Advertisement

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب 002


رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ

تأليف
أبي عَلي حسَين بن علي بن طَلحة الرّجراجي الشوشَاوي
المتوفى سنة 899 ه

تحقيق
د. أَحْمَد بن محمَّد السراح
عضو هَيئة التّدريس بجامعة الإمَام محمَّد بن سعُود الإسلامية

المجلّد الثّاني
مَكْتَبة الرُّشدِ
نَاشِرُون
(2/1)

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1425 ه - 2004 م

مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب 17522 الرياض 11494 - هاتف: 4593451 - فاكس: 4573381
E - mail: alrushd@alrushdryh.com
www.rushd.com

* فرع الرياض: طريق الملك فهد - غرب وزارة البلدية والقروية ت 2051500
* فرع مكة المكرمة: ت: 5585401 - 5583506
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - ت: 8340600 - 8383427
* فرع جدة: مقابل ميدان الطائرة - ت: 6776331
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - ت: 3242214 - ف: 3241358
* فرع أبها: شارع الملك فيصل ت: 2317307
* فرع الدمام: شارع ابن خلدون ت: 8282175

وكلاؤنا في الخارج
* القاهرة: مكتبة الرشد - مدينة نصر - ت: 2744605
* الكويت: مكتبة الرشد - حولي - ت: 2612347
* بيروت: دار ابن حزم ت: 701974
* المغرب: الدار البيضاء/ مكتبة العلم/ ت: 303609
* تونس: دار الكتب الشرقية/ ت: 890889
* اليمن - صنعاء: دار الآثار ت: 603756
* الأردن: دار الفكر/ ت: 4654761
* البحرين: مكتبة الغرباء/ ت: 957823
* الامارات - الشارقة: مكتبة الصحابة/ ت: 5633575
* سوريا - دمشق: دار الفكر/ ت: 221116
* قطر - مكتبة ابن القيم/ ت: 4863533
(2/2)

رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ
(2/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(2/4)

الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادات
وهي خمسة
(2/5)

الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادات (1) وهي خمسة
شرع المؤلف رحمه الله تعالى (2) في هذا الفصل في بيان أوصاف العبادات فحصرها في خمسة وهي:
الأداء، والقضاء، والإعادة، والصحة، والإجزاء.
وفي هذا الفصل ستة مطالب:
الأول: في الأداء.
والثاني: في القضاء.
والثالث: في التنبيه الذي أورده المؤلف على القضاء.
والرابع: في الإعادة.
والخامس: في الصحة.
والسادس: في الإجزاء.
قوله: (وهي خمسة).
__________
(1) في نسخة أوخ وش: "العبادة".
(2) "تعالى" لم ترد في ط.
(2/7)

اعترض (1) بعضهم بأن قال: بقيت على المؤلف (2) خمسة أخرى وهي: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة، فإنها أوصاف العبادات (3) أيضًا؛ لأنها أوصاف أفعال (4) المكلفين (5)؛ لأنك تقول: هذا فعل واجب، أو حرام، أو مندوب، أو مكروه، أو مباح (6).
أجيب عن هذا: بأن هذه الأشياء الخمسة هي أقسام الحكم الشرعي وليست بأوصاف العبادات.
قوله: (الأول: الأداء، وهو: إِيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت).
ش: هذا هو المطلب الأول في حد الأداء (7)، وهذا الحد ركبه المؤلف من
__________
(1) في ط وز: "اعترضه".
(2) في ز: "عليه".
(3) في ط: "العبادة".
(4) "أفعال" وردت في ط وز، ولم ترد في الأصل.
(5) في ز: "المتكلفين".
(6) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 28.
(7) تعريف الأداء لغة يقال: أداه تأدية أوصله وقضاه، والاسم الأداء.
انظر: القاموس المحيط 4/ 298، مادة (أدو).
وانظر تعريف الأداء اصطلاحًا وما يتعلق به من مسائل في: شرح التنقيح للقرافي ص 72، شرح التنقيح للمسطاسي ص 28، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 62، المستصفى 1/ 95، شرح الكوكب المنير 1/ 365، فواتح الرحموت 1/ 85، شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب 1/ 232، شرح المحلي على متن جمع الجوامع 1/ 108، نهاية السول 1/ 109، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص 59، التعريفات للجرجاني ص 9، المغني للخبازي ص 52.
(2/8)

جنس وخمسة قيود.
فالجنس هو قوله: (إِيقاع).
والقيد الأول: هو قوله: (العبادة) (1).
والقيد الثاني: هو قوله: (في وقتها).
والقيد الثالث: هو قوله: (المعين لها).
والقيد الرابع: هو قوله: (شرعًا).
والقيد الخامس: هو قوله: (لمصلحة اشتمل عليها الوقت).
حد الأداء عند القدماء: إيقاع العبادة في وقتها، فزاد المؤلف ثلاثة قيود تحريرًا للحد.
قوله: (إِيقاع العبادة) (2) أي: فعل الطاعة في وقتها، أي: فعل المأمور به في وقته.
واحترز (3) بقوله: (العبادة) مما ليس بطاعة؛ لأن ما ليس بطاعة لله تعالى لا يسمى (4) بالأداء كسائر الأفعال التي ليست بطاعة كالحرث، والحصاد، والغرس (5) وسائر الصناعات.
__________
(1) في ز: "العبادات".
(2) في ز: "إيقاع العبادة في وقتها".
(3) في ز: "احترز".
(4) في ز: "لا يوصف".
(5) في ط وز: "والبناء والغرس".
(2/9)

وقوله: (1) (في وقتها) احترز به من القضاء؛ لأن القضاء إيقاع العبادة خارج وقتها كما سيأتي في حد القضاء (2).
وقوله: (المعين لها) معناه المحدود للعبادة بطرفيه، أي: بأوله وآخره كتعيين أوقات الصلوات (3) الخمس دون سائر الأوقات، وتعيين شهر رمضان للصوم دون سائر الشهور، واحترز به من العبادات (4) التي لم يعين (5) لها وقت محدود بطرفيه، أي: بأوله وآخره كالحج؛ فإنه وظيفة العمر.
وقول: الفقهاء حجة الأداء، وحجة القضاء: مجاز لا حقيقة (6).
وقوله (7): (شرعًا) احترازًا من فعل العبادة في وقتها المعين لها عرفًا، كالترويحات في رمضان، قاله بعضهم، فإن تعيين الزمان لها (8) بالعرف.
وقال بعضهم: مثال ما عينه العرف كأمر السيد لعبده أن يفعل فعلاً في وقت محدود معين له؛ لأن هذا أفضل (9) العبادة في وقتها المعين لها عرفًا؛ لأن طاعة العبد لسيده عبادة وهذا والله أعلم أولى؛ لأن الترويحات سنها (10)
__________
(1) في ط: "قوله".
(2) انظر (2/ 22) من هذا الكتاب.
(3) في ط: "الصلاة".
(4) في ط وز: "العبادة".
(5) في ط: "يتعين".
(6) "لا حقيقة" ساقطة من ط وز.
(7) في ط: "قوله".
(8) في ز: "فيها".
(9) "أفضل" ساقطة من ط وز.
(10) أخرج البخاري ومالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت =
(2/10)

عمر (1) رضي الله عنه (2) وفعل عمر أمر شرعي لا عرفي.
قوله: (فقولنا: في وقتها احترازًا من القضاء، وقولنا: شرعًا احتراز من العرف).
ش: بيّن المؤلف بهذا الكلام الشيء الذي احترز منه بقوله: (في وقتها) والشيء الذي احترز منه بقوله: (شرعًا)، وأما الشيء الذي احترز منه بقوله: (العبادة) فلم يذكره، وكذلك الشيء الذي احترز منه بقوله: (المعين لها) (3)، وقد بيّناه [قبل هذا] (4).
وقوله (5): (لمصلحة (6) اشتمل عليها الوقت احترازًا من تعيين الوقت
__________
= مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبيّ ابن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، واللفظ للبخاري.
انظر: صحيح البخاري باب: فضل من قام رمضان 1/ 342، المطبوع مع حاشية السندي، موطأ الإمام مالك، باب قيام شهر رمضان ص 91 تعليق عبد الوهاب عبد اللطيف، موسوعة فقه عمر بن الخطاب، تأليف د. محمد رواس قلعه جي ص 456.
(1) في ز: "عمر بن الخطاب".
(2) "رضي الله عنه" لم ترد في ط.
(3) "لها" ساقطة من ز.
(4) ما بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(5) في أوخ وش: "وقولنا"، وفي ط: "قوله".
(6) "لمصلحة" ساقطة من أوش.
(2/11)

لمصلحة المأمور به لا لمصلحة في الوقت، كما إِذا قلنا: الأمر للفور، فإِنه يتعين الزمان (1) الذي يلي ورود الأمر، إِلا أنه (2) لا يوصف بكونه (3) أداء في وقته ولا قضاء بعد وقته، كمن (4) بادر لإِزالة منكر أو إِنقاذ (5) غريق، فإِن المصلحة ها هنا في الإِنقاذ (6) سواء كان في هذا الزمان أو غيره) (7).
ش: ذكر (8) في هذا الكلام الشيء الذي احترز منه بقوله: لمصلحة اشتمل عليها الوقت، واحترز بذلك من تعيين الوقت لمصلحة اشتمل عليها الفعل المأمور به ولا يشتمل عليها الوقت.
وذلك أن تعيين الوقت للعبادة على ضربين: تارة يشتمل (9) الوقت على المصلحة (10) أي: تكون المصلحة في نفس الوقت [كتعيين أوقات الصلوات الخمس، وشهر رمضان.
وتارة تكون المصلحة في الفعل المأمور به، أي: لا تكون المصلحة في نفس الوقت] (11)، بل الأوقات كلها متساوية في هذا الضرب، كسائر العبادات
__________
(1) في أوخ وش: "الزمن".
(2) في أوخ وش: "ولا يوصف".
(3) في أ: "بكوها".
(4) في أوخ وش: "وكمن".
(5) في ش: "وإنقاذ".
(6) في ش: "في نفس الإنقاذ".
(7) في ز: "أو في غيره".
(8) في ط: "بين".
(9) في ز: "يشمل".
(10) في ط: "مصلحة".
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/12)

الفوريات كرد الغصوب، والودائع، والديون، والعواري إذا طلبت، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك أقضية الحكام إذا ثبتت الحجج واجبة (1) على الفور، وكذلك إنقاذ الغريق في الماء، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجوعان، وإكساء العريان، والتوبة من الذنوب، وكذلك الحج على القول بأنه على الفور، وما في معنى ذلك من سائر الفوريات.
فإن هذه العبادات الفوريات عيّن لها الشرع أوقاتها، فأول (2) وقتها أول أزمنة الإمكان، وآخر وقتها الفراغ منها على حسب ما تحتاج إليه من طول وقصر (3)، ولكن تعيين الوقت لهذه الفوريات ليس لمصلحة في نفس الوقت، وإنما هو لمصلحة في الفعل المأمور به، فإن هذه العبادات الفوريات تابعة لأسبابها، وإذا (4) وقعت أسبابها وقعت، ولا فرق فيها بين سائر الأوقات من ليل أو نهار، فإنها تابعة للأسباب وليست بتابعة للأوقات بخلاف العبادات الوقتيات كالصلوات الخمس، وشهر رمضان، فإنها تابعة للأوقات وليست بتابعة للأسباب.
فتبيّن بما قررناه (5): أن العبادة إذا كان وقتها مشتملاً على المصلحة في نفسه فإنها توصف بالأداء والقضاء، أي: توصف بالأداء إذا فعلت في ذلك
__________
(1) في ط: "وجبت".
(2) في ط: "أول".
(3) في ط: "أو قصر".
(4) في ط وز: "فإذا".
(5) في ط: "قدرناه".
(2/13)

الوقت المعين (1)، وتوصف بالقضاء إذا فعلت خارج ذلك الوقت المعين لها، وإذا كان وقتها غير مشتمل على المصلحة في نفسه فلا توصف بالأداء ولا بالقضاء، أي: لا توصف بالأداء إذا فعلت في أول أزمنة الإمكان، ولا توصف بالقضاء إذا فعلت بعد ذلك، هذا (2) هو الفرق بين ما يوصف بالأداء والقضاء وبين ما لا يوصف بهما.
وهنا الذي قررناه (3) هو معنى قول المؤلف: وقولنا: لمصلحة اشتمل عليها الوقت احترازًا من تعيين الوقت لمصلحة المأمور به، لا لمصلحة في الوقت.
وقوله: (كما إِذا قلنا: الأمر للفور فإِنه يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر ...) إلى آخره.
ذكر المؤلف ها هنا مثالين للفوريات (4) التي لا يشتمل فيها الوقت على المصلحة، أحد المثالين كلي، والآخر جزئي.
فالمثال الكلي: هو قوله: (كما إِذا قلنا: الأمر للفور).
والمثال الجزئي: هو قوله: (كمن بادر إِلى إِزالة منكر و (5) إِنقاذ غريق)، ولكن المثال الكلي إنما يتبين لك بالمثال (6) الجزئي.
__________
(1) في ط: "المعين لها".
(2) في ط: "وهذا".
(3) في ط: "قدرناه".
(4) "للفوريات" ساقطة من ز.
(5) في ز: "أو".
(6) في ط: "المثال".
(2/14)

قوله: (كما إِذا قلنا: الأمر للفور) مثال (1) ذلك: إذا فرعنا على الأمر (2) المطلق المجرد يحمل على الفور.
ومعنى الفور هو: المبادرة إلى الامتثال في أول أزمنة الإمكان؛ وذلك أن الأمر المجرد عن قرينة تحمله على إرادة الفور، وإرادة (3) التأخير هل يحمل على الفور أو على التأخير؟
ذكر فيه المؤلف ثلاثة أقوال في باب الأوامر، فقال فيه: وهو (4) عنده أيضًا للفور، وعند الحنفية خلافًا لأصحابنا المغاربة، والشافعية، وقيل: بالوقف (5)، كما سيأتي بيانه (6) إن شاء الله تعالى.
قوله: (فإِنه يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر) يعني: أن الأمر إذا ورد بفعل شيء في الحين، فإن الزمان الذي يلي زمان سماع لفظ الأمر متعين لفعل المأمور به
قال المؤلف في الشرح: قولي: يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر ليس الأمر (7) كذلك، بل قال القاضي أبو بكر رحمه الله: لا بد من زمان إسماع
__________
(1) في ط وز: "معناه مثال ... " إلخ.
(2) في ط وز: "أن الأمر".
(3) في ط: "أو إرادة".
(4) "هو" ساقطة من ط.
(5) نص كلام القرافي في المتن.
نظر: شرح التنقيح للقرافي ص 28، وانظر: (2/ 460 - 464) من هذا الكتاب.
(6) في ز: "بيان".
(7) "الأمر" ساقطة من ز.
(2/15)

الصيغة، وزمان فهم معناها، وفي الزمان الثالث (1) يقع الامتثال وهو متجه لا تتأتى المخالفة فيه. انتهى نصه (2).
قوله: (فإِنه يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر) ليس بصحيح كما قال في شرحه، فالأولى إذًا أن يقال: فإنه يتعين الزمان الذي يلي [الزمان الذي يلي زمان] (3) ورود الأمر؛ لأن الأزمنة ها هنا ثلاثة:
زمان ورود الأمر، [وزمان فهم معنى الأمر] (4)، وزمان فعل المأمور به (5).
قوله: (إِلا أنه لا يوصف بكونه أداء في وقته ولا قضاء بعد وقته) وإنما قال: لا يوصف بالأداء والقضاء؛ لأنه لم يتعلق (6) بوقت مشتمل (7) على المصلحة في نفسه.
وقوله (8): (كمن بادر لإِزالة أو إِنقاذ غريق).
هذا هو المثال الجزئي، وبه يظهر لك المثال الكلي؛ لأن هذا المثال مندرج
__________
(1) في ط: "الثلاث".
(2) شرح التنقيح للقرافي ص 72.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط زيادة: "وزمان سماعه".
(6) في ط: "يتعين".
(7) في ز: "مشتملة".
(8) في ط: "قوله".
(2/16)

في المثال الأول؛ لأنه من جزئياته، فإن إزالة منكر أو إنقاذ (1) غريق في الماء، فإن المصلحة في هذا في إزالة المنكر وفي إنقاذ الغريق أي: وقت اتفق فيه ذلك، ولا فرق بين سائر أوقات الليل والنهار؛ لأن المصلحة في المأمور به ولا مصلحة في وقت معين؛ لأن هذا تابع لسببه لا لوقت معين.
قوله: (أما (2) تعيين أوقات العبادات فنحن نعتقد أنها لمصالح (3) في نفس الأمر اشتملت عليها (4) هذه الأوقات، وإِن كنا لا نعلمها، وهكذا كل تعبد (5) فمعناه (6): أنا لا نعلم مصلحته (7)، لا أنه (8) ليس فيه مصلحة، طردًا لقاعدة الشرع في عادته في (9) رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل).
ش: لما بيّن المؤلف ما شرع لمصلحة في المأمور به بيّن ها هنا ما شرع لمصلحة في وقته، كأوقات الصلوات الخمس، وشهر رمضان، فإن الشرع لم يعيّن هذه الأوقات للعبادات (10) إلا لمصلحة للعباد علمها الله تبارك وتعالى في خصوص هذه الأوقات دون غيرها من سائر الأوقات، وهكذا نقول في
__________
(1) في ز: "وانقاذ".
(2) في أوخ وش: "وأما".
(3) في ش: "المصالح"
(4) في ز: "عليه".
(5) في أوخ وش: "تعبدي".
(6) في خ وش: "معناه".
(7) لا يسلم للمؤلف أن كل تعبد لا نعلم مصلحته.
والصحيح أننا نعلم بعض مصالح العبادات ويخفى علينا مصالح عبادات أخرى.
(8) في ط: "لأنه".
(9) في أ: "ورعاية".
(10) في ز: "للعبادة".
(2/17)

كل (1) ما تعبدنا الله له مما لا نعلم مصلحته (2)، فكل (3) ما تعبدنا الله به من الأوامر والنواهي، فإن ذلك لأجل مصلحة علمها الله تبارك وتعالى فيما أمرنا به، أو لأجل مفسدة علمها الله تبارك وتعالى فيما نهانا عنه؛ إذ لا يأمر الله تبارك وتعالى إلا بما فيه مصلحة لعباده، ولا ينهى إلا عن (4) ما (5) فيه مضرة لعباده (6).
قوله: (طردًا لقاعدة الشرع في عادته في رعاية مصالح العباد) [هذا دليل على أن كل حكم معلل؛ إذ لا تعرى أحكام الله عن فائدة وحكمة.
ومعنى قوله: (طردًا لقاعدة الشرع في (7) عادته (8)): أنا قد] (9) استقرينا الشرائع ووجدنا أكثرها مصالح، إذ لا يأمر الله إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر، ووجدنا فيها أشياء قليلة بالنسبة إلى ما علمناه، كتعيين أوقات الصلوات (10) الخمس، وشهر رمضان، ونصب الزكاة، وتحديد الحدود، والكفارات وغيرها، ولم تعلم (11) مصلحة ذلك (12).
__________
(1) "كل" ساقطة من ز.
(2) في ط: "لمصلحة".
(3) في ط: "وكل".
(4) "عن" ساقطة من ط وز.
(5) في ط وز: "بما".
(6) انظر: الموافقات للشاطبي 1/ 195، 199.
(7) "في" ساقطة من ز.
(8) "عادته" ساقطة من ز.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) في ط: "الصلاة".
(11) في ط: "نعلم".
(12) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 72.
(2/18)

فنقول: هذه الأشياء القليلة التي لم نعلم مصالحها فيها مصالح، وإن كنا لا نعلمها قياسًا للقليل على الكثير لتطرد قاعدة الشرع في عادته في رعاية مصالح العباد.
قوله: (طردًا (1) لقاعدة (2) الشرع) أي: تعميمًا لقاعدة الشرع.
قال المؤلف في الشرح: ومثال ما ذكرته: أن ملكًا إذا كانت عادته أنه لا يخلع اللباس الأخضر إلا على الفقهاء، فرأيناه خلع الأخضر على رجل لم نعرفه، فإنّا نعتقد أن ذلك الرجل فقيه لأجل قاعدة ذلك الملك (3).
قوله: (في عادته في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل) هذا إجماع أهل السنة.
خلافًا لأهل الاعتزال القائلين: بأن الله عز وجل (4) يراعي مصالح العباد على سبيل الوجوب العقلي (5)، ومعنى ذلك عندهم: أنه يستحيل عليه تعالى
__________
(1) في ط: "وطرد".
(2) في ط: "القاعدة".
(3) شرح التنقيح للقرافي ص 72.
(4) "عز وجل" لم ترد في ط.
(5) ذكر الشاطبي مذهب الأشاعرة والمعتزلة فى المصالح والمفاسد، وذلك أن الأشاعرة يقولون: إن معرفة المصالح والمفاسد يتبين بتتبع موارد الشرع واستقراء الشريعة. والمعتزلة يقولون: العقل يدرك المصالح والمفاسد قبل الشرع، وجعلوا الشرع كاشفًا لمقتضى ما دعاه العقل عندهم، فعلى هذا: لا فرق بين مذهب الأشاعرة والمعتزلة؛ فاختلافهم في المدرك، فالأشاعرة يقولون: لا قبل للعقل بإدراكها، والمعتزلة يقولون: بل العقل يدركها قبل الشرع، والنتيجة واحدة، وهي: أن المصالح والمفاسد معتبرة في الأحكام الشرعية.
انظر: الموافقات 2/ 44، 45.
(2/19)

خلاف ذلك؛ لأنه حكيم، والحكيم لا يفعل المفسدة، وأما أهل السنة فالله تعالى عندهم له أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد.
قوله: (فقد تلخص أن التعيين في الفوريات لتكميل مصلحة المأمور به وفي العبادات (1) لمصالح (2) في الأوقات (3) فظهر الفرق).
ش: أي ظهر الفرق بين ما يوصف بالأداء والقضاء وبين ما لا يوصف بهما (4) مع اشتراكهما في تعيين الوقت.
قوله: [الأداء إِيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت] (5).
ش: هذا (6) الحد حرز به المؤلف حد الأداء، وعدل المؤلف عن الحد الذي حد به القدماء الأداء والقضاء، وهو قولهم: الأداء: إيقاع الواجب في وقته، والقضاء: إيقاع الواجب خارج وقته، وذلك أنه رأى حد (7) القدماء ليس بجامع ولا مانع.
__________
(1) في ط: "العبادة".
(2) في أوخ وش: "لمصلحة".
(3) في ز: "الوقت".
(4) في ط: "بها".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "وهذا".
(7) في ط: "أحد".
(2/20)

[وإنما قلنا: ليس بجامع] (1) لخروج النفل المؤقت (2) بوقت (3)، كالوتر والعيد، لأن (4) ذلك يوصف بالأداء كما نص عليه المؤلف بقوله بعد هذا (5): وقد يوصف (6) بالأداء وحده كالجمعة والعيد (7) بزوالهما (8).
[وإنما] (9) قلنا: ليس بمانع لدخول الفوريات فيه مع أنها لا توصف (10) بالأداء.
قوله: (الأداء إِيقاع العبادة (11) إِلى آخر هذا الحد (12)) ولو ركبه المؤلف هذا التركيب، فهو: معترض، فإنه غير مانع لدخول ما ليس بمحدود في الحد، وذلك أن قوله: (إِيقاع العبادة) يصدق على الإعادة، ويصدق أيضًا على قضاء رمضان؛ لأن وقت قضائه ما بين رمضان ورمضان وهو وقت معين، فينبغي أن يزاد في الحد فيقال: الأداء (13): إيقاع العبادة أولاً في وقتها
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) في ط: "والمؤقت".
(3) "بوقت" ساقطة من ز.
(4) في ط: "أن".
(5) "هذا" ساقطة من ط وز.
(6) في ط وز: "توصف"
(7) في ط وز: "العيدين".
(8) "بزوالهما" ساقطة من ط وز.
(9) المثبت بين المعقوفتين ورد في ط، ولم يرد في الأصل وز.
(10) في ط: "تتصف".
(11) في ط: "العبادات".
(12) في ط وز: "ما قال هذا".
(13) "الأداء" ساقطة من ط.
(2/21)

المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها بالأمر (1) الأول (2).
فقولنا أولاً: احترازًا من الإعادة.
وقلنا (3): بالأمر الأول: احترازًا من قضاء رمضان؛ فإنه بالأمر الثاني لا بالأمر الأول على مذهب المحققين.
وسيأتي بيانه في باب الأوامر في قول المؤلف: لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملاً بالأصل، بل القضاء بأمر جديد خلافًا لأبي بكر الرازي (4).
قوله: (الثاني: القضاء وهو (5): إِيقاع العبادة خارج وقتها الذي عيّنه الشرع لمصلحة فيه).
ش: هذا هو المطلب الثاني في بيان حقيقة القضاء (6) أي
__________
(1) في ط وز: "الوقت بالأمر".
(2) هذا التعريف اختاره المؤلف بعد مناقشة تعريف القرافي.
وقد ذكر الفتوحي في شرح الكوكب المنير تعريف الأداء بأنه: ما فعل في وقته المقدر له أولاً شرعًا. وذكر بأن قوله: "أولاً" ليخرج ما فعل في وقته المقدر له شرعًا لكن في. غير الوقت الأول؛ كالصلاة إذا ذكرها بعد خروج وقتها، فإذا فعلها في ذلك الوقت فهو وقت ثان لا أول، ويخرج به أيضًا قضاء الصوم فإذا فعله كان قضاء؛ لأن فعله في الوقت المقدر له ثانيًا لا أولاً.
انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 366.
(3) في ط: "وقولنا".
(4) هذا نص كلام القرافي في المتن.
انظر: شرح التنقيح ص 144، وانظر: (2/ 538) من هذا الكتاب.
(5) "وهو" ساقطة من ط.
(6) انظر تعريف القضاء في: شرح التنقيح للقرافي ص 72، شرح التنقيح للمسطاسي =
(2/22)

الواجب (1) من أوصاف العبادة (2) هو القضاء.
وهذا الحد ركبه المؤلف من جنس وخمسة قيود، كما تقدم في حد الأداء:
القيد الأول: هو قوله: (العبادة) احترز به من غير العبادة.
والقيد الثاني: هو قوله: (خارج وقتها) احترز به من الأداء، إلا أن قوله: (خارج وقتها) أراد به بعد وقتها، وإن كان قوله: (خارج [وقتها] (3)) يصدق على قبل العبادة (4) وبعدها.
والقيد الثالث: هو قوله: (الذي عينه) احترز به من حجة القضاء؛ لأن الحج وظيفة العمر، كما تقدم في الأداء؛ لأنه ليس بالقضاء الذي حده المؤلف ها هنا وسيأتي التنبيه عليه.
والقيد الرابع: هو قوله: (عينه الشرع) احترز (5) به مما عينه العرف كأمر السيد لعبده بفعل في وقت عينه له ثم فعله بعد ذلك الوقت فلا يسمى قضاء؛ لأن الشرع لم يعين ذلك الوقت.
__________
= ص 28، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 64، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 1/ 232، المستصفى للغزالي 1/ 95، نهاية السول 1/ 109، شرح المحلى على متن جمع الجوامع 1/ 108، شرح الكوكب المنير 1/ 365، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص 59، فواتح الرحموت 1/ 85، المغني للخبازي ص 52.
(1) في ط وز: "الوصف".
(2) في ط وز: "لعبادات".
(3) المثبت من "ط" و"ز" وفي الأصل "وقته".
(4) في ز: "وقت العبادة".
(5) في ز: "احترازًا".
(2/23)

والقيد الخامس: هو قوله: (لمصلحة فيه) احترز به من الفوريات إذا فعلت بعد مضي الزمان الفوري (1) فلا يسمى قضاء (2)، كما لا يسمى إذا فعل في الزمان الفوري أداء.
واعترض هذا الحد بأن قيل: ليس بجامع؛ لأنه خرج منه قضاء رمضان؛ لأن زمان قضائه عينه الشرع كما عين زمان أدائه، فإن زمان قضائه هو السنة التي تلي شهر الأداء
أجيب عنه بأن قيل: يزاد في الحد أولاً، أي الذي عينه الشرع أولاً لمصلحة فيه، وهو أيضًا غير جامع؛ لأن القضاء يقال في الاصطلاح على فعل العبادة بعد تعينها بالشروع فيها كحجة القضاء، ويقال القضاء أيضًا لما يفعله المدرك على غير نظامه.
أجيب عنه بأن قيل: القضاء في الاصطلاح لفظ (3) مشترك بين ثلاثة معان:
يقال على إيقاع العبادة خارج وقتها.
ويقال على إيقاع العبادة بعد تعينها بالشروع فيها.
ويقال على ما فعل على غير نظامه (4) من حيث تقديم السر على الجهر.
__________
(1) "الفوري" ساقطة من ز.
(2) ذكر هذا الاحتراز بمعناه المسطاسي في شرح التنقيح ص 29.
(3) "لفظ" ساقطة من ز.
(4) ذكر المسطاسي أن قوله في تعريف القضاء: إيقاع العبادة خارج وقتها أنه يعترض عليه بأربعة أمور:
الأول: من قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} [آية 103 سورة النساء]، فسمى فعل صلاة الجمعة قضاء مع فعلها في وقتها. =
(2/24)

والمعنى الذي حده المؤلف من هذه (1) المعاني الثلاثة هو الأول منها، فإن من حد معنى واحدًا من معاني (2) اللفظ المشترك فلا يرد عليه الباقي نقضًا؛ لأن من حد العين الباصرة فلا يرد عليه الذهب وغيره مما يسمى عينًا لاختلاف الحقائق (3)، [فلا تجمع الحقائق] (4) المختلفة بحد واحد؛ لأن الحقائق المختلفة يجب أن تكون حدودها مختلفة.
واعترض بعضهم هذا الحد بأن قال: هذا الحد غير جامع لكل ما يقال
__________
= الثاني: ما فعل بعد تعيينه بسببه والشروع فيه ومنه حجة القضاء.
الثالث: ما يفعله المسبوق بعد الصلاة؛ فإنهم يقولون: هل يكون قاضيًا فيما فاته أم لا.
الرابع: ما يكون بمعنى الأداء منه قولهم: لألزمنك أو تقضيني حقي.
أجاب عن هذه الأمور الأربعة بالجواب التالي:
أن القضاء يطلق على عدة أمور، يطلق ويراد به نفس الفعل، كقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} أي: فعلت.
ويطلق ويراد به الأداء.
ويطلق ويراد به فعل العبادات بعد تعيينها بسببها ومنها قضاء الحج.
ويطلق ويراد به ما فعل على خلاف نظامه وهو ما يفعله المسبوق بعد سلام الإمام. فالأولان الفوريان، والمحدود ها هنا هو القضاء في الاصطلاح فلا ينقض باللغويات، وأما الثلاثة الباقية فاصطلاحية والمحدود أحدها، واللفظ إذا كان مشتركًا بين أشياء وحددنا واحدًا منها فلا يرد الباقي عليه نقضًا، كما إذا حددنا العين الباصرة فلا يرد علينا عين الذهب نقضًا. اه باختصار.
انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 29.
(1) في ز: "هذا".
(2) في ز: "معنيي".
(3) ذكر هذه الاعتراضات والجواب عنها القرافي في شرح التنقيح ص 73، 74.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/25)

له (1): القضاء؛ لأنه (2) يقال على عشرة معان:
يقال على الفراغ: كقوله تعالى (3): {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} (4)، وقوله تعالى (5): {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} (6).
ويقال على التمام: كقوله تعالى: [{لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} (7).
ويقال على الفصل: كقوله تعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} (8).
ويقال على وجوب العذاب: كقوله تعالى] (9): {وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} (10).
ويقال على الحتم: كقوله تعالى: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} (11).
ويقال على الإخبار والإعلام: كقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} (12).
__________
(1) في ز: "عليه".
(2) في ز: "فإن القضاء".
(3) "تعالى" لم ترد في ط.
(4) سورة النساء آية رقم (103).
(5) "وقوله تعالى" لم ترد في ط.
(6) سورة البقرة آية رقم (200).
(7) سورة الأنعام آية رقم (60).
(8) سورة يونس آية رقم (54).
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) سورة هود آية رقم (44).
(11) سورة يوسف آية رقم (41).
(12) سورة الإسراء آية رقم (4).
(2/26)

ويقال على الحكم والأمر (1): كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ} (2).
ويقال على الفعل: كقوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} (3)، ومنه قول الشاعر:
وعليهما (4) مبرودَتان (5) قضاهما (6) ... داود أو صَنْعُ (7) السَّوابغ تبَّعُ (8)
__________
(1) في ط: "على الأمر والحكم".
(2) سورة الإسراء آية رقم (23).
(3) سورة طه آية رقم (72).
(4) في ز: "وعلينا".
(5) في ط وز: "مسردتان".
(6) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "قضا فيهما".
(7) في ط: "وصنع".
(8) قائل هذا البيت هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، هلك له بنون خمسة في عام واحد أصابهم الطاعون، وتوفي رحمه الله في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا البيت من قصيدة له مطلعها:
أمِنَ المَنونِ ورَيْبها تتَوَجّعُ ... والدهرُ ليسَ بمعتبٍ من يجزعُ
إلى أن قال:
وعليهما ماذِيَّتَانِ قَضَاهُما ... داودُ أو صَنْعُ السوابِغِ تبَّعُ
وفي المعاني الكبير:
وتعاورا مسرودتين قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع
قوله: "وتعاورا مسرودتين" أي: درعين تعاوراهما بالطعن، والتعاور لا يكون إلا من اثنين.
"مسرودتين" السرد: الخرز في الأديم، "قضاهما" فرغ من عملهما.
"الصنع" الحاذق بالعمل وهو هنا تبع، فهو يقول: سمع بأن داود سخر له الحديد فهو يصنع منه ما أراد، وسمع بأن تبعًا عملهما.
انظر: شرح المفصل لابن يعيش 3/ 58، شرح أشعار الهذليين للسكري 1/ 1، 39، =
(2/27)

وبمعنى الخلق: كقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} (1).
ويقال على الموت: كقوله تعالى (2): {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} (3).
وهذه المعاني (4) يطلق القضاء عليها (5) جميعًا (6) ولم يتناولها حد المؤلف.
أجيب عن هذا بأن قيل: الاعتراض بهذا لا يلزم المؤلف؛ لأن المؤلف إنما حد المعنى الاصطلاحي، وأما المعنى اللغوي فلم يتعرض له المؤلف، فإن هذه المعاني كلها لغوية.
قوله: (تنبيه: لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه عند الإمام والمازري وغيرهما من المحققين خلافًا للقاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء؛ لأن (7) الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمان (8) الحيض، والحرام لا يتصف بالوجوب، وبسط ذلك (9) في كتاب الطهارة في
__________
= المعاني الكبير لابن قتيبة ص 1039، مجاز القرآن لأبي عبيدة التيمي تعليق محمد فؤاد سزكين 1/ 52، 2/ 24، 143.
(1) سورة فصلت آية رقم (12).
(2) "تعالى" لم ترد في ط.
(3) سورة الزخرف آية رقم (77).
(4) انظر بعض هذه المعاني للقضاء في المفردات في: غريب القرآن للأصفهاني، كتاب القاف (ص 406، 407).
(5) في ط وز: "على".
(6) في ط وز: "جميعها".
(7) في أ: "لأن القضاء من الحائض"، وفي ش: "فإن الحائض تقضي".
(8) في أوخ وش: "زمن".
(9) في أوش: "وبسط ذلك ذكرته في الفقه"، وفي خ: "وبسط ذلك في الطهارة".
(2/28)

موانع الحيض مذكور (1)).
ش: هذا هو المطلب الثالث وهو: التنبيه على ضعف القول باشتراط تقدم الوجوب في القضاء، ومعنى التنبيه: إيقاظ من غفلة الوهم، تقدير كلامه هذا تنبيه على وهم.
واعلم أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر له أن فعله بعد ذلك قضاء حقيقة (2) باتفاق، وإن لم ينعقد سبب وجوبه في الوقت المقدر له أن فعله بعد ذلك ليس بقضاء لا حقيقة ولا مجاز باتفاق، كفوات الصلاة في زمان الصبا.
واختلفوا فيما انعقد سبب وجوبه ولم يجب لمانع كالصوم في حق الحائض، والمريض، والمسافر، وكالصلاة في حق النائم (3):
فذهب (4) جمهور العلماء: إلى أن فعله بعد وقته قضاء حقيقة، وبه قال الإمام فخر الدين (5)، والإمام المازري.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أن فعله بعد وقته ليس بقضاء، وإنما هو أداء؛ لأنه واجب بأمر جديد لا (6) بأمر قديم، وإطلاق القضاء عليه مجاز لا
__________
(1) "مذكور" ساقطة من ز.
(2) "حقيقة" ساقطة من ز.
(3) هذا تحرير لمحل النزاع.
(4) في ز: "وذهب".
(5) انظر: المحصول ج 1 ق 1 ص 150.
(6) في في ط: "لا واجب".
(2/29)

حقيقة، وبه قال الباجي (1) والغزالي (2).
وسبب الخلاف في هذا: اختلافهم في فائدة القضاء:
فقيل: فائدة القضاء استدراك لمصلحة تقدم سبب الوجوب.
وقيل: فائدة القضاء استدراك لمصلحة تقدم الوجوب.
فمن قال: فائدته استدراك لمصلحة تقدم سبب الوجوب، قال: القضاء بعد ذلك حقيقة؛ لأنه استدراك لما فات.
ومن قال: فائدته استدراك لمصلحة تقدم (3) الوجوب قال: القضاء بعد (4) ذلك (5) مجاز لا حقيقة لعدم تقدم الوجوب.
وقال القاضي عبد الوهاب: بل القضاء حقيقة لتقدم الوجوب، فإن الحائض يجب عليها الصوم في زمان حيضها، ولكن منع مانع الحيض.
وذلك أن القائلين بأن فائدة القضاء هي (6) استدراك لمصلحة تقدم الوجوب قد اختلفوا على قولين:
منهم من قال: لا يجب الصوم (7) على الحائض في زمان حيضها،
__________
(1) انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي، تحقيق د. عمران علي أحمد العربي ج 1/ 102.
(2) انظر: المستصفى للغزالي 1/ 96.
(3) "تقدم" ساقطة من ز.
(4) في ز: "بعده".
(5) "ذلك" ساقطة من ز.
(6) في ز: "هو".
(7) "الصوم" ساقطة من ط.
(2/30)

وهو مذهب المحققين، منهم الباجي (1) في المنتقى (2)، والغزالي (3).
ومنهم من قال: يجب عليها الصوم ولكن منعه الحيض شرعًا؛ فالقضاء في حقها حقيقة.
قوله (4): (لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه).
ش: أي: لا يشترط في كون القضاء قضاء حقيقة أن يتقدم وجوب الفعل، بل المشترط (5) هو تقدم سبب الوجوب كمثل رؤية الهلال [فإن رؤية الهلال] (6) سبب لوجوب الصوم، هذا مذهب الإمامين: الإمام فخر الدين (7)، والإمام المازري، وجماهير المحققين.
وقال القاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء: بل يشترط في القضاء أن يتقدم الوجوب مع السبب (8).
وقوله: (خلافًا للقاضي عبد الوهاب).
__________
(1) في ط: "وهو مذهب الباجي"، وفي ز: "وقد ذهب الباجي".
(2) يقول الباجي في المنتقى (1/ 121): الصوم زمن الحيض لا يجب، ولو وجب لأثمت الحائض بتأخيره ولوجب أن يصح منها فعله، وإنما يجب عليها صيام آخر في غير أيام الحيض، وإنما يقال: إن ما تفعله الحائض من الصوم بعد انقضاء أيام الحيض قضاء على سبيل المجاز والاتساع.
(3) انظر: المستصفى 1/ 96.
(4) في ط: "وقوله".
(5) في ط: "الشرط".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(7) "فخر الدين" ساقطة من ز.
(8) انظر نسبة هذا القول للقاضي عبد الوهاب في: شرح التنقيح للقرافي ص 74.
(2/31)

قال المؤلف في الشرح: معنى هذا أن القاضي عبد الوهاب قال: الحيض يمنع صحة الصوم دون وجوبه، فاشترط في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك شرطًا عامًا، ووافقه الحنفية على وجوب الصوم عليها، إلا أنهم قالوا: يجب عليها وجوبًا موسعًا. انتهى نصه (1).
فتحصل مما ذكرنا بأن (2) الحائض في زمان حيضها فيها ثلاثة أقوال:
قيل: لا يجب عليها الصوم، كما قاله (3) المازري.
وقيل: يجب عليها، كما قاله القاضي عبد الوهاب.
وقيل: يجب عليها وجوبًا موسعًا، كما قاله الحنفية.
واحتج القائلون بعدم الوجوب عليها بالدليل العقلي القطعي، وهو اجتماع النقيضين، وذلك أنه لا يجوز أن يكلف الإنسان بأمرين متناقضين (4) في حالة واحدة؛ لأن الوجوب والحرام متناقضان، فكيف يجب الصوم عليها ويحرم عليها في حالة واحدة، فإن الواجب (5) راجح الفعل والحرام راجح الترك، والجمع بين الفعل والترك محال لتناقضهما، فكيف يقال للإنسان (6):
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 74.
(2) في ز: "أن".
(3) في ط وز: "قال".
(4) في ز: "نقيضين".
(5) في ط: "الوجوب".
(6) في ط: "الإنسان".
(2/32)

هذا واجب عليك فإن تركته عوقبت عليه؟ وهو أيضًا حرام عليك (1) فإن فعلته عوقبت عليه؟ فمقتضى ذلك أنه يعاقب مطلقًا فعله أو تركه، وهذا شيء لا (2) يتعاهد في الشريعة.
فهذا معنى قول المؤلف: لأن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمان الحيض؛ والحرام لا يتصف بالوجوب، فهذا دليل ضروري قاطع على أن الحائض لا يجب عليها الصوم في زمان حيضها.
ورد هذا الدليل: بأن تحريم الفعل لا يدل على عدم وجوبه، بدليل المحدث؛ فإن الصلاة تحرم عليه في حال (3) الحدث وهي واجبة عليه إجماعًا.
وأجيب عنه: بأن المحدث (4) متمكن من إزالة المانع بخلاف الحائض.
واحتج القائلون بالوجوب بثلاثة أدلة:
أحدها: قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (5).
وهي قد شهدت الشهر فيجب عليها الصوم.
الثاني: أنها تنوي بصومها قضاء رمضان، فلولا تقدم الوجوب لما احتاجت إلى إضافته لرمضان (6).
الثالث: أنها تقضي مقدار (7) ما فات لها فيقدر القضاء بمقدار الأداء بمنزلة
__________
(1) في ط: "عليك حرام".
(2) في ط وز: "لم".
(3) في ز: "حالة".
(4) في ط: "قيل المحدث".
(5) سورة البقرة آية رقم 185.
(6) في ط وز: "إلى رمضان".
(7) في ط: "مقدور".
(2/33)

القيم مع المتلفات، فكما أن القيمة تقوم مقام المتقوم (1) المتقدم (2) فكذلك يكون هذا الصوم، يقوم مقام الوجوب المتقدم.
وأجيب عن الدليل الأول: وهو قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (3): بأنه (4) يعارضه الدليل القطعي الذي قررناه، وهو أنه يؤدي إلى اجتماع النقيضين وهما: الوجوب والتحريم، وإذا تعارض الظاهر والنص القطعي [فإن القطعي] (5) مقدم على الظاهر.
وأجيب عن الدليل الثاني: وهو كونها تنوي بصومها قضاء رمضان: أنها إنما تنوي رمضان لتمييز هذا الصوم عن غيره من أنواع الصوم؛ لأن العبادة لا بد لها من نية تميزها عن غيرها فتضيف صومها إلى رمضان لتمييز هذا الصوم من سائر أنواع الصوم، أي ليس هذا الصوم تطوعًا، ولا نذرًا، ولا كفارة، ولا صومًا (6) مبتدأ [الآن، وإنما سببه الترك المتقدم لا تقدم الوجوب] (7).
وأجيب عن الدليل الثالث: وهو كونها تقضي مقدار ما فات لها: أن الله تعالى جعل التقدير في رمضان سببًا لوجوب مثله بعد رمضان، أي:
__________
(1) في ز: "المقوم".
(2) "المتقدم" ساقطة من ز.
(3) سورة البقرة آية رقم (185).
(4) في ط: "بأن".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ز: "صومها".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/34)

جعل الله تعالى (1) كل يوم من (2) رمضان سببًا لوجوب صوم يوم بعد رمضان فيقدر القضاء بقدر المتروك لا لتقدم الوجوب (3).
وأما الحنفية القائلون بأن الصوم يجب على الحائض وجوبًا موسعًا فقالوا: لا يلزمنا الاجتماع بين الوجوب والحرام؛ لأن وقت الوجوب موسع؛ إذ لا تصوم هذا الواجب إلا بعد (4) رمضان.
قال المؤلف في القواعد: هذا المذهب باطل؛ لأن الواجب الموسع يجوز فعله في أول أزمنة التوسعة باتفاق، ولا يجوز للحائض أن تصوم في جميع زمان الحيض باتفاق، ولو صح ما قالوه [من الواجب الموسع] (5) لصح أن يقال: الظهر تجب (6) من طلوع الشمس وجوبًا موسعًا [فإنها تفعل يعد الزوال كما يفعل بالصوم بعد رمضان، ويصح أيضًا أن يقال: إن رمضان يجب من رجب وجوبًا موسعًا] (7) ويفعل بعد انسلاخ شعبان، كما يفعل الصوم بعد زوال العذر، وذلك (8) كله خلاف الإجماع، فلا يصح ما قالوه من الواجب
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(2) في ط: "هو".
(3) هذه الأدلة وأجوبتها ذكرها القرافي في شرح التنقيح (ص 74، 75)، وكذلك ذكرها في الفروق، الفرق الثامن والستون بين قاعدة الواجب الموسع وبين قاعدة ما قيل به من وجوب الصوم على الحائض 2/ 62 - 67.
(4) في ط: "بقدر".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "يجب".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) في ط: "وذلك".
(2/35)

الموسع. انتهى (1) نصه.
وقال الإمام المازري: فإن أردت الاعتذار عن القاضي عبد الوهاب وإلحاقه بالجمهور في هذه المسألة، وهو الظن الجميل به لعلو قدره في علم الأصول والفروع، فيكون معنى قوله: الحيض (2) يمنع الصوم دون وجوبه، أنه لا يمنع الوجوب منعًا كليًا؛ لأن الصوم يجب (3) عليها بعد انقضاء الحيض بخلاف الصلاة، فإن الحيض يمنعها منعًا كليًا.
قوله: (لأن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمان الحيض).
هذا دليل الجمهور.
وظاهر هذا أن هذا (4) الخلاف خاص بالحائض، وهو ظاهر كلام المؤلف في الشرح أيضًا؛ لأنه قال في الشرح: اشترط القاضي عبد الوهاب في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك شرطًا عامًا. انتهى (5).
وليس كذلك، بل وقع الاختلاف بين الأصوليين في الحائض وغيرها من
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر كتاب: الفروق للقرافي، الفرق الثامن والستون بين قاعدة الواجب الموسع وبين قاعدة ما قيل به من وجوب الصوم على الحائض 2/ 66.
(2) في ط وز: "أن الحيض".
(3) "يجب" ساقطة من ط.
(4) "هذا" ساقطة من ز.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 74.
(2/36)

المسافر، والمريض، فذكر المازري فيهم (1) أربعة أقوال:
قيل: يخاطب الجميع؛ لأن القضاء واجب عليهم والقضاء حقيقة في ترك الواجب.
وقيل: بعدم خطابهم، قاله الكرخي؛ لأن جواز التأخير أو وجوب التأخير ينافي الوجوب.
وقيل: بخطاب المسافر والمريض؛ لأنهما لو صاما لبرئت ذمتهما، بخلاف الحائض فلا يجب عليها؛ إذ لا يجتمع الوجوب والتحريم.
وقيل: بخطاب المسافر دون المريض والحائض؛ لأن المريض في حكم العاجز، والعاجز لا يكلف، وأما المسافر فيجوز له التأخير، ولم يسقط عنه التكليف.
قوله: (وبسط ذلك في كتاب الطهارة في موانع الحيض مذكور) معناه: وبيان الحجج وأجوبتها مذكور في كتاب الطهارة من الذخيرة (2) قاله المؤلف في الشرح (3).
قوله: (ثم تقدم السبب قد يكون مع الإِثم كالمتعمد التمكن وقد لا يكون كالنائم والحائض).
ش: الألف واللام في قوله: السبب للعهد المتقدم في (4) قوله:
__________
(1) في ز: "في الجميع".
(2) ذكر القرافي في الذخيرة (1/ 375) القول الأول والثاني ولم يذكر قول الحنفية الثالث.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 75.
(4) "في" ساقطة من ط.
(2/37)

لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه.
قوله: (ثم تقدم السبب) أي: تقدم سبب (1) وجوب القضاء كدخول الوقت مثلاً.
قسم المؤلف ذلك السبب قسمين:
قسم يؤثم المكلف معه.
وقسم لا يؤثم المكلف معه.
فالذي يؤثم المكلف معه هو: ترك العبادة في وقتها [عمدًا] (2) اختيارًا.
وقولنا: (عمدًا) احترازًا [من الناسى؛ إذ لا إثم على الناسي لقوله (3) عليه السلام: "رفع القلم عن الناسي حتى يذكر" (4)
__________
(1) في ط: "من سببه".
(2) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ط: "وقوله"
(4) خلط المؤلف بين حديثين: الحديث الأول أخرجه النسائي وابن ماجه عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حنى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر، ومحن المجنون حتى يعقل أو يفيق".
انظر: سنن النسائي، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه (6/ 127)، سنن ابن ماجه ح/ رقم 2041، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه (1/ 658).
وأخرجه الدارمي عن عائشة في كتاب الحدود (2/ 171)، وأبو داود عن عائشة في كتاب الحدود ح/ رقم 4398 (4/ 139).
وأخرجه الترمذي عن علي بلفظ نحو هذا وقال: حديث علي حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي ح/ رقم 1423، كتاب الحدود، باب: ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد (5/ 110). =
(2/38)

وقولنا: اختيارًا، احترازًا] (1) من العاجز؛ فإن (2) العاجز معذور ولا إثم عليه، وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: (كالمتعمد المتمكن).
واحترز (3) ب (المتعمد) لترك العبادة في الوقت من غير المتعمد.
واحترز ب (المتمكن) من فعل العبادة في غير وقتها من غير المتمكن، وهو العاجز عن فعلها في وقتها، وإنما يؤثم المتعمد (4) المتمكن لتمكنه من الفعل.
والقسم الذي لا يؤثم المكلف معه هو ترك العبادة في وقتها لعذر عقلي أو شرعي.
__________
= والحديث الثاني الذي أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ح/ رقم 2045 كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي (1/ 659).
وفي الزوائد إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع بدليل زيادة عبيد بن نمير في الطريق الثاني وليس ببعيد أن يكون السقط من جهة الوليد بن مسلم؛ فإنه كان يدلس.
ويقول الزركشي في المعتبر (ص 154): "ورواه الحافظ الضياء المقدسى في كتابه المستخرج من هذا الوجه. وله طرق كثيرة" اه.
وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/ 56.
وذكر الألباني في إرواء الغليل: (1/ 124) أنه روي من طرق ثلاث عن ابن عباس، وروي من حديث أبي ذر، وثوبان، وابن عمر، وأبي بكرة، وأم الدرداء، والحسن مرسلاً.
وقال: بأن هذه الروايات وإن كانت لا تخلو جميعها من ضعف فبعضها يقوي بعضًا.
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ط: "لأن".
(3) في ط: "احترازًا".
(4) في ط وز: "هذا القسم الذي هو المتعمد ... " إلخ.
(2/39)

مثال العذر العقلي: النوم.
ومثال الشرعي: الحيض.
وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: [وقد لا يكون (1) كالنائم والحائض] معناه: وقد لا يكون تقدم السبب مع الإثم كالنائم والحائض؛ إذ لا إثم عليهما، قال عليه السلام: "رفع القلم عن النائم حتى ينتبه" (2)، وإنما لا يؤثم في (3) هذا القسم لعدم التمكن من الفعل.
قوله: (والمزيل للإِثم قد يكون من جهة العبد كالسفر وقد لا يكون كالحيض).
ش: لما ذكر أن السبب قد يكون مع الإثم أراد (4) أن يبين ها هنا السبب الذي يزول به ذلك الإثم، فذكر ها هنا أن الذي (5) يزول به ذلك الإثم قسمان:
__________
(1) في ط: "يكون".
(2) أخرجه النسائي عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق".
انظر: سنن النسائي كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه (6/ 127).
وأخرجه ابن ماجه عن عائشة في كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه، حديث رقم (2041) (1/ 658).
وأخرجه أبو داود عن عائشة في كتاب الحدود حديث رقم (4398) (4/ 139).
وأخرجه الدارمي عن عائشة في كتاب الحدود (2/ 171).
وأخرجه الترمذي عن علي بلفظ نحو هذا وقال: حديث علي حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي، (حديث رقم (1423) كتاب الحدود باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد 5/ 110).
(3) "في" ساقطة من ط.
(4) في ز: "وأراد".
(5) في ز: "السبب الذي".
(2/40)

أحدهما: ما يكون من جهة العبد كالسفر؛ فإن المسافر لا إثم عليه إذا أفطر في رمضان.
والقسم الآخر: ما (1) يكون من غير جهة العبد كالحيض؛ فإن الحائض لا إثم عليها في ترك الصوم.
قوله: (والمزيل (2) قد (3) يصح معه الأداء كالمرض وقد لا يصح، إِما شرعًا كالحيض وإِما (4) عقلاً كالنوم).
ش: لما بيّن المؤلف السبب الذي يكون معه الإثم والذي لا يكون معه الإثم، وبيّن السبب الذي يزيل الإثم، أراد أن يبين ها هنا السبب الذي يصح معه الأداء، والسبب الذي لا يصح معه الأداء.
فمثل (5) السبب الذي يصح معه أداء (6) العبادة في وقتها بالمرض.
ومثل (7) السبب الذي لا يصح معه فعل العبادة في وقتها بالحيض، والنوم، فإن الحيض يمنع من فعل العبادة باعتبار الشرع، وأما العقل فلا يمنع ذلك؛ لأن ذلك أمر جائز عقلاً، وأما النوم فإنه يمنع العبادة عقلاً وشرعًا؛ لأن النائم غير مكلف في حال نومه حتى ينتبه.
__________
(1) "ما" ساقطة من ط.
(2) كلمة "والمزيل" ساقطة من أوخ وط.
(3) في ش وط: "وقد"
(4) في أوخ وش: "أو".
(5) في ط: "فمثال".
(6) في ط: "الأداء".
(7) في ط: "ومثال".
(2/41)

قوله: (قد (1) يصح معه الأداء كالمرض) هذا (2) إذا كان المرض لا يفضي إلى هلاك عضو أو نفس [فإن هذا القسم يصح معه الأداء باتفاق] (3).
وأما إذا كان المرض (4) يفضي (5) إلى هلاك عضو أو نفس فلا يجوز (6) معه الأداء؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (7).
ثم إذا وقع ونزل وفعل العبادة مع هذه الحالة الممنوعة فهل تجزئه تلك العبادة أم لا؟ ذكر فيه الغزالي احتمالين (8): قال: يحتمل أن يقال: لا يجزئه ذلك؛ لأنه حرام، والحرام لا يجزئ عن الواجب.
ويحتمل أن يقال: يجزئه ذلك، تخريجًا على الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإن الصلاة فيها تصح، فإن كل واحد منهما مطيع لله (9) تعالى (10) في فعل العبادة، وهو عاصٍ من جهة أخرى (11)؛ لأن المريض الصائم جنى على
__________
(1) في ط: "وقد".
(2) "هذا" ساقطة من ز.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) "المرض" ساقطة من ز.
(5) في ط: "يفضح".
(6) في ز: "فيمتنع".
(7) سورة البقرة آية رقم (195).
(8) في ط: "الاحتمالين".
(9) في ط: "الله".
(10) "تعالى" لم ترد في ط.
(11) نقل المؤلف كلام الغزالي بمعناه.
انظر: المستصفى 1/ 97، وانظر: شرح التنقيح للقرافي ص 75.
(2/42)

نفسه بالفساد كما جنى الغاصب على منافع المغصوب، فكل واحد منهما مطيع لله تعالى (1) بفعل (2) العبادة، وكل واحد منهما جائر، أحدهما: جائر على نفسه [وهو المريض] (3) والآخر جائر على غيره [وهو غاصب الدار] (4).
قوله: (فائدة: العبادة قد توصف بالأداء والقضاء (5) كالصلوات الخمس، وقد لا توصف بهما كالنوافل، وقد توصف (6) بالأداء وحده كالجمعة والعيدين).
ش: قال المؤلف في الشرح: تمثيلي بالعيدين إنما هو على مذهب مالك (7) رحمه الله (8).
وأما الشافعي فإنها عنده توصف (9) بالأداء والقضاء (10)؛ لأنه يقول (11)
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(2) في ط: "ويفعل".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(5) في أ: "أو القضاء".
(6) في ط: "لا توصف".
(7) في المدونة (1/ 169) قال مالك فيمن فاتته صلاة العيدين مع الإمام: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل، قال: ورأيته يستحب له أن يصلي، قال: وإن صلى فليصل مثل صلاة الإمام ويكبر مثل تكبيره في الأولى وفي الآخرة.
(8) "رحمه الله" لم ترد في ط.
(9) في ط: "توصف عنده".
(10) يقول النووي في المجموع (5/ 29): فرع في مذاهب العلماء إذا فاتت صلاة العيد قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أنها يستحب قضاؤها أبدًا.
(11) "يقول" ساقطة من ط.
(2/43)

بالقضاء في كل نافلة لها سبب (1).
قوله: (كالجمعة).
قال المؤلف في الشرح: فيه إشكال من جهة أن العرب لا تصف الشيء بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها [فلا يقولون للحائط أعمى وإن كان لا يبصر؛ لأنه لا يقبل البصر، وكذلك لا يقال أصم، وإن كان لا يسمع؛ لأنه لا يقبل السماع (2)] (3)، فيلزم على هذا ألا توصف صلاة الجمعة بالأداء؛ لأنها لا تقبل القضاء (4).
أجيب عن هذا: بأن الشيء (5) لا يوصف بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها، إنما ذلك باعتبار العقل والعادة، وأما باعتبار الشرع (6) [فلا] (7)؛ لأن الشرع هو الذي منع صلاة الجمعة من قبول القضاء، [وأما العقل والعادة فلا يمنعان ذلك] (8).
قوله: (الثالث الإِعادة، وهي: إِيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إِيقاعها
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 75.
(2) في ط: "الإسماع".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 75، 76.
(5) في ط: "كون الشيء".
(6) في ط: "الشرع فيه".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل، وقد ذكر هذا الجواب القرافي في شرح التنقيح ص 76.
(2/44)

على نوع من (1) الخلل في الإِجزاء (2)).
ش: شرع ها هنا في بيان الوصف الثالث من أوصاف العبادات (3) [وهو: الإعادة (4)] (5).
واحترز بقوله: (العبادة) من غير العبادة وهو: العادة (6).
واحترز بقوله: في (وقتها) من القضاء.
واحترز بقوله: (بعد تقدم إِيقاعها) من الأداء؛ لأنه فعل أولاً.
وقوله: (على نوع من الخلل) أي على ضرب كالنقص (7).
وقوله (8): (الإِجزاء) (9) بكسر الهمزة أراد به الصحة، يريد أو في الكمال؛ بدليل تفسيره [لمحل] (10) [الخلل] (11).
__________
(1) "من" ساقطة من ط.
(2) في أوخ وش: "على خلل في الإجزاء".
(3) في ط: "العبادة".
(4) انظر تعريف الإعادة وما يتعلق بها من مسائل في: شرح التنقيح للقرافي ص 76، شرح التنقيح للمسطاسي ص 30، المستصفى للغزالي 1/ 95، فواتح الرحموت 1/ 85، شرح الكوكب المنير 1/ 368، مختصر المنتهى لابن الحاجب 1/ 232، شرح المحلى على متن جمع الجوامع 1/ 117، المحصول ج 1 ق 1 ص 148، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص 60، تيسير التحرير 2/ 199.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ط: "العادة".
(7) في ط وز: "من النقص"
(8) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "وقولي".
(9) في ط: "بالإجزاء".
(10) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "بمحل".
(11) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "الخلاف".
(2/45)

وقوله: (في الإِجزاء) في الكلام حذف المعطوف تقديره: على نوع من الخلل في الإجزاء أو في الكمال.
ويدل على هذا أنه قال في النفائس (1): "يريد الإمام بالخلل ما هو أعم من الإجزاء والكمال" (2).
قوله: (في الإِجزاء).
قال أبو زكريا المسطاسي: يتعين ضبطه بكسر الهمزة وهو الصحة، فمن ضبطه بفتح الهمزة فلقد غلط؛ لأن المؤلف جعل الكمال قسيمه في قوله، ثم الخلل قد يكون في الصحة، وقد يكون في الكمال، والمراد بالصحة: الإجزاء بكسر الهمزة، ولا يصح كون الكمال قسيمه إلا إذا كان بكسر الهمزة؛ لأن الصلاة بدون الطهارة لا خلل فى جزء من أجزائها؛ لأن الطهارة ليست من أجزاء الصلاة، وكذلك صلاة المنفرد لا خلل أيضًا في جزء (3) من أجزائها (4).
وقوله (5): (الإِعادة إِيقاع العبادة في وقتها) معترض من جهة أن الإعادة عند مالك رحمه الله [تكون] (6) في الوقت وبعد الوقت؛ لأنها تكون في
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "التفاسير".
(2) انظر: نفائس الأصول تحقيق عادل عبد الموجود 1/ 325.
(3) في ز: "في جزء أيضًا".
(4) نقل المؤلف بالمعنى بتقديم وتأخير وزيادة.
انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 30.
(5) في ط: "قوله".
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "يكون".
(2/46)

الوقت لاستدراك المندوبات، وتكون (1) بعد الوقت لاستدراك الواجبات (2).
أجيب عنه: بأنه تبع في ذلك لفظ الإمام في المحصول (3)، ولكن زاد المؤلف على حد الإمام قوله: (في الإِجزاء)؛ لأن حد الإمام تمامه قوله على (4) نوع من (5) الخلل وليس فيه في الإجزاء، والأولى إسقاط قوله: (في وقتها) لئلا يكون مناقضًا لآخر كلامه؛ [لأن الإنسان] (6) إذا أخل بشرط أو ركن يعيد أبدًا، والأولى أيضًا: إسقاط قوله: (في الإِجزاء)، لئلا يكون مناقضًا لآخر كلامه؛ لأن الخلل يكون في الإجزاء ويكون في الكمال.
قوله: (ثم الخلل قد يكون في الصحة، كمن صلى بدون شرط أو ركن، وقد يكون في الكمال كمن صلى منفردًا (7)).
ش: وفي بعض النسخ كالمنفرد (8) بالصلاة ومعناهما واحد، فالإعادة في حق من صلى بدون شرط أو ركن: خلل في الإجزاء أي: في الصحة،
__________
(1) "وتكون" ساقطة من ط.
(2) انظر هذا الاعتراض في شرح التنقيح للقرافي ص 76.
(3) نبه على هذا القرافي فقال: هذا هو لفظ المحصول في اشتراط الوقت.
انظر: شرح التنقيح ص 76.
(4) "على" ساقطة من ز.
(5) عرف فخر الدين الإعادة فقال: الإعادة اسم لمثل ما فعل على ضرب من الخلل، المحصول ج 1 ق 1 ص 148.
(6) "لأن الإنسان" ساقطة من ط.
(7) في أوخ وش: "كمن صلى بدون ركن أو في الكمال كصلاة المنفرد".
(8) في ط: "المفنرد".
(2/47)

والإعادة في حق من صلى وحده وأعادها في جماعة: خلل في الكمال.
[مثال الشرط: الطهارة] (1) ومثال الركن: تكبير الإحرام.
قوله: (الرابع: الصحة وهي عند المتكلمين بها وافق الأمر، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء، والبطلان يتخرج على المذهبين).
ش: شرع المؤلف - رحمه الله تعالى - ها هنا في بيان الوصف الرابع من أوصاف العبادات وهو الصحة.
الصحة لغة: تقال على مقابلة المرض (2)، وتقال على الثابت؛ كقولنا: صح قول فلان إذا ثبت.
وأما بالنسبة إلى الشرع: فتارة تطلق على العبادات، وتارة تطلق على عقود المعاملات.
فذكر المؤلف - رحمه الله - أن الصحة باعتبار العبادات في معناها قولان (3):
قول المتكلمين.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) عرف ابن منظور الصحة فقال: الصح والصحة والصحاح خلاف السقم وذهاب المرض.
انظر: لسان العرب فصل الصاد حرف الحاء مادة (صح)، معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/ 281 مادة (صح).
(3) انظر معنى الصحة في العبادة والخلاف في ذلك في: شرح التنقيح للقرافي ص 76، ص 77، شرح التنقيح للمسطاسي ص 31، المحصول للرازي ج 1 ق 1 ص 142، المستصفى للغزالي 1/ 94، 95، فواتح الرحموت 1/ 122، المنخول ص 126، شرح الكوكب المنير 1/ 465، شرح المحلي على من جمع الجوامع 1/ 395، العدة 2/ 441.
(2/48)

وقول الفقهاء.
فمعناها عند المتكلمين: عبارة عن موافقة الأمر الشرعي سواء وجب القضاء أو لم يجب.
ومعناها عند الفقهاء: عبارة عن كون الفعل مسقطًا للقضاء (1).
قوله: (والبطلان يتخرج على المذهبين).
يعني: أن معنى البطلان في العبادات يتخرج (2) على هذين القولين المذكورين في معنى الصحة.
فمعنى البطلان على مذهب المتكلمين ما خالف (3) الأمر.
ومعنى البطلان على مذهب الفقهاء: ما أمكن أن يترتب فيه القضاء (4).
قوله: (فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث صحيحة عند المتكلمين؛ لأن الله تعالى أمره أن يصلي صلاة تغلب (5) على ظنه طهارتها (6) وقد
__________
(1) مثال ذلك صلاة من ظن أنه متطهر: صحيحة في عرف المتكلمين؛ لأنها موافقة للأمر المتوجه عليه والقضاء وجب بأمر متجدد، وفاسدة عند الفقهاء؛ لأنها لا تسقط القضاء.
انظر: المحصول ج 1 ق 1 ص 142.
ويقول المسطاسي في شرح التنقيح (ص 31): الصحة والبطلان ها هنا اعتباريان، فمن نظر إلى غلبة الظن وموافقة الأمر قال: هي صحيحة، ومن نظر إلى المترتب على تقدير الذكر قال: هي فاسدة.
(2) "يتخرج" ساقطة من ط.
(3) في ط: "مخالف".
(4) وضح هذا التخريج القرافي في شرح التنقيح ص 77.
(5) في أوخ وش وط وز: "يغلب".
(6) في خ وش: "طهارته".
(2/49)

فعل (1) وهو موافق للأمر (2)، وباطلة عند الفقهاء؛ لكونها لم تمنع من ترتب القضاء).
ش: قال المؤلف في الشرح: لا خلاف بين الفريقين في المعنى؛ لأنهم اتفقوا على جميع الأحكام؛ لأنهم اتفقوا على أنه موافق لأمر الله تعالى (3)، وأنه مثاب، وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع على الحدث؛ وأنه لا (4) يجب عليه القضاء إذا لم يطلع على الحدث.
وإنما الخلاف في التسمية خاصة هل يقال: لفظ الصحة لما وافق الأمر سواء وجب القضاء أو لم يجب، أو لا (5) يقال: لفظ الصحة إلا لما (6) لا يمكن أن يتعقبه القضاء (7).
قال المؤلف في الشرح: مذهب الفقهاء أنسب إلى اللغة؛ فإن العرب لا تسمي [الإناء] (8) صحيحًا إلا إذا كان صحيحًا من جميع الجهات، وأما إذا كان فيه كسر ولو من جهة واحدة فلا تسميه (9) صحيحًا، وهذه الصلاة (10) مختلة (11) على
__________
(1) في أوخ وش: "فهو".
(2) في أ: "الأمر".
(3) "تعالى" لم ترد في ط.
(4) في ز: "لم".
(5) في ط: "ولا".
(6) في ط: "ما".
(7) هذا تحرير لمحل النزاع بين المتكلمين والفقهاء في معنى الصحة، نقله المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 76، 77.
(8) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "إناء".
(9) في ط: "تسمى".
(10) في ط: "الصلوات".
(11) في ط: "مختلفة".
(2/50)

تقدير ذكر الحدث (1) فلا تسمى صحيحة بمنزلة الإِناء المكسور من (2) بعض الجهات (3).
قوله: (فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث) أطلق الظن على الاعتقاد، أي: اعتقد أنه على (4) طهارة ثم ظهر له بعد الصلاة (5) أنه على حدث.
وقوله: (عند المتكلمين) يعني جمهور المتكلمين؛ لأن بعض المتكلمين قالوا بمثل قول الفقهاء.
واعترض قوله: (ما أسقط القضاء) بأن قيل: هذا تحديد الشيء بما هو أخص منه؛ فإن الصحة أعم من سقوط القضاء؛ فإن سقوط القضاء إنما (6) يقال في الفرض (7) خاصة ولا يقال في النفل، وأما الصحة فتقال في الفرض وفي النفل، فقد عرف الشيء بما هو أخص منه؛ كتفسير الحيوان بالإنسان (8).
أجيب عنه: بأن القضاء قد يوجد في النوافل على مذهب الشافعي، وقد روي عن مالك (9) أن ركعتي الفجر تقضى بعد طلوع الشمس (10)، وكذلك ما
__________
(1) في ط: "الحد".
(2) في ط: "ومن".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي، والنقل بالمعنى ص 76، 77.
(4) "على" ساقطة من ط.
(5) في ط: "الصلوات".
(6) "إنما" ساقطة من ز.
(7) في ط: "للفرض".
(8) ذكر هذا الاعتراض بمعناه المسطاسي في شرح التنقيح ص 31.
(9) انظر: المنتقى للباجي 1/ 228.
(10) المثبت من ز، وهو الأقرب للصواب، وفي الأصل وط: "الفجر".
(2/51)

شرع فيه من التطوعات وأبطله، قاله (1) مالك أيضًا (2) وأبو حنيفة.
قوله: (وأما فساد العقود: فهو خلل يوجب عدم ترتب (3) آثارها عليها إِلا أن تلحق بها عوارض على أصولنا يأتي تفصيلها في كتاب البيوع وغيرها إِن شاء الله) (4).
ش: لما ذكر المؤلف معنى الفساد والصحة في العبادات أراد أن يبين ها هنا معناهما في العادات (5)، وهي: العقود كعقد البيع، وعقد القراض (6) وعقد النكاح، وغير ذلك، نذكر أن معنى الفساد بالنسبة إلى العقود هو خلل يوجب عدم ترتب آثارها عليها، الضمير في قوله: (آثارها)، وفي قوله: (عليها) عائد (7) على العقود.
والمراد بالآثار هي (8): الفوائد المطلوبة (9) من العقود.
__________
(1) في ز: "على ما قال".
(2) "أيضًا" ساقطة من ز.
(3) في ش: "ترتيب".
(4) في أوش: "على أصولنا في البيع المفاسد".
وفي خ: "على أصولنا في البيع الفاسد في كتاب البيوع وغيره إن شاء الله تعالى".
(5) في ز: "غير العبادات".
وانظر معنى الفساد في العادات في: شرح التنقيح للقرافي ص 77، شرح التنقيح للمسطاسي ص 31، المحصول ج 1 ق 1 ص 143، المستصفى للغزالي 1/ 94، فواتح الرحموت 1/ 122، الإحكام للآمدي 1/ 131، شرح الكوكب المنير 1/ 467.
(6) في ز: "وعقد الإجارة وعقد القراض".
(7) في ز: "يعود".
(8) في ط: "هو".
(9) في ز: "المطلوبات".
(2/52)

والمراد بالترتب (1): هو التمكن (2) من تلك الفوائد، فتقدير (3) كلامه: فهو خلل يوجب عدم تمكن الفوائد على العقود.
وتلك الفوائد تختلف باختلاف العقود: ففائدة البيع مثلاً الأكل، والبيع (4)، والهبة، والصدقة، والوقف، وغير ذلك.
وفائدة الإجارة: التمكن من المنافع.
وفائدة القراض: استحقاق الربح، وعدم الضمان.
وفائدة النكاح: التمكن من أنواع الاستمتاع، والتمكن من الطلاق وغير ذلك.
وإنما سكت المؤلف عن تعريف الصحة في العقود اكتفاء عنها بتعريف الفساد؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، فإن معنى الصحة يفهم من معنى الفساد، فلما كان الفساد (5) خللاً (6) يوجب عدم ترتب آثارها عليها يكون معنى الصحة ترتب آثارها عليها.
وإنما سكت المؤلف عن الفساد في العبادات؛ لأنه ذكر فيها البطلان في قوله: (والبطلان يتخرج على المذهبين).
__________
(1) في ط: "الترتيب".
(2) في ط: "المتمكن".
(3) في ط: "تفسير".
(4) في ط: "للبيع".
(5) في ز: "معنى الفساد".
(6) في ز: "هو خلل".
(2/53)

وسكت عن البطلان في العادات (1)؛ لأنه ذكر فيها (2) الفساد دون البطلان، فإنما فعل ذلك؛ إذ لا فرق بين الفساد والبطلان، فإنهما مترادفان عندنا وعند الشافعية.
وأما الحنفية فقد فرقوا بين الباطل والفاسد فقالوا: الباطل ما نهي عنه لذاته كالخمر والخنزير، والفاسد: ما نهي عنه لوصفه كالربا (3).
قوله: (إِلا أن تلحق به عوارض على أصولنا) يعني: أن النهي يدل على فساد المنهي عنه فيجب فسخه إلا أن تلحق بها عوارض أي: إلا أن تتصل بالعقود المنهي عنها لواحق وحوادث، فيقرر (4) حينئذ ويمضي بالقيمة، والمراد
__________
(1) في ط: "العبادات".
(2) في ز: "فيه".
(3) يقول أبو علي الشاسي الحنفي: والنهي نوعان:
نهي عن الأفعال الحسية: كالزنا، وشرب الخمر، والكذب، والظلم.
ونهي عن التصرفات الشرعية: كالنهي عن الصوم في يوم النحر والصلاة في الأوقات المكروهة وبيع الدرهم بالدرهمين.
وحكم النوع الأول: أن يكون المنهي عنه هو عين ما ورد عليه النهي فيكون عينه قبيحًا فلا يكون مشروعًا أصلاً.
وحكم النوع الثاني: أن يكون المنهي عنه غير ما أضيف إليه النهي، فيكون هو حسنًا بنفسه قبيحًا لغيره.
انظر: أصول الشاشي ص 165.
ويقول الخبازي في المغني (ص 76): وكذا بيع الربا مشروع بأصله والنهي يتعلق بوصفه، وهو الفعل الخالي عن العوض.
وانظر تفريق الحنفية هذا في: المحصول ج 1 ق 1 ص 143، الفروق للقرافي 2/ 82.
(4) في ز: "فتقرر".
(2/54)

بالعوارض التي تقرر البيع الفاسد أربعة أشياء وهي:
حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها.
ولكن تقرير العقد الفاسد إذا اتصل به أحد هذه الأشياء يحتاج إلى تفصيل، بيّنه المؤلف في كتاب البيوع وغيره في الذخيرة (1).
وإلى هذا أشار بقوله: يأتي تفصيلها في كتاب البيوع وغيره إن شاء الله.
وقوله: (على أصولنا) أي: هذا على مذهبنا وقواعدنا نحن المالكية.
وذلك أن فقهاء الأمصار اختلفوا في النهي: هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟
ذهبت (2) الشافعية: إلى أنه يدل على الفساد مطلقًا (3) فلا يجوز الانتفاع ولو بيع ألف مرة، فيجب نقضه فطردوا أصلهم (4).
وذهبت الحنفية إلى أنه يدل على الصحة مطلقًا (5) فيجوز الانتفاع به، وقالوا: إذا اشترى أمة شراءً فاسدًا يجوز له وطؤها، وكذلك جميع العقود الفاسدة فطردوا أيضًا أصلهم.
__________
(1) انظر كتاب: الذخيرة الجزء الرابع، كتاب البيوع ورقة 49 ب إلى ورقة 51 أمن نسخة مصورة فلميًا بمركز البحث بجامعة أم القرى برقم 112.
(2) في ط: "وذهبت".
(3) انظر مذهب الشافعية في: الإحكام للآمدي 2/ 192، اللمع للشيرازي المطبوع مع التخريج ص 86.
(4) في ز: "أصولهم".
(5) انظر مذهب الحنفية في النهي، هل يدل على الفساد في: ميزان الأصول للسمرقندي ص 230، 231، المغني للخبازي ص 72 - 74، كشف الأسرار 1/ 258، 263.
(2/55)

وذهبت المالكية إلى التفصيل في ذلك فقالوا: يدل على الفساد، إلا إذا (1) اتصل به أحد أربعة أشياء المذكورة فيمضي بالقيمة؛ لأن البيع الفاسد يفيد شبهة الملك (2)، فلم يطرد (3) المالكية مذهبهم (4) وراعوا الخلاف؛ لأن مراعاة الخلاف أصل من أصول المالكية.
وها هنا مسائل من النهي اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على صحتها وهي:
الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة في الثوب المغصوب، والطهارة بالماء المغصوب، والمسح على الخف المغصوب، والحج بالمال الحرام.
اتفقوا كلهم على صحة (5) هذه المسائل
وخالفهم في ذلك أحمد بن حنبل (6) - رضي الله عنه - فقال:
__________
(1) "إذا" ساقطة من ط.
(2) في ط: "المالك".
(3) المثبت من ط، وفي الأصل: "يطردوا"
(4) انظر مذهب المالكية في: شرح التنقيح للقرافي ص 77، شرح التنقيح للمسطاسي ص 31، الفروق للقرافي الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد فى نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد فى أمر خارج 2/ 82 - 84.
(5) تعليلهم لصحة هذه المسائل أن حقيقة المأمور من الصلاة والسترة وصورة التطهر والحج قد وجدت من حيث المصلحة لا من حيث الإذن الشرعي، وإذا حصلت حقيقة المأمور به من حيث المصلحة كان النهي مجاورًا وهي الجناية على الغير.
انظر: الفروق للقرافي الفرق السبعون 2/ 85.
وانظر: تيسير التحرير 1/ 377، أصول الشاشي ص 169، اللمع للشيرازي ص 86، المستصفى للغزالي 2/ 35، الإحكام للآمدي 2/ 188.
(6) هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ولد بمرو، ونشأ في بغداد وطلب العلم بها، أخذ عن: وكيع، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وأخذ عنه: البخاري =
(2/56)

يمنع (1) ذلك كله (2).
انظر: القواعد السنية للمؤلف في الفرق السبعين بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد (3) في نفس الماهية، وبين اقتضاء النهي الفساد (4) في أمر خارج عن الماهية (5).
قوله: ([الخامس] (6) الإِجزاء وهو كون الفعل كافيًا في الخروج عن عهدة التكليف (7) وقيل: ما أسقط القضاء).
ش: شرع المؤلف (8) ها هنا في بيان الوصف الخامس من أوصاف العبادات وهو الإجزاء (9) يعني: أن الإتيان (10) بالفعل يكفي (11) في سقوط التعبد به،
__________
= وأبو داود وكثير من الأعلام، وامتُحِنَ في مسألة خلق القرآن، توفي ببغداد سنة (241 ه).
انظر: تذكرة الحفاظ 2/ 431، وفيات الأعيان 1/ 63، شذرات الذهب 2/ 96.
(1) في ط: "يمنع".
(2) انظر: العدة لأبي يعلى 1/ 441، 442.
(3) في ط: "الفاسد".
(4) في ط: "الفاسد".
(5) انظر: الفروق للقرافي 2/ 82 - 85.
(6) "الخامس" ساقطة من ط.
(7) في أ: "المكلف".
(8) "المؤلف" ساقطة من ط.
(9) الإجزاء خاص بالعبادة الواجبة أو المندوبة، وقيل: خاص بالعبادة الواجبة، ولكن لا يوصف به العقود فهو خاص بالعبادات.
انظر بحث الإجزاء في: شرح التنقيح للقرافي ص 77، 78، شرح التنقيح للمسطاسي ص 31، المحصول للرازي ج 1 ق 1 ص 144، شرح الكوكب المنير 1/ 469، شرح المحلي على متن جمع الجوامع 1/ 103.
(10) في ز: "أن الإجزاء هو الإتيان".
(11) "يكفي" ساقطة من ط.
(2/57)

وإنما يكون كذلك إذا أتى به مستجمعًا لجميع الأمور (1) المعتبرة فيه من حيث وقع التعبد له.
قوله: (ما أسقط القضاء) هذا قول الفقهاء المتقدم في الصحة.
وقوله (2): (كون الفعل كافيًا في الخروج عن عهدة التكليف) هو معنى قوله في الصحة: ما وافق الأمر على قول المتكلمين.
قال المؤلف في الشرح: فيلزم على هذا أن يكونا مسألة واحدة فلم [جعلوهما (3) مسألتين (4)؟ يعني أن الصحة والإجزاء يلزم على هذا (5) التقرير أن يكونا مترادفين.
أجاب المؤلف في الشرح عن هذا فقال: العقود توصف بالصحة ولا توصف بالإجزاء، وكذلك النوافل من العبادات توصف بالصحة دون الإجزاء، وإنما يوصف بالإجزاء ما هو (6) واجب.
__________
(1) "الأمور" ساقطة من ط.
(2) في ط: "قوله"
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط، وفي الأصل: "جعلوها".
(4) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 78.
(5) "هذا" ساقطة من ط.
(6) اختلف في الإجزاء.
قيل: توصف به العبادة الواجبة والمندوبة.
وقيل: الواجبة فقط، ومنشأ الخلاف أن من قال بوجوب كل ما وصف بالإجزاء في الأحاديث كحديث الأضحية وحديث الاستجمار بثلاثة أحجار وغيرهما، قال: لا يوصف بالإجزاء إلا الواجب.
ومن قال بالندب ولو في حديث منها لما قام عنده من دليل الندب قال: يوصف به كل من الواجب والمندوب.
انظر: حاشية البناني على شرح المحلي على متن جمع الجوامع 1/ 104.
(2/58)

ولذلك استدل جماعة من العلماء على وجوب الأضحية بقوله عليه السلام لأبي بردة بن [نيار] (1): "تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك" (2)، فحينئذ الصحة أعم من الإجزاء بكثير، فهما حقيقتان متباينتان فأمكن جعلهما مسألتين (3).
قال المؤلف في الشرح: قولهم: الإجزاء ما أسقط القضاء، [غير متجه من جهة أن الذي يسقط القضاء هو المجزئ لا الإجزاء، فالأولى لصاحب هذا المذهب أن يقول: فالإجزاء] (4) هو كون الفعل مسقطًا للقضاء، فيجعله
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل وط: "دينار".
(2) هذا طرف من حديث، وتمام الحديث كما أخرجه البخاري عن البراء قال: خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر قال: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النسك في شيء"، فقام خالي أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، أنا ذبحت قبل أن أصلي وعندي جذعة خير من مسنة، قال: "اجعلها مكانها" أو قال: "اذبحها ولن تجزئ جذعة عن أحد بعدك"، وفي رواية أخرى: قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقًا لنا جذعة هي أحب إلي من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: "نعم، ولن تجزئ عن أحد بعدك".
انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي، كتاب الصلاة باب العيدين (1/ 170 - 172)، وفي كتاب الأضاحي ذكر هذا الحديث بروايات مختلفة (3/ 318، 319). وأخرجه مسلم عن البراء بن عازب بروايات متعددة في كتاب الأضاحي، باب وقتها (6/ 74 - 76).
وأخرجه أبو داود عن البراء بن عازب ح/ رقم 2800، كتاب الأضاحي، باب ما يجوز من السن في الضحايا 3/ 96.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 77، 78، وذكر هذا الجواب بمعناه المسطاسي في شرح التنقيح ص 31.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(2/59)

صفة للفعل لا لنفس الفعل.
وحكى الإمام فخر الدين (1) أنه قيل: هو سقوط القضاء فجعله (2) صاحب هذا المذهب نفس (3) السقوط، فيلزمه حيث وجد سقوط القضاء يوجد الإجزاء.
وليس كذلك، بل من مات وسط الوقت ولم يصل، أو صلى (4) صلاة فاسدة فإنه وجد في حقه سقوط القضاء، ولم يوجد الإجزاء، فإن القضاء إنما يتوجه بعد خروج الوقت وبقاء أهلية التكليف، والميت ليس أهلاً للتكليف، ولأنّا نعلل (5) سقوط (6) القضاء بالإجزاء والعلة مغايرة للمعلول فلا يكون الإجزاء نفس سقوط القضاء. انتهى (7) نصه.
أجاب بعضهم عن هذين الإلزامين اللذين ألزمهما المؤلف لمن فسر الإجزاء بسقوط القضاء، أجاب عن الإلزام الأول الذي هو قوله: يوجد سقوط القضاء دون الإجزاء في حق من مات في وسط الوقت ولم يصل، أو صلى صلاة فاسدة: أن المراد بسقوط (8) القضاء إنما هو في حق من يمكن في حقه وجوب القضاء وهو الحي دون الميت.
__________
(1) انظر: المحصول ج 1 ق 1 ص 144.
(2) في ط: "فيجعله".
(3) في ط: "بنفس".
(4) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "وصلى".
(5) في ط: "ولا نعلل"
(6) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "بسقوط".
(7) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 78.
(8) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "سقوط".
(2/60)

وأجاب عن الإلزام الثاني الذي هو قوله: يعلل (1) سقوط (2) القضاء بالإجزاء والعلة مغايرة للمعلول: أن العلة في سقوط القضاء هي (3) الإتيان بالمأمور به [على الوجه الذي أمر به لا نفس الإجزاء] (4).
قال بعضهم: سكت المؤلف عن القبول مع أنه من أوصاف العبادات، إنما سكت عنه؛ لأنه من أصول الفقه، قاله في النفائس؛ وذلك أن القبول أمر غائب عنا لا تدركه (5) أحكامنا (6).
وذكر المؤلف في القواعد (7) في الفرق الخامس والستين بين قاعدة ما يثاب عليه من الواجبات وبين (8) ما لا يثاب عليه، فذكر أن القبول مخالف للصحة والإجزاء: فإن الفعل قد يكون صحيحًا مجزئًا مبرئًا لذمة العبد، ومع ذلك لا يقبل ولا يثاب عليه، والدليل على ذلك: الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى في قصة ابني آدم: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
__________
(1) في ز: "نعلل".
(2) في ط: "بسقوط".
(3) في ز: "هو".
(4) ما بين المعقوفتين زيادة من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(5) في ط وز: "تدخله".
(6) يقول القرافي في نفائس الأصول: ولما كان القبول هو أمر مغيب عنا لا تدخله أحكامنا تركه الأصوليون من أوصاف العبادة؛ لأنهم ما يذكرون إلا ما تدخله أحكامنا بضوابط عندنا معلومة أو مظنونة، والقبول ليس كذلك فتركوه.
انظر: نفائس الأصول تحقيق عبد الموجود 1/ 330، وانظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 32.
(7) انظر: الفروق للقرافي 2/ 51 - 53.
(8) في ط: "وبين قاعدة ما لا يثاب".
(2/61)

الْمُتَّقِينَ} (1).
لأنه تقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر مع أن كل واحد منهما جاء على وفق الأمر (2).
ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (3).
فسؤالهما الله عز وجل القبول مع صحة فعلهما وإجزائه دليل على أن القبول مغاير للصحة والإجزاء.
ومن السنة قوله عليه السلام في الأضحية: "اللهم تقبل من محمد وآل محمد" (4)
__________
(1) سورة المائدة آية رقم (27).
(2) يقول القرافي في الفروق: ويدل عليه أن أخاه علل عدم القبول بعدم التقوى، ولو أن الفعل مختل في نفسه لقال: إنما يتقبل الله العمل الصحيح الصالح؛ لأن هذا هو السبب القريب لعدم القبول، فحيث عدل عنه دل ذلك على أن الفعل كان صحيحًا مجزئًا، وإنما انتفى القبول؛ لأجل انتفاء التقوى فدل ذلك على أن العمل المجزئ قد لا يقبل، وإن برئت الذمة وصح في نفسه.
انظر: الفروق 2/ 51.
(3) سورة البقرة آية رقم (127).
(4) هذا جزء من حديث، وتمام الحديث كما أخرجه مسلم عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأتي به ليضحى به، فقال لها: "يا عائشة هلمي المدية" ثم قال: "اشحذيها بحجر"، ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: "بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد" ثم ضحى به.
انظر: صحيح مسلم كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية وذبحها (6/ 78).
(2/62)

فسؤاله عليه السلام القبول مع صحة فعله وإجزائه دليل على أن القبول خلاف الصحة والإجزاء.
ومنه (1) قوله عليه السلام في الحديث الصحيح خرّجه مسلم: "من أحسن (2) في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام" (3).
فاشترط الإحسان وهو التقوى في حصول الجزاء، فدل ذلك على أن القبول خلاف الصحة والإجزاء (4).
وانعقد الإجماع على ذلك - نسأل الله (5) أن يتقبل منا أعمالنا بفضله وإحسانه - (6).
فالقبول معناه: حصول الثواب.
__________
(1) في ط وز: "ومنه أيضًا".
(2) في ط وز: "من أسلم وأحسن"
(3) نص هذا الحديث كما أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال أناس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام".
انظر: صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية 1/ 77.
وأخرجه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "أما من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".
انظر: صحيح البخاري كتاب استتابة المرتدين (4/ 195) بحاشية السندي.
(4) انتهى كلام القرافي.
انظر: الفروق 2/ 51 - 52.
(5) في ز: "الله تعالى".
(6) في ط: "وإحسانه وبالله التوفيق"، وفي ز: "وبالله التوفيق بمنه".
(2/63)

والصحة والإجزاء [معناهما: عدم العقاب.
فيلزم من حصول الثواب عدم العقاب، ولا يلزم من عدم العقاب حصول الثواب.
والقبول (1) أخص، والصحة (2) والإجزاء] (3) أعم، فكل مقبول مجزئ وليس كل مجزئ مقبول (4) (5).
...
__________
(1) في ز: "فالقبول".
(2) في ز: "وحصول الصحة".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "مقبولاً".
(5) وقد يأتي نفي القبول في الشرع تارة بمعنى نفي الصحة كما في حديث: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول".
أخرجه الإمام مسلم 1/ 104.
وانظر: شرح الكوكب المنير 1/ 471.
(2/64)

الفصل الخامس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام (1)
ش: الألف واللام في الأحكام للحوالة (2) المتقدمة في فصل الحكم الشرعي في قوله: (واختلف في أقسامه فقيل: خمسة: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإِباحة).
وإلى تلك الأحكام الخمسة أشار بالألف (3) واللام، وهي الأحكام التكليفية
قوله: (وهو ثلاثة: السبب، والشرط، وانتفاء المانع).
قال المؤلف في الشرح: لا يوجد متوقف عليه وهو كمال ما يتوقف عليه [إلا أحد هذه الثلاثة، والعقليات والشرطيات (4) والعاديات، وقولي: وهو كمال ما يتوقف عليه] (5) احترازًا من جزء السبب، وجزء الشرط بخلاف جزء المانع لا يتوقف على انتفائه؛ بل يكفي انتفاء تلك الحقيقة، ويكفي في انتفائها
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 78 - 85، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 32 - 35، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 69 - 75.
(2) في ط: "للحوالة على الأحكام".
(3) في ز: "أشار المؤلف بالألف ... إلخ".
(4) في ط: "والشرعيات".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2/65)

جزء من أجزائها؛ إذ لو كان الجزء أيضًا مانعًا لكان ذلك موانع لا مانعًا (1) (2).
[مثال جزء السبب: بعض النصاب في الزكاة.
ومثال جزء الشرط: بعض الحول في الزكاة أيضًا] (3).
قوله: (وهو (4) ثلاثة) يعني: كاملة، وإلا فهي خمسة باعتبار الجزئين (5) المذكورين.
قوله: (وهو (6) ثلاثة) حصر المتوقف (7) في الثلاثة إنما هو من حيث الكمال لا من حيث الجزئية، وذلك أن الحكم يتوقف أيضًا (8) على جزء سببه وعلى جزء شرطه، كما (9) يتوقف على كمال السبب والشرط، بخلاف جزء المانع، فإن الحكم لا يتوقف (10) [على انتفائه، فلو توقف] (11) على انتفائه لزم أن يكون الباقي مانعًا مستقلاً.
مثاله: القتل العمد العدوان مانعًا من الميراث، فإذا عدم الوصفان أو عدم أحدهما ثبت الميراث.
__________
(1) في ز وط: "انتهى نصه".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 79.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(4) في ز: "وهي".
(5) "الجزئين" ساقطة من ط.
(6) في ز: "وهي".
(7) في ط: "التوقف".
(8) في ط: "الحكم أيضًا يتوقف".
(9) "كما" ساقطة من ط.
(10) في ط: "فإنما يتوقف".
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/66)

وسبب ذلك أن توقف الحكم على السبب والشرط، إنما هو من حيث الوجود، فلا توجد الحقيقة (1) إلا (2) بوجود جميع أجزائها، وتوقف الحكم على المانع إنما هو من حيث العلم، وعدم الحقيقة يصدق بعدم جزء واحد من أجزائها، يعني: أن الحكم التكليفي يتوقف على الحكم الوضعي، فالمتوقف هو: الأحكام التكليفية والمتوقف [عليه] (3) هو الأحكام الوضعية؛ لأن كل حكم تكليفي لا بد له من سبب وشرط وانتفاء مانع، فإذا وجدت الأسباب والشروط وانتفت الموانع: وجب وقوع الحكم لدلالة تلك الأدلة على وقوعه، وإذا عدمت الشروط أو وجدت (4) الموانع: سقط وقوع الحكم لدلالة تلك الأدلة على سقوطه، وإن عدمت (5) الأسباب: سقط وقوع الحكم لعدم الدليل على وقوعه.
ومثال ذلك: أن تقول (6) مثلاً: الزوال سبب لوجوب الظهر، والبلوغ شرط فيه، والحيض مانع منه، فإذا وجد الزوال والبلوغ وانتفى الحيض وجبت (7) صلاة الظهر، وإن عدم البلوغ أو (8) وجد الحيض: سقط وجوب
__________
(1) "الحقيقة" ساقطة من ز.
(2) "إلا" ساقطة من ز.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) في ط: "ووجدت".
(5) في ز: "عدم".
(6) في ط: "نقول".
(7) في ط: "وحيث".
(8) في ط: "ووجد".
(2/67)

صلاة الظهر، وإن عدم الزوال سقط وجوب الظهر أَيضًا.
ومثال آخر (1): أن تقول (2) أيضًا (3): رؤية الهلال سبب لوجوب صوم شهر رمضان، والإقامة والقدرة شرط، والحيض مانع، فإذا وجدت الرؤية، والإقامة، والقدرة، وعدم الحيض: وجب الصوم، وإذا عدم الإقامة بسفر، وعدمت (4) القدرة بمرض أو وجد الحيض: سقط وجوب الصوم، وإن عدمت الرؤية: سقط الوجوب.
ومثال آخر أيضًا: أن تقول (5): وجود (6) النصاب سبب لوجوب الزكاة، ودوران الحول شرط في وجوبها، والدين مانع لوجوبها، فإذا وجد النصاب ودوران الحول وعدم الدين وجبت الزكاة، وإذا عدم دوران الحول أو وجد الدين سقطت الزكاة، وكذلك إذا عدم النصاب
قوله: (فإِن الله تعالى شرع الأحكام وشرع لها (7) أسبابًا وشروطًا وموانع).
ش: يعني بالأحكام ها هنا: الأحكام (8) [التكليفية] (9) الخمسة.
__________
(1) في ز: "آخر أيضًا".
(2) في ط: "نقول".
(3) "أيضًا" ساقطة من ز.
(4) في ز وط: "أو عدمت".
(5) في ط: "نقول".
(6) في ز: "وجد".
(7) في ز: "بها".
(8) "الأحكام" ساقطة من ط.
(9) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "التكليفات".
(2/68)

قوله: (وشرع لها) أي: شرع لوقوعها في الوجود أسبابًا وشروطًا وموانع.
قال أبو حامد الغزالي في المستصفى: لما انقطع الوحي وعسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال أظهر الله تعالى (1) خطابه [بنصب الأسباب (2)] (3).
قوله: (وورود خطابه على قسمين: خطاب تكليف يشترط فيه علم المكلف، وقدرته، وغير ذلك كالعبادات).
ش: هذا تفصيل الحكم الشرعي الذي حده المؤلف بخطاب الله تعالى (4) القديم في الفصل الثالث عشر، فذكر ها هنا أن ورود خطاب الله تعالى (5) في الشريعة منحصر (6) في (7) قسمين وهما (8):
خطاب التكليف.
وخطاب الوضع.
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط
(2) يقول الغزالي في المستصفى (1/ 93): اعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال لا سيما بعد انقطاع الوحي أظهر الله سبحانه خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابًا لأحكامه وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام على مثال اقتضاء العلة الحسية معلولها.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) "تعالى" لم ترد في ط.
(5) "تعالى" لم ترد في ط.
(6) في ز: "ينقسم"
(7) في ز: "إلى".
(8) "وهما" ساقطة من ط.
(2/69)

فمعنى خطاب التكليف: ما كلف الله تبارك (1) وتعالى به عباده.
ومعنى خطاب الوضع ما وضعه الله تبارك وتعالى دليلاً وعلامة لوقوع الأحكام الشرعية ولم يكلف به عباده.
وخطاب التكليف محصور في خمسة أشياء وهي: الوجوب، والتحريم والندب، والكراهية، والإباحة.
وخطاب الوضع محصور في خمسة أشياء أيضًا وهي: الأسباب، والشروط، والموانع، والتقادير الشرعية، والحجج عند القضاة.
وسيأتي بيان جميع ذلك مع حروف (2) الكتاب [وزاد سيف الدين ثلاثة وهي: الصحة، والبطلان، والرخصة، فخطاب الوضع إذًا ثمانية] (3).
قوله: (خطاب تكليف) [سمي] (4) هذا الخطاب بخطاب (5) التكليف مأخوذ من الكلفة والمشقة، وهي توقع العقوبة الربانية، ولكن لا يوجد ذلك إلا في ترك الواجب وفعل المحرم، ولا يوجد ذلك في الأحكام الثلاثة الباقية، وهي: الندب، والكراهة، والإباحة؛ ولأجل ذلك نقول: الصبي غير مكلف وإن كان مندوبًا إلى الصلاة والحج على الأصح.
وإنما أطلق خطاب التكليف على الجميع تجوزًا وتوسعًا، فغلب البعض
__________
(1) "تبارك" لم ترد في ز.
(2) في ط: "معروف".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل، وانظر: الأحكام للآمدي 1/ 130، 131.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "يسمى".
(5) في ز: "خطاب".
(2/70)

على البعض على جهة التوسع، قاله المؤلف في الشرح (1).
وهذا على (2) القول المشهور: أن الأحكام الثلاثة التي هي (3): الندب والكراهة، والإباحة لا تكليف فيها، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني (4): إن هذه الأحكام (5) الثلاثة تكليفية (6).
قالوا: هذا الخلاف لفظي، وذلك [أنه إن أريد] (7) بالتكليف: ما لا يتخير (8) فيه بين الفعل والترك (9) فالأحكام (10) الثلاثة لا تكليف فيها كما قال الجمهور، وإن أريد (11) بالتكليف: وجوب اعتقاد كون المندوب مندوبًا، وكون
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 79، وانظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 32.
(2) في ز: "وعلى هذا"، وفي ط: "وهذا القول".
(3) "التي هي" ساقطة من ط وز.
(4) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ولد حوالي سنة 338 ه، الفقيه الشافعي المتكلم الأصولي، جمع أشتات العلوم وبلغ رتبة الاجتهاد، رحل إلى العراق وخراسان، وعنه أخذ الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور، توفي رحمه الله بها ودفن بإسفراين سنة ثماني عشرة وأربعمائة (418 ه)، من مصنفاته: الجامع، وتعليقة في أصول الفقه.
انظر: طبقات الشافعية لابن السبكي 4/ 256، وفيات الأعيان 1/ 28، شذرات الذهب 3/ 209، مفتاح السعادة 2/ 321، تبيين كذب المفتري ص 244.
(5) "الأحكام" ساقطة من ط.
(6) انظر نسبة هذا القول لأبي إسحاق في الأحكام للآمدي 1/ 121، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 32.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط، وفي الأصل: "أنه أريد به"، وفي ز: "أنه إذا أريد".
(8) في ز: "يتخير".
(9) في ط: "الترك والفعل".
(10) في ط: "فإن الأحكام".
(11) في ط: "أراد".
(2/71)

