Advertisement

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب 003

رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ

تأليف
أبي عَلي حسَين بن علي بن طَلحة الرّجراجي الشوشَاوي
المتوفى سنة 899 ه

تحقيق
د. أَحْمَد بن محمَّد السراح
عضو هَيئة التّدريس بجامعة الإمَام محمَّد بن سعُود الإسلامية

المجلّد الثّالِث
مَكْتَبة الرُّشدِ
نَاشِرُون
(3/1)

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1425 ه - 2004 م

مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب 17522 الرياض 11494 - هاتف: 4593451 - فاكس: 4573381
E - mail: alrushd@alrushdryh.com
www.rushd.com

* فرع الرياض: طريق الملك فهد - غرب وزارة البلدية والقروية ت 2051500
* فرع مكة المكرمة: ت: 5585401 - 5583506
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - ت: 8340600 - 8383427
* فرع جدة: مقابل ميدان الطائرة - ت: 6776331
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - ت: 3242214 - ف: 2241358
* فرع أبها: شارع الملك فيصل ت: 2317307
* فرع الدمام: شارع ابن خلدون ت: 8282175

وكلاؤنا في الخارج
* القاهرة: مكتبة الرشد - مدينة نصر - ت: 2744605
* الكويت: مكتبة الرشد - حولي - ت: 2612347
* بيروت: دار ابن حزم ت: 701974
* المغرب: الدار البيضاء/ مكتبة العلم/ ت: 303609
* تونس: دار الكتب الشرقية/ ت: 890889
* اليمن - صنعاء: دار الآثار ت: 603756
* الأردن: دار الفكر/ ت: 4654761
* البحرين: مكتبة الغرباء/ ت: 957823
* الامارات - الشارقة: مكتبة الصحابة/ ت: 5632575
* سوريا - دمشق: دار الفكر/ ت: 221116
* قطر - مكتبة ابن القيم/ ت: 4863532
(3/2)

رفع النقاب
عن تنقيح الشهاب
(3/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(3/4)

الباب الخامس
في النواهي
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: فى مسماه.
الفصل الثاني: في أقسامه.
الفصل الثالث: في لازمه.
(3/5)

الباب الخامس في النواهي
وفيه ثلاثة فصول:
ش: النواهي جمع، مفرده (1): نهي، وهو مصدر، وإنما جمعه مع أن المصادر (2) لا تثنى ولا تجمع (3)، من حيث دلالتها على القليل والكثير من جنسها اعتبارًا بأنواع النهي؛ لأنه تارة يراد به التحريم، وتارة يراد به الكراهة.
وذلك أن النهي له سبعة موارد وهي:
التحريم: كقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} (4).
والكراهة: كقوله (5) تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (6)، وقوله عليه السلام لعائشة - رضي الله عنها -: "لا تتوضئي بالماء المشمس" (7).
__________
(1) في ط: "ومفرد".
(2) في ز: "المصادير"، وفي ط: "المصدر".
(3) في ط: "لا يثنى ولا يجمع".
(4) آية 32 من سورة الإسراء.
(5) في ز: "وهو قوله".
(6) آية 237 من سورة البقرة.
(7) سبق تخريجه.
(3/7)

والدعاء: كقوله تعالى: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (1).
والإرشاد: كقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (2).
والإهانة: كقوله تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (3).
والتحقير: كقوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} (4).
ولبيان العاقبة: كقوله تعالى (5): {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} (6).
فجمع المؤلف - رحمه الله تعالى - (7) المصدر - الذي هو النهي ها هنا - اعتبارًا بأنواعه؛ لأنه يجوز جمع المصدر إذا اعتبرت (8) أنواعه كقولهم: أحلام (9) وأشغال.
قوله: (النواهي).
__________
(1) آية 286 من سورة البقرة.
(2) آية 101 من سورة المائدة.
(3) آية 7 من سورة التحريم.
(4) آية 131 من سورة طه.
(5) "تعالى" لم ترد في ط.
(6) آية 42 من سورة إبراهيم.
(7) "رحمه الله تعالى" لم ترد في ز وط.
(8) في ط: "اعتبر".
(9) في ط: "أحمال".
(3/8)

جمع، وزنه: فواعل، ومفرده (1): نهي، على وزن: "فَعْل" وكَوْز (2)، [فجمع على فواعل، ووزن] (3) فعل على فواعل غير معروف عند أرباب العربية، واختلف في الجواب عنه على أربعة أقوال:
فقيل (4): هو جمع ناه على وزن "اسم الفاعل" الذي يراد به المصدر؛ لأن فاعلاً يراد به المصدر كقولهم: قام قائمًا، وخرج خارجًا، معناه قام (5) قيامًا، وخرج خروجًا (6).
وقيل: هو جمع ناهية على وزن "فاعلة" الذي يراد به المصدر أيضًا؛ لأن فاعلة قد يراد به المصدر كقولهم: العافية؛ لأنك تقول: عافانا الله عافية.
وقيل: هو جمع ناه على وزن "فاعل" والمراد به اسم الفاعل الذي هو اللفظ قد يسمى ناهيًا مجازًا (7)، فمعنى النواهي على هذا القول: الألفاظ (8) التي تنتهي (9)، وإنما سمي اللفظ ناهيًا مجازًا؛ لأن النهي يقع به.
وقيل: هو جمع ناهية على وزن "فاعلة" والمراد به الصيغة، أو اللفظ (10)؛ لأن الصيغة قد تسمى ناهية مجازًا؛ لأن النهي يقع بها، فمعنى النواهي على
__________
(1) في ز: "ومفردته".
(2) في ز: "وكون". في اللسان (5/ 402): كاز الشيء كَوْزًا: جمعه.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(4) في ز: "قيل".
(5) "معناه قام" ساقطة من ط.
(6) في ط: "أي قيامًا وخروجًا".
(7) في ز: "مجازًا لأن النهي يقع بها".
(8) في ز: "الصيغ".
(9) في ط: "انتهى".
(10) في ز: "اللفظ".
(3/9)

هذا: الصيغ (1) التي تنهى.
وقد تقدم مثل هذا اعتراضًا وجوابًا في جمع الأوامر في قول المؤلف: الباب الرابع في الأوامر (2).
...
__________
(1) في ز: "على هذه الصيغة"، وفي ط: "على هذا الصيغة".
(2) انظر (2/ 435 - 438) من هذا الكتاب.
(3/10)

الفصل الأول في مسماه (1)
قوله: (الفصل الأول: في مسماه وهو عندنا للتحريم، وفيه من الخلاف ما سبق في الأوامر) (2).
ش: [وفي هذا الفصل أربعة مطالب:
ما مسماه؟
وهل يقتضي التكرار (3)؟
وهل يقتضي الفور أم (4) لا؟
وما متعلقه (5)؟] (6).
قوله: (في مسماه) هذا هو المطلب الأول.
قوله: (مسماه) يعني: مسمى مسماه، وأما مسماه وهو: لا تفعل فلم
__________
(1) لم يرد هذا العنوان في النسخ الثلاث وهو زيادة يقتضيها البحث.
(2) في أوخ وش: "في الأمر".
(3) في ط: "التكرار أم لا".
(4) "أم لا" ساقطة من ط.
(5) انظر هذا الفصل وما يشتمل عليه من مطالب في: شرح التنقيح للقرافي ص 168 - 172، شرح التنقيح للمسطاسي ص 75، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 143 - 146.
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3/11)

يتعرض له المؤلف، وإنما تعرض (1) لمسمى مسماه وهو: التحريم، ففي الكلام حذف مضاف تقديره: في مسمى مسماه.
وبيان ذلك: أن مسمى النهي: لا تفعل، ومسمى لا تفعل: التحريم، كما أن مسمى الأمر "افعل"، ومسمى أفعل "الوجوب" كما تقدم في الباب الرابع في قوله: أما لفظ الأمر فالصحيح (2): أنه اسم مطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات.
وقال بعد ذلك: وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر فهو: موضوع عند مالك - رحمه الله تعالى - (3) وعند أصحابه للوجوب (4).
فنقول على هذا: مسمى النهي: مطلق الصيغة الدالة على الترك من سائر اللغات، ومسمى هذه الصيغة الدالة على الترك هو: التحريم.
قوله: (في مسماه) المراد بالمسمى (5) هو: الموضوع، تقديره: الفصل الأول في بيان موضوع موضوع النهي، على حذف المضاف، كما تقدم فيكون على هذا من باب حذف المضاف.
أو تقول: أطلق المؤلف ها هنا (6) مسماه على مدلول مسماه مجازًا؛ لما بينهما من الملازمة والارتباط، وإنما لم يتعرض المؤلف ها هنا لبيان مسمى
__________
(1) في ط: "يتعرض".
(2) في ط: "قال صحيح".
(3) "تعالى" لم ترد في ط.
(4) انظر (2/ 443، 451) من هذا الكتاب.
(5) في ط: "بالسما".
(6) في ز وط: "هنا".
(3/12)

النهي اكتفاءً بما تقدم له في مسمى الأمر؛ لأن النهي مقابل الأمر (1)، والأشياء تعرف بمقابلاتها وأضدادها، ولم يتعرض المؤلف ها هنا إلا لمسمى مسماه كما قلنا، والمراد بمسمى المسمى هو: الحكم؛ أعني: حكم النهي، تقديره: الفصل الأول: في حكم مسماه على حذف المضاف.
قوله: (وهو عندنا للتحريم، وفيه من الخلاف ما سبق في الأوامر).
ش: قوله: (وهو عندنا للتحريم) معناه: وحكم مسماه عندنا للتحريم.
قوله: (عندنا) أي (2): نحن المالكية، ولا خلاف أن النهي مجاز في غير التحريم والكراهة، وإنما الخلاف في ظهوره في (3) أحدهما على سبعة مذاهب.
قوله: (وفيه من الخلاف ما سبق في (4) الأوامر) أي: في حكم مسمى النهي من الخلاف ما سبق (5) ذكره في باب الأوامر؛ وذلك أنه ذكر في الأوامر سبعة مذاهب ذكر منها أربعة في الأصل، وذكر ثلاثة أخرى في الشرح.
لأنه قال في الشرح: و (6) في الأمر سبعة مذاهب: للوجوب، للندب، للقدر المشترك بينهما، مشترك بينهما (7)، لأحدهما لا يعلم حاله، للإباحة،
__________
(1) في ز وط: "للأمر".
(2) "أي" ساقطة من ز وط.
(3) "في" ساقطة من ز.
(4) في ط: "من".
(5) في ط: "ما تقدم".
(6) "الواو" ساقطة من ز وط.
(7) "مشترك بينهما" ساقطة من ز.
(3/13)

الوقف في ذلك كله، ذكرها (1) الإمام فخر الدين في المحصول (2) والمعالم (3) [بعضها ها هنا وبعضها ها هنا (4). انتهى نصه (5).
قال المؤلف في الشرح: نظير تلك المذاهب السبعة ها هنا] (6) في النهي أن نقول (7):
إنه موضوع للتحريم.
للكراهة.
للقدر المشترك بينهما، وهو مطلق الترك.
اللفظ مشترك بينهما.
موضوع لأحدهما لا يعلم بعينه.
هو (8) موضوع للإباحة.
الوقف.
فهذه سبعة مذاهب في الأمر والنهي.
قال المؤلف في الشرح: وحكى القاضي عبد الوهاب في الملخص قولاً
__________
(1) في ز: "ذكر الإمام".
(2) انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 66، 67.
(3) انظر: المعالم ص 91، 92.
(4) "وبعضها ها هنا" ساقطة من ط.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 127، وانظر (2/ 451، 455) من هذا الكتاب.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) في ط: "تقول".
(8) "هو" ساقطة من ز.
(3/14)

ثامنًا (1): بالفرق بين الأمر والنهي [فيحمل النهي على التحريم، ويحمل الأمر على الندب؛ لأن عناية العقلاء وصاحب الشرع بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بالمصالح.
والنهي يعتمد المفاسد، والأمر يعتمد المصالح فنقول إذًا: في حكم كل واحد من الأمر والنهي سبعة مذاهب.
فإذا جمعت بين الأمر (2) والنهي قلت: ثمانية أقوال:
ثامنها: الفرق بين الأمر والنهي (3)] (4).
والمشهور من هذ الأقوال الثمانية (5) هو: التحريم.
حجة (6) [القول بتقوية هذا المذهب الذي هو التحريم] (7): أن السيد إذا قال لعبده: لا تفعل كذا، فإن فعله (8) استحق الذم والتوبيخ فدل ذلك على التحريم.
قوله: (واختلف العلماء في إِفادته للتكرار (9) وهو المشهور من
__________
(1) في ط: "قولاً ثامنًا في الملخص".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "الأمور".
(3) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 168.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) انظر المصادر السابقة التي ذكرتها في موضوع صيغة الأمر (2/ 452) من هذا الكتاب.
(6) في ز وط: "حجته".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(8) في ز: "فعل".
(9) في خ وش: "التكرار".
(3/15)

مذهب (1) العلماء).
ش: هذا هو المطلب الثاني وهو قولنا: هل يقتضي النهي التكرار والدوام؟ أو لا (2) يقتضي إلا المرة الواحدة؟.
فذكر المؤلف أن المشهور عند العلماء أنه يقتضي التكرار (3) والدوام، معناه: تكرار الترك ودوامه، ومعنى ذلك: انسحاب (4) حكم النهي على جميع الأزمنة.
والقول الآخر: أن النهي لا يدل على الدوام، ولا يدل إلا على مجرد الترك.
حجة القول بالتكرار: أن قولنا (5) في النهي: لا تضرب زيدًا، يقتضي المنع من إدخال ماهية الضرب في الوجود، ولا يتحقق ذلك إلا إذا امتنع منها دائمًا، ولأن النهي [إنما يعتمد (6) المفاسد، واجتناب المفسدة إنما يحصل
__________
(1) في أوش: "مذاهب".
(2) في ط: "ولا".
(3) هذا هو المشهور عند العلماء.
والقول الثاني: أنه لا يقتضي التكرار وهو مذهب القاضي الباقلاني، واختاره فخر الدين الرازي.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 168، 169، شرح التنقيح للمسطاسي ص 75، المحصول ج 1 ق 2 ص 470 - 475، الإبهاج شرح المنهاج 2/ 66، 67، الإحكام للآمدي 2/ 194، نهاية السول 2/ 294، 295، العدة لأبي يعلى 2/ 428، المسودة ص 81، التمهيد لأبي الخطاب 1/ 363.
(4) في ز: "استصحاب".
(5) في ز وط: "قولك".
(6) في ط: "تعتمد".
(3/16)

إذا اجتنبها دائمًا] (1) كما إذا قلت لولدك: لا تقرب الأسد، فمقصودك (2) لا يحصل إلا بالاجتناب (3) دائمًا (4).
وحجة القول بعدم التكرار: أن النهي: تارة يرد (5) للتكرار (6) كالنهي عن السرقة، والزنا، ونحوها، وتارة يرد لعدم التكرار كقول الطبيب لمريض: لا تأكل اللحم، أو لا تفصد، و (7) كقول المنجم: لا تسافر؛ يعني في هذا الزمان، ولا يريد جميع الأزمنة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل فلا يكون حقيقة في أحدهما ولا فيهما، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، وهو: مطلق الترك، ومعنى مطلق الترك: ترك المنهي عنه ولو مرة (8) واحدة؛ لأن مطلق الترك يصدق بترك ما في زمان ما (9).
وأجيب عن هذا: بأن جعل اللفظ للقدر المشترك بين أمرين يؤدي إلى رفع الاشتراك والتجوز بالكلية، بحيث لا يوجد لفظ مشترك ولا مجاز أبدًا؛ لأن ذلك لا يتعذر نظمه في كل لفظين؛ إذ ما من معنيين إلا وبينهما قدر مشترك.
وقول الخصم: يرد النهي للتكرار كالسرقة، والزنا، ويرد لعدم التكرار
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط ولم يرد في الأصل.
(2) في ط: "فمقتضى ذلك".
(3) في ز: "اجتناب".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 171، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 75.
(5) "يرد" ساقطة من ط.
(6) في ط: "التكرار".
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) في ط: "مة" وهو تصحيف.
(9) انظر هذا الدليل بمعناه في المصدرين السابقين.
(3/17)

كنهي الطبيب - لا دليل في ذلك؛ لأن النهي عن السرقة والزنا نهي شرعي، دل الدليل المنفصل على (1) تكراره على الدوام؛ لأن نواهي الشرع دائمة ونهي الطبيب المريض عن اللحم أو غيره (2) هو (3) نهي عرفي، دلت (4) قرينة عرفية على أنه لا يقتضي الدوام.
فلا نزاع في الأمرين - أعني النهي الشرعي والنهي العرفي - وإنما النزاع في النهي اللغوي المجرد عن القرائن هل يقتضي التكرار؟ أو لا يقتضي التكرار؟
وقد أورد المؤلف في الشرح على القول بعدم التكرار إشكالاً فقال: يلزم القائل بعدم تكرار النهي ألا يوجد عاصٍ البتَّة بمنهي عنه؛ لأن النهي عنده (5) يقتضي مطلق الترك، فيخرج الإنسان عن عهدته بمطلق الترك في زمان ما، وأشد الناس عصيانًا وفسوقًا لا بد أن يترك تلك المعصية في زمان ما، ولو لضرورة الحياة من النوم والاعتداء وغير ذلك، فإذا (6) كان الأمر كذلك فلا يوجد عاصٍ أبدًا (7).
أورد المؤلف هذا السؤال في مجلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام (8)
__________
(1) في ز: "عن".
(2) في ط: "وغيره".
(3) "هو" ساقطة من ز.
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ذات"
(5) في ط: "عنه".
(6) في ز: "فإن".
(7) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 169.
(8) هو عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم الدمشقي الشافعي المعروف بابن عبد السلام، الملقب سلطان العلماء، ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة =
(3/18)

رحمه الله - فأجاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن هذا السؤال بقاعدة التعليق.
وذلك أنه قد يعلق (1) عامّ على عامّ، ومطلق (2) على مطلق، أو عامّ على مطلق، أو مطلق على عام.
مثال العامّ على العامّ قولك (3): أكرم (4) الناس كلهم في كل يوم (5).
ومثال المطلق على المطلق قولك: أكرم رجلاً في يوم.
[ومثال العامّ على المطلق قولك: أكرم الناس كلهم في يوم.
ومثال المطلق على العامّ: قولك أكرم رجلاً] (6) في كل يوم.
__________
= (577 ه)، برع في الفقه، والأصول، والعربية، ومن شيوخه: فخر الدين بن عساكر، وسيف الدين الآمدى، والقاسم بن عساكر وغيرهم، وكان عز الدين ورعًا، آمرًا بالمعروف، لا يخاف في الله لومة لائم، ولي خطابة دمشق، وأزال رحمه الله كثيرًا من البدع المنتشرة في زمانه مثل دق الخطباء السيف على المنبر، وصلاة الرغائب، وصوم نصف شعبان، وقد درس عز الدين، وأفتى، وبرع في المذهب, وبلغ رتبة الاجتهاد وقصده الطلبة من الآفاق، ومن أشهر تلاميذه: ابن دقيق العيد، توفي رحمه الله سنة 660 ه بالقاهرة، من مصنفاته: "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"، "الإلمام في أدلة الأحكام"، "الفتاوى".
انظر: طبقات السبكي 5/ 80 - 107، فوات الوفيات 1/ 287 - 288، النجوم الزاهرة 7/ 208.
(1) في ط: "يتعلق".
(2) في ط: "أو مطلق".
(3) "قولك" ساقطة من ط.
(4) في ط: "أكري".
(5) "في كل يوم" ساقطة من ز.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3/19)

فعلى مقتضى هذه القاعدة أن القائل بالتكرار في النهي يقول: هذا تعليق عامّ على عامّ؛ لأنه مأمور بجميع المتروك (1) في جميع الأزمنة، والقائل بعدم التكرار في النهي يقول: هذا تعليق مطلق على عامّ؛ لأنه مأمور بترك واحد في جميع الأزمنة (2).
فالمطلوب (3) في النهي على هذا ترك واحد في جميع الأزمان، فلا يجوز أن يلابس المنهي عنه أصلاً، فمتى لابسه تحقق العصيان (4).
وهذا الجواب فيه نظر؛ لأنه يقتضي ألا فرق بين القولين؛ لأن القائل بالتكرار والقائل بعدم التكرار كل واحد منهما يمنع ملابسة المنهيّ عنه على الدوام.
قال بعضهم: هذا السؤال الذي أورده (5) الشهاب - رحمه الله -[لا يرد؛ لأن البحث في التكرار وعدمه إنما هو في مقتضى اللغة، وأما نواهي الشرع فلا نزاع أنها (6) تقتضي الدوام والتكرار، فلما رد الشهاب رحمه الله] (7) البحث اللغوي إلى القضية الشرعية تعرض له الإشكال، والله أعلم.
قوله: (وعلى القول (8) بعدم إفادته وهو مذهب الإِمام فخر الدين لا يفيد الفور عنده).
__________
(1) في ز وط: "المشترك".
(2) في ز وط: "الأزمان".
(3) في ز: "فالمطلق".
(4) نقل المؤلف جواب الشيخ ابن عبد السلام من شرح التنقيح للقرافي ص 169.
(5) في ط: "أورد".
(6) في ز: "أنه".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) "وعلى القول" ساقطة من "ز".
(3/20)

ش: هذا هو المطلب الثالث: وهو قولنا: هل يقتضي الفور أم لا؟
ومعنى الفور: تعجيل (1) الانتهاء عن المنهي (2) عنه.
ذكر (3) المؤلف في الشرح: أنّا إذا فرعنا على القول بالتكرار (4) فإنه يقتضي الفور قطعًا؛ لأن الزمان الحاضر مندرج في التكرار، وإن فرعنا على عدم التكرار ففيه قولان:
قيل: يتعيّن الترك لذلك المعنى في الزمان الحاضر.
وقيل: لا يتعين له إلا بدليل منفصل (5).
حجة القول بالفور: حملاً على الأمر بأولى (6) وأحرى.
وحجة عدم الفور: أن النهي إنما يدل على مطلق الترك، ومطلق الترك أعم من الزمان الحاضر، والزمان المستقبل، فالدال على الأعم غير دال على الأخص (7).
قوله: (ومتعلقه: فعل ضد المنهي عنه؛ لأن العدم غير مقدور، وعند (8) أبي هاشم: عدم المنهي عنه (9)).
__________
(1) "تعجيل" ساقطة من ط.
(2) في ط: "النهي".
(3) في ز وط: "فذكر".
(4) "بالتكرار" ساقطة من ز.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 171.
(6) في ز: "بالأولى".
(7) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 76.
(8) في ش: "وعن أبي هاشم".
(9) كلمة "عنه" ساقطة من أ.
(3/21)

ش: هذا هو المطلب الرابع، وهو متعلق النهي، المتعلَّق (1) بفتح اللام هو: المطلوب بالنهي.
قوله: (ومتعلَّقه) أي: ومتعلَّق النهي، أي: ومطلوب النهي، معناه: والمطلوب بالنهي هو (2) فعل ضد المنهي عنه، وهو الشيء المحرم.
مثاله: قولك: لا تتحرك فكأنك قلت له: اسكن؛ لأن السكون ضد الحركة.
وقولك: لا تتكلم كأنك قلت: اسكت؛ لأن السكوت ضد الكلام.
وقولك: لا تصم يوم العيد، كأنك قلت: أفطِر يوم العيد.
فالمطلوب بالنهي على هذا هو (3) فعل ضد المنهي عنه.
هذا معنى قوله: "ومتعلقه (4) فعل ضد المنهي (5) عنه".
بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده، وهو مذهب المؤلف.
وقيل: متعلق النهي أي: المطلوب بالنهي هو: كف النفس عن المنهي عنه، أي: كف النفس عن المحرم (6)، وكف النفس فعل أيضًا بناء على أن النهي عن الشيء لمس أمرًا بضده.
__________
(1) في ز: "المعلق".
(2) في ط: "وهو".
(3) "هو" ساقطة من ط.
(4) في ز: "قوله هو فعل".
(5) في ط: "النهى".
(6) في ز وط: "الفعل المحرم".
(3/22)

فاتفق هذان القولان على أن المطلوب في النهي هو الفعل، واختلفا في تعيين ذلك الفعل: فقيل: فعل ضد (1) المنهي عنه.
وقيل: هو كفّ النفس عن المنهي عنه.
ولم يذكر المؤلف هذا القول، وهو مختار ابن الحاجب؛ لأنه قال في كتابه في (2) الأصول: مسألة لا تكليف إلا بفعل، فالمكلف به (3) في النهي كف النفس عن المنهي عنه (4). انتهى نصه (5).
وسبب الخلاف بين هذين القولين هو: النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أم لا؟ قولان (6).
وقال أَبو هاشم وكثير من المتكلمين: إن المطلوب بالنهي (7) عدم (8) الفعل المنهي عنه (9) أي: نفى الفعل المنهيِّ عنه (10)، وهو معنى قوله: (وعند أبي هاشم
__________
(1) في ط: "من".
(2) "في" ساقطة من ط.
(3) "به" ساقطة من أ.
(4) في ز وط ومختصر ابن الحاجب: "كف النفس عن الفعل".
(5) انظر: مختصر المنتهى لابن الحاجب 1/ 13.
(6) القول الأول: النهي عن الشيء أمر بضده، وهو: قول الجمهور.
القول الثاني: النهي عن الشيء ليس أمرًا بضده سواء كان له ضد أو أضداد، وهو: قول الجرجاني.
انظر: العدة لأبي يعلى 2/ 430، 431، التمهيد لأبي الخطاب 1/ 364 - 368، المسودة ص 81، 82، ميزان الأصول ص 235، كشف الأسرار 1/ 257.
(7) في ط: "بالمنهي هو".
(8) في ز: "هو عدم".
(9) "عنه" ساقطة من ط.
(10) ذكر المؤلف القول الأول وهو: أن المطلوب بالنهي هو فعل ضد المنهي عنه، وذكر =
(3/23)

عدم النهي عنه) أي: المطلوب في المنهي عنه، أي: المطلوب في النهي عند أبي هاشم نفس لا تفعل، مع قطع النظر عن فعل الضد وعن الكف.
فتحصل مما ذكرنا: أن المطلوب بالنهي عند الجماعة هو: الفعل، والمطلوب به عند أبي هاشم هو: العدم، أي: عدم الفعل.
فقولك: لا تتحرك على (1) قول الجماعة أمر بالسكون، وعلى قول أبي هاشم أمر بعدم الحركة.
ومنشأ هذا الخلاف: هل النظر إلى اللفظ؟ أو النظر إلى المعنى؟.
فمن لاحظ صورة اللفظ وهو: أَبو هاشم، قال: متعلقه العدم؛ إذ ليس في صورة اللفظ إلا عدم الفعل، فإذا قال: لا تتحرك، فليس في هذا اللفظ إلا عدم الحركة، وكذلك إذا قال له: لا تتكلم، فليس في هذا اللفظ إلا عدم الكلام.
ومن لاحظ المعنى وهو: الجماعة، قال: متعلقه الفعل لا العدم؛ لأن معنى النهي إنما هو طلب الفعل؛ لأن النهي من أنواع الطلب فإذا قال له (2):
__________
= القول الثاني وهو: أن المطلوب بالنهي هو كف النفس عن المنهي عنه، واختاره ابن الحاجب.
وهذا هو القول الثالث وهو: مذهب أبي هاشم، وقد عزاه إليه الإمام فخر الدين والبيضاوي وابن السبكي وابن الحاجب وغيرهم.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 171، 172، شرح التنقيح للمسطاسي ص 76، المحصول ج 1 ق 2 ص 505 - 507، شرح المختصر لابن الحاجب وشرح العضد عليه وحواشيه 1/ 13، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 69 - 73، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 213 - 216، نهاية السول في شرح منهاج الأصول 2/ 305 - 307.
(1) في ط: "عن".
(2) "له" ساقطة من ز.
(3/24)

لا تتحرك، فمعناه: اسكن، أو اكفف عن الحركة، وإذا (1) قال له (2): لا (3) تتكلم فمعناه: اسكت، أو اكفف عن الكلام.
وإنما (4) قلنا: إن معنى النهي هو: طلب الفعل؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الإنسان لا يكلف (5) إلا بما هو مقدوره، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} (6) ففعله هو مقدوره (7)، وأما العدم فليس بمقدوره (8)، فلا يكلف (9) به.
وإنما قلنا: العدم ليس مقدورًا للإنسان (10)؛ لأن العدم ليس بشيء، [وما ليس بشيء] (11) لا (12) تتعلق له القدرة، وما لا تتعلق به القدرة لا يكون مقدورًا، وما لا يكون مقدورًا لا يتعلق به التكليف؛ لأن القدرة إنما تؤثر في الوجود، ولا تؤثر في العدم، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: (لأن العدم غير (13) مقدور).
__________
(1) في ز: "فإذا".
(2) "له" ساقطة من ز.
(3) "لا" ساقطة من ط.
(4) في ط: "وأما".
(5) في ز: "يتكلف"، وفي ط: "لا يكف".
(6) آية 286 من سورة البقرة.
(7) في ز: "مقدور".
(8) في ز: "بمقدور".
(9) في ط: "يكف" وهو تصحيف.
(10) في ط: "مدور الإنسان".
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(12) في ط: "فلا".
(13) "غير" ساقطة من ط.
(3/25)

قوله: (لأن العدم غير مقدور) وذلك: أن العدم كان قبل الفعل واستمر ذلك العدم إلى خلق قدرة المكلف، والقدرة تقتضي أثرًا عقليًا، والعدم المستمر ليس أثرًا للقدرة؛ لثبوته قبل خلق القدرة فلا يكون أثرًا (1) لها بعد خلقها.
واحتج أَبو هاشم: بأن العقلاء يمدحون من لم يزن على عدم الزنا، وإن لم يخطر (2) ببالهم فعل الضد.
وأجيب (3) عن هذا: بأنهم يمدحونه (4) بما هو من صنعه، والعدم ليس من صنعه، وإنما يمدحونه على فعله، وهو الامتناع من ذلك الفعل، والامتناع هو أمر وجودي وهو: إما فعل الضد، وإما كف النفس.
قال المؤلف في الشرح: سؤال: ما (5) الفرق بين قولهم: متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه، وبين قولهم: النهي عن الشيء أمر بضده؛ لأن قولهم: النهي عن الشيء أمر بضده هو معنى قولهم: متعلق (6) النهي فعل ضد المنهي عنه؟.
قال: جوابه: أن الأمر والنهي متعلِّقان بكسر اللام، والمنهي عنه وضده
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أمرًا".
(2) في ط: "يحضر".
(3) في ط: "وأجيبوا".
(4) في ز: "يمدحون".
(5) في ز: "من".
(6) في ط: "ومتعلق".
(3/26)

متعلَّقان بفتح اللام، فإذا قلنا: النهي عن الشيء أمر بضده فهو: بحث في (1) المتعلِّقات - بكسر اللام - هل هو ذلك أو غيره؟
ثم إذا تقرر (2) بيننا شيء في المتعلِّقات (3) - بكسر اللام - من اتحاد أو تعداد أمكننا بعد ذلك أن نختلف في المتعلَّقات (4) - بفتح اللام - هل المتعلق نفس العدم أو الضد؟ فهذه مسألة أخرى وليس عين المسألة الأولى. انتهى نصه (5).
يعني: أن البحث في إحدى المسألتين في المتعلِّق بالكسر، والبحث في الأخرى (6) في المتعلَّق بالفتح.
...
__________
(1) في ز: "عن".
(2) في ط: "تقول".
(3) في ز: "المعلقات".
(4) في ط وز: "المعلقات".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 172، وانظر أيضًا: الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 71.
(6) في ز: "الآخر".
(3/27)

الفصل الثاني في أقسامه (1)
ش: يعني: أقسام (2) النهي باعتبار متعلقاته، وفي هذا الفصل أربعة أقسام:
النهي المعلق (3) على الجميع.
والمعلق (4) على الجمع.
[والمعلق على البدل المقيد] (5).
والمعلق على البدل المطلق.
قوله: (وإِذا تعلق بالأشياء (6) فإِما على الجميع (7) نحو: الخمر والخنزير).
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 172، 173، شرح التنقيح للمسطاسي ص 76، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 146، 147، المحصول ج 1 ق 2 ص 507 - 510، نهاية السول فى شرح منهاج الأصول 2/ 309 - 311، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 79.
(2) في ط: "وأقسام".
(3) في ط وز: "المتعلق".
(4) في ط: "المتعلق".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في أوخ وش: "بأشياء"، وفي ط: "بأشاء".
(7) في أوخ وش وط: "الجمع"، وفي خ: "عن الجميع".
(3/29)

ش: هذا هو القسم الأول، وهو: المعلق على الجميع في النهي، أي: متعلق النهي كل واحد منها.
مثاله: أن يقول: لا تفعل هذا ولا هذا.
قوله: (نحو الخمر والخنزير) كأن يقول: لا تشرب الخمر، ولا تأكل الخنزير.
قوله: (وأما على (1) الجمع (2)، نحو: الجمع بين الأختين (3)).
ش: هذا هو القسم الثاني وهو النهي المعلق على الجمع، يعني: أن متعلق النهي هو الجمع بينهما، وكل واحد في نفسه ليس منهيًا عنه.
مثاله: قولك: لا تجمع بين كذا وكذا نحو الجمع بين الأختين، كقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} (4).
فإن كل واحدة في نفسها ليست (5) محرمة، بل المحرم هو الجمع بينهما فقط، بخلاف القسم الأول المعلق فيه النهي (6) على الجميع؛ لأنه تعلق فيه بالجميع (7) أي: بالانفراد (8) والاجتماع، وأما هذا القسم الثاني فلا يحرم (9) فيه
__________
(1) في أوخ وش: "عن".
(2) في أ: "الجميع".
(3) في أوخ وش: "نحو الأختين".
(4) آية 23 من سورة النساء.
(5) المثبت من ز، وفي الأصل: "ليس".
(6) "فيه النهي" ساقطة من ز وط.
(7) في ط: "النهي بالجميع".
(8) في ز: "بالجمع أو بالافراد".
(9) في ز: "تحرم".
(3/30)

إلا حالة واحدة وهي: حالة الاجتماع، ولا تحرم (1) حالة الانفراد، فالنهي في القسم الأول تعلق بالجميع، والنهي في القسم الثاني تعلق بالجمع خاصة.
قال المؤلف في الشرح: ونظير هذين قول (2) النحاة: تقول العرب: لا تأكل السمك، وتشرب اللبن، فيه ثلاثة أوجه:
الجزم، والنصب، والرفع.
فإن جزمنا الفعلين: كان كل واحد منهما متعلق النهي سواء انفردا أو اجتمعا.
وإن نصبنا الثاني وجزمنا الأول: كان متعلق النهي هو (3) الجمع بينهما فقط، وكل واحد منهما غير منهي عنه في نفسه.
وإن جزمنا الأول ورفعنا الثاني: كان الأول هو مطلق النهي فقط في حالة ملابسة الثاني، معناه: لا تأكل السمك في حالة شرب اللبن، والحال ليس منهيًا عنه، فإذا قلت: لا تسافر والبحر هائج، ولا تصلِّ والشمس طالعة، فلست (4) تنهى عن هيجان البحر، ولا عن طلوع الشمس، بل عن الأول فقط.
كذلك (5) ها هنا (6)، فتختلف المعاني باختلاف رفع الثاني ونصبه وجزمه،
__________
(1) في ط: "ولا يحرم".
(2) في ز: "قال".
(3) "هو" ساقطة من ز.
(4) في ط: "فليست".
(5) في ز: "كذا".
(6) في ط: "هنا".
(3/31)

والفعل الأول في الأحوال الثلاثة مجزوم (1).
قوله (2): (وعلى البدل مثل: إِن فعلت كذا (3) فلا تفعل كذا (4)، كنكاح الأم بعد بنتها (5)).
ش: هذا هو القسم الثالث وهو المنهي (6) المتعلق (7) على البدل المقيد.
مثاله: قولك: إن فعلت هذا فلا تفعل ذاك، وإن (8) فعلت ذلك فلا تفعل هذا؛ لأنه نهي عن فعل شيء بقيد فعل غيره؛ لأن تحريم (9) نكاح البنت إنما هو (10) بشرط نكاح أمها، وكذلك أيضًا نكاح الأم إنما يحرم بقيد نكاح البنت كما هو المعروف عند الفقهاء؛ لأن (11) الفقهاء يقولون: العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات (12) يحرم البنات.
قال المؤلف في الشرح: و (13) النهي عن البدل يرجع إلى النهي عن
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 172، 173.
(2) في أوخ وش وز وط: "أو على".
(3) في أوخ وش وط: "إن فعلت ذا".
(4) في أوش: "فلا تفعل ذلك"، وفي خ وز وط: "فلا تفعل ذلك".
(5) في أوخ وز وش وط: "ابنتها".
(6) في ط: "النهي".
(7) في ز وط: "المعلق".
(8) في ز: "فإن".
(9) في ط: "لا تحريم".
(10) "إنما هو" ساقطة من ط.
(11) في ط: "إن".
(12) في ز: "على الأمهات".
(13) "الواو" ساقطة من ط.
(3/32)

الجمع، فإن معنى قولنا: إن فعلت كذا فلا تفعل ذلك أن الجمع بينها محرم. انتهى (1).
قال بعضهم: الفرق بينهما: أن الأول باعتبار الزمان، وهذا باعتبار الفعل (2).
قوله: (أو على (3) البدل كجعل الصلاة بدلاً من الصوم).
ش: [هذا هو القسم الرابع وهو: النهي المعلق على البدل (4) كجعل الصلاة بدلاً من الصوم] (5) فإن جعل أحدهما عوضًا من الآخر لا يصح، ولا يجوز من غير تقييد بشيء.
قال المؤلف في الشرح: والنهي عن البدل له صورتان:
أن يجعل غير الواجب بدلاً عن الواجب (6) كالتصدق بدرهم بدلاً عن الصلاة.
وأن يجعل بعض (7) الواجب بدلاً عن كله، كجعل ركعة بدلاً من ركعتين (8).
...
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 173.
(2) القائل هو المسطاسي في شرح التنقيح ص 76.
(3) في ز: "وأما على".
(4) في ط: "البدل المطلق".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) "بدلاً عن الواجب" ساقط من ط.
(7) "بعض" ساقطة من ط.
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 173.
(3/33)

الفصل الثالث في لازمه (1)
هذا الفصل (2) تعرض فيه المؤلف - رحمه الله تعالى - (3) لأثر النهي، وأثر الشيء هو: لازمه، فذكر في هذا الفصل مطلبين:
أحدهما: هل يقتضي النهي الفساد في المنهي عنه أم لا؟
والمطلب الثاني: هل يقتضي النهي الأمر بضد المنهي عنه أم لا؟
قوله: (و (4) هو عندنا يقتضي الفساد خلافًا لأكثر الشافعية، والقاضي (5) أبي بكر منا، وفرق أَبو الحسين البصري (6) والإمام بين العبادات: فيقتضي، وبين المعاملات: فلا يقتضي).
ش: هذا هو المطلب الأول وهو قولنا: هل يقتضي النهي فساد المنهي أم لا؟
__________
(1) في ز: "لوازمه".
(2) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 174 - 177، شرح التنقيح للمسطاسي ص 77، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 147.
(3) "تعالى" لم ترد في ط.
(4) في ش "هو عندنا".
(5) في أ: "وللقاضي".
(6) "البصري" ساقطة من أوخ.
(3/35)

ذكر المؤلف فيه ها هنا ثلاثة (1) أقوال:
أحدها: أنه يقتضي الفساد مطلقًا (2)، أي (3): لا فرق بين العبادات والمعاملات، وإلى هذا [القول (4) أشار (5) بقوله: وهو عندنا يقتضي الفساد.
و (6) القول الثاني: أنه لا يقتضي الفساد مطلقًا، أي: لا فرق بين العبادات والمعاملات، وإلى هذا القول] (7) أشار بقوله (8): خلافًا لأكثر الشافعية (9)، والقاضي أبي بكر منا (10).
__________
(1) في ط: "ذكر فيه المؤلف ثلاثة".
(2) هذا القول قال به المالكية وبعض الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 173، شرح التنقيح للمسطاسي ص 77، إحكام الفصول في أحكام الأصول 1/ 129، البرهان 1/ 283، المستصفى 2/ 25، شرح العضد 2/ 95، 96، الإحكام للآمدي 2/ 188، نهاية السول 2/ 295، 296، شرح الجلال على جمع الجوامع 1/ 393، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 67، 68، العدة لأبي يعلى 1/ 433، التمهيد لأبي الخطاب 1/ 369، المسودة ص 82، أصول السرخسي 1/ 82، تيسير التحرير 1/ 376، فواتح الرحموت 1/ 396.
(3) "أي" ساقطة من ز.
(4) "القول" ساقطة من ط.
(5) في ط: "أشار المؤلف".
(6) "الواو" ساقطة من ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) في ز وط: "أشار المؤلف بقوله".
(9) واختاره بعض الحنفية حيث قال البزدوي: "وعند أصحابنا لا يدل على ذلك، وإليه ذهب المحققون من أصحاب الشافعي كالغزالي وأبي بكر القفال".
انظر: كشف الأسرار 1/ 258.
(10) انظر قول أبي بكر في: شرح التنقيح للقرافي ص 173، شرح التنقيح للمسطاسي ص 77. =
(3/36)

القول الثالث: أنه يقتضي الفساد في العبادات ولا يقتضي الفساد في المعاملات (1)، وإلى هذا القول (2) أشار المؤلف بقوله: "وفرق أَبو الحسين البصري (3) والإمام (4) بين العبادات: فيقتضي، وبين المعاملات: فلا يقتضي".
قوله: (وهو عندنا يقتضي الفساد) يعني: وعندنا (5) نحن المالكية.
وهل يقتضي الفساد من جهة اللغة (6) أو من جهة الشرع؟ قولان.
و (7) قوله: (خلافًا لأكثر الشافعية) يعني: كالقفال (8)، والغزالي (9)، وغيرهما القائلين: بأنه لا يقتضي الفساد.
وهل يقتضي مع ذلك الصحة، أو لا يقتضي الصحة؟ قولان.
أما حجة [القائلين] (10) بأن النهي يقتضي الفساد مطلقًا.
__________
= ونسبه الباجي أيضًا لأبي عبد الله الأزدي وأبي جعفر السمناني.
انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص 129.
(1) في ط: "في العبادات لا في المعاملات".
(2) "القول" ساقطة من ط.
(3) انظر: مذهب أبي الحسين في: المعتمد 1/ 179 - 186، الإبهاج 2/ 68، نهاية السول 2/ 295.
(4) انظر مذهب الإمام فخر الدين في: المحصول ج 1 ق 2 ص 486، الإبهاج 2/ 68، نهاية السول 2/ 296.
(5) "وعندنا" ساقطة من ز وط.
(6) في ز: "اللفظ".
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 188.
(9) انظر: المستصفى 2/ 25.
(10) المثبت بين المعقوفتين من "ز" ولم يرد في الأصل.
(3/37)

فأما في العبادات: فلأنه أمر بالإتيان بالمأمور به ولم يأت به؛ بل أتى بالمنهي عنه، ومن لم يأت بما أمر به فهو باق في عهدة التكليف.
وهذا معنى قولنا: النهي يدل على الفساد في العبادات (1).
وأما في المعاملات: فلأن النهي إنما ورد لدفع (2) المفسدة [الكائنة في المنهي عنه، فلو قلنا بثبوت الملك والإذن في التصرف: لكان ذلك تقريرًا (3) لتلك المفسدة] (4)، والمفسدة لا يجوز تقريرها (5).
وأما حجة القائلين بعدم اقتضائه الفساد مطلقًا:
فأما في العبادات: فلأنه لا تنافي بين قول الشارع: [صلِّ وتوضأ، وصلِّ
__________
(1) ذكر هذا الدليل بمعناه القرافي في شرح التنقيح ص 174.
وذكر المسطاسي وجهًا آخر وهو: أن المندوب لا يجزي عن الواجب، فلو صلى من التطوع ألف ركعة ما ناب له عن صلاة الصبح، وإذا لم يُجزِ المندوب عن الواجب فالمحرم أولى ألا يجزي عنه.
انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 77.
(2) في ط: "لدرء".
(3) في ط: "تقديرًا".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) ذكر هذا الدليل القرافي في شرح التنقيح ص 174، والمسطاسي في شرح التنقيح ص 77.
وذكر الباجي دليلاً آخر وهو: اتفاق الأمة على الاستدلال بالنهي الوارد في القرآن على فساد المنهي عنه، ومن ذلك استدلالهم على فساد عقد الربا بقوله تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة 278] , واستدلالهم على فساد بيع الغرر بالنهي عنه.
انظر: إحكام الفصول 1/ 130، 131.
(3/38)

بثوب طاهر، وحج بمال حلال، وبين قوله] (1): نهيتك عن الصلاة في الدار المغصوبة، وعن (2) الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة بالثوب المغصوب، والحج بالمال (3) المغصوب، وأداء الزكاة [بالمكيال المغصوب] (4)، وإذا (5) أتيت بهذه العبادات جعلتها (6) سببًا لبراءة ذمتك.
قال (7) المؤلف في الشرح: يعني: أن الشارع إذا قال: لا تفعل كذا فإذا فعلته كان سببًا لبراءة ذمتك، فإن كلامه صحيح غير متناقض؛ لأن معتمد البراءة حصول المصلحة لا عدم المفسدة.
مثال (8) ذلك: إذا أعطى الإنسان لصاحب الدين دينه وضربه، أو شتمه فإن ذمته تبرأ من الدين، ولا يقدح في ذلك ما قارنه من مفسدة الضرب (9) والشتم (10).
وهذا معنى قولنا: لا يدل النهي على الفساد في العبادات.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(2) في ط: "من".
(3) في ط: "بمال".
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(5) في ز: "هذه".
(6) في ط: "جعلت".
(7) في ط وز: "قاله".
(8) في ط وز: "ومثال"
(9) في ط: "أو الشتم".
(10) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 174.
(3/39)

وأما في المعاملات: فلأن (1) السبب الشرعي ليس من شرط (2) إفادته للحكم: أن يكون مشروعًا، ولا مساويًا لمسببه في الحكم؛ [أعني: أن السبب الشرعي ليس من شرطه: أن يكون مشروعًا في نفسه ولا أن يكون مساويًا لسببه في الحكم] (3).
فقولنا: لا يشترط في إفادة السبب للحكم (4) أن يكون مشروعًا، فإن أسباب العقوبات غير مشروعة بل هي محرمة، ومع ذلك هي موجبة لأحكامها، فإن الزنا - مثلاً - محرم وهو مع ذلك موجب للجلد أو الرجم، والقتل محرم وهو مع ذلك موجب للقصاص، والقذف محرم وهو مع ذلك موجب للجلد، والسرقة محرمة، وهي مع ذلك موجبة للقطع والغُرْم، وكذلك الحرابة محرمة (5) وهي مع ذلك موجبة (6) للقتل، أو الصلب، أو القطع أو غير ذلك.
كالطلاق (7) في زمان الحيض حرام، وهو موجب لزوال العصمة.
وكذلك النكاح قد يكون واجبًا، أو مندوبًا (8) أو مكروهًا، أو مباحًا، على حسب عوارضه، ويكون مع ذلك موجبًا لوجوب النفقة والكسوة.
__________
(1) في ز: "فإن".
(2) في ز: "شروط".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من "ز".
(4) في ز: "إفادته للحكم".
(5) في ز وط: "هي محرمة".
(6) في ز: "موجب".
(7) في ز وط: "وكذلك الطلاق".
(8) "أو مندوبًا" ساقطة من ز.
(3/40)

وكذلك الإعتاق قد (1) يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وهو مع ذلك موجب (2) للولاء (3).
فقد ظهر بما قررناه (4): أن السبب ليس من شرط إفادته الحكم (5): أن يكون مشروعًا، بل يكون السبب حرامًا - مثلاً - ويترتب عليه الواجب.
وقلنا (6): لا يُشترط قي السبب أن يكون مساويًا لمسببه في الحكم؛ وذلك أن السبب قد يكون حكمه مخالفًا لحكم مسببه؛ فإن السبب قد يكون حرامًا ويكون (7) مسببه (8) واجبًا - كما تقدم -.
وقد يكون السبب واجبًا، أو مباحًا، أو مندوبًا، ويترتب عليه الواجب كما تقدم أيضًا في النكاح (9) والعتق.
قال المؤلف في الشرح: فقواعد الشريعة تشهد أنه ليس من شرط السبب: أن يكون مشروعًا ولا مساويًا لمسببه في الحكم، وبهذا يظهر بُطلان التشنيع على المالكية حيث جعلوا ترك السنة في الصلاة سببًا لوجوب السجود.
فقيل لهم: كيف يكون ترك المندوب سبب الوجوب؟ وكيف يكون الفرع
__________
(1) في ط: "وقد".
(2) في ط: "ومع ذلك هو موجب".
(3) في ز: "لولاء".
(4) في ط: "قدرناه".
(5) في ز وط: "للحكم".
(6) في ز وط: "وقولنا".
(7) في ز: "وقد يكون".
(8) "مسببه" ساقطة من ز.
(9) في ط: "الواجب أيضًا كما تقدم في النكاح أيضًا".
(3/41)

أقوى من أصله؟ (1).
و (2) جوابه: ما (3) تقدم. انتهى نصه (4).
وأما (5) حجة القائلين بأن النهي يقتضي الفساد في العبادات دون العادات: فلأن (6) الإنسان أمر بالإتيان بالعبادة (7) المأمور بها فأتى بالمنهي عنه ولم يأت بالمأمور به، [ومن لم يأت بالمأمور به] (8) فهو باقٍ في عهدة التكليف، وهذا معنى قولنا: يقتضي الفساد في العبادات (9).
وأما المعاملات: فإنها أسباب، والسبب ليس من شرطه أن يكون مأمورًا به (10) - كما تقدم -.
__________
(1) في ز: "الأصل".
(2) "الواو" ساقطة من ز.
(3) في ز: "كما".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 175.
(5) "أما" ساقطة من ز.
(6) في ز: "فإن".
(7) في ز: "بالعبادات".
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(9) انظر هذا الدليل وما ورد عليه من اعتراضات وجوابها في: المحصول ج 1 ق 2 ص 486 - 492.
(10) يقول الرازي في المحصول (ج 1 ق 2 ص 492 - 493): "وأما المعاملات: فالمراد من قولنا: هذا البيع فاسد: أنه لا يفيد الملك فنقول: لو دل النهي على عدم الملك إما بلفظه أو بمعناه.
ولا يدل عليه بلفظه؛ لأن لفظ النهي لا يدل إلا على الزجر، ولا يدل عليه بمعناه - أيضًا -؛ لأنه لا استبعاد أن يقول الشارع: نهيتك عن هذا البيع، ولكن إن أتيت به حصل الملك، كالطلاق في زمان الحيض، والبيع وقت النداء، وإذا ثبت أن النهي عنه لا يدل على الفساد لا بلفظه ولا بمعناه وجب ألا يدل عليه أصلاً".
(3/42)

قوله: (لنا: أن النهي إِنما يكون لدرء المفاسد (1) الكائنة في المنهي عنه، والمتضمن (2) للمفسدة (3) فاسد).
ش: هذا دليل عقلي يدل على اقتضاء النهي الفساد مطلقًا لا في العبادات ولا في العادات (4).
وبيانه أن تقول (5) بالقياس الجلي: المنهي عنه متضمن للمفسدة، وكل ما تضمن مفسدة فهو فاسد، ينتج (6) لك: المنهي عنه فاسد، حذف المؤلف المقدمة الصغرى لظهورها.
قوله: (ومعنى الفساد (7) في العبادات: وقوعها على نوع من الخلل يوجب (8) بقاء الذمة مشغولة بها، وفي المعاملات: عدم ترتب آثارها عليها إِلا أن يتصل بها ما يقرر آثارها من التصرفات، على تفصيل يأتي (9) على أصولنا في البيع وغيره).
ش: لما ذكر المؤلف أن النهي يقتضي الفساد في العبادات والمعاملات أراد
__________
(1) في ش: "المفسدة".
(2) في أ: "والمتضمنة".
(3) في خ: "للمفاسد".
(4) في ط: "العادة".
(5) في ز: "نقول".
(6) في ز: "فينتج".
(7) في ط: "المفاسد".
(8) في ز: "بوجوب".
(9) "من التصرفات على تفصيل يأتي" ساقط من أوخ وش.
(3/43)

ها هنا أن يبين معنى ذلك الفساد (1)؛ إذ المراد بالفساد في العبادات مخالف للمراد بالفساد في المعاملات؛ لأن الفساد في العبادات معناه: وقوع الإخلال ببعض أركانها، أو ببعض (2) شروطها، فإن ذلك يوجب شَغل الذمة بتلك العبادات.
قوله: (وفي المعاملات: عدم ترتب آثارها عليها) أي: ومعنى الفساد في المعاملات، أي في عقود المعاملات: كعقد البيع، وعقد الإجارة، وعقد القراض، وعقد النكاح، وغير ذلك من عقود المعاملات.
والمراد بالترتب (3) هو: التمكن، والمراد بآثارها (4) هو: الفوائد المطلوبة من العقود.
والضمير في قوله: (آثارها) (5)، وفي قوله: (عليها) يعود على المعاملات، وتقدير الكلام: ومعنى الفساد في عقود المعاملات هو: خلل يوجب عدم تمكن الفوائد على المعاملات، أي: على عقود المعاملات الفاسدات (6).
وتلك الفوائد المطلوبة من عقود المعاملات تختلف باختلاف العقود.
ففائدة عقد البيع مثلاً: التمكن من الأكل، والبيع، والهبة، والصدقة،
__________
(1) في ز: "الفاسد".
(2) في ز: "أَبو بعض".
(3) في ز: "بالترتيب".
(4) في ز وط: "بالآثار".
(5) في ط: "في قوله يعود على آثارها".
(6) "الفاسدات" ساقطة من ز.
(3/44)

والوقف، وغير ذلك.
وفائدة الإجارة: التمكن من المنافع.
وفائدة القراض: التمكن من استحقاق الربح وعدم الضمان.
وفائدة النكاح: التمكن من أنواع الاستمتاع، وغير ذلك.
قوله: (إِلا أن يتصل بها ما يقرر آثارها من التصرفات (1) على تفصيل يأتي على أصولنا في البيع، وغيره) يعني أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيجب فسخه إلا أن (2) يتصل بتلك العقود المنهي عنها: التصرفات (3) التي تقرر آثارها؛ أي التصرفات (4) التي تثبت (5) فوائدها؛ أي فوائد العقود.
والمراد بتلك (6) التصرفات التي تثبت العقود الفاسدة (7) أربعة أشياء وهي:
حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها (8).
فإن العقد الفاسد إذا اتصل به (9) أحد هذه العوارض الأربعة
__________
(1) في ز: "التصريف".
(2) "أن" ساقطة من ط.
(3) في ز: "من التصريفات".
(4) في ز: "التصريفات".
(5) في ز: "ثبتت".
(6) "بتلك" ساقطة من ط.
(7) في ط: "المفاسدة".
(8) ذكر هذه الأربعة القرافي في شرح التنقيح ص 175.
(9) في ط: "بها".
(3/45)

يمضي (1) بالقيمة، ولكن إمضاؤه إذا اتصل به ذلك يحتاج إلى تفصيل بينه المؤلف في كتاب البيوع وغيره، من كتاب (2) الذخيرة.
قوله: (على أصولنا) أي: هذا على مذهبنا وقواعدنا نحن المالكية، خلافًا لغيرنا؛ وذلك أن فقهاء الأمصار اختلفوا في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟ (3):
ذهبت الشافعية: إلى أنه يدل على الفساد مطلقًا فلا يجوز الانتفاع به، فيجب فسخه ولو بِيع ألف بَيْع، فطردوا أصلهم (4).
__________
(1) في ط: "يمضا".
(2) "من كتاب" ساقطة من ط.
(3) كرر المؤلف هذا الخلاف في هذه المسألة حيث إنه سبق أن ذكره في الباب الأول، الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادات عندما تكلم عن الصحة والفساد.
انظر: (2/ 55 - 56) من هذا الكتاب.
(4) مذهب الشافعية فيه تفصيل: حيث إن النهي في المعاملات ينقسم إلى أربعة أقسام هي:
القسم الأول: أن يكون النهى راجعًا إلى نفس العقد، كالنهي عن بيع الحصاة، وهذا يدل على الفساد.
القسم الثاني: أن يرجع إلى أمر داخل فيه، كبيع الملاقيح وهي ما في بطون الأمهات من الأجنة، وهذا فاسد أيضًا؛ لأن النهي راجع إلى نفس المبيع الذي هو ركن من أركان العقد.
القسم الثالث: أن يرجع إلى أمر خارج عنه لازم له فيفسد أيضًا.
مثاله: النهي عن الربا، فإن النهي فيه راجع إلى أمر خارج عن العقد، وهذا فاسد أيضًا.
الرابع: أن يرجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له.
مثاله: النهي عن البيع وقت نداء يوم الجمعة، فإنه راجع إلى أمر خارج عن العقد =
(3/46)

وذهبت الحنفية: إلى أنه يدل على الصحة مطلقًا فلا يفسخ.
وقالوا: إذا اشترى أمة شراء فاسدًا جاز له وطؤها، وكذلك جميع العقود الفاسدة، فطردوا أيضًا (1) أصلهم (2).
وذهبت المالكية إلى التفصيل في ذلك فقالوا: يدل على الفساد، إلا إذا اتصل به أحد الأربعة المذكورة فيمضي بالقيمة؛ لأن البيع الفاسد عندهم يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك، فلم يطرد المالكية مذهبهم (3)، بل قالوا بالتفصيل مراعاة للخلاف؛ لأن مراعاة الخلاف أصل من أصول المالكية.
قوله: (وقال أَبو حنيفة ومحمد بن الحسن (4): لا يدل على الفساد
__________
= وهو: تفويت صلاة الجمعة لخصوص البيع، والتفويت أمر مقارن غير لازم، وهذا القسم لا يدل على الفساد.
وهذا التفصيل ذكره الإسنوي في نهاية السول 2/ 304، 305، وابن السبكي في الإبهاج 2/ 68، 69، والإمام فخر الدين في المعالم ص 152، 153.
وانظر: نقد شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا التقسيم في الفتاوى 29/ 281، 420 من مجموع الفتاوى.
(1) "أيضًا" ساقطة من ز.
(2) انظر مذهب الحنفية في: ميزان الأصول للسمرقندي ص 230، 231، المغني للخبازي ص 72 - 74، كشف الأسرار 1/ 258، 263.
(3) انظر مذهب المالكية في: شرح التنقيح للقرافي ص 174، 175.
(4) هو أَبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني الحنفي، قدم أبوه من الشام إلى العراق فولد له محمد سنة 132 ه, ونشأ بالكوفة وطلب الحديث، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف، ثم قدم بغداد فاختلف إليه الناس وسمعوا منه الحديث والرأي، وولاه الرشيد القضاء، وكان إمامًا فقيهًا محدثًا مجتهدًا ذكيًا، انتهت إليه رئاسة مذهبه في زمانه بعد موت أبي يوسف، خرج مع الرشيد في سفره =
(3/47)

مطلقًا (1)، ويدل على الصحة، لاستحالة النهي عن المستحيل).
ش: ذكر المؤلف ها هنا: أن النهي لا يدل على الفساد وهو تكرار لقوله أولاً: "خلافًا لأكثر الشافعية (2) والقاضي أبي بكر منا".
يحتمل أن يكون كرره ليركب عليه (3) دليله، وهو قوله: "لاستحالة النهي عن المستحيل (4) ".
وبيان هذا الاستدلال: أن أبا حنيفة - رحمه الله (5) - يقول (6): الدليل على صحة العقد الفاسد (7) بعد وقوعه: أن الشيء لا ينهى عنه إلا إذا صح وقوعه، فلا ينهى الأعمى عن النظر، ولا ينهى الزَّمِن (8) عن القيام، فلا تقل للأعمى: لا تنظر؛ إذ لا يصح منه النظر المنهي عنه، ولا تقل للزمن: لا تقم؛ إذ لا يصح منه القيام المنهي عنه، فلو كانت الصحة معدومة من المنهي عنه لامتنع
__________
= إلى خراسان فمات بالري ودفن بها سنة تسع وثمانين ومائة (189 ه).
انظر: تاريخ بغداد 2/ 172 - 182، البداية والنهاية 1/ 202، النجوم الزاهرة 2/ 130، وفيات الأعيان 4/ 184 - 185، مرآة الجنان 1/ 422 - 424، طبقات الفقهاء ص 114.
(1) انظر: المصادر السابقة لمذهب الحنفية، وانظر أيضًا: الإحكام للآمدي 2/ 192.
(2) في ط: "خلافًا للشافعية".
(3) في ط: "يحتمل أن يكرره ليركب عليك دليله".
(4) في ط: "المستحل".
(5) في ز: "رضي الله عنه.
(6) في ز: "قال".
(7) في ط: "العقود الفاسدة".
(8) في اللسان: الزَّمن ذو الزَّمانة، والزمانة آفة في الحيوانات، ورجل زَمِنٌ أي مبتلى بَيَّن الزمانة، والزمانة: العاهة.
انظر: اللسان مادة (زمن) (13/ 199).
(3/48)

ورود النهي عنه، وقد ورد النهي فدل ذلك على أن النهي يدل على صحة المنهي عنه بعد وقوعه.
قوله: (لاستحالة النهي عن المستحيل).
أي: لامتناع ورود النهي عن الشيء الممتنع، فيتعين (1): أن يكون النهي دالاً على الثبوت والصحة، والمراد بالصحة هو: الإذن في التصرف والتمكن منه؛ إذ لو كانت الصحة معدومة لامتنع النهي عنها؛ لأن العدم غير مقدور للمكلف، والنهي عما ليس بمقدور لا يصح.
والجواب عن هذا الاستدلال: أن محل النزاع مع الحنفية هو (2): الصحة الشرعية، وهي: جواز الإقدام على الفعل شرعًا، والإذن الشرعي في التصرف، وأما الصحة العادية فليست بمحل النزاع فإن (3) حديث الأعمى، والزَّمِن الذي استدلت به الحنفية إنما يوجب ذلك اشتراط (4) الصحة العادية، و (5) لَيست محل النزاع، فإنها مجمع عليها؛ لأنه وقع الإجماع على أنه ليس في الشريعة منهي عنه، ولا مأمور به، ولا مشروع على الإطلاق إلا وفيه الصحة العادية (6).
قال المؤلف في القواعد السنية - في الفرق السبعين بين قاعدة اقتضاء النهي
__________
(1) في ط: "فيمتنع".
(2) في ز وط: "هي".
(3) في ط: "قال".
(4) في ط: "اشتراطه".
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) انظر هذا الجواب وتحرير محل النزاع مع الحنفية في: شرح التنقيح للقرافي ص 176.
(3/49)

الفساد (1) في نفس الماهية، وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد (2) في أمر خارج عن الماهية -: بالغ أبو حنيفة في إثبات هذا الفرق، حتى أثبت عقود الربا وإفادتها (3) الملك في أصل المال الربوي، ورد الزائد على الأصل؛ وذلك أنه إذا باع (4) درهمًا بدرهمين، فإن العقد قد أوجب درهمًا واحدًا من الدرهمين، ويرد الدرهم الزائد، وكذلك جميع الربويات.
وبالغ أيضًا أحمد بن حنبل في إلغاء هذا الفرق، حتى أبطل الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة بالثوب المغصوب، والوضوء بالماء المغصوب، والحج بالمال المغصوب، والذبح بالسكين المغصوب (5)، وما في معنى ذلك، فسوى بين جميع موارد النهي (6).
وأما مالك (7) على المشهور من مذهبه والشافعي: فقد توسطا بين المذهبين فأوجبا الفساد في بعض الفروع دون البعض؛ وذلك أنهما قالا بالفساد في العقود الربويات، وقالا بالصحة في الصلاة (8) في الدار المغصوبة، وما ذكر معها من (9) الصلاة بالثوب الحرام، أو الوضوء بالماء الحرام، أو الحج بالمال
__________
(1) في ز: "الفاسد".
(2) في ز: "الفاسد".
(3) في ز: "وأفادها"، وفي ط: "وأفاد بها".
(4) في ز: "أفاد".
(5) "المغصوب" ساقطة من ط.
(6) انظر مذهب الإمام أحمد في: العدة لأبي يعلى 2/ 441 - 446، المسودة ص 83، التمهيد لأبي الخطاب 1/ 369 - 375.
(7) في ط: "وأما مأمور" وهو تصحيف.
(8) في ز: "بصحة الصلاة".
(9) في ز: "في".
(3/50)

الحرام، أو الذبح بالسكين الحرام، أو الصلاة (1) بالخف المغصوب إذا مسح عليه، وما في معنى ذلك.
وهذه الفروع كلها صحيحة عند المالكية (2)، والشافعية (3)، والحنفية (4)، خلافًا للحنابلة (5)، وابن حبيب (6) من المالكية.
وحجة الجمهور القائلين بالصحة في هذه الفروع: أن متعلق الأمر قد وجد فيها بكماله، فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة، غير أن المصلي قد جنى على حق صاحب الدار مثلاً، فالنهي إنما هو في المجاور للماهية لا في نفس الماهية.
وبهذه القاعدة: يظهر لك الفرق بين غاصب الخف إذا مسح عليه فتصح صلاته، وبين المحرم إذا مسح على الخف فلا تصح صلاته؛ لأن حقيقة المأمور
__________
(1) في ز وط: "والصلاة".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 174، 175.
(3) في ط: "الشاعية" وهو تصحيف.
وانظر مذهب الشافعية في: البرهان 1/ 284، الإبهاج 2/ 68.
(4) انظر: ميزان الأصول ص 230، 231، كشف الأسرار 1/ 258، 263.
(5) انظر: العدة 2/ 441 - 446، التمهيد 1/ 369 - 375.
(6) هو عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون، ولد سنة سبعين ومائة تقريبًا، تفقه بالأندلس، ثم رحل ولقي أصحاب مالك، سمع ابن الماجشون وابن المبارك، وكان حافظًا للفقه مفتيًا نحويًا شاعرًا حافظًا للأخبار والأنساب والأشعار، توفي رحمه الله سنة 238 ه، من مصنفاته: "غريب الحديث"، "طبقات الفقهاء والتابعين"، "مكارم الأخلاق"، "الورع".
انظر: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي 1/ 312، جذوة المقتبس ص 263، 264، طبقات النحويين ص 260، ميزان الاعتدال 2/ 148، الديباج ص 154 - 156، تذكرة الحفاظ 2/ 537.
(3/51)

به حاصلة بكمالها في حق غاصب الخف، بخلاف المحرم فلم تحصل حقيقة المأمور به بكمالها في حقه، فإنه مأمور بطهارته (1) بالغسل ولم يأت به.
وحجة الحنابلة القائلين بالفساد في الجميع: الاحتياط للمفسدة، فإن النهي يعتمد المفاسد، فمهما ورد النهي بطل العقد من كل جهة؛ فإن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا؛ إذ المغصوب (2) معدوم (3) شرعًا، وإن كان موجودًا حسًا.
انظر: الفرق السبعين من القواعد السنية (4).
فإن قلت: ما الفرق بين الصلاة في الدار المغصوبة (5) والصوم في أيام الأعياد (6)، [فإن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة بخلاف الصوم في أيام الأعياد] (7)؟
قلنا: الفرق بينهما: ورود النهي في الصوم في أيام الأعياد، ولم يرد النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة.
انظر الفرق الثالث والمائة من (8) القواعد (9).
__________
(1) في ز وط: "في طهارته".
(2) في ز: "المقصود".
(3) "معدوم" ساقطة من ز.
(4) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: الفروق للقرافي 2/ 82 - 86.
(5) في ز وط: "المغصوبة لأنها صحيحة على المشهور كما تقدم وبين الصوم ... " إلخ.
(6) في ز وط: "الأعياد لأنه لا يصح باتفاق".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(8) في ز: "في".
(9) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: الفروق للقرافي 2/ 182، 183.
(3/52)

قوله: (ويقتضي (1) الأمر بضد من أضداد المنهي عنه (2)).
ش: يعني أن المحرم لا يمكن تركه إلا بالتلبس بضد من أضداده.
قال المؤلف في الشرح: النهي عن الشيء أمر بأحد الأضداد، والأمر بالشيء نهي عن جميع الأضداد (3)، فإذا قلت: اجلس في البيت فإنه نهي عن الجلوس (4) في السوق، والحمام، وجميع (5) البقاع المضادة للبيت، وإذا قلت: لا تجلس في البيت: فإنه أمر بالجلوس في أحد المواضع المضادة للبيت (6).
[قوله: (ويقتضي الأمر بضد من أضداد (7) المنهي عنه) ما الفرق بين هذه المسألة وبين قوله: أولاً؟ ومتعلقه فعل ضد المنهي عنه (8)؟
فالفرق بينهما: أن البحث في إحدى المسألتين (9) في
__________
(1) في ط: "ويقضي".
(2) في أوط: "المنهي عنه لزومًا".
(3) سبق تفصيل المؤلف الخلاف في هذه المسألة وهي المطلب السادس من الفصل الأول من فصول الأمر، وقد أشرت إلى بعض المراجع فى هذه المسألة فانظرها في (2/ 485 - 486) من هذا الكتاب.
(4) في ز: "المجلس".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "جماع".
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 177، وانظر ص 136.
(7) في ط: "من الأضداد".
(8) في ط: "المنهي عنه مع أن قولهم: النهي عن الشيء أمر بضده ومعنى قولهم: متعلق النهي هو فعل ضد المنهي عنه فالفرق ... " إلخ.
(9) في ز: "المسألة".
(3/53)

المتعلِّق (1) بكسر اللام، والبحث في الأخرى في المتعلَّق بفتح اللام، فقولنا (2): النهي عن الشيء أمر بضده بحث في المتعلِّق بكسر اللام، وقولنا: يقتضي الأمر بضد من أضداد المنهي عنه (3) في المتعلَّق بفتح اللام] (4).
...
__________
(1) في ز: "المعلق".
(2) في ز: "فقوله".
(3) "عنه" ساقطة من ط.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3/54)

الباب السادس
في العمومات
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: في أدوات العموم.
الفصل الثاني: في مدلوله.
الفصل الثالث: في مخصصاته.
الفصل الرابع: فيما ليس من مخصصاته.
الفصل الخامس: قيما يجوز التخصيص إليه.
الفصل السادس: في حكمه بعد التخصيص.
الفصل السابع: في الفرق بينه وبين النسخ والاستثناء.
(3/55)

الباب السادس في العمومات
وفيه سبعة فصول.
ش: شرع المؤلف - رحمه الله - (1) ها هنا في العموم.
والعموم لغة معناه: الشمول، والاستغراق، والإحاطة بالشيء، و (2) منه قولهم: عمهم (3) المطر أو العدل: إذا شملهم (4) ومنه تسمية العامة لاشتمالها على الخاصة (5).
__________
(1) في ز وط: "رحمه الله بمنه".
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) في ز: "عم".
(4) في ز: "والعدل والخصب إذ اشتملهم"، وفي ط: "والعدل أو العطاء أو الخصب إذا شملهم".
(5) لم يذكر المؤلف تعريف العموم اصطلاحًا؛ لأنه سبق ذكره عندما شرح المؤلف قول القرافي: والعام هو الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في محاله، نحو: المشركين، وذكر اعتراضًا علي هذا التعريف واختار تعريفًا آخر، فقال: حد اللفظ العام هو: اللفظ المقتضي ثبوت الحكم لكل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد.
انظر: الفصل السادس من الباب الأول (1/ 346، 353) من هذا الكتاب.
(3/57)

وجمعه المؤلف أنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع لصدقه على القليل، والكثير من جنسه، فاستغني (1) بذلك عن تثنيته وجمعه، وإنما (2) جمعه اعتبارًا بأدواته ومدلوله وأحكامه.
واعلم (3) أن العموم من عوارض الألفاظ باتفاق، حقيقة فيها، ومعنى ذلك: أن كل لفظ تصح شركة الكثيرين (4) في معناه يسمى عامًا حقيقة، فعروض العموم للفظ إنما هو باعتبار معناه.
واختلفوا في عروض العموم للمعاني على ثلاثة أقوال:
قيل: ليس من عوارضها، وهو شاذ.
[وقيل: من عوارضها (5) مجازًا] (6).
وقيل: هو (7) من عوارضها حقيقة، كالألفاظ، وهو الصحيح (8)؛ لأنه
__________
(1) في ز: "واستغنى".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "فأما"، وفي ط: "فإنما".
(3) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "فاعلم".
(4) في ز: "الكثير".
(5) في ز: "هو من عوارضها".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(7) "هو" ساقطة من ز.
(8) هذا القول صححه ابن الحاجب، واختاره أَبو بكر الجصاص من الحنفية وصاحب مسلم الثبوت، والمجد في المسودة.
والقول الثاني - وهو أنه من عوارضها مجازًا - نقله الآمدي عن الأكثرين، واختار هذا القول الآمدي، وابن السبكي.
انظر: الخلاف في هذه المسألة في: الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 80، نهاية السول =
(3/58)

شاع وفشا (1) عند أرباب اللغة.
دليله: قولهم: رحمة (2) عامة، وعادة عامة، وقاعدة عامة.
وقولهم: عم الملك الناس بالعطاء، وعم المطر الناس، وعم الخصب البلاد، ونحو هذا (3).
وهذه الأمور كلها في المعاني لا في الألفاظ، والأصل في الإطلاق الحقيقة دون المجاز، ولكن المشهور عندهم: أن العموم حقيقة في الألفاظ مجاز في المعاني.
قال بعضهم: عموم الألفاظ يقال فيه: عام وخاص، وأما عموم المعاني فلا يقال فيه إلا أعم وأخص، بصيغة أفعل التفضيل؛ لأن المعاني (4) أفضل من الألفاظ؛ لأن المعاني هي (5) المقصودة (6).
...
__________
= 2/ 312 - 315، الإحكام للآمدي 2/ 198، 199، شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 101، شرح التنقيح للمسطاسي ص 79، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 150،، ميزان الأصول ص 254، 255، كشف الأسرار 2/ 33، فواتح الرحموت 1/ 258، 259، المسودة ص 97، 98, الفتاوى لابن تيمية 20/ 188 - 191.
(1) في ط: "ومشاع".
(2) في ط: "جمة".
(3) في ز وط: "ونحو هذا، ومنه قولهم: العامة لاشتمالها على الخاصة وهذه ... " إلخ وهو تكرار.
(4) في ط: "المعنى".
(5) في ز: "هو".
(6) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للمسطاسي ص 79.
(3/59)

الفصل الأول في أدوات العموم (1)
ش: تعرض المؤلف ها هنا لبيان الصيغ التي تفيد العموم وفاقًا وخلافًا، مختارًا، أو مزيفًا (2).
قوله: (أدوات العموم)، أدوات، جمع أداة، وهي: الآلة التي يتوصل بها إلى المطلوب.
قوله: (وأدوات العموم) أي: بالوضع (3)، هذا قول الجمهور القائلين بأن العموم له صيغة موضوعة له تدل عليه.
خلافًا للقاضي أبي بكر، وغيره كما (4) بينه المؤلف في قوله آخر هذا الفصل: خالف (5) القاضي أبو بكر في جميع هذه الصيغ، وقال بالوقف مع (6) الواقفية (7).
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 178 - 195، شرح التنقيح للمسطاسي ص 100 - 106، التوضيح شرح التنقيح ص 150 - 167.
(2) في ز وط: "ومزيفًا".
(3) "أي بالوضع" ساقطة من ط.
(4) "كما" ساقطة من ز.
(5) في ز وط: "وخالف".
(6) "مع" ساقطة من ط.
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 192.
(3/61)

قوله: (وهي: نحو من (1) عشرين صيغة).
ش: صرح المؤلف بثماني عشرة صيغة، وسنذكرها واحدة بعد واحدة.
قوله: (قال الإِمام: وهي: إِما أن تكون موضوعة للعموم بذاتها نحو: كل، أو بلفظ يضاف إِليها كالنفي، ولام التعريف، والإِضافة، وفيه نظر).
ش: يعني: أن الإمام فخر الدين نوع أدوات العموم نوعين:
أحد النوعين يفيد العموم بنفسه، أي: من غير إضافة شيء إليه، نحو: "كل"، و"جميع"، و"من"، و"ما".
والنوع الآخر: إنما يفيد العموم بإضافة شيء إليه (2) أي يفيد العموم بضميمة شيء إليه كحرف النفي، وحرف التعريف، والإضافة.
فقولك في النفي: لا رجل في الدار يفيد العموم، فلولا حرف النفي لما أفاد العموم؛ لأنه لو سقط (3) منه حرف النفي لم يفد العموم؛ لأنه لم يبق إلا مطلق النكرة، وهو لا يفيد العموم.
وقولك (4) في حرف التعريف: اقتلوا المشركين، يفيد العموم، فلو سقط منه حرف التعريف لم يفد العموم؛ لأنه لم يبق حينئذ إلا الجمع المنكّر وهو لا يفيد العموم.
وقولك في الإضافة: عبيدي أحرار يفيد العموم بسبب الإضافة، فلو
__________
(1) "من" ساقطة من أوخ وش.
(2) ذكر الإمام فخر الدين هذين النوعين باختصار في المحصول ج 1 ق 2 ص 516، وانظر: شرح التنقيح للقرافي ص 178.
(3) في ط: "اسقط".
(4) في ط: "فقولك".
(3/62)

