Advertisement

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب 004

رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ

تأليف
أبي عَلي حسَين بن علي بن طَلحة الرّجراجي الشوشَاوي
المتوفى سنة 899 ه

تحقيق
د. أَحْمَد بن محمَّد السراح
عضو هَيئة التّدريس بجامعة الإمَام محمَّد بن سعُود الإسلامية

المجلّد الرّابع
مَكْتَبة الرُّشدِ
نَاشِرُون
(4/1)

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1425 ه - 2004 م

مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب 17522 الرياض 11494 - هاتف: 4593451 - فاكس: 4573381
E - mail: alrushd@alrushdryh.com
www.rushd.com

* فرع الرياض: طريق الملك فهد - غرب وزارة البلدية والقروية ت 2051500
* فرع مكة المكرمة: ت: 5585401 - 5583506
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - ت: 8340600 - 8383427
* فرع جدة: مقابل ميدان الطائرة - ت: 6776331
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - ت: 3242214 - ف: 3241358
* فرع أبها: شارع الملك فيصل ت: 2317307
* فرع الدمام: شارع ابن خلدون ت: 8282175

وكلاؤنا في الخارج
* القاهرة: مكتبة الرشد - مدينة نصر - ت: 2744605
* الكويت: مكتبة الرشد - حولي - ت: 2612347
* بيروت: دار ابن حزم ت: 701974
* المغرب: الدار البيضاء/ مكتبة العلم/ ت: 303609
* تونس: دار الكتب الشرقية/ ت: 890889
* اليمن - صنعاء: دار الآثار ت: 603756
* الأردن: دار الفكر/ ت: 4654761
* البحرين: مكتبة الغرباء/ ت: 957823
* الامارات - الشارقة: مكتبة الصحابة/ ت: 5633575
* سوريا - دمشق: دار الفكر/ ت: 221116
* قطر - مكتبة ابن القيم/ ت: 4863533
(4/2)

رفع النقاب
عن تنقيح الشهاب
(4/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(4/4)

الباب السابع
في أقل الجمع
(4/5)

الباب السابع في أقل الجمع (1)
ش: لمَّا كان الجمع المنكَّر (2) لا عموم له على الصحيح، وإنما يحمل على أقل الجمع (3)، احتيج إلى معرفة أقل الجمع، ولذلك قال فخر الدين في المحصول: الكلام في الجمع المنكَّر يتفرع على الكلام في أقل الجمع (4).
__________
(1) بدأ في نسخة ز بسرد متن الباب كله، ثم عاد فوافق النسختين، وهذه عادته كما سنرى في الفصول القادمة حتى الفصل الثامن من باب الخبر.
(2) يعبر عنه أيضًا: بالجمع العاري من الألف واللام، والمقصود به: الجمع الذي لم يستفد التعريف لا بأل ولا بالإضافة، فهو نحو: رجال ومسلمين ومسلمات. انظر: المعتمد 1/ 246.
(3) هو رأي الجمهور خلافًا للجبائي القائل باستغراقه؛ لأنه حمل اللفظ على جميع حقائقه. وحكى القول بالتعميم ابن همام عن طائفة من الحنفية، لكنه جعل خلافهم لفظيًا، وتعقبه ابن عبد الشكور في السلَّم بأن خلافهم معنوي، لأنهم يثبتون الاستغراق للجمع المنكَّر.
وقد حكى صاحب العدة التعميم عن بعض أصحاب الشافعي، ونسب لأحمد الإشارة إليه في رواية صالح، لكن أبا البركات في المسودة وابن اللحام في القواعد اعترضا عليه بأن كلام الإمام في معرف بالإضافة وليس في الجمع المنكَّر.
وقد نصر ابن حزم القول بالاستغراق.
انظر: المعتمد 1/ 246، والتبصرة ص 118، والعدة 2/ 523، والمحصول 1/ 2/ 614، والتحرير لابن همام ص 68، وإحكام ابن حزم 1/ 396، والمسودة ص 106، وتمهيد الإسنوي ص 316، والإبهاج 2/ 115، وقواعد ابن اللحام ص 238، ومسلم الثبوت 1/ 268، وإرشاد الفحول ص 123.
(4) انظر: المحصول للرازي 1/ 2/ 605.
(4/7)

قوله: (في أقل الجمع) (1)
معناه: في بيان أقل مراتب مسمى الجمع (2).
والكلام في هذا الباب (3) في أربعة مطالب:
الأول: في بيان الخلاف في أقل الجمع.
الثاني: في تعيين محل الخلاف.
الثالث: في مستند (4) الخلاف.
الرابع: في (5) الإشكال الذي أورده (6) المؤلف (7).
أما بيان [الخلاف] (8) (9) فقد بينه المؤلف بقوله: قال القاضي أَبو بكر:
__________
(1) ساقط من ط.
(2) قال القرافي في شرحه: فائدة: معنى قول العلماء: أقل الجمع اثنان أو ثلاثة - معناه: أن مسمى الجمع مشترك فيه بين رتب كثيرة، وأقل مرتبة يصدق فيها المسمى هو الاثنان، فيصير معنى الكلام: أقل مراتب مسمى الجمع اثنان أو ثلاثة.
انظر: شرح القرافي ص 236.
(3) "الفصل" في ط وز.
(4) "مسند" في ط.
(5) "بيان" زيادة في ط وز.
(6) "التي أوردها". في الأصل، وهو خطأ، وستأتي العبارة صحيحة في صفحة 28. وقلب الضمائر يقع كثيرًا، ولعله من النساخ كما في هذا الموضع.
(7) انظر: تفصيل هذه المطالب الأربعة في شرح أبي زكريا المسطاسي على تنقيح القرافي صفحة 123 من مخطوط الجامع الكبير بمكناس رقم 352.
(8) ساقط من ز.
(9) انظر: المسألة في: المعتمد 1/ 248، والتبصرة / 128، والبرهان 1/ 348، والمنخول / 148، والمحصول 1/ 2/ 605، وإحكام ابن حزم 1/ 391، وإحكام =
(4/8)

مذهب مالك - رحمه الله -[أن] (1) أقل الجمع اثنان، ووافقه القاضي (2) على ذلك (3)، والأستاذ أَبو إسحاق، وعبد الملك بن الماجشون (4) من أصحابه، وعند الشافعي وأبي حنيفة رضوان الله عليهما ثلاثة، [و] (5) حكاه عبد الوهاب عن مالك.
ش: (6) قال الباجي: القول بالثلاثة هو المشهور عن مالك (7).
وأما تعيين محل [هذا] (8) الخلاف (9)، فاعلم أن هذا الخلاف يستثنى منه ثلاثة أشياء:
__________
= الآمدي 2/ 222، ومفتاح الوصول للشريف التلمساني ص 73، وشرح منار الأنوار/ 93، والتقرير والتحبير 1/ 189، والتلويح 1/ 92، والبحر المحيط (مخطوط) 2/ 40/ أ.
(1) ساقط من أ.
(2) "القاضي أَبو بكر" في ش.
(3) انظر: التبصرة للشيرازي ص 128.
(4) أَبو مروان: عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، والماجشون لقب لأبي سلمة، وقيل: لقب لابنه، ومعناه: حمرة الوجه، وهو بميم مفتوحة فألف بعدها جيم مكسورة، فشين مضمومة، تفقه بأبيه وبمالك وغيرهما، حتى كان مفتي المدينة في زمانه، وعنه أخذ خلق كسحنون وابن حبيب، توفي سنة 212 ه، وقيل: 214 ه.
انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 6/ 407، الديباج المذهب 2/ 6، الوفيات 3/ 166.
(5) ساقط من ط.
(6) في ز لا يوجد: "ش"، ويوجد عوضًا عنها: " ... " ثلاثة نقط وهو اصطلاح للناسخ عند انتهاء الكلام، ولن أشير إليه في المواضع القادمة إلا عند الحاجة.
(7) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 161، وانظر: المسطاسي ص 123، من مخطوط جامع مكناس رقم 352.
(8) ساقط من ز.
(9) انظر: المسطاسي ص 123 من المخطوط رقم 352 بالجامع الكبير بمكناس.
(4/9)

أحدها: ضمير المتكلم إذا نوى به نفسه وغيره، نحو قولك: قلنا (وفعلنا) (1)، فإنه لا خلاف أنه يصدق (2) على الاثنين (3) اتفاقًا (4).
[وكذلك] (5) (6) صيغة [الجمع] (7)، التي هي الجيم والميم والعين، وهو (8) مجموع هذه الحروف الثلاثة، فلا خلاف أيضًا، أنها (9) تصدق على اثنين (10) اتفاقًا (11) (12)؛ لأن الجمع لغة ضم شيء (13) إلى شيء (14) (15)، وذلك حاصل في اثنين من غير خلاف.
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "يقصد" في ط.
(3) "اثنين" في ز.
(4) انظر: المنخول ص 149، والبرهان فقرة / 352، والتقرير والتحبير 1/ 190.
(5) ساقط من ز.
(6) "والصورة الثانية" زيادة في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "وهي" في ط.
(9) "أنها أيضًا" في ز. بالتقديم والتأخير.
(10) "الاثنين" في ط.
(11) انظر: إحكام الآمدي 2/ 222، وتمهيد الإسنوي ص 316، والمعتمد 1/ 248، والبرهان فقرة / 352، وتحرير ابن الهمام ص 70، وقواعد ابن اللحام ص 238، والتقرير والتحبير 1/ 190.
(12) وكذلك صيغة الجمع زيادة في ز.
(13) الشيء في ط.
(14) الشيء في ط.
(15) انظر: اللسان، والتاج، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس.
كلها في مادة: جمع.
(4/10)

وكذلك الإقرار [كما] (1) إذا قال: له عندي دراهم أو دنانير، فإنه يحمل على الثلاثة، ولا يحمل على الاثنين اتفاقًا.
وقد حكى الغزالي في المنخول الإجماع في هذه الصورة (2)، قال شرف الدين في شرح المعالم (3): أراد الغزالي إجماع الأئمة المشهورين؛ لأن صاحب الشامل (4) نقل عن بعض الفقهاء أنهم ينزلونه (5) على ............
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: المنخول ص 150.
وعلى هذا عامة الفقهاء، وقد أشير إلى الخلاف في حمله على الثلاثة في الإنصاف والمبدع، وشرح الدردير الصغير، وذكروا رأيًا بحمله على أكثر من الثلاثة، انظر: تبيين الحقائق 5/ 6، والمبسوط 18/ 97، وحاشية الدسوقي 3/ 407، والأم 3/ 215، وأسهل المدارك 3/ 83، والخرشي على مختصر خليل 6/ 95، وبدائع الصنائع 7/ 219، والمبدع 10/ 359، والإنصاف 12/ 212، والشرح الصغير 4/ 707، وانظر: المسطاسي ص 123 من مخطوط مكناس رقم 352.
(3) المعالم في أصول الفقه كتاب مشهور للرازي طبع قديمًا، حققه أخيرًا موسى أَبو الريش في الأزهر، شرحه: أَبو الحسين الأرموي، ت 757 ه, وشرف الدين المناوي ت 757 ه. وشرف الدين ابن التلمساني ت 644 ه.
انظر كشف الظنون 2/ 1727، وشرح شرف الدين يوجد مصورًا على ميكروفيلم، في مركز البحث بجامعة أم القرى برقم / 61.
(4) صاحب الشامل المراد هنا هو أَبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، المعروف بابن الصباغ، فقيه شافعي مشهور، بل كان فقيه العراقين في وقته، وكان يضاهي أبا إسحاق الشيرازي، توفي سنة / 477 ه ببغداد، له كتاب الشامل في الفقه من أجود كتب الشافعية وأثبتها، وله تذكرة العالم، والعدة، في أصول الفقه.
انظر ترجمته في: طبقات ابن السبكي 3/ 230، والوفيات 3/ 217، وطبقات ابن هداية الله ص 173.
(5) "يزلونه" في ط.
(4/11)

الاثنين (1) (2) (3) (4)، قال إمام الحرمين في التلخيص (5): فائدة (6) الخلاف تظهر فيما إذا أوصى لمساكين (7) هل تعطى وصيته لاثنين/ 190/ أو لثلاثة (8)؟
وقال في البرهان: إذا أوصى بدراهم أو أقر بدراهم هل يحمل على الاثنين أو على الثلاثة؟ قولان. سبب الخلاف: هو الخلاف في أقل
__________
(1) "اثنين" في ط.
(2) انظر: شرح الإملاء على معالم أصول الفقه للرازي، تأليف شرف الدين ابن التلمساني لوحة / 48، مخطوط مصور على مايكروفيلم مركز البحث بجامعة أم القرى برقم/ 61.
(3) لا أعرف أن كتب صاحب الشامل الأصولية يوجد شيء منها. وقد نقل التلمساني كلام صاحب الشامل، فانظر: المصدر السابق.
(4) انظر: المسطاسي ص 123، من مخطوط مكناس رقم 352؛ حيث أشار للصور الثلاث، ثم نقل الإجماع عن الغزالي، وأشار إلى تأويل شرف الدين، والنقل عن صاحب الشامل.
(5) كتاب مشهور لإمام الحرمين، طبع أخيرًا، يسمى تلخيص التقريب والإرشاد، والتقريب والإرشاد كتاب للباقلاني. ويوجد في معهد المخطوطات، فيلم مصور باسم التلخيص، برقم/ 33، وبعد مطالعته تبين أن اسمه كتاب المجتهدين، ولعله جزء من البرهان، وهو مصور عن مكتبة أحمد الثالث بتركيا.
انظر: طبقات ابن السبكي 3/ 253، وكشف الظنون 1/ 70، وهدية العارفين 1/ 626.
(6) "وفائدة" في ط.
(7) "المساكين" في ز.
(8) انظر: العبارة بمعناها في التلخيص للجويني الورقة/ 90 ب من المخطوط رقم / 358، مصور فيلميًا بجامعة أم القرى عن مكتبة جامع المظفر بتعز.
(4/12)

الجمع (1) (2).
وأما مستند الخلاف المذكور في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة؟ فلكل فريق حجج احتج بها على مذهبه.
فأما من قال: أقل الجمع اثنان، فاحتج بوجوه (3):
أحدها: قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} (4)، أراد يوسف وأخاه (5)، فأطلق ضمير الجماعة على التثنية (6).
وثانيها: قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} (7)، فأطلق ضمير الجماعة على
__________
(1) أورد الجويني هذا المثال بلفظ آخر ولم يسلمه؛ إذ جعل الرد لاثنين أو لثلاثة أو حتى لواحد تابعًا للتأويل والقرينة، أما مطلق اللفظ دون قرينة فإنه يرى فيه العموم؛ لأنه قال بعد المثال: ولا أرى الفقهاء يسمحون بهذا. انظر: البرهان فقرة 351 - 357.
وانظر: المسودة ص 150؛ فإن فيها مناقشة حسنة للجويني، وانظر: قواعد ابن اللحام ص 239.
(2) نقل الجويني الإجماع هنا بضعف الإجماع الذي حكاه الغزالي في المسألة.
(3) انظر: الحجة الثانية، والخامسة والسادسة والتاسعة والعاشرة في شرح القرافي 335 - 336. وانظرها جميعًا عدا الرابعة والثامنة في: المسطاسي 123 - 124 من المخطوط رقم 352 بمكناس.
وانظر: المعتمد 1/ 248، والمحصول 1/ 2/ 607، وإحكام ابن حزم 1/ 391، وإحكام الآمدي 2/ 222، وشرح المنار/ 93.
(4) سورة يوسف آية رقم 83.
(5) اسمه بنيامين أخ شقيق ليوسف. انظر: تفسير الطبري 16/ 155، البداية والنهاية 1/ 213.
(6) "التنبيه" في الأصل.
(7) سورة الأنبياء آية رقم 78.
(4/13)

التثنية، وهما داود وسليمان.
وثالثها: قوله تعالى -: {قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} (1)، فأعاد ضمير الجماعة في قوله: {مَعَكُمْ} على موسى وهارون.
ورابعها: قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} (2)، فأعاد ضمير الجماعة على التثنية.
وخامسها: قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} (3)، فأعاد ضمير الجماعة على التثنية، ويدل على (4) التثنية قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} (5).
وسادسها: قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} (6).
وسابعها: قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (7)، فجمع (8) القلوب وليس هناك إلا قلبان.
__________
(1) سورة الشعراء آية رقم 15.
(2) سورة الحج آية رقم 19.
(3) سورة ص الآيتان رقم 21، 22.
(4) في ز زيادة: "هذه".
(5) سورة ص الآية رقم 23.
(6) سورة الحجرات الآية رقم 9.
(7) سورة التحريم الآية رقم 4.
(8) "بجمع" في ط.
(4/14)

وثامنها: قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (1)، فإن الأم تحجب عن الثلث إلى السدس بأخوين فأكثر (2)، فأطلق (3) الإخوة على الأخوين، قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه (4).
وتاسعها: قوله عليه السلام: "الاثنان فما فوقهما (5) جماعة".
وعاشرها: أن معنى الجمعية حاصل في اثنين، كما هو حاصل في ثلاثة فأكثر.
أجيب (6) عن الأول: وهو قوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} (7)، أن المراد: يوسف وأخوه والأخ الكبير (8) المشار إليه بقوله (9)
__________
(1) سورة النساء، آية رقم 11.
(2) هذا رأي جماهير الفقهاء عدا ابن حزم.
انظر: المغني 6/ 176، والمحلى 10/ 322، ومنتقى الباجي 6/ 228، وبداية المجتهد 2/ 342، وتبيين الحقائق 6/ 231، وحاشية الدسوقي 4/ 461، وحاشية الجمل 4/ 13، ومغني المحتاج 3/ 10، والخرشي 4/ 200، ومسالك الدلالة ص 333، والشرح الصغير 6/ 376، والمبدع 6/ 127، والإنصاف 7/ 307، والخلاف في المسألة مشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما ومعاذ رضي الله عنهما.
(3) "وأطلق" في ز.
(4) يأتي تخريج هذا الأثر في صفحة 22 من هذا المجلد إن شاء الله.
وانظر: البيهقي 6/ 227، والمستدرك للحاكم 4/ 335.
(5) "فوقها" في ز.
(6) انظر: الإجابات عدا الثانية في المسطاسي ص 123 - 124 من مخطوط مكناس رقم 352.
(7) سورة يوسف آية رقم 83.
(8) قيل: معنى كبيرهم: الأخ الكبير كما قال الشوشاوي، وهو روبيل، قاله قتادة، وقيل: كبيرهم في العقل وهو يهوذا، قاله وهب والكلبي وقيل: رئيسهم وهو شمعون، قاله مجاهد. وقيل: هو لاوي، والأكثرون على أنه روبيل، ذكره الطبري، واختاره، انظر: تفسير الطبري 9/ 241، والقرطبي 16/ 208، وابن كثير 2/ 487، وروح المعاني 13/ 35.
(9) "قوله" في ط.
(4/15)

تعالى: {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} (1).
وأجيب عن الثاني: وهو قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ...} إلى قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} (2)، بأن (3) الضمير يعود على الأربعة، [وهم] (4): الحكمان، والمتحاكمان، أي: [المحكوم له] (5) والمحكوم عليه؛ لأن المصدر يضاف إلى الفاعل، ويضاف إلى المفعول (6)، وقد أضيف ها هنا إليهما معًا، قاله الإمام فخر الدين (7).
قال شرف الدين في شرح المعالم: وفي هذا نظر، لأنه إذا أضيف إلى الفاعل كان موضع المجرور رفعًا (8)، وإذا أضيف إلى المفعول كان موضع المجرور نصبًا، فإذا أضيف إليهما معًا كان المجرور في موضع الرفع والنصب
__________
(1) سورة يوسف آية رقم 80.
(2) سورة الأنبياء آية رقم 78.
(3) "فإن": في ط وز.
(4) ساقط من ط.
(5) ساقط من ط.
(6) الذي يصرح به النحاة أن المصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول، ولم أطلع على رأي يقول بإضافته لهما معًا فى وقت واحد.
انظر: المفصل ص 223، وهمع الهوامع 2/ 92، وشرح التصريح 2/ 61، وشرح الأشموني 2/ 336.
(7) انظر: المحصول 1/ 2/ 610، وانظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان 6/ 330، والإبهاج 2/ 131، وشرح القرافي ص 336.
(8) "رجعا" في ز.
(4/16)

معًا، [وذلك] (1) محال (2).
وأجيب عن الثالث: وهو قوله تعالى: {قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} (3)، [أن] (4) المراد بذلك موسى وهارون وفرعون (5) (6).
قال المؤلف في شرح المحصول (7): وهذا الجواب فيه نظر؛ لأن المراد بالمعية ها هنا معية النصر والمعونة، وذلك لا يصح بالنسبة إلى فرعون (8).
قال بعضهم: ويمكن أن يقال: هو مع موسى وهارون بالنصر والمعونة، وهو مع فرعون بالخذلان والهلاك (9)، والله أعلم.
__________
(1) ساقط من الأصل، وفي شرح المعالم: "وأنه محال".
(2) انظر: شرح المعالم لشرف الدين ابن التلمساني لوحة/ 48، مخطوط مصور فلميًا في مركز بحث أم القرى برقم/ 61.
(3) سورة الشعراء آية رقم 15.
(4) ساقط من ز.
(5) "وصح فرعون" في ز.
(6) فرعون: لقب يطلق على من ملك مصر في عهود قديمة، والمقصود به هذا الملك الذي كان في زمن موسى عليه السلام، وقد ذكرت كتب المؤرخين المسلمين السابقين أن أسمه الوليد بن مصعب، ولعلها تعريب لاسمه كما في موسى وهارون وآسية ومريم ونحوها، والذي عليه كثير من علماء تاريخ مصر المعاصرين أنه مرنبتاح ابن رمسيس الثاني الذي حكم عام 1224 ق. م. وقد ذكر أنه ريان أبا.
انظر: الكامل لابن الأثير 1/ 95، وموسوعة تاريخ مصر 1/ 135.
(7) كتاب للقرافي، شرح به محصول الرازي، وسماه: نفائس الأصول في شرح المحصول، له نسخ، منها واحدة بدار الكتب برقم/ 472، يحقق الآن للدكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. انظر: كشف الظنون 2/ 1615، وهدية العارفين 1/ 99، والمحصول 1/ 1/ 60.
(8) انظر: شرح المحصول المسمى نفائس الأصول للقرافي لوحة رقم/ 129 - ب. مصور فلميًا بقسم المخطوطات بجامعة الإمام برقم/ 9632.
(9) انظر: شرح المسطاسي ص 123، من مخطوط مكناس رقم 352.
(4/17)

وأجيب عن الرابع، وهو قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} (1)، أن الخصم لغة يصدق على الواحد، وعلى الاثنين، و [على] (2) الجماعة؛ لأن العرب تقول: رجل خصم، ورجلان خصم، ورجالٌ خصم، كما يقال: رجل ضيف (3)، ورجلان ضيف (4)، ورجالٌ ضيف (5) (6) (7).
وأجيب عن الخامس: وهو قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) [إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ] (8)} (9)، أن الخصم يصدق لغة على الواحد، وعلى الاثنين، وعلى الجماعة، مثل الجواب الذي قبله.
وأجيب عن السادس: وهو قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} (10)، أن الطائفة جماعة، والطائفتان جماعتان، والجماعة (11) جمع بالضرورة (12).
__________
(1) سورة الحج آية رقم 19.
(2) ساقط من ط.
(3) "ضعيف" في ط.
(4) "ضعيف" في ط.
(5) "ضعيف" في ط.
(6) انظر: القاموس المحيط، واللسان، مادة: ضيف.
(7) ذكر القرافي هذا جوابًا للحجة الخامسة وهي: قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}، وأضاف: فلما كان الخصم يطلق واحده على الجمع أطلقت تثنيته على الجمع. انظر: الشرح ص 336.
(8) ساقط من ط وز.
(9) سورة ص الآيتان رقم 21، 22.
(10) سورة الحجرات الآية رقم 9.
(11) "والجماعتان" في ط.
(12) انظر: شرح القرافي ص 336.
(4/18)

وأجيب عن السابع: وهو قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (1)، أن القاعدة العربية أن كل شيء أضيف إلى شيء هو (2) بعضه ليس في الجسد منه إلا واحد كان فيه للعرب ثلاث (3) لغات نحو رؤوس الرجلين وقلوبهما: الأولى التثنية وهي (4) الأصل، والجمع وهي (4) الأكثر، والإفراد وهي (4) الأقل (5).
فيقال (6) [على لغة] (7) التثنية: رأيت رأسي (8) رجلين، وعلى لغة الإفراد: رأيت رأس رجلين، وعلى لغة الجمع: رأيت رؤوس رجلين، واللغة الفصيحة منها: هي لغة الجمع، كما في قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ
__________
(1) سورة التحريم الآية رقم 4.
(2) "فهو" في ز.
(3) "ثلاثة" في ط وز.
(4) "وهو" في ز. في المواضع الثلاثة.
(5) انظر: المفصل ص 187، وتفسير البحر المحيط 8/ 291، قال أبو حيان: والإفراد لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر كقوله: حمامة بطن الواديين، يريد بطني. اه.
والشوشاوي وافق مذهب ابن مالك؛ لأنه قال في شرح الكافية الشافية: ويجوز في المضاف أن يجمع وأن يوحد وأن يثنى، والجمع أجود، والثاني (أي الإفراد) أجود من الثالث؛ لأن الثالث لم أره في غير الشعر، وأما الثاني فوارد في النثر والنظم. اه.
ثم ساق أمثلة كثيرة لذلك، وقد ذهب لمثل هذا في التسهيل.
قال السيوطي في الهمع: ورد فيه الجمع والإفراد والتثنية ... فطرد ابن مالك قياس الجمع والإفراد أيضًا لفهم المعنى، وخص الجمهور القياس بالجمع وقصروا الإفراد على ما ورد. اه.
انظر: شرح الكافية الشافية 4/ 1787، والمساعد على تسهيل الفوائد 1/ 71، همع الهوامع 1/ 51.
(6) "فيقال في" في ط.
(7) ساقط من ط.
(8) "رأسا" في الأصل وز، وهي لغة في المثنى بإلزامه الألف في الثلاث، لكن لم يجر عليهما في الكتاب، فأثبت الشائع. انظر: شرح التصريح 1/ 67.
(4/19)

قُلُوبُكُمَا} (1).
وإنما تركوا التثنية التي (2) هي الأصل ها هنا لاستثقال اجتماع تثنيتين في كلمة واحدة (3)، [ولأجل هذا يقول النحاة] (4): كل شيئين من شيئين [مضافين] (5) إلى شيئين (6) [فلك فيهما الجمع والتثنية والإفراد، مثاله: رؤوس الزيدين ورؤوسهما] (7) (8).
وإنما رجحوا لغة الجمع على لغة الإفراد؛ لأن الانتقال من التثنية التي هي الأصل إلى الجمع أولى من الانتقال إلى الإفراد؛ لما بين التثنية والجمع من المناسبة لاشتراكهما في معنى الضم والاجتماع، والواحد لا ضم ولا جمع فيه (9).
وقولنا (10): ليس في الجسد منه إلا واحد، احترازًا مما إذا (11) كان في
__________
(1) سورة التحريم آية رقم 4.
(2) "وإن كانت" في ز.
(3) انظر: البحر المحيط لأبي حيان 8/ 291، وهمع الهوامع 1/ 51.
(4) ساقط من ط.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "الشيئين" في ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(8) لم أجد العبارة في كتب النحو التي راجعتها. وقد نسبها ابن حزم في الإحكام إلى النحاة، فقال: وقد نقل النحويون هذا الباب وقالوا: إن كل اثنين من اثنين، فإنه يخبر عنهما كما يخبر عن الجمع. اه.
انظر: الإحكام 1/ 392، وانظر: الإبهاج 2/ 131.
(9) قال أَبو حيان في تفسيره: عدلوا إلى الجمع؛ لأن التثنية جمع في المعنى. اه.
انظر: تفسير البحر المحيط 8/ 291.
(10) "وقلنا" في ط.
(11) "إذ" في الأصل.
(4/20)

الجسد أكثر من واحد، فلا يجوز جمعه، فلا تقول (1): رأيت أعين (2) الرجلين (3) وأنت تريد عينيهما، لما في ذلك من اللبس؛ لأن ذلك يوهم أنك رأيت جميع أعينهما (4)، بخلاف قولك: رأيت رؤوسهما أو ظهورهما أو بطونهما أو قلوبهما (5)؛ إذ ليس ها هنا (6) [لبس] (7) فيما إذا لم يكن للواحد من ذلك إلا شيء واحد./ 191/
وقولنا: هو بعضه، احترازًا مما إذا لم يكن بعضه، كقولك: رأيت غلامي رجلين، فلا يجوز الجمع؛ لأنه تثنية أجنبية مضافة (8)، فلم تستثقل (9) العرب إلا اجتماع تثنيتين في الشيء الواحد ليس أحدهما أجنبيًا، حتى كأن الواحد يثنى مرتين، وأما الأجنبيان فهما شيئان في شيئين، فلم (10)
__________
(1) "تقل" في ط.
(2) "أعيذ" في ز.
(3) "الزيدين" في ط وز.
(4) تعددت آراء النحاة في هذه المسألة، فالزمخشري يرى جوازه في المتصلين عمومًا، ولو كان في الجسد منه أكثر من واحد، واستشهد بقوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، والفراء وابن مالك جعلاه مقرونًا بالأمن من اللبس حتى ولو لم يكن متصلاً، ومثلا له بالسيف والبيت، وبعضهم جعل ذلك خاصًا بالجوارح سماعًا عن العرب، لا يقاس عليه، ونصر هذا ابن حزم.
انظر: المفصل ص 187، وإحكام ابن حزم 1/ 392، وشرح الكافية الشافية 4/ 1790، والمساعد لابن عقيل 1/ 72، وهمع الهوامع 1/ 51.
(5) "وقولو بهما" في ز.
(6) "هنا" في ط.
(7) ساقط من الأصل.
(8) وقد أجازه ابن مالك عند أمن اللبس كما مر بنا قريبًا.
انظر: شرح الكافية الشافية 4/ 1790، والمفصل ص 189.
(9) "يستثقل" في ز.
(10) "ولم" في ز.
(4/21)

تستثقل (1) العرب ذلك (2).
وأجيب عن الثامن: وهو قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (3) أنه معارض بقول (4) ابن عباس [لعثمان] (5) رضي الله عنهما حين رد عثمان الأم من الثلث إلى السدس بأخوين: قال الله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (3)، وليس الأخوان إخوة في لسان قومك. فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرًا كان قبلي وتوارثه (6) الناس (7).
فلما لم ينكر عليه عثمان وعدل إلى التأويل [دل] (8) على أن الأخوين ليسا (9) إخوة حقيقة (10).
__________
(1) "يستثقل" في ز.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 224، والإحكام لابن حزم 1/ 392، والمستصفى 1/ 93، وجمع الجوامع 1/ 419، وانظر: همع الهوامع للسيوطي 1/ 51.
(3) سورة النساء آية رقم 11.
(4) "لقول" في ط.
(5) ساقط من الأصل.
(6) في ط: "كوارث"، وفي ز: "وتراثرت".
(7) روى هذا الأثر: الحاكم في المستدرك 4/ 335، وعنه رواه البيهقي 6/ 227، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي. إلا أن ابن حجر في التلخيص 3/ 85، قال: فيه نظر، فإن فيه شعبة مولى ابن عباس وقد ضعفه النسائي. اه.
وانظر: الميزان 2/ 274، والكاشف 2/ 11، والتاريخ الكبير 4/ 243. وقد عارض هذا الحديث حديث زيد بن ثابت الذي رواه الحاكم في المستدرك 4/ 335 وصححه ووافقه على تصحيحه الذهبي. انظر: إرواء الغليل 6/ 122.
(8) ساقط من ط.
(9) "ليس" في ط.
(10) انظر: اللمع للشيرازي ص 89، والمنخول ص 148، وإحكام ابن حزم 1/ 394، والعضد على ابن الحاجب 2/ 105، والتقرير والتحبير 1/ 190.
(4/22)

وأجيب عن التاسع: وهو قوله عليه السلام "الاثنان فما فوقهما (1) جماعة" (2) بأن المراد الحكم الشرعي الذي هو فضيلة الجماعة؛ يعني: أن فضيلة الجماعة تحصل للاثنين (3)، وليس المراد به المعنى اللغوي؛ لأنه عليه السلام بعث لتبيين الشرعيات (4) لا لتبيين اللغويات (5).
وجواب ثان: أن لفظ الجماعة لفظ مفرد (6) وليس (7) بمحل (8) النزاع؛ إذ لا خلاف أن هذا اللفظ يطلق (9) على الاثنين، وإنما الخلاف في صيغ الجموع (10) نحو: رجال ودراهم ودنانير ونحوها (11) (12).
وجواب ثالث: أن هذا الحديث غير صحيح، قاله ابن حزم (13) (14) وهو
__________
(1) "فوقها" في ز.
(2) سبق تخريج الحديث.
(3) "الاثنين" في ز.
(4) "الشرائع" في ز.
(5) انظر: المعتمد 1/ 249، والتبصرة ص 130، والمحصول 1/ 2/ 613، وروضة الناظر/ 232، وإحكام الآمدي 2/ 224، وشرح القرافي ص 336، والعضد على ابن الحاجب 2/ 105، وشرح المنار/ 93.
(6) "المفرد" في ط.
(7) "ليس" في ط.
(8) "بحمل" في الأصل.
(9) "مطلق" في ط.
(10) "المجموع" في ط.
(11) "ونحوهما" في ط.
(12) انظر: شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 107، ومسلم الثبوت 1/ 271.
(13) "حازم" في الأصل.
(14) أَبو محمد: علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، ولد بقرطبة سنة 384 ه، وطلب العلم حتى فاق أهل زمانه، وكان شافعيًا ثم انتقل إلى مذهب داود الظاهري، فنشر =
(4/23)

من الحفاظ (1) المحدثين (2).
وأجيب عن العاشر: وهو أن معنى الجمع حاصل في اثنين (3) كما هو حاصل في ثلاثة فأكثر، بأن (4) حصول الاجتماع في اثنين ليس بمحل النزاع؛ إذ يحصل (5) ذلك المعنى في الاثنين باتفاق.
وإنما النزاع في ألفاظ الجموع؛ هل تصدق على الاثنين (6) حقيقة أم لا؟ فأين أحدهما من الآخر؟! (7).
وأما من قال: أقل الجمع ثلاثة فاحتج بوجوه (8):
__________
= المذهب ودافع عنه حتى هاجم العلماء وبسبب هذا طرد من مجالس الملوك والإقامة في الديار العامرة، حتى توفي بقرية على البحر سنة 456 ه، كان متفننًا خاض غمار كثير من العلوم، وصنف ما يزيد على أربعمائة مجلد؛ أهمها: المحلّى في الفقه، والإحكام في الأصول، والفصل في الملل.
انظر: بغية الملتمس ص 403، ووفيات الأعيان 3/ 325، والبداية والنهاية 12/ 91، وتذكرة الحفاظ 3/ 1146، وشذرات الذهب 3/ 299.
(1) "ألفاظ" في ز.
(2) انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 391؛ حيث ساق إسنادين وحكم بضعفهما.
(3) "الاثنين" في ط.
(4) "فإن" في الأصل.
(5) "يجعل" في ز.
(6) "اثنين" في ط وز.
(7) انظر: المعتمد 1/ 249، والمحصول 1/ 2/ 613، وشرح القرافي ص 236، وقواعد ابن اللحام ص 238، وفواتح الرحموت 1/ 271.
(8) انظر: المعتمد 1/ 248، والتبصرة ص 128، واللمع ص 88، والمنخول ص 149، 150، والمحصول 1/ 2/ 606، وإحكام ابن حزم 1/ 395، وإحكام الآمدي 1/ 190، والتقرير والتحبير 1/ 190. وانظر: شرح القرافي ص 235؛ حيث ذكر الحجتين: الأولى والثانية، وانظرها جميعًا في المسطاسي ص 124، من مخطوط مكناس رقم 352.
(4/24)

أحدها: أن الزائد على الاثنين هو المتبادر إلى الذهن عند سماع صيغ الجمع، فإذا قال (1): عندي (2) دراهم (3) فلا يفهم منه السامع إلا ثلاثة فأكثر، والسبق إلى الفهم دليل الحقيقة (4).
وثانيها: أن العرب فرقت بين التثنية والجمع ظاهرًا ومضمرًا (5).
فقالوا: رجلان ورجال، وضربا وضربوا، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
وثالثها: اتفاقهم في صورة الإقرار، فيلزم ذلك في غيرها.
ورابعها: أن صيغة الجمع لا تنعت بالتثنية.
وخامسها: أن (6) ابن عباس رضي الله عنه [قال] (7) لعثمان بن عفان حين حجب الأم عن (8) الثلث إلى السدس بأخوين (9): ليس الأخوان بإخوة في لسان قومك (10).
__________
(1) "قيل" في ط وز.
(2) "عنده" في ط.
(3) "أو دنانير" زيادة في ط وز.
(4) قال القرافي في شرحه مقررًا هذا الدليل: إنه المتبادر للفهم عرفًا، فوجب أن يكون لغة كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير. اه. انظر: الشرح ص 235.
(5) "أو مضمرًا" في ز.
(6) "قول" في ط وز.
(7) ساقط من ط وز.
(8) "من" في ز.
(9) "بالأخوين" في ز.
(10) سبق تخريجه.
(4/25)

أجيب عن الأول (1) الذي هو التبادر (2) إلى الذهن دليل الحقيقة: بأن ذلك باطل بالمجاز الراجح؛ لأنه المتبادر إلى الذهن وليس مع ذلك بحقيقة (3).
وأجيب عن الثاني (4) الذي هو تفريق العرب بين التثنية والجمع ظاهرًا ومضمرًا (5) بأن يقال: إن ادعيتم (6) أن العرب فرقت بينهما في اللفظ، فهذا متفق عليه وليس محل النزاع، وإن ادعيتم أن العرب فرقت بينهما في المعنى وأن مسمى الجمع لا يطلق على مسمى الاثنين فهو محل النزاع.
وأجيب عن الثالث الذي هو صورة الإقرار: بأنه قياس في اللغة، واللغة لا تثبت بالقياس، وإنما تثبت (7) بالنقل عن أربابها (8)، وأيضًا هو
__________
(1) لم يورد القرافي إجابات عن أدلة هذا الفريق مما يوحي بقوله بالثلاثة، بخلاف الشوشاوي الذي أورد حجج وإجابات الفريقين، وهذا صنيعه في أكثر المواطن الخلافية في الكتاب؛ حيث لا يرجح ولا يميل مع رأي معين، وإنما يقف موقف الحياد، ويجعل القارئ أمام الأدلة والردود، وهذا صنيع المسطاسي في شرحه؛ حيث أورد في هذا الموضع الأدلة والردود لكلا الفريقين، إلا إني لم أتبين فيه الخامس من هذه الأجوبة لوجود تآكل في أعلى الورقة، فانظر: شرح المسطاسي ص 124، 125، من مخطوط مكناس رقم 352، وانظر لهذه الإجابات: إحكام الآمدي 2/ 226، والعضد على ابن الحاجب 2/ 106، وفواتح الرحموت 2/ 271.
(2) "المتبادر" في ط وز.
(3) "في ذلك حقيقة" في الأصل.
(4) " أي" زيادة في ز.
(5) "أو مضمرًا" في ز.
(6) "دعيتم" في ط.
(7) "يثبت" في الأصل.
(8) هذا أحد قولي المسألة، وبه قال الباقلاني، والصيرفي، وأبو الخطاب، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، وعليه معظم الشافعية والحنفية. =
(4/26)

محل الخلاف؛ لأن صاحب الشامل نقل الخلاف فيها عن بعض الفقهاء، وقد تقدم ذلك (1).
وأجيب عن الرابع الذي هو: صيغة الجمع لا تنعت بالتثنية: بأن (2) العرب تشترط في النعت المناسبة اللفظية والمعنوية معًا؛ فلا ينعت لفظ التثنية إلا بلفظ التثنية، ولا لفظ الجمع إلا بلفظ الجمع، ولا لفظ الواحد إلا بلفظ الواحد - إنما (3) ذلك لتحصل المناسبة لا لأجل ما ذكرتموه.
__________
= والثاني: جواز إثبات اللغة بالقياس، وبه قال ابن سريج وابن أبي هريرة، وأبو إسحاق الشيرازي، والرازي، وبعض الشافعية وجمهور الحنابلة، وقد رواه الأثرم عن أحمد، قال ابن جني: هو قول أكثر أهل العربية كالمازني وأبي علي الفارسي.
ومحل الخلاف بين الفريقين إنما هو في أسماء الأجناس التي يمكن أن تلحظ في غيرها كالسارق يقاس عليه النباش، والزاني يقاس عليه اللائط، ونحوهما.
أما الأحكام اللغوية: كالرفع، والأعلام: كمحمد، والألقاب: كالفاروق، والصفات: كالعالم، وأسماء الأجناس التي لا تلحظ في غيرها: كالفرس، فالفريقان على منع القياس في جميع ما ذكر.
وسيأتي للمسألة زيادة بيان إن شاء الله في باب القياس الفصل السابع منه، النوع الثاني القياس في اللغات، فانظره صفحة: 446 من المجلد الخامس من هذا الكتاب.
وانظر للمسألة: التبصرة ص 444، واللمع ص 63، والمستصفى 1/ 322، والمنخول ص 71، والبرهان 1/ 172، والمحصول 2/ 2/ 457، و464 حاشية المحقق، وإحكام الآمدي 1/ 57، والإبهاج 3/ 36، ونهاية السول 4/ 44، والعضد على ابن الحاجب 1/ 183، وشرح القرافي ص 413، وجمع الجوامع 1/ 271، وشرح المحلي عليه 1/ 273، ومختصر ابن اللحام ص 49، والتقرير والتحبير 1/ 77، وشرح الكوكب المنير 1/ 223، وفواتح الرحموت 1/ 185، وانظر: الخصائص لابن جني 1/ 357.
(1) انظر: صفحة 11 من هذا المجلد.
(2) "فإن" في ز.
(3) "وإنما" في ط وز.
(4/27)

وأجيب عن الخامس وهو قول ابن عباس: ليس الأخوان بإخوة في لسان قومك: بأن (1) عثمان قال في آخر الحديث: إن قومك حجبوها، قاله أَبو المعالي في التلخيص (2).
وأما بيان الإشكال الذي أورده المؤلف، فإن المؤلف رحمه الله أورد ها هنا سؤال الإشكال؛ وذلك أن السؤال عند أرباب الأصول على قسمين: سؤال الإشكال، وسؤال الخيال، فسؤال الإشكال هو الذي لا جواب له، وسؤال الخيال هو الذي له جواب (3).
وتقرير (4) السؤال الذي أورده المؤلف: أن هذا الخلاف إما أن يكون في صيغة الجمع التي هي الجيم والميم والعين، [أو فيما عداها من] (5) صيغ (6) الجموع كرجال ومسلمين.
فلا يصح أن يكون الخلاف في صيغة الجمع التي هي [مجموع] (7) الجيم والميم والعين، فلو كان الخلاف في هذه الصيغة لما وقع الخلاف في غيرها من
__________
(1) "لأن" في ط.
(2) لم أجد هذه الزيادة في الروايات التي عثرت عليها، لكن وجدت الأثر الذي عن زيد ابن ثابت أنه كان يقول: "الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعدًا" رواه الحاكم 4/ 335، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي على ذلك.
وانظر الحديث حيث سبق تخريجه.
(3) "الجواب" في ط.
(4) "وتقدير" في ط.
(5) ساقط من ط.
(6) "فلو كان الخلاف" زيادة في ط.
(7) ساقط من ط.
(4/28)

صيغ الجموع نحو: رجال ومسلمين؛ فإنه لا يلزم من ثبوت حكم (1) لصيغة، ثبوته لغيرها.
ولا يصح أيضًا أن يكون الخلاف في غير الصيغة المذكورة من (2) صيغ الجموع؛ وذلك أن صيغ الجموع على قسمين: جمع قلة، وجمع كثرة، فلا يصح أن يكون [الخلاف] (3) في جمع الكثرة؛ لأن (4) أقله أحد عشر فلا معنى فيه للخلاف بالاثنين ولا بالثلاثة؛ لأن استعماله في أقل [من] (5) أحد عشر [إنما هو] (6) مجاز، والبحث في المسألة إنما هو في الحقيقة.
ولا يصح أيضًا أن يكون الخلاف في جمع القلة خاصة؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لخصوا جموع القلة بالأحكام مع إنهم لا يفرقون في الأحكام بين جموع القلة وجموع الكثرة / 192/، بل يسوون بينهما في الأحكام كالأقارير (7) والوصايا والأيمان والنذور.
فإنهم يقولون لمن أقر بدراهم: إنه يلزمه ثلاثة دراهم، مع أن صيغة دراهم صيغة جمع كثرة (8)، ويقولون لمن قال (9): عليّ أفلس: إنه يلزمه ثلاثة فلوس أيضًا، مع أن (10) صيغة أفلس جمع قلة.
__________
(1) "الحكم" في ط.
(2) "مع" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "لأنه" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) ساقط من ط.
(7) "كالإقرار" في ط.
(8) "الكثرة" في ط.
(9) "له" زيادة في ط.
(10) "كون" في ط.
(4/29)

فإذا كانوا لا يفرقون بين جمع القلة وجمع الكثرة في الأحكام دل ذلك على أن الخلاف فيما هو أعم من الجمعين (1)، فإذا كان الأمر كذلك صار مرادهم بالخلاف مشكلاً غير معقول (2).
قوله: ([وعندي] (3) أن محل النزاع مشكل؛ فإِنه (4) إِن كان الخلاف في صيغة الجمع، التي هي الجيم والميم والعين، لم يكن (5) إِثبات الحكم لغيرها من الصيغ، وقد اتفقوا على ذلك).
[ش] (6): قوله: "لم يكن إثبات الحكم لغيرها من الصيغ".
كان ها هنا تامة أي: لم يقع ولم يحصل ولم يصح إثبات الحكم لغيرها؛ أي: لغير هذه الصيغة المركبة من الجيم والميم والعين.
ومعنى الكلام: فلو كان الخلاف المذكور إنما هو في هذه الصيغة المركبة من الأحرف الثلاثة لامتنع إثبات الحكم لغيرها من صيغ الجموع، مع أنهم اتفقوا على إثبات الحكم لغيرها من صيغ الجموع المنكَّرة (7)، والإشارة في
__________
(1) "الجميعين" في ط.
(2) انظر: الإشكال في: شرح القرافي: 234 - 235، وفي المسطاسي ص 125 من المخطوط رقم: 352 بجامع مكناس. وقد أشار للإشكال ابن السبكي في جمع الجوامع 1/ 419 والإبهاج 2/ 116، والسعد في التلويح 1/ 94، والفتوحي في شرح الكوكب المنير 3/ 143، وابن عبد الشكور في المسلم 1/ 271، والمطيعي في حاشيته على نهاية السول 2/ 349.
(3) ساقط من الأصل.
(4) "لأنه" في ش.
(5) "لم يكن" في ش وخ.
(6) ساقط من الأصل، وفي ز ثلاث نقاط كما هي عادة الناسخ.
(7) "المنكَّر" في ط.
(4/30)

قوله: "وقد (1) اتفقوا على ذلك"، تعود على إثبات الحكم أي: لأنهم اتفقوا على إثبات حكم (2) الإقرار أو الإيصاء (3) أو النذر أو اليمين على المقر أو الموصي أو الناذر أو الحالف.
فإن من قال: له عليَّ دراهم أو أوصى بها أو نذرها أو حلف بها، فإنه يحكم عليه بثلاثة دراهم (4)، [مع] (5) أن صيغة دراهم ليست بصيغة مركبة من جيم وميم وعين.
قوله: (وإِن كان في غيرها من صيغ الجموع فهي على قسمين: جمع قلة، وهو (6) جمع سلامة (7) مذكرًا أو مؤنثًا (8)، ومن جمع التكسير (9) ما في قول الشاعر:
بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد (10)
__________
(1) "قد" في ز.
(2) "الحكم" في ط.
(3) "والإيصاء" في ط.
(4) حكى ابن اللحام الخلاف فيه بناء على الخلاف في أقل الجمع. انظر: القواعد لابن اللحام ص 239. وانظر: التمهيد للإسنوي ص 317، والمغني لابن قدامة 5/ 174، وراجع تعليق رقم (2) في صفحة 11 من هذا المجلد.
(5) ساقط من ط.
(6) في الأصل: "و"، وفي ط: "وهي".
(7) "السلامة" في ط.
(8) "ومؤنثًا" في الأصل.
(9) "القلة" زيادة في ش:
(10) ذكره السيوطي في الأشباه والنظائر عن بعض النحاة. انظر: الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي 2/ 122.
(4/31)

وجمع كثرة وهو ما عدا ذلك.
فجموع القلة للعشرة (1) فما دون ذلك، وجموع الكثرة لأحد عشر فأكثر) (2).
ش: مثال جمع السلامة: مسلمون ومسلمين ومسلمات ومؤمنات. ضابطه: ما جمع بالواو والنون، أو بالياء والنون أو بالألف والتاء، وقد ذكر بعض النحاة في وضع (3) جمع السلامة هل (4) وضع للقلة أو للكثرة؟ ثلاثة أقوال: ثالثها: وضع للقلة و (5) الكثرة معًا (6).
وذكر المؤلف أن جمع التكسير كله للكثرة إلا أربعة أوزان وهي المذكورة في هذا البيت المتقدم.
مثال أفعل: أفلس وأكلب (7).
ومثال أفعال: أعدال وأحمال (8).
__________
(1) "العشرة" في ط.
(2) انظر: المفصل ص 189، وشرح الكافية الشافية 4/ 1810، 1815، وأوضح المسالك 4/ 182، وشرح ابن عقيل على الألفية 2/ 353، وشرح المفصل لابن يعيش 5/ 9.
(3) "موضع" في الأصل.
(4) "هو" زيادة في ط.
(5) "أو" في ز.
(6) انظر: البديع في علم العربية ص 268، والتبصرة والتذكرة للصيمري 2/ 946.
(7) جمع فَلْس وكَلْب وقد جعله الصيمري قياسًا في القلة. انظر: التبصرة للصيمري 2/ 641، وشرح الكافية الشافية 4/ 1815 - 1816.
(8) جمع عِدْل وحِمْل. وقد جعله الصيمري أيضًا قياسًا في القلة.
انظر: التبصرة والتذكرة للصيمري 2/ 645.
(4/32)

ومثال أفعلة: أرغفة وأغربة (1) (2).
ومثال فعلة: صبية وغلمة وفتية (3).
[وبعد] (4) هذا البيت المذكور بيت آخر وهو هذا:
وبالمسلَّم من أنثى من وذكر ... فتلك ست فلا تنقص ولا تزد (5)
وقول الشاعر: فلا تنقص (6)، إشارة إلى قول ابن السراج القائل: بأن فعلة اسم جمع وليس بجمع تكسير (7).
وقوله: ولا تزد، أشار (8) [به أيضًا] (9) إلى قول من قال: إن هناك (10)
__________
(1) في الأصل وفي ز: "أغرفة". والذي يمثل به النحاة هو ما أثبت من نسخة ط.
(2) جمع رغيف وغراب وقد جعله الصيمري للقلة.
انظر: التبصرة والتذكرة 2/ 659 - 660، وشرح الكافية الشافية 4/ 1823.
(3) جمع صبي وغلام وفتى. انظر: التبصرة والتذكرة للصيمري 2/ 633، 659، 660، وشرح الكافية الشافية 4/ 1825 - 1826.
(4) ما بين المعقوفتين بياض في نسخة ز.
(5) قال السيوطي في الأشباه والنظائر في النحو بعد البيت السابق:
وزاد أبو الحسن علي بن جابر الدباج:
وسالم الجمع أيضًا داخل معها ... في ذلك الحكم فاحفظها ولا تزد
انظره: 2/ 122.
(6) "ولا تزد" زيادة في ط.
(7) انظر: الأصول لابن السراج 2/ 454، 455، ط. العراقية، انظر: أوضح المسالك 4/ 191، وشرح الأشموني 4/ 121.
(8) "إشارة" في ز.
(9) ساقط من ز.
(10) "هنا" في ط.
(4/33)