المكروه مكروهًا، وكون المباح مباحًا فالأحكام الثلاثة تكليفية كما قاله (1) أبو إسحاق الإسفراييني.
فالخلاف إذًا في اللفظ لا في المعنى؛ إذ لا خلاف بين القولين في المعنى.
قوله: (يشترط فيه علم المكلف وقدرته وغير ذلك كالعبادات).
ش: يعني أن خطاب التكليف الذي كلف الله به عباده يشترط فيه: أن يكون المكلف عالمًا (2) بأنه كلف (3)، أما إذا لم يعلم أنه كلف به فإنه معذور.
فإن من (4) فعل محرمًا غير عالم بتحريمه أو ترك واجبًا غير عالم بوجوبه فلا إثم عليه، [ومن وطئ امرأة يظن أنها زوجته، أو شرب خمرًا يظن أنه خل فلا إثم عليه] (5) بالإجماع (6)؛ لعدم العلم؛ إذ العلم شرط في التكليف.
والدليل على أن العلم شرط في التكليف: قوله تبارك وتعالى (7): {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (8)، نفى التعذيب حتى يحصل العلم بالتبليغ.
__________
(1) في ز: "قال".
(2) "عالمًا" ساقطة من ز
(3) في ط: "كلف به".
(4) "من" ساقطة من ط.
(5) ما بين المعقوفتين ساقطة من ط.
(6) في ز: "بإجماع".
(7) "تبارك وتعالى" لم ترد في ط.
(8) سورة الإسراء آية رقم (15).
(2/72)

وقوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (1).
فهذا يدل على أن الحجة تكون للخلق من جهة الجهل [بعدم] (2) التبليغ (3).
وقوله: (وقدرته) يعني: أن المكلف يشترط أيضًا أن يكون قادرًا على ما كلف به (4)؛ إذ العاجز غير مكلف إجماعًا.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} (5).
فهذه الآية تدل على اشتراط (6) العلم والقدرة (7) في التكليف، فلو كلف الإنسان بما لا يعلمه، أو كلف بما لا يقدر عليه لكان تكليفًا بغير الوسع، والله (8) تعالى لا يكلف بغير [الوسع] (9) وهو المقدور عليه (10).
وقوله: (وغير ذلك) الإشارة [تعود] (11) على الاثنين وهما: العلم
__________
(1) سورة النساء آية رقم (165).
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 79، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 32.
(4) "به" ساقطة من ط.
(5) سورة البقرة آية رقم (286).
(6) في ز: "شرط".
(7) في ز: "القدرة والعلم".
(8) في ط: "فالله".
(9) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "الموسع" ولم يتضح في ط.
(10) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 79، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 32.
(11) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(2/73)

والقدرة على حد قوله تعالى: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} (1)، والمراد بهذا الغير: سائر الشروط التي تختص بكل عبادة؛ لأن كل عبادة لها شروط تختص بها.
مثال ذلك: اشتراط الزوال في وجوب الظهر، واشتراط الإقامة في وجوب الجمعة ووجوب الصوم، واشتراط دوران الحول في وجوب الزكاة، واشتراط الاستطاعة في وجوب الحج وغير ذلك، وذلك كثير (2) مبسوط في كتب الفقه (3).
وقوله (4): (كالعبادات) هذا (5) مثال لخطاب التكليف، وتقدير الكلام: خطاب تكليف كالعبادات يشترط فيه (6) علم المكلف وقدرته وغير ذلك.
قوله: (كالعبادات) نحو: الصلاة والصيام والزكاة (7) والحج والجهاد.
قوله: (وخطاب وضع لا يشترط فيه شيء من ذلك).
ش: يقال له (8): خطاب وضع وخطاب (9) إخبار، سمي بخطاب
__________
(1) سورة البقرة آية رقم (68).
(2) "كثير" ساقطة من ط.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 79، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 32.
(4) في ط وز: "قوله".
(5) في ط: "هو".
(6) في ز: "فيها".
(7) "الزكاة" لم ترد في ز، ووردت في ط بعد الجهاد.
(8) "له" ساقطة من ط.
(9) في ط: "في خطاب".
(2/74)

وضع (1)؛ لأن الله تعالى (2) وضعه علامة لخطاب التكليف (3)، وسمي بخطاب إخبار؛ [لأنه لا طلب] (4) فيه؛ لأن الله تعالى (5) لم يأمر به أحدًا (6).
قوله: (لا يشترط فيه شيء من ذلك) الإشارة تعود على الثلاثة المذكورة وهي: العلم، والقدرة، والغير.
لما بين القسم الأول الذي هو خطاب التكليف، تعرض ها هنا لبيان مقابله الذي هو خطاب الوضع، فذكر أنه لا يشترط فيه علم المكلف، ولا قدرته ولا غيرهما، وإنما لا تشترط هذه الشروط المذكورة في خطاب الوضع؛ لأن المكلف لم يكلف بهذا حتى يحتاج إلى العلم والقدرة أو غيرهما؛ لأن (7) معنى (8) خطاب الوضع أن يقول الشارع مثلاً: إذا رأيتم كذا فاعلموا أني حكمت بكذا.
قوله: (لا يشترط فيه) يعني في حله (9) على حذف مضاف، ويدل على هذا المحذوف، [قوله] (10): وهو الخطاب بكثير من الأسباب والشروط ... إلى آخره.
__________
(1) في ز: "الوضع".
(2) "تعالى" لم ترد في ط.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 79، 80، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 32.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "لأن المطلب".
(5) في ز: "تبارك وتعالى"، و"تعالى" لم ترد في ط.
(6) زيادة في الهامش: "ولا نهى عنه كالميراث والزوال ودخول رمضان".
(7) "لأن" ساقطة من ط.
(8) في ط: "ومعنى".
(9) في ز وط: "جله".
(10) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(2/75)

قوله: (وهو الخطاب بكثير من الأسباب، والشروط، والموانع، وليس ذلك عامًا فيها).
ش: أي: ليس عدم اشتراط العلم والقدرة عامًا في جميع الأسباب والشروط؛ بل يشترط العلم والقدرة وغيرهما في بعض الأسباب، وقد بيّن ذلك بقوله بعد: وقد يشترط في السبب العلم كما سيأتي بيانه (1).
قوله: (وهو الخطاب بكثير من الأسباب إِلى آخره).
مثال الأسباب: نصب الزوال وقتًا للظهر.
ومثال الشروط: نصب الحول للزكاة (2).
ومثال الموانع: نصب الحيض مانعًا للصلاة والصوم، ونصب القتل والرق والكفر مانعًا من الميراث وغير ذلك.
والباء في قوله: (بكثير) بمعنى (3) مع؛ إذ لا يخاطب الإنسان بتحصيل الأسباب والشروط وانتفاء (4) الموانع وإنما يخاطب بالحكم عند حصولها.
قوله: (فلذلك (5) نوجب الضمان على المجانين والغافلين بسبب الإِتلاف).
[الإشارة تعود على قوله: لا يشترط شيء (6) من ذلك، أي: ولأجل عدم
__________
(1) انظر (2/ 79) من هذا الكتاب.
(2) في ط وز: "نصب الحول للزكاة، ونصب الطهارة للصلاة".
(3) "بمعنى" ساقطة من ط.
(4) "وانتفاء" ساقطة من ط.
(5) في ط: "ولذلك".
(6) في ط: "فيه شيء".
(2/76)

اشتراط العلم والقدرة في خطاب الوضع نوجب الضمان على المجانين والغافين] (1) [بسبب الإتلاف] (2)؛ [لأن المجنون أو الغافل (3)] (4) أو النائم (5) إذا أتلف شيئًا: وجب عليه غرمه، وإن لم يكن عالمًا بما أتلفه (6) ولا قادرًا على التحرز من إتلافه (7).
قوله: (لكونه من باب الوضع الذي معناه أن الله تعالى (8) قال: إِذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني حكمت بكذا).
ش: هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه يقول: إنما قلنا بثبوت الضمان على المجانين والغافلين من غير علمهم ولا قدرتهم على التحرز من (9) الإتلاف لكون هذا من خطاب الوضع الذي معناه في الشرع أن الله تعالى (10) يقول [لعباده] (11): إذا وقع هذا الإتلاف [مثلاً] (12) فاعلموا أني حكمت
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(3) في ز: "والغافل"
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط: "والنائمين".
(6) في ط: "أتلف".
(7) في ط: "من إتلاف"، وفي ز: "عن الإتلاف".
(8) في ش: "تبارك وتعالى"، والأولى حذف عبارة: "أن الله تعالى قال"، ويضاف حرف: "لو" فتكون العبارة: "لو قال".
(9) في ز: "عن".
(10) ز: "تبارك وتعالى"، و"تعالى" لم ترد في ط.
(11) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(12) "مثلاً" وردت في ط وز، ولم ترد في الأصل.
(2/77)

بالضمان.
[قوله: (إِذا وقع هذا في الوجود)، تقديره: إذا وقع السبب فاعلموا أني حكمت بالحكم، وإذا عدم الشرط (1) فاعلموا أني حكمت بعدم الحكم، وإذا وقع المانع فاعلموا أني حكمت بعدم الحكم] (2).
قوله: (ومن ذلك الطلاق بالإِضرار والإِعسار، والتوريث بالأنساب).
ش: يعني: ومن خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه العلم والقدرة: الطلاق بسبب الإضرار بالزوجة، والطلاق بسبب الإعسار (3) بنفقة الزوجة، فإنه يقضى [على الزوج] (4) بالطلاق بسبب الإضرار، أو بسبب (5) الإعسار بالإنفاق وإن كان الزوج مجنونًا غير عالم ولا قادر، أي (6): وإن كان زمنًا عاجزًا عن النفقة.
وكذلك التوريث بالأنساب فيقضى بالتوريث للوارث وإن لم يعلم الوارث بموت الموروث (7)، فإن الإنسان إذا مات له قريب (8) دخلت التركة في ملكه بنفس موت قريبه، وإن لم (9) يعلم الوارث، ولا كان (10) ذلك
__________
(1) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "وقع الشرط".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) في ط: "الإضرار".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) في ز: "وبسبب".
(6) "أي" ساقطة من ط وز.
(7) في ط وز: "الموروث".
(8) في ط: "لتقريب".
(9) "لم" ساقطة من ط.
(10) في ز: "ولكن".
(2/78)

بقدرته (1)، حتى لو كان في التركة من يعتق عليه لعتق (2).
قوله: (وقد يشترط في السبب العلم كإِيجاب الزنا للحد والقتل للقصاص).
ش: هذا بيان خطاب الوضع الذي يشترط فيه علم المكلف، وهو القسم القليل المقابل للقسم الكثير المشار إليه بقوله (3): وهو الخطاب بكثير من الأسباب، مفهومه أن هناك قسمًا قليلاً من خطاب الوضع يشترط فيه (4) [علم المكلف وقدرته] (5).
مثله المؤلف بقوله: كإيجاب الزنا للحد، والقتل للقصاص، فإن من (6) وطئ أجنبية يظنها (7) زوجته لا حد عليه (8)؛ لعدم علمه وإن وجب عليه الصداق.
وكذلك من قتل رجلاً خطأ لا قصاص عليه، وإن وجبت عليه الدية
__________
(1) في ز: "لا بقدرته".
(2) ذكر هذه الأمثلة القرافي في شرح التنقيح ص 80، والمسطاسي في شرح التنقيح في ص 32.
(3) في ط: "قوله".
(4) في ط وز: "فيه ذلك"
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(6) "من" ساقطة من ز.
(7) في ط: "يظنها أنها".
(8) هذا على مذهب المالكية، انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 317.
وخالف في ذلك الحنفية وقالوا: عليه الحد، يقول الزيلعي: يحد بوطء امرأة أجنبية وجدت في فراشه، كان قال: ظننت أنها امرأتي.
انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 3/ 178.
(2/79)

لعدم علمه
وهذا الخطاب الذي يشترط فيه علم المكلف وقدرته من خطاب الوضع مطرد في نوعين:
أحدهما: أسباب العقوبات.
الثاني (1): أسباب انتقال الأملاك.
أما أسباب العقوبات وهي الجنايات التي توجب العقوبة (2) كالزنا والقتل وشرب الخمر، فلا بد فيها من العلم والقدرة، فإن من (3) وطئ أجنبية يظنها زوجته فلا حد عليه - كما تقدم - لعدم (4) العلم، وكذلك من قتل رجلاً خطأ فلا قصاص عليه؛ لعدم العلم، وكذلك من شرب خمرًا يظنه خلاً فلا حد عليه؛ لعدم العلم، وكذلك المكره (5) على الزنا لا حد عليه؛ لعدم (6) القدرة، وكذلك جميع الجنايات التي هي أسباب العقوبة يشترط فيها العلم والقدرة.
وإنما اشترطوا العلم والقدرة في هذا النوع؛ لأن القاعدة الشرعية تقتضي ألا يعاقب من لم يقصد المفسدة ولم يشعر بها (7) أو وقعت بغير كسبه؛ فلأجل ذلك اشترط العلم والقدرة في الجنايات التي توجب العقوبة (8)، بخلاف
__________
(1) في ط: "والثاني".
(2) في ز: "العقوبات".
(3) "من" ساقطة من ز.
(4) "لعدم" ساقطة من ط.
(5) في ط: "المكروه".
(6) في ز: "عدم".
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 80، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 33.
(8) في ز: "العقوبات".
(2/80)

الجنايات (1) التي لا توجب العقوبة وإنما توجب الغرامة وهي الإتلافات، فإن من أتلف شيئًا يجب عليه غرمه، ولا يشترط فيه علمه ولا قدرته على التحرز من إتلافه، ولا فرق (2) بين العمد والنسيان والعلم والجهل؛ إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء.
والفرق بين الجنايات التي توجب العقوبة، والجنايات التي توجب الغرامة:
أن العقوبة زاجرة، والغرامة جابرة، فأين إحداهما (3) من الأخرى (4)، فإن العقوبات (5) من باب الزواجر، والغرامات (6) من باب الجوابر، وشرعت الزواجر لدرء المفاسد المتوقعة، وشرعت الجوابر لاستدراك المصالح الفائتة، هذا بيان أحد (7) القسمين اللذين يشترط فيهما علم المكلف وقدرته، وهو أسباب العقوبات.
وأما القسم الثاني: وهو أسباب انتقال الأملاك في الأعيان والمنافع (8)
__________
(1) في ز: "الجناية".
(2) في ز وط: "ولا فرق في ذلك".
(3) في ط: "أحدهما".
(4) في ز: "الآخر".
(5) في ز: "العقوبة".
(6) في ز: "الغرامة".
(7) "أحد" ساقطة من ز.
(8) في ز: "المنافع الأعيان والمنافع".
(2/81)

والأبضاع (1) كالبيع، والإجارة، والقراض، والمساقاة، والجعالة (2)، والعارية، والهبة، والصدقة، والوقف (3) والوصية، وغير ذلك، مما هو سبب انتقال الأملاك، فلا بد في هذا القسم من العلم والقدرة والإرادة.
فمن باع مثلاً وهو لا يعلم أن هذا اللفظ، أو (4) هذا التصرف مثلاً يوجب انتقال الملك (5) لكونه أعجميًا أو طارئًا على بلاد الإسلام فلا يلزمه البيع، وكذلك سائر العقود، وكذلك من أكره على البيع فباع بغير اختياره، وقدرته الناشئة عن داعية الطبيعة لا يلزمه البيع، وكذلك ما ذكر معه من العقود المذكورة.
وإنما اشترطوا العلم والقدرة في هذا النوع لقوله عليه السلام: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (6)، ولا يحصل الرضى إلا مع الشعور
__________
(1) في ز: "الأبطاع".
(2) في ز: "الجعالات".
(3) "الوقف" ساقطة من ط.
(4) في ز وط: "وهذا".
(5) في ط: "المكلف".
(6) هذا طرف من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في المسند (5/ 72) من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه قال: كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوسط أيام التشريق أذود عنه، فقال: "يا أيها الناس، أتدرون في أي شهر أنتم؟ وفي أي يوم أنتم؟ وفي أي بلد أنتم؟ " قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه"، ثم قال: "اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه" إلى آخر الحديث.
وأخرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن يثربي قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ألا ولا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه" ... الحديث. =
(2/82)

والإرادة والتمكن من التصرف.
فتحصل مما ذكرنا أن قوله: (وقد يشترط في السبب العلم) أن ذلك السبب يطرد في نوعين:
أسباب العقوبات (1).
وأسباب الانتقالات.
قال بعض الشراح: هذه (2) الأسباب المستثناة من خطاب الوضع، أعني: أسباب العقوبات وأسباب انتقال الأملاك هي في (3) التحقيق خطاب تكليف وليست بخطاب وضع؛ لأنها متعلقة بأفعال المكلفين؛ لأن حدود الجنايات لا تلزم إلا المكلفين خاصة، وكذلك عقود انتقال الأملاك لا تنعقد إلا على المكلفين خاصة؛ ولذلك اشترط فيها علم المكلف وقدرته (4).
قال المؤلف في القواعد (5): قد يجتمع خطاب الوضع مع خطاب التكليف، وقد ينفرد كل واحد منهما بنفسه.
فمثال اجتماعهما: أسباب العقوبات: كالزنا والسرقة، فمن حيث إنها
__________
= انظر: المسند 2/ 13.
وذكره العجلوني في كشف الخفاء (2/ 516) بلفظ: "لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفسه" وقال: رواه الديلمي عن أنس.
(1) في ز: "العقوبة".
(2) "هذه" ساقطة من ز.
(3) "في" ساقطة من ط.
(4) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 51.
(5) انظر: الفروق للقرافي، الفرق السادس والعشرين بين قاعدة خطاب التكليف وقاعدة خطاب الوضع 1/ 161.
(2/83)

حرام: خطاب تكليف، ومن حيث إنها سبب للعقوبة: خطاب وضع.
وكذلك أسباب انتقال الأملاك: كالبيع والصدقة، فمن (1) حيث إنها مباحة أو مندوبة (2): خطاب تكليف، ومن حيث إنها سبب انتقال الملك (3) خطاب وضع (4).
وقال غيره: و (5) من أمثلة اجتماع الخطابين أيضًا: النكاح، والطلاق، والرجعة، والظهار (6)، والإيلاء، واللعان، والخلع، والرضاع، والعتاق، والطهارة، والستارة في الصلاة وغير ذلك (7).
وهذه الأشياء كلها يشترط فيها العلم والقدرة (7).
__________
(1) في ز: "من".
(2) في ط: "ومندوبه".
(3) في ط: "الأملاك".
(4) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: الفروق 1/ 163.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) في ز: "والظاهر".
(7) يقول المسطاسي في شرح التنقيح: التمثيل على اجتماع خطاب الوضع وخطاب التكليف، فاجتماعهما في شيء واحد كالزنا والسرقة والقتل والنكاح، والطلاق، واللعان، والعقود، والطهارة وما أشبه ذلك، فالسرقة والزنا من حيث كونها أسباب للعقوبات هي: وضعية، ومن حيث كونها محرمة هي: تكليفية، والنكاح من حيث هو سبب للإباحة فهو وضعي، ومن حيث كونه مندوبًا أو مباحًا فهو تكليفي، والطلاق من حيث هو سبب التحريم: وضعي، ومن حيث كونه مباحًا أو مكروهًا فهو: تكليفي، واللعان من حيث هو سبب في نفي الولد وتأبيد التحريم: وضعي، ومن حيث كونه واجبًا أو مباحًا: تكليفي، والعقود من حيث إنها سبب في انتقال الأملاك هي: وضعية، ومن حيث إنها مباحة هي: تكليفية.
انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 33.
(2/84)

قال المؤلف في القواعد (1): مثال (2) انفراد خطاب الوضع كالزوال أو طلوع (3) الهلال، ودوران الحول ونحوها، فإنها خطاب الوضع؛ إذ ليس فيها أمر ولا نهي (4) ولا إذن من حيث هي كذلك.
ومثال انفراد خطاب التكليف كأداء الواجبات، واجتناب المحرمات: كإيقاع الصلاة (5)، وترك المنكرات (6).
فإن الشرع لم يجعل هذه الأشياء سببًا لفعل آخر نؤمر به وننهى (7) عنه، وإن (8) كان الشرع قد جعلها سببًا لبراءة الذمة وترتيب الثواب ودرء العقاب؛ لأن هذه الأمور ليست أفعالاً للمكلف، ونحن لا نعني بكون (9) الشيء سببًا إلا كونه وضع بسبب (10) الفعل من قبل المكلف (11).
وهذا الذي ذكره المؤلف في القواعد من انفراد خطاب التكليف مخالف لما ذكره في الشرح؛ لأنه (12) قال في الشرح: لا يتصور انفراد التكليف؛ إذ لا
__________
(1) انظر: الفروق للقرافي، الفرق السادس والعشرون 1/ 163.
(2) في ز وط: "ومثال".
(3) في ز وط: "وطلوع".
(4) في ط: "ونهى".
(5) في ط: "الصلوات".
(6) في ط: "المحرمات".
(7) في ز: "أو ننهى".
(8) "وإن" ساقطة من ط.
(9) في ط: "يكون".
(10) في ط وز: "سببب".
(11) نقل المؤلف بالمعنى من الفروق للقرافي 1/ 163، 164.
(12) "لأنه" ساقطة من ز.
(2/85)

تكليف إلا له سبب أو شرط أو مانع، وأبعد الأمور عن ذلك: الإيمان بالله تعالى (1) وهو سبب لعصمة الدم والمال، والكفر سبب لإباحتهما (2). انتهى (3).
قال بعض الشراح: هذا المعنى أجنبي عن المسألة؛ لأن البحث إنما هو في (4) كون الشيء في نفسه خطاب تكليف أو خطاب (5) وضع لا أنه متوقف على خطاب (6) الوضع، فما قال (7) في القواعد هو الصواب والله أعلم.
وقد تقدم لنا أن خطاب الوضع محصور في خمسة أشياء وهي:
الأسباب، والشروط، والموانع، والتقادير الشرعية، والحجج عند القضاة (8).
أما الأسباب والشروط والموانع فقد تقدم بيانها.
وأما التقارير الشرعية (9) فهي محصورة في ستة أشياء: وهي:
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط.
(2) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "لإباحتها".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 81.
(4) "في" ساقطة من ز.
(5) في ز: "وخطاب".
(6) في ط: "لأنه".
(7) في ط: "بل قال".
(8) في ز: "القضاء".
(9) "الشرعية" لم ترد في ز.
(2/86)

تقريب البعيد، وتبعيد القريب، وإيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وتوحيد المتعدد، وتعديد المتحد (1).
فمثال تقريب البعيد: كالبصاق؛ فإنه بعَّده الطبع ولكن قرَّبه الشرع.
ومثال تبعيد القريب: كالخمر؛ فإنه قرَّبه الطبع وبعَّده الشرع.
ومثال إيجاد المعدوم: كالحمل في الميراث.
ومثاله أيضًا: تقدير ملك الدية للمقتول خطأ قبل موته ليصح فيها الإرث، وكذلك تقدير ملك (2) العبد لمن قال لغيره: أعتق عبدك عني لتثبت (3) له الكفارة والولاء.
ومثال إعدام الموجود: كقاتل مورثه.
ومثاله أيضًا: تعذر استعمال الماء للطهارة (4) مع وجوده، وكذلك تقدير النجاسة المعفو عنها في حكم العدم كالدم القليل ودم البراغيث، وموضع الحدث في المخرجين وغير ذلك.
ومثال توحيد المتعدد: كشهادة النساء في الأموال.
قال الشيخ أبو محمد - رحمه الله - (5) في الرسالة: ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال ومائة امرأة كامرأتين، وذلك كرجل واحد يقضي
__________
(1) في ط: "المتحدد".
(2) في ط: "مالك".
(3) في ط: "تثبت".
(4) في ز: "للطاهر".
(5) "رحمه الله" لم ترد في ز وط.
(2/87)

[بذلك] (1) مع رجل أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين (2).
ومثال تعديد المتحد: كالإمام الراتب.
قال أبو محمد في الرسالة: والإمام الراتب يقوم مقام الجماعة (3).
قال المؤلف في القواعد: ولا يكاد باب من أبواب الفقه ينفك عن التقدير الشرعي، وقد بسطت ذلك في كتاب الأمنية في إدراك النية فطالعه (4).
وأما الحجج عند القضاة: فإنه (5) إذا (6) ثبت الحق بالإقرار، أو بالشهادة، أو بالشهادة واليمين، أو بغير ذلك وجب الحكم.
قوله: (فإِذا (7) تقرر هذا فنقول: السبب ما يلزم من وجوده الوجود
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "بدل".
(2) انظر متن الرسالة باب في الأقضية والشهادات ص 116.
(3) في الرسالة: والإمام الراتب إن صلى وحده قام مقام الجماعة.
انظر: الرسالة، باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم ص 35.
(4) انظر: الفروق للقرافي الفرق السادس والعشرين 1/ 161.
ويقول القرافي في كتاب الأمنية (ص 62) بعد ذكره للأمثلة على التقديرات الشرعية: فقد ظهر حينئذ معنى قول الفقهاء في رفض النية وفي نظائرها وحصل التنبيه على تخريج الجميع على قاعدة واحدة، وهي: قاعدة التقديرات، هي: قاعدة أجمع العلماء عليها وإذا خرجت الفروع الكثيرة على قاعدة واحدة، فهو أولى من تخريج كل فرع بمعنى يخصه؛ لأنه أضبط للفقيه.
ولمزيد من التفصيل انظر: الأمنية في إدراك النية، الباب العاشر ص 48 - 63.
(5) "فإنه" ساقطة من ز وط.
(6) في ز وط: "فإذا".
(7) في أوخ وش: "إذا".
(2/88)

ومن عدمه العلم لذاته).
ش: الإشارة بقوله: (هذا) تعود على المذكور كله، تقدير الكلام: فإذا تقرر توقف الخطاب الشرعي على الأسباب والشروط والموانع، وتقرر انحصار الخطاب في التكليفي والوضعي، وتقرر اشتراط العلم والقدرة في الخطاب التكليفي دون الوضعي فنقول: السبب ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته.
السبب لغة (1): عبارة عما يتوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الحبل سببًا (2).
ومنه قوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} (3) أي: بحبل إلى السقف وكذلك الطريق يسمى سببًا، ومنه قوله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} (4) أي: طريقًا بين الشرق (5) والغرب (6).
وأما معناه في الاصطلاح (7): فهو كما قرره المؤلف.
__________
(1) "لغة" ساقطة من ط.
(2) هذا التعريف ذكره الآمدي في الإحكام (1/ 127).
وعرفه ابن منظور فقال: السبب كل شيء يتوصل به إلى غيره، وقال: السبب الحبل. لسان العرب مادة (سبب).
وقال الفيروزآبادي في القاموس: والسبب الحبل وما يتوصل به إلى غيره. فصل السين باب الباء مادة (سبب).
(3) سورة الحج آية رقم (15).
(4) سورة الكهف آية رقم 85.
(5) في ط وز: "المشرق".
(6) في ط وز: "المغرب".
(7) اختلف الأصوليون في تعريف السبب، وأهم هذه التعريفات التعريف الأول وهو ما =
(2/89)

ويقال له في الاصطلاح: سبب وعلة وموجب، ومقتضى، [ومعرف، ومؤثر عند المعتزلة] (1).
فقوله: (ما يلزم من وجوده الوجود ...) إلى آخره هذا الرسم ركبه المؤلف من جنس وثلاثة فصول:
__________
= ذكره القرافي وهو التعريف المشهور، وذكر الأصوليون للسبب عدة تعريفات أذكر منها:
تعريف الآمدي حيث قال: وهو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي.
وتعريف الغزالي حيث قال: ونعني بالأسباب ها هنا أنها هي التي أضاف الأحكام إليها.
وتعريف السبكي في جمع الجوامع حيث قال: ما يضاف الحكم إليه لتعلق الحكم به من حيث إنه معرف للحكم أو غيره.
وتعريف البزدوي حيث قال: هو في الشريعة عبارة عما هو طريق إلى الشيء، من سلكه وصل إليه فناله مي طريقه ذلك لا بالطريق الذي سلكه، كمن سلك طريقًا إلى مصر بلغه من ذلك الطريق لا به لكن بمشيه.
وتابعه السرخسي والنسفي.
وتعريف الشاطبي عرف السبب: بأنه ما وضع شرعًا لحكم، لحكمة يقتضيها ذلك الحكم، كما كان حصول النصاب سببًا في وجوب الزكاة والزوال سببًا في وجوب الصلاة، والسرقة سببًا في وجوب القطع، والعقود سببًا في إباحة الانتفاع أو انتقال الأملاك.
انظر هذه التعريفات للسبب، وتفصيل القول في ذلك في: شرح التنقيح للقرافي ص 81، الإحكام للآمدي 1/ 127، المستصفى للغزالي 1/ 93، جمع الجوامع وشرحه 1/ 94، كشف الأسرار للبزدوي 4/ 1290، أصول السرخسي 2/ 301، الموافقات للشاطبي 1/ 265، السبب عند الأصوليين تأليف د. عبد العزيز الربيعة 1/ 165 - 181.
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2/90)

فالجنس هو: "ما"، وهي واقعة على الوصف، أي: الوصف الذي يلزم من وجوب وجود الحكم الشرعي.
الفصل الأول من الفصول الثلاثة: هو قوله: (يلزم من وجوده (1) الوجود).
والفصل الثاني: هو قوله: (ومن (2) عدمه العدم) أي: يلزم (3) من عدمه عدم الحكم الشرعي
والفصل الثالث: هو قوله: (لذاته) أي: لذات السبب، أي: لنفس السبب لا لأمر آخر خارج عن ذات السبب.
قوله: (فالأول، احترازًا من الشرط، والثاني: احترازًا من المانع، والثالث: احترازًا من مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع فلا يلزم من وجوده الوجود، أو إِخلافه بسبب (4) آخر فلا يلزم من عدمه العلم).
ش: أراد بالأول قوله: ما يلزم من وجوده (5) الوجود [أي: يلزم من وجود السبب وجود الحكم] (6) كالنصاب يلزم من وجوده وجود (7) وجوب الزكاة.
__________
(1) في ط: "وجود".
(2) في ز: "من".
(3) في ز: "ويلزم".
(4) في ط: "فسبب".
(5) في ط: "وجود".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) "وجود" ساقطة من ز.
(2/91)

واحترز بذلك من الشرط؛ [لأن الشرط] (1) لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كدوران الحول، فإن دوران الحول لا يلزم من وجوده وجود وجوب الزكاة ولا عدمه (2).
قوله (3): (والثاني احترازًا من المانع) أراد بالثاني قوله: (ومن عدمه العدم)، واحترز بذلك: من المانع؛ فإن المانع (4) لا يلزم منه شيء لا وجود ولا عدم، كالدين مانع (5) للزكاة (6)، فمن لا دين عليه [قد لا] (7) تجب عليه الزكاة لعدم النصاب، وقد تجب لوجود [نصاب] (8) حال عليه الحول.
وقوله (9): (والثاني: احترازًا من المانع) ولم يقل احترازًا من الشرط؛ لأن هذا الوصف شارك فيه الشرط السبب، والشرط (10) يلزم من عدمه العدم كالسبب (11) دون المانع.
[قوله: (والثالث) أراد به] (12) قوله لذاته واحترز به (13) من ثلاثة عوارض
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 81، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 33.
(3) في ز: "وقوله".
(4) في ز وط: "عدم المانع".
(5) في ط: "مانعًا".
(6) في ط: "من الزكاة".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "فذلك".
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "النصاب".
(9) في ط: "قوله".
(10) في ز: "لأن الشرط".
(11) "كالسبب" ساقطة من ز.
(12) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(13) "به" ساقطة من ط.
(2/92)

وهي: مقارنته فقدان الشرط، أو وجود (1) المانع، أو خلافه (2) بسبب آخر، عارضان لوجوده، وعارض لعدمه.
وهذا القيد الثالث: مركب (3) من نقيض القيد الأول، ومن نقيض القيد الثاني، فهو تتميم (4) لهما معًا.
وبيان ذلك: أن قوله يلزم من وجوده الوجود يعني: بالنظر (5) إلى ذات السبب ما لم يعرض له أمر خارجي عنه.
مثال ذلك العارض الخارج عن ذات السبب مقارنة السبب فقدان الشرط كنصاب (6) لم يحل عليه الحول، فلا يلزم من وجود هذا السبب وجود (7) وجوب (8) الزكاة (9)، ولكن ذلك لفقدان شرط الزكاة لا لنفس السبب.
وكذلك إذا قارن السبب وجود المانع، كالدين، فلا يلزم من وجود السبب ها هنا وجوب الزكاة لوجود المانع الذي هو الدين لا لذات السبب.
وإلى هذين المثالين أشار المؤلف (10) بقوله: (والثالث: احترازًا من
__________
(1) في ط: "ووجود".
(2) في ز: "إخلافه"، وفي ط: "وإخلافه".
(3) في ط: "ركب".
(4) في ط: "تيمم".
(5) في ط: "لا للنظر".
(6) في ط: "وله كنصاب".
(7) في ط: "ووجود".
(8) "وجوب" ساقطة من ط وز.
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 81.
(10) "المؤلف" ساقطة من ز.
(2/93)

مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع فلا يلزم من وجوده الوجود) يعني: في الصورتين وهما: عدم الشرط، أو وجود المانع.
قوله (1): (احترازًا من مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع) هذا راجع إلى قوله: يلزم من وجوده الوجود.
قوله: (أو إِخلافه بسبب آخر فلا يلزم من عدمه العدم).
ش: هذا راجع إلى قوله في السبب: ويلزم من عدمه العدم، يعني: أن سبب الحكم إذا عدم وأخلفه بسبب (2) آخر [فلا يلزم من عدم ذلك السبب المعدوم عدم الحكم؛ لأن السبب الآخر] (3) قام مقام المعدوم في وجود الحكم، كما إذا عدم الزنا مثلاً ووجد (4) القذف، فلا يلزم من عدم الزنا عدم الحد؛ لأن القذف أخلفه في وجود الحد.
وكذلك إذا عدمت الردة ووجد موجب القتل، كقتل (5) العمد العدوان، فإن القتل يجب وإن عدمت الردة؛ لأن القتل الموصوف أخلف الردة في وجوب القتل.
وكذلك إذا عدم القتل الموصوف ووجد ترك الصلاة عمدًا فإن القتل يجب، وكذلك إذا عدم البول ووجد (6) الريح وجب الوضوء، ولا يلزم من
__________
(1) في ط: "وقوله".
(2) في ز وط: "سبب".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) المثبت من ط، وفي الأصل: "وجد"، وفي ز: "ووجود".
(5) "كقتل" ساقطة من ط، وفي ز: "كالقتل".
(6) في ز: "وجب".
(2/94)

عدم البول عدم الوضوء؛ لأن وجود الريح أخلف البول في وجوب الوضوء، لأن الأسباب الشرعية يخلف بعضها بعضًا، ولا تنافي بين اقتضاء الشيء بالذات وبين تخلفه للعوارض (1)، كقولنا (2): العالم جائز بالنسبة إلى ذاته.
[وواجب] (3) بالنسبة إلى تعلق علم الله تعالى (4) وإرادته بإيجاده [وقد يكون السبب تعبديًا كالزوال سببًا للظهر، وقد يكون معقول (5) المعنى كالإسكار سببًا لتحريم الخمر] (6).
قوله: (والشرط (7) ما يلزم من عدمه العلم ولا يلزم من وجوده وجود
__________
(1) ذكر هذا الكلام بمعناه القرافي في شرح التنقيح ص 81، 82.
(2) في ز: "كقولك".
(3) المثبت بين المعقوفتين من خ وز، وفي الأصل: "وأجيب"، وفي ط: "واجب".
(4) "تعالى" لم ترد في ط.
(5) في ط: "معقود".
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(7) الشرط لغة: بالتحريك العلامة، وبالسكون الإلزام والالتزام.
يقول الفيروزآبادي: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه كالشريطة جمع شروط ... وبالتحريك العلامة جمع أشراط. القاموس المحيط مادة (شرط).
وقال ابن منظور: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه، والجمع شروط ... والشرط بالتحريك، العلامة، والجمع أشراط، وأشراط الساعة أعلامها. انظر مادة: (شرط).
وانظر تعريف الشرط اصطلاحًا في: شرح التنقيح للقرافي 82، شرح التنقيح للمسطاسي ص 34، شرح الكوكب المنير 1/ 452، التعويفات للجرجاني ص 111، الإحكام للآمدي 1/ 130، شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 7، كشف الأسرار للبزدوي 4/ 1293، أصول السرخسي 2/ 303، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص 66، الموافقات للشاطبي 1/ 262، السبب عند الأصوليين تأليف د. عبد العزيز الربيعة 2/ 31 - 53.
(2/95)

ولا عدم لذاته).
ش: هذا الرسم ركبه المؤلف من جنس وثلاثة فصول: فالجنس قوله (1): "ما".
والقيد الأول: هو قوله: (يلزم من عدمه العدم).
والقيد الثاني: قوله (2): (ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم).
والقيد الثالث: هو قوله: (لذاته) أي: لنفس الشرط.
قوله: (ما يلزم) أي: هو الوصف الذي يلزم من عدمه عدم الحكم الشرعي.
و (3) قوله: (يلزم من عدمه العدم) هذا القيد شارك فيه الشرط السبب؛ لأن كل واحد منهما يلزم من عدمه العدم، واحترز بذلك من المانع؛ لأن المانع لا يلزم من عدمه شيء.
وقوله: (ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم) احترز به (4) من شيئين وهما: السبب والمانع؛ لأن السبب يلزم من وجوده الوجود، والمانع يلزم من وجوده العلم، فالأول للأول، والثاني للثاني.
__________
(1) في ز وط: "هو قوله".
(2) في ز وط: "هو قوله".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في ز: "بها".
(2/96)

فقوله: (احترازًا من السبب) (1) راجع إلى قوله: (ولا يلزم من وجوده وجود).
وقوله: (احترازًا من المانع) (2) راجع إلى قوله: ولا عدم، أي: ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط ولا عدمه احترازًا من المانع؛ لأنه يلزم من وجوده (3) عدم المشروط.
وهذا الذي قررناه هو: معنى قوله: (فالأول احترازًا من المانع، والثاني احترازًا من السبب والمانع أيضًا).
قوله: (والثالث احترازًا من مقارنته لوجود السبب، فيلزم الوجود عند وجوده قيام المانع فيقارن العدم) (4).
ش: المراد بالثالث: هو قوله: لذاته، واحترز بذلك من عارضين.
أحدهما: مقارنة الشرط لوجود السبب.
والعارض الآخر: مقارنة الشرط لوجود المانع.
فإذا قارن الشرط وجود السبب فيلزم الحكم بوجود الشرط، لكن ذلك لعارض (5) وهو مقارنته للسبب (6).
__________
(1) في أوخ وش: "والثاني احترازًا من السبب والمانع أيضًا".
(2) في أوخ وش: "فالأول احترازًا من المانع".
(3) في ز: "وجده".
(4) "فيقارن العدم" ساقط من أ.
(5) في ط: "العارض".
(6) في ز: "بالسبب".
(2/97)

مثال ذلك: الحول في الزكاة إذا قارنه وجود النصاب فإنه يلزم وجوب الزكاة، لكن لا لذات الشرط الذي هو وجود الحول، بل (1) لذات (2) وجود السبب (3) [الذي هو النصاب] (4).
وإلى هذا العارض أشار بقوله: (احترازًا) (5) من مقارنته لوجود السبب فيلزم الوجود عند وجوده (6).
وإذا قارن الحول في الزكاة وجود الدين الذي هو المانع، فلا تجب الزكاة، ولكن ذلك لعارض وهو: وجود المانع لا لذات الشرط؛ لأن الشرط بالنظر إلى نفسه لا يلزم من وجوده شيء لا وجود ولا عدم، وإنما يأتي اللزوم من أمور خارجة عن ذات الشرط، ولا تنافي بين عدم اللزوم بالنظر (7) إلى الذات وبين اللزوم بالنظر إلى الأمور الخارجية (8) كما تقدم في السبب.
قوله: (والمانع: ما يلزم من وجوده العدم (9)، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته) (10).
__________
(1) "بل" ساقطة من ط.
(2) في ط: "بالذات".
(3) انظر هذه المحترزات لتعريف الشرط في: شرح التنقيح للقرافي ص 82، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 34.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "احترز".
(6) في ز: "الوجود".
(7) في ط: "وبين النظر".
(8) في ز: "الخارجة".
(9) قوله: "والمانع ما يلزم من وجوده العدم" ساقطة من أ.
(10) هذا التعريف ذكره الفتوحي في شرح الكوكب المنير 1/ 456، وانظر أيضًا: جمع الجوامع 1/ 98، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص 67، الإحكام للآمدي =
(2/98)

ش: هذا الرسم مركب من جنس وثلاثة فصول وهي: القيود:
فالجنس "ما" وهي: واقعة على الوصف الوجودي الظاهر.
فالقيد الأول: هو قوله: (يلزم من وجوده العدم (1)).
والقيد الثاني: هو قوله (2): (ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم).
والقيد الثالث: هو قوله: (لذاته).
قوله: (فالأول احترازًا من السبب، والثاني: احترازًا من الشرط، والثالث: احترازًا من مقارنة عدمه لوجود السبب).
ش: أراد بالأول قوله: (يلزم من وجوده العلم)، واحترز بذلك من السبب؛ لأنه يلزم (3) من وجوده الوجود لا العدم.
وأراد بالثاني قوله: (ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم) واحترز بذلك من الشرط؛ لأنه يلزم من عدمه العدم.
وأراد بالثالث قوله: (لذاته) أي: لذات المانع، واحترز بذلك من عارض واحد وهو: مقارنة عدم المانع (4) وجود السبب.
مثال ذلك: إذا عدم الدين في الزكاة، وقارن ذلك وجود النصاب
__________
= 1/ 130، الموافقات للشاطبي 1/ 179.
(1) "العدم" ساقطة من ط.
(2) "هو قوله" ساقطة من ز.
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "لا يلزم".
(4) انظر هذه المحترزات لتعريف المانع في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 34، شرح الكوكب المنير 1/ 457.
(2/99)

ودوران الحول، فيلزم هنا (1) من عدم المانع: وجود الحكم الذي هو: وجوب (2) الزكاة، وإنما يلزم من عدم المانع ها هنا وجود الحكم لأمر عارض خارجي عن ذات المانع لا بالنظر إلى ذاته، ولا تنافي بين عدم اللزوم بالنظر إلى الذات وبين اللزوم بالنظر إلى أمر خارجي كما تقدم.
و (3) قوله: (احترازًا من مقارنة عدمه لوجود السبب) فهذا راجع إلى قوله: (ولا يلزم من عدمه وجود) أي: إلا إذا قارن عدمه وجود السبب.
انظر قوله: (فالأول: احترازًا من السبب) ظاهره: أن السبب هو: الذي خرج بهذا القيد دون الشرط، مع أن الشرط خرج به (4) أيضًا؛ لأنه لا يلزم من وجوده شيء.
وكذلك قوله: (والثاني: احترازًا من الشرط) ظاهره: أن الشرط هو الخارج بهذا القيد دون السبب مع أن السبب خرج به أيضًا (5)؛ لأنه يلزم من عدمه العدم.
قوله: (فالمعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده
__________
(1) في ط: "ههنا".
(2) في ط: "وجود".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) يقول المسطاسي في شرح التنقيح (ص 34): والقيد الأول احترازًا من السبب والشرط.
(5) يقول المسطاسي في شرح التنقيح (ص 34): والثاني احترازًا من السبب والشرط أيضًا.
(2/100)

وعدمه).
ش: هذا بيان جهات تأثير كل واحد من الثلاثة، فذكر أن المعتبر من المانع: وجوده لا عبرة بعدمه؛ لأن تأثير المانع في وجوده.
وأن المعتبر من الشرط: عدمه لا وجوده ولا عبرة بوجوده؛ لأن (1) تأثير الشرط في عدمه.
وأن المعتبر من السبب: وجوده وعدمه معًا؛ لأن تأثير (2) السبب في وجوده وعدمه.
قوله: (فالمعتبر من المانع وجوده ...) إلى آخره تقديره: فالذي يؤثر من المانع وجوده خاصة، والذي يؤثر من الشرط عدمه خاصة، والذي يؤثر من السبب وجوده وعدمه جميعًا.
فتأثير المانع في الوجود (3)، وتأثير الشرط في العدم، وتأثير السبب في الوجود والعدم معًا.
قال بعض الأشياخ (4): المانع مانعان: مانع الحكم، ومانع السبب، والشرط شرطان: شرط الحكم، وشرط السبب.
وبيان ذلك في المانع: أن وجود المانع إن كان مستلزمًا لحكمة تقتضي
__________
(1) "لأن" ساقطة من ز.
(2) في ز: "فتأثير".
(3) في ز: "بالوجود".
(4) هو الشيخ سيف الدين الآمدي، ذكر هذا القول في كتابه الإحكام 1/ 130، ونسبه له المسطاسي في شرح التنقيح ص 34.
(2/101)

نقيض حكم (1) السبب (2) مع بقاء حكمة السبب فهو: مانع الحكم.
مثاله: الأبوَّة في باب القصاص، فإنها تمنع القصاص مع وجود السبب الذي هو القتل العمد العدوان؛ لأن الأبوة تستلزم حكمة تقتضي عدم القصاص، وهي: الجناية الطبيعية، فامتنع العدم ها هنا وهو القصاص لمانع (3) الأبوة مع بقاء حكمة السبب وهو (4) الزجر.
وإن كان وجود المانع يخل بحكمة السبب فهو: مانع السبب.
مثاله (5): الدَّين في الزكاة فإنه يمنع الزكاة مع وجود النصاب؛ لأنه يخل بالمعنى الموجب (6) للزكاة وهو: الغنى فهو مانع السبب، والأول مانع الحكم.
وبيان ذلك في الشرط: أن عدم الشرط إن كان مستلزمًا لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب فهو: شرط الحكم (7).
مثاله: الطهارة في الصلاة؛ فإن عدم الطهارة يقتضي (8): عدم الثواب مع وجود سببه الذي هو الإتيان بالصلاة؛ لأن عدم الطهارة يستلزم عدم (9)
__________
(1) "حكم" ساقطة من ز.
(2) في ط: "السيد" وهو تصحيف.
(3) في ط: "المانع".
(4) في ز وط: "وهي".
(5) في ط: "ومثاله".
(6) في ط: "الذي يوجب".
(7) في ط: "الحكمة".
(8) في ز: "تقتضي".
(9) "عدم" ساقطة من ط.
(2/102)

الثواب [الذي هو: نقيض الحكم] (1) [الذي هو الثواب] (2) مع بقاء حكمة السبب (3) وهو التوجه إلى الله تعالى بالصلاة، فهذا شرط في الحكم.
وإن كان عدم الشرط مستلزمًا لعدم حكمة السبب أي: مخلاً بحكمة السبب فهو: شرط السبب.
مثاله: القدرة على التسليم في باب البيع (4) فإنها شرط صحة البيع الذي [هو] (5) سبب ثبوت الملك؛ لأن حكمة البيع هو: الانتفاع بالمبيع، فعدم القدرة على التسليم مستلزم لعدم الانتفاع بالمبيع الذي هو (6) حكمة السبب.
فتحصل مما ذكرنا أن شرط الحكم ما اقتضى عدمه نقيض حكم السبب [مع بقاء حكمة السبب] (7) كعدم الطهارة في الصلاة مع الإتيان بمسماها.
وشرط السبب ما أخلّ عدمه بحكمة السبب، كعدم القدرة على التسليم في البيع.
ومانع الحكم بيانه (8): ما اقتضى وجوب نقيض حكم السبب مع بقاء
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) "السبب" ساقط من ط.
(4) من قوله: "قال بعض الأشياخ" إلى هذا الموضوع نقله المؤلف بالمعنى مع تقديم وتأخير من الإحكام للآمدي 1/ 130، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 34.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(6) "هو" ساقطة من ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) "بيانه" ساقطة من ز.
(2/103)

حكمة السبب كالأبوة في القصاص.
ومانع السبب: ما أخل وجوده بحكمة السبب كالدين في الزكاة فإنه يخل بحكمة ملك النصاب فأشبه الفقير.
قوله: (فوائد خمس: الأولى: الشرط وجزاء (1) العلة كلاهما يلزم من عدمهما (2) العدم، ولا يلزم من وجودهما وجود (3) ولا عدم فهما يلتبسان، والفرق بينهما: أن جزء العلة مناسب في (4) ذاته (5)، والشرط مناسب في غيره، كجزء النصاب فإِنه مشتمل على بعض الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى، وإِنما هو مكمل للغنى الكائن في النصاب).
ش: هذه الفوائد ناشئة ومتفرعة عن الفصل المتضمن لتوقف الأحكام على موجباتها من الأسباب والشروط (6) والموانع، فذكر في هذه الفائدة الأولى: الفرق بين الشرط وجزء العلة بعد الجمع بينهما؛ فإن كل واحد منهما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود (7) ولا عدم.
وبيان ذلك: أن بعض نصاب الزكاة يلزم من عدمه عدم الزكاة كما يلزم من عدم جميع النصاب، وكذلك دوران الحول يلزم من عدمه عدم الزكاة.
__________
(1) في أوخ وش وط: "جزء العلة".
(2) في أوخ وش: "من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده".
(3) في أ: "الوجود"
(4) "في" ساقطة من ط.
(5) "ذاته" ساقطة من ط.
(6) في ط: "والشرط".
(7) في ط: "الوجود".
(2/104)

فذكر المؤلف أن الفرق بين جزء السبب وهو المراد بجزء العلة مناسب في ذاته أي: في نفسه، أي: مقصود في ذاته، أي: متضمن (1) لحكمة التعليل في نفسه، وأما الشرط فهو مشتمل على حكمة التعليل في (2) غيره، والمراد بالمناسب هو المتضمن للحكمة، أي: المقتضي لحكمة الحكم، والمراد بالعلة السبب ويقال: الأمارة، والداعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي، والموجب، والمعرّف، والمؤثر، فهذه اثنا عشر لقبًا.
قوله: (كجزء (3) النصاب) فإن بعض النصاب مشتمل على الحكمة بنفسه (4)، والحكمة (5) هي: الغنى؛ لأن (6) الغنى (7) هو: سبب مشروعيتها - أعني: مشروعية الزكاة -، وأما الحول فليس فيه شيء من الغنى وإنما هو مكمل ومتمم ومكثر للحكمة الكائنة في النصاب.
فتبين أن الفرق بينهما: أن جزء السبب مشتمل على الحكمة في ذاته، والشرط مشتمل على الحكمة في غيره، فإن جزء السبب مشتمل على الحكمة الكائنة في ذاته، والشرط مشتمل على الحكمة الكائنة في غيره أي: الكائنة في سببه لا في نفسه.
__________
(1) المثبت من ط وفي الأصل "يتضمن" وفي ز "متميز".
(2) "في" ساقطة من ط.
(3) في ط: "جزء".
(4) في ط: "لنفسه".
(5) في ط: "الحكمة".
(6) "لأن" ساقطة من ط.
(7) "الغنى" ساقطة من ط.
(2/105)

قوله: (الثانية: إِذا اجتمعت أجزاء العلة ترتب الحكم (1)، وإِذا اجتمعت العلل المستقلة ترتب الحكم (2)، فما الفرق بين الوصف الذي هو جزء علة (3)، وبين (4) الذي هو علة مستقلة؟ والفرق أن الذي هو: جزء (5) العلة إِذا انفرد لا يترتب (6) معه الحكم كأحد أوصاف القتل العمد العدوان، فإِن المجموع سبب (7) للقصاص (8) وإِذا انفرد جزء (9) العلة (10) لا يترتب (11) عليه قصاص (12)، والوصف الذي هو علة مستقلة إِذا اجتمع مع غيره ترتب الحكم، وإِذا انفرد ترتب معه (13) أيضًا، كإِيجاب الوضوء على من لامس وبال ونام، وإِذا انفرد أحدها وجب الوضوء (14)).
__________
(1) في ش: "ترتب الحكم أيضًا".
(2) في ش: "ترتب الحكم أيضًا".
(3) في أوخ وش: "الحكم الذي هو جزء علة".
(4) في ش: "وبين الوصف".
(5) في أوخ وز وش: "والفرق بينهما أن جزء العلة"، وفي ط: "والفرق لو أن الوصف الذي هو جزء العلة".
(6) في أوخ وز وش وط: "لا يثبت".
(7) في ش: "علة سبب".
(8) في خ وش: "القصاص".
(9) في أ: "جزؤه".
(10) "العلة" ساقطة من أوخ.
(11) في أ: "لا يثبت".
(12) في ش: "القصاص".
(13) في أوخ: "ترتب معه الحكم"، وفي ش: "ترتب الحكم".
(14) في أوخ وش وط: "وجب الوضوء أيضًا".
(2/106)

ش: واعلم أن تلخيص (1) ما ذكره المؤلف ها هنا: أن الحكم إذا رتبه الشرع على أوصاف وناطه بها؛ فإما أن تكون تلك الأوصاف كلها مناسبة ليستقل الحكم بكل (2) واحدة (3) منها، وإما أن تكون كلها مناسبة لا يستقل الحكم بكل واحد منها وإنما يستقل بمجموعها، وإما أن يكون بعضها مناسبًا وبعضها غير مناسب، فهذه ثلاثة أقسام (4).
فإن كانت كلها مناسبة استقل الحكم بكل واحد منها فهي علل مستقلة، أي: علل مجتمعة كإيجاب الوضوء من البول، واللمس، والنوم.
وإن كانت كلها مناسبة لا يستقل الحكم إلا بمجموعها فهي أجزاء علة، كإيجاب القصاص من القتل العمد العدوان فهي أجزاء علة، إذ مجموعها هو العلة.
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون بعض الأوصاف مناسبًا ويكون البعض غير مناسب، فالمناسب إما علة مستقلة (5) أو جزء علة، وغير المناسب إما شرط تام وإما جزء شرط، والمراد بالمناسب ما تضمن تحصيله مصلحة أو درء مفسدة، فالمناسب أبدًا هو: السبب، وغير المناسب هو: الشرط، وإنما جعل شرطًا لتوقف الحكم عليه.
__________
(1) في ط: "تلخص".
(2) "بكل" ساقطة من ط.
(3) في ط: "واحد".
(4) انظر هذه الأقسام في شرح التنقيح للقرافي ص 83، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 34.
(5) "مستقلة" ساقطة من ز.
(2/107)

قوله: (الثالثة: الحكم كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على (1) وجود شرطه فيم (2) يعلم كل واحد منهما يعلم (3) بأن السبب مناسب في ذاته، والشرط مناسبته (4) في غيره كالنصاب؛ فإِنه (5) مشتمل على الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى، وإِنما هو مكمل (6) لحكمة الغنى (7) في النصاب بالتمكن من التنمية) (8).
ش: ذكر في هذه الفائدة الجمع والفرق بين السبب والشرط، ففرق بينهما بالمناسبة وعدمها وذلك بيّن (9).
قوله: (الرابعة: الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام: منها ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، ومنها ما يمنع ابتداءه فقط، ومنها ما اختلف فيه؛ هل
__________
(1) قوله: "الثالثة: الحكم كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على" ساقط من ط.
(2) في خ: "فبم".
(3) في ش: "الجواب يعلم ... " إلخ.
(4) في ز: "مناسب".
(5) "فإنه" ساقطة من أوخ وش.
(6) في أوخ وش: "والحول مكمّل".
(7) في ز وط: "الغنى الكائن".
(8) "التنمية" ساقطة من أ.
(9) وضح القرافي ذلك فقال: ونبسط ذلك بقاعدة؛ وهي أن الشرع إذا رتب الحكم عقيب أوصاف، فإن كانت كلها مناسبة في ذاتها قلنا: الجميع علة، ولا نجعل بعضها شرطًا كورود القصاص مع القتل العمد العدوان المجموع: علة وسبب؛ لأن الجميع مناسب في ذاته، وإن كان البعض مناسبًا في ذاته دون البعض قلنا: المناسب في ذاته هو: السبب، والمناسب في غيره هو: الشرط.
انظر: الفروق الفرق السادس 1/ 109، وانظر أيضًا: شرح الكوكب المنير 1/ 459.
(2/108)

يلحق بالأول أو بالثاني.
فالأول: كالرضاع يمنع ابتداء (1) النكاح واستمراره إِذا طرأ عليه.
والثاني: كالاستبراء يمنع ابتداء النكاح ولا يبطل استمراره إِذا طرأ عليه.
والثالث: كالإِحرام (2) بالنسبة إِلى وضع اليد على الصيد فإِنه يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداء، فإِن طرأ على الصيد فهل تجب (3) إِزالة (4) اليد (5) عنه (6) أم لا (7)؟ فيه خلاف بين العلماء.
وكالطول يمنع من نكاح الأمة ابتداء، فإِن طرأ عليه فهل يبطله أم لا (8)؟ فيه (9) خلاف (10).
و (11) كوجود الماء يمنع التيمم ابتداء، فإِن (12) طرأ عليه (13) فهل يبطله أم
__________
(1) في ش: "حكم النكاح".
(2) في أ: "والإحرام".
(3) في خ: "يجب".
(4) في ز: "إزالته".
(5) "اليد" ساقطة من ز.
(6) "عنه" ساقطة من ز وط.
(7) "أم لا" ساقطة من أوخ وش.
(8) "أم لا" ساقطة من أوخ وش.
(9) "فيه" ساقطة من ش.
(10) في ط: "فيه خلاف بين العلماء".
(11) "الواو" ساقطة من ش.
(12) في أوخ ش: "فلو طرأ".
(13) في أوخ وش "بعده".
(2/109)

لا؟ (1) فيه (2) خلاف (3)).
ش: ذكر في هذه الفائدة الرابعة تنويع المانع وتقسيمه، فنوعه ثلاثة أنواع، فمثل النوع الأول وهو: المانع من الابتداء والاستمرار: بالرضاع؛ لأن رضيعة الإنسان لا يجوز له أن يتزوجها (4) ابتداء، وكذلك إذا طرأ الرضاع على النكاح كإذا تزوج بنتًا (5) فترضعها أمه فتصير أخته فتحرم عليه (6).
وكذلك إذا تزوج بنتًا فترضعها امرأته فإن دخل بتلك المرضعة الكبيرة حرمتا الكبيرة عليه معًا الكبيرة والصغيرة، وإنما تحرم عليه الكبيرة؛ لأنها أم امرأته وقد دخل بها، وإنما تحرم عليه الصغيرة لأنها بنته (7) بلبنه (8)، فإن لم يدخل بالكبيرة المرضعة حرمت الكبيرة خاصة؛ لأنها أم امرأته ولا تحرم الصغيرة (9).
__________
(1) "أم لا" ساقطة من أوخ وش.
(2) "فيه" ساقطة من أ.
(3) في ط: "فيه خلاف بين العلماء".
(4) في ز: "يزوجها".
(5) في ط: "بنتًا رضيعة".
(6) انظر هذه المسألة في شرح التنقيح للقرافي ص 84، والفروق للقرافي الفرق التاسع 1/ 110، شرح الكوكب المنير 1/ 463.
(7) في ز: "بنته بالرضاع"، وفي ط: "بنته للبنه".
(8) انظر هذه المسألة في المغني لابن قدامة 7/ 549.
(9) ذكر ابن قدامة في حرمة الصغيرة روايتين:
الأولى: أنها لا تحرم عليه، ونكاحها ثابت؛ لأنها ربيبة ولم يدخل بأمها فلا تحرم لقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [سورة النساء: آية (23)].
(2/110)

ومثّل المؤلف النوع الثاني وهو المانع للابتداء خاصة دون الاستمرار بالاستبراء، فإن المعتدة لا يجوز عقد النكاح عليها صونًا لماء الغير من الاختلاط، فإن طرأ الاستبراء على النكاح مثل: أن توطأ امرأة متزوجة بغصب أو بزنًا أو بشبهة، فإنها تستبرأ من هذا الماء الفاسد (1)، ليتبين هل يكون منه (2) ولد فيلحق بالغير في وطء الشبهة، أو تلاعن منه في الزنا ولا يبطل النكاح بهذا الاستبراء فقد قوي الاستبراء على منع المبادي [وما قوي] (3) على قطع التمادي (4).
ومثّل المؤلف النوع الثالث وهو المانع المختلف فيه بثلاثة أمثلة:
المثال الأول: الإحرام؛ فإنه يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداء، فإن طرأ الإحرام على الصيد كأن يحرم وعنده صيد صاده قبل الإحرام، فهل يجب (5) عليه إزالة اليد عنه وإطلاقه؟ فيه خلاف بين العلماء.
__________
= الرواية الثانية: ينفسخ نكاحها لأنهما صارت أمًا وبنتًا واجتمعتا في نكاحه، والجمع بينهما محرم فانفسخ نكاحهما كما لو صارتا أختين.
والجواب عنه: بأنه أمكن إزالة الجمع بانفساخ نكاح الكبيرة وهي أولى به؛ لأن نكاحها محرم على التأبيد، ولأن الجمع طرأ على نكاح الأم والبنت فاختص الفسخ بنكاح الأم.
انظر: المغني لابن قدامة 7/ 549.
(1) "الفاسد" ساقطة من ز وط.
(2) "منه" ساقطة من ز.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "ولا يقوى".
(4) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 84، والفروق للقرافي الفرق التاسع 1/ 110، شرح الكوكب المنير 1/ 463.
(5) في ط: "تجب".
(2/111)

المثال الثاني: في وجود الطول؛ فإنه يمنع من نكاح الأمة ابتداء، فإن تزوجها وهو غير واجد للطول [ثم حدث الطول] (1) عنده، فهل يبطل نكاح الأمة أم لا (2)؟ فيه خلاف.
المثال الثالث: وجود الماء؛ فإنه يمنع من التيمم ابتداء، فإن طرأ وجود الماء بعد التيمم فهل يبطل التيمم أم لا؟ فيه خلاف (3).
قوله: (الخامسة: الشروط اللغوية أسباب، لأنها (4) يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية كالحياة مع العلم، والشرعية كالطهارة مع الصلاة، والعادية كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوانات (5)).
ش: ذكر المؤلف [في هذه الفائدة تنويع الشروط، وقسمه على أربعة أقسام (6): لغوي، وعقلي، وشرعي، وعادي.
وفي] (7) هذه (8) الفائدة تنبيه على أن الشرط الذي حده أولاً إنما هو غير
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "أم لا" ساقطة من ز.
(3) انظر هذه الأمثلة الثلاثة في: المصادر السابقة.
(4) في خ وش: "لأنه يلزم"، وفي أ: "لا يلزم".
(5) لفظ: "في بعض الحيوانات" ساقطة من نسخة أ.
(6) انظر أقسام هذه الشروط في: شرح التنقيح للقرافي (ص 85)، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 34، الفروق للقرافي الفرق الثالث بين الشرط اللغوي وغيره (1/ 62)، شرح الكوكب المنير (1/ 455)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص 68)، الموافقات للشاطبي (1/ 266).
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) في ز: "بهذه".
(2/112)

الشرط اللغوي، وأما الشرط اللغوي [وهو الذي بصيغة إن وأخواتها] (1) فلا يتناوله الحد المذكور في حقيقة الشرط، وإنما يتناوله الحد الذي ذكره في السبب؛ لأن الشرط اللغوي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم كالسبب.
فإذا قلت: إن دخلت الدار فأنت حر، فهذا شرط لغوي يلزم من وجود الدخول وجود الحرية (2) [ومن عدم الدخول عدم الحرية] (3) وذلك شأن السبب، بخلاف الشروط العقلية، والشرعية والعادية، فلا يلزم من وجودها الوجود كشرطية الحياة مع العلم؛ إذ لا يلزم من وجود الحياة وجود العلم؛ لأن الإنسان قد يحيى جاهلاً، وكشرطية (4) الطهارة مع الصلاة؛ إذ لا يلزم من وجود الطهارة وجود صحة الصلاة لاحتمال عدم الصلاة بالكلية أو يصليها بغير شرط أو ركن، وكشرطية الحياة مع الغذاء، إذ لا يلزم من وجود الحياة وجود الغذاء.
قال المؤلف في الشرح: وقولي: في بعض الحيوانات احترازًا مما يحكى عن الحيات أنها تمكث تحت الأرض في الشتاء بغير غذاء، وقيل: تتغذى بالتراب فلا يحترز عنها حينئذ. انتهى نصه (5).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط
(2) في ط: "حريته".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "وكشرعية".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 85.
(2/113)

وقال (1) بعضهم: احترز بقوله: (في بعض الحيوانات) من الحيات في الشتاء، والحلزوني (2) في الصيف.
وقال بعضهم: احترز به من بعض أولياء الله (3)؛ فإنهم يمكثون [أزمانًا] (4) عديدة من غير طعام ولا شراب (5).
وبالله التوفيق.
...
__________
(1) في ط: "قال".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "الحلزوي".
(3) في ز: "أولياء الله تعالى".
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل وط: "زمانًا".
(5) ذكر هذا المسطاسي في شرح التنقيح ص 35.
ولكن في ثبوته نظر، ولو ثبت شيء من ذلك لكان معجزة وكرامة، والمعجزة خاصة بالأنبياء، ولعل هذا من الأمور الخرافية الكثيرة التي يدعيها أتباع الطرق الصوفية؛ ليضللوا بها العامة.
(2/114)

الفصل السادس عشر [في الرخصة والعزيمة] (1)
[قوله] (2): (الرخصة: جواز الإِقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعًا).
ش: هذا الفصل (3) مناسب لما قبله؛ لأن الرخصة من جملة الأحكام الوضعية.
ذكر المؤلف في هذا الفصل أربعة مطالب:
أحدها (4): حقيقة الرخصة.
والثاني: حقيقة العزيمة.
والثالث: أقسام الرخصة.
والرابع: أقسام أسبابها (5).
أما حقيقة الرخصة لغة: فهي التيسير والتسهيل، يقال: رخص السعر إذا
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في الأصل وز وط، وهو زيادة يقتضيها السياق.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في الأصل وز وط، وهوزيادة يقتضيها السياق.
(3) في ز: "الباب".
(4) "أحدها" ساقطة من ط.
(5) في ط: "سبابها"، وفي ز: "أقسام العزيمة".
(2/115)

تيسر وسهل (1).
وأما حقيقتها في الاصطلاح (2) فكما قال المؤلف.
وإنما أتى المؤلف بهذا الحد؛ لأن الإمام فخر الدين قال في المحصول: الرخصة جواز الإقدام مع قيام المانع (3)، ثم رأى المؤلف أن هذا الحد غير مانع؛ لأنه يتناول جميع الواجبات من الصلوات (4) الخمس، والصيام، والجهاد، والحج، والحدود، والتعزيرات وغيرها؛ لأن في جميعها جواز الإقدام مع قيام المانع منها.
[والمانع منها] (5) هو (6): الظواهر المقتضية لمنع وجوبها؛ كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (7).
__________
(1) يقول الفيروزآبادي: الرخص بالضم ضد الغلاء ... والرخصة بضمة، وبضمتين، ترخيص الله للعبد فيما يخففه عليه، والتسهيل والنوبة في الشرب، والرخيص الناعم من الثياب.
انظر: القاموس المحيط مادة (رخص)، وانظر أيضًا: المصباح المنير مادة (رخص).
(2) انظر في تعريف الرخصة اصطلاحًا: شرح التنقيح للقرافي ص 85، والمحصول ج 1 ق 1 ص 154، شرح التنقيح للمسطاسي ص 35، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 75، المستصفى للغزالي 1/ 98، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 120، الإحكام للآمدي 1/ 132، نهاية السول 1/ 120، تيسير التحرير 2/ 228، شرح الكوكب المنير 1/ 478، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص 71، التعريفات للجرجاني ص 97.
(3) المحصول ج 1 ق 1 ص 154.
(4) في ط: "الصلاة".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "الذي هو".
(7) سورة الحج آية رقم (78).
(2/116)

وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (1)
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (2).
وقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم} (3).
وقوله عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار" (4).
__________
(1) سورة البقرة آية رقم (185).
(2) سورة الإسراء آية رقم (70).
(3) سورة التين آية رقم (4).
(4) هذا الحديث رواه جمع من الصحابة منهم: عبادة بن الصامت وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأبو لبابة، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وجابر بن عبد الله، وعائشة رضي الله عنهم، وهذا الحديث أصل لبعض القواعد الشرعية؛ لذا سوف أذكر طرق هذا الحديث وما قاله العلماء في ذلك.
ذكر الزركشي في المعتبر طرق هذا الحديث عن هؤلاء الصحابة:
1 - أما حديث عبادة فقد رواه ابن ماجه عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة عن جد أبيه عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى أن "لا ضرر ولا ضرار" (ابن ماجه رقم الحديث 2340 (2/ 784)، وفي سنده انقطاع؛ حيث لم يدرك إسحاق جده. (المعتبر ص 235)، قال ابن حجر عن إسحاق: أرسل عن عبادة وهو مجهول الحال، (التقريب 1/ 62).
2 - وحديث ابن عباس فقد رواه ابن ماجه أيضًا عن عبد الرزاق عن معمر عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا "لا ضرر ولا ضرار" (ابن ماجه رقم الحديث 2341، كتاب الأحكام 2/ 784) وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف، (المعتبر ص 236).
3 - وحديث أبي سعيد الخدري رواه الحاكم في البيوع (2/ 57) من جهة الدرواردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ضرر ولا ضرار، من ضر ضره الله، ومن شق شق الله عليه".
أخرجه الدارقطني 3/ 77، واليبهقي 6/ 69.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وفي سنده عثمان =
(2/117)

وتلك الظواهر كلها تقتضي منع وجوب هذه الواجبات علينا؛ إذ في ذلك
__________
= ابن محمد بن عثمان بن ربيعة.
ويقول الألباني معقبًا على كلام الحاكم والذهبي: وهذا وهم منهما معًا، فإن عثمان هذا مع ضعفه لم يخرج له مسلم أصلاً، وأورده الذهبي في الميزان، وقال عبد الحق في أحكامه: الغالب على حديثه الوهم (إرواء الغليل 1/ 410).
4 - وحديث أبي هريرة فقد أخرجه الدارقطني عن أبي بكر بن عياش قال: أراه قال: عن علي بن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا ضرر ولا ضرورة" الدارقطني (4/ 228).
وابن عياش مختلف فيه، قاله الزيلعي (4/ 385)، وفي سنده يعقوب بن عطاء وهو ضعيف كما في التقريب (2/ 376).
5 - وحديث أبي لبابة فقد رواه أبو داود في المراسيل عن واسع بن حبان عن أبي لبابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ضرر في الإسلام ولا ضرار".
انظر: كتاب المراسيل لأبي داود (ص 44). وفي سنده انقطاع بين واسع وأبي لبابة. إرواء الغليل (1/ 413).
6 - وحديث ثعلبة رواه الطبراني في معجمه الكبير (1377) عن إسحاق بن إبراهيم، عن صفوان بن سليم، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ضرر ولا ضرار".
وفي سنده إسحاق بن إبراهيم وهو ابن سعيد الصواف، قال الحافظ في التقريب: لين الحديث (1/ 54).
7 - وحديث جابر رواه الطبراني في الأوسط (169) عن ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
وقال: لم يروه عن محمد بن يحيى إلا ابن إسحاق، وقال الألباني: وهو ثقة ولكنه مدلس وقد عنعنه (إرواء الغليل 1/ 411).
8 - وحديث عائشة رواه الدارقطني (4/ 227) عن الواقدي: ثنا خارجة، عن عبد الله ابن سليمان بن زيد عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة مرفوعًا: "لا ضرر ولا ضرار". =
(2/118)

حرج وعسر وضرر وإهانة للصورة الإنسانية المكرمة، المقومة (1)، المعظمة، وذلك يقتضي ألا يكلف الإنسان المشاق والمضار، ولكن في (2) هذه الواجبات من المصالح العاجلة والمثوبات الآجلة [ما لا ينبغي أن يترك في مقابلة راحة الإنسان العاجلة، وهذه المثوبات الآجلة] (3) هي العوارض التي لأجلها خولفت ظواهر هذه النصوص المذكورة (4).
فلما رأى المؤلف اندراج الواجبات المذكورة في حد الإمام عدل عنه إلى قوله: (جواز الإِقدام على الفعل مع اشتهار المانع) (5) فقيد المانع بالشهرة
__________
= وفي سنده الواقدي وهو متروك (إرواء الغليل 1/ 412).
هذه أهم طرق هذا الحديث وهي وإن كانت لا تخلو أسانيدها من ضعف فإنها بمجموعها يقوي بعضها بعضًا، وهذا الحديث ذكره النووي في الأربعين النووية وقال: حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني مسندًا ورواه مالك في الموطأ مرسلاً، وله طرق يقوي بعضها بعضًا (ح/ رقم 32 ص 57).
وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به.
وقال الألباني بعد ما ساق طرق الحديث، وبيّن ما فيها من ضعف: فهذه طرق كثيرة لهذا الحديث قد جاوزت العشر وهي وإن كانت ضعيفة مفرداتها فإن كثيرًا منها لم يشتد ضعفها، فإذا ضم بعضها إلى بعض تقوى الحديث بها وارتقى إلى درجة الصحيح.
انظر تفصيل الكلام حول طرق هذا الحديث في المعتبر للزركشي حديث رقم 295 ص 235 - 238، إرواء الغليل للألباني حديث رقم 896 (1/ 408 - 414).
(1) في ز: "المقدمة".
(2) في ز: "ما في هذه".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 86.
(5) في ز: "اشتهار المانع منه".
(2/119)

ولم (1) يطلق المانع كما أطلقه الإمام فخر الدين ليخرج به الأمور المذكورة الواردة على حد الإمام.
قال المؤلف في الشرح: وأريد باشتهار المانع الشرعي نفور الطبع الجيد السليم عند سماع قولنا: أكل فلان الميتة للجوع، أو شرب (2) الخمر للغصة، أو أكل في رمضان لمرض أو سفر أو نحو ذلك، ولا ينفر أحد عند سماع قولنا: صلى فلان أو صام فلان أو أقيم الحد على فلان أو (3) نحو ذلك (4).
فقوله: (جواز الإِقدام على الفعل مع اشتهار المانع) تقديره: جواز الإقدام على الفعل مع نفور الطبع السليم عن (5) ذلك.
قال المؤلف في الشرح: هذا الحد فاسد؛ لأنه غير جامع لخروج رخص عديدة منه، ولم ألتهم (6) إليها حين ذكري لهذا الحد كالإجارة، والقراض، والمساقاة، والسلم، فإن الإجارة رخصة من بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه، والقراض والمساقاة رخصة من أجرة مجهولة، والسلم رخصة من
__________
(1) في ط: "وما".
(2) في ط: "وشرب".
(3) في ط: "ونحو ذلك".
(4) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 86.
(5) في ط وز: "عند ذلك الفعل".
(6) في ط: "انتهم"، وفي ز: "ألتم" وفي هامش ز تعليق: لعله لم أتفطن أو ما في معناه، وإلا فالذي في الشرح هكذا صورته: "ما ألتهم".
وفي شرح التنقيح للقرافي: "لم ألهم"، وفي اللسان: ألهمه الله خيرًا لقنه إياه، واستلهمه إياه مسألة أن يلهمه. انظر مادة: (لهم).
(2/120)

الغرر بالنسبة إلى المرئي، [وأكل الصيد رخصة (1) من منع أكل الحيوان المشتمل (2) على (3) دمائه فيكفي فيه الجرح والخدش] (4).
وهذه الأمور غير مندرجة تحت (5) الحد؛ إذ لا ينفر أحد إذا ذكر له ملابسة هذه الأمور (6).
قال المؤلف في الشرح: والذي استقر عليه حالي أني عاجز عن ضبط الرخصة بحد جامع مانع (7).
واعترض بعضهم هذا الحد (8) [الذي حد به المؤلف الرخصة ها هنا] (9) بالمناقض (10)؛ لأن جواز (11) الإقدام على الفعل يقتضي جواز الإقدام، وقوله: (مع اشتهار المانع منه) أي: من الإقدام على الفعل يقتضي منع الإقدام وذلك أمر متناقض.
قال: وأحسن ما قيل في حد الرخصة قول جمال الدين أبي عمرو بن
__________
(1) "رخصة" ساقطة من ز.
(2) في ز: "المشتملة"
(3) "على" ساقطة من ز.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(5) في ط وز: "في".
(6) نقل المؤلف بالمعنى: انظر: شرح التنقيح للقرافى ص 86، وانظر أيضًا: شرح التنقيح للمسطاسي ص 35.
(7) شرح التنقيح للقرافي ص 87.
(8) في ط: "حد المؤلف".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(10) "بالمناقض" ساقطة من ز، وفي ط: "بالتناقض".
(11) في ز: "لأن قوله جواز".
(2/121)

الحاجب قال في حدها: "المشروع لعذر مع قيام المحرم لولا العذر" (1).
قوله: (المشروع) يندرج فيه الفعل والترك؛ لأن الرخصة تكون بالترك كما تكون بالفعل كترك بعض الصلاة في حق المسافر.
وقوله: (لعذر) احترازًا من المشروع لا لعذر وهو كثير.
وقوله: (مع قيام المحرم) أي: المحرم للفعل أو الترك احترازًا من المشروع لعذر مع عدم قيام المحرم، كالإطعام عند فقد الرقبة مي الظهار لاستحالة التكليف بإعتاق الرقبة عند عدمها، بل الظهار سبب لوجوب العتق في حالة، ولوجوب الإطعام في حالة أخرى (2).
قال الغزالي - رحمه الله تعالى (3) -: التيمم لفقد الماء ليس برخصة (4) لاستحالة التكليف باستعمال الماء عند عدمه، بخلاف أكل الميتة للمضطر وشرب الخمر عند الإكراه (5)، وأما التيمم مع وجود الماء لعدم القدرة على الاستعمال فإنه رخصة (6).
وقوله: (لولا العذر) أي: المحرم إنما (7) يحرم عند عدم العذر (8)، وأما
__________
(1) انظر: مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 7.
(2) انظر: المستصفى للغزالي 1/ 98.
(3) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(4) في المستصفى: فلا يحسن تسميته رخصة.
(5) لأنه قادر على الترك.
(6) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: المستصفى للغزالي 1/ 98.
(7) في ط: "وإنما".
(8) في ط: "القدرة".
(2/122)

مع وجود العذر فلا يحرم، فالعذر (1) رافع (2) للتحريم، فلم يجمع المشروعية مع التحريم.
قوله: (والعزيمة طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي).
ش: هذا هو المطلب الثاني وهو حقيقة العزيمة وهي ضد الرخصة.
العزيمة: [مأخوذة] (3) من العزم وهو: الطلب المؤكد (4) فيه، ومنه قوله تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (5)، وقوله تعالى: {أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (6) لتأكد طلبهم الحق، هذا معناها لغة.
وأما في الاصطلاح (7): فقال الإمام في المحصول: هي جواز الإقدام مع عدم المانع (8).
قال المؤلف في الشرح: هذا الحد غير مانع؛ لأنه يندرج (9) فيه أكل
__________
(1) في ز: "والعذر".
(2) في ز: "راجع".
(3) في الأصل وز وط: "مأخوذ"، والمثبت هو الصواب.
(4) انظر تعريف العزيمة لغة في: لسان العرب مادة (عزم)، المصباح المنير مادة (عزم)، القاموس المحيط مادة (عزم).
(5) سورة طه آية رقم (115)، وهذه الآية لم ترد في ط.
(6) سورة الأحقاف آية رقم (35).
(7) انظر تعريف العزيمة اصطلاحًا في: المحصول ج 1 ق 1 ص 154، المستصفى للغزالي 1/ 98، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 123، الإحكام للآمدي 1/ 131، شرح الكوكب المنير 1/ 476، نهاية السول 1/ 128، تيسير التحرير 2/ 229، المدخل لابن بدران ص 71، التعريفات للجرجاني ص 130.
(8) يقول فخر الدين في المحصول ج 1 ق 1 ص 154: "ما جاز فعله إما أن يجوز مع قيام المقتضى للمنع أو لا يكون كذلك، فالأول: الرخصة، والثاني: العزيمة".
(9) في ز: "اندرج".
(2/123)

الطيبات ولبس الليِّنات، لجواز الإقدام عليها، وليس فيها مانع مع أنها ليست من العزائم؛ إذ لا طلب فيها؛ لأن العزيمة مأخوذة من العزم، وهو: الطلب المؤكد فيه.
ولذلك (1) زدت في حدي: طلب الفعل مع عدم اشتهار المانع [الشرعي، فقيد الطلب يخرج أكل الطيبات ونحوها.
وقيد اشتهار المانع] (2) يخرج (3) الرخصة إذا طلبت (4) كأكل المضطر الميتة (5)؛ [لأن أكل المضطر الميتة] (6) [فيه] (7) طلب الفعل مع اشتهار المانع الشرعي، وقصدت أصل الطلب.
ولم أعين الوجوب لأن المالكية قالوا: إن السجدات المندوبة للسجود عند (8) تلاوتها عزائم، [قالوا: عزائم] (9) القرآن إحدى عشرة سجدة، فذكرت الطلب ليندرج المندوب والواجب. انتهى نصه (10).
__________
(1) في ز: "فلذلك".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ز: "فتخرج"
(4) في ط: "إذا طلب".
(5) في ز: "كأكل الميتة للمضطر".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(8) في ط: "وعند".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 87.
(2/124)

قال الغزالي [رحمه الله تعالى] (1): العزيمة (2) هي ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى (3) كالعبادات الخمس ونحوها.
فعلى هذا التفسير لا تكون العزيمة إلا في الواجبات دون المندوبات، وعلى تفسير المؤلف تكون في الواجب والمندوبات (4)؛ لأن الطلب أعم منها (5) (6).
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في ز وط.
(2) "العزيمة" ساقطة من ط.
(3) انظر: المستصفى للغزالي 1/ 98.
(4) في ز: "والمندوب".
(5) في ط: "منهما".
(6) اختلف الأصوليون فيما تشمله العزيمة من الأحكام، وبناء عليه اختلفت عباراتهم في تعريف العزيمة:
القول الأول: أن العزيمة تختص بالواجب، وممن قال به الغزالي والآمدي.
القول الثاني: أن العزيمة تشمل الواجبات والمندوبات وهو مذهب القرافي.
القول الثالث: أنها تشمل الفرض والواجب والسنة والنفل واليه ذهب ابن همام الحنفي.
القول الرابع: أنها تشمل الأحكام الخمسة: الواجب والمحرم والمندوب والمكروه والمباح، وممن قال به الفتوحي.
انظر: المستصفى 1/ 98، الإحكام للآمدي 1/ 131، تيسير التحرير 2/ 229، شرح الكوكب 1/ 746.
والعزيمة تطلق على أربعة أنواع:
الأول: تطلق على الحكم الذي لم يتغير أصلاً كوجوب الصلوات الخمس.
الثاني: الحكم الذي تغير إلى ما هو أصعب منه كحرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله.
الثالث: الحكم الذي تغير إلى سهولة لغير عذر: كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلاً =
(2/125)

قوله: (ثم الرخصة قد تنتهي إِلى الوجوب (1) كأكل المضطر الميتة (2) وقد لا تنتهي كإِفطار المسافرين (3)).
ش: هذا هو المطلب الثالث في أقسام الرخصة، فلها ثلاثة أقسام:
واجبة.
ومندوبة.
ومباحة.
فالواجبة نحو أكل المضطر [الميتة إذا خاف على نفسه الهلاك، وكذلك إفطار الصائم] (4) إذا خاف على نفسه الهلاك من شدة العطش، أو الجوع (5).
والمندوبة (6): كالقصر في السفر.
والمباحة: كالفطر في السفر (7).
__________
= لمن لم يحدث بعد حرمته، والحل ها هنا بمعنى خلاف الأولى.
الرابع: الحكم الذي تغير إلى سهولة لعذر مع عدم قيام السبب للحكم الأصلي، مثاله: إباحة ترك ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من الكفار في القتال بعد حرمته، وسببها قلة المسلمين، ولم تبق حال الإباحة لكثرتهم حينئذ وعذرها مشقة الثبات المذكور لما كثر.
انظر: شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع 1/ 123.
(1) في أوخ وش: "للوجوب".
(2) في أوخ: "للميتة".
(3) في أوخ وش: "المسافر".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) في ط: "والجوع".
(6) في ط: "والمندوب".
(7) انظر هذه الأقسام للرخصة وأمثلتها في: حاشية البناني على جمع الجوامع =
(2/126)

قوله: (وقد لا تنتهي) يعني: إلى الوجوب، فيندرج فيه القسمان وهما: المندوبة والمباحة.
قوله: (كإِفطار المسافر (1)) (2) وفي نسخة أخرى: كإفطار الصائم، كإذا طرأ على الصائم عذر (3) يشق معه الصيام، أو إذا (4) أراد التقوي على جهاد العدو.
واعترض قوله: (الرخصة تنتهي إِلى الوجوب)؛ لأنها إذا انتهت إلى الوجوب فهي عزيمة لا رخصة.
أجيب عنه: بأن الوجوب في هذه الحالة أمر عارض، والأصل إنما هو جواز الإقدام مع قيام المانع، فلم تخرج الرخصة عن أصلها بهذا الاعتبار.
قوله: (وقد يباح سببه (5) كالسفر، وقد لا يباح كالغصة لشرب (6) الخمر).
ش: هذا هو المطلب الرابع في تقسيم أسباب الرخصة، فذكر المؤلف أن سبب الرخصة قسمان:
مباح.
وغير مباح.
__________
= 1/ 121، الإحكام للآمدي 1/ 132، تيسير التحرير 2/ 232، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران ص 71، شرح الكوكب المنير 1/ 479.
(1) في ط وز: "المسافرين".
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) في ط وز: "مرض".
(4) في ط: "وإذا".
(5) في خ وش وط وز: "سببها".
(6) في ش: "بشرب".
(2/127)

فمثال المباح: السفر الجائز، فإنه مبيح للفطر بإجماع، وإنما الخلاف في الأفضل هل الصوم أو الفطر (1)، فيجوز للإنسان إنشاء السفر طلبًا للترخص بالفطر (2).
ومثال غير المباح: الاغتصاص لشرب الخمر.
قال المؤلف في الشرح (3): وقولي: وقد لا يباح سببها كالغصة لشرب الخمر إن (4) أريد به أنه لا يباح لأحد أن يغص نفسه حتى يشرب الخمر، ولا لغير شرب الخمر، بل الغصة حرام مطلقًا. انتهى نصه (5).
[لأن ذلك يؤدي إلى الهلاك، قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (6)] (7).
قال ابن القصار في عيون المجالس (8): من اضطر إلى شرب الخمر فلا يشربها ولا يتداوى بها، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك.
__________
(1) في ط: "والفطر".
(2) عدّ ابن اللحام هذا من الرخص المكروهة فقال: ومن الرخص ما هو مكروه كالسفر للترخص.
انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 118، 119.
(3) في ط: "في الشرع".
(4) "إن" ساقطة من ط.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 87.
(6) سورة البقرة آية رقم (195).
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(8) عنوان كتاب ابن القصار "عيون الأدلة" وقد اختصره القاضي عبد الوهاب البغدادي في كتاب سماه "عيون المجالس".
انظر مقدمة تحقيق عيون الأدلة لابن القصار (1/ 30 ق) للدكتور عبد الحميد السعودي، كتاب الطهارة.
(2/128)

انظر: ابن عبد السلام (1) في جناية الشرب (2).
...
__________
(1) هو محمد بن عبد السلام بن يوسف بن كثير الفقيه المالكي، كان إمامًا عالمًا حافظًا متفننًا في علمي الأصول، والعربية، وعلم الكلام، وعلم البيان، فصيح اللسان، صحيح النظر، قوي الحجة، عالمًا بالحديث، ولي القضاء في تونس، فكان قائمًا بالحق ذابًا عن الشريعة موصوفًا بالدين والعفة والنزاهة، معظمًا عند الخاصة والعامة، تخرج بين يديه جماعة من العلماء كأبي عبد الله بن عرفة الورغمي ونظرائه، توفي رحمه الله سنة تسع وأربعين وسبعمائة (749 ه)، من مصنفاته: "تنبيه الطالب لفهم كلام ابن الحاجب".
انظر ترجمته في: الديباج 2/ 329، 330، نيل الابتهاج ص 243، درة الحجال 2/ 133 - 134، وفيات الأعيان لابن قنفذ ص 354.
(2) انظر: تنبيه الطالب لفهم ألفاظ جامع الأمهات لابن الحاجب لمحمد بن عبد السلام، الجزء الثالث باب جناية الشرب ورقة 123 ب، 124/ أمن نسخة مصورة فلميًا بمعهد المخطوطات بالكويت رقم 500.
(2/129)

الفصل السابع عشر في الحُسن والقُبح (1)
ش: مقصود المؤلف بهذا الفصل أن يبين أن العقل لا مجال له في إدراك شيء من أحكام الله تعالى لا بتحسين ولا بتقبيح.
قال جمال الدين ابن الحاجب: لا يحكم العقل بأن الفعل حسن أو قبيح في حكم الله تعالى (2).
وفي هذا الفصل مطلبان:
أحدهما: تلخيص محل النزاع بين أهل السنة وأهل الاعتزال في هذا الفصل.
والثاني: بيان حكم الأشياء قبل ورود الشرائع.
__________
(1) انظر معنى الحسن والقبح وتفصيل القول في ذلك في: شرح التنقيح للقرافي ص 89، شرح التنقيح للمسطاسي ص 36، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 77، المحصول للرازي ج 1 ق 1 ص 159، الإحكام للآمدي 1/ 79، نهاية السول 1/ 82، مختصر ابن الحاجب وشرحه 1/ 200، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 57، العدة لأبي يعلى 1/ 167، المستصفى للغزالي 1/ 55، 56، البرهان للجويني 1/ 87، شرح الكوكب المنير 1/ 300 - 322، تيسير التحرير 2/ 152، مدارج السالكين لابن القيم 1/ 231 - 238، التوضيح على التنقيح 1/ 331 وما بعدها، الميزان للسمرقندي ص 176، المغني للخبازي ص 60.
(2) مختصر المنتهى لابن الحاجب المطبوع مع شرح العضد وحواشيه 1/ 198.
(2/131)

أما تلخيص محل النزاع: فقد ذكر المؤلف أن الحسن والقبح له ثلاثة استعمالات وهي:
قوله: (حسن الشيء وقبحه يراد به (1): ما يلائم الطبع (2) وينافره كإِنقاذ الغرقى، وإِيلام (3) الأبرياء، وكونهما (4) صفة كمال أو نقص نحو: العلم حسن، والجهل قبيح، وكونهما (5) موجبين (6) للمدح أو الذم (7) الشرعيين، فالأولان (8) عقليان إِجماعًا، والثالث شرعي عندنا لا يعلم ولا يثبت إِلا بالشرع، فالقبيح ما نهى الله (9) عنه، والحسن ما لم ينه عنه، وعند المعتزلة: هو (10) عقلي لا يفتقر إِلى ورود الشرائع، بل العقل يستبد (11) بثبوته (12) قبل الرسل).
ش: فذكر المؤلف في هذا الكلام أن الحسن والقبح له ثلاثة (13)
__________
(1) في أوخ وش: "بهما"
(2) في أ: "ما لاءم الطبع ونافره"، وفي ش: "أو ينافره"، وفي ط: "وما بنافره".
(3) في أوخ وش: "اتهام".
(4) في أوخ: "وكونه".
(5) في أوخ: "وكونه".
(6) في أوخ وش: "أو كونه موجبًا".
(7) في أ: "لمدح الله وذمه".
(8) في أوخ و: "والأولان".
(9) في خ وش: "ما نهى الله تعالى عنه"
(10) "هو" ساقطة من ز.
(11) في ش: "يستقل"، وفي أوخ: "اقتضى".
(12) في أوخ: "ثبوته".
(13) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "ثلاث".
(2/132)

استعمالات أحدها: موافقة الطبع ومخالفته.
وهو معنى قوله: (ما يلائم الطبع وينافره) (1)، فالملاءمة هي الموافقة، والمنافرة: هي المخالفة.
مثله المؤلف ب (إِنقاذ الغرقى، وإِيلام الأبرياء)، فإن إنقاذ الغريق من البحر يوافقه الطبع؛ لأنه ينشرح له ويفرح به، وإيلام البريء من الجناية أي عقاب البريء من الجناية يخالفه الطبع، لأنه يتألم منه
الاستعمال الثاني: كونهما صفة كمال أو نقص، مثّله المؤلف بقوله: (العلم حسن، والجهل قبيح)، وكذلك قولك: الإيمان حسن، والكفر قبيح، وكذلك قولك: الجود حسن، والبخل قبيح وغير ذلك.
الاستعمال الثالث: كونهما موجبين للمدح والذم الشرعيين (2) كإيجاب الإيمان الجنة، وايجاب الكفر النار، فهذه ثلاثة استعمالات.
قوله: (فالأولان: عقليان إِجماعًا) يعني: أن القسمين الأولين من هذه الثلاثة وقع الإجماع والاتفاق بين أهل السنة وأهل الاعتزال على أن العقل يستقل بإدراكها من غير ورود الشرائع، فيدرك العقل أن الحسن موافق للطبع، وأن القبيح مخالف للطبع، وأن العلم كمال، وأن الجهل نقصان.
__________
(1) بين الشربيني المراد بالطبع فقال: وليس المراد بالطبع المزاج حتى يرد أن الموافق للغرض قد يكون منافرًا للطبع كالدواء الكريه للمريض، بل الطبيعة الإنسانية المائلة إلى جلب المنافع ودفع المضار.
انظر: تقريرات الشربيني المطبوعة بهامش حاشية البناني 1/ 57.
(2) في ط: "الشرعي".
(2/133)

قوله: (والثالث: شرعي عندنا).
يعني: أن القسم الثالث هو محل النزاع، وهو: كون الفعل يوجب الندم (1) أو الذم الشرعيين، فهو عند أهل السنة شرعي أي: لا يعلم ولا يثبت إلا بالشرع، وهو عند أهل الاعتزال عقلي، أي: يعلم بالعقل، ولا يفتقر إلى ورود الشرائع (2).
__________
(1) في ز: "المدح".
(2) ذكر ابن القيم في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: لبعض نفاة التحسين والتقبيح قالوا: ليست في ذاتها قبيحة، وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع.
الثاني: المعتزلة قالوا: قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل.
الثالث: أن الفعل نفسه قبيح وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل، ولا تلازم بين الأمرين، واختاره ابن القيم.
وِاستدل على كون الفعل في نفسه قبيحًا بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (33 الأعراف)، ولو كان كونها فواحش إنما هو لتعلق التحريم بها وليست فواحش قبل ذلك لكان حاصل الكلام: قل إنما حرم ربي ما حرم .... فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركًا بعد النهي وليس شركًا قبل ذلك، ومعلوم أن هذا وهذا مكابرة صريحة للعقل والفطرة، فالظلم ظلم في نفسه قبل النهي وبعده، والفاحشة كذلك وكذلك الشرك؛ لأن الحقائق صارت بالشرع كذلك، نعم؛ الشارع كساها بنهيه قبحًا إلى قبحها. فكان قبحها من ذاتها وازدادت قبحًا عند العقل بنهي الرب تعالى عنها وذمه لها، وإخباره ببغضها وبغض فاعلها ...
الدليل الثاني: إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته وعبادة غيره معه بما ضربه لهم من الأمثال وأقام على بطلانه بالأدلة العقلية منها: قِوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ =
(2/134)

وبيان ذلك: أن من أنقذ غريقًا ففي فعله أمران:
أحدهما: كون الطبع السليم ينشرح له، وهذا عقلي باتفاق.
والأمر الثاني: كونه يثيبه (1) الله على ذلك [في الآخرة] (2) وهذا محل النزاع.
وكذلك من غرق إنسانًا ظلمًا فيه أيضًا أمران:
أحدهما: كون الطبع السليم يتألم منه، وهذا عقلي اتفاق (3) أيضًا.
__________
= لَا يَعْلَمُونَ} (29 سورة الزمر)، احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون، وحال عبد يملكه سيد واحد، فكذلك على المشرك والموحد، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى.
أما الدليلِ علِى أن العقاب بعد إرسال الرسل فالأدلة كثيرة منها قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (15 سورة الإسراء) وغيرها من الآيات.
ويوضح ابن القيم عدم التلازم بين الأمرين فيقول: "والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل أنه لا تلازم بينهما وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل، فالسجود للشيطان، والأوثان، والكذب، والزنا، والظلم، والفواحش، كلها قبيحة في ذاتها والعقاب عليها مشروط بالشرع.
بتصرف واختصار من كتاب مدارج السالكين لابن القيم 1/ 231، 232، 234، 238.
(1) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "يثيب".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط وز: "باتفاق".
(2/135)

والأمر الثاني: كونه يعاقبه الله (1) تعالى (2).
وهذا محل النزاع: قال أهل السنة: لا يعلم بالعقل ولا يعلم إلا بالرسل، فإن الثواب والعقاب والأحكام الشرعية وأحوال يوم القيامة لا يعلم شيء من ذلك إلا بالرسل.
وقال أهل الاعتزال: يعلم ذلك بالعقل، فيوجبون بالعقل خلود الكفار (3) وأصحاب الكبائر في النار (4) (5)، ويوجبون دخول المؤمنين الجنة، وخلودهم فيها، وغير ذلك مما أوجبوه بالعقل؛ إذ هو عندهم من باب العدل؛ لأن العقل عندهم يستبد بثبوته قبل الرسل.
ومستندهم في هذه المسألة أن الله تعالى حكيم، والحكيم يستحيل عليه إهمال المصالح والمفاسد، أي: يستحيل عليه إهمال المفاسد فلا يحرمها، وإهمال المصالح فلا يأمر بها، فيكون كل ما ثبت بعد الشرع فهو ثابت قبله؛ لأنه لو لم يثبت قبله لوقع (6) إهمال المفاسد والمصالح (7)، وهذا معنى قوله: (بل العقل يستبد بثبوته قبل الرسل)، ومعنى هذا الاستقلال عندهم: أن
__________
(1) في ط وز: "يعاقبه الله على ذلك".
(2) "تعالى" لم ترد في ز.
(3) في ز: "الكافر".
(4) "في النار" ساقطة من ز.
(5) انظر: شرح الطحاوية ص 323، 324.
(6) في ط: "لوقوع".
(7) في ط: "وإهمال المصالح".
(2/136)

العقل أدرك أن الله تعالى (1) حكم (2) بتحريم المفاسد، وإيجاب المصالح وليس العقل هو الموجب والمحرم، بل الموجب والمحرم هو الله تعالى وذلك عندهم يجب له لذاته لكونه حكيمًا، كما يجب له لذاته لكونه (3) عليمًا (4).
وأهل السنة يقولون: معنى كونه حكيمًا كونه متصفًا بصفات الكمال من العلم العام التعلق والقدرة العامة، التأثير والإرادة النافذة، أي العامة النفوذ لا بمعنى أنه يراعي المفاسد والمصالح، بل له تعالى أن يضل الخلق أجمعين وله أن يهديهم أجمعين، وله أن يهدي البعض، ويضل البعض، وله أن يفعل في ملكه ما يشاء [ويحكم ما يريد، فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل، والخلائق دائرون بين فضله وعدله (5).
قال الله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (6)] (7).
وقال تعالى (8): {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (9).
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط.
(2) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "حكيم".
(3) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "كونه".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 90.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 90، 91.
(6) سورة الأنبياء آية رقم (23).
(7) ما بيِن المعقوفتين ساقط من ط.
(8) "تعالى" لم ترد في ط.
(9) سورة السجدة آية رقم (13).
(2/137)

قوله: (فالقبح (1) ما نهى الله عنه، والحسن ما لم ينه عنه (2)).
ش: هذا تفسير القبيح والحسن عند أهل السنة.
وقيل: القبيح ما نهى الله عنه (3) والحسن ما أمر الله به (4).
وقيل: القبيح ما أمرنا بذم فاعله، والحسن ما أمرنا بمدح فاعله.
وقالت المعتزلة: القبيح ما اشتمل على صفة لأجلها يستحق فاعلها الذم، والحسن ما ليس كذلك.
والمراد بالصفة عندهم هي (5) المفسدة، فقول المؤلف: الحسن ما لم ينه عنه هو: قول المعتزلة: [الحسن ما ليس كذلك] (6).
فالحسن على هذا تندرج (7) فيه أفعال الله تعالى؛ لأنها لم ينه عنها، وكذلك أفعال غير المكلفين، والساهي (8) والغافل، والنائم، والمجنون، والصبي، والبهيمة؛ لأنها لم ينه عنها، وتندرج (9) في الحسن جميع الواجبات، والمندوبات، والمباحات.
[واعترض على من قال: الحسن ما أمر به: فإنه غير جامع لخروج
__________
(1) في ط وز: "فالقبيح".
(2) "عنه" وردت في ط، ولم ترد في الأصل وز.
(3) "عنه" ساقطة من ط.
(4) في ط: "والحسن ما لم ينه عنه".
(5) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "هو".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(7) في ط وز: "يندرج".
(8) في ط وز: "كالساهي".
(9) في ط: "ويندرج".
(2/138)

المباحات وأفعال الله تعالى (1) منه، وأفعال غير المكلفين؛ لأنها غير مأمور بها (2)] (3).
واعترض على من قال: الحسن ما أمرنا بمدح (4) فاعله: بأنه غير جامع؛ لخروج المباح منه (5)، وفعل غير المكلف، وحد المؤلف أولى؛ لأنه يعم (6) الجميع.
قوله: (وإِنما الضرائع مؤكدة لحكم العقل فيما علمه ضرورة كالعلم بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، أو نظرًا كحسن الصدق (7) الضار، وقبح الكذب النافع (8)، أو مظهرة لما لم يعلمه (9) العقل ضرورة ولا نظرًا، كوجوب (10) صوم (11) آخر يوم من رمضان وتحريم صوم (12) أول يوم من شوال).
ش: لما ذكر المؤلف أن المعتزلة [قالوا (13): يستبد العقل بثبوت الأحكام
__________
(1) في ط: "عز وجل"
(2) في ط: "به".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في ط: "مدح".
(5) "منه" ساقطة من ز.
(6) في ط: "يعلم".
(7) في أ: "الصدر".
(8) في ز: "كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار".
(9) في ط: "لا يعلمه".
(10) في أوخ: "كوجوب آخر يوم من رمضان".
(11) في ش: "كصوم".
(12) المثبت من ط وز، ولم ترد "صوم" في الأصل.
(13) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2/139)

