التكليف" (1).

المثال الخامس: في الفصل الثاني من الباب السادس:
يقول القرافي في اندراج المخاطب: "وكذلك يندرج المخاطب في العموم الذي يتناوله؛ لأن شمول اللفظ يقتضي جميع ذلك" (2).
وقد استدرك الشوشاوي على القرافي في كلامه هذا، واعترض عليه بأنه مناقض لكلام له آخر.
يقول الشوشاوي: انظر قوله ها هنا: "وكذلك يندرج المخاطب عندنا" مع
__________
(1) انظر: (2/ 36 - 37) من هذا الكتاب.
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 198.
(المقدمة/112)

قوله في الفصل الرابع (1): "وكونه مخاطبًا لا يخصص العام إن كان خبرًا وإن كان أمرًا جعل جزاء" (2). هما مسألة واحدة كررها المؤلف في كلامه مناقضة؛ لأن ظاهر كلامه في هذا الفصل يقتضي أن لا فرق بين الخبر والأمر، وظاهر كلامه في الفصل الرابع الفرق بين الخبر والأمر فيحتمل أن يكون تكلم ها هنا على القول بعدم التفصيل بين الخبر والأمر، وتكلم في الفصل الرابع على القول في الفرق بين الخبر والأمر (3).
هذه بعض الأمثلة لما استدركه المؤلف على القرافي، والحاصل أن هذه الاستدراكات لا تخلو إما أن تكون زيادة أقوال في مسألة أو زيادة أدلة، وإما بالاعتراض عليه فيما يورده من أدلة وآراء، أو في بيان تناقض المؤلف في مواضع أخرى مع الموضع الذي يجري بحثه.
...
__________
(1) الفصل الرابع من الباب السادس.
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي (ص 221). والجزء الثالث ص 353 من هذا الكتاب.
(3) انظر: (3/ 195 - 196) من هذا الكتاب.
(المقدمة/113)

المبحث الثامن: وصف نسخ الكتاب، وبيان منهجنا في التحقيق
أولاً: وصف نسخ الكتاب:
حينما قمنا بتسجيل هذا الكتاب لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه، كان لا يوجد بين يدينا إلا نسخة واحدة وهي نسخة الأصل، ثم قمنا برحلة علمية إلى المغرب وبعد بحث متقصٍ في مكتبات المغرب العامة والخاصة عثرنا - ولله الحمد - على نسختين للكتاب، وبهذا يكون للكتاب ثلاث نسخ ووصفها كما يلي:

النسخة الأولى:
نسخة خطية موجودة في قسم المخطوطات بجامعة الملك عبد العزيز بجدة برقم (102)، واصطلحنا على تسميتها بالأصل؛ لأنها أقدم النسخ وأتمها وأصحها، وهي قليلة السقط سليمة العبارة نادرة الأخطاء، وقد نسخت في حياة المؤلف ومن مبيضته المكتوبة بخط يده.
وقد سقط من أولها ورقتان تقريبًا فيهما شرح قول القرافي في خطبة التنقيح: الحمد لله ذي الجلال الذي لا تدركه الغايات، والجواد الذي لا تلحقه النهايات، الذي أنزل الرسالة المشتملة على الخيرات الدنيويات، والأخرويات.
ويوجد على هذه النسخة بعض التعليقات القليلة من الناسخ، كما يوجد
(المقدمة/114)

في آخرها أثر رطوبة اختفت بسببها بعض الكلمات.
تاريخ نسخها: نسخت هذه المخطوطة في حياة المؤلف، وذلك سنة 875 ه عن مبيضة المؤلف المكتوبة بخط يده.
ناسخها: علي بن داود الجزولي.
نوع الخط: مغربي مقروء.
عدد صفحاتها: 372 صفحة حسب ترقيم النسخة.
ولكن عند مراجعتنا للأرقام وجدنا خللاً في الترقيم، حيث حصل تقديم وتأخير في الصفحات الأولى، وحصل تكرار لترقيم عشرين صفحة في وسط الكتاب، فاضطررنا لإعادة الترقيم، وذلك إلى ص 200 تقريبًا، وما بعد ذلك فهو بنفس ترقيم المخطوطة.
عدد الأسطر: في كل صفحة يتراوح عدد الأسطر ما بين 35 سطرًا إلى 37 سطرًا.
عدد الكلمات: في كل سطر عشرون كلمة تقريبًا.
الحجم والمقاس: حجم الكتاب من القطع الكبير؛ حيث يبلغ مقاس الصفحة (26 × 18 سم).

النسخة الثانية:
نسخة أبي فارس عبد العزيز الأدوزي الذي كان يدرس الكتاب كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول، وقد عثرنا على هذه النسخة بعد بحث طويل وجولة في بلد المؤلف سوس، وسؤال أهل العلم فيها، وقد أرشدنا إلى هذه النسخة الشيخ الحاج محمد هرماس، والشيخ السيد الطيب الصرغيني،
(المقدمة/115)

وهما من علماء تارودانت، ووجدناها عند الشيخ طاهرعطفاي وهو من علماء تارودانت وقد سمح لنا - جزاه الله خيرًا - بأخذ صورة للجزء الأول، وهذه النسخة قد استعارها من حفيد أبي فارس الأدوزي، فمالك النسخة هو أحمد بن محمد بن عبد العزيز الأدوزي عميد مدرسة سيدي بوعبدل العتيقة، وتقع هذه المدرسة بآيات إبرايم إحدى قرى عمالة تزنيت جنوب بلاد السوس.
وهذا هو المجلد الأول من النسخة.
أما المجلد الثاني فهو موجود لدى الشيخ أحمد بن محمد بن عبد العزيز الأدوزي سالف الذكر، وقد سمح لنا بأخذ صورة للمجلد الثاني - نسأل الله أن يجزل مثوبته - وقد رمزنا لهذه النسخة بحرف "ز", وتقع هذه النسخة في مجلدين:

وصف المجلد الأول:
عدد الأوراق: هذا المجلد لم يرقم، وبعد ترقيمه بلغت أوراقه (256) لوحة، وهو يبتدئ من أول الكتاب إلى أول الفصل الثالث من باب المجمل والمبين.
التعليقات على النسخة: يوجد في هامش هذه النسخة تعليقات يبدو أنها من تعليق أبي فارس الأدوزي، حيث أكد لنا ذلك حفيده.
تاريخ نسخها: لا يوجد عليها تاريخ نسخ، ولكن يبدو لنا أن تاريخها في أول القرن الرابع عشر الهجري؛ وذلك لأن الأدوزي توفي سنة 1333 ه.
ناسخها: أول الكتاب نسخه عبد العزيز الأدوزي، وقد أكد لنا ذلك حفيده، وبقية الكتاب يبدو أنه من نسخ تلاميذه؛ حيث يوجد عليه تعليقات بخط الأدوزي.
نوع الخط: مغربي جيد مختلف الخطوط.
(المقدمة/116)

عدد الأسطر والكلمات: في كل صفحة يتراوح عدد الأسطر ما بين (23 - 30) في كل سطر (12) كلمة.
الحجم والمقاس: حجم الكتاب من القطع المتوسط؛ حيث يبلغ مقاس الصفحة (18 × 13 سم)، وأحيانًا (15 × 11 سم).

وصف المجلد الثاني:
يبدأ هذا المجلد من منتصف الفصل الثاني من باب الشروط إلى آخر الكتاب، وفيه خرم طويل يبدأ من أثناء الفصل الرابع من باب المجمل والمبين وينتهي عند آخر الفصل الثالث من باب النسخ، وهذا المجلد كثير الأخطاء والتصحيف، ولا يوجد عليه تاريخ نسخ.
الناسخ: محمد بلقاسم بن أحمد السملالي.
عدد الأوراق: 194 لوحة.
عدد الأسطر والكلمات: في كل صفحة يتراوح عدد الأسطر ما بين (20 - 25) في كل سطر عشر كلمات.
الحجم والمقاس: حجم الكتاب من القطع المتوسط يبلغ مقاس الصفحة (18 × 13 سم).

النسخة الثالثة:
مخطوطة الخزانة الحسنية بالرباط، وقد رمزنا لها بحرف "ط" وتوجد هذه النسخة في قسم المخطوطات بالخزانة الحسنية برقم (8435).
وهذه النسخة غير تامة؛ حيث يوجد فيها خرم في وسط الكتاب يبدأ من منتصف الفصل الأول من باب الاستثناء وهو الباب الثامن وينتهي عند آخر الفصل التاسع من باب الخبر.
(المقدمة/117)

الوصف العام للنسخة:
هذه النسخة مجلدة، ولكن مقص المجلد قطع السطر الأول من بعض الصفحات، كما يوجد في هذه النسخة أثر للأرضة أذهب بعض الكلمات وخاصة في أول المخطوطة وآخرها، وهي كثيرة الأخطاء والتصحيفات.
تاريخ نسخها: سنة (1144 ه).
ناسخها: أحمد بن إبراهيم الكنسوسي.
نوع الخط: مغربي رديء.
عدد صفحاتها: 286 صفحة.
عدد الأسطر والكلمات: في كل صفحة يتراوح عدد الأسطر ما بين (42 - 47) في كل سطر (17) كلمة.
الحجم والمقاس: حجم هذا الكتاب من القطع الكبير؛ حيث يبلغ مقاس الصفحة (27 × 17 سم).

وصف نسخ تنقيح الفصول للقرافي:
حرصًا منا على ضبط متن التنقيح فقد قمنا باختيار ثلاث نسخ له لمقابلة المتن عليها، وهذه النسخ هي ما يلي:
النسخة الأولى: نسخة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الموجودة في قسم المخطوطات بالجامعة برقم (6079 ف) وقد رمزنا لهذه النسخة بحرف (أ) وهي نسخة تامة.
تاريخ نسخها: كتبت هذه النسخة في حياة القرافي سنة (666 ه).
ناسخها: أبو بكر بن صارم.
(المقدمة/118)

عدد أوراقها: 173 لوحة.
عدد الأسطر: في كل صفحة (14) سطرًا في كل سطر (8) كلمات.
الحجم والمقاس: حجم الكتاب صغير؛ حيث يبلغ مقاسه (16 × 9 سم).
نوع الخط: مشرقي متوسط.
النسخة الثانية: متن التنقيح المطبوع مع كتاب الذخيرة للقرافي وهو المقدمة الثانية للكتاب ويبدأ من آخر صفحة (50) إلى آخر صفحة (153) ورمزنا لهذه النسخة بحرف "خ"، وقد اعتمدنا على طبعة وزارة الأوقاف بالكويت، الصورة عن طبعة كلية الشريعة بالأزهر سنة (1381 ه).
وقد أشرف على هذه الطبعة كل من عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد السميع أحمد إمام.
وقد حققت على نسخة واحدة يوجد المجلد الأول منها الذي يضم المقدمة في دار الكتب المصرية برقم (34 فقه مالكي)، وهي نسخة تامة قليلة الأخطاء.
تاريخ نسخها: 858 ه.
ناسخها: محمد بن أبي بكر السخاوي.
النسخة الثالثة: متن التنقيح المطبوع ضمن شرح القرافي، وقد رمزنا لهذا المتن برمز (ش).
وقد اعتمدنا في هذه النسخة على الطبعة المطبوعة عام 1393 ه بعناية طه عبد الرؤوف سعد.
وفيما يلي يجد القارئ نماذج للورقة الأولى والأخيرة من كل نسخة خطية لكتاب رفع النقاب عن تنقيح الشهاب:
(المقدمة/119)

نماذج من النسخ الخطية
(المقدمة/120)

نموذج للصفحة الأولى من نسخة الأصل
(المقدمة/121)

نموذج للصفحة الأخيرة من نسخة الأصل
(المقدمة/122)

نموذج للصفحة الأولى من المجلد الأول من نسخة ز
(المقدمة/123)

نموذج للوحة الأخيرة من المجلد الأول من نسخة ز
(المقدمة/124)

نموذج للصفحة الأولى من المجلد الثاني من نسخة ز
(المقدمة/125)

نموذج للوحة الأخيرة من المجلد الثاني من نسخة ز
(المقدمة/126)

نموذج للصفحة الأولى من نسخة ط
(المقدمة/127)

نموذج للصفحة الأخيرة من نسخة ط
(المقدمة/128)

ثانيا: بيان منهجنا في تحقيق هذا الكتاب
يتلخص عملنا في هذا الكتاب بالأمور الآتية:

أولاً: تحقيق النص:
حرصنا على أن يخرج النص قريبًا من الصورة التي وضعه المؤلف عليها ولذلك قمنا بما يلي:
1 - نسخنا المخطوط بخط اليد من نسخة الأصل، واستعملنا في رسم الكتاب الرسم المشرقي، واتبعنا في ذلك القواعد الإملائية المتعارف عليها الآن، ولم نشر إلى الأخطاء الإملائية التي كثيرًا ما يقع فيها النساخ.
وجعلنا متن التنقيح بين قوسين لكي يتميز عن الشرح.
2 - قابلنا النص على نسخة الأصل ونسختي ز وط، وسبق وصف هذه النسخ.
3 - نظرًا لكون الكتاب شارحًا لتنقيح القرافي، وزيادة في ضبط نص التنقيح قمنا بمقابلة من التنقيح على ثلاث نسخ وهي: (أ) و (خ) و (ش)، وسبق وصفها، وأثبتنا الفروق بين هذه النسخ عند سياق الشوشاوي للقطعة من المتن دون تكرار هذه الفروق عند إعادة الشارح للمتن.
4 - اتبعنا طريقة النص المختار مع ترجيح الأصل، وعلى هذا كان منهجنا في الفروق بين النسخ كالآتي:
(المقدمة/129)

أ - إذا ورد في إحدى النسختين (ز)، و (ط) زيادة لم ترد في الأصل فإننا نثبتها ونجعلها بين معقوفتين، ونبين ذلك في الهامش؛ حيثما نقول: المثبت بين المعقوفتين من (ز) و (ط) ولم يرد في الأصل، أو من (ز) ولم يرد في الأصل، أو من (ط) ولم يرد في الأصل.
ب - إذا اختلفت النسخ وكان الصواب في إحداها أثبتناه وأشرنا إلى ذلك في الهامش فنقول مثلاً: المثبت من (ز)، وفي الأصل كذا أو في (ط) وفي الأصل كذا، وأما إذا كانت الألفاظ الواردة في النسخ صحيحة أو بعضها صحيح أبقينا الأصل على حالته وأشرنا إلى الفروق في الهامش، وإذا اتفقت النسخ الثلاث على خطأ أثبتنا الصواب بين معقوفتين وأشرنا إلى ذلك في الهامش ونضع الرقم في آخر الكلمة أو الجملة التي يقع فيها الاختلاف.
ج - إذا سقطت عبارة من نسختي (ز) أو (ط)، فإن كانت قصيرة (كلمة أو كلمتين) جعلناها في الهامش بين قوسين، وقلنا مثلاً: ساقطة من (ز) أو (ط)، ولم نجعل القوسين في الصلب خشية كثرة الأقواس، ويلاحظ أن نسخة (ط) قد ذهب من بعض صفحاتها السطر الأول بسبب قطع مقص المجلد له، ولم ننبه إلى ذلك في أثناء التحقيق اكتفاءً بهذا التنبيه، وإذا أهملنا ذكر (ط) في الفروق فهو بسبب هذا السطر الذي أشرنا إليه، أما إذا كان السقط سطرًا فأكثر جعلناه بين معقوفتين وأشرنا إلى ذلك في الهامش وقلنا: ما بين المعقوفتين ساقط من (ز) و (ط)، فإن كان السقط طويلاً أو متداخلاً أشرنا إلى بدايته ونهايته.
د - لا نثبت التكرار في الصلب ولا نشير إليه في الهامش.
ه - إذا وقع اختلاف بين النسخ في التقديم والتأخير أثبتنا ما في الأصل وأشرنا إلى ما يخالفه في الهامش بدون ذكره، بل نقول: ما بين المعقوفتين أو
(المقدمة/130)

هذه الأمثلة وقع فيها تقديم أو تأخير في نسخة (ز) أو (ط)، إلا إذا كان الذي في الأصل يخل بالترتيب الموضوعي فإننا نختار ترتيب إحدى النسخ ونشير إلى ذلك في الهامش.
5 - لربط التحقيق بالمخطوطات بينا نهاية صفحاتها.
6 - التعليقات التي في هوامش النسخ أثبتنا منها في الهامش ما هو مفيد فقط.

ثانيًا: التوثيقات:
1 - قمنا بتوثيق النقول التي صرح بها المؤلف من الكتب التي نقل عنها سواء كانت مطبوعة أو مخطوطة، فإذا لم نجد الكتاب الذي نقل عنه فإننا نوثق النقل من بعض المراجع التي يحتمل أن المؤلف أفاد منها، فإذا لم نجد النقل مطلقًا فإننا لا نشير إلى ذلك غالبًا، إلا إذا وجدنا الكتاب ولم نهتد إلى موضع النقل.
2 - حرصنا على بيان وجوه الاختلاف بين هذا الكتاب وكتاب شرح التنقيح للقرافي، وذلك بتوثيق النقول التي صرح بها المؤلف، وكذلك أحلنا كثيرًا من المسائل والنقول والأقوال التي أفادها المؤلف، ولكنه لم يصرح بالنقل عن القرافي، ونكتفي بقول: انظر شرح التنقيح للقرافي، أما ما لا يوجد في شرح القرافي فلا ننبه إلى ذلك، وكذلك ربطنا الكتاب بالشروح الأخرى الموجودة، ومن أهمها شرح التنقيح للمسطاسي؛ حيث وثقنا النقول التي صرح بها المؤلف، والنقول التي لم يصرح بها وأحلنا عليه كثيرًا؛ لأنه من مصادر المؤلف الأساسية.
(المقدمة/131)

3 - بينا مواضع بعض الإحالات التي ذكرها المؤلف في كتابه إما من الكتاب نفسه أو من شرح القرافي.
4 - قمنا بالتوثيق الموضوعي لأغلب المسائل وذلك بذكر مواطن بحث المسألة في كتب الأصول، والإشارة أحيانًا لبعض آراء الأصوليين فيها.

ثالثًا: التخريجات:
1 - رقمنا الآيات وذلك بذكر السورة ورقم الآية، ولم نشر إلى اختلاف النسخ عند الخطأ في الآية، وإذا كانت الآية في مواضع متعددة اكتفينا بذكر موضع واحد منها غالبًا.
2 - خرجنا الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب، وإذا وجدنا الحديث في الصحيحين أو في كتب السنن اقتصرنا على تخريج الحديث منها، وربما نذكر كلام أهل العلم في الحديث عند الحاجة إلى ذلك.
3 - عزونا الأشعار لقائليها، ووثقنا ذلك من الدواوين وكتب اللغة والأدب غالبًا.
4 - وضحنا بعض المفردات الصعبة والغامضة من كتب اللغة وغيرها.

رابعًا: التراجم:
قمنا بترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في الكتاب عند ورود العلم لأول مرة غالبًا ولم نترجم للأنبياء والخلفاء الراشدين.

خامسًا: الفهارس:
جعلنا في نهاية الكتاب فهارس واكتفينا بالمهم منها، وهي منحصرة في
(المقدمة/132)

الفهارس الآتية:
1 - فهرس الآيات مرتبة على سور القرآن.
2 - فهرس الأحاديث والآثار مرتبة على الموضوعات.
3 - فهرس الأشعار مرتبة على القوافي.
4 - فهرس الأعلام مرتبة على حروف المعجم.
5 - فهرس الكتب مرتبة على حروف المعجم.
6 - فهرس الموضوعات.
وفي ختام هذه المقدمة نشكر المشرف على هاتين الرسالتين؛ فضيلة الدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين على ما قام به من جهد، ونشكر المسؤولين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على ما قدموه لنا من تسهيلات، ونشكر كل من قدم لنا مساعدة ومشورة، ونحمد الله سبحانه أن يسر لنا طبع هذا الكتاب بعد مضي وقت ليس بالقصير على تحقيقه، وها هو الآن يرى النور في طبعته الأولى.
نسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب قارئه والمطالع فيه، وأن يأجر عليه مؤلفه وناسخه ومن حققه إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
المحققان
د. أحمد بن محمد السراح
د. عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
(المقدمة/133)

رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ

تأليف
أبي عَلي حسَين بن علي بن طَلحة الرّجراجي الشوشَاوي
المتوفى سنة 899 ه

تحقيق
د. أَحمد بن محمَّد السراح
عضو هَيئة التّدريس بجامعة الإمَام محمَّد بن سعُود الإسلامية

المجلّد الأوّل
مَكْتَبة الرُّشدِ
نَاشِرُون
(1/1)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1/2)

النص المحقق
(1/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا.
هذا كتاب فيه "رفع النقاب عن تنقيح الشهاب".
مما عني بجمعه الفقيه الجليل: حسين بن علي بن طلحة، الرجراجي نسبًا الشوشاوي (1) لقبًا، عفا الله عنه، وغفر الله لنا وله، وعفا عنا وعنه، وعن والدينا، ووالديه، بفضله وإحسانه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا) (2).
(الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين) (3).
نص: (الحمد لله ذي الجلال الذي لا تدركه الغايات، والجواد الذي لا تلحقه النهايات، الذي أنزل الرسالة المشتملة على الخيرات الدنيويات، والأخرويات، وأيدها بالمعجزات الباهرات، وجعلنا أهلاً لشرف ذلك الاقتضاء، وجميل تلك المناجاة، وفضلنا بها وفيها على سائر الفرق والعصابات، وصلواته الطيبات الزاكيات، على أفضل المخلوقات، محمد
__________
(1) في ز (الشفشاوي) والمثبت من ط وهو الصواب.
(2) المثبت من ز، وفي ط: "صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه، "رفع النقاب عن تنقيح الشهاب" مما جمعه العبد العاصي يرجو عفو ربه وغفرانه لجميع ذنوبه بمنه وفضله: الحسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته آمين".
(3) ما بين القوسين ساقط من ط.
(1/7)

المبعوث بأفضل المناهج والبينات، صلى الله عليه وعلى آله، وعترته، وأصحابه، وأزواجه، ومحبيه، صلاة تُبَلِّغهُم أفضل الدرجات ونحوز بها أفضل المقامات، في الحياة وبعد الممات" (1).
شرح: وفي هذا الصدر (2) عشرة مطالب: لم خطب؟ ولم لم يشرع (3) في مقصوده من غير خطبة؟ ولم خصت الخطبة بالحمد دون غيره من الأذكار؛ كالشكر، والمدح، والرضى، ونحوها (4) من الأذكار الجميلة؟ وما معنى الحمد؟ وما الفرق بينه وبين الشكر؟ وما الفرق بينه وبين المدح؟ وما معنى الألف واللام في الحمد؟ ولم عدل (5) عن التعبير بالتنكير إلى التعبير بالتعريف، مع أن التعبير بالتنكير أصل، والتعبير بالتعريف فرع؟ ولم عدل عن التعبير بالفعل إلى التعبير بالاسم؟ ولم عدل عن التعبير بالإضافة إلى التعبير بالألف واللام (6)؟ ولم أضاف الحمد إلى الله دون سائر أسمائه؟
فأما ابتداؤه (7) بالخطبة؛ فلجريان العادة به في أول كل مهم مما للناس فيه خوض وعليه منهم إقبال.
وأما اختصاصه بالحمد (8) دون غيره من سائر (9) الأذكار (10) كالشكر،
__________
(1) هذا النص من المتن من ز وهو ساقط من ط.
(2) المثبت من ط، وفي ز: "الفصل".
(3) في ط: "وهلا شرع".
(4) في ط: "وغيرها".
(5) في ط: "ولم عدل المؤلف".
(6) في ط: "التعريف".
(7) في ط: "ابتداؤه كتابه".
(8) في ط: "للحمد".
(9) "سائر" ساقطة من ط.
(10) في ط: "الأذكار الجميلة".
(1/8)

والمدح وغيرهما؛ فللاقتداء بكتاب الله عز وجل وسائر الكتب المنزلة؛ إذ ما من كتاب من كتب الله تعالى (1) إلا وفي أوله الحمد لله، وللاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبه، ومواعظه، ورسائله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما معناه (2). فقيل (3): الثناء.
وقيل: معناه إشاعة الجميل وإظهاره بالقول (4).
وقيل: ذكر مجيد مطرب عند سماعه صادر عن رضي النفس وصفاء القلب.
وقيل: غير ذلك.
واعترض بعضهم تفسير الحمد بالثناء بأن قال: هذا الحد غير جامع ولا مانع، أما كونه غير جامع: فلخروج الحمد غير المكرر منه؛ (لأن الثناء مأخوذ من قولك: ثنيت الشيء إذا عطفت بعضه على بعض، وأما كونه غير مانع: فلدخول الثناء بالشر فيه) (5)؛ لأن الثناء يكون بالشر كما يكون بالخير.
دليل ذلك قوله عليه السلام: "من أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار" (6).
__________
(1) في ط: "العزيز".
(2) في ط: "معنى الحمد".
(3) في ط: "فقيل: معناه".
(4) "بالقول" ساقطة من ط.
(5) ما بين القوسين ساقط من ط.
(6) أخرجه البخاري عن أنس بن مالك في كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت (1/ 237).
وأخرجه مسلم عن أنس بن مالك قال: مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال =
(1/9)

أجيب عن قوله: غير جامع بخروج الحمد (1) غير المكرر منه بأن أرباب اللغة (2) نصوا على أن الثناء هو الحمد (3) [ولم يستفصلوا بين المكرر وغيره] (4).
قال صاحب العين (5): يقال (6): أثنيت على الرجل إذا مدحته والاسم الثناء (7).
وقال صاحب الأفعال (8): أثنيت على الرجل إذا ذكرته بما فيه من
__________
= نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: "وجبت وجبت وجبت"، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: "وجبت وجبت وجبت، قال عمر: فدىً لك أبي وأمي، مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا فقلت: وجبت وجبت وجبت؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض".
انظر: صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب فيمن يثنى عليه خيرًا وشرًا من الموتى (3/ 453).
(1) في ط "المدح".
(2) في ط: "اللغات".
(3) في ط: "إنما هو".
(4) ما بين القوسين ساقط من ط.
(5) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، ولد سنة (100 ه)، وهو نحوي لغوي استنبط علم العروض، وكان ذكيًا فطنًا، من تلاميذه سيبويه والأصمعي، توفي سنة (175 ه).
انظر: إنباه الرواة 1/ 341 - 346، طبقات النحويين ص 47.
(6) "يقال" ساقطة من ط.
(7) انظر: العين للخليل بن أحمد الفراهيدي.
(8) هو أبو بكر: محمد بن عمر بن عبد العزيز الإشبيلي الأصل، والقرطبي المولد =
(1/10)

خصال (1) (2).
وأجيب عن قوله: غير مانع لدخول الثناء بالشر فيه: بأن أرباب اللغة (3) نصوا على أن الثناء مخصوص (4) بالخير دون الشر.
قال صاحب تثقيف اللسان (5): الثناء بتقديم الثاء المثلثة (6) والمد في الخير خاصة، والنثي بتقديم النون والقصر في الخير والشر (7).
وأما الجواب عن قوله عليه السلام: "من أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار":
فقال القاضي أبو الفضل عياض (8) في الإكمال: إنما ذكر النبي عليه السلام
__________
= والدار، المعروف بابن القوطية، وكان أبو بكر من أعلم أهل زمانه بالعربية، مع حفظ للحديث والفقه والأخبار والنوادر والأشعار، توفي سنة 367 ه.
من آثاره كتاب الأفعال، وهو أول من صنف فيها، وكتاب المقصور والمدود.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك 2/ 553، بغية الملتمس / 102، وفيات الأعيان 4/ 368.
(1) في ط: "خصائل السوء".
(2) يقول صاحب الأفعال: وأثنيت على الرجل: وصفته بخير أو شر.
انظر: كتاب الأفعال لابن القوطية ص 137.
(3) في ط: "اللغات".
(4) في ط: "إنما مخصوص".
(5) "المثلثة" ساقطة من ط.
(6) هو أبو حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي، فقيه محدث عالم بالعربية، رحل إلى تونس واستوطنها وولي قضاءها، توفي سنة (501 ه).
انظر: إنباه الرواة 2/ 329.
(7) انظر: كتاب تثقيف اللسان ص 232.
(8) هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، ولد بسبتة سنة ست =
(1/11)

الثناء في الشر [في الكلام الثاني] (1) لِذكره في [الكلام] (2) الأول على طريق المقابلة والمجانسة كقوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (3)، {وَمَكَرُوا (4) وَمَكَرَ اللَّهُ} (5).
لأن الثناء بتقديم الثاء والمد خاص بالخير (6).
وأما الفرق بين الحمد والشكر ففيه خمسة أقوال:
قيل: هما مترادفان، فكل حمد شكر وكل شكر حمد.
وقيل: هما متباينان، فالحمد هو: الثناء على المحمود بما فيه من الخصال
__________
= وسبعين وأربعمائة (476 ه). ورحل إلى الأندلس سنة 507 ه، وأخذ عن أبي بكر ابن العربي، وأبي عبد الله المازري.
والقاضي عياض إمام وقته في الحديث وعلومه، والتفسير وعلومه، فقيهًا، أصوليًا، عالمًا بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، شاعرًا مجيدًا، خطيبًا بليغًا، تولى قضاء سبتة وغرناطة. توفي بمراكش رحمه الله سنة أربع وأربعين وخمسمائة (544 ه).
من مصنفاته: الشفا، وإكمال المُعْلم شرح صحيح مسلم، وترتيب المدارك.
انظر: الديباج تحقيق أبو النور 2/ 46 - 51، الصلة لابن بشكوال 2/ 453، وفيات الأعيان 3/ 483، بغية الملتمس ص 425، شذرات الذهب 4/ 138، جذوة الاقتباس القسم الثاني ص 498.
(1) المثبت من ط ولم يرد في ز.
(2) المثبت من ط ولم يرد في ز.
(3) آية رقم 14، 15 من سورة البقرة.
(4) في ط: "وقوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} ".
(5) آية رقم 54 من سورة آل عمران.
(6) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض ص 249 مخطوط موجود بالمكتبة العامة بالرباط رقم ج 933.
(1/12)

الجميلة كالعلم، والشجاعة (1)، والشكر هو: الثناء على المشكور بما فيه [من الإحسان.
وحرر بعضهم الفرق بينهما بأن قال: الحمد هو الثناء على المحمود بما فيه من المدح، والشكر هو الثناء على المشكور بما] (2) أولاك من المِنح، فالحمد على هذا من صفات الذات، والشكر من صفات الفعل.
وقيل: الحمد أعم من الشكر؛ لأن الحمد يقع على السراء والضراء، ويقع على مقابل النعمة، وعلى غير مقابل النعية، والشكر لا يقع إلا على السراء، ولا يقع على الضراء، لقوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (3).
ولا يقع (4) إلا على مقابل النعمة، ولا يقع على غير مقابل النعمة.
وقيل: الشكر أعم من الحمد، والحمد أخص من الشكر؛ لأن الحمد لا يكون إلا بشيء واحد وهو: القول، كقوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ} (5) الآية، وقوله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} (6)، [وقوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (7)] (8) وغير ذلك.
__________
(1) في ط: "والصبر والحياء والشجاعة".
(2) ما بين القوسين ساقط من ط.
(3) آية رقم 7 من سورة إبراهيم.
(4) في ط: "أيضًا إلا".
(5) آية رقم 59 من سورة النمل.
(6) آية رقم 43 من سورة الأعراف.
(7) آية رقم 10 من سورة يونس.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في ط.
(1/13)

وأما الشكر فيكون بثلاثة أشياء وهي (1): القول، والفعل، والاعتقاد. مثال كونه بالقول: قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (2)،
وقوله عليه السلام: "التحدث بالنعم شكر" (3).
ومثال كونه بالفعل قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} (4) أي عملاً صالحًا، وقوله (5): {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (6) أي تمتثلون.
وقوله عليه السلام: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! " (7). أي: ممتثلاً.
__________
(1) المثبت من ط وفي ز "وهو".
(2) آية رقم 11 من سورة الضحى.
(3) أخرجه الإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب". انظر: المسند حديث النعمان ابن بشير ج (6/ 278).
(4) آية رقم 13 من سورة سبأ.
(5) في ط: "وقوله تعالى".
(6) آية 52 من سورة البقرة، وآية رقم 123 من سورة آل عمران، وآية رقم 6، 89 من سورة المائدة، وآية رقم 26 من سورة لأنفال، وآية رقم 78 من سورة النحل.
(7) أخرجه البخاري قال: "حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر عن زياد، قال: سمعت المغيرة رضي الله عنه يقول: إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقومُ يصلي حتى تَرِمُ قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! ".
انظر: صحيح البخاري كتاب التهجد باب قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - (1/ 198).
وأخرجه الإمام مسلم في كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، رقم الحديث العام 2819، (4/ 2171).
وأخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة رقم الحديث 412، (2/ 136).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في طول القيام في الصلوات =
(1/14)

ومنه قول الشيخ أبي محمد (1) في الرسالة: "ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه" (2).
ومثال كون الشكر بالاعتقاد: قوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} (3).
وقد جمع الشاعر بين هذه الثلاثة - أعني: القول، والفعل، والاعتقاد (4) في قوله:
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجّبا (5)
__________
= رقم الحديث العام 1418، (1/ 456).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج 4/ 251، 255.
(1) هو الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي، سكن القيروان، وتفقه على فقهاء بلده وسمع من شيوخها كأبي بكر بن اللباد، وأبي الفضل القيسي، ورحل وسمع من ابن الأعرابي، وابن المنذر، والأبهري، والمروزي، وكان واسع العلم كثير الحفظ ذا صلاح وعفة وورع، لخص المذهب، توفي رحمه الله سنة تسع وثمانين وثلثمائة (389 ه).
من مصنفاته: النوادر والزيادات على المدونة، والرسالة.
انظر: الديباج ص 137، 138، مرآة الجنان 2/ 141، شذرات الذهب 3/ 131، النجوم الزاهرة 4/ 200.
(2) انظر: متن الرسالة لابن أبي زيد (ص 135) باب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائب، نشر وزارة الأوقاف بالمملكة المغربية.
(3) آية رقم 53 من سورة النحل.
(4) في ط: "القول والاعتقاد والفعل".
(5) نسب الصاوي هذا البيت لأعرابي أتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأعطاه درهمًا، فلما استقله ولم يكن عنده غير درع له ناوله إياه فقال هذا البيت.
انظر: حاشية الصاوي على شرح الخريدة البهية ص 11، وحاشية البيجوري على جوهرة التوحيد ص 5.
(1/15)

القول الخامس: أن كل واحد من الشكر والحمد (1) أعم من وجه وأخص من وجه.
بيان العموم في الحمد (2): أنه يكون في (3) السراء والضراء، ويكون في (4) مقابل النعمة وفي غير مقابل النعمة، وأما الشكر فلا يكون إلا في السراء ولا يكون إلا في مقابل النعمة.
وبيان الخصوص في الحمد: أنه لا يكون إلا بالقول، وأما الشكر فيكون بالثلاثة المتقدمة: القول والفعل والاعتقاد.
وبيان العموم في الشكر: أنه يكون بهذه الثلاثة المذكورة (5): الفعل، والقول (6) والاعتقاد، وأما الحمد فلا يكون إلا بالقول.
وبيان الخصوص في الشكر: أنه لا يكون إلا في السراء ولا يكون إلا في مقابل (7) النعمة.
وأما الفرق بين الحمد والمدح ففيه قولان:
[قيل] (8): هما مترادفان ولا فرق بينهما إلا تقديم بعض الحروف
__________
(1) في ط: "من الحمد والشكر".
(2) في ط: "أنه".
(3) في ط: "على".
(4) "في" ساقطة من ط.
(5) في ط: "المذكورات".
(6) في ط: "القول والفعل والاعتقاد".
(7) في ط: "مقابلة".
(8) (قيل) لم ترد في ز وط وإثباتها يقتضيه السياق.
(1/16)

وتأخيرها، نحو: الجبد والجدب.
وقيل: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يكون بأوصاف موجودة وبأوصاف معدومة (1)، وأما الحمد فلا يكون إلا بأوصاف موجودة (2).
دليل هذا القول: قوله عليه السلام: "احثوا التراب في وجوه المداحين" (3) معناه: خيبوهم من العطاء؛ لأنهم إلى الكذب أقرب، ولم يُروَ عنه قط أنه حثا التراب في وجوه المداحين (4)؛ لأن أوصافه متحققة موجودة بخلاف غيره، فإن أوصافه متوهمة معدومة.
وها هنا ثلاثة ألفاظ، الحمد، والمدح، والمده، ولا خلاف في (5) أن المده بالهاء مرادف للمدح بالحاء؛ لأن الهاء مبدلة من الحاء، وإنما الخلاف فيما
__________
(1) في ط: "موجودات وأوصاف محذوفة".
(2) في ط: "موجودات".
(3) أخرجه الإمام مسلم عن همام بن الحارث أن رجلاً جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد فحثا على ركبتيه، وكان رجلاً ضخمًا فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب".
انظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (8/ 228).
وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح، رقم الحديث 4804 (4/ 254).
وأخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في كراهية المداحة والمداحين، رقم الحديث 2395 (7/ 121، 122).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج 6/ 5.
(4) في ط: "في وجه من مدحوا".
(5) "في" ساقطة من ط.
(1/17)

بينهما وبين الحمد، وقد تقدم في ذلك قولان.
وأما معنى الألف واللام في الحمد:
فقيل: للعهد، أي الحمد المعهود المتعارف بين الناس.
وقيل: لتعريف الجنس.
وقيل: لاستغراق الجنس.
وأما عدوله عن التنكير (1) إلى التعريف فقال: الحمد (2) ولم يقل: حمد الله، مع أن التعبير بالأصل أولى من التعبير بالفرع، وإنما (3) فعل ذلك لوجهين:
أحدهما: الاقتداء بكتاب الله تعالى (4).
والثاني: أن التعريف عام والتنكير خاص فللأعم مزية على الأخص.
وأما عدوله عن التعريف بالإضافة إلى التعريف بالألف واللام فإنما فعل ذلك لوجهين أيضاً (5):
أحدهما: الاقتداء بكتاب الله عز وجل.
والثاني: أن التعريف بالألف واللام أقوى من التعريف بالإضافة؛ لأن التعريف بالألف واللام يقتضي (6) العموم والشمول
__________
(1) المثبت من ط وفى الأصل وز: "النكرة".
(2) في ط: "الحمد لله".
(3) في ط: "وإنما".
(4) في ط: "عز وجل".
(5) "أيضًا" ساقطة من ط.
(6) في ط: "لأن الألف واللام في الحمد تقتضي العموم ... " إلخ.
(1/18)

والاستغراق (1) لجميع صور الحمد [ووجوهه إذ لا تُحصَّل مدائحه] (2) جل وعلا، وفي الألف واللام (3) إشارة إلى عدد الحامدين على اختلاف أماكنهم (4) وتباين (5) خلقهم: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} (6) فيؤجر الإنسان إذا سرت (7) إليه النية، وانبعثت إليه الهمة؛ إذ نية المؤمن أبلغ (8) من عمله (9).
وأما عدوله عن الفعل إلى الاسم فقال: الحمد لله، ولم يقل: أحمد الله [أو: نحمد الله، فإنما فعل] (10) ذلك لثلاثة أوجه:
أحدها: الاقتداء بكتاب الله عز وجل.
والثاني: أن الفعل يقتضي تخصيص الحمد بالزمان، بخلاف الاسم فإنه لا يقتضي ذلك، بل هو [مطلق] (11) في كل زمان.
والوجه الثالث: أن الفعل يقتضي تخصيص الحمد بالمتكلم (12) به (13) دون غيره، بخلاف الاسم فإنه يقتضي الحمد مطلقًا على كل حال من الحامد وغيره.
__________
(1) في ط: "والإحاطة والاستغراق".
(2) المثبت من ط، وفي ز: "ووجو: حامده".
(3) في ط: "وفي الحمد".
(4) في ط: "على اختلاف لغاتهم وتباعد مكانهم".
(5) في ط: "وتباعد".
(6) آية رقم 44 من سورة الإسراء.
(7) في ط: "بحسب ذلك إذا سرت".
(8) في ط: "أفضل".
(9) في ط: "من عمله وأوسع من علمه".
(10) المثبت من ط ولم يرد في ز.
(11) في ز وط (منطلق) والمثبت هو الصواب.
(12) في ط: "بالتكلم".
(13) "به" ساقطة من ط.
(1/19)

وأما إضافة الحمد إلى الله دون سائر أسمائه:
فقيل: لأن هذا الاسم معروف (1) عند الملائكة قبل خلق (2) آدم وذريته.
وقيل: لأن هذا الاسم معروف (3) عند جميع الخلائق.
وقيل: لأنه الاسم الذي (4) إذا رفع من الأرض قامت الساعة؛ لقوله عليه السلام: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله" (5).
وقيل: لأنه الاسم الذي وقع به الإعجاز (6)؛ لأنه لا يقدر أحد من الجبابرة أن يتسمى به، لقوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (7) أي: هل تعلم أحدًا (8) يتسمى باسمه أي: هل تعلم لهذا الاسم مسمى غير الله؟
وقيل: غير ذلك، وبالله التوفيق.
قوله: (الحمد لله) أي: الحمد ثابت، أو مستقر (9)، أو كائن
__________
(1) في ط: "هو المعروف".
(2) المثبت من ط، ولم ترد: "خلق" في ز.
(3) في ط: "هو المعروف".
(4) "إذا" ساقطة من ط.
(5) أخرجه الإمام مسلم عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقالُ في الأرض: الله الله"، كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان في آخر الزمان (1/ 91).
وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في أشراط الساعة رقم الحديث العام 2208، (6/ 362) وأخرجه الإمام أحمد في المسند (3/ 107).
(6) في ط: "الإعجاز به".
(7) آية رقم 65 من سورة مريم.
(8) في ط: "له أحد".
(9) في ط: "أو كائن أو مستقر".
(1/20)

أو واجب لله عز وجل، واللام في (الله) يحتمل: التخصيص، والاستحقاق والملك.
و (1) قوله: (لله) تقديره: على معنى التخصيص: الحمد مختص بالله عز وجل، وتقديره على معنى الاستحقاق: الحمد مستحق لله عز وجل، وتقديره على معنى الملك: الحمد مملوك لله عز وجل؛ إذ هو المالك لجميع الأشياء.
و (2) قوله: (ذي الجلال) أي، صاحب الجلال، وذو يؤتى به (3) وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس، وهو لازم الإضافة إلى الاسم (4) الظاهر لفظًا ومعنى، ولا يضاف إلى مضمر وإنما يضاف إلى اسم جنس ظاهر، كقوله (5): رجل ذو مال، ورجلان ذوا مال، ورجال (6) ذووا مال.
قوله: (الجلال) يقال: جل يجل جلالاً وجلالة إذا عظم قدره.
وقوله: (الجلال) هذه الصفة هي من الصفات الجامعة لجميع صفات الباري جل وعلا.
قال شهاب الدين في القواعد السنيّة: من صفات الله تبارك وتعالى صفات جامعة لجميع صفات (7) الله تعالى وهي: عزة الله، وجلاله وعلاؤه،
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) في ط: "وذو اسم به".
(4) "الاسم" ساقط من ط.
(5) في ط: "كقولك".
(6) في ط: "ذوا".
(7) في ط: "صفاته".
(1/21)

وعظمته وكبرياؤه، ونحو ذلك، وذلك أنه يقال: جل الله بكذا، وجل الله عن كذا، فقولك: جل الله بكذا يندرج فيه جميع الصفات الثبوتية، وقولك: جل الله عن كذا يندرج فيه جميع الصفات السلبية، فيقال مثلاً: جل الله بعلمه، وقدرته، وإرادته، وغير ذلك من صفاته القديمة، ويقال أيضًا. جل الله ببدائع مصنوعاته، وغرائب مخترعاته وغير ذلك من الصفات الحادثة، و (1) قولك: جل الله عن الشريك، والصاحبة، والولد، والزمان، والمكان، وغير ذلك من صفات النقصان (2)
و (3) قوله: (ذي الجلال) أي الله عز وجل الذي (4) ثبتت له صفات الجلال، ونعوت الكمال على الإطلاق والإجمال، من صفاته الثبوتية، والسلبية، القديمة، والحادثة عمومًا وشمولاً، سبحانه عز وجل.
قوله: (الذي) هو اسم مبهم يؤتى به وصلة إلى اسم المعارف بالجمل؛ لأن الجمل في حكم النكرات لجريها (5) نعتًا على النكرات كقولك: رأيت رجلاً يضر أخاه, تقديره: ضاربًا أخاه.
قوله (لا تدركه الغايات) يقال: الإدراك هو اللحوق والوصول إلى الشيء؛ لأنك تقول: أدرك فلانًا حاجته إذا لحقها ووصل إليها، ويقال:
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: الفروق للقرافي (3/ 52 - 53) الفرق السادس والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث وبين قاعدة ما لا يوجب كفارة إذا حلف به من ذلك.
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) "الذي" ساقطة من ط.
(5) في ط: "بجريها".
(1/22)

الإدراك بمعنى الإحاطة، ومنه قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (1) و (2) معناه: لا تحيط بحقيقته الأبصار.
والغايات (3): جمع غاية، وغاية الشيء حده وطرفه الذي ينتهي إليه ويقف (4) عنده، والضمير في قوله: لا تدركه الغايات عائد على الإجلال في المعنى وهو الرابط بين الصلة والموصول.
فقوله (5): (لا تدركه الغايات) تقديره على تفسير الإدراك باللحوق والوصول: جلاله (6) لا تلحقه ولا تصل إليه الغايات، وتقديره على تفسير الإدراك بالإحاطة: جلاله لا تحيط به الغايات (7).
وقوله (8): (لا تدركه الغايات) أي (9): ليس [لجلاله تعالى حد] (10) فيلحق أو يحاط به، فإسناد الإدراك إلى الغايات مجاز في الإسناد، من إسناد المسبب إلى السبب (11)؛ لأن الغاية هي سبب الإدراك، فإذا انتفت الغاية انتفى
__________
(1) آية رقم 103 من سورة الأنعام.
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) المثبت من ط, وفي ز: "الغاية".
(4) المثبت من ط، وفي ز: "يوقف".
(5) في ط: "قوله".
(6) "جلاله" لم ترد في ط.
(7) في ط تقديم وتأخير بين هذين التقديرين.
(8) في ط: "فقوله".
(9) في ط: "معناه".
(10) المثبت من ط، وفي ز: "لجلال حد".
(11) في ط: "مجاز هو من باب إسناد السبب إلى المسبب".
(1/23)

الإدراك، ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: لا تدركه الغايات [على الله تعالى؛ لأن النظر] (1) في ذات الله تبارك وتعالى غاية لا تدرك؛ إذ لا يَعْرِفُ كيف هو إلا هو.
[قال في الرسالة:] (2) "لا يبلغ كنه صفته الواصفون" (3).
فالمراد بالصفة هنا: الذات [أي: لا يبلغ حقيقة ذاته] (4) الواصفون.
قوله: (والجواد الذي لا تلحقه النهايات) [يثبت في بعض النسخ بالألف بعد الواو] (5) المفتوحة الخفيفة على أنه اسم من أسماء الله (6) [ومعناه: الكثير العطاء] (7)، ذكره ابن العربي (8) في أحكام القرآن في
__________
(1) المثبت من ط ولم يرد في ز.
(2) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(3) انظر: الرسالة لابن أبي زيد القيرواني (ص 5) ط محمد علي صبيح.
(4) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(5) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(6) في ط: "لله تعالى".
(7) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(8) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي، الأندلسي، الإشبيلي، المالكي، ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة (468 ه) في إشبيلية، رحل إلى الشام، والحجاز، وبغداد، ومصر، ثم عاد إلى الأندلس سنة (493 ه)، وقدم إلى إشبيلية وولي قضاءه، ثم انصرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم، وكان مقدمًا في المعارف كلها يجمع إلى ذلك اللين وكرم النفس، وممن أخذ عنه ابن بشكوال. توفي رحمه الله سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (543 ه) ودفن في فاس، من مصنفاته: "أحكام القرآن"، "القبس"، "العواصم من القواصم"، وغيرها.
انظر: الديباج ص 281 - 283، نفح الطيب 2/ 25 - 43، شذرات الذهب 4/ 141 - =
(1/24)

سورة (1) الأعراف (2).
وذكره أيضًا في سراج المريدين، وقال: ورد في الأحاديث الحسان وصف الله تعالى بأنه جواد لكثرة عطائه، وهو من صفات الفعل، وفي بعض الأحاديث: "إن الله جواد (3) يحب الجود" (4) (5).
__________
= 142, جذوة الاقتباس القسم الأول ص 260، وفيات الأعيان 4/ 296.
(1) في ط: "صورة"، والأولى أن يقول: في تفسير سورة الأعراف.
(2) يقول ابن العربي في ذكره لأسماء الله تعالى: "الثالث والعشرون بعد المائة: جواد وهو الكثير العطاء" في تفسيره لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} آية 180 - سورة الأعراف.
انظر: أحكام القرآن (2/ 814).
(3) كلمة: "جواد" لم ترد في ط.
(4) أخرجه الترمذي قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر العقديّ حدثنا خالد ابن إلياس، ويقال: ابن إياس، عن صالح بن أبي حسان قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "إن الله طيبٌ يحب الطيب، نظيف يحب النظافة, كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا، أراه قال: أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود".
انظر: سنن الترمذي كتاب الأدب، باب ما جاء في النظافة، رقم الحديث العام 2800، (8/ 31 - 32).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس يضعف.
وقال ابن حجر: "خالد بن إلياس أو إياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة أبو الهيثم العدوي المدني إمام المسجد النبوي متروك الحديث من السابعة".
انظر: تقريب التهذيب (1/ 211).
(5) انظر: سراج المريدين لابن العربي (ورقة 177/ أ) مخطوط في خزانة ابن يوسف بمراكش رقم 697. =
(1/25)

وذكره الغزالي (1) في المقصد (2) الأسنى (3)، وفي [الفصل الثالث من] (4) معراج (5) السالكين (6).
وذكره الزجاج (7) في تفسير (8) سورة الحشر (9).
__________
(1) هو أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الملقب حجة الإسلام زين الدين الطوسي، الفقيه الشافعي، ولد سنة (450 ه) بطوس، رحل إلى الشام وبيت المقدس ومصر، ثم عاد إلى بيته في طوس، واتخذ مدرسة للمشتغلين بالعلم، ووزع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن والنظر في الأحاديث والتدريس والتهجد إلى أن توفي رحمه الله في سنة خمس وخمسمائة (505 ه) في طوس. من أشهر مصنفاته: "المستصفى"، و"المنخول" في الأصول، و"الوسيط"، و"البسيط", و"الوجيز" في الفقه،
انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي 6/ 191 - 389، وفيات الأعيان 4/ 216, تبيين كذب المفتري 291 - 306، شذرات الذهب 4/ 10، مفتاح السعادة 2/ 191 - 210
(2) في ط: "المفصل".
(3) لم أجد في المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى المطبوع وصف الله تعالى بأنه جواد.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) المثبت من ط، وفي ز: "معارج".
(6) لم أجد في معراج السالكين المطبوع وصف الله تعالى بأنه جواد.
(7) هو إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجّاج، كان يخرط الزجاج، ثم مال إلى النحو فلزم المبرِّد، وكان كسبه من الزجاج درهم ونصف في اليوم، ويعطي المبرد أجرة لتعليمه درهمًا لكل يوم إلى أن مات المبرد، ولما أخذ نصيبًا وافرًا من علم النحو بعثه شيخه إلى بني مارقة لكي يدرسهم النحو ولما أصبح القاسم وزيرًا اشتغل الزجَّاج عنده وحصل منه على مال كثير، توفي سنة إحدى عشرة وثلثمائة (311 ه)، من مصنفاته: "معاني القرآن"، و"مختصر النحو"، و"الاشتقاق".
انظر: بغية الوعاة 1/ 411، 412، مفتاح السعادة 1/ 134.
(8) "تفسير" ساقطة من ط.
(9) لم أجد كتاب الزجاج.
(1/26)

وذكره إمام الحرمين (1) في الإرشاد (2).
فالجواد بفتح الجيم وتخفيف (3) الواو هو: الثابت في اللغة والحديث، وأما بتشديد الواو فيصح [والله أعلم] (4) على قول [القاضي أبي بكر (5)] (6) بأن
__________
(1) هو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن أبي يعقوب يوسف ابن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيّوية الجويني، ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة (419 ه) تفقه على يد والده، ولما توفي والده قعد مكانه للتدريس، ثم رحل إلى بغداد والحجاز، ومكث بمكة والمدينة يفتي؛ ولهذا قيل: إمام الحرمين، ثم عاد إلى نيسابور، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية، ومن تلاميذه: الغزالي.
توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (478 ه)، من مصنفاته: "البرهان"، و"الورقات".
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 2/ 341 - 343، طبقات الشافعية 5/ 165 - 172، شذرات الذهب 3/ 358 - 361، تبيين كذب المفتري ص 278 - 285، مفتاح السعادة 2/ 440.
(2) يقول إمام الحرمين في الإرشاد (ص 153): "فالمجيد يقرب من الجواد، والجواد يمكن حمله على المنعم ويمكن حمله على المقتدر ويمكن حمله على الوجود والإنعام".
(3) في ط: "بتخفيف الواو وفتح الجيم".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، ولد سنة (338 ه)، سكن بغداد، وانتهت إليه رئاسة المالكيين في وقته، وكان موصوفًا بجودة الاستنباط وسرعة الجواب، وأما علم الكلام فكان أعرف الناس به، توفي سنة (403 ه)، من مصنفاته: "التقريب والإرشاد"، و"إعجاز القرآن".
انظر: الديباج المذهب ص 267، تاريخ بغداد 5/ 379 - 382، وفيات الأعيان 4/ 269، شذرات الذهب 3/ 168.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(1/27)

أسماء الله تعالى اشتقاقية، فيسمى [الله تعالى] (1) به مبالغة [في وصفه بالجود] (2).
ويثبت في بعض النسخ بضم الجيم من غير ألف بعد الواو على أنه مصدر.
والجود في اللغة معناه: السيلان، يقال: جاد المطر يجود جودًا (3).
قال صاحب العين: يقال: أجاد (4) الرجل وجود، وجاد جودًا، فهو جواد (5).
وقال أبو العباس ثعلب (6) في باب المصادر: رجل جواد بيِّن
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) انظر: لسان العرب مادة (جود) والقاموس المحيط فصل الجيم باب الدال مادة (جود).
(4) في ط: "جاد".
(5) يقول الفراهيدي في العين (6/ 169): جاد الشيء يجود فهو جيد، وجاد الفرس يجود جودة فهو جواد، وجاد الجواد من الناس يجود جودًا وقوم أجواد.
(6) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي المعروف بثعلب، ولد سنة مائتين (200 ه)، سمع ابن الأعرابي والزبير بن بكار، وهو إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان راوية للشعر مشهورًا بالحفظ والمعرفة بالعربية، روى عنه الأخفش الأصغر، وابن الأنباري، توفي سنة (291 ه)، من مصنفاته: "الفصيح"، "شرح ديوان زهير"، "شرح ديوان الأعشى"، "مجالس ثعلب"، "المصون"، "اختلاف النحويين"، "إعراب القرآن".
انظر: إنباه الرواة 1/ 138 - 151, وفيات الأعيان 1/ 102 - 104, تاريخ بغداد 5/ 204 - 212، شذرات الذهب 2/ 207، 208، تذكرة الحفاظ ص 214، معجم الأدباء 5/ 102 - 146، بغية الوعاة 1/ 396 - 398.
(1/28)

الجود (1).
وقال ابن هشام (2): الجود: الكرم (3).
ونسخة المصدر أولى من نسخة الاسم، ليتوافق (4) التعبير في الجملتين بالمصدر، وأيضًا التعبير بالمصدر أولى من التعبير بالاسم؛ لأن المصدر جنس.
و (5) قوله: (والجواد الذي لا تلحقه النهايات) (6) هذه الجملة (7) مكررة للتي قبلها للتأكيد؛ لأن الإدراك هو: اللحوق، والغايات هو: النهايات.
قوله: (لا تلحقه) الضمير المنصوب عائد على "الذي" وهو: الرابط بين الصلة والموصول، و"الذي" نعت للجود أو للجواد على النسختين
__________
(1) انظر: فصيح ثعلب، المطبوع ضمن مجموع الطرق الأدبية ص 29.
(2) هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن هشام أبو عبد الله الفهري، الذهبي، يعرف بابن الشواش، أخذ النحو عن الجزولي، وعن أبي عبد الله بن الفراس وغيرهما، وجلس للإقراء والتحديث، ودرس النحو واللغة، وكان إمامًا متواضعًا بارع الخط مستوعبًا للشعر الجاهلي والإسلامي، توفي رحمه الله سنة تسع عشرة وستمائة (619 ه).
من مصنفاته: "شرح الفصيح لثعلب"، "شرح مقصورة ابن دريد" وهو مطبوع، "المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان"، "الفصول والجمل في شرح أبيات الجمل".
انظر: بغية الوعاة للسيوطي 1/ 28، هدية العارفين 2/ 97.
(3) انظر: شرح الفصيح ص 27 مخطوط مصور فلميًا في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى رقم 241 لغة.
(4) في ط: "فيتوافق".
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) "لا تلحقه النهايات" لم ترد في ط.
(7) في ط: "المسألة".
(1/29)

المذكورتين.
قال صاحب الأفعال: يقال: لحقت الشيء لحوقًا ولِحَاقًا وألحقته (1) إذا أدركته (2).
قوله (3): (الذي (4) أنزل الرسالة) أي: الذي (5) أنزل القرآن العظيم، وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.
وورد (6) في القرآن أنزل ونزّل (7) بالهمزة والتضعيف (8)، قال الله عز وجل (9): {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (10)، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (11)، وقال أيضًا (12): {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} (13)، وقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} (14).
__________
(1) في ط: "وألحقت".
(2) انظر: كتاب الأفعال لابن القوطية/ ص 91.
(3) "قوله" ساقطة من ط.
(4) في ط: "والذي".
(5) "الذي" ساقطة من ط.
(6) في ط: "ورد".
(7) في ط: "نزل وأنزل".
(8) في ط: "وبالتضعيف".
(9) في ط: "قال تعالى".
(10) آية رقم 1 من سورة القدر.
(11) آية رقم 3 من سورة الدخان، وهي لم ترد في ط.
(12) "أيضًا" ساقطة من ط.
(13) آية رقم 1 من سورة الفرقان.
(14) آية رقم 23 من سورة الزمر.
(1/30)

واختلف العلماء في أنزل ونزل (1).
قيل: بالترادف.
وقيل: معنى أنزل: ما كان دفعة واحدة، ومعنى نزل: ما كان منجمًا مقسطًا؛ وذلك أن الله تعالى أنزله (2) في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزله بعد ذلك [على النبي عليه السلام] (3) منجمًا مقسطًا على قدر (4) الحاجة (5)
وقوله (6): (أنزل (7) الرسالة) المراد بالإنزال الإدراك والإفهام، وليس المراد به الانتقال من علو إلى سفل؛ لأن نقل ذات الكلام محال لا (8) في الكلام القديم ولا في الكلام الحادث؛ لأن الكلام القديم صفة الله تبارك وتعالى، وصفاته (9) لا تفارق ذاته، ولا يتصور النقل في الكلام الحادث، أيضًا: لأنه عرض من الأعراض، والأعراض لا يصح عليها الانتقال؛ لأن
__________
(1) في ط: "في نزل وأنزل".
(2) في ط: "مقسطًا لأنه أنزله".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "مقدار".
(5) يقول القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجمًا، نجمًا، في الأوامر والنواهي، والأسباب، وذلك في عشرين سنة".
انظر: الجامع لأحكام القرآن (2/ 297).
(6) "وقوله" ساقطة من ط.
(7) في ط: "وأنزل".
(8) "لا" ساقطة من ط.
(9) في ط: "وصفته".
(1/31)

الانتقال من خواص الأجسام.
قال أبو المعالي في الإرشاد: المعنى بالإنزال أن جبريل عليه السلام أدرك كلام الله تعالى وهو في مقامه فوق سبع سموات، ثم نزل (1) إلى الأرض وأفهم الرسل ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام (2)، فإذا قال القائل: نزلت رسالة الملك من القصر لم يرد بذلك انتقال أصواته وانتقال كلامه القائم (3) بنفسه. انتهى (4).
__________
(1) في ط: "أنزل".
(2) يفهم من كلام المؤلف وكلام أبي المعالي: أن الكلام المنزل هو عبارة عن كلام الله، وهذا خلاف مذهب السلف.
يقول شارح الطحاوية في بيان مذهب السلف والرد على من قاك: إن المنزل هو عبارة عن كلام الله: "وحقيقة كلام الله تعالى الخارجية هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه، فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ، فإذا قاله السامع فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو: مكتوب له مرسوم, وهو: حقيقة في هذه الوجوه، لا يصح نفيه، والمجاز يصح نفيه.
فلا يجوز أن يقال: ليس في المصحف كلام الله، ولا ما قرأ القارِئ كلام الله، وقد قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}، وهو لا يسمع كلام الله من الله، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله، والآية تدل على فساد قول من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله فإنه تعالى قال: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ولم يقل: حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله، والأصل الحقيقة، ومن قال: إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله, أو حكاية كلام الله وليس فيه كلام الله، فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة وكفى بذلك ضلالاً".
انظر: شرح الطحاوية ص 126.
(3) في ط: "القديم".
(4) انظر: الإرشاد لأبي المعالي الجويني فصل معنى إنزال كلام الله تعالى (ص 135).
(1/32)

قوله (1): (المشتملة) (2) أي: المحتوية على الخيرات، أي: على المصالح والمنافع العاجلة والآجلة، فمثال مصالح الدنيا: المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمنكوحات، وسائر المتمولات، ومثال مصالح الآخرة: كالصلاة، والزكاة، والصدقات، والدعوات، وسائر القربات.
قوله: (الخيرات) مفرده: خيرة، وأصله: خيورة (3) بتقديم الياء (4) على الواو نحو ميت وهين.
قاله مكي (5) في قوله تعالى (6): {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} (7) [وأصله] (8):
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط
(2) في ط: "والمشتملة".
(3) في ط: "خيرة".
(4) المثبت من ط، وفي ز: "الواو".
(5) هو أبو محمد مكي بن أبي طالب بن حموش بن محمد بن مختار القيسي النحوي، المقرئ، المالكي، أصله من القيروان، ولد سنة (355) ه، أكمل القراءات سنة 377 ه وتنقل بين مصر والقيروان ومكة، ورحل إليها رحلات متعددة، ثم رحل إلى الأندلس سنة 393 ه واستقر به المقام هناك وجلس للإقراء بجامع قرطبة وخطب به، وكان خيّرًا فاضلاً، ومن أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، توفي رحمه الله سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (437 ه)، من مصنفاته: العمدة في "غريب القرآن"، و"إعراب القرآن".
انظر: إنباه الرواة 3/ 313 - 315، بغية الوعاة 2/ 298، الديباج ص 346، شذرات الذهب 3/ 260، مرآة الجنان 3/ 57، معجم الأدباء 19/ 167 - 171، النجوم الزاهرة 5/ 41.
(6) "تعالى" لم ترد في ط.
(7) آية رقم 70 من سورة الرحمن.
(8) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(1/33)

خيّرات على وزن فيعلات (1) فخفف (2) (3).
وقوله (4): (الدنيويات والأخرويات) هي: [جمع دنيا وأخرى.
وفي] (5) كيفية (6) هذا النسب ثلاثة أوجه:
إما قلب ألف التأنيث (7) واوًا وهو: [المختار.
وإما قلب الألف أيضًا] (8) واوًا مع (9) زيادة الألف قبل الواو.
وإما حذف ألف التأنيث [وتباشر الكلمة ياء النسب] (10).
قوله: (وأيدها بالمعجزات الباهرات) التأييد معناه: التقوية والنصر (11)، والضمير (12) عائد على الرسالة، قال تبارك وتعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ
__________
(1) في ط: "فعلان".
(2) "فخفف" ساقطة من ط.
(3) انظر: مشكل إعراب القرآن (2/ 347).
(4) "الواو" ساقطة من ط.
(5) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(6) في ط: "كيفيات".
(7) في ط: "الثانية".
(8) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(9) "مع" ساقطة من ط.
(10) المثبت من ط، ولم يرد في ز.
(11) قال في القاموس المحيط: "وأيدته تأييدًا فهو مُؤْيدٌ ومؤَيّدٌ قَويّتُه".
انظر: القاموس مادة (أيد).
(12) "والنصر والضمير" ساقطة من ز، وفي ط: "والضمير في قوله: (وأيدها) عائد على الرسالة".
(1/34)

الْقُدُسِ} (1)، وقال: {إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} (2) أي: قويته (3) وقويتك.
وقوله (4): (بالمعجزات) جمع (5) معجزة (6)، وهو اسم فاعل من أعجز إعجازًا فهو: معجز، والمعجزات والآيات بمعنى واحد.
وحقيقة المعجزة: عبارة عن الفعل الحادث الخارق للعادة الظاهر على يد مدعي النبوة الدال على صدق مدعيها (7)، وسميت معجزة؛ لأنها أعجزت الخلق عن الإتيان بمثلها.
[وقوله: (بالمعجزات)، أراد] (8) بالمعجزات (9): المتصلة والمنفصلة، فالمتصلة ما في نفس القرآن من وجوه الإعجاز، والمنفصلة [هي: التي انفصلت] (10) عن الرسالة (11) كانشقاق القمر (12)،
__________
(1) سورة البقرة آية رقم (253).
(2) سورة المائدة آية رقم (110)، ولم ترد هذه الآية في ز.
(3) في ط: "أي قويناه".
(4) "قوله" ساقطة من ط.
(5) في ز وط "جمع مفرده معجزة".
(6) في القاموس المحيط: ومعجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أعجز به الخصم عند التحدي، والهاء للمبالغة.
انظر: مادة (عجز).
(7) انظر: شرح الطحاوية ص 558.
(8) ما بين القوسين ساقط من ط.
(9) في ط: "وبالمعجزات".
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(11) "عن الرسالة" ساقط من ط.
(12) قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي وإعراض الكفرة عن آياته. =
(1/35)

ونطق (1) العجماء (2) وتكثير القليل (3) ونبع الماء (4) من بين أصابعه عليه السلام، وغير ذلك.
__________
= وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اشهدوا"
رواه البخاري في كتاب التفسير, سورة اقتربت الساعة (3/ 194).
(1) في ز: "ومنطق".
(2) كما ورد في نطق الذئب، والظبي، والضب، والجمل.
انظر تفصيل ذلك في كتاب الشفا (1/ 309 - 316).
(3) أخرج البخاري في باب علامات النبوة (2/ 275) عن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أرسلك أبو طلحة؟ " فقلت: نعم، قال: "بطعام؟ " فقلت: نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن معه: "قوموا", فانطلق، وانطلقت بين أيديهم, حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو طلحة معه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هلمي يا أم سليم، ما عندك؟ " فأتت بذلك الخبز, فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففت وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا, ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة", فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأكل القوم كلهم وشبعوا, والقوا سبعون أو ثمانون رجلاً".
(4) الأحاديث التي ورد فيها نبع الماء كثيرة؛ منها: ما رواه مسلم عن أنس "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه".
انظر: صحيح مسلم (7/ 59).
(1/36)

وقوله: (بالمعجزات)، أي: بالآيات والأفعال التي تعجز (1) البشر عن المعارضة والإتيان بمثلها، ونسبة الإعجاز إلى الآيات والأفعال مجاز؛ لأن المعجز (2) هو الله تبارك وتعالى؛ لأنه فاعل المعجزات وخالقها (3).
وقوله (4): (الباهرات)، أي: الغالبات القاهرات للكفار؛ لأنهم مغلوبون بها عن معارضتها والإتيان بمثلها، يقال: بهره ويبهره (5) إذا غلبه، يقال (6): بهر ضوء القمر (7) ضوء الكواكب أي: غلبه (8).
وقوله (9): (وأيدها) (10) بالمعجزات الباهرات)، تقديره: وقوى الله تبارك (11) وتعالى الرسالة التي (12) هي القرآن العظيم بالآيات الغالبات للكفار، كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، [وتكليم الذراع له عليه
__________
(1) في ط: "يعجز".
(2) في ز وط: "المعجز في الحقيقة".
(3) في ز: "فاعل العجز وخالقه"، وفي ط: "فاعل المعجز وخالقه".
قد يفهم من قول المؤلف هذا أن القرآن مخلوق؛ لأن المعجزات من القرآن، والأولى أن يقول: فاعل المعجزات ومنزلها.
(4) "وقوله" ساقطة من ط.
(5) في ز: "فيبهره".
(6) المثبت من ز، ولم ترد: "يقال" في الأصل، وفي ط: "ويقال".
(7) في ز: "على ضوء".
(8) في القاموس المحيط: "انبهر وبُهرَ كعُنْي فهو مبهور وبهير والبَهْرُ الإضاءة كالبهور والغلبة" إلى أن قال: "وبَهَرَ القمرَ كَمَنَعَ غلب ضَوءُهُ ضَوءَ الكواكب" مادة (بهر).
(9) "وقوله" ساقطة من ط.
(10) في ط: "وأيدها ... المسألة".
(11) "تبارك" لم ترد في ط.
(12) في ط: "الذي".
(1/37)

السلام] (1) وغير ذلك.
وقوله: (المعجزات (2) الباهرات)، يقتضي ظاهره (3): أن هناك (4) معجزات (5) غير باهرة (6)، وليس كذلك، بل كل معجزة غالبة؛ ولأجل ذلك سميت معجزة؛ لأجل إعجازها وغلبها، فيحتمل أن يكون وصف المعجزات بالباهرات: وصف تأكيد لا وصف تقييد، فلا مفهوم له على هذا، ويحتمل: أن ينبه بقوله: (الباهرات): على أن معجزات (7) النبي عليه السلام أبهر وأغلب من سائر معجزات الأنبياء عليهم السلام؛ لكثرة معجزات محمد عليه السلام (8)، وبقاء بعضها إلى يوم القيامة وهو القرآن العظيم؛ إذ معجزات (9) محمد عليه السلام أكثر من سائر معجزات الأنبياء عليهم السلام (10)، والقرآن العظيم من معجزاته، وهو لا يندرس إلى يوم
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "قوله: المعجزات" ساقط من ط.
(3) "ظاهرة" ساقطة من ط.
(4) في ز وط: "هناك".
(5) في ط: "معجزة".
(6) في ز: "غير باهرات أي: غالبات".
(7) في ز: "معجزة".
(8) في ط: "النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ".
(9) في ز: "النبي".
(10) قال القاضي عياض بعد ذكره تقسيم المعجزة إلى ضربين: ضرب هو من نوع قدرة البشر، وضرب هو خارج عن قدرتهم فقال: "واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا - صلى الله عليه وسلم - ودلائل نبوته وبراهن صدقه من هذين النوعين معًا، وهو أكثر الرسل معجزة، وأبهرهم آية، وأظهرهم برهانًا، وهي في كثرتها لا يحيط بها ضبط، فإن واحدًا منها وهو القرآن لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر".
انظر: الشفا 1/ 253.
(1/38)

القيامة (1)، وأما معجزات سائر (2) الأنبياء عليهم السلام فقد اندرست بموتهم.
قوله (3): (الباهرات) على هذا الألف واللام (4) فيه من العهدية التي يشار بها إلى معنى (5) مهم (6) اختص به المذكور، كقول العرب: لقيت اليوم الخيل، ورأيت الرجال، يريدون أحق الخيل بان تسمى خيلاً، وأحق الرجال بأن يسموا رجالاً، فالاسم في حقهم حقيقي، وفي غيرهم مجازي (7)، فمعجزات محمد (8) عليه السلام على هذا: هي (9) أحق بأن تسمى باهرات، [وهي: أولى من أن تسمى غالبات] (10).
[وأيد هذه المسألة قول بعضهم: المعجزات المنفصلة لم تثبت (11) بالتواتر، والقرآن ثابت بالتواتر، فهي (12) أضعف من القرآن فلا يقوي الأضعف الأقوى.
__________
(1) الصحيح أن القرآن لا يندرس أبدًا، بل يرفع؛ فمنه بدأ وإليه يعود.
(2) "سائر" ساقطة من ط.
(3) في ز: "فقوله"، وفي ط: "قوله".
(4) في ط: "الألف واللام على هذا فيه".
(5) في ط: "متكلم".
(6) في ز وط: "مبهم".
(7) في ط: "مجاز".
(8) في ز: "النبي".
(9) "هي" ساقطة من ط، وفي ز: "المعنى".
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(11) في ز: "قوله: وأيدها بالمعجزات، قال بعضهم: المنفصلة له لم تثبت ... " إلخ وفيه خلل.
(12) المثبت من ز، وفي ط: "فهو".
(1/39)

فهذا لا نسلمه, أما كونه لم تثبت بالتواتر والقرآن ثابت بالتواتر فهو أضعف من القرآن فلا يقوي الأضعف الأقوى فهذا لا نسلمه، أما كونه (1) لم تثبت (2) بالتواتر، فإنها ثبتت بالتواتر المعنوي، وأما قوله: لا يقوي الأضعف الأقوى فلا نسلمه (3).
فقد قال شهاب الدين - في شرح المحصول -: قولهم: الأضعف لا يقوي الأقوى غير متجه، بل يقوي الظن الحاصل، فالأقوى كما لو شهد أربعة ثم شهد خامس فإن الظن يقوى ويتأكد بالضرورة (4)] (5).
قوله (6): (وجعلنا أهلاً لشرف ذلك الاقتضاء).
[قوله: وجعلنا] (7) هذه الجملة معطوفة على قوله: (أنزل الرسالة) (8)، ومعنى (9) (جعلنا): صيرنا.
قوله (10). (أهلاً) أي: مستحقين (11).
__________
(1) من قوله: "أما كونه" إلى قوله: "أما كونه" ساقط من ز، والأولى أن يقال: "أما كونها".
(2) في ز: "قوله لم تثبت".
(3) في ز: "فلا نسلمه أيضًا".
(4) لم أجد هذا النقل في النفائس.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) في ط: "نص".
(7) (قوله: وجعلنا) ساقط من ط.
(8) في أ: "الرسالات".
(9) في ز وط: "وقوله".
(10) في ط: "وقوله".
(11) في ز: "أي: صيرنا، أهلاً؛ أي: مستحقين ... " إلخ.
(1/40)

وقوله: (لشرف) أي: لعلو ورفعة ذلك الاقتضاء، أي: ذلك الطلب؛ لأن الاقتضاء افتعال (1) من الطلب؛ لأن الله تعالى طالبنا (2) من هذه الرسالة بأمرين (3): بتلاوتها (4)، والعمل بمقتضاها.
وقوله: (أهلاً) يقال: أهّلك الله للخير أي جعلك له أهلاً أي مستحقًا (5).
قوله (6): (لشرف) الشرف (7) معناه: العلو والرفعة، يقال: شرف الرجل شرفًا (8) إذا علا في دين أو دنيا (9).
وقوله (10): (ذلك) الإشارة (11) تعود في المعنى على الرسالة.
وقوله: (الاقتضاء) (12) هو: نعت "لذلك" (13) أو بدل منه، أو عطف
__________
(1) في ط: "الافتعال".
(2) في ز وط: "طلبنا".
(3) في ط: "أمرين".
(4) في ط: "تلاوتها".
(5) قال في القاموس: وهو أهل لكذا مستوجب للواحد والجميع، وأهّله لذلك تأهيلاً وآهله: رآه له أهلاً واستأهله: استوجبه.
انظر: مادة (أهل).
(6) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(7) في ط: "ولشرف والشرف".
(8) في ز: "بشرف".
(9) قال الفيروزآبادي: الشرف محركة: العلو والمكان العالي والمجد. انظر: مادة (شرف).
(10) "قوله" ساقطة من ط.
(11) في ز: "فالإشارة"، وفي ط: "إشارة".
(12) في ز وط: "الاقتضاء معناه: الطلب، وهو نعت ... إلخ".
(13) قال ابن يعيش في شرح المفصل (2/ 57): "وأما أسماء الإشارة فتوصف ويوصف =
(1/41)

بيان عليه.
قوله (1): (لشرف ذلك الاقتضاء) هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، تقديره: وجعلنا أهلاً لذلك الاقتضاء الشريف، فالشرف: صفة للاقتضاء (2)، والاقتضاء: موصوف.
ومثال إضافة الصفة إلى موصوفها (3) قول الشاعر:
إنّا محيوكِ يا سلمى فحيينا ... وإن سَقيتِ كِرامَ القومِ فاسْقِينَا (4)
تقديره: وإن سقيت القوم الكرام.
قوله (5): (وجعلنا أهلاً لشرف ذلك الاقتضاء) (6) سبكه: وجعلنا الله
__________
= بها، فتوصف لما فيها من الإبهام، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا، وأشرت إلى حاضر، وكان هناك أنواع من الأشخاص التي يجوز أن تقع الإشارة إلى كل واحد منها فيبهم على المخاطب إلى أي الأنواع وقعت الإشارة؟ فتفتقر حينئذ إلى الصفة للبيان".
فيتبين من كلام ابن يعيش أنه يجوز أن يوصف اسم الإشارة، فعلى هذا يجوز أن يكون الاقتضاء نعت لاسم الإشارة ذلك.
(1) في ز: "وقوله".
(2) في ط: "الاقتضاء".
(3) في ز: "إلى الموصوف".
(4) قائل هذا البيت هو بشامة بن حَزْن النهشلي، وهو مطلع لقصيدته النونية يقول: إنا مُسَلِّمونَ عليك أيتها المرأة فقابلينا بمثله، وإن خدمت الكرام وسقيتيهم فأجرينا مجراهم، فإنا منهم. الاستشهاد فيه في قوله: كرام الناس، أضاف الصفة إلى الموصوف.
انظر: شرح شواهد العيني المطبوع مع خزانة الأدب للبغدادي 3/ 370، وكذلك شرح ديوان الحماسة للمرزوقي تحقيق أحمد أمين، وعبد السلام هارون، القسم الأول (ص 100).
(5) "قوله" ساقطة من ط.
(6) في ط: "وجعلنا أهلاً ... المسألة".
(1/42)

مستحقين (1) للعمل بمقتضى ذلك الطلب الشريف، أي: بمقتضى الرسالة، أي: بمقتضى (2) القرآن العظيم.
و (3) قوله: (وجميل تلك المناجاة):
قال صاحب الأفعال: جمل (4) الشيء جمالاً أي تم حسنه (5).
والمناجاة لغة هي: المساررة.
قال صاحب الأفعال: يقال: نجوتُ الرجل نجوًا (6) أي (7): ساررته (8).
ومنه قوله تعالى (9): {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} (10)، وقوله (11): {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (12)، وقال (13):
__________
(1) في ز: "وجعلنا مستحقين".
(2) في ط: "الذي هو القرآن العظيم".
(3) "الواو" ساقطة من ز، "وقوله" ساقطة من ط.
(4) في ز وط: "يقال: جمل".
(5) انظر: كتاب الأفعال لابن القوطية حرف الجيم (ص 50).
(6) في ط: "نجوت نجوا الرجل".
(7) "أي" ساقطة من ز وط.
(8) انظر: المصدر السابق: (ص 115).
(9) "تعالى" لم ترد في ط.
(10) {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ..} الآية، سورة المجادلة آية رقم 12.
(11) في ط: "وقوله تعالى".
(12) سورة المجادلة آية رقم 9، وقد وقع خلط بين الآيتين في ز.
(13) في ز وط: "وقوله".
(1/43)

{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} (1).
فحقيقة المناجاة لغة هي: المساررة، وهي: مكالمة الرجل أخاه بما يُسِره عن غيره.
وحقيقة المناجاة شرعًا: إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكر الله تعالى، وتلاوة كتابه في الصلاة، قاله عياض في الإكمال (2).
وقيل: حقيقة المناجاة شرعًا: هي القرب من الله تعالى (3) قرب قبول ورضى ومحبة، لا قرب مسافة وجهة.
وها هنا ثلاثة ألفاظ هي (4):
المناجاة، والتناجي، والنجوى.
فالمناجاة معناها: المساررة بين اثنين فأكثر من غير تراجع.
والتناجي معناه (5): المساررة بين اثنين فأكثر مع التراجع (6)
__________
(1) قال تعالى: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} سورة طه آية رقم 62.
وقال تعالى: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} سورة الأنبياء آية رقم 3. وفي ز وط: "وقوله: {خَلَصُوا نَجِيًّا} 80 من سورة يوسف، وقوله: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} 52 سورة مريم".
(2) انظر: إكمال المُعْلم بفوائد صحيح مسلم للقاضي عياض كتاب الصلاة (ص 157) وهو مخطوط موجَود بالمكتبة العامة بالرباط برقم ج 933.
(3) "تعالى" لم ترد في ز.
(4) في ز وط: "وهي".
(5) في ز وط: "معناها".
(6) في ط: "المراجعة".
(1/44)

والنجوى معناها (1) المساررة (2) بين اثنين فأكثر بتراجع أو بغير تراجع.
فالنجوى أعم من [المناجاة والتناجي.
قوله (3): (وجميل تلك المناجاة) هي (4) أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها كما تقدم في الجملة] (5) التي قبلها، تقديره: وجعلنا أهلاً لتلك المناجاة الجميلة (6).
وقوله: (المناجاة) نعت ل "تلك" أو بدل، أو عطف بيان، كم تقدم في الجملة التي قبلها.
وقوله: (7) (المناجاة) المراد هنا بالمناجاة: تلاوة (8) القرآن (9)، أي: وجعلنا أهلاً لتلك التلاوة أو القراءة (10) الجميلة.
انظر تقديم جملة الاقتضاء على جملة المناجاة، يحتمل أن يكون المصنف فعل ذلك: تقديمًا للمقصد على الوسيلة؛ لأن التلاوة وسيلة إلى الفهم، والفهم وسيلة إلى العمل بمقتضى الخطاب.
__________
(1) في ز: "هي".
(2) في ز: "المسرارة".
(3) "قوله" ساقطة من ط.
(4) في ط: "هو".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط ولم يرد في الأصل.
(6) المثبت من ز وط، ولم ترد كلمة: "الجميلة" في الأصل.
(7) "قوله" ساقطة من ط.
(8) في ط: "المراد بها تلاوة".
(9) المثبت من ز، وفي الأصل: "النبي".
(10) في ط: "والقراءة".
(1/45)

[قوله (1): (وفضلنا بها وفيها على سائر الفرق والعصابات):
معنى قوله: (وفضلنا بها) أي: وفضلنا بخطاب (2) الرسالة، أي: بالمخاطبة بها، أي: بالمطالبة بالعمل بما فيها.
وقوله (3): (وفيها) أي: وفضلنا أيضًا فيها، أي: في الرسالة، أي: ذكر الله تعالى تفضيلنا في الرسالة، وذلك قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (4) فنص الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة على تفضيلنا على سائر الأمم.
قال المؤلف في الشرح (5): فلو (6) لم ينزل الله تبارك (7) وتعالى هذه الآية في القرآن لكنا مفضلين بها لا فيها (8)] (9).
قوله (10): (وفضلنا بها وفيها) (11) هو (12): تكرار في المعنى
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط.
(2) في ط: "المخاطب".
(3) "وقوله" ساقطة من ط.
(4) آية رقم 110 من سورة آل عمران.
(5) في ط: "في شرحه".
(6) في ط: "ولو".
(7) "تبارك" لم ترد في ط.
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 3.
(9) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(10) "قوله" ساقطة من ط.
(11) "وفيها" ساقطة من ز وط.
(12) "هو" ساقطة من ط.
(1/46)

لقوله: (وجعلنا أهلاً لشرف ذلك الاقتضاء).
وقوله (1): (فيها) إشارة إلى قوله (2) تعالى (3): {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (4) هذا على القول بأن المراد بالأمة في الآية: جميع أمة محمد عليه السلام، وأما القول بأن المراد بالأمة: أمة معينة، وهم: الصحابة رضوان الله عليهم فلا يتجه الاستدلال (5).
فإذا قلنا: المراد (6) بالأمة جميع (7) أمة محمد عليه السلام (8)، فاختلف في "كان" مِنْ (9) قوله: {كُنْتُمْ}:
قيل: المراد بها كان التي تقتضي الدوام، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (10) أي: لم يزل الله غفورًا رحيمًا.
وقيل: المراد بها أصلها الذي هو: اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي، معناه: كنتم في علم الله تعالى في اللوح المحفوظ خيرَ الأمم.
قوله (11): (على سائر الفرق والعصابات) (12) يحتمل أن يريد
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط.
(2) في ز: "لقوله".
(3) "تعالى" لم ترد في ط.
(4) آية رقم 110 من سورة آل عمران.
(5) في ز: "فيه الاستدلال"، وفي ط: "بها الاستدلال".
(6) في ز: "بالمراد".
(7) في ز: "أمته".
(8) في ط: " - صلى الله عليه وسلم - ".
(9) في ز: "في".
(10) آية رقم 96 من سورة النساء.
(11) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(12) "والعصابات" ساقطة من ط.
(1/47)