[أيضًا] (1) خمسة أوزان [هي] (2) من جموع القلة، [وهي] (3):
فُعَل نحو ظُلَم (4)، وفِعَل نحو نِعَم، وَفَعَلَة نحو بَرَرَة، وفِعَلَة نحو قِردَة، وأفْعِلاء نحو أصْدِقَاء (5). فنبه الشاعر على (6) المشهور وأشار إلى الشاذ (7)، ولم يعرج (8) المؤلف إلا على المشهور.
قوله (9): (فجموع القلة للعشرة فما دون ذلك) .. يعني أن جمع القلة موضوع بالحقيقة (10) [للعشرة إلى ثلاثة أو اثنين على الخلاف المذكور في أقل ذلك.
قوله: (وجموع الكثرة لأحد عشر) .. يعني أن] (11) جمع الكثرة
__________
(1) ساقط من ط.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من الأصل.
(4) كلم. في ط.
(5) ذهب الفراء إلى أن نحو: ظلم ونعم وقردة من جموع القلة، ونقل ابن الدهان عن بعضهم أن نحو بررة جمع قلة، ونقل أَبو زكريا التبريزي عن أبي زيد الأنصاري أنه يرى نحو أصدقاء جمع قلة.
قال الأشموني: والصحيح أن هذه كلها من جموع الكثرة.
انظر: شرح الأشموني على الألفية 4/ 121.
(6) "إلى" في ط.
(7) "الشارد" في ز.
(8) "يفرع" في ط.
(9) "وقوله" في ط.
(10) "لأقل من عشرة إلى عشرة و". زيادة في ط.
(11) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4/34)

موضوع بالحقيقة (1) لأحد عشر إلى مالا نهاية له، وقال إمام الحرمين في البرهان: جمع القلة للتسعة (2) فما دون (3). وجمع الكثرة للعشرة فما فوقها (4).
وكذلك ذكره (5) [ابن عبد السلام في قول] (6) ابن الحاجب في كتاب الأيمان، ولو حلف لا كلَّمه (7) أو ليهجرنَّه أيَّامًا أو شهورًا أو سنين فالمنصوص أقل الجمع وخُرِّجَ الدهر؛ لأنه الأكثر (8).
قوله: (جمع (9) القلة للعشرة فما دون ذلك، وجمع الكثرة لأحد عشر فأكثر).
هذا الجمع المحدود بالقلة أو بالكثرة (10) المراد به الجمع المنكَّر، وأما الجمع المعرف المراد به العموم فهو ينصرف (11) [إلى] (12) العموم والاستغراق إلى غير نهاية، ولا يبقى لمسماه أقل ولا أكثر؛ إذ ليس له إلا رتبة
__________
(1) "في الحقيقة" في ط.
(2) "لتسع" في الأصل.
(3) "ذلك" زيادة في ط.
(4) لم أجد هذه العبارة في البرهان، وفيه ما يدل على معناها وهو قول الجويني في البرهان: فمنه ما هو جمع قلة وهو في وضع اللسان لما دون العشرة اه. انظر: البرهان: فقرة 233.
(5) في ط: "ذكرها"، وفي ز: "ذكر".
(6) ساقط من ز.
(7) "لا أكلمه". في ز.
(8) انظر، الفروع لابن الحاجب ورقة 38 - أ، مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 887 د.
(9) "وجمع" في ز.
(10) "الكثرة" في ط وز.
(11) "منصرف" في ط وز.
(12) ساقط من. ط.
(4/35)

[واحدة] (1) وهي العموم.
بخلاف الجمع المنكَّر؛ فإن مسماه الذي هو كونه جمعًا، متردّدٌ بين مراتب مختلفة، وكل واحدة (2) من تلك المراتب يصدق عليها (3) أنها جمع.
فألف رجل جمع، وثلاثة رجال جمع (4) (5).
قوله: (هذا هو نقل العلماء)، يعني (6): هذا نقل العلماء في الفرق بين مراتب الأقل في جمع القلة والكثرة.
قوله: (ثم قد يستعار كل واحد منهما للآخر مجازًا).
ش: يعني أن الجمع الموضوع [للقلة, يجوز استعماله في موضع جمع الكثرة، وكذلك الجمع الموضوع] (7) للكثرة يجوز استعماله في موضع جمع القلة على طريق المجاز، لا على طريق الحقيقة، وهذا الذي قاله المؤلف نص عليه الزمخشري في المفصل (8)، وكذلك ابن الأنباري (9) .................
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "واحد" في الأصل وز.
(3) "على" في ز.
(4) انظر: شرح الكافية الشافية 4/ 1810، وشرح الأشموني 4/ 121.
(5) انظر: شرح القرافي ص 234.
(6) "أن" زيادة في ط.
(7) ساقط من ز.
(8) المفصل في علم العربية للزمخشري، أحد الأصول في علم النحو، أقبل عليه العلماء بالدرس ووضعوا له الشروح والحواشي حتى زادت على العشرين، أهمها شرح ابن الحاجب، وشرح ابن مالك، وشرح ابن يعيش. انظر: كشف الظنون 2/ 1774. وإيضاح المكنون 2/ 530، وأسماء الكتب لعبد اللطيف زادة ص 304.
(9) أَبو بكر: محمد بن القاسم بن بشار النحوي، أخذ عن أبيه وعن ثعلب وغيرهما، =
(4/36)

أيضًا (1).
والعلاقة في هذا المجاز هي الاشتراك في معنى الجمع.
قال صاحب المفصل: يستعار (2) لفظ الجمع للقلة للكثرة، والموضوع للكثرة للقلة (3) (4).
فقوله: (5) "يستعار كل واحد منهما للآخر" يدل على أنه ليس موضوعًا له، فإن المستعار مجاز (6) إجماعًا.
وقال ابن الأنباري: وقد يستعمل كل واحد [منهما] (7) للآخر بسبب اشتراكهما في معنى الجمع (8)، فإبداؤه للعلاقة المصححة ........
__________
= وكان آية في الحفظ والذكاء إلى جانب الصلاح والورع، جلس للتدريس صغيرًا في حياة أبيه، وأخذ عنه خلق كثير، توفي سنة 328 ه، ويعتبر آخر نحاة الكوفة، له: كتاب الأضداد، والهاءات، والمذكر والمؤنث.
انظر: الفهرست ص 112، وتاريخ العلماء النحويين ص 178، وتاريخ بغداد 3/ 181، والوفيات 4/ 341، والشذرات 2/ 315، وتذكرة الحفاظ 3/ 842.
(1) انظر: شرح الكافية الشافية لابن مالك 4/ 1811، وشرح المفصل لابن يعيش 5/ 11، 6/ 25.
(2) "يستعان" في ز.
(3) "للقلة للكثرة" في ز بالتقديم والتأخير.
(4) انظر: المفصل ص 215، وعبارته: وقد يستعار جمع الكثرة في موضع جمع القلة. اه.
وانظر: شرح ابن يعيش على المفصل 6/ 25.
(5) "قوله" في ط.
(6) "مجازًا" في ز.
(7) ساقط من ط.
(8) قد أشار ابن الأنباري إلى أن جمع الكثرة يوضع مكان جمع القلة والعكس، في كتابه المذكر والمؤنث صفحة 675، 681، 682، وقد ذكر في صفحة 683 أن العلة هي الاشتراك في معنى الجمع، قال: فإذا كان الجمع يقع على القليل والكثير بلفظ واحد، ذكَّرت الفعل إذا أردت القليل وأنثته إذا أردت الكثير. اه.
(4/37)

للمجاز (1) دليل المجاز.
مثال استعمال جمع الكثرة/ 193/ في موضع جمع القلة: قوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (2)؛ لأن أصل (3) الكلام: ثلاثة أقراء، فاستعمل قروء (4) الذي هو [(5) (6) وزن فعول وهو] (5) من أوزان الكثرة، في موضع أفعال الذي هو] (6) من أوزان القلة (7).
ومثال (8) استعمال جمع القلة في موضع جمع الكثرة: قوله تعالى: {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا} (9) أي: عيون، فاستعمل أعين (10) [الذي هو على وزن أفعل] (11) في موضع فعول (12).
__________
(1) "للجواز" في ز.
(2) سورة البقرة آية رقم 228.
(3) "صل" في ط.
(4) "فعول" في ط وز.
(5) ساقط من ز.
(6) ساقط من ط.
(7) سيأتي إن شاء الله بعد قليل بيان اختلاف المفسرين والنحاة في سبب إتيان هذا الجمع بهذه الصورة.
وانظر لجواز الاستعمال: الأصول في النحو لابن السراج 2/ 453. ط. العراقية.
(8) "وسال" في ز.
(9) سورة الأعراف آية رقم 179.
(10) "أفعل" في ط وز.
(11) ساقط من ط وز.
(12) وردت أعين في كتاب الله مفردة ومضافة ثنتين وعشرين مرة، ووردت عيون التي هي وزن فعول عشر مرات، وقصر ابن مالك استعمال أفعل موضع فعول على السماع وحكم بشذوذه. انظر: شرح الكافية الشافية 4/ 1816.
(4/38)

قوله: (ثم (1) يستعار كل واحد منهما للآخر) يعني: إذا كان للفظة جمع قلة وجمع (2) كثرة نحو فَلْس وكَلْب؛ لأنه يقال في جمعهما: أفلس [وفلوس] (3) وأكلب وكلاب (4). أما (5) إذا لم يكن للفظة إلا جمع قلة (6) [خاصة] (7) نحو: أعناق جمع عُنُق، أو جمع كثرة خاصة نحو: رجال جمع رجل، فإنه لا يستعمل غيره لعدم وجوده (8) (9).
قوله: (قد (10) يستعار كل واحد منهما للآخر مجازًا) يدل [على] (11) أنه ليس موضوعًا [له] (12)؛ فإن المستعار مجاز إجماعًا، ولهذا استشكل جماعة من المفسرين والنحاة (13) (14) قوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (15)؛ لأن ثلاثة دون العشرة، فالمنطبق عليها أقراء لا قروء، فلم عبر عنه بما لا ينطبق مع إمكان
__________
(1) "قد" زيادة في ط وز.
(2) "وله جمع" في ط.
(3) ساقط من ط.
(4) "كلابة" في ط.
(5) "وأما" في ط وز.
(6) "القلة" في ط.
(7) ساقط من ز.
(8) "وجود غيره" في ط وز.
(9) انظر: شرح الكافية الشافية 4/ 1811، وأوضح المسالك لابن هشام 4/ 183.
(10) "ثم" زيادة في ط وز.
(11) ساقط من ز.
(12) ساقط من الأصل وز.
(13) "من النحاة" في الأصل.
(14) انظر: البحر المحيط لأبي حيان 2/ 186، والنسفي 1/ 114.
(15) سورة البقرة آية رقم 228.
(4/39)

التعبير [عنه] (1) بما ينطبق على الثلاثة (2)؟.
أجيب عنه: بأن هذا من باب الالتفات، فقوله: {ثَلَاثَةَ} إنما هو بالالتفات إلى أفراد (3) المطلقات (4)، وقوله: {قُرُوءٍ}؛ إنما هو بالالتفات (5) إلى مجموع المطلقات (6)، [ومن هذا المعنى قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ}، فالقطع بالدخول باعتبار المجموع، والاستثناء باعتبار الإفراد، فإن منهم من يموت قبل الدخول] (7).
قوله: (والخلاف في هذه المسألة إِنما هو في الحقيقة اللغوية).
ش: هذا تعيين محل النزاع، أتى المؤلف بهذا ليبين أن من قال: محل النزاع هو الحقيقة العرفية [فقوله] (8) باطل؛ لأنه قال في الشرح: وكثير من الفضلاء قال: الجواب عن الإشكال المذكور أن الكلام في هذه المسألة إنما هو في الحقيقة العرفية دون اللغوية؛ لأن العرف (9) سوى بين القسمين،
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 234.
(3) "أقراء" في ط.
(4) في ط وز زيادة: أي كل واحدة من المطلقات. اه. إلا أن في ز: واحد، بدل واحدة.
(5) "الالتفات" في ط.
(6) وقد أجيب أيضًا: بأنه من باب التوسع في الإطلاق.
انظر: تفسير البحر المحيط 2/ 186، وتفسير النسفي 1/ 114، وانظر: شرح المسطاسي ص 125 من مخطوط مكناس رقم 352.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والآية من سورة الفتح آية رقم 27.
(8) ساقط من ط وز.
(9) "لا العرف" في ز.
(4/40)

ولا فرق (1) بين جمع القلة وجمع الكثرة، فلذلك أطلقت الفتيا في القسمين (2) (3).
قال في الشرح: وهذا جواب لا يصح؛ لأن بحث العلماء المهم (4) في أصول الفقه إنما هو الحقيقة اللغوية دون غيرها، كما يقولون: الأمر للوجوب (5)، أو الأمر للتكرار، أو الأمر (6) للفور، أو النهي للتحريم، أو الصيغة للعموم، وغير ذلك من المباحث (7) إنما يريدون بذلك الحقيقة اللغوية، [وهي المهمة في أصول الفقه.
__________
(1) "فيه" زيادة في ط وز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 234.
(3) لم يتعرض أحد ممن سبق القرافي ممن طالعت كتبهم لهذه المسألة، وإنما أشار لها الشيرازي والغزالي كما سبق في قولهما: إذا قال: عليَّ دراهم لزمه ثلاثة.
ورد بعض الأصوليين المسألة إلى العرف، كما فعل ابن السبكي في جمع الجوامع والإبهاج، غير إنه حصر الخلاف في جمع القلة.
أما الآخرون فإنهم قالوا: إن عدم التفريق بين جمع الكثرة وجمع القلة. يدل على أن التفرقة في جانب الزيادة، بمعنى أن جمع القلة مختص بالعشرة فما دونها، وجمع الكثرة غير مختص، لا أنه مختص بما فوق العشرة.
ونفى صاحب المسلم القول بالفرق حتى في جانب الزيادة، واستدل بإجماع الفقهاء على عدم التفريق، وبأن الجمع حقيقة في كل عدد فيصح تفسيره بأي عدد شاء.
انظر: التبصرة للشيرازي ص 129، المنخول ص 150، والإبهاج 2/ 116، وجمع الجوامع 1/ 420، وانظر: حاشية البناني على شرح المحلي 1/ 419، والتلويح 1/ 94، وفواتح الرحموت 1/ 271.
(4) "والمهم" في ط.
(5) "للوجب" في ط.
(6) "والأمر" في ز.
(7) "المباحة" في ز.
(4/41)

والدليل على أن كلامهم في الحقيقة اللغوية] (1) دون العرفية استدلالهم بآيات (2) القرآن وكلام العرب على أقل الجمع، ولا يستدلون على ذلك بالعرف، ولا يقولون: قال أهل العرف، ولا يقولون: فرق أهل العرف، وإنما يقولون: فرقت العرب بين التثنية والجمع (3).
قوله: (فإِن (4) كان الخلاف في جموع الكثرة فأقلها أحد عشر، فلا معنى للقول بالاثنين والثلاثة (5)، وإِن كان في جموع القلة فهو مستقيم (6)، لكنهم لما أثبتوا (7) الأحكام والاستدلال في جموع الكثرة، علمنا أنهم غير مقتصرين عليها، وأن محل النزاع (8) ما هو أعم منها؛ لا هي).
ش: الضمير في قوله: عليها، عائد على جموع القلة، وكذلك الضمير في قوله: منها، وكذلك الضمير في قوله: هي.
قال المؤلف في الشرح: الذي تقتضيه القواعد أن نقول (9): أقل مسمى الجمع المنكَّر من جموع القلة اثنان أو ثلاثة، وأقل (10) جموع الكثرة أحد
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "بآية" في ط وز.
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي 234 - 235.
(4) "إن" في ز.
(5) "والثلاث" في أوخ.
(6) "يستقيم" في أوش وط.
(7) " أبتوا" في ز.
(8) "الخلاف" في أوش وخ وط.
(9) "إن" زيادة في ز.
(10) "أو أقل" في ز.
(4/42)

عشر، قال: وهذا متجه ولا خفاء فيه (1)، وأما التعميم فمشكل جدًا، قال: ومقتضى القواعد أن القائل إذا قال مثلاً: [لله] (2) علي صوم شهور (3)، أن يلزمه أحد عشر [شهرًا] (4)؛ لأنه جمع كثرة.
[وإذا قال: [لله] (5) عليّ أن أصوم أيامًا، أن يلزمه ثلاثة أيام؛ لأنه جمع قلة، وإذا قال: [له] (6) علي دنانير أو دراهم، أن يلزمه أحد عشر لأنه جمع كثرة] (7)، وتُقَرَّرُ الفتاوى وأقضية الحكام على هذه الصورة (8)، حتى يثبت لهذه (9) القواعد ناسخ عرفي أو شرعي (10) (11).
...
__________
(1) "به" في ط وز.
(2) ساقط من ز.
(3) "شهر" في ط.
(4) ساقط من ط وز.
(5) ساقط من ط.
(6) ساقط من ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "الصور" في ط.
(9) "هذه" في ز.
(10) انظر: شرح التنقيح للقرافي ص 235.
(11) انظر: أجوبة بعض الأصوليين والإحالات على مواطن بحث المسألة في ص 41 من هذا المجلد.
(4/43)

الباب الثامن
في الاستثناء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول: في حده.
الفصل الثاني: في أقسامه.
الفصل الثالث: في أحكامه.
(4/45)

الباب (1) الثامن في [الاستثناء] (2)
[وفيه ثلاثة فصول] (3)
(4) ش: الاستثناء مصدر قولك: استثنى يستثني استثناء.
وها هنا خمسة مطالب: وهي:
ما اشتقاق الاستثناء؟، وما ألفاظه؟، وما مطالقه (5)؟، وما أدواته؟، وما حده؟.
أما اشتقاقه، فقيل: من الصرف، وقيل: من العطف.
__________
(1) "الفصل" في ز.
(2) ساقط من خ.
(3) ساقط من الأصل. وفي أ: "أربعة فصول".
(4) بدأ الناسخ في ز بسرد المتن، ثم عاد للشرح، وفي المتن نهاية صفحة (ز - 222/ أ).
(5) لم أجد هذه الكلمة جمعًا (الإطلاق) فهي قد جاءت على غير قياس؛ لأن الفعل أطلق مصدره إطلاق، والجمع القياسي للمصدر إطلاقات، مثل: أومأ إيماء، إيماءات. والنحاة إنما ذكروا مطالق جمعًا لمُنْطَلَق؛ لأنهم قالوا: جمعها مطالق ومطاليق.
وإذا بحثنا عن مخرج لهذه الكلمة، وجدنا فعلها رباعيًا مجردًا وهو أطلق، وحينئذ يمكن أن يصاغ منه مصدر ميمي، أو اسم مفعول، أو اسم مكان، وذلك: بإبدال حرف المضارعة في صيغة مضارعه ميمًا وفتح ما قبل آخره، فيكون مَطْلَق ويجمع هذا على مطالق نحو أنفذ، منفذ، منافذ.
فيمكن أن يكون هذا مستندًا للشوشاوي في هذا التعبير.
انظر: الكتاب لسيبويه 2/ 119، التبصرة والتذكرة للصيمري 2/ 675، 677، 779، وشرح ابن عقيل 2/ 104، وشرح التصريح للأزهري 2/ 75، 80، 316.
(4/47)

أي [هو] (1) مأخوذ من قولهم: ثنيت فلانًا عن رأيه إذا صرفته عن رأيه، وقيل: مأخوذ من قولهم: ثنيت الثوبَ إذا عطفت بعضه على بعض (2).
[ووجه المناسبة بين الاستثناء والصرف: أن الاستثناء يصرف الكلام عما كان عليه قبل الاستثناء] (3).
ووجه المناسبة بينه وبين العطف: أن الاستثناء ينقص (4) المستثنى (5) منه كما ينقص [العطف] (6) الثوب في رأي العين.
وأما ألفاظ الاستثناء، فهي ثلاثة:
الاستثناء، والثُنْيَا، والثَنْوَى (7) إما بضم الثاء مع إبقاء الياء على حالها، وإما بفتح الثاء مع قلب الياء واوًا نظيره الفتيا والفتوى.
وأما مطالقه، فإنه يطلق على معنيين: أحدهما: الإخراج بأدوات الاستثناء (8)، والمعنى الثاني: الشرط (9)، ومنه قوله عليه السلام: "مَنْ
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: التاج، والقاموس المحيط، واللسان، مادة: ثني.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) "ينقصر". في ز.
(5) "الاستثناء" في ط.
(6) ساقط من ط.
(7) انظر: تاج العروس، واللسان، مادة: ثني.
وزاد صاحب اللسان: الثنْوَة والثُنْيَان.
(8) هذا المعنى هو الشائع بينَ الأصوليين. انظر: المعتمد 1/ 219، والمحصول 1/ 3/ 38، والعضد على ابن الحاجب 2/ 132، ونهاية السول 2/ 407، والإبهاج 2/ 151، وجمع الجوامع 2/ 9، والتلويح 2/ 39.
(9) قل من ذكر هذا المعنى من أهل الأصول؛ لأنه خاص بالاستثناء في عرف أهل الشريعة =
(4/48)

حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف" (1)، أراد بالاستثناء شرط المشيئة، وهو [أن] (2) يقول: إن شاء الله (3).
ومنه قول أبي محمد في الرسالة (4): ولا ثُنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله أو بشيء من أسمائه (5) وصفاته (6). [ومنه نهيه عليه السلام عن بيع الثُنْيَا (7)،
__________
= الباحثين في الأحكام، وأما النحاة فليس هذا باستثناء عندهم، فالاستثناء عند الفقهاء أعم مما عند النحاة، والمقصود بالشرط: شرط المشيئة، كما فسره بالمثال. انظر: المسودة ص 154، وإحكام ابن حزم 1/ 397، وقواعد ابن اللحام ص 246.
(1) ذكره القرافي في الشرح ص 243، وفي الفروق 1/ 76، وفي الاستغناء ص 92، 529، ولم أجده بهذا اللفظ، وله شواهد بمعناه، منها: ما في النسائي 7/ 25، قال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى".
وهو في الترمذي برقم 1531 بزيادة: "فلا حنث عليه" قال الترمذي: حديث حسن.
ومنها: ما عند النسائي 7/ 12، قال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك غير حنث"، وقد ورد بروايات كثيرة. فانظر: المسند لأحمد 2/ 6، 10، و48، 126، 127، 153، 309، والنسائي 7/ 25، وأبا داود رقم 3261، 3262، والترمذي رقم 1532، وابن ماجه رقم 2104، 2105، 2106، والدارمي 2/ 185، وانظر: نصب الراية 3/ 301، والدراية ص 633، والتلخيص الحبير ص 2039، وإرواء الغليل 8/ 196 - 198.
(2) ساقط من ز.
(3) دل على هذا: الأحاديث التي صُرِّح فيها بالمشيئة كما سبق في تخريج الحديث.
(4) أحد المتون الفقهية للمالكية، بل اهتم بها غيرهم لجلالة مؤلفها، وضعها لتلميذ له ليدرسها للولدان، وبيَّن فيها الواجب والمسنون من الأقوال والأفعال والاعتقاد، إلى جانب جمل من أصول الفقه على مذهب مالك، زادت شروحها على العشرين.
انظر: الرسالة لابن أبي زيد ص 3، وكشف الظنون 1/ 841.
(5) "أسماء الله" في ز.
(6) انظر متن الرسالة لابن أبي زيد ص 72.
(7) وردت بذلك الأحاديث الصحاح منها: ما أخرجه مسلم في كتاب البيوع رقم 1536، =
(4/49)

أي: عن بيع الشرط؛ لأن العلماء قالوا: معناه: بيع وشرط (1)] (2)، وإليه أشار ابن الحاجب في كتاب البيوع، فقال: ومنه بيع وشرط/ 194/، وحُمِلَ على شرط يناقض مقصود العقد (3).
مثل: ألاَّ يبيع ولا يهب، غير تنجيز العتق للسنة (4) (5).
__________
= ورقمه الخاص 81، فساق سنده إلى أيوب عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء كلاهما عن جابر. قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة.
(قال أحدهما: بيع السنن هي المعاومة) وعن الثنيا ورخص في العرايا. اه.
وجاء في بعض الروايات زيادة: إلا أن تُعْلَم. وانظر: أحاديث النهي عن الثنيا فى الترمذي رقم 1290، والنسائي 7/ 296، وأبي داود رقم 3404، 3405، وأحمد 3/ 313، 356، 364. وقد ترجم البخاري: باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار. انظر: الفتح 5/ 354، وهذا الحديث ذكره القرافي في شرحه ص 243، وفي الاستغناء ص 92، 529، وانظر: التلخيص الحبير ص 1128.
(1) يسميه العلماء: بيع الثنيا، وأكثر العلماء يذكره في شروط البيع الفاسدة. انظر: القوانين لابن جزي ص 223، وبداية المجتهد 2/ 159، الكافي لابن عبد البر 2/ 681، والكافي لابن قدامة 2/ 34، وذكر القرافي هذا المعنى في شرحه ص 243، وفي الاستغناء ص 92، واستشكله من جهة أن الشرط بإن وأخواتها، وهو هنا بإلا، وبأن الشرط يبطل جملة الكلام إذا لم يوجد، وهذا الباب لا يجوز فيه إلا إبطال البعض. اه.
وقد فسر ابن حجر قول البخاري: الثنيا في الإقرار، بالاستثناء في الإقرار. انظر: الفتح 5/ 354، وفسر النووي الثنيا بأن المراد بها الاستثناء في البيع، ثم قال: والثنيا المبطلة للبيع قوله: بعتك هذه الصبرة إلا بعضها؛ لأن المستثنى مجهول، انظر: شرح النووي على مسلم 10/ 195.
(2) ساقط من ز.
(3) "العقل" في ز.
(4) وردت بالحث على تنجيز العتق: الأحاديث الصحاح، ودلت عليه تشريعات الإسلام. انظر: فتح الباري 5/ 146، 151، ومسلم رقم 1501، 1509.
(5) انظر: فروع ابن الحاجب المسمى بجامع الأمهات ورقة / 64 - ب مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم/ 887 د.
(4/50)

وأما أدوات الاستثناء فهي ثلاثة عشر (1)، وهي: إلا (2)، وغير، وسوى، وسُوى، وسواء، وليس، ولا يكون، وحاش، وخلا، وعدا، وماخلا، وماعدا، ولاسيما، فهذه ثلاثة عشر (1) (3).
ولكن تعداد لاسيما في أدوات الاستثناء [إنما هو] (4) على مذهب أبي علي الفارسي (5) (6)، وأما على مذهب سيبويه فليس من أدوات الاستثناء وهو الصحيح (7)؛ لأن من شرط الاستثناء أن يكون حكم المستثنى مخالفًا
__________
(1) ثلاثة عشر من الموضعين في النسخ الثلاثة، والأوْلَى: ثلاث عشرة؛ لأن المعدود مؤنث وهي الأدوات.
(2) "إنما". في ز.
(3) ذكرها جميعًا الزمخشري في المفصل، وابن مالك، في شرح الكافية الشافية، أما في الألفية فلم يورد لا سيما، وتابعه ابن هشام، وابن عقيل في شرحيهما للألفية، وعدَّ الصيمري في التبصرة تسعًا؛ إذ لم يذكر سُوى بالضم وماخلا وماعدا ولاسيما.
انظر: المفصل ص 67، وشرحه لابن يعيش 2/ 75، وشرح الكافية الشافية 2/ 724، وتبصرة الصيمري 1/ 382 - 384، وأوضح المسالك 2/ 181، وشرح ابن عقيل 1/ 505، وانظر: شرح القرافي ص 238، حيث ذكرهن جميعًا.
(4) ساقط من ط وز.
(5) "أبي على فارس" في الأصل.
(6) انظر: الإيضاح العضدي لأبي علي الفارسي 1/ 209، وانظر: الاستغناء ص 123.
(7) بدليل قلة من ذكرها من النحاة، قال ابن مالك: جرت عادة النحاة ذكرها هنا، قاله في شرح الكافية الشافية ولم يذكرها في الألفية. وأجاز ابن يعيش في شرح المفصل الاستثناء بها بشرط أن تقترن بلا، وألا يستثنى بها إلا فيما يراد تعظيمه. انظر: الكتاب لسيبويه 1/ 350، وشرح الكافية الشافية 2/ 724، وشرح ابن يعيش للمفصل 2/ 86.
(4/51)

لحكم المستثنى (1) منه (2).
وحكم المستثنى في لاسيما موافق لحكم (3) المستثنى منه، بل يندرج في حكم المستثنى منه بأولى وأحرى. فقولك [مثلاً] (4): قام القوم لاسيما زيد، فقد دخل زيد في القيام بطريق الأولى والأحرى، فإن معنى قولك: لاسيما زيد، أي: لا مثل زيد، لأن سيَّ معناه: مثل، فإن لا حرف نفي وسيَّ اسمها (5) مبني معها، وما زائدة، [بين المضاف والمضاف إليه، كقوله تعالى: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ} (6)] (7) (8).
__________
(1) "الاستثناء" في ط.
(2) قال بعضهم: لما كان ما بعد لا سيما مخالفًا بالأولوية لما قبلها أشبهت أدوات الاستثناء.
انظر: الصبان على الأشموني 2/ 167. وانظر: الاستغناء ص 111 - 113، 119، 123، 124.
(3) "للحكم" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "اسم" في ز.
(6) سورة القصص آية رقم 28، وتمامها: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(8) هذا أحد التوجيهات، وعليه يكون ما بعدها مجرورًا بالإضافة، والثاني: يجوز الرفع على أن ما موصولة، والثالث: جواز النصب إذا كان ما بعدها ظرفًا أو نكرة، فتكون ما موصولة أيضًا، وما بعدها منصوب إما على الظرفية إذا كان ظرفًا، أو على التمييز إذا كان نكرة.
وقوله: لا حرف نفي وسيَّ اسمها مبني معها. قال ابن يعيش: السيُّ منصوب بلا وليس بمبني؛ لأنه مضاف إلى ما بعده، ولا يبنى ما هو مضاف، لأن المبني مشابه للحروف، ولا يصح إضافة الحروف.
انظر: شرح المفصل 2/ 85، وشرح الكافية الشافية 2/ 724، وانظر: الاستغناء ص 111، 119، 123, 124.
(4/52)

وأما حد الاستثناء، فقد ذكره المؤلف في هذا الفصل [الأول] (1) وهو قوله:

(الفصل الأول في حده: وهو عبارة عن إِخراج بعض ما دل اللفظ عليه (2) ذاتًا كان أو عددًا، أو ما لم يدل عليه، وهو إِما محل المدلول، أو أمر عام، بلفظ إِلا أو ما يقوم (3) مقامه) (4) (5).
(6) ش: هذا الحد مركب من جنس وفصلين (7) فالجنس: هو الإخراج [لأن الإخراج] (8) يشمل الاستثناء والنسخ والتخصيص، والفصل الأول: هو الشيء المخرج، سواء دل عليه اللفظ أو لم يدل عليه، وإلى هذا الفصل
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "عليه اللفظ" في ط وز بالتقديم والتأخير.
(3) "وما يقوم" في ز.
(4) "مقامها" في ز وأ وخ وش.
(5) انظر تعريف الاستثناء في: المعتمد 1/ 219، 260، وأصول الشاشي ص 256، والعدة 2/ 659، 673، والمستصفى 2/ 163، وإحكام ابن حزم 1/ 397، والمحصول 1/ 3/ 38، وروضة الناظر ص 252، ومغني الخبازي ص 241، وإحكام الآمدي 2/ 286، والعضد على ابن الحاجب 2/ 132، والإبهاج 2/ 151، ونهاية السول 2/ 407، وجمع الجوامع 2/ 9، والتلويح 2/ 39، والمسودة ص 154، 159، 160، وقواعد ابن اللحام ص 245، 246، وتيسير التحرير 1/ 284، وتمهيد الإسنوي ص 385.
(6) في ز زيادة ما يلي: "قوله: هو إخراج".
(7) الجنس والنوع اصطلاحان منطقيان؛ لأنهم قسموا الذاتي إلى عام وسموه جنسًا وإلى خاص وسموه نوعًا، والفصل هو الذاتي الذي يفصل به في الحد، وسمي فصلاً لأنه يفصل بين المحدود وغيره. انظر: السلم وشرح البناني عليه ص 74 وما بعدها، والمستصفى 1/ 14 - 15، والباب الأول من هذا الكتاب صفحة 10 من مخطوط الأصل، والقواعد الكلية للأصبهاني ورقة 3 - ب "مخطوط".
(8) ساقط من ط.
(4/53)

[الأول] (1) أشار [المؤلف] (2) [بقوله] (3): "بعض ما دل (4) عليه اللفظ (5) " إلى قوله: "أو أمر عام".
والفصل الثاني: هو الشيء الذي به يكون الإخراج، وإلى هذا الفصل [الثاني] (6) أشار المؤلف بقوله: "بلفظ إلا أو ما يقوم مقامه".
قوله: (إِخراج بعض) (7)، احترازًا من النسخ؛ فإنه إخراج الكل (8).
قوله: (ما دل اللفظ عليه) يعني: دلَّ عليه بالمطابقة (9)، نحو: قام القوم
__________
(1) ساقط من ز.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من الأصل.
(4) "بعضها دلَّ" في ز.
(5) "اللفظ عليه" في ط بالتقديم والتأخير.
(6) ساقط من الأصل.
(7) "بعضها" في ز.
(8) لو قال: احترازًا من النسخ الكلي لكان أولى؛ لأن النسخ قد يكون جزئيًا كنسخ جزء العبادة أو شرطها، وليس هذا بإخراج للكل. انظر: روضة الناظر ص 81.
(9) المطابقة: إحدى أنواع دلالة اللفظ، وذلك لأن دلالة اللفظ تنحصر في ثلاث: المطابقة، والتضمن، والالتزام، فدلالة اللفظ: فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى أو جزءه أو لازمه.
فالمطابقة: فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى.
والتضمن: فهم السامع من كلام المتكلم جزء المسمى.
والالتزام: فهم السامع من كلام المتكلم لازم المسمى البين وهو اللازم في الذهن، فالأولى كدلالة لفظ البيت عليه، والثانية: كدلالته على السقف، والثالثة كدلالة لفظ السقف على الجدار. انظر: روضة الناظر ص 14، والفصل الرابع من الباب الأول من هذا الكتاب صفحة 23 من مخطوط الأصل.
(4/54)

إلا زيدًا (1)؛ فإن زيدًا بعض القوم الذي دل عليه اللفظ بالمطابقة".
قوله: (ذاتًا كان أو عددًا)، [هذا تنويع ما دل اللفظ عليه؛ أي] (2) سواء كان المستثنى ذاتًا (3)؛ أي جزءًا من المستثنى [منه] (4)، أو كان عددًا؛ أي [ذا] (5) آحاد (6)، فأطلق العدد على المعدود.
قوله: (أو ما لم (7) يدل [اللفظ] (8) عليه) يعني: أو إخراج بعض ما لم يدل [اللفظ] (9) عليه بالمطابقة ولا بالتضمن، ولكن دل عليه بالالتزام.
قوله: (وهو إِما محل المدلول أو أمر عام).
ش: الضمير (10) في قوله: وهو، يعود على المستثنى، وهذا تنويع المستثنى الذي لم يدل اللفظ [عليه] (11) بالمطابقة ولا بالتضمن، فنوعه إلى نوعين: أحدهما: أن يكون محل المدلول، والثاني: أن يكون أمرًا عامًا.
__________
(1) "زيد" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) "ذاتي" في ز.
(4) ساقط من ط وز.
(5) ساقط من ط وز.
(6) "آحادًا" في ط وز.
(7) "أو لم" في ز.
(8) ساقط من ط وز.
(9) ساقط من ز.
(10) "والضمير" في ز.
(11) ساقط من ز.
(4/55)

وسيأتي بيانهما الآن (1) (2).
قوله: "بلفظ إِلا أو ما يقوم مقامه".
ش: هذا هو الفصل الثاني من فصلي الحد وهو المخرج به. أي: وهو الشيء الذي يكون به (3) الإخراج، وهو أدوات (4) الاستثناء، وأراد بذلك جميع أدوات الاستثناء، وهي ثلاثة عشر، المذكورة أولاً.
قوله: (بلفظ إِلا أو ما يقوم مقامه)؛ يعني: ما يقوم مقامه من أدوات الاستثناء، واحترز بذلك من سائر أنواع التخصيص؛ كالصفة والغاية وغيرهما (5).
قوله: "فالذات (6) نحو رأيت زيدًا إِلا يده".
ش: هذا بيان النوع الأول من الفصل الأول، وهو كون المستثنى ذاتًا أي: جزءًا؛ لأن يد زيد جزء (7) مما دل عليه اللفظ، أي جزء من أجزاء زيد.
__________
(1) "شاء الله" زيادة في ط.
(2) محل المدلول بينه في صفحة 57 وما بعدها، والأمر العام بينه في صفحة 62 وما بعدها، فانظر الموضعين في هذا المجلد.
(3) "به يكون" في ط.
(4) "أدات" في الأصل.
(5) سترى بعد قليل أن هذه العبارة وهي قوله: أو ما يقوم مقامه، غير مانعة؛ لأن المؤلف اعترض عليها في الشرح بأنها تدخل الصفة والغاية والشرط؛ حيث إن هذه تقوم بالإخراج، وليس شيء منها باستثناء.
ثم إن التعريف بهذه الصورة يعتبر دوريًا كما سيذكر الشوشاوي بعد قليل.
انظر: شرح القرافي ص 238.
(6) "بالذات" في ط.
(7) في ط: "لأن يدًا جزء".
(4/56)

قوله: (والعدد إِما متناه (1) نحو [قوله] (2): عندى عشرة إِلا اثنين، أو غير متناه (3) نحو: اقتلوا المشركين إلا [أهل] (4) الذمة).
ش: هذا بيان النوع الآخر من الفصل الأول وهو كون المستثنى عددًا، أطلق العدد على المعدود، يعني: أن العدد المستثنى على قسمين: محصور، وغير محصور.
مثال المحصور وهو المتناهي: عشرة إلا اثنين؛ فإن الاثنين آحادًا (5) محصورةً (6) بالعدد.
ومثال غير المحصور، وهو غير المتناهي: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة، فإن آحاد الذميين غير محصور، أي غير متناه.
فخرج من كلامه أن الاستثناء مما دل عليه اللفظ ثلاثة أشياء، وهي: ذات، [أو عدد] (7) متناه، أو عدد (8) غير متناه.
قوله: (ومحل المدلول نحو: أعتق رقبة إِلا الكفار، وَصَلِّ إِلا عند
__________
(1) "مثناه" في ط.
(2) ساقط من أ، وفي ش وخ: "له"، وفي ز: "قولك".
(3) "مثناة" في ط.
(4) ساقط من أ.
(5) "وآحادًا" في ز، وفي هامشها: "أظن آحاد".
(6) "محصور" في ط.
(7) ساقط من الأصل.
(8) "وعدد" في الأصل.
(4/57)

الزوال، إِذا (1) قلنا (2): الأمر ليس للتكرار، [فإن] (3) الرقبة (4) أمر مشترك عام يقبل (5) التعيين (6) في محال (7) كثيرة من الأشخاص، فإِن كل شخص هو (8) محل لأَعَمِّه، وكذلك الفعل حقيقة كليَّة تقبل (9) الوقوع في أي زمان كان، فالأزمان (10) محال الأفعال (11)، والأشخاص محال الحقائق).
ش: [هذا] (12) بيان النوع [الأول من] (13) المستثنى الذي [لم] (14) يدل عليه اللفظ، وهو محل المدلول، [ويريد بمحل المدلول أي: محل المطلق] (15) (16).
قوله: (ومحل المدلول) أي: ومثال الاستثناء من محل المدلول، قولك: أعتق رقبة إلا الكفار؛ وذلك أن العتق يدل على الرقبة، والرقبة أمر كلي (17)
__________
(1) "إن" في ش.
(2) "إن" زيادة في ش.
(3) ساقط من ط.
(4) "فالرقبة" في ط.
(5) "تقبل" في ز.
(6) "يقبل أن يعين". في أوخ وش.
(7) "محل" في ط.
(8) "وهو" في ط.
(9) يقبل. في خ.
(10) في خ: "فالأزمنة". وفي ش: "والأزمان".
(11) "للأفعال": في خ.
(12) ساقط من ط.
(13) ساقط من الأصل وط.
(14) ساقط من ط.
(15) ساقط من ط وز.
(16) محل المطلق يعني به: محل اللفظ المطلق، فإن الرقبة في مثاله لفظ مطلق، فالاستثناء في المثال من محل اللفظ وهو الأشخاص، لا من مدلول اللفظ الذي هو الرقبة.
(17) "كل" في ز.
(4/58)

يصدق على أشخاص متعددة، وهذا المعنى الذي هو الرقبة مدلول للعتق، ومحال هذا المدلول هي الأشخاص، ولا يدل [العتق على الأشخاص] (1)؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص، وإنما يدل العتق على الرقبة [لأن] (2) الاستثناء (3) إنما يقع (4) من الأشخاص التي هي محال الرقبة، ولم يدل لفظ العتق على الأشخاص إلا بالملازمة.
وقوله: (وصل إِلا عند الزوال)، فقولك: [صل] (5) يدل (6) على فعل الصلاة، ومحل المدلول الذي [هو] (7) فعل الصلاة [هو الزمان, ووقع الاستثناء ها هنا من الزمان الذي هو محل المدلول، والمدلول هو الصلاة، ولا يدل صل على الزمان إلا بالملازمة] (8).
قوله: ([فإِن] (9) الرقبة (10) أمر مشترك عام) / 195/ أي: قدر مشترك بين جميع الرقاب القابلة (11) للعتق، مؤمنة أو كافرة، والمشترك بين أشياء (12)
__________
(1) ساقط من ط.
(2) ساقط من ط وز.
(3) "فالاستثناء" في ط وز.
(4) "يضع" في ط.
(5) ساقط من ز.
(6) "ما يدل" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) ساقط من ز.
(9) ساقط من ط.
(10) "فالرقبة" في ط.
(11) "المقابلة" في ط.
(12) "الأشياء" في ط.
(4/59)

[هو] (1) [أعم من كل واحد منها.
وأراد بقوله: مشترك عام: أنه أعم ولم يرد به العموم على بابه؛ لأن الرقبة مطلقة والمطلق لا عموم له، فلما] (2) كانت الرقبة المأمور بها أعم من خصوص كل رقبة، كانت بسبب ذلك قابلة لأن تقع في محال (3) كثيرة من أشخاص الرقاب على البدلية؛ لأن كل شخص هو محل لأعمه، أي لوجود أعمه.
قوله: (وكذلك الفعل حقيقة كلية تقبل الوقوع في أي زمان كان).
ش: هذا (4) بيان المثال الثاني، وهو قوله: "وصل إلا عند الزوال"، يعني: أن فعل الصلاة المأمور به إذا قلنا: إن الأمر لا يقتضي التكرار، فإن فعل الصلاة يقبل الوقوع، أي يمكن وقوعه في كل جزء من أجزاء الزمان على البدلية؛ لأن الجزء الذي يقع فيه غير معين؛ لأنه شائع في أجزاء الزمان، وبهذا الاعتبار سماه المؤلف: [حقيقة] (5) كلية، معناه: [هو] (6) أمر كلي مطلق.
قوله: ([إِذا قلنا: الأمر ليس للتكرار) احترازًا مما (7) إذا قلنا: الأمر
__________
(1) ساقط من ط.
(2) ساقط من ز.
(3) "محل" في ط.
(4) "هذ" في ز.
(5) ساقط من ط.
(6) ساقط من ز.
(7) "من" في الأصل.
(4/60)

للتكرار (1)، فإن الفعل يستوعب جميع] (2) الأزمنة فيكون جميع الزمان ظرفًا لإيقاع (3) الفعل، وأما على القول بأن الأمر لا يكون للتكرار فالجزء الذي يكون ظرفًا لإيقاع (4) الفعل هو جزء واحد غير معين، وهو شائع [بين] (5) جميع الأجزاء الزمانية.
قوله: (فالأزمان (6) [محال الأفعال])، هذا راجع إلى قوله: "وَصَلِّ إلا عند الزوال"، وقوله: "والأشخاص محال الحقائق"، راجع إلى قوله: "أعتق رقبة".
قوله: (فالأزمان محال الأفعال) أي: محال لإيقاع (7) الأفعال (8).
__________
(1) اختلف العلماء في الأمر المطلق كصم، هل يقتضي التكرار؟ الأكثرون على أنه لا يقتضيه، وذهب بعض الشافعية إلى أنه بقتضيه، وقيل: إن علق على شرط اقتضاه وإلا فلا.
وقيل: إن كرر لفظ الأمر اقتضاه وإلا فلا.
انظر: المعتمد 1/ 108، والعدة 1/ 264، والتبصرة للشيرازي ص 41، واللمع ص 69، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 1/ 68، والبرهان فقرة / 139، والمستصفى 2/ 3، والمنخول ص 108، ومغني الخبازي ص 34، وروضة الناظر ص 199، وإحكام ابن حزم 1/ 316، وإحكام الآمدي 2/ 155، وشرح العضد 2/ 81، والإبهاج 2/ 47، وجمع الجوامع 1/ 379، ونهاية السول 2/ 274، والمسودة ص 20، والوجيز للكرماستي ص 124، وتيسير التحرير 1/ 151، وقواعد ابن اللحام ص 171، والكوكب المنير 3/ 43.
(2) ما بين المعقوفتين غير واضح في نسخة (ط)؛ حيث وقع بأعلى الصحيفة، فذهب به مقص المجلد.
(3) "طرف الإيقاع" في ز.
(4) "طرف الإيقاع" في ز.
(5) ساقط من ط.
(6) من هنا بدأ الخرم الذي في نسخة (ط) حتى الفصل العاشر من الباب السادس عشر في الخبر.
(7) "الإيقاع" في ز.
(8) "الأفعل" في ز.
(4/61)

قوله: (والأشخاص محال الحقائق) أي: محال لوجود المعاني.
قوله: (فالأزمان محال الأفعال والأشخاص محال الحقائق)، أدخل المؤلف الفاء على هذه (1) الجملة كالنتيجة عما تقدم (2) من المقدمات.
قوله: (والأمر العام)، نحو قوله تعالى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} (3) أي: لتأتنني (4) به في كل حالة (5) من الحالات إِلا (6) حالة الإِحاطة بكم، فالحالة أمر عام لم يدل اللفظ عليها (7).
ش: هذا بيان النوع الثاني من المستثنى الذي لم يدل عليه اللفظ وهو الأمر العام الذي أشار إليه بقوله: أو أمر عام، فالاستثناء في قوله تعالى: {إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} (8) واقع من حالات غير مدلولة للفظ (9).
[قوله: (والأمر العام) أي: ومثال الاستثناء من الأمر العام قوله تعالى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} الآية] (10).
قوله: "وكذلك محال المدلول ليست مدلولة للفظ" (11).
__________
(1) "هذا" في ز.
(2) "قدم" في ز.
(3) سورة يوسف آية رقم 66.
(4) في أ: "لا تأتنني"، وفي ح: "تأتنني".
(5) "حال" في ز.
(6) "في" زيادة في ز وأ وخ وش.
(7) "عليها اللفظ" في أوخ وش، بالتقديم والتأخير.
(8) سورة يوسف آية رقم 66.
(9) "اللفظ" في ز.
(10) ساقط من ز.
(11) "اللفظ" فيما عدا أ.
(4/62)

ش: يعني أن محال المدلول من الأشخاص والأزمان ليست مدلولة للفظ، أي: لا يدل اللفظ عليها بالتعيين.
قوله: (فإِن فَرَّعْتَ على أن الاستثناء المنقطع مجاز، فقد كمل الحد، فإِنا إِنما نحد الحقيقة، وإِن قلت: هو حقيقة، زدت بعد قولك: أو أمر عام: أو ما يعرض في نفس المتكلم، وتكون (1) أو للتنويع كأنك قلت: أي شيء وقع على وجه من هذه الوجوه (2) فهو استثناء).
ش: ومعنى قوله: "يعرض في نفس المتكلم"، أي: يظهر، يقال: عرض الشيء (3) إذا ظهر (4)، فيكون المستثنى الذي لم يدل عليه اللفظ على هذا ثلاثة أنواع، وهي (5): محل المدلول، وأمر عام، أو ما يظهر (6) في نفس المتكلم، فتشترك الثلاثة في كون اللفظ لا دلالة له على واحد منها (7)، وفي كون حكم ما بعد إلا مخالفًا لحكم ما قبلها، ولكن المحال والأمور العامة للفظ بها تعلق، بخلاف (8) المنقطع فلا تعلق للفظ به.
قوله في حد الاستثناء: (إِخراج بعض ما دل اللفظ عليه ذاتًا كان أو عددًا أو ما لم يدل عليه، وهو إِما محل الدلول أو أمر عام بلفظ إِلا أو ما يقوم مقامه).
__________
(1) "فتكون" في ش.
(2) "الأوجه" في ز.
(3) "للشيء" في ز.
(4) "أظهر" في ز.
(5) "وهو" في ز.
(6) "وما يعرض" في ز.
(7) "منهما" في ز.
(8) "يخالف" في الأصل.
(4/63)

هذا الحد هو حد الإمام فخر الدين في المحصول (1)، واعترض هذا الحد بأن قيل: قوله: "أو ما يقوم مقامه"، لا يخلو إما أن يريد ما يقوم مقام إلا في الاستثناء، [يلزم] (2) منه تعريف دوري، والتعريف الدوري محال؛ لأن الذي يقوم مقام إلا إنما يعرفه من يعرف الاستثناء، فذلك تعريف الاستثناء بما لا يعرف إلا بعد معرفته، وإن أراد ما يقوم مقام إلا في الإخراج يكون الحد غير مانع؛ لأنه يدخل فيه الشرط والصفة والغاية وغيرها من المخصصات؛ لأنها تقوم مقام إلا في الإخراج وليست باستثناء (3).
واعترض الحد أيضًا في حصره ما لا يدل اللفظ عليه في نوعين وذلك قوله: "أو ما لم يدل عليه وهو إما محل المدلول أو أمر عام"، مع أن الذي لا يدل اللفظ عليه ثمانية أمور، وهي: الأسباب، والشروط، والموانع، والمحال، والأحوال، والأزمان، والأمكنة، ومطلق الوجود.
قال المؤلف في الشرح في آخر هذا الباب (4): الاستثناء يقع في عشرة
__________
(1) أورد الإمام في المحصول حدين ليس هذا منهما:
أحدهما: إخراج بعض الجملة من الجملة بلفظ إلا أو ما أقيم مقامه.
والثاني: ما لا يدخل في الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظه ولا يستقل بنفسه. انظر: المحصول 1/ 3/ 38.
ولعل الشوشاوي يريد أن الرازي أورد القيد الذي عليه الاعتراض وهو قوله: "أو ما يقوم مقامه" وهذا ما قاله القرافي في شرحه. انظره: صفحة 238.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر هذا الاعتراض في: شرح القرافي ص 238.
(4) انظر: شرح القرافي ص 257 - 258، وقد نقل الشوشاوي كعادته النص بتصرف. وانظر هذه مبسوطة في: كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء للقرافي، من صفحة 580 حتى صفحة 656، مع الاستشهاد لكل ذلك بما ورد من القرآن والسنة والشعر وأقوال العلماء وما يتعلق به من أحكام فقهية.
وانظر: شرح الكوكب المنير 3/ 294.
(4/64)