قبل ورود الرسل استشعر (1) [سؤال] (2) قائل يقول: ما (3) فائدة الشرائع عندهم إذًا؛ حيث استقل العقل بإدراك ما جاءت به الشرائع؟ فقال: وإنما الشرائع مؤكدة (4) لحكم العقل ... إلى آخره.
فذكر المؤلف أن الفعل على مذهب المعتزلة ينقسم على ثلاثة أقسام:
منه ما يدركه العقل بضرورته.
ومنه ما يدركه العقل بنظره.
ومنه ما لا يدركه العقل لا بضرورته ولا بنظره، وإنما يدرك بالسمع.
وبيان ذلك: أن ما علمت مصلحته، ولم تقابله مفسدة علم حسنه ضرورة، كحسن الصدق النافع؛ لأن كونه صدقًا جهة حسن (5)، و (6) كونه نفعًا جهة حسن أيضًا، وما علمت مفسدته ولم تقابله مصلحة علم قبحه ضرورة كقبح الكذب الضار؛ لأن كونه كذبًا جهة قبح، وكونه ضرر (7) جهة قبح أيضًا [ولا مدخل للنظر في هذين القسمين عندهم لاتحاد جهة الحسن واتحاد (8) جهة القبح] (9).
__________
(1) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "المستشعر".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) في ز: "وما".
(4) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "موحدة".
(5) "حسن" ساقطة من ط.
(6) "الواو" ساقطة من ط.
(7) في ز: "ضارًا".
(8) في ط: "والاتحاد".
(9) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2/140)

وما تعارضت فيه المصلحة والمفسدة فهو: محل النظر والتفكر (1) والتدبر، والتأمل، والاجتهاد [كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع (2)، وإنما يحتاج العقل ها هنا إلى النظر] (3) والاجتهاد لاحتمال ترجيح المصلحة على المَفسدة فيقضى بالحسن، أو ترجيح (4) المفسدة على المصلحة فيقضى بالقبح، أو تستوي (5) الحالتان فيجب التوقف، فلا بد من النظر في كل صورة حتى يقضي بحسنها، أو بقبحها، أو يتوقف (6) فيها.
قوله: (كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار) (7).
مثال ذلك: إذا سألك رجل عمن طلبه بحق، وأنت تعلم موضعه فإن صدقت في إخبارك بموضعه كان صدقًا نافعًا، وإن كذبت كان كذبًا ضارًا.
ومثال الصدق (8) الضار، وقبح الكذب النافع: إذا سألك الرجل عمن طلبه بظلم فإن صدقت في إخبارك بموضعه كان صدقًا ضارًا، وإن كذبت كان كذبًا نافعًا، فهذا محل النظر عند العقل لتردده بين أصلين، [فهذا بيان القسمين] (9) الضروري والنظري.
__________
(1) في ز: "والفكر".
(2) في ز: "كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "وترجيح".
(5) في ط: "وتستوي"
(6) في ط: "ويتوقف".
(7) في ز: "كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق الضار".
(8) يقتضي السياق أن يقول: "ومثال حسن الصدق الضار".
(9) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2/141)

وأما القسم الثالث الذي لا يدرك بالعقل، وإنما يدرك بالسمع كوجوب صوم آخر يوم من رمضان، وتحريم أول يوم (1) من شوال، وكذلك جميع العبادات، فلا يقدر العقل على إدراك الفرق بين الأوقات المعينة للعبادات، وبين غيرها من سائر الأوقات، ولا يدرك ذلك إلا بالشرع، فالشرائع عندهم مظهرة في هذا القسم للحكم الثابت بالعقل، [قبل] (2) ورود الشرع، والشرائع مؤكدة في القسمين المعلومين للعقل بضرورته (3) أو بنظره (4).
قوله: (وعندنا الشرع الوارد منشئ (5) للجميع).
ش: يعني: أن مذهب أهل السنة أن الشرائع هي المنشئة، أي المبتدئة لجميع الأحكام الثلاثة، ولا مجال فيها للعقل، لا فرق بين ما علمه ضرورة أو نظرًا، ولا فيما لم (6) يعلمه لا ضرورة ولا نظرًا.
قوله: (وعندنا (7) الشرع الوارد منشئ للجميع) هو تكرار لقوله: (والثالث شرعي عندنا لا يعلم، ولا يثبت إِلا بالشرع)، وإنما كرره ليركب (8)
__________
(1) في ط: "وتحريم يوم أول من شوال".
(2) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ز: "بضرورة".
(4) في ز: "بنظر".
(5) في ش: "وعندنا الشرائع الواردة مثبتة للجميع".
(6) في ز: "لا يعلمه".
(7) في ط: "وعند".
(8) في ز: "ليرتب".
(2/142)

عليه [المسألة الثانية؛ لأنها لازمة عنه] (1) وهي (2) قوله: (فعلى رأينا لا يثبت حكم قبل الشرع).
قوله: (فعلى رأينا لا يثبت حكم قبل الشرع).
ش: أي لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع عندنا.
قوله: (خلافًا للمعتزلة في قولهم أن كل ما ثبت (3) بعد الشرع فهو ثابت قبله).
ش: يعني: أن المعتزلة قالوا: الأفعال (4) التي يقضي العقل بها (5) بحسن أو قبح، وهي: الواجب، والمحظور، والمندوب، والمكروه، والإباحة (6) وهي ثابتة قبل ورود الشرع.
وأما الأفعال التي لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح فقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال:
الوجوب (7)، والتحريم، والإباحة، والوقف، ذكرها سيف الدين الآمدي (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين من ز، وفي ط: "ليركب عليه ما بعده".
(2) في ز: "وهو".
(3) في ش: "ما يثبت".
(4) "الأفعال" ساقطة من ط.
(5) في ز: "فيها".
(6) في ط وز: "والمباح".
(7) في ط: "الواجب".
(8) ذكر سيف الدين الآمدي ثلاثة أقوال فقط: الحظر، والإباحة، والوقف.
نظر: الإحكام 1/ 92.
(2/143)

ولم يذكر المؤلف فيها إلا قولين: الحظر والإباحة خاصة.
قوله: (وخلافًا للأبهري (1) من أصحابنا القائل بالحظر مطلقًا، وأبي الفرج (2) القائل بالإِباحة مطلقًا).
ش: هذا هو المطلب الثاني في حكم الأفعال (3) قبل ورود الشرع، فذكر المؤلف فيها لأهل السنة ثلاثة أقوال:
أحدها التوقف، أي: لا حكم فيها حتى يرد الشرع، وهو قوله: (فعلى رأينا لا يثبت حكم (4) قبل الشرع) وهذا قول الجمهور.
__________
(1) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح التميمي الأبهري، نسبة إلى أبهر، ولد سنة (289 ه)، سكن بغداد، وحدث عن محمد بن الحسين الأشناني، وعبد الله ابن زيد الكوفي، وأبي بكر بن أبي داود السجستاني، وكان أبو بكر معظمًا عند سائر علماء وقته، وكان رجلاً صالحًا خيّرًا ورعًا فقيهًا عالمًا، توفي سنة (375 ه)، من آثاره: كتاب الأصول، كتاب إجماع أهل المدينة، الأمالي، وغيرها.
انظر: تاريخ بغداد 5/ 462، الوافي بالوفيات للصفدي 3/ 308، شذرات الذهب 3/ 86، الديباج المذهب، 2/ 206.
(2) هو أبو الفرج عمرو بن محمد بن عبد الله الليثي البغدادي القاضي، ولي قضاء طرسوس وأنطاكية، وكان فصيحًا لغويًا فقيهًا متقدمًا، ولم يزل قاضيًا إلى أن مات، روى عنه أبو بكر الأبهري، وأبو علي بن السكن، وعلي بن الحسين بن بندار ابن القاضي الأنطاكي، توفي سنة (330)، من مصنفاته: اللمع، والحاوي في مذهب مالك.
انظر: الديباج المذهب، 2/ 127، شجرة النور الزكية 1/ 79.
(3) انظر هذه المسألة في: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 90، شرح التنقيح للمسطاسي ص 55، البرهان 1/ 99، المحصول للرازي ج 1 ق 1 ص 209 - 219، المعتمد 2/ 315 - 322، المستصفى 1/ 63، الإحكام للآمدي 1/ 91 - 94، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 142، شرح الكوكب المنير 1/ 325 - 327، الإحكام لابن حزم 1/ 47 - 54، المسودة ص 474 - 480.
(4) في ط: "الحكم".
(2/144)

القول الثاني: أنها على الحظر مطلقًا أي: لا فرق بين ما اطلع العقل، وما لم يطلع عليه، وهو قوله: (خلافًا للأبهري من أصحابنا القائل بالحظر مطلقًا).
القول الثالث: أنها على الإباحة مطلقًا ولا فرق (1) بين ما اطلع العقل عليه، وما لم يطلع عليه، وهو قوله: (وأبي الفرج القائل بالإِباحة مطلقًا).
قوله: (وكذلك قال بقولهما جماعة من المعتزلة فيما لم يطلع العقل على حاله (2) كآخر يوم من رمضان).
ش: يعني أن جماعة من المعتزلة قالوا بالحظر كما قال الأبهري
وقال جماعة من المعتزلة أيضًا (3) بالإباحة كما قال أبو الفرج المالكي
ولكن إنما قالت بالحظر وإلإباحة في الأفعال (4) التي لم يطلع العقل على حالها، أي: على مصلحتها، أى: لم يطلع على حسنها، ولا قبحها كوجوب صوم آخر يوم من رمضان، وتحريم صوم (5) أول (6) يوم من شوال وغير ذلك من العبادات
وأما ما اطلع العقل على حسنه وقبحه فقد انقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة، وذلك أن ما حسنه العقل فإن استوى فعله وتركه في النفع والضر
__________
(1) في ز: "أي لا فرق".
(2) في ط: "عليه أي على حاله".
(3) في ط وز: "أيضًا من المعتزلة"
(4) في ط وز: "الأمور"
(5) "صوم" ساقطة من ز.
(6) "أول" ساقطة من ط.
(2/145)

فهو مباح، فإن ترجح فعله على تركه ولحق الذم (1) بتركه فهو واجب، وإن لم يلحق الذم على تركه فهو مندوب، وما قبحه العقل إن (2) ترجح تركه على فعله والتحق الذم بفعله فهو حرام، وإن لم يلحق الذم على فعله فهو مكروه، كما تقدمت (3) الإشارة [إليه] (4) بقوله: خلافًا للمعتزلة في قولهم أن كل ما ثبت بعد الشرع فهو ثابت قبله (5).
قوله: (وكذلك قال بقولهما جماعة من المعتزلة فيما لم يطلع العقل على حاله كآخر يوم من رمضان (6)) (7).
مفهومه أن ما اطلع العقل على حاله ليس كذلك، وهو كذلك؛ لأن ما اطلع العقل على مصلحته من حسن أو قبح، يحكمون فيه بمقتضى العقل عندهم كإنقاذ الغريق، وعقاب البريء، وإطعام الجوعان (8)، وإكساء العريان، وإرواء العطشان، وإغاثة الملهوف، وإنما هذا الخلاف المذكور
__________
(1) في ط وز: "لوم".
(2) في ز: "أو".
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "تقدم"
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(5) "قبله" ساقطة من ز.
(6) في ش: "كآخر يوم من رمضان، وأول يوم من شوال".
(7) يقول المسطاسي في شرح التنقيح (ص 56): فإن قيل: فمن قال بهذين المذهبين وهما: الأبهري وأبو الفرج المالكي يلزم: أن يكون موافقًا للمعتزلة في إثبات الأحكام الشرعية والثواب والعقاب من طريق العقل.
فالجواب: أن الأمر ليس كذلك، لأن مدارك هؤلاء الفقهاء شرعية، ولا يلزم من الموافقة في المذهب الموافقة في المدرك، فهؤلاء الفقهاء وافقوا المعتزلة فى المذهب وخالفوهم في المدرك والمسند.
(8) في ز: "الجيعان".
(2/146)

للمعتزلة بالحظر والإباحة مخصوص عندهم بما لم يطلع العقل على مصلحته.
ودليل من قال من المعتزلة بالحظر (1) فيما لم يطلع العقل على حاله: أن الإقدام على ذلك تصرف في ملك الغير بغير إذنه فلا يجوز عقلاً وعرفًا كما في الشاهد في أخذ مال الغير.
وأجيب عنه: بأن عدم جواز التصرف في ملك الغير مبني على السمع، والسمع معدوم.
ودليل القائلين من المعتزلة بالإباحة (2) فيما لم يطلع العقل على حاله: أن الله تعالى خلق الأشياء وخلق العباد لينتفعوا بها، فدل ذلك على الإباحة بمنزلة تقديم الطعام بين يدي إنسان.
وأجيب عنه: بأنه لا نسلم أن الله تعالى خلق الأشياء للانتفاع لجواز أن يكون خلقها ليصبر (3) عنها.
وأما دليل الأبهري من أصحابنا القائل بالحظر مطلقًا؛ فقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} (4).
مفهومه أن المتقدم قبل التحليل هو التحريم.
__________
(1) انظر: المحصول للرازي ج 1 ق 1 ص 209، 216.
(2) انظر المصدر السابق.
(3) في ط: "ليبصر".
(4) سورة المائدة آية رقم (4).
(2/147)

وكذلك قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} (1) مفهومه أنها كانت قبل ذلك محرمة، فدل ذلك على أن الأشياء قبل الشرع على الحظر.
أجيب (2) عن الاستدلال بالآيتين: أن الثابت في دليل الخطاب إنما هو النقيض لا الضد، ونقيض الحلية عدم الحلية، وعدم الحلية أعم من التحريم، فالدال على الأعم غير دال على الأخص (3).
وأما دليل أبي الفرج المالكي القائل بالإباحة مطلقًا: فقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (4)، وقوله تعالى: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (5).
وذلك يدل على الإذن في الجميع.
وأجيب عن الاستدلال بالآيتين بأنه يحتمل أن يكون خلقها للاعتبار لا للتصرف فيها (6)، أي: ليعتبر بها (7) ويستدل (8) بها على وجود الخالق، ووحدانيته، وقدمه، وبقائه، وصفاته جل وعلا لا ليتصرف فيها.
قال المؤلف في الشرح: من قال من أهل السنة بأن الأشياء قبل الشرع
__________
(1) سورة المائدة آية رقم (1).
(2) في ز: "وأجيب".
(3) ذكر هذا الجواب المسطاسي في شرح التنقيح ص 56.
(4) سورة البقرة آية (29).
(5) سورة طه آية (50).
(6) "فيها" ساقطة من ز.
(7) في ز: "لنعتبر بها"، وفي ط: "لتعتنبر".
(8) في ز: "ولنستدل".
(2/148)

على الحظر أو على الإباحة غير موافق من قال [من المعتزلة] (1) بالحظر أو الإباحة؛ لأن مدرك أهل السنة الدليل السمعي، ومدرك أهل الاعتزال الدليل العقلي، فلو لم ترد الأدلة المذكورة لأهل السنة قالوا (2): لا علم لنا بتحريم، ولا تحليل، وأما أهل الاعتزال فإنهم يقولون: دليل العقل هو مدركنا فلا يضرنا عدم ورود الشرائع (3).
قوله: (لنا قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (4) نفى التعذيب قبل البعثة فينتفي ملزومه وهو الحكم).
ش: هذا دليل أهل السنة على إبطال (5) الحسن والقبح العقليين، وهو الاستدلال بنفي اللزوم على نفي الملزوم (6).
وتقرير هذا الدليل أن يقال: لو ثبت التكليف قبل بعثة الرسل لثبت لازمه وهو: التعذيب؛ لأن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوِت اللازم، لكن التعذيب منتفٍ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (7)، فإذا انتفى اللازم الذي هو التعذيب انتفى الملزوم الذي هو: الحكم وهو: التكليف؛ لأن نفي اللازم يقتضي انتفاء الملزوم فيقتضي ذلك ألاَّ حكم قبل البعثة (8).
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(2) في ط: "لقالوا".
(3) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 92.
(4) سورة الإسراء آية (15).
(5) وهو دليل على أنه لا تكليف قبل ورود الشرع.
(6) في ز: "اللازم".
(7) سورة الإسراء آية (15).
(8) في ط: "البعث".
(2/149)

قال المؤلف في الشرح: الاستدلال بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} لا يتم إلا بمقدمتين، فإنه لا يلزم من نفي التعذيب نفي (1) التكليف لاحتمال أن يكون المكلف أطاع فلا تعذيب، مع أن التكليف واقع، أو يكون المكلف عصى، ولكن وقع العفو عنه بفضل الله، أو بالشفاعة، فلا بد من مقدمتين لينتهض (2) الاستدلال بالآية: المقدمة الأولى: قولنا: لو كلفوا قبل البعثة لعصوا (3) عملاً بالغالب، فإن الغالب على العالم العصيان، لقوله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} (4)، وقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (5).
المقدمة الثانية: قولنا: لو عصوا (6) لعذبوا عملاً بالأصل؛ لأن الأصل ترتب المسبب على سببه، فالعصيان (7) سبب التعذيب، فترتيب القياس إذًا: لو كلفوا لعصوا، ولو عصوا لعذبوا، فالعذاب لازم لازم التكليف، ولازم اللازم لازم، فانتفاء اللازم الآخر (8) يقتضي: انتفاء الملزوم الأول، فيلزم من انتفاء العذاب قبل البعثة انتفاء التكليف قبل البعثة، وهذا معنى قولي: نفي
__________
(1) في ط: "بعد التكليف".
(2) في ز: "لينتظم".
(3) في شرح التنقيح للقرافي: "لتركوا".
(4) سورة الأعراف آية رقم (102).
(5) سورة الأنعام آية رقم (116).
(6) في شرح التنقيح للقرافي: "لو تركوا لعوقبوا".
(7) في ط وز: "المعصية".
(8) في ط: "الأخير".
(2/150)

التعذيب قبل البعثة، فينتفي ملزومه وهو الحكم. انتهى (1).
قوله: (فينتفي ملزومه) أي: ملزوم التعذيب بواسطة العصيان؛ لأنه يلزم من انتفاء لازم اللازم انتفاء الملزوم الأول.
كما يقال: يلزم من انتفاء شرط الشرط انتفاء المشروط الأول، كما إذا (2) قلنا: الخطبة شرط في صلاة الجمعة، والطهارة شرط في الخطبة، يلزم (3) من انتفاء الطهارة في الخطبة انتفاء الصلاة.
قوله: (احتجوا بأنا نعلم بالضرورة حسن الإِحسان، وقبح الإِساءة).
ش: هذا دليل المعتزلة القائلين: بأن العقل يعرف الحسن والقبيح، ولا يفتقر إلى ورود الشرع؛ لأن كل عاقل يعلم بضرورة عقله حسن الإحسان، وقبح الإساءة، وذلك أمر ذاتي للعقل من غير نظر [إلى شرع] (4) ولا عرف، ولو لم يكن ذلك أمرًا ذاتيًا للعقل لما كان الأمر كذلك.
قوله: (قلنا: محل الضرورة مورد الطباع، وليس محل النزاع).
ش: هذا جواب المؤلف عن دليل المعتزلة.
قال المؤلف في الشرح: ومعنى ذلك: أن العقل إنما أدرك حسن الإحسان من جهة أنه ملائم للطبع لا (5) من جهة أنه يثاب عليه، وقبح الإساءة من جهة منافرتها للطبع، لا من جهة أنه يعاف عليها، والضرورة حينئذ إنما هي في
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 94.
(2) "إذا" ساقطة من ز.
(3) في ز وط: "فيلزم".
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الشرع".
(5) "لا" ساقطة من ط.
(2/151)

مورد الطباع (1) الذي هو الملائمة والمنافرة، لا في صورة النزاع الذي هو الثواب والعقاب، فدليل المعتزلة إذًا لا يمس محل النزاع (2) [وبالله التوفيق بمنّه] (3).
...
__________
(1) في ط: "الطبع".
(2) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 94.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/152)

الفصل الثامن عشر في بيان الحقوق
(فحق الله تعالى أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه) (1).
ش: لما جرت عادة العلماء بأن يقولوا: هذا حق الله، وهذا حق العبد، أراد المؤلف أن يبين ذلك.
هذا الفصل فيه مطلبان:
أحدهما: في تفسير الحقوق.
والثاني: في أقسامها.
أما تفسير الحقوق: فمعنى قولهم: هذا حق الله معناه: هذا أمر الله، وهذا نهي الله، أي: هذا شيء (2) أمر الله به أو نهى عنه.
فإذا قالوا: الصلاة، أو الصيام، أو الحج، أو الجهاد، أو الزكاة؛ هي حق الله تعالى، فمعناه: أمر الله بها وأوجبها على عباده.
وإذا قالوا: ترك الزنا، أو شرب الخمر، أو السرقة، أو الغصب؛ حق الله تعالى،
__________
(1) انظر الكلام في الحقوق في: شرح التنقيح للقرافي ص 95، شرح التنقيح للمسطاسي ص 39، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 82، 83، الموافقات للشاطبي 1/ 156 - 160، الفروق للقرافي في الفرق بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق الآدميين 1/ 140 - 142.
(2) في ط: "الشيء".
(2/153)

فمعناه: نهى الله تعالى عنها.
قوله: (فحق الله أمره ونهيه) أي: أوامره ونواهيه.
قوله: (وحق (1) العبد مصالحه) أي: مصالحه ومنافعه التي منّ الله تعالى بها عليه كديونه، وعواريه، وودائعه، وأروش (2) جنايته، ودياته.
قوله: (والتكليف (3) على ثلاثة أقسام: حق الله تعالى (4) فقط كالإِيمان، وحق العبد (5) فقط كالديون، والأثمان، وقسم اختلف فيه، هل يغلب فيه حق الله تعالى، أو حق العبد كحد القذف؟).
ش: هذا هو المطلب الثاني، وهو أقسام الحقوق؛ لأن تقسيم التكليف بالنسبة إلى الحقوق هو (6): تقسيم الحقوق في المعنى.
فمثال (7) حق الله تعالى (8) وحده (9) دون العبد: وجوب الإيمان، وتحريم الكفر، وكذلك سائر العبادات كالصلاة، والصيام، والزكاة, والحج، والجهاد، وغير ذلك، ومثال حق العبد فقط: قضاء الديون، وقبض أثمان السلع، وقبض العواري، والودائع، وغير ذلك.
__________
(1) المثبت من ز وط، ولم ترد كلمة "حق" في الأصل.
(2) في ز: "وأرش".
(3) في أوخ وش: "والتكاليف".
(4) "تعالى" لم ترد في ط.
(5) في أوخ وش: "للعبد".
(6) في ط: "وهو".
(7) في ز: "مثال".
(8) "تعالى" لم ترد في ز.
(9) "وحده" لم ترد في ز.
(2/154)

ومثال القسم المختلف فيه: حد القذف (1):
قيل (2): هو حق العبد؛ لأنه جناية على عرضه.
وقيل: هو حق الله تعالى؛ إن ليس للعبد أن يأذن في أخذ عرضه، كما ليس له أن يأذن في قطع أعضائه.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يصل إلى الإمام فنغلَّب (3) فيه حق الله لوصوله إلى نائبه فلا يصح إسقاطه؛ لأنه قد بلغ محله، وإن لم يصل إلى الإمام فيغلب فيه حق العبد فيصح إسقاطه (4).
واختلف فقهاء الأمصار في حد القذف:
قال (5) الشافعي: هو حق الآدمي فيجوز العفو عنه.
[وقال أبو حنيفة: هو حق الله فلا يجوز العفو عنه] (6).
وروي القولان عن مالك.
__________
(1) تعريف القذف لغة الرمي، يقال: قذف البحر ما فيه قذفًا، رمى به من صيد، وقذفت بالشيء: رميته، وقذف بالحجارة يقذف: رمى بها، والمحصنة رماها بزنية
انظر: كتاب الأفعال للمعافري 2/ 107، القاموس المحيط مادة (قذف)، وتعريف القذف شرعًا هو: الرمي بالزنا.
انظر: المغني لابن قدامة 8/ 215.
(2) في ز: "فقيل"
(3) في ط: "فيغلب".
(4) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 95.
(5) في ز: "فقال"
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/155)

وروي عنه التفصيل، وهو المشهور عنه: فإن بلغ الإمام فلا يجوز العفو للمقذوف إلا أن يريد الستر على نفسه، وإن لم يبلغ الإمام جاز له العفو مطلقًا (1).
وقال أبو إسحاق التونسي (2) في تعليقه: فإذا بلغ الشُّرَطْ أو الحرس فلا يجوز العفو بمنزلة ما إذا بلغ الإمام
وكذلك حكاه القاضي أبو الوليد (3).
قال أبو عمرو بن الحاجب: وحدّ القذف من حقوق الآدميين على الأصح، ولذلك يورث ويسقط بالعفو، وعليها لزم (4) العفو قبل بلوغ الإمام وتحليفه عليه، فأما بعده فأجازه مرة ثم رجع عنه (5).
وقيل: يجوز إن أراد سترًا على نفسه (6).
__________
(1) انظر نسبة هذه الأقوال في: بداية المجتهد لابن رشد 2/ 242.
(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن إسحاق التونسي، الإمام الفقيه المالكي، الحافظ، الأصولي، المحدث، تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي، ودرس الأصول على الأزدي، توفي رحمه الله سنة (443 ه) بالقيروان، من مصنفاته: "التعليقة على المدونة"، و"التعليقة على كتاب ابن المواز".
انظر: الديباج المذهّب 1/ 269، هدية العارفين 1/ 8، شجرة النور الزكية 1/ 108 - 109.
(3) انظر: المنتقى لأبي الوليد الباجي 7/ 148.
(4) في الفروع: "لزوم".
(5) "عنه" ساقطة من ز.
(6) انظر: الفروع لابن الحاجب ورقة 101/ ب، مخطوط بالمكتبة العامة بالرباط رقم 887 د.
(2/156)

قوله: (ونعني بحق (1) العبد المحض أنه لو (2) أسقطه لسقط وإلا فما من حق للعبد (3) إِلا وفيه (4) حق الله تعالى وهو أمره (5) بإِيصال ذلك الحق الى مستحقه).
ش: هذا جواب عن تقدير سؤال هو: أن يقال: لا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى، وهو: أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه، ويوجد حق الله تعالى بدون حق العبد فبماذا يعرف حق العمد المحض من حق الله تعالى؟
فأجاب بأن قال: إنما يعرف لصحة الإسقاط؛ فكل ما للعبد إسقاطه فهو: الذي نعني (6) بحق العبد، وكل ما ليس للعبد إسقاطه فهو: الذي نعني بحق الله تعالى (7)، وإن كان فيه حق العمد كعقود الربا، والجهالات (8)، والغرر؛ فإن الله تعالى حرمهما صونًا لمال العبد عن الضياع، وإذ رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يعتبر رضاه؛ وذلك أن الله عز وجل بلطفه ورحمته حجر على عبده في ماله، ونفسه، ونسبه (9)، ودينه، وعقله، وعرضه.
وقولنا: حجو عليه في ماله معناه: لا يجوز له تضييع ماله (10)، [فإن أراد
__________
(1) في نسخة ش: "ومعنى".
(2) في ز: "ما لو".
(3) المثبت من أوخ وش، وفي الأصل وز وط: "العبد".
(4) في ش: "إلا فيه".
(5) في ش: "وهو أمره تعالى".
(6) في ط: "يعني"
(7) "تعالى" لم ترد في ط.
(8) في ز: "والجهالة".
(9) في ط: "سلبه".
(10) "ماله" ساقطة من ز.
(2/157)

مثلاً أن يلقي ماله في البحر من غير مصلحة فلا يعتبر رضاه.
وقولنا: حجر عليه في نفسه معناه: لا يجوز له تضييع نفسه] (1) فإن أراد مثلاً أن يقطع عضوًا من أعضائه من غير مصلحة، أو يقتل نفسه فلا يمكن من رضاه بذلك.
وقولنا: حجر على نسبه (2) معناه: لا يجوز تضييع نسبه، فإن أراد مثلاً أن يمكّن غيره من وطء سريته (3) قبل استبرائها، فلا يجوز، وإن رضي بذلك.
وقولنا: حجر عليه في دينه معناه: لا (4) يجوز له أن (5) يضيع (6) دينه، فإن أراد مثلاً أن ينتقل من دين الإسلام إلى غيره فلا يمكن من ذلك ولا يعتبر رضاه.
وقولنا: حجر عليه في عقله معناه: لا يجوز له تضييع عقله، فإن أراد مثلاً أن يشرب ما يزول به عقله، فلا يجوز له ذلك، ولا فرق في ذلك بين المرقد، والمسكر، والمفسد.
فالمرقد: تغيب منه الحواس الخمس: السمع، والبصر، والذوق، والشم، واللمس (7).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ز: "عليه في نسبه".
(3) في ز: "لسوريته".
(4) في ط: "فلا".
(5) "أن" ساقطة من ز.
(6) في ز: "تضييع".
(7) انظر: الفروق للقرافي الفرق الأربعين 1/ 217.
(2/158)

والمسكر: يكون منه سرور، وشجاعة، وسخاء؛ كالخمر (1) والمزر وهو: المعمول من القمح (2)، والبتع (3)، وهو: المعمول من العسل، والسكركة (4) وهو: المعمول من الذرة.
والمفسد (5): يكون منه بكاء، وغم، وصمات (6) كالسيكران، والبنج (7)، والأفيون (8)، والحشيشة (8).
قال المؤلف في القواعد في الفرق الأربعين: تنفرد المسكرات عن المفسدات (9) والمرقدات بثلاثة أحكام:
الحد، والتنجيس، وتحريم اليسير، وأما المفسدات والمرقدات فلا حد فيها، ولا تنجيس ولا تحريم اليسير (10) منها، وليس فيها إلا التعزير (11).
__________
(1) انظر معنى المسكر في: المصدر السابق 1/ 217.
(2) انظر معنى المزر في: المصدر السابق 1/ 217.
(3) في القاموس المحيط: البتع بالكسر وكعنب نبيذ العسل المشتد، مادة (بتع)، وانظر: فقه اللغة للثعالبي ص 272، والفروق للقرافي 1/ 217.
(4) يقول الثعالبي في فقه اللغة: السكركة والمزرة من الذرة.
انظر: فقه اللغة في تقسيم أجناس الخمر ص 272، وانظر: الفروق للقرافي 1/ 217.
(5) في الفروق (1/ 217): والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور للغالب.
(6) في ز: "وخمات".
(7) في القاموس المحيط: البنج بالكسر نبت محبط للعقل مجنن مسكن لأوجاع الأورام والبثور ... وبنّجه تبنيجًا أطعمه إياه، مادة (بنج) 1/ 179.
(8) انظر: الفروق للقرافي 1/ 217.
(9) المثبت من ز، وفي الأصل: "المفسد".
(10) في ز: "في اليسير".
(11) انظر: الفروق للقرافي الفرق الأربعين بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات وقاعدة المفسدات 1/ 218.
(2/159)

وقولنا: حجر عليه في عرضه معناه: لا يجوز للعبد أن يبيح عرضه للقيل والقال من الغيبة والنميمة والقذف، فإن الله حرم ذلك.
واختلف في عرض الإنسان:
فقيل: ذاته ونفسه، دليله قوله عليه السلام: "ليُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه" (1).
وقيل: عرضه هو حسبه، وشرفه، دليله قول الشاعر:
رب مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب (2)
قوله: (وإِلا فما من حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى وهو أمره بإِيصال ذلك الحق إِلى مستحقه).
__________
(1) أخرجه البخاري غير موصول، قال: ويذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه"، قال سفيان: عرضه يقول: مطلتني، وعقوبته الحبس.
انظر: صحيح البخاري مع حاشية السندي، كتاب الاستقراض باب لصاحب الحق (2/ 58).
وأخرجه ابن ماجه عن عمر بن الشريد عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" ح/ رقم 2427، كتاب الصدقات (2/ 811).
وقال ابن حجر: والحديث المذكور وصله أحمد وإسحاق في مسنديهما وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن الشريد بن أوس الثقفي عن أبيه بلفظه، وإسناده حسن، وذكر الطبراني أنه لا يروى إلا بهذا الإسناد (فتح الباري 10/ 137).
(2) قائل هذا البيت هو مسكين الدارمي، معناه: رب مهزول البدن والجسم كريم الآباء، وقد اختلف في معنى العرض، فقال أبو عبيد: عرضه آباؤه وأسلافه ويؤيده هذا البيت.
وقال ابن قتيبة: عرضه جسده.
انظر: الأمالي لأبي علي القالي 1/ 118.
(2/160)

ش: معناه وإن لم يتميز (1) حق العبد المحض بالإسقاط، وقع اللبس بين حق العبد المحض، وحق الله تعالى؛ لأنه ما من حق للعبد إلا وفيه حق الله تعالى.
تنبيه: قال المؤلف في الشرح وفي القواعد على (2) تفسير حق الله تعالى بأمره، ونهيه: يشكل بالحديث الصحيح، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله تعالى (3) إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم" (4).
ففسر عليه السلام حق الله بفعلهم لا بأمره تعالى بذلك الفعل؛ لأنه قال: "حق الله أن يعبدوه" فيحتمل في ذلك ثلاثة أوجه:
__________
(1) "يتميز" ساقطة من ط.
(2) "على" ساقطة من ط.
(3) "تعالى" لم ترد في ط.
(4) أخرجه البخاري عن معاذ بن جبل قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقهم عليه؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن لا يعذبهم" أخرجه البخاري بهذا اللفظ في كتاب التوحيد 4/ 273.
وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة (1/ 58). وأخرجه ابن ماجه عن معاذ بن جبل قال: مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا على حمار، فقال: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك لا يعذبهم".
انظر: سنن ابن ماجه ح/ رقم 4296، كتاب الزهد (2/ 1435).
(2/161)

أحدها: أن يكون عليه السلام عبّر بالعبادة عن الأمر من حيث إنها (1) عبادة تتوقف على امتثال الأمر، وهو الظاهر؛ لأن (2) العبادة لا بد أن يقصد بها امتثال أمر الله تعالى (3)، وإن لم يقصد بها ذلك لم تكن عبادة.
الوجه الثاني: أن يكون عليه السلام عبّر بالعبادة عن الأمر المتعلق بها مجازًا لما بينهما من الملازمة والارتباط، فهو من باب التعبير بالمتعلق عن المتعلق.
الوجه الثالث: أن يكون عليه السلام حذف الأمر مع [إرادته] (4) تقديره: حق الله تعالى أمره بأن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا. انتهى نصه (5).
ففي الكلام على هذا (6) حذف، تقديره: حق الله أمره بأن يعبدوه.
انظر قوله عليه السلام في الحديث المذكور: "حق العباد على الله تعالى (7)
__________
(1) في ط: "أن يكونها".
(2) ز وط: "بأن"
(3) "تعالى" لم ترد في ط
(4) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "إرادة".
(5) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقراقي ص 95، والفروق للقرافي، في الفرق بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق الآدميين (1/ 142).
ويقول أبو القاسم الأنصاري المعروف بابن الشاط في كتابه إدرار الشروق على أنواء الفروق متعقبًا كلام القرافي: قلت: جميع ما قاله هنا غير صحيح، وهو نقيض الحق وخلاف الصواب، بل الحق والصواب ما اقتضاه ظاهر الحديث من أن الحق هو عين العبادة لا الأمر المتعلق بها، وكيف يصح القول بأن حق الله تعالى هو أمره ونهيه والحق معناه اللازم له على عباده واللازم على العباد لا بد أن يكون مكتسبًا لهم.
انظر: إدرار الشروق المطبوع مع الفروق للقرافي 1/ 142.
(6) في ط: "ذلك".
(7) "تعالى" لم ترد في ط.
(2/162)

إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم"، مع أن الله عز وجل لا يجب عليه لأحد حق.
قال الإمام المازري [رحمه الله تعالى (1)] (2) في المعلم: معنى حق العباد (3) على الله تعالى يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه سماه حقًا؛ لأجل وعده به وعد الصدق فسمي حقًا من هذه الجهة (4).
الوجه الثاني: أن يكون ذلك على (5) جهة المقابلة (6) منه للفظ الأول، [فاللفظ الأول] (7) حقيقة، واللفظ الثاني: إطلاق الحق عليه مجاز؛ لأجل المقابلة بين اللفظين كقوله تعالى (8): {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (9)،
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ز.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط: "العبد"
(4) يقول ابن حجر في فتح الباري (24/ 135): حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء، فحق ذلك وجب بحكم وعده الصدق, وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله سبحانه لا يجب عليه شيء بحكم الأمر إذ لا آمر فوقه ولا حكم للعقل .. ومنها أن المراد بالحق هنا المتحقق الثابت .. أو المراد أنه كالواجب في تحققه وتأكده.
(5) في ط: "من".
(6) انظر: شرح النووي 1/ 231، وفتح الباري 24/ 135.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) "تعالى" وردت في ط وز، ولم ترد في الأصل.
(9) آية رقم 54 من سورة آل عمران.
وفي المعلم قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث معاذ: "هل تدري ما حق العباد على الله".
قال الشيخ وفقه الله: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد حقًا شرعيًا لا واجبًا بالعقل كما تقول المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى ووعده الصدق - صار حقًا من هذه =
(2/163)

وبالله التوفيق بمنه (1).
...
__________
= الجهة.
والوجه الثاني: أن يكون خرج مخرج المقابلة للفظ الأول؛ لأنه قال في أوله: "ما حق الله على العباد"، ولا شك أن لله على عباده حقًا، فأتبع اللفظ الثاني الأول، كما قال تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ}، وقال تعالى: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79].
انظر: المعلم ص 11 مخطوط بمكتبة جامعة الإمام رقم 361 فلم.
(1) في ط: "بفضله ومنّه".
(2/164)

الفصل التاسع عشر في بيان العموم والخصوص والمساواة والمباينة وأحكامها (1)
ش: تعرض المؤلف في هذا الفصل لبيان موارد العموم والخصوص، وموارد المساواة، وموارد المباينة الضدية، أو النقيضية، وبيان أحكام هذه الأشياء والمراد بأحكامها: الاستدلال ببعضها (2) على بعض، فتعرض المؤلف في هذا الفصل لأمرين:
أحدهما: في (3) معاني هذه الألفاظ.
والثاني: في أحكامها من حيث الاستدلال ببعضها على بعض (4).
فالعموم هو: الشمول (5)، ومنه قولهم: عمهم المطر، أو العدل، وقولهم: عادة عامة وقاعدة عامة.
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 96، 97، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 39، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 83.
(2) في ط: "ببعض".
(3) "في" ساقطة من ز.
(4) "بعض" ساقطة من ط.
(5) انظر: القاموس المحيط 4/ 154، 155، فصل العين باب الميم مادة (عمّ) كتاب الأفعال للسرقسطي 1/ 204.
(2/165)

والخصوص هو: الانفراد بشيء (1).
والمساواة هي: المماثلة (2).
والمباينة هي: المباعدة مأخوذ من البين, وهو: البعد (3).
قوله: (الحقائق كلها على (4) أربعة أقسام).
ش: والمراد بهذه الأقسام الأربعة: المساواة، والمباينة، والعموم مع الخصوص من كل وجه، والعموم من وجه مع الخصوص من وجه، فكل أمرين من الأمور المعقولة فلا بد بينهما من أحد هذه الأمور الأربعة.
قال المؤلف في الشرح: دليل حصر الحقائق في هذه الأقسام الأربعة أن المعلومين إما أن يجتمعا، أو لا، الثاني: هما المتباينان، والأول: لا يخلو إما أن يصدق [على] (5) كل واحد منهما في جميع موارد الآخر [أو لا، والأول: هما المتساويان، والثاني: أن يصدق أحدهما في جميع موارد الآخر] (6) من غير عكس فهو الأعم مطلقًا، والأخص مطلقًا، وإلا فهو الأعم من وجه، والأخص من وجه (7).
قوله: (إِما متساويان (8) وهما اللذان يلزم من وجود كل واحد منهما
__________
(1) انظر: الأفعال للسرقسطي 1/ 474.
(2) انظر: القاموس المحيط 4/ 345، فصل السين باب الواو مادة (سواء).
(3) انظر: القاموس المحيط 4/ 204، فصل الباء، باب النون مادة (بين).
(4) "على" ساقطة من أوخ وش وط.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(7) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 96.
(8) في ش: "متساويات".
(2/166)

وجود الآخر ومن عدمه عدمه؛ كالرجم وزنا المحصن).
ش: واعلم أن هذا الفصل يحتوي على خمسة مطالب:
أحدها: المتساويان، وهذا الذي فسره المؤلف مثاله: الرجم مع زنا المحصن، فهما متلازمان في الوجود، والعدم.
قال المؤلف في الشرح: تمثيلي المتساويين بالرجم وزنا المحصن إنما يجري على مذهب الشافعي (1) القائل بأن اللائط لا يرجم.
وأما على مذهب من قال برجمه (2): فالرجم أعم من زنا المحصن مطلقًا (3)، وزنا المحصن أخص مطلقًا، فنقول إذًا على تساوي المعنيين: كل (4) مرجوم زان محصن، وكل زان محصن مرجوم، فهما متلازمان، وجودًا أو عدمًا (5)، هذا مثال المتساويين في الفقهيات.
ومثالهما في العقليات: الإنسان مع الضاحك بالقوة، فلا إنسان إلا وهو ضاحك بالقوة، ولا ضاحك بالقوة (6) [إلا وهو إنسان، والمراد
__________
(1) لم ينسب القرافي هذا المذهب للشافعي، بل نسبه المسطاسي في شرح التنقيح ص 39.
وذكر أبو إسحاق الشيرازي في التنبيه (ص 140) في اللائط قولين:
الأول: أنه يجب عليه الرجم.
والثاني: يجب عليه الرجم إن كان محصنًا والجلد والتغريب إن لم يكن محصنًا.
(2) أي برجمه مطلقًا سواء كان محصنًا أو غير محصن، وهو قول الإمام مالك وهو المشهور في مذهب مالك.
انظر: المنتقى للباجي 7/ 141، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 39.
(3) نقل المؤلف بالمعنى: انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 97.
(4) "كل" ساقطة من ط.
(5) "أو عدمًا" ساقطة من ز، وفي ط: "وعدمًا".
(6) في الأصل: "إلا بالقوة"
(2/167)

بالقوة] (1) كونه قابلاً له وإن لم يقع، بخلاف الضاحك بالفعل وهو المباشر للضحك (2)، وإنما سميا متساويين لتساويهما في الدلالة على الملازمة من جهة (3) الوجود والعدم.
قوله: (وإِما متباينان وهما: اللذان لا يجتمعان (4) في محل (5)؛ كالإِسلام والجزية).
ش: هذا هو المطلب الثاني، وهما المتباينان.
مثالهما: الإسلام والجزية، هذا مثالهما في الفقهيات.
ومثالهما في العقليات: الإنسان مع الفرس، فلا شيء من الإنسان بفرس، ولا شيء من الفرس بإنسان (6).
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط ولم يرد في الأصل.
(2) انظر هذا المثال العقلي للمتساويين في شرح التنقيح للقرافي ص 96.
(3) في ط: "جهتي".
(4) في خ: "لا يجتمع أحدهما مع الآخر في محل واحد".
(5) في ش: "في محل واحد".
(6) انظر هذا المثال العقلي للمتباينات في: شرح التنقيح للقرافي ص 96.
ذكر البناني في شرح السلم في المنطق (ص 87): للتباين أربعة أقسام:
1 - أن يكون كليًا في المفهوم والمصدوق بأن لا يصدق أحدهما على شيء مما يصدق عليه الآخر؛ كالإنسان والحجر.
2 - تباين المشتق منه، كالعلم والعالم.
3 - التباين في المفهوم فقط مع تساويهما في المصدوق، كالضاحك والناطق.
4 - التباين في المفهوم مع عدم التساوي بأن يفترقا في بعض أفراد المصدوق، والافتراق إما من جهة واحدة وهو: العموم والخصوص بإطلاق؛ كالحيوان والإنسان ... وإما من الجهتين معًا وهو: العموم والخصوص من وجه؛ كالإنسان وكالصارم والمهند".
(2/168)

قوله: (وإِما أعم مطلقًا وأخص مطلقًا وهما: اللذان وجد أحدهما مع وجود كل أفراد الآخر من غير عكس؛ كالغسل، والإِنزال المعتبر، فإِن الغسل أعم مطلقًا، والإِنزال أخص مطلقًا).
ش: هذا هو المطلب الثالث: ومعناهما: اللذان يصدق أحدهما في جميع موارد الآخر، ولا يصدق الآخر إلا في بعض موارد الآخر.
مثالهما في الفقهيات: الغسل مع الإنزال المعتبر.
ومعنى المعتبر: المقرون باللذة المعتادة.
[وقولنا: المقرون باللذة المعتادة (1):] (2) احترازًا من العاري من اللذة، كالملدوغ، والمضروب إذا أمنى من ذلك.
وقولنا: اللذة المعتادة: احترازًا من اللذة النادرة؛ كمن حك لجرب أو صب عليه الماء (3) السخون (4) أو بشر ببشارة، أو حكم له القاضي، أو سبق في ميدان الاستباق.
ولكن هذا الاحتراز كله إنما هو على القول بعدم وجوب الغسل من هذه الصور (5) المذكورة، وأما إذا قلنا بوجوب الغسل من الإنزال مطلقًا فلا حاجة إلى قوله: الإنزال المعتبر؛ وذلك أن العلماء اختلفوا في وجوب الغسل في
__________
(1) "المعتادة" ساقطة من ز.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) "الماء" ساقطة من ط.
(4) في ز: "المسخون".
(5) في ط: "الصورة".
(2/169)

هذه الأمثلة المذكورة على قولين (1).
ثم إذا قلنا بعدم الوجوب فهل يجب الوضوء أم لا؟ قولان أيضًا.
قال أبو عمرو بن الحاجب: فإن أمنى بغير لذة أو بلذة غير معتادة كمن حك لجرب، أو لدغته عقرب، أو ضرب فأمنى: فقولان (2)، وعلى النفي
__________
(1) حرر ابن رشد الخلاف في هذه المسألة فقال: اختلف العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المني موجبًا للطهر:
1 - فذهب مالك إلى اعتبار اللذة في ذلك.
2 - وذهب الشافعي إلى أن نفس خروجه هو الموجب للطهر سواء خرج بلذة أو بغير لذة، وسبب اختلافهم في ذلك هو شيئان:
أحدهما: هل اسم الجنب ينطلق على الذي أجنب على الجهة غير المعتادة أم ليس ينطلق عليه؟
فمن رأى أنه إنما ينطلق على الذي أجنب على طريق العادة لم يوجب الطهر في خروجه من غير لذة.
ومن رأى أنه ينطلق على خروج المني كيفما خرج أوجب منه الطهر وإن لم يخرج مع لذة.
والسبب الثاني: تشبيه خروجه بغير لذة بدم الاستحاضة واختلافهم في خروج الدم على جهة الاستحاضة، هل يوجب طهرًا أم ليس يوجبه.
انظر: بداية المجتهد 1/ 47، 48.
وانظر أيضًا: المنتقى للباجي 1/ 105، المغني لابن قدامة 1/ 199، المجموع شرح المهذب 2/ 139.
(2) يقول محمد بن عبد السلام في شرحه لكتاب ابن الحاجب: وقوله: "فإن أمنى بغير لذة ... " إلى آخره وهما راجعان إلى مراعاة الصور النادرة؛ لأن العادة خروج المني بلذة الجماع أو بمقدماته، فلا فرق بين خروجه عن غير لذة مطلقًا، كالملدوغ والمضروب، وبين لذة غير معهودة معه، كحك الجرب. =
(2/170)

ففي الوضوء قولان.
سبب [الخلاف بين] (1) هذين القولين في الوضوء، هل هو بمنزلة الودي (2)؟ أو بمنزلة السلس (3)؟
فيلزم من وجود الإنزال المعتبر وجود الغسل، ولا يلزم من وجود الغسل وجود الإنزال؛ لأنه قد يجب من دم الحيض، أو دم النفاس أو الإيلاج وغير
__________
= (ج 1 ورقة 16 ب) مخطوط في خزانة ابن يوسف في مراكش برقم 322/ 1.
ويقول الخرشي في شرح مختصر خليل (1/ 163): يجب الغسل بسبب خروج مني بلذة معتادة لا إن خرج بلا لذة، كمن لدغته عقرب فأمنى، أو بلذة غير معتادة لجرب، أو نزل في ماء حار فأمنى؛ فإنه لا يجب عليه الغسل على المشهور خلافًا لسحنون، وإذا لم يجب الغسل لخروج هذا المني يتوضأ.
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(2) يقول ابن رشد في المقدمات (ص 44): ويجب الوضوء من تسعة أشياء على اتفاق في المذهب وهي: المذي، والودي، والبول، والغائط، والريح، والقبلة مع وجود اللذة أو القصد إليها، والمباشرة، واللمس مع وجود اللذة، وزوال العقل بنوم مستثقل أو إغماء أو سكر أو تخبط جنون.
(3) قسم الحطاب حالات السلس إلى أربعة أقسام، لكَل قسم حكم:
الأول: أن يلازم ولا يفارق، فلا يجب الوضوء ولا يستحب؛ إذ لا فائدة فيه، فلا ينتقض وضوء صاحبه بالبول المعتاد.
الثاني: أن يكون ملازمته أكثر من مفارقته فيستحب الوضوء، إلا أن يشق ذلك عليه لبرد أو ضرورة فلا يستحب.
الثالث: أن يتساوى إتيانه ومفارقته، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان:
قال ابن رشد: والمشهور لا يجب، وقال ابن هارون: الظاهر الوجوب.
الرابع: أن تكون مفارقته أكثر، فالمشهور وجوب الوضوء.
انظر: شرح مختصر خليل 1/ 191، 192.
(2/171)

ذلك من أسباب الغسل.
قوله: (كالغسل والإِنزال المعتبر) هذا مثالهما في الفقهيات.
ومثالهما في العقليات: الإنسان مع الحيوان.
فالحيوان أعم مطلقًا؛ لأنه يصدق في جميع أفراد الإنسان، والإنسان أخص مطلقًا، لأنه لا يصدق إلا في بعض أفراد الحيوان.
قوله: (وإِما كل واحد منهما أعم من وجه، وأخص من وجه، وهما: اللذان يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه؛ كحل النكاح مع ملك اليمين، يوجد (1) حل (2) النكاح بدون الملك (3) في الحرائر، ويوجد الملك بدون حل النكاح في موطوءات الآباء من الإِماء، ويجتمعان معًا في الأمة التي ليس فيها مانع شرعي) (4).
ش: هذا هو المطلب الرابع، وهو كون كل واحد منهما أعم، وأخص، مثالهما: حل النكاح الذي هو الوطء مع ملك اليمين.
وضابطهما: أنهما يجتمعان في سورة، وينفرد (5) كل واحد منهما بصورته (6) هذا مثالهما في الفقهيات.
__________
(1) في أوخ وش: "فيوجد".
(2) في ط: "حد".
(3) في ش "بدون ملك اليمين في الحرائر".
(4) "شرعي" ساقطة من أوخ.
(5) في ط: "وينفرد أيضًا".
(6) في ز: "بصورة".
(2/172)

ومثالهما في العقليات: الحيوان والأبيض (1)، يوجد الحيوان بدون الأبيض في السودان، ويوجد الأبيض بدون الحيوان في الثلج واللبن، ويجتمعان في الحيوان الأبيض.
قوله: (فيستدل بوجود المساوي على وجود مساويه، وبعدمه على عدمه وبوجود الأخص على وجود الأعم، وبنفي الأعم على نفي (2) الأخص، وبوجود المباين على عدم (3) مباينته (4) ولا دلالة (5) في الأعم من وجه مطلقًا، ولا في عدم الأخص، ولا في (6) وجود الأعم)
ش: هذا هو المطلب الخامس وهو المراد بالأحكام المذكورة في الترجمة، فذكر المؤلف خمسة أنواع من الاستدلال:
أحدها: الاستدلال بوجود المساوي على وجود مساويه.
الثاني: الاستدلال بعدم المساوي على عدم مساويه.
الثالث: الاستدلال بوجود الأخص على وجود الأعم.
الرابع: الاستدلال بعدم الأعم على عدم الأخص.
الخامس: الاستدلال بوجود المباين على عدم مباينه.
__________
(1) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "الأبيض".
(2) في ط: "وجود".
(3) في أوش: "على عدم وجود مباينه".
(4) في أوخ وش وز: "مباينه".
(5) في ز: "ولا دليل".
(6) "في" ساقطة من أوش.
(2/173)

فالاستدلال بالمساوي من جهتين (1): من جهة الوجود، ومن جهة العدم، والاستدلال بوجود الأخص من جهة واحدة وهي: جهة الوجود خاصة، والاستدلال بعدم الأعم من جهة واحدة وهي: جهة العدم خاصة، والاستدلال بوجود المباين هو أيضًا من جهة واحدة، وهي: جهة الوجود.
قوله: (وبوجود المباين على عدم ماينه) يقتضي: أن دلالة المباين من جهة الوجود خاصة دون جهة العلم، وهذا صحيح في المباين الضد، نحو الجسم: إما جماد وإما حيوان؛ إذ لا دلالة في عدم أحدهما على وجود الآخر ولا على (2) عدمه؛ لأن الجسم قد يكون نباتًا.
وكذلك قولك: اللون إما أسود، وإما أبيض، ولا دلالة في عدم أحدهما على [وجود] (3) الآخر ولا على عدمه؛ لأن اللون قد (4) يكون أحمر (5).
وأما إما كان المباين نقيضًا فيدل من جهتي الوجود والعدم نحو: العدد إما زوج وإما فرد، فيستدل بوجوده على العدم وبعدمه على الوجود.
وذكر المؤلف ثلاثة أنواع لا دلالة فيها وهي: الاستدلال بوجود الأعم من وجه مطلقًا، أي: لا دلالة فيه مطلقًا لا على الوجود ولا على العدم.
النوع الثاني: الاستدلال بعدم الأخص: لا دلالة فيه مطلقًا، لا على الوجود ولا على العدم.
__________
(1) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "وجهين".
(2) في ط: "مع".
(3) المثبت من ط، ولم ترد في الأصل وز.
(4) "قد" ساقطة من ز.
(5) في ز: "أحمر من وجه".
(2/174)

النوع الثالث: الاستدلال بوجود الأعم، لا دلالة فيه مطلقًا لا على الوجود ولا على العدم.
وإلى هذه الثلاثة المسلوبة الدلالة أشار المؤلف بقوله: (ولا دلالة في الأعم من وجه مطلقًا ...) إلى آخره أي: لا دلالة في الأعم من وجه مطلقًا كقولك: في الدار حيوان، لا يلزم أن يكون: أبيض أو غير أبيض.
ولا دلالة في عدم الأخص، كقولك: ليس في الدار إنسان لا يلزم أن يكون فيها غير إنسان من الحيوان، أو لا يكون فيها.
ولا دلالة في وجود الأعم كقولك: في الدار حيوان، لا يلزم أن يكون إنسانًا أو (1) غير إنسان، وبالله التوفيق.
...
__________
(1) في ط: "ولا".
(2/175)

الفصل العشرون في المعلومات (1)
(المعلومات كلها أربعة أقسام).
ش: مقصود المؤلف بهذا الفصل، والفصل الذي قبله بيان الاستدلال بالملازمة (2)، وهذه الأقسام الأربعة المذكورة في هذا الفصل هي المطالب التي احتوى عليها هذا الفصل وهي: النقيضان، والخلافان، والضدان، والمثلان.
قوله: (المعلومات) أي: الحقائق المعلومات منحصرة في هذه الأقسام الأربعة:
قال المؤلف في الشرح: دليل الحصر في هذه الأقسام الأربعة: أن المعلومين إما أن يمكن اجتماعهما أو لا؟ فإن أمكن اجتماعهما فهما: الخلافان، وإن لم يمكن اجتماعهما، فإما أن يمكن ارتفاعهما أو لا؟
الثاني: النقيضان، والأول: إما أن يختلفا في الحقيقة أو لا؟ والأول: الضدان، والثاني: المثلان (3).
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 97، 98، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 40، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 84.
(2) في ط: "الملازمة".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 98.
(2/177)

قوله: (نقيضان، وهما: اللذان لا يجتمعان، ولا يرتفعان، كوجود زيد وعدمه).
هذا هو المطلب الأول، أخرج بقوله: (لا يجتمعان) الخلافين، وأخرج بقوله: (ولا يرتفعان) الضدين.
قوله (1): (كوجود زيد وعدمه) أي: في وقت واحد؛ إذ لا يمكن اجتماع وجوده (2) مع عدمه ولا يمكن عدم وجوده مع عدمه؛ لأن النقيضين لا بد من وجود أحدهما وعدم الآخر.
قالوا (3): التناقض له (4) عشرة شروط، أشار إليها (5) ابن الحاجب بقوله: فيتحد الجزءان بالذات والإضافة، والجزء، والكل، والقوة، والفعل، والزمان، والمكان، والشرط (6).
__________
(1) في ز: "كقوله".
(2) في ط: "وجود".
(3) "قالوا" ساقطة من ز.
(4) في ز: "لها".
(5) المثبت من ز، ولم ترد: "إليها" في الأصل وط.
(6) انظر: مختصر المنتهى لابن الحاجب مع شرح العضد وحواشيه 1/ 92.
وذكر المسطاسي في شرح التنقيح للتناقض ثمانية شروط:
الشرط الأول: اتحاد الموضوع احترازًا من قولنا: زيد قائم.
الشرط الثاني: اتحاد المحمول، احترازًا من قولنا: زيد قائم، زيد ليس بقاعد.
الشرط الثالث: اتحاد الزمان، احترازًا من قولنا: زيد قائم يوم الجمعة، زيد ليس بقائم يوم الخميس.
الشرط الرابع: اتحاد المكان، احترازًا من قولنا: زيد قائم في الدار، زيد ليس بقائم في السوق.
الشرط الخامس: اتحاد الإضافة، احترازًا من قولنا: زيد أب لعمرو ليس أبًا لخالد. =
(2/178)

قوله: (فيتحد الجزءان بالذات) فيه شرطان من العشرة، وهما: اتحاد الموضوع واتحاد المحمول، أي: الاتحاد في ذات الموضوع، والاتحاد في ذات المحمول.
قوله: (وخلافان، وهما: اللذان يجتمعان، ويرتفعان؛ كالحركة، واللون).
ش: هذا هو المطلب الثاني.
قوله: (يجتمعان) أخرج به النقيضين والضدين والمثلين (1).
وقوله: (ويرتفعان) حشو، أما اجتماعهما فظاهر، وأما ارتفاعهما عن الجسم فكيف ذلك (2)؟ إذ الجوهر لا يفارقه اللون (3) فكيف يصح ارتفاع اللون؟
__________
= الشرط السادس: اتحاد الجزئية والكل، احترازًا من قولنا: زيد أسود، ليس بأسود، وزيد بالأول جلده، وبالثاني أسنانه.
وكذلك العدد زوج ليس بزوج، أي: بعضه زوج، وبعضه ليس بزوج.
الشرط السابع: اتحاد القوة والفعل، احترازًا من قولنا: زيد ضاحك ليس بضاحك، ونريد بالأول القوة وبالثاني الفعل.
الشرط الثامن: اتحاد الدوام، احترازًا من قولنا: الأبيض مفرق للبصر ليس مفرق للبصر، ونريد بالأول ما دام أبيض، والثاني بدون هذا الشرط.
ويقول المسطاسي: بالجملة متى اختلفت النسبة الحكمية فلا تناقض، ومنهم من لم يشترط في ذلك إلا اتحاد الموضوع والمحمول فقط. قال: لأن اتحاد الزمان والمكان والإضافة ترجع إلى اتحاد المحمول واتحاد الجزئية والكلية، والقوة والفعل والدوام يرجع إلى اتحاد الموضوع.
انظر: شرح التنقيح ص 40.
(1) "المثلين" ساقطة من ز.
(2) في ز: "فكيف يصح ذلك".
(3) في ز: "وذلك أن الجسم لا يفارقه اللون".
(2/179)

وأما ارتفاع الحركة فظاهر؛ لأن الحركة قد ترتفع، ويخلفها السكون.
وها هنا تأويلان: قيل: هذا في الجواهر التي لا لون لها كالماء.
واختلف في الماء: هل له لون أم لا (1)؟
قيل: لا (2) لون له، وعلى هذا القول يجري هذا (3) التأويل.
وقيل: له لون.
ثم اختلف في لونه على هذا القول:
قيل: أبيض؛ لأنه إذا جعلته في يدك يظهر أنه أبيض.
وقيل: لونه أسود؛ لأنه إذا نظرت إليه في محله [يظهر أنه أسود] (4).
التأويل الثاني: أن المراد باللون في قوله: كالحركة، واللون هو: اللون المخصوص، وأما مطلق اللون فلا يفارق الجواهر، وعلى هذا التأويل كثير من الناس.
قوله: (كالحركة واللون) أي: كالحركة ولون البياض مثلاً، فإذا ارتفعت الحركة مثلاً (5) يخلفها السكون، وإذا ارتفع البياض مثلاً (6) يخلفه السواد، أو غيره من الألوان.
__________
(1) "لا" ساقطة من ط.
(2) "لا" ساقطة من ط.
(3) في ط: "في هذه".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) "مثلاً" ساقطة من ز وط.
(6) "مثلاً" ساقطة من ط.
(2/180)

قال المؤلف في شرحه: الخلافان قد يتعذر ارتفاعهما، كالعشرة مع الزوجية والخمسة مع الفردية، والجوهر مع الكون وهو كثير، ولا تنافي بين إمكان الارتفاع بالنسبة إلى الذات وتعذر الارتفاع بالنسبة إلى أمر خارج عنها (1).
قوله: (وضدان، وهما: اللذان لا يجتمعان ريمكن ارتفاعهما مع اختلاف الحقيقة (2) كالسواد، والبياض).
ش: هذا هو المطلب الثالث.
قوله: (لا يجتمعان) أخرج له الخلافين؛ لأنهما يجتمعان كما تقدم.
وقوله: (ويمكن ارتفاعهما) أخرج له النقيضين؛ إذ لا يمكن ارتفاعهما.
وقوله: (مع اختلاف الحقيقة) (2) أخرج به المثلين، مثل المؤلف الضدين بالسواد والبياض، فلا يجتمع السواد والبياض على جسم واحد، ويمكن ارتفاعهما في جسم آخر، ويخلفهما الاحمرار والاصفرار مثلاً، وهذا معنى قوله: (مع اختلاف الحقيقة أي: مع اختلاف المحل الموصوف بالسواد والبياض).
واعترض بعضهم قوله: (مع اختلاف الحقيقة) بأن قال: هذا خارج عما كنا فيه؛ لأن كلامنا في الضدين بالنسبة إلى حقيقة واحدة، أي (3): إلى محل واحد، فقوله: (ويمكن ارتفاعهما) يريد إن كان بينهما وسط كالسواد
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 98.
(2) في أوخ وش: "مع الاختلاف في الحقيقة".
(3) "أي" ساقطة من ز.
(2/181)

والبياض فإن بينهما وسطًا، وهو سائر الألوان غيرهما (1) كالاحمرار، والاصفرار، والاخضرار.
ومثالهما أيضًا: الأكبر والأصغر، فهما: ضدان وبينهما الوسط، وهو: المساوي، وأما الضدان اللذان لا واسطة بينهما فلا يرتفعان معًا عن المحل المتصف بهما كالحركة والسكون، والحياة والموت، والعلم والجهل، وغير ذلك، فإن هذه المعاني لا تجتمع (2) على المحل الواحد (3) ولا ترتفع (4) عنه.
وهذا القسم مندرج في قوله أولاً (5): (نقيضان، وهما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان كوجود زيد وعدمه).
فقوله إذًا: (ضدان) أراد بهما: إن كان (6) [بينهما] (7) وسط، وأما إن (8) لم يكن بينهما وسط (9) فهما النقيضان.
قال المؤلف في الشرح: كيف يقال في حد الضدين: يمكن ارتفاعهما مع أن الضدين كالحركة والسكون لا يمكن ارتفاعهما عن الجسم؟ وكذلك (10) الحياة والموت، لا يمكن ارتفاعهما عن الحيوان؟ وكذلك العلم والجهل لا يمكن ارتفاعهما عن الحي؟ قال: جوابه: أن إمكان الارتفاع أَعم من إمكان
__________
(1) في ز: "لونان غيرهما".
(2) في ط: "لا يجتمع".
(3) "الواحد" ساقطة من ز.
(4) في ط: "يرتفع".
(5) "أولاً" ساقطة من ز.
(6) في ط وز: "إذا كان".
(7) المثبت من "ز" و"ط" وفي الأصل "بهما".
(8) في ط وز: "إذا لم يكن".
(9) "وسط" ساقطة من ز.
(10) في ط: "وكالدار" وهو خطأ.
(2/182)

الارتفاع مع بقاء المحل، فنحن نقول: يمكن ارتفاعهما من حيث الجملة؛ لأنهما يمكن ارتفاعهما مع ارتفاع المحل فنقول: العالم قبل وجوده لا متحرك ولا ساكن، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، فيصح الحد (1).
ولكن هذا الذي قال المؤلف - رحمه الله - لا يحتاج إليه مع ما قدمنا، والله أعلم؛ لأنه قد قدمنا (2) أن قوله: ويمكن ارتفاعهما يعني: إذا كان بينهما واسطة.
قوله: (ومثلان وهما: اللذان لا يجتمعان، ويمكن ارتفاعهما مع تساوي (3) الحقيقة: كالبياض والبياض).
ش: هذا هو المطلب الرابع.
قوله: (لا يجتمعان) أخرج به الخلافين.
وقوله: (ويمكن ارتفاعهما) أخرج به النقيضين.
وقوله: (مع تساوي الحقيقة) أخرج به الضدين.
فائدة: حصر المعلومات كلها في الأقسام المذكورة لا يخرج منها (4) شيء إلا ذات (5) الله تعالى، وصفاته (6)؛ لاستحالة (7) العلم على واجب الوجود، فالله سبحانه مع العالم ليسا بنقيضين، ولا بضدين لوجودهما معًا، وليسا
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 98.
(2) في ط: "بينا".
(3) في ش: "مع التساوي في الحقيقة".
(4) في ز: "عنه".
(5) "ذات" لم ترد في ط.
(6) في ط: "وصفات ذاته".
(7) في ط: "استحالة".
(2/183)

بخلافين لاستحالة العدم في حق الله تعالى، وليسا بمثلين لعدم المماثلة لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (1)، فالله عز وجل لا يوصف بأنه نقيض، ولا ضد ولا خلاف، ولا مثل، سبحانه لا إله إلا هو (2)، وبالله (3) التوفيق بمنّه.
...
__________
(1) سورة الشوري آية رقم 11.
(2) في ط: "إلا الله".
(3) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي بدون إشارة إلى ذلك ص 98.
(2/184)

الباب الثاني
في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه
(2/185)

الباب الثاني في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه
هذا الباب موضوع في بيان معاني الحروف التي (1) يحتاج إليها الفقيه في (2) الاستدلال والاستنباط، الضمير في قوله: (إِليها) يعود إلى المعاني، أي: يحتاج الفقيه إلى معرفة معانيها.
وفي هذا الباب خمسة عشر مطلبًا:
الأول: في الواو.
والثاني: في الفاء.
والثالث: في ثم.
والرابع: في حتى وإلى.
والخامس: في "في".
والسادس: في اللام.
والسابع: في الباء.
__________
(1) في ط: "فالتى".
(2) في ز: "من".
(2/187)

والثامن في: "أو" و"إما".
والتاسع: في أن وما يتضمن (1) معناها.
والعاشر: في لو.
والحادي عشر: في لولا.
والثاني عشر: في بل.
والثالث عشر: في لا
والرابع عشر: في لكن.
والخامس عشر: في التاء التي يفرق بها في (2) العدد (3) بين المذكر (4) والمؤنث.
وهذه الحروف المذكورة في هذا الباب تدور كثيرًا في الكتاب والسنة، فدعت الحاجة إلى معرفتها في الاستدلال على الأحكام وفي استنباطها.
قوله: (الواو لمطلق الجمع في الحكم (5) دون الترتيب في الزمان).
ش: هذا هو المطلب الأول (6) يعني: أن الواو موضوعة لمطلق الجمع بين
__________
(1) في ز: "تضمن"
(2) في ط: "بين"
(3) في ط: "العددين".
(4) في ط: "المذكورين"
(5) "في الحكم" ساقطة من أ.
(6) انظر تفصيل الكلام على معاني الواو في: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 99، شرح التنقيح للمسطاسي ص 40، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 86، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 1/ 189، الإحكام للآمدي 1/ 63، المعتمد =
(2/188)

المعطوف، والمعطوف عليه، ولا تدل على تقدم المعطوف عليه على المعطوف، ولا تدل على تأخير المعطوف عن المعطوف عليه، ولا تدل على اجتماعهما في وقت واحد، ولا تدل إلا على مطلق الجمع في الحكم، وليس فيها (1) إشعار بمسابقة، ولا إشعار بملاحقة، ولا إشعار بمصاحبة في الزمان، فهي مشعرة بالجمع المطلق، الذي هو أعم من هذه المعاني الثلاثة.
فإذا قلت: قام زيد وعمرو؛ يحتمل (2) ثلاثة أوجه وهي: قيام زيد قبل قيام عمرو، ويحتمل عكسه وهو (3) قيام عمرو قبل قيام زيد، ويحتمل قيامهما في حالة واحدة، فالدال على الأعم غير دال على الأخص على التعيين، هذا هو القول المشهور عند النحاة (4) ومذهب (5) المحققين.
قال أبو عمر بن الحاجب: مسألة: "الواو" للجمع المطلق لا ترتيب (6) ولا معية عند المحققين. انتهى (7).
__________
= 1/ 32، شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني 1/ 365، البرهان للجويني 1/ 181، المحصول ج 1 ق 1 ص 507، العدة لأبي يعلى 1/ 194 - 198، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 90، المفصل للزمخشري ص 304، الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي ص 158، رصف المباني في شرح حروف المعاني للمالقي ص 374 وما بعدها، الكتاب 1/ 430.
(1) في ز: "فيه".
(2) في ز وط: "يحتمل ذلك".
(3) في ط: "وهي".
(4) انظر: الجنى الداني ص 158.
(5) في ط: "وهو مذهب".
(6) في ط: "لا للترتيب".
(7) انظر: مختصر المنتهى لابن الحاجب 1/ 189.
(2/189)

وذهب (1) طائفة من الكوفيين: إلى أنها للترتيب (2).
ودليل القائلين أنها (3) لا تقتصي الترتيب أوجه:
أحدها: قوله تعالى في البقرة: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} (4) مع قوله تعالى في الأعراف: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} (5).
ولو كانت الواو للترتيب (6) لوقع التناقض في الكلام، والتناقض في كلام الله تعالى (7) محال، وإنما قلنا: يقع التناقض؛ لأن القصة واحدة أمرًا ومأمورًا وزمانًا.
الوجه الثاني: قوله تعالى حكاية عن كفار العرب المنكرين للبعث: {وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} (8).
[فعطف الحياة على الموت] (9)، فلو كانت الواو للترتيب لكانوا مقرين (10) بالبعث بعد الموت، وليسوا كذلك؛ لأنهم أنكروا البعث.
__________
(1) في ط: "وذهبت"
(2) ذكر المرادي في الجنى الداني (ص 158 - 159) أن هذا القول منقول عن قطرب، وثعلب، وأبي عمر الزاهد، والربعي، وهشام، وأبي جعفر الدينوري، والفراء.
(3) في ط وز: "بأنها".
(4) سورة البقرة آية رقم 58.
(5) سورة الأعراف آية رقم 161.
(6) في ط: "في الترتيب".
(7) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(8) سورة الجاثية آية رقم 24.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) في ط وز: "معترفين".
(2/190)

واختلف (1) المفسرون في معنى (2) قوله: {نَمُوتُ وَنَحْيَا}: قيل: معناه: نحن موتى قبل وجودنا ثم نحيا بوجودنا.
وقيل: معناه: نموت حين (3) نحن (4) نطف (5) ودم (6) ثم نحيا بالأرواح فينا (7)، وهذا القول قريب من الأول.
وقيل: معناه: يموت كبارنا ويولد صغارنا فنحيا أي: يموت بعضنا، ويحيا بعضنا (8).
وعلى هذه (9) التأويلات لا دليل في الآية على عدم الترتيب في الواو، ولكن هذه التأويلات كلها ضعيفة؛ والظاهر أن المراد بالموت في الآية هو الموت المعهود، وهو خروج الروح من الجسد فيكون في الآية [تقديم] (10) وتأخير تقديره: نحيا، ونموت (11).
__________
(1) فى ط: "واختلفوا".
(2) "معنى" ساقطة من ز.
(3) "حين" ساقطة من ط.
(4) في ز: "كوننا".
(5) في ز: "نطفة".
(6) فى ز: "ودما".
(7) في ط: "بالأرواح فيها".
(8) ذكر هذين التأويلين الأخيرين الفخر الرازي في تفسيره (27/ 269)، وذكر تأويلاً آخرِ وهو: أنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: {مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} ثم قال بعده: {نَمُوتُ وَنَحْيَا} يعني: أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا، ومنها ما لم يطرأ الوت عليها وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد.
(9) في ط وز: "هذا".
(10) المثبت بين المعقوفتين من ط وز ولم يرد في الأصل.
(11) ذكر هذا التقدير القرطبي في تفسيره وقال: وهي قراءة ابن مسعود.
انظر: الجامع لأحكام القرآن 16/ 170.
(2/191)

الوجه الثالث: قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} (1).
لأن الوحي إلى محمد عليه الصلاة والسلام (2) إنما كان بعد الوحي إلى الأنبياء قبله عليهم السلام (3)، فدل ذلك على أن الواو لا ترتيب فيها.
الوجه الرابع، أن الواو تدخل فيما لا يصح فيه الترتيب وهو: كل (4) ما لا يستغنى فيه عن المعطوف، وهو: باب (5) التفاعل، والافتعال، والبينية كقولك: تخاصم زيد وعمرو، وقولك (6): اختصم زيد وعمرو.
ومثال البينية: جلست بين زيد وعمرو.
الوجه الخامس: [أن الواو لو كانت للترتيب لوقع التكرار في قوله: قام زيد وعمرو بعده؛ وذلك أن الواو تقتضي البعدية على] (7) تقدير كونها (8) تقتضي الترتيب، وقوله: بعده يقتضي البعدية أيضًا هو: تكرار إذًا، والتكرار خلاف الأصل.
الوجه السادس: أن الواو لو كانت تقتضي الترتيب لوقع التناقض في
__________
(1) سورة الشورى آية رقم 3.
(2) في ط: "- صلى الله عليه وسلم -"، وفي ز: "عليه السلام".
(3) "عليهم السلام" ساقطة من ط وز.
(4) "كل" ساقطة من ز.
(5) "باب" ساقطة من ط.
(6) في ز: "وكذلك".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) في ز: "كونه".
(2/192)

قولك (1): قام زيد وعمرو قبله؛ [وذلك أن الواو على تقدير الترتيب تقتضي البعدية فيقتضي ذلك: أن قيام عمرو بعد قيام زيد، وقولك: قبله] (2) يقتضي (3) القبلية، فيقتضي: أن قيام عمرو قبل قيام زيد، وذلك تناقض؛ مع أن هذا الكلام (4) [هو كلام] (5) جائز فصيح (6).
الوجه السابع: أن جمهور الأدباء (7) نصوا على أن الواو لا ترتيب فيها نص على ذلك أبو علي الفارسي، والجوهري (8)، والسيرافي (9)،
__________
(1) في ز: "قوله".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ز: "فإن قوله قبله يقتضي".
(4) في ز: "علام".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(6) في ط: "وصيح".
(7) يقول الآمدي في الإحكام (1/ 63): أما الواو فقد اتفق جماهير الأدب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ترتيبًا ولا معية، ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقًا.
(8) هو أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي الجوهري، أصله من فاراب من بلاد الترك، أحد أئمة اللسان والأدب، قرأ على أبي علي الفارسي والسيرافي، وكان يؤثر السفر على الحضر، سافر إلى العراق والحجاز وشافه باللغة العرب العاربة وطاف بلاد ربيعة ومضر، ثم عاد إلى خراسان، ثم أقام بنيسابور ملازمًا للتدريس والتأليف، قيل: إنه في آخر حياته عرض له وسوسة فعمل له شبه جناحين وصعد سطح جامع نيسابور، وزعم أنه يطير فوقع ومات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة (393 ه)
من مصنفاته: "الصحيح" في اللغة، و"مقدمة" في النحو، وكتابًا في العروض.
انظر: معجم الأدباء 6/ 151 - 164، شذرات الذهب 3/ 142، مفتاح السعادة تحقيق كامل بكر 1/ 115.
(9) في ط: "والصيرافي".
وهو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، النحوي المعروف بالقاضي، =
(2/193)

والسهيلي (1) وغيرهم (2).
__________
= أصله من سيراف بلد في فارس، وبها ولد وطلب العلم، خرج منها قبل العشرين ومضى إلى عمان، وتفقه بها، ثم عاد إلى سيراف ودخل بغداد وسكنها، وقرأ القرآن الكريم على أبي بكر بن مجاهد، واللغة على ابن دريد، والنحو على أبي بكر ابن السراج النحوي، تولى القضاء ببغداد ودرس القراءات واللغة والفقه والكلام والعروض والنحو، وكان معتزليًا من أصحاب الجبائي، توفي ببغداد سنة ثمان وستين وثلثمائة (368 ه).
من مصنفاته: "شرح كتاب سيبويه"، "الإقناع" في النحو، "شرح مقصورة ابن دريد"، "أخبار النحويين البصريين".
انظر: وفيات الأعيان 2/ 78، معجم الأدباء 8/ 145 - 232، طبقات الزبيدي ص 119، إنباه الرواة 1/ 313.
(1) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ السهيلي الخثعمي الأندلسي، ولد في مالقة سنة (508 ه)، كان مالكيًا عالمًا بالعربية واللغة والقراءات، جامعًا بين الرواية، نحويًا متقدمًا، أديبًا، عالمًا بالتفسير، حافظًا للأنساب، عارفًا بالكلام والأصول، حافظًا للتاريخ، روى عن أبي بكر بن العربي وأبي طاهر، كفّ بصره وهو ابن سبع عشرة سنة، واستدعي إلى مراكش، وحظي بها ودخل غرناطة وأقام بها نحو ثلاثة أعوام.
روى عنه: الرندي، وأبو الحسن الغافقي، توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (581 ه).
من مصنفاته: "الروض الأنف" في شرح السيرة لابن هشام، "شرح الجمل"، "التعريف والإعلام بما أبهم القرآن من الأسماء والأعلام".
انظر: بغية الوعاة 2/ 81، وفيات الأعيان تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد 2/ 323، إنباه الرواة 2/ 162، شذرات الذهب 4/ 271، مرآة الجنان 3/ 422، نفح الطيب 4/ 370.
(2) نقل المرادي عن بعض علماء النحو - كما سبق - أنهم قالوا: إن الواو للترتيب، ولم يسلم حكاية بعض العلماء إجماع النحاة على أن الواو لا ترتيب فيها.
فقال: "وقد علم بذلك أن ما ذكره السيرافي والفارسي والسهيلي من إجماع النحاة =
(2/194)

وقال سيبويه (1): ولو قلت: مررت برجل وحمار لم تجعل للرجل منزلة (2) بتقديمك إياه يكون بها أولى من الحمار، كأنك قلت: مررت بهما (3).
و (4) قال صاحب (5) المغني (6): الواو تنفرد عن سائر حروف العطف
__________
= بصريهم وكوفيهم على أن الواو لا تُرتّب: غير صحيح".
انظر: الجنى الداني (ص 159).
(1) هو أبو البشر عمر بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب المعروف بسيبويه النحوي، ولد بقرية من قرى شيراز، ثم قدم البصرة ليكتب الحديث فلزم حلقة حماد ابن سلمة، فلحن في حرف، فقال له حماد: لحنت يا سيبويه، فقال سيبويه: سأطلب علمًا لا تلحنني فيه، فلزم الخليل، وبرع في النحو فأخذ النحو عن الخليل وعيسى الثقفي ويونس بن حبيب، وأخذ اللغة عن الأخفش الأكبر، وقدم بغداد، وناظر الكسائي، من تلاميذه: أبو الحسن الأخفش وأبو علي محمد بن المستنير قطرب، توفي سنة (180 ه) على القول الراجح.
انظر: وفيات الأعيان 3/ 133 - 135، تاريخ بغداد 12/ 195 - 198، طبقات النحويين للزبيدي ص 66 - 72، البداية والنهاية 10/ 176، معجم الأدباء 16/ 114 - 127، إنباه الرواة 2/ 346 - 360، مفتاح السعادة 1/ 129.
(2) في ط: "مزية".
(3) انظر: الكتاب 1/ 218.
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) هو أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري، ولد بالقاهرة سنة 708 ه، لزم الشهاب عبد اللطيف بن المرحل، وتلا على ابن السراج وحضر دروس التاج التبريزي وتفقه على مذهب الشافعي ثم صار حنبليًا، تخرج به جماعة من أهل مصر، وانفرد بالفوائد الغريبة والمباحث الدقيقة، توفي رحمه الله سنة إحدى وستين وسبعمائة (761 ه).
من مصنفاته: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، "أوضح المسالك".
انظر: بغية الوعاة للسيوطي 2/ 68، 69، شذرات الذهب 6/ 191، 192، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني ج 2 ص 415، 416.
(6) في ط: "المعنى".
(2/195)

بخمسة عشر حكمًا:
أحدها: احتمال معطوفها للمعاني الثلاثة: السابقة (1)، واللاحقة (2) والمصاحبة.
الثاني: اقترانها بإما نحو: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (3).
الثالث: اقترانها بلا نحو: ما قام زيد ولا عمرو.
الرابع: اقترانها ب "لكن" نحو قوله تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ} (4).
الخامس: عطف السببي (5) على الأجنبي نحو: زيد قام عمرو وغلامه (6).
السادس: عطف العقد (7) على [النيف] (8) نحو: أحدٌ (9) وعشرون.
السابع: عطف النعوت المعرفة مع جمع (10) منعوتها (11)، نحو: مررت
__________
(1) في ز: "المسابقة".
(2) فى ط وز: "الملاحقة"
(3) آية رقم 3 من سورة الإنسان.
(4) قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} سورة الأحزاب آية (40).
(5) في ط: "السبي".
(6) في مغني اللبيب نحو: زيد قائم عمرو وغلامه 2/ 355.
(7) في ط: "العقل" وهو خطأ.
(8) المثبت بين المعفوفتين من مغني اللبيب 2/ 355 وهو الصواب، وفي النسخ الثلاث: "النفي".
(9) في ط: "واحد".
(10) في ز: "اجتماع".
(11) في مغني اللبيب (2/ 355): عطف الصفات المفرقة مع اجتماع منعوتها.
(2/196)

برجلين: كريم، وبخيل.
الثامن: عطف ما حقّه التثنية والجمع (1) نحو: قول الشاعر:
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ... ويومًا له يوم الترحل خامس
وهذا البيت يتساءل فيه أهل الأدب، فيقال: كم أقاموا؟ فجوابه: ثمانية أيام (2).
التاسع: عطف ما لا يستغنى عنه نحو: اختصم زيد وعمرو، واشترك زيد وعمرو (3)، وجلست بين زيد وعمرو.
العاشر: عطف الخاص على العام نحو قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} (4).
الحادي عشر: عطف العام على الخاص، نحو: قوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (5).
الثاني عشر: عطف عامل محذوف بقي (6) معموله على عامل آخر
__________
(1) في مغني اللبيب (2/ 355): أو الجمع.
(2) يقول ابن هشام: لأن "يومًا" الأخير رابع، وفد وصف بأن يوم الترحل خامس له، وحينئذٍ فيكون يوم الترحل هو الثامن بالنسبة إلى أول يوم.
انظر: مغني اللبيب 2/ 356.
(3) يقول ابن هشام: وهذا من أقوى الأدلة على عدم إفادتها الترتيب.
انظر: مغني اللبيب 2/ 356.
(4) سورة الأحزاب آية رقم (7).
(5) آية رقم 28 سورة نوح.
(6) في ط: "نفي".
(2/197)

يجمعهما معنى واحد، نحو: قول الشاعر:
...................... وزججن الحواجب والعيونا (1)
أي: وكحلن العيونا، والجامع (2) بين العاملين: التحسين.
الثالث عشر: عطف الشيء على مرادفه، نحو: قوله تعالى: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه} (3)، وقوله تعالى أيضًا (4): {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} (5)، وقوله تعالى أيضًا: {لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا
__________
(1) تمام البيت:
إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا
وقائله هو الراعي النميري، والبيت كما ورد في ديوانه:
وهذه نشوة من حي صدق ... يزججن الحواجب والعيونا
"الغانيات": جمع غانية، وهي المرأة التي غنيت بجمالها عن الحلي، "برزن": ظهرن، "زججن": الزجج دقة في الحاجبين وطول، وزججت المرأة حاجبيها بالمزج: دققته وطولته.
الشاهد في هذا البيت: عطف عيونًا على حواجب، وذلك بتقدير عامل محذوف تقديره: وكحلن العيونا، فهو عطف فعل على فعل.
انظر: الصناعتين لأبي هلال العسكري، ص 188، شرح شواهد المغني للسيوطي 2/ 776، لسان العرب مادة (زجج)، الإنصاف في مسائل الخلاف للأنباري 2/ 322، شرح التصريح على التوضيح لابن هشام 1/ 346، الخصائص لابن جني 2/ 432، مغني اللبيب 2/ 357، شعر الراعي النميري تحقيق نوري حمود القيسي وهلال ناجي ص 150.
(2) في ط: "والجمع".
(3) سورة يوسف آية رقم (86).
(4) "أيضًا" لم ترد في ط.
(5) سورة البقرة آية رقم (157).
(2/198)

أمتًا} (1).
وقوله عليه السلام: "ليلني منكم أولو الأحلام (2) والنُّهى" (3).
الرابع عشر: عطف المقدم على متبوعه، نحو قول الشاعر:
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام (4)
__________
(1) سورة طه آية (107).
(2) في ز: "الأحكام".
(3) هذا جزء من حديث، وتمام الحديث كما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا.
انظر: صحيح مسلم ح/ رقم 432 كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف 1/ 323، سنن أبي داود ح رقم/ 674، كتاب الصلاة، باب ما يستحب أن يلي الإمام (1/ 436)، سنن النسائي كتاب الصلاة باب من يلي الإمام (1/ 68)، سنن ابن ماجه (1/ 312) كتاب إقامة الصلاة باب ما يستحب أن يلي الإمام، سنن الدارمي كتاب الصلاة باب من يلي الإمام 1/ 290.
(4) نسب هذا البيت للأحوص، وقيل: بأن قائله مجهول، قوله: "نخلة": كنى الشاعر بالنخلة عن المرأة، وهو: من ظريف الكناية وغريبها، ويحتمل أن يكون كنى عن محبوبته بالنخلة لئلا يشهرها، "عرق": موضع بالحجاز.
الشاهد في هذا البيت: عطف المقدم على متبوعه؛ لأن التقدير: عليك السلام ورحمة الله، فقدّم المعطوف ضرورة؛ لأن السلام عنده فاعل عليك.
وذكر ابن جني تقدير آخر وهو: أن يكون "رحمة الله" معطوفًا على الضمير في: عليك، والسلام: مرفوع بالابتداء، وخبره مقدم وهو: عليك.
انظر: مجالس ثعلب 1/ 239، خزانة الأدب للبغدادي 1/ 193، مغني اللبيب 2/ 357، شرح التصريح على التوضيح لابن هشام 1/ 344، الخصائص لابن جني 2/ 386، شرح شواهد المغني للسيوطي 2/ 777 تعليق الشنقيطي، همع الهوامع =
(2/199)

الخامس عشر: عطف المخفوض على الجوار، نحو: قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن} (1) على قراءة الخفض (2).
قوله: (الواو لمطلق الجمع) يريد به الواو العاطفة، ولم يتكلم المؤلف على غير العاطفة.
قال الباجي: الواو لها عشرة معاني.
تكون عاطفة نحو: رأيت زيدًا وعمرًا.
وتكون بمعنى "أو" نحو: قوله تعالى: {مثنَى وَثلاثَ وَربَاعَ} (3)، ومنه قول الشاعر:
ومن يسأل الركبان عن كل (4) غائب ... فلا بد أن يلقى بشيرًا وناعيًا (5)
وتكون للحال نحو: قوله تعالى: {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
__________
= للسيوطي 1/ 173.
(1) سورة المائدة آية رقم (6).
(2) نقل المؤلف المعاني السابقة للواو باختصار، انظر: مغني اللبيب 2/ 355 - 357.
(3) سورة النساء آية رقم (3).
(4) "كل" ساقطة من ط.
(5) هذا البيت ورد في ط وز، ولم يرد في الأصل.
وقائله الشريف الرضي من قصيدة له قالها عند توجه الناس للحج في ذي القعدة سنة 400 ه، ومطلع القصيدة:
أقول لركب رائحين لعلكم ... تحلون من بعدي العقيق اليمانيا
إلى أن قال:
ومن يسأل الركبان عن كل غائب ... فلا بد أن يلقى بشيرًا وناعيًا
انظر: ديوان الشريف الرضي ج 2/ 968، أنوار الربيع في أنواع البديع لعلي صدر الدين معصوم المدني، تحقيق شاكر هادي ج 2/ ص 115.
(2/200)

أَنْفُسُهُمْ} (1) [معناه: إذ طائفة] (2).
وتكون صلة: كقوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ} (3).
وتكون للاستئناف: كقولك: رأيت زيدًا، وعمرًا منطلق.
وتكون للجواب كقوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (4) وتكون للقسم كقولك (5): والله لأفعلن كذا.
وتكون بمعنى رب كقول الشاعر:
وبلدة ليس بها (6) أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس (7)
وتكون بمعنى مع (8) كقولك: تركت الناقة وفصيلها، أي: مع فصيلها.
__________
(1) سورة آل عمران آية رقم (154).
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) آية رقم (103، 104) سورة الصافات، وفي ط وز: "أي ناديناه".
(4) سورة آل عمران آية رقم (142).
(5) في ط: "كقوله تعالى" وهو وهم من الناسخ.
(6) في ط: "فيها".
(7) قائل هذا البيت هو جران العود النميري.
اليعافير: جمع يعفور وهو ولد البقرة الوحشية، العيس: جمع عيساء، كالبيض جمع بيضاء وهي الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة.
أبدل اليعافير والعيس من أنيس، وإلا الثانية مؤكدة للأولى.
انظر: ديوان جران العود ص 52، شرح التصريح على التوضيح لابن هشام 1/ 353، خزانة الأدب 4/ 54، الإنصاف للأنباري 1/ 157، إحكام الفصول للباجي 1/ 38.
(8) "مع" ساقطة من ط.
(2/201)

وتكون بمعنى الباء، كقولك: ما زلت (1) وعبد الله حتى فعل كذا، أي: ما زلت (2) بعبد الله (3) حتى فعل كذا (4).
وأما دليل القائلين بأن الواو تقتضي الترتيب فهي أوجه:
[أحدها] (5) قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (6).
فقدّم الركوع على السجود واستفيد ذلك من الواو.
و (7) أجيب عن هذا: بأن تقديم الركوع على السجود، إنما استفيد من قوله عليه السلام: "صلّوا كما رأيتموني أصلي" لا من الواو.
و (8) الوجه الثاني: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (9)، لما نزل قال الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بم نبدأ يا رسول الله؟ قال: "ابدؤوا بما بدأ الله به" (10).
__________
(1) في ط: "ما زالت".
(2) في ط: "ما زالت".
(3) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "وعبد الله".
(4) انظر هذه المعاني العشرة للواو في: إحكام الفصول للباجي (1/ 37 - 39).
(5) المثبت من ط وز، ولم ترد في الأصل.
(6) سورة الحج آية رقم (77).
(7) "الواو" ساقطة من ز وط.
(8) "الواو" ساقطة من ط.
(9) آية رقم (158) من سورة البقرة.
(10) أخرجه بهذا اللفظ بصيغة الأمر وهي: "ابدأوا" عن جابر رضي الله عنه الدارقطني في كتاب الحج، باب المواقيت حديث رقم 81 (2/ 254)، والبيهقي في كتاب الطهارة، باب الترتيب فى الوضوء 1/ 85.
وأخرجه مسلم بصيغة: (ابدأ) من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - =
(2/202)

ولولا أن الواو تقتضي (1) الترتيب لما كان ذلك.
أجيب عن هذا: بأن الواو لو كانت للترتيب لما احتاجوا إلى السؤال (2)؛ لأنهم أهل اللسان، بل سؤالهم يدل على أنهم فهموا منها عدم الترتيب.
الوجه الثالث: "أن رجلاً (3) قام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب (4)،
__________
= وفيه: "ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} أبدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا ... الحديث.
صحيح مسلمَ، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، 4/ 38 - 43.
وأخرجه بصيغة "نبدأ" أبو داود عن جابر من حديث طويل في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم الحديث 1905، (1/ 455 - 464).
وأخرجه أيضًا الترمذي رقم الحديث 862، كتاب الحج، باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا، وقال: هذا حديث حسن صحيح (3/ 213 - 214).
وأخرجه أيضًا: النسائي في كتاب الحج، ذكر الصفا والمروة 5/ 191.
وأخرجه أيضًا: ابن ماجه رقم الحديث 3074، كتاب المناسك، ذكر الصفا والمروة 5/ 191.
وأخرجه أيضًا ابن ماجه رقم الحديث 3074، كتاب المناسك، باب حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2/ 1022 - 1026).
وأخرجه أيضًا: مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب البدء بالصفا (1/ 372).
(1) في ط: "لا تقتضي".
(2) المثبت من ط، وفي الأصل: "الرسول"، وفي ز: "سؤال".
(3) هو ثابت بن قيس كما حدده الزركشي في المعتبر (ص 32) وهو الصحابي الجليل ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، وكان ثابت بن قيس خطيب الأنصار وخطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما كان حسان شاعره، شهد أحدًا وما بعدها وقتل يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر الصديق.
انظر ترجمته في: الإصابة 1/ 395، الاستيعاب 1/ 200، أسد الغابة 1/ 229، 230.
(4) في ط وز: "فخطب".
(2/203)

وقال (1): من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له (2) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" (3)، ولو كان الواو لمطلق الجمع لما وقع الفرق بين العبارتين.
أجيب عن هذا: بأنه عليه السلام إنما رد ذلك على الخطيب، لإخلاله بالترتيب الزماني لا لإخلاله (4) بالترتيب الحرفي، فإنه عليه السلام أمره أن يرتب الحقيقة الزمانية، وهي (5) أن ينطق باسم الله تعالى (6) أولاً ثم (7) يذكر رسوله (8) ثانيًا: اهتمامًا وتعظيمًا لاسم الله عز وجل.
وبيان هذا الجواب: أن الترتيب له سببان وهما: أداة (9) لفظية، وحقيقة زمانية.
__________
(1) في ط: "فقال".
(2) "له" ساقطة من ز.
(3) أخرجه الإمام مسلم عن عدي بن حاتم أن رجلاً خطب عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بئس الخطيب أنت, قل: ومن يعص الله ورسوله" قال ابن نمير: "فقد غوى".
انظر: صحيح مسلم كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة 3/ 12.
وأخرجه أيضًا: النسائي عن عدي بن حاتم في كتاب النكاح، ما يكره من الخطبة (6/ 74)، والإمام أحمد في مسنده 4/ 256، 379.
وانظر: المعتبر للزركشي ص 32.
(4) في ز: "لا بإخلاله".
(5) في ط وز: "وهو".
(6) في ط وز: "عز وجل".
(7) في ط: "ولا ثم".
(8) في ز: "رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
(9) في ط: "أداة".
(2/204)

فالأداة (1) اللفظية نحو: الفاء وثم.
والحقيقة الزمانية هي: أن أجزاء الزمان مترتبة (2) بذاتها، فالماضي قبل الحال، والحال قبل الاستقبال (3)، فلا يقع الحال قبل الماضي ولا يقع المستقبل قبل الحال، واجتماع الأزمان محال عقلاً، فإذا كانت أجزاء الزمان مترتبة فالأفعال والأقوال الواقعة فيها مترتبة (4)، فالواقع في المرتب مرتب، والواقع في السابق سابق على الواقع في اللاحق، فالمنطوق به أولاً متقدم لتقدم زمانه، والمنطوق به آخرًا متأخر لتأخر (5) زمانه؛ ولأجل ذلك يقدم المفعول على الفاعل تشريفًا له (6) بالحقيقة الزمانية فقط.
كقولنا (7): أنشد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسان بن ثابت، وليس ها هنا لفظ مرتب بالأدوات (8) اللفظية بل الزمان فقط.
فتبين بهذا (9) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما عتب الخطيب لترك الترتيب (10)
__________
(1) في ط: "فالأداة".
(2) في ط: "مترتب".
(3) في ز: "المستقبل".
(4) في ز: "مرتبة".
(5) "لتأخر" ساقطة من ط.
(6) في ط: "بفاعله".
(7) في ط: "قولنا".
(8) في ط: "بالأدوات"، وفي ز: "من الأدوات".
(9) في ز: "من هذا".
(10) في ز: "الرتبة".
(2/205)

بالحقيقة الزمانية لا لترك (1) الترتيب (2) بالأداة (3) اللفظية، فحمل كلامه عليه السلام على هذا أولى من حمله (4) على ذلك؛ لأن حمله على ما قلنا مجمع عليه، وما ذكروه مختلف فيه، فإضافة كلام الشارع إلى المتفق عليه أولى من حمله على المختلف فيه؛ لأن الترتيب الزماني متفق عليه، والترتيب اللفظي مختلف فيه (5).
قال المؤلف في الشرح: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" (6) فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب بينهما، فما الفرق بين الكلامين؟
أجيب عنه: بأن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة، وإيقاع الظاهر موقع
__________
(1) في ط: "ترك".
(2) في ز: "الرتبة".
(3) في ط: "بالأدوات".
(4) في ط: "عمله".
(5) انظر هذا الجواب في شرح التنقيح للمسطاسي ص 41.
(6) خلط المؤلف تبعًا للقرافي بين حديثين صحيحين وهما:
الحديث الأول: أخرجه البخاري عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".
انظر: البخاري كتاب الإيمان، باب حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان (1/ 12).
وأخرجه أيضًا ابن ماجه عن قتادة عن أنس بهذا اللفظ إلا أنه قدّم ولده على والده.
انظر: سنن ابن ماجه، المقدمة حديث رقم (67) 1/ 26.
الحديث الثاني: أخرجه البخاري عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
انظر: صحيح البخاري كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان (1/ 12).
وأخرجه أيضًا ابن ماجه عن أنس بلفظ نحو هذا في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم الحديث العام (4033)، (2/ 1338 - 1339).
(2/206)

المضمر (1) في الجملة الواحدة: قبيح، وكلام الخطيب جملتان: إحداهما: مدح، والأخرى: ذم، وإيقاع الظاهر موقع المضمر (2) في الجملة حسن (3) (4).
الوجه الرابع: من الأوجه الدالة على أن الواو تقتضي الترتيب: قول الرجل لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق، وطالق، وطالق (5)، يلزمه (6): طلقة واحدة، وما (7) ذلك إلا لأجل أن الواو تقتضي الترتيب، فلو كانت الواو للجمع المطلق لطلقت ثلاثًا كما في قولك: أنت طالق ثلاثًا.
أجيب عن هذا: بأن البينونة إنما وقعت بالطلقة الواحدة؛ لأجل الترتيب الزماني أي: بالحقيقة الزمانية لا بالأداة (8) اللفظية - كما تقدم -؛ لأن النطق بالأولى متقدم (9) على النطق بالثانية، فتبِينُ بالأولى ولم تصادف الثانية
__________
(1) في ط: "الضمير".
(2) في ط: "الضمير".
(3) في ط: "حصر".
(4) هذا هو الوجه الثاني، والوجه الأول كما ذكره القرافي في شرح التنقيح (ص 100) ونسبه للشيخ عز الدين بن عبد السلام هو: أن منصب الخطيب حقير قابل للزلل، فإذا نطق بهذه العبارة قد يتوهم فيه لنقصه أنه إنما جمع بينهما في الضمير؛ لأنه أهمل الفصل بينهما في الضمير، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية، ومنصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غاية الجلالة والبُعد عن الوهم والتوهم، فلا يقع بسبب جمعه عليه الصلاة والسلام إيهام التسوية.
(5) "وطالق" ساقطة من ط.
(6) في ط وز: "تلزمه".
(7) في ط: "وأما".
(8) في ط: "لا بالأداة".
(9) في ط: "مقدم".
(2/207)