سقطت (1) منه الإضافة لم يفد العموم، ولم يعم العتق جميع عبيده؛ لأنه لا يلزمه حينئذ إلا عتق ثلاثة أعبد فقط.
قوله: (وفيه نظر).
هذا كلام المؤلف، يعني: أن كلام الإمام (2) فخر الدين الذي نوع أدوات العموم إلى ما يفيد العموم بنفسه، وما لا يفيده إلا (3) بضميمة إليه - فيه نظر وبحث؛ أي: في هذا التفصيل نظر وبحث؛ لوجود الإضافة والانضمام [في جميع صيغ العموم.
قال المؤلف في الشرح: معنى هذا (4) النظر: أن "من" و"ما" أيضًا لا يفيدان العموم إلا بإضافة لفظ آخر يضاف] (5) إليها، وهي: الصلة في الخبرية نحو: رأيت من في الدار.
أو لفظ هو (6) شرط في الشرطية نحو: من دخل داري فله درهم.
أو لفظ مستفهم عنه (7) نحو: من عندك؟
فلو نطقنا بمن وما وحدهما لم يحصل عموم، بل يكون (8) كل واحد
__________
(1) في ط: "سقط".
(2) "الإمام" ساقطة من ز.
(3) في ط: "لا".
(4) "هذا" ساقطة من ط.
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) في ط: "وهو".
(7) في ط: "منه عنه".
(8) في ز وط: "بل قد يكون".
(3/63)

منهما نكرة موصوفة أو غير ذلك.
وكذلك "كل" و"جميع" لا بد من إضافة كل واحد منهما للفظ آخر؛ حتى يحصل العموم فيه نحو: كل رجل إنسان، أو جميع العالم ممكن.
فتخصيص الإمام المحتاج للفظ آخر بتلك الثلاثة لا يتجه. انتهى نصه (1).
قال بعضهم: قول (2) المؤلف: تفصيل الإمام لا يتجه، بل هو متجه لاختلاف جهتي الاحتياج.
أما النكرة المجردة عن النفي، والجمع المنكر المجرد عن اللام (3) والإضافة، كل واحد منها لا دلالة له على العموم ابتداءً، وإنما يفيد معناه الموضوع (4) له خاصة دون العموم، فإذا اقترنت النكرة بالنفي، واقترن الجمع المنكّر باللام، أو الإضافة أفادت (5) معنى آخر لم توضع له أولاً، وهو: العموم.
وأما "كل" و"جميع" و"من" و"ما" في الخبر والشرط والاستفهام فقد وضعت ابتداءً للعموم، وافتقارها إلى ما يضَم إليها لا يفيد فيها معنى آخر لم توضع له في الابتداء، فافترق (6) النوعان كما قال الإمام (7)، فالنظر إذًا في كلام المؤلف لا في كلام الإمام؛ لأن الإمام فرق بين ما يفيد العموم بالذات
__________
(1) انظر شرح التنقيح للقرافي ص 178، 179.
(2) في: "قال".
(3) في ط: "الإمام" وهو تصحيف.
(4) في ز: "معنى في الموضوع".
(5) في ط: "أفادة"، وفي ز: "والإضافة أفاد".
(6) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "فاقترن".
(7) في ز: "الإمام فخر الدين".
(3/64)

وبين ما يفيده بالقرينة (1).
قوله: (فمنها: كل، وجميع، ومن، وما، والمعرف باللام مفردًا وجمعًا (2)، والذي، والتي، وتثنيتهما، وجمعهما، وأي، ومتى في الزمان، وأين وحيث في المكان، قاله عبد الوهاب (3)، واسم الجنس إِذا أضيف، والنكرة في سياق النفي، فهذه عندنا للعموم).
ش: قوله: كل، وجميع (4) يعني: أن كل واحد منهما يعم فيما أضيف إليه، نحو قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ} (5).
وقوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (6).
وقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (7).
وقوله تعالى: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} (8) لأنه مضاف معنى.
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للمسطاسي ص 80.
(2) في أوخ وش: "جمعًا ومفردًا"، وفي ز: "أو جمعًا".
(3) في خ وش: "قاله القاضي عبد الوهاب"، وفي ز: "قال عبد الوهاب".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 179، شرح التنقيح للمسطاسي ص 80، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 151، الإحكام للآمدي 2/ 197، المحصول ج 1 ق 2/ 517, 555، المعتمد 1/ 206، جمع الجوامع 1/ 409، نهاية السول 2/ 322، شرح الكوكب المنير 3/ 123 - 129، المسودة ص 101، تيسير التحرير 1/ 224، 225، كشف الأسرار 2/ 8, 10، أصول السرخسي 1/ 157، 158.
(5) آية رقم 88 من سورة القصص.
(6) وردت هذه الآية في عدة مواضع هي: آية رقم 102 من سورة الأنعام، وآية رقم 16 من سورة الرعد وآية رقم 62 من سورة الزمر.
(7) آية 101 من سورة الأنعام.
(8) آية 93 من سورة الأنبياء.
(3/65)

وقوله عليه السلام: "كل امرئ حسيب نفسه" (1).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل ما هو آت قريب" (2).
وقوله: "كل عين زانية" (3).
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 305) عن أبي هريرة قال: لما قفا وفد عبد القيس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل امرئ حسيب نفسه لينتبذ كل قوم فيما بدا لهم". وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب عن أبي هريرة قال: لما قدم وفد عبد قيس قال: "كل امرئ حسيب نفسه ليشرب كل قوم فيما بدا لهم".
انظر: مسند الشهاب حديث رقم (136) 1/ 147 - 148.
وفيه شهر وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.
انظر مجمع الزوائد 5/ 62.
(2) أخرجه القضاعي من حديث زيد بن خالد قال: تلقفت هذه الخطبة من فيّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيها: "كل ما هو آت قريب"
انظر: مسند الشهاب للقضاعي حديث رقم (137) 1/ 148.
وذكره ابن الديبع في تمييز الطيب من الخبيث (ص 140) حديث رقم 1032.
وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة حديث رقم (829) ص 325.
وأخرجه ابن ماجه من طريق آخر بلفظ: "ألا إن ما هو آت قريب".
انظر: سنن ابن ماجه في المقدمة باب اجتناب البدع والجدل 1/ 18.
(3) أخرجه الترمذي عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا" يعني زانية. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
انظر: سنن الترمذي كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة حديث رقم (2787) 3/ 25.
وأخرجه الإمام أحمد عن الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل عين زانية" انظر: المسند 4/ 394.
وأخرجه النسائي عن الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية".
انظر: سنن النسائي كتاب الزينة، باب ما يكره للنساء من الطيب 8/ 153.
وأخرجه الحاكم في المستدرك بمثل لفط النسائي 2/ 396.
(3/66)

وقوله (1): "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" (2).
وقوله: "كل صاحب علم غرثان (3) إلى علم" (4).
وقوله: "لكل (5) شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه" (6).
__________
(1) في ز: "وقولك".
(2) أخرجه الإمام مسلم عن طاوس أنه قال: أدركت أناسًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس - أو - الكيس والعجز".
انظر: كتاب القدر باب: كل شيء بقدر، رقم الحديث العام (2655) (4/ 2045).
وأخرجه بهذا اللفظ الإمام مالك في الموطأ في كتاب القدر باب النهي عن القول بالقدر 2/ 899.
وأخرجه الإمام أحمد في المسند 2/ 110.
(3) في ط: "ثان".
(4) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث: "وكل صاحب علم غرثان إلى علم".
انظر: مسند الشهاب حديث رقم (140) (1/ 150).
وفي سنده مسعدة بن اليسع الباهلي، كذبه أَبو داود، وقال الذهبي: هالك.
انظر: ميزان الاعتدال للذهبي رقم (8467) (4/ 98).
وأخرجه الدارمي عن طاوس قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أعلم؟ قال: "من جمع علم الناس إلى علمه وقال طالب علم غرثان إلى علم".
انظر: سنن الدارمي المقدمة، باب من هاب الفتيا مخافة السقط 1/ 86 - 87.
(5) في ز: "كل".
(6) أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما عُبد الله بشيء أفضل من فقه في دين، ولَفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه".
انظر: سنن الدارقطني آخر كتاب البيوع 3/ 79.
(3/67)

وقوله: "كل مسكر حرام" (1).
وقوله: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته" (2).
__________
= وأخرجه بهذا اللفظ القضاعي في مسند الشهاب، حديث رقم (141) 1/ 150.
وأخرجه بهذا اللفظ الآجري في أخلاق العلماء ص 13.
وأخرجه الخطيب البغدادي بلفظ: "لكل شيء دعامة، ودعامة الإسلام الفقه في الدين، ولَفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد".
انظر: الفقيه والمتفقه 1/ 25.
كلهم أخرجوه من طريق يزيد بني عياض كذبه مالك وغيره.
انظر: تقريب التهذيب 2/ 369، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي 1/ 121.
وأخرجه أيضًا الخطيب في الفقيه والمتفقه (1/ 25) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 127) من طريق ابن عدي عن محمد بن سعيد بن مهران عن شيبان عن أبي الربيع السمان في أبي الزناد قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن أبي الزناد غير أبي الربيع، قال هيثم: كان أَبو الربيع يكذب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: يروي عن الأئمة الموضوعات.
وأخرجه ابن الجوزي من طريق خلف بن يحيى، قال أَبو حاتم الرازي: لا يشتغل بحديثه، وإبراهيم بن محمد متروك.
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته" قال: وحسبت أنه قد قال: "والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته".
انظر: صحيح البخاري كتاب الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن (1/ 160).
وأخرجه الإمام مسلم عن ابن عمر في كتاب الإمارة حديث رقم 1829 باب فضيلة الإمام العادل (3/ 1549).
وأخرجه أيضًا أَبو داود عن ابن عمر في كتاب الخَراج، باب ما يلزم الإمام من حق =
(3/68)

وقوله: "لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته" (1).
وقوله: "كلٌ ميسَّر (2) لما خلق له" (3).
و (4) قوله: (وجميع) نحو قولنا: جميع الخلائق مقهورون بقدرة الله تعالى.
__________
= الرعية، رقم الحديث العام 2928، (3/ 342 - 343).
وأخرجه الترمذي عن ابن عمر في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الإمام، رقم الحديث العام 1507 (6/ 27، 28).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 5) عن ابن عمر.
(1) أخرجه الإمام مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة".
انظر: صحيح مسلم كتاب الجهاد باب تحريم الغدر، رقم الحديث العام 1738، (3/ 1361).
وأخرجه أبن ماجه عن أَبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته", في الزوائد في إسناده علي بن زيد بن جدعان: ضعيف، رقم الحديث العام 2873 (2/ 959).
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "مسير".
(3) أخرجه الإمام مسلم عن علي قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم جالسًا وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: "ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار" قالوا: يا رسول الله، فلم نعمل، أفلا نتكل؟ قال: "لا، اعملوا فكلٌ ميسّر لما خلق له" ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} إلى قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}.
انظر: صحيح مسلم كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (8/ 47).
وأخرجه الترمذي في كتاب القدر رقم الحديث العام 2137 (6/ 309).
وابن ماجه في المقدمة باب القدر حديث رقم 78.
وأخرجه الإمام أحمد في المسند 4/ 6.
(4) "الواو" ساقطة من ط.
(3/69)

و (1) قوله: (ومن وما) (2) يعني: إذا كانتا (3) شرطًا أو استفهامًا أو خبرًا.
مثالهما (4) في الشرط: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (5).
وقوله تعالى (6): {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (7).
وقوله تعالى (8): {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ} (9).
وقوله تعالى (10): {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} (11).
وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} (12).
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 199، شرح التنقيح للمسطاسي ص 80، المعتمد 1/ 206، البرهان 1/ 322، المحصول ج 1 ق 2 ص 517، الإحكام للآمدي 2/ 197 - 198، شرح الكوكب المنير 3/ 119، 120، المسودة ص 101، إرشاد الفحول ص 117، كشف الأسرار 2/ 5، 11، أصول السرخسي 1/ 155، 156.
(3) في ط وز: "إذا كانت".
(4) في ز: "مثالها".
(5) سورة البقرة آية رقم (269).
(6) "تعالى" لم ترد في ز.
(7) سورة الزلزلة آية رقم (7، 8).
(8) "تعالى" لم ترد في ط.
(9) قال تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} آية 115 من سورة آل عمران، وقد أورد المؤلف هذه الآية على قراءة ورش، انظرها في: شرح الشاطبية للضباع ص 162.
(10) "وقوله تعالى" لم يرد في ز وط.
(11) سورة البقرة آية رقم (272).
(12) سورة البقرة آية رقم (197).
(3/70)

وقوله تعالى (1): {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (2).
وقوله تعالى (3): {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} (4).
ومثالها (5) في الخبر (6): قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ...} (7) إلى آخره.
وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} (8).
وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} (9).
وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (10).
وقوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ...} (11) إلى آخره.
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(2) آية 106 من سورة البقرة.
(3) تعالى" لم ترد في ز وط.
(4) آية 2 من سورة فاطر.
(5) في ز: "مثالهما"، وفي ط: "ومثالهما".
(6) "في الخبر" ساقطة من ز.
(7) آية 45 من سورة النور.
(8) آية 23 من سورة الأحزاب.
(9) آية 42 من سورة يونس.
(10) آية 98 من سورة الأنبياء.
(11) آية 1، 2 من سورة الكافرون.
(3/71)

وقوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} (1).
وقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} (2).
ومثالهما في (3) الاستفهام: قوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} (4).
وقوله تعالى (5): {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} (6).
وقولنا: يشترط في "من" و"ما" أن تكونا شرطًا، أو استفهامًا، أو خبرًا؛ احترازًا مما إذا كانت نكرة موصوفة، أو نكرة غير موصوفة، أو وصفًا.
مثال النكرة الموصوفة: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك، أو مررت بما معجب لك، أي: بشيء معجب لك، ومنه ما أنشد (7) سيبويه رضي الله عنه (8):
ربما تكره النفوس من الأمر ... له فَرجة كحل العقال (9)
__________
(1) آية 96 من سورة النحل.
(2) آية رقم (1) من سورة الجمعة، وآية رقم (1) من سورة التغابن.
(3) هذان المثالان في الاستفهام وردا في ز وط، بعد أمثلة الشرط.
(4) آية 87 من سورة النساء.
(5) "وقوله تعالى" لم ترد في ط.
(6) آية 17 من سورة طه.
(7) في ز: "أنشده".
(8) في ط: "رحمه الله".
(9) ذكره سيبويه في الكتاب، ونسبه لأمية بن أبي الصلت، ونسبه البغدادي لحنيف بن عمير اليشكري بلفظ "تجزع" بدل "تكره"، وورد أيضًا في ديوان عُبيد بن الأبرص بلفظ "تجزع" بدل "تكره".
والشاهد في البيت: دخول "رب" على "ما" لأنها نكرة في تأويل شيء والعائد عليها من =
(3/72)

ف "ما" (1): نكرة موصوفة بدليل دخول رب عليها، وهي أيضًا اسم بدليل تفسيرها (2) بقوله: من الأمر، وبدليل رد الضمير عليها في قوله: فرجة (3).
وقوله: (4) (أو نكرة غير موصوفة) وهي "ما" (5) التي تكون في التعجب وفي نعم، وفي بئس، مثالها في التعجب: ما أحسن زيدًا.
قال أَبو موسى الجزولي: و"ما" مع "ما أفعله" (6) غير موصولة (7) بل نكرة غير موصوفة على رأي، وهي مبتدأة باتفاق (8) (9).
وساغ الابتداء بالنكرة؛ لأنها في تقدير المخصَّصة.
تقديره: شيء عظيم أحسن زيدًا، أي: جعله حسنًا؛ يعني: على رأي
__________
= جملة الصفة، هاء محذوفة مقدرة، والمعنى: رب شيء تكرهه النفوس من الأمور الحادثة الشديدة، وله فرجة تعقب الضيق والشدة كحل عقال المقيد، والفرجة بالفتح في الأمر، وبالضم في الحائط ونحوه مما يرى.
انظر: الكتاب لسيبويه 1/ 270، 362، خزانة الأدب للبغدادي 2/ 541 - 545، ديوان عبيد بن الأبرص ص 128، الأمالي الشجرية 2/ 238.
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فجاء".
(2) المثبت من ز وط، ولم ترد "تفسيرها" في الأصل.
(3) في ط: "له فرجة".
(4) في ز وط: "وقولنا".
(5) "ما" ساقطة من ز.
(6) في ط: "وما مع أفعاله".
(7) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "موصوفه".
(8) في ز وط: "باتفاق انتهى نصه".
(9) انظر: شرح الجزولية للشلوبين ص 89.
(3/73)

سيبويه خلافًا للأخفش القائل بأنها موصولة (1)، أو نكرة موصوفة.
ففي (2) "ما" ثلاثة أقوال:
"ما" في قولك: ما أحسن زيدًا: مبتدأ والجملة بعد (3) "ما" خبر "ما" (4) هذا مذهب سيبويه (5).
وأما على مذهب الأخفش: فما موصولة (6) مبتدأة (7)، والجملة بعدها صلتها، وخبر "ما" (8) محذوف تقديره: الذي أحسن زيدًا شيء عظيم.
[وتقديره على أنها نكرة موصوفة: شيء أحسن زيد عظيم، فحذف الخبر (9)] (10)، وهذا ضعيف (11)؛ لأن الكلام على هذا التقدير ناقص لأجل حذف الخبر منه (12)، وأما على مذهب سيبويه فالكلام تام ولا حاجة فيه إلى الحذف (13).
__________
(1) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "موصوفة".
(2) في ز: "يعني في ما".
(3) في ط: "بعدها".
(4) في ز وط: "خبرها".
(5) انظر نسبة هذا المذهب في: الجنى الداني ص 335.
(6) انظر نسبة هذا المذهب في: المصدر السابق.
(7) في ز وط: "مبتدأ".
(8) في ز وط: "وخبرها".
(9) في ط: "فحذف الخبر عظيم".
(10) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
وهذا هو القول الثالث في: "ما".
(11) "وهذا ضعيف" ساقطة من ط.
(12) "منه" ساقطة من ز.
(13) في ز: "الحد".
(3/74)

ومثالها في نعم وبئس: قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} (1)، وقوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} (2).
قال أَبو موسى: ومما يفسر به المضمر (3) فيهما "ما" النكرة غير الموصوفة (4).
فقوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} تقديره على مذهب سيبويه - وهو كونها نكرة غير موصوفة -: نعم شيئًا (5).
وقال الفراء: "ما" ها هنا فاعل، وهي: معرفة تامة، تقديره على هذا: فنعم (6) الشيء هي، أي: فنعم الشيء الصدقة.
وقوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}.
فقيل: "ما" نكرة موصوفة في موضع النصب، تقديره: بئس (7) شيئًا أشتروا (8) أنفسهم كفرهم.
[وقيل: "ما" نكرة غير موصوفة، والفعل الذي بعدها صفة لمخصوص
__________
(1) آية 271 من سورة البقرة.
(2) آية 90 من سورة البقرة.
(3) في ز: "الضمير".
(4) انظر: شرح الجزولية للشلوبين ص 90.
(5) في ز وط: "شيئًا الصدقة".
(6) في ز: "نعم".
(7) "بئس" ساقطة من ط.
(8) في ط: "اشتروا به".
(3/75)

محذوف (1) تقديره: بئس شيئًا شيء (2) اشتروا به أنفسهم] (3).
وقيل: "ما" نكرة غير موصوفة، والفعل الذي بعدها صفة (4) لموصوف محذوف وهي: ما أخرى، وهي المخصوص، تقديره: بئس شيئًا الشيء الذي اشتروا له أنفسهم.
هذه (5) ثلاثة أقوال، على القول بأن "ما" في موضع النصب على التمييز، وأما على القول بأنها في موضع الرفع على أنها فاعل:
فقيل: هي نكرة موصوفة بالفعل الذي بعد (6) "ما" تقديره (7): بئس شيء اشتروا (8) أنفسهم كفرهم.
وقيل: هي موصولة، والفعل الذي بعده صلة تقديره: بئس الذي اشتروا به أنفسهم كفرهم.
وقيل: هي اسم تام معرفة فلا (9) يحتاج إلى صلة، والفعل الذي بعد "ما" (10) صفة للمخصوص المحذوف، تقديره: بئس الشيء شيء اشتروا به أنفسهم.
__________
(1) "محذوف" ساقطة من ز.
(2) في ز: "شيء شيئًا".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ط: "صلة".
(5) في ز: "هذا".
(6) في ط: "بعدها".
(7) في ط: "تقديرها".
(8) في ط: "اشتروا به".
(9) في ز وط: "لا".
(10) في ز وط: "بعهدها".
(3/76)

فهذه أيضًا ثلاثة أقوال على القول بأنها في موضع الرفع على الفاعلية.
وذلك أن النحاة اختلفوا في "ما" المتصلة بنعم، وبئس هل (1) هي (2) في موضع النصب على التمييز [أو في موضع رفع على الفاعلية؟ قولان في ذلك.
ثم إذا قلنا: بأنها في موضع النصب على التمييز] (3) فهل هي نكرة موصوفة، أو نكرة غير موصوفة؟ كما تقدم.
[وإذا قلنا: بأنها في موضع الرفع على الفاعلية، فهل هي نكرة، أو موصولة (4)، أو اسم تام معرفة؟ كما تقدم] (5).
وقد أشار ابن مالك في الألفية إلى ذلك فقال:
وما مميز وقيل فاعل ... في نحو نعم ما يقول الفاضل (6)
قوله: (ومن وما) يريد: في الاستفهام، والشرط، والخبر كما تقدم.
قال المؤلف: قول الأصوليين: من وما في الاستفهام للعموم يرد عليه أنّا إذا قلنا: من في الدار؟ حسن الجواب بقولنا: زيد، والعموم كيف ينطبق (7) عليه زيد؟
__________
(1) المثبت من ز وط، ولم ترد "هل" في الأصل.
(2) "هي" ساقطة من ط.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(4) المثبت من ز، وفي الأصل: "موصوفة".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) انظر: ألفية ابن مالك المطبوع بهامشها تدقيق لمجموعة من العلماء ص 105، رقم البيت 489.
(7) في ز: "يطلق".
(3/77)

والجواب: أن العموم باعتبار الاستفهام لا باعتبار الوقوع والكون في الدار، فلو قال: ليس فيها أحد، لكان جوابًا (1) مطابقًا، [يعني: المستفهِم يسأل عن: هل يتصور أن يكون في الدار أو لا يكون؟ ولذلك يحسن الجواب بقولك: ما فيها أحد] (2).
قوله: (والمعرف باللام مفردًا وجمعًا) يريد: تعريف الجنس، لا تعريف العهد، فإن تعريف العهد لا يقتضي العموم، لقوله (3) تعالى: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} (4)؛ لأن (5) المراد به رسول بعينه، وهو (6) نبي الله موسى بن عمران - صلوات الله عليه - (7).
وكذلك تعريف (8) الحقيقة لا يقتضي العموم، كقول السيد لعبده: اشتر الخبز واللحم من السوق، فالمراد به حقيقة الجنس، وهو: مطلق الخبز واللحم، ولا يريد (9) استغراق الجنس بأن يأتي بجميع أفراد الجنس، ولا يريد به (10) أيضًا المعهود؛ لأنه لا معهود هناك (11) بينهما.
__________
(1) في ز: "جوابها".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(3) في ط وز: "كقوله".
(4) آية 16 من سورة المزمل.
(5) "لأن" ساقطة من ز.
(6) في ز: "وهي" وهو تصحيف.
(7) "صلوات الله عليه" لم ترد في ز، وفي ط: "عليه الصلاة والسلام".
(8) في ط: "وكذا لتعريف".
(9) في ط: "ولا يريد به".
(10) "به" ساقطة من ط.
(11) في ز: "هنا لك"، وفي ط: "هنا".
(3/78)

و (1) ذكر المؤلف في القواعد (2) - في الفرق الثالث والسبعين - (3): أن الطلاق يستثنى منه، فإذا قال: الطلاق يلزمني، فلا يلزمه إلا طلقة واحدة إذا عدمت النية، مع أن مقتضى اللغة أن يلزمه ثلاث تطليقات، ولكن قاعدة العرف ناسخة لقاعدة اللغة (4).
[فقوله (5): (والمعرف باللام مفردًا) يريد (6): إلا الطلاق فإنه لا يعم أفراده؛ وذلك أن لام التعريف تدخل بثلاثة (7) معان: تعميم الجنس، أو معهود الجنس، أو معقول الجنس، وهو: حقيقة الجنس، فتعم في الأول خاصة؛ ولا تعم في الثاني لتعيينه، ولا تعم في الثالث أيضًا؛ إذ المراد (8) تحصيل الحقيقة، وهي: تصدق بفرد واحد من أفرادها] (9).
قوله: (مفردًا) يعني به: اسم الجنس المعرف باللام (10) كقوله تعالى:
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "في القواعد" ساقطة من ط.
(3) في ط: "في الفرق السبعين".
(4) انظر: الفروق للقرافي 2/ 94 - 95.
(5) في ط: "قوله".
(6) المثبت من ط، ولم ترد "يريد" في الأصل وز.
(7) في ط: "لثلاث".
(8) في ط: "إذ المراد به".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 180، شرح التنقيح للمسطاسي ص 81، المحصول ج 1 ق 2/ 602، المستصفى 2/ 37، 89، شرح المحلى على متن جمع الجوامع 1/ 412، المنخول ص 144، المعتمد 1/ 244، الوصول إلى الأصول لابن =
(3/79)

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (1)، قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (2)، وقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (3)، وقوله تعالى (4): {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (5)، وقوله تعالى (6): {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ} (7).
وقوله عليه السلام: "البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح (8) ربا".
قوله: (الجمع) (9) يعني (10) به: الجمع المعرف باللام (11) تعريف الجنس
__________
= برهان 1/ 219، شرح الكوكب المنير 3/ 134، العدة 2/ 485، التمهيد 2/ 6، القواعد والفوائد الأصولية ص 194، المسودة ص 105، تيسير التحرير 1/ 209، كشف الأسرار 2/ 14، المغني للخبازي ص 114 - 115.
(1) آية 38 من سورة المائدة.
(2) آية رقم 2 من سورة النور.
(3) آية رقم 2 من سورة العصر.
(4) "قوله تعالى" لم ترد في "ط"، ولم ترد "تعالى" في "ز".
(5) آية رقم 275 من سورة البقرة.
(6) "تعالى" لم ترد في ز.
(7) وردت في موضعين هما: آية رقم 151 من سورة الأنعام، وآية 33 من سورة الإسراء.
(8) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "اللحم باللحم".
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 180، شرح التنقيح للمسطاسي ص 81، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 153، المحصول ج 1 ق 2/ ص 518، الإحكام للآمدي 2/ 197، البرهان 1/ 323، المعتمد 1/ 207، مختصر ابن الحاجب 2/ 102، نهاية السول 2/ 321، المستصفى 2/ 37، جمع الجوامع 1/ 410، شرح الكوكب المنير 3/ 129، 131، العدة 2/ 484، كشف الأسرار 2/ 2، أصول السرخسي 1/ 151.
(10) في ط: "قوله: وجمعًا يريد الجمع".
(11) في ز: "بالألف واللام".
(3/80)

كما قلنا، كقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (1).
ومنه قوله عليه السلام: "الأئمة من قريش" (2).
وقوله عليه السلام: "نحن - معاشر الأنبياء - لا نورث" (3).
__________
(1) آية رقم 5 من سورة التوبة، وفي ز وط: " {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}، وقوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} آية 221 من سورة البقرة.
وقوله: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} آية 221 من سورة البقرة، ومنه قوله عليه السلام ... " إلخ.
(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند (3/ 129) عن بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس بن مالك: أحدثك حديثًا ما أحدثه كل أحد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على باب البيت ونحن فيه فقال: "الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقًا، ولكم عليهم حقًا، مثل ذلك إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى عن بكير بن وهب الجزري عن أنس كما في تحفة الأشراف (1/ 102).
وذكره الزركشي في المعتبر (ص 146 - 147) وقال: بكير لا يعرف حاله، ووثقه ابن حبان.
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير من طريق آخر عن أنس بن مالك رقم الحديث 725 (1/ 224).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي برزة مرفوعًا 4/ 421.
(3) يقول الزركشي في المعتبر (ص 147): حديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" قيل: إنه ليس في الكتب الستة، وليس كذلك، فقد رواه النسائي في سننه الكبرى من حديث عمر بن الخطاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث".
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 462) عن أبي هريرة بلفظ: "إنا معشر الأنبياء =
(3/81)

قوله أيضًا (1): (مفردًا أو جمعًا) (2) يريد: أو تثنية، كقولك مثلاً: اقتلوا المشركين.
قوله: (والمعرف باللام مفردًا وجمعًا) احترازًا من المنكّر مفردًا أو جمعًا (3)، كقولك: أكرم رجالاً وأكرم رجلاً؛ فإنه لا يقتضي العموم؛ لأن الجمع المنكّر، والمفرد المنكر لا عموم له.
قوله: (والمعرف) يعني تعريف الجنس لا تعريف العهد (4) كما قلنا، وأما تعريف العهد فلا عموم له كقولك: أكرم الرجل، أو أكرم الرجال إذا أردت (5) بذلك المعهودين (6).
__________
= لا نورث".
وورد في معناه ما أخرجه البخاري عن أبي بكر وعائشة بلفظ: "لا نورث ما تركنا صدقة" في كتاب الفرائض باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا نورث ما تركنا صدقة".
انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي (4/ 164).
وأخرجه الإمام مسلم عن أبي بكر وعائشة وأبي هريرة بلفظ: "لا نورث، ما تركنا صدقة" في كتاب الجهاد، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا نورث، ما تركنا صدقة" رقم الحديث العام 1758 ورقم 1759، 1761، (3/ 1379 - 1383).
وأخرجه أيضًا الترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في تركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رقم الحديث 1610 (5/ 333).
وأخرجه أيضًا الإمام مالك في الموطأ في كتاب الكلام، باب ما جاء في تركة النبي - صلى الله عليه وسلم - (2/ 993).
(1) "أيضًا" ساقطة من ط.
(2) في ط: "مفردًا وجمعًا".
(3) في ط: "وجمعًا".
(4) في ط: "العهد ولا تعريف الحقيقة كما قلنا".
(5) في ز: "أراد".
(6) في ز: "المعهود ذكرًا".
(3/82)

قوله (1): (والمعرف باللام) يريد: إلا أن يتميز (2) بعلامة التأنيث، نحو: النخلة، أو الثمرة (3)، أو البرة (4) صدقه فلا يعم، قاله الغزالي (5).
قوله: (والمعرف باللام مفردًا أو جمعًا).
فقد أورد المؤلف في الشرح اعتراضًا على الجمع المعرف باللام: من حيث إن لام التعريف تعم أفراد ما دخلت عليه، فإن دخلت على المفرد فتعم أفراد أشخاصه، وإن (6) دخلت على الجمع فتعم أفراد جموعه (7)، فينبغي على هذا إذا دخلت على الجمع أن تعم (8) أفراد الجموع، ولا تعم الآحاد فيتعذر الاستدلال به حينئذ على الآحاد أمرًا، أو نهيًا (9)، ثبوتًا، ونفيًا، فإذا قيل مثلاً: اقتلوا المشركين، فلا يتناول الأمر إلا قتل أفراد المجموع، وأما قتل كافر واحد فلا يتناوله (10).
وكذلك إذا قيل مثلاً: لا تقتلوا الصبيان، فإنه لا يتناول النهي إلا أفراد المجموع، معناه: لا تقتلوا جماعات الصبيان، فذلك [يقتضي جواز قتل
__________
(1) في ز: "فقوله"، وفي ط: "وقوله".
(2) في ز: "يميز".
(3) في ط: "أو الشجرة".
(4) في ز: "والثمرة والبردة".
(5) انظر: المستصفى للغزالي 2/ 53.
(6) في ز: "فإن".
(7) في ط: "جوعه" وهو تصحيف.
(8) في ط: "أن لا تعم".
(9) في ط: "ونهيًا".
(10) في ط: "يناوله".
(3/83)

صبي واحد، فإن النهي إنما يقتضي أفراد الجموع، والواحد ليس بجمع، وهذا خلاف المعهود من] (1) صيغة العموم من كونها تقتضي ثبوت حكمها لكل فرد من أفرادها، أمرًا ونهيًا، ثبوتًا ونفيًا، فلا يختلف حالها في شيء من مواردها (2).
وأجاب المؤلف عن هذا الإشكال: بأن لام التعريف إذا دخلت على الجمع أبطلت (3) حقيقة الجمعية، ويصير الجمع حينئذ كالمفرد، فيكون الحكم فيهما (4) ثابتًا لكل فرد من الأفراد، سواء كانت الصيغة مفردًا، أو جمعًا أو تثنية (5).
قوله: (والذي، والتي، وتثنيتهما، وجمعهما) (6).
ش: يعني على حسب اختلاف اللغات في ذلك كما هو (7) مبين في كتب النحاة.
قال أبو موسى: الذيَّ، والذي، والذِ، والذْ: لغات في الذي، والتثنية: اللذان رفعًا، واللذين نصبًا، وجرًا، وتحَذف (8) النون فيقال: اللذا لطول
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 180.
(3) في ط: "بطلت".
(4) في ط: "فيها".
(5) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 180.
(6) انظر: جمع الجوامع 1/ 409، مختصر ابن الحاجب 2/ 102، نهاية السول 2/ 322، إرشاد الفحول ص 121، شرح الكوكب المنير 3/ 123، فواتح الرحموت 1/ 260، أصول السرخسي 1/ 157.
(7) "هو" ساقطة من ط.
(8) في ز: "ويحذف".
(3/84)

الاسم بالصلة، واللغات في التي مثلها في الذي، وفي جمع الذي الذين رفعًا، ونصبًا، وجرًا، وربما قيل: الذون رفعًا، وتحذف النون للطول فيقال: الذي في الذين، وفي جمع التي: اللاي، واللايْ، واللاء (1)، واللائي، واللات، واللاتي، واللواتي، انتهى نصه (2).
قوله: (وأي) (3) يعني: في الاستفهام والشرط، نص عليه سيف الدين (4).
مثاله فى الاستفهام: أي شيء عندك.
ومثاله في الشرط: أيهم جاءك (5) فأكرمه، وكقولك: أي رجل جاءني فأكرمته (6).
وقولك: أي شيء تصنع أصنع مثله، ومنه قوله تعالى: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (7).
__________
(1) "واللاء" ساقطة من ط.
(2) انظر: شرح الجزولية للشلوبين ص 66.
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 180، شرح التنقيح للمسطاسي ص 100، التوضيح شرح التنقيح ص 152، 153، المحصول ج 1 ق 2 ص 516، الإحكام للآمدي 2/ 197، المعتمد 2/ 206، جمع الجوامع 1/ 409، إرشاد الفحول ص 118، تيسير التحرير 1/ 226، شرح الكوكب المنير 3/ 12، العدة 2/ 485، التلويح على التوضيح 1/ 257.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 197.
(5) في ز: "جاء فأكرمه".
(6) في ز وط: "أكرمته".
(7) سورة الإسراء آية (110).
(3/85)

قوله: (ومتى في الزمان وأين وحيث في المكان) (1) يعني: أن "متى" تعُمّ الأزمنة (2)، وأن "أين"، و"حيث" تعم الأمكنة (3) فإذا قلت: متى جئتني أكرمتك، فإنه يعم جميع الأزمنة، فإذا (4) قلت: أين وجدتك أكرمتك، أو حيث وجدتك أكرمتك، فإنه (5) يعم جميع الأمكنة.
وأورد المؤلف في الشرح اعتراضًا على هذه القاعدة فقال: إذا كانت هذه الظروف تقتضي العموم فيلزم (6) إذا قال القائل: متى دخلت الدار فأنتِ طالق، فدخلت مرارًا: أن تطلق ثلاث تطليقات عملاً بالعموم، وليس الأمر كذلك؛ إذ لا يلزمه إلا طلقة واحدة وإن دخلت مرارًا.
وكذلك إذا قال: أين وجدتك فأنتِ طالق، أو قال: حيث وجدتك فأنتِ طالق، فوجدها مرارًا لا تطلق إلا واحدة (7).
فإذا كان لا يلزمه إلا طلقة واحدة فليست إذًا للعموم (8) مع أنهم نصوا
__________
(1) في ط: "وحيث في المكان قاله عبد الوهاب".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 180، شرح التنقيح للمسطاسي ص 100، المحصول ج 1 ق 2/ 518، الإحكام للآمدي 2/ 198، المعتمد 1/ 206، البرهان 1/ 323، المنخول ص 138، جمع الجوامع 1/ 409، شرح الكوكب المنير 3/ 121، العدة 2/ 485، مختصر الأصول للبعلي ص 107.
(3) انظر: المصادر السابقة ما عدا الاحكام للآمدي.
(4) في ز وط: "وإذا".
(5) "فإنه" ساقطة من ز وط.
(6) في ط: "فيلزمه".
(7) في ز: "عليه مرة واحدة".
(8) في ط: "لعموم".
(3/86)

على أنها للعموم، ونصوا أيضًا على أنه لا يلزمه إلا طلقة واحدة، فهذا وجه الإشكال.
وأجاب المؤلف عن هذا الإشكال: بأن الظرف المعلق عليه عام وهو: "متى"، و"أين"، و"حيث"، والمعلق مطلق، وهو: مطلق الطلاق، فلا يلزمه إلا مطلق في جميع الأزمنة [في "متى"، أو في (1) جميع البقاع في "أين" و"حيث"، فإذا لزمه طلقة واحدة فقد وقع ما التزمه من مطلق الطلاق] (2) فلا تلزمه طلقة أخرى، بل تنحل اليمين بالطلقة الواحدة؛ إذ لا يلزم من عموم الظرف عموم المظروف، كما لو قال: أنت طالق في جميع الأيام طلقة، فالظرف عامّ والمظروف مطلق، فكذلك ها هَنا، فالمعلق عليه عام، والمعلق مطلق فاندفع الإشكال (3).
قال المؤلف - في الشرح - في الباب الثاني في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه:
فائدة: التعليق ينقسم أربعة (4) أقسام:
مطلق على مطلق نحو: إن جاء زيد فأكرمه، فعلق الإكرام على مطلق
__________
(1) في ز: "وفي".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 180.
(4) في ط: "على أربعة".
(3/87)

مجيء زيد.
وعام على عام نحو: كلما دخلت فكل عبد لي (1) حر، فكل دخلة (2) معلق (3) عليها عتق كل عبد.
وعام على مطلق نحو: إن دخلت الدار فكل عبد لي (4) حر.
ومطلق على عام نحو: متى دخلت الدار فأنت حر، علقت حريته على كل فرد من أفراد الأزمنة التي يقع الدخول فيها.
قال المؤلف: وينشأ (5) من هذه القاعدة فوائد عظيمة جليلة (6):
منها: أن اليمين تنحل (7) بالمرة الواحدة في قولنا: متى دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرارًا، فإنها لا تطلق إلا طلقة واحدة؛ لأن المعلق مطلق وإن كان المعلق عليه عامًا.
ومنها: الفرق بين قول الفقهاء: كلما دخلت الدار فعليّ درهم، وبين قولهم: إن دخلت الدار، [ومتى (8) دخلت الدار] (9) فعليَّ درهم: أن لزوم
__________
(1) في ط: "كلما دخلت الدار فكل عبدي حر".
(2) في ط: "ما دخلت".
(3) في ز: "عتق"، وفي ط: "علق".
(4) في ط: "عبدي".
(5) المثبت من ز وش، وفي الأصل: "وتتنشأ"، وفي ط: "وتنشأ".
(6) في ط: "جميلة".
(7) في ز: "ينحل".
(8) في ط: "أو متى".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/88)

الدراهم يتكرر (1) في الأول دون الثاني، بسبب أن (2) في الأول علق عام على عام فيتكرر (3)، وفي الثاني علق مطلق على عام فلم (4) يتكرر.
وكذلك يتكرر عليه الطلاق في "كلما" دون "متى"، و"إن"، و"إذا". انتهى نصه (5).
فتأمل ذلك، انظر تفرقة المؤلف بين: كلما دخلت الدار فعليَّ درهم، وبين: متى دخلت الدار فعليَّ درهم.
والظاهر: أنه في الصورتين تعليق مطلق على عام فلا يتكرر (6) الدراهم في الصورتين. والله أعلم.
قال المؤلف في الشرح: فهذه قاعدة شريفة (7) تعلم منها مباحث (8) كثيرة في الأصول والفروع، فينبغي أن تضبط (9).
قوله: (ومتى في الزمان) يعني: الزمان المبهم؛ لأنها وضعت للسؤال عن الزمان المبهم.
فتقول: متى دخلتِ الدار فأنتِ طالق، [ولا تقل متى طلعت الشمس،
__________
(1) في ز: "تتكرر".
(2) في ط: "أنه".
(3) في ط: "فتكرر".
(4) في ط: "فلا".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 106، 107.
(6) في ط: "تكرر".
(7) في ز وط: "شرعية".
(8) في ز: "مباحة".
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 107.
(3/89)

أو متى زالت، أو متى غربت؛ لأن "متى" بمنزلة "إن"، فلا تدخل إلا على المشكوك بخلاف "إذا" فإنها تدخل عليهما] (1).
قوله: (ومتى في الزمان، وأين وحيث في المكان).
انظر: سكت المؤلف عن ظرفين آخرين، وهما: "أيان" من ظروف الزمان، و"أنى" من ظروف المكان، مع أن النحاة (2) نصوا على أنهما (3) للعموم، "فأيان" عام في الأزمنة، و"أنَّى" عام في الأمكنة، نص عليه المرادي في شرح الألفية، فذكر (4) أن "أيان" ك "متى" في تعميم الأزمنة.
وقيل: لتعميم الأزمنة التي فيها (5) الأمور العظام.
وذكر أن (6) "أنى" كأين في تعميم الأمكنة.
وقيل: لتعميم الأحوال (7).
قوله: (واسم الجنس إِذا أضيف) (8).
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) في ط: "الحاة" وهو تصحيف.
(3) في ز: "أنها".
(4) في ز وط: "فإنه ذكر".
(5) في شرح الألفية: "التي تقع فيها".
(6) "أن" ساقطة من ط.
(7) انظر: شرح الألفية للمرادي 4/ 241.
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 180، 181، شرح التنقيح للمسطاسي ص 100، =
(3/90)

ومعنى قولهم: اسم الجنس هو: الاسم الموضوع للحقيقة من حيث هي (1)، ملغي فيه اعتبار الآحاد، وهو غالب فيما يفرق فيه (2) بينه وبين واحده بالتاء، أو بياء النسب.
مثاله في التاء: ثمرة، وثمر، وبُرة، وبُر، ونخلة، ونخل، فالثمر والبر والنخل (3): اسم جنس.
ومثاله في ياء النسب: عربي وعرب، وعجمي وعجم، فالعرب والعجم: اسم جنس.
قوله: (اسم جنس) (4).
قال في الشرح (5): سواء كان مفردًا، أو مثنى، أو مجموعًا (6).
مثال المفرد: قوله عليه السلام: "الطهور ماؤه والحِل ميتته" (7) فعم جميع
__________
= المحصول ج 1 ق 2 ص 518، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 413، شرح الكوكب المنير 3/ 136، مختصر البعلي في الأصول ص 108، القواعد والفوائد الأصولية القاعدة رقم 53 ص 200.
(1) "هي" ساقطة من ط.
(2) "فيه" ساقطة من ز وط.
(3) "والنخل" ساقطة من ز.
(4) في ز: "الجنس".
(5) في ط: "قال المؤلف في الشرح".
(6) في ط: "أو مجموعًا".
(7) أخرجه أَبو داود عن المغيرة بن أبي بردة، وهو من بني عبد الدار، أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". =
(3/91)

أفراد الماء وأفراد الميتة (1).
ومثال المثنى قول (2) الأعرابي المفسد لصومه لرسول الله: "ما بين لابتَيْها أحوج مني إليها" (3).
__________
= انظر: سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (1/ 64).
وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
انظر: كتاب الطهارة باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (1/ 74).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر رقم الحديث العام 386 (1/ 136).
وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب ماء البحر 1/ 44.
وأخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء (1/ 22)
وأخرجه الإمام أحمد في المسند 2/ 237، 361.
(1) في ط: "الميت".
(2) في ط: "وقول".
(3) هذا جزء من حديث، وتمام الحديث كما أخرجه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ فقال: هلكت، قال: "ولم؟ "، قال: وقعت على أهلي في رمضان، قال: "فأعتق رقبة" قال: ليس عندي، قال: "فصم شهرين متتابعين" قال: لا أستطيع، قال: "فأطعم ستين مسكينًا" قال: لا أجد، فأتيَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر، فقال: "أين السائل؟ " قال: ها أنا ذا، قال: "تصدق بهذا"، قال: على أحوج منا يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق، ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، قال: "فأنتم إذًا". أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب نفقة المعسر 3/ 289، وأخرجه أيضًا في كتاب الصوم، باب المجامع في رمضان (1/ 232).
وأخرجه مسلم عن أبي هريرة وفيه: "فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا" في كتاب الصيام، باب تغليظ الجماع في نهار رمضان رقم الحديث العام (1111)، (2/ 782).
وأخرجه أَبو داود عن أبي هريرة، وفيه: "ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا" في كتاب الصوم، باب كفارة من أتى أهله في رمضان، رقم الحديث العام 2390، (2/ 783 - =
(3/92)

واللابة هي: الحجارة السود، فعم ذلك جميع الحجارة (1) السود التي هنالك (2).
ومثال الجمع قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} (3).
قوله: (واسم الجنس) يريد: اسم الجنس الذي يصدق على القليل والكثير، نحو: ماء، ومال، وذهب، وفضة؛ لأن الماء يصدق على ما قلّ وكثر (4) من جنس الماء، وكذلك المال، والذهب، والفضة، فهذا هو الذي يعم.
وأما اسم الجنس الذي يصدق على القليل دون الكثير، أي: لا يصدق إلا على الواحد، نحو: دينار، ودرهم، ورجل، وعبد؛ إذ لا يصدق على
__________
= 784).
وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة وفيه: "ما بين لابتيها أحد أفقر منا" في كتاب الصوم، باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان، رقم الحديث العام 724، (3/ 75).
وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة وفيه: "ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا" في كتاب الصيام، باب ما جاء في كفارة من أفطر يومًا من رمضان رقم الحديث العام 1671، (1/ 534).
وأخرجه الإمام مالك في الموطأ عن أبي هريرة وفيه: "ما أحد أحوج مني" في كتاب الصيام، باب كفارة من أفطر في رمضان (1/ 296).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة بلفظ: "ما أجد أحوج مني" (2/ 516).
(1) في ط: "الحجرات" وهو تصحيف.
(2) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 180، 181.
(3) آية رقم 11 من سورة النساء.
(4) في ط: "وما كثر".
(3/93)

جماعة الدراهم أنها درهم، ولا يصدق على جماعة الدنانير أنها دينار، ولا يصدق على جماعة الرجال أنها رجل، ولا يصدق على جماعة العبيد أنها عبد، فهذا النوع الذي لا يصدق على الكثير ينبغي ألا يعم إذا أضيف؛ ولأجل ذلك إذا قال: عبدي حر، أو امرأتي (1) طالق، أو ديناري أو درهمي صدقة، فلا يعم من حيث اللفظ، بخلاف قوله: عبيدي أحرار، أو نسائي (2) طوالق (3) أو دنانيري، أو دراهمي صدقة.
قال المؤلف في الشرح: ينبغي أن يفصل (4) بين النوعين في اسم الجنس إذا أضيف، ويدعى العموم في أحدهما دون الآخر، لكني لم أره منقولاً، والاستعمالات العربية والعرفية تقتضيه.
قال: وكذلك فرق الغزالي بين الفرد (5) الذي فيه هاء التأنيث يمتاز بها عن الجنس، نحو: برة، وبر، وبين ما ليس كذلك، فجعل لام التعريف تعم في الثاني دون الأول، فتعم في البر دون البرة، و (6) في الثمر دون الثمرة (7).
قال المؤلف في الشرح (8): وهو تفصيل حسن، وهو يعضد هذا (9)
__________
(1) في ز وط: "وامرأتي".
(2) في ط: "ونسائي".
(3) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 181.
(4) في ز: "أن لا يفصل".
(5) في ط: "المفرد".
(6) "الواو" ساقطة من ط.
(7) انظر تفريق الغزالي هذا فى المستصفى 2/ 53.
(8) "في الشرح" ساقطة من ز.
(9) في ز: "هذه".
(3/94)

الموضع أيضًا في اسم الجنس إذا أضيف (1).
قوله: (واسم الجنس إِذا أضيف) يريد: ما لم يتميز بعلامة التأنيث نحو: برتي، أو ثمرتي، أو نخلتي صدقة، أو لا يصدق إلا على القليل دون الكثير نحو عبدي، أو ديناري، أو درهمي صدقة، فلا يعم في هذين النوعين.
قوله: (والنكرة في سياق النفي) (2).
مثالها (3): قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} (4)، وقوله: {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} (5)، وقوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ} (6).
وقوله عليه السلام: "لا عقد في الإسلام" (7).
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 181.
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 181، 182، شرح التنقيح للمسطاسي ص 100، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 157، 158، المحصول ج 1 ق 2/ 518، 563، المستصفى 2/ 90، الإحكام للآمدي 2/ 197، البرهان 1/ 323، 337، المنخول ص 146، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 413، مختصر ابن الحاجب 2/ 102، شرح الكوكب المنير 3/ 136، المسودة ص 100، 101، مختصر البعلي ص 108، القواعد والفوائد الأصولية ص 201، إرشاد الفحول ص 119، تيسير التحرير 1/ 219، كشف الأسرار 2/ 12، 13، أصول السرخسي 1/ 160، المغني للخبازي ص 116، 117.
(3) في ز: "مثاله".
(4) آية رقم 2 من سورة البقرة.
(5) آية رقم 15 من سورة الشورى.
(6) آية رقم 197 من سورة البقرة.
(7) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا عقد في الإسلام". =
(3/95)

و"لا صرورة (1) في الإسلام" (2).
و"لا هجرة بعد الفتح" (3).
__________
= انظر: مسند الشهاب للقضاعي، رقم الحديث (549) (2/ 40).
وفي سنده مقدام بن داود الرعيني، قال النسائي في الكنى: ليس بثقة، وقال ابن يونس وغيره: تكلموا فيه.
انظر: ميزان الاعتدال للذهبي، رقم الترجمة (8745) (4/ 175، 176).
وأخرجه من طريق آخر أَبو نعيم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا عقد في الإسلام، ولا إسعاد، ولا إشغار، ولا جلب، ولا جنب".
انظر الحلية لأبى نعيم 7/ 118.
(1) الصرورة هو الذي لم يحج قط.
(2) أخرجه أَبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صرورة في الإسلام".
انظر: سنن أبي داود، كتاب الحج، باب لا صرورة في الإسلام، رقم الحديث (1729) (2/ 348, 349).
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس رقم الحديث (11595)، (11/ 234 - 235).
وأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (1/ 448)، وذكره في مجمع الزوائد، وقال: "ورجاله ثقات" (3/ 234).
(3) أخرجه البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".
انظر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية (2/ 142).
وأخرجه بهذا اللفظ مسلم عن عائشة رضي الله عنها في كتاب الإمارة باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام، رقم الحديث العام 1864 (3/ 1488).
وأخرجه بهذا اللفظ الترمذي عن ابن عباس في كتاب السير، باب ما جاء في الهجرة رقم الحديث العام (1590)، (5/ 316 - 317).
(3/96)

"لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (1).
"لا رقية إلا من عين أو حمة" (2).
__________
= وأخرجه أَبو داود عن ابن عباس في كتاب الجهاد، باب في الهجرة هل انقطعت رقم الحديث (2479) (3/ 7 - 8).
وأخرجه الدارمي عن ابن عباس في كتاب السير، باب لا هجرة بعد الفتح (2/ 239).
وأخرجه الإمام أحمد فى المسند عن ابن عباس 1/ 226.
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن أنس بن مالك قال: ما خطبنا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له".
انظر: المسند 3/ 135، 154، 210.
وأخرجه البيهقي في السنن بهذا اللفظ عن أنس بن مالك (6/ 288).
وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا إيمان لمن لا أمانة له".
انظر: المصنف، كتاب الإيمان رقم الحديث العام (10369)، (11/ 11).
وأخرجه البغوي في شرح السنة عن أنس، وقال: هذا حديث حسن، رقم الحديث 38، (1/ 74).
كلهم أخرجوه من طريق أبي هلال محمد بن سليم الراسبي البصري، وثقه أَبو داود، ومال أَبو حاتم: محله الصدق ليس بذلك المتين، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن معين: صدوق يرمى بالقدر.
انظر: ميزان الاعتدال (3/ 574)، وذكره ابن الديبع في التمييز، حديث رقم (1585) (ص 208)، والعجلوني في كشف الخفاء والالتباس، حديث رقم (2984) (2/ 485)، والسخاوي في المقاصد الحسنة حديث رقم (1284) (ص 459).
(2) أخرجه الإمام مسلم عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت. أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة ... الحديث. =
(3/97)

و"لا هجرة فوق ثلاث (1) " (2).
"لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار" (3).
__________
= انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (1/ 199) حديث رقم 374.
وأخرجه أبو داود عن عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة" في كتاب الطب، باب تعليق التمائم، رقم الحديث العام 3884، (4/ 213).
وأخرجه الترمذي عن عمران بن حصين رقم الحديث العام 2058 في كتاب الطب، باب ما جاء في الرخصة في ذلك (6/ 252).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (1/ 271) عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد ابن جبير.
(1) في ط: "ثلاثة".
(2) أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا هجرة بعد ثلاث" رقم الحديث العام (2562) (4/ 1984).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة بهذا اللفظ (2/ 378).
(3) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار" انظر حديث رقم: (555) (2/ 44).
وفي إسناده أبو شيبة الخراساني، قال عنه الذهبي: أتى بخبر منكر، وذكر هذا الحديث. انظر: ميزان الاعتدال (10298)، (4/ 537).
وقال صاحب كشف الخفاء: رواه أبو الشيخ والديلمي عن ابن عباس رفعه، وكذا العسكري عنه في الأمثال بسند ضعيف، لا سيما ورواه ابن المنذري في تفسيره عن ابن عباس من قوله، والبيهقي عن ابن عباس موقوفًا، وله شاهد عند البغوي ومن جهة الديلمي عن أنس مرفوعًا، ورواه إسحاق بن بشر في المبتدأ عنه عن عائشة لكن حديثه منكر، وأخرجه الطبراني عن أبي هريرة، وزاد في آخره: "فطوبى لمن وجد في كتابه استغفارًا كثيرًا" لكن في إسناده بشر بن عبيد الفاسي متروك، ورواه الثعلبي، وابن شاهين في الترغيب عن أبي هريرة.
انظر: كشف الخفاء 2/ 508.
وذكره السخاوي وقال: سنده ضعيف، انظر: المقاصد الحسنة ص 467.
وذكره ابن الديبع في تمييز الطيب من الخبيث (ص 189).
وذكره صاحب كتاب الغماز على اللماز (ص 155).
(3/98)

و"لا همَّ إلا همَّ الدين، ولا وجع إلا وجع العين (1) " (2) وهو كثير.
قوله: (في سياق النفي (3)).
أي: إذا وقعت النكرة بعد النفي، احترازًا من النكرة في سياق الثبوت، كقولك، في الدار رجل أو رجال، فلا تعم باتفاق.
واعلم أن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم في قسمين:
مقيس، ومسموع.
فالمقيس إذا بنيت مع لا، أو كانت مجرورة بمن (4).
مثال المبنية مع لا: لا رجل في الدار.
__________
(1) في ز: "العينين".
(2) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا همّ إلا همّ الدين، ولا وجع إلا وجع العين" (2/ 31).
وأخرجه القضاعي من مسند الشهاب حديث رقم (556) (2/ 45).
وهذا الحديث من الأحاديث الموضوعة، قال الإمام أحمد: لا أصل له، وأخرجه البيهقي في الشعب، وقال: إنه منكر، ونسب ابن الجوزي لابن عدي أنه قال: هذا الحديث باطل الإسناد والمتن.
انظر الكلام حول هذا الحديث في: كتاب الموضوعات لابن الجوزي (2/ 244)، باب تعظيم أمر الدين، تنزيه الشريعة كتاب المعاملات الفصل الأول، رقم الحديث 21، 2/ 193، الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص 597، اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، رقم الحديث 112 (ص 85)، تمييز الطيب من الخبيث، حديث رقم (1637) (ص 215)، كشف الخفاء والالتباس حديث رقم (3094)، (2/ 515).
(3) في ط: "والنكرة في سياق".
(4) في ط: "مجرورة بمن أو كانت لفظًا عامًا نحو: أحد، وشيء، كقولك: ما رأيت أحدًا، أو ما رأيت شيئًا، مثال المبنية ... " إلخ.
(3/99)

ومثال المجرورة بمن: ما جاءني (1) من رجل، فإن "من" ها هنا هي التي تفيد العموم، فلو قلت: ما جاءني رجل لم يحصل العموم.
نص عليه الجرجاني (2) في أول شرح الإيضاح (3).
قال (4) المؤلف في الشرح: وكذلك أبو القاسم الزمخشري، وغيره: قالوا (5): في قوله تعالى: {مَا لَكم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (6) لو قال: ما لكم إله، بحذف "من" لم يحصل العموم (7).
وكذلك قالوا في قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} (8) لو قال: ما تأتيهم (9) آية، بحذف "من" لم يحصل العموم.
ومثال النكرة إذا كانت لفظًا عامًا قولك (10): ما جاءني أحد، أو (11) ما رأيت شيئًا، فإنه يقتضي العموم، فلو قلت: ما جاءني من
__________
(1) في ز وط: "قولك ما جاءني".
(2) في ط: "الزرجاني".
(3) في المقتصد: تقول: ما جاءني رجل، فلا يوجب استغراق الجنس، حتى يجوز أن تقول: ما جاءني رجل بل أكثر، فإذا دخلت "من" فقلت: ما جاءني من رجل، أفادت استغراق الجنس، حتى لا يجوز أن تقول: ما جاء من رجل بل أكثر.
انظر: المقتصد للجرجاني 1/ 89.
(4) في ط: "وقاله".
(5) في ز: "قاله".
(6) آية 59 من سورة الأعراف.
(7) في ط: "لم يحمل على العموم".
(8) آية رقم 4 من سورة الأنعام.
(9) المثبت من ز، وفي الأصل: "لو"، وفي ط: "وما".
(10) في ز: "قوله".
(11) في ط: "وما".
(3/100)

أحد، أو (1) ما رأيت من شيء بإثبات "من" كانت مؤكدة للعموم لا منشئة للعموم (2).
يعني: إذا دخلت (3) "من" على الأسماء الموضوعة للعموم فهي لتأكيد العموم، كقوله تعالى: {مَا سَبَقَكم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ} (4)، وقوله تعالى (5): {فَمَا مِنكم مِّنْ أَحَد عَنهُ حَاجِزِينَ} (6).
وإذا دخلت "من" على أسماء الأجناس [التي] (7) لم توضع للعموم، فهي: للعموم كرجل، وغلام، وفرس، كقوله تعالى: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ} (8)، وقوله تعالى (9): {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} (10).
قال المؤلف في الشرح: هكذا (11) نقله النحاة، والمفسرون (12)، فهذه الأنواع الثلاثة هي القسم المقيس.
فأما القسم المسموع: فهي: الألفاظ التي لا تستعمل إلا في النفي.
__________
(1) في ط: "وما".
(2) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 182.
(3) في ز: "كانت".
(4) آية رقم 80 من سورة الأعراف، وآية رقم 28 من سورة العنكبوت.
(5) "تعالى" لم ترد في ط.
(6) آية 47 من سورة الحاقة.
(7) المثبت بين المعقوفتين من "ز" و"ط" ولم يرد في الأصل.
(8) آية 19 من سورة المائدة.
(9) "تعالى" لم ترد في ط.
(10) آية رقم 3 من سورة الملك.
(11) في ط: "هذا".
(12) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 182.
(3/101)

وذكرها (1) صاحب إصلاح المنطق (2) وغيره من اللغويين (3): فهي (4) قولهم: ما بها أحد، ولا وابر (5)، ولا صافر، ولا عريب، ولا كتيع، ولا دبِّي، ولا دبيج، ولا نافخ ضَرَمة، ولا ديَّار، ولا طُوري، ولا دوري، ولا طوئي، ولا تُؤْمُري، ولا لا عي قَرْوٍ (6)، ولا أرم، ولا داعٍ، ولا مجيب، ولا مُعْرب، ولا أنيس، ولا ناخر، ولا نابح، ولا ثاغ، ولا راغ (7)، ولا دعوي، ولا شفر، ولا صوات، ولا زابن، ولا رايم، ولا تأمور، ولا عين، ولا عاين، وما لي عنه بد (8).
فهذه اثنان وثلاثون لفظًا.
قال المؤلف في شرح المحصول: "ينبغي أن يلحق بها: شيء، وموجود (9)، ومعلوم" (10).
فتكون خمسة وثلاثين لفظًا.
فهذه الألفاظ وضعت للعموم في النفي، وما عداها لا يقتضي العموم إلا
__________
(1) في ط: "وذكره".
(2) انظر: تهذيب إصلاح المنطق للتبريزي ص 805 - 806.
(3) في ط: "كاللغويين".
(4) في ز: "وهو"، وفي ط: "وهي".
(5) في ز: "وابي".
(6) في ط: "قرف".
(7) انظر: الألفاظ السابقة في تهذيب إصلاح المنطق للتبريزي ص 805 - 806.
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 182 - 183، نفائس الأصول تحقيق عادل عبد الموجود (4/ 1799).
(9) في ز: "وهو موجود".
(10) انظر: نفائس الأصول (4/ 1799).
(3/102)

بواسطة "من"؛ أعني الظاهرة، أو المضمرة، قاله (1) المؤلف في الشرح (2).
ذكر المؤلف هذه الألفاظ في الشرح تجميلًا وتفصيلًا، أما التجميل فقد ذكرنا جملتها.
وأما تفصيلها فقال (3) المؤلف: "أحد" الذي يستعمل في الثبوت غير "أحد" الذي يستعمل [في النفي] (4)، فالذي يستعمل في الثبوت معناه: واحد متوحد، كقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} (5).
والذي يستعمل في النفي معناه: إنسان، كقولك (6): ما في الدار أحد، أي: إنسان (7)، وألفه أصلية بخلاف الأول (8) فإن ألفه (9) فيه بدل من الواو.
وقول أبي علي في الإيضاح: أحد وواحد بمعنى واحد (10)، يريد: الذي (11) ألفه بدل من الواو، قاله المسطاسي (12).
__________
(1) في ز: "قال".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 183.
(3) في ط: "قال".
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(5) الإخلاص (1).
(6) في ز: "كقوله".
(7) في ط: "أي ما في الدار إنسان".
(8) في ز: "الآخر".
(9) في ز وط: "الألف".
(10) انظر: التكملة لأبي علي الفارسي ص 67، وانظر أيضًا: شرح التنقيح للمسطاسي ص 101.
(11) في ز وط: "أحد الذي".
(12) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "المستاصي". =
(3/103)

ومعنى وابر: أي (1): صاحب وبر.
ومعنى صافر: هو من الصفير، وهو الصوت الخاص (2).
ومعنى عريب: من الإعراب الذي هو: البيان، ومنه الثيّب تعرب عن نفسها، أي: ما بها مبين، ويحتمل أن يكون معناه (3): ما فيها من نسب (4) إلى يعرب بن قحطان (5).
ومعنى كتيع: من التكتع (6) وهو: التجمع، يقال: تكتع الجلد، إذا ألقي في النار فاجتمع، ومنه قولهم: أكتعون أبصعون.
__________
= وانظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 101.
(1) "أي" ساقطة من ز وط.
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الخالص".
(3) في ز: "معناها فيها".
(4) في ز وط: "ينسب".
(5) هو يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن اليارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام.
وكان يعرب بن قحطان من أعظم ملوك العرب، يقال: إنه أول من حياة قومه بتحية الملك، وهو الذي ملك بلاد اليمن وولى إخوته، فولى جرهمة على الحجاز، وحضرموت بن قحطان على جبال الشحر، وعاد بن قحطان على الشحر، وعمان ابن قحطان على بلاد عمان، ويعرب هو أول من تنحنح بالعربية الواسعة ونطق بأفصحها، وأبلغها، وأوجزها، والعربية منسوبة إليه مشتقة من اسمه، وهو الذي ذكره حسان بن ثابت في قوله: تعلمتم من منطق الشيخ "يعرب" أبينا فصرتم معربين.
انظر ترجمته في: تاريخ ابن خلدون 2/ 86، 87، سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب للبغدادي ص 16
(6) في ز: "الكتع".
(3/104)

[ومعنى دبي: من دببت] (1).
ومعنى دبيج: متلون.
والضرمة هي: النار.
وديَّار منسوب إلى الدار، والطوري منسوب إلى الطور وهو: جبل (2)، والدوري منسوب إلى الدور جمع دار، أي: ليس فيها (3) صاحب نار، ولا دار, ولا جبل.
والطوئي من الطي أي ما هنالك أحد يطوي.
والتؤمري التأمور، وهو (4): دم القلب.
ولاعي القرو (5): قال الجوهري: معناه: لاحس عسل من قدح (6).
ومعنى (7) الأرم (8): الساكن، ويطلق على البالي الدارس.
والداعي والمجيب من: الدعاء والإجابة.
ومعنى (9) معرب مثل عريب.
والناخر: من النخير.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ط وز: "الجبل".
(3) "فيها" ساقطة من ز.
(4) في ط: "وهي".
(5) في ط: "القرف".
(6) انظر: الصحاح 6/ 2483.
(7) في ط: "ومعناه".
(8) المثبت من ز، وفي الأصل: "الأم".
(9) في ط: "ومعناه".
(3/105)

والنابح: الكلب.
والثغاء: صوت الغنم.
والرغاء (1): صوت الأبل.
والدعوي: من الدعوة وهي: وليمة الطعام.
والشفر: من الشفير: وهو: الحافة.
وزابن: من الزبن.
ورايم: من الأرم.
والتأمور: القلب.
وعين وعاين: من العين.
والبد: الانفكاك (2)، أي: ما لي عنه انفكاك. انتهى كلامه (3).
قوله: (النكرة في سياق النفي) يريد: إذا كانت مبنية مع لا، أو كانت مجرورة بمن، أو كانت لفظًا عامًا (4) وقد تقدم جميع (5) ذلك.
قوله: (والنكرة في سياق النفي) [يريد أو في سياق النهي] (6)، أو
__________
(1) في ط: "والرغاغ" وهو تصحيف.
(2) في ز: "أي انفكاك".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 183، 184.
وانظر أيضًا: نفائس الأصول تحقيق عادل عبد الموجود (4/ 1799 - 1800) , شرح التنقيح للمسطاسي ص 101.
(4) في ط وز: "لفظًا عامًا نحو: أحد وشيء".
(5) في ط وز: "بيان".
(6) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3/106)

الاستفهام.
نص على ذلك أبو موسى في حروف الجر فقال في حرف "من": وتزاد لاستغراق الجنس في الفاعل، والمفعول به (1)، في النهي فيهما (2)، وفي المبتدأ في النفي والاستفهام. انتهى نصه (3).
مثال النهي: لا تضرب من رجل.
[ومثال الاستفهام: هل عندك من رجل] (4).
[قال المسطاسي (5): قال الإمام فخر الدين: النكرة إذا كانت في سياق الإثبات الذي معناه النفي: تعم (6)، كقولك: أنت حر إن كلمت رجلًا؛ لأن معناه النفي، تقديره: لا كلمت رجلًا.
وإذا كانت النكرة في سياق النفي الذي معناه الإثبات فإنها لا تعم، كقولك: أنت حر إن لم أكلم رجلًا؛ لأن معناه الإثبات، تقديره: لأكلمن رجلًا.
__________
(1) "به" ساقطة من ط.
(2) في ط وز: "وفيهما".
(3) انظر: شرح الجزولية للشلوبين ص 83.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(5) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "المستاصي".
(6) يقول أحمد حلولو: تنبيه: ذكر ولي الدين العراقي: أن النكرة المثبتة إذا كانت في معرض الامتنان نحو قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} (الفرقان 48) فإنها تعم، وحكاه عن القاضي أبي بكر.
انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 159.
(3/107)

فضابط هذا: أن الكلام إذا قصد به النفي فيعم، ولو كان اللفظ مثبتًا، وإذا قصد به الإثبات فلا يعم، ولو كان اللفظ منفيًا (1)، فقول المؤلف: في سياق النفي يريد: في سياق النفي لفظًا ومعنى، أو معنى دون لفظ] (2).
قوله: (فهذه عندنا للعموم) يعني: أن هذه الصيغ المذكورة هي: التي تفيد عندنا - نحن المالكية - العموم.
قوله: (واختلف في الفعل في سياق النفي نحو قوله: والله لا آكل).
ش: لما ذكر أن الاسم النكرة في سياق النفي يعم، ذكر هنا أن الفعل إذا أورد (3) في سياق النفي مختَلف فيه، هل يقتضي العموم أو لا يقتضيه (4)؟
قوله: (في الفعل في سياق النفي) احترازًا من الفعل في سياق الإثبات فإنه لا يعم كقول الراوي: "صلى عليه السلام (5) داخل الكعبة" (6).
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للمسطاسي ص 101.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط وز: "ورد".
(4) مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية: أنه يقتضي العموم، ومذهب الرازي وأبي حنيفة: أنه لا يقتضي العموم.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 184، شرح التنقيح للمسطاسي ص 101، 102، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 159، المحصول ج 1 ق 2 ص 626، 627، المستصفى 2/ 62، الإحكام للآمدي 2/ 251، مختصر ابن الحاجب 2/ 116، 117، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 423، شرح الكوكب المنير 3/ 202، 203، مختصر البعلي ص 111، فواتح الرحموت 1/ 286.
(5) في ز: "صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -"، وفي ط: "صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
(6) أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - =
(3/108)

فلا يعم الفرض والنفل معًا، وإنما هو محتمل لأحدهما.
وقوله أيضًا: "صلى العشاء بعد غيبوبة الشفق" (1).
فلا يعم الحمرة والبياض معًا؛ أي (2): فلا يقال: صلى العشاء بعد غيبوبة
__________
= ومعه أسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فمكث فيه نهارًا طويلًا، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله: كم صلى من سجدة؟ ".
أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعلى مكة (3/ 62).
وأخرجه مسلم في كتاب الحج رقم الحديث 1329 (2/ 966).
وأخرجه النسائي في كتاب المناسك (7/ 171)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 3).
(1) أخرجه أبو داود ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمّني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله وصلى بي العصر حين كان ظله مثلَيْه وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إليّ فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين".
انظر: سنن أبي داود كتاب الصلاة، باب في المواقيت (1/ 107).
وأخرجه الترمذي في مواقيت الصلاة، رقم الحديث العام 149، (1/ 278).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن ابن عباس 3/ 333.
وذكره ابن حجر وقال: وفي إسناده عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، مختلف فيه لكنه توبع، ثم ذكر طرقًا أخرى للحديث.
انظر تفصيل الكلام حول طرق هذا الحديث في: التلخيص الحبير، كتاب الصلاة، باب أوقات الصلاة، رقم الحديث 242 (1/ 173، 174).
(2) "أي" ساقطة من ط.
(3/109)

الشفقين (1) معًا، وإنما هو محتمل (2) لأحدهما على البدلية؛ [لأن الأصوليين يقولون: الفعل المثبت لا يكون عامًا في أقسامه] (3).
قوله: (واختلف في الفعل) يعني: الفعل المتعدي، وأما القاصر فيعم، كقولك (4): لا أقوم، أو لا أقعد (5) فإن نفي الفعل نفي لمصدره، فكأنه قال (6): لا قيام ولا قعود فهو عام، ومنه قوله تعالى: {ثُمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى} (7) أي: لا موت، ولا حياة (8).
قوله: (واختلف في الفعل في سياق النفي) المراد به هو: الفعل (9) المتعدي المجرد عن المفاعيل، أعني: الفعل الذي لم يصرح معه (10) بذكر المصدر ولا بالمفعول به، ولا بالمفعول فيه (11) زمانًا أو مكانًا - وهذا هو محل الخلاف - إذا ورد (12) في سياق النفي نحو قولك: والله لا آكل.
فقيل: يعم مفاعيله، قاله الشافعي.
__________
(1) في ط: "الشفق".
(2) في ط: "محل".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في ز: "كقوله"، وفي ط: "لأن قولك".
(5) في ز: "ولا أقعد".
(6) في ط وز: "يقول".
(7) آية رقم 13 من سورة الأعلى.
(8) في ط: "أو حياة".
(9) "الفعل" ساقطة من ز.
(10) "معه" ساقطة من ز.
(11) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "به".
(12) في ز: "أورد".
(3/110)

وقال: لا يعم مفاعيله، أبو حنيفة (1).
قوله: (فعند الشافعي للعموم في المآكل (2) فله تخصيصه بنيته (3) في بعضها، وهذا هو الظاهر من مذهبنا، وقال أبو حنيفة: لا يصح).
ش: ذكر المؤلف قول الشافعي: بأنه يقتضي العموم (4).
وقول الحنفي بأنه لا يقتضي العموم (5).
وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا قال: والله لا آكل، ونوى مأكولًا معينًا، هل يحنث بغيره، أو لا يحنث بغيره؟
قال الشافعي: لا يحنث بغيره، بناء على عموم لفظه، وقد خصصه ببعض مدلولاته.
قوله: (فعند الشافعي للعموم في المآكل).
أي: في المأكولات وهو: جمع مأكول (6) وهو المفعول به.
__________
(1) في ز: "وقيل: لا يعم مفاعيله وهو قول أبي حنيفة"، وفي ط: "وقيل: لا يعم مفاعيله قاله أبو حنيفة".
(2) في أوش وخ: "المواكيل".
(3) في ط: "بنية".
(4) في ط وز: "والعموم".
وانظر نسبة هذا القول للشافعية في المستصفى 2/ 62، المحصول ج 1 ق 2 ص 626، الإحكام للآمدي 2/ 251.
(5) انظر نسبة هذا القول للحنفية في فواتح الرحموت 1/ 286.
(6) في ز: "مآكل".
(3/111)

قوله: (فله تخصيصه بنيته (1) في بعضها) أي: في بعض المأكولات.
قوله: (وقال أبو حنيفة: لا يصح) أي: لا يصح (2) تخصيصه بنيته في بعض المأكولات، فإذا نوى مأكولًا بعينه فلا يقبل ذلك منه، وإنما لا (3) يقبل منه تخصيصه؛ لأن التخصيص ثانٍ عن العموم، فلا عموم هنا، فلا تخصيص.
قوله: (لأن الفعل يدل على المصدر وهو لا واحد ولا كثير، فلا تعميم ولا تخصيص (4)).
ش: هذه حجة أبي حنيفة وبيانها: أن الفعل نحو لا آكل يدل على المصدر وهو الأكل، والمصدر لا واحد أي لا إشعار له بالوحدة المصححة (5) لنية التعيين؛ لأنه جنس، ولا كثير أي لا إشعار له بالكثرة والتعدد المصححة (6) لنية التخصيص؛ لصدقه على القليل والكثير فلا (7) تعميم فيه إذًا ولا (8) تخصيص، أي: فلا يتحقق فيه العموم ولا (9) يتحقق فيه التخصيص، أي: المصدر ليس مختصًا (10) بواحد من الأحداث، وليس موضوعًا لاقتضاء العموم، فلا تنفع فيه نية التقييد، ولا نية التخصيص.
__________
(1) في ز: "بنية".
(2) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "يصح".
(3) في ز: "لم".
(4) في أ: "فلا تخصيص".
(5) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "المصلحة".
(6) المثبت من ز، وفي الأصل: "المصلحة".
(7) في ط: "ولا".
(8) في ز: "فلا".
(9) في ط وز: "فلا".
(10) في ز: "غير مخصص"، وفي ط: "غير مختص".
(3/112)