بالسائر (1): الباقي، وهو: مأخوذ من السؤر الذي هو بقية الشيء (2)، ويحتمل أن يريد به: الجميع مأخوذ من سور المدينة (3)، وهو أنسب لهذا (4) الموضع.
تقديره على المعنى الأول: وفضلنا بها وفيها على باقي الفرق والعصابات (5)، وتقديره على الثاني: وفضلنا بها وفيها على جميع الفرق والعصابات.
قوله (6): (الفرق) (7) جمع فرقة.
وقوله: (العصابات) (8) جمع عصابة.
والفرقة أكثر من العصابة، كأنه يقول: وفضلنا بها (9) على الأمم الكثيرة، والأمم (10) القليلة.
__________
(1) في ز: "بسائر".
(2) في لسان العرب (4/ 387): "أسأرت سؤرًا أي: أفضلت فضلاً". انظر: مادة (سور).
(3) السور حائط المدينة، مذكر، انظر: لسان العرب مادة (سور).
(4) في ز: "بهذا".
(5) "والعصابات" ساقطة من ط.
(6) "قوله" ساقطة من ط.
(7) في ط: "والفرق".
(8) في ز وط "والعصابات".
(9) في ز: "بها وفيها".
(10) "الأمم" ساقطة من ز.
(1/48)

قال [أبو عبد الله الزبيدي (1)] (2) - فى مختصر العين -: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين, وكذلك العصابة. انتهى (3).
وقال صاحب فقه اللغة في ترتيب جماعات (4) الناس وتدريجها من القلة إلى الكثرة: نفر، ورهط, ولُمّة، وشرذمة، ثم جيل (5) , وعصبة، وطائفة ثم ثبة، وثُلّة، وفوج، وفرقة. انتهى (6).
فالفرقة إذًا أكثر من العصبة (7) ومن الطائفة، فمن فسر الفرقة في كلام المؤلف بالطائفة فقد أخطأ الحقيقة، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} (8) فالفرقة أكثر من الطائفة.
__________
(1) الصواب: "أبو بكر الزبيدي" وهو محمد بن الحسن بن عبد الله بن مذحج بن محمد ابن عبد الله بن بشر الزبيدي الإشبيلي، نزيل قرطبة، أخذ العربية عن أبي علي القالي، وأبي عبد الله الرباحي، كان واحد عصره في علم النحو، وحفظ اللغة، وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، وكان شاعرًا كثير الشعر.
توفي رحمه الله سنة تسع وسبعين وثلاثمائة بإشبيلية، من مصنفاته "مختصر العين"، "طبقات النحويين"، "الواضح"، "لحن العامة".
انظر: بغيه الوعاة 1/ 84، 85، إنباه الرواة 3/ 108، 109، تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي 2/ 92، معجم الأدباء 18/ 179 - 184، وفيات الأعيان (4/ 372).
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) انظر: مختصر العين ص 41، مخطوط بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم 8498 فلم.
(4) في ز وط: "جماعة"
(5) في ط: "قليل ثم عصبة".
(6) انظر: فقه اللغة لأبي منصور الثعالبي الباب الحادي والعشرين (ص 225).
(7) في ط: "عصبة".
(8) سورة التوبة آية رقم 122.
(1/49)

وقوله (1): (وصلواته (2) الطيبات الزاكيات على أفضل المخلوقات):
لما ذكر المؤلف الثناء على الله تبارك وتعالى شكرًا منه على إنعامه، أردف ذلك بالصلاة على محمد عليه السلام؛ لأن شأن الخطب (3) أن يبدأ فيها بالثناء على الله تعالى (4)، ثم يثنى فيها بالصلاة على محمد عليه السلام.
والصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - (5) ها هنا فيها (6) خمسة مطالب:
ما حكمها؟ و (7) ما الأصل فيها؟ وما أقسامها؟ وما موضع استحبابها؟ وكراهيتها؟ ومن (8) الذي يصلى عليه (9)؟
أما حكمها ففيها (10) أربعة مذاهب:
قال مالك (11): واجبة مرة في العمر، وهي سنة في الصلاة.
__________
(1) "وقوله" ساقطة من ط.
(2) في ز: "وصلاته".
(3) في ز وط: "الخطبة".
(4) في ز: "تبارك وتعالى".
(5) في ز: "عليه السلام", وفي ط: "على النبي عليه السلام".
(6) في ط: "في".
(7) "الواو ساقطة من ز.
(8) في ط: "وما".
(9) انظر هذه المطالب في: الشفا للقاضي عياض 2/ 60 - 78.
(10) في ط: "ففيه".
(11) هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر بن الحارث بن غيمان بن جثيل بن عمرو ابن الحارث، وهو ذو أصبح الحميري، ولد سنة 93 ه, روى عن ربيعة الرأي، وابن هرمز، وسعيد بن المسيب، وجلس للتدريس وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان متحريًا متورعًا في الفتيا، وكان متبعًا للسنة، كارهًا للبدعة، بلغ عدد الرواة عنه ألف راوٍ، منهم:
ابن شهاب الزهري، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وأبو حنيفة، =
(1/50)

وقال الشافعي (1)، وابن المواز (2) من أصحاب المذهب (3): واجبة في كل صلاة.
__________
= وأبو يوسف، والشافعي، وغيره.
توفي رحمه الله سنة تسع وسبعين ومائة (179 ه).
انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون 17 - 30، طبقات الفقهاء للشيرازي 42، 43، البداية والنهاية 10/ 174، وفيات الأعيان 4/ 135 - 139، النجوم الزاهرة 2/ 96، تذكرة الحفاظ 1/ 207 - 213.
(1) هو الإمام أبو عبد الله بن محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد القرشي، المطلبي، الشافعي، لقي جده شافعُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مترعرع، ولد سنة خمسين ومائة (150 ه) بمدينة غزة على الأرجح، حمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين، فنشأ بها وقرأ القرآن الكريم، وكتب العلم بها وبالمدينة، والتقى بالإمام مالك، وقرأ عليه الموطأ حفظًا، وأخذ عن محمد بن الحسن الشيباني، وحدث عنه: سليمان بن داود الهاشمي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، والمزني، وقد اتفق العلماء على ثقته، وأمانته، وعدالته، وزهده، وورعه، وحسن سيرته، وعلو قدره، توفي رحمه الله في مصر سنة أربع ومائتين (204 ه).
انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 2/ 56 - 73، طبقات الشافعية للسبكي 1/ 343 - 344، حسن المحاضرة 1/ 121، مرآة الجنان 2/ 13 - 28، معجم الأدباء 17/ 281 - 327، النجوم الزاهرة 2/ 76، تهذيب التهذيب 9/ 25 - 31.
(2) هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن زياد بن المواز الإسكندراني المالكي، ولد سنة ثمانن ومائة (180 ه)، أخذ عن: أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم، وابن الماجشون، انتهت إليه رئاسة المذهب ومعرفة تفريعه ودقائقه، وكان راسخًا في الفقه والفتيا، توفي سنة إحدى وثمانين ومائتين (281 ه)، له كتاب كبير في الفقه.
انظر ترجمته في: الديباج المذهب ص 232، 233، الوافي بالوفيات للصفدي 1/ 235، 236، مرآة الجنان 2/ 194، شذرات الذهب 2/ 177، طبقات الفقهاء للشيرازي 154.
(3) في ز: "مالك".
(1/51)

وقال أبو حنيفة (1): واجبة عند كل سماع ذكره، هذه المذاهب الثلاثة مشهورة (2).
المذهب الرابع: يجب الإكثار من الصلاة عليه من غير تحديد، ما لم تبلغه المشقة في ذلك، [هذه المذاهب ذكرها القاضي عياض في الشفا (3)] (4).
وأما الأصل فيها: فالكتاب والسنة والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (5).
والأمر ها هنا محمول (6) على الوجوب باتفاق.
__________
(1) هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، ولد أبو حنيفة سنة ثمانين للهجرة (80 ه) وأدرك أربعة من الصحابة، ولم يلق أحدًا منهم، ولا أخذ عنه، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، وحماد بن أبي سليمان، ونافعًا مولى ابن عمر، وكان عالمًا عاملاً زاهدًا ورعًا تقيًا كثير الخشوع.
روى عنه: عبيد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، ومحمد ابن الحسن الشيباني، توفي سنة خمسين ومائة (150 ه) ببغداد.
انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 3/ 323 - 423، مرآة الجنان 309 - 312، شذرات الذهب 1/ 227 - 228، البداية والنهاية 10/ 107، النجوم الزاهرة 2/ 12 - 15, طبقات الفقهاء للشيرازي ص 67.
(2) في ط: "مشهورات".
(3) ذكر القاضي عياض هذه المذاهب ما عدا المذهب الثالث، وهو مذهب أبي حنيفة القائل: إن الصلاة على النبي واجبة عند كل سماع ذكره.
انظر كتاب: الشفا للقاضي عياض (2/ 61 - 64).
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط، وورد محله: "انظر الشفا".
(5) سورة الأحزاب آية رقم 56.
(6) "محمول" ساقطة من ز.
(1/52)

ودليل السنة: قوله عليه السلام: "البخيل ثم البخيل من ذكرت عنده فلم (1) يصل عليّ"، وفي بعضها: "البخيل ثم البخيل (2) من سمع بذكري ولم يصل عليّ" (3). وقوله عليه السلام (4): "رغم أنف رجل ذكرت (5) عنده فلم يصل عليّ" (6). [ومنه قوله عليه السلام (7): "لا صلاة لمن لم يصلِّ عليّ (8) " (9).
__________
(1) في ط: "ولم".
(2) "البخيل ثم البخيل" لم ترد في ط.
(3) هذا الحديث رواه الترمذي ونصه:
عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل عليّ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
انظر: سنن الترمذي (9/ 198) أبواب الدعوات، رقم الحديث 3540.
وأخرجه الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب بهذا اللفظ (المسند 1/ 201).
(4) "عليه السلام" لم ترد في ط.
(5) في الأصل: "رغم الله أنف من ذكرت"، والمثبت من ز وط وهو الأولى.
(6) هذا الحديث أخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة".
قال عبد الرحمن: وأظنه قال: "أو أحدهما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
انظر: سنن الترمذي (9/ 97) أبواب الدعوات، باب رقم 110، رقم الحديث 3539.
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 254) عن أبي هريرة بهذا اللفظ.
(7) "عليه السلام" لم ترد في ط.
(8) في ط: "عليّ فيها".
(9) أخرجه ابن ماجه قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - =
(1/53)

وقوله عليه السلام (1): "كل صلاة لم يصل عليّ فيها فهي غير مقبولة" (2)] (3).
ومنه قوله عليه السلام (4): "أيما مجلس اجتمع (فيه) (5) قوم ولم يصلوا عليّ إلا كان عليهم حسرة وندامة يوم القيامة" (6). وفي بعضها: "إلا كان ذلك
__________
= قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار" في الزوائد: ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن.
انظر: سنن ابن ماجه كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء، رقم الحديث العام 400، (1/ 140).
وأخرجه الدارقطني بلفظ: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - " وذكر أن في سنده عبد المهيمن ليس بالقوي، كتاب الصلاة، باب ذكر وجوب الصلاة على النبي (2/ 355).
وقال ابن حجر: عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، الأنصاري، المدني، ضعيف، من الثامنة، مات بعد السبعين ومائة.
انظر: تقريب التهذيب (1/ 525).
(1) "عليه السلام" لم ترد في ط.
(2) أخرجه الدارقطني (2/ 355) من حديث أبي جعفر عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى صلاة لم يصل فيها عليّ ولا على أهل بيتي لم تقبل منه", وذكر أن في سنده جابرًا وهو ضعيف، وقد اختلف فيه.
وذكر نور الدين القارئ أن في سنده انقطاعًا؛ حيث إن أبا جعفر ولد سنة عشر ومائة وأبا مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، فلم يدرك جعفر أبا مسعود.
انظر: شرح الشفا لنور الدين القارئ 3/ 741.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز ولم يرد في الأصل.
(4) في ز وط: "وقال عليه السلام".
(5) المثبت من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(6) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة, فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم =
(1/54)

المجلس أنتن من جيفة" (1).
والإجماع منعقد على مشروعية الصلاة على محمد عليه الصلاة والسلام (2).
وأما أقسامها فهي ثلاثة أقسام:
الصلاة من الله، والصلاة من الملائكة، والصلاة من العباد.
فالصلاة من الله (3) على من صلى عليه معناها: الرحمة.
والصلاة من الملائكة على من صلوا عليه معناها: الدعاء والاستغفار.
والصلاة من العباد (4) على محمد عليه السلام (5): عبادة (6).
__________
= من غير وجه، ومعنى قوله: "ترة" يعني: حسرة وندامة، كتاب الدعوات، باب القوم يجلسون ولا يذكرون الله، رقم الحديث 3377، (9/ 97).
وذكر السيوطي أن هذا الحديث قد أخرجه البيهقي في الشعب، وسعيد بن منصور، انظر: مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا للسيوطي ص 70.
وانظر: كشف الخفاء رقم الحديث 2733، ج 2/ 417.
(1) عن جابر عنه - صلى الله عليه وسلم -: "ما جلس قوم مجلسًا ثم تفرقوا على غير صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا تفرقوا على أنتن من ريح الجيفة" الشفا (2/ 78).
(2) في ز: "عليه السلام", وفي ط: "محمد وآله".
(3) في ز: "من الله عز وجل".
(4) "من العباد" ساقطة من ز.
(5) في ط: " - صلى الله عليه وسلم - ".
(6) الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه.
الثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه ويزيد في تشريفه وتكريمه، فالمصلي عليه - صلى الله عليه وسلم - قد صرف سؤاله إلى محاب الله ورسوله وآثر ذلك على طلب حوائجه ومحابه هو.
انظر: جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام لابن القيم ص 454.
(1/55)

ومنهم من جعل الصلاة ها هنا على أربعة أقسام:
الصلاة من الله على محمد عليه السلام (1)، والصلاة من الله على غير محمد عليه السلام (2)، والصلاة من الملائكة، والصلاة من العباد.
فالصلاة من الله على محمد عليه السلام تشريف وزيادة (3) تكرمه.
والصلاة من الله على غير محمد عليه السلام: رحمة (4).
__________
(1) "عليه السلام" لم ترد فى ط.
(2) "عليه السلام" لم ترد في ط.
(3) "زيادة" ساقطة من ط.
(4) اختلف العلماء في معنى الصلاة من الله على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها رحمته، ونسبه ابن القيم لكثير من المتأخرين.
القول الثاني: أن صلاة الله مغفرته.
القول الثالث: أن صلاة الله هي ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه وتكريمه وإظهار شرفه وفضله، وهو الذي رجحه ابن القيم.
أما القول الأول والثاني فضعفهما ابن القيم ورد عليهما فذكر خمسة عشر وجهًا منها:
1 - أن الله سبحانه فِرق بينِ صلاته على عباده ورحمته كما قال تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157].
2 - أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفة للرحمة.
3 - أن أحدًا لو قال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "رحمه الله" بدل - صلى الله عليه وسلم - لبادرت الأمة إلى الإنكار عليه وسموه مبتدعًا، ولو كانت الصلاة من الله رحمة لم يمتنع شيء من ذلك.
4 - أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة بمعنى الرحمة أصلاً. والمعروف عند العرب من معناه الدعاء.
انظر تفصيل هذه الأوجه وغيرها في: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن القيم ص 158 - 168.
(1/56)

والصلاة من الملائكة على من صلوا عليه: دعاء واستغفار.
والصلاة من العباد على من صلوا عليه (1) عبادة.
وأما موضع استحباب الصلاة على محمد عليه السلام (2):
فقال القاضي (3) عياض: تستحب الصلاة على النبي عليه السلام في ثمانية مواضع:
في أول الدعاء، وفي آخره (4)، وبعد البسملة، وآخر (5) الآذان، وعند دخول المسجد، وعند ابتداء الكتاب، وعند تمامه، وفي يوم الجمعة (6).
وقال القاضي عياض أيضًا: وتكره الصلاة على النبي عليه السلام في ثمانية مواضع:
عند الذبح، وعند التعجب، وعند العثار، وعند إبراز السلع للبيع، وعند الجماع، وعند العطاس، [وعند قضاء الحاجة] (7)، وعند إشهار السلاح (8).
__________
(1) "على من صلوا عليه" ساقطة من ط.
(2) في ط: "على النبي - صلى الله عليه وسلم -".
(3) "القاضي عياض" لم ترد في ط.
(4) في ط: "وفي آخر الدعاء".
(5) في ز وط: "وعند".
(6) انظر: كتاب الشفا (2/ 64 - 69).
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) ذكر القاضي عياض ثلاثة من مواطن كراهية الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي: عند الذبح، وعند التعجب, وعند العطاس، ولم يذكر الخمسة الباقية التي ذكرها المؤلف.
انظر: كتاب الشفا 2/ 66.
(1/57)

وأما الذي يصلى عليه ففيه أربعة أقوال:
أحدها: النبي عليه السلام (1) خاصة (2)، قاله ابن عباس (3) رضي الله عنه، دليله قوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} (4).
القول الثاني: الأنبياء كلهم خاصة، قاله سفيان (5) رضي الله عنه.
__________
(1) في ط: "النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ".
(2) في ز: "أحدها خاصة".
(3) هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي، الهاشمي، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفقه في الدين، وكان عمر بن الخطاب يحبه ويقربه، واستعمله علي بن أبي طالب على البصرة، وشهد مع علي رضي الله عنهما الجمل، وصفين، والنهروان، وروى ابن عباس عني النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن عمر، وعلي،، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وروى عنه: عبد الله ابن عمر، وأنس بن مالك، وعكرمة، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، توفي رحمه الله بالطائف سنة ثمان وستين (68 ه).
انظر ترجمته في: الإصابة 4/ 141 - 152، الاستيعاب 3/ 933 - 939، أسد الغابة 3/ 192 - 194.
(4) آية 63 من سورة النور.
(5) هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله، يصل نسبه إلى ملكان الثوري، ولد سنة (97 ه)، كان إمامًا في الحديث، أجمع الناس على دينه، وورعه، وزهده، وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، سمع الحديث من أبي إسحاق السبيعي، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك بن عميرة، والأعمش، ورحل إلى بغداد وبخارى، سمع منه الأوزاعي، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق، وحماد بن سلمة، ووكيع، وابن المبارك.
توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة للهجرة (161 ه).
انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 9/ 151 - 174، وفيات الأعيان 2/ 386 - 390، طبقات الشيرازي ص 23، تهذيب التهذيب 4/ 111، تذكرة الحفاظ للذهبي 1/ 203 - 206.
(1/58)

القول الثالث: تجوز الصلاة على كل أحد، قاله يحيى بن يحيى (1).
دليله قوله (2): {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} (3) (4).
وقوله عليه السلام (5): "اللهم صل على آل أبي أوفى" (6).
القول الرابع: بالتفصيل بين الابتداء والاتباع، فتجوز في الاتباع ولا تجوز في الابتداء، فتجوز [الصلاة على هذا القول على غير النبي إذا كان تابعًا في الكلام للنبي، ولا تجوز على غير النبي (7) ابتداء، وهو مذهب مالك والحنفيين (8).
__________
(1) هو يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال أبو محمد الليثي الأندلسي المالكي، روى الموطأ عن الإمام مالك إلا يسيرًا، سمع يحيى مالكًا، والليث، وابن القاسم، وقدم الأندلس بعلم كثير، وإليه انتهت الرئاسة في العلم والفتوى بالأندلس، وكان ثقة عاقلاً حسن الهدى والسمت، توفي سنة (234 ه).
انظر ترجمته في: الديباج المذهب، تحقيق د. أبو النور 2/ 352 ترتيب المدارك للقاضي عياض 2/ 534، تهذيب التهذيب 11/ 300 - 301، شذرات الذهب 2/ 82، مرآة الجنان 2/ 113.
(2) في ز وط: "قوله تعالى".
(3) سورة الأحزاب، آية رقم 43.
(4) هذه الأقوال الثلاثة ذكرها القاضي عياض في كتاب الشفا (2/ 81).
(5) في ط: " - صلى الله عليه وسلم -".
(6) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات ونص الحديث: حدثنا مسلم، حدثنا شعبة عن عمرو: سمعت ابن أبي أوفى رضي الله عنهما: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه رجل بصدقة قال: "اللهم صل على آل فلان"، فأتاه أبي فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".
انظر: صحيح البخاري (4/ 103).
وأخرجه أبو داود في كتاب الزكاة (2/ 106).
(7) "ابتداء" ساقطة من ز.
(8) في ز: "والمحققين".
(1/59)

فنقول] (1) على هذا القول: اللهم صل على محمد وعلى آله (2)، ولا يجوز (3) أن نقول: اللهم صل على آل محمد أو صل على فلان أو على آل فلان.
دليله قوله عليه السلام: "اللهم صل على محمد وعلى آل (4) محمد" (5) ولم يقل: اللهم صل على آل محمد ابتداء (6) [من غير اتباع.
وقال بعضهم: لا خلاف في جوازها على غير الأنبياء إذا كانت على وجه الاتباع، وإنما الخلاف في جوازها على الانفراد.
قال القاضي أبو الفضل عياض] (7): الصحيح أن الصلاة خاصة بالأنبياء دون غيرهم تشريفًا لهم وتعظيمًا لهم على غيرهم، كما خُص الله بالتسبيح، وأما غير الأنبياء فليلتمس لهم (8) الأقوال الحسنة من الرضى، والغفران، وغير ذلك (9)
واختلف هل يدعى له (10) عليه السلام بالرحمة أم لا؟
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) في ز: "وآله".
(3) في ز وط: "ولا يجوز على هذا القول أن نقول".
(4) في ط: "وعلى آله".
(5) أخرجه البخارى في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (4/ 106).
وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (2/ 16).
(6) في ز: "في الابتداء".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(8) "لهم" ساقطة من ز.
(9) نقل المؤلف ها هنا بالمعنى انظر: كتاب الشفا 2/ 82.
(10) في ز وط: "للنبي".
(1/60)

فمنعه (1) أبو عمر بن عبد البر (2).
وأجازه ابن أبي زيد؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث: "وارحم محمدًا".
[قال القاضي عياض: لم يأت ذلك في حديث صحيح (3).
قوله] (4): (وصلواته (5) الطيبات الزاكيات) إنما صور (6) المصنف (6) - رحمه الله - هذه الألفاظ بصورة الجمع دون صورة المفرد: مبالغة في معناها؛ لأن الجمع أبلغ في المعنى من المفرد.
وقوله: (الطيبات الزاكيات) مترادفات (7)؛ لقوله تعالى (8): {سَلَامٌ
__________
(1) في ز وط: "منعه".
(2) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النحري القرطبي، ولد سنهَ ثمان وستين وثلاثمائة (368 ه) حافظ مكثر، عالم بالقراءات، وبالخلاف في الفقه، من شيوخه: خلف بن القاسم، وأحمد بن عبد الله الباجي، وأبو الوليد الفرضي، طلب العلم في قرطبة، وجال في غرب الأندلس وشرقها، وتولى قضاء الأشبونة.
توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة (463 ه) بمدينة شاطبة، من أشهر مصنفاته: "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"، و"الكافي" في الفقه المالكي، و"الاستيعاب في معرفة الأصحاب".
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 7/ 66 - 72، بغية الملتمس ص 374، الديباج المذهب ص 357، ترتيب المدارك 4/ 808، شذرات الذهب 3/ 314، مرآة الجنان 3/ 89، تذكرة الحفاظ 3/ 306.
(3) انظر: كتاب الشفا (2/ 73 - 74).
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط: "وصلواته المسألة".
(6) في ط "إنما صدر المصنف" وفي ز "إنما صور المؤلف".
(7) "مترادفات" ساقطة من ز.
(8) "تعالى" لم ترد في ط.
(1/61)

عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ} (1).
قال الفراء (2): معناه (3): زكوتم (4).
ففسر الطيب بالزاكي، والزكاة في اللغة هي: الزيادة والنمو (5)، يقال: زكا الشيء إذا زاد ونما.
فقوله على هذا: (وصلواته الطيبات الزاكيات) معناه: وصلوات الله التي تزيد أجورها وثوابها، على أفضل المخلوقات، ويحتمل أن يكونا متباينين؛ فتكون الطيبات بمعنى الصالحات، لقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} (6)
__________
(1) سورة الزمر آية رقم 73.
(2) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور بن مروان الأسلمي الديلمي، المعروف بالفراء؛ لأنه كان يفري الكلام، ولد سنة أربع وأربعين ومائة (144 ه)، أخذ عن: أبي الحسن الكسائي، وقيس بن الربيع، وابن عياش وغيرهم، وكان فقيهًا عالمًا بالخلاف وبأيام العرب، متكلمًا يستعمل في تصانيفه ألفاظ الفلسفة، توفي رحمه الله سنة (207 ه).
أغلب مصنفاته في اللغة والنحو، منها: "الحدود" في النحو، "اللغات"، "مشكل اللغة الكبير"، "معاني القرآن".
ترجمته في: معجم الأدباء 20/ 9 - 14، شذرات الذهب 2/ 19، بغية الوعاة للسيوطي 2/ 333، وفيات الأعيان 6/ 176 - 282، طبقات النحويين للزبيدي ص 31 - 33، تاريخ بغداد 14/ 149 - 155، مرآة الجنان 2/ 38
(3) في ط: "ومعناه".
(4) انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 425.
(5) في ز: "في اللغة: النمو والزيادة".
(6) سورة فاطر، آية رقم 10.
(1/62)

أي: الصالح (1)، وتكون (2) الزاكيات [بمعنى الزيادات (3) الناميات، فالزاكيات على هذا أبلغ من الطيبات.
وقوله: الطيبات الزاكيات (4)] (5) من باب الأوصاف التأكيدية، وليست (6) من الأوصاف التقييدية، وإنما فعل ذلك مبالغة في تأكيد الصلاة على محمد عليه السلام (7).
وقوله (8): (على أفضل المخلوقات) أي: على أجمل وأكمل وأحسن المخلوقات قولاً وفعلاً، خُلُقًا وخَلْقًا.
وقوله (9): (المخلوقات) يقتضي العموم؛ لأنه جمع محلى بالألف واللام، فيقتضي أنه عليه السلام أفضل من جميع المخلوقات، من الملائكة والأنبياء.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: إن الله عز وجل فضل نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على أهل السماء (10) وعلى (11) الأنبياء صلوات الله عليهم.
__________
(1) في ز: "الصالح من العمل".
(2) في ز: "ويكون".
(3) في ز: "الزائدات".
(4) في ز: "الزاكيات الطيبات".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ز: "وليس".
(7) في ز: " - صلى الله عليه وسلم -".
(8) "قوله" ساقطة من ط.
(9) "الواو" ساقطة من ز.
(10) في ز: "السموات".
(11) "على" ساقطة من ط.
(1/63)

وقوله: (محمد) سُمي محمدًا، لأجل المبالغة فى حمده، إما لكثرة حمده لله تعالى، وإما لكثرة حمد الناس له، وإما لكثرة حمد الملائكة له (1)، وإما لكثرة محامده الحسنة، لقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (2)، وإما لاجتماع (3) ذلك كله، فهو عليه السلام أحمد الحامدين وأحمد المحمودين.
وقوله: (المبعوث) أي: المرسل؛ لأن البعث هو الإرسال، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} (4).
وقوله (5): (بأفضل المناهج والبينات) أي: بعثه الله عز وجل مصحوبًا بأفضل وأكمل وأجمل وأحسن المناهج والبينات.
والباء (6) في قوله: (بأفضل) للمصاحبة، كالباء في قوله تعالى (7). {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} (8)، وفي قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} (9) أي. مصحوبًا بالهدى (10).
وقوله: (المناهج) جمع مفرده: منهاج أو منهج (11) , يقال للطريق
__________
(1) "له" ساقطة من ز.
(2) سورة القلم، آية رقم 4.
(3) في ط: "وإما لأجل اجتماع".
(4) سورة النحل، آية رقم 36.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) في ز: "فالباء" وفي ط: "الباء".
(7) "تعالى" لم ترد في ط.
(8) سورة البقرة آية رقم 119، وفي ز وط: "أي: مصحوبًا بالحق".
(9) سورة الفتح آية رقم 28.
(10) "بالهدى" ساقطة من ز.
(11) في ط: "جمع منهج أو منهاج".
(1/64)

الواضح (1) البين الظاهر: مِنْهَاجٌ ومَنْهَجٌ، ونَهْجٌ ومَهْيَعٌ، وكلها مترادفة بمعنى واحد، وهي صفات (2) للطَريق الواضح الظاهر، وليس كل طريق كذلك؛ إذ لا يُسَمّى الطريق كذلك (3) إلا إذا كان واضحًا ظاهرًا مستمرًا، ومنه قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (4)؛ فالشرعة والشريعة هي: الطريقة (5) الموصلة إلى النجاة (6) من النار (7).
والمنهاج: هو الطريق المستمر الظاهر، قال (8) حسان (9) بن ثابت (10)
__________
(1) قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط: "النهج الطريق الواضح كالمنهج والمنهاج".
انظر: مادة (نهج).
(2) في ز وط: "وهو صفة".
(3) في ز وط: "بذلك".
(4) سورة المائدة، آية رقم 48.
(5) في ط: "الطريق".
(6) في ط: "للنجاة".
(7) "من النار" ساقط من ز وط.
(8) في ز: "وقال".
(9) هو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك الأنصاري، وقد عاش في الجاهلية، وهو متقدم الإسلام، وفُضّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروى عنه سعيد بن المسيب، والبراء بن عازب، توفي سنة (40 ه)، وقيل: (54 ه)، وقيل: (55 ه)، وله من العمر (120) سنة.
انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب (2/ 247، 248)، الإصابة (1/ 325)، الشعر والشعراء لابن قتيبة (1/ 305)، خزانة الأدب للبغدادي (1/ 227).
(10) "ابن ثابت" لم ترد في ط.
(1/65)

[الأنصاري رضي الله عنه] (1):
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق (2) المهيع
وإذا اصطنعت (3) صنيعة فاقصد بها ... الله أو في (4) ذي القرابة (5) أودع (6)
قال صاحب العين: نهج الأمر وأنهج إذا: وضح (7).
قوله: (بأفضل المناهج) أراد بالمناهج: الشرائع (8).
وقوله (9): (البينات) أراد بها (10) الآيات لقوله تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ} (11).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(2) في ز "الطريق".
(3) في ز: "صنعت".
(4) "في" ساقطة من ز.
(5) في ط: "قرابة".
(6) هذه الأبيات وردت في ديوان حسان بهذا اللفظ:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع
فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها ... لله أو لذوي القرابة أودع
انظر: ديوان حسان تحقيق د. وليد عرفات (1/ 493) رقم القصيدة 329.
(7) في ط: "أوضح"، وانظر: العين للخليل بن أحمد الفراهيدي 3/ 392.
(8) في ز وط: "أراد به الشرائع".
(9) "قوله" ساقطة من ط.
(10) "بها" ساقطة من ز، وفي ط: "به".
(11) آية رقم 25 من سورة فاطر.
(1/66)

قال الهروي (1): أي: بالآيات (2) الفاصلة بين الحق والباطل (3).
وقال المهدوي (4): معنى البينات (5) أي: البراهين (6) [البينات على حذف المصوف: أي: بالبراهين الواضحات (7).
وقوله: البراهين معناها (8): المعجزات.
ومعنى قوله الزبر: الكتب وهو جمع زبور (9) ويقال: زبرت أي:
__________
(1) في ط: "المهدوي"، والهروي هو: أبو عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي، الهَرَوي، الفاشاني، والهروي نسبة إلى "هراة" إحدى مدن خراسان، وكان أعلم الناس في الأدب واللغة، قرأ على جماعة منهم: أبو سليمان الخطابي، وأبو منصور محمد الأزهري، توفي سنة (401 ه)، من مصنفاته: كتاب "الغريبين غريبي القرآن والحديث" وكتاب: "ولاة هراة".
انظر ترجمته في: معجم الأدباء 4/ 260، بغية الوعاة 1/ 371، وفيات الأعيان 1/ 95، والبداية والنهاية 11/ 344، النجوم الزاهرة 4/ 228، مرآة الجنان 3/ 3، شذرات الذهب 3/ 161.
(2) في ط: "أي الآيات".
(3) انظر كتاب: الغريبين: غريبي القرآن والحديث للهروي (1/ 235) باب الباء مع الياء.
(4) هو أبو العباس أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي، المغربي، رحل وقرأ على محمد بن سليمان، وعلى جده لأمه مهدي بن إبراهيم، دخل الأندلس سنة (430 ه)، وكان عالمًا بالقراءات والآداب متقدمًا فيها، فهو نحوي، لغوي، مفسر، توفي رحمه الله سنة أربعين وأربعمائة (440 ه)، من مصنفاته: "التفصيل والتحصيل" في التفسير.
انظر: الصلة لابن بشكوال 1/ 86، 87، بغية الوعاة 1/ 351، إنباه الرواة 1/ 91، 92، معجم الأدباء 5/ 39.
(5) في ز وط: "معنى قوله: بالبينات".
(6) في ز: "أي بالبراهين".
(7) في ط: "الواضحة".
(8) في ط: "معناه".
(9) "الواو" ساقطة من ط.
(1/67)

كتبت] (1).
وقوله (2): (- صلى الله عليه وسلم -) أعاد الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - مبالغة في التأكيد للصلاة عليه، عليه السلام.
وقوله: (على (3) عترته) العترة (4) بالتاء (5) المهملة: أقرباؤه (6).
قال (7) في مختصر العين في باب التاء (8) المهملة: "عترة الرجل أقرباؤه" (9) (10)، وقيل: عترته عليه السلام: بنو عبد المطلب.
وقيل: بنو هاشم.
وقيل: أهل بيته الأقربون والأبعدون؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه:
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) "قوله" ساقطة من ط.
(3) في ز: "وعلى"
(4) العترة: ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه.
وقيل: عترة الرجل: أقرباؤه من ولد وغيره، وقيل: هم رهطه وعشيرته الأدنون من مضى منهم ومن غبر.
انظر: لسان العرب مادة (عتر).
(5) الصواب: "بالعين المهملة".
(6) في ز: "قرباؤه".
(7) في ز: "وقال".
(8) الصواب: "في باب العين المهملة".
(9) في ط: "أقاربه".
(10) انظر: مختصر العين ص 55 مخطوط بمكتبة جامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية رقم 8498 فلم.
(1/68)

"نحن عترة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيضته تَفَقْأت (1) عنه (2) "
قوله (3): (وأصحابه) جمع مفرده: صاحب.
واختلف في معنى أصحابه عليه السلام على ثمانية أقوال:
قيل: كل من ولد في زمانه.
وقيل: من ولد في زمانه وبلغ في زمانه.
وقيل: من رآه ولو مرة واحدة.
وقيل: من روى عنه ولو حديثًا واحدًا.
وقيل: من رآه وطالت صحبته معه.
[وقيل: من رآه وروى عنه وطالت صحبته معه (4)] (5).
وقيل: كل من غزا معه غزوة (6) أو غزوتين، أو قعد معه سنة أو سنتين (7)
__________
(1) في ط وز: "التي تفقأت عنه".
(2) لم أجد هذا الأثر مسندًا وقد ذكره الزركشي في المعتبر (ص 104) بلفظ: "نحن عترة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيضته التي تعقل عنه".
وورد بلفظ: "تفقأت" في النهاية لابن الأثير 3/ 177، وغريب الحديث للخطابي 2/ 191، والفائق في غريب الحديث 1/ 170، لسان العرب (4/ 538) مادة (عتر).
(3) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(4) "معه" ساقطة من ز.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ز: "ولو غزوة واحدة".
(7) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أو بسنتين".
(1/69)

قاله سعيد بن المسيب (1) رضي الله عنه.
وقيل: أصحابه هم الملازمون له (2) المهتدون بهديه حتى فاضت عليهم أنواره، وظهرت عليهم بركته (3) وأسراره - صلى الله عليه وسلم -، قاله شهاب الدين (4).
قوله (5): (وأزواجه) جمع (6)، مفرده: زوج أو زوجة (7)، ولكن الأفصح: زوج بإسقاط التاء، وهو الوارد في القرآن، قال الله تعالى (8): {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (9)، وقال: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} (10).
__________
(1) هو أبو محمَّد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزون القرشي، المدني، والمسيَّب بفتع الياء المشددة.
ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وهو أحد الفقهاء السبعة، وسيد التابعين، جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة.
أخذ عن زيد بن ثابت وجالس ابن عمر، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم، وسمع عثمان، وعليًا، وصهيبًا، وجُلّ روايته عن أبي هريرة، وامتحن وضرب في خلافة عبد الملك بن مروان.
توفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين للهجرة (91 ه).
انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد 6/ 256، طبقات الشيرازي ص 24، تهذيب التهذيب 4/ 84 - 88، وفيات الأعيان 2/ 375 - 378.
(2) "له" ساقطة من ز.
(3) في ط: "بركاته".
(4) هو شهاب الدين القرافي، وقد سبقت ترجمته.
(5) "قوله" ساقطة من ط.
(6) "جمع" ساقطة من ز وط.
(7) في ط: "وزوجة".
(8) "تعالى" لم ترد في ط.
(9) سورة البقرة، آية رقم 35.
(10) سورة الأحزاب، آية رقم 37.
(1/70)

قوله (1): (ومحبيه) (2) هذا عام يندرج فيه كل ما تقدم من عترته، وأصحابه، وأزواجه، وغيرهم، وهو من باب الإتيان بالعام بعد الخاص (3)، ويسمى عند أرباب البديع بالتعميم.
ومحبته - صلى الله عليه وسلم - واجبة على كل أحد (4)؛ لقوله عليه السلام: "لا يؤمن (5) أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (6).
وعلامة محبته - صلى الله عليه وسلم -: الاقتداء به (7)، واستعمال سنته قولاً وفعلاً، والتأدب بآدابه، قال الله عز وجل (8): {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (9).
قوله: (10) (صلاة (11) تبلغهم أفضل الدرجات) أي: صلاة توصلهم إلى أرفع الدرجات.
__________
(1) في ط: "وقوله".
(2) في ط: "ومحبته".
(3) في ز: "بالأعم بعد الأخص".
(4) في ز: "واحد".
(5) في ز: "يؤمنن".
(6) أخرجه الإمام البخاري بهذا اللفظ عن أنس بن مالك، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان (1/ 12).
وأخرجه الإمام مسلم بهذا اللفظ عن أنس بن مالك في كتاب الإيمان، باب وجوب محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكثر من الأهل والولد (1/ 49).
(7) "به" ساقطة من ز.
(8) في ط: "قال الله تعالى".
(9) سورة آل عمران آية رقم 31.
(10) "قوله" ساقطة من ط.
(11) في ط: "وصلاة".
(1/71)

والدرجات (1) هي: الطبقات النفيسة، والمنازل الشريفة في الجنة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الجنة مائة درجة أعلاها الفردوس، منها تتفجر (2) أنهار الجنة وعليها العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس" (3).
قال (4) ابن رشد (5) في جامع البيان:
__________
(1) في ز: "ومعنى الدرجات".
(2) في ط: "تنفجر".
(3) أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله, كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة".
انظر: صحيح البخاري كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء (4/ 281).
وأخرجه الترمذي في أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة، حديث رقم (2650) (4/ 82).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب صفة الجنة، رقم الحديث العام (4331) (2/ 1449).
وأخرجه النسائي في كتاب الجهاد، باب درجة المجاهدين في سبيل الله (6/ 20).
(4) "قال" ساقطة من ط.
(5) هو أبو الوليد محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن رشد المالكي، ولد سنة (450 ه)، زعيم فقهاء وقته بالأندلس والمغرب، بصيرًا بالأصول والفروع والفرائض، ولي القضاء بقرطبة، وممن أخذ عنه: القاضي الجليل أبو الفضل عياض، توفي رحمه الله سنة عشرين وخمسمائة (520 ه)، وهي السنة التي ولد فيها حفيده محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن رشد، من مصنفاته: "كتاب البيان والتحصيل"، و"المقدمات لأوائل كتاب المدونة".
انظر ترجمته في: الديباج 2/ 248 - 250 تحقيق د. محمَّد أبو النور، الصلة 2/ 546، بغية الملتمس ص 40، وفيات ابن قنفذ ص 270.
(1/72)

الاختيار (1) للداعي إذا دعا الله عز وجل أن يسأله أرفع المنازل؛ لأن الله جل جلاله جواد كريم.
وهكذا فعل المؤلف ها هنا.
قوله (2): (ونحوز بها أفضل المقامات في الحياة وبعد الممات) أي: وننال ببركتها أفضل الحالات في الحياة، وأفضل الحالات في الممات، أي: وننال ببركتها (3) أفضل الحالات في الدنيا والآخرة (4).
وأفضل (5) الحالات في الدنيا: ملازمة التقوى، لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (6).
وأفضل الحالات في الآخرة هي: الدرجات العُلى في الجنة، نسأل الله تعالى أن يجود علينا بالدرجات العُلى (7) في حياتنا ومماتنا (8) بمنه وفضله.
قوله (9): (أما بعد): لما أثنى المؤلف (10) رحمه الله (11) على الله
__________
(1) "الاختيار" ساقطة من ط، وفي ز: "المختار".
(2) في ز: "وقوله"، وفي ط: "نص".
(3) في ط: "بها".
(4) في ز وط: "وأفضل الحالات في الآخرة".
(5) في ز وط: "فأفضل".
(6) آية رقم 13 من سورة الحجرات.
(7) "العلى" ساقطة من ط.
(8) في ط: "وبعد مماتنا".
(9) في ط: "نص".
(10) في ز وط: "المصنف".
(11) في ز: "رحمه الله تعالى".
(1/73)

تعالى (1) بما هو أهله، وصلى على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأراد الشروع في مقصوده، أتى بكلمة تقتضي الاستئناف، وهي: أما بعد، وكان النبي عليه السلام يستعملها في خطبه، ومواعظه، وكذلك الخطباء قبله وبعده (2).
وها هنا خمسة مطالب، وهي:
ما معنى: أما بعد؟ وما العامل في هذا الظرف؟ ولِمَ بني؟ ولم بني على الحركة؟ ولم اختص بتلك الحركة؟
فأما معناها: فهي كلمة موضوعة للفصل بين الكلام المضاد (3) والخوض في المراد (4).
قيل: أول من نطق بها: داود عليه السلام، قالوا: وهو المراد بقوله تعالى: {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} (5).
وقيل: أول من نطق بها: سحبان (6) وائل، الذي تنسب إليه الفصاحة،
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط.
(2) في ز: "الخطباء بعده".
(3) في ط: "والكلام".
(4) في ط: "والمراد".
(5) سورة ص، آية رقم 20.
(6) هو سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، خطيب مفصح يضرب به المثل في البيان، كان إذا خطب يسيل عرقًا، ولا يعيد كلمة ولا يتوقف، ولا يقعد حتى يفرغ، أدرك الجاهلية، وأسلم، وعده ابن حجر مع المخضرمين الذين أسلموا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يجتمعوا به، قدم وفد على معاوية رضي الله عنه، وطلب منه أن يتكلم، فقام سحبان فتكلم من صلاة الظهر إلى صلاة العصر ما تنحنح، ولا سعل، ولا توقف، =
(1/74)

ويضرب به المثل في البلاغة، وهو القائل:
لقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد أني خطيبها (1)
وقيل: أول من قالها: قس بن ساعدة الإيادي (2).
وهو: أول من كتب من فلان إلى فلان، وهو: أول من خطب بعصا، وهو أول من أقر (3) بالبعث من غير (4) سماع، وكان يضرب به المثل في ذكاء
__________
= فما زالت تلك حالته حتى أشار إليه معاوية بيده، فقال سحبان: لا تقطع كلامي، فقال معاوية: الصلاة، فقال: هي أمامك، ونحن في صلاة وتحميد ووعد ووعيد، فقال معاوية: أنت أخطب العرب، فقال سحبان: والعجم والإنس والجن، توفي سنة 54 ه.
انظر ترجمته في: تهذيب ابن عساكر 6/ 76، خزانة الأدب للبغدادي 4/ 346.
(1) ذكر هذا البيت البغدادي في خزانة الأدب ونسبه إلى سحبان وائل، والشاهد في هذا البيت: قول سحبان: إذا قلت: أما بعد، وهي كلمة يبتدئ بها كثير من الخطباء والكتّاب كلامهم، كأنهم يستدعون بها الإصغاء لما يقولونه، ولذلك فخر بها سحبان في هذا البيت، وكثيرًا ما تأتي عقب الحمد لله، وتسمى حينئذ: فصل الخطاب، كأنها فصلت بين الكلام الأوّل والثاني، وتأتي عقب البسملة، وتأتي ابتداء كأنها عقب الفكر والروية.
انظر: خزانة الأدب 4/ 346، 347، تهذيب ابن عساكر 6/ 67.
(2) هو قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك الإيادي، وإياد حي من معد بن عدنان.
وهو خطيب العرب وشاعرها وحليمها، وحكيمها في عصره، يقال: إنه أول من علا شرفًا، وخطب عليه، وأول من قال في كلامه: أما بعد. أدركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة ورآه بعكاظ يخطب، توفي قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو من المعمرين.
انظر ترجمته في: خزانة الأدب للبغدادي 2/ 89 - 91، الأغاني 14/ 40 - 42، البيان والتبيين للجاحظ 1/ 27 - 31.
(3) في ط: "قد".
(4) في ز: "في الجاهلية من غير سماع".
(1/75)

العقل وكان في الفترة التي بين (1) عيسى ومحمد عليهما السلام (2).
وفيه قال النبي (3) عليه السلام: "يبعث يوم القيامة أمة وحده" (4).
وذكر ابن سبع (5) في كتاب الشفا في شرف النبي المصطفى (6):
__________
(1) في ط: "كانت بين".
(2) في ز: "صلى الله عليهما وسلم".
(3) في ط: "وفيه قال - صلى الله عليه وسلم - ".
(4) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية هذا الحديث في قصة طويلة أذكرها باختصار: "عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: كان الجارود بن المعلى بن حنش بن معلى العبدي نصرانيًا حسن المعرفة بتفسير الكتب وتأويلها، أنه قدم واحدًا في رجال من عبد القيس ذوي آراء، قال: فأدناه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرب مجلسه، وقال له: "يا جارود، لقد تأخر الموعد بك وبقومك ... "
ثم رغبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الإِسلام فأسلم وأسلم معه أناس من قومه، ثم قال الرسول: "أفيكم من يعرف قس بن ساعدة؟ "، فقال الجارود: كلنا نعرفه، وإني من بينهم لعالم بخبره واقف على أمره، كان قس يا رسول الله سبطًا من أسباط العرب عمر ستمائة سنة ثم أخذ يصفه وساق خطبته ...
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مهما نسيت فلن أنساه بسوق عكاظ واقفًا على جمل أحمر يخطب الناس"، ثم ساق الرسول - صلى الله عليه وسلم - خطبته ...
وروى أبو بكر الصديق شعره ...
قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رحم الله قسًا، أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده".
قال ابن كثير: وهذا الحديث غريب جدًا من هذا الوجه، وهو مرسل إلا أن يكون الحسن سمعه من الجارود، وأشار ابن كثير إلى روايات أخرى لهذا الحديث، فقد رواه البيهقي وابن عساكر من وجه آخر.
ثمَّ قال: وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة.
انظر: البداية والنهاية لابن كثير 2/ 232 - 236.
(5) لم أجد ترجمته.
(6) لم أجد هذا الكتاب ولم يذكره صلاح الدين المنجد في كتابه معجم ما ألف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(1/76)

أنه عاش سبع مائة سنة (1).
وقد رآه النبي عليه السلام قبل (2) بعثه بسوق عكاظ على جمل أورق وهو يعظ الناس وهو (3) يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات (4)، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور، وبحور (5) تهور (6)، أما بعد: فإن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا [مالي] (7) أرى الناس يموتون ولا يرجعون (8)، أرضوا بالإقامة فأقاموا (9)؟ أم تركوا كما هم فناموا؟ أقسم بالله قس، قسمًا لا يخاف فيه حنثًا ولا إثمًا، أن لله دينًا أرضى من دينكم (10).
وأما العامل في هذا الظرف الذي هو "بعد" فهو محذوف، وهو: صفة مبتدأ محذوف تقديره: أما القول المقول بعد ما تقدم ذكره: (فإِن هذا كتاب)، وخبر هذا المبتدأ المحذوف هو: جواب "أما" الذي في قوله: (فإِن هذا
__________
(1) انظر هذا القول وغيره من الأقوال في: خزانة الأدب للبغدادي 2/ 91.
(2) "قبل" ساقطة من ز.
(3) "هو" ساقطة من ز.
(4) "مات" ساقطة من ط.
(5) في ز: "وبحار".
(6) في ط: "تمور".
(7) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(8) في ط: "فلا".
(9) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "فقاموا".
(10) وردت هذه الخطبة بلفظ نحو هذا في: صبح الأعشى للقلقشندي 1/ 212، الأغاني 14/ 42، البيان والتبيين للجاحظ 1/ 168، العقد الفريد لابن عبد ربه 4/ 128.
(1/77)

كتاب)؛ لأن الجواب يغني عن الخبر لقيامه مقامه.
وأما لِمَ بُني؟
فقيل: لقطعه عن الإضافة التي هي أصل الظروف.
وقيل: لخروجه عن النظائر في قطعه عن الإضافة.
وقيل: لتضمنه معنى الحرف (1) وهو لام الإضافة.
وأما لِمَ بُني على الحركة؟
فقيل: لالتقاء الساكنين.
وقيل: لأن بناءه عارض (2) وليس بلازم؛ إذ (3) إعرابه أكثر من بنائه؛ لأنه يعرب في ثلاثة مواضع ويبنى في موضع واحد (4).
فالثلاثة التي يعرب فيها:
أحدها: إذا صُرح بالمضاف إليه.
الثاني: إذا لم يصرح بالمضاف إليه [ونُوي (5) لفظه ومعناه.
الثالث: إذا لم يُصرح بالمضاف إليه، ولم ينو أصلًا لا لفظه ولا معناه.
__________
(1) في ط: "بمعنى الحروف".
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) في ز: "لأن".
(4) انظر مواضع إعراب وبناء بعد في كتاب: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام 2/ 211 - 216.
(5) في ز: "وينوى".
(1/78)

والموضع (1) الذي بُني فيه: إذا لم يصرح بالمضاف إليه] (2) ونوى معناه، فهذا هو (3) الذي بني (4) على الضم، كما فعل المؤلف ها هنا في قوله: (أما بعد)، فبناه على الضم؛ لأنه قطعه عن المضاف إليه (5) ونوى معناه: لأن تقديره: أما بعد الحمد لله والصلاة على محمَّد عليه السلام.
وأما لم اختص بتلك الحركة؟
فقيل (6): لأنها (7) حركة لا تكون للكلمة في حال إعرابها.
وقيل: لتخالف حركة بنائه حركتي إعرابه.
وقوله (8): (فإِن هذا (9) كتاب (10)) الإشارة في قوله: (هذا) تعود على هذا الكتاب المسمى بالتنقيح.
وهذه الإشارة تقتضي أن المصنف - رحمه الله تعالى - وضع هذه الخطبة بعد الفراغ من التأليف، وذلك أن المصنف - رحمه الله - جعل هذا الكتاب المصنف في الأصول مقدمة كتاب الذخيرة المؤلَّف في الفروع، ليخرِّج بذلك الفروع على الأصول؛ إذ كل فرع لم يخرّج على أصل فليس بشيء، ولم يذكر
__________
(1) في ز: "والموضع الرابع".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) "هو" ساقطة من ز.
(4) في ط: "يبنى".
(5) في ز: "عن الإضافة".
(6) "فقيل" ساقطة من ز.
(7) في ز: "فلأنها".
(8) "الواو" ساقطة من ط.
(9) في ز: "فهذا".
(10) في ط: "الكتاب".
(1/79)

المصنف (1) رحمه الله (2) لهذه المقدمة في الذخيرة خطبة خاصة بها.
قال المصنف (3) في الشرح: لما رأيت جماعة رغبوا في إفراد هذا الكتاب عن (4) الذخيرة واشتغلوا به، فلما رأيت كثرة المشتغلين (5) به، رأيت أن أضع لهم شرحًا يكون عونًا لهم على فهمه وتحصيله، وأبين فيه مقاصد لا تكاد (6) تعلم إلا من جهتي؛ لأني لم أنقلها عن غيري، وفيها غموض، وأوشح (7) ذلك (8) إن شاء الله بقواعد جليلة [وفوائد جميلة (9).
قوله] (10): (فإِن (11) هذا كتاب جمعت فيه مسائل المحصول) (12):
معناه: فإن هذا الكتاب المفروغ منه المسمى بالتنقيح: كتاب مجموع فيه المسائل المذكورة في الكتاب (13) المسمى بالمحصول، وهو تصنيف: الإمام فخر الدين،
__________
(1) في ز: "المؤلف".
(2) "رحمه الله" لم ترد في ط.
(3) في ط: "المؤلف".
(4) في ط: "على".
(5) في ط: "واشتغلوا به وكثر المشتغلون".
(6) "تكاد" ساقطة من ز وط.
(7) في اللسان: "الوشاح والإشاح حلي النساء، وتوشَّح الرجل بثوبه وبسيفه، وثوب موشح لوشي فيه" ..
انظر مادة: (وشح).
(8) "ذلك" ساقطة من ز.
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 2.
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(11) في ط: "وبأن".
(12) في ط: "كتاب المحصول".
(13) في ز: "فيه مسائل الكتاب".
(1/80)

واسمه: محمَّد بن عمر الرازي (1)، وله تفسير للقرآن العظيم (2) في خمسين سفرًا.
قوله (3): (وأضفت (4) إِليه مسائل كتاب (5) الإِفادة للقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب المالكي):
الضمير (6) في قوله: (إليه) عائد إلى (7) المحصول، أي: فأضفت (8) إلى (9)
__________
(1) هو أبو عبد الله محمَّد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي البكري، القرشي، الطبرستاني الأصل، الرازي المولد، الملقب فخر الدين، ولد سنة (544 ه)، أخذ عن والده، والكمال السمعاني، وفخر الدين فريد عصره، فاق أهل زمانه في علم الكلام، والأوائل، والتفسير، والفقه، والأصول. وتمنى أنه لم يشتغل في علم الكلام، ومن شعره في هذا:
نهاية إقدام العقول عقالُ ... وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا قيل وقالوا
توفي رحمه الله في عيد الفطر سنة ست وستمائة (606 ه).
من أهم مصنفاته: "تفسيره"، و"المحصول"، و"المعالم"، و"المنتخب".
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 4/ 248 - 252، شذرات الذهب 5/ 21، 22، مرآة الجنان 4/ 11، مفتاح السعادة 1/ 445.
(2) "العظيم" لم ترد في ط.
(3) في ط: "نص".
(4) في ط: "وأضافت".
(5) "كتاب" ساقط من ط.
(6) في ط: "والضمير".
(7) في ز وط: "على".
(8) في ز: "أي أضفت"، وفي ط: "أي وأضفت".
(9) في ط: "إليه".
(1/81)

ما جمعت من المحصول المذكور مسائل الكتاب المسمى بكتاب "الإفادة" (1)، تصنيف القاضي (2) عبد الوهاب البغدادي (3) المالكي (4) رضي الله عنه.
قوله (5): (وهو مجلدان) أي: وهذا الكتاب المسمى بكتاب "الإفادة" (6) هو: مجلدان (7)، أي: سفران، وفي بعض النسخ (8) وهما (9): مجلدان، بتثنية الضمير باعتبار (10) السفرين (11).
قوله: (وكتاب الإِشارة للباجي) أي: وأضفت إليه أيضًا (12): كتاب
__________
(1) في ط: "المسمى بالإفادة".
(2) في ط: "الإمام القاضي".
(3) هو أبو محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك ابن طوق التغلبي، البغدادي، المالكي، ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة (362 ه) الفقيه، الحافظ، العالم، الشاعر، أخذ عن أبي بكر الأبهري، تولى القضاء بعدة جهات من العراق، ثم توجه إلى مصر ومات وهو قاض بها سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (422 ه). من أهم مصنفاته: "شرح رسالة ابن أبي زيد"، "شرح التلقين"، "شرح المدونة"، "الإفادة"، و"التلخيص" في أصول الفقه.
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، 3/ 219، الديباج المذهب تحقيق د. محمَّد أبو النور 2/ 26 - 29، شذرات الذهب 3/ 223.
(4) "المالكي" ساقطة من ط، وفي ز: "المالكي، البغدادي".
(5) في ط: "نص".
(6) في ز: "وهو".
(7) في ز: "مجلدان أي وهذا الكتاب المسمى بكتاب الإفادة مجلدان أي: سفران".
(8) في ز: "وفي نسخة".
(9) في ط: "ومنها".
(10) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "اعتبار".
(11) في ز: "السفرية".
(12) "أيضًا" ساقطة من ط.
(1/82)

الإشارة (1) أي: الكتاب المسمى بكتاب الإشارة (2)، تصنيف (3) الشيخ (4) أبي الوليد الباجي (5)، وهو كتاب صغير صنفه لابنه - رضي الله عنه -.
قوله: (وكلام ابن القصار [في الأصول).
أي: وأضفت إليه كلام القاضي أبي الحسن (6) بن القصّار في الأصول. وإنما قال المؤلف: كلام ابن القصّار في الأصول (7)] (8)، ولم يقل:
__________
(1) في ط: "الإشارات للباجي".
(2) في ط: "الإشارات"، وفي ز: "الإشارة للباجي أي تصنيف".
(3) في ط: "تأليف".
(4) "الشيخ" لم ترد في ز.
(5) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي، القرطبي، المالكي، الأندلسي، الباجي، نسبة إلى باجة وهي مدينة بالأندلس، ولد سنة ثلاث وأربعمائة (403 ه) بمدينة بطليوس، سكن شرق الأندلس، ثم رحل إلى المشرق سنة (426 ه)، وأقام بمكة ورحل إلى العراق ولقي بها سادة من العلماء: كأبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي، ثم عاد إلى الأندلس وولي القضاء فيها، توفي رحمه الله سنة أربع وسبعين وأربعمائة (474 ه). من مصنفاته: "المنتقى" في الفقه، "الإشارة"، "الحدود"، "إحكام الفصول في أحكام الأصول".
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 2/ 408، شذرات الذهب 3/ 344، الديباج المذهب تحقيق د. محمَّد الأحمدي أبو النور 1/ 377 - 385.
(6) هو علي بن أحمد أبو الحسن البغدادي المعروف بابن القصّار المالكي، تفقه على أبي بكر الأبهري، وكان أصوليًا نظارًا، وليّ قضاء بغداد، توفي سنة سبع وتسعين وثلاثمائة (397 ه)، صنف كتاب: "الخلاف".
ترجمته في الديباج المذهب تحقيق محمَّد أبو النور 2/ 100، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 168، تاريخ بغداد 12/ 41.
(7) "في الأصول" ساقط من ز.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(1/83)

كتاب ابن القصار؛ لأنه ليس له كتاب في الأصول، وإنما ذكر علم الأصول في مقدمة كتابه المسمى ب "عيون المسائل" (1).
قوله: (وبينت مذهب مالك رحمه الله في الأصول لينتفع بذلك (2) المالكية خصوصًا وغيرهم عمومًا (3)):
أي: بيّنت وشرحت، وأوضحت مذهب مالك في الأصول؛ لينتفع بذلك [المالكية خصوصًا وغيرهم عمومًا، أي: بيّنت وأوضحت مذهب مالك في الأصول.
لينتفع بذلك] (4) الإشارة تعود على كتاب "التنقيح"؛ أي: لينتفع بهذا الكتاب المالكية خصوصًا، ووجه انتفاعهم به واختصاصهم به: أنه (5) عيَّن فيه مذهب إمامهم، وعين فيه دليله، ووجه انتفاع غيرهم بهذا الكتاب على العموم: أن (6) المؤلف قرر فيه (7) الأدلة وأوضحها فيه، والدليل إذا قرر (8) لا يختص به أحد عن أحد.
قوله: (ولم أترك من هذه الكتب الأربعة إِلا التقاسيم، ويسيرًا من المسائل والمباحث التي لا يحتاج إِليها الفقيه).
__________
(1) هذه المقدمة حققها في الجامعة مصطفى بن كرامة الله مخدوم، وكتاب الطهارة من عيون الأدلة حققه د. عبد الحميد السعودي لنيل الدكتوراه في كلية الشريعة بالرياض.
(2) في أ: "لينتفع به".
(3) في أ: "عامًا".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(5) في ز وط: "لأنه".
(6) في ز وط: "لأن".
(7) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فيها".
(8) في ط: "قرب".
(1/84)

نبه في هذا الكلام (1) على أنه لم يتعرض لجميع ما ذكر في الكتب المذكورة المصنف منها هذا التأليف (2)، وأنه (3) إنما ساق منها المسائل المهمات، والأمور المعتمدات التي لا بد منها، دون التقاسيم والمباحث (4) التي لا يحتاج إليها الفقيه في تنزيل الفروع عليها.
قوله (5): (الكتب (6) الأربعة) جعلها ها هنا أربعة وهي في التحقيق ثلاثة كتب وهي: "المحصول"، و"الإشارة"، و"الإفادة"، وأما كلام ابن القصار فليس بكتاب، وإنما جعلها أربعة تغليبًا للأكثر.
قوله (7): (إِلا التقاسيم) أي: إلا التفاصيل، وهي الوسائل (8) التي يعلم منها الشيء المقسّم [المقصود بالتقسيم، فالمقصد إذًا هو: المقسم] (9) وأما التقسيم فهو (10): وسيلة، فإذا حصل المقصد فلا عبرة بالوسيلة.
قوله (11): (ويسيرًا (12) من المسائل) أي. قليلًا من المسائل (13) المخصوصة بعلم الأصول دون علم الفروع.
__________
(1) في ط: "بهذا".
(2) في ط: "الكتاب".
(3) في ز: "فإنه".
(4) في ط: "المباحيث".
(5) "قوله" ساقطة من ط.
(6) في ط: "والكتب".
(7) في ز: "وقوله".
(8) في ط: "المسائل".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) في ز: "فهي".
(11) "قوله" ساقطة من ط.
(12) "من" ساقطة من ز.
(13) "المسائل" ساقطة من ط.
(1/85)

قوله: (و (1) المباحث) البحث لغة معناه: الطلب المتأكد (2).
وهي: المدارك التي تبنى عليها (3) الأصول، فإن المؤلف إنما تعرض في هذا الكتاب للمدارك التي تبنى عليها (4) الفروع، ولم يتعرض للمدارك التي تبنى عليها (5) الأصول.
لأن المؤلف قال في مقدمة الذخيرة: ولم أتعرض فيها لمدارك الأصول، فإن ذلك من وظائف الأصولي لا من وظائف الفقيه، فإن مقدمات كل علم تؤخذ (6) فيه مسلمة، فمن أراد ذلك فعليه بكتبه (7).
قوله (8): (التي (9) لا يحتاج إِليها الفقيه).
هذه (10) الجملة راجعة إلى الثلاثة الأشياء المذكورة (11) وهي: التقاسيم، والمسائل، والمباحث، تقديره: إلا التقاسيم التي لا يحتاج إليها الفقيه، والمسائل التي لا يحتاج إليها الفقيه، والمباحث التي لا يحتاج إليها الفقيه.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) انظر: لسان العرب (2/ 114 - 115) مادة (بحث).
(3) في ز: "عليه".
(4) في ز: "عليه".
(5) في ز: "عليه".
(6) في ز: "فيما".
(7) انظر: مقدمة الذخيرة للقرافي 1/ 51، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، وعبد السميع أحمد إمام.
(8) "قوله" ساقطة من ط.
(9) في ط: "والتي"
(10) في ط: "فهذه".
(11) في ط: "المذكورات".
(1/86)

قوله: (مع أني زدت كثيرًا من القواعد والتلخيصات، والتحرير, والتنبيه، والقيود في الحدود).
العامل في الظرف الذي هو: "مع" فعل محذوف دل عليه سياق الكلام، تقديره: فعلت ذلك مع أني زدت كثيرًا، أي: تركت ما لا يحتاج إليه من الكتب (1) المذكورة (2) مع زيادتي عليها ما يحتاج إليه.
وذكر ها هنا أنه زاد على ما جمع من تلك الكتب الأربعة خمسة أصناف:
أحدها: القواعد، وهي: القوانين والضوابط، مفرد القواعد: قاعدة.
وهي: صورة كلية (3) تتبين بها جميع جزئياتها.
وهي ست قواعد:
واحدة في باب الأوامر (4)، وثانية في باب الاجتهاد، وأربع في باب جميع (5) أدلة المجتهدين وتصرفات المتكلفين (6) في الأعيان.
__________
(1) "الكتب" ساقطة من ط.
(2) في ط: "المذكورات".
(3) "صورة" ساقطة من ز.
(4) انظر: ص 2/ 622 من هذا الكتاب.
(5) "جميع" ساقطة من ز وط.
(6) في ط: "وتصريفات المكلفين".
(1/87)

الصنف الثاني: التلخيصات، التلخيص (1) في اللغة معناه (2): التبيين. قال صاحب العين: "لخصت الشيء: بيّنته (3) " (4).
ومعناه (5) ها هنا: جمع ما افترق وضم ما انتشر، ولكن إن تأملت هذا الصنف فليس بزيادة في المعنى.
قوله (6): (والتحرير) هو: الصنف الثالث، والمراد به: تقرير الأدلة وبسطها.
قوله (7): (والتنبيه) هو: الصنف الرابع، ومعناه: إيقاظ من غفلة، وهو: ذكر ما سكت عنه القدماء.
وهو خمسة تنبيهات:
واحدة في الفصل الثالث عشر في: الحكم وأقسامه (8)، وثانية في الفصل الرابع عشر: في أوصاف العبادات (9)، وثالثة (10) في باب الاجتهاد،
__________
(1) في ز: "والتلخيص".
(2) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "معناها".
(3) في ز: "معناه بينته".
(4) قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابه العين: لخصت الشيء إذا استقصيت في بيانه، يقال: لخص لي خبرك أي: بينه شيئًا بعد شيء.
انظر: العين (4/ 187) تحقيق: مهدي المخزومي، وإبراهيم السامرائي.
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ومعناها".
(6) "قوله" ساقطة من ط.
(7) "قوله" ساقطة من ط.
(8) انظر: ص 1/ 677 من هذا الكتاب.
(9) في ط: "والعبادة". وانظر: هذا التنبيه في ص 2/ 28 - 29 من هذا الكتاب.
(10) في ز: "والثالثة".
(1/88)

ورابعة، وخامسة (1) في: باب جميع (2) أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين (3) في الأعيان.
قوله (4): (والقيود في الحدود) وهو الصنف الخامس والمراد بها التحرزات (5) المذكورة في بعض الحدود.
مثاله: زيادة القديم في حد الحكم الشرعي؛ لأن المؤلف زاده هنالك (6) في الفصل الثالث عشر من الباب الأول؛ لأنه قال فيه: الحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى القديم (7).
قوله (8): (وبحيث (9) يستعان بهذا الكتاب على شرح تلك الكتب) (10).
الباء في قوله: (بحيث) متعلق بقوله: (زدت)؛ أي: زدت (11) هذه الأشياء على ما جمعت من تلك الكتب، كي يستعان بهذا الكتاب على شرح
__________
(1) في ز: "والرابعة والخامسة".
(2) "جميع" ساقطة من ط، وفي ز: "جمع".
(3) المثبت من ز، وفي الأصل: "المتكلمين"، وفي ط: "المتكلفين".
(4) "قوله" ساقطة من ط.
(5) في ز: "به التحريرات".
(6) في ز: "هناك".
(7) في ز وط: "القديم كما تقف عليه إن شاء الله تعالى".
(8) "قوله" ساقطة من ط.
(9) في ط: "وبحيث".
(10) في ز: "الكتب الأربعة".
(11) "أي زدت" ساقط من ط.
(1/89)

وبيان ما أشكل من تلك الكتب (1).
قوله: (ولخصت جميع ذلك [في مائة فصل وفصلين في عشرين بابًا):
قوله: (ولخصت) (2) أي: وبيّنت وجمعت ورتبت جميع ذلك] (3)، أي: جميع ما جمعت من الكتب وما زدت عليها في مائة فصل وفصلين.
[قوله: (وفصلين)] (4) فإذا عددت فصول الكتاب فلا تجد فيها زيادة على المائة إلا فصلًا واحدًا مع أن المؤلف قال هنا: فصلين (5)؟
أجيب عنه بأن قيل: الفصل المتمم لهذا العدد المراد هو الفصل الأول في حقيقة الاجتهاد في الباب التاسع عشر (6)؛ لأن المؤلف أسقط لفظ الفصل هنالك مع أنه مراد في المعنى, لأنه عادته في سائر (7) الأبواب أنه (8) يقدم فصل الحقيقة.
قوله (9): (وفصلين) يريد باعتبار الفصل المتروك لفظه في أول باب (10) الاجتهاد؛ لأنه قال هنالك (11): الباب التاسع عشر في الاجتهاد وهو استفراغ
__________
(1) في ط: "على شرح تلك الكتب وبيان ما أشكل منها".
(2) في ز: "ولخصت جميع ذلك أي ... " إلخ.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(5) في ز وط: "أن المؤلف زاد ها هنا فصلين على المائة".
(6) في ز: "التاسع عشر في الاجتهاد".
(7) في ط: "مسائل".
(8) في ط: "أن".
(9) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "فقوله".
(10) في ز: "في باب أول".
(11) في ز: "هناك".
(1/90)

الوِسع [في المطلوب لغة (1)، واستفراغ الوسع] (2) في النظر فيما يلحقه فيه لوم شرعي اصطلاحًا (3). ثم قال: وفيه تسعة فصول:
كان (4) حقه أن يقول: فيه (5) عشرة فصول؛ لأن الذي (6) قدمه في حقيقته هذا (7) هو فصل مستقل بنفسه.
قوله (8): (في عشرين (9) بابًا) هذا الكلام يوهم (10): أن كل باب فيه: فصول، وليس الأمر كذلك؛ لأن هنالك خمسة أبواب ليس فيها فصل أصلًا، وهي (11): الباب الثاني في معاني حروف (12)، والباب الثالث في
__________
(1) قال الزبيدي في تاج العروس: الجهد بالفتح الطاقة والوسع.
انظر مادة: (جهد).
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) هذا التعريف للاجتهاد نص عليه القرافي في تنقيح الفصول، انظر: شرح التنقيح للقرافي (ص 429).
وانظر أيضًا: تعريف الاجتهاد اصطلاحًا في المستصفى (2/ 350)، شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب (2/ 289).
(4) في ز: "فكان".
(5) في ز وط: "وفيه".
(6) في ط: "هذا الذي".
(7) "هذا" ساقطة من ط.
(8) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(9) في ط: "وفي عشرين".
(10) في ز: "ظاهره".
(11) في ز: "وهو".
(12) في ز وط: "الحروف" وانظر هذا الباب في ص 2/ 187 من هذا الكتاب.
(1/91)

تعارض مقتضيات الألفاظ (1)، والباب السابع في أقل الجمع، والباب العاشر في المطلق والمقيد، والباب الحادي عشر في دليل الخطاب، فهذه الأبواب الخمسة: لا فصل فيها أصلًا.
قوله (2): (في مائة فصل وفصلين في عشرين (3) بابًا).
فإن قيل: لم قدم الفصول على الأبواب، مع أن الباب أعم من الفصل لاشتمال الباب على الفصل، وكان (4) حقه أن يقول: و (5) لخصت جميع ذلك في عشرين بابًا مشتملة على مائة فصل وفصلين؟
(قلنا) (6): إنما قدم المؤلف (7) الفصول في الذكر على الأبواب؛ لأنه (8) من باب تقديم الوسيلة على المقصد؛ إذ الفصول (9) وسيلة (10) إلى ما
__________
(1) انظر هذا الباب في ص 2/ 359 من هذا الكتاب.
(2) "قوله" ساقطة من ط.
(3) في ط: "وفي مائة المسألة".
(4) في ط: "لأن".
(5) "الواو" ساقطة من ز.
(6) المثبت بين القوسين من ز، وفي الأصل: "الشيخ"، وفي ط: "نقول".
(7) في ط: "المصنف".
(8) "لأنه" ساقطة من ز وط.
(9) "الفصول" ساقطة من ط.
(10) في ط: "الوسيلة".
(1/92)

تضمنه (1) من (2) المقاصد، وأخر الأبواب؛ لأنها وسيلة إلى الفصول، فالأبواب إذًا وسيلة الوسيلة [فهي أضعف من الفصول؛ إذ الفصول وسيلة إلى المقصد (3)، فهي أقوى من الأبواب التي هي: وسيلة الوسيلة] (4) وللأقوى مزية على الأضعف، فالباب وسيلة إلى الفصل، والفصل وسيلة إلى المعنى المقصود، فالوسيلة بالمباشرة (5) أقوى من الوسيلة بالوسيلة (6)، ولهذا قدم الفصول على الأبواب، والله أعلم (7).
قوله (8): (وسميته بتنقيح (9) الفصول في علم الأصول).
نبه المؤلف ها هنا على اسم كتابه هذا، وسماه في الشرح: تنقيح الأصول في اختصار المحصول، فله إذًا اسمان (10).
قوله (11): (تنقيح (12) الفصول) تنقيح الشيء: إصلاحه وتصفيته وإزالة
__________
(1) في ز: "تضمنت"، وفي ط: "تضمنته".
(2) "من" ساقطة من ط.
(3) في ز: "وسيلة المقاصد".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط: "بالمباشرات".
(6) في ز وط: "بالواسطة".
(7) "والله أعلم" لم ترد في ز.
(8) "قوله" ساقطة من ط.
(9) في أ: "تنقيح".
(10) في ط: "فله اسمان إذًا".
(11) "قوله" ساقطة من ط.
(12) في ط: "وتنقيح".
(1/93)

ما لا يصلح عما يصلح (1) (2) فالاسم مطابق للمسمى.
ولقد أحسن من قال: علم أصول (3) الفقه من أجلّ العلوم وأفضلها، وأشرفها منفعة، وأكملها، لاشتماله على المعقول والمنقول، وجمعه بين الرواية والدراية (4)، فهو قد جمع بين (5) الشيئين، واستوى على الطرفين، من جهله من الفقهاء: فتحصيله أجَاج، ومن سلب ضوابطه: عدم عند دعاويه الحجاج، فهو (6) جدير بأن يتنافس فيه، ويشتغل بأفضل الكتب المؤلفة فيه.
وهذا التأليف من أجلّ التأليفات وأفضل المختصرات، لاشتماله على قواعد الأصول ومبانيها، واحتوائه على ما لا بد للفقيه منه.
وقد طعن قوم من الفقهاء في علم الأصول فقالوا: إنما يتعلم للجدال والرياء، وذلك باطل حقًا حقًا (7)؛ لأنه لولا علم الأصول لما علم حكم من الأحكام الشرعية، فإن كل حكم شرعي لا بد له من دليله، وذلك الدليل إنما
__________
(1) في ط: "لا يصلح".
(2) قال الزبيدي في تاج العروس: نقح الجذع شذ به عن أُبْنَة بضم الهمزة وفتح الموحدة كنقحه تنقيحًا، وفي التهذيب: النقح تشذيبك عن العصا حتى تخلص، وتنقيح الجذع تشذيبه، وكل ما نحيت عنه شيئًا فقد نقحته، ومن المجاز تنقيح الشعر، وإنقاحه تهذيبه.
انظر: تاج العروس مادة (نقح).
(3) في ط: "الأصول".
(4) في ط: "وجمعت بين الدراية والرواية".
(5) في ز: "على".
(6) في ط: "وهو".
(7) "حقًا حقًا" ساقطة من ز وط.
(1/94)

يعلم من علم الأصول، فلو جهل ذلك الدليل: لكان ذلك إثبات الحكم (1) بغير دليل، وهو: اتباع الهوى وذلك: حرام بإجماع، وأيضًا من شروط المجتهد أن يكون عارفًا بالأصول.
وعلم الأصول (2) من مناقب الشافعي - رضي الله عنه - (3) التي يمدح بها، وهو (4) أول من ألّف تأليفًا في علم الأصول.
قال الشاعر:
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... ألا يرى ضوءها (5) من ليس (6) ذا بصر (7)
وقال آخر:
وليس يصح في المعقول شيء (8) ... إذا احتاج النهار إلى دليل (9)
__________
(1) في ط: "حكم".
(2) في ز وط: "وأيضًا من مناقب".
(3) في ز: "رضي الله تعالى عنه" وهي لم ترد في ط.
(4) في ط: "أنه".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ضوء".
(6) في ط: "كان".
(7) قائل هذا البيت هو: أبو الحسن منصور بن إسماعيل التميمي المصري الضرير، من فقهاء الشافعية أخذ الفقه عن أصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه، وله شعر جيد، وتوفي سنة 306 ه، وقبل هذا البيت قوله:
عاب التفقُّه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر
انظر نسبة هذين البيتين له في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص 108)، معجم الأدباء 19/ 185، وفيات الأعيان 5/ 290.
(8) في ط: "وليس يصح شيء في المعقول" وهو يخل بالوزن.
(9) قائل هذا البيت هو المتنبي، وهذا البيت من قصيدة أولها: =
(1/95)

وبالله التوفيق (1).
...
__________
= أتيت بمنطق العرب الأصيل ... وكان بقدر ما عينت قيلِ
ونصه:
وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليلِ
انظر: شرح ديوان المتنبي لعبد الرحمن البرقوقي 3/ 215 ..
(1) في ز: "وبالله حسن التوفيق بمنه"، وفي ط: "وبالله تعالى حسن التوفيق بمنه".
(1/96)

الباب الأول في الاصطلاحات
وفيه عشرون فصلًا:
الفصل الأول: في الحد.
الفصل الثاني: في تفسير أصول الفقه.
الفصل الثالث: في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل.
الفصل الرابع: في الدلالة وأقسامها.
الفصل الخامس: في الفرق بين الكلي والجزئي.
الفصل السادس: في أسماء الألفاظ.
الفصل السابع: الفرق بين الحقيقة والمجاز وأقسامهما.
الفصل الثامن: في التخصيص.
الفصل التاسع: في لحن الخطاب وفحواه ودليله وتنبيهه واقتضائه ومفهومه.
الفصل العاشر: في الحصر.
الفصل الحادي عشر: خمس حقائق لا تتعلق بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم.
الفصل الثاني عشر: حكم العقل بأمر على أمر.
الفصل الثالث عشر: في الحكم وأقسامه.
الفصل الرابع عشر: أوصاف العبادة.
الفصل الخامس عشر: فيما تتوقف عليه الأحكام.
الفصل السادس عشر: في الرخصة والعزيمة.
الفصل السابع عشر: في الحسن والقبح.
الفصل الثامن عشر: في بيان الحقوق.
الفصل التاسع عشر: في العموم والخصوص والمساواة والمباينة وأحكامها.
الفصل العشرون: في المعلومات.
(1/97)

الباب الأول: في الاصطلاحات
قال المؤلف في الشرح: "الاصطلاحات هي الألفاظ الموضوعة للحقائق" (1)، و (2) معنى كلامه: أن الاصطلاحات عبارة عن الألفاظ الموضوعة عند الأصوليين لتعريف المعاني، كالعام والخاص، والمطلق، والمقيد، والظاهر، والمجمل، والمبين، والمتواطئ، والمشكك (3)، وغير ذلك.
قوله (4): (الاصطلاحات) جمع: اصطلاح، ومعنى الاصطلاح هو: التوافق على أمر ما، إما قول وإما فعل، فالألفاظ الموضوعة على الحقائق (5) هي: مصطلح عليها، أي: هي (6) متفق عليها، وليست الألفاظ نفس الاصطلاحات، فإطلاق الاصطلاحات على الألفاظ: مجاز، وهو من باب إطلاق المصدر على الاسم (7) المفعول، كقولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير، وهذا الثوب نسج اليمن، أي: مضروب الأمير، ومنسوج اليمن.
فقوله: (في الاصطلاحات) تقديره: في الألفاظ المصطلح عليها عند
__________
(1) انظر: شرح التنقيح ص 4.
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) في ز وط: "والمشكك والمشترك".
(4) "قوله" ساقطة من ط.
(5) في ط: "للحقائق".
(6) "هي" ساقطة من ز وط.
(7) في ط: "اسم".
(1/99)

الأصوليين.
قول: (الباب الأول في الاصطلاحات) إنما قدم المؤلف رحمه الله باب الاصطلاحات على سائر الأبواب؛ لأن الاصطلاحات هي: الألفاظ الموضوعة للحقائق أي: المفردة (1) للمعاني، فالمفيد مقدم (2) على المفاد طبعًا، فوجب أن يتقدم (3) وضعًا.
قوله (4): (وفيه عشرون فصلًا) أي: وفي هذا الباب عشرون فصلًا (5).
قوله (6) أيضًا (7): (وفيه عشرون فصلًا) ظاهره يقتضي: أن مقتضى هذه الفصول كلها اصطلاحات، وليس الأمرك كذلك؛ لأن الفصل الحادي عشر لليس فيه اصطلاح أصلًا (8) لا عام (9) ولا خاص.
...
__________
(1) في ز: "المفيدة"، وفي ط: "المقيد".
(2) في ط: "متقدم".
(3) في ز: "أن يقدم".
(4) في ط: "نص".
(5) في ز: "أي ينحصر الكلام في هذا الباب في عشرين فصلًا".
(6) "قوله" ساقطة من ط.
(7) "أيضًا" ساقطة من ز وط.
(8) "اصطلاح أصلًا" ساقط من ط.
(9) "الواو" ساقطة من ط.
(1/100)

قوله (1): الفصل الأول في الحد
أي: الفصل الأول موضوع في بيان حقيقة الحد عند الأصوليين.
ذكر المؤلف في هذا الفصل أربعة مطالب:
أحدها: حقيقة الحد.
وثانيها: هل الحد والمحدود شيء واحد أو شيئان؟
وثالثها: شروط الحد.
ورابعها: أقسام الحد.
ومعنى الحد في اللغة: المنع (2)، ومنه تسمية (3) السجان: حداد؛ لأنه يمنع المعتقل من الخروج من السجن، ومنه تسمية حدود الشريعة حدودًا؛ لأنها تمنع الجناة من العود إلى الجنايات، ومنه تسمية امتناع المعتدة من الوفاة بالإحداد لامتناعها من الزينة، ومنه تسمية الحديد؛ لأن الإنسان يمتنع به ممن (4) يريده بالإذابة، هذا معناه لغة (5).
وأما معناه في الاصطلاح (6): فقد بيّنه المؤلف بقوله: (وهو شرح ما دل
__________
(1) في ط: "نص".
(2) في ز: "هو المنع".
(3) في ز: "سمّي".
(4) في ط: "من".
(5) انظر تعريف الحد في القاموس المحيط للفيروزآبادي، فصل الحاء، باب الدال، مادة (حد).
(6) في ط: "معناه اصطلاحًا".
(1/101)

عليه اللفظ بطريق الإِجمال).
وهو المطلب الأول من المطالب الأربعة المذكورة.
وإنما قدم المؤلف فصل الحد على سائر فصول الباب ليوافق الترتيب الوضعي الترتيب الطبيعي، وذلك أن العلم على قسمين (1):
علم التصور.
وعلم التصديق.
فعلم التصور يكتسب بالحد، وعلم التصديق يكتسب بالبرهان، فالتصور مقدم على التصديق؛ لأن التصور: علم المفردات، والتصديق: لتصور (2) علم المركبات، وعلم الإفراد (3) مقدم على علم التركيب، فالحد في الطبع مقدم على التصور؛ إذ بالحد يكتسب التصور، والتصور مقدم على التصديق؛ إذ لا تركيب إلا بعد الإفراد، فلما كان الحد مقدمًا على الجميع طبعًا، وجب تقديمه وضعًا (4).
قوله (5): (وهو شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإِجمال) الشرح لغة معناه: البيان والإيضاح.
قال صاحب العين: شرحت الأمر (6) بيّنته (7).
__________
(1) انظر: المستصفى للغزالي 1/ 10، ومعيار العلم للغزالي ص 67، 265.
(2) "لتصور" ساقطة من ز وط.
(3) في ط: "المفرد".
(4) ذكر هذا القرافي في شرح التنقيح ص 4.
(5) في ط: "نص".
(6) في ط: "إذا بينته".
(7) انظر: كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (3/ 93).
(1/102)

و (1) قوله (2): (شرح ما دل عليه اللفظ).
قال المؤلف في الشرح: "أعني باللفظ: لفظ السائل". انتهى (3) (4).
ومعنى كلامه: أن حقيقة الحد عندهم بيان الشيء الذي دل عليه لفظ السائل.
قوله (5): (بطريق (6) الإجمال) أي: دل عليه لفظ السائل بحالة الإجمال، أي: دلالة إجمالية لا دلالة تفصيلية.
مثال هذا: إذا سأل سائل (7) عن حقيقة الإنسان؟ فنقول له: الحيوان الناطق، فإن الحيوان الناطق الذي عرفنا به الإنسان للسائل، يدل عليه لفظ الإنسان لكن دل عليه (8) دلالة إجمالية لا تفصيلية، وإنما قلنا: يدل الإنسان على الحيوان الناطق؛ لأن الإنسان موضوع (9) لغة للحيوان الناطق، فالحيوان الناطق هو: مدلول لفظ الإنسان لغة.
ومثاله أيضًا: إذا سأل سائل عن حققية المداد (10)؟ فتقول له: مجموع
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) "قوله" ساقطة من ط.
(3) في الأصل: "انتهى الشيخ"، ولم ترد "الشيخ" في ز وط، وأظنها زائدة.
(4) انظر: شرح التنقيح ص 6.
(5) "قوله" ساقطة من ط.
(6) في ط: "وبطريق".
(7) "سائل" ساقطة من ط.
(8) في ز وط: "دلالته".
(9) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "موضوعة".
(10) قال الهوريني في شرح ديباجة القاموس المحيط: "والمداد هو الذي يكتب به، قال ابن الأنباري: سميّ المداد مدادًا لإمداده الكاتب، من قولهم: أمددت الجيش بمدد".
انظر: القاموس فصل الجيم، باب الدال، مادة (مدد).
(1/103)