محلاً.
و (1) أيضًا قوله: تلزم طلقة واحدة في قولك أنت طالق، وطالق، وطالق، هو محل (2) الخلاف:
قال الشافعي: يلزم (3) واحدة.
وقال غيره: تلزم ثلاث.
قال أبو عمرو بن الحاجب: وفي (4) النسق بالواو إشكال، قال ابن القاسم (5): ورأيت (6) الأغلب عليه أنها مثل "ثم" و (7) لا ينوى وهو رأيي.
الوجه الخامس من الأوجه الدالة على أن الواو تقتضي الترتيب: قول عمر رضي الله عنه [للشاعر القائل] (8):
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ط: "حل".
(3) في ز وط: "تلزم".
(4) في ز وط: "قال مالك وفي النسق ... " إلخ.
(5) هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي الفقيه المالكي، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة (133 ه) وصحب مالكًا عشرين سنة، وروى عنه، وعن الليث، وعبد العزيز بن الماجشون، وابن القاسم، جمع بين العلم والزهد والسخاء والشجاعة والفقه والورع، وهو صاحب المدونة وعنه أخذها سحنون، وروى عنه: أصبغ وسحنون وعيسى بن دينار، والحارث بن مسكين، توفي رحمه الله سنة إحدى وتسعين ومائة (191 ه) بمصر.
انظر ترجمته في: الديباج المذهب 1/ 465 - 468، وفيات الأعيان، 3/ 362، شذرات الذهب 1/ 329، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 356.
(6) في ز: "ورويت".
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/208)

........ كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا (1)
فقال له عمر: لو قدّمت الإسلام لأجزتك، فلولا أن الواو تقتضي الترتيب لما قال له عمر (2) ذلك (3).
أجيب عنه: بأنه إنما حرمه من الجائزة (4) لإخلاله (5) بالترتيب الزماني لا لإخلاله (6) بالترتيب الحرفي - كما (7) تقدم في مسألة الخطيب (8) -.
__________
(1) هو عجز مطلع قصيدة، والبيت بتمامه:
عميرة ودع إن تجهزت غاديًا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا
وقائله: سحيم عبد بني الحسحاس شاعر مخضرم أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وتمثل النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء من شعره وخصوصًا هذا البيت، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقدم الإسلام على الثيب في هذا البيت.
انظر: ديوان سحيم ص 16 تحقيق الميمني، خزانة الأدب للبغدادي 1/ 129، الإنصاف للأنباري 1/ 99، شرح شواهد المغني 1/ 325، 326، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 93، لسان العرب مادة (كفى).
(2) في ط: "أي عمر".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 100.
وانظر: شرح شواهد المغني للسيوطي 1/ 327.
وشرح المفصل لابن يعيش 8/ 93.
(4) في ط: "رب من الجازة".
(5) في ط: "لاختلاله".
(6) في ط: "لا لاختلاله".
(7) في ط: "لما".
(8) وعلى هذا يتبين أن القول الأول القائل بأن الواو لا تقتضي الترتيب هو الراجح؛ لسلامة أدلته من المعارضة، ولإجابة المؤلف عن أدلة القول الثاني وهو: أن الواو تقتضي الترتيب، والله أعلم.
(2/209)

قوله: (والفاء للتعقيب والترتيب والتسبيب نحو: سهى فسجد).
ش: هذا هو المطلب الثاني (1) فذكر أن الفاء له ثلاثة معان:
التعقيب، والترتيب، والتسبيب، ومعنى التعقيب: عدم التراخي، واحترز بالتعقيب من ثمّ كما سيأتي، واحترز بالترتيب من الواو، فلو قدم الترتيب على التعقيب لكان أحسن؛ لأن التعقيب يستلزم الترتيب دون العكس (2).
قال بعضهم: إنما قدم التعقيب؛ لأنه متفق عليه، وأما الترتيب فهو مختلف فيه، وتقديم المتفق عليه أولى (3) من تقديم المختلف فيه.
قوله: (والفاء للتعقيب والترتيب).
قال المؤلف (4): التعقيب يكون بحسب الإمكان في العادة، احترازًا
__________
(1) انظر تفصيل الكلام على معاني الفاء في: شرح التنقيح للقرافي ص 101، شرح التنقيح للمسطاسي ص 41، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 87، المحصول للرازي ج 1 ق 1 ص 522 - 528، البرهان للجويني المسألة رقم (93) 1/ 184، المعتمد 1/ 32، الإحكام للآمدي 1/ 68، العدة لأبي يعلى 1/ 198، شرح المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 348، شرح الكوكب المنير 1/ 233، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص 137، الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي ص 61 - 78، المفصل للزمخشري ص 304، وشرحه لابن يعيش 8/ 94 - 96، رصف المباني ص 440 - 450، الكتاب لسيبويه 1/ 418.
(2) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 41.
(3) "أولى" ساقطة من ط.
(4) في ز: "قال المؤلف في الشرح"، وفي ط: "قال المؤلف في التعقيب".
(2/210)

من قولهم مثلاً (1): دخلت (2) الكوفة فالبصرة؛ إذ لا يشترط في دخول البصرة أن يلي دخول الكوفة بالزمان الفرد، بل إن كان بينهما ثلاثة أيام فدخل بعد الثلاثة، فذلك تعقيب عادة، وإن دخل بعد أربعة أيام أو أكثر فليس بتعقيب عادة، ولا يشترط في دخول البصرة أن يلي دخول الكوفة بالزمان الفرد؛ لأن ذلك محال عادة والعرب لم تضع المحال (3).
قوله: (والفاء للتعقيب) يريد بها العاطفة، وأما الفاء (4) التي هي الجواب (5) فلا تقتضي التعقيب، كقولك: إذا دخلت مكة فاشتر لي عبدًا، ومنه قوله تعالى: {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} (6) معناه: فيستأصلكم بعذاب، فقد حصل الافتراء منهم، ولم يحصل الاستئصال في الحين.
قوله: (للتعقيب [والترتيب] (7)): مثاله قولك: قام زيد فعمرو، فالفاء (8) ها هنا يفيد أمرين.
أحدهما: أن (9) قيام عمرو بعد قيام [زيد.
__________
(1) "مثلاً" ساقطة من ز.
(2) في ز: "دخلنا".
(3) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 101.
(4) "الفاء" ساقطة من ط.
(5) في ط: "للجوات" وهو خطأ.
(6) سورة طه آية رقم (61).
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) في ط: "والفاء".
(9) "أن" ساقطة من ط.
(2/211)

والثاني: أن قيام] (1) عمرو، وقع عقيب قيام زيد من غير تراخ.
قوله: (للتعقيب) وذكر ابن مالك في التسهيل أنها تكون بمعنى ثم (2) فيقتضي التراخي، وهو: المهلة، نحو: قوله تعالى: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} (3)
قوله: (والترتيب) و (4) ذكر الفراء أنها تكون لغير الترتيب كالواو، نحو قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} (5) قال: المعنى ثم تدلى فدنا (6).
وقال (7) أبو إسحاق العطار (8) في شرح الجزولية: وهذا جائز في كل فعلين معناهما واحد نحو قوله (9): دنا فقرب، يجوز أن تقول (10): دنا فقرب، ويجوز (11) أن تقول: قرب فدنا، وكقولك: شتمني فأساء،
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) "ثم" ساقطة من ط.
(3) سورة المؤمنون آية رقم (14).
(4) "الواو" ساقطة من ط.
(5) سورة النجم آية رقم (8).
(6) معاني القرآن للفراء 3/ 95.
(7) في ز: "قال".
(8) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد السلام العطار من علماء القرن السابع، برع في النحو، قرأ عليه أبو العباس بن البنا الأزدي المراكشي كراسة الجزولي في النحو بشرحه وأملى عليه العطار شرحه على الكراس وسماه: "المشكاة والنبراس على شرح كتاب الكراس" فرغ من تأليفه سنة (705 ه).
انظر: جذوة الاقتباس ص 76، فهرس مخطوطات خزانة القرويين 2/ 10، إيضاح المكنون للبغدادي 2/ 488، 489.
(9) في ط وز: "قولك".
(10) في ط: "يقول".
(11) "ويجوز" ساقطة من ز، وفي ز: "أو تقول".
(2/212)

وأساء (1) فشتمني؛ لأن الشتم والإساءة، واحد (2) في المعنى (3).
قوله: (والتسبيب نحو قولنا: سهى فسجد).
ش: [ومثاله أيضًا] (4) قولك (5): سرق فقطع، وقولك (6): زنا فجلد، أو زنا فرجم، وقولك: شرب الخمر فحد (7)، فإن الفاء في هذه الأمثلة تقتضي السببية والعلية (8)؛ لأن ما قبلها سبب لما بعدها.
ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} (9).
ومنه قوله تعالى أيضًا (10): {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُم} (11).
وقوله (12) تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه} (13).
__________
(1) في ط: "أو أساء"
(2) في ط: "واحدة".
(3) انظر: كتاب المشكاة والنبراس على شرح كتاب الكراس للجزولي تأليف إبراهيم بن عبد السلام العطار 1/ 173، وقد نقل المؤلف بالمعنى، وهو مخطوط موجود بخزانة القرويين بفاس رقم ل 40/ 507.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(5) في ز: "وقولك"، وفي ط: "كقولك".
(6) في ز: "كذلك".
(7) في ز وط زيادة المثال التالي: "وقولك: قذف فحد"، وفي ز: "فجلد".
(8) في ز: "والعلة".
(9) سورة الحج آية رقم 63.
(10) "أيضًا" ساقطة من ط.
(11) سورة البقرة آية رقم 22.
(12) في ز: "ومنه قوله".
(13) سورة البقرة آية رقم 37.
(2/213)

وقوله تعالى (1): {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} (2)، وغير ذلك وهو كثير.
قوله: (والترتيب) هذا هو المشهور (3) عند النحاة.
وذهب بعض الكوفيين إلى أنها لا تقتضي الترتيب.
وحجتهم: أن الفاء قد تكون في موضع لا يصح (4) فيه الترتيب.
ومنه قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} (5) فلا يمكن الترتيب ها هنا؛ لأن النداء والقول راجعان إلى معنى واحد، والشيء الواحد لا يرتب (6) على نفسه.
وكذلك قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل (7)
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(2) سورة الكهف آية رقم 49.
(3) في ط: "المشهورة"
(4) في ط: "لا يصلح".
(5) سورة هود آية رقم 45.
(6) في ط: "لا ترتيب".
(7) هذا البيت هو مطلع معلقة امرئ القيس.
"السقط": منقطع الرمل حيث يستدق من طرفه وفيه ثلاث لغات: سِقْط، وسَقط، وسُقط، "اللوى": رمل يعوج ويلتوي وهو يسمى الآن مشرف واسمَه في الجاهلية شراف.
انظر: ديوان امرئ القيس ص 8، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، شرح المعلقات =
(2/214)

الدخول (1) وحومل (2) هما: بلدان، فلا يمكن الترتيب ها هنا أيضًا.
ومن كلامهم أيضًا (3): نزل المطر موضع كذا فكذا، وهو (4) لا يمكن الترتيب فيه أيضًا.
قال المرادي في شرح الألفية: الصحيح أن الفاء تفيد الترتيب، والتعقيب وكل ما أوهم خلاف ذلك (5) يؤول (6)، وهو مذهب الجمهور (7).
قال المؤلف في الشرح: والدليل على (8) أن الفاء للترتيب، وجوب دخولها في جواب الشرط إذا كان جملة اسمية نحو (9) قولك (10): من دخل
__________
= السبع للزوزني ص 4، خزانة الأدب للبغدادي 4/ 397، مجالس ثعلب 1/ 127، المنصف لابن جني 1/ 224، صحيح الأخبار لابن بليهد 1/ 16.
(1) "الدخول": ماء عذب معروف الآن بهذا الاسم يقع شمال الهضب المعروف بين وادي الدواسر ووادي رنيه.
انظر: صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار لابن بليهد 1/ 16.
(2) "حومل": هو جبل قريب من الدخول في جهته الغربية والجنوبية.
انظر: المصدر السابق.
(3) "أيضًا" ساقطة من ز.
(4) في ز: "وهذا".
(5) "ذلك" ساقطة من ط.
(6) في ز وط: "تؤول".
(7) نقل المؤلف بالمعنى انظر: شرح الألفية للمرادي 3/ 196.
(8) المثبت من ز وط، ولم ترد "على" في الأصل.
(9) "نحو" ساقطة من ز.
(10) في ز: "كقولك".
(2/215)

داري فله درهم.
قال النحاة: لو لم يقل: "فله"، بل (1) قال: "له" بغير فاء لكان إقرارًا بالدرهم، ويكون الشرط المتقدم بقي لغوًا بغير جواب.
وكذلك قولك: إن دخلت الدار فأنت طالق، وقولك (2): إن دخلتَ الدار فأنت حر (3) لو حذف الفاء لوقع الطلاق، والعتق في الحال من غير توقف على دخول الدار؛ لأن الموجب لتعليق الطلاق والعتق على دخول الدار إنما هو (4) الفاء في الجملة الاسمية، فإذا عدمت (5) الفاء انقطع الكلام عما قبله فصار إنشاء لا (6) تعليقًا من جهة دلالة اللفظ لا من جهة الإرادة والفتيا، فإذا كانت الفاء هي التي ترتب دل على أنها للترتيب (7).
قوله: (وثم للتراخي).
ش: هذا هو المطلب الثالث (8).
__________
(1) في ط: "حل" وهو خطأ.
(2) في ط: "وكذلك قولك"، وفي ز: "وكذلك".
(3) في ط: "حرة".
(4) في ز: "هي".
(5) في ط: "عدمه".
(6) في ط: "إلى تعليقًا".
(7) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 101.
(8) انظر تفصيل الكلام في معاني ثم في: شرح التنقيح للقرافي ص 101، شرح التنقيح للمسطاسي ص 42، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 88، المعتمد 1/ 32، الإحكام للآمدي 1/ 69، العدة لأبي يعلى 1/ 199، شرح المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 344، المسودة لآل تيمية ص 356، القواعد =
(2/216)

وفي هذا الحرف أربع (1) لغات ذكرها المرادي في شرح الألفية، وهي: ثم، فم، ثُمَتَ، ثُمَتْ (2).
أعني إبدال الفاء بالفاء، أو إلحاق تاء التأنيث مفتوحة، أو إلحاق تاء التأنيث ساكنة (3).
فذكر المؤلف أن ثم يقتضي التراخي، وهو. المهلة في الزمان نحو قولك: قام زيد ثم عمرو، يقتضي هذا الحرف الذي هو ثم، أن قيام عمرو بعد قيام زيد بزمان.
وقوله (4): (التراخي) احترازًا من الفاء؛ إذ لا تراخى فيها، واحترازًا أيضًا (5) من الواو؛ إن هي لمطلق الجمع.
قوله (6): (وثم للتراخي) هذا مذهب الجمهور، وكل ما أوهم خلافه تؤول، قاله المرادي في شرح الألفية (7).
قال المرادي (8): ذكر (9) ابن مالك في التسهيل أنها تقع موقع
__________
= والفوائد الأصولية لابن اللحام ص 138، فواتح الرحموت 1/ 234، 235، الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي ص 426 - 432، المفصل للزمخشري ص 304، شرح المفصل 8/ 94، شرح الألفية للمرادي 3/ 196، رصف المباني ص 249 - 251.
(1) في ز: "أربعة".
(2) "ثمت" ساقطة من ط.
(3) انظر: شرح الألفية للمرادي 3/ 198.
(4) في ز: "قوله".
(5) في ز: "احترازًا من الواو أيضًا".
(6) في ط: "وقوله".
(7) شرح الألفية للمرادي 3/ 196.
(8) "المرادي" ساقطة من ز.
(9) "ذكر" ساقطة من ز.
(2/217)

الفاء (1)
قال الأستاذ ابن عصفور (2): ذهب الكوفيون إلى أنها لا تقتضي الترتيب بمنزلة الواو.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} (3)؛ لأن السجود لآدم إنما كان قبل خلقنا، فدل (4) على عدم الترتيب.
وبقوله تعالى أيضًا: {فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} (5) إلى قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} (6) لأن كان قبل الإعتاق والإطعام، فدل على عدم الترتيب.
__________
(1) انظر: شرح الألفية للمرادي 3/ 196.
(2) هو علي بن مؤمن بن محمد بن علي، أبو الحسن بن عصفور النحوي الإشبيلي، ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة (597 ه)، حامل لواء العربية بالأندلس، أخذ عن الشلوبين ولازمه مدة، وجال بالأندلس وأقبل عليه الطلبة، وكان من أصبر الناس على المطالعة ولم يؤخذ عنه غير النحو، توفي سنة تسع وستين وستمائة (669 ه).
من مصنفاته: "الممتع" في التصريف، "المقرب وشرحه"، "مختصر المحتسب"، "شرح المقدمة الجزولية".
انظر: بغية الوعاة 2/ 210، شذرات الذهب 5/ 330، مفتاح السعادة 1/ 118.
(3) سورة الأعراف آية رقم (11).
(4) في ط: "فدخل".
(5) سورة البلد آية رقم (13، 14).
(6) سورة البلد آية رقم (17).
(2/218)

و (1) بقول (2) الشاعر:
قل (3) لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد (4) ساد بعد ذلك جده (5)
لأن سؤدد جده كان قبل سؤدد أبيه، وسؤدد أبيه كان قبل سؤدد نفسه, فدل أيضًا على عدم الترتيب كالواو.
أجيب عن الآية الأولى: بأن في الكلام حذف مضاف تقديره: ولقد خلقنا أصلكم (6) الذي هو آدم ثم صورنا أصلكم (7) الذي هو آدم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فتبقى (8) "ثم" على أصلها (9) في الترتيب.
__________
(1) المثبت من ز، ولم ترد في الأصل.
(2) في ط: "ويقول".
(3) "قل" ساقطة من ط.
(4) "قد" ساقطة من ز.
(5) قائل هذا البيت هو أبو نواس الحسن بن هانئ، وورد البيت في ديوانه وفي خزانة الأدب هكذا:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... قبله، ثم قبل ذلك جده
وفي الدرر اللوامع وهمع الهوامع:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
استشهد في هذا البيت على أن ثم لا تفيد الترتيب.
انظر ديوانه ص: 493 تحقيق أحمد الغزالي، خزانة الأدب للبغدادي 4/ 412، شرح الألفية للمرادي 3/ 198، همع الهوامع 2/ 131، شرح الأشموني على الألفية 2/ 418، الدرر اللوامع 2/ 173، الجنى الداني للمرادي ص 428.
(6) في ز: "أصلهم".
(7) في ز: "أصلهم".
(8) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "فنبقي".
(9) في ز: "أصله".
(2/219)

وأجيب عن (1) الآية الثانية: بأن "ثم" فيها لترتيب (2) الرتب وتراخيها لا لترتيب الأزمان وتراخيها.
قال أبو القاسم الزمخشري: إنما جيء بثمّ لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة (3) والفضيلة على العتق والصدقة لا في الوقت؛ لأن الإيمان هو: السابق على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به (4)، وهذا أيضًا هو الجواب عن البيت المتقدم، أعني (5) أن المقصود التنبيه على تراخي الرتب، فالممدوح (6) كان أبوه أعظم رتبة منه، وجده كان أعظم رتبة من أبيه.
ومنهم من قال: البيت محمول على ظاهره من سؤدد الممدوح أولاً، ثم سؤدد أبيه بعده، ثم سؤدد الجد بعده (7)، كمثل قول الشاعر:
وكم أب قد علا بابن ذرى حسب ... كما علت برسول الله عدنان (8)
__________
(1) في ط: "على".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الترتيب".
(3) في ط: "في الترتيب"، وفي ز: "الرتب".
(4) انظر: الكشاف للزمخشري 4/ 257.
(5) "أعني" ساقطة من ط.
(6) في ز: "في الممدوح".
(7) يعني أن المراد: أن الجد أتاه السؤدد من قبل الأب، والأب من قبل الابن.
وقد ذكر هذا التأويل للبيت المرادي في الجنى الداني ص 429، ونسبه لابن عصفور ابن هشام في مغني اللبيب 1/ 126، والأشموني في شرح الألفية 2/ 418.
(8) قائل هذا البيت ابن الرومي، نسبه له ابن هشام في مغني اللبيب، وقبل هذا البيت:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري، ولكن منه شيبان
انظر: مغني اللبيب لابن هشام 1/ 126، خزانة الأدب 4/ 411، الدرر اللوامع =
(2/220)

فبقيت "ثم" (1) على بابها من الترتيب.
قوله: (وثم للتراخي) قال الباجي: وقد (2) تكون بمعنى الواو (3) كقوله تعالى: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} (4)، وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (5).
قوله: (وحتى وإِلى للغاية).
ش: هذا هو المطلب الرابع، ذكر هذين (6) الحرفين للغاية، وغاية الشيء هي نهايته، وطرفه، وآخره.
مثال حتى: قوله تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (7).
ومثال إلى: قوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (8).
ولنتكلم على كل واحد من هذين الحرفين (9) على حدته:
أما "حتى" فاعل (10) أنها (11) تأتي على أربعة معان (12) وهي: ابتدائية،
__________
= 2/ 174، الجنى الداني للمرادي ص 429.
(1) "ثم" ساقطة من ط.
(2) في ط: "قد".
(3) انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق عمران العربي 1/ 40.
(4) الآية 46 من سورة يونس.
(5) الآية 82 من سورة طه.
(6) في ط وز: "ذكر أن هذين ... " إلخ.
(7) سورة القدر آية رقم (5)
(8) سورة البقرة آية (280).
(9) "الحرفين" ساقطة من ز.
(10) "فاعلم" ساقطة من ط.
(11) في ط: "فإنها".
(12) انظر تفصيل الكلام في معاني "حتى" في: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 102، =
(2/221)

وعاطفة، وجارة، وناصبة [ولا تفارقها الغاية في جميع الأوجه المذكورة (1)] (2).
فأما الابتدائية فهي التي تدخل على مبتدأ، أو على ماض، أو على مضارع مرفوع.
مثال الداخلة على المبتدأ قولك: قام الناس حتى زيد قائم، ومنه قول الشاعر:
فيا عجبًا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع (3)
__________
= شرح تنقيح الفصول للمسطاسي ص 42، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 89، البرهان للجويني مسألة رقم (106) ج 1/ 193، الإحكام للآمدي 1/ 69، شرح المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/ 345، شرح الكوكب المنير 1/ 238 - 240, القواعد والفوائد الأصولية ص 143، الجنى الداني ص 542 - 558، المفصل ص 304، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 15، الكتاب 1/ 49، 413، رصف المباني ص 257 - 261، المقتضب للمبرد 2/ 37 - 42.
(1) في ط: "الأربعة".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) قائل هذا البيت هو الفرزدق.
وهذا البيت من قصيدة له يهجو بها جريرًا ويرد قصيدة له، ومطلعها:
ومِنَّا الذي اختير الرجالَ سماحةً ... وخيرًا إذا هبَّ الرياحُ الزَّعازعُ
إلى أن قال:
فيا عجبًا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشعُ
الشاهد فيه: دخول "حتى" على الجملة الابتدائية، و"حتى" هنا حرف ابتداء وتفيد الغاية في التحقير.
شرح بعض الألفاظ: "كليب" كليب بن يربوع رهط جرير جعلهم في الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه، "نهشل ومجاشع" إخوان ابنا دارم بن مالك بن حنظلة، =
(2/222)

نهشل (1) ومجاشع: قبيلتان.
ومثال الداخلة على الماضي قولك: قام الناس حتى قام زيد، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا} (2).
ومثال الداخلة على المضارع المرفوع:
قولك: سألت عنه حتى لا أحتاج إلى سؤال (3).
وقولك: مرض حتى لا يرجونه.
وقولهم (4): شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه.
ومنه قوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} (5) على قراءة نافع (6) بالرفع.
__________
= ومجاشع قبيلة الفرزدق وهي أشرف من كليب، ونهشل أعمام الفرزدق، ومعنى البيت يقول: يا عجبًا لسب الناس إياي حتى كليب على ضعفها في القبائل وبُعدها من الفضائل كأن لها أبًا كريمًا وحسبًا صميمًا كما لنهشل ومجاشع.
انظر: شرح ديوان الفرزدق تعليق عبد الله الصاوي ص 518، خزانة الأدب للبغدادي 4/ 141، 142، الدرر اللوامع للشنقيطي 1/ 16، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 18، المقتضب للمبرد تحقيق د. محمد عضيمة 2/ 41، رصف المباني ص 257.
(1) في ز: "ونهشل".
(2) سورة الأعراف آية رقم (95).
(3) في ط وز: "السؤال".
(4) في ز: "ومنه وقولهم".
(5) سورة البقرة آية رقم (214).
(6) هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، أحد القراء السبعة، انتهت إليه رئاسة القراء بالمدينة المنورة، وتوفي بها سنة (169 ه) انظر: غاية النهاية 2/ 330.
(2/223)

وذلك أن النحاة يقولون: المضارع الواقع بعد حتى إذا كان حالاً، أو مؤولاً بالحال فحكمه: الرفع، وإذا كان مستقبلاً أو مؤولاً بالمستقبل فحكمه: النصب.
فمثال الحال قولك: سألت عنه حتى لا أحتاج إلى السؤال [أي: لا أحتاج الآن إلى (1) السؤال] (2).
وكذلك قولك: مرض حتى لا (3) يرجونه، [يعني لا يرجونه] (4) الآن.
وكذلك قولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه، أي: حتى يجيء الآن في الحال.
ومثال المؤول بالحال قول تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} (5) على قراءة الرفع (6) ومعنى المؤول بالحال: أن يكون الفعل قد مضى ولكن تقدر (7) التلبس به في الحال (8).
وبيان ذلك في هذه الآية: أن يكون الزلزال قد مضى، والقول لم يمض،
__________
(1) "إلى" ساقطة من ط.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) "لا" ساقطة من ط.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(5) سورة البقرة آية رقم (214).
(6) في ط: "قراءة نافع".
وهي قراءة نافع والباقون بنصبها. انظر: التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني ص 80
(7) في ز وط: "يقدر".
(8) "الحال" وردت في ز وط، ولم ترد في الأصل.
(2/224)

والمعنى: وزلزلوا فيما مضى حتى أن الرسول الآن [يقول الآن (1)] (2): متى نصر الله، فحكيت (3) الحال التي كانوا عليها.
ويصح في الرفع وجه آخر وهو: أن يقدر الزلزال، وقول الرسول بكونهما قد مضيا معًا، تقديره: وزلزلوا حتى قال (4) الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله، فهي (5) حكاية عن الحال التي كان عليها الرسول فيما مضى.
وهذه المواضع التي (6) تكون فيها حتى ابتدائية وهي: إذا دخلت على مبتدأ، أو على ماض أو على مضارع مرفوع، ولا تتوهم أنها لا يقال لها: حرف ابتداء، إلا إذا دخلت على مبتدأ، أو خبر، بل يقال لها: حرف ابتداء وإن دخلت على ماض أو (7) مضارع مرفوع على جهة الاصطلاح؛ لأن الابتدائية هي: التي تدخل على جملة مضمونها غاية لشيء (8) قبلها، قاله (9) المرادي في شرح الألفية (10).
__________
(1) "الآن" ساقطة من ط.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ط: "بحكاية".
(4) في ط: "يقول".
(5) في ط وز: "فهو".
(6) في ز: "هي التي".
(7) في ط: "أو على".
(8) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "الشيء".
(9) في ز: "قال".
(10) انظر: شرح الألفية للمرادي 4/ 201.
(2/225)

وأما العاطفة فهي: التي تعطف اسمًا مفردًا ولا تعطف فعلاً، ولا جملة، ويشترط في معطوفها أن يكون جزءًا مما قبلها وغاية لما قبلها.
وقولنا: "جزءًا مما قبلها" (1) [أي] (2) وأما إذا لم يكن ما بعدها جزءًا مما قبلها فلا يجوز ذلك في الكلام، نحو قولك: أضمن هؤلاء الرجال حتى يوم (3) الأربعاء، لا يجوز (4)؛ لأن يوم الأربعاء ليس جزءًا من الرجال، وكذلك قولك: صمت رمضان حتى يوم الفطر: لا يجوز (5)؛ لأن يوم الفطر لا يكون فيه الصوم، وكذلك قولك: اعتكفت العشر الأواخر حتى يوم الفطر، لا يجوز أيضًا؛ لأن يوم الفطر لا يكون فيه الاعتكاف، فالمعطوف بحتى في هذه الأمثلة ليس جزءًا مما قبل حتى.
وقولنا: "أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها" أعني: أن يكون غاية له في التعظيم، أو في التحقير، أو في القوة، أو في الضعف.
مثال التعظيم: خرج الناس حتى السلطان، وقولك: مات الناس حتى الأنبياء.
ومثال التحقير: خرج الناس حتى العبيد، وقولك: أحصى الله كل شيء (6) حتى مثاقيل الذر.
__________
(1) قوله: "وغاية لما قبلها، وقولنا: جزءًا مما قبلها" ساقط من ط.
(2) المثبت من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(3) "يوم" ساقطة من ز وط.
(4) "لا يجوز" ساقطة من ز.
(5) "لا يجوز" ساقطة من ز.
(6) في ط: "كل شيء عددًا".
(2/226)

ومثال القوة: خرج الناس حتى الفرسان، وقولك: هرب الناس حتى الأبطال.
ومثال الضعف: خرج الناس حتى المرضى، وقولك: قدم الحجاج حتى المشاة.
قال أبو موسى الجزولي: و (1) حتى تنفرد بأن ما بعدها (2) لا يكون إلا جزءًا مما قبلها (3)، وفائدتها أن ما بعدها عظيم أو حقيرٌ أو ضعيف أو قوي (4). انتهى (5).
وقد (6) نص النحاة على أن المعطوف بحتى يشترط فيه: أن يكون جزءًا مما قبلها كما تقدمت مثوله، فإن ورد خلاف ذلك فإنه يرد (7) بالتأويل إلى ذلك.
مثاله: قولهم: أعجبتني الجارية حديثها، فإن حديثها ليس جزءًا من الجارية، ولكن هو شبيه بجزء منها؛ لأن حديثها معنى من معانيها، قاله المرادي (8).
وكذلك قول الشاعر:
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) في ز: "ما قبلها".
(3) في ز: "مما بعدها".
(4) في ز: "أو قوي أو ضعيف".
(5) انظر: المقدمة الجزولية المطبوعة مع شرح الشلوبين، تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 72.
(6) في ز: "اتفق".
(7) في ط: "يريد".
(8) شرح الألفية للمرادي 3/ 200.
(2/227)

ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها (1)
فعطف النعل بحتى مع أن النعل [ليس جزءًا مما قبلها؛ لأنه] (2) ليس جزءًا من الزاد ولا من الصحيفة، ولكن يرد (3) بالتأويل إلى ذلك؛ لأن معنى الكلام: ألقى ما يثقله حتى نعله.
وقوله: حتى نعله روي بثلاثة أوجه: النصب، والخفض، والرفع.
فالنصب على العطف تقديره (4): حتى ألقى نعله (5)، والخفض على أن
__________
(1) نسب هذا البيت لأبي مروان النحوي، وبعده:
ومضي يظنُ بريدَ عمرو خلفه .... خوفًا وفارق أرضهُ وقلاهَا
وهما في قصة المتلمس حين ذر من عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان المتلمس قد هجا عمرًا بن هند كما هجاه طرفة بن العبد، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيهما بجوائز، ولكنه قد ضمنهما الأمر بقتلهما، ولكن المتلمس دفع كتابه إلى غلام ليقرأه فإذا فيه: أما بعد، فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًا، فرمى المتلمس كتابه في نهر الحيرة وهرب إلى الشام، فصارت صحيفته مثلاً يضرب لما ظاهره خير وباطنه شر، وأما طرفة فأبى أن يفتحها ودفعها إلى العامل فقتله.
انظر: خزانة الأدب للبغدادي الشاهد رقم 157 ج 1/ 445، 446، الكتاب 1/ 50، الدرر اللوامع 2/ 16، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 19، شرح التصريح على التوضيح لابن هشام 2/ 141، رصف المباني ص 258.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ط: "يريد".
(4) في ط: "وتقديره".
(5) هذا وجه من أوجه النصب؛ حيت نصب نعله بإضمار فعل يفسره ألقاها، كأنه قال: حتى ألقى فعله ألقاها.
الوجه الثاني: النصب بالعطف على الصحيفة، و"حتى" بمعنى الواو، كأنه قال: =
(2/228)

تكون (1) حتى بمعنى إلى (2)، والرفع على الابتداء (3)، وخبر (4) المبتدأ: ألقاها.
وقوله: ألقاها على رواية النصب والخفض تأكيد لإلقاء الصحيفة.
ونظير هذا في الأوجه الثلاثة: النصب، والخفض، والرفع: ضربت (5) القوم حتى زيد ضربته، فالخفض (6) على الغاية بمعنى إلى، والنصب على إضمار فعل تقديره: حتى ضربت زيدًا، والرفع على الابتداء، وخبره ضربته، وقولك (7): ضربته على وجهي النصب والخفض (8) تأكيد لقوله: ضربت.
واعلم أن "حتى" العاطفة يجوز الجر في معطوفها نحو: قام القوم حتى زيد، يجوز فيه وجهان:
الرفع على العطف.
والجر على معنى إلى.
__________
= ألقى الصحيفة حتى نعله، يريد: ونعله.
انظر: خزانة الأدب 1/ 446.
(1) في ز: "يكون"
(2) أنشد سيبويه هذا البيت على أن حتى فيه حرف جر، وأن مجرورها غاية لما قبله، كأنه قال: ألقى الصحيفة والزاد وما معه من المتاع حتى انتهى الإلقاء إلى النعل، وعليه فجملة ألقاها: للتأكيد.
انظر: الكتاب 1/ 50.
(3) انظر: خزانة الأدب 1/ 446.
(4) في ط: "والخبر".
(5) في ط: "قولك: ضربت".
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "بالخفض".
(7) في ط وز: "وقوله".
(8) في ز: "الخفض والنصب".
(2/229)

واعلم أن حتى العاطفة أيضًا لا تقتضي الترتيب بمنزلة الواو، بهذا (1) هو مذهب الجمهور من النحاة خلافًا للزمخشري وغيره، قاله المرادي (2).
والدليل على أن حتى لا تقتضي الترتيب: كونها تأتي في موضع لا يمكن فيه الترتيب، كقوله عليه السلام [في الحديث] (3): "كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس" (4).
فإن القضاء والقدر لا ترتيب فيهما، وإنما الترتيب في ظهور المقتضيات، والمقدرات (5).
وأما حتى الجارة فهي: [التي تجر] (6) آخر الجزء، ومتصلاً (7) بآخر الجزء.
__________
(1) في ط وز: "وهذا"
(2) انظر: شرح الألفية للمرادي 3/ 201.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) أخرجه الإمام مسلم، والإمام مالك عن طاوس أنه قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل شيء بقدر حتى العجز والكَيْسُ، أو: الكيس والعجز".
ومعنى العجز: يحتمل أنه على ظاهره وهو عدم القدرة، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته، ويحتمل العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة.
ومعنى الكيس: ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور، ومعناه: أن العاجز قد قدّر عجزه، والكيس قد قدّر كيسه.
انظر: صحيح مسلم ح رقم 2655، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر (4/ 2045) شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 205)، موطأ مالك، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر (2/ 899).
(5) في ز وط: "والمقدورات".
(6) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(7) في ط وز: "أو متصلاً"
(2/230)

مثال الجزء قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، [فإن الرأس] (1) جزء من السمكة.
ومثال المتصل بآخر الجزء قولك: زرعت الأرض حتى النهر، فالنهر ليس بآخر جزء (2) ولكنه متصل بآخر جزء، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى مَطْلَعِ الفجْرِ} (3)؛ لأن طلوع الفجر متصل بآخر جزء من الليل (4) [فلو قلت (5): سرت النهار حتى نصفه لم يجز (6)؛ لأن نصفه ليس بآخر جزء من النهار] (7) وإنما (8) الجائز مثلاً: سرت النهار حتى آخره.
وأَما حتى الناصبة فهي: التي تنصب الفعل المستقبل [أو المؤول بالمستقبل] (9).
مثال المستقبل الحقيقي: قوله تعالى: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} (10).
__________
(1) في ط: "فالرأس".
(2) في ط: "الجزء".
(3) سورة القدر آية رقم (5).
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "النهار".
(5) في ط: "قال"
(6) "لم يجز" ساقطة من ط.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(8) في ز: "وأما".
(9) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(10) سورة الأعراف آية رقم 87.
(2/231)

وقوله تعالى (1): {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (2).
ومثال المؤول بالمستقبل: قوله تعالى (3): {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} (4) بالنصب على قراءة غير نافع (5).
ومعنى تأويله بالمستقبل: أن يقدر اتصاف الفاعل بالعزم على الفعل فيصير كالمستقبل؛ إن لا يعزم إلا على المستقبل (6)، تقديره في هذه الآية: وزلزلوا إلى أن (7) قال (8) الرسول، وجعل قول (9) الرسول غاية لخوف أصحابه، والفعلان قد مضيا.
فقولك (10) مثلاً: سرت حتى أدخل المدينة؛ يجوز فيه الرفع والنصب.
قال صاحب الجمل: فللرفع: وجهان، وللنصب: وجهان.
أحد وجهي الرفع: أن يكون السير والدخول قد مضيا معًا، كأنك قلت: سرت فدخلت المدينة، فكل موضع صلح فيه التقدير بالماضي والفاء جميعًا فارفعه.
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(2) آية رقم 99 من سورة الحجر.
(3) "قوله تعالى" ساقطة من ز.
(4) سورة البقرة آية رقم (214).
(5) انظر: كتاب التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني ص 80.
وانظر: الجنى الداني للمرادي ص 555.
(6) في ط وز: "مستقبل"
(7) "أن" ساقطة من ط.
(8) في ط: "قول".
(9) في ط: "قولك".
(10) في ز: "فقوله".
(2/232)

والوجه الثاني: أن يكون السير قد مضى وأنت تقول: إنك الآن تدخل، كأنك قلت: سرت حتى أدخلها الآن لا أمنع.
وأحد وجهي النصب: أن تجعل دخولك غاية لسيرك كأنك قلت: سرت إلى أن أدخل المدينة.
والوجه الثاني: أن تكون حتى بمعنى: كي، كأنك قلت: سرت كي أدخل المدينة (1).
واعلم أن الفعل الذي بعد "حتى" يجب نصبه في موضعين:
أحدهما: إذا لم يكن واجبًا نحو قولك: ما سرت حتى أدخل المدينة، لا يجوز فيه إلا النصب؛ لأنك (2) لم تثبت فعلاً.
الموضع الثاني: إذا لم يكن الفعل الذي قبلها سببًا لما بعدها نحو قولك: سرت حتى تطلع الشمس، أو حتى يؤذن المؤذن، قاله (3) صاحب الجمل (4).
واعلم أن حتى إذا نصب الفعل بعدها تارة تكون بمعنى إلى، وتارة تكون بمعنى كي.
فمثال كونها بمعنى إلى: لأسيرنّ حتى تغرب الشمس.
__________
(1) "المدينة" ساقطة من ز.
وانظر: الجمل في النحو للزجاجي ص 191، وقد نقل المؤلف بالمعنى.
(2) في ز: "لأنه".
(3) في ز: "قال".
(4) نقل بالمعنى من كتاب الجمل في النحو للزجاجي ص 192.
(2/233)

ومثال الثاني: لأتوبن حتى يغفر الله لي.
فإذا كانت بمعنى إلى فما بعدها غاية لما قبلها، وإذا كانت بمعنى كي كان ما قبلها سببًا لما بعدها.
واعلم أن حتى التي ينتصب (1) الفعل بعدها أصلها الجارة؛ لأنها لا تنصب بنفسها وإنما تنصب بإضمار أن بعدها؛ لأن الفعل المنصوب بعدها يقدر باسم مجرور، فقولك: سرت حتى أدخل المدينة، تقديره: سرت إلى دخول المدينة، فيقدر أن مع الفعل بمصدر ذلك الفعل، هذا مذهب البصريين خلافًا للكوفيين القائلين بأن حتى تنصب بنفسها.
قال بعضهم: ضابط حتى إذا دخلت على (2) الفعل المضارع أنها تنصبه (3) في وجهين، وترفعه (4) في وجهين
أحد وجهي النصب: إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، كقوله تعالى: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} (5)، وقوله تعالى {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (6)، وقولك (7): أسير حتى أدخل المدينة، أو حتى تطلع الشمس، فمعنى حتى في هذا الوجه: إلى أن
__________
(1) في ط: "تنصب".
(2) "على" ساقطة من ط.
(3) في ط: "تنصب".
(4) في ط: "وترفع".
(5) سورة الأعراف آية رقم 87.
(6) سورة الحجر آية رقم 99.
(7) في ز: "وكقولك"
(2/234)

الوجه الثاني من وجهي النصب: إذا كان ما بعدها (1) سببًا لما قبلها (2) كقولك: كلمته حتى يأمر (3) في شيء (4)، وقولك: صمت حتى أدخل الجنة، ومعنى حتى في هذه (5) الوجوه (6): كي.
وأما أحد وجهي الرفع: فهو: إذا كان ما قبلها سببًا لما بعدها، وكان ما بعدها ماضيًا، كقولك: سرت حتى أدخل المدينة، إذا قصدت به حكاية حالة ماضية تقديره: سرت فدخلت المدينة.
الوجه الثاني: من وجهي الرفع: إذا كان ما قبلها سببًا لما بعدها، وكان ما بعدها حاضرًا، كقولك: ضربته حتى لا يستطيع أن يتكلم، ومنه قولهم: مرض حتى لا يرجونه.
وقولهم: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه، والمراد بهذه الأفعال كلها، إنما (7) هو الحاضر.
وعلى هذا يجري الخلاف بين القراء في قوله تعال: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} (8).
__________
(1) في ط: "قبلها".
(2) في ط: "بعدها".
(3) في ز وط: "يأمرني".
(4) في ط وز: "بشيء".
(5) في ط وز: "هذا".
(6) في ط وز: "الوجه".
(7) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "اما".
(8) سورة البقرة آية رقم 214.
(2/235)

فمن قال: الزلزلة سبب للقول (1)، قال بالرفع.
ومن قال: القول غاية للزلزلة وليست الزلزلة سببًا، قال بالنصب، وهي قراءة غير (2) نافع، وبالله التوفيق بمنّه (3).
وأما إلى (4) فلا تكون إلا حرف جر (5) ولا تكون إلا للغاية (6) عند سيبويه وقال الفراء: قد تكون بمعنى مع.
قال أبو موسى الجزولي: إلى (7) تكون لانتهاء الغاية وقد يدخلها معنى: "مع". انتهى (8).
مثال كونها لانتهاء الغاية: خرجت إلى المسجد أو خرجت إلى السوق أو خرجت إلى الحجاز.
ومثال كونها بمعنى مع، قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} (9)،
__________
(1) في ز: "لقول".
(2) "غير" ساقطه من ط.
(3) "بمنه" ساقطة من ز.
(4) انظر تفصيل الكلام في معاني "إلى" في: شرح التنقيح للقوافي ص 103، البرهان للجويني مسألة رقم 103 ج 1/ 92، شرح الكوكب المنير 1/ 245، المعتمد 1/ 33، فواتح الرحموت 1/ 244، الجنى الداني للمرادي ص 385 - 390، المفصل ص 283، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 14، الكتاب 2/ 310، رصف المباني ص 166 - 169.
(5) في ط: "حرف الجر".
(6) في ز: "إلا لغاية".
(7) "إلى" ساقطة من ز.
(8) انظر: شرح الجزولية للشلوبين، تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 83.
(9) سورة النساء آية رقم (2)، وفي ط ورد التمثيل قبل هذه الآية بقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} آية 14 من سورة البقرة.
(2/236)

وقوله تعالى: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} (1).
ومنه قولهم: الدرهم إلى الدرهم مال، وقولهم: الذود إلى الذود إبل.
قوله: ("حتى" (2)، و"إِلى" للغاية).
ذكر المؤلف أن هذين الحرفين مشتركان في الغاية.
واعلم أن حتى وإلى وقع الفرق بينهما من وجوه (3):
أحدها: أن حتى تكون حرف ابتداء بخلاف إلى.
الثاني (4): أن حتى تكون عاطفة بخلاف إلى.
الثالث: أن حتى تكون ناصبة بخلاف إلى.
الرابع: أن إلى تكون بمعنى مع بخلاف حتى.
الخامس: أن إلى تجر الظاهر والمضمر بخلاف حتى؛ لأنها (5) لا تجر المضمر.
قال سيبويه: استغنوا (6) بإليه عن حتاه (7).
السادس: أن إلى تجر الكل والجزء لخلاف حتى؛ فإنها لا تجر إلا آخر
__________
(1) سورة آل عمران آية رقم (52).
(2) في ز: "وحتى".
(3) في ط: "وجود".
(4) في ط: "والثاني".
(5) في ط: "فإنها".
(6) "استغنوا" ساقطة من ط.
(7) قال سيبويه في الكتاب (2/ 310): تقول: قمت إليه فجعلته منتهاك من مكانك ولا تقول: حتاه.
(2/237)

جزء، أو متصلاً (1) بآخر جزء (2)؛ لأنك تقول: سرت النهار إلى نصفه ولا يجوز أن تقول: سرت النهار حتى نصفه، قاله المرادي.
ولأجل هذا يقول النحاة: إلى أمكن في الغاية من حتى، فإن حتى لا تجر إلا آخر جزء أو متصلاً بآخر جزء بخلاف إلى؛ فإنها تجر مطلقًا.
قال المؤلف في الشرح: واختلف العلماء في الغاية: هل تدخل في المغيا أم لا؟ على أربعة أقوال:
ثالثها: تدخل إن كانت من جنس المغيا، وإلا فلا تدخل.
مثال ما هو من جنسه: بعتك الرمان من هذه الرمانة إلى هذه الرمانة.
ومثال غير الجنس: بعتك الرمان من هذه الزيتونة إلى هذه الزيتونة.
القول الرابع: بالتفصيل: بيّن أن يفصل بينهما أمر حسي فلا يندرج كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيلِ} (3)؛ لأن الليل متميز عن النهار بالبصر، وإن (4) لم يكن بينهما أَمر حسي فتندرج (5) كما في قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُم إِلَى الْمَرَافِقِ} (6).
قال المؤلف في الشرح: هذه الأقوال الأربعة أنقلها في انتهاء الغاية، وأما ابتداؤها فلا أنقل فيه إلا قولين (7)، يعني: المتقابلين (8).
__________
(1) في ط: "مصلاً".
(2) انظر هذه الفروق بين حتى وإلى في: الأصول لابن السراج 1/ 424، 429، التبصرة والتذكرة للصيمري 1/ 419، 420، رصف المباني للمالقي ص 257 - 261.
(3) سورة البقرة آية رقم (187).
(4) في ط: "فإن".
(5) في ز: "فيندرج".
(6) سورة المائدة آية رقم (6).
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 102.
(8) في ط وز: "ذكر".
(2/238)

وذكر المؤلف في شرحه (1) أن إطلاق العلماء الخلاف في انتهاء (2) الغاية ينبغي أن يكون الخلاف مخصوصًا بإلى، أما انتهاؤها في حتى فإنه يندرج فيما قبله ليس إلا (3).
وذكر المرادي في شرح الألفية في (4) المجرور بحتى إذا لم تكن قرينة تدل على الدخول أو الخروج أربعة أقوال:
ثالثها: يدخل إن كان جزءًا ولا يدخل إن كان غير جزء نحو: إنه لينام (5) الليل حتى الصباح.
رابعها: تارة يدخل وتارة لا يدخل، فيجوز الأمران.
ثم قال: واختلف أيضًا في المجرور بإلى، والذي عليه أكثر المحققين أنه لا يدخل (6).
قال المؤلف في الشرح: "المغيا لا بد أن يتكرر قبل الغاية بعد ثبوته، فإذا قلت: سرت إلى مكة، فلا بد أن تثبت حقيقة السير قبل مكة، [وتتكرر] (7) قبلها.
أما ما لا يتكرر فلا يتصور فيه الغاية، فلذلك قال (8) بعض الحنفية: إن (9)
__________
(1) في ط: "في الشرح".
(2) في ز: "أمثلة".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 102.
(4) في ط: "أن".
(5) في ز: "لقائم".
(6) شرح الألفية للمرادي 2/ 206، 207.
(7) المثبت من ز وط، وفى الأصل: "تكرر".
(8) "قال" ساقطة من ط.
(9) "إن" ساقطة من ز.
(2/239)

العامل في قوله تعالى (1): {إِلَى الْمَرَافِقِ} (2) ليس هو (اغسلوا أيديكم)؛ فإن غسل اليد لا يثبت إلا بعد غسل المرفق، لأن اليد اسم للعضو من الإبط إلى الأصابع، وغسل هذا لا يثبت قبل المرافق فضلاً عن تكرره، بل الثابت قبل المرفق بعض اليد، فيكون تقدير الآية: اغسلوا أيديكم واتركوا من آباطكم إلى المرافق، فإلى المرافق غاية الترك لا للغسل، لأن الترك ثبت قبل المرفق وتكرر إلى المرفق، فيكون (3) هذا على القول بأن الغاية لا تدخل في المغيا فلا تدخل المرافق في المتروك بل تغسل مع المغسول، قال المؤلف: "وهذا (4) بحث حسن" (5).
وهذا الذي نقله المؤلف عن بعض الحنفية قد نص عليه القاضي عبد الوهاب في الإشراف فقال: قوله تعالى (6): {إِلَى الْمَرَافِقِ} حد للمتروك من اليدين لا للمغسول منهما، ولذلك تدخل المرافق في الغسل. انتهى (7).
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ز.
(2) سورة المائدة آية رقم (6).
(3) في الشرح: "وتفرع على هذا القول ... " إلخ.
(4) "الواو" ساقطة من ط.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 103.
(6) "تعالى" لم ترد في ز.
(7) انظر نسبة هذا القول للقاضي عبد الوهاب في القبس لابن العربي ص 14، مخطوط بالمكتبة العامة بالرباط رقم ج 25.
(2/240)

وقال ابن العربي في القبس: اختلف الناس في دخول المرافق في التحديد وأطالوا فيه الكلام، وما فهم أحد (1) حقيقة ذلك إلا القاضي عبد الوهاب، فإنه قال: قوله: (إلى المرافق) حد للمتروك لا للمغسول. انتهى (2).
قال في التلقين: وأما اليدان ففرض غسلهما إلى استيفاء المرفقين (3).
قال بعضهم: هذا التقدير المذكور في الآية [أن تقديرها] (4) واتركوا من آباطكم، لا نسلمه، بل نقول: أطلق اليد في الآية على بعض اليد مجازًا، كما في قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (5) والمجاز أولى من الإضمار؛ لأن المجاز أكثر (6).
وها هنا فرع مخرج على الخلاف المذكور في اندراج الغاية في المغيا، وهو مسألة من الإقرار، وهو إذا قال له: عليّ من درهم إلى عشرة: قال سحنون (7): مرة عليه عشرة، وقال: مرة عليه تسعة، وقال: مرة عليه ثمانية،
__________
(1) في ط وز: "أحد قط".
(2) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: القبس في شرح موطأ مالك بن أنس لابن العربي، مسألة العمل في الوضوء، ص 14، مخطوط بالمكتبة العامة بالرباط رقم ج 25.
(3) انظر: كتاب التلقين، كتاب الطهارة (ورقة 3 أ) مخطوط بالمكتبة العامة بالرباط رقم ج 673.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) سورة المائدة آية رقم (38).
(6) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي الباب الثاني في حروف المعاني ص 42، 43.
(7) هو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه المالكي الملقب سحنون، و"سحنون" طائر حاد الذهن بالمغرب، سمي به لحدة ذهنه وذكائه، ولد سنة ستين ومائة (160 ه) في القيروان، قرأ على ابن القاسم، وابن وهب وأشهب، وولي القضاء بالقيروان رتب سحنون المدونة وبوبها، واحتج لبعض مسائلها بالآثار من =
(2/241)

فالقول بالعشرة [بناء] (1) على اندراج الابتداء والانتهاء، والقول بالثمانية بناء على عدم اندراج الابتداء والانتهاء، والقول بالتسعة بناء على اندراج أحدهما [دون الآخر] (2).
قوله: (وفي للظرفية والسببية (3) نحو: قوله عليه السلام: "في النفس المؤمنة مائة من (4) الإبل" (5)).
ش: هذا هو المطلب الخامس (6)، ذكر (7) ل (في) معنيين:
أحدهما: الظرفية بالظاء المعجمة وهي (8) الوعائية.
__________
= روايته من موطأ ابن وهب، وعنه انتشر مذهب الإمام مالك في المغرب، توفي رحمه الله سنة أربعين ومائتين (240 ه).
انظر: الديباج ص 160 - 166، مرآة الجنان 2/ 131 - 132، وفيات الأعيان 2/ 352.
(1) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) في أوخ: "أو للسببية".
(4) في ط: "والإبل".
(5) أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط أو العصا مائة من الإبل أربعون منها فى بطونها أولادها" كتاب القسامة، باب كم دية شبه العمد (8/ 36).
(6) انظر تفصيل الكلام لمعنى (في) وهو المطلب الخامس في: شرح التنقيح للقرافي، ص 103، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 89, 90، الإحكام للآمدى 1/ 62، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 348، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص 149، نهاية السول 2/ 188، فواتح الرحموت 1/ 247، الجنى الداني ص 250 - 253، مغني اللبيب 1/ 168، المفصل ص 284، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 20، رصف المباني ص 450 - 454.
(7) في ط: "وذكر".
(8) في ز: "وهو".
(2/242)

مثالها: زيد في الدار، أو في المسجد، أو في السوق، وقولك: الدراهم في الكيس، واللص في الحبس
ومنه قوله تعالى: {واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} (1)، وقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (2) هذا (3) مثال الظرفية الحقيقية.
ومثال الظرفية المجازية، قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (4)، وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} (5)، وقولك: زيد ينظر في العلم، وقولك: أنا في حاجتك (6).
ومثال السببية: قوله عليه السلام: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل".
قال المؤلف في الشرح: كونها للسببية أنكره جماعة من الأدباء، والصحيح: ثبوته؛ فإن النفس ليس ظرفًا للإبل (7).
وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الإسراء: "فرأيت في النار امرأة حميرية عجل بروحها إلي النار؛ لأنها حبست هرة حتى ماتت جوعًا وعطشًا فدخلت النار فيها" (8)، معناها: بسببها.
__________
(1) سورة البقرة آية رقم (203).
(2) سورة البقرة آية رقم (187).
(3) "هذا" ساقط من ط.
(4) سورة البقرة آية رقم (179).
(5) سورة يوسف آية رقم (7).
(6) في ط: "حياتك".
(7) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "للقائل".
(8) أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - =
(2/243)

ومنه أحب في الله، وأبغض في الله، أي: أحب بسبب طاعة الله، وأبغض بسبب معصية الله. انتهى (1) نصه.
ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (2)، وقوله تعالى {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} (3).
ذكر (4) المؤلف ل (في) معنيين: الظرفية والسببية، وزاد (5) غيره ثالثًا وهو: الاستعلاء (6).
__________
= قال: "عذبت امرأة فى هرة حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار، قال: فقال: والله أعلم لا أنت أطعمتيها ولا سقيتيها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتيها فأكلت من خشاش الأرض" وهذا لفظ البخاري، كتاب المساقاة باب فضل سقي الماء (2/ 52).
وانظر: صحيح مسلم حديث رقم 2242 كتاب البر باب تحريم تعذيب الهرة (4/ 2022)
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 103.
(2) سورة الأنفال آية رقم (68).
(3) سورة يوسف آية رقم (32).
(4) في ط: "وذكر".
(5) في ط: "زاد".
(6) وزاد المرادي على هذه المعاني التي ذكرها المؤلف ستة معان أخرى وهي:
1 - المصاحبة، نحو قوله تعالى: {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} الأعراف (38) أي: مع أمم.
2 - المقايسة، نحو قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا مَتَاعٌ} [الرعد: (26)] وهي: الداخلة على تال يقصد تعظيمه وتحقير متلوه.
3 - أن تكون بمعنى الباء كقول الشاعر:
ويركب يوم الروع منا فوارس ... يصيرون في طعن الأباهر والكلى.
4 - أن تكون بمعنى "إلى" كقوله تعالى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: إلى أفواههم، [سورة إبراهيم (9)].
5 - أن تكون زائدة، كأن تقول: "عرفت فيمَن رغبت" أي: من رغبت.
6 - أن تكون بمعنى من، كقول امرئ القيس:
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال =
(2/244)

كقوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (1) أي عليها.
ومنه قول الشاعر:
وقفت فيها أصيلانًا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد (2)
أي: وقفت عليها.
قوله: (واللام للتمليك نحو: المال لزيد (3)، والاختصاص نحو: هذا ابن لزيد (4)، والاستحقاق نحو: هذا السرج للدابة، والتعليق نحو: هذه العقوبة للتأديب، والتأكيد (5) نحو: إِن زيدًا لقائم، وللقسم نحو قوله تعالى:
__________
= أي: من ثلاثة أحوال.
انظر: الجنى الداني ص 250 - 252.
(1) سورة طه آية رقم (71).
(2) قائل هذا البيت هو النابغة الذبياني من قصيدة له يمدح بها النعمان ومطلعها:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقْوَتْ وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلانًا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد
"مية": اسم امرأة، "العلياء": كل مكان مشرف، "السند": ما قابلك من الجبل وعلا من السفح، "أقوَتْ": خلت من السكان، "السالف": الماضي، "أصيلان" الأصيل: العشي وجمعه: أصلان، "الربع": المنزل في الربيع خاصة، ومعنى البيت الثاني: يقول: وقفت بدار الحبيبة في وقت العشي، وسألتها عن الحبيبة فعجزت عن الجواب، وما بها من أحد يجيبني.
انظر: التوضيح والبيان عن شعر نابغة ذبيان ص 23، خزانة الأدب 4/ 410، شرح التصريح لابن هشام 2/ 367، الكتاب 1/ 364، شرح المفصل لابن يعيش 2/ 80.
(3) "لزيد" ساقطة من ط.
(4) المثبت من أوخ وز وط، وفي الأصل: "زيد".
(5) في ش: "وللتأكيد".
(2/245)

{لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} (1)) (2).
ش: هذا هو المطلب السادس، ذكر المؤلف (3) للام ستة معان:
قال (4): تكون للتمليك نحو: المال لزيد، [ومثاله أيضًا] (5): الدار (6) لزيد، أو الدابة لزيد، أو العبد لزيد، وتعرف لام التمليك بإضافة ما يقبل الملك لمن يقبل الملك، ومنه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (7).
قال بعضهم: لم يفرق المؤلف بين لام الملك، ولام التمليك، فإن الملك خلاف التمليك، مثال الملك قولك: المال لزيد، ومثال التمليك قولك (8): وهبت المال لزيد.
المعنى الثاني: الاختصاص نحو: هذا ابن لزيد، أو هذا أخ لزيد، أو هذا صاحب لزيد، ومنه قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (9)، وتعرف لام
__________
(1) سورة العلق آية (15).
(2) انظر تفصيل الكلام على معنى اللام في: شرح التنقيح للقرافي ص 104، شرح التنقيح للمسطاسي ص 43، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 90، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 350، 351، الكتاب 1/ 407، 408, 2/ 144، أمالي الشجري 2/ 83، الجنى الداني ص 95 - 139، رصف المباني ص 293، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 25 - 62، كتاب اللامات للزجاجي تحقيق مازن المبارك.
(3) "المؤلف" ساقطة من ط وز.
(4) "قال" ساقطة من ط وز.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(6) في ز وط: "أو الدار".
(7) سورة المنافقون آية رقم (7).
(8) "قولك" ساقطة من ز.
(9) سورة الكافرون آية رقم (6).
(2/246)

لاختصاص بإضافة ما لا يقبل (1) الملك لمن يقبل الملك.
المعنى الثالث: الاستحقاق نحو: هذا السرج للدابة، أو السرج (2) للفرس، أَو البردعة (3) للحمار، أو المنبر (4) للخطيب، أو المجلس (5) للقاضي ومنه قولنا: الجنة للمؤمنين والنار للكافرين، أي: استحقت الجنة للمؤمنين واستحقت النار للكافرين.
ومنه قوله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (6).
وتعرف لام الاستحقاق بشهادة العادة، كما شهدت العادة للفرس بالسرج، وللحمار بالبردعة (7).
انظر ما الفرق بين الاستحقاق والاختصاص؟ مع أن كل من استحق شيئًا فقد اختص به؟
قال المؤلف في الشرح: الفرق بين الاستحقاق والاختصاص: أن الاستحقاق أخص؛ فإن ضابطه ما شهدت العادة به كما شهدت للفرس بالسرج، وللحمار بالبردعة، بخلاف الاختصاص، فإن الشيء قد يختص بالشيء من غير شهادة عادة، كقولنا، هذا ابن لزيد؛ فإنه ليس من لوازم البشر
__________
(1) في ط: "ما يقبل".
(2) في ط: "وهذا السرج"، وفي ز: "أو السرج للفرس، أو اللجام للفرس".
(3) في ط: "والبرذعة"، في ز: "أو برذعه"
(4) في ط: "والمنبر".
(5) في ط: "والمجلس".
(6) آية 83 سورة القصص.
(7) في ز: "بالبرذعة".
(2/247)

أن يكون له ولد (1).
قوله: (واللام للتمليك والاختصاص والاستحقاق) ظاهره (2): أن هذه المعاني منفردة، بحيث ينفرد كل واحد منهما عن الآخر، وليس كذلك، بل الاختصاص يلازم (3) التمليك ويلازم الاستحقاق أيضًا، ولا (4) يوجد ملك ولا استحقاق إلا ومعه اختصاص، قاله أبو إسحاق العطار في شرح كراسة أبي موسى الجزولي (5).
وأما الاختصاص فإنه ينفرد بنفسه عن الملك، والاستحقاق كقولنا: هذا أخ لزيد، فإن هذا المثال ليس فيه ملك، ولا استحقاق، وليس فيه إلا مجرد التخصيص.
ولأجل هذا قال أبو موسى: واللام تكون للملك ولمجرد التخصيص والاستحقاق. انتهى (6).
فتبين (7) بما ذكرنا أن الاختصاص أعم من الملك والاستحقاق، وأما الاستحقاق مع الملك فالاستحقاق أعم من الملك؛ لأن من (8) ملك شيئًا فقد
__________
(1) شرح التنقيح للقرافي ص 104.
(2) في ط: "ظاهر".
(3) في ط: "يلازم الاختصاص التمليك"
(4) في ط وز: "إذ لا يوجد".
(5) انظر: شرح الجزولية للشلوبين، تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 84.
(6) انظر: المصدر السابق.
(7) في ط: "تبين".
(8) "من" ساقطة من ط.
(2/248)

استحقه، وقد يستحق الشيء شيئًا من غير أن يملكه، كما تقول (1): السرج للفرس.
فنقول: إذًا الاختصاص أعم من كل واحد، والملك أخص من كل واحد، والاستحقاق أعم من الملك، وأخص من الاختصاص.
قوله: (واللام للتمليك) يعني: الملك الحقيقي والمجازي.
مثال الحقيقي: المال لزيد.
ومثال المجازي: [نحو قولك] (2): كن لي أكن لك.
وقولك: دُم (3) لي أدُم (4) لك، يعني: في الحوائج.
قوله: (واللام للتمليك) نحو: المال لزيد.
قال المؤلف في الشرح: ضابط التمليك: [أنها فيما يقبل الملك لمن يقبل الملك] (5)؛ ولأجل ذلك قلنا: إن العبد يملك؛ لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع" (6) (7).
__________
(1) في ز: "تقد".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط: "ذم".
(4) في ط: "أذم".
(5) ما بين المعقوفتين ورد في ط بالعبارة الآتية: "أن يضاف ما يقبل التمليك لمن يقبل التمليك"، وفي ز: "أن يضاف ما يقبل الملك لمن يقبل الملك".
(6) انظر شرح التنقيح للقرافي ص 104.
(7) أخرجه البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" كتاب المساقاة، بالب الرجل يكون =
(2/249)

فيؤخذ من إضافة المال إلى العبد أنه يملك، وهو مذهب مالك رضي الله عنه.
خلافًا للشافعي (1)، والحنفي (2) القائلين بأن العبد لا يملك.
ودليل (3) مالك (4) الكتاب والسنة والقياس.
فالكتاب: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (5).
فوصفهم بالفقر والغناء يدل على أنهم يملكون.
__________
= له ممر (2/ 55).
وأخرجه الترمذي بهذا اللفظ عن سالم في كتاب البيوع باب ما جاء في ابتياع النخل، رقم الحديث 1244، (4/ 241).
وأخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" حديث رقم 80 كتاب البيوع، باب من باع نخلاً عليها ثمر (2/ 1173).
وأخرجه ابن ماجه عن ابن عمر ح/ رقم 2211، كتاب التجارات، باب ما جاء فيمن باع نخلاً مؤبرًا أو عبدًا له مال (2/ 746).
وأخرجه أبو داود عن سالم عن أبيه، كتاب البيوع باب في العبد يباع وله مال، رقم الحديث العام 3433 (3/ 713).
(1) انظر نسبة هذا القول للمذهب الشافعي في الأشباه والنظائر للسيوطي ص 227.
(2) "والحنفي" ساقطة من ط.
(3) في ط: "والدليل".
(4) في ط: "لمالك".
(5) سورة النور آية رقم (32).
(2/250)

وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} (1).
فإن الضمير في قوله: (لهم)، وفي قوله: (فهم)، يعود على جميع العماد من الأحرار والعبيد، فأخبر عنهم بأنهم (مالكون)، فدل ذلك على أن العبد يملك.
ومن السنة: قوله عليه السلام في الحديث المتقدم: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع" (2).
يدل على أن العبد يملك؛ لأنه أضاف (3) المال (4) إليه.
وأما دليل القياس: فهو أن العبد يجوز له أن يطأ (5) أمته باتفاق، فلو لم يملك أمته لما جاز له الوطء؛ لأن الوطء لا يجوز إلا يأمرين: إما بنكاح، وإما بمِلك وليس ها هنا نكاح، فتعين المِلك، فيدل ذلك على أن العبد يملك.
ودليل القائلين بأن (6) العبد (7) لا يملك؛ إذ هو كالبهيمة، الكتاب والفقه.
فالكتاب قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} (8).
فسلب منه (9) القدرة، فيكون بمنزلة البهيمة فلا يملك.
__________
(1) آية 71 سورة يس.
(2) سبق تخريج هذا الحديث.
(3) في ز: "إضافة".
(4) "المال" ساقطة من ز.
(5) في ط وز: "يجوز له وطء".
(6) "بأن" ساقطة من ط.
(7) في ط: "بالعبد".
(8) آية 75 من سورة النحل.
(9) في ط وز: "عنه"
(2/251)

أجيب عن هذا بأن قيل: لا يلزم (1) من سلب القدرة على التصرف أن يكون مسلوب الملك بدليل: الصغير، والسفيه، والمديون (2) , والمريض وذات الزوج، فإنهم ممنوعون التصرف، وهم (3) غير ممنوعين عن الملك؛ إذ هم مالكون.
وأما دليل الفقه فهو مسألتان:
إحداهما: من حلف ألا يركب دابته فركب دابة عبده فإنه يحنث، فلو كان العبد مالكًا لدابته لما حنث السيد بركوب دابة عبده (4).
أجيب عن هذا: بأنه إنما يحنث في هذه المسألة؛ لأن الحنث يقع بأقل الأشياء؛ لأن العلماء يقولون: يقع الحنث بأقل الأشياء، ويقع البر بأغيا (5) الأشياء (6).
المسألة الثانية: إذا اشترى العبد من يعتق على سيده، وأجاز السيد الشراء فإنه يعتق على السيد، فلو كان العبد (7) مالكًا لذلك المشتري لما عتق على السيد؛ إذ لا يعتق على السيد إلا من يملكه (8).
أجيب عن هذا لأن المشتري إنما يعتق على السيد؛ لأنه ملك انتزاعه من
__________
(1) في ز: "ولا يلزم"
(2) في ط وز: "المديان".
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "وهو"
(4) في ط وز: "غيره".
(5) في ط: "بأغير".
(6) غاية كل شيء مداه ومنتهاه.
انظر اللسان (15/ 143) مادة "غيا".
(7) "العبد" ساقطة من ط.
(8) في ز وط: "من ملكه".
(2/252)

عبده؛ فإن من ملك أي ملك يعد مالكًا؛ ولأجل هذا قال المالكية: العبد يملك ملكًا ناقصًا؛ لأن السيد يملك عليه الانتزاع، فلو لم يملك الانتزاع: لكان ملك العبد تامًا كالحر.
قوله: (واللام للتمليك) ذكر المؤلف في الشرح (1): أن ها هنا ثلاثة أقسام:
قسم لا يفيد الملك باتفاق.
وقسم يفيد الملك باتفاق.
وقسم مختلف فيه.
فالذي لا يفيد الملك باتفاق: إذا أضيف ما يقبل الملك لما لا يقبل الملك، نحو: المال للجمل والفرس.
والذي يفيد الملك باتفاق: إذا أضيف ما يقبل الملك لمن يقبل الملك، وهو معين أو محصور، كقولنا (2): المال لزيد أو المال (3) لبني فلان؛ لأن (4) بني (5) فلان محصورون.
والقسم المختلف فيه: إذا أضيف ما يقبل الملك لمن يقبل الملك، وهو غير معين، ولا محصور، ففيه خلاف بين العلماء، نحو قوله تعالى: {إِنَّمَا
__________
(1) انظر: شرح التنقيح ص 104.
(2) في ط: "نحو"، وفي ز: "كقولك لنا".
(3) في ط وز: "والمال".
(4) "لأن" ساقطة من ز.
(5) في ز: "وبنو".
(2/253)

الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} (1) الآية.
واختلف (2) العلماء في اللام في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ}؛ قال (3) مالك: هي لام المصرف (4) والاختصاص (5).
وقال المخالف: هي لام الملك.
[فمن قال باشتراط التعيين في المضاف إليه وهو مالك (6) قال: بأن اللام لام المصرف والاختصاص وليست بلام الملك] (7)، لعدم التعيين والحصر؛ إذ (8) تملك غير المحصور لا يتصور.
ومن قال بعدم اشتراط التعيين فيمن يضاف إليه، وهو الشافعي (9) قال: بأن اللام لام الملك.
وفائدة الخلاف: أن من قال: هي لام المصرف (10) قال: للإمام النظر في تفريق الزكاة، له أن يخص (11) لها من يشاء من الأصناف الثمانية (12) بحسب
__________
(1) آية 60 من سورة التوبة.
(2) في ط وز: "فاختلف".
(3) في ط: "فقال".
(4) في ط: "المصروف".
(5) انظر نسبة هذا القول لمالك في: تفسير القرطبي 8/ 167.
(6) في ز: "المال وهو مالك".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) في ط: "إذا".
(9) انظر نسبة القول في: تفسير القرطبي 8/ 167.
(10) في ط: "المصروف".
(11) في ط: "يخصص".
(12) "الثمانية" ساقطة من ط وز.
(2/254)

المصلحة.
ومن قال: هي لام الملك: فليس للإمام أن يخص بها صنفًا عن صنف، بل يشترك فيها جميع الأصناف الحاضرين هنالك (1).
قوله: (وللتعليل نحو: هذه العقوبة للتأديب).
ش: هذا هو المعنى الرابع: وهو التعليل، والسببية، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} (2).
وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (3).
وقوله: (والتأكيد نحو: إِن زيدًا لقائم)، ومنه قوله تعالى (4): {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (5)، وقوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} (6).
وقوله: (وللقسم نحو: قوله تعالى: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} (7).
وقوله تعالى: {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ} (8)، وقوله تعالى:
__________
(1) "هنالك" ساقطة من ط
(2) آية 105 سورة النساء.
(3) آية 44 سورة النحل.
(4) "تعالى" لم ترد في ط.
(5) آية 124 سورة النحل.
(6) آية 11 سورة العاديات.
(7) آية 15 سورة العلق.
(8) آية 32 سورة يوسف.
(2/255)

{لَتُبْلَوُنَّ} (1)، وقوله (2): {لَتَرَوُنَّ} (3)، وقوله: {لَتُنَبَّؤُنَّ} (4)، وقوله (5): {لَيُنْبَذَنَّ} (6)، وقوله: {لَتَجِدَنَّ} (7).
وذكر (8) المؤلف من معاني اللام ستة معان، ولها معان (9) أخر غير ما ذكر المؤلف:
منها: أنها تكون للغاية، ومنه قوله تعالى: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} (10)، أي: إلى بلد ميِّت، فمعناها: معنى إلى.
وقوله (11) تعالى: {لأَجَلٍ مسَمًّى} (12) أي: إلى أجل مسمى.
__________
(1) قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [سورة آل عمران آية 186].
(2) "وقوله" ساقطة من ز.
(3) قال تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} [سورة التكاثر آية رقم (5, 6)]، ولم ترد هذه الآية فى ط.
(4) قال تعالى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} [سورة التغابن آية رقم (7)]، ولم ترد هذه الآية في ط وز.
(5) "وقوله" ساقطة من ز.
(6) قال تعالى: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} [سورة الهمزة آية رقم (4)].
(7) قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} 82 المائدة.
(8) في ط وز: "ذكر".
(9) في ط: "معنيان".
(10) سورة الأعراف آية رقم (57).
(11) في ز: "ومنه قوله".
(12) قال تعالى: {سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [آية 2 سورة الرعد]، ووردت هذه الآية في سورة فاطر آية رقم (13)، وفي سورة الزمر آية رقم (5).
(2/256)

وقوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} (1).
وقوله تعالى (2): {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} (3) [أي أوحى إليها] (4).
وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} (5) أي: إلى هذا.
وتكون بمعنى "أن" كقوله تعالى: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (6) , وقوله تعالى (7): {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} (8).
وتكون بمعنى "إلا" كقوله تعالى: {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} (9) , وقوله تعالى (10): {إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (11).
ومنه قول الشاعر:
ثكلتك أمك إن قتلت لمسلمًا ... حلّت عليك عقوبة المتعمد (12)
__________
(1) آية 38 سورة يس.
(2) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(3) آية 5 سورة الزلزلة.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(5) سورة الأعراف آية 43.
(6) آية 71 سورة الأنعام.
(7) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(8) آية 15 سورة الشورى.
(9) آية 102 سورة الأعراف.
(10) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(11) آية 97 سورة الشعراء.
(12) هذا البيت لعاتكة بنت زيد العدوية ترثي فيه زوجها الزبير بن العوام وقد قتله عمرو ابن جرموز المجاشعي غدرًا بعد انصرافه من وقعة الجمل سنة ست وثلاثين من =
(2/257)

وتكون بمعنى "على" كقوله (1): {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَان} (2).
وقوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (3) أي: فعليها.
ومنه قولهم: سقط فلان لوجهه، أي: على وجهه.
[وتكون بمعنى "بعد" كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (4) أي: بعد دلوك الشمس] (5).
وتكون بمعنى: "في": كقوله تعالى (6): {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا
__________
= الهجرة، وروي هذا البيت بعدة روايات منها:
تالله ربك إن قتلت لمسلمًا ... وجبت عليك عقوبة المتعمد
شلّت يمينك إن قتلت لمسلمًا ... حلّت عليك عقوبة المتعمد
ثكلتك أمك إن قتلت لمسلمًا ... حلّت عليك عقوبة المتعمد
هبلتك أمك إن قتلت لفارسًا ... حلّت عليك عقوبة المتعمد
يقال: هبلته أمه أي: ثكلته، والثكل هو: أن تفقد المرأة ولدها.
الشاهد في هذا البيت بجميع رواياته في قولها: "إن قتلت لمسلمًا"؛ حيث "إن" فيه نافية واللام بمعنى إلا، أي: ما قتلت إلا مسلمًا، وهذا عند الكوفيين وعند البصريين أن مخففة مهملة واللام فارقة.
انظر: خزانة الأدب 4/ 348، الإنصاف للأنباري ص 641، المقرب لابن عصفور 1/ 122، شرح التصريح 1/ 231، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 71، مغني اللبيب 1/ 24.
(1) في ز وط: "كقوله تعالى".
(2) والله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} 109 سورة الإسراء.
(3) قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} سورة الإسراء آية رقم 7.
(4) آية 78 سورة الإسراء.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) "تعالى" لم ترد في ط.
(2/258)

مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْر} (1) أي: في أول الحشر، وقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ} (2)، وقوله تعالى: {يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} (3) أي: في حياتي.
[وقوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} (4) أي: فيه عوجًا] (5).
وتكون بمعنى "عند" كقوله تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} (6).
وتكون بمعنى "قد" كقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} (7).
وتكون بمعنى الفاء كقولك: أحسنت إلى زيد ليكفر نعمتك أي: فكفر (8) نعمتك.
ومنه قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} (9) أي: فيضلوا (10).
__________
(1) آية رقم (2) سورة الحشر.
(2) آية رقم (1) سورة الطلاق.
(3) آية رقم (24) سورة الفجر.
(4) قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} آية رقم (1) سورة الكهف.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في ط.
(6) آية (108) سورة طه.
(7) آية (46) سورة إبراهيم.
(8) في ط: "فيكفر".
(9) آية رقم (88) سورة يونس.
(10) في ط: "فيضلوا عن سبيلك".
(2/259)

وقوله (1) تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كلِّ قَريَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيمكروا فِيهَا} (2) أي: فيمكروا (3) فيها.
وقوله (4) تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وَحَزَنًا} (5)، أي: فكان لهم عدوًا وحزنًا.
ومنهم من قدّر اللام (6) في هذه المواضع بحتى (7).
[ومثالها أيضًا قول الشاعر:
وهم سمنوا كلبًا ليأكل بعضهم ... ولو علموا ما سمنوا ذلك الكلبا (8)
معناها: فأكل بعضهم، على تقديرها بالفاء، أو حتى أكل بعضهم، على تقديرها بحتى] (9).
وتسمى (10) هذه اللام أيضًا لام الصيرورة، ولام العاقبة.
ومثال لام العاقبة والصيرورة أيضًا قول الشاعر:
__________
(1) في ط: "وكذلك قوله".
(2) آية رقم (123) سورة الأنعام.
(3) في ز: "فمكروا".
(4) في ز: "ومنه قوله تعالى".
(5) آية رقم 8 سورة القصص.
(6) في ط: "الكلام".
(7) في ط: "بحتى في هذه المواضع" ففيه تقديم وتأخير.
(8) قائل هذا البيت هو: مالك بن أسماء.
ذكره صاحب كتاب الفاخر للمفضل بن سلمة الكوفي ص 57، وانظر: زهر الأكم في الأمثال والحكم للحسن اليوسي 3/ 180.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) في ز: "وسمى".
(2/260)

له ملك ينادي كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب (1)
وتكون أيضًا جواب الاستفهام، كقوله تعالى: {أَئذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًا} (2).
وتكون جواب "لولا" كقوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (3)، وقوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُم وَرَحمَتُهُ
__________
(1) ورد هذا البيت في الديوان المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ضمن أبيات وهي:
عجبت لجازع باك مصاب ... بأهل أو حبيب ذي اكتئاب
إلى أن قال:
له ملك ينادي كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب
أما عجز هذا البيت وهو قوله: لدوا للموت وابنوا للخراب، فقد نسب لعلي بن أبي طالب كما سبق ولأبي العتاهية، ولأبي نواس.
أما الذي في ديوان أبي العتاهية فهو عجز البيت، وقد وضعه صدرًا فقال:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى تباب
وفعل مثل ذلك أبو نواس فقال:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلهم يصير إلى ذهاب
والشاهد اللام في قوله: "للموت"، و"للخراب" فإن الموت ليس علة للولد، والخراب ليس علة للبناء؛ فاللام فيهما للعاقبة وهي فرع لام الاختصاص وهو قول الكوفيين، وأنكر البصريون لام العاقبة.
انظر: ديوان الإمام علي، جَمَعَهُ: نعيم زرزور ص 38، ديوان أبي العتاهية ص 46، خزانة الأدب للبغدادي 4/ 163، ديوان أبي نواس ص 200، شرح التصريح على التوضيح للأزهري 2/ 12، الحيوان للجاحظ 3/ 51.
(2) سورة مريم آية رقم 66.
(3) سورة النساء آية رقم 83.
(2/261)

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (1) لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (2)، وقوله (3): {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمنَاكَ} (4).
وتكون جواب "لو" الظاهرة كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ به لَكَانَ خَيْرَا لَّهم وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} (5).
وتكون جواب "لو" المضمرة كقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُم عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} (6)، فقوله: (لسلطهم) هو جواب "لو" الظاهرة، وقوله: (فلقاتلوكم) جواب (7) "لو" المضمرة، تقديره: فلو سلطهم عليكم فلقاتلوكم (8).
ومثله (9) قوله تعالى أيضًا (10): {وَإِذًا لاَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُم صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} (11) تقديره: لو (12) فعلوا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيمًا.
ومثله (13) قوله تعالى أيضًا: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم
__________
(1) "في الدنيا والآخرة" ساقطة من الأصل وط.
(2) آية 14 سورة النور.
(3) ز: "وقوله تعالى".
(4) آية 91 سورة هود.
(5) آية 66 سورة النساء.
(6) آية 90 سورة النساء.
(7) في ط وز: "هو جواب".
(8) في ط وز: "لقاتلوكم".
(9) في ط: "ومنه".
(10) "أيضًا" ساقطة من ط وز.
(11) آية 67، 68 سورة النساء.
(12) في ط وز: "ولو".
(13) في ط: "ومثاله".
(2/262)

مَّا يَلْبِسُونَ} (1) تقديره: ولو جعلناه رجلاً للبسنا عليهم ما يلبسون.
ومثله (2) أيضًا (3) قوله تعالى: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} (4) تقديره: لو ركنت (5) إليهم لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات.
[ومثله أيضًا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} (6)، تقديره (7): لو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق] (8).
ومثله (9) أيضًا قوله تعالى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْره وَإِذًا لاَّتَّخَذوكَ خَلِيلاً} (10) [تقديره: لو فعلت لاتخذوك خليلاً] (11).
وتكون اللام أيضًا لام الابتداء كقوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُّشْرِكٍ} (12)، وقوله: {ولأَمَةٌ مؤْمِنَةٌ خَيْرٌ من مُّشْرِكةٍ} (13)، وقوله: {لَيُوسُفُ
__________
(1) سورة الأنعام آية رقم (9).
(2) في ط: "ومثاله".
(3) "أيضًا" ساقطة من ز وط.
(4) سورة الإسراء آية رقم (74، 75).
(5) في ط: "كنت تركن".
(6) سورة المؤمنون آية رقم (91).
(7) في ز: "إذًا تقديره".
(8) المثبت بين المعقوفتين ورد في ز، ولم يرد في الأصل وط.
(9) في ط: "ومثاله".
(10) سورة الإسراء آية رقم (73).
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(12) سورة البقرة آية رقم (221).
(13) سورة البقرة آية رقم (221).
(2/263)

وَأَخوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} (1)، وقوله: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} (2) وقوله: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (3)، وقوله: {لَمَا آتَيْتُكُم (4) مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} (5).
وتكون للتعريف نحو: الرجل والمرأة.
وتكون للشرط كقوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذهبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} (6) اللام (7) الأولى: لام الشرط، والثانية (8): لام جواب الشرط.
ومثاله (9) قوله تعالى (10): {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنْ بَعْد الْمَوْت لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (11).
ومنها: لام الجحود، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} (12)، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (13) وقوله تعالى:
__________
(1) سورة يوسف آية رقم (8).
(2) سورة غافر آية رقم (57).
(3) سورة العنكبوت آية رقم (45).
(4) في الأصل: "آتيناهم" وهو خطأ.
(5) سورة آل عمران آية رقم (81).
(6) سورة الإسراء آية رقم (86).
(7) في ز: "واللام".
(8) في ط: "واللام الثانية".
(9) في ز: "ومثله".
(10) "تعالى" لم ترد في ط.
(11) سورة هود آية رقم (7).
(12) سورة آل عمران آية رقم (179).
(13) سورة البقرة آية رقم (143).
(2/264)

{فَمَا (1) كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ} (2)، وقوله (3): {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وَأَنتَ فِيهم} (4)، وقوله: {وَمَا كنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} (5).
ومنها لام "كي" كقوله تعالى: [{لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (6) وهي في الحقيقة لام التعليل.
ومنها: لام التعدية، كقوله تعالى: {فَهَبْ (7) لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا} (8)، وقوله (9): {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} (10).
ومنها: لام الأمر كقوله تعالى] (11): {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} (12)، وكقوله (13) تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ} (14)، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (15).
__________
(1) في الأصل وز وط: "وما" وهو خطأ.
(2) سورة الأعراف آية رقم (101).
(3) في ز: "وقوله تعالى".
(4) سورة الأنفال آية رقم (33).
(5) سورة الأعراف آية رقم (43).
(6) سورة الأنفال آية رقم (37).
(7) في الأصل: "هب".
(8) سورة مريم آية رقم (5).
(9) "وقوله" ساقطة من ز.
(10) سورة ص آية رقم (35).
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(12) سورة الطلاق آية رقم (7).
(13) في ز: "وقوله".
(14) سورة المائدة آية رقم (47).
(15) سورة الحج آية رقم (29).
(2/265)

[ومنها: لام الفعل (1) كقوله تعالى: {يدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} (2) تقديره: يدعو من ضره أقرب من نفعه] (3).
ومنها: لام المدح كقولك: يا لك رجلاً صالحًا.
ومنها: لام الذم كقولك: يا له رجلاً جاهلاً.
ومنها: لام الاستغاثة كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طعنه العلج (4): يالله ويا للمسلمين (5)، فاللام الأولى لام المستغاث به، واللام الثانية لام المستغاث من أجله.
وقد تكون اللام زائدة لتقوية العامل إذا ضعف بالتأخير أو ضعف بالفرعية (6).
مثال العامل الضعيف بالتأخير: قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} (7).
ومثال العامل الضعيف بالفرعية: قوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} (8)، وقوله: {فَعَّالٌ لمَا يُرِيدُ} (9)؛ لأن اسم الفاعل فرع عن (10)
__________
(1) في ط: "النقل".
(2) آية رقم (13) سورة الحج.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) هو أبو لؤلؤة المجوسي، واسمه فيروز، وهو غلام المغيرة بن شعبة، والعلج: الرجل الشديد الغليظ، ويقال للرجل القوي الضخم من الكفار: علج، انظر: لسان العرب مادة (علج).
(5) في ز: "ويا للمسلمين للعلج"، وفي ط: "ويا للمسلمين العلج".
(6) المثبت من ط وز، ولم ترد "الفرعية" بالأصل.
(7) آية رقم 43 سورة يوسف.
(8) آية رقم 97 سورة البقرة.
(9) آية رقم 107 سورة هود.
(10) في ط: "من".
(2/266)

الفعل، والفرع ليس له قوة الأصل، فجاز (1) تقويته باللام.
وقد تزاد اللام لمجرد (2) التأكيد: كقوله تعالى: {رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} (3)، فاللام (4) زائدة؛ لأن ردف يتعدى بنفسه، يقال: ردف فلان فلانًا إذا تبعه (5).
ومن زيادة اللام للتأكيد أيضًا (6): قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْت} (7)؛ لأن بوّأ يتعدى بنفسه إلى مفعولين؛ لأنه يقال: بوّأت زيدًا منزلاً.
ومنه قول الشاعر (8):
فلا والله لا (9) يلفى لما بي ... ولا للما بهم (10) أبدا دواء (11)
__________
(1) في ط: "مجاز".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "بمجرد".
(3) قال تعالى: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} 72 سورة النمل.
(4) في ط: "واللام".
(5) في ز: "اتبعه".
(6) "أيضًا" ساقطة من ط.
(7) آية رقم 26 من سورة الحج.
(8) في ط: "قول الشاعر قوله".
(9) "لا" ساقطة من ط.
(10) في ط: "فيهم".
(11) قائل هذا البيت هو مسلم بن معبد الوالبي، وهو شاعر إسلامي في الدولة الأموية، وهذا البيت من قصيدة له في إبله مطلعها:
بكت إبلي وحق لها البكاء ... وفرقها المظالم والعداء
الشاهد في البيت في قوله: "للما بهم"؛ حيث إن اللام الثانية مؤكَّدة للام الأولى، =
(2/267)

تقديره: لما بهم (1) فزاد اللام الثانية لتأكيد الإضافة.
وتكون [اللام أيضًا] (2) للتعجب كقولك (3): لله درّك لله أنت يا فلان، هذا في غير القسم.
وقد تكون للتعجب في القسم، ولكن لا يقسم بها إلا (4) إذا قصد التعجب كقولك: لله إنك لسخي، لله إنك لفاضل، لله لا يبقى على الأرض أحد، إذا حلفت (5) على فناء جميع الخلق.
قال أبو موسى الجزولي: يلزمها (6) معنى التعجب في باب القسم (7). يعني أنها (8) تكون للتعجب في القسم، وغير القسم، ولكن لا يقسم بها إلا إذا أريد التعجب.
__________
= ويقول الأنباري في الإنصاف: حرف الخفض لا يدخل على الخفض، وذكر أن هذا البيت من الشاذ الذي لا يعرج عليه ولا يؤخذ به بالإجماع.
انظر: خزانة الأدب 1/ 364، الشاهد رقم (134)، الخصائص لابن جني 2/ 282، الإنصاف للأنباري 1/ 300، شرح التصريح للأزهري 2/ 130.
(1) في ط: "فيهم".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ز: "كقوله".
(4) "إلا" ساقطة من ط.
(5) الحلف: القسم، انظر: لسان العرب مادة (حلف).
(6) في ط وز: "ويلزمها".
(7) انظر شرح الجزولية للشلوبين، تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 84.
(8) "أنها" ساقطة من ط.
(2/268)

ومنها: لام (1) العماد، وهي التي تأتي بعد الكيد، كقوله تعالى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} (2) , {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} (3)، {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا} (4).
"إن" في هذه الآيات (5) عند البصريين مخففة من الثقيلة (6)، واللام لام التأكيد (7).
و"إن" [هذه هي] (8) عند الكوفيين نافية بمعنى "ما"، واللام بمعنى "إلا".
ومنها لام الوعيد، كقولك لمن تهدده (9): لتفعل ما تحب (10) فإنك تأتي إلى يدي.
ومنه قوله تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} (11) , وقوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (12).
__________
(1) "لام" ساقطة من ز.
(2) سورة الإسراء آية رقم (73).
(3) سورة الإسراء آية رقم (76) , وفي ز قدّم هذه الآية على التي قبلها.
(4) سورة الفرقان آية رقم (42).
(5) في ز: "الآية".
(6) في ط: "إن في هذه الآيات مخففة من الثقيلة عند البصريين".
(7) في ط: "التوكيد".
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(9) في ز: "تهددت".
(10) في ط: "تحت".
(11) سورة العنكبوت آية رقم (66).
(12) سورة الكهف آية رقم (29).
(2/269)

ومنها: لام الوعد كقوله (1) تعالى (2): {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ} (3).
ومنها: لام الأصل نحو: لحم ولبن، ولوح، ولون، وليل.
ومنها: لام الفصاحة وهي: التي تكون في أسماء الإشارة، نحو: ذلك، وتلك، ويقال لها أيضًا: لام التأكيد.
ومنها: لام الإلحاق، وهي: التي تأتي بعد كل كقوله تعالى: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (4)، وقوله تعالى: {وَإِن كلٌّ لمَّا جَمِيعٌ لدَيْنَا مُحْضَرُونَ} (5)، وقوله تعالى: {إِن كلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} (6).
من قرأ "لما" بالتخفيف (7) [جعل "إن" المخففة من الثقيلة، واختلف فيها: قيل: زائدة، وقيل: نكرة.
وقوله: (متاع) و (جميع) بدل من ما] (8). ومن قرأ "لمَّا" بالتشديد جعلها
__________
(1) "كقوله" ساقطة من ز.
(2) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(3) آية رقم 186 سورة البقرة.
(4) آية رقم 35 سورة الزخرف.
(5) آية رقم 32 سورة يس.
(6) آية رقم 4 سورة الطارق.
(7) يقول القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: {وَإِن كُلُّ ذَلكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاة الدُّنْيَا}: قرأ عاصم وحمزة وهشام عن ابن عامر: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحياةِ الدُّنْيَاَ} بالتشديد، والباقون بالتخفيف.
انظر: تفسير القرطبي 16/ 87، وانظر: كتاب التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو عثمان الداني ص 196، 221.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2/270)

بمعنى "إلا" وجعل "إن" نافية بمعنى "ما" (1) تقديره: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وما كل إلا جميع لدينا محضرون، ما (2) كل نفس إلا عليها حافظ.
والدليل على أن "لمّا" تكون بمعنى "إلا": أنه حكى سيبويه رحمه الله: نشدتك بالله لما فعلت، أي: ألا فعلت.
ومنها: لام الترجي (3) كقولنا: لعل، لعلنا، لعلكم.
ومنها: لام التمنى نحو: يا ليتنا يا ليتني.
ومنها: لام البشارة كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (4).
ومنها لام الشفاعة كقوله تعالى: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} (5).
فهذه (6) نيف وأربعون معنى للام.
انظر (7): كتاب اللامات للبغدادي (8)، وأبي محمد مكي (9)
__________
(1) "ما" ساقطة من ط.
(2) في ز: "وما".
(3) في ط: "التراجي".
(4) سورة الفتح آية رقم (2).
(5) سورة الزخرف آية رقم (77).
(6) في ز وط: "فهذا".
(7) "انظر" ساقطة من ز.
(8) لم أقف على هذا الكتاب ومؤلفه.
(9) هو أبو محمد مكي بن أبي طالب بن حموش بن محمد بن مختار القيسي النحوي =
(2/271)

والزجاجي (1).
قوله: (والباء للإِلصاق نحو: مررت بزيد، والاستعانة نحو: كتبت بالقلم، والتعليل نحو: سعدت بطاعة الله تعالى (2)، والتبعيض عند
__________
= المقري المالكي، ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة (355 ه) بالقيروان، أخذ عن أبي محمد بن أبي زيد، تنقل بين مكة ومصر والقيروان، رحل إلى الأندلس واستقر به المقام هناك، وجلس للتدريس في جامع قرطبة والخطابة فيه، وكان خيّرًا فاضلاً متواضعًا مشهورًا بالصلاح، ومن أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، توفي رحمه الله سنة 437 ه.
انظر: الديباج المذهّب ص 346، إنباه الرواة، 3/ 313 - 315، بغية الوعاة، 2/ 298، شذرات الذهب 3/ 260، مرآة الجنان 3/ 57 - 58، معجم الأدباء 19/ 167 - 171، النجوم الزاهرة 5/ 41.
(1) في ز: "والرجي" وهو تصحيف.
والزجاجي هو: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي، ولد في نهاوند ونشأ ببغداد، منسوب إلى شيخه إبراهيم بن السري الزجاج؛ لأنه قد لزمه حتى برع في النحو، وأخذ النحو أيضًا عن محمد بن العباس اليزيدي، وأبي بكر بن دريد، وأبي بكر بن الأنباري، ونفطويه، والأخفش الصغير، توفي سنة (337 ه) على الأصح بطبرية، من مصنفاته: "الجمل الكبرى"، "الأمالي"، "الكافي"، "الإيضاح"، "كتاب اللامات" الذي ذكره المؤلف، وهو مطبوع بتحقيق مازن المبارك.
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، 3/ 136، بغية الوعاة، 2/ 77، طبقات الزبيدي ص 129، شذرات الذهب 2/ 357.
(2) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(2/272)

بعضهم، وهو منكر عند بعض (1) أئمة اللغة، [وللظرف (2) نحو: زيد بالبصرة] (3)).
ش: هذا هو المطلب السابع، ذكر المؤلف للباء خمسة معان (4):
أحدها: للإلصاق (5) وهو: الاختلاط، وهو الأصل في معانيها ولم يذكر سيبويه (6) غيره.
ومعنى الإلصاق بها (7): إلصاق فعلها بمجرورها، والإلصاق على ضربين:
حقيقي ومجازي.
فالحقيقي نحو: مسحت يدي بالمنديل؛ لأنك ألصقت يدك بالمنديل.
وقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (8) فهو أيضًا حقيقي؛ لأنك
__________
(1) "بعض" ساقطة من أوخ وز.
(2) في ز: "والظرف"، وفي ط: "والظرفية".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من أوخ وش.
(4) انظر معاني الباء في: شرح التنقيح للقرافي ص 104، 105، شرح التنقيح للمسطاسي ص 43، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 90، 91، شرح الكوكب المنير 1/ 267، الإحكام للآمدي 1/ 62، فواتح الرحموت 1/ 242، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 342، البرهان 1/ 80، مغني اللبيب 1/ 101 - 110، رصف المباني ص 220 - 229، الجنى الداني ص 36 - 56، شرح المفصل 8/ 32.
(5) في ز: "الإلصاق".
(6) انظر: الكتاب 2/ 304، الجنى الداني ص 36.
(7) في ز وط: "فيها".
(8) آية رقم 6 سورة المائدة.
(2/273)

تلصق يدك برأسك من غير حائل بينهما.
ومثال المجازي: قولك: مررت بزيد؛ لأنك لم تلصق مرورك بجثة زيد، إنما معناه (1): مررت بموضع يقرب من زيد.
قوله: (والاستعانة) هذا معنى ثان، [وباء الاستعانة] (2) هي: الباء التي تدخل على الآلة نحو: كتبت بالقلم، ونجرت بالقدوم، وضربت بالسيف، وطعنت بالرمح.
قوله: (والتعليل) هذا معنى ثالث، يقال (3) لها أيضًا (4): باء السببية، وهي: التي يحسن في موضعها اللام نحو قولك (5): سعدت بطاعة الله، أي: بسبب طاعة الله.
ومنه قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} (6)، وقوله تعالى (7): {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (8).
قوله: (والتبعيض عند بعضهم) هذا معنى رابع، وهو مذهب الشافعي؛ ولأجل ذلك قال في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (9): الباء للتبعيض؛
__________
(1) في ط: "معنى"، وفي ز: "المعنى".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(3) في ز وط: "ويقال".
(4) في ط: "هذا معنى ثالث أيضًا ويقال لها ... إلخ".
(5) "قولك" ساقطة من ز.
(6) آية رقم 54 سورة البقرة.
(7) "تعالى" لم ترد في ط.
(8) آية رقم 160 سورة النساء.
(9) آية رقم 6 سورة المائدة.
(2/274)

فيجوز الاقتصار على مسح بعض (1) الرأس (2).
واستدل على كون الباء للتبعيض يقول العرب: أخذت بثوب زيد، معناه: أخذت ببعض ثوب زيد؛ إذ من (3) العلوم عادة أنه لم يحط يده بجميع الثوب.
أجيب عن هذا: بأن (4) الباء إنما أفادت (5) إلصاق الأخذ (6) بالثوب خاصة، وإنما استفيدت (7) التبعيض من المعنى لا من الباء، ومعلوم (8) أن اليد لا تحيط (9) بجميع الثوب.
واستدلوا أيضًا بقول الشاعر:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج (10) خضر لهن نئيج (11)
__________
(1) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "بعض مسح".
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/ 87 - 88.
(3) المثبت من ز، ولم ترد "من" في الأصل وط.
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أن".
(5) في ز: "أفاد".
(6) في ز: "الأيدي".
(7) في ز وط: "استفيد".
(8) في ط وز: "إذ معلوم".
(9) في ط وز: "لا يحيط".
(10) "لجج" ساقطة من ط.
(11) قائل هذا البيت هو أبو ذؤيب الهذلي، وروي: "ثم صعدت".
ويقول البغدادي: قال ابن السيد: هذيل كلها تصف أن السحاب تستقي من البحر ثم تصعد في الجو، وهذا ما عليه الحكماء من أن السحاب ينعقد من البخار، أعني الأجزاء الهوائية المائية المتحللة بالحرارة من الأشياء الرطبة، وذلك أن البخار المذكور إذا تصاعد ولم يتلطف بتحليل الحرارة أجزاءه المائية حتى يصير هواء فإنه إذا بلغ =
(2/275)

قوله: "شربن" يعني: السحاب، ومعنى النئيج: هو: المر السريع.
قالوا (1): فالباء في قوله: بماء البحر للتبعيض؛ [إذ معلوم أنهن لم يشربن جميع ماء البحر.
أجيب عنه أيضًا بالجواب الذي قبله، هو: أن التبعيض] (2) إنما يستفاد من المعنى لا من الحرف؛ إن لا يقال: إن الحرف يفيد المعنى إلا إذا كان المعنى لا يفهم إلا من الحرف.
وأجاب بعضهم (3) عن هذا البيت بأن قال: الماء فيه بمعنى "من"، أي: من ماء البحر.
وأجاب بعضهم (4) بأن (5) قال: هذا من باب تشريب (6) الأفعال، فمعنى
__________
= الطبقة الزمهريرية تكاثف فاجتمع سحابًا وتقاطر مطرًا، "متى" في لغة هذيل: وسط الشيء، "اللجج" جمع لجة وهو: معظم الماء، "خضر" وصفها بخضر لصفائها، "نئيج" على وزن فعيل مهموز العين: المر السريع الصوت، من نأجت الريح تنأج نئيجًا: تحركت، وجملة لهن نئيج في موضع الحال من فاعل ترفعت.
الشاهد: في قوله: "بماء"؛ حيث وردت الباء بمعنى "من".
وذكر البغدادي في هذه الباء أربعة أقوال:
الأول: أنها للتعدية، والثاني: أنها للتبعيض، والثالث: أنها بمعنى في، الرابع: أنها زائدة.
انظر: الخزانة 3/ 193، الشاهد رقم 514، الخصائص 2/ 58، أمالي ابن الشجري 2/ 270، شرح شواهد المغني 1/ 318، الشاهد رقم 144، الجنى الداني ص 43، شرح أشعار الهذليين 1/ 129، مغني اللبيب 1/ 150، رصف المباني ص 228.
(1) منهم الأصمعي والفارسي، انظر: الجنى الداني ص 43.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) منهم ابن قتيبة في أدب الكاتب ص 515، تحقيق محمد الدالي.
(4) هذا رأي ابن مالك، انظر: الجنى الداني ص 44.
(5) فى ط: "عنه بأن".
(6) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "تشريف".
(2/276)