أمور: اثنان ينطق بهما، وثمانية لا ينطق بها (1). فاللذان ينطق بهما هما الأحكام والصفات، فالأحكام كقولك (2): قام القوم إلا زيدًا، ومثال الصفة (3) قوله تعالى: {أَفَمَا (4) نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إلا مَوْتَتَنَا الْأُولَى} (5)، فاستثنى من صفتهم الموتة الأولى، وأما الثمانية التي لا ينطق بها فهي: الأسباب، والشروط، والموانع، والمحال، والأحوال، والأزمان، والأمكنة، ومطلق الوجود.
مثال الاستثناء من الأسباب: لا عقوبة إلا بجناية.
ومثال الاستثناء من الشروط: لا صلاة إلا بطهور.
ومثال الاستثناء من الموانع: لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض.
ومثال الاستثناء من المحال: أكرم رجلاً (6) إلا زيدًا وعمرًا وبكرًا (7) / 196/ فإن كل شخص هو محل لأعمه.
ومثال الاستثناء من الأحوال: قوله تعالى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ
__________
(1) "بهم" في ز.
(2) "قولك" في ز.
(3) "الصفات" في ز.
(4) "فما" في ز.
(5) سورة الصافات، الآيتان رقم 58، 59.
(6) في الأصل وز: "رجالاً". بالجمع، والمثبت الصواب، وهو في شرح القرافي ص 258، وشرح الكوكب المنير 3/ 295، وهو الذي يصح به التمثيل للاستثناء من المحال، وأما رجالاً بالجمع فإن الاستثناء منها يكون استثناء من المنطوق به، وهو إكرام الرجال، فيكون من النوع الأول.
(7) "أو عمرًا أو بكرًا" في ز.
(4/65)

بِكُمْ} (1) أي: لتأتنني به في كل حالة من الحالات إلا حالة الإحاطة بكم، فإني أعذركم.
ومثال الاستثناء في الأزمان: صل إلا عند الزوال.
ومثال الاستثناء في الأمكنة: صل إلا عند المجزرة (2) والمزبلة.
ومثال الاستثناء من مطلق الوجود مع قطع النظر عن الخصوصات: قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} (3) يعني: الأصنام التي (4) يعبدونها (5)، أي: لا حقيقة لها إلا مجرد اللفظ، ولا وجود لها إلا وجود اللفظ، فوقع الاستثناء من مطلق الوجود على سبيل المبالغة في النفي.
فهذه الثمانية لم تذكر قبل الاستثناء، وإنما تعلم بما يذكر بعد الاستثناء من فرد منها (6)، فيستدل بذلك الفرد على أن جنسه هو الكائن قبل الاستثناء، ويعلم حينئذ أن الاستثناء في هذه الأمور الثمانية هو استثناء متصل؛ لأنه استثناء من الجنس، والحكم فيه بالنقيض بعد إلا، فلما أشار المؤلف في الشرح إلى هذه (7) الاعتراضات المذكورة (8) قال في الشرح:
__________
(1) سورة يوسف آية رقم 66.
(2) في ز: "المزجرة" وهو تعبير عامي للمجزرة في بلاد المغرب.
(3) سورة النجم آية رقم 23، وتمامها: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى}.
(4) "كانوا" زيادة في ز.
(5) "يعبدوها" في ز.
(6) كذا في النسختين وفي الأسلوب ركاكة ولعل العبارة: من كل فرد منها.
(7) "هذا" في ز.
(8) "المذكورات" في ز.
(4/66)

الذي ينبغي أن يقال في حد الاستثناء: ما يدخل (1) في الكلام لإخراج بعضه، أو بعض أحواله، أو متعلقاته، مع ذكر لفظ المُخْرَج، ولا يستقل بنفسه (2).
فقولنا: لإخراج (3) بعضه، احترازًا من النسخ (4) فإنه يبطل الكل (5).
وقولنا: أو بعض أحواله أو متعلقاته ليندرج في الحد ما لم يدل اللفظ عليه، وهو ثمانية أشياء وقد تقدمت.
وقولنا: مع ذكر المُخْرَج، احترازًا من الصفة والغاية والشرط؛ فإن الخارج بسببها (6) لم يذكر لفظه، فإن قولك في الصفة: اقتلوا المشركين المحاربين، وكذلك قولك [في الغاية] (7): اقتلوا المشركين حتى يتركوا الحرابة، وكذلك قولك في الشرط: اقتلوا المشركين إن حاربوا، فإن هذا كله خرج منه أهل الذمة مع أن لفظهم لم يذكر، بخلاف قولنا: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة، فهذا استثناء؛ لأن لفظ المخرج مذكور، وقولنا: ولا يستقل بنفسه احترازًا مما يستقل بنفسه من الجمل، كقولك: اقتلوا المشركين لا
__________
(1) "وما يدل" في ز.
(2) يختلف لفظ الحد الذي نقله هنا عن الذي في شرح القرافي، مع أن المعنى واحد في الحدين، فالقرافي قال في الشرح: ما لا يدخل في الكلام إلا لإخراج ... إلخ، فالمعنى واحد كما ترى. انظر: شرح القرافي ص 238.
(3) "الإخراج" في الأصل. وانظر: شرح القرافي ص 238.
(4) لو قال: من النسخ الكلي؛ لأن النسخ قد يكون جزئيًا، كما سبق بيان ذلك في تعليق رقم 8 من صفحة 54 من هذا المجلد.
(5) في ز. زيادة ما يلي: "وكذلك قولك: قام زيد إلا عمرًا، خرجنا عمرًا مما دخل فيه زيد وليس ببعض زيد ولا من متعلقاته". اه.
(6) "بسببهما" في ز.
(7) ساقط من ز.
(4/67)

تقتلوا أهل الذمة، وكذلك قولنا: قام زيد ولم يقم عمرو (1) (2)، قال المؤلف في الشرح: [هذا الحد] (3) منطبق على الاستثناء (4).
...
__________
(1) "عمر" في ز.
(2) انتهى بنصه تقريبًا من الشرح، التعريف وبيان محترزاته.
انظر: الشرح ص 238.
(3) ساقط من ز.
(4) عبارة القرافي: في المطبوعة: وحينئذٍ ينطبق الحد على الاستثناء. انظر: الشرح ص 238.
(4/68)

الفصل الثاني في أقسامه (1)
ش: أي في بيان تقسيم (2) الاستثناء.
قوله: (وهو ينقسم إِلى: الإِثبات والنفي، والمتصل والمنقطع).
ش: الضمير المرفوع في قوله: (وهو ينقسم)، يعود على الاستثناء أي: ينقسم الاستثناء باعتبار التصديق (3) إلى الإثبات والنفي (4)، وينقسم باعتبار
__________
(1) ناسخ ز بدأ بسرد المتن ثم عاد إلى الشرح كعادته.
(2) "تفسير" في ز.
(3) التصور والتصديق اصطلاحان منطقيان لتقسيم العلم، ويريدون بالتصور: ما خلا عن الحكم، كإدراك المعنى المراد بلفظ الشجرة، ويريدون بالتصديق: ما اشتمل على الحكم كالعلم بأن العالم حادث.
قالوا: وكل تصديق لا بد أن يسبقه تصوران: تصور المحكوم عليه وهو العالم في مثالنا وتصور المحكوم به وهو الحدوث.
ومنهم من زاد ثالثًا هو: تصور النسبة الحكمية بين المحكوم به والمحكوم عليه.
وزاد آخرون رابعًا هو: تصور الوقوع أي وقوع الحدوث للعالم مثلاً.
والأكثرون يقولون: الرابع هو التصديق وما قبله شروط له.
انظر: المواقف ص 11، وشرح الكوكب المنير 1/ 58، وشرح السلم للبناني ص 29، وكتاب في المنطق "مخطوط" ورقة 1 - أ، وجمع الجوامع 1/ 145.
(4) يصرح بعض الأصوليين بتقسيم الاستثناء إلى هذين القسمين، وبعضهم ينبه عليهما في أثناء بحثه لمسألة: الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، وانظر: البرهان فقرة/ 280 - 282، والمنخول ص 154، ومغني الخبازي ص 243، وإحكام الآمدي 2/ 308، والإبهاج 2/ 158، ونهاية السول 2/ 421، وتيسير التحرير 1/ 294، وشرح الكوكب المنير 3/ 327، وإرشاد الفحول ص 149، والاستغناء ص 549، 559، 567.
(4/69)

التصور (1) إلى المتصل والمنقطع (2).
قوله: (3) (وينقسم إِلى الإثبات والنفي) اعترضه بعضهم بأن قال: قسم المؤلف الاستثناء إلى الإثبات والنفي (4) مع أن الموصوف بالإثبات [والنفي] (5) هو المستثنى منه لا الاستثناء (6).
أجيب عنه: بأن الاستثناء في النفي إثبات، والاستثناء من الإثبات نفي، فيكون الاستثناء أيضًا موصوفًا (7) بالإثبات والنفي وهو مراد
__________
(1) معنى قوله: ينقسم باعتبار التصديق إلى النفي والإثبات وباعتبار التصور إلى المتصل والمنقطع: أن النفي والإثبات حكم، فلذا صار من باب التصديقات، وأما الاتصال والانقطاع فليس بحكم فلذا صار من باب التصورات. والله أعلم.
(2) تقسيم الاستثناء إلى متصل ومنقطع، من العلماء من ذكره بهذه الصورة، ومنهم من بحث الاستثناء من غير الجنس من حيث جوازه وهل هو حقيقة أو مجاز؟
فانظر للأول: مغني الخبازي ص 244، والإبهاج 2/ 152، وجمع الجوامع 2/ 12، ونهاية السول 2/ 408، والتلويح 2/ 39، 40، 56، وتيسير التحرير 1/ 283، وفواتح الرحموت 1/ 316، وإرشاد الفحول ص 146، والاستغناء ص 382، 386، 447، 497، 508.
وللثاني انظر: المعتمد 1/ 262، والعدة 2/ 673، والبرهان فقرة ص 283، 296، والمنخول ص 159، والمستصفى 2/ 167، 269 والوصول لابن برهان 1/ 343، والإحكام لابن حزم 1/ 397، والإحكام للآمدي 2/ 291، وقواعد ابن اللحام 256، ومختصره ص 117، والمسودة ص 156، وشرح الكوكب المنير 3/ 386، والمدخل لابن بدران ص 116، والعضد على ابن الحاجب 2/ 132، وتمهيد الإسنوي ص 391، والتبصرة ص 165، واللمع ص 127، والمحصول 1/ 3/ 43، والروضة ص 253، وانظر: تبصرة الصيمري 1/ 379، وشرح الكافية الشافية 2/ 701.
(3) "وهو" زيادة في ز.
(4) "إلى النفي والإثبات" في ز بالتقديم والتأخير.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 127 من مخطوط مكناس رقم 352.
(7) "موصوف" في ز.
(4/70)

المؤلف (1).
قوله (2): (والمتصل والمنقطع)، زاد الباجي قسمًا ثالثًا، وهو: لا متصل ولا منقطع، وهو استثناء الجزء من الكل نحو: رأيت زيدًا إلا يده (3)، فإن نظرت إلى كونه إخراج بعض من كل أشبه (4) المتصل، وإن نظرت إلى عدم تماثل (5) أجزائه أشبه المنقطع، فصار (6) لذلك قسمًا ثالثًا (7).
وقال الجمهور: رده إلى المتصل أولى، لأن أجزاء زيد متماثلة (8) من حيث هي أجزاء، واختلاف تلك الأجزاء من جهة (9) أخرى لا يضر (10)، كما يقال في قولك: قام القوم إلا زيدًا (11) لم يقم، [فإن هذا متصل] (12) باتفاق، [فإن المستثنى] (13) مع القوم متماثلة (14) في الإنسانية، ولا يضر اختلافهما من
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 127 من مخطوط مكناس رقم 352.
(2) "بقوله" في ز.
(3) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 208، والإشارة للباجي ص 156.
(4) "أشبهه" في ز.
(5) "تماثيل" في ز.
(6) "فوار" في ز.
(7) انظر: المسطاسي ص 127 من مخطوط مكناس رقم 352.
(8) "مثماتامة" في ز.
(9) "جملة" في ز.
(10) انظر: المسطاسي ص 127 من مخطوط جامع مكناس رقم 352، وقد جعله الشيرازي استثناء من الجنس، فانظر اللمع ص 127، أما الغزالي في المستصفى 2/ 167، فقال: هو استثناء من غير الجنس.
(11) "زيد" في ز.
(12) ساقط من ز.
(13) ساقط من ز.
(14) "متماثلثة" في ز، ويلاحظ ركاكة العبارة والأولى: "فإن المستثنى مماثل للقوم في الإنسانية".
(4/71)

جهة أخرى، كالطول والقصر والبياض والسواد والعلم والجهل وغير ذلك.
قوله: (وضبطهما مشكل فينبغي أن تتأمله).
ش: ضمير التثنية يعود على المتصل والمنقطع.
قوله: (فإِن كثيرًا من الفضلاء (1) يعتقدون (2) أن المنقطع عبارة عن الاستثناء (3) من غير الجنس).
ش: يعني أن كثيرًا من العلماء [كالباجي وغيره] (4) يقولون (5) [في تفسير الاستثناء] (6) المنقطع: (7) هو الاستثناء من غير الجنس [ويقولون في تفسير الاستثناء المتصل: هو الاستثناء من الجنس (8)، قال المؤلف في شرح المحصول: لا تكاد تجد في كتب الأدباء والنحاة والأصوليين إلا هذا، وهو غلط في القسمين (9).
قوله: (وليس كذلك).
__________
(1) "كثير إذن الفضلاء" في ز.
(2) "يعتقد" في أوخ وش.
(3) "أن المنقطع هو الاستثناء" في ش.
(4) ساقط من ز.
(5) "يعتقدون" في ز.
(6) ساقط من ز.
(7) "أن المنقطع" في ز.
(8) هذا رأي جماهير الأصوليين، وانظر للإحالات تعليق رقم (2) من صفحة 70، من هذا المجلد تجد معظم من أحلت عليه يقول بهذا.
(9) انظر: نفائس الأصول للقرافي لوحة 155 - أمصور بجامعة الإمام قسم المخطوطات برقم/ 9632 - ف.
(4/72)

ش: يعني أن الاستثناء المنقطع أيضًا قد يكون من الجنس] (1)، وذلك إذا حكم بغير النقيض.
واعلم أن ضابط المتصل والمنقطع على مراد المؤلف: أن المتصل هو الاستثناء من الجنس والحكم بالنقيض كقولك: قام القوم إلا زيدًا لم يقم، فهذا متصل باتفاق؛ لأن زيدًا من جنس القوم، ونقيض القيام عدم القيام، فقد وجد فيه القيدان.
والاستثناء المنقطع: هو الاستثناء من غير الجنس، أو الحكم بغير النقيض، وإن كان الاستثناء من الجنس، مثال الاستثناء من غير الجنس والحكم بالنقيض: قام القوم إلا حمارًا لم يقم، ومثال الاستثناء من غير الجنس والحكم بغير النقيض: قام القوم إلا حمارًا لم يخرج، ومثال الاستثناء من/ 197/ الجنس والحكم (2) بغير النقيض: قام القوم إلا زيدًا لم يخرج.
فالحاصل من كلام المؤلف: أن المتصل مركب من قيدين، وهما: الجنس والحكم بالنقيض، وأما المنقطع فليس بمركب؛ إذ لا يشترط فيه إلا قيد واحد وهو خلاف الجنس أو خلاف النقيض على البدلية (3).
قوله: (فإِن قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} (4)
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) "مع الحكم" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 239 - 240، وشرح المسطاسي ص 127 من مخطوط مكناس رقم 352، وقوله: على البدلية، فيه نظر؛ حيث إنه لو عدم القيدان بأن اختلف الجنس وحكم بغير النقيض كان الاستثناء منقطعًا، كما مثل الشوشاوي بقوله: قام القوم إلا حمارًا لم يخرج، فهو منقطع بلا شك. فلا يشترط البدلية، بل يشترط انخرام أحد القيدين أو كليهما.
(4) سورة الدخان آية رقم 56.
(4/73)

منقطع على الأصح مع أن المحكوم عليه بعد إِلا هو بعض المحكوم عليه أولاً ومن جنسه) (1).
ش: هذا دليل على أن الاستثناء من الجنس قد يكون منقطعًا ولو كان من الجنس إذا حكم فيه بغير نقيض حكم المستثنى منه؛ وذلك أن المحكوم عليه في هذه الآية أولاً هو جملة أفراد الموت والمحكوم عليه بعد إلا هو بعض أفراد الموت ومن جنسه.
قوله: (وكذلك قوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا (2) أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} (3) منقطع مع أن المحكوم عليه بعد إِلا هو عين (4) الأموال التي
__________
(1) الذي عليه أكثر المفسرين: أن الاستثناء في الآية منقطع، واختلف هؤلاء في معنى إلا، فقدرها أكثرهم بمعنى: لكن، أي لكن ذاقوها في الدنيا، وقيل: هي بمعنى سوى، وضعفه الطبري وقال: بل هي بمعنى بعد، لما بينهما من التجانس في هذا الموضع وساق لذلك أمثلة.
قال أبو حيان: وليس تضعيفه بصحيح، بل يصح المعنى بسوى ويتسق. اه.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الاستثناء هنا متصل واختلفوا في توجيهه.
فقال قوم: إن ضمير فيها للآخرة، والموت أول أحوالها.
وقال آخرون: إن المؤمن يعاين عند الموت ما يعطاه في الجنة كأنه فيها، فكأنه ذاق الموتة الأولى في الجنة.
قال الآلوسي في هذا القول: ولا يخفى ما فيه من التفكيك مع ارتكاب التجوز. اه. ووجه قوم الاتصال بأن المراد بيان استحالة ذوق الموت فيها على الإطلاق، نحو: لن أسقيك شيئًا إلا الجمر. انظر: تفسير الطبري 25/ 76، والقرطبي 16/ 154، وابن كثير 4/ 146، والبحر المحيط 8/ 40، والكشاف 4/ 283، وأبي السعود 8/ 66، وروح المعاني 25/ 136، والتسهيل للغرناطي 4/ 66، وإعراب القرآن للقيسي 2/ 292، وإعراب القرآن للعكبري 4/ 313.
(2) "ولا تأكلوا" في أ، وهو خطأ.
(3) سورة النساء آية رقم 29.
(4) "غير" في ز.
(4/74)

حكم عليها قبل إِلا) (1).
ش: هذا مثال آخر للاستثناء المنقطع مع أنه من الجنس؛ لأنه حكم فيه [بغير] (2) نقيض حكم المستثنى منه، فتبين بهذا التقرير أن قولهم في حد الاستثناء المنقطع هو الاستثناء من غير الجنس، غير جامع؛ لأن المنقطع يكون أيضًا (3) في الجنس الواحد إذا حكم بغير النقيض [كما] (4) في هاتين الآيتين الكريمتين.
قوله: (بل ينبغي أن تعلم أن المتصل: عبارة عن أن تحكم على جنس ما جكمت عليه أولاً بنقيض ما حكمت به أولاً، فمتى انخرم قيد من هذين القيدين كان منقطعًا، فيكون المنقطع هو أن تحكم على غير جنس ما حكمت
__________
(1) جماهير المفسرين على أن الاستثناء هنا منقطع مقدر بلكن، أي: لكن المتاجر المشروعة فافعلوها، كما قدره ابن كثير وغيره.
ونقل أَبو البقاء في إعراب القرآن: القول بالاتصال وضعفه.
قال أَبو حيان: هذا استثناء منقطع لوجهين:
أحدهما: أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل فتستثنى منها، سواء فسرت قوله بالباطل، بغير عوض، كما قال ابن عباس، أم بغير طريق شرعي كما قال غيره.
والثاني: أن الاستثناء إنما وقع على الكون، والكون معنى من المعاني ليس مالاً من الأموال.
ومن ذهب إلى أنه استثناء متصل فغير مصيب لما ذكرناه. اه.
انظر: تفسير ابن كثير 1/ 479، والقرطبي 5/ 151، والبحر المحيط 3/ 231، والكشاف 1/ 502، والتسهيل للغرناطي 1/ 248، وتفسير أبي السعود 2/ 170، وروح المعاني 5/ 15، والفتوحات الإلهية للجمل 1/ 375، وإعراب القرآن للقيسي 1/ 188، وإعراب القرآن لأبي البقاء العكبري 2/ 235.
(2) ساقط من ز.
(3) "أيضًا يكون" في ز بالتقديم والتأخير.
(4) ساقط من ز.
(4/75)

عليه أولاً أو بغير نقيض حكمت به أولاً، وعلى هذا يكون الاستثناء في الآيتين منقطعًا للحكم فيهما بغير النقيض، فإِن نقيض {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ}، يذوقون فيها ولم يحكم به، بل الذوق (1) في الدنيا، ونقيض {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}، كلوها بالباطل، ولم يحكم به، وعلى هذا الضابط تُخَرَّج (2) جميع أقوال العلماء في الكتاب والسنة ولسان العرب (3)).
قوله (4) تعالى في الآية الأولى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} (5) منقطع على الأصح.
ش: لا بد ها هنا من بيان الاتصال والانقطاع، وكون الانقطاع فيها أصح، وبيان ذلك: أن الذوق حقيقة في إدراك الطعوم بحاسة اللسان، ولا يصح حمل الذوق في هذه الآية على هذه الحقيقة؛ فلا بد من حمله على المجاز، وله مجازان: أحدهما: إدراك ما قام بالإنسان من غنى، أو فقر، أو ولاية، أو موت، أو غير ذلك؛ لأنه يقال: ذاق فلان الغنى، أو ذاق (6) الفقر، أو ذاق الولاية، أو ذاق [الموت، أو] (7) غير ذلك، ومنه قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ
__________
(1) "بالذوق" في أوخ وش.
(2) "يخرج" في ش:
(3) إلى هنا انتهى كلام الماتن، واستأنف الشوشاوي شرح قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} ليبين كون الانقطاع فيها أصح.
انظر: الشرح للقرافي ص 240، وشرح المسطاسي ص 127 من مخطوطة جامع مكناس رقم 352، وشرح حلولو ص 203.
(4) "وقوله" في الأصل.
(5) سورة الدخان آية رقم 56.
(6) "وذاق" في ز.
(7) ساقط من ز.
(4/76)

ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (1).
والمجاز الثاني: هو أصل الإدراك، وهو مطلق العلم، والعلاقة بين المجازين المذكورين والحقيقة المذكورة: اشتراك الجميع في مطلق الإدراك (2)، فاختلف العلماء في محمل (3) الذوق في الآية، هل يحمل على إدراك ما قام بالإنسان أو يحمل على العلم؟
حجة القول بحمله على ما قام بالإنسان من موت: أن هذا المجاز أقرب إلى الحقيقة؛ لأن الحقيقة فيها ثلاثة أوصاف وهي: الإدراك، والطعم، وكونه قائمًا بالمدرك، ولم يعدم من هذه الأوصاف في هذا المجاز إلا وصف واحد وهو الطعم، ووجد فيه الوصفان الباقيان وهما (4): الإدراك، وكونه قائمًا بالمدرك.
وأما المجاز الثاني فقد عدم فيه وصفان، وهما: الطعم، وكونه قائمًا بالمدرك، وأما المجاز الأول فلم يعدم فيه إلا وصف واحد، ولذلك قلنا:
__________
(1) سورة آل عمران آية رقم 185، وبعدها: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، وسورة الأنبياء آية رقم 35 وبعدها: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}، وسورة العنكبوت آية رقم 57، وتمامها: {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
(2) جاء في كتب العربية إشارة إلى هذه المعاني الثلاثة، فإنهم قالوا: ذاق الطعام اختبر طعمه، ومن المجاز: ذقت فلانًا وذقت ما عنده أي خبرته، وذاق القوس: تعرفها، وأمر مستذاق: مجرب معلوم.
قال ابن الأعرابي: الذوق يكون بالفم وبغير الفم. اه.
انظر: اللسان لابن منظور، وتاج العروس للزبيدي، والصحاح للجوهري، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، كلها في مادة: ذوق، والأفعال للمعافري 3/ 606.
(3) "محل" في الأصل.
(4) "في هذا" في ز.
(4/77)

هو أقرب إلى الحقيقة؛ فالحقيقة مقدَّم، والأقرب إلى المقدم مقدم على الأبعد عن (1) المقدم، فيكون الاستثناء على هذا القول منقطعًا؛ لأن الحكم فيه بغير النقيض؛ لأن الموت لا يقوم (2) بهم في الجنة (3)، وهو مذهب المؤلف (4).
وحجة القول بحمل الذوق على العلم: أن الأصل في الاستثناء الاتصال (5)، فمتى أمكن ذلك لا يعدل عنه تغليبًا للأصل، وهو ممكن ها هنا، فتقديره: لا يعلمون فيها الموت إلا الموتة الأولى، فإنهم يعلمونها في الجنة، فيكون الاستثناء على هذا القول متصلاً؛ لأنه اجتمع فيه القيدان، الاستثناء من الجنس، والحكم بالنقيض؛ لأن نقيض لا يعلمون فيها الموت: يعلمون فيها الموت (6).
فسبب الخلاف إذًا في الاستثناء في هذه الآية، هل هو متصل أو منقطع (7): هو الخلاف في معنى الذوق، فمن قال: معناه العلم، قال: [هو] (8) متصل ومن قال: معناه الإدراك (9)، قال: هو منفصل (10).
__________
(1) "من" في ز.
(2) "لا تقوم" في ز.
(3) "الحقيقة" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 240، والاستغناء ص 483.
(5) في هامش الأصل ما يلي: انظر الأصل في الاستثناء الاتصال. اه. وهو تعليق من الناسخ تكرر كثيرًا للتنبيه إلى الفوائد.
(6) انظر: الاستغناء ص 483، وشرح المسطاسي ص 128 من مخطوط مكناس رقم 352.
(7) "منفصل" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) يريد بالإدراك هنا: إدراك ما قام بالإنسان من موت ونحوه، وهو المجاز الأول الأقرب إلى الحقيقة، كما سبق بيانه، ولا يريد مطلق الإدراك الذي هو العلم.
(10) الصواب أن يقول: منقطع، كما تقدم تقديره؛ لأن الاستثناء المنفصل لا مدخل له في الخلاف في هذه المسألة.
(4/78)

وقوله (1) تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} (2)، هذه الآية تقتضي أن الإنسان لا يموت إلا مرة واحدة، وهذا مخالف لقوله تعالى في آية أخرى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} (3)، فهذه الآية تقتضي أن الإنسان يموت مرتين (4)، وما الجمع (5) بين الآيتين؟
أجيب عن ذلك بأن قيل: الآية التي تقتضي موتتين (6) إنما هي في الأجساد، والآية التي تقتضي موتة واحدة إنما هي في الأرواح؛ وذلك أن الأجساد فيها موتتان: إحداهما (7) موتهم حيث كانوا نطفًا، والموتة الثانية (8) حين حل أجلهم، وأما الأرواح فلا تموت إلا موتة واحدة، وذلك عند النفخة الأولى وهي نفخة الصعق (9) ...............................
__________
(1) قوله: في ز.
(2) سورة الدخان آية رقم 56.
(3) سورة غافر آية رقم 11.
(4) "موتين" في ز.
(5) "الجمع" في ز.
(6) "موتين" في ز.
(7) "أداهما" في ز.
(8) "موتهم" زيادة في ز.
(9) بناء على هذا التفسير يكون هناك ثلاث موتات: حين كانوا نطفًا، وعند حلول الأجل، وعند الصعق.
والذي عليه جماهير السلف: أن المراد بالآية الأولى: الموت عند الأجل وهو مفارقة الروح للجسد، والمراد بالموتتين في الثانية: موتهم حين كانوا نطفًا، وموتة الأجل، وأما نفخة الصعق فهي والله أعلم موت من لم يذق طعم الموت، أما من ذاق طعمه أو لم يكتب عليه الموت أصلاً. فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثالثة. وصعق الأرواح لا يلزم منه موتها؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة إذا جاء الله سبحانه لفصل القضاء وليس ذلك بموت، وكذلك صعق موسى - عليه السلام - لم يكن موتًا. =
(4/79)

(1) كما في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} (2) (3).
قوله: {فَصَعِقَ} (4): فمات، وقوله: {إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} اختلف (5) في هذا المستثنى/ 198/ قيل: أزواج الأنبياء، وقيل: أرواح الشهداء، وقيل: طائفة من الملائكة، وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل (6)، واختلف في آخر هؤلاء الأربعة موتًا، قيل: جبريل، وقيل: ملك الموت (7).
__________
= وأخبر الله أنهم لا يذوقون الموت إلا الموتة الأولى، فلو ماتت أرواحهم عند نفخة الصعق لكانت موتتان. انظر المسطاسي ص 128 من مخطوطة مكناس رقم 352، والروح لابن القيم ص 34، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص 446.
(1) هذا أحد القولين بناء على أن النفخات ثنتان: نفخة الصعق وهي نفخة الفزع المذكورة في سورة النمل، والثانية: نفخة القيام لرب العالمين.
وقيل: النفخات ثلاث: الفزع، والصعق، والقيام.
والأول قول الجمهور: ويؤيده حديث مسلم، انظره في: النووي 18/ 91.
وانظر: تفسير ابن كثير 3/ 337، 4/ 63، وأبي السعود 7/ 263، والبحر المحيط لأبي حيان 7/ 441، ومختصر تذكرة القرطبي للشعراني ص 75.
(2) سورة الزمر آية رقم 68، وتمامها: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}.
(3) انظر: شرح القرافي ص 240 - 241، وشرح المسطاسي ص 128 من مخطوط مكناس رقم 352.
(4) "أي" زيادة في ز.
(5) "واختلف" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 240 - 241.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 128، من مخطوط مكناس رقم 352.
(4/80)

وقيل: المستثنى هو الله وحده، وقيل: المستثنى اثنا عشر: حملة العرش الثمانية، والحور، ورضوان، وخازن النار، والزبانية، ذكر هذه الأقوال ابن العربي في القانون (1) (2)، [واعلم أن الجن من الصاعقين في ذلك الوقت؛ لأنهم لا يموتون إلى ذلك الوقت، قال الرجراجي (3) في مناهج التحصيل (4) في كتاب الأيمان والنذور: والصحيح أن إبليس ليس من
__________
(1) كتاب لابن العربي يسمى: قانون التأويل، ويسمى أيضًا: القانون في تفسير القرآن العزيز.
انظر: الديباج المذهب 2/ 254، وكشف الظنون 2/ 1310، هدية العارفين 2/ 90.
(2) اختلفت أقوال المفسرين هتا اختلافًا كثيرًا، والأحسن في هذا المقام: الوقف، كما قال قتادة: الله أعلم بثنياه، وكما قال الشيخ أَبو العباس القرطبي: والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل. اه.
انظر: تفسير الطبري 24/ 18، والقرطبي 15/ 279، وابن كثير 4/ 64، والبحر المحيط 7/ 441، وأبي السعود 7/ 263، وروح المعاني 24/ 28، ومختصر تذكرة القرطبي ص 75.
(3) أَبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي، من علماء القرن السابع، لم يعرف إلا بكتابه "المناهج" الذي اعتنى به المؤلفون بعده، يقال: إنه ألفه سنة 633 ه ولم أجد من اعتنى بترجمته، وحقق حياته ووفاته، وكانت بلاده جبال جزولة، انظر: نيل الابتهاج ص 200، والمعسول 5/ 306 - 308.
(4) مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل على كشف أسرار المدونة، أو في شرح مشكلات المدونة، أو في شرح ما أشكل من مسائل المدونة، الأول ذكره صاحب المعسول، والثاني ذكره البغدادي في ذيله على كشف الظنون، والثالث ذكره الونشريسي في المعيار.
وقد لخص الرجراجي في كتابه ما وقع لأئمة المذهب المالكي من التأويلات، واعتمد على كلام القاضي ابن رشد، والقاضي عياض، وأبي الحسن اللخمي، وكان تأليفه سنة 633 ه.
يوجد منه عدة نسخ منها: نسخة بخزانة القرويين بفاس. ثلاثة أجزاء، ونسخ ناقصة بالخزانة العامة بالرباط، انظر: إيضاح المكنون 2/ 563، والمعسول 5/ 306 والمعيار 2/ 192.
(4/81)

الملائكة، وهو أَبو الجن كلهم مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن منهم يقال له: جني والكافر منهم يقال له: شيطان (1)، كما أن آدم أَبو الإنس مؤمنهم وكافرهم. انتهى نصه] (2) (3).
...
__________
(1) اختلفت الأقوال في إبليس والجن والشياطين.
إما إبليس فقيل: من الملائكة لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى ...} الآية. وقيل: من الجن لقوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}، وبالأخير يقول الحسن البصري.
ويروى عن ابن عباس وابن مسعود: أنه كان رئيس قبيله من الملائكة يقال لهم: الجن.
أما الجن: فقيل: طائفة من الملائكة سموا بذلك لأنهم كانوا خزان الجنة، وقيل: بل كانوا في السماء الدنيا وكان إبليس رئيسًا عليهم، وقيل غير ذلك.
أما الشيطان، فيطلق على كل عات متمرد من الإنس والجن والدواب.
قال ابن عبد البر: الجن منزلون على مراتب، فمن كان من الجن خالصًا يسمى جنيًا، فإن خبث سمي شيطانًا، فإن زاد خبثه، سمي ماردًا، فإن قوي أمره سمي عفريتًا، والله أعلم بالصواب. اه. بتصرف.
والحق - إن شاء الله - أن الجن غير الملائكة، إذ هم قد خلقوا من نار السموم، والملائكة خلقوا من نور. وأن إبليس من الجن بصريح القرآن، واستثناؤه من الملائكة من باب الاستثناء المنقطع، ويؤكد ذلك حكاية الله عنه قوله: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ}، والملائكة لم تخلق من النار، ورجح ابن تيمية أنه كان من الملائكة باعتبار صورته لا باعتبار أصله، وأنه أَبو الجن. انظر: الفتاوى 4/ 235 - 346، والبداية والنهاية 1/ 55، والكامل في التاريخ 1/ 15، وآكام المرجان 8، 9، 10، وعالم الجن 7 - 15.
(2) انظر مناهج التحصيل: كتاب الأيمان والنذور مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم 418 ق.
(3) ساقط من ز.
(4/82)

الفصل الثالث (1) في أحكامه (2)
ش: ذكر المؤلف في هذا الفصل من أحكام الاستثناء ست (3) مسائل وفائدتين.
قوله: (اختار الإِمام أن المنقطع مجاز، ووافقه القاضي عبد الوهاب).
ش: ذكر المؤلف ها هنا الخلاف (4) بين العلماء في كون الاستثناء المنقطع (5) حقيقة أو مجازًا (6)، ولم يذكر الخلاف في جوازه، مع أن ذكر الخلاف في جوازه، أسبق من ذكر الخلاف في كونه حقيقة، أو مجازًا (7)؛ [لأن كونه حقيقة أو مجازًا] (8) هو فرع عن جواز استعماله، فإذا صح استعماله في الكلام، فحينئذ يقال: هذا الاستعمال هل هو حقيقة أو مجاز؟ فتكلم المؤلف على الفرع وعدل عن الكلام في (9) الأصل الذي هو جواز استعماله.
__________
(1) "الرابع" في أ.
(2) نسخة ز بدأ ناسخها بسرد متن الباب كله ثم عاد للشرح، وفي أثناء المتن نهاية صفحة (ز 226/ أ).
(3) "ستة" في ز.
(4) "بخلاف" في ز.
(5) "هل هو" زيادة في ز.
(6) "حقيقة أو مجاز" (بالرفع) في ز.
(7) "حقيقة أو مجاز" (بالرفع) في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) "على" في ز.
(4/83)

وذلك أن العلماء قد اختلفوا في جواز الاستثناء من غير الجنس، هل يجوز استعماله؟، قاله الجمهور من أرباب العلم (1)، أو لا يجوز استعماله؟ قاله طائفة منهم القاضي ابن العربي (2) وأنكر (3) القاضي عبد الوهاب عدم جوازه، قال في الإفادة (4): القول بمنعه فاسد؛ لأن استعماله غير مدفوع،
__________
(1) على هذا جماهير الأصوليين كالقاضي الباقلاني وأبي الحسين البصري وأبي إسحاق الشيرازي والجويني وابن حزم والباجي والرازي وغيرهم، وهو عن الشافعي في الأقارير، وعن أبي حنيفة في الموزون من المكيل وعكسه.
انظر: المعتمد 1/ 262، والتبصرة ص 165، واللمع ص 127، والبرهان فقرة ص 283، والمستصفى 2/ 170، وإحكام ابن حزم 1/ 397، والعضد على ابن الحاجب 2/ 132، ونهاية السول 2/ 408، والإبهاج 2/ 152، وتمهيد الإسنوي ص 391، والتلويح 2/ 56، والمسودة ص 156، وتيسير التحرير 1/ 284، وإحكام الآمدي 2/ 291.
(2) ومنهم جماهير الحنابلة، إذ هو أصح الروايتين عن أحمد، ونسبه الخبازي إلى محمد ابن الحسن، ويروى عن زفر، وهو قول للشافعية: قال ابن برهان البغدادي: الاستثناء من غير الجنس باطل، وقال: وعدم صحته قول عامة أصحابنا والفقهاء وهو المنصور.
وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد، ونسبه المسطاسي لأبي عبد الله البصري من المالكية.
انظر: المنخول ص 159، والمستصفى 2/ 170، والوصول لابن برهان 1/ 243، والروضة ص 253، والمسودة 156، ومغني الخبازي ص 144، والفصول للباجي 1/ 209، والإشارة ص 156، وقواعد ابن اللحام ص 156، والمختصر له ص 117، والكوكب المنير 3/ 286، المسطاسي ص 128، من المخطوطة رقم 352 بمكناس.
(3) "وأنكره" في ز.
(4) أحد كتبه الأصولية، ذكروه في ترجمته، ولم تذكره فهارس المكتبات التي راجعتها، ويغلب على الظن فقده.
انظر: ترتيب المدارك 3/ 692، والديباج المذهب 2/ 28.
(4/84)

وإنما الخلاف في كونه حقيقة أو مجازًا، والأقرب أنه مجاز.
يحتمل أن يكون المؤلف إنما سكت عن الخلاف في جوازه، لضعف القول بمنعه وفساده (1)، كما قال القاضي عبد الوهاب.
ويحتمل أن يقال: لم يسكت المؤلف عن الخلاف في جوازه، بل هو المشار إليه بقوله: وفيه خلاف؛ أي: وفي جواز استعماله خلاف.
واعلم أن استعمال المنقطع الذي هو محل الخلاف بين العلماء، هو (2) الاستثناء من غير الجنس نحو: رأيت القوم إلا حمارًا.
وأما الاستثناء من الجنس إذا حكم فيه بغير النقيض فلا خلاف في جواز استعماله، نحو: رأيت القوم إلا زيدًا لم أضربه (3) (4).
__________
(1) هذا الاحتمال الراجح، ويؤيده قول القرافي في الاستغناء ص 511، وما علمت أحدًا قال بذلك، بل الخلاف في كونه حقيقة أم لا. اه.
وقال العضد: لا نعرف خلافًا في صحته لغة.
قلت: راجع هوامش الصفحة السابقة تجد أن منع صحته مشهور الحنابلة وقول للشافعية، وحكاه أَبو يعلى، والباجي، وابن برهان، ويروى أيضًا عن محمد بن الحسن، وزفر، وابن خويز منداد.
انظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 132.
(2) "وهو" في الأصل.
(3) "أضرب" في ز.
(4) يدل على هذا فهرسة العلماء لهذه المسألة؛ حيث إن غالب من بحثها من العلماء جعل العنوان "الاستثناء من غير الجنس".
راجع للإحالات تعليق رقم 1 و2 من الصفحة السابقة، وقد انتقد القرافي في الاستغناء هذه الفهرسة، بسبب عدم شمولها لجميع صور النزاع لخروج ما هو منقطع باعتبار الحكم لا باعتبار الجنس، ثم قال: بل ينبغي أن نفهرس المسألة بالاستثناء المنقطع حتى يشمل القسمين. اه. =
(4/85)

فمحل الخلاف إذًا إنما هو الاستثناء من غير الجنس، والذي عليه الجمهور هو القول بالجواز، والدليل على ذلك: القرآن، وكلام العرب (1).
فمن القرآن: قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إلا إِبْلِيسَ} (2)، الظاهر أن إبليس ليس من جنس الملائكة، لقوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} (3). قال أَبو المعالي في التلخيص: [الأصح] (4) أنه ليس من الملائكة (5). [قال الرجراجي في مناهج التحصيل: والصحيح أن إبليس ليس من الملائكة] (6) وهو أَبو (7) الجن كلهم [مؤمنهم وكافرهم، كما أن آدم عليه السلام أَبو البشر] (8) مؤمنهم وكافرهم (9) (10).
__________
= قلت: وكلام القرافي يوحي أن النزاع في القسمين، ولم أر من فصل في المسألة غيره. انظر: الاستغناء ص 518.
(1) انظر: الأدلة في: المعتمد 1/ 262، والعدة 2/ 673، والتبصرة ص 165، واللمع ص 127، والمستصفى 2/ 171، والوصول لابن برهان 1/ 243، وإحكام ابن حزم 1/ 397، والمحصول 1/ 3/ 45، والروضة ص 253، وإحكام الآمدي 2/ 291، وشرح الكوكب المنير 3/ 286.
(2) سورة الحجر الآيتان رقم 30 - 31، وسورة ص الآيتان رقم 73 - 74.
(3) سورة الكهف آية رقم 50، وبعدها: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}.
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: التلخيص للجويني ورقة/ 75 - أمن مخطوط مكتبة جامع المظفر بتعز، مصور بمركز البحث بأم القرى برقم/ 358 أصول فقه.
(6) ساقط من ز.
(7) "أبي" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) انظر: مناهج التحصيل للرجراجي، كتاب الأيمان والنذور، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم/ 418 ق، وانظر: الاستغناء ص 520.
(10) "انتهى نصه". زيادة في ز.
(4/86)

وقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالَمِينَ} (1)، فإن الرب قال وعلا لا يفهم من الكلام السابق (2).
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً} (3) فإن الخطأ لا يندرج تحت أقضية التكليف؛ لأنه غير مقصود إليه ولا مشعور (4) به (5).
وقوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} (6) فهذا استثناء من غير الجنس؛ لأن السلام ليس من اللغو ولا من
__________
(1) سورة الشعراء آية رقم 77.
(2) أجاب الشيرازي وأبو يعلى على الاستدلال من هذه الآية: بأن إلا بمعنى لكن، وقال الآمدي: هو استثناء من الجنس؛ لأن الله من المعبودين، فما كانوا جاحدين لله، وقريب من هذا جواب ابن برهان.
انظر: العدة 2/ 676، والتبصرة ص 176، وإحكام الآمدي 2/ 295، والوصول لابن برهان 1/ 247.
(3) سورة النساء آية رقم 92.
(4) "مشهور" في ز.
(5) أجاب الرازي والآمدي، وأبو يعلى، وصاحب شرح الكوكب المنير عن الاستدلال من هذه الآية بأن إلا بمعنى لكن.
قال القرافي في الاستغناء مناقشًا إجابة الآمدي: وليس كما قال بل "خطأ" نعت لمصدر محذوف، تقديره: إلا قتلاً خطأ، فاستثنى قتل الخطأ من جملة أفراد القتل المتقدمة، وهذا استثناء من الجنس، وإنما كان منقطعًا ... من جهة عدم الحكم بالنقيض، لا من جهة الاستثناء من غير الجنس. اه.
قلت: وبناء على قول القرافي، يوجب الاستدلال بهذه الآية النظر: إما في الاستدلال بها وليس فيها دليل؛ إذ قد حصر الشوشاوي الخلاف في المنقطع المختلف الجنس لا المحكوم فيه بغير النقيض، أو يكون النظر في حصر الخلاف في أحد نوعي المنقطع، وقد وقع الخلاف فيهما معًا.
انظر: المحصول 1/ 3/ 50، والإحكام للآمدي 2/ 295، والعدة 2/ 676، وشرح الكوكب المنير 2/ 289، والاستغناء ص 519.
(6) سورة الواقعة الآيتان رقم 25، 26.
(4/87)

التأثيم (1).
وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (2) (3).
وقوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} (4)، والظن ليس من جنس العلم (5).
وقوله تعالى: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} (6)، فعاصم
__________
(1) قال أَبو يعلى والآمدي: إن إلا هنا بمعنى لكن فلا يكون استثناء، وقيل: هو استثناء متصل لأن السلام في الجنة لغو لحصول الأمان لأهلها، وأجيب عن هذا بأنه وإن انتفت الحاجة للدعاء فإن في السلام أمورًا أخرى يقع في الجنة لأجلها، فهو: تحية، وحسن لقاء، ومسموع شهي للنفس، وغير ذلك، فلا يكون الاستثناء متصلاً، ويكون الانقطاع من جهة اختلاف الجنس.
انظر: العدة 2/ 676، والإحكام للآمدي 2/ 296، والاستغناء ص 487، 517.
(2) سورة النساء آية رقم 29.
(3) قال الرازي: اتفق النحاة على أنه ليس باستثناء، وإلا بمعنى لكن، أو بمعنى سوى، وقال الآمدي وأبو يعلى: إلا بمعنى لكن.
قلت: سبق في صفحة 75 من هذا المجلد أن الانقطاع في الآية من جهة الحكم بغير النقيض لا من جهة اختلاف الجنس كما قرره القرافي، وقد استدل بها الشوشاوي هنا مع أنه حصر الخلاف في اختلاف الجنس، والله أعلم.
انظر: العدة 2/ 676، والمحصول 1/ 3/ 52، وإحكام الآمدي 2/ 296، والاستغناء ص 517.
(4) سورة النساء آية رقم 157.
(5) قيل: إلا بمعنى لكن، وقيل: إن الظن كان عندهم علمًا، وقد قال فيها الرازي كقوله في الآية السابقة من حيث اتفاق النحاة على أنها بمعنى لكن أو سوى.
انظر: العدة 2/ 676، والمحصول 1/ 3/ 52، والوصول لابن برهان 1/ 247، والإحكام للآمدي 2/ 296، وشرح الكوكب المنير 3/ 288.
(6) سورة هود آية رقم 43.
(4/88)

فاعل، ومن رحم مفعول، وهو معصوم، فالمفعول ليس بفاعل وهو كثير في القرآن (1).
وأما الدليل من كلام العرب؛ فمنه قول النابغة:
وقفت فيها أُصَيْلانًا أسَائِلُها (2) ... عَيَتْ (3) جوابًا وما بالرِبْع من أحد
إلا الأواري لأيًا ما أُبَيِّنُهَا ... والنُؤْي كالحوض بالمظلومة (4) الجلد (5)
فالأواري ليست من جنس الأحد، لأن أحد (6) المراد به الإنسان،
__________
(1) قال أَبو يعلى والآمدي: إلا هنا بمعنى لكن، وقال القرافي: إن الاستثناء متصل إما لأن عاصم بمعنى معصوم، أو لأنه يدل على المعصوم، أي لا عاصم ولا معصوم، أو أن يكون المراد بمن رحم هو الله، أي لا عاصم إلا الله. اه. والله أعلم.
انظر: العدة 2/ 676، الإحكام للآمدي 2/ 296، والاستغناء ص 472، 518.
(2) "أسائقا" في ز.
(3) "أعيت" في ز، وفي هامش الأصل، وهي رواية في البيت. كما سيأتي في تخريجه.
(4) "المطلوبة" في الأصل وهو تصحيف.
(5) البيتان لنابغة ذبيان، كما سبق.
وانظر: ديوانه ص 16، ومختار الشعر الجاهلي 1/ 149، وشرح المعلقات السبع للزوزني ص 123، وشرح المعلقات العشر للشنقيطي ص 158.
ويستشهد النحويون بهذين البيتين للاستثناء المنقطع.
فانظر: التبصرة للصيمري 1/ 381، 2/ 868، وشرح ابن يعيش للمفصل 2/ 80، والإيضاح العضدي لأبي علي الفارسي 1/ 211، والأشموني 4/ 280.
وقد أشار إليه بعض الأصوليين كالباجي في إحكام الفصول 1/ 209، وفي الإشارة ص 156، وابن حزم في الإحكام 1/ 402، وأشار إليه وشرحه القرافي في الاستغناء ص 513، وقد ورد بروايات أخر تختلف عما أورده الشوشاوي، مثل: حذف أل التعريف في الأواري في بعض الروايات، وورود أصيلالاً بدل أصيلانا، وأيضًا ورود: أصيلا كي أسائلها، وأيضًا: أعيت بدل عيت، وغير ذلك.
(6) الذي تقتضيه القاعدة نصب أحد لوقوعها اسمًا لأن، لكنها لم تنصب في النسختين.
(4/89)

فالأواري هي مرابط الخيل مفرده أري (1)، واللأي: معناه البطء (2)، والنؤي: هو التراب الذي يستدار به حول الخباء لئلا يدخله السيل (3)، والمظلومة الجلد: الأرض الصلبة (4)، ومعنى الكلام: ليس في الدار إلا مرابط الخيل والتراب [المستدير] (5) الذي [كان] (6) يستدير بالخباء لا أتبين ذلك إلا بعد بطء (7).
__________
(1) أصل هذا المعنى يطلق على الموضع الذي تحبس فيه الدابة لتلين وتنكسر نفسها، ثم توسعوا في استعماله حتى صار يطلق على المحبس والمربط والمعلف ونحوها. انظر: اللسان، والصحاح، وتاج العروس، ومعجم مقاييس اللغة. مادة: أري.
(2) انظر: التاج، واللسان، والصحاح، مادة، لأي.
(3) ويطلق أيضًا على حفيرة حول الخباء لئلا يدخله المطر.
انظر: الصحاح، واللسان، وتاج العروس، مادة: نأي.
(4) قيل: هي الأرض التي لم تحفر قط ثم حفرت، وقيل: التي حفرت في غير موضع حفرها، وقيل: قصده: الحوض في غير موضع التحويض. انظر: اللسان، والصحاح، والتاج، مادة: ظلم.
(5) ساقط من ز.
(6) ساقط من ز.
(7) أجيب عن الاستدلال من البيت: بأنه يجوز كون الاستثناء متصلاً؛ لأن الأحد يطلق على الآدمي وغيره، فتقول: رأيت أحد الحجرين.
وجواب آخر: أن إلا هنا بمعنى لكن.
وقد ناقش القرافي الأول: بأن أحدًا يطلق على معنيين: يطلق ويراد به مبدأ الأعداد، وهنا يستعمل في الجماد وغيره، وفي الإيجاب والنفي، والإطلاق الآخر يراد به، "أحد" الموضوع لمن يعقل، وهذا لا يستعمل إلا في النفي، وهو في البيت بهذا التفسير، فالاستثناء منقطع والجواب باطل. اه.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 296، والوصول لابن برهان 1/ 247، والاستغناء 516، 522.
(4/90)

وقال آخر (1):
[و] (2) لا عيب فينا غير أن سيوفنا ... بهن فلول من قُرَاع الكتائب (3)
فإن الفلول (4) من قراع الكتائب ليس بعيب، فإنه يمدح قومه بالشجاعة وعدم الفرار عند اللقاء (5).
وقال آخر:
وبلدة ليس بها أنيس ... الا اليَعَافِيْر وإلا العِيْس (6)
أمسى سقام خلاء لا أنيس به ... إلا السباع ومر الريح (7) باَلغرف (8)
__________
(1) قوله: "آخر" وهم؛ لأن البيت السابق للنابغة، ولعل الشوشاوي تابع المسطاسي، والمسطاسي أيضًا اعتمد على ما جاء في نسخ الاستغناء؛ حيث قال القرافي في الاستغناء: وقال غيره. انظر المسطاسي ص 128 من مخطوط مكناس رقم 352، والاستغناء ص 514. وقد نبه محققه لهذا.
(2) ساقط من الأصل.
(3) قاله النابغة يمدح عمرو بن الحارث الأعرج، من قصيدة مطلعها:
كليني لهَمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بَطيء الكواكب
والرواية المشهورة والتي فيها الديوان، ولا عيب فيهم غير أنَ سيوفهم .. البيت.
فانظر: ديوان النابغة/ 6، والزاهر لابن الأنباري 1/ 383.
(4) "فلول" في ز.
(5) أجيب عن الاستدلال بهذا البيت: بأنه يجوز كونه متصلاً؛ لأن الفلول عيب في نفسه، وإنما يمدح بسببه، فهو استثناء من الجنس.
انظر: التبصرة ص 167، والعدة 2/ 677، وإحكام الآمدي 2/ 296، والاستغناء ص 516.
(6) أجيب عن الاستدلال به: باحتمال كونه متصلاً، لأن اليعافير والعيس من جملة ما يستأنس به، فيكون استثناء من الجنس، انظر: العدة 2/ 677، والمحصول 1/ 3/ 52، الاستغناء ص 516.
(7) "الرياح" في ز.
(8) البيت لأبي خُراش الهذلي، وسقام: واد بالحجاز من أرض هذيل، ويروى: إلا =
(4/91)