قوله: (واتفق الإِمامان على قوله: لا أكلت (1) أكلًا، أنه عام يصح تخصيصه).
ش: هذه حجة الشافعية على أبي حنيفة، وبيانها: أن الفعل إذا أكد بالمصدر، نحو: لا آكل أكلًا، فاتفق الإمامان: الشافعي والحنفي على أنه عام يصح تخصيصه بالنية، فإنه إذا قال: والله لا آكل أكلًا، وقال: نويت خبزًا، فله نيته باتفاق الإمامين، فيلزم من ذلك: أن يكون الفعل المجرد من المصدر عامًا أيضًا، نحو: لا (2) آكل؛ إذ لا فرق بين المؤكد والمجرد عن التأكيد بالنسبة إلى التخصيص؛ لأن النحاة اتفقوا على أن ذكر المصدر بعد الفعل إنما هو لتأكيد الفعل، والتأكيد لا ينشئ حكمًا آخر، بل الحكم الثابت مع ذكر المصدر هو ثابت أيضًا مع السكوت عن المصدر؛ لأن المصدر وإن لم يصرح به فهو في حكم المصرَّح (3) به؛ لأنه يدل عليه الفعل بالتضمن، فهو كالملفوظ به؛ لأن (4) دلالة التضمن لفظية، فيلزم أبا حنيفة على هذا أن يقول بالتخصيص بالنية في نحو: لا آكل، كما قاله الشافعي.
قوله: (وعلى عدم تخصيص الأول ببعض الأزمنة والبقاع (5)).
ش: هذه حجة الحنفية على الشافعية، وبيانها: أن الفعل الأول وهو الفعل الذي لم يذكر معه المصدر، نحو: لا آكل قد اتفق الإمامان الشافعي والحنفي: على أنه لا عموم له بالنسبة إلى المفعول فيه، وهو: ظرف الزمان
__________
(1) في ط: "والله لا أكلت".
(2) "لا" ساقطة من ز.
(3) في ط: "الصرح".
(4) في ط: "كالمأبوه لأن".
(5) في أوخ وش: "أو البقاع".
(3/113)

وظرف المكان، فإذا قال: والله لا آكل (1)، ونوى زمانًا معينًا [أو نوى مكانًا معينًا] (2) فلا يقبل منه ذلك، أي: فلا تنفعه نيته (3)، فإذا كان لا يقبل التخصيص بالمفعول فيه زمانًا ومكانًا (4)، فيلزم من ذلك: ألا يقبل (5) التخصيص بالمفعول به؛ لأن حقيقة الأكل لا تتم (6) بدون الزمان والمكان كما لا تتم (7) بدون المفعول به؛ فإن المفعول فيه كالمفعول به في هذا المعنى، فيلزم الشافعي أن يقول بعدم التخصيص في: لا آكل، كما قاله أبو حنيفة.
وأجيب: بالفرق بين المفعول به والمفعول فيه (8): أن الفعل المتعدي لا يعقل إلا بالمفعول به، ولا يوجد إلا معه؛ لأن المفعول به من لوازم ماهية الفعل في الذهن، بخلاف المفعول فيه - وهو الزمان والمكان - فإنهما ليسا من لوازم الفعل في الذهن؛ ولدْلك ينفك فعل الباري جل وعلا عن الزمان والمكان، بخلاف المفعول به، فإن لفظ الفعل يدل بالوضع على المفعول به دون المفعول فيه؛ لكون المفعول به لازمًا لماهية الفعل، وأما المفعول فيه فهو
__________
(1) في ز: "لا تأكل".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ز: "نية".
(4) في ط وز: "أو مكانًا".
(5) في ز: "يقيد".
(6) في ز: "لا تصح".
(7) في ز: "لا تصح".
(8) انظر هذا الفرق في شرح التنقيح للقرافي ص 185، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 102، الإحكام للآمدي 2/ 251، فواتح الرحموت 2/ 286.
(3/114)

لازم اتفاقي؛ فلأجل هذا يقبل لفظ (1) الأكل التخصيص بالمفعول به دون المفعول فيه؛ لأن التخصيص عبارة عن حمل اللفظ على بعض مدلولاته لا على غير مدلولاته.
وقال بعضهم: الفرق بين المفعول به، والمفعول فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المفعول (2) به أقوى تعلُّقًا من المفعول فيه؛ لاجتماع النحاة على أن المفعول به إذا وجد مع الظرف [في] (3) باب ما لم يسمّ فاعله، فإن المفعول به هو الذي يقام (4) مقام الفعل.
الوجه الثاني: أن المفعول به هو: موضوع (5) قصد الفاعل؛ لأن من أكرم زيدًا أو أهانه (6) إنما قصده (7) حصول الإكرام أو الإهانة به، دون زمان ذلك أو مكانه.
الوجه الثالث: أن المفعول به أخص بالفعل المتعدي، بخلاف الظرف فإن الفعل يتعدى إليه متعديًا كان أو قاصرًا، فذلك يقتضي خصوص (8) المفعول به بالمتعدي، فالاقتضاء الخاص مقدم على الاقتضاء العام في جميع الموارد؛ ولأجل ذلك قدم تحريم النجس على الحرير في الصلاة؛ لأن تحريم النجس
__________
(1) "لفظ" ساقطة من ط.
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "لفعول".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(4) في ط: "يقوم".
(5) في ط وز: "موضع".
(6) في ط: "وأهانه".
(7) في ط: "قصد".
(8) في ز: "حصول".
(3/115)

خاص بالصلاة، وكذلك (1) تقديم تحريم الصيد على الميتة في حق المحرم؛ لأن (2) تحريم الصيد خاص بالمحرم (3)، فكان أولى بالاعتبار.
قال المؤلف في الشرح (4): أما إلزامهم (5) لنا عدم جواز التخصيص بالزمان والمكان، وقياسهم (6) المفعول به على المفعول فيه، فنحن لا نساعدهم ولا الشافعية على الحكم في الظرفين، بل إذا قال: والله لا أكلت ونوى يومًا معينًا أو مكانًا معينًا، لم يحنث بغيره، فيلزمهم ما ألزمناهم ولا يلزمنا ما ألزمونا (7).
قوله: (لنا: أنه (8) إِن كان عامًا صح التخصيص، وإِلا فمطلق (9) يصح تقييده (10) ببعض محاله وهو المطلوب).
ش: هذا دليل المالكية على أن (11) قوله مثلًا: لا آكل تنفع فيه النية مطلقًا في المفعول له، والمفعول فيه زمانًا، والمفعول فيه مكانًا.
__________
(1) في ز: "وكذا".
(2) في ط: "ولأن".
(3) المثبت من ز، وفي ط: "خاص بالحج"، ولم ترد كلمة "خاص" في الأصل.
(4) في ز: "في شرحه".
(5) محلها بياض في ز.
(6) في ط: "وقيامهم".
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 185.
(8) "أنه" ساقطة من خ.
(9) في ط: "فهو مطلق".
(10) في ز: "تقييد".
(11) المثبت من ط وز، ولم ترد "أن" في الأصل.
(3/116)

بيان (1) ذلك: أن قوله: لا آكل يدل على نفي المصدر مطابقة، وعلى نفي المفعول التزامًا؛ إذ (2) من لوازم الفعل: أن له مفعولًا، فهذا اللازم إن كان عامًا دخله التخصيص، وإن لم يكن عامًا، وهو (3) مطلق، دخله التقييد؛ لأن المطْلَقات (4) تقيد، كقولك: والله لا كلمت رجلًا، ونويت تقييده بزيد فلا تحنث (5) بغير زيد، فكذلك ها هنا إذا (6) قلت: والله لا آكل (7)، ونويت زمانًا معينًا، أو مكانًا معينًا فلا تحنث بغير ذلك.
قوله: (ببعض محاله) أي: ببعض مفعولاته (8): من مفعول به، ومفعول فيه زمانًا، ومفعول فيه مكانًا.
[قوله: (وهو المطلوب)، أي: وهو المقصود من مذهبنا نحن المالكية] (9).
قوله: (قال (10) الشافعي - رحمه الله -: ترك الاستفصال في حكاية (11)
__________
(1) في ز: "وبيان".
(2) في ز: "وأن".
(3) في ط: "فهو".
(4) في ز: "المطلقة".
(5) في ز: "يحنث".
(6) في ط: "إذ قلت".
(7) في ط وز: "لا أكلت".
(8) في ط: "مفصلاته".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(10) في أوخ وش: "وقال".
(11) في أوخ وش: "حكايات".
(3/117)

الأحوال يقوم (1) مقام العموم (2) بالمقال (3)) (4).
ش: يعني أن الشارع إذا أطلق الجواب في واقعة محتملة لوجوه، ولم يسأل الشارع عن تلك الوجوه المحتملة، فإن عدم السؤال عنها يقوم مقام العموم بالمقال فيها؛ فإن ترك الاستفصال كالتعميم بالمقال.
قوله: (نحو قوله عليه السلام (5) لغيلان (6) حين أسلم على عشر نسوة: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (7) من غير كشف عن تقدم
__________
(1) في ز: "تقوم".
(2) في ط: "العموم فيتنزل منزلة العموم".
(3) في أوخ وش وز وط: "في المقال".
(4) انظر هذه القاعدة المنسوبة للشافعي في: شرح التنقيح للقرافي ص 186، 187، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 161، المحصول ج 1 ق 2/ 631، البرهان 1/ 345، المنخول ص 150، نهاية السول 2/ 367، إرشاد الفحول ص 132، شرح الكوكب المنير 3/ 171، مختصر البعلي ص 116، القواعد والفوائد الأصولية ص 234، المسودة ص 108، تيسير التحرير 1/ 264، فواتح الرحموت 1/ 289.
(5) في ش: "نحو قوله عليه الصلاة والسلام".
(6) في أ: "لابن غيلان" وهو: غيلان بن سلمة ين معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي، وكان أحد وجوه ثقيف ومقدَّميهم، وكان شاعرًا محسنًا، أسلم بعد فتح الطائف، وكان تحته عشر نسوة فأسلمن معه، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يختار أربعًا منهن ويفارق باقيهن، توفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، انظر ترجمته في: الاستيعاب 3/ 1256، الإصابة 5/ 234، طبقات فحول الشعراء ص 217، 226.
(7) أخرجه الترمذي في سننه (3/ 326).
وابن ماجه في كتاب النكاح 1/ 628.
وذكر ابن حجر أن في سنده معمرًا، وأنه يهم، وأن هذا الحديث مما وهم فيه.
انظر: تفصيل كلام ابن حجر في التلخيص الحبير 3/ 168، رقم الحديث 1527.
وأخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك 2/ 193، واليبهقي في سننه 7/ 149.
(3/118)

عقودهن (1)، أو تأخيرها (2)، أو اتحادها، أو تعددها (3)).
ش: هذا مثال القاعدة المتقدمة في العموم؛ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (4) لم يستفصل (5) غيلان الثقفي (6) ولم يسأله عن كيفية عقده على نسائه في الترتيب، أي: لم يسأله عن متقدم من العقود ومتأخر منها، وهذا معنى قوله: (عن تقدم عقودهن (7) أو تأخيرها).
ولم يسأله أيضًا عن اجتماع العقود أو افتراقها، وهذا معنى قوله: (أو اتحادها أو تعددها) أي: لم يسأله هل عقد عليهن عقدًا واحدًا في مرة (8) واحدة (9)، أو عقد عليهن عقودًا متعددة في أوقات مختلفة.
فترك النبي عليه السلام (10) السؤال عن هذه الأحوال المحتملة (11)، يدل على تعميم الجواب لجميع (12) هذه الأحوال، فلا فرق بين غيلان الثقفي
__________
(1) في ز: "عقدهن".
(2) في أوخ وش: "أو تأخرها".
(3) في ز: "تعدادها".
(4) في ط: "عليه السلام".
(5) في ط: "لم يستفصل بين".
(6) في ز: "الشعبي" وهو تصحيف.
(7) في ز: "عقدهن".
(8) في ز: "صورة".
(9) "واحدة" ساقطة من ز.
(10) في ز وط: "النبي - صلى الله عليه وسلم -".
(11) "المحتملة" ساقطة من ز.
(12) في ط وز: "بجميع".
(3/119)

وغيره، ولا فرق بين هذه الأحوال، فكل (1) من أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة فله أن يختار الأوائل، وله أن يختار الأواخر، وله أن يختار الأواسط، وله أن يختار الأربع من أي جهة شاء، هذا مذهب مالك، والشافعي (2) رضي الله عنهما.
وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إن عقد عليهن عقودًا مترتبة (3)، أي: عقدًا بعد عقد، فلا يجوز له أن يختار من المتأخرات بعد الأربع لفساد عقودهن، فإن عقد الخامسة ومن بعدها فاسد وباطل (4)، والخيار في الباطل باطل.
وأما إن عقد عليهن عقدًا واحدًا فيجوز له أن يختار ما شاء منهن من غير تفصيل بين المتقدمات، والمتأخرات؛ لعدم التفاوت بينهن فلا (5) يتعين الباطل من الصحيح؛ فلأجل ذلك يختار من أي جهة شاء.
وأما نحن - المالكية والشافعية - فنقول (6): أنكحة الكفار كلها باطلة، وإنما
__________
(1) في ط وز: "فلا فرق بين هذه الأحوال ولا فرق بين غيلان الثقفي وغيره من كل من أسلم ... " إلخ.
(2) انظر هذا التوجيه في: شرح التنقيح للقرافي ص 187، شرح التنقيح للمسطاسي ص 103، البرهان 1/ 346، المحصول ج 1 ق 2 ص 632.
وذكر إمام الحرمين والرازي توجيهًا آخر وهو احتمال أنه - صلى الله عليه وسلم - عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته ولم يستفصل.
انظر: البرهان 1/ 346، والمحصول ج 1 ق 2/ ص 633.
(3) في ز: "مرتبة".
(4) في ط وز: "ومن بعدها باطل".
(5) في ط: "ولا".
(6) في ط: "فيقول".
(3/120)

الإسلام يصححها فإذا كانت أنكحتهم باطلة فلا نقرر أربعًا ويكون من عداهن يبطل عقده، مع أن الحديث لم يفصل في هذه الأحوال، فلولا تعميم الاختيار لهذه الأحوال لما أطلق الشارع القول فيها (1).
ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام للمفطر (2) عمدًا في رمضان: "أعتق رقبة" (3)؛ لأن الرقبة تحتمل الذكر والأنثى، والصغيرة والكبيرة، والطويلة والقصيرة، والبيضاء والسوداء، فترك الاستفصال في تلك الأحوال كالعموم في المقال.
ومثاله أيضًا (4): قوله عليه السلام: "إذا شهد عدلان فصوموا، وأفطروا، وأنسكوا (5) " (6)؛ لأن العدلين يحتمل الشيخين والكهلين، والعربيين والعجميين، والأبيضين والأسودين، وغير ذلك، فيعم الحكم جميع ذلك؛ لأن ترك السؤال عن الأحوال كالعموم بالمقال.
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى من شرح التنقيح للقرافي ص 388.
(2) في ط: "في المفطر".
(3) سبق تخريج هذا الحديث.
(4) "أيضًا" ساقطة من ز.
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "وأمسكوا".
(6) أخرجه النسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وساءلتهم، وأنهم حدثوني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته, وأنسكوا لها، فإن غمّ عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا" كتاب الصوم، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان.
انظر: سنن النسائي (4/ 131 - 133).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (4/ 321) عن عبد الرحمن بن زيد بهذا اللفظ.
(3/121)

ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {فصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} (1).
لأن الموضع الذي يرجع إليه [يحتمل] (2): شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا (3)، ومدينة (4) وبرية، فيعم الحكم جميع ذلك؛ إذ القاعدة عند المالكية والشافعية: أن ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال يقوم مقام العموم بالمقال.
هذا بيان القاعدة المتقدمة وهي قولنا: ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع (5) الاحتمال يقوم مقام العموم بالمقال، وهذه القاعدة منقولة عن الشافعي رضي الله عنه (6).
ونقل عنه قاعدة أخرى وهي قوله: حكاية الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال (7).
وظاهر هذه القاعدة مخالف لظاهر القاعدة الأولى، فاختلف العلماء في ذلك:
__________
(1) آية رقم 196 من سورة البقرة.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط، ولم يرد في الأصل وز.
(3) في ط: "وجوفًا" وهو تصحيف.
(4) في ط: "وميتة" وهو تصحيف.
(5) في ز: "في قيام"، وفي ط: "مع قيام الاحتمال".
(6) "رضي الله عنه" لم ترد في ز وط.
(7) انظر هذه القاعدة المنسوبة للشافعي في: شرح التنقيح للقرافي ص 186، 187، الفروق للقرافي الفرق الحادي والسبعين 2/ 87، نهاية السول 3/ 370, شرح الكوكب المنير 3/ 172، القواعد والفوائد الأصولية ص 234.
(3/122)

فقال بعضهم: هذان (1) قولان مرويان للشافعي.
قول بأنَّه عام يستدل (2) به.
وقول (3) بأنه مجمل فلا يستدل به.
قال المؤلف في شرحه (4)، وفي (5) قواعده في الفرق الحادي والسبعين (6): إن كل واحدة من القاعدتين لها محل خلاف محل الأخرى، أي: إحداهما في دليل الحكم، والأخرى في محل الحكم، فإذا كان الاحتمال في دليل الحكم سقط به الاستدلال، وإلى هذا أشار بقوله: "حكاية الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال".
وإذا كان الاحتمال في محل الحكم فلا يسقط (7) به الاستدلال بل يعم الدليل سائر الأحوال، وإلى هذا أشار (8) بقوله: "ترك الاستفصال في حكاية (9) الأحوال مع قيام الاحتمال يقوم مقام العموم بالمقال".
مثال ما إذا كان الاحتمال في الدليل: قوله عليه السلام في المحرم الذي أوقصته (10) ناقته: "لا تمسوه بطيب، فإنه يبعث يوم القيامة ملبَّيًا" (11).
__________
(1) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "هذا".
(2) في ز: "فيستدل".
(3) في ز: "وقوله".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 187.
(5) "في" ساقطة من ز وط.
(6) انظر: الفروق للقرافي 2/ 93 - 96.
(7) في ط: "فاسقط".
(8) في ز: "أشار المؤلف".
(9) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "حكايات".
(10) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "أو مضته".
(11) أخرجه البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ =
(3/123)

فهذا الدليل فيه احتمال في نفسه؛ لأنه يحتمل أن يراد به رجل بعينه، ويحتمل أن يعمه مع غيره من سائر المحرمين، فالإجمال ها هنا في الدليل، وأما الحكم وهو عدم مسه بالطيب فلا إجمال فيه، فيسقط الاستدلال بهذا الدليل.
ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام في الحج: "الخير كله بيدك والشر ليس إليك" (1).
__________
= وقع على راحلته فوقصته، أو قال: فأوقصته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا".
كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين 1/ 219.
وأخرجه مسلم عن ابن عباس بلفظ: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تخمروا رأسه, فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا" كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (4/ 23).
وأخرجه أبو داود عن ابن عباس بلفظ: "كفنوه في ثوبيه، واغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي" كتاب الجنائز، باب المحرم يموت كيف يصنع به (3/ 219).
وأخرجه الدارمي في سننه عن ابن عباس بلفظ: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيًا".
كتاب المناسك، باب المحرم إذا مات ماذا يصنع به (2/ 50).
(1) أخرجه بهذا اللفظ النسائي عن علي - رضي الله عنه - من حديث طويل في دعاء الاستفتاح، وفيه: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديكَ، والشر ليس إليك، أنا بِكَ وإليك، تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك".
كتاب الافتتاح، باب نوع آخر من الذكر والدعاء 2/ 130. =
(3/124)

استدل المعتزلة على (1) أن الشر من العبد لا من الله عز وجل بهذا الحديث، فقالوا: معنى قوله: والشر ليس إليك، أي، والشر ليس منسوبًا إليك.
ونحن نقول: هذا الجارّ يحتمل تعلقه بمحذوف آخر تقديره: والشر ليس قربة إليك.
فالمعتزلة يعلقونه بالأول، ونحن نعلقه بالثاني، فقد حصل الاحتمال في الدليل؛ لأنه يحتمل ما قاله المعتزلة، ويحتمل ما قلناه، فإذا احتمل واحتمل سقط الاستدلال به، فبطل استدلال (2) المعتزلة به على أن الشر (3) من العبد للإجمال (4) فيه.
ومثاله أيضًا: "نهيه عليه السلام عن الركعة البتراء" (5).
__________
= وأخرج مسلم نحو هذا وفيه: "كان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يهل بإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء الكلمات ويقول: "لبيك اللهم لبيك, لبيك وسعديك والخير في يديك, والرغباء إليك والعمل".
كتاب الحج، باب التلبية وصفتها (4/ 8).
وأخرجه أبو داود وفيه: "وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيدك والرغباء إليك والعمل".
كتاب المناسك باب كيفية التلبية رقم الحديث العام 1812 (2/ 162).
وأخرجه ابن ماجه وفيه: وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل".
رقم الحديث العام 2918، كتاب المناسك، باب التلبية (2/ 974).
(1) في ز: "إلى".
(2) في ز: "فيبطل الاستدلال"، وفي ط: "فبطل الاستدلال".
(3) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "على الشر".
(4) في ط: "لا إجمال"
(5) رواه ابن عبد البر بسنده إلى أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البتيراء أن يصلي =
(3/125)

يحتمل أن يراد بها الركعة التي لم يتقدم لها شيء، فلا يؤتى بركعة الوتر من غير تقدم الشفع قبلها، قاله مالك.
ويحتمل أن يراد بالركعة البتراء: الركعة المنفردة عما قبلها، أي: المقطوعة عما قبلها بسلام، فلا يفصل بين ثلاث ركعات الوتر بسلام، قاله أبو حنيفة.
لأنه قال: لا يجوز أن توتر (1) بركعة واحدة، بل بثلاثٍ بتسليمة (2) واحدة.
فالبتراء (3) يحتمل أن يراد بها: ركعة [ليس قبلها شيء.
__________
= الرجل واحدة يوتر بها، كما عزاه له الزيلعي في نصب الراية، وابن حجر في التلخيص، والذهبي في الميزان.
ورواه عبد الحق في الأحكام من جهة ابن عبد البر عن أبي سعيد الخدري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها.
وقد عزاه لعبد الحق الزيلعي، وابن حجر، والعجلوني، والسخاوي، كلهم من طريق عثمان بن محمد بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني.
قال عبد الحق في أحكامه: الغالب على حديثه الوهم.
وقال القطان: والحديث شاذ لا يعرج عليه ما لم يعرف عدالة رواته، وقال النووي في الخلاصة: حديث محمد بن كعب في النهي عن البتيراء ضعيف ومرسل، ولم أجده.
انظر: نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي حديث رقم (132) (2/ 172)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر حديث رقم (266) (1/ 208)، ميزان الاعتدال للذهبي رقم الترجمة (5560) (3/ 53)، كشف الخفاء والالتباس للعجلوني حديث رقم (877) (1/ 230)، المقاصد الحسنة للسخاوي حديث رقم (282) (ص 142).
(1) في ط وز: "يوتر".
(2) في ط: "تسليمة".
(3) في ط: "في البتراء".
(3/126)

ويحتمل أن يراد بها ركعة] (1) منفردة عما قبلها، فالأبتر في اللغة هو: الذي لا ذنب له أو لا عقب له، ومنه قوله تعالى لنبيه عليه السلام: {إِنَّ شَانِئكَ هُوَ الأَبْتَر} (2) أي: هو الذي لا عقب له (3).
فاستدلال الحنفية على أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة ساقط؛ لأجل الإحمال (4) في الدليل.
فهذه الأمثلة الثلاثة (5) وقع الإجمال فيها (6) في نفس الدليل؛ فلأجل ذلك قلنا: سقط (7) بها الاستدلال، بخلاف الأمثلة المتقدمة أولًا، فإن الإجمال إنما وقع فيها في (8) محل الحكم، ولا إجمال (9) في الدليل.
فقوله عليه السلام لغيلان الثقفي: "أمسك أربعًا"، فإن الدليل الذي هو الإذن في اختيار (10) الأربع لا إجمال فيه، وإنما الإجمال في محل الحكم وهو عقود النساء، فيصح الاستدلال به لعدم الإجمال في الدليل؛ إذ الإجمال في محل الدليل لا في (11) نفس الدليل.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) آية رقم 3 من سورة الكوثر.
(3) "له" ساقطة من ز.
(4) في ز: "الاحتمال".
(5) نقل المؤلف هذه الأمثلة بالمعنى مع تقديم وتأخير من الفروق للقرافي 2/ 90، 91.
(6) في ط: "وقع فيها الإجمال".
(7) في ط: "ساقط".
(8) "في" ساقطة من ط.
(9) في ط: "والإجمال".
(10) في ز: "الاختيار".
(11) "في" ساقطة من ز.
(3/127)

وقولنا: حكاية الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال، المراد بهذا الاحتمال: إنما هو الاحتمال المساوي؛ لأنه هو الذي يوجب الإجمال في الدليل كما تقدم من أمثلته (1)، وأما الاحتمال (2) المرجوح فلا يقدح في الدليل، أي: لا يسقط به الاستدلال؛ لأن جميع الأدلة السمعية يتطرق (3) إليها الاحتمال من التخصيص، والتقييد، والمجاز، والاشتراك، والنقل، والإضمار، وغير ذلك كما تقدم في الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ (4)، ومع ذلك فلا تؤثر تلك الاحتمالات المرجوحة في الاستدلال (5) بالدليل.
فالمراد إذًا بهذه القاعدة التي يسقط بها الاستدلال: إنما هو إذا كان الاحتمال مساويًا للاحتمال (6) الآخر، وأما إذا كان أحد الاحتمالين (7) مرجوحًا فلا يقدح في الدليل.
قوله: (وخطاب المشافهة لا يتناول من يحدث بعد إِلا بدليل).
ش: معنى (8) هذه المسألة: أن الخطاب الوارد في زمان النبي عليه السلام مشافهة، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} (9)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
__________
(1) في ط: "الأمثلة".
(2) في ز: "الإجمال".
(3) في ز: "قد تطرق".
(4) انظر (2/ 417 - 431) من هذا الكتاب.
(5) في ط: "استدلال".
(6) في ز: "لاحتمال".
(7) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الاحتمال".
(8) في ط وز: "معنى".
(9) وردت هذه الآية في مواضع كثيرة جدًا، أكتفي بذكر موضع واحد وهو قوله تعالى: =
(3/128)

آمَنُوا} (1)، وقوله تعالى (2): {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (3)، وغير ذلك من خطابات (4) المواجهة هل يخص (5) الموجودين (6) في زمانه عليه السلام دون غيرهم؟ أو هو عامّ لهم ومن (7) سيحدث بعدهم؟ اختُلف (8) في ذلك:
فذهب جمهور العلماء من المالكية (9)، والشافعية (10)، والحنفية (11) وغيرهم: إلى اختصاصه بالموجودين في وقت الخطاب، ولا يثبت الحكم في حق من يحدث بعدهم إلا بدليل من نص، أو قياس، أو إجماع.
__________
= {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} آية رقم 21 من سورة البقرة.
(1) وردت هذه الآية في مواضع كثيرة، أكتفي بذكر موضع واحد، وهو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} آية رقم 104 من سورة البقرة.
(2) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(3) آية 7 من سورة الحشر.
(4) في ط: "الخطابات".
(5) في ز وط: "يختص".
(6) في ز: "بالموجودين".
(7) في ز وط: "ولمن".
(8) في ط: "فاختلف".
(9) انظر نسبة هذا القول للمالكية في شرح التنقيح للقرافي ص 188، شرح التنقيح للمسطاسي ص 103، مختصر ابن الحاجب 2/ 127، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 163.
(10) انظر: نسبة هذا القول للشافعية في: البرهان 1/ 270، المحصول ج 1 ق 2 ص 634، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 427، 428، الإحكام للآمدي 2/ 274، المنخول ص 124، نهاية السول 2/ 364، المستصفى 1/ 81 - 84.
(11) انظر نسبة هذا القول للحنفية في: تيسير التحرير 1/ 255، فواتح الرحموت 1/ 279.
(3/129)

وذهبت (1) الحنابلة (2) وطائفة من السلف إلى تعميمه للموجودين والغائبين.
ولا خلاف أن خطاب المشافهة مسترسل (3) على الموجودين وعلى من يحدث بعدهم إلى يوم القيامة، وإنما النزاع بينهم في مستند (4) ثبوته في حق من يحدث بعد (5)، هل ثبت الحكم بخطاب المشافهة؟ أو إنما ثبت بدليل آخر؟
كقوله عليه السلام: "حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة" (6) (7).
__________
(1) في ط: "وهبت"، وفي ز: "وذهبت الحنابلية".
(2) انظر نسبة هذا القول للحنابلة في: شرح الكوكب المنير 3/ 250، 251.
(3) في ز: "مترسل".
(4) في ط: "مسند".
(5) في ط: "بعدهم".
(6) في ز: "حكم الواحد حكم على الجماعة".
(7) نقل السخاوي في المقاصد الحسنة (ص 192) عن المزي والذهبي والعراقي قولهم: "إن هذا الحديث لا أصل له".
ويقول الزركشي في المعتبر: لا يعرف بهذا اللفظ، ولكن معناه ثابت، رواه الترمذي، والنسائي من حديث مالك عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - نساء من المهاجرات تبايعه، فقال: "إني لا أصافح النساء وإنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة" وقال الترمذي: حسن صحيح.
انظر: المعتبر ص 157، تحفة الأحوذي 5/ 220.
وأخرجه النسائي من حديث طويل وفيه: "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة" كتاب البيعة، بيعة النساء 7/ 149، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (6/ 357).
وأخرجه الدارقطني في سننه (4/ 46).
(3/130)

وقوله تعالى (1): {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} (2) أي: و (3) لأنذر به من بلغه القرآن.
وقيل معناه (4): ولأنذر به من بلغ الحلم (5).
قوله: (لأن الخطاب موضوع (6) في اللغة للمشافهة).
ش: هذا دليل الجمهور وبيانه: أن الخطاب - لغةً - معناه: مراجعة الكلام، والمراجعة لا تكون إلا مع الموجود الحاضر (7) وهو معنى المشافهة.
قال صاحب العين: شافهت الرجل إذا كلمته من فيّ إلى فيه، فلا تقول العرب: أمرتكم ونهيتكم (8)، أو قوموا (9) أو اقعدوا، أو افعلوا أو اتركوا، إلا لمن هو موجود (10)، فإذا كان الخطاب موضوعًا في أصل الوضع للمشافهة، فلا يعدل عن الأصل إلى غيره إلا بنص أو قياس أو إجماع.
حجة الحنابلة (11) القائلين بالتعميم: أنه لو لم يتناول خطاب الشفاه من
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ز.
(2) آية رقم 19 من سورة الأنعام.
(3) "الواو" ساقطة من ز.
(4) "معناه" ساقطة من ط.
(5) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الحكم".
(6) المثبت من أوخ وز وش وط، وفي الأصل: "موضوعة".
(7) في ط: "الخاص".
(8) في ط: "أو نهيتكم".
(9) في ط: "وقوموا".
(10) انظر: العين 3/ 402.
(11) في ز: "الحنابلية".
(3/131)

سيوجد لما صح الاستدلال بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} (1)، أو (2) {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} (3)، أو غير (4) ذلك من الأوامر والنواهي في حق من سيوجد إلى يوم القيامة، مع وقوع الإجماع على الاستدلال بذلك.
أجيب عن هذا: أنه إنما صح الاستدلال بخطاب المشافهة في حق المعدومين؛ لثبوت الإجماع على أن أوامر الشارع ونواهيه عامة [على الخلق] (5) إلى يوم القيامة جمعًا بين الأدلة.
قوله: (وقول الصحابي: "نهى عليه السلام عن بيع الغرر" (6)، أو "قضى بالشفعة" (7)،
__________
(1) سورة التوبة آية رقم (119).
(2) "أو" ساقطة من ط.
(3) سورة النساء آية رقم (1).
(4) في ز وط: "وغير".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر (5/ 3).
وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الغرر، رقم الحديث العام 1230، 4/ 225.
وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة في كتاب التجارات، باب النهي عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر رقم الحديث العام 2194، (2/ 739).
وأخرجه أبو داود في (3/ 254) عن أبي هريرة في كتاب البيوع، باب بيع الغرر.
(7) أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" كتاب الشفعة، باب الشفعة (2/ 32). =
(3/132)

أو "حكم بالشاهد واليمين" (1)، قال الإِمام (2) فخر الدين: لا عموم له).
ش: هذه الأمثلة التي ذكر (3) المؤلف يريد: وما في معناها من قضايا الأعيان، كقول الصحابي: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4) بالكفارة في الإفطار" (5).
__________
= وأخرجه مسلم عن جابر بلفظ: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شركة لم تقسم" في كتاب البيوع، باب الشفعة (5/ 57).
وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" رقم الحديث العام 2497، كتاب الشفعة، باب إذا وقعت الحدود فلا شفعة (2/ 834).
وأخرجه النسائي عن جابر قال: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة والجوار" كتاب البيوع، في ذكر الشفعة وأحكامها (7/ 321).
(1) أخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمين وشاهد" كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد (5/ 128).
وأخرجه أبو داود عن ابن عباس في كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، رقم الحديث العام 3608، (3/ 308).
وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس قال: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشاهد واليمين" رقم الحديث العام 2370، كتاب الأحكام باب القضاء بالشاهد واليمين (2/ 793).
وأخرجه مالك في الموطأ 2/ 721.
(2) في أ: "قال الإمام رحمة الله عليه"، وفي ش: "قال الإمام رحمه الله تعالى"، وفي خ: "قال الإمام رحمه الله".
(3) في ط: "ذكرها".
(4) في ط وز: "قضى عليه السلام".
(5) أورده الشيرازي في اللمع، وذكر الغماري أنه لم يرد بهذا اللفظ، وإنما ورد بمعناه من حديث الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان.
انظر: تخريج أحاديث اللمع ص 94، وقد سبق تخريج هذا الحديث.
(3/133)

مذهب الأكثرين: أنه غير عام (1) كما قاله (2) الإمام فخر الدين (3).
وذهب الأقلون: إلى أنه عام (4) وهو: الصحيح.
وإنما قال فخر الدين: لا عموم له، وإن كان لفظ الراوي صيغة عامة؛ إذ لفظه مفرد معرف باللام، لأجل الاحتمال (5) [لأنه يحتمل] (6) أنه عليه السلام نهى عن غرر مخصوص، وقضى بالشفعة لجار مخصوص، وحكم بالشاهد واليمين في شيء مخصوص.
ويحتمل: أن يكون الراوي سمع صيغة خاصة فتوهم أنها عامة، فإذا وقع الاحتمال في الدليل سقط الاستدلال له.
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 188، 189، شرح التنقيح للمسطاسي ص 103، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد 2/ 119.
المحصول ج 1 ق 2/ 647، المستصفى 2/ 66، البرهان 1/ 348، جمع الجوامع 2/ 35، 36، نهاية السول 2/ 366، 367، شرح الكوكب المنير 3/ 231، مختصر البعلي ص 113، نزهة الخاطر العاطر على روضة الناظر 2/ 145، 146، فواتح الرحموت 1/ 294.
(2) في ز: "قال".
(3) انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 647.
(4) اختار هذا القول الآمدي، وابن الحاجب، وابن الهمام، والشوكاني، وابن قدامة، والفتوحي، والبعلي وغيرهم.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 255، مختصر ابن الحاجب 2/ 119، إرشاد الفحول ص 125، شرح الكوكب المنير 3/ 231، مختصر البعلي ص 113، روضة الناظر وشرحها، نزهة الخاطر العاطر 3/ 145، 146، تيسير التحرير 1/ 249.
(5) يقول الإمام فخر الدين: فأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قضيت بالشفعة للجار" وقول الراوي: إنه - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشفعة للجار، فالاحتمال فيها قائم ولكن جانب العموم أرجح".
انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 647.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3/134)

فلا يستدل على هذا بقول الراوي: [نهى عليه السلام عن بيع الغرر، على منع كل بيع فيه غرر، يسير أو كثير (1)، ولا يستدل على هذا بقول الراوي] (2): قضى عليه السلام بالشفعة (3) للجار (4)، على ثبوت الشفعة لكل جار شريك، أو غير شريك.
ولا يستدل على هذا بقول الراوي: حكم عليه السلام بالشاهد واليمين، [على ثبوت الحكم بالشاهد واليمين] (5) في جميع الحقوق من الأموال، والدماء، والبضع وغيرها.
وحجة القائلين بالعموم: أن الراوي عدل عارف بالعربية، فالظاهر: أنه لم ينقل صيغة العموم إلا وقد سمع صيغة لا يشك في عمومها، أو يغلب
__________
(1) في ط: "الغر يسيرًا أو كثيرًا".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(3) في ط: "قضى عليه السلام على ثبوت الشفعة للجار".
(4) أخرجه النسائي عن جابر قال: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة والجوار" كتاب البيوع، في ذكر الشفعة، وأحكامها (7/ 321).
وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه بلفظ: "الجار أحق بشفعة جاره".
وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ: "جار الدار أحق بالدار" وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
انظر: مسند الإمام أحمد 2/ 353، 5/ 17، 22، سنن أبي داود، رقم الحديث العام 3517، 3518، كتاب البيوع، باب في الشفعة 3/ 286، سنن ابن ماجه رقم الحديث العام 2494، كتاب الشفعة، باب الشفعة بالجوار (2/ 833)، سنن الترمذي رقم الحديث العام 1361، كتاب الأحكام، باب ما جاء في الشفعة (3/ 650).
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/135)

على ظنه عمومها، فإذا ظن صدق الراوي فيما ينقله (1) عن النبي عليه السلام وجب اتباعه بالاتفاق (2).
قوله: (لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية).
ش: هذه (3) حجة القائلين بعدم العموم، معناه: وإنما قلنا: لا عموم له أي: لا عموم لقول الراوي؛ لأنه لم (4) ينقل كلام (5) النبي عليه السلام، والحجة الشرعية (6): إنما تكون في الكلام المحكي، وهو كلام النبي عليه السلام، ولا تكون الحجة في الحكاية (7) وهي (8) كلام الراوي إلا إذا طابق كلام الراوي كلام النبي عليه السلام، ولكن المطابقة بينهما غير معلومة للاحتمال المذكور (9).
__________
(1) في ز: "نقله"، وفي ط: "فما نقله".
(2) انظر حجة القائلين بالعموم في: الإحكام للآمدي 2/ 255، مختصر ابن الحاجب 2/ 119، تيسير التحرير 1/ 249، إرشاد الفحول ص 125، شرح الكوكب المنير 3/ 231.
(3) في ط وز: "هذا".
(4) في ز: "لا".
(5) في ط: "في كلام".
(6) في ز: "المشروعية".
(7) "في الحكاية" ساقطة من ط.
(8) في ز: "وهو"، وفي ط: "وفي هي".
(9) انظر: أدلة الجمهور في عدم العموم في: العضد على ابن الحاجب 2/ 119، المحصول ج 1 ق 2/ 642، المستصفى 2/ 66، 67، المحلي على جمع الجوامع 3/ 232، الإحكام للآمدي 2/ 255، إرشاد الفحول ص 125، شرح الكوكب المنير 3/ 232، تيسير التحرير 1/ 249، فواتح الرحموت 1/ 294.
(3/136)

قوله: (لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية).
قد استشكله المؤلف في الشرح، فقال: هذا الموضع مشكل؛ لأن العلماء اختلفوا في نقل الحديث بالمعنى، فإن منعناه: امتنع هذا الفصل؛ لأن قول الراوي: نهى عليه السلام، أو قضى أو حكم، ليس بلفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
[وإن قلنا: يجوز نقل الحديث بالمعنى، فمن شرطه ألا يزيد (1) لفظ الراوي في (2) معناه على لفظه عليه السلام] (3)، وألا ينقص وألا يكون أجلى منه ولا أخفى منه (4).
كما قرره المؤلف في الباب السادس عشر في الخبر في الفصل العاشر منه في قوله: ونقل الخبر بالمعنى عند أبي الحسين، والشافعي، وأبي حنيفة جائز؛ خلافًا لابن سيرين، وبعض المحدثين بثلاثة شروط:
ألا تزيد الترجمة.
ولا تنقص.
وألا تكون (5) أخفى.
لأن المقصود (6) إنما هو إيصال المعاني فلا يضر فوات غيرها (7).
__________
(1) في ط: "لا يزيد".
(2) في ط: "على".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 189.
(5) في ز: "يكون".
(6) في ط: "المقصد".
(7) هذا نص كلام القرافي في التنقيح.
(3/137)

فإذا روى العدل مع هذه الشروط بصيغة (1) العموم، كقوله: "نهى عليه السلام (2) عن بيع الغرر" مثلًا، تعين (3) أن يكون لفظ (4) المحكي عامًا، وإلا كان ذلك قدحًا في عدالته، حيث روي بصيغة العموم ما ليس عامًا، والمقدر أنه عدل مقبول القول، هذا خلف، فلا يتجه قولنا: الحجة في المحكي لا في الحكاية، بل الحجة في الحكاية؛ لأجل قاعدة الرواية (5) بالمعنى (6).
قوله: (أو قضى بالشفعة أو حكم بالشاهد واليمين).
ذكر المؤلف في الشرح أن تصرفه عليه السلام ها هنا، أعني: تصرفه بالقضاء بالشفعة و (7) بالحكم بالشاهد واليمين، يحتمل هذا التصرف أن يكون من باب التصرف بالقضاء وتنفيذ (8) الحكم بين الخصمين، فيكون معنى: قضى بالشفعة، أي: نفذ (9) الحكم بين الخصمين، كقولك: قضى القاضي بين
__________
= انظر: شرح التنقيح ص 380 - 382.
(1) "الصيغة" ساقطة من ط.
(2) "عليه السلام" لم ترد في ط.
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "بعين".
(4) في ز وط: "اللفظ".
(5) في ط: "رواية الحديث".
(6) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 198.
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) في ز: "وتفيد".
(9) في ز: "عقد".
(3/138)

الخصمين، أي: نفَّذ (1) الحكم بينهما.
ويحتمل أن يكون من باب التصرف بالفتيا والتبليغ (2).
فإذا احتمل واحتمل سقط الاستدلال (3).
فإذا قلنا: المراد به تنفيذ (4) الحكم فلا يصح فيه العموم؛ لأنه (5) عليه السلام لم يقضِ بالشفعة بين الخصمين إلى يوم القيامة، ولا حكم بالشاهد واليمين في جميع الأشياء إلى يوم القيامة.
وإذا قلنا: المراد به الفتيا والتبليغ فيكون عامًا، انظره (6).
وهذا هو سبب الخلاف فيمن اتصل بمال رجل له عليه حق، هل يجوز له أن يأخذ منه حقه بغير إذن قاضٍ، أو لا بد من إذن (7) القاضي؟
والأصل في هذا قوله عليه السلام لهند (8) بنت عتبة، امرأة أبي
__________
(1) في ز: "عقد".
(2) في ز: "والتبلغ، فيكون معنى قضى بالشفعة أمر وإلزام، كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23].
(3) في ط: "الاستدلال به".
(4) في ط: "تفيد".
(5) في ط: "لا أنه".
(6) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 189.
(7) في ط: "أو لا يجوز له إلا بإذن القاضي".
(8) هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية، والدة معاوية بن أبي سفيان، ولما كان فتح مكة أسلم زوجها أبو سفيان، ثم أسلمت هي بعده، وكانت امرأة ذات رأي سديد، شهدت اليرموك، وحرضت على قتال الروم مع زوجها أبي سفيان، وتوفيت هند في خلافة عمر بن الخطاب. =
(3/139)

سفيان (1) حين قالت له (2) عليه السلام: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي (3) ما يكفيني، فقال لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (4).
__________
= انظر: الإصابة 8/ 155، 156، الاستيعاب 4/ 1922، أسد الغابة 5/ 562، 563، الروض الأنف 2/ 277، الطبقات لابن سعد 8/ 235 - 237، خزانة الأدب للبغدادي 1/ 556.
(1) هو أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وُلدَ سنة 57 قبل الهجرة، وهو من سادات قريش ومن دهاة العرب، ومن أهل الشرف والرأي، أسلم بعد فتح مكة سنة 8 للهجرة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، وشهد يوم حنين وأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغنائم، أصيبت عينه يوم الطائف، وشهد اليرموك وأصيبت عينه الأخرى، وسكن في آخر عمره بالمدينة إلى أن توفي سنة 34 ه.
انظر: تهذيب ابن عساكر 6/ 388 - 407، سير أعلام النبلاء للذهبي 2/ 105 - 106.
(2) "له" ساقطة من ط.
(3) في ز: "لا يعطي ولدي".
(4) أخرجه البخاري عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف (3/ 289).
وأخرجه النسائي عن عائشة في كتاب آداب القضاة، في قضاء الحاكم على الغائب إذا عرفه (8/ 246 - 247).
وأخرجه ابن ماجه عن عائشة في كتاب التجارات، باب ما للمرأة من مال زوجها، رقم الحديث العام 2293، (2/ 769).
وأخرجه الدارمي في سننه عن عائشة في كتاب النكاح، باب في وجوب نفقة الرجل على أهله (2/ 159).
(3/140)

فاختلف (1) العلماء في هذا التصرف منه عليه السلام: هل هو من باب القضاء فلا يجوز لمن ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه (2) إلا بقضاء قاضٍ (3)؟ أو هو من باب الفُتيا فيجوز له أن يأخذه بغير علم صاحبه؟
قال ابن الحاجب في كتاب الوديعة: وإذا استودعه من ظلمه بمثلها (4):
فثالثها: الكراهية (5).
ورابعها: الاستحباب (6).
وقال الباجي: والأظهر الإباحة لحديث هند (7).
انظر: القواعد السنية في الفرق السادس والثلاثين بين تصرفه عليه السلام بالقضاء، وبين تصرفه بالفتيا (8).
قوله: ([وكذلك قوله: كان يفعل كذا] (9)، وقيل: يفيده عرفًا).
ش: يعني: أن قول الراوي: "كان عليه السلام يفعل كذا" لا يقتضي العموم (10).
__________
(1) في ز: "واختلف".
(2) في ز: "يأخذ".
(3) وهو المشهور من مذهب مالك. انظر: الفروق 1/ 208.
(4) في ز: "بمثله".
(5) في ز وط: "الكراهة".
(6) في ز: "الإباحة".
(7) هو الحديث السابق.
(8) انظر: الفروق للقرافي 1/ 208.
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من أ.
(10) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 189، 190، التوضيح شرح =
(3/141)

كقول الراوي: "كان عليه السلام يجمع بين الصلاتين في السفر" (1) فلا
__________
= التنقيح لأحمد حلولو ص 64، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 118، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 224، 225، نهاية السول وحاشيته 2/ 361، 363، الإحكام للآمدي 2/ 253، المحصول ج 1 ق 2 ص 648 - 651، اللمع المطبوع مع تخريجه ص 92، 93، شرح الكوكب المنير 3/ 214، 215، مختصر البعلي ص 112، إرشاد الفحول ص 125، تيسير التحرير 1/ 248، فواتح الرحموت 2/ 293.
(1) أخرجه بهذا اللفظ البزار عن أبي هريرة وإسناده ضعيف؛ لأن فيه محمد بن أبان الجعفي وهو ضعيف، ولأبي يعلى عن ابن مسعود مثله ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي.
انظر: كشف الأستار عن زوائد البزار 1/ 331، مجمع الزوائد 2/ 159، تخريج أحاديث اللمع ص 93.
وفي معناه ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء" باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء (1/ 194).
وأخرجه مسلم عن ابن عمر في كتاب الصلاة، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر 2/ 150.
وأخرجه أبو داود عن ابن عمر في كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين 2/ 7.
وأخرجه الترمذي في باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين 2/ 33 رقم الحديث 553، 555.
وأخرجه النسائي عن ابن عمر في كتاب الصلاة، باب الحال التي يجمع فيها بين الصلاتين 1/ 289.
وأخرجه الدارمي في سننه عن عبد الله بن عمر في كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين 1/ 357.
وأخرجه مالك في الموطأ في كتاب قصر الصلاة 1/ 143، رقم الحديث 1، 2.
وأخرجه أبو داود عن معاذ بن جبل في غزوة تبوك بلفظ: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء" (2/ 5).
وأخرجه ابن ماجه عن معاذ بهذا اللفظ في كتاب إقامة الصلاة، باب الجمع بين =
(3/142)

يعم وقتي الصلاتين (1)، وهو محتمل لوقوع الجمع في وقت الأولى، ولوقوعه في وقت الثانية؛ لأن الفعل إنما يدل على وقوع الجمع في أحد الوقتين، ولا يقتضي تعيين الوقت.
هذا (2) معنى قول الأصوليين: الفعل المثبت لا يكون عامًا في أقسامه، وإنما قال بأن (3) "كان" لا تدل على العموم؛ لأنها موضوعة لمطلق وقوع الفعل في الزمان الماضي كسائر الأفعال، وذلك أعم من كون الفعل تكرر بعد ذلك، أو لم يتكرر، انقطع بعد ذلك أو لم ينقطع.
قال أبو موسى الجزولي: فكان لاقتران (4) [مضمون] (5) الجملة بالزمان الماضي (6).
قوله: (وقيل: يفيده (7) عرفًا).
أي: وقال بعضهم: يفيد العموم من جهة العرف والعادة، لا من جهة اللغة؛ لأنه إذا قيل: كان فلان يتهجد (8) بالليل لا يحسن ذلك إلا إذا كان
__________
= الصلاتين في السفر، رقم الحديث العام 1070، (1/ 340).
وأخرجه الدارمي في سننه (1/ 356) عن معاذ بلفظ نحو هذا.
(1) في ز: "الصلاة".
(2) في ط وز: "وهذا".
(3) في ز: "لأن"، وفي ط: "إن".
(4) في ز: "الاقتران".
(5) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(6) انظر: الشرح الصغير لمقدمة الجزولية تحقيق الشيخ ناصر الطريم ص 79.
(7) في ط: "يفيد".
(8) في ط: "يتجهدد".
(3/143)

متكررًا منه، وهذا معنى قوله: وقيل: يفيده عرفًا؛ أي: يفيد العموم عرفًا لا لغة.
ولكن المراد بالعموم ها هنا التكرار، [وإطلاق العموم (1) على التكرر (2) مجاز، فإن الذي يفيده "كان" في العرف هو التكرار في الزمان الماضي، كقولهم: كان حاتم يكرم الضيف، وكقولك (3): كان زيد يفعل كذا، وقولك: كنا نفعل كذا إنما يفيد (4) التكرار ولا يفيد العموم، فإطلاق العموم على التكرار] (5) مجاز، فلو كان يفيد العموم الحقيقي لكان حاتم في قولنا: كان حاتم يكرم الضيف، يكرم جميع أضياف الدنيا، وليس كذلك.
وهذا كله إذا (6) نسب إلى الله تعالى (7) كقوله: {وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} (8)، {وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (9)، {وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (10)، {وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} (11)، فدلت قرينة عقلية (12) أن (13)
__________
(1) المثبت من ز، وفي الأصل: "العمر".
(2) في ز: "التكرار".
(3) في ز: "وقولك".
(4) في ز: "يفيده".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) في ز وط: "كله بخلاف كان إذا".
(7) في ز وط: "تبارك وتعالى".
(8) آية 96 من سورة النساء.
(9) آية 40 من سورة الأحزاب.
(10) وردت هذه الآية في عدة مواضع منها: آية رقم 158، 165 من سورة النساء، آية رقم 7، 19 من سورة الفتح.
(11) آية رقم 147 من سورة النساء.
(12) "عقلية" ساقطة من ط.
(13) في ز: "على أن".
(3/144)

الله تعالى (1) موصوف بذلك دائمًا في الماضي، والحال، والمستقبل؛ لأن هذه الصفات واجبة له تعالى، فما كان واجبًا (2) امتنع عدمه وذلك من دليل العقل لا من لفظ "كان".
قوله: (قال القاضي عبد الوهاب: إِن سائر ليست للعموم فإِن معناها: باقي الشيء لا جملته (3)، وقال صاحب الصحاح وغيره من الأدباء: إِنها بمعنى (4) جملة الشيء، وهي مأخوذة (5) من سور المدينة المحيط بها (6)، لا من (7) السؤر الذي هو البقية، فعلى هذا (8) تكون (9) للعموم، والأول عليه الجمهور والاستعمال (10)).
ش: ذكر المؤلف لفظين (11) في هذه اللفظة وهي سائر.
قيل: هي من صيغ العموم، وهو مذهب صاحب الصحاح (12) - وهو
__________
(1) "تعالى" لم ترد في ط.
(2) في ز: "واجبة لله تعالى جوابًا امتنع".
(3) في ط: "جمته".
(4) في أ: "إنها لمعنى".
(5) في أوز وط: "وهو مأخوذ".
(6) "بها" ساقطة من أوش.
(7) في ط: "لأن".
(8) في ز: "فهذا".
(9) في أوش: "يكون".
(10) في أوش: "وعلى الأول".
(11) في ط: "قولين".
(12) يقول الجوهري في الصحاح (2/ 692): وسائر الناس جميعهم.
وانظر نسبة هذا المذهب للجوهري في: شرح التنقيح للقرافي ص 190، نهاية السول =
(3/145)

إسماعيل بن أحمد صاحب تاج اللغة - وقال به طائفة من الأدباء.
واستدلوا على ذلك: بأنه (1) مأخوذ من السور الذي هو الحائط، فيقتضي هذا الاشتقاق العموم، فكما أن الحائط يعم ما أحاط به، فكذلك هذا اللفظ الذي أخذ منه.
ومن هذا قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ} (2) وهذا السور هو المراد بقوله (3) تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} (4).
فالسور هو: الحجاب (5) ومنه قول الشاعر:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
وأصل السور غير المهموز: الارتفاع، مأخوذة (6) من قولهم: سار يسور سورًا إذا علا وارتفع، يقال لفلان سورة في المجد أي: علو وارتفاع، وسميت سورة القرآن سورة لعلوها وارتفاعها (7).
ومنه قول النابغة:
__________
= 2/ 323، شرح الكوكب المنير 3/ 159، مختصر البعلي ص 109، كشف الأسرار 1/ 110.
(1) في ط: "أنه".
(2) آية رقم 13 من سورة الحديد.
(3) في ط وز: "المراد بالحجاب في قوله".
(4) آية رقم 46 من سورة الأعراف.
(5) في ط وز: "حجاب في سورة الأعراف".
(6) في ط وز: "مأخوذ".
(7) انظر: لسان العرب مادة (سور).
(3/146)

ألم تر أنَّ الله أعطاك سورة ... ترى كلَّ ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعتْ لم يبدُ منهن كوكب (1)
وقيل: ليس (2) من صيغ العموم، وهو مذهب القاضي عبد الوهاب وجمهور الأصوليين (3).
والدليل على ذلك (4) قوله عليه السلام لغيلان: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" أي: باقيهن.
وقوله عليه السلام: "إذا أكلتم (5) فاستفضلوا" (6) و"إذا شربتم فاستسئروا" (7) أي: إذا شربتم فأبقوا بقية من الشراب في الإناء.
__________
(1) هذان البيتان من قصيدة للنابغة الذبياني يعتذر فيها للنعمان بن المنذر ويمدحه ومطلع القصيدة:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب
انظر: ديوان النابغة ص 17، 18، والمصون لأبي أحمد العسكري ص 154.
(2) "ليس" ساقطة من ز.
(3) انظر نسبة هذا القول للقاضي عبد الوهاب وجمهور الأصوليين في: شرح التنقيح للقرافي ص 190، شرح الكوكب المنير 3/ 158، مختصر البعلي ص 109.
واختار هذا القول الإسنوي في نهاية السول 2/ 323.
(4) "على ذلك" ساقطة من ز.
(5) في ط: "إذا أكلتم".
(6) لم أجده في كتب الحديث المسندة.
وذكره ابن الديبع في تمييز الطيب من الخبيث، رقم الحديث 65 (ص 19)، وذكره العجلوني في كشف الخفاء حديث رقم (205) (1/ 85 - 86) وذكره القاري في الأسرار المرفوعة حديث رقم (22) ص 88.
(7) لم أجده في كتب الحديث المسندة، وذكره القاري حيث قال: حديث: "إذا أكلتم =
(3/147)

ومنه قول ابن دريد في المقصورة:
حاش لما (1) أسأره (2) في الحجا ... والحلم أن اتبع رواد الخَنَا (3)
أي: أبقاه الحجا والحلم في، والحجا هو: العقل، والخنا هو: الفحش من الكلام، والرواد جمع رائد، والرائد هو: المتقدم أمام القوم (4).
ومنه أيضًا ما أنشده سيبويه رحمه الله تعالى (5):
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره بادٍ إلى الشمس أجمع (6)
قوله: وسائره أي: باقيه (7).
__________
= فأفضلوا" يوافقه حديث: "لا خير في طعام ولا شراب ليس له سؤرٌ" وحديث: "إذا شربتم فاسئروا" ذكرهما عياض، وابن الأثير الثاني.
انظر: الأسرار المرفوعة حديث رقم (22) ص 88، ونقل العجلوني كلام القاري هذا، انظر: كشف الخفاء، حديث رقم (205) ص 85، 86.
(1) "لما" ساقطة من ط.
(2) في ز: "بما استأسره".
(3) انظر: شرح مقصورة ابن دريد للخطيب التبريزي رقم البيت (252) ص 222.
(4) انظر شرح هذه الألفاظ في المصدر السابق.
(5) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(6) هذا البيت من شواهد سيبويه ولم أجد قائله.
والشاهد فيه: إضافة مدخل إلى الظل، ونصب الرأس به على الاتساع، وكان الوجه أن يقول: مدخل رأسه الظل؛ لأن الرأس هو الداخل في الظل، والظل المدخَل فيه.
انظر: الكتاب وحاشيته 1/ 56، 57، الدرر اللوامع 2/ 156، أمالي المرتضي 1/ 216.
(7) في ط: "أي وباقيه".
(3/148)

وقوله: مدخل الظل رأسه: هذا من باب قلب الكلام، وهو من فصيح الكلام (1)، تقديره (2): مدخل رأسه الظل، كما يقال: أدخلت الخاتم في أصبعي، وأدخلت القلنسوة رأسي (3)، وأدخلت الخف رجلي (4).
ومنه قوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} (5) أي: قد (6) بلغت الكبر.
ومنه قوله عليه السلام: "زينوا القرآن بأصواتكم" (7) أي: زينوا أصواتكم بالقرآن.
__________
(1) في ط وز: "المقال".
(2) في ط: "تقدير".
(3) في ز وط: "في رأسي".
(4) في ز: "في رجلي"، وفي ط: "في رجلي فإن تقدير جميع ذلك أدخلت أصبعي في الخاتم وأدخلت رجلي في الخف ومنه ... " إلخ.
(5) آية رقم 40 من سورة آل عمران.
(6) في ط وز: "أي وقد".
(7) هذا الحديث جعله البخاري عنوانًا فقال: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الماهر بالقرآن مع الكرام البررة، وزينوا القرآن بأصواتكم".
ثم أورد هذا الحديث: عن أبي هريرة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به".
انظر: صحيح البخاري كتاب التوحيد (4/ 308).
وأخرجه أبو داود عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "زينوا القرآن بأصواتكم" رقم الحديث العام 1468 كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة (2/ 74).
وأخرجه النسائي عن البراء بهذا اللفظ في كتاب الافتتاح، تزيين القرآن بالصوت 2/ 179.
وأخرجه ابن ماجه عن البراء بهذا اللفظ في كتاب الإقامة، باب في حسن الصوت بالقرآن رقم الحديث العام 1342، (1/ 426).
وأخرجه الدارمي في سننه عن البراء بهذا اللفظ في كتاب فضائل القرآن، باب التغني بالقرآن (2/ 474).
(3/149)

ومنه قول العرب: إذا طلعت الشعرى (1) استوى العود على الحرباء؛ أي إذا طلعت الشعرى استوى الحرباء على العود.
وقال صاحب درة الغواص: استعمال سائر بمعنى الجميع من لحن الخواص، وإنما هو في كلام العرب بمعنى الباقي.
واختلف هل يستعمل في الباقي مطلقًا (2) قلّ أو كثر؟ قولان:
قيل (3): لا يستمعل إلا في الباقي القليل.
فالصحيح (4) أنه يستعمل في الباقي مطلقًا لا فرق بين الباقي القليل، والباقي الكثير.
بدليل: إجماع أهل اللغة على معنى قوله عليه السلام: "إذا شربتم فاستسئروا" أي: أبقوا في الإناء بقية ماء.
ويدل عليه أيضًا قوله عليه السلام في حديث غيلان: "وفارق سائرهن"؛ لأن الباقي أكثر من الأربع.
ويدل عليه أيضًا (5) بيت سيبويه المتقدم وهو قوله:
............................ وسائره باد إلى الشمس أجمع
__________
(1) في لسان العرب: الشعرى كوكب نير يقال له: المرزم، يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، تقول العرب: إذا طلعت الشعرى جعل صاحب النحل يرى.
انظر: اللسان مادة (شعر).
(2) "مطلقًا" ساقطة من ز.
(3) "قيل" ساقطة من ط.
(4) في ز وط: "والصحيح".
(5) "أيضًا" ساقطة من ز.
(3/150)

لأن الباقي من الثور أكثر من رأسه.
وهذا كله يقتضي: أن سائر يستعمل في كل باقٍ كان (1) قليلًا أو كثيرًا.
انظر: درة الغواص (2).
قوله: (وقال (3) الجبائي: الجمع المنكَّر للعموم، خلافًا للجميع في حملهم له (4) على أقل الجمع).
ش: ذكر قولين في الجمع المنكر:
مذهب الجمهور: أنه لا يقتضي العموم.
ومذهب الجبائي، ومن معه: أنه يقتضي العموم (5).
قوله: (الجمع) احترازًا من المفرد معرفًا ومنكرًا (6).
__________
(1) "كان" ساقطة من ط.
(2) انظر: درة الغواص للقاسم الحريري ص 4، 5 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
(3) "وقال" ساقطة من ط.
(4) "له" ساقطة من أ.
(5) انظر مذهب الجمهور ومذهب الجبائي ومن وافقه في الجمع المنكر في: شرح التنقيح للقرافي ص 191، شرح التنقيح للمسطاسي ص 104، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 164، 165، مختصر ابن الحاجب 2/ 104، المحصول ج 1 ق 2/ 614، المعتمد 1/ 229، 230، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 418، 419، البرهان 1/ 336، نهاية السول 2/ 347 - 349، شرح الكوكب المنير 3/ 142، 143، العدة لأبي يعلى 2/ 523، مختصر البعلي ص 108، القواعد والفوائد الأصولية ص 238، المسودة ص 106، التمهيد 2/ 50 - 52، إرشاد الفحول ص 123، تيسير التحرير 1/ 205، فواتح الرحموت 1/ 268.
(6) في ز: "أو منكرًا".
(3/151)

وقوله: (المنكر) احترازًا من الجمع المعرَّف؛ وذلك أن ها هنا أربعة أشياء: المفرد المعرف، والمفرد المنكر، فالمعرف يقتضي العموم دون المنكر، كما أشار إليه المؤلف بقوله أولًا: والمعرف باللام مفردًا، والثالث والرابع: الجمع المعرف، والجمع المنكر.
أما الجمع المعرف: فهو الذي يفيد العموم، كما أشار إليه المؤلف أيضًا بقوله (1): (والمعرف باللام جمعًا).
وأما الجمع المنكر: هو (2) الذي (3) تكلم عليه ها هنا:
ذكر (4) أن المشهور فيه عند الأصوليين أنه لا يفيد العموم.
وقال الجبائي وجماعة (5): يفيد العموم.
مثاله: قولك: أكرم رجالا (6) فلا يفيد العموم على مذهب الجماعة، فإذا أكرم ثلاثة رجال فقد خرج عن عهدة التكليف.
وقال الجبائي: لا بد أن يكون جميع الرجال.
ودليل الجمهور: أنه نكرة في سياق الإثبات فلا يعم حتى تدخل عليه أداة التعريف، وهي اللام أو الإضافة (7).
__________
(1) في ط: "أولًا بقوله".
(2) في"ط" و"ز": "فهو".
(3) "الذي" ساقطة من ط.
(4) في ط وز: "وذكر".
(5) في ز: "وجماعته".
(6) في ز: "رجلًا".
(7) في ز: "والإضافة".
(3/152)

ودليل آخر: اتفاق العلماء على باب الإقرار، وباب النذر، وباب الوصية، وباب الصدقة: بأنه (1) إذا أقر بدراهم، أو نذر (2) دراهم، أو أوصى بدراهم، أو تصدق بدراهم، فلا يلزمه إلا أقل الجمع في جميع هذه الأبواب، وهو: ثلاثة دراهم، ولا يعم أكثر من ذلك.
ودليل آخر: حمل الجمع المنكر على المفرد المنكر، فكما أن رجلًا حقيقة في كل فرد من أفراد الرجال على طريق البدل، كذلك رجال حقيقة في كل جمع من أفراد الجموع على طريق البدل، فهو: للقدر المشترك بين الجموع.
ودليل آخر: أنه لو استغرق الجمع (3) لم يكن نكرة والمقدر (4) أنه نكرة، فهذا (5) خُلف.
وحجة الجبائي: أن حمله على العموم حمل له على جميع حقائقه، فيكون أولى؛ لأن حمل اللفظ على جميع حقائقه أولى من حمله على بعض حقائقه (6).
وأجيب عن هذا: بأن حقيقته واحدة، وهي القدر المشترك بين الجموع (7) كزيد وعمرو، فهي محل حقيقته لا أنها حقائقه، فقوله: جميع حقائقه، كلام
__________
(1) في ز: "فإنه".
(2) في ز: "أو أنذر".
(3) في ط وز: "الجنس".
(4) في ز: "والمقصود".
(5) في ط: "وهذا".
(6) انظر دليل الجبائي في: شرح التنقيح للقرافي ص 191، شرح التنقيح للمسطاسي ص 104، المحصول ج 1 ق 2 ص 615، نهاية السول 2/ 348.
(7) في ط وز: "الجموع وأما أفراد الجموع كزيد".
(3/153)

باطل (1).
وأيضًا: يلزمه أن يحمل رجلًا على جميع أفراد الرجال ولا قائل به.
قوله: (والجمع المنكَّر للعموم ...) (2) المسألة، المراد بهذا الجمع هو: جمع الكثرة، وأما جمع القلة فلا يتصور فيه الخلاف؛ لأنه ظاهر في العشرة فما دونها فلا عموم له (3).
قوله: (والعطف على العام لا (4) يقتضي العموم، نحو قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يتَرَبَّصْنَ بِأَنفسِهِنَّ ثَلاثَةَ قرُوءٍ} (5)، ثم قال: {وَبُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (6) فهذا الضمير لا يلزم أن يكون [عامًا في جميع (7) ما تقدم؛ لأن العطف مقتضاه التشريك في الحكم الذي سيق الكلام لأجله فقط).
ش: ومعنى هذه المسألة: أنه إذا عطف] (8) خاص (9) على عام (10) فلا
__________
(1) انظر هذا الجواب في: شرح التنقيح للقرافي ص 191، شرح التنقيح للمسطاسي ص 104.
(2) في أوخ وش: "وقال الجبائي: الجمع المنكر للعموم خلافًا للجميع في حملهم له على أقل الجمع".
(3) "فلا عموم له" ساقطة من ط.
(4) "لا" ساقطة من ط.
(5) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(6) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(7) في أوخ وش: "في جملة".
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(9) في ط: "على خاص".
(10) في ط: "عدم".
(3/154)

يحكم بعموم المعطوف عليه على المعطوف (1)، تقديره: وعطف الخاص على العام لا يقتضي عموم ذلك الخاص حملًا له (2) على ذلك العام.
نحو قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (3)، ثم قال بعد ذلك: {وَبعُولَتهُنَّ أَحَقّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (4).
فالمعطوف عليه هو قوله (5): {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (6) فهو (7) عام؛ لأنه جمع معرف بلام التعريف (8)، فهو عام للبائنات، والرجعيات؛ لأن الجميع يؤمرن بالتربص ثلاثة قروء.
وقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (9).
__________
(1) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 191، شرح التنقيح للمسطاسي ص 104، الإحكام للآمدي 2/ 258، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 224، المحصول ج 1 ق 2 ص 633، 634، المستصفى 2/ 70، 71، شرح الكوكب المنير 3/ 259، مختصر البعلي ص 124، تيسير 1/ 320.
وهذه المسألة فرع عن مسألة أخرى سيأتي تفصيل المؤلف لها في الفصل الرابع من هذا الباب عند شرح قول القرافي في التنقيح: وعطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيصه خلافًا للحنفية.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 222.
(2) "له" ساقطة من ز.
(3) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(4) "بعد ذلك" ساقطة من ز.
(5) في ط: "قوله تعالى".
(6) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(7) في ز: "فهذا".
(8) في ط: "بالألف واللام فهو".
(9) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(3/155)

فهذا (1) الضمير المذكور في المعطوف هو خاص بالرجعيات دون البائنات؛ إذ لا رجعة في البائنات.
قوله: (لأن العطف مقتضاه التشريك في الحكم الذي سيق الكلام لأجله فقط).
ش: هذا (2) توجيه عدم العموم، بيانه (3): أنه لا يلزم التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، إلا في الحكم الذي سيق الكلام لأجله، والحكم الذي سيق الكلام لأجله ها هنا هو: الأمر بالتربص (4)، ولا يلزم الاشتراك بين المتعاطفين في غير ذلك من عوارض الكلام من (5) عموم وخصوص وظروف وأحوال وغير ذلك.
فإذا قلت: أكرمت زيدًا أو عمرًا (6) وقع الاشتراك بين المتعاطفين في الإكرم.
وإذا قلت: أكرمت زيدًا في الدار وعمرًا، فلا يلزم الاشتراك إلا في الإكرام دون مكانه الذي هو الدار.
وإذا (7) قلت: أكرمت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا، فلا يلزم الاشتراك إلا في
__________
(1) في ز: "فهو".
(2) في ز: "هذه".
(3) في ز: "وبيانه".
(4) في ز: "هو التربص".
(5) في ط: "ومن"
(6) في ط: "وعمرًا".
(7) في ز: "فإذا".
(3/156)

الإكرام، وإذا قلت: أكرمت زيدًا قائمًا وعمرًا، فلا يلزم الاشتراك إلا في الإكرام، ولا يلزم الاشتراك في حال الإكرام، وهو: القيام، فإنه يقتضي إكرام عمرو سواء كان قائمًا أو قاعدًا، بخلاف زيد فإنه يقتضي إكرامه في حال قيامه خاصة دون غيره (1).
قال الباجي في الفصول: قد يرد (2) أول اللفظ عامًا وآخره خاصًا، وقد يرد (3) أوله خاصًا وآخره عامًا، [ويحمل] (4) كل واحد منهما على ما يقتضيه لفظه من خصوص أو عموم (5). انتهى نصه (6).
فهاتان مسألتان:
إحداهما: أن يكون الأول عامًا، والثاني خاصًا.
والثانية: عكسها، وهو: أن يكون الأول خاصًا، والثاني عامًا.
تكلم المؤلف ها هنا على إحدى المسألتين، وهو (7) كون الأول عامًا والثاني خاصًا، فذكر أنه لا يحكم بحكم الأول على الثاني.
وتكلم في الفصل الرابع على أنه لا يحكم بحكم الثاني على الأول في قوله: "والضمير الخاص [لا يخصص] (8) عموم ظاهره، كقوله تعالى:
__________
(1) في ط وز: "قعوده".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يراد".
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يراد"
(4) في الأصل و"ز" و"ط" "ويحتمل" والمثبت من إحكام الفصول وهو الصواب.
(5) في ز: "لفظه من عموم أوخصوص".
(6) انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي (1/ 165) تحقيق عمران العربي.
(7) في ط: "وهي".
(8) المثبت من "ز" و"ط" وفي الأصل "يخصص".
(3/157)

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} (1) هذا عام، ثم قال: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِردِّهِنَّ} (2) فهذا (3) خاص بالرجعيات، نقله الباجي منا خلافًا للشافعي والمزني" (4) (5)، وسيأتي بيانه هنالك (6) إن شاء الله تعالى (7).
قوله: (وقال الغزالي: المفهوم لا عموم له، قال الإِمام: إِن عنى به (8) أنه لا يسمى عامًا لفظيًا فقريب (9)، وإِن عنى به أنه (10) لا يفيد عموم
__________
(1) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(2) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(3) في ط وز: "وهذا".
(4) في ز: "والمازني" والمزني هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو ابن إسحاق المزني، نسبة إلى مزينة من مضر، ولد سنة خمس وسبعين ومائة (175 ه)، صاحب الإمام الشافعي وحدث عنه، وكان زاهدًا عالمًا مجتهدًا ثقة، وهو إمام الشافعيين وأعرفهم بطرقه وفتاويه، ولم يتقدم عليه أحد من أصحاب الشافعي، روى عنه أبو بكر بن خزيمة والطحاوي، توفي رحمه الله سنة أربع وستين ومائتين (264 ه) بمصر. من مصنفاته: "المسائل المعتبرة"، "الوثائق"، "المنثور"، "الترغيب في العلم".
انظر: طبقات الشافعية للسبكي، تحقيق: الحلو والطحان 2/ 93 - 109، طبقات الشافعية للشيرازي ص 79، وفيات الأعيان 1/ 217، مرآة الجنان 2/ 177 - 179، النجوم الزاهرة 3/ 39، شذرات الذهب 2/ 148.
(5) هذا نص كلام القرافي في التنقيح، انظر: شرح التنقيح ص 218، 219.
(6) في ط وز: "هناك"، وانظر (3/ 340 - 343) من هذا الكتاب.
(7) "تعالى" لم ترد في ط.
(8) "به" ساقطة من أوش.
(9) في ط: "وقريب".
(10) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "عنى أنه".
(3/158)

انتفاء الحكم فدليل كون المفهوم حجة ينفيه (1)).
ش: المراد بالمفهوم ها هنا هو (2): مفهوم المخالفة، ذكر المؤلف في الباب الأول في الفصل الثامن في التخصيص: أن المفهوم يقتضي العموم في قوله [في حقيقة التخصيص: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ العام أو ما يقوم مقامه (3).
فقوله: أو ما] (4) يقوم مقامه، المراد (5) به: المفهوم (6).
وذكر ها هنا أن الغزالي - وهو (7) محمد بن محمد الطوسي -: [قال] (8) إن المفهوم لا عموم له (9).
__________
(1) المثبت من أوخ وش وز وط، وفي الأصل: "لنفيه".
(2) "هو" ساقطة من ط.
(3) هذا نص كلام القرافي في التنقيح، انظر: شرح التنقيح ص 51، وانظر (1/ 461 - 464) من هذا الكتاب.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) في ط وز: "أراد".
(6) انظر تفصيل هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي (ص 191)، مختصر ابن الحاجب (2/ 119 - 120)، الإحكام للآمدي (2/ 257)، شرح المحلي على جمع الجوامع (1/ 416)، المحصول ج 1 ق 2 (ص 654 - 655)، تيسير التحرير (3/ 260)، فواتح الرحموت 1/ 297.
(7) "هو" ساقطة من ط.
(8) المثبت لم يرد في الأصل و"ز" و"ط" وإثباته يقتضيه السياق.
(9) انظر: المستصفى (2/ 70).
ووافق الغزالي في أن المفهوم لا عموم له: شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عقيل والبعلي.
انظر: المسودة ص 143، 144، مختصر البعلي ص 113، القواعد والفوائد الأصولية ص 237.
(3/159)

وهذا الخلاف إنما هو لفظي لا معنوي؛ إذ الخلاف في التسمية خاصة دون المعنى؛ وذلك أن الغزالي إنما قال: لا عموم له أي: لا يسمى عامًا؛ لأنه من قبيل المسكوت عنه، والعموم من قبيل (1) الملفوظ به (2).
بيَّن الإمام فخر الدين هذا فقال: إن عنى الغزالي بقوله: لا عموم للمفهوم (3): أنه لا يسمَّى عامًا (4) لفظيًا، وإنما هو عام معنوي، فذلك قريب، أي: فذلك ممكن أن يريده، أي: فقريب مكانه.
وإن عنى الغزالي بقوله: لا عموم للمفهوم: أنه لا يفيد عموم عدم الحكم في المسكوت عنه، فالقول بكون المفهوم حجة (5) يكذِّب ما قاله الغزالي من عدم إفادة المفهوم للعموم، فإن الغزالي رحمه الله ممن قال (6) بأن المفهوم حجة؛ لأنه قال بمفهوم (7) النفي في المسكوت (8) عنه، فقول الغزالي: المفهوم لا عموم (9) له، يعني: من حيث اللفظ لا من حيث المعنى؛ ليكون (10) ذلك موافقًا لمذهبه؛ لأنه يقول بمفهوم المخالفة (11).
__________
(1) في ط: "قبل".
(2) "به" ساقطة من ز.
(3) في ط: "المفهوم".
(4) "عامًا" ساقطة من ط.
(5) في ط: "يكون حجة".
(6) في ط وز: "من القائلين".
(7) في ط: "لأنه يقول بمفهوم"، وفي ز: "لأنه يقول بعموم".
(8) في ط: "السكوت".
(9) "لا عموم" ساقطة من ط.
(10) في ز: "فيكون".
(11) ذكر المؤلف كلام الرازي بمعناه.
انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 654، 655.
(3/160)