شربن: روين، فتكون الماء على هذا للتعدية؛ لأن روى لا يتعدى بنفسه.
واستدلوا أيضًا (1) على كون الباء للتبعيض بقول العرب: مسحت رأسي ومسحت برأسي، ولا فرق بين اللفظين إلا التبعيض؛ لأن مسح يتعدى بنفسه فلا يحتاج إلى الباء إلا لأجل إرادة التبعيض.
أجيب (2) عن هذا: بأن القاعدة العربية أن (مَسَح) يتعدى إلى مفعولين؛ يتعدى (3) إلى أحدهما بنفسه، ويتعدى إلى الآخر بحرف الجر، وهما الممسوح والممسوح به (4)، وقد عينت العرب الباء للممسوح به، وهو الآلة، فتكون الباء في الآية للتعدية لا للتبعيض؛ إذ لا تدخل الباء إلا على الآلة في هذا المعنى.
فإذا قلت: مسحت يدي بالحائط، فالممسوح هو: ما على اليد، وهو: الرطوبة والبلل الكائن على اليد، والحائط هو: الآلة المزال بها ذلك البلل، وإذا قلت: مسحت الحائط بيدي فالممسوح هو ما على الحائط، واليد هي (5): الآلة المزال بها ما على الحائط.
فقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (6) على هذا الباب (7) داخلة على
__________
(1) "أيضًا" ساقطة من ز.
(2) في ز: "وأجيب".
(3) في ز: "فيتعدى".
(4) في ط: "له".
(5) المثبت من ط، وفي الأصل: "وهو"، وفي ز: "هو".
(6) سورة المائدة آية رقم "6".
(7) في ز وط: "هذا الباء".
(2/277)

آلة المسح، وهي (1) الرأس، فالممسوح هو بلل الأيدي، والممسوح به هو الرأس؛ إذ القاعدة العربية أن الباء في هذا المعنى إنما تدخل على الآلة، تقدير (2) الآية: وامسحوا [بلل] (3) أيديكم برؤوسكم.
قال المؤلف في الشرح: والدليل على هذا إجماع العلماء على أن الله تعالى لم يوجب علينا إزالة شيء عن (4) رؤوسنا ولا عن جميع أعضائنا، بل أوجب (5) علينا أن تنقل رطوبة أيدينا إلى رؤوسنا وجميع أعضاء وضوئنا، فتبين بهذا أن الرأس هو مزال به لا مزال عنه.
فتعين أن الباء في الآية للتعدية لا للتبعيض (6)؛ لأن الفعل الذي هو (مَسَحَ) لا يتعدى إلى الآلة إلا بالباء، وذلك أن الباء لا تكون (7) للتبعيض (8) عند من زعم كونه للتبعيض إلا في (9) الفعل المتعدي بنفسه، نحو قولك:
__________
(1) في ز: "هو".
(2) في ز: "فتقدير".
(3) المثبت من ز وفي الأصل "ببلل".
(4) في ط: "من".
(5) في ط: "بل يجب".
(6) شرح التنقيح للقرافي ص 105.
(7) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "لا يكون".
(8) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "إلا للتبعيض".
(9) في ط: "إلا بالفعل".
(2/278)

أخذت بثوب زيد، وهذا الفعل الذي هو (مسح) لا يتعدى إلى الآلة بنفسه، فلا يصح كون (1) الباء (2) للتبعيض إذًا، هذا معنى ما ذكره المؤلف في الشرح، فتحصل من ذلك: أن الممسوح هو الأيدي، وأن الممسوح به هو الرأس.
و (3) قال أبو عبد الله (4) محمد بن هارون التونسي (5) - في شرح ابن الحاجب -: قال بعضهم: الرأس آلة، والممسوح هو الأيدي، فيجب مسح بلل الأيدي بالرأس.
وهذا بعيد، يلزم عليه إلزامان:
أحدهما: أن يكون في اليد فرضان: المسح، والغسل.
الثاني (6) أنه يلزم عليه ألا يعد (7) الرأس من الفروض؛ لأنه آلة، والآلة لا
__________
(1) في ز: "كونه".
(2) "الباء" ساقطة من ز.
(3) "الواو" ساقطة من ز.
(4) "أبو عبد الله" لم يرد في ز، وفيها: "العلامة ابن هارون".
(5) هو أبو عبد الله محمد بن هارون التونسي، ولد سنة (680 ه)، إمام في الفقه وأصوله، والكلام وفصوله، فقيه مالكي بلغ رتبة الاجتهاد، درس في جامع الزيتونة، من تلاميذه: ابن عرفة، وابن مرزوق، وخالد البلوي، وقد أثنى عليه في رحلاته وقرأ عليه النصف من تأليفي ابن الحاجب الأصولي والفروعي، توفي رحمه الله سنة (750 ه)، من مصنفاته: "شرح مختصر ابن الحاجب" في الأصول، "شرح مختصر ابن الحاجب" فى الفروع، "شرح المدونة".
انظر: نيل الابتهاج ص 243، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تأليف محمد الوزير السراج، ص 598 - 600، وكذلك في ص 827 - 829، شجرة النور الزكية ص 211.
(6) في ط: "والثاني".
(7) في ط: "يعيد".
(2/279)

يعد (1) التصرف بها فرضًا مستقلًا (2) بنفسه.
قال: بل الباء في الآية للاستعانة الداخلة على الآلة، وهي: الأيدي، تقديره: وامسحوا بأيديكم رؤوسَكم، فدخلت الباء على الآلة التي هي الأيدي، [ثم حذفت الأيدي] (3) وبقيت الباء تدل عليها فاتصلت الباء بالمفعول الذي هو: الرؤوس (4).
وهذا الذي ذكره ابن هارون هو عكس ما ذكره المؤلف في شرحه (5).
وقال المسطاسي: "تقديره: وامسحوا بالماء رؤوسكم، فحذف الماء واتصلت الماء برؤوسكم [فدلت] (6) الباء على الحذف (7) " (8).
وهذا التأويل قريب من تأويل ابن هارون.
قوله: (وأنكره بعض الأدباء) (9) أي: أنكر بعض الأدباء كون الباء للتبعيض، وهو أبو الفتح ابن جني (10).
__________
(1) في ط: "يعيد".
(2) في ط: "مستقبلاً".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز: "الرأس".
(5) في ز: "في الشرح"
(6) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "تدل"
(7) في ز وط: "المحذوف".
(8) انظر: شرح التنقيح لأبي زكريا المسطاسي ص 44.
(9) في ط: "أئمة اللغة".
(10) هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، ولد بالموصل قبل الثلثمائة، وكان أبوه مملوكًا، وإلى هذا أشار بقوله:
فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي =
(2/280)

قال في سر الصناعة ما نصه (1): "فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي من أن الباء للتبعيض فشيء لا يعرفه أصحابنا ولا ورد به ثبت" انتهى (2).
قوله: (وللظرف (3) نحو: زيد بالبصرة).
هذا معنى خامس، وهو: الظرف بالظاء المعجمة، نحو: زيد بمكة، أو بالمدينة (4)، أو بالدار، أو بالسوق، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (5) أى: وفي الليل.
ذكر (6) المؤلف للباء خمسة معان، وذكر غيره خمسة عشر معنى (7) و (8)
__________
= لزم أبا علي الفارسي أربعين سنة، ولما مات أبو علي تصدر ابن جني مكانه ببغداد، وابن جني من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وله أشعار حسنة، أخذ عنه عبد السلام البصري وغيره، توفي رحمه الله سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة (392 ه)، من مصنفاته: "سر الصناعة"، "الخصائص"، "شرح المقصور والممدود"، "المذكر والمؤنث"، "محاسن العربية"، "شرح الفصيح".
انظر ترجمته في: بغية الوعاة، 2/ 132، شذرات الذهب 3/ 140، مفتاح السعادة 1/ 114، دمية القصر وعصرة أهل العصر 3/ 1481، معجم الأدباء 12/ 81.
(1) في ط: "بما نصه".
(2) انظر: سر الصناعة لابن جني 1/ 139.
(3) في ز وط: "وللظرفية".
(4) فى ط: "المدينة".
(5) آية رقم (137، 138) سورة الصافات.
(6) في ط: "ذكره".
(7) "معنى" ساقطة من ز وط.
(8) "الواو" ساقطة من ط وز.
(2/281)

منها هذه الخمسة المذكورة.
المعنى السادس: التعدية (1).
مثاله: خرجت بزيد ودخلت بزيد وذهبت بزيد.
ومعنى التعدية: تعدية (2) الفعل القاصر إلى المفعول به. فمعنى قولك: خرجت بزيد، وشبهه، أنك تجعله يخرج لا أنك خرجت معه؛ لأنك إذا أردت بقولك: خرجت بزيد، أنك خرجت معه، فالباء للمصاحبة لا للتعدية.
والفرق بين (3) باء التعدية وباء المصاحبة وجود الاشتراك وعدم الاشتراك، فباء المصاحبة: معها الاشتراك، وباء التعدية: ليس معها الاشتراك؛ لأنها عوض عن همزة التعدية كقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} (4) فهي باء التعدية ولا يجوز الذهاب على الله تعالى.
فقوله تعالى: {تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ} (5) على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء (6).
قيل: الباء زائدة.
__________
(1) في ط: "البعدية".
(2) في ز: "مجاوزة".
(3) في ط: "والقرويين" وهو تصحيف.
(4) آية رقم 20 سورة البقرة.
(5) سورة المؤمنون آية رقم 20.
(6) انظر: قراءة ابن كثير، وأبي عمرو في: كتاب التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو عثمان الداني ص 159.
(2/282)

وقيل: للمصاحبة، تقديره: تنبت جناها (1) وفيها الدهن.
وعلى قراءة الجماعة بفتح التاء وضم الباء (2) فالباء للتعدية، وقيل: للمصاحبة.
وعلى قراءة الشاذة (3) بالتركيب فالباء للمصاحبة.
والمعنى السابع: الزيادة، كقوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (4) أي: وكفى الله شهيدًا، فالباء (5) زائدة في الفاعل.
وتزاد أيضًا في المفعول، نحو: قوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكم إِلَى التَّهْلُكَةِ} (6).
ومنه قول الشاعر:
فكفى بنا فضلاً على من (7) غيرنا ... حب النبي محمد إيانا (8)
__________
(1) الجنى كل ما جُنِيَّ ... واحدته جناة، وقد يجمع الجنى على أجناء، وأجنت الأرض: أكثر جنَاها، وهو الكلأ، انظر: اللسان مادة (جنى).
(2) انظر: كتاب التيسير في القراءات لأبي عمرو الداني ص 159.
(3) في ز: "التاء".
(4) آية رقم 79 و166 سورة النساء، وآية رقم 28 سورة الفتح.
(5) في ط: "أي فالباء".
(6) آية رقم 195 سورة البقرة.
(7) "من" وردت في ط وز، ولم ترد في الأصل.
(8) اختلف في قائله، فقيل: هو كعب بن مالك الأنصاري، شاعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونسب إلى حسّان ولم يوجد في شعره.
وقيل: هو عبد الله بن رواحة الأنصاري.
(2/283)

تقديره: فكفانا حب النبي محمد إيانا فضلاً على من غيرنا.
وتزاد أيضًا في المبتدأ كقولك: بحسبك درهم، وقولك أيضًا: بحسبك أن تفعل كذا وكذا.
تقديره: حسبك درهم أي: كافيك (1)، أو كافيك فعلك كذا وكذا في المثال الثاني.
وتزاد في الخبر أيضًا، كقوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون} (2)، وقوله: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (3) وقوله: {وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيد} (4)، وقوله تعالى (5): {ألَسْتُ بِرَبِّكُم} (6) وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ
__________
= وقيل: لبشير بن عبد الرحمن بن كعب الأنصاري، والأول هو الراجح.
وروي: "وكفى" بالواو، وروي: "شرفًا" بدل: "فضلاً".
الشاهد قوله: "فكفى بنا"؛ حيث زيدت الباء في مفعول كفى المتعدية، وحب فاعل كفى، وقيل: إن الباء زيدت في الفاعل، وقوله: "حب" بدل اشتمال على المحل، و"من" في قوله: "من غيرنا" قيل: إنها نكرة موصوفة والتقدير على قوم غيرنا، وقيل: زائدة، وغيرنا مجرور، وقيل: "من" موصولية، والتقدير: من هو غيرنا.
انظر: خزانة الأدب 2/ 545، الشاهد (438) شرح الشواهد الألفية للعيني 1/ 486، مجالس ثعلب 1/ 330، الأمالي الشجرية 2/ 169.
(1) في ز وط: "أي كافيك درهم".
(2) وردت هذه الآية في عدة مواضع في الآيات رقم 74، 85، 140، 149 سورة البقرة، وآية رقم 99 سورة آل عمران.
(3) آية 144 من سورة البقرة.
(4) آية رقم 46 سورة فصلت.
(5) "تعالى" لم ترد في ط.
(6) آية رقم 172 سورة الأعراف.
(2/284)

عَبْدهُ} (1).
وقد تزاد في الخبر المثبت كقولك: زيد بحسبك، أي: زيد حسبك، أي: كافيك (2).
والمعنى الثامن: المصاحبة (3)، وهي: التي (4) يحسن في موضعها "مع"، وتقدر مع مجرورها بالحال (5).
مثالها: خرج زيد بثيابه، أو بسلاحه (6)، أو بفرسه (7)، أو بسيفه (8)، أو بغلامه، أو بأولاده، أو بإخوانه.
ومنه قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ} (9) أي: مع الحق (10).
أو تقدر (11) مع مجرورها بالحال، فتقول: تقديره: جاءكم (12) الرسول
__________
(1) آية رقم 36 سورة الزمر.
(2) في ز: "أي أنه كأخيك"، وهو خطأ.
(3) في ط: "للمصاحبة".
(4) "التي" ساقطة من ط.
(5) في ط: "الحال".
(6) في ز: "أو سلاحه".
(7) في ز: "أو فرسه".
(8) في ز: "أو سيفه".
(9) آية رقم 170 سورة النساء.
(10) في ط: "الجز".
(11) في وط: "أو نقدرها".
(12) في ز وط: "قد جاءكم".
(2/285)

مصدقًا، وقوله: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} (1) أي: مع حمدك (2).
والمعنى التاسع: العوض، وباء العوض هي الداخلة في الأعواض والأثمان، ويقال لها أيضًا: باء المقابلة.
مثالها: اشتريتها (3) بألف، وكفيت (4) الإحسان بضعف، وقولك: اشتريت كذا بكذا، وقولك: بعت (5) كذا بكذا.
ومنه قوله عليه السلام: "ما يسرني بها (6) حمر النعم" (7)، أي: [ما يسرني] (8) عوضها أو بدلها (9) [حمر النعم] (10).
__________
(1) آية رقم 30 من سورة البقرة، وفي ز: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، النصر (3).
(2) في ز: "أي مع حمدي".
(3) في ز: "اشتريت" وفي ط: "اشتريته".
(4) في ط: "وكفيته".
(5) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "بعث".
(6) المثبت من ط وز، ولم ترد كلمة "بها" بالأصل.
(7) هذا الحديث رواه محمَّد بن إسحاق عن محمَّد بن زيد بن المهاجر عن طلحة بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عن حلف الفضول: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعي به في الإِسلام لأجبت"، كما روي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
وهذا الحلف كان في الجاهلية وتعاقدت فيه قبائل من قريش وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها، أو غيرهم إلا قاموا معه على من ظلمه حتى ترد إليه مظلمته: ومعنى قوله: "ما أحب أن لي به حمر النعم" أنني لا أحب نقضه وإن دفع لي حمر النعم في مقابلة ذلك.
انظر: البداية والنهاية 2/ 293، سيرة ابن هشام 1/ 145، الاكتفا في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء للكلاعي 1/ 89، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام 2/ 99.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(9) في ط: "وبدلها".
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/286)

ومنه قول الشاعر:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانًا وركبانًا (1)
تقديره: فليت لي بدلاً (2) بهم، وهذا البيت من أبيات الحماسة.
والمعنى العاشر: التعجب، كقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} (3).
والمعنى الحادي عشر: القسم، كقولك (4): بالله لأفعلن كذا وكذا.
والمعنى الثاني عشر: الطلب كقولك (5): سألتك بالله أن تعطيني كذا وكذا.
والمعنى (6) الثالث عشر: أن تكون (7) بمعنى [عن] (8) كقوله تعالى: {وَيَوْمَ
__________
(1) قائل هذا البيت هو قريط بن أنيف العنبري، وهذا البيت من قصيدة له يذم فيها قوله؛ حيث أغارت بنو شيبان على إبله فاستنجدهم فلم ينجدوه ويمدح بني مازن، ومطلع القصيدة:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
انظر: الحماسة لأبي تمام، 1/ 58، خزانة الأدب للبغدادي (3/ 332)، العقد الفريد 3/ 16، مجالس ثعلب القسم الثاني ص 473، مغني اللبيب لابن هشام 1/ 104، الجنى الداني للمرادي ص 40.
(2) في ز: "بدلهم".
(3) سورة مريم آية رقم 38.
(4) في ط وز: "كقوله".
(5) في ط: "كقوله".
(6) "المعنى" ساقطة من ط.
(7) في ز: "يكون".
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "من".
(2/287)

تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بالْغَمَامِ} (1)، وقوله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعِ (1) لِلْكَافِرِينَ} (2)، وقوله تعالى: {فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا} (3).
[المعنى (4) الرابع عشر: أن تكون بمعنى "من" التي للتبعيض، كقوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} (5) أي: يشرب (6) منها] (7).
والفرق بين كون (8) الباء (9) التي للتبعيض نحو: أخذت بثوب زيد، وبين الباء التي بمعنى "من" التبعيضية (10): أن الباء في المعنى الأول أفادت التبعيض بنفسها وذاتها، بخلاف المعنى الثاني؛ لأنها إنما أفادت التبعيض بواسطة "من".
والمعنى الخامس عشر: أن تكون بمعنى "على" مثالها (11): قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} (12)، وقوله: {إِن تَأمَنْهُ
__________
(1) آية رقم 25 من سورة الفرقان.
(2) آية رقم 1، 2 سورة المعارج.
(3) آية رقم 59 سورة الفرقان.
(4) في ز وط: "والمعنى".
(5) آية 6 سورة الإنسان.
(6) "يشرب" ساقطة من ط.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) "كون" ساقطة من ز.
(9) في ط: "الياء".
(10) في ط: "التعبيضية" وهو تصحيف.
(11) في ط: "مثاله".
(12) آية رقم 75 من سورة آل عمران، والقنطار ثمانون ألف درهم، وهو العقدة الكثيرة من المال مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه، تقول العرب: قنطرت الشيء إذا أحكمته.
انظر: العمدة في غريب القرآن ص 97.
(2/288)

بِدِينَارٍ} (1)، تقديره: على قنطار أو على دينار.
ومنه قوله الشاعر وهو زهير:
وقفت بها من بعد عشرين حجة (2) ... . . . . . . . . . . . . . . .
أي: وقفت [عليها، أي] (3) على الدار من بعد عشرين (4) سنة.
[وهذا (5) تمام ما يتعلق (6) بمعاني الباء] (7).
قوله: (و"أو" و"إِما" (8) للتخيير، نحو قوله تعالى: "فتحرير رقبة مؤمنة أو إِطعام ستين مسكينًا" (9) وللإِباحة نحو: اصحب (10) العلماء (11) أو
__________
(1) قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} 75 سورة آل عمران.
(2) هذا صدر البيت وتمامه:
وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأيًا عرفت الدار بعد توهم
معناها: وعهدي بها منذ عشرين حجة، عرفتها بعد أن توهمت، "لأيًا" أي: بعد إبطاء وجهد عرفتها.
انظر: ديوان زهير ص 10، شرح القصائد السبع ص 241، شرح القصائد العشر ص 165.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز: "عشرين حجة أي سنة".
(5) في ز وط: "هذا".
(6) في ط: "ما تعلق".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) في ش: "أو أما".
(9) سيأتي تنبيه المؤلف عليها في (2/ 291).
(10) في ز: "صاحب".
(11) في أوش: "الفقهاء".
(2/289)

الزهاد، فله (1) الجمع بينهما، بخلاف الأول، و (2) للشك نحو: جاء (3) زيد أو عمرو، وللإِبهام (4) نحو: جاء (5) زيد أو عمرو، وأنت (6) عالم بالآتي منهما، وإِنما أردت التلبيس على السامع بخلاف الشك، و (7) التنويع نحو (8) العدد إِما زوج، وإِما (9) فرد، أي: (10) هو متنوع (11) إِلى هذين النوعين).
ش: هذا هو المطلب الثامن، ذكر المؤلف لهذين الحرفين (12) خمسة
__________
(1) في أوط: "وله الجمع بينهما".
(2) في أوخ وش: "أو للشك".
(3) في أوخ وش: "وجاءني زيدٌ أو عمرو".
(4) في خ وش: "أو للإبهام".
(5) في أوخ وش: "جاءني".
(6) في أوخ وش: "وكنت عالمًا بالآتي".
(7) في خ: "أو للتنويع"، وش: "أو التنويع"، وفي أوط: "وللتنويع".
(8) في أ: "بخلاف".
(9) في أوخ وز وش وط: "أو فرد".
(10) في أ: "أو هو متنوع".
(11) في ز: "منوع".
(12) انظر معاني "أو" في: شرح التنقيح للقرافي ص 105، شرح التنقيح للمسطاسي ص 44، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 91، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 336، البرهان 1/ 186، شرح الكوكب المنير 1/ 263، الجنى الداني ص 227 - 232، مغني اللبيب 1/ 61، 68، المفصل ص 304، شرح المفصل 8/ 97، الكتاب 1/ 85، 487، أمالي الشجري 2/ 314، رصف المباني ص 210 - 213.
وانظر معاني "إما" في: شرح التنقيح للقرافي ص 105، شرح التنقيح للمسطاسي ص 44، مغني اللبيب 1/ 59 - 61، الجنى الداني للمرادي ص 528 - 536، رصف =
(2/290)

معان:
أحدها: التخيير كقولك (1): خذ الثوب أو الدينار، أي: خذ بأيهما (2) شئت [وليس لك إلا أحدهما] (3).
وقولك (4) أيضًا: تزوج هندًا أو أختها، أي: أنت مخيّر في تزويج أيتهما شئت؛ إذ ليس لك (5) الجمع بينهما.
وكقولك (6) أيضًا: كُل سمكًا (7) أو اشرب لبنًا (8)، أي: افعل أيهما شئت، وليس لك الجمع بينهما.
ومنه قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} (9).
وأما تمثيل المؤلف (10) بقوله: (فتحرير رقبة مؤمنة أو إطعام ستين مسكينًا) فهو منه سهو وغفلة رحمه الله؛ لأن هذا ليس بنص القرآن.
وقوله: (وللإِباحة) هذا معنى ثان.
__________
= المباني ص 183 - 186، أمالي الشجري 2/ 343، شرح المفصل 8/ 97.
(1) في ز: "كقوله".
(2) في ط: "أيهما".
(3) ما بين المعقوفتين ورد في ط وز بهذا اللفظ: "وليس له الجمع بينهما".
(4) في ط: "وقوله".
(5) في ز: "له".
(6) في ط وز: "وقولك".
(7) في ز: "السمك".
(8) في ز: "اللبن".
(9) آية 89 سورة المائدة.
(10) في ز: "المؤلف رحمه الله".
(2/291)

مثاله: اصحب (1) العلماء أو الزهاد، وقولك (2): جالس الحسن (3) أو ابن سيرين (4).
ومنه قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} إلى قوله: {أَوِ الطِّفْلِ} (5).
والفرق بين التي للإباحة والتي للتخيير شيئان:
أحدهما: جواز الجمع في الإباحة، ومنع (6) الجمع (7) في التخيير.
__________
(1) في ز: "صاحب".
(2) في ز: "وقوله".
(3) هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب وهو من سادة التابعين وكبرائهم في البصرة، جمع بين العلم والزهد والورع والفقه والفصاحة، رأى من الصحابة عليًا وطلحة وعائشة وعثمان، تولى قضاء البصرة في أيام عمر بن عبد العزيز، ثم استعفى، توفي رحمه الله بالبصرة سنة عشر ومائة (110 ه).
انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 2/ 263 - 270، ميزان الاعتدال 1/ 1527، وفيات الأعيان 2/ 69.
(4) هو أبو بكر محمَّد بن سيرين البصري، ولد سنة 33 ه، وهو من التابعين روى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن الحصين، وأنس بن مالك، وجمع بين الفقه والورع، واشتهر في تعبير الرؤيا، توفي سنة (110 ه) بالبصرة.
انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 5/ 331 - 338، تهذيب التهذيب 9/ 214 - 216، شذرات الذهب 1/ 138، 139، وفيات الأعيان 4/ 181، 182.
(5) آية رقم 31 سورة النور.
(6) في ط: "ومنعه".
(7) "الجمع" ساقطة من ط.
(2/292)

و (1) الفرق الثاني: أن (2) التي للإباحة يحسن (3) وقوع الواو موضعها بخلاف التي للتخيير لا يحسن وقوع الواو موضعها (4).
وقوله: (للشك (5) نحو جاء زيدٌ أو عمرو).
ومنه قوله تعالى: {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} (6).
وقوله: (للإِبهام (7) نحو: جاء زيد أو عمرو وأنت عالم بالآتي منهما، وإنما أردت التلبيس على السامع بخلاف الشك).
ومن الإبهام (8) قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (9)، فقد (10) علم أنه على هدى وأنهم على ضلال، ولو صرّح لهم بدْلك لسبوا واعتدوا.
ومن الإبهام أيضًا قوله تعالى: {وَأَرسَلْنَاة إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (11).
وقيل: للشك (12) في حقنا، أي: وأرسلناه إلى أمة لو رأيتموها لقلتم:
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) "أن" ساقطة من ط.
(3) في ط: "تخيير" وهو تصحيف.
(4) في ط وز: "موقعها".
(5) في ط: "وللشك".
(6) آية رقم 259 سورة البقرة.
(7) في ط: "وللإيهام"، وفي ز: "وللإبهام".
(8) في ز: "ومن الإبهام أيضًا".
(9) آية رقم 24 سورة سبأ.
(10) في ط وز: "لأنه عليه السلام قد علم".
(11) آية رقم 147 سورة الصافات.
(12) في ز وط: "هي للشك".
(2/293)

هي مائة ألف أو يزيدون.
وقيل: هي للإضراب، معناه: بل يزيدون (1)، قاله الفراء.
والفرق بين الشك والإبهام: أن الشك راجع إلى المتكلم، والإبهام راجع إلى السامع كما قال المؤلف.
ويقال للإبهام (2): بالباء، والإيهام بالياء أعني بنقطة (3) واحدة تحت الحرف، أو بنقطتين (4) تحت الحرف، ومعناهما واحد وهو: التلبيس على السامع (5).
قوله: (وللتنويع نحو: العدد إِما زوج وإِما فرد) أي: هو (6) متنوع إلى هذين النوعين، هذا معنى خامس وهو التنويع، ويقال (7) أيضًا: التفصيل والتقسيم (8).
ومثاله أيضًا: العالم إما جماد أو نبات أو حيوان.
وقولك أيضًا: الكلمة اسم أو فعل أو حرف.
__________
(1) "يزيدون" ساقطة من ز وط.
(2) في ز وط: "الإبهام".
(3) في ط: "بنطقه" وهو تصحيف.
(4) في ط: "بنقيضين" وهو تصحيف.
(5) انظر: لسان العرب مادة (بهم)، ومادة (وهم).
(6) "هو" ساقطة من ز.
(7) في ز وط: "ويقال له".
(8) في ز: "التقسيم والتفصيل".
(2/294)

ومنه قوله تعالى: {لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} (1)، وقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} (2).
فاعلم (3) أن التخيير والإباحة لا يكونان إلا في الطلب، والثلاثة الباقية لا تكون إلا في الخبر، وذكر (4) المؤلف خمسة معان، وزاد غيره معنيين آخرين:
أحدهما (5): الإضراب (6) وهو: كونها بمعنى بل، كقوله تعالى: {إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (7).
قال الفراء: معناه (8): بل يزيدون (9).
وكذلك قوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (10) [أي: بل أشد قسوة] (11).
ومنه قول الشاعر:
__________
(1) 195 سورة آل عمران.
(2) 135 سورة النساء.
(3) في ط: "واعلم"، وفي ز: "اعلم".
(4) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "ذكر".
(5) في ز: "وهما".
(6) في ز: "إضراب".
(7) آية رقم 147 سورة الصافات.
(8) في ز: "معناها".
(9) انظر معاني القرآن للفراء 2/ 393.
(10) آية رقم 74 سورة البقرة.
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/295)

بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى
وصورتها أو أنت في العين أملح (1)
وكونها للإضراب هو (2) مذهب الكوفيين، وأبي علي من البصريين.
المعنى (3) الثاني: أن تكون بمعنى الواو، كقوله [تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (4)، وقوله تعالى] (5): {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} (6).
ومنه قولهم: [خذه بما عَزَّ أو هان، أي: خذه بالعزيز والهين، أي: لا يفوتك على كل حال] (7).
ومنه قول الشاعر:
__________
(1) قائل هذا البيت هو ذو الرُّمة كما نسبه له ابن جني.
قوله: "بدت" بمعنى ظهرت، وفاعله ضمير الحبيبة، "مثل" حال من الضمير، "قرن الشمس" هو أعلاها وأول ما يبدو منها في الطلوع، "وصورتها" بالجر عطف على قرن، "أملح" من ملح الشيء بالضم ملاحة أي: بهج وحسن منظره فهو مليح.
الشاهد في قوله: "أو أنت"؛ حيث إن "أو" هذه بمعنى "أم" المنقطعة، وكلتاهما بمعنى "بل" ومعناه: بل أنت في العين أملح.
انظر: ملحق ديوان ذي الرمة ص 664، الخزانة 11/ 65 - 68، الشاهد (895)، معاني القرآن للفراء 1/ 72، الخصائص 2/ 458، الإنصاف ص 478.
(2) "هو" ساقطة من ط.
(3) في ز: "الوجه".
(4) آية رقم 44 من سورة طه.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في ط.
(6) آية 24 سورة الإنسان.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2/296)

وقد (1) زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها (2) فجورها (3)
وقال آخر (4):
نال الخلافة أو كانت له قدرًا ... كما أتى ربه موسى على قدر (5)
__________
(1) في ط: "قد".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "عليّ".
(3) قائل هذا البيت هو توبة بن الحمير، وهو من قصيدة له مطلعها:
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها
الشاهد في قوله: "أو عليها"؛ حيث استشهد به على أن "أو" ترد بمعنى الواو، أي: تكون لمطلق الجمع، وقيل: إنه لا حجة فيه؛ لأن "أو" فيه للإبهام؛ لأنه قد علم ما حاله أتقى أو فجور.
انظر: الدرر اللوامع على همع الهوامع للشنقيطي 2/ 181، الأمالي الشجرية 2/ 317، الأزهية للهروي ص 119، شرح شواهد المغني 1/ 194، مغني اللبيب، 1/ 62، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر ص 109.
(4) في ط: "الآخر".
(5) قائل هذا البيت هو جرير من قصيدة له يمدح بها عمر بن عبد العزيز، ومطلعها:
لَجَّتْ أمامة في لومي وما علمت ... عرض السماوة روحاتي ولا بكري
إلى أن قال:
نال الخلافة إذ كانت له قدرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قدر
وروي:
جاء الخلافة أو كانت له قدرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قدر
الشاهد في قوله: "أو كانت" فإن "أو" فيه بمعنى الواو، وأما على رواية: "إذ كانت" فلا استشهاد فيه.
انظر: شرح ديوان جرير، تأليف محمَّد إسماعيل الصاوي 1/ 275، الأمالي الشجرية 2/ 317، شرح شواهد الألفية للعيني المطبوع مع الخزانة 4/ 145، الأزهية للهروي تحقيق الملوحي ص 120، شرح شواهد المغني 1/ 196، شرح التصريح 1/ 283، =
(2/297)

قوله: (و"أو" و"إِما" للتخيير (1)).
ذكر المؤلف أن هذين الحرفين مشتركان (2) ومجتمعان في المعاني الخمسة المذكورة، وهي: التخيير والإباحة والشك والإبهام والتنويع، ولم يذكر الفرق بين الحرفين.
وذكر غيره الفرق بينهما (3) من أربعة أوجه:
أحدها: أن الكلام مع "إما" مبني من أوله على ما يجيء (4) بها (5) لأجله، بخلاف "أو"، فإنها قد يبنى (6) الكلام معها على اليقين، ثم يحدث الشك بعد ذلك.
الثاني: أن "إما" لا بد من تكرارها بخلاف "أو"، فتقول: قام إما زيد، وإما (7) عمرو [فتكرر "إما" ولكن هذا هو الغالب.
وقد يستغنى عن "إما" الأولى، ومنه قول الفرزدق (8):
__________
= مغني اللبيب 1/ 62، نزهة الأعين النواظر ص 108، الجنى الداني ص 230.
(1) في ز وط: "إلى آخر كلامه".
(2) في ط: "يشتركان".
(3) انظر: الفرق بينهما في الجنى الداني ص 531 - 533.
(4) في ط وز: "جيء".
(5) في ز: "به".
(6) المثبت من ط، وفي الأصل: "بنى".
(7) في ط: "أو".
(8) هو أبو الأخطل همام بن غالب التميمي المعروف بالفرزدق الشاعر المشهور، وبينه وبين جرير مهاجاة جمعت في كتاب يسمى النقائض، توفي بالبصرة سنة عشر ومائة (110 ه).
انظر: وفيات الأعيان 5/ 86 - 100، شذرات الذهب 1/ 141.
(2/298)

تهاض بدار قد تقادم عهدها ... وإما بأموات ألمّ خيالها (1)
تقديره: تهاض (2) إما بدار.
وقد يستغنى أيضًا (3) عن "إما" الثانية ب "أو"، كقولك: قام إما (4) زيد أو عمرو] (5).
وقد يُستغنى أيضًا (6) عن "إما" الثانية ب "إلا"، كقول الشاعر:
فإما أن تكون أخي بحق (7) ... فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوًا أتقيك وتتقيني (8)
__________
(1) هذا البيت للفرزدق من قصيدة له يمدح بها سليمان بن عبد الملك ويهجو الحجاج بن يوسف ومطلعها:
وكيف بنفس كلما قلت أشرفت ... على البرء من حوصاء هيض اندمالها
تهاض بدار قد تقادم عهدها ... وإما بأموات ألم خيالها
قوله: "تهاض" الضمير راجع للنفس أي: يتجدد جرحها. "ألم" قرب، "خيالها" الخيال صورة الشيء في الذهن.
الشاهد في البيت قوله: "وإما بأموات" على إن "إما" قد تجيء في الشعر غير مسبوقة بمثلها، فتقدر كما في هذا البيت، والتقدير: تهاض إما بدار وإما بأموات.
انظر: شرح ديوان الفرزدق تعليق عبد الله الصاوي 2/ 618، خزانة الأدب 4/ 427 - 429، المنصف لابن جني 3/ 115، شرح المفصل 8/ 102، المقرب لابن عصفور 1/ 232، مغني اللبيب 1/ 61، الجنى الداني ص 533.
(2) في ز: "نهاض".
(3) "أيضًا" ساقطة من ز.
(4) المثبت من ز، ولم ترد "إما" في الأصل.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) "أيضًا" ساقطة من ز.
(7) في ز: "بصدق".
(8) البيتان من قصيدة طويلة للمثقب العبدي، وبعدهما:
(2/299)

[تقديره: وإما فاطرحني] (1).
الوجه الثالث: أن "إما" الثانية لا بد من اقترانها بالواو ولا تحذف (2) الواو معها إلا ضرورة، كقول الشاعر:
يا ليتما أمُّنا (3) شالت نعامتها ... إما إلى جنة إما (4) إلى نار (5)
__________
= وما أدري إذا يممت أمرًا ... أريد الخير أيهما يليني
أالخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
قوله: "غثي" الغث: الرديء، قوله: "سميني" السمين: الجيد، والمعنى: أعرف منك مساوئي من محاسني؛ فإن المؤمن مرآة أخيه، أو أعرف ما يضرني منك مما ينفعني وأميز بينهما، قوله: "وإلا فاطرحني" أي: اتركني، وهو افتعال من الطرح.
انظر: ديوان المثقب العبدي، تحقيق حسن الصيرفي ص 211، 212، رصف المباني ص 186، أمالي الشجري 2/ 334، خزانة الأدب 4/ 429، رقم الشاهد (899)، المقرب لابن عصفور 1/ 232، شرح الأشموني 2/ 112، الجنى الداني ص 532، مغني اللبيب 1/ 61، ديوان المفضليات للمفضل الضبي ص 587، 588.
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) في ط: "يحذف".
(3) المثبت من ز، وفي الأصل: "يا ليت أمنا"، وفي ط: "ما أهنا".
(4) في ط: "وإما".
(5) روي هذا البيت:
يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار
قائل هذا البيت هو سعد بن فرط العبدي وهو الصحيح، وقيل: الأحوص الأنصاري.
وقصة هذا البيت أن سعد تزوج امرأة نهته عنها أمه فقالت:
لعمري لقد أخلفت ظني وسؤتني ... فجزت بعصياني الندامة فاصبر
فأجابها ابنها وكان شريرًا عاقًا لأمه فقال:
يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار
إلى أن قال: =
(2/300)

الرابع: أن "إما" تكون شرطية، وتكون نافية.
مثال الشرطية: قوله (1): {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} (2).
وَمثال النافية: إما (3) زيد قائم، معناه (4): ما زيد قائم، قاله الكسائي (5)،
__________
= خرقاء بالخير لا تهدى لوجهته ... وهي صناع الأذى في الأهل والجار
وقوله: "يا ليت أمنا" الياء حرف تنبيه، وأمنا اسم ليت، قوله: "شالت نعامتها" هذه الجملة خبر ليت، و"شالت": ارتفعت، و"النعام" قيل: باطن القدم، وقيل: عظم الساق، وهو: كناية عن الموت والهلاك، فإن من مات ارتفعت رجلاه، وانتكس رأسه وظهرت نعامة قدمه شائلة، وقيل: معناه: ارتفعت جنازته.
الشاهد: حذف واو العطف في "إما" الثانية؛ إذ التقدير: إما إلى جنة، وإما إلى نار.
انظر: خزانة الأدب 4/ 432 - 434 رقم الشاهد (900)، شرح شواهد الألفية للعيني المطبوع مع الخزانة 4/ 153، شرح الأشموني 2/ 111، مغني اللبيب 1/ 59، الجنى الداني ص 533، رصف المباني ص 185.
(1) في ز وط: "قوله تعالى".
(2) آية 58 سورة الأنفال.
(3) في ط وز: "قولك: إما".
(4) في ط: "معنا".
(5) هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الكوفي المعروف بالكسائي، دخل الكوفة وهو غلام واستوطن بغداد، وهو أحد القراء السبعة، وكان قد قرأ على حمزة الزيات، فأقرأ زمانًا بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة، وصاحب الخليل بن أحمد وتعلم منه النحو، كان إمامًا في القراءات والنحو واللغة، وكان يعلم الرشيد، ويؤدب الأمين، روى عنه الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام، توفي رحمه الله سنة (189 ه)، من مصنفاته: "معاني القرآن"، "النوادر"، "المصادر"، "الحروف".
انظر: تاريخ بغداد 11/ 403 - 415، وفيات الأعيان 3/ 293، طبقات النحويين ص 127 - 130، مرآة الجنان لليافعي 1/ 421، 422، النجوم الزاهرة 2/ 130.
(2/301)

و"ما" (1) في هذين المعنيين (2) زائدة (3) على "إن".
وأما "أو" فلا تكون شرطية ولا نافية، و"أو" تكون بمعنى "بل"، وبمعنى "الواو" كما تقدم.
وها هنا ثلاثة فروع:
أحدها: ما لغات "إما"؟
الثاني: هل هي مركبة أو بسيطة؟
الثالث: هل هي من حروف العطف أم لا؟
أما لغاتها: فهي أربع لغات (4):
أفصحها: كسر الهمزة مع تشديد الميم (5).
الثانية: كسر الهمزة مع إبدال الميم الأولى ياء ساكنة (6).
الثالثة: فتح الهمزة مع تشديد الميم (7).
الرابعة (8): فتح الهمزة مع إبدال الميم الأولى ياء ساكنة (9).
__________
(1) في ط: "وإما".
(2) "المعنيين" ساقطة من ز.
(3) في ط: "زائد".
(4) انظر: الجنى الداني ص 535.
(5) فتكون: "إمَّا".
(6) فتكون: "إيْما".
(7) فتكون: "أمَّا".
(8) في ط: "الرابع".
(9) فتكون: "أيْما".
(2/302)

فهذه أربع لغات: لغتان في كسر الهمزة، ولغتان في فتحها.
وأما (1) هل هي مركبة أو بسيطة؟
فقيل: مركبة (2) من "إن" و"ما" وهو مذهب سيبويه (3).
وقيل: بسيطة (4).
والدليل على أنها مركبة: اقتصارهم (5) على "إن" دون "ما" في الضرورة، ومنه قول الشاعر:
........................... فإن جزعًا وإن إجمال (6) صبر (7)
__________
(1) في ط: "اما".
(2) في ز: "هي مركبة".
(3) انظر: الكتاب 1/ 148، الأزهية في علم الحروف للهروي ص 146، 147، الجنى الداني ص 534.
(4) واختار هذا القول أبو حيان النحوي.
انظر: الجنى الداني ص 534.
(5) في ط: "اقتصارها".
(6) في ط: "أجمل".
(7) هذا عجز من بيت لدريد بن الصمة من قصيدة له يرثى أخاه، والبيت بتمامه:
لقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... فإن جزعًا وإن إجمال صبر
شرح البيت: يقول: لقد كذبتك نفسك فيما منتك به من الاستمتاع بحياة أخيك فاكذبنها في كل ما تمنيك به بعد، فإما أن تجزعي لفقد أخيك، وذلك لا يجدي عليك شيئًا، وإما أن تجملي الصبر فذلك أجدى عليك
الشاهد فيه في قوله: "فإن"، و"إن"، فإن أصلهما "فإما"، و"إما" فحذفت منهما "ما".
انظر: خزانة الأدب، الشاهد رقم (902)، الكتاب 1/ 134، شرح شواهد الألفية للعيني المطبوع مع الخزانة 4/ 148، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 101، الجنى الداني للمرادي ص 534، رصف المباني ص 185.
(2/303)

وأما هل هي من حروف العطف أم لا (1)؟
فقيل: إنها عاطفة، وهو مذهب الأكثرين (2).
وقيل: ليست بعاطفة، وإنما العاطفة هي الواو (3).
وقيل: كل واحدة منهما عاطفة إلا أن العطف يختلف (4)؛ فالواو عطفت "إما" الثانية على "إما" (5) الأولى، و"إما" الثانية عطفت ما بعدها على ما بعد الأولى.
ودليل القائلين (6) بأن "إما" [عاطفة دون الواو: أن إما] (7) هي: التي تفيد المعاني التي تأتي لها دون الواو، وأما الواو فلا تفيد (8) إلا مطلق الجمع (9).
ودليل القائل بأنها ليست بعاطفة: دخول الواو عليها؛ إذ لا يدخل حرف عطف على حرف عطف.
وهذا الخلاف إنما هو في "إما" الثانية، وأما الأولى فليست بعاطفة
__________
(1) "أم لا" ساقطة من ز، وانظر هذا الخلاف في "إما" في: الجنى الداني ص 528 - 530.
(2) انظر: الكتاب 1/ 221، الجنى الداني ص 528.
(3) وهو رأي أبي علي الفارسي، انظر: الإيضاح للعضدي ص 289.
(4) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "يخلف".
(5) في ط: "ما".
(6) في ط: "القائل".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "يفيد".
(9) انظر دليل القائلين بأنها عاطفة في: الجنى الداني ص 529.
(2/304)

اتفاقًا (1).
قوله: (و"إِن" وكل ما تضمن معناها للشرط، نحو: إِن جاء زيد جاء عمرو، ومن دخل داري فله درهم، وما تصنع أصنع مثله (2)، وأي شيء تفعل أفعل (3)، ومتى أطعت الله سعدت، وأين تجلس أجلس).
ش: هذا هو المطلب التاسع، ذكر المؤلف (4) أنَّ "إنْ" موضوع للشرط وكذلك "كل (5) ما تضمن معنى إنْ" يعني: أن كل ما تضمن معنى "إنْ" يفيد الشرط كما يفيده إن، ومعنى ذلك: أنه (6) يفيد تعليق شيء على شيء، وهذا الذي قصده المؤلف بهذا (7) الكلام، وهو (8) جميع أدوات الشرط، وهي: كلمات موضوعة لتعليق جملة بجملة، تكون الأولى سببًا والثانية مسببًا، وهذا التعليق على قسمين:
تعليق مستقبل على مستقبل.
وتعليق ماض [على ماض] (9).
وهذا القسم الثاني له حرفان (10):
__________
(1) انظر: المصدر السابق ص 529، 530.
(2) "مثله" ساقطة من أوخ وش.
(3) في ط وز: "أفعل مثله".
(4) في ز وط: "المؤلف رحمه الله".
(5) "كل" ساقطة من ز.
(6) "أنه" ساقطة من ز.
(7) في ط: "هذا".
(8) في ط وز: "هو".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) في ط: "جزءان".
(2/305)

لو، ولولا.
وأما القسم الأول: وهو: الذي بدأ به المؤلف ها هنا فله على مذهب سيبويه اثنتا عشرة أداة (1).
وهي: حروف، وأسماء، وظروف زمان، وظروف مكان، ومتردد.
فالحروف حرفان وهما (2): "إن" (3)، و"إذ ما" (4).
فجعل سيبويه (5) "إذ ما" حرفًا، وجعله غيره اسمًا (6).
دليل سيبويه على حرفيته: أنه لما سلب الدلالة على الزمان الماضي باقترانه بما دخله معنى الحرف الذي هو: "إن" فكان معناه معنى "إن" (7).
ودليل القائل بأنه اسم زمان: مصاحبته أصله قبل دخول "ما" عليه.
واتفقوا على أن "إذ" لا يكون (8) من أدوات (9) الشرط إلا إذا اقترن
__________
(1) في ز: "أدوات".
(2) "وهما" ساقطة من ط.
(3) انظر تفصيل الكلام على معاني "إن" في: الكتاب 1/ 435، الجنى الداني ص 207، رصف المباني ص 186 - 192، مغني اللبيب 1/ 22 - 27.
(4) انظر تفصيل الكلام على معاني "إذ ما" في: الجنى الداني ص 508، رصف المباني ص 148، مغني اللبيب 1/ 80 - 87.
(5) انظر: الجنى الداني ص 191.
(6) نسب المرادي هذا القول للمبرد وابن السراج وأبي علي الفارسي.
انظر: الجنى الداني ص 191، مغني اللبيب 1/ 87، رصف المباني ص 148، 1/ 87، رصف المباني ص 148.
(7) انظر: الكتاب لسيبويه 1/ 432، الجنى الداني ص 191.
(8) في ز: "لا تكون".
(9) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ذوات".
(2/306)

بما (1) ومنه قول الشاعر:
إذ ما أتيت على الرسول فقل له ... حقًا عليك إذا اطمأن المجلس (2)
وأما الأسماء فهي ثلاثة وهي:
"مَنْ" (3) و"ما" (4) و"مهما" (5).
والدليل على اسمية "مهما" عود الضمير عليها (6) في قوله تعالى:
__________
(1) انظر: الجنى الداني ص 190.
(2) قائل هذا البيت هو العباس بن مرداس السلمي الصحابي، من قصيدة له قالها في غزوة حنين يخاطب بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويذكر بلاءه وإقدامه في تلك الغزوة وغيرها من الغزوات، وعدتها ستة عشر بيتًا، وأولها:
يا أيها الرجل الذي تهوى به ... وجناء مجمرة المناسم عرمس
والشاهد قوله: "إذ ما"، حيث جعلها من ذوات الشرط، والدليل على ذلك إتيانه بالفاء جوابًا لها.
انظر: الكتاب 1/ 432، خزانة الأدب للبغدادي 9/ 29، رقم الشاهد (686)، الخصائص لابن جني 1/ 131، المقتضب للمبرد 2/ 46، شرح المفصل لابن يعيش 4/ 97، رصف المباني ص 149.
(3) انظر تفصيل الكلام في معاني "مَنْ" في: مغني اللبيب 1/ 327 - 330، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 363.
(4) عدّ المؤلف "ما" من الأسماء، والصحيح أنها لفظ مشترك يقع تارة اسمًا ويقع تارة حرفًا.
انظر تفصيل الكلام في معاني "ما" في: الجنى الداني ص 322 - 341، رصف المباني ص 377 - 384، مغني اللبيب 1/ 296 وما بعدها، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 107 - 142، شرح المحلي على جمع الجوامع ص 361.
(5) انظر تفصيل الكلام في معاني "مهما" في: الجنى الداني ص 609 - 612، مغني اللبيب 1/ 330 - 333.
(6) انظر: المصادر السابقة.
(2/307)

{وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} (1)؛ إذ الضمائر (2) لا تعود (3) إلا على الأسماء.
واختلف في "مهما" بالبسط والتركيب (4) [على: قولين] (5).
واختلف أيضًا على القول بالبسط على ثلاثة أقوال (6):
قيل: وزنه (فَعْلَ) وألفه ألف (7) التأنيث.
وقيل: ألف الإلحاق سقط (8) منه التنوين للبناء.
وقيل: وزنه (مَفْعَل) (9).
واختلف أيضًا على القول بالتركيب على قولين:
قيل: أصله: "ما ما" زيدت "ما" الثانية على الشرطية للتأكيد (10) ثم أبدل "ما" الشرطية (11) [هاء] (12) كراهة التكرار (13).
__________
(1) آية رقم 132 سورة الأعراف.
(2) في ز: "الضمير".
(3) في ز: "لا يعود".
(4) يقول الخليل بن أحمد: إنها مركبة من "ما" و"ما". الكتاب 1/ 433.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ط ولم يرد في الأصل وز.
(6) انظر: الجنى الداني ص 612.
(7) في ط: "بالف".
(8) في ط وز: "وسقط".
(9) قاله ابن إياز، انظر: الجنى الداني ص 612.
(10) "للتأكيد" ساقطة من ز.
(11) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الف".
(12) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "ماء".
(13) نسب المرادي هذا القول للخليل، انظر: الجنى الداني ص 612.
(2/308)

وقيل: أصله مه بمعنى اسكت، فزيدت عليها "ما" الشرطية (1). وأما ظروف الزمان فهي ثلاثة وهي:
"متى"، و"أيان"، و"إذا".
فأما "متى" (2) و"أيان" فهما موضوعان لتعميم الأزمنة.
وقال بعضهم (3): إنما يستعمل "أيان" لتعميم الأزمنة التي فيها الأمور العظام، وقد تكسر همزته في بعض اللغات (4).
وأما إذا (5) فهو موضوع (6) للزمان المستقبل، ولا يجازى به إلا في الشعر عند البصريين (7).
وقال الكوفيون: يجازى به مطلقًا، فيجوز عندهم: إذا تقم (8) أقم.
__________
(1) نسب المرادي هذا القول للأخفش والزجاج والبغداديين.
انظر: الجنى الدانى ص 612، شرح الكافية للرضي 2/ 353.
(2) المشهور أنها اسم من الظروف تكون شرطًا واستفهامًا وتكون حرف جر بمعنى "من" في لغة هذيل. انظر تفصيل الكلام في معاني "متى" في الجنى الداني ص 505، مغني اللبيب 1/ 334.
(3) القائل هو المرادي.
(4) وهي لغة سليم كما في شرح الألفية للمرادي 4/ 241.
(5) انظر معاني "إذا" في: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 341، شرح الكوكب المنير 1/ 272، الجنى الداني ص 367 - 380، مغني اللبيب 1/ 92 - 105، رصف المباني ص 149 - 151، المقتضب للمبرد 2/ 54 - 57، شرح المفصل لابن يعيش 4/ 95.
(6) في ط: "فهو موضع"
(7) انظر: الأصول في النحو لابن السراج 2/ 166.
(8) في ز: "تقوم".
(2/309)

ولا يجازى به عند البصريين إلا في الشعر (1) [كقول الشاعر] (2):
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب (3)
فقوله (4): "فنضارب" معطوف على موضع كان؛ [لأن موضع كان] (5) مجزوم على جواب إذا؛ لأن تقديره (6): إذا تقصر (7) أسيافنا يكن وصلها، وإنما كسرت الباء في قوله: فنضارب لالتقاء (8) سكونها وسكون ياء الوصل.
وأما ظروف المكان فهي ثلاثة أيضًا وهي:
__________
(1) في ز: "إلا في الشعر ومنه".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) هذا البيت جاء في شعر رويه مجرور، وفي شعر رويه مرفوع. أما الشعر المجرور الروي فهو لقيس بن الخطيم، وانظر ديوانه ص 33 - 47.
وأما الشعر المرفوع الروي فقد ورد في شعرين، أحدهما في قصيدة للأخنس ابن شهاب التغلبي وهي في المفضليات ص 410، مع شرح الأنباري، وفي حماسة أبي تمام 2/ 241 - 248.
والثاني: لرقيم أخي بني الصادرة المحاربي.
انظر: الخزانة 1/ 344، 3/ 24، الشعر والشعراء ص 280.
وقد استشهد به سيبويه في الكتاب 1/ 434 على الجزم بإذا للضرورة بدليل عطف فتضارب المجزوم.
وانظر: المقتضب للمبرد ص 55 - 56.
(4) في ط وز: "وقوله".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "تقدير قولك".
(7) في ط: "قصرت".
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "للالتقاء".
(2/310)

"أين"، و"أني" و"حيثما"، وهي: موضوعة لتعميم الأمكنة.
وقال بعضهم: "أنى" لتعميم الأحوال (1) (2).
ولا تكون (حيث) من أدوات الشرط إلا إذا اقترنت (3) ب "ما" (4)، كما تقدم لنا في "إن ما"؛ لأن "ما" حين اتصلت بها قطعتها (5) عن الإضافة التي هي أصلها، وخرجت لها إلى باب الشرط، فتكون "ما" عوضًا من إضافتها، ومهيئة لوقوع الفعل بعدها [كما تقول في "ربما"؛ لأن أصل ربما أن تدخل على الاسم، ولكن لما دخلت عليها "ما" صارت مهيئة لوقوع الفعل بعدها] (6).
وأما المتردد بين الثلاثة فهو (7) "أي" (8)؛ لأنه بحسب ما يضاف (9) إليه،
__________
(1) في ز: "الإمكان".
(2) انظر: شرح الألفية للمرادي 4/ 241.
(3) في ط: "إذا اقرن".
(4) انظر: مغني اللبيب 1/ 133.
(5) في ز: "قطعت".
(6) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(7) في ز: "فهي".
(8) أي: بفتح الهمزة وتشديد الياء اسم يأتي على خمسة أوجه:
1 - شرطًا، نحو: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [آية 110 سورة الإسراء].
2 - واستفهامًا، نحو: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} [آية 124 سورة التوبة].
3 - وموصولاً، نحو: {لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} [آية 69 سورة مريم].
4 - أن تكون دالة على معاني الكمال فتقع صفة للنكرة نحو: "زيد رجل أي رجل"، أي كامل في صفات الرجال.
5 - أن تكون وصلة إلى نداء ما فيه أل، نحو: يا أيها الرجل.
انظر: مغني اللبيب 1/ 77، 78.
(9) في ط: "ما أضيف".
(2/311)

فإن أضيف إلى ظرف زمان [كان ظرف زمان] (1) وإن (2) أضيف إلى ظرف مكان كان ظرف مكان، وإن (3) أضيف إلى غيرهما (4) كان اسمًا غير ظرف، وإن لم يضف أصلًا كان اسمًا غير ظرف أيضًا، كقوله تعالى: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (5).
وهذه الكلمات المذكورات هي: أدوات (6) الشرط؛ ثلاثة اسمية، وثلاثة زمانية، وثلاثة مكانية، واحد متردد بين الثلاثة، وحرفان وهما: "إن"، و"إذ ما".
واختلف النحاة في "كيف" هل هي من ذوات (7) الجزاء أم لا (8)؟
قال البصريون: ليست من ذوات (9) الجزاء (10) ولا يجازى (11) بها إلا حيث سمع ذلك.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "فإن".
(3) في ط: "وإلا".
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "غيرها".
(5) آية رقم 110 سورة الإسراء.
(6) في ط: "أذوات".
(7) في ز: "أدوات"، وفي ط: "أذوات".
(8) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف للأنباري مسألة 91.
(9) في ز: "أدوات"، وفي ط: "أذوات".
(10) في ط وز: "الجزاء، قال تعالى: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [64 سورة المائدة]. وقال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [28 من سورة البقرة] ولا يجازى ... " إلخ.
(11) في ط: "ولا يجاز".
(2/312)

وقال الكوفيون (1): هي من ذوات (2) الجزاء، يجوز (3) الجزاء بها (4) قياسًا (5)، فيجوز على قول الكوفيين [أن تقول] (6): كيف تكن أكن.
واختلف العلماء (7) في "كيف"؛ هل هو (8) اسم أو ظرف؟
قال سيبويه: اسم (9).
وقال الأخفش (10): ظرف (11).
__________
(1) انظر: الإنصاف مسألة رقم 91.
(2) في ز: "أدوات"، وفي ط: "أذوات".
(3) في ط: "فيجوز".
(4) "بها" ساقطة من ز.
(5) في ط: "قياسًا على".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) في ط وز: "النحاة".
(8) في ط: "هي".
(9) عكس المؤلف نسبة هذا القول؛ حيث ورد في كتاب مغني اللبيب أن مذهب سيبويه أنها ظرف ومذهب السيرافي والأخفش أنها اسم.
انظر: مغني اللبيب 1/ 206، الكتاب لسيبويه 2/ 35.
(10) هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي، من أهل بلخ، سكن البصرة ودخل بغداد وأقام بها مدة، أخذ النحو عن سيبويه وصحب الخليل، ويعد من أحذق أصحاب سيبويه، وهو أحفظ من أخذ عن سيبويه، وزاد في العروض بحرًا وهو بحر الخبب، وأما عقيدته فهو قدري معتزلي، توفي سنة (210 ه) وقيل سنة: (221 ه)، من مصنفاته: "الأوسط" في النحو، "تفسير معاني القرآن"، "الاشتقاق"، "العروض".
انظر ترجمته في: إنباه الرواة 2/ 36 - 43، بغية الوعاة 1/ 590، 591، شذرات الذهب 2/ 36، وفيات الأعيان 2/ 380.
وهذا هو الأخفش الأوسط، وهناك الأخفش الأكبر. انظر: إنباه الرواة 2/ 157، والأخفش الأصغر انظر: إنباه الرواة 2/ 276.
(11) مذهب الأخفش أنها اسم.
انظر: التنبيه على شرح مشكلات الحماسة لابن جني ورقة 12 أمخطوط في مكتبة =
(2/313)

والصحيح: مذهب سيبويه.
والدليل على مذهب سيبويه أنها اسم (1): أنه يبدل منها الاسم، فتقول: كيف زيد أصحيح أم سقيم؟ ولو كان ظرفًا لأبدل منه الظرف، كما يبدل الظرف من الظرف في نحو: أين ومتى؛ لأنك تقول: من أين جئت (2) أمن الشام أم (3) العراق؟
وتقول: متى جئت، أيوم الخميس أو (4) يوم الجمعة؟ فلو كان (كيف) ظرفًا لما أبدل (5) منه الاسم.
ودليل الأخفش القائل بأنه (6) ظرف (7) أنه يقدر [بالجر والمجرور؛ لأن قولك: كيف زيد؟ معناه: على أي حالة هو، فيقدر بحرف الجر فهو ظرف لأن الظرف يقدر] (8) بحرف الجر.
ورد هذا الدليل: بأن حرف الجر يقدر به ما ليس بظرف كما تقول: في المضاف إليه؛ لأنك تقول في غلام زيد مثلًا: يقدر باللام تقديره، غلام لزيد، وكذلك قولك (9): ثوب خز: يقدر بمن، تقديره: ثوب من خز، فلا دليل إذًا
__________
= جامعة الإِمام رقم 493.
(1) مذهب سيبويه أنها ظرف كما تقدم.
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "حيث"
(3) في ط: "أمن".
(4) في ز وط: "أم".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لا أبدل".
(6) في ز: "أنه".
(7) الأخفش قال: "إن كيف اسم" كما سبق التنبيه عليه.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(9) "قولك" ساقطة من ز.
(2/314)

[فيما] (1) استدل به؛ إذ لا يختص دليله (2) بالظرفية.
قوله: (وإِن وكل ما تضمن معناها للشرط).
وقد ذكرنا جميع ما تضمن معنى "إن"، ومن جملة ذلك "إذا"، فينبغي أن يذكر (3) الفرق بين "إن" و"إذا", فالفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: الأصالة؛ وذلك [أن "إن" أصلها الشرطية و"إذا" أصلها الظرفية.
الوجه الثاني: الدلالة، وذلك أن "إن" تدل على الزمان بالالتزام و"إذا" تدل على الزمان بالمطابقة.
الوجه الثالث (4): عموم التعليق وخصوصه؛ وذلك أن "إن" لا يعلق (5) عليها إلا المشكوك (6) وإذا يعلق (7) عليها المشكوك والمعلوم.
وبيان هذه الأوجه الثلاثة] (8): أن "إن" تدل (9) على الشرط بالمطابقة؛ إذ هي موضوعة له، وتدل على الزمان بالالتزام؛ إن لا بد للفعل الواقع بعدها من
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فيها".
(2) في ز: "ذلك".
(3) في ز: "نذكر".
(4) في ز: "والوجه".
(5) في ط: "لا يتعلق".
(6) في ز: "الشكوك".
(7) في ط: "يتعلق".
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(9) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لا تدخل".
(2/315)

زمان يقع فيها، كقولك: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإن الدخول (1) لا بد له من زمان (2) يقع فيه.
وأما "إذا" فتدل على الزمان بالمطابقة؛ لأنها موضوعة له.
وقد يكون معها الشرط نحو: قوله (3) تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} (4) وقوله (5): {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} (6).
وقد لا يكون [معها الشرط فتكون] (7) ظرفًا محضًا (8) مجردًا عن الشروط (9) كقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} (10) تقديره: أقسم بالليل حالة غشيانه، وبالنهار حالة تجليه، فإذا ظرف محض (11) وهو: موضع النصب على الحال، فتبين بهذا التقدير (12) أن "إن" و"إذا"
__________
(1) في ز: "فالدخول".
(2) في ز: "زمن".
(3) في ز: "كقوله".
(4) سورة النصر آية رقم (1).
(5) في ز: "وقوله تعالى".
(6) آية رقم (1) سورة المنافقون.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) في ز: "مخفوضًا".
(9) انظر: الجنى الداني ص 370.
(10) سورة الليل آية رقم (1، 2)، وقوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} وردت في "ز" وط، ولم ترد في الأصل.
(11) في ز: "مختص".
(12) في ز: "التقرير".
(2/316)

متعاكسان فيما ذكرنا من الدلالة.
الوجه الثالث من الفرق بينهما: أن "إن" لا يعلق (1) عليها إلا المشكوك، وأما "إذا" فيعلق (2) عليها المعلوم والمشكوك (3).
فتقول (4): إن جاء زيد فأكرمه؛ [لأن مجيء زيد مشكوك فيه، ولا تقول: إن طلعت الشمس فأتني, لأن طلوع الشمس معلوم الوقوع، وتقول: إذا جاء زيد فأكرمه] (5) وتقول أيضًا (6): إذا طلعت الشمس فأتني.
فإذا تبين لك أن "إن" تختص بالمشكوك (7) الوقوع دون المعلوم الوقوع: فانظر ما معنى (8) "إن" الواقعة في القرآن في كثير من الآيات؟ (9) فكيف يقال: هي للشك مع أن الله تعالى [عالم بجميع الأشياء دون شك؟ كقوله تعالى مثلاً: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} (10) , فإن هذا خطاب مع
__________
(1) في ط: "لا يتعلق".
(2) في ط: "فيتعلق".
(3) انظر هذا الفرق في: كتاب الجنى الداني ص 369.
(4) في ز: "فتقول".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) "أيضًا" ساقطة من ز.
(7) في ز: "بمشكوك".
(8) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "فما معنى".
(9) في ز: "في في من الآيات كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} الآية فكيف ... " إلخ.
(10) آية رقم 23 من سورة البقرة، وفي ط: " {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} ".
(2/317)

الكفار، فالله (1) عز وجل] (2) [يعلم أنهم في ريب، وهم يعلمون] (3) أنهم في ريب ومع ذلك فالتعليق (4) ها هنا ب "إن" (5) حسن؟
والجواب عن هذا: أن كل ما شأنه أن يكون مشكوكًا فيه على تقدير أن لو نطق به عربي (6) فإنه يحسن تعليقه ب "إن" سواء كان من قبل الله تعالى أو من قبل غيره، سواء أكان (7) معلومًا للسامع أم للمتكلم، أو مشكوكًا لهما (8)؛ لأن (9) الله تبارك (10) وتعالى أنزل القرآن باللغة العربية، فكل ما هو حسن في اللغة العربية أنزل في القرآن، وكل ما هو قبيح في اللغة العربية لم ينزل في القرآن.
قوله: (و"لو" مثل هذه الكلمات في الشرط نحو: لو جاء زيد لأكرمنه (11) وهي: تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره (12)، فمتى دخلت
__________
(1) في ط: "بين الله عز وجل أنهم ... " إلخ.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "فإن المنتعلق".
(5) في ط: "بان ها هنا حسن".
(6) "عربي" ساقطة من ز.
(7) في ز وط: "كان".
(8) ذكر هذا الجواب بمعناه المسطاسي في شرح التنقيح ص 45.
(9) في ط: "أن".
(10) "تبارك" لم ترد في ط وز.
(11) في ط: "لأكرمته".
(12) في ط: "غير".
(2/318)

على ثبوتين (1) فهما: منفيان (2)، ومتى دخلت على منفيين (3) فهما: ثبوتان، ومتى دخلت على نفي وثبوت، فالثابت: منفي، والمنفي: ثابت).
ش: هذا هو المطلب العاشر، وهذا هو القسم الثاني من أدوات (4) الشرط؛ لأنه قدم (5) لنا أن أدوات (6) الشرط على قسمين:
أحدهما: تعليق مستقبل [على مستقبل] (7) وله [اثنتا عشرة] (8) أداة (9) وقد فرغ منه المؤلف.
والقسم الثاني: تعليق ماض على ماض، وهو الذي شرع المؤلف فيه (10) ها هنا، وله حرفان وهما (11): لو، ولولا، فبدأ (12) بمعنى الحرف الأول من
__________
(1) في أ: "فمتى دخلت على نفيين فهما ثبوتان، أو على ثبوتين فهما منفيان، أو على نفي وثبوت فالثابت منفي، والمنفي ثابت".
(2) في خ: "نفيان"، وفي ش: "فهما نفيان، أو على نفيين فهما ثبوتان أو على ثبوت ونفي فالثابت منفي والمنفي ثابت".
(3) في خ: "نفيين"
(4) في ط "من أذات".
(5) في ط وز: "تقدم".
(6) في ط: "أذوات".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) المثبت بين المعقوفتين هو الصواب، وفي الأصل: "اثني عشر" وفي ط وز: "اثنا عشر".
(9) في ط: "أذاتًا".
(10) في ز وط: "فيه المؤلف".
(11) "وهما" ساقطة من ط.
(12) في ط: "يبدأ".
(2/319)

الحرفين وهو "لو" (1).
فقوله: ("ولو" مثل هذ الكلمات في الشرط).
اختلف الناس في "لو" هل هي حرف شرط حقيقة أو مجازًا؟
فظاهر (2) كلام (3) الزمخشري في المفصل (4) أنها حقيقة (5)؛ لأنه قال: من حروف الشرط لو.
وقال (6) غيره (7): مجاز (8).
سبب (9) الخلاف: من نظر إلى كونها تربط (10) جملة بجملة، قال: هي
__________
(1) انظر معاني "لو" في: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 107، 108، شرح التنقيح للمسطاسي ص 45، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 93 - 95، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 352 - 360، شرح الكوكب المنير 1/ 277 - 283، فواتح الرحموت 1/ 249، رصف المباني ص 358 - 260، الجنى الداني ص 272 - 290، مغني اللبيب 1/ 255 - 272، المفصل ص 320 - 324، شرح المفصل لابن يعيش 9/ 11.
(2) في ز: "وظاهر".
(3) "كلام" ساقطة من ز وط.
(4) في ط: "الفصل".
وانظر: المفصل للزمخشري ص 320، الجني الداني ص 83.
(5) في ز: "حقيقة في الشرط".
(6) في ط: "قال".
(7) في ط: "غير".
(8) يقول المرادي: واختلف في عد "لو" من حروف الشرط، فقال الزمخشري وابن مالك: "لو" حرف شرط، وأبى قوم تسميتها حرف شرط.
انظر: الجنى الداني ص 283.
(9) في ز: "وسبب".
(10) في ط: "ترتبط".
(2/320)

حرف شرط حقيقة.
ومن نظر إلى كونها تدخل على الماضي قال: ليست من حروف الشرط حقيقة، وإطلاق (1) الشرط عليها (2) محازًا؛ لأن حرف الشرط لا يدخل إلا على المستقبل، وإن دخل على الماضي فإنه (3) يؤول بالمستقبل.
ولهذا قال ابن السراج (4) في قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} (5) تقديره: إن شئت (6) في المستقبل (7) أي قلته (8) في الماضي.
[قوله: (و"لو" مثل هذه الكلمات في الشرط)] (9) يعني: أن هذا الحرف الذي هو "لو" مثل الأدوات (10) المتقدمة في إفادة الشرط، أي: في
__________
(1) في ز وط: "فإطلاق".
(2) في ز: "يتعلقها".
(3) "فإنه" ساقطة من ز.
(4) هو محمد بن السري البغدادي النحوي أبو بكر بن السراج، أخطأ في مسألة نحوية فوبخه الزجاج فرجع إلى كتاب سيبويه، ونظر في دقائق مسائله، وعول على مسائل الأخفش والكوفيين، وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة، أخذ عنه: أبو القاسم الزجاجي، والسيرافي، والفارسي، والرماني، توفي شابًا سنة ست عشرة وثلاثماثة (316 ه)، من مصنفاته: "الأصول" في النحو، "الجمل"، "شرح كتاب سيبويه"، "الشعر والشعراء".
انظر: بغية الوعاة 1/ 109 - 110، مفتاح السعادة 1/ 17.
(5) آية رقم 116 سورة المائدة.
(6) في ز: "يثبت".
(7) في ط: "في إنه مستقبل".
(8) في ز: "قلت" وفي ط: "قتلته" وهو تصحيف.
(9) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(10) في ط: "الأذوات".
(2/321)

إفادة تعليق جملة بجملة أولاهما (1) سبب والثانية مسبب.
قال المؤلف في الشرح: من خصائص الشرط أن يدخل على المستقبل ليس إلا فينبغي ألا تكون (2) "لو" للشرط؛ لأنها تدخل على الماضي نحو قولك: لو زرتني أمس زرتك اليوم، لكن لما كانت تربط (3) جملة بجملة أشبهت الشرط، فقيل لها: حرف شرط (4).
قوله (5): (وهي: تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره).
معناه (6): تدل على انتفاء جوابها لانتفاء مصحوبها؛ ولأجل هذا يقال فيها (7): حرف امتناع الشيء لامتناع غيره، نحو: لو جاء زيد لأكرمته أي: امتنع الإكرام الذي هو جوابها لامتناع المجيء الذي هو مصحوبها.
قوله: (فمتى دخلت على ثبوتين فهما: منفيان ...) إلى آخره، ذكر المؤلف ها هنا أربعة أحكام:
أحدها: إذا دخلت على ثبوتين نحو قولك: لو (8) جاء زيد لأكرمته،
__________
(1) في ز: "الأولى منهما".
(2) في ز: "ألا يكون".
(3) في ط: "ترتبط".
(4) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح ص 107.
(5) في ز: "وقوله".
(6) في ط: "معنى".
(7) في ط: "لهما".
(8) "لو" ساقطة من ط.
(2/322)

فالمعنيان منفيان، تقديره: لكنه (1) ما (2) جاء (3) ولا أكرمته (4).
الحكم الثاني (5): إذا دخلت على منفيين (6) نحو قولك: لو لم (7) يجئ (8) زيد لما أكرمته، فالمعنيان (9) ثابتان تقديره: لكنه جاء فأكرمته.
الحكم الثالث: إذا دخلت على ثبوت و (10) نفي، نحو قولك: لو جاء زيد لما عاتبته، فالمعنى الأول الذي هو المجيء منفي، والمعنى الثاني الذي هو العتب ثابت.
تقديره: لكنه ما جاء فعاتبته.
و (11) الحكم الرابع: إذا دخلت على نفي وثبوت نحو قولك: لو لم يجئ زيد لعاتبته، فالمعنى الأول الذي هو المجيء: ثابت (12)، والمعنى الثاني الذي هو العتب: منفي.
تقديره: لكنه جاء فلم أعتبه (13).
__________
(1) في ز: "ولكنه".
(2) "ما" ساقطة من ط.
(3) في ز: "ما جاء زيد".
(4) في ط: "كرمته".
(5) في ط: "الثالث".
(6) في ط: "على ثبوت ونفي".
(7) "لم" ساقطة من ط.
(8) في ط: "جاء".
(9) في ط: "فالعينان".
(10) "الواو" ساقطة من ط.
(11) "الواو" ساقطة من ط.
(12) في ط: "منفي".
(13) في ط: "أعنبه".
(2/323)

فالحاصل من هذا التقرير (1) أن "لو" ما أثبتته لفظًا تنفيه معنى، وما نفته لفظًا تثبته (2) معنى، وهذه قاعدة "لو".
وقد أورد المؤلف في الشرح الاعتراض على هذه القاعدة، قال (3): وهذه القاعدة مشكلة بقوله عليه السلام: "نعم العبد صهيب (4) لو لم يخف الله لم يعصه" (5).
__________
(1) في ط: "التقدير".
(2) في ط وز: "أثبتته".
(3) في ط: "وقال"، وفي ز: "فقال".
(4) هو الصحابي الجليل صهيب بن سنان بن مالك، نسبة إلى أسد بن ربيعة بن نزار، ولقّب بالرومي؛ لأن الروم سَبَوْه وهو صغير فنشأ صهيب ببلاد الروم، ثم اشتراه منهم رجل من كلب فباعه بمكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التيمي فأعتقه، ولما بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسلم صهيب هو وعمار بن ياسر في دار الأرقم، ولما أراد صهيب أن يهاجر إلى المدينة قال أهل مكة: أتيتنا صعلوكًا صغيرًا فكثر مالك عندنا وبلغت ما بلغت ثم تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لن يكون ذلك، فقال: أرأيتم إن تركت مالي تخلون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم، فجعل لهم ماله أجمع، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ربح البيع أبا يحيى"، وشهد صهيب بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، توفي رضي الله عنه سنة (38 ه) ودفن بالبقيع.
انظر: الإصابة 3/ 449 - 452، الاستيعاب 2/ 726 - 733, الطبقات الكبرى لابن سعد 3/ 226 - 230.
(5) هذا الحديث اشتهر في كلام الأصوليين، وأصحاب المعاني وأهل العربية من حديث عمر، وبعضهم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونسب صاحب الأسرار وصاحب الكشف لابن السبكي قوله: لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعًا ولا موقوفًا لا عن عمر ولا عن غيره مع شدة التفحص عنه.
ونسب صاحب الأسرار للعراقي قوله: لا أصل لهذا الحديث ولم أقف له على إسناد قط في شيء من كتب الحديث، وبعض النحاة ينسبونه إلى عمر بن الخطاب من قوله، ولم أر إسنادًا على عمر، ونسب أيضًا للزركشي قوله: لا أصل لهذا الحديث. =
(2/324)

لأنه يقتضي أنه خافه فعصاه (1) وذلك ذم، والحديث إنما سيق للمدح لا للذم (2)، فاختلف العلماء في الجواب عن هذا الإشكال:
فقال ابن عصفور: "لو" ها هنا بمعنى إن الشرطية (3)؛ لأنها إذا دخلت على منفيين فلا يلزم ثبوتهما.
وقال الخسروشاهي (4): إن "لو" إنما وضعت لمطلق الربط خاصة، وأما انقلاب الثبوت إلى النفي (5)، أو بالعكس (6) إنما (7) ذلك من جهة العرف لا من جهة اللغة، والحديث المذكور إنما جاء بقاعدة اللغة لا بقاعدة (8) العرف.
وقال عز الدين بن عبد السلام: إن (9) "لو" تقتضي الثبوت إذا دخلت على النفي إذا كان للفعل سبب واحد، وأما إذا كان للشيء سببان فلا ينتفي بانتفاء
__________
= وقال السخاوي: ثم رأيت بخط شيخنا - يعني العسقلاني - أنه ظفر به في مشكل الحديث لابن قتيبة، لكن لم يذكر له ابن قتيبة إسنادًا.
انظر: الأسرار المرفوعة ص 372، كشف الخفاء والالتباس ص 346، المقاصد الحسنة ص 449، الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة ص 86.
(1) في ط وز: "وعصاه".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لا لذم".
(3) انظر: المقرب لابن عصفور ص 97 - 98.
(4) المثبت هو الصواب، وفي جميع النسخ: "الخضروشاهي".
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "المنفي".
(6) في ط: "أو العكس".
(7) في ز: "فإنما".
(8) في ز: "دون قاعدة".
(9) "إن" ساقطة من ز.
(2/325)

أحد سببيه، بل يثبت إلحاق (1) السبب الآخر، وذلك أن صهيبًا رضي الله عنه اجتمع في حقه سببان: الخوف والإجلال، فسبب طاعة الله عز وجل (2) في حقه شيئان: خوف الله تعالى وإجلاله، فلو انتفى الخوف لم تنصدر (3) منه المعصية؛ لأجل الإجلال (4) فلو لم يخف الله لم يعصه، وهذا (5) غاية المدح (6) في حقه رضي الله عنه.
بخلاف كثير من الناس فإن سبب طاعة الله في حقهم سبب واحد وهو الخوف، فإذا لم يخافوه عصوه، ولم يطيعوه (7). انتهى (8).
وقال بعضهم: إن لو تقتضي الثبوت إذا دخلت على النفي أو بالعكس (9) إنما ذلك إذا لم تكن قرينة تدل على الثبوت والنفي (10)، وأما إذا كان هناك قرينة تدل على المراد فلا يقال فيها ذلك، وإنما يعتمد في ذلك القرينة كقوله عليه السلام في الحديث المتقدم: "نعم العبد صهيبٌ, لو لم يخف الله لم
__________
(1) في ز وط: "لحق".
(2) "عز وجل" لم ترد في ز وط.
(3) الأولى أن يقول: "تصدر".
(4) في ط: "إجلال".
(5) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "وهذه".
(6) في ط: "المدحة".
(7) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 108.
(8) في ط: "انتهى معنى كلام المؤلف في الشرح".
(9) في ط: "وما العكس".
(10) في ط: "أو النفي".
(2/326)

يعصه"؛ لأنه علم أن المقصود بهذا الكلام هو (1): مدحه فإذا كان لا يعصي الله مع انتفاء الخوف، فأولى وأحرى ألا يعصيه مع الخوف.
ومثاله أيضًا قولك [في المدح] (2): نعم الرجل زيد؛ لو أحرجته (3) لم يغضب، علم (4) أن المراد بهذا الكلام هو المدح، فإذا كان لا يغضب مع الإحراج فأولى (5) وأحرى (6) [ألا يغضب] (7) مع عدم الإحراج.
ومثاله أيضًا قولك: نعم الرجل زيد لو أسأت إليه أحسن إليك؛ لأنه علم (8) أن المراد بهذا الكلام أيضًا (9) هو (10) المدح، فإذا كان يحسن مع الإساءة فأولى وأحرى أن يحسن مع (11) عدم الإساءة.
ومن هذا المعنى قول الشاعر (12):
__________
(1) "هو" ساقطة من ز، وفي ط: "وهو".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط: "أخرجته".
(4) في ط: "على"، وفي ز: "لأنه علم".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أولى".
(6) في ط: "وأوحى".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) في ز: "علم أيضًا".
(9) "أيضًا" ساقطة من ز.
(10) "هو" ساقطة من ط وز.
(11) في ط: "في".
(12) في ط وز: "وهو زهير".
(2/327)

فلو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد به (1) فليتق الله سائله (2)
فإذا كان يجود بروحه إذا لم يكن في يده شيء، فأولى وأحرى أن يجود إذا كان في يده شيء، هذا كله من باب المدح.
ومثال هذا أيضًا في باب الذم قولك: بئس الرجل زيد، لو كان غنيًا لم يجد، فإذا كان لا يجود مع الغنى فأولى وأحرى ألا يجود مع الفقر.
ومثله (3) قوله تعالى: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (4) يعني: الكفار، فإذا (5) كانوا (6) يعرضون مع الإسماع، فأولى وأحرى أن يعرضوا مع عدم الإسماع.
قوله: (و"لو" مثل هذه الكلمات في الشرط).
يريد به (7) لو الشرطية؛ لأن "لو" لها ثلاثة (8) أضرب:
__________
(1) في دلائل الإعجاز: "بها".
(2) قائل هذا البيت هو زهير بن أبي سلمى، والبيت كما ورد في ديوانه:
فلو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
ونسبه الجرجاني لبكر بن النطاح، وقيل: زيادة الأعجم.
انظر: ديوان زهير ص 142، رصف المباني ص 359، دلائل الإعجاز للجرجاني، تحقيق محمَّد رشيد رضا ص 318.
(3) في ط: "ومثاله".
(4) آية رقم 23 من سورة الأنفال.
(5) في ط: "إذا".
(6) في ز: "كان".
(7) في ط: "بها".
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ثلاث".
(2/328)

شرطية (1)، وتمنية (2)، ومصدرية (3).
فالشرطية هي المرادة ها هنا: نحو قوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} (4).
ومثال التمنية: قوله تعالى: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (5)، وقوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} (6)، وقوله تعالى (7): {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (8).
وقد أثبتها كثير من النحاة، ومن نفاها تأولها بالامتناعية، أشربت معنى التمني فهي (9) إذًا شرطية، فقوله (10) تعالى مثلًا (11): {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ
__________
(1) انظر: الجنى الداني ص 284.
(2) انظر: المصدر السابق ص 288.
(3) انظر: المصدر السابق ص 287.
(4) آية رقم 23 من سورة الأنفال.
(5) آية 102 سورة الشعراء.
(6) آية 167 سورة البقرة.
(7) في ز: "ومنه قوله تعالى".
(8) آية رقم 58 من سورة الزمر، ورد في هذه الآية والآيتين السابقتين كلمة: "كرة"، والكر: العطف على الشيء بالذات أو بالفعل، ويقال للعبد المفتول: كر، والكرة: البعث وتجديد الخلق بعد الفناء.
انظر: المفردات في غريب القرآن للأصبهاني مادة (كر) ص 428، لسان العرب مادة (كرر).
(9) في ط: "فهو".
(10) في ط: "وقوله".
(11) "مثلًا" ساقطة من ط.
(2/329)

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (1) تقديرها (2): لو كانت لنا كرة لكنا (3) مؤمنين (4)، ولأجل إشرابها (5) معنى التمني ينصب الفعل بعد الفاء في جوابها، كما ينصب في جواب البيت كقوله تعالى: {يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ} (6).
ومثال المصدرية (7): قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلفَ سَنَةٍ} (8) تقديرها: أن يعمر ألف سنة، فتقدر مع الفعل بتأويل المصدر، وقد نفاها جمهور النحاة وتأولوا (9) الآية ونحوها، بحذف مفعول الفعل، وحذف جواب لو، تقدير الآية: يود أحدهم طول العمر لو عمر (10) ألف سنة لسر بذلك (11)، فهي على هذا امتناعية وهي: الشرطية.
وقوله (12): (و"لو" مثل هذه (13) الكلمات في الشرط).
__________
(1) سورة الشعراء آية رقم 102.
(2) في ط: "وتقديرها".
(3) "لكنا" ساقطة من ط.
(4) في ط: "من المؤمنين".
(5) في ز: "كونها أشربت".
(6) آية 73 سورة النساء.
(7) يقول المرادي: "ولم يذكر الجمهور أن "لو" تكون مصدرية وذكر ذلك الفراء وأبو علي والتبريزي وأبو البقاء وتبعهم ابن مالك".
انظر: الجنى الداني ص 288.
(8) آية 96 سورة البقرة.
(9) في ز: "فتأولوا".
(10) في ط وز: "يعمر".
(11) انظر: الجنى الداني ص 288.
(12) في ط وز: "قوله".
(13) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "هذا".
(2/330)

وهذه (1) "لو" المذكورة لا تدخل إلا على الأفعال، فإن (2) دخلت علي غيرها فيقدر الفعل بعدها، نحوِ قوله (3) تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} (4)، وقوله تعالى: {ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ} (5) وقوله تعالى (6): {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} (7)، تقدير ذلك كله: ولو ثبت أنهم.
وقال سيبويه: إذا وقع (8) أن (9) بعدها فهو مبتدأ (10).
واختلف في الخبر لهذا المبتدأ:
قيل: محذوف (11).
وقيل: لا يحتاج إلى خبر لانتظام الأكبر والمخبر عنه بعد "أن" (12).
__________
(1) "هذه" ساقطة من ز.
(2) في ز: "فإذا".
(3) في ط وز: "كقوله".
(4) آية رقم 5 من سورة الحجرات.
(5) آية رقم 64 من سورة النساء.
(6) "تعالى" لم ترد في ط.
(7) آية 66 سورة النساء.
(8) في ط: "وقعت".
(9) "أن" ساقطة من ط.
(10) انظر: الجنى الداني ص 279، وذهب الكوفيون، والمبرد، والزجاج، وكثير من النحويين إلى أنها فاعل بفعل مقدر تقديره: ولو ثبت أنهم، وهو أقيس إبقاءً للاختصاص.
انظر: المصدر السابق ص 279، 280.
(11) وهذا هو مذهب سيبويه والبصريين، انظر: الجنى الداني ونسبه إلى سيبويه: ابن هشام الخضراوي، انظر: الجنى الداني ص 280.
(12) ونسب هذا القول لسيبويه.
(2/331)

وإن دخلت على الاسم فيقدر الفعل بعدها، يفسره الفعل الذي بعد الاسم، كقوله تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ (1)} (2) تقديره: لو تملكون (3) خزائن رحمة ربي، فلما حذف الفعل انفصل الضمير (4) فصار أنتم، فقوله تعالى: {أَنتُمْ} فاعل بذلك الفعل المضمر (5).
ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي عبيدة (6): لو غيرك قالها يا أبا عبيدة [نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله (7)] (8).
__________
(1) قوله تعالى: {خَشْيَةَ الإِنفَاقِ} لم ترد في ز وط.
(2) آية 100 سورة الإسراء.
(3) في ط: "تملكوا أنتم".
(4) في ط: "المضمر".
(5) في ز: "الضمير".
(6) هو الصحابي الجليل أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي القهري، اشتهر بكنيته، كان إسلامه هو وعثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف في ساعة واحدة، وهو أحد العشرة السابقين إلى الإِسلام، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها من مشاهد، وقال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح"، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أحد الأمراء المسيرين للشام، والذين فتحوا دمشق، ولما ولي عمر بن الخطاب الخلافة عزل خالد بن الوليد، واستعمل أبا عبيدة، فقال خالد: ولي عليكم أمين هذه الأمة، توفي رحمه الله في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة (18 ه) وكان ذاهبًا للصلاة في بيت المقدس.
انظر: الإصابة 3/ 586 - 590، وقم الترجمة (4403)، الاستيعاب 4/ 1710 - 1712، أسد الغابة 3/ 84.
(7) وذلك عندما قال أبو عبيدة: أنفرُّ من قدر الله؟ انظر: الإصابة 3/ 587.
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2/332)

تقديره: لو قالها غيرك، فيكون من باب الاشتغال.
قوله: (و"لولا" تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، لأجل أن "لا" نفت النفي الكائن مع "لو" فصار ثبوتًا، وإِلا فحكم "لو" لم ينتقض (1)، فقوله عليه السلام (2): "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك لكل صلاة (3) " (4) يدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة المترتبة على تقدير (5) ورود (6) الأمر).
ش: هذا هو المطلب الحادي عشر، تكلم ها هنا على "لولا" (7)، وهو
__________
(1) في ز: "ينقض".
(2) في ش: " - صلى الله عليه وسلم - ".
(3) "لكل صلاة" ساقطة من أوخ، وفي ش: "عند كل صلاة".
(4) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة".
أخرجه بهذا اللفظ البخاري في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة ج 1/ 159 بحاشية السندي، ولفظ مسلم والباقين: "عند كل صلاة".
انظر: صحيح مسلم كتاب الطهارة، باب السواك رقم الحديث العام (252) 1/ 220، سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب السواك رقم الحديث 46 (1/ 40)، سنن الترمذي كتاب الطهارة، باب ما جاء في السواك رقم الحديث العام 22 (1/ 34)، سنن ابن ماجه كتاب الطهارة، باب السواك، رقم الحديث العام 287، (1/ 105).
(5) "تقدير" ساقطة من ز.
(6) في ز: "وجو".
(7) انظر معاني "لولا" في: شرح التنقيح للقرافي ص 109، شرح التنقيح للمسطاسي ص 46، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 96، فواتح الرحموت 1/ 249، شرح الكوكب المنير 1/ 284، المحلي على جمع الجوامع 1/ 351، الجنى الداني ص 597 - 608، مغني اللبيب 1/ 272 - 276، المفصل ص 315، رصف المباني ص 361 - 365، شرح المفصل لابن يعيش 3/ 20، 8/ 145.
(2/333)

الحرف الثاني من الحرفين اللذين يفيدان تعليق ماض على ماض.
قوله: (تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره) يعني: أن معنى (1) "لولا" حرف امتناع الشيء الذي هو جوابها، لأجل وجود غيره الذي هو اسمها، وأراد بذلك "لولا" الامتناعية (2)، كقوله تعالى: {ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} (3)، وقوله (4): {لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} (5)، وقوله: {فَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} (6).
ولا يريد "لولا" التحضيضية، كقوله تعالى: {فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} (7)، وقوله تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} (8).
قوله: (لأجل أن "لا" نفت (9) النفي الكائن مع لو فصار ثبوتًا).
هذا جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل له (10): و (11) لأي شيء تدل على
__________
(1) "معنى" ساقطة من ط.
(2) في ط: "امتناعية".
(3) سورة هود، آية رقم (91).
(4) في ز: "وقوله تعالى".
(5) قال تعالى: {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} سورة سبأ آية رقم (31).
(6) سورة البقرة آية رقم (64).
(7) سورة يونس آية رقم (98).
(8) سورة الأنعام آية رقم 43.
(9) المثبت من ط، ولم ترد "نفت" في الأصل وز.
(10) "له" ساقطة من ز.
(11) "الواو" ساقطة من ز.
(2/334)

امتناع الشيء لوجود غيره؟ وما الفرق بينهما (1) وبين "لو" المتقدمة؟
فقال: لأجل أن "لا" نفت النفي الكائن مع "لو" فصار ثبوتًا، [وذلك أن "لو" إذا دخلت على ثابت يكون معناه: نفيًا كما تقدم، فإذا دخلت "لا" عليه (2) صار ثبوتًا؛ لأن النفي إذا دخل على النفي يصير النفي ثبوتًا] (3) فيبقى (4) اسم "لولا" ثابتًا، ويبقى جوابها على ما كان عليه من النفي حين كان جوابًا للو قبل دخول حرف النفي على "لو".
قوله (5): (وإِلا فحكم "لو" لم ينتقض) معناه: وإن لم نقل بصيرورة النفي ها هنا ثبوتًا، فإن حكم اسم (6) "لو" لم ينتقض، أي: لم ينتف مع أنه متفق (7) يالإجماع من النحاة على انتفائه؛ فإنهم يقولون: "لولا" حرف امتناع الشيء لوجود غيره، فدل ذلك على ثبوت اسم "لولا"، فتبين بذلك: أن حكم "لو" انتقض في الاسم لدخول "لا" عليها، ولم ينتقض في الجواب لبقائه على حاله مع "لو".
قوله: (فقوله عليه السلام: "لولا أن أشق على أمتي ... " إِلى آخره (8) وفي بعض النسخ: كقوله بالكاف).
__________
(1) في ط: "بينهما".
(2) في ز: "عليه لا".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط وز: "فيصير".
(5) "قوله" لم ترد في ز.
(6) "اسم" ساقطة من ز.
(7) في ز وط: "منتف".
(8) في ز: "على أمتي لأمرتهم ... " إلى آخره.
(2/335)

قال (1) المؤلف في الشرح: قولي على تقدير ورود الأمر، قصدت به التنبيه على أن قول النحاة: لوجود غيره ليس المراد وجوده بالفعل خاصة، بل المراد به ما هو أعم من ذلك، أي: سواء كان وجوده بالوقوع أو بالتقدير، مثال الموجود (2) بالوقوع (3): قول عمر رضي الله عنه: "لولا (4) علي لهلك عمر" (5) فإن عليًا موجود حقيقة.
ومثال الموجود (6) بالتقدير: قوله عليه السلام: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك لكل صلاة" (7)؛ فإن المشقة غير موجودة [فعلاً، أي: ليست موجودة بالوقوع، فإنها لم تقع ولا تقع، وإنما هي موجودة بالتقدير، أي: هي موجودة] (8) على تقدير ورود الأمر بالسواك (9).
فقولهم إذًا: [لولا] (10) حرف امتناع الشيء لوجود غيره، معناه: لوجود غيره تحقيقًا أو تقديرًا.
قوله: (و"بل" لإِبطال الحكم عن الأول وإِثباته (11) للثاني (12) نحو: جاء
__________
(1) في ط: "وقال".
(2) في ط وز: "الوجود".
(3) في ز: "بالفعل".
(4) في ط: "لو".
(5) انظر هذا الأثر في: الاستيعاب 3/ 1103.
(6) في ط: "الوجود".
(7) في ط: "قوله عليه السلام: لولا أن أشق على أمتي ... " إلى آخره.
(8) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(9) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 109.
(10) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(11) في ش: "وإيجابه".
(12) في ط: "الثاني".
(2/336)

زيد بل عمرو).
ش: هذا هو المطلب الثاني عشر، ذكر المؤلف أن "بل" (1) يبطل الحكم عن الأول وهو: المعطوف عليه، ويثبت الحكم للثاني (2) وهو: المعطوف.
مثال ذلك: قولك: قام زيد بل عمرو، معناه (3): إبطال القيام عن زيد حتى (4) كأنه مسكوت عنه، وإثبات القيام لعمرو.
ومثاله (5) أيضًا: اضرب زيدًا بل عمرًا، معناه: إبطال الأمر بضرب زيد وإثبات الأمر بضرب عمرو.
قوله: (و"بل" لإِبطال الحكم عن الأول، وإِثباته للثاني).
يريد إذا عطفت (6) بها في الخبر والأمر دون النفي والنهي.
مثال الخبر: قام زيد بل عمرو، فإنك أبطلت القيام عن زيد (7) [وأثبته] (8) لعمرو.
__________
(1) انظر معاني "بل" في: شرح التنقيح للقرافي ص 109، شرح التنقيح للمسطاسي ص 46، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 96، المحلي جمع الجوامع 1/ 343، فواتح الرحموت 1/ 236، شرح الكوكب المنير 1/ 260 - 262، كشف الأسرار 2/ 135، الجنى الداني ص 235 - 237، مغني اللبيب 1/ 112، المفصل ص 305، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 1004، رصف المباني ص 230 - 233.
(2) في ط: "الثاني".
(3) في ط: "ومعنى".
(4) "حتى" ساقطة من ز.
(5) في ز: "ومنه أيضًا قولك".
(6) في ز وط: "عطف".
(7) في ز: "لزيد".
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، وفي الأصل: "وأثبتناه".
(2/337)

ومثال الأمر: اضرب زيدًا بل عمرًا، فإنك أبطلت الأمر بضرب زيد وأثبت الأمر بضرب عمرو، ففي هذين الوجهين يصح كلام المؤلف، وهما: الخبر والأمر، وأما إذا عطفت (1) ب "بل" في النفي أو النهي (2) فلا يصح فيه إبطال الحكم عن الأول وإثباته للثاني.
قال المرادي في شرح الألفية: وإنما هي (3) لتقرير حكم الأول وجعل ضده للثاني.
مثال [النفي] (4): ما قام زيد بل عمرو، فإنك تقرر نفي (5) القيام عن زيد [وتثبت (6) القيام لعمرو] (7)؛ [لأنك لم تبطل الحكم الأول الذي هو نفي القيام عن زيد] (8) [فإنما قررته؛ لأنك أثبت (9) ضده الذي هو ثبوت القيام لعمرو] (10).
ومثال النهي: لا تضرب زيدًا بل عمرًا، فإنك تقرر النهي عن ضرب زيد، وتثبت (11) ضد ذلك النهي لعمرو وهو: الأمر بضرب عمرو (12).
__________
(1) في ط: "لمطلق".
(2) في ز: "والنهي".
(3) في ط: "هو".
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(5) في ط: "نفي نفي".
(6) في ط: "وثبت".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(9) في ط: "قررته وأثبت".
(10) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(11) في ز: "وأثبت".
(12) نقل المؤلف بالمعنى. =
(2/338)

فتبين بما ذكرنا أن قوله: (بل لإِبطال الحكم عن الأول وإِثباته للثاني) إنما ذلك في الخبر والأمر دون النفي والنهي، قال ابن مالك [في الألفية] (1):
وبل كلاكن بعد مصحوبيها ... كم أكن في مربع بل تيها
وانقل بها للثاني (2) حكم الأولِ ... في الخبر المثبت والأمر الجلي (3)
أراد (4) بقوله: مصحوبيها: النفي والنهي.
وقوله: مربع (5) هي: الأرض التي (6) يربع فيها، أي يقام فيها، في زمان الربيع (7).
وقوله: تيها (8) هي الأرض التي يتاه فيها ولا (9) يهتدى فيها.
أسقط المؤلف همزته، وقصره للضرورة، ولا ينصرف وهو على وزن صحراء.
قوله (10): (وبل لإِبطال الحكم عن الأول وإِثباته للثاني).
__________
= انظر: شرح الألفية للمرادي 3/ 224، وانظر: الجنى الداني للمرادي ص 136.
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ط: "الثاني".
(3) انظر: ألفية ابن مالك ص 119 بشرح جماعة من العلماء، "الجلي" بالياء من ز، وفي الأصل وط: "الجل".
(4) في ط: "أراد".
(5) في ط: "في مربع".
(6) في ز: "أي التي".
(7) انظر: المصدر السابق.
(8) في هامش الألفية: التيهاء الفلاة، انظر: المصدر السابق.
(9) "ولا" ساقطة من ط.
(10) في ط: "وقوله".
(2/339)

إنما يطرد ذلك في عطف المفرد في الخبر والأمر - كما تقدم - ولا يطرد ذلك في عطف الجمل؛ فإنه قد يكون للإبطال (1) كقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّة بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ} (2).
وقد يكون لغير إبطال (3) كقوله تعالى: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} (4).
وقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ} (5).
فإن (6) "بل" في هاتين الآيتين للإضراب (7) عن الخبر الأول دون الإبطال، فإن الله تعالى لم يبطل شيئًا مما أخبر عنه في هاتين الآيتين.
قوله: (وعكسها: "لا"، نحو: جاء زيد لا عمرو).
ش: هذا هو المطلب الثالث عشر: يعني: أن حرف (8) "لا" (9) على
__________
(1) انظر: الجنى الداني ص 235.
(2) آية رقم 70 سورة المؤمنون.
(3) أي على جهة الترك للانتقال من غير إبطال.
انظر: الجنى الداني ص 235.
(4) آية 62، 63 سورة المؤمنون.
(5) آية 21، 22 سورة الانشقاق.
(6) في ط: "بان".
(7) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لا ضراب".
(8) في ط: "حكم".
(9) انظر معاني "لا" في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 46، التوضيح شرح التنقيح ص 96، الجنى الداني ص 294، 295، مغني اللبيب 1/ 241، 242، المفصل =
(2/340)