وقد كثير (1) الاستثناء من غير الجنس في كلام العرب نثره ونظمه، فدل ذلك على جوازه.
وحجة القول بمنع الاستثناء من غير الجنس: أن الاستثناء مأخوذ من الصرف، ومنه قولهم/ 199/: ثنيت فلانًا عن رأيه إذا صرفته عنه، ولا يتحقق هذا المعنى في الاستثناء من غير الجنس، وإنما يتحقق في الاستثناء من الجنس (2).
قوله: (اختار (3) الإِمام أن المنقطع مجاز، ووافقه القاضي (4) (5)، وفيه خلاف).
__________
= الثُمامُ، وإلا الثمامَ، وبالغُرف بالضم للغين، وقد رواه صاحب معجم البلدان بفتحها.
انظره: في تاج العروس، ولسان العرب، ومعجم البلدان، كلها في مادة: سقم.
(1) "ذكر" في الأصل.
(2) انظر هذا الدليل وغيره في: العدة 2/ 671، والتبصرة ص 165، واللمع ص 127، والمستصفى 2/ 170، وإحكام الآمدي 2/ 292، وإحكام الفصول للباجي ص 1/ 210، والاستغناء ص 509.
(3) "واختار" في ز.
(4) "عبد الوهاب" زيادة فيما عدا الأصل، ولم أثبتها؛ لأن الشوشاوي سيذكر أن المراد بالقاضي هنا: عبد الوهاب، وهذه قرينة تدل على عدم ذكر اسمه في المتن وانظر صفحة 95 من هذا المجلد.
(5) قول: ووافقه القاضي عبد الوهاب، فيه إشكال: من جهة أن القاضي توفي سنة 422 ه، والرازي توفي سنة 606 ه، فكيف يكون القاضي موافقًا للرازي وقد توفي قبله بقرنين؟ ولعل العكس هو الصواب، والعبارة: "موافقًا القاضي". فتصحفت.
(4/92)

ش: هذه (1) المسألة الأولى من أحكام الاستثناء، وهي (2) كون الاستثناء المنقطع حقيقة أو مجازًا، فذكر المؤلف في ذلك قولين: قال جمهور العلماء: هو مجاز (3). وهو مختار الإمام الفخر (4)، والقاضي عبد الوهاب (5).
قوله: (وفيه خلاف)، قيل معناه: وفي جوازه خلاف، أي: وفي جواز الاستثناء المنقطع خلاف، قيل بجوازه وهو المشهور كما قدمناه، وقيل بعدم جوازه كما قدمناه أيضًا عن ابن العربي وغيره، وقيل: معنى قوله: "وفيه خلاف": أي وفي كون الاستثناء المنقطع حقيقة أو مجازًا خلاف، ولكن هذا التأويل فيه (6) تكرار في المعنى؛ لأن قوله: "اختار الإمام أن المنقطع مجاز". يقتضي الخلاف في كونه حقيقة أو مجازًا.
وسبب الخلاف في هذا: أن العرب هل وضعت "إلا" لتركبها مع جنس
__________
(1) هي: زيادة في ز.
(2) "وهو" في ز.
(3) منهم أبو الحسين البصري، وأبو إسحاق الشيرازي، وإمام الحرمين، وابن الحاجب، والبيضاوي، والعضد، وابن السبكي، وابن همام، وغيرهم.
وخص التفتازاني الخلاف بصيغة الاستثناء، فهي مجاز في المنقطع حقيقة في المتصل، وأما اللفظ فحقيقة عرفية بحسب النحو، ومجاز بحسب اللغة في القسمين، فقوله: عندي عشرة إلا ثلاثة، أراد أن يقول: عندي سبعة، لكنه عبر بتلك الصيغة عن طريق المجاز.
انظر: المعتمد 1/ 262، والتبصرة ص 165، واللمع ص 127، والبرهان فقرة 297، والعضد على ابن الحاجب 2/ 132، ونهاية السول 2/ 408، وجمع الجوامع 2/ 12، والتلويح 2/ 39، 56، 57، وتيسير التحرير 1/ 284.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 43.
(5) انظر شرح القرافي ص 241.
(6) "وفيه" في الأصل.
(4/93)

ما قبلها، أو لتركبها مع الجنس وغيره (1)؟، فمن قال بالأول، قال: المنقطع مجاز في التركيب، ومن قال بالثاني، قال: هو حقيقة، هذا كله إذا قلنا: إن (2) العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات، وهي (3) مسألة خلاف (4)، وأما إذا قلنا: بأن العرب لم تضع إلا المفردات ولم تضع المركبات، فيكون الاستثناء مطلقًا مجازًا لغويًا، سواء كان متصلًا أو منقطعًا، وهو مجاز في التركيب.
واختار الإمام: أن المجاز المركب عقلي [بناء] (5) على أن العرب لم تضع المركب (6).
قوله: (وذكر القاضي أن قول القائل: له عندي مائة دينار إِلا ثوبًا، من هذا الباب، وأنه (7) جائز على المجاز، وأنه يرجع إِلى المعنى بطريق
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 241، والمسطاسي ص 128، من مخطوط مكناس رقم 352.
(2) "بأن" في ز.
(3) "وهو" في ز.
(4) انظرها في: المزهر للسيوطي 1/ 40، 42.
وانظر: شرح القرافي ص 241، والمسطاسي ص 128 من مخطوط مكناس رقم 352.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: المحصول 1/ 1/ 458 وعُنْونت في المحصول بقوله: المجاز مركب عقلي، والصحيح ما هنا، وهو أن المجاز المركب عقلي لا لغوي، ويتبين ذلك من قرأ المسألة.
وانظر: الشرح ص 241، وشرح المسطاسي ص 128 من مخطوط جامع مكناس رقم 352.
(7) "فإنه" في ش.
(4/94)

[القيمة] (1)).
[ش: أراد] (2) بالقاضي (3) عبد الوهاب، وقوله: ([له] (4) عندي مائة دينار إِلا ثوبًا، من هذا الباب) أي: من هذا الباب الذي هو [باب] (5) الاستثناء المنقطع؛ لأنه استثناء من غير الجنس؛ لأن جنس الثوب مخالف لجنس الدنانير.
قوله: (وأنه جائز)، خلافًا لمن قال: لا يجوز الاستثناء من غير الجنس، كما قال ابن العربي وغيره كما تقدم، قال ابن الحاجب في كتاب "الإقرار": واستثناء غير الجنس مثل: ألف ثوب (6) إلا عبدًا، يصح على الأصح، وتسقط قيمة العبد (7).
قوله: (وتسقط قيمة العبد)، يعني: يصفه المقر ويقوم، ثم تسقط تلك القيمة من الألف، وقوله: (على المجاز)، خلافًا لمن قال: هو حقيقة (8).
__________
(1) ساقط من أ.
(2) ساقط من ز.
(3) "قوله: وذكر القاضي" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "درهم" في ز، وهو الذي في فروع ابن الحاجب.
(7) انظر: الفروع لابن الحاجب. المسمى جامع الأمهات الورقة/ 76 - أمن مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم/ 887 - د.
وفيها: "والاستثناء" بدل: "واستثناء"، وأيضًا: "درهم" بدل: "ثوب".
(8) نسب هذا القول إلى أبي بكر الباقلاني، واختلف أصحاب هذا المذهب: هل يطلق لفظ الاستثناء على المتصل من باب المتواطئ أو من باب المشترك؟ قولان، وقوله هنا: على المجاز، خلافًا أيضًا لمن توقف، وهو مذهب في المسألة.
انظر: المستصفى 2/ 169، والعضد على ابن الحاجب 2/ 132، وجمع الجوامع 2/ 12، ونهاية السول 2/ 408، وتمهيد الإسنوي ص 391، وتيسير التحرير 1/ 284.
(4/95)

قوله: (وأنه يرجع إِلى المعنى بطريق القيمة) أي: يرجع إلى معنى المتصل بطريق القيمة؛ يعني قيمة الثوب، فهذا استثناء من لازم المنطوق (1)؛ لأن من لوازم مائة دينار قيمة الثوب؛ لأن الدنانير تقوم بها الأشياء، فلما كانت القيمة تلازم (2) الدنانير، صح استثناء قيمة الثوب منها، فهو في المعنى استثناء القيمة من القيمة (3)، واختلف الأصوليون في كيفية تقدير هذا الموضع (4): فمنهم من يقول (5): عبر بالثوب عن القيمة (6) من غير حذف، فيكون لفظ الثوب على هذا مجاز (7)، ومنهم من يقول: فيه حذف مضاف، تقديره: إلا قيمة ثوب (8)، فيكون لفظ الثوب على هذا مستعملًا في حقيقته، فيكون مجاز الحذف، والمعنى في التقديرين (9) واحد (10).
قوله: ((11) خلافًا لمن قال: [إِنه] (12) مقدر بلكن (13)).
__________
(1) "المنطق" في الأصل.
(2) "ملازم" في ز.
(3) "المائة" في ز.
(4) "الوضع" في ز.
(5) "قال" في ز.
(6) "قيمته" في ز.
(7) هكذا "بالرفع" في النسختين، ومقتضى الإعراب: النصب خبرًا ليكون.
(8) "الثوب" في ز.
(9) "التقدير" في ز.
(10) انظر: الاستغناء ص 512، وشرح التنقيح ص 241.
(11) "قال" زيادة في أوش وخ.
(12) ساقط من الأصل.
(13) "بالمكن" في ز.
(4/96)

ش: أي خلافًا لمن قال: إن الاستثناء المنقطع مقدر بلكن (1) (2).
وقوله: ([أيضًا] (3) خلافًا لمن قال: إِنه مقدر بلكن (4))، قال المؤلف في الشرح: هذه العبارة وافق عليها الإمام فخر الدين القاضي عبد الوهاب (5).
وهي عبارة باطلة، بسبب أن الاستثناء المنقطع عند الناس أجمعين (6)
__________
(1) "بالمكن" في ز.
(2) التقدير بلكن مذهب الجماهير من الأصوليين والنحاة البصريين.
فانظر: العدة 2/ 676، المستصفى 2/ 170، والروضة ص 254، والإحكام لابن حزم 1/ 397، والمحصول 1/ 3/ 50، 52، ومغني الخبازي ص 244، والإحكام للآمدي 2/ 296، والعضد على ابن الحاجب 2/ 132، وشرح الكوكب المنير 3/ 286.
وانظر: التبصرة للصيمري 1/ 379، وشرح المفصل لابن يعيش 2/ 80، والإنصاف في مسائل الخلاف للأنباري 1/ 269، والكتاب 1/ 366.
(3) ساقط من ز.
(4) "بالمكن" في ز.
(5) انظر: المحصول 1/ 3/ 44، 50، 52.
والرازي في المحصول لم يصحح الرد إلى المعنى في الاستثناء؛ حيث قال: إنه لو صح الاستثناء من المعنى لزم صحة استثناء كل شيء من كل شيء. اه.
وهو يوافق القاضي أن المثال جائز على المجاز لا على الحقيقة، وأن التقدير يكون بالقيمة، لكن ليس هناك ما يدل على أنه لا يقدر بلكن. لأنه أجاب عن الاستدلال من الآياتِ {إلا خَطَأً}، و {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}، و {إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ}، و {إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} بأن ذلك مقدر بلكن.
(6) جاءت العبارة هكذا في ز وفي شرح القرافي، وجاءت في الأصل: عند أجمعين، وفي المسطاسي: عند جميع الناس، وكل هذه العبارات يرد عليها أن الاستثناء لا يقدر عند الجميع بلكن كما سيأتي عن الكوفيين.
انظر: شرح القرافي ص 242، وشرح المسطاسي ص 129، من مخطوط مكناس رقم 352.
(4/97)

مقدر بلكن (1)، ومعنى هذا التقدير: أن إلا في هذا المقام تشبه لكن (2)، من جهة أن لكن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها (3) كما تقدم في الباب الثاني في معاني الحروف في قوله: ولكن للاستدراك بعد النفي، نحو: ما جاءني (4) زيد لكن عمرو (5)، هذا التقدير بلكن هو تقدير البصريين (6)، وقدره الكوفيون بسوى (7)، ووجه (8) هذا التقدير أيضًا، هو مخالفة ما بعد سوى لما قبلها، كما هو حال إلا (9) ورجح البصريون مذهبهم بأن لكن حرفٌ، وإلا حرفٌ، فتقدير الحرف بالحرف أولى من تقدير الحرف بالاسم؛ لأن إلا حرفٌ وسوى اسم (10).
فإن قلت: هذه المخالفة الحاصلة في الاستثناء المنقطع هي حاصلة في
__________
(1) "بالمكن" في ز.
(2) "للمكن" في ز.
(3) انظر: التبصرة للصيمري 1/ 379، وشرح المفصل لابن يعيش 2/ 80، وانظر: شرح القرافي ص 242.
(4) "جاء" في ز.
(5) انظر: الباب الثاني. المطلب الرابع عشر، ذكر لكن، صفحة 97 من الأصل.
(6) انظر: التبصرة للصيمري 1/ 379، وشرح المفصل لابن يعيش 2/ 80، والإنصاف في مسائل الخلاف للأنباري 1/ 269، والكتاب 1/ 366، وانظر: العدة لأبي يعلى 2/ 676، وشرح الكوكب المنير 3/ 286، وشرح القرافي ص 242، وشرح المسطاسي ص 129، من مخطوط مكناس رقم 352.
(7) انظر: شرح القرافي ص 242، والمسطاسي ص 129 من مخطوط مكناس رقم 352.
(8) "ووجد" في ز.
(9) انظر: شرح المسطاسي ص 129، من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح القرافي ص 242.
(10) انظر المرجعين السابقين.
(4/98)

الاستثناء المتصل أيضًا، فينبغي أن تقدر إلا في المتصل بلكن، ولا قائل (1) بذلك التقدير في الاستثناء المتصل، جوابه: أن ما قبل إلا في المنقطع لا يدل على ما بعدها، كما أن لكن لا يدل ما قبلها على ما بعدها، بخلاف المتصل؛ فإنه يدل ما قبل إلا على ما بعدها (2).
قوله: (ولمن قال إِنه كالمتصل).
ش: أي: وخلافًا أيضًا لمن قال: إن الاستثناء المنقطع كالمتصل في كونه حقيقة (3)، هذا القول مقابل قوله أولًا: "وأنه جائز على المجاز".
فذكر المؤلف إذًا في الاستثناء المنقطع على القول بجوازه قولين: قول بالمجاز وقول بالحقيقة، أشار إلى القول بالمجاز بقوله: "جائز على المجاز"، وأشار إلى القول بالحقيقة بقوله: "ولمن قال إنه كالمتصل"، وسبب الخلاف قد تقدم وهو: هل وضع "إلا" للتركيب الخاص أو للتركيب العام (4)؟.
فإذا قلنا: بأن المنقطع حقيقة كالمتصل، فإطلاق [لفظ] (5) الاستثناء عليهما [فيه] (6) قولان: قيل بالاشتراك اللفظي، وقيل بالاشتراك المعنوي (7).
__________
(1) "قال" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 242.
(3) وهو المنسوب للباقلاني، انظر: تعليق رقم (8) صفحة 95 من هذا المجلد.
(4) التركيب الخاص: هو تركيب إلا مع جنس ما قبلها، والتركيب العام: هو تركيب إلا مع جنس ما قبلها ومع غيره.
(5) ساقط من ز.
(6) ساقط من الأصل.
(7) خلاصة أقوال الأصوليين هنا خمسة هي:
1 - أن الاستثناء المنقطع لا يجوز. =
(4/99)

قوله: (ويجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة).
ش: هذه هي/ 200/ المسألة الثانية من أحكام الاستثناء، قوله: "عادة" أي: يجب اتصال الاستثناء في اللفظ، أو (1) في حكم المتصل في اللفظ، كانقطاعه بسعال، أو عطاس، أو تثاؤب، أو بلع الريق، أو بعطف الجمل بعضها على بعض (2) فيستثني بعد ذلك، فإن ذلك كله لا يقدح في الاتصال؛ لأنه متصل عادة.
قوله: (خلافًا لابن (3) عباس رضي الله عنهما)، قال الإِمام: إِن صح عنه
__________
= 2 - أن الاستثناء المنقطع جائز على المجاز.
3 - أن الاستثناء المنقطع جائز على الحقيقة ومن باب المشترك اللفظي.
4 - أن الاستثناء المنقطع جائز على الحقيقة ومن باب المشترك المعنوي.
5 - الوقف.
انظر: الإحالات السابقة في الصفحات 84، 93، 95 من هذا المجلد، وانظر: جمع الجوامع 2/ 12.
(1) "و" في ز.
(2) الاتصال إما أن يكون لفظيًا كمائة إلا درهمًا، أو حكميًا، وهذا يشمل ما إذا انقطع الكلام بعطاس ونحوه، ويشمل أيضًا ما إذا طال الكلام بعطف الجمل ونحوه: كأكرم بني تميم واخلع على مضر إلا العصاة، وفي هذه الأخيرة خلاف سيأتي إن شاء الله.
انظر: المعتمد 1/ 261، والمحصول 1/ 3/ 39، والإحكام للآمدي 2/ 289، والعضد على ابن الحاجب 2/ 137، والمسودة ص 152، وجمع الجوامع 2/ 10، والإبهاج 2/ 152، ونهاية السول 2/ 410، ومختصر ابن اللحام ص 118، وشرح الكوكب المنير 3/ 297، وانظر: شرح القرافي ص 242، وشرح المسطاسي ص 2، من مخطوط مكناس رقم/ 314.
(3) "لأبي" في ز.
(4/100)

النقل (1) يحمل على ما إِذا نوى عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك (2).
ش: اختلف في صحة هذا النقل عن ابن عباس (3) رضي الله عنه، فقيل:
__________
(1) "النقل عنه" في أوخ، وش وز.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 40.
(3) تعددت الأقوال في هذه المسألة حتى زادت على العشرة، وأشهرها ما يلي:
1 - ذهب جماهير الأصوليين إلى أن الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه شرط لصحة الاستثناء.
2 - روي عن ابن عباس جواز الفصل، واختلف النقل عنه:
أ - فمنهم من نقل أنه يُجَوِّزه إلى شهر، كالآمدي وابن الحاجب.
ب - ومنهم من نقل أنه يجوزه إلى سنة وقد صرح به المازري والشيرازي.
ج - ومنهم من نقل أنه يجوزه مطلقًا، ويدل عليه إطلاق غالب الأصوليين كأبي الحسين وأبي المعالي والغزالي والرازي، وصرح به أبو البركات في المسودة.
وقد وقف العلماء من هذا النقل مواقف، فأنكره بعضهم كالجويني والباجي والرازي، وأوله قوم بحمله على إضمار الاستثناء ثم الإخبار به، أي: متصل بالنية منقطع باللفظ، وقيل: يحمل على جواز ذلك في كتاب الله.
وقيل: يحمل على الاستثناء بالمشيئة، قاله أحمد، وابن جرير، ونصره القرافي.
3 - روي عن الحسن وعطاء وطاوس جوازه في المجلس، ويروى هذا عن أحمد في اليمين.
4 - أنه يجوز الانفصال في حق النبي خاصة، قاله ابن عباس.
5 - أنه يجوز ما لم يأخذ في كلام آخر.
6 - أنه يجوز إلى أربعة أشهر وهذا يروي عن سعيد بن جبير.
7 - أنه يجوز إلى سنتين ويروى هذا عن مجاهد.
انظر: المعتمد 1/ 261، والعدة 2/ 660، والفصول للباجي 1/ 205، والتبصرة ص 162، واللمع/ 125، والبرهان فقرة/ 284، 286، والمنخول ص 157، والمستصفى 2/ 165، والروضة/ 252، والكوكب المنير 3/ 297، والمحصول 1/ 3/ 39، والوصول لابن برهان 1/ 240، وإحكام الآمدي 2/ 289، والعضد 2/ 137، وتيسير التحرير 1/ 297، والمسودة ص 152، وجمع الجوامع 2/ 10، والإبهاج 2/ 152، ونهاية السول 2/ 410، وقواعد ابن اللحام ص 251.
(4/101)

لا يصح هذا عن ابن عباس، وقيل: يصح، فعلى القول بعدم الصحة لا كلام، وعلى القول بصحة النقل عنه، هل ذلك مطلق في الزمان أو مقيد بسنة؟ قولان عن ابن عباس (1)، وإذا قلنا أيضًا بصحة النقل مطلقًا في الزمان أو مقيدًا به، فهل الاستثناء مطلق في معانيه أو [هو] (2) مقيد (3) بأحد معنييه (4) وهو التعليق بمشيئة الله تعالى؟ لأن الاستثناء له معنيان: أحدهما: الاستثناء بإلا وأخواتها، والثاني: التعليق على مشيئة الله تعالى، لقوله عليه السلام: "من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف" (5).
معنى قوله عليه السلام: "واستثنى": قال: إن شاء الله، وهذا القول هو مختار المؤلف في شرحه (6)، قال الإمام المازري في شرح البرهان (7): المنقول عن المالكية هو الاستثناء بالمشيئة إذا نواه (8) هل تنحل به اليمين أم لا؟ قال:
__________
(1) وقيل: يقيد بشهر، فهذا قول ثالث عن ابن عباس كما مر في التعليق السابق.
(2) ساقط من ز.
(3) "مقيدًا" في ز.
(4) "معنيه" في الأصل.
(5) انظر: شرح القرافي ص 243، والاستغناء ص 529، وشرح المسطاسي ص 2، من المخطوط رقم 314 بجامع مكناس.
(6) انظر: شرح القرافي ص 243.
(7) اسمه: إيضاح المحصول شرح برهان الأصول.
وهناك كتاب آخر اسمه البيان في شرح البرهان لأبي عبد الله محمد بن مسلم المازري، وليس هو المراد هنا، والله أعلم.
انظر: إيضاح المكنون 1/ 156، ومعجم المؤلفين 12/ 22.
(8) "نوى" في ز.
(4/102)

وعن ابن عباس [في تأخير المشيئة] (1) روايتان: قيل: مطلقًا، وقيل: سنة (2). وإذا قلنا أيضًا بصحة النقل إطلاقًا أو تقييدًا في زمانه أو معانيه، فهل ذلك مطلق في اعتقاده أو مقيد (3) بما إذا نواه عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك؟ وهذا القول هو الذي حكاه المؤلف عن الإمام (4) [فهذه خمسة أقوال] (5).
القول السادس: أنه مقيد بما إذا أضمره (6) عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك، ذكره إمام الحرمين (7).
القول السابع: أن ذلك مقيد بما إذا نواه وأضمره معًا، نقله إمام الحرمين في البرهان (8) [أيضًا] (9).
القول السابع (10): أن ذلك مختص بكتاب الله عز وجل.
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: نفائس الأصول للقرافي لوحة/ 182 - أمن مخطوط رقم/ 8224 ف مصور فلميًا بجامعة الإمام.
(3) "مقيدًا" في ز.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 40، وانظر: شرح المسطاسي/ 2 من مخطوط مكناس، رقم 314، ونفائس الأصول لوحة/ 154 - أمن مخطوط مصور بجامعة الإمام، قسم المخطوطات برقم/ 9632.
(5) ساقط من ز.
(6) "أظهره" في الأصل.
(7) انظر: البرهان فقرة/ 285.
(8) لم أجد النقل في البرهان، ولعله بمعنى القول السابق فجعلهما قولين.
(9) ساقط من ز.
(10) "الثامن" في ز. وهو أصح للعدد؛ لأنه عدها أولًا ثمانية، ثم سيعيد ها هنا ثمانية، وسيستدل لثمانية، ولكنه قال: سبعة، موافقًا للمسطاسي الذي لم يذكر التقييد بالزمان، ولولا أنه جاء في النسختين: "فهذه سبعة أقوال" لجعلت بدل السابع الثامن اعتمادًا على نسخة ز. والخطب في هذا يسير.
(4/103)

فهذه سبعة أقوال: لا يصح مطلقًا (1)، يصح مطلقًا، وهذان القولان (2) متقابلان، ثالثها: مقيد بسنة (3) (4)، ورابعها (5) مقيد بالمشيئة، وخامسها (6) [مقيد] (7) بالنية، وسادسها (8): [بالإضمار, سابعها] (9) بالنية والإضمار معًا، ومعنى الإضمار هو الإيقاع بالضمير، [وسابعها: مختص بكتاب الله عز وجل] (10).
حجة القول بجواز التأخير مطلقًا: قوله تعالى: {غَيْرُ أُوْلي الضَّرَرِ} (11) (12) لما نزل قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} (13) شكا ذلك ابن أم مكتوم (14)، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لضعفه عن الجهاد؛ لأنه
__________
(1) "أصلًا" في ز.
(2) "وهي قولان" في ز.
(3) "بسنت" في ز.
(4) "مروي عن ابن عباس" زيادة في ز.
(5) "رابعها" في ز.
(6) "خامسها" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "سادسها" في ز.
(9) ساقط من الأصل، ولعل السادس والسابع بمعنى واحد؛ إذ لا إضمار بدون نية.
(10) ساقط من ز.
(11) سورة النساء آية رقم 95.
(12) "لأنه" زيادة في ز.
(13) سورة النساء آية رقم 95.
(14) صحابي جليل اسمه: عمر بن قيس بن زائدة بن الأصم، هذا هو الصحيح، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: غير ذلك، من بني عامر بن لؤي، وأمه أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وهو ابن خال خديجة رضي الله عنها، أسلم قديمًا، وهاجر مع الأولين قبل مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس، وفي حقه نزلت الآيات من سورة عبس، وقوله تعالى: {غيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ}، رَوَى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحديثه في السنن، توفي رضي الله عنه شهيدًا بالقادسية، وقيل: بعد رجوعه منها.
انظر: الإصابة 2/ 308، 523، والاستيعاب 3/ 260.
(4/104)

أعمى، فنزل قوله تعالى: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} (1)، فهذا يدل على جواز تأخير الاستثناء مطلقًا (2).
أجيب عنه: بأنه خبر واحد والمسألة علمية ولا يكتفى فيها بالظن.
وحجة القول بتقييد ذلك بسنة (3) كما روي عن ابن عباس: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ ...} (4) الآية إلى قوله: {مُهَانًا} (5) نزلت هذه الآية فلما كان بعد سنة نزل قول الله تعالى: {إلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَاُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (6) (7).
__________
(1) هذا الأثر ثابت في البخاري وغيره من طرق كثيرة، من حديث البراء، وحديث زيد ابن ثابت، وغيرهما، وهو مشهور بين المفسرين.
انظر: فتح الباري 6/ 44، 8/ 259، والترمذي الأحاديث رقم 3031، 3032، 3033، مسند أحمد 4/ 282، 284، 290، 299.
وانظر: تفسير ابن كثير 1/ 540، حيث جمع طرق أحاديثه.
وانظر: أسباب النزول للواحدي ص 117، واللباب للسيوطي ص 78، والصحيح المسند من أسباب النزول ص 46.
(2) ذكره القرافي في شرحه دليلًا مطلقًا، وذكره الجلال في شرح جمع الجوامع دليلًا لجوازه في كتاب الله، وقال البناني: "يصح الاستدلال به للقائلين بجوازه في المجلس، وهو المروي عن الحسن وعطاء" اه.
انظر: جمع الجوامع 2/ 11، وشرح القرافي ص 243.
(3) "سنة" في ز.
(4) سورة الفرقان آية رقم 68.
(5) سورة الفرقان آية رقم 69.
(6) سورة الفرقان آية رقم 70.
(7) روى الشيخان هذا الأثر عن ابن عباس من طريق منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير عنه، فانظر: الفتح 8/ 494، ومسلم الحديث رقم 3023، ورواه أيضًا أبو داود برقم 4273، والطبري في التفسير 19/ 27.
وليس فيه النص على السنة، وإنما فيه: أن أهل مكة قالوا: إن فينا من عبد الأصنام وقتل وأتى الفواحش، فأنزل الله: {إِلَّا مَنْ تَابَ} ... الآية.
وانظر: لباب النقول للسيوطي ص 163، والصحيح المسند من أسباب النزول للوادعي ص 103.
(4/105)

وحجة القول بتقييد ذلك بمشيئة الله تعالى: قوله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلا أَن يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} (1) وبيان ذلك: أنه عليه السلام سأله (2) اليهود عن لبث (3) أصحاب الكهف، قال لهم: غدًا أجيبكم، ولم يقل: إن شاء الله، فتأخر عنه الوحي بضعة عشر يومًا، ثم نزل قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلا أَن يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن شاء الله"، إلحاقًا لقوله أولًا: "غدًا أجيبكم" (4) (5)، ومعنى قوله تعالى: {وَاذْكر (6) رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}: [إن لم تستثن عند] (7) القول فاستثن بعد ذلك (8)، والمراد
__________
(1) سورة الكهف الآيتان رقم 23، 24.
(2) "سألته" في ز.
(3) "ليت" في ز.
(4) أخرج هذا الأثر ابن جرير في التفسير 15/ 118، ولكنه مختلف عما هنا؛ حيث إن مشركي قريش بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود ليسألوهم عن محمد، فأمرهم يهود بسؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أصحاب الكهف، وعن لقمان، وعن الروح، فلما عادوا لمكة سألوه ... إلخ القصة، وانظر: ابن كثير 3/ 71، واللباب للسيوطي ص 143.
(5) انظر هذا الدليل: في الإحكام للآمدي 2/ 290، والعضد على ابن الحاجب 2/ 137، 138، وتيسير التحرير 1/ 299، والإبهاج 2/ 154، وقواعد ابن اللحام ص 251، وشرح القرافي ص 244.
(6) "اذكر" في ز.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز، وفيها بدله: أي: إذا نسيت أن تستثني بعد. اه.
(8) نقل ابن جرير عن أبي العالية أن معناه: إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن. اه.
وحكاه ابن كثير عن الحسن البصري، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه فيما حكاه ابن كثير.
انظر: تفسير الطبري 15/ 141، وابن كثير 3/ 79، وشرح القرافي ص 243.
(4/106)

بالاستثناء ها هنا هو مشيئة الله تعالى، وهو أن يقول: إن شاء الله (1).
أجيب عن هذا: بأن قوله عليه السلام: إِن شاء الله، ليس ملحقًا بخبره (2) الأول (3)، وإنما هو عائد على فعل مقدر كأنه يقول: أقول: إن شاء الله عند قولي: أفعل كذا وكذا، ومثال هذا: إذا قلت لغيرك: افعل كذا، فيقول لك: إن شاء الله، أي: أفعل ذلك إن شاء الله (4).
وحجة القول بتقييد ذلك بما إذا نواه: أن النية لها تأثير في الأحكام لقوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" أجيب عن هذا: بأنه لا يصح في جميع الصور؛ إذ لا يخلو صاحب هذا القول: إما أن يريد الاستثناء بمشيئة الله تعالى، وإما أن يريد الاستثناء بأدوات الاستثناء، فإن أراد بذلك الاستثناء بمشيئته تعالى، فلا يصح؛ لأنه لا بد من التلفظ به؛ لأنه سبب حل اليمين ولا تكفي فيه النية.
قال ابن الحاجب: ولا تفيد نية الاستثناء إلا بلفظه (5).
__________
(1) رواه الطبري عن الحسن، وقال ابن كثير: روى الطبراني بسنده إلى ابن عباس معناه: أن تقول: إن شاء الله.
انظر: تفسير الطبري 15/ 141، وابن كثير 3/ 79.
وقد سبق للمسألة بيان في توجيه رأي ابن عباس، انظره صفحة 101 من هذا المجلد.
(2) "لخبره" في ز.
(3) في ز زيادة ما يلي: "الذي هو قوله: غدًا أجيبكم". اه.
(4) أجاب بهذا الآمدي في الإحكام 2/ 291، والعضد في شرح مختصر ابن الحاجب 2/ 137، 138، وصاحب تيسير التحرير 1/ 299.
(5) انظر: فروع ابن الحاجب المسمى جامع الأمهات ورقة 37 - أمن مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 887 - د.
ونص العبارة فيه: "ولا تفيد نية الاستثناء إلا بتلفظه".
(4/107)

وإن أراد الاستثناء بأدواته، فإما أن يكون ذلك في النصوص، وإما أن يكون (1) في الظواهر، فإن كان ذلك في النصوص فلا يصح؛ لأن النص لا يستثنى منه بالنية، فإذا قلت: له عندي عشرة، وتنوي بها ثمانية، ثم تبين بعد ذلك مرادك فلا يصح ذلك الاستثناء.
وإن كان ذلك في الظواهر مثل إطلاق العام ويريد به الخاص ثم يفسره [بعد] (2) ذلك (3)، مثل أن يقول: نساؤه طوالق ونوى بعضهن.
ثم بعد ذلك فسر مراده منهن، فها هنا خاصة يمكن التقييد بالنية، فلا يصح تقييده بالنية إذًا إلا في الظواهر إذا خصصت بأدوات الاستثناء، ولا يصح ذلك في النصوص ولا في مشيئة الله تعالى.
وحجة القول بتقييده/ 201/ بما إذا أضمره: أن الكلام (4) حقيقة في النفساني (5)، فإذا أضمر الاستثناء في نفسه [أي: أوقعه في نفسه] (6) فإنه ينفعه
__________
(1) "ذلك" زيادة في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) "بذلك" في ز.
(4) "عندي" زيادة في ز.
(5) هذا هو قول ابن كُلَّاب ومن تبعه في معنى الكلام عند الإطلاق، وهو أنه اسم للمعنى فقط، ومجاز في اللفظ، وعليه بنى مذهبه في كلام الله؛ حيث قال: هو معنى واحد قائم بذات الله، وقد وافقه على هذا جماعة منهم الأشعري، والصحيح أن معنى الكلام متناول للفظ والمعنى جميعًا.
هذا هو مذهب سلف الأمة رحمهم الله.
انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 7/ 170، وشرح الطحاوية ص 180، 197.
(6) ساقط من ز.
(4/108)

إذا فسره بعد ذلك، ولا يكفيه مجرد النية وهي (1) القصد إلى إيقاعه؛ لأن القصد إلى إيقاع الشيء ليس بإيقاع له إجماعًا، فإن من قصد (2) إيقاع الطلاق ثم بدا له [ألا يطلق] (3) فلا يلزمه الطلاق إجماعًا (4) (5).
قال المسطاسي: تنبه لهذا القول، فإن أكثر الناس (6) ممن لم يميز (7) في علم الأصول (8) ينكره (9).
وحجة القول بتقييده بالنية والإضمار معًا: أن الكلام حقيقة في اللساني مجاز في النفساني (10) ..........................................
__________
(1) "وهو" في ز.
(2) "إلى" زيادة في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) في هامش الأصل ما يلي: انظر من قصد إيقاع الطلاق. اه.
(5) هذا قول عامة أهل العلم، وقد ذكر في المغني عن الزهري وابن سيرين خلاف ذلك، وأن الطلاق يقع بالنية، وذكر ابن رشد في المقدمات، وابن جزي في القوانين، خلافًا لبعضهم، وذكر ابن عبد البر في الكافي أنه رواية عن مالك.
انظر: المغني 7/ 121، والمقدمات 2/ 265، والقوانين الفقهية/ 199. والكافي لابن عبد البر 2/ 576، وبداية المجتهد 2/ 74.
(6) "كثيرًا من الناس" في ز.
(7) "يتمهر" في ز.
(8) "أصول" في ز.
(9) عبارة المسطاسي في نسخة جامع مكناس رقم/ 352 ما يلي: فتنبه لهذا فإن أكثر الناس ممن لم يتمرن في علم الأصول ينكره. اه. انظر صفحة/ 130، وعبارة النسخة رقم/ 314 ما يلي: فتنبه لهذا فإن أكثر الناس ممن لم يستمر حالة في أصول الفقه ينكره. اه. انظر صفحة 4.
(10) الذين يقولون بأن مسمى الكلام هو اللفظ، وأما المعنى فليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه، هم أكثر أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وطائفة من المنتسبين للسنة، وهو قول النحاة؛ لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 7/ 170.
(4/109)

والمجاز لا بد معه من النية والله أعلم (1).
وحجة القول بأن ذلك مختص بكتاب الله عز وجل دون غيره: أن الكلام الأزلي واحد، وإنما الترتيب في (2) جهات الوصول إلى المخاطبين (3) (4).
أجيب عن هذا: بأن ذلك ليس محل النزاع؛ فإن الكلام في العبارات التي بلغتنا (5)، وهي محمولة على كلام العرب، فإن المنقول عن ابن عباس جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه (6).
فهذا (7) تمام (8) حجج الأقوال المذكورة، وهي كلها أقوال (9) ضعيفة.
__________
(1) وجه استشهادهم هنا: أن الكلام مجاز في النفساني، والمجاز لا يدل على المراد منه إلا بقرينة، فالنية على قولهم هي القرينة.
(2) "من" في ز.
(3) هذا قول طائفة ممن تبع ابن كُلَّاب في مذهبه في كلام الله، لأنهم لما قالوا: إن كلام الله معنى قائم بذات الله وهو الأمر والنهي والخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، انقسموا بعد ذلك، فطائفة منهم الأشعري قالوا: إنه معنى واحد في الأزل وإنه في الأزل أمر ونهي وخبر كما يقول الأشعري.
وهذا دليل القول الذي ذكره الشوشاوي.
وطائفة قالوا: إنما يصير أمرًا ونهيًا عند وجود المأمور والمنهي، ومنهم من يقول: هو عدة معان. والله أعلم.
انظر: الفتاوى 12/ 165.
(4) انظر الدليل في: البرهان فقرة/ 285، والمنخول ص 157، والوصول لابن برهان 1/ 242.
(5) في ز "إلى تلفتنا" وهو تصحيف.
(6) انظر هذا الجواب في: البرهان فقرة 286، والمنخول ص 157، والوصول في الأصول 1/ 242.
(7) "فهذه" في ز.
(8) "عام" في ز.
(9) "أقول" في الأصل.
(4/110)

وأما حجة القول المشهور، الذي عليه الجمهور، وعليه العمل [يدور] (1) في سائر الأمصار والأعصار، وهو منع تأخير الاستثناء عن المستثنى منه، فمن ذلك: قوله عليه السلام: "من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه فليكفر [عن] (2) يمينه وليأت الذي هو خير" (3)، فلو صح تأخير الاستثناء، لقال له: استثن، ولا يقول له: كفر، لأن الاستثناء أسهل من التكفير؛ لأنه عليه السلام قاصد للتسهيل (4)، ومنها: أن العرف (5) يقبح فيه أن يقول الإنسان لغيره: بع سلعتي ممن شئت، [ثم] (6) يقول (7) بعد غد: إلا
__________
(1) ساقط من ز.
(2) ساقط من ز.
(3) هذا معنى حديث صحيح، أخرج في الصحيحين والسنن بألفاظ متعددة وعن عدد من الصحابة منهم: أبو هريرة، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبو موسى، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن عمرو.
وجميع ما اطلعت عليه من روايات الحديث والإحالات عليها في كتب التخريج لم أجد فيها اللفظ، أعني قوله: من حلف على شيء.
بل كل الروايات ورد فيها التصريح باليمين إما بلفظ المتكلم، أو المخاطب أو صفة لحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو بمثل الصيغة التي أوردها الشوشاوي.
فانظر: فتح الباري 11/ 516، 608، ومسلم رقم 1649 - 1652.
والترمذي رقم/ 1530، والنسائي 7/ 11، وابن ماجه رقم/ 2108، والدارمي 2/ 186.
وانظر: نصب الراية 3/ 296، والمعتبر للزركشي ص 163، وإرواء الغليل 7/ 165.
(4) انظر هذا الدليل في: العدة 2/ 661، والإحكام للآمدي 2/ 290، والعضد على ابن الحاجب 2/ 137، وتيسير التحرير 1/ 298، وشرح الكوكب المنير 3/ 301، وإرشاد الفحول ص 148.
(5) "العرب" في الأصل.
(6) ساقط من ز.
(7) "فيقول" في ز.
(4/111)

من زيد، فإذا كان قبيحًا عرفًا كان قبيحًا لغة؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير (1).
ومنها: أن الاستثناء يقاس على الشرط والغاية والصفة؛ إذ لا يجوز تأخيرها باتفاق والجامع بينهما: أن الجميع فضلة في الكلام غير مستقلة بنفسها (2).
ومنها: أن الاستثناء لو جاز تأخيره (3) لما استقر شيء من العقود: كالطلاق والعتاق، ولا يثبت حنث ولا إقرار ولا عهود (4)، وقد حكى ابن العربي في القبس (5): أنه سمع امرأة ببغداد تقول لجاريتها: مذهب ابن
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 261، والفصول للباجي 1/ 205، والتبصرة ص 163، والبرهان فقرة ص 284، والمنخول ص 157، والمستصفى 2/ 165، والوصول لابن برهان 1/ 241، والمحصول 1/ 3/ 40، وإحكام الآمدي 2/ 290، والعضد 2/ 137، والإبهاج 2/ 152، وانظر: شرح القرافي ص 244، وشرح المسطاسي ص 3، من مخطوط مكناس رقم 314.
(2) انظر: المعتمد 1/ 261، والعدة 2/ 662، واللمع ص 125، والمستصفى 2/ 265، والروضة ص 252، وإحكام الآمدي 2/ 290، والعضد على ابن الحاجب 2/ 137، والإبهاج 2/ 152، ونهاية السول 2/ 410، وشرح القرافي ص 244، وشرح المسطاسي ص 3، من المخطوط رقم 314، بجامع مكناس.
(3) "تأخيرها" في ز.
(4) انظر: العدة 2/ 662، والمعتمد 1/ 261، والتبصرة ص 163، والبرهان فقرة 285، والمنخول ص 157، والوصول 1/ 241، والمحصول 1/ 3/ 40، وإحكام الآمدي 2/ 290، والعضد على ابن الحاجب 2/ 137، وتيسير التحرير 1/ 298، وإرشاد الفحول ص 148.
(5) كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي، ذكر هذا الكتاب معظم من ترجم له، فانظر ترجمته صفحة (65)، وقد حقق بعضه في جامعة أم القرى. وانظر: بغية الملتمس ص 83، وكشف الظنون 2/ 1315، وهدية العارفين 2/ 90.
(4/112)

في الاستثناء غير صحيح؛ إذ لو كان صحيحًا لقال الله لنبيه أيوب عليه السلام: استثن ولا تحنث ولا يقول له: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَث} (1) (2) (3).
قوله: (واختار القاضي عبد الوهاب (4) والإِمام (5) جواز استثناء (6) الأكثر، وقال القاضي أبو بكر: يجب أن يكون أقل، وقيل: يجوز المساوي دون الأكثر، لنا: قوله (7) تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ [مِنَ الْغَاوِينَ] (8)} (9) ومعلوم أنهم الأكثر (10)).
ش: هذه مسألة ثالثة (11) من أحكام الاستثناء، وهي نهاية الاستثناء.
__________
(1) سورة (ص) آية رقم 44.
(2) ذكر ابن العربي في القبس قريبًا من هذه القصة عن أبي الفضل المراعي، أنه سمع ذلك من بعض العامة ببغداد وهو عازم على الرحيل، فترك الرحيل. انظر: القبس صفحة 167، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم 25 - ج.
(3) استدل بحكاية أيوب صاحب تيسير التحرير 1/ 298، وذكر قريبًا من هذه القصة ابن السبكي في الإبهاج 2/ 154، وصاحب شرح الكوكب المنير 3/ 302، نقلًا عن تاريخ بغداد لابن النجار؛ حيث ذكر ذلك في ترجمة أبي إسحاق الشيرازي.
(4) انظر: شرح التنقيح لحلولو ص 208، والمسطاسي ص 4، من مخطوط مكناس رقم / 314.
(5) انظر: المحصول 1/ 3/ 53 - 54، والمسطاسي ص 4، من مخطوط مكناس رقم/ 314.
(6) "الاستثناء" في ز.
(7) "لقوله" في أوخ وش.
(8) ساقط من أ.
(9) سورة الحجر آية رقم 42.
(10) في أوش وخ: "أنه أكثر"، وفي ز: "أنهم أكثر".
(11) هذه هي المسألة الثالثة في ز.
(4/113)

ذكر المؤلف فيها ها هنا ثلاثة أقوال، وزاد في الشرح قولين (1)، فهي إذًا خمسة أقوال.
القول الأول وهو المشهور: أنه يجوز استثناء الأكثر.
القول الثاني (2): لا يجوز إلا استثناء الأقل ولا يجوز الزائد عليه.
القول الثالث: يجوز استثناء المساوي وهو النصف (3).
القول الرابع: لا يجوز إلا استثناء الكسر، ولا يجوز استثناء العقد، فتقول مثلًا: عندي (4) عشرة إلا نصف واحد، وتقول (5): عندي مائة إلا نصف عشرة، وله عندي ألف إلا نصف مائة، ولا تقول: عندي عشرة إلا واحدًا (6)؛ لأن واحدًا عقد وليس بكسر.
ولا تقول: له عندي مائة إلا عشرة؛ لأن عشرة عقد لا كسر.
ولا تقول: له عندي (7) ألف إلا مائة؛ لأن مائة عقد لا كسر؛ لأن نسبة الواحد إلى العشرة كنسبة العشرة إلى المائة ونسبة المائة إلى الألف؛ لأن الجميع عقد تام وعدد صحيح.
__________
(1) انظر: الشرح ص 244 وشرح المسطاسي ص 4 من المخطوط رقم 314 بالجامع الكبير بمكناس.
(2) "أنه" زيادة في ز.
(3) "المصنف" في ز.
(4) "مثلًا" زيادة في ز.
(5) "له" زيادة في ز.
(6) "واحد" بالرفع في ز.
(7) "عند" في ز.
(4/114)

القول الخامس: أنه يجوز استثناء الكل وهو الاستثناء المستغرق (1).
__________
(1) المتتبع لكتب الأصول يجد أن المذاهب في هذه المسألة تزيد على الخمسة والمشهور منها ما يلي:
1 - الجواز المطلق لأكثر المستثنى بل له ولما زاد عليه، وقد نقله أبو حيان عن الفراء، ومثل له بقوله: علي ألف إلا ألفين وشرط كونه منقطعًا، ونقل ابن طلحة كما سيأتي عن المالكية ما يفيد جواز المستغرق.
2 - الجواز للمستغرق إذا لم يكن بلفظ الصدر ولا مشابهًا له، وهو مشهور عن الحنفية وبعض النحاة ومثلوا له بقوله: عبيدي أحرار إلا هؤلاء أو إلا بكرًا وزيدًا وعمرًا وليس له غيرهم. ولا يجوز أن يقول: إلا عبيدي أو إلا مماليكي.
3 - الجواز لأكثر المستثنى منه دون المستغرق وعليه جماهير العلماء.
4 - جواز استثناء النصف دون ما زاد عليه، وهو مروي عن القاضي الباقلاني، وابن درستويه، والزجاج، وابن جني، وهو الصحيح عند الحنابلة، ونسبه ابن حزم لجمهور المالكية.
5 - أنه لا يجوز إلا الأقل وهذا مروي أيضًا عن الباقلاني، ووجه للحنابلة.
6 - لا يجوز الأكثر من عدد مسمى كعشرة إلا سبعة ويجوز من الجنس كمن في الدار إلا الطوال وإن كانوا أكثر، وقال بهذا أكثر النحاة خصوصًا أهل البصرة والإمام أحمد وأبو يوسف والأشعري وابن الماجشون، ونصره الباقلاني في التقريب، وقيل: هو آخر أقواله، وصرح ابن اللحام والفتوحي بأنه قول أحمد وأصحابه.
7 - لا يستثنى إلا الكسر أما العقد فلا يستثنى، وقد نسب الغزالي لأكثر أهل اللغة استقباح استثناء العقد، وجعله الآمدي مذهبًا لبعض أهل اللغة، ونسبه ابن السبكي للنحاة.
8 - عدم جواز الاستثناء من العدد مطلقًا. قال في الإبهاج: صححه ابن عصفور. انظر: المعتمد 1/ 263، والعدة 2/ 666، والتبصرة ص 168، واللمع ص 128، والمنخول ص 158، والمستصفى 2/ 170، والبرهان فقرة ص 294، 295، والوصول 1/ 248، والروضة ص 255، وإحكام ابن حزم 1/ 402، والفصول للباجي 1/ 211، والمحصول 1/ 3/ 53، وإحكام الآمدي 2/ 297، والعضد 2/ 138، والمسودة ص 155، وجمع الجوامع 1/ 14، والإبهاج 2/ 155، ونهاية السول 2/ 411، والتمهيد للإسنوي ص 395، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 59، ومختصر ابن اللحام ص 119، وقواعده ص 247، وتيسير التحرير 1/ 300، =
(4/115)

أما القول الأول: وهو استثناء الأكثر وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين فحجته كما قاله (1) المؤلف: قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (2)، لأن الغاوين أكثر من المهتدين والدليل على أنهم أكثر: قوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} (3)، وقوله تعالى: {وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (4)، وقوله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} (5) (6)، وقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ منْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (7) وغير ذلك (8).
__________
= وإرشاد الفحول ص 149، والمدخل لابن بدران ص 117. وانظر: شرح القرافي ص 245، والاستغناء ص 540، والمسطاسي ص 4 من المخطوط رقم 314 بمكناس، وشرح التنقيح لحلولو ص 208.
(1) "قال" في ز.
(2) سورة الحجر آية رقم 42.
(3) سورة الأنعام آية رقم 116.
(4) سورة يوسف آية رقم 103.
(5) سورة الأعراف آية رقم 102.
(6) في ز زيادة ما يلي: "وقوله تعالى: {وَلا تَجدُ أَكثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} " اه. سورة الأعراف آية رقم 17.
(7) سورة سبأ آية رقم 13.
(8) غالب من ذكر هذا الدليل يأتي بعد قول الله تعالى: {إِنَّ عبَادي لَيسَ لَكَ عَلَيْهمْ سُلْطَانٌ إلا مَنٍ اتَّبَعَكَ منَ الْغَاوِينَ} بقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39، 40]، ثم يقول: استثنى المخَلصين من الغَاوين، وَالغاوين من الَمخلصين فأيهما كان أكثر حصل المقصود. انظر: العدة 2/ 668، والتبصرة ص 168، واللمع ص 128، والوصول 1/ 248، والروضة ص 255، والمحصول 1/ 3/ 54، والفصول 1/ 211، وإحكام الآمدي 2/ 297، والإبهاج 2/ 158، ونهاية السول 2/ 411، وتيسير التحرير 1/ 300.
(4/116)

أجيب عن هذا الدليل: بأن (1) العباد في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي} أعم من بني آدم والجن والملائكة؛ لأن لفظ العباد صادق على الكل، فمعلوم أن الغاوين أقل من الملائكة، فكيف [إذا ضم] (2) إليهم صالحو بني آدم [وصالحو الجن] (3) (4) وقد قال عليه السلام: "إن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الملائكة لا يرجعون إليه أبدًا" (5)، وفي حديث آخر: "إن الملائكة في الحشر يطوفون بمن فيه سبعة أدوار" (6).
__________
(1) "أن" في ز.
(2) ساقط من الأصل.
(3) ساقط من ز.
(4) أجيب عنه أيضًا بأنه منقطع مقدر بلكن.
انظر لهذين الجوابين وغيرهما: العدة 2/ 668، والروضة ص 255، والمسودة ص 155، والإحكام للآمدي 2/ 197، والإبهاج 2/ 157، وشرح القرافي ص 245، والاستغناء ص 540، 544.
(5) هذا الحديث أصله في الصحيحين وغيرهما؛ إذ هو جزء من حديث الإسراء والمعراج الطويل، الذي فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي الأنبياء وفرضت عليه الصلاة، وقد ورد بألفاظ عديدة وليس فيما رأيته منها قوله: ملك من الملائكة، بل تقتصر كلها على قوله: "ملك".
انظر: الفتح 6/ 303، ومسلم رقم 162، 164، ومسند أحمد 3/ 149، 153، و4/ 207، 209، 210.
(6) هذا الحديث يذكره بمعناه المفسرون عند الكلام على قول الله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائكَةُ تَنْزِيلًا} [الفرقان: 25].
وهو موقوف على ابن عباسَ أنه قرأ الآية، وقال: تشقق سماء الدنيا وتنزل الملائكة على كل سماء، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، ثم ينزل أهل السماء الثانية وهم أكثر من أهل السماء الدنيا وأهل الأرض، فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا ... إلى آخر الحديث؛ حيث عدهم إلى السابعة. وقد رواه الحاكم في المستدرك، وقال: رواته محتج بهم إلا علي بن =
(4/117)