قوله: (وخالف القاضي أبو بكر في جميع هذه الصيغ، وقال بالوقف مع الواقفية، وقال أكثر الواقفية: إِن الصيغ مشترك (1) بين العموم والخصوص، وقيل: يحمل على أقل الجمع، وخالف أبو هاشم مع الواقفية في الجمع المعرف باللام، وخالف الإِمام فخر الدين مع الواقفية في المفرد (2) المعرف باللام (3)).
ش: اختلف العلماء في العموم هل له صيغة تخصه في لسان العرب أم لا؟
فقالت المرجئة (4): لا صيغة للعموم في لسان العرب (5).
وقال جمهور العلماء: له صيغة تخصه (6).
__________
(1) في أوز وش وط: "مشتركة".
(2) المثبت من أوخ وز وش، وفي الأصل: "الفرد".
(3) في أ: "وخالف الإمام في المفرد المعرف باللام"، وفي خ: "وخالف الإمام فخر الدين في المفرد المعرف باللام".
(4) الإرجاء إما مأخوذ من التأخير أو الرجاء، والمرجئة اثنتا عشرة فرقة، من مقالاتهم: أنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، ومعظمهم لا يدخل العمل في الإيمان، والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة.
انظر: الفرق بين الفرق ص 202، الملل والنحل للشهرستاني 1/ 186.
(5) انظر: الإحكام في أصول الأحكام 2/ 200، اللمع مع تخريجه ص 91، التمهيد 2/ 6، الوصول إلى الأصول لابن برهان 2/ 207، شرح الكوكب المنير 3/ 109، المسودة ص 89، إرشاد الفحول ص 115.
(6) انظر تفصيل هذا القول وأدلته في: شرح التنقيح للقرافي ص 194، شرح التنقيح للمسطاسي ص 105، إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي 1/ 137 - 143، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 102، 103، الإحكام =
(3/161)

وهو القول الذي صدر به المؤلف في أول الفصل في قوله: (الفصل الأول (1) في أدوات العموم وهي نحو من عشرين صيغة (2))، فأثبت المؤلف بذلك (3) للعموم صيغة تخصه كما قال الجمهور.
القول الثالث: بالوقف، وهو قول القاضي أبي بكر مع الواقفية (4).
وإليه أشار المؤلف بقوله ها هنا: (وخالف القاضي أبو بكر في جميع هذه الصيغ وقال بالوقف مع الواقفية) (5) والمراد بقوله: هذه الصيغ: جميع
__________
= للآمدي 2/ 200 - 203، المعتمد 1/ 195 - 201، المستصفى 2/ 38 - 44، شرح الكوكب المنير 3/ 110، 111، العدة 2/ 485، مختصر البعلي ص 106، التمهيد 2/ 7 - 13، القواعد والفوائد الأصولية ص 194، المسودة ص 89، 100، الوصول إلى الأصول لابن برهان 1/ 210، 211 تيسير التحرير 1/ 195، 229، فواتح الرحموت 1/ 260.
(1) "الأول" ساقطة من ز.
(2) انظر (3/ 61 - 62) من هذا الكتاب.
(3) في ز: "فأثبت بذلك المؤلف"، وفي ط: "فأثبت المؤلف لذلك العموم".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 192، مختصر ابن الحاجب 2/ 102، المحصول ج 1 ق 2 ص 523، البرهان 1/ 322، الإحكام للآمدي 2/ 200، جمع الجوامع 1/ 410، شرح الكوكب المنير 3/ 109، مختصر البعلي ص 106، القواعد والفوائد الأصولية ص 194، المسودة ص 89، تيسير التحرير 1/ 197، فواتح الرحموت 1/ 260.
(5) ومن الواقفية من فصل بين الأخبار والوعد والوعيد والأمر والنهي، فقال بالوقف في الأخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنهي.
حجتهم: أن الأمر تكليف فلو لم يعرف المراد به لاقتضى تكلُّف ما لا يطاق، وليس كذلك الخبر، والوعد، والوعيد.
والجواب: أن من الأخبار العامة ما كلفنا بمعرفتها، وكذلك عمومات الوعد والوعيد فإنا مكلفون بمعرفتها؛ لأن بذلك يتحقق الانزجار عن المعاصي، ومع التساوي في =
(3/162)

[الصيغ] (1) المفيدة للعموم المذكور في هذا الفصل من أوله إلى ها هنا.
القول الرابع: بالاشتراك بين العموم والخصوص (2)
وإليه أشار المؤلف بقوله: (وقال أكثر الواقفية: إِن الصيغ مشترك بين العموم والخصوص).
القول الخامس: أن صيغة العموم تحمل على الخصوص (3).
وإليه أشار المؤلف (4) بقوله: (وقيل: يحمل على أقل الجمع).
القول السادس: الوقف في الجمع المعرف باللام خاصة (5).
__________
= التكليف فلا معنى للوقوف.
انظر تفصيل الكلام عن هذا القول في: الإحكام للآمدي 2/ 201، 221، العدة لأبي يعلى 2/ 512، التمهيد 2/ 7، فواتح الرحموت 1/ 260.
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 192، 193، مختصر ابن الحاجب 2/ 104، الحصول ج 1 ق 2 ص 523، البرهان 1/ 322، الإحكام للآمدي 2/ 200، جمع الجوامع 1/ 410، شرح الكوكب المنير 3/ 109، مختصر البعلي ص 106، القواعد والفوائد الأصولية ص 194، المسودة ص 89، تيسير التحرير 1/ 197، 229، فواتح الرحموت 1/ 260، أصول السرخسي 1/ 132.
(3) في ط: "أنه يحمل على أقل الجمع".
وانظر تفصيل هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 193، مختصر ابن الحاجب 2/ 103، المستصفى 2/ 36، 45، البرهان 1/ 321، شرح الكوكب المنير 3/ 109، التمهيد 2/ 7، فواتح الرحموت 1/ 260.
(4) "المؤلف" ساقطة من ط.
(5) انظر هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 193، شرح التنقيح للمسطاسي ص 106، المحصول ج 1 ق 2 ص 584 - 594، المستصفى 2/ 37، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 410، البرهان 1/ 323، شرح الكوكب المنير 3/ 129، =
(3/163)

[وإليه أشار المؤلف (1) بقوله: وخالف أبو هاشم مع الواقفية في الجمع المعرف باللام (2)
القول السابع: الوقف في المفرد المعرف باللام (3)] (4).
وإليه أشار المؤلف بقوله: (وخالف الإِمام فخر الدين (5) في المفرد المعرف باللام).
فتلخص مما (6) ذكرنا سبعة أقوال.
أما حجة القول الذي عليه الجمهور وهو كون العموم له صيغة تخصه فقد
__________
= 130، العدة 2/ 484، التمهيد 2/ 45 - 49، مختصر البعلي ص 107، روضة الناظر مع نزهة الخاطر العاطر 2/ 132، 135، 136، تيسير التحرير 1/ 210، فواتح الرحموت 1/ 26، ميزان الأصول ص 264، أصول السرخسي 1/ 151، إرشاد الفحول ص 119.
(1) "المؤلف" ساقطة من ط.
(2) انظر نسبة هذا القول لأبي هاشم في: شرح التنقيح للقرافي ص 193، والمحصول ج 1 ق 2 ص 584، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 410، التمهيد 2/ 45، ميزان الأصول ص 264.
(3) نسبه أبو يعلى للجرجاني ونسبه الرازي للفقهاء والمبرد.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 193، المحصول ج 1 ق 2/ 599 - 605، جمع الجوامع 1/ 412، المستصفى 2/ 37، 89، شرح الكوكب المنير 3/ 133، 134، العدة 2/ 485، 519 - 522، المسودة ص 105، التمهيد 2/ 53 - 57، مختصر البعلي ص 107، القواعد والفوائد الأصولية ص 194، تيسير التحرير 1/ 209، كشف الأسرار 2/ 14، أصول السرخسي 1/ 160.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 599 - 601.
(6) في ز: "ما".
(3/164)

بينها المؤلف بعد هذا بقوله: لنا (1) أن العموم هو المتبادر فيكون مسمى اللفظ كسائر الألفاظ كما سيأتي.
وحجة الواقفية مع القاضي بالوقف: قال المؤلف في الشرح: سبب توقف القاضي في الجميع: أن أكثر صيغ العموم مستعملة في الخصوص، حتى قيل (2): ما من عام إلا وقد خص إلا قوله تعالى: {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3) ولما تعارضت (4) الأدلة عنده من جهة أن الأصل عدم التخصيص، وعدم المجاز، وعدم الاشتراك حصل له التوقف.
وقال: مستند (5) هذا (6) التوقف: أنه لو علم مسمَّى هذه الصيغ من كونه للعموم [والخصوص] (7) معًا، أو لأحدهما لَعُلِم: إما بالعقل، وهو باطل لعدم استقلال العقل بدرك (8) اللغات.
أو بالنقل، وهو: إما متواتر، وهو: باطل، وإلا (9) لعلمه الكل؛ لأن التواتر مفيد للعلم.
__________
(1) في ط: "بنا" وهو تصحيف.
(2) "قيل" ساقطة من ز.
(3) قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلا بإذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} آية رقم 11 من سورة التغابن.
(4) في ز: "تعارض".
(5) في ط: "مسند".
(6) "هذا" ساقطة من ز وط.
(7) المثبت من "ط" و"ز" وفي الأصل "أو الخصوص".
(8) في ز: "بذكر".
(9) في ز: "وإما".
(3/165)

أو آحاد، وهو: باطل؛ لأن الآحاد لا يفيد إلا الظن، والمسألة علمية، وهذا المستند طرده القاضي في الأوامر، والعمومات، وجميع الألفاظ التي حصل له (1) فيها التوقف (2).
وجوابه: أنه علم بالاستقراء التام من اللغة على سبيل القطع: أن تلك الصيغ للعموم، ولا يلزم أن يعلم ذلك كل واحد (3) لعدم الاشتراك في هذا الاستقراء التام (4)، فرب قضية تتواتر (5) عند قوم، ولا تتواتر عند آخرين.
وحجة الاشتراك: أن هذه الصيغ تستعمل تارة في العموم، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} (6)، وتستعمل تارة في الخصوص، كقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (7)؛ إذ المراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - (8)، والأصل في الاستعمال الحقيقة، والأصل عدم المجاز.
وأجيب عن هذا: لأن الأصل عدم الاشتراك فيكون اللفظ مجازًا في الخصوص، والمجاز أولى من الاشتراك (9) كما (10) تقدم في معارضة المجاز
__________
(1) في ط: "به".
(2) انظر هذا الدليل للقاضي في شرح التنقيح للقرافي ص 192.
(3) في ط وز: "أحد".
(4) نقل المؤلف هذا الجواب بمعناه من شرح التنقيح للقرافي ص 92.
(5) في ز: "تتواترت".
(6) قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} آية 33 من سورة لقمان.
(7) آية 54 من سورة النساء.
(8) في ط: "عليه السلام".
(9) انظر حجة هذا القول وجوابها في شرح التنقيح للقرافي ص 193، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 104، والإحكام للآمدي 2/ 220.
(10) في ط وز: "لما".
(3/166)

مع الاشتراك (1) في الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ (2).
وحجة الخصوص وهو حمله على أقل الجمع؛ لأن أقل الجمع هو المتيقن، وأما العموم فهو مشكوك فيه، وحمل اللفظ على المتيقن أولى من حمله على المشكوك فيه، وإنما قلنا: أقل الجمع متيقن لثبوته على تقدير العموم وتقدير الخصوص، وأما تناوله للعموم فيحتمل لثبوته على تقدير العموم خاصة، ولا يثبت على تقدير الخصوص، فما هو ثابت على كل حال أولى مما يثبت في حالة واحدة.
وأجيب: بأن العموم أحوط لمراد المتكلم؛ لأن المتكلم على تقدير أن يكون مراده العموم فلو حمل على الخصوص لم يحصل مراد المتكلم (3).
وحجة أبي هاشم: أن الجمع المعرف باللام تارة تكون اللام للعموم، وتارة تكون للعهد، وتارة تكون لبيان حقيقة (4) الجنس، كقول السيد لعبده: اذهب إلى السوق فاشتر لنا الخبز واللحم، مراده: المعقول من هذين الجنسين، فإذا كانت اللام تصلح للعموم وغيره فلا يتعين العموم فيجب
__________
(1) "مع الاشتراك" ساقطة من ز.
(2) انظر تعارض الحقيقة مع المجاز في (2/ 427 - 428) من هذا الكتاب.
(3) وانظر بقية حجج هذا المذهب والجواب عنها في: الإحكام للآمدي 2/ 218 - 220، التمهيد 2/ 40 - 43، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 103، 104.
(4) في ز: "بيانًا للحقيقة".
(3/167)

التوقف فيه (1).
وحجة الإمام فخر الدين في المفرد المعرف باللام هي هذه الحجة المذكورة في الجمع المعرف باللام، غير (2) أنه فرق بين المفرد والجمع بأن قال: لو كان المفرد المعرف باللام للعموم لصح نعته بالجمع وتأكيده، فنقول: جاء الفقيه الفضلاء، وجاء الفقيه أجمعون (3)، مع أن ذلك ممنوع؛ إذ لا ينعت المفرد بالجمع ولا يؤكد به، فإذا كان المفرد المعرف باللام لا ينعت بما يفيد العموم، ولا يؤكد بما يفيد العموم، فلا يصح أن يكون للعموم (4).
وجوابه: أنه يشترط (5) في النعت، والتأكيد، مع المساواة في المعنى: المناسبة اللفظية، فلا ينعت المفرد إلا بالمفرد، ولا التثنية إلا بالتثنية، ولا الجمع إلا بالجمع (6).
قوله: (وخالف أبو هاشم مع الواقفية في الجمع المعرف باللام).
وقوله: (وخالف الإِمام فخر الدين مع الواقفية في المفرد المعرف باللام).
__________
(1) انظر هذا الدليل في شرح التنقيح للقرافي ص 193، شرح التنقيح للمسطاسي ص 106، وذكر الإمام فخر الدين أدلة أخرى وأجاب عنها. انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 592 - 594.
(2) في ط: "من غير".
(3) "أجمعون" ساقطة من ط.
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 193، شرح التنقيح للمسطاسي ص 106، وانظر هذا الدليل وبقية الأدلة في: المحصول ج 1 ق 2 ص 599 - 601
(5) في ز: "أنه لا يشترط".
(6) انظر هذا الجواب في: شرح التقيح للقرافي ص 195.
(3/168)

اعترضه بعض الشراح فقال: ظاهره يقتضي أن أبا هاشم، والإمام فخر الدين قالا ها هنا بالوقف، كما قالت به الواقفية، وليس الأمر كذلك، بل قال أبو هاشم بعدم العموم في الجمع المعرف باللام، ولم يقل بالوقف كما قالت (1) به الواقفية.
وكذلك الإمام فخر الدين إنما (2) قال أيضًا بعدم العموم في المفرد المعرف باللام، ولم يتوقف فيه كما توقفت فيه الواقفية.
ونص (3) الإمام في المحصول: الواحد المعرف بلام الجنس لا يفيد العموم.
وأجاب عنه بأن قال: موافقة أبي هاشم وفخر الدين للواقفية إنما هي في مطلق مخالفة الجمهور، أي: اتفق الفريقان في (4) مطلق المخالفة، واختلفا (5) في تعيين المخالفة؛ وذلك: أن (6) الواقفية قالوا في هذا المعرف بالوقف خلافًا للجمهور، وقال أبو هاشم (7) وفخر الدين بعدم العموم، خلافًا للجمهور القائلين بالعموم فيه.
قوله: (لنا أن العموم هو المتبادر فيكون مسمى اللفظ (8) كسائر
__________
(1) في ز: "قال".
(2) "إنما" ساقطة من ز.
(3) في ط: "وخص".
(4) في ز: "على".
(5) في ز: "واختلفوا".
(6) المثبت من ز، ولم ترد "أن" في الأصل.
(7) في ز: "فيه أبو هاشم".
(8) في ش: "عمومًا كسائر".
(3/169)

الألفاظ).
ش: هذا دليل الجمهور (1) على أن الصيغ [المذكورة من قوله: فمنها: كل وجميع ... إلى آخرها، هي موضوعة للعموم؛ لأن هذه الصيغ] (2) إذا أطلقت فالمتبادر عند سماعها إلى فهم السامع هو، العموم والاستغراق، فيكون العموم مسماها حقيقة كسائر الألفاظ التي يتبادر معناها إلى الفهم عند سماعها؛ إذ المبادرة دليل الحقيقة.
مثال تلك الألفاظ: كالألفاظ المذكورة في الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ في قوله: يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز وعلى العموم دون الخصوص، وعلى الإفراد دون الاشتراك، وعلى الاستقلال دون الإضمار إلى آخرها (3).
وكذلك صيغ الأمر والنهي، كقولك: افعل، فالمتبادر إلى الفهم هو الوجوب، وقولك (4): لا تفعل، فالمتبادر إلى الفهم هو الحظر.
واعترض هذا الاستدلال بالمجاز الراجح؛ إذ المتبادر إلى الفهم عند
__________
(1) انظر أدلة الجمهور في: شرح التنقيح للقرافي ص 184، شرح التنقيح للمسطاسي ص 105، إحكام الفصول في أحكام الفصول لأبي الوليد الباجي 1/ 137 - 143، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 102، 103، الإحكام للآمدي 2/ 200 - 203، المعتمد 1/ 195 - 201، المستصفى 2/ 38 - 44، شرح الكوكب المنير 3/ 110، 111، التمهيد 2/ 7 - 13.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) انظر (2/ 360 - 364) من هذا الكتاب.
(4) في ط: "وكقولك".
(3/170)

سماعه هو المجاز لا الحقيقة.
قوله: (و (1) لصحة الاستثناء في كل فرد وما صح استثناؤه وجب اندراجه).
ش: وهذا دليل القياس الحملي (2)، ترتيبه أن نقول (3): كل فرد من أفراد مدلول تلك الصيغ يصح استثناؤه، وكل ما يصح استثناؤه وجب اندراجه [فينتج: كل فرد فرد (4) من أفراد مدلول تلك الصيغ وجب (5) اندراجه] (6).
وإنما قلنا: وكل ما يصح استثناؤه وجب اندراجه بناء على إجماع أهل العربية: أن (7) حقيقة الاستثناء إخراج (8) ما لولاه لوجب دخوله قطعًا أو ظنًا.
مثال القطع: قولك (9): عندي عشرة إلا اثنين، ومثال الظن نحو (10) قولك: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة، أو اقتلوا المشركين إلا زيدًا، وأما استثناء ما لولاه لجاز دخوله فهو مجاز لا حقيقة، كقولك: أكرم رجالًا إلا زيدًا وعمرًا (11).
__________
(1) "الواو" ساقطة من ش.
(2) في ط: "الجملى".
(3) في ط: "تقول".
(4) "فرد" ساقطة من ط.
(5) في ط: "يجب".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) "أن" ساقطة من ط.
(8) في ط: "يخرج".
(9) في ز: "قوله".
(10) "نحو" ساقطة من ز وط.
(11) في ز: "أو عمرًا"
(3/171)

قوله: (تنبيه (1): النكرة في سياق النفي يستثنى منها صورتان: إِحداهما: لا رجل في الدار بالرفع، فإِن المنقول عن العلماء أنها لا تعم، وهي تبطل على الحنفية ما ادعوه من أن النكرة إِنما عمت لضرورة نفي المشترك، وعند غيرهم (2) عمت؛ لأنها موضوعة لغة لإِثبات السلب لكل واحد من أفرادها (3)).
ش: التنبيه: إيقاظ من غفلة الوهم كأنه يقول: هذا تنبيه على وهم.
وقال بعضهم: معنى التنبيه: إيقاظ الغافل وتذكير الناسي، كأنه قال: نقول (4) هذا إيقاظ للغافل وتذكير للناسي.
وإنما أتى المؤلف بهذا التنبيه؛ لأن العلماء يطلقون العبارة فيقولون (5): النكرة في سياق النفي تعم، ولا يفصلون فيها، فأراد المؤلف أن يبين (6) أن إطلاقهم يحتاج إلى تقييده، فذكر ها هنا أن هناك صورتين لا تعم النكرة في سياق النفي فيهما:
إحداهما: قولهم: لا رجل في الدار برفع رجل (7)، فإن المنقول عن
__________
(1) في ط: "شبيهه" وهو تصحيف.
(2) في ط: "غير".
(3) في أ: "أفراده".
(4) في ز وط: "كأنه يقول".
(5) في ز: " فيقولوا".
(6) المثبت من ز، ولم ترد "أن يبين" في الأصل وط.
(7) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 182، 184، شرح التنقيح للمسطاسي ص 106، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 413، 414، شرح الكوكب المنير 3/ 138، فواتح الرحموت 1/ 260، 261.
(3/172)

العلماء - يعني علماء العربية، مثل: سيبويه وابن السيد (1) وغيرهما - أنها لا تعم؛ وذلك أن النكرة المرفوعة بعد [لا كقولك] (2): لا رجل بالرفع (3) يخالف معناها معنى النكرة المبنية مع لا؛ لأن معناها في الرفع نفي مفهوم الرجولية بوصف الوحدة؛ لأن العرب تقول: لا رجل في الدار (4) بل اثنان أو أكثر (5) (6)، أعني: برفع رجل، فإذا كان معناها في الرفع نفي الرجولية بوصف الوحدة، ووصف الوحدة أخص من مطلق الرجولية فلا تعم؛ إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
ومعنى النكرة المبنية مع لا (7): نفي مفهوم الرجولية [مطلقًا، فقولك: لا
__________
(1) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي النحوي، ولد سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس، كان عالمًا بالأدب واللغات متبحرًا فيها، سكن مدينة بلنسية، وكان الناس يجتمعون إليه ويقرءون عليه، وكان حسن التعليم جيد التفهيم، درس علم النحو، وله نظم حسن، ومن ذلك قوله:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل مَيْت وهو ماش على الثرى ... يُظن من الأحياء وهو عديم
توفي رحمه الله سنة إحدى وعشرين وخمسمائة (521 ه)، من مصنفاته: "الاقتضاب"، "الحلل في شرح أبيات الجمل"، "التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة".
انظر: وفيات الأعيان 2/ 282، البداية والنهاية 12/ 198، قلائد العقيان لابن خاقان ص 193 - 200.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ط: "في الرفع".
(4) في ط: "لا رجل في الدار بالرفع".
(5) في ز: "وأكثر".
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 182.
(7) "لا" ساقطة من ط.
(3/173)

رجل في الدار بالبناء مع لا، معناه: ليس في الدار من اتصف بالرجولية مطلقًا لا مقيدًا بوحدة، ولا تثنية، ولا جمعية] (1)، بل ينتفي مفهوم الرجولية على الإطلاق، إلا أن العلماء اختلفوا في نفي النكرة المبنية مع "لا" بماذا يقع هذا النفي؟: هل بالالتزام؟ قاله الحنفية. أو بالمطابقة؟ قاله الجمهور.
ومعنى ذلك عند الحنفية: أن النكرة المذكورة وضعتها العرب لنفي القدر المشترك بين أفراد الجنس، فالمشترك بين أفراد (2) هو أعم من كل واحد منها، فإذا انتفى الأعم انتفى الأخص بالضرورة؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص بالضرورة (3).
فقولك: لا رجل في الدار إذا (4) بنيت النكرة، معناه: نفي مسمَّى الرجولية، ومسمى الرجولية أعم من أفراد الرجال، والأفراد هي أخص (5) من ذلك الأعم، فإذا انتفى الأعم انتفى الأخص بالضرورة، أي: بدلالة الالتزام، هذا مذهب الحنفية، وهو معنى قول المؤلف: إنها (6) عمت لضرورة نفي المشترك.
وأما عند (7) الجمهور فإن النكرة المذكورة إنما انتفت بدلالة المطابقة؛ بناء
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(2) في ز: "الأفراد"، وفي ط: "أفراد الجنس".
(3) "بالضرورة" ساقطة من ط.
(4) "إذا" ساقطة من ط.
(5) في ز: "الأخص".
(6) في ز وط: "إنما".
(7) "عند" ساقطة من ط.
(3/174)

على أن العرب إنما وضعتها لإثبات النفي لكل واحد من أفرادها بحيث لا يبقى فرد.
قال المؤلف في الشرح: ويدل على مذهبنا قول النحاة: إن ذلك جواب لقول القائل: هل من رجل في الدار؟ فكأن الأصل أن يكون الجواب: لا من رجل في الدار، بإثبات "من"؛ لأن الجواب يطابق السؤال، إلا أن العرب حذفتها تخفيفًا وأبقت معناها، وهو سبب البناء؛ لأجل تضمن (1) الكلام معنى المبني وهو: "من"، فإذًا تقرر أن "من" هي في أصل الكلام، وهي سبب البناء و"من" لا تدخل ها هنا إلا للتبعيض (2) والتبعيض لا يتأتى في ذلك القدر المشترك لأنه أمر كلي، وإنما يتأتى التبعيض في الأفراد، فيكون النافي إنما نفى الأفراد وهو المطلوب. انتهى نصه (3).
فإذا كان النفي متسلطًا على الأفراد فدلالته على نفي الأفراد مطابقة، بخلاف مذهب الحنفية، فإن النفي عندهم إنما تسلط على القدر المشترك بين الأفراد، وهو معنى الرجولية ولم يسلط (4) عندهم على الأفراد، وإنما انتفت الأفراد بدلالة الالتزام عندهم (5)، وأما عندنا فقد انتفت (6) الأفراد بالمطابقة.
قوله: (لضرورة نفي المشترك) معناه: إنما عمت الأفراد بالنفي لأجل (7)
__________
(1) في ط: "البناء لتضمن".
(2) في ط: "لتبعيض".
(3) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 194.
(4) في ط وز: "يتسلط النفي".
(5) في ط: "الأفراد عندهم بدلالة الالتزام".
(6) في ز: "انتفى".
(7) في ط وز: "لا رجل".
(3/175)

انتفاء القدر المشترك بينها (1)؛ لأنه يلزم من نفي المشترك نفي أفراده بضرورة العقل؛ إذ لا يلزم (2) من نفي الأعم نفي الأخص.
قال المؤلف في الشرح: وأما ما ذكرته من أن النكرة المرفوعة تبطل مذهب الحنفية فليس كذلك؛ لأن قولنا: لا رجل في الدار بالرفع، معناه: نفي مفهوم الرجولية بوصف الوحدة، فالنفي لم يدخل على المشترك من حيث هو مشترك، وإنما دخل على ما هو أخص منه، وهو المشترك المقيد بالوحدة، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فلم ينتف ها هنا المشترك الذي هو أعم، فإذا لم ينتف الأعم لم تنتف (3) الأفراد.
وإنما يلزم السؤال لو كان هذا الكلام - وهو لا رجل في الدار بالرفع - نفيًا للمشترك من حيث هو مشترك ولم تنتف (4) الأفراد، فحينئذ يلزمهم (5) هذا السؤال، فإن نفي المشترك يلزم منه (6) نفي الأفراد قطعًا. انتهى نصه (7).
فقوله (8): (وهي تبطل على الحنفية ما ادعوه) غير صحيح؛ فلا خلاف بين الحنفية وغيرهم: أن (9) النكرة في سياق النفي تعم الأفراد بالنفي.
__________
(1) "بينها" ساقطة من ط.
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "إذ لا يلزم".
(3) في ز وط: "ينتف".
(4) في ط وز: "ينتف".
(5) في ز: "يلزم".
(6) في ط: "يلزم ما يلزم منه".
(7) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 195.
(8) في ط وز: "قوله".
(9) في ط "إلى" وهو تصحيف.
(3/176)

وإنما الخلاف فيما به (1) تنتفي الأفراد، هل تنتفي (2) بدلالة الالتزام، وهي (3) نفي القدر المشترك بين الأفراد؟ قاله الحنفية.
أو إنما تنتفي (4) الأفراد بدلالة المطابقة، وهي (5) وضع النكرة المذكورة لنفي (6) الأفراد؟ قاله الجمهور.
قوله: (وثانيهما (7): سلب الحكم عن العمومات، نحو: ليس (8) كل بيع حلالًا، فإِنه وإِن كان (9) نكرة في سياق (10) النفي فلا يعم (11)؛ لأنه سلب للحكم (12) عن العموم لا حكم بالسلب عن (13) العموم).
ش: هذه هي الصورة الثانية التي لا (14) تعم النكرة فيها، وإن وقعت [في
__________
(1) في ط: "فيما ما غير به تنتفي".
(2) في ز: "ينتفي".
(3) في ط: "وهو".
(4) في ز: "ينتفي".
(5) في ز: "وهو".
(6) في ط: "ينفي".
(7) في ط: "وتأنيث هنا".
(8) "ليس" ساقطة من أ.
(9) "وإن كان" ساقطة من أوخ وش.
(10) "سياق" ساقطة من أ.
(11) في أوش: "ولا يعم"، وفي خ: "ولا تعم".
(12) في ز: "الحكم".
(13) في أوخ وز وش وط: "على"
(14) "لا" ساقطة من ط.
(3/177)

سياق النفي] (1) وهي: سلب الحكم عن العمومات (2).
فقولك: ليس كل بيع حلالًا، لا (3) عموم له؛ لأنه ليس فيه حكم بسلب الحلية عن كل فرد من أفراد البيوع، وإنما المقصود به: إبطال قول من قال: كل بيع حلال، فقيل له: ليس كل بيع حلالًا، أي: ليست الكلية صادقة، بل بعض البيع ليس كذلك، فهو سلب الحكم عن العموم، لا أنه حكم بالسلب على العموم؛ لأنه لم يحكم على العموم بالسلب، فهو إذًا سلب الحكم عن بعض الأفراد، لا سلب الحكم عن جميع (4) الأفراد، فلو كان معناه سلب الحكم عن جميع أفراد البيوع لما كان في البيوع (5) حلال، وذلك باطل.
ومثال ذلك أيضًا: قولك: ليس كل عدد زوجًا، وقولك (6): ليس كل حيوان إنسانًا، وغير ذلك، فإن هذا (7) سلب الحكم عن العموم، لا حكم بالسلب على (8) العموم، كأنه يقول: ليس هذا العموم صادقًا في جميع أفراده، بل هو صادق في بعض الأفراد دون البعض.
قوله: (فائدة: النكرة في سياق النفي تعم، سواء دخل النفي عليها، نحو: لا رجل في الدار، أو دخل على ما هو متعلق بها، نحو قولك: ما جاءني
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 182.
(3) في ط وز: "فلا".
(4) في ط: "الجميع".
(5) في ط: "البيع".
(6) في ز: "أو قولك".
(7) في ز: "فإن هذا كله".
(8) في ز: "عن".
(3/178)

من أحد (1)).
ش: أي (2): لا فرق بين أن يكون مباشرًا (3) للنكرة، أو يدخل على ما تعلق بها، فقولك: ما جاءني من أحد، دخل النفي ها هنا على الفعل المستند إلى النكرة.
قوله: (النكرة في سياق النفي تعم (4)) ظاهره: أنها تعم جميع متعلقات الفعل المنفي، وليس كذلك، بل لا تعم إلا في الفاعل والمفعول (5)، كقولك: ما جاءني أحد، وما (6) رأيت أحدًا، وأما ما زاد علي ذلك من ظرف زمان، أو ظرف (7) مكان (8)، وما (9) أشبه ذلك فلا تعم فيه، فإذا قلت: ما جاءني أحد اليوم، أو ما جاءني أحد في الدار، أو ما جاءني أحد ضاحكًا، فليس ذلك نفيًا للظرفين ولا للحال.
قال المؤلف في الشرح: وهل يعم ذلك متعلقات الفعل المنفي أم لا؟
قال: الذي يظهر لي: أنه إنما (10) يعم في الفاعل والمفعول إذا كانا متعلقي
__________
(1) في أ: "نحو ما جاء أحد"، وفي خ وش: "نحو ما جاءني أحد".
(2) "أي" ساقطة من ط.
(3) في ط: "النفي مباشرًا".
(4) "تعم" ساقطة من ط.
(5) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 184.
(6) في ز: "ولا".
(7) "أو ظرف" ساقطة من ز.
(8) في ط: "وظرف مكان أو حال".
(9) في ط وز: "أو ما".
(10) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أنها يعم".
(3/179)

الفعل، أما ما زاد على ذلك فلا، نحو قولنا: ليس في الدار أحد، أو (1) لم يأتني اليوم أحد، فإن ذلك ليس نفيًا للظرفين المذكورين، وكذلك قولك: ما جاءني أحد ضاحكًا، أو إلا (2) ضاحكًا، ليس نفيًا للأحوال (3)، وبالله التوفيق (4).
...
__________
(1) في ز: "ولم".
(2) في ز: "أولًا".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 184.
(4) في ط وز: "التوفيق بمنه".
(3/180)

الفصل الثاني في مدلوله (1)
ش: شرع المؤلف ها هنا في بيان مدلول العموم.
المدلول، والموضوع، والمسمى بمعنى (2) واحد، وفي هذا الفصل خمسة مطالب:
الأول: في موضوع العموم.
قوله (3): (وهو كل واحد واحد، لا الكل من حيث هو كل، فهو كلية لا كل، وإِلا لتعذر (4) الاستدلال به حالة النفي والنهي (5)).
ش: قد تقدم لنا في الباب الأول في الفصل الخامس معنى الكلية، والكل، والكلِّي (6).
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 195 - 201، شرح التنقيح للمسطاسي ص 106 - 110، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 167 - 171.
(2) في ط: "هي بمعنى".
(3) في ط: "هو قوله".
(4) في ز: "تعذر".
(5) في أوخ وط: "حالة النفي أو النهي"، وفي ش: "حالة النهي أو النفي".
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 27، 28، وقد بحثها القرافي لبيان الفرق بين هذه الثلاثة، وبحثها هنا من أجل أن يحدد مدلول العموم.
وانظر (1/ 238، 248، 249) من هذا الكتاب.
(3/181)

فالكلية هي: الحكم على كل فرد فرد، حيث (1) لا يبقى فرد، وهي: مدلول صيغة العموم (2).
والكل هو: الحكم على المجموع من حيث هو مجموع، وهو: مدلول أسماء الأعداد.
والكلي هو: الحكم على القدر المشترك بين الأفراد من غير تعيين فرد من الأفراد، وهو مدلول النكرات.
فالكلية (3) تتناول جميع الأفراد [إثباتًا ونفيًا، والكل يتناول جميع الأفراد إثباتًا، ولا يتناولها نفيًا، والكلي عكسه، وهو: أنه يتناول جميع الأفراد] (4) نفيًا، ولا يتناولها إثباتًا؛ لأنه أعم، ويلزم من نفي الأعم نفي الأخص دون العكس.
فلما كان العام يتناول جميع أفراده إثباتًا ونفيًا كان مدلوله كليةً، لا كل ولا كلي، فلو كان مدلوله الكل لتعذر (5) الاستدلال به في حالة النفي والنهي (6)؛ لأن الكل يتعذر الاستدلال به على أفراده في حالة النفي والنهي، فإذا قلت:
__________
(1) المثبت من ز، وفي الأصل: "من بحيث"، وفي ط: "بحيث".
(2) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 195، شرح التنقيح للمسطاسي ص 106، جمع الجوامع 1/ 405، شرح الكوكب المنير 3/ 112، مختصر البعلي ص 106.
(3) في ط: "والكلية".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ز: "تعذر".
(6) في ط وز: "أو النهي".
(3/182)

ليس عندي عشرة، فلا يلزم ألا يكون عنده تسعة، أو أقل، فإنه إنما نفى المجموع خاصة، وليس فيه نفي أفراده، هذا في النفي، وتقول في النهي: لا تكرم عشرة، فإنه نهي عن إكرام مجموع العشرة، وليس فيه نهي عن إكرام أقل من عشرة، فيجوز له أن يكرم تسعة، أو ثمانية، أو غيرها من أفراد العشرة.
فظهر بهذا التقرير (1): أن الكل يتناول أفراده في الإثبات، ولا يتناولها في النفي، والإثبات (2) أعم من النفي والنهي.
فلو قلنا: العموم مدلوله الكل، لتعذر الاستدلال بالعموم في حالة النفي والنهي كما يتعذر بالكل، فإذا قال الشارع مثلًا: لا تقتلوا صبيان الكفار، وقلنا: مدلوله الكل، فيقتضي النهي عن قتل مجموع الصبيان؛ لأن المفروض أن مدلوله (3) الكل، وهو: المجموع من حيث هو مجموع، وليس فيه نهي عن قتل صبي واحد أو صبيين؛ لأنه إنما نهى عن قتل المجموع، وليس هذا شأن العموم، فإن العموم يتناول الأفراد مطلقًا في الثبوت والنفي، فإن مقتضى العموم في قولنا: لا تقتلوا صبيان الكفار هو: النهي عن قتلهم مطلقًا، لا فرق بين اتحادهم وتعددهم؛ لأن مقتضى العموم هو (4): تتبع أفراده للحكم (5) حتى لا يبقى فرد.
وتقول في النفي: إني لا أحب الكافرين، فهذا عام، فلو قلنا: مدلوله
__________
(1) في ط: "التقدير".
(2) في ط وز: "النفي".
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "دلوله".
(4) "هو" ساقطة من ط، وفي ز: "هي".
(5) في ط وز: "الأفراد بالحكم".
(3/183)

الكل من حيث هو كل، وهو المجموع من حيث هو (1) مجموع، لكان ذلك إخبارًا (2) منك أنك لا تحب مجموع الكافرين، وليس فيه ما يدل على أنك لم تحب (3) كافرًا واحدًا؛ لأن هذا العموم قدرنا أن مدلوله الكل، وهذا ليس من شأن العموم، فإن العموم يستدل به على الأفراد مطلقًا في الثبوت والنفي.
فقد تبين لك من جميع ما ذكرنا: أن العموم ليس مدلوله الكل، وكذلك تقول أيضًا (4): لا يصح أن يكون (5) مدلوله الكلي؛ لأن الكلي معناه: الحكم على القدر المشترك من غير تعيين أفراده، فإنه يتناول أفراده في النفي، ولا يتناولها (6) في الإثبات.
فإذا قلت في الإثبات: أكرم رجلًا فإنه أمر بإكرام رجل واحد (7) من غير تعيين (8) فرد من أفراد الرجال، فإنه كلي، والكلي لا يتناول خصوص أفراده في الإثبات، فإذا قال الشارع مثلًا: اقتلوا المشركين، وهذا عام وقدرنا أن مدلوله (9) الكلي، فإن مقتضى هذا الأمر على هذا التقدير هو الأمر بقتل
__________
(1) "هو" ساقطة من ز.
(2) في ط: "اختيارًا".
(3) في ط: "أن كلام تحب".
(4) في ط: "وكذلك أيضًا نقول".
(5) "أن يكون" ساقطة من ز.
(6) في ط: "يناولها".
(7) "واحد" ساقطة من ط.
(8) في ط: "تعين".
(9) في ز: "مدلول".
(3/184)

جماعة ما من المشركين من غير تعيين (1)، كما هو مقتضى الكلي، وليس فيه أمر بقتل مشرك واحد أو مشركين (2)، وليس هذا شأن (3) العموم، فإن العموم يقتضي تتبع أفراده بالحكم؛ حتى لا يبقى فرد لا في الإثبات ولا في النفي.
فلو قدرنا أن مدلوله الكلي لتعذر (4) الاستدلال بالعموم في حالة الثبوت؛ لأن الكلي (5) لا يتناول خصوص الأفراد (6) في حالة الثبوت، وإنما يتناول أفراده في حالة النفي كقولك: ما رأيت رجلًا فإنه يقتضي سلب الرؤية عن كل متصف بالرجولية، وكذلك قولك في النهي: لا تكرم (7) رجلًا، فإنه يقتضي النهي عن إكرام [كل] (8) متصف بالرجولية، فلو قلنا: مدلول العموم هو: الكلي لتعذر الاستدلال به في (9) حالة الثبوت؛ لأن الكلي يصدق بفرد (10) واحد، فإن قولك مثلًا: في الدار رجل، يصدق بفرد واحد من أفراد الرجال، وكذلك قولك (11): أكرم رجلًا.
فتبين بما قررناه: أن العموم لا يصح أن يكون مدلوله كلًا ولا كليًا؛ لأنه
__________
(1) في ط: "تعين".
(2) في ز: "ومشركين".
(3) في ط: "من شأن".
(4) في ز: "لعذر".
(5) في ط: "الكل".
(6) في ز: "الثبوت".
(7) في ط: "لا تكر".
(8) المثبت من "ز" و"ط" ولم يرد في الأصل.
(9) في ز وط: "به على أفراده في حالة".
(10) في ط: "على فرد".
(11) "قولك" ساقطة من ز.
(3/185)

إن جعلناه كلًا تعذر الاستدلال به في [حالة] (1) النفي والنهي، وإن جعلناه كليًا تعذر الاستدلال به حالة (2) الثبوت، فمدلوله إذًا (3) هو: الكلية، وهي (4): الحكم على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد.
وقد تقدم بيان هذا أيضًا في الباب الأول في الفصل السادس في أسماء الألفاظ في ذكر حقيقة العام، انظره (5).
قوله: (ويندرج (6) العبيد عندنا وعند الشافعية (7) في صيغة الناس والذين آمنوا)
ش: هذا هو المطلب الثاني
حجة الجمهور: أن العبيد يصدق عليهم الاسم؛ لأنهم من الناس، وأنهم مؤمنون، فوجب اندراجهم في عموم الخطاب من حيث وضع اللسان (8).
__________
(1) المثبت من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) في ط: "في حالة".
(3) في ط: "إذ".
(4) في ط وز: "وهو".
(5) في ز وط: "فانظره"، وانظر (1/ 351 - 353) من هذا الكتاب.
(6) في خ وش: "وتندرج".
(7) في ش: "وعند الشافعي".
(8) انظر تفصيل مذهب الجمهور في: شرح التنقيح للقرافي ص 196، شرح التنقيح للمسطاسي ص 107، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 168، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 125، المحصول ج 1 ق 3 ص 201، الإحكام للآمدى 2/ 270، المستصفى 2/ 77، البرهان 1/ 356، 357، المنخول ص 143، جمع الجوامع 1/ 427، شرح الكوكب المنير 3/ 242، العدة 2/ 348 - 350، المسودة ص 34، مختصر البعلي ص 115، القواعد والفوائد الأصولية ص 209، تيسير التحرير 1/ 253، فواتح الرحموت 1/ 276.
(3/186)

حجة القول بعدم اندراجهم، وقال به (1) ابن خويز منداد (2) من المالكية، وأبو بكر الرازي (3) من الحنفية، وغيرهم: انعقاد الإجماع على خروج العبيد من كثير من عمومات القرآن: كخطاب الجمعة، والحج (4) وغيرها (5)؛ [فإن قوله تعالى في آية الجمعة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} (6) الآية، لا يدخل فيها العبيد (7).
وكذلك الحج (8) في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (9).
وكذلك (10) آية الجهاد، وهو (11) قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (12).
وكذلك آية الطلاق في قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (13)
__________
(1) في ز: "وقاله".
(2) انظر نسبة هذا القول لابن خويز منداد في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 107.
(3) أبو بكر الرازي قال بالتفصيل بين حقوق الله وحقوق الآدميين، فقال: يتناولهم الخطاب في حقوق الله فقط، أما في حقوق العباد فلا يتناولهم.
انظر: فواتح الرحموت 1/ 276، تيسير التحرير 1/ 253، الإحكام للآمدي 2/ 270، مختصر المنتهى وشرح العضد عليه 2/ 125، العدة 2/ 349، القواعد والفوائد الأصولية ص 209.
(4) في ز وط: "والجهاد والحج".
(5) في ز: "وغيرهما".
(6) آية 9 من سورة الجمعة.
(7) "العبيد" ساقطة من ط.
(8) في ط: "آية الحج".
(9) آية رقم 97 من سورة آل عمران.
(10) في ز: "وذكر".
(11) في ط: "في قوله تعالى: {وَجَاهدُوا} ".
(12) آية رقم 78 من سورة الحج.
(13) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(3/187)

لا تندرج الأمة فيها (1)] (2).
أجيب: بأن خروج العبيد من هذه الخطابات إنما هو بدليل خاص، كما خرج المسافر، والمريض من العمومات الواردة بالصوم بدليل خاص.
قوله: (ويندرج النبي عليه السلام (3) في العموم عندنا، وعند الشافعي (4)، وقيل: علو منصبه يأبى ذلك، وقال الصيرفي: إِن صدر الخطاب (5) بالأمر بالتبليغ لم يتناوله، وإِلا تناوله (6).
ش: هذا مطلب ثالث (7) وهو: العموم الوارد في القرآن، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (8)، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} (9)، وقوله تعالى: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (10)، وغير ذلك هل يندرج فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أم (11) لا؟ فيه ثلاثة أقوال:
__________
(1) في ط: "فيها الأمة".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ش: "ويندرج النبي - صلى الله عليه وسلم -".
(4) في خ وش وز: "وعند الشافعية".
(5) في ز: "الأمر".
(6) في ط: "يتناوله".
(7) في ط: "هذا هو المطلب الثالث".
(8) آية 119 من سورة التوبة.
(9) قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} آية 1 سورة النساء.
(10) آية 56 من سورة العنكبوت.
(11) في ط: "أو لا".
(3/188)

حجة القول بالاندراج، وهو قول الجمهور (1): أنه عليه السلام يصدق عليه الاسم؛ لأنه من الناس، ومن المؤمنين، ومن العباد، فهو عليه السلام سيد الناس، وسيد المؤمنين، وسيد العباد، ولا تخرجه (2) النبوة عن إطلاق (3) هذه الأسماء عليه (4)، فهو مندرج في هذه العمومات، فلو لم يندرج في الخطاب العام لزم وجود الاسم بدون المسمَّى، وذلك (5) خلاف الأصل.
حجة القول بعدم الاندراج، وهو قول طائفة من الفقهاء (6)، والمتكلمين: أن علو قدره عليه السلام يمنع اندراجه مع الأمة في الخطاب الواحد (7)، بل يخص (8) بخطابه؛ لأنه (9) عليه السلام قد خص بأحكام كوجوب ركعتي الفجر والضحى، والأضحى، وتحريم الزكاة، وإباحة النكاح بغير ولي ولا
__________
(1) انظر قول الجمهور في: شرح التنقيح للقرافي ص 197، شرح التنقيح للمسطاسي ص 107، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 169، مختصر ابن الحاجب 2/ 126، المحصول ج 1 ق 3 ص 200، الإحكام للآمدي 2/ 272، البرهان 1/ 365، جمع الجوامع 1/ 427، المستصفى 2/ 81، شرح الكوكب المنير 3/ 247، مختصر البعلي ص 115، المسودة ص 33، القواعد والفوائد الأصولية ص 207، تيسير التحرير 2/ 254، فواتح الرحموت 1/ 277، إرشاد الفحول ص 129.
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "فلا تخرج"، وفي ط: "فلا تخرجه".
(3) في ط: "الإطلاق".
(4) في ط: "عليه السلام".
(5) في ط وز: "وهو على خلاف".
(6) انظر هذا القول في المصادر السابقة.
(7) في ز: "الوارد".
(8) في ز: "يخصص"، وفي ط: "مخصص".
(9) في ط: "أنه".
(3/189)

شهود، ولا مهر، وغير ذلك، فهذا يدل على علو مرتبته، وانفراده عن الأمة بالأحكام التكليفية، فلا يندرج في الخطاب المتناول للأمة.
وأجيب عن هذا: بأن اختصاصه (1) عليه السلام ببعض الأحكام لا يخرجه عن عمومات الخطاب، كالمريض والمسافر، فإنه لا يخرجهما اختصاصهما ببعض الأحكام عن عمومات الخطاب.
حجة أبي بكر الصيرفي (2) من الشافعية القائل بالتفصيل: لأن الظاهر في الخطاب الذي أمر فيه أن يبلغه لغيره أنه لا يندرج فيه لغة، كقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (3) وقوله تعالى (4): {قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} (5)، وقوله تعالى (6): {قلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} (7)، وقوله تعالى (8): {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكمْ} (9)
__________
(1) في ز: "اختصاصيته".
(2) انظر نسبة هذا القول للصيرفي في: شرح التنقيح للقرافي ص 197، شرح التنقيح للمسطاسي ص 107، البرهان 1/ 367، الإحكام للآمدي 2/ 272، مختصر البعلي ص 115, المسودة ص 34، القواعد والفوائد الأصولية ص 207.
ونسب هذا القول للحسين بن الحسن بن محمد الحليمي الشافعي، انظر نسبته له في: مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 126، الإحكام للآمدي 2/ 272، البرهان 1/ 367، مختصر البعلي ص 115، المسودة ص 34، القواعد والفوائد الأصولية ص 207، فواتح الرحموت 1/ 277.
(3) آية 30 من سورة النور.
(4) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(5) آية رقم 31 من سورة إبراهيم.
(6) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(7) آية رقم 110 من سورة الإسراء.
(8) "تعالى" لم ترد في ز.
(9) آية رقم 151 من سورة الأنعام.
(3/190)

وغير ذلك.
وأما (1) إن لم يكن أمر بالتبليغ في الخطاب: فإنه يندرج فيه (2)، كقوله تعالى (3): {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ} (4)، وقوله تعالى (5): {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (6)، وقوله تعالى (7): {وَجَاهِدُوا في الله حَقَّ جِهَادِهِ} (8) وغير ذلك (9).
قوله: (إِن صدر الخطاب) هو مركب للمفعول، أي: إن بدئ صدر الخطاب بالأمر بالتبليغ، أي: إن بدئ (10) أول الخطاب (11) بالأمر بالتبليغ [لم يتناوله، وإلا تناوله] (12).
قوله: (وكذلك يندرج المخاطب عندنا (13) في العموم الذي يتناوله؛ لأن
__________
(1) في ز: "قوله وأما".
(2) "فيه" ساقطة من ز.
(3) "تعالى" لم ترد في ط.
(4) الآية 110 من سورة البقرة، 77 سورة النساء، 56 سورة النور، 20 سورة المزمل.
(5) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(6) آية 77 من سورة الحج.
(7) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(8) آية رقم 78 من سورة الحج.
(9) "وغير ذلك" ساقطة من "ط".
(10) في ط: "يبدئ".
(11) في ط: "أو الخطاب".
(12) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(13) "عندنا" ساقطة من أوخ وش.
(3/191)

شمول اللفظ يقتضي جميع ذلك).
ش: هذا مطلب رابع، المراد ها هنا بالمخاطِب، المخاطِب بكسر الطاء، وهو: فاعل الخطاب، وهو: المتكلم.
فاختلف العلماء في المخاطِب لكسر الطاء: هل يندرج في متعلق خطابه، أو لا (1) يندرج فيه (2)، أو يندرج فيه (3) إن كان خبرًا، ولا يندرج فيه إن كان أمرًا؟
فمذهب الجمهور: اندراجه مطلقًا، كان خبرًا، أو أمرًا، أو نهيًا (4).
مثال الخبر: من كلمك (5) فأنت طالق، هل تطلق إذا كلمها هو أم لا؟
ومثاله أيضًا: من دخل داري فهو سارق السلعة، فإذا قلنا باندراجه:
فيحكم عليه بأنه سارق (6) السلعة [إذا دخل داره] (7)، فيكون ذلك
__________
(1) في ط: "ولا".
(2) "فيه" ساقطة من ز.
(3) "أو يندرج فيه" ساقطة من ط.
(4) انظر مذهب الجمهور في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 108، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 169، 170، مختصر ابن الحاجب 2/ 127، المحصول ج 1 ق 3 ص 199، البرهان 1/ 362 - 364، المستصفى 2/ 88، الإحكام للآمدي 2/ 278، جمع الجوامع 1/ 384، المنخول ص 143، نهاية السول 2/ 372، شرح الكوكب المنير 3/ 352، القواعد والفوائد الأصولية ص 205، تيسير التحرير 1/ 257، فواتح الرحموت 1/ 280، إرشاد الفحول ص 130.
(5) في ز: "كقول الزوج لزوجته: من كلمك".
(6) في ط: "بالسارق".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(3/192)

إقرارًا (1) على نفسه بالسرقة، وإذا (2) قلنا بعدم اندراجه (3): فلا يحكم عليه بأنه سارق السلعة.
ومثاله أيضًا: من دخل داري فامرأته طالق وعبده (4) حر، فإذا قلنا باندراجه: فتطلق (5) امرأته ويعتق عبده، وإذا قلنا بعدم اندراجه (6): فلا طلاق ولا عتق عليه (7).
ومثال الأمر: قول السيد لعبده: من دخل داري فأعطه درهمًا، فإذا قلنا بالاندراج: وجب على العبد إعطاء السيد الدرهم (8) إذا دخل الدار، وإذا قلنا بعدم الاندراج: فلا يجب على العبد إعطاء الدرهم للسيد إذا دخل الدار.
ومثال النهي: قول السيد لعبده: من دخل داري فلا تطعمه (9)، هل يندرج السيد أم لا؟
مذهب الجمهور: اندراجه كما تقدم، حجة القول الذي عليه الجمهور
__________
(1) في ط: "قرارًا".
(2) في ز: "فإذا".
(3) في ز وط: "الاندراج".
(4) في ط: "وعبدي".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فطلق".
(6) في ط: "الاندراج".
(7) في ز: "وإذا قلنا بعدم اندراجه فلا تطلق امرأته، ولا يعتق عبده، ويكون لفظه مطلقًا لعدم اندراجه، ولعدم تصرفه في طلاق غير زوجته وعتق عبد غيره"، وفي ط: "بعدم الاندراج فلا طلاق ولا عتق، ويكون لفظه معطلًا لعدم الاندراج، ولعدم تصرفه في طلاق غير زوجته وعتق عبده غيره".
(8) في ز وط: "إعطاء الدرهم للسيد".
(9) في ط: "فلا تعظمه".
(3/193)

بالاندراج: أن مقتضى اللفظ يعم (1) المخاطِب بالكسر، كما يعم المخاطب بالفتح، والأصل عدم التخصيص بين المخاطب بالكسر وغيره، والأصل عدم التخصيص في ذلك بين (2) الخبر، والأمر والنهي.
ويدل على اندراجه أيضًا: قوله تعالى: {وَاللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3)؛ لأنه تعالى عالم بذاته، وصفاته، وعالم بكل شيء.
وحجة القول بعدم الاندراج (4): قوله تعالى: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (5)؛ لأنه لو قلنا (6) باندراجه للزم منه أنه تعالى (7) خالق لذاته جل وعلا (8)، وذلك خلاف الإجماع (9).
وإنما قلنا بلزوم ذلك؛ لأنه تعالى شيء من الأشياء [أي موجود من
__________
(1) في ط: "الذي".
(2) المثبت من ز وط، ولمِ ترد: "بين" في الأصل.
(3) ورد قوله تعالى: {واللَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَليمٌ} في الآيات الآتية: آية 282 البقرة، آية 176 من سورة آل عمران، آية رقم 35، 64 النور، آية رقم 16 من سورة الحجرات، آية 11 من سورة التغابن.
(4) انظر هذا القول في: مختصر المنتهى لابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 128، المستصفى 2/ 88، الإحكام للآمدي 2/ 278، البرهان 1/ 363، شرح الكوكب المنير 3/ 253، القواعد والفوائد الأصولية ص 205، تيسير التحرير 1/ 257.
(5) آية رقم 62 من سورة الزمر.
(6) في ز: "قلت".
(7) "تعالى" لم ترد في ط.
(8) "جل وعلا" لم ترد في ز.
(9) في ط: "وذلك خلف".
(3/194)

الموجودات] (1)، وإنما قلنا: هو شيء؛ لقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ} (2).
أجيب عن هذا، بأن العقل خصص (3) ذات الله تعالى (4) وصفاته من عموم قوله: {خَالِق كلِّ شَيءٍ}، ولا منافاة بين (5) دخوله تعالى في عموم اللفظ، وبين خروجه عنه بالتخصيص.
وحجة القول باندراجه في الخبر، وعدم اندراجه في الأمر، وهو مذهب الباجي (6): قال الباجي: لا يدخل الآمر في أمره؛ لأن الأمر استدعاء للفعل، فلا يدخل المستدعي فيه؛ ولأن الإنسان لا يأمر نفسه، ولا يأمر لنفسه بدرهم من ماله؛ إذ لا يتوجه عليه اللوم إذا لم يفعل ذلك (7).
انظر قوله ها هنا (8): وكذلك (9) يندرج المخاطب عندنا، مع قوله
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
والأولى أن يقول المؤلف: لأنه تعالى شيء موجود، ولا يقال: إن الله تعالى شيء من الأشياء، وموجود من الموجودات تأدبًا مع الله عز وجل.
(2) آية رقم 19 من سورة الأنعام.
(3) في ز: "خص".
(4) "تعالى" لم ترد في ط.
(5) في ط: "في دخوله".
(6) انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي 1/ 110.
واختار هذا القول ابن السبكي في جمع الجوامع (1/ 429)؛ حيث قال: "وإن المخاطب داخل في عموم خطابه إن كان خبرًا، لا أمرًا".
(7) نقل المؤلف بالمعنى.
انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي 1/ 110.
(8) في ط: "هنا".
(9) في ط: "وكذا".
(3/195)

في (1) الفصل الرابع: وكونه مخاطبًا لا يخصص العام (2) إن كان خبرًا، وإن كان (3) أمرًا جعل (4) جزاء (5)، هما مسألة واحدة كررها المؤلف في كلامه مناقضة؛ لأن ظاهر كلامه في هذا الفصل يقتضي: أن لا فرق بين الخبر والأمر، وظاهر كلامه في الفصل الرابع الفرق بين الخبر والأمر (6): فيحتمل أن يكون (7) تكلم ها هنا على القول بعدم التفصيل بين الخبر والأمر، وتكلم في الفصل الرابع على القول في الفرق (8) بين الخبر والأمر.
قوله: (لأن شمول اللفظ يقتضي جميع ذلك): الإشارة راجعة إلى المسائل الثلاث (9)، وهي (10): مسألة العبد، ومسألة النبي عليه السلام، ومسألة المخاطب.
قوله: (شمول اللفظ): أي: عموم اللفظ، يقال: شملهم الأمر إذا عمهم، يقال: شملهم الأمر بكسر العين في الماضي وبفتحه (11)، ويقال في
__________
(1) في ط: "مع".
(2) في ط: "العدم".
(3) "كان" ساقطة من ط.
(4) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "بلا".
(5) هذا نص كلام القرافي في المتن: انظر: شرح التنقيح ص 221.
(6) انظر (3/ 353) من هذا الكتاب.
(7) "أن يكون" ساقطة من ط.
(8) في ط وز: "بالفرق".
(9) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الثلاثة".
(10) في ز: "وهو".
(11) في اللسان: وشملهم الأمر يشملهم شملًا وشمولًا، وشملهم يشملهم شمَلًا =
(3/196)

مستقبله: يشملهم (1) بفتح العين وضمه، قاله ابن هشام (2) في شرح (3) الفصيح (4).
قوله: (والصحيح عندنا: اندراج النساء في خطاب التذكير، قاله القاضي عبد الوهاب، وقال الإِمام فخر الدين (5): [إِن] (6) اختص الجمع بالذكور فلا (7) يتناول الإِناث، وبالعكس كشواكر وشكر، وإِن لم يختص كصيغة "من" و"ما" (8): يتناولهما، وقيل (9): لا يتناولهما وإِن لم يكن مختصًا، وإن (10) كان متميزًا (11) بعلامة (12) الإِناث فلا (13) يتناول الذكور كمسلمات (14)، وإِن تميز بعلامة الذكور (15) كمسلمين (16)
__________
= وشمولًا عمهم.
انظر مادة: (شمل).
(1) في ز: "يشمل".
(2) في ط: "ابن هاشم".
(3) في ز: "شرحه".
(4) انظر: شرح الفصيح ص 9، وهو مخطوط مصور فلميًا في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى رقم 241 لغة.
(5) "فخر الدين" ساقطة من أ.
(6) المثبت بين المعقوفتين من أوخ وز وش، ولم يرد في الأصل وط.
(7) في أوخ وش: "لا يتناول".
(8) في أوخ وش: "من تناولهما".
(9) في أوخ: "قال: وقيل: لا يتناولهما"، وهو ساقط من ز وش.
(10) في أوخ وش وز وط: "فإن كان".
(11) في أوز وش: "مميزًا".
(12) في خ: "بعلامات".
(13) في أوخ "لا يتناول"، وفي ش: "لم يتناول".
(14) "كمسلمات" ساقطة من أ.
(15) "الذكور" ساقطة من أ.
(16) "كمسلمين" ساقطة من أ.
(3/197)

فلا (1) يتناول الإِناث، وقيل: يتناولهن).
ش: هذا مطلب خامس (2).
وسبب الخلاف (3) في اندراج النساء في خطاب التذكير: هل النظر إلى القاعدة الشرعية (4)، أو النظر إلى القاعدة اللغوية؟.
فنظر القاضي عبد الوهاب القائل بالاندراج إلى القاعدة الشرعية، وهي: أن النساء مثل الرجال في الأحكام الشرعية إلا ما خصه (5) الدليل، ونظر الإمام فخر الدين القائل بالتفصيل إلى القاعدة اللغوية، وهي أن العرب فرقوا [بذلك] (6) بين الصيغ.
قال المؤلف في الشرح: والتحقيق ما قاله الإمام: بأن (7) البحث في المتناول (8) إنما هو بحسب اللغة، فينبغي أن يؤخذ ذلك من اللغة، لا من
__________
(1) في أوخ وش: "لا يتناول".
(2) في ط: "هذا هو المطلب الخامس".
وانظر هذا المطلب في: شرح التنقيح للقرافي ص 198، 199، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 170، 171.
(3) في ط: "هذا الخلاف".
(4) في ز: "الشرعة".
(5) في ط: "ما خصصه".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط، وفي ز: "في ذلك".
(7) في ز وط: "فإن".
(8) في ز وط: "التناول".
(3/198)

الشريعة (1) (2).
قوله: (وقال الإمام فخر الدين: إِن اختص الجمع بالذكور فلا يتناول الإِناث ...) إلى آخره.
حاصل كلام الإمام: أن الخطاب على ثلاثة أقسام: إما مختص، وإما متميز بعلامة، وإما غير مختص ولا متميز بعلامة (3).
فالقسم الأول، الذي هو المختص، فلا يخلو: إما أن يختص بالذكور (4)، وإما أن يختص بالإناث، فالمختص بالذكور لا يتناول الإناث، والمختص بالإناث لا يتناول الذكور (5).
وإلى هذا القسم الأول، الذي هو المختص أشار المؤلف بقوله: "إن اختص الجمع بالذكور فلا يتناول الإناث، وبالعكس".
ومعنى قوله: (وبالعكس): أي: إن اختص بالإناث (6) فلا يتناول الذكور.
قوله: (كشواكر وشكر) هذان مثلان للمختص:
أحدهما: مثال للمختص بالمؤنث [وهو: شواكر] (7).
__________
(1) في ط: "الشرعية".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 198.
(3) انظر: المحصول ج 1 ق 2 ص 621، 622.
(4) في ط: "بالذكورة".
(5) في ط: "الذكورة".
(6) في ز: "الجمع بالإثاث".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/199)

والآخر: مثال للمختص بالمذكر، وهو: شكر بضم الشين والكاف.
قوله: (شواكر (1)) يعني: أن هذا الجمع، الذي هو فواعل (2)، الذي هو: جمع فاعل، وفاعلة (3) مخصوص بالمؤنث مطرد فيها (4) اسمًا وصفة (5)، نحو: فاطمة وفواطم، وعائشة وعوائش، وحائض وحوائض، وطاهر وطواهر، وطامث وطوامث، [وكافرة وكوافر، وصاحبة وصواحب.
ومنه قوله تعالى: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر} (6).
ومنه قوله عليه السلام لعائشة وحفصة (7): "إنكن لأنتُنَّ صواحب
__________
(1) في ط: "كشواكر"
(2) في ط: "فاعل".
(3) في ز وط: "أو فاعلة".
(4) في ط: "فيهما".
(5) في ط: "أسماء صفة".
ويقول ابن هشام: فواعل، ويطرد في فاعلة اسمًا أو صفة، أو في وصف على فاعل لمؤنث كحائض وطالق.
انظر: أوضح المسالك لابن هشام 3/ 266.
(6) آية رقم 10 من سورة الممتحنة.
(7) هي حفصة بنت عمر بن الخطاب، وهي من بني عدي بن كعب، كانت تحت خنيس ابن حذافة السهمي، ثم تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي من المهاجرات، توفيت سنة إحدى وأربعين (41 ه)، وقيل: سنة (45 ه).
انظر: الاستيعاب 4/ 1811، 1812، أسد الغابة 4/ 435، 436.
(3/200)

يوسف" (1)] (2).
ولا يستعمل في المذكر العاقل إلا شذوذًا، وذلك في ألفاظ معلومة، وهي: فارس وفوارس، و (3) هالك وهوالك، و (4) ناكس و (5) نواكس، وناسك (6)
__________
(1) هذا طرف من حديث أخرجه البخاري عن عائشة، وفيه: فقال: "إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس .. " الحديث، كتاب الأذان، باب حد المريض أن يشهد الجماعة 1/ 122.
وأخرجه الإمام مسلم عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: "مروا أبا بكر فليصلّ بالناس" قالت: فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، قالت: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عُمَرَ؟، فقالت له: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكن لأنتُنَّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس ... ".
انظر: صحيح مسلم كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر 2/ 23.
وأخرجه الترمذي عن عائشة في المناقب 5/ 136.
وأخرجه ابن ماجه عن عائشة في سننه (1/ 389) في كتاب الإقامة، باب ما جاء في صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه 1/ 389.
وأخرجه الدارمي في سننه (1/ 39) عن عائشة، وفيه: فقال: "أنتُنَّ صواحب يوسف" وأخرجه الإمام أحمد في المسند (6/ 159) عن عائشة، وفيه: "إنكن صواحب يوسف".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) "الواو" ساقطة من ز.
(4) "الواو" ساقطة من ز وط.
(5) "الواو" ساقطة من ز.
(6) "وناسك" ساقطة من ط.
(3/201)

[ونواسك] (1)، و (2) شاهد وشواهد، و (3) غائب وغوائب (4).
قوله: (وشكر) يعني: أن هذا الجمع الذي هو فعل، بضم الفاء والعين، أعني: فعل الذي هو جمع فعول، نحو: شكور، وصبور، وغفور، ورسول (5) مخصوص بالمذكر فلا يتناول الإناث.
قال المؤلف في الشرح: فلا يتناول فواعل الذكور، ولا يتناول فُعُل الإناث (6).
قوله: (وإن لم يختص كصيغة "من" و"ما" يتناولهما (7)، وقيل: لا يتناولهما، وإِن لم يكن مختصًا).
هذا (8) هو القسم الذي ليس بمختص، ولا متميز (9) بعلامة.
فقوله: (وإِن لم يختص) يعني (10): ولم يتميز بعلامة؛ لأن تمثيله ب "من"
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز، وهو ساقط من ط، وفي الأصل: "ونواكس".
(2) "الواو" ساقطة من ز وط.
(3) "الواو" ساقطة من ز وط.
(4) يقول ابن هشام: وشذ فوارس، ونواكس، وسوابق، وهوالك.
انظر: أوضح المسالك 3/ 266.
(5) يقول ابن هشام: فُعُل بضمتين وهو مطرد في شيئين: في وصف على فعول بمعنى فاعل كصبور وغفور ..
انظر: أوضح المسالك 3/ 259.
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 198.
(7) في ط: "ومن يتناولهما".
(8) في ط: "هل".
(9) في ط: "يتميز".
(10) في ط: "وإن لم".
(3/202)

و"ما" يبين مراده بهذا القسم، فذكر المؤلف في هذا القسم قولين:
قيل (1): بالتناول.
وقيل: بعدم التناول (2).
قوله: (وإن لم يكن مختصًا) تأكيد وإغياء.
قوله: (وإِن لم يختص) الفاعل ليختص هو: الجمع المتقدم في قوله: (إن اختص الجمع بالذكور) صوابه: إن اختص الخطاب؛ لأن الخطاب أعم من الجمع (3)، وإنما قلنا هذا ليصدق كلامه على "من"، و"ما"؛ لأن "من" و"ما" لفظان مفردان (4).
ومثال هذا القسم الذي هو غير مختص ولا متميز (5) بعلامة (6): فعائل؛ فإن هذا الجمع لا يختص بمذكر ولا بمؤنث، فإنه يكون في المذكر (7) والمؤنث.
قال المؤلف في الشرح (8): مثاله في المؤنث: قبيلة وقبائل، ومثاله في المذكر: مقتل ومقاتل (9).
__________
(1) في ط: "وقيل".
(2) انظر هذين القولين في: مختصر ابن الحاجب 2/ 125، المحصول ج 1 ق 2 ص 622، جمع الجوامع 1/ 428، الإحكام للآمدي 2/ 269، البرهان 1/ 360، شرح الكوكب المنير 3/ 240، إرشاد الفحول ص 127.
(3) في ط: "الجميع".
(4) في ط: "مترادفان".
(5) في ط: "يتميز".
(6) في ط وز: "بعلامة أيضًا".
(7) في ز: "بالمذكر".
(8) في ز وط: "في شرحه".
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 198.
(3/203)

وفي كلامه في الشرح نظر من وجهين:
أحدهما: أنه (1) يقتضي: أن فعائل غير مخصوص، مع أن النحاة نصوا على أنه مخصوص بالمؤنث (2)، سواء كانت فيه تاء التأنيث أم لا، ولا فرق في حركات فائه، ولا فرق أيضًا في مفرده بين الألف، والياء، والواو (3)، وإلى ذلك أشار ابن مالك في ألفيته (4)، فقال:
وبفعائل اجمعن فعاله ... وشبهه ذا تاء أو مزاله (5)
قال المرادي: هذا الجمع الذي هو: فعائل، هو لكل رباعي مؤنث بمدة قبل آخره، مختومًا بالتاء (6) أو مجردًا منها.
قال: فاندرج في ذلك خمسة أوزان بالتاء، وخمسة أوزان بلا تاء.
فالتي [بالتاء] (7): "فَعالة" نحو: سحابة وسحائب، وفِعالة نحو رسالة ورسائل، وفُعالة نحو ذؤابة وذوائب، وفعولة نحو حمولة وحمائل، وفعيلة نحو: صحيفة وصحائف، والتي بلا تاء: "فعال" نحو: شمال وشمائل، وفعال نحو: عقاب وعقائب وفعول نحو: عجوز وعجائز، وفعيل
__________
(1) "أنه" ساقطة من ز.
(2) في ز: "في المؤنث".
(3) في ط: "الألف، والواو، والياء".
(4) في ط وز: "الألفية".
(5) انظر: ألفية ابن مالك رقم البيت 822 ص 177، وبهامشها تدقيق لمجموعة من العلماء.
(6) في ط: "بتاء".
(7) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3/204)

نحو: سعيد وسعائد، علم امرأة (1).
ثم قال: يشترط (2) في هذه المثل المجردة (3) من التاء: أن تكون (4) مؤنثة، فلو كانت مذكرة لم تجمع على فعائل إلا نادرًا، كقولهم: جزور وجزائر، وصيد ووصائد (5)، انتهى كلام المرادي (6).
فتبين بهذا: أن فعائل مخصوص بالمؤنث، وقول (7) المؤلف في الشرح (8): إن فعائل غير مختص (9)، فيه نظر.
الوجه الثاني: أن تمثيل فعائل بمقتل ومقاتل فيه نظر أيضًا؛ لأن مقاتل وزنه مفاعل؛ لأن مفرده مقتل على وزن "مفعل".
قوله: (وإِن لم يختص كصيغة "من" و"ما": يتناولهما، وقيل: لا يتناولهما).
حجة القول بالمتناول للمذكر والمؤنث هي (10): الاتفاق على أن من قال: من دخل داري من أرقَّائي (11) فهو حر، فإنه لا يختص بالذكور
__________
(1) انظر: شرح الألفية للمرادي 5/ 66.
(2) في ز: "ويشترط".
(3) في ز: "المجرد".
(4) في ز: "يكون".
(5) في ط: "وصوائد".
(6) انظر: شرح الألفية للمرادي ج 5/ 66، 67.
(7) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "وقال".
(8) في ط وز: "في شرحه".
(9) في ز: "مختصة".
(10) في ز: "وهي".
(11) في ط: "الأرقائي".
(3/205)

اتفاقًا (1).
و (2) حجة القول لعدم تناوله للمؤنث: بأن (3) العرب إنما وضعت "من" و"ما" في الأصل للتذكير (4).
قوله: (وإِن (5) كان متميزًا (6) بعلامة الإِناث فلا (7) يتناول الذكور كمسلمات).
ش: هذا (8) هو القسم الذي هو متميز بعلامة، وهو على نوعين:
أحدهما: متميز بعلامة التأنيث.
والآخر: متميز بعلامة التذكير.
قوله: (كمسلمات (9)) يريد: وشبه ذلك مما فيه علامة تختص بالتأنيث، نحو قولنا: خرجن أو أخرجن (10).
قال المؤلف في شرحه: وأما جمع السلامة بالألف والتاء فتختص بالمؤنث، نحو: هندات، ومسلمات، وعرفات (11)، فلا يتناول المذكر؛ لأن
__________
(1) انظر هذا الدليل في: المحصول ج 1 ق 2 ص 622.
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) في ز: "لأن".
(4) في ط: "للمذكر".
(5) في أوش وخ: "فإن".
(6) في أوز وش: "مميزًا".
(7) في أوخ: "لا يتناول"، وفي ش: "لم يتناول".
(8) في ط: "وهذا".
(9) في ط: "سلامات".
(10) "أو أخرجن" ساقطة من ط.
(11) في ز: "وغرفات".
(3/206)

التاء (1) فيه علامة التأنيث؛ ولذلك حذفت التاء الكائنة في مفرده؛ لئلا يجتمع علامتا (2) تأنيث، هذا نقل النحاة. انتهي نصه (3).
قول (4) المؤلف: الجمع بالألف والتاء مختص (5) بالمؤنث: غير صحيح؛ لأنه يكون أيضًا في المذكر، نحو: طلحة وحمزة.
واعلم أن الجمع بالألف والتاء مطرد (6) في كل اسم فيه تاء التأنيث، سواء كان لمذكر (7) نحو: طلحة وحمزة.
أو لمؤنث (8) نحو مسلمة وفاطمة.
أو لهما (9) معًا، نحو: راوية، وعلامة، ونسابة، ولحانة، وفروقة، وملولة، وحمولة، وصرورة، وهذرة (10)، وهمزة، ولمزة.
ومعنى الراوية: الرجل الكثير الرواية.
ومعنى العلامة: الكثير (11) العلم.
ومعنى النسَّابة: الكثير العلم بالأنساب.
__________
(1) "التاء" ساقطة من ط.
(2) في ط: "علامة".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 198، 199.
(4) في ط وز: "وقول".
(5) في ط: "تختص".
(6) في ط: "مفرد"، وهو تصحيف.
(7) في ط: "المذكر".
(8) في ط: "أو المؤنث".
(9) في ط: "وهما".
(10) المثبت هو الصواب، وفي الأصل وط: "هدرة"، وفي ز: "مدره".
(11) في ز: "الرجل الكثير".
(3/207)

ومعنى اللحَّانة: هو كثير اللحن.
ومعنى الفروقة: هو كثير الفرَق، وهو: الفزع من كل شيء.
ومعنى الملولة هو: كثير الملل (1).
ومعنى الحمولة: هو كثير الحمل.
ومعنى الصرورة: هو الذي لم يحج قط (2).
ومعنى الهَذرة (3) هو: الكثير (4) الكلام فيما لا يعنيه.
ومعنى الهُمزة واللمزة:
قيل: الهمز (5) في الحضرة، واللمز في (6) الغيبة.
وقيل: بالعكس.
وقيل: الهمز (7) بما سوى اللسان من العين أو اليد، أو غيرهما من الجوارح، واللمز (8) باللسان خاصة.
وقيل: هما مترادفان.
__________
(1) في ط: "الملولة كثيرة الملل".
(2) في ز وط: "ويقال أيضًا للذي لم يتزوج قط".
(3) في ز: "المدرة".
(4) في ط: "كثير".
(5) في ط وز: "الهمزة".
(6) في ط وز: "اللمزة".
(7) في ط وز: "الهمزة".
(8) في ط وز: "واللمزة".
(3/208)