العفص (1)، والزاج (2)، والماء.
فإن لفظ السائل الذي هو: المداد يدل على مجموع هذه الأشياء الثلاثة، لكن دلالته (3) عليها دلالة إجمالية، لا تفصيلية، إنما قلنا: دل لفظ المداد على مجموع الأشياء الثلاثة؛ لأن ذلك المجموع موضوع (4) المداد.
قوله (5): (شرح (6) ما دل عليه اللفظ) أطلق المؤلف الشرح على الشارح؛ لأنه صفة للقول الشارح، تقديره: القول الشارح لما دل عليه لفظ السائل، وهو: من باب إطلاق المصدر على اسم الفاعل نحو: رجل عدل وخصم، أي: عادل وخاصم.
[فإن قلت (7): ما فائدة الحد؟ فإن قولنا: حد (8) الإنسان مثلًا هو: الحيوان الناطق، فلا يخلو السائل من: أن يكون عالمًا بالحيوان الناطق أو جاهلًا به،
__________
(1) في ط: "الحفص".
وقال الفيروزآبادي في القاموس: "العفص مُوَلَّد، أو عربي، أو شجرة من البلوط تحمل سنة بلوطًا وتحمل سنة عفصًا، وهو: دواء قابض، مجفف، يرد المواد المنصبة، ويشد الأعضاء الرخوة الضعيفة، وإذا نقع في النحل سود الشَّعر، وثوب معفص مصبوغ به".
انظر: القاموس فصل العين، باب الصاد مادة، (عفص).
(2) الزاج: ملح.
انظر: المصدر السابق، فصل الزاي، باب الجيم.
(3) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "دلالتها".
(4) في ز: "هو موضوع".
(5) "قوله" ساقطة من ط.
(6) في ط: "وشرح".
(7) في ط: "فإن قلنا".
(8) في ط: "في حد".
(1/104)

وأيًا مَّا (1) كان فباطل؛ لأنه إن كان عالمًا به فلا يفيد؛ لأنه تحصيل الحاصل، وإن كان جاهلًا: فلا يفيد (2)؛ إذ لا يعرَّف (3) مجهول بمجهول.
قلنا: إنما يفيد الحد معرفة نسبة اللفظ إلى الحقيقة لمن هو عارف بالحقيقة إلا أنه جاهل يكون اللفظ موضوعًا لها، فإذا كان السائل عن الإنسان عالمًا بالحيوان الناطق إلا أنه جاهل يكون الإنسان موضوعًا له، فإذا سأل عن الإنسان فقيل له: هو الحيوان الناطق: فقد حصل مطلوبه] (4).
قوله (5): (وهو غير الحدود، إِنْ أُريد به اللفظ، ونفسه (6) إِنْ أُريد به (7) المعنى).
هذا هو المطلب الثاني من المطالب الأربعة التي احتوى عليها هذا الفصل، وهو قولنا: هل الحد والمحدود شيء واحد أو شيئان؟
فاعلم أن العلماء اختلفوا في حد الحد:
فمنهم من قال: حد الشيء نفسه وذاته.
ومنهم من قال: القول الشارح لمعناه (8) على وجه يجمع ويمنع.
__________
(1) في ط: "وأيما".
(2) قوله: "لأنه تحصيل الحاصل، وإن كان جاهلًا فلا يفيد" لم يرد في ط.
(3) في ط: "أيضًا إذ لا يعرف".
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط ولم يرد في الأصل.
(5) في ط: "نص".
(6) في ش: "وعينه".
(7) المثبت من "خ" و"ز" و"ش"، ولم يرد في "أ"، وفي الأصل: "بها".
(8) في ط: "معناه".
(1/105)

فمن قال: "حد الشيء نفسه وذاته" قال: الحد والمحدود: شيء واحد.
ومن قال: "حد الشيء هو القول الشارح لمعناه (1) على وجه يجمع ويمنع" قال: الحد والمحدود: شيئان؛ لأن الحد هو القول الشارح، أي المبين للشيء المشروح، والمبيِّن خلاف المبيَّن، والشارح خلاف المشروح.
قال أبو حامد (2) الغزالي - رضي الله عنه (3) - في مقدمة المستصفى (4): هذا الخلاف الواقع بين العلماء في الحد والمحدود أهما شيء (5)؟ أو شيئان؟ لا يصح؛ إذ لا خلاف في المسألة؛ إذ لم يتوارد القولان على شيء واحد؛ لأن كل واحد من القائلين حد خلاف مما حده الآخر (6).
وبيان ذلك: أن الحد لفظ (7) مشترك بين ذات الشيء، وبين اللفظ الدال على ذاته، فمن قال: حد الشيء نفسه وذاته فقد حد أحد معنيي الحد وهو مدلول اللفظ، ومن قال: حد الشيء القول (8) الشارح لمعناه (9) على وجه يجمع ويمنع: فقد حد المعنى الآخر من معنيي الحد، وهو: اللفظ الدال على الذات.
__________
(1) في ط: "معناه".
(2) "أبو حامد" ساقطة من ط.
(3) "رضي الله عنه" لم ترد في ز وط.
(4) في ط: "المسئلة كفى" وهو تصحيف.
(5) في ز: "هل هما شيء واحد"، وفي ط: "أهما شيئان أو شيء واحد".
(6) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: المستصفى للغزالي 1/ 21.
(7) "لفظ" ساقطة من ز.
(8) في ط: "هو القول".
(9) في ط: "معناه".
(1/106)

فظهر من هذا التقرير: أن هذين القولين لم يتواردا على محل واحد؛ إذ أحد (1) القائلين حد الدال، والآخر حد المدلول، فلا خلاف إذًا بين القولين المذكورين في حد الحد، لعدم التوارد على محل واحد؛ إذ من (2) شرط الخلاف التوارد على محل واحد.
وإلى هذا التقرير (3) أشار المؤلف بقوله: (وهو غير المحدود إِن أريد به اللفظ، ونفسه إِن أُريد به المعنى).
معناه: و (4) الحد خلاف المحدود إن أريد بالحد (5): اللفظ الدال على المعنى، أي: اللفظ الدال على ذات الشيء.
قوله (6): (ونفسه إِن أريد به المعنى) أي: والحد نفسه المحدود وعينه إن أريد بالحد المعنى، أي إن أريد به ذات الشيء.
فظهر من هذا (7): أن قولهم: وقع الخلاف (8) في حد الحد لا يصح ذلك؛ إذ لا خلاف بينهم في ذلك؛ إذ ذلك ليس بخلاف (9) مقال، إنما (10) هو اختلاف حال - كما تقدم تقريره -.
__________
(1) في ط: "حد".
(2) في ز: "ومن".
(3) في ط: "التقدير".
(4) "الواو" ساقطة من ط.
(5) في ز: "به".
(6) "قوله" ساقطة من ط، وفي ز: "وقوله".
(7) في ط: "فظهر بهذا".
(8) في ز وط: "الاختلاف".
(9) في ز وط: "باختلاف".
(10) في ز وط: "وإنما".
(1/107)

قال أبو حامد (1) الغزالي - رضي الله عنه (2) - في مقدمة المستصفى: الشيء له في الوجود أربع رتب:
الأولى: حقيقته في نفسه.
الثانية: ثبوت مثاله في الذهن، ويعبر عنه بالعلم التصويري (3).
الثالثة: تأليف أصوات بحروف (4) تدل عليه، وهي: العبارة الدالة على المثال الذي في النفس.
الرابعة: تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر، وهي الكتابة الدالة على اللفظ، فالكتابة تدل على العبارة اللفظية، والعبارة اللفظية تدل على الحقيقة الذهنية، والحقيقة الذهنية تدل على الحقيقة الخارجية (5).
و (6) قال بعض العلماء - في هذه الأشياء الأربعة -: الشيء له في الوجود (7) أربع وجودات:
وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في البيان، ووجود في البنان (8).
__________
(1) "أبو حامد" ساقطة من ط.
(2) "رضي الله عنه" لم ترد في ز وط.
(3) في ز: "التصوري".
(4) في ط: "حروف بأصوات".
(5) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: المستصفى 1/ 21 - 22.
(6) "الواو" ساقطة من ز.
(7) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "وجود".
(8) ذكر هذا القول القرافي في شرح التنقيح ص 5.
(1/108)

هذه (1) العبارة مع عبارة الغزالي في المعنى واحدة، وإن اختلف اللفظ.
فإن قوله: (وجود في الأعيان) هو: حقيقة الشيء في نفسه.
وقوله: (وجود في الأذهان) هو: ثبوت مثاله في الذهن.
وقوله: (وجود في البيان) هو: تأليف ألفاظ تدل على ما في الذهن.
وقوله: (وجود في البنان) هو: تأليف رقوم تدل على اللفظ، والبنان هي (2) الأصابع لقوله (3) تعالى: {أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} (4)، وقوله تعالى (5): {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} (6).
فهذه الأشياء الأربعة (7) ينبغي أن يطلق الحد على كل واحدة (8) منها؛ لأنها كلها جامعة مانعة؛ وذلك (9) أن الحقيقة الخارجية جامعة لنفسها، مانعة لغيرها، والحقيقة الذهنية كذلك أيضًا؛ لأنها مطابقة للحقيقة الخارجية،
__________
(1) في ز وط: "وهذه".
(2) في ط: "هو".
(3) في ط: "قال الله تعالى".
(4) قال تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} سورة القيامة، آية رقم 4.
(5) "تعالى" لم ترد في ط.
(6) قال تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} سورة الأنفال، آية رقم 12.
(7) "الأربعة" ساقطة من ط.
(8) في ط: "واحدًا".
(9) في ط: "وذاك".
(1/109)

[والعبارة اللفظية كذلك أيضًا؛ لأنها مطابقة للحقيقة الذهنية المطابقة للحقيقة الخارجية] (1)، فالمطابق للمطابق مطابق، والكتابة كذلك أيضًا (2)؛ لأنها مطابقة للعبارة المطابقة للحقيقة الذهنية المطابقة للحقيقة الخارجية، فالمطابق لمطابق المطابق مطابق، فهذه الأشياء الأربعة إذًا متطابقة (3) متوازنة (4).
فينبغي لهذا أن يطلق الحد على كل واحدة من هذه الأربعة، لوجود الجمع والمنع في كل واحد منها، ولكن لم تجر عادة العلماء بإطلاق الحد على الكتابة، وعلى (5) الصورة الذهنية، واسم الحد عندهم مشترك (6) بين الحقيقة الخارجية، وبين اللفظ الدال عليها، فمن حد الحقيقة الخارجية قال: حد الشيء حقيقته وذاته، ومن حد اللفظ الدال عليها قال: حد الشيء القول الشارح لمعناه على وجه يجمع ويمنع.
فقوله (7): (وهو غير المحدود إِن أريد به اللفظ) إشارة إلى تحديد الدال.
وقوله (8): (ونفسه إِن أريد به المعنى) إشارة إلى تحديد المدلول.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ورد في هامش ز كما يلي: "أظن أن الأصل ساقط منه نحو هذا: والعبارة كذلك؛ إذ هي مطابقة للحقيقة الذهنية المطابقة للحقيقة الخارجية"، ومن قوله: "والعبارة اللفظية" إلى نهاية المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "أيضًا" ساقطة من ز.
(3) في ز: "مطابقة".
(4) في ز: "متوازية".
(5) في ز: "ولا على".
(6) في ط: "مشترك عندهم".
(7) في ط: "قوله".
(8) "وقوله" ساقطة من ط.
(1/110)

فجرى المؤلف على عادتهم من تخصيص اسم (1) الحد بهذين الأمرين، وهما: اللفظ الدال، والمعنى الخارجي، وبالله التوفيق بمنه (2).
قوله (3): (وشرطه أن يكون جامعًا لجملة (4) أفراد (5) المحدود مانعًا من دخول غيره معه).
هذا هو المطلب الثالث في شروط الحد، أي (6): ويشترط في الحد أن يكون شاملًا لجميع الأجزاء التي تركب (7) منها ذات المحدود.
ويشترط فيه أيضًا أن يكون مانعًا من دخول غير المحدود في الحد.
ومثال ذلك (8) قولنا: في حد الإنسان هو (9) الحيوان الناطق؛ لأن قولنا: الإنسان هو الحيوان (10) شامل لجميع أفراد الإنسان؛ إذ ما من إنسان إلا وهو: حيوان.
وقولنا: الناطق: يخرج به ما ليس بإنسان من سائر أجناس الحيوان، فتخلص الحد للمحدود لجمعه (11) ومنعه.
__________
(1) "اسم" ساقطة من ز.
(2) "بمنه" ساقطة من ط.
(3) في ط: "نص".
(4) في ط: "لجميع".
(5) "أفراد" ساقطة من أ.
(6) "أي" ساقطة من ط.
(7) في ط: "يتركب".
(8) في ط: "ومثاله قولنا".
(9) "هو" ساقط من ز وط.
(10) في ط: "قولنا الحيوان هو الإنسان" وهو عكس الكلام.
(11) في ز وط: "بجمعه".
(1/111)

قوله (1): (جامعًا (2) لجملة أفراد المحدود مانعًا من دخول غيره معه (3)).
هذا الكلام يستدعي أربعة أقسام في الحد باعتبار الجمع والمنع:
أحدها: جامع مانع.
الثاني: لا جامع ولا مانع.
الثالث: جامع لا مانع.
الرابع: مانع لا جامع.
مثال الجامع المانع: قولنا في حد الإنسان: الحيوان الناطق؛ إذ ما من إنسان إلا وهو حيوان ناطق.
ومثال ما لا جامع ولا مانع: قولنا في حد الإنسان: الحيوان الأبيض، فهو غير جامع لخروج السودان منه، وهو غير مانع لدخول البيض من البهائم فيه (4).
ومثال الجامع غير المانع: قولنا في حد الإنسان: هو الحيوان، فهو جامع؛ إذ ما من إنسان إلا وهو: حيوان (5)، وهو غير مانع لدخول البهائم فيه (6)؛ لأنها حيوان.
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط.
(2) في ط: "وجامعًا".
(3) في ط: "عليه".
(4) في ط: "عليه".
(5) في ط: "الحيوان".
(6) في ط: "عليه".
(1/112)

ومثال المانع غير الجامع: قولنا في حد الإنسان: الحيوان (1) الرجل، فإنه مانع من دخول غير الإنسان فيه، وهو غير جامع لخروج النساء والصبيان (2) منه.
والصحيح من هذه الأقسام الأربعة (3) هو: الأول، وهو: الجامع المانع، وأما الثلاثة الباقية فهي باطلة، إما لعدم الجمع خاصة، أو لعدم المنع خاصة، أو لعدمهما معًا (4).
وهذا الشرط الذي هو الجمع والمنع (5) مشروط في الحد الحقيقي، والرسمي، واللفظي.
قال (6) المؤلف في الشرح (7): "قولنا: "جامع" معناه: مطرد، وقولنا: "مانع" معناه: منعكس، فالجامع المانع هو: المطرد المنعكس". انتهى (8).
وقال غيره بعكس هذا: وأن المطرد هو المانع، والمنعكس هو الجامع، فالمطرد المنعكس هو: المانع الجامع.
قال: هذا هو الراجح في النظر؛ لأن معنى الطرد: اقتران (9) الوجود
__________
(1) في ز: "هو الحيوان".
(2) "والصبيان" ساقطة من ط.
(3) "الأربعة" ساقطة من ط.
(4) ذكر هذه الأقسام القرافي في شرح التنقيح ص 7، وذكرها أيضًا المسطاسي في شرح التنقيح ص 86.
(5) في ز: "الجامع والمائع".
(6) في ز: "وقال".
(7) في ط: "في شرحه".
(8) انظر: شرح التنقيح ص 7.
(9) في ز وط: "هو اقتران".
(1/113)

بالوجود بحيث يلزم من وجود الحد وجود المحدود، وأما إذا وجد الحد ولم يوجد المحدود، كتحديد الإنسان بأنه الحيوان (1) فهو: حد غير مطرد؛ لأنه أعم من المحدد فهو غير مانع.
ومعنى العكس: اقتران العدم بالعلم بحيث يلزم من عدم الحد عدم المحدود، فأما إذا عدم (2) الحد ولم يعدم المحدود كتحديد الإنسان بأنه الحيوان الرجل فهو حد غير منعكس على المحدود؛ لأنه أخص من المحدود فهو غير جامع.
وقيل: الاطراد هو أنه متى وجد الحد وجد المحدود، ومتى وجد المحدود وجد الحد.
قال بعضهم: هذا وهم؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان التعرض لذكر الانعكاس مستغنى عنه؛ لاستلزام (3) اشتراط وجود الحد عند وجود المحدود؛ اشتراط (4) عدم المحدود عند عدم الحد، ومثال هذا الوهم يجري في الانعكاس، ويرد عليه ما ورد على الطرد، والله أعلم.
فهذان قولان في معنى (5) الطرد (6) والعكس.
__________
(1) في ز: "حيوان".
(2) في ط: "انعدم".
(3) في ط: "لاستلزامه".
(4) في ط: "واشتراط".
(5) في ط: "منع".
(6) في ز: "الاطراد".
(1/114)

وذكر بعضهم أيضًا (1) في معنى الطرد والعكس (2) ثلاثة أقوال أخرى:
أحدها: أن الطرد: أن يصدق اسم الحد على المحدود، والعكس (3): أن يصدق اسم المحدود على الحد، كقولك (4): الحيوان الناطق هو: الإنسان، والإنسان هو: الحيوان الناطق.
[القول الثاني: أن الطرد أن يصدق اسم الحد على المحدود إثباتًا، والعكس: أن ينتفي اسم الحد عن المحدود، كقولك: الإنسان هو: الحيوان الناطق، وما ليس بحيوان ناطق: فليس بإنسان] (5).
والقول الثالث: أن الطرد هو: أن يصدق كل واحد من الحد والمحدود على الآخر إثباتًا، والعكس: أن ينتفي كل واحد منهما عند انتفاء الآخر، كقولك: الإنسان هو: الحيوان الناطق، والحيوان الناطق هو: الإنسان، وما ليس بحيوان: فليس بإنسان، فليس بحيوان ناطق، [وما ليس بإنسان فليس بحيوان ناطق، وما ليس بحيوان ناطق فليس بإنسان.
وسبب هذا الخلاف هو الاصطلاح] (6).
__________
(1) أيضًا" ساقطة من ز.
(2) في ز: "والإنعكاس".
(3) في ز: "والعكس أيضًا".
(4) في ط: "كقوله".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل، وإثباته يقتضيه السياق.
وانظر هذه الأقوال الثلاثة في شرح التنقيح للمسطاسي ص 86.
وقد نقل المؤلف منه بالمعنى.
(1/115)

قوله (1): (ويحترز فيه من التحديد (2) بالمساوي، والأخفى، وما لا يعرف إِلا بعد معرفة المحدود، والإِجمال في اللفظ).
هذه أربعة شروط أيضًا؛ لأن هذا الكلام معطوف على قوله: وشرطه أن يكون جامعًا [لجملة أفراد المحدود، مانعًا (3) من دخول غيره معه] (4) تقديره (5): وشرطه أن يكون جامعًا مانعًا محترزًا فيه من التحديد بالمساوي، والأخفى، وما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود، والإجمال في اللفظ.
فقوله على هذا: (ويحترز فيه) منصوب لعطفه (6) على المنصوب الذي هو (7) قوله: (أن يكون) تقديره: وشرطه أن يكون وأن يحترز فيه.
ويجوز فيه الرفع أيضًا: فيكون كلامًا مستأنفًا، نبه فيه المؤلف على الأشياء التي تؤثر الخلل في الحدود فيكون من باب عطف الجمل.
قوله (8): (ويحترز فيه) (9) أي: ويحترز (10) في الحد من الإتيان فيه
__________
(1) في ط: "نص".
(2) في ط: "بالتحديد".
(3) في ز: "ومانعًا".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط: "إلى قوله: تقديره".
(6) المثبت من ط، وفي ز: "بالعطفيه"، وفي الأصل: "لفظه".
(7) في ز: "الذي قبله وهو".
(8) "قوله" ساقطة من ط.
(9) في ز: "ويتحرز فيه من التحديد بالمساوي"، وفي ط: "ويحترز فيه من التحديد بالمساوي".
(10) في ز: "أي ويحترز فيه أي في الحد".
(1/116)

بالشيء المماثل للمحدود في الجهالة (1) عند السائل.
مثال ذلك: إذا قيل: ما الإنسان؟ فيقال (2): منتصب القامة، فإنهما متساويان في الجهالة (3) عند السائل [والتعريف بالمجهول لا يحصل معلومًا] (4).
ومثاله أيضًا: إذا قال قائل (5): ما الزوج؟ فتقول (6) له (7): عدد يزيد على المفرد (8) بواحد، هذا إذا لم يعرف السائل واحدًا منهما.
ومثاله أيضًا: إذا قال قائل: ما المفرد (9)؟ فتقول له (10): عدد يزيد على الزوج بواحد، هذا (11) إذا لم يعرف السائل معنى الفرد والزوج معًا، أما (12) إذا عرف أحدهما: فإن التعريف يحصل له بالمعروف عنده.
ومثال التعريف بالمساوي في الجهالة (13) أيضًا: إذا قال (14): ما الفرفخ (15)؟
__________
(1) في ط: "الجهات" وهو تصحيف.
(2) في ط: "فيقول".
(3) في ط: "الجهات".
(4) ما بين المعقوفتين ورد في ط متقدمًا على المثال الأول.
(5) في ز وط: "إذا قيل".
(6) في ز: "فيقال".
(7) "له" ساقطة من ز وط.
(8) في ز وط: "الفرد".
(9) في ز وط: "إذا قيل: ما الفرد".
(10) "له" ساقطة من ز وط.
(11) في ط: "هذا أيضًا".
(12) في ط: "أنهما".
(13) في ط: "الجهات".
(14) في ط: "قيل".
(15) في القاموس: الفرفخ الرِّجلةَ معرب. =
(1/117)

فتقول: الفرفخين.
فهذا التعريف (1) أيضًا باطل؛ لأنه (2) تعريف مجهول بمجهول، والمراد بهذين الاسمين العشبة التي يقال لها: البقلة الحمقاء، وهي التي يقال لها: الرجلة، وهي العشبة التي جرت العادة عند الأطباء يصفون (3) بزرها لتسكين العطش (4).
وقوله (5): (والأخفى).
مثال التعريف بالأخفى في الجهالة (6) من الحدود إذا قال (7): ما الإنسان؟ فتقول: العالم الأصغر؛ لأن معرفة العالم الأصغر أخفى من معرفة الإنسان.
ومثاله أيضًا: إذا قال (8): ما الأسد؟ فتقول (9): الغضنفر أو الضيغم، أو الضرغام (10)؛ لأن معرفة هذه الألفاظ الثلاثة أخفى من معرفة الأسد.
ومثال التعريف بالأخفى أيضًا: إذا قيل (11): ما البقلة الحمقاء؟ فتقول:
__________
= انظر: فصل الفاء، باب الخاء، مادة (فرفخ).
(1) "التعريف" ساقطة من ز.
(2) في ز: "فإنه".
(3) في ز وط: "بأنهم يصفون".
(4) انظر: شرح التنقيح ص 8.
(5) "وقوله" ساقطة من ط.
(6) في ط: "الجهات".
(7) في ط: "قيل".
(8) في ط: "قيل".
(9) المثبت من ط، ولم ترد "فتقول" في الأصل، وفي ز: "فيقول".
(10) في ز: "أو الضرغام، أو الضيغم".
(11) في ط: "إذا قيل لك".
(1/118)

الفرفخ، أو الفرفخين.
ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الخمر؟ فيقال: العقار؛ لأن معرفة العقار أخفى من معرفة الخمر.
وقوله (1): (والأخفى) يستغنى عنه بقوله: (المساوي)؛ لأنه إذا منع التعريف بالمساوي، فأولى وأحرى (2) أن يمنع التعريف بالأخفى.
قالوا: ومثال التحديد بالمساوي أو الأخفى (3): التزكية عند القاضي، فإذا طلب القاضي تزكية شاهد لا يعرفه قط، وزكاه رجل لا يعرفه القاضي أيضًا قط (4) فهذه التزكية: باطلة؛ لأنها (5) من باب التعريف بالمساوي في الجهالة؛ إذ المُعرِّف والمعرَّف مجهولان عند القاضي.
وإذا طلب القاضي تزكية شاهد عرفه القاضي معرفة العين (6)، ولا يدري حاله، وزكاه رجل لا يعرفه القاضي ولا رآه أصلاً، فهذه التزكية أيضًا: باطلة؛ لأنها (7) من باب التعريف بالأخفى؛ لأن معرفة المعرِّف أخفى عند القاضي من معرفة المعرَّف.
قوله (8): (وما لا يعرف إِلا بعد معرفة المحدود) معناه: ويحترز (9) في
__________
(1) "وقوله" ساقطة من ط.
(2) في ط: "فأحرى وأولى".
(3) في ز: "والأخفى".
(4) في ط: "رجل أيضًا لا يعرفه القاضي قط".
(5) في ز: "لأنه".
(6) في ط: "عين".
(7) في ز: "لأنه".
(8) "قوله" ساقطة من ط.
(9) في ز: "ويتحرز".
(1/119)

الحد من التعريف بما تتوقف معرفته على معرفة المحدود.
وهذا التوقف تارة يكون بمرتبة واحدة، وتارة يكون بمراتب:
مثاله بمرتبة واحدة: إذا قيل: ما الشمس؟ فتقول (1): كوكب نهاري، فإنه لا تعرف الشمس إلا بعد معرفة النهار، ولا يعرف النهار إلا بعد معرفة الشمس، فتوقف معرفة (2) كل واحد (3) منهما على معرفة الآخر، فهذا (4): باطل؛ لأنه يلزم منه الدور.
ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الأب؟ فيقال: من له ابن، فكل واحد منهما متوقف (5) على معرفة الآخر.
ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الابن؟ فيقال: من له أب، فكل واحد منهما متوقف (6) على الآخر؛ لأنهما متضايفان.
ومثاله (7) أيضًا: قولك (8) في حد العلم: معرفة المعلوم على ما هو به؛ لأن العلم لا يعرف إلا بعد معرفة المعلوم؛ لأنه قد أخذ في حده، ولا يعرف المعلوم أيضًا إلا بعد معرفة العلم؛ لأن المعلوم مشتق من العلم، ولا يعرف
__________
(1) في ز: "فيقول".
(2) "معرفة" ساقطة من ز وط.
(3) "واحد" ساقطة من ز.
(4) في ز وط: "فهو".
(5) في ز: "يتوقف".
(6) في ز: "يتوقف".
(7) في ط: "ومثال".
(8) "قولك" ساقطة من ط.
(1/120)

المشتق إلا بعد معرفة المشتق منه.
ومثاله أيضًا: قولك (1) في حد الأمر: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، فإن المأمور والمأمور به مشتقان من الأمر، فكل واحد من المعرِّف والمعرَّف متوقف على معرفة الآخر.
ومثال التوقف بمراتب: إذا قيل: مال الزوج؟ فيقال: الاثنان، فيقال: وما الاثنان؟ فيقال: المنقسم بمتساويين، فيقال: وما المنقسم بمتساويين؟ فيقال: الزوج، فقد عرف الزوج بما لا يعرف إلا بعد معرفته بمراتب فهو (2): أشد فسادًا من القسم الأول (3).
[قال الخسروشاهي (4): قولهم: ما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود فيه دور، نحو قولنا في حد العلم: هو معرفة المعلوم على ما هو به لا يصح فيه الدور؛ لأن المقصود إنما هو (5) نسبة اللفظ إلى الحقيقة، وذلك أن يكون السائل عارفًا بالمعلوم، ولكن لم يعلم كون العلم موضوعًا للمعلوم، فإذا أخبر بذلك
__________
(1) في ز: "ومثاله قولك أيضًا".
(2) في ز وط: "فهذا".
(3) ذكر هذا المثال القرافي في شرح التنقيح ص 8، 9.
(4) هو أبو محمد عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي، نسبة إلى خسروشاه، ولد سنة (580 ه)، سمع الحديث من المؤيد الطوسي، وأخذ الكلام عن فخر الدين الرازي، قدم الشام ودرس بها، وكان فقيهًا شافعيًا أصوليًا متكلمًا محققًا بارعًا. أخذ عنه: الخطيب زين الدين بن المرحل، توفي سنة (652 ه).
انظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن السبكي 8/ 61، 162، شذرات الذهب 5/ 255.
(5) "هو" ساقطة من ط.
(1/121)

حصل مطلوبه من غير دور، فإن المقصود بالحد هو نسبة الحد إلى المحدود لمن هو عارف بالمحدود فلا دور] (1).
وقوله (2): (والإِجمال في اللفظ) ومعنى المجمل هو: اللفظ (3) الذي لا تتضح دلالته للسامع (4).
مثاله: التحديد باللفظ المشترك كما (5) إذا قيل: ما العسجد؟ فيقال: العين، فإن العين لفظ مشترك بين الذهب، وعين الماء، وعين الميزان، وعين الشمس، والحدقة، وغير ذلك، مما يطلق عليه لفظ العين (6). فتعريف العسجد بالعين: باطل؛ إذ هو تعريف بالمجهول، والمجهول لا يحصل به بيان، فالذي ينبغي أن يقال في تعريف العسجد هو: الذهب (7).
ولكن (8) هذا كله إنما يمنع (9) التعريف باللفظ المجمل إذا لم يكن هنالك قرينة حالية أو مقالية تدل على المراد به، أما إذا كانت هنالك قرينة تدل على المراد: فيجوز إيقاع اللفظ المشترك في الحدود.
مثال ذلك: إذا قلنا: العدد إما زوج أو فرد (10)، وكذلك قولنا (11):
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) في ط: "نص".
(3) "اللفظ" ساقطة من ط.
(4) في ط: "للسائل".
(5) "إذا" ساقطة من ط.
(6) انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي فصل العين، باب النون، مادة (عين).
(7) قال في القاموس: العسجد: الذهب، فصل العين، باب الدال، مادة (عسجد).
(8) "لكن" ساقطة من ط.
(9) في ز: "يمتنع".
(10) في ط: "وأما".
(11) في ز وط: "إذا قلنا".
(1/122)

العالم: إما حيوان، أو جماد، أو نبات، وكذلك قولنا (1): الحيوان، إما ماشٍ، أو سابح، أو طائر.
فهذا كله كلام صحيح محصل للمراد للسامع، وإن وقع فيه لفظ مشترك وهو أو؛ لأن (أو) لفظ مشترك بين التنويع، والتخيير، والإباحة، والشك، والإبهام، ولكن دل السياق في هذه الأمثلة على أن (2) المراد به التنويع دون غيره من محامله، فإذا وقع مثل هذا في الحدود فإنه لا يجوز؛ إذ المقصود حصول البيان والمقصود، وإنما المحذور (3) فوات المقصود والمراد.
وها هنا ثلاثة ألفاظ اختلف الأصوليون في استعمالها في الحدود وهي: المشترك والمجازي، واللفظ الغريب في اللغة.
ثالثها: المشهور (4):
إذا كانت هناك (5) قرينة حالية أو مقالية تدل على المقصود والبيان: فإنه يجوز استعمالها وإلا فلا.
فقوله (6): (والإِجمال في اللفظ) يريد: إذا لم يكن فيه ما يدل على المراد.
قوله (7): (ويحترز (8) فيه من التحديد بالمساوي، والأخفى، وما لا
__________
(1) "قولنا" ساقطة من ط، وفي ز: "إذا قلنا".
(2) المثبت من ز وط، ولم ترد "أن" في الأصل.
(3) في ز: "وإنما يمنع في الحدود".
(4) أي ثالث الأقوال في استعمال هذه الألفاظ وهو القول المشهور.
(5) في ز: "كان هناك".
(6) "فقوله" ساقطة من ط، وفي ز: "قوله".
(7) "قوله" ساقطة من ط.
(8) في ز: "ويتحرز".
(1/123)

يعرف إِلا بعد معرفة المحدود، والإِجمال في اللفظ) (1) هذه (2) الأربعة الأشياء من الأشياء التي يقع بها الخلل والفساد في الحدود.
واعلم أن الفساد في الحد (3) يكون من جهة الجنس، وتارة يكون من جهة الفصل، وتارة يكون من أمر مشترك بينهما.
فأما الذي يكون من جهة الجنس فهو أشياء:
أحدها: أن يجعل (4) الفصل بدل (5) الجنس.
مثاله: إذا قيل: ما الإنسان؟ فيقال: الناطق الحيوان، فالحيوان هو الجنس المشترك بين الإنسان وغيره، والناطق هو الفصل المبين (6) للإنسان من غيره، صوابه: أن يقدم الجنس (7) على الفصل، فيقال: الحيوان الناطق.
ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما العشق؟ فيقال: إفراط المحبة، فالمحبة جنس، والإفراط فصل، صوابه: المحبة المفرطة؛ لأن صورة الحد تقديم (8) الجنس على الفصل.
__________
(1) في ط: "ويحترز فيه ... المسألة".
(2) في ط: "فهذه".
(3) في ط: "الحدود".
(4) في ز: "يكون".
(5) في ط: "بعد".
(6) في ز وط: "المميز".
(7) في ط: "الحيوان الذي هو الجنس".
(8) في ط: "تقدم".
(1/124)

الثاني: أن يجعل النوع بدل الجنس.
مثاله: أن يقال: ما الشر؟ فيقال: ظلم الناس، فإن ظلم الناس نوع من الشر.
الثالث: أن يجعل الجزء بدل الجنس.
مثاله أن يقال: ما العشرة؟ فيقال: خمسة وخمسة؛ لأن الخمسة جزء من العشرة وليست بجنس، وإنما يقال في حده (1): عدد زوج مركب من خمسة وخمسة.
الرابع: أن يجعل الماضي بدل الجنس.
مثاله: إذا قيل: ما الولد؟ [فيقال] (2): نطفة مستحيلة.
ومثاله أيضًا: إذا قيل: ما الرماد؟ فيقال: خشب محترق (3).
و (4) الخامس: أن يجعل المحل بدل الجنس.
مثاله: أن يقال: ما الكرسي؟ فيقال: خشب يجلس عليه (5) فإن الخشب محل الصورة لا جنس.
ومثاله: إذا قيل: ما السيف؟ فيقال: حديدة يقطع بها، فإن الحديدة هي (6)
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "هذه".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ط: "خشبة متحرقة".
(4) "الواو" ساقطة من ز وط.
(5) في ط: "خشبة يجلس عليها".
(6) في ز: "هو".
(1/125)

المحل الذي تصنع (1) منه هذه (2) الصورة لا جنس، فإنما (3) يقال: آلة صناعية من حديد طولها كذا، [وعرضها كذا] (4) يقطع بها كذا فالآلة جنس (5).
السادس: أن يجعل الوصف (6) العرضي (7) العام بدل الجنس.
مثاله: إذا قيل: ما الإنسان؟ فيقال: الموجود الناطق، لأن الموجود عرضي عام.
السابع: أن تجعل (8) القدرة مكان المقدور.
مثاله: إذا قيل: ما العفيف؟ فيقال (9): هو الذي (10) يقدر على اجتناب اللذات الشهوانية، صوابه أن يقال: هو الذي يترك اللذات الشهوانية؛ لأن الفاسق يقدر على تركها أيضًا، هذا بيان الخلل من جهة الجنس (11).
__________
(1) في ط: "يصنع".
(2) في ط: "هذا".
(3) في ز وط: "وإنما".
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "وغرضها"، ولم ترد "كذا" في الأصل.
(5) في ز: "فالآلة جنس، والحديد محل الصورة لا جنس"، وفي ط: "فالآلة جنس والحديد محل الصورة لا جنس".
(6) "الوصف" ساقط من ز.
(7) في ز: "العرض".
(8) في ز: "يجعل".
(9) المثبت من ز وط في الأصل "يقال".
(10) "هو الذي" ساقط من ط.
(11) ذكر هذه الأنواع السبعة في الخلل من جهة الجنس، الغزالي في المستصفى 1/ 18. ونقلها من الغزالي القرافي في شرح التنقيح ص 10.
(1/126)

وأما الخلل الكائن (1) من جهة الفصل:
فمثاله: أن يجعل اللوازم (2) والعرضيات بدل الذاتيات، كما إذا قيل في حد الإنسان: هو الحيوان الضاحك أو الكاتب، وكذلك إذا ترك بعض الفصول (3) كمثل إذا (4) قيل: ما الحيوان؟ فيقال: الجسم الحساس، ويترك المتحرك بالإرادة، فإنه من جملة الفصول التي تميز الحيوان من النبات.
وأما الخلل الكائن من أمر مشترك بين الجنس والفصل فهذا (5) بينه المؤلف بقوله: وشرطه أن يكون جامعًا [لجملة أفراد المحدود] (6) إلى قوله: والإجمال (7) في اللفظ (8).
قوله (9): (والمعرفة خمسة: الحد التام، والحد الناقص، والرسم التام، والرسم الناقص، وتبديل لفظ بلفظ مرادف له أشهر منه عند السامع).
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الكائنة".
(2) في ط: "اللزوم".
(3) في ز: "الفصل".
(4) في ز: "ما إذا".
(5) في ز وط: "فقد".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(7) "والإجمال" ساقط من ط.
(8) انظر ص: 112 - 122 من هذا الكتاب.
وقد ذكر الغزالي خمسة من أنواع الخلل من جهة أمر مشترك، ونقلها عنه القرافي.
انظر: المستصفى (1/ 18، 19)، شرح التنقيح ص 10 - 11.
(9) في ط: "نص".
(1/127)

هذا هو المطلب الرابع، وهو المطلب الآخر من المطالب الأربعة التي احتوى عليها الفصل، وهو أقسام الحد، فذكر المؤلف رحمه الله أن أقسام الحد خمسة:
قسمان في الحد: تام وناقص (1).
وقسمان في الرسم: تام (2) وناقص.
والقسم الخامس: تبديل لفظ بلفظ.
والدليل على انحصار القسمة في هذه الأقسام الخمسة: أن تعريف الماهية إما (3) أن يكون بالداخل فيها، أو بالخارج (4) عنها، أو بالداخل والخارج معًا.
فإن كان بالداخل: فإما أن يكون بجميع أجزائها أو ببعضها، فإن كان بجميع أجزائها سمي: حدًا تامًا، وإن كان ببعض أجزائها؛ فإن كان جزءًا مميزًا سمي: حدًا ناقصًا، وإن لم يكن مميزًا فلا يكون معرفًا.
وإن كان بالخارج (5) عن الماهية، فإن كان صفة قائمة بها سمي: رسمًا ناقصًا.
وإن كان غير قائم بها، وهو تبديل لفظ بلفظ أشهر منه سمي: حدًا لفظيًا.
وإن كان التعريف بالداخل والخارج معًا؛ فإن كان الداخل هو القدر المشترك، والخارج هو القدر المميز سمي: رسمًا تامًا، وهو الذي يكون مركبًا
__________
(1) في ط: "التام والناقص".
(2) في ط: "التام".
(3) في ز وط: "لا يخلوا إما ... إلخ".
(4) في ز: "أو الخارج".
(5) في ز وط: "التعريف بالخارج".
(1/128)

من الجنس والخاصة، وإن كان بخلاف ذلك (1) فلا تسميه الحكماء باسم معين.
قوله (2): (والمعرفات خمسة) (3) هذه صفة محذوفة الموصوف.
قيل: الموصوف بها: الحدود، تقديره: والحدود المعرفات خمسة.
وقيل: الموصوف بهذه الصفة هو: الأشياء، تقديره: والأشياء المعرفات (4).
وسبب هذا الاختلاف: الخلاف الواقع بينهم في الحد؛ هل هو اسم حقيقة فى كل واحد من هذه الأقسام الخمسة؟ أو هو حقيقة في الحد التام خاصة وهو مجاز في الأقسام الأربعة الباقية؟
وظاهر كلام ابن الحاجب (5) أنه يطلق على جميعها لأنه قال: "والحد حقيقي، ورسمي، [ولفظي] " (6).
__________
(1) المثبت من ز وط، ولم ترد "ذلك" في الأصل.
(2) "قوله" ساقطة من ط.
(3) "خمسة" ساقطة من ط.
(4) في ط: "المعروفات".
(5) هو جمال الدين أبو عمرو عتمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الرويني ثم المصري المعروف بابن الحاجب، ولد سنة (590 ه) في الصعيد، واشتغل بالعلم في صغره حتى حاز التقدم في الفقه والأصول والنحو والقراءات، وصنف فيها مختصرات صارت مرجعًا لطالبي هذه الفنون، توفي سنة (646 ه).
انظر: الديباج المذهب 2/ 86، وفيات الأعيان 3/ 248، شذرات الذهب 5/ 234.
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لفظي".
(1/129)

فإذا قلنا: حقيقة في جميع الأقسام (1) الخمسة:
فقيل: هو لفظ مشترك.
وقيل: هو لفظ مشكك.
ذكر الغزالي في مقدمة المستصفى هذين القولين (2) والأرجح من القولين بالتشكيك، فتكون الأولية على حسب قوتها (3) في التعريف.
قوله (4): (والمعرفات خمسة) (5) تقديره: والحدود، أو الأشياء (6) المحصلات لصورة الشيء وحقيقته في الذهن: خمسة حدود، أو خمسة (7) أشياء.
قوله (8): (الحد (9) التام) سمي بالحد التام؛ لاشتماله على التعريف بجميع أجزاء الماهية.
__________
= وانظر قول ابن الحاجب في: كتاب مختصر المنتهى لابن الحاجب المطبوع مع شرح العضد 1/ 68.
(1) في ط: "في الجميع الخمسة".
(2) في ز: "ذكر الغزالي هذين القولين في مقدمة المستصفى".
وانظر: المستصفى 1/ 21.
(3) في ط: "قولنا".
(4) "قوله" ساقطة من ط.
(5) "خمسة" ساقطة من ط.
(6) في ط: "والحدود المعرفات والأشياء".
(7) في ط: "وخمسة".
(8) "قوله" ساقطة من ط.
(9) في ط: "والحد".
(1/130)

وقوله (1): (والحد الناقص) سمي بالناقص؛ لنقصان بعض أجزاء الماهية منه.
وقوله (2): (والرسم التام) سمي هذا بالرسم؛ لأنه علامة على الذات؛ لأن الرسم هو: العلامة، وسمي تامًا؛ لاشتماله على شيئين وهما: الجنس، والخاصة.
وقوله (3): (والرسم الناقص) سمي هذا بالناقص، لاشتماله على: شيء [واحد] (4) وهو: الخاصة.
وقوله (5): (وتبديل لفظ بلفظ [مرادف له أشهر (6) منه عند السامع] (7)).
قال المؤلف في الشرح: إنما اشترطنا (8) هنا (9) المرادفة في تبديل لفظ بلفظ احترازًا (10) من الحد الناقص، والرسم الناقص؛ لأن كل واحد منهما فيه تبديل لفظ بلفظ، لكن ليس مرادفًا (11) له (12).
__________
(1) "وقوله" ساقطة من ط.
(2) "وقوله" ساقطة من ط.
(3) "وقوله" ساقطة من ط.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(5) "وقوله" ساقطة من ط.
(6) في ز: "هو أشهر".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) في ط: "شرطنا".
(9) "هنا" ساقطة من ز وط.
(10) في ط: "مرادف له احترازًا".
(11) في ز وط: "بمرادف".
(12) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 12.
(1/131)

وقوله (1): (أشهر منه عند السامع) معناه: أن يكون اللفظ (2) المعرِّف أشهر وأظهر في التعريف عند السامع من اللفظ المعرَّف، كقولنا: ما العقار؟ فنقول: الخمر، وما الضرغام؟ فنقول: الأسد.
وقوله (3): (أشهر) احترازًا من المساوي والأخفى (4) كقولنا في اللفظ المساوي: ما الضرغام؟ فنقول: الضيغم، وما الفرفخ؟ فنقول: الفرفخين [وقولنا في اللفظ الأخفى: ما الخمر؟ فنقول: العقار، وما الأسد؟ فنقول: الضرغام] (5).
قوله: (عند السامع)؛ لأن السامع هو المقصود بالبيان.
قال المؤلف في الشرح: إنما قلت (6): أشهر منه (7) عند السامع؛ لأن الشهرة قد تنعكس.
مثال ذلك: الفول والباقلاء، فالفول هو المشهور عند أهل مصر، والباقلاء هو المشهور عند أهل الشام، فإذا قال المصري للشامي (8): ما الباقلاء؟ فجوابه أن يقول له (9): [هو الفول؛ لأن الفول هو اللفظ الذي يعرفه المصري، وإذا قال الشامي للمصري: ما الفول؟ فجوابه أن يقول
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط.
(2) "اللفظ" ساقطة من ط.
(3) في ط: "وقولنا".
(4) في ز وط: "أو الأخفى".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) في ط: "قلنا".
(7) في ط: "من الأول".
(8) في ط: "مصري لشامي".
(9) "له" ساقطة من ز.
(1/132)

له] (1): هو الباقلاء؛ لأن الباقلاء هو اللفظ الذي (2) يعرفه الشامي، ولا يجاوب السائل إلا بما هو أشهر عنده، وإلا فلم يحصل البيان (3).
قوله (4): (فالأول التعريف بجملة الأجزاء) أي القسم الأول الذي هو: الحد التام، هو: التعريف بجميع الأجزاء الذاتيات التي تركب (5) منها الماهية.
و (6) قوله: (الأجزاء) يعني: الذاتية (7) في الكلام حذف الصفة، ومعنى قولنا: الذاتية (8) أي: التي تركبت منها الذات، وهي: الأوصاف الداخلة في الماهية، احترازًا من الأوصاف العرضية وهي: الأوصاف الخارجة عن الماهية.
و (9) قوله: (نحو: قولنا: الإِنسان هو: الحيوان الناطق) هذا مثال الحد التام، الذي هو التعريف بجميع أجزاء الماهية؛ وذلك أن حقيقة الإنسان مركبة من الحياة والنطق، وهذا هو الحد الحقيقي، وهو الذي فيه التعريف بجميع الأجزاء الذي (10) تركبت منه الماهية.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "الذي" ساقطة من ز.
(3) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 12.
(4) في ط: "نص".
(5) في ز وط: "تركبت".
(6) "الواو" ساقطة من ز وط.
(7) في ط: "الذاتيات".
(8) في ط: "الذاتيات".
(9) "الواو" ساقطة من ز وط.
(10) في ز وط: "التي".
(1/133)

وقوله (1): (نحو قولنا: الإِنسان هو الحيوان الناطق).
فيه تنبيه على كيفية صورة الحد (2)، وهي (3): أن يؤتى أولاً بالجنس المشترك بين الماهية وغيرها، ثم يؤتى بعده بالفصل المميز للماهية عن (4) غيرها (5).
فقولنا في هذا (6) المثال: الحيوان هو: الجزء الذي هو مشترك (7) بين ماهية الإنسان وغيرها من سائر ما له روح، وقولنا: الناطق هو الجزء المميز ماهية الإنسان عن الشركة، ويسمى الجزء الأول عندهم (8) بالجنس، ويسمى الجزء (9) الثاني بالفصل، ولكن يشترط في الجزء الأول الذي هو الجنس أن يكون قريبًا للماهية، احترازًا من الجنس البعيد.
مثال القريب: تعريف الإنسان بالحيوان الناطق كما قال المؤلف.
ومثال الجنس البعيد: تعريف الإنسان بالجسم الناطق؛ [لأن الجسم بعيد؛ لأنه أعلى من الحيوان (10)؛ لأنه يحتوي على الحيوان وعلى الجماد.
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط.
(2) "الحد" ساقط من ط.
(3) في ط: "وهو".
(4) في ز وط: "من".
(5) في ط: "غير".
(6) "هذا" ساقطة من ز.
(7) في ط: "الجزء المشترك".
(8) "عندهم" ساقطة من ط.
(9) "الجزء" ساقطة من ز.
(10) في ط: "الحيوان الناطق".
(1/134)

ولأجل هذا قال ابن] (1) الحاجب: وصورة الحد الجنس الأقرب ثم الفصل (2).
وقوله (3): (ونحو قولنا: الإِنسان هو الحيوان الناطق).
فيه تنبيه أيضًا (4): على أن الحد الحقيقي هو ما تركب من الأجزاء الذاتية (5)؛ لأن (6) مثاله يقتضي (7) ذلك، وأما إذا وقع التعريف بغير ذلك فلا يسمى حدًا حقيقيًا، وإنما يسمى رسمًا.
والفرق بين الذاتي، والعرضي: أن الذاتي: ما لا يتصور فهم الذات قبل فهمه، والعرضي: ما يتصور فهم الذات قبل فهمه.
قال ابن الحاجب: والذاتي ما لا يتصور فهم الذات قبل فهمه كاللونية للسواد والجسمية للإنسان. انتهى (8).
يعني: أن الوصف الذي هو اللونية هو وصف ذاتي للسواد؛ إذ لا يمكن تصور السواد بدون اللونية؛ لأن السواد قابض للبصر، وكذلك لا يمكن تصور
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) مختصر المنتهى لابن الحاجب المطبوع مع شرح العضد 1/ 81.
(3) "قوله" ساقطة من ط.
(4) "أيضًا" ساقطة من ز وط.
(5) في ط: "الذاتيات".
(6) في ز: "لأنه".
(7) في ز: "فيقتضي".
(8) مختصر المنتهى لابن الحاجب المطبوع مع شرح العضد وحاشية التفتازاني 1/ 71، 72.
(1/135)

ذات (1) الإنسان قبل تصور الجسمية؛ لأن (2) الإنسان جسم نام لاستحالة تصور الكل بدون تصور (3) الجزء، و (4) هذا بيان الذاتي.
وأما العرضي فهو: ما يتصور فهم الذات قبل فهمه كما قدمنا، وهو على قسمين:
أحدهما: لازم.
والآخر: عارض.
فاللازم ما لا يتصور مفارقته للماهية كالفردية للثلاثة، والزوجية للأربعة.
والعارض: ما تتصور (5) مفارقته للماهية (6)، وهو على قسمين:
ما يزول.
وما لا يزول.
فمثال ما يزول: حمرة الخجل وصفرة الوجل (7).
ومثال ما لا يزول: سواد الغراب وسواد الزنجي.
__________
(1) "ذات" ساقطة من ز.
(2) في ز: "فإن".
(3) "تصور" ساقطة من ز.
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) في ط: "ما "يتصور".
(6) في ط: "للذات".
(7) في ط: "حمرة الوجل وصفرة الخجل".
(1/136)

وقوله (1): (نحو قولنا: الإِنسان هو الحيوان الناطق) اعترض على هذا الحد بأن قيل (2): غير جامع ولا مانع، وإنما قيل (3): غير جامع؛ لخروج الأبكم منه؛ لأنه إنسان غير ناطق، وإنما قيل: غير مانع؛ لدخول الببغاء فيه؛ لأنه حيوان ناطق.
أجيب عنه: بأن قيل (4): المراد بالناطق: العاقل، فيدخل الأبكم وتخرج (5) الببغاء؛ لأنها غير عاقلة.
والببغاء هو (6): طير (7) أكبر من اليمامة بيسير، وذكر عنها أنها أهرقت محبرة [لرجل فنتف رأسها] (8)، فدخل عليها رجل آخر فوجدها منتوفة الرأس، فقالت له: أهرقت المحبرة (9)، فهذا كلام عربي فصيح، لكن لا (10) يعقل المتكلم به.
فقوله (11): (الإِنسان هو الحيوان الناطق) معناه: العاقل احترازًا من الببغاء، لأنه (12) حيوان غير عاقل.
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط.
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يقال".
(3) في ط: "قلنا".
(4) "قيل" ساقطة من ط.
(5) في ز وط: "ويخرج".
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "هي".
(7) في ز: "طائر".
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز وط ولم يرد في الأصل.
(9) في ط: "بالمحبرة".
(10) "لا" ساقطة من ط.
(11) في ز: "قوله".
(12) في ط: "لأنها".
(1/137)

ثم اعترض على هذا أيضًا بأن قيل أيضًا: هذا غير جامع ولا مانع؛ لأن قولنا: معناه الحيوان العاقل، يخرج منه فاقد العقل من الناس، ويدخل فيه الجن والملائكة؛ لأنهم حيوان عاقل.
أجيب (1) عنه: بأن حقيقة العقل سجية تنشأت (2) عن الأمزجة البشرية فلا يدخل الجن والملائكة، وهذه السجية حاصلة (3) لكل إنسان كان رضيعًا أو فطيمًا، كان عاقلاً أو فاقد عقل، كان يقظان أو نائمًا.
فهذه السجية هي في كل إنسان إلا أنها قد يمنع ظهورها (4) في بعضهم مانع كالطفل، والمجنون، والسكران، والمغمى عليه، والنائم (5)، غير أنها في الطفل ضعيفة لم تبلغ فعلها بمنزلة رجل الطفل بالنسبة إلى المشي، وكالنار القليلة (6) لم تبلغ أن تحرق الجذوع (7)، وهي في المجنون والسكران كالعين الحولا، وهي في المغمى (8) كالعين التي عليها (9) غشاوة من بخار يرقى إليها، وهي في النائم كالعين المغمضة.
[وقوله: (في الحد التام نحو قولنا: الإِنسان هو الحيوان الناطق فعرفه
__________
(1) في ز: "وأجيب".
(2) في ز وط: "تنشأ".
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "خاصة".
(4) في ز وط: "من ظهورها".
(5) "والنائم" ساقطة من ط.
(6) في ط وز: "اليسيرة".
(7) في ز: "الجذع".
(8) في ز: "المغمى عليه" وفي ط: "المغمى عليها".
(9) في ط: "الذي عليه".
(1/138)

باجتماع الجنس والفصل).
يريد: وكذلك أيضًا ما اجتمع فيه حد الجنس مع الفصل، نحو قولنا في حد الإنسان: الجسم النامي الحساس الناطق، فقولنا: الجسم النامي الحساس هو: حد الحيوان، وقولنا: الناطق هو: الفصل المميز للإنسان عن غيره من أنواع الحيوان، فلا فرق إذًا في حد الإنسان بين قولك: الحيوان الناطق وبين قولك: الجسم النامي الحساس الناطق] (1).
وقوله (2): (والثاني: التعريف بالفصل وحده، وهو: الناطق).
يعني أن الحد الناقص هو: التعريف بالفصل وحده، أي: دون الجنس القريب، وأراد بالفصل: الجزء الذي يميز الماهية (3) عن (4) غيرها (5)، أي: يميز حقيقة الإنسان من سائر الحيوانات في هذا المثال.
قوله (6): (بالفصل (7) وحده) يريد: وكذلك التعريف بالفصل مع الجنس البعيد فإنه حد ناقص، نص عليه الخونجي (8) في "الجمل" كقولك في حد
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(2) "وقوله" ساقطة من ط.
(3) في ط: "يميزاه".
(4) في ز: "من".
(5) في ط: "غيره".
(6) "قوله" ساقطة من ط.
(7) في ط: "وبالفصل".
(8) في ط: "الخولنجي" وهو تصحيف، والخونجي هو أبو عبد الله محمد بن ناماور بن عبد الملك أفضل الدين الخونجي، القاضي، الشافعي، ولد سنة (590 ه)، وطلب وحصل وبالغ في علوم الأوائل، ودرس بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، وولي القضاء =
(1/139)

الإنسان: الجسم الناطق (1).
و (2) قوله (3): (والثالث التعريف بالجنس والخاصة كقولنا: هو (4) الحيوان الضاحك) يعني أن الرسم التام هو التعريف بالجنس القريب مع الخاصة (5).
ومعنى الخاصة هو: الوصف الخارج عن (6) الماهية الخاص بها دون غيرها نحو: الضاحك، والكاتب، والخياط، وغيرها من الأوصاف الخاصة بالإنسان.
قال المؤلف (7) في الشرح: المراد بالضاحك ونحوه (8) من خصائص الإنسان هو: الضاحك بالقوة دون الفعل (9)؛ لأن الضاحك بالقوة هو
__________
= بها، وبرع في المعقولات، وأفتى وناظر، ومن تصانيفه في المنطق: "كشف الأسرار"، و"الجمل"، و"الموجز"، توفي سنة تسع وأربعين وستمائة (649 ه).
انظر ترجمته في: مفتاح السعادة 1/ 245، 246، شذرات الذهب 5/ 236، حسن المحاضرة للسيوطي 1/ 312، طبقات الشافعية للسبكي 5/ 43.
(1) قال الخونجي في ذكره لأقسام الحد: وإما تامًا إن كان بها وبالجنس، وإن أفاد مع ذلك التمييز الذاتي كان حدًا وشرطه أن يكون بالذاتيات فإن اقتصر عليه كان حدًا ناقصًا كما هو بالفصل وحده وبه مع الجنس البعيد.
انظر: الجمل للخونجي تحقيق سعد غراب ص 31.
(2) "الواو" ساقطة من ز وط.
(3) "قوله" ساقطة من ط.
(4) "هو" ساقطة من ش وخ.
(5) في ط: "بالجنس والخاصة القريب ومعنى ... إلخ".
(6) في ط: "من".
(7) في ط: "كالمؤلف".
(8) في ط: "وغيره".
(9) في ز: "لا بالفعل".
(1/140)

الموجود في جميع أفراد (1) الإنسان، فيكون جامعًا مانعًا.
وأما الضاحك بالفعل فقد يعرى عنه كثير من أفراد الإنسان، ويكون عبوسًا فلا يكون جامعًا، بل المراد القوة التي هي (2) القابلية، دون الفعل الذي هو الوجود والوقوع، وقس عليه غيره، انتهى (3) نصه (4).
قوله (5): (والرابع وبالخاصة وحدها نحو قولنا: هو الضاحك) يعني: أن الرسم الناقص هو التعريف بالخاصة وحدها، أي: دون الجنس القريب، نحو قولنا في حد الإنسان: هو الضاحك.
وقوله (6): (بالخاصة وحدها) يريد: وكذلك إن كان التعريف بالخاصة وبالجنس البعيد فهو رسم ناقص؛ لأن الجنس البعيد بمنزلة العدم فكما أن الجنس البعيد مع الفصل هو: حد ناقص، فكذلك الجنس البعيد مع الخاصة هو: رسم ناقص، كقولنا في حد الإنسان هو: الجسم الضاحك، أو هو: الجسم الكاتب، أو هو: الجسم الخياط.
انظر ذَكَرَ المؤلف أربعة أنواع وهي (7): اجتماع الجنس مع الفصل وهو: الحد التام، وذكر اجتماع الجنس مع الخاصة وهو: الرسم التام، وذكر انفراد الفصل وهو: الحد الناقص، وذكر انفراد الخاصة وهو: الرسم الناقص.
__________
(1) في ط: "الأفراد".
(2) "التي هي" ساقطة من ط.
(3) المثبت من ز وط، ولم ترد "انتهى" في الأصل.
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 12.
(5) "قوله" ساقطة من ط.
(6) "قوله" ساقطة من ط.
(7) في ز: "ذكر".
(1/141)

وسكت عن اجتماع الفصل مع الخاصة (1) نحو قولنا في حد الإنسان هو: الناطق الضاحك، مع أنه جامع مانع محصل للمقصود (2) أكثر من الجنس والخاصة لذكر المميز، وهو الفصل مع الخاصة بالماهية.
وقد ذكر فيه المؤلف (3) في الشرح قولين:
قيل: هو (4) رسم تام؛ لأن الرسم التام ما اجتمع فيه الداخل والخارج كيف كان (5).
وقيل: الرسم التام ما اجتمع فيه الجنس والخاصة.
وأما اجتماع الفصل مع الخاصة فليس له اسم يخصه، وعلى هذا القول: الأكثر، قاله المؤلف في الشرح (6).
انظر (7) أيضًا سكت المؤلف (8) عن اجتماع الثلاثة: الجنس، والفصل، والخاصة، نحو قولنا في حد الإنسان هو: الحيوان الناطق الضاحك (9)، فيجري فيه أيضًا القولان المذكوران آنفًا في اجتماع الفصل مع الخاصة:
__________
(1) في ز: "والخاصة".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فحصل المقصود".
(3) في ط: "ذكر المؤلف فيه".
(4) "هو" ساقطة من ز.
(5) المثبت من ز وط، ولم ترد "كان" في الأصل.
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 12.
(7) في ز: "وانظر".
(8) في ط: "المصنف".
(9) "الضاحك" ساقط من ط.
(1/142)

فعلى قول الأكثر منهم نقول (1): ليس له اسم معين يخصه.
ونقول (2) على القول القائل بأن الرسم (3) التام هو: ما اجتمع فيه الداخل والخارج كيف (4) كان: إن (5) هذا رسم [تام] (6)؛ لاجتماع الداخل والخارج فيه (7).
وينبغي أن نذكر ها هنا الكليات [الخمس] (8) وهي:
النوع، والجنس، والفصل، والخاصة، و (9) العرض العام (10).
فمثال النوع: الإنسان.
ومثال الجنس: الحيوان.
ومثال الفصل: الناطق.
ومثال الخاصة: الضاحك.
ومثال العرض العام: الماشي.
__________
(1) في ز: "تقول".
(2) في ز وط: "وتقول".
(3) في ط: "الاسم".
(4) في ط: "وكيف".
(5) "إن" ساقطة من ط.
(6) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(7) "فيه" ساقطة من ز.
(8) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الخمسة".
(9) "الواو" ساقطة من ط.
(10) المثبت من ط، وفي الأصل: "والعام".
(1/143)

فحقيقة النوع هو: الكلي المقول على أفراد متفقة الحقيقة والصورة كالإنسان، فإن أفراد الإنسان ذكورًا وإناثًا (1) متفقة في الحقيقة الإنسانية؛ لأنك (2) تقول: زيد إنسان، وعمرو إنسان، وهند (3) إنسان، ودعد إنسان، حتى تأتي على جميع أفراد الإنسان، وأفراد الإنسان أيضًا كلها (4) متفقة في صورة الإنسان، وهي امتداد (5) القامة.
وحقيقة الجنس هو (6): الكلي المقول على أفراد متفقة الحقيقة دون الصورة كالحيوان، فإن أفراد الحيوان [كالإنسان (7)، والفرس، والحمار، والطير، وغيرها، من سائر الحيوان] (8) متفقة في (9) الحقيقة الحيوانية؛ لأنك تقول: الإنسان حيوان، والفرس حيوان، والحمار حيوان، والطير حيوان، حتى تأتي على جميع أفراد الحيوان، وأما صورها (10) فهي مختلفة؛ إذ صورة (11) الإنسان مخالفة (12) لصورة الفرس، والحمار، والطير، وغيرها (13)،
__________
(1) في ط: "أو إناثًا".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لأنها".
(3) في ط: "وهذا".
(4) في ز: "كلها أيضًا".
(5) في ط: "امتكاذ" وهو تصحيف.
(6) "هو" ساقطة من ز.
(7) "كالإنسان" ساقطة من ط.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(9) في ط: "على".
(10) في ط: "ولما صورته".
(11) في ط: "إذا ضرة" وهو تصحيف.
(12) في ط: "مختلفة".
(13) "وغيرها" ساقطة من ز.
(1/144)

وكل واحد أيضًا تخالف صورته صورة الآخر.
وحقيقة الفصل هو (1): الكلي الداخل في الذات المميز للذات عن (2) غير الذات كالناطق في حد الإنسان، فإنه يفصل بين الإنسان وغيره.
وحقيقة الخاصة هو: الكلي الخارج عن الذات الخاص بها دون غيرها كالضاحك بالنسبة إلى الإنسان، أو الكاتب (3) أو الخياط (4)، والمراد بذلك الضحك (5) بالقوة، وكذلك الكتابة والخياطة (6)، وما في معناها من خصائص الإنسان، وليس المراد به الفعل الذي هو الوجود والوقوع، فإن كثيرًا من أفراد الإنسان قد يعرى عن ذلك، وإنما المراد القوة؛ لأن ذلك هو العام لأفراد الإنسان.
وحقيقة العرض العام هو: الكلي الخارج عن الذات المشترك بينها وبين غيرها كالماشي في قولك: ما الإنسان؟ فتقول: الماشي، فإن الماشي (7) غير خاص بالإنسان بل هو موجود في غيره من الحيوانات (8).
قوله (9): (والخامس وضع أحد المترادفين موضع الآخر نحو قولنا (10): ما
__________
(1) في ط: "هي".
(2) في ط: "من".
(3) في ز: "والكاتب".
(4) في ط: "أو الحيوان".
(5) في ز: "الضاحك".
(6) في ز: "الكاتب والخياط".
(7) في ط: "المشي".
(8) في ز وط: "في جميع الحيوانات، وبالله التوفيق لمنه".
(9) في ط: "نص".
(10) في خ: "نحو ما هو البر؟ "، وفي ط: "نحو قوله".
(1/145)

البُر؟ فتقول: القمح) (1).
هذا هو الحد اللفظي؛ لأن الحد ثلاثة أقسام:
حقيقي.
ورسمي.
ولفظي.
بيّن المؤلف الحقيقي والرسمي، وكلامه (2) ها هنا (3) في اللفظي، وهو: تفسير اللفظ (4) بلفظ مرادف له أشهر منه (5)، كما نبه عليه أولاً في قوله: وتبديل لفظ بلفظ مرادف له أشهر منه عند السامع، وقد تقدم بيانه.
مثّله المؤلف بقوله: ما البر؟ فنقول: القمح؛ لأن القمح مرادف للبر، وهو أشهر منه في الاستعمال.
ومثاله أيضًا (6): ما الحنطة؟ فنقول (7): القمح.
ومثاله أيضًا: ما العقار؟ فنقول (8): الخمر.
__________
(1) في أ: "والخامس قولنا: ما البر؟ فتقول: القمح".
وفي ش: "والخامس نحو قولنا: ما البر؟ فتقول: القمح".
(2) المثبت من ز وط، و"الواو" ساقطة من الأصل.
(3) في ط: "هنا".
(4) في ط: "لفظ".
(5) في ز: "منه عند السامع".
(6) "أيضًا" ساقطة من ز.
(7) في ز: "فيقول".
(8) في ز "فيقول".
(1/146)

ومثاله أيضًا (1): ما الغضنفر؟ فنقول: الأسد، وغير ذلك من الألفاظ المرادفة المشهورة، وبالله التوفيق (2).
...
__________
(1) "أيضًا" ساقطة من ط.
(2) في ز وط: "وبالله حسن التوفيق بمنه".
(1/147)

الفصل الثاني في تفسير أصول الفقه
شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أصول الفقه (1)، وإنما قدم هذا الفصل على ما بعده من الفصول؛ لأنه لما أراد الشروع في علم (2) الأصول نظر إلى أن تصور معنى (3) هذا العلم أسبق بالتعريف من الشروع في أحكامه؛ لأن الكلام على الشيء ثان عن تصوره.
و (4) اعلم أن قولهم: أصول الفقه له تفسيران:
تفسير (5) باعتبار الإفراد.
وتفسير باعتبار التركيب.
__________
(1) انظر تعريف أصول الفقه في: المعتمد لأبي الحسين البصري 1/ 4، 5، البرهان 1/ 84، 85، اللمع في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي مع تخريج أحاديث اللمع للحسيني ص 51 - 53، العدة لأبي يعلى 1/ 67 - 70، المنخول ص 4، 5، المحصول ج 1 ق 1 (ص 91 - 95)، الإحكام للآمدي (1/ 5 - 7)، شرح العضد على مختصر المنتهى (1/ 18)، شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 15، الإبهاج شرح المنهاج (1/ 19)، شرح المحلي على متن جمع الجوامع (1/ 30)، تيسير التحرير (1/ 8 - 18)، التلويح على التوضيح 1/ 34، إرشاد الفحول ص 3، 4.
(2) "علم" ساقطة من ز.
(3) "معنى" ساقطة من ط.
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) "تفسير" ساقطة من ط.
(1/149)

ففسره المؤلف ها هنا باعتبار الإفراد؛ لأنه فسر الأصول على حدتها [وفسر الفقه على حدته] (1)، وفسره غيره باعتبار التركيب، أي باعتبار كونه اسمًا علمًا على فن معلوم.
وفسره ابن الحاجب بالاعتبارين معًا؛ لأنه فسره أولاً (2) باعتبار التركيب، وفسره ثانيًا باعتبار الإفراد (3)، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله (4): (فأصل الشيء ما منه الشيء لغة، ورجحانه ودليله (5) اصطلاحًا (6)).
ذكر المؤلف ها هنا للأصل ثلاثة معان: واحد لغوي، واثنان اصطلاحيان (7).
فقوله (8): (فأصل (9) الشيء: ما منه الشيء) (10) الألف واللام في الشيء
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "أولاً" ساقطة من ز.
(3) قال ابن الحاجب: أما حده لقبًا: فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.
وأما حده مضافًا فالأصول: الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.
انظر: مختصر المنتهى لابن الحاجب المطبوع مع شرح العضد (1/ 18).
(4) في ط: "نص".
(5) في أوخ وش: "أو دليله".
(6) في ط: "إصلاحًا" وهو تصحيف.
(7) في ز: "اصطلاحان".
(8) "فقوله" ساقطة من ط.
(9) في ط: "وأصل".
(10) في ز: "الشيء لغة".
(1/150)

الثاني (1) للحوالة على الشيء الأول، وهو من باب إيقاع الظاهر موقع المضمر كقوله تعالى: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (2).
وقوله (3): (ما منه) (4) "ما" موصولة بمعنى: الذي، ومن لابتداء الغاية معناه: أصل الشيء هو: الشيء (5) الذي ينشأ (6) منه (7).
مثاله (8): أصل السنبلة البرة؛ لأن السنبلة أصل نشأتها البرة.
ومثاله أيضًا: أصل النخلة النواة؛ لأن النخلة إنما تنشأت (9) من النواة.
ومثاله أيضًا: أصل الإنسان النطفة؛ لأن الإنسان أصل نشأته النطفة.
و (10) قوله (11) (ما منه) هذا المجرور متعلق بمحذوف تقديره: ما تنشأ (12) منه، أو ما تكون منه، أو ما تولد منه.
وقوله (13): (لغة) مصدر مؤكد لغيره رافع للإبهام (14) الذي في الأصل؛
__________
(1) "الثاني" ساقطة من ز.
(2) سورة إبراهيم، آية رقم 27.
(3) "وقوله" ساقطة من ط.
(4) المثبت بين القوسين من ز، وفي الأصل: "وقوله: "ما" موصولة" وفي ط: "ما منه موصولة".
(5) "الشيء" ساقطة من ط.
(6) المثبت من ز، وفي الأصل: "تنشأ".
(7) في ط: "عنه".
(8) في ز: "مثاله قولك".
(9) في ز: "تنشأ"، وفي ط: "نشأت".
(10) "الواو" ساقطة من ز.
(11) "قوله" ساقطة من ط.
(12) في ز (ينشأ).
(13) "قوله" ساقطة من ط.
(14) في ط: "واقع للإيهام".
(1/151)

لأن الأصل دائر بين اللغوي، والاصطلاحي.
وقد اعترض المؤلف في الشرح هذا الحد بوجهين:
أحدهما: أن لفظتي (1): "ما" و"من" مشتركة بين معان، والمشترك مما يجتنب [و] (2) يمنع (3) في الحدود.
والثاني: أن (4) معاني "من" ها هنا متعذرة (5)؛ إذ لا يصلح (6) أن تكون هنا (7) للتبعيض، ولا لابتداء (8) الغاية، ولا (9) لبيان الجنس، وإنما قلنا: لا تكون للتبعيض؛ لأن النخلة مثلاً ليست بعض النواة (10)، بل هي أضعافها، وإنما قلنا: لا تكون لابتداء الغاية؛ إذ شأن المُغيَّا أن يتكرر قبل الغاية، والنخلة لم تتكرر، وإنما قلنا: لا تكون لبيان الجنس؛ لأن النخلة ليست أعم من النواة حتى تتبين بالنواة (11).
وأجاب (12) عن الأول: وهو الاشتراك: أن المشترك دل السياق على المراد
__________
(1) في ز: "لفظتين".
(2) "الواو" لم ترد في الأصل وز وط، وإثباتها هو الأولى.
(3) "يمنع" ساقطة من ز وط.
(4) "أن" ساقطة من ط.
(5) في ط: "معتذرة" وهو تصحيف.
(6) في ز وط: "يصح".
(7) في ط: "ها هنا".
(8) في ز: "وللابتداء".
(9) "لا" ساقطة من ز.
(10) في ط: "نواة".
(11) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 15.
(12) في ز وط: "فأجاب".
(1/152)

به ها هنا، فإن المراد ب "ما" (1) ها هنا الموصولة (2)، والمراد ب "من" ها هنا: "مجاز ابتداء الغاية"؛ لأن النخلة مثلاً في قولك: أصل النخلة النواة أي: ابتداء نشأتها من النواة، كقولك: سرت من النيل إلى مكة أي: ابتدأت (3) السير من النيل، فلما كان ابتداء النخلة في الأصل من النواة شبيهًا بابتداء الغاية في السير سمي بمجاز (4) ابتداء الغاية؛ لأجل هذا الشبه، أو تقول: المراد ب "من" "مجاز التبعيض" لا حقيقته، فإن النخلة بعضها من النواة لا كلها (5).
قال المؤلف: فجعلنا النخلة جزءًا من النواة توسعًا (6) من باب إطلاق لفظ الجزء على الكل (7).
قال المؤلف في الشرح: ولأجل هذه الاعتراضات اختار سيف الدين حدًا آخر فقال: أصل الشيء ما يستند (8) وجوده إليه من غير تأثير (9): احترازًا من استناد الممكن للصانع المؤثر (10).
أي: احترازًا من إسناد (11) الممكنات إلى واجب الوجود سبحانه؛ إذ لا
__________
(1) في ط: "به".
(2) في ط: "الموصولات".
(3) في ط: "ابتداء".
(4) في ط: "مجازًا".
(5) النقل هنا بالمعنى، انظر: شرح التنقيح ص 16.
(6) في ط: "ترسما".
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 16.
(8) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "ما يبتدأ".
(9) يقول الآمدي في الإحكام (1/ 7): "فاعلم أن أصل كل شيء هو ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه".
(10) شرح التنقيح للقرافي ص 16.
(11) في ط: "من إسناد الممكن للصانع المؤثر أي احترازًا من استناد الممكنات ... إلخ".
(1/153)

يقال: هو أصل لها، وإنما يقال: هو خالقها، وذلك (1) أن إسناد الشيء إلى (2) أصله ليس على وجه التأثير؛ إذ لا تأثير إلا للقدرة القديمة.
وقوله (3): (ورجحانه ودليله اصطلاحًا) (4).
يعني: أن الأصل في الاصطلاح له معنيان:
أحدهما: الراجح.
والآخر: الدليل.
فمثال الأصل الذي يراد به الراجح قولهم: الأصل براءة الذمة، أي: الراجح عند العقل (5) براءة الذمة (6)، والمرجوح عمارتها؛ لأن الإنسان ولد بريئًا من الحقوق كلها.
ومثال الأصل (7): الذي معناه الراجح أيضًا قولهم: الأصل عدم المجاز أي: الراجح عند السامع للفظ عدم حمله على المجاز (8)، أي: الراجح حمله على الحقيقة والمرجوح حمله على المجاز (9).
وكذلك مثاله أيضًا: قولهم: الأصل عدم الاشتراك في الألفاظ،
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "وذكر".
(2) في ط: "على".
(3) "وقوله" ساقطة من ط.
(4) "ودليله اصطلاحًا" ساقط من ط.
(5) في ز: "العقلاء".
(6) "الذمة" ساقطة من ط.
(7) "الأصل" ساقطة من ز.
(8) في ط: "عند السامع عدم المجاز أي عدم حمل اللفظ على المجاز ... إلخ".
(9) في ز وط: "والمرجوح المجاز".
(1/154)

والمرجوح الاشتراك، أي: الراجح حمل اللفظ على الإفراد دون الاشتراك.
وكذلك مثاله أيضًا قولهم (1): الأصل التباين دون الترادف، أي الراجح (2) في الألفاظ الحمل على التباين دون الترادف.
ومثاله أيضًا: قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
قوله (3): (فمن الأول: أصل السنبلة البرة) أي: فمن أمثلة المعنى الأول [الذي هو الأصل في اللغة قولهم] (4): أصل السنبلة البرة.
وقوله (5): (ومن الثاني) أي: ومن أمثلة المعنى الثاني الذي هو الرجحان قولهم: الأصل براءة الذمة.
وقولهم أيضًا: الأصل عدم المجاز.
وقولهم أيضًا: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أي الراجح بقاء ما كان في الزمان الثاني على ما كان عليه في الزمان الأول لم يتغير عن حاله.
وهذه الأشياء الثلاثة (6) يجمعها الاستصحاب؛ لأن الأول: استصحاب البراءة، والثاني: استصحاب الوضع الأول، والثالث: استصحاب الحال.
__________
(1) في ز: "قولهم أيضًا".
(2) "أي الراجح" ساقط من ز.
(3) في ط: "نص".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) "وقوله" ساقطة من ط.
(6) في ط: "الأربعة".
(1/155)

و (1) قوله: (ومن الثالث أصول الفقه أي: أدلته) أي: ومن أمثلة المعنى الثالث وهو الأصل الذي يراد به (2) الدليل قولهم: أصول الفقه أي: أدلة الفقه.
ومثاله أيضًا: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة.
ومثاله أيضًا: الأصل في هذه المسألة قول مالك: كذا، أي: و (3) الدليل فيها الكتاب أو السنة (4) أو قول (5) مالك.
فذكر المؤلف للأصل ثلاثة معان: واحد لغوي واثنان اصطلاحيان.
وذكر في شرح المحصول معنىً رابعًا وهو ما يقاس عليه (6)؛ لأن الشيء الذي يقاس عليه يسمى أيضًا في الاصطلاح أصلاً كقياس الأرز على الحنطة (7) في تحريم الربا (8).
هذا بيان الأصول (9) لغة واصطلاحًا وهو اللفظ المضاف.
وأما بيان الفقه لغة واصطلاحًا وهو اللفظ المضاف إليه فقد بينه بقوله:
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "به" ساقطة من ط.
(3) "الواو" ساقطة من ز وط.
(4) في ز وط: "والسنة".
(5) في ط: "لقول".
(6) يقول القرافي في نفائس الأصول: "والأصل الرابع الصورة المقيس عليها في القياس فإنهم يسمونها أصلاً وليست من هذه الأقسام، فالأصول حينئذ أربعة متباينة بالحدود والحقيقة واللفظ بينهما مشترك".
انظر: نفائس الأصول تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض 1/ 157.
(7) في ط: "القنطية" وهو تصحيف.
(8) شرح تنقيح القرافي ص 16.
(9) في ط: "الأصل".
(1/156)

(والفقه هو: الفهم، والعلم، والشعر، والطب: لغة ... إِلي آخره).
قوله: (والفقه هو: الفهم، والعلم (1)، والشعر، والطب: لغة) تقديره: ومعنى الفقه في اللغة هو: الفهم، والعلم، والشعر، والطب، فذكر المؤلف أن هذه الألفاظ الخمسة مترادفة (2) [في اللغة.
وذكر المازري (3) في شرح البرهان أيضًا أن هذه الألفاظ الخمسة مترادفه (4)] (5) كما قال المؤلف.
والدليل على ترادفها (6) الكتاب، والسنة، وكلام العرب.
__________
(1) في ط: "والفقه الفهم هو العلم".
(2) في ط: "في اللغة مترادفة".
(3) هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي، المازري، نسبة إلى مازر بلدة بجزيرة صقلية، ولد سنة (453 ه) أخذ عن اللخمي، وأبي محمد عبد الحميد السوسي، وهو فقيه مالكي، محدِّث.
شرح صحيح مسلم شرحًا جيدًا سماه: "المُعْلم بفوائد كتاب مسلم" وعليه بني القاضي عياض كتاب الإكمال، وشرح كتاب "البرهان" للجويني وسماه "إيضاح المحصول في برهان الأصول"، وشرح "التلقين" للقاضي عبد الوهاب في الفقه، توفي سنة (536 ه).
انظر ترجمته في: الديباج المذهب 279 - 281، وفيات الأعيان 4/ 285، الوافي بالوفيات للصفدي 4/ 51، شذرات الذهب 4/ 114.
(4) كتاب شرح البرهان للمازري لم أجده.
وقد نسب القرافي هذا القول له حيث قال: قال المازري في "شرح البرهان": الفقه، والفهم، والطب، والشعر، والعلم، خمس عبارات لمعنى واحد، غير أنه اشتهر بعضها في بعض أنواع الفهم، فاشتهر الطب في معرفة أحوال مزاج الإنسان، والشعر في معرفة الأوزان، والفقه في معرفة الأحكام.
انظر: نفائس الأصول تحقيق د. عادل عبد الموجود (1/ 118).
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(6) في ط: "تراد فيها".
(1/157)

فمن الكتاب قوله تعالى: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} (1) أي: لا نفهم وقولى (2): {لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (3) أي: لا تفهمون.
ومن السنة: قوله عليه السلام: "رب حامل (4) فقه إلى من هو (5) أفقه منه" (6) [أي: أفهم منه] (7).
ومن كلام العرب، قولهم: رجل (8) طب أي: عالم.
ومنه قول الشاعر وهو علقمة (9):
__________
(1) آية رقم 91 من سورة هود.
(2) في ط: "وقوله تعالى".
(3) سورة الإسراء، آية رقم 44.
(4) في ط: "حل" وهو تصحيف.
(5) "من هو" ساقطة من ط.
(6) تمام الحديث: عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "نَضَّر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه".
أخرجه أبو داود في كتاب العلم، الحديث رقم 3660 (3/ 322) مراجعة محمد محيي الدين عبد الحميد.
وأخرجه الترمذي في السنن عن زيد بن ثابت، سنن الترمذي (7/ 306) باب رقم 7، حديث رقم 2658.
وأخرجه ابن ماجه عن جبير بن مطعم عن أبيه (2/ 1015) ك/ المناسك، حديث رقم 3055.
(7) ما بين القوسين ساقط من ز.
(8) "رجل" ساقطة من ط.
(9) هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبيد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أحد شعراء العصر الجاهلي، وكان علقمة ينازع امرئ القيس الشعر؛ كل يقول لصاحبه: أنا أشعر منك، وكان له أخ يسمى شأس بن عبدة أسره الحارث بن أبي =
(1/158)

فإن سألتموني (1) بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب (2)
أي: عارف عالم، ويقال: شعر بكذا إذا (3) فهمه.
قال الزبيدي في مختصر العين: يقال: شعرت بكذا شعرًا أو شعورًا قال الله تعالى: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (4) (5).
قوله: (وإِنما اختصت (6) بعض هذه الألفاظ ببعض العلوم بسبب
__________
= شمر الغساني مع سبعين رجلاً من بني تميم، فأتاه علقمة ومدحه بقصيدة منها هذا البيت:
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب.
انظر ترجمته في: الشعر والشعراء لابن قتيبة تحقيق أحمد شاكر 1/ 218 - 222، المؤتلف والمختلف للآمدي 227، خزانة الأدب 1/ 565، سمط الآلي للأوبني تحقيق الميمني 1/ 433، الموشح للمرزباني ص 28.
(1) في ط: "تسألوني".
(2) هذا البيت من قصيدة يمدح بها الحارث الغساني ومطلعها:
طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
إلى أن قال:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
انظر: ديوان علقمة بشرح الأعلم الشنتمري تحقيق لطفي الصقال ص 33، 35، المفضليات بشرح أبي القاسم الأنباري ص 773، شرح شواهد الألفية للعيني المطبوع مع خزانة الأدب 3/ 16، الدرر اللوامع 2/ 14.
(3) في ز: "أي".
(4) انظر: مختصر العين (ورقة 32 أ) وهو مخطوط موجود في مكتبة جامعة الإمام رقم 8498 فلم.
(5) في ز: "أي" يفهمون"، وفي ط: "أي لا يعلمون" [الأعراف: 95].
(6) في خ وز: "اختص".
(1/159)

العرف).
يعني أن (1) ثلاثة ألفاظ من هذه الألفاظ خصها (2) العرف ببعض العلوم، والمراد بهذه الثلاثة المخصوصة: الفقه، والطب، والشعر؛ لأن الفقه في العرف مخصوص بعلم الأديان، والطب في العرف مخصوص بعلم الأبدان، والشعر في العرف مخصوص بعلم الأوزان، وهذا من باب تخصيص العرف لما (3) عمته اللغة.
قال المؤلف في الشرح: قال أبو إسحاق الشيرازي (4): الفقه في اللغة إدراك الأشياء الخفية، فلذلك تقول (5): فقهت كلامك، ولا تقول (6): فقهت السماء والأرض (7).
__________
(1) "أن ساقطة من ط.
(2) في ز وط: "خصصها".
(3) في ط: "بما".
(4) هو إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزآبادي، ولد في فيروز بفارس سنة (393 ه)، رحل لشيراز من أجل طلب العلم سنة (410 ه)، وتفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وقدم بغداد، ولزم القاضي أبا الطيب الطبري، وناب عنه في مجلسه، ودرّس بالنظامية في بغداد، وكان يحفظ كثيرًا من الحكايات، والأشعار، وله شعر حسن، واشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة، توفي رحمه الله سنة ست وسبعين وأربعمائة (476 ه) ببغداد.
من مصنفاته: "التنبيه"، و"المهذب" في الفقه، "التبصرة"، و"اللمع" في الأصول.
انظر ترجمته في: شذرات الذهب 3/ 249، وفيات الأعيان 1/ 29 - 31، طبقات الشافعية لابن السبكي 4/ 215.
(5) في ط: "نقول".
(6) في ط: "نقول".
(7) يقول الشيرازي في شرح اللمع (1/ 101): "والفقه في اللغة ما دق وغمض؛ ومنه يقال: فقهت معنى كلامك؛ لأنه قد يدق ويغمض. ولا يقال: فقهت أن السماء =
(1/160)