وأما القول الثاني: وهو وجوب استثناء الأقل، وهو مذهب عبد الملك ابن الماجشون (1)، وابن خويز منداد (2)، وهو مذهب الخليل، وسيبويه، وجمهور البصريين (3).
حجته: أن مقتضى الدليل منع الاستثناء مطلقًا لكونه إنكارًا بعد إقرار، فخالفنا مقتضى الدليل في الاستثناء (4) الأقل لمعنى (5) لا يوجد في المساوي ولا في الأكثر، وهو كون القليل/ 202/ معرض النسيان لقلة التفات (6) القلب إليه، فلو لم يصح استثناؤه لتطرق الضرر إلى
__________
= زيد ابن جدعان. وهو وإن كان موقوفًا على ابن عباس إلا أنه عجيب بمرة. اه.
قال الذهبي: إسناده قوي. انظر: المستدرك 4/ 569.
وجاء في بعض رواياته أن أهل الأرض من الإنس والجن والبهائم والسباع يحشرون في صعيد واحد، ثم ينزل أهل السماء الدنيا فيحيطون بهم ثم يحيط أهل كل سماء بمن قبلهم. وقد نسب تخريجه بعض المفسرين إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي الدنيا. وانظر: تفسير ابن جرير 19/ 5، وابن كثير 3/ 315، والشوكاني 4/ 74، والدر المنثور 5/ 67.
(1) انظر: الفصول للباجي 1/ 211، والاستغناء ص 546، وشرح التنقيح لحلولو ص 208، وقد روي عن ابن الماجشون قولان آخران: أحدهما: منع الاستثناء في العقد الصحيح، والثاني: منع استثناء الأكثر من عدد مسمى.
انظر: شرح الكوكب المنير 3/ 308، وشرح حلولو ص 209.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 211.
(3) هذا المذهب يمكن حمله على منع استثناء الأكثر من عدد مسمى.
فانظر: شرح الكوكب المنير 3/ 308، وقواعد ابن اللحام/ 247، ومختصره ص 119 والإبهاج 2/ 1555، والإحكام للآمدي 2/ 297، وشرح العضد 2/ 138، ونهاية السول 2/ 411، والاستغناء ص 546، وتيسير التحرير 1/ 300، وشرح القرافي ص 245.
(4) "استثناء" في ز.
(5) "بمعنى" في ز.
(6) "تقاوة" في الأصل.
(4/118)

المقر، بخلاف المساوي والأكثر فلا يعرض فيهما النسيان غالبًا، فيجوز استثناء القليل؛ لأن الحاجة تدعو إلى اليسير دون الكثير (1).
أجيب عن هذا الدليل: بأنا لا نسلم أنه إنكار بعد إقرار، وإنما يكون كذلك لو كان الكلام تامًا قبل حصول الاستثناء وليس كذلك، فإن المجموع المركب من المستثنى والمستثنى منه جملة واحدة (2)، بل الأصل قبوله، لإمكان صدق المتكلم به، ودفعًا للضرر عنه؛ إذ المقر ربما أقر بما قد وفَّى بعضه غير أنه نسيه وتذكره عند الإقرار، فلو لم يصح الاستثناء للحقه (3) الضرر (4) (5).
وقد نص ابن الحاجب في كتاب الإقرار على هذين القولين الأولين وهما استثناء الأكثر أو الأقل فقال: والاستثناء بما لا يستغرق كعشرة إلا تسعة يصح، خلافًا لعبد الملك (6) (7).
وأما القول الثالث وهو استثناء المساوي (8) وهو مذهب القاضي أبي
__________
(1) انظر هذا الدليل في: البرهان فقرة 295، والمحصول 1/ 3/ 55، والوصول لابن برهان 1/ 248، والإحكام للآمدي 2/ 297، والعضد على ابن الحاجب 2/ 138، والإبهاج 2/ 155، ونهاية السول 2/ 411، والاستغناء ص 540.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 56، وإحكام الآمدي 2/ 297، ونهاية السول 2/ 411، والاستغناء ص 543.
(3) "للحقتة" في ز.
(4) "الضرورة" في ز.
(5) انظر: الوصول لابن برهان 1/ 148، والإحكام للآمدي 2/ 297.
(6) أي ابن الماجشون.
(7) انظر: مختصر ابن الحاجب الفرعي ورقة/ 76 - أ، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم 887 - د.
(8) المقصود بالمساوي النصف، والمعنى: مساوي المستثنى بالمستثنى منه، فإنك إذا استثنيت النصف تساويا، أو المعنى: المساوي للباقي.
(4/119)

بكر (1) وابن درستويه (2) (3) من النحاة (4) فحجته مفهومة من حجة استثناء الأكثر؛ لأنه إذا جاز استثناء الأكثر فأولى وأحرى جواز (5) استثناء المساوي،
__________
(1) هذا أيضًا أحد الأقوال لأبي بكر الباقلاني، وخلاصة المنقول عن القاضي أبي بكر أربعة أقوال:
1 - جواز استثناء الأكثر وكان يقول به في أول حياته.
2 - جواز النصف دون الأكثر نسبه له أبو يعلى والشيرازي وغيرهما.
3 - جواز الأقل فقط نسبه له الجويني والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، ونقل صاحب الإبهاج أنه صرح به في التقريب.
4 - منع استثناء الأكثر من عدد مسمى نسبه له ابن اللحام، وقال صاحب البديع: هو آخر قول القاضي.
وهذه الأقوال هي التي جعلت بعض الأصوليين يحكي التردد عن القاضي في المسألة، انظر: المستصفى 2/ 170، والعدة 2/ 666، واللمع ص 128، والبرهان فقرة 295، والمنخول ص 158، والوصول 2/ 248، والمحصول 1/ 3/ 53، والفصول للباجي 1/ 211، والإحكام للآمدي 2/ 297، والعضد 2/ 138، والإبهاج 2/ 155، ونهاية السول 2/ 411، وقواعد ابن اللحام ص 247، وتيسير التحرير 1/ 300.
(2) "درو سيبويه" في ز.
(3) أبو محمد: عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه، استوطن بغداد صغيرًا وأخذ عن المبرد وثعلب وابن قتيبة، وكان فاضلًا متفننًا في العلوم، أخذ عنه الدارقطني وجماعة من الحفاظ، توفي سنة 347 ه، ألف ما يزيد على أربعين كتابًا منها: الإرشاد في النحو، وشرح فصيح ثعلب، وغريب الحديث، ومعاني الشعر، وغيرها، وكانت تصانيفه غاية في الإتقان.
انظر: تاريخ بغداد 9/ 428، والوفيات 3/ 4، والفهرست ص 93، وتاريخ العلماء النحويين ص 46، والبداية والنهاية 11/ 233، وشذرات الذهب 2/ 375، وهدية العارفين 1/ 446.
(4) انظر: العدة 2/ 666، والتبصرة ص 168، واللمع ص 128، وإحكام الفصول للباجي 1/ 211، وإحكام الأحكام للآمدي 2/ 297.
(5) "بجواز" في ز.
(4/120)

لاشتمال الأكثر على المساوي والزيادة (1).
وأما القول الرابع وهو جواز استثناء الكسر دون العدد التام (2)، وهو مذهب بعض أهل اللغة، قاله سيف الدين الآمدي (3)، فحجته أنهم قالوا: ليس في القرآن والسنة إلا استثناء الكسر، ومنه قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا} (4)، فخمسون من الألف كسر لا عقد (5)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا" (6)، فاستثنى واحدًا من المائة وهو [بعض] (7) عقد المائة، فإن عشرة هو عقد المائة (8).
وهذا المذهب مردود بمسائل الطلاق والإقرار؛ فإنه إذا قال: أنت طالق
__________
(1) "والزيادات" في ز.
(2) هذا القول هو جواز استثناء الكسر دون العقد الصحيح، ليس دون العدد التام، كما قاله الشوشاوي، ولعل العبارة: دون العقد التام. انظر: المستصفى 2/ 170، والإحكام للآمدي 2/ 297، وجمع الجوامع 2/ 14، والإبهاج 2/ 156، وقواعد ابن اللحام ص 247.
(3) انظر: الإحكام 2/ 297.
(4) سورة العنكبوت آية رقم 14.
(5) انظر: المستصفى 2/ 170.
(6) الحديث مشهور بهذا اللفظ عن أبي هريرة خرجاه في الصحيحين وفي آخره: "من أحصاها دخل الجنة". انظر: فتح الباري 13/ 377، ومسلم رقم 2677.
وورد بلفظ: مائة إلا واحدة، فانظره في البخاري - الفتح 5/ 354، 11/ 214، وأحمد 2/ 427.
وورد بلفظ: غير واحد. انظره في الترمذي برقم/ 3506، وورد بغير استثناء في مسلم برقم/ 2677، والترمذي برقم/ 3507، 3508.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر حجة هذا المذهب في شرح القرافي ص 244، والاستغناء ص 537، وقد نقل الحجج عن شرح البرهان للمازري.
(4/121)

ثلاثًا إلا واحدة أنه يلزمه اثنان باتفاق، وليس ذلك بكسر (1)، وكذلك إذا قال في الإقرار: له عندي عشرة إلا واحدًا (2) أنه يلزمه تسعة باتفاق، وليس ذلك بكسر (3).
وأما القول الخامس وهذا استثناء الكل (4) فحجته: القياس على استثناء البعض بجامع الإخراج، وهذا المذهب مردود بالإجماع؛ لأن الغزالي (5)
__________
(1) حكى الاتفاق على هذه المسألة ابن المنذر، وابن رشد، ونسبه صاحب المغني للثوري، وأصحاب الرأي وجماعة، ثم حكى فيه خلافًا عن أبي بكر بأن الاستثناء لا يؤثر في عدد الطلقات، ويجوز في المطلقات، لكنه ضَعَّفَ مستند هذا القول.
انظر: الإجماع لابن المنذر ص 103، وبداية المجتهد 2/ 80، والمغني لابن قدامة 7/ 161.
(2) "تسعة" في الأصل.
(3) انظر: الإفصاح لابن هبيرة 2/ 17، والكافي لابن عبد البر 2/ 889، والمغني لابن قدامة 5/ 157.
(4) مر بنا أن أبا حيان نقل عن الفراء جواز الاستثناء لأكثر من المستثنى منه وشرط كونه منقطعًا، وأن ابن طلحة نقل عن المالكية ما يفيد جواز المستغرق، بتجويزهم استثناء الثلاث من الثلاث. كما مر أن الحنفية يجيزون استثناء الكل إذا كان الاستثناء بغير لفظ الصدر، كما إن بعض الحنابلة حصروا الخلاف في الاستثناء من عدد مسمى، أما الجنس أو الصفة فيجوز فيها المستغرق، كأكرم من في الدار إلا الطوال، وكان كل من في الدار طوالًا.
انظر: جمع الجوامع 2/ 14، والإبهاج 2/ 155، ونهاية السول 2/ 411، وقواعد ابن اللحام ص 247، وشرح الكوكب المنير 3/ 306، وتيسير التحرير 1/ 300، وشرح القرافي ص 245، والاستغناء ص 537، وشرح حلولو على التنقيح ص 209.
(5) لم أطلع على حكاية الغزالي للإجماع، لكنه يفهم من كلامه لجعله عدم الاستغراق شرطًا في الاستثناء، وحكايته الخلاف في استثناء الأكثر دون المستغرق. انظر: المستصفى 2/ 170، والمنخول ص 158.
(4/122)

وغيره (1) حكى الإجماع في بطلان الاستثناء المستغرق، فإذا قال: له عندي عشرة إلا عشرة، لزمته عشرة بإجماع؛ لأنه يعد نادمًا.
قال المؤلف في الشرح (2): قد وقع في المذهب مسائل تقتضي جواز استثناء الكل:
المسألة الأولى: حكى ابن طلحة الأندلوسي (3) (4) في المدخل له في الفقه: أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، ففي لزوم الثلاث (5) له قولان، فإن القول بعدم لزوم الثلاث يقتضي جواز استثناء الكل (6) (7) (8).
__________
(1) حكى الإجماع على منع المستغرق كل من:
الرازي في المحصول 1/ 3/ 53، والآمدي في الإحكام 2/ 297، وابن قدامة في المغني 5/ 159، والروضة ص 255، وابن السبكي في الإبهاج 2/ 155، والإسنوي في التمهيد ص 395، ونهاية السول 2/ 411، وابن اللحام في المختصر ص 119، والقواعد ص 247، لكنه حصر الخلاف في غير الصفة والجنس، والشوكاني في إرشاد الفحول ص 149.
(2) انظر: الشرح ص 246، وفي اللفظ اختلاف يسير عما هنا.
(3) "والأندلوسي" في ز، وفي شرح القرافي والمسطاسي: الأندلسي. وهو الصحيح.
(4) هو أبو بكر وأبو محمد: عبد الله بن طلحة بن محمد بن عبد الله اليابُري روى عن جماعة من الأعلام منهم: الباجي، وعاصم بن أيوب، وعنه أبو المظفر الشيباني، وأبو محمد العثماني، نزل بإشبيلية وحلق به للعامة، واستوطن مصر وقتًا ثم رحل إلى مكة وجاور بها إلى أن توفي سنة 523 ه. كان ماهرًا في الفقه وأصوله وفي النحو والتفسير، له كتاب تفسير القرآن، وكتاب سيف الإسلام في فقه المالكية، وكتاب المدخل إلى الكتاب السابق وغيرها. انظر ترجمته في: أزهار الرياض للمقري 3/ 77، طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر، والعقد الثمين للفاسي 5/ 182 مطبعة أنصار السنة بمصر.
(5) "الثلاثة" في ز.
(6) "من الكل" زيادة في ز.
(7) انظر: الاستغناء ص 537، وشرح حلولو ص 209، وشرح المسطاسي ص 5 من مخطوط مكناس رقم 314.
(8) المذاهب الفقهية متفقة في هذه المسألة على بطلان الاستثناء ولزوم الطلاق للمستثنى، =
(4/123)

المسألة الثانية: نقلها أصحاب المذهب: أنه إذا قال: أنت طالق [ثلاثًا] (1) إلا ثلاثًا إلا اثنتين، ففي لزوم الثلاث (2) قولان: قيل: تلزمه الثلاث (3) بناء على أنه استثنى ثلاثًا (4) من ثلاث فيكون الاستثناء باطلًا (5) لاستغراقه، وقيل: تلزمه اثنتان بناء على أن استثناء الكل إذا تعقبه استثناء آخر يُصَيِّره أقل من الثلاث (6)، وهو قوله: إلا اثنتين، وذلك أن الثلاث (7) الأولى مثبتة والثلاث (8) الثانية منفية والاستثناء الثاني وهو الاثنتان (9) مثبتتان (10)؛ لأنه استثناء من نفي، فلم ينتف إلا واحدة فقط فتلزمه
__________
= قالوا: لأنه استثناء الكل من الكل وهو باطل، أو لأنه يعد نادمًا غير مستثن لاتهامه بالرجوع.
وفي مذهب المالكية قول بعدم وقوع الطلاق فيما إذا لم يكن ثمت تهمة؛ كأن يكون قصده استحالة الطلاق، انظر لهذا: بداية المجتهد 2/ 81، وانظر لمذاهب العلماء: بدائع الصنائع 3/ 155، والهداية للمرغيناني 1/ 254، والأم 5/ 187، والوجيز للغزالي 2/ 61، وروضة الطالبين 8/ 92، وزاد المحتاج للكوهجي 3/ 386، والشرح الصغير للدردير 3/ 392، والكافي لابن عبد البر 2/ 580، والمغني لابن قدامة 7/ 161.
(1) ساقط من الأصل.
(2) "الثلاثة" في ز.
(3) "الثلاثة" في ز.
(4) "ثلاثة" في ز.
(5) "باطل" في ز.
(6) "من ثلاث" في ز.
(7) "الثلاثة" في ز.
(8) "الثلاثة" في ز.
(9) "الاثنان" في الأصل.
(10) "منفيتان" في الأصل.
(4/124)

اثنتان (1).
المسألة الثالثة: ذكرها أصحاب المذهب [أيضًا] (2) إذا قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة (3) إلا واحدة، فإنه تلزمه الاثنتان (4) لاستثنائه الثالثة، مع أن الثالثة قد نطق بها (5) بلفظ يخصها (6) فقد استثنى جملة ما نطق به فيها، وهو استثناء الكل، وعللوا ذلك بأن خصوص الوَحَدَات (7) لا يتعلق به غرض، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا (8) إلا واحدة (9).
__________
(1) أشار لهذا أيضًا بعض المذاهب، فقد حكى فيه النووي في الروضة والكوهجي في شرح المنهاج ثلاثة أقوال:
قيل: يلزمه ثلاث، وقيل: يلزمه ثنتان، وقيل: يلزمه واحدة، والأخير بناء على أن المستغرق باطل، والاستثناء الثاني صحيح، فيعود على الأول.
وأورد الكاساني قولًا واحدًا بلزوم الاثنتين فقط. انظر: روضة الطالبين 8/ 93، وزاد المحتاج 3/ 387، وبدائع الصنائع 3/ 157.
(2) ساقط من ز.
(3) "إلا واحدة" في ز.
(4) "لا تلزمه إلا اثنتان" في ز.
(5) "نطقها" في ز.
(6) "يخصصها" في ز.
(7) "الواحدة" في ز.
(8) "ثلاث" في ز.
(9) ذكر هذه المسألة القرافي في الاستغناء ونسبها للجواهر.
وذكر النووي فيها قولين: قولًا باعتبار الجمع أي جمع الوَحَدَات ثم الاستثناء منها، فيلزمه ثنتان، وقولًا باعتبار الفصل فيكون استثناء واحدة من واحدة، فيبطل فيلزمه ثلاث، وذكر القول الأخير ابن قدامة في المغني.
انظر: روضة الطالبين 8/ 93، والمغني 7/ 162، والاستغناء ص 699.
(4/125)

المسألة الرابعة: ذكرها ابن شاس (1) في الجواهر (2)، وابن أبي زيد في النوادر (3)، إذا قال: أنت طالق واحدة إلا واحدة، لزمته واحدة (4) (5) إلا أن يعيد الاستثناء على الواحدة فتلزمه اثنتان (6)؛ وذلك أن الواحدة صفة، وقوله: طالق موصوف، فإذا رفعت صفة الواحدة بالنية فقد رفع بعض ما
__________
(1) أبو محمد: عبد الله بن نجم بن شاس السعدي المصري، فقيه مالكي اشتهر بالعلم والورع، وتولى التدريس بالمدرسة المجاورة للمسجد العتيق بمصر، حج في آخر عمره، ولما عاد امتنع عن الفتوى حتى استشهد بدمياط سنة 616 ه، صنف الجواهر، وكرامات الأولياء.
انظر: الوفيات 3/ 61، والديباج 1/ 443، والشذرات 5/ 69.
(2) اسمه: الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، وضعه على ترتيب الوجيز، وعكف عليه المالكية بعده لحسنه، وكثرة فوائده، وفيه دلالة على غزارة علمه.
انظر: وفيات الأعيان 3/ 61، وكشف الظنون 1/ 613.
(3) كتاب النوادر والزيادات على المدونة لأبي محمد بن أبي زيد القيرواني، أكثر من مائة جزء، قال القاضي عياض: وعلى هذين الكتابين المعول في التفقه بالمغرب. اه. يريد هذا الكتاب ومختصر المدونة، ويسمى أيضًا النوادر فقط.
انظر: الفهرست ص 284، وترتيب المدارك 2/ 494، والديباج 1/ 429، 2/ 4.
(4) نقل القرافي عن اللخمي أنه قال في هذه المسألة: لا يلزمه شيء.
انظر: الاستغناء ص 583، 698، وشرح التنقيح لحلولو ص 209.
(5) قال في النوادر: ولو قال: أنت طالق واحدة إلا واحدة لزمته طلقة. اه.
انظر: الجزء الثالث، كتاب الطلاق في الاستثناء في الطلاق ... إلخ من مخطوط النوادر والزيادات لابن أبي زيد موجود بمكتبة ابن يوسف بمراكش. تحت رقم 305/ 1.
(6) قال في الجواهر: ولو قال: أنت طالق طلقة واحدة إلا واحدة، إلا أن يعيد الاستثناء على الواحدة فقط فتقع عليه اثنتان ويلغو الاستثناء؛ إذ يصير مستغرقًا. اه.
انظر: الجزء الأول، كتاب الطلاق، الباب الخامس في الاستثناء من كتاب الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس، مخطوط بخزانة ابن يوسف بمراكش برقم / 464.
(4/126)

نطق به، وإذا ارتفعت الوحدة تعينت الكثرة؛ إذ لا واسطة بينهما، وأقل مراتب الكثرة اثنان؛ لأن الأصل براءة الذمة من الزيادة (1) (2).
قوله: (والاستثناء من الإِثبات نفي اتفاقًا، ومن النفي إِثبات، خلافًا لأبي حنيفة، ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما في عدم إِثبات نقيض المحكوم به [بعد إِلا] (3)، لنا: أنه المتبادر عرفًا، فيكون [كذلك] (4) لغة؛ لأن (5) الأصل عدم النقل (6)).
ش: هذه هي المسألة الرابعة من أحكام الاستثناء (7)، ذكر المؤلف أن الاستثناء من الإثبات نفي اتفاقًا (8) أراد بالاتفاق: اتفاق الجمهور؛ لأن
__________
(1) "الزائد" في ز.
(2) انظر هذا التعليل في: الاستغناء ص 584.
(3) ساقط من أ.
(4) ساقط من نسخ المتن، وفي ز: "لغة كذلك" بالتأخير.
(5) "فإن" في خ.
(6) "والتغيير" زيادة في خ وش.
(7) انظر بحث المسألة في:
البرهان فقرة/ 280 - 282، والمنخول ص 154، والمحصول 1/ 3/ 56، ومغني الخبازي ص 243، وإحكام الآمدي 2/ 308، ومعالم الرازي ص 172، وتمهيد الإسنوي ص 392، ونهاية السول 2/ 423، والمسودة ص 160، وقواعد ابن اللحام ص 263، وشرح جمع الجوامع للمحلي 2/ 15، والإبهاج 2/ 159، والعضد على ابن الحاجب 2/ 143، والتلويح 2/ 41، ومختصر البعلي ص 120، وشرح الكوكب المنير 3/ 327، وفواتح الرحموت 1/ 326.
(8) جل من بحث هذه المسألة من العلماء حكى الاتفاق على هذا القسم، أي إن الاستثناء من الإثبات نفي، ولم يشر لخلاف الحنفية إلا قليل من العلماء.
وقد قيل: إنه لا خلاف في الحقيقة، وإنما الخلاف في المدرك الذي يؤدي إليها؛ فالشافعية ومن معهم يقولون: هو نفي لغة، والحنفية يقولون: هو نفي لأن الأصل =
(4/127)

المتأخرين من الحنفية قالوا: لا يكون الاستثناء من الإثبات نفيًا (1)، كما لا يكون الاستثناء من النفي إثباتًا، كما قاله (2) المؤلف في قوله: "ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما"، وذكر المؤلف أن الاستثناء من النفي إثبات عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى.
قوله (3): (ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما)، [ضمير] (4) التثنية عائد على الاستثناءين / 203/: الاستثناء من الإثبات والاستثناء من النفي، فحصل (5) من كلام المؤلف أن مذهب الجمهور أن الاستثناء من النفي إثبات، وأن الاستثناء من الإثبات نفي (6)، وللحنفية في ذلك قولان (7): قول
__________
= براءة الذمة. وقد نسب لأبي حنيفة أيضًا الخلاف في القسمين.
انظر: التمهيد للإسنوي ص 392، ونهاية السول 2/ 423، وقواعد ابن اللحام ص 263، والمسودة ص 160، والعضد على ابن الحاجب 2/ 143، وشرح جمع الجوامع 2/ 15، والإبهاج 2/ 159، ومختصر البعلي ص 120، وفواتح الرحموت 1/ 327، وشرح الكوكب المنير 3/ 328.
(1) "نفي" في ز.
(2) "قال" في ز.
(3) "وقوله" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "فحمل" في ز.
(6) كل من تعرض لهذه المسألة أشار لمذهب الجمهور فيها، وهم: الشافعية، والمالكية والحنابلة، فانظر إحالات المسألة، وقال بهذا القول طائفة من محققي الحنفية كفخر الإسلام وشمس الأئمة وأبو زيد، بل صرح به صاحب الهداية، وقال: الاستثناء من النفي إثبات على وجه التأكيد. انظر: المسلَّم مع شرحه فواتح الرحموت 1/ 327، والهداية للمرغيناني 2/ 53.
(7) مر بنا آنفًا أن للحنفية قولًا ثالثًا قال به طائفة من محققيهم وهو موافقة الجمهور في المسألتين.
(4/128)

المتقدمين منهم، وقول المتأخرين منهم، فالمتقدمون منهم يقولون بالتفصيل: فالاستثناء من الإثبات نفي كما قاله الجمهور، والاستثناء من النفي لا يكون إثباتًا (1)، وإلى هذا القول أشار المؤلف [بقوله] (2): "ومن النفي إثبات خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى".
وأما المتأخرون من الحنفية فيقولون بالإطلاق؛ فلا يقتضي الاستثناء عندهم نفيًا ولا إثباتًا، وإلى هذا القول أشار المؤلف بقوله: ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما في عدم إثبات نقيض المحكوم به بعد إلا (3).
واعلم أن هذه المسألة يتوقف فهمها على قاعدتين: إحداهما (4) لغوية والأخرى عقلية (5).
فأما القاعدة اللغوية: فهي أن قولك مثلًا: قام القوم إلا زيدًا، فيه
__________
(1) كثير ممن ذكر هذا القول نسبه لأبي حنيفة ولم يشر إلى كونه قول المتقدمين من أتباعه بناء على أنهم يسوون بين القسمين، بل صرح صاحب المسلم أن النقل بأن خلافهم في أحدهما غير مطابق لما ثبت عنهم، ويقول القرافي: ولم أر ما حكي عن أبي حنيفة إلا عنه وحده، ولم أر أحدًا وافقه عليه. اه.
قلت: ولعلهم أرادوا الوفاق في الحقيقة دون المدرك.
انظر: المحصول 1/ 3/ 57، وجمع الجوامع 2/ 15، ونهاية السول 2/ 423، والتلويح 2/ 41، والاستغناء ص 549، والمسلم مع شرحه الفواتح 1/ 327، وانظر: تعليق رقم (8) من صفحة 127 من هذا المجلد.
(2) ساقط من الأصل.
(3) انظر تعليق رقم (8) من صفحة 127 من هذا المجلد.
(4) "أحدهما" في ز.
(5) انظر لهاتين القاعدتين: الاستغناء ص 553، وشرح المؤلف ص 247، وشرح المسطاسي ص 132 من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح جمع الجوامع 2/ 16.
(4/129)

مُخْرِجٌ، ومُخْرَجٌ، ومُخْرَجٌ منه، فالمُخْرِجْ هو إلا، والمُخْرَج زيد، والمخرج منه هو ما قبل إلا، والذي قبل إلا شيئان وهما: الحكم، والمحكوم به الذي هو القيام.
وأما القاعدة العقلية: فهي أن من خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر؛ إذ لا واسطة بين النقيضين، فمن خرج من العدم دخل في الوجود، ومن خرج من الوجود دخل في العدم، وهاتان القاعدتان (1) لا نزاع فيهما، وإنما النزاع في تعيين المُخْرَج منه، هل هو الحكم أو المحكوم به الذي هو القيام؟
فنحن نقول: المخرج منه [هو] (2) المحكوم به الذي هو القيام، ونقيض القيام عدم القيام، فإذا خرج زيد من القيام دخل في عدم القيام، فهو غير قائم.
والحنفية يقولون: المخرج منه هو الحكم، ونقيض الحكم عدم الحكم، فإذا خرج زيد من الحكم دخل في عدم الحكم، فهو غير محكوم عليه بشيء لا بقيام ولا بعدم القيام؛ لأن الاستثناء عندهم لا يقتضي ثبوتًا ولا نفيًا (3).
قوله: (واعلم أن الكل [قد] (4) اتفقوا على إِثبات نقيض ما قبل الاستثناء (5) [بما] (6) بعده، ولكنهم اختلفوا، فنحن نثبت نقيض المحكوم به،
__________
(1) "القاعدان" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 132، من مخطوط مكناس رقم 352؛ حيث قرر هناك القاعدتين ومحل الخلاف.
(4) ساقط من نسخ المتن ومن ز.
(5) "إلا المستثنى" في ز.
(6) ساقط من أوز، وفي ش وخ: "لما".
(4/130)

والحنفية يثبتون نقيض الحكم (1)، فيصير ما بعد الاستثناء غير محكوم عليه بنفي ولا إِثبات).
ش: بين المؤلف بهذا موضع الاتفاق وموضع الخلاف؛ وذلك أننا (2) متفقون مع الحنفية في إثبات نقيض ما قبل الاستثناء لما بعد الاستثناء، واختلفوا في تعيين (3) ما قبل الاستثناء؛ لأنه وقع قبل حرف (4) الاستثناء شيئان وهما (5): الحكم والمحكوم به.
حجة القول الذي عليه الجمهور ما قاله المؤلف وهو: "أنه (6) المتبادر عرفًا فيكون لغة كذلك"؛ لأن الأصل عدم النقل، الضمير في قوله: "أنه المتبادر" يعود (7) على إثبات نقيض المحكوم به بعد إلا، يعني: أن إثبات نقيض المحكوم به هو المتبادر عرفًا، فإذا كان ذلك هو المتبادر في العرف فيجب أن يكون ذلك هو الثابت في اللغة؛ إذ الأصل عدم النقل والتغيير، وإنما قلنا: هو المتبادر عرفًا؛ فإن الإنسان إذا قال في الإقرار: ليس له عندي إلا عشرة لم يفهم منه إلا الاعتراف بعشرة (8).
__________
(1) "المحكم" في ز.
(2) "أنا" في الأصل.
(3) "تغيير" في ز.
(4) "حروف" في ز.
(5) كتبها ناسخ ز، "هو"، ثم أصلحها.
(6) "أن" في ز.
(7) "يعوط" في ز.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 132، من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح الكوكب المنير 3/ 328.
(4/131)

وحجة أخرى أيضًا: أن الاستثناء لو لم يفد إثبات نقيض المحكوم به، لما أفادت كلمة الشهادة التوحيد لله تعالى؛ لأنه على ذلك التقدير يصير غير محكوم له (1) بشيء وذلك باطل؛ لأنه خلاف الإجماع، لأن كلمة الشهادة تفيد التوحيد بالإجماع (2).
وحجة الحنفية: قوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهور"، وقوله: "لا نكاح إلا بولي" (3)؛ لأنه لو كان الاستثناء من النفي يقتضي الإثبات، للزم صحة الصلاة بمجرد الطهارة، وثبوت النكاح بمجرد الولي، وذلك خلاف الإجماع، وفيه أيضًا تخلف المدلول عن الدليل وهو على خلاف
__________
(1) "نفي الشريك خاصمه لأن ثبوت" زيادة في ز، وبعدها بياض بمقدار كلمة، ولا أرى لهذه الزيادة مناسبة هنا.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 57، المغني للخبازي ص 243، الإحكام للآمدي 2/ 308، العضد على ابن الحاجب 2/ 143، نهاية السول 2/ 425، الإبهاج 2/ 159، الاستغناء ص 550، شرح القرافي ص 247، وشرح الكوكب المنير 3/ 328، وشرح المسطاسي ص 132، من مخطوط مكناس رقم 352، وفواتح الرحموت 1/ 327.
(3) هذا الحديث صحيح، ومشهور من حديث أبي موسى وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم.
انظر: الترمذي 3/ 407 برقم/ 1101 عن أبي موسى، وأبا داود برقم/ 2085 عنه أيضًا: وابن ماجه برقم 1880 عن ابن عباس، و1881 عن أبي موسى، والدارمي 2/ 137، عن أبي موسى، والدارقطني 3/ 219، 220، 221، 225، 227، عن أبي موسى وأبي سعيد وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعائشة، وأحمد 1/ 250 عن ابن عباس، 4/ 294، 413، 418 عن أبي موسى، 6/ 260 عن عائشة.
وانظر: مناقشة لأسانيد الحديث في الترمذي 3/ 407، والفتح 9/ 184، 191، وإرواء الغليل 6/ 235، ونصب الراية 3/ 183.
(4/132)

الأصل (1).
أجيب عن هذه الحجة: بأن (2) قاعدة الاستثناء من النفي إثبات [قد] (3) تستثنى منها الشروط، لأن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم (4) (5)، كما نبه المؤلف على ذلك في الفائدة الثانية التي ختم بها هذا الباب؛ لأنه قال هنالك: "ولما (6) كانت الشروط لا يلزم من وجودها الوجود ولا العدم لم يلزم من الحكم بالنفي قبل الاستثناء لعدم الشرط، الحكم بالوجود بعد الاستثناء لأجل وجوده، فيكون مطردًا فيما عدا الشروط" (7).
__________
(1) انظر: الاستغناء ص 551، وشرح المسطاسي ص 132، من مخطوط مكناس رقم ص 352، والمحصول 1/ 3/ 58، والمعالم ص 173، والإحكام للآمدي 2/ 308، وشرح القرافي ص 248، والعضد على ابن الحاجب 2/ 144، والإبهاج 2/ 159، ونهاية السول 2/ 429.
(2) "فإن" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) لو زاد الشوشاوي لذاته لكان أولى وأتم لحد الشرط، ولعله لم يرد المطابقة للحد متابعًا فيه المصنف في الشرح ص 248، والمسطاسي ص 132، من مخطوط مكناس رقم 352، وقد زاد المصنف في الاستغناء هذه الكلمة. انظر ص 560.
(5) انظر: الإبهاج 2/ 159، ونهاية السول 2/ 428، والمسودة ص 160، والاستغناء 557، 558، 559، وما بعدها، وإحكام الآمدي 2/ 308، شرح القرافي 1/ 248، نهاية السول 2/ 427، وشرح المسطاسي ص 132، من مخطوط مكناس رقم 352، وقد أجيب بأجوبة أخرى، فانظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 144.
(6) "ولو" في الأصل.
(7) انظره في المتن في آخر باب الاستثناء ص 210 من نسخة الأصل، وصفحة 257 من شرح القرافي. وهي في المتن في الموضعين: "ولما كانت الشروط"، وكذا في ز، وفي نسخة الأصل: "ولو كانت ... إلخ".
(4/133)

قوله: (وإِذا تعقب [الاستثناء] (1) الجمل يرجع إِلى جملتها عند مالك والشافعي وعند أصحابهما، [وإِلى الأخيرة عند أبي حنيفة] (2)، ومشترك بين الأمرين عند المرتضى (3)، ومنهم من فَصَّل فقال: إِن تنوعت الجملتان بأن تكون إِحداهما (4) خبرًا والأخرى (5) أمرًا عاد إِلى الأخيرة فقط، وإِن لم تتنوع الجملتان ولا كان حكم إِحداهما (6) في الأخرى ولا أضمر اسم إِحداهما في الأخرى فكذلك أيضًا، وإلا عاد إِلى الكل، واختاره الإِمام، وتوقف القاضي أبو بكر (7) منا في الجميع).
ش: هذه هي المسألة الخامسة من أحكام الاستثناء، وهي (8): تعقب الاستثناء الجمل هل يرجع الاستثناء إلى جميع الجمل أو يرجع إلى الجملة الأخيرة خاصة؟ (9) ذكر المؤلف فيه خمسة أقوال: قيل: يرجع إلى الجميع،
__________
(1) ساقط من أوخ.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من أ.
(3) "الشريف المرتضى" في ش وخ.
(4) "أحدهما" في أ.
(5) "والآخر" في أ.
(6) "أحدهما" في الأصل وش، والمثبت أصوب.
(7) في الأصل: أبي، لاحتمال الإضافة.
(8) "وهو" في ز.
(9) انظر لهذه المسألة:
المعتمد 1/ 264، والعدة 2/ 678، والتبصرة ص 172، واللمع ص 128، والبرهان فقرة 287، وما بعدها، والمنخول ص 160، والمستصفى 2/ 174، والوصول لابن برهان 1/ 251، والروضة لابن قدامة ص 257، وإحكام الآمدي 2/ 300، والمحصول 1/ 3/ 63، وإحكام ابن حزم 1/ 407، والمعالم للرازي ص 177، وإحكام الفصول للباجي 1/ 213، والإشارة له ص 157، والعضد على ابن الحاجب 2/ 139، والإبهاج 2/ 162، وجمع الجوامع 2/ 17، ومفتاح الوصول للتلمساني ص 82، وتمهيد الإسنوي ص 398، ونهاية السول 2/ 430، =
(4/134)

وهو قول مالك والشافعي وجمهور العلماء/ 204/ (1)، وقيل: يرجع إلى الأخيرة، وهو قول أبي حنيفة (2)، وقيل: مشترك بين رجوعه إلى الجميع وبين رجوعه إلى ما يليه وهو قول الشريف [المرتضى] (3) من الشيعة (4)، وقيل: بالتفصيل بين أن تستقل كل جملة بنفسها (5) أو تفتقر
__________
= وقواعد ابن اللحام ص 257، والمختصر له ص 119، والمسودة ص 156، وشرح الكوكب المنير 3/ 315، وفواتح الرحموت 1/ 332 وتيسير التحرير 1/ 302، والمسطاسي صفحة 8 وما بعدها من المخطوط رقم 314 بمكناس، وشرح القرافي ص 249.
(1) أخذ به جمهور العلماء من المذاهب الثلاثة، وقد نقل الحنابلة فيه نصًا عن الإمام أحمد من رواية ابن منصور، ونصره ابن حزم في الإحكام، إلا أن مشاهير علم الأصول كأبي الحسين والجويني والغزالي والرازي لم يقل أحد منهم به.
انظر: المحصول 1/ 3/ 63، والعدة لأبي يعلى 2/ 678، والفصول للباجي 1/ 213، وإحكام ابن حزم 1/ 407، والبرهان فقرة ص 287، والمنخول ص 160، والمعتمد 1/ 264.
(2) هو مذهب عامة الحنفية، لكن الباجي نسبه إلى المتأخرين منهم، وقد حكاه أبو الحسين عن أهل الظاهر، وشاع بين الأصوليين هذا النقل غير أن ابن حزم في الإحكام نصر القول بالعود للجميع، وحكي هذا القول عن جماعة من المعتزلة، واختاره الرازي في المعالم. انظر: فواتح الرحموت 1/ 332، وتيسير التحرير 1/ 302 والمسطاسي ص 9 من المخطوط رقم 314 بمكناس، والمعتمد 1/ 264، والعدة 2/ 679، والوصول لابن برهان 1/ 251، والآمدي 2/ 300، والمعالم ص 177، والإشارة ص 157، والفصول للباجي 1/ 213.
(3) ساقط من ز.
(4) حقيقة قول الشريف المرتضى أنه توقف للاشتراك، فهو موافق للقاضي أبي بكر ومن معه القائلين بالتوقف، لكنهم توقفوا لعدم العلم بمدلوله لغة، وهو توقف للاشتراك، وبعض العلماء ينسب القول بالاشتراك للشريف مطلقًا، وبعضهم ينبه على هذه النقطة.
وانظر: المحصول 1/ 3/ 64، والإحكام للآمدي 2/ 301، والإبهاج 2/ 163.
(5) "بنفيها" في الأصل.
(4/135)

إحداهما إلى الأخرى فإن استقلت كل واحدة بنفسها عاد إلى الأخيرة وإن افتقرت إحداهما إلى الأخرى عاد إلى الكل، وهو قول أبي الحسين من المعتزلة (1)، واختاره الإمام الفخر في المحصول (2) (3)، وقيل: بالوقف وهو قول القاضي أبي بكر (4).
وهذا الخلاف كله إنما هو فيما إذا لم تكن هناك قرينة تصرف الاستثناء
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 265، وقد حكاه هناك عن القاضي عبد الجبار.
(2) لم يختر الإمام في المحصول ولا في المعالم هذا القول؛ وذلك أنه في المعالم اختار العود للأخيرة الذي هو مذهب الحنفية، وأما في المحصول فقال: والإنصاف أن هذا التقسيم حق، لكنا إذا أردنا المناظرة اخترنا التوقف، لا بمعنى دعوى الاشتراك، بل بمعنى أنا لا نعلم حكمه في اللغة ماذا، وهو اختيار القاضي. اه.
فقال عن التقسيم: إنه حق واختار التوقف. انظر: المحصول 1/ 3/ 67، والمعالم ص 177. وقد نَسَبَ هذا الاختيار للإمام المسطاسي وتبعه الشوشاوي. انظر: شرح المسطاسي صفحة 9 من المخطوط رقم 314 بمكناس.
(3) رجح هذا القول ابن برهان في الوصول 1/ 255، ونسبه الآمدي لجماعة من المعتزلة. وانظر: المعتمد 1/ 265، والبرهان فقرة 291، وإحكام الآمدي 2/ 300 والعضد على ابن الحاجب 2/ 139؛ حيث ذكر كل منهم تقسيمًا وبنى على أساسه رأيه، والمقام يضيق بها، لكن أجمعها وأقربها تناولًا تقسيم القرافي الوارد هنا.
(4) هو أول من عرف عنه هذا القول، وقد تبعه كثير من فحول الأصول كالجويني والغزالي والرازي والآمدي، فيما سوى الجمل المتعاقبة التي يظهر كون الواو فيها للابتداء؛ حيث يختص الاستثناء بالأخيرة، وقد نسبه صاحبا العدة والتبصرة لأصحاب الأشعري.
انظر: المسطاسي ص 9 من مخطوط رقم 314 بمكناس، والعدة 2/ 679، والتبصرة ص 173، واللمع ص 128، والبرهان فقرة 293، والمنخول 161، والمستصفى 2/ 174، وإحكام الآمدي 2/ 301، والمحصول 1/ 3/ 64، وفصول الباجي 1/ 213، والإشارة ص 157، والعضد على ابن الحاجب 2/ 139.
(4/136)

إلى الجميع أو إلى البعض، وأما إذا كان هناك قرينة تصرفه إلى الجميع أو إلى الأخيرة أو الأولى أو الوسطى (1)، فلا خلاف في صرفه إلى ذلك؛ لأن اتباع القرينة راجح، والعمل بالراجح متعين (2).
قوله: (وإِذا تعقب الاستثناء الجمل)، مثاله: قام الزيديون والعمرون (3) إلا الطوال، فهل يرجع الاستثناء إلى الجملتين، أو يرجع إلى الأخيرة خاصة، أو هو مشترك، أو يجب التوقف حتى يرد البيان، أو يجب فيه التفصيل؟ وهو القول المختار عند الإمام الفخر في المحصول (4)، وبيان هذا القول بالتفصيل أن يقال: إما أن تتنوع الجملتان بأن تكون إحداهما خبرًا والأخرى أمرًا، وإما ألا تتنوع الجملتان، فإذا لم تتنوع، فإما أن يكون حكم إحداهما أو اسمها مضمرًا في الأخرى أم لا، فإن وجد التنوع عاد إلى الأخيرة فقط، وكذلك إن عدم وعدم الإضمار، وأما إن عدم التنوع ووجد الإضمار، فإنه يعود إلى الجميع (5).
مثال (6) التنوع بأن تكون (7) إحداهما خبرًا والأخرى أمرًا: قام الزيدون
__________
(1) "للوسطى" في ز.
(2) انظر: البرهان فقرة/ 293، وإحكام ابن حزم 1/ 407، وشرح الكوكب المنير 3/ 315.
(3) "العمريون" في الأصل.
(4) سبق بيان أن هذا القول ليس اختيارًا للإمام قبل قليل.
(5) انظر التقسيمات في:
المعتمد 1/ 265، والمحصول 1/ 3/ 64 - 66، والإحكام للآمدي 2/ 300 - 301، والعضد 2/ 140، وفيها بعض الاختلاف سيتبين من التعليقات القادمة.
(6) "وجود" زيادة في ز.
(7) "يكون" في ز.
(4/137)

وأكرم العمرين (1) إلا الطوال (2)، فإن الاستثناء ها هنا يعود إلى الأخيرة خاصة لأنها مستقلة بنفسها (3).
ومثال عدم التنوع (4) وعدم الإضمار: قام الزيدون وقام العمرون إلا الطوال، فإن الاستثناء ها هنا أيضًا يرجع إلى الأخيرة فقط؛ لأنها مستقلة بنفسها، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: "وإن (5) لم تتنوع الجملتان ولا كان حكم إحداهما في الأخرى ولا أضمر اسم إحداهما في الأخرى، فكذلك أيضًا"، يعني: أنه يرجع إلى الأخيرة فقط.
ومعنى قوله: (وإِن لم تتنوع الجملتان) أي: هما [معًا] (6) من نوع واحد، أي: هما معًا خبر، أو هما معًا أمر (7)، مثال الخبر: قام الزيدون وقام العمرون إلا الطوال، ومثال الأمر: أكرم الزيدين (8) وأكرم العمرين إلا الطوال (9).
__________
(1) "العمرون" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 249.
(3) قسم الرازي هذا القسم إلى قسمين: ما كانت فيه القضية مختلفة نحو: أكرم ربيعة، والعلماء هم المتكلمون إلا أهل البلدة الفلانية، فهذا يرجع فيه للأخيرة للاستقلال، والثاني: ما كانت فيه القضية واحدة ومثل له بآية القذف وجعل الحكم هنا كالأول، وسيأتي لآية القذف بيان في صفحة 145 من هذا المجلد إن شاء الله. انظر: المحصول 1/ 3/ 66.
(4) "التنويع" في ز.
(5) "فإن" في ز.
(6) ساقط من ز.
(7) "أمرًا" في ز.
(8) "الزيدون" في ز.
(9) قالوا: سواء اختلفا في الحكم والاسم نحو: أكرم بني تميم واضرب ربيعة إلا الطوال. أو اختلفا في الحكم واتفقا في الاسم نحو: أطعم ربيعة واخلع على ربيعة إلا الطوال. أو اتفقا في الحكم واختلفا في الاسم نحو: أطعم ربيعة وأطعم بني تميم إلا الطوال. انظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 140، المحصول 1/ 3/ 64، وإحكام الآمدي 2/ 300.
(4/138)

ومثال عدم التنوع (1) مع وجود الإضمار: قام الزيدون والعمرون إلا الطوال (2)، [فقد عدم التنوع في الجملتين ها هنا لأنها معًا خبر، ووجد الإضمار] (3)؛ لأن حكم الجملة الثانية وهو القيام مضمر أي: مقدر في النفس؛ لأنه لم يذكر في اللفظ؛ لأنه استغني عنه بحرف (4) العطف؛ لأن حرف العطف ينوب مناب الفعل، فإن حكم الجملة الثانية مذكور في الأولى فقد استغني بحكم الأولى عن حكم الثانية، فصارت الثانية متعلقة بالأولى، فصارت الجملتان لأجل ذلك كالجملة الواحدة (5)، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: ولا كان حكم إحداهما (6) في الأخرى، هذا مثال إضمار الحكم (7).
ومثال إضمار الاسم: قام الزيدون وخرجوا إلا الطوال، وذلك أن الاسم الذي هو الزيدون هو مضمر في الجملة الثانية؛ لأن الضمير (8) الذي هو الواو في خرجوا يعود على الزيدين (9)، فقد صارت الجملة الثانية مفتقرة
__________
(1) "التنويع" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 249.
(3) ساقط من ز.
(4) "بمجرد" في ز.
(5) انظر: المعتمد 1/ 266، والمحصول 1/ 3/ 66، وإحكام الآمدي 2/ 301.
(6) "أحكامها" في ز.
(7) في ز ما يلي: "قام الزيدون والعمرون إلا الطوال، فإن الثانية مفتقرة إلى الأولى في حكمها فيناسب العود إليهما".
(8) "المضمر" في ز.
(9) "الزيدون" في ز.
(4/139)

إلى الأولى في اسمها؛ لأن ضميرها يحتاج إلى التفسير، فصارت الجملتان كالجملة الواحدة، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: ولا أضمر اسم إحداهما في الأخرى، لأن اسم الأولى مضمر في الثانية (1).
قوله: (وإِلا عاد إِلى الكل)، أشار به إلى عدم التنوع [مع] (2) وجود إضمار الحكم أو (3) إضمار الاسم.
قوله: ([و] (4) إِن تنوعت الجملتان ...) إلى آخر التفصيل يحتاج إلى أربعة أمثلة: مثال واحد في وجود التنوع (5)، وثلاثة أمثلة في عدم التنوع (5)؛ لأنا نقول عدم التنوع (5): إما [مع] (6) عدم الإضمار أصلًا، وإما مع إضمار الحكم، وإما مع إضمار الاسم، [وقد بينا هذه الأمثلة قبل] (7) هذا بيان الأقوال.
وأما حججها، فحجة القول الأول برجوعه إلى الجميع: أن حرف العطف (8) يُصَيِّر المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، فتكون الجملتان كالجملة الواحدة، فيعود الاستثناء على جميعها كما يعود على الجملة
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 266، والمحصول 1/ 3/ 66، وإحكام الآمدي 2/ 301، وشرح التنقيح للقرافي ص 249 - 250.
(2) ساقط من ز.
(3) "و" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "التنويع" في ز.
(6) ساقط من ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "عطف" في ز.
(4/140)

الواحدة (1)، وحجة ثانية: أن المتكلم [إن] (2) احتاج إلى الاستثناء فإن ذكره بعد كل جملة فذلك من الركاكة في القول، فإذا ذكره (3) آخر الجمل سلم كلامه من الركاكة (4)، وحجة ثالثة (5): قياس الاستثناء على الشرط، والجامع بينهما أن كل واحد منهما لا يستقل بنفسه (6)، وذلك أن الشرط إذا تعقب الجمل يرجع إلى جميعها عند الجمهور (7)، كقولك: امرأتي طالق، وعبدي حر، ومالي صدقة، إن كلمت زيدًا.
__________
(1) هذا أشهر أدلة الفريق الأول وأضعفها، فانظره في:
العدة 2/ 680، والتبصرة ص 174، والروضة ص 258، والفصول للباجي 1/ 214.
وانظر كلام الجويني عليه في البرهان فقرة: 289 فإنه حسن، وانظر: شرح القرافي ص 250، والمسطاسي ص 9، من المخطوط رقم 314 بمكناس، والاستغناء ص 659.
(2) ساقط من ز.
(3) "ذكر" في ز.
(4) انظره: في الاستغناء ص 660، وشرح المسطاسي ص 9 من مخطوط رقم 314 بمكناس، والمستصفى 2/ 175، والروضة ص 258، والإحكام للآمدي 2/ 302، والعضد على ابن الحاجب 2/ 141، وشرح الكوكب المنير 3/ 322، وشرح القرافي ص 250.
(5) "أخرى" في ز.
(6) بعضهم يقتصر على الشرط، وآخرون يضيفون للشرط المشيئة؛ لأن الحنفية يسلمون في الشرط والمشيئة أن كلا منهما يرجع للجميع.
انظر: المعتمد 1/ 264 - 267، والعدة 2/ 680، والتبصرة ص 173، والمستصفى 2/ 175، والمحصول 1/ 3/ 68، والعضد 2/ 141، والإبهاج 2/ 164، وشرح القرافي ص 250، وشرح المسطاسي ص 9 من المخطوط رقم 314 بمكناس.
(7) من المتكلمين والفقهاء، ونقل أبو الحسن في المعتمد عن الحوري أن أهل الظاهر يجعلون الاستثناء والشرط والمشيئة ترجع إلى الأخيرة فقط. انظر: المعتمد 1/ 264.
(4/141)