وإلى هذا القول بالترادف أشار أبو عبد الله المجاصي في غريب القرآن فقال:
همزة لمزة عيّاب ... ويل له جزاؤه العذاب (1)
قوله: (وإِن تميز بعلامة الذكور كمسلمين فلا (2) يتناول الإِناث (3)، و (4) قيل: يتناولهن).
قال المؤلف في شرحه (5): جمع السلامة بالواو والنون، أو بالياء والنون، نحو: المسلمون والمسلمين (6) خاص بالمذكر؛ لأن الواو فيه علامة الرفع، والجمع، والتذكير، [فلا يتناول المؤنث. انتهى نصه (7).
وذلك: أن النحاة يقولون في الواو في جمع المذكر السالم (8): ست علامات: الجمع، والتذكير] (9)، والسلامة، والعقل، وعلامة الرفع، وحرف الإعراب، وكذلك الياء إلا أنك (10) تعوض فيه علامة الرفع بعلامة النصب والجر (11).
__________
(1) انظر: أرجوزة محمد بن محمد المجاصي في غريب سورة الهمزة ص 94، مخطوط ضمن مجموع من ص 78 - 95، موجود بالمكتبة العامة بالرباط برقم د 1645.
(2) في ش: "لا يتناول".
(3) في أ: "وإن تميز بعلامة لا يتناول الإناث".
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) في ط: "في شرح".
(6) في ز: "نحو مسلمون مسلمين"، وفي ط: "نحو مسلمون ومسلمين".
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 199.
(8) في ز: "السلام".
(9) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(10) في ز: "لأنك".
(11) في ط: "أو الجر".
(3/209)

ويقولون في الألف في التثنية: ثلاث علامات: التثنية، وعلامة الرفع، وحرف الإعراب، [ويقولون في الياء في التثنية: ثلاث علامات: التثنية، وعلامة النصب والخفض (1)، وحرف الإعراب] (2).
قوله (3): (كمسلمين) يريد: وشبه ذلك مما فيه علامة تختص بالتذكير نحو: خرجوا أو أخرجوا.
قوله (4): (فلا يتناول الإِناث) هذا قول الجمهور (5).
و (6) قوله: (وقيل: يتناولهن (7)) هذا قول الآخرين (8).
حجة القول بعدم تناول الإناث: إجماع أهل العربية على أنه: جمع المذكر، فلو تناول الإناث لكان خلاف الإجماع.
__________
(1) في ط: "أو الخفض".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ط: "وقوله".
(4) في ط: "وقوله".
(5) واختار هذا القول الباقلاني، وابن الحاجب، والباجي من المالكية، والغزالي، والجويني، والرازي، وكثير من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة.
انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 109، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي 1/ 152، مختصر المنتهى لابن الحاجب 3/ 124، المحصول ج 1 ق 2/ 623، المستصفى 2/ 79، البرهان 1/ 358، جمع الجوامع 1/ 429، الإحكام للآمدي 2/ 265، شرح الكوكب المنير 3/ 235، مختصر البعلي ص 114، التمهيد 1/ 290 - 296، العدة 2/ 351 - 358، فواتح الرحموت 1/ 273، تيسير التحرير 1/ 231.
(6) "الواو" ساقة ط من ز.
(7) وفي ط: "لا يتناولهن".
(8) اختار هذا القول ابن خويز منداد من المالكية، وأكثر الحنابلة والحنفية، وبعض الشافعية، انظر: المصادر السابقة.
(3/210)

ويدل على ذلك أيضًا: حديث أم سلمة (1) قالت: "يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إن الله عز وجل يذكر الرجال، ولا يذكر النساء"، فنزل قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...} (2) الآية.
حجة القول الشاذ، وهو تناول (3) الإناث بأن: قاعدة العرب إذا قصدوا
__________
(1) هي: أم المؤمنين هند بنت أبي أمية حذيفة بن المغيرة المخزومية، كنيتها بابنها سلمة بن أبي سلمة عبد الله بن الأسد، هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة الهجرتين، وخرج أبو سلمة إلى أحد فأصيب عضده بسهم، ثم برأ الجرح، فأرسله - صلى الله عليه وسلم - في سرية فعاد الجرح ومات منه، فاعتدت أم سلمة، ثم تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، توفيت سنة 59 ه، وقيل: سنة 61 ه، ودفنت بالبقيع.
انظر: الإصابة 4/ 458، الاستيعاب 4/ 454، شذرات الذهب 1/ 69.
(2) آية 35 من سورة الأحزاب.
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (6/ 301 - 305) عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه يومًا إلا ونداؤه على المنبر: "يأيها الناس"، قالت: وأنا أسرّح رأسي فلففت شعري، ثم دنوت من الباب، فجعلت سمعي عند الجريد، فسمعته يقول: "إن الله عز وجل يقول: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}.
وأخرجه الحاكم في المسَتَدرك (2/ 416) وقال: صحيح عَلىَ شرط الشيخين.
وأخرجه ابن جرير، والطبراني عن أم سلمة، وعن ابن عباس، وعن قتادة، كما نقل ذلك ابن كثير في تفسيره (3/ 487)، والسيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (5/ 200).
وأخرجه الترمذي عن أم عمارة الأنصارية، وقال: هذا حديث حسن غريب، في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب (8/ 347، 348)، رقم الحديث 3209.
وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس قال الهيثمي: وفيه قابوس، وهو ضعيف وقد وثق.
انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي 7/ 91.
(3) في ز: "يتناول".
(3/211)

الجمع بين المذكر والمؤنث جمعوا بينهما بلفظ التذكير، تغليبًا للمذكر علي المؤنث؛ لأنهم يقولون: زيد والهندات خرجوا (1)، ومنه قوله تعالى في جزاء (2) آدم وحواء، وإبليس: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} (3).
أجيب عن هذا: بأن هذا ليس بمحل النزاع؛ لأن هذا من باب القصد والإرادة، وكلامنا إنما هو في أصل الوضع اللغوي، لا في قصد المتكلم وإرادته (4).
واعلم: أن التغليب، أي: تغليب أحد الاسمين على الآخر، هو (5) من باب السماع الذي لا يقاس به (6)، ومنه قولهم: الأبوان، في الأب والأم، ومنه قوله تعالى: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُس} (7).
وقولهم: القمران: في القمر، والشمس.
وقولهم: العمران: في أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما.
وهذا كلّه من باب تغليب أحد الاسمين على الآخر، وليس من باب الوضع، فهو إذا مجاز (8)؛ لأن (9) الأب لم يوضع للأم، ولا وضع لفظ عمر
__________
(1) انظر هذا الدليل في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 108.
(2) في ط و"ز": "حق".
(3) آية 38 من سورة البقرة.
(4) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 108.
(5) "هو" ساقطة من ط.
(6) في ز وط: "عليه".
(7) آية رقم 11 من سورة النساء.
(8) في ز وط: "وهو مجاز".
(9) "لأن" ساقة ط من ط.
(3/212)

لأبي بكر، ولا وضع لفظ القمر للشمس.
وقد تقدم لنا أن حاصل كلام المؤلف ثلاثة أقسام:
مختص.
ومتميز (1) بعلامة.
وغير مختص، ولا (2) متميز بعلامة، وهو تأويل المسطاسي (3).
وقال غيره: كلام [المؤلف] (4) يحتوي على قسمين:
جمع تكسير، وجمع سلامة.
ثم قسم جمع التكسير على ثلاثة أقسام:
مختص بالذكور (5).
ومختص بالإناث.
وغير مختص بواحد منهما.
ومعنى قوله - على هذا التأويل -: (وإِن لم يختص كصيغة "من" و"ما") أي: وإن لم يختص جمع التكسير (6) بذكر ولا بأنثى: تناولهما (7) كما
__________
(1) في ط: "ومميز".
(2) في ز: "وإلا"، وفي ط: "ولا مميز".
(3) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 108.
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، وفي الأصل: "المكلف".
(5) في ط: "بالذكر".
(6) في ط: "تكسير".
(7) في ط: "تناولهم".
(3/213)

يتناولهما "من" و"ما".
وقوله: (وقيل: لا يتناولهما) هو (1) قول ثانٍ.
وقوله - على هذا التأويل -: (كصيغة من وما): تنظير، لا تمثيل.
وقوله: (وإن لم يكن مختصًا): تأكيد وإغياء.
وقوله: (وإِن كان (2) متميزًا بعلامة الإِناث) أي: وإن كان جمع السلامة؛ لأن ما تقدم جمع التكسير، وهذا جمع السلامة، ولكن التأويل الأول أعم؛ لأن التأويل الآخر خاص بجمعَي (3) التكسير والسلامة، ولم يدخل فيه غيرهما من ذوات الضمائر، نحو: خرجوا أو أخرجوا (4)، أو خرجن (5)، وأخرجن، وحمل الكلام على العموم أولى من حمله على الخصوص؛ لأن العموم أكثر فائدة من الخصوص.
قال الإمام فخر الدين - في تفسيره (6) الكبير -: النساء غير مخلوقة للعبادة والتكليف، وإنما خلقن إنعامًا وإكرامًا للرجال، وتكليفهن إنما هو من تمام النعمة علينا، لا (7) لتوجه التكليف نحوهن مثل توجهه إلينا.
قال: والدليل على ذلك ثلاثة أشياء: النقل، والحكم، والمعنى.
__________
(1) "هو" ساقطة من ط.
(2) "كان" ساقطة من ط.
(3) في ط: "بجميع".
(4) في ز: "واخرجوا".
(5) في ز وط: "وخرجن"
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "تفسير".
(7) في ط: "إلا".
(3/214)

وأما (1) دليل النقل: فهو قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} (2).
قال: في هذه الآية دليل على أن النساء خلقن لنا كخلق الدواب والنبات لنا، وهذا يقتضي أن النساء غير مخلوقة للعبادة والتكليف.
وأما دليل الحكم: فلأن (3) المرأة لم [تكلف] (4) بكثير من التكليفات (5) التي كلف بها الرجل، كالجمعة والجهاد.
وأما دليل المعنى: فلأن المرأة (6) ضعيفة الخلق، سخيفة العقل، فأشبهت الصبي، فحالها تقتضي ألا تكلف، كما لا يكلف الصبي، ولكن إنما كلفت المرأة؛ لأن النعمة لا تتم على الرجل (7) إلا بتكليف المرأة؛ لتخاف من العذاب فتنقاد (8) لطاعة الزوج، وتمتنع (9) من المحرم (10).
وقال في المحصول أيضًا: لم (11) يوجب الله تعالى على النساء فَهْم
__________
(1) في ز وط: "فأما".
(2) آية رقم 21 من سورة الروم.
(3) في ز: "فإن".
(4) المثبت من "ز" و"ط" وفي الأصل: "تتكلف".
(5) في ز وط: "التكاليف".
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "المرة".
(7) في ط: "الرجال".
(8) في ط: "فتناقد" وهو تصحيف.
(9) في ز: "ويمنع"، وفي ط: "وتمنع".
(10) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي (25/ 110).
وانظر أيضًا: شرح التنقيح للمسطاسي، فقد ذكر كلام الرازي ص 109.
(11) في ط: "لما".
(3/215)

الكتاب، بل أوجب (1) عليهن استفتاء العلماء (2)، فهذا تصريح منه بأن المرأة مخالفة للرجل في الحكم (3).
قال المسطاسي: وهذا كله باطل، بل المرأة والرجل سواء في الحكم بالتكليف الشرعي (4)، والدليل على استوائهما (5) الكتاب، والسنة، والإحماع:
فالكتاب: قوله تعالى: {وَمَا خَلَقتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (6).
معناه: إلا لأمرهم بعبادتي؛ لأن لفظ الإنسان (7) موضوع للذكر والأنثى.
وقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} (8)، ولا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى.
ومن السنة [قوله عليه السلام: "حكمي على الواحد منكم (9) حكمي على الجماعة"] (10).
__________
(1) في ز: "يجب".
(2) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: المحصول ج 1 ق 3 ص 333.
(3) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 109.
(4) "الشرعي" ساقطة من ز.
(5) في ط: "استوائهما في التكليف".
(6) آية رقم 56 من سورة الذاريات.
(7) في ط وز: "الإنس".
(8) آية رقم 59 من سورة النور.
(9) "منكم" ساقطة من ز.
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/216)

و (1) قوله عليه السلام: "النساء شقائق (2) الرجال" (3)، يعني: أن الخلقة فيهم واحدة، وأن الحكم عليهم بالشريعة سواء.
وأما الإجماع: فقد انعقد الإجماع قبل الإمام فخر الدين وبعده على أن (4) النساء والرجال سواء في [التكاليف] (5) الشرعية، إلا ما دل عليه الدليل (6).
وأما دليل النقل الذي استدل به: وهو قوله تعالى: {ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفسِكُمْ أَزوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} (7) فلا دليل فيه؛ لأن كون النساء مخلوقة
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ز: "سقائل".
(3) أخرجه أبو داود عن عائشة قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلامًا؟ قال: "يغتسل"، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: "لا غسل عليه"، فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك، أعليها غسل؟ قال: "نعم، إنما النساء شقائق الرجال".
كتاب الطهارة، باب في الرجل يجد البلة في منامه، رقم الحديث العام 236، 1/ 61.
وأخرجه الإمام أحمد عن عائشة في المسند (6/ 256).
وأخرجه الدارمي في سننه من طريق آخر عن أنس، وفيه: قالت أم سلمة: وللنساء ماء يا رسول الله؟ قال: "نعم، فأين يشبههن الولد، إنما هن شقائق الرجال" كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل (1/ 165).
(4) "أن" ساقة ط من ط.
(5) الثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل: "التكليف".
(6) في ز: "دليل".
(7) آية رقم 21 من سورة الروم.
(3/217)

لسكون الرجال إليهن (1) لا يقتضي عدم تكليفهن؛ إذ لا منافاة بين الأمرين.
وأما دليل الحكم الذي استدل به وهو: أن المرأة لم تكلف بكثير من التكاليف التي كلف بها الرجل: فلا دليل فيه (2) أيضًا، بدليل العبد، والمريض، والمسافر، فإن العبد لم يكلف بكثير من التكاليف [التي كلف بها الحر، وكذلك المريض لم يكلف بكثير من التكاليف] (3) التي (4) كلف بها الصحيح، وكذلك المسافر لم يكلف بكثير من التكاليف التي كلف بها الحاضر، مع أن الجميع مكلفون باتفاق وإجماع (5) من العلماء.
وأما دليل المعنى الذي استدل به وهو: أن المرأة ضعيفة الخلق، سخيفة العقل فأشبهت الصبي: فلا دليل فيه؛ لأن الرجال متفاوتون في مراتب العقل، فكذلك (6) النساء أيضًا متفاوتة في مراتب العقل، فرب رجل يكون أضعف عقلاً من كثير من النساء، ومع ذلك هو مكلف بإجماع، ورب امرأة تكون أكثر عقلاً من كثير من الرجال.
وقد قال عليه السلام في عائشة - رضي الله عنها -: "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء" (7)، وكانت - رضي الله عنها - من سادات العلماء رضي الله عنها.
__________
(1) في ز: "ليس".
(2) في ز: "فيها".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في ز: "الذي".
(5) في ط وز: "مكلفون بإجماع وأما دليل ... " إلخ.
(6) في ط: "وكذلك".
(7) يقول الزركشي في المعتبر: قلت: ذكره ابن الأثير في نهاية الغريب بلا إسناد، وهو يدل على أن له أصلاً، لكن اشتهر بين الحفاظ: أن هذا الحديث لا أصل له. =
(3/218)

وقال عليه السلام: "نِعْم النساء نساء الأنصار، لم (1) يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (2).
فقول (3) الإمام: إن تكليف النساء بما كلفن به إنما هو من تمام النعمة على الرجال، لا لتوجه التكليف نحوهن كتوجهه إلينا:
__________
= ويقول السخاوي في المقاصد: قال شيخنا في تخريج ابن الحاجب من إملائه: لا أعرف له إسنادًا، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير في مادة "حمر"، ولم يذكر من خرّجه.
ويقول صاحب الأسرار المرفوعة: وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير، أنه سأل المزي والذهبي فلم يعرفاه. ويقول أيضًا: وقال شيخنا الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسنادًا.
انظر: المعتبر ص 85، 86، المقاصد الحسنة للسخاوي ص 198، الأسرار المرفوعة لعلي القاري ص 190، 191.
(1) في ط: "ولم".
(2) أخرجه ابن ماجه من حديث طويل عن عائشة: أن أسماء سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الغسل من المحيض، فقال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فَتَطْهُر، فتحسن الطهور، أو تبلغ في الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا، حثى تبلغ شئون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها"، قالت أسماء: كيف أتطهر بها؟ قال: "سبحان الله! تطهري بها" - قالت عائشة كأنها تخفي ذلك -: تتبعي بها أثر الدم، قالت: وسألته عن الغسل من الجنابة، فقال: "تأخذ إحداكن ماء فتطهر، فتحسن الطهور حتى تصب الماء على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها، ثم تفيض الماء على جسدها"، فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين".
انظر: سنن ابن ماجه، رقم الحديث 642، كتاب الطهارة، باب في الحائض كيف تغتسل 1/ 210، 211.
(3) في ط: "قال".
(3/219)

إما أن يريد: أن تكليفهن بما كلفن به (1) لمجرد مصلحة الرجال من غير ثواب ولا عقاب في الآخرة.
أو يريد: أنهن يُثَبْن، ويعاقبن في الآخرة.
فإن أراد الأول: فقد خالف (2) الإجماع، وخالف (3) نص القرآن.
وإن أراد الثاني: فقد استوى الفريقان في الحكم، وهو المطلوب الحق (4).
فتبين بما قررناه: أن النساء مساوية للرجال في التكليف بالأحكام الشرعية؛ لأن حقيقة العقل التي (5) هي مناط التكليف حاصلة (6) للنساء، كما هي حاصلة (7) للرجال.
[وهو] (8): علم ضروري بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات (9)، كما قاله القاضي (10) أبو بكر وإمام الحرمين (11) في حقيقة العقل (12).
__________
(1) "به" ساقطة من ز.
(2) في ط وز: "فذلك خلاف الإجماع".
(3) في ط وز: "وخلاف".
(4) انتهى المؤلف من شرح التنقيح للمسطاسي، وقد نقل بالمعنى.
انظر: شرح التنقيح ص 109، 110.
(5) في ز: "الذي".
(6) في "ز" و"ط": "حاصل".
(7) في ز: "هو حاصل"
(8) المثبت من "ز" وفي الأصل وط "وهي".
(9) في ط: "المستحيلة".
(10) في ز: "الصاخي".
(11) انظر نسبة هذا القول للقاضي أبي بكر في: البرهان، وقد ناقشه إمام الحرمين، فقال: والذي ذكره رحمه الله فيه نظر؛ فإنه بنى كلامه على أن العقل من العلوم الضرورية؛ لأن من لا يتصف بالعقل عار من العلوم كلها.
انظر: البرهان (1/ 111 - 112).
(12) "العقل" ساقطة من ط.
(3/220)

وقيل: حقيقته (1): قوة طبيعية يفصل بها بين حقائق المعلومات (2).
وقيل: جوهر (3) لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات (4).
وقد تقدم التنبيه على ذلك في الفصل الثاني عشر (5)، في حكم العقل بأمر على أمر (6)، وبالله حسن التوفيق (7).
قال المؤلف في الشرح: صيغ العموم وإن كانت عامة (8) في الأشخاص، فهي مطلقة في الأزمنة، والبقاع، والأحوال، والمتعلقات، فهذه الأربعة لا عموم فيها من جهة ثبوت العموم في غيرها، حتى يوجد لفظ (9) يقتضي العموم فيها، نحو: لأصومن الأيام (10)، ولأصلين في البقاع، ولأطيعن الله
__________
(1) في ز: "حقيقة".
(2) انظر هذا التعريف للعقل في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 24.
(3) في ز: "هو جوهر".
(4) انظر هذا التعريف في: المصدر السابق.
وانظر أيضًا تعريف العقل في: البرهان 1/ 112، المستصفى 1/ 23، العدة 1/ 87، التعريفات للجرجاني ص 132، شرح الكوكب المنير 1/ 79، أدب الدنيا والدين للماوردي ص 20.
(5) من الباب الأول في الاصطلاحات.
انظر (1/ 596 - 598) من هذا الكتاب.
(6) "على أمر" ساقطة من ز.
(7) في ط وز: "التوفيق بمنه".
(8) في ز: "عاملة".
(9) في ز: "فقط" وهو تصحيف.
(10) في ز: "من الأيام".
(3/221)

في جميع الأحوال، ولأشتغلن بتحصيل المعلومات (1).
فإذا قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (2) فهذا عام في جميع أفراد المشركين، وهو مطلق في الأزمنة، والبقاع، والأحوال، والمتعلقات، فيقتضي النص قتل (3) كل مشرك في زمان "ما"، في مكان "ما"، في حالة "ما"، وقد أشرك بشيء "ما"، ولا يدل اللفظ على خصوص يوم السبت، ولا مدينة معينة من مدائن المشركين، ولا أن ذلك المشرك طويل أو قصير، ولا أن شركه وقع بالصنم، أو بالكوكب، بل اللفظ مطلق في هذه الأربعة. انتهى نصه (4).
قال بعض الشراح: هذا الذي قاله الشهاب فيه نظر؛ لأن اللفظ العام كما لا دلالة له على تعيين الزمان، والمكان (5)، والحال، والمتعلق (6)، كذلك لا دلالة له على خصوص الشخص، بل ولا على وجوده، وأيضًا يصح الاستثناء من كل واحد من هذه الأربعة، وما يصح (7) استثناؤه وجب اندراجه.
وقد قال ابن عبد السلام [في قول ابن الحاجب] (8) - في كتاب الأيمان -:
__________
(1) في ط: "المعلومة".
(2) آية 5 من سورة التوبة.
(3) في ز: "والمتعلقات فيقتل".
(4) انظر: شرح التنقيح ص 200.
(5) "والمكان" ساقطة من ط.
(6) في ز: "والمتطلق" وهو تصحيف.
(7) في ط: "وما صح".
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/222)

"ولو حلف ما كلمه (1) حنث أبدًا"؛ يعني: أن اليمين (2) تتناول سائر الأزمنة المستقبلة، فلو كلَّمه في أي زمان منها فإنه يحنث، سواء كان بقرب يمينه، أو على بعد منها، ولا أعلم في ذلك خلافًا، وهو مما يضعف قول من قال (3): إن العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة، والبقاع، والأحوال، والمتعلقات، والله أعلم. انتهى (4).
فالحاصل من هذا: أن العام في الأشخاص عام أيضًا في الأزمنة، والبقاع، والأحوال، والمتعلقات؛ فإن التعميم في الأشخاص يلزم منه التعميم في هذه الأشياء المذكورة، وعدم التعميم في هذه الأشياء المذكورة يلزم عنه عدم التعميم في الأشخاص، فإن قتل المشركين في زمان "ما"، ومكان "ما" لا (5) يلزم منه قتل جميع (6) المشركين في الأزمنة (7)، والأمكنة الباقية.
...
__________
(1) في ز: "لا كلمت"، وفي ط: "لا كلم".
(2) في ط: "الإيمان".
(3) في ط وز: "يقول".
(4) انظر: تنبيه الطالب لفهم ألفاظ جامع الأمهات لابن الحاجب، تأليف محمد بن عبد السلام، الجزء الثاني ص 55 من نسخة مصورة فلميًا بمعهد المخطوطات بالكويت برقم 500.
(5) "لا" ساقطة من ز.
(6) "جميع" ساقطة من ط.
(7) في ز: "لعدم القتل في الأزمنة".
(3/223)

الفصل الثالث في مخصصاته (1)
ش: الضمير في مخصصاته عائد على العموم.
ذكر المؤلف - رحمه الله - في هذا الفصل: عدد المخصصات، وشروط المخصصات.
أما عددها [فهي قوله: خمسة عشر (2).
وأما شروطها] (3) فهي: قوله في آخر الفصل: لنا في سائر (4) صور النزاع أن ما يدعى أنه مخصص، لا بد أن يكون منافيًا، وأخص من المخصص.
قوله: (و (5) هي خمس عشرة) هذا على القول المختار عنده، وإلا فقد وجد الخلاف في أكثرها، وجملتها: العقل، والإجماع، والقياس،
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 202 - 215، شرح التنقيح للمسطاسي ص 110 - 117، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 172، 184.
(2) في أوخ: "وهي خمسة عشر"، وفي ش: "وهي عند مالك خمسة عشر".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) "سائر" ساقطة من ز.
(5) "الواو" ساقطة من ز.
(3/225)

والكتاب، والسنة المتواترة، وخبر الآحاد، وفعله عليه السلام، وإقراره، والعوائد، والشرط، والاستثناء، والصفة، و (1) الغاية، والحس، والمفهوم (2)، فهذه خمسة عشر.
[واعلم: أن] (3) هذه المخصصات الخمسة عشر ترجع إلى ستة، وهي: اللفظ، والعقل، والحس، والواقع، والعادة، وقرائن الأحوال، [وسيأتي بيان جميعها إن شاء الله تعالى] (4).
اعلم (5): أن التخصيص على أربعة أقسام وهي: تخصيص المقطوع بالمقطوع.
وتخصيص المظنون بالمظنون.
وتخصيص المقطوع بالمظنون.
وتخصيص المظنون بالمقطوع.
مثال المقطوع بالمقطوع: تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص السنة المتواترة بالسنة المتواترة، [وتخصيص الكتاب بالسنة المتواترة] (6)، وتخصيص
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) في ط: "المفهوم والواقع".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) في ط وز: "واعلم".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/226)

الكتاب بالإجماع أو بالعقل، وتخصيص السنة بالإجماع أو بالعقل (1).
ومثال تخصيص المظنون بالمظنون: تخصيص الآحاد بالآحاد، أو بالقياس.
ومثال تخصيص المقطوع بالمظنون: تخصيص الكتاب، أو السنة (2) المتواترة بالآحاد، وبالقياس.
ومثال المظنون (3) بالمقطوع: تخصيص الآحاد بالكتاب، والسنة (4) المتواترة، أو بالإجماع (5)، أو بالعقل (6).
قوله: (ويجوز (7) عند مالك - رحمه الله -، وعند أصحابه (8) تخصيصه بالعقل، خلافًا لقوم، كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كلِّ شَيْءٍ} (9)، خصص (10) العقل ذات الله تعالى وصفاته).
ش: هذا أول المخصصات، وذلك أن قوله تعالى: {خَالِقُ كلِّ شَيْءٍ} يعم جميع الأشياء من حيث الوضع، فتندرج (11) ذات الله تعالى وصفاته
__________
(1) "أو بالعقل" ساقط من ز.
(2) في ط وز: "والسنة".
(3) في ط وز: "تخصيص المظنون".
(4) في ط وز: "أو السنة".
(5) في ط: "أو بالقياس أو بالإجماع".
(6) ذكر هذه التقسيمات مع أمثلتها المسطاسي في: شرح التنقيح ص 111.
(7) في أوخ وش: "فيجوز".
(8) في ش: "فيجوز عند مالك وأصحابه"، وفي ط: "وعند جمهور أصحابه".
(9) سورة الزمر آية 62.
(10) في أ: "أخر العقل"
(11) في ز: "فيندرج".
(3/227)

العلى (1) في ذلك؛ لأن الله تعالى من الأشياء، لقوله تعالى: {قلْ أَيُ شَيْءٍ أَكبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} (2) ولكن خصص العقل ذات الله تعالى وصفاته من متعلق هذا العموم؛ لأنه ليس بخالق لذاته وصفاته؛ لأن القدرة لا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل، ولا تتعلق إلا بالجائز؛ لأن ذات الله (3) وصفاته واجبة، وليست بجائزة، ولا مستحيلة.
وذلك أن أحكام العقل ثلاثة:
واجب، وجائز، ومستحيل (4).
ولا تعلُّق للقدرة (5) بالواجب ولا بالمستحيل، بل تعلق القدرة خاص بالجائز خاصة، ولفظ الشيء يتناول كل موجود كان واجبًا، أو جائزًا، أو مستحيلاً، فقد (6) تناول لفظ الشيء ذات الله تعالى وصفاته، من جهة وضع اللغة، ولكن أخرج العقل ذلك من عموم اللفظ بعد دخوله في عموم اللفظ، هذا مذهب الجمهور (7).
__________
(1) "العلى" لم ترد في ز.
(2) آية 19 من سورة الأنعام.
(3) في ط وز: "تعالى".
(4) انظر: أحكام العقل في شرح التنقيح للمسطاسي ص 111.
(5) في ط: "ولا تتعلق القدرة"
(6) في ز: "وقد".
(7) انظر مذهب الجمهور في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 11، مختصر ابن الحاجب 2/ 147، المحصول ج 1 ق 3 ص 111، الإحكام للآمدي 2/ 314، المستصفى 2/ 99، البرهان 1/ 408، 409، جمع الجوامع 2/ 24، نهاية السول 2/ 451، شرح الكوكب المنير 3/ 179، العدة 2/ 547، 548، مختصر البعلي ص 122، المسودة ص 118، تيسير التحرير 1/ 273، فواتح الرحموت 1/ 301، إرشاد الفحول ص 156.
(3/228)

وذهبت طائفة قليلة من المتكلمين إلى عدم دخول الذات القديمة في هذا (1) اللفظ (2)، وقالوا: دخول (3) خلاف المعقول تحت اللفظ لا يجوز، فإذا عدم دخوله عدم تخصيصه؛ إذ لا يختص (4) إلا ما يمكن دخوله، فلا دخول (5) ولا تخصيص.
أجيب: بأن ما به (6) دخوله خلاف ما به خروجه؛ لأنه داخل من حيث الوضع، وخارج من حيث العقل.
قوله: (يجوز تخصيصه بالعقل) يعني: تخصيصه بضرورة العقل وبنظره (7).
مثال ضرورته: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (8)، وقوله تعالى (9): {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (10).
ومثال تخصيصه بنظر العقل، قوله تعالى (11): {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
__________
(1) في ز: "حق".
(2) انظر هذا المذهب في المصادر السابقة.
(3) في ز: "دخل".
(4) في ط وز: "لا يخصص".
(5) في ز وط: "فلا".
(6) "ما" ساقطة من ز.
(7) في ط: "أو بنظره".
(8) آية 16 من سورة الرعد، وآية 62 من سورة الزمر.
(9) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(10) وردت هذه الآية في عدة مواضع هي: آية 120 من سورة المائدة، آية 4 من سورة هود، آية 50 من سورة الروم، آية 9 من سورة الشورى، آية 2 من سورة الحديد، آية 2 من سورة التغابن، آية 1 من سورة الملك.
(11) "تعالى" لم ترد في ط.
(3/229)

الْبَيْتِ} (1) الآية.
خرج من عموم (2) اللفظ (3): من لا يفهم، كالصبي، والمجنون؛ لأن العقل دل على استحالة تكليف من (4) لا يفهم، قاله (5) الغزالي (6).
قال المؤلف في الشرح (7): الخلاف في هذه المسألة راجع إلى التسمية (8)، فإن خروج هذه الأمور من هذا (9) العموم لا ينازع (10) فيه مسلم.
وإنما الخلاف: هل يسمى تخصيصًا (11)؟، وأما بقاء (12) العموم على عمومه فلا يقوله مسلم (13).
وهذا الذي قاله المؤلف من كون الخلاف في التسمية، قاله أيضًا
__________
(1) آية رقم 97 من سورة آل عمران
(2) في ز: "العموم"، وفي ط: "عمومه".
(3) "اللفظ" ساقطة من ز وط.
(4) في ط: "ما".
(5) في ز: "قال".
(6) انظر: المستصفى للغزالي 2/ 100، وانظر أيضًا هذه المسألة في: مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 147، المحصول ج 1 ق 3 ص 111، الإحكام للآمدي 2/ 314، نهاية السول 2/ 451، العدة 2/ 548، شرح الكوكب المنير 3/ 280، إرشاد الفحول ص 156.
(7) "في الشرح" ساقط من ط.
(8) في ز: "التميمية" وهو تصحيف.
(9) في ط وز: "هذه".
(10) في ط: "يتنازع".
(11) في ز: "تخصيصًا أم لا" وفي ط: "تخصيصًا أو لا".
(12) في ط: "إبقاء".
(13) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 202.
(3/230)

القاضي عبد الوهاب في "الملخص" (1).
وقاله أيضًا أبو المعالي في "التلخيص" (2).
وقاله أبو جعفر الطبري (3) في "تنقيح الأدلة" (4).
قوله: (وبالإِجماع).
ش: هذا مخصص ثانٍ، أي: يجوز تخصيص العموم بالإجماع (5).
قال سيف الدين: لا أعلم خلافًا في التخصيص (6) به؛ لأنه إذا جاز
__________
(1) انظر نسبة هذا القول للقاضي في شرح التنقيح للمسطاسي ص 111.
(2) انظر نسبة القول لأبي المعالي في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 111.
(3) هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، ولد سنة أربع وعشرين ومائتين (224 ه)، وهو صاحب التفسير الكبير والتاريخ المشهور، كان إمامًا في فنون كثيرة، منها: التفسير، والحديث، والفقه، وكان من الأئمة المجتهدين، توفي رحمه الله سنة (310 ه) ببغداد.
انظر: وفيات الأعيان 4/ 191، 192، تاريخ بغداد 2/ 162، شذرات الذهب 2/ 260.
(4) انظر: النقل عن تنقيح الأدلة للطبري في: شرح المسطاسي ص 111، ولم أجد نسبة هذا الكتاب لابن جرير.
(5) انظر هذا المخصص في: شرح التنقيح للقرافي ص 202، شرح التنقيح للمسطاسي ص 111، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 173، مختصر ابن الحاجب 2/ 150، المحصول ج 1 ق 3 ص 124، الإحكام للآمدي 2/ 327، المستصفى 2/ 102، العدة 2/ 578، شرح الكوكب المنير 3/ 369، مختصر البعلي ص 123، المسودة ص 126، إرشاد الفحول ص 160.
(6) يقول سيف الدين: لا أعرف خلافًا في تخصيص القرآن والسنة بالإجماع.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 327.
(3/231)

تخصيصه بالظواهر فجواز (1) تخصيصه بالإجماع أولى.
مثال التخصيص بالإجماع: قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُم} (2) خرج (3) منه الأخت من الرضاعة، وغيرها من موطوءات الآباء والأبناء بالإجماع (4).
ومثاله أيضًا: قوله تعالى في آية القذف: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لمْ يَأْتوا بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (5)؛ لأنه وقع الإجماع على تنصيف الحد في حق العبد والأمة (6).
و (7) مثال التخصيص بالإجماع أيضًا: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (8) خصصت (9) منه الأمة (10) لأن عدتها حيضتان بالإجماع، قاله ابن العربي في أحكام القرآن (11).
__________
(1) في ط: "يجوز".
(2) آية رقم 3 من سورة النساء.
(3) في ز: "أخرج".
(4) انظر هذا المثال في: شرح التنقيح للقرافي ص 202، شرح التنقيح للمسطاسي ص 111.
(5) آية رقم 4 من سورة النور.
(6) انظر هذا المثال في: مختصر ابن الحاجب 2/ 150، المحصول ج 1 ق 3 ص 124، الإحكام للآمدي 2/ 327، شرح الكوكب المنير 3/ 370، فواتح الرحموت 1/ 352.
(7) "الواو" ساقطة من ط.
(8) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(9) في ز: "وخصصت".
(10) في ط وز: "الأمة المطلقة".
(11) ذكر هذا المثال ابن العربي في أحكام القرآن (1/ 185).
(3/232)

قوله: (والكتاب بالكتاب (1) خلافًا لبعض أهل الظاهر).
ش: هذا مخصص (2) ثالث (3).
مثاله (4): قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (5) خصصه قوله تعالى: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيض} (6) إلى قوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُن} (7) خصصه من عموم اللفظ للحائلات والحاملات، فخصصت باليائسة (8)، والصغيرة، والحاملة،
__________
(1) "بالكتاب" ساقطة من خ.
(2) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "مخصوص".
(3) هذا على رأي الجمهور، وفصل بعض الحنفية، والقاضي أبو بكر، وإمام الحرمين فقالوا: إن عُلم التاريخ فالخاص إن كان متأخرًا خصص العام، وإن كان متقدمًا فلا، بل كان العام ناسخًا للخاص، وإن جهل التاريخ تساقطا؛ لاحتمال بطلان حكم الخاص لتأخر العام.
انظر هذا التفصيل في: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 148، فواتح الرحموت 2/ 345.
وانظر مذهب الجمهور القائلين بالتخصيص مطلقًا في: شرح التنقيح للقرافي ص 202، شرح التنقيح للمسطاسي ص 111، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 173، مختصر ابن الحاجب 2/ 147، 148، المحصول ج 1 ق 3 ص 117، 118، الإحكام للآمدي 2/ 318، 319، شرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 26، شرح الكوكب المنير 3/ 359، 360، فواتح الرحموت 1/ 345، إرشاد الفحول ص 157.
(4) في ز: "مثال".
(5) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(6) آية رقم 4 من سورة الطلاق.
(7) آية رقم 4 من سورة الطلاق.
(8) في ط وز: "فخصص باليائسات".
(3/233)

وخصصت (1) بغير المدخول بها لقوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ من عدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} (2).
[ومثاله أيضًا: قوله تعالِى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (3) خصصه قوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أًجَلُهُنَّ أَن يَضعْنَ حَمْلَهُن} (4).
ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا المشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} (5) خصصه قوله تعالى: {وَالْمحْصَنَاتُ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (6)] (7).
ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (8) خصصه قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهمْ صَاغِرُون} (9).
حجة أهل الظاهر (10): قوله (11): {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِليْهِمْ} (12)؛
__________
(1) في ز: "وخصص"، وفي ط: "وخصصت أيضًا".
(2) آية رقم 49 من سورة الأحزاب.
(3) آية رقم 234 من سورة البقرة.
(4) آية رقم 4 من سورة الطلاق.
(5) آية رقم 221 من سورة البقرة.
(6) آية رقم 5 من سورة المائدة.
(7) المثبت بين المعقوفتين من ط وز، ولم يرد في الأصل.
(8) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(9) آية رقم 29 من سورة التوبة.
(10) انظر هذا المذهب في المصادر السابقة.
(11) في ط وأ: "قوله تعالى".
(12) آية رقم 44 من سورة النحل.
(3/234)

لأنه يقضي (1): أن البيان لا يكون إلا بالسنة، ولا يكون بالقرآن، والتخصيص بيان.
أجيب عنه: بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيك الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (2) والقرآن شيء فيبين نفسه، وهو المطلوب (3).
قوله: (وبالقياس الجلي والخفي للكتاب والسنة المتواترة، ووافقنا الشافعي، وأبو الحسين (4)، وخالفنا الجبائي، وأبو هاشم في القياس مطلقًا.
وقال عيسى بن أبان (5): إِن خص قبله بدليل مقطوع جاز (6)، وإِلا فلا.
__________
(1) في ط وز: "يقتضي".
(2) آية 89 من سورة النحل.
(3) انظر هذا الجواب في: شرح التنقيح للقرافي ص 202، شرح التنقيح للمسطاسي ص 111، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 148، الإحكام للآمدي 2/ 319.
(4) في أوخ وش وط: "ووافقنا الشافعي، وأبو حنيفة، والأشعري، وأبو الحسن البصري، وفي ز: "ووافقنا الشافعي، والأشعري، وأبو الحسين البصري".
(5) هو أبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة، لزم محمد بن الحسن لزومًا شديدًا، وهو من كبار فقهاء الحنفية، وكان شيخًا عفيفًا خيِّرًا فاضلاً سخيًا، ولي قضاء العسكر، ثم قضاء البصرة، توفي رحمه الله بالبصرة سنة إحدى وعشرين ومائتين (221 ه)، من آثاره: "كتاب الحج"، و"خبر الواحد"، و"إثبات القياس"، و"اجتهاد الرأي".
انظر ترجمته في: الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص 151، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية ج 1 ص 401، تاريخ بغداد 11/ 157، الفهرست لابن النديم تحقيق رضا تجدد ص 258.
(6) في ز: "بأن".
(3/235)

وقال الكرخي: إِن خص قبله بدليل منفصل جاز، وإِلا فلا.
وقال ابن شريح (1) وكثير من الشافعية: يجوز بالجلي (2) دون الخفي.
و (3) اختلف في الجلي والخفي، فقيل: الجلي: قياس المعنى، والخفي: قياس الشبه، وقيل: الجلي: ما تفهم (4) علته، كقوله عليه السلام: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (5).
__________
(1) في خ وش: "ابن سريج" وهو المشهور من اسمه، وذكره بعضهم أنه ابن شريح، وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، الفقيه الشافعي ولد سنة 249 ه، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي، وروى الحديث عن الحسين بن محمد الزعفراني، وكان من عظماء الشافعية، قام بنصرة مذهب الإمام الشافعي، ومنه انتشر المذهب، ورد على المخالفين، وولي القضاء بشيراز، توفي رحمه الله سنة ست وثلثمائة (306 ه) ببغداد.
انظر ترجمته في: طبقات الشافعية للسبكي، تحقيق الطناحي والحلو 3/ 21 - 28، وفيات الأعيان 1/ 66 - 67، البداية والنهاية 11/ 129، مرآة الجنان 2/ 246، شذرات الذهب 2/ 247.
(2) في ط: "الجلي".
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في أ: "ما يفهم".
(5) أخرجه الإمام البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: كتب أبو بكرة إلى ابنه وكان بسجستان بألا تقضي بين اثنين وأنت غضبان؛ فإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان".
انظر: صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب: هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان 4/ 236.
وأخرجه الإمام مسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة وفيه: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يحكم بين اثنين وهو غضبان" انظر: كتاب الأقضية باب كراهية قضاء القاضي وهو غضبان (5/ 132). =
(3/236)

وقيل: ما يُنقض (1) القضاء بخلافه، وقال الغزالي: إِن استويا توقفنا، وإِلا طلبنا الترجيح، وتوقف القاضي أبو بكر وإِمام الحرمين، وهذا إِذا كان أصل القياس متواترًا، فإِن كان خبر واحد كان الخلاف أقوى.
لنا: أن (2) اقتضاء النصوص تابع للحكم، والقياس مشتمل على علة الحكمة (3) فيقدم (4)).
ش: هذا مخصص رابع، ذكر المؤلف في تخصيص العموم بالقياس (5) سبعة أقوال:
__________
= وأخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بلفظ: "لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان" في كتاب الأقضية، باب القاضي يقضي وهو غضبان (3/ 302).
وأخرجه النسائي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بلفظ: "لا يقضين أحد في قضاء بقضاءين، ولا يقضي أحد بين خصمين وهو غضبان".
انظر: سنن ابن ماجه، كتاب القضاة في النهي عن أن يقضي في قضاء بقضاءين 8/ 247.
وأخرجه ابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بلفظ: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" انظر حديث رقم 2316، كتاب الأحكام باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان 2/ 776.
(1) في ط: "تنقض".
(2) "أن" ساقطة من ز.
(3) في ش: "الحكم".
(4) "فيقدم" ساقطة من ز.
(5) يقول أحمد حلولو: كان الأولى في حق المصنف ألا يذكر التخصيص بالقياس إلا بعد استيفاء الكلام على تخصيص الكتاب والسنة، والتخصيص بهما، وكذا ذكره حقيقة القياس الجلي والخفي، الأولى عدم ذكره وتأخيره إلى محله.
انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 176.
(3/237)

قولان متقابلان (1)، وأربعة بالتفصيل، والقول السابع بالوقف.
مثال تخصيص القياس الجلي للكتاب: قوله تعالى: {فَاقْتلُوا الْمُشْرِكِينَ} (2) خصصه قوله عليه السلام: "نهيت (3) عن قتل النساء والصبيان" (4)، ثم قاسوا عليهما (5) الأحبار، والرهبان، والشيخ الفاني، بجامع عدم الإذاية، وهذه العلة ظاهرة.
ومثال تخصيص القياس الخفي للكتاب قوله تعالى: {وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} (6)
__________
(1) القولان المتقابلان هما:
القول الأول وهو: جواز تخصيص اللفظ العام بالقياس مطلقًا، وبينه القرافي بقوله: وافقنا الشافعي، وأبو الحسين البصري ونسبه ابن الحاجب والآمدي للأئمة الأربعة، والأشعري، وأبي هاشم، وأبي الحسين البصري.
القول الثاني: تقديم العام على القياس، وهو مذهب الجبائي والرازي، ونسبه القرافي والغزالي لأبي هاشم الجبائي، ونسبه في المسودة لابن شاقلا والجزري من الحنابلة.
انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 153، 154، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 174، المستصفى 2/ 122، المحصول ج 1 ق 3 ص 148، جمع الجوامع 2/ 29، نهاية السول 2/ 463، المعالم للرازي ص 295، الإحكام للآمدي 2/ 337، العدة 3/ 559، شرح الكوكب المنير 3/ 377، 378، المسودة ص 119، 120، مختصر البعلي ص 124، تيسير التحرير 1/ 321، فواتح الرحموت 1/ 357، أصول السرخسي 1/ 142، كشف الأسرار 1/ 294.
(2) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(3) في ز: "ونهيت".
(4) سبق تخريج هذا الحديث.
(5) في ط: "عليه".
(6) قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} آية 173 من سورة البقرة.
(3/238)

فقاسوا جلده على لحمه.
ومثاله من السنة قوله عليه السلام: "ألا إن لحوم الحُمُر الأهلية حرام" (1) فقاسوا جلدها على لحمها.
قوله: (وقال عيسى بن أبان: [إن خص قبله بدليل مقطوع بصحته (2) جاز، وإِلا فلا).
هذا هو القول الثالث: يعني: أن عيسى بن أبان] (3) من الحنفية قال: إن خص العموم قبل القياس عليه (4) بدليل مقطوع بصحته، فإن القياس يجوز، وإن خص العموم قبل القياس بدليل مظنون وهو خبر الآحاد، أو كان العموم غير مخصوص أصلاً فإن القياس لا يجوز (5).
__________
(1) لم أجده بهذا اللفظ، وأما معناه فقد رواه بألفاظ مختلفة عدد من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبدالله بن أبي أوفى، والبراء ابن عازب، وسلمة بن الأكوع، وأنس بن مالك، وغيرهم.
وأكتفي بذكر ما رواه علي بن أبي طالب، فقد أخرجه البخاري عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل الحمر الإنسية. كتاب المغازي، غزوة خيبر 3/ 52.
وأخرجه الإمام مسلم عن علي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية.
انظر: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة (4/ 134).
وأخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب في كتاب النكاح، باب ما جاء في تحريم نكاح المتعة، رقم الحديث العام 1121، (4/ 82).
(2) "بصحته" ساقطة من ز.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) "عليه" ساقطة من ط.
(5) انظر نسبة هذا القول لعيسى بن أبان من الحنفية في: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 174، 175، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 153، 154، =
(3/239)

مثال المخصوص بدليل مقطوع: حديث عبادة بن الصامت (1)، وهو قوله عليه السلام: "البُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح ربًا، إلا هاء وهاء"
لأن هذا الحديث مقطوع بصحته، وهو تخصيص قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّه الْبَيعَ} (2)، ثم قاسوا الأرز على هذه الأربعة بجامع الاقتيات والادخار.
ومثال التخصيص بدليل مظنون, وهو خبر الآحاد: قوله (3) عليه السلام: "أحلت لنا ميتتان ودمان؛ فالميتتان: الحوت والجراد, والدمان: الكبد والطَّحال" (4)
__________
= الإحكام للآمدي 2/ 337، المستصفى 2/ 123، جمع الجوامع 2/ 29، نهاية السول 2/ 463، 464، المحصول ج 1 ق 3 ص 148.
(1) هو الصحابي الجليل عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري، الخزرجي، شهد العقبة مع السبعين من لأنصار وشهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى كثيرًا من الأحاديث، وروى عنه أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: أبو أمامة الباهلي، ورفاعة بن رافع، ومحمود بن الربيع، وجهه عمر رضي الله عنه إلى الشام قاضيًا ومعلمًا فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، وتوفي بها، ودفن ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين (34 ه)، وقيل: مات بالرملة من أرض الشام.
انظر: الإصابة 3/ 624 - 626، الاستيعاب 2/ 807 - 809، الطبقات الكبرى لابن سعد 3/ 546.
(2) آية رقم 275 من سورة البقرة.
(3) في ط "كقوله".
(4) أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أحلت لكم ميتتان ودمان؛ فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال".
انظر: حديث رقم 3314، كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال 2/ 1102. =
(3/240)

كما نظمه المجاصي في أرجوزته قائلا (1):
أحلت (2) لنا السنة ميتتين (3) ... ومثلها من الدماء اثنين
الحوت والجراد فيما قالوا ... ثم الدماء الكبد والطحال (4)
وذلك أن هذا الحديث تخصيص لقوله (5) تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكم الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} (6).
فلا يجوز القياس على هذا العموم؛ لأن دليل تخصيصه مظنون، فلا يقاس على الجراد على هذا ميتة ما لا نفس له سائلة، كالحلزون مثلاً [بجامع عدم الدم] (7).
[قال ابن العربي في أحكام القرآن في سورة البقرة: والصحيح: أن الكبد والطحال (8) ليس (9) بتخصيص للدم؛ لأن الكبد (10) والطحال (11) لحم، يشهد
__________
= وأخرجه الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال".
انظر: المسند 2/ 97.
(1) في ز: "حيث قال".
(2) في ز وط "حلت".
(3) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "ميتتان".
(4) في ز: "الطيحال" ولم أتمكن من توثيق هذين البيتين من أرجوزة المجاصي، وهو مخطوط من مجموع (78 - 95) بالمكتبة العامة بالرباط رقم د 1645.
(5) في ز: "بقوله".
(6) آية رقم 3 من سورة المائدة.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) في ز: "الطيحال".
(9) في ط: "فليس".
(10) "لأن الكبد" ساقطة من ز.
(11) في ز: "الطيحال"
(3/241)

لذلك العيان الذي لا يعارضه بيان، ولا يفتقر إلى (1) برهان] (2).
قوله: (وقال الكرخي: إِن خص قبله بدليل منفصل جاز وإِلا فلا).
هذا هو القول (3) الرابع، معناه: قال أبو ثور الكرخي (4) من الحنفية: إن خص العموم قبل القياس لدليل منفصل عن العموم، سواء كان ذلك الدليل مقطوعًا أو مظنونًا جاز القياس، بخلاف ما إذا خص بدليل متصل بالعموم في اللفظ، فلا يجوز القياس عليه (5).
مثال تخصيصه بالدليل (6) المنفصل: حديث عبادة بن الصامت، وهو قوله المتقدم: "البُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر ... " إلى آخر الحديث (7)، فهو تخصيص لقوله تعالى: {وَأَحَّلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (8) فيجوز قياس الأرز على
__________
(1) انظر: أحكام القرآن لابن العربي، في سورة البقرة، في تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلحْمَ الْخِنزِيرِ} من الآية 173، 1/ 54.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في ط: "الفصل".
(4) الصواب أبو الحسن الكرخي، وقد سبقت ترجمته.
(5) انظر نسبة هذا القول للكرخي في: شرح التنقيح للقرافي ص 203، شرح التنقيح للمسطاسي ص 112، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 874، المحصول ج 1 ق 3 ص 148، الإحكام للآمدي 2/ 337، نهاية السول 2/ 463، 464، جمع الجوامع 2/ 28، إرشاد الفحول ص 159.
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "بدليل".
(7) في ط وز: "والتمر بالتمر، والملح بالملح، ربًا إلا هاء وهاء".
(8) آية رقم 275 من سورة البقرة.
(3/242)

هذه الأربعة المذكورة بجامع الاقتيات والادخار.
ومثال تخصيصه بالدليل المتصل بالعموم في اللفظ: قوله عليه السلام: "لا صلاة (1) بعد الفجر إلا ركعتي الفجر" (2).
فإن نفي (3) النوافل بعد طلوع الفجر خصص منه ركعتا الفجر، فلا يقاس: الوِتْرُ والوِرْدُ (4) على ركعتي الفجر عند الكرخي؛ لأن دليل التخصيص متصل.
قوله: (وقال ابن شريح وكثير من الشافعية: يجوز بالجلي دون الخفي).
هذا قول خامس معناه: يجوز تخصيص العموم بالقياس الظاهر البيِّن، ولا يجوز تخصيص العموم بالقياس الخفي (5).
قوله: (واختلف في الجلي والخفي).
__________
(1) في ز وط: "لا صلاة نافلة".
(2) سبق تخريج هذا الحديث.
(3) في ط: "فنفي".
(4) في ز: "والوتر دل".
(5) انظر نسبة هذا القول لابن سريج في: شرح التنقيح للقرافي ص 203، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 174، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 153، الإحكام للآمدي 2/ 337، نهاية السول 2/ 463، 464، المحصول ج 1 ق 3/ 149، شرح الكوكب المنير 3/ 378، مختصر البعلي ص 124، تيسير التحرير 1/ 322، فواتح الرحموت 1/ 357، إرشاد الفحول ص 159.
(3/243)

معناه: واختلف على هذا القول في تفسير القياس (1) الجلي، والقياس الخفي على ثلاثة أقوال.
قوله: (فقيل: الجلي قياس المعنى، والخفي قياس الشبه) (2).
ومعنى قياس المعنى: هو القياس المشتمل على الوصف المناسب للحكم، ويقال له (3) أيضًا: قياس العلة.
ومعنى قياس الشبه: هو القياس (4) المشتمل على الوصف المستلزم للمناسب، ويقال له (5): قياس الشبهة.
مثال القياس المشتمل على الوصف المناسب للحكم (6): قياس الأرز على البر بجامع الاقتيات والادخار.
ومثاله أيضًا: قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار.
ومثال القياس المشتمل على الوصف المستلزم للمناسب: قياس الخل على الدهن في عدم إزالة النجاسة (7)، بجامع كون القنطرة لا تبنى على جنسه،
__________
(1) في ز: "قياس".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 203، شرح التنقيح للمسطاسي ص 113، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 174، المحصول ج 1 ق 3 ص 149، المستصفى 2/ 131، 132، نهاية السول 2/ 464، شرح الكوكب المنير 3/ 378، 379، روضة الناظر مع نزهة المخاطر 2/ 170.
(3) "له" ساقطة من ز.
(4) في ط: "قياس".
(5) في ط وز: "أيضًا".
(6) "للحكم" ساقطة من ز وط.
(7) في ط وز: "النجاسة به".
(3/244)

فيقال: الخل مائع، لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا تزال به النجاسة قياسًا على الدهن.
فالوصف الذي هو كونه لا تبنى القنطرة على جنسه غير مناسب، ولكن مستلزم للمناسب، الذي هو: القلة؛ لأن العادة (1) جارية بأن القناطير (2) [لا تبنى] (3) إلا على المائع الكثير كالأنهار، ولا تبنى على المائع القليل، والقلة وصف مناسب لعدم مشروعية الطهارة (4) بالمائع المتصف بها، أي: بالقلة، فإن الطهارة شرع عام، والشرع (5) العام يقتضي: أن تكون أسبابه عامة الوجود (6) في كل زمان ومكان، رفقًا ولطفًا من الله تعالى (7) لعباده، فأما تكليف الكل بما لا يجده إلا البعض فبعيد عن القواعد (8)، فالوصف الذي هو كونه لا تبنى القنطرة على جنسه ليس بمناسب؛ لعدم مشروعية (9) الطهارة به، ولكنه مستلزم للقلة: التي هي وصف مناسب لعدم مشروعية الطهارة (10).
قوله: (فقيل: الجلي قياس المعنى، والخفي قياس الشبه)؛ وذلك
__________
(1) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "القاعدة".
(2) في ط: "فإن القناطر".
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(4) في ز: "الطاهرة".
(5) في ط: "والشرط".
(6) "الوجود" ساقطة من ز.
(7) "تعالى" لم ترد في ز وط.
(8) في ز: "القاعدة".
(9) المثبت من ز، وفي الأصل: "مشروعة".
(10) في ز وط: "الطهارة به".
(3/245)

أن الوصف باعتبار القياس إما أن يكون مناسبًا، وإما ألا يكون مناسبًا، ولكن هو (1) مستلزم للمناسب، وإما أن لا يكون مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب.
فالوصف المناسب معتبر باتفاق، والوصف الذي ليس مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب لا يعتبر، بل هو ملغى بإجماع، وهو الذي يقال له: وصف طردي (2)، والوصف الذي هو مستلزم للمناسب مختلف فيه:
قيل: باعتباره.
وقيل: بعدم اعتباره.
وسيأتي بيان ذلك في باب القياس إن شاء الله تعالى؛ لأن ذلك موضعه (3) بالذات.
قوله: (وقيل: الجلي: ما تفهم علته) أي: القياس الجلي: هو القياس الذي تظهر علته للسامع بأول وهلة (4) أي: ببديهة العقل (5)، كقوله عليه السلام: "لا يقضي القاضي وهو غضبان".
لأن هذا المنصوص (6) يفهم منه السامع أول سماعه: أن علة منع القضاء
__________
(1) "هو" ساقطة من ط.
(2) في ز: "مرعي" وهو تصحيف.
(3) في ز: "موضوعه".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 205، شرح التنقيح للمسطاسي ص 113، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 176، 177، المحصول ج 1 ق 3 ص 149، المستصفى 2/ 131، روضة الناظر مع نزهة المخاطر العاطر 2/ 170.
(5) في ط وز: "ببديهة العقل أي: بأول مراتب العقل".
(6) في ز: "هذه النصوص".
(3/246)

هو (1) التشويش (2) للفكر، فيقاس على ذلك كل ما يشوش الفكر: كالجوع، والعطش، والهم، والحاقن، وغير ذلك مما ظهر (3) فيه تشويش الفكر (4).
قوله: (ما تفهم علته) فيه تجوز بحذف مضاف تقديره: ما تفهم حكمة علته؛ لأن العلة التي جعلها الشارع لمنع القضاء هي: الغضب، وأما كونه يشوش الفكر: فهو الحكمة التي لأجلها (5) صار الغضب علة.
والتعليل بالحكمة مختلف فيه كما سيأتي في باب القياس إن شاء الله.
قوله: (والخفي (6) ما لا (7) تفهم [يعني: أن الخفي ما لا تفهم علته] (8) إِلا بعد تدبر وتفكر.
مثاله: قياس الأرز على البر بجامع الاقتيات (9) والادخار، وكذلك قياس النبيذ على الخمر بجامع السكر؛ لأن العلة لا تفهم فيهما (10) بأول
__________
(1) في ط: "هي".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "التشوش".
(3) "ظهر" ساقطة من ط.
(4) في ط: "الكفر" وهو تصحيف.
(5) في ز: "من أجلها".
(6) في ز: "والجلي ما تفهم علته، والخفي ... " إلخ، وفي ط: "وقيل: الجلي ما تفهم علته يعني: والخفي ما لا تفهم علته".
(7) المثبت من ز، ولم ترد "لا" في الأصل.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(9) المثبت من ز، وفي الأصل: "الاقتات".
(10) في ز: "فيها".
(3/247)

وهلة، ولا تفهم إِلا بعد بحث ونظر).
قوله: (وقيل: ما ينقض القضاء بخلافه).
أي: معنى القياس الجلي هو: القياس الذي ينقض به قضاء القاضي (1) إذا خالفه (2).
[يعني: ومعنى القياس الخفي هو: القياس الذي لا ينقض به قضاء القاضي إذا خالفه] (3).
قالوا: ينقض قضاء القاضي إذا خالف الإجماع، أو النص، أو القياس الجلي، أو القواعد.
قال المؤلف في الشرح: قول من قال: القياس الجلي ما ينقض القضاء بخلافه، هو (4): تفسير يلزم منه الدور، فإن الفقهاء يقولون: ينقض قضاء القاضي إذا خالف الإجماع، أو النص، أو القواعد، أو القياس الجلي، فهذا (5) يقتضي أن يكون القياس الجلي معلومًا قبل النقض، فإذا عرف (6) بالنقض توقف معرفة كل واحد منهما على معرفة الآخر (7).
__________
(1) في ز: "القضاء".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 203، شرح التنقيح للمسطاسي ص 113، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 177، المحصول ج 1 ق 3 ص 150، شرح الكوكب المنير 3/ 379.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز: "وهو".
(5) في ز: "فهذه".
(6) في ط: "عد".
(7) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 205.
(3/248)

قوله: (وقال الغزالي: إِن استويا توقفنا (1)، وإِلا طلبنا الترجيح) (2).
هذا هو القول السادس في جواز التخصيص بالقياس، ومعناه: إن استوى (3) العموم والقياس في القوة والضعف (4) وجب التوقف، فلا يقدم أحدهما على الآخر حتى يرد البيان؛ لأجل كونهما قويين معًا، أو ضعيفين معًا في نظر المجتهد.
قوله: (وإِلا طلبنا الترجيح)، أي: وإن لم يستويا في القوة والضعف طلبنا الراجح منهما، فنقدمه على المرجوح؛ إذ (5) العمل بالراجح متعين.
ووجه هذا القول: أن مراتب القياس مختلفة، وكذلك مراتب العموم مختلفة أيضًا، وإنما قلنا: إن (6) مراتب القياس مختلفة؛ لأن القياس على أصل متفق عليه أقوى من القياس على أصل مختلف فيه، والقياس الذي
__________
(1) في ز: "توقفنا".
(2) يقول الغزالي: فكذلك العموم والقياس إذا تقابلا، فلا يبعد أن يكون قياس قوي أغلب على الظن من عموم ضعيف، أو عموم قوي أغلب على الظن من قياس ضعيف، فنقدم الأقوى، وإن تعادلا فيجب التوقف.
انظر: المستصفى 2/ 134.
وانظر: شرح التنقيح للقرافي ص 203، 205، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 175، المحصول ج 1 ق 3 ص 151، نهاية السول 2/ 463، فواتح الرحموت 1/ 358، إرشاد الفحول ص 159.
(3) في ط: "استويا".
(4) في ز: "والطبع" وهو تصحيف.
(5) "إذ" ساقطة من ز.
(6) "إن" ساقطة من ط.
(3/249)

ثبتت (1) علته بالنص أقوى من القياس الذي ثبتت (2) علته [بالاستنباط، والقياس الذي ثبتت (3) علته بالإيماء أقوى من القياس الذي ثبتت (4) علته] (5) بالمناسبة، إلى غير ذلك، كما سيأتي في ترجيح الأقيسة إن شاء الله.
وإنما قلنا أيضًا: إن مراتب العموم مختلفة؛ لأن العموم الذي قلَّت أنواعه أقوى من العموم الذي كثرت أنواعه، والعام الذي لم تجر العادة باستعماله مجازًا أقوى من العام الذي جرت العادة باستعماله مجازًا، والعام المتفق على تخصيصه أقوى من العام المختلف في تخصيصه، إلى غير ذلك، وسيأتي بيان الترجيح في باب التعارض والترجيح إن شاء الله تعالى.
قال المؤلف في شرحه: و (6) هذا مذهب حسن، يعضده (7) قوله (8) عليه السلام: "نحن (9) نحكم بالظاهر، والله متولي السرائر" (10).
__________
(1) في ط: "تثبت".
(2) في ط: "تثبت".
(3) في ط: "تثبت".
(4) في ط: "تثبت".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) "الواو" ساقطة من ز.
(7) في ز: "يقصد".
(8) في ز: "قال".
(9) "نحن" ساقطة من ز.
(10) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 206.
ويقول الزركشي في المعتبر (ص 99): هذا الحديث اشتهر في كتب الفقه وأصوله، وقد استنكره جماعة من الحفاظ، منهم: المزي، والذهبي، وقالوا: لا أصل له، =
(3/250)

قوله: (وتوقف القاضي أبو بكر وإِمام الحرمين).
هذا هو القول السابع في جواز التخصيص بالقياس، وهو: القول بالتوقف (1) (2).
قوله: (وهذا إِذا كان أصل القياس متواترًا، فإِن كان خبر (3) واحد كان الخلاف أقوى).
ش: يعني: أن الخلاف المذكور في جواز التخصيص بالقياس مخصوص بما إذا كان حكم أصله ثبت بالتواتر، كنص الكتاب والسنة المتواترة، أو
__________
= وأفادني شيخنا علاء الدين مغلطاي - رحمه الله تعالى -: أن الحافظ أبا طاهر إسماعيل بن إبراهيم بن أبي القاسم الجنزوي رواه في كتابه إدارة الحكام، في قصة الكندي والحضرمي اللذين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصل حديثهما في الصحيحين، فقال المقضي عليه: قضيت عليّ والحق لي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أقضي بالظاهر، والله يتولى السرائر".
وذكره السخاوي في المقاصد، وقال: إنه لا وجود له في كتب الحديث المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وجزم العراقي بأنه لا أصل له، وكذا أنكره المزي وغيره، وذكر السخَاوي ما ذكره الشيخ مغلطاي، ثم قال: وقال شيخنا: ولم أقف على هذا الكتاب، ولا أدري أساق له إسماعيل المذكور إسنادًا أم لا؟.
انظر: المقاصد (ص 91، 92)، كشف الخفاء (1/ 222 - 223).
(1) انظر نسبة هذا القول للقاضي أبي بكر وإمام الحرمين في: شرح التنقيح للقرافي ص 205، 206، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 175، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 153، 154، البرهان 1/ 428، الإحكام للآمدي 2/ 337، نهاية السول 2/ 463, 464، المحصول ج 1 ق 3 ص 151، المسودة ص 120، تيسير التحرير 1/ 322، فواتح الرحموت 1/ 358.
(2) في ز: "بالوقف".
(3) في ط: "فإن القياس خير".
(3/251)

الإجماع، وأما إن كان حكم (1) أصل القياس ثبت بخبر الآحاد كان الخلاف أقوى في منع التخصيص به؛ لضعف أصله.
قوله: (لنا: أن اقتضاء النصوص تابع للحكم، والقياس مشتمل على الحكمة (2) فيقدم (3)).
ش: هذا حجة القول الأول الذي عليه الجمهور، وهو القول بجواز التخصيص بالقياس (4)؛ وذلك: أن النصوص تقتضي الأحكام، والأحكام تابعة للحكم والمصالح؛ لأن الأحكام إنما شرعت لمصالح العباد، فلما (5) كانت النصوص تابعة للحكم صارت الحكمة أصلاً، وصار النص فرعًا عنها؛ لأن المتبوع أصل والتابع فرع، فإذا تعارض الأصل مع الفرع قدم الأصل على الفرع (6)، فيقدم القياس على العموم على هذا؛ لأن القياس على هذا كالأصل لاشتماله على الأصل الذي هو الحكمة، فلو قدم العموم على القياس لكان فيه تقديم الفرع على الأصل، هذا معنى هذا الدليل الذي قرره المؤلف ها هنا في الأم (7).
__________
(1) "حكم" ساقطة من ز.
(2) في ش: "مشتمل على الحكم".
(3) "فيقدم" ساقطة من أ.
(4) انظر أدلة هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 203، شرح التنقيح للمسطاسي ص 112، المستصفى 2/ 128، 129، المعالم للرازي ص 295، 296، تحقيق عائش أبو الريش، المحصول ج 1 ق 3 ص 152، إحكام الفصول في أحكام الأصول ج 1/ 187، 188
(5) في ز: "فلو".
(6) ذكر هذا الدليل المسطاسي في شرح التنقيح ص 112.
(7) أي في متن التنقيح.
(3/252)

ودليل آخر على تقديم (1) القياس على العموم قرره المؤلف في الشرح، وهو: أن تقديم العموم على القياس يؤدي إلى تقديم الضعيف على القوي؛ لأن دلالة العام على ذلك الخاص أضعف من دلالة الخاص على ذلك الخاص؛ لجواز (2) إطلاق العام بدون إرادة الخاص، ولا يجوز إطلاق الخاص بدون إرادة ذلك الخاص؛ إذ ليس له مدلول غيره.
قال المؤلف في الشرح: وذلك أن القياس دليل شرعي، والعموم دليل شرعي، وهما متعارضان فلا يصح إعمالهما؛ لئلا يجتمع النقيضان، ولا يصح إلغاؤهما؛ لئلا يرتفع النقيضان، ولا يصح إعمال العام دون القياس؛ لأنه يؤدي إلى تقديم الأضعف (3) وهو العام، على الأقوى وهو القياس، وإنما قلنا بضعف العام وقوة القياس؛ لأن العام يجوز إطلاقه بدون إرادة الخاص، ولا يجوز إطلاق الخاص بدون إرادة القياس، فإذا انبطلت هذه الأوجه الثلاثة تعين الوجه الرابع، وهو تقديم القياس على العام، وهو المطلوب.
وبيانه بالمثال: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّه الْبَيْعَ} (4) يقتضي بعمومه: حل بيع الأرز متفاضلاً ونسيئة، والقياس على البر يمنع (5)، فإن أعملناهما أبحنا التفاضل بالآية ومنعناه (6) بالقياس فيجتمع النقيضان، وإن ألغيناهما فنلغي
__________
(1) في ز: "تقدم".
(2) في ز: "بجوار".
(3) في ط: "الضعف".
(4) آية 275 من سورة البقرة.
(5) في ط وز: "يمنع ذلك".
(6) في ط: "ومعناه".
(3/253)

الحل من الآية ونلغي التحريم من القياس، فيحل ولا يحل، و (1) ذلك ارتفاع النقيضين، أو الجمع بين النقيضين، فإن إلغاء (2) العام يقتضي ألا يحل، وإلغاء القياس يقتضي ألا يحرم، فإن قدمنا العام لزم تقديم الأضعف؛ إذ يجوز إطلاق العام بدون إرادة الأرز، وقياس الأرز (3) لا (4) يمكن أن يثبت بدون التحريم في الأرز.
قال المؤلف في الشرح: وهذه الدلالة مطردة في جميع صور التخصيص على هذا التقدير (5).
قال بعض الشراح (6): ودليل آخر على تقديم القياس على العام: أن في (7) ذلك جمعًا بين الدليلين، بخلاف ما إذا قدم العام، فليس فيه إلا إعمال دليل وإلغاء الآخر (8).
حجة القول الثاني - وهو قول الجبائي وابنه (9) أبي هاشم في منع التخصيص بالقياس مطلقًا (10) -: أن القياس فرع النصوص، فلو قدم
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ط: "فإلغاء".
(3) "وقياس الأرز" ساقط من ز.
(4) في ز: "ألا".
(5) المثبت من ط وش، وفى الأصل وز: "التقرير".
وقد نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 204.
(6) الشارح هو المسطاسي.
(7) "في" ساقطة من ط.
(8) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 112.
(9) في ز: "وابن".
(10) انظر حجة هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 204، شرح التنقيح =
(3/254)

القياس على النص للزم منه تقديم الفرع على الأصل.
أجيب عنه: بأن النص الذي هو أصل القياس مخالف للنص المخصوص بالقياس، فلم (1) يتقدم الفرع على الأصل؛ وذلك أن حديث عبادة بن الصامت في الربا في الأشياء، هو أصل القياس مثلاً، والنص المخصوص: الآية (2)، فما قدم فرع على أصل (3).
[حجة القول الثالث - الذي قاله عيسى بن أبان بالتفصيل بين دليل مقطوع ومظنون -: أن العام إذا خصص قبل القياس بدليل قطعي قطعنا بضعفه، فجاز (4) تسليط القياس عليه، وأما إذا خص بدليل ظني فلم يقطع (5) بضعفه، فلا يسلط عليه (6) القياس] (7).
حجة القول الرابع - الذي قاله أبو ثور الكرخي (8) بالتفصيل بين دليل منفصل ومتصل -: أن المخصص المتصل كالشرط، والاستثناء، والصفة،
__________
= للمسطاسي ص 112، المستصفى 2/ 123 - 127، مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 145، المعالم للرازي ص 297، 298، نهاية السول 2/ 465، المحصول ج 1 ق 3 ص 153 - 156.
(1) في ز: "فقد".
(2) في ط وز: "هو الآية".
(3) انظر هذا الجواب في: شرح التنقيح للقرافي ص 204، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 112.
(4) المثبت من ز، وفي الأصل: "مجازًا".
(5) في ز: "نقطع".
(6) انظر حجة هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 204، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 112.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(8) الصواب: أبو الحسن الكرخي.
(3/255)

والغاية، لا يستقل بنفسه، فيتعين أن يكون مع الكلام الذي دخل عليه كلامًا واحدًا موضوعًا لما بقي بعد التخصيص، فهو كالحقيقة لقربه من الحقيقة، فلا يسلط (1) القياس عليه بخلاف المخصص المنفصل، فلا يمكن جعلهما كالكلام الواحد.
كقوله عليه السلام: "البر بالبر" الحديث، مع قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (2)، فلا يمكن جعل الكلامين كلامًا واحدًا موضوعًا لما بقي بعد التخصيص، فهو إذًا مجاز يسلط (3) عليه القياس؛ لضعف دلالته.
حجة القول الخامس - الذي قاله أبو العباس بن شريح من الشافعية، بالتفصيل بين القياس الجلي والخفي -: أن الجلي أقوى من الخفي فيسلط (4) الجلي على العموم لقوته، ولا يسلط عليه الخفي لضعفه (5).
حجة القول السادس - الذي قاله الغزالي -: أنه إذا ظهر الرجحان في أحدهما تعين تقديمه: كان ذلك الراجح عامًا أو قياسًا؛ لقوله عليه السلام: "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر" وإذا لم يظهر رجحان واحد
__________
(1) في ز: "لقربه عن الخصيصة فلا يسقط" وهو تحريف للمعنى.
(2) آية 275 من سورة البقرة.
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يسلط".
(4) في ط وز: "فيسلط". انظر حجة الكرخي في: شرح التنقيح للقرافي ص 204، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 112.
(5) انظر حجة هذا القول في: المستصفى (2/ 131)، وشرح التنقيح للمسطاسي (ص 112)، وقد أجاب عنه بقوله: "إن مراتب العموم كذلك مختلفة في القوة والضعف، فلا أولية".
(3/256)

منهما، بل تساويا عند المجتهد: وجب التوقف في ذلك (1).
حجة القول السابع - الذي قاله القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين بالتوقف -: تعارض المدارك (2).
قوله: (ويجوز عندنا تخصيص السنة المتواترة بمثلها، وتخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، كانت قولاً، أو فعلاً خلافًا لبعض الشافعية).
ش: هذا مخصص (3) خامس، وهو: التخصيص بالسنة المتواترة.
قوله: (ويجوز عندنا تخصيص السنة المتواترة بمثلها) (4).
اعلم أن عبارة كثير من الأشياخ هي: يجوز تخصيص السنة بمثلها (5) , وزاد الإمام فخر الدين (6): قيد التواتر (7)، وتبعه المؤلف على ذلك.
__________
(1) انظر حجة قول الغزالي في: شرح التنقيح للقرافي ص 205، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 112.
(2) يقول إمام الحرمين: وإذا تعارض الأمر في مسالك الظنون كما ذكره القاضي، ولم نجد أمرًا مثبوتًا سمعيًا، فيتعين الوقف.
انظر: البرهان 1/ 428، وانظر: شرح التنقيح ص 206.
(3) في ز: "تخصيص".
(4) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 206، 207، شرح التنقيح للمسطاسي ص 113، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 177، 178، مختصر ابن الحاجب 2/ 148، المحصول ج 1 ق 3 ص 110، الإحكام للآمدي 2/ 321، المستصفى 2/ 141، جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/ 26، شرح الكوكب المنير 3/ 359، 365، فواتح الرحموت 1/ 349.
(5) "بمثلها" ساقطة من الأصل.
(6) في ط وز: "فخر الدين في المحصول".
(7) انظر المحصول ج 1 ق 3 ص 120.
(3/257)

قال المؤلف في الشرح: تصوير هذه المسألة في السنتين (1) المتواترتين إنما هو في زمان الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - لشدة العناية (2) إذ ذاك بالرواية، وقرب العهد بالمروي عنه - صلى الله عليه وسلم -، وأما تصويرها (3) في زماننا فهو عسير أو منقطع، لقلة العناية بالرواية، وطول العهد بالمروي عنه - صلى الله عليه وسلم -، وليس في الأحاديث (4) في زماننا متواتر، وليس فيها إلا ما يفيد الظن حتى قال بعض الفقهاء: ليس في السنة متواتر إلا قوله عليه السلام (5): "الأعمال بالنيات" (6).
وعند التحقيق لا تجده (7) متواترًا عندنا؛ لفقدان العدد الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات بيننا وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وغايتنا أن نرويه عن واحد، عن اثنين، عن ثلاثة، عن عشرة، وذلك لا يفيد التواتر (8).
قوله: ([تخصيص السنة المتواترة] (9) بمثلها).
والدليل على جوازه: المعقول والمنقول:
فالمعقول: [ما تقدم من] (10) أن العام والخاص دليلان متعارضان، فإما أن
__________
(1) في ز: "في السنة".
(2) "العناية" ساقطة من ط.
(3) في ز: "تصويره".
(4) في ز: "الحديث".
(5) في ط: " - صلى الله عليه وسلم - ".
(6) سبق تخريج هذا الحديث.
(7) في ط: "لا نجده".
(8) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 206، 207.
(9) عبارة: "قوله تخصيص السنة المتواترة" ساقطة من ز.
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3/258)