وعلى هذا لا يكون لفظ الفقه مرادفًا لهذه الألفاظ، وعلى نقل المازري يكون مرادفًا (1)، والثاني هو الذي يظهر لي (2)، ولذلك خصص الفقهاء اسم الفقه بالعلوم النظرية وأخرجت شعائر الإسلام من لفظ الفقه وحده. انتهى نصه (3).
انظر قوله: "الثاني هو الذي يظهر لي"، هو عين (4) ما تقدم من التخصيص العرفي، ومراده بالثاني هو: تفسير الشيرازي.
قوله (5): (والفقه في الاصطلاح هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال).
لما بين المؤلف رحمه الله تعالى (6) معنى الفقه في اللغة أراد أن يبين معناه في الاصطلاح.
فقال: الفقه (7) في الاصطلاح، أي ومعنى الفقه (8) في العرف هو: "العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال" فذكر في هذا الحد جنسًا وأربعة قيود.
قوله: (العلم) احترازًا من الظن، والشك، والوهم؛ لأن العلم ها هنا
__________
= فوقي والأرض تحتي".
(1) في ط: "مرادفًا لهذه".
(2) "لي" ساقطة من ط.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 16 - 17.
(4) في ز: "غير".
(5) في ز: "وقوله".
(6) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(7) في ز: "والفقه".
(8) في ط: "والفقه".
(1/161)

معناه: الاعتقاد الجازم الذي لا يحتمل النقيض بوجه.
وقوله: (بالأحكام) هو جمع حكم، ومعنى الحكم: كل معقول لا تعرف نسبته إلا بإضافته (1) إلى المحكوم عليه.
وقوله: (بالأحكام) احترازًا من العلم بالذوات، والصفات، والمعاني؛ لأن العلم بذلك لا يكون (2) فقهًا في الاصطلاح.
وقولنا (3): "بالذوات" كالعلم بسائر الأجسام؛ كالأحجار، والأشجار, وسائر الجمادات، والنباتات (4)، وأشخاص الحيوانات.
وقولنا: "الصفات" كسائر الألوان من السواد، والبياض، والاحمرار، والاصفرار، وغير ذلك.
[وقولنا: والمعاني؛ كسائر الطعوم، والروائح، كحلاوة العسل، ومرارة الحنظل، والروائح الطيبة، والخبيثة وغير ذلك] (5).
وقوله: (الشرعية) احترازًا من العقلية (6) كعلم الحساب، والهندسة, والموسيقا (7)، وهو: علم الألحان، وغير ذلك من الفنون التي هي: ليست شرعية (8).
__________
(1) في ز: "بالإضافة".
(2) في ز وط: "لا يسمى".
(3) في ز وط: "فقولنا".
(4) في ز وط: "والنبات".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ط: "العقليات".
(7) في ز: "والموسقا".
(8) في ز وط: "بشرعية".
(1/162)

وقوله: (العملية) احترازًا من أصول الفقه التي هي: الأدلة التي يبنى عليها الفقه، واحترازًا أيضًا من الاعتقادية بأصول الدين وهي: ما يجب في حق الله وما يجوز وما يستحيل؛ لأنها أحكام شرعية اعتقادية، لا عملية (1)؛ لأن العلم بذلك لا يسمى فقهًا في الاصطلاح.
وقوله: (بالاستدلال) أي: يحصل (2) علم ذلك بالاستدلال احترازًا من التقليد، والضرورة؛ لأن ما حصل للمقلد لا يسمى فقهًا في الاصطلاح، وكذلك ما حصل من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة، والزكاة والصيام (3) مما هو معلوم من الدين بالضرورة، لا (4) يسمى العلم بذلك فقهًا في الاصطلاح، لحصوله للعوام، والنساء، و (5) البله؛ لأن ذلك لم يحصل بالدليل.
وقد اعترض المؤلف على نفسه هذا الحد بأربعة أوجه؛ لأن كل واحد من ألفاظ الحد معترض إلا لفظًا واحدًا منها فهو سالم من الاعتراض وهو قوله: (الشرعية) وأما الألفاظ الأربعة الباقية فهي معترضة (6).
__________
(1) في ز وط: "وقوله: العملية احترازًا من العلمية، وهي أصول الدين وأصول الفقه الاعتقادية، فأصول الدين هو ما يجب في حق الله، وما يجوز له، وما يستحيل، وأصول الفقه هي الأدلة التي يبنى عليها الفقه؛ لأنها أحكام شرعية اعتقادية لا عملية؛ لأن العلم بذلك لا يسمى فقهًا في الاصطلاح".
(2) في ز وط: "أي أن يحصل".
(3) في ز وط: "والصيام وغير ذلك مما هو معلوم".
(4) في ط: "ولا".
(5) "الواو" ساقطة من ز.
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "معترض".
(1/163)

أما قوله: (العلم) فاعترض (1) بأن قيل: هو غير جامع للأحكام الشرعية؛ لأن أكثر فروع الفقه إنما تثبت (2) بالظن لا بالعلم؛ لأنه (3) مستنبط من القياسات والعمومات، وأخبار الآحاد وذلك كله ظن لا علم.
أجيب عن هذا: بأن الأحكام الشرعية كلها معلومة وليست بمظنونة، والدليل على أنها معلومة شيئان: الإجماع، والقطع.
أما دليل الإجماع: فبيانه أن كل حكم شرعي ثابت بالإجماع، وكل ما ثبت بالإجماع فهو معلوم ينتج لك: كل علم (4) شرعي معلوم.
وإنما قلنا: كل حكم شرعي ثابت بالإجماع؛ لأن الأحكام الشرعية على قسمين: متفق عليه، ومختلف فيه، فالمتفق عليه (5) ثابت بالإجماع ولا كلام فيه (6)، والمختلف فيه هو أيضًا ثابت بالإجماع، وإنما قلنا: الحكم المختلف فيه ثابت أيضًا بالإجماع؛ لأنه انعقد الإجماع على (7) أن كل مجتهد إذا غلب على ظنه حكم شرعي فهو حكم الله في حقه وفي حق (8) من قلده إذا حصل له سببه، فصارت الأحكام في مواضع الخلاف ثابتة (9) بالإجماع عند الظنون،
__________
(1) في ط: "فقد اعترض" ..
(2) في ز وط: "ثبت".
(3) "لأنه" ساقط من ط.
(4) في ط: "حكم".
(5) "عليه" ساقطة من ط.
(6) "فيه" ساقطة من ز.
(7) "على" ساقطة من ز.
(8) في ط: "حكم".
(9) في ط: "ثابت"
(1/164)

فصار كل حكم (1) شرعي معلومًا لثبوته بالإجماع؛ لأن كل ما ثبت بالإجماع فهو معلوم بناء على أن الإجماع معصوم، كما سيأتي في باب الإجماع إن شاء الله، هذا بيان دليل الإجماع على أن كل حكم شرعي معلوم لا مظنون.
وأما دليل القطع: فلأن كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين.
وبيان ذلك: أن نفرض الكلام في حكم من الأحكام ونقرر (2) فيه تقريرًا (3) نجزم باطراده في جميع الأحكام، فنقول مثلاً: وجوب الدلك مظنون لمالك قطعًا عملاً بالوجدان، وكل ما ظنه مالك فهو حكم الله قطعًا عملاً بالإجماع، فينتج لك، التدلك (4) حكم الله قطعًا عملاً بالإجماع، وهذا التقرير (5) يطّرد في جميع صور الخلاف، فتكون الأحكام الشرعية كلها (6) معلومة؛ لأنها ثابتة بمقدمتين قطعيتين، فالنتيجة تابعة للمقدمات، فتابع القطعي قطعي، وتابع العلمي علمي.
فثبت بدليل الإجماع وبدليل العقل أن كل حكم شرعي معلوم لا مظنون (7)
__________
(1) في ط: "كل واحد حكم".
(2) في ط: "ونقول".
(3) في ط: "تقديرًا".
(4) في ط: "أن التدلك".
(5) في ط: "التقدير".
(6) "كلها" ساقطة من ط.
(7) في ز: "وبالله التوفيق عنه"، وفي ط: "وبالله التوفيق".
وهذا الاعتراض على قوله: العلم، والجواب عنه، ذكره القرافي في شرح التنقيح ص 18, 19.
(1/165)

و (1) قال المؤلف في شرح المحصول: وهذا المسلك هو الذي سلكه (2) القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، وسيف الدين (3)، والغزالي، والمازري، وابن برهان (4) وجمهور العلماء.
قال ابن برهان: مثال ذلك: إذا (5) شهدت بينة عند الحاكم، وغلب على ظنه صدقها فإنه يقطع بوجوب (6) الحكم عند ذلك (7) الظن بالإجماع، فلو
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز وط.
(2) في ط: "سلك".
(3) هو علي بن محمد بن سالم الثعلبي أبو الحسن سيف الدين الآمدي، ولد سنة خمسين وخمسمائة (550 ه) بمدينة آمد، قدم بغداد، وتفقه على أبي الفتح بن المني الحنبلي، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، رحل إلى مصر وقدم إلى حماة، ثم دمشق ودرس بالمدرسة العزيزية، توفي بدمشق سنة إحدى وثلاثين وستمائة (631 ه)، من مصنفاته: "الإحكام"، و"المنتهى" في الأصول، و"أبكار الأفكار" في أصول الدين.
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 3/ 293، طبقات الشافعية للسبكي 8/ 306، 307، مفتاح السعادة 2/ 179، 180، شذرات الذهب 5/ 144، 145.
(4) هو أحمد بن علي بن محمد الوكيل المعروف بابن برهان الحنبلي ثم الشافعي، ولد في بغداد سنة (479 ه)، تفقه على الغزالي، وأبي بكر الشاشي، والكيا الهراسي، وكان متبحرًا فى الأصول والفروع، وبرع في المذهب والأصول وكان هو الغالب عليه، ودرس بالمدرسة النظامية شهرًا واحدًا، من أهم مصنفاته: "الوجيز في أصول الفقه"، توفي ببغداد سنة عشرين وخمسمائة (520 ه).
انظر ترجمته في: شذرات الذهب 4/ 61، مرآة الجنان 3/ 225، وفيات الأعيان 1/ 99، البداية والنهاية 12/ 196.
(5) في ط: "ما إذا".
(6) في ز: "بوجه".
(7) في ط: "ذكره".
(1/166)

استحل عدم الحكم بها كفر، لكون (1) ذلك الحكم مقطوعًا به (2).
[فإن قيل: قولكم كل حكم شرعي ثابت بالإجماع، هذا لا يصح إلا على القول بأن: كل مجتهد مصيب؛ ولا يصح على القول الصحيح الذي قال: هو أن المصيب (3) واحد؛ لأن ما عداه (4) خطأ، والخطأ لا يكون حكم الله إجماعًا، بل هو معفو عنه فقط.
قلنا: بل هو صحيح سواء قلنا: كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؛ لأن المقصود إنما هو ما يظهر على ألسنة المجتهدين في ظنونهم، لا في (5) نفس الأمر كالقبلة فإنها معينة للصلاة في نفس الأمر بإجماع (6)، فإذا اختلف فيها
__________
(1) في ز: "لأن".
(2) نقل المؤلف بالمعنى، أما نصه فيقول القرافي في النفائس: "وافق الإمام في دعوى أن الأحكام الشرعية معلومة - شيخ الأصوليين القاضي أبو بكر، حكاه المازري عنه في شرح البرهان، ووافقه إمام الحرمين، والغزالي، وابن برهان، وسيف الدين الآمدي، والمازري والإبياري.
وحكى الإجماع في أن الراجح يجب الحكم به، وصاحب المعتمد وصاحب الوافي وجمهور من تحدث في هذا العلم كلهم يقولون: الأحكام الشرعية معلومة.
وقال ابن برهان في كتاب الأوسط: والحكم عند ظن المجتهد الناشئ عن الأمارة معلوم مقطوع به بالإجماع، كما أن الحاكم إذا شهدت عنده البينة، غلب على ظنه صدقهم، وقطع بوجوب الحكم عليه بالإجماع عند ذلك الظن حتى لو استحل عدم الحكم حينئذ كفر لتركه مقطوعًا به".
انظر: نفائس الأصول تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض 1/ 152 - 153.
(3) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "هو المصيب".
(4) في ط: "معناه".
(5) في ط: "لا ما في نفس".
(6) في ط: "بالإجماع".
(1/167)

جماعة من المجتهدين فصلى كل واحد إلى غير الجهة التي صلى إليها صاحبه: فإن حكم الله تعالى في حق كل واحد منهم ما غلب على ظنه، وكذلك نقول (1) في الثياب والأواني] (2).
فأما (3) قوله: (بالأحكام) فاعترضن بأن قيل: هل المراد بالأحكام جميع الأحكام؟ أو المراد بعض الأحكام؟ والأمران باطلان.
وذلك أنه إن قدرنا أن المراد جميع الأحكام: فيكون الحد غير جامع؛ لأنه يخرج منه (4) كثير من الفقهاء لعدم (5) إحاطتهم (6) بجميع الأحكام الشرعية، وقد اتفقوا على أن مالكًا رضي الله عنه فقيه، بل هو أفقه الفقهاء، مع أنه لا يعلم جميع الأحكام؛ لأنه سئل في (7) أربعين مسألة فأجاب أربع (8) مسائل، وقال في ست وثلاثين: لا أدري، فلو كان المراد بالأحكام (9) جميع الأحكام لاقتضى ذلك ألا يسمى فقيهًا حتى يعلم جميع الأحكام.
__________
(1) المثبت من ط وفي الأصل وز (تقول).
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ز وط: "وأما".
(4) في ز وط: "عنه".
(5) في ط: "ولعدم".
(6) في ط: "احتياطهم".
(7) في ز وط: "عن".
(8) في ز وط: "في أربع".
(9) "بالأحكام" ساقطة من ط.
(1/168)

وإن قدرنا أن المراد ها هنا بالأحكام (1): بعض (2) الأحكام: فيكون الحد غير مانع؛ لأن الإنسان قد يكون عالمًا ببعض (3) الأحكام فيقتضي ذلك (4) أن يسمى المقلد فقيهًا [مع أنه لا يسمى فقيهًا] (5) في العرف.
أجيب بأن قيل: نلتزم كل واحد من الأمرين فيصح الحد، فإن قدرنا أن المراد جميع الأحكام، فالمراد بعلم جميع الأحكام: تهيؤ العالم واستعداده للعلم بجميع الأحكام: فيكون الحد جامعًا، وإن قدرنا أن المراد بعض الأحكام فلا يدخل فيه المقلد؛ لأنه يخرج بقوله بالاستدلال؛ إذ ليس عنده دليل معتبر في تسمية الفقيه بالفقيه، وهو الدليل (6) التفصيلي كما سيأتي فيكون الحد مانعًا.
وقولنا: بعض الأحكام على هذا التقدير المراد به ثلاثة أحكام فما فوقها، وأما من لم يعلم غير حكم (7) واحد أو حكمين بالاستدلال فلا يسمى فقيهًا في العرف.
وأما قوله: (العملية) (8) فاعترض بأن قيل: هل المراد بالعملية أعمال الجوارح الظاهرة (9) دون الباطنة؟ أو المراد (10) أعمال الجوارح مطلقًا الظاهرة والباطنة؟ وكلا الأمرين باطلان.
__________
(1) "بالأحكام" ساقطة من ز.
(2) "بعض" ساقطة من ط.
(3) في ز وط: "قد يعلم بعض".
(4) "ذلك" ساقطة من ط.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) في ط: "الديل".
(7) في ز وط: "وأما من علم حكمًا واحدًا".
(8) في ط: "العلمية".
(9) في ز: "الظاهر خاصة".
(10) في ز: "أو المراد به".
(1/169)

وذلك إن قدرنا أن المراد أعمال الجوارح الظاهرة خاصة: فيكون الحد غير جامع؛ لأنه يخرج عنه أحكام القلب كالنية، والإخلاص، وتحريم الرياء، والحسد، والكبر، والعجب (1) وغير ذلك (2) من المحرمات (3)؛ لأن ذلك أحكام شرعية.
وإن [قدرنا أن] (4) المراد الأعمال مطلقًا: فيكون الحد غير مانع؛ لأنه يدخل فيه أصول الديانات (5) وهي: الاعتقادات.
قال المؤلف في الشرح: هذا الاعتراض لازم، والحق: ما قاله (6) سيف الدين الآمدي؛ لأنه قال: العلم بالأحكام الشرعية الفروعية (7)، فيجعل الفروعية عوض العملية؛ لأن الفروعية تشمل ما يتعلق به الفقه كان في الجوارح أو في القلب (8).
وأما قوله: ([بالاستدلال] (9)) فاعترض بأن قيل: غير مانع؛ لدخول
__________
(1) في ز وط: "والعجب، والكبر".
(2) في ز وط: "وغيرها".
(3) في ط: "المحرومات".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط: "الأديانات".
(6) في ز: "ما قال".
(7) في ز: "الفرعية".
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 19.
وقال سيف الدين الآمدي في الإحكام: وفي عرف المتشرعين؛ الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال. ثم ذكر محترزات التعريف.
انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 6).
(9) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(1/170)

المقلد فيه؛ لأن العلم الحاصل للمقلد هو أيضًا حاصل له بالدليل، كما حصل العلم للفقيه بالدليل، ودليل المقلد هو: القياس، وهو قوله: هذا ما أفتاني به المفتي عملاً (1) بالسماع، وكل ما أفتاني (2) به المفتي فهو: حكم الله في حقي عملاً بالإجماع، فينتج هذا: حكم الله عملاً (3) بالإجماع، وهذا الدليل يطرد للمقلد في جميع صور التقليد. فدليل المقلد هو (4) دليل واحد في جميع موارد التقليد، وأما دليل الفقيه فهو: متعدد بتعديد (5) المسائل، ودليل الصلاة غير دليل الصيام، ودليل الزكاة غير دليل الجهاد، ودليل البيع غير دليل النكاح، إلى غير ذلك، فتارة يكون دليل الفقيه من الكتاب (6)، وتارة من السنة، وتارة بالقياس، وتارة بالإجماع، فكل فرع بدليله، فدليل التقليد تجميلي، ودليل الفقه تفصيلي.
الاعتراض قد التزمه (7) المؤلف في الشرح فقال: ينبغي أن يزاد في الحد بأدلة خاصة بالأنواع (8). انتهى.
فسبك الحد إذًا أن نقول: والفقه في الاصطلاح [هو العلم با لأحكام الشرعية الفروعية بالاستدلال بأدلة خاصة بالأنواع، هكذا قال المؤلف في
__________
(1) في ز: "عمدًا".
(2) في ط: "أفتى".
(3) "عملاً" ساقطة من ز.
(4) في ط: "وهو".
(5) في ز وط: "بتعدد".
(6) في ط: "غير دليل من الكتاب".
(7) في ز: "ألزمه".
(8) شرح التنقيح للقرافي ص 19.
(1/171)

الشرح (1).
ولك أن تقول في اختصار الحد] (2): هو: "العلم بالأحكام الشرعية الفروعية بالاستدلال (3) التفصيلي".
فقولنا: بالاستدلال: يخرج به (4) ما يحصل بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة.
وقولنا: التفصيلي: يخرج به (5) المقلد؛ لأن دليله إجمالي، لا تفصيلي.
وقوله: (ويقال: فقِه بكسر القاف: إِذا فهم، وبفتحها: إِذا سبق غيره إِلى الفهم (6)، وبضمها: إِذا صار الفقه له (7) سجية).
قال المؤلف في الشرح: هكذا نقله ابن عطية (8) في تفسيره (9)، فاسم
__________
(1) سبك هذا الحد لم يذكره القرافي على هذا النحو، بل أيد زيادة: الفروعية، وزيادة أدلة خاصة بالأنواع.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 18، 19.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ط: "هو العلم بالاستدلال".
(4) "به" ساقطة من ط.
(5) "به" ساقطة من ط.
(6) في أوخ وش: "للفهم".
(7) في أ: "صار له الفقه سجية".
(8) هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عبد الرؤوف بن عبد الله ابن تمام بن عطية الغرناطي، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة (481 ه)، كان فقيهًا، جليلاً، عارفًا بالأحكام والحديث والتفسير، نحويًا، لغويًا، أديبًا، بارعًا، شاعرًا، ولي قضاء المرية بالأندلس، توفي سنة (542 ه)، من مصنفاته: "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز".
انظر: بغية الوعاة تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 2/ 73, 74، بغية الملتمس ص 376، قلائد العقيان لابن خاقان ص 215 - 217.
(9) في ط: "تفسير".
(1/172)

الفاعل من الأولين فاقه، واسم الفاعل من الآخر فقيه؛ لأن القاعدة العربية أن اسم (1) الفاعل من فعُل بضم العين هو على فعيل؛ نحو شرُف فهو شريف، وظرُف فهو ظريف (2).
وقوله: (سجية) أي: طبيعة (3)؛ لأن الطبيعة (4)، والسجية، والغريزة، والجبلة، والخليقة، والسليقة: ألفاظ مترادفة بمعنى (5) واحد.
[فالفعل الثاني أبلغ من الأول؛ لأن له على الأول مزية السبقية إلى الفهم، والفعل الثالث أبلغ من الثاني لتطبعه بالفهم (6)] (7).
وقد تقدم لنا (8) أن أصول الفقه له تفسيران: أحدهما باعتبار الإفراد، والآخر باعتبار التركيب.
وبيّن المؤلف - رحمه الله - تفسيره باعتبار الإفراد، وسكت عن تفسيره باعتبار التركيب.
فإن قلت: بينه المؤلف بقوله: أصول الفقه أي: أدلته (9).
__________
(1) "اسم" ساقطة من ز.
(2) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 20.
(3) في ط: "طبعية".
(4) في ط: "الطبعية".
(5) في ط: "على معنى".
(6) في ز: "بالفعل بالفهم ويقصد بهذه الأفعال فقه بكسر القاف، وفقَه بفتحها وفقُه بالضم".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(8) في ز وط: "لنا أو الفصل".
(9) في ز: "الفرعية".
(1/173)

قلنا (1): أصول الفقه الذي هو اسم علم على هذا الفن، ليس هو (2) عبارة عن أدلة الفقه، وإنما هو عبارة عن العلم بأدلة الفقه على وجه خاص.
وحده (3) ابن الحاجب فقال: أما حده لقبًا (4): فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفروعية (5) من (6) أدلتها التفصيلية (7).
قوله: (القواعد) يعني بها: الأدلة الشرعية التي هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس (8)، والاجتهاد، والترجيح.
وإنما جمع القواعد ولم يقل: العلم بالقاعدة التي يتوصل بها ... إلى آخره (9)؛ لأن العلم بقاعدة واحدة (10) منها لا يكون أصل فقه (11).
وقوله: (إِلى استنباط) أي: استخراج (12).
__________
(1) "قلنا" ساقطة من ط.
(2) "هو" ساقطة من ط.
(3) في ط: "وقد حده".
(4) "لقبًا" ساقطة من ط.
(5) في ز وط: "الفرعية".
(6) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "عن".
(7) مختصر المنتهى لابن الحاجب المطبوع مع شرح العضد 1/ 18.
(8) "والقياس" ساقطة من ز.
(9) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "آخر".
(10) "واحدة" ساقطة من ط.
(11) في ط: "الفقه".
(12) في ز وط: "أي إلى استخراج".
(1/174)

وقوله: (الأحكام) احترازًا من العلم بالقواعد (1) التي يتوصل بها إلى استنباط غير تلك (2) الأحكام؛ كقواعد الهندسة، وقواعد الطب، فإن قواعد الهندسة يتوصل بها إلى استنباط الصنائع كالنجارة (3)، والحياكة، وغيرهما، وقواعد الطب يتوصل بها إلى استخراج (4) تركيب (5) المعاجن (6).
وقوله: (الشرعية) [احترازًا من القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام العقلية كقواعد المنطق.
وقوله: (الفرعية)] (7) احترازًا (8) من [القواعد التي يتوصل بها إلى] (9) استنباط الأحكام الشرعية الأصلية، وهي: الاعتقادية، وهي: قواعد علم (10) الكلام.
وقوله: (من (11) أدلتها التفصيلية) احترازًا (12) من العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من (13) أدلتها الإجمالية،
__________
(1) في ط: "بقاعدة".
(2) "تلك" ساقطة من ز وط.
(3) في ز: "كالتجارة".
(4) في ز وط: "استنباط".
(5) "تركيب" ساقطة من ط.
(6) في ط: "المعاجز".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(8) في ز: "احترازًا به".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) "علم" ساقطة من ط.
(11) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "عن".
(12) في ط: "واحترازًا".
(13) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "عن".
(1/175)

كقولهم: يجب بالمقتضى ولا يجب بالنافي، فإن هذا الدليل يعم جميع الأحكام الشرعية بطريق الإجمال لا بطريق التفصيل.
***
(1/176)

الفصل الثالث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل فإنها تلتبس على كثير من الناس
تعرض المؤلف - رحمه الله تعالى - (1) في هذا الفصل لبيان الفرق بين ثلاث حقائق، وهي: حقيقة الوضع، وحقيقة الاستعمال، وحقيقة الحمل.
وإنما تعرض رحمه الله (2) للفرق بينها؛ لأجل التباس حقائقها على كثير من الناس كما قال.
وإنما وقع الالتباس بين هذه الحقائق الثلاث (3)؛ لأنها (4) ترد (5) على المعنى الواحد لكن باعتبارات متغايرات (6)، فلما رأى المؤلف - رحمه الله - التباسها فرّق بينها بذكر حقائقها، ورتبها في الذكر على حسب ترتيبها في الوجود، فقدم الوضع؛ لأنه السابق في الوجود، ثم ثنا بالاستعمال؛ لأنه في الوجود
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ز.
(2) "رحمه الله" لم ترد في ز وط.
(3) "الثلاث" ساقطة من ط.
(4) في ط: "أنها".
(5) "ترد" ساقطة من ط.
(6) في ز وط: "متغايرة".
(1/177)

بعد الوضع، ثم ثلث بالحمل؛ لأنه في الوجود بعد الاستعمال.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن المؤلف ذكر في هذا الفصل ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في الوضع.
المطلب الثاني: في الاستعمال.
المطلب الثالث: في الحمل.
فأما المطلب الأول وهو (1): الوضع، ففيه خمسة مطالب:
ما حقيقة الوضع؟ وما فائدته؟ وهل من شرطه الاستعمال أم لا؟ وما أقسامه؟ وما الوضع؟
أما حقيقة (2) الوضع (3) فله حقيقتان؛ لأنه لفظ مشترك بين حقيقتين:
إحداهما (4): عبارة عن جعل اللفظ دليلاً على المعنى.
الحقيقة الثانية: عبارة عن غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه (5) من غيره.
وقد ذكر المؤلف هاتين الحقيقتين كما سنبين ذلك مع حروف الكتاب إن شاء الله (6).
وأما فائدة الوضع: ففي ذلك قولان:
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فهو".
(2) في ز وط: "حقيقته".
(3) "الوضع" ساقطة من ز وط.
(4) في ط: "أحدهما".
(5) في ز: "فيه أشهر".
(6) أي في الباب الأول في الاصطلاحات وهو في بيان الألفاظ الموضوعة للمعاني فلذلك سماه المؤلف هنا "حروف الكتاب".
وانظر هاتين الحقيقتين في (1/ 443) من هذا الكتاب.
(1/178)

قيل: فائدة الوضع هي: الاستعمال.
وقيل: التمكن من الاستعمال.
وأما هل من شرط (1) الوضع الاستعمال أو ليس من شرطه الاستعمال؟ ففيه قولان.
وسبب هذا الخلاف هو: الخلاف المذكور في فائدة الوضع:
فمن قال: فائدة وضع اللفظ استعماله، قال: من شرط الوضع الاستعمال.
ومن قال: فائدة (2) الوضع هي تمكنه من استعماله، قال: ليس من شرط الوضع الاستعمال.
وأما أقسام الوضع: فهي (3) أربعة أقسام وهي:
اللغوي، والشرعي، والعرفي العام، والعرفي الخاص، كما سنبين (4) ذلك (5) مع حروف الكتاب إن شاء الله (6).
وأما الواضع: ففيه خلاف (7):
__________
(1) في ط: "شروط".
(2) في ط: "فوائدة".
(3) في ط: "فهو".
(4) في ز: "سنبينه".
(5) "ذلك" ساقطة من ز.
(6) انظر (1/ 422 - 423) من هذا الكتاب.
(7) في ط: "قولان".
(1/179)

قيل: واضع اللغة هو الله عز وجل (1).
وقيل: هو الناس (2).
وقيل: وضع الله عز وجل بعضها، ووضع الناس بعضًا (3).
فعلى القول الأول يكون الوضع: توقيفيًا.
وعلى القول الثاني يكون الوضع: اصطلاحيًا.
وعلى القول الثالث يكون بعض الوضع توقيفيًا، ويكون بعضه اصطلاحيًا.
انظر بيانه في المطولات من كتب الأصول (4).
__________
(1) هذا القول منسوب للأشعري وابن فورك وجماعة من الفقهاء.
(2) هذا القول وهو القول بالاصطلاح، مذهب أبي هاشم وأتباعه.
(3) في ز: "بعضها" وهذا القول منسوب للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
(4) انظر نسبة هذه الأقوال مع ذكر أدلتها ومناقشتها في: البرهان 1/ 170، 171، المحصول ج 1 ق 1 ص 243 - 260، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 73 - 78)، وشرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب (1/ 94).
وذكر ابن جني في الخصائص أدلة من قال: إن الوضع توقيفي، ومن قال: إنه اصطلاحي، ثم قال في نهاية بحثه للمسألة: واعلم فيما بعد أنني على تقادم الوقت دائم التنقير والبحث عن هذا الموضع ...
إلى أن قال: وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله عز وجل فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفًا من الله سبحانه وتعالى، وأنها وحي.
ثم اختار مذهب التوقف فقال: فأقف بين تين الخلتين حسيرًا، وأكاثرهما فأنكفئ مكثورًا، وإن خطر خاطر فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها قلنا به.
انظر: الخصائص لابن جني تحقيق محمد علي النجار (8/ 47).
(1/180)

قوله: (فالوضع يقال بالاشتراك). أي: يقال حالة كونه مشتركًا، والباء في قوله: (بالاشتراك) للمصاحبة، والمجرور في موضع الحال، وصاحب الحال هو: الضمير المستكن في: يقال، والعامل في الحال هو: يقال؛ لأنه العامل في ذي الحال، تقدير الكلام: فالوضع يقال حالة كونه مصحوبًا بالاشتراك في الاصطلاح.
ثم بيّن المؤلف هذا الاشتراك بمعنيين:
أحدهما: جعل اللفظ دليلاً على المعنى.
والثاني: غلبة استعمال اللفظ في المعنى.
وقوله: (جعل) (1) أي: نصب.
وقوله: (اللفظ) أي: الملفوظ وهو من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} (2)، وقولهم: هذا ضرب الأمير، وهذا نسج اليمن، تقديره: مخلوق الله، ومضروب الأمير، ومنسوج اليمن.
فاللفظ إذًا بمعنى الملفوظ؛ لأن الإنسان يلفظه أي: يرميه، قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (3).
__________
(1) في أوخ وش: "على جعل".
(2) قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} سورة لقمان، آية رقم 11.
(3) سورة ق، آية رقم 18.
(1/181)

وقوله: (دليلاً) (1)، أي: علامة على المعنى، أي على المقصود به؛ لأن العناية (2) في اللغة معناها (3): القصد؛ لأنك تقول: عنيت كذا إذا قصدته.
وقوله: (المعنى) اسم مصدر؛ لأنك تقول: عنيت كذا أعنيه عناية ومعنى: إذا اعتنيت (4) به (5) وقصدته.
وقوله: (المعنى)، أطلق المؤلف المعنى ها هنا على ما هو أعم من المعنى الحقيقي والمجازي، فالمعنى الحقيقي: هو المعنى القائم بالذات كالعلم والجهل، والمعنى المجازي، [هو] (6) الذات.
فقوله: (دليلاً على المعنى) سواء (7) كان ذلك الموضوع له اللفظ معنى أو عينًا؛ لأن الأسماء توضع للأعيان وتوضع للمعاني، أي: توضع للذوات (8) وتوضع للصفات.
قوله: (جعل اللفظ دليلاً على المعنى).
يحتمل أن يريد اللفظ المفرد والمعنى المفرد، بدليل تمثيله بالمفرد في قوله: كتسمية الولد بزيد [بناء على أن العرب لم تضع إلا المفرد ولم تضع المركب، وهو: مذهب الإمام فخر الدين] (9).
__________
(1) في ز: "دليلاً على المعنى".
(2) في ز: "الغاية"، وفي الهامش: "أظنه المعنى".
(3) في ز: "معناه".
(4) في ز: "عنيته"، وفى ط: "عنانة" وهو تصحيف.
(5) "به" ساقطة من ز.
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "وهو".
(7) في ز: "أي سواء".
(8) في ز: "للذات"، وفي ط: "لذوات".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(1/182)

[ويحتمل أن يريد (1) اللفظ مطلقًا مفردًا ومركبًا (2)] (3)، [بناء على أن العرب وضعت المفرد والمركب فيكون كلامه على هذا التأويل: شاملاً للفظ المفرد واللفظ المركب.
وإنما مثل بخصوصية المفرد لأنه الأصل والأكثر، فالتمثيل (4) به أولى، فتقدير الكلام على التأويل الأول بأن المراد باللفظ هو المفرد: فالوضع جعل اللفظ المفرد دليلاً على المعنى المفرد، كتسمية الولد بزيد] (5).
وتقدير الكلام على التأويل الآخر (6) بأن المراد باللفظ المفرد والمركب (7): فالوضع جعل اللفظ مطلقًا مفرداً أو مركبًا (8) دليلاً على المعنى مطلقًا (9) مفردًا ومركبًا (10).
وقوله: (كتسمية الولد بزيد) (11): مثال اللفظ المفرد مع المعنى المفرد.
ومثال اللفظ المركب مع المعنى المركب: زيد يصلي في المسجد؛ لأن (12)
__________
(1) في ط: "أن يرد به".
(2) في ز: "أو مركبًا".
(3) ما بين المعقوفتين ورد في ز بلفظ: "ويحتمل أن يريد ما هو أعم سواء كان اللفظ مفردًا ومركبًا والمعنى مفردًا أو مركبًا أولاً وتقدير ... إلخ".
(4) في ط: "والتمثل".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "الأخير".
(7) في ز وط: "مفرد ومركب".
(8) في ز: "ومركبًا".
(9) "مطلقًا" ساقطة من ز.
(10) في ز وط: "أو مركبًا".
(11) في أوخ وش: "زيدًا" بإسقاط الباء.
(12) في ز وط: "فإن".
(1/183)

أجزاء اللفظ دالة على أجزاء (1) المعنى، فيكون مجموع اللفظ مطابقًا لمجموع المعنى.
قوله: (كتسمية الولد بزيد) هذا اللفظ (2) يستدعي أربعة ألفاظ متلازمة متباينة، وهي (3): المسمي، والمسمى، والاسم، والتسمية.
فالمسمي: هو واضع الاسم.
والمسمى: هو (4) الموضوع له الاسم من عين أو معنى.
والاسم: هو اللفظ الموضوع.
والتسمية: هو وضع الاسم على المسمى، وهو فعل الواضع الذي هو المسمي.
وهذه الأربعة (5) المعاني هي مجتمعة في قوله تعالى: {إِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} (6).
فالتاء هو: المسمي، [والهاء هو: المسمّى] (7)، ولفظ مريم هو: الاسم، والتسمية هو: قوله تعالى (8): {سَمَّيْتُهَا}؛ لأن الفعل يدل على مصدره.
قوله: (وهذا هو الوضع اللغوي)، معناه: وجعل اللفظ دليلاً على
__________
(1) في ز: "جزء".
(2) "هذا اللفظ" ساقطة من ز.
(3) في ز: "وهو".
(4) "هو" ساقطة من ط.
(5) الأولى أن يقول: أربعة المعاني؛ لأن أربعة مضاف والمعاني مضاف إليه.
(6) آية رقم 36 من سورة آل عمران.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(1/184)

المعنى هو: الوضع الذي وضعه أهل اللغة، واحترز بذلك من المنقولات (1) الثلاث التي بينها بعد هذا.
وقوله: (وهذا هو الوضع اللغوي)، هذا أحد الأقسام الأربعة التي قسم عليها الوضع.
وقوله: (وعلى غلبة استعمال (2) اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره) هذا هو المعنى الثاني من معنيي الوضع، وهو معطوف على قوله: على جعل اللفظ دليلاً [على المعنى] (3) تقديره: يطلق (4) الوضع (5) على جعل اللفظ دليلاً على المعنى، ويطلق (6) على (7) غلبة استعمال اللفظ في المعنى.
وقوله: (حتى يصير أشهر فيه من غيره) هذا بيان للغلبة المذكورة، وهي (8): أن يصير المعنى الثاني أشهر من المعنى (9) الأول.
وقوله: (حتى يصير أشهر فيه من غيره) معناه: بحيث يصير اللفظ أشهر في المعنى الثاني من غيره، أي: من المعنى الأول الذي وضع له اللفظ في اللغة ابتداء.
__________
(1) في ز: "المنولات".
(2) في ط: "الاستعمال".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "مطلق".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "اللفظ".
(6) "ويطلق" ساقطة من ز وط.
(7) في ز: "وعلى"، وفي ط: "أو على".
(8) في ز: "وهو".
(9) في ز: "معنى".
(1/185)

قال المؤلف في الشرح (1): أريد بصيرورته (2) أشهر من غيره: أن يصير هو المتبادر (3)، ولا يحمل على غيره إلا بقرينة كحال الحقيقة اللغوية مع (4) المجاز (5).
واعترض قوله: (وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى)، بأن قيل: ظاهره أنه ليس فيه جعل اللفظ دليلاً على المعنى؛ لمقابلته للأول مع (6) أن كل واحد من المعنيين فيه جعل اللفظ دليلاً على المعنى.
أجيب: بأن الأول فيه القصد إلى الوضع، وأما الثاني وهو: غلبة الاستعمال فهو أمر اتفاقي (7)، فالوضع الأول سابق، والوضع (8) الثاني لاحق، فإن الوضع في المنقولات الثلاث (9) طار على الوضع الأول.
و (10) قوله: (وهذا وضع المنقولات الثلاث (11))، معناه: وهذا المعنى الثاني الذي هو غلبة الاستعمال هو المراد بالمنقولات الثلاث (12).
أي: يشمل الحقائق الثلاث التي هي الشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة.
__________
(1) "في الشرح" ساقطة من ز.
(2) في ط: "بضرورته".
(3) في شرح التنقيح ص 21: "المتبادر إلى الذهن".
(4) في ط: "في".
(5) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح ص 21.
(6) في ط: "في".
(7) في ط: "التواقي" وهو تصحيف.
(8) "الوضع" ساقطة من ز.
(9) في ز: "طارئ".
(10) "الواو" ساقطة من ط.
(11) في أوخ: "الثلاثة".
(12) "الثلاث" ساقطة من ط.
(1/186)

وقوله: (المنقولات) صفة حذف موصوفها، تقديره: الحقائق الثلاث، فالموصوف مؤنث، ولذلك أسقط المؤلف التاء من الثلاث؛ لأن العدد يذكر فيه المؤنث ويؤنث فيه المذكر.
وقال بعضهم: بل الموصوف المحذوف هو الأشياء أو الأمور، تقديره: الأشياء أو الأمور المنقولات، وهذا أولى بدليل تذكير أوصافها الثلاث (1)، التي هي: الشرعي، والعرفي العام، والعرفي الخاص؛ لأنه لو أراد الحقائق لقال: الشرعية والعرفية (2).
فقوله على هذا: (المنقولات) (3)، هو: جمع (4) منقول (5)، وليس بجمع (6) منقولة بالتاء، فيلزم على هذا أن تثبت التاء التي هي للتأنيث (7) في قوله: "الثلاثة".
وقوله: (الشرعي نحو: الصلاة، والعرفي العام نحو: الدابة للحمار (8)، والعرفي الخاص نحو (9): الجوهر والعرض عند المتكلمين).
هذا بيان المنقولات الثلاث.
إحداها: الحقيقة الشرعية، مثلها المؤلف بالصلاة؛ لأن لفظ الصلاة في اللغة موضوع للدعاء، ثم نقل في عرف الشرع إلى الأفعال المخصوصة،
__________
(1) "الثلاث" ساقطة من ط.
(2) في ز وط: "والعرفية العامة، والعرفية الخاصة".
(3) في ز: "المنقولات الثلاث".
(4) في ط: "جميع".
(5) "منقول" ساقطة من ط.
(6) في ط: "جميع".
(7) في ز وط: "تثبت تاء التأنيث".
(8) كلمة "للحمار" ساقطة من أوخ وش وز وط.
(9) في ط: "هو".
(1/187)

وهي: ذات الركوع والسجود (1).
ومثالها أيضًا: الزكاة، فإن معناها في اللغة الزيادة والنماء (2)، ثم نقل في عرف الشرع إلى: أخذ جزء مقدر من مال معلوم (3).
ومثاله (4) أيضًا: الصيام، فإن معناه في اللغة: الإمساك (5) ثم نقل في عرف الشرع إلى: إمساك مخصوص (6).
ومثاله أيضًا: الحج، فإن معناه في اللغة: القصد (7)، ثم نقل في عرف الشرع إلى قصد مخصوص (8).
ومثاله أيضًا: الترتيب والموالاة، فإن هذين المعنيين في اللغة: لمطلق الترتيب بين الأشياء ومطلق الموالاة بين الأشياء، ثم نقل في عرف الشرع إلى: ترتيب وموالاة مخصوصة (9) بالطهارة للصلاة.
__________
(1) انظر تعريف الصلاة في: شرح الحطاب 1/ 377، المغني لابن قدامة 1/ 369، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي 1/ 159.
(2) انظر تعريف الزكاة لغة في القاموس المحيط للفيرزآبادي مادة (زكو).
(3) انظر تعريف الزكاة شرعًا في: شرح الحطاب 2/ 255، المغني لابن قدامة 2/ 572، ونهاية المحتاج 3/ 43.
(4) في ط: "ومثالها".
(5) انظر تعريف الصيام لغة في: القاموس المحيط للفيروزآبادي مادة (صوم).
(6) يقول ابن قدامة في المغني (3/ 85): "الصوم في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص".
وانظر تعريف الصيام شرعًا في: شرح الحطاب 2/ 378، نهاية المحتاج 3/ 148.
(7) انظر تعريف الحج لغة في: القاموس المحيط للفيروزآبادي مادة (حج).
(8) انظر تعريف الحج شرعًا في: شرح الحطاب 2/ 470، ونهاية المحتاج 3/ 233، والمغني لابن قدامة 3/ 217.
(9) في ز وط: "مخصوص".
(1/188)

وإلى هذه الحقيقة الشرعية أشار المؤلف بقوله: (الشرعي نحو الصلاة).
وقوله: (والعرفي العام نحو: الدابة للحمار).
أي: الحقيقة الثانية وهي: العرفية العامة، مثلها المؤلف بالدابة لخصوصية الحمار عند أهل مصر (1)؛ وذلك أن لفظ الدابة في عرف اللغة موضوع لكل ما اتصف بالدبيب (2) وهو: الحركة، ثم نقل في العرف عند أهل مصر إلى خصوصية الحمار، ونقل في عرف أهل العراق إلى خصوصية الفرس، فإذا سمع لفظ الدابة [عند أهل مصر فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا خصوصية الحمار، وكذلك إذا سمع لفظ الدابة] (3) عند أهل العراق فلا يفهم إلا خصوصية الفرس عندهم ولا يفهم غير ذلك (4) إلا بقرينة.
وقوله: (العرفي العام) يعني (5) أن يكون ذلك العرف، أي: ذلك الاصطلاح عامًا لأهل البقعة كلهم، ولا يشترط فيه (6) أن يكون عامًا لأهل الإقليم كلهم.
ومثال العرف العام أيضًا: لفظ الدابة عند أهل المغرب؛ [لأنه مخصوص عندهم (7) بثلاث دواب وهي] (8): الخيل (9) والبغال والحمير، فإذا
__________
(1) المثبت من ز وفي الأصل: "المصر".
(2) قال الفيروزآبادي في القاموس: والدابة ما دب من الحيوان وغلب على ما يركب. انظر فصل الدال باب الباء مادة (دب).
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز: "غيرهم".
(5) في ز: "أعني".
(6) "فيه" ساقطة من ز.
(7) "عند" ساقط من ط.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(9) في ز: "للخيل".
(1/189)

سمع (1) لفظ الدابة عند أهل المغرب (2) فلا يفهم عندهم إلا أحد هذه الثلاث (3) دون غيرها إلا بقرينة.
وقوله (4): (والعرفي الخاص (5) نحو: الجوهر والعرض عند المتكلمين)، أي: الحقيقة الثالثة (6) وهي العرفية الخاصة، مثلها المؤلف بالجوهر والعرض عند المتكلمين؛ وذلك أن لفظ الجوهر في اللغة موضوع للنفيس من كل شيء ثم نقل في عرف المتكلمين إلى الشيء الذي لا يقبل القسمة، والعرض في اللغة موضوع لكل ما يؤول إلى الفناء وإن دام ما دام (7)، ومنه قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} (8)، أي: تريدون (9) ما يزول والله يريد ما لا يزول؛ لأن قوله: {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} فيه حذف مضاف، تقديره: والله يريد دوام (10) الآخرة، ثم نقل العرض عند المتكلمين (11) إلى: المعنى القائم بالذات.
و (12) قوله: (العرفي الخاص) و (13) سمي خاصًا؛ لأجل اختصاصه
__________
(1) في ز: "أطلق".
(2) في ز: "عندهم".
(3) في ز: "الثلاثة".
(4) "وقوله" ساقطة من ز.
(5) "الخاص" ساقطة من ز.
(6) المثبت من ز، وفي الأصل: "الثانية".
(7) "مادام" ساقطة من ز وط.
(8) سورة الأنفال، آية رقم 67.
(9) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يريدون".
(10) في ز وط: "دائم".
(11) في ط: "أهل المتكلمين".
(12) "الواو" ساقطة من ط.
(13) "الواو" ساقطة من ز وط.
(1/190)

بطائفة من العلماء وهم أرباب علم الكلام، بخلاف العرف العام فإنه يعمهم (1) مع غيرهم؛ لأنه يشمل العلماء والعوام.
قال المؤلف في الشرح: وبقي من الوضع (2) قسم ثالث وهو ما يذكره (3) جماعة من العلماء في قولهم: هل من شرط المجاز الوضع، أو ليس من شرطه؟ قولان.
ويريدون بالوضع ها هنا مطلق الاستعمال ولو مرة يسمع من العرب استعمال (4) ذلك النوع من المجاز فيحصل الشرط، فصار الوضع: جعل اللفظ دليلاً على المعنى أو غلبة (5) الاستعمال، وأصل الاستعمال (6).
فأقسام الوضع على هذا التفصيل (7) خمسة: لغوي، وشرعي، وعرفي عام، وعرفي خاص، ومطلق الاستعمال. انتهى نصه (8).
ومعنى كلامه: أن أهل الأصول اختلفوا في المجاز، هي يشترط سماعه عن (9) العرب في كل صورة، أو يكتفى بظهور العلاقة المعتبرة في التجوز؟
__________
(1) في ط: "يفهم".
(2) في ط: "المواضع".
(3) في ز: "يذكر"، وفي ط: "ما يذكر".
(4) في ط: "باستعمال".
(5) في ز: "وغلبة".
(6) في ز: "ومطلق الاستعمال من غير غلبة".
وتتمة العبارة في شرح التنقيح: "وأصل الاستعمال من غير غلبة في المواطن المذكورة: خاصة، فحصل الفرق بين الجميع".
(7) في ز وط: "بالتفصيل".
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 22.
(9) في ز: "من".
(1/191)

قولان في ذلك (1):
فمن اشترط الوضع قال: لا بد من النقل عن العرب.
ومن لم يشترط قال: يكتفى بظهور القرينة (2) المعتبرة، وهذا هو الراجح عندهم (3).
حجة من قال باشتراطه وجهان:
أحدهما: أنه لو لم يشترط لجاز تسمية الطويل من الناس نخلة (4) لوجود العلاقة بينهما [وهي الطول، ولجاز تسمية ثمرة الشجرة شجرة، لوجود الملابسة بينهما] (5).
ولجاز تسمية ظل (6) الحائط (7) حائطًا لوجود الملازمة بينهما وذلك كله (8):
__________
(1) انظر تفصيل هذه المسألة في كتاب الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 1/ 52، 53، المحصول ج (1) ق (1) ص 456 - 458.
(2) في ز وط: "العلاقة".
(3) ذكر الآمدي في الإحكام (1/ 53) دليلين لمن لم يشترط:
الدليل الأول: أن إطلاق المجاز مما لا يفتقر إلى بحث ونظر دقيق في الجهات المصححة في التجوز؛ والأمر النقلي لا يكون كذلك.
الدليل الثاني: لو كان نقليًا لما افتقر إلى العلاقة بينه وبين محل الحقيقة؛ بل لكان النقل فيه كافيًا.
(4) في ط: "بنخلة".
(5) المثبت بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) المثبت من ز وط، ولم ترد "ظل" في الأصل.
(7) "الحائط" ساقطة من ز.
(8) "كله" ساقطة من ط.
(1/192)

ممنوع.
الوجه الثاني: أنه لو لم يشترط الوضع في المجاز بل ظهور العلاقة خاصة لكان ذلك إثبات اللغة بالقياس، وذلك: ممنوع.
أجيب عن الأول: أن الأصل الجواز مع وجود العلاقة ما لم يمنع منه مانع، وهو منع أرباب اللغة من ذلك (1)؛ لأن الصور المذكورة منع أرباب اللغة من استعمال المجاز المذكور فيها، قاله سيف الدين (2).
أجيب عن الوجه الثاني: أنه لا نسلم أنه قياس في اللغة، بل هو استقراء عام فهم منه (3) جواز الإطلاق كرفع الفاعل ونصب المفعول.
قوله: (والاستعمال إِطلاق اللفظ وإِرادة عين (4) مسماه بالحكم وهو: الحقيقة، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو: المجاز).
شرع المؤلف ها هنا في المطلب الثاني من المطالب الثلاثة التي احتوى عليها الفصل [وهو: حقيقة الاستعمال.
فقوله: (والاستعمال)، السين والتاء للطلب، أي: طلب عمل اللفظ،
__________
(1) "من ذلك" ساقطة من ز.
(2) يقول الآمدي في الإحكام (1/ 52): "ما المانع أن يكون تحقق العلاقة بين محل الحقيقة ومحل التجوز كافيًا في جواز إطلاق الاسم على جهة المجاز، وحيث وجدت العلاقة المجوزة للإطلاق في بعض الصور، وامتنع الإطلاق؛ فإنما كان لوجود المنع من قبل أهل اللغة".
(3) "منه" ساقطة من ط.
(4) "عين" ساقطة من أوش.
(1/193)

وعمل اللفظ] (1) هو: إفادة (2) مدلوله.
وقوله: (إِطلاق اللفظ)، أي ذكر اللفظ.
وقوله: (وإِرادة عين مسماة بالحكم) [أي: مع إرادة عين مسماه] (3).
أي مع قصد ذات مسماه، أي ذكر اللفظ مع قصد الشيء الذي وضع له اللفظ، أي: لم يقصد بذلك اللفظ غير ما وضع له.
وقوله: (عين مسماه) أي ذات مسماه.
وقوله: (مسماه) يعني: مسماه في عرف التخاطب فتندرج (4) فيه الحقائق الأربع التي هي: اللغوية، والشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة.
قوله (5): (بالحكم) أي بالكلام، أي: بأنواع الكلام مطلقًا لا فرق بين الخبر والطلب، ولا فرق بين الثبوت والنفي (6)، ولا فرق بين الاستفهام وغيره.
مثال ذلك، قولك: رأيت أسدًا، فإن أردت بالرؤية (7) الحيوان المفترس فذلك حقيقة، وإن أردت الرجل الشجاع فذلك مجاز، فالحكم في هذا المثال
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل.
(2) في ز: "إفادته".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "فيندرج".
(5) في ط: "وقوله".
(6) "النفي" ساقطة من ط.
(7) أو يقال: فإن أردت بالمرئي رؤية الحيوان المفترس.
(1/194)

وهو (1) الرؤية: خبر، وكذلك إذا (2) قلت: ما رأيت أسدًا، وإذا قلت: اضرب الأسد، أو لا تضرب الأسد، فالحكم في هذين المثالين: طلب، وإذا قلت: هل رأيت الأسد؟ فالحكم في هذا المثال: استفهام، وغير ذلك من أنواع الكلام.
وقوله: (أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو: المجاز).
هذا هو المعنى الثاني من معنيي الاستعمال وهو: استعمال اللفظ في غير مسماه.
[قوله: أو غير مسماه، معطوف على قوله: عين مسماه، أي: إرادة عين مسماه، أو إرادة غير مسماه] (3).
قوله (4): (أو غير مسماه) يعني في عرف التخاطب، فيندرج فيه (5) المجازات الأربعة (6).
وقوله: (لعلاقة بينهما وهو: المجاز) أي: لأجل مشابهة بينهما، أي (7): بين عين المسمى (8) وغير المسمى، وإنما شرط العلاقة في المجاز: احترازًا من النقل وهو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له من غير علاقة بينهما، كاستعمال
__________
(1) في ط: "وهي".
(2) في ز: "إن".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز: "وقوله".
(5) "فيه" ساقطة من ز.
(6) في ط: "الأربع".
(7) "أي" ساقطة من ط.
(8) "المسمى" ساقطة من ط.
(1/195)

لفظ (1) جعفر في الولد، لأن لفظ (2) جعفر في عرف اللغة اسم للنهر (3) الصغير (4) ثم نقل إلى تسمية الولد من غير علاقة بين النهر الصغير والولد.
قوله (5): (العلاقة)، يعني: معتبرة، فحذف (6) الصفة؛ إذ ليس كل علاقة تعتبر في المجاز كما سيأتي بيانه في الفصل السابع (7) في الفرق بين الحقيقة والمجاز إن شاء الله (8).
وقوله: (لعلاقة بينهما) يقتضي أن الاستعمال له ثلاثة معان:
أحدها: استعمال اللفظ في الحقيقة.
الثاني: استعماله في المجاز.
الثالث: استعماله في غيرهما وهو: النقل (9).
قوله: [(والاستعمال إِطلاق اللفظ على مسماه فهو: الحقيقة، أو على غير مسماه لعلاقة بينهما (10) فهو: المجاز)] (11).
__________
(1) "لفظ" ساقطة من ز.
(2) "لفظ" ساقطة من ط.
(3) في ط: "النهر".
(4) انظر: القاموس المحيط مادة (جعر).
(5) في ز: "وقوله".
(6) في ز وط: "بحذف".
(7) المثبت من ز، وفي الأصل: "الرابع".
(8) انظر (1/ 401) من هذا الكتاب.
(9) "وهو النقل" ساقطة من ز.
(10) "بينهما" ساقطة من ز.
(11) ما بين المعقوفتين ورد في ط بلفظ: "والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة عين مسماه بالحكم وهو الحقيقة أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو المجاز".
(1/196)

يؤخذ منه أن اللفظ بعد الوضع وقبل الاستعمال (1): ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأنه لا يعلم أنه حقيقة أو مجاز إلا بعد استعماله، فإن استعمل في موضوعه (2) فهو: الحقيقة، وإن استعمل في غير ذلك فهو: المجاز.
قوله: (والحمل اعتقاد (3) السامع مراد المتكلم من لفظه، أو ما اشتمل (4) على مراده (5)).
هذا بيان المطلب الثالث من المطالب الثلاثة التي احتوى عليها الفصل، وهو: حقيقة الحمل في اصطلاحهم، ومعنى كلامه: أن حقيقة الحمل: أن يعتقد سامع لفظ المتكلم أن مراده بلفظه كذا، هذا معنى قوله (6): (اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه، أو يعتقد منه ما اشتمل على مراده (7)).
وأتى المؤلف في هذا الحد (8) ب "أو" مع أنه لفظ مشترك، ولكن تعين ها هنا أن يكون (9) للتنويع، كقولك: العدد إما زوج أو فرد، وإنما أتى بقوله: (أو ما اشتمل على مراده) ليندرج (10) مذهب الشافعي (11) تحت الحد.
__________
(1) في ط: "استعمال".
(2) في ز: "موضعه".
(3) في ط: "استقاء".
(4) في ط: "أو يعتقد منه ما اشتمل".
(5) في ط: "مراد".
(6) "قوله" ساقطة من ز.
(7) في ط: "مراد".
(8) "في هذا الحد" ساقطة من ز.
(9) المثبت من ز، ولم ترد "يكون" في الأصل.
(10) في ط: "فيندر".
(11) في ز: "الشافعية".
(1/197)

قوله: (فالمراد كاعتقاد المالكي أن الله سبحانه (1) أراد بالقرء: الطهر والحنفي يقول: إِن الله سبحانه (2) أراد (3) الحيض).
وذلك أن قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (4)، اختلف مالك، وأبو حنيفة في مراد (5) الله تعالى (6) بالقرء.
قال مالك: مراده بها الأطهار.
و (7) قال أبو حنيفة: مراده بها الحيض.
وإنما اختلفوا في القرء؛ لأنه لفظ مشترك بين الطهر والحيض.
ودليل كل واحد منهما (8) سيأتي في الباب الثاني في معاني الحروف إن شاء الله تعالى (9) (10).
قوله (11): (فالمراد كاعتقاد المالكي ... إِلى آخره) أي: فمثال اعتقاد
__________
(1) في أ: "أن الله تعالى"، وفي خ: "أن الله سبحانه وتعالى"، وفي ش: "أن الله تبارك وتعالى".
(2) في أ: "إن الله أراد الحيض"، وفي خ: "إن الله تبارك وتعالى"، وفي ش وط: "إن الله تعالى".
(3) في ز: "أراد به".
(4) سورة البقرة، آية رقم 228.
(5) في ز: "ما مراد".
(6) في ز: "تبارك وتعالى".
(7) "الواو" ساقطة من ز.
(8) "منهما" ساقطة من ز وط.
(9) "تعالى" لم ترد في ط.
(10) انظر (2/ 351 - 352) من هذا الكتاب.
(11) "قوله" ساقطة من ز.
(1/198)

السامع (1) مراد المتكلم من لفظه كاعتقاد المالكي أن المراد بالقرء: الطهر، وكاعتقاد الحنفي أن المراد به: الحيض.
قال أبو زكريا المسطاسي (2): اختلف في القرء على خمسة أقوال:
قيل: حقيقة في الطهر مجاز في الحيض.
[وقيل: بالعكس] (3).
وقيل: حقيقة فيهما فيكون مشتركًا.
وقيل: موضوع للقدر المشترك بينهما فيكون متواطئًا.
وقيل: موضوع لمجموعهما، كلفظ العجين؛ لأنه (4) موضوع لمجموع الدقيق والماء، وكلفظ الخبز، فإنه موضوع لمجموع الدقيق والماء والطبخ (5) (6).
وكلفظ المداد، لمجموع العفص والزاج والماء.
ولأجل هذا القول الخامس، قال الزهري (7): القرء: طهر
__________
(1) "السامع" ساقطة من ز وط.
(2) هو أبو زكريا يحيى بن أبي بكر المسطاسي، والمسطاسي نسبة إلى قبيلة مسطاسة، ومساكنها في شمال المغرب قرب مكناس، وهو من علماء القرن الثامن الهجري.
ولم أجد له ترجمة وافية سوى ما في نسخة كتابه شرح التنقيح (الورقة الأخيرة) من النسخة الموجودة في الجامع الكبير في مكناس رقم (352).
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "فإنه".
(5) في ز وط: "مع الطبخ".
(6) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي، الباب الأول، الفصل الثالث ص 94.
(7) هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ولد سنة خمسين للهجرة، أحد فقهاء التابعين ومحدثيهم بالمدينة، رأى عشرة من الصحابة، =
(1/199)

وحيض (1) معًا - والزهري (2) هو من أكابر العلماء و (3) من العرب الفصحاء - فالقرء على هذا (4) اسم لمجموعهما (5).
قوله: (والمشتمل (6) نحو: حمل الشافعي - رضي الله عنه - اللفظ المشترك على جملة معانيه عند تجرده عن القرائن؛ لاشتماله على مراد المتكلم احتياطًا).
معناه: ومثال اعتقاد السامع ما اشتمل على مراد المتكلم وإن (7) علم أنه لم يرد جميعها: حمل الشافعي اللفظ المشترك على جميع (8) معانيه إذا لم يكن هناك قرينة تدل على مراد المتكلم، وإنما حمله الشافعي على جميع معانيه
__________
= وروى عنه مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وسعيد بن المسيب، توفي سنة (124 ه).
ترجمته في: وفيات الأعيان 4/ 177 - 179، تذكرة الحفاظ 1/ 108 - 112، تهذيب التهذيب 9/ 445، شذرات الذهب 1/ 162، غاية النهاية في طبقات القراء 2/ 262، 263.
(1) ذكر القرطبي الخلاف في القرء فقال: إن مذهب أهل الكوفة: أنه الحيض، ومذهب أهل الحجاز أنه الأطهار وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري.
انظر: تفسير القرطبي 3/ 113.
(2) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "الزهيري".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في ز: "على هذا القول".
(5) في ز وط: "اسم لمجموعهما كالعجين والخبز والمداد".
(6) في ط: "فالمشتمل".
(7) في ط: "فإن".
(8) في ز: "جملة".
(1/200)

احتياطًا لمراد المتكلم؛ لأنه إذا حمل على جميع (1) معانيه فلا يشك أنه مشتمل على مراد المتكلم.
والضمير في قوله: (لاشتماله) يعود على الحمل تقديره: وإنما حمله على جميع معانيه لاشتمال حمله على جميع معانيه على مراد المتكلم.
مثال ذلك إذا قال المتكلم: انظر إلى (2) العين، فإن العين لفظ مشترك (3) يطلق على المقلة، وعين الركبة، وعين الركية، وعين الميزان، وعين الشمس، ونفس الشيء، وخيار الشيء، وعين الرحى، وغير ذلك (4).
فإذا قال المتكلم: انظر إلى العين فلا يعرف مراده؛ لأن (5) اللفظ مجمل: فقال الجمهور من العلماء (6): يجب التوقف حتى يرد البيان فلا يتصرف فيه إلا بدليل يعين أحد مسمياته.
وقال الشافعي: يجب حمله على جميع معانيه (7)، فإنه في المثال المذكور
__________
(1) "جميع" ساقطة من ز.
(2) "إلى" ساقطة من ط.
(3) في ز: "فإن لفظ العين مشترك".
(4) انظر: القاموس المحيط مادة (عين).
(5) في ط: "لأنه".
(6) "من العلماء" ساقطة من ز.
(7) اختلف العلماء في اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركًا بين معنيين هل يحمل على معنييه جميعًا أولا؟
فذهب الشافعي، والقاضي عبد الجبار، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو علي الجبائي إلى: صحة ذلك بطريق الحقيقه بشرط ألا يمتنع الجمع بينهما، غير أن مذهب الشافعي أنه مهما تجرد ذلك اللفظ عن القرينة الصارفة له إلى أحد معنييه وجب حمله على المعنيين.
(1/201)

إذا نظر إلى جميع المعاني التي يطلق عليها اللفظ المشترك فقد حصل (1) مراد المتكلم بلا شك.
وقال الجمهور من العلماء: دليل الشافعي الذي هو الاحتياط للمراد ضعيف؛ لأنه قد يحصل أيضًا غير المراد؛ لأنه (2) إذا قال له مثلاً (3): انظر إلى العين، فنظر إلى عين زوجته أو إلى ذهبه فربما لا يريد النظر إلى ذلك؛ لأنه قد يسوؤه ذلك ويحزنه.
فإن الشافعي (4) رضي الله عنه راعى جهة من الاحتياط ولم يراعِ (5) جهة أخرى من الاحتياط، بل الاحتياط التوقف حتى يرد البيان.
فالحاصل مما ذكرنا: أن الوضع: سابق، والحمل: لاحق، والاستعمال:
__________
= وذهب أبو هاشم، والكرخي، والإمام فخر الدين إلى: المنع من جواز ذلك مطلقًا.
ثم اختلفوا: فمنهم من منع منه لأمر يرجع إلى القصد، ومنهم من منع منه لأمر يرجع إلى الوضع، وهو المختار عند الإمام فخر الدين الرازي.
المذهب الثالث: التفصيل بين الإرادة واللغة، فيجوز في الإرادة دون اللغة، وإليه ذهب أبو الحسين البصري، والغزالي.
انظر تفصيل هذه المسألة في: المعتمد 1/ 17، 18، البرهان، 1/ 343 - 345، المستصفى 2/ 71 - 77، المحصول ج 1 ق 1 ص 371 - 380، الإحكام للآمدي 2/ 242 - 245، مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 111، 112.
(1) في ط: "حمل".
(2) في ط: "أنه".
(3) "مثلاً" ساقطة من ز وط.
(4) المثبت من ز، وفي الأصل: "الشافع".
(5) في ز: "ولم يرع".
(1/202)

متوسط بينهما (1).
قال بعض الشراح: هذا الفصل انفرد المؤلف بتلخيصه [ولم يقع] (2) في شيء من كتب الأصوليين (3).
وقال بعض الشراح: ليس في هذا الفصل معنى مستقل بنفسه (4)؛ لأن الوضع والاستعمال من [عوارض الحقيقة] (5) والمجاز، ولهما فصل خاص بهما، وهو الفصل السابع من الباب الأول.
وأما الحمل الذي هو اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه على مذهب مالك وأبي حنيفة فهو: من باب التأويل، وله باب يذكر فيه وهو الباب الثاني عشر في المجمل والمبين؛ لأنه ذكر هنالك المؤول.
وأما الحمل الذي هو اعتقاد السامع ما اشتمل على مراد المتكلم على مذهب الشافعي في اللفظ المشترك، هو: من باب العموم وموضعه باب العموم، فالصواب: الاستغناء عن هذا الفصل، والله أعلم وبالله حسن التوفيق (6).
...
__________
(1) هذه المسألة الخلافية بين الإمام الشافعي رضي الله عنه، والجمهور ذكرها القرافي في شرح التنقيح ص 22، والمسطاسي في شرح التنقيح في الفصل الثالث من الباب الأول ص 94.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل.
(3) من قوله قال بعض الشراح إلى هنا ساقط من ط.
(4) في ط: "لنفسه".
(5) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "من العوارض الحقيقية".
(6) في ز وط: "التوفيق بمنه".
(1/203)

الفصل الرابع في الدلالة وأقسامها (1)
الدلالة بكسر الدال وفتحها، معناها في اللغة: الإرشاد؛ لأنك (2) تقول: دل فلان فلانًا على كذا إذا أرشده إليه (3).
ومعنى الدلالة في الاصطلاح هي: الإرشاد إلى علم ما لم يعلم من الأحكام (4). واعلم أن الدلالة على أربعة أقسام (5):
__________
(1) انظر هذا الفصل حول الدلالة وأقسامها في: المستصفى 1/ 30، الإحكام للآمدي 1/ 15، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 30 - 35، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 203، وشرح التنقيح للمسطاسي، الفصل الرابع من الباب الأول ص 95، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو القيرواني المطبوع بهامش شرح التنقيح للقرافي ص 20.
(2) "لأنك" ساقطة من ز.
(3) قال المعافري في كتاب الأفعال (3/ 295): دل ودللتك على الشيء دلالة، ودل الدليل بالفلاة: هدى.
(4) وعرفها البناني في شرح السلم (ص 35) بأنها: فهم أمر من أمر كفهم معنى الذكر البالغ من لفظ الرجل، والأمر الأول في التعريف هو المدلول، والثاني هو الدال.
(5) قسمها البناني في شرح السلم إلى لفظية، وغير لفظية، وكل منهما ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وضعية، وعقلية، وطبيعية، فصارت ستة أقسام، ثم مثل لكل قسم.
انظر هذه الأقسام في: شرح البناني على السلم في المنطق (ص 38 - 40).
(1/205)

عقلية، وطبيعية (1)، وعادية، ووضعية.
فمثال العقلية: دلالة (2) اللفظ على وجود اللافظ وإن لم يشاهد، كما إذا سمعت كلامًا من وراء الجدار فإنك تعلم بعقلك أن اللافظ هنالك؛ لاستحالة وجود الفعل بدون الفاعل.
ومثال العقلية أيضًا: دلالة البرهان على النتيجة (3)، كقولنا: العالم متعير، وكل متغير حادث، فالنتيجة: العالم حادث.
ومثال الطبيعية (4): دلالة "أح" بالحاء المهملة على الوجع، وكذلك (5) "أخ" بالخاء المعجمة على داء الصدر.
ومثال العادية: دلالة الصياح على الخوف.
ومثال الوضعية: دلالة اللفظ على مسماه، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وكدلالة الأسد على الحيوان الذي يفترس، وكدلالة الفرس على الحيوان الذي يصهل، وغير ذلك من دلالة الأسماء على مسمياتها.
وهذه الدلالات (6) الأربع المذكورات لم يتعرض المؤلف منها إلا للدلالة (7) الوضعية خاصة، وهي: دلالة اللفظ على مسماه.
__________
(1) في ز: "وطبعية".
(2) في ط: "كدلالة".
(3) في ط: "الشيء".
(4) في ز: "الطبعية".
(5) في ط: "ودلالة".
(6) في ز: "وهذه الدلالة".
(7) في ط: "إلا لدلالة".
(1/206)

و (1) قوله: (في الدلالة) فيه حذف الصفة، تقديره: في الدلالة الوضعية، أي: في بيان أو حقيقة الدلالة الوضعية.
و (2) قوله: (وأقسامها)، يعنى تجميلاً وتفصيلاً؛ لأن المؤلف قسم الدلالة بالنسبة إلى التجميل إلى قسمين:
أحدهما: دلالة اللفظ.
والثاني: هو الدلالة باللفظ.
وقسم أيضًا الدلالة بالنسبة إلى التفصيل إلى (3): خمسة أقسام.
لأنه قسم دلالة اللفظ إلى ثلاثة أقسام (4) وهي: المطابقة، والتضمن، والالتزام.
وقسم الدلالة باللفظ إلى قسمين وهما: الحقيقة، والمجاز.
كما سيأتي بيان (5) جميع ذلك مع حروف الكتاب [إن شاء الله تعالى (6)] (7).
فإذا تقرر (8) هذا فاعلم أن هذا الفصل يحتوي على ثلاثة مطالب:
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) "إلى" ساقطة من ز.
(4) "أقسام" ساقطة من ز.
(5) المثبت من ز ولم ترد "بيان" في الأصل وط.
(6) "تعالى" لم ترد في ط.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في ز.
وانظر: (1/ 213، 223) من هذا الكتاب.
(8) في ط: "تقدر".
(1/207)

الأول: في دلالة اللفظ.
والثاني: في الدلالة باللفظ.
والثالث: في الفرق (1) بين الدلالتين.
فقوله: (فدلالة (2) اللفظ: فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى، أو جزءه أو لازمه).
هذا حقيقة دلالة اللفظ الذي هو المطلب الأول، يعني أن معنى دلالة اللفظ: أن يفهم السامع من اللفظ جميع المعنى الذي وضع له ذلك اللفظ، أو يفهم من اللفظ جزءًا من أجزاء (3) المعنى الذي وضع (4) له ذلك (5) اللفظ، أو يفهم من اللفظ معنى آخر لازمًا للمعنى الذي وضع له ذلك اللفظ.
قوله: (كمال المسمى أو جزءه أو لازمه).
تقديره: فهم السامع من كلام المتكلم جميع أجزاء المسمى، أو فهم السامع (6) جزءًا من أجزاء المسمى، أو فهم السامع من كلام المتكلم أمرًا خارجًا من (7) المسمى لازمًا للمسمى، فهذه ثلاثة (8) مفهومات.
__________
(1) في ز: "بالفرق".
(2) في ط: "بدلالة".
(3) في ز: "جزء ذلك المعنى".
(4) في ط: "وقع".
(5) "ذلك" ساقطة من ز.
(6) في ز وط: "أو فهم السامع من كلام المتكلم".
(7) في ط: "عن".
(8) في ط: "ثلاث".
(1/208)

و (1) مثال ذلك: لفظ (2) الإنسان، فإذا فهم منه مجموع الحياة والنطق فهو: كمال مسماه، وإذا فهم منه الحياة دون النطق أو فهم منه النطق دون الحياة فهو: جزء مسماه، وإذا فهم منه قبوله للكتابة، أو قبوله للضحك فهو: لازم مسماه.
ومثال ذلك أيضًا: لفظ الأسد، إذا فهم منه مجموع الحياة والافتراس فهو: كمال مسماه، وإن (3) فهم منه أحدهما خاصة فهو: جزء مسماه، وإن فهم منه الشجاعة فهو: لازم مسماه.
ومثال ذلك أيضًا: لفظ الفرس، فإن فهم منه (4) مجموع الحياة والصهولية (5) فهو: كمال المسمى، وإن فهم منه أحدهما خاصة فهو: جزء مسماه، وإن فهم منه سرعة الجري فهو: لازم مسماه.
قوله: (فدلالة اللفظ فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى أو جزءه أو لازمه).
هذا حقيقة دلالة اللفظ على قول.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "لفظ" ساقطة من ط.
(3) في ط: "وإذا".
(4) "منه" ساقطة من ط.
(5) في ز وط: "والصهولة".
(1/209)

وقيل: حقيقتها كون اللفظ بحيث (1) إذا أطلق دل.
وهذان القولان ذكرهما ابن سيناء (2).
حجة القول الأول: أن اللفظ (3) إذا حصل منه فهم السامع قيل: هو لفظ دال، وإن لم يحصل منه فهم السامع قيل: هو لفظ لم يدل، فدار إطلاق لفظ الدلالة مع الفهم وجودًا وعدمًا، فيقتضي ذلك: أن الفهم هو: مسمى الدلالة، كدوران لفظ الإنسان مع الحيوان الناطق، وسائر الأسماء مع مسمياتها (4).
وحجة القول الثاني: أن الدلالة صفة للفظ؛ لأنك تقول: لفظ دال،
__________
(1) "بحيث" ساقطة من ز.
(2) يقول ابن سينا موضحًا دلالة اللفظ: ومعنى دلالة اللفظ هو أن يكون اللفظ اسمًا لذلك المعنى على سبيل القصد الأول، فإن كان هناك معنى آخر يقارن ذلك المعنى مقارنة من خارج يشعر الذهن به مع شعوره بذلك المعنى الأول، فليس اللفظ دال عليه بالقصد الأول.
انظر: الشفاء لابن سيناء "المنطق" ص 43.
ونسب هذين القولين لابن سيناء، المسطاسي في شرح تنقيح الفصول في الفصل الرابع من الباب الأول ص 95.
وابن سينا هو: الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، ولد سنة سبعين وثلاثمائة، اشتهر بالفلسفة، وأنكر عليه بعض العلماء شيئًا من أفكاره، وحكي أنه تاب في آخر عمره، توفي سنة (428 ه).
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (2/ 157)، خزانة الأدب 4/ 466.
(3) في ط: "القول".
(4) انظر حجة هذا القول في شرح التنقيح للقرافي ص 23، شرح التنقيح للمسطاسي ص 95.
(1/210)

والفهم: هو صفة للسامع (1) لا للفظ، فيقتضي ذلك: ألا تفسر الدلالة بفهم السامع (2). واعترض كل واحد من القولين:
أما الأول: فقد اعترض عليه بأن قيل: الدلالة صفة للفظ؛ لأنك تقول: لفظ دال، والفهم صفة للسامع (3)، فأين أحدهما من الآخر؟
وأما القول الثاني: فقد اعترض عليه بأن قيل: فيه تسمية الشيء بما هو قابل له، وذلك مجاز، والحقيقة أولى من المجاز.
وذكر (4) المؤلف في الشرح هذين القولين، وذكر الاعتراضين (5)، فلما تخيل له الاعتراض عليهما (6) رجع إلى قول آخر، فقال: والذي أختاره أن دلالة اللفظ إفهام السامع لا فهم (7) السامع، فيسلم من المجاز، ومن كون صفة الشيء في غيره. انتهى (8).
واعترض بعضهم هذا القول الثالث الذي اختاره المؤلف بأن قال: قوله: (دلالة اللفظ إِفهام السامع لا فهم السامع)، يقتضي ذلك: أنه لا فرق بين دلالة اللفظ والدلالة باللفظ؛ لأن إفهام السامع هو صفة للمتكلم كما كان ذلك في حقيقة الدلالة باللفظ (9).
__________
(1) في ز: "السامع".
(2) انظر حجة هذا القول في المصدرين السابقين.
(3) في ز: "لسامع".
(4) في ز: "وكذلك قال".
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول ص 23.
(6) "عليهما" ساقطة من ط.
(7) "لا فهم" ساقطة من ط.
(8) انظر: المصدر السابق ص 23.
(9) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي، الفصل الرابع من الباب الأول ص 95.
(1/211)

قال بعضهم: الأولى من هذه الأقوال الثلاثة المذكورة في حقيقة دلالة اللفظ: هو القول الأول الذي هو: فهم السامع ... إلى آخره.
والجواب عن الاعتراض عليه بتفسيره بصفة الشيء في غيره: أن صفة (1) الشيء في غيره لا يضره ذلك، والدليل على ذلك: أن الدلالة بمنزلة الصناعة كالنجارة، والخياطة، والصياغة، ونحوها، بجامع الفعالة بكسر الفاء، فكما يقال للناجر: ناجر، مع أن النجارة في الخشب، ويقالَ للخائط (2): خائط، مع أن الخياطة في الثوب، ويقال للصائغ: صائغ، مع أن الصياغة في المصوغ، فكذلك يقال للفظ: دال، مع أن (3) الدلالة في السامع (4).
وقال بعضهم: لا يصح أن يكون هذا صفة الشيء في غيره؛ وذلك أن فهم السامع هو أثر الصفة، لا أنه نفس الصفة، فالدلالة صفة للفظ، ولكن أثرها في السامع، كما أن النجارة، والخياطة، والصياغة في الفاعل الذي هو: الناجر (5)، أو الخائط (6)، أو الصائغ (7)، ولكن أثر هذه المعاني ظاهر في المفعول الذي هو: الخشب أو الثوب أو المصوغ (8).
وأما هذه المعاني التي هي النجارة، والخياطة، والصياغة، فهي أعراض
__________
(1) في ز وط: "أن كون صفة".
(2) في ز: "للخياط".
(3) في ط: "على أن".
(4) ذكر هذا الجواب بمعناه القرافي في شرح التنقيح ص 23، وانظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 95.
(5) في ط: "النجار".
(6) في ز: "النجار والخياط".
(7) في ز: "والصائغ".
(8) في ط: "والمصوغ".
(1/212)

فانية من ساعتها؛ لأن (1) العرض لا يبقى زمانين، والذي تراه في المفعول هو أثرها لا عينها (2).
قوله: (ولها ثلاثة أنواع: دلالة المطابقة وهي: فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى، ودلالة التضمن وهي: فهم السامع من كلام المتكلم جزء المسمى، ودلالة الالتزام وهي: فهم السامع من كلام المتكلم لازم المسمى البين، وهو: اللازم في (3) الذهن).
ش: ذكر في هذا الكلام انقسام دلالة اللفظ إلى ثلاثة أقسام.
وهي التي ذكرها بالتجميل (4) في حدها، وأتى بهذا (5) الكلام ليبين فيه (6) أسماء تلك الأقسام، فسمي فهم كمال (7) المسمى: بدلالة المطابقة، لمطابقة (8) اللفظ معناه وسمي فهم الجزء من المسمى: بدلالة التضمن؛ لأن فهم الجزء يتضمن (9) فهم الكل (10)، وسمي فهم اللازم: بدلالة الالتزام؛ لأن اللازم
__________
(1) في ط: "فإن".
(2) انظر: المصدرين السابقين.
(3) في ش: "له في الذهن".
(4) في ط: "في التجميل".
(5) في ز: "في هذا".
(6) في ز: "به".
(7) في ط: "كلام" وهو تصحيف.
(8) "المطابقة" ساقطة من ط.
(9) في ز: "يتضمنه".
(10) سمي فهم الجزء من المسمى بدلالة التضمن لدلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له أي من حيث إنه جزء.
(1/213)

يستلزمه الملزوم (1).
قوله: (ولها ثلاثة أنواع).
ش: والدليل على حصر دلالة اللفظ في هذه الثلاثة: أن مدلول اللفظ إن كان نفس ما وضع له كان مدلولاً عليه بالمطابقة، وإن كان جزءًا مما (2) وضع له كان مدلولاً عليه بالتضمن، وإن (3) كان أمرًا لازمًا لما وضع له كان مدلولاً عليه بالالتزام.
واعلم أن دلالة المطابقة هي وضعية باتفاق.
وأما دلالة التضمن ودلالة الالتزام ففيهما ثلاثة أقوال:
قيل: هما وضعيتان.
وقيل: هما عقليتان.
وقيل: دلالة التضمن وضعية، ودلالة الالتزام عقلية (4).
وإنما كانت دلالة المطابقة وضعية باتفاق؛ لأنها لم تتوقف (5) إلا على مقدمة واحدة وضعية، وهي قولنا: كلما أطلق اللفظ فهم مسماه.
__________
= مثالها: دلالة لفظ الأربعة على الواحد ربعها، ودلالة لفظ الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط. اه. لأن فهم الجزء يتضمن فهم الكل كما قال المؤلف.
انظر: شرح البناني على السلم ص 44.
(1) في ط: "فهم الملزوم".
(2) في ز وط: "لما".
(3) في ط: "فإن".
(4) ذكر هذه الأقوال المسطاسي في شرح التنقيح في الفصل الرابع من الباب الأول ص 96.
(5) في ط: "لم يتوقف".
(1/214)

وإنما وقع الخلاف في دلالتي (1) التضمن والالتزام؛ لأن كل واحدة (2) منهما متوقفة على مقدمتين (3): وضعية، وعقلية.
فالوضعية: قولنا (4): كلما أطلق اللفظ: فهم مسماه.
والعقلية: هي قولنا: وكلما فهم المسمى (5): فهم لازمه (6).
فمن غلب المقدمة الأولى في الدلالتين قال: هما وضعيتان.
ومن غلب فيهما (7) المقدمة الثانية قال: هما عقليتان.
ومن قال: دلالة التضمن وضعية، ودلالة الالتزام عقلية قال: لأن الدلالة على جزء الشيء كالدلالة على الشيء؛ لأن الجزء داخل في المسمى، بخلاف اللازم فإنه خارج عن المسمى.
وقال بعضهم: حجة القول بأنهما وضعيتان: لأنهما (8) تفهمان بواسطة اللفظ.
__________
(1) في ز: "دلالة".
(2) في ط: "واحد".
(3) في ز: "على مقدمتين: إحداهما وضعية والأخرى عقلية، وبيان ذلك أن دلالة التضمن متوقفة على مقدمتين وضعية وعقلية .. إلخ".
(4) في ز وط: "هي قولنا".
(5) في ز: "مسماه".
(6) في ط: "فهم جزؤه، وتقول في دلالة الالتزام أيضًا متوقفة على مقدمتين: وضعية وعقلية، فالوضعية هي قولنا: كلما أطلق اللفظ فهم مسماه، والعقلية هي قولنا: وكلما فهم المسمى فهم لازمه".
(7) "فيهما" ساقطة من ط.
(8) في ز: "أنهما".
(1/215)

وحجة القول بأنهما عقليتان: لأن (1) اللفظ لم يوضع لهما.
وحجة القول بالتفصيل: لأن (2) جزء المسمى داخل في المسمى، ولازم المسمى خارج عن المسمى (3).
قوله: (في دلالة الالتزام لازم المسمى: البين).
قوله (4): (البين) نعت (للازم) (5) أي: اللازم البين (6) أي: القريب للفهم وهو اللازم الذي لا يحصل ملزومه في الذهن إلا وهو حاصل معه.
وسبب اشتراط اللزوم في الذهن: أن اللفظ إذا استلزم مسماه (لازمه) (7) في الذهن كان حضور ذلك اللازم في الذهن منسوبًا لذلك اللفظ، فيقال: اللفظ دل عليه (8) بالالتزام، وأما إذا لم يستلزم (9) مسمى اللفظ ذلك اللازم في الذهن كان حضور ذلك اللازم منسوبًا لسبب (10) آخر [لا للفظ، فلا
__________
(1) في ز: "أن".
(2) في ز: "أن".
(3) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 96، وكذلك شرح سعيد قدوره على السلم في المنطق، فقد ذكر هذا الخلاف في دلالة التضمن والالتزام، وأنه خلاف لفظي لا طائل تحته.
انظر: شرح البناني على السلم ص 45، 46.
(4) "قوله" ساقطة من ز.
(5) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "لازم".
(6) "البين" ساقطة من ط.
(7) المثبت من ز، وفي الأصل: "لازمًا"، وفي ط: "لازم".
(8) في ز: "دلالة اللفظ عليه"، وفي ط: "دل اللفظ عليه".
(9) في ط: "يلتزم".
(10) في ط: "بالسبب".
(1/216)