عكس حكم "بل"، أي: معنى "لا": إبطال الحكم عن الثاني وإثباته للأول.
قال أبو موسى الجزولي في حروف العطف: ومنها "لا" وهي: لنفي حكم الأول عن الثاني، ولا يعطف بها إلا في الأمر والإيجاب. انتهى نصه (1).
مثال الأمر: اضرب زيدًا لا عمرًا.
ومثال الإيجاب (2): قام زيد لا عمرو.
وفي معنى الأمر: الدعاء، والتحضيض.
مثال الدعاء: غفر الله لزيد ولا لعمرو، أو غفر الله للمسلمين لا للمشركين.
ومثال التحضيض: هلا ضربت زيدًا لا عمرًا، وقولك: هلا قلت خيرًا لا شرًا.
وإنما قالوا: لا يعطف بها إلا في الأمر والإيجاب؛ لأنها لا تكون إلا لنفي، أو منع، ولا يصح (3) النفي إلا في الإثبات، كما لا يصح (4) المنع إلا في الأمر.
قوله: (ولكن (5) للاستدراك بعد النفي (6) نحو: ما جاء زيد لكن عمرو،
__________
= ص 306، شرح المفصل 8/ 107، رصف المباني ص 329.
(1) انظر: شرح الجزولية للشلوبين، تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 72.
(2) في ط: "إيجاب".
(3) في ط: "يصلح".
(4) في ط: "يصلح".
(5) في خ: "لكن" بإسقاط الواو.
(6) في ش: "بعد الجحد".
(2/341)

ولا بد أن (1) يتقدمها نفي (2) في المفردات، أو يحصل التناقض (3) بين المركبات).
ش: هذا هو المطلب الرابع عشر: ذكر أن "لكن" (4) معناها: الاستدراك، وهي على قسمين: عاطفة، وابتدائية، وهي: المخففة من الثقيلة، فالعاطفة هي: التي تدخل على المفرد، والمخففة من الثقيلة هي: التي تدخل على الجملة.
مثال العاطفة: ما قام زيد لكن عمرو.
هذا (5) مثالها في النفي (6).
ومثالها في النهي: لا تضرب زيدًا لكن عمرًا.
ولا يعطف فيها (7) إلا بعد النفي، أو النهي؛ لأنها نقيضة "لا"، فكما أن "لا" لا يعطف بها إلا في الأمر والإيجاب - كما تقدم - فكذلك (8)
__________
(1) في أوخ: "ولا بد من أن يتقدمها النفي".
(2) في ط: "النفي".
(3) في خ وش وز وط: "تناقض".
(4) انظر: معاني "لكن" في: شرح التنقيح ص 46، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 96، شرح الكوكب المنير 1/ 266، كشف الأسرار 2/ 139، فواتح الرحموت 1/ 237، الجنى الداني ص 586 - 592، مغني اللبيب 1/ 290 - 293، المفصل ص 305، رصف المباني ص 345 - 348.
(5) في ط: "وهذا".
(6) في ط: "النهي".
(7) في ط وز: "بها".
(8) "فكذلك" ساقطة من ز وط.
(2/342)

لا (1) يعطف ب "لكن" إلا في النفي، والنهي، ولا يعطف بها في الأمر والإيجاب (2)، فإن "لا" تختص بالإيجاب، و"لكن" تختص بالجحد.
وأما المخففة من الثقيلة، وهي: حرف ابتداء (3)، فتدخل في جميع أنواع الكلام إلا في الاستفهام (4)، وإنما لا تدخل في الاستفهام؛ لأن الاستدراك الذي هو معناها مخالف للاستفهام، فتدخل في الإيجاب، والنفي، والأمر، والنهي.
مثالها في الإيجاب: قام زيد لكن عمرو لم يقم.
ومثالها في النفي: ما قام زيد لكن عمرو قام.
ومثالها في الأمر: اضرب زيدًا لكن عمرًا لا تضربه.
ومثالها في النهي: لا تضرب زيدًا لكن عمرًا اضربه.
قال الله تعالى (5): {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (6).
__________
(1) في ز وط: "فلا".
(2) هذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون أن يعطف بها في الإيجاب نحو: أتاني زيد لكن عمرو.
انظر: الجنى الداني ص 591.
(3) نسب المرادي هذا القول لأكثر المغاربة، وزعم ابن الربيع أنها عند عدم اقترانها بالواو تكون عاطفة جملة على جملة وأنه ظاهر كلام سيبويه.
انظر: الجنى الداني ص 591، مغني اللبيب 1/ 292.
(4) انظر: الجنى الداني ص 591.
(5) في ط: "قال تعالى".
(6) آية 111 سورة يوسف.
(2/343)

وقال تعالى: {مَا كَان مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ} (1).
فإن "لكن" في هاتين الآيتين مخففة من الثقيلة وليست بعاطفة لدخول الواو عليها؛ إذ لا يدخل حرف عطف على حرف، عطف، فهي داخلة على جملة تقديره: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، ولكن كان رسول الله في الآية الأخرى.
واعلم أنه يجب "لكن" العاطفة أن يكون ما قبلها مخالفًا لما بعدها في اللفظ (2) والمعنى، كقولك: ما قام زيد لكن عمرو، أو لا تضرب زيدًا لكن عمرًا.
ويجب في "لكن" المخففة أيضًا أن يكون ما قبلها مخالفًا لما بعدها في اللفظ والمعنى، أو مخالفًا له في المعنى دون اللفظ.
ومثال المخالفة (3) بينهما (4) في اللفظ والمعنى (5): ما قام زيد لكن عمرو قائم.
وقولك: قام زيد لكن عمرو لم يقم.
وقولك: اضرب زيدًا لكن عمرًا لا تضربه.
وقولك: لا تضرب زيدًا لكن عمرًا اضربه.
__________
(1) آية 40 سورة الأحزاب.
(2) "اللفظ" لم ترد في ز.
(3) في ز: "المخالف".
(4) في ز: "لما بعده".
(5) "والمعنى" ساقطة من ز.
(2/344)

ومثال المخالفة بينهما في المعنى خاصة دون اللفظ قولك: قام زيد لكن عمرو قعد، فلا مخالفة بين ما قبلها وما بعدها في اللفظ لاتفاق اللفظين في الإثبات، وإنما وقعت المخالفة بينهما في المعنى؛ لأن القيام مضاد للقعود.
ومثال المخالفة [بينهما] (1) [في] (2) المعنى دون اللفظ أيضًا في النفي (3): قولك: لم يجلس معنا (4) زيد، ولكن عمرو لم يخرج، فما قبل لكن، وما بعدها متفقان في النفي فلا مخالفة بينهما في اللفظ لاتفاق اللفظين في النفي، وإنما وقعت المخالفة بينهما في المعنى؛ لأن الجلوس مضاد للخروج.
قوله: (ولا بد أن يتقدمها نفي (5) في المفردات).
هذا إشارة إلى العاطفة، وهي التي تدخل على المفرد، والمراد بالنفي ما هو أعم، ويندرج فيه النفي، والنهي كما تقدم تمثيله.
و (6) قوله: (أو يحصل تناقض بين المركبات) هذا (7) إشارة إلى المخففة من الثقيلة نحو قولك: قام زيد لكن عمرو لم يقم.
وقولك: قام زيد لكن عمرو قاعد.
فالمثال الأول: للمخالفة لفظًا ومعنى.
__________
(1) المثبت من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(2) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ز: "في المعنى أيضًا دون اللفظ في النفي".
(4) "معنا" ساقطة من ز.
(5) في ط: "النفي".
(6) "الواو" ساقطة من ز وط.
(7) في ز: "هذه".
(2/345)

والمثال الثاني: للمخالفة في المعنى دون اللفظ.
قوله: (بين المركبات) يعني بها الجمل؛ لأن "لكن" المخففة من الثقيلة هي: التي تدخل على الجمل.
قال المؤلف في الشرح: فلو قلت (1): سافر زيد لكن عمرو فقيه؛ لم يجز لعدم التناقض بين السفر والفقه (2).
قوله: (أو يحصل تناقض بين المركبات) [المراد بالتناقض] (3) هي (4): المخالفة، والمراد بالمركبات: هو (5): الجمل (6)، وإنما اشترط (7) بين الجمل؛ لأن التناقض بين المركبات يقوم مقام حرف النفي في المفردات.
قوله: (والعدد يذكر فيه المؤنث (8)، ويؤنث فيه المذكر؛ ولذلك قلنا: إِن المراد بقوله تعالى: {وَالْمطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (9) الأطهار دون الحيض (10)؛ لأن الطهر مذكر، والحيض (11) مؤنث، وقد ورد
__________
(1) في ط: "فلوقت".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 110.
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فالتناقض".
(4) "هي" ساقطة من ز، وفي الأصل: "من"، والمثبت من ط.
(5) "هو" ساقطة من ز.
(6) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "الجهل".
(7) في ز وط: "يشترط".
(8) المثبت من أوخ وش وز، وفي الأصل: "ونؤنث".
(9) آية (228) سورة البقرة.
(10) في ط: "الأحياض".
(11) في أوخ وش: "والحيضة مؤنثة".
(2/346)

النص (1) بصيغة التأنيث، فيكون المعدد (2) مذكرًا لا مؤنثًا).
ش: هذا هو المطلب الخامس عشر (3):
ذكر المؤلف [رحمه الله تعالى] (4) أن التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث تثبت في عدد المذكر، وتسقط في عدد (5) المؤنث على عكس حالها في غير (6) العدد (7)؛ لأنها في غير العدد تثبت مع المؤنث، وتسقط مع المذكر، نحو: قائم وقاعد، في المذكر، وقائمة، وقاعدة في المؤنث، وأما في العدد فإنها تسقط في المؤنث، وتثبت في المذكر فتقول: خمسة رجال (8)، وخمس نسوة.
قال تعالى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} (9)؛ لأن الليلة (10) مؤنثة (11)، واليوم مذكر، فذلك حالها في العدد من ثلاثة إلى عشرة
__________
(1) في أ: "وقد ورد البعض".
(2) المثبت من أوخ وش وط، وفي الأصل وز: "العدد".
(3) انظر تفصيل الكلام حول العدد في: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 110، 111، شرح التنقيح للمسطاسي ص 46، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 97، المفصل ص 212 - 217، شرح المفصل لابن يعيش 6/ 15 - 35، أوضح المسالك لابن هشام 3/ 214 - 226.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في ط وز.
(5) "عدد" ساقطة من ز.
(6) "غير" ساقطة من ز.
(7) في ز: "المعدود".
(8) "رجال" ساقطة من ط.
(9) آية 7 سورة الحاقة.
(10) في ز: "الليل".
(11) في ط: "مؤنث".
(2/347)

[ومن ثلاثة عشر] (1) إلى تسعة عشر، كما هو معروف عند النحاة (2).
وإنما تسقط التاء من عدد المؤنث؛ لئلا يجتمع تأنيثان، إحداهما (3): في العدد، والأخرى (4) في المعدود.
وإنما أثبتوا التاء في المذكر؛ لضرورة الفرق بين المذكر والمؤنث.
وقيل: إنما تثبت (5) الهاء في عدد المذكر لئلا يتوهم لو سقطت الهاء أن العدد إنما اكتسب التذكير من المعدود الذي أضيف إليه؛ لأن المضاف المؤنث (6) قد (7) يكتسب التذكير من المضاف إليه، وكذلك المضاف المذكر قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه.
مثال المؤنث المكتسب تذكيرًا مما أضيف إليه: قول الشاعر:
رؤية الفكر ما يؤول له الأمر ... معين على اجتناب النواهي (8)
[فذكر خبر رؤية وهو: معين (9)؛ لإضافة رؤية إلى مذكر وهو:
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) انظر: المصادر السابقة.
(3) في ط: "إحديهما".
(4) في ط وز: "الآخر".
(5) في ز: "ثبت".
(6) في ط: "الموقدر".
(7) "قد" ساقطة من ط.
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الثواني"، ولم أقف على قائل هذا البيت.
(9) في ط: "وهو قوله: معين".
(2/348)

الفكر] (1).
ومثال المذكر المكتسب تأنيثًا مما أضيف إليه: قول الشاعر:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع (2)
فأنث السور لإضافته إلى المؤنث (3).
فتبين (4) مما قررناه: أن الهاء إنما تثبت (5) في عدد المذكر؛ لئلا يتوهم أنه (6) [اكتسب] (7) التذكير الذي هو (8): سقوط الهاء من المضاف إليه الذي هو: العدد (9) المذكر نحو قولك: خمسة رجال، ولا يتوهم ذلك في عدد المؤنث؛ لأن المضاف إليه مؤنث فلا يحتاج فيه إلى التاء نحو قولك: خمس نسوة،
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) قائل هذا البيت هو جرير يرثي فيه الزبير بن العوام، فوصف مقتل الزبير حين قتل غيلة فيقول: لما وافى خبره المدينة - مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تواضعت هي وجبالها وخشعت، وهذا مثل، وإنما يريد أهلها، الشاهد في البيت أنه أنث "تواضعت" والفعل للسور.
انظر: شرح ديوان جرير ص 345، الكتاب لسيبويه 1/ 25، خزانة الأدب للبغدادي 4/ 218، رقم الشاهد (287)، تحقيق عبد السلام هارون، الخصائص لابن جني 2/ 418، لسان العرب مادة (سور)، المخصص لابن سيده 17/ 77، الأضداد لابن الأنباري ص 296.
(3) في ز: "إلى المدينة".
(4) في ز: "فثبت".
(5) في ز وط: "ثبت".
(6) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "أن".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(8) "هو" ساقطة من ز.
(9) في ط وز: "المعدود".
(2/349)

وذلك أن الأصل (1) في (2) العدد أن يكون بالتاء لأنه في المعنى جماعة، والجماعة مؤنثة، فما كان من العدد بعلامة التأنيث فهو بمنزلة المؤنث الذي فيه علامة التأنيث نحو: فاطمة وعائشة، وما كان من العدد بغير علامة فهو بمنزلة المؤنث الذي (3) ليس فيه علامة نحو: زينب، وهند، ودعد (4).
وقال أبو موسى - إشارة إلى هذا القول الذي قررناه -: وإثبات الهاء في عدد المذكر رفع لما يوهمه (5) ما يضاف (6) إليه العدد (7) من التذكير، ولا يحتاج إليها في المؤنث لعدم الموهم. انتهى (8).
وقيل: إنما ثبتت الهاء في عدد المذكر، وسقطت من عدد المؤنث للمقابلة والمشاكلة أي: ليقابل الأصل بالأصل والفرع بالفرع.
وبيان ذلك: أن الأصل في العدد أن يكون بالتاء وعدم التاء [فرع] (9)، والأصل التذكير، والتأنيث فرع (10)، فأعطي الأصل الذي هو: التاء [للأصل] (11) الذي هو: المذكر، وأعطي الفرع الذي هو:
__________
(1) في ط وز: "أصل".
(2) "في" ساقطة من ط وز.
(3) في ز: "التي".
(4) في ط: "وذعد".
(5) في ز: "يوهم".
(6) في ز: "مما يضاف".
(7) "العدد" ساقطة من ز.
(8) انظر: شرح الجزولية للشلوبين، تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 92.
(9) المثبت ين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(10) في ط: "فرعون" وهو تصحيف.
(11) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2/350)

سقوط (1) التاء للفرع الذي هو: المؤنث، فوقعت (2) المطابقة في الكلام.
وقال أبو موسى - مشيرًا إلى هذا القول -: وإن شئت قلت: لأن أول العدد مؤنث، والمذكر [أول: فطوبق بين الكلام. انتهى (3).
فالمراد (4) بالأول، هو: الأصل] (5).
قوله: (ولذلك قلنا: إِن المراد بقوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُروءٍ} (6) الأطهار (7) ...) إلى آخره.
استدل المؤلف رحمه الله تعالى (8): بهذه القاعدة النحوية على أن المراد بالأقراء: الأطهار.
وذلك أن العلماء اختلفوا في المراد بالأقراء (9) المذكور (10) في قوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}:
قال (11) أبو حنيفة: المراد بها (12): الحيض.
__________
(1) في ط: "الذي هو سقطت أي سقوط".
(2) في ط: "ووقعت".
(3) انظر: شرح الجزولية للشلوبين، تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 92.
(4) في ط: "والمراد".
(5) ما بين المعقوفتين ساقطة من ز.
(6) آية (228) سورة البقرة.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(8) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(9) انظر هذا الخلاف في: تفسير القرطبي 2/ 113، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 183 - 185، أحكام القرآن للجصاص 1/ 364.
(10) في ز وط: "المذكورة".
(11) في ز: "فقال".
(12) في ط: "بهذا".
(2/351)

وقال مالك المراد بها: الأطهار.
واستدل أبو حنيفة رضي الله عنه على أن الأقراء هي الحيض بقوله عليه السلام في الحديث الصحيح المشهور: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض" (1).
فظهر منه أن براءة الرحم إنما تكون بالحيض لا بالطهر (2).
واستدل مالك - رضي الله عنه - بخمسة أوجه:
أحدها: التاء (3) في قوله تعالى (4): {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} كما تقدم بيانه (5).
[ولكن هذا الاستدلال فيه نظر؛ لأنه يحتمل أَن يراعى لفظ القرء دون معناه وهو (6): الحيض؛ لأن العرب تارة تراعي اللفظ، وتارة تراعي المعنى.
__________
(1) أخرجه أبو داود والدارمي عن أبي سعيد الخدري ورفعه، أنه قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة".
انظر: سنن أبي داود كتاب النكاح، باب في وطء السبايا، رقم الحديث العام 2157 (2/ 248)، سنن الدارمي كتاب الطلاق، باب في استبراء الأمة (2/ 171).
وفي سنده أبو الوداك، واسمه جبر بن نوف، قال فيه ابن حجر: صدوق يهم، من الرابعة.
انظر: تقريب التهذيب، 1/ 125.
(2) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 184.
(3) في ط وز: "إثبات التاء".
(4) "تعالى" لم ترد في ز.
(5) ذكر وإثبات التاء في العدد يدل على أنه أراد: الطهر المذكر، ولو أراد الحيضة المؤنثة لأسقط التاء، وقال: ثلاثة قروء.
انظر: المصدر السابق 1/ 185
(6) في ط: "الذي هو".
(2/352)

فمثال (1) مراعاة اللفظ: قولهم: ثلاثة شخوص بإلحاق التاء، وإن كان المراد بها (2) النساء، قاله أبو علي في الإيضاح.
ومثال مراعاة المعنى قولهم: عشر (3) أبطن (4) بسقوط التاء؛ إذ المراد به القبائل (5) قاله أبو علي أيضًا، فإذا احتمل واحتمل: سقط الاستدلال] (6).
الثاني: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروءٍ} (7) لفظه لفظ الخبر، ومعناه معنى الأمر (8) بالتربص، والأمر يقتضي الفور، ولا يصح فوره إلا إذا أريد به الطهر دون الحيض (9).
الثالث: قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (10) وهذا أمر أيضًا، واللام بمعنى "في" كما في قوله تعالى: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} (11) أي: في
__________
(1) في ط: "مثال".
(2) في ط: "به".
(3) في ط: "عشرة".
(4) في ز: "بكذا".
(5) في ط: "القابل".
(6) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(7) آية 228 سورة البقرة.
(8) يقول ابن العربي في الرد على هذا الاستدلال: وهذا باطل، بل هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، فلا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى خلاف مخبره.
انظر: أحكام القرآن 1/ 186.
(9) انظر: المصدر السابق 1/ 185.
(10) آية رقم 1 سورة الطلاق.
(11) آية 24 سورة الفجر.
(2/353)

حياتي، فقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (1) أي: في وقت يصح فيه اعتدادهن، وذلك زمان الطهر لا زمان الحيض.
الرابع: أن الأحكام يجب أن ترتبط (2) بأسبابها، وسبب العدة هو الطلاق، فيجب أن تقترن العدة بزمان الطلاق، وزمان الطلاق هو: الطهر (3).
الخامس: أن الأحكام إنما تتعلق (4) بأوائل الأسماء دون أواخرها، كما تقول في الشفقين (5)، فإن (6) وجوب الصلاة تعلق (7) بالأول وهو الأحمر دون الثاني وهو الأبيض (8).
وسبب الخلاف في القرء (9): أن القرء يطلق (10) لغة (11) على الطهر والحيض (12) وهو مأخوذ من الجمع.
__________
(1) آية رقم 1 سورة الطلاق.
(2) في ز: "أن تربط".
(3) في ز وط: "الطهر دون الحيض".
(4) في ط: "يتعلق".
(5) انظر: أحكام القرآن لابن العربي، 1/ 185.
(6) في ط: "بأن".
(7) في ز: "تتعلق".
(8) في ط: "البياض".
(9) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "القرآن".
(10) في ز: "لغة يطلق".
(11) انظر: لسان العرب مادة (قرأ).
(12) يقول أبو بكر الجصاص: قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الأقراء على المعنيين من الحيض، ومن الأطهار من وجهين:
أحدهما: أن اللفظ لو لم يكن محتملاً لهما لما تأوله السلف عليهما؛ لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف عليه المعاني من العبارات، فلما تأولها فريق =
(2/354)

ومنه قولهم: قرأت الماء في الحوض إذا جمعته (1) فيه، وقرأت الناقة لبنها في الضرع.
وقيل: مأخوذ من الوقت (2) ومنه قولهم: رجع (3) فلان لقرئه إذا رجع في وقته الذي يرجع فيه.
والدليل على إطلاق القرء على الطهر والحيض: قوله عليه السلام لفاطمة (4) - رضي الله عنها-: "إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري (5)، ثم صلي (6) ما بين القرء إلى القرء" (7) يقال: القرء بضم
__________
= على الحيض وآخرون على الأطهار علمنا وقوع الاسم عليهما.
ومن جهة أخرى: أن هذا الاختلاف قد كان شائعًا بينهم مستفيضًا ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته، بل سوغ له القول فيه، فدل ذلك: على احتمال اللفظ للمعنيين وتسويغ الاجتهاد فيه.
انظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 364.
(1) انظر: لسان العرب مادة (قرأ).
(2) يقول ابن العربي: "كلمة القرء كلمة محتملة للطهر والحيض احتمالاً واحدًا، وبه تشاغل الناس قديمًا وحديثًا من فقهاء ولغويين في تقديم أحدهما على الآخر، وأوصيكم ألا تشتغلوا الآن بذلك لوجوه: أقربها: أن أهل اللغة قد اتفقوا على أن القرء: الوقت، يكفيك هذا فيصلاً بين المتشعبين وحسمًا لداء المختلفين، فإذا أرحت نفسك من هذا وقلت: المعنى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود فوجب طلب بيان المعدود من غيرها".
انظر أحكام القرآن لابن العربي 1/ 184.
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "لرجع".
(4) هي فاطمة بنت أبي حبيش.
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "فطهري".
(6) في ط وز: "تصلي".
(7) أخرجه النسائي، وابن ماجه، وأبو داود، عن عروة بن الزبير أن فاطمة بنت أبي =
(2/355)

القاف وفتحها.
...
__________
= حبيش حدثته أنها أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشكت إليه الدم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر القرء فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء".
أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة، رقم الحديث العام 620، (1/ 203).
وأخرجه أيضًا النسائي في كتاب الطلاق، باب الأقراء 6/ 176.
وأخرجه أيضًا أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المرأة تستحاض، رقم الحديث 280 (1/ 191).
وأخرجه أيضًا الإمام أحمد في المسند (6/ 420).
(2/356)

الباب الثالث
في تعارض مقتضيات الألفاظ
(2/357)

الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ (1)
ش: في هذا الباب مطلبان:
الأول: [في (2) بيان] (3) ما يحمل عليه اللفظ إذا تعارضت محامله.
والمطلب الثاني: في بيان الفروع المركبة على التعارض.
قوله: (في تعارض مقتضيات الألفاظ) معناه: في بيان حكم تقابل وتعادل مدلولات الألفاظ، يعني: إذا كان مثلًا للفظ (4) احتمالان متضادان، على ماذا يحمل منهما (5).
قوله: (تعارض) التعارض هو: التقابل، ولا تقابل إلا مع التساوي، ولا
__________
(1) انظر تفصيل الكلام حول هذا الباب في: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 112 - 125، شرح تنقيح الفصول للمسطاسي ص 47 - 52، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 98 - 108، شرح الكوكب المنير 1/ 294 - 299، المحصول ج 1 ق 1 ص 487 - 505، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 1/ 322 - 336، نهاية السول في شرح منهاج الأصول للإسنوي 2/ 179 - 185.
(2) في ز: "فيما".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في ط وز: "للفظ مثلًا".
(5) في ط: "منها".
(2/359)

تساوي مع الرجحان، وهذه الحقائق التي ذكر (1) المؤلف كلها راجحة (2) بالنسبة إلى أضدادها، ومع ثبوت الرجحان فلا تعارض.
أجيب عن هذا: بأن إطلاق التعارض ها هنا مجاز؛ لأنه باعتبار ما يؤول إليه الأمر (3) في الاستقبال (4)؛ وذلك أن الاحتمال المرجوح قد يعضده دليل فيعارض حينئذ الاحتمال الراجح فيحتاج إلى الترجيح، والله أعلم.
قوله: (في تعارض مقتضيات الألفاظ) يعني: مع (5) ترجيح بعضها على بعض (6).
قوله: (يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز).
ش: ذكر المؤلف إحدى عشرة حقيقة هي كلها راجحة على أضدادها:
الحقيقة الأولى (7) هي: حمل اللفظ [على حقيقته دون مجازه (8)؛ لأن موضوع اللفظ] (9) أولى به لأنه الأصل، والمجاز فرع طارئ عليه، والأصل
__________
(1) في ز: "ذكرها".
(2) المثبت من ط، وفي الأصل: "راجعة".
(3) "الأمر" ساقطة من ط.
(4) في ط وز: "المستقبل".
(5) في ز: "في ترجيح".
(6) "بعض" ساقطة من ط.
(7) "الأولى" ساقطة من ط.
(8) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 112، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 98، شرح الكوكب المنير 1/ 294.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/360)

مقدم على الفرع.
قوله أيضًا (1): (يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز).
مثاله: الأسد حقيقة في الحيوان المفترس، مجاز في الرجل الشجاع.
وكذلك قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (2) اللمس حقيقة في المس باليد فينقض الوضوء، وهو مجاز في الجماع.
فإذا حملنا الملامسة في الآية على الملامسة باليد فيستدل (3) بالآية على كون الملامسة تنقض الوضوء، وهو مذهب مالك، والشافعي، وجمهور العلماء.
وإذا حملناه على الوطء (4) فلا يجب الوضوء منها وهو مذهب أبي حنيفة وغيره (5).
قوله: (وعلى العموم دون الخصوص (6)).
ش: هذا حقيقة ثانية (7)، إنما يحمل على العموم؛ لأن البعض داخل في الكل، ففي حمله على الكل حمله على البعض.
__________
(1) "أيضًا" ساقطة من ز.
(2) آية 43 سورة النساء.
(3) في ز: "يستدل".
(4) في ط وز: "الجماع".
(5) انظر الخلاف في هذه المسألة في: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/ 223 - 224، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 443 - 444، أحكام القرآن للجصاص 2/ 372.
(6) في نسخة أوخ وش: "والعموم دون التخصيص".
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 112، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 99، شرح الكوكب المنير 1/ 295.
(2/361)

مثاله: قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} (1) عام (2) في الأختين مطلقًا حرتين أو مملوكتين، فلا يجوز الجمع بينهما مطلقًا، وهو مذهب مالك، والشافعي، [وجمهور العلماء] (3) خلافًا لمن قال: مخصوص بالحرتين (4).
وقال ابن عباس (5) - رضي الله عنه (6) -: حرمتهما آية وحللتهما (7) آية؛ فالآية المحرمة قوله تعالى (8): {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} (9)، والآية المحللة هي قوله تعالى: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (10).
__________
(1) آية (23) سورة النساء.
(2) في ط وز: "هو عام".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(4) يقول القرطبي: شذ أهل الظاهر فقالوا: يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما يجوز الجمع بينهما في الملك، واحتجوا: بما روي عن عثمان في الأختين من ملك اليمين: "حرمتهما آية وأحلتهما آية".
انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/ 117.
(5) روي أيضًا عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب.
انظر: المصدر السابق وأحكام القرآن للجصاص 2/ 130، 131.
(6) في ز: "عنهما".
(7) في ز: "وأحلتهما".
(8) "تعالى" لم ترد في ط.
(9) آية رقم 23 من سورة النساء.
(10) قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [آية رقم 24 سورة النساء] , وقد وضح الجصاص المراد بقول ابن عباس وعثمان وعلي: "حرمتهما آية وأحلتهما آية"، بعدة وجوه:
أولاً: إنما هو على جهة أن آيتي التحليل والتحريم غير متساويتين في مقتضاهما، وأن التحريم أولى من التحليل.
(2/362)

قوله: (وعلى (1) الإِفراد دون الاشتراك).
ش: هذه (2) حقيقة ثالثة (3).
مثاله: [قوله] (4) تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (5).
فالنكاح ها هنا المراد به معنى واحد وهو: الوطء في الفرج فهو الذي يحل المبتوتة.
__________
= ثانيًا: أن إطلاق القول بأنه أحلتهما آية وحرمتهما آية من غير تقييد هو: قول منكر لاقتضاء حقيقته: أن يكون شيء واحد مباحًا محظورًا في حال واحدة.
ثالثًا: مما يدل على أن التحريم أولى: لو تساوت الآيتان في إيجاب حكميهما أن فعل المحظور يستحق به العقاب وترك المباح لا يستحق به العقاب والاحتياط والامتناع مما لا يأمن استحقاق العقاب به.
رابعًا: الآيتان غير متساويتين في إيجاب التحريم والتحليل وغير جائز الاعتراض بإحداهما على الأخرى؛ إذ كل واحدة منهما ورودها في سبب غير سبب الأخرى وذلك لأن قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَينِ} وارد فيه التحريم، وقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وارد في إباحة المسبية التي لها زوج في دار الحرب، وأفاد وقوع الفرقة بين المسبية وبين زوجها وإباحتها لمالكها، فكل من الآيتين واردة في سبب غير سبب الأخرى، فيستعمل حكم كل واحدة منهما في السبب الذي وردت فيه. اه بتصرف من أحكام القرآن للجصاص 2/ 131.
(1) في أوخ وش: "والإفراد دون الاشتراك".
(2) في ز: "هذا".
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 112، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، شرح الكوكب المنير 1/ 295.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل.
(5) آية 230 سورة البقرة.
(2/363)

وقال ابن المسيب - رضي الله عنه -: يحلها العقد ويحلها الوطء (1)؛ لأن النكاح عنده مشترك بين الوطء والعقد.
ولكن مذهب الجمهور أولى؛ لأن الإفراد أولى من الاشتراك؛ لأن الاشتراك مجمل حالة عدم (2) القرينة (3) الدالة على المراد بالمشترك؛ وذلك يؤدي إلى تعطيل [الحكم الشرعي] (4) فحمل النكاح على معنى واحد وهو: الوطء أولى من حمله على معنيين و (5) هما العقد والوطء.
قوله: (وعلى (6) الاستقلال دون الإِضمار).
ش: هذه (7) حقيقة رابعة (8)، مثاله قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} (9).
__________
(1) انظر قول سعيد بن المسيب رضي الله عنه في: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 148، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 198.
(2) في ط: "على" وهو تصحيف.
(3) في ط: "العربية" وهو تصحيف.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) "على" ساقطة من أوخ وش.
(7) في ز: "هذا".
(8) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 112، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، شرح الكوكب المنير 1/ 295.
(9) آية 33 سورة المائدة.
(2/364)

قال مالك (1): لا إضمار (2) في الكلام، بل الكلام مستقل.
وقال الشافعي (3): في الكلام إضمار، وتقديره: أن يُقتلوا إن قَتلوا، وقوله: {أَوْ يُصَلَّبُوا} (4) يعني: إن قتلوا (5) وأخذوا المال (6)، وقوله: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْديهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خلافٍ} يعني: إن أخذوا المال، وقوله: {أَوْ يُنفَوْا مِن الأَرْضِ} يعني: إن أخافوا السبيل، كما قرره ابن العربي في أحكام القرآن (7)، ولكن حمل الكلام على الاستقلال أولى من حمله على [الإضمار؛ لأن الإضمار يحتاج إلى مبين، والاستقلال لا يحتاج إلى ذلك] (8).
وكذلك قوله عليه السلام: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"
فعلى رواية الرفع، فالكلام مستقل لا إضمار فيه، معناه: ذكاة الجنين هي ذكاة أمه.
وعلى رواية النصب فيه إضمار تقديره: ذكاة الجنين أن يذكى مثل (9) ذكاة أمه.
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 112.
(2) في ط: "الإضمار".
(3) انظر: المصدر السابق ص 112، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 599.
(4) في ط: "أو يصلوب" وهو تصحيف.
(5) في ط: "يقتلوا".
(6) في ز: "الأموال".
(7) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 599.
(8) ما بين المعقوفتين ورد في ط بلفظ: "الإضمار فيه معنى ذكاة الجنين هي لا تحتاج إلى ذلك".
(9) في ط: "ذكاة مثل ذكاة".
(2/365)

قوله: (وعلى الإِطلاق دون التقييد).
ش: هذه (1) حقيقة خامسة (2).
مثاله قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (3).
قال مالك: مطلق الشرك محبط للعمل (4) بدليل قوله تعالى [: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} (5).
وقال الشافعي: يقيد بالوفاة على الكفر (6) بدليل قوله تعالى] (7): {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكمْ عَن دِينهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النًّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (8)، فيحمل (9) المطلق على المقيد.
وقال مالك (10): ليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد، وإنما هو من باب ترتيب مشروطين على شرطين، فالمشروطان هما: [الحبوط والخلود، والشرطان هما] (11): الردة، والموت عليها، فالأول للأول، والثاني للثاني،
__________
(1) في ز: "هذا".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 112، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 99، شرح الكوكب المنير 1/ 296.
(3) آية 65 من سورة الزمر.
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 112، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47.
(5) آية رقم 5 من سورة المائدة.
(6) في ط: "الفكر" وهو تصحيف.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) آية رقم 217 من سورة البقرة.
(9) في ز: "فحمل".
(10) هذا جواب على مذهب الشافعي.
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/366)

فالحبوط للردة، والخلود للموت عليها، ولكن الإطلاق أولى؛ إذ الأصل (1) عدم التقييد (2).
قوله: (وعلى التأصيل دون الزيادة).
ش: هذه (3) حقيقة سادسة (4).
مثاله قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} (5).
قيل: "لا" زائدة (6) وأصل الكلام: أقسم بهذا البلد.
وقيل (7): ليست بزائدة (8)، وتقدير الكلام: لا أقسم بهذا البلد (9) وأنت
__________
(1) المثبت من ز، وفي الأصل: "من عدم".
(2) ذكر هذا الجواب بمعناه المسطاسي في شرح التنقيح ص 47.
(3) في ز: "هذا".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 113، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، شرح الكوكب المنير 1/ 296.
(5) آية رقم 1، 2 سورة البلد.
(6) نسبه القرطبي للأخفش وهذا هو القول الأول.
انظر: تفسير القرطبي 20/ 59.
(7) وهو قول أهل التأويل كما ذكره ابن النحاس، وهذا هو القول الثاني.
القول الثالث: أن "لا" صلة.
القول الرابع: أن "لا" بمعنى "ألا"، ذكره الأخفش.
القول الخامس: أن "لا" للتوكيد، يقول القائل: لا والله.
انظر: إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس 5/ 227, أحكام القرآن لابن العربي 4/ 1933، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 20/ 59.
(8) المثبت من ط، وفي الأصل: "بزيادة".
(9) "البلد" ساقطة من ز.
(2/367)

لست فيه، بل لا يعظم ولا يصلح للقسم إلا إذا كنت (1) فيه (2).
قوله: (وعلى الترتيب دون التقديم والتأخير).
ش: هذه (3) حقيقة سابعة (4).
[مثاله] (5) قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ (6) مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} (7).
فظاهر الآية: أن الكفارة لا تجب إلا بالوصفين (8) المذكورين قبلها وهما: الظهار والعودة.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون لما قالوا، أي: لما كانوا عليه قبل الظهار سالمين (9) من الإثم بسبب فعل الكفارة، فعلى هذا لا يكون العود شرطًا في كفارة (10)
__________
(1) في ط: "كانت".
(2) يقول المسطاسي في شرح التنقيح (ص 47): غير أن هذا فيه إضمار والأصل عدمه، إلا أن الإضمار يترجح لكثرته، وقد ترجح على الزيادة ها هنا لقلتها بالنسبة إلى الإضمار المذكور.
(3) في ز: "هذا".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 113، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، شرح الكوكب المنير 1/ 296.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل وط: "معناه".
(6) في الأصل وز وط (يظَّهَّرون) بدون ألف مع فتح الظاء والهاء وتشديدهما وهي: قراءة ورش. انظر هذه القراءة في النشر في القراءات العشر 2/ 385.
(7) آية رقم 3 سورة المجادلة.
(8) في ط: "في الوصفين".
(9) في ط: "وسالمين".
(10) في ط: "كفار".
(2/368)

الظهار، بل تجب الكفارة على هذا القول بنفس (1) الظهار، هكذا قدره (2) المؤلف في الشرح (3).
وقدر (4) المكي في مشكل الإعراب هذا القول فقال: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما قالوا، أي: لما نطقوا به من الظهار، أي للفظهم بالظهار ثم يعودون يعني للوطء، فاللام على هذا القول في قوله: {لِمَا قَالُوا} متعلقة بقوله: {فَتَحْرِيرُ} (5).
وقوله تعالى (6): {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} (7) على القول الأول، اللام متعلقة بقوله: {يَعُودُونَ} (8).
وقوله: {لِمَا قَالُوا} "ما" والفعل مصدر تقديره: ثم يعودون لقولهم،
__________
(1) في ز: "في نفس".
(2) في ز: "قرر".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 111، وفي ط وز: "في الشرح على هذا القول".
(4) في ز: "وقرر".
(5) قد نقل المؤلف بالمعنى ونص كلام مكي: وقال الأخفش: اللام متعلقة ب "تحرير"، وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من الظهار، وتقدير الآية عنده: والذين يظاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة للفظهم بالظهار ثم يعودون للوطء.
انظر: كتاب مشكل إعراب القرآن 2/ 363.
(6) "تعالى" لم ترد في ط.
(7) المجادلة آية رقم (3).
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يقولون".
(2/369)

وهذا المصدر الذي هو القول، هو (1) في موضع المفعول كقولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير، معناه: مضروب (2) الأمير، فتقدير الآية: ثم يعودون للمقول فيهن الظهار، وهو (3): الزوجات، أي ثم يعودون لوطء المقول فيه (4) الظهار.
واختلف أصحاب مالك في المراد بالعود المذكور في الآية:
قيل (5): العزم على الوطء.
وقيل: العزم على الإمساك.
وقيل: العزم عليهما معًا، أي: على الوطء وعلى الإمساك.
قال ابن الحاجب: والعود في الموطأ العزم على الوطء والإمساك معًا، وفي المدونة: على الوطء خاصة، وروي على الإمساك خاصة (6).
قوله: (وعلى التأسيس (7) دون التأكيد).
ش: هذه (8) حقيقة ثامنة (9).
__________
(1) "هو" ساقطة من ط وز.
(2) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "مضرب".
(3) في ط وز: "وهن".
(4) في ط: "فيهن".
(5) في ز: "فقيل".
(6) انظر: الفروع لابن الحاجب ورقة 55/ أمخطوط بالخزانة العامة بالرباط رقم 887 د.
(7) في ز: "التأسي".
(8) في ز: "هذا".
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 113، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، شرح الكوكب المنير 1/ 297.
(2/370)

مثاله: قوله تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} (1).
قيل: هذه الألفاظ (2) الثلاثة (3) مترادفة، والمراد (4) جميعها (5): الكفر، والفسوق (6) والعصيان مؤكدان (7) للكفر.
وقيل: الفسوق ما دون الكفر من الكبائر، والعصيان هو: الصغائر، فكل واحد منها (8) مؤسس لمعنى غير الذي أسسه الآخر, فيقدم التأسيس على التأكيد؛ [لأن التأسيس يفيد زيادة معنى، والأصل في الخطاب الإفادة، وإفادة التأسيس تزيد على إفادة التأكيد] (9).
ومثال (10) هذا (11) أيضًا: قوله تعالى في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} من أول السورة إلى آخرها.
قال المؤلف في الشرح: هو تأسيس لا تأكيد، قال. وإنما قلنا: هو تأسيس لا تأكيد؛ لأن العرب لا تزيد (12) في التأكيد على (13) أكثر من
__________
(1) آية 7 سورة الحجرات.
(2) "الألفاظ" ساقطة من ز.
(3) في ط: "الثالثة" وهو تصحيف.
(4) في ط: "والمرادف" وهو تصحيف.
(5) في ط وز: "بجميعها".
(6) في ط: "فالفسوق".
(7) في ط: "ومؤكدان".
(8) في ط: "منهما".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) في ز: "ومثاله".
(11) "هذا" ساقطة من ز.
(12) في ز: "تزد".
(13) "على" ساقطة من ط.
(2/371)

ثلاث (1) مرات، فلا تأكيد (2) في السورة ألبتة؛ فإن قوله تبارك وتعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكمَا تُكَذِّبَانِ} يحمل في كل موضع على الذي يليه من قبله، ويكون التكذيب ذكر باعتبار ما قبل ذلك اللفظ خاصة، فلا تكرار في السورة أصلًا، فقوله تعالى (3) مثلًا: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (4) المراد بالآلاء ها هنا: خروج اللؤلؤ والمرجان خاصة، وهكذا تقول في كل موضع من أول السورة إلى آخرها. انتهى (5).
قال ابن قتيبة (6) في كتاب تأويل المشكل: ومثال هذا: قولك للرجل وقد أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه نعماءك وهو في ذلك ينكرك (7) ويكفرك:
__________
(1) في ط: "ثلاثة".
(2) في ط: "تكيد".
(3) في ز: "تبارك وتعالى".
(4) آية رقم 22، 23 سورة الرحمن.
(5) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 113.
(6) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ولد ببغداد سنة ثلاث عشرة ومائتين (213 ه) ونشأ بها وتأدب، وحدّث بها عن إسحاق بن راهويه، وأبي حاتم السجستاني، وكان ثقة فاضلاً عالمًا باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه، والشعر والفقه، تولى القضاء بمصر، توفي سنة 276 ه، من مصنفاته: "غريب القرآن"، "تأويل مشكل القرآن" "إعراب القرآن"، "تأويل مختلف الحديث"، "مشكل الحديث"، "أدب الكاتب"، "طبقات الشعراء".
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، 3/ 42 - 44، إنباه الرواة 2/ 143 - 147، تاريخ بغداد 10/ 170، شذرات الذهب 2/ 169، بغية الوعاة 2/ 63، طبقات النحويين للزبيدي ص 183.
(7) في ز: "ينكر لك".
(2/372)

ألم أبوئك منزلاً وأنت طريد، أفتنكر هذا؟ ألم أحملك وأنت راجل، أفتنكر هذا؟ ألم أحج بك وأنت صرورة (1)؟ أفتنكر هذا؟ انتهى (2).
قال المؤلف في الشرح: وكذلك القول في سورة {والمرسلات}، فقوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذّبِينَ} يرجع كل لفظ من ذلك إلى الذي يليه من قبله خاصة، فيكون الجميع تأسيسًا لا تأكيدًا (3).
قوله: (وعلى البقاء دون النسخ).
ش: هذه (4) حقيقة تاسعة (5)، وإنما قدم (6) البقاء على النسخ؛ لأن ما ثبت وجوده يجب استصحابه فلا يرفع بالنسخ إلا بدليل.
مثاله: قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَاً مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلًّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (7).
فحصر المحرم في هذه الأربعة يقتضي إباحة ما عداها، ومن جملة ما
__________
(1) في لسان العرب: رجل صرور وصرورة لم يحج قط، وهو المعروف في الكلام، وأصله من الصر: الحبس والمنع.
انظر: لسان العرب مادة: (صرر).
(2) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة في باب تكرار الكلام ص 239، 240.
(3) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 113.
(4) في ز: "هذا".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 113، شرح التنقيح للمسطاسي ص 47، شرح الكوكب المنير 1/ 298، 299.
(6) في ط وز: "يقدم".
(7) آية 145 من سورة الأنعام.
(2/373)

عداها السباع، وقد ورد النهي عنها في (1) قوله عليه السلام: "نهيت عن أكل كل (2) ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطيور" (3).
فاختلف العلماء في ذلك:
فمنهم (4) من قال: هذا الحديث (5) ناسخ للإباحة المضمنة (6) في الآية المذكورة.
ومنهم من قال: ليس بناسخ، فقوله في الحديث: "نهيت (7) عن أكل كل (8) ذي ناب من السباع"، الأكل مصدر أضيف إلى الفاعل دون المفعول،
__________
(1) في ز: "بقوله".
(2) "كل" ساقطة من ط.
(3) أخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير" كتاب الصيد، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، رقم الحديث 1934 (3/ 1534).
وأخرجه أبو داود عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السبع وعن كل ذي مخلب من الطير"، رقم الحديث العام 3803 (3/ 355).
وأخرجه أيضًا النسائي عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع كتاب الصيد، باب تحريم أكل السباع (7/ 200).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الصيد (2/ 1077).
وأخرجه الدارمي في كتاب الأضاحي، باب ما لا يؤكل من السباع (2/ 85).
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 114.
(5) في ط: "الحديد" وهو تصحيف.
(6) في ط: "المضمة".
(7) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "نهى".
(8) "كل" ساقطة من ط.
(2/374)

وهو الأصل في إضافة المصدر بنصر (1) النحاة، فيكون الخبر (2) مثل: قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} (3)، فيكون حكمها (4) واحدًا، هكذا (5) قال المؤلف في الشرح (6).
ولكن هذا الذي قاله (7) ضعيف في العربية؛ لأن المصدر كما يضاف إلى فاعله ويحذف مفعوله، كذلك يضاف إلى مفعوله ويحذف فاعله.
مثال إضافته إلى فاعله مع حذف مفعوله: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} (8).
ومثال إضافته إلى مفعوله مع (9) حذف فاعله: قوله تعالى: {لا يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ} (10) فلا ترجيح لأحد الوجهين على الآخر، وإنما محل الترجيح بين (11) إضافته إلى الفاعل أو المفعول (12)، فهو إذا ذكر الفاعل والمفعول معًا فها هنا ترجيح (13) إضافته إلى الفاعل؛ لأن رتبة (14) الفاعل
__________
(1) في ط: "بنصب".
(2) في ز: "الخبر أي الحديث".
(3) آية 3 من سورة المائدة.
(4) في ز: "حكمًا".
(5) في ط: "كذا".
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 114.
(7) بدأ المؤلف بالرد على قول القرافي السابق.
(8) آية 114 سورة التوبة.
(9) في ز: "وحذف".
(10) آية 49 سورة فصلت.
(11) في ط: "الترجيح، الترجيح بين إضافته".
(12) في ط وز: "والمفعول".
(13) في ط: "يترجح"، وفي ز: "ترجح".
(14) في ط: "مزية".
(2/375)

التقديم.
مثال إضافته إلى الفاعل: قوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ (1) اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} (2).
ومثال إضافته إلى المفعول: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (3).
ومنهم من قال: لا دليل في هذه الآية؛ لاحتمال أن تكون "من" بدلًا من الناس.
ومثاله (4) مضافًا إلى المفعول قول الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدنانير تنقاد الصياريف (5)
وزعم بعضهم: أن هذا القسم مخصوص بضرورة الشعر.
__________
(1) في ز: "دفاع".
(2) آية رقم 251 سورة البقرة.
(3) آية 97 سورة آل عمران.
(4) في ط: "وأمثاله".
(5) قائل هذا البيت هو الفرزدق، وفي المقتضب "الدراهيم" بدل الدنانير.
"الهاجرة": اشتداد الحر، "تنقاد" من نقد الدراهم وهو التمييز بين جيدها ورديئها، وصف ناقته بسرعة السير في الهواجر فيقول: إن يديها لشدة وقعها في الحصى ينفيانه فيقرع بعضه بعضًا ويسمع له صوت كصوت الدراهم إذا انتقدها الصيرفي.
انظر: ديوان الفرزدق ص 570، الكتاب 1/ 10، المقتضب للمبرد 2/ 256، خزانة الأدب 2/ 255، الخصائص 2/ 315، أمالي الشجري 1/ 221، الإنصاف 2/ 255، شرح التصريح 2/ 317.
(2/376)

قال المرادي: الصحيح جوازه في السعة (1)، ولكن هو قليل (2).
واعلم أن المصدر المضاف له خمسة أوجه:
أحدها: أن يضاف إلى الفاعل ويحذف المفعول، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} (3).
والثاني: أن يضاف إلى المفعول ويحذف الفاعل، كقوله تعالى: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} (4).
الثالث (5): أن يضاف إلى الفاعل وينصب مفعوله، كقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ (6) اللَّهِ النَّاسَ} (7).
الرابع (8): أن يضاف إلى مفعوله ويرفع فاعله، كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (9).
الخامس (10): أن يضاف إلى الظرف، ويرفع فاعله، وينصب مفعوله،
__________
(1) في ط: "التسعة".
(2) انظر: شرح الألفية للمرادي 3/ 12، 13.
(3) آية 114 سورة التوبة.
(4) آية رقم 49 من سورة فصلت.
(5) في ط وز: "والثالث".
(6) "دفاع" بكسر الدال وألف بعد الفاء، على قراءة نافع، والباقون: "دفع" بفتح الدال وإسكان الفاء من غير ألف.
انظر: التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو عثمان الداني ص 82.
(7) آية رقم 251 من سورة البقرة.
(8) في ط وز: "والرابع".
(9) آية رقم 97 سورة آل عمران.
(10) في ز: "والخامس".
(2/377)

كقولك: عجبت من انتظار يوم الجمعة زيد عمرًا.
قوله: (وعلى الشرعي دون العقلي).
هذه (1) حقيقة عاشرة (2).
مثاله: قوله عليه السلام: "الاثنان فما فوقهما جماعة" (3).
فإن حملناه على أنه (4) حصل لهما الاجتماع فذلك معلوم بالعقل، وإن حملناه على أنهما حصل لهما فضيلة (5) الجماعة فذلك معلوم بالشرع، فهو: حكم شرعي وهو: أولى؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بُعث لبيان الشرعيات لا لبيان العقليات؛ لأنه (6) يستبد العقل بإدراكها.
قوله: (وعلى العرفي دون اللغوي).
__________
(1) في ز: "هذا".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 114، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 48.
(3) أخرجه ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اثنان فما فوقهما جماعة".
أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب الاثنان جماعة، رقم الحديث العام 972 (1/ 312).
وأخرجه أيضًا الدارقطني (1/ 280)، والبيهقي (3/ 69) في سننهما، وابن أبي شيبة في المصنف (2/ 531)، كلهم من طريق الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، والربيع ابن بدر متروك، ووالده وجده مجهولان.
انظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج، والمختصر للزركشي، ص 148.
(4) في ز: "أنهما".
(5) في ط: "فضل".
(6) في ط وز: "لأن العقليات".
(2/378)

ش: هذه (1) الحقيقة الحادية عشرة (2).
إنما يقدم (3) العرف على اللغة؛ لأن العرف ناسخ للغة، فالناسخ مقدم على المنسوخ، والعرف على ضربين:
عرف شرعي، وعرف عامي.
مثال الشرعي (4): قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة بغير (5) طهور" فإن حملناه على اللغوي، الذي هو: الدعاء لزم منه توقف قبول الدعاء على الطهارة ولا قائل به، فيحمل على الصلاة في عرف الشرع، وهي: العبادة المخصوصة بركوع وسجود، فيستقيم المعنى (6)؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بُعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف موضوعات اللغة.
وركبوا على هذا المبنى (7) [فروعًا (8) وهي] (8):
من حلف ليطأن جاريته (9) فوطئها حائضًا ففي حنثه قولان:
من حمل الوطء على الشرعي قال: هو حانث؛ لأنه لم يأت بالوطء
__________
(1) في ز: "هذا هو الحقيقة".
(2) هذا هو الأولى، وفي الأصل وز وط: "عشر".
(3) في ز: "قدم".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 114، شرح التنقيح للمسطاسي ص 48، شرح الكوكب المنير 1/ 299، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 123.
(5) في ط: "إلا".
(6) "المعنى" ساقطة من ط وز.
(7) "المبنى" ساقطة من ط.
(8) المثبت من بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل وط: "فرعًا وهو".
(9) في ز: "جارية".
(2/379)

الشرعي (1) عاص بهذا الوطء.
ومن حمل على الوطء اللغوي، قال: هو غير حانث؛ لأنه أتى بالوطء اللغوي.
وكذلك عكس هذا الفرع: وهو إذا حلف ليطأن جاريته فوجدها حائضًا ولم يطأها ففيها (2) قولان أيضًا (3):
قيل: لا يحنث لعدم إمكان الوطء الشرعي (4).
وقيل: يحنث لإمكان الوطء اللغوي، وهو لم يفعله.
و (5) قال ابن الحاجب: ولو حلف ليطأنها فوجدها حائضًا: فقولان (6).
ولو وطئها (7) ففيه (8) قولان (9) [أيضًا:
قيل: لا يحنث لعدم إمكان الوطء الشرعي.
وقيل: يحنث لإمكان الوطء اللغوي (10)] (11).
__________
(1) في ز: "بوطء شرعي لأنه عاص ... "، وفي ط: "بالوطء الشرعي لأنه عاص".
(2) في ز: "ففي حنثه".
(3) "أيضًا" ساقطة من ز.
(4) "الشرعي" ساقطة من ز.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) في ط: "قولان".
(7) في ز: "ولو وطئ".
(8) "ففيه" ساقطة من ط وز.
(9) في ط وز: "فقولان"
(10) انظر: الفروع لابن الحاجب ورقة 37/ ب مخطوط بالمكتبة العامة بالرباط رقم د 887.
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(2/380)

ومثال العرف العامي (1): إذا قال واحد من العوام لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار بفتح همزة "أن"، فهو في عرف العامة: [تعليق] (2)، فلا ينجز الطلاق [بدون الدخول؛ إذ لا فرق عند العوام بين فتح الهمزة وكسرها؛ لأنهم لا يلتزمون موضوعات اللغة] (3).
وأما في عرف اللغة: فينجز الطلاق عليه؛ لأن "أنْ" بفتح (4) الهمزة لا تعليق فيها، وإنما هو علة حصلت، ولو نطق بهذا الكلام نحوي لكان من أهل اللغة، فيحمل كلامه على المقتضى (5) اللغوي؛ لأنه خرج عن العرف.
قوله: (إِلا أن يدل دليل (6) على خلاف ذلك؛ لأن جميع ما ادعينا (7) تقديمه (8) ترجح عند العقل احتمال وقوعه على ما يقابله، والعمل بالراجح متعين).
ش: يعني أن تقديم الحقائق المتقدمة كلها على مقابلاتها [إنما ذلك إذا لم توجد قرينة حالية، أو مقالية تدل على (9) مقابلاتها] (10)، أما (11) إن كانت
__________
(1) في ز: "العام".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "متعلق".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) في ط: "ينفتح".
(5) في ز: "على مقتضى اللغة".
(6) في ط: "الدليل".
(7) في أ: "ما ادعيناه".
(8) في ط: "تقديمه من الألفاظ ... " إلخ.
(9) في ز: "على تقديم مقابلاتها".
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(11) في ط: "وأما".
(2/381)

هنالك قرينة تدل على تقديم مقابلاتها؛ فإنها تقدم على الحقائق المحكوم عليها أولاً (1) بالتقديم.
كقولك مثلًا: رأيت أسدًا يلعب بسيفه، [فيقدم المجاز على الحقيقة في هذا الكلام؛ لوجود قرينة ترجحه (2) على الحقيقة، والقرينة هي: قولك: يلعب بسيفه] (3).
قوله: (إِلا أن يدل دليل على خلاف ذلك) الإشارة عائدة (4) إلى جميع الحقائق المقدمات (5) على غيرها.
قوله: (والعمل بالراجح متعين).
يعني: أن العمل بالراجح لازم شرعًا وعقلاً وطبعًا.
أما قولنا: شرعًا فدليله: قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكم مِّن رَبِكُم} (6).
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (7)، فالأحسن هو (8) الأقوى (9) والأرجح في
__________
(1) في ط: "ولا".
(2) في ز: "رجحته".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) "عائدة" ساقطة من ط، وفي ز: "راجعة".
(5) في ز: "المقدمة".
(6) آية 55 من سورة الزمر.
(7) آية رقم 18 من سورة الزمر.
(8) "هو" ساقطة من ز.
(9) في ز: "والأقوى".
(2/382)

الاعتبار.
وأما قولنا: عقلاً فدليله (1): أنا نجد ذلك من أنفسنا (2) مركوزًا في فطرنا (3).
وأما قولنا: طبعًا، فدليله: أن البهائم التي لا تعقل إذا رأت ما هو مضر لها فرّت منه (4)؛ لأن فرارها مظنة السلامة منه وثبوتها مظنة [الضرر] (5)، ومظنة السلامة أرجح فعملت بالراجح، وبالله التوفيق بمنه.
قوله: (فروع أربعة: الأول يجوز عند المالكية والشافعي (6)، وجماعة من أصحابه: استعمال اللفظ في حقائقه إِن كان مشتركًا، أو مجازاته، أو مجازه (7) وحقيقته (8)، ويشترط فيه دليل يدل على وقوعه).
ش: هذا هو المطلب الثاني من مطلبي الباب.
قال المؤلف في الشرح: أريد بقولي: وجماعة من أصحابه: أصحاب (9)
__________
(1) في ز: "فدليلنا".
(2) في ط: "في نفوسنا".
(3) في ز: "فطرتنا".
(4) "منه" ساقطة من ز.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل وط: "الضرورة".
(6) في ز: "والشافعية".
(7) "أو مجازه" ساقطة من ط.
(8) في أوخ وز وش وط: "وحقيقته خلافًا لقوم".
(9) "أصحاب" ساقطة من ط.
(2/383)

مالك، وسبق (1) القلم إلى المالكية، وصوابه: يجوز عند مالك والشافعي وجماعة من أصحاب مالك (2).
ذكر المؤلف (3) [ثلاث] (4) مسائل بالجواز عند مالك، والشافعي، وجماعة من أصحاب مالك:
المسألة الأولى: استعمال اللفظ المشترك في مجموع معانيه نحو: القرء في الطهر والحيض، والجون في الأسود والأبيض (5)، ولفظ العين للباصرة (6) والفوارة (7)، وإلى هذه المسألة أشار المؤلف بقوله: (استعمال (8) اللفظ في حقائقه إِن كان مشتركًا).
المسألة الثانية: استعمال اللفظ في مجموع مجازاته، نحو: استعمال لفظ البحر في العالم والسخي، وإلى هذه المسألة أشار المؤلف بقوله: (أو مجازاته).
المسألة الثالثة: استعمال اللفظ في مجموع حقيقته ومجازه، نحو: استعمال لفظ الغزالة في مجموع الحيوان المعلوم والمرأة الجميلة، وإلى
__________
(1) في ز: "فسبق".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 118، شرح التنقيح للمسطاسي ص 48.
(3) في ز وط: "وذكر المؤلف في هذا الفرع ... " إلخ.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل وط: "ثلاثة".
(5) في ز: "الجون للأبيض والأسود".
(6) في ط: "الباصرة".
(7) في ط وز: "والفوارة مثلًا".
(8) في ز: "يجوز استعمال".
(2/384)

هذه المسألة الثالثة أشار المؤلف بقوله (1): (أو مجازه وحقيقته).
قوله: (خلافًا لقوم) راجع إلى المسائل [الثلاث] (2)، وذلك أن العلماء اختلفوا في استعمال اللفظ المشترك في معنييه الحقيقيين (3)، أو مجازيه أو في (4) حقيقته ومجازه معًا:
فقيل: بالجواز.
وقيل: بالمنع.
فإذا قلنا بجوازه، هل ذلك الاستعمال مجاز؟
وهو الذي نقله المؤلف هنا (5) عن مالك، والشافعي (6)، وجماعة من أصحاب مالك.
أو ذلك (7) الاستعمال حقيقة، وهو مذهب القاضي الباقلاني (8)، وجماعة
__________
(1) "بقوله" ساقطة من ط.
(2) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "الثلاثة".
(3) في ط وز: "الحقيقتين".
(4) "في" ساقطة من ز.
(5) في ط: "ها هنا".
(6) مذهب الشافعي رضي الله عنه: جواز الاستعمال حقيقة.
انظر: شرح المحلي على متن جمع الجوامع 1/ 295، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 123.
ويقول القرافي مبينًا مذهب الشافعي: ولعل الشافعي رضي الله عنه يريد بأنه حقيقة أنه في كل فرد على حياله لا في الجميع، فلما كان مشتملاً على الحقيقة من حيث الجملة سماه حقيقة توسعًا.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 116.
(7) في ط: "وذلك".
(8) انظر: المصادر السابقة.
(2/385)

من المعتزلة كالقاضي عبد الجبار (1)، وغيره.
وإذا قلنا بمنع استعماله:
فقيل: يمنع ولا يستعمل حقيقة (2) ولا مجازًا، ويجوز (3) إرادة، أي: يجوز (4) استعماله بالنظر إلى إرادة المتكلم لا بالنظر إلى اللغة؛ لأن لكل (5) متكلم أن يريد (6) بلفظه ما شاء، قاله الغزالي (7) وأبو الحسن (8) البصري (9).
وقيل: لا يجوز استعماله أصلاً لا حقيقة، ولا مجازًا، ولا إرادة، قاله
__________
(1) هو القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمذاني، سمع من إبراهيم القزويني، وعبد الله بن جعفر الأصبهاني، وعبد الرحمن ابن حمدان الجلاب، وكان معتزليًا في الأصول وشافعيًا في الفروع، وله ذكر شائع بين الأصوليين، ولي القضاء بالري، ورحل إلى بغداد وحدّث بها، واستقر بالري مواظبًا على التدريس، توفي سنة (415 ه)، من مصنفاته: "النهاية في أصول الفقه"، "العمد وشرحه" في أصول الفقه.
انظر: تاريخ بغداد 11/ 113، 114، شذرات الذهب 3/ 202، الطبقات الكبرى للسبكي، تحقيق الطناحي والحلو 5/ 97، مرآة الجنان لليافعي 3/ 29، ميزان الاعتدال 2/ 533، طبقات المعتزلة ص 118 - 121.
(2) في ط وز: "لا حقيقته".
(3) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "أو يجوز".
(4) في ط: "ويجوز".
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "كل".
(6) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "متكلم يريد".
(7) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 196، نهاية السول وحواشيه 2/ 124، الإحكام للآمدي 2/ 242.
(8) المثبت من ز، وفي الأصل: "والحسن البصري"، وفي ط: "وأبو إسحاق البصري" وهو وهم من الناسخ، والصواب أبو الحسين البصري.
(9) انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري 1/ 17، والمصادر السابقة.
(2/386)

جماعة من المالكية، وجماعة من المعتزلة.
قوله: (يجوز استعمال اللفظ في حقائقه).
قال سيف الدين (1): يشترط في هذا الاستعمال الذي هو (2) محل الخلاف شروط:
أن يكون اللفظ من متكلم واحد في وقت واحد.
وأن (3) يمكن الجمع بين المعنيين وإن (4) لم تكن الفائدة فيهما واحدة (5).
فقولنا (6) في القيد الأول: أن يكون المتكلم واحدًا: احترازًا من المتكلمين؛ فإنه يجوز لأحدهما أن يستعمل المشترك في أحد معنييه (7)، ويستعمله الآخر في المعنى الآخر بإجماع.
وقولنا: في وقت واحد (8): احترازًا [مما] (9) إذا (10) استعمل (11) المتكلم
__________
(1) في ز: "سيف الدين الآمدي".
(2) "هو" ساقطة من ط.
(3) المثبت من ز، ولم ترد "أن" في الأصل وط.
(4) المثبت من ط، ولم ترد "إن" في الأصل وز.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 242.
ويقول المسطاسي (ص 48): "محل النزاع بما اجتمعت فيه هذه القيود".
(6) بدأ المؤلف بشرح كلام الآمدي نقلاً من شرح التنقيح للقرافي ص 115.
وفي ز: "فقوله".
(7) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "معنيه".
(8) في ز: "وقولنا في وقت واحد في القيد الثاني"، وفي ط: "وقولنا في القيد الثاني في وقت واحد".
(9) المثبت بين المعقوفتين من ط، وفي الأصل وز: "من".
(10) في ز: "أن".
(11) في ز: "يستعمل".
(2/387)

اللفظ المشترك في أحد معنييه (1) في وقت، ثم استعمله (2) في وقت آخر في معنى آخر فإنه يجوز بإجماع (3).
قال المؤلف في الشرح: وبهذا يظهر لك بطلان استدلال الحنفية على أن المراد بقوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (4): الحيض بقوله عليه السلام: "اتركي (5) الصلاة أيام أقرائك"؛ إذ معناه: أيام حيضك (6) باتفاق (7).
ولا دليل لهم في هذا على أن (8) المراد بالآية (9) المذكورة: الحيض (10)؛ لعدم
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "معنيه".
(2) في ز: "ثم يستعمله".
(3) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 115. وذكر المسطاسي قيودًا أخرى وهي:
قوله: "اللفظ الواحد" احترازًا من اللفظين، فإنه يصح أن يريد بهما معنيين إجماعًا.
قوله: "إذا كان مشتركًا" احترازًا من إطلاق اللفظ المشترك بين معنيين مختلفين، والمقصود به أمر مشترك بينهما، كإطلاق لفظ القرء والمراد به معنى الجمع أو الانتقال أو الوقت دون غيره، فإن هذه جائزة إجماعًا.
قوله: "أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ولم تكن الفائدة فيهما واحدة" احترازًا من قوله: افعل كذا عند منكري الصيغة؛ فإنها مترددة عندهم بين الإيجاب، والندب، والإباحة، فلا يجوز أن يريد باللفظ جميعها إجماعًا لما فيه من الجمع بين النقيضين. اه بتصرف من شرح التنقيح للمسطاسي ص 48.
(4) آية 228 سورة البقرة.
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "اترك".
(6) في ز: "حيضتك".
(7) في ط: "إذ معناه أيام أقرائك؛ إذ معناه أيام حيضك باتفاق".
(8) المثبت من ز، ولم ترد "أن" في الأصل وط.
(9) في ز "في الآية".
(10) المثبت من ز، ولم ترد "الحيض" في الأصل وط.
(2/388)

اتحاد (1) المتكلم ولعدم اتحاد الوقت، لأن المتكلم بالآية هو: الله تعالى، والمتكلم بالحديث المذكور هو: النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أيضًا ورد في وقتين، وإنما قلنا: لا دليل لهم على تفسير الآية بالحديث المذكور؛ لأن المتكلم الأول قد يريد الطهر، والمتكلم الثاني قد (2) يريد الحيض (3) [ولم تكن الفائدة فيهما واحدة] (4).
[وقولنا: في القيد الثالث (5): يمكن الجمع بينهما، احترازًا من استعمال المشترك مثلاً في معاني لا يمكن الجمع بينها، كاستعمال لفظ الأمر نحو: افعل، في الإيجاب والندب معًا، لا يجوز (6) إجماعًا؛ لأنه جمع (7) بين الضدين.
مثال ما يمكن الجمع بين معنييه: كما إذا حمل النكاح المذكور في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (8) على عقد الأب ووطئه معًا.
وقولنا في القيد الرابع: ولم تكن الفائدة فيهما واحدة احترازًا من اللفظ المشترك إذا أريد به أمر مشترك بين معنييه.
__________
(1) في ط: "إيجاد".
(2) "قد" ساقطة من ط وز.
(3) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 115.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(5) في ز: "والقيد الثالث: هو قولنا".
(6) في ط: "فلا يجوز".
(7) في ط: "جميع".
(8) آية رقم 22 من سورة النساء.
(2/389)

مثاله: إذا أريد بلفظ: "القرء" معنى الجمع، أو الوقت، أو الانتقال، دون غيره فإنه جائز إجماعًا، وإنما الخلاف فيما (1) إذا أريد خصوص كل واحد من المعنيين (2)] (3).
قوله: (ويشترط فيه دليل يدل على وقوعه).
ش: أي: لا بد في هذا الاستعمال من دليل من (4) اللغة يدل على وجود هذا الاستعمال في اللغة، وهذا الدليل ذكره المؤلف في قوله: [لنا قوله] (5) تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} (6).
قوله: (وهذا الفرع مبني على قاعدة، وهي: أن المجاز على (7) ثلاثة أقسام: جائز (8) إِجماعًا وهو: ما اتحد محمله وقربت علاقته, وممتنع إِجماعًا، وهو: مجاز التعقيد, وهو: ما افتقر إِلى علاقات كثيرة نحو قول القائل: تزوجت بنت الأمير، ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة، معتمدًا على أن النكاح (9) ملازم للعقد الذي هو ملازم للعاقد الذي هو ملازم لأبيه، ومجاز مختلف فيه وهو الجمع بين حقيقتين أو مجازين، أو
__________
(1) "فيما" ساقطة من ط.
(2) في ط: "من المعنيين مقام".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط , ولم يرد في الأصل، ويلاحظ تقدم القيد الرابع على الثالث في ط.
(4) في ز: "في اللغة".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) آية 56 سورة الأحزاب، وانظر شرح التنقيح للقرافي في ص 115.
(7) "على" ساقطة من أوخ وش.
(8) في ز: "قسم جائز".
(9) المثبت من أوخ وز وش وط، وفي الأصل: "الناكح".
(2/390)

مجاز وحقيقة, فإِن الجمع بين حقيقتين مجاز وكذلك الباقي (1)؛ لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو مجاز فيه، فنحن والشافعي (2) نقول بهذا المجاز وغيرنا لا يقول به).
ش: قوله: (وهذا الفرع مبني على قاعدة) معناه: وهذا الفرع الذي هو محل الخلاف يظهر من هذه القاعدة التي هي تنويع المجاز إلى ثلاثة أقسام وهي:
جائز باتفاق.
وممنوع باتفاق.
ومختلف فيه.
فالمجاز الذي هو جائز باتفاق فسره المؤلف بقوله: (وهو ما اتحد محمله وقربت علاقته (3)).
قوله: (ما اتحد محمله) أي: اتحد مدلوله، أي لم يتعدد مدلوله؛ كالأسد للرجل الشجاع، احترازًا من القسم الثالث؛ لأن مدلوله متعدد لا متحد، وهو: استعمال اللفظ في حقائقه, أو في (4) مجازاته أو في حقيقته ومجازه، وهو: القسم (5) الثالث المختلف فيه.
__________
(1) في ش: "الناي".
(2) في ش: "والشافعية".
(3) في ط: "علاقة".
(4) في ط: "وفي".
(5) "القسم" ساقطة من ط.
(2/391)

ومعنى (1) قوله: (وقربت علاقته) أي: قرب فهم علاقته، أي (2) فهمت (3) ملازمته ومناسبته، احترازًا من القسم الثاني؛ لأن علاقته بعدت عن الفهم.
مثال هذا القسم: الأسد للرجل الشجاع؛ لأن مدلوله واحد (4) وهو الرجل الشجاع، وعلاقته مفهومة (5) فلا خلاف في جواز هذا القسم.
قوله: (وممتنع إِجماعًا) هذا (6) القسم الثاني يسمى عندهم بمجاز التعقيد [لكثرة عقداته وعلاقاته (7)، وهو ما تعدد محمله وبعدت علاقاته (8)، وسمي بمجاز التعقيد] (9)، مأخوذ من العقد، وهو الربط؛ لأنه يصعب فهمه كما يصعب حل (10) المعقود (11) و (12) المربوط في المحسوسات.
وفسره المؤلف بقوله: (وهو ما افتقر إِلى علاقات كثيرة نحو قول
__________
(1) "ومعنى" ساقطة من ط وز.
(2) في ط وز: "معناه".
(3) في ط: "فيمت".
(4) "واحد" ساقطة من ط.
(5) في ط وز: "مفهومة وهي الشجاعة".
(6) في ط: "قوله هذا ... " إلخ.
(7) في ط: "وعلاقته".
(8) في ط: "علاقته".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) في ز: "حال".
(11) "المعقود" ساقطة من ز، وفي ط: "المعقود للأنكحة".
(12) "الواو" ساقطة من ز.
(2/392)

القائل: تزوجت بنت الأمير).
ش: معناه: رأيت والد العاقد للأنكحة، فأطلق التزويج على الرؤية، وأطلق البنت على الوالد، وأطلق الأمير على العاقد، فالعلاقة بين التزويج والرؤية: الملابسة، لأن الزوج لا بد أن يلابس الزوجة كما أن الرائي (1) يلابس المرئي، والعلاقة بين البنت والوالد: الولادة، والعلاقة بين الأمير والعاقد: الولاية، فهذه ثلاث (2) علاقات أي ثلاث (3) ملازمات كلها بعيدة عن الفهم وليست بقريبة.
قوله: (ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة) أي: يفسر (4) معنى تزويجه لبنت الأمير برؤيته واجتماعه مع والد المقدم من جهة الأمير، كالقاضي مثلاً على عقد الأنكحة بالمدينة.
قوله: (معتمدًا على أن النكاح (5) ملازم للعقد الذي هو ملازم للعاقد الذي هو ملازم لأبيه).
معناه: معتمدًا في إطلاق هذا المجاز على أن نكاح بنت الأمير ملازم للعقد؛ إذ العقد من لوازم (6) النكاح؛ لأنه [سببه] (7) المبيح له، والعقد ملازم
__________
(1) في ز: "لا بد أن يلابس".
(2) في ط: "ثلاثة".
(3) في ط: "ثلاثة".
(4) في ط: "ويفسر".
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "الناكح".
(6) في ط: "ملازم".
(7) المثبت من "ز" وفي الأصل "سبب" وفي ط "لا سبب".
(2/393)

للعاقد (1)؛ لأن العقد من لوازم العاقد؛ لأنه فاعله، والعاقد ملازم لأبيه؛ لأن أباه مولده (2)، فقد رأى الأب واجتمع معه، فقد تجوز هذا الناطق بهذا الكلام بإطلاق التزويج على الرؤية، واعتمد في هذا التجوز (3) على نسبة مركبة من ثلاث علاقات، والعرب لا تجيز (4) مثل هذا، وإنما منع (5) هذا (6) لبُعد (7) علاقته؛ إذ من شرط العلاقة: [أن يكون لها] (8) اختصاص وشهرة، ولا يكفي (9) فيها مجرد (10) الارتباط كيفما كان؛ ولأجل ذلك قال المؤلف: هو (11) ممتنع إجماعًا.
قوله: (ومجاز مختلف فيه) هذا هو القسم الثالث وهو: ما تعدد محمله وقربت علاقته.
قوله: (وهو: الجمع بين حقيقتين, أو مجازين، أو مجاز وحقيقة، فإِن الجمع بين حقيقتين مجاز، وكذلك الباقي؛ لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو: مجاز فيه).
__________
(1) في ط: "العاقد".
(2) في ط: "مولود"، وفي ز: "والده".
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "التزويج".
(4) في ط: "لا تجز".
(5) في ز: "امتنع".
(6) "هذا" ساقطة من ز.
(7) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "البعد".
(8) المثبت بين المعقوفتين من ط وز, ولم يرد في الأصل.
(9) في ط وز: "يكتفى".
(10) في ط وز: "بمجرد".
(11) "هو" ساقطة من ز.
(2/394)

يعني بقوله: (الجمع بين حقيقتين) أن يجمع اللفظ بين المعنيين في الإرادة.
وأراد بقوله: (وكذلك الباقي): الجمع بين المجازين، والجمع بين مجاز وحقيقة في الإرادة.
قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع)، هذا دليل على أن استعمال اللفظ في المسائل الثلاث (1) مجاز؛ وذلك (2) أن اللفظ لم تضعه العرب للمجموع، أي: لم تضعه (3) لمجموع المعاني، فإذا استعمل اللفظ في المجموع الذي لم يوضع له فهو: مجاز؛ لأنه لفظ مستعمل في غير ما وضع له.
قوله: (فهو مجاز فيه) أي: فهو مجاز في المجموع.
قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع):
أما بالنسبة إلى الحقيقتين فلم يوضع لمجموعهما، وإنما وضع لكل واحد (4) منهما على البدلية دون الاجتماعية، وأما بالنسبة إلى المجازين فلم يوضع لمجموعهما أيضًا، ولا وضع لأحدهما، بل وضع لغيرهما.
وأما بالنسبة إلى الحقيقة والمجاز فلم يوضع لمجموعهما أيضًا، وإنما وضع للحقيقة دون المجاز.
قوله: (فنحن والشافعي نقول بهذا المجاز وغيرنا لا يقول به).
__________
(1) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "الثلاثة".
(2) في ط: "وكذلك".
(3) في ط: "لم تضعه العرب".
(4) الصواب: "واحدة".
(2/395)

هذا تكرار لقوله: (أو لا يجوز (1) عند المالكية (2)، والشافعي، وجماعة من أصحابه استعمال اللفظ في حقائقه ...) إلى آخره.
إنما (3) كرره المؤلف ليركب عليه الدليل على جوازه وهو قوله: (لنا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} (4)) (5) فقد استعمل لفظ الصلاة في هذه الآية الكريمة في مجموع المعنيين: وهما الدعاء والإحسان.
قال بعضهم: لا دليل على ذلك في هذه الآية؛ لأنه يحتمل أن يكون في الكلام إضمار تقديره: إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون عليه (6)، فيكون هذا من باب حذف الأوائل لدلالة الأواخر (7).
ويحتمل وجه آخر في الآية وهو: أن يكون المراد بالصلاة في الآية أمرًا يشترك (8) فيه المعنيان اللذان هما الدعاء والإحسان (9) وهو العناية بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - (10)، وإظهار شأنه، وشرفه، فيكون لفظ الصلاة على هذا متواطئًا
__________
(1) في ط: "ولا يجوز".
(2) في ز: "عند مالك".
(3) في ز: "وإنما".
(4) آية 56 من سورة الأحزاب.
(5) في أوخ وش: "لنا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}: والصلاة من الملائكة الدعاء، ومن الله الإحسان فقد استعمل المعنيين".
(6) في ز: "على النبي".
(7) في ز: "الأواخر عليه".
(8) في ز: "اشترك".
(9) انظر هذا الكلام بمعناه في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 49.
(10) في ز وط: "عليه السلام".
(2/396)

لا مشتركًا.
قال المؤلف: عادة جماعة تفسير الصلاة من الله بالرحمة وذلك مستحيل؛ لأن (1) الرحمة رقة في الطبع، وذلك مستحيل في حق الله تعالى (2)، فلذلك فسرتها بالإحسان؛ لأنه ممكن في حق الله تعالى (3).
قال بعضهم: هذا وهم من المؤلف - رحمه الله تعالى (4) -؛ لأنه ورد الإذن في تسمية الله تعالى (5) بالرحمن الرحيم (6).
وأيضًا الرقة في الطبع إنما تلحق من له الطبع، والله تبارك وتعالى منزه عن ذلك.
ولنا دليل (7) آخر على جواز الاستعمال المذكور وهو: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} (8)، فاستعمل لفظ السجود في وضع الجبهة على الأرض وهو حقيقة
__________
(1) في ز: "فإن".
(2) "تعالى" لم ترد في ط.
(3) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 118.
وتأويل الرحمة بالإحسان مذهب الأشاعرة، وأما مذهب أهل السنة فهو إثبات صفة الرحمة بدون تأويل ولا تعطيل.
(4) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(5) "تعالى" لم ترد في ط.
(6) ذكر هذا الاستدراك بمعناه المسطاسي في شرح التنقيح ص 49.
(7) في ز: "ولنا وجه".
(8) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [آية 18 سورة الحج].
(2/397)

و (1) في الخضوع وهو مجاز (2).
وقال بعضهم: لا دليل في هذه الآية أيضًا على جواز ذلك الاستعمال؛ لأن الآية تحتمل الإضمار تقديره: ويسجد كثير من الناس (3).
ولنا دليل آخر على جواز الاستعمال المذكور وهو: قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (4)، فمحاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (5) حقيقة ومحاربة الله تعالى مجاز (6).
وقال بعضهم أيضًا: لا دليل في هذه الآية على ذلك (7)؛ لأن الآية (8) تحتمل الإضمار تقديره: يحاربون (9) أولياء الله، وهذه الآيات الثلاث (10) لا دليل فيها لوجهين:
أحدهما: احتمال الإضمار كما تقدم.
والثاني (11): إرادة القدر المشترك؛ فالمراد بالصلاة في الآية الأولى: مطلق الإحسان، والمراد بالسجود في الآية الثانية: مطلق الخضوع، والمراد
__________
(1) "الواو" من ط وز، ولم ترد فى الأصل.
(2) انظر وجه الاستدلال من الآية في شرح التنقيح للمسطاسي ص 49.
(3) ذكر هذا الجواب المسطاسي في شرح التنقيح ص 49.
(4) آية 33 من سورة المائدة.
(5) في ط وز: "الرسول عليه السلام".
(6) انظر وجه الاستدلال في المصدر السابق ص 49.
(7) في ز: "على جواز الاستعمال المذكور".
(8) في ز: "لأن الآية أيضًا".
(9) انظر هذا الجواب في المصدر السابق ص 49.
(10) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الثلاث الآيات".
(11) في ط وز: "والوجه الثاني".
(2/398)

بالمحاربة في الآية الثالثة: مطلق المخالفة (1).
ذكر المؤلف دليلين لمسألتين: [أحدهما: دليل على جواز الاستعمال وهو هذه الآية المذكورة، والدليل الآخر دليل على أن (2) ذلك الاستعمال مجاز لا حقيقة] (3)، وهو قوله: (لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو مجاز فيه)، ولكن لو قدم دليل الجواز [وأخر دليل المجاز (4)] (5) لكان أحسن؛ لأن المجاز ثان عن (6) الجواز.
قوله: (احتجوا بأنه يمتنع (7) استعماله حقيقةً لعدم الوضع ومجازًا؛ لأن العرب (8) لم تجزه (9)).
ش: هذه (10) حجة المانعين من استعمال اللفظ في حقيقتيه، أو مجازيه، أو حقيقته ومجازه.
بيان (11) هذه الحجة أن ذلك الاستعمال لا يخلو من أن يكون حقيقة، أو
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 49.
(2) في ز: "على كون ذلك".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) المثبت من ط وفي الأصل: "الجواز".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "على الجواز".
(7) في ز: "يمنع".
(8) في أ: "لأن العرف لم يجزه".
(9) في أوخ وش: "لم تجزه الجواب منع الثاني".
(10) في ز: "هذا".
(11) في ز: "وبيان".
(2/399)

مجازًا، وأيًا ما كان: فباطل، أما كونه لا يصح أن يكون حقيقة؛ فلأن اللفظ [لم يوضع] (1) للمجموع - كما تقدم -، وأما كونه لا يصح أن يكون مجازًا؛ فلأن العرب لم تجزه.
قوله: (والجواب منع الثاني).
ش: هذا جواب عن دليل المانعين المذكور (2)، معناه: أن قولكم (3): لم تجز (4) العرب هذا المجاز لم يصح (5)، بل جوزت العرب هذا المجاز.
دليله: الآية المتقدمة وهي: قوله تعالى (6): {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} (7)، وقوله تعالى (8): {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} (9)؛ لأن السجود في هذه الآية الكريمة قد (10) استعمل في وضع الجبهة على الأرض بالنسبة إلى الناس، وفي الانقياد بالنسبة إلى غيرهم (11)؛ لأن السجود في حق الناس مخالف
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(2) في ط: "المذكورين".
(3) في ط وز: "قولهم".
(4) في ط: "لم تجزه".
(5) في ط: "لا يص".
(6) "تعالى" لم ترد في ط.
(7) آية رقم 56 من سورة الأحزاب.
(8) في ط: "تعالى أيضًا".
(9) آية 18 من سورة الحج.
(10) في ط: "قال".
(11) في ط وز: "غير الناس".
(2/400)

لسجود غير الناس.
وكذلك يدل على الجواز قوله تعالى: {يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (1).
قوله: (الثاني (2): إِذا تجرد المشترك عن القرائن كان مجملاً لا يتصرف فيه إِلا بدليل يعين أحد مسمياته (3)، وقال الشافعي: أحمله (4) على الجميع احتياطًا).
ش: هذا هو الفرع الثاني من الفروع الأربعة المذكورة (5)، وهذا الفرع مبني ومركب على الفرع الأول، ومعنى ذلك: أن اللفظ المشترك إذا جاز استعماله في جميع معانيه، فهل يجب حمله على جميع معانيه عند تجرده عن القرائن أم لا؟ فالفرع الأول من باب الاستعمال، والفرع الثاني من باب الحمل.
قوله: (كان مجملاً لا يتصرف فيه إِلا بدليل).
مثال ذلك: إذا قال القائل للمخاطب: انظر إلى العين، فالعين لفظ مشترك يطلق على الباصرة والفوارة، وعين الميزان، وعين الشمس، وعين الرحى، وعين الركبة، ونفس الشيء، وخيار الشيء، وغير ذلك، فإذا لم يكن (6) هنالك قرينة تبين مراد المتكلم، فيجب التوقف حتى يرد البيان كسائر
__________
(1) آية رقم [33 من سورة المائدة]، وفي ط وز: "وقوله تعالى: {يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [آية (22) سورة المجادلة] ولم ترد هذه الآية في الأصل.
(2) في خ وش: "الفرع الثاني".
(3) في أ: "مسماه".
(4) في ش: "حمله".
(5) "المذكورة" ساقطة من ط وز.
(6) في ط وز: "تكن".
(2/401)

المجملات.
وقال الشافعي (1) وكذلك القاضي الباقلاني (2): يجب حمله على جميع معانيه، فهو من باب العمومات لا من باب المجملات، وإنما حمله على جميع معانيه احتياطًا لمراد المتكلم؛ فإنه إذا قال (3): انظر إلى العين فنظر (4) إلى جميع معانيه لا يشك (5) في حصول مراد المتكلم، وأما إذا نظر إلى بعض المعاني دون البعض فربما (6) لا يكون البعض المنظور إليه مراد المتكلم (7).
ولكن قالوا: هذا الدليل الذي هو الاحتياط ضعيف؛ لأنه (8) كما يحصل مراد المتكلم بتحصيل جميع معانيه قد يحصل بذلك أيضًا غير مراده، كما إذا قال (9): انظر إلى العين فنظر إلى عين امرأته (10)، أو نظر إلى ذهبه (11) فربما لا
__________
(1) انظر نسبة هذا القول للإمام الشافعي في: البرهان للجويني مسألة رقم 246، 1 / ص 243، الإحكام للآمدي 2/ 242.
(2) بين الجويني في البرهان مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني فقال: وعظم نكير القاضي على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعًا، وقال في تحقيق إنكاره: اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على معنى وضعت له في أصل اللسان، وإنما تصير مجازًا إذا تجوز بها عن مقتضى الوضع، وتخيل الجمع بين الحقيقة والمجاز، كمحاولة الجمع بين النقيضين.
انظر: البرهان مسألة رقم 246 (1/ 344).
(3) في ط وز: "إذا قال له".
(4) في ط: "فينظر".
(5) في ط وز: "فلا يشك".
(6) "لا" ساقطة من ط.
(7) في ز: "للمتكلم".
(8) "لأنه" ساقطة من ط.
(9) في ط وز: "قال له".
(10) في ط وز: "زوجته".
(11) في ز: "ذهب"
(2/402)

يريد النظر إلى ذلك؛ لأنه قد يسوؤه ذلك ويحزنه، فراعى الشافعي - رحمه الله - جهة الاحتياط (1)، ولم يراع جهة أخرى، فالأولى التوقف حتى يرد البيان (2) كما قاله (3) الجمهور, فالاحتياط هو التوقف لئلا يقع الإقدام (4) في غير المراد (5).
قوله: (الثالث (6): إِذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح كلفظ الدابة (7) حقيقة مرجوحة في مطلق ما دب (8) مجاز راجح في الحمار، يحمل (9) على الحقيقة عند أبي حنيفة ترجيحًا للحقيقة على المجاز، وعلى المجاز الراجح عند أبي يوسف نظرًا إِلى الرجحان (10)، وتوقف الإِمام فخر الدين (11) نظرًا إِلى التعارض، (12) والأظهر (13) مذهب أبي يوسف؛
__________
(1) في ط وز: "من الاحتياط".
(2) في ط: "إلينا".
(3) في ط: "قال".
(4) في ط وز: "على".
(5) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 50.
(6) في خ وش: "الفرع الثالث".
(7) في ط: "الرابعة".
(8) في أوخ وط وز: "الدابة"، وفي ش: "والدابة".
(9) في أوخ وش وط: "فيحمل".
(10) في أوخ وش وز: "للرجحان".
(11) في ش: "وتوقف الإمام في ذلك كله للتعارض"، وفي ط: "وتوقف الإمام فخر الدين في ذلك للتعارض".
(12) في أوخ وش وط وز: "للتعارض".
(13) في ش: "والظاهر".
(2/403)

لأن (1) كل شيء قدم من الألفاظ، إِنما قدم لرجحانه، والتقدير: رجحان (2) المجاز فيجب المصير إِليه).
ش: مثال هذا الفرع قولك: أنت طالق إن لم تكن الدابة في الدار، من حمل الدابة على الحقيقة قال: لا تطلق إلا مع عدم كل ما اتصف بالدبيب، ومن حمله على المجاز الراجح، قال: لا تطلق إلا مع عدم الحمار خاصة.
قال المؤلف في الشرح: هذه المسألة مرجعها (3) إلى الحنفية، وقد سألتهم عنها ورأيتها مسطورة في كتبهم على ما أصف لك، قالوا: المجاز مع الحقيقة لا يخلو من أربعة أقسام:
إما أن يكون المجاز مرجوحًا لا يفهم إلا بقرينة.
مثاله: الأسد في الرجل الشجاع، و [كالحمار] (4) في الرجل البليد، فإن الحقيقة تقدم ها هنا إجماعًا.
القسم الثاني: أن يساوي المجاز الحقيقة في الاستعمال ولا راجح ولا مرجوح، فإن الحقيقة ها هنا (5) مقدمة أيضًا اتفاقًا بين أبي يوسف (6) وأبي
__________
(1) في أوخ وش: "فإن".
(2) في ز: "أي والموضوع رجحان".
(3) في ز: "نرجعها".
(4) المثبت من "ط" و"ز" وفي الأصل "كحمار".
(5) في ط: "لا ها هنا".
(6) هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبتة الأنصاري، ولد سنة (113 ه) وجالس أبا حنيفة، وقد سكن بغداد، وتولى القضاء بها في عهد ثلاثة من الخلفاء العباسيين وهم: المهدي والهادي وهارون الرشيد، وكان فقيهًا =
(2/404)

حنيفة؛ لأن الأصل (1) تقديم الحقيقة.
مثاله: لو حلف رجل لأنكح، فالنكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فيحنث بالعقد المجازي؛ لمساواته الحقيقة، هكذا قال المؤلف في الشرح (2).
ولكن الجاري على قوله تقدم الحقيقة ألا يحنث بالوطء؛ لأنه الحقيقة، فكلامه متناقض، أوله يقتضي: أنه يحنث (3) بالحقيقة وهو: الوطء، وآخر كلامه (4) يقتضي: أنه يحنث بالمجاز وهو: العقد (5).
و (6) أجيب عنه: بأن قوله: تقدم الحقيقة اتفاقًا (7)، يعني: عند الحنفية
__________
= حافظًا للأحاديث، عالمًا بالفقه، والتفسير، والسير، وأيام العرب، روى عنه محمد ابن الحسن الشيباني، وبشر بن الوليد الكندي، ويحيى بن معين، توفي رحمه الله سنة اثنتين وثمانين ومائة (182 ه) في بغداد.
انظر: تاريخ بغداد 14/ 242 - 262، البداية والنهاية 10/ 180، وفيات الأعيان 6/ 378، مرآة الجنان 1/ 388 - 389، النجوم الزاهرة 2/ 107 - 109.
(1) في ز: "لأن الأصل في الكلام".
(2) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 119، وانظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 50.
(3) "يحنث" ساقطة من ط.
(4) في ط: "وآخر كلامه قول الحنفية يقتضي".
(5) يقول المسطاسي في مناقشة كلام القرافي: وفيما قاله نظر من وجهين:
أحدهما: تمثيله المساوي بالنكاح بل أقول: إنه راجح بالعقل؛ لأنه المتبادر إلى الذهن، ولذلك هو الرجحان.
وثانيهما: قوله: حنث بالعقد والذي يجيء على ما قرره من مذهب القوم أنه إنما يحنث بالوطء؛ لأنه الحقيقة.
انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 50.
(6) "الواو" ساقطة من ط.
(7) في ز: "أيضًا".
(2/405)

دون غيرهم، بدليل قوله (1) في آخر كلامه: قول الحنفية تقدم الحقيقة على المجاز المساوي غير متجه، بل الحق إنما هو الوقف لأصل (2) الإجمال.
القسم الثالث: أن يكون المجاز راجحًا وتكون الحقيقة مماتة بالكلية؛ [فإن المجاز الراجح مقدم (3) ها هنا اتفاقًا، ويرجع أبو حنيفة إلى قول أبي يوسف ها هنا.
مثاله: لو حلف رجل ليأكل (4) من هذه النخلة، فاللفظ حقيقي في] (5) خشبتها (6)، مجاز راجح في ثمرتها (7)، وقد أميتت هذه الحقيقة؛ إذ لا يؤكل (8) خشبها (9) فلا يحنث عندهما إلا بالثمر (10).
القسم الرابع: أن يكون المجاز راجحًا وتكون الحقيقة متعاهدة في بعض الأوقات، فهذا محل (11) الخلاف، وهي (12): المراد بقول المؤلف ها هنا:
__________
(1) "قوله" ساقطة من ط.
(2) في ط وز: "لأجل".
(3) في ز: "يقدم".
(4) الصواب: "ليأكلن".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ط: "خشبها".
(7) في ط: "ثمرها".
(8) في ط وز: "لا يأكل أحد".
(9) في ز: "خشبتها".
(10) انظر هذا القسم في: شرح التنقيح للقرافي ص 119.
(11) في ط: "هو محل".
(12) في ز: "وهو".
(2/406)

الحقيقة المرجوحة: [يعني الحقيقة] (1) التي تتعاهد (2) في بعض الأوقات وهي: الحقيقة التي قلّ استعمالها.
مثاله: إذا حلف رجل: ليشربن (3) من النهر، فالشرب بفيه من النهر حقيقة، والشرب من الأداة: مجاز راجح؛ لأنه إذا غرف بالكوز وشرب (4)، فقد شرب من الكوز لا من النهر، لكن (5) المجاز الراجح المتبادر إلى الذهن، والحقيقة التي هي الشرب بفيه قد تراجع في بعض الأوقات، فإن بعض الرعاة وبعض أفراد الناس قد يكرع من النهر بفيه من غير أداة، فلا يبرأ من الحنث عند أبي حنيفة حتى (6) يشرب (7) بفيه (8) من غير أداة، تقديمًا للحقيقة على المجاز، ولا يبرأ (9) عند أبي يوسف [من الحنث] (10) حتى يشرب (11) من الأداة (12)، تقديمًا للمجاز الراجح، ولا يبرأ عنده إذا كرع بفيه (13).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ط: "تتعاد".
(3) في ط: "ليشترين" وهو تصحيف.
(4) في ز: "وشرب منه".
(5) في ط وز: "لكنه".
(6) "حتى" ساقطة من ط.
(7) في ط: "شرب".
(8) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "فيه".
(9) في ط: "ولا يبرأ من الحنث".
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(11) في ط: "شرب".
(12) في ز: "من الأدوات".
(13) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 120، وانظر أيضًا: شرح التنقيح للمسطاسي ص 51.
(2/407)

قال المؤلف في الشرح: فهذه (1) صورة المسألة، قال: وأما بيان وجه الحق فيها (2): فالرجحان هو: الموجب للتقديم (3)، وأما إذا تساوى الحقيقة مع المجاز فلا تقديم لعدم الرجحان، فقول الحنفية: تقدم الحقيقة على المجاز المساوي: باطل، بل يجب التوقف لأجل الإجمال؛ لأنه لما ذهب الرجحان بالتساوي بطل تقديم الحقيقة، وذلك أن الحقيقة إنما تقدم من (4) حيث تقدم، لكونها أسبق إلى الذهن، وهو معنى قولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح في الكلام الحقيقة، فإذا ذهب الرجحان بالتساوي بطل تقديم الحقيقة وتعين الإجمال والتوقف (5) حينئذ.
هذا (6) هو الحق، فقول الحنفية: تقدم الحقيقة على المجاز المساوي لها غير متجه (7).
قوله: (وتوقف الإِمام فخر الدين نظرًا للتعارض (8)).
قال الإمام فخر الدين في بيان هذا التعارض: "إن كون (9) اللفظ حقيقة
__________
(1) في ز: "هذه".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "منها".
(3) في ط: "التقديم".
(4) "من" ساقطة من ط وز.
(5) في ز: "وتوقف".
(6) في ط وز: "وهذا".
(7) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 120.
(8) في ط: "فخر الدين في ذلك التعارض".
(9) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "كان".
(2/408)

يوجب القوة، وكونه مرجوحًا (1) يوجب الضعف، وكون المجاز راجحًا يوجب القوة، وكونه مرجوحًا يوجب الضعف، فيحصل التعارض لهذا (2) بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، فلا يتعين لأحدهما (3) إلا بالنية" (4).
واعترض هذا (5) التعارض بأن قيل: لا معنى (6) لكونه قويًا إلا أنه يحمل على معناه من غير قرينة، ولا معنى لكونه ضعيفًا إلا أنه لا يحمل على معناه إلا بقرينة فلا يصح وصف الحقيقة في هذه المسألة بالقوة، ولا وصف المجاز بالضعف، بل المجاز راجح والعمل بالراجح متعين، وهذا معنى قوله: (فإِن كل شيء قدم من الألفاظ إِنما قدم لرجحانه) والتقدير: رجحان المجاز (7) فيجب المصير إليه.
قوله: (فإِن كل شيء قدم من الألفاظ) يعني: بالألفاظ الألفاظ المذكورة أول الباب في قوله: (يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، والعموم (8) دون الخصوص إِلى آخرها (9)) يعني: وكذلك ما قدم من الأدلة
__________
(1) في ط وز: "مجازًا".
(2) في ز: "بهذا".
(3) في ز: "أحدهما".
(4) نقل المؤلف بالمعنى من كتاب المعالم للإمام فخر الدين، تحقيق عائش أبو الريش ص 65.
(5) في ط وز: "على هذا".
(6) في ط: "للمعنى".
(7) في ط: "المجاز الراجح".
(8) في ط وز: "وعلى العموم".
(9) في ط: "إلى آخرها قوله: فإن كل شيء قدم من الألفاظ يعني ... " إلخ، وهو تكرار.
(2/409)

والبينات وجميع موارد الشريعة، إنما قدم جميع ذلك لرجحانه على غيره (1).
و (2) قوله: (والتقدير) (3) أي: والفرض ها هنا رجحان المجاز على الحقيقة، فيجب تقديمه على الحقيقة.
قال المؤلف في الشرح: فإهمال الرجحان (4) ها هنا ليس بجيد (5).
قوله: (وها هنا دقيقة، وهي: أن الكلام إِذا (6) كان في سياق النفي، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة، والطلاق يكون (7) الكلام نصًا في نفي المجاز الراجح بالضرورة، فلا يتأتى توقف الإِمام وإِن كان في سياق الإِثبات، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة فهو نص في إِثبات الحقيقة (8) بالضرورة فلا يتأتى توقف الإِمام، وإِنما يتأتى له ذلك إِن سلم له في نفي الحقيقة والكلام في سياق النفي، أو في (9) إِثبات المجاز، والكلام في سياق الإِثبات، أو يكون (10) المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة كالرواية والنجو).
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 120، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 51.
(2) "الواو" ساقطة من ط وز.
(3) في ط: "والتقدير رجحان المجاز".
(4) في ط: "المجاز".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 120.
(6) في ش: "إن كان".
(7) في ش: "فيكون".
(8) في خ وش: "الحقيقة المرجوحة بالضرورة".
(9) في ط: "وفي".
(10) في ط: "ويكون".
(2/410)

ش: قوله: (وها هنا دقيقة) معنى الدقيقة (1): الذي (2) يدق في فهمه النظر.
ومقصود المؤلف بهذه الدقيقة أن يقيد ما أطلقه الإمام فخر الدين في تعارض الحقيقة المرجوحة مع المجاز الراجح؛ لأن الإمام توقف في أيهما يقدم على الآخر - كما تقدم - (3)، ولكن إطلاقه التوقف في جميع الوجوه لا يصح بل يصح التوقف في بعض الوجوه، ولا يصح في بعض (4) الوجوه (5).
وبيان ذلك: أن ها هنا خمسة أوجه: وجهان منهما: لا يصح فيهما التوقف، وثلاثة أوجه: يصح فيها التوقف.
فأحد الوجهين اللذين لا يصح التوقف فيهما: إذا كان الكلام في سياق النفي، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة والطلاق؛ وذلك أن لفظ الدابة حقيقة مرجوحة (6) في مطلق ما اتصف بالدبيب، وهو: مجاز راجح في الحمار.
وكذلك الطلاق (7) هو: حقيقة مرجوحة في مطلق الانحلال؛ كالانحلال
__________
(1) في اللسان: والدقيق: الأمر الغامض، مادة (دقق).
(2) في ط: "هي المعنى الذي". وفي ز: "المعنى".
(3) يقول فخر الدين في المعالم (ص 65): إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة وبين المجاز الراجح لم يتعين لأحدهما إلا بالنية.
(4) في ط: "البعض".
(5) "الوجوه" ساقطة من ط.
(6) "مرجوحة" ساقطة من ز.
(7) في ط وز: "لفظ الطلاق".
(2/411)