يعمل بهما أو لا يعمل بهما، أو يعمل بالعام دون الخاص، أو يعمل بالخاص دون العام، فالثلاثة الأولى (1) باطلة، والرابع هو: الصحيح، وهو: المطلوب (2)، كما تقدم بسطه في تخصيص العام بالقياس.
وأما الدليل المنقول: فمنه قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر"، خصصه قوله عليه السلام: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (3).
__________
(1) في ط وز: "الأول".
(2) انظر هذا الدليل من المعقول في: شرح التنقيح للقرافي ص 206، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 113.
(3) هذا طرف من حديث أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
انظر: صحيح البخاري كتاب الزكاة، باب زكاة الورق (1/ 251).
وأخرجه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس ذود صدقة, ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة" انظر: أول كتاب الزكاة (3/ 66).
وأخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري بنحو لفظ البخاري في كتاب الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة، رقم الحديث 1558، (2/ 94).
وأخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا صدقة فيما دون خمسة أوساق من التمر، ولا فيما دون خمس أواق، ولا فيما دون خمس من الإبل".
انظر: حديث رقم 1793، كتاب الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة من الأموال (1/ 571).
وأخرجه الدارمي عن أبي سعيد الخدري في كتاب الزكاة، باب ما لا يجب فيه الصدقة من الحبوب (1/ 384).
وأخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري في المسند (3/ 6) وأخرجه عن ابن عمر في المسند 2/ 92.
(3/259)

وقوله عليه السلام: "في الرَّقَة ربع العشر" (1) خصه قوله عليه السلام:
__________
= والأوسق جمع وسق، والوسق: ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بغدادي، فالأوسق الخمسة تساوي ألفًا وستمائة رطل بغدادي، والرطل البغدادي يساوي 408 غرامات، فالأوسق الخمسة تساوي 652.8 كيلو غرامًا.
انظر: الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان (ص 56).
وأواق: جمع: أوقية بضم الهمزة، ومقدارها أربعون درهمًا من الفضة الخالصة فيكون النصاب مائتي درهم ويساوي 140 مثقال من الفضة.
انظر: فتح الباري (7/ 65).
(1) هذا طرف من حديث طويل أخرجه البخاري من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى عن أبيه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أن أنسًا حدثه أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، ثم ذكر حديثًا طويلاً في زكاة الماشية إلى أن قال في آخره: فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، وفي الرِّقّة ربع العشر، فإن لم يكن المال إلا تسعين ومائة فليس منها شيء إلا أن يشاء ربها".
انظر: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم 1/ 253.
وفي سنده عبد الله بن المثنى قد اضطرب فيه قول ابن معين، فقال مرة: صالح، ومرة: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال العقيلي: لا يتابع في أكثر حديثه.
انظر: تخريج أحاديث اللمع ص 136، تهذيب التهذيب 5/ 388.
وأخرجه أبو داود من طريق موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه مصدِّقًا، وكتبه له، فإذا فيه: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، ثم ذكر حديثًا طويلاً في زكاة الماشية، إلى أن قال في آخره: فإن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن المال إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها.
انظر: كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة، رقم الحديث العام 1567، 2/ 96، 97.
وأخرجه النسائي في المجتبى، باب زكاة الورق (5/ 26 - 27). =
(3/260)

"ليس دون خمس أواق صدقة".
قوله: (وتخصيص الكتاب بالسنة المتواترة كانت قولاً أو فعلاً (1)).
__________
= وأخرجه الإمام أحمد من طريق أبي كامل، حدثنا حماد بن سلمة قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك، أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب لهم: أن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، ثم ذكر حديثًا طويلاً في زكاة الماشية، إلى أن قال في آخره: وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي الرقّة ربع العشور، فإذا لم يكن المال إلا تسعين ومائة درهم فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها.
انظر: المسند 1/ 11، 12.
وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق موسى بن إسماعيل.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه هكذا، إنما انفرد بإخراجه البخاري من وجه آخر عن ثمامة، وحديث حماد أصح وأشفى وأتم من حديث ابن المثنى.
انظر: المستدرك، كتاب الزكاة 1/ 390 - 392، وانظر: تخريج أحاديث اللمع ص 136.
والرِقَة بكسر الراء وتخفيف القاف: الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة، قيل: أصلها الورق فحذفت الواو وعوضت الهاء.
وقيل: يطلق على الذهب والفضة بخلاف الورق، فعلى هذا فقيل: إن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة وجبت فيه الزكاة وهو ربع العشر، وهذا قول الأزهري، وخالفه الجمهور.
انظر: فتح الباري (7/ 77).
(1) بقية المتن: "خلافًا لبعض الشافعية".
ويقول أحمد حلولو: وقول المصنف هنا: خلافًا لبعض الشافعية:
يحتمل عوده إلى جملة المسألة كما هو ظاهر كلام غيره: أن الخلاف في الجميع لكنه لم يعزه للشافعية.
ويحتمل عوده إلى قوله: أو فعلاً: فيكون القول بعد التخصيص في السنة الفعلية فقط.
انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 177.
(3/261)

تقدم لنا: أن التواتر إنما هو باعتبار الزمان الأول، وأما في زماننا فلا يوجد.
أما تخصيص الكتاب بالسنة القولية: فقال الأصوليون: قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أَوْلادِكُم} (1) خصصه قوله عليه السلام: "القاتل لا يرث" (2).
__________
= وانظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 207، المحصول ج 1 ق 3 ص 120 - 123، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 149، الإحكام للآمدي 2/ 322، نهاية السول 2/ 456، 457، المعتمد 1/ 255، فواتح الرحموت 2/ 349، الميزان للسمرقندي ص 321، 322، إرشاد الفحول ص 157.
وذكر البناني الخلاف في هذه المسألة فقال: وقيل: لا يجوز بالسنة المتواترة الفعلية؛ بناءً على القول: بأن فعل الرسول لا يخصص.
انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع (2/ 27 - 31).
وقال الشوكاني: وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: لا خلاف في ذلك، إلا ما يحكى عن داود في إحدى الروايتين.
انظر: إرشاد الفحول ص 157.
ويقول أحمد حلولو: وحكى الفهري وغير واحد: الاتفاق على جواز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة.
انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 177.
(1) آية 11 من سورة النساء.
(2) أخرجه الترمذي، وابن ماجه عن الليث عن إسحاق بن أبي فروة عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "القاتل لا يرث".
انظر: سنن الترمذي، كتاب الفرائض، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل، رقم الحديث 2109 (4/ 425)، سنن ابن ماجه 2/ 883 كتاب الديات، باب القاتل لا يرث، رقم الحديث 2645.
وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك.
انظر: تخريج حديث اللمع ص 105، والمعتبر ص 168، وميزان الاعتدال (1/ 193). وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (4/ 79) عن عمرو بن شعيب عن =
(3/262)

وخصصه أيضًا (1): قوله عليه السلام: "لا توارث بين ملّتين" (2)؛ [لأن عموم الآية سواء كان الوارث قاتلاً أم لا، اتفقا في الدين أم لا] (3).
وخصصه أيضًا قوله عليه السلام: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث".
__________
= أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس للقاتل من الميراث شيء".
وأخرجه ابن ماجه من طريق آخر عن عمرو بن شعيب: أن أبا قتادة - رجل من بني مدلج - قتل ابنه، فأخذ منه عمر مائة من الإبل: ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين حقة، فقال: أين أخو المقتول؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليس لقاتل ميراث".
انظر: سنن ابن ماجه حديث رقم 2646، (2/ 884).
وأخرجه الإمام مالك من حديث عمرو بن شعيب عن عمرو: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليس لقاتل شيء" (2/ 190).
وأخرجه الدارقطني عن ابن عباس، حديث رقم 87، 88، وعن عبد الله بن عمرو، الحديث رقم 84، 89 (4/ 95).
وانظر تخريج هذا الحديث في: المعتبر ص 168، وتخريج أحاديث اللمع (ص 105، 106)، وإرواء الغليل (6/ 117 - 118).
(1) "أيضًا" ساقطة من ط
(2) أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتوارث أهل ملتين شتى".
وأخرجه ابن ماجه والإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتوارث أهل ملتين".
انظر: سنن ابن ماجه، كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك رقم الحديث العام 2731، (2/ 912)، ومسند الإمام أحمد (2/ 178).
وأخرجه الدارمي من طريق آخر عن عمرو قال: "لا يتوارث أهل ملتين" في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الشرك وأهل الإسلام (2/ 369).
وانظر أيضًا: التلخيص الحبير (2/ 265).
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل وط.
(3/263)

وأما تخصيص الكتاب بالسنة الفعلية: فقوله (1) تعالى: {الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (2).
خصصه ما (3) تواتر عنه عليه السلام من رجم ماعز والغامدية.
قال المؤلف في شرحه: قول الأصوليين: إن قوله عليه السلام: "القاتل لا يرث" (4) مخصص لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} (5).
ليس (6) الأمر كذلك؛ لأنه تقدم لنا: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والأزمان، والبقاع، والمتعلقات، فالآية على هذا تقتضي: أن كل ولد يرث في حالة ما، أي: في حالة غير معينة [وحالة القتل هي: حالة معينة] (7)، ولا تتعين الحالة غير المعينة للحالة المعينة؛ لأن الحالة غير المعينة أعم من الحالة المعينة، والدال على الأعم غير دال على الأخص.
فإذا قلت مثلاً: في الدار رجل، ثم قلت: ليس في الدار زيد، فإن الكلام الثاني لا يناقض الكلام الأول؛ لأن لفظ رجل أعم من لفظ زيد، فلا يتعين رجل لزيد، ومن شرط الخاص: أن يكون مناقضًا للعام، ولا تناقض بين ثبوت الحكم في حالة غير معينة وبين عدم ثبوته في حالة معينة، بل المناقض
__________
(1) في ط: "كقوله".
(2) آية رقم 2 من سورة النور.
(3) "ما" ساقطة من ز.
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لا يورث".
(5) آية 11 من سورة النساء.
(6) في ط: "وليس".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/264)

لثبوت الحكم في حالة غير معينة، هو عدم (1) ثبوت الحكم في جميع الحالات، كما لو قال الشارع: بعض الأولاد لا يرث في جميع الحالات (2).
قال المؤلف في شرحه: وكذلك يلزم أن يكون قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكيِنَ} (3) غير مخصوص بالنساء، ولا الصبيان، ولا الرهبان (4)، ولا بأهل الذمة (5)؛ لأن كل واحد من هؤلاء [يقتل في بعض الحالات؛ لأن النساء والرهبان (6) وأهل الذمة يقتلون إذا قاتلوا، والصبيان يقتلون أيضًا إذا كبروا، وليس في هؤلاء شخص] (7) لا يقتل في جميع الحالات (8).
قال المؤلف في شرحه: وإنما يتصور العموم والخصوص (9) في قوله تعالى: {اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (10).
فإن الواجب الوجود جل وعلا لا يقبل هذا الحكم، أعني خلق نفسه في جميع الحالات.
__________
(1) في ز: "هل ثبوت".
(2) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 207.
(3) سورة التوبة آية رقم 5.
(4) في ط: "ولا بالرهبان"، وفي ز: "ولا بالبرهان" وهو تصحيف.
(5) في ز: "الزمنة" وهو تصحيف.
(6) في ط: "والصبيان".
(7) ما بين المعقوفتين ورد في ز بهذه العبارة: "لا يقتل في بعض الحالات، قال المؤلف في شرحه: يقتلون إذا قاتلوا، والصبيان يقتلون إذا كبروا، وليس في هؤلاء شخص".
(8) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 207، 208.
(9) في ط: "والخصوم" وهو تصحيف.
(10) آية رقم 62 من سورة الزمر.
(3/265)

وكذلك قوله تعالى: {وَأوتِيَتْ مِن كلِّ شَيْء} (1): فإنها لم تؤت النبوة، ولا ملك سليمان، ولا الشمس والقمر، مثلاً في جميع الحالات.
وكذلك قوله تعالى: {تدَمِّرُ كلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (2).
فإنها لم تدمر الجبال ولا السموات في جميع الحالات، فهذا تخصيص محقق لما فيه من المناقضة للعموم (3).
قال المؤلف في شرحه: وبهذه الطريقة يظهر لك: أن أكثر ما يعتقد فيه التخصيص ليس مخصوصًا؛ فإن تلك الأفراد الخارجة من العموم إنما خرجت (4) في أحوال خاصة لا (5) في جميع الحالات، [فلا يحصل التناقض (6) بين العام والخاص الذي هو شرط التخصيص، فتلك الأفراد إذًا إنما أخرجت بالتقييد لا بالتخصيص] (7).
قوله: (وتخصيص الكتاب بالسنة المتواترة).
وكذلك يجوز عكس هذا، وهو: تخصيص السنة المتواترة بالكتاب على المشهور، نص عليه فخر الدين وغيره (8).
__________
(1) آية 23 من سور النمل.
(2) آية 25 من سورة الأحقاف.
(3) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 208.
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "اخرجت".
(5) "لا" ساقطة من ط.
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 208.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) هِذا على رأي الجمهور، ودليلهم: قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكتَابَ تبْيَانًا لّكُلِّ شيْء} [89 النحل]، والسنة من الأشياء فكانت داخلة تحت العموم.
مثال ذلك: ما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيّب =
(3/266)

قوله: (ويجوز عندنا، وعند الشافعي (1)، وأبي حنيفة تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وفصل ابن (2) أبان والكرخي كما تقدم، وقيل: لا يجوز مطلقًا، وتوقف (3) القاضي فيه).
ش: هذا هو (4) مخصص سادس، وهو التخصيص بخبر [الآحاد] (5)، وهذا هو تخصيص (6) الكتاب بخبر الآحاد.
قال أبو المعالي: وخبر الآحاد هو كل خبر عن (7) جائز ممكن لا سبيل إلى
__________
= بالثيب جلد مائة والرجم".
انظر: كتاب الحدود، باب حد الزنا 5/ 115.
وهذا الحديث حكمه عام في الحر والعبد، فخص بقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [آية 25 من سورة النساء].
وقد خالف بعضهم ومنعوا تخصيص السنة بالكتاب، دليلهم: قوله تعالى: {لتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [44 النحل].
وجه الاستدلال: أن كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبيّن للقرآن، فلا يكون القرآن مبينًا لكلامه.
والجواب: أن الكل بلسانه، فهو المبيّن بالقرآن.
انظر هذه المسألة في: مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 149، المحصول ج 1 ق 3/ 123، الإحكام للآمدي 2/ 321، جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/ 26، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي 1/ 185، العدة 2/ 569، مختصر البعلي ص 123، المسودة ص 122، شرح الكوكب المنير 3/ 363، 364، فواتح الرحموت 1/ 349.
(1) في ز: "الشافعية".
(2) في ز: "أبي".
(3) في ط: "وتواقف".
(4) "هو" ساقطة من ز وط.
(5) المثبت من "ز" و"ط" وفي الأصل "الواحد".
(6) في ط وز: "هذا مخصص آخر هو تخصيص ... " إلخ.
(7) في ز: "غير".
(3/267)

القطع بصدقه، ولا سبيل إلى القطع بكذبه، سواء رواه (1) واحد أو جماعة (2).
ذكر المؤلف في جواز التخصيص به خمسة (3) أقوال:
الجواز مطلقًا، للأئمة الأربعة (4).
والمنع مطلقًا، لبعضهم (5).
__________
(1) "رواه" ساقطة من ط.
(2) يقول أبو المعالي: "فأما القسم الثالث فهو الذي لا يقطع فيه بالصدق ولا الكذب، وهو الذي نقله الآحاد من غير أن يقترن بالنقل قرينة تقتضي الصدق والكذب".
انظر: البرهان 1/ 598.
(3) في ز: "أربعة".
(4) يقول أحمد حلولو في مناقشة نسبة القول بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد لأبي حنيفة: المسألة الخامسة: يجوز عندنا، وعند الشافعي، وأبي حنيفة تخصيص الكتاب بخبر الواحد، هكذا حكاه المصنف عن أبي حنيفة، ونحوه للآمدي وابن الحاجب والفهري، وقال الرهوني وغيره: لا يثبت ذلك عن الحنفي، وهذا هو الظاهر.
انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 180.
وانظر نسبة هذا القول للأئمة الأربعة في: مختصر المنتهى لابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 149، الإحكام للآمدي 2/ 322، نهاية السول 2/ 460، ونسبه القرافي، والمسطاسي، والرازي للمالكية، والشافعي، وأبي حنيفة.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 208، شرح التنقيح للمسطاسي ص 114، المحصول ج 1 ق 3 ص 131، ونسبه ابن السبكي في جمع الجوامع (2/ 27) للجمهور، ونسبه الباجي في إحكام الفصول (1/ 81) لجماعة من المالكية والشافعية.
(5) نسب حلولو هذا القول في التوضيح على التنقيح (ص 180) لبعض المتكلمين وبعض المعتزلة.
وانظر هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 208، المحصول ج 1 ق 3 ص 131، =
(3/268)

والتفصيل لعيسى بن أبان بين تخصيصه قبل بدليل مقطوع، وبين تخصيصه بدليل مظنون (1)، كما تقدم له في التخصيص بالقياس.
والقول الرابع للكرخي: بالتفصيل بين تخصيصه بدليل منفصل، وبين تخصيصه بدليل متصل (2)، كما تقدم له (3) أيضًا في التخصيص بالقياس.
__________
= شرح التنقيح للمسطاسي ص 114، البرهان 1/ 426، الإحكام للآمدي 2/ 322، نهاية السول 2/ 460، حاشية البناني على جمع الجوامع 2/ 27، المستصفى 2/ 114، ونسبه في المنخول ص (174) للمعتزلة، ونسبه أبو يعلى لبعض المتكلمين. انظر: العدة 2/ 552، وصححه السمرقندي في الميزان ص 323.
(1) انظر نسبة هذا القول لابن أبان في: شرح التنقيح للقرافي ص 208، إحكام الفصول للباجي 1/ 181، شرح التنقيح للمسطاسي ص 114، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 181، المحصول ج 1 ق 3 ص 131، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 149، الإحكام للآمدي 2/ 322، المستصفى 2/ 115، حاشية البناني على جمع الجوامع 2/ 27، نهاية السول 2/ 460، المسودة ص 119، مختصر البعلي ص 123.
ونسب هذا القول للحنفية.
انظر: أصول السرخسي 1/ 133، 142، فواتح الرحموت 1/ 149، المسودة ص 119, شرح الكوكب المنير 3/ 363، العدة 2/ 551.
(2) انظر نسبة هذا القول للكرخي في: شرح التنقيح للقرافي ص 208، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 181، شرح التنقيح للمسطاسي ص 114، مختصر المنتهى لابن الحاجب وشرح االعضد عليه 2/ 149، الإحكام للآمدي 2/ 322, جمع الجوامع 2/ 28, نهاية السول 2/ 460، المحصول ج 1 ق 3 ص 131، إرشاد الفحول ص 158.
(3) "له" ساقطة من ز.
(3/269)

والقول الخامس للقاضي أبي بكر بالتوقف (1).
حجة القول الأول الذي قاله الجمهور (2): المعقول والمنقول.
فالمعقول (3) هو: ما تقدم في التخصيص بالقياس، وهو: أن الكتاب وخبر الآحاد دليلان شرعيان، فإما أن يعمل بهما معًا [أو لا يعمل بهما معًا] (4)، أو يعمل بالعام دون الخاص، أو يعمل بالخاص دون العام، فالثلاثة الأولى باطلة، والرابع هو الصحيح كما تقدم.
وأما دليل المنقول فهو: إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - على تخصيص قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} (5) بما رواه أبو بكر رضي الله عنه: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث".
وتخصيصهم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (6)
__________
(1) انظر نسبة هذا القول للقاضي أبي بكر في: شرح التنقيح للقرافي ص 208، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 181، شرح التنقيح للمسطاسي ص 114، مختصر ابن الحاجب 2/ 149، البرهان 1/ 426، الإحكام للآمدي 2/ 322، المنخول ص 174، جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/ 29، المحصول ج 1 ق 3 ص 131، المسودة ص 119، فواتح الرحموت 1/ 349، إرشاد الفحول ص 158.
(2) انظر حجة هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 208، شرح التنقيح للمسطاسي ص 114، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 149، 150، الإحكام للآمدي 2/ 322، 323، المحصول ج 1 ق 3 ص 132 - 137.
(3) في ط: "فالمنقول".
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(5) آية 11 من سورة النساء.
(6) آية رقم 38 من سورة المائدة.
(3/270)

بقوله عليه السلام: "لا قطع (1) إلا في ربع دينار فصاعدًا" (2).
وتخصيصهم: قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (3) بما رواه أبو هريرة (4) رضي الله عنه، وهو قوله عليه السلام: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها" (5).
__________
(1) في ط: "لا تقطع".
(2) أخرجه البخاري عن عائشة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا".
انظر: كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (4/ 173).
وأخرجه مسلم عن عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا".
انظر: كتاب الحدود، باب حد السرقة (5/ 112).
وأخرجه أبو داود عن عائشة في كتاب الحدود، باب ما يقطع فيه السارق 4/ 136.
وأخرجه النسائي عن عائشة فى كتاب قطع السارق 8/ 78، 79.
وأخرجه ابن ماجه عن عائشة في كتاب الحدود، باب حد السارق، رقم الحديث العام 2585 (2/ 862).
وأخرجه الدارمي عن عائشة في كتاب الحدود، باب ما يقطع فيه اليد 2/ 172.
(3) آية رقم 24 من سورة النساء.
(4) هو الصحابي الجليل عبد الرحمن بن سلمة، من قبيلة دوس، لازم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توفي، فكان من أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثًا، توفي - رضي الله عنه - في خلافة معاوية سنة 57 ه.
انظر: الإصابة 4/ 202، الاستيعاب 4/ 202، المطبوع بهامش الإصابة.
(5) أخرجه بهذا اللفظ مسلم عن أبي هريرة، في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها 4/ 135، 136.
وابن ماجه عن أبي هريرة في كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، رقم الحديث 1929، 1/ 621، والإمام أحمد في المسند (1/ 78) عن علي رضي الله عنه. =
(3/271)

وتخصيصهم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّه البيع} (1)، بحديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - (2)، وهو قوله عليه السلام: "البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح ربًا إلا مِثْلاً بمثل، يدًا بيد" وغير ذلك.
حجة القول الثاني بالمنع مطلقًا: أن الكتاب مقطوع السند لتواتره (3)، وخبر الواحد مظنون السند لعدم تواتره؛ فلا يقدم المظنون على المقطوع.
ودليل آخر: أن عمر (4) - رضي الله عنه - رد حديث فاطمة بنت قيس (5) فيما
__________
= وورد بلفظ نحو هذا، فقد أخرجه البخاري عن جابر - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها.
وأخرجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (3/ 245).
وأخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة (4/ 136).
وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء (2/ 224).
وأخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها، حديث رقم 1125، 1126 (4/ 88).
وأخرجه الدارمي في كتاب النكاح، باب الحال التي يجوز للرجل أن يخطب فيها (2/ 136).
(1) آية 275 من سورة البقرة.
(2) "عنه" ساقطة من ط.
(3) في ز: "بتواتره".
(4) "أن عمر" ساقطة من ز.
(5) هي الصحابية فاطمة بنت قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة القرشية، وهي من المهاجرات الأول، وكانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها، فخطبها معاوية بن أبي سفيان، وأبو جهم بن حذيفة العدوي، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - =
(3/272)

روته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه لم يجعل للمبتوتة نفقة ولا سكنى؛ تخصيصًا لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} (1).
وقال: "كيف نترك كتاب ربنا، وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت؟! " (2) بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان ذلك إجماعًا.
__________
= فقال لها: "أما معاوية: فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم: فلا يضع عصاه عن عاتقه، ولكن انكحي أسامة بن زيد" وروت بعض الأحاديث.
انظر: الإصابة 8/ 69، رقم الترجمة 11604، الاستيعاب 4/ 1901، رقم الترجمة 4062، أسد الغابة 5/ 526، طبقات ابن سعد 8/ 273 - 275.
(1) آية رقم 6 من سورة الطلاق.
(2) أخرجه مسلم عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفًا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك، تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: {لا تُخْرِجُوهن منْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يخْرُجْنَ إِلأَ أَن يأتين بفَاحشَةِ مّبَيِّنَةٍ}.
انظر: كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (4/ 198).
وأخرجه أبو داود عن أبي إسحاق في كتاب الطلاق، باب من أنكر ذلك على فاطمة (2/ 288)، وانظر: بقية روايات الحديث في باب نفقة المبتوتة (2/ 285 - 288).
وأخرجه الدارمي عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل لها النبي - صلى الله عليه وسلم - نفقة ولا سكنى، قال سلمة: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: قال عمر بن الخطاب: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبيه بقول امرأة، فجعل لها السكنى والنفقة.
انظر: كتاب الطلاق، باب في المطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة أم لا؟ (2/ 164 - 165).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (6/ 415) عن عامر عن فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه فلم يجعل لها سكنى ولا نفقة، قال عمر بن الخطاب: لا ندع كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لعلها نسيت.
(3/273)

ودليل آخر: أنه لو جاز التخصيص به لجاز النسخ به.
أجيب عن الأول: بأن (1) التخصيص إنما هو في الدلالة لا (2) في السند، ودلالة العام على الأفراد الداخلة تحته ظنية، ودلالة الخبر على مدلوله قطعية، والقطعي مقدم على الظني جمعًا بين الدليلين، كما تقدم في التخصيص بالقياس.
وأجيب عن الثاني: أن الخبر إنما رده عمر - رضي الله عنه - لتردده في صدقها؛ ولذلك قال: لا ندري أصدقت أم كذبت، ونحن نساعد على ذلك، وإنما النزاع في الخبر إذا سلم من الطعن.
وأجيب عن الثالث (3): الفرق بين التخصيص والنسخ: أن التخصيص: بيان ما لم يرد، والنسخ: إبطال ما ورد وثبت (4) أنه مراد، فيحتاط فيه أكثر (5).
حجة القول الثالث - الذي قاله عيسى بن أبان -: أن (6) العام إذا خصص بدليل قطعي قطعنا بضعفه، فيجوز تسليط الخبر عليه، وإذا خص (7) بدليل ظني لم نقطع (8) بضعفه، فلا يجوز تسليط الخبر عليه (9).
__________
(1) في ز: "أن".
(2) "لا" ساقطة من ط.
(3) في ز: "ثالث".
(4) في ط: "إبطال ما ثبت"، وفي ز: "إبطال ما يثبت أنه مراد، فيحتاط ما فيه أكثر".
(5) انظر أدلة هذا القول وأجوبتها في: شرح التنقيح للقرافي ص 209، وشرح التنقيح للمسطاسي (ص 114)، المحصول ج 1 ق 3 ص 140 - 147.
(6) "أن" ساقطة من ط.
(7) في ز: "وإذا قال خص"، وفي ط: "إذا خصص".
(8) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "يقطع".
(9) سبق هذا الدليل في مسألة التخصيص بالقياس، وانظره في: شرح التنقيح للقرافي =
(3/274)

حجة القول الرابع - الذي قاله الكرخي -: أن العام إذا خصص بدليل منفصل فهو ضعيف؛ إن لا يمكن جعل مخصصه معه كالكلام الواحد، [فيجوز تسليط الخبر عليه بالتخصيص، وإذا خصص بدليل متصل فهو قوي؛ إذ المخصص المتصل مع العام كالكلام الواحد] (1)، فكأن الكلامين موضوعان (2) لشيء واحد، وهو ما بقي بعد التخصيص، فهو كالحقيقة لقربه من الحقيقة، فلا يسلط الخبر عليه بالتخصيص (3).
حجة القول الخامس - الذي قاله القاضي بالتوقف - فهو: تعارض المدارك (4).
قال المؤلف في شرحه: سكت الغزالي ها هنا، عن خبر الواحد، ولم يذكره كما ذكر (5) القياس.
قال: ويلزم الغزالي ها هنا: أن ينظر (6) إلى مراتب الظنون، كما تقدم له في القياس (7)، فإن مراتب خبر الواحد في الظن مختلفة كاختلاف مراتب العموم، وليس له أن يقول: خبو الواحد أقوى من القياس؛ لأنه وإن كان
__________
= ص 204، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 112، والمحصول ج 1 ق 3 ص 147.
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ط وز: "موضوع".
(3) سبق ذكر هذا الدليل، وانظر: شرح التنقيح للقرافي ص 204، وشرح التنقيح للمسطاسي ص 112، المحصول ج 1 ق 3 ص 147.
(4) سبق ذكر هذا الدليل، وانظر: شرح التنقيح للقرافي ص 206، والبرهان 1/ 428.
(5) في ط: "كما ذكره".
(6) في ط وز: "قال المؤلف: يلزم الغزالي أن ينظر ها هنا".
(7) "له في القياس" ساقطة من ط.
(3/275)

أقوى فذلك المدرك بعينة موجود ها هنا، فيلزم انتقاضه، وهو: خلاف الأصل (1).
قال المؤلف في الشرح: أكثر النحاة والمحدثين على منع "أبان" من الصرف؛ لوجود علتين فرعيتين فيه، وهما: العلمية، ووزن الفعل، اعتبارًا بأصله؛ لأن أصله أبين على وزن أفعل، فانقلبت ياؤه ألفًا بعد نقل حركته إلى ما قبله فصار أبان، ومن النحاة من نزع إلى أنه (2) منصرف؛ لأن وزنه عنده فعال، وليس فيه إلا علة واحدة، وهي: العلمية على هذا القول، وهذا القول (3) ذكره (4) ابن يعيش (5) في شرح المفصل.
فإن قيل: إذا فرعنا على القول المشهور بمنع صرف أبان، ما الفرق بينه وبين بيع، وقيل (6): إذا سمي به رجل فإنه منصرف عندهم باتفاق؟.
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 209.
(2) في ز وط: "زعم أنه".
(3) "وهذا القول" ساقطة من ز.
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ذكر".
(5) هو يعيش بن علي بن يعيش بن محمد النحوي الحلبي موفق الدين أبو البقاء، المشهور بابن يعيش، ولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة (553 ه) بحلب، قرأ النحو على أبي العباس النيروزي، وكان من كبار أئمة العربية، ماهر في النحو والتصريف، تصدر بحلب للإقراء، وطال عمره، وشاع ذكره، وكان حسن الفهم، لطيف الكلام، توفي رحمه الله سنة ثلاث وأربعين وستمائة (643 ه)، من مصنفاته: "شرح المفصل"، و"شرح التصريف الملوكي لابن جني".
انظر: وفيات الأعيان 7/ 46، شذرات الذهب 5/ 228، بغية الوعاة 2/ 351، مفتاح السعادة 1/ 158.
(6) في ز: "أو قيل".
(3/276)

قال المؤلف: الفرق بينهما: أن بيع ونحوه يرجع إلى وزن ما هو أصل في الأسماء، وهو وزن فِعْل، نحو ديك وفيل، وأما أبان فلم يرجع بعد التغير إلى بناء أصل، فلذلك امتنع صرفه (1).
قوله: (وعندنا يخصص (2) فعله عليه السلام وإِقراره الكتاب والسنة، وفصل الإمام فخر الدين (3)، فقال (4): إن تناوله العام كان الفعل مخصصًا له (5) ولغيره، إِن علم بدليلٍ أن حكمه كحكمه، لكن المخصص: فعله مع ذلك الدليل، وكذلك إِذا (6) كان العام متناولاً لأمته (7) فقط، وعلم بدليل أن حكمه كحكم (8) أمته، وكذلك الإِقرار يخصص الشخص السكوت عنه لما خالف العموم، ويخصص غيره، إِن علم أن حكمه على الواحد حكم (9) على الكل).
ش: ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - (10) ها هنا مسألتين، وهما: تخصيص العام بفعله - صلى الله عليه وسلم -، وتخصيص العام بإقراره - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) نقل المؤلف بالمعنى مع تقديم وتأخير. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 209، 210.
(2) في أوخ وش: "تخصيص"، وفي ط: "يخص".
(3) "فخر الدين" ساقطة من أوش.
(4) في أ: "وقال".
(5) المثبت من أوخ وش وز، ولم ترد: "له" في الأصل.
(6) في ش: "إن كان العام"، وفي أوط: "إذا كان ذلك العام".
(7) المثبت من أوخ وش وز وط، وفي الأصل: "مته".
(8) في خ: "وعلم بدليل منفصل أن حكمه حكم أمته".
(9) في خ: "حكمه".
(10) "رحمه الله تعالى" لم ترد في ز وط.
(3/277)

ومعنى قولنا: تخصيص العام بفعله عليه السلام: أنه إذا ورد لفظ عام، [ثم فعل عليه السلام خلاف مقتضى ذلك العام.
ومعنى قولنا: تخصيص العام بإقراره عليه السلام: أنه ورد لفظ عام] (1)، ثم رأى عليه السلام رجلاً فعل خلاف مقتضى ذلك العام، فأقره (2) على ذلك، ولم ينكره عليه.
قال المؤلف في شرحه: أما تخصيص الفعل والإقرار للكتاب والسنة، فكما تقدم من تخصيص خبر الواحد لهما خلافًا، ومدركًا، وسؤالاً، وجوابًا، إلا أن الفعل والإقرار أضعف دلالة من القول؛ لأن القول يدل بنفسه، والفعل يدل بغيره، أي: لا يكون دليلاً شرعيًا إلا بغيره، أي: لا يكون مدركًا شرعيًا إلا بالقول؛ لأن دلالته إنما يستفاد (3) من القول (4)، كقوله (5) تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (6).
[وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (7)] (8).
وقوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم".
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) في ط: "فأقده".
(3) في ط وز: "تستفاد".
(4) "القول" ساقطة من ط.
(5) في ط: "قوله".
(6) آية 7 من سورة الحشر.
(7) آية 31 من سورة آل عمران.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(3/278)

وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (1).
قوله: (وعندنا يخصِّص فعله (2) عليه السلام وإِقراره (3) الكتاب والسنة).
مثال تخصيص الكتاب بفعله عليه السلام: قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 210.
(2) هذا هو القول المشهور، واختاره أكثر الأصوليين. انظر تفصيل هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 210، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 182، شرح التنقيح للمسطاسي ص 114، مختصر ابن الحاجب 2/ 151، إحكام الفصول للباجي 1/ 191، الإحكام للآمدي 2/ 329، المستصفى 2/ 106، حاشية البناني على جمع الجوامع 2/ 331، العدة 2/ 573، التمهيد 2/ 116، فواتح الرحموت 1/ 354.
ونسبه الفتوحي للأئمة الأربعة. انظر: شرح الكوكب المنير 3/ 371. ونسبه في المسودة (ص 125) للإمام أحمد، والمالكية، والشافعية، والحنفية.
وقد ذكر القرافي وتابعه المؤلف قول الإمام فخر الدين، وهناك أقوال أخرى أذكرها تتميمًا للفائدة:
منها: أنه لا يخصص بالفعل مطلقًا، وممن قال به الكرخي، انظر نسبته له في: الإحكام للآمدي 2/ 329، التمهيد 2/ 116، شرح الكوكب المنير 3/ 372، المسودة ص 125.
ومنها: أنه إن فعله مرة فلا تخصيص؛ لاحتمال كونه من خصائصه. ذكر هذا القول الفتوحي في شرح الكوكب المنير 3/ 372.
ومنها: الوقف، انظره في: مختصر ابن الحاجب 2/ 151، المسودة ص 125، فواتح الرحموت 2/ 354.
(3) انظر: التخصيص بالإقرار في: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 182، مختصر ابن الحاجب 2/ 151، المحصول ج 1 ق 3 ص 127، نهاية السول 2/ 472، 473، المستصفى 2/ 109، العدة 2/ 573، المسودة ص 126، فواتح الرحموت 1/ 354، إرشاد الفحول ص 159.
(3/279)

فَاجلِدُوا كلَّ وَاحِدٍ مِّنهُمَا مِائةَ جلْدَةٍ} (1).
خصصه: فعله عليه السلام برجم ماعز والعامرية.
ومثال تخصيص الكتاب بإقراره عليه السلام: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (2).
خصصه: ما رواه مسلم "من أنه عليه السلام وجد عبد الرحمن بن عوف في الصلاة، فأحرم عليه السلام وراءه، فأقره عليه السلام على الإمامة، مع أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكون إمامًا للنبي عليه السلام".
ومثال تخصيص السنة لفعله عليه السلام: قوله عليه السلام: "لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها لبول أو غائط، و (3) لكن شرقوا أو غربوا".
خصصه: ما رواه ابن عمر - رضي الله عنه - "أنه سعد على ظهر بيت حفصة، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين لبنتين لقضاء الحاجة، مستقبل بيت المقدس، مستدبر الكعبة".
ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام: "من دخل المسجد على وضوء فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (4).
__________
(1) آية 2 من سورة النور.
(2) آية رقم 1 من سورة الحجرات.
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) أخرجه البخاري عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين".
انظر: صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى (1/ 203). =
(3/280)

خصصه: كونه دخل المسجد يوم الجمعة فرقى المنبر، كما يدخل (1).
ومثال تخصيص السنة بإقراره عليه السلام: قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر".
خصصه: إقراره عليه السلام أهل المدينة على أكل الخضر وبيعها من غير زكاة.
قوله: (وفصل الإمام فخر الدين فقال: إِن تناوله العام كان الفعل مخصصًا له ولغيره (2)، و (3) إن علم بدليل أن حكمه كحكمه، لكن المخصص فعله مع ذلك الدليل، وكذلك إِذا كان العام (4) متناولاً لأمته فقط، وعلم (5) بدليل أن حكمه كحكم أمته) (6).
ش: فهذا (7) الذي نقله المؤلف عن فخر الدين [في] (8) المعنى عين (9) ما
__________
= وأخرجه مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" انظر: كتاب المسافرين، باب استحباب تحية المسجد بركعتين (2/ 155).
وأخرجه النسائي عن أبي قتادة بلفظ مسلم في كتاب المساجد في الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه (2/ 53).
(1) أخرج البيهقي عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلّم على من عند المنبر جالسًا، فإذا صعد المنبر توجه الناس ثم سلم عليهم".
انظر السنن الكبرى للبيهقي "3/ 205" كتاب الجمعة، باب الإمام يسلم على الناس إذا صعد المنبر قبل أن يجلس
(2) في ط: "مختصًا له ولغيره".
(3) "الواو" ساقطة من ز وط.
(4) في ط: "ذلك العام".
(5) في ط: "وعمل".
(6) انظر نص كلام فخر الدين في: المحصول ج 1 ق 3 ص 126.
(7) في ز: "وهذا".
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز، وفي الأصل وط: "هو".
(9) في ط وز: "غير".
(3/281)

قاله أولاً، لكن (1) ما تقدم مجمل، وكلام الإمام مفصل.
ولم ينقل المؤلف ها هنا إلا قولاً واحدًا، خلافًا لبعض الشراح، القائل (2): بأن المؤلف نقل ها هنا قولين، وذلك وهم.
ومعنى كلام الإمام: أن اللفظ إذا كان معناه شاملاً للنبي عليه السلام مع أمته، فإن فعله عليه السلام بخلاف مقتضى ذلك اللفظ يخصصه عليه السلام وغيره، سواء كان ذلك اللفظ خاصًا بصيغته للنبي عليه السلام (3) خاصة، أو كان خاصًا بصيغته لأمته (4) دونه عليه السلام؛ إذ المعتبر ها هنا عموم المعنى [لا عموم اللفظ] (5).
مثال المتناول (6) له عليه السلام فقط: قوله عليه السلام: "نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا" (7).
__________
(1) في ط وز: "ولكن".
(2) في ز: "القائلين".
(3) "عليه السلام" لم ترد في ز وط.
(4) في ز: "بصيغة فلأمة".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ط: "متناوله".
(7) هذا طرف من حديث، وتمام الحديث كما أخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس قال: كشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: "أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء فقمن أن يستجاب لكم".
انظر: صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (2/ 48).
وأخرجه النسائي عن ابن عباس بهذا اللفظ في كتاب الافتتاح، باب التطبيق في =
(3/282)

ولكن وإن كان لفظه خاصًا به عليه السلام، فمعناه له ولأمته عليه السلام؛ لأنه علم بدليل آخر [أن حكم غيره من الناس كحكمه عليه السلام، وذلك الدليل هو قوله عليه السلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي"] (1).
ومثال المتناول لأمته عليه السلام فقط: قوله عليه السلام: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبول أو غائط، ولكن شرّقوا أو غرّبوا"
ولكن وإن كان لفظه خاصًا بالأمة، فمعناه عام لأمته (2) مع النبي عليه السلام؛ لأنه علم بدليل آخر أن حكمه عليه السلام كحكم غيره من أمته (3)؛ لأنه عليه السلام أولى بتنزيه القبلة (4) ممن سواه، فيكون فعله مخصوصًا (5) له من حكم هذا النص الذي تناوله بالدليل، ومن الناس من حمل فعله على حالة، وهي أن هذا حكم الأبنية، والنهي محمول على الصحارى (6) والأفضية.
ومثال المتناول له عليه السلام ولأمته معًا: قوله عليه السلام: "من دخل
__________
= تعظيم الرب في الركوع (2/ 189 - 190).
وأخرجه الدارمي عن ابن عباس بهذا اللفظ في كتاب الصلاة، باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود (1/ 304).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (1/ 155) عن علي - رضي الله عنه - قال: سأله رجل: أأقرأ في الركوع والسجود؟ فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني نهيت أن أقرأ في الركوع والسجود, فإذا ركعتم فعظموا الله، وأنا سجدتم فاجتهدوا في المسألة، فقمن أن يستجاب لكم".
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) في ز: "طامة" وهو تصحيف.
(3) في ز وط: "كحكم الأمة".
(4) في ط: "للقبلة".
(5) في ز وط: "مخصصًا".
(6) في ط: "السجاري" وهو تصحيف.
(3/283)

المسجد على وضوء فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" فهذا عام باللفظ والمعنى؛ لأن (1) "من" موضوعة للعموم.
قوله: (كان الفعل مخصصًا له)، [أى: فعله عليه السلام مخصصًا] (2) لنفسه مطلقًا.
قوله: (ولغيره، إِن عُلِمَ بدليل أن حكمه كحكمه) معناه: ويخصص فعله عليه السلام غيره من الناس، بشرط أن يدل دليل على أن حكم غيره من الناس كحكمه عليه السلام، أي: يدل دليل (3) على وجوب التأسي به عليه السلام في ذلك الفعل.
[قوله: (لكن (4) المخصص: فعله مع ذلك الدليل)، معناه: أن المخصص لغيره عليه السلام شيئان: أحدهما: فعله عليه السلام، والثاني: هو الدليل الدال على وجوب التأسي به في ذلك الفعل، والمخصص للنبي عليه السلام شيء واحد، والمخصص لغيره شيئان: فعله عليه السلام، والدليل الدال على وجوب التأسي به (5) في ذلك الفعل] (6).
قوله: (وكذلك الإِقرار يخصص الشخص المسكوت عنه لما خالف
__________
(1) "من" ساقطة من ط.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط: "الدليل".
(4) في ط: "ولكن".
(5) المثبت من ط، ولم ترد "به" في الأصل وز.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/284)

العموم، ويخصص غيره إِن علم (1) أن حكمه على الواحد حكم على الكل).
ش: ومثل هذا قوله (2) عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر" مع أنه أقر عليه السلام أهل المدينة على أكل الخضر وبيعها من غير زكاة، فأهل المدينة هم الشخص المسكوت عنه في هذا المثال.
قوله: (ويخصص غيره) أي: ويخصص الإقرار أيضًا غير ذلك الشخص المسكوت عنه، والمراد بذلك الغير في هذا المثال هو: سائر أهل البلاد سوى أهل المدينة؛ لأنه علم أن حكم أهل المدينة وغيرهم في الزكاة واحد؛ لقوله (3) عليه السلام: "حكمي على الواحد كحكمي (4) على الجماعة"
قوله: (ويخصص غيره) المواد بذلك الغير: بعض الأشخاص لا جملة ما يصدق عليه أنه غيره؛ لأن ذلك يؤدي إلى خروج (5) جملة الأفراد من ذلك اللفظ، فلا يبقى فيه شيء، [فيكون إذ ذاك نسخًا لا تخصيصًا] (6).
قوله: (وعندنا العوائد مخصصة للعموم، قال (7) الإمام: إِن علم وجودها في زمان (8) الخطاب، وهو متجه).
__________
(1) في ز: "إن علم بدليل".
(2) في ط وز: "كقوله".
(3) في ط: "كقوله".
(4) في ز وط: "حكمي".
(5) في ز: "خراج".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) في ز: "وقال".
(8) في أوخ وش: "زمن".
(3/285)

ش: هذا مخصص آخر، تعرض المؤلف هنا لتخصيص العام بالعادة، وهي العرف، وهي: الحقيقة العرفية كانت عامة أو خاصة، وظاهر كلام المؤلف: أن العادة تخصص مطلقًا، سواء كانت قولية أو فعلية، وليس الأمر كذلك، بل العادة التي تخصص العموم هي: العادة القولية خاصة دون الفعلية (1).
__________
(1) اختار هذا القول بعض الأصوليين، وممن اختاره: القرافي في التنقيح (ص 211)، حيث قال: قال الإمام: إن علم وجودها في زمن الخطاب وهو متجه.
واختاره الإمام فخر الدين، ولكنه فصل في ذلك فقال: والحق أن نقول: العادات إما أن يعلم من حالها أنها كانت حاصلة في زمان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يمنعهم منها، أو يعلم أنها ما كانت حاصلة، أو لا يعلم واحد من هذين الأمرين، فإن كان الأول صح التخصيص بها، وإن كان الثاني لم يجز التخصيص بها، وإن كان الثالث كان محتملاً للقسمين الأولين.
انظر: المحصول ج 1 ق 3 ص 198، 199.
واختار هذا القاضي عبد الوهاب، انظر: إحكام الفصول 1/ 198.
واختاره الغزالي في المستصفى (2/ 111، 112)، والآمدي في الإحكام 2/ 334.
واختار هذا القول أيضًا ابن دقيق، كما نسبه له الفتوحي في شرح الكوكب المنير (3/ 338)، والمجد في المسودة (ص 123).
ونقل صاحب تيسير التحرير (1/ 317)، وصاحب فواتح الرحموت (1/ 345) الاتفاق على تخصيص العموم بالعرف القولي.
وقيل: يجوز تخصيص العموم بالعوائد القولية والفعلية، واختار هذا القول الباجي، وحكاه عن ابن خويز منداد من المالكية. انظر: إحكام الفصول 1/ 198، شرح التنقيح للمسطاسي ص 115.
وهو مذهب الحنفية، انظر: تيسير التحرير 2/ 117، وفواتح الرحموت 2/ 345.
وقيل: المنع مطلقًا، أي: لا يجوز تخصيص العموم بالعادات، سواء كانت قولية أم فعلية.
واختار هذا القول الجويني في البرهان 1/ 445 - 447، والشيرازي في اللمع ص 120. =
(3/286)

[وإنما قلنا: بأن العادة القولية هي المخصصة دون الفعلية] (1)؛ لأن القولية هي المعارضة للغة دون الفعلية، فكل من له عرف وعادة في لفظه فإنما (2) يحمل لفظه (3) على عرفه وعادته؛ لأن دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة؛ لأن العرف ناسخ للغة، فالناسخ مقدم على المنسوخ.
قوله: (قال الإمام (4): إِن علم وجودها في زمان الخطاب).
قول الإمام هو تفسير لا خلاف؛ يعني: أن العادة التي يخصص بها العموم هي: العادة الحاضرة في وقت الخطاب؛ لأنها هي المعارضة للخطاب، وأما العادة الحادثة بعد الخطاب فلا عبرة بها، أي: لا يخصص بها العموم، ولا يقيد بها المطلق، ولا تأثير لها أصلاً.
قوله: (وهو متجه) , أي قول (5) الإمام له وجه (6)، وتوجيهه (7): أن من له عوف [وعادة في لفظه، حمل لفظه على عرفه] (8) وعادته الحاضرة لنطقه، دون العادة الغائبة عن نطقه، فلا يحمل عليها لفظه؛ لعدم معارضتها لنطقه
__________
= واختاره أيضًا من الحنابلة أبو يعلى في العدة 2/ 593، 594، والفتوحي في شرح الكوكب المنير 3/ 387، 388، والبعلي في مختصره ص 124، واختاره ابن الحاجب ونسبه للجمهور، انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 152.
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) في ز: "فإنه".
(3) "لفظه" ساقطة من ز.
(4) في ز: "قال الإمام فخر الدين".
(5) في ط: "وقول".
(6) في ط: "متجه أي له وجه".
(7) في ز: "وتوجيهها".
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/287)

في حال (1) الخطاب، فإذا كان المتكلم هو الشارع حملنا لفظه على عرفه، وخصصنا عموم لفظه بذلك العرف، [أو قيدنا (2) إطلاق لفظه بذلك العرف] (3)؛ فإن نصوص الشريعة لا يؤثر (4) في تخصيصها [وتقييدها إلا ما قارنها من العوائد] (5).
ونظير (6) ذلك: الأعواض، والنذور، والإقرار، والوصية، وغير ذلك، فإذا وقع البيع مثلاً فإنما (7) يحمل العوض فيه (8)، وهو الثمن على السَّكَّة الحاضرة في زمان التبايع، ولا عبرة بسكة حادثة (9) بعد ذلك.
وقد أشار القاضي عبد الوهاب في التلقين إلى ذلك بقوله (10): ومن باع بنقد أو اقترض، ثم بطل التعامل به لم يكن عليه غيره إن وجد، وإلا فقيمته إن فقد (11).
__________
(1) في ز: "حالة".
(2) في ط: "وقيدنا".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في ط: "لا تؤثر".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "تصير".
(7) في ز: "فإنه".
(8) "فيه" ساقطة من ز.
(9) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "حادث".
(10) في ط: "قوله".
(11) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب كتاب البيوع (ورقة 81 ب)، والمخطوط موجود بالمكتبة العامة بالرباط برقم ج 672.
(3/288)

وأشار إليه ابن الحاجب أيضًا (1) بقوله: ولو (2) قطعت الفلوس فالمشهور: المثل، ولو (3) عدمت فالقيمة وقت اجتماع (4) الاستحقاق والعدم (5).
وكذلك إذا نذر دراهم أن يتصدق بها، فإن ذلك يحمل على السكة الحاضرة وقت النذر.
وكذلك إذا أقر بدراهم أو وصى (6) بها، فالمعتبر هو السكة الحاضرة وقت الإقرار ووقت الإيصاء.
قوله: (وعندنا العوائد مخصصة للعموم)، يريد: القولية دون الفعلية.
مثال العادة القولية: إذا كان إنسان (7) لا يُطْلِق الثوب في كلامه إلا على (8) ثوب الكتان، فإن حلف وقال: والله لا ألبس (9) ثوبًا فلا يحنث إلا بالكتان؛ تنزيلاً لكلامه على عرفه، وتفسيرًا لكلامه بكلامه.
__________
(1) في ز: "وأشار ابن الحاجب أيضًا إليه".
(2) في ز: "فلو".
(3) في ط: "فلو".
(4) في ط: "إجماع".
(5) انظر: الفروع لابن الحاجب، كتاب البيوع (ورقة رقم 63/ أ) مخطوط موجود بالمكتبة العامة بالرباط برقم د 87.
(6) في ط: "وأوصى".
(7) في ط: "الإنسان".
(8) "على" ساقطة من ط.
(9) في ز "وقال لا ألبس"
(3/289)

وكذلك إذا كان إنسان (1) لا يطلق الدابة (2) إلا على الفرس، فإذا حلف وقال: والله لا أركب دابة فلا يحنث إلا بالفرس، ولا يحنث بركوب غيره من سائر الدواب
وكذلك إذا كان لا يطلق الرأس في كلامه إلا على رأس الغنم، [فإذا حلف ألا يأكل رأسًا] (3) فلا يحنث إلا برأس الغنم، ولا يحنث بأكل غيره من رؤوس البقر، والإبل، وغير (4) ذلك من رؤوس الحيوانات.
وكذلك إذا كان إنسان لا يطلق لفظ الخبز إلا على خبز القمح (5)، فإذا حلف وقال: والله لا آكل الخبز فلا يحنث إلا بأكل خبز (6) القمح دون غيره من خبز الشعير، أو خبز الفول، أو خبز الذرة، أو الدخن (7)، وغير (8) ذلك.
فقد تبين بما قررناه: أن العوائد القولية يخصص بها.
وأما مثال العادة الفعلية فهو: إذا كان الإنسان لا يلبس إلا ثوب الكتان، فإذا حلف وقال: والله لا ألبس ثوبًا، فإنه يحنث بكل ثوب، لا فرق بين الكتان وغيره، ولا عبرة بعادته (9) الفعلية.
__________
(1) في ط: "الإنسان".
(2) في ط: "الدابة في كلامه".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(4) في ز وط: "بأكل رأس البقر، أو الإبل، أو غير ذلك".
(5) في ز: "القبح".
(6) "خبز" ساقطة من.
(7) في ز: "أو الدترا".
(8) في ط: "أو غير".
(9) في ز: "بعادة".
(3/290)

وكذلك إذا كان إنسان لا يركب إلا الفرس، فإذا حلف وقال: والله لا أركب دابة، فإنه يحنث بكل دابة، لا فرق بين الفرس وغيره من الدواب، ولا عبرة بعادته (1) الفعلية.
وكذلك إذا كان إنسان لا يأكل إلا رؤوس الغنم، فإذا حلف وقال: والله لا آكل [رأسًا، فإنه يحنث لكل رأس أكله (2)، لا فرق بين رؤوس الغنم وغيرها، ولا عبرة بعادته الفعلية.
وكذلك إذا كان إنسان لا يأكل إلا خبز القمح، فإذا حلف وقال: والله لا آكل] (3) خبزًا فإنه يحنث بكل خبز، لا فرق بين خبز القمح وغيره، ولا عبرة بعادته الفعلية، وغير ذلك من الأمثلة.
فقد (4) تبين بما قررناه: أن المعتبر من العوائد هو: العادة القولية دون الفعلية.
وقد حكى المؤلف الاتفاق على ذلك، أعني: الاتفاق على التخصيص بالقولية، والاتفاق على عدم التخصيص بالفعلية (5).
وقد نقل غيره (6) الخلاف في الفعلية (7).
__________
(1) في ز: "بعادة".
(2) "أكله" ساقطة من ز.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "قد".
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 211.
(6) في ز: "غير".
(7) سبق ذكر الخلاف في الفعلية.
(3/291)

قال المازري في شرح التلقين: اختلف قول (1) مالك - رضي الله عنه - في غسل الإناء من ولوغ الكلب في مائع سوى الماء:
فمرة حمل الحديث (2) على عمومه، ولم يفرق بين الماء وغيره من المائعات.
ومرة خصصه بالعادة؛ لأن عادة الكلاب في زمان النهي أن تلغ (3) من المياه دون المائعات؛ لأن الماء هو الموجود المألوف في ذلك الوقت دون المائع؛ لقلة الطعام عندهم في ذلك الزمان (4).
قال المؤلف في النفائس: وما نقله المازري عن المالكية في ذلك (5) مؤوَّل برجوعه إلى العوائد القولية (6).
قال المؤلف في الشرح: فقد غلط في هذا جماعة من أكابر الفقهاء المالكية وغيرهم، وقالوا: من (7) حلف بأيمان المسلمين، إنما (8) يلزمه صيام شهرين متتابعين والحج دون الاعتكاف، لأجل العادة الفعلية؛ لأن عادة
__________
(1) في ز: "قال" وهو تصحيف.
(2) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات"، وفي رواية أخرى: "إذا ولغ" وقد سبق تخريجه.
(3) في ز: "في زمان النبي أن تقع".
(4) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التلقين، ورقة 38 مصور فلميًا في مركز البحث بجامعة أم القرى برقم 234 فقه مالكي.
(5) "في ذلك" ساقط من ط.
(6) انظر: نفائس الأصول، تحقيق عادل عبد الموجود ص 2147.
(7) في ط وز: "إن من حلف".
(8) في ط: "أنه".
(3/292)

الناس أنهم (1) يصومون كثيرًا ويحجون كثيرًا (2)، ولم تجر عادتهم بالاعتكاف إلا نادرًا، وليس ذلك كما قالوا: إنما (3) يلزمهم الصوم والحج دون الاعتكاف؛ لأجل عادتهم القولية؛ لأن عادتهم إذا نطقوا (4) بالأيمان أن يحلفوا بإلزام (5) الصوم والحج، ولم تجر عادتهم في النطق بالأيمان التزام الاعتكاف.
وكذلك أيضًا قالوا: إذا حلف الإنسان (6)، وقال: والله لا آكل رؤوسًا.
فمنهم من حنَّثه برؤوس الأنعام خاصة؛ لأن رؤوس الأنعام قد جرت العادة الفعلية بأكلها دون غيرها.
وليس ذلك كما قالوه (7)، بل نقول: منشأ الخلاف في هذا: أن عادتهم القولية إذا نطقوا للفظ الرؤوس في الأيمان، فإنهم يخصون رؤوس الأنعام دون غيرها، فهي إذًا عادة قولية لا فعلية.
وإنما سبب الخلاف بين العلماء: في كونه يحنث بجميع الرؤوس، أو يحنث برؤوس الأنعام دون غيرها، هل وصلت هذه الغلبة في النطق إلى هذا النقل عن اللغة (8)؟
فمن قال بالوصول، قال: هذه العادة ناسخة، وناقلة للغة، فلا يحنث إلا برؤوس الأنعام.
__________
(1) في ز: "لأن عادتهم إنما يصومون".
(2) "ويحجون كثيرًا" ساقطة من ز.
(3) في ز وط: "بل نقول إنما يلزمهم".
(4) في ز: "نطق".
(5) في ط وز: "بالتزام".
(6) في ط وز: "إنسان".
(7) في ط: "قالوا".
(8) في ز وط: "اللغة أم لا".
(3/293)

ومن قال بعدم وصولها، قال: يحنث بجميع الرؤوس؛ لأن مقتضى اللغة باقٍ غير منسوخ (1). انتهى معنى كلامه (2) في الشرح (3).
قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص": أما العادة الفعلية فلا يخص بها العموم.
وقد أشار إلى ذلك في "التلقين"، ونصه فيه: ويعتبر في اليمين ثلاثة أشياء: أولها: النية فيعمل عليها إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها، كانت مطابقة له أو زائدة فيه، أو ناقصة عنه، بتقييد مطلقه، أو تخصيص عامه، فإن عدم الحالف تحصيلها (4) نظر السبب المثير (5) لليمين ليعرف منه، فإن عدم أجري اللفظ على ما يقتضيه إطلاقه في عرف اللغة وعادة التخاطب دون عادة الفعل (6)، وذلك كالحالف: لا آكل رؤوسًا (7)، أو بيضًا، أو لا أسبح في نهر أو غدير، فإن قصد معنى عامًا عبر (8) عنه بلفظ خاص، أو معنى خاصًا عبر (9) بلفظ عام حكم بنيته إذا قارنها عرف التخاطب، كالحالف: لا أشرب لفلان ماء، يقصد قطع المن، فإنه يحنث بكل ما ينتفع به من ماله، كذلك (10): لا ألبس ثوبًا
__________
(1) في ط: "ناسخ".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 212 - 213.
(3) في ط: "في الشرط" وهو تصحيف.
(4) في ط: "تخصيصها".
(5) في ز: "نظر إلى السبب المؤثر".
(6) "الفعل" ساقطة من ز.
(7) في ز: "لحمًا أو رؤوسًا".
(8) في ط وز: "وعبر".
(9) في ط: "وعبر عنه".
(10) في ط وز: "وكذلك".
(3/294)

من غزل زوجته، يقصد قطع المن دون عين المحلوف عليه. انتهى نصه (1).
قوله (2): (أو كانت (3) مما يصلح أن يراد اللفظ بها)؛ احترازًا مما إذا كانت النية لا يصلح أن يراد اللفظ بها، كما إذا (4) قال: والله لا آكل اللحم، فسئل، فقال: أردت الخضروات (5) أو أردت الخبز.
و (6) قوله: (كانت مطابقة له) أي: سواء كانت النية مساوية للفظه (7)، كما إذا (8) قال: والله لا آكل رؤوسًا، فسئل فقال: أردت جميع الرؤوس؛ لأن نيته مطابقة للفظه (9) في العموم، وكذلك إذا قال: والله لا آكل بعض الرؤوس، فسئل فقال: أردت رؤوس المعز؛ لأن نيته مطابقة للفظه في الخصوص.
و (10) قوله: (أو زائدة فيه)، كما إذا (11) قال: والله لا آكل رؤوس (12) الغنم، فسئل عن نيته، فقال: نويت جميع الرؤوس، فإنه قصد معنى
__________
(1) انظر كتاب التلقين للقاضي عبد الوهاب، كتاب الأيمان (ورقة 53 أ) مخطوط موجود بالمكتبة العامة بالرباط برقم ج 672.
(2) بدأ في شرح كلام القاضي عبد الوهاب في التلقين.
(3) في ز وط: "إذا كانت".
(4) في ز وط: "كإذا".
(5) في ز: "الضروات".
(6) "الواو" ساقطة من ط.
(7) في ز: "للفظ".
(8) في ز وط: "كإذا".
(9) في ز: "للفظ".
(10) "الواو" ساقطة من ط.
(11) في ط وز: "كإذا".
(12) في ط: "الرؤوس".
(3/295)

عامًا بلفظ (1) خاص.
و (2) قوله: (أو ناقصة عنه)، كما (3) إذا قال: والله لا آكل رؤوسًا، فسئل عن نيته فقال: نويت رؤوس الغنم.
قوله: (بتقييد مطلقه أو تخصيص عامه).
التقييد والتخصيص راجعان إلى النية الناقصة، تقديره: أو ناقصة عنه بالتقييد، أو التخصيص، والضمير في قوله: مطلقه وعامه، راجع إلى اللفظ، ويحتمل أن يرجع إلى اللافظ، وهو الحالف.
مثال تقييد المطلق، إذا قال: والله لا آكل رؤوسًا، فقال: نويت رؤوس البقر.
ومثال تخصيص العام: كإذا قال: والله لا آكل الرؤوس، فقال: نويت رؤوس البقر، فإن الرؤوس ها هنا (4) لفظ عام؛ لأنه جمع (5) معرف بالألف واللام.
قوله: (ليعرف منه) أي: ليعرف منه قصد الحالف، أو لتعرف منه نية الحالف على نسخة التاء (6)، كإذا قال: والله لا آكل رؤوسًا، ولا نية له، فسئل فقيل له: وما سبب يمينك؟ فقال: أكلت رؤوس المعز فضرني، فإنه لا يحنث إلا برأس المعز خاصة.
__________
(1) في ط وز: "وعبر عنه بلفظ خاص".
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) في ط: "كإذا".
(4) في ط: "هنا".
(5) في ط: "لا جمع".
(6) أي نسخة التنقيح التي فيها "لتعرف منه" بالتاء.
(3/296)

و (1) قوله: (في عرف اللغة، وعادة التخاطب) هذان (2) قولان:
قال ابن القاسم: عرف اللغة مقدم على عرف التخاطب؛ لأنه الأصل.
وقال أشهب (3): عرف التخاطب (4) مقدم على عرف اللغة (5)؛ لأنه الغالب في الاستعمال.
وقيل: عرف الشرع هو المقدم؛ لأنه العالم بالأحكام، فهذه ثلاثة أقوال (6).
مثال العرف الشرعي: إذا قال: والله لأصومَنَّ، أو قال: والله لأركعنَّ، أو قال: والله لأهجرن فلانًا، فيصوم يومًا واحدًا، ويصلي ركعتين، ويهجر
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ط: "هذا".
(3) هو أشهب بن عبد العزيز القيسي الفقيه المصري المالكي، ولد سنة خمس وأربعين ومائة تقريبًا، روى عن مالك، والليث، وسليمان بن بلال، والفضل بن عياض، روى عنه: الحارث بن مسكين، وسحنون، وغيرهم، توفي سنة أربع ومائتين 204 ه، من آثاره: "كتاب الحج" برواية سحنون.
انظر: تهذيب التهذيب 1/ 359، وفيات الأعيان 1/ 238، الديباج ص 98، ترتيب المدارك 2/ 447، شذرات الذهب 2/ 12.
(4) في ز: "عرفًا للتخاطب".
(5) ضرب ابن جزي لهذين القولين مثالاً، فقال: لو حلف ألا يأكل بيضًا حنث عند ابن القاسم حتى ببيض الحوت، ولم يحنث عند أشهب إلا ببيض الدجاج، وما جرت به العادة بأكله من البيض.
انظر: القوانين الفقهية لابن جزي ص 142.
(6) انظر تفصيل هذه الأقوال الثلاثة في: المقدمات لابن رشد ص 310، 311.
(3/297)

فلانًا ثلاثة أيام؛ لأنه (1) الهجران (2) الشرعي على هذا (3) القول.
و (4) قوله: (في عرف اللغة وعادة التخاطب) ظاهره: أن عرف اللغة عنده مقدم على عرف التخاطب.
وقال في المعونة: يقدم عرف التخاطب على عرف اللغة (5)، ولكن يجاب عنه بأن الواو لا ترتب (6)، فمذهبه (7) تقديم عرف التخاطب على عرف اللغة، وهو قول أشهب.
وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا قال: والله لا آكل رؤوسًا، ولم تكن له نية، ولا ظهر له سبب:
فعلى قول ابن القاسم الذي اعتبر عرف اللغة: يحنث (8) بجميع الرؤوس.
وعلى قول أشهب: لا يحنث إلا برؤوس الأنعام.
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لأن".
(2) في ط: "الهجر".
(3) في ز: "هذه".
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) يقول القاضي عبد الوهاب في المعونة: "الاعتبار في الأيمان بالنية، فإن عدمت فالسبب الذي أثر اليمين ليستدل منه عليها، فإن عدم أجري اللفظ على ما يقتضيه عرف التخاطب دون عرف اللغة في الفعل المحلوف عليه، فإن لم يكن عرف أجري على موضوعه".
انظر: كتاب الأيمان من كتاب المعونة، مخطوط مصور في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى برقم (33) عن مخطوط مكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم (777).
(6) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "يرتب".
(7) في ز: "فمذهبهم".
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فحنث".
(3/298)

وقوله: (وعادة الفعل) معناه: لا عبرة بالعادة الفعلية، كما إذا (1) قال: والله لا آكل خبزًا، وعادته أنه لا يأكل إلا خبز القمح، فإنه يحنث بجميع الأخباز، لا (2) فرق بين خبز القمح وغيره.
وكذلك إذا قال: والله لا ألبس ثوبًا، وعادته أنه لا يلبس إلا ثوب الكتان، فإنه يحنث بجميع الأثواب، لا فرق بين ثوب الكتان وغيره.
وكذلك إذا قال: والله لا أركب دابة، وعادته أنه لا يركب إلا الخيل، فإنه يحنث بجميع الدواب، ولا فرق بين الخيل وغيرها.
قوله: (دون عادة الفعل) يحتمل أن يكون الفعل راجعًا إلى الحالف، أي: دون عادة فعل الحالف كما قررناه بالأمثلة.
ويحتمل أن يرجع الفعل إلى الفعل المحلوف عليه، كما إذا (3) قال: والله لا آكل اللحم، فإنه يحنث بأكل اللحم، سواء كان مطبوخًا، أو كان (4) نيًا، وإن كانت عادة اللحم (5) ألا يؤكل إلا مطبوخًا، فلا عبرة (6) بالعادة (7) الفعلية.
قوله: (وذلك كالحالف: لا آكل رؤوسًا أو بيضًا) الإشارة عائدة
__________
(1) في ط وز: "كإذا".
(2) في ط: "ولا".
(3) في ز وط: "كإذا".
(4) "كان" ساقطة من ز.
(5) في ط: "الفعل" وهو تصحيف.
(6) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "فلا عادة".
(7) في ز: "بعاده".
(3/299)

على (1) زيادة النية ونقصانها بالتقييد والتخصيص، تقديره: وبيان زيادة النية ونقصانها [بالتقييد والتخصيص.
ويحتمل أن تعود الإشارة على الثلاثة الأشياء: النية، والسبب، والعرف، تقديره: وبيان اعتبار النية والبساط (2) والعرف.
قوله: (فإن قصد معنى عامًا وعبر عنه بلفظ خاص، أو معنى خاصًا وعبر عنه بلفظ عام (3)).
هذا بيان زيادة النية على اللفظ، كإذا قال: لا آكل (4) رؤوس البقر، فقال: نويت جميع الرؤوس، أو قال: والله لا آكل بيض النعامة، فقال: نويت جميع البيض، أو قال: والله لا أسبح في نهر بني فلان أو غدير بني فلان، فقال: نويت جميع الأنهار أو جميع الغدر.
قوله: (أو معنى خاصًا ...) (5) إلى آخره.
هذا بيان نقصان النية عن اللفظ، فإذا قال: والله لا آكل رؤوسًا، وقال (6): نويت رؤوس البقر، أو قال: والله لا آكل بيضًا، فقال: نويت بيض النعامة، أو قال: والله لا أسبح في نهر، أو: لا أسبح في غدير، فقال: نويت نهر بني فلان أو غدير (7) بني فلان.
__________
(1) في ز: "إلى".
(2) بساط اليمين: هو السبب الحامل على اليمين، والبساط نية حكمية، وهو من باب القرائن. انظر دليل المسالك ص 37.
(3) قوله: "أو معنى خاصًا وعبر عنه بلفظ عام" ساقط من ط.
(4) في ط: "والله لا آكل".
(5) في ط: "أو معنى خاصًا وعبر عنه بلفظ عام".
(6) في ط: "فقال".
(7) في ط: "وغدير".
(3/300)

قوله: (فإِن قصد معنى عامًا وعبر (1) عنه بلفظ خاص، أو معنى خاصًا، وعبر عنه بلفظ عام) وسكت عما إذا قصد معنى عامًا، وعبر عنه بلفظ عام، أو قصد (2) معنى خاصًا، وعبر عنه بلفظ خاص، مع أن الحكم في جميع الصور الأربع واحد، وهو الحكم بنيته، وإنما سكت عن حكم النية المطابقة؛ لأنه يؤخذ من كلامه بأولى وأحرى؛ لأنه (3) إذا كان يحكم بالنية المخالفة للفظ فأولى وأحرى أن يحكم بالنية الموافقة للفظ، وبالله التوفيق بمنّه] (4).
و (5) قوله: (كالحالف: لا أشرب لفلان ماء) مثال أيضًا لزيادة النية على اللفظ.
وكذلك قوله: (وكذلك (6) لا ألبس ثوبًا من غزل زوجته).
[قوله: (دون عين المحلوف عليه): راجع إلى المسألتين، أعني قوله (7): "لا أشرب لفلان ماء" أو قوله: "لا ألمس ثوبًا من غزل زوجته"] (8).
قوله: (عندنا: يخصص (9) الشرط (10) والاستثناء العموم (11) مطلقًا،
__________
(1) في ز: "أو عبر".
(2) "قصد" ساقطة من ط.
(3) في ط: "ولأنه".
(4) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(5) "الواو" ساقطة من ط.
(6) "وكذلك" ساقطة من ط.
(7) "قوله" ساقطة من ط.
(8) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(9) في أوش: "تخصيص".
(10) في أ: "الشخص".
(11) في أوش: "للعموم".
(3/301)

ونص الإمام على الصفة والغاية (1)، وقال (2): إِن (3) تعقبت الصفة جملًا جرى فيها الخلاف الجاري في الاستثناء.
والغاية: "حتى" و"إِلى" (4)، فإِن اجتمع غايتان، كما لو قال (5): لا تقربوهن حتى يطهرن حتى يغتسلن، قال الإمام: فالغاية (6) في الحقيقة الثانية، والأولى سميت غاية (7)؛ لقربها منها).
ش: ذكر المؤلف ها هنا أربعة أشياء من المخصصات (8)، و (9) هي:
الشرط (10)، والاستثناء (11)،
__________
(1) في أوخ وش: "على الغاية والصفة".
(2) في ش: "قال"، وفي خ: "فقال".
(3) في ش: "وإن".
(4) في ز: "أو إلى".
(5) في خ: "قالوا".
(6) في خ: "هي في".
(7) المثبت من أوخ وز وش وط، ولم ترد "غاية في الأصل".
(8) في ز: "التخصصات".
(9) "الواو" ساقطة من ط.
(10) انظر تفصيل الكلام فى الشرط في: شرح التنقيح للقرافي ص 259 - 265، المحصول ج 1 ق 3 ص 89 - 98، المستصفى 2/ 180 - 183، الإحكام للآمدي 2/ 309 - 311، المعتمد 1/ 240، 241، نهاية السول 2/ 437 - 441، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 145، 146، شرح الكوكب المنير 3/ 340 - 346، تيسير التحرير 1/ 279، 280، فواتح الرحموت 1/ 339.
(11) انظر تفصيل الكلام في الاستثناء في: الاستغناء في أحكام الاستثناء للقرافي، شرح التنقيح للقرافي ص 237 - 241، المحصول ج 1 ق 3 ص 38 - 85، الإحكام للآمدي 2/ 286 - 299، المستصفى 2/ 163 - 173، نهاية السول 2/ 407 - 436، المعتمد 1/ 242 - 245، العدة 2/ 659 - 677، التمهيد 2/ 73 - 90، شرح الكوكب المنير 3/ 281، القواعد والفوائد الأصولية ص 245، 246.
(3/302)

و (1) الصفة (2)، والغاية (3).
مثال الشرط: اقتلوا المشركين إن حاربوا.
ومثال الاستثناء: اقتلوا المشركين إلا أن يتركوا الحرابة.
فالشرط والاستثناء يقصران القتل على المحاربين، ويخرج منه القتل في حالة عدم الحرابة، ولولا الشرط والاستثناء لعم القتل جميع الأحوال لغة (4)، ولم يحصل لنا العلم بعدم القتل عند عدم الحرابة، فكان الشرط أو الاستثناء (5) مخصصًا للعموم.
وأما على قاعدة المؤلف من كون العام في الأشخاص هو مطلق في الأحوال فإنه تقضي (6): أن يكون الشرط مقيدًا لتلك الحالة المطلقة لا مخصصًا، وكذلك الاستثناء، والصفة، والغاية.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) انظر تفصيل الكلام في الصفة في: شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 146، المحصول ج 1 ق 3 ص 105، المستصفى 2/ 204، الإحكام للآمدي 2/ 312، جمع الجوامع 2/ 23، المعتمد 1/ 239، نهاية السول 2/ 242، شرح الكوكب المنير 3/ 347، 348، فواتح الرحموت 1/ 344، إرشاد الفحول ص 153.
(3) انظر تفصيل الكلام في الغاية في: شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 146، المحصول ج 1 ق 3 ص 102 - 104، المستصفى 2/ 208، الإحكام للآمدي 2/ 313، نهاية السول 2/ 443 - 448، جمع الجوامع 2/ 23، المعتمد 1/ 239، 240، شرح الكوكب المنير 3/ 349 - 354، القواعد والفوائد الأصولية ص 362، فواتح الرحموت 1/ 343، إرشاد الفحول ص 154.
(4) "لغة" ساقطة من ز.
(5) في ط وز: "والاستثناء".
(6) في ط: "تقتضي".
(3/303)

و (1) قوله: (مطلقًا) أي: كان الشرط شرط سبب، أو كان شرط حكم.
مثال شرط السبب: القدرة على التسليم في البيع.
ومثال شرط الحكم: الطهارة للصلاة (2).
ومعنى قولنا: شرط السبب: أن يكون عدم الشرط مستلزمًا لعدم حكمة السبب، [كالقدرة على تسليم المبيع؛ لأن عدم القدرة على التسليم مستلزم لعدم الانتفاع بالمبيع (3)، الذي هو حكمة السبب] (4).
ومعنى قولنا: وشرط الحكم: أن يكون عدم الشرط مستلزمًا لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب، كالطهارة في الصلاة؛ لأن عدم الطهارة يستلزم عدم الثواب الذي هو نقيض الحكم الذي هو الثواب، مع بقاء حكمة السبب الذي هو التوجه إلى الله تعالى، وقد تقدم هذا في الفصل الخامس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام (5).
قوله: (مطلقًا) أي: كان (6) الشرط شرط سبب، أو شرط حكم، كان (7) الاستثناء استثناء شخص، أو استثناء (8) نوع.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز.
(2) في ط وز: "في الصلاة".
(3) في ط: "بالمباع".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 78 - 84، وانظر (2/ 102 - 103) من هذا الكتاب.
(6) لعلها: "سواء كان".
(7) لعلها: "وسواء كان".
(8) "استثناء" ساقطة من ز.
(3/304)

مثال الشخص (1): اقتلوا المشركين إلا زيدًا.
ومثال النوع: إلا أهل الذمة.
قوله: (ونص الإمام على الصفة، والغاية (2)).
وكذلك نص عليها القاضي عبد الوهاب (3) وغيره.
مثال الصفة: اقتلوا المشركين المحاربين.
ومثال الغاية: اقتلوا المشركين حتى يعطوا الجزية.
وكذلك: اقتلوا المشركين إلى (4) أن يسلموا (5).
قوله: (وقال: إِن تعقبت الصفة جملًا جرى فيها الخلاف الجاري في الاستثناء).
مثال ذلك: أكرم النحاة والفقهاء الزهاد، هل يرجع وصف الزهد إلى الجميع، أو يرجع إلى الآخر؟
فقد (6) ذكر المؤلف: أن حكم الصفة ها هنا كحكم (7) الاستثناء إذا تعقب (8)
__________
(1) المثبت من ز وط، ولم ترد "الشخص" في الأصل.
(2) انظر: المحصول ج 1 ق 3 ص 102، 103، 105.
(3) انظر نسبة هذا القول في: شرح التنقيح للمسطاسي ص 116.
(4) في ط: "إلا".
(5) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أسلموا".
(6) في ز: "فقط" وهو تصحيف.
(7) في ز: "حكم".
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "تعقبت".
(3/305)