يقال] (1): دل عليه اللفظ.
[وقوله: (اللازم البين)] (2) فسره المؤلف بقوله: و (3) هو اللازم في الذهن، بالذال المعجمة هو العقل: احترازًا من اللازم غير البين، وهو اللازم في الخارج دون الذهن.
ويظهر لك بالمثال (4) الذي ذكره المؤلف:
وذلك أن (5) المؤلف ذكر في الشرح أن الحقائق بالنسبة إلى الملازمة (6) على أربعة أقسام.
أحدها (7): المتلازمان في الذهن والخارج (8)، كالسرير مع الارتفاع؛ لأنه لا يتصور السرير في الذهن، ولا يوجد أيضًا في الخارج، إلا مع الارتفاع.
والثاني: غير المتلازمين في الذهن والخارج، كالسرير مع زيد، فإن السرير يتصور في الذهن دون تصور زيد؛ وكذلك في الخارج؛ لأنه يوجد السرير بدون زيد، إذ لا ملازمة بينهما.
__________
(1) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) "الواو" ساقطة من ز.
(4) في ط: "في المثال".
(5) المثبت من ز، ولم ترد: "أن" في الأصل.
(6) في ز: "إلى الملازمة وعدمه"، وفي ط: "إلى الملازمة وعدمها".
(7) في ط: "أحدهما".
(8) ومثال أيضًا اللازم في الذهن والخارج: الزوجية المدلول عليها بلفظ الأربعة، والفردية المدلول عليها بلفظ ثلاثة، فالأربعة لا توجد في الذهن وفي الخارج إلا وهي زوج، وكذلك الثلاثة لا توجد في الذهن والخارج إلا وهي فرد، ويسمى اللازم المطلق، أي لم يقيد بذهن ولا خارج.
انظر: شرح البناني على السلم وحواشيه ص 46.
(1/217)

والثالث: المتلازمان في الذهن دون الخارج (1)، كالسرير مع زيد (2) بقيد (3) كونه نجار السرير.
الرابع (4): المتلازمان في الخارج دون الذهن، كالسرير مع المكان، فإن السرير لا يوجد في الخارج إلا مع المكان، وأما في الذهن فلا يلزمه؛ لأنه قد يتصور السرير ويذهل (5) عن المكان (6).
فقوله (7): (اللازم في الذهن) يندرج فيه قسمان، ويخرج عنه قسمان:
فالمندرجان: هما المتلازمان ذهنًا وخاراجًا، والمتلازمان ذهنًا دون خارج.
والخارجان: غير المتلازمين ذهنًا وخارخًا، والمتلازمان خارجًا دون ذهن، فالمعتبر إذًا هو: اللازم ذهنًا وافقه الخارج أم لا.
قوله: (فالأول: كفهم مجموع الخمستين هن لفظ العشرة، والثاني:
__________
(1) ومثال أيضًا اللازم في الذهن فقط: البصر للعمى، فإنه لا يمكن أن يتصور العمى في الذهن ولا يتصور معه البصر، وهما في الخارج متنافيان.
انظر المصدر السابق.
(2) في ز: "كالسرير إذا أخذ زيد معه".
(3) في ط: "تقيد".
(4) في ز وط: "والرابع".
(5) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) انظر أقسام الحقائق بالنسبة للملازمة وأمثلتها في: شرح التنقيح للقرافي ص 24.
(7) في ط: "قوله".
(1/218)

كفهم الخمسة وحدها من اللفظ، والثالث: كفهم الزوجية (1) من اللفظ).
ش: قوله: (فالأول) (2)، أي: النوع الأول، وهو دلالة المطابقة.
مثاله: فهم السامع من لفظ العشرة مجموع خمسة وخمسة؛ لأن مجموعهما موضوع العشرة (3).
وقوله: (والثاني) أي: ومثال النوع الثاني، وهو: دلالة التضمن: فهم السامع من لفظ العشرة خمسة واحدة؛ لأن الخمسة الواحدة جزء العشرة (4).
وقوله: (والثالث)، أي: ومثال النوع الثالث، وهو دلالة الالتزام: فهم السامع من لفظ العشرة الزوجية؛ لأن الزوجية أمر لازم للعشرة.
واعترض قوله: (الخمستين) بأن قيل: هذه التثنية لحن؛ لأنه لا يثنى من أسماء (5) العدد إلا المائة والألف.
أجيب: بأن المؤلف لم يقصد بالخمستين التعبير عن لفظ العشرة الزوجية (6) وإنما مقصوده أن خمسة وخمسة (7) جزءان تركب (8) منهما مسمى العشرة، كما تركب مسمى الإنسان من الحيوان والناطق، ففهم مجموع
__________
(1) في ط: "لزوجية".
(2) المثبت بين القوسين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ط: "للعشرة".
(4) في ط: "العشر".
(5) "أسماء" ساقطة من ط.
(6) "الزوجية" ساقطة من ط.
(7) في ز: "أن الخمسة والخمسة".
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "مركب".
(1/219)

خمسة وخمسة من لفظ العشرة كفهم مجموع الحيوان والناطق (1) من لفظ الإنسان، ولما اتفق جزءا العشرة اللذان (2) هما خمسة وخمسة في اللفظ والمعنى: ثناهما المؤلف رحمه الله.
والدليل على ذلك قول المؤلف - رحمه الله (3) - في الشرح: الجزء ما تركب منه ومن غيره كل كالخمسة مع العشرة (4).
ولو أراد المؤلف التعبير بذلك عن لفظ العشرة (5) لقال: خمسة وخمسة كما قال الشاعر:
أقمت بها يومًا ويومًا وثالثًا ... ويومًا له يوم الترحل خامس (6)
قوله: (فالأول كفهم مجموع الخمستين من لفظ العشرة) إلى آخره.
مثل المؤلف رحمه الله (7) الدلالات (8) الثلاث ها هنا بلفظ العشرة.
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الناطق".
(2) "اللذان" ساقطة من ز.
(3) "رحمه الله" لم ترد في ز.
(4) شرح التنقيح للقرافي ص 28.
(5) "العشرة" ساقطة من ز.
(6) قائل هذا البيت هو: أبو نواس الحسن بن هانئ في قصيدة له بعنوان دار ندامى معطلة، ومطلعها:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
إلى أن قال:
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ... ويومًا له يوم الترحل خامس
انظر: ديوان أبي نواس (ص 361)، المقرب لابن عصفور (2/ 49).
(7) "رحمه الله" لم ترد في ز وط.
(8) في ز: "الدلالة".
(1/220)

ومثاله أيضًا: لفظ السقف، فإنه (1) موضوع للجسم الكثيف المركب من الخشب والقصب والتراب، فدلالة (2) السقف على مجموع الخشب والقصب والتراب: دلالة مطابقة، ودلالته على بعضها: دلالة تضمن، ودلالته على الارتفاع (3) عن الأرض: دلالة التزام (4)، وكذلك دلالة السقف على الجدار هي (5): دلالة التزام (6)؛ لأن ذلك أمر لازم للسقف (7) (8).
[قوله: (ولها ثلاثة أنواع: المطابقة، والتضمن، والالتزام).
حصر المؤلف دلالة اللفظ الوضعية في هذه الثلاثة، مع أن هناك دلالة رابعة وليست بواحدة من هذه الثلاثة، وهي: دلالة العموم على فرد (9) من أفراده، كدلالة المشركين (10) على زيد الكافر، فإنه يدل عليه اللفظ بالوضع وليس (11) بالمطابقة؛ لأن زيدًا ليس كمال المسمى، وليست بالتضمن؛ لأن
__________
(1) في ز وط: "فهو".
(2) في ط: "مدلولات".
(3) في ط: "ارتفاع".
(4) في ز: "الالتزام".
(5) في ز: "وهى".
(6) في ط: "الالتزام".
(7) في ز: "في السقف".
(8) في ط: "أمر لازم للسقف وكذلك الجدار على الأس، والأس على الأرض إلى غير ذلك".
وقد ذكر هذه الأمثلة القرافي في شرح التنقيح ص 25، والمسطاسي في شرح التنقيح ص 96.
(9) في ط: "فرد معين".
(10) في ط: "لفظ المشتركين".
(11) في ط: "وليست".
(1/221)

زيدًا ليس جزء المسمى؛ لأن الجزء إنما يقابله الكل ومسمى العموم كلية لا كل، والذي يقابل الكلية هو: الجزئية (1) وليست أيضًا بالالتزام؛ لأن هذا الفرد الذي هو زيد إن كان لازمًا لزم أن يكون كل فرد لازمًا (2)، فأين (3) المسمى الذي هو الملزوم حينئذ؟
فبطلت (4) الدلالات (5) الثلاث (6) مع أن الصيغة (7) تدل بالوضع فما انحصرت دلالات الوضع في الثلاث، هكذا في شرح المؤلف (8).
وهو الظاهر، فلم تنحصر دلالة اللفظ إذن في الثلاثة المذكورة.
قال المؤلف في الشرح: هذا سؤال صعب وقد أوردته في شرح المحصول، وأجبت عنه بشيء (9)، وفي النفس منه شيء (10).
والجواب المشار إليه أن لفظ العموم هو (11): موضوع للقدر المشترك بقيد تتبعه في جميع الأفراد، وقيد التتبع في الكل جزء (12) التتبع في البعض،
__________
(1) في ط: "الجزئية للجزاء".
(2) "لازمًا" ساقطة من ط.
(3) في ز: "فإن".
(4) في ط: "فقد بطلت".
(5) في ط: "الدلالة".
(6) في ط: "الثلاثة".
(7) في ط: "صيغة العموم تدل على كل فرد من أفراد العموم بالوضع، فلم تنحصر دلالة اللفظ ... إلخ".
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 26.
(9) في شرح التنقيح: "بشيء فيه نَكَادَه".
(10) انظر: المصدر السابق ص 26.
(11) "هو" ساقطة من ط.
(12) في ط: "جزؤه".
(1/222)

والتضمن أيضًا إنما هو باعتبار جزء هذا الجزء لا باعتبار جزء المسمى (1)] (2).
قوله: (والدلالة باللفظ هي (3): استعمال اللفظ إِما (4) في موضوعه (5) وهو (6): الحقيقة، أو في غير موضوعه لعلاقة بينهما (7) وهو: المجاز).
ش: هذا هو المطلب الثاني من المطالب الثلاثة (8) التي اشتمل هذا الفصل عليها، وهو: بيان الدلالة باللفظ.
قوله: (والدلالة باللفظ):
قال المؤلف في الشرح: الباء في قوله: (باللفظ) للاستعانة؛ لأن المتكلم يستعين بنطقه على إفهام السامع ما في نفسه، كالباء في: كتبت بالقلم، ونجرت بالقدّوم، انتهى (9).
[يعني: أن معنى الدلالة باللفظ هو: أن يدلك المخاطب باللفظ الذي تكلم به على أنه استعمله في حقيقته أو مجازه، ولما لم يكن له طريق إلى تعريفك مراده إلا بواسطة اللفظ، كانت الباء في قوله باللفظ للاستعانة] (10).
__________
(1) انظر هذا الجواب في: نفائس الأصول تحقيق عادل عبد الموجود 2/ 553.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ز: "هو".
(4) "إما" ساقطة من ز.
(5) في ط: "موضعه".
(6) في أ: "وهي".
(7) "العلاقة بينهما" ساقطة من أوش.
(8) في ز: "الثلاث".
(9) شرح التنقيح للقرافي ص 26.
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(1/223)

تقدير كلامه: وحقيقة الدلالة باللفظ هي (1): استعمال اللفظ إما في موضوعه، أي: في مسماه الذي وضع له في اللغة، وهو: الحقيقة، أي (2): وهو الاستعمال الحقيقي.
وأما استعماله في غير مسماه الذي وضع له في اللغة وهو المجاز، بشرط ثبوت العلاقة بين الموضوع الأول وغيره، وهو الاستعمال المجازي.
قال المؤلف في الشرح: قولي: أو في غير موضوعه وهو المجاز، يتعين أن يزاد فيه: لعلاقة بينهما، فإن بدونها لا (3) مجاز يعني: إن (4) لم تكن علاقة فهو نقل لا مجاز. انتهى (5).
[قوله: (لعلاقة بينهما)، أي لمشابهة بين المعنيين، وفي كلامه حذف صفة تقديره: لعلاقة معتبرة؛ إذ ليس كل علاقة معتبرة، كما سيأتي بيانه في الفصل السابع في الفرق بين الحقيقة والمجاز (6).
قوله] (7): [(استعمال اللفظ ...) إلى آخره.
مثال ذلك: لفظ الأسد فإن أريد به الحيوان المفترس فذلك: حقيقة وضعه، وإن أريد به الرجل الشجاع فذلك: مجاز، والعلاقة بينهما ظاهرة
__________
(1) في ز: "هو".
(2) "أي" ساقطة من ط.
(3) "لا" ساقطة من ط.
(4) في ز وط: "أنه إن لم".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 26.
(6) انظر: (1/ 401) من هذا الكتاب.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(1/224)

وهي: الشجاعة] (1).
قوله: (والدلالة باللفظ هي: استعمال اللفظ إِما في موضوعه، وهو: الحقيقة، أو في غير موضوعه لعلاقة بينهما وهو: المجاز).
هذا التعريف الذي عرف به الدلالة باللفظ: [هو بعينه التعريف الذي عرف به الاستعمال في الفصل الثالث؛ لأنه قال فيه: والاستعمال: إطلاق اللفظ وإرادة عين مسماه بالحكم، وهو: الحقيقة، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو: المجاز (2) فاقتضى ذلك أن الدلالة باللفظ] (3) والاستعمال: حقيقة واحدة.
قوله: (والفرق بينهما: أن هذه صفة (4) للمتكلم (5)، وألفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، وتلك صفة للسامع (6)، وعلم أو ظن قائم بالقلب (7)، ولهذه نوعان وهما: الحقيقة، والمجاز (8)، لا يعرضان لتلك، وأنواع تلك الدلالة (9) ثلاثة لا تعرض لهذه).
ش: هذا هو المطلب الثالث وهو بيان الفرق بين دلالة اللفظ والدلالة
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) انظر: (1/ 193) من هذا الكتاب.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في أ: "الصفة".
(5) في ز: "المتكلم".
(6) في خ: "السامع".
(7) في ط: "بالقلم" وهو تصحيف.
(8) في ز وط: "وهما المجاز والحقيقة".
(9) "الدلالة" ساقطة من أوخ وش وز.
(1/225)

باللفظ.
فذكر المؤلف في الفرق بينهما (1) ثلاثة فروق:
أحدها: أن هذه - يعني الدلالة باللفظ -: صفة للمتكلم؛ لأنها استعمال المتكلم اللفظ (2)، وأما دلالة اللفظ فهو (3): صفة للسامع؛ لأنها فهم السامع من كلام المتكلم.
وإلى هذا الفرق أشار المؤلف بقوله: إن هذه صفة للمتكلم وتلك صفة للسامع.
الفرق (4) الثاني: أن الدلالة باللفظ هي: ألفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، أي: عروق الرئة؛ لأنها استعمال اللسان.
وأما دلالة اللفظ فهي (5): علم أو ظن قائم بالقلب، فالدلالة باللفظ لفظية، ودلالة اللفظ اعتقادية.
وإلى هذا الفرق (6) أشار المؤلف بقوله: وألفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، وعلم أو ظن قائم بالقلب.
__________
(1) "بينهما" ساقطة من ط.
(2) في ز وط: "للفظ".
(3) في ز: "فهي".
(4) في ط: "والفرق".
(5) في ز: "فإنها".
(6) "الفرق" ساقطة من ز.
(1/226)

وقوله: (وعلم أو ظن) (1) أي: وشك (2)، وإنما قال: وعلم (3) أو ظن؛ لأن الإنسان إذا سمع شيئًا فقد يقطع به وقد يظنه.
و (4) قوله: (وألفاظ قائمة باللسان، وقصبة الرئة) هذا إشارة إلى أن النطق أصله الرئة مع اللسان؛ لأن الصوت يحدث من الرئة ثم يقطعه اللسان في المخارج فتحدث (5) الحروف (6).
قال بعض العلماء: كل حيوان له رئة يصوت برئته، وكل حيوان له جناح يصوت بجناحه بتحريك الهواء بسرعة وخفة، كالنحل والجراد والزنبور، وكل حيوان لا رئة له ولا جناح فهو: أخرس كالسمك ونحوه.
قال علي بن أبي طالب (7) رضي الله عنه: الدماغ محل العقل، والكبد محل الضحك، والطحال محل الرحمة، والرئة محل الصوت (8).
[وقد روي عن المؤلف رضي الله عنه أنه أخبره من يوثق به أنه سمع هنا
__________
(1) في ز: "وعلم أو ظن قائم بالقلب".
(2) في ز: "أوشك".
(3) "وعلم" ساقطة من ز.
(4) "الواو" ساقطة من ط
(5) في ز: "فيحدث".
(6) انظر: مفتاح دار السعادة لابن قيم الجوزية ص 289.
(7) "ابن أبي طالب" لم ترد في ط.
(8) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (2/ 3) عن عياض بن خليفة عن علي رضي الله عنه أنه سمعه بصفين يقول: إن العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة. الأدب المفرد المطبوع مع فضل الله الصمد، باب: العقل في القلب.
وذكره السيوطي بهذا اللفظ في اللآلئ المصنوعة في كتاب المبتدأ 1/ 97.
(1/227)

من رخام أحمر يتكلم ويقول في كلامه:
هاتان مدينتان (1) لشداد بن عاد، وقد صار إلى التراب، من ذا (2) يبقي على الحدثان، وذلك أن ذلك الصنم مغطى كله في الرمال (3) إلى (4) رأسه، وفي رأسه (5) ووسطه ثقب (6)، فيخرج منها الريح خروجًا شديدًا، فإذا سدت تلك الثقبة بالإصبع انحصر فيها (7) الريح حتى يمتلئ جوفه بالريح، فإذا رفع الإصبع عن (8) الثقبة فجعل الريح يخرج وجعل الصنم يقول: هاتان مدينتان ... إلخ فطول في الحدثان (9) حتى أفرغ (10) الريح من جوف الصنم فسكت] (11).
الفرق الثالث: أن أنواع كل واحدة من الدلالتين تختص بها ولا توجد في الدلالة الأخرى، وذلك أن أنواع الدلالة باللفظ وهي الحقيقة والمجاز لا توجد في دلالة اللفظ؛ إذ لا توصف دلالة اللفظ بالحقيقة ولا بالمجاز؛ لأن
__________
(1) في ط: "مدينتان كانتا".
(2) في ط: "من ذا الذي".
(3) "في الرمال" ساقطة من ط.
(4) في ط: "إلا".
(5) "رأسه" ساقطة من ط.
(6) في ط: "ثقبة".
(7) في ط: "فيه".
(8) في ط: "من".
(9) في ط: "في الحدثان رأسه تطويل".
(10) في ط: "فرغ".
(11) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(1/228)

معناها عبارة عن كون اللفظ إذا سمع فهم معناه؛ إذ من شرط الحقيقة والمجاز إرادة الاستعمال في موضوعه، أو في غير موضوعه لعلاقة بينهما وذلك منتف في دلالة اللفظ، فلا توصف بالحقيقة ولا بالمجاز، وأنواع دلالة اللفظ التي هي المطابقة والتضمن والالتزام لا توجد أيضًا في الدلالة باللفظ.
وإلى هذا الفرق الثالث أشار (1) المؤلف بقوله: ولهذه (2) نوعان: وهما الحقيقة والمجاز ... إلى آخره.
و (3) قوله: (لا يعرضان)، بكسر (4) الراء في المستقبل وفتحها في الماضي، نحو ضرب يضرب.
قال الهروي: يقال: عرض لي الشيء (5) وأعرض وتعرض واعترض بمعنى واحد (6).
قال المؤلف في الشرح: و (7) الفرق بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ من مهمات مباحث الألفاظ، وقد بينت ها هنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه،
__________
(1) في ط: "إشارة".
(2) في ط: "ولهذا".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في ز: "هو بكسر الراء".
(5) في ط: "عرض لشيء".
(6) انظر: نسبة هذا القول للهروي.
في كتاب: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 3/ 215 تحقيق طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي.
(7) "الواو" ساقطة من ز.
(1/229)

وذكرت في شرح المحصول خمسة عشر وجهًا (1)، وهذه الثلاثة تكفي في هذا المختصر. انتهى (2).
قال (3) بعضهم: بل ذكر المؤلف ها هنا أربعة فروق وهي: هذه الفروق الثلاثة المذكورة ها هنا، والفرق الرابع هو: الفرق بينهما بالحقيقة؛ لأن حقيقة كل واحدة من الدلالتين مخالفة لحقيقة الأخرى؛ لأن المؤلف بين حقيقة كل (4) واحدة منهما (5).
قوله: (والفرق بينهما: أن هذه صفة للمتكلم وألفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، وتلك: صفة للسامع وعلم أو ظن قائم بالقلب).
ش: استعمل المؤلف رحمه الله في هذه الجملة المقابلة، وهي من أنواع (6) البديع، وهي من الفصاحة اللفظية.
قال صاحب المصباح (7): ومعنى المقابلة: أن تأتي في الكلام
__________
(1) انظر هذه الأوجه في: نفائس الأصول تحقيق عادل عبد الموجود 2/ 566 - 568.
(2) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح ص 26.
(3) في ز: "وقال".
(4) "كل" ساقطة من ط.
(5) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للمسطاسي، الفصل الرابع من الباب الأول ص 96.
(6) في ز: "نوع".
(7) صاحب المصباح هو: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، وهو ابن الناظم، ولد بدمشق، ونشأ فيه، أخذ عن والده، وهو إمام في النحو والمعاني والبيان والبديع والعروض، توفي سنة (686 ه)، من مصنفاته:
"المصباح في اختصار المفتاح" في المعاني والبيان، و"شرح ألفية والده"، و"شرح =
(1/230)

بجزئين (1) فصاعدًا، ثم تعطف على ذلك أضدادها أو شبه (2) أضدادها على الترتيب، وأقل المقابلة: مقابلة اثنين باثنين، وأكثرها: مقابلة خمسة بخمسة.
مثال (3) مقابلة اثنين باثنين: قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} (4).
ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة قول الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل (5)
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)
__________
= لامية الأفعال"، و"مقدمة في العروض".
انظر ترجمته في: بغية الوعاة 1/ 225، مرآة الجنان 4/ 203, شذرات الذهب 5/ 398.
(1) في ط: "بجزء".
(2) في ط: "أو تثبته".
(3) في ط: "ومثال".
(4) سورة التوبة آية رقم 82.
(5) ذكر هذا البيت عبد الرحيم العباسي في معاهد التنصيص شاهدًا للمقابلة وقال: إنه يعزى لأبي دلامة، ويحكى أن أبا جعفر المنصور سأل أبا دلامة عن أشعر بيت قالته العرب في المقابلة، فقال: بيت يلعب به الصبيان، قال: وما هو على ذلك؟ قال: قول الشاعر، وأنشده البيت.
وذكره ابن رشيق في العمدة في باب المقابلة، ولم ينسبه لقائله، غير أنه ذكر قصة أبي دلامة مع أبي جعفر المنصور.
انظر: معاهد التنصيص للعباسي 2/ 207، والعمدة 1/ 7.
(1/231)

وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (1)
قوله: استغنى (2)، أي: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة فلم يتق.
ومثال مقابلة خمسة بخمسة قول المتنبي (3):
أزورها وسواد الليل يشهد (4) لي ... وأنْثَنِي وبياض الصبح يغري بي (5)
__________
(1) سورة الليل، من الآية رقم (5) إلى الآية رقم (10).
(2) في ط: "واستغنى".
(3) هو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي، الكوفي المعروف بالمتنبي، الشاعر المشهور، ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة (303 ه).
قدم الشام في صباه وأكثر مقامه في البادية، وطلب الأدب وعلم العربية، ونظر في أيام الناس، وتعاطى قول الشعر من حداثته حتى علا شأنه، ومدح الأمير سيف الدولة وكافورًا الإخشيدي ثم هجاه، ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي، فأجزل جائزته، ثم رجع إلى بغداد ومنها توجه إلى الكوفة ومعه جماعة من أصحابه فعرض له فاتك ابن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه، فقاتلوهم فقتل المتنبي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة (354 ه)، وقيل: إن سبب قتله هذا البيت:
فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
انظر: وفيات الأعيان 1/ 120، تاريخ بغداد 4/ 102 - 105، شذرات الذهب 3/ 13 - 15، يتيمة الدهر للثعالبي 1/ 126، مرآة الجنان 2/ 351 - 357.
(4) في ز: "يشفع".
(5) هذا البيت للمتنبي من قصيدته التي مدح بها كافورًا سنة ست وأربعين وثلاثمائة (346 ه) ومطلعها:
من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلي والمطايا والجلابيب
إلى أن قال:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي =
(1/232)

قالوا: هذا (1) البيت أفضل بيت في المقابلة؛ لأنه لا حشو فيه (2).
بخلاف كلام المؤلف فيه حشو للضرورة؛ لأجل البيان، وبيان المقابلة في كلام المؤلف: أنه قابل أربعة ألفاظ بأربعة ألفاظ؛ لأنه قابل هذه بتلك، وقابل صفة المتكلم بصفة السامع، وقابل الألفاظ بالعلم والظن (3)، وقابل اللسان بالقلب.
هذه (4) أربعة ألفاظ متقابلة، فالأول والثاني من الأضداد، والثالث والرابع من شبه الأضداد، والله أعلم.
وقال بعضهم: هذا الذي استعمله المؤلف ها هنا هو التلفيف وهي (5): من الفصاحة المعنوية.
__________
= قال صاحب اليتيمة: وهذا البيت أمير شعره وفيه تطبيق بديع ولفظ حسن ومعنى بديع جيد.
وهذا البيت قد جمع بين الزيارة والانثناء والانصراف، وبين السواد والبياض، والليل والصبح، والشفاعة والإغراء، وبين لي وبي، ومعنى المطابقة أن تجمع بين متضادين كهذا.
وقد أجمع الحذاق بمعرفة الشعر والنقاد أن لأبي الطيب نوادر لم تأت في شعر غيره.
انظر: ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي البقاء العكبري 1/ 159، 161.
(1) في ز: "وهذا".
(2) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: المصباح لابن الناظم ورقة (23) مخطوط مصور فلميًا بمكتبة جامعة الإمام برقم 4555 ف.
(3) في ز وط: "أو الظن".
(4) في ز: "فهذه".
(5) في ز وط: "وهو".
(1/233)

ومعنى التلفيف: أن تلف (1) شيئين في الذكر ثم تومئ بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع (2) يرد كل (3) تفسير إلى اللائق به.
مثاله: قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (4) الأول للأول، الثاني للثاني (5)
ومنه قول امرئ القيس:
كأنَ قلوبَ الطيرِ رطْبًا ويابسًا ... لدا وَكْرِهَا العنَّاب والحشفُ البالي (6)
__________
(1) في ز: "تولف".
(2) في ز: "السماع".
(3) في ز: "يرد فيه كل".
(4) سورة القصص، آية رقم 73.
(5) قال أبو الفتح عثمان بن جني في المنصف (2/ 117) بعد إيراده لهذه الآية: وإنما تقديره - والله أعلم -: ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبتغوا من فضله، فترك التفصيل لعلم المخاطبين بوقت الابتغاء من وقت السكون.
(6) قائل هذا البيت هو امرؤ القيس في قصيدة له مطلعها:
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟
تقديره: كأن قلوب الطير، رطبًا: العناب، ويابسًا: الحشف، إلا إنه جمع بينهما؛ لأن المعنى مفهوم.
يقول: كأن الرطب من قلوب الطير وما جاءت به العقاب حديثًا العناب، وكأن ما يبس منها وقدم الحشف وهو: البالي من التمر ورديئه، وذلك بسبب كثرة ما تأتي به من القلوب حتى تفضل عن الفراخ.
انظر: ديوان امرئ القيس تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ص 38، المنصف لابن جني 2/ 117، المصون في الأدب تأليف أحمد العسكري تحقيق عبد السلام هارون ص 65, أسرار البلاغة للجرجاني ص 168.
(1/234)

وقال (1) آخر:
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه (2)
[وقال آخر:
ليل وبدر وغصن ... شعر (3) ووجه وقد
خمر و (4) در وورد ... ريق وثغر، وخد (5)] (6)
وبالله التوفيق (7).
...
__________
(1) في ز: "وقول".
(2) قائل هذا البيت هو أبو الفتيان محمد بن سلطان المشهور بابن حيوس الغنوي، الدمشقي.
وهذا البيت ورد في قصيدة له يمدح بها نصر بن محمود بن صالح ومطلعها:
أرقدت عن قلق الفؤاد مشوقه ... فأمرت بالسلوان غير مطيقه
انظر: ديوان ابن حيوس 2/ 409، عني بنشره خليل مردام بك، معاهد التنصيص للعباسي 2/ 275، زهر الربيع في المعاني والبديع للحملاوي ص 172.
(3) في ز: "وشهر".
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) قائل هذا البيت هو ابن المعتز كما نسبه له ابن رشيق في العمدة مستشهدًا به على تشبيه ثلاثة بثلاثة في بيت واحد من غير كاف، والبيت كما ورد في العمدة:
بدر وليل وغصن ... وجه وشعر وقد
خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد
انظر: العمدة ج 2/ 292.
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(7) في ز: "وبالله حسن التوفيق"، ولم ترد في الأصل.
(1/235)

الفصل الخامس في الفرق بين الكلي والجزئي (1)
شرع المؤلف رحمه الله في هذا الفصل في بيان الكلي والجزئي.
[اعلم أن الكلي والجزئي من عوارض المعاني لا من عوارض الألفاظ، فقوله في الفرق بين الكلي والجزئي] (2)، تقديره: في الفرق بين اللفظ الذي معناه كلي، ويبن اللفظ الذي معناه جزئي، فهذا من باب تقسيم المفرد (3) باعتبار معناه.
وفي هذا الفصل ثلاثة مطالب:
أحدها: في (4) حقيقة الكلي.
الثاني: في أقسامه.
الثالث: في حقيقة الجزئي.
قوله: (فالكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع (5) الشركة فيه).
__________
(1) انظر: الفرق بين الكلي والجزئي في: الإبهاج في شرح المنهاج (1/ 208)، نهاية السول في شرح منهاج الأصول (2/ 44)، شرح التنقيح للقرافي ص 27، شرح التنقيح للمسطاسي ص 98، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 23، 24.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ز وط: "اللفظ المفرد".
(4) "في" ساقطة من ط.
(5) "وقوع" ساقطة من أ.
(1/237)

ش: [هذا هو المطلب الأول وهو حقيقة الكلي] (1) يعني: أن (2) معنى الكلي عندهم هو: اللفظ (3) الذي لا يمنع تصور معناه من وجود الشركة فيه، يعني أن كل ما يمكن (4) للعقل أن يتصور منه أفرادًا كثيرة فهو المعبر عنه بالكلي.
مثاله: الحيوان فإن العقل يتصور منه أفرادًا كثيرة؛ لأنه يصدق على الماشي، والسابح، والطائر.
وكذلك الإنسان فإن العقل يتصور (5) منه أفرادًا كثيرة كزيد، وعمرو، وبكر، ونصر (6) وغيرهم كهند، ودعد، وفاطمة، وعائشة (7) وغيرهن.
وكذلك الرجل فإنه كلي؛ لأنه يصدق على جميع أشخاص الرجال.
وكذلك المرأة فإنه كلي؛ لأنه يصدق على جميع أشخاص النساء.
وكذلك العبد فإنه كلي؛ لأنه يصدق (8) على جميع أشخاص العبيد [من ميمون، ومسعود، ومرزوق، ومبارك، ورابح، وناجح، ونافع، وغيرهم
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) "أن" ساقطة من ط.
(3) "اللفظ" ساقطة من ط.
(4) في ز: "لا يمتنع".
(5) في ز: "يصور".
(6) في ز: "ونصر، وبكر".
(7) في ز وط: "وهند، ودعد، وأسماء، ولبنى، وغيرهن".
(8) في ز: "لصدقه".
(1/238)

من أشخاص العبيد] (1).
فكل ما يمكن للعقل أن يتصور (2) منه أفرادًا كثيرة فهو المعبر عنه بالكلي.
قوله (3): (و (4) سواء امتنع وجوده كالمستحيل، أو أمكن ولم يوجد كبحر من زئبق، أو وجد ولم يتعدد كالشمس، أو تعدد كالإِنسان، وقد تركت قسمين: أحدهما: محال، والثاني: أدب).
ش: هذا هو المطلب الثاني، وهو أقسام الكلي، وأقسام الكلي (5) عند المؤلف ستة أقسام.
وبيانها أن تقول: الكلي: إما معدوم، وإما موجود (6)، والمعدوم: إما مستحيل الوجود، وإما ممكن الوجود، والموجود: إما متحد، وإما متعدد، والمتحد: إما واجب الاتحاد، وإما ممكن الاتحاد، والمتعدد: إما متناه وإما غير متناه.
فمثال مستحيل الوجود: كالجمع بين الضدين؛ كالجمع بين الحركة والسكون، والجمع بين القيام والقعود، والجمع بين البياض والسواد (7) وغير ذلك، فإن منع (8) الجمع بين الضدين يصدق على مجموع كثيرة [بين أضداد
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) في ز: "يصور".
(3) في ط: "وقوله".
(4) "الواو" ساقطة من أوخ وش.
(5) في ز: "فأقسام".
(6) في ز: "أو موجود".
(7) في ز وط: "السواد والبياض".
(8) "منع" ساقطة من ز وط.
(1/239)

الأصل] كثيرة] (1).
ولكن أفراد هذا الكلي مستحيلة في الوجود الخارجي.
وإلى هذا القسم (2) أشار المؤلف بقوله (3): وسواء امتنع وجوده كالمستحيل.
و (4) قوله: (امتنع وجوده) يعني في الخارج.
و (5) مثال ممكن الوجود: كبحر من زئبق، وجبل من ياقوت، فإن العقل (6) يتصور (7) بحورًا كثيرة من زئبق، وكذلك يتصور (8) جبالاً كثيرة من الياقوت في الذهن، ولم يوجد شيء من أفراد ذلك في الخارج.
وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: أو أمكن ولم يوجد كبحر من زئبق.
قوله: (زئبق) هو بكسر الزاي وهمز الياء بالهمزة الساكنة ويجوز إبدالها بالياء الساكنة، وبكسر الباء.
قال في مختصر العين: الزئبق هو الزواق، والزنبق هو: دهن
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "القسم" ساقطة من ز.
(3) المثبت من ز، ولم يرد في الأصل.
(4) "الواو" ساقطة من ط.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) "فإن العقل" ساقطة من ط.
(7) في ز: "يصور".
(8) في ز: "يصور".
(1/240)

الياسمين (1).
ومثال واجب الاتحاد: لفظ الإله بالنسبة إلى الله جل جلاله، فإن العقل يمكن أن (2) يتصور آلهة كثيرة، ولكن قامت الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة: أن للعالم إلهًا واحدًا جل وعلا.
وذلك أن أرباب علم المنطق يقولون: من أقسام الكلي واجب الوجود سبحانه، فإن مجرد تصوره لا يمنع من الشركة في الذهن بما هو تصور، وهو مع ذلك يستحيل عليه (3) الشركة في نفس الأمر.
قال المؤلف في الشرح: إطلاق لفظ الكلي على واجب الوجود سبحانه وتعالى، فيه إيهام تمنع من إطلاقه الشريعة، فلذلك قلت: تركته أدبًا انتهى (4).
وهذا القسم هو أحد القسمين اللذين تركهما المؤلف كما أشار إليه بقوله: وقد تركت قسمين:
أحدهما: محال.
والثاني: أدب.
وهذا الذي ذكرناه هنا (5) هو الذي تركه المؤلف تأدبًا مع الله تبارك (6)
__________
(1) انظر: العين للخليل بن أحمد 5/ 256.
(2) في ز: "يمكن له".
(3) في ز: "فيه".
(4) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 28.
(5) في ز: "ههنا".
(6) "تبارك" لم ترد في ز.
(1/241)

وتعالى؛ لأن إطلاق (1) الكلي على واجب الوجود جل وعلا فيه (2) من إيهام الجسمية (3) فالأدب مع الله واجب.
ومثال الكلي الذي هو ممكن الاتحاد: كالشمس والقمر، فإن العقل يمكن (4) أن يتصور شموسًا كثيرة، وكذلك يمكن (5) أيضًا أن يتصور أقمارًا كثيرة، ولكن لم (6) يوجد في الخارج عن الأفهام غير شمس واحدة (7) وقمر واحد.
وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: (أو وجد (8) ولم يتعدد كالشمس).
ومثال المتعدد المتناهي: كالأفلاك والكواكب (9) فإنها محصورة متناهية [وكذلك الإنسان: هو أيضًا كلي متعدد متناه.
وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: أو تعدد كالإنسان؛ لأن أفراد الإنسان محصورة متناهية] (10)؛ إذ لا بد من الموت لجميع أفراد الإنسان (11)، فالموت نهاية أفراد ذرية آدم وحواء.
__________
(1) في ز وط: "والأدب المشار إليه هو أن الشرع منع من إطلاق ... إلخ".
(2) في ز: "لما فيه".
(3) في ز: "الشركة".
(4) في ز: "يمكن له".
(5) في ز: "يمكن له".
(6) في ز: "لا".
(7) في ز: "واحد".
(8) في ط: "ووجد".
(9) في ز: "كأفلاك الكواكب".
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(11) في ز وط: "إذ لا بد لجميع أفراد الإنسان من الموت".
(1/242)

و (1) قوله: (أو تعدد) (2) يعني: وتناهى.
ومثال المتعدد غير المتناهي: نعم الله تبارك وتعالى، وأنفاس أهل الجنة؛ إذ لا نهاية لها لبقائها ودوامها.
وقوله: (أحدهما محال) يعني به (3): المتعدد غير المتناهي، ولكن إنما يصح كونه محالاً على تمثيله بالإنسان على مذهب الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فإن أفراد الإنسان عندهم غير متناهية، بل هي عندهم باقية (4) دائمة (5)، وأما على مذهب أهل الحق القائلين: بأن أفراد الإنسان متناهية (6): فلا محال في تمثيله بالإنسان.
و (7) قوله: (أحدهما محال) يعني به (8): المتعدد غير المتناهي إذا مثلناه بالإنسان، وأما إذا مثلناه بنعم الله تعالى (9) وأنفاس أهل الجنة فلا يصح أن يكون محالاً.
قال بعضهم: الفرق بين المستحيل والمحال: أن المستحيل: ما اتفق عليه،
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) المثبت بين القوسين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) "به" ساقطة من ز.
(4) في ز: "دائمة، باقية".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 28، شرح التنقيح للمسطاسي ص 21.
(6) في ز: "عندهم متناهية".
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) "به" ساقطة من ط.
(9) "تعالى" لم ترد في ز.
(1/243)

والمحال: ما اختلف فيه؛ ولأجل (1) ذلك (2) عبر المؤلف بالمستحيل في ممتنع الوجود، كالجمع بين الضدين في قوله: (وسواء امتنع وجوده كالمستحيل)؛ لأنه موضع الاتفاق، وعبر بالمحال في المتعدد الذي لا يتناهى على تمثيله بالإنسان؛ لأنه موضع الخلاف بين أهل الحق وأهل (3) الفلسفة (4).
قوله: (والثاني: أدب) يعني به ما تقدم من إطلاق الكلي على واجب الوجود جل وعلا، ولكن هذا أيضًا (5) على تمثيل الكلي الواجب الاتحاد بالإله على ما تقدم.
قال في رموز الكنوز: مثاله: مسمى العالم فإنه عبارة عن كل موجود سوى الله تبارك وتعالى وصفات ذاته، فإن العالم واحد في الوجود مع امتناع غيره (6).
__________
(1) "ولأجل" ساقطة من ز.
(2) في ز: "ولذلك".
(3) "أهل" ساقطة من ز.
(4) في ز: "الفلاسفة"، وفي ط: "الفلافسة".
(5) "أيضًا" ساقطة من ز.
(6) يقول الطوسي: "القسم الأول وهو أن يكون اللفظ واحدًا ومدلوله واحدًا إن اشترك في مفهومه كثيرون فهو: الكلي سواءً امتنع وجوده في الخارج كشريك الباري، أو أمكن وجوده ولم يوجد كالعنقاء، أو وجد واحد فقط مع امتناع غيره كالباري عز اسمه، أو مع إمكان غيره كالشمس، أو وجد كثيرًا متناهيًا كالكواكب، أو غير متناهي كالنفوس والعقول".
انظر: كاشف الرموز ومظهر الكنوز شرح كتاب ابن الحاجب في الأصول ورقة 40/ ب مخطوط في مكتبة القرويين بالمغرب برقم 622.
(1/244)

وليس في تمثيله بهذا ما يوهم (1) ما يجتنب في الشريعة.
فتحصل مما ذكرنا (2) أن القسمين اللذين تركهما (3) المؤلف إنما يصح له تركهما على تمثيلها عند الفلاسفة (4)، وأما على تمثيل أهل الحق فليس في القسمين ما يوجب تركهما، فأقسام الكلي عند المؤلف ستة أقسام، وهي طريقة المتأخرين.
وأما القدماء من المنطقيين فأقسام الكلي عندهم ثلاثة (5):
معدوم، ومتحد، ومتعدد، فجعل المتأخرون كل واحد من هذه الثلاثة قسمين.
فقالوا: المعدوم: إما ممكن كبحر من زئبق، وإما غير ممكن كالجمع بين الضدين.
والمتحد: إما ممتنع الزيادة عليه وهو الله عز وجل (6)، وهو الذي تركه المؤلف أدبًا مع الله عز وجل، وإما غير ممتنع الزيادة عليه كالشمس.
والمتعدد: إما محصور كالأفلاك السبعة، وإما غير محصور كالإنسان؛ بناء من المتأخرين على قدم العالم، وهو الذي تركه (7) المؤلف محالاً.
__________
(1) "يوهم" ساقطة من ط.
(2) في ز: "ذكرت".
(3) في ط: "ترها".
(4) في ط: "الفلاسفة".
(5) في ط: "ثلاثة أقسام".
(6) في ز: "تبارك وتعالى".
(7) في ط: "تركته"، وهو تصحيف.
(1/245)

قوله (1): (والجزئي هو الذي يمنع تصوره من وقوع (2) الشركة فيه).
ش: هذا هو المطلب الثالث، وهو حقيقة الجزئي عندهم (3)، وهو مقابل الكلي (4).
قوله: (هو (5): الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه)، أي حقيقة الجزئي: هو اللفظ (6) الذي يمنع تصور معناه من وجود الشركة فيه، يعني: أن كل ما لا يمكن للعقل أن يتصور منه أفرادًا كثيرة فهو المعبر عنه بالجزئي عندهم.
مثاله: جميع المتشخصات (7) كزيد، وعمرو، وهند، ودعد؛ فإن زيدًا المتعين (8) لا يمكن للعقل أن يتصور منه أفرادًا كثيرة لتشخصه وتعينه (9)، وهذا الذي ذكر (10) المؤلف هو الجزئي الحقيقي.
واعلم أن الجزئي له ثلاثة أقسام:
جزئي حقيقي كزيد، و (11) هو الذي ذكره المؤلف، وهو ما يمنع (12) تصوره
__________
(1) في ز: "وقوله".
(2) "وقوع" ساقطة من أوخ وش.
(3) "عندهم" ساقطة من ز.
(4) في ز: "الكلي".
(5) في ز وط: "وهو".
(6) "اللفظ" ساقطة من ط.
(7) في ز: "المشخصات".
(8) في ز: "المعين".
(9) في ط: "لتعينه".
(10) في ز: "ذكره".
(11) "الواو" ساقطة من ط.
(12) في ط: "يمتنع".
(1/246)

من وقوع الشركة فيه.
والثاني: جزئي إضافي، كالإنسان، فإنه جزئي بالنسبة إلى الحيوان، وكالحيوان فإنه جزئي بالإضافة إلى الجسم، فالإنسان والحيوان ليس شيء منهما جزئيًا حقيقيًا؛ لأن كل واحد منهما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
القسم الثالث: جزئي حقيقي و (1) إضافي معًا، كزيد بالنسبة إلى الإنسان، فإن زيدًا في نفسه (2) [جزئي حقيقي؛ لأنه (3)] (4) يمنع (5) تصوره من وقوع الشركة فيه، وهو: جزء (6) إضافي بالنسبة إلى الإنسان لاندراجه تحته؛ و (7) لأنه (8) يقال: الجزئي؛ لكل مندرج تحت الكلي، سواء كان في نفسه حقيقيًا أو لا (9)؟
فالجزئي الحقيقي أخص من الجزئي الإضافي، فكل جزئي حقيقي هو جزء (10) إضافي، وليس كل جزئي إضافي جزءًا (11) حقيقيًا، فيلزم من وجود
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ز: "فإن زيدًا بالنسبة إلى نفسه".
(3) "لأنه" ساقطة من ز.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط: "لا يمنع".
(6) في ز: "جزئي".
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) "لأنه" ساقطة من ز.
(9) في ز: "أم لا".
(10) في ز: "جزئيًا".
(11) "جزءًا" ساقطة من ز.
(1/247)

زيد وجود الإنسان ولا يلزم من وجود الإنسان وجود زيد؛ لأن زيدًا أخص من الإنسان، والإنسان أعم، فيلزم من وجود الأخص وجود الأعم ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص.
قال المؤلف في شرح المحصول: مسمى شمس (1) كلي، بخلاف مسمى زيد؛ لأنه لو طلعت شموس كثيرة سمينا كل واحدة منها شمسًا من غير احتياج لوضع جديد بل بالوضع الأول، ولو رأينا أمثالاً لزيد (2) لم نسم واحدًا منهم زيدًا (3) إلا بوضع جديد، وذلك دليل على أن لفظ زيد لم يوضع لكلي (4) (5).
قال المؤلف في الشرح: إذا ظهر الفرق بين الكلي والجزئي، فينبغي أيضًا أن يعلم (6) الفرق بين الكلية والكل، والجزئية (7) والجزء.
فالكلية هي (8): الحكم على فرد (9) فرد بحيث لا يبقى فرد، كقولنا: كل
__________
(1) في ز وط: "الشمس".
(2) في ز: "زيدًا".
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يزيد".
(4) في ز وط: "للكلي".
(5) تمام الكلام: وأن لفظ الشمس وضع لكلي فلذلك أطلق على ما يوجد لوجود المسمى فيه.
انظر: نفائس الأصول تحقيق عادل عبد الموجود 2/ 582.
(6) في ط: "تعلم".
(7) "الجزئية" ساقطة من ط.
(8) في ز: "هو".
(9) في ز وط: "كل فرد".
(1/248)

رجل يشبعه رغيفان غالبًا، فهذا الحكم صادق باعتبار الكلية دون الكل.
والكل هو: الحكم على المجموع من حيث هو مجموع، كقولنا: كل رجل يشيل الصخرة العظيمة، فهذا الحكم صادق باعتبار الكل دون الكلية.
والجزئية هي (1): الحكم على بعض [أفراد الحقيقة من غير تعيين، كقولنا] (2): بعض الحيوان إنسان.
والجزئي هو (3): الشخص من كل حقيقة كلية.
والجزء: ما تركب منه ومن غيره كل (4) كالخمسة مع العشرة.
وجميع هذه الحقائق لها موضوعات في اللغة، فصيغة العموم للكلية، وأسماء العدد للكل، والنكرات للكلي، والأعلام للجزئي
[وقولنا: بعض الحيوان إنسان، وبعض العدد زوج: للجزئية، وقولنا: جزء موضوع للجزء] (5)
وهذه الحقائق يحتاج إليها (6) كثيرًا [في] (7) أصول الفقه فينبغي أن تعلم (8)، انتهى نصه
وقال بعضهم: الفرق بين الجزئية والجزء والجزئي مع [اشتراكها] (9) في
__________
(1) في ز: "هو".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط: "هي".
(4) في ز: "الكل"
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) "إليها" ساقطة من ط
(7) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "من".
(8) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 28.
(9) المثبت من ز وط وفي الأصل: "اشتراكهما"
(1/249)

البعضية (1):
أن الجزئية هي: بعض الشيء الموضوع للمعلوم (2)، كقولنا: بعض الحيوان إنسان.
والجزء هو (3): بعض الشيء الموضوع للمجموع، كقولنا: بعض العشرة خمسة (4).
والجزئي هو: بعض متعين (5) من الشيء الموضوع [للشيوع] (6) كقولنا: بعض الإنسان زيد (7).
وقال بعضهم: الفرق بين الكلي والكل من سبعة أوجه:
أحدها: أن الكلي له أبعاض يتحقق وجوده بوجود بعضها، والكل له أبعاض لا يتحقق وجوده إلا بوجود جميعها.
الثاني: أن (8) الكلي وجوده في الأذهان، والكل وجوده في (9) الأعيان (10)؛ لأن الكلي لا وجود له في الأعيان، وإنما وجوده في الأذهان،
__________
(1) في ز وط: "الصيغة".
(2) في ز وط: "للعموم".
(3) "هو" ساقطة من ط.
(4) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للمسطاسي ص 3.
(5) في ز: "معين".
(6) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "للشياع".
(7) في ز وط: "زيد وبالله التوفيق بمنه".
(8) "أن" ساقطة من ط.
(9) "في" ساقطة من ط.
(10) في ط: "عيان".
(1/250)

فإذا حصل الجزئي حصل الكلي.
الثالث: أن الكلي غير مركب من الجزئيات، والكل مركب من الأجزاء.
الرابع: أن الكلي يحمل على جزئياته، والكل لا يحمل على أجزائه.
الخامس (1): أن الكلي لا يسلب عن جزئياته، والكل يسلب.
السادس (2): أن جزئيات الكلي غير متناهية، وأجزاء الكل متناهية.
السابع (3): أن جزئيات الكلي تشترك في طبيعة واحدة، [وأجزاء الكل لا تشترك في طبيعة واحدة (4)] (5).
[وأخصر وأوجز من هذا أن تقول: الكلي وجوده في الأذهان، ويوجد بعض جزئياته، ولا يتركب من الجزئيات، ويحمل على جزئياته، ولا يسلب عن جزئياته، ولا تتناهى جزئياته وتشترك جزئياته في طبيعة واحدة بخلاف الكل في جميع ذلك] (6).
...
__________
(1) في ط: "والخامس".
(2) في ط: "والسادس".
(3) في ط: "والسابع".
(4) في ز: "في طبيعة، أي حقيقة واحدة".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(1/251)

الفصل السادس في أسماء الألفاظ
ذكر المؤلف (1) في الفصل الذي فرغ منه [قسمة اللفظ] (2) باعتبار معناه، وهو (3) قسمته (4) إلى: الكلي والجزئي؛ لأنه تقدم لنا أن الكلي والجزئي من عوارض المعاني.
وشرع (5) في هذا الفصل في قسمة المعنى باعتبار لفظه، وذكر في هذا الفصل تسعة عشر لفظًا بحقائقها، منها عشرة ألفاظ ليس لها أبواب تحصرها، ومنها تسعة ألفاظ لها أبواب تحصرها.
فالعشرة التي لا تحصرها الأبواب هي (6): المشترك، والمتواطئ، والمشكك، والمترادفة، والمتباينة، والمرتجل، والعلم، والمضمر، والنص، والاستفهام.
والتسعة التي تحصرها أبوابها هي (7): الظاهر، والمجمل، والمبين،
__________
(1) في ط: "ذكر المؤلف رحمه الله".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "خمسة ألفاظ".
(3) في ز: "وهي".
(4) في ط: "قسمة".
(5) في ز وط: "وشرع المؤلف".
(6) "هي" ساقطة من ز وط.
(7) "هي" ساقطة من ز وط.
(1/253)

والعام، والمطلق، والمقيد، والأمر، والنهي، والخبر.
و (1) قوله: (في أسماء الألفاظ) اعترض هذا الكلام مضافًا ومضافًا إليه.
أما بيان الاعتراض [على] (2) المضاف: فلأن المؤلف إنما تعرض لبيان مسمى الألفاظ، لا لبيان أسماء الألفاظ؛ لأن المشترك مثلاً اسم بين المؤلف مسماه: بأنه الموضوع لكل واحد لمعنيين (3) فأكثر، وكذلك سائر الألفاظ المذكورة في هذا الفصل، فإن المؤلف إنما تعرض لبيان المسميات لا لبيان الأسماء.
أجيب (4) عن هذا بأن قيل: أطلق المؤلف الأسماء على المسميات، تقديره: في مسميات [الألفاظ.
وأما بيان الاعتراض على المضاف إليه: فإن الألف واللام في الألفاظ لا يصح أن تكون للعهد؛ إذ لا معهود ها هنا، ولا يصح أن تكون للعموم؛ لأن المؤلف لم يتعرض لجميع الألفاظ.
أجيب عن هذا: بأن قيل: حذفت ها هنا الصفة تقديره] (5): الألفاظ (6) التي يأتي ذكرها.
فقوله (7): في أسماء الألفاظ، تقديره: في مسميات الألفاظ التي يأتي ذكرها.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "عن".
(3) في ط: "من معنيين".
(4) في ز: "وأجيب".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "في الألفاظ".
(7) في ز وط: "قوله".
(1/254)

قوله: (المشترك هو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر، كالعين، وقولنا: لكل (1) واحد: احترازًا من أسماء (2) العدد (3)، فإِنها لمجموع المعاني لا لكل واحد، ولا حاجة لقولنا: مختلفين، فإِن الوضع يستحيل (4) أن يكون (5) لمثلين (6) فإِن التعيين إِن اعتبر في التسمية كانا مختلفين، وإِن لم يعتبر كانا واحدًا، والواحد ليس بمثلين).
ش: و (7) في هذا الفصل تسعة عشر مطلبًا (8) على عدد الألفاظ المذكورة فيه:
المطلب الأول: في حقيقة اللفظ المشترك (9).
__________
(1) في أوط: "كل".
(2) "أسماء" ساقطة من ط.
(3) في خ: "الأعداد".
(4) في خ: "مستحيل".
(5) "أن يكون" ساقطة من أوخ وش.
(6) في أوخ: وش وز وط: "للمثلين".
(7) "الواو" ساقطة من ز.
(8) في ط: "مطالب".
(9) انظر بحث المشترك في: المعتمد لأبي الحسين البصري (1/ 300 - 307)، المستصفى (1/ 32)، مختصر المنتهى لابن الحاجب (1/ 126 - 134)، المحصول ج 1 ق 1 (ص 359 - 394)، نهاية السول في شرح منهاج الأصول للأسنوي (2/ 59)، الإبهاج في شرح المنهاج (1/ 248 - 270)، شرح المحلي على متن جمع الجوامع (1/ 292 - 30)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 19 - 22)، شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص 29)، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو (ص 25).
(1/255)

قوله: (المشترك) (1)، سمي اللفظ المشترك بالمشترك (2): مأخوذ من الشركة لاشتراك المعاني فيه، كما سميت (3) الدار المشتركة بين الشركاء [مشتركة (4)؛ لاشتراك] (5) الشركاء فيها.
وقوله: (الموضوع) جنس يحتوي (6) على الموضوع لمعنى واحد، والموضوع لمعان متعددة، والموضوع لمجموع (7) المعاني.
وقوله: (لكل واحد من معنيين) أخرج به (8) الموضوع لمعنى واحد، وأخرج به أيضًا (9) الموضوع لمجموع المعاني وهو: أسماء الأعداد؛ لأن اسم العدد موضوع [لمجموع المعاني، وليس موضوعًا لكل واحد من المعدود، كمثل لفظ (10) العشرة مثلاً فإنه (11) موضوع (12) لمجموع] (13) عشر (14) وحدات،
__________
(1) "المشترك" ساقطة من ط.
(2) في ط: "مشتركًا والمشترك".
(3) في ط: "كاسميه".
(4) في ز: "بالمشتركة".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ز: "يشمل".
(7) في ط: "المجموع".
(8) "به" ساقطة من ط.
(9) "أيضًا" ساقطة من ز، وفي ط: "به أيضًا".
(10) في ز: "لفظه".
(11) في ز: "فإنها".
(12) في ز: "موضوعة".
(13) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(14) في ط: "عشرة".
(1/256)

لا أنه (1) موضوع (2) لكل وحدة (3) من تلك (4) الوحدات، فلفظ العشرة موضوع لمجموع المعدودات، وليس موضوعًا [لأشخاص] (5) المعدودات.
مثال ما وضع لمعنيين: لفظ القرء؛ لأنه موضوع للحيض والطهر (6)، وكذلك لفظ (7) الجون (8)، للأسود والأبيض (9)، وكذلك الناهل للعطشان
__________
(1) في ط: "لأنه".
(2) في ز: "لا أنها موضوعة".
(3) في ط: "واحدة".
(4) "تلك" ساقطة من ط.
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "للأشخاص".
(6) قال الأصمعي: القرء عند أهل الحجاز: الطهر، وعند أهل العراق: الحيض، وقال أبو عمرو بن العلاء: يقال: قد دفع فلان إلى فلانه جاريته تقرئها مهموزة مشددة يعني تحيض عندها وتطهر، إذا أراد أن يستبرئها. وقال: إنما القرء الوقت، فقد يجوز أن يكون وقتًا للطهر ووقتًا للحيض، واقرأت الرياح هبت لوقتها، والقارئ: الوقت، وقال مالك بن الحارث الهذلي:
كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقارئها الرياح
أي: هبت الرياح لوقتها في الشتاء.
انظر: الأضداد للأصمعي ص 5.
(7) "لفظ" ساقطة من ز.
(8) في ز: "الجون موضوع للأسود".
(9) قال الأصمعي وأبو عبيدة: الجون: الأسود، والجون: الأبيض، وأنشد أبو عبيدة هذا الرجز:
غَيَّر يا بنتَ الحليس لوني ... مرُّ الليالي واختلاف الجونِ
وسفر كان قليل الأون
عنى بالجون ها هنا: النهار، والأون: الرفق والدعة.
الأضداد للأصمعي ص 36.
وقالت خنساء السلمية:
(1/257)

والريان (1)، وكذلك المختار للفاعل والمفعول (2)، وكذلك المشتري، للعاقد والكوكب (3)، وغير ذلك.
ومثال ما وضع لأكثر من معنيين: لفظ العين للباصرة، والفوارة، وعين
__________
= ولن أصالح قومًا كنت حربهم ... حتى تعود بياضًا جونة القار.
ويروى: حلكة القار، أي: سواده.
وتسمى الشمس الجونة لبياضها، قال الراجز وهو الخطيم الضبابي:
يبادر الآثار أن تؤبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
يعني: الشمس.
انظر: الأضداد لأبي حاتم السجستاني ص 91، 92.
(1) الناهل: العطشان، والناهي: الريان.
قال الأصمعي: الناهي: الشارب، يقال: أنهلته: سقيته الشربة الأولى، وعللته: سقيته مرتين أو أكثر، فإنما قيل للعطشان: ناهل من باب التفاؤل، كما يقال: المفازة: للمهلكة على التفاؤل، ويقال للعطشان: يا ريان، وللملدوغ: سليم، أي: سيسلم وسيروى، ونحو ذلك؛ لأن معنى فاز: نجا، فالمفازة: المنجاة.
وقال المثقب العبدي:
هل عند هند لفؤاد صدى ... من نهلة في اليوم أو غد
أي: من شربة.
وقال الأخطل:
وأخوهما السفاح ظمأ خيله ... حتى وردن جبا الكلاب نهالاً
أي: عطاشًا.
الأضداد لأبي حاتم السجستاني ص 99، 100.
(2) قال أبو حاتم: ما كان من المعتل من بنات الياء والواو التي في موضع العين، أو من المضاعف على مُفْتَعِل ومُفْتَعَل لفظهما فيه سواء، كقولك: مختار للفاعل والمفعول به: اخترت عبد الله من الرجال، فأنا مختار وهو مختار.
الأضداد لأبي حاتم السجستاني ص 120.
(3) انظر: المستصفى للغزالي 1/ 32.
(1/258)

الركبة، وعين الميزان، وعين الشمس، وعين السحاب، وعين الرحى، وذات الشيء، وخيار الشيء (1).
قال (2) المؤلف في الشرح: جرت عادة المصنفين أن يقولوا: المشترك (3) هو؛ اللفظ الموضوع لمعنيين مختلفين، فيندرج في لفظهم أسماء الأعداد، فإن لفظ اثنين (4) يصدق عليه أنه وضع لمعنيين، وهما: الوحدتان اللتان يتركب (5) منهما مفهوم (6) الاثنين، ولفظ الثلاثة: يصدق عليه أنه وضع لأكثر من معنيين، وكذلك بقية أسماء الأعداد (7) مع أنها كلها غير مشتركة، فيكون الحد غير مانع، فقلت أنا: "لكل واحد" لتخرج أسماء الأعداد؛ لأنها (8) للمجموعات لا لكل واحد. انتهى نصه (9).
و (10) قوله: (ولا حاجة لقولنا: مختلفين) يعني أنه لا يحتاج إلى زيادة قولنا: مختلفين، على قولنا: من معنيين، كما زاده (11) غيره من
__________
(1) انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي مادة (عين).
(2) في ط: "وقال".
(3) في ط: "اللفظ المشترك".
(4) في ز: "الاثنين".
(5) في ز وط: "تركب".
(6) في ز: "لفظ".
(7) في شرح التنقيح للقرافي: العدد.
(8) في ز: "فإنها".
(9) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 29.
(10) "الواو" ساقطة من ط.
(11) في ط: "كما زاد".
(1/259)

المصنفين؛ لأنهم يقولون (1): المشترك هو اللفظ الموضوع لمعنيين مختلفين (2)، ويحترزون بقولهم: مختلفين، من اللفظ المتواطئ؛ [لأن اللفظ المتواطئ يصدق عليه] (3) أنه (4) موضوع لمعنيين (5) متماثلين لا مختلفين، كلفظ (6) الإنسان مثلاً، فإنه (7) يتناول جميع الأناسي (8)، وهي متماثلة من حيث إنها أناسي (9)، [مع أن اللفظ غير مشترك] (10)، فأخرجوا المتواطئ بقولهم: مختلفين؛ لأن المتواطئ معانيه متماثلة لا مختلفة.
قال المؤلف في الشرح: وهذا (11) لا يحتاج إليه فإن لفظ الإنسان وغيره من أسماء الأنواع والأجناس، إنما وضع للقدر المشترك بينها (12) [لا لها] (13)، والقدر المشترك بينها هو (14) مفهوم واحد (15) فما وضع اللفظ إلا لواحد، فقد
__________
(1) في ز وط: "غيره؛ لأن غيره من المصنفين يقولون".
(2) انظر: المحصول للرازي ج 1 ق 1 ص 359، والإبهاج شرح المنهاج 1/ 248.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في ز: "فإنه".
(5) في ط: "معنيين".
(6) في ز: "فلفظ".
(7) "فإنه" ساقط من ز.
(8) في ط: "الأنباني".
(9) في ط: "أنباني".
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(11) في ط: "ولهذا".
(12) في ز: "بين الأفراد".
(13) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(14) "هو" ساقطة من ز.
(15) في ز: "مفهوم أي: معنى واحد".
(1/260)

خرج هذا (1) بقولي: "من معنيين" فلا حاجة إلى إخراجه بقيد آخر؛ لأنه (2) حشو في الحد بغير فائدة، والوضع للمتماثلات (3): مستحيل؛ لما ذكرته من البرهان في الأصل. انتهى نصه (4).
قوله: (فإِن الوضع يستحيل أن يكون للمثلين، فإِن التعيين إِن اعتبر في التسمية كانا مختلفين، وإِن لم يعتبر كانا واحدًا، والواحد ليس بمثلين).
هذا دليل على استحالة الوضع [للمتماثلات (5)، كما اعتقدوه في زيادة قولهم: مختلفين على قولهم: لمعنيين (6).
و (7) بيان ذلك: أن الواضع حين وضع] (8) لفظ (9) الإنسان وغيره من اللفظ المتواطئ، إما (10) أن يعتبر تعيين الأفراد وأشخاصها حين التسمية، أولا يعتبر ذلك، فإن اعتبر تشخص الأفراد وتعينها فقد وضع لمختلفين (11) لا لمثلين؛ لأن المثل (12) بقيد التعيين مخالف للمثل الآخر بالضرورة، وإن لم
__________
(1) "هذا" ساقطة من ط.
(2) في ز: "فإنه".
(3) في الشرح: "للمتماثلين"، وفي ط: "للمتماثلة".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 29.
(5) في ط: "للمتماثلة".
(6) في ط: "معنيين من اللفظ".
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل.
(9) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "اللفظ".
(10) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لأنه إما".
(11) في ز: "للمختلفين".
(12) في ط: "المثال".
(1/261)

يعتبر التشخص والتعين حين التسمية فقد وضع اللفظ لمعنى واحد [وهو القدر المشترك بين معانيه، والواحد ليس (1) بمثلين] (2)، فلم يوضع (3) اللفظ المتواطئ إذًا لمثلين (4)، [إذ الوضع للمثلين] (5): مستحيل، والمستحيل لا يحترز (6) منه.
وبيان ذلك: أن المتواطئ (7) كالإنسان، إما أن يكون وضعه باعتبار الأشخاص، أو باعتبار القدر المشترك بين الأشخاص (8)، فلا يصح أن يكون باعتبار الأشخاص؛ لأنها (9) مختلفة، فإن الموضوع للمختلفات مشترك، والمتواطئ ليس بمشترك، فتبين أن وضع (10) المتواطئ (11) باعتبار (12) القدر المشترك وهو متحد: فاستحال الوضع للمتماثلات.
واعترض بعضهم هذا (13) الحد الذي حد به المؤلف اللفظ المشترك، بالمنقول والمجاز، على القول بأن من شرطه الوضع؛ لأن كل واحد من المنقول
__________
(1) في ط: "فليس".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ز: "فوضع".
(4) في ط: "إلا مثلين".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "لا يتحرز"، وفي ط: "لا يحرز".
(7) في ط: "المتوطئ".
(8) "بين الأشخاص" ساقطة من ز وط.
(9) في ط: "لأنه".
(10) في ز: "وضعه".
(11) "المتواطئ" ساقطة من ز.
(12) في ز: "حاصل باعتبار".
(13) "هذا" ساقطة من ط.
(1/262)

والمجاز يصدق عليه أنه موضوع لكل واحد من معنيين.
مثال المنقول: جعفر؛ لأنه وضع للنهر الصغير وللمولود (1).
ومثال المجاز: الأسد للحيوان المفترس، والرجل الشجاع (2).
أجيب عن النقل (3): بأنه (4) لا يدخل في الحد، لأن الوضع الأول في المعنى الأول باطل بالوضع الثاني، فلا عبرة فيه بالوضع الأول لإبطاله. كما قال (5) المؤلف في الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ، لأنه قال فيه (6): والنقل يحتاج إلى (7) اتفاق على إبطال وإنشاء وضع بعد وضع (8).
وأجيب عن المجاز على القول بأن من شرطه الوضع: أن (9) الوضع المعتبر هو: جعل اللفظ دليلاً على المعنى، أو (10) غلبة الاستعمال، ولا حظَّ
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "والمولود".
(2) ذكر هذا الاعتراض المسطاسي في شرح التنقيح (ص 3) الفصل السادس في أسماء الألفاظ.
(3) في ز: "المنقول".
(4) المثبت من ز وط وفي الأصل "لأنه".
(5) في ط: "كما قاله".
(6) "فيه" ساقطة من ز.
(7) في ط: "فيه إلى".
(8) قال القرافي في شرح التنقيح ص (122): "لأن النقل لا يحصل إلا بعد اتفاق الكل على إبطال الوضع الأول وإنشاء وضع آخر، وذلك متعذر أو متعسر".
(9) في ط: "لأن".
(10) في ز: "وعلى".
(1/263)

فيهما لوضع (1) المجاز؛ لأنه مطلق الاستعمال.
قال المؤلف في الشرح: ينبغي أن يفرق بين اللفظ المشترك، وبين اللفظ الموضوع للمشترك، فإن اللفظ الأول: مشترك، والثاني: لمعنى واحد مشترك، واللفظ ليس مشتركًا (2)، فالأول: مجمل، والثاني: ليس بمجمل؛ لاتحاد مسماه. انتهى نصه (3).
فالفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الأول مشترك، والثاني ليس بمشترك.
وثانيها: أن (4) الأول: مجمل، والثاني: ليس بمجمل.
وثالثها: أن الأول مسماه متعدد، والثاني مسماه متحد.
قوله: (والمتواطئ: هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي مستوٍ في محاله كالرجل).
ش: هذا هو المطلب الثاني، وهو حقيقة اللفظ المتواطئ (5).
قوله: (الموضوع لمعنى): احترازًا من المشترك؛ لأنه موضوع لمعنيين فأكثر.
__________
(1) في ط: "الوضع".
(2) في ز وط: "بمشترك".
(3) شرح التنقيح ص 30.
(4) "أن" ساقطة من ط.
(5) انظر تعريف المتواطئ وأمثلته في: المستصفى (1/ 31)، معيار العلم للغزالي (ص 81).
(1/264)

و (1) قوله: (كلي): احترازًا من العَلَم؛ لأنه موضوع لمعنى جزئي كما سيأتي في حقيقة (2) العلم (3).
و (4) قوله: (مستوٍ في محاله) أي: متفق في أفراده وأشخاصه: احترازًا من المشكك، فإنه موضوع لمعنى كلي مختلف في محاله، كما سيأتي في حقيقة المشكك (5).
وقوله: (كالرجل)؛ لأن لفظ الرجل موضوع للقدر المشترك بين أشخاص الرجال، فجميع أشخاص الرجال مستوية في معنى الرجولية.
وكذلك لفظ الحيوان هو: متواطئ (6)، لأن لفظ الحيوان موضوع للقدر المشترك بين أفراد الحيوان، فجميع أفراد الحيوان مستوية في مفهوم الحيوانية.
وكذلك لفظ الإنسان موضوع (7) للقدر المشترك بين أشخاص بني آدم، فجميع أشخاص بني آدم مستوية (8) في معقول الإنسانية.
وإنما سمي المتواطئ (9) متواطئًا؛ [لأنه] (10) مأخوذ من التواطؤ الذي هو التوافق والتساوي، يقال: تواطأ القوم على الأمر: إذا اتفقوا عليه واستووا
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ز: "حد".
(3) انظر: (1/ 292) من هذا الكتاب.
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) انظر: (1/ 267) من هذا الكتاب.
(6) في ز: "المتوطئ".
(7) "موضوع" ساقطة من ز.
(8) في ط: "متسوية".
(9) في ط: "المتوطئ".
(10) المثبت من ز، ولم ترد "لأنه" في الأصل وط.
(1/265)

فيه؛ وذلك أنه لما توافقت (1) محال (2) مسمى هذا اللفظ (3) سمي متواطئًا لذلك.
ومنه قوله تعالى: {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} (4) أي ليوافقوا العدد الذي حرم الله من الشهور.
قوله: (والمشكك هو: اللفظ (5) الموضوع لمعنى كلي مختلف في محاله، إِما بالكثرة والقلة (6) كالنور بالنسبة إِلى: السراج والشمس، أو بإِمكان التغير واستحالته كالوجود (7) بالنسبة إلى: الواجب والممكن، أو بالاستغناء والافتقار كالوجود (8) بالنسبة إِلى: الجوهر والعرض).
ش: هذا هو المطلب الثالث وهو حقيقة اللفظ المشكك (9).
__________
(1) في ط: "فقت".
(2) "محال" ساقطة من ط.
(3) في ز وط: "هذا اللفظ في مسماه".
(4) قال تعالى: {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} سورة التوبة آية رقم 37.
(5) كلمة "اللفظ" ساقطة من أوخ.
(6) في ط: "بالقلة والكثرة".
(7) في أ: "كالموجود".
(8) في خ وش: "كالموجود".
(9) انظر: معيار العلم للغزالي ص 82، 83.
(1/266)

قوله: (والمشكك) مأخوذ من الشك (1)، يقال: بكسر الكاف المشددة (2) على أنه (3) اسم فاعل (4)، ويقال: بفتح الكاف المشددة (5) على اسم المفعول.
[وإنما سمي المشكك مشككًا] (6)؛ لأنه يشكك الناظر فيه هل هو مشترك أو متواطئ؟ فإنه إن (7) نظر إلى إطلاقه على المختلفات قال: هو مشترك، وإن نظر إلى أن مسماه واحد، قال: هو متواطئ (8) [هذا معناه إذا قلنا: إنه اسم فاعل] (9).
وأما معناه (10) على أنه اسم مفعول (11) فلأن (12) العلماء جعلوه مشككًا،
_________
(1) شكَّ شكًا ضد أيقن.
انظر: كتاب الأفعال للمعافري 2/ 365.
(2) في ط: "المشدد".
(3) "أنه" ساقطة من ز وط.
(4) في ز: "الفاعل".
(5) في ط: "المشدد".
(6) ما بين المعقوفتين ورد في ز وط بلفظ: "فمعناه على أنه اسم الفاعل؛ لأنه ... إلخ".
(7) "إن" ساقطة من ط.
(8) يقول قطب الدين الرازي: "وإنما سمي مشككًا؛ لأن أفراده مشتركة في أصل معناه ومختلفة بأحد الوجوه الثلاثة، فالناظر إليه إن نظر إلى جهة الاشتراك خيله أنه متواطئ لتوافق أفراده فيه، وإن نظر إلى جهة الاختلاف أوهمه أنه مشترك، كأنه لفظ له معان مختلفة، كالعين فالناظر فيه يتشكك هل هو متواطئ أو مشترك؟ فلهذا سمي بهذا الاسم".
انظر: تحرير القواعد المنطقية شرح الشمسية ص 39.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(10) في ز وط: "ومعناه".
(11) في ز: "المفعول".
(12) في ز وط: "لأن".
(1/267)

قالوا (1): وأول من (2) سماه مشككًا هو (3) ابن سيناء.
[قوله: (الموضوع لمعنى): احترازًا من المشترك؛ لأنه موضوع (4) لمعنيين فأكثر.
و (5) قوله: (كلي): احترازًا من العلم؛ لأنه موضوع لمعنى جزئي] (6).
و (7) قوله: (مختلف في محاله) أي: متفاوت (8) في أفراده وأشخاصه: احترزًا من المتواطئ؛ لأنه مستوٍ في محاله كما (9) تقدم (10).
ولا فرق بين المتواطئ والمشكك إلا الاتفاق والاختلاف، فكل واحد منهما موضوع للقدر المشترك بين محاله (11)، إلا أن أفراد المتواطئ متفقة في معناه، وأفراد المشكك مختلفة في معناه.
مثل (12) المؤلف رحمه الله المشكك بثلاثة أمثلة:
__________
(1) في ز: "قيل".
(2) من ساقطة من ط.
(3) "هو" ساقطة من ز.
(4) "موضوع" ساقطة من ز.
(5) "الواو" ساقطة من ز وط.
(6) ما بين المعقوفتين ورد بهذا الترتيب في ز وط، وفي الأصل ورد معترضًا بين قول المؤلف بفتح الكاف المشددة على اسم المفعول وقوله: وإنما سمى المشكك مشككًا.
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) في ط: "مفاوات".
(9) في ط: "لما".
(10) انظر: (1/ 264) من هذا الكتاب.
(11) في ز: "أفراده".
(12) في ز: "ومثل".
(1/268)

أحدها: لفظ النور بالنسبة إلى نور الشمس ونور السراج وهو: القنديل، فإن لفظ النور [موضوع للقدر المشترك بين ذوات الأنوار، ولكن أفراد النور مختلفة ومتفاوتة في محالها، فأفراد النور] (1) في الشمس كثيرة، وأفراد النور في السراج قليلة.
وإلى هذا المثال الأول (2) أشار المؤلف بقوله: إما بالكثرة والقلة (3) كالنور بالنسبة إلى السراج والشمس.
و (4) قوله: (إِما بالكثرة (5) والقلة) أي: إما أن يكون الاختلاف بين المحال بسبب الكثرة والقلة، أي: بسبب كثرة أفراد (6) ذلك المعنى في بعض المسمى، وقلة أفراد (7) ذلك المعنى (8) في بعض المسمى (9).
المثال الثاني: لفظ الوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن، أي: بالنسبة إلى الوجود الواجب والممكن (10)، فإن لفظ الوجود موضوع للقدر المشترك بين الوجودين (11)، ولكن وضع الاختلاف والتفاوت بين الوجودين بسبب
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "الأول" لم ترد في ز.
(3) في ط: "إما بالقلة والكثيرة".
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) في ط: "إما بالكثيرة".
(6) "وأفراد" ساقطة من ز.
(7) في ط: "أفراده".
(8) "ذلك المعنى" ساقطة من ط.
(9) في ز: "في بعض أفراد المسمى وقلته في بعض أفراد المسمى".
(10) في ط: "الوجود الممكن".
(11) في ز: "الوجود".
(1/269)

إمكان التغير [واستحالة التغير] (1)؛ لأن الوجود الواجب يستحيل عليه التغير والفناء (2)، وأما الوجود الممكن فيمكن فيه (3) التغير (4) والفناء والزوال.
قوله: (أو بإِمكان التغير (5) واستحالته) أي: يمكن (6) الاختلاف والتفاوت بجواز إجازة (7) التغير (8) في بعض المسمى (9) وعدم إجازة (10) التغير في بعض المسمى (11).
وإلى هذا المثال الثاني أشار المؤلف بقوله: (أو بإمكان التغير (12) واستحالته كالوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن)؛ فاستحالة (13) التغير (14) في الوجود الواجب بمنزلة الكثرة في الشمس، وقبول ذلك (15) بمنزلة القلة في السراج.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) في ز وط: "الفناء والزوال".
(3) في ز: "فيجوز عليه".
(4) في ط: "التغيير".
(5) في ط: "التغيير".
(6) في ز: "ويكون"، وفي ط: "أو يكون".
(7) "إجازة" ساقطة من ز.
(8) في ط: "التغيير".
(9) في ز: "أفراد المسمى".
(10) في ز: "جواز".
(11) في ز: "أفراد المسمى".
(12) في ط: "التغيير".
(13) في ز: "فاستحالته"، وفي ط: "باستحالته".
(14) "التغير" ساقطة من ز، وفي ط: "التغيير".
(15) في ز: "وقبول ذلك في الممكن"، وفي ط: "وقبول ذلك بمنزلة الكثرة في الشمس وقبول ذلك بمنزلة القلة في السراج".
(1/270)

المثال الثالث: لفظ الوجود بالنسبة إلى الجوهر والعرض، فإن لفظ (1) الوجود موضوع للقدر المشترك بين الوجودين، وجود الجوهر ووجود العرض.
فمعنى الجوهر عند أرباب علم (2) الكلام: هو المتحيز الذي لا يقبل القسمة.
ومعنى العرض عندهم: هو المعنى القائم بالجوهر.
فكل واحد من الجوهر والعرض موجود، ولكن وجود الجوهر مستغن عن محل يقوم به، وأما العرض فلا يستغني عن محل يقوم به؛ لأن العرض لا يقوم بنفسه، فإنه يفتقر إلى محل يكون فيه كسائر المعاني التي لا تقوم بنفسها؛ كالعلم والجهل والشجاعة والجبن والسخاء والبخل، وغير ذلك (3).
و (4) قوله: (أو بالاستغناء والافتقار) أي: ويكون الاختلاف والتفاوت بين المحال بسبب استغناء أحد المحلين وافتقار الآخر، كالوجود بالنسبة إلى الجوهر والعرض، فالاستغناء (5) بمنزلة النور في الشمس، والافتقار بمنزلة القلة في السراج (6).
__________
(1) "لفظ" ساقطة من ط.
(2) "علم" ساقطة من ز.
(3) انظر: معيار العلم للغزالي ص 82 وص 314.
(4) "الواو" ساقطة من ز وط.
(5) في ط: "فاستغناء".
(6) انظر أسباب التشكيك الثلاثة وأمثلتها في: شرح التنقيح للقرافي ص 30، ويلاحظ أن المؤلف هنا كرر الأمثلة.
(1/271)

قال المؤلف في الشرح: أسباب التشكيك ثلاثة، وأصلها الأول وهو: الكثرة والقلة (1).
وهذه الأمثلة الثلاثة (2) استعمل فيها المؤلف - رحمه الله - اللف والنشر، إلا أنه رتب بعضها وعكس بعضها.
فنقول في المثال الأول و (3) في المثال الثاني: الأول للثاني والثاني للأول ومنه قول الشاعر:
كيف أسلو وأنت حِقْفٌ وغصن ... وغزال لحظًا وقدًا وردفًا (4)
ونقول في المثال الثالث: الأول للأول، والثاني للثاني، ومنه قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (5) الأول للأول، والثاني للثاني.
__________
(1) في ز وط: "وهو القلة والكثرة".
وانظر: شرح التنقيح للقرافي ص 31.
(2) في ز: "الثلاث".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) هذا البيت منسوب لابن حيوس الإشبيلي ولكنه غير موجود في ديوانه.
والحقف بكسر الحاء: الرمل العظيم المستدير.
والشاهد فيه: اللف والنشر وهو ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد من آحاد المتعدد إلى ما هو له.
انظر: معاهد التنصيص للعباسي 2/ 273، خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي ص 84، زهر الربيع في المعاني والبديع للحملاوي ص 173، أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم تحقيق شاكر هادي شكر 1/ 355.
(5) سورة القصص، آية رقم 73، وقوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لم ترد في نسخ الكتاب.
(1/272)

فإن قيل: ما الفرق بين المتواطئ والمشكك؟ مع أن كل واحد منهما موضوع للقدر المشترك، وكل واحد منهما أيضًا تختلف أفراده وأشخاصه؟
وذلك أن النور الذي هو: مثال للمشكك (1) مثلاً تختلف أفراده بالكثرة والقلة، وكذلك المتواطئ (2) تختلف أفراده، فالشجاعة (3) من (4) الأوصاف التي يتفاوت (5) بها الرجال (6)؛ لأنه يعد [الرجل] (7) الواحد بألف رجل.
قال الشاعر:
ولم أر [أمثال] (8) الرجال تعاونوا (9) ... إلى المجد حتى عد ألف بواحد (10)
__________
(1) في ط: "المشكك".
(2) في ز وط: "وكذلك الرجل الذي هو مثال المتواطئ".
(3) "فالشجاعة" ساقطة من ز وط.
(4) في ز: "لأجل".
(5) في ز: "تفاوت".
(6) في ط: "الرجل".
(7) المثبت من ز، وفي الأصل: "الرجال".
(8) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "مثال".
(9) في ز وط: "تفاوتوا".
(10) قائل هذا البيت هو البحتري من قصيدة له يمدح فيها الفتح بن خاقان وابنه ومطلعها:
مثالك من طيف الخيال المعاود ... ألم بنا من أفُقِه المتباعد
والبيت كما ورد في الديوان:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى عد ألف بواحد
وفي نهاية الأرب وتهذيب الأخلاق: إلى المجد.
وفي الوساطة، وزهر الآداب: لدى المجد.
انظر: ديوان البحتري تحقيق حسن كامل الصيرفي 1/ 625، زهر الآداب 1/ 247، الوساطة بين المتنبي وخصومه ص 362، تهذيب الأخلاق ص 41، التمثيل =
(1/273)

[و (1) أيضًا بالطول (2) والقصر] (3)، والعلم والجهل، والشجاعة والجبن، والسخاء والبخل، وغير ذلك.
أجيب عن هذا: بأن (4) الاصطلاح فرق بينهما: بأن ما وضع فيه (5) الاختلاف والتفاوت بجنسه (6) يسمى: مشككًا، وما وقع فيه (7) الاختلاف بغير جنسه يسمى: متواطئًا، وذلك أن (8) زيادة النور: نور، فالزيادة من جنس النور، بخلاف الطول والقصر (9)، والعلم والجهل، والشجاعة (10) وغير ذلك (11)، فإنها أجناس أخر مباينة (12) للرجولية، وليست من معنى الرجولية (13).
قال المؤلف في الشرح: فيتعين (14) أن يزاد في حد المشكك [بجنسه ليخرج
__________
= والمحاضرة ص 435، نهاية الأرب 3/ 98.
(1) "الواو" لم ترد في الأصل وط.
(2) في ز: "كالطول".
(3) ما بين القوسين ورد في ز بهذا الترتيب، وفي الأصل، وط ورد بعد قول المؤلف: "وغير ذلك".
(4) في ط: "لأن".
(5) في ز: "في".
(6) في ز: "في جنسه".
(7) في ز: "في".
(8) "أن" ساقطة من ط.
(9) في ز: "والقصر والشجاعة".
(10) "الشجاعة" ساقطة من ط.
(11) في ز وط: "وغيرها".
(12) في ز وط: "متباينة".
(13) ذكر الاعتراض وجوابه القرافي في شرح التنقيح ص 31.
(14) في ز: "فتعين".
(1/274)

المتواطئ من الحد، فتقول (1) إذًا في حد المشكك] (2) هو: اللفظ الموضوع لمعنى كلي مختلف في محاله بجنسه (3).
قوله: (والمترادفة هي: الألفاظ (4) الكثيرة لمعنى واحد كالقمح والبر والحنطة).
ش: هذا هو المطلب الرابع وهو حقيقة الألفاظ المترادفة (5).
والمترادف (6) مأخوذ من الردف، شبّه اجتماع اللفظين (7) على (8) معنى (9) واحد باجتماع الراكبين على ردف الدابة (10) وظهرها (11).
__________
(1) في ز: "فنقول".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) يقول القرافي في شرح التنقيح (ص 31): "فإن قلت فيتعين عليك أن تزيد في الحد في المشكك فتقول: مختلف في محاله بجنسه؛ حتى يخرج المتواطئ الذي اختلافه من غير جنسه، وإلا فحدك باطل لعدم المنع لدخول المتواطئ فيه، قلت: نعم ذلك حق".
(4) كلمة: "الألفاظ" ساقطة من أ.
(5) انظر بحث المترادف في: المستصفى 1/ 31، المحصول ج 1 ق 1 ص 347 - 357، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 1/ 13 - 25، مختصر المنتهى لابن الحاجب 1/ 134 - 136، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 240 - 247، نهاية السول في شرح منهاج الأصول للإسنوي 1/ 104 - 113، شرح المحلي على متن جمع الجوامع 1/ 290 - 292، تيسير التحرير 1/ 176، 177.
(6) في ز وط: "والترادف".
(7) في ز: "لفظين".
(8) "على" ساقطة من ز وط.
(9) في ز: "لمعنى"، وفي ط: "بمعنى".
(10) في ط: "الدواب".
(11) انظر: تعريف ردف في كتاب الأفعال للمعافري 3/ 15.
(1/275)