ورد هذا بأنه قياس في اللغة وهو ممنوع عند الجمهور (1).
وحجة القول برجوعه إلى الأخيرة: أن (2) رجوعه إلى القريب أولى من رجوعه إلى البعيد (3)، لأن العرب تعتبر القريب في أبواب (4) كثيرة (5) منها: باب العطف، وباب التنازع، وباب المفعول، وباب الفاعل.
فمن باب العطف قولك: أكرم زيد عمرًا وأكرمته، تعين عود الضمير على عمرو (6) لقربه من الضمير (7).
ومن باب التنازع أن نحاة البصرة يقولون: إذا تنازع (8) عاملان معمولًا (9) واحدًا؛ فالمختار إعمال الثاني لقربه، كقولك: أكرمت (10)
__________
(1) سبقت الإشارة إلى القياس في اللغة في تعليق (8) من صفحة 26 من هذا المجلد، وسيأتي زيادة بيان إن شاء الله عند كلام المؤلف عليه في صفحة 446 من المجلد الخامس من هذا الكتاب، وهذا الرد انظره في: العضد على ابن الحاجب 2/ 141، والإبهاج 2/ 164، وشرح الكوكب المنير 3/ 321، وفواتح الرحموت 1/ 335، والشرح للقرافي ص 250، والمسطاسي ص 9 من المخطوط رقم 314 بمكناس.
(2) "كان" زيادة في ز.
(3) انظر: العدة 2/ 681، والتبصرة ص 176، وإحكام الآمدي 2/ 306، والمحصول 1/ 3/ 72، والمعالم ص 179، وشرح القرافي ص 250، والمسطاسي ص 10 من المخطوط رقم 314، بمكناس، والاستغناء ص 665.
(4) "أنواع" في ز.
(5) "كثير" في ز.
(6) "عمر" في ز.
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 73، والمعالم ص 179، وشرح القرافي ص 251.
(8) "تنازعا" في ز.
(9) "مفعولًا" في ز.
(10) "أكرمته" في ز.
(4/142)

وأكرمني زيد (1).
ومن باب المفعول [قولك] (2): أعطى (3) زيد (4) عمرًا بكرًا، قالوا: الأقرب للفعل (5) هو الآخذ (6)، وهو الفاعل في المعنى، و [هو] (7) مفعول في اللفظ/ 205/ (8).
ومن باب الفاعل خمسة أشياء وهي: المقصور، والمبهم، والموصول، والمضاف إلى ياء المتكلم، والمركب من بعض ذلك (9).
مثال (10) المقصور: ضرب موسى عيسى (11)، ومثال المبهم: ضرب هذا
__________
(1) انظر: شرح الكافية لابن الحاجب 2/ 644، وشرح ابن عقيل 1/ 465، والتبصرة للصيمري 1/ 148، وشرح القرافي ص 251، والمحصول 1/ 3/ 72، والمعالم ص 179.
(2) ساقط من ز.
(3) "أعطتني" في ز.
(4) "زيدا" في ز.
(5) "للمفعول" في ز.
(6) "الآخر" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: شرح التصريح 1/ 314، وشرح المفصل 7/ 640، وشرح القرافي ص 251، والمحصول 1/ 3/ 73، والمعالم ص 179.
(9) انظر: المحصول 1/ 3/ 73، والمعالم ص 179، وشرح التصريح 1/ 281، ومجيب الندا إلى شرح قطر الندى 2/ 70.
(10) ومثال" في ز.
(11) انظر: شرح الكافية لابن مالك 2/ 589، وشرح ابن عقيل 1/ 412، وشرح قطر الندى ص 186، وشرح المفصل لابن يعيش 7/ 63، ومجيب الندا إلى شرح قطر الندى 2/ 70، وشرح القرافي ص 251.
(4/143)

هذا (1)، ومثال الموصول: ضرب الذي في الدار الذي في السوق (2)، ومثال المضاف إلى ياء المتكلم: ضرب صاحبي غلامي (3)، ومثال المركب من بعض ذلك: ضرب موسى هذا (4)، فإن الفاعل في جميع ذلك هو القريب للفعل، فيجب تقديم (5) الفاعل على المفعول، قال أبو موسى الجزولي في باب الفاعل: وكل فاعل لا قرينة تفصل بينه وبين المفعول لا في اللفظ ولا في المعنى وجب تقديمه (6).
وحجة القول بالاشتراك بين رجوعه إلى الأخيرة وبين رجوعه إلى الجميع: أنه ورد في القرآن رجوعه إلى الأخيرة، وورد (7) فيه أيضًا رجوعه إلى الجميع، والأصل في (8) الاستعمال الحقيقة، فيكون مشتركًا؛ لأنه حقيقة فيهما (9). ورد هذا بأن قيل: الأصل أيضًا عدم الاشتراك، فيكون حقيقة في أحد الرجوعين (10) مجازًا في الآخر، فإذا تعارض المجاز مع الاشتراك قدم
__________
(1) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 7/ 63، وشرح التصريح 1/ 281، ومجيب الندا 2/ 70.
(2) انظر: شرح التصريح 1/ 281، ومجيب الندا 2/ 70.
(3) انظر: شرح التصريح 1/ 281، ومجيب الندا 2/ 70.
(4) انظر: شرح التصريح 1/ 281 مع حاشية العليمي الحمصي.
(5) "تقدم" في ز.
(6) انظر: القانون في النحو ص 65 مطبوع مع شرح الجزولية الصغير للشلوبين، تحقيق الشيخ/ ناصر بن عبد الله الطريم.
(7) "ورد" في ز. بسقوط حرف العطف.
(8) "فيه" في ز.
(9) انظر: المحصول 1/ 3/ 77، وشرح القرافي ص 252، وشرح المسطاسي صفحة 10 من المخطوط رقم 314 بمكناس.
(10) "غير" زيادة في ز.
(4/144)

المجاز على الاشتراك (1) كما تقدم في الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ (2).
مثال رجوع الاستثناء إلى الجميع: قوله تعالى: {وَالْمُنْخَنقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلا مَا ذَكَّيْتمْ} (3) أي: إلا ما أَدركتم ذكاته من هذه المذكورات، على القول باتصال الاستثناء (4).
ومثال رجوِعه إلى الأخيرة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعةِ شُهَدَاءَ فَاجْلدُوهُمْ ثَمَانِين جَلْدَةَ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئكَ هُمُ الْفَاسقُونَ (4) إلا الًّذِين تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم} (5). فهذا (6) الاستثناء لا يعود على الجملة الأولى (7) وهي جملة الجلد
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 2/ 73، وشرح القرافي ص 252، والمسطاسي صفحة 11 من الخطوط رقم 314 بمكناس.
(2) انظر: الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ، صفحة 107، من نسخة الأصل، وشرح القرافي ص 121.
(3) سورة المائدة آية رقم 3.
(4) هو قول الجمهور، والقول الثاني: أنه منقطع بمعنى لكن، والثالث: أنه متصل مختص بالأخيرة، وهي قوله تعالى: {ومَا أكلَ السَّبعُ}، والرابع: أن الاستثناء راجع إلى التحريم لا إلى المحرم ويبقى على ظاهره. ولو مثل بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} الآيات إلى قوله: {إلا مَنْ تَابَ} [الفرقان: 68 - 70] لكان أولى؛ إذ هو راجع إلى الجميع بلا خلاف، قاله السهيلي.
انظر: شرح الكوكب المنير 3/ 319، وجمع الجوامع 2/ 18، وتيسير التحرير 1/ 303، وتفسير البحر المحيط 3/ 423، وأحكام القرآن لابن العربي 2/ 539، وأحكام القرآن للجصاص 2/ 305، وشرح القرافي ص 252، والمسطاسي ص 11 من المخطوط رقم 314 بمكناس.
(5) سورة النور الآيتان 4 - 5.
(6) "فهذه" في ز.
(7) في ز ما يلي: "إلا على الجملة الأولى".
(4/145)

باتفاق، لأن التوبة لا تسقط الجلد، وإنما الخلاف هل يرجع هذا الاستثناء إلى الجملة الثانية وهي رد الشهادة، أو يرجع إلى الجملة الثالثة وهي الفسق؟ (1).
وثمرة الخلاف: هل تقبل شهادة القاذف إذا تاب، قاله مالك (2) والشافعي (3)، وجمهور العلماء (4).
أو لا تقبل شهادته قاله الحنفي (5) والثوري (6) والنخعي (7) (8) وغيرهم (9) (10).
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 265، والبرهان فقرة / 288، 292، وإحكام ابن حزم 1/ 408، ومفتاح الوصول ص 82، وتيسير التحرير 1/ 307، وشرح الكوكب المنير 3/ 318، ويرى بعض الأصوليين أنها ترجع للأخيرة فقط وهي الفسق، فإذا ارتفعت ثبتت العدالة التي هي موجب قبول الشهادة.
وانظر أيضًا: المسطاسي ص 11 من المخطوط رقم 314 بمكناس.
(2) انظر: المنتقى للباجي 5/ 207، والكافي لابن عبد البر 2/ 897، وبداية المجتهد 2/ 442، 462، والقوانين لابن جزي ص 264.
(3) انظر: الأم 6/ 209، والإفصاح لابن هبيرة 2/ 358.
(4) انظر: المغني 9/ 197، والإفصاح لابن هبيرة 2/ 358، وبداية المجتهد 2/ 442 - 443.
(5) انظر: بدائع الصنائع 6/ 270 - 271، والهداية للمرغيناني 3/ 122.
(6) انظر: المصنف لعبد الرزاق 8/ 363، والمغني ص 197.
(7) أبو عمران: إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي، نسبة إلى قبيلة من مذحج اليمن، فقيه كوفي تابعي، رأى عائشة رضي الله عنها، توفي سنة 96 ه مختفيًا من الحجاج؛ انظر: غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 29، والوفيات 1/ 25، وتهذيب التهذيب 1/ 177.
(8) انظر: مصنف ابن أبي شيبة 6/ 171 - 172، ومصنف عبد الرزاق 8/ 363، والمغني 9/ 197.
(9) كالحسن، وسعيد بن جبير، ورواية عن شريح، ومثلها عن سعيد بن المسيب. انظر: المصنف لابن أبي شيبة 6/ 171، ومصنف عبد الرزاق 8/ 363، والمغني 9/ 197.
(10) استثنى المالكية هنا شهادته فيما حد فيه، فإنها لا تقبل على المشهور عندهم، كما إنهم =
(4/146)

ومثال رجوعه إلى الأولى خاصة. قوله تعالى: {(1) إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمِ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّه مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} (2)، فهذا (3) الاستثناء تعين عوده إلى الجملة الأولى دون الثانية؛ لأن مناسبة المعنى تقتضيه (4).
ومثال رجوعه إلى إحدى الجملتين أيضًا: قوله تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا امْرَأَتَك} (5)، فعلى قراءة النصب يعود إلى الأولى تقديره: "فأسر بأهلك إلا امرأتك"، وعلى قراءة الرفع، وهي (6) قراءة ابن كثير وأبي عمرو (7) يعود على الثانية؛ لأنها منفية، فتكون قد خرجت معهم ثم رجحت فهلكت، قاله المفسرون (8).
__________
= هم والحنفية يقبلون شهادة القاذف ولو لم يتب ما لم يقم عليه الحد، وتوبته عند الشافعية والحنابلة بأن يكذب نفسه في مقامٍ مثل الذي قذف فيه، أما عند المالكية فتكون بصلاح حالة، وبعض فقهائهم يرون رأي الشافعية والحنابلة.
انظر: القوانين الفقهية لابن جزي/ 264، والأم 6/ 209، والمغني 9/ 199، والكافي لابن عبد البر 2/ 897، والمنتقى للباجي 5/ 207.
(1) "قال" زيادة في ز.
(2) سورة البقرة آية رقم 249.
(3) "هذه" في ز.
(4) انظر: شرح الكوكب المنير 3/ 316، وتيسير التحرير 1/ 303، وشرح القرافي ص 252 والمسطاسي ص 11، من المخطوط رقم 314 بمكناس.
(5) سورة هود آية رقم 81.
(6) "وهو" في ز.
(7) "عمر" في ز.
(8) المشهور في هذه الآية أربعة أقوال:
الأول: النصب على أنه استثناء متصل من (أهلك).
الثاني: النصب على أنه استثناء متصل من (أحد) وإن كان قبله نهي؛ لأن النهي كالنفي =
(4/147)

قال المؤلف في الشرح: قول العلماء: إن الاستثناء مشترك بين عوده إلى الكل و (1) إلى الأخيرة هو من الاشتراك الواقع في التركيب دون الإفراد، أي: وضعت العرب "إلا" لتركبها عائدة على الكل وتركبها عائدة على الأخيرة، فهو [من] (2) فروع كون العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات، وفيه قولان (3)، [و] (4) اختار الإمام منعه (5).
وحجة القول بالتفصيل: أن الجملتين إذا استقلت (6) كل واحدة منهما
__________
= على أصل الاستثناء، كقراءة ابن عامر "ما فعلوه إلا قليلًا منهم" بالنصب.
الثالث: الرفع على أنه بدل من (أحد).
الرابع: الرفع على أنه استثناء منقطع بمعنى لكن.
انظر: تفسير البحر المحيط 5/ 248، وابن كثير 2/ 454، وأبي السعود 4/ 229، وحجة القراءات ص 347، والإقناع في القراءات 2/ 666، والشاطبية ص 34، وشرح القرافي ص 252، والمسطاسي ص 11، من المخطوط رقم 314 بمكناس.
(1) "أو" في الأصل.
(2) ساقط من ز.
(3) المركبات هي الجمل، والقولان فيها: المنع، واختاره الرازي وابن الحاجب، وابن مالك من النحاة وجماعة، قالوا: لو كان المركب موضوعًا لتوقف استعمال الجمل على النقل عن العرب كالمفردات ولوجب على أهل اللغة تتبع الجمل كما تتبعوا المفردات، الآخر: أنها موضوعة وهو قول الجمهور، ودليلهم: أن العرب حجرت في المركبات فمنعت مثل: إن قائم زيدًا، كما حجرت في: المفردات.
ثم المركب نوعان: مهمل، منعه جمهور من أجاز المركبات خلا البيضاوي والتاج السبكي؛ حيث قالا بوضعه ومثلاه بالهذيان، ومستعمل وفيه خلاف الرازي المتقدم، ومثاله: زيد قائم. انظر: المحصول 1/ 1/ 22، وجمع الجوامع 2/ 102، ونهاية السول 2/ 62، وشرح الكوكب المنير 1/ 113، والمزهر للسيوطي 1/ 40 - 45.
(4) ساقط من ز.
(5) النقل في القرافي ص 253، وفيه اختلاف لا يخل بالمعنى.
(6) "استعملت" في ز.
(4/148)

بنفسها فلا تعد الجملتان كالشيء الواحد لاستقلال كل واحدة منهما بنفسها، بخلاف ما إذا افتقرت إحداهما إلى الأخرى، فإنهما كالشيء الواحد فيرجع الاستثناء إليهما لعدم الاستقلال (1).
وحجة قول القاضي بالتوقف: (2) تعارض الأدلة المذكورة؛ فإنها [لما] (3) تعارضت (4) تقاومت، [فإذا تقاومت] (5) وجب التوقف (6) وإلا لزم (7) الترجيح من غير مرجح (8)، وحجة أخرى: أن رجوعه إلى إحدى (9) الجهات إما أن يكون من جهة العقل وإما أن يكون من جهة النقل، فباطل أن يكون من جهة العقل، إذ لا مجال للعقل في اللغات؛ لأن اللغات لا تثبت بالعقل وإنما تثبت بالنقل عن أربابها، وباطل أن يكون من جهة النقل، لأن النقل إما تواتر (10) وإما آحاد (11)، فباطل أن يكون تواترًا؛ لأنه (12) لو كان تواترًا لعلمه
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 267، والبرهان فقرة 291، وشرح المسطاسي ص 10، من المخطوط رقم 314 بمكناس، وهي التي سأعتمد عليها في العزو بعد هذا الموضع ما لم أشر فتنبه.
(2) "بالوقف" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "معارضة" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "الوقف" في ز.
(7) "وجب" في ز.
(8) انظر: العدة 2/ 683، والتبصرة ص 176، والمنخول 161، المستصفى 2/ 177، والمسطاسي ص 11.
(9) "أحد" في ز.
(10) "تواترًا" في الأصل.
(11) "آحادًا" في الأصل.
(12) "لا أنه" في ز.
(4/149)

كل أحد (1) وارتفع الخلاف، وباطل أن يكون آحادًا؛ لأن المسألة علمية والآحاد ظنية ولا يكتفى بالظن في العلميات (2).
ورد هذا الدليل بأن قيل: لا يلزم من التواتر حصول العلم لكل أحد، فرب قضية تواترت عند قوم ولم (3) تتواتر (4) عند آخرين (5).
هذا بيان حجج الأقوال المذكورة.
قوله: (وإِذا تعقب (6) الاستثناء الجمل) هذه (7) عبارة الإمام في المحصول (8)، ومنهم من يقول: إذا تعقب (9) الاستثناء الجمل المعطوفة،
__________
(1) "واحد" في ز.
(2) انظر: المحصول 1/ 2/ 565، حيث ذكر هذا الدليل لهم في شبه منكري العموم، وأحال عليه عند بحث هذه المسألة 1/ 3/ 84. وانظر الدليل بنصه: في المسطاسي ص 11.
(3) "ولو" في ز.
(4) "تواتر" في ز.
(5) انظر: المسطاسي ص 11.
(6) في الأصل: "وإذا تعقبت" وهو خطأ، وما أثبت من ز.
(7) "هذا" في ز.
(8) عبارة الإمام في المحصول هي: الاستثناء المذكور عقيب جمل كثيرة هل يعود إليها بأسرها أم لا؟ وقد نسب له القرافي العبارة هكذا: الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة. اه.
وهذه هي عبارته في المعالم إلا أنها ليس فيها قوله: "الكثيرة"، أما المسطاسي فنقل أن عبارة الرازي هي: وإذا تعقب الجمل. اه، فلعل الشوشاوي نقل هذه وزاد فيها قوله: "الاستثناء". انظر: المحصول 1/ 3/ 63، والمعالم ص 177، وشرح القرافي ص 253، وشرح المسطاسي الورقة 132، من المخطوط رقم 352 بالجامع الكبير بمكناس، والاستغناء ص 668.
(9) في الأصل "وإذا تعقبت"، وهو خطأ، وما أثبت من ز.
(4/150)

وهي عبارة عن الباجي (1)، ومنهم من يقول: إذا تعقب (2) الاستثناء الجمل المعطوفة (3) بالواو وهي عبارة سيف الدين (4)، ومنهم من يقول: إذا تعقب (2) الاستثناء الجمل المختلفة المعطوفة وهي عبارة إمام الحرمين (5)، واحترز بقوله: المختلفة من الجمل المتفقة على شيء واحد.
وهي الجمل (6) التي تنبئ عن شيء واحد، نحو قولك: اضرب العصاة
__________
(1) عبارة الباجي في أحكام الفصول: الاستثناء المتصل بجمل من الكلام معطوف بعضها على بعض. اه. وفي الإشارة: الاستثناء المنفصل في جمل ... إلخ، وقد عدلها المحقق وأحسبه قد أخطأ، وإلا فإن العبارة الصحيحة هي كالأولى، ونقل المسطاسي عنه أنه قال: الجمل المعطوفة بعضها على بعض.
انظر: الفصول 1/ 213، والإشارة ص 157، والمسطاسي ورقة 132 من مخطوطة مكناس رقم 352.
(2) في الأصل "وإذا تعقبت"، وهو خطأ، وما أثبت من ز.
(3) "المعطوف" في ز.
(4) عبارة سيف الدين في الإحكام هي: الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها الاستثناء ... إلخ، ونقل عنه القرافي والمسطاسي أنه قال: الجمل المعطوفة بالواو. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 300، وشرح القرافي ص 253، والمسطاسي ورقة 132 من مخطوط مكناس رقم 352، والاستغناء ص 668.
(5) عبارة إمام الحرمين في البرهان التي صدر بها المسألة هي: وإذا اشتمل الكلام على جمل واستعقب الجملة الآخرة استثناء ... إلخ، ولم يذكر كون الجملة مختلفة هنا، لكن ذكر الاختلاف حينما أراد تحرير رأيه؛ حيث قال: ونحن نقول: إذا اختلفت المعاني وتباينت جهاتها، وارتبط كل معنى بجملة ثم استعقبت الجملة الأخيرة مثنوية فالرأي الحق .. إلخ، ولعل العبارة من التلخيص، وقد نقل المسطاسي عن الجويني أنه قال: الجملة المختلفة إذا اجتمعت في حرف من حروف العطف. اه. انظر: البرهان فقرة 288، 291. وشرح التنقيح للمسطاسي ورقة 132 من مخطوط مكناس رقم 352.
(6) "الجملة" في ز.
(4/151)

[والطغاة] (1) والجناة إلا من تاب، إذًا لا خلاف أن الاستثناء يرجع إلى الجميع؛ لأن هذه الجمل آيلة إلى شيء واحد.
واعلم أن هذه العبارات الأربع كلها مدخولة (2): أما عبارة الإمام الفخر وهي قوله: إذا تعقب (3) الاستثناء الجمل، وهي عبارة المؤلف. فيعترض عليها/ 206/ بأنها غير مانعة لاندراج الجمل التي تنبئ عن شيء واحد [فيها] (4) مع أنها لا يدخلها الخلاف، وأما عبارة الباجي، وهي قوله (5): إذا (6) تعقب الاستثناء الجمل المعطوفة، وكذلك عبارة إمام الحرمين وهي (7) قولنا: إذا تعقب (8) الاستثناء الجمل المختلفة المعطوفة، وكذلك عبارة سيف الدين، وهي (9) قولنا: إذا تعقب (10) الاستثناء الجمل المعطوفة بالواو فهي معترضة بأنها غير جامعة ولا مانعة.
وبيان ذلك أن حروف العطف العشرة على ثلاثة أقسام: أحدها يتأتى فيها الخلاف من غير خلاف، وقسم لا يتأتى فيها الخلاف (11) باتفاق، وقسم
__________
(1) ساقط من ز.
(2) لمعرفة بيان الخلل في العبارات. انظر: شرح القرافي ص 254، وشرح المسطاسي ورقة 132 و133 من مخطوط مكناس رقم 352، والاستغناء ص 668 وما بعدها.
(3) "تعقبت" في الأصل.
(4) ساقط من ز.
(5) "قولنا" في الأصل.
(6) "وإذا" في ز.
(7) "وهو" في ز.
(8) "تعقبت" في الأصل.
(9) "وهو" في ز.
(10) "تعقيب" في الأصل.
(11) "من غير خلاف وقسم لا يتأتى فيها الخلاف باتفاق" زيادة في ز.
(4/152)

متردد فيه (1)، فالذي يتأتى فيه (2) الخلاف باتفاق هو اربعة وهي: الواو، والفاء، وثم، وحتى.
قال المؤلف في الشرح: لأن هذه الأربعة تجمع بين الشيئين في الحكم معًا فيمكن الاستثناء منهما أو من (3) أحدهما، كقولك: قام الرجال والنساء إلا الطوال (4) أو فالنساء، أو ثم النساء، أو حتى النساء (5).
والقسم الذي لا يتأتى فيه الخلاف باتفاق هو (6) ثلاثة أحرف وهي: أو، وأم، وإما، كقولك: أكرم الرجال أو (7) النساء إلا من عصى الله، أو أكرم [إما] (8) الرجال وإما النساء إلا من عصى الله، أو أكرم الرجال أم النساء إلا من عصى الله.
قال المؤلف في الشرح: المحكوم عليه ها هنا واحد قطعًا ولم يتعرض للآخر أصلًا لا بالنفي ولا بالإثبات، لأن حرف العطف ها هنا [هو] (9) لأحد
__________
(1) انظر الكلام على تقسيم هذه الحروف في: الاستغناء ص 669، وشرح القرافي 253، وشرح المسطاسي صفحة 8 - 9 من مخطوط مكناس رقم 314. وانظر: شرح التصريح لخالد الأزهري 2/ 134.
(2) "فيها" في ز.
(3) "ومن" في ز.
(4) "والأطفال" في الأصل.
(5) نص المؤلف في الشرح: "لأنها تجمع بين الشيئين معًا في الحكم، ويمكن الاستثناء منهما أو أحدهما". اه. انظر ص 253.
(6) "وهي" في ز.
(7) "و" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) ساقط من ز.
(4/153)

الشيئين لا بعينه، فلا احتمال (1) في هذا القسم (2).
والقسم المتردد بين القسمين هو (3) ثلاثة أحرف وهي: بل، ولا، ولكن.
كقولك: قام الرجال بل النساء إلا الطوال، أو (4) قام الرجال لا النساء إلا الطوال، أو ما قام الرجال لكن النساء إلا الطوال، فالمحكوم عليه واحد بعينه، أي: فالمحكوم عليه بالقيام أحد الفريقين بعينه دون الآخر، قال المؤلف في الشرح: يمكن أن يقال: لا يمكن عود الاستثناء عليهما لعدم اندراجهما معًا في الحكم؛ إذ عود الاستثناء عليهما يقتضي عود الحكم عليهما، ويمكن أن يقال: إنهما معًا محكوم عليهما: أحدهما محكوم عليه بالنفي، والآخر محكوم عليه بالإثبات، ولكن إن صححنا عود الاستثناء عليهما يلزم أن يرفع باعتبار النفي وينصب باعتبار الإيجاب، واجتماع الرفع والنصب محال، إلا أن يصرف (5) أحدهما للفظ والآخر للمعنى، فهذا القسم هو موضع تردد (6).
__________
(1) "اعتمال" في ز.
(2) نص المؤلف في الشرح: "فها هنا المحكوم عليه واحد قطعًا، ولم يتعرض بالنفي للآخر ولا بالثبوت، فلا يتأتى الاحتمال الذي في القسم الثاني". اه. انظر صفحة 253، 254.
(3) "هي" في ز.
(4) "و" في ز.
(5) "ينصرف" في ز.
(6) عبارة المؤلف في شرحه هي: "فأمكن أن يقال: لا يمكن عود الاستثناء عليهما؛ لأنهما لم يندرجا في الحكم، والعود عليهما يقتضي تقدم الحكم عليهما، ويمكن أن يقال: إنهما معًا محكوم عليهما إحداهما بالنفي والأخرى بالإثبات. فالمنفي ما بعد "لا" وما قبل "لكن" و"بل"، غير أن هذه الحالة إن صححنا عود الاستثناء عليهما يلزم أن يرفع =
(4/154)

قال المسطاسي: الظاهر الأول (1).
فإذا علمت هذا التقسيم (2) أن عبارة الباجي وإمام الحرمين غير مانعة، لاندراج حرف العطف الذي هو لأحد الشيئين في عبارتهما؛ لأنهما (3) يقولان: الجمل المعطوفة، فاشترطا العطف، وعبارتهما أيضًا غير جامعة لخروج الجمل غير المعطوفة من عبارتهما لاشتراطهما العطف، مع أن الاستثناء يصحح أيضًا في الجمل غير المعطوفة، كقولك: أكرم بني (4) تميم، اخلع على مضر إلا الطوال.
وكذلك عبارة سيف الدين أيضًا غير جامعة ولا مانعة: أما كونها غير جامعة، فلأن ما عدا الواو من حروف العطف التي تجمع بين الشيئين خارجة عن عبارته؛ لأنه اشترط العطف بالواو، وكذلك تخرج عبارته الجمل غير المعطوفة مع صحة الخلاف فيها (5).
وأما كونها غير مانعة فلأن الجمل المعطوفة بالواو التي (6) تنبئ عن شيء واحد تندرج في عبارته مع أنها لا خلاف في رجوع الاستثناء فيها إلى الجميع، كقولك: اضرب العصاة والطغاة والجناة إلا من تاب (7)، فالحاصل
__________
= باعتبار النفي وينصب باعتبار الإيجاب، واجتماع الرفع والنصب معًا محال، إلا أن يصرف أحدهما للفظ والآخر للمعنى، وبالجملة فهو موضع تردد". اه. انظر ص 253.
(1) انظر: شرح المسطاسي على التنقيح صفحة 8 من مخطوط مكناس رقم 314.
(2) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: "فإذا علمت هذا التقسيم علمت أن ... " إلخ.
(3) "أنهما" في ز.
(4) "أكرمني" في ز.
(5) "فيهما" في ز.
(6) "والتي" في ز.
(7) انظر: المسطاسي صفحة 132 من مخطوط مكناس رقم 352.
(4/155)

مما ذكرنا أنه لا خلاف في عود الاستثناء إلى الجميع إذا كانت الجمل تنبئ عن شيء واحد (1)، ولا خلاف أيضًا [في] (2) عدم عوده إلى الجميع إذا كانت معطوفة بأو وأم وإما، واختلف فيما عدا ذلك.
والأحسن في التعبير عن هذه المسألة أن يقال: إذا تعقب الاستثناء الجمل المختلفة التي لم تعطف بحرف يقتضي أحد الشيئين لا بعينه كما في أو وأم وإما على الاتفاق، ولا بحرف يقتضي أحد الشيئين بعينه على الظاهر كما في بل ولا ولكنَّ (3) كما تقدم (4) بيان (5) جميع ذلك.
قوله: (إِذا عطف استثناء على استثناء، فإِن كان الثاني بحرف عطف أو هو (6) أكثر من الاستثناء الأول أو مساو (7) له عاد إِلى أصل الكلام؛ لاستحالة العطف في الاستثناء (8) وإِخراج الأكثر والمساوي، وإلا عاد على (9) الاستثناء الأول ترجيحًا للقرب ونفيًا للغو الكلام).
__________
(1) "الشيء الواحد" في ز.
(2) ساقط من الأصل.
(3) انظر: شرح المسطاسي صفحة 133 من مخطوط مكناس رقم 352، وقد قال القرافي في الاستغناء: وحينئذ ينبغي أن أقول في تحرير المسألة: الاستثناء إذا ورد عقيب جملتين فصاعدًا هل يعود إليهما أو إلى الأخيرة؟ خلاف ما لم يقترن بهما من القرائن اللفظية أو الحالية أوخصوص تلك الأحكام ما يمنع من ذلك. اه. الاستغناء ص 670.
(4) "في" زيادة في الأصل.
(5) "يبده" في ز.
(6) "وهو" في أ.
(7) "مساويًا" في ز.
(8) "واستحالة" زيادة في ش.
(9) "إلى" في ش.
(4/156)

ش: هذه هي المسألة السادسة من أحكام الاستثناء، تكلم المؤلف رحمه الله على الاستثناء المتعدد، هل يرجع إلى أصل الكلام وهو المستثنى منه أو يرجع إلى المستثنى؟ (1).
واعترض كلامه بأنه قسَّم العطف إلى ما ليس منه؛ لأنه صدر كلامه بالعطف ثم أدخل فيه ما ليس منه بدليل قوله: "فإن كان الثاني بحرف عطف ... " إلى قوله: "وإلا عاد على الاستثناء الأول (2) ".
أجيب عنه: بأنه أراد بالعطف: العطف لغة، وهو: الرد، وذلك [أن] (3) المعنى اللغوي أعم من المعنى الاصطلاحي، لأن العطف اصطلاحًا هو ما كان بحرف عطف (4) وقال بعضهم: الأولى أن لو قال: وإذا تعدد الاستثناء (5).
__________
(1) لهذه المسألة انظر: المحصول 1/ 3/ 60، والمعالم ص 181، وجمع الجوامع 2/ 16، والإبهاج 2/ 161، والتمهيد للإسنوي ص 397، ونهاية السول 2/ 429، وشرح الكوكب المنير 3/ 337، والقواعد لابن اللحام ص 253، وبدائع الصنائع للكاساني 3/ 157، والاستغناء ص 569، 574، وشرح القرافي ص 254، وشرح المسطاسي ص 11، وتفسير البحر المحيط 5/ 460، وأحكام القرآن لابن العربي 3/ 1129، وهذه المسألة فرع لمسألة الاستثناء من الاستثناء التي يجيزها الجمهور ويمثلون لها بقوله تعالى: {إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ} سورة الحجر، الآيتان 59 - 60 على خلاف في الآية. انظر مسَألة الاستثناء من الاستثناء في: العدة 2/ 666، إحكام الآمدي 2/ 288، والإبهاج 2/ 161، والمسودة ص 154.
(2) انظر: المسطاسي ص 11.
(3) ساقط من الأصل.
(4) انظر: المسطاسي ص 11.
(5) بهذا ترجم جل من تعرض لهذه المسألة، فالرازي في المحصول والمعالم، قال: الاستثناءات إذا تعددت، وصاحب جمع الجوامع قال: الاستثناءات المتعددة، وغيرهما قريب من هذه العبارة، فانظر: المحصول 1/ 3/ 60، المعالم ص 181، جمع الجوامع 2/ 16، والإبهاج 2/ 161، التمهيد للإسنوي ص 397، ونهاية السول 2/ 429، القواعد لابن اللحام ص 253.
(4/157)

قوله: (فإِن كان الثاني بحرف عطف ...) إلى آخر كلامه، يحتوي كلامه على ثلاثة/ 207/ أقسام: الأول (1): أن يكون الاستثناء المتعدد بحرف العطف، كقولك (2) عندي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين، القسم الثاني: أن يكون بغير حرف العطف ويكون الثاني أكثر من الأول أو مساويًا، كقولك في الأكثر: [له] (3) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، وكقولك (4) في المساوي: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، القسم الثالث: أن يكون بغير عطف أيضًا ويكون الاستثناء الثاني أقل من الأول، كقولك: [له] (5) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين (6)، قال المؤلف في الشرح: وهذه (7) المسألة مبنية على خمس قواعد:
القاعدة الأولى: أن العرب لا تجمع بين إلا وحرف العطف؛ لأن إلا تقتضي الإخراج، وحرف العطف يقتضي الشريك، وهما متناقضان.
القاعدة الثانية: أن استثناء الأكثر والمساوي باطل.
القاعدة الثالثة: أن القرب يقتضي الرجحان.
القاعدة الرابعة: أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي.
القاعدة الخامسة: أنه إذا دار الكلام بين الإعمال والإلغاء، فالإعمال
__________
(1) "الأولى" في ز.
(2) "له" زيادة في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "كذلك" في الأصل.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: المسطاسي ص 11 - 12، وشرح القرافي ص 254، والاستغناء ص 570.
(7) "وهذا" في ز.
(4/158)

أولى من الإلغاء (1).
فإذا ظهرت لك هذه القواعد فنقول: إذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين، يتعين عود الاستثناء على أصل الكلام، وهو المستثنى منه، ويمتنع عود الاستثناء على الثلاثة، لئلا يجتمع الاستثناء وحرف العطف، وهو مقتضى القاعدة الأولى (2).
وإلى هذه (3) القاعدة أشار المؤلف بقوله: "لاستحالة العطف في الاستثناء"؛ لأن قوله: "لاستحالة العطف في الاستثناء" راجع إلى قوله: "فإن كان الثاني بحرف عطف"، [فتقدير الكلام: فإن كان الثاني بحرف عطف] (4) عاد إلى أصل الكلام؛ لاستحالة العطف في الاستثناء، فالمُقَرُّ به على هذا خمسة، فإذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، يتعين أيضًا عوده على أصل الكلام؛ لأن استثناء (5) الأكثر باطل؛ لأن الأربعة أكثر من الثلاثة، وكذلك إذا قال: [له] (6) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، يتعين عوده على أصل الكلام؛ لأن استثناء (7) المساوي باطل، وهو مقتضى القاعدة الثانية (8).
__________
(1) انظر هذه القواعد في: شرح القرافي ص 254، والاستغناء ص 569، وشرح المسطاسي ص 12. ولم يشر غير القرافي والمسطاسي إلى هذه القواعد، عدا القاعدة الثانية التي ذكرها الرازي وغيره. انظر: المحصول 1/ 3/ 61، ونهاية السول 2/ 429، والإبهاج 2/ 161، وجمع الجوامع 2/ 16.
(2) انظر: شرح القرافي ص 254 - 255، والمسطاسي ص 12.
(3) "هذا" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "الاستثناء" في ز.
(6) ساقط من ز.
(7) "الاستثناء" في ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 255، والمسطاسي ص 12، والاستغناء ص 570.
(4/159)

وإلى مقتضى هذه القاعدة أشار المؤلف بقوله: "وإخراج الأكثر والمساوي"، فتقدير كلامه: فإن كان الثاني أكثر أو مساويًا عاد إلى أصل الكلام لاستحالة إخراج الأكثر والمساوي، فالمُقَرُّ به على هذا (1) ثلاثة، وإذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين، يتعين عوده على الاستثناء الذي قبله، ولا يعود على أصل الكلام؛ لأن عوده على القريب أولى من عوده على البعيد، وهو مقتضى القاعدة الثالثة (2).
و [إلى] (3) مقتضى هذه (4) القاعدة أشار المؤلف بقوله: وإلا عاد على الاستثناء الأول، فالمُقَرُّ به على هذا تسعة ترجيحًا للقرب.
قوله: (وإِلا عاد على الاستثناء الأول) معناه: وإن لم يكن بحرف عطف ولا كان أكثر ولا مساويًا، بل هو أقل من الاستثناء الأول، فإنه يعود على الاستثناء الأول، ولا يعود على أصل الكلام، ترجيحًا للقرب على البعد.
قال المؤلف في شرحه: ولا يصح عوده عليهما [معًا] (5)، ولا يصح أيضًا أن يقال: لا يعود على واحد منهما، لأنه يؤدي في القسمين إلى اللغو في الكلام (6)، ومعنى اللغو هو الحشو، وهو الكلام العاري عن الفائدة.
وبيان ذلك: أنه إذا قلنا: [إنه] (7) لا يعود على واحد منهما أي: لا
__________
(1) "هذه" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 255، والمسطاسي ص 12، والاستغناء ص 570.
(3) ساقط من ز.
(4) "هذا" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) في الشرح المطبوع قريب من هذه العبارة وهي قوله: " ... إما أن يعود عليهما أو لا يعود عليهما أو يعود على أصل الكلام أو على الاستثناء، والكل باطل إلا الأخير، أما العود عليهما فلأنه يؤدي إلى لغو الكلام فلا يصح، وكذلك لا عليهما ... " انتهى المقصود. الشرح ص 255، وانظر: الاستغناء ص 570، والمسطاسي ص 12.
(7) ساقط من ز.
(4/160)

يعود على الاستثناء ولا على المستثنى منه، فذلك كلام باطل حشو ملغى، وهو مقتضى القاعدة الخامسة (1).
وإذا قلنا أيضًا: يعود الاستثناء الثاني عليهما معًا، أي: يعود على الاستثناء الأول والمستثنى منه معًا، فذلك أيضًا لا يصح؛ لأنه حشو ملغى كالوجه الذي قبله، وهو أيضًا مقتضى القاعدة الخامسة.
وإنما قلنا: لا يصح عوده عليهما [معًا] (2)؛ لأنه إذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة، فقد اعترف بسبعة، وقوله (3) بعد ذلك: إلا اثنين، فباعتبار عوده على (4) أصل الكلام يخرج من السبعة اثنين، وباعتبار عوده على الثلاثة يرد اثنين؛ لأن الثلاثة منفية وأصل الكلام مثبت وهو مقتضى القاعدة الرابعة، فينجبر (5) المنفي (6) بالثابت (7)، فيصير الاعتراف بسبعة وهو الذي أقر به قبل الاستثناء الثاني، فيكون الاستثناء الثاني على هذا (8) لغوًا، [أي] (9): حشوًا لا فائدة فيه (10).
فحصل مما ذكرنا أن الاستثناء الثاني في هذا القسم له أربعة أوجه، واحد صحيح وثلاثة باطلة.
__________
(1) انظر: الاستغناء ص 571، وشرح القرافي ص 255، وشرح المسطاسي ص 12.
(2) ساقط من ز.
(3) "فقوله" في ز.
(4) "إلى" في ز.
(5) "فينجر" في ز.
(6) "النفي" في الأصل.
(7) "بالثبات" في الأصل.
(8) "إذا" زيادة في ز.
(9) ساقط من ز.
(10) انظر: شرح القرافي ص 255.
(4/161)

فالوجه الصحيح: هو عوده على الاستثناء خاصة، والثلاثة الباطلة: عوده على أصل الكلام، أو عوده عليهما معًا، أو لا عوده على واحد منهما (1).
فقوله: (ترجيحًا للقرب (2))، إشارة (3) إلى أنه يعود على الاستثناء خاصة، ولا يعود على أصل الكلام خاصة.
وقوله: (ونفيًا للغو الكلام)، إشارة (4) إلى أنه لا يصح عوده عليهما معًا، و (5) لا يصح أن يعود لا عليهما (6) معًا.
قوله: (وإِذا عطف استثناء على استثناء، فإِن كان الثاني بحرف عطف (7) ...) إلى آخر كلامه .. هذا الذي ذكره المؤلف هو القول الذي عليه الجمهور من النحاة والأصوليين (8) / 208/، وذكر بعضهم الخلاف في
__________
(1) العبارة في ز هكذا: "أو عوده عليهما معًا، أو لا يصح أن لا عود واحد منها".
(2) "للأقرب" في ز.
(3) "أشار" في ز.
(4) "أشار" في ز.
(5) "أو" في ز.
(6) "أن لا يعود عليهما" في ز.
(7) "العطف" في ز.
(8) هو مذهب جمهور الأصوليين كما في: المحصول 1/ 3/ 60، والمعالم ص 181، وجمع الجوامع ص 2/ 16، والإبهاج 2/ 161، وتمهيد الإسنوي ص 397، ونهاية السول 2/ 429، وشرح الكوكب المنير 2/ 337، إلا أن الحنابلة شرطوا ألا يلزم من العود على أصل الكلام استغراقه أو استثناء أكثره، لأن الحنابلة لا يقولون باستثناء الكل ولا الكثير.
وأما الحنفية فإنهم يعدون الاستثناء الثاني رجوعًا عن الأول، والثالث رجوعًا عن الثاني، وهكذا، بشرط أن تتصل الاستثناءات وألا تتعاطف، ذكره المطيعي، وقد =
(4/162)

القسم الثاني والثالث، أعني بالقسم الثاني: استثناء الأكثر (1) والمساوي، كقولك: [له] (2) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، أو عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، وأعني بالقسم الثالث: استثناء الأقل، كقولك: له عندي عشرة [إلا ثلاثة] (3) إلا اثنين.
فإذا كان الاستثناء الثاني أكثر من الأول نحو [قوله: له] (4) عندي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، [فمذهب] (5) الجمهور: أن الاستثناءين يرجعان معًا إلى أصل الكلام، ومذهب الفراء: أن الاستثناء [الثاني] (6) منقطع يضم إلى أصل الكلام فيكون مقرًا به، تقدير الكلام: له عندي عشرة إلا ثلاثة سوى الأربعة التي [له] (7) عليَّ (8)، فعلى قول الجمهور يكون أقر بثلاثة، وعلى قول الفراء يكون أقر بأحد عشر.
__________
= رأيت في بعض كتبهم ما يفيد مذهب الجمهور، وسيأتي رأي أبي يوسف.
أما النحاة فإن هذا عندهم هو قول البصريين والكسائي وجمهور النحاة بعدهم.
انظر: التبصرة للصيمري 1/ 378، وشرح الكافية الشافية 2/ 713، وأوضح المسالك 2/ 196، وشرح خالد الأزهري على أوضح المسالك 1/ 356، وشرح الأشموني على الألفية 2/ 154، ونهاية السول 2/ 430، وشرح الكوكب المنير 3/ 339، والمطيعي على نهاية السول 2/ 429، وبدائع الصنائع للكاساني 3/ 156، والاستغناء ص 571 - 572، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 199.
(1) "الكثر" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من الأصل.
(4) ساقط من ز.
(5) ساقط من ز.
(6) ساقط من ز.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: نهاية السول 2/ 430، والاستغناء ص 571، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 199.
(4/163)

قال ابن عصفور في شرح الجمل (1): كأنه قال: له عشرة إلا ثلاثة سوى الأربعة التي تقررت له عندي (2)، وهكذا [إذا كان الاستثناء الثاني مساويًا للأول] (3) كإذا (4) قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، فعلى قول الجمهور يكون أقر بأربعة، وعلى قول الفراء يكون أقر بعشرة.
وقال ابن مالك في شرح التسهيل (5): وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه جار على قاعدة [جعل] (6) الاستثناء الأول إخراجًا والثاني إدخالًا (7).
وأما القسم الثاني وهو استثناء الأقل: فمذهب الجمهور: أن الاستثناء الثاني يعود إلى الاستثناء الأول، فيستثنى منه، ومذهب الفراء: أن الاستثناء الثاني منقطع يضم إلى أصل الكلام فيكونُ مُقَرًا به (8) كما قال في القسم الذي فرغنا منه، فإذا قال: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين، فعلى
__________
(1) الجمل للزجاجي أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق ت 339 ه, من أنفع الكتب في النحو، لذا اهتم بشرحه علماء العربية على مر العصور، حتى عُدَّ له أكثر من عشرين شرحًا، وقد شرحه ابن عصفور بثلاثة شروح ذكرها أغلب من ترجم له. انظر: كشف الظنون 1/ 603، وإيضاح المكنون 1/ 368، وهدية العارفين 1/ 712.
(2) انظر: شرح الجمل لابن عصفور 2/ 258.
(3) ساقط من الأصل.
(4) "إذا" في الأصل.
(5) كتاب التسهيل لابن مالك من أجمع كتب النحو لمسائله وقواعده، شرحه مصنفه وشرحه بعده كثير من أئمة النحو حتى فاقت شروحه الثلاثين. وانظر: كشف الظنون 1/ 405، وأسماء الكتب ص 103.
(6) ساقط من ز.
(7) انظر شرح التسهيل لابن مالك الورقة ص 116، من مخطوط دار الكتب المصرية برقم/ 10 نحو ش، مصور فلميًا بمركز البحث بأم القرى برقم/ 953 نحو.
(8) انظر: نهاية السول 2/ 430، والاستغناء ص 572.
(4/164)

مذهب الجمهور يكون أقر بتسعة، وعلى مذهب الفراء يكون أقر بتسعة أيضًا، لأنك [تخرج] (1) الثلاثة من العشرة فيبقى سبعة، ثم تضم الاثنين إلى السبعة فيكون المقر به تسعة كما قلنا، فتقدير الكلام على هذا القول: [له] (2) عندي عشرة إلا ثلاثة (3) سوى الاثنين الذي (4) له عندي.
ومذهب أبي يوسف القاضي: أن الاستثناءين معًا يرجعان إلى أصل الكلام، وهو المستثنى منه، فيكون المقر به في هذا المثال المذكور خمسة (5)، وقال بعض النحاة: يجوز في ذلك وجهان:
أحدهما: رد الاستثناءات كلها إلى أصل الكلام كما قال أبو يوسف القاضي.
__________
(1) ساقط من ز.
(2) ساقط من ز.
(3) "ثلاثًا" في ز.
(4) كذا في النسختين، والأوْلى: "التي".
(5) انظر: شرح الأزهري على التوضيح 1/ 358، حيث قال: هو قول الصيمري وتبعه أبو يوسف القاضي، وفي هذا نظر، لأن أبا يوسف قبل الصيمري، وقد أورد العليمي في حاشيته على التصريح هذا القول منسوبًا لأبي يوسف في مناظرة له مع الكسائي: أنه سأل أبا يوسف عمن قال: له علي مائة درهم إلا عشرة إلا اثنين، فقال: يلزمه ثمانية وثمانون، فقال الكسائي: بل يلزمه اثنان وتسعون واستدل بالآية فلم يخالفه. اه. ولم أجد القصة فيما طالعته من كتب النحو والتفسير وكتب فقه الحنفية وتراجم الرجلين، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
وقد ورد الرأي منسوبًا لبعض النحاة من غير تقييد في بعض كتب النحو والأصول.
انظر: حاشية العليمي على التصريح 1/ 359، ونهاية السول 2/ 430، وأوضح المسالك 3/ 196، وشرح الأشموني 2/ 154، والاستغناء ص 572، وشرح المسطاسي ص 12، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 199.
(4/165)

والوجه الثاني: رد كل استثناء إلى الاستثناء الذي قبله، كما قال الجمهور (1).
فهذه أربعة أقوال:
أحدها: رد كل استثناء إلى الاستثناء الذي قبله وهو مذهب الجمهور.
القول (2) الثاني: رد ما بعد الاستثناء الأول إلى أصل الكلام [أي يضم إلى أصل الكلام] (3) ثم يستثنى منه الاستثناء الأول وهو مذهب الفراء.
القول الثالث: أن الاستثناءات كلها تستثنى من أصل الكلام وهو مذهب أبي يوسف القاضي.
القول الرابع: جواز الوجهين كما قال بعض النحاة.
فإذا فرعنا على مذهب الجمهور: الذي هو رد كل استثناء إلى الذي قبله، فإذا قال: [له] (4) عندي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا، ففي طريق العلم بما (5) أقر به خمسة أوجه:
أحدها: أن تطرح عدد الأفراد من المستثنى منه، وعدد الأفراد في هذا المثال خمسة، فإذا طرحت خمسة من المستثنى منه الذي هو العشرة فالمُقَرُّ به
__________
(1) انظر: أوضح المسالك 2/ 196، وشرح الأشموني 2/ 154، وشرح التصريح 1/ 358، ونهاية السول 2/ 430.
(2) "والقول" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "إلى ما" في ز.
(4/166)

خمسة، هذا إذا كان المستثنى منه شفعًا كما في هذا المثال، وإن كان المستثنى منه وترًا فإنك تطرح عدد الأزواج [من المستثنى منه، فما بقي فهو المُقَرُّ به، كقولك: عندي أحد عشر إلا عشرة إلا تسعة إلى الواحد، فإذا طرحت عدد الأزواج] (1) وهو خمسة فيكون المقر به ستة.
الوجه الثاني: أن تطرح مجموع الأفراد من مجموع الأزواج فما بقي فهو المقر به؛ وذلك أن مجموع الأفراد في (2) المثال الذي صدرنا به خمسة وعشرون، ومجموع أزواجه ثلاثون، فإذا طرحت المجموع من المجموع فيكون الباقي خمسة، وهو المُقَرُّ به، [هذا] (3) إذا كان المستثنى منه شفعًا كما تقدم، وأما إذا (4) كان المستثنى منه وترًا كقولك: أحد عشر إلا عشرة إلى الواحد، فإنك تطرح مجموع الأزواج من مجموع الأفراد، فما بقي فهو المقر به؛ وذلك أن مجموع الأزواج ها هنا ثلاثون، ومجموع الأفراد ستة وثلاثون، فإذا طرحت ثلاثين من ستة وثلاثين فتبقى ستة، وهو (5) المقر به (6).
الوجه الثالث: أن تطرح كل استثناء من الذي قبله (7) فما بقي بعد ذلك فهو المقر به؛ وذلك أن تطرح واحدًا من اثنين، الباقي واحد، ثم تطرح
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "هذا" زيادة في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "إن" في ز.
(5) "فهو" في ز.
(6) انظر: الصبان على الأشموني 2/ 154، وشرح التصريح 1/ 359، والقواعد لابن اللحام ص 254، وشرح الكوكب المنير 3/ 335، وبدائع الصنائع 3/ 157.
(7) "يليه" في الأصل.
(4/167)

الواحد من ثلاثة، الباقي اثنان، ثم تطرح اثنين من أربعة [الباقي اثنان] (1)، هكذا إلى آخره (2) (3).
الوجه الرابع: أن تطرح الاستثناء الأول (4) من المستثنى منه، فما بقي فأضفه (5) إلى ما بعد المستثنى، فما اجتمع فاطرح منه ما بعده (6)، إلى آخرها (7).
وبيان ذلك: أن تطرح تسعة من عشرة فيبقى (8) واحد، فأضفه إلى الثمانية فيكون تسعة، فاطرح منه سبعة كذلك إلى آخرها (9) (10).
الوجه الخامس: أن تأخذ ثلاثة أعداد متوالية، فتطرح العدد الأوسط (11) من مجموعي (12) الطرفين، ثم تضيف الباقي بعد الطرح إلى العددين
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) في ز "هكذا .. " إلخ.
(3) انظر: أوضح المسالك 2/ 196، وشرح الأشموني 2/ 154، وشرح التصريح 1/ 359، والقواعد لابن اللحام ص 255، وشرح الكوكب المنير ص 3/ 335، وبدائع الصنائع 3/ 157، والاستغناء ص 574 - 575.
(4) "الأولى" في ز.
(5) "أضفه" في ز.
(6) "ما بعد" في ز.
(7) "إلخ" في ز.
(8) "يبقى" في ز.
(9) "إلخ" في ز.
(10) انظر: أوضح المسالك 2/ 197، وشرح التصريح 1/ 360، وشرح الكوكب المنير 3/ 335.
(11) "الوسط" في الأصل.
(12) "مجموع" في ز.
(4/168)