الجمل، وفيه خمسة أقوال (1) ذكرها المؤلف في باب الاستثناء في قوله: إذا (2) تعقب الاستثناء الجمل يرجع إلى جملتها (3) عند مالك والشافعي، وعند أصحابهما.
وإلى (4) الأخيرة عند أبي حنيفة.
ومشترك بين الأمرين عند المرتضي (5).
__________
(1) انظر الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 239 - 253، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 139، 140، المحصول ج 1 ق 3 ص 63 - 85، الإحكام للآمدي 2/ 300 - 307، البرهان 1/ 388، وما بعدها، المعتمد 1/ 245، المستصفى 2/ 174 - 180، نهاية السول 2/ 430 - 436، اللمع ص 128، المنخول ص 160، جمع الجوامع 2/ 17، 18، العدة 2/ 678 - 683، شرح الكوكب المنير 3/ 313 - 315، التمهيد 2/ 91 - 100، المسودة ص 156، مختصر البعلي ص 119، 120، القواعد والفوائد الأصولية ص 257، تيسير التحرير 1/ 302 - 305, فواتح الرحموت 1/ 332، 333، ميزان الأصول للسمرقندي ص 376، أصول السرخسي 1/ 275، كشف الأسرار 3/ 123.
(2) في ز وط: "وإذا".
(3) في ز: "جعلتها" وهو تصحيف.
(4) في ز: "أو إلى".
(5) هو الشريف المرتضي: علي بن الحسين بن موسى بن محمّد بت موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولد سنة 355 ه، أخذ عن الشيخ المفيد، وروى الحديث عن سهل الديباجي الكذاب، وجمع بين علوم كثيرة كعلم الكلام، والفقه، وأصول الفقه، والأدب، والنحو، والشعر، واللغة.
واختلف في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب، هل هو جَمْعُه أو جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي بن أبي طالب، وإنما الذي جمعه ونسبه له هو الذي وضعه، والشريف المرتضي شيخ الشيعة ورئيسهم بالعراق، توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة (436 ه)، من مصنفاته: "ديوان شعر"، "المغني =
(3/306)

ومنهم من فصّل فقال: إن تنوعت الجملتان: بأن تكون إحداهما (1) خبرًا، والأخرى أمرًا (2) عاد إلى الأخيرة فقط، وإن لم تتنوع الجملتان، ولا كان حكم إحداهما في الأخرى، ولا (3) أضمر اسم إحداهما في الأخرى (4) فكذلك أيضًا، وإلا عاد إلى الكل، واختاره الإمام، وتوقف أبو بكر منا (5) في الجميع. انتهى نصه (6).
وسيأتي بيان ذلك في باب الاستثناء، إن شاء الله تعالى (7).
قوله: (والغاية: حتى وإِلى): لما ذكر المؤلف الغاية أراد أن يبين أدواتها، فقال: والغاية، حتى وإلى (8)، معناه: أدوات الغاية حرفان (9)، وهما: حتى وإلى (10)، هذا هو الغالب.
__________
= في الإمامة"، "الذخيرة" في أصول الفقه.
انظر: معجم الأدباء 13/ 146 - 160، تاريخ بغداد 11/ 402، شذرات الذهب 3/ 256، إنباه الرواة 2/ 249، النجوم الزاهرة 5/ 39، مرآة الجنان 3/ 55 - 57.
(1) في ز: "أحدهما".
(2) في ز: "خبرًا مرًا والآخر خبرًا عاد ... " إلخ.
(3) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "وإلا".
(4) في ز: "الآخر".
(5) في ط: "القاضي أبو بكر".
(6) هذا نص كلام القرافي في متن التنقيح. انظر: شرح التنقيح ص 249.
(7) في ز: "وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله - في باب الاستثناء".
(8) في ز: "أو إلى".
(9) في ز: "صنفان".
(10) انظر: أدوات الغاية في: مختصر ابن الحاجب 2/ 146، المحصول ج 1 ق 3 ص 102، الإحكام للآمدي 2/ 313، المستصفى 2/ 208، جمع الجوامع 2/ 23، =
(3/307)

وقد تكون الغاية باللام وهو قليل، ومنه قوله تعالى: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} (1) أي: إلى بلد ميت، وأشار إليه ابن (2) مالك في الألفية بقوله في حروف الجر:
للانتهاء حتى ولام وإلى (3) ...........................
قال المرادي: إلا أن "إلى" أمكن (4) في الغاية من "حتى"؛ لأن "إلى" تدخل فيما لا تدخل فيه "حتى"؛ لأن المجرور (5) ب "حتى" (6) يلزم أن يكون آخر (7) جزء (8) , بخلاف إلى؛ لأنك تقول: سرت النهار إلى نصفه، ولا تقول: سرت (9) النهار حتى نصفه (10).
__________
= شرح الكوكب المنير 3/ 349، مختصر البعلي ص 121، القواعد والفوائد الأصولية ص 262، فواتح الرحموت 1/ 343.
(1) آية رقم 57 من سورة الأعراف.
(2) "ابن" ساقطة من ز.
(3) يقول ابن مالك:
للانتهاء حتى ولام وإلى ... ومن وباء يفهمان بدلا
انظر: ألفية أبن مالك، رقم البيت 371، ص 83 المطبوع بهامشه حواش وشروح لمجموعة من العلماء.
(4) في ز: "مكن".
(5) فى ز: "الفجرور" وهو تصحيف.
(6) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "حتى".
(7) في ز: "آخره".
(8) "جزء" ساقطة من ز.
(9) في ز: "صرت".
(10) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح الألفية للمرادي 2/ 205.
وفي ز: "حتى نصفه ليس بآخر جزء من النهار"، وفي ط: "حتى نصفه؛ لأن نصفه ليس بآخر جزء من النهار".
(3/308)

و (1) قوله: (والغاية: حتى وإِلى)، انظر حصر المؤلف الغاية في "إلى" و"حتى" (2)، مع أن الغاية موجودة في غيرهما، كقوله (3): {وَحُرِّمَ علَيكمْ صَيدُ الْبَر مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (4).
قوله: (وعندنا يخصص الشرط والاستثناء العموم مطلقًا، ونص الإمام على الصفة والغاية).
ذكر المؤلف ها هنا أربعة أشياء من المخصصات المتصلة، كما (5) ذكرها غيره.
قال المؤلف في القواعد السنية في الفرق التاسع والعشرين، في الفرق بين النية المخصصة (6) والنية المؤكدة -: المعدود (7) في كتب (8) الأصوليين (9) من المخصصات المتصلة أَربعة خاصة، وهي (10): الشرط، والاستثناء (11)، والصفة، والغاية.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) في ط: "في حتى وإلى".
(3) في ز: "كقوله تعالى".
(4) آية رقم 96 من سورة المائدة.
(5) في ز: "لما".
(6) في ط: "المخصوصة".
(7) في ط: "المعدودة".
(8) في ز: "كتاب".
(9) في ز وط: "الأصول".
(10) في ط: "وهو".
(11) "والاستثناء" ساقط من ط.
(3/309)

قال: وقد وجدتها بالاستقراء اثني عشر، وهي هذه الأربعة المذكورة، وثمانية أخرى، وهي: ظرف الزمان، وظرف المكان، والمجرور، والحال، والتمييز، والمفعول معه، والمفعول من أجله، والبدل، فهذه اثنا عشر (1).
وقد بينها المؤلف أيضًا في الفرق الثاني عشر (2).
مثال الشرط: اقتلوا المشركين إن حاربوا.
ومثال الاستثناء: اقتلوا المشركين إلا أن يسلموا.
[ومثال الصفة: اقتلوا المشركين المحاربين] (3).
ومثال الغاية: اقتلوا المشركين حتى يعطوا (4) الجزية.
مثال (5) ظرف الزمان: اقتلوا المشركين عند طلوع الفجر.
ومثال ظرف المكان: اقتلوا المشركين أمام زيد.
ومثال المجرور: اقتلوا المشركين في شهر رمضان.
ومثال الحال: اقتلوا المشركين عراة.
ومثال التمييز: اقتلوا المشركين رؤوسًا (6).
ومثال المفعول معه: اقتلوا المشركين وزيدًا.
__________
(1) انظر: الفروق للقرافي 1/ 186.
(2) انظر: الفروق 1/ 115.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) في ز: "يعصوا" وهو تصحيف.
(5) في ط: "ومثال".
(6) في ز: "رأسًا".
(3/310)

ومثال المفعول من أجله: اقتلوا المشركين (1) إذهابًا (2) لغيظكم (3).
ومثال البدل: اقتلوا المشركين أهل الحرب (4).
قوله (5): (فإِن اجتمع غايتان، كما لو قال: لا تقربوهن حتى يطهرن حتى يغتسلن).
قال الإمام: فالغاية في الحقيقة الثانية (6)، والأولى سميت غاية؛ لقربها منها، وإنما صارت الثانية هي الغاية (7) حقيقة؛ لأن الحكم إنما تعلق بها وحدها؛ إذ لا يجوز وطؤهن إلا بالاغتسال (8)، وإنما سميت الغاية الأولى غاية (9) مجازًا؛ لأجل قربها منها؛ أي (10): من الغاية الثانية التي هي الحقيقة.
وقال غير الإمام: بل كل واحدة منهما غاية معتبرة؛ لتعلق الحكم بهما معًا؛ لأن هذا من باب تعليق (11) الحكم على شرطين، وهما: انقطاع الدم، والغسل بالماء (12)، فإن الحائض لا توطأ إلا باجتماعهما، وأما إن عدما
__________
(1) "اقتلوا المشركين" ساقطة من ط.
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "ذهابًا".
(3) في ز: "ليعطكم"، وفي ط: "لغيضهم".
(4) ذكر بعض هذه الأمثلة القرافي في الفروق 1/ 115.
(5) في ط: "ومثال قوله".
(6) في ز: "هي الثانية".
(7) في ط: "غاية".
(8) في ط: "باغتسال".
(9) "غاية" ساقطة من ط.
(10) "منها أي" ساقطة من ز وط.
(11) في ط: "تعلق".
(12) "بالماء" ساقطة من ط.
(3/311)

معًا (1)، أو وجد أحدهما (2)، فلا يجوز وطؤها.
قاله ابن العربي في أحكام القرآن (3)، هذا كله على (4) قراءة التخفيف (5)، وأما على قراءة التشديد: فالمراد بالطهر في اللفظين شيء واحد وهو: الاغتسال بالماء.
وذلك أن القراء اتفقوا على التشديد في اللفظ الثاني، وإنما اختلفوا في الأول بالتخفيف والتشديد: [قراءة (6) حمزة (7) والكسائي وأبي بكر بالتشديد (8)
__________
(1) المثبت من ط وز، ولم ترد: "معًا" في الأصل.
(2) في ط: "إحداهما".
(3) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 166.
(4) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "مع".
(5) المراد: قراءة يطهرن في قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} آية 222 من سورة البقرة.
(6) "قراءة" ساقطة من ط.
(7) هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي المعروف بالزيات، أحد القراء السبعة، ولد سنة ثمانين، أخذ القراءة عن: سليمان الأعمش، وحمران بن أعين، وأبي إسحاق السبيعي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم، وأخذ عنه القراءة: أبو الحسن الكسائي وغيره، وإليه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم والأعمش، وكان إمامًا، حجة، ثقة، ثبتًا، قيّمًا بكتاب الله، بصيرًا بالفرائض، عارفًا بالعربية، حافظًا للحديث، عابدًا، خاشعًا، زاهدًا، ورعًا، وإنما قيل له: الزيات؛ لأنه كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان، ويجلب الجوز والجبن إلى الكوفة، توفي رحمه الله سنة ست وخمسين ومائة (156 ه) بحلوان.
انظر: غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 261 - 263، وفيات الأعيان 2/ 216، تهذيب التهذيب 3/ 27.
(8) في ط: "بتشديد".
(3/312)

فى (1) الطاء والهاء مفتوحتين (2)] (3).
و (4) قال ابن العربي: و (5) نظير هذه الآية قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغوا النِّكَاحَ ...} (6) الآية.
فعلق دفع المال على وجود شرطين، وهما: بلوغ النكاح، وإيناس الرشد (7).
قوله: (فالغاية في الحقيقة الثانية (8)) يريد: إذا كانتا (9) على طريق الاجتماع، وأما إذا كانتا (10) على طريق البدل فالغاية هي إحداهما من غير تعيين.
كقولك: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا المسجد، أو الدار (11)، فإن مقتضى ذلك. أن الإكرام يستمر إلى حصول إحدى الغايتين، إما دخول المسجد،
__________
(1) "في" ساقطة من ط.
(2) يقول أبو عمرو الداني: أبو بكر وحمزة والكسائي: {حَتَّى يطَّهَّرنَ} بفتح الطاء والهاء مع تشديدهما، والباقون بإسكان الطاء وضم الهاء.
انظر: التيسير في القراءات السبع ص 80.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(4) "الواو" ساقطة من ز.
(5) "الواو" ساقطة من ز وط.
(6) آية رقم 6 من سورة النساء.
(7) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 166، 167.
(8) في ز: "هي الثانية".
(9) في ز: "كان".
(10) في ز: "كان".
(11) في ز: "أن يدخلوا الدار أو المسجد"، وفي ط: "أن يدخلوا الدار والمسجد".
(3/313)

وإما دخول الدار (1) من (2) غير تعيين أحد المدخولين (3).
وقد بين المؤلف هذا في الباب التاسع في قوله: (إِذا رتب مشروط على شرطين لا يحصل إِلا عند حصولهما إِن كانا (4) على الجمع، وإِن كانا على البدل حصل عند أحدهما). انتهى نصه (5).
فحكم (6) الغايتين يفهم من حكم الشرط مع جوابه (7).
وحاصل الغاية مع المغيا تسعة أوجه:
وذلك أن الغاية: إما أن تكون متحدة، وإما أن تكون متعددة على الجمع، وإما أن تكون متعددة على البدل.
فهذه ثلاثة أقسام في الغاية، وفي كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة ثلاثة أوجه:
فإذا كانت الغاية متحدة فإما أن يكون المُغَيَّا متحدًا، وإما أن يكون متعددًا على الجمع، وإما أن يكون متعددًا على البدل، فهذه ثلاثة أوجه في اتحاد الغاية.
__________
(1) في ز وط: "إما دخول الدار وإما دخول المسجد".
(2) "من" ساقطة من ط.
(3) في ط وز: "الدخولين".
(4) في ط: "كانتا".
(5) هذا نص كلام القرافي في متن التنقيح. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 263.
(6) في ط وز: "فإن حكم".
(7) في ز: "مع جوازه".
(3/314)

مثال (1) اتحاد الغاية مع اتحاد المغيا: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار.
ومثال اتحاد الغاية مع تعدد المغيا على الجمع: أعط بني تميم دينارًا ودرهمًا إلى أن يدخلوا الدار.
ومثال اتحاد الغاية مع تعدد المغيا على البدل: أعط بني تميم دينارًا أو درهمًا إلى أن يدخلوا الدار.
فهذه ثلاثة أوجه مع أمثلتها (2) في اتحاد الغاية.
وأما إذا كانت الغاية متعددة على الجمع: فإما أن يكون المغيا متحدًا، وإما أن يكون متعددًا على الجمع، وإما أن يكون متعددًا على البدل.
مثال تعدد الغاية على الجمع مع اتحاد المغيا: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا.
ومثال تعدد الغاية على الجمع مع تعدد المغيا على الجمع: أعط بني تميم دينارًا ودرهمًا (3) إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا.
ومثال تعدد الغاية على الجمع مع تعدد المغيا على البدل: أعط بني تميم دينارًا أو درهمًا إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا.
فهذه ثلاثة أوجه في تعدد الغاية على الجمع.
وأما إذا كانت الغاية متعددة على البدل: فإما أن يكون المغيا متحدًا، وإما
__________
(1) في ز: "ومثال".
(2) في ط: "أمثلها".
(3) في ز: "أو درهما".
(3/315)

أن يكون متعددًا على الجمع، وإما أن يكون متعددًا على البدل.
مثال تعدد الغاية على البدل مع اتحاد المغيا: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو المسجد (1).
ومثال تعدد الغاية على البدل مع تعدد المغيا على الجمع: أعط بني تميم دينارًا ودرهمًا إلى أن يدخلوا الدار أو المسجد (2).
ومثال تعدد (3) الغاية على البدل مع تعدد المغيا على (4) البدل: أعط بني تميم دينارًا أو درهمًا إلى أن يدخلوا الدار أو المسجد (5).
فهذه تسعة أوجه بحسب اتحاد الغاية والمغيا وتعددهما جمعًا وبدلًا، وأحكامها ظاهرة مما ذكر في باب الشرط (6)؛ لأن ترتيب المغيا على الغاية بمنزلة ترتيب المشروط على الشرط (7)، كما سيأتي في باب الشروط (8)، إن شاء الله تعالى (9).
__________
(1) في ز: "والمسجد".
(2) في ز: "والمسجد".
(3) المثبت من ط، ولم ترد: "تعدد" في الأصل وز.
(4) في ز: "مع".
(5) في ز: "والمسجد".
(6) في ط: "الشروط".
(7) انظر هذه الأقسام في ترتيب الغاية مع المغيا، وترتيب المشروط على الشرط في: مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 145، 146، الإحكام للآمدي 2/ 310، 311، 313، نهاية السول 2/ 440، 441، شرح الكوكب المنير 3/ 354، تيسير التحرير 1/ 280، 282، فواتح الرحموت 1/ 342 - 343.
(8) في ز: "الشرط"، وانظر شرح التنقيح للقرافي ص 263.
(9) "تعالى" لم ترد في ز.
(3/316)

قوله: (ونص على الحِسِّ نحو قوله تعالى (1): {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (2)).
ش: هذا مخصص آخر، يعني: أن الإمام فخر الدين (3) نص في المحصول على أن التخصيص يكون بالحس (4)، أي: بحاسة البصر؛ وذلك أن البصر شاهد بقاء الجبال والسموات لم تدمرها الريح (5).
ويقرب من التخصيص بالحس التخصيص بالواقع، كقوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} (6) فإن الواقع أنها لم تؤت النبوة، ولا ملك سليمان، ومثله (7) قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} (8) فإنه لم يؤت أسباب السموات.
ومثله (9) أيضًا: قوله تعالى: {يُجْبَى (10) إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} (11)، فإن
__________
(1) "تعالى" لم ترد في أوخ.
(2) آية 25 من سورة الأحقاف.
(3) في ط: "الفخر".
(4) انظر: التخصيص بالحس في: شرح التنقيح للقرافي ص 215، شرح التنقيح للمسطاسي ص 116، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 184، المحصول ج 1 ق 3 ص 115، الإحكام للآمدي 2/ 317، المستصفى 2/ 99، جمع الجوامع 2/ 24، نهاية السول 2/ 451، شرح الكوكب المنير 3/ 278، إرشاد الفحول ص 157.
(5) في ط: "لم تدمر بالريح".
(6) آية رقم 23 من سورة النمل.
(7) في ط: "ومثاله".
(8) آية رقم 84 من سورة الكهف.
(9) في ط: "ومثاله".
(10) تجبى بالتاء على قراءة نافع، والباقون بالياء، انظر: التيسير في القراءات السبع ص 278.
(11) آية رقم 57 من سورة القصص.
(3/317)

الحرم لم تُجْبَ إليه جميع ثمرات الدنيا.
وكذلك أيضًا يقرب من التخصيص بالحس: التخصيص (1) بقرائن الأحوال، كقول السيد لعبده: ائتني بمن يحدثني، فإن ذلك يختص بمن يحدثه في مثل حاله (2).
قال المؤلف في الشرح: ومن التخصيص بالواقع: قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولهُ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} (3)؛ لأنا نقطع أن (4) بعض العصاة لا يعذب، إما بفضل الله، وإما بسبب توبته، وإما بسبب شفاعة شافع.
ومنه أيضًا: قوله تعالى (5): {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (6)؛ لأن بعض من عمل خيرًا لا يرى خيرًا؛ إما بسبب ارتداده، وإما بسبب ظلمه فيؤخذ (7) ذلك الخير في ظلمه، وبعض من عمل شرًا أيضًا (8) قد لا يرى شرًا؛ لما تقدم من التوبة، والشفاعة،
__________
(1) في ز: "الحس بالتخصيص".
(2) في ز وط: "حالة خاصة".
(3) آية رقم 23 من سورة الجن.
(4) "أن" ساقطة من ط.
(5) في ز: "ومنه قوله تعالى أيضًا"، وفي ط: "ومنه قوله أيضًا".
(6) آية رقم 7، 8 من سورة الزلزلة.
(7) في ط: "فيؤخذ منه ذلك".
(8) "أيضًا" ساقطة من ط.
(3/318)

وفضل (1) الله - عز وجل -، لقوله تعالى: {وَيعْفُو عَن كَثِيرٍ} (2) (3).
قوله: (قال: وفي المفهوم نظر، وإِن قلنا: إِنه حجة؛ لكونه أضعف من المنطوق (4)).
ش: هذا [مخصص آخر وهو] (5) آخر المخصصات، وهو التخصيص بالمفهوم (6).
معناه: قال الإمام فخر الدين (7): في جواز تخصيص العموم بالمفهوم نظر، ولو قلنا بأنه حجة.
وإنما قال: في المفهوم نظر، إشارة إلى ضعف التخصيص به؛ لأن دلالة المفهوم ضعيفة؛ لأنها معنوية، ودلالة العام قوية؛ لأنها لفظية، وتخصيص الأقوى بالأضعف ممنوع (8).
__________
(1) في ط وز: "أو الشفاعة أو فضل".
(2) آية رقم 15 من سورة المائدة.
(3) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 215.
(4) في خ: "من المنطوق به".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 215، شرح التنقيح للمسطاسي ص 117، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 184، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه 2/ 150، المحصول ج 1 ق 3 ص 159، 160، الإحكام للآمدي 2/ 328، المستصفى 2/ 210، جمع الجوامع 2/ 30، نهاية السول 2/ 467، 468، اللمع ص 108، المطبوع مع تخريجه، شرح الكوكب المنير 3/ 366 - 368، المسودة ص 127، العدة 2/ 578، 579، التمهيد 2/ 118، مختصر البعلي ص 123، تيسير التحرير 1/ 316، فواتح الرحموت 1/ 353، إرشاد الفحول ص 160.
(7) في ط: "الفخر".
(8) يقول الإمام فخر الدين في المحصول: ولقائل أن يقول: إنما رجحنا الخاص على العام؛ لأن دلالة الخاص على ما تحته أقوى من دلالة العام على ذلك الخاص، والأقوى راجح. =
(3/319)

وقيل: لأنه يخصص؛ لأن في تخصيصه الجمع بين الدّليلين؛ إذ الجمع بين الدليلين، ولو (1) من وجه واحد، أولى من إعمال أحد الدليلين وإلغاء الآخر.
قال سيف الدين الآمدي في المنتهى: لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم في تخصيص العموم بالمفهوم: كان من مفهوم الموافقة (2)، أو من مفهوم المخالفة؛ لأن كل واحد منهما دليل شرعي، فأمكن أن يكون لخصوصه (3) تخصيص للعام. انتهى نصه (4).
ونقل الشيرازي في اللمع القول الثالث: بالتفصيل بين مفهوم الموافقة فيخصص العموم، وبين مفهوم المخالفة فلا يخصص العموم، وهو قول العراقيين (5)؛ لأنهم أنكروا مفهوم المخالفة جملة.
__________
= وأما ها هنا، فلا نسلم أن دلالة المفهوم على مدلوله أقوى من دلالة العام على ذلك الخاص، بل الظاهر أنه أضعف، وإذا كان كذلك كان تخصيص العام بالمفهوم ترجيحًا للأضعف على الأقوى، وأنه لا يجوز والله أعلم.
انظر: المحصول ج 1 ق 3 ص 159، 160.
(1) "ولو" ساقطة من ز.
(2) يقول أحمد حلولو: "وأما مفهوم الموافقة فظاهر كلام غير واحد: صحة التخصيص به من غير خلاف، ولا يبعد جريان الخلاف فيه إذا قلنا: إن دلالته قياسية، وكان الإلحاق فيه مظنونًا، أو ثبت الأصل بغير الواحد، ومثاله ما لو قيل لك: من أساء إليك فعاقبه، ثم قال: إذا أساء إليك فلا تقل له: أف".
انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 184.
(3) في ز: "خصوصه".
(4) انظر: منتهى السول في علم الأصول للآمدي ص 51، 52، وانظر أيضًا: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2/ 328.
(5) نسبه الشيرازي لأهل العراق، ونسبه أيضًا لأبي العباس بن سريج من الشافعية.
انظر: اللمع ص 108 المطبوع مع تخريجه.
(3/320)

مثال مفهوم المخالفة: قوله عليه السلام: "في كل أربعين شاةً شاةٌ (1) " (2).
فهو (3) عام (4) للسائمة (5) والمعلوفة.
ثم قال عليه السلام: "في الغنم السائمة الزكاة" مفهومه: عدم الزكاة في المعلوفة.
فمن العلماء من قدم العموم على المفهوم فقال بوجوب الزكاة في المعلوفة؛ لأن دلالة المنطوق أولى (6) من دلالة المفهوم.
ومنهم من قدم المفهوم على العموم؛ لأن المفهوم أخص من العموم؛ لأنه لم يتناول (7) إلا (8) المعلوفة، والعموم أعم (9)، والأخص يقدم على العموم،
__________
(1) "شاة" ساقطة من ط.
(2) أخرجه البخاري من حديث أنس في كتاب الصديق الطويل، وفيه: "وفي صدقة الغنم: في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة" كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم (1/ 253).
وأخرجه أبو داود من حديث أنس في كتاب الصديق الطويل وفيه: "وفي سائمة الغنم: إذا كانت أربعين: ففيها شاة إلى عشرين ومائة"، وفي رواية أخرى: "وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة"، كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة حديث رقم 1567، 1568، (2/ 97 - 98).
وأخرجه ابن ماجه عن سالم بن عبد الله عن أبيه بلفظ: "في أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة" كتاب الزكاة، باب صدقة الغنم، رقم الحديث العام 1805، (1/ 577).
(3) "فهو" ساقطة من ز وط.
(4) "عام" ساقطة من ط.
(5) في ط: "المسائمة".
(6) في ط وز: "أقوى".
(7) في ط: "يتأول".
(8) "ألا" ساقطة من ط.
(9) "أعم" ساقطة من ز.
(3/321)

وهو قول الشافعي في خصوص مسألة الزكاة هذه (1).
و (2) مثال مفهوم الموافقة: قول السيد لعبده: كل من دخل داري فاضربه، ثم قال له (3): إن دخلها زيد فلا تقل له: أف، فإنه يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم نظرًا إلى مفهوم الموافقة.
قوله: (لنا في سائر صور (4) النزاع أن ما يدعى أنه مخصص لا بد (5) أن يكون منافيًا وأخص من المخصص).
ش: ذكر المؤلف ها هنا: أن المخصص للعموم يشترط فيه شرطان:
أحدهما: أن يكون منافيًا للعموم، أي: مناقضًا له.
والثاني: أن يكون المخصِّص - وهو: الخاص - أخص من المخصَّص، الذي هو العام.
فلا بد في كل دليل يدعى أنه مخصص للعموم من هذين الشرطين: كونه مناقضًا للعموم بحيث يمتنع اجتماعهما وارتفاعهما، وكونه أيضًا أخص من العموم، وأما إن كان مساويًا للعموم مع مناقضته إياه فهو نسخ لا تخصيص.
قوله: (فإِن أعملا أو ألغيا اجتمع النقيضان).
ش: أي: فإن أعمل العام والخاص معًا في الصورة المخصوصة اجتمع
__________
(1) انظر: البرهان 1/ 449، وشرح التنقيح للقرافي ص 215.
(2) "الواو" ساقطة من ز.
(3) "له" ساقطة من ز، وفي ط: "قاله".
(4) في ش: "طرق النزاع".
(5) في ش: "لا بد وأن يكون".
(3/322)

النقيضان في الصورة المخصصة (1).
قوله: (وإِن أعمل العام مطلقًا: بطلت جملة الخاص بخلاف العكس).
ش: معناه: وإن أعمل العام في صورة التخصيص، وغيرها: بطلت جملة الخاص، بخلاف العكس؛ وهو: إعمال الخاص في صورة التخصيص فلا تبطل جملة العام؛ لأنه يعمل بالعام في الصورة الباقية بعد صورة التخصيص.
قوله: (فيتعين وهو المطلوب).
ش: أي: فيتعين العكس، وهو: إعمال الخاص، وإعمال الخاص هو: المطلوب من الدليل؛ إذ يلزم من إعماله الجمع بين الدليلين، ولا يلزم من إعماله خاصة الجمع بين النقيضين، كما في الوجهين الأولين؛ إذ الجمع بين الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر.
قوله: (لنا في سائر صور النزاع).
استعمل المؤلف ها هنا سائر في الجميع، وهو خلاف المشهور، كما تقدم في أدوات العموم في قوله: قال القاضي عبد الوهاب: إن سائر ليست للعموم، فإن معناها: باقي الشيء لا جملته (2).
__________
(1) في ط: "المخصوصة".
(2) انظر (3/ 145) من هذا الكتاب.
(3/323)

قوله: (و (1) لا بد أن يكون منافيًا): معناه: مناقضًا للعام، كما إذا قال الشارع مثلًا: اقتلوا المشركين، ثم قال: لا تقتلوا أهل الذمة، فإن النفي والإثبات متناقضان، فإن العام يقتضي ثبوت القتل في أهل الذمة، والخاص يقتضي نفي القتل في أهل الذمة، والخاص أيضًا أخص من العام وليس بمساوٍ له، فقد وجد الشرطان.
قوله: (و (2) لا بد أن يكون منافيًا)؛ احترازًا مما إذا كان مؤكدًا.
ولأجل هذا قال المؤلف في الشرح (3)، وكذلك في القواعد السنية، في الفرق التاسع (4) والعشرين, في الفرق بين النية المخصصة والنية المؤكدة: أكثر أرباب الفتاوى لا يفرقون بين النية المخصصة والنية (5) المؤكدة، فإذا قال لهم الحالف: حلفت (6): لا لبست ثوبًا، ونويت ثوب الكتان، قالوا له: لا تحنث بغير الكتان.
وليس الأمر كما قالوا، بل لا بد في ذلك من التفصيل، وهو: أن (7) ها هنا أربعة أوجه:
أحدها (8): أن ينوي جميع الثياب.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ز وط.
(2) "الواو" ساقطة من ز وط.
(3) لم يذكره القرافي في شرح التنقيح، وإنما ذكره في الفروق، وذكره المسطاسي في شرح التنقيح.
(4) "التاسع" ساقطة من ط.
(5) في ز: "وبين النية".
(6) "حلفت" ساقطة من ز وط.
(7) "أن" ساقطة من ط.
(8) في ز: "إحداها".
(3/324)

والثاني: ألا ينوي (1) واحدًا منها.
والثالث: أن ينوي بعض الثياب، ولم ينوِ إخراج غيره.
والرابع: أن ينوي بعض الثياب، وينوي أيضًا إخراج غيره.
فهذه أربعة أوجه.
فإذا نوى جميع الثياب: فإنه يحنث بجميع الثياب باللفظ والنية (2)، إلا أن النية ها هنا مؤكدة، فإن اللفظ يستقل بالحنث في جميع الثياب.
وأما إذا لم ينو أصلًا: فإنه يحنث أيضًا بجميع الثياب للفظ (3)؛ لأن اللفظ العام إذا أطلق من غير نية، ولا بساط (4)، ولا عادة تصرفه إلى الخصوص، فإن الحنث يلزم فيه جميع (5) أفراد ذلك العام.
وأما إذا نوى بعض الثياب، ولم ينو إخراج غيره: فإنه يحنث بجميع الثياب، إلا أنه يحنث في البعض المنوي باللفظ والنية، فالنية ها هنا أيضًا مؤكدة لا مخصصة، ويحنث في غير المنوي بمجرد اللفظ؛ لأن اللفظ كافٍ في ثبوت حكمه من (6) غير احتياج إلى نية، كما إذا لم تكن له نية أصلًا لا في البعض ولا في الكل.
وأما إذا نوى بعض الثياب، ونوى إخراج غيره: فلا يحنث إلا بالمحلوف
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أن ينوي".
(2) "والنية" ساقطة من ط.
(3) في ط: "باللفظ".
(4) سبق التعريف به في (3/ 300) من هذا الكتاب.
(5) في ط وز: "فإن يحنث بجميع أفراد".
(6) في ط: "عن".
(3/325)

عليه خاصة (1).
فالواجب (2) على المفتي: ألا (3) يكتفي بمجرد قول المستفتي: نويت ثوب الكتان (4)، حتى يقول له: هل نويت إخراج غير الكتان، أو (5) لا؟ فإن قال له: نويت إخراج غيره: حنثه (6) بالكتان دون غيره، وإن قال له: لم أتعرض لإخراج غيره: حنث (7) بالجميع، أي: بالكتان وبغيره؛ لأنه إذا نوى الكتان مع إخراج غيره من يمينه فالنية (8) ها هنا مناقضة للعموم؛ لأن العموم يقتضي إدخال غير الكتان، والنية تقتضي إخراج غير الكتان، فالإدخال والإخراج متناقضان (9)، فالنية ها هنا مناقضة (10) للعموم.
وإذا قال له المستفتي: لم أنوِ إلا الكتان، ولم أتعرض لإخراج غيره (11) من اليمين: فالنية ها هنا مؤكدة لحكم العموم في البعض المنوي، وأما غير المنوي: فإنه (12) باقٍ على حكم العموم فيحنث بالجميع،
__________
(1) في ز وط: "فلا يحنث إلا بالكتان مثلًا".
(2) في ط وز: "قال فالواجب".
(3) في ط: "لا".
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الكتاب".
(5) في ز: "أم لا".
(6) في ز: "جنة" وهو تصحيف.
(7) في ط وز: "حنثه".
(8) في ط: "فإن النية".
(9) في ط: "منتقضان".
(10) في ط: "لغو مناقضة".
(11) في ط: "غير الكتان".
(12) في ط وز: "فهو".
(3/326)

بالكتان، وبغيره (1)، إلا أن حنثه في الكتان (2) بشيئين: باللفظ، وبالنية المؤكدة، وحنثه (3) في غير الكتان هو: باللفظ دون النية.
قال: فإن قيل: ما الفرق بين تقييد هذا الكلام بالنية وبين تقييده باللفظ، فإنه إذا قال: لا ألبس ثوبًا ونوى ثوب الكتان، هو بمنزلة ما إذا قال: لا ألبس ثوب الكتان، فإنهم اتفقوا على أنه: لا يحنث بغير الكتان في التقييد باللفظ بخلاف التقييد بالنية، ما الفرق بين التقيدين؟
فالفرق بينهما (4) من وجهين:
أحدهما: أن المخصصات اللفظية المتصلة، كالشرط والصفة والغاية (5)، لا تستقل بنفسها، فجعلتها العرب مع ما قبلها كالكلمة الواحدة في مدلولها، حتى في الإقرار الذي هو أشد الأشياء، فإذا قال له: عندي الدراهم الزيوف، أو الدراهم الخفيفة (6) مثلًا فلا يلزم إلا بالموصوف بتلك الصفة، فإذا لم يلزمه غير ما قيد به في الإقرار فأولى وأحرى (7) في غير الإقرار، وأما النية فليس للعرب فيها هذا الموضوع.
الجواب (8) الثاني: أن القيد "اللفظ": يدل بمفهومه على عدم دخول غير
__________
(1) في ط: "وغيره".
(2) في ز: "بالكتان".
(3) في ط: "وحنث".
(4) في ط: "بهما".
(5) في ط: "والغاية والصفة".
(6) في ز: "الخفية".
(7) في ز: "في الإقرار فأحرى".
(8) في ط: "والجواب".
(3/327)

الكتان، فتكون هذه الدلالة معارضة لظاهر العموم فيخصص بها العموم بخلاف النية؛ إذ لا دلالة لها، فليس هنالك ما يعارض العموم (1) إذا نوى الكتان وذهل عن غيره، وإنما قلنا: لا دلالة للنية؛ لأنها من المعاني، والمعاني مدلولات (2) لا دالات، بخلاف اللفظ، فإنه يدل: إما بمطابقة، وإما بتضمن، وإما بالتزام، والفرق بين النية المخصصة، والنية المؤكدة من المباحث (3) العظيمة، فيجب على أرباب الفتاوى (4) التفطن إليه (5)، وبالله التوفيق بمنّه.
...
__________
(1) في ط: "للعموم".
(2) في ز: "لا دلالة"، وفي ط: "لا دالة".
(3) في ز: "الباحث".
(4) في ز: "العبارة".
(5) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: الفروق للقرافي 1/ 178 - 183، وانظر أيضًا: شرح التنقيح للمساطسي ص 117.
(3/328)

الفصل الرابع فيما ليس من المخصصات للعموم (1)
ش: شرع المؤلف - رحمه الله - في هذا الفصل (2) في بيان ما يتوهم فيه أنه (3) مخصص للعموم، وليس بمخصص له عند الجمهور، ذكر المؤلف في هذا الفصل عشر مسائل.
قوله: (وليس من المخصصات للعموم (4) سببه، بل يحمل عندنا على عمومه إِذا كان مستقلًا لعدم المنافاة خلافًا للشافعي (5)، والمزني - رضي الله
__________
(1) في أوخ وش: "الرابع فيما ليس من مخصصاته"، وفي ز: "الفصل الرابع فيما ليس من مخصصات، أي: فيما ليس من مخصصات العموم"، وفي ط: "الفصل الرابع فيما ليس من مخصصاته".
(2) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 216 - 224، شرح التنقيح للمسطاسي ص 117 - 120، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 184 - 191.
(3) في ز وط: "شرع ها هنا فيما يتوهم فيه أنه مخصص للعموم ... " إلخ.
(4) في ش وط: "وليس من مخصصات العموم".
(5) بعض الأصوليين نسب هذا القول للشافعي، وممن نسبه له: الآمدي في الإحكام (2/ 239)، وابن الحاجب (2/ 109)، وغيرهما معتمدين على قول إمام الحرمين في البرهان (1/ 372)، والذي صح عندنا من مذهب الشافعي اختصاصها به.
ونقله عنه الرازي في المحصول (ج 1 ق 3 ص 189). =
(3/329)

عنهما - وإِن كان السبب يندرج (1) في العموم أولى من غيره، وعلى ذلك (2) أكثر أصحابنا، وعن مالك فيه روايتان).
ش: هذه (3) أول المسائل العشر (4)، يعني: أن الخطاب العام إذا ورد على سببه (5)، هل يقتصر (6) به على ذلك السبب فلا يعم غيره، أو يعم ذلك السبب وغيره؟
قال المؤلف في الشرح: رأيت فيه ثلاثة مذاهب:
__________
= وتعقب الإسنوي هذه النسبة للشافعي، وقال: "ما قاله الإمام مردود، فإن الشافعي - رحمه الله - قد نص على أن السبب لا أثر له، فقال - في الأم في باب ما يقع به الطلاق - وهو بعد باب طلاق المريض - ما نصه: ولا يصنع السبب شيئًا، إنما يصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب، ولا يكون مبتدأ الكلام الذي حكم فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئًا لم يصنعه لما بعده، ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم، إذا قيل" هذا لفظه بحروفه، ومن الأم نقلته، فهذا نص بيّن دافع لما قاله، ولا سيما قوله: "ولا يمنع ما بعده" انتهى.
انظر: نهاية السول 2/ 479.
وذكر أحمد حلولو للإمام مالك والشافعي قولين في هذه المسألة، فقال: والأكثر على أن السبب ليس من المخصصات، وهو المشهور عن مالك والشافعي، كما حكاه القاضي عياض، وقال الرهوني: هو الصحيح عنهما.
وروى عن مالك والشافعي، وبه قال المزني، وأبو ثور أنه يقتصر على سببه، ونقل ابن رشد عن الأبهري أنه قال: هو مذهب مالك.
انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 184، 185.
(1) في ط: "يندرج".
(2) في ط: "هذا".
(3) في ز: "هذا".
(4) في ز: "العشرة".
(5) في ط: "سبب".
(6) في ز: "يقتص" وهو تصحيف.
(3/330)

يخص (1).
ولا يخص (2).
الفرق بين المستقل فيخص (3)، وبين غير المستقل فلا يخص (4).
هذه (5) ثلاثة أقوال ذكرها في الشرح (6).
واختلف الشراح فيما ذكره ها هنا في الأصل: هل هو وفاق (7) لما ذكره في
__________
(1) في ط: "يختص".
ونسب الإسنوي هذا القول للإمام مالك، وأبي ثور، والقفال، والدقاق.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 239، التمهيد 2/ 162، نهاية السول 2/ 477.
(2) في ط: "لا يختص".
ونسب الإسنوي هذا القول بالعموم لابن برهان، والآمدي، والبيضاوي، وابن الحاجب.
انظر: نهاية السول 2/ 477، الإحكام للآمدي 2/ 239، مختصر ابن الحاجب 2/ 110، جمع الجوامع 2/ 38، الوصول إلى الأصول لابن برهان 1/ 227، المسودة ص 130.
(3) في ط: "فيختص".
(4) في ط. "فلا يختص".
(5) في ز: "هذا".
(6) انظر هذه الأقوال الثلاثة في: شرح التنقيح للقرافي ص 216، شرح التنقيح للمسطاسي ص 117، التوضيح شرح التنقيح ص 184، 185، وانظر القولين الأولين بالتخصيص وعدمه في: المحصول ج 1 ق 3 ص 189، مختصر ابن الحاجب 2/ 109، 110، الإحكام للآمدي 2/ 239، نهاية السول 2/ 477، 478، المستصفى 2/ 60، 61، الوصول لابن برهان 1/ 227، شرح الكوكب المنير 3/ 177، 178، التمهيد 2/ 161، 167، المسودة ص 130، القواعد والفوائد الأصولية ص 240، تيسير التحرير 1/ 264، فواتح الرحموت 1/ 290، إرشاد الفحول ص 134.
(7) في ز: "باق" وهو تصحيف.
(3/331)

الشرح أو هو خلافه (1)؟
قال (2) بعضهم: كلامه موافق (3)؛ وذلك أنه ذكر أول الكلام القول بالتفصيل بين المستقل، وغير المستقل، وذكر القولين آخر الكلام في قوله: وعن مالك فيه روايتان، فيعود (4) الضمير في قوله: فيه، على الخطاب العام، كان مستقلًا أو غير مستقل.
ومنهم من قال: كلامه في الأصل خلاف (5) لكلامه في الشرح؛ وذلك أنه لم يذكر في الأصل إلا الخطاب المستقل دون غيره، وذكر فيه قولين، فيعود الضمير في قوله: (وعن مالك فيه) على الخطاب المستقل الذي قيد به الكلام، ولم يتكلم على غير المستقل.
مثال المستقل: قوله عز وجل في قضية عويمر العجلاني (6) في اللعان:
__________
(1) في ط: "أو هو خلاف له"، وفي ز: "وهو على تلاوته".
(2) في ط: "فقال".
(3) في ط: "وفاق"، وفي ز: "هو باق".
(4) في ط: "يعود".
(5) في ز: "مخالف".
(6) هو عويمر بن أبيض العجلاني، وقال الطبري: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد العجلاني، وأبيض لقب لأحد آبائه، وهو الذي رمى زوجته بشريك ابن سحماء، فلاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وذلك في شعبان سنة سبع من الهجرة، وذلك عندما قدم من غزوة تبوك، فوجد زوجته حبلى، فجاء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشكو إليه أمره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد أنزل الله فيك وفي زوجتك, فاذهب فأت بها" فتلاعنا.
انظر ترجمته في: الإصابة 4/ 746، الاستيعاب 3/ 226، أسد الغابة 4/ 158.
(3/332)

{وَالَذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنفُسُهُمْ} (1) الآية.
[وكذلك] (2) قوله عليه السلام لما سئل عن بئر بضاعة، وهي بئر بالمدينة تلقى فيها القاذورات، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غيّر لونه أو طعمه، أو ريحه" (3).
__________
(1) آية رقم 6، 7 من سورة النور، وهذه الآية ذكر الإمام البخاري فيها حديثًا يفيد أنها نزلت في عويمر العجلاني، كما ذكر المؤلف، وذكر حديثًا آخر يفيد أنها نزلت في هلال بن أمية.
انظر الأحاديث التي ذكر البخاري في كتاب الطلاق، باب اللعان (3/ 278 - 279).
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) ذكر الزركشي في المعتبر: أنه لم يرد هذا الاستثناء في حديث بضاعة، وإنما هذا مركب من حديثين:
أحدهما رواه الترمذي عن أبي سعيد، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" وقال: حديث حسن.
انظر: سنن الترمذي، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء 1/ 95.
وقال الزركشي: وذكر غيره عن الإمام أحمد أنه قال: حديث بئر بضاعة حديث صحيح. انظر: المعتبر ص 149.
والحديث الثاني، وهو الذي ورد فيه ذكر الاستثناء، فقد أخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه، وطعمه ولونه" وفي الزوائد: إسناده ضعيف لضعف رشدين.
انظر: سنن ابن ماجه كتاب الطهارة، باب الحيض رقم الحديث العام 521 (1/ 173).
وأخرجه أيضًا البيهقي عن أبي أمامة مرفوعًا: "إن الماء طاهر إلا إن تغير ريحه, أو طعمه, أو لونه بنجاسة تحدث فيه" وقال البيهقي: إسناده غير قوي.
انظر: سنن البيهقي (1/ 259).
ويقول الزركشي في المعتبر (ص 149): ومداره على رشدين بن سعد، ومعاوية بن صالح، وهما ضعيفان.
(3/333)

ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام، وقد مر بشاة ميمونة (1) وقد ماتت، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أيّما إهاب دبغ فقد طهر" (2).
__________
(1) هي الصحابية ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وقيل: اسمها برة، فسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة، وقد تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة سبع في شهر ذي القعدة لما اعتمر عمرة القضاء، قيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي آخر امرأة تزوجها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ممن دخل بهن، رُوي عنها 46 حديثًا، توفيت رحمها الله سنة (51) للهجرة بمكان قريب من مكة يسمى سرف.
انظر ترجمتها في: الإصابة 4/ 411، أسد الغابة 7/ 272، الاستيعاب 4/ 404.
(2) ذكر الزركشي في المعتبر ص 149: أنه لم يرد لفظ الحديث هكذا في شاة ميمونة، وإنما ورد بألفاظ أخرى.
فحديث شاة ميمونة أخرجه الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - شاة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هلا انتفعتم بجلدها" قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها" كتاب الزكاة، باب الصدقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - (1/ 260).
وأخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ (1/ 276).
وأخرجه أبو داود عن ابن عباس في كتاب اللباس، باب في أهب الميتة رقم الحديث 4120 (4/ 65 - 66).
وأخرجه النسائي عن ابن عباس في كتاب الفرع والعتيرة، في جلود الميتة (7/ 171 - 172).
وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس في كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، رقم الحديث العام 3610، (2/ 1193).
وأما قوله: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" لم يرد فيه ذكر لشاة ميمونة.
وقد أخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".
انظر: كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، حديث رقم 105، (1/ 277). =
(3/334)

ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام لما سئل عن (1) ماء البحر، فقال: "الطهور ماؤه، الحل (2) ميتته".
فهذا كله خطاب مستقل بنفسه عن سببه؛ لأنه إذا أفرد عن سببه يكون مفيدًا (3) لحكمه، ولا يحتاج أن يضم إلى سببه.
ومثال غير المستقل: قوله عليه السلام لما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقالوا: نعم فقال: "فلا إِذًا" (4).
__________
= وأخرجه أبو داود عن ابن عباس بهذا اللفظ في كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، رقم الحديث 4123، (4/ 66).
وأخرجه الترمذي عن ابن عباس، وقال الترمذي: حسن صحيح، رقم الحديث (1782).
وأخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" في كتاب الفرع والعتيرة في جلود الميتة 7/ 173.
وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس بلفظ: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" في كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت رقم الحديث 3609، (2/ 1193).
وأخرجه الدارمي عن ابن عباس بلفظ: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" في كتاب الأضاحي، باب الاستمتاع بجلود الميتة (2/ 85).
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "من".
(2) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "والحل".
(3) في ط: "مقيدًا".
(4) هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود عن عبد الله بن يزيد أن زيدًا أبا عياش أخبره: أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت، فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، فنهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. =
(3/335)

[فقوله: فلا إِذًا هو خطاب غير مستقل بنفسه؛ لأنه يحتاج أن (1) يضم إلى الكلام الذي قبله فيكون تقدير الكلام] (2): لا يباع الرطب بالتمر؛ إذ ينقص إذا جف (3)؛ لأن (4) التنوين في إِذًا تنوين العوض من الجملة المحذوفة، كقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ} (5) أي: يوم إذ زلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها.
ومثال غير المستقل أيضًا (6) كما لو سأله سائل فقال له (7): توضأت بماء البحر فقال له: يجزئك.
واعلم أن غير المستقل على قسمين:
أحدهما: أن يكون سببه عامًا.
والآخر: أن يكون سببه خاصًا.
__________
= كتاب البيوع، باب في التمر، رقم الحديث 3359، 3/ 251.
وأخرجه النسائي في كتاب البيوع، اشتراء التمر بالرطب (7/ 269).
وأخرجه الترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم الحديث 1243، (2/ 348).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات باب بيع الرطب بالتمر، رقم الحديث 2264 (2/ 761).
(1) في ط: "إلى أن".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) في ط: "إذا جف أي لا يباع الرطب بالتمر؛ إذ ينقص الرطب بالتمر إذا جف".
(4) "لأن" ساقطة من ط.
(5) آية رقم 1، 2، 3، 4 من سورة الزلزلة.
(6) "أيضًا" ساقطة من "ط".
(7) "له" ساقطة من "ز".
(3/336)

فالذي يكون سببه عامًا كقضية بيع الرطب بالتمر المذكورة، فالخطاب فيه عام من غير خلاف لعموم سببه؛ إذ لا يختص السؤال بأحد، فكذلك جوابه يكون عامًا، وهو عدم جواز بيع الرطب بالتمر.
والخطاب الذي يكون سببه خاصًا كما لو سأله سائل فقال له: توضأت بماء البحر فقال له: يجزئك فهذا موضع الخلاف هل يختص بسببه أو يعم الجميع؟
قوله: (لعدم (1) المنافاة).
هذا حجة القول بالتعميم، ومعناه: إنما قلنا: يحمل على العموم؛ لعدم التناقض الذي هو شرط المخصص بين العموم والسبب؛ لأن الجمع بين حكم السبب، وحكم ما زاد عليه ممكن لا منافاة بينهما؛ و (2) لأن الحجة في كلام صاحب الشرع لا في السبب؛ لأن السبب (3) لو انفرد لم يوجب حكمًا.
وأيضًا لو كان العام الوارد على سبب مخصوصًا بسببه لكان أكثر عمومات الشريعة مخصوصة بأسبابها؛ لأن كثيرًا من العمومات وردت على إلأسباب، فيلزم أن تكون آية اللعان مخصوصة بعويمر العجلاني، وتكون آية الظهار (4) مخصوصة بسلمة بن صخر (5)،
__________
(1) في ط: "العدم".
(2) "الواو" ساقطة من ط.
(3) "لأن السبب" ساقط من ط.
(4) هي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آية 3, 4 سورة المجادلة].
(5) هو الصحابي سلمة بن صخر بن سلمان بن الصمة بن حارثة بن الحارث الخزرجي =
(3/337)

وتكون آية السرقة مخصوصة بالرجل الذي سرق رداء صفوان (1) مثلًا، وذلك
__________
= البياضي، قال البغوي: لا أعلم له حديثًا مسندًا إلا حديث الظهار، رواه عنه سعيد ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وسماك بن عبد الرحمن.
انظر ترجمته في: الإصابة 3/ 150، الاستيعاب 2/ 641، 642، تهذيب التهذيب 4/ 147.
وآية الظهار سبب نزولها على الصحيح خويلة بنت ثعلبة وأوس بن الصامت، وقد أخرجه الإمام البخاري تعليقًا وقال: وقال الأعمش عني تميم عن عروة عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسِع سمعه الأصوات، فأنزل الله تعالى على النبي - صلى الله عليه وسلم -: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}.
انظر: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (4/ 275).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (6/ 46)، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة رقم الحديث 188 (1/ 67).
وأخرجه أبو داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشكو إليه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجادلني فيه ويقول: "اتقِ الله، فإنه ابن عمك" فما برحت حتى نزل القرآن: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}.
انظر: كتاب الظهار، باب في الظهار، رقم الحديث العام 2214، 2/ 266، وذكر ابن كثير طرق هذا الحديث ثم قال: هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كان سبب النزول ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة من العتق، أو الصيام، أو الإطعام. انظر: تفسير ابن كثير (4/ 319).
وحديث سلمة بن صخر أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب الظهار رقم الحديث 2213، (2/ 265).
وأخرجه أيضًا ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب الظهار رقم الحديث 2062 (1/ 265).
وذكره ابن كثير في تفسيره (4/ 319) وظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن الصامت وزوجته خويلة بنت ثعلبة كما دل عليه سياق تلك وهذه، بعد التأمل.
انظر: تفسير ابن كثير 4/ 319.
(1) هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة الجمحي، وهو من أشراف قريش
(3/338)

خلاف الإجماع.
وحجة القول بالتخصيص: أن الكلام إنما سيق لأجل السبب فهو كالجواب لسببه، ومن شرط الجواب: أن يكون مطابقًا للسؤال فلا يزيد عليه فيخصص (1) العموم به (2).
__________
= في الجاهلية، وهرب يوم الفتح وأسلمت امرأته يوم الفتح، ثم رجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهد معه حنينًا والطائف وهو كافر، بعد أن أمّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغنائم يوم حنين، وأكثر له، فقال صفوان: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي فأسلم، فكان من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامهم، وأقام بمكة إلى أن مات رحمه الله سنة اثنتين وأربعين 42 ه في خلافة معاوية رضي الله عنه.
انظر: الإصابة 3/ 432 - 434، الاستيعاب 2/ 718 - 722.
وأما الحديث الذي ورد فيه سرقة رداء صفوان فقد أخرجه أبو داود عن صفوان بن أمية قال: كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل، فأتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمر به ليقطع، قال: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا؟ أنا أبيعه أنسؤه ثمنها، قال: "فهلا كان قبل أن تأتيني به؟! "، كتاب الحدود، باب من سرق من حرز رقم الحديث 4394 (4/ 138).
وأخرجه النسائي في كتاب قطع السارق في ما يكون حرزًا وما لا يكون 8/ 69 - 70.
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز رقم الحديث 2595، (2/ 865).
ويقول الزركشي في المعتبر (ص 150): وليس فيه تعرض لأن الآية نزلت فيه، بل ذكر الواحدي في أسباب النزول (ص 111) عن ابن الكلبي أنها نزلت في طعمة بن الأبيرق سارق الدرع.
(1) في ز: "فخصص".
(2) "به" ساقطة من ط.
(3/339)

أجيب عن هذا: بأن الجواب إذا حصلت فيه زيادة، فإنها تعتبر ولا تقدح في الجواب كما سئل عليه السلام عن الوضوء بماء البحر فقال: "الطهور ماؤه الحل (1) ميتته".
فزاد عليه السلام الميتة فحكمها ثابت مع (2) طهورية الماء، ولا تنافي في ذلك.
قوله: (وإِن كان السبب [يندرج في العموم أولى من غيره).
تقديره: بل يحمل عندنا على عمومه لعدم المنافاة، وإن كان السبب يندرج في العموم اندراجًا أولى من اندراج غيره في العموم] (3)؛ وذلك أن دلالة العام على موضع السؤال أقوى من دلالته على غير موضع السؤال.
قوله: (على ذلك أكثر أصحابنا) الإشارة عائدة على العموم. قوله: (والضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهره، كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (4) هذا (5) عام، ثم قال:
__________
(1) في ز: "والحل".
(2) "مع" ساقطة من ط.
(3) ما بين المعقوفتين ورد في ط بهذا اللفظ: "يندرج في العموم اندراجًا أولى من اندراج غيره في العموم وذلك أولى من غيره، تقديره: بل يحمل عندنا على عمومه لعدم المنافاة".
(4) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(5) في خ وش: "وهذا".
(3/340)

{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} (1) وهذا خاص بالرجعيات، نقله الباجي منا (2) خلافًا للشافعي والمزني).
ش: هذه (3) مسألة ثانية، يعني: أن الضمير الخاص ببعض أفراد العام الذي قبله، هل يحكم به على تخصيص ذلك العام، أو يبقى العموم على عمومه ويرجع الضمير إلى من يصلح له؟
وفي ذلك ثلاثة أقوال:
قيل: يخصصه (4).
وقيل: لا يخصصه (5).
__________
(1) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(2) في أوخ وش: "عنا".
(3) في ز وط: "هذا".
(4) وهو ما نقله القرافي عن الشافعي والمزني وذهب إليه أكثر الحنفية، ورجحه الكمال ابن همام وهذا القول رواية عن الإمام أحمد.
انظر: شرح التنقيح ص 223، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 188، نهاية السول 2/ 489، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 213، تيسير التحرير 1/ 320، فواتح الرّحموت 1/ 356، ميزان الأصول ص 327، 328، شرح الكوكب المنير 3/ 389، العدة 2/ 614، 615، المسودة ص 138، التمهيد 2/ 169.
(5) اختار هذا القول القرافي، والباجي، وابن الحاجب من المالكية، والآمدي، والبيضاوي، والتاج السبكي، والإسنوي، والبناني من الشافعية، ونسبه الرازي والآمدي للقاضي عبد الجبار من المعتزلة، واختاره أيضًا القاضي أبو يعلى، والفتوحي، والبعلي، وأبو الخطاب من الحنابلة.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 218، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 187، إحكام الفصول للباجي مسألة 9 من العموم 1/ 165، مختصر ابن الحاجب 2/ 152، الإحكام للآمدي 2/ 336، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 213, =
(3/341)

وقيل: بالوقف (1).
قوله: (نقله الباجي منا) أي: نقل الباجي منا (2) عدم تخصيصه (3).
حجة القول بعدم تخصيصه: أن الأصل العموم، فلفظ المطلقات عام (4) للحرائر البائنات، والرجعيات.
حجة القول بالتخصيص: أن الأصل مساواة الضمير للظاهر الذي يعود عليه، فلو أجري الظاهر على عمومه لزم مخالفة الضمير للظاهر الذي يعود عليه؛ لأن الضمير عائد على بعض ذلك الظاهر، وهو الرجعيات باتفاق، فإذا خصصنا الظاهر بالبعض الذي يعود عليه الضمير لم تقع المخالفة بين الضمير والظاهر.
حجة القول بالوقف: تعارض المدارك؛ لأنه لو أجرينا المطلقات على عمومها لزم مخالفة ظاهر الضمير؛ إذ الظاهر في الضمير (5) إعادته على مجموع ما تقدم، ولو خصصنا المطلقات لزم أيضًا مخالفة ظاهرها؛ لأن ظاهر
__________
= نهاية السول 2/ 489، جمع الجوامع 2/ 33، المحصول ج 1 ق 3 ص 210، المعتمد 1/ 284، العدة 2/ 614، شرح الكوكب المنير 3/ 389، مختصر البعلي ص 122، التمهيد 2/ 167، 168، تيسير التحرير 1/ 320، فواتح الرحموت 1/ 356.
(1) اختار الوقف الرازي في المحصول، وأبو الحسين البصري، وإمام الحرمين.
انظر: المحصول ج 1 ق 3 ص 310، المعتمد 1/ 284، الإحكام للآمدي 2/ 336، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 213، نهاية السول 2/ 490، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 188.
(2) "منا" ساقطة من ز وط.
(3) انظر قول الباجي في: إحكام الفصول في أحكام الأصول 1/ 165.
(4) المثبت من ز وط، ولم ترد "عام" في الأصل.
(5) "في الضمير" ساقطة من ط.
(3/342)

لفظ المطلقات: تعميمه للبائنات والرجعيات، فلا بد إِذًا من إحدى المخالفتين فوجب التوقف لذلك حتى يدل الدليل.
قال بعضهم: ترجم المؤلف ها هنا هذه المسألة: بالضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهره، وترجمها أولًا: بالعطف (1) على العام لا يقتضي العموم، وهما مسألة واحدة قال: عبارته ها هنا أولى من عبارته الأولى؛ لأن العطف لا تأثير له في العموم، ولا في الخصوص.
وقال بعضهم: هما (2) مسألتان:
إحداهما: أنه لا يحكم بعموم الأول على عموم الثاني، وإليه أشار أولًا بقوله: (والعطف على العام لا يقتضي العموم) أي: لا يقتضي العموم في الثاني.
المسألة (3) الثانية: أنه (4) لا يحكم بخصوص الثاني على خصوص الأول، وإليه أشار بقوله ها هنا: (والضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهره).
قال الباجي في الفصول: قد يرد أول اللفظ عامًا، وآخره خاصًا، وقد يرد أوله خاصًا، وآخره عامًا، ويحمل كل واحد منهما على ما يقتضيه لفظه من خصوص أو عموم (5).
__________
(1) فى ط: "فالعطف".
(2) في ز وط: "بل هما".
(3) في ز: "وتكلم في المسألة الثانية".
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "أن".
(5) انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي 1/ 165، تحقيق عمران أحمد العربي.
(3/343)

قوله: (ومذهب الراوي لا (1) يخصص عند مالك والشافعي (2)، خلافًا لبعض أصحابنا، وبعض أصحاب (3) الشافعي (4)).
ش: هذه مسألة ثالثة، يعني: أن الصحابي (5) إذا روى خبرًا عامًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم رئي ذلك الصحابي خالف ما رواه، هل يكون مذهبه مخصصًا للعام الذي رواه أو لا؟
مذهب الجمهور: أنه لا يخصصه (6).
وقيل: يخصصه (7).
__________
(1) "لا" ساقطة من ش.
(2) في أوش: "مالك والشافعي، رضي الله عنهما".
(3) "أصحاب" ساقطة من أوخ وز.
(4) في أوخ: "الشافعية".
(5) في ز: "الصحبي".
(6) وهو مذهب أكثر المالكية والشافعية.
انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 219، شرح التنقيح للمسطاسي ص 118، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 188، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي، المسألة السابعة في باب ما يقع به التخصيص 1/ 195، مختصر ابن الحاجب 2/ 151، المحصول ج 1 ق 3 ص 191، الإحكام للآمدي 2/ 333، شرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 33، المستصفى 2/ 112، البرهان 1/ 430، المنخول ص 175، نهاية السول 2/ 474، 480 - 483.
(7) وهو مذهب الحنابلة والحنفية.
انظر مذهب الحنابلة في: العدة 2/ 579، التمهيد 2/ 119، 120، شرح الكوكب المنير 3/ 375، المسودة ص 127، الروضة مع نزهة الخاطر العاطر 2/ 169، مختصر البعلي ص 123.
وانظر مذهب الحنفية في: تيسير التحرير 1/ 326، فواتح الرحموت 1/ 355.
(3/344)

مثاله: ما رواه ابن عباس - رضي الله عنه - (1) عن النبي عليه السلام قال: "من بدّل دينه فاقتلوه" (2).
ومذهب ابن عباس: تخصيصه بالرجال (3).
ومثاله أيضًا (4): ما رواه ابن عمر رضي الله عنه عن النبي عليه السلام (5) أنه (6) قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" (7).
__________
(1) "رضي الله عنه" لم ترد في ط.
(2) أخرجه البخاري عن عكرمة أن عليًا رضي الله عنه حرّق قومًا فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلتهم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من بدّل دينه فاقتلوه".
انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي (2/ 172) كتاب الجهاد، باب: لا يعذب بعذاب الله.
وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب الحكم في المرتد، رقم الحديث (4351).
وأخرجه الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء في المرتد، رقم الحديث 1483، (3/ 10).
وأخرجه النسائي في سننه (7/ 104)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الحدود باب المرتد عن دينه رقم الحديث 2535، (2/ 848).
(3) في ط: "بالرجل".
(4) "أيضًا" ساقطة من ز.
(5) في ز: " - صلى الله عليه وسلم - ".
(6) "أنه" ساقطة من ز.
(7) أخرجه الإمام البخاري عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا، أو يكون البيع خيارًا".
انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي (2/ 12) كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار.
وأخرجه الإمام مسلم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار". =
(3/345)

ومذهب ابن عمر: تخصيص التفرق بالتفرق (1) بالأبدان دون التفرق بالأقوال.
حجة القول بعدم التخصيص: أن عموم الخبر حجة؛ إذ الحجة في كلام صاحب الشرع، والراوي يحتمل أنه تركه لاجتهاد منه، واجتهاده ليس بحجة على غيره؛ لاحتمال الخطأ؛ إذ الاجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، والأصل بقاء العموم على عمومه.
وحجة القول بالتخصيص: أن عدالة الصحابي تمنعه من ترك العموم إلا لمستند (2) من قرائن حالية اطلع عليها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تدل على أنه عليه السلام أطلق العام لإرادة الخاص.
قال المؤلف في الشرح: هذا الراوي المراد به (3) الصحابي؛ لأنه هو الذي يمكن فيه أنه شاهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على صرف العموم إلى
__________
= انظر: كتاب البيوع، باب خيار المجلس للمتبايعين (3/ 1163) رقم الحديث 1531.
وأخرجه أبو داود في سننه (3/ 273)، رقم الحديث 3456.
وأخرجه النسائي في كتاب البيوع، باب وجوب خيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما (7/ 251).
وأخرجه الترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في البيعان، بالخيار، ما لم يتفرقا (2/ 358) رقم الحديث 1263.
وأخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب البيعان بالخيار ما لم يفترقا (2/ 735) رقم الحديث 2181، 2182.
(1) في ز: "وبالتفرق".
(2) في ط: "بمستند".
(3) في ز: "في المرد".
(3/346)

الخصوص، لمشاهدته لصاحب الشرع، وأما غير الصحابي كمالك، وغيره ممن لم يشاهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يتأتى (1) ذلك منه، فإن اجتهاده لا يكون حجة على غيره بإجماع (2).
قوله: [(ومذهب الراوي لا يخصص ...) إلى آخره] (3).
وذكر المؤلف في هذه المسألة في باب الخبر، في (4) الفصل الثامن منه أربعة أقوال [وذلك قوله هنالك: ولا يكون (5) مذهبه على خلاف روايته، وهو مذهب أكثر أصحابنا، وفيه أربعة مذاهب:
قال الحنفي: إن خصصه رجع إلى مذهب الراوي؛ لأنه أعلم.
وقال الكرخي: ظاهر الخبر أولى.
وقال الشافعي: إن خالف ظاهر الحديث رجع إلى الحديث، وإن كان أحد الاحتمالين رجع إليه.
وقال القاضي عبد الجبار: إن كان تأويله على خلاف الضرورة ترك، وإلا وجب النظر في ذلك (6)، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: (خلافًا لبعض أصحابنا ...) إلى آخره، يحتمل أن يكون معناه:
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "يتأدى".
(2) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 219.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(4) في ز وط: "هذه المسألة ذكر فيها المؤلف في باب الخبر فيه الفصل ... " إلخ.
(5) في ط: "كون".
(6) هذا نص كلام القرافي في التنقيح. انظر: شرح التنقيح ص 371.
(3/347)

خلافًا لبعض أصحابنا القائلين بالتخصيص مطلقًا، والقائلين (1) بالتفصيل] (2).
قوله: (وذكر بعض العموم لا يخصصه (3) خلافًا لأبي ثور).
ش: هذه (4) مسألة رابعة (5)، يعني: أن الخاص إذا وافق (6) حكمه (7) حكم العام فلا يخصصه عند الجمهور.
خلافًا لأبي ثور (8) من أصحاب الشافعي القائل: بالتخصيص (9).
__________
(1) في ط: "أو القائلين".
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(3) في أ: "يخصصه"، وفي ز: "ولا يخصصه"، وفي ط: "لا يخصص".
(4) في ط: "هذا".
(5) في ز: "أربعة".
(6) في ط: "وقف".
(7) "حكمه" ساقطة من ز.
(8) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، أبو ثور الكلبي البغدادي، وأبو ثور قد برع في العلم، ولم يقلد أحدًا، وهو من الثقات المأمونين، ومن الأئمة الأعلام في الدين، وقد سمع من سفيان بن عيينة ووكيع والشافعي، وروى عنه أبو داود ومسلم وعبيد ابن محمد النوار، توفي رحمه الله سنة أربعين ومائتين (240 ه) ببغداد، له كتب مصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث والفقه، منها: "كتاب أحكام القرآن" و"كتاب الطهارة"، و"كتاب الصلاة"، و"كتاب المناسك".
انظر ترجمته في: تقريب التهذيب 1/ 35، وفيات الأعيان 1/ 26، تاريخ بغداد 6/ 65 - 69، طبقات الشافعية 2/ 74، شذرات الذهب 2/ 93.
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 219، 220، شرح التنقيح للمسطاسي ص 118، مختصر ابن الحاحب والعضد عليه 2/ 152، المحصول ج 1 ق 3 ص 195، جمع الجوامع 2/ 33، الإحكام للآمدي 2/ 335، شرح الكوكب المنير 3/ 386، المسودة ص 142، تيسير التحرير 1/ 320، فواتح الرحموت 1/ 356.
(3/348)

حجة الجمهور القائلين بعدم التخصيص (1): أن الأصل في الدليل الإعمال لا الإبطال؛ إذ لا تعارض بين الدليلين لإمكان تنزيل كل واحد منهما على مدلوله (2) لغة، فيجب العمل بهما معًا.
حجة أبي ثور: أن تخصيص بعض العام بالذكر يدل على (3) نفي ذلك الحكم عن (4) غير ذلك الفرد (5)، وإلا (6) فما فائدة تخصيصه بذكره دون غيره؟
أجيب عنه: بأن فائدة تخصيصه بذكره (7) دون غيره: إبعاد له عن المجاز والتخصيص بذلك النوع.
قال المؤلف في الشرح: وعادة العرب أنها إذا اهتمت (8) ببعض أنواع العام خصصته بالذكر؛ إبعادًا له عن المجاز, والتخصيص بذلك النوع.
ومثال ذلك: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (9) فإن الصلاة الوسطى بعض أفراد الصلوات (10).
ومثله (11) أيضًا: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي
__________
(1) "التخصيص" ساقطة من ط.
(2) في ط: "مدلول له".
(3) "على" ساقطة من ط.
(4) في ط: "من".
(5) في ط: "المفرد".
(6) في ز: "ولا".
(7) في ز وط: "بالذكر".
(8) في ز وط: "اهمت".
(9) آية رقم 238 من سورة البقرة.
(10) في ز: "الصلاة".
(11) في ز: "ومثلها"، وفي ط: "ومثاله".
(3/349)

الْقُرْبَى} (1)، فإن إيتاء ذي القربى بعض أنواع الإحسان.
وكذلك (2) قوله تعالى: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} (3) كان البغي (4) بعض أنواع المنكر، فإنما ذكر (5) مع اندراجه في المنكر؛ لأنه أقبح المنكر، وأهم أنواعه.
ومثاله (6) أيضًا: قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} (7) فجبريل وميكائيل بعض أنواع الملائكة.
قال المؤلف في الشرح: وكثير من العلماء يمثلون هذا الباب بقوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} (8).
وليس منه؛ لأن لفظ فاكهة مطلق لا عموم فيه، فلا يتناول النخل، والرمان بخلاف المثل السابقة فإنها تعم ما ذكر بعدها (9).
__________
(1) آية رقم 90 من سورة النحل.
(2) في ز: "وكذا".
(3) آية رقم 90 من سورة النحل.
(4) "فإن البغي" ساقطة من ط.
(5) في ز: "ذكره".
(6) المثبت من ط، وفي الأصل وز "ومثله".
(7) آية 98 من سورة البقرة، وفي "ميكائيل" ثلاث قراءات: قراءة حفص وأبي عمرو: {وميكال} بغير همز ولا ياء، وقراءة نافع: {ميكائل} بهمزة من غير ياء، والباقون: {ميكائيل} بياء بعد الهمزة.
انظر: التييسر في القراءات السبع لأبي عمرو الداني ص 75، وقد أوردها المؤلف على القراءة الثالثة.
(8) آية 68 من سورة الرحمن.
(9) في ط: "بعد".
(3/350)

[ومثاله أيضًا (1): قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة وَالدَّمُ} (2) ثم قال (3): {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} (4)] (5).
ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ثم ورد: "جعلت لي الأرض مسجدًا، وتربتها (6) طهورًا".
قال أبو ثور: لا يتيمم إلا بالتراب فهو مخصوص.
وقال مالك: بل يتيمم بالتراب وغيره من أنواع الأرض، فلا يخصص.
ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام: "نهيت عن بيع ما لم يضمن" (7)، ثم قال عليه السلام: "نهيت عن بيع الطعام قبل قبضه".
فإن بيع الطعام قبل قبضه بعض أنواع ما لم يضمن؛ لأن ما لم يضمن أعم
__________
(1) "أيضًا" ساقطة من ط.
(2) آية 3 من سورة المائدة.
(3) في ط: "ثم قال تعالى".
(4) آية رقم 145 من سورة الأنعام.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ز: "ترابها".
(7) أخرجه الترمذي عن عمرو بن شعيب قال: حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
انظر: سنن الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عنده (2/ 351)، رقم الحديث 1252.
وأخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن، رقم الحديث 2188، (2/ 737).
(3/351)

من الطعام وغيره من سائر السلع، فالجاري على القاعدة المذكورة: منع بيع الطعام وغيره من السلع قبل القبض، وهو مذهب الشافعي.
ولكن خصص مالك - رضي الله عنه - (1) هذا العموم بالطعام (2)، وإنما خصصه بذلك؛ لأجل عمل أهل المدينة، فلا يحرم عند مالك إلا الطعام.
قال المؤلف في الشرح: "قال جماعة من المالكية: هذا من باب حمل المطلق على المقيد، قال المؤلف: وهذا غلط، بل هذا تخصيص العام بذكر بعض أنواعه (3)، ولكن الصحيح: أن ذكر بعض أفراد العموم لا يخصصه، فهذا المثال من باب العموم والخصوص، وليس من باب المطلق والمقيد، فإن معنى المطلق والمقيد: أن يكون (4) المطلق (5) ماهية كلية فيذكر معها، أو بعدها قيد، نحو: رقبة في آية (6)، وفي آية أخرى رقبة مؤمنة (7)، فهذا هو المطلق
__________
(1) في ط: "رحمه الله".
(2) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 221.
(3) يقول أحمد حلولو: "والصحيح: أنه باطل، ولم يتفطن المصنف للتخصيص بالمفهوم كما تقدم، وليس هذا بمنزلة التخصيص بمفهوم اللقب، بل اسم الجنس أعلى رتبة من اللقب، كما قاله الأبياري، وعليه فذكر الطعام في الحديث الثاني يقتضي أن غيره بخلافه فيخص عموم الأول، وقد أخذ لمالك القول بمفهوم اللقب من بعض المسائل، وهذا أعلى رتبة منه، فيصح التخصيص به والله أعلم".
انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 190.
(4) "يكون" ساقطة من ط.
(5) "المطلق" ساقطة من ز.
(6) وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [آية 3 من سورة المجادلة].
(7) وهي قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [آية 92 من سورة النساء].
(3/352)

والمقيد، [الذي يحمل فيه المطلق على المقيد؛ لأن التقييد زاد على الثابت أولًا مدلول القيد، أنها إذا كان اللفظ عامًا فالقيد] (1) يكون منقصًا إن أخرجنا ما عدا محل القيد، وأما في المطلق فلا يكون القيد منقصًا".
قال المؤلف في الشرح: وهذا فرق عظيم ينبغي أن تلاحظه، فهو نفيس (2) في الأصول والفروع (3).
قوله: (وكونه مخاطبًا لا يخصص العام إِن كان خبرًا، وإِن (4) كان أمرًا جعل جزاء، قال الإمام: يشبه أن يكون مخصصًا).
ش: هذه مسألة خامسة، والمراد بالمخاطب ها هنا هو: المتكلم، وهو المخاطِب بكسر الطاء، وهو: فاعل الخطاب، فذكر المؤلف ها هنا الفرق بين الخبر والأمر، فيخصص في الأمر، ولا يخصص في الخبر، بل يندرج في خطابه.
مثال الخبر: من دخل داري فهو سارق السلعة، فإذا قلنا باندراجه في عموم خطابه، فهو مقر على نفسه بأنه سارق السلعة.
وكذلك قوله لامرأته: من كلمك فأنت طالق، فإذا قلنا باندراجه في عموم خطابه، فإنها تطلق عليه إذا كلمها هو.
وكذلك قوله: من دخل داري فامرأته طالق، فإذا قلنا باندراجه في عموم
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) في ز: "تفسير".
(3) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 220، 221.
(4) في ز: "أو إن".
(3/353)