و (1) قوله: (الألفاظ الكثيرة) ظاهره: أن اللفظين لا يترادفان؛ لأنه عبر بالألفاظ الكثيرة، وأقل الألفاظ الكثيرة: ثلاثة، كما مثل (2) بها (3) في قوله: كالقمح والبر والحنطة (4).
صوابه أن يقول: المترادفة (5) هي: اللفظان أو الألفاظ الكثيرة لمعنى واحد أو يسقط [لفظ] (6) الكثيرة، فيقول: الألفاظ (7) الموضوعة لمعنى واحد، فيندرج اللفظان؛ لأن أقل الجمع اثنان عند مالك (8) (9).
و (10) قوله: (كالقمح والبر والحنطة) هذا مثال الألفاظ الكثيرة.
ومثاله أيضًا: السبع (11) والليث، والضيغم، والضرغام، والغضنفر.
ومثاله أيضًا في اللفظين: الجلوس والقعود، وكذلك القيام والوقوف، وغير ذلك.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ط: "مثال".
(3) في ز وط: "به".
(4) في ز: "كالحنطة والبر والقمح، مع أن اللفظين يترادفان".
(5) في ز: "والمترادفة".
(6) المثبت من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(7) "الألفاظ" ساقطة من ز، وفي ط: "الألفاظنا".
(8) في ز: "عند مالك اثنان".
(9) يقول القرافي - في باب أقل الجمع -: "قال القاضي أبو بكر - رحمه الله -: مذهب مالك أن أقل الجمع اثنان".
انظر: شرح التنقيح ص 233.
(10) "الواو" ساقطة من ز.
(11) في ز وط: "الأسد والسبع".
(1/276)

و (1) قوله: (لمعنى واحد) احترازًا من المتباينة؛ لأنها (2) موضوعة (3) لمعان متعددة.
وقوله: (المترادفة هي: الألفاظ الكثيرة لمعنى واحد).
اعترض هذا الحد (4) بأنه غير مانع؛ إذ (5) يندرج (6) فيه اللفظ وتأكيده اللفظي، نحو: جاء زيد زيد.
ويندرج فيه اللفظ وتأكيده المعنوي نحو: جاء زيد نفسه.
ويندرج فيه اللفظ وحده نحو: الإنسان مع الحيوان الناطق.
ويندرج فيه اللفظ وتابعه كقولهم: عطشان نطشان (7)، وقولهم (8): شيطان ليطان، وقولهم: قبيح شقيح، وقولهم: حسن بسن (9)، وقولهم: أصفر فاقع (10)، [أسود حالك (11)، أحمر قان (12)] (13)، أبيض
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز وط.
(2) في ط: "لأنه".
(3) في ز: "لأنه موضوع".
(4) "هذا الحد" ساقطة من ز.
(5) "إذا" ساقطة من ز وط.
(6) في ز: "فيندرج".
(7) انظر: فقه اللغة للثعالبي ص 372.
(8) في ز: "وكقولهم".
(9) في ط: "فبس".
وانظر: معنى بسن في كتاب الأفعال للمعافري 2/ 337.
(10) "فاقع" ساقطة من ز، وانظر: القاموس المحيط مادة (فقع).
(11) انظر: فقه اللغة للثعالبي ص 106.
(12) في ط: "ناقي" وهو تصحيف.
وانظر معنى "قان" في: فقه اللغة للثعالبي ص 106.
(13) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(1/277)

يقق (1)، أخضر مدهام، [ومنه قوله تعالى: {مُدْهَامَّتَانِ} (2) أي: سوداوان من شدة الخضرة والري] (3)، فهذه (4) الألفاظ تندرج في حد المؤلف؛ لأنها لمعنى واحد.
أجيب عن اللفظ وتأكيده: بأنهما متباينان لا مترادفان، فإن المؤكِّد خلاف المؤكَّد؛ لأن لفظ التأكيد إنما وضع للتقوية والمبالغة، وذلك معنى آخر لم يفده المؤكد قبل اتصاله بلفظ التأكيد، فألفاظ التوكيد (5) إذًا هي متباينة لا مترادفة، لا فرق في ذلك بين التأكيد اللفظي والتأكيد المعنوي.
وأجيب عن الاسم مع حده كالإنسان مع الحيوان الناطق: بأنهما (6) متباينان لا مترادفان على الأصح؛ لأن الإنسان يدل بالتجميل (7)، والحيوان الناطق يدل بالتفصيل، فيدل الإنسان على مجموع الأجزاء، ويدل الحيوان الناطق على أفراد الأجزاء، فلفظ الحد إذًا أفاد خلاف ما أفاده لفظ المحدود،
__________
(1) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "يقن".
وفي القاموس المحيط: أبيض يقق ككتف: شديد البياض، مادة (يقق).
(2) آية رقم 64 سورة الرحمن.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز وط: "وهذه".
(5) في ط: "التأكيد".
(6) في ط: "فإنهما".
(7) في ط: "بالتحصيل".
(1/278)

فاللفظان (1) متباينان.
وقيل: بأن الاسم مع حده مترادفان؛ لأنهما لمعنى (2) واحد.
والأصح أنهما متباينان.
وأجيب عن اللفظ وتابعه: بأنهما متباينان؛ لأن التابع لا يستعمل مفردًا، فلا يقال: نطشان (3) حتى يتقدم (4) له عطشان، وكذلك لا يقال: ليطان حتى يتقدم (5) شيطان، وكذلك تقول (6) في سائر الأمثلة المذكورة، بخلاف سائر الأسماء المترادفة، فإن كل واحد منها يفرد عن الآخر، كالقمح، والبر، والحنطة، فإن كل واحد منها يفرد بالذكر دون الآخر، فلفظ المتبوع والتابع إذًا متباينان لا مترادفان.
قوله: (والمتباينة هي: الألفاظ (7) الموضوعة (8) كل واحد منها لمعنى كالإِنسان والفرس والطير، ولو كانت للذات والصفة وصفة الصفة نحو: زيد متكلم فصيح).
__________
(1) في ط: "فإن اللفطان".
(2) في ز: "بمعنى".
(3) في ط: "نشطان" وهو تصحيف.
(4) في ز: "يقدم".
(5) في ز وط: "يقدم له".
(6) في ز: "نقول".
(7) كلمة: "الألفاظ" ساقطة من أوخ.
(8) في نسخة ش وز: "الموضوع".
(1/279)

ش: هذا هو المطلب الخامس وهو: حقيقة الألفاظ المتباينة (1)، وسميت الألفاظ المتباينة بالمتباينة مأخوذة (2) من البين (3) الذي هو: الافتراق (4) والبعد؛ وذلك أنه شبه افتراق المسميات في حقائقها بافتراق الحقائق في بقاعها.
قوله (5): (الألفاظ الموضوعة) وأقل الألفاظ: لفظان ولا حد لأكثرها.
مثال اللفظين المتباينين: رجل وامرأة، وكذلك سماء وأرض، وكذلك ليل ونهار، وغير ذلك.
ومثال أكثر من اللفظين: الإنسان والفرس والطير، كما قال المؤلف.
واعلم أن التباين قد يكون بين الذوات كالأمثلة المتقدمة؛ لأن ذواتها مختلفة (6)، وقد يكون التباين (7) في ذات (8) واحدة ولكن باعتبار أوصافها كقولك: زيد عالم، فهذان اللفظان متباينان وإن كانا في ذات واحدة؛ لأن زيدًا يدل على الذات، وعالم يدل على العلم، فهما لفظان متباينان [وإن
__________
(1) انظر: المستصفى 1/ 31، معيار العالم للغزالي ص 81 - 83، مختصر المنتهى لابن الحاجب 1/ 126، شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 32، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 212، نهاية السول في شرح منهاج الأصول للإسنوي 2/ 58.
(2) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "مأخوذ".
(3) يقول ابن منظور: البين في كلام العرب جاء على وجهين: يكون البين: الفرقة، ويكون: الوصل: بأن يبين بينا وبينونة وهو من الأضداد.
انظر: لسان العرب مادة (بين).
(4) في ط: "الإفراق".
(5) في ز: "وقوله".
(6) في ز وط: "متخالفة".
(7) في ط: "المتباين".
(8) في ط: "ذاذ".
(1/280)

كانا في ذات واحدة] (1).
وكذلك قولك: سيف صارم فهما: متباينان (2)؛ لأن أحد الاسمين بحسب الذات (3)، والاسم الآخر بحسب الصفة، ويكون الآخر بحسب صفة الصفة التي هي الصرامة والقطع (4).
وقد يكون الاسم بحسب الذات ويكون الآخر بحسب الصفة كقولك (5): زيد متكلم فصيح - كما قال المؤلف - فزيد اسم للذات (6) ومتكلم بحسب الصفة التي هي الكلام، وفصيح بحسب صفة الصفة؛ لأن الفصاحة (7) هي: صفة للكلام (8) فهذه الألفاظ كلها متباينة لا مترادفة؛ لأن كل واحد منها دل (9) على خلاف ما يدل عليه الآخر.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(2) وقد رد قطب الدين الرازي على من ظن أنهما مترادفان فقال: "ومن الناس من ظن أن مثل: الناطق والفصيح، ومثل: السيف والصارم، من الألفاظ المترادفة لصدقهما على ذات واحدة وهو فاسد؛ لأن الترادف هو: الاتحاد في المفهوم لا الاتحاد في الذات؛ نعم الاتحاد في الذات من لوازم الاتحاد في المفهوم بدون العكس".
انظر: تحرير القواعد المنطقية شرح الشمسية ص 41، 42.
وكلام قطب الدين هذا يؤيد مذهب المؤلف في أن التباين يكون في ذات واحدة كالاسم مع حده أو باعتبار أوصاف الذات كما ذكر المؤلف.
(3) في ز وط: "بحسب الذات وهو السيف".
(4) في ز: "بحسب الصفة وهو الصارم الذي يدل على الصرامة التي هي: القطع"، وفي ط: "بحسب الصفة والصارم؛ لأنه بحسب الصفة التي هي: الصرامة والقطع".
(5) في ز: "كقولهم".
(6) في ز: "الذات".
(7) في ط: "الفاصحة".
(8) في ز: "الكلام".
(9) في ز وط: "يدل".
(1/281)

وضابط هذا أن تقول: متى اختلفت (1) المفهومات (2) في الذهن فاللفظان (3) متباينان سواء كانا في الخارج متحدين كاللون والسواد، أو متعددين (4) كالإنسان والفرس، ومتى اتفق المفهومان في الذهن فهما: مترادفان كالأسد والسبع، وذلك أن التباين يقع بين الألفاظ إذا اختلفت المفهومات، سواء تفاصلت أو تواصلت، أي: سواء (5) كان ذلك بين الذوات المختلفة (6) نحو: رجل وامرأة أو بين الصفات [مع اتحاد الذات] (7) نحو: متكلم فصيح، [أو بين الصفات وصفة الصفات، نحو متكلم فصيح] (8).
قوله: (والمرتجل هو: اللفظ الموضوع لمعنى لم يسبق بوضع آخر).
ش: هذا هو المطلب السادس، وهو: حقيقة اللفظ المرتجل.
قوله: (الموضوع لمعنى لم يسبق بوضع آخر) يعني: أن العلم الذي لم يتقدم له استعمال في غير العلمية فهو (9) المعبر عنه بالمرتجل، وأما إن تقدم له استعمال في غير العلمية فهو المعبر عنه بالمنقول، وسكت عنه المؤلف وكان حقه أن يذكره، وذلك أن العلم بالنسبة إلى الارتجال والنقل على قسمين:
__________
(1) في ط: "اختلف"
(2) في ط: "المفهومان"، وفي ز: "اختلف المفهومان أي: المعنيان".
(3) في ط: "فهما".
(4) في ط: "ومتعددين".
(5) "سواء" ساقطة من ز وط.
(6) "المختلفة" ساقطة من ز وط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(8) ما بين المعقوفتين ورد في ز بهذا اللفظ: "أو بين الذوات والصفات نحو: زيد متكلم"، وفي ط: "أو بين الذوات والصفة نحو زيد متكلم".
(9) في ز: "هو".
(1/282)

منقول ومرتجل، فذكر (1) المؤلف أحد القسمين وهو: المرتجل وسكت عن الآخر وهو: المنقول.
وذكر (2) بعضهم قسمًا (3) ثالثًا وهو (4): العلم الذي ليس بمنقول ولا بمرتجل (5)، وهو العلم بالغلبة، ذكره المرادي (6) في شرح الألفية (7).
فعلى هذا أقسام العلم باعتبار الارتجال والنقل ثلاثة (8) أقسام: مرتجل، ومنقول، وما ليس منقولاً ولا مرتجلاً.
مثال المرتجل: سعاد (9) اسم امرأة، وأُدَد علم رجل (10)، ومريم ومدين،
__________
(1) في ط: "وذكر".
(2) في ط: "وذلك".
(3) "قسمًا" ساقطة من ز.
(4) في ط: "مثال المنقول فضلاً وأسدًا، وهو العلم".
(5) في ز: "ولا مرتجل".
(6) هو الحسن بن قاسم بن عبد الله بن علي المرادي، المصري، النحوي، المعروف بابن أم قاسم، ولد بمصر، وأخذ العربية عن أبي عبد الله الطنجي، والسراج الدمنهوري، وأبي زكريا الغماري، وأبي حيان، توفي سنة (749 ه).
من مصنفاته: "شرح ألفية ابن مالك"، و"شرح التسهيل"، و"شرح المفصل" في النحو، و"الجنى الداني في حروف المعاني" في النحو، و"تفسير القرآن".
ترجمته في: بغية الوعاة للسيوطي 1/ 517، شذرات الذهب 6/ 160، الدرر الكامنة 2/ 32.
(7) انظر: شرح الألفية للمرادي 1/ 173.
(8) في ز: "على ثلاثة".
(9) المثبت من ز، وفي الأصل: "سعادي".
(10) في ز: "لرجل".
(1/283)

ومزيد، ومكوزة (1)، وحيوة، وغيرها من سائر الأعلام التي ليس لها أصل في النكرات (2).
[ومثال المنقول: فضل (3)، وأسد (4)، وحارث، وخالد، وعباس، وضحاك، وغيرها من سائر الأعلام (5) التي لها أصل في النكرات] (6).
واعلم أن النقل يكون من ذات، نحو: أسد وثور (7).
ويكون من مصدر نحو: فضل وسعد.
ويكون من اسم فاعل نحو: حارث وخالد.
ويكون من صفة مشبهة نحو: حسن وصعب.
ويكون من اسم مفعول نحو: مسعود ومرزوق.
__________
(1) في ز: "مكزة".
(2) قسم ابن يعيش في شرح المفصل (1/ 32 - 33) المرتجل إلى قسمين:
1 - قياسي مثل: حمدان وعمران وغطفان، فحمدان كسعدان اسم: نبت، وعمران كسرحان وهو: الذئب.
2 - وشاذ وهو ما كان بالضد مما ذكر مما يدفعه القياس مثل مكوزة ومزيد قياسها: مكازة ومزاد؛ كمفازة ومعاش؛ تقلب الواو والياء فيهما ألفًا بعد نقل حركتهما إلى ما قبلهما.
ومثله في الشذوذ: مريم ومدين، لا فرق بين الأعجمي والعربي في هذا الحكم، ومن الشاذ: حيوة اسم رجل، وأصله حية مضاعف؛ لأنه ليس في الكلام حيوة فقلبوا الياء واوًا وهذا ضد مقتضى القياس.
(3) قوله: "ومثال المنقول فضل" ساقط من ط.
(4) في ط: "نحو أسد".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الأعمال".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "وثوب".
(1/284)

ويكون من فعل ماضي: نحو: شمر: علم لفرس بعينه، وبدر (1): علم لماء بعينه.
ويكون من فعل مضارع نحو: يزيد ويشكر (2).
ويكون من مركب تركيب الإضافة (3) نحو: عبد الله وعبد العزيز.
ويكون من مركب تركيب الإسناد (4) نحو: برق نحره (5)، وتأبط شرًا (6)، وشاب قرناها (7) وذراحبا (8) (9).
ويكون من (10) مركب تركيب المزج (11) نحو: بعلبك وحضرموت، ومعدي كرب (12).
ويكون من المثنى (13) نحو: البحرين لمدينة (14)، وأبانان (15) علم
__________
(1) في ز: "بدو".
(2) انظر: أوضح المسالك لابن هشام 1/ 88.
(3) في ط: "إضافة".
(4) في ط: "إسناد".
(5) وهو اسم رجل وهو فعل وفاعل.
انظر: شرح المفصل لابن يعيش 1/ 28.
(6) سمي بذلك لأنه تأبط حية. انظر: المصدر السابق 1/ 28.
(7) في ز: "قرناه".
(8) قوله (وذرحبا) ساقط من ز.
(9) انظر المصدر السابق 1/ 28.
(10) "من" ساقطة من ز.
(11) في ط: "مزج".
(12) انظر: أوضح المسالك لابن هشام 1/ 90.
(13) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "للمثنى".
(14) في ط: "لمدينتين".
(15) أبان الأبيض وأبان الأسود والأول لبني فزارة وعبس والأسود لبني فزارة خاصة. =
(1/285)

لجبلين (1) بأعيانهما.
ويكون من (2) جمع السلامة (3) نحو: زيدون وفلسطون، وعرفات (4).
[وإعراب المنقول في التثنية كإعراب ما لا ينصرف مع التزام الألف مطلقًا نحو: عمران.
وقيل في جمع السلامة في الذكور كإعرابه (5) قبل التسمية على المشهور في جميعها.
وقيل: في المثنى كإعراب ما لا ينصرف مع التزام الواو مطلقًا نحو عمران.
وقيل: في جمع السلامة في الذكور كإعراب هارون (6).
وقيل: كإعراب المنصرف مع التزام الياء مطلقًا كإعراب عليين (7).
__________
= يقول ابن بليهد: أبان يثنى ويفرد، وهما: جبلان عظيمان، يقال لأحدهما وهو الشمالي: أبان الأسود، ويقال للآخر: أبان الأحمر وهو الجنوبي، ومجرى وادي الرمة بينهما يقال لذلك المسلك: الخنق.
انظر: صحيح الأخبار 1/ 31.
(1) في ط: "جبلين".
(2) "من" ساقطة من ز.
(3) في ز: "سلامة".
(4) في ز وط: "وعرفات وأذرعات".
(5) في ط: "وإعراب المنقول من التثنية أو جمع السلامة كإعرابه قبل التسمية".
(6) قوله: "نحو عمران، وقيل: في جمع السلامة في الذكور كإعراب هارون" ورد في ط، ولم يرد في ز.
(7) في ط: "غسلين".
(1/286)

وقيل: بالتزام الواو وفتح (1) النون مطلقًا.
وقيل: في جمع المؤنث السالم كإعرابه قبل التسمية إلا إنه من غير تنوين.
وقيل: كإعراب ما لا ينصرف] (2).
و (3) قال بعضهم: و (4) قد يكون النقل من صوت (5)، وعنى (6) بذلك "ببه" وهو: لقب لعبد الله (7) بن الحارث بن نوفل (8) بن عبد المطلب (9)، وهو منقول من الصوت الذي كانت أمه ترقصه به وذلك قولها هذا الرجز:
لأنكَحن ببه * جارية خدبة (10) * مُكْرَمة محبة * تحب أهل الكعبة (11).
__________
(1) فى ط: "فتحة".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 1/ 32، شرح الألفية للمرادي 1/ 177.
(6) "وعنى" ساقطة من ز.
(7) في ز: "عبد الله" وهو لم يرد في ط.
(8) في ط: "بن نوفل بن عبد الله بن عبد المطلب"
(9) هو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحاوث بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، وأمه هند بنت أبي سفيان بن حرب، ولد قبل وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنتين، يكنى أبا محمد، ويلقب "ببه"؛ لأن أمه كانت ترقصه وهو طفل، روى عن عمر، وعثمان، وعلي، والعباس، وصفوان بن أمية، وابن عباس - رضي الله عنهم - روى عنه بنوه: عبد الله, وعبيد الله، وإسحاق، ولي قضاء المدينة في خلافة معاوية، مات رحمه الله بعمان سنة (84 ه).
انظر: الاستيعاب (3/ 885)، أسد الغابة (3/ 139)، الإصابة (3/ 137) رقم الترجمة 4994.
(10) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "خدببة".
(11) قائلة هذا الرجز هي هند بنت أبي سفيان بن حرب واستشهد به على نقل العلم من =
(1/287)

قوله (1): تحب أهل الكعبة جعله بعضهم بضم (2) التاء وكسر الحاء المهملة (3) وهو بين، وجعله بعضهم بفتح التاء وكسر الجيم المعجمة ومعناه تغلبهم حسنًا، يقال: فلان جب القوم، إذا غلبهم. قاله المرادي في شرح الألفية (4).
ومثال القسم الثالث، وهو العلم الذي ليس بمنقول ولا مرتجل: ابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وابن القاسم، وابن وهب، وابن كنانة، وابن عبد الحكم، وكذلك النجم للثريا، وكذلك المدينة ليثرب، وغير ذلك من سائر الأعلام التي غلب (5) عليها الاستعمال.
وإلى هذا أشار أبو موسى الجزولي (6) فقال: وقد يكون العلم بالغلبة
__________
= الصوت، لأنكحن: جواب قسم وهو قولها: والله رب الكعبة، ببه: الغلام السمين، والخدبة: بكسر الخاء المعجمة الجارية المشتدة الممتلئة.
انظر: شواهد العيني المطبوع مع خزانة الأدب 1/ 403، المنصف لابن جني 2/ 182، الدر اللوامع على همع الهوامع للشنقيطي 1/ 47، شرح المفصل لابن يعيش 1/ 32، شرح الألفية للمرادي 1/ 177.
(1) لعله: "قولها".
(2) "بضم" ساقطة من ط.
(3) "المهملة" ساقطة من.
(4) انظر: شرح الألفية للمرادي 1/ 177.
(5) "غلب" ساقطة من ط.
(6) هو أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى الجزولي اليزدكتي البربري، المراكشي - وجزولة بطن من البربر بصحراء بلاد السوس في المغرب - وهو إمام في علم النحو والقراءات، دخل الديار المصرية وقرأ على الشيخ أبي محمد بن بري، ولما عاد تصدر للإقراء بالمرية، وتولى الخطابة والتدريس بجامع مراكش، أخذ عنه العربية جماعة منهم الشلوبين، وابن معط، توفي رحمه الله سنة عشر وستمائة، =
(1/288)

فيلزمه أحد الأمرين: إما الألف واللام كالثريا والدبران، وإما الإضافة كابن عمر (1) انتهى.
فالحاصل مما ذكرنا أن الأعلام منها ما هو مرتجل، ومنها ما هو منقول، ومنها ما ليس بمنقول ولا مرتجل كما تقدم.
وقيل (2): الأعلام كلها مرتجلة (3).
وقيل: كلها منقولة (4).
فهي إذًا أربعة أقوال.
ثالثها: بعضها مرتجلة وبعضها منقولة (5).
ورابعها: منها ما ليس بمنقول ولا بمرتجل (6) وهو العلم بغلبة الاستعمال (7).
والمشهور من هذه الأقوال أن فيها منقولاً ومرتجلاً كما قاله (8) أبو موسى
__________
= وقيل: سنة سبع وستمائة (607 ه) بمدينة مراكش وله من المصنفات: "المقدمة" في النحو، وشرحها، و"شرح على الإيضاح" لأبي علي الفارسي.
انظر: وفيات الأعيان 3/ 57، بغية الوعاة 1/ 269.
(1) انظر: شرح الجزولية للشلوبين ص 66 تحقيق الشيخ ناصر الطريم.
(2) نسب ابن هشام هذا القول للزجاج. انظر: أوضح المسالك لابن هشام 1/ 88.
(3) في ط: "مرتجل".
(4) نسب ابن هشام هذا القول لسيبويه.
انظر: المصدر السابق 1/ 88.
(5) انظر: المصدر السابق 1/ 88.
(6) في ز وط: "ولا مرتجل".
(7) انظر: شرح الجزولية للشلوبين ص 66 وشرح الألفية للمرادي 1/ 173.
(8) في ز: "قال".
(1/289)

وابن مالك.
قال أبو موسى: وينقسم أيضًا إلى منقول ومرتجل (1).
وقال ابن مالك (2):
ومنه منقول كفضل وأسد ... وذو ارتجال كسعادى وأدد (3)
فإذا ثبت (4) هذا فلنرجع (5) إلى كلام المؤلف.
فقوله: (المرتجل).
قال المؤلف في الشرح: المرتجل مأخوذ من الرجل، ومنه قولهم: أنشد ارتجالاً، أي: أنشد من غير روية ولا فكرة، وذلك أن شأن الواقف على رجل واحدة أن يشتغل بسقوطه عن فكرته (6) فشبه الذي لم يسبق بوضع آخر بالذي
__________
(1) انظر: شرح الجزولية للشلوبين ص 66.
(2) هو محمد بن عبد الله بن مالك جمال الدين أبو عبد الله الطائي، الجياني، الشافعي، النحوي، ولد سنة (600 ه)، ورحل من الأندلس ونزل دمشق وسمع من السخاويَ، تصدر للتدريس بحلب، وكان إمامًا في: النحو، واللغة، والقراءات، وأشعار العرب، وكان ينظم الشعر، روى عنه ابنه بدر الدين، وأبو الفتح البعلي، والبدر بن جماعة، توفي سنة (672 ه).
من مصنفاته: "الألفية"، "تسهيل الفوائد"، "أرجوزة في النحو".
انظر: بغية الوعاة 1/ 130 - 137، فوات الوفيات 2/ 227 - 229، نفح الطيب 1/ 434 - 436، الوافي بالوفيات 3/ 359 - 363.
(3) انظر: ألفية ابن مالك ص 20، ط المطبعة النموذجية.
(4) في ز وط: "تقرر".
(5) في ز: "فنرجع".
(6) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "فكرة".
(1/290)

لم يسبق بفكرة، [فإن] (1) جعفر في النهر الصغير: مرتجل وهو في المولود: علم ليس بمرتجل؛ لتقدم وضعه للنهر الصغير، قال: وكذلك زيد مرتجل (2) بالنسبة إلى المصدر؛ لأنك تقول: زاد يزيد زيدًا، وهو غير مرتجل بالنسبة إلى الشخص لجعله علمًا على شخص معين (3).
قوله: (الموضوع لمعنى) يشمل (4): المرتجل والمنقول.
وقوله: (لم يسبق بوضع آخر) قيد أخرج به المنقول؛ لأن المنقول مسبوق بوضع آخر.
و (5) قوله: (لم يسبق بوضع آخر) يحتمل أن يكون [المركب له هذا الفعل] (6) هو: اللفظ، ويحتمل أن يكون هو (7): المعنى، فتقديره على أنه اللفظ (8): لم يسبق ذلك اللفظ بوضعه لمعنى آخر، وتقديره على أنه المعنى: لم يسبق ذلك المعنى بوضع ذلك اللفظ (9) لمعنى آخر، والمعنيان متقاربان.
و (10) قوله: (والعلم هو اللفظ الموضوع لجزئي (11) كزيد).
__________
(1) المثبت من ط، وفي الأصل: "قال"، وفي ز: "وقال".
(2) "مرتجل" ساقطة من ط.
(3) نقله المؤلف بالمعنى انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 32.
(4) في ط: "يشتمل".
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) ما بين المعقوفتين ورد في ز بلفظ: "نائب فاعل يسبق".
(7) "هو" ساقطة من ز.
(8) في ط: "للفظ".
(9) "اللفظ" ساقطة من ز.
(10) "الواو" ساقطة من ز وط.
(11) في ط: "بجزئي".
(1/291)

ش: هذا هو المطلب السابع، وهو حقيقة العلم الشخصي، صوابه: أن يقدم حقيقة العلم على حقيقة المرتجل؛ لأن المرتجل نوع من العلم؛ لأن العلم على قسمين: مرتجل ومنقول.
[قوله: (العلم) فيه حذف صفة تقديره: العلم الشخصي، ولم يتعرض للعلم الجنسي، و (1) العلم مأخوذ من العلامة؛ لأن اللفظ جعل علامة على الحقيقة لتعرف به (2)] (3).
وقوله (4): (الموضوع لجزئي) احترازًا من الموضوع لكلي كالمتواطئ والمشكك.
وقوله: (لجزئي) (5) فيه حذف صفة تقديره: جزئي حقيقي لا إضافي (6)؛ لأنه لم يتعرض للجزئي الإضافي (7)، وقد تقدم معناه في الفرق بين الكلي والجزئي.
واعلم أن العلم على قسمين.
شخصي وجنسي (8)، فالعلم الشخصي هو الاسم الموضوع لتعيين الشخص بانفراده من (9) غير قرينة (10).
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) في ط: "منه".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(4) "وقوله" ساقطة من ط.
(5) في ط: "الجزئي".
(6) في ط: "الإضافي".
(7) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "والإضافي".
(8) انظر: أوضح المسالك لابن هشام 1/ 88, وشرح ألفية ابن مالك للمرادي 1/ 168.
(9) في ز: "أي من".
(10) وعرفه ابن هشام في أوضح المسالك (1/ 88) بأنه اسم يعين مسماه تعينًا مطلقًا.
(1/292)

وقولنا (1): لتعيين الشخص بانفراده (2): احترازًا من العلم الجنسي؛ لأن معناه هو: الاسم الموضوع لتعيين الجنس بجملته من غير تخصيص فرد من أفراده.
وقولنا: من غير (3) قرينة: احترازًا من سائر المعارف؛ لأنها تعين مسماها بقرينة؛ إما لفظية كالألف واللام، وإما معنوية كالحضور والغيبة في المضمرات، والحضور في اسم الإشارة، والإضافة في المضاف، والصلة في الموصول، وأما العلم الشخصي فإنه يعين مسماه بقصد الواضع (4) لا بقرينة، وأما العلم الجنسي فهو: الاسم الموضوع لتعيين الجنس لا لتعيين الشخص.
وفائدة (5) العلم الشخصي: تمييز بعض الأشخاص من بعض (6).
[وفائدة (7) العلم الجنسي: تمييز بعض الأجناس من بعضها (8)] (9).
[وأما الفرق بين العلم الجنسي والعلم الشخصي (10) فاعلم (11) أن الكلام
__________
(1) في ز: "فقولنا"، وفي ط: "قوله".
(2) في ز: "بانفراده من غير قرينة".
(3) "غير" ساقطة من ط.
(4) في ز: "الوضع".
(5) في ز وط: "وأما فائدة".
(6) في ز وط: "فهي معرفة الأشخاص بعضها من بعض".
(7) في ز: "وأما فائدة".
(8) في ز: "فهي معرفة الأجناس بعضها من بعض".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) في ط: "وأما الفرق بين العلم الشخصي والعلم الجنسي".
(11) "فاعلم" ساقطة من ط.
(1/293)

في العلم على (1) خمسة مطالب:
ما أقسامه بالنسبة إلى الارتجال (2)؟ وما أقسامه بالنسبة إلى الشخص والجنس؟ وما فائدة كل قسم من أقسامه؟ وما الفرق بين العلم الشخصي والعلم الجنسي؟ وما الفرق بين علم الجنس واسم الجنس؟
فأما أقسامه بالنسبة إلى النقل والارتجال فقد تقدمت.
وأما أقسامه بالنسبة إلى الشخصي والجنسي؛ فاعلم أن العلم الشخصي إنما يوضع للأشخاص التي يحتاج إلى تمييز (3) بعضها من بعض.
وأما العلم الجنسي فإنه (4) يوضع للأجناس التي يحتاج إلى تمييز بعضها من بعض؛ إذ لا غرض في معرفة أشخاصها، وإنما الغرض في معرفة أجناسها ليتميز بعض الأجناس من بعضها] (5)، وذلك: كأجناس الحيوان التي لا تخالط الناس ولا تألفهم من الوحوش (6) والطيور، والخشاش.
مثاله: أسامه (7) للأسد، وثعالة للثعلب، وأبو جعدة للذئب، وأبو زاجر للغراب، وأم مهدي (8) للحمامة، وأم سرياح للجرادة، وأم عريط (9)
__________
(1) في ط: "في".
(2) في ط: "بالنسبة إلى النقل والارتجال".
(3) في ط: "التمييز".
(4) في ط: "فإنما".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) في ط: "الوحش".
(7) في ط: "أساسه".
(8) في ط: "نهدي".
(9) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "أم عريض".
(1/294)

للعقرب (1)، وأم حفصان (2) للحية، وغير ذلك، وهو موقوف على السماع، [هذا هو الغالب، وربما وضع العلم الجنسي لبعض المألوفات كقولهم: أبو المضاء (3) لجنس الفرس، وأبو أيوب للجمل، وأم جعفر للدجاجة] (4).
وأما العلم الشخصي فإنما (5) يوضع للأشخاص التي يحتاج إلى تمييز بعضها من بعض كأشخاص الأناسي (6) وما يألفونه من قبائلهم وبلدانهم ودوابهم وبهائمهم.
مثاله في الأناسي (7): زيد، وعمرو، وهند، ودعد.
ومثاله في القبائل: سدوس (8)، وسلول (9)، ومجوس، ويهود،
__________
(1) في ط: "للعقربة".
(2) في ز: "حفطان".
(3) في ط: "أبو المرض".
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(5) في ز: "فإنه".
(6) في ط: الإنساني".
(7) في ط: "الإنساني".
(8) يوجد ثلاث قبائل تسمى بسدوس وهي: بنو سدوس بن أصمع، بطن من طيئ، وبنو سدوس بن دارم بن مالك بن حنظلة بطن من تميم، وبنو سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بطن من بني شيبان، ويقول ابن منظور: كل سدوسي في العرب فهو مفتوح السين إلا سدوس بن أصمع.
انظر: لسان العرب مادة (سدس)، نهاية الأرب 2/ 44، سبائك الذهب للبغدادي ص 32، وص 56.
(9) في ز: "وسلوق".
(1/295)

وجذام (1)، ومراد (2)، وقرن (3)، وإليه ينسب أويس القرني (4) رضي الله عنه.
ومثاله [في البلدان] (5): مكة (6)، وبغداد (7)، وواسط (8)، ودابق (9)،
__________
= وسلول قبيلة من هوازن من العدنانية، وهم بنو مرة بن صعصعة، وبنو سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة، بطن من خزاعة من الأزد القحطانية.
انظر: الاشتقاق ص 468، لسان العرب مادة (سلل)، جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 224، نهاية الأرب 2/ 318.
(1) جذام بطن من كهلان من القحطانية وهم بنو جذام بن عدي بن الحارث بن مرة، ولخم وجذام قبيلتان من اليمن نزلتا الشام، وهم أول من سكن مصر من العرب حين فتحها عمرو بن العاص رضي الله عنه.
انظر: سبائك الذهب ص 42، لسان العرب مادة (جذم).
(2) يوجد قبيلتان بهذا الاسم هما: بنو مراد بن ربيعة، بطن من طيئ كانت لهم الرئاسة على طيئ وبنو مراد بن مذحج، بطن من كهلان من القحطانية.
انظر: لسان العرب مادة (مرد)، مجمع الأمثال 1/ 67، نهاية الأرب 2/ 301، سبائك الذهب ص 36.
(3) قرن هم بنو قرن بن ردمان، وهم: بطن من مراد من القحطانية.
انظر: نهاية الأرب 2/ 302، سبائك الذهب ص 36.
(4) هو أويس بن عامر بن جزء بن مالك بن مسعود القرني، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يره، ولما جاء من اليمن التقى بعمر بن الخطاب، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بأن أويس يأتي من اليمن، وطلب منه عمر أن يستغفر له، فاستغفر له، ورحل إلى الكوفة وسكنها وحدث بها وقتل يوم صفين.
انظر: أسد الغابة 1/ 151، تجريد أسماء الصحابة 1/ 38.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) انظر: معجم البلدان 7/ 123 - 143.
(7) أول من جعلها مدينة أبو جعفر المنصور.
انظر: معجم البلدان 2/ 230 - 236.
(8) هذا الاسم ورد في عدة مواضع.
انظر: المصدر السابق 8/ 278 - 287.
(9) دابق قرية قرب حلب.
(1/296)

وهجر (1)، وحجر (2)، وفلج (3)، وعمان (4)، ونُباء (5)، وعدن (6)، وهو بلد باليمن.
[ومن أسماء الجبال: يذبل، ويدمدم، وشمام, وتبير (7) , وأبو قبيس, وأحد, وحراء] (8).
ومثاله في الدواب: لاحق لفرس مشهور عند العرب (9)، وكذلك داحس للفرس أيضًا بعينه (10).
__________
= انظر: المصدر السابق 4/ 3.
(1) هجر مدينة وهي قاعدة البحرين، وقيل: ناحية البحرين كلها هجر.
انظر المصدر السابق (8/ 446) وتسمى الآن بالأحساء.
(2) هي مدينة اليمامة وأم قراها، سكنها بنو عبيد من بني حنيفة.
انظر: المصدر السابق (3/ 221 - 224)، ويوجد قرية باسم اليمامة وتقع في الخرج.
(3) فلج ويقال لها: فلج الأفلاج، وهي مدينة قيس بن عيلان، تصب فيها أودية العارض، وفَلْج بفتح أوله وسكون ثانيه وادي يسلك منه طريق البصرة إلى مكة.
انظر: المصدر السابق (3/ 391 - 393)، والأفلاج تعرف الآن بهذا الاسم.
(4) بلد على ساحل بحر اليمن والهند.
انظر: المصدر السابق (6/ 215)، وعمان تعرف الآن بهذا الاسم.
(5) في ز وط: "قباء"، ونباء بالضم والمد موضع بالطائف.
انظر: المصدر السابق 8/ 243.
(6) انظر: المصدر السابق 6/ 126، 127.
(7) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "وتبيد".
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(9) لاحق فرس كان لمعاوية بن أبي سفيان وهو مشهور.
انظر: شرح المفصل لابن يعيش 1/ 34.
(10) في ز وط بعد قوله: "أيضًا بعينه" الزيادة الآتية: "وكذلك يعفور لحمار مشهور للنبي عليه السلام، وكان أخذه من خيبر، وكلمه فقال: اسمي زياد بن شهاب، وكان في آبائي سبعون حمارًا، كل واحد منها ركبه نبي، وأنت نبي الله فلا يركبني أحد بعدك، =
(1/297)

ومثاله في البهائم: شدقم (1) للجمل بعينه، وهيلة (2) للشاة بعينها، وواشق للكلب بعينه.
وقد أشار ابن مالك في الألفية إلى هذه (3) الأنواع (4) فقال:
اسم يعين المسمى مطلقًا ... علمه كجعفر وخرنقًا
__________
= فلما توفي النبي عليه السلام ألقى نفسه في بئر فمات، وكان النبي عليه السلام يرسله إذا كانت له حاجة إلى أحد من أصحابه فيضرب باب الدار برأسه فيخرج، فيعلم أن النبي عليه السلام دعاه، فينطلق مع الحمار إلى النبي عليه السلام".
ولم أثبت هذه الزيادة؛ لأنها لم ترد في الأصل، ولأنها قصة واهية موضوعة.
وهذا الحديث في قصة حمار النبي - صلى الله عليه وسلم -. ذكره القاضي عياض في "الشفا"، وقال القاري في "شرح الشفاء": رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي منظور وقال: لا أصل له، وإسناده ليس بشيء ... هذا وقد أخرجه ابن عساكر عن أبي منظور وله صحبة، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده غير واحد من المجهولين.
وذكر هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات باب تكليم حماره يعفور له، وساق ابن الجوزي قصة هذا الحمار ثم قال: هذا حديث موضوع، فلعن الله واضعه؛ فإنه لم يقصد إلا القدح في الإسلام والاستهزاء به، قال أبو حاتم بن حبان: لا أصل لهذا الحديث وإسناده ليس بشيء ولا يجوز الاحتجاج بمحمد بن مزيد.
انظر: شرح الشفا لنور الدين القاري (3/ 147)، الموضوعات لابن الجوزي 1/ 293 - 294.
(1) شدقم هو فحل من الإبل كان للنعمان بن المنذر.
انظر: شرح المفصل لابن يعيش 1/ 34.
(2) هيلة قيل: إنها شاة كانت لقوم من العرب، من أساء إليها درت له بلبنها، ومن أحسن إليها وعلفها نطحته، فكانت العرب تضرب بها المثل.
انظر: المصدر السابق 1/ 34.
(3) في ز: "لهذه".
(4) في ط: "الأنواع المذكورة".
(1/298)

وقرن وعدن ولاحق ... وشدقم وهيلة وواشق (1)
وكذلك (2) يكون العلم الشخصي أيضًا (3) في الملائكة كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل.
ويكون (4) في سور القرآن: كالبقرة، وآل عمران.
ويكون في الكواكب: كالثريا والدبران.
ويكون في الكتب: كالمدونة (5) والعتبية (6).
وبالجملة: فكل ما يحتاج إلى تعيين أفراده: يوضع له العلم الشخصي، وكل ما لا يحتاج إلى تعيين أفراده وإنما يحتاج إلى تعيين جنسه: يوضع له العلم الجنسي.
__________
(1) انظر: ألفية ابن مالك ص 19، 20.
(2) في ط: "وكذلك أيضًا".
(3) "أيضًا" ساقطة من ز.
(4) في ط: "ويكون أيضًا".
(5) المدونة: أول من شرع فيها أسد بن الفرات بعد رجوعه من العراق، وأصلها أسئلة سأل عنها ابن القاسم فأجابه عنها، وجاء بها أسد إلى القيروان فكتبها عنه سحنون، ورتبها وبوبها، واحتج لبعض مسائلها، ثم تعاقب العلماء على شرحها.
انظر: الديباج المذهب ص 137، 160، مرآة الجنان 2/ 131، هدية العارفين 1/ 8، الحلل السندسية ص 598 - 600.
(6) العتبية هي المستخرجة في الأحاديث والمسائل الفقهية، وهي منسوبة لمصنفها محمد العتبي المتوفى سنة 245 ه.
انظر: الديباج 2/ 176، 177، هدية العارفين 1/ 16، كشف الظنون ص 1124.
(1/299)

وإلى هذا أشار أبو موسى الجزولي فقال: العلم ضربان: ضرب (1) منه (2) للفرق بين الأشخاص، وضرب منه (3) للفرق بين الأجناس.
فالأول فيما يعني الإنسان التفرقة بين أشخاصه.
والثاني فيما لا يعنيه إلا معرفة جنسه. انتهى (4).
واعلم أن العلم الجنسي موقوف (5) على السماع ولاحظ فيه للقياس، فلنذكر ها هنا جملة من ذلك: فمن ذلك قولهم: أبو الحارث وأسامة للأسد (6)، وأبو الحصين (7) وثعالة للثعلب، وأبو جعدة (8) للذئب، وأبو زاجر للغراب (9)، وأبو عقبة للخنزير (10)، وأبو وثّاب للظبي (11)، وأبو غزوان (12) للهر (13)،
__________
(1) "ضرب" ساقطة من ط.
(2) "منه" ساقطة من ز.
(3) "منه" ساقطة من ز.
(4) انظر: المقدمة الجزولية المطبوعة مع شرح الشلوبين الصغير تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 70.
(5) "موقوف" ساقطة من ط.
(6) انظر: المرصع في الآباء والأمهات والبنين والبنات والأذواء والذوات لابن الأثير تحقيق السامرائي ص 136.
(7) المصدر السابق ص 138.
(8) المصدر السابق ص 119.
(9) المصدر السابق ص 194.
(10) أبو عقبة هو الديك والخنزير والقملة الكبيرة.
المصدر السابق ص 242.
(11) انظر: المصدر السابق ص 337.
(12) في ز: "عزران".
(13) أبو غزوان هو الأفعى والسنور.
انظر: المصدر السابق ص 261.
(1/300)

وأبو الربيع للهدهد (1)، وأبو المنذر للديك (2)، وأبو أيوب للجمل (3)، وأبو نعيم (4) وجابر بن حبة للخبز (5)، وأبو عمران للجوع، وأبو يحيى (6) للموت، وأبو ثقيف للخل (7)، وأبو عون للملح (8)، وأبو جعران (9) للخنفساء الذكر، وأم سالم للخنفساء الأنثى (10)، وأم (11) عريط (12) وأم سامر (13) للعقرب، وأم حفصان للحية، وأم العوام للسلحفاة، وأم عقبة للنملة (14)، وأم مهدي
__________
(1) أبو الربيع هو أسود سالخ وهو من الحيات.
انظر: المصدر السابق ص 182.
(2) انظر: المصدر السابق ص 304.
(3) كني به لصبره على السير والأحمال لشبهه بصبر أيوب عليه السلام.
انظر: المصدر السابق ص 57.
(4) أبو نعيم هو الخبز الحواري والكركي.
انظر: المصدر السابق ص 323.
(5) أبو جابر هو الخبز، ويقال له: جابر بن حبة.
انظر: المصدر السابق ص 118.
(6) انظر: المصدر السابق ص 349.
(7) انظر: المصدر السابق ص 113.
(8) أبو عون للملح والتمر.
انظر المصدر السابق ص 243.
(9) في ط: "أبو جعفران".
(10) انظر: المصدر السابق ص 201
(11) في ز وط: "وأم جعار للضبع وأم عريط".
(12) المثبت من ز، وفي الأصل: "أم عريض".
وأم العريط هي: العقرب والداهية.
انظر: المصدر السابق ص 245.
(13) أم ساهر وأم سامر بغير هاء، هي العقرب؛ لأنها أكثر ما تظهر في الليل.
انظر: المصدر السابق ص 201.
(14) أم عقبة هي الدجاجة، والقرد، والقملة الكبيرة.
(1/301)

للحمامة (1)، وأم فحص (2) وأم جعفر للدجاجة (3)، وأم عدي للنحلة، وأم سرياح (4) للجرادة، وأم شنبل (5) للقملة (6)، وأم عزم (7) وأم سويد (8) للأست، وأم جندب (9) للظلم (10)، وابن ذكاء [للصبح، وذكاء] (11) للشمس (12).
ويكون العلم الجنسي (13) في المصادر كما يكون في الذوات (14).
__________
= انظر: المصدر السابق ص 246.
(1) أبو مهدي للحمام.
انظر: المصدر السابق ص 359.
(2) في ز: "وأم فحص وأم جعفر للدجاجة، سميت أم فحص؛ لأنها تفحص برجلها عن التراب، قاله ابن حمامة في المقامة في شرح مقامات الحريري"، وفي ط: "وأم فحص، وأم جعفر".
وفي المرصع (ص 141): أم حفص هو الطفشيل، وأم حفصة هي الدجاجة والبطة والرخمة.
(3) انظر: المصدر السابق ص 122.
(4) انظر: المصدر السابق ص 201.
(5) في ز: "شلبل".
(6) انظر: المصدر السابق ص 211.
(7) انظر: المصدر السابق ص 245.
(8) انظر: المصدر السابق ص 202.
(9) في ز: "سندب".
(10) انظر: المصدر السابق ص 125.
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(12) في المرصع ص 179 ابن ذكاء هو الصبح، وذكاء هي الشمس؛ لأنها تذكو أي: يشتعل ضوؤها كاشتعال النار، وجعل الصبح ابنها؛ لأنه من أثر ضوئها.
(13) في ط: "الجنسي أرضًا".
(14) في ط: "الدواب".
(1/302)

مثاله في المصادر (1): برة للمبرور (2) وهو الطاعة، وفجار للفجور، ويسار للميسرة وهو: اليسر، ومماس (3) للماسة (4) وغير ذلك من المسموع، وموضع ذلك كتب اللغويين والنحويين (5).
فإذا ظهر لك الفرق بين علم الشخص وعلم الجنس فلننظر (6) فما الفرق (7) بين علم الجنس واسم الجنس؟ فإن لفظ أسامة ولفظ أسد كل واحد منهما يدل على أمر شائع بين جميع الأسود (8) فكل واحد من اللفظين يصدق في المعنى على ما يصدق عليه الآخر، فما الفرق بينهما؟
فالفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: من جهة اللفظ، والآخر من جهة المعنى.
فالفرق الذي هو من جهة اللفظ: أن علم الجنس [تجري] (9) عليه أحكام العلم الشخصي من كونه لا تدخل عليه الألف واللام، وأنه لا ينعت بالنكرة،
__________
(1) في ز: "المصدر".
(2) في ز: "للبرور".
(3) في ط: "وما ساس".
(4) في ط: "للمماسة".
(5) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 1/ 37، 38، 4/ 53، أوضح المسالك لابن هشام 1/ 95، شرح الألفية للمرادي 1/ 186، شرح الألفية للأشموني 1/ 63، والشاهد رقم 468 في خزانة الأدب، الخصائص لابن جني 2/ 198، 3/ 261، 265.
(6) في ز وط: "فانظر".
(7) في ز: "ما الفرق".
(8) في ز وط: "أشخاص الأسود".
(9) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يجري".
(1/303)

وأنه تنتصب (1) النكرة بعده على الحال، وأنه لا ينصرف إذا كانت فيه علامة أخرى زائدة (2) على العلمية.
فبيان ذلك أنك تقول: أسامة، ولا تقول: الأسامة بالألف واللام، بخلاف الأسد فإنه تدخل عليه الألف واللام.
وتقول: هذا أسامة مقبلاً، فتنصب النكرة بعده على الحال.
ولا تنعته بالنكرة كما تقول: هذا زيد مقبلاً، بخلاف الأسد فإنك تنعته بالنكرة فتقول: هذا أسد مقبل.
وتقول: هذا أسامة بغير تنوين؛ لأنه لا ينصرف للعلمية (3) والتأنيث بخلاف الأسد فإنه ينصرف.
وأما الفرق الذي هو من جهة المعنى فهو: أن علم الجنس هو الموضوع للحقيقة الذهنية [بقيد الشخص الذهني، وأما اسم الجنس فهو: موضوع (4) للحقيقة (5) الذهنية] (6) من حيث هي هي، لا باعتبار قيد معها [أصلاً] (7).
_________
(1) في ز: "ينتصب".
(2) "زائدة" ساقطة من ز وط.
(3) في ز: "للعمية"، وفي ط: "للعلمة".
(4) "موضوع" ساقطة من ط.
(5) في ط: "الحقيقة".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
وذكر السبكي في الإبهاج (1/ 210) هذا الفرق بين علم الجنس واسم الجنس فقال: "المختار في التفرقة بينهما أن علم الجنس هو الذي يقصد به تمييز الجنس من غيره من غير نظر إلى أفراده، واسم الجنس ما يقصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على =
(1/304)

قال المؤلف في شرحه: وتحرير الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص، وبن علم الجنس واسم الجنس من نفائس المباحث، ومشكلات المطالب.
وكان الخسروشاهي يقرره، وكان يقول: ليس في البلاد المصرية من يعرفه وهو: أن الوضع فرع التصور، فإذا استحضر الواضع صورة الأسد مثلاً (1) ليضع لها فتلك الصورة الكائنة في ذهنه جزئية بالنسبة إلى مطلق صورة الأسد، [فإن هذه الصورة واقعة في هذا الزمان، ومثلها يقع في زمان آخر، و (2) في ذهن شخص آخر، والجميع مشترك في مطلق صورة الأسد] (3) فهذه الصورة جزئية من مطلق صورة الأسد، فإن وضع لها من حيث خصوصها فهو: علم جنس (4) [وإن وضع لها] (5) من (6) حيث عمومها فهو (7): اسم الجنس.
وهي من حيث عمومها وخصوصها تنطبق على كل أسد في العالم، بسبب أنّا إذا (8) أخذناها في الذهن مجردة عن جميع الخصوصات (9):
__________
= أفراده، حتى إذا دخلت عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى علم الجنس".
(1) "مثلاً" ساقطة من ز.
(2) "الواو" ساقطة من ز.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز وط: "الجنس".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "ومن".
(7) في ط: "فهي".
(8) في ز: "إنما".
(9) في ز: "الخصوصيات".
(1/305)

فتنطبق (1) على الجميع، فلا جرم يصدق لفظ الأسد ولفظ أسامة على جميع الأسود؛ لوجود المشترك فيها كلها، فيقع الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس بخصوص الصورة الذهنية.
والفرق بين علم الجنس وعلم الشخص: أن علم الشخص موضوع للحقيقة بقيد الشخص الخارجي، وعلم الجنس موضوع للماهية (2) بقيد الشخص الذهني. انتهى نصه (3).
فالفرق (4) بين الثلاثة: أن (5) علم الشخص: الوضع فيه للشخص الخارجي، وعلم الجنس: الوضع فيه للشخص الذهني، واسم الجنس الوضع فيه للكلي الذهني.
و (6) قال بعض الشراح - في تفريق المؤلف بين علم الجنس واسم الجنس بخصوص الصورة الذهنية -: فيه نظر؛ لأن مسمى (7) كل واحد منهما كلي، والكلي متعين متشخص (8) في الذهن وهو قدر مشترك بينهما.
قال الإمام فخر الدين في "الملخص"، وفي "شرح عيون
__________
(1) في ط: "فينطبق".
(2) في ط: "الماهية".
(3) شرح التنقيح للقرافي ص 33.
(4) في ط: "والفرق".
(5) في ز وط: "إذًا أن".
(6) "الواو" ساقطة من ز.
(7) "لأن مسمى" ساقطة من ط.
(8) في ز: "كلي وأصلي معين مشتخص".
(1/306)

الحكمة": الموجود من الكلي في الذهن صورة شخصية في نفس متشخصة. انتهى (1).
فإذا تبين (2) أن المتصور في الذهن صورة شخصية وهي: القدر المشترك بين أفراد الحقيقة سواء وضعت لعلم الجنس، أو لاسم الجنس، فلا فرق بينهما إذًا من جهة المعنى، وإنما الفرق الظاهر بينهما هو: الفرق (3) من جهة اللفظ، وقد تقدم أولاً (4).
قوله: (والمضمر هو: اللفظ المحتاج في تفسيره إِلى لفظ منفصل عنه إِن كان غائبًا، أو قرينة تكلم أو خطاب، فقولنا: إِلى لفظ، احترازًا من ألفاظ الإِشارات (5)، وقولنا: منفصل عنه، احترازًا من الموصولات، وقولنا: قرينة تكلم أو خطاب؛ ليندرج (6) ضمير المتكلم والمخاطب (7)).
__________
(1) يقول الإمام فخر الدين في الملخص: "ولما بطل كون الكلي موجودًا في الخارج ثبت أنه في الذهن، والصورة الذهنية صورة شخصية في نفس شخصية". اه.
وحيث إن الكتاب غير مرقم فقد قمت بعد لقطات الفلم ووجدت أن هذا النقل في ورقة 8/ ب تقريبًا، وهو مخطوط في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (3576 فلم).
أما كتاب شرح عيون الحكمة فلم أجده.
(2) في ز: "ثبت".
(3) في ط: "هو الفرق بينهما".
(4) في ز وط: "أولاً وبالله التوفيق".
(5) في أوخ وز وش وط: "الإشارة".
(6) في خ وش: "ليدخل".
(7) في ط: "والخطاب".
(1/307)

ش: هذا هو المطلب الثامن في حقيقة (1) المضمر (2).
[يقال: فيه المضمر والضمير] (3)، وسمي المضمر بالمضمر، إما (4) أنه (5) مأخوذ من الضمور الذي هو: القلة، لأنه قليل الحروف بالنسبة إلى الظاهر (6)، ومنه قولهم (7). فرس ضامر، ومنه (8) قوله تعالى: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} (9).
وإما أنه مأخوذ من الضمير؛ لأنه كناية عما في الضمير (10) وهو: الاسم
__________
(1) في ز: "في بيان حقيقة الضمير والمضمر".
(2) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 25، 26، شرح التنقيح للقرافي ص 33 - 36، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 52، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 210، شرح المفصل لابن يعيش 3/ 84 - 104، أوضح المسالك لابن هشام 1/ 60 - 69، شرح الألفية للمرادي 1/ 127 - 135.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) "إما" ساقطة من ز وط.
(5) "أنه" ساقطة من ط.
(6) انظر: الاشتقاق لابن دريد، ص 170، 244، كتاب الأفعال 2/ 210، لسان العرب 6/ 162، 163.
(7) في ز وط: "قوله".
(8) "منه" ساقطة من ز وط.
(9) قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [سورة الحج، آية رقم 27].
(10) يقول ابن منظور: "الضمير: السر داخل الخاطر والجمع الضمائر، والضمير: الشيء الذي تضمره في قلبك تقول: أضمرت صرف الحرف إذا كان متحركًا فأسكنته، وأضمرت في نفسي شيئًا، والاسم الضمير، والجمع الضمائر، والمضمر: الموضع والمفعول".
انظر: اللسان مادة (ضمر).
(1/308)

الظاهر (1).
و (2) قوله: (اللفظ (3) المحتاج) احترازًا من اللفظ غير المحتاج وهو: الاسم الظاهر (4)؛ لأن (5) [الإسم الظاهر] (6) يدل بظاهره على المعنى المراد به (7).
وقوله: (إِن كان غائبًا) يندرج فيه جميع ضمائر الغيبة نحو قولك: هو، وهي، وهم، وهن.
وقوله: (أو قرينة (8) تكلم) يندرج فيه جميع (9) ضمائر المتكلم نحو قولك: أنا، ونحن، وقلت، وقلنا، ولي، ولنا.
وقوله: (أو خطاب) يندرج [فيه] (10) جميع ضمائر الخطاب (11) نحو قولك: أنْتَ وأنْتِ، وأنتما، وأنتم، وأنتنّ، وإياكَ، وإياكِ، وإياكما، وإياكم، وإياكن، وقلتَ، وقلتِ، وقلتما، وقلتم، وقلتن.
قوله: (فقولنا: إِلى لفظ، احترازًا من ألفاظ الإِشارات (12)) وذلك أن اسم
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 34.
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) "اللفظ" ساقطة من ز.
(4) "الظاهر" ساقطة من ط.
(5) في ز: "لأنه".
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في ز.
(7) "به" ساقطة من ز.
(8) في ط: "وقرينة".
(9) "جميع" ساقطة من ط.
(10) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل.
(11) في ط: "المخاطب".
(12) في ز وط: "الإشارة".
(1/309)

الإشارة لفظ يحتاج في تفسيره إلى فعل كالإشارة باليد أو بالعين أو بغيرهما (1) من الأفعال؛ فتفسيره (2) بالفعل، وأما الضمير فإن تفسيره (3) باللفظ لا بالفعل.
وقوله: (ألفاظ الإِشارات) (4) يندرج فيه جميع ألفاظ الإشارة (5) نحو: هذا، وذاك، وذلك، وهؤلاء، وأولاك، وأولئك، وغير ذلك.
وقوله (6): (منفصل عنه، احترازًا من الوصولات) وذلك أن مفسر (7) الموصولات [هي (8) لفظ متصل بها؛ لأن الصلة التي هي: مفسر الموصولات] (9) لا بد من اتصالها (10) بالموصولات، وأما مفسر الضمير فإنه منفصل عنه.
وقوله: (الموصولات) يندرج فيه جميع الموصولات الاسمية، والحرفية، نحو: الذي، والتي، واللذان، واللتان، والذين، واللواتي، وغير ذلك.
وقوله: (أو قرينة تكلم أو خطاب) (11) هو معطوف على قوله: إلى لفظ، تقديره: المحتاج إلى لفظ، أو قرينة تكلم، أو خطاب (12).
__________
(1) في ط: "أو غيرهما".
(2) في ط: "فتفسيرها".
(3) في ط: "فتفسيره".
(4) في ز وط: "الإشارة".
(5) في ط: "ألفاظ جميع الإشارة".
(6) "قوله" ساقطة من ط.
(7) في ط: "معتبر".
(8) في ط: "هو".
(9) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(10) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الضالة".
(11) في ط: "أو خاطب".
(12) في ط: "أو خاطب".
(1/310)

قوله (1): (ليندرج ضمير المتكلم والمخاطب) وذلك أنه لو اقتصر في الحد على قوله: المحتاج في تفسيره إلى لفظ [منفصل عنه، لخرج (2) منه] (3) ضمير المتكلم والمخاطب؛ إذ لا يفسرهما اللفظ، فزاد المؤلف قرينة التكلم والخطاب (4) ليندرج ضمير المتكلم، والمخاطب في الحد (5)؛ لأن قرينة التكلم (6) تفسر، وتبين أن المراد بالضمير (7) هو: المتكلم به.
و (8) قوله: (والمفسر هو: اللفظ (9) المحتاج ... إِلى آخر كلامه) فيه أربعة إيرادات (10):
أحدها: قوله: (المضمر هو: اللفظ) يقتضي أن المضمر الذي لم يلفظ به، وهو: الضمير المستتر نحو: أقوم وتقوم (11): غير داخل في الحد، فيكون الحد غير جامع، صوابه (12) أن يقول (13): هو اللفظ أو ما يقوم مقامه ليندرج
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط.
(2) في ط: "ليخرج".
(3) ما بين المعقوفتين ورد في ز بلفظ: "لا يندرج".
(4) في ط: "تكلم أو خاطب".
(5) "الحد" ساقطة من ز.
(6) في ط: "المتكلم".
(7) "بالضمير" ساقطة من ط.
(8) "الواو" ساقطة من ز وط.
(9) "اللفظ" ساقطة من ط.
(10) في ز: "أربع اعتراضات".
(11) في ز: "ويقدم".
(12) في ز: "وصوبه".
(13) في ز: "يقال".
(1/311)

الضمير المستتر، [وقرينة الخطاب تفسر وتبين أن المراد بالضمير هو: المخاطب، فإن المتكلم يعرف المخاطب والمخاطب يعرف المتكلم] (1)، فالقرينة تبين كلاً منهما (2) فلا يحتاجان إلى لفظ يفسرهما.
[وذلك أنه إذا قيل: "أنا" فإنك تعرفه وإن لم تعرف اسمه، وكذلك إذا قيل: "أنت" فإنه يعرفك وإن لم يعرف اسمك، فقول المؤلف: "المحتاج في تفسيره" يندرج فيه ثلاثة أشياء وهي: المضمرات، وأسماء الإشارات (3)، والموصولات، فأخرج أسماء الإشارة (4) بقوله: إلى لفظ، وأخرج الموصولات بقوله: منفصل عنه] (5).
أجيب عنه: بأن قيل: الضمير (6) المستتر هو في حكم الملفوظ به؛ لأنه يسند إليه ويؤكد ويعطف (7) عليه، وما ذلك إلا لأنه كالموجود الملفوظ به.
الثاني: قوله: (إِلى لفظ) يقتضي: أن مفسر الضمير الذي لم يلفظ به غير داخل في الحد كالتفسير (8) الذي يفهم من سياق الكلام كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (9)؛ لأن هذا الضمير يعود على القرآن، وإن لم
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ز وط: "كل واحد".
(3) في ط: "الإشارة".
(4) في ط: "الإشارات".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) في ز: "المضمر".
(7) المثبت من ز، وفي الأصل: "ويلفظ".
(8) في ز وط: "كالمفسر".
(9) آية رقم 1 من سورة القدر.
(1/312)

يتقدم له ذكر في السورة، و (1) لكن يدل عليه سياق الكلام [أي: يدل عليه الكلام] (2) بجملته وليس له لفظ معين يفسره، وإنما يدل عليه جملة الكلام.
وذلك [أن] (3) مفسر ضمير الغائب قد يكون مصرحًا بلفظه كقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (4)، وقد يكون غير مصرح بلفظه؛ إما لحضور مدلوله حسًا، وإما لحضور مدلوله (5) معنى، وإما لذكر لفظ يدل عليه.
مثال ما حذف لحضور مدلوله حسًا: قوله تعالى: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} (6)، لأن زليخا حاضرة (7)، وكذلك قوله تعالى: {يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} (8)؛ لأن موسى عليه السلام حاضر.
ومثال ما حذف لحضور (9) مدوله علمًا (10): قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل.
(4) آية رقم 2 من سورة البقرة.
(5) في ط: "ومدلوله".
(6) آية رقم 26 من سورة يوسف.
(7) انظر: تفسير ابن كثير 2/ 475.
(8) قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}. [آية رقم 26 من سورة القصص]
(9) في ط: "الحاضر".
(10) في ز: "معنى".
(1/313)

لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (1)، وقوله تعالى: {كلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} (2)، وقوله تعالى: {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} (3)، وقوله تعالى: {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} (4) [يعني الأرض] (5)، وقوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (6) يعني: الشمس؛ لأن مفسر الضمير [في هذا كله] (7) معلوم من سياق الكلام.
[مثال (8) ما حذف] (9) لذكر لفظ يدل عليه: قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (10) قوله (11): هو (12) عائد للعدل؛ لأن اعدلوا يدل على العدل؛ إذ الفعل يدل على مصدره.
وقوله تعالى (13): {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (14) يعود على (15) الشكر (16)؛ لأن تشكروا يدل عليه.
__________
(1) آية رقم 1 من سورة القدر.
(2) آية رقم 26 من سورة الرحمن.
(3) آية رقم 61 من سورة النحل، ولم ترد هذه الآية في ز وط.
(4) آية رقم 45 من سورة فاطر.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) آية رقم 32 من سورة ص.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(8) في ط: "ومثال".
(9) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(10) آية رقم 8 من سورة المائدة.
(11) "قوله" ساقطة من ز وط.
(12) في ز: "فهو".
(13) "تعالى" لم ترد في ز.
(14) آية رقم 7 من سورة الزمر.
(15) في ز: "فضمير يرضه يعود".
(16) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 15/ 237.
(1/314)

وقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} (1) قوله: هو عائد (2) على البخل (3) يدل عليه يبخلون.
وقوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} (4) [قوله: منه يعود على المقسوم (5) لأن القسمة تدل عليه، لأن المصدر يدل على اسم المفعول؛ لأنه مشتق منه.
ومنه (6)] (7) قولهم (8): من صدق (9) كان خيرًا له، ومن كذب كان شرًا له؛ لأن صدق وكذب يدلان على مصدرهما، فاسم كان هو ضمير يعود على الصدق في الكلام الأول، ويعود على الكذب في الكلام الثاني، ومن هذا قول الشاعر:
إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف (10)
__________
(1) آية رقم 180 من سورة آل عمران.
(2) في ز: "يعود".
(3) انظر: المصدر السابق 4/ 290.
(4) آية رقم 8 من سورة النساء.
(5) انظر: المصدر السابق 5/ 50.
(6) "منه" ساقطة من ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) في ز: "وقولهم".
(9) في ط: "من صادق".
(10) أورده صاحب الخصائص، وصاحب الأمالي الشجرية ولم ينسباه، وأورده الزجاج في إعراب القرآن بلفظ:
إذا نهي السفيه جرى إليه ... يخالف والسفيه إلى خلاف
ونسبه لأبي قيس الأسلت الأنصاري.
(1/315)

يعني (1) بقوله (2): جرى إليه أي: جرى إلى السفه؛ لأن اسم الفاعل يدل على المصدر؛ فالسفيه (3) يدل على السفه.
فقول المؤلف: (إِلى لفظ)، صوابه: إلى لفظ أو ما يقوم مقامه.
أجيب عن هذا الإيراد (4): بأن كل محذوف من مفسرات الضمائر لا بد من دليل يدل عليها (5) فكأنه (6) ملفوظ بها (7)؛ لأن تقدم الدال كذكر المدلول.
الثالث قوله: (منفصل عنه) يقتضي: خروج الضمير المتصل (8) من الحد فيكون الحد غير جامع، نحو قولك: ربه رجلاً؛ لأن ضمير رب لا بد من اتصاله بمفسره (9).
أجيب عنه: بأن هذا نادر والنادر (10) لا يعترض به على الكليات.
الرابع: قوله: (أو قرينة تكلم أو خطاب) (11) فإنه تطويل في (12) الحد،
__________
= انظر: الخصائص لابن جني 3/ 49، الأمالي الشجرية لأبي السعادات هبة الله بن علي المعروف بابن الشجري 1/ 68، معاني القرآن للفراء 3/ 902.
(1) "يعني" ساقطة من ز وط.
(2) في ز: "فقوله"، وفي ط: "قوله".
(3) في ز: "لأن السفيه".
(4) في ز: "الاعتراض".
(5) في ز: "عليه".
(6) في ط: "فكأنها".
(7) في ز: "ملفوظًا به".
(8) في ز: "المتصل به مفسره".
(9) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 3/ 118.
(10) "والنادر" ساقطة من ط.
(11) في ط: "أو خاطب".
(12) "في" ساقطة من ط.
(1/316)

صوابه: أو قرينة حضور، فيشمل (1): حضور (2) المتكلم (3)، والمخاطب (4)؛ لأن المتكلم حاضر (5) وكذلك المخاطب حاضر (6).
أجيب عنه: بأنه لو عبر بالحضور لدخل عليه المشار إليه؛ لأنه حاضر؛ لأن الحاضر إما متكلم وإما مخاطب، وإما لا متكلم ولا مخاطب، وهو المشار إليه.
قال المؤلف في شرحه: اختلف الفضلاء في مسمى لفظ الضمير هل هو جزئي أو كلي؟ فذهب الأكثرون إلى أن [مسماه جزئي، وذهب الأقلون إلى أن مسماه كلي.
واستدل القائلون بأنه جزئي: بقاعدتين:
إحداهما (7): إجماع النحاة على (8) أن الضمير معرفة بل هو أعرف المعارف، فلو كان مسماه كليًا لكان نكرة؛ لأن] (9) مسمى النكرة كلي وهو قدر مشترك بين الأفراد لا يختص به واحد دون الآخر، والضمير يخص
__________
(1) في ط: "فيشمل".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الحضور".
(3) في ط: "والمتكلم".
(4) في ز وط: "والخطاب".
(5) في ز وط: "حاضر للمخاطب".
(6) في ز وط: "حاضر للمتكلم، فكل واحد منهما حاضر للآخر".
(7) في ز: "إحديهما".
(8) المثبت من ز، وفي الأصل: "إلى".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(1/317)

مدلوله؛ [لأن مدلوله] (1) غير شائع؛ لأن المتكلم إذا قال: أنا، تعين أن المراد بالضمير هو: المتكلم به، وكذلك إذا قلت للمخاطب: أنت، تعين أن المراد بهذا الضمير هو (2): المخاطب به (3)، وإذا قلت: زيد ضربته، تعين أن المراد (4) بهذا الضمير هو: زيد الغائب.
القاعدة الثانية: إجماع العقلاء على أن اللفظ الدال على الأعم لا (5) يدل على الأخص، وهي: قاعدة عقلية، فإذا قلت: في الدار إنسان، فلا يدل على خصوصية زيد، ولا عمرو، ولا هند، ولا دعد، فلو كان الضمير مسماه كليًا لما تعين [من قولك: "أنا" متكلم مخصوص، ولا تعين] (6) من قولك: "أنت" مخاطب مخصوص، ولا تعين من قولك: "هو" غائب مخصوص، مع أن الضمائر المذكورة مخصوصة (7) بمدلولاتها (8) (9).
فالأولى من هاتين القاعدتين نحوية (10)، والثانية أصولية] (11).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "هو" ساقطة من ط.
(3) "به" ساقطة من ط.
(4) في ط: "أن يكون المراد".
(5) "لا" ساقطة من ط.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) في ز: "مخصصة".
(8) في ز: "لمدلولاتها".
(9) نقل المؤلف بالمعنى وأدخل مع كلام القرافي زيادات من عنده.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 34، 35.
(10) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (1/ 60)؛ حيث ذكر أن أقسام المعارف سبعة أولها المضمر.
(11) ما بين المعقوفتين ورد في ز وط بلفظ: "فهاتان قاعدتان إحداهما نحوية وهي أنه لو =
(1/318)

واستدل القائلون بأن مسماه كلي:
قال المؤلف: و (1) هو المذهب الصحيح الذي أجزم بصحته: أنه لو كان مسماه جزئيًا لما صدق على شخص آخر إلا بوضع آخر كالأعلام، فإن العلم لما كان مسماه جزئيًا لا يصدق على غيره إلا بوضع ثان، فإن زيدًا الذي هو اسم علم على شخص معين لا يصدق على شخص آخر إلا بوضع مستأنف، فلو كان مسمى الضمير جزئيًا لما صدق قولك: "أنا" إلا على متكلم مخصوص، ولا صدق قولك: "أنت" إلا على مخاطب مخصوص، ولا صدق قولك: "هو" إلا على غائب مخصوص متعين (2)، وليس الأمر كذلك فإن لفظة "أنا" صادقة على جميع المتكلمين؛ إذ هي قدر مشترك بين أفراد المتكلمين، وكذلك لفظة "أنت" قدر مشترك بين أفراد المخاطبين، وكذلك لفظة "هو" مثلًا قدر مشترك بين أفراد الغائبين، فتبين بذلك: أن مسماه كلي لا جزئي، ولكن إذا حصل الجزئي حصل الكلي، فحاصل الدليل على أنه جزئي: أنه لو كان كليًا لكان شائعًا كالنكرة، وحاصل الدليل أنه (3) كلي: أنه لو كان جزئيًا لكان مختصًا بمعين كالعلم.
وأجيب عما استدل به القائلون بأنه جزئي أن كونه كليًا يقتضي أنه لا يختص به فرد من الأفراد، فإن (4) اللفظ قد يوضع لمعنى عام، ويدل الواضع
__________
= كان كليًا لكان نكرة، والثانية أصولية وهي أنه لو كان كليًا لكان دالًا على ما هو أعم من الشخص المعين".
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) في ز: "معين".
(3) في ز: "على أنه".
(4) في ز: "بأن".
(1/319)

على أن مسمى اللفظ محصور في شخص معين فيدل اللفظ عليه (1)؛ لانحصار مسماه فيه لا لأجل (2) وضعه له.
مثاله: قولك: رأيت قاضي المدينة، فإن المفهوم من هذا الكلام هو (3): القاضي المتولي في هذا الوقت دون غيره، فإن لفظ القاضي موضوع لقدر مشترك بين أفراد القضاة، ولكن دل الواضع ها هنا على حصر مسماه في شخص معين، وهكذا نقول في المضمرات؛ وذلك أن العرب وضعت لفظة "أنا" مثلًا للقدر المشترك بين أفراد المتكلمين، وهو: مفهوم المتكلم بها كائنًا من كان (4)، فإذا قال القائل (5): "أنا" فهم أن الواضع (6) لم يقل هذه اللفظة الآن إلا هو؛ لأجل انحصار المسمى فيه لا لأجل وضع اللفظ له (7).
وقال بعض الشراح: هذا الخلاف الواقع بين الفريقين في مسمى المضمر هل هو جزئي أو كلي هو: لفظي لا قولي؛ لأن من قال: هو كلي، إنما اعتبر مسماه، ومن قال: هو جزئي إنما اعتبر معناه، والفرق بين مسمى اللفظ ومعناه: أن مسماه هو المعنى الذي وضع له اللفظ، وأما معناه فهو: المعنى الذي يعنيه اللافظ بلفظه، فقد يعني به ما وضع له وهو الحقيقة، وقد يعني به
__________
(1) في ز: "فيدل عليه اللفظ".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "الأجل".
(3) في ط: "علو".
(4) في ز: "ما كان".
(5) "القائل" ساقطة من ط.
(6) في ز: "المتكلم".
(7) "له" ساقطة من ط، وإلى هنا انتهى نقل المؤلف من القرافي، وقد نقل بالمعنى.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 35.
(1/320)

غير ما وضع له: وهو المجاز، فالأول من باب الوضع، والثاني من باب الاستعمال.
فإذا علمت هذا ظهر لك أن اللفظ قد يوضع لمعنى عام (1) ثم يعرض له عند الاستعمال ما يشخصه، كقولك: الرجل (2) فإنه موضوع في اللغة للقدر المشترك بين أفراد الرجال، فإذا أريد به شخص معين ودخلت عليه الألف واللام للعهد، فذلك أمر عرض للمسمى بعد وضع اللفظ.
وبيان ذلك في: المضمرات، وأسماء الإشارات (3): أن "أنا" مثلًا وضع للمتكلم أي متكلم كان، و"أنت" موضوع (4) للمخاطب، أي مخاطب كان، و"ذا" موضوع للمشار إليه القريب، أي مشار (5) كان، و"ذلك" موضوع للمشار إليه البعيد، أي مشار (6) كان، فمسماها (7) في الوضع هو أمر كلي لم يعرض (8) لها في الاستعمال ما يعينها ويشخصها، فيصح أن يقال في المضمر والمشار إليه: معناهما جزئي، ولا يصح أن يقال: مسماهما جزئي؛ لما عرفت من الفرق بين المعنى والمسمى فافهمه.
__________
(1) "عام" ساقطة من ط.
(2) في ز: "رجل".
(3) في ز: "الإشارة".
(4) في ط: "وضع".
(5) في ز: "مشار إليه".
(6) في ز: "أي مشار إليه".
(7) في ز: "فمسماه".
(8) في ز وط: "ثم يعرض".
(1/321)

قوله: (والنص فيه ثلاثة (1) اصطلاحات قيل: هو (2) ما دل على معنى قطعًا ولا يحتمل غيره قطعًا؛ كأسماء الأعداد، وقيل: [هو] (3) ما دل على معنى قطعًا، وإِن احتمل غيره، كصيغ الجموع في العموم؛ فإِنها تدل على أقل الجمع قطعًا، وتحتمل الاستغراق، وقيل: [هو] (4) ما دل على معنى كيف كان (5)، وهو غالب استعمال الفقهاء).
ش: هذا هو المطلب التاسع وهو حقيقة النص، فذكر فيه المؤلف ثلاثة أقوال في الاصطلاح (6).
وأما معناه في اللغة: فهو: وصول الشيء إلى غايته، ومنه قوله في (7) الحديث: حين دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفات سار العنق فإذا وجد فرجة (8) نص (9).
__________
(1) المثبت من أوخ وز وش، وفي الأصل وط: "ثلاث".
(2) "هو" ساقطة من أوخ وش.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(5) في ش: "كيف ما كان".
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 36، المستصفى 1/ 384 - 389، البرهان 1/ 412، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 214، نهاية السول 2/ 60، العدة لأبي يعلى 1/ 137 - 140.
(7) "في" ساقطة من ط.
(8) في ز: "فجوة".
(9) أخرجه الإمام البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص.
(1/322)

العنق: ضرب من السير.
وقوله: فإذا (1) وجد فرجة (2) نص: أي فإذا وجد فسحة وسعة نص، أي دفع السير إلى غايته.
ومنه منصة العروس وهي: الكرسي الذي تجلس (3) عليه؛ لأنها ترفع إلى (4) غايتها اللائقة بالعروس.
ومنه نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنه قول (5) امرئ القيس (6):
__________
= قال هشام: والنص فوق العنق، فجوة: متسع.
صحيح البخاري كتاب الحج باب السير إذا دفع من عرفة (1/ 289).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحج باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة 4/ 74.
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب المناسك، باب الدفع من عرفة 2/ 191.
وأخرجه عنه النسائي في كتاب المناسك، باب كيف السير من عرفة 5/ 208.
وأخرجه الدارمي في كتاب المناسك باب كيف السير في الإفاضة من عرفة 1/ 385،
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/ 310. وأخرجه الإمام مالك في موطئه باب الدفع من عرفة رقم الباب 45، رقم الحديث العام 486، ص 164.
وأخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب الدفع من عرفة 2/ 1004.
(1) في ز: "وإذا".
(2) في ز: "فجوة".
(3) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "تجلى".
(4) المثبت من ط، ولم ترد "إلى" في الأصل.
(5) المثبت من ز، ولم ترد "قول" في الأصل.
(6) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن معاوية بن كندة، وقد جعلت بنو أسد أباه حجرا ملكا عليها فساءت سيرته، فجمعت له بنو أسد، واستعان حجر ببني حنظلة بن مالك بن زيد مناة، ثم التقت كندة وأسد، وانهزمت كندة، وقتل حجر، فلما علم امرؤ القيس بذلك قال: ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم =
(1/323)

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا (1) هي نصته ولا بمعطل (2)
أي: ولا بخال من الحلي.
قوله: (قيل: هو: ما دل على معنى قطعًا ولا يحتمل غيره قطعًا).
[قوله: قطعًا] (3) أي: جزمًا [مقطوعًا بعدم احتماله لغير ذلك المعنى،
__________
= خمر وغدًا أمر ثم قال:
خليلي ما في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذا كان ما كان مشرب
ثم طلب من بكر بن وائل جيشًا، ولم يزل يسير في العرب يطلب النصر وأغار على بني أسد، وقتل فيهم قتلًا ذريعًا، وسار إلى ملك الروم فأكرمه ونادمه، ثم بعث معه جيشًا فيهم أبناء ملك الروم، فقيل له: إنك أمددت رجلًا سيغدر بك، ويغررك فبعث له قيصر بحلة منسوجة بالذهب مسمومة، فسر بها امرؤ القيس ولبسها ومات من سمها.
انظر: الشعر والشعراء 1/ 105 - 136، تاريخ ابن عساكر 3/ 107 - 114، طبقات الشعراء للجمحي ص 34، 43، المؤتلف والمختلف للآمدي ص 5، سمط اللآلئ 1/ 38 - 40.
(1) في ز: "إذًا هو"، وفي ط: "إذ هو".
(2) قائل هذا البيت هو امرؤ القيس من قصيدته الطويلة التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
إلى أن قال:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
الجيد: العنق، الريم: الظبي، الأبيض: الشديد البياض، ليس بفاحش: أي ليس بكريه المنظر.
نصته: معناه: نصبته ورفعته، ومنه النص في السير ومنه المنصة، المعطل: العطل الذي لا حلي عليه.
انظر: ديوان امرئ القيس تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ص 16، شرح القصائد السبع لأبي بكر محمد الأنباري، ص 61.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(1/324)

فيدل بالقطع على معنى] (1) بدلالته عليه؛ لأن الجزم لغة: هو القطع (2)، ولا يحتمل غير ذلك: [المعنى (3) أي: مقطوعًا بعدم احتماله لغير ذلك المعنى، فيدل بالقطع من الجهتين.
واحترز بقوله: (ما دل على معنى قطعًا): مما دل] (4) على معنى لا بالقطع بل مع الاحتمال كما في الاصطلاح الثالث.
واحترز بقوله: (ولا يحتمل غيره قطعًا): مما دل على معنى قطعًا واحتمل غيره كما في الاصطلاح الثاني.
مثال هذا القسم (5) الأول: أسماء الأعداد؛ لأنها نصوصات في مدلولاتها؛ إذ تدل عليها قطعًا ولا تحتمل غيرها (6) قطعًا؛ كقوله تعالى في كفارة التمتع: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (7).
وقوله تعالى في كفارة اليمين بالله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (8).
وقوله تعالى في كفارة القتل وكفارة الظهار: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
__________
(1) ما بين المعقوفتين ورد في ز وط بلفظ: أي ما دل على معنى مقطوع عليه بدلالته ... إلخ".
(2) انظر: كتاب الأفعال للسرسقطي 2/ 294.
(3) في ز: "قطع".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط: "القول".
(6) في ز: "غيره".
(7) آية رقم 196 من سورة البقرة.
(8) آية رقم 89 من سورة المائدة.
(1/325)

شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (1).
وهذا القول الأول (2) هو اصطلاح (3) الأصوليين.
و (4) قوله: (وقيل: ما دل على معنى قطعًا (5) وإِن احتمل غيره).
هذا القول (6) الثاني هو (7): اصطلاح الفقهاء.
مثاله: العمومات والمطلقات، مثله (8) المؤلف (9) بصيغ الجموع في العموم، فإنها تدل بالقطع على أقل الجمع، وهو اثنان على قول، وثلاثة (10) على قول، وتحتمل أكثر من ذلك، فدلالة صيغة (11) العموم (12) على أقل الجمع بالقطع، ودلالتها على أكثر من ذلك بالظن.
مثاله: قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (13) يدل على (14) قتل أقل
__________
(1) آية رقم 92 من سورة النساء.
(2) "الأول" ساقطة من ط.
(3) في ط: "الاصطلاح".
(4) "الواو" ساقطة من ط.
(5) "قطعًا" ساقطة من ط.
(6) في ز: "هو القول".
(7) في ز: "وهو".
(8) في ز: "ومثله".
(9) "المؤلف" ساقطة من ط.
(10) في ز وط: "أو ثلاثة".
(11) في ط: "صيغ".
(12) في ز: "الجموع".
(13) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(14) "على" ساقطة من ط.
(1/326)

الجمع قطعًا ويدل على قتل أكثر من ذلك ظنًا؛ لأن صيغ العموم نص في أقل الجمع وظاهر في الاستغراق.
وقوله: (تدل (1) على أقل الجمع قطعًا وتحتمل الاستغراق).
هذا على مذهب القفال (2) القائل بجواز تخصيص العموم إلى أقل الجمع (3).
خلافًا للجماعة القائلين بجواز (4) التخصيص (5) إلى الواحد كما [بينه] (6) المؤلف في الباب السادس في العمومات في الفصل الخامس منه [فيما يجوز
__________
(1) "تدل" ساقطة من ط.
(2) هو: أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي المعروف بالقفال الكبير الشاشي نسبة إلى شاش، وهي مدينة وراء نهر سيحون، ولد سنة إحدى وتسعين ومائتين (291 ه)، رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام، وأخذ الفقه عن ابن سريج، وأخذ علم الكلام عن الأشعري، وكان إمامًا في: التفسير، والحديث، والكلام، والأصول، والفروع، والزهد، والورع، واللغة، والشعر، وهو أول من صنف الجدل الحسن، أخذ عنه محمد بن جرير الطبري ومحمد بن خزيمة، توفي سنة (336 ه)، وقيل: (366 ه)، من مصنفاته: "كتاب في الأصول"، و"شرح الرسالة" للشافعي.
انظر: وفيات الأعيان 4/ 200، 201، شذرات الذهب 3/ 51، 52، مرآة الجنان لليافعي 2/ 381، 382، النجوم الزاهرة 4/ 111، طبقات الفقهاء للسبكي 3/ 200 - 222، طبقات الفقهاء للشيرازي 91، 92، مفتاح السعادة 1/ 252.
(3) انظر مذهب القفال في: نهاية السول شرح منهاج الأصول 2/ 388.
(4) "بجواز" ساقطة من ز.
(5) في ز: "بالتخصيص".
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "يعينه"، وفي ط: "نبه".
(1/327)