من الوثائق (1) وغيره، وهو: مجاز راجح في انحلال (2) العصمة.
مثال ذلك: في الدابة قولك: ليس في الدار دابة، فإن أراد المتكلم بالدابة المجاز الراجح الذي هو: الحمار: فقد انتفى هذا المجاز بالمطابقة، وإن أراد الحقيقة التي هي: كل ما اتصف بالدبيب: فقد انتفى المجاز الراجح أيضًا بالالتزام؛ إذ يلزم من انتفاء الأعم انتفاء الأخص، فلا يمكن توقف الإمام في هذا الوجه على التقديرين (3) سواء (4) قصد نفيه، أو قصد نفي الحقيقة.
ومثال ذلك: في لفظ الطلاق قولك: ليست فلانة بمطلقة، فإن أراد المتكلم بهذا المجاز الراجح الذي هو: انحلال (5) العصمة: فقد انتفى هذا المجاز بالمطابقة، وإن أراد الحقيقة التي هي الانحلال (6): فقد انتفى هذا المجاز أيضًا بالالتزام؛ إذ يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فلا يتأتى توقف الإمام في هذا أيضًا على التقديرين (7) سواء قصد نفيه، أو نفي الحقيقة.
وهذا الوجه الذي قررناه هو معنى قول المؤلف: وهي أن الكلام، إذا كان في سياق النفي، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة، والطلاق و (8) يكون
__________
(1) في ط وز: "الوثاق".
(2) في ط: "الحلال".
(3) في ط: "التقدير".
(4) "سواء" ساقطة من ز.
(5) في ط: "الحلال".
(6) في ط: "الذي هو مطلق الانحلال".
وفي ز: "التي هي مطلق الانحلال".
(7) في ط: "التقدير".
(8) "الواو" ساقطة من ز وط.
(2/412)

الكلام نصًا في نفي المجاز (1) الراجح بالضرورة فلا يتأتى توقف الإمام (2).
قوله: (وإِن كان في سياق الإِثبات والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة فهو: نص في إِثبات الحقيقة بالضرورة، فلا يتأتى توقف الإِمام).
هذا هو الوجه الثاني من الوجهين اللذين لا يمكن فيهما توقف الإمام، وهو إذا كان الكلام في سياق الإثبات مع كون المجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة.
مثاله: قولك: في الدار دابة، فإن أراد المتكلم بالدابة الحقيقة: فقد ثبتت (3) الحقيقة بالمطابقة، وإن أراد المجاز الراجح: كان نصًا في إثبات الحقيقة بالالتزام؛ لأنه يلزم من وجود الأخص (4) وجود الأعم، فلا يصح توقف الإمام في هذا الوجه أيضًا؛ فإن الحقيقة ثابتة على التقديرين (5) سواء قصد إثباتها (6)، أو قصد إثبات المجاز الراجح (7).
قوله: (وإِنما يتأتى ذلك (8) إِن سلم له في نفي الحقيقة والكلام في سياق النفي، أو في إِثبات المجاز والكلام في سياق الإِثبات، أو يكون المجاز
__________
(1) في ط: "الحمار" وهو تصحيف.
(2) انظر هذا الوجه في: شرح التنقيح للقرافي ص 121.
(3) في ط: "ثبت".
(4) المثبت من ط, وفي الأصل: "إلا بعد".
(5) في ط: "التقدير".
(6) في ز: "إثبات المجاز الراجح أو قصد إثبات الحقيقة المرجوحة".
(7) انظر هذا الوجه في شرح التنقيح للقرافي ص 121.
(8) في ط: "به ذلك".
(2/413)

الراجح: ليس بعض أفراد الحقيقة كالرواية، والنجو).
ذكر المؤلف [رحمه الله] (1) ها هنا الثلاثة الأوجه (2) التي يمكن فيها توقف الإمام:
أحد الأوجه: نفي الحقيقة مع كون الكلام في سياق النفي.
مثاله قولك: ليس في الدار دابة، فإن أراد المتكلم نفي المجاز الراجح: فلا يلزم من نفي (3) المجاز الراجح نفي الحقيقة؛ إذ لا يلزم (4) من نفي (5) الأخص نفي الأعم، الذي هو: الحقيقة، فيكون الأعم إذًا يحتمل نفيه، ويحتمل ثبوته، فيمكن توقف الإمام إن سلم له التوقف، وأما إن لم يسلم له التوقف فيقال له: لا يصح التوقف لأجل رجحان المجاز.
وإلى هذا الوجه أشار المؤلف بقوله: (وإِنما يتأتى له (6) ذلك إِن سلم له في نفي الحقيقة، والكلام في سياق النفي).
قوله: (أو في إِثبات المجاز والكلام في سياق الإِثبات)، هذا هو الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة التي يمكن فيها التوقف، وهو: ثبوت المجاز مع كون الكلام في سياق الإثبات.
مثاله: قولك: في الدار دابة، فإن أراد المتكلم مطلق الدابة الذي هو:
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في ز وط.
(2) الصواب: "ثلاثة أوجه".
(3) في ط: "النفي".
(4) المثبت من ط، وفي الأصل: "يلزم".
(5) في ط: "النفي".
(6) في ط: "أنه".
(2/414)

الحقيقة فلا يلزم من ثبوت مطلق الدابة ثبوت المجاز الراجح، الذي هو: الحمار (1)؛ إذ لا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص، فيصح فيه توقف الإمام، فيكون المجاز الراجح إذًا يحتمل ثبوته، ويحتمل نفيه.
وإلى هذا الوجه الثاني أشار المؤلف بقوله: (أو في إِثبات المجاز، والكلام في سياق الإِثبات).
قوله: (أو يكون (2) المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة كالرواية والنجو).
هذا هو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة التي يمكن توقف الإمام (3) فيها، وهو: إذا كان المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة.
مثاله قولك: في الدار راوية (4)، أو ليس في الدار راوية, أو في الدار نجو أو ليس في الدار نجو، فالراوية حقيقة هو (5): الجمل، أو الناقة، وسميت (6) بذلك؛ لأنها تروي القوم بلبنها وبولها ومائها.
ويسمى الدلو راوية (7) مجازًا راجحًا، من باب تسمية الشيء بما يلازمه،
__________
(1) في ط: "المجاز".
(2) في ط: "ويكون".
(3) "الإمام" ساقطة من ز.
(4) في ط: "دابة راوية".
(5) في ط: "هي".
(6) في ط: "وسمي".
(7) في اللسان الراوية هو: البعير أو البغل أو الحمار الذي يستقي عليه الماء، والرجل المستقي أيضًا راوية، والعامة تسمي المزادة راوية، وذلك جائز على الاستعارة والأصل الأول. =
(2/415)

فإذا سمع لفظ الراوية فهل يحمل على الناقة، أو على الدلو، فهو (1) محتمل، فيمكن (2) توقف الإمام فيه؛ إذ لا يلزم من وجود الناقة وجود الدلو، ولا يلزم من عدمها عدمه؛ لأن المجاز أجنبي عن الحقيقة، فليس الدلو ببعض أفراد الحقيقة (3)، فلا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ولا من عدمه عدمه (4).
وهكذا تقول (5) في النجو، فالنجو حقيقة هو: المكان المرتفع (6)، وهو مجاز راجح في فضلات الغذاء (7).
فإذا سمع لفظ النجو فهل يحمل على الحقيقة؟ أو على المجاز (8) الراجح؟ فهو (9) محتمل يمكن فيه توقف (10) الإمام؛ إذ لا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدمه؛ لأن الفضلات المستقذرة (11) ليست ببعض المكان المرتفع، وإنما سميت الفضلات المستقذرات نجوًا مجازًا راجحًا (12) من باب
__________
= انظر: اللسان مادة (روى).
(1) في ط: "فهي".
(2) في ز: "يمكن".
(3) في ط وز: "الناقة".
(4) "عدمه" ساقطة من ط.
(5) في ز: "نقول".
(6) انظر: اللسان مادة (نجا).
(7) انظر: اللسان مادة (نجا).
(8) في ط: "أو يحمل على المجاز".
(9) في ط: "وهو".
(10) في ط: "توقف الإمام فيه".
(11) في ط: "المستقذرات".
(12) "راجحًا" ساقطة من ط.
(2/416)

تسمية الحال باسم المحل.
قوله: (الرابع (1) إِذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين: فيقدم التخصيص، والمجاز والإِضمار، والنقل، والاشتراك على النسخ، والأربعة الأولى على الاشتراك، والثلاثة الأولى على النقل، والأولان على الإِضمار، والأول على الثاني؛ لأن النسخ يحتاط فيه أكثر لكونه يصير اللفظ باطلاً (2) فتكون مقدماته (3) أكثر، فيكون مرجوحًا فتقدم لرجحانه عليه، والاشتراك مجمل حالة عدم (4) القرينة بخلاف الأربعة، والنقل يحتاج إِلى اتفاق على إِبطال وإِنشاء وضع بعد وضع، والثلاثة يكفي (5) فيها مجرد القرينة فتقدم عليه (6)، ولأن الإِضمار أقل فيكون مرجوحًا، ولأن (7) التخصيص في (8) بعض الحقيقة بخلاف المجاز).
ش: هذه الأمور الستة (9) المذكورة في هذا الفرع هي مرجوحة
__________
(1) في خ وش: "الفرع الرابع".
(2) "باطلاً" ساقطة من ط، وفي أ: "بإطلاق".
(3) في أ: "فيكون مقدمًا به".
(4) في نسخة ش: "عند عدم".
(5) "يكفي" ساقطة من أ.
(6) في ش: "عليها".
(7) في أ: "لأن".
(8) في ز: "فيه".
(9) انظر تفصيل الكلام في هذه الأمور في: شرح التنقيح للقرافي ص 112 - 125، شرح التنقيح للمسطاسي ص 51 - 52، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 105، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 223 - 336، المعالم للرازي، تحقيق موسى =
(2/417)

بالنسبة (1) إلى أضدادها المتقدمة في أول الباب (2) في قوله: يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، وعلى العموم دون التخصيص (3) إلى آخره، إلا أنه لم يذكر ضد النقل [فيما تقدم ولكن] (4) وإن (5) لم يذكره فهو فرع مرجوح بالنسبة إلى عدم النقل؛ إذ الأصل (6) عدم النقل.
فتكلم المؤلف - رحمه الله - ها هنا على هذه الأمور الستة المرجوحة فيما بينها (7)؛ إذ فقد (8) الراجح من أضدادها المذكورة أول الباب، فإن انفرد واحد من هذه المرجوحات الستة: يحمل (9) اللفظ عليه، وإن اجتمع منها اثنان فأكثر ولم (10) يتعذر الجمع: حمل اللفظ عليها إن دل على الجمع (11) قرينة، وإلا اقتصر على واحد منها تقليلاً (12) للمخالفة (13) بحسب الإمكان، فالأولى
__________
= عايش أبو الريش ص 69 - 78، المحصول ج 1 ق 1 ص 487 - 505
(1) في ط: "ولنسبة".
(2) في ز وط: "هذا الباب".
(3) في ز: "الخصوص".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) في ز: "فهو وإن لم".
(6) في ز: "لأن".
(7) في ط: "بينهما".
(8) في ز: "عند فقد".
(9) في ط وز: "حمل".
(10) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "لم".
(11) في ط: "الجميع".
(12) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "تعليلاً".
(13) في ط وز: "لمخالفة الدليل".
(2/418)

بالتقديم من هذه الأمور هو: التخصيص ثم المجاز ثم الإضمار ثم النقل ثم الاشتراك ثم النسخ (1).
وأسباب الترجيح بين (2) هذه الأمور الستة ذكرها المؤلف بقوله: (لأن (3) النسخ يحتاط فيه أكثر) (4).
هذا سبب تقدم الخمسة الأولى على السادس الذي هو: النسخ، وذلك (5) أن النسخ يحتاج إلى شروط كثيرة بخلاف الخمسة المذكورة، أي: لأن النسخ يحتاط فيه أكثر من غيره، لكونه يصير الحكم باطلاً (6) بعد إرادته فتكون مقدماته أي شروطه أكثر من شروط غيره؛ لأنه يشترط في النسخ أن يكون الناسخ (7) مساويًا للمنسوخ في السند أو أقوى منه، بخلاف التخصيص وغيره (8) كما سيأتي تفصيله في باب النسخ إن شاء الله تعالى.
__________
(1) ذكرها بهذا الترتيب القرافي في شرح التنقيح ص 132.
(2) في ز وط: "فيما بين".
(3) في ز: "إن".
(4) في ط: "أكثر إلى آخره قوله: لأن النسخ يحتاط فيه أكثر".
(5) في ز: "وذكر".
(6) يقول فخر الدين في المحصول: أما لو وقع التعارض بين الاشتراك والنسخ فالاشتراك أولى؛ لأن النسخ يحتاط فيه ما لا يحتاط في تخصيص العام.
إلى أن قال: والفقه فيه أن الخطاب بعد النسخ يصير كالباطل وبعد التخصيص لا يصير كالباطل فلا جرم يحتاط في النسخ ما لا يحتاط في التخصيص.
انظر: المحصول ج 1 ق 1 ص 502، ص 503.
(7) في ز: "النسخ".
(8) في ط: "وغيره لذلك لا ينسخ المتواتر بالآحاد كما سيأتي ... " إلخ.
وفي ز: "وغيره ولذلك لا ينسخ المتواتر بالآحاد ويجوز تخصيص المتواتر بالآحاد كما سيأتي ... " إلخ.
(2/419)

وسبب تقدم الأربعة التي هي: التخصيص، والمجاز، والإضمار، والنقل، على الاشتراك بينه المؤلف بقوله: (والاشتراك مجمل حالة عدم القرينة) معناه: إن فقدت القرينة بقي اللفظ معطلاً بخلاف الأربعة، فإن اللفظ معها لا يعطل؛ ولأجل هذا كان الاشتراك مرجوحًا بالنسبة إلى الأربعة.
وسبب تقديم الثلاثة التي هي: التخصيص، والمجاز، والإضمار على النقل: بينه المؤلف بقوله: (والنقل يحتاج إِلى اتفاق على إِبطال وإِنشاء وضع بعد وضع) يعني: أن النقل لا يحصل إلا بعد اتفاق الكل على إبطال الوضع الأول، وإنشاء وضع آخر، وذلك متعذر (1) أو متعسر بخلاف الثلاثة التي هي التخصيص، والمجاز، والإضمار، فإنها يكتفى فيها بمجرد القرينة، فلأجل هذا تقدم هذه الثلاثة على النقل.
وسبب تقديم الأولين اللذين هما: التخصيص، والمجاز على الإضمار: بينه (2) المؤلف بقوله: (ولأن الإِضمار أقل فيكون مرجوحًا).
يعني: أن الإضمار أقل في كلام العرب من التخصيص والمجاز، فالأكثر راجح، والأقل مرجوح، فيقدمان على الإضمار، فنص (3) المؤلف ها هنا على (4) أن المجاز يقدم على الإضمار، هو (5): نص الإمام فخر الدين في المعالم (6).
__________
(1) في ط: "معتدر" وهو تصحيف.
(2) في ط: "فبينه".
(3) في ط: "نص".
(4) "على" ساقطة من ز.
(5) في ز: "وهو".
(6) يقول الرازي في المعالم: إذا وقع التعارض بين المجاز والإضمار فالمجاز أولى؛ لأنه =
(2/420)

ونص الإمام فخر الدين في المحصول أن المجاز والإضمار سواء؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى قرينة (1).
فاختلف كلامه في كتابيه.
وسبب تقديم التخصيص على المجاز: بيّنه المؤلف بقوله: (ولأن التخصيص في بعض الحقيقة بخلاف المجاز) يعني: أن التخصيص يخرج به (2) بعض أفراد الحقيقة ويبقى اللفظ في البعض الآخر، كلفظ المشركين (3) مثلاً إذا خصص بغير (4) الحربيين بقي اللفظ في الحربيين وهم: بعض المشركين (5) فهو: مجاز أقرب إلى الحقيقة، وبقي اللفظ مع ذلك مستصحبًا في الباقي، فلا يحتاج إلى قرينة، وهذا لا يوجد في غير التخصيص؛ فلأجل هذا يقدم التخصيص على غيره.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن التعارض فيما بين هذه الأمور الستة يحتاج إلى
__________
= أكثر وقوعًا، والكثرة تدل على قلة مخالفة الدليل.
انظر: المعالم ص 77، تحقيق موسى عايش أبو الريش.
(1) يقول فخر الدين: إذا وقع التعارض بين المجاز والإضمار فهما سواء؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الظاهر، وكما يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المضمر، كذلك يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المجاز.
انظر: المحصول ج 1 ق 1 ص 500.
(2) "به" ساقطة من ز.
(3) في ط: "المشتركين" وهو تصحيف.
(4) في ط: "بقي".
(5) في ط: "المشتركين".
(2/421)

خمسة عشر مثالًا (1)، ولكن (2) لم يذكر المؤلف في الشرح إلا عشرة أمثلة، ولم يذكر مثالاً لمعارضة الخمسة الأول للسادس الذي هو: النسخ، وذلك (3) خمسة أمثلة، فأنا أذكر العشرة الأمثلة التي ذكرها (4) المؤلف فأقول بحول الله وقوته:
مثال تعارض التخصيص والمجاز: قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّه} (5):
يقول الشافعي: هذا أمر [بوجوب] (6) الحج والعمرة ابتداء، فتكون العمرة واجبة (7)، ولكن يلزمه المجاز، وهو: استعمال الإتمام في الابتداء.
ويقول المالكي: هذا النص مخصوص بالحج والعمرة المشروع فيهما (8) (9)، بدليل قوله: {أَتِمُّوا}؛ لأن الإتمام إنما [يستعمل] (10) في شيء مشروع فيه؛ إذ لا تجب العمرة عند مالك ابتداءً (11)، ولكن يلزمه التخصيص بالمشروع فيه، والتخصيص أولى من المجاز.
__________
(1) في ط: "مثلاً".
(2) في ط: "وللمكن".
(3) في ط: "وقولك".
(4) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "ذكر".
(5) آية 196 سورة البقرة.
(6) المثبت من ط، وفي الأصل: "يوجب" ولم ترد في ز.
(7) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 334.
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 125، شرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(9) في ط: "فيها".
(10) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يستقل".
(11) في ز: "ابتداء عند مالك".
(2/422)

ومثال تعارض التخصيص، والإضمار: قوله عليه السلام: "الإسلام (1) يجبُّ ما قبله" (2).
يقول المالكي: لا يقضي المرتد الصلاة إذا أسلم (3) بدليل هذا الحديث، ولكن يلزمه التخصيص بالديون إجماعًا.
ويقول المخالف: في الكلام إضمار صونًا له عن التخصيص، تقديره: الإسلام يجبُّ إثم ما قبله، فلا تسقط الصلاة عنه (4)، والتخصيص أولى من الإضمار (5).
ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} (6):
يقول المالكي: فم (7) الكلب طاهر فلا يجب غسله، ولكن يلزمه
__________
(1) "الإسلام" ساقطة من ط.
(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند في قصة إسلام عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص قال: "قلت: يا رسول الله أبايعك على أن تغفر لي ما تقدّم من ذنبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الإسلام يجبُّ ما كان قبله, وأن الهجرة تجبُّ ما كان قبلها" قال عمرو: فوالله إن كنت لأشد الناس حياءً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما ملأت عيني من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا راجعته بما أريد حتى لحق بالله عز وجل حياءً منه".
أخرجه الإمام أحمد في المسند 4/ 204.
(3) في ط: "إذا أسلم أي: جمع".
وفي ز: "الصلاة وكذا الصيام".
(4) "عنه" ساقطة من ط.
(5) هذا المثال لم يذكره القرافي في شرح التنقيح وذكره في رسالة تعارض الاحتمالات ورقة 31 مخطوط بالمكتبة الأزهرية رقم 1987/ 54047.
(6) قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سورة المائدة آية رقم 4].
(7) في ط وز: "موضع فم".
(2/423)

التخصيص مما (1) أمسكه الكلب بعد القدرة على ذكاته (2).
ويقول (3) الشافعي: في الكلام إضمار تقديره: فكلوا من حلال ما أمسكن عليكم (4).
ومثال تعارض التخصيص والنقل: قوله تعالى: {وَالَّذيِنَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ} (5):
يقول المالكي: يلزم الظهار من الأمة وأم الولد؛ لأنهما من النساء (6)، ولكن يلزمه (7): التخصيص بذوات المحارم فإنهن من (8) النساء (9)، ولا يلزم فيهن ظهار (10).
ويقول الشافعي: لفظ النساء صار منقولاً في العرف للحرائر فوجب ألا
__________
(1) في ز: "بما".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 124، شرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(3) في ط: "ويول".
(4) يقول الشافعي: يلزم على ما ذكرتموه جواز أكل ما أمسك بعد القدرة عليه من غير ذكاة، وليس كذلك فيلزم التخصيص، بل ها هنا إضمار تقديره: كلوا من حلال ما أمسكن عليكم، وكون موضع فمه من الحلال محل النزاع.
فللمالكي أن يقول: على ما ذكرناه يلزم التخصيص، وعلى ما ذكرتموه يلزم الإضمار والتخصيص أولى.
انظر: الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 335.
(5) آية 3 سورة المجادلة.
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 124.
(7) في ط: "يلزم".
(8) "من" ساقطة من ز.
(9) في ز: "نساء".
(10) في ط: "الظهار".
(2/424)

يتناول محل النزاع فيلزمه النقل، ولكن التخصيص أولى من النقل (1).
ومثال تعارض التخصيص والاشتراك قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} (2):
يقول المالكي: يجوز للعبد أن يتزوج أربعًا؛ لأن الطيب معناه: ميل النفس، وقد تميل نفسه إلى أربع نسوة، ولكن يلزمه: التخصيص بالنساء المحرمات (3) كزوجة الغير (4) مع أنها محرمة إجماعًا مع أنها قد (5) تميل إليها نفسه.
ويقول (6) الشافعي: بل المراد بالطيب الحلال.
ويقول المالكي: الطيب حقيقة في ميل النفس؛ لأنه المتبادر إلى الفهم، فلو كان حقيقة أيضًا في غيره للزم الاشتراك، والتخصيص أولى من الاشتراك (7).
ومثال تعارض المجاز والإضمار قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (8):
__________
(1) انظر: الإبهاج شرح المنهاج 1/ 331.
(2) آية 3 من سورة النساء.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 123، شرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(4) الأولى عدم تعريف "غير".
(5) "قد" ساقطة من ط.
(6) في ز: "وقال".
(7) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(8) آية 6 سورة المائدة.
(2/425)

يقول المالكي والشافعي: في الكلام إضمار لولاه لوجب الأمر بالطهارة بعد الصلاة تقدير هذا الإضمار: إذا قمتم محدثين (1).
ويقول المخالف (2): يزول هذا المحذور بأن يجعل القيام في الآية مجازًا عبر به عن إرادته (3)، من باب إطلاق المسبب على السبب (4) تقديره: إذا أردتم القيام إلى الصلاة.
وقد اختلف في المجاز مع الإضمار:
قيل: المجاز أولى كما قال المؤلف (5)؛ لأنه أكثر منه في لسان العرب.
وقيل: الإضمار أولى (6)؛ لأن قرينته لا تزايله.
وقيل: هما سواء لتوقفهما على القرينة مع إمكان حقائقها (7).
ومثال تعارض المجاز والنقل: قوله عليه السلام: "بين العبد والكفر ترك الصلاة" (8).
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 124، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(2) في ز: "هذا المخالف".
(3) انظر: المصدرين السابقين.
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "السبب على المسبب".
(5) وقاله أيضًا الرازي في المعالم ص 77 كما سبق التنبيه إليه.
(6) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج ص 331، ولم ينسب هذا القول.
(7) وهو قول الإمام فخر الدين في المحصول ج 1 ق 1 ص 500.
(8) أخرجه مسلم عن أبي سفيان قال: سمعت جابرًا يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". =
(2/426)

يقول الحنبلي (1): تارك الصلاة المعترف بوجوبها كافر بدليل هذا الحديث؛ لأن الصلاة منقولة في عرف الشرع إلى هذه العبادة المخصوصة بالركوع والسجود، فمن تركها فهو كافر.
ويقول المالكي والشافعي (2): الصلاة ها هنا معناها الدعاء والطلب؛ لأن ذلك هو معناها لغة, فمن أعرض (3) عن طلب الله، واستغنى عنه فهو كافر، واستعمل (4) لفظ الصلاة في هذه العبادة المخصوصة بالركوع والسجود على سبيل المجاز؛ لأجل اشتمالها على الدعاء، والمجاز أولى من النقل (5).
ومثال تعارض المجاز والاشتراك: قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (6):
يقول المالكي: لا تحل المبتوتة (7) إلا بالوطء؛ لأن النكاح حقيقة في الوطء
__________
= انظر: صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، رقم الحديث (133) 1/ 88.
وأخرجه أيضًا ابن ماجه عن جابر في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، رقم الحديث 1078، 1/ 342.
وأخرجه أبو داود عن جابر, كتاب السنة، باب في رد الإرجاء، رقم الحديث 4678، (4/ 219).
وأخرجه الدارمي عن جابر، كتاب الصلاة، باب في تارك الصلاة 1/ 280.
(1) المثبت من ط وش وز، وفي الأصل: "الحنفي".
(2) "والشافعي" لم ترد في شرح التنقيح للقرافي وشرح التنقيح للمسطاسي.
(3) في ط: "عرض".
(4) في ز: "واستعمال".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 124.
(6) آية 230 سورة البقرة.
(7) المثبت هو الأولى، وفي الأصل: "المثبوتة".
(2/427)

مجاز في العقد، والأصل عدم المجاز (1).
ويقول سعيد بن المسيب: لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد؛ لأنه مستعمل فيها، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فيكون مجملاً فيسقط الاستدلال به (2).
ولكن المجاز أولى من الاشتراك.
ومثال تعارض الإضمار والنقل: قوله عليه السلام: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر" (3):
يقول الشافعي: يجوز لصائم التطوع إبطال صومه لغير عذر؛ لأنه عليه السلام وكله إلى مشيئته فلا يحرم عليه فطره، فالصوم منقول من معناه اللغوي وهو: مطلق الإمساك إلى الإمساك المخصوص؛ لأنه المتبادر إلى الفهم (4).
ويقول المالكي: لا نقول: إنه منقول من مسماه اللغوي، بل هو مستعمل في مسماه (5) اللغوي، وفي الكلام إضمار، ومعنى الكلام: الممسك الذي من (6) شأنه أن يتطوع أمير نفسه في كل يوم، وسماه متطوعًا (7) باعتبار ما يؤول
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 123، شرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(2) انظر: المصادر السابقة.
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (6/ 341) عن جده عن أم هانئ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصائم المتطوع أمير نفسه, إن شاء صام، وإن شاء أفطر".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 124، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(5) في ز: "معناه".
(6) "من" ساقطة من ز.
(7) في ط: "تطوعًا".
(2/428)

إليه، وهذا الإضمار أولى من النقل (1).
ومثال تعارض الإضمار والاشتراك: قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (2):
يقول الشافعي: يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس؛ لأن الباء مشترك بين الإلصاق في الفعل القاصر، وبين التبعيض في الفعل المتعدي، فيكون (3) ها هنا للتبعيض؛ لأنه فعل متعد، فلو قال: امسحوا (4) رؤوسكم (5) صح (6).
ويقول المالكي: ها هنا مضمر تقديره: وامسحوا بلل أيديكم برؤوسكم، فالرأس ممسوح به، والفعل لا يتعدى إلى الآلة بغير باء فيكون الباء للتعدية (7).
ومثال تعارض النقل والاشتراك: قوله عليه السلام: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" (8):
__________
(1) انظر: المصدرين السابقين.
(2) آية 6 سورة المائدة.
(3) في ط وز: "فتكون".
(4) "امسحوا" ساقطة من ط.
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "برؤوسكم".
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 123، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(7) انظر: المصدرين السابقين.
(8) أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا".
صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان 1/ 44. =
(2/429)

يقول الشافعي: الطهارة في عرف الشرع منقولة إلى إزالة الحدث، والخبث ولا حدث (1) فيتعين الخبث (2).
ويقول المالكي: الطهارة لفظ مشترك في عرف اللغة بين إزالة الأقذار (3)، والغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لأنه مستعمل فيهما حقيقة إجماعًا، والأصل عدم التغيير (4)، والمشترك (5) مجمل فيسقط الاستدلال به حتى يبين الخصم الرجحان.
يقول الخصم: جعله منقولاً إلى العبادة المخصوصة أولى من الاشتراك.
وهذه عشرة أمثله فيها بيان (6) المعاني الخمسة الأولى، ذكرها المؤلف في
__________
= وأخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار" مسلم، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، رقم الحديث العام 279 (1/ 234).
وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة وعن عبد الله بن المغفل في كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الكلب، رقم الحديث العام 73 (1/ 59).
وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة وعبد الله بن المغفل وابن عمر، كتاب الطهارة، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، رقم الحديث العام 363 (1/ 130).
وأخرجه الدارمي عن عبد الله بن المغفل، كتاب الوضوء، باب ولوغ الكلب (1/ 188).
وأخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة في المسند 2/ 245.
(1) في ط: "والأحداث".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 123، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 52.
(3) في ط: "الاقتدار" وهو تصحيف.
(4) انظر: المصدرين السابقين.
(5) في ز: "والنقل والمشترك".
(6) في ز: "بين".
(2/430)

الشرح ولم يذكر أمثلة هذه الخمسة (1) فيما بينها وبين النسخ وهي: خمسة أمثلة، ذكر (2) بعض الشراح مثالاً واحدًا من هذه الأمثلة (3) الباقية وهو (4) مثال التخصيص مع النسخ.
وقال: مثال تعارض التخصيص مع النسخ: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (5) سواء كانت الزوجة حاملاً، أو حائلاً:
فقيل: هذه الآية منسوخة (6) بقوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (7).
وقيل: ذلك تخصيص، والتخصيص أولى من النسخ.
...
__________
(1) في ز: "الخمسة الباقية".
(2) في ط وز: "وذكر".
(3) في ز: "الخمسة".
(4) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "وهي".
(5) آية 234 سورة البقرة.
(6) في ط: "مخصوصة".
(7) آية 4 سورة الطلاق.
(2/431)

الباب الرابع
في الأوامر
وفيه ثمانية فصول:
الفصل الأول: في مسماه ما هو.
الفصل الثاني: ورود الأمر بعد الحظر.
الفصل الثالث: في عوارضه.
الفصل الرابع: جواز تكليف ما لا يطاق.
الفصل الخامس: فيما ليس من مقتضاه.
الفصل السادس: في متعلقه.
الفصل السابع: في وسيلته.
الفصل الثامن: في خطاب الكفار.
(2/433)

[الباب الرابع في الأوامر, وفيه ثمانية فصول] (1)
قوله: (الأوامر) جمع أمر، وهو: مصدر، وإنما جمعه مع أن المصادر لا تثنى ولا تجمع اعتبارًا بأنواع الأمر؛ لأنه تارة يراد به الوجوب، وتارة يراد به الندب، وتارة يراد به الإباحة وتارة يراد به التهديد، وتارة يراد به غير ذلك كما سيأتي بعد هذا في ذكر موارد الأمر، فجمعه بهذا الاعتبار؛ إذ المصادر يجوز جمعها إذا قصد أنواعها، كقولهم: أحلام، وأشغال وإنما لا (2) يثنى المصدر، ولا يجمع؛ لأنه يصدق على القليل والكثير من جنسه؛ فلأجل ذلك استغني عن تثنيته وجمعه.
وقوله: (الأوامر) هذا الجمع غير معروف عند أرباب العربية (3)، وذلك أن وزن أوامر: فواعل (4)، والمفرد الذي يجمع على فواعل محصور عند
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) "لا" ساقطة من ط.
(3) في ز: "هذا الجمع عند أرباب العربية غير جائز".
(4) يقول أحمد حلولو: الأوامر جمع أمر، وقع هذا التعبير بهذا الجمع لإمام الحرمين وغيره، قال الإبياري: والذي وقفنا عليه من كتب أئمة العربية كسيبويه وأبي علي وأئمة المتأخرين منع مثل هذا الجمع، ويقولون: لا يصح أن يجمع فعل على فواعل، ثم ذكر أن في كلام الجوهري في الصحاح ما يقتضيه.
انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 108.
(2/435)

النحاة في سبعة أوزان:
أحدها: فوعل نحو: جوهر وجواهر.
الثاني: فوعلة نحو صومعة، وصوامع.
الثالث: فاعِلاء نحو: قاصعاء وقواصع، وهو باب من أبواب جحر اليربوع (1).
الرابع: فاعَل بفتح العين، نحو: طابع، وطوابع، وقالب، وقوالب.
الخامس: فاعلة نحو: فاطمة، وفواطم، وضاربة، وضوارب، ولا فرق في هذا بين كونه اسمًا أو صفة (2).
السادس: فاعل بكسر العين للمؤنث (3) نحو: حائض، وحوائض، وطامث، وطوامثَ (4).
السابع: فاعل بكسر العين إذا لم يكن صفة لمذكر عاقل نحو: كاهل، وكواهل، صاهل (5) وصواهل، وأما إذا كان صفة لمذكر عاقل فلا يجمع على فواعل إلا شذوذًا نحو: فارس وفوارس، ناكس (6) ونواكس [ناسك
__________
(1) قاصعاء وراهطاء ونافقاء كلها أسماء لجحر اليربوع، وجمعهن قواصع ورواهط ونوافق.
انظر: هامش أوضح المسالك 3/ 266.
(2) في ز: "كونه صفة أو اسمًا".
(3) في ز: "صفة للمؤنث".
(4) في ط: "طامة وطوامة".
(5) في ط وز: "وصاهل".
(6) في ط: "وناكس".
(2/436)

ونواسك] (1)، هالك وهوالك، شاهد وشواهد، غائب وغوائب.
فهذه الأوزان السبعة هي التي تجمع على فواعل (2)، وأما فَعْل فلا يجمع على فواعل.
فتبين بما قررناه: أن الأمر لا يجمع على أوامر، واختلف في الجواب عن هذا الجمع (3)، فقيل (4): هو جمع آمر (5) على وزن "اسم الفاعل"، والمراد به المصدر؛ لأن المصدر قد يجيء على بناء فاعل، نحو قولهم: قام قائمًا، وخرج خارجًا، تقديره: قام قيامًا، وخرج خروجًا [وقعد قاعدًا (6) أي: قعودًا (7).
قال أبو موسى الجزولي في باب مصادر (8) الثلاثي:
ويجيء على فاعل، وعلى بناء اسم المفعول، وعلى التفعال (9) والفعيلا، إذا أريد به التكثير (10) والمبالغة. انتهى نصه (11).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) انظر هذه الأوزان السبعة في كتاب: أوضح المسالك لابن هشام 3/ 266.
(3) "الجمع" ساقطة من ز.
(4) في ط وز: "وقيل"، ويلاحظ أن هذا القول ورد في ط وز هو القول الأخير.
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "أوامر".
(6) في ط: "قعادًا".
(7) "أي قعودًا" ساقطة من ط.
(8) في ط: "أبنية"، وفي الجزولية: أبنية المصادر.
(9) في ز: "التفاعل".
(10) في ط: "الكثير".
(11) انظر: المقدمة الجزولية المطبوعة مع الشرح الصغير، تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 116, 117.
(2/437)

وهكذا تقول في النواهي جمع (1) ناهٍ على وزن فاعل الذي هو مصدر] (2).
[وقيل: هو: جمع آمرة على وزن "فاعلة", والمراد به المصدر أيضًا؛ لأن فاعلة قد يكون مصدرًا نحو: العافية والطاغية، يقال: عافانا الله عافية] (3).
وقيل: هو جمع آمر على وزن "فاعل" أيضًا، ولكن المراد به اسم الفاعل الذي هو: اللفظ؛ فإن اللفظ قد يسمى آمرًا مجازًا، [فمعنى الأوامر على هذا أي: الألفاظ التي تأمر] (4).
[وقيل: هو جمع آمرة على وزن "فاعلة"، والمراد به الصيغة؛ إذ الصيغة (5) تسمى (6) آمرة مجازًا] (7)؛ لأن الأمر يقع بها (8) فمعنى الأوامر على هذا أي: الصيغ التي (9) تأمر، وكذلك (10) تقول (11) في النواهي: هي (12) جمع ناهية، أو جمع ناه أي: الألفاظ أو الصيغ التي تنهي.
__________
(1) في ط: "وهو جمع".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(5) "إذ الصيغة" ساقطة من ط.
(6) في ط: "قد تسمى".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "به".
(9) في ط: "الصيغة تأمر".
(10) في ز: "وهكذا".
(11) في ز: "القول".
(12) "هي" ساقطة من ز وط.
(2/438)

وقيل (1) [أيضًا في هذا الجمع: إنه] (2) جمع (3) الجمع، فهو: جمع أفعل لا أنه (4) جمع فعل، فقولك: أمر، جمعه أأمر على وزن أفعل، وجمع أأمر، أوامر على وزن أفاعل (5)، كقولك: كلب، وأكلب، وأكاليب، فهو جمع الجمع (6)، فوزنه على هذا أفاعل؛ لأنه (7) فواعل، وقلبت فيه (8) الهمزة الثانية واوًا فصار أوامر.
ولكن يعترض على هذا الجواب بالنواهي (9)؛ إذ لا يصح فيها (10) هذا إلا
__________
(1) في ز وط: "فقيل" ويلاحظ أن هذا القول تقدم في ط وز فصار هو القول الأول بعد قول المؤلف: واختلف في الجواب عنه.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(3) في ط وز: "هو جمع".
(4) فى ط: "لأنه".
(5) في ط: "أفعال".
(6) يقول ابن يعيش في شرح المفصل: اعلم أن جمع الجمع ليس بقياس فلا يجمع كل جمع وإنما يتوقف عندما جمعوه من ذلك ولا يتجاوز إلى غيره؛ وذلك لأن الغرض من الجمع الدلالة على الكثرة وذلك يحصل بلفظ الجمع فلم يكن بنا حاجة إلى جمع ثان، وقال سيبويه: اعلم أنه ليس كل جمع يجمع كما أنه ليس كل مصدر يجمع كالأشغال والحلوم. وقال أبو عمر الجرمي: لو قلنا في أفلس: أفالس، وفي أكلب: أكالب، وفي أدل: أدال لم يجز؛ فإذًا جمع الجمع شاذ. انظر: شرح المفصل 5/ 74.
(7) في ط: "لا أنه"، وفي ز: "لاء".
(8) "فيه" ساقطة من ز.
(9) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "النواهي".
(10) في ز: "فيه".
(2/439)

أن يقال: هذا من باب التغليب (1) [كقولهم: غداياء (2) وعشاياء (3)] (4).
...
__________
(1) انظر هذه الأجوبة في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 53.
(2) في ط: "غدوًا".
(3) في ط: "عشيًا".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2/440)

الفصل الأول في مسماه ما هو (1)
قوله: (أما لفظ الأمر؛ فالصحيح أنه اسم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات؛ لأنه المتبادر إِلى الذهن (2)، هذا مذهب الجمهور وعند بعض (3) [الفقهاء: مشترك بين] (4) القول والفعل، وعند أبي الحسين: مشترك (5) بينهما (6) وبين الشيء والشأن (7) والصفة.
وقيل: موضوع (8) للكلام النفساني (9).
وقيل: مشترك (10) بينهما).
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 126 - 139، شرح التنقيح للمسطاسي ص53 - 60، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 108 - 119.
(2) في أوخ: "إلى الذهن منها"، وفي ش: "للذهن منها".
(3) في أ: "وعند بعضهم".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من أ.
(5) في أ: "مشتركة".
(6) في ش: "بينه".
(7) في أوخ وش: "وبين الشأن والشيء والصفة".
(8) في أوخ وش: "هو موضوع"، وفي ط: "هو موضع".
(9) في أوخ وش وط: "النفساني دون اللساني".
(10) في خ وش: "هو مشترك".
(2/441)

ش: و (1) في هذا الفصل ثمانية مطالب:
ما موضوع الأمر؟
وما موضوع موضوعه؟
وهل يدل على الفور أم لا؟
وهل يدل على التكرار أم لا؟
وهل يدل على الإجزاء أم لا؟
وهل يدل على النهي أم لا؟
وهل يشترط فيه العلو والاستعلاء أم لا؟
وهل تشترط فيه الإرادة أم لا (2)؟
قوله: (في مسماه) أي: في بيان موضوع لفظ (3) الأمر.
وقوله: (ما هو) أي: أي شيء هو مسمى الأمر؟
واعلم أن ما هو (4) يطلب به أحد أمرين: إما شرح الاسم، وإما شرح المسمى.
وقولنا (5): شرح الاسم، أي: شرح الاسم لمن هو عارف بالمسمى، لكنه جاهل بدلالة لفظ الاسم على المسمى.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) "لا" ساقطة من ط.
(3) "لفظ" ساقطة من ز.
(4) في هامش ز تعليق، ونصه: "ما يسأل عنه بما هو".
(5) في ز: "فقولنا".
(2/442)

وقولنا: شرح المسمى أي: شرح المسمى لمن هو عارف بدلالة لفظ الاسم على المسمى لكنه جاهل بالمسمى.
ومقصود المؤلف في هذه الترجمة أن يبين شرح المسمى، أي: أن يبين شرح مسمى لفظ (1) الأمر لمن هو عالم بدلالة لفظ الأمر على المسمى وضعًا، لكنه جاهل بالمسمى.
قوله: (أما لفظ الأمر فالصحيح: أنه اسم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات).
هذا هو المطلب الأول وهو: موضوع الأمر (2) أي: مسمى الأمر، فالموضوع والمسمى مترادفان.
واعلم أن العلماء قد اختلفوا في الكلام وجميع أنواعه: من الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، والتنبيه، والدعاء، وغير ذلك على ثلاثة مذاهب (3).
__________
(1) في ز: "اللفظ أي لفظ".
(2) انظر تفصيل الكلام في موضوع الأمر في:
شرح التنقيح للقرافي ص 126، 127، شرح التنقيح للمسطاسي ص 53، 54، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 108، 109، البرهان للجويني مسألة رقم 115، (1/ 199)، العدة لأبي يعلى 1/ 214، المستصفى للغزالي 1/ 412 - 416، الإحكام للآمدي 2/ 137، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 371، 372، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 3، 4، ميزان الأصول للسمرقندي ص83، 84.
(3) حرر الغزالي الخلاف في هذه المسألة وذكر أن الخلاف منحصر في فريقين:
الفريق الأول: هم المثبتون لكلام النفس، وهؤلاء اختلفوا على مذهبين:
المذهب الأول، قالوا: إن الأمر مشترك بين المعنى القائم بالنفس وبين اللفظ الدال =
(2/443)

قيل: حقيقة في اللساني مجاز في النفساني، وهو مذهب الأصوليين.
وقيل: حقيقة في النفساني مجاز في اللساني، وهو مذهب المتكلمين.
وإليه أشار المؤلف بقوله: (وقيل (1): هو موضوع للكلام النفساني دون اللساني).
وقيل: هو حقيقة فيهما معًا، أي: حقيقة في اللساني والنفساني معًا، فيكون لفظًا مشتركًا بينهما، أي: بين اللساني والنفساني، وإليه أشار المؤلف بقوله: (وقيل: مشترك (2) بينهما).
__________
= فيكون حقيقة فيهما.
المذهب الثاني: أن الأمر حقيقة في المعنى القائم بالنفس، وقوله: افعل، يسمى أمرًا مجازًا.
الفريق الثاني: هم المنكرون لكلام النفس، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: قالوا: لا معنى للأمر إلا حرف وصوت، وإليه ذهب البلخي وزعم أن قوله: افعل أمر لذاته وجنسه.
الصنف الثاني: وفيهم جماعة من الفقهاء يقولون: أن قوله: افعل ليس أمرًا بمجرد صيغته وذاته، بل لصيغته وتجرده عن القرائن الصارفة له عن جهة الأمر إلى التهديد وغيره.
الصنف الثالث: من محققي المعتزلة قالوا: إنه ليس أمرًا لصيغته وذاته، ولا لكونه مجردًا عن القرائن مع الصيغة، بل يصير أمرًا بثلاث إرادات، إرادة المأمور به، وإرادة إحداث الصيغة، وإرادة الدلالة بالصيغة على الأمر دون الإباحة والتهديد. اه بتصرف.
انظر: المستصفى 1/ 413، 414.
(1) "قيل" ساقطة من ط.
(2) في ز: "هو مشترك".
(2/444)

قال المؤلف في الشرح: والاشتراك هو المشهور (1)، [وإن كان] (2) المؤلف لم يذكر (3) هذا الخلاف إلا في خصوصية (4) الأمر، فهو عام في جميع أنواع الكلام.
[وقيل: للقدر المشترك بين اللساني والنفساني، وهو: قول رابع] (5).
حجة القول بأنه حقيقة في اللساني خاصة: التبادر إلى الفهم؛ لأنك إذا سمعت أمر فلان بكذا فلا يتبادر إلى فهمك إلا خصوصية اللفظ دون غيره، والتبادر إلى الفهم دليل الحقيقة.
ورد هذا: بالمجاز (6) الراجح.
حجة القول بأنه حقيقة في النفساني خاصة: بيت الأخطل وهو قوله:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان (7) على الفؤاد دليلاً (8)
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 126.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ز: "والمؤلف وإن لم يذكر".
(4) في ط: "الخصوصية".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط. ولم يرد في الأصل، وقد ورد هذا القول في ط بعد قوله: "وقيل: مشترك بينهما".
(6) في ط: "بأن المجاز".
(7) في ط: "اللساني".
(8) سبق عزو هذا البيت والرد على من قال: إن الكلام نفساني واستدل بهذا البيت وبطلان استدلاله.
انظر: (1/ 375 - 377) من هذا الكتاب.
(2/445)

وقال تبارك وتعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} (1).
حجة القول بأنه حقيقة فيهما: وروده واستعماله في اللساني والنفساني، والأصل في الاستعمال الحقيقة دون المجاز.
[حجة القول بأنه للقدر المشترك بين اللساني والنفساني: وروده مستعملاً فيهما] (2).
[والأصل عدم المجاز وعدم الاشتراك فوجب أن يكون مستعملاً في القدر المشترك بينهما] (3).
[وحجة أخرى: أن فيه الجمع بين الأدلة؛ إذ الجمع بينهما أولى من اطراح أحدهما (4)] (5).
ثم إذا فرعنا على القول الذي هو حقيقة في اللساني خاصة وهو قول الأصوليين كما تقدم، فاختلفوا في حصر صفة (6) الأمر على ثلاثة أقوال (7):
__________
(1) آية رقم 8 من سورة المجادلة.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(4) في ز: "احدهما".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) في ط وز: "خصوصية".
(7) تحرير محل النزاع هو أن الأصوليين اتفقوا على أن لفظ أمر حقيقة في القول المخصوص، ومحل الخلاف هل يطلق على غيره إطلاقًا حقيقيًا أو لا؟
انظر الخلاف في هذه المسألة في: المعتمد لأبي الحسن البصري 1/ 39 - 42، شرح التنقيح للقرافي ص 126، 127، شرح التنقيح للمسطاسي ص 53، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 8، 9، الإحكام للآمدي 2/ 130 - 137، إحكام الفصول في أحكام الأصول 1/ 124 - 126، المحصول ج1 ق 2 ص 7 - 18.
(2/446)

قيل: حقيقية في القول مجاز في غيره، هذا مذهب (1) الجمهور، وإليه أشار المؤلف بقوله: والصحيح (2): أنه اسم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات، هذا هو (3) مذهب الجمهور (4).
وقيل: مشترك (5): بين شيئين، أي (6): بين القول والفعل، وهو مذهب الباجي (7) وغيره.
وإليه أشار المؤلف بقوله: (وعند بعض (8) الفقهاء مشترك بين القول والفعل).
حجته: أنه استعمل (9) فيهما (10) معًا (11)، والأصل الحقيقة.
ورد هذا: بأن الأصل عدم الاشتراك.
القول الثالث: أنه لفظ مشترك (12) بين خمسة أشياء: القول، والفعل،
__________
(1) في ز: "هو مذهب".
(2) في ز: "فالصحيح".
(3) "هو" ساقطة من ز.
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 126.
(5) في ز: "هو مشترك".
(6) "أي" ساقطة من ز.
(7) يقول الباجي في إحكام الفصول: الأمر يقع حقيقة على القول والفعل.
انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول 1/ 124.
(8) "بعض" ساقطة من ط.
(9) في ط: "يستعمل".
(10) في ط: "فيها".
(11) "معًا" ساقطة من ط.
(12) في ط: "اشتراك".
(2/447)

والشيء، والشأن، والصفة (1).
[وإليه أشار المؤلف بقوله: وعند أبي الحسين مشترك بينهما وبين الشيء والشأن والصفة] (2).
فيكون مشتركًا بين هذه الأشياء الخمسة لورود استعمال لفظ الأمر في جميعها، والأصل الحقيقة (3).
ورد (4): بأن الأصل عدم الاشتراك.
مثال القول: قوله تعالى (5): {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} (6).
ومثال الفعل: قوله تعالى: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (7).
[أي: من فعل الله] (8).
وقولنا: كنا في أمر عظيم إذا كنا في الصلاة.
__________
(1) يقول أبو الحسين البصري: وأنا أذهب إلى أن قول القائل: "أمر" مشترك بين الشيء والصفة وبين جملة الشأن والطرائق وبين القول المخصوص.
انظر: المعتمد 1/ 39.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ز: "الحقيقة دون المجاز".
(4) في ز: "ورد هذا".
(5) "قوله تعالى" لم ترد في ز.
(6) آية 97 سورة هود.
وجه الاستدلال من الآية: أي: ما قول فرعون.
(7) آية 73 سورة هود.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(2/448)

ومثال الشيء قولك: ائتني بأمر ما، أي: بشيء ما، ومنه قولهم في المثل السائر: لأمر ما جدع قصير أنفَه (1).
ومثال الشأن: قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} (2).
قال المؤلف في الشرح: معناه: وما شأننا في إيجادنا إلا ترتيب مقدورنا على قدرتنا وإرادتنا، من غير تأخير كلمح بالبصر (3)، أي: كخطفة (4) البصر (5).
ومثال الصفة قول الشاعر:
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود
أي: لصفة ما يسود من يسود.
قوله: (اسم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب (6)) المراد بالصيغة: اللفظ، أي: هو اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب، أي: هو اسم لمطلق اللفظ الذي
__________
(1) وقصة هذا المثل أن قصيرًا بن سعد لما قتل جذيمة ونجا هو على العصا، قال لعمرو: ألا تطلب بثأر خالك اجدع أنفي، واقطع أذني، واضرب ظهري، حتى تؤثر فيه, ودعني وإياها، ففعل به عمرو ذلك، وروي أن عمرًا أبى عليه ففعل قصير بنفسه ذلك، فقيل في المثل: لأمر ما جدع قصير أنفه.
انظر كتاب: الفوائد المحصورة في شرح المقصورة, تأليف محمد بن أحمد بن هشام اللخمي، ص 199، 200، أمثال العرب للضبي ص 65، مجمع الأمثال للميداني 2/ 196, المستقصى ص 240.
(2) آية 50 سورة القمر.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 127.
(4) في ز: "كلحظة".
(5) في ط وز: "بالبصر".
(6) "الدالة على الطلب" ساقطة من ط وز.
(2/449)

هو قدر مشترك بين جميع صيغ الأمر، يعني لفظ الأمر الذي هو: مجموع الهمزة والميم والراء، هو: اسم الصيغة (1) "افعل"، أي: [هو اسم] (2) للفظ افعل، عبّر المؤلف أولاً باللفظ في قوله: (أما لفظ الأمر)، وعبّر ثانيًا بالصيغة في قوله: (لمطلق الصيغة) كراهة إعادة اللفظ بعينه.
فقولك إذًا: أمر موضوع في اللغة العربية لقولك: افعل.
قوله: (لمطلق الصيغة) أي: لمطلق القول الدال على الطلب خلافًا للمتكلمين [القائلين] (3) بأنه الموضوع [للطلب] (4) القائم بالنفس وهو المعنى القائم بذات الأمر، وهو: مدلول اللفظ.
و (5) قوله: (الدالة) احترازًا من الصيغة المهملة (6).
وقوله: (على الطلب) الألف واللام للحوالة على قوله أولاً في حقيقة الأمر في الفصل السادس (7) في أسماء الألفاظ: "والأمر هو اللفظ الموضوع لطلب الفعل طلبًا جازمًا على سبيل الاستعلاء نحو: "قم" أي: على طلب الفعل طلبًا جازمًا على سبيل الاستعلاء، والمراد بالطلب: إيجاد الشيء وإدخاله في الوجود، فيندرج فيه طلب الفعل، وطلب القول، وطلب الاعتقاد، وقد تقدم ذلك في حقيقة الأمر في الفصل السادس (8).
__________
(1) في ط: "لصيغة".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط، وفي الأصل: "للطالب"، وفي ز: "للفظ".
(5) "الواو" ساقطة من ز.
(6) في ط: "المهمة".
(7) من الباب الأول.
(8) انظر (1/ 355 - 361) من هذا الكتاب.
(2/450)

قوله: (من سائر اللغات) يعني: من جميع اللغات، فيندرج في هذا الحد جميع الألفاظ الدالة على الطلب بأي لغة (1) كانت؛ لأن حقيقة الأمر لا تختلف باختلاف اللغات؛ فإن التركي مثلاً يأمر وينهى كما يأمر العربي وينهى.
قوله: (وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر، فهو: موضوع عند مالك - رحمه الله - وعند (2) أصحابه للوجوب، وعند أبي هاشم للندب، وللقدر المشترك بينهما عند قوم (3)، وعند آخرين (4) لا يعلم حاله).
ش: هذا هو المطلب الثاني، و (5) هو: بيان موضوع الأمر، فلما بيّن المؤلف - رحمه الله - موضوع الأمر الذي هو صيغة "افعل" أراد أن يبين موضوع صيغة (6) "افعل" يعني الصيغة المجردة عن القرائن.
قوله: (وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر).
ش: معناه: وأما اللفظ الذي هو موضوع الأمر ومسماه، فالموضوع والمسمى والمدلول ها هنا عند المؤلف مترادفة (7)، عبّر المؤلف أولاً بالمسمى وعبر ها هنا بالمدلول وهما واحد، وعبّر بالصيغة أولاً، وعبر ها هنا
__________
(1) في ط: "أي على لغة"، وفي ز: "في أي لغة".
(2) في ط: "وعذر".
(3) لفظ: "للندب وللقدر المشترك بينهما عند قوم" ساقط من نسخة أ.
(4) في ط وز: "قوم آخرين".
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) "صيغة" ساقطة من ز.
(7) في ز: "مترادفة لمعنى واحد".
(2/451)

باللفظ والصيغة واللفظ أيضًا واحد.
قوله: (وأما اللفظ الذي هو مدلول (1) الأمر) أي: أما (2) الصيغة التي هي موضوع الأمر فهي موضوعة عند مالك - رحمه الله - وعند أصحابه للوجوب، ذكر المؤلف ها هنا أربعة أقوال (3) في موضوع صيغة افعل:
أحدها: الوجوب وهو مذهب مالك (4) والشافعي (5)، وجماعة من المتكلمين (6)، وجماعة من المعتزلة (7).
__________
(1) في ط: "من أول".
(2) في ط وز: "وأما".
(3) انظر الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 127، شرح التنقيح للمسطاسي ص 54, 55، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 111، 112، المعتمد 1/ 50، 51، البرهان مسألة رقم (131، 132) ج 1/ 215 - 216، العدة 1/ 224 - 247، الإحكام للآمدي 2/ 144، 145، مختصر المنتهى لابن الحاجب وشرح العضد وحواشيه 2/ 79، 80، نهاية السول 2/ 251 - 271، المحصول ج 1 ق 2 ص 66 - 158، المعالم للرازي ص 91 - 103، إرشاد الفحول ص 94، ميزان الأصول للسمرقندي ص 96 - 109، الإبهاج شرح المنهاج 2/ 22 - 42، المستصفى للغزالي 1/ 423.
(4) انظر نسبة القول للإمام مالك في شرح التنقيح للقرافي ص 127، وشرح التنقيح للمسطاسي ص54، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 111.
(5) نسبه له الجويني في البرهان 1/ 216، والآمدي في الإحكام 2/ 144.
والقول بالوجوب هو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله.
انظر: العدة لأبي يعلى 1/ 224.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 144.
(7) انظر: البرهان للجويني 1/ 215.
(2/452)

قوله: (وعند أصحابه) يعني: جمهور (1) أصحاب مالك؛ [إذ من أصحاب مالك] (2) من قال: بأن موضوعه الندب.
القول الثاني: أنه موضوع حقيقة للندب، وهو مذهب أبي هاشم (3)، وكثير من المعتزلة وكثير من المتكلمين (4)، وبعض المالكية (5).
القول الثالث: أنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، أي: هو موضوع (6) للطلب المشترك بينهما وهو رجحان الفعل على الترك؛ لأن الوجوب والندب مشتركان في مطلق الطلب، ولا دلالة له على منع الترك ولا على الإذن في الترك؛ لأن الوجوب قد امتاز (7) بمنع (8) ترك [الفعل، وامتاز الندب بالإذن في ترك] (9) الفعل، وإلى هذا القول الثالث أشار المؤلف بقوله: (وللقدر المشترك بينهما عند قوم).
القول الرابع: أنه حقيقة في أحدهما [من] (10) غير تعيين وجوب ولا ندب، [ولا يدرى بعينه فيجزم بوضعه لأحدهما ويتوقف (11) في تعيينه، هذا
__________
(1) في ز: "وعند جمهور".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) انظر نسبة هذا القول لأبي هاشم في: الإحكام للآمدي 2/ 144، نهاية السول 2/ 252.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 144.
(5) في ط: "الملائكة"، وهو تصحيف.
(6) في ز: "هي موضوعة".
(7) "قد امتاز" ساقط من ز.
(8) في ز: "يمنع".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(11) في ز: "بوضعه له ويوقف".
(2/453)

ظاهر كلام المؤلف في شرحه (1).
وظاهر كلام الإمام في المحصول أن هذا القول معناه: أنه حقيقة] (2) في واحد من ثلاثة أمور:
إما الوجوب، أو الندب، أو حقيقة (3) فيهما معًا، فيكون لفظًا (4) مشتركًا بينهما فهو حقيقة في واحد من هذه الثلاثة، ولكن لا يدرى تعيين موضوعه من هذه الثلاثة (5).
وهو مذهب الأشعري، والباقلاني, والغزالي (6).
وإلى هذا القول الرابع أشار المؤلف بقوله: وعند الآخرين لا يعلم حاله.
__________
(1) يقول القرافي في بيان هذا المذهب: حجة أنه لأحدهما لا بعينه وروده في القسمين، والأصل عدم الاشتراك، ولم يدل دليل على أنه أخص بأحدهما فيجزم بالوضع ويتوقف في تعيين الموضوع له.
انظر: شرح التنقيح ص 128.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) في ز: "أو هو حقيقة".
(4) في ز: "لفظه".
(5) انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 68.
(6) نسب هذا القول لهؤلاء العلماء الثلاثة ابن السبكي في الإبهاج 2/ 23، ونسب الآمدي في الإحكام (2/ 145) لهم القول بالتوقف، واختاره هو أيضًا.
وصرّح الغزالي بالتوقف، يقول الغزالي في المستصفى (1/ 423): وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب وقال قوم: للندب، وقال قوم: يتوقف فيه، ثم منهم من قال: هو مشترك كلفظ العين، ومنهم من قال: لا ندري أيضًا أنه مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازًا، والمختار أنه متوقف فيه.
(2/454)

هذه أربعة أقوال ذكرها المؤلف ها هنا، وذكر المؤلف في الشرح سبعة مذاهب ونصه: في الأمر سبعة مذاهب: للوجوب, وللندب، للقدر المشترك بينهما، مشترك بينهما, لأحدهما (1) لا يعلم حاله, للإباحة, الوقف في ذلك كله, ذكر (2) الإمام فخر الدين في المحصول (3) والمعالم (4) بعضها ها هنا وبعضها ها هنا. انتهى نصه (5).
وذكر قطب الدين الشيرازي قولاً ثامنًا بأنه: موضوع [بالاشتراك اللفظي بين ثلاثة أشياء: الوجوب, والندب, والإباحة.
وذكر أيضًا قولاً تاسعًا بأنه موضوع] (6) بالاشتراك المعنوي وهو: القدر المشترك، وهو مطلق الإذن بين الوجوب, والندب، والإباحة.
[وذكر قولاً عاشرًا: بالاشتراك اللفظي بين أربعة أشياء وهي: الوجوب, والندب، والإباحة] (7) والتهديد، وهو مذهب الشيعة (8).
فهذه عشرة أقوال (9) ذكر المؤلف منها ها هنا أربعة أقوال وهي: الوجوب،
__________
(1) فى ط: "ولأحدهما".
(2) في ط وز: "ذكرها".
(3) انظر: المحصول ج 1 ق 2، ص 66, 67.
(4) انظر: المعالم ص 91, 92.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 127.
(6) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) انتهى كلام قطب الدين, وقد نقله المؤلف بالمعنى.
انظر: شرح مختصر المنتهى، تأليف قطب الدين الشيرازي ج 1 ص 219 مخطوط في مكتبة الجامع الكبير بمكناس رقم 160.
(9) هذه الأقوال العشرة: ذكرها أحمد حلولو في شرح التنقيح وزاد عليها ثلاثة أقوال =
(2/455)

والندب، والقدر المشترك، والوضع لأحدهما لا بعينه.
حجة القول بالوجوب: القرآن، والحديث، واللغة:
فالقرآن: قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (1).
ذمه على مخالفة أمره إياه بالسجود لآدم (2).
وقوله تعالى أيضًا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} (3).
فذمهم على مخالفة الأمر، والذم على المخالفة دليل على وجوبه.
وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} (4) الآية ولا يعذب إلا في ترك الواجب (5).
وقوله تعالى: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} (6).
__________
= أخرى وهي:
أنه مشترك بين الأربعة، والإرشاد.
أنه مشترك بين الأحكام الخمسة.
أن أمر الله تعالى حقيقة في الوجوب وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقة في الندب إذا كان مبتدأ، أي: ليس لبيان المجمل ولا موافق لنص من الكتاب.
حكاه القاضي عبد الوهاب عن الأبهري وحكى المازري عنه أيضًا أنه للندب مطلقًا. انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 112.
(1) آية رقم 12 من سورة الأعراف.
(2) ولو لم يكن الأمر للوجوب لما ذمه الله تعالى على الترك.
(3) آية رقم 48 من سورة المرسلات.
(4) آية رقم 63 من سورة النور.
(5) في ز: "الوجوب".
(6) آية رقم 12 من سورة سبأ.
(2/456)

والحديث (1) قوله عليه السلام: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (2).
وليس هناك ما ينفي إلا الوجوب لثبوت الندب إلى السواك فلا (3) يصح نفيه مع ثبوته.
ودليل (4) اللغة: أن السيد إذا أمر عبده (5) بفعل (6) فلم (7) يفعل استحق الذم والتوبيخ، فدل على الوجوب.
وحجة القول بالندب: قوله عليه السلام: "إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (8).
__________
(1) في ط: "وفي الحديث".
(2) في ط: "عند كل صلاة"، وفي بعضها: "عند كل وضوء"، وفي ز، "عند كل صلاة"، وفي بعض الروايات: "عند كل وضوء"، وقد سبق تخريج هذا الحديث.
(3) في ز: "ولا".
(4) في ط: "والدليل".
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "عبد".
(6) فى ز: "بالفعل".
(7) في ز: "ولم".
(8) أخرجه الإمام البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤلاتهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه, وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله (4/ 258).
وأخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة في خطبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه: "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".
انظر: صحيح مسلم كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (4/ 102).
وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أمرتكم به فخذوه =
(2/457)

ففوض فيه الأمر إلى مشيئتنا، وذلك دليل الندب.
أجيب (1) عن هذا الدليل: بأنه لم يرده (2) إلى مشيئتنا [وإنما رده (3) إلى استطاعتنا، فلو رده (4) إلى المشيئة لقال: فأتوا منه ما شئتم] (5)، والرد إلى الاستطاعة (6) ليس من خواص المندوب؛ لأن كل واجب مردود إلى الاستطاعة (7) لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} (8).
وحجة القول بأنه للقدر المشترك بين الوجوب والندب أن الأمر ورد مستعملاً في الوجوب (9)، ومستعملاً في الندب (10)، والأصل عدم
__________
= وما نهيتكم عنه فانتهوا".
سنن ابن ماجه المقدمة، حديث رقم 1 (1/ 3).
وأخرجه النسائي عن أبي هريرة من حديث طويل وفيه: "فإذا أمرتكم بالشيء فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
انظر: سنن النسائي كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحج (5/ 83).
(1) في ز: "وأجيب".
(2) في ز: "يرد".
(3) في ز: "رد".
(4) في ز: "فلو رد".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(6) في ط: "استطاعة".
(7) في ط: "استطاعة".
(8) آية 286 سورة البقرة، وانظر هذا الجواب في: الإحكام للآمدي 1/ 154.
(9) في ط وز: "في الوجوب نحو قوله: {وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} " البقرة (43).
(10) في ط وز: "في الندب كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} الآية" النور (33).
(2/458)

الاشتراك، والأصل عدم المجاز، فوجب جعله للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب (1) بالفعل (2).
وحجة القول بأنه [لواحد من] (3) الوجوب أو الندب (4) من غير تعيين: أنه ورد مستعملاً في الوجوب ومستعملاً في الندب، والأصل عدم الاشتراك، ولم يدل دليل على تعيين أحدهما فيجزم بالوضع [له] (5) ويتوقف في التعيين.
وحجة القول بالإباحة: أن الوجوب، والندب، والإباحة، هذه الأقسام الثلاثة كلها مشتركة في معنى واحد وهو: جواز الإقدام على الفعل، فوجب حمله (6) على ذلك (7) المعنى، والأصل عدم اعتبار الخصوصية (8) (9).
__________
(1) في ط: "للطلب".
(2) يقول ابن السبكي في الجواب عن هذا الدليل: والجواب أنّا قد بينا أن الأمر حقيقة في الوجوب كما سبق، فالمصير إلى كونه مجازًا في الندب وغيره من الموارد واجب؛ لئلا يلزم الاشتراك، والمجاز أولى به.
انظر: الإبهاج شرح المنهاج 2/ 41.
(3) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "لأحد الوجوب".
(4) في ط وز: "والندب".
(5) المثبت من ز، ولم ترد: "له" فى الأصل وط.
(6) في ط: "عمله".
(7) في ط: "على إذا".
(8) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الخصوصات".
(9) ذكر هذا الدليل المسطاسي وأجاب عنه فقال: وقولهم: إن الأقسام كلها اشتركت في جواز الإقدام، فوجوب القول به إنما يجيء على مذهب المتقدمين في الإباحة؛ لأنها عندهم عبارة عن جواز الإقدام، وأما على مذهب المتأخرين الذين يقولون: عبارة عما استوى طرفاه في نظر الشرع فلا، والله أعلم.
انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 55.
(2/459)

وحجة القول بأنه مشترك بين الوجوب والندب: أنه ورد مستعملاً في كل واحد منهما والأصل الحقيقة، والأصل عدم المجاز، فوجب جعله حقيقة في كل واحد من الثلاثة (1) فيكون لفظًا مشتركًا.
[وحجة القول بأنه مشترك بين الثلاثة: الوجوب، والندب، والإباحة بالاشتراك اللفظي: أنه مستعمل في الثلاثة، والأصل الحقيقة وعدم المجاز: فوجب جعله حقيقة (2) في كل واحد من الثلاثة، فيكون لفظًا مشتركًا] (3).
وحجة القول بأنه للقدر المشترك (4) بين الثلاثة: الوجوب، والندب، والإباحة، والمراد بالقدر المشترك بينهما مطلق (5) الإذن: أن (6) هذه الأقسام الثلاثة مشتركة بالاشتراك المعنوي في معنى واحد، وهو: مطلق الإذن فوجب جعله لذلك المعنى.
وحجة القول بأنه مشترك بالاشتراك اللفظي بين أربعة أشياء: الوجوب، والندب، والإباحة, والتهديد: أنه ورد استعمال الأمر في كل واحد من الأربعة، والأصل عدم المجاز، فوجب جعله لفظًا (7) مشتركًا بين المعاني الأربعة.
قوله: (وهو عنده أيضًا للفور وعند الحنفية، خلافًا لأصحابنا (8) المغاربة
__________
(1) في ط وز: "منهما".
(2) "حقيقة" ساقطة من ز.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) في ط: "والمشترك".
(5) في ط وز: "هو مطلق".
(6) في ط: "لأن".
(7) "لفظًا" ساقطة من ز.
(8) في أ: "لاصحابه".
(2/460)

والشافعية، وقيل: بالوقف".
ش: هذا هو المطلب الثالث وهو قولنا: هل يدل الأمر على الفور أم لا (1)؟
ومعنى هذا: هل يجب تعجيل [الفعل] (2) المأمور به في أول أزمنة الإمكان أم لا؟
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى (3) في ذلك ثلاثة أقوال (4):
__________
(1) يقول المسطاسي: اختلفت عباراتهم في هذه المسألة, فمنهم من يقول: اختلفوا في الأمر هل يقتضي الفور أم لا؟
ومنهم من يقول: هل يقتضي التراخي أم لا؟ قال إمام الحرمين: هل يقتضي الامتثال من غير تخصيص بوقت أم لا؟
انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 56.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل وط: "الأمر".
(3) "رحمه الله" لم ترد في ز.
(4) اختلف الأصوليون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأول: وجوب المبادرة إلى الفعل أول أوقات إمكانه هو مذهب الإمام مالك، ونسبه أبو الوليد الباجي للبغداديين والبصريين من المالكية، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، وأخذ به أبو الحسن الكرخي من الحنفية، والغزالي، ونسبه الشيرازي للصيرفي وأبي حامد السيرافي من الشافعية.
الثاني: أنه يقتضي التراخي، ونسب هذا المذهب للشافعي، والمغاربة من المالكية، وإليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو إسحاق الشيرازي واختاره ابن الحاجب والآمدي والبيضاوي، وهو قول أبي علي وأبي هاشم من المعتزلة.
الثالث: الوقف، وانقسم القائلون بالوقف إلى فريقين:
الأول: غلاتهم قالوا: إن الفور والتأخير إذا لم يتبين أحدهما ولم يتعين بقرينة، فلو =
(2/461)

الأول: وجوب المبادرة إلى الفعل أول (1) أوقات إمكانه، وإليه أشار المؤلف - رحمه الله تعالى - بقوله: (وهو عنده أيضًا للفور وعند الحنفية) أي: ومدلول صيغة افعل عند مالك والحنفية (2) [عند عدم القرينة] (3) موضوع للفور (4)، أي: مقتضٍ للفور، أي: مقتض للتعجيل والمبادرة دون تراخ (5)،
__________
= أوقع المخاطب ما خوطب به عقيب فهم الصيغة لم يقطع بكونه ممتثلاً.
الثاني: المقتصدون قالوا: من بادر في أول الوقت كان ممتثلاً قطعًا، فإن أخر وأوقع الفعل المقتضى في آخر الوقت فلا يقطع بخروجه عن عهدة الخطاب، وقال الجويني: وهذا هو المختار عندنا.
انظر تفصيل هذه الأقوال في: شرح التنقيح للقرافي ص 129، 130، شرح التنقيح للمسطاسي ص55، 56، العدة لأبي يعلى 1/ 281 - 289، المعتمد 1/ 111 - 123، البرهان 1/ 231 - 248، المحصول ج 1 ق 2 ص 189 - 204، الإحكام للآمدي 2/ 165 - 170، المستصفى 2/ 9، المنخول ص 111 - 113، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 83 - 85، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 57 - 65، نهاية السول 2/ 286 - 291، المعالم للرازي ص 110 - 116، إحكام الفصول للباجي 1/ 92 - 96، فواتح الرحموت 1/ 387 - 391، كشف الأسرار 1/ 254، أصول السرخسي 1/ 26، تيسير التحرير 1/ 356، إرشاد الفحول 99 - 101، اللمع للشيرازي المطبوع مع تخريجه ص 71، 72.
(1) في ط وز: "في أول".
(2) في ط: "وعند الحنفية".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(4) في ط: "للفوريه".
(5) في ز: "تأخير".
وقد نسب هذا القول للحنفية الغزالي في المنخول ص 111، والجويني في البرهان 1/ 231، والآمدي في الإحكام 2/ 165.
ولكن هذه النسبة للحنفية ليست على إطلاقها، والصحيح في مذهب الحنفية: أنه على التراخي لكن مع التفصيل حيث قالوا: إن الأمر إما مقيد بوقت موسع أو مضيق، أو غير مقيد بوقت محدد كالأمر بالكفارات والقضاء للصوم والصلاة، فهو =
(2/462)

وهو مذهب البغداديين (1) من أصحاب مالك.
قال (2) القاضي عبد الوهاب في الملخص: الذي (3) ينصره أصحابنا أنه على الفور، وأخذوا ذلك (4) من أمر مالك بتعجيل الحج، ومنعه من تفرقة الوضوء، وغير ذلك من عدة مسائل في مذهبه (5).
القول الثاني: أنه يقتضي التراخي، وهو: جواز التأخير، لا وجوب التأخير، أي: يقتضي الأمر المطلق [المجرد من القرائن] (6) جواز التأخير (7) للفعل المأمور به، ولا يقتضي الفور، أي: ولا يقتضي تعجيل الفعل المأمور به.
__________
= لمجرد الطلب للفعل في المستقبل.
أما الأمر المضيق والمقيد بوقت محدد فلا يحتمل التأخير، أما الموسع وغير المقيد بوقت محدد فيجوز فيه التأخير كما تجوز المبادرة، وهو الصحيح عند الحنفية، ولم يقل بالفورية من الحنفية إلا أبو الحسن الكرخي كما صرح بذلك في مسلم الثبوت وشرحه، والشيخ بخيت في حاشيته على نهاية السول.
انظر: فواتح الرحموت 1/ 387، حاشية الشيخ بخيت على نهاية السول 2/ 286، 287، كشف الأسرار 1/ 254، أصول السرخسي 1/ 26.
(1) نسبه للبغداديين أبو الوليد الباجي في إحكام الفصول 1/ 92.
(2) في ز: "وقال".
(3) "الذي" ساقطة من ز.
(4) "ذلك" ساقطة من ط.
(5) انظر قول القاضي عبد الوهاب في شرح التنقيح للقرافي ص 128، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 114.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(7) في ط: "تأخير"، وفي ز: "تأخير الفعل".
(2/463)

وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (خلافًا لأصحابنا المغاربة والشافعية) يعني: القائلين بالتراخي، وهو مذهب القاضي (1) الباجي (2) والقاضي أبي بكر (3) الباقلاني (4).
القول (5) الثالث: أنه لا يتعين له وقت لا بتقديم ولا بتأخير، أي: لا يقتضي الفور ولا التراخي.
قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: وهو مذهب قوم من أصحابنا المتكلمين.
وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (وقيل بالوقف).
وهذا الخلاف كله إنما هو على القول: بأن الأمر لا يقتضي التكرار ولا يقتصي إلا مرة واحدة، وأما على القول بأن الأمر يقتضي التكرار فإنه يقتضي الفور باتفاق؛ لأن تعجيل المأمور به (6) في أول أزمنة الإمكان مع تكراره (7) يقتضي استقرار جميع الأزمنة حتى الزمان الفوري، ومسألة الفور هي من فروع مسألة التكرار, فينبغي أن تقدم مسألة التكرار (8) على مسألة الفور؛ إذ
__________
(1) "القاضي" ساقطة من ز.
(2) انظر: إحكام الفصول لأبي الوليد الباجي 1/ 92.
(3) في ز: "وأبي بكر القاضي".
(4) انظر: البرهان للجويني 1/ 232، الإحكام للآمدي 2/ 165.
(5) في ز: "والقول".
(6) "به" ساقطة من ز.
(7) في ط: "تكرار".
(8) وقد قدم أحمد حلولو مسألة التكرار على مسألة الفور في التوضيح شرح التنقيح ص 112 - 114 كغيره من الأصوليين، بينما المؤلف قدم الفور تبعًا للقرافي.
(2/464)

الفرع يؤخر أصله، ولكن قدم المؤلف - رحمه الله - مسألة الفور لاجتماعها مع مسألة حمل الأمر على الوجوب في الدليل الواحد كما سيأتي بيان (1) دليلها.
حجة القول بأنه على الفور: قوله تعالى لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (2) فلو لم يكن الأمر للفور لكان من حجة إبليس أن يقول: أمرتني بالسجود ولم توجب عليّ تعجيله.
وردّ بعضهم هذا الدليل بأن قال: الاستدلال لا يمس محل النزاع؛ لأن محل النزاع هو الأمر المجرد عن القرائن، وأما هذا (3) الدليل فقد اقترنت به قرينة لفظية تصرفه إلى الفور وهي (4) قوله (5): {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (6)؛ لأن الله تعالى رتّب السجود على هذه الأوصاف بفاء التعقيب، فهو يقتضي السجود عقيبها على الفور من غير تراخ (7).
__________
(1) "بيان" ساقطة من ز.
(2) آية 12 سورة الأعراف.
(3) "هذا" ساقطة من ز.
(4) في ز: "وهو".
(5) في ط وز: "قوله تعالى".
(6) آية 72 سورة ص.
(7) ذكر هذا الجواب الآمدي، وذكر جواب آخر وهو: أن توبيخ إبليس إنما كان ذلك لإبائه واستكباره، ولا يمكن إضافة التوبيخ إلى مطلق الأمر من حيث هو أمر؛ لأنه منقسم إلى: أمر إيجاب واستحباب، ولا توبيخ على مخالفة أمر الاستحباب إجماعًا، ولو كان التوبيخ على مطلق الأمر لكان أمر الاستحباب موبخًا على مخالفته.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 169.
(2/465)

وحجة القول بجواز التراخي: أن الذي يقتضيه الأمر هو وجوب الفعل، وليس في صيغته ما يدل على الوقت لا بتقديم ولا بتأخير، فوجب ألا يحمل على الفور إلا بدليل منفصل.
حجة (1) القول بالوقف: تعارض الأدلة.
قوله: (وهو عنده (2) للتكرار، قاله ابن القصار من استقراء كلامه، وخالفه أصحابه (3)، وقيل بالوقف).
ش: هذا هو المطلب الرابع وهو قولنا: هل يدل على التكرار أم لا؟ معناه: هل يدل الأمر (4) على تكرار الفعل المأمور به أو لا يدل إلا على المرة الواحدة؟ [وهذا أيضًا إذا تجرد عن القرينة] (5).
ذكر المؤلف - رحمه الله - (6) في ذلك ثلاثة أقوال (7):
__________
(1) في ط وز: "وحجة".
(2) في ط: "عندي".
(3) في ز: "صحابه".
(4) "الأمر" ساقطة من ز.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(6) "رحمه الله" لم ترد في ط.
(7) انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 130، 131، شرح التنقيح للمسطاسي ص 56، التوضيح شرح التنقيح ص 112 - 114، المعتمد 1/ 98 - 105، البرهان للجويني مسألة رقم 139 - 142، 1/ 224 - 230، المحصول ج 1 ق 2 ص 162 - 178، الإحكام للآمدي 2/ 155 - 160، المنخول ص 108، حاشية التفتازاني على مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 81 - 82، المعالم للرازي ص 105 - 110، شرح البدخشي مع الإسنوي 2/ 274 - 282، الإبهاج شرح المنهاج 2/ 47 - 53، تيسير التحرير 1/ 351، أصول السرخسي 1/ 20، فواتح =
(2/466)

أحدها: أنه يدل على التكرار، وهو مذهب مالك، وجماعة من الفقهاء, والمتكلمين (1).
وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (وهو عنده للتكرار) أي: عند مالك.
القول الثاني: أنه للمرة الواحدة.
قال عبد الوهاب في الملخص (2) وفي الإفادة أيضًا: إنه مذهب أصحاب مالك (3).
وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: (وخالفه أصحابه).
القول الثالث: أنه لا يقتضي شيئًا، أي (4): لا يقتضي (5) المرة الواحدة ولا التكرار على التعيين.
وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: وقيل بالوقف.
وذهب إمام الحرمين (6) والإمام فخر الدين (7) وغيرهم (8) من
__________
= الرحموت 1/ 380، 381، إرشاد الفحول 97 - 99.
(1) وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 155, البرهان 1/ 224، المنخول ص 108.
(2) في ط: "المخلص" وهو تصحيف.
(3) انظر قول القاضي عبد الوهاب في: شرح التنقيح للقرافي ص 130, والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 113.
(4) "أي" ساقطة من ط وز.
(5) "لا يقتضي" ساقطة من ز.
(6) انظر: البرهان 1/ 229، 230.
(7) انظر: المعالم ص 105، والمحصول ج 1 ق 2 ص 162، 163.
(8) في ز: "وغيرهما".
(2/467)

المحققين (1) إلى أن الأمر إنما يفيد طلب الماهية من (2) غير إشعار بالوحدة أو التكرار (3)، ولكن لا بد من الوحدة لتحصيل مقتضى الصيغة، وهو: إدخال ماهية المأمور به في الوجود.
هذه (4) أربعة أقوال ذكر المؤلف منها ثلاثة وسكت عن الرابع.
واحتج القائلون بأنه (5) للتكرار بأربعة أوجه:
أحدها (6): أن الصديق رضي الله عنه استدل على وجوب تكرار الزكاة على أهل الردة بقوله تعالى: {وآتُوْا الْزَّكَاةَ} (7) بمحضر الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم ينكر عليه، فكان إجماعًا سكوتيًا على أن الأمر للتكرار.
الثاني: قياس الأمر على النهي لاشتراكهما في مطلق الطلب، وإن كان الأمر طلب الفعل، والنهي طلب الترك، وهو ضده؛ لأن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، كما نصبوا ب "لا" قياسًا على "إن" مع أنهما
__________
(1) ممن اختار هذا المذهب أيضًا: الحنفية، وابن الحاجب والبيضاوى والآمدي.
انظر: تيسير التحرير 1/ 351، أصول السرخسي 1/ 20، مختصر المنتهى لابن الحاجب 1/ 82، المنهاج للبيضاوي وشرحه الإبهاج 2/ 47، الإحكام للآمدي 2/ 155، إرشاد الفحول ص 97.
(2) في ط: "عن".
(3) في ط وز: "والتكرار".
(4) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "هذا".
(5) في ط: "لأنه".
(6) في ط: "أحد".
(7) ورد هذا الأمر في عدة مواضع منها: آية 277 سورة البقرة، آية 5 سورة التوبة، آية 11 سورة التوبة، آية 41 سورة الحج.
(2/468)

متضادان؛ لأن "لا" لتأكيد (1) النفي، و"إن" لتأكيد (2) الإيجاب، فحمل أحدهما على الآخر لاشتراكهما في مطلق التأكيد، كما قرره النحاة. قال ابن مالك في الألفية:
عمل إن اجعل للا في نكرة ... مفردة جاءتك أو مكررة
فانصب بها مضافًا أو مضارعه ... وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه (3)
مثال المضاف: لا طالب (4) علم محروم (5).
ومثال مشابه المضاف: لا طالعًا جبلاً ظاهر (6).
الوجه الثالث: أن الأمر لو كان يقتضي المرة الواحدة ولا يقتضي التكرار (7) لامتنع ورود النسخ (8) بعد فعله مرة واحدة؛ لأنه إذا فعل مرة واحدة خرج المكلف به عن عهدة التكليف، ولم يبق هناك ما ينسخ؛ لأن ورود النسخ بعد المرة الواحدة يدل على البداء (9)، مع أن النسخ يجوز وروده على الأمر عند
__________
(1) في ط: "للتأكيد".
(2) في ط: "التأكيد".
(3) انظر: ألفية ابن مالك فى "لا" التي لنفي الجنس ص 51، المطبوع بهامشها حواشي لمجموعة من العلماء.
(4) في ط وز: "لا طلاب علم محروم لا غلام رجل هنا".
(5) في شرح ابن عقيل (1/ 305): "لا غلام رجل حاضر".
(6) انظر: المصدر السابق، وفي ط وز: "لا طالعًا جبلاً ظاهر, لا أفضل منك في هذا الزمان".
(7) في ط: "ولا بتكرار".
(8) فى ط وز: "النسخ عليه".
(9) في ز: "البقاء".
(2/469)

الجميع.
[الوجه الرابع: أن الأمر لو كان يقتضي المرة الواحدة، ولا يقتضي التكرار لامتنع (1) ورود الاستثناء] (2) [عليه مع أن الاستثناء يجوز ورود الأمر عليه عند الجميع] (3).
فلو قلنا (4): لا يقتضي التكرار، لصار الاستثناء (5) بعد (6) المرة الواحدة نقضًا.
أجيب عن الأول، وهو استدلال الصدِّيق (7) بآية الزكاة على تكرار الزكاة على أهل الردة: بأن التكرار يحتمل أن يكون مستفادًا من القرائن لا من لفظ الآية.
وأجيب عن الثاني: وهو قياس الأمر على النهي: بأنه قياس في اللغة، وهو ضعيف على ما يأتي في باب القياس (8) إن شاء الله.
وأجيب عن الثالث: وهو (9) قولنا: لو لم يقتض (10) التكرار لامتنع ورود
__________
(1) في ز: "لمنع".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(4) في ط: "فلو كان".
(5) في ط: "ورود الاستثناء".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) في ز: "الصديق رضي الله عنه".
(8) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "النسخ".
(9) "هو" ساقطة من ط.
(10) في ط: "يقض".
(2/470)

النسخ عليه بعد فعله: بأن النسخ إذا ورد عليه صار ذلك قرينة تدل على أن المراد به التكرار دون المرة الواحدة.
وأجيب عن الرابع: وهو قولنا: لو لم يقتض (1) التكرار لامتنع ورود الاستثناء عليه: بأن الاستثناء إذا ورد عليه [ففائدته] (2): المنع من إيقاع الفعل في بعض الأوقات التي كان المكلف مخيرًا بين إيقاع الفعل [فيه] (3) وفي غيره من الأوقات.
واحتج القائلون بأنه للمرة الواحدة: أن السيد إذا أمر عبده (4) بفعل ففعله مرة واحدة (5) فإنهم يسمونه ممتثلاً وفاعلاً لما أمر به لغة، فدل ذلك على أنه موضوع للمرة الواحدة.
[أجيب عن هذا الدليل بأنه إنما سمي ممتثلاً؛ لأنه فعل ما (6) أمر به لإتيانه بالمرة الواحدة] (7).
[واحتج القائلون بأن الأمر إنما يفيد] (8) المأمور به لاستحالة دخول حقيقة
__________
(1) في ط: "يقض".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(4) المثبت من ط، وفي الأصل: "عبد".
(5) "واحدة" ساقطة من ز.
(6) "ما" ساقطة من ط.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل.
في ز بلفظ: "لأن المرة الواحدة من ضرورة الفعل المأمور به ... " إلخ.
(2/471)

الفعل المأمور به في الوجود بدون المرة الواحدة.
واحتج القائلون بأن الأمر إنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والتكرار: بأن مدلول صيغة الأمر طلب حقيقة الفعل، والمرة الواحدة والتكرار أمران خارجان عن حقيقة الفعل، فلا دلالة للصيغة (1) عليهما، فلو أمر السيد عبده أن يتصدق على فقير لخرج عن العهدة بفعل المأمور به، فلو زاد على المرة الواحدة استحق اللوم.
واحتج القائلون بالوقف: بتعارض الأدلة.
قوله (2): (لنا: قوله تعالى لإِبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (3) رتّب الذم على ترك الأمور به في الحال؛ وذلك دليل الوجوب والفور، وأما التكرار فلصحة الاستثناء في (4) كل زمان عن (5) الفعل).
ذكر المؤلف - رحمه الله - أن الأمر عند مالك - رحمه الله - يدل على الوجوب، والفور، والتكرار، أراد أن يقرر الدليل على هذه الثلاثة (6) فقال: لنا قوله تعالى لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (7).
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لصيغة".
(2) في ز: "نص".
(3) آية 12 سورة الأعراف.
(4) "في" ساقطة من أ.
(5) في خ وش: "من".
(6) في ز: "الأمور الثلاثة".
(7) آية 12 سورة الأعراف.
(2/472)

معناه: لنا نحن المالكية في الاستدلال على دلالة الأمر المطلق على الوجوب، و (1) على الفور هذه الآية الكريمة؛ وذلك أن الله تبارك (2) وتعالى رتب ذم إبليس على تركه السجود، وعلى ترك مبادرته به في الحال، فإن الذم على ترك المأمور به دليل الوجوب، والذم على ترك المبادرة به دليل الفور.
قوله: (وأما التكرار فلصحة الاستثناء في كل زمان عن الفعل).
هذا دليل كون الأمر المطلق يفيد التكرار، ومعنى هذا: أن أوقات الفعل المأمور به يصح أن يستثنى [منها] (3) بعض الأوقات، فتقول مثلاً: صلّ إلا عند الزوال، وصلّ إلا عند الغروب، أو افعل كذا إلا في وقت كذا فلا تفعل فيه، فإذا صح الاستثناء لبعض الأوقات، دلّ ذلك الاستثناء على التكرار؛ إذ لا يصح الاستثناء إلا مما يمكن تكراره.
قوله: (وأما التكرار) فمعناه (4): وأما دليل التكرار فحذف المضاف.
قوله: (في كل زمان عن الفعل) أي: عن إيقاع الفعل؛ ففيه حذف (5) المضاف لدلالة السياق عليه.
قوله (6): (فإِن علق على الشرط (7) فهو عنده وعند جمهور أصحابه والشافعية للتكرار، خلافًا للحنفية).
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "تبارك" لم ترد في ط.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "به"، وفي ط: "منه".
(4) في ز: "معناه".
(5) في ز: "فيه فحذف".
(6) في ز: "نص".
(7) في أوخ وش وط وز: "شرط".
(2/473)

ش: هذا الفرع من تمام المطلب الذي قبله، وذلك أنه ذكر أولاً الخلاف في الأمر المطلق: هل يقتضي التكرار أم لا؟ فذكر ها هنا الخلاف في خصوصية الأمر المعلق (1) على شرط (2)، ولكن هذا الخلاف إنما هو على القول: بأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار (3)، وأما على القول بأن الأمر المطلق يفيد التكرار، فأولى وأحرى أن يفيد التكرار عند تعلقه بشرط؛ لأن الشروط اللغوية أسباب، والحكم يتكرر بتكرر أسبابه (4)، فيجتمع حينئذ موجبان للتكرار وهما: الوضع، والسببية.
وأما من قال: الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فاختلفوا عند تعليقه.
__________
(1) المثبت من ط، وفي الأصل: "المطلق".
(2) حرر الآمدي في الإحكام (2/ 161) محل النزاع فقال: "ما علق به المأمور من الشرط والصفة إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الأمر لوجوب الفعل المأمور به كالزنا، أو لا يكون كذلك، بل الحكم متوقف عليه من غير تأثير له فيه، كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنا، فإن كان الأول فالاتفاق واقع على تكرر الفعل بتكرره، نظرًا إلى تكرر العلة ووقوع الاتفاق على التعبد باتباع العلة مهما وجدت، فالتكرار مستند إلى تكرار العلة لا إلى الأمر، وإن كان الثاني فهو محل الخلاف".
وانظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 131، 132، شرح التنقيح للمسطاسي ص 57، المعتمد 1/ 105 - 110، الإحكام للآمدي 2/ 161 - 164، إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي 1/ 78 - 80، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 53 - 57، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 282 - 286، المحصول ج 1 ق 2 ص 178 - 189، حاشية التفتازاني على شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 83، ميزان الأصول للسمرقندي ص 126، 127.
(3) في ط: "التكرر".
(4) في ط وز: "سببه".
(2/474)

فمنهم من خالف أصله؛ لأجل السببية الناشئة عن التعليق وقال بإفادة التكرار.
ومنهم: من طرد أصله وقال بعدم التكرار.
قوله: (فإِن علق على شرط) يريد: أو صفة؛ إذ الحكم فيهما واحد.
مثال الشرط قولك: صلّ إذا زالت الشمس، أو صم إذا استهلّ الشهر.
ومثال الصفة قوله تعالى: {وَالسَّارِق وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (1).
وقوله تعالى (2): {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} (3).
قوله: (فهو عنده) أي: عند مالك رحمه الله.
قوله: (والشافعية) أي: وجمهور الشافعية.
قوله: (خلافًا للحنفية) أي: القائلين بعدم التكرار.
حجة القول بالتكرار: [أن التكرار] (4) ثبت في أوامر الشرع المتعلقة بشرط أو صفة، كقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم} (5) , وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُبُبًا فَاطَّهَّرُوا} (6)، وقوله تعالى (7): {فَإِذَا لَقِيتُمُ
__________
(1) آية (38) سورة المائدة.
(2) "تعالى" لم ترد في ز.
(3) آية 2 سورة النور.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(5) آية 6 سورة المائدة.
(6) آية 6 سورة المائدة.
(7) "تعالى" لم ترد في ز.
(2/475)

الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} (1)، وقوله تعالى (2): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} (3)، وقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (4)، وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} (5)، فلما ثبت التكرار في الأوامر الشرعية المعلقة دل ذلك على أن الأمر المعلق على شرط أو صفة يدل على التكرار.
حجة القول بعدم التكرار: أن اللفظ لم يدل إلا على التعليق بالشرط، أو الصفة، والمفهوم من تعليق شيء على شيء أعم من كونه بوصف الدوام، أو المرة الواحدة، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فتبين بذلك: أن التعليق لا دلالة فيه على التكرار؛ لأنه ليس فيه إلا مجرد الربط (6).
قال المؤلف في الشرح: حجة التكرار: أن الشرط والصفة يجريان مجرى العلة [والحكم يتكرر بتكرر علته (7). انتهى.
وهذا الاستدلال (8) بمحل النزاع؛ لأن الخصم يقول: لا نسلم أن الشرط والصفة يجريان مجرى العلة] (9).
__________
(1) آية 4 سورة محمد.
(2) "تعالى" لم ترد في ز.
(3) آية 6 سورة الحجرات، هذه الآيات من أمثلة المعلق على شرط.
(4) آية 38 سورة المائدة.
(5) آية 2 سورة النور، هذه الآية والآية السابقة من أمثلة المعلق على صفة.
(6) ذكر هذه الحجة القرافي في شرح التنقيح ص 131.
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 131.
(8) في ط: "الاستدلال".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2/476)

هذا كله إذا اتحد لفظ الأمر، فذكر فيه المؤلف أربعة أقوال.
ثالثها: يقتضي التكرار إن علق بشرط أو صفة.
ورابعها: الوقف. [وأما إن تعدد لفظ الأمر فهو (1) مسألة أخرى، فاعلم أنه (2)] (3) إذا تكرر الأمر فلا يخلو:
إما أن يكون (4) الثاني خلاف الأول.
وإما أن يكون الثاني مثل الأول.
فإن كان الثاني خلاف الأول نحو قولك: صلّ ركعتين، صم يوم الخميس، فلا خلاف أن الثاني يحمل على التأسيس ولا يحمل على التأكيد.
وإن كان الثاني مثل الأول: فإما أن تكون هناك قرينة تمنع من التأسيس أم لا:
فإن كان هناك قرينة تمنع من التأسيس، فإنه يحمل على التأكيد باتفاق أيضًا، كقولك: أعط زيدًا درهمًا، أعط زيدًا الدرهم، فإن الدرهم الثاني هو الأول؛ لأن التعريف في الثاني (5) قرينة دالة على إحالة الثاني على الأول، كقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} (6)، فالرسول الثاني هو الأول.
__________
(1) في ز: "فهي".
(2) "فاعلم أنه" ساقط من ز.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(4) "يكون" ساقطة من ط.
(5) في ط: "بالثاني".
(6) آية 15, 16 سورة المزمل.
(2/477)

وكذلك قول السيد لعبده: اسقني ماء اسقني ماء، فإن القرينة العادية تبين بأن (1) المراد بالثاني هو المراد بالأول (2).
وإن لم يكن هناك قرينة فهو محل الخلاف، كقولك: صل ركعتين [صل ركعتين] (3) ففيه (4) ثلاثة أقوال (5):
قيل: يحمل الثاني على التأسيس، فيلزمه الإتيان بأربع ركعات.
قال الباجي: وهو الظاهر من مذهب مالك (6).
وقيل: الثاني يحمل على التأكيد للأول، وهو مذهب الصيرفي (7)، فلا
__________
(1) في ط وز: "أن".
(2) في ز: "هو الأول".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز: "فيه".
(5) انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 57، العدة لأبي يعلى 1/ 279، الإحكام للآمدي 2/ 184 - 186، المعتمد 1/ 160 - 164، تيسير التحرير 1/ 361، 362، إحكام الفصول للباجي 1/ 81، 82، فواتح الرحموت 1/ 391، شرح الجلال على جمع الجوامع 1/ 389، 390، المسودة ص 23، المحصول ج 1 ق 1 ص 253 - 262.
(6) انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي 1/ 81.
(7) هو أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي البغدادي، تفقه على أبي العباس ابن سريج، وسمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي، وهو إمام في الفقه والأصول، توفي رحمه الله سنة ثلاثين وثلاثمائة (330 ه).
من مصنفاته: "شرح الرسالة"، و"البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام"، "كتاب في الإجماع"، "كتاب في الشروط"، "كتاب الفرائض" وغيرها.
انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي، تحقيق الطناحي والحلو 3/ 186، =
(2/478)

يلزمه إلا الإتيان (1) بركعتين (2).
وقيل: بالوقف وهو مذهب أبي الحسن (3) البصري (4).
حجة القول بالتأسيس (5): أن حمل الأمر الثاني على مقتضاه يفيد التأسيس، وحمله على مقتضى الأمر الأول يفيد التأكيد، والتأكيد فرع، والتأسيس أصل، والأصل أولى من الفرع.
حجة القول بالتأكيد: أن الأصل براءة الذمة، وحمله على التأسيس (6) عمارة (7) الذمة، وعمارة الذمة فرع، وبراءة الذمة أصل (8)، والأصل أولى من الفرع.
حجة القول بالوقف: تعارض الأدلة.
وهذا كله إذا كان الأمر الثاني مجردًا عن حرف العطف، وأما إذا (9) كان الأمر الثاني معطوفًا على الأول, نحو قولك (10): صلّ ركعتين وصلّ ركعتين
__________
= تاريخ بغداد 5/ 449، الوافي بالوفيات للصفدي 3/ 346، وفيات الأعيان 4/ 199، شذرات الذهب 2/ 325.
(1) في ز: "فيلزمه الإتيان".
(2) انظر نسبة هذا القول للصيرفي في: إحكام الفصول للباجي 1/ 81، المسودة ص 23.
(3) الصواب أبو الحسين.
(4) انظر: المعتمد 1/ 163، والمحصول ج 1 ق 2 ص 155.
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "بأن التأسيس"
(6) في ز: "وحملهما على التأكيد".
(7) في ز: "براءة".
(8) في ط وز: "وبراءتها أصل".
(9) في ط وز: "أن".
(10) في ز: "قوله".
(2/479)

[أو صل الركعتين وصل الركعتين] (1).
فإن كان هناك قرينة تبين التأسيس أو التأكيد، فيعتمد (2) على القرينة.
وإن لم يكن (3) هنالك قرينة فمحل الخلاف، فهل يحمل على التأسيس لأن العطف (4) يدل على المغايرة بين المتعاطفين؛ ولأن التأسيس [هو الأصل؟ أو يحمل على التأكيد لكثرة التأكيد في كلام العرب، فقولك مثلاً: صل ركعتين وصل الركعتين (5) في هذا المثال أمران موجبان (6): التأسيس] (7) وهو (8) واو العطف، وموجب التأكيد وهو لام العهد:
فقيل: يترجح التأسيس.
وقيل: يترجح التأكيد.
وقيل بالوقف.
قال الإمام فخر الدين: يحمل على التغاير؛ لأن لام الجنس كما تستعمل للعهد تستعمل لبيان حقيقة الجنس (9)، كقول السيد لعبده: اشتر لنا الخبز، أو اشتر لنا اللحم.
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، وفي الأصل: "أو صم يومين وصم يومين".
(2) في ز: "فيعمد".
(3) في ط: "تكن".
(4) في ز: "اللفظ".
(5) المثبت من ز، وفي الأصل: "ركعتين".
(6) المثبت من ز، وفي الأصل: "وموجب".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "هو".
(9) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 259.
(2/480)

قوله (1): (وهو (2): يدل على الإِجزاء عند أصحابه (3)، خلافًا لأبي هاشم).
ش: هذا هو المطلب الخامس وهو قوله (4): (هل يدل على الإِجزاء أم لا؟)، الضمير في قوله: (هو) يعود على الأمر، والضمير في قوله: (أصحابه) يعود على مالك رضي الله عنه.
ذكر المؤلف في دلالة الأمر على الإجزاء قولين (5):
أحدهما: أنه يدل على إجزاء الفعل (6) المأمور به إذا فعله المكلف، وهو قول أصحاب مالك وجمهور الفقهاء (7).
القول الثاني: أنه لا يدل على الإجزاء، وهو قول أبي هاشم وجمهور الأصوليين (8).
__________
(1) في ز: "نص".
(2) "هو" ساقطة من ش.
(3) في ز: "صحبه".
(4) في ط وز: "قولنا".
(5) انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 133، 134، شرح التنقيح للمسطاسي ص 58، المعتمد 1/ 90 - 92، البرهان 1/ 255 - 257، العدة لأبي يعلى 1/ 300 - 302، المسودة ص 27، المحصول ج 1 ق 2 ص 415 - 419، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 90، الإحكام للآمدي 2/ 175 - 177، المستصفى 2/ 12, 13، المعالم للرازي ص 144، 145، المنخول ص 117، 118، اللمع للشيرازي المطبوع مع تخريجه ص 77، فواتح الرحموت 1/ 393, ميزان الأصول للسمرقندي ص 137 - 139.
(6) في ز: "فعل".
(7) واختار هذا القول ابن الحاجب والآمدي، انظر: مختصر المنتهى 2/ 90، والإحكام للآمدي 2/ 175.
(8) وهو قول القاضي عبد الجبار أيضًا, انظر: المعتمد 1/ 90.
(2/481)