المتواليين بعد الثلاثة الأولى، فتطرح أيضًا وسطها (1) من مجموعي الطرفين، كذلك تفعل إلى آخرها.
وبيان ذلك: [أن تأخذ] (2) العشرة والتسعة والثمانية، فتجمع العشرة مع الثمانية فتكون (3) ثمانية عشرة، فتطرح منها (4) العدد الأوسط (5) وهو التسعة، فيبقى تسعة، ثم تضيف التسعة إلى السبعة والستة، فتجمع التسعة والستة فتكون خمسة عشر، فتطرح منها (6) الأوسط (7) وهو السبعة، فبقي (8) ثمانية، كذلك تفعل إلى آخرها، فتبقى خمسة، وهو المقر به، وبالله التوفيق بمنه.
قوله: (فائدتان / 209/:
الأولى (9): قد يكون الاستثناء عبارة عما لولاه لعلم دخوله، أو ما لولاه لظن دخوله، أو ما لولاه لجاز دخوله، أو ما لولاه لقطع بعدم دخوله، فهذه أربعة أقسام: فالأول: الاستثناء (10) من النصوص، نحو قوله (11): عندي
__________
(1) "وسطا" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) "فيكون" في ز.
(4) "منه" في ز.
(5) "الوسط" في الأصل.
(6) "منه" في ز.
(7) "الوسط" في ز.
(8) "فتبقى" في ز.
(9) انظر: المعتمد 1/ 219 - 220، وشرح الكوكب المنير 3/ 293، وشرح القرافي ص 256، والاستغناء ص 578، وشرح المسطاسي ص 12.
(10) "استثناء" في ز.
(11) "قولك" في أوكذا في نسخة ز، وفي ش: "له"، وساقطة من خ.
(4/169)

عشرة إِلا اثنين، والثاني: الاستثناء من الظواهر، نحو: اقتلوا المشركين إِلا زيدًا، والثالث: الاستثناء من المحال، والأزمان، والأحوال، نحو: أكرم رجلًا (1) إِلا زيدًا [و (2) عمرًا] (3)، وَصَلّ (4) إِلا عند الزوال، و {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَن يُحَاطَ بِكُمْ} (5)، والرابع الاستثناء المنقطع: نحو: رأيت القوم إِلا حمارًا).
ش: هاتان الفائدتان هما باعتبار فهم السامع للاستثناء، وإنما يقطع بدخوله في النصوص لكون اللفظ لا يحتمل (6) المجاز؛ لأنه لا يستعمل إلا في مسماه (7)، وإنما يظن دخوله في الظواهر؛ لأنه يحتمل المجاز (8)، وإنما يجوز دخوله من غير علم ولا ظن في المحال والأزمان والأحوال؛ لأن اللفظ لا يشعر بخصوصها ولم يتناولها، فانتفى العلم والظن (9)، وإنما يقطع بعدم دخول المنقطع لعدم صلاحية اللفظ له؛ فإن لفظ القوم لا يندرج فيه الحمار قطعًا (10).
قوله: (نحو: أكرم رجالًا)، فقولك: أكرم: دال، وقولك: رجالًا (11):
__________
(1) في أوخ وش "رجلًا"، وكذا في شرح الكوكب المنير 3/ 293، والذي في الأصل، ونسخة ز "رجالًا"، وكررها مرات، والصواب ما أثبت.
(2) "أو" في ز.
(3) ساقط من خ.
(4) "أوصل" في خ.
(5) سورة يوسف آية 66.
(6) "يحمل" في ز.
(7) انظر: شرح القرافي ص 256، والاستغناء ص 587، وشرح المسطاسي ص 12.
(8) انظر: شرح القرافي ص 256، وشرح المسطاسي ص 12.
(9) انظر: شرح القرافي ص 256، وشرح المسطاسي ص 12.
(10) انظر: شرح القرافي ص 256، وشرح المسطاسي ص 12، والاستغناء ص 579.
(11) "رجال" في ز.
(4/170)

مدلول، ومحله الأشخاص، ومن هذا المحل يستثنى.
وقوله: (والأزمان) يريد: والبقاع (1)، [مثال البقاع] (2) كقولك: صل إلا في المجزرة (3) (4).
فقولك: [صل] (5): دال، والصلاة مدلول، [و] (6) محله البقاع (7)، ومن هذا المحل يقع الاستثناء، [ومثال الأزمان: كقولك: صل إلا عند الزوال (8)،
__________
(1) "والبقع" في ز.
(2) ساقط من ز، وهي معلقة في الأصل.
(3) "المزجرة" في ز.
(4) النهي عن الصلاة في المجزرة ورد في حديث عمر عند ابن ماجه برقم/ 747، وأحاديث ابن عمر عند الترمذي برقم 346، 347، وعند ابن ماجه برقم 746، وهي كلها أحاديث ضعيفة أخذ بها أكثر الحنابلة وجعلوا الأمر توقيفًا، كما أخذ بها الغزالي من الشافعية. انظر: المغني 2/ 68، وبداية المجتهد 1/ 117، والوسيط للغزالي 2/ 648.
(5) ساقط من ز.
(6) ساقط من ز.
(7) "البقع" في ز.
(8) النهي عن الصلاة وقت زوال الشمس وارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث عدة منها: حديث عقبة بن عامر، قال: ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن ... وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل ... الحديث، ومعناه: إذا انتصف النهار حتى تزول الشمس، قاله ابن المبارك، والحديث في مسلم برقم/ 831، وفي الترمذي برقم 1030، وقد قال بالنهي عن الصلاة في هذا الوقت أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وخالف مالك لعمل أهل المدينة، واستثنى الشافعي يوم الجمعة لفعل عمر رضي الله عنه، وكلهم أجاز قضاء الفوائت، والصلاة المنذورة، وركعتي الطواف في أوقات النهي، إلا الحنفية منعوا ذلك كله، وقالوا: لا يقضي صلاة يومه إلا قرب الغروب.
انظر: المغني 2/ 107، والأم 1/ 149، وبداية المجتهد 1/ 101، والبداية للمرغيناني 1/ 40، وسنن الترمذي 3/ 349.
(4/171)

فقولك: صل: دال، والصلاة مدلول، ومحلها الأزمان، ومن هذا المحل يستثنى] (1)، وقوله: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَن يُحَاطَ بِكُمْ} (2) فقوله: {لَتَأْتُنَّنِي بِه}، دال، والإتيان بأخي يوسف مدلول، ومحله الأحوال.
قوله (3): (الثانية): [أن] (4) إِطلاق العلماء (5): الاستثناء من النفي إِثبات، يجب أن يكون مخصوصًا، فإِن الاستثناء يرد على الأسباب، والشروط، والموانع، والأحكام، والأمور العامة التي لم ينطق بها، فالأول: نحو: لا عقوبة إِلا بجناية، والثاني: نحو: لا صلاة إِلا بطهور، والثالث: [نحو] (6) لا تسقط الصلاة عن المرأة إِلا بالحيض، والرابع: نحو: قام (7) القوم إِلا زيدًا، والخامس: نحو: قوله تعالى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ [إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ] (8)} (9) (10)، ولما كانت الشروط لا يلزم من وجودها الوجود ولا العدم، لم يلزم من الحكم بالنفي قبل الاستثناء لعدم الشرط، الحكم بالوجود بعد الاستثناء لأجل وجوده، فيكون مطردًا فيما عدا الشروط) (11).
__________
(1) ساقط من ز.
(2) سورة يوسف آية رقم 66.
(3) "الفائدة" زيادة في ز.
(4) ساقطة من خ وش.
(5) في نسخ المتن ونسخة ز زيادة: "أن".
(6) ساقطة من ش.
(7) "ما قام" في ز.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من أوخ، وفي ز: "إلا يحاط بكم".
(9) في أزيادة: "الآية".
(10) سورة يوسف آية رقم 66.
(11) "الشرط" في ش.
(4/172)

ش: المقصود بهذه الفائدة، الرد على الحنفية القائلين بأن (1) الاستثناء من النفي لا يكون إثباتًا (2)؛ فإنهم قالوا: لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا لزوم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة إلا بطهور" (3)، و"لا نكاح إلا بولي" (4) ثبوت الصلاة بمجرد الطهارة (5)، وثبوت النكاح بمجرد الولي (6)، وذلك باطل.
أجيب بأن الحديث إنما سبق لبيان شروط (7) الصلاة والنكاح، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط.
قوله: (يجب أن يكون مخصوصًا)، أي: مقيدًا بما عدا الاستثناء من الشروط، وأما الاستثناء من الشروط (8) فلا يصح فيه ذلك، وإلى هذا الجواب أشار المؤلف بقوله: ولما كانت الشروط لا يلزم من وجودها الوجود ولا العدم لم يلزم من الحكم بالنفي قبل الاستثناء لعدم الشرط) الحكمُ بالوجود بعد الاستثناء لأجل وجوده.
قوله: (لم يلزم من الحكم بالنفي) أي: لم يلزم من الحكم بنفي المشروط وهو الصلاة أو النكاح في قوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهور"، و"لا نكاح إلا بولي".
__________
(1) "لأن" في ز.
(2) نبه الشوشاوي على هذه الفائدة في المسألة الرابعة، وهي مسألة الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات صفحة 132 من هذا المجلد.
(3) سبق تخريج الحديثين فانظر فهرس الأحاديث.
(4) سبق تخريج الحديثين فانظر فهرس الأحاديث.
(5) "الطهور" في ز.
(6) "ولي".
(7) "شرط" في ز.
(8) "المشروط" في ز.
(4/173)

قوله: (لعدم الشرط) يعني: لعدم الشرط الذي هو الطهارة أو الولي.
قوله: (الحكم بالوجود) أي: بثبوت المشروط الذي هو الصلاة أو (1) النكاح في مثالنا.
قوله: (لأجل وجوده)، أي: لأجل وجود الشرط الذي هو الطهارة أو الولي في مثالنا.
قوله: (فيكون مطردًا فيما عدا الشروط) (2)، أي: فيكون قولهم: الاستثناء من النفي إثبات مطردًا فيما عدا الشروط، وإلا فيلزم عليه صحة الصلاة بوجود الطهارة خاصة [من غير ركوع ولا سجود] (3)، وصحة النكاح بوجود الولي خاصة [من غير عقد] (4)، ولا قائل به.
قال المؤلف في شرحه: الاستثناء يقع في عشرة أمور (5): اثنان ينطق بهما، وثمانية لا ينطق بها (6)، فأما اللذان ينطق بهما فهما: الأحكام والصفات، فمثال الأحكام: قام القوم إلا زيدًا، ونحوه من الأفعال، وأما (7) الاستثناء من الصفة فهو (8) على ثلاثة أقسام:
__________
(1) "و" في الأصل.
(2) "المشروط" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 257، والمسطاسي ص 13، وشرح الكوكب المنير 3/ 294.
وانظر: تفصيلها بمسائلها في الاستغناء من صفحة 580 - 656، وانظر: صفحة 64 من هذا المجلد.
(6) "بهما" في ز.
(7) "ولما" في ز.
(8) "فهي" في ز.
(4/174)

أحدها: استثناء متعلقها، والثاني: استثناء نوعها، والثالث: جملتها (1).
مثال استثناء متعلقها: قول الشاعر:
قاتل ابن البتول إلا عليًا (2)
أراد بقوله: ابن البتول: الحسين (3) بن علي بن أبي طالب (4) رضي الله عنهما، [وأراد] (5) بالبتول (6) فاطمة الزهراء (7) رضي الله عنها، وسميت بالبتول (8) قيل: لانقطاعها عن النظير، وقيل: لانقطاعها عن الأزواج،
__________
(1) "صلتها" في ز.
(2) أورد هذا الشطر القرافي في الشرح ص 257، والاستغناء ص 583، والفروق 3/ 167، وأورده المسطاسي ص 13، وصاحب شرح الكوكب المنير 3/ 294، ولم أقف على قائله ولا على عجزه.
(3) "الحسن"، في الأصل وز. وهو في شرح القرافي ص 257، وشرح الكوكب المنير 3/ 294: الحسين، وهو أصح؛ لأن الحسن رضي الله عنه توفي بالمدينة من غير قتل.
(4) هو أبو عبد الله سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وريحانته، ولد سنة أربع، وقيل: سنة ست في المدينة، وأقام بها مع أبيه حتى خرج إلى الكوفة، فخرج معه وشهد المشاهد معه، فلما قتل علي رضي الله عنه عاد إلى المدينة، إلى أن توفي معاوية فانتقل إلى مكة، وبها وافته كتب أهل العراق يبايعونه، فخرج إليهم وقتل بكربلاء يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين.
انظر: الإصابة 1/ 333، الاستيعاب 1/ 378.
(5) ساقط من ز.
(6) "فالبتول" في ز.
(7) سيدة نساء العالمين، وصغرى بنات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنكحها عليه السلام من علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد غزوة أحد، فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، ولم يتزوج علي عليها حتى توفيت رضي الله عنها، بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بستة أشهر.
انظر: الاستيعاب 4/ 373، والإصابة 4/ 377.
(8) مأخوذ من البتل وهو القطع، والتبتل إلى الله: الانقطاع والإخلاص، والبتول من =
(4/175)

وهو (1) مراد هذا الشاعر؛ لأنها انقطعت عن الأزواج كلهم إلا عن علي رضي الله عنه، فاستثنى الشاعر من متعلق التبتل وهو الأزواج.
ومثال الاستثناء من أنواعها: قوله تعالى: {أَفَمَا نَحْنُ (2) بِمَيِّتينَ (58) إنْ هِيَ إلا مَوْتَتُنَا الأُولَى} (3)؛ فإن الموتة (4) الأولى نوع من أنواع الموت (5)، ومثال استثناء جملتها قوله: [أنت] (6) طالق واحدة إلا واحدة (7).
قال ابن شاس في الجواهر، وابن أبي زيد في النوادر: إذا قال الرجل: أنت طالق واحدة إلا واحدة تلزمه طلقة واحدة (8) / 210/ لبطلان استثنائه بالاستغراق، إلا أن يعيد الاستثناء على الواحدة فتلزمه طلقتان (9)، وبيان
__________
= النساء: المنقطعة عن الرجال، أو المنقطعة إلى الله عن الدنيا، والمعنيان اللذان ذكرهما الشوشاوي لتسمية الزهراء بالبتول لم يصرح بهما في كتب اللغة ولا التراجم، والذي ذكره أصحاب المعاجم أن الزهراء سميت بالبتول لانقطاعها عن نساء زمانها دينًا وعفافًا، وهو قريب للمعنى الأول، أو سميت بالبتول لانقطاعها عن الدنيا إلى الله عز وجل.
انظر: اللسان، والتاج، والقاموس، ومعجم المقاييس لابن فارس، مادة: بتل.
(1) "وهذا" في ز.
(2) "فما نحن" في ز.
(3) سورة الصافات الآيتان 58 - 59.
(4) "الموت" في ز.
(5) انظر: الاستغناء ص 587، وشرح القرافي ص 257، وشرح المسطاسي ص 13.
(6) ساقط من الأصل.
(7) "وحدة" في ز.
(8) انظر: الجزء الثالث من كتاب النوادر في الاستثناء في الطلاق مخطوط بخزانة ابن يوسف بمراكش رقم 305/ 1، وفيه: [لزمته طلقة].
(9) انظر الجزء الأول من كتاب الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، كتاب الطلاق، الباب الخامس في الاستثناء. مخطوط في الخزانة الحسنية في الرباط برقم/ 7984، وفي ابن يوسف بمراكش برقم 464، وفي النقل اختلاف في اللفظ مع اتحاد المعنى.
(4/176)

ذلك: أن الواحدة صفة [و] (1) الموصوف طلقة، فإذا رفع (2) صفة الوحدة (3) بالنية فقد رفع بعض ما نطق به، فإذا ارتفعت الوحدة (3) تعينت الكثرة؛ إذ [لا] (4) واسطة بينهما، وأقل مراتب الكثرة اثنان (5)؛ لأن الأصل براءة الذمة من الزائد (6).
ومثال استثناء جملة الصفة أيضًا: مررت بالمتحرك إلا المتحرك، تقديره: مررت بالجسم المتحرك، فهذان شيئان موصوف وصفة، ثم استثنيت (7) أحدهما [وهو الصفة التي هي الحركة، فيتعين السكون؛ لأن كل ضدين لا ثالث لهما إذا رفعت أحدهما] (8) تعين الآخر للوقوع (9)، فكأنك قلت: مررت بالساكن.
قال المؤلف في شرحه: والاستثناء من الصفات هو باب غريب في الاستثناء، وقد بسطته (10) هو وغيره في كتاب الاستغناء في أحكام
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "أرفع" في ز.
(3) "الواحدة" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "اثنتان" في ز.
(6) انظر: الاستغناء ص 583، 584، وشرح القرافي ص 257، وشرح المسطاسي ص 13.
(7) "استثنت" في ز.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(9) انظر: الشرح ص 257، وفي النقل اختلاف يسير وتقديم وتأخير وإدراج.
وانظر: شرح المسطاسي ص 13، الاستغناء ص 582.
(10) "بسطه" في ز.
(4/177)

الاستثناء، وهو سفر كبير، [و] (1) فيه أحد وخمسون بابًا ونحو أربعمائة مسألة (2).
وأما الثمانية التي لا ينطق بها ويقع الاستثناء منها، فهي: الأسباب، والشروط، والموانع، والمحال، والأحوال، والأزمان، والأمكنة، ومطلق الوجود مع قطع النظر عن الخصوصات.
مثال الاستثناء من الأسباب: لا عقوبة إلا بجناية (3).
ومثال الاستثناء من الشروط: لا صلاة إلا بطهور (4).
ومثال الاستثناء من الموانع: لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض (5).
ومثال الاستثناء من المحال: أكرم رجلًا (6) إلا زيدًا و (7) عمرًا (7) وبكرًا، فإن كل شخص هو محله لأعمه (8).
ومثال الاستثناء من الأحوال: قوله: {لَتَأْتنَّنِي بِهِ إلا أَن يُحَاطَ بِكمْ} (9)
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: الشرح ص 258، وليس فيه ذكر عدد الأبواب والمسائل.
(3) انظر: الاستغناء ص 589، وما بعدها، وشرح الكوكب المنير 3/ 295.
(4) انظر: الاستغناء ص 616، وشرح الكوكب المنير 3/ 295.
(5) انظر: الاستغناء ص 617، وشرح الكوكب المنير 3/ 295.
(6) في: الاستثناء ص 619، وشرح الكوكب المنير 3/ 295، وشرح القرافي ص 258، ونسخ المتن، أكرم رجلًا، وهو الصواب؛ حيث يظهر الاستثناء من المحال، وفي نسخة ز والأصل: "رجالًا"، وعليه يكون استثناء من الذوات.
(7) "أو" في الموضعين في ز.
(8) انظر: الاستغناء ص 618، وما بعدها، وشرح الكوكب المنير 3/ 295، وشرح القرافي ص 258.
(9) سورة يوسف آية رقم 66.
(4/178)

أي: لتأتنني به في كل حالة من الأحوال إلا حالة الإحاطة بكم، فإني أعذركم فيها (1).
ومثال ذلك الاستثناء من الأزمان: صل إلا عند الزوال (2).
ومثال الاستثناء من الأمكنة: صل إلا في المزبلة والمجزرة (3).
ومثال الاستثناء من مطلق الوجود مع قطع النظر عن الخصوصات: قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكم} (4) يعني: الأصنام التي كانوا يعبدونها، أي: لا حقيقة لها إلا مجرد (5) اللفظ، ولا وجود لها إلا وجود اللفظ، فوقع الاستثناء من مطلق الوجود على سبيل المبالغة في النفي (6).
فهذه الثمانية لم تذكر قبل الاستثناء، وإنما تعلم بالفرد الذي يذكر منها بعد الاستثناء. [فيستدل بذلك الفرد على أن جنسه هو الكائن قبل الاستثناء، فيعلم حينئذ أن الاستثناء في هذه الأمور الثمانية هو استثناء
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 258، والاستغناء ص 628، 643، وشرح الكوكب المنير 3/ 295.
(2) انظر: الاستغناء ص 621، وشرح القرافي ص 258، وشرح المسطاسي ص 13، وشرح الكوكب المنير 3/ 296.
(3) انظر: شرح القرافي ص 258، والاستغناء ص 627، والمسطاسي ص 13، وشرح الكوكب المنير 3/ 296.
(4) سورة النجم آية رقم 23.
(5) "مجر" في الأصل.
(6) انظر: الاستغناء ص 656، وشرح القرافي ص 258، وشرح المسطاسي ص 13، وشرح الكوكب المنير 3/ 296.
(4/179)

متصل؛ لأنه استثناء] (1) من الجنس، والحكم فيه بالنقيض بعد إلا، وكثير من النحاة يعتقد أنه استثناء منقطع؛ لأنه يلاحظ الفعل المتقدم قبل الاستثناء ويجد ما بعده من غير جنسه فيقضي عليه بانقطاعه؛ لاعتقاده أن ما بعد الاستثناء من المنطوق (2) به (3) قبله، وليس كما ظن، بل الاستثناء واقع من غير مذكور، وهو متصل باعتباره (4) (5).
قال المؤلف في شرحه: وهذه الأمور مبسوطة في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء، فمن أرادها فليطالعه، فإنها فوائد غريبة وفوائد جليلة، وهي كلها من فضل الله، له المنة في جميع الأحوال (6).
...
__________
(1) ما بين المعقوفتين معلق في الهامش من نسخة ز.
(2) "المنطق" في ز.
(3) "وبه" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 258، وشرح المسطاسي ص 13.
(5) جاء في: ز زيادة ما يلي: "وهذه الأمور الثمانية ذكرها المؤلف كلها؛ لأنه ذكر الأسباب والشروط والموانع وأشار إلى الخمسة الباقية بقوله: والأمور العامة وهو المحال والأحوال والأزمنة والأمكنة ومطلق الوجود، وذكر أيضًا الأحكام من اللذين ينطق بهما، وسكت عن الصفة". اه.
(6) انظر: شرح القرافي ص 258، وفي النقل إدراج واختصار لا يخلان بالمعنى.
(4/180)

الباب التاسع
في الشروط
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في أدواته.
الفصل الثاني: في حقيقته.
الفصل الثالث: في حكمه.
(4/181)

الباب التاسع في الشروط (1)

ش: وإنما أتى المؤلف بهذا الباب عقب (2) [باب] (3) الاستثناء لاشتراك (4) الشرط والاستثناء في الإخراج (5)؛ إذ لا فرق بين قولنا: اقتلوا المشركين إن حاربوا، وبين قولنا: اقتلوا المشركين إلا ألا (6) يحاربوا، فلا فرق بينهما في خروج أهل الذمة من هذا الحكم المذكور.
قوله: (الشروط).
ش: شامل للشروط اللغوية والعقلية والشرعية والعادية (7).
__________
(1) بدأت نسخة ز بالمتن.
(2) "عقيب" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "لاشتراط" في ز.
(5) هذا الصنيع يسلكه المؤلف في بعض الأبواب والفصول، ويكون غالبًا عندما توجد علاقة ما بين الفصلين أو البابين.
وقد أشار لهذه العلاقة بعض أهل العلم، انظر: المستصفى 2/ 182، والروضة 259، وانظر: المسطاسي ص 13.
(6) "أن" في ز.
(7) اللغوية: كقولك: أكرم بني تميم إن جاءوا، والعقلية: كالحياة شرط للعلم، والشرعية: كالطهارة شرط للصلاة، والعادية: كنصب السلم لصعود السطح، والمخصص الذي يعنيه الأصوليون عند ذكرهم للشرط مع المخصصات الأخرى - من الاستثناء، والصفة، والغاية وغيرها - هو الشرط اللغوي، والذي يعنون عند تعريفهم للشرط اصطلاحًا بقولهم: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده =
(4/183)

قوله: (وفيه ثلاثة فصول).
ش: أي وفي هذا الباب [وهو باب الشروط] (1) ثلاثة فصول، ويحتمل عود الضمير على الشروط (2) أي: وفي الشروط (2) ثلاثة فصول، [والأول أصح] (3) (4).
قوله: (5) (الأول: في أدواته) (6).
ش: والأدوات جمع أداة، والأدوات: هي الآلات (7) التي يتوصل بها
__________
= وجود ولا عدم لذاته، هو غير اللغوي.
انظر: المستصفى 2/ 181، والمحصول 1/ 3/ 89، وروضة الناظر ص 259، وإحكام الآمدي 2/ 309، والإبهاج 2/ 167، وجمع الجوامع 2/ 21، ونهاية السول 2/ 439، وانظر: حاشية المطيعي عليه، والموافقات 1/ 266، والعضد على ابن الحاجب 2/ 145، وشرح الكوكب المنير 1/ 453 - 455، 3/ 340، وتيسير التحرير 1/ 280، وإرشاد الفحول ص 153، والمسطاسي ص 13.
(1) ساقط من ز.
(2) "الشرط" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 13.
(5) في نسخ المتن زيادة: "الفصل".
(6) انظر: لهذا الفصل:
المغني للخبازي ص 431 وما بعدها، والمحصول 1/ 3/ 90، والإحكام للآمدي 2/ 310، ونهاية السول 2/ 439، وشرح الكوكب المنير 1/ 453، 3/ 340، والتبصرة للصيمري 1/ 408، 456، والمفصل للزمخشري ص 320، وشرحه لابن يعيش 7/ 41، 8/ 156، 9/ 4، وأوضح المسالك 4/ 39، 60، 66، 76، وشرح ابن عقيل على الألفية 2/ 285، 304.
(7) "الآلة" في ز.
(4/184)

إلى المقصود (1)، كالحبل والدلو؛ فإنه يتوصل بهما إلى الماء، وكذلك حروف الشرط (2) يتوصل بها إلى الربط (3) بين الكلامين، وهما الشرط والجزاء (4).
قوله: (في أدواته) يعني: [أ] (5) دوات الشرط اللغوي، أي: في ذكر أدوات الشرط عند أرباب اللغة.
قوله: (وهي "إِن"، و"إِذا" (6)، و"لو"، وما تضمن معنى "إِن").
ش: ظاهر كلامه: أن [لو] من أدوات الشرط حقيقة، وهو ظاهر كلام ابن مالك في الألفية [أيضًا] (7)؛ لأنه قال: "لو" حرف شرط (8)، وهو (9) أيضًا ظاهر كلام الزمخشري في المفصل؛ لأنه قال: ومن أقسام الحروف حرف الشرط وهما: "إن" و"لو" (10).
__________
(1) انظر: القاموس المحيط، ومعجم مقاييس اللغة، مادة: أدو.
(2) "الشروط" في الأصل.
(3) "الرابط" في ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 13.
(5) ساقط من ز.
(6) "إذ" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) النقل في ألفية ابن مالك في النحو والصرف للعلامة محمد بن عبد الله بن مالك النحوي الأندلسي، وهو جزء من بيت، وهو قوله في فصل لو:
لو حرف شرط في مضي ويقل ... إيلاؤه مستقبلًا لكن قبل
انظر: متن الألفية صفحة 59.
(9) "وهي" في ز.
(10) نص الزمخشري في المفصل ص 320 هو قوله: ومن أصناف الحرف حرفا الشرط، وهما: إن ولو.
(4/185)

[نعم] (1) قيل (2): سميت حرف الشرط مجازًا، لشبهها بحرف الشرط في الربط بين جملتين، قاله (3) المؤلف؛ لأن حقيقة الشرط ربط مستقبل بمستقبل، لا ربط ماضٍ بماضٍ كما في "لو" (4).
قوله: (وهي: و"إن" و"إِذا" و"لو" وما تضمن معنى "إِن")، ظاهر كلامه من أوله (5) أن هذه الثلاثة كلها أصل في الشرط؛ لأنه قال: وهي: "إن" و"إذا" و"لو"، وظاهر آخر كلامه وهو قوله: (وما تضمن معنى "إِن")، أن "إن" هي الأصل منها.
فاعلم أن الأصل من أدوات الشرط (6) هو "إن" خاصة، وأما غيرها فهو فرع عنها (7) لتضمنه معنى "إن"، يدل عليه قوله في باب معاني الحروف: (و"إن" وكل ما تضمن معناها للشرط) (8)، ويدل على ذلك أيضًا قوله هنالك: (ولو مثل هذه الكلمات في الشرط (9)) وإنما ذكر المؤلف [ها] (10) هنا "إذا"
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "وقيل" في ز.
(3) "فأتى به" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 260، والمغني للخبازي ص 433؛ فإن كلامه مشعر بهذا، والمسطاسي ص 15.
(5) "إلى هنا" زيادة في ز.
(6) "الشروط" في الأصل.
(7) صرح بهذا بعض الأصوليين والنحاة، وعللوا كونها الأصل أو كونها أم الباب: بأن لها من التصرف ما ليس لغيرها، فهي تعمل ظاهرة ومضمرة، ويحذف بعدها الشرط وتليها الأسماء على الإضمار ... إلخ. انظر: المغني للخبازي ص 431، وإحكام الآمدي 2/ 310، وشرح المفصل لابن يعيش 7/ 41، 42، وشرح التصريح 2/ 247، وشرح القرافي ص 259.
(8) انظر: شرح القرافي ص 106، وصفحة 92 من هذا الشرح في نسخة الأصل.
(9) انظر: شرح القرافي ص 107، وصفحة 95 من هذا الشرح في نسخة الأصل.
(10) ساقط من ز.
(4/186)

و"لو"/ 211/ مع "إن" ليبين ما تختص به كل واحدة (1) منها، وإنما احتاج المؤلف [ها هنا] (2) إلى الفرق بينها (3) لاشتراكها (4) في الشرطية والاختصاص بالفعل (5).
قوله: (ف "إِن" تختص بالمشكوك فيه، وإِذا تدخل على المعلوم والمشكوك، ولو تدخل على الماضي بخلافهما).
ش: ذكر أن "إن" تختص بالمشكوك (6) فيه، أي بالمحتمل، فتقول: إن جاء زيد فأتني، ولا تقول: إن طلعت الشمس فأتني؛ لأن مجيء زيد مشكوك فيه، بخلاف طلوع الشمس فإنه معلوم محقق لا بد من وقوعه؛ لأن طلوعها معلوم عادة، ونظير "إن" في هذا المعنى "متى"، فإنها لا يستفهم بها إلا عن الزمان المجهول، فتقول: متى يقدم (7) زيد؟ ولا تقول: متى تطلع الشمس؟ (8).
وقوله: (و"إِذا" تدخل على المعلوم والمشكوك (9))، فإنك تقول: إذا جاء زيد فأكرمه، وإذا طلعت الشمس فأكرمه، ف "إذا" أعم من "إن".
__________
(1) "واحد" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) "بينهما" في ز.
(4) "لاشتراكهما" في ز.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 14.
(6) انظر: مغني الخبازي ص 431، والمحصول 1/ 3/ 90، والمفصل للزمخشري ص 322، وشرحه لابن يعيش 9/ 4.
(7) "يقوم" في ز.
(8) انظر: المسطاسي ص 14، وشرح القرافي ص 259.
(9) انظر: مغني الخبازي ص 432، والمحصول 1/ 3/ 90.
(4/187)

قالوا: الفرق بين "إن" و"إذا" من جهة اللفظ (1) ثلاثة أوجه (2):
أحدها: أنّ "إنْ" حرف، و"إذا" اسم (3).
وثانيها: أنّ (4) بناءها أصل، وبناء "إذا" (5) فرع (6).
وثالثها: أن "إن" تجزم (7) ما بعدها، و"إذا" تخفض (8) ما بعدها بالإضافة (9).
والفرق بينهما من جهة المعنى من أربعة أوجه (10):
أحدها: الأصالة. والثاني: الدلالة، والثالث: عموم التعليق وخصوصه، والرابع: السعة وعدمها.
قولنا: (11) الأصالة: أن "إن" أصلها الشرطية، و"إذا" أصلها الظرفية (12).
__________
(1) "من" زيادة في ز.
(2) انظر: الفروق للقرافي 2/ 100، وشرح المسطاسي ص 14.
(3) إن حرف شرط، وإذا اسم زمان.
انظر: شرح التصريح 2/ 40، 247، والمفصل ص 170، 320، وشرحه 4/ 95، 7/ 42.
(4) "أن إن" في ز.
(5) "وإذا بناؤها" في ز.
(6) إنْ بناؤها أصل لأنها حرف، والأصل في الحروف البناء، وبناء إذا فرع؛ لأنها اسم والأصل في الأسماء الإعراب، وما بنيت إلا لشبهها بالحرف، وقد شابهت إذا الحرف شبهًا استعماليًا بافتقارها افتقارًا متأصلًا إلى جملة. انظر: المفصل ص 170، 320، وشرحه 4/ 95، وشرح التصريح 1/ 52، 58.
(7) "يجزم" في ز.
(8) "تختص" في ز.
(9) انظر: المفصل ص 170، 320، وشرحه 4/ 95، وشرح التصريح 2/ 40، 247.
(10) انظر: الفروق 2/ 97.
(11) "ومعنى" زيادة في ز.
(12) انظر: المفصل ص 71، 320، وشرحه 4/ 95، 96، وشرح التصريح 3/ 41، 247.
(4/188)

ومعنى قولنا: الدلالة: أن "إن" تدل على الزمان بالالتزام وعلى الشرط (1) بالمطابقة، و"إذا" تدل على الزمان بالمطابقة وعلى الشرط بالالتزام (2).
ومعنى قولنا: عموم التعليق وخصوصه: أن "إن" لا يعلق (3) عليها إلا المشكوك، و"إذا" يعلق (4) عليها المشكوك والمعلوم (5).
وقولنا: (6) السعة وعدمها.
فإن "إن" لا سعة فيها، بخلاف "إذا" ففيها السعة، فلذلك يلزم الطلاق في: أنت طالق إذا مت، على قول، ولا يلزم في أنت طالق إن مت، باتفاق (7)،
__________
(1) "الشرطية" في ز.
(2) انظر: المفصل ص 71، 320، وشرحه لابن يعيش 4/ 95، 96، وشرح التصريح 2/ 41، 247.
(3) "يتعلق" في ز.
(4) "يتعلق" في ز.
(5) انظر: المحصول 1/ 3/ 90، ومغني الخبازي/ 431، 432، والمفصل/ 322، وشرحه 9/ 4.
(6) "وقلنا": في الأصل.
(7) لا بد هنا من التعرض لثلاثة فروع:
الأول: تعليق الطلاق بما هو آت لا محالة، كالموت، ونحوه، شريطة أن يكون الأجل مما يمكن وقوعه وهي في عصمته، فهذا يقع ناجزًا عند المالكية والحنابلة، وعند الشافعية والحنفية عند وقوع الفعل.
الثاني: التعليق بأدوات الشرط، وهي: إن وإذا وغيرهما، فإنْ على التراخي عند الحنابلة والشافعية والحنفية والمالكية، وغيرها للفور، إلا إذا نوى بها معنى إن.
الثالث: هذان المثالان اللذان ذكرهما الشوشاوي، ذكرهما الدردير في الشرح الصغير، وقال بأن لا شيء عليه فيهما، معللًا بأن لا طلاق بعد الموت، وجعل هذا الحكم خاصًا بما إذا كان التعليق على موت أحد الزوجين أو موت سيد الزوجة إذا كان أبًا للزوج، أما إذا علق بموت غير هؤلاء فإنه ينجز حالًا بناء على المذهب في الفرع =
(4/189)

قال ابن الحاجب: ورجع مالك إلى أن إذا مت مثل إن مت، في أنه لا يحنث بخلاف يوم أموت (1) (2).
وقولنا في الوجه الأول: إن "إن" أصلها الشرطية هذا هو الأصل فيها، وقد تستعمل في غير الشرط كقوله تعالى: {إِن تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ} (3) (4) فإنّ (5) "إنْ" ها هنا نافية بمعنى "ما"، وتكون زائدة بعد "ما" النافية كقولك: ما إن زيد قائم، وتكون مخففة من الثقيلة كقوله تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لمَّا عَلَيْهَا} (6) (7).
وقولنا في "إذا": أصلها (8) الظرفية، وقد تكون ظرفًا محضًا لا شرط فيه كقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} (9) تقديره: أقسم
__________
= الأول، وأورد ابن عبد البر في الكافي رواية ابن وهب في إذا مت بأنها تطلق الآن.
انظر: روضة الطالبين 8/ 125 - 128، 133، زاد المحتاج للكوهجي 3/ 403، الهداية للمرغيناني 1/ 235، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 200، والكافي لابن عبد البر 2/ 577، 578، 580، 581، الشرح الصغير 3/ 396، 401، والمغني لابن قدامة 7/ 189، 193، 9/ 376، والروض المربع 6/ 539، 550.
(1) انظر: الفروع لابن الحاجب ورقة/ 52 ب من المخطوط رقم/ 887 بالخزانة العامة بالرباط.
(2) في ز زيادة ما يلي: "انتهى، وإنما سوى مالك بينهما على القول المرجوع إليه لاشتراكهما في الشرط والربط. اه".
(3) سورة الأنعام آية رقم 148، وتمامها: {وَإِنْ أَنتُمْ إلا تَخْرُصُونَ}.
(4) في ز: {إِن يَتَّبعِونَ إلا الظَّنّ} وهي في النجم آية رقم 23، وتمامها: {وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ ولقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى}.
(5) "فإنها" في ز.
(6) سورة الطارق آية رقم 4.
(7) انظر: التبصرة للصيمري 1/ 456، وشرح القرافي ص 261.
(8) "لأصلها" في ز.
(9) سورة الليل الآيتان رقم 1، 2.
(4/190)

بالليل حالة غشيانه وبالنهار حالة تجليه؛ لأن تلك الحالة أعظم حالات الليل والنهار، والقسم تعظيم، والتعظيم يناسب أعظم الحالات، ف "إذا" ها هنا ظرف (1) لا شرط فيه (2)، والعامل فيه الفعل المحذوف وهو أقسم، و"إذا" ها هنا في موضع النصب على الحال (3).
وقد يدخلها مع ذلك معنى الشرط كقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} (4)، وقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمنَاتُ يُبَايعْنَكَ} (5)، وقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَهَا} (6).
والعامل في "إذا" إذا كانت للشرط هو الفعل الذي بعدها، وهو جاء وزلزلت في الأمثلة المتقدمة، وإنما يعمل فيها ما بعدها إذا كانت شرطية؛ لأن الفعل الذي بعدها مجزوم في المعنى، فكما جاز عمل "إذا" فيما بعدها مع أنها مضافة إلى الجملة بعدها، كذلك جاز عمل ما بعدها فيها، كما تعمل من و"ما" الشرطيتان (7) فيما بعدهما ويعمل ما بعدهما فيهما، كقولك: من تكرم أكرمه، وما تفعل أفعل، فإن "من" و"ما" في موضع نصب بالفعل المجزوم الذي بعدهما، و"من" [و] (8) "ما" هما الجازمتان لما بعدهما، فهكذا
__________
(1) "محض" زيادة في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 261.
(3) "الحالة" في ز.
(4) سورة المنافقون آية رقم 1، وتمامها: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقينَ لَكَاذبُونَ}.
(5) سورة الممتحنة آية رقم 12، وتَمامها: {عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بالله شيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ ...} الآية. وفي الأصل: "إذا جاءكم المؤمنات يبايعنك" وهو خطأ.
(6) سورة الزلزلة آية رقم 1.
(7) "الشرطيتين" في ز.
(8) ساقط من ز.
(4/191)

تقول في "إذا" الشرطية فهي (1) عاملة معمولة، وإن كانت (2) في التقدير مضافة إلى الجملة بعدها (3)، قاله المكي في مشكل الإعراب (4) في سورة إذا زلزلت الأرض (5).
قوله: (ف "إِن" تختص بالمشكوك فيه) انظر هذا مع وقوع "إن" في كتاب الله عز وجل في كثير من الآيات، كقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} (6)، وقوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} (7)، وقوله تعالى: {إِن (8) كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ} (9) وهو كثير في القرآن، مع أن الله تعالى بكل شيء عليم، والشك في حقه تعالى محال (10).
__________
(1) "وهي" في ز.
(2) "كان" في ز.
(3) انظر: شرح المفصل 7/ 47.
(4) كتاب في إعراب الآيات المشكلة في القرآن، من أنفس كتب مكي، طبع في مجلدين بتحقيق ياسين السواسي.
(5) انظر: مشكل إعراب القرآن لمكي 2/ 291، والنقل بالمعنى من الموضع المذكور، وقد أشار إليه مكي في عدة مواضع منها: أول سورة الواقعة 2/ 248، وأول سورة المنافقين 2/ 279.
(6) سورة البقرة آية رقم 23، وتمامها: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
(7) سورة يونس آية رقم 94، وتمامها: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}.
(8) "وإن" في ز.
(9) سورة الحج آية رقم 5، وصدر الآية: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ...} الآية.
(10) انظر: المسطاسي ص 14، وشرح القرافي ص 259.
(4/192)

والجواب عن هذا (1): أن القرآن عربي، فكل ما جاز أن يرد في كلام العرب جاز أن يرد في القرآن، ولا يعتبر في ذلك خصوص الربوبية؛ إذ لا مدخل له فى وضع اللغة، فإذا كان ما تدخل عليه "إنْ" شأنه أن يكون مشكوكًا فيه، حسن دخولها عليه، ولا يقدح في ذلك علم المتكلم والسامع (2).
قوله: (و"لو" تدخل على الماضي بخلافهما).
ش: لما ذكر الفرق بين "إن" و"إذا"، ذكر ها هنا الفرق بينهما وبين "لو"، فذكر أن "لو" تختص بدخولها على الفعل الماضي لفظًا ومعنى (3)، كقولك (4): لو جاء زيد أمس لأكرمته اليوم، أو تقول: لو جاء زيد أمس لكنت أكرمته، بخلاف "إن" و"إذا" وغيرهما من جميع أدوات الشرط، فإنها لا تدخل على الماضي، وإن وقع دخولها على الماضي [فإنه مؤول] (5) (6)، كقولك: إن جاء زيد أكرمته، تقديره: إن يجئ زيد أكرمته (7)، فقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} (8) قال ابن السراج: معناه: إن يثبت في المستقبل أني قلته (9) في
__________
(1) "ذلك" في ز.
(2) انظر: المسطاسي ص 14، وشرح القرافي ص 259.
(3) انظر: الفروق 1/ 85.
(4) "قولك" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "فسيكون" زيادة في ز.
(7) انظر: أوضح المسالك لابن هشام 4/ 62، وشرح ابن عقيل 2/ 304، وشرح المفصل 8/ 156، والمسطاسي ص 14، وشرح القرافي ص 260.
(8) سورة المائدة آية رقم 116، وتمامها: {تَعْلَمُ ما فِي نفْسِي ولا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنت عَلاَّمُ الْغُيُوبِ}.
(9) "قلت" في ز.
(4/193)

الماضي (1)، فالشرط (2) هو ثبوته في المستقبل.
قوله: (و"لو" تدخل على الماضي)، يعني: الماضي لفظًا ومعنى، كقوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (3)، وقد تدخل على الماضي لفظًا وهوِ مستقبل معنى، فتكون بمعنى "إن"، (4) كقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} (5) (6).
__________
(1) ذكر الألوسي أن ابن السراج أجاب بأن التقدير: إن أقل، كنت قلته .. إلخ، ثم قال: وقد نقل ذلك عثمان بن يعيش، وضعفه ابن هشام في تذكرته، والجمهور على أن المعنى: إن صح قولي ودعواي ذلك فقد تبين علمك به. اه.
وأجاب المبرد عن الإشكال في ورود الماضي بعد "إن": بأن "كان" قوية الدلالة في المضي حتى قيل: إنها موضوعة له فقط دون الحدث، وجعلوه وجهًا لكونها ناقصة، فلا تقدر "إن" على تحويلها إلى الاستقبال، وقال القاضي أبو بكر: يجوز تعلقه بالحال، كقولك: إن كان زيد اليوم قائمًا قمت غدًا، بشرط عدم العلم بالقيام.
انظر: روح المعاني 7/ 66، والمسطاسي ص 14، والقرافي ص 260.
(2) "فأكثر ما" في ز.
(3) سورة الأنفال آية رقم 23.
(4) يقول ابن مالك في ألفيته:
لو حرف شرط في مضي ويقل ... إيلاؤه مستقبلاً لكن قبل
فهي حرف شرط للتعليق بالماضي، وقد تستعمل للتعليق بالمستقبل، وهنا إن وليها ماضي أول بالمستقبل كهذا القسم، وإن وليها مضارع تخلص للاستقبال كحال "إن"، هذا رأي جمهور النحاة، ومنع بعضهم مجيء "لو" للتعليق في المستقبل وأول ما ورد من المسموع بالماضي.
انظر: شرح المفصل 8/ 156، وأوضح المسالك 4/ 62، وابن عقيل 2/ 302، وشرح الأشموني 4/ 38، وشرح التصريح 2/ 256.
(5) سورة النساء آية رقم 9، وتمام الآية: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}.
(6) التقدير هنا: أي قاربوا أن يتركوا، وإنما قدر ليصح وقوع خافوا جزاء؛ لأن الخوف =
(4/194)

ومنه قول الشاعر:
ولو أن ليلى خيلته لسلمت ... علي وفوقي تربة/ 212/ وصفائح (1)
وقد تدخل [أيضًا] (2) على الماضي معنى وهو مستقبل لفظًا (3)، كقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} (4).
ومنه قول الشاعر:
لو يسمعون (5) كما سمعت حديثها ... خروا لعزة ركعًا وسجودًا (6)
فإذا وقع الفعل المستقبل في اللفظ بعد "لو" فإنه يقدر بالماضي، فقوله
__________
= إنما يكون قبل الترك لاستحالته بعد موتهم، وقال بعضهم: لا داعي للتقدير لصحة حمله على المضي.
انظر: الأشموني وبحاشيته الصبان 4/ 38، وشرح التصريح 2/ 256.
(1) هكذا ورد البيت في النسختين، والمشهور المتداول في كتب النحاة والموجود بديوانه:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
وقائله توبة بن الحُمَيِّر. ورواه أبو علي القالي: ودوني تربة.
والشاهد تعليق "لو" بالمستقبل في "سلمت".
انظر: ديوانه ص 48، والحماسة لأبي تمام 2/ 65، 66، والأمالي 1/ 197.
(2) ساقط من ز.
(3) وذلك إذا كانت "لو" للتعليق في الماضي، فإنه إذا وليها مضارع صرف معناه للماضي. انظر: شرح التصريح 2/ 258، وأوضح المسالك 4/ 64، والأشموني 4/ 42، وشرح المفصل 8/ 156.
(4) سورة الحجرات آية رقم 7، وصدر الآية: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ} والمعنى: لو أطاعكم.
(5) "يستمعون" في ز.
(6) قاله كثير في عزة، والشاهد وقوع المضارع "يسمعون" بعد "لو"، ومعناه مصروف للمضي، ويروى: كما سمعت كلامها.
انظر: ديوانه 1/ 65، وشرح الشواهد للعيني بحاشية الأشموني 4/ 42.
(4/195)

تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ (1)} تقديره: لو أطاعكم. وقول الشاعر: لو يسمعون (2)، تقديره: لو سمعوا، لأجل (3) هذا لا تعمل في المضارع إذا دخلت عليه؛ لأنه في تقدير الماضي (4).
قوله: (و"لو" تدخل على الماضي بخلافهما)، هذا من خصائصها، كذلك أيضًا من خصائصها: أنها (5) تدخل على "أنَّ" المفتوحة المشددة (6) كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} (7)، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} (8)، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} (9) وغير ذلك.
واختلف النحاة في "أن" الواقعة بعد [لو] (10): مذهب سيبويه وجمهور البصريين: أنه مبتدأ، وهو شاذ، كقول الشاعر:
__________
(1) "في كثير" زيادة في ز.
(2) "تسمعون" في الأصل.
(3) "ولأجل" في ز.
(4) هذا إذا كانت امتناعية وهي التي للتعليق بالماضي، أما إذا كانت للتعليق بالمستقبل ك "إن"، فإنها يليها المضارع والماضي ويكونان للمستقبل كما سبق بيانه.
(5) "خصائص إن" في ز.
(6) انظر: شرح الكافية الشافية 3/ 1635، وأوضح المسالك 4/ 66، وشرح ابن عقيل 2/ 304، والأشموني 4/ 40.
(7) سورة النساء آية رقم 64، وتمامها: {جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغفرَ لَهُمُ الرَّسول لوَجدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رحِيمًا}.
(8) سورة الحجرات آية رقم 5، وتمامها: {لَكانَ خيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيمٌ}.
(9) سورة النساء آية رقم 66، وتمامها: {وَأَشَدَّ تَثبِيتًا}.
(10) ساقط من ز.
(4/196)

لو ذات السوار (1) لطمتني (2) (3).
وقال جمهور الكوفيين (4): هو فاعل بفعل مضمر تقديره: لو ثبت أنهم فعلوا (5)، فإذا قلنا بمذهب سيبويه فما خبر هذا المبتدأ؟ قالوا: هذا المبتدأ لا يحتاج إلى الخبر؛ لانضمام الخبر عنه والخبر بعد "أن" (6).
قال ابن مالك في ألفيته:
"لو" حرف شرط في مضي ويقل ... إيلاؤه مستقبلاً لكن قبل
وهي في الاختصاص بالفعل ك "إن" ... لكن "لو" "أنَّ" بها قد تقترن (7)
وإن مضارع تلاها صرفا ... إلى المضي نحو لو يفي كفى (8)
قوله: (و"لو" تدخل على الماضي بخلافهما)، اعلم أن "لو" التي تكلم
__________
(1) "العورة" في ز.
(2) "لطعني" في ز.
(3) هذا ليس بشعر، بل هي قولة مشهورة عن حاتم الطائي ذهبت مثلاً، ولها قصة مشهورة في كتب الأمثال، وتروى: لو غير ذات سوار لطمتني.
انظر: المستقصى في أمثال العرب 2/ 297، ومجمع الأمثال للميداني 3/ 81، 134، والأشموني 4/ 39.
(4) والزمخشري والمبرد والزجاج، انظر: أوضح المسالك 4/ 66.
(5) انظر: شرح الكافية الشافية 3/ 1635، والأشموني 4/ 40، وأوضح المسالك 4/ 66.
(6) وقيل: له خبر محذوف مقدر، إما مقدم أي: "ولو ثابت" أو مؤخر أي: "ولو صبرهم ثابت" انظر: شرح التصريح 2/ 259، وأوضح المسالك 4/ 66.
(7) "يقترن" في الأصل.
(8) انظر: الألفية فصل "لو" صفحة 59.
(4/197)

عليها (1) المؤلف هي "لو" الشرطية، وهي الامتناعية (2)؛ لأنها هي التي تفيد الشرط والربط.
وأما المصدرية والتمنية، فلم يتكلم عليها (3)، لأنه (4) [قد] (5) تقدم لنا في باب معاني الحروف أن "لو" لها ثلاثة (6) معان، وهي: شرطية، ومصدرية، وتمنيِّة (7)، فالشرطية (8): كقوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} (9)، والتمنيَّة: كقوله تعالى: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (10)، وقد أثبتها كثير من النحاة، ومن نفاها تأولها بالامتناعية
__________
(1) "عليهما" في ز.
(2) لو الشرطية لها نوعان:
أ - شرطية امتناعية وهي للتعليق بالماضي.
ب - شرطية بمعنى "إن" وهي للتعليق بالمستقبل.
وكلاهما تعرض له الشوشاوي كما سبق بيانه. وانظر: شرح الكافية 3/ 1629.
(3) "عليهما" في ز.
(4) "لأنها" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "ثلاث" في الأصل.
(7) انظر: الباب الثاني في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه صفحة 95، من نسخة الأصل، وشرح القرافي ص 99.
(8) ذكروا ل "لو" معاني عدة هي: العرض، نحو: لو تقيم عندنا فتصيب خيرًا، والتقليل، نحو: تصدقوا ولو بظلف محرق، والتمني، والرابع: أن تكون مصدرية، والخامس: أن تكون شرطية ولها معنيان تقدما، انظر: المفصل ص 323، وشرح المفصل 9/ 11، وأوضح المسالك 4/ 60، وابن عقيل 2/ 302، وشرح الكافية الشافية 3/ 1629، وشرح التصريح 2/ 254.
(9) سورة الأنفال آية رقم 23، وتمامها: {ولَوْ أسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ}.
(10) سورة الشعراء آية رقم 102.
(4/198)