التخصيص إليه؛ لأنه قال: ويجوز عندنا إلى الواحد ثم قال: وقال القفال: يجب إلى (1) أقل الجمع في الجموع المعرفة (2).
وسبب الخلاف الألف واللام إذا دخلت على الجمع هل تبطل حقيقة الجمع أم لا؟
والصحيح أنها تبطل حقيقة (3) الجمع وإلا تعذر (4) الاستدلال به حالة النفي أو النهي لكل (5) فرد من أفراده.
فإذا قال عليه السلام: "لا تقتلوا الصبيان".
فإنه يقتضي النهي عن قتل أفراد الجموع دون الآحاد فكأنه يقول: لا تقتلوا جماعة الصبيان (6)، وأما الصبي الواحد فيجوز قتله؛ لأنه (7) ليس (8) بجمع وليس هذا من شأن العموم؛ لأن العموم يقتضي (9) ثبوت الحكم لكل فرد من أفراده، و (10) لكن لما دخلت الألف واللام على الجمع أبطلت (11)
__________
(1) في ط: "ابقاء".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 112 - 114.
(3) "حقيقة" ساقطة من ط.
(4) المثبت من ط، وفي ز: "إذا تعذر".
(5) في ط: "فكل".
(6) في ط: "فكأنه يقول: لا تقتلوا جماعة الصبيان، فإنه يقتضي النهي عن قتل أفراد الجموع دون الآحاد، وأما الصبي الواحد ... إلخ".
(7) "لأنه" ساقطة من ط.
(8) في ط: "وليس".
(9) المثبت من ط، وفي ز: "يقيد".
(10) "الواو" ساقطة من ط.
(11) المثبت من ط، وفي ز: "أبطل".
(1/328)

حقيقة الجمع فيثبت الحكم (1) لكل فرد من أفراده] (2).
و (3) قوله: (قيل: هو (4) ما دل على معنى كيف كان، وهو غالب استعمال الفقهاء).
[وهذا هو (5) الاصطلاح الثالث الذي هو الجاري غالبًا على ألسنة الفقهاء] (6)؛ لأنهم يقولون: نص مالك على هذه المسألة.
ويقولون: لنا في هذه المسألة (7) النص والمعنى.
ويقولون أيضًا: نصوص الشريعة متظافرة بكذا.
وسبب الاختلاف (8) بين هذه الأقوال الثلاثة: أن النص له ثلاث مراتب: العليا، والدنيا (9)، والوسطى، فمن لاحظ العليا قال بالقول الأول وفي: أقوى الدلالات (10)، ومن لاحظ الدنيا (11) قال بالقول الثالث؛ لأنه راعى
__________
(1) في ط: "الحكم حينئذ".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) "هو" ساقطة من ط.
(5) "هو" ساقطة من ز.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(7) "المسألة" ساقطة من ط.
(8) في ط: "الخلاف".
(9) في ز: "والْدُنا".
(10) في ز: "الدلالة"، وفي ط: "أقوال".
(11) في ز: "الْدُنا".
(1/329)

مطلق الارتفاع (1) والظهور، ومن لاحظ الوسطى (2) قال بالقول الثاني (3).
قوله: (والظاهر هو المتردد بين احتمالين فأكثر وهو (4) في أحدهما أرجح).
ش: هذا هو المطلب العاشر في حقيقة الظاهر (5).
والظاهر لغة معناه: الواضح الراجح.
وسمي الظاهر في الاصطلاح بالظاهر مأخوذ (6) من الظهور الذي هو الوضوح والرجحان؛ لأنه متى كان اللفظ راجحًا في احتمال من الاحتمالات
__________
(1) في ز: "الدلالة".
(2) في ز: "ومن قال بالوسطى".
(3) وقد جمع الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد - رحمه الله - في شرح العنوان الاصطلاحات في النص فقال: هي ثلاثة:
أحدها: لا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدًا.
الثاني: اصطلاح الفقهاء وهو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور.
الثالث: اصطلاح الجدليين؛ فإن كثيرًا من متأخريهم يريدون بالنص مجرد لفظ الكتاب والسنة.
انظر: الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي وابنه 1/ 214.
ويقول الغزالي في المنخول (ص 165): "وأما الشافعي - رضي الله عنه - فإنه سمى الظاهر نصًا، ثم قال: النص ينقسم إلى ما يقبل التأويل وإلى ما لا يقبله، والمختار عندنا أن يكون النص ما لا يتطرق إليه التأويل".
(4) في أوخ وش: "هو".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 37، البرهان للجويني 1/ 416 - 419، المنخول ص 165، الإحكام للآمدي 3/ 52، نهاية السول 2/ 61، التلويح على التوضيح للتفتازاني 1/ 238، الوجيز للكرماستي ص 48، العدة لأبي يعلى 1/ 140.
(6) في ز: "لأنه مأخوذ".
(1/330)

سمي ظاهرًا بالنسبة إلى ذلك المعنى.
مثاله: رجحان الحقيقة على المجاز، ورجحان العموم على الخصوص، ورجحان المطلق على المقيد.
وغير ذلك مما يذكر في باب تعارض مقتضيات الألفاظ في قوله (1): يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، وعلى العموم دون الخصوص، وعلى الإفراد دون الاشتراك، وعلى الاستقلال دون الإضمار، وعلى الإطلاق دون التقييد إلى آخر الكلام (2).
قوله: (المتردد) (3) معناه: المحتمل، وهو: جنس أخرج به النص على الأقوال الثلاثة المذكورة فيه.
أما القول (4) الأول والثاني فظاهران؛ إذ لا تردد فيهما لاشتراط القطع في دلالتهما.
وأما القول الثالث الذي هو غالب استعمال الفقهاء، فإن الدلالة فيه لم تتعين للقطع ولا للظن؛ لأن دلالته قد تكون قطعية، وقد تكون ظنية، فلما لم (5) تتعين فيه الدلالة الظنية [على الخصوص] (6) امتاز بذلك عن الظاهر.
__________
(1) في ط: "وقوله".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 224.
(3) المثبت من ز وط وفي الأصل (والمتردد).
(4) في ط: "قول".
(5) "لم" ساقطة من ط.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(1/331)

و (1) قوله: (بين (2) احتمالين فأكثر) يندرج فيه: الظاهر، والمؤول، والمجمل.
و (3) قوله: (وهو في أحدهما أرجح) أخرج به المجمل؛ لأن احتمالاته (4) متساوية.
فقوله: (أرجح) احترازًا من احتمال (5) المساوي وهو: المجمل.
قوله: (وهو في أحدهما أرجح).
انظر ما وجه تثنية هذا الضمير، فقال أحدهما بالتثنية ولم يقل (6) في أحدها (7)، مع أن التردد قد يكون بين احتمالين وبين أكثر من احتمالين - كما قال المؤلف: [بين احتمالين فأكثر]- (8)؟
وإنما ثنى الضمير لتوقف حقيقة التردد على احتمالين؛ إذ لا وجود لها بدونهما، فلما كان فوات الزائد على احتمالين لا يخل بحقيقة اللفظ، وفوات أحد احتمالين (9) يخل بها أعاد الضمير مثنى، والله أعلم.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ز وط: "المتردد بين".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في ز: "الاحتمالات".
(5) في ز وط: "الاحتمال".
(6) "يقل" ساقطة من ز.
(7) في ط: "في أحدهما".
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(9) في ز وط: "أحد الاحتمالين".
(1/332)

قوله: (والظاهر هو المتردد بين احتمالين فاكثر، وهو في أحدهما أرجح).
اعترض عليه: بأنه غير مانع لاندراج المؤول فيه؛ لأنه متردد راجح في أحد احتمالاته، فينبغي أن يزاد في الحد فيقال: الظاهر هو: المتردد بين احتمالين فأكثر، وهو في أحدهما أرجح [بالوضع أو العرف؛ لأن حقيقة المؤول هو (1): المتردد بين احتمالين فأكثر وهو في أحدهما أرجح] (2) بالقرينة.
مثاله: رجحان المجاز في قولك: رأيت أسدًا يلعب (3).
قوله: (والمجمل هو المتردد بين احتمالين فأكثر على السواء).
ش: هذا هو المطلب الحادي عشر [في حقيقة المجمل (4)] (5).
واللفظ (6) المجمل (7) مأخوذ: من الجمل الذي هو الخلط، ومنه قوله عليه السلام: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا
__________
(1) في ط: "وهو".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ز وط: "يلعب في سيفه".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 38، المعتمد 1/ 292، البرهان 1/ 419 - 422، المستصفى 1/ 45، الإحكام للآمدي 3/ 8 - 12، نهاية السول 2/ 61، 508، العدة 1/ 142 - 151.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(6) "واللفظ" ساقطة من ط.
(7) في ط: "في المجمل".
(1/333)

أثمانها" (1) أي خلطوها بالسبك (2).
ومنه قولهم: العلم الإجمالي وهو الذي اختلط فيه المعلوم بالمجهول، وسمي المجمل مجملًا؛ لأنه اختلط فيه المراد بغير المراد (3).
__________
(1) هذا الحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها".
صحيح البخاري كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (2/ 258) مع حاشية السندي.
وأخرجه مسلم عن ابن عباس بهذا اللفظ وفيه "أن الرجل: سمرة"، كتاب المساقاة باب تحريم بيع الخمر والميتة (3/ 207) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
وأخرجه عن ابن عباس بهذا اللفظ أيضًا ابن ماجه في كتاب الأشربة، باب التجارة في الخمر 2/ 1122.
وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو: حرام"، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه".
صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، رقم الحديث 71 (3/ 1207).
وأخرجه بهذا اللفظ عن جابر أبو داود في كتاب البيوع باب ثمن الخمر والميتة 3/ 756 تعليق عزت الدعاس.
(2) في القاموس المحيط: سبكه يسبكه: أذابه وأفرغه.
انظر: مادة "سبك".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 37، 38.
(1/334)

قوله: (التردد) أخرج به النص؛ إذ لا تردد فيه.
قوله: (المتردد (1) بين احتمالين فأكثر على السواء) أي: هو اللفظ الدائر (2) بين معنيين فصاعدًا على السواء، أي: من غير ترجيح أحد الاحتمالات على غيرها بل تساوت الاحتمالات فيه.
و (3) قوله: (على السواء) أخرج به الظاهر؛ لأن الظاهر لم تتساو فيه لاحتمالات؛ لأن أحد احتمالاته (4) أرجح من غيره كما تقدم في حقيقة الظاهر.
قوله: (ثم التردد (5) قد يكون من جهة الوضع كالمشترك، وقد يكون من جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إِلى أشخاص مسماه، كقوله (6) تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (7) فهو ظاهر بالنسبة إِلى الحق مجمل بالنسبة إِلى مقاديره).
ش: ذكر المؤلف ها هنا أن التردد المذكور له سببان:
أحدهما: الوضع اللغوي.
والثاني: التجويز العقلي.
__________
(1) في ط: "وهو المتردد".
(2) في ط: "الرائد".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في ز: "الاحتمالات".
(5) في ط: "المتردد".
(6) في أوخ وز وش وط: "نحو قوله تعالى".
(7) آية رقم 141 من سورة الأنعام.
(1/335)

مثال التردد الذي سببه الوضع: اللفظ (1) المشترك بين معنيين أو بين معان.
فمثال (2) اللفظ المشترك بين معنيين: لفظ القرء، فإنه مشترك بين الطهر والحيض، فقوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (3) مجمل لا يدرى على (4) ماذا يحمل (5) القرء من معنييه، هذا مثال المجمل المتردد بين احتمالين.
ومثال اللفظ المشترك بين معان: لفظ العين؛ فإنه مشترك بين العين الباصرة، والفوارة (6)، وعين الركبة، وعين الميزان، وعين الشمس، وعين الرحى، وذات الشيء، وخيار الشيء، وغير ذلك (7)، هذا مثال المجمل المتردد بين أكثر من احتمالين، هذا بيان السبب الذي هو من جهة الوضع.
ومثال السبب الثاني الذي هو التردد (8) من جهة التجويز العقلي: لفظ الرجل، فإذا قلت: رأيت رجلًا، فإنه يصدق على زيد، أو عمرو (9) أو بكر، أو نصر (10)، أو خالد، أو عامر، أو ناصر، أو على (11) غيرهم (12) من سائر
__________
(1) في ط: "للفظ".
(2) في ز وط: "مثال".
(3) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(4) "على" ساقطة من ز.
(5) في ز: "يحمل عليه".
(6) في ز: "وبين الفوارة".
(7) انظر: القاموس المحيط مادة (عين).
(8) في ط: "المتردد".
(9) في ز: "وعمرو".
(10) في ز: "ونصر".
(11) في ط: "أو ناصر أو علي وعلى غيرهم".
(12) في ز: "وخالد وعامر وناصر وعلى غيرهم".
(1/336)

أفراد الرجال على البدلية، فإن معقول الرجل قدر مشترك بين كل متصف بالرجولية، ولا يختص به واحد دون آخر إلا بدليل، فإن لفظ الرجل موضوع في اللغة لمعنى واحد وهو معنى الرجولية وليس في الوضع اللغوي إجمال، وإنما التردد فيه من جهة العقل [يجوز أن يكون ذلك الرجل زيدًا أو عمرًا، أو بكرًا، أو نصرًا، أو غيرهم، فالتردد في لفظ الرجل وغيره من سائر الألفاظ (1) المتواطئات والنكرات (2) إنما جاء من جهة العقل] (3) لا من جهة الوضع هذا بيان السبب الذي هو من جهة العقل.
وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: وقد يكون من جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إلى أشخاص مسماه وقد تقدم معنى المتواطئ (4).
فتحصل مما ذكرناه (5) أن سبب التردد شيئان (6): الاشتراك اللفظي أو الاشتراك (7) المعنوي.
قوله: (نحو قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (8) فهو ظاهر بالنسبة إِلى الحق، مجمل بالنسبة إِلى مقاديره).
ش: لما ذكر المؤلف حقيقة الظاهر والمجمل أولًا ذكر ها هنا (9) مثالهما،
__________
(1) "الألفاظ" ساقطة من ز.
(2) "النكرات" ساقطة من ز.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) انظر: (1/ 264) من هذا الكتاب.
(5) في ز: "مما قررناه"، وفي ط: "مما قدرناه".
(6) في ز: "سببان".
(7) في ط: "والاشتراك".
(8) آية رقم 141 من سورة الأنعام.
(9) "ها هنا" ساقطة من ط.
(1/337)

فمثلهما (1) معًا بقوله تعالى (2): {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}.
فقوله (3): (فهو ظاهر بالنسبة إِلى الحق) أي: هذا الدليل ظاهر بالنسبة إلى ثبوت الحق؛ لأن الحق ثابت فيه بلا شك وهو مجمل بالنسبة إلى مقادير الحق، هل النصف أو الربع أو الثلث أو غير ذلك؟
وقيل: معنى قوله: (ظاهر بالنسبة إلى الحق) أي: هذا الدليل ظاهر بالنسبة إلى حمل الحق على الوجوب؛ لأن لفظ الحق يحتمل الوجوب، ويحتمل الندب، فحمله على الوجوب ظاهر راجح، وحمله على الندب (4) مرجوح (5).
مثاله في الوجوب: قوله تعالى (6): {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (7).
ومثاله في الندب: قوله تعالى في المتعة: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (8)؛ لأن
__________
(1) في ط: "مثالهما فمثلهما".
(2) "تعالى" لم ترد في ط.
(3) في ز: "قوله".
(4) في ط: "المندوب".
(5) في ز: "مرجوح؛ لأن لفظ الحق استعمل في الوجوب والندب"، وفي ط: "لأن لفظ يستعمل في الوجوب والندب" ..
(6) "قوله تعالى" لم ترد في ط.
(7) آية رقم 47 من سورة الروم.
وانظر: تفسير القرطبي 14/ 43، وتفسير الشوكاني 4/ 230، وتفسير ابن سعدي 6/ 138.
(8) قال تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236].
(1/338)

المتعة مستحبة لعدم تقديرها و (1) لتعليقها بالإحسان؛ إذ لو كانت واجبة لأطلقها على كل أحد (2) من المحسنين وغيرهم (3).
[فالحق إذًا يستعمل في الوجوب والندب (4).
و (5) يحتمل أن يكون معنى الكلام، هذا الدليل ظاهر بالنسبة إلى حمل الأمر بالحق على الوجوب؛ لأن الأمر يستعمل في الوجوب كقوله (6) تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (7) ويستعمل في الندب كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (8)، فالأمر (9) في قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) في ط: "واحد".
(3) اختلف العلماء في مقتضى الأمر في قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} على قولين:
الأول: أنه يحمل على الوجوب لمقتضى الأمر، وإليه ذهب ابن عمر، وعلي بن أبي طالب، والحسن بن أبي الحسن، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك بن مزاحم.
الثاني: أنه يحمل على الندب، وإليه ذهب أبو عبيد، ومالك بن أنس، وأصحابه، والقاضي شريح، واستدلوا بدليلين:
الأول: أن الله تعالى لم يقدرها وإنما وكلها إلى اجتهاد المقدر.
الثاني: أن الله تعالى قال: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} و {عَلَى الْمُتَّقِينَ} ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين فتعليقها بالإحسان وليس بواجب وبالتقوى وهو معنى خفي دل على أنها للاستحباب.
انظر: تفسير القرطبي 3/ 200، 203، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 217.
(4) قوله: "فالحق إذًا يستعمل في الوجوب والندب" ساقط من ط.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) في ط: "لقوله".
(7) آية رقم 72 من سورة الأنعام.
(8) آية رقم 33 من سورة النور.
(9) في ط: "فالأمر إذًا".
(1/339)

حَصَادِهِ} (1) يحتمل حمله على الوجوب، ويحتمل حمله على الندب، وحمله على الوجوب ظاهر أرجح، وحمله على الندب (2) مرجوح.
فالاحتمال في التأويل الأول في نفس الحق (3)، هل يراد به الوجوب؟ أو يراد به الندب؟ والاحتمال في التأويل الآخر راجع إلى مدلول الأمر هل (4) يراد به الوجوب أو الندب؟ تقدير الكلام على التأويل الأول فهو ظاهر بالنسبة إلى مدلول الحق، وتقديره على التأويل الآخر فهو ظاهر بالنسبة إلى مدلول الأمر بالحق، أي: ظاهر بالنسبة إلى وجوب الحق؛ لأن الأمر ظاهر في حمله على الوجوب.
فقوله إذًا: (فهو ظاهر بالنسبة إِلى الحق) فيه [ثلاثة] (5) تأويلات:
قيل: معناه ظاهر بالنسبة إلى (6) ثبوت الحق.
وقيل: معناه ظاهر بالنسبة إلى معنى الحق.
وقيل: معناه ظاهر بالنسبة إلى معنى الأمر بالحق.
وأقربها التأويل الأول، والله أعلم] (7).
و (8) قوله: (مجمل بالنسبة إِلى مقاديره).
__________
(1) آية رقم 141 من سورة الأنعام.
(2) في ط: "المندوب".
(3) في ط: "فالاحتمال في الندب في نفس الحق".
(4) في ط: "وهل".
(5) في ز (ثلاث) والمثبت هو الصواب.
(6) من قوله: "وجوب الحق" إلى قوله: "بالنسبة إلى" ساقط من ط.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(8) "الواو" ساقطة من ز وط.
(1/340)

هذا مثال المجمل [أي هذا الدليل مجمل بالنسبة إلى مقادير الحق] (1)؛ لأن هذا اللفظ الذي هو الحق يصدق على العشر، وعلى التسع، وعلى الثمن، وعلى السبع، وعلى السدس، وعلى (2) غيرها من سائر الأجزاء، فهذا الإجمال إنما تطرق إلى هذا اللفظ من طريق العقل لا من طريق الوضع اللغوي، وهذا الإجمال الكائن في هذه الآية قد زال بقوله عليه السلام: "فيما سقت السماء (3) العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر" (4).
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل.
(2) "على" ساقطة من ز.
(3) في ط: "الماء".
(4) ورد هذا الحديث بطرق متعددة، فقد أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 359) في كتاب الزكاة باب العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر".
وأخرجه الترمذي بهذا اللفظ (3/ 23).
وأخرجه أبو داود عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر" كتاب الزكاة باب صدقة الزرع (3/ 352) تعليق عزت الدعاس.
وأخرجه ابن ماجه بهذا اللفظ إلا إنه ليس فيه النضح، كتاب الزكاة باب صدقة الزرع (1/ 581).
وأخرجه النسائي بهذا اللفظ في كتاب الزكاة، باب ما يوجب العشر (5/ 41).
وورد هذا الحديث من طريق آخر أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشر" كتاب الزكاة، باب ما فيه العشر أو نصف العشر (2/ 675).
وأخرجه أبو داود عن جابر في كتاب الزكاة باب صدقة الزرع 3/ 253.
وأخرجه النسائي في كتاب الزكاة باب ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر =
(1/341)

. . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= (5/ 42)، وورد من طريق آخر أخرجه النسائي عن معاذ قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء العشر وفيما سقي بالدوالي نصف العشر (5/ 42)، وأخرجه عن معاذ، ابن ماجه في كتاب الزكاة (1/ 581)، وأخرجه الدارمي عن معاذ في كتاب الزكاة باب العشر فيما سقت السماء (1/ 393)، وأخرجه من طريق آخر عن معاذ أبو داود (3/ 253).
(*) ذكر بعض الأصوليين أسبابًا أخرى للإِجمال أذكرها ها هنا مختصرة تتميمًا للفائدة:
الأول: الإجمال العارض للفظ بواسطة الإعلال كالمختار فإنه صالح لاسم الفاعل واسم المفعول.
الثاني: بواسطة جمع الصفات وإردافها بما يصلح أن يرجع إلى كلها أو إلى بعضها نحو قولك: زيد طبيب، أديب، خياط، ماهر، فقولك: ماهر يصلح أن يكون راجعًا إلى الكل أو إلى البعض.
الثالث: المجمل بواسطة استثناء المجهول كقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1]، ثم بين الله هذا المستثنى فصار معلومًا وانتفى الإجمال.
الرابع: المجمل بواسطة التركيب كقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [سورة البقرة: 237]، فإن من بيده العقدة يحتمل أن يكون هو الزوج أو الولي.
الخامس: المجمل بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه، كقولك: كل ما علمه الفقيه فهو كما علمه، فإن الضمير في هو متردد بين العود إلى الفقيه وإلى معلومه.
السادس: المجمل بسبب الِوقف والابتداء كما في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [الآية 7 من سورة آل عمران]، فالواو في قوله: {وَالرَّاسِخُونَ}، مترددة بين العطف والابتداء ويختلف المعنى بذلك.
السابع: الإجمال بصلاحية اللفظ للمتشابهين بوجه ما كالنور للعقل والشمس.
الثامن: الإجمال بصلاحيته لمتماثلين كالجسم للسماء والأرض، والرجل لزيد وعمرو.
التاسع: قد يكون الإجمال بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع عما وضع له في اللغة عند القائلين بذلك قبل بيانه لنا، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [سورة البقرة: 43]، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ =
(1/342)

قوله: (والمبين (1) هو: ما أفاد معناه إِما (2) بسبب الوضع أو بضميمة بيان (3) إِليه).
ش: هذا هو المطلب الثاني عشر في حقيقة (4) المبين (5) وهو مأخوذ من: البيان وهو: الوضوح، والظهور (6)، يقال: المبين والمفسر كما يقال في مصدريهما (7): البيان والتفسير.
قوله (8): (والمبين هو ما أفاد معناه) أي: ومعنى اللفظ المبين هو: اللفظ الذي أفاد للسامع (9) المراد به (10)، واحترز بذلك من المشترك والمجمل؛ لأن كل واحد منها لا يفيد لسامعه (11) المراد به.
__________
= سَبِيلًا} [سورة آل عمران: 97]، فإنه يكون مجملًا لعدم إشعار اللفظ بما هو المراد منه بعينه من الأفعال المخصوصة.
انظر: المستصفى 1/ 360، الإحكام للآمدي 3/ 11، نهاية السول 2/ 510 - 511 الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 227 - 228.
(1) في ط: "المميز".
(2) "إما" ساقطة من ط.
(3) في ط: "البيان".
(4) في ط: "حد".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 38، المعتمد 1/ 292، البرهان 1/ 159 - 168، المستصفى 1/ 364، الإحكام للآمدي 3/ 25، نهاية السول 2/ 542، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 231، العدة لأبي يعلى 1/ 100 - 130.
(6) انظر: الأفعال للسرسقطي 4/ 70.
(7) في ط: "مصريهما".
(8) "قوله" ساقطة من ط.
(9) في ز: "السامع".
(10) "به" ساقطة من ط.
(11) في ز: "السامع".
(1/343)

و (1) قوله: (إِما بسبب الوضع أو بضميمة بيان (2) إِليه).
ذكر في هذه الجملة أن البيان يحصل للسامع بشيئين:
أحدهما: وضع اللفظ.
والثاني: ما يضم إلى ذلك اللفظ الذي أريد بيانه.
مثال المبين بسبب وضعه: قولك (3): له عندي عشرة.
وقوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (4) فإن (5) أسماء الأعداد إذًا (6) أفادت معانيها بنفس وضعها؛ إذ هي نصوص معانيها (7)؛ إذ لا تتحمل أكثرها ولا أقلها (8).
ومثال المبين بما يضم إليه: قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر"، فهو: بيان لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (9).
ومثاله أيضًا: فعله عليه السلام لمناسك الحج، فإن فعله ذلك بيان لقوله
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز وط.
(2) في ط: "البيان".
(3) في ط: "كقولك".
(4) آية رقم 196 من سورة البقرة.
(5) في ط: "لأن".
(6) "إذًا" ساقطة من ز.
(7) في ط: "في معانيها".
(8) في ط: "إذ لا يحتمل أقلها ولا أكثرها".
(9) آية رقم 141 من سورة الأنعام.
(1/344)

تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (1).
وغير ذلك من سائر أنواع البيان، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في الباب الثاني عشر في المجمل (2) والمبين.
[فالحق المأمور به في قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ} مبين بقوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر".
والحج المأمور به في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (3) مبين بفعله عليه السلام، وبقوله أيضًا، لأنه قال: "خذوا عنّي مناسككم" (4).
وكذلك الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (5) مبينة (6)
__________
(1) آية رقم 97 من سورة آل عمران.
(2) في ط: "الجمل".
(3) آية رقم 97 من سورة آل عمران.
(4) أخرجه الإمام مسلم: عين أبي جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: "لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
انظر: صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر (4/ 79).
وأخرجه أبو داود بهذا اللفظ في كتاب المناسك، باب رمي الجمار، (2/ 201)
وأخرجه الإمام أحمد في المسند 6/ 318، 337، 378.
(5) آية رقم 72 من سورة الأنعام.
(6) في ط: "وهي مبينة".
(1/345)

بفعله عليه السلام، وبقوله أيضًا؛ لأنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (1) وغير ذلك من الأدلة الواردة مجملة، ثم بينت بعد إجمالها] (2).
قوله: (والعام هو: اللفظ (3) الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في محاله (4) نحو: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}).
ش: هذا هو المطلب الثالث عشر في حقيقة العام (5).
قوله: (الموضوع) يقتضي أن العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني.
__________
(1) هذا طرف من حديث وتمامه كما أخرجه البخاري عن مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنّا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم ومروهم - وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها - وصلوا كما رأيتموني أصلى، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم".
انظر: البخاري كتاب الآذان، باب الآذان للمسافر (1/ 117).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (5/ 53).
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) "اللفظ" ساقطة من أوخ وش.
(4) في خ: "في محاله بحكمه".
(5) انظر تعريف العام في: المحصول 2/ 513، المعتمد 1/ 189، اللمع للشيرازي المطبوع مع تخريجه ص 87، المستصفى 2/ 32، الإحكام للآمدي 2/ 195 - 198، شرح التنقيح للقرافي ص 38، 39، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 80، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 312، شرح المحلي على متن جمع الجوامع 1/ 398، تيسير التحرير 1/ 190، التلويح على التوضيح 1/ 57، كشف الأسرار 2/ 33، العدة 1/ 140، التمهيد 2/ 5.
(1/346)

و (1) قوله: (لمعنى) أخرج به: المشترك؛ لأنه موضوع لمعنيين فأكثر.
وقوله: (كلي) أخرج به: العلم؛ لأنه موضوع لمعنى جزئي.
وقوله: (بقيد تتبعه في محاله) أخرج به: المطلق؛ لأنه موضوع لمعنى كلي بقيد البدلية لا بقيد التتبع لأفراده نحو: رجل صالح (2).
قوله: (بقيد تتبعه) أي: بشرط تتبع ذلك المعنى واستقصائه بالحكم في محاله، أي: في جميع أفراده وأشخاصه، والباء في قوله: (بقيد) للمصاحبة تقديره (3): والعام هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي [مصحوبًا بقيد تتبعه أي: بشرط تتبع ذلك المعنى (4) بالحكم في جميع الأفراد والأشخاص سواء كان ذلك الحكم أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا] (5) أو كيف ما كان (6).
مثَّله (7) المؤلف بقوله تعالى (8): {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (9).
فالحكم في هذا المثال هو الأمر بالقتل، والمعنى المتتبع هو: الشرك، ومحال هذا المعنى هو أشخاص المشركين.
واعترض هذا الحد: بأن قيل (10): هذا الحد لا يتناول من المحدود شيئًا؛
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "صالح" ساقطة من ز وط.
(3) في ط: "تدبره".
(4) "المعنى" ساقطة من ز.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ط: "أو كيف كان ما مثله".
(7) في ز: "ومثله".
(8) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(9) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(10) هذا الاعتراض الأول.
(1/347)

لأن تعليق الحكم على معنى كلي بقيد تتبعه في محاله هو حقيقة (1) العلة لا حقيقة (2) العام؛ لأن المعنى الكلي إذا علق عليه (3) وجرى معه في جميع موارده نفيًا وإثباتًا فهو: علة مطردة منعكسة، ولا معنى لتتبع المعنى (4) الكلي بالحكم في محاله إلا اطراده وانعكاسه، فهذا (5) حد لعموم المعاني، وإنما وضع الحد المذكور لعموم الألفاظ، فالحد إذًا لا يتناول المحدود.
الثاني (6): أن كلامه هنا (7) مناقض (8) لكلامه في باب العمومات؛ لأن ظاهر كلامه ها هنا أن مدلول العموم: كلي، لقوله: هو اللفظ [الموضوع لمعنى كلي] (9)، وظاهر كلامه في باب العمومات: أن مدلول العموم كلية؛ لأنه قال في باب العمومات في الفصل الثاني في مدلوله: وهو كل واحد واحد (10) لا الكل من حيث هو كل فهو كلية لا كل وإلا لتعذر الاستدلال به حالة النفي والنهي (11). انتهى نصه (12).
__________
(1) "حقيقة" ساقطة من ط.
(2) "لا" ساقطة من ط.
(3) في ز: "معه".
(4) "المعنى" ساقطة من ز.
(5) "فهذا" ساقطة من ط.
(6) في ط: "والثاني".
(7) في ز وط: "ها هنا".
(8) في ط: "متناقض".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) "واحد" ساقطة من ط.
(11) في ز: "أو النهي".
(12) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 95.
(1/348)

فالمراد بالمدلول والموضوع واحد وهو: المسمي؛ لأن (1) هذه الألفاظ الثلاثة مترادفة على معنى واحد، فما ذكره المؤلف في باب العموم هو (2): الصحيح؛ لأن مدلول العام هو: الكلية لا الكل، ولا الكلي.
وقد تقدم لنا في الفصل الخامس معاني هذه الحقائق الثلاث:
فالكلية هي: الحكم على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد، وهي (3): مدلول العام.
والكل هو: الحكم على المجموع من حيث هو: مجموع، وهو: مدلول أسماء الأعداد.
والكلي هو: الحكم على فرد واحد من غير تعيين، وهو: مدلول النكرات.
فالكلية تتناول جميع (4) الأفراد نفيًا وإثباتًا، والكل يتناول جميع الأفراد إثباتًا ولا يتناولها نفيًا، والكلي يتناول جميع الأفراد نفيًا ولا يتناولها إثباتًا؛ لأنه أعم ويلزم من نفي الأعم نفي الأخص دون العكس.
مثال الكلية التي هي الحكم على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد: قولك في الإثبات: أكرم المسلمين، فإنه أمر بإكرام جميع أفراد (5) المسلمين.
__________
(1) في ز وط: "فإن".
(2) في ط: "وهو".
(3) في ز: "وهو".
(4) "جميع" ساقطة من ط.
(5) "أفراد" ساقطة من ز.
(1/349)

[ومثاله (1) في النفي: ما رأيت المسلمين، فإنه نفي لجميع أفراد المسلمين] (2).
وكذلك قولك (3): لا تضرب المسلمين، فإنه نهي عين ضرب جميع أفراد المسلمين.
فتبين من هذه الأمثلة أن الكلية تتناول الخصوصات (4) في الإثبات والنفي.
ومثال الكل الذي هو الحكم على المجموع من حيث هو مجموع: قولك في الإثبات: أكرم عشرة، فإنه أمر بإكرام جميع أفراد العشرة.
ومثاله في النفي: ما رأيت عشرة فإنه إخبار بأنه ما رأى مجموع العشرة، وليس فيه ما يدل (5) على نفي رؤية أفراد العشرة؛ لأنه يجوز أن يرى تسعة، أو ثمانية، أو غيرها من أفراد العشرة.
ومثاله في النهي: لا تكرم عشرة، فإنه نهي عن إكرام مجموع العشرة، وليس فيه ما يدل على النهي عين إكرام أقل من مجموع العشرة، فيجوز له أن يكرم تسعة أو ثمانية أو غيرها من أفراد العشرة، فإنه لم ينهه (6) إلا عن إكرام المجموع من حيث هو مجموع.
__________
(1) المثبت من ز، وفي الأصل: "ومثالها".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ز: "في النهي".
(4) في ز: "جميع الأفراد".
(5) "ما" ساقطة من ط.
(6) في ز وط: "ينه".
(1/350)

فتبين من هذه الأمثلة: أن الكل يتناول جميع الأفراد في الإثبات ولا يتناولها في النفي (1).
ومثال الكلي الذي هو الحكم على القدر المشترك من غير تعيين أفراده، قولك في الإثبات: [أكرم رجلًا، فإنه أمر بإكرام رجل من غير تعيين لفرد من أفراد الرجال، فإنه لا يتناول خصوص الأفراد في الإثبات.
وكذلك قولك] (2): رأيت رجلًا، فإنه إخبار برؤية رجل من غير تعيين فرد من أفراد الرجال؛ لأنه لا يتناول إلا القدر المشترك فلا يتناول خصوص الأفراد في الإثبات.
ومثاله في النهي: قولك: لا تكرم رجلًا، فإنه نهي عن إكرام جميع الأفراد، وكذلك قولك في النفي: ما رأيت رجلًا، فإنه نفي لرؤية جميع أفراد الرجال.
[فتبين من هذه الأمثلة أن: الكلي يتناول الأفراد في النهي والنفي ولا يتناولها في الإثبات] (3)، فلو كان مدلول اللفظ العام [كلًا] (4)، لتعذر
__________
(1) في ز: "في النفي والنهي".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) ما بين المعقوفتين ورد في ز بلفظ: "لأن الكلي يتناول جميع الأفراد في النفي والنهي ولا يتناولها في الإثبات، وأن الكلي يتناول الأفراد في الإثبات ولا يتناولها في النفي والنهي"، وفي ط: "لأن الكلي يتناول جميع الأفراد في النفي والنهي فتبين من هذه الأمثلة أن الكلي يتناول الأفراد في النفي والنهي ولا يتناولها في الإثبات وأن الكلي يتناول الأفراد في الإثبات ولا يتناولها في النفي والنهي فلو كان ... إلخ".
(4) المثبت من "ز" و"ط"، وفي الأصل (كليًا).
(1/351)

الاستدلال بالعموم (1) في حالة النفي والنهي كما يتعذر بالكل، فإذا قال الشارع مثلًا: لا تقتلوا صبيان الكفار، وقلنا: مدلوله الكل، يقتضي (2) ذلك النهي عن قتل مجموع الصبيان، وليس فيه نهي عن قتل صبي واحد أو صبيين، وليس هذا (3) شأن العموم، فلا يصح إذًا أن يكون مدلول العموم (4) كلًا.
ولو كان مدلول اللفظ العام أيضًا كليًا: لتعذر الاستدلال بالعموم (5) أيضًا (6) في حال الثبوت (7) كما يتعذر بالكلي، فإذا قال الشارع مثلًا: اقتلوا المشركين، وقلنا: مدلوله الكلي، فيقتضي (8) ذلك الأمر قتل (9) جماعة "ما" من المشركين، وليس فيه أمر بقتل مشرك واحد أو مشركين، وليس هذا شأن (10) العموم (11)؛ لأن شأن العموم (12) تتبع الأفراد بالحكم مطلقًا نفيًا وإثباتًا.
__________
(1) في ز: "بالعام".
(2) في ز وط: "فيقتضي".
(3) "هذا" ساقطة من ط.
(4) في ز وط: "اللفظ العام".
(5) في ز: "بالعام".
(6) "أيضًا" ساقطة من ز وط.
(7) في ز: "الإثبات".
(8) في ط: "يقتضي".
(9) في ز وط: "بقتل".
(10) في ط: "من شأن".
(11) في ز: "العام".
(12) في ز: "العام".
(1/352)

فتلخص مما ذكرنا: أن العام مدلوله الكلية (1)، لا كل، ولا كلي؛ لأن الكلية تدل على جميع الأفراد نفيًا وإثباتًا.
قوله: (العام هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في محاله).
ش: هذا الحد أحسن منه ما قاله في باب العموم في قوله في (2) الفصل الثاني في مدلوله: وهو كل واحد واحد لا الكل من حيث هو (3) كل، فهو كلية لا كل، وإلا لتعذر الاستدلال به حالة النفي والنهي. انتهى نصه (4).
فنقول على مقتضى كلامه في باب العموم: حد اللفظ العام هو: اللفظ المقتضي ثبوت الحكم لكل فرد فرد، بحيث لا يبقى فرد، وبالله التوفيق (5).
قوله: (والمطلق هو اللفظ (6) الموضوع لمعنى كلي نحو: رجل (7)).
ش: هذا هو المطلب الرابع عشر في حقيقة اللفظ المطلق (8).
قوله: (الموضوع لمعنى)، أخرج به المشترك؛ لأنه موضوع لأكثر من معنى.
وقوله: (كلي) أخرج به: العلم؛ لأنه موضوع لمعني جزئي، وأخرج به
_________
(1) في ز: "كلية".
(2) "في" ساقطة من ط.
(3) "هو" ساقطة من ط.
(4) شرح التنقيح للقرافي ص 195.
(5) في ز وط: "وبالله التوفيق بمنه".
(6) "اللفظ" ساقطة من أ.
(7) في ز: "كرجل".
(8) انظر: المعتمد 1/ 288، اللمع مع تخريجه ص 32، الإحكام للآمدي 3/ 3، شرح التنقيح ص 39، 40، الوجيز للكرماستي ص 34.
(1/353)

أيضًا (1) العام؛ لأنه موضوع لمعنى كلية (2).
وقوله: (لمعنى كلي) سواء (3) كان مستويًا في محاله، أو مختلفًا في محاله، فيندرج فيه: المتواطئ، والمشكك.
قوله: (نحو رجل)؛ لأن (4) لفظ رجل موضوع لمعنى واحد، وهو: الرجولية، وكذلك لفظ الإنسان موضوع لمعنى واحد وهو: الإنسانية، وكذلك لفظ الحيوان موضوع لمعنى (5) واحد وهو: الحيوانية.
قوله: (والمقيد هو: اللفظ الذي أضيف إِلى مسماه معنى زائد عليه نحو رجل صالح).
ش: هذا هو المطلب الخامس عشر في حقيقة اللفظ المقيد (6) وهو: ضد المطلق.
مثاله: رجل صالح، أو (7) عالم، أو جاهل، فإن الصلاح والعلم والجهل معان زائدة على الرجولية.
و (8) قوله (9): (معنى) يريد: أو أكثر من معنى واحد، نحو:
__________
(1) "أيضًا" ساقطة من ز.
(2) في ز: "كلي".
(3) في ز: "أي سواء".
(4) في ز: "أي لأن".
(5) في ز: "فإنه موضوع".
(6) انظر: المصادر السابقة في ص 353.
(7) "أو" ساقطة من من ط.
(8) "الواو" ساقطة من ز.
(9) "وقوله" ساقطة من ط.
(1/354)

زيد (1) عالم صالح شجاع سخي، أو غير ذلك.
قال المؤلف في الشرح: التقييد والإطلاق أمران إضافيان، فرب مطلق مقيد بنسبة (2)، ورب مقيد مطلق بنسبة (3)، فإذا قلت: حيوان ناطق، فهذا مقيد، وإذا عبرت عنه بإنسان صار مطلقًا، وإذا قلت: إنسان ذكر، كان مقيدًا، وإذا عبرت عنه برجل (4) صار مطلقًا، وكذلك ما من مطلق إلا و (5) يمكن جعله مقيدًا بتفصيل (6) مسماه، والتعبير عن الجزئين بلفظين، وما من مقيد إلا و (7) يمكن أن (8) يعبر عنه [بلفظ واحد] (9) فيصير مطلقًا، إلا ما يندر جدًا كالبسائط (10). انتهى نصه (11).
وضابط ذلك: أن كل حقيقة إن (12) اعتبرت من حيث هي هي فهي مطلقة، وإن اعتبرت مضافة إلى غيرها فهي: مقيدة.
قوله: (والأمر هو اللفظ الموضوع لطلب الفعل طلبًا (13) جازمًا (14) على
__________
(1) في ز: "رجل".
(2) في ط: "بالنسبة".
(3) في ط: "بالنسبة".
(4) في ط: "بالرجل".
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) في ز: "بتفسير".
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) في ط: "إلا".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) في ز: "كالبساط".
(11) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 39 - 40.
(12) المثبت من ز، ولم ترد "إن" في الأصل.
(13) "طلبًا" ساقطة من ط.
(14) في ط: "جزمًا".
(1/355)

سبيل الاستعلاء نحو: قم).
ش: هذا هو المطلب السادس عشر في حقيقة الأمر (1).
قوله: (اللفظ) (2) هذا بناء (3) على القول بأن الأمر حقيقة في اللساني مجاز في النفساني، وهو مذهب الأصوليين.
وقيل: بالعكس وهو مذهب المتكلمين.
وقيل: حقيقة فيهما، وسيأتي (4) بيانه في باب (5) الأوامر (6) إن شاء الله تعالى (7) (8).
قوله: (اللفظ الموضوع) احترازًا من اللفظ المهمل، نحو: مقلوب زيد (9)، فإن قولك: ديز، وقول: لجر (10) لفظ مهمل (11) أي غير موضوع،
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 43، العدة 1/ 157، اللمع مع تخريجه ص 64، البرهان 1/ 203، المستصفى 1/ 411، الإحكام للآمدي 2/ 137 - 141، شرح تنقيح الفصول ص 40، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 226، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 3، شرح المحلي على متن جمع الجوامع 1/ 366، تيسير التحرير 1/ 334.
(2) في ز: "والأمر هو اللفظ".
(3) في ز: "بيان".
(4) في ز وط: "ويأتي".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 126.
(6) في ط: "الأمر".
(7) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(8) انظر (2/ 443 - 445) من هذا الكتاب.
(9) في ز وط: "زيد ورجل".
(10) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لجمر".
(11) "لفظ" ساقطة من ز.
(1/356)

أي غير مستعمل (1).
و (2) قوله: (لطلب)، احترازًا من الخبر، والتنبيه، والتمني (3)، والترجي، والتعجب، والنداء، والإنشاء.
وقوله: (الفعل)، احترازًا من النهي؛ لأنه طلب الترك لا الفعل واحترازًا من الاستفهام أيضًا؛ لأنه طلب الحقيقة [لا طلب الفعل] (4).
وقوله: (طلبًا جازمًا) أي: طلبًا (5) لا فسحة فيه للمكلف، احترازًا من المندوب فإنه طلب غير جازم، أى فيه فسحة للمكلف؛ إذ لا يجب فعله على المكلف (6).
قوله: (طلبًا جازمًا)، هذا جار (7) على القول بأن المندوب (8) غير مأمور به.
والصحيح أن المندوب مأمور به؛ لأن (9) العلماء يقولون: الأمر على قسمين: [أمر إيجاب أو أمر ندب] (10).
__________
(1) في ز: "أي ليس بمستعمل".
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) في الأصل وز وط (وهو التمني) والمثبت هو الصواب.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) في ز: "بلا"، وفي ط: "أي لا فسحة".
(6) في ز وط: "المكلف به".
(7) "جار" ساقطة من ط.
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الندب".
(9) في ط: "فإن".
(10) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "واجب ومندوب".
(1/357)

وقوله: (على سبيل الاستعلاء)، احترازًا من الدعاء والالتماس.
وقوله: (على سبيل الاستعلاء) أي: يشترط (1) أن يكون في لفظ الأمر ما يدل على الغلبة والقهر؛ لأن الاستعلاء معناه: الغلبة والقهر، ومنه (2) قوله تعالى: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} (3)، أي: غلب وقهر.
[وقوله: (على سبيل الاستعلاء) هذا على القول بشرط الاستعلاء في الأمر] (4).
وقوله: (على سبيل (5) الاستعلاء) ظاهره أيضًا: أن العلو لا يشترط (6) في الأمر؛ لأنه ذكر الاستعلاء ولم يذكر العلو.
ومعنى العلو: أن يكون الآمر أعلى (7) رتبة من المأمور، كأمر الله جل وعلا (8) لعباده، وكأمر الملك لرعيته (9)، وكأمر السيد لعبده، وكأمر الوالد لولده، وكأمر الزوج لزوجته.
وهذه المسألة اختلف فيها على ثلاثة مذاهب:
__________
(1) في ط: "بشرط".
(2) في ط: "نحو".
(3) سورة طه، آية رقم 64.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(5) "سبيل" ساقطة من ط.
(6) في ط: "لا يشترك".
(7) في ط: "على".
(8) في ز: "عز وجل".
(9) في ط: "الرعية".
(1/358)

قيل: يشترط العلو دون الاستعلاء.
وقيل: يشترط الاستعلاء دون العلو.
وقيل: لا يشترط واحد منهما.
وهذه الأقوال المذكورة نص عليها (1) المؤلف في باب الأوامر في قوله: ولا يشترط فيه علو الآمر خلافًا للمعتزلة، واختار الباجي من المالكية وأبو الحسين (2) والإمام فخر الدين، الاستعلاء، ولم يشترط غيرهم الاستعلاء ولا العلو.
والاستعلاء: هيئة في الأمر من الترفع وإظهار القهر (3).
والعلو: يرجع إلى هيئة الآمر من (4) شرفه وعلو منزلته بالنسبة إلى المأمور. انتهى نصه (5).
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "عليه".
(2) في ز وط: "أبو الحسن من المعتزلة".
وأبو الحسن هو محمد بن علي بن الطيب البصري، سكن بغداد، ودرس بها الكلام، وهو شيخ المعتزلة وصاحب التصانيف الكلامية، وكان من أذكياء زمانه، أخذ عن القاضي عبد الجبار، توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة (436 ه).
مصنفاته منها: "المعتمد" في الأصول وهو من الكتب التي أخذ فخر الدين الرازي المحصول منها، و"تصفح الأدلة"، و"غرر الأدلة"، و"شرح الأصول الخمسة"، و"الإمامة".
له ترجمة في: وفيات الأعيان 4/ 271، شذرات الذهب 3/ 259، تاريخ بغداد 3/ 100، طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار وأحمد بن المرتضى تحقيق علي سامي النشار ص 125.
(3) في ز: "القدر".
(4) في ط: "في شرفه".
(5) هذا نص كلام القرافي في متن التنقيح. انظر: الشرح ص 136، 137.
(1/359)

فذكر أن (1) الاستعلاء: صفة في الكلام وهو الأمر، وأن (2) العلو: صفة للمتكلم (3) وهو الآمر.
وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اشتراط العلو هو القول الذي عليه جمهور العلماء (4) واللغويين (5).
والدليل على ذلك أن أرباب اللغة فرقوا بين الأمر والسؤال والالتماس [بعلو الرتبة] (6) فقالوا: إذا كان الطلب من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر، وإذا (7) كان من الأدنى إلى الأعلى فهو سؤال، وإذا كان من المساوي إلى مساويه فهو التماس.
وسيأتي بيان ذلك في باب (8) الأوامر (9) إن شاء الله تعالى (10).
وأورد (11) على (12) قوله: (لطلب الفعل): أنه غير جامع؛ لأنه
__________
(1) "أن" ساقطة من ط.
(2) "أن" ساقطة من ز.
(3) في ط: "في المتكلم".
(4) في ط: "الجمهور من العلماء".
(5) انظر نسبة هذا القول للقاضي عبد الوهاب في: شرح التنقيح للقرافي ص 137، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 118.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) في ز: "وأن".
(8) "باب" ساقطة من ز وط.
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 137، وانظر (2/ 492) من هذا الكتاب.
(10) "تعالى" لم ترد في ز.
(11) في ط: "وأريد".
(12) في ط: "على ذلك".
(1/360)

خرج (1) طلب القول والاعتقاد؛ لأنه يؤمر بالقول والاعتقاد كما يؤمر بالفعل كقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (2)، وقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا} (3)، وقوله تعالى في الأمر بالاعتقاد: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (4)، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (5)، وغير ذلك.
أجيب (6) عن ذلك: بأن المراد بالفعل إيجاد الشيء [وإدخاله في الوجود، فمعنى قوله: (لطلب الفعل) (7)، أي لطلب (8) إيجاد الشيء فيندرج في كلامه الفعل والاعتقاد] (9) (10)؛ لأن إيجاد الشيء أعم من الفعل (11)، أو (12) القول والاعتقاد (13) ولك أن تقول: أطلق المؤلف الفعل على العمل الذي هو أعم من عمل الجوارح وعمل اللسان وعمل القلب؛ لأن تحريك اللسان والقلب عمل (14).
__________
(1) في ز وط: "خرج منه".
(2) سورة الإخلاص، آية رقم 1.
(3) قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}، سورة البقرة آية رقم 136.
(4) سورة الزمر آية رقم 2.
(5) سورة البينة آية رقم 5، ولم ترد هذه الآية في ز وط.
(6) في ز: "وأجيب".
(7) "الفعل" ساقطة من ط.
(8) "لطلب" ساقطة من ط.
(9) في ط: "الفعل والقول والاعتقاد".
(10) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(11) "الفعل" ساقطة من ز.
(12) "أو" ساقطة من ز.
(13) "الاعتقاد" ساقطة من ز وط.
(14) في ز وط: "الفعل".
(1/361)

وأورد أيضًا على قوله: (لطلب الفعل): بأنه غير مانع؛ لأنه يدخل عليه النهي، لأن قوله: (لطلب الفعل) فالفعل (1) لفظ مطلق يصدق على الفعل الذي ليس بكف وهو: متعلق الأمر، ويصدق أيضًا على الفعل الذي هو كف وهو: متعلق النهي؛ لأن المؤلف قال في باب النواهي: ومتعلقه فعل ضد المنهي عنه؛ لأن العدم غير مقدور، وعند (2) أبي هاشم عدم المنهي عنه (3). انتهى نصه.
فإذا كان متعلق النهي فعل الضد (4) فإنه مندرج ها هنا في حكم (5) الأمر، فيكون الحد غير مانع، وإنما يصح هذا الحد (6) على مذهب أبي هاشم (7) القائل: بأن متعلق النهي عدم المنهي عنه؛ لأن العدم ليس فعلًا (8)، وأما على
__________
(1) في ز: "يصدق عليه فإن الفعل".
(2) في ش: "وعن".
(3) هذا نص كلام القرافي في متن التنقيح. انظر: شرح التنقيح ص 171.
(4) في ز: "فعل ضد المنهي عنه"، وفي ط: "فعل ضد والمنهي عنه".
(5) في ط: "حد".
(6) "الحد" ساقطة من ط.
(7) هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، أبو هاشم بن أبي علي الجبائي المتكلم المعتزلي، ولد سنة سبع وأربعين ومائتين (247)، وهو شيخ المعتزلة في عصره، وإليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، وله مصنفات في الاعتزال، وقد سكن بغداد إلى حين وفاته، توفي في بغداد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (321 ه).
انظر: تاريخ بغداد 11/ 55، وفيات الأعيان 3/ 183، البداية والنهاية 11/ 176، شذرات الذهب 2/ 289، طبقات المعتزلة ص 94.
(8) في ز وط: "ليس بفعل".
(1/362)

مذهب الجماعة القائلين: بأن متعلق النهي فعل، فالحد غير مانع لاندراج النهي فيه.
أجيب (1) بأن قيل: خرج النهي (2) من الحد بقوله: الموضوع؛ لأن دلالة النهي على فعل ضد المنهي عنه دلالة التزامية؛ لأن ذلك توسلًا إلى ترك المنهي عنه، ودلالة الالتزام ليست وضعية، وأما دلالة الأمر على الفعل فهي (3) دلالة وضعية؛ لأن تعلق الأمر بالفعل وصف ذاتي، فخرج المنهي (4) بقوله الموضوع والله أعلم.
قوله: (والنهي: هو اللفظ (5) الموضوع لطلب الترك طلبًا جازمًا) (6).
ش: هذا هو المطلب السابع عشر في حقيقة النهي (7) وهو: [مقابل (8) الأمر] (9).
__________
(1) في ز وط: "أجيب عن هذا".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل "المنهي".
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فهو".
(4) في ط: "النهي".
(5) "اللفظ" ساقطة من خ.
(6) تعريف النهي ساقط من ش.
(7) انظر: المعتمد 1/ 168، العدة 1/ 159، اللمع مع تخريجه ص 85، البرهان 1/ 283، المستصفى 1/ 411، شرح التنقيح ص 40، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 293، شرح المحلى على متن الجوامع 1/ 390، تيسير التحرير 1/ 374.
(8) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "مغاير".
(9) ما بين القوسين ساقط من ز.
(1/363)

قوله: (الموضوع) احترازًا من المهمل.
وقوله: (لطلب) احترازًا من الخبر والتنبيه.
و (1) قوله: (الترك) احترازًا من الأمر والاستفهام؛ لأن الأمر طلب الفعل، والاستفهام طلب الحقيقة.
و (2) قوله: (طلبًا جازمًا) احترازًا من المَكروه؛ لأنه مطلوب الترك، لكن في تركه (3) طلبه فسحة.
ولم يذكر المؤلف الاستعلاء ها هنا (4) في النهي (5) كما ذكره في الأمر، مع أن الأشياخ (6) نصوا على اشتراط العلو أو الاستعلاء معًا في النهي من غير خلاف.
قال المؤلف في الشرح: ولم أر لهم خلافًا في اشتراط العلو والاستعلاء في النهي فتركته (7)، ويلزمهم التسوية بين البابين (8). انتهى (9).
وأورد على قوله: (لطلب الترك): بأن متعلق النهي عدم المنهي عنه، وليس ذلك بمذهب الجماعة القائلين بأن متعلقه فعل ضد المنهي عنه، وإنما هذا
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) "تركه" ساقطة من ز وط.
(4) في ز: "المؤلف ها هنا بالاستعلاء".
(5) في ز: "أي في النهي".
(6) في ز وط: "الأشياء".
(7) في ز: "فنذكره".
(8) في ط: "في البابين".
(9) شرح التنقيح للقرافي ص 40.
(1/364)

على مذهب أبي هاشم القائل بأن متعلقه عدم المنهي عنه.
أجيب عنه بأن قيل: الترك فعل (1) لا عدم؛ لأن العدم غير مقدور للمكلف، وأما الترك فهو مقدور له.
قوله: (والاستفهام هو: طلب حقيقة (2) الشيء (3)) (4).
ش: هذا هو المطلب الثامن عشر في حقيقة الاستفهام.
قوله: (طلب) (5) أي: هو: اللفظ الموضوع لطلب حقيقة الشيء.
قوله: (طلب) احترازًا من الخبر والتنبيه.
وقوله: (حقيقة الشيء) احترازًا من الأمر والنهي؛ لأن الأمر طلب الفعل والنهي طلب الترك؛ وذلك أن الأمر والنهي والاستفهام هذه الأشياء الثلاثة مشتركة في مطلق الطلب، وامتاز الأمر بطلب الفعل، وامتاز النهي بطلب الترك، وامتاز الاستفهام بطلب حقيقة (6) الشيء (7).
مثال الاستفهام: قولك: ما الإنسان؟، أي ما حقيقة الإنسان؟ فيقال: هو الحيوان الناطق.
ومثاله أيضًا: ما الحبر؟ أي ما حقيقة الحبر؟ وهو المداد، فيقال:
__________
(1) في ز وط: "هو فعل".
(2) في خ: "الحقيقة".
(3) "الشيء" ساقطة من خ.
(4) ما بين القوسين ساقط من ش.
(5) في ز وط: "هو طلب".
(6) في ز وط: "الحقيقة".
(7) "الشيء" ساقطة من ز وط.
(1/365)

هو (1) مجموع عفص (2) وزاج وماء.
ومثاله أيضًا: قولك: ما المَلَك؟ [أي ما حقيقة المَلَك؟] (3).
فيقال: هو (4) جسم لطيف شفاف، مخلوق من نور، معصوم من الرذائل، مطبوع على الطهارة والطاعة.
قوله: (والاستفهام طلب (5) حقيقة الشيء) معناه: طلب حصول العلم بحقيقة الشيء [بماهية (6) الشيء] (7)؛ لأن الحقيقة والماهية واحد.
واعترض هذا الحد بأن قيل: هو (8) غير جامع؛ لأنه (9) لا يتناول (10) من أدوات (11) الاستفهام (12) إلا "ما"؛ لأنها هي التي يسأل بها عن الحقيقة (13).
__________
(1) "هو" ساقطة من ز.
(2) في ط: "عصف".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) "هو" ساقطة من ط.
(5) في ط: "هو طلب".
(6) في ط: "أي بماهية".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) "هو" ساقطة من ط.
(9) المثبت من ز، ولم ترد "لأنه" في الأصل وط.
(10) في ط: "فلا يتناول".
(11) في ط: "ذوات".
(12) الاستفهام والاستعلام والاستخبار بمعنى واحد، فالاستفهام مصدر استفهمت أي: طلبت الفهم، وهذه السين تفيد الطلب، وكذلك الاستعلام والاستخبار مصدر استعلمت واستخبرت، ولما كان الاستفهام معنى من المعاني لم يكن بد من أدوات تدل عليه إذ الحروف هي الموضوعة لإفادة المعاني.
انظر: شرح المفصل لابن بعيش 8/ 150.
(13) في ط: "حقيقة الشيء".
(1/366)

[وأما غير "ما" فيسأل (1) بها عن شيء آخر غير الحقيقة] (2).
وذلك أن "مَنْ" مثلا (3) يسأل بها عما التبس من الذوات، و"أي" يسأل بها عما التبس من المشتركات، و"كيف" يسأل بها عما التبس من الأحوال، و"كم" يسأل بها عما التبس من المعدود (4)، و"متى" يسأل بها عما التبس من الأزمنة، و"أين" يسأل بها عما التبس من الأمكنة، و"هل" و"الهمزة" (5) يسأل بها عما التبس من الموجود (6).
وقال بعضهم: بل (7) كلام المؤلف صادق على الجميع، قال أرباب علم البيان: الاستفهام (8) طلب ما في الخارج أن يحصل في الذهن [من تصور أو تصديق، فقول المؤلف: طلب حقيقة الشيء، أي طلب حقيقة الشيء الموجود في الخارج أن يحصل في الذهن] (9) وذلك أعم من أن يكون الموجود في الخارج (10) تصورًا أو تصديقًا، والله أعلم.
فكلامه صادق على جميع أدوات الاستفهام وهي [ثلاث عشرة] (11) وهي:
__________
(1) في ط: "وغيرها يسئل".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط ولم يرد في الأصل.
(3) "مثلًا" ساقطة من ط.
(4) في ط: "المعدودات".
(5) انظر هل والهمزة وهما حرفا استفهام في شرح المفصل لابن يعيش 8/ 150.
(6) المثبت في ز وط، وفي الأصل: "الوجود".
(7) "بل" ساقطة من ز.
(8) المثبت من ز وط ولم ترد "الاستفهام" في الأصل.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) في ز: "بالخارج".
(11) في الأصل وز وط (ثلاثة عشر) والمثبت هو الصواب.
(1/367)

الهمزة، وهل، وأم المنقطعة، وأم المتصلة، ومن، وما، وأي (1)، وكيف، ومتى، وأين، وأيان، وأنى.
فأما الهمزة - وهي (2) الأصل في هذا (3) الباب - فيستفهم بها عن التصور وعن (4) التصديق.
وأما هل فيستفهم بها عن التصديق خاصة، وكذلك أم المنقطعة.
وأما المتصلة فيستفهم بها عن التصور خاصة، وكذلك ما بقي من الحروف.
مثال الهمزة في التصور: ألَبن في الإناء أم عسل؟ فالمسئول عنه (5) في هذا المثال هو: المظروف.
ومثاله أيضًا قولك (6): أعسل في الخابية أم في الزق؟ فالمسئول عنه (7) في هذا المثال هو: الظرف.
ومثاله أيضًا (8) قولك: أضربت زيدًا؟ فالمسئول عنه في هذا المثال هو: الفعل.
__________
(1) "أي" ساقطة من ز.
(2) في ط: "فهي".
(3) "هذا" ساقطة من ز وط.
(4) "عن" ساقطة من ط.
(5) "عنه" ساقطة من ز.
(6) في ز: "مالك".
(7) "عنه" ساقطة من ز.
(8) "أيضًا" ساقطة من ز.
(1/368)

ومثاله أيضًا قولك: أأنت ضربت زيدًا؟ فالمسئول عنه في هذا المثال (1) هو: الفاعل.
ومثاله أيضًا: أزيدًا ضربته (2) فالمسئول عنه في هذا المثال هو: المفعول.
و (3) مثال الهمزة في التصديق قولك: أزيد قائم (4)؟، ومثاله أيضًا: أقام زيد (5)؟
ومثال هل في التصديق قولك: هل قام زيد؟ ومثاله أيضًا: هل زيد قائم؟
ومثاله أيضًا (6): هل عمرو قاعد؟ ولا يستعمل هل في التصور، فلا يجوز أن تقول: هل زيد قام أم عمرو.
وأما "ما" فيسأل بها عن شرح الاسم، أو عن (7) شرح المسمى، أي يسأل بها عن شرح الاسم لمن هو عارف بالمسمى، إلا أنه جاهل بدلالة الاسم عليه، كمن علم حقيقة الإنسان وسمع لفظ البشر، ولم يعلم موضوعه (8)، فإذا قال: ما (9) البشر؟ أي ما المراد بالبشر؟
__________
(1) في ز: "المثال الثاني".
(2) في ز وط: "ضربت".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في ز وط: "أقام زيد".
(5) في ز وط: "أزيد قائم".
(6) "أيضًا" ساقطة من ط.
(7) في ز: "وعن".
(8) في ز: "معناه ومدلوله".
(9) "ما" ساقطة من ط.
(1/369)

فيقال له: الإنسان، أو الحيوان الناطق، هذا بيان شرح الاسم.
وأما شرح المسمى فهو لمن هو عارف بدلالة الاسم عليه، إلا أنه جاهل بالمسمى.
وأما "من" فيسأل بها عن الشخص، كقولك: من في الدار؟
وأما "أي" فيسأل بها عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، كقولك: أي ما هو الإنسان من أنواع الحيوان؟ فيقال: الناطق [ومنه قوله تعالى: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} (1) أي أنحن أم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؟] (2).
وأما "كم" فيسأل بها عن العدد، كقولك: كم عبدًا عندك؟، ومنه قوله تعالى: {كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} (3).
وأما "كيف" فيسأل بها عن الحال، كقولك: كيف حال زيد؟
وأما "أين" فيسأل بها عن المكان [كقولك: أين دارك؟] (4).
وأما متى فيسأل بها عن الزمان كقولك: متى سفرك؟
وأما "أيان" فيسأل بها (5) عن الزمان المستقبل كقولك: أيان يخرج السلطان؟، ومنه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} (6).
__________
(1) قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73].
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) قال تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [سورة البقرة آية رقم 211].
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) المثبت من ط، ولم ترد "بها" في الأصل وز.
(6) سورة الأعراف آية رقم 187.
(1/370)

وأما "أنى": فتارة تكون بمعنى كيف، نحو قوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (1) أي كيف شئتم.
وتارة تكون بمعنى "أين"، كقوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا} (2)، أي: من أين لك هذا؟
قوله (3): (والخبر (4) هو: اللفظ (5) الموضوع للفظين فأكثر، أسند مسمى أحدهما إِلى مسمى (6) الآخر إِسنادًا يقبل الصدق والكذب (7) لذاته، نحو: زيد قائم).
ش: واعلم أن الخبر (8) لغة يطلق على: الإشارة، ويطلق على: كلام الحال، ويطلق على: كلام النفس، ويطلق على: كلام اللسان.
مثال إطلاقه على الإشارة: أخبرتني (9) عيناك بكذا، ومنه قول الشاعر:
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 223.
(2) سورة آل عمران آية رقم 37.
(3) في ز: "قوله".
(4) كلمة "الخبر" ساقطة من ش.
(5) "اللفظ" ساقطة من أوخ وش.
(6) "إلى مسمى" ساقط من ط.
(7) في ش: "التصديق والتكذيب".
(8) الخبر لغة: النبأ، وخبره وأخبره بكذا: أنبأه، وهو مشتق من الخبار، وهي الأرض الرخوة، والخبر يثير الفائدة كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر.
لسان العرب وتهذيب اللغة للأزهري مادة (خبر).
وفي الاصطلاح عرفه أبو الحسن البصري فقال: هو كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفيًا أو إثباتًا.
انظر: المعتمد 2/ 75.
(9) في ز وط: "قولك: "أخبرتني".
(1/371)

تخبرك العينان ما القلب كاتمه
ومثال إطلاقه على (1) كلام الحال قول النابغة (2):
زعم الغداف بأن رحلتنا غدًا ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود (3)
__________
(1) "على" ساقطة من ط.
(2) هو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وهو أحد شعراء الجاهلية المشهورين ومن أعيان فحولهم، وكان مع النعمان ابن المنذر ملك العرب بالحيرة ومع أبيه وجده، ثم إن النعمان بلغ عنه شيئًا وذلك بسبب الوشاة فأهدر دمه، فهرب النابغة وانقطع إلى عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني، وامتدحه فغم النعمان، وبلغه أن الذي قذف به عنده باطل فأرسل له أن يعود إليه فعاد وقال قصيدته التي يعتذر فيها، والتي فيها هذا البيت:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
توفي سنة (602 م) للميلاد، (18) قبل الهجرة.
انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة 1/ 157 - 173، تهذيب ابن عساكر 5/ 427 - 433، المؤتلف والمختلف للآمدي ص 293، خزانة الأدب 5/ 96 - 97، طبقات فحول الشعراء للجمحي تحقيق محمود محمد شاكر 1/ 51.
(3) قائل هذا البيت هو النابغة الذبياني من قصيدة له يصف امرأة تسمى المتجردة حيث طلب منه النعمان بن المنذر أن يصفها، ومطلع القصيدة:
أمن آل مية أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مُزَود
أفدَ الترحل غير أن ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأن قد
زعَم البوارح أن رحلتنا غدًا ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود
هكذا ورد هذا البيت الذي استشهد به المؤلف، ويقول محقق الديوان: إنه ورد في بعض نسخ الديوان الغداف بدل البوارح، والبوارح: جمع بارح: وهي الطيور التي تجيء عن يمينك فتوليك مياسرها، والعرب تتطير بها.
وقوله: زعم الغداف أي أنذر بالرحيل، أي أخبر بالفراق إذا نعق، ولما جاء الإسلام أبطل هذه المعتقدات الجاهلية ومنها الطيرة لأنها من الشرك.
انظر هذا البيت في: التوضيح والبيان عن شعر نابغة ذبيان ص 64، الخصائص لابن جني تحقيق النجار 1/ 240، همع الهوامع للسيوطي 1/ 99 مادة (غدف).
(1/372)

ومعنى الغداف: هو الغراب السابغ الريش، ومنه قولهم: أغدفت المرأة القناع، إذا أرخته على وجهها (1).
ومنه أيضًا (2) قول الكميت (3) يمدح رجلاً:
أخبرت عن فعاله الأرض ... واستنطق منها اليباب والمعمور (4)
أراد أنه حفر فيها الأنهار وغرس الأشجار وأثّر الآثار، فلما تبينت للأبصار صارت (5) كذات الأخبار.
ومثال إطلاقه على كلام النفس قولك (6): أخبرتني نفسي بكذا.
ومثال إطلاقه على كلام اللسان: قوله تعالى: {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} (7)، وقولك: أخبرني فلان بكذا.
__________
(1) انظر: القاموس المحيط 3/ 179.
(2) "أيضًا" ساقطة من ط.
(3) هو الكميت بن زيد بن الأخنس بن مخالد بن وهيب بن عمرو بن سبيع الأسدي ولد سنة ستين للهجرة (60 ه)، وهو شاعر مقدم عالم بلغات العرب خبير بأيامها، وكان في أيام بني أمية ولم يدرك الدولة العباسية، وكان معروفًا بالتشيع لبني هاشم، توفي الكميت بن زيد في خلافة مروان بن محمد سنة ست وعشرين ومائة (126) ه.
انظر: المؤتلف والمختلف للآمدي ص 357، طبقات الشعراء للجمحي 163، 268 الأغاني 15/ 108 - 125، الحيوان للجاحظ 2/ 364 سمط اللآلي 1/ 11.
(4) قائل هذا البيت هو الكميت بن زيد الأسدي، وقاله يمدح خالد بن عبد الله القسري وكان حفارًا غراسًا، والمعنى أي أثر فيها آثارًا حسنة، بنى المساجد وحفر الآبار والأنهار، واليباب: الخراب أي بنى فيه فسكن.
انظر: شعر الكميت بن زيد الأسدي جمع د. داود سلوم ج 1 ق 1 (ص 203)، رقم القصيدة 266.
(5) في ز: "صار".
(6) "قولك" ساقطة من ط.
(7) سورة التوبة آية رقم 94.
(1/373)

فهذه أربعة معان يطلق عليها (1) الخبر وهي الإشارة وكلام الحال، وكلام النفس وكلام اللسان (2)، أما الأولان وهما الإشارة، وكلام الحال، فإطلاق الخبر عليهما مجاز.
وأما الآخران (3) وهما النفس وكلام اللسان، فاختلف العلماء في إطلاق الخبر عليهما على ثلاثة أقوال:
قيل: هو حقيقة في اللساني والنفساني معًا (4)، فهو لفظ مشترك بينهما.
قال المؤلف في الشرح: و (5) هذا القول هو المشهور، وقاله إمام الحرمين والإمام فخر الدين (6) لوروده فيهما معًا، والأصل الحقيقة.
وقيل: هو حقيقة في اللساني، مجاز في النفساني (7)؛ لأن اللسان هو المتبادر إلى الذهن في العرف، والتبادر (8) إلى الفهم دليل الحقيقة.
وقيل: هو حقيقة في النفساني، مجاز في اللساني، وإليه ذهب (9) الشيخ
__________
(1) في ط: "عليه".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الإنسان".
(3) في ط: "الأخيران".
(4) أي أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا كما يتناول لفظ الإنسان الروح والبدن معًا، وهذا قول السلف.
انظر: شرح الطحاوية ص 129.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 40.
(7) أي أنه يتناول اللفظ فقط، والمعنى مدلول مسماه، وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم: انظر: شرح الطحاوية ص 130.
(8) في ط: "والمتبادر".
(9) في ط: "أشار".
(1/374)

أبو الحسن الأشعري (1)، دليله (2) قول الأخطل (3):
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلًا (4)
__________
(1) هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر أبو الحسن الأشعري، ولد سنة سبعين ومائتين بالبصرة، أخذ عن أبي علي الجبائي وتبعه في الاعتزال ثم تاب وأعلن توبته في المسجد الجامع بالبصرة، ونسبت إليه الطائفة الأشعرية، وقيل: إنه رجع إلى مذهب السلف، وأما مذهبه الفقهي فهو شافعي تفقه على أبي إسحاق المروزي وأخذ عنه أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو بكر القفال، من مصنفاته: "الرد على المجسمة"، "مقالات الإسلاميين"، "الإبانة عن أصول الديانة"، "رسالة في الإيمان"، "مقالات الملحدين", توفي سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة ببغداد.
انظر: تاريخ بغداد 11/ 346، وفيات الأعيان 3/ 284، طبقات الشافعية 3/ 347، الديباج المذهب ص 193، تبيين كذب المفتري فيما نسب للشيخ أبي الحسق الأشعري لابن عساكر ص 146.
(2) في ز: "ودليله".
(3) هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو بن التيحان ويلقب بالأخطل، شاعر مشهور نصراني، وله مكانة في الشعر، فقد سئل حماد بن الزبرقان عن الشعراء فقال: أشعر العرب شيخنا وائل الأعشى في الجاهلية والأخطل في الإسلام. توفي سنة تسعين للهجرة (90 ه). وله ديوان شعر مطبوع في مجلدين تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة.
انظر: المؤتلف والمختلف للآمدي (ص 21)، الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 483، فحولة الشعراء للأصمعي ص 23، 24، الأغاني 8/ 321، شعر الأخطل تحقيق فخر الدين قباوة 1/ 13.
(4) لم أجده في ديوانه.
وقد ذكره ابن يعيش في شرح المفصل مستدلاً به على أن الكلام يطلق بإزاء المعنى القائم بالنفس ولكنه لم ينسبه لقائله.
انظر: شرح المفصل لابن يعيش 1/ 21، وذكره القرافي في شرح التنقيح ونسبه =
(1/375)

. . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= للأخطل ص 40.
وذكره العلامة ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية بعد أن بيّن مذاهب الناس في مسمى الكلام عند الإطلاق وحاصلها خمسة مذاهب:
الأول: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا كما يتناول لفظ الإنسان الروح والبدن، وهذا قول السلف.
الثاني: أنه اسم للفظ فقط والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو مدلول مسماه وهذا منسوب لجماعة من المعتزلة.
الثالث: أنه اسم للمعنى فقط وإطلاقه على اللفظ مجاز لأنه دال عليه أي أنه حقيقة في النفساني مجاز في اللساني وهذا قول ابن كلاب ومن تبعه.
الرابع: أنه مشترك بين النفساني واللساني وهذا منسوب للمتأخرين من الكلابية.
الخامس: وهو مروي عن أبي الحسن: أنه مجاز في كلام الله، حقيقة في كلام الآدميين لأن حروف الآدميين تقوم بهم فلا يكون الكلام قائمًا بغير المتكلم بخلاف كلام الله فإنه لا يقوم عنده بالله فيمتنع أن يكون كلامه.
واستدل من قال: إنه حقيقة في النفساني مجاز في اللساني ببيت الأخطل السابق ولكن استدلالهم هذا فاسد من عدة وجوه أذكرها مختصرة:
الأول: قيل: إنه موضوع منسوب إلى الأخطل وليس هو في ديوانه.
الثاني: وقيل: إنما قال: إن البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب إلى الصحة.
الثالث: على تقدير صحة نسبته إليه فلا يجوز الاستدلال به؛ لأن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام وزعموا أن عيسى عليه السلام نفس كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت، فكيف يستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب؟!
الرابع: أن معنى البيت غير صحيح إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلمًا؛ لقيام الكلام بقلبه وإن لم ينطق به ولم يسمع عنه.
الخامس: اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الملاة عامدًا لغير مصلحتها بطلت صلاته، واتفقوا على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية لا يبطل الصلاة وإنما يبطلها التكلم بذلك.
السادس: أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم به، والمراد: حتى ينطق به =
(1/376)

لأن (1) الخبر (2) كلام؛ لأنه من أنواع الكلام.
وهذا الخلاف المذكور هو (3) جار في الكلام وفي جميع أنواعه؛ لأنهم اختلفوا في الكلام وأنواعه، هل هو حقيقة في اللساني والنفساني؟ أو هو (4) حقيقة في اللساني مجاز في النفساني؟ أو هو (5) حقيقة في النفساني مجاز في اللساني؟ ثلاثة أقوال تقدمت.
قوله: (هو اللفظ) أخرج به الإشارة، وكلام الحال، وكلام النفس؛ لأن ذلك ليس بلفظ بناء على القول: بأنه حقيقة في اللساني مجاز في غيره.
أو تقول (6): هذا على القول: بأنه حقيقة في اللساني والنفساني معًا؛ ليأتي كلامه على المشهور.
__________
= اللسان باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة.
السابع: أن لفظ القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظًا ومعنى.
الثامن: أنه لم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع ثم انتشر.
التاسع: أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد ونحو ذلك. اه. باختصار.
انظر: شرح الطحاوية للعلامة ابن أبي العز الحنفي ص 129 - 132.
(1) "لأن" ساقطة من ز.
(2) في ز: "والخبر".
(3) "جار" ساقطة من ز.
(4) "هو" ساقطة من ز.
(5) "هو" ساقطة من ط.
(6) في ز: "أو نقول".
(1/377)

وحد المؤلف أحد معنيي اللفظ المشترك، وسكت عن المعنى الآخر، ولا يضره ذلك.
وقوله: (الموضوع) أخرج به اللفظ المهمل.
وقوله: (اللفظين) (1)، كقول: زيد قائم، أو زيد مسافر.
و (2) قوله: (فأكثر)، كقول: زيد قائم راكب مسافر؛ وذلك أن أقل مراتب الخبر لفظان، وأكثره غير محدود، ولذلك ذكر المؤلف أقله، وهو قوله: (للفظين)، ولم يذكر أكثره، لأنه غير محدود؛ لأن الخبر قد يكون بألفاظ كثيرة، كقولك مثلاً: ضربت ضربًا اليوم أمامك زيدًا أدبًا (3) له (4) والسارية، هذا الكلام كله خبر واحد، وقد جمعت فيه المفاعيل الستة، وهي: المفعول المطلق والمفعول فيه زمانًا، والمفعول فيه مكانًا، والمفعول به، والمفعول له، والمفعول معه.
و (5) قوله: (أسند مسمى أحدهما إِلى مسمى الآخر).
الإسناد معناه: ضم أحد اللفظين إلى الآخر على جهة الاستقلال بالفائدة.
فالمسمى الأول في كلام المؤلف يصدق على الاسم والفعل.
__________
(1) في ز وط: "للفظين".
(2) "الواو" ساقطة من ز.
(3) في ز: "التآديب".
(4) "له" ساقطة من ز.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(1/378)

وأما المسمى الآخر فلا يصدق إلا على الاسم، ولا يصدق على الفعل.
ويبان ذلك أن الاسم يسند ويسند إليه، وأما الفعل فإنه يسند ولا يسند إليه.
مثال إسناد الاسم إلى الاسم: زيد قائم كما مثله المؤلف.
ومثال إسناد الفعل إلى الاسم: قام زيد.
وقوله: (أسند مسمى أحدهما إِلى مسمى الآخر) احترازًا من لفظين أو أكثر إذا لم يسند أحدهما إلى الآخر (1)، كقولك: زيد عمرو؛ إذ لا ربط (2) بينهما، وقولك (3): زيد عمرو بكر.
و (4) قوله: (إِسنادًا يقبل الصدق والكذب) احترازًا من الإسناد الذي لا يقبلهما وهو الإسناد بالإضافة أو بالصفة.
مثال الإسناد بالإضافة: غلام زيد.
ومثال الإسناد بالصف: رجل صالح (5).
وقوله: (الصدق والكذب)، وها هنا أربعة ألفاظ وهي: الصدق، والكذب، والتصديق، والتكذيب.
قال المؤلف في الشرح في باب الخبر: الصدق عبارة عن مطابقة الخبر
__________
(1) "إلى الآخر" ساقطة من ط.
(2) في ط: "ولا ربطًا".
(3) في ط: "وكقولك".
(4) "الواو" ساقطة من ط.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 41.
(1/379)

للمخبر عنه، و (1) الكذب عبارة عن مخالفة الخبر للمخبر عنه، والتصديق عبارة عن الإخبار عن كون الخبر صدقًا، والتكذيب عبارة عن الإخبار عن كون الخبر كذبًا، فالصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه، وهما عديمتان لا وجود لهما في الأعيان، وإنما وجودهما في الأذهان.
والتصديق والتكذيب خبران وجوديان في الأعيان مسموعان (2).
فظهر الفرق بين الصدق والتصديق، وبين الكذب والتكذيب.
قوله: (لذاته) أي: لأجل ذات الإسناد أي لنفس الإسناد، فالضمير (3) في قوله: (لذاته) عائد على الإسناد، ويحتمل أن يعود على الخبر، وهما واحد في المعنى، يعني أن الخبر يقبل الصدق والكذب، لذاته لا (4) لعارض (5)؛ لأن الخبر من حيث هو خبر يقبل الصدق والكذب مع قطع النظر عما يعرض له من جهة المخبر به، أو من جهة المخبر عنه، وذلك أن خبر المعصوم كخبر الله، وخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - (6)، وخبر مجموع الأمة لا يقبل إلا الصدق، ولا يقبل الكذب، وكذلك (7) الخبر على وفق الضرورة لا يقبل إلا الصدق، ولا يقبل الكذب.
كقولك: الواحد نصف الاثنين، ولكن ذلك بالنظر إلى جهة المخبر؛ لأنه
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 346.
(3) في ط: "والضمير".
(4) "لا" ساقطة من ط.
(5) في ط: "للعارض".
(6) " - صلى الله عليه وسلم - " لم ترد في ط.
(7) "وكذلك" ساقطة من ط.
(1/380)

إنما جاء امتناع القبول للكذب (1) في هذه الأمثلة من جهة المخبر والمخبر عنه.
وقولك: الواحد نصف العشرة لا يقبل إلا الكذب؛ لأنه خبر على خلاف الضرورة، فلا يقبل الصدق، ولكن ذلك من جهة المخبر عنه، لا من جهة الخبر (2) بنفسه (3)، وذلك أن جهة المخبر والمخبر عنه أمر عارض للخبر، وليس بوصف ذاتي له، ولا تنافي بين اقتضاء الشيء بالذات، وبين تخلفه (4) لعارض، كالعالم فإنه من حيث ذاته جائز، ومن حيث تعلق علم الله تعالى وإرادته بإيجاده واجب.
قوله: (والخبر هو اللفظ الموضوع ...) إلى آخره.
اعترض هذا الحد بأن قيل: الصدق والكذب ضدان لا يجتمعان في محل واحد، فكيف يجتمع قبولهما في الخبر؟ فالأولى (5) أن (6) يأتي بأو، فيقول: يقبل (7) الصدق أو الكذب.
أجيب عن هذا بأن قيل: لا يلزم من التنافي بين المقبولين التنافي بين القبولين، وذلك أن كل جسم قابل جميع الأضداد، فاجتمعت له القبولات كلها، ولا تجتمع له المقبولات (8)، وانما تتعاقب عليه على سبيل البدل.
مثال ذلك: العَالَم ممكن قابل للوجود والعدم لذاته، مع أن الوجود
__________
(1) "للكذب" ساقطة من ط.
(2) ذكر هذا المثال القرافي في شرح التنقيح ص 346.
(3) في ط: "نفسه".
(4) في ط: "نحافة".
(5) في ط: "فأولى".
(6) في ط: "بأن".
(7) "يقبل" ساقطة من ط.
(8) في ط: "القبولات".
(1/381)

والعدم نقيضان متنافيان، ولا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين، [وإن امتنع اجتماع المقبولين] (1) فيتعين العطف بالواو لا بأو.
تنبيه:
قال المؤلف في القواعد: اعتقد جماعة من الفقهاء: أن الخبر يحتمل الصدق والكذب بالوضع، وليس كذلك؛ لأن العرب لم تضع إلا الصدق، واحتمال الكذب إنما جاء من جهة الاستعمال.
والدليل على ذلك: إطباق أرباب اللسان على أن من قال: قام زيد، إنما أراد أن القيام صدر من زيد.
وفي هذا نظر؛ لإطباق أرباب اللسان على (2) أن العرب كما وضعت صيغًا (3) لإثبات الخبر، كذلك وضعت أيضًا صيغًا (4) لنفي الخبر.
والدليل على ذلك: أن "لَمْ" وضعوه لنفي قول من قال: قام زيد وتكذيبه (5) ووضعوا "لِمَا" لنفي قول من قال: قد (6) قام زيد وتكذيبه، فلو صدق القيام من زيد في هذا الخبر لما صح نفيه ولا وضع له ما ينفيه، والله أعلم [وبالله التوفيق] (7).
...
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "على" ساقطة من ط.
(3) في ط: "صيغة".
(4) في ط: "صيغة".
(5) انظر الفروق للقرافي، الفرق الثاني بين قاعدة الإنشاء والخبر 1/ 23، 24.
(6) "قد" ساقطة من ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(1/382)

الفصل السابع في (1) الفرق بين الحقيقة والمجاز وأقسامهما (2)
تعرض المؤلف - رحمه الله - في هذا الفصل لبيان الحقيقة والمجاز (3) وفي هذا الفصل سبعة مطالب:
الأول: في حقيقة الحقيقة.
الثاني: في أقسامها.
الثالث: في حقية المجاز.
الرابع: في أقسامه.
الخامس: في الفرق بين النقل والمجاز الراجح.
السادس: في الشيء الذي يوجبه المعنى القائم بالمحل (4).
السابع: في الاشتقاق الذي يعرف به الحقيقة والمجاز.
قوله: (في (5) الفرق بين الحقيقة والمجاز)، قال بعضهم: ترجم
__________
(1) "في" ساقطة من أوخ وش.
(2) بعد هذا العنوان ورد في "ز" مقطع طويل من المتن (من قوله فالحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له ... إلى قوله: وأما إذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقًا نحو اقتلوا المشركين)
(3) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 42 - 50، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 38 - 45.
(4) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "بالمجمل".
(5) "في" ساقطة من أوخ وش.
(1/383)