خطابه فتطلق (1) عليه امرأته إذا دخل داره.
وكذلك قوله (2): من دخل داري فعبده حر، فإذا قلنا باندراجه في عموم خطابه فعبده (3) حر إذا دخل داره، وأما امرأة غيره، أو عبد غيره، فلا تصرف له في ذلك؛ إذ ليس له (4) طلاق امرأة غيره، ولا عتاق (5) عبد غيره.
ومثال الأمر: قول السيد لعبده: من دخل داري فأعطه درهمًا.
وفي معنى الأمر: النهي، كقول السيد لعبده: من دخل داري فلا تطعمه.
فذكر المؤلف أن المتكلم مندرج في خطابه إن كان خبرًا، ولا يندرج في خطابه إن كان أمرًا، وإنما يجعل الأمر جوابًا للشرط (6) ولا يندرج فيه المتكلم؛ لأن كونه أمرًا قرينة تخصصه (7).
والدليل على اندراجه في الخبر دون الأمر، وهو مذهب الباجي:
قال الباجي: لأن الأمر استدعاء للفعل، فلا يدخل المستدعي فيه، ولأن الإنسان أيضًا لا يأمر نفسه، ولا يأمر لنفسه بدرهم من ماله؛ لأنه لا يتوجه عليه اللوم إذا لم يفعل ذلك (8).
__________
(1) في ط: "فإنها تطلق".
(2) في ط: "قولك".
(3) في ط وز: "فإن عبده".
(4) "له" ساقطة من ط.
(5) في ز وط: "إعتاق".
(6) في ط: "بالشرط".
(7) في ز وط: "مخصصة له".
(8) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي، تحقيق عمران العربي 1/ 111.
(3/354)

قوله: (وكونه مخاطبًا لا يخصص العام إِن كان خبرًا، وإِن كان أمرًا جعل جزاء (1)).
هذه المسألة تكرار لقوله أولًا في الفصل الثاني: (وكذلك يندرج المخاطب عندنا في العموم الذي يتناوله) (2)؛ إذ هما مسألة [واحدة] (3)، وكلامه ها هنا أيضًا [مناقض لكلامه أولًا، فإن كلامه أولًا يقتضي أن لا فرق بين الخبر، والأمر، وكلامه ها هنا] (4) يقتضي الفرق بين الخبر والأمر، فيحتمل: أن يتكلم أولًا على القول بعدم التفصيل بين الخبر والأمر، وتكلم ها هنا على قول الباجي بالتفصيل بين الخبر، والأمر.
قوله: (وكونه مخاطبًا لا يخصص العام).
تكلم المؤلف على حكم المخاطب بكسر الطاء، وتكلم في الشرح على المخاطَب بفتح الطاء فذكر فيه الخلاف، ثم قال: والصحيح: أنه مندرج في العموم؛ لأنه متناول (5) له لغة، والأصل عدم التخصيص.
مثاله: قول المرأة لوليها: زوجني ممن شئت، فهل له أن يزوجها (6) لنفسه؛ لاندراجه في العموم [أم لا؟
وكذلك: بع (7) سلعتي ممن شئت،
__________
(1) في ط: "جزءًا".
(2) انظر (3/ 191 - 196) من هذا الكتاب.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ط، وفي ز: "وحده"، ولم يرد في الأصل.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) في ز: "مناول".
(6) في ط: "يتزوجها".
(7) في ط: "إذا قال بع ... " إلخ.
(3/355)

أو ممن رأيت، فهل له شراؤها (1) لنفسه] (2)، أم لا؟ فيه (3) خلاف بين العلماء (4).
قال المؤلف في الشرح: والصحيح اندراجه في العموم؛ لأنه متناول له لغة، والأصل عدم التخصيص (5).
قوله: (وذكر (6) العام في معرض المدح أو الذم (7) لا يخصص، خلافًا لبعض الفقهاء).
ش: هذه مسألة سادسة، ومعناها: أن الله تعالى إذا ذكر فاعل المحرَّم، ثم قال بعده: والله لا يحب الظالمين (8)، أو ذكر فاعل المأمور به، ثم قال بعد ذكره: والله يحب المحسنين، فهل يعم ذلك اللفظ كل ظالم، وكل محسن، أو يختص (9) ذلك بمن تقدم قبل ذكر العام (10)؟
مثال العام المذكور في معرض المدح، أي: في سياق المدح، قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (11): الَذِين يُنفِقُون فِي السَّرَّاءِ وَالضرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
__________
(1) في ط: "شراؤه".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) "فيه" ساقطة من ز.
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 221.
(5) انظر: المصدر السابق.
(6) في ط: "وكذلك".
(7) المثبت من أوخ وش وز وط، وفي الأصل: "والذم".
(8) "الظالمين" ساقطة من ز.
(9) في ز: "أو يخص".
(10) في ز: "ذكر ذلك"، وفي ط: "ذكر ذلك العام".
(11) قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آية رقم 133 من سورة آل عمران].
(3/356)

وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (1).
مذهب الجمهور: أنه يعم كل محسن، لا فرق بين المذكورين قبله وغيرهم (2).
ومثال العام المذكور في معرض الذم: قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إلى قوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (3).
مذهب الجمهور: أنه يعم (4) كل ظالم، لا فرق بين المذكورين من قوم عيسى (5) عليه السلام قبله، وغيرهم (6) (7).
__________
(1) آية رقم 134 من سورة آل عمران.
(2) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 221، شرح التنقيح للمسطاسي ص 118، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 190، مختصر ابن الحاجب 2/ 128، المحصول ج 1 ق 3 ص 203، الإحكام للآمدي 2/ 280، جمع الجوامع 1/ 422، نهاية السول 2/ 372، 373، شرح الكوكب المنير 3/ 254، 255، المسودة ص 133، مختصر البعلي ص 116، تيسير التحرير 1/ 257، فواتح الرحموت 1/ 283، إرشاد الفحول ص 133.
(3) آية رقم 56، 57 من سورة آل عمران.
(4) انظر: المصادر السابقة.
(5) في ط: "موسى".
(6) في ز: "وبين غيره"، وفي ط: "وبين غيرهم".
(7) وذكر أحمد حلولو قولًا آخر، وهو: أنه يعم إلا أن يعارضه عام آخر لم يقصد به المدح أو الذم.
ومثاله قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} (29، 30 سورة المعارج)، فهذا اللفظ في ملك اليمين لا يعم إباحة وطء كل ما ملكت يمينه حتى الأختين؛ لأنه عارضه عام آخر، وهو قوله تعالى: =
(3/357)

حجة القول بالتعميم: أن اللفظ عام، ولا ضرورة تلجئ إلى تخصيصه بمن تقدم، فإن حكم الجميع ثابت بالعموم، والأصل عدم التخصيص، فيبقى اللفظ على حاله (1).
حجة التخصيص بمن تقدم: أن ذكرالعام بعده يجري مجرى الجواب عنه، وشأن الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال (2) من غير زيادة، ولا نقصان، كأن (3) يقول (4). والله يحب المحسنين الذين تقدم ذكرهم، والله لا يحب الظالمين الذين تقدم ذكرهم (5).
قال المؤلف في الشرح: تنبيه: قال الشيخ الإمام عز الدين بن (6) عبد السلام: ليس من هذا الباب العام المرتب (7) على شرط تقدم، بل يختص اتفاقًا كقوله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} (8)، فإن الشرط المتقدم، هو صلاح المخاطبين، وصلاحهم لا يكون سببًا في مغفرة من تقدم من الأمم قبلهم، ويأتي (9) بعدهم، فإن قاعدة اللغة وقاعدة الشرع تأبى ذلك؛
__________
= {وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} (23 سورة النساء) فإنه يعم الحرائر والإماء مع كونه خرج في بيان حكم الجمع.
انظر: التوضيح شرح التنقيح ص 190.
(1) انظر حجة هذا القول في شرح التنقيح القرافي ص 222.
(2) في ط: "مطابق للسؤال".
(3) في ط وز: "كأنه".
(4) في ط: "قال".
(5) انظر حجة هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 221.
(6) المثبت من ز وط، ولم ترد "ابن" في الأصل.
(7) في ط: "المترتب".
(8) آية رقم 25 من سورة الإسراء.
(9) في ط وز: "أو يأتي".
(3/358)

أما قاعدة اللغة: فإن شرط الجزاء لا يرتب جزاؤه على غيره.
وأما قاعدة الشرع، فإن سعي كل إنسان لا يتعداه لغفران (1) غيره، إلا أن يكون له فيه وجه (2) سبب، ولا سبب ها هنا، فلا يتعدى، كما في قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى} (3) فيتعين أن يكون المراد بالآية المذكورة: أنه كان للأوابين منكم غفورًا (4).
قوله: (وعطف الخاص على (5) العام لا يقتضي تخصيصه خلافًا للحنفية، كقوله عليه السلام: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (6) فإِن الثاني خاص بالحربي، فيكون الأول كذلك عندهم).
__________
(1) في ط: "الغفران".
(2) "وجه" ساقطة من ط.
(3) آية رقم 39 من سورة النجم.
(4) نقل المؤلف بالمعنى، انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 222.
(5) في أ: "والعطف على العام".
(6) أخرجه أبو داود عن قيس بن عباد، قال: انطلقت أنا والأشتر إلى عليّ عليه السلام فقلنا: هل عهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، قال مسدد: قال: فأخرج كتابًا من قراب سيفه، فإذا فيه: المؤمنون تكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث فعلى نفسه، ومن أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
انظر: كتاب الديات، باب إيقاد المسلم بالكافر (4/ 180) رقم الحديث 4530.
وأخرجه النسائي عن علي في كتاب القسامة، باب سقوط القود من المسلم للكافر 8/ 23، وأخرجه ابن ماجه عن علي وابن عباس في كتاب الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر، رقم الحديث 2659، 2660، (2/ 887، 888).
وأخرجه الإمام أحمد عن علي 1/ 119، 112.
(3/359)

ش: هذه مسألة سابعة (1)، وهي: أن (2) المعطوف إذا كان مخصوصًا، هل يوجب تخصيصه تخصيص المعطوف عليه أم لا؟
قالت (3) المالكية، والشافعية: لا يوجب تخصيص المعطوف تخصيص المعطوف عليه.
وقالت الحنفية: يوجب التخصيصُ (4) التخصيصَ (5).
قوله (6): (كقوله عليه السلام: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" فإِن الثاني خاص بالحربي، فيكون الأول كذلك عندهم).
وبيان عطف الخاص على العام في هذا الحديث: أن قوله عليه السلام في أول الحديث: "لا يقتل مؤمن بكافر": أن هذا الكافر عام، ويندرج (7) فيه الحربي والذمي.
__________
(1) كرر القرافي هذه المسألة وتبعه المؤلف فكرر شرحها.
(2) "أن" ساقطة من ط.
(3) في ز: "قال".
(4) "التخصيص" ساقطة من ط.
(5) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 222، 223، شرح التنقيح للمسطاسي ص 118، مختصر ابن الحاجب 2/ 120، المحصول ج 1 ق 3 ص 205، الإحكام للآمدي 2/ 258، المستصفى 2/ 70، شرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 32، نهاية السول 2/ 486 - 488، شرح الكوكب المنير 3/ 262، مختصر البعلي ص 113، المسودة ص 140، تيسير التحرير 1/ 261، فواتح الرحموت 1/ 298، إرشاد الفحول ص 139.
(6) في ز: "بقوله قوله".
(7) في ز: "فيندرج".
(3/360)

وقوله عليه السلام آخر (1) الحديث: "ولا ذو عهد في عهده" معناه: ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي، أي: لا يقتل المعاهد بالحربي؛ لأن الذي (2) لا يقتل به المعاهد هو الحربي خاصة باتفاق، وأما الذمي فيقتل به المعاهد، فمحل النزاع ها هنا هو الذمي، هل يقتل به المسلم أو لا (3) يقتل به؟
قالت المالكية والشافعية: لا يقتل المسلم بالذمي.
وقالت الحنفية: يقتل به (4).
واستدلت المالكية، والشافعية: بأول الحديث، وهو قوله عليه السلام: "لا يقتل مؤمن بكافر".
قالوا: هذا عام للكافر، سواء كان حربيًا، أو ذميًا؛ لأن هذا الكلام عام لكونه نكرة في سياق النفي.
واستدل الحنفية بآخر الحديث، وهو قوله عليه السلام: "ولا ذو عهد في عهده"؛ لأن الذي لا يقتل به المعاهد هو الحربي.
وأما الذمي فيقتل به المعاهد اتفاقًا بين المالكية، والشافعية، والحنفية، واتفقوا كلهم على أن المعاهد يقتل بالذمي، فقوله: "ولا ذو عهد في عهده" مخصوص بالحربي دون الذمي باتفاق، فإذا كان المراد بالكافر المشار إليه آخر الحديث الكافر الحربي، فيجب أيضًا أن يكون الكافر المذكور أول الحديث
__________
(1) في ز: "وقوله في آخر".
(2) في ز: "والذي".
(3) في ز: "ولا".
(4) في ز وط: "بل يقتل به".
(3/361)

الكافر الحربي أيضًا.
فيكون التقدير على مذهب الحنفية: لا يقتل مؤمن بكافر حربي، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي أيضًا، فيكون المراد بالكافر أول الحديث هو: الكافر المذكور في المعنى آخر الحديث؛ إذ القاعدة التساوي بين المعطوف، والمعطوف عليه في الحكم.
وقالت الحنفية: أول الحديث لكم و (1) آخره عليكم، فلو كان أول الحديث يتناول الذمي لكان آخره يتناوله أيضًا (2)، فيقتضي آخره: أن المعاهد لا يقتل بالذمي [وذلك خلاف الإجماع؛ لأن المعاهد يقتل بالذمي إجماعًا؛ لأن القاعدة أن الأدنى يقتل بالأعلى] (3)؛ وذلك أن الذمي أعلى (4) من المعاهد؛ لأن عقد الذمي (5) يدوم للذرية، بخلاف المعاهدة فإنها لا (6) تدوم، وما يدوم هو أعلى مما لا يدوم، واتفقوا كلهم على أن الأدنى يقتل بالأعلى.
وإنما الخلاف بينهم، وبين الحنفية: هل يقتل الأعلى بالأدنى كالمسلم يقتل الذمي؟
قالت المالكية والشافعية: لا يقتل به؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وقالت الحنفية: يقتل به، استدلالًا منهم بتخصيص أول هذا الحديث بتخصيص آخره.
__________
(1) "الواو" ساقطة من ط.
(2) "أيضًا" ساقطة من ز.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في ز: "على".
(5) في ز وط: "الذمة".
(6) "لا" ساقطة من ط.
(3/362)

قوله: ("ولا ذو عهد في عهده") أي: لا يقتل ذو عهد في زمان عهده، أي: في زمان أمانه، تقدير الحديث عند المالكية، والشافعية: لا يقتل مؤمن بكافر حربي، أو ذمي، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي، وتقدير الحديث عند الحنفية: لا يقتل مؤمن بكافر حربي، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي.
قوله: (فإِن الثاني خاص بالحربي) معناه: فإن الكافر الثاني الذي لا يقتل به المعاهد خاص (1) بالحربي.
(فإِن الثاني) أراد بالثاني: الكافر، وإن (2) لم يتقدم ذكره في اللفظ، فإنه (3) مقدر في المعنى؛ لأن قوله (4) عليه السلام: "ولا ذو عهد في عهده" معناه: لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر، وهو من باب حذف الأواخر لدلالة الأوائل (5).
واتفقوا على تخصيص هذا الكافر المقدر في آخر الحديث بالحربي، فيكون الكافر الأول في (6) الحديث كذلك عندهم، أي عند الحنفية، لأجل
__________
(1) في ز: "أي خاص".
(2) في ز وط: "الذي لم".
(3) في ز وط: "ولكن".
(4) في ز وط: "لأن معنى قوله".
(5) في ز: "الأوائل عليها".
(6) في ز: "المذكور في الحديث".
(3/363)

قاعدة التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم (1)، كما تقدم.
وذكر المؤلف في الشرح: أن الجواب عن هذا من (2) أربعة أوجه:
أحدها: أن الواو لا نسلم أنها (3) للعطف (4)، وإنما هي للاستئناف فلا يلزم التشريك لعدم العطف.
الثاني: سلمنا العطف، لكن العطف إنما يقتضي التشريك في أصل الحكم خاصة، دون توابعه، فإنك إذا قلت: مررت بزيد قائمًا، وعمرو، فلا يلزم أن تكون مررت بعمرو أيضًا قائمًا، بل أصل المرور فقط، كذلك جميع التوابع من المتعلقات وغيرها، فيقتضي العطف ها هنا: أنه لا (5) يقتل ذو عهد، أما تعيين من يقتل به فلا؛ لأن الذي يقتل به من توابع الحكم.
الثالث: لا نسلم أن قوله عليه السلام: "ولا ذو عهد في عهده" معناه: لا يقتل (6) ذو عهد في عهده بكافر حربي، بل معناه: التنبيه على السببية، فتكون "في" (7) في قوله: "ولا ذو عهد فى عهده" للسببية، كقوله عليه السلام: "في النفس المؤمنة مائة (8) من الإبل"، أي: تجب مائة من الإبل بسبب قتل النفس
__________
(1) "في الحكم" ساقطة من ز.
(2) في ط: "على".
(3) في ز: "أنه".
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "اللفظ".
(5) في ط: "ألا".
(6) في ز وط: "ولا يقتل".
(7) "في" ساقطة من ز.
(8) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "خمس".
(3/364)

المؤمنة، كما تقدم في الباب الثاني من معاني الحروف (1)، فقوله عليه السلام على هذا: "ولا ذو عهد في عهده" معناه: لا يقتل ذو عهد بسبب معاهدته، فيفيد (2) الكلام: أن المعاهدة [سبب يوجب العصمة، وليس المراد أنه يقتص منه، ولا غير ذلك.
الجواب الرابع: التنبيه على أن عقد المعاهدة] (3) لا يدوم (4) كما يدوم عقد الذمة، فبين عليه السلام أن أثر العهد إنما هو في ذلك الزمان خاصة، لا يتعداه لما بعده (5)، فتكون (6) "في" على هذا للظرفية (7)، وهو المعنى الغالب عليها (8).
قوله: (وعطف الخاص على العام).
انظر: هل هو تكرار لقوله أولًا: "والضمير الخاص لا يخص عموم ظاهره؟ " ليس بتكرار؛ لأن الأولى خاصة بالضمير، وهذا أعم (9).
قوله: (وتعقُّب (10) العام باستثناء، أو صفة، أو حكم لا يتأتى (11) إِلا في
__________
(1) انظر (2/ 242 - 244) من هذا الكتاب.
(2) في ط: "فيقيد".
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) في ز: "لا تدوم".
(5) "لما بعده" ساقطة من ط.
(6) في ز: "فيكون".
(7) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "الظرفية".
(8) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 223.
(9) في ز: "وهذا العم منها"، وفي ط: "وهذه أعم منها".
(10) في ش: "وتعقيب".
(11) في أ: "لا يأتي".
(3/365)

البعض لا يخصصه عند القاضي عبد الجبار، وقيل: يخصصه، وقيل بالوقف، واختاره الإمام، فالاستثناء: كقوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} (1) إلى قوله: {إلا أَنْ يَعْفُونَ} (2) فإِنه خاص بالرشيدات (3).
والصفة (4) كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ} إلى قوله {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (5) أي: الرغبة في الرجعة.
والحكم كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (6) إلى قوله (7): {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} فإِنه خاص بالرجعيات، فتبقى (8) العمومات على (9) عمومها، وتختص هذه الأمور بمن تصلح (10) له) (11).
__________
(1) آية رقم 236 من سورة البقرة.
(2) قال تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلا أَنْ يَعْفُونَ ...} [الآية رقم 237 من سورة البقرة].
(3) في ز: "بالرشيدة".
(4) في أ: "أو الصفة".
(5) آية رقم 1 من سورة الطلاق.
(6) آية رقم 228 من سورة البقرة.
(7) في نسخة أوخ وش: "إلى قوله تعالى".
(8) في أ: "فينبغي"، وفي ط: "فبقى".
(9) "على" ساقطة من أ.
(10) في نسخة خ وش: "يصلح".
(11) تعليق في هامش الأصل، ونصه: "قوله: وتختص هذه الأمور بمن تصلح له، الإشارة عائدة على اختصاص الرجعيات بالعفو، في مثل قوله تعالى: {إلا أَنْ يَعْفُونَ}؛ لأن العفو لا يصلح في غير الرشيدة، وإلى اختصاص بالرجعيات في مثل الآيتين الآخرتين اللتين مثل بهما المؤلف، وهذا لم يأت كلام الشارع عليه فألحقته ها هنا".
(3/366)

ش: هذه مسألة ثامنة، وتاسعة، وعاشرة، جمع المؤلف بينها في هذا الكلام بحكم واحد، وهو (1) تعقب العام باستثناء، أو تعقبه بصفة، أو تعقبه بحكم (2).
ومعنى كلام المؤلف في هذه المسائل الثلاث: أن العام إذا تعقبه استثناء، أو صفة، أو حكم، لا يتأتى ذلك، أي: لا يمكن ذلك الاستثناء [أو الصفة، أو الحكم إلا في بعض الأفراد التي تناولها ذلك العام، هل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض، أم لا؟
ذكر المؤلف فيه ثلاثة أقوال:
ثالثها (3) الوقف.
وقد مثل المؤلف كل واحدة من هذه المسائل الثلاث] (4).
وبيان الاستثناء في الآية الأولى: أن العفو المنسوب إلى النساء لا يتأتى، أي: لا يصح إلا من الرشيدات؛ لأنهن هن المالكات لأمورهن دون السفيهة، والصغيرة (5)، والمجنونة.
وبيان الصفة في الآية الثانية: أن الرغبة في الرجعة لا تأتي، ولا
__________
(1) في ط: "وهي".
(2) انظر هذه المسائل الثلاث في: شرح التنقيح للقرافي ص 223، 224، شرح التنقيح للمسطاسي ص 120، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 191.
(3) وأولها عدم التخصيص، وثانيها التخصيص.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5) في ز: "والمغيرة" وهو تصحيف.
(3/367)

تصح إلا في الرجعيات دون البائنات.
وبيان الحكم في الآية الثالثة: أن الأحقية في الرد لا تأتي (1)، أي: لا تصح إلا (2) في الرجعيات دون البائنات.
انظر تفريق المؤلف بين الصفة والحكم، فجعلهما شيئين، وهَلَّا يجعلهما شيئًا واحدًا؟ فاعلم أن الفرق بين الصفة والحكم: أن الرغبة في الرجعة أمر حقيقي، وهي: حالة من أحوال النفوس، فهو: وصف حقيقي ثابت في النفس، وإن لم يرد شرع، وأما كون الزوج أحق بالرجعة دون الأجنبي، فهو أمر راجع إلى الإباحة في حق الزوج، وإلى التحريم في حق غيره، وهذه (3) أحكام شرعية، والحكم الشرعي قائم بذات الله تعالى، والصفة قائمة بأنفس الخلق؛ فلأجل ذلك اختلف المثال، قاله المؤلف في الشرح (4).
حجة القول المشهور بعدم التخصيص: ما ذكره المؤلف، وهو قوله: (لنا في سائر صور النزاع) أي: في جميع المسائل العشر المذكورة في هذا الفصل: إن الأصل: بقاء العموم على عمومه، فمهما أمكن ذلك لا يعدل عنه تغليبًا للأصل، وبيان ذلك: أن العموم ثابت، والأصل عدم التخصيص، فيجب التمسك بهذا الأصل، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك الأصل.
وحجة القول بالتخصيص: أن الأصل الاتحاد (5) في الضمائر، وفي جميع
__________
(1) في ز: "لا تتأتى".
(2) في ز: "أي لا تصح ولا تمكن في الرجعيات".
(3) في ز: "وهذا".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 224.
(5) في ز: "اتحاد".
(3/368)

ما يعود عليه الحكم المتأخر، أي شيء كان، ولا يحصل الاتحاد إلا إذا اعتقدنا أن المراد بالسابق ما يحصل لذلك الحكم اللاحق، ومتى كان ذلك لزم التخصيص جزمًا (1) وحجة الوقف: تعارض الأدلة.
...
__________
(1) انظر حجة هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 224.
(3/369)

الفصل الخامس فيما يجوز التخصيص إليه
ش: معنى (1) هذا الفصل في بيان القدر الذى يقع انتهاء التخصيص إليه في جميع ألفاظ العموم (2).
قوله: (و (3) يجوز عندنا إِلى الواحد (4)، هذا إِطلاق القاضي عبد الوهاب).
ش: وكذلك (5) الباجي، [وقال الباجي] (6): وإليه ذهب (7) أكثر الناس (8).
__________
(1) في ز وط: "معناه".
(2) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 224، شرح التنقيح للمسطاسي ص 110، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 191، 192، مختصر ابن الحاجب 2/ 131، إحكام الفصول للباجي 1/ 159، المحصول ج 1 ق 3 ص 15 - 17، المعتمد لأبي الحسين 1/ 236، نهاية السول 2/ 385 - 391، الإحكام للآمدي 2/ 283، جمع الجوامع 2/ 3، شرح الكوكب المنير 3/ 271 - 275، العدة 2/ 544، التمهيد 2/ 131 - 135، المسودة ص 117، مختصر البعلي ص 117، تيسير التحرير 1/ 326، فواتح الرحموت 1/ 306، إرشاد الفحول ص 144.
(3) "الواو" ساقطة من خ.
(4) في أوش: "للواحد"، وفي ط: "إلى الواحد".
(5) في ط: "يعني وكذلك".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(7) في ط: "أثار".
(8) انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي 1/ 159.
(3/371)

حجة هذا القول بجواز التخصيص إلى الواحد: أن الجمع يطلق ويراد به الواحد، كما في قوله (1): {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (2)، قيل: الجامع (3) هو أبو سفيان، وهو المراد بالناس (4).
الثاني: وكذلك المراد بالناس في قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (5).
قيل: المراد بالناس المحسودين هو: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6)، فإذا صح إطلاق لفظ (7) العموم على الواحد: صح التخصيص إلى الواحد.
__________
(1) في ز: "في قوله تعالى".
(2) آية رقم 173 من سورة آل عمران.
(3) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "الجمع".
(4) أي: المراد بالناس الثانية، أنها الناس الأولى فالمراد بها: الصحابي الجليل نعيم بن مسعود الغطفاني الذي أسلم في وقعة الخندق، وهو الذي أوقع الخلاف بين قريظة وغطفان وقريش يوم الخندق، فخالف بعضهم بعضًا، ورحلوا عن المدينة.
انظر ترجمته في: الإصابة 3/ 568، والاستيعاب 3/ 557.
وقد ذكر الشوكاني أن المراد بالناس الأولى في هذه الآية هو نعيم بن مسعود الأشجعي، والمراد بالناس الثانية في قوله: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} أبو سفيان وأصحابه.
انظر: فتح القدير 1/ 400.
ويقول الزمخشري في تفسيره: فالناس الأولون المثبطون، والآخرون أبو سفيان وأصحابه.
انظر: الكشاف (1/ 441).
(5) آية 54 من سورة النساء.
(6) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 225.
(7) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "لفظ إطلاق".
(3/372)

قوله: (وأما الإمام فحكى إِجماع أهل (1) السنة على ذلك في "من" و"ما" ونحوهما (2)).
ش: المراد بنحو "من" و"ما": كل ما له حالتان: حالة من جهة اللفظ، وحالة من جهة المعنى؛ لأن لفظ "من" و"ما" مفرد مذكر، و (3) معناهما: جمع، والمراد بنحوهما (4): كاللفظ المفرد المعرف باللام كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعْوا أَيْدِيَهُمَا} (5)، وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} (6) ومن ذلك: الذي والتي، ونحو ذلك مما له (7) لفظ مفرد ومعناه جمع، [قاله الباجي.
وإنما قال الإمام: يجوز التخصيص إلى الواحد في "من" و"ما" ونحوهما؛ لأن لفظه مفرد ومعناه جمع] (8)، تارة يعتبر لفظه، وتارة يعتبر معناه، وتارة يعتبر لفظه ومعناه معًا.
فمثال اعتبار اللفظ: قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)
__________
(1) "أهل" ساقطة من أ.
(2) يقول الإمام فخر الدين: اتفقوا في ألفاظ الاستفهام والمجازاة على جواز انتهائها في التخصيص إلى الواحد.
انظر: المحصول ج 1 ق 3 ص 16.
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في ط: "بحوهما".
(5) آية رقم 38 من سورة المائدة.
(6) آية رقم 2 من سورة النور.
(7) في ط: "من كل ما له".
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/373)

وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (1).
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} (2).
وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} (3).
وقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّنَّ لَا يُؤْمِنُ بِهِ} (4).
وقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} (5).
ومثال اعتبار المعنى [قوله تعالى] (6): {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} (7)
وقوله تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِيِنِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} (8).
ومنه قول الشاعر:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من - يا ذئب - يصطحبان (9)
__________
(1) آية رقم 7، 8 من سورة الزلزلة.
(2) آية رقم 36 من سورة الزخرف.
(3) آية رقم 55 من سورة النساء.
(4) آية رقم 40 من سورة يونس.
(5) آية رقم 25 من سورة الأنعام، وآية رقم 16 من سورة محمّد.
(6) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(7) آية رقم 42 من سورة يونس.
(8) آية رقم 82 من سورة الأنبياء.
(9) قائل هذا البيت هو: الفرزدق من قصيدة يخاطب فيها الذئب الذىِ أتاه، وهو نازل فىِ بعض أسفاره في بادية، وكان قد أوقد نارًا، ثم رمى إليه من زاده، ثم قال له: تعال تعش، ثم بعد ذلك ينبغي ألا يخون أحد منا صاحبه حتى نكون مثل الرجلين اللذين يصطحبان، ومطلع القصيدة:
وأطلسَ عسالٍ وما كان صاحبًا ... دعوتُ بناري مُوهِنًا فأتاني
إلى أن قال: =
(3/374)

مثال اعتبارهما معًا: قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسولَهُ فِإِنَّ لَة نَارَ جَهنَّمَ خَالِدِينَ فِيْهَا أَبَدًا (23) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ} (1) فأفرد الضمير وجمع الحال.
حجة التخصيص في "من" [و"ما"] (2) ونحوهما: لأنه يجوز إطلاقهما على الواحد بإعتبار اللفظ.
قوله: (قال: وقال القفال: يجب (3) إِبقاء أقل الجمع في الجموع المعرّفة).
ش: هذا قول ثانٍ، ومعناه: أن أبا بكر القفال قال بالتفصيل بين (4) الجموع المعرفة: كالرجال، والمسلمين، والمشركين، فيجب إبقاء أقل الجمع منها (5) وهو ثلاثة، وأما غير الجموع المعرفة من سائر صيغ العموم فيجوز التخصيص فيها إلى الواحد (6).
__________
= تَعِشْ فإن واثقتني لا تخونني ... نكن مثل من - يا ذئب - يصطحبان
والشاهد في البيت: مراعاة المعنى في "من", فإن لفظها مفرد، ومعناها في البيت مثنى، فلذلك لما راعى الشاعر المعنى، قال: يصطحبان، وهو من شواهد سيبويه.
انظر: ديوان الفرزدق ص 329, الدرر اللوامع 1/ 64، الخصائص 2/ 422، الكتاب 1/ 404, شرح شواهد الألفية للعيني المطبوع مع خزانة الأدب 1/ 461.
(1) آية رقم 23، 24 من سورة الجن.
(2) المثبت بين المعقوفتين من ز وط ولم يرد في الأصل.
(3) في ش: "ويجب".
(4) في ط: "في".
(5) "منها" ساقطة من ز.
(6) انظر نسبة هذا القول للقفال في: شرح التنقيح للقرافي ص 224، شرح التنقيح للمسطاسي ص 120، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 191، المحصول ج 1 ق 3 ص 16، الإحكام للآمدي 2/ 283، المعتمد 1/ 254، جمع الجوامع 2/ 3 التمهيد 2/ 131، شرح الكوكب المنير 3/ 272، إرشاد الفحول ص 144.
(3/375)

حجة القفال: أن صيغ الجمع يصح الجمع إطلاقها حقيقة على أقل الجمع، والمحافظة على أقل الجمع تمنع من إرادة الواحد والتخصيص إليه، بخلاف "من" و"ما" وغيرهما، مما هو في اللفظ مفرد، فيجوز تخصيصه إلى الواحد؛ لأنه يطلق على الواحد.
قوله: (وقيل: يجوز إِلى الواحد فيها).
ش: هذا تكرار؛ لأنه قول القاضي عبد الوهاب الذي (1) ذكره المؤلف أولًا.
قوله: (وقال أبو الحسين (2): لا بد من الكثرة (3) في الكل (4)، إلا إِذا استعمله الواحد المعظم نفسه (5)).
ش: هذا قول ثالث، وهو قول أبي الحسين البصري (6).
قال الآمدي في المنتهى: وإليه مال إمام الحرمين، وهو مذهب أكثر أصحابنا، وهو أنه لا بد من إبقاء جمع يقرب من مدلول اللفظ وإن لم يكن محدودًا، وهو أن يكون الباقي أكثر من النصف.
__________
(1) في ز: "والذي".
(2) المثبت من أوز وط، وفي ش: "أبو الحسين البصري"، وفي الأصل: "أبو الحسن".
(3) في ز: "أكثره".
(4) "في الكل" ساقطة من ز.
(5) "نفسه" ساقطة من أ.
(6) انظر نسبة هذا القول لأبي الحسين البصري في: المعتمد 1/ 254، شرح التنقيح للقرافي ص 224، 225، شرح التنقيح للمسطاسي ص 120، المحصول ج 1 ق 3 ص 16، التمهيد 2/ 131.
(3/376)

حجة أبي الحسين: أن من قال: أكلت كل رمانة في البيت، وكان في البيت ألف رمانة مثلًا، وقد أكل ثلاثًا ونحوها، فإن أهل اللغة يستقبحون (1) كلامه [ويعدونه (2) لاغيًا، وكذلك إذا قال: قتلت (3) كل من في المدينة، وقد قتل ثلاثة ونحوها، فإن أهل اللغة يستقبحون (4) كلامه] (5)، فحينئذٍ لا بد من كثرة يحسن (6) العموم لأجلها، وإلا امتنع (7).
قال المؤلف في الشرح: وقد نص إمام الحرمين وغيره على استقباح تخصيص الحنفية، قوله عليه السلام: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (8) بالمكاتبة والأمة، وأن هذا التخصيص في غاية البعد (9)، ولا
__________
(1) في ط: "يستقيمون".
(2) في ط: "ويعيدونه".
(3) في ط: "قلت".
(4) في ط: "يستقيمون".
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(6) في ط: "يحسين".
(7) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: منتهى السول في علم الأصول للآمدي ص 40، 41.
(8) أخرجه أبو داود عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل - ثلاث مرات - فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن ثشاجروا فالسلطان ولي من لا وليَّ له".
انظر: كتاب النكاح، باب في الولي (2/ 229)، رقم الحديث العام 2083.
وأخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلا بولي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن 2/ 280، رقم الحديث 1108، وأخرجه الدارمي في كتاب النكاح، باب النهي عن النكاح بغير ولي (2/ 137).
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (6/ 166).
(9) في ط: "العبد".
(3/377)

البعد (1)، ولا يجوز لغة، مع أن أنواع (2) المكاتبة والأمة، أفراده غير متناهية، فكيف إذا لم يبق إلا فرد واحد؟! كان أشد في القبح.
وأما الواحد المعظم نفسه: فهو في معنى الجمع العظيم (3) , كقوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} (4)، فقد وزن أبو بكر بالأمة فرجح بها، ووزن (5) عمر بالأمة فرجح بها - رضي الله عنه - (6)، فكيف بالأنبياء عليهم السلام؟! فكيف بسيد (7) المرسلين محمّد - صلى الله عليه وسلم - (8)؟!
قال المسطاسي: ليس في كلام المؤلف إلا ثلاثة أقوال:
يجوز إلى الواحد في الكل.
لا بد من الكثرة في الكل.
الفرق بين الجموع المعرفة وغيرها.
__________
(1) في ط: "العبد".
(2) المثبت من ز، وفي الأصل: "وقوع"، وفي ط: "نوع".
(3) في ز: "المعظم".
(4) آية رقم 23 من سورة المرسلات.
(5) في ز: "وزن".
(6) في ط وز: "عنهما".
(7) في ز: "سيد".
(8) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 225.
(3/378)

وهناك قول رابع: أنه يجوز إلى الاثنين، ولا يجوز إلى الواحد (1).
...
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للمسطاسي ص 120.
وذكر أحمد حلولو أقوالًا أخرى وهي:
1 - أنه يمتنع إلى الواحد مطلقًا، سواء كان لفظ العام جمعًا أو لا، وأن غاية جوازه أن يبقى أقل الجمع.
2 - لا بد من بقاء غير محصور.
3 - لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام قبل التخصيص.
والفرق بين هذا القول والذي قبله: أن مقتضى هذا عدم صحة إخراج الأكثر، أو النصف، وإن كان الباقي غير منحصر، ومقتضى الذي قبله جوازه.
انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 191 - 192.
(3/379)

الفصل السادس في حكمه بعد التخصيص (1)
ش: ذكر المؤلف في هذا الفصل ثلاث (2) مسائل:
الأولى: دلالة العام على الباقي بعد (3) التخصيص، هل هي بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز؟
المسألة الثانية (4): إذا قلنا: إنه مجاز، هل هو مبين فيصح الاحتجاج به، أو هو مجمل فلا يصح الاحتجاج به؟
المسألة الثالثة: جواز القياس على الصورة المخصوصة إذا علمت.
قوله: (لنا وللشافعية، والحنفية، في كونه بعد التخصيص حقيقة أو مجاز قولان، واختار الإمام وأبو الحسين التفصيل بين تخصيصه
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 226 - 230، شرح التنقيح للمسطاسي ص 120 - 122، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 192 - 196.
(2) في ز: "ثلاثة".
(3) في ط: "هذا".
(4) في ز: "المسألة الثانية: هل يستدل بالعموم على الباقي بعد التخصيص، أم لا؟ ".
(3/381)

بقرينة (1) عقلية أو سمعية، فيكون مجازًا، أو (2) تخصيصة بالمتصل كالشرط، والاستثناء، والصفة، فيكون حقيقة).
ش: ذكر المؤلف في هذه المسألة ثلاثة أقوال (3): قولان متقابلان:
أحدهما: حقيقة مطلقًا.
والثاني: مجاز مطلقًا (4).
__________
(1) في أوخ وز وش: "بقرينة مستقلة عقلية".
(2) في ش وط: "وبين تخصيصه".
(3) ذكر أحمد حلولو في المسألة سبعة أقوال، منها هذه الأقوال الثلاثة التي - ذكرها المؤلف - وأربعة أخرى وهي:
القول الرابع: أنه حقيقة في تناول ما بقي، مجاز في الاقتصار عليه، وبه قال إمام الحرمين، وضعفه الإبياري.
القول الخامس: وبه قال ابن فورك: أنه حقيقة إذا كان الباقي غير منحصر لبقاء خاصية العموم.
القول السادس: إن خص بالاستثناء كان مجازًا وإن خص بشرط أو صفة كان حقيقة وبه قال عبد الجبار، وقال الرهوني: قد اختلف النقل عنه هل الاستثناء تخصيص أو ليس بتخصيص؟
القول السابع: إن خص بغير لفظ كالعقل فهو مجاز، وإن خص بدليل لفظي سواء كان متصلًا أو منفصلًا فهو حقيقة.
انظر: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 192، 193.
(4) القول الأول: اختاره بعض المالكية والشافعية، وبعض الحنفية كالسرخسي.
القول الثاني: واختاره أكثر الأشعرية، والمعتزلة كأبي علي وأبي هاشم، واختار هذا القول الجويني، والقرافي، ورجحه الآمدي، ومال إليه الغزالي، واختاره بعض الحنفية كعيسى بن أبان، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب.
انظر تفصيل هذين القولين في: شرح التنقيح للقرافي ص 226، شرح التنقيح للمسطاسي ص 120، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 192، مختصر ابن الحاجب 2/ 106، 107، المحصول ج 1 ق 3 ص 18، الإحكام للآمدي 2/ 227، =
(3/382)

والثالث: التفصيل بين تخصيصه بالمنفصل (1) وبين تخصصه بالمتصل، وهو الذي اختار (2) الإمام وأبو الحسين (3)، كما قاله المؤلف.
مثال تخصيصه بالمنفصل العقلي: قوله تعالى مثلًا: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (4).
فإن العقل خص (5) منه العاجز عن قتال المشركين.
ومثال تخصيصه بالمنفصل السمعي: قوله تعالى أيضًا: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}.
فإن الدليل السمعي المنفصل خصصه (6)، وهو قوله عليه السلام: "نهيت عن قتل النساء والصبيان".
ومثال تخصيصه بالمتصل، الذي هو شرط: اقتلوا المشركين إن حاربوا. ومثال تخصيصه بالمتصل، الذي هو الاستثناء: اقتلوا المشركين إلا أن يسلموا.
__________
= 230، البرهان 1/ 410، 411، جمع الجوامع 2/ 5، المستصفى 2/ 54، 58، المنخول ص 153، العدة 2/ 533، 535، شرح الكوكب المنير 3/ 160، 161، المسودة ص 116، التمهيد 2/ 138، كشف الأسرار 1/ 307، تيسير التحرير 1/ 308، فواتح الرحموت 1/ 312، إرشاد الفحول ص 135.
(1) المثبت من ط وز، وفى الأصل: "المفصل".
(2) في ز وط: "اختاره".
(3) انظر نسبة هذا القول للإمام فخر الدين وأبي الحسين البصري في: المحصول ج 1 ق 3 ص 19، المعتمد 1/ 282، 283، شرح التنقيح للقرافي ص 226، شرح التنقيح للمسطاسي 120، الإحكام للآمدي 2/ 227.
(4) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(5) في ط: "خصص".
(6) في ز: "خصصه بالرجال البالغين".
(3/383)

ومثال تخصيصه بالمتصل، الذي هو الصفة: اقتلوا المشركين المحاربين.
حجة القول بأنه حقيقة مطلقًا: أن تناول اللفظ للباقي قبل التخصيص كان (1) حقيقة، فيبقى تناوله له بعد التخصيص حقيقة؛ عملًا بالاستصحاب.
حجة القول بأنه مجاز مطلقًا: أن اللفظ إنما وضع حقيقة للعموم، ولم يستعمل فيه، فقد استعمل في بعض الأفراد دون البعض، فقد استعمل في غير ما وضع له فيكون مجازًا؛ لأنه وضع للعموم، ثم استعمل في الخصوص (2).
حجة القول بالتفصيل: أن الدليل المتصل كالشرط، والاستثناء، والصفة، لا يستقل بنفسه، فلا بد أن ينضم (3) إلى ما قبله، فيكون كاللفظ الواحد، فلا يثبت الحكم (4) إلا بمجموعهما، فيكون المجموع حقيقة فيما بقي بعد التخصيص، حتى قال القاضي أبو بكر وجماعة: إن الثمانية له عبارتان: ثمانية، وعشرة إلا اثنين.
وقالت الحنفية أيضًا: الاستثناء تكلُّم بالباقي بعد الثُّنيا (5)، ومرادهم ما ذكرناه.
وأما المخصص المنفصل: كنهيه عليه السلام عن قتل النساء والصبيان،
__________
(1) "كان" ساقطة من ز.
(2) انظر حجة هذا القول في: شرح التنقيح للقرافي ص 226، وقد رجح القرافي هذا القول.
(3) في ط وز: "يضم".
(4) "الحكم" ساقطة من ط.
(5) في ز: "الثناء".
(3/384)

بعد الأمر بقتال المشركين.
ونهيه عليه السلام عن بيع الغرر (1)، بعد قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ} (2) فلا يمكن جعله مع لفظ العموم كلامًا واحدًا، فيتعين أن يكون اللفظ الأول مستعملًا في غير ما وضع له، فيكون مجازًا.
قوله: (وهو حجة عند الجميع إِلا عيسى بن أبان وأبا ثور، وخصص الكرخيُّ التمسك به إِذا خصص (3) بالمتصل (4)، وقال الإمام فخر الدين: إِن خص (5) تخصيصًا إِجماليًا (6)، نحو قوله: هذا العام مخصوص (7) فليس بحجة، وما (8) أظنه يخالف في هذا التفصيل).
__________
(1) أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر.
انظر: كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر.
وأخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب بيع الغرر (3/ 254) رقم الحديث 3376.
وأخرجه الترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الغرر، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (2/ 349).
وأخرجه النسائي في كتاب البيوع، باب بيع الحصاة (7/ 262).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب النهي عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر، رقم الحديث 2194 - 2195، (2/ 739).
(2) آية رقم 275 من سورة البقرة.
(3) في ط وز: "إذا خص".
(4) في أ: "إلا عيسى بن أبان وأبا ثور، خصصا التمسك به إذا خص بالمنفصل".
(5) في أوخ وش: "وقال الإمام: إن خصص تخصيصًا".
(6) في ز: "جماليًا".
(7) في ط: "مخصص".
(8) في ط: "وأما".
(3/385)

ش: هذه هي (1) المسألة الثانية، وهي (2) قولنا: هل يستدل بالعموم على الباقي بعد التخصيص، أو لا (3) يستدل به؟
ذكر المؤلف في الاستدلال به (4) ثلاثة أقوال (5):
قولان متقابلان.
وثالث بالتفصيل بين التخصيص بالمتصل، والتخصيص بالمنفصل.
وأما تفصيل الإمام: فهو بيان محل الخلاف (6).
__________
(1) "هي" ساقطة من ط.
(2) في ز: "وهو".
(3) "لا" ساقطة من ط.
(4) "به" ساقطة من ز.
(5) وذكر أحمد حلولو ستة أقوال، منها هذه الثلاثة التي ذكرها المؤلف.
والقول الرابع: إن خص بمعين كان حجة، وإن خص بمبهم فليس بحجة.
والقول الخامس: وبه قال أبو الحسين البصري، إن كان العموم منفكًا عن الباقي؛ لأنه لم يتناول بأصل وضعه سوى المخصوص.
والقول السادس: أنه حجة في أقل الجمع دون ما زاد عليه.
انظر تفصيل هذه الأقوال في: التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 194، 195، وانظر الخلاف في هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 227، 228، شرح التنقيح للمسطاسي ص 121، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 108، المحصول ج 1 ق 3 ص 22، 23، المستصفى 2/ 57، جمع الجوامع 2/ 7، الإحكام للآمدي 2/ 233، المعتمد 1/ 286، التمهيد 2/ 142، 143، شرح الكوكب المنير 3/ 162، 163، مختصر البعلي ص 109، كشف الأسرار 1/ 307، أصول السرخسي 1/ 144، تيسير التحرير 1/ 313، فواتح الرحموت 1/ 308، إرشاد الفحول ص 137، 138.
(6) في ز: "محل الخلاف، وهو تفسير وليس بتفصيل"، وفي ط: "محل الخلاف، وليس بخلاف".
(3/386)

حجة القول المشهور القائل (1): بأنه حجة يستدل به على الباقي بعد التخصيص فيستدل بقوله تعالى مثلًا: {فَاقْتلُوا الْمُشْرِكِينَ} (2) على قتل المشركين بعد خروج النساء والصبيان: أنه (3) لو قلنا: لا يستدل بالعموم على (4) الباقي بعد تخصيصه، لأدى ذلك [إلى] (5) تعطيل كثير العمومات (6)، ولا سيما على قول ابن عباس رضي الله عنه القائل: ما من عام إلا وهو مخصوص، إلا قوله تعالى: {وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (7) فيؤدي ذلك إلى تعطيل جميع عمومات (8) الكتاب والسنة (9).
حجة عيسى بن أبان وأبي ثور (10) الحنفيين: أن الإجمال حاصل فيه؛ لأن الحقيقة التي هي الاستغراق غير مرادة، فالمراد المجاز، والمجاز مجمل؛ لأنه لم يتعين أي مجاز يحمل اللفظ عليه بعد التخصيص؛ إذ ليس البعض أولى من البعض، فلما تعين الإجمال سقط الاستدلال (11).
__________
(1) في ط: "والقائل".
(2) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(3) في ز: "لأنه".
(4) المثبت من ط وز، وفي الأصل: "بعد".
(5) المثبت من ط وز، ولم ترد "إلى" في الأصل.
(6) في ط: "من العمومات".
(7) آية رقم 11 من سورة التغابن.
(8) في ط: "العمومات".
(9) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 227.
(10) لقد تقدم في ترجمته: أن أبا ثور كان حنفيًا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي.
(11) انظر حجة هذا القول في شرح التنقيح للقرافي ص 227.
وانظر نسبة هذا القول لعيسى بن أبان وأبي ثور في: التوضيح شرح التنقيح ص 195، المحصول ج 1 ق 3 ص 22، المعتمد 1/ 286، الإحكام للآمدي 2/ 232، التمهيد 2/ 142.
(3/387)

قال المؤلف في الشرح: جواب هذا: أن هذا يصح (1) في المجاز الأجنبي عن الحقيقة، كالأسد إذا أريد به الرجل الشجاع، فليس حمله [على بعض الشجعان بأولى من حمله] (2) على البعض الآخر، فيتعين الإجمال، وأما المجاز في العام المخصص (3): فليس أجنبيًا عن الحقيقة، بل محل التجوز البعض الباقي بعد التخصيص، فلا إجمال (4).
و (5) حجة الكرخي الحنفي: أن المخصص المتصل يصير مع الأصل حقيقة فيما بقي بعد التخصيص، بخلاف المخصص المنفصل، فلا يكون (6) جعله (7) مع الأصل كلامًا واحدًا، فيتعين فيه الإجمال (8).
قوله: (إِن خص تخصيصًا إِجماليًا)، كقوله عليه السلام مثلًا (9): "نهيت عن قتل (10) طائفة من المشركين" بعد قوله: {فَاقْتلُوا الْمُشْرِكِينَ} (11).
__________
(1) في ز وط: "إنما يصح".
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(3) في ط وز: "المخصوص".
(4) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 228.
(5) "الواو" ساقطة من ز.
(6) في ط وز: "فلا يمكن".
(7) في ط: "جمعه".
(8) في ط وز: "المجاز والإجمال".
وانظر حجة هذا القول في شرح التنقيح للقرافي ص 228، وانظر نسبة هذا القول للكرخي في: المحصول ج 1 ق 3 ص 23، التمهيد 2/ 143، فواتح الرحموت 1/ 308، تيسير التحرير 1/ 313، أصول السرخسي 1/ 144.
(9) "مثلًا" ساقطة من ز، والأولى أن يقول المؤلف: لو قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهيت عن قتل طائفة من المشركين".
(10) "قتل" ساقطة من ز.
(11) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(3/388)

قال المؤلف في الشرح: أنها تفصيل الإمام فخر الدين فليس تفصيليًا (1) في التحقيق (2)، بل هو راجع إلى القول بأنه حجة، فإن الله تعالى إذا قال مثلًا (3): {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}، ثم قال: حرمت عليكم قتل (4) طائفة معينة لا أعينها لكم، فلا شك أنّا نتوقف عن (5) القتل قطعًا، حتى نعلم الواجب قتله من المحرم قتله (6)، وهذا لا يتصور فيه الخلاف، بل هذا تفريع على أنه حجة بعد التخصيص. انتهى (7).
قوله: (لنا أنه وضع للاستغراق، ولم (8) يستعمل فيه فيكون مجازًا).
ش: هذا دليل على أنه مجاز في الباقي بعد التخصيص، وقد تقدمت هذه الحجة.
قوله: (ومقتضيًا (9) ثبوت (10) الحكم لكل فرد من أفراده (11)، وليس
__________
(1) المثبت من ط وفي الأصل و"ز": "تفصيليًا".
(2) في ط: "بالتحقيق".
(3) "مثلًا" ساقطة من ز وط.
(4) "قتل" ساقطة من ز.
(5) في ز: "على".
(6) "قتله" ساقطة من ز.
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 228.
(8) في ط: "فلم".
(9) في خ: "ومقتضاه".
(10) في ش وز وط: "الثبوت".
(11) في أ: "الحكم الجلي أفراده"، وفي ش وخ: "الحكم لكل أفراده".
(3/389)

البعض شرطًا في البعض، وإِلا للزم الدور، فيبقى حجة في (1) الباقي بعد التخصيص).
ش: هذا دليل (2) الإمام (3) في المحصول (4)، وهو دليل القول بأنه حجة، فيستدل (5) به في الباقي بعد التخصيص، ومعنى كلام المؤلف: لنا في الاستدلال على كونه حجة في الباقي بعد التخصيص: أنه وضع حالة كونه مقتضيًا ثبوت (6) الحكم لكل فرد من أفراده، من (7) غير توقف، بعضها على بعض.
قوله: (وليس البعض شرطًا في البعض) أي: وثبوت الحكم في الباقي ليس شرطًا في ثبوته في الخارج، ولا بالعكس، فإذا خرج بعض الأفراد بالتخصيص بقي اللفظ متناولًا للبعض الآخر؛ [لأن خروج ما ليس بشرط في دلالة اللفظ لا يضر؛ لأن كل واحد من الباقي والخارج لا يتوقف حكمه على حكم الآخر] (8)، فيبقى اللفظ حجة في الباقي بعد التخصيص؛ لعدم التوقف.
قوله: (وإِلا لزم الدور) أي: وإن قدرنا أن ثبوت الحكم في البعض شرط في ثبوت الحكم في البعض الآخر لزم الدور، وهو توقف البعض على
__________
(1) "في" ساقطة من ط.
(2) في ز: "هذا الدليل".
(3) "الإمام" لم ترد في ز.
(4) انظر دليل الإمام في المحصول ج 1 ق 3 ص 23 - 27.
(5) في ط وز: "يستدل".
(6) في ط: "بثبوت".
(7) في ز: "من حيث".
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3/390)

البعض، فإذا وجد الدور سقط الاستدلال به، ولكن لم يتوقف أحدهما على الآخر، فيبقى الاستدلال به بعد التخصيص.
قوله: (وإِلا لزم الدور) هذه العبارة اعترضها المؤلف في الشرح على الإمام فخر الدين من وجهين:
أحدهما: أنّا لا نسلم الدور إذا توقف أحدهما على الآخر، ولا يحصل الدور إلا إذا توقف كل واحد منهما على الآخر، أي توقف هذا على ذاك، وتوقف ذاك على هذا، فحصل التوقف من الطرفين، وأما إذا حصل التوقف من أحد الطرفين ولم يحصل التوقف (1) من الطرف الآخر، فذلك ليس من باب الدور، وإنما هو من باب الترجيح من غير مرجِّح، ولكن الترجيح من غير مرجح هو أيضًا محذور؛ لأنه محال، فلو قال: وإلا لزم الدور، والترجيح (2) من غير مرجح، لكان أكمل للفائدة.
الوجه الثاني: أن التوقف سلمناه ها هنا، ولكن التوقف ها هنا معي لا سبقي، والتوقف المعي لا يضر، وإنما الذي يضر هو التوقف السبقي.
مثال التوقف المعي: قول رجل لرجل (3): لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج معي، ويقول له الآخر: لا أخرج حتى تخرج معي، فإنهما يخرجان معًا، فلا دور، ولا محال ها هنا.
ومثال التوقف السبقي: إذا قال أحد الرجلين للآخر: لا أخرج حتى تخرج قبلي، ويقول الآخر: لا أخرج حتى تخرج قبلي، فإن خروج كل
__________
(1) "التوقف" ساقطة من ط.
(2) في ط: "أو الترجيح".
(3) "لرجل" ساقطة من ط.
(3/391)

واحد منهما متوقف على خروج الآخر توقفًا (1) سبقيًا (2)، وهو محال لعدم إمكان ذلك؛ لأن ذلك جمع بين النقيضين، وهما القبلية و (3) البعدية.
وبيان هذا (4) الاستدلال المذكور بالمثال: أن قوله تعالى مثلًا: اقتلوا المشركين، يتناول الحربي والذمي مثلًا تناولًا واحدًا، فكونه حجة في الحربي: إما أن يتوقف على كونه حجة في الذمي، أو لا يتوقف، فإن لم يتوقف عليه، فإذا خص الذمي خرج الذمي بدليل التخصيص، وبقي اللفظ متناولًا للحربي (5)، فيكون حجة في الحربي، وهو المطلوب.
وأما أن يوقف (6) كونه حجة في الحربي على كونه حجة في الذمي: فإما أن يتوقف (7) كونه حجة في الذمي على كونه حجة في الحربي، أو لا يتوقف عليه، فإن حصل التوقف من الجهتين بحيث يكون كل واحد منهما متوقفًا على الآخر: لزم الدور، وإن حصل التوقف من جهة واحدة، ولم يحصل من الجهة الأخرى لزم ترجيح من غير مرجح؛ لأن نسبة التوقف إلى أحدهما دون الآخر لا (8) دليل له، فهو ترجيح من غير مرجح؛ إذ ليس أحدهما في نسبة
__________
(1) في ط: "متوقفًا".
(2) نقل المؤلف بالمعنى. انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 229.
(3) "الواو" ساقطة من ط.
(4) في ز: "هذه".
(5) في ز: "لحربي".
(6) في ز: "أن لو توقف"، وفي ط: "إن توقف".
(7) في ط: "توقف".
(8) "لا" ساقطة من ز.
(3/392)

التوقف إليه بأولى من الآخر؛ لأن العام تناولهما تناولًا واحدًا، ولا (1) مزية لأحدهما في ذلك على الآخر.
فحصل مما ذكرنا: أن التوقف لا يصح على كل تقدير؛ لأن التوقف يؤدي إما إلى الدور، وإما إلى الترجيح من غير مرجح، [وكلاهما] (2) محال؛ وذلك أن التوقف إن حصل من الجهتين فذلك دور، والدور يؤدي إلى تعطيل الدليل؛ لأنه إذا توقف كل واحد منهما على الآخر، يلزم ألا (3) يعمل في هذا حتى يعمل في هذا، ولا (4) يعمل في هذا حتى يعمل في هذا، فيلزم ألا يعمل في كل واحد منهما، فذلك تعطيل اللفظ، وإن حصل التوقف من جهة واحدة (5) أيضًا، فذلك ترجيح من غير مرجح، [والترجيح من غير مرجح] (6) ممنوع محال (7)، فإذا كان التوقف لا يصح على كل تقدير، ثبت حينئذٍ أن حكم (8) كل واحد من أفراد العام لا يتوقف على حكم الآخر، فيكون اللفظ العام حجة في الباقي بعد التخصيص.
قوله: (والقياس على الصورة (9) المخصوصة إِذا علمت جائز عند
__________
(1) في ط.: "أولًا".
(2) المثبت هو الأولى، وفي الأصل وز: "وكلامهما"، وفي ط: "وكلامه".
(3) في ز: "أن يعمل".
(4) في ط: "أولًا".
(5) في ز: "وحدة".
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) في ط: "محال أيضًا".
(8) "أن حكم" ساقطة من ط.
(9) في ز: "الصور"، وفي ط: "السورة".
(3/393)

القاضي إِسماعيل (1) منا، وجماعة من الفقهاء).
ش: هذه المسألة (2) من تخصيص العموم بالقياس (3). ومعنى كلام المؤلف. إذا خرجت صورة (4) من العموم بالتخصيص، هل يجوز القياس على تلك الصورة (5) أم لا؟
مثال ذلك: قوله عليه السلام: "نهيت عن قتل النساء والصبيان" هذه صورة مخصوصة من عموم قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (6)، فهل يقاس الأحبار، والرهبان، والشيخ الفاني على النساء، والصبيان، بجامع عدم (7) الإذاية أم لا؟
وكذلك قوله عليه السلام: "البر بالبر ربًا إلا هاء وهاء" هذه صورة
__________
(1) هو أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي، ولد سنة مائتين (200 ه) أصله من البصرة، وبها نشأ واستوطن، وهو من بيت من أجلّ بيوت العلم بالعراق وهو بيت آل حماد، والقاضي إسماعيل جمع بين علوم القرآن، والحديث، والفقه، والكلام، واللغة، وكان رحمه الله فاضلًا، عالمًا، فطنًا، شديدًا على أهل البدع، فقيهًا على مذهب مالك، شرح مذهبه ولخصه، واحتج له، وبلغ درجة الاجتهاد، توفي رحمه الله سنة 282 ه.
انظر: الديباج المذهب 1/ 282 - 284.
(2) في ط: "مسألة".
(3) انظر هذه المسألة في: شرح التنقيح للقرافي ص 229، 230، شرح التنقيح للمسطاسي ص 122.
(4) في ط: "سورة".
(5) في ط: "السورة".
(6) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(7) "عدم" ساقطة من ط.
(3/394)

مخصوصة (1) من (2) عموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ} (3)، فهل يقاس الأرز، والدخن، والذرة على البر، بجامع الاقتيات والادخار، أم لا؟
قوله: (إِذا علمت) لا يصح أن يكون معناه: إذا علمت الصورة المخصوصة، احترازًا مما إذا جهلت، فإن القياس على مجهول لا يصح ولا يمكن (4)، فإنما (5) يقاس الشيء على المعلوم، ولا يقاس على المجهول.
[وقال (6) بعضهم] (7): قوله: (إِذا علمت) [معناه: إذا علمت] (8) الصورة المخصوصة بطريق علمي، كالإجماع، أو نص (9) الكتاب أو السنة المتواترة، وقال بعضهم: معنى قوله: إذا علمت، علتها (10) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: إذا عرفت العلة الجامعة بين الصورة المخصوصة، والصورة المقيسة.
قوله: (جائز عند القاضي إِسماعيل منا، وجماعة من (11) الفقهاء) مفهومه: أن ذلك ممنوع عند آخرين.
__________
(1) "مخصوصة" ساقطة من ز.
(2) في ط: "عن".
(3) آية رقم 275 من سورة البقرة.
(4) في ط وز: "مجهول لا يمكن".
(5) في ط: "وإنما".
(6) في ط: "فقال".
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(9) في ط وز: "ونص".
(10) في ط وز: "إذا علمت معناه إذا علمت علتها على حذف المضاف ... " إلخ.
(11) "من" ساقة ط من ز.
(3/395)

قال القاضي [عبد الوهاب في الملخص: مذهب الجمهور: منع القياس على الصورة المخصوصة، وهو قول جمهور أصحابنا.
وقال كثير من الشافعية بجوازه] (1).
حجة المنع: أن الصورة المخصوصة على خلاف الأصل؛ لأنها مخالفة لقاعدة العموم، فلو قسنا عليها غيرها لأدى ذلك إلى تكثير مخالفة الأصل الذي هو قاعدة العموم (2).
حجة القول بالجواز: أن قاعدة الشرع [تقتضي] (3) مراعاة المصالح والحكم، فإذا استثنى الشارع صورة لمصلحة، ثم وجدت صورة أخرى تشاركها في تلك المصلحة وجب إثبات الحكم (4) لها؛ تكثيرًا للمصلحة (5).
قال المؤلف في الشرح: ومراعاة المصالح أولى من مراعاة العموم؛ فإن إبقاء (6) العموم على عمومه اعتبار لغوي، ومراعاة المصالح اعتبار شرعي، والشرع مقدم على اللغة (7).
...
__________
(1) المثبت بين المعقوفتين من ز وط، ولم يرد في الأصل.
(2) انظر حجة المنع في شرح التنقيح للقرافي ص 229.
(3) المثبت بين المعقوفتين من ز، ولم يرد في الأصل، وفي ط: "تقضي".
(4) في ط وز: "ذلك الحكم".
(5) انظر حجة الجواز في: شرح التنقيح للقرافي ص 230.
(6) في ط: "بقاء".
(7) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 230.
(3/396)

الفصل السابع في الفرق بينه وبين النسخ والاستثناء (1)
ش: لما اشتركت هذه الأشياء الثلاثة في الإخراج احتاج المؤلف إلى الفرق بينها، ذكر المؤلف في هذا الفصل ثلاث مسائل:
الأولى: في الفرق بين التخصيص، والنسخ.
المسألة الثانية: في الفرق بين التخصيص، والاستثناء.
المسألة الثالثة: في الفرق بين التخصيص، والاستثناء، والنسخ.
أما الفرق بين التخصيص والنسخ (2)، وهو المسألة الأولى، فقد فرق المؤلف (3) بينهما بثلاثة أوجه:
أحدها: [أن التخصيص لا يكون إلا فيما يتناوله اللفظ، بخلاف النسخ فإنه يكون في الأمرين، أي يكون فيما يتناوله اللفظ، ويكون فيما يتناوله الفعل، أو الإقرار، أو القرائن (4).
__________
(1) انظر هذا الفصل في: شرح التنقيح للقرافي ص 230 - 232، شرح التنقيح للمسطاسي ص 122، 123، التوضيح شرح التنقيح لأحمد حلولو ص 196، 197.
(2) انظر: الفرق بين التخصيص والنسخ في: شرح التنقيح للقرافي ص 220، شرح التنقيح للمسطاسي ص 122، المحصول ج 1 ق 3 ص 9 - 11.
(3) "المؤلف" ساقطة من ز.
(4) في ز: "والإقرار والقرائن".
(3/397)

الوجه الثاني: أن التخصيص لا يكون إلا قبل العمل، بخلاف النسخ فإنه يجوز قبل العمل وبعده (1)].
ش: وإنما كان التخصيص لا يكون إلا قبل العمل، ولا يكون بعد العمل بالعام؛ لأن التخصيص بيان المراد (2)، بخلاف النسخ، فإنه إبطال المراد، فإذا حصل العمل علم أنه مراد، فالواقع بعد ذلك: إبطال ونسخ لذلك المراد، ويكون النسخ أيضًا قبل (3) العمل إذا علم أن مدلول اللفظ مراد.
مثال (4) النسخ قبل العمل، كأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه (5)، كما في قوله تعالى: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} (6).
ومثال النسخ بعد العمل: كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، كما في قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (7).
الوجه الثالث أنه: (يجوز (8) نسخ شريعة بأخرى (9) ولا يجوز تخصيصها بها).
__________
(1) في أوش: "أن التخصيص لا يكون إلا فيما يتناوله اللفظ، بخلاف النسخ، ولا يكون إلا قبل العمل، بخلاف النسخ، فإنه يجوز قبل العمل وبعده".
(2) في ز: "بيان المراد من غير المراد".
(3) المثبت من ط، وفي الأصل وز: "فضل".
(4) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "مثل".
(5) في ز: "كأمر الله تعالى بذبح ابنه إبراهيم عليه السلام، كما في ... " إلخ، وهو يخل بالمعنى.
(6) آية رقم 102 من سورة الصافات.
(7) آية رقم 144 من سورة البقرة.
(8) في أوخ وش: "ويجوز".
(9) في ط: "بعد أخرى".
(3/398)

ش: يعني: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى (1) في بعض الفروع خاصة، ولا يجوز في العقائد الدينية، ولا في الكليات الخمس، وهي: حفظ النفوس، والأديان، والأنساب، والعقول، والأموال، مع جوازه في الجميع عقلاً، غير أنه لم يقع.
فإذا قيل: شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع، فمعناه: في بعض الفروع خاصة كنكاح الأختين، فإنه جائز قبلنا، ثم نسخ ذلك في شريعتنا، كما قاله ابن العربي في أحكام القرآن (2) في قوله تعالى (3): {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} (4).
قوله: (ولا يجوز تخصيصها) أي: لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى مطلقًا، أي: لا تخصص (5) المتقدمة بالمتأخرة، ولا تخصص (6) المتأخرة بالمتقدمة، وإنما لا تخصص المتقدمة بالمتأخرة؛ لأن التخصيص بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وإنما لا تخصص المتأخرة بالمتقدمة؛ فإن عادة الله تبارك وتعالى ألا يخاطب قومًا إلا بما يتعلق بهم خاصة، فلو كان في الشريعة المتقدمة ما يكون بيانًا وتخصيصًا للمتأخرة لكانوا مخاطبين بما لا (7) يتعلق بهم، وهذا كله عادة ربانية لا وجوب عقلي.
__________
(1) "أخرى" ساقطة من ز.
(2) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 380.
(3) "تعالى" لم ترد في ط.
(4) آية رقم 23 من سورة النساء.
(5) في ط: "تخصيص".
(6) في ط: "ولا تخصيص".
(7) "لا" ساقطة من ط.
(3/399)

قوله: (والاستثناء مع المستثنى منه كاللفظة (1) الواحدة الدالة على شيء واحد (2)، ولا يثبت بالقرينة الحالية، ولا يجوز تأخيره، بخلاف التخصيص).
ش: هذه هي المسألة الثانية: في الفرق (3) بين التخصيص والاستثناء (4)، فرق المؤلف (5) بينهما بثلاثة أوجه أيضًا:
أحدها: أن الاستثناء لا يستقل بنفسه عن المستثنى منه؛ لأن الاستثناء والمستثنى منه كاللفظة الواحدة الدالة على معنى واحد وهو الباقي بعد الاستثناء؛ ولأجل هذا قال القاضي أَبو بكر: الخمسة لها عبارتان:
إحداهما (6): خمسة.
والأخرى: عشرة إلا خمسة (7).
قال المؤلف في الشرح: تعليل (8) الاستثناء بعدم الاستقلال بنفسه، يلزم مثله في التخصيص بالشرط، والصفة، والغاية، لكن لم يذكروه إلا في
__________
(1) في أ: "كاللفظ الواحد".
(2) المثبت من أوخ وش وط وز، وفي الأصل: "واحدة".
(3) في ط: "بالفرق".
(4) انظر: الفرق بين التخصيص والاستثناء في: شرح التنقيح للقرافي ص 230، 231، شرح التنقيح للمسطاسي ص 123، المحصول ج 1 ق 3 ص 11، 12، فواتح الرحموت 1/ 300.
(5) "المؤلف" ساقطة من ط.
(6) في ز: "أحدهما".
(7) انظر قول القاضي أبي بكر في: شرح التنقيح للقرافي ص 231.
(8) في ط: "وتعليل".
(3/400)

الاستثناء (1).
الوجه الثاني: أن الاستثناء لا يثبت بالقرائن الحالية، أي: لا يثبت إلا باللفظ، ولا يثبت بالقرينة، فإذا قال رجل لفلان: له عندي عشرة، ودلت القرينة على أنه أراد إلا (2) خمسة: لزم أن يكون لفظ العشرة قد استعمل في الخمسة مجازًا، وتلك القرينة هي: دليل المجاز وذلك ممنوع؛ لأن المجاز لا يجوز دخوله في ألفاظ العدد، بخلاف التخصيص فإنه يجوز بالقرينة؛ لأن التخصيص مجاز، والمجاز يجوز دخوله في العمومات إجماعًا (3)؛ لاحتمالها (4)، بخلاف ألفاظ العدد؛ لأنها لا تحتمل؛ لأنها نصوصات.
الوجه الثالث: أن الاستثناء لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه، فلا (5) يجوز أن تقول: له عندي عشرة، ثم تقول: بعد يوم إلا اثنين، وإنما لا يجوز ذلك؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه، ولا يجوز (6) أن يفرد بالنطق، وكذلك المخصص المتصل: كالشرط، والاستثناء (7)، والصفة، والغاية؛ لأن كل
__________
(1) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 231.
(2) في ز: "أراد الخمسة".
(3) قول المؤلف رحمه الله: "المجاز يجوز دخوله في العمومات إجماعًا" هذا الكلام فيه نظر؛ لأنه لا دليل على هذا الإجماع، كيف وأن هناك من العلماء من أنكر المجاز، والله أعلم.
(4) المثبت من ط وز: "لاحتمالهما".
(5) في ز: "ولا".
(6) المثبت من ز، وفي الأصل وط: "لا يجوز".
(7) "الاستثناء" ساقطة من ز، وط.
(3/401)

واحد منها لا يستقل بنفسه في الدلالة؛ إذ لا بد من ضمه (1) إلى ما قبله، وأما المخصص المنفصل فلا يمكن جعله مع عامه (2) لفظًا واحدًا لاستقلال كل واحد منهما بنفسه.
قوله: (بخلاف التخصيص) راجع إلى (3) الأوجه الثلاثة، كأنه يقول: والاستثناء مع المستثنى منه كالكلمة الواحدة بخلاف التخصيص، يعني: المخصص المنفصل، ولا يثبت الاستثناء بالقرينة الحالية بخلاف التخصيص، فإنه يثبت (4) بالقرائن (5) الحالية، والاستثناء لا يجوز تأخيره بخلاف التخصيص (6) بالمنفصل.
قوله: (و (7) قال الإِمام: والتخصيص (8) كالجنس للثلاثة (9) لاشتراكهما (10) في الإِخراج، فالتخصيص والاستثناء إِخراج الأشخاص، والنسخ إِخراج الأزمان).
ش: هذه هي المسألة الثالثة، وهي: الفرق بين التخصيص والاستثناء
__________
(1) في ط: "حمله على".
(2) في ط: "عدمه".
(3) "إلى" ساقطة من ز.
(4) في ط وز: "قد يثبت".
(5) في ز: "بالقرينة".
(6) "التخصيص" ساقطة من ط.
(7) "الواو" ساقطة من "خ" و"ز".
(8) "وقال الإمام: والتخصيص" ساقط من أ.
(9) في ز: "الثلاثة".
(10) في أ: "لاشتراكهما".
(3/402)

وبين النسخ.
إنما نسب (1) المؤلف هذه المسألة إلى الإمام، مع أن المسائل المتقدمة كلها للإمام؛ لضعف كلام الإمام في هذه المسألة عند المؤلف.
قوله: (والتخصيص كالجنس للثلاثة)، أراد بالثلاثة: التخصيص، والاستثناء، والنسخ.
اعترض المؤلف هذه العبارة على الإمام فقال: جعل الإمام التخصيص جنسًا لنفسه، والشيء لا يكون جنسًا لنفسه؛ لأن ذلك محال، فقول الإمام: التخصيص جنس (2) للثلاثة يقتضي: أن يكون التخصيص جنسًا لنفسه وهو محال.
الصواب: أن تقول: الإخراج جنس للثلاثة (3): التخصيص، والنسخ، والاستثناء (4).
قوله: (لاشتراكها في الإِخراج) أي (5): لأن الثلاثة مشتركة في مطلق الإخراج.
قوله: (فالتخصيص والاستثناء إِخراج الأشخاص، والنسخ: إِخراج
__________
(1) المثبت من ز وط، وفي الأصل: "بسبب".
(2) في ز: "كالجنس".
(3) في ط: "لثلاثة".
(4) يقول القرافي في شرح التنقيح (ص 231): وأما التخصيص بالمخصص المنفصل فلا يمكن جعله مع العام المخصوص لفظًا واحدًا لاستقلال كل واحد منهما بنفسه.
والصواب: أن نقول: الإخراج جنس للثلاثة: التخصيص، والنسخ، والاستثناء، فإن الشيء لا يكون جنسًا لنفسه، فإذا قلنا: التخصيص جنس للثلاثة لزم أن يكون التخصيص جنسًا لنفسه، وهو محال.
(5) في ز: "أن لأن".
(3/403)

الأزمان).
مثال التخصيص في الأشخاص: قوله عليه السلام: "نهيت عن قتل النساء والصبيان" تخصيصًا لقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (1).
ومثال الاستثناء في الأشخاص: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة.
ومثال النسخ في الأزمان: وقوف الواحد للعشرة في الزمان الأول (2)، ثم نسخ في الزمان الثاني بوقوف الواحد للاثنين (3).
قوله: (فالتخصيص والاستثناء إِخراج الأشخاص، والنسخ إِخراج الأزمان).
هذا في الغالب، وقد يكون التخصيص والاستثناء في الأزمان، وقد يكون النسخ في غير الأزمان.
مثال التخصيص في الأزمان: قولك: ما رأيت فلانًا طول الدهر، ومرادك بالدهر عمرك.
ومثال الاستثناء في الأزمان: ما رأيت (4) فلانًا في جميع الأيام إلا يوم
__________
(1) آية رقم 5 من سورة التوبة.
(2) كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} آية 65 سورة الأنفال.
(3) الناسخ قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} آية 66 سورة الأنفال.
(4) في ط: "قولك: ما رأيت".
(3/404)

الجمعة.
ومثال النسخ في غير الأزمان: أمر الله تعالى لإبراهيم عليه السلام بذبح ابنه؛ لأن ذلك فعل واحد لا يتعدد زمانه، فلا يقبل الإخراج؛ لأن الإخراج من الشيء فرع تعدده بين المخرج والمخرج عنه؛ لأنه لم يخرج منه بعض الأزمنة، وبقي بعضها، بل بطل المأمور به بالكلية، بخلاف وقوف الواحد للعشرة ثبت في بعض الأزمنة، وخرج المستقبل بعدها بالنسخ.
***
(3/405)