قوله (1): (لأنه لو بقيت الذمة مشغولة بعد (2) الفعل لم يكن (3) أتى بما أمر به، والمقدر خلافه، هذا (4) خلف).
ش: هذا دليل أصحاب مالك على دلالة الأمر على إجزاء (5) فعل المأمور به.
وبيانه: أن من أتى بما أمر به على الوجه (6) المأمور به برئت ذمته.
والدليل على براءة ذمته: أنه لو بقيت ذمته عامرة (7) بالتكليف بعدما فعل ما أمر به لم يكن حينئذ أتى بما أمر به.
(والمقدر خلافه) أي: والمفروض أنه أتى بما أمر له.
(هذا (8) خَلْف) أي: هذا (9) تناقض، بيان التناقض في كلام الخصم: أن الإتيان بالمأمور له يقتضي براءة الذمة, وشغل الذمة يقتضي عدم الإتيان بالمأمور به، فهذا تناقض، ومعنى التناقض ها هنا هو (10): قول رديء.
قال ابن السكيت (11): الخَلْفُ بفتح الخاء: الرديء من القول، يقال:
__________
(1) في ز: "نص".
(2) في ش: "مشغوله بالفعل".
(3) في ط: "أكن".
(4) في ش وط: "وهذا".
(5) في ط: "الإجزاء".
(6) في ط: "بالوجه".
(7) في ط: "عامدة".
(8) في ط: "وهذا".
(9) "هذا" ساقطة من ط.
(10) "هو" ساقطة من ط.
(11) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت، النحوي، اللغوي، =
(2/482)

سكت ألفًا ونطق خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة، ثم تكلم بخطأ (1).
قال بعض الشراح: هذا الاستدلال لا يمس محل النزاع؛ إذ لا خلاف أن من فعل ما أمر به على الوجه المأمور به، فقد حصل له الإجزاء، وإنما الخلاف: من أين استفيد الإجزاء، هل من امتثال الأمر؟ قاله الجمهور.
أو هو مستفاد من البراءة الأصلية؟ قاله أبو هاشم وكثير من الأصوليين (2).
وحجة أبي هاشم: أن من صلى معتقدًا للطهارة، ثم تبين له أنه صلى بغير طهارة فإنه لا يحصل له الإجزاء، بل يجب عليه القضاء مع أنه أتى بالفعل المأمور به على الوجه المأمور به، فتبين بهذا: أن امتثال الأمر لا يستلزم
__________
= وكان يعقوب بن السكيت يؤدب مع أبيه ببغداد صبيان العامة حتى احتاج إلى الكسب، فجعل يتعلم النحو، وكان فاضلاً موثوقًا عالمًا بنحو الكوفيين وعلوم القرآن واللغة، أخذ عن البصريين والكوفيين كالفراء، وأبي عمر الشيباني، والأثرم، وابن الأعرابي، توفي سنة (243 ه)، وقيل: سنة (246 ه).
له مصنفات، منها: "إصلاح المنطق"، "المذكر والمؤنث"، "الأمثال"، "المقصور والممدود"، "الأضداد"، "النوادر".
انظر: تاريخ بغداد 14/ 273، وفيات الأعيان 6/ 395 - 401، بغية الوعاة 2/ 349.
(1) انظر: إصلاح المنطق لابن السكيت ص 66، وتهذيب إصلاح المنطق للخطيب التبريزي ص 48، والمشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم للعكبري 1/ 253.
(2) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 58.
(2/483)

الإجزاء؛ لأنه وجد ها هنا امتثال الأمر دون الإجزاء (1).
وحجة ثانية: أن من أفسد (2) حجه أو صومه يجب عليه التمادي فيهما، ويجب عليه قضاؤهما (3)، مع أنه أتى بما أمر به على الوجه المأمور به، فدل ذلك أيضًا على أن امتثال الأمر لا يدل على الإجزاء (4).
وحجة ثالثة: قياس الأمر على النهي لاشتراكهما (5) في الطلب، فكما أن النهي لا يدل على الفساد فكذلك الأمر لا يدل على الإجزاء (6).
أجيب عن الأول: بأن الكلام إنما هو في الفعل المستجمع للشروط (7) في نفس الأمر لا في نفس (8) المكلف (9) فقط (10).
أجيب عن الثاني: بأن (11) القضاء (12) إنما وجب استدراكًا لمصلحة ما أمر به أولاً من الحج، أو الصوم العاري (13) عن الفساد، وما يفعله في تماديه إنما هو
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 177، شرح التنقيح للمسطاسي ص 58، شرح التنقيح للقرافي ص 135.
(2) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "فسد".
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "قضاهما".
(4) انظر: المصادر السابقة.
(5) في ط: "لاشتراكها".
(6) انظر: المصادر السابقة.
(7) في ط: "شروط".
(8) في ز: "لا المستجمع لها في نفس".
(9) في ط: "الملك" وهو تصحيف.
(10) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 135، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 58.
(11) في ز: "بأنه".
(12) "القضاء" ساقطة من ز.
(13) في ز: "والصيام العاريين".
(2/484)

مجزئ عن الأمر الوارد بالتمادي (1).
أجيب عن قياس الأمر على النهي: بأنه قياس [في] (2) اللغة وهو: ضعيف (3)، وإن سلّمنا صحته فنمنع كون النهي لا يدل على الفساد بل يدل عليه.
قوله (4): (وعلى النهي عن أضداد (5) المأمور به عند أكثر أصحابه (6) من المعنى لا من اللفظ، خلافًا لجمهور المعتزلة وكثير من أهل (7) السنة).
ش: هذا هو المطلب السادس, وهو قولنا: هل يدل الأمر على النهي عن أضداد المأمور به أم لا؟ ذكر المؤلف فيه (8) قولين (9):
__________
(1) انظر: المصدرين السابقين والإحكام للآمدي 2/ 177.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز, ولم يرد في الأصل.
(3) انظر: المصادر السابقة.
(4) في ز: "نص".
(5) في أ: "أضداده".
(6) في ز: "صحبه".
(7) "أهل" ساقطة من أ.
(8) "فيه" ساقطة من ز.
(9) تحرير محل النزاع: اتفقوا على أن الأمر بالواجب الموسع والأمر بالواجب المخير ليس نهيًا عن ضدهما، كما اتفقوا على أنه لا نزاع في لفظ الأمر والنهي للقطع بأن الأمر موضوع بصيغة "افعل"، والنهي موضوع بصيغة "لا تفعل"، بل النزاع في طلب الفعل الذي هو الأمر؛ هل هو عين طلب ترك ضده الذي هو النهي؟ اختلفوا في ذلك على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: للجمهور من أهل الأصول من الشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي الحسين البصري، والقاضي عبد الجبار: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، بدلالة الالتزام لا بدلالة المطابقة.
(2/485)

قيل: صيغة "افعل" تدل على إيجاد الفعل المأمور به، وتدل أيضًا على ترك كل ما يضاد الفعل المأمور به، وهو مذهب أكثر (1) أصحاب مالك.
وإليه أشار المؤلف بقوله: (عند أكثر (2) أصحابه) أي: أصحاب مالك.
وقيل: لفظ الأمر لا يدل إلا على إيجاب الفعل، ولا يدل على المنع من أضداده.
وإليه أشار المؤلف بقوله: خلافًا لجمهور المعتزلة وكثير من أهل السنة.
وفيه قول ثالث بالتفصيل (3) بين أمر الوجوب (4) وأمر (5) الندب، فأمر
__________
= المذهب الثاني: لإمام الحرمين الجويني، والإمام الغزالي، وابن الحاجب: أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده لا لفظًا ولا معنى.
المذهب الثالث: لفخر الإسلام البزدوي، والسرخسي، وصدر الشريعة، وأتباعهم من المتأخرين: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده المفوت للمقصود، وإن لم يفوت فهو يقتضي الكراهة، أي ضد المأمور به.
المذهب الرابع: التفصيل بين أمر الإيجاب والندب، فأمر الإيجاب يكون نهيًا عن ضده بخلاف المندوب.
انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 135، 136، شرح التنقيح للمسطاسي ص 59، المعتمد 1/ 97، 98، البرهان 1/ 250 - 255، المستصفى 1/ 81 - 83، الإحكام للآمدي 2/ 170 - 175, المحصول ج 1 ق 2 ص 234، المعالم للرازي ص 136 - 138، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 85 - 88، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 385 - 389, المسودة ص 49، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص 102، كشف الأسرار 2/ 328, 329، أصول السرخسي 1/ 94 - 95، ميزان الأصول ص 143 - 160، تيسير التحرير 1/ 362 - 364، إرشاد الفحول ص 101 - 105.
(1) في ز: "كثير".
(2) في ز: "كثير".
(3) في ط: "وقيل بالتفصيل".
(4) في ط: "الموجب".
(5) "أمر" ساقطة من ز.
(2/486)

الوجوب يدل على النهي عن أضداده؛ [لأن أضداده] (1) مانعة من فعل الواجب، بخلاف أمر الندب فلا يدل على النهي عن أضداده.
حجة القائلين بأن الأمر يقتضي النهي:
قول (2) المؤلف في الشرح: لأن الأمر بالشيء يدل على الوجوب، ومن لوازم الوجوب ترك جميع أضداده، والدال على الشيء دال على لوازمه، فالأمر يدل بالالتزام على ترك جميع الأضداد (3).
وحجة القائلين بأن الأمر لا يقتضي النهي:
[قول (4) المؤلف في الشرح] (5): لأن الآمر بالشيء قد يكون غافلاً عن ضده، والغافل عن الشيء لا ينهى عنه (6).
قال المؤلف في الشرح: الجواب عن هذا: أن القصد إنما يشترط (7) في الدلالة باللفظ، وأما في دلالة اللفظ [فلا، وهذا من دلالة اللفظ] (8) (9).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) المثبت من ز, وفي الأصل وط: "قال".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 136.
(4) المثبت من ز, وفي الأصل وط: "قال".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 136.
(7) في ط: "يشترك" وهو تصحيف.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 136.
(2/487)

قوله: (من المعنى لا من اللفظ) معناه: أنه (1) يدل على النهي من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، أي: يدل على النهي بالالتزام لا (2) بالمطابقة؛ لأن لفظ الأمر إنما وضع لطلب الفعل لا لطلب الترك، ولكن يدل لفظ الأمر على طلب الترك بدلالة الالتزام، وهي: المراد بقوله: (من المعنى لا من اللفظ) (3).
قال المؤلف في الشرح: ومن محاسن العبارة في هذه المسألة أن يقال: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت، فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، والمسجد، والطريق، وجميع المواضع، وإذا قال له: لا تجلس في البيت، فقد أمره بأحد (4) المواضع، ولم يأمره بالجلوس في كلها. انتهى نصه (5).
وإنما يكون الأمر بالشيء نهيًا عن جميع الأضداد؛ لأنه لا يمكن الإتيان بالفعل المأمور به إلا بترك جميع أضداده.
وإنما يكون النهي عن الشيء أمرًا بأحد أضداده؛ لأنه لا يمكن ترك المحرم إلا بالتلبس بضد من أضداده.
قوله: (وعلى النهي عن أضداد المأمور به (6) ... المسألة).
__________
(1) "أنه" ساقطة من ز.
(2) "لا" ساقطة من ط.
(3) في ز: "وهو معنى قول المؤلف من المعنى لا من اللفظ".
(4) في ط: "بالجلوس في أحد".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 136.
(6) "به" ساقطة من ز.
(2/488)

هذا الذي قرره المؤلف إنما هو (1) تفريع على الكلام اللساني؛ لأن مسمى الأمر عنده هو صيغة "افعل" كما تقدم أول الفصل، وأما باعتبار الكلام النفساني فاختلف العلماء في الأمر الذي هو الطلب القائم بالنفس، هل هو نهي عن أضداده أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
قيل: الأمر بالشيء هو بعينه نهي عن أضداده، معناه: أن طلب الفعل هو بعينه طلب (2) الترك لأضداده، وهو مذهب القاضي أبي بكر (3) في أول أقواله.
وقيل: الأمر بالشيء نهي عن أضداده؛ بمعنى أنه يستلزم عقلاً النهي عن أضداده، لا أنه عين النهي عن أضداده (4)، وهو اختيار أبي بكر (5) في آخر أقواله.
وقيل: الأمر بالشيء ليس نهيًا عن أضداده، ولا مستلزمًا للنهي عن أضداده وهو اختيار الغزالي (6)، وإمام الحرمين (7).
قوله (8): (ولا يشترط فيه علو الآمر، خلافًا للمعتزلة، واختار الباجي
__________
(1) "هو" ساقطة من ط.
(2) في ز: "نهي عن طلب".
(3) "أبي بكر" ساقطة من ز.
(4) "عن أضداده" ساقطة من ز.
(5) في ط وز: "القاضي أبي بكر".
(6) انظر: المستصفى 1/ 82.
(7) انظر: البرهان 1/ 252.
(8) في ز: "نص".
(2/489)

من المالكية، وأبو الحسين والإِمام فخر الدين (1) الاستعلاء، ولم يشترط غيرهم الاستعلاء ولا العلو.
والاستعلاء: هيئة (2) في الأمر من الترفع وإِظهار القهر.
والعلو: يرجع إِلى هيئة الآمر من شرفه (3) وعلو منزلته بالنسبة إِلى المأمور).
ش: هذا هو المطلب السابع (4) وهو قولنا: هل يشترط فيه العلو والاستعلاء أم لا؟ ذكر المؤلف في هذا الفرع ثلاثة أقوال:
أحدها: اشتراط العلو خاصة دون الاستعلاء (5).
القول الثاني: عكسه، وهو اشتراط الاستعلاء خاصة دون العلو (6).
القول الثالث: لا يشترط واحد منهما، لا علو ولا استعلاء (7).
__________
(1) في أ: "وأبو الحسن والإمام فخر الدين من المعتزلة"، وفي ش: "والإمام فخر الدين وأبو الحسين من المعتزلة"، وفي خ وز: "وأبو الحسين من المعتزلة والإمام فخر الدين".
(2) في ش: "في هيئة الأمر".
(3) في ط: "في شرفه"، وفي ز: "وشرفه".
(4) في ط: "السادس".
(5) اختار هذا القول الشيرازي.
انظر: اللمع ص 64.
(6) اختار هذا القول أيضًا: الباجي وابن الحاجب من المالكية.
انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول 1/ 11، مختصر ابن الحاجب 2/ 77، الإحكام للآمدي 2/ 140.
(7) اختار هذا القول القرافي من المالكية والبيضاوي وابن السبكي والأسنوي من الشافعية.
(2/490)

ومعنى العلو: أن يكون (1) الآمر أعلى رتبة من المأمور، كأمر الله (2) تعالى (3) عز وجل لعباده، وأمر النبي عليه السلام لأمته، وأمر الملك لرعيته، وأمر السيد لعبده، وأمر الزوج لزوجته.
ومعنى الاستعلاء: أن يكون في لفظ الأمر ما (4) يدل على الغلبة، والقهر؛ لأن الاستعلاء معناه الغلبة والقهر، ومنه قوله تعالى: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} (5) أي: غلب (6) وقهر.
و (7) أما القول باشتراط العلو فهو (8) مختار القاضي عبد الوهاب في الملخص.
__________
= وانظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 137، 138، شرح التنقيح للمسطاسي ص 59, 60، المعتمد 1/ 43، 44، شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 77، الإحكام للآمدي 2/ 140، المحصول ج 1 ق 2 ص 45 - 50، المعالم ص 90، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي 1/ 11، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 3، 6، نهاية السول 2/ 235 - 238، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 369، اللمع للشيرازي ص 64، 65، المسودة ص 9، 10، تيسير التحرير 1/ 337، 338، ميزان الأصول للسمرقندي ص 83 - 89.
(1) في ط: "تكون".
(2) في ز: "كما أمر الله".
(3) "تعالى" لم ترد في ز.
(4) "ما" ساقطة من ط.
(5) آية 64 سورة طه.
(6) في ط وز: "من غلب".
(7) "الواو" ساقطة من ط وز.
(8) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "وهو".
(2/491)

قال (1) في الملخص: وهو القول (2) الذي عليه أهل اللغة وجمهور أهل العلم (3).
فحجة (4) هذا القول: أن أرباب اللغة فرقوا بين الأمر والسؤال والالتماس بعلو المرتبة، فقالوا: إذا كان الطلب من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر، وإن كان الطلب من الأدنى إلى الأعلى فهو سؤال، وإن كان الطلب من المساوي إلى مساويه فهو التماس.
قال أبو عبد الله الخونجي في الجمل (5): واللفظ المركب إن دل بالقصد الأول على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرًا، ومع الخضوع سؤالاً، ومع التساوي التماسًا، وإلا كان تنبيهًا إن لم يحتمل الصدق والكذب، وإن احتملهما كان خبرًا وقضية. انتهى نصه (6).
فتبين بهذا التقرير (7): أن علو المرتبة يشترط في الأمر.
واعترض هذا القول: بأنه ورد الطلب (8) من الأدنى إلى الأعلى وسمي أمرًا، كقوله تعالى حكاية عن فرعون: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (9)، مع أن رتبة
__________
(1) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "وقال".
(2) "القول" ساقطة من ط.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 137.
(4) في ز: "حجة".
(5) "في الجمل" ساقطة من ط.
(6) انظر: كتاب الجمل تأليف أبي عبد الله الخونجي، تحقيق وتقديم سعد غراب ص 31.
(7) في ط: "التقدير".
(8) في ط: "القلب" وهو تصحيف.
(9) الأعراف (110)، الشعراء (35).
(2/492)

قومه أخفض من رتبة فرعون، فسمي خطابهم إياه (1) أمرًا.
وكذلك قول عمرو بن العاص (2) لمعاوية (3) رضي الله عنهما:
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل (4) ابن هاشم (5)
__________
(1) "إياه" ساقطة من ز.
(2) هو الصحابي الجليل عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي، يعد من دهاة العرب، وكان شاعرًا، أسلم قبل الفتح بستة أشهر، سنة ثمان للهجرة، ولما أسلم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقربه ويدنيه؛ لمعرفته وشجاعته، وأمَّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سرية نحو الشام، وعلى غزوة ذات السلاسل، ثم استعمله على عمان فمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أميرها، وفي عهد عمر بن الخطاب ولاه عمر فلسطين ومصر، وهو الذي افتتحها، وفي عهد عثمان رضي الله عنه عزله عن مصر، وفي عهد معاوية ولاه على مصر سنة 38 ه، واستمر واليًا فيها إلى أن توفي رحمه الله سنة ثلاث وأربعين (43 ه).
انظر: الإصابة 4/ 650 - 654، الاستيعاب 3/ 1184 - 1190، الطبقات الكبرى لابن سعد 4/ 254 - 261.
(3) "لمعاوية" ساقطة من ز.
ومعاوية هو الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، ولد قبل البعثة بخمس سنين, أسلم هو وأبوه وأخوه يزيد وأمه هند في الفتح، وهو أحد الذين يكتبون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولاه عمر على الشام وبقي واليًا فيها في عهد عثمان وأربعة أعوام من خلافة علي، ثم بايع له أهل الشام خاصة بالخلافة سنة 38 ه، ثم اجتمع عليه الناس حين بايع له الحسن بن علي سنة أربعين، وسمي عام الجماعة، فكان معاوية أميرًا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، توفي رحمه الله سنة (60 ه) بدمشق.
انظر: الإصابة 6/ 151 - 155، الاستيعاب 3/ 1416 - 1423، أسد الغابة 4/ 385 - 387، تاريخ الطبري 6/ 180.
(4) في ط: "مثل".
(5) ابن هاشم هذا رجل من بني هاشم، خرج من العراق على معاوية رضي الله عنه =
(2/493)

مع أن رتبة عمرو بن العاص أخفض من رتبة معاوية، فدل ذلك على عدم اشتراط العلو.
أجيب عن هذا: أن هذا من باب المشورة، فالمستشير يعتقد أن رتبة المستشار في صواب الرأي أعلى من رتبته.
وأما القول باشتراط الاستعلاء فحجته: أن من قال لغيره: "افعل" على جهة التضرع [لا يقال (1) له: أمره، وإن كان أعلى رتبة منه، وإذا قال له: افعل، على سبيل الاستعلاء في اللفظ] (2) يقال له: أمره، وإن كان الآمر أخفض رتبة من المأمور، ولأجل ذلك يصفون من فعل ذلك بالجهل والحمق، ويقولون للعبد: أتأمر سيدك (3)، إذا استعلى في لفظه، وأما إذا لم يستعل في لفظه فلا يقولون له ذلك، فدل على أن الاستعلاء شرط في الأمر.
واعترض (4): بأنه ورد في كتاب الله عز وجل الطلب من الله عز وجل عباده بالامتثال (5) لما أوجبه عليهم وخاطبهم بأحسن خطاب، وألين خطاب
__________
= فأمسكه، فأشار عليه عمرو بقتله، فخالفه معاوية بشدة حلمه وكثرة عفوه، فأطلقه، فخرج عليه مرة أخرى فأنشده عمرو البيت في ذلك، ولم يرد بابن هاشم علي بن أبي طالب كما قد يتوهم، وهذا البيت مشهور عند الأصوليين.
انظر: شرح الحماسة للمرزوقي 2/ 814، حماسة البحتري ص 274، الوحشيات ص 57، المحصول للرازي ج 2 ق 2 ص 46، تيسير التحرير 1/ 338، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 7، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 369.
(1) "لا يقال" ساقطة من ط.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) في ز: "سيدًا".
(4) في ط وز: "واعترض هذا القول".
(5) الأولى أن يقول: طلب الله عز وجل من عباده الامتثال.
(2/494)

من غير (1) استعلاء في الكلام، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} (2) وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} (3)، وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (4)، وغير ذلك من التذكير بجميل نعمه وجزيل إحسانه، ومعلوم أن هذا [ضد] (5) الاستعلاء، مع أن ذلك كله يسمى أمرًا إجماعًا، فدل هذا على أن الاستعلاء لا يشترط في الأمر.
أجيب عن هذا: بأن قيل: أوامر الله تبارك وتعالى تقتضي (6) التخويف وإن كانت (7) بأحسن خطاب، ولا معنى للاستعلاء إلا ذلك.
وأما القول بعدم اشتراط العلو والاستعلاء، قال فخر الدين: وهذا القول هو الذي عليه المتكلمون (8).
فحجته: أن صيغة افعل موضوعة لمعنى، فتصح مع العلو والاستعلاء وأضدادهما، كالخبر، والاستفهام، والترجي، والتمني، فإنها تصدق مع العلو، والدنو، والاستعلاء، والتواضع، ولا يختلف الحال بحسب اختلاف
__________
(1) "غير" ساقطة من ط.
(2) آية 1 سورة النساء.
(3) آية 1 سورة النساء.
(4) آية 16 سورة التغابن.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(6) في ط: "يقتضي".
(7) في ز: "كان".
(8) في ط: "المتكلمين".
(2/495)

المتكلمين (1) (2).
واعترض هذا القول بأن قيل: قولهم: وضع لمعنى محل النزاع، لأنا نقول: لا دلالة له على ذلك المعنى إلا مع العلو والاستعلاء، والله أعلم.
وأيضًا (3) قولهم: كالخبر والاستفهام، والترجي، والتمني، هو (4): قياس في اللغة، ونحن (5) نمنعه.
قوله: (والاستعلاء هيئة في الأمر) أي: صفة في لفظ الأمر، أي: صفة في نفس اللفظ.
قوله: (من الترفع وإِظهار القهر) هذا بيان تلك الصفة، وهي: إظهار ترفع الآمر على المأمور في لفظه، وإظهار قهر الآمر للمأمور، فالترفع وإظهار القهر بمعنى واحد.
مثاله: قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} (6).
قوله: (والعلو يرجع إِلى هيئة الآمر من شرفه (7) وعلو منزلته بالنسبة إِلى المأمور).
__________
(1) في ط وز: "المتكلمين بها".
(2) يقول الرازي في المحصول ج 1 ق 2 ص 45: وقال أصحابنا: لا يعتبر العلو، ولا الاستعلاء.
(3) في ز: "وأما قولهم".
(4) في ز: "هذا".
(5) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "وهو".
(6) آية 63 سورة النور.
(7) في ط: "في شرفه".
(2/496)

فالفرق بين العلو والاستعلاء على هذا: أن الاستعلاء صفة قائمة باللفظ، والعلو صفة قائمة باللافظ (1) وهو الآمر.
قوله (2): (ولا يشترط فيه إِرادة المأمور به، ولا إِرادة الطلب، خلافًا لأبي علي وأبي هاشم من المعتزلة).
ش: هذا هو المطلب الثامن وهو قولنا: هل تشترط الإرادة في الأمر أم لا؟
ذكر المؤلف - رحمه الله - ها هنا مسألتين، اختلف فيهما أهل السنة, وأهل الاعتزال:
المسألة (3) الأولى: هل يشترط في صيغة الأمر إرادة الفعل المأمور به أو لا تشترط (4) إرادته:
قالت المعتزلة: الإرادة شرط.
وقال أهل السنة: الإرادة غير مشروطة (5).
__________
(1) في ط: "باللفظ".
(2) في ز: "نص".
(3) "المسألة" ساقطة من ز.
(4) في ط وز: "يشترط".
(5) في ز: "شرط".
انظر الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 138، 139، شرح التنقيح للمسطاسي ص 60، المعتمد 1/ 51، المحصول ج 1 ق 2 ص 43، 44، العدة لأبي يعلى 1/ 214، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 370، نهاية السول 2/ 240 - 245.
(2/497)

فسبب (1) الخلاف بين الفريقين:
[هل بين] (2) الأمر والإرادة ملازمة، أو لا ملازمة بينهما؟
قالت المعتزلة: بين الأمر والإرادة ملازمة أي: ربط عقلي.
قالوا: وذلك أن العقل يقتضي ارتباط الأمر بالإرادة وارتباط النهي بعدم الإرادة.
فاستدلوا بالعقل. قالوا (3): وذلك أن الله تعالى أمر بالطاعة؛ لأنه أرادها، ولو لم يردها ما أمر بها، ونهى عن المعصية؛ لأنه لم يردها، ولو أرادها لما نهى عنها (4).
وقال أهل السنة (5): ليس بين الأمر والإرادة ملازمة، أي: ليس بين الأمر والإرادة ربط عقلي؛ لأنه قد يوجد الأمر بدون الإرادة، فإن الله تعالى يأمر بما يريد ويأمر بما لا يريد، فيأمر بما يريد في حق الطائع، ويأمر بما لا يريد في حق العاصي.
والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود لآدم مع أنه لم يرد منه السجود؛ إذ لو أراد منه السجود لسجد؛ إذ خلاف مراد الله تعالى لا يقع
__________
(1) في ط: "وسبب"، وفي ز: "سبب".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط: "وقالوا".
(4) انظر مذهب المعتزلة في: المعتمد 1/ 52 - 53.
(5) هذا هو مذهب الأشاعرة، فالمراد بأهل السنة هنا: الأشاعرة.
انظر مذهب الأشاعرة في: المستصفى 1/ 414، البرهان 1/ 201
(2/498)

في ملكه (1).
وكذلك أيضًا (2): أمر الله تعالى الكافر بالإيمان، مع أنه لم يرد منه الإيمان؛ إذ لو أراد منه الإيمان لآمن؛ إذ خلاف مراد الله تعالى لا يقع، فتبين بما قررناه: عدم الملازمة بين الأمر والإرادة، وهكذا أيضًا نقول في النهي؛ أي لا ملازمة (3) بين النهي والإرادة، فإن الله تعالى ينهى عن شيء وهو (4) يريد وقوعه.
والدليل على ذلك: أن الله تعالى نهى آدم عليه السلام عن أكل الشجرة مع أن الله تعالى أراد منه الأكل؛ إذ لو لم يرد منه الأكل لما أكل منها؛ إذ خلاف مراد الله تعالي (5) لا يقع، وكذلك أيضًا نهي الله تعالى العاصي عن المعصية، مع أن الله أراد منه المعصية [إذ لو لم يرد منه المعصية] (6) لما عصى، إذ خلاف مراد الله تعالى لا يقع (7).
__________
(1) "في ملكه" لم ترد في ط وز.
(2) "أيضًا" ساقطة من ز.
(3) في ز: "في الملازمة".
(4) "هو" ساقطة من ز.
(5) "تعالى" لم ترد في ط.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(7) ذكر المؤلف مذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة.
وبقي المذهب الثالث وهو مذهب أهل السنة والجماعة؛ حيث قالوا بالتفصيل: لأن الإرادة عند أهل السنة نوعان:
1 - إرادة قدرية كونية، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14]، وهي لا تستلزم محبة الله ورضاه.
2 - إِرادة دينية شرعية، فهذه متضمنة لمحبة الله ورضاه، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]. =
(2/499)

فتبين بهذا التقرير (1): عدم الملازمة أيضًا (2) بين النهي والإرادة، هذا بيان المسألة الأولى، وإليها أشار المؤلف بقوله: (ولا يشترط فيه إِرادة المأمور به).
وأما المسألة الثانية وهي قوله: (ولا إِرادة (3) الطلب)؛ وذلك (4) أن الخلاف واقع (5) بين أهل السنة والمعتزلة، هل يشترط في صيغة الأمر إرادة الطلب به (6) أم لا؟
معناه: هل يشترط إرادة استعمال لفظ الأمر للوجوب أم لا؟
قال أهل السنة: صيغة الأمر موضوعة للطلب، فتدل (7) على الطلب بمجرد الوضع فلا يحتاج (8) إلى إرادة (9) أخرى كسائر الألفاظ المفيدة لمعانيها
__________
= فأوامر الله تعالى تستلزم الإرادة الشرعية، لكنها لا تستلزم الإرادة الكونية، فقد يأمر سبحانه بأمر يريده شرعًا وهو يعلم سبحانه أنه لا يريد وقوعه كونًا وقدرًا.
انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص 59)، معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني ص 409.
(1) في ط: "التقدير".
(2) "أيضًا" ساقطة من ز.
(3) في ط: "والإرادة".
(4) في ز: "فذلك".
(5) في ط: "وقع".
(6) "به" ساقطة من ط.
(7) في ط: "فدل".
(8) في ز: "تحتاج".
(9) في ط: "لإرادة".
(2/500)

بمجرد وضعها، فلا تحتاج في إفادتها لمعناها إلى النية، وإنما المحتاج إلى النية هو المجاز.
وقال أهل الاعتزال: صيغة الأمر تستعمل لعشرين معنى، فلا تنصرف إلى الطلب إلا بالإرادة.
وبيان ذلك: أن (1) الأمر يكون للوجوب، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (2).
ويكون للندب، كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (3).
ويكون للإرشاد، كقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (4).
ويكون للإباحة، كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (5).
ويكون للامتنان، كقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا} (6).
ويكون للإكرام، كقوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} (7).
ويكون للإهانة، كقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (8).
__________
(1) "أن" ساقطة من ط.
(2) آية (43) سورة البقرة.
(3) آية (33) من سورة النور.
(4) آية (282) من سورة البقرة.
(5) آية 2 من سورة المائدة.
(6) آية (114) من سورة النحل.
(7) آية (46) من سورة الحجر.
(8) آية (49) من سورة الدخان.
(2/501)

ويكون للتهديد، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1).
ويكون للتعجيز، كقوله تعالى: {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} (2).
ويكون للتكوين، كقوله تعالى: {كُن فَيكُونُ} (3)، وقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (4).
ويكون للدعاء، كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (5).
ويكون للإنذار، كقوله تعالى: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} (6).
والفرق بين التهديد والإنذار: أن التهديد يكون بفعل (7) المهدِّد نفسه، والإنذار قد يكون بفعل الغير، فإن الرسول عليه السلام منذر بعقاب الله تعالى (8)، ولا يقال له: مهدِّد.
ويكون للتعجب، كقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} (9) , ومنه قولهم (10): أكرم بزيد.
__________
(1) آية (40) من سورة فصلت.
(2) آية (50) من سورة الإسراء.
(3) قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} آية (82) من سورة يس.
(4) آية (65) من سورة البقرة.
(5) آية (6) من سورة الفاتحة.
(6) آية (46) من سورة المرسلات.
(7) في ط: "بالفعل".
(8) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(9) آية (38) من سورة مريم.
(10) في ط: "ومنهم قدم".
(2/502)

ويكون للتخيير بين شيئين (1)، كقولك: كُل السمك أو اشرب (2) اللبن.
والفرق بين التخيير والإباحة: أن لك (3) الجمع في الإباحة دون التخيير.
ويكون للتفويض، كقوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} (4).
ويكون بمعنى الخبر، كقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} (5).
ومنه (6) قوله تعالى: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} (7) أي: ويحمل (8) خطاياكم، وقوله تعالى: {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} (9)، تقديره: إن تنفقوا، فمعناه: الشرط والجزاء.
ويكون بمعنى النهي، كقوله عليه السلام: "وثق (10) بالناس رويدًا" (11) أي: لا تثق (12) بالناس إلا بعد مهلة.
__________
(1) في ز: "الشيئين".
(2) في ط: "واشرب".
(3) في ط: "لذلك".
(4) آية 72 من سورة طه.
(5) آية 75 من سورة مريم.
(6) "منه" ساقطة من ط وز.
(7) قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا للَّذينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} آية 12 من سورة العنكبوت.
(8) في ز: "ونحمل".
(9) آية 53 من سورة التوبة.
(10) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "واتق".
(11) لم أجد هذا الحديث في كتب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها.
(12) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لا تتق".
(2/503)

[ويكون للتسوية، كقوله تعالى: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} (1).
ويكون للتأديب، كقوله عليه السلام لابن عباس رضي الله عنه: "كُل ممّا يليك" (2).
والفرق بين التأديب والندب: أن التأديب مخصص (3) بإصلاح الأخلاق النفسية، فهو أخص من الندب؛ لأن الندب يكون في غير (4) ذلك؛ كالأمر
__________
(1) آية 16 من سورة الطور.
(2) أخرج هذا الحديث الإمام البخاري عن عمر بن أبي سلمة، وهو ابن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: أكلت يومًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا، فجعلت آكل من نواحي الصحفة، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كُل مما يليك".
صحيح البخاري كتاب الأطعمة، باب الأكل مما يليه 3/ 291.
وأخرجه الإمام مسلم عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: "يا غلام، سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك".
انظر: صحيح مسلم كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (6/ 109).
وأخرجه أبو داود عن عمر بن أبي سلمة في كتاب الأطعمة، باب الأكل باليمين (3/ 349).
وأخرجه ابن ماجه عن عمر بن أبي سلمة، رقم الحديث العام 3267 كتاب الأطعمة، باب الأكل باليمين 2/ 1087.
وأخرجه الدارمي في سننه عن عمر بن أبي سلمة في كتاب الأطعمة باب الذي يأكل مما يليه (2/ 100).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن عمر بن أبي سلمة (4/ 26 - 27)، ويقول الزركشي في المعتبر (ص 144): وهو متفق عليه من حديث عمر بن أبي سلمة وهو المقول له، ووقع في المستصفى أنه ابن عباس.
(3) في ز: "مخصوص".
(4) "غير" ساقطة من ط.
(2/504)

بالنافلة، كقوله في الحديث: "من دخل المسجد فليصل ركعتين" (1)] (2).
ويكون للتمني، كقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح (3) فيك (4) بأمثل (5)
هذه (6) عشرون معنى (7).
__________
(1) أخرجه البخاري عن أبي قتادة السلمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
انظر: صحيح البخاري كتاب الصلاة، باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين (1/ 89).
وأخرجه الدارمي في سننه عن أبي قتادة في كتاب الصلاة، باب الركعتين إذا دخل المسجد (1/ 324).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي قتادة (5/ 295).
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "الصباح".
(4) في شرح المعلقات: "منك".
(5) هذا البيت من قصيدة لامرئ القيس، ومطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
قوله: "ألا انجلي" الانجلاء: الانكشاف، يقال: جلوته فانجلى، أي: كشفته فانكشف، قوله: "بأمثل" الأمثل: الأفضل، يخاطب الشاعر الليل فيقول: أيها الليل الطويل انكشف وتنح بصبح، أي: لينزل ظلامك بضياء من الصبح، ثم قال: وليس الصبح بأفضل منك عندى؛ لأني أقاسي الهموم نهارًا كما أعانيها ليلاً.
انظر: ديوان امرئ القيس ص 8, وشرح المعلقات السبع لأبي عبد الله الزوزني ص 28.
(6) في ز: "هذا".
(7) انظر هذه المعاني في: الإبهاج شرح المنهاج 2/ 16 - 21, المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص 101، 102، المحصول ج 1 ق 2 ص 57 - 61.
(2/505)

قالت المعتزلة: فلا ينصرف الأمر إلى معنى الطلب إلا بالإرادة؛ لاستعماله مترددًا (1) بين هذه المعاني المذكورة، فيحتاج إلى الإرادة في معنى الطلب.
وأجيب عن هذا: بأن صيغة الأمر حقيقة في معنى الطلب مجاز في غيره، فتحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على صرفها إلى غير الحقيقة.
قوله: (لنا: أنها معنى خفي يتوقف العلم بها (2) على اللفظ، فلو توقف اللفظ عليها للزم (3) الدور).
ش: هذا دليل على أن الإرادة [غير مشروطة في صيغة الأمر، وذلك أن الإرادة] (4) معنى خفي، أي: أمر باطن لا يعلم إلا باللفظ، أي: لا يعلم إلا بصيغة الأمر، فيتوقف (5) العلم بها، أي: بالإرادة على اللفظ، أي: على سماع اللفظ من الأمر.
فلو قلنا: تشترط الإرادة في صيغة الأمر, لكانت صيغة الأمر متوقفة على الإرادة، فذلك دور لتوقف كل واحد من الأمرين على الآخر, والتعريف الدوري تعريف جهلي.
...
__________
(1) في ز: "مردود".
(2) في أوخ وش: "به".
(3) فى أخ وش: "لذم".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) في ط: "يتوقف".
(2/506)

الفصل الثاني: ورود الأمر بعد الحظر (1)
(إِذا ورد بعد الحظر اقتضى الوجوب عند الباجي ومتقدمي أصحاب (2) الشافعي، والإِمام فخر الدين، خلافًا لبعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي، والإِمام (3) في قولهم بالإِباحة، كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (4) بعد قوله (5): {لا تَقْتُلُواْ الَصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (6)؛ لأن الأصل استعمال الصيغة في مسماها).
ش: ذكر المؤلف في هذا الفصل الخلاف في محمل (7) الأمر إذا ورد بعد الحظر (8)،
__________
(1) هذا العنوان في ش، ولم يرد في خ وط وز والأصل.
(2) في نسخة أوخ وش وز: "ومتقدمي أصحاب مالك وأصحاب الشافعي".
(3) لفظ: "الإمام" ساقطة من خ وش.
(4) سورة المائدة آية رقم (2).
(5) في نسخة ش: "بعد قوله تعالى".
(6) سورة المائدة آية رقم (95).
(7) في ط: "محل".
(8) اختلف الأصوليون في هذه المسألة على أربعة أقوال كما ذكر المؤلف:
القول الأول: يحمل على الوجوب وليس للحظر السابق أثر، وهو مذهب المعتزلة ومتأخري المالكية والحنفية، واختار هذا القول أبو الحسين البصري والبيضاوي والإمام فخر الدين الرازي والشيرازي والباجي. =
(2/507)

هل يحمل على الوجوب، أو يحمل (1) على الإباحة، ذكر المؤلف فيه: القولين بالوجوب، والإباحة، وفيه قول ثالث بالوقف، وهو مذهب إمام الحرمين.
وفيه قول رابع: بالتفصيل: فإن كان (2) الحظر (3) غير معلق بسبب، فإن
__________
= القول الثاني: يحمل على الإباحة؛ وذلك لغلبة الإباحة في عرف الشارع ويعتبر تقدم الحظر قرينة صارفة له عن مقتضاه إلى الإباحة، وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد، والآمدي، وابن الحاجب، والكمال بن الهمام من الحنفية.
القول الثالث: الوقف، وهو مذهب إمام الحرمين نص عليه في البرهان.
القول الرابع: التفصيل، واختار هذا القول الغزالي؛ حيث قال: والمختار أنه ينظر، فإن كان الحظر السابق عارضًا لعلة وعلقت صيغة افعل بزواله كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله ... أما إذا لم يكن الحظر عارضًا ولا صيغة افعل علق بزوالها فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإباحة ... أما إذا لم ترد صيغة افعل لكن قال: فإذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد فهو يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة.
انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 139 - 141، شرح التنقيح للمسطاسي ص 60 - 61, إحكام الفصول للباجي 1/ 71 - 74، المعالم للرازي ص103, المحصول ج 1 ق 2 ص 159 - 162، المستصفى 1/ 435، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 91، المعتمد 1/ 75 - 77، البرهان 1/ 263 - 265، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 42 - 47, اللمع للشيرازي المطبوع مع تخريجه ص 67، الإحكام للآمدي 2/ 178، نهاية السول 2/ 272 - 274، فواتح الرحموت 1/ 379، العدة لأبي يعلى 1/ 256 - 263، المسودة ص 16 - 20، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص 102، تيسير التحرير 1/ 345 - 347، ميزان الأصول للسمرقندي ص 111, 112، المغني للخبازي ص 32، 33.
(1) "يحمل" ساقطة من ط.
(2) "كان" ساقطة من ط.
(3) في ط: "الحظ" وهو تصحيف.
(2/508)

الأمر يقتضي الوجوب، وإن كان الحظر (1) معلق بسبب فإن الأمر يقتضي الإباحة؛ لارتفاع التحريم بارتفاع ذلك السبب، كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (2)، ارتفع تحريم الاصطياد بارتفاع الإحرام، وهذا القول مختار (3) القاضي عبد الوهاب في الملخص، وقال: هو مذهب مالك وأصحابه (4).
وهذا الخلاف الذي ذكر (5) المؤلف إنما هو تفريع على القول بأن الأمر (6) ابتداء يحمل على الوجوب، ثم إذا ورد بعد تقدم (7) الحظر (8) هل يبقى الأمر على الوجوب الذي كان عليه قبل ورود الحظر، أو يكون تقدم (9) الحظر عليه قرينة تصرفه إلى الإباحة.
قوله: (إِذا ورد بعد الحظر) معناه (10): إذا ورد الأمر بالفعل بعد المنع من ذلك الفعل.
__________
(1) المثبت من ط، وفي الأصل: "الأمر".
(2) سورة المائدة آية (2).
(3) في ط: "هو مختار"، وفي ز: "اختيار".
(4) انظر قول القاضي عبد الوهاب في: شرح التنقيح للقرافي ص 140، والتوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 120.
(5) في ط: "ذكره".
(6) في ط: "بالأمر".
(7) في ز: "إذا أورد بتقديم".
(8) في ط: "محظر" وهو تصحيف.
(9) في ز: "تقديم".
(10) في ط: "معنا".
(2/509)

قوله: (اقتضى الوجوب) أي: تضمن الوجوب عند الباجي (1) [أي: من (2) متأخرى أصحاب مالك.
قوله: (ومتقدمي أصحاب مالك) أي: وعند القدماء من أصحاب مالك] (3)
قوله: (وأصحاب الشافعي) أي: وعند القدماء من أصحاب الشافعي.
قوله: (والإِمام فخر الدين) أي: من متأخري أصحاب الشافعي.
قوله: (خلافًا لبعض أصحابنا) أى: من متأخري أصحاب مالك كأبي الفرج (4) وغيره (5).
قوله: (وأصحاب الشافعي) أي: من متأخري أصحاب الشافعي في قولهم بالإباحة.
قوله: (كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}) هذا مثال لورود (6) الأمر بعد الحظر؛ لأنه ورد نهي المحرم عن (7) الاصطياد، ثم ورد بعده: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (8).
__________
(1) انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي 1/ 71.
(2) المثبت من ط، وفي الأصل: "عند".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) انظر نسبة هذا القول لأبي الفرج في: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي 1/ 71.
(5) منهم: ابن خويز منداد من المالكية، انظر المصدر السابق.
(6) في ط: "الورود".
(7) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "على".
(8) آية 2 من سورة المائدة.
(2/510)

ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} (1) بعد المنع من ذلك بقوله: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} (2).
[ومثاله أيضًا] (3): قوله تعالى (4): {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} (5) بعد المنع بقوله (6): {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (7).
ومثاله (8) من الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت (9) نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث (10) من أجل (11) الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا" (12).
__________
(1) آية 10 من سورة الجمعة.
(2) قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آية 9 من سورة الجمعة].
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) "تعالى" لم ترد في ط.
(5) آية 222 من سورة البقرة.
(6) في ز: "بقوله تعالى".
(7) آية 222 من سورة البقرة.
(8) في ط: "في".
(9) في ط: "وكنت".
(10) في ط: "ثلاثة".
(11) في ط: "لأجل".
(12) أخرجه مسلم عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن واقد قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعَمْرَةَ فقالت: صدق؛ سمعت عائشة تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ادخروا ثلاثًا ثم تصدقوا بما بقي" فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله، إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وما ذاك؟ " قالوا: نهيت أن =
(2/511)

أي: من أجل جماعة الأضياف التي ترد عليكم.
ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرًا" (1).
__________
= تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا" كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، رقم الحديث العام 1971، (3/ 1561).
وأخرجه الإمام مالك في الموطأ كتاب الضحايا، باب إدخار لحوم الأضاحي بلفظ قريب من لفظ مسلم، وفيه: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التى دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا" (2/ 484، 485).
(1) هذا جزء من حديث، وتمام الحديث كما أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن أبي سعيد الخدري أنه قدم من سفر فقدم إليه أهله لحمًا فقال: انظروا أن يكون هذا من لحوم الأضحى، فقالوا: هو منها، فقال أبو سعيد: ألم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها؟ فقالوا: إنه قد كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدك أمر، فخرج أبو سعيد فسأل عن ذلك فأخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "نهيتكم عن لحوم الأضحى بعد ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادخروا, ونهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا" كتاب الضحايا 2/ 485.
وأخرجه النسائي، وفيه: "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي إلا ثلاثًا، فكلوا وأطعموا وادخروا ما بدا لكم، وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدباء والمزفَّت والنَّقير، والحَنْتَم، انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كل مسكر، ونهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرًا".
سنن النسائي كتاب الجنائز، باب زيارة القبور 4/ 89.
وأخرجه مسلم عن ابن بريدة عن أبيه بلفظ مختلف، وفيه: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ... " الحديث.
صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب رقم 36، رقم الحديث العام 977 (2/ 672).
وأخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كنت نهيتكم عن زيارة =
(2/512)

ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام: "كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام" (1).
قوله: (بعد قوله تعالى (2): {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ}).
ش: انظر (3) ما المراد بهذه البعدية (4) [في قول المؤلف] (5)؟ فإن أراد البعدية (6) في ترتيب التلاوة: فلا يصح ذلك؛ لأن قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (7) قبل قوله تعالى (8): {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} (9) (10).
وإن أراد البعدية في النزول على النبي - صلى الله عليه وسلم - فممكن (11)، ولكن من أين يعلم أن قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} نزل بعد قوله (12): {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ
__________
= القبور فزوروها؛ فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة".
سنن ابن ماجه كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور، رقم الحديث العام 1571 (1/ 501).
(1) هذا جزء من الحديث السابق الذي أخرجه الإمام مالك في الموطأ (2/ 485)، انظر تخريج الحديث السابق.
(2) "تعالى" لم ترد في ط وز.
(3) "انظر" ساقطة من ز.
(4) في ط: "البعيده" وهو تصحيف.
(5) ما بين المعقوفتين ساقطة من ط وز.
(6) في ز: "إن كان المراد البعدية".
(7) آية 2 من سورة المائدة.
(8) "تعالى" لم ترد في ز.
(9) آية 95 من سورة المائدة.
(10) في ز: "فإن".
(11) في ز: "فيمكن".
(12) في ز: "قوله تعالى".
(2/513)

وَأَنتُمْ حرُمٌ}.
قال بعضهم: المراد بقوله: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ}: معناه لا لفظه؛ وذلك إشارة إلى الآية التي قبل قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} هي (1) قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} (2)؛ لأن معناها: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} (3)، وهذا من باب نقل الحديث بالمعنى.
قوله: (اقتضى الوجوب عند الباجي) يعني: أنه يقتضي الوجوب كما كان يقتضيه دون تقدم الحظر عليه، وليس مراده: أن الحظر قرينة تصرفه إلى الوجوب، وإنما مراده: أن الحظر لا يخرجه عن الوجوب، بل المراد أنه (4) يبقى على حاله قبل تقدم الحظر عليه (5).
قوله: (لأن الأصل استعمال الصيغة في مسماها).
هذا دليل المؤلف على أن (6) الأمر بعد الحظر يفيد الوجوب؛ إذ الأصل أي: إذ الراجح استعمال صيغة الأمر في موضوعها الذي هو: الوجوب، ولا يصرف إلى غيره إلا بدليل [والأصل عدم الدليل] (7)، هذا تفريع على القول
__________
(1) في ز: "هو".
(2) آية 1 من سورة المائدة.
(3) آية 95 من سورة المائدة.
(4) "أنه" ساقطة من ز.
(5) "عليه" ساقطة من ز.
(6) "أن" ساقطة من ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2/514)

المشهور بأن مسمى الأمر هو الوجوب، كما تقدم في قوله: (وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر فهو موضوع عند مالك رحمه الله وعند أصحابه للوجوب)، وذلك أن كل من قال (1) بأن الحظر (2) لا يكون قرينة تخرجه عن مسماه، قال: يبقى على مسماه قبل تقدم الحظر عليه، فمن قال: مسماه الوجوب قبل الحظر قال: هو على (3) الوجوب (4) بعد الحظر، [ومن قال: مسماه الندب قبل الحظر قال: مسماه الندب بعد الحظر، ومن قال بالوقوف (5) قبل الحظر قال: بالوقف (6) بعد الحظر] (7) ومن قال: وروده بعد الحظر قرينة تصرفه عن مسماه قال: بالإباحة.
و (8) حجة القول بالإباحة: غلبة استعمال لفظ الأمر بعد الحظر في الإباحة نحو الآيات الثلاث (9) المذكورة (10)، والأحاديث الثلاثة (11) المذكورة؛ فإنها كلها للإباحة اتفاقًا، وقد ورد استعمال الأمر بعد الحظر في الوجوب، ولكن قليل، كقوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (12) بعد
__________
(1) في ز: "ما قال".
(2) في ط: "بالحظر".
(3) "على" ساقطة من ز.
(4) في ط: "للوجوب".
(5) المثبت من ز، وفي الأصل: "الحظر".
(6) في ز: "بالوقوف".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) "الواو" ساقطة من ز.
(9) في ط وز: "الثلاثة".
(10) في ز: "المذكورات".
(11) في ط: "الثلاث".
(12) آية 5 من سورة التوبة.
(2/515)

المنع من قتلهم في الأشهر الحرم؛ لأن قتل المشركين واجب؛ إذ الجهاد فرض كفاية، ولكن الحمل على الكثير الذي هو الإباحة، أولى من الحمل على القليل الذي هو الوجوب، فدل ذلك على أن المفهوم من الأمر بعد الحظر هو (1): الإباحة لا الوجوب (2).
وأجيب عن هذا: بأن الدعوى عامة، والدليل خاص، وذلك مما يبطل الدليل: كقولك (3) مثلاً: كل عدد زوج؛ لأن العشرة زوج، فكون (4) الأمر بعد الحظر الذي (5) يغلب استعماله في الإباحة لا يقتضي ذلك كونه للإباحة في كل موضع؛ لأنه قد يرد للوجوب كقوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمِّ} (6) الآية.
...
__________
(1) في ط: "وهو".
(2) في ط: "إلا الوجوب".
(3) في ط: "كقوله".
(4) في ط: "فيكون".
(5) "الذي" ساقطة من ط وز.
(6) آية 5 من سورة التوبة.
(2/516)

الفصل الثالث في عوارضه
تعرض المؤلف - رحمه الله تعالى (1) - في هذا الفصل للأشياء التي تعرض للأمر أي: تطرأ عليه، وعارض الشيء هو أمر أجنبي عن (2) حقيقته، وليس (3) بذاتي، أي لم يوضع له لفظ الأمر، وهذه العوارض المذكورة على قسمين:
أحدها: عارض لحكم الأمر، وهو النسخ.
والآخر عارض للفظ الأمر، وهو الخبر.
ذكر المؤلف في هذا (4) الفصل مطلبين:
أحدهما: هل يستدل بالنسخ على الجواز أم لا؟
والثاني: هل يصح ورود الأمر بمعنى الخبر أم لا (5)؟ و (6) بالعكس أم لا؟
قوله: (مذهب الباجي وجماعة من أصحابنا والإِمام فخر الدين:
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ز.
(2) في ز: "من".
(3) في ز: "أي ليس".
(4) في ط: "هذه".
(5) "أم لا" ساقطة من ز.
(6) "الواو" ساقطة من ط.
(2/517)

أنه إِذا نسخ احتج (1) به على الجواز؛ لأنه من لوازمه, ومنع من ذلك بعض الشافعية, وبعض أصحابنا).
ش: ذكر المؤلف ها هنا العارض الأول، وهو: العارض لحكم الأمر.
فذكر أن الأمر المنسوخ يجوز الاحتجاج به على جوازه, عند الباجي, ومن ذكر معه.
ولا يجوز الاحتجاج به على الجواز عند بعض الشافعية: كالغزالي، وغيره من الشافعية، وعند بعض أصحابنا كالقاضي عبد الوهاب، والقاضي الباقلاني (2).
__________
(1) في أوخ وز وط: "يحتج"، وفي ش: "مذهب الباجي والإمام فخر الدين وجماعة من أصحابنا أنه إذا نسخ الوجوب يحتج به على الجواز".
(2) تحرير محل النزاع في هذه المسألة أن نسخ الوجوب على أوجه:
الوجه الأول: أن يكون نسخه بنص دال على الإباحة والجواز، كنسخ صوم يوم عاشوراء.
الوجه الثاني: أن يكون نسخه بالنهي عنه كنسخ التوجه إلى بيت المقدس؛ فإنه منهي عنه، وهذا لا جواز فيه أصلاً.
الوجه الثالث: نسخه من غير إبانة جواز وتحريم وهو محل النزاع: فاختلف فيه العلماء على قولين:
القول الأول: أن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز وهو مذهب الشافعية، ما عدا الغزالي، وبعض المالكية، واختار هذا القول الباجي في كتاب الإشارة وابن عبد الشكور من الحنفية في مسلم الثبوت، والإمام فخر الدين.
القول الثاني: أن الوجوب إذا نسخ لا يبقى الجواز وهو مذهب الحنفية، وبعض المالكية كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب، واختاره الباجي في إحكام الفصول، كما اختاره الغزالي من الشافعية. =
(2/518)

قوله (1): (إِذا نسخ) يعني: وجوب الأمر.
وقوله: (يحتج به على الجواز) (2) يستدل بذلك الأمر المنسوخ على جواز الفعل المنسوخ، وصورة ذلك: أن يرد (3) الأمر بالوجوب ثم يقول الآمر بعد ذلك: رفعت عنكم الوجوب.
قوله: (إِذا نسخ) يعني: إذا نسخ بغير التحريم، مثل أن يقول الآمر: رفعت الوجوب عنكم.
وأما إن نسخ الأمر بالتحريم فلا يستدل به على الجواز؛ لثبوت تحريمه.
مثل أن يقول الآمر بعد الأمر بالشيء: حرمت عليكم ذلكم (4) الشيء، فإنه (5) لا يستدل بذلك الأمر (6) على جوازه.
قوله: (إِذا نسخ يحتج به على الجواز).
مثاله قوله تعالى: {عِشْرُونَ صَابِرُون يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (7)، نسخ (8)
__________
= انظر تفصيل الأقوال في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 141، 142، شرح التنقيح المسطاسي ص 61، 62, إحكام الفصول لأبي الوليد الباجي 1/ 108، 109, المحصول ج 1 ق 2 ص 342 - 348، المعالم للرازي ص 139 - 140, المستصفى 1/ 73، 74 المنخول ص 118, 119، الإشارة في أصول الفقه لأبي الوليد الباجي ص 143, 144, فواتح الرحموت 1/ 103.
(1) في ط: "وقوله".
(2) في ز: "أي يستدل".
(3) في ط: "يريد".
(4) في ز: "ذلك".
(5) في ز: "فلا يستدل".
(6) في ط: "فنسخ ذلك الأمر".
(7) آية 65 سورة الأنفال.
(8) في ز: "لأنه نسخ".
(2/519)

بقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ} (1).
وكذلك قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (2).
نسخ بقوله عليه السلام: "لا وصية لوارث" (3).
فقوله (4): (يستدل به على الجواز)، الجواز له تفسيران:
__________
(1) قال تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفَا فَإِن يَكُن مِّنكُمِ مِّائَةٌ صَابِرَة يَغْلِبُوا مِائَتيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين} آية 66 سورة الأنفال.
(2) آية 180 من سورة البقرة.
(3) هذا الحديث جعله البخاري عنوانًا لباب؛ حيث قال: باب لا وصية لوارث، وأخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع.
انظر: صحيح البخاري كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث 2/ 126.
وأخرجه أبو داود عن شرحبيل بن مسلم سمعت أبا أمامة، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه, فلا وصية لوارث".
انظر: سنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، رقم الحديث العام 2870، (3/ 114).
وأخرجه النسائي عن عمرو بن خارجة قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ولا وصية لوارث" كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث 6/ 207.
وأخرجه الدارمي عن عمرو بن خارجة، كتاب الوصايا، باب الوصية للوارث 2/ 419.
(4) في ط: "وقوله".
(2/520)

أحدهما: جواز الإقدام الذي هو أعم من الوجوب، والندب، والإباحة [وهو المباح في اصطلاح المتقدمين] (1).
والتفسير الآخر: استواء الطرفين، وهو: المباح في اصطلاح المتأخرين، فالمراد (2) من الأمرين عند المؤلف (3) هو: المعنى الأول، وهو: جواز الإقدام؛ لأن جواز الإقدام هو: اللازم للوجوب، وأما مستوى الطرفين: فليس بلازم للوجوب، بل هو ضده.
فقوله: (لأنه من لوازمه) هذا دليل القول بأنه يدل على الجواز.
وتقرير هذا الدليل: أن الوجوب ماهية مركبة من جواز الفعل، ومن المنع من الترك، فإذا ارتفع المنع من الترك بالنسخ: بقي الجواز، فإن الماهية المركبة من أجزاء ترتفع بارتفاع (4) أحد أجزائها، فلما ارتفع أحد جزئي الوجوب بالنسخ: ارتفع الوجوب، فلما ارتفع الوجوب: بقي الجواز، وهو أعم من الإباحة، أو الندب.
حجة القول بأنه لا يقتضي الجواز: أن معنى الجواز مناقض لمعنى الوجوب، فاستحال أن يكون أحدهما من مقتضى الأمر (5)؛ لأن حقيقة الجواز التخيير بين الفعل، والترك (6) على السواء، وذلك منفي عن الوجوب.
__________
(1) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) في ز: "والمراد".
(3) "عند المؤلف" ساقطة من ط.
(4) "بارتفاع" ساقطة من ط.
(5) في ز: "الآخر".
(6) في ز: "بين الترك والفعل".
(2/521)

قوله: (ويجوز أن يرد خبر لا طلب فيه، كقوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} (1).
وأن (2) يرد (3) الخبر بمعناه، كقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} وهو كثير).
ش: [هذا هو المطلب الثاني] (4).
قال فخر الدين: التعبير (5) بالأمر عن الخبر أو بالعكس مجاز، وسبب ذلك (6): [أن] (7) كل واحد منهما يدل على وجود الفعل، فلما اشتبها من هذا الوجه صح التجوز بأحدهما عن الآخر (8).
قوله: (وهو كثير) أي: التعبير بالخبر عن الأمر وبالعكس كثير.
مثال الخبر بمعنى الأمر: قوله (9) تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} (10) أي: ليرضعن أولادهن.
__________
(1) آية رقم 75 من سورة مريم.
(2) في ش: "أو أن".
(3) في ط: "يريد".
(4) المثبت من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(5) المثبت من ط، وفي الأصل: "التفسير".
(6) المثبت من ز، وفي الأصل: "وسبب مجاز ذلك".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(8) انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 52.
(9) في ط: "كقوله".
(10) آية 233 سورة البقرة.
(2/522)

وقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (1).
وقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (2).
وقوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} (3).
وقوله: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (4).
وقوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (5) أي: انتهوا.
وقوله: {أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} (6) أي: اصبروا.
وقوله: {أَلا تَسْتَمِعُونَ} (7) أي: استمعوا، وقوله: {أَلا تَتَّقُونَ} (8) أي: اتقوا.
وقوله: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ} (9) أي: ازرعوا.
__________
(1) آية 228 من سورة البقرة.
(2) آية 234 من سورة البقرة.
(3) آية 4 من سورة الطلاق.
(4) آية 4 من سورة الطلاق.
(5) قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [آية 91 من سورة المائدة].
(6) آية 20 من سورة الفرقان.
(7) قال تعالى: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمعُونَ} [الآية 25 سورة الشعراء].
(8) قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [آية 106 من سورة الشعراء].
(9) آية 47 من سورة يوسف.
(2/523)

وقوله (1): {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا} (2) أي: ارجعوها، يعني: الروح.
ومنه قوله عليه السلام: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" (3). تقديره: فيحمل (4).
[وإذا أردت أن تعرف هل الخبر على بابه، أو بمعنى الأمر فانظر: فإن صح
__________
(1) المثبت من ط، ولم يرد "قوله" في الأصل.
(2) آية 86، 87 من سورة الواقعة.
(3) أخرجه البزار من حديث أبي هريرة وابن عمر بلفظ: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" وفي سنده خالد ابن عمرو القرشي، يقول فيه البزار: خالد بن عمرو القرشي منكر الحديث.
انظر: كشف الأستار عن زوائد البزار، حديث رقم (143) (1/ 86)، وذكر ابن حجر أن خالد بن عمرو قد كذبه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد: حديثه منكر، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة.
انظر: تهذيب التهذيب 3/ 109.
وأخرجه العقيلي في الضعفاء (1/ 9) من حديث أبي أمامة.
ويقول العراقي: ومع هذا فالحديث غير صحيح؛ لأن أشهر طرق الحديث رواية معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، هكذا رواه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل، وابن عدي في مقدمة الكامل، والعقيلي في تاريخ الضعفاء في ترجمة معان بن رفاعة، وهذا إما مرسل، أو معضل، وإبراهيم هذا لا يعرف بشيء من العلم غير هذا، قاله أبو الحسن وابن القطان، في بيان الوهم والإيهام، وقد روي هذا الحديث متصلاً من رواية جماعة من الصحابة، وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوي المرسل المذكور.
انظر: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ص 139.
(4) في ط: "فيحمل هذا العلم".
(2/524)

وقوعه على خلاف مخبره فهو: أمر، وإلا فهو: خبر, كقوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} (1) , وقوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} (2) كل هذا لا يصح، أي: يصح بخلاف مخبره.
وهذا القانون خاص بما جاء من ذلك في كتاب الله تعالى، أو حديث نبيه عليه السلام، والقانون العام أن تنظر إلى الخبر فما كان معناه الطلب فهو أمر، وإلا فهو على بابه من الخبر] (3).
ومثال لفظ الأمر بمعنى الخبر: قوله تعالى: {مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} (4) أي: مد له، وقوله تعالى: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} (5) أى: ونحمل خطاياكم.
[وقوله عليه السلام: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (6) أي: صنعت ما
__________
(1) آية رقم 71 من سورة الإسراء.
(2) آية رقم 109 من سورة المائدة.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(4) آية 75 من سورة مريم.
(5) آية 12 من سورة العنكبوت.
(6) أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" كتاب الأدب، باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت (4/ 68).
وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود في كتاب الأدب، باب الحياء (4/ 252).
وأخرجه ابن ماجه، رقم الحديث العام 4184، كتاب الزهد، باب الحياء (2/ 1400).
وأخرجه الإمام أحمد عن ابن مسعود في المسند (4/ 121)، وأخرجه الإمام أحمد عن حذيفة في المسند (5/ 383). =
(2/525)

شئت.
وقيل: هو أمر على بابه، معناه: فاصنع ما شئت إذا علمت أن ذلك الفعل لا تستحي منه إذا اطلع عليك غيرك، وإلا فلا تصنعه، ولكن هذا مخصوص بمن (1) يستحى من القبائح] (2).
[وهذان التأويلان تعارض فيهما المجاز مع التخصيص، فيقدم التخصيص على المجاز، قال الشاعر في هذا المعنى:
إذا لم تصن عرضًا ولم تخش خالقًا ... وتستحي مخلوقًا فما شئت فاصنع (3)] (4)
[وقال المؤلف في الشرح: إن فائدة وجود الخبر بمعنى الأمر هو: أن الأمر لا يكون إلا بما فيه داعية للآمر وسبب له، فإذا عبر عنه بلفظ الأمر أشعر بالداعية.
وإن فائدة ورود الأمر بمعنى الخبر: أن الخبر مستلزم ثبوت مخبره ووقوعه بخلاف مخبره، فإذا عبر عن الأمر بلفظ الخبر كان آكد في اقتضاء الوقوع، حتى كأنه واقع (5).
__________
= وأخرجه الإمام مالك في الموطأ 1/ 158.
(1) المثبت من ز، وفي ط: "ممن".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) ذكر هذا البيت أبو علي القالي في ذيل الأمالي، ولم ينسبه لقائله، انظر: ذيل الأمالي ص115.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(5) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 142.
(2/526)

وهذا الذي ذكره المؤلف لا تعلق له بهذا الفن، وإنما هو من علم البيان، وقد ذكر أهل هذا الفن لوقوع كل واحد منهما بمعنى الآخر، فوائد كثيرة، انظرها في كتبهم] (1).
...
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط وز.
(2/527)

الفصل الرابع: جواز تكليف ما لا يطاق (1)
[قوله] (2): (يجوز تكليف ما لا يطاق، خلافًا للمعتزلة، والغزالي، وإِن كان لم يقع في الشرع خلافًا للإِمام فخر الدين).
ش: ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى (3) - في هذا (4) الفصل ثلاثة مطالب:
الأول: هل يجوز التكليف بما لا يطاق أم لا؟
الثاني: إذا قلنا بجوازه، هل هو واقع في الشرع أم لا؟
الثالث: بيان محل النزاع ما هو؟.
أما المطلب الأول وهو قولنا: هل يجوز التكليف بما لا يطاق أم لا؟ فقد (5) ذكر فيه المؤلف قولين (6):
__________
(1) هذا العنوان غير موجود في الأصل وط وز، وموجود في أوش.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في النسخ المخطوطة.
(3) "رحمه الله تعالى" لم ترد في ز.
(4) في ز:"ها هنا في هذا الفصل".
(5) في ز: "فذكر".
(6) القول الأول: يجوز تكليف ما لا يطاق مطلقًا، وهو مذهب جمهور الأشعرية، واختار هذا القول الإمام فخر الدين، وابن السبكي.
القول الثاني: أنه غير جائز وهو مذهب المعتزلة، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، والغزالي، وابن الحاجب، وابن دقيق العيد.
(2/529)

بالجواز: وهو مذهب جمهور (1) الأشعرية.
والقول الثاني: بمنع (2) الجواز، وهو مذهب المعتزلة، والغزالي (3).
مثاله: كالجمع بين السواد والبياض في محل واحد.
وكالجمع بين الحركة والسكون في محل واحد، وكجعل الجسد الواحد في مكانين في وقت واحد (4).
وسبب الخلاف: هل من شرط الفعل المكلف به أن يكون ممكن الوقوع عادة أو ليس من شرطه؟
فمن قال: من شرطه إمكان وقوعه عادة قال: لا يجوز التكليف بما لا يطاق لعدم شرطه الذي هو إمكان وقوعه.
__________
= وهناك قول ثالث: وهو منع المستحيل لذاته، وجواز المستحيل لغيره عادة، واختاره الآمدي وشيخ الإسلام، وذكر أن لفظ التكليف بما لا يطاق من الألفاظ المجملة.
انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 143، 144، شرح التنقيح للمسطاسي ص 63، 64، المحصول ج 1 ق 2 ص 363 - 399، المعالم ص 140 - 144، البرهان 1/ 102 - 103، المستصفى 1/ 86 - 88، الإحكام للآمدي 1/ 133 - 144، شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 9 - 11، كشف الأسرار 1/ 191، 192. نهاية السول 1/ 345 - 351، المنخول 22 - 28، المسودة ص 79، الفتاوى لشيخ الإسلام 8/ 471، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص 59، فواتح الرحموت 1/ 123، إرشاد الفحول ص 9، معالم أصول الفقه عند أهل السنة للجيزاني ص 343.
(1) "جمهور" ساقطة من ط.
(2) في ط: "بمعنى".
(3) انظر: المستصفى 1/ 86.
(4) في ز: "وكجسم واحد في مكانين".
(2/530)

ومن قال: ليس من شرطه إمكان وقوعه (1) عادة، قال: يجوز التكليف به.
قوله: (وإِن كان لم يقع في الشرع خلافًا للإِمام فخر الدين).
ش: هذا هو المطلب الثاني وهو قولنا: إذا قلنا بجوازه هل هو (2) واقع في الشرع أو لا (3)، ذكر المؤلف أيضًا (4) فيه قولين:
مذهب الجمهور أنه غير واقع.
ومذهب فخر الدين أنه واقع.
قوله: (لنا: قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (5)، فسؤال دفعه يدل على جوازه) (6).
ش: هذا حجة القول بجواز التكليف بما لا يطاق.
ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة (7): أن الدعاء بما لا يجوز حرام، فلو كان التكليف بما لا يطاق ممنوعًا لما جاز الدعاء به، فلما وجدنا الصحابة رضي الله
__________
(1) في ز: "الوقوع".
(2) "هو" ساقطة من ط وز.
(3) في ط وز: "أم لا".
(4) "أيضًا" ساقطة من ز.
(5) آية 286 من سورة البقرة.
(6) في أ: "لنا قوله: {لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ".
(7) "الكريمة" لم ترد في ز.
(2/531)

عنهم دعوا به ها هنا، دل ذلك على أن التكليف به جائز.
قال المؤلف في الشرح: ووجه الاستدلال بالآية: أن الدعاء بمتعذر الوقوع حرام؛ فلا يجوز: اللهم اجمع بين الضدين، ولا: اللهم اغفر للكافرين (1)، ولا غير ذلك من الممتنعات عقلاً، أو شرعًا، أو عادة، فلما سألوا دفعه، وذكر الله تعالى ذلك (2) في سياق المدح لهم دل (3) على أنهم لم يعصوا في دعائهم، فيكون دعاء بما يجوز، وهو المطلوب. انتهى نصه (4).
قوله: (لنا قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}).
قال بعضهم: الاستدلال بهذه الآية ضعيف؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد بهذه الآية العقوبات لا التكليفات؛ لئلا تكون الآية تكرارًا للآية (5) التي قبلها، وهي قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} (6)؛ إذ الآية الأولى طلبوا فيها عدم التكليفات الشاقة (7)، والآية الثانية طلبوا عدم (8) العقوبات النازلة بمن قبلهم على تفريطهم في المحافظة على التكاليف التي كلفوها.
__________
(1) في ط: "لكافرين".
(2) في ط: "في ذلك".
(3) في ز: "دل ذلك".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 143، 144.
(5) في ط: "الآية".
(6) آية 286 من سورة البقرة.
(7) في ط: "المشاقات"، وفي ز: "الثاقلة".
(8) في ط وز: "فيها عدم".
(2/532)

وقوله (1): (وقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} (2) يدل على عدم وقوعه).
ش: هذا دليل الجماعة على عدم وقوع (3) التكليف بما لا يطاق (4) في الشرع، وكذلك يدل عليه أيضًا (5): {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا} (6).
وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (7).
قال المؤلف (8) في الشرح: وأما قول الإمام: إنه واقع، فاعتمد في ذلك على أن جميع التكاليف إما معلومة الوجود: فتكون واجبة الوقوع، وإما معلومة العدم فتكون ممتنعة الوقوع، والتكليف بالواجب الوقوع، أو ممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق.
وهذا إنما يقتضي وقوع (9) تكليف ما لا يطاق عقلاً لا عادة، فإن امتناع خلاف المعلوم إنما هو عقلي (10)، والنزاع ليس فيه، بل النزاع في المحال العادي فقط، فلا يحصل مطلوب الإمام. انتهى نصه (11).
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط وز.
(2) آية 286 من سورة البقرة.
(3) "وقوع" ساقطة من ز.
(4) في ط: "بما يطاق".
(5) في ط وز: "أيضًا قوله تعالى".
(6) آية 7 من سورة الطلاق.
(7) آية 185 من سورة البقرة.
(8) في ط: "الإمام".
(9) "وقوع" ساقطة من ط وز.
(10) المثبت من ز، وفي الأصل: "عقل".
(11) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 144.
(2/533)

قوله: (وها هنا دقيقة، وهي: أن كلما (1) لا يطاق قد يكون عاديًا فقط نحو (2): الطيران في الهواء، أو عقلاً (3) فقط كإِيمان الكافر الذي علم الله (4) أنه لا يؤمن، أو عاديًا وعقليًا (5) كالجمع بين الضدين، فالأول (6)، والثالث، هما المرادان (7) دون الثاني (8)).
ش: هذا بيان (9) المطلب الثالث، وهو بيان محل النزاع المذكور.
قوله: (دقيقة) الدقيقة عبارة عن المعنى الذي يدق في فهمه النظر، تقدير الكلام: وها هنا قاعدة دقيقة المعنى (10)، والفهم.
فذكر المؤلف: أن محل النزاع المذكور إنما هو فيما لا يطاق عادة نحو: الطيران في الهواء، وفيما لا يطاق عادة وعقلاً (11) نحو: الجمع (12) بين الضدين، كالجمع بين الحركة والسكون في وقت واحد؛ وذلك أن الطيران في
__________
(1) في أوخ وش: "وهي أن ما لا يطاق".
(2) في ش: "كالطيران".
(3) في أوخ وش وط وز: "أو عقليًا".
(4) في أوخ وش وط: "علم الله تعالى".
(5) في خ وش: "أو عاديًا وعقليًا معًا"، وفي ط: "أو عاديًا أو عقليًا".
(6) في ش: "والأول".
(7) في خ وش: "هما المرادان ها هنا دون الثاني"، وفي ط: "هنا دون الثاني".
(8) "دون الثاني" ساقطة من أ.
(9) في ز: "هذا هو المطلب".
(10) في ط: "رقيقة المغزل".
(11) في ط وز: "وعقلاً معًا".
(12) في ط: "كالجمع".
(2/534)

الهواء تحيله (1) العادة، وأما العقل فيجيزه، فهذا المحال عادي فقط.
أما (2) الجمع بين الضدين فهو محال عادة وعقلاً معًا، فإن العادة تحيله، وكذلك (3) العقل يحيله أيضًا، فهذا المحال عادي، وعقلي.
فهذان القسمان هما محل النزاع بيننا وبين المعتزلة، فنحن نجيزه، والمعتزلة تمنعه.
وأما القسم الذي هو محل الاتفاق بيننا وبين المعتزلة، وهو المشار إليه بقول المؤلف: (دون الثاني) فهو المحال عقلاً خاصة، أي دون العادة، نحو: إيمان الكافر الذي علم الله أنه (4) لا يؤمن، فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة في جواز التكليف به، وفي وقوعه، فإن الله تعالى كلفه (5) بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن، وخلاف (6) معلوم الله تعالى لا يقع، فهذا (7) المحال هو عقلي لا عادي؛ لأن العقل هو الذي يحيله دون العادة، فإن أهل العادة إذا سئلوا عنه جوزوه، فهو: عقلي فقط.
وإنما ذكر المؤلف هذه الدقيقة ليبين أن قول الإمام فخر الدين: "تكليف ما
__________
(1) في ط: "يحيله".
(2) في ط وز: "وأما".
(3) في ز: "وكذا".
(4) في ط: "الذي".
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "كلف".
(6) في ز: "إذ خلاف".
(7) في ط: "فها".
(2/535)

لا يطاق واقع" (1) في الشرع (2) خارج عن محل النزاع؛ لأن الذي وقع في الشرع هو القسم المحال عقلاً لا عادة، وليس محل النزاع، بل يجوز التكليف به اتفاقًا.
قال بعضهم: يلزم الإمام فخر الدين أن جميع التكاليف تكليف بما لا يطاق، وذلك باطل بالإجماع.
...
__________
(1) انظر: المعالم للإمام فخر الدين ص 140.
(2) في ط: "في الشر" وهو تصحيف.
(2/536)

الفصل الخامس فيما ليس من (1) مقتضاه (2)
ش: ترجم المؤلف - رحمه الله - ها هنا للأشياء (3) التي لا يقتضيها الأمر، أي: لا يدل عليها الأمر (4).
[اعترض هذا بأن قيل: ما لا يقتضيه الأمر لا تعلق له بالأمر، فلا معنى لذكره في مسائل الأمر] (5)؛ لعدم تعلقه به، وأيضًا ما لا تعلق له بالأمر غير محصور، وكل ما تشتمل عليه هذه الترجمة محصور، فهذا تناقض، كأنه ترجم لغير محصور وهو محصور.
أجيب عن ذلك: بأن المسائل الخمس التي ذكر المؤلف في هذا الفصل قد اختلف فيها كلها، هل هي من مقتضيات (6) الأمر أم لا؟ فلما كان الصحيح عند المؤلف أن الأمر لا (7) يقتضيها لصحة مستندها عنده، كان مستند من زعم
__________
(1) "من" ساقطة من ز.
(2) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 144 - 149، شرح التنقيح للمسطاسي ص 64 - 66، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 123 - 128.
(3) في ط: "الأشياء".
(4) في ز: "الأمر عليها".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) المثبت من ز، وفي الأصل: "هل من مقتضاه".
(7) "لا" ساقطة من ز.
(2/537)

أن الأمر يقتضيها وهمًا، فتقدير الترجمة إذًا: الفصل الخامس: فيما يتوهم أنه من مقتضى الأمر وليس من مقتضاه.
ونظير هذه الترجمة قوله في باب النسخ: الفصل الرابع: فيما يتوهم أنه ناسخ (1) يعني وليس بناسخ.
ونظيره أيضًا: قوله في باب العمومات: الفصل الرابع: فيما ليس من المخصصات للعموم (2).
فتبين بهذا: أن المؤلف لم يترجم ها هنا إلا لمتعلق بالأمر محصور، وفي هذا الفصل خمسة مطالب:
المطلب الأول: هو قوله: (لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملاً بالأصل، بل القضاء بأمر جديد خلافًا لأبي بكر الرازي).
ش: ومعنى هذه المسألة: أن الأمر إذا ورد بعبادة في وقت معين، ولم تفعل (3) في ذلك الوقت لعذر أو لغير عذر (4)، أو فعلت مع اختلال بعض أركانها، فهل يجب قضاء (5) بعد ذلك الوقت بالأمر الأول؟ قاله أبو بكر الرازي من الحنفية (6) وهو مذهب الحنابلة.
__________
(1) في ز: "مناسخ".
(2) في ز: "المخصوصات"، وفي ط: "مخصصات العموم"، وانظر: هذا الفصل في (3/ 329) من هذا الكتاب.
(3) في ط: "يفعل".
(4) "عذر" ساقطة من ط.
(5) في ط وز: "قضاؤها".
(6) في ط: "الحقيقه" وهو تصحيف.
(2/538)

أو لا يجب قضاؤها إلا بأمر آخر مجدد، قاله القاضي أبو بكر، وهو مذهب المحققين من الشافعية والمعتزلة وغيرهم (1).
وهكذا الحكم في الأمر بالعبادة من غير تعيين وقت بل ورد الأمر مطلقًا من غير تقييد بوقت معين (2)، وقلنا: الأمر للفور، فلم تفعل تلك العبادة في أول أوقات الإمكان، أو فعلت على نوع من الخلل، فهل يجب قضاؤها بذلك الأمر الأول؟ أو لا يجب إلا بأمر جديد (3)؟
وهذا القسم داخل في القسم الأول: فالحكم (4) فيهما (5) واحد؛ لأن أول أوقات الإمكان على القول بالفور هو (6) وقت معين للعبادة أيضًا، فكلام المؤلف يتناول القسمين معًا، أعني: سواء كان الوقت معينًا أو فوريًا.
قوله: (عند اختلال المأمور به) يعني: عند وقوع الفساد في الفعل المأمور
__________
(1) منشأ الخلاف في هذه المسألة كما ذكره فخر الدين أن قول القائل لغيره: افعل كذا، هل معناه: افعل في الزمان الثاني، فإن عصيت ففي الثالث، فإن عصيت ففي الرابع، أو معناه: افعل في الثاني من غير بيان حال زمان الثالث والرابع، فعلى القول الأول: اقتضى الأمر الفعل في سائر الأزمان, وعلى القول الثاني: لم يقتضه.
انظر الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 144، 145، شرح التنقيح للمسطاسي ص 64، المحصول ج 1 ق 2 ص 420 - 425، المعالم ص 146 - 147، الإحكام للآمدي 2/ 179 - 181، المنخول ص 121, العدة لأبي يعلى 1/ 293 - 300، المسودة ص 27، ميزان الأصول للسمرقندي ص 220 - 222.
(2) "معين" ساقطة من ز.
(3) في ط وز: "ثان".
(4) "فالحكم" ساقطة من ط.
(5) في ط: "فيها".
(6) في ط: "وهو".
(2/539)

به (1) إما بفوات وقته وإما بفساد بعض أركانه.
قوله: (عملاً بالأصل) هذا حجة القول بأن الأمر الأول لا يوجب القضاء (2)؛ لأن الأصل عدم دلالة الأمر على القضاء، فتقدير الكلام على هذا: وإنما قلنا: لا يوجب الأمر الأول القضاء عملاً بالأصل (3)، عدم دلالة الأمر على القضاء، ويحتمل أن يريد بالأصل: براءة الذمة.
[فتقدير الكلام على هذا التأويل] (4): وإنما قلنا: لا يوجب الأمر الأول القضاء عملاً بأن الأصل براءة الذمة، ولكن هذا التأويل فيه نظر؛ لأن (5) للمخالف أن (6) يقول: ارتفع براءة الذمة بدلالة الأمر على القضاء.
قوله: (بل القضاء بأمر جديد) أي: يجب القضاء بأمر آخر مجدد كقوله عليه السلام: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (7)، فهذا أمر ثان بقضائها، والأصل في الكلام التأسيس دون التأكيد؛
__________
(1) "به" ساقطة من ز.
(2) "القضاء" ساقطة من ط.
(3) في ط: "بأن".
(4) ما بين المعقوفتين ورد في ز بلفظ: "ولكن هذا التأويل فيه نظر".
(5) "لأن" ساقطة من ط.
(6) في ط: "أنه".
(7) أخرجه البخاري عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لذِكْرِي} " [كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها (1/ 112)].
وأخرجه مسلم عن أنس بن مالك قال: قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة (1/ 477).
وأخرجه أبو داود عن أنس بن مالك في كتاب الصلاة، باب من نام عن الصلاة أو =
(2/540)

وذلك (1) يدل على وجوب القضاء بالأمر الثاني دون الأول.
و (2) حجة القول بأن القضاء بالأمر الأول: أن القضاء لو كان بأمر جديد (3) لما كان لتسميته قضاء فائدة؛ لأنه أداء كما هو في الأمر الأول.
أجيب عنه: بأنه إنما سمي قضاء؛ لأنه وجب استدراكًا لما فات من مصلحة الأداء، فذلك هو المعني بالقضاء.
قال المؤلف في الشرح: هذه المسألة مبنية على قاعدتين:
القاعدة الأولى: أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت.
القاعدة الثانية: أن الأمر (4) بالمركب أمر (5) بمفرداته.
فمن لاحظ القاعدة الأولى قال: الأوقات لا (6) تتساوى (7)، ولا تتقارب
__________
= نسيها، رقم الحديث العام 442 (1/ 121).
وأخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك في كتاب الصلاة، باب من نام عن الصلاة أو نسيها، رقم الحديث العام 696 (1/ 227).
(1) في ز: "كذلك".
(2) "الواو" ساقطة من ز.
(3) في ط وز: "مجدد".
(4) في ط: "للأمر".
(5) في ط: "لأمر".
(6) "لا" ساقطة من ط.
(7) في ز: "تساوى".
(2/541)

في المصالح إلا (1) بدليل، فلا قضاء إلا بأمر جديد (2) يدل على أن الوقت الثاني فيه مصلحة لفعل (3) المأمور به كالوقت الأول، ومن لاحظ القاعدة الثانية قال: الأمر بالفعل في الوقت المعين يقتضي الأمر بشيئين وهما (4): إيقاع الفعل، وبكونه في ذلك الوقت، فهذا أمر بمركب (5)، فإذا تعذر أحد الجزئين وهو الوقت، بقي الجزء الآخر (6) وهو الفعل، فيوقعه في أي وقت شاء، فيكون القضاء بالأمر الأول (7).
قوله: (وإِذا تعلق بحقيقة كلية لا يكون متعلقًا (8) بشيء من جزئياتها (9)؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص).
ش: هذه (10) مسألة ثانية، فهذه قاعدة عظيمة (11) تبنى عليها فروع كثيرة من أحكام الفقه.
وبيان هذه القاعدة: أنك إذا قلت مثلاً: في الدار جسم فلا يدل على أنه حيوان؛ لأن الجسم أعم من الحيوان؛ لأن الجسم يصدق على الحيوان،
__________
(1) في ط: "لاء".
(2) في ط وز: "مجدد".
(3) في ط وز: "الفعل".
(4) في ز: "وهو".
(5) في ز: "مركب".
(6) في ط: "للآخر".
(7) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 144.
(8) في ش: "لا يكون معلقًا".
(9) في ط: "جزئياته".
(10) في ز: "هذا".
(11) في ط: "عقلية".
(2/542)

والجماد, فلا يلزم من وجود العام وجود الخاص، وإذا قلت: في الدار حيوان فلا يدل على أنه إنسان، وإذا قلت: في الدار إنسان، فلا يدل على أنه رجل، وإذا (1) قلت: في الدار رجل، فلا يدل على أنه زيد (2)، فقوله تعالى مثلاً: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (3) يدل على وجود الصلاة ولا يدل على زمان مخصوص، ولا مكان مخصوص، ولا هيئة مخصوصة (4).
[قال] (5) المؤلف في الشرح: ولأجل هذه القاعدة قلنا: إن الوكيل بالبيع لا يملك البيع بثمن المثل بمقتضى اللفظ، وإنما يملكه بمقتضى العادة، فإذا قيل له: بع (6) سلعتي، حمل على ثمن المثل بالعادة، لا باللفظ، فلولا تقييد إطلاق الكلام بالعادة لكان للوكيل أن يبيع بثمن المثل، أو أقل منه، أو أكثر منه؛ لأن البيع حقيقة كلية مشتركة بين ثمن المثل، والزائد والناقص. انتهى نصه (7).
وبيان ذلك: أن الوكيل أمر بمطلق البيع, ومطلق البيع أعم من مثل الثمن (8)، وأقل وأكثر (9) , والخالص والمغشوش، والعين، والعرض (10)، فالدال على الأعم غير دال على الأخص، وإنما تعين ثمن المثل بدليل منفصل
__________
(1) في ز: "فإذا".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 145.
(3) سورة البقرة آية (43).
(4) في ط وز: "ولا هيئة مخصوصة لأن الدال على الأعم غير الدال على الأخص".
(5) المثبت من "ط" و"ز" وفي الأصل "فقال".
(6) في ز: "قال بع".
(7) نقل المؤلف بالمعنى، شرح التنقيح للقرافي ص 145.
(8) في ط: "من ثمن المثل".
(9) في ط: "أو أقل أو أكثر".
(10) في ز: "والحين والعوض".
(2/543)

وهو العرف.
ولأجل هذه القاعدة قال مالك والشافعي - رضي الله عنهما -: ليس للوكيل بالبيع أن يبيع بأقل من ثمن المثل وهو الغبن [الفاحش] (1)؛ لأنه غير مأذون له فيه؛ إذ لفظ (2) الموكل لا يدل عليه.
وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: للوكيل أن يبيع بأقل من المثل (3) وهو الغبن الفاحش.
وسبب الخلاف بين الفقهاء هو الخلاف بين الأصوليين في (4) المطلوب من الأمر بالفعل المطلق، كقول الموكل لوكيله: بع هذا الثوب.
فقال (5) الإمام فخر الدين: المطلوب به الماهية أي: ماهية البيع فلا يتناول الأمر جزئياتها (6).
وقال سيف الدين الآمدي، وجمال الدين بن الحاجب: المطلوب به هو الجزئي، أي جزئي من جزئيات الماهية، فالأمر إنما يتعلق بجزئي (7) الماهية لا بالماهية (8).
__________
(1) المثبت من "ط" و"ز" وفي الأصل "المتفاحش".
(2) في ط: "اذا لفظ".
(3) في ط: "الثمن".
(4) في ز: "مع".
(5) في ز: "قال".
(6) انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 427، والمعالم ص 147، 148.
(7) في ز: "بجزئيات".
(8) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 183، 184، مختصر المنتهى لابن الحاجب، وحاشية التفتازاني 2/ 93، 94، وانظر أيضًا الكلام حول هذه المسألة في: شرح التنقيح =
(2/544)

حجة الفخر القائل: يتعلق الأمر بالماهية: أن الماهية أمر كلي، وهو قدر مشترك بين جزئياتها (1)، فلا يدل القدر المشترك على الجزئيات؛ إذ لا يدل الأعم على الأخص، فلا يدل البيع على خصوصياته من ثمن المثل، أو أقل أو أكثر، فثبت بذلك (2): أن الوكيل بالبيع غير مأذون له في البيع بأقل من ثمن المثل، وهو الغبن الفاحش (3)
وحجة سيف الدين القائل: يتعلق الأمر بجزئي الماهية، لا بالماهية: أن (4) الماهية أمر كلي، والكلي (5) يستحيل وجوده في الأعيان، وإنما يوجد في الذهن، وإنما قلنا: يستحيل وجود الماهية الكلية في الأعيان؛ [لأن الماهية الموجودة في الأعيان] (6) يلزم تشخصها، فلو (7) وجدت الماهية الكلية في الأعيان لكانت جزئية، والمفروض أنها كلية هذا محال، فإذا لم يمكن وجود الماهية الكلية في الأعيان لم تكن مطلوبة من الأمر، وإلا لكان ذلك تكليفًا بما لا يمكن وهو: محال (8).
__________
= للقرافي ص 145، شرح التنقيح للمسطاسي ص 65، فواتح الرحموت 1/ 392، 393، إرشاد الفحول ص 108، المسودة ص 98.
(1) في ز: "جزئياته".
(2) في ط: "من ذلك".
(3) انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 427، 428.
(4) في ط: "لأن".
(5) في ز: "والكل".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من "ز".
(7) في ط: "ولو".
(8) انظر: شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 93.
(2/545)

فتعين بذلك: أن المطلوب من الأمر أحد الجزئيات المطابقة للماهية، فيدل البيع إذًا على جزئيات الثمن من المثل (1) أو أقل، أو أكثر، فثبت بذلك: أن الوكيل بالبيع مأذون له في البيع بثمن المثل، أو الأكثر، أو الأقل (2)، وهو الغبن الفاحش؛ وذلك أن البيع لا يدخل في الوجود إلا في بعض جزئياته، وليس في اللفظ ما يبين (3) بعض (4) جزئياته، فتكون نسبة اللفظ إلى جميع الجزئيات نسبة واحدة، فأي جزئي باع به الوكيل فهو مأذون له (5) فيه، سواء باع بغبن فاحش أو بغيره (6).
فالحاصل مما قررناه: أن فخر الدين نظر إلى الحقيقة الكلية من حيث هي، فلا دلالة لها على شيء من جزئياتها، ونظر سيف الدين إليها من حيث هي متعلق الطلب، فطلب المحال ممتنع.
قوله: (ولا تشترط (7) مقارنته للمأمور، بل يتعلق (8) في الأزل بالشخص الحادث [خلافًا لسائر الفرق (9) , ولكنه لا يصير مأمورًا إِلا حالة الملابسة] (10)
__________
(1) في ط: "الثمن".
(2) في ز: "أو الأقل أو الأكثر".
(3) في ط وز: "يعين".
(4) "بعض" ساقطة من ز.
(5) "له" ساقطة من ط.
(6) نقل المؤلف هذا الدليل بالمعنى.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 183 - 184.
(7) في ش: "ولا يشترك"، في خ وط: "ولا يشترط".
(8) في ش: "بل يجوز تعلقه".
(9) في أ: "خلافًا لسائر المعتزلة".
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من أ.
(2/546)

خلافًا للمعتزلة، والحاصل قبل ذلك إِعلام بأنه سيصير مأمورًا؛ لأن (1) كلام الله تعالى قديم، والأمر متعلق لذاته (2)، فلا يوجد غير متعلق، والأمر بالشيء حالة عدمه محال للجمع بين النقيضين، وحالة بقائه (3) محال لتحصيل الحاصل، فيتعين زمان (4) الحدوث).
ش: هذه مسألة ثالثة.
قوله: (ولا يشترط (5) مقارنته للمأمور) هذه المسألة وقع فيها (6) الخلاف بين أهل السنة وأهل الاعتزال، وهي أمر المعدوم هل يجوز عقلاً أو لا يجوز (7)؟
__________
(1) في ط: "لأنه".
(2) في ش: "بذاته".
(3) في أ: "مقارنة"، وفي خ وش: "ايقاعه"، وفي ز: "وجوده".
(4) في أوخ وش: "زمن".
(5) في ط: "تشترط".
(6) في ط: "فيه".
(7) اختلف الأصوليون في هذه المسألة على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر لا يتناول المعدوم، وهو مذهب الأشاعرة وأكثر الشافعية والقرافي.
المذهب الثاني: أنه لا يتناول المعدوم، وهو مذهب المعتزلة.
انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 145 - 147، شرح التنقيح للمسطاسي ص 65، المحصول ج 1 ق 2 ص 429 - 434، البرهان 1/ 270، ميزان الأصول ص 169، المستصفى 1/ 85 - 86، المنخول ص 123، 124، المسودة ص 44، الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 149 - 152، نهاية السول 1/ 298 - 305، الفتاوى لشيخ الإسلام 8/ 9، 183 - 184، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين لمحمد العروسي ص 149.
(2/547)

ذهب أرباب السنة إلى جوازه، وإليه أشار المؤلف بقوله: (ولا تشترط مقارنته للمأمور) أي (1): ولا يشترط في صحة الأمر وجود المأمور، أي: ولا يشترط في تعلق الأمر بالمأمور مقارنة وجوده لوجود المأمور.
قوله: (بل يتعلق في الأزل بالشخص الحادث) عطف المؤلف (2) بحرف (بل) ها هنا تنبيهًا على انتهاء غرض واستئناف غيره؛ وذلك أنه حين انتفت شرطية مقارنة وجود الأمر لوجود المأمور: جاز تقديم الأمر على المأمور، فيتعلق الأمر في الأزل بالمأمور المعدوم الذي علم الله أنه سيوجد.
قوله: (في الأزل) أي: في القدم الذي ليس له ابتداء، الأزل (3): لفظة قديمة معربة دخيلة في لغة العرب (4).
قوله: (بل يتعلق في الأزل) يعني: يتعلق الأمر بالمأمور في الأزل تعلقًا عقليًا، وهو: كون المأمور المعدوم مأمورًا على تقدير وجوده واستجماع شروط (5) شرائط التكليف، وليس المراد بذلك التعلق تعلق تنجيز التكليف، وهو كون المأمور المعدوم مكلفًا بالإتيان بالفعل في حالة عدمه لاستحالة
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز وط.
(2) في ز: "المؤلف رحمه الله".
(3) في ط: "لأن الأزل".
(4) يقول الجرجاني: الأزل استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، كما أن الأبد استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل.
انظر: التعريفات للجرجاني ص 11، 12.
(5) "شروط" ساقطة من ز وط.
(2/548)

ذلك، فالتعلق المراد هنا هو: التعلق العقلي لا التعلق (1) الوجودي في الخارج.
قوله: (بالشخص الحادث) أي: المكلف الذي علم الله تعالى أنه سيحدث أي: سيوجد في الدنيا، فيتعلق الأمر بذلك الشخص، وهو في طي العدم (2) على تقدير وجوده (3) واستجماع شرائط التكليف، وذلك أن الله تبارك (4) وتعالى أوجب الصلاة مثلاً على فلان على تقدير وجوده ووجود أسباب الوجوب (5)، وشروط انتفاء (6) موانعه (7)، وكذلك تقول فيما حرمه الله عليه، وإنما قال أرباب السنة: يتعلق الأمر بالمأمور بناء منهم على ثبوت الكلام النفساني (8)، والأمر نوع من أنواع الكلام.
قوله: (خلافًا لسائر الفرق) أي: خلافًا (9) لسائر الطوائف من أهل الاعتزال القائلين: بأن الأمر لا يتعلق بالمعدوم ولا يتعلق إلا بالموجود (10) بناء منهم (11) على الكلام اللساني؛ لأنهم أنكروا الكلام النفساني.
__________
(1) في ط: "العقلي بالتعلق".
(2) في ط: "وهو هي العدم".
(3) في ز: "وجودي"، وفي ط: "وجود".
(4) "تبارك" لم ترد في ط.
(5) في ط: "الوجود".
(6) في ط: "وشروطه وانتفاء".
(7) في ز: "مانعه".
(8) هذا هو مذهب الأشاعرة، وأما مذهب السلف فهو أن الكلام حقيقة في اللفظ والمعنى.
(9) "خلافًا" ساقطة من ط.
(10) في ط: "بالوجود".
(11) "منهم" ساقطة من ز.
(2/549)

لأنهم قالوا (1): كلام الله حادث، تعالى الله عن قولهم [علوًا كبيرًا] (2).
وأما أهل السنة والحق: فكلام الله عندهم قديم؛ لأنه صفة من صفات ذاته جل وعلا (3).
والدليل على جواز تقدم (4) الأمر على المأمور: أنا مأمورون بأوامر النبي عليه السلام ونحن (5) في زمانه [عليه السلام ونحن (6)] (7) في طي العدم.
وإنما قال المؤلف: (خلافًا لسائر الفرق)؛ لأنه لم يقل بالكلام النفساني إلا نحن أهل السنة، ولذلك يتصور على مذهبنا تعلقه في الأزل، وأما طوائف المعتزلة القائلين بالكلام اللساني فلا يتصور ذلك على مذهبهم.
__________
(1) في ط وز: "يقولون".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(3) هذا هو مذهب الأشاعرة، ويعنون بالقديم: قديم العين، أي أن الكلام لا يتجدد وأنه سبحانه تكلم ثم سكت، وأنه سبحانه لا يتكلم متى شاء.
أما مذهب أهل السنة والجماعة فلا يصفون كلام الله بأنه قديم؛ لأن هذا اللفظ لم يستعمله السلف، لكنه لفط فيه إجمال، فأجازوا استعماله إن عني به أن أنواعه قديمة لا أول له، وهو سبحانه لا يزال متكلمًا متى شاء، فمن عنى بالقديم هذا المعنى وأن الكلام بدأ من الله وأنه غير مخلوق، فهذا المعنى صحيح.
انظر تفصيل الكلام في هذه المسألة في: الفتاوى لشيخ الإسلام 6/ 161، 234، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين لمحمد العروسي ص 217 - 224.
(4) في ز: "تقديم".
(5) في ط: "ونحو".
(6) "ونحن" ساقطة من ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2/550)

قوله: (ولكنه لا يصير مأمورًا إِلا حالة الملابسة) إلى قوله (1): (زمان الحدوث).
قال المؤلف في الشرح (2): هذه (3) المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارة عنها عسيرة الفهم (4).
قوله (5): [(ولكنه لا يصير مأمورًا إِلا حالة الملابسة)] (6) أي: لا يكون المأمور (7) مأمورًا إلا في حالة إمكان الملابسة، وهو: القدرة على العمل.
قوله: (ولكنه لا يصير مأمورًا إِلا (8) حالة الملابسة).
قال المؤلف في الشرح: مقصودنا بهذا: بيان صفة التعلق، وليس مقصودنا (9) به أن الملابسة شرط في التعلق، وإلا تعذر وجود العصيان أبدًا؛ لأن الإنسان يقول: الملابسة شرط لكوني مأمورًا، وأنا لا أتلبس (10) فلست مأمورًا فلا أكون عاصيًا، ومعنى قولنا: يصير مأمورًا حالة الملابسة، أي: تلك الحالة هي: الحالة التي تعلق (11) بها الأمر،
__________
(1) المثبت من ز، ولم ترد "قو