المؤلف للفرق بينهما ولم يأت به، فالأولى أن لو قال: الفصل السابع في تفسير الحقيقة والمجاز، ولكن هذا لا نسلمه؛ لأن المؤلف فرق بين الحقيقة والمجاز بذكر حقيقتهما فقد فرق بينهما بالحقيقة؛ لأنه ذكر حقيقة كل واحد منهما.
قوله: [(وأقسامهما)، أي] (1) وذكر أقسام الحقيقة وأقسام المجاز.
قوله: (فالحقيقة استعمال اللفظ (2) فيما (3) وضع له (4) في العرف الذي وقع به التخاطب).
ش: هذا هو المطلب الأول: وهو حقيقة الحقيقة فيها (5) أربعة أبحاث:
الأول: في اشتقاقها.
والثاني: في وزنها.
والثالث: في معنى التاء اللاحقة [بها] (6).
والرابع: في إطلاقها على معناها عرفًا هل هو حقيقة أو مجاز.
أما اشتقاق الحقيقة: فهي مشتقة من الحق وهو الثابت (7) الموجود؛ لأنه يقابل به الباطل المعدوم فالثابت مرادف للموجود (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "استعمال اللفظ" ساقط من خ.
(3) في خ: "هي"، وفي ش: "فيها".
(4) "له" ساقطة من ز.
(5) في ط: "وفي هذا".
(6) المثبت من ز وفي الأصل وط (لها).
(7) حق الأمر يحق حقًا، ثبت ووجب وجوبًا، ومنه قوله تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} سورة الزمر آية (71) أي وجبت وثبتت. تاج العروس مادة (حق).
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 42.
(1/384)

وأما وزنها: فهو فعيلة، إما بمعنى اسم الفاعل، فيكون معناها ثابتة، وإما معنى (1) اسم المفعول فيكون معناها مثبتة (2) لأن فعيلًا في كلام العرب تارة يكون بمعنى اسم الفاعل نحو: قدير وعليم، أي: قادر وعالم، وتارة يكون بمعنى اسم المفعول نحو: قتيل وجريح، أي مقتول ومجروح (3).
وأما التاء اللاحقة لهذه الكلمة: فهي لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية أي (4) لغلبة الإسمية على الوصفية.
واعلم أن فعيلًا إذا وصف به مؤنث فإن صرح بموصوفه حذفت منه التاء اكتفاء [بتأنيث] (5) الموصوف نحو امرأة قتيل، وشاة نطيح، وكف خضيب (6)، وعين كحيل، ولحية دهين [هذا في الغالب] (7)، وقد تثبت (8) فيه التاء قليلًا نحو: خصلة حميدة وصفة ذميمة، وإن حذفوا (9) الموصوف أثبتوا التاء لنفي اللبس نحو: رأيت قتيلة بني فلان، ورأيت نطيحة بني فلان.
وأما إطلاق الحقيقة على معناها في العرف هل هو حقيقة أو مجاز فهو
__________
(1) في ط: "بمعنى".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 42.
(3) في ط: "لأن فعيلًا في كلام العرب تارة يكون بمعنى اسم الفاعل وتارة يكون بمعنى اسم مفعول، مثاله بمعنى اسم الفاعل نحو: قدير وعليم؛ أي قادر وعالم، ومثاله إذا كان بمعنى اسم المفعول نحو: قتيل وجريح؛ أي مقتول ومجروح".
(4) "أي" ساقطة من ط.
(5) في الأصل: "بثانية"، وفي ط: "بثانيت"، ولعل المراد بتأنيث كما هو مثبت.
(6) في ط: "خطيب".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) في ط: "ثبت".
(9) في ط: "حذف".
(1/385)

حقيقة عرفية، مجاز لغوي.
قوله: (فالحقيقة استعمال اللفظ) أي فحقيقة (1) الحقيقة (2) استعمال اللفظ فيما وضع له؛ أي هي إطلاق اللفظ في المسمى (3) الذي وضع له ذلك اللفظ احترازًا من استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وهو المجاز إن كانت فيه (4) علاقة، أو النقل إن لم تكن فيه علاقة كما سيأتي في بيان الفرق بين المجاز والنقل (5).
وقوله (6): (في العرف الذي وقع به التخاطب) أي: في الاصطلاح (7) الذي وقع به التخاطب بين أربابه.
والعرف المذكور ها هنا يندرج فيه الأعراف الأربعة (8) وهي الحقائق الأربع؛ لأن كل واحد من الأعراف الأربعة يقع به التخاطب بين أربابه؛ لأن العرف اللغوي يحصل به التخاطب بين أهل الشرع، والعرف العام يحصل به التخاطب بين أهله، والعرف الخاص يحصل به التخاطب بين أهله.
__________
(1) في ط: "حقيقة".
(2) عرفها عبد القاهر الجرجاني بأنها: كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع وقوعًا لا يستند فيه إلى غيره فهي حقيقة.
انظر: أسرار البلاغة ص 303.
(3) في ط: "فيما هو إطلاق اللفظ فالمسمى".
(4) "فيه" ساقطة من ط.
(5) انظر ص: (1/ 442 - 446) من هذا الكتاب.
(6) في ط: "قوله".
(7) في ط: "في الاصطلاح".
(8) "الأربعة" ساقطة من ط.
(1/386)

قال المؤلف في الشرح: قولي في العرف الذي وقع به التخاطب، يشمل الحقائق الأربع: اللغوية، والشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة، ولو اقتصرت على قول استعمال اللفظ فيما وضع له لكان الحد لا يتناول إلا الحقيقة اللغوية خاصة (1).
وقال غيره: الحقيقة هي اللفظ المستعمل (2) في موضوعه (3) الأول (4).
فعلى (5) هذا القول تكون: الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة، والأسماء (6) العرفية العامة (7) كالدابة للحمار، والأسماء (8) الخاصة كالجوهر للمتحيز [الذي لا يقبل القسمة] (9): مجازات راجحة لا حقائق، وأما على قول المؤلف فتكون حقائق (10).
قوله: (استعمال اللفظ) صوابه: المستعمل (11)؛ لأن الحقيقة (12) هي الموصوفة باللفظ المستعمل، فالمحكوم عليه بأنه حقيقة أو مجاز هو اللفظ
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 43.
(2) في ز: "هي استعمال".
(3) في ط: "موضعه".
(4) يقول القرافي في شرح التنقيح ص 43: بخلاف لو قلت: هو اللفظ المستعمل فيما وضع له الأول في تناول الحقيقة اللغوية فقط.
(5) في ز: "وعلى".
(6) في ط: "وأسماء".
(7) "العامة" ساقطة من ز.
(8) في ز: "والأسماء العرفية"، وفي ط: "والأسماء العرفية الخاصة".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(10) حقائق، ساقطة من ط.
(11) في ط وز: "اللفظ المستعمل".
(12) في ز: "لأن الموصوف بكونه حقيقة هو اللفظ المستعمل".
(1/387)

الموصوف بالاستعمال (1) لا نفس الاستعمال، قاله (2) المؤلف (3).
وهذه الحقيقة التي حدها المؤلف هي أحد معنيي الحقيقة في العرف؛ لأنها (4) تطلق الحقيقة على ذات الشيء، وعلى اللفظ المستعمل في موضوعه، فحد المؤلف المعنى المقابل للمجاز؛ إذ (5) كلامه في هذا الفصل في الحقيقة المقابلة للمجاز.
قوله: (وهي أربعة: لغوية كاستعمال لفظ (6) الإِنسان في الحيوان الناطق، وشرعية كاستعمال لفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة، وعرفية عامة كاستعمال لفظ الدابة في الحمار، وخاصة (7) كا (8) ستعمال [لفظ] (9) الجوهر في المتحيز الذي لا يقبل القسمة).
ش: هذا هو المطلب الثاني (10) في أقسام الحقيقة.
قوله: (وهي (11) أربعة) أي (12) و (13) الحقيقة المذكورة أربعة أقسام،
__________
(1) في ز: "بكونه مستعملًا".
(2) "قاله المؤلف" ساقطة من ز وط.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 43.
(4) في ز: "لأنه".
(5) في ز: "لأن".
(6) "لفظ" ساقطة من أوخ وش.
(7) في ز: "وعرفية خاصة".
(8) في أوخ وش: "نحو استمعال لفظ الجوهر".
(9) المثبت من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(10) في ط وز: "من".
(11) "وهي" ساقطة من ط.
(12) "أي" ساقطة من ط.
(13) "الواو" ساقطة من ز.
(1/388)

[و] (1) هذه الحقائق الأربع هي تفسير للعرف الذي (2) وقع به التخاطب.
وبيان انحصار العرف المذكور في هذه الأربع: أن الواضع إما أن يتعين أو لا يتعين، فإن تعين (3) فإن كان واضع اللغة: فهي حقيقة لغوية، وإن كان واضع الشرع: فهي حقيقة شرعية، وإن لم يتعين الواضع: فهي عرفية عامة أو خاصة.
قوله (4): (وهي أربعة) أي وأقسام العرف المذكور أربعة.
وقوله: (لغوية) أي أحد الأقسام حقيقة لغوية، أو نقول أي (5) من الأقسام الأربعة حقيقة لغوية مثلها بقوله: كاستعمال الإنسان (6) في الحيوان الناطق (7)؛ لأنه موضوعه لغة (8).
ومثاله أيضًا: استعمال لفظ الفرس في: الحيوان الصاهل, واستعمال لفظ الحمار في: الحيوان الناهق، واستعمال لفظ الكلب في: الحيوان النابح, وغير ذلك من سائر الأسماء المستعملة في مسمياتها اللغوية.
قوله: (وشرعية) كاستعمال لفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة (9).
__________
(1) المثبت من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(2) في ط: "والذي".
(3) "فإن تعين" ساقطة من ط.
(4) في ز: "وقوله".
(5) "أي" ساقطة من ط وز.
(6) في ط: "لفظ الإنسان".
(7) "الناطق" ساقطة من ز.
(8) في ز: "لأنه موضوع له لغة".
(9) في ط: "وتأتي الأقسام حقيقة شرعية مثلها بقوله: كاستعمال لفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة"، وفي ز: "أي وثاني الأقسام حقيقة شرعية مثلها المؤلف بقوله: =
(1/389)

وذلك أن لفظ الصلاة لغة (1): موضوع للدعاء، ثم (2) استعمله الشارع في ذات الركوع والسجود، وهي العبادة المعروفة (3) المحتوية على القيام والقعود والركوع والسجود وما معها من الأذكار الجميلة.
ومثالها أيضًا: لفظ الزكاة والصيام (4) ولفظ الحج ولفظ الجهاد، فإن لفظ الزكاة لغة موضوع للزيادة، ثم استعمل في الشرع لأخذ جزء معلوم (5) من مال معلوم، ولفظ الصيام لغة موضوع (6) لمطلق الإمساك، ثم استعمل في الشرع لإمساك مخصوص على وجه مخصوص.
ولفظ الحج لغة (7) موضوع لمطلق القصد، ثم استعمل في الشرع لقصد مكان مخصوص على وجه مخصوص.
ولفظ الجهاد لغة موضوع لمطلق التعب، ثم استعمل في الشرع في إتعاب نفس في وجه مخصوص، وغير ذلك من سائر الألفاظ و (8) الحقائق الشرعية.
__________
= كاستعمال لفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة".
(1) "لغة" ساقطة من ط.
(2) "ثم" ساقطة من ط، وفي ز "واستعمله".
(3) في ز: "المشرفة".
(4) في ط وز: "لفظ الصيام".
(5) في ط: "من معلوم".
(6) في ز: "هو موضوع".
(7) "لغة" ساقطة من ز.
(8) "الواو" ساقطة من ز.
(1/390)

قوله: (شرعية) (1) هل معناه أن صاحب الشرع وضع هذه الألفاظ لهذه العبادات؟، أو معناه أن حملة الشرع غلب استعمالهم للفظ الصلاة (2) في الأفعال المخصوصة حتى لا يفهم منه إلا هذه العبادة (3) المخصوصة؟ كلامه محتمل.
وذلك أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو مذهب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني: أن صاحب (4) الشرع لم يضع شيئًا وإنما استعمل الألفاظ في موضوعاتها اللغوية، ودلت الأدلة الشرعية على أن تلك المسميات اللغوية لا بد لها من قيود زائدة حتى تصير شرعية.
القول الثاني للمعتزلة: أن صاحب (5) الشرع وضع هذه الألفاظ لهذه العبادات وجدد الوضع لهذه العبادات كمولود جديد يتجدد فلا بد له من لفظ يدل عليه (6).
القول الثالث: وهو مذهب فخر الدين وجمهور الفقهاء، أن صاحب (7) الشرع استعمل الألفاظ في هذه العبادات على سبيل المجاز لاشتمالها على (8)
__________
(1) في ط وز: "وشرعية".
(2) في ط وز: "اللفظ الصلاة مثلًا".
(3) في ط: "العبادات".
(4) في ط: "سحاب" وهو تصحيف.
(5) في ط: "سحاب".
(6) "عليه" ساقطة من ز.
(7) في ط: "سحاب".
(8) "على" ساقطة من ط.
(1/391)

المسمى اللغوي؛ لأن الدعاء الذي هو الصلاة لغة موجود في الفاتحة (1)، والإمساك مثلًا موجود في الصوم، والنماء موجود في الزكاة، والقصد موجود في الحج، والتعب موجود في الجهاد، إلى غير ذلك، فهذا (2) من باب تسمية الشيء بما اشتمل عليه فغلب استعمال الناس لهذه الألفاظ في هذه (3) العبادات المخصوصة حتى صار مجازًا راجحًا.
فهذه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الشرع أبقاها.
وثانيها: أنه نقلها.
وثالثها: أنه تجوز بها أي (4) أبقاها في موضوعها (5) ولا نقلها عنه ولكن تجوز بها.
وقال القاضي أبو بكر: فتح هذا الباب وهو كون الشرع نقل هذه الألفاظ يحصل (6) غرض الشيعة من الطعن في الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنهم يكفرون الصحابة ويقولون: كفروا، فإذا قيل لهم: قد آمنوا والله تعالى وعد المؤمنين بالجنة، فيقولون: الإيمان الذي هو التصديق صدر منهم ولكن الشرع نقل هذا اللفظ إلى فعل الطاعة (7) وهم صدقوا وما أطاعوا في أمر
__________
(1) انظر هذه الأقوال الثلاثة في: شرح التنقيح للقرافي ص 43.
(2) في ط: "فهذه".
(3) في ط: "فهذه".
(4) "أي" ساقطة من ط.
(5) في ط وز: "موضعها".
(6) في ز: "تحصل".
(7) في ط: "الطاعات".
(1/392)

الخلافة (1).
فإذا قلنا: إن الشرع [لم ينقل] (2) انسد هذا الباب الرديء.
والدليل على (3) أن الشرع لم ينقل هذه الألفاظ: وجودها في القرآن, والقرآن كله عربي (4) فلو كانت هذه الألفاظ منقولة عن مسمياتها (5) لغة لما كان (6) القرآن كله (7) عربيًا.
واختلف هل في القرآن لغة عجمية (8)، [أم لا؟
قولان.
حجة] (9) من قال بوجودها في القرآن: المشكاة (10)، والسندس (11)،
__________
(1) انظر قول الباقلاني هذا في: شرح التنقيح للقرافي ص 43، 44.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) المثبت من ط وز ولم ترد "على" في الأصل.
(4) في ز: "عربي كله".
(5) في ط: "مسماها".
(6) المثبت من ط وز وفي الأصل: "لكان".
(7) "كله" ساقطة من ز.
(8) انظر هذه المسألة الخلافية في: المستصفى للغزالي 1/ 105، الإحكام للآمدي 1/ 50، شرح التنقيح للقرافي ص 44، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 154 - 157، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي وابنه 1/ 279 - 281.
(9) المثبت بين المعقوفتين من ط وز ولم يرد في الأصل.
(10) المشكاة حبشية كما قال في المحصول، وهندية كما قاله الآمدي، وهي: الكوة.
انظر: نهاية السول 2/ 156.
(11) السندس: الرقيق النحيف من الديباج.
انظر: تفسير القرطبي 10/ 397.
(1/393)

والإستبرق (1)، والسجين (2)؛ لأنها ألفاظ أعجمية، وكذلك بعض أسماء الملائكة (3) نحو جبريل وميكائيل، وكذلك أسماء بعض الأنبياء نحو إبراهيم وإسماعيل، وكذلك أسماء (4) بعض الفراعنة (5) نحو فرعون وهامان وقارون.
حجة (6) من قال بعدم وجودها (7): قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (8)، وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (9)، وقوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا ...} الآية (10) وقوله: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ...} (11) الآية (12)، وقوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (13) الآية (14) ,
__________
(1) الإستبرق: الديباج الثخين وهو فارسي.
انظر: المصدر السابق 10/ 357.
(2) السجين: وهي الحجر من الطين، فارسية.
انظر: نهاية السول 2/ 156.
(3) في ز: "كجبريل".
(4) في ط: "بعض أسماء".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الفراعنية".
(6) في ز: "وحجة".
(7) في ط: "وجوده".
(8) سورة يوسف آية رقم 2.
(9) سورة الزخرف آية رقم 3.
(10) قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} سورة فصلت آية رقم 44.
(11) قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} سورة النحل آية رقم 103.
(12) كلمة "الآية" ساقطة من ط.
(13) سورة الشعراء آية رقم 192.
(14) كلمة "الآية" ساقطة من ز.
(1/394)

وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} (1).
وقال بعضهم: هذا الخلاف هو اختلاف حال (2)؛ وذلك أن (3) من قال بأن (4) القرآن كله عربي: يعني باعتبار التركيب، ومن قال بأن (5) بعضه أعجمي (6): يعني باعتبار المفردات.
وقوله (7): (وعرفية عامة كاستعمال لفظ الدابة في الحمار).
ش: أي وثالث الأقسام الأربعة حقيقة عرفية عامة، وسميت عامة؛ لأنها عمت العامة والخاصة من أهل لغتها (8).
مثلها المؤلف: باستعمال لفظ الدابة في الحمار يعني في إقليم مصر، وذلك أن لفظ الدابة لغة موضوع لجنس ما دب في الأرض، ثم غلب استعمال الناس له في مصر على خصوص الحمار حتى لا يفهم من هذا اللفظ عندهم إلا الحمار.
[ومثاله أيضًا: لفظ الدابة في خصوص الفرس عند أهل العراق] (9).
__________
(1) سورة إبراهيم آية رقم 4.
(2) في ز: "في حال".
(3) في ز: "بأن".
(4) كلمة "بأن" ساقطة من ز.
(5) كلمة "بأن" ساقطة من ز.
(6) في ط: "عجمي".
(7) في ز: "قوله".
(8) في ط وز: "ببقعتها" وهي أنسب.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(1/395)

ومثاله أيضًا: لفظ الدابة في خصوص الخيل (1) والبغال والحمير عند أهل المغرب (2)، فإن لفظ الدابة في إقليم المغرب قدر مشترك بين هذه الأجناس الثلاثة فلا يفهم عندهم من لفظ الدابة غير هذه الثلاثة.
ومثالها (3) أيضًا لفظ العذرة (4): فإنه موضوع لغة لفناء الدار الذي تقضى فيه حاجة الإنسان، ثم غلب عليه (5) الاستعمال (6) في الفضلة المستقذرة.
وكذلك لفظ الغائط، هو (7) موضوع لغة: للمكان المنخفض من الأرض، ثم غلب عليه (8) الاستعمال في الفضلة المستقذرة (9).
وكذلك لفظ الراوية فإنه موضوع لغة: للجمل، ثم غلب عليه (10) الاستعمال (11) في المزادة (12).
وهذا النقل المذكور على قسمين: تارة يكون النقل لبعض أفراد الحقيقة
__________
(1) في ط: "الفرس".
(2) ذكر هذه الأمثلة القرافي في شرح التنقيح ص 44.
(3) في ز: "ومثاله" وهو أقربه.
(4) في ط: "الغدرة".
(5) "عليه" ساقطة من ط وز.
(6) في ز: "استعماله".
(7) "هو" ساقطة من ط، وفي ز: "فإنه" بدل "هو".
(8) المثبت من ط، وفي ز: "ثم غلب استعمال" ولم ترد "غلب" في الأصل.
(9) ذكر هذا المثال القرافي في شرح التنقيح ص 44.
(10) كلمة "عليه" ساقطة من ز.
(11) في ز: "استعماله".
(12) الراوية البعير الذي يستقى عليه الماء، يقال: رويت عليه أروي رية إذا استقيت عليه وبه سميت الراوية التي عليه وإنما هي المزادة.
انظر: كتاب الأضداد للأصمعي ص 46، رقم الكلمة 69.
(1/396)

اللغوية كالدابة (1)، فهذا (2) قصر العام على بعض مسمياته (3)، وتارة يكون النقل لأجنبي (4) عن الحقيقة اللغوية كالراوية والنجو (5).
وقوله (6): (كاستعمال لفظ الجوهر في المتحيز الذي لا يقبل القسمة).
ش: أي ورابع الأقسام حقيقة عرفية خاصة، وسميت خاصة لاختصاصها ببعض الطوائف.
مثلها المؤلف: بلفظ الجوهر؛ وذلك أن لفظ الجوهر لغة موضوع للنفيس من كلما شيء, ثم نقل في عرف أرباب علم الكلام إلى الشيء الذي لا يقبل القسمة, كرأس الشعرة مثلًا.
ومثاله أيضًا: لفظ العرض (7) فإنه موضوع لغة لكل ما يؤول إلى الفناء، ومنه قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} (8) أي تريدون ما يفنى والله يريد ما لا يفنى؛ لأن قوله: والله يريد الآخرة فيه حذف مضاف
__________
(1) في ز: "كالدابة للحمار".
(2) في ط: "فهذه".
(3) في ز: "أفراده".
(4) في ط: "يكون النقل للنقل الأجنبي ... " إلخ.
(5) النجو: السحاب هراق ماءه، وما يلقيه الإنسان وغيره من بطنه وبه سمي الاستنجاء وهو الاستفعال من ذلك.
انظر: القاموس المحيط مادة (نجو)، الاشتقاق لابن دريد ص 267، 268.
(6) في ط: "قوله وخاصة"، وفي ز: "وقوله وخاصة".
(7) في ط: "العرضي".
(8) سورة الأنفال آية رقم 67.
(1/397)

تقديره: والله يريد دائم الآخرة.
ثم نقل في عرف المتكلمين إلى المعنى القائم بالجوهر كالعلم والجهل والحياء والصبر، وغير (1) ذلك من سائر المعاني.
ومثال العرفية الخاصة ببعض الطوائف أيضًا: الجمع (2) والفرق (3) والنقض والكسر عند الفقهاء، وكذلك الفاعل والمفعول عند النحاة، وكذلك الموضوع والمحمول (4) عند المنطقيين، وكذلك السبب والوتد عند العروضيين (5)، وكذلك الظاهر والمجمل عند الأصوليين (6)، وغير ذلك من سائر الاصطلاحات الخاصة بطوائف (7) العلماء.
قوله: (والمجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة بينهما في العرف الذي وقع به التخاطب) (8).
ش: هذا هو المطلب الثالث في حقيقة المجاز وفيه ثلاث (9) أبحاث:
__________
(1) في ز: "وعلى غير ذلك".
(2) في ز: "لفظ الجمع".
(3) في ز: "والفرق عند الصوفية".
(4) في ز: "المحمول والموضوع".
(5) في الأصل: "العرضين"، وفي ط وز: "العروضين".
(6) ذكر بعض هذه الأمثلة القرافي في شرح التنقيح ص 44.
(7) في ط: "ببعض الطوائف".
(8) في نسخة أ: "والمجاز استعمال اللفظ في غير موضوعه لعلاقة بينهما"، وفي نسخة خ وش: "والمجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له في العرف الذي وقع به التخاطب لعلاقة بينهما".
(9) الصواب: "ثلاثة".
(1/398)

الأول: في اشتقاقه.
والثاني: في وزنه.
والثالث: في إطلاقه على معناه هل هو حقيقة أو مجاز؟.
فأما اشتقاق المجاز (1) فهو مشتق من الجواز الذي هو العبور، والتعدي؛ لأنك (2) تقول: جزت كذا وجزت الوادي أي عبرته.
وسمي المجاز مجازًا؛ لأنه تجوز به (3) عن موضوعه (4).
وأما وزنه (5): فهو مفعَل بفتح العين، فأصله مجوز، ثم نقلت فتحة العين إلى الفاء، فيقال: تحرك حرف العلة في الأصل وانفتح ما قبله في الحال فقلب (6) ألفًا فصار مجازًا.
وأما إطلاقه على معناه عرفًا، هل هو حقيقة أو مجاز؟
فهو حقيقة عرفية مجاز لغوي فإنه (7) في اللغة اسم لزمان العبور أو مكانه أو مصدره، [ثم نقلوه من محل الوضع إلى محل التجوز.
فتبين بهذا أنه مجاز لغوي من وجهين:
__________
(1) المجاز: الطريق إذا قطعت من أحد جانبيه إلى الآخر وخلاف الحقيقة. القاموس المحيط مادة (جوز).
(2) "لأنك" ساقطة من ط.
(3) في ز: "فيه".
(4) في ط: "تجوز به موضعه".
(5) في ط وز: "فوزنه".
(6) في ز: "فقلبت".
(7) في ط وز: "لأنه".
(1/399)

أحدهما: أن الجواز إنما يستعمل حقيقة في الأجسام واستعماله في الألفاظ مجاز.
الوجه الثاني: أن المجاز حقيقة في زمان العبور أو مكانه أو مصدره] (1) واستعماله في غير هذه الثلاثة مجاز لغوي، فتبين بما ذكرنا أن المجاز حقيقة عرفية مجاز لغوي.
قوله: (والمجاز استعمال اللفظ) صوابه: اللفظ المستعمل؛ لأن المحكوم عليه بأنه مجاز هو اللفظ الموصوف بالاستعمال لا نفس الاستعمال (2) كما قلناه في الحقيقة (3).
قوله: (في غير مما وضع له) احترازًا من الحقيقة.
وقوله: (في العرف الذي وقع به التخاطب) أي: في الاصطلاح الذي يحصل به التخاطب بين أهله.
وهذا العرف المذكور ها هنا يندرج فيه المجازات الأربعة، وهي: المجاز اللغوي، والمجاز الشرعي، والمجاز العرفي العام، والمجاز العرفي الخاص، فلو سكت (4) المؤلف عن قوله في العرف الذي وقع به التخاطب، [لما اندرج في حده، إلا المجاز اللغوي خاصة؛ ولأجل هذا زاد عليه في العرف الذي
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "الاستعمال" ساقط من ط.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 45.
(4) تعليق في هامش ز: "أقول: ليس الأمر هنا كذلك، إذ قوله هنا: استعمال اللفظ في غير ما وضع لعلاقة بينهما، يندرج فيه المجازات الأربعة مما لا يخفى".
(1/400)

وقع به التخاطب] (1) كما تقدم لنا في حد الحقيقة.
وقوله: (لعلاقة بينهما) (2) أي لأجل نسبة ومشابهة، بين المحلين: محل الحقيقة ومحل المجاز.
و (3) قوله: (لعلاقة بينهما) احترازًا من النقل؛ لأنه وضع اللفظ في غير ما وضع له من غير علاقة بينهما.
مثاله: لفظ جعفر, فإنه موضوع في اللغة للنهر الصغير ثم نقل إلى تسمية المولود به من غير علاقة (4) بين النهر الصغير والولد.
قوله (5): (لعلاقة بينهما (6)) فيه حذف صفة تقديره: لعلاقة ظاهرة؛ إذ ليس كل علاقة تعتبر في المجاز، فلا يعتبر إلا العلاقة الظاهرة ولا تعتبر (7) الخفية؛ ولأجل هذا لا يسمى أبخر الفم: بالأسد مع اشتراكهما في البخر؛ لأن هذه العلاقة خفية غير ظاهرة في الأسد.
قال المؤلف في الشرح: يشترط في العلاقة أن يكون لها اختصاص وشهرة ولا يكتفى بمجرد الارتباط كيف كان، ولو فتح هذا الباب لصح التجوز بكل شيء إلى كل شيء، وقد نصوا على منعه، فلا يصلح استعمال لفظ السماء
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ط ولم يرد في الأصل، وفي ز: "الذي وقع به التخاطب لم يشمل المجازات الأربعة كما تقدم ... " إلخ.
(2) "بينهما" ساقطة من ط.
(3) في ط: "قوله".
(4) في ط: "وبين المولود".
(5) في ز: "وقوله".
(6) "بينهما" ساقطة من ط وز.
(7) في ط وز: "ولا تعتبر العلاقة الخفية".
(1/401)

في الأرض، ولا بالعكس تجوزًا مع أنها تلازمها وتقابلها، والملازمة أحد أقسام العلاقة لكن المعتبر الملازمة الخاصة كملازمة الراوية (1) للجمل الحامل. انتهى نصه (2) (3).
قال أبو القاسم الشيرازي (4) في فك (5) الرموز في نشر الكنوز على شرح كتاب ابن الحاجب (6): اعلم أن العلماء قد حصروا العلاقة بالاستقراء في خمسة وعشرين نوعًا:
النوع الأول: إطلاق السبب على المسبب.
والثاني: عكسه.
والثالث: إطلاق اللازم على الملزوم.
والرابع: عكسه.
والخامس: إطلاق الحال على المحل.
__________
(1) المثبت من ط وز وفي الأصل: "الرواية".
(2) "نصه" ساقطة من ط وز.
(3) "نقل بالمعنى انظر: شرح التنقيح ص 47.
(4) هو أبو القاسم محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي، قطب الدين الشيرازي الشافعي، ولد بشيراز سنة أربع وثلاثين وستمائة، وكان أبوه طبيبًا بها فقرأ عليه، ثم رحل إلى الشام وإلى تبريز, وأقرأ بها العلوم العقلية، وكان طريفًا، توفي رحمه الله سنة عشر وسبعمائة (710 ه)، من مصنفاته: "شرح المختصر لابن الحاجب" في الأصول، "شرح المفتاح" في البلاغة، "شرح كليات القانون" في الطب.
انظر: بغية الوعاة للسيوطي 2/ 282, مفتاح السعادة 1/ 204.
(5) "فك" ساقطة من ط.
(6) لم أجده بهذا الاسم، واسمه شرح مختصر منتهى ابن الحاجب موجود منه نسخة خطية في مكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم 160.
(1/402)

والسادس: عكسه.
والسابع: إطلاق الكل على الجزء.
والثامن: عكسه.
والتاسع: إطلاق العام على الخاص.
والعاشر: عكسه.
والحادي عشر: إطلاق المطلق على المقيد.
والثاني عشر: عكسه.
والثالث عشر: إطلاق المعرف على المنكر.
والرابع عشر: عكسه.
والخامس عشر: الزيادة.
والسادس عشر: عكسه.
والسابع عشر: تسمية الشيء باعتبار المستقبل.
والثامن عشر: عكسه.
والتاسع عشر: حذف المضاف.
والموفى عشرين: عكسه.
والحادي والعشرون (1): إطلاق الشيء على مشابهه.
والثاني والعشرون: إطلاق الشيء على ضده.
__________
(1) هكذا في ط وز، وفي الأصل: "الحادي والعشرين".
(1/403)

والثالث والعشرون: إطلاق الشيء على بدله.
والرابع والعشرون: إطلاق آلة الشيء عليه.
والخامس والعشرون: التقديم والتأخير (1).
فأما إطلاق السبب على المسبب فمثاله: قوله عليه الصلاة (2) والسلام: "بلوا أرحامكم ولو بالسلام" (3) فإن البلل سبب الوصل؛ لأن
__________
(1) انظر: شرح مختصر المنتهى لأبي القاسم محمود بن مسعود قطب الدين الشيرازي ص 19 - 20/ خ فقد ذكر هذه الأنواع وأمثلتها بذكر كل نوع ومثاله، والمؤلف ذكر الأنواع أولًا ثم ذكر الأمثلة.
وانظر أيضًا: شرح الكوكب المنير 1/ 157 - 178.
(2) "الصلاة" ساقطة من ط وز.
(3) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (1/ 379 - 380 حديث رقم 654) عن سويد ابن عامر، وهو أنصاري صحابي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بلوا أرحامكم ولو بالسلام".
وأخرجه البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بلوا أرحامكم ولو بالسلام".
انظر: كشف الأستار عن زوائد البزار، حديث رقم (1877) كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 152)، فيه يزيد بن عبد الله بن البراء الغنوي وعزاه الهيثمي للطبراني عن أبي الطفيل بلفظ: "صلوا أرحامكم بالسلام" وقال: فيه راو لم يسم.
وذكره العجلوني في كشف الخفاء (1/ 341) وقال: له طرق بعضها يقوي بعضًا.
وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (ص 146) وقال: وبعضها يقوي بعضًا.
وانظر أيضًا في تخريج هذا الحديث: تمييز الطيب من الخبيث ص 62 حديث رقم 399 وصحيح الجامع الصغير للألباني حديث رقم (2835) ج 3/ 9، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 1/ 153 مادة (بلل)، وكتاب الغريبين غريبي =
(1/404)

العرب (1) لما رأت بعض الأشياء إنما تتصل بسبب البلل استعارت البل (2) للوصل.
وأما عكسه, وهو إطلاق المسبب على (3) السبب, فمثاله: قول الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقولِ (4)
لأن الخمر سبب الإثم، فأطلق اسم (5) المسبب (6) على مسببه (7) وهو الخمر ومنه تسمية العطية بالمن (8)؛ لأن العطية سبب المن، لأن (9) من أعطى فقد منَّ.
__________
= القرآن والحديث لأبى عبيد الهروي تحقيق محمود الطناحي مادة (بلل) ج 1/ 208، الفائق في غريب الحديث للزمخشري تحقيق علي البجاوي، الباء مع اللام ج 1/ 127.
(1) فى ط: "العرف".
(2) فى ط: "البلل".
(3) تعليق في هامش ز نصه: "من هنا يعلم أن هذا مثال لإطلاق السبب على اسم المسبب أي أنه من إطلاق اسم السبب وإرادة المسبب كما لا يخفى فتأمله".
(4) ورد هذا البيت بلا عزو إلى قائله في: الزاهر 2/ 25، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي ص 149، التذكرة الحمدونية ص 155، حلية الكميت ص 8, نهاية الأرب 4/ 87, لسان العرب مادة (أثم)، الصحاح للجوهري مادة (أثم) معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة (أثم).
(5) "اسم" ساقطة من ز.
(6) في ز: "السبب".
(7) في ط: "سببه".
(8) منَّ ويقال: المنين للضعيف والقوي، يقال: قد منه السير إذا جهده وأضعفه، وحبل منين ضعيف، ورجل منين وممنون.
انظر: كتاب الأضداد لأبي حاتم السجستاني ص 90.
(9) في ط: "ومن أعطى".
(1/405)

وأما إطلاق اللازم على الملزوم:
فمثاله قول الشاعر:
قوم إذا حاربوا (1) شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت (2) بأطهار (3) (4)
فأطلق (5) شد المئزر على الاعتزال عن النساء؛ لأن شد المئزر لازم للاعتزال.
وأما عكسه وهو إطلاق الملزوم على اللازم فمثاله: قوله تعالى: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} (6).
__________
(1) في ط: "فاربوا".
(2) في الأصل: "فاتت".
(3) في ط: "بأظهار".
(4) قائل هذا البيت هو الأخطل من قصيدة له يمدح بها يزيد بن معاوية عندما منعه وحماه من الأنصار بعد أن أباح لهم والده قطع لسانه، ولقد خصّ مطلعها بذكر الديار والأحبة والظعائن والحنين، ثم شرع بمدح يزيد مؤكدًا حماية القرشيين له وإنقاذه من الهلاك، ثم امتدحهم ببسالتهم في الحرب وانقطاعهم عن نسائهم لها؛ ومطلع قصيدته:
تغير الرسم من سلمى بأحفار ... واقفرت من سليمى دمنة الدار
إلى أن قال في آخر القصيدة:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
والمآزر جمع مئزر وهو الإزار، وشد المئزر هنا كناية عن ترك الجماع، وقوله: ولو باتت بأطهار، أي: ولو تبيت، لأنه في حيز إذا التي للاستقبال.
انظر: شرح ديوان الأخطل لإيليا سليم الحاوي ص 74، 84، شرح الأشموني لألفية ابن مالك مع حاشية الصبان عليه 4/ 37، النوادر في اللغة لأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري ص 150.
(5) في ط: "فإطلاق شد المآزر على اعتزال لأن المئزر لازم للأول".
(6) آية رقم 35 من سورة الروم.
(1/406)

أطلق الكلام على الدلالة؛ لأن الدلالة من لوازم الكلام، أي (1) أنزلنا عليهم برهانًا فهو يدلهم (2) بما كانوا به يشركون (3)، ومنه قول الحكماء: كل صامت ناطق (4).
وأما إطلاق اسم الحال على المحل فمثاله: قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (5).
أطلق (6) الرحمة على الجنة لأنها محل الرحمة.
وأما عكسه (7)، وهو إطلاق المحل على الحال فمثاله: قوله عليه السلام للنابغة الجعدي (8): "لا يفضض (9) الله فاك".
__________
(1) في ط: "إنما".
(2) في ط: "يذلهم".
(3) انظر: تفسير ابن كثير 3/ 434، تفسير القرطبي المجلد السابع ج 14/ 33، 34.
(4) في ط: زيادة بعد كل صامت ناطق: "أطلق على الدلالة ما فهمه من أثر الصنعة يدل على محدثه فكأنه ناطق"، وفي ز: أطلق النطق على الدلالة لأن ما فيه من أثر الصنعة يدل على محدثه فكأنه ناطق.
(5) آية رقم 107 من سورة آل عمران.
(6) في ز: "اسم الرحمة".
(7) في ز: "وأما عكسه فكقوله عليه السلام ... " إلخ.
(8) هو قيس بن عبد الله بن عدي بن ربيعة بن جعدة، وكنيته أبو ليلى، وهو شاعر مخضرم فصيح يجري في شعره على السليقة ولا يتكلف، عمر طويلًا في الجاهلية وفي الإسلام وهو أكبر من النابغة الذبياني؛ لأن الذبياني نادم النعمان بن المنذر وهذا نادم أباه، والنابغة الجعدي من الذين أنكروا الخمر والأزلام في الجاهلية. سكن المدينة ثم خرج إلى البادية في خلافة عثمان، وأدرك خلافة معاوية ومات بأصبهان وهو ابن مائتين وعشرين سنة.
انظر ترجمته في: الإصابة 6/ 218 الشعر والشعراء لابن قتيبة 1/ 289، معجم الشعراء للمرزباني 195.
(9) لم أجد هذا الحديث في الكتب المسندة، وقد ذكره بعض من ترجم للنابغة في قصة =
(1/407)

أطلق الفم على الأسنان؛ لأنه محل الأسنان (1)، ومنه قولهم أيضًا: جرى الميزاب، أطلق الميزاب على الماء؛ لأنه محل الماء.
وأما إطلاق اسم الكل على الجزء فمثاله قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} (2) أي: أناملهم، فأطلق الأصابع (3) على الأنامل، وهي (4) جزء من الأصابع.
وأما عكسه وهو إطلاق الجزء على الكل، فمثاله: قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} (5) أي: إلا ذاته؛ إذ الوجه جزء من الذات.
__________
= قدومه على النبي - صلى الله عليه وسلم - في وفد قومه حينما أنشده قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حلم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أجدت لا يفضض الله فاك".
وبلغ عشرين ومائة لم تسقط له سن.
انظر: الإصابة 6/ 218, البداية والنهاية 6/ 168، طبقات فحول الشعراء 1/ 123, المؤتلف والمختلف ص 293، الشعر والشعراء لابن قتيبة 1/ 289، معجم الشعراء للمرزباني ص 195.
(1) في ز: "أطلق اسم المحل الذي هو الفم على الحال الذي هو الأسنان لأنه محل الأسنان".
(2) سورة البقرة آية رقم 19.
(3) في ط: "اسم الأصابع".
(4) في ط: "فهي".
(5) قال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} سورة القصص آية 88. =
(1/408)

وأما إطلاق العام على الخاص، فمثاله: قوله تعالى حكاية عن محمد - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (1).
وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤمِنِينَ} (2) لم يرد به العموم؛ لأن الأنبياء قبلهما (3) كانوا مسلمين ومؤمنين.
__________
= ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: إنها إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق، ولا يموت، كما قال الله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [سورة الرحمن آية (26، 27)] فعبر بالوجه عن الذات وهكذا قوله ها هنا: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} أي: إلا إياه (تفسير ابن كثير 3/ 403).
(1) قال تعالى: {لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} سورة الأنعام آية 163.
فإذا قيل: أوَليس إبراهيم والنبيون من قبله؟ فعلى هذا لا بد من بيان معنى "أول" في هذه الآية.
فيجاب على الاعتراض بأحد ثلاثة أجوبة:
الأول: أنه أول الخلق: أجمع معنى.
الثاني: أنه أولهم؛ لكونه مقدمًا في الخلق عليهم، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} [سورة الأحزاب آية 7].
الثالث: أنه أول المسلمين من أهل ملته، وهو قول قتادة وغيره واختاره ابن العربي.
انظر: تفسير القرطبي 7/ 155، أحكام القرآن لابن العربي 2/ 772.
(2) سورة الأعراف 143.
وقيل في معنى أول المؤمنين: أي أول المؤمنين من قومي أو من بني إسرائيل في هذا العصر.
انظر: تفسير القرطبي 7/ 279.
(3) في ط: "قبلهم".
(1/409)

وأما عكسه وهو إطلاق الخاص على العام، فمثاله: قوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (1) أي رفقاء.
وأما إطلاق المطلق على المقيد، فمثاله: قول الشاعر:
فيا ليتنا نحيا جميعًا وليتنا ... إذا نحن متنا ضمنا كفنان
ويا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس قبل اليوم يلتقيان (2)
أى قبل يوم القيامة.
وأما عكسه, وهو إطلاق المقيد على المطلق فمثاله: قول شريح (3) القاضي: أصبحت ونصف الناس (4) عليّ غضاب، أراد بنصف (5) الناس: المحكوم عليه مطلقًا ولو قيده بالنصف.
ونظيره قول الشاعر:
__________
(1) سورة النساء آية رقم 69.
(2) قائل هذين البيتين هو: عووة بن حزام من قصيدته النونية الطويلة في ابنة عمه عفراء, والبيتان كما وردا في كتاب النوادر لأبي علي القالي:
فيا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس والأنعام يلتقيان
إلى أن قال:
فيا ليت محيانا جميعًا وليتنا ... إذا نحن متنا ضمنا كفنان
انظر: كتاب ذيل الأمالي والنوادر لأبي علي القالي ص 158، 160، الغزل في العصر الجاهلي لأحمد محمد الحوفي ص 192، 193.
(3) هو شريح بن الحارث بن قيس الكوفي القاضى, مخضرم، ثقة، وقيل: له صحبة، تولى القضاء سبعين سنة وتوفي قبل سنة (80 ه) أو بعدها.
انظر: تقريب التهذيب 1/ 349.
(4) "الناس" ساقطة من ط.
(5) في ط: "بالنصف".
(1/410)

إذا مت كان الناس صنفان (1) شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع (2)
وأما إطلاق المعروف (3) على المنكر، فمثاله: قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} (4).
وأما عكسه، وهو إطلاق المنكر على المعروف، فمثاله: قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} (5) أي علمت كل نفس ما قدمت وأخرت (6).
ومنه قولهم: دع (7) امرأً وما اختار (8)، [أي: دع كل امرئ وما
__________
(1) في ط: "صنعار" وهو تصحيف.
(2) قائل هذا البيت هو العجير السلولي.
ومناسبته أنه كانت للعجير بنت عم كان يهواها وتهواه، فخطبها إلى أبيها فوعده وقاربه، ثم خطبها رجل من بني عامر موسر، فخيرها أبوها بينه وبين العجير فاختارت العامري ليساره، فقال العجير في ذلك:
الماء على دار لزينب قد أتى ... لها باللوى ذي المرج صيف ومربع
إلى أن قال:
إذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع
هذا البيت من شواهد سيبويه على أن "كان" فيها ضمير الشأن، أي إذا مت كان الأمر أو الشأن أو القصة، وجملة الناس صنفان خبرها، وأورده الهروي في الأزهية:
إذا مت كان الناس نصفان شامت ... وآخر مثن بالذي كانت أصنع
انظر: خزانة الأدب 3/ 653، الأزهية للهروي، تحقيق الملوحي ص 199، الكتاب 1/ 36، شرح المفصل لابن يعيش 1/ 77, 3/ 116، 7/ 100، أسرار العربية للأنباري تحقيق البيطار ص 136.
(3) في ط: "المعروف".
(4) سورة البقرة آية رقم 58.
(5) سورة الانفطار آية رقم 5.
(6) لفظ: "ما قدمت وأخرت" ساقط من ز.
(7) في ط: "ادعوا"
(8) في ط: "يختار".
(1/411)

اختاره] (1).
وأما الزيادة فمثالها (2): قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (3) [أى ليس مثله شيء] (4).
قال أبو حامد الغزالي - رضي (5) الله عنه - في المستصفى: فإن الكاف وضع للإفادة، فإذا استعمل على وجه لا يفيد، كان على خلاف الوضع.
وأما عكسه وهو النقصان: فمثاله قوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} (6) أي لئلا تضلوا (7).
وأما تسمية الشيء باعتبار المستقبل، وهو ما يؤول إليه فمثاله قوله تعالى
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "فمثاله".
(3) سورة الشورى آية رقم 11.
وقد ذكر الطحاوي في إعراب "كمثله" ثلاثة أوجه:
الأول: أن الكاف صلة زيدت للتأكيد فيكون مثله خبر وقد جاء عن العرب أيضًا زيادة الكاف للتأكيد.
الثاني: أن الزائدة مثل أي ليس كهو شيء، وهذا القول بعيد لأن مثل اسم، والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم.
الثالث: أنه ليس ثمّ زيادة أصلًا بل هذا من باب قولهم: مثلك لا يفعل كذا أي أنت لا تفعله وأتى بمثل للمبالغة، وقالوا في معنى المبالغة هنا: أي ليس كمثله مثل لو فرض المثل، فكيف ولا مثل له، وقيل غير ذلك، والأول أظهر.
انظر: شرح الطحاوية ص 84، 85.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) كلمة "رضي الله عنه" ساقطة من ط وز.
(6) آية رقم 176 من سورة النساء.
(7) هذا التقدير نسبه القرطبي للكسائي، وهو عند البصريين خطأ صراح؛ لأنهم لا =
(1/412)

حكاية عن صاحب يوسف عليه السلام (1) -: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} (2) أي: عنبًا (3).
وأما عكسه، وهو تسمية الشيء باعتبار الماضي، وهو ما كان عليه في الزمان الماضي فمثاله: قولك: هذا عبدي المعتق؛ لأنه عبده (4) قبل عتقه.
وأما حذف المضاف سواء (5) أقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب أو بقي على إعراب نفسه:
فمثال حذف المضاف الذي أقيم المضاف إليه مقامه في إعرابه (6): قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} (7) أي أهل القرية (8).
__________
= يجيزون إضمار "لا".
والمعنى عندهم: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا.
انظر: تفسير القرطبي المجلد الثالث 6/ 29.
(1) "عليه السلام" ساقطة من ز.
(2) آية رقم 36 سورة يوسف.
(3) وقرأ ابن مسعود: "إني أراني أعصر عنبًا".
وقال الأصمعي: أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيًا ومعه عنب فقال: ما معك؟ قال: خمر.
وقيل: معنى أعصر خمرًا، أي عنب خمر، فحذف المضاف.
انظر: المصدر السابق المجلد الخامس 9/ 190.
(4) في ط: "عبد".
(5) في ز: "وسواء".
(6) في ط: "إعراب".
(7) سورة يوسف آية رقم 82.
(8) ذكر هذا التقدير القرطبي في تفسيره (9/ 246)، وأشار إلى معنى آخر وهو أن معني: "واسأل القرية" وإن كانت جمادًا فأنت نبي الله وهو ينطق الجماد لك، وعلى هذا فلا حاجة إلى الإضمار.
(1/413)

ومثال حذف المضاف (1) الباقي (2) على إعرابه قول الشاعر:
أكل امرئ تحسبين (3) امرأً ... ونار توقد (4) بالليل نارًا (5)
[قولة: ونار، أي: وكل نار] (6).
ومنه قولهم: ما كل سوداء تمرة (7)، ولا بيضاء شحمة؛ أي: ولا كل
__________
(1) "المضاف" ساقطة من ط.
(2) في ز: "وبقي المضاف إليه على إعرابه".
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "تحسين".
(4) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "يوقد".
(5) قائل هذا البيت هو أبو داود الإيادي الشاعر الجاهلي قيل: اسمه: جارية بن الحجاج، وقيل: حنظلة بن الشرقي وهو أحد نعات الخيل المجيدين.
وهذا البيت من قصيدة له يصف بها فرسًا ومطلعها:
ودار يقول لها الرائدو ... ن ويل أم دار الحذاقي دارا
إلى أن قال في آخرها:
أكل امرئ تحسبين أمرأً ... ونار توقد بالليل نارًا
أوجه الإعراب في قوله: ونار، ثلاثة: وهي:
الأول: سيبويه يحمله على حذف مضاف تقديره وكل نار كما استشهد به المؤلف هنا، وهو المشهور عند النحاة.
الثاني: أبو الحسن يحمله على العطف على عاملين، فيخفض نارًا بالعطف على امرئ المخفوض بكل، وينصب نارًا بالعطف على امرئ الثانية.
الثالث: أنه من باب عطف جملة علي جملة والتقدير وتحسبين كل نار.
انظر: المفصل للزمخشري ص 106 وشرحه لابن يعيش 3/ 26، أوضح المسالك لابن هشام 2/ 223، رقم الشاهد 351، الأصمعيات اختيار الأصمعي تحقيق أحمد شاكر وعبد السلام هارون ص 190، 191.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(7) في الأصل وفي ز: "ثمره" بالثاء.
(1/414)

بيضاء شحمة (1).
وأما عكسه، وهو حذف المضاف إليه، فمثاله: "قولهم قطع الله يد ورجل من قالها" (2)، تقديره: يد من قالها، فحذف (3) من قالها الذي أضيف إليه اليد لدلالة الثاني عليه، وهو من قالها الذي أضيف إليه الرجل.
__________
(1) نص هذا المثل في كتب الأمثال: "ما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء تمرة".
وقصة هذا المثل أن هند بنت عوف بن عامر كانت تحت ذهل بن ثعلبة بن عكابة فولدت له عامر وشيبان، ثم هلك عنها ذهل، وترك عند أخيه قيس بن ثعلبة مالًا، فذهب عامر وأخوه شيبان إلى عمهما قيس فوجداه قد تأوه، فوثب عامر بن ذهل عليه يخنقه, فقال قيس: يا ابن أخي، دعني فإن الشيخ متأوه، فذهب قوله مثلًا ثم قال: ما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء تمرة، يعني: وإن أشبه أباه خَلقًا فلم يشبهه خُلُقًا، فذهب قوله مثلًا.
وذكره الزمخشري في المفصل مستشهدًا به على حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه ونصه: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة كما أوردُه المؤلف هنا.
كل سوداء: كل مضاف، وسوداء مضاف إليه مجرور بالفتحة لأنه لا ينصرف ويكون التقدير: ولا كل بيضاء، فكل مضاف، وبيضاء مضاف إليه مجرور بالفتحة لأنه لا ينصرف، وشحمة معطوف على تمرة المنصوبة لأنها خبر.
انظر: المستقصى في أمثال العرب للزمخشري 2/ 328 رقم المثل 1199، مجمع الأمثال للميداني 3/ 275 رقم المثل 3868، المفصل للزمخشري ص 106، وشرحه لابن يعيش 2/ 26، 27، 5/ 143، 8/ 52.
(2) التقدير: قطع الله يد من قالها ورجل من قالها، فحذف ما أضيف إليه يد، وهو: من قالها، لدلالة ما أضيف إليه رجل عليه، وأورده الفراء في معاني القرآن هكذا: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله.
انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 322، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 2/ 67، شرح الكافية الشافية لابن مالك 2/ 976.
(3) في ط: "بحذف".
(1/415)

ومنه أيضًا (1) قول الشاعر:
سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها ... فنيطت عرا الآمال (2) بالزرع والضرع (3)
أي: سهلها.
وأما إطلاق الشيء على شبهه فمثاله: إطلاق الأسد على الرجل الشجاع لتشابههما (4) في الشجاعة.
ومثاله أيضًا: إطلاق لفظ (5) الإنسان على الصورة المنقوشة في الثوب، أو في (6) الجدار مثلًا لشبهها بالإنسان.
وأما إطلاق الشيء على ضده فمثاله: قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ
__________
(1) "أيضًا" ساقطة من ط.
(2) في ط: "الأرمال" وهو تصحيف.
(3) والغيث: المطر، والسهل: نقيض الجبل، والحَزْن بفتح الحاء وسكون الزاي: وهو ما غلظ من الأرض وصلُب.
فنيطت: أي: تعلقت، من ناط قلبي به أي: تعلق، و"العرا" بضم العين: جمع عروة. والآمال: جمع أمل وهو الرجاء، والضرع لكل ذات ظلف أو خف.
قوله: سهل بالنصب بدل من الأرضين بدل البعض من الكل، والمضاف إليه محذوف تقديره سهلها، وحزنها: عطف عليه وحذف المضاف إليه في سهل بدلالة ما أضيف إليه حزن عليه.
انظر: شرح العيني على شواهد الألفية مع الخزانة 3/ 483، 484، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 2/ 67 رقم الشاهد 239، شرح الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان 2/ 274.
(4) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "لمشابهتهما".
(5) "لفظ" ساقطة من ط.
(6) "في" ساقطة من ط.
(1/416)

مِثْلُهَا} (1) فالسيئة الأولى هي السيئة، وأما الثانية فهي حسنة وليست بسيئة (2). ومنه قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (3).
ومنه قوله تعالى أيضًا (4): {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} (5) ومنه قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (6).
__________
(1) سورة الشورى آية رقم 40.
(2) يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية: قال العلماء: جعل الله المؤمنين صنفين، صنف يعفون عن المظالم فبدأ بذكرهم في قوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى آية 37].
وصنف ينتصرون من ظالمهم، ثم بيّن حد الانتصار بقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي.
وبيّن سبب تسمية الجزاء سيئة؛ لأنه في المقابل، فالأول ساء هذا في مال أو بدن وهذا الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضًا - فليست السيئة الثانية حسنة، كما قال المؤلف -.
انظر: تفسير القرطبي المجلد الثامن 16/ 40.
(3) سورة البقرة آية رقم 194.
يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية: واختلف الناس في المكافأة هل تسمى عدوانًا أم لا؟
فمن قال: ليس في القرآن مجاز، قال: المقابلة عدوان، وهو عدوان مباح.
ومن قال: في القرآن مجاز سمي هذا عدوانًا على طريق المجاز ومقابلة الكلام بمثله.
انظر: تفسير القرطبي المجلد الأول 2/ 356.
(4) "أيضًا" ساقطة من ط وز.
(5) قال تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} سورة آل عمران آية 54, ومكروا: يعني كفار بني إسرائيل، ومكر الله استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون، وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم فسمى الجزاء باسم الابتداء.
المصدر السابق 4/ 98.
(6) سورة النساء آية 142.
يقول القرطبي في معنى الخداع من الله: والخداع من الله مجازاتهم على خداعهم =
(1/417)

ومنه قوله تعالى أيضًا (1): {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (2) فإطلاق اللفظ الثاني في جميع ذلك مجاز من باب مقابلة أحد الضدين بالآخر.
ومثاله أيضًا: قولهم (3): قاتله (4) الله ما أحسن ما (5) قال، أطلق الدعاء عليه على الدعاء له.
وأما إطلاق الشيء على بدله فمثاله: قولهم: فلان أكل الدم إذا أكل الدية، فأطلق الدم على الدية لأنها بدل الدم.
وأما إطلاق آلة الشيء عليه، فمثاله: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم
__________
= أولياءه ورسله.
المصدر السابق 5/ 422.
(1) أيضًا ساقطة من ط وز.
(2) قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} سورة البقرة آية رقم 14، 15.
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} أي: ينتقم منهم ويعاقبهم ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم فسمى العقوبة باسم الذنب، هذا قول جمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرًا في كلامهم، ثم ساق الآيات السابقة.
وقال: الجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق وجب، وليس منه سبحانه مكر ولا هزء، إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم.
انظر: تفسير القرطبي المجلد الأول 1/ 207، 208.
(3) "قولهم" ساقطة من ز.
(4) في ط: "فاتاه" وهو تصحيف.
(5) في ط: "من قال".
(1/418)

عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (1) أي: ذكرًا حسنًا، فأطلق اللسان على الذكر لأن اللسان آلة الذكر.
وأما التقديم والتأخير فمثاله: قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} (2) [تقديره: والذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاءً] (3).
وهذه (4) الأنواع المذكورة هي الحاصرة (5) لأنواع المجاز ولكن في بعضها تداخل كحذف المضاف (6) أو المضاف إليه، فإنهما داخلان في النقصان؛ لأن النقصان أو الحذف يعم ذلك فتأمل ذلك.
هذا ما يتعلق بقول (7) المؤلف (8): [لعلاقة بينهما].
وقال بعضهم (9): حاصل (10) المجاز أربعة أقسام:
__________
(1) سورة الشعراء آية رقم 84.
(2) سورة الأعلى آية رقم 4، 5.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "فهذه".
(5) حصرها المؤلف هنا بخمسة وعشرين نوعًا، وحصرها السبكي بستة وثلاثين نوعًا.
انظر: الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي وابنه 1/ 299 - 311، وانظر هذه الأنواع وأمثلتها في: شرح مختصر المنتهى لأبي القاسم قطب الدين الشيرازي ص 19، 20، مخطوط بمكتبة الجامع الكبير بمكناس رقم 160، وشرح الكوكب المنير 1/ 157 - 178.
(6) في ز: "والمضاف إليه".
(7) في ز: "بقوله".
(8) "المؤلف" ساقطة من ط.
(9) القائل هو المسطاسي في شرح التنقيح.
(10) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "فاصل".
(1/419)

الزيادة، والنقصان، والتقديم والتأخير، والاستعارة.
مثال (1) الزيادة: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (2) , وقوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} (3)، لأن ما زائدة.
ومثال (4) النقصان: قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (5).
ومثال التقديم والتأخير: قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} (6).
ومثال الاستعارة: الأسد للرجل الشجاع، [والحمار للرجل البليد (7). وهذا الحصر أقرب من الأوّل] (8).
ومنه: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (9)؛ لأن
__________
(1) في ز: "فمثال".
(2) سورة الشورى آية رقم 11.
(3) سورة النساء آية رقم 155.
انظر: تفسير القرطبي المجلد الثالث 6/ 7.
(4) في ط: "مثال".
(5) سورة يوسف آية رقم 82.
(6) سورة الأعلى آية رقم 4، 5.
(7) انظر هذا القول في شرح التنقيح للمسطاسي ص 13/ خ.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط، وفي ز: سقطت عبارة: "وهذا الحصر أقرب من الأول".
(9) سورة العنكبوت آية رقم 45.
الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر؛ وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة، والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت لربه وذكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه ويراه، صلحت لذلك =
(1/420)

الصلاة لا تنهى في الحقيقة.
وقوله تعالى: {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1)؛ لأن الإيمان لا يأمر في الحقيقة.
وقوله تعالى: {جَنَاحَ الذُّلِّ} (2)؛ لأن الذل لا جناح له في الحقيقة.
وقوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} (3)؛ لأن الإرادة لا تصح من الجدار (4) في الحقيقة.
وهو كثير في القرآن (5).
__________
= نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة".
انظر: تفسير القرطبي المجلد السابع 13/ 348.
(1) سورة البقرة آية رقم 93.
(2) قال تعالى في شأن الوالدين: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} سورة الإسراء آية رقم 24.
(3) سورة الكهف آية رقم 77.
(4) في ط: "من الموات"، وفي ز: "لأن الإرادة لا تصح إلا للذات".
(5) في ط زيادة بعد قوله: "وهو كثير في القرآن": "وهذا الحصر أقرب من الأول"، وفي هامش ز تعليق بهذا النظم:
يا سائلا حصر العلاقات التي ... وضع المجاز بها يسوغ ويجمل
خذها مركبة وكل مقابل ... حكم المقابل فيه يحصل
عين ذكر ملزوم يعوض لازم ... وكذا بعلته يعاض معلل
وعن المعمم يستعاض مخصص ... وكذاك عن جزء ينوب المكمل
وعن المحل ينوب ما قد حله ... والحذف للتخفيف مما يحصل
وعن المضاف إليه ناب مضافه ... والضد عن أضداده يستعمل
والشبه في صفة تبين وصورة ... ومن المقيد مطلق قد يبدل
والشيء يسمى باسم ما قد كان ... وكذاك يسمى بالبديل المبدل =
(1/421)

وقوله: (وهو منقسم (1) بحسب الوضع (2) إِلى أربعة: مجاز (3) لغوي كاستعمال (4) الأسد في الرجل الشجاع، وشرعي كاستعمال لفظ الصلاة في الدعاء، وعرفي عام (5) كاستعمال لفظ الدابة في مطلق ما اتصف (6) بالدبيب، وخاصي (7) كاستعمال لفظ الجوهر في النفيس).
ش: هذا هو المطلب الرابع: في أقسام المجاز.
فاعلم أن المؤلف - رحمه الله - قسم المجاز باعتبارات ثلاثة:
قسمه أولًا: باعتبار [الوضع] (8).
ثم قسمه ثانيًا: باعتبار الموضوع له.
ثم قسمه ثالثًا: باعتبار هيئته.
قوله: (وهو ينقسم بحسب [الوضع] (9) إِلى أربعة) ومراده
__________
= وضع المجاور في مكانة جاره ... وبهذا حكم التعاكيس يكمل
واجعل مكان الشيء آلته وجئ ... بمنكر قصد العموم فيحصل
ومعرف عن مطلق وبه انتهت ... ولجلها حكم التداخل يشمل
وبكثرة وبلاغة ولزومه ... لحقيقة رجحانه يتحصل
(1) في نسخة أوخ وش: "وهو ما ينقسم".
(2) في نسخة ش: "الواضع".
(3) في نسخة ش: "مجازات".
(4) في ط وز: "لفظ الأسد".
(5) "عام" ساقطة من ط.
(6) في نسخة ش: "في مطلق ما دب".
(7) في نسخة ش: "وعرفي خاص"، وفي خ: "وخاص".
(8) المثبت من ز وفي الأصل وط (الواضع).
(9) المثبت من ز وفي الأصل وط (الواضع).
(1/422)

ها هنا (1) [بالوضع] (2): اللغة، والشرع، والعرف العام، والعرف الخاص، [فالوضع] (3) إذًا أربعة أشياء (4).
وإنما كان أقسام المجاز أربعة؛ لأنها مقابلة لأقسام الحقيقة، وذلك أن لفظ الصلاة مثلًا: إذا استعمل في الدعاء كان حقيقة لغوية مجازًا شرعيًا؛ لأنه استعمل في غير ما وضع له باعتبار الوضع الشرعي وإن استعمل في الأفعال المخصوصة، كان حقيقة شرعية مجازًا لغويًا.
ولفظ الدابة إذا استعمل في مطلق ما اتصف بالدبيب كان حقيقة لغوية مجازًا عرفيًا، وإذا استعمل في الحمار كان حقيقة عرفية مجازًا لغويًا؛ لأنه استعمل في غير ما وضع له لغة، وكذلك تقول في (5) لفظ الجوهر وفي كل ما يعرض في الباب (6).
قوله: (كاستعمال الأسد (7) في الرجل الشجاع)، هذا مثال المجاز اللغوي، والعلاقة بين الحيوان المفترس والرجل الشجاع، هي (8): الشجاعة.
وقوله: (كاستعمال لفظ الصلاة في الدعاء) هذا مثال (9) المجاز الشرعي
__________
(1) في ز: "هنا".
(2) المثبت من ز وفي الأصل وط (الواضع).
(3) المثبت من ز وفي الأصل وط (الواضع).
(4) "أشياء" ساقطة من ط.
(5) في ط: "بلفظ".
(6) نقل المؤلف هنا من القرافي في شرح التنقيح بالمعنى. انظر ص: 44 من الشرح.
(7) في ز: "لفظ الأسد".
(8) "هي" ساقطة من ط.
(9) في ز: "هو".
(1/423)

والعلاقة بينهما هو (1): الدعاء؛ لأن الفاتحة فيها الدعاء.
وقوله: (كاستعمال لفظ الدابة في مطلق ما اتصف بالدبيب) هذا مثال المجاز العرفي العام، والعلاقة بينهما هو (2): الدبيب.
وقوله: (كاستعمال لفظ الجوهر في النفيس).
قال ابن هشام في شرح الفصيح: يقال: نَفَسَ (3) الشيء، ونَفُسَ: صار نفيسًا، كما يقال: أنتن الشيء، ونتن إذا صار منتنًا.
والنفيس: هو الرفيع الشريف الكريم الذي يتنافس فيه، انتهى نصه (4).
وقوله (5): (كاستعمال لفظ الجوهر في النفيس)، هذا مثال (6) الجاز العرفي الخاص، والعلاقة بين النفيس وبين الشيء الذي لا يقبل القسمة هي (7) مطلق الغاية؛ لأن هذا في غاية من التعظيم، وهذا في غاية من التحقير.
قوله: (وبحسب الموضوع له إِلى مفرد نحو قولنا: أسد للرجل الشجاع، وإِلى مركب كقولهم (8):
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
__________
(1) في ط: "هي".
(2) في ط: "هي".
(3) في ط وز: "انفس".
(4) انظر: شرح الفصيح ص 104، 105 مخطوط "فلم" في مركز البحث بجامعة أم القرى 241 لغة.
(5) في ط: "قوله".
(6) في ط: "مثال الجوهر للمجاز".
(7) في ز: "هو مطلق بلوغ الغاية".
(8) في نسخة خ: "كقوله"، ونسخة ش: "نحو قولهم".
(1/424)

فالمفردات (1) حقيقية (2)، وإِسناد الإِشابة والإِفناء (3) إِلى الكر والمر مجاز في التركيب، وإِلى: مفرد ومركب كقولهم (4): أحياني اكتحالي بطلعتك، فاستعمال الإِحياء والاكتحال في السرور والرؤية مجاز في الإِفراد وإِضافة الإِحياء إِلى الاكتحال مجاز في التركيب، فإِنه مضاف إِلى الله تعالى).
ش: هذا هو التقسيم (5) الثاني للمجاز باعتبار الموضوع له.
قوله: (وبحسب الموضوع له) أي: وينقسم المجاز أيضًا باعتبار المعنى الذي وضع له المجاز إلى ثلاثة أقسام (6):
أحدها: مفرد.
والثاني: مركب (7).
__________
(1) في أ: "فالأفراد".
(2) في أوخ وش: "حقيقة".
(3) المثبت من أوخ وش وط وز، وفي الأصل: "الفناء".
(4) في أوخ وش: "نحو قولهم".
(5) في ط: "القسم".
(6) هكذا في ز، وفي الأصل وز بعد قوله: "إلى ثلاثة أقسام" قال: "هذا هو التقسيم الثاني للمجاز فقسمه ها هنا باعتبار المعنى الذي وضع له إلى ثلاثة أقسام".
ولم أثبت هذا الكلام وإن ورد في الأصل؛ لأن فيه تكرارًا مع ما سبق.
(7) تقسيم المؤلف المجاز هنا إلى: مفرد، ومركب إنما هو على مذهب من يجيز المجاز في التركيب أو الإسناد، وهو اختيار تاج الدين البيضاوي، وتاج الدين السبكي وغيرهم، ومنعه آخرون منهم ابن الحاجب.
يقول ابن الحاجب: والحق أن المجاز في الفرد ولا مجاز في المركب، وقول عبد القاهر الجرجاني في نحو أحياني اكتحالي بطلعتك أن المجاز في الإسناد بعيد لاتحاد جهته.
انظر: الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي وابنه 1/ 293، 295، مختصر المنتهى =
(1/425)

والثالث: مفرد ومركب معًا.
يعني أن المجاز بالنسبة إلى موضوعه (1) تارة يكون مجازًا مفردًا خاصة، وتارة يكون مجازًا مركبًا خاصة، وتارة يكون مجازًا مفردًا ومركبًا معًا (2).
ومعنى قوله: (المجاز المفرد) أي ينقل اسم مفرد عن معنى مفرد (3) إلى معنى مفرد، أو (4) إلى أكثر من معنى مفرد.
مثال هذا (5) المجاز المفرد قولك: أسد لشجاع (6) من الرجال، فإن الأسد اسم مفرد منقول عن معنى مفرد، وهو الحيوان المفترس إلى معنى مفرد وهو الرجل الشجاع.
وقولنا: "أو أكثر (7) من مفرد" مثاله: إطلاق اللفظ المشترك على معنييه، وكذلك إطلاق اللفظ على مجازيه، وكذلك إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه معًا.
مثال إطلاق المشترك على معنييه: إطلاق لفظ القرء على الطهر، والحيض، وإطلاق لفظ الجون (8) على الأبيض والأسود.
__________
= لابن الحاجب المطبوع مع شرح العضد 1/ 153.
(1) في ز: "إلى ما وضع له".
(2) "معًا" ساقطة من ز.
(3) "مفرد" ساقطة من ط.
(4) "أو" ساقطة من ط.
(5) "هذا" ساقطة من ز.
(6) في ز: "للرجل الشجاع"، وهو أقرب.
(7) في ز: "أو إلى أكثر".
(8) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الجوز".
(1/426)

[ومثال إطلاق اللفظ على مجازيه: إطلاق لفظ البحر على العالم والسخي] (1).
ومثال إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه: [إطلاق لفظ الغزالة على الحيوان المعروف، والمرأة الجميلة.
وهذا كله إذا نطق (2) به متكلم واحد في وقت واحد، وأراد باللفظ مجموع المعاني، وهذا التمثيل كله إنما هو على القول بجواز إطلاق اللفظ على حقيقته أو على مجازيه أو على حقيقته ومجازه] (3) معًا وهو مذهب مالك والشافعي، وطائفة من العلماء رضي الله عنهم.
كما بينه المؤلف رحمه الله في باب التعارض والترجيح (4)؛ لأنه قال هنالك (5): يجوز عند المالكية (6) والشافعي، وجماعة من أصحابه (7) استعمال اللفظ في حقائقه إن كان مشتركًا، أو مجازاته، أو مجازه (8) وحقيقته، خلافًا لقوم. انتهى (9).
قوله: (نحو قولنا: أسد للرجل الشجاع) هذا مثال المجاز المفرد كما
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ط: "تكلم".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) الصواب: "في الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ".
(5) في ز: "هناك".
(6) في ش: "مالك".
(7) في ش: "من أصحاب مالك".
(8) في ز: "أو مجازاته".
(9) هذا نص كلام القرافي في التنقيح. انظر: شرح التنقيح ص 114.
(1/427)

تقدم.
ومثاله أيضًا: الحمار للرجل البليد (1)، [وكذلك الثور للرجل البليد] (2) وكذلك التيس للأبله (3)، وكذلك البحر لكثير العلم، وكذلك البحر أيضًا (4) لكثير السخاء، وكذلك البحر أيضًا للفرس الجواد، وكذلك الغزالة (5) للمرأة الجميلة، وكذلك الشمس للمرأة الجميلة، وكذلك القمر للمرأة الجميلة، وكذلك البدر للمرأة الجميلة، وكذلك الجبل للرجل الثقيل، فهذا كله مثال للمجاز المفرد، وهو نقل اسم مفرد عن معنى مفرد إلى معنى مفرد أو أكثر من مفرد.
فهذا بيان المجاز المفرد وهو القسم الأول من الثلاثة، وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: (إِلى مفرد نحو قولنا: أسد للرجل الشجاع).
وقوله: (وإِلى مركب كقولهم:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومرّ العشي
فالمفردات حقيقة وإِسناد الإِشابه والإِفناء إِلى الكر والمر مجاز في التركيب).
ش: هذا هو القسم الثاني من الأقسام الثلاثة: وهو المجاز المركب.
ومعنى المجاز المركب: أن يكون اللفظ موضوعًا ليركب مع لفظ معنى،
__________
(1) في ط: "البلد".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط: "للأجلية" وهو تصحيف.
(4) "أيضًا" ساقطة من ز.
(5) في ط: "وكذلك الغزالة أيضًا للمرأة الجميلة".
(1/428)

ثم يركب مع لفظ معنى آخر (1) مثله المؤلف بقول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر (2) الغداة ومر العشي (3)
هذا من باب اللف والنشر، الأول للأول، والثاني للثاني، تقديره: أشاب الصغير كر الغداة وأفنى الكبير مر العشي، والمراد بالكر والمر ها هنا (4) طول العمر.
__________
(1) يقول القرافي في تحديد معنى المجاز المركب: "والمجاز في التركيب أن يكون اللفظ في اللغة وضع ليركب مع لفظ معنى آخر فيركب مع لفظ غير ذلك المعنى فيكون مجازًا في التركيب". انظر: شرح التنقيح ص 45.
(2) "كر الغداة" ساقط من ط.
(3) قائل هذا البيت هو الصلتان العبدي وهو من شعراء الحماسة، واسمه قثم بن حيبة بن عبد القيس، وهو الذي قضى بين جرير والفرزدق، ونسبه الجاحظ فى كتابه الحيوان إلى الصلتان السعدي وهو غير الصلتان العبدي.
وهذا البيت مطلع قصيدة له، وقال بعد هذا البيت:
إذا ليلة هرَّمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته ... ويبقى له حاجة ما بقي
ذكر في هذه الأبيات ما تدور عليه دوائر الأيام وقال: إن تكرر الأيام ومرور الليالي تجعل الصغير كبيرًا والطفل شابًا والشيخ فانيًا، ونحن في دأب في حاجتنا فلا نمل، وحاجتنا لا تفنى أو تقل.
انظر: شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 3/ 209 نشره أحمد أمين، الحيوان للجاحظ 3/ 477، خزانة الأدب 1/ 308، أسرار البلاغة للجرجاني ص 320، 337، شواهد التلخيص ص 35، شرح المقصورة لابن هشام اللخمي ص 162، 163، معجم الشعراء للمرزباني ص 229، الشعراء لابن قتيبة 475.
(4) "ها هنا" ساقطة من ز.
(1/429)

قوله: (فالمفردات حقيقة) أراد [بالمفردات] (1) أربعة (2) أشياء: وهي الإشابة، والإفناء، والكر، والمر؛ لأن كل واحد من هذه الألفاظ الأربعة باق على المعنى الذي وضع له، لم ينقل عنه في هذا المثال.
وهو معنى قوله: (فالمفردات حقيقة) وليس يريد بالمفردات: جميع الألفاظ الثمانية؛ لأن الصغير في قوله: أشاب الصغير مجاز؛ لأنه سماه صغيرًا باعتبار ما كان عليه في الماضي؛ إذ الصغير لا يشيب وإنما الذي (3) يشيب هو الكبير، قاله المؤلف في النفائس (4).
وهذا كقولك: تحرك الساكن، أو سكن (5) المتحرك؛ فإنما يصدق (6) باعتبار الماضي والإلزام الجمع بين الضدين، وهو محال.
قوله: (وإسناد الإِشابة والإِفناء إِلى الكر والمر مجاز في التركيب (7)).
ش: يعني أن إضافة (8) الإشابة إلى (9) الكر مجاز في التركيب، وكذلك إضافة الإفناء إلى (10) المر مجاز في التركيب؛ لأن الإشابة والإفناء إنما يضافان
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ط وز ولم ترد في الأصل.
(2) في ط: "أربع".
(3) "الذي" ساقطة من ط.
(4) يقول القرافي في النفائس: إن الشيب لا يأتي على صغير حقيقة بل من تقدم فيه الصغر، وهو كقوله: تحرك الساكن وسكن المتحرك.
انظر نفائس الأصول تحقيق عادل عبد الموجود 2/ 872.
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "واسكن".
(6) في ط: "يقصد".
(7) "في التركيب" ساقطة من ز.
(8) في ز: "الإضافة".
(9) "إلى" ساقطة من ط.
(10) "إلى" ساقطة من ط.
(1/430)

[إلى الله تعالى] (1) بالحقيقة (2)، وأما إضافتهما (3) إلى غير الله تعالى، فهو مجاز في التركيب؛ وذلك أن معنى المجاز المركب قد حصل في هذا المثال؛ لأن اللفظ لم يركب مع لفظ المعنى الذي وضع لأن يركب معه.
ومثال هذا البيت أيضًا قول الشاعر:
والمرء يبليه بلاء السربال ... كر الليالي وانتقال الحال (4)
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في ط، وفي ز: "إلى الله تبارك وتعالى".
(2) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 294.
(3) في ط: "إضافته".
(4) قائل هذا البيت هو العجاج عبد الله بن رؤبة بن تميم، ولد في الجاهلية وأدرك الصحابة الأولين، وعمر طويلًا، مات في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة سبعين للهجرة وهو من شعراء الرجز ويجيد المدح.
ونص البيت:
والمرء يبليه بلاء السربال ... كر الليالي وانتقال الأحوال
وأورده ابن هشام اللخمي في شرح المقصورة بهذه الرواية:
والمرء يبليه بلاء السربال ... تناسخ الإهلال بعد الإهلال
ولم أجده في ديوانه
انظر: المقصور والممدود لابن ولاد النحوي ص 17، شرح المقصورة لابن هشام اللخمي ص 162.
في هامش "ز" (56/ أ) ورد بعد البيت الزيادة الآتية: "الأحوال: تعاقب الإهلال بعد الإهلال قوله: (وإسناد الإشابة والإفناء إلى الكر والمر مجاز) قال أبو زكريا المسطاسي: هذا لا يصح؛ لأن طول العمر سبب عادي للإشابه والإفناء والعرب لم تخص الوضع بالمؤثر الحقيقي، بل وضعت للمؤثر الحقيقي، والكسبي، وما لا كسب فيه البتة، كقولك: خلق الله، ورزق، وأحيا، وأمات، والكسبي كقولك: قام زيد وصلى وضرب، وما لا كسب فيه كقولك: برد الماء وسقط الحائط، فصار الوضع أعم من الثلاث، وحينئذ يكون قولهم: أشاب كر الغداة ومر العشي حقيقة، كقولك: أشبعه الطعام، وأرواه الماء، وأفناه الجوع، وأحرقته النار، هذا كله حقيقة =
(1/431)

ومثال المجاز المركب أيضًا قولهم: هزم الأمير الجند، وقتل (1) الأمير فلانًا، أو ضربه، أو علقه، أو سجنه، أو أطلقه؛ فالفاعل لذلك كله حقيقة المباشر (2) للفعل (3)، فنسبة ذلك إلى الأمير مجاز في التركيب.
ومثاله أيضًا: قولك: شربت الطعام وأكلت الماء، فهو مجاز؛ لأن (4) لفظ الشرب إنما يركب مع لفظ الماء، ولا يركب مع لفظ الطعام، وكذلك لفظ الأكل إنما يركب مع لفظ الطعام، ولا يركب (5) مع لفظ الماء.
ومثاله أيضًا: قولك: غرق فلان في العلم؛ لأن لفظ غرق إنما يركب مع الماء، فتركيبه مع لفظ العلم مجاز (6).
ومثاله أيضًا: قولك: علفت الدابة ماء؛ لأن لفظ العلف إنما يركب مع لفظ الشعير أو (7) التبن؛ لأن الماء لا يعلف وإنما يعلف الشعير والتبن.
ومثاله في القرآن: قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (8)؛ لأن لفظ (9) السؤال إنما وضع في اللغة ليركب مع لفظ من تصح منه الإجابة، فتركيبه مع لفظ القرية مجاز في التركيب.
__________
= لا مجاز إذا كان فاعل ذلك على وجه التأثير هو الله تبارك وتعالى".
(1) في ط: "أو قتل".
(2) في ط وز: "هو المباشر".
(3) في ط: "الفعل".
(4) في ز: "فإن".
(5) "ولا يركب" ساقطة من ط.
(6) هذا المثال تقدم عن سابقه في ط وز.
(7) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "والتبن".
(8) سورة يوسف آية رقم 82.
(9) "لفظ" ساقطة من ز.
(1/432)

ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {وَإِذَا تلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} (1)؛ لأن الذي يزيد ذلك هو الله تعالى (2).
ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} (3)؛ لأن الذي يخرجها هو الله تعالى (4) (5).
ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمِّهَاتُكمْ وَبَنَاتُكُمْ ...} (6) الآية؛ لأن لفظ التحريم إنما وضع ليركب مع الأفعال دون الذوات (7)، فتركيبه
__________
(1) سورة الأنفال آية رقم 2.
وبين ابن سعدي رحمه الله وجه زيادة إيمانهم فقال: "ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع، ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه ويتذاكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات وازدجارًا من المعاصي، وكل هذا مما يزاد به الإيمان".
انظر: تفسير ابن سعدي 3/ 142، 143.
فعلى هذا تكون زيادة الإيمان بسبب تلاوة آيات الله وهذه الزيادة بقدرة الله سبحانه وتعالى.
(2) في ط: "هو الله"، وفي ز: "هو الله تبارك وتعالى".
(3) سورة الزلزلة آية رقم 2.
(4) استدل الرازي بهذه الآية على أن المجاز مركب عقلي فقال: فالإخراج غير مستند في نفس الأمر إلى الأرض بل إلى الله تعالى، وذلك حكم عقلي ثابت في نفس الأمر، فنقله عن متعلقه إلى غيره نقل لحكم عقلي لا للفظ لغوي، فلا يكون هذا المجاز إلا عقليًا.
انظر: المحصول ج 1 ق 1 ص 459.
(5) في ط: "هو الله"، وفي ز: "هو الله عز وجل".
(6) سورة النساء آية رقم 23.
(7) ذكر هذه الأمثلة للمجاز في التركيب القرافي في شرح التنقيح ص 45، 46.
(1/433)

مع الذوات مجاز في التركيب؛ لأن التكليف إنما يتعلق بأفعال المكلفين التي هي من كسبهم ولا يتعلق بذواتهم؛ لأنها ليست من كسبهم.
هذا بيان المجاز المركب. وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: (وإِلى مركب كقولهم:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
...) إلى آخره (1).
قوله: (وإِلى مفرد ومركب كقولهم: أحياني اكتحالي بطلعتك، فاستعمال الإِحياء والاكتحال في السرور والرؤية: مجاز في الإِفراد، وإِضافة الإِحياء إِلى الاكتحال: مجاز في التركيب؛ فإِنه مضاف إِلى الله تعالى).
ش: هذا هو القسم الثالث من الأقسام الثلاثة: وهو المجاز الذي هو مفرد مركب معًا، ومعناه: أن يكون المجاز في إفراده، وفي إسناده.
مثله المؤلف (2) بقوله (3): أحياني اكتحالي بطلعتك: ومعنى هذا (4) الكلام: يسرني (5) رؤية صورتك، فإطلاق الإحياء على السرور: مجاز في الإفراد، وإطلاق الاكتحال على الرؤية: مجاز في الإفراد أيضًا، وإضافة الإحياء إلى الاكتحال: مجاز في التركيب؛ [فإن لفظ الإحياء إنما وضع لغة لأن يركب مع لفظ الله تعالى، فإضافة الإحياء إلى الاكتحال مجاز في
__________
(1) "إلى آخره" ساقطة من ز.
(2) في ز: "المؤلف رحمه الله".
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "بقولك".
(4) "هذا" ساقطة من ز.
(5) في ط: "سرني"، وفي ز: "أسرني".
(1/434)

التركيب] (1)؛ إذ لا يركب الإحياء مع لفظ الاكتحال حقيقة، فلا يقال: أحياه الكحل حقيقة (2).
قال المؤلف في الشرح: "فلو كان إضافة الإحياء إلى الاكتحال حقيقة، لكان من مات يوضع الكحل في عينيه فيعيش، فإذا قلت (3): أحياه الله: كان حقيقة في التركيب؛ لأن اللفظ ركب مع اللفظ الذي وضع لأن يركب معه، ولا فرق في هذا الموضع بين الفاعل، والمفعول، والمضاف، وغيرها، فسرج الدار: مجاز في التركيب إلا أن يراد به مطلق الإضافة؛ لأن الدار ليس لها سرج تركب به؛ فإنه قد يقال: سرج الدار باعتبار أنه موضوع فيها، فيكون حقيقة في التركيب". انتهى نصه (4).
قوله: (أحياني اكتحالي بطلعتك).
قال المؤلف في الشرح (5):
"إطلاق الإحياء على السرور من مجاز التشبيه؛ لأن الحياة توجب ظهور آثار محلها وبهجته وكذلك المسرة، فأطلق لفظ الحياة على المسرة للمشابهة. وكذلك إطلاق لفظ (6) الاكتحال على الرؤية من مجاز التشبيه؛ لأن العين
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(2) فهو أسند الإحياء إلى الاكتحال مع أن المحيي هو الله تعالى. انظر: الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي وابنه 1/ 295.
(3) في ز: "قلنا".
(4) شرح تنقيح القرافي ص 46.
(5) في ط: "في شرحه".
(6) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "لفظ إطلاق".
(1/435)

تشتمل على الكحل والاكتحال كما تشتمل (1) على المرئي، فلما تشابها (2) أطلق لفظ أحدهما على