أشربت معنى التمني (1).
ومثال المصدرية: قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} (2) تقديره: (3) أن يعمر (4) ألف سنة (5)، فتقدر مع الفعل بالمصدر، وقد نفاها جمهور النحاة وتأولوا الآية ونحوها بحذف مفعول الفعل وحذف جواب "لو"، تقدير (6) [الآية] (7): يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة لسر (8) بذلك (9).
قوله: (وما تضمن معنى "إِن") يعني به: جميع أدوات الشرط (10)، وهي على مذهب سيبويه: اثنا (11) عشر وهي: حروف، وأسماء، وظروف زمان، وظروف مكان، ومتردد.
__________
(1) أو بالمصدرية أغنت عن فعل التمني، والأصل: وددت لو ... إلخ، فحذف فعل التمني لدلالة "لو" عليه. انظر: الأشموني 4/ 32، 33.
(2) سورة البقرة آية رِقم 96، وتمامها: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.
(3) "تقديرها" في ز.
(4) "تعمير" في ز.
(5) الصواب أن التقدير: يود التعمير ألف سنة.
(6) "تقديره" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "لسمي" في ز.
(9) قال بمصدرية لو: الفراء وأبو علي الفارسي وأبو البقاء والتبريزي وابن مالك.
انظر: شرح التصريح 2/ 255، والأشموني 4/ 34.
(10) انظر: المغني للخبازي ص 431، 435، وشرح القرافي ص 259، والتبصرة للصيمري 1/ 408، وشرح المفصل 7/ 42، وشرح الكافية 3/ 1578، 1624، وأوضح المسالك 4/ 39، وابن عقيل 2/ 285.
(11) "اثني" في الأصل.
(4/199)

فأما الحروف فهي حرفان، وهما: "إن"، و"إذما"، وأما الأسماء فهي ثلاثة، وهي: "من"، و"ما"، و"مهما"، وأما ظروف الزمان فهي ثلاثة [أيضًا] (1)، وهي: "متى"، و"أيان"، و"إذا" في الشعر، وأما ظروف المكان فهي ثلاثة أيضًا وهي: "أين"، و"أنى"، و"حيثما"، وأما المتردد بين الاسمية والظرفية الزمانية والظرفية المكانية فهو واحد وهو: "أي"، لأنه بحسب ما يضاف إليه، لأنه إن أضيف إلى ظرف (2) زمان فهو ظرف زمان، كقولك: أي وقت جئتني أكرمتك، وإن أضيف إلى ظرف مكان فهو ظرف مكان، كقولك: أي موضع جلست أكرمتك، وإن أضيف إلى اسم غير ظرف فهو اسم غير ظرف، كقولك: أي شيء تفعل أفعله، وكذلك إذا لم يضف أصلاً فهو اسم لا ظرف، كقوله تعالى: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (3)، وقد تقدم الكلام على أدوات الشرط مستوفى في باب معاني الحروف، فانظره (4).
...
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "الظرف" في الأصل.
(3) سورة الإسراء آية رقم 110، وصدر الآية: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ}.
(4) في صفحة 95، من مخطوط الأصل، وصفحة 99 من شرح القرافي.
(4/200)

الفصل الثاني في حقيقته (1)
ش: أي في حقيقة الشرط الشرعي.
قوله: (وهو الذي يتوقف عليه تاثير المؤثر ويلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود (2) ولا عدم).
ش: تقدم في فصل (3) ما تتوقف عليه الأحكام حقيقة الشرط (4)، وكرره
__________
(1) بدأت نسخة ز بسرد المتن.
(2) "الوجود" في أ.
(3) "باب" في ز.
(4) انظر: الفصل الخامس عشر من الباب الأول صفحة 89، من نسخة الأصل، وقد عرفه هناك بقوله: والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. اه. وهو أجمع وأمنع مما ذكره هنا: وهو الذي عرفه به السبكي في جمع الجوامع.
وقد تعددت تعريفات العلماء للشرط:
فقال الغزالي: ما لا يوجد المشروط مع عدمه لكن لا يلزم أن يوجد عند وجوده.
وقال البيضاوي: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجوده كالإحصان.
وقال الرازي: هو الذي يقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته.
وقال الشيرازي: ما لا يصح المشروط إلا به، وقد ثبت بدليل منفصل.
وقال الآمدي: ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا يكون سببًا لوجوده ولا داخلاً في السبب.
وقال الشاطبي: ما كان وصفًا مكملاً لمشروطه فيما اقتضاه ذلك المشروط، أو فيما اقتضاه الحكم فيه.
وقد أورد على كل من هذه الحدود مناقشات، ولكن أسلمها تعريف التاج السبكي في جمع الجوامع.
أما الشرط لغة: فهو العلامة. قالوا: سمي الشرط اللغوي شرطًا؛ لأنه علامة على الجزاء. =
(4/201)

المؤلف ها هنا، وضم إليه حد الإمام الفخر (1) في المحصول؛ لأنه قال في المحصول: الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر (2)، ولم يزد على هذا (3)، ثم أضاف المؤلف إلى هذا الحد (4): ويلزم (5) من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وإنما ذكر المؤلف ها هنا حقيقة الشرط مع أنه تكرار لما تقدم في باب ما تتوقف عليه الأحكام، لينبه على فساد حد الإمام.
قوله: (وهو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر)، معناه: هو الشيء الذي يتوقف على وجوده تأثير السبب في وجود مسببه، كالنصاب (6) تأثيره في وجوب الزكاة [موقوف] (7) على دوران الحول، وكتوقف تأثير الزوال في وجوب الظهر على البلوغ، وغير ذلك.
قال المؤلف في الشرح: هذا الحد فاسد؛ لأنه غير جامع؛ لأن الشرط قد
__________
= لتعريفات الشرط ومناقشاتها انظر: اللمع ص 130، الفقيه والمتفقه 1/ 111، المستصفى 2/ 180، المحصول 1/ 3/ 89، روضة الناظر ص 259، إحكام الآمدي 2/ 309، الموافقات 1/ 262، جمع الجوامع 2/ 20، الإبهاج 2/ 167، نهاية السول 2/ 437، فواتح الرحموت 1/ 339.
(1) "فخر الدين" في ز.
(2) قال الرازي في المحصول: الشرط: هو الذي يقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته، وتلاحظ تقارب المعنى مع الاختلاف في اللفظ، واللفظ الذي يقرب مما أورده المؤلف هو حد البيضاوي في المنهاج لأنه قال: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجوده.
انظر: المحصول 1/ 3/ 89، ونهاية السول 2/ 437، والإبهاج 2/ 167.
(3) انظر: شرح القرافي ص 261، والمسطاسي ص 15.
(4) "قوله" زيادة في ز.
(5) "ولا يلزم" في الأصل. والصواب ما أثبت من نسخة ز.
(6) "يتوقف" فىِ زيادة في ز.
(7) ساقط من ز.
(4/202)

يكون شرطًا فيما ليس مؤثرًا، نحو قولنا: الجوهر شرط في وجود العرض المخصوص لا في تأثيره (1)، وكذلك قولنا: الفرج شرط في وجود (2) الزنا لا في تأثيره، وكذلك قولنا: الحياة شرط [في] (3) العلم مع أن العلم غير مؤثر، وكذلك قولنا: العلم شرط في الإرادة مع أن الإرادة غير مؤثرة؛ لأنها مخصصة لا مؤثرة (4) (5)، قال المؤلف: فهذه الصور كلها خارجة عن ضابط الإمام، فلذلك زدت أنا: ويلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
قال: وهذا غير جيد مني، لأن هذه الزيادة (6) مضافة/ 213/ إلى ضابط الإمام، فصار الحد باطلاً كما كان قبل الزيادة، وإنما قلنا: الكل باطل؛ لأن القيد الأول (7) الذي ذكره الإمام يلزم أن يوجد في جميع الشروط، وذلك لا يصح لما ذكرته من الأمثلة، بل الحد الصحيح ما ذكرته في فصل ما تتوقف عليه الأحكام (8).
__________
(1) "في تأثيره" زيادة في الأصل.
(2) "وجوب" في ز.
(3) ساقط من الأصل.
(4) "موثر" في ز.
(5) انظر: إحكام الآمدي 2/ 309، والعضد على ابن الحاجب 2/ 145، والمسطاسي ص 15، وشرح حلولو ص 219.
(6) "الزياد" في الأصل.
(7) "الأولى" في ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 261، 262، وقد اختصره الشوشاوي واختار منه الزبدة؛ حيث في الشرح زيادة تفصيل، بل أدرج فيه الشوشاوي كلمات لتقويم العبارة بعد الاختصار كما هو صنيعه في غالب النقول. وانظر: المسطاسي ص 15.
(4/203)

قال بعضهم: إنما حد الإمام الفخر الشرط الشرعي، وما وقع به الاعتراض [عليه] (1) هو عقلي (2)، واعترض على المؤلف قوله في شرحه: الفرج شرط في الزنا، مع أن الشرط يتميز بذاته عن المشروط، ومعقول (3) الزنا هو عبارة عن التقاء الختانين على وجه مخصوص، فلا يصح أن [يكون] (4) الفرج شرطًا (5) في وجود (6) الزنا؛ لأنه داخل في حقيقة الزنا (7).
قوله: (ثم هو قد لا يوجد إِلا متدرجًا كدوران الحول، وقد يوجد دفعة كالنية، وقد يقبل الأمرين كالسترة (8)).
ش: هذه (9) مقدمة في تقسيم الشروط (10)، يترتب عليها معرفة حصول
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر المسطاسي ص 15.
ويبدو أن مصدر هذا التوجيه هو الأصفهاني، وتابعه الإسنوي في نهاية السول.
والظاهر من كلام الأصوليين أن الحد شامل للشرعي والعقلي والعادي واللغوي، وأخرج بعضهم اللغوي.
انظر: المحصول 1/ 3/ 89، نهاية السول 2/ 39، جمع الجوامع 2/ 20، شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 145، وشرح حلولو على التنقيح ص 219.
(3) "ومفعول" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "شرط" في ز.
(6) "وجوب" في ز.
(7) انظر: شرح القرافي ص 261، وشرح المسطاسي ص 15.
(8) "الستر" في ز.
(9) "هذا" في ز.
(10) "الشرط" في ز.
(4/204)

المشروط في الوجود، فقسم المؤلف الشرط ها هنا (1) إلى ثلاثة أقسام (2)، أحدها: ما لا يوجد إلا متدرجًا، الثاني (3): ما لا يوجد إلا دفعة واحدة، الثالث: ما يقبل التدرج والدفعة الواحدة.
قوله: (دَفعة) قال المسطاسي: هو بفتح الدال مصدر دفع يدفع دفعة، نحو: ضرب يضرب ضربة، فلا يتناول إلا مرة واحدة؛ لأن المصدر يصدق على القليل والكثير من جنسه، إلا إذا حد بالتاء فلا يتناول إلا مرة واحدة منه (4)، وأما الدفعة بالضم: فهي (5) الشيء المندفع، ومنه الدفعة من الدم (6) (7).
مثال الشرط الذي لا يوجد إلا متدرجًا أي: شيئًا بعد شيء: دوران الحول، فإن دوران الحول لا يمكن حصوله دفعة واحدة؛ لأن الحول مركب من أجزاء الزمان، [وهي الفصول الأربعة، فلا يمكن حصولها إلا شيئًا بعد شيء، وكذلك الشهر لا يوجد إلا متدرجًا؛ لأنه مركب من أجزاء الزمان] (8)
__________
(1) "ها هنا الشرط" في ز.
(2) انظر لهذه التقسيمات: الحصول 1/ 3/ 91، والإبهاج 2/ 169، ونهاية السول 2/ 440، والمسطاسي ص 15 - 16، وشرح حلولو ص 219.
(3) "والثاني" في ز.
(4) انظر: شرح الكافية 2/ 1014، وشرح المفصل 1/ 111، وابن عقيل 2/ 107، وشرح التصريح 2/ 77.
(5) "فهو" في ز.
(6) انظر: الدفعة والدفعة بالضم والفتح، في القاموس المحيط، والصحاح، مادة: دفع، وقد مثلوا للضم بالدفعة من المطر.
(7) انظر النقل في: المسطاسي ص 15، ولم يختلف إلا يسيرًا.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4/205)

أيضًا، وكذلك اليوم لا يوجد إلا متدرجًا؛ لأنه مركب من أجزاء الزمان أيضًا، وكذلك الطهارة لا توجد إلا عضوًا بعد عضو (1) (2).
ومثال الشرط الذي لا يوجد إلا دفعة واحدة: النية؛ لأن النية معنى بسيط لا تركيب فيه (3).
ومثال الشرط الذي يمكن حصوله متدرجًا ويمكن حصوله دفعة واحدة: ستر العورة بالثوب، فإنه (4) يمكن أن يستر بعضًا في زمان ويستر البعض (5) (6) في زمان آخر، ويمكن أن يسترها في زمان واحد.
ومثاله أيضًا: [كل ما] (7) يمكن جمعه وافتراقه (8): كالدنانير والدراهم (9).
__________
(1) "عطف بعد عطف" في ز.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 91، والإبهاج 2/ 169، ونهاية السول 2/ 440، وشرح القرافي ص 162، 163، وشرح المسطاسي ص 15/ 16، وشرح حلولو ص 219، 220.
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 91، والإبهاج 2/ 169، ونهاية السول 2/ 440، والمسطاسي ص 15.
(4) "لأنه" في ز.
(5) "الآخر" زيادة في ز.
(6) "بعض" من الكلمات الملازمة للإضافة، فالصواب أن يقول: بعضها، أو يقطعها عن الإضافة كما فعل بالأولى. انظر: المفصل ص 87، وشرحه 2/ 129.
(7) ساقط من ز.
(8) من بعد هذا الموضع يوجد تكرار في نسخة ز في المجلدين، وسيكون الرمز للأول: ز وللثاني ز/ 2.
(9) انظر: المحصول 1/ 3/ 91، والمسطاسي ص 15، وشرح القرافي ص 262، وشرح حلولو ص 219.
(4/206)

قوله: (فيعتبر من الأول (1) آخر [جزء] (2) منه، ومن الثاني جملته، وكذلك الثالث لإِمكان تحققه).
ش: يعني أن هذه الأقسام الثلاثة، إن كان وجودها هو الشرط، فيعتبر في القسم الأول الذي هو المتدرج: آخر جزء منه، مثاله: قولك لعبدك: إن دار الحول فأنت حر، أو إن قرأت سورة البقرة فأنت حر، أو إن دار الشهر فأنت حر، فلا يحصل المشروط (3) الذي (4) هو العتق (5) إلا عند آخر جزء من الحول أو الشهر، أو (6) عند آخر حرف من السورة؛ لأن مجموع الشرط لا وجود له في التحقيق إلا بآخر جزء منه، وإنما يحكم عليه أهل العرف بالوجود عند حصول آخر جزء منه في الوجود، فتقدر الأجزاء المتقدمة كأنها حاصلة مع الجزء الآخر في الوجود (7).
وأما القسم الثاني وهو ما لا يوجد إلا دفعة واحدة، [مثاله] (8): قولك (9) لعبدك: إن نويت كذا فأنت حر، فإن العبد يعتق بمجرد حصول الشرط الذي هو النية؛ إذ لا يمكن التجزئة في النية.
__________
(1) "الأولى" في ز/ 2.
(2) ساقط من ز.
(3) "الشمي" هكذا في ز/ 2.
(4) "والذي" في ز/ 2.
(5) "المعتق" في ز/ 2.
(6) "و" في ز. وز/ 2
(7) انظر: ابن قدامة في المغني 9/ 375، والكافي لابن عبد البر 2/ 969، والمحصول 1/ 3/ 93، والإبهاج 2/ 169، ونهاية السول 2/ 440.
(8) ساقط من ز، وز/ 2
(9) "كقولك" في ز. وز/ 2
(4/207)

وعلى هذا يجري (1) الخلاف بين العلماء في قول السيد لعبده (2): إن بعتك (3) فأنت حر، هل يعتق إذا باعه أو لا يعتق؟، قولان (4).
وسبب الخلاف: هل المشروط (5) مقارن أو ملاحق؟ فمن قال: المشروط (6) مقارن للشرط، أي يحصل مع شرطه، قال: يعتق العبد على البائع؛ لأن العتق صادفه في ملك (7) [البائع] (8).
ومن قال [بأن] (9) المشروط (10) ملاحق، [أي: لا يحصل إلا بعد حصول شرطه] (11)، قال: لا يعتق (12) على البائع؛ لأن العتق لم يصادفه في ملكه،
__________
(1) "يجزي" في ز/ 2.
(2) "لعبدي" في ز/ 2.
(3) "بعثك" في ز/2.
(4) الأول: وهو مشهور المالكية: أنه يعتق على البائع ويرد ثمنه على المبتاع، بناء على أنه مقارن تشبيهًا له بالعلة العقلية كما سيأتي، ومعنى الكلام: إن أردت بيعك.
والثاني: لا يقع العتق؛ لأنه إذا خرج من ملكه لا يملك عتقه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري.
انظر: بداية المجتهد 2/ 374، وكافي ابن عبد البر 2/ 971، وبدائع الصنائع للكاساني 4/ 58، والمسطاسي ص 16، وحاشية ابن عابدين 3/ 674، والبيان والتحصيل 14/ 417، 576.
(5) "الشروط" في ز/ 2.
(6) "الشروط" في ز/ 2.
(7) "ملكه" في ز وز/ 2.
(8) ساقط من ز وز/ 2.
(9) ساقط من ز وز/ 2.
(10) "الشروط" في ز/ 2.
(11) ساقط من ز وز/ 2.
(12) "العبد" زيادة في ز.
(4/208)

وإنما صادفه وهو في ملك المشتري، فلا تصرف للإنسان في ملك غيره (1).
قال ابن الحاجب في كتاب العتق: ولو قال البائع: إن بعته فهو حر، وقال المشتري: إن اشتريته فهو حر، فباعه [له] (2) عتق على البائع ويرد ثمنه. انتهى (3)، قوله: عتق على البائع، يقتضي أن المشروط (4) مقارن (5) (6)، وقيل بأنه يعتق على المشتري في هذه الصورة (7).
وأما القسم الثالث وهو الشرط الذي يقبل الأمرين، كقول السيد لعبده: إن سترت عورتك فأنت حر، أو قال له: إن أعطيتني عشرة دراهم فأنت حر، أو قال [له] (8) إن أعطيتني عشرة دنانير فأنت حر، فإن المعتبر في
__________
(1) وحجة الأول وهو كونه مقارنًا تشبيهًا للشرط بالعلة العقلية؛ لأنها كلما حصلت حصل معها معلولها، وحجة الثاني: أنه لو دخل معه لم يكن أحدهما مرتبًا على الآخر، فوجب أن يكون الشرط في زمن، ويترتب عليه المشروط في الزمان الثاني، ويدل على ذلك دخول الفاء على جواب الشرط، وهي للترتيب والتعقيب.
انظر: شرح الكوكب المنير 3/ 346، المعتمد 1/ 360، وتمهيد الإسنوي ص 402، والمسطاسي ص 16.
(2) ساقط من ز وز/ 2.
(3) انظر: الفروع لابن الحاجب ورقة ص 103 ب. من مخطوط الرباط رقم/ 887 د.
(4) "الشروط" في ز/ 2.
(5) "لا ملاحق" زيادة في ز وز/ 2.
(6) انظر: كافي ابن عبد البر 2/ 971، والبيان والتحصيل 14/ 522.
(7) هو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، قال ابن رشد: وهو القياس؛ لأنه إن انعقد البيع فيه صار معتقًا لما في ملك المشتري، وإن لم ينعقد فيه لم يلزمه شيء، قال: فعلى هذا القول لا يكون على واحد منهما في هذه المسألة شيء؛ لأن الشراء يصح للمشتري.
انظر: البيان والتحصيل 15/ 56.
(8) ساقط من ز وز/ 2.
(4/209)

هذا القسم أيضًا حصول جملة الشرط؛ لأنه (1) يمكن (2) حصوله دفعة واحدة (3) (4)، وهو معنى قول المؤلف: لإمكان تحققه، معناه: لإمكان حصول حقيقة (5) هذا الشرط دفعة واحدة، فإذا أعطاه عشرة دراهم جملة واحدة (6) عتق، وإن أعطاه بعضها في زمان وبعضها في زمان آخر فلا يعتق لإمكان تحقق الشرط بجملته، [وهو لم يفعله، وكذلك إن ستر بعض عورته في زمان ثم يستر (7) بعضها في زمان آخر فلا يعتق إلا أن يسترها في زمان واحد؛ لأن الشرط أمكن تحصيله] (8) في وقت واحد.
قوله: (لإِمكان تحققه)، هذا إشارة إلى الفرق بين هذا القسم الثالث وبين الأول (9)، كأن قائلاً قال له: فلأي شيء اعتبر/ 214/ آخر جزء (10) في
__________
(1) "لأن له" في ز وز/ 2.
(2) "ما يمكن" في ز وز/ 2.
(3) "واحد" في ز.
(4) هذا ما ذكره الرازي في المحصول، والذي عليه فتاوى أكثر الفقهاء هو القول بالعتق بصرف النظر عن الجمع والتفريق، وبعضهم يقيد ذلك بما إذا نواها مجموعة فله نيته، وإلا فالأمر على الإطلاق.
انظر: المحصول 1/ 3/ 93، وشرح القرافي ص 262، 263، وشرح حلولو ص 219، والبيان والتحصيل 15/ 44، وكافي ابن عبد البر 2/ 970، والمغني لابن قدامة 9/ 378، والهداية للمرغيناني 2/ 65، وبدائع الصنائع 4/ 59.
(5) "تحققه" في ز وز/ 2.
(6) "وحده" في ز.
(7) "ستر" في ز وز/ 2.
(8) "بجملته" زيادة في ز وز/ 2، وما بين المعقوفتين في هامش ز/ 2.
(9) "الأولى" في الأصل.
(10) "جزأين" في ز وز/ 2.
(4/210)

القسم الأول ولم يعتبر آخر جزء في هذا القسم الثالث مع أن كل واحد منهما مركب من الأجزاء؟
فأجاب فقال: لإمكان تحقق هذا القسم الثالث، بخلاف القسم الأول؛ إذ لا يمكن حصوله دفعة واحدة (1).
قوله: (وكذلك الثالث لإِمكان تحققه)، يعني: أن المعتبر حصوله دفعة واحدة (2) لا مفترقه، هذا الذي قاله (3) الإمام الفخر (4) هو مذهب الشافعي (5)، وأما مالك فإنه [قال] (6): إذا أعطاه عشرة دراهم فيعتق، سواء أعطاها (7) مجموعة أو متفرقة (8).
وسبب الخلاف: هل المراعى الألفاظ؟ قاله الشافعي، أو المراعى المقاصد؟ قاله مالك، وفي هذا الأصل قولان في المذهب، وكذلك خارج
__________
(1) قال في المحصول: وجوده حقيقة إنما يتحقق عند دخول جميع أجزائه في الوجود دفعة واحدة، لكنَّا في القسم الثاني عدلنا عن هذه الحقيقة للضرورة، وهي مفقودة في هذا القسم، فوجب اعتبار الحقيقة، حتى إنه إن حصل مجموع أجزائها دفعة واحدة ترتب الجزاء عليه وإلا فلا. اه.
قلت: مراده بالقسم الثاني هو ما لا يوجد إلا متدرجًا.
انظر: المحصول 1/ 3/ 93.
(2) "واحد" في ز وز/ 2.
(3) "قال" في الأصل.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 93، وراجع التعليق رقم (1) من هذه الصفحة.
(5) المصرح به في كتب الشافعية التي راجعتها، هو أنه إذا قال: أنت حر إن جئتني بألف، عتق العبد في الحال، ولزمته الألف، لتشوف الشارع إلى العتق، فانظر: مثلاً المجموع شرح المهذب 16/ 18، وزاد المحتاج شرح المنهاج 4/ 656.
(6) ساقط من ز وز/ 2.
(7) "أعطاه" في ز وز/ 2.
(8) انظر: البيان والتحصيل 15/ 44، والكافي لابن عبد البر 2/ 970، وراجع تعليق رقم (4) في صفحة 210.
(4/211)

المذهب (1)، ولكن الذي عليه الفتيا في مذهب مالك: مراعاة المقاصد، فيعتق إذا أعطاه (2) عشرة دراهم سواء جمعها في الإعطاء في وقت واحد، أو فرقها في أوقات متعددة (3).
قوله: (فإِن [كان] (4) الشرط عدمه، اعتبر أول أزمنة عدمه في الثلاثة).
ش: تكلم أولاً على ما إذا كان المعلق عليه وجود أحد الأقسام الثلاثة المذكورة، وتكلم ها هنا على ما إذا كان المعلق عليه عدم أحد الثلاثة المذكورة.
مثال ذلك: إن لم تنو كذا فأنت حر، أو [إن] (5) لم تقرأ سورة البقرة فأنت حر، أو إن لم تستر عورتك فأنت حر.
قوله: (اعتبر أول أزمنة عدمه في الثلاثة)، معناه: فإن المعتبر ها هنا أول أزمنة عدم المعلق عليه في الثلاثة، [أي: في الأقسام الثلاث] (6)، فإذا مضى زمان فرد لم يقرأ فيه سورة البقرة، أو لم ينو فيه كذا، أو لم يستر فيه عورته، فهو حر؛ لوجود الشرط وهو مطلق العدم.
هذا الذي قاله الإمام الفخر (7) هو مذهب الشافعي، وأما مذهب مالك:
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 263، وشرح حلولو ص 220.
(2) "أعطى" في ز وز/ 2.
(3) انظر: شرح القرافي ص 263، وشرح حلولو ص 220، والبيان والتحصيل 15/ 44، والكافي المالكي 2/ 970.
(4) ساقطة من أ.
(5) ساقط من الأصل.
(6) ساقط من ز وز/ 2.
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 92، وشرح القرافي ص 263.
(4/212)

فلا بد من مضي زمان يسع ذلك الفعل، ولا يكتفى بمجرد العدم (1).
قال المؤلف في شرحه: هو (2) مقاصد الناس في أيمانهم (3).
قال المؤلف في شرح المحصول: وقد يقصد في الأيمان العدم الشامل للعمر، كقول [القائل] (4): إن لم أعتكف عشرة أيام فعلي صدقة دينار، فإن ذلك لا يتعين له الزمان (5) الحاضر، ولا تلزمه صدقة دينار بمضي زمان فرد لم يعتكف فيه، أو مضي زمان يسع الاعتكاف المذكور (6).
قال: وفتاوى الفقهاء تابعة للنيات والمقاصد وما دلت عليه العوائد (7) (8).
__________
(1) المشهور عند الفقهاء أنه إذا علق العدم بإن الشرطية فإنه لا يحنث إلا باليأس من وجود الفعل، وللشافعية والمالكية قول بالحنث إذا مضى زمان يسع الفعل ولم يفعل.
وفي غير إن من أدوات الشرط يقولون: بحنثه إما على الفور كما عند الحنفية وبعض الشافعية، وإما بمضي زمان يسع.
وتعليل هذا أن إن: للتراخي، وسائر أدوات الشرط للفور.
انظر: البيان والتحصيل 15/ 122، 136، 138، الكافي المالكي 2/ 581، 980، والمغني لابن قدامة 7/ 189، 9/ 376، بدائع الصنائع 3/ 131، والهداية 1/ 235، الوجيز للغزالي 2/ 9، روضة الطالبين 8/ 133، والإبهاج 2/ 169.
(2) "هذا" في ز وز/ 2.
(3) انظر: الشرح ص 263.
(4) ساقط من ز وز/ 2.
(5) "لزمان" في ز/ 2.
(6) انظر: المغني للخبازي ص 431.
(7) انظر: شرح المحصول للقرافي المسمى نفائس الأصول لوحة/ 353 مخطوط مصور فلميًا بجامعة الإمام برقم/ 8223 ف.
(8) انظر: المغني لابن قدامة 7/ 189، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 107 - 121، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 98.
(4/213)

قال ابن رشد في البيان والتحصيل (1) في نوازل عيسى بن دينار (2) من كتاب التفليس فيمن قال لغريمه وقد حل حقه (3): إن عجلت لي كذا وكذا من حقي (4) فبقيته عنك موضوعة إن عجلت لي ذلك نقدًا (5) الساعة أو إلى أجل يسميه (6)، فعجل له بعض ما قال له. هل تلزمه الوضيعة أم لا؟
قال: لا أرى الوضيعة تلزمه [وصاحب الحق على شرطه، ولا تلزمه الوضيعة إذا لم يعجل له ما قال له (7).
__________
(1) اسم الكتاب: البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل، ويسمى: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة، وهذا أصح وهو الذي جعل عنوانًا للكتاب لما طبع، والأول هو الشائع في كتب التراجم، والمقصود بالمستخرجة هي مستخرجة محمد العتبي من أسمعة تلامذة الإمام مالك، ويستمد الكتاب قيمته من قيمة هذه المستخرجة وقد طَبَعَتْ الكتاب أخيرًا إدارة إحياء التراث الإسلامي بقطر، وبخروجه إلى الناس يخرج كتاب من أهم كتب الفقه المالكي.
انظر: الديباج المذهب 2/ 248، ومقدمة محقق الجزء الأول من كتاب البيان والتحصيل.
(2) أبو محمد: عيسى بن دينار القرطبي، قاضي طليطلة، ومفتي وفقيه الأندلس، أدرك تلاميذ الإمام مالك ولم يسمع إلا من ابن القاسم، وعرف ابن القاسم قدره، فقال: أتانا عيسى فسألنا سؤال عالم، وكان من أهل الزهد والدين والعلم والورع، توفي بالأندلس سنة 212 ه، من آثاره: كتاب الهدية في الفقه.
انظر: ترتيب المدارك 2/ 16، الديباج المذهب 2/ 64.
(3) "دينه" في الأصل، والمثبت موافق لما في البيان والتحصيل.
(4) "حقه" في ز.
(5) "هذا" في ز/ 2.
(6) "مسميه" في ز وز/ 2.
(7) جاءت العبارة في البيان والتحصيل هكذا: فعجل له ذلك نقدًا أو إلى أجل إلا الدرهم والنصف أو أكثر من ذلك يعجز عنه، هل تكون الوضيعة لازمة؟ فقال: ما أرى الوضيعة تلزمه إذا لم يعجل له جميع ذلك، وأرى الذي له الحق على شرطه.
(4/214)

قال ابن رشد: تحصَّل في هذه المسألة أربعة أقوال.
أحدها: هذا، وهو أن (1) الوضيعة لا تلزمه إلا أن يعجل له جميع ما قال، وهو أصح الأقوال، وبه قال أصبغ (2).
القول الثاني: أن الوضيعة تلزمه] (3)، وبه قال ابن الماجشون.
والثالث: لزوم (4) الوضيعة إن نقص الشيء اليسير، قاله مطرف (5).
والرابع: أنه يلزمه من الوضيعة بقدر ما عجل له من حقه (6).
...
__________
(1) "أن أن" تكرار في ز وز/ 2.
(2) أبو عبد الله: أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، مولى عبد العزيز بن مروان، سكن الفسطاط بمصر وكان فقيه البلد، تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب، وكان من أخص تلاميذ ابن وهب، أخذ عنه الفقه خلق من أعلام المذهب، كابن حبيب وابن المواز وابن مزين، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين بمصر، له كتاب الأصول نحو عشرين مجلدًا، وتفسير غريب الموطأ، وآداب الصيام، والرد على أهل الأهواء وغيرها.
انظر: تهذيب التهذيب 1/ 361، وترتيب المدارك 1/ 561، والديباج 1/ 299.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(4) "تلزمه" في ز وز/ 2.
(5) مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان اليساري الهلالي، مولى ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهو ابن أخت مالك بن أنس الإمام، روى عنه وعن غيره، وعنه أخذ البخاري، وخرج له في الصحيح، صحب مالك سبع عشرة سنة، وتوفي سنة 220 ه.
انظر: تهذيب التهذيب 10/ 175، ترتيب المدارك 1/ 358، الديباج 2/ 340.
(6) انظر: البيان والتحصيل 10/ 470، وفيه تحقيق هذه الأقوال وتحريرها. وفي النقل اختصار شديد مع تمام المعنى.
(4/215)

الفصل الثالث في حكمه (1)
ش: أي في حكم الشرط، وفي هذا الفصل أربع مسائل:
قوله: (إِذا رتب مشروط على شرطين، لا يحصل إِلا عند حصولهما (2) إِن كانا على الجمع، وإِن كانا على (3) البدل حصل عند أحدهما وإِلى المعلق (4) تعيينه؛ لأن الحاصل (5) أن الشرط (6) [هو] (7) المشترك بينهما).
ش: هذا أول المسائل (8) (9)، يعني: أن المشروط (10) إذا علق على شرطين على الاجتماعية فلا يحصل إلا بحصول الشرطين معًا، كقوله لزوجته: إن دخلت الدار وكلمت زيدًا فأنت طالق، وإذا علق مشروط على شرطين على
__________
(1) بدأت نسخة ز وز/ 2 بسرد المتن، وانتهت صفحة (3/ أ) من ز/ 2 في ضمن المتن.
(2) "حصولها" في ز.
(3) "عند" في ز/ 2.
(4) "وللمعلق" في خ.
(5) "لأن الأصل" في ش.
(6) "للشرط" في ز.
(7) ساقط من أ.
(8) كذا في النسخ، والأولى: هذه أولى المسائل.
(9) انظر لهذه المسألة: المعتمد 1/ 359، والمحصول 1/ 3/ 94، واحكام الآمدي 2/ 311، والإبهاج 2/ 169، وإرشاد الفحول ص 153، والمسطاسي ص 16، وشرح القرافي ص 264.
(10) "الشروط" في ز/ 2.
(4/217)

البدلية فإن المشروط (1) يحصل بحصول أحدهما من غير تعيين، كقوله: إن دخلت الدار أو (2) كلمت زيدًا فأنت طالق، فإنها تطلق بأيها حصل ولا يتوقف طلاقها على مجموع الشرطين.
قوله: (وإِلى المعلق تعيينه)، هذا كلام الإمام في المحصول (3)، واستشكله المؤلف في الشرح (4)، وبيان إشكاله: أن قوله: (وإِلى المعلق (5) تعيينه) أن المتكلم له (6) أن يعين أحد الشرطين للمشروط إذا كانا على البدل (7)، نحو قولك: إن دخلت الدار أو كلمت زيدًا فأنت طالق، وبيان هذا: أن تعيين المتكلم أحد الشرطين لا يخلو إما أن يكون عند التلفظ، وإما أن يكون تعيينه بعد التلفظ، وأيًا ما (8) كان فهو باطل.
فإنه إن عين أحدهما عند التلفظ للشرطين وألغى الآخر، فإنه يكون من باب تعليق (9) المشروط على شرط واحد، وأين الشرطان؟ وإن كان تعيينه
__________
(1) "الشروط" في ز/ 2.
(2) "و" في ز/ 2.
(3) قال الرازي في المحصول: والثاني كقولك: "إن زنيت جلدتك أو نفيتك" ومقتضاه أحدهما مع أن التعيين فيه إلى القائل. اه.
فكلام الإمام فيما إذا علق المشروطان على شرط لا العكس، وسيبين ذلك الشوشاوي قريبًا، فلا وجه لإشكال القرافي. انظر: المحصول 1/ 3/ 96.
(4) انظر: شرح القرافي ص 264، والمسطاسي ص 16، وشرح حلولو ص 221.
(5) "وللمعلق" في ز وز/ 2.
(6) "يجوز له" في ز وز/ 2.
(7) "في" زيادة في ز وز/ 2.
(8) "وأما" في ز.
(9) "تعلق" في ز وز/ 2.
(4/218)

بعد التلفظ فهو باطل؛ إذ ليس له بعد ذلك أن يعين أحدهما (1) للشرطية ويبطل الآخر، وأين التعيين؟.
فلا يصح (2) إذًا قوله (3): للمعلِّق (4) تعيين أحد الشرطين، على كل تقدير.
قال المسطاسي: هذا الاعتراض الذي أورده المؤلف على الإمام، هو وهم من المؤلف؛ لأن الإمام إنما قال: للمعلق تعيينه (5) في المشروط، لا في الشرط، ونصه في المحصول: الشرط الواحد إذا دخل على مشروطين على سبيل البدل، كقوله لجاريته: إن زنيت جلدتك أو نفيتك (6)، ومقتضاه (7) أحدهما (8) مع أن التعيين فيهما للقائل. انتهى (9). فحصل (10) مما ذكرنا أن التعيين إنما يكون في أحد المشروطين لا في أحد الشرطين، وقد وقع في بعض النسخ وهو (11) الأولى: وإذا رتب مشروطان على شرط، فإن كانا على الجمع حصلا عند وجوده، وإن كانا على البدل حصل أحدهما، وللمعلق (12)
__________
(1) "إحداهما" في ز.
(2) "قوله" زيادة في الأصل.
(3) "قوله إذًا" في ز وز/ 2 بالتقديم.
(4) "أو للمعلق" في ز.
(5) "تعينه" في ز وز/ 2.
(6) "بعتك" في ز وز/ 2.
(7) "ومقتضان" في ز/ 2.
(8) "إحداهما" في ز.
(9) انظر: شرح المسطاسي ص 17، والنقل بالمعنى، وانظر عبارة الإمام في المحصول 1/ 3/ 95 - 96.
(10) "يحصل" في ز/ 2.
(11) "وهي" في ز وز/ 2.
(12) "وللمطلق" في ز.
(4/219)

تعيينه؛ لأن الحاصل أن المشروط (1) هو المشترك بينهما، فهذه النسخة هي المطابقة للمراد، وأما الأولى فهي عبارة باطلة/ 215/ (2)؛ إذ ليس للمعلق تعيين أحد الشرطين، وإنما الذي له هو تعيين أحد المشروطين.
وقوله: (لأن الحاصل أن الشرط هو المشترك بينهما)، لا يصح، وإنما الذي هو المشترك هو المشروط؛ لأن المشروط هو المشترك بين المشروطين (3) (4).
قوله: (إِذا رتب مشروط ...) المسألة، انظر: إذا قال لزوجتيه: إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان (5)، فدخلت إحداهما خاصة، ففيها ثلاثة أقوال، ثالثها: تطلق الداخلة خاصة، حجة القول بطلاقهما معًا: أن بعض الحنث حنث؛ ولأن الحنث يقع بأقل الأشياء (6)، [وحجة القول بعدم طلاقهما معًا: لأن مطلق اللفظ يقتضي اجتماعهما في الدخول] (7) (8).
__________
(1) "الشرط" في ز وز/ 2.
(2) ليس العجب من بطلان ما في هذه النسخة، ولكن العجب من تأكيد القرافي - صاحب المتن - لهذه النسخة الباطلة في شرحه.
فانظر شرح القرافي ص 264.
(3) "الشرطين" في ز وز/ 2.
(4) وأيضًا: الشرط مشترك بين الشرطين؛ إذ يصدق على كل واحد منهما، فلا خطأ في هذه العبارة، وإنما عدم الصحة جاء من الاستدلال بها على جواز إسناد التعيين لمعلق المشروط على شرطين.
(5) "طالق" في ز وز/ 2.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 311، وشرح حلولو ص 221، وفواتح الرحموت 1/ 342، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 146، وتيسير التحرير 1/ 281.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(8) انظر: المراجع السابقة في تعليق رقم (6).
(4/220)

وحجة القول بطلاق الداخلة خاصة: [أن] (1) دخول كل واحدة منهما شرط في طلاقها نفسها (2)، فالقولان المتقابلان لابن القاسم، والقول بالتفصيل لأشهب، ذكرها ابن العربي في أحكام القرآن (3) في سورة البقرة في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (4) فانظره (5).
قوله: (إِذا رتب مشروط على شرطين ...) إلى آخر كلامه، لم يستوف المؤلف جميع وجوه (6) هذه المسألة ولم يذكر من وجوهها إلا وجهين وهما: اتحاد المشروط مع تعداد الشرط على الجمع، واتحاد المشروط مع تعداد الشرط على البدل.
وحاصل الوجوه في هذه المسألة (7) أن تقول: لا يخلو الشرط إما أن
__________
(1) ساقط من ز/ 2.
(2) انظر المراجع في الصفحة السابقة في تعليق رقم (6).
فال في الفواتح: هو الأوفق بمذهبنا؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد.
(3) من أنفع كتب ابن العربي، أتى فيه بآيات الأحكام مرتبة في كل سورة، ثم شرحها واستخرج ما فيها من أحكام، وقد تعرض فيه لخمسمائة آية متعلقة بأحكام المكلفين، اعتمد فيه على اللغة والسنة ووازن فيه بين المذاهب، طبع أولاً بمكتبة السعادة، ثم حققه علي البجاوي وطبعته دار الفكر، انظر: مقدمة المحقق 1/ 8، وكشف الظنون 1/ 20.
(4) سورة البقرة آية رقم 35.
(5) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 16.
(6) "وجوده" في ز.
(7) انظر: المعتمد 1/ 259، والمحصول 1/ 3/ 94 - 96، وإحكام الآمدي 2/ 310، 311، والعضد على ابن الحاجب 2/ 145، ونهاية السول 2/ 440، وفواتح الرحموت 1/ 342، وشرح الكوكب المنير 3/ 342، وإرشاد الفحول ص 153، وتيسير التحرير 1/ 280، وشرح حلولو ص 220، وشرح المسطاسي ص 17.
(4/221)

يتحد وإما أن يتعدد، فإذا اتحد ففيه ثلاثة أوجه: إما (1) اتحاد المشروط، وإما تعداده على الجمع، وإما تعداده على البدل.
مثال اتحاده: إن جاء زيد فأعطه درهمًا.
ومثال تعداده على الجمع: إن جاء زيد فأعطه دينارًا ودرهمًا (2).
ومثال تعداده على البدل: إن جاء زيد فأعطه دينارًا أو درهمًا.
فهذه ثلاثة أوجه في اتحاد الشرط.
وأما إن تعدد الشرط على الجمع ففيه أيضًا ثلاثة أوجه: إما اتحاد المشروط، وإما تعداده على الجمع، وإما تعداده على البدل.
مثال اتحاده: إن جاء زيد وسلم عليك فأعطه درهمًا (3).
ومثال تعداده على الجمع: إن جاء زيد وسلم عليك فأعطه دينارًا ودرهمًا (4).
ومثال تعداده على البدل: إن جاء زيد وسلم عليك فأعطه دينارًا أو درهمًا. [فهذه أيضًا ثلاثة أوجه في تعداد الشرط على الجمع.
وأما تعداد الشرط على البدل ففيه أيضًا ثلاثة أوجه: إما اتحاد المشروط، وإما تعداده على الجمع، وإما تعداده على البدل.
مثال اتحاده: إن جاء زيد أو سلم عليك فأعطه درهمًا.
__________
(1) "إنما" في ز/ 2.
(2) "أو درهمًا" في ز.
(3) "دينارًا" في ز وز/ 2.
(4) "أو درهمًا" في ز والأصل، والصواب ما أثبت من ز/ 2.
(4/222)

ومثال تعداده على الجمع: إن جاء زيد أو سلم عليك فأعطه دينارًا أو درهمًا (1).
ومثال تعداده على البدل: إن جاء زيد أو سلم عليك فأعطه دينارًا أو درهمًا] (2).
فهذه ثلاثة أوجه أيضًا في تعداد الشرط على البدل، فهي إذًا تسعة أوجه وكلها واضحة الأحكام مما ذكر (3) المؤلف رحمه الله تعالى (4).
هذا كله في التعليق بحرف العطف، وأما إذا كان التعليق بغير حرف العطف كقوله: إن كلمت زيدًا إن دخلت الدار فأنت طالق، فهذا يسميه الفقهاء والأصوليون بتعليق التعليق، ويسميه النحاة بشرط الشرط (5).
فمذهب مالك: أن التعليق مع عدم (6) العطف كالتعليق مع العطف، فإن قولك: جاء زيد جاء عمرو (7)، بمنزلة قولك: جاء زيد وجاء عمرو لا فرق بينهما في المعنى، فإذا كلمت زيدًا أولاً فلا تطلق حتى تدخل (8)؛ لأنه
__________
(1) هكذا في ز والأصل، والصواب: ودرهمًا، لكونه على الجمع.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز/ 2.
(3) "ذكره" في ز وز/ 2.
(4) "رحمه الله بمنه" في ز وز/ 2.
(5) ويسمى أيضًا: باعتراض الشرط على الشرط.
انظر: شرح التصريح 2/ 254، وشرح الأشموني 4/ 30، وروضة الطالبين 8/ 177، والفروق للقرافي 1/ 81، وشرح حلولو ص 222، وشرح المسطاسي ص 17.
(6) "حرف" في ز وز/ 2، فتكون العبارة: مع حرف العطف. وهي خطأ.
(7) "عمر" في ز وز/ 2.
(8) "لا تدخل" في ز/ 2.
(4/223)

جعل دخول الدار شرطًا في كون كلام زيد (1) شرطًا في الطلاق، ولا يحصل المشروط بدون شرطه، وكذلك إذا دخلت الدار أولاً ولم تكلم زيدًا، فلا يحصل الطلاق أيضًا (2) لعدم شرطه الذي هو كلام زيد (3).
ومذهب الشافعي: أنها (4) إن دخلت الدار أولاً ثم كلمت زيدًا طلقت، وإن كلمت زيدًا أولاً ثم دخلت الدار لم تطلق؛ لأنه جعل دخول الدار شرطًا في كلام زيد، فوجب تقديمه؛ لأنه لما قال: إن كلمت زيدًا، جعل كلام زيد شرطًا وسببًا لطلاق امرأته، ثم إنه جعل لهذا (5) الشرط شرطًا في اعتباره، وهو دخول الدار، ولأجل ذلك يسمى هذا الشرط الثاني بشرط (6) الشرط، فيكون دخول الدار سببًا وشرطًا في اعتبار كون كلام زيد سببًا لطلاق امرأته.
والقاعدة: أن الشيء إذا وجد قبل سببه فلا يعتبر، كوقوع صلاة الظهر قبل الزوال، فإذا وقع كلام [زيد] (7) قبل دخول الدار فإنه لا يعتبر، فإذا دخلت الدار بعد ذلك لم يلزم (8) الطلاق لعدم سببه الذي هو كلام [زيد] (9)،
__________
(1) "زيدًا" في ز.
(2) "وأيضًا" في ز.
(3) وتبع المالكية في ذلك إمام الحرمين، والجمهور على خلاف ذلك كما سيأتي.
انظر: الفروق 1/ 81، وروضة الطالبين 8/ 177، وشرح حلولو ص 222.
(4) "أنه" في ز وز/ 2.
(5) "بهذا" في ز/ 2.
(6) "شرط" في ز وز/ 2.
(7) ساقط من ز وز/ 2.
(8) "يلزمه" في ز وز/ 2.
(9) ساقط من ز وز/ 2.
(4/224)

فإذا دخلت الدار أولاً ثم كلمت زيدًا فقد وقع كلام زيد بعد سببه، فيلزم (1) الطلاق.
وضابط المسألة عندهم: أن المؤخر في اللفظ يجب أن يكون مقدمًا في الوقوع، وحينئذ يلزم المشروط، وإذا وقع المتأخر متأخرًا والمتقدم (2) متقدمًا لم يحصل المشروط، ويشهد لهذا القول قوله تعالى: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ [كَانَ] (3) اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هُوَ رَبُّكُمْ] (4)} (5)، فإن إرادة الله تعالى متقدمة على إرادة البشر، فالمتقدم في اللفظ متأخر في الوقوع (6)، ويشهد للقول (7) الأول وهو قول المالكية قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ (8) إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ (8) أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ
__________
(1) "فيلزمه" في ز/ 2.
(2) "أو المتقدم" في الأصل.
(3) ساقط من ز.
(4) ساقط من ز وز/ 2.
(5) سورة هود آية رقم 34، وتتمتها: {وَإِليْهِ تُرْجَعونَ}.
(6) هذا القول هو قول جماهير العلماء من الشافعية والحنابلة وغيرهم، وهو مبني على قاعدتين:
أولاهما: أن الشروط اللغوية أسباب، والسبب يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود.
وثانيتهما: أنه لا بد من تقدم السبب على المسبب.
فانظر: روضة الطالبين 8/ 177، وتصحيح الفروع للمرداوي 5/ 431، والفروق 1/ 81، والمسطاسي ص 17، وشرح حلولو ص 222.
(7) "القول" في ز وز/ 2.
(8) في النسخ الثلاث: "للنبييء" بالهمز، وهي قراءة ورش الشائعة بالمغرب.
انظر: النشر في القراءات العشر 2/ 348.
(4/225)

دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (1)، فالظاهر أن إرادة النبي (2) عليه السلام متأخرة عن هبتها، فإنها تجري مجرى القبول في العقود، وهبتها لنفسها إيجاب، كما تقول: من وهبك شيئًا للمكافأة لزم أن تكافئه عليه إن أردت قبول تلك الهبة، فقد حصلت (3) الإرادة بعد الهبة/ 216/، انظر (4) الفرق الثالث من القواعد السنية (5).
قوله: (وإِذا دخل الشرط على جمل رجع إِليها عند إِمام الحرمين (6)، وإِلى ما يليه عند بعض الأدباء، واختار فخر الدين (7) التوقف).
ش: هذه هي المسألة الثانية، وهي دخول الشرط على جمل غير واحدة، كقولك: امرأتي طالق وعبدي حر ومالي صدقة إن كلمت زيدًا (8)، ففيه ثلاثة أقوال ذكرها المؤلف ها هنا.
__________
(1) سورة الأحزاب آية رقم 50.
(2) "النبي إرادة" في ز/ 2.
(3) "حملته" في ز/ 2.
(4) "وانظر" في ز وز/ 2.
(5) الفرق الثالث بين الشرط اللغوي وغيره من الشروط العقلية والعادية والشرعية.
انظر: الفروق 1/ 61، وانظر هذه المسألة في: الفروق 1/ 81.
(6) "والحنابلة" زيادة في خ.
(7) في أ: "واختار الإمام التوقف"، وفي ش وخ: "واختار الإمام فخر الدين التوقف".
(8) انظر لهذه المسألة: اللمع ص 130، والمحصول 1/ 3/ 96، والإحكام للآمدي 2/ 311، تمهيد الإسنوي ص 401، جمع الجوامع 2/ 22، والعضد على ابن الحاجب 2/ 146، ومختصر ابن اللحام ص 121، وشرح الكوكب المنير 3/ 345، وتيسير التحرير 1/ 281، وشرح القرافي ص 264، وإرشاد الفحول ص 153، وشرح حلولو ص 222، والمسطاسي ص 18.
(4/226)

حجة رجوعه إلى الجميع (1) ثلاثة أوجه (2):
أحدها: أن حرف العطف يصير المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، فتكون جميع الجمل كالجملة الواحدة، فيحسن عوده إلى الجميع (3).
الوجه الثاني: قياسه على الاستثناء، بجامع كون كل واحد منهما غير مستقل بنفسه، لأنه فضلة في الكلام (4).
الوجه الثالث: أن المتكلم [قد] (5) يحتاج إلى الشرط، فإن ذكره بعد كل جملة فذلك من الركاكة في القول (6)، فيذكره آخر الجمل ليخرج (7) [كلامه] (8) عن الركاكة (9).
وأيضًا فإذا كان رجوع الاستثناء إلى الجميع، فأولى وأحرى أن يرجع
__________
(1) بهذا قال الشافعي وأبو حنيفة، وقال ابن اللحام: ذكره صاحب التمهيد إجماعًا، وقيدوه بما لم يخرجه الدليل، وهو مذهب عامة الجمهور.
انظر: المحصول 1/ 3/ 96، وإحكام الآمدي 2/ 311، والعضد 2/ 146، وحلولو ص 222، وتيسير التحرير 1/ 281، ومختصر ابن اللحام ص 121. وانظر: حكاية أبي الخطاب للإجماع في التمهيد 2/ 92.
(2) وهي الأوجه المذكورة في الاستثناء صفحة 140 - 141 من هذا المجلد.
(3) انظر: المعتمد 1/ 267، والعدة 2/ 680، والتبصرة ص 174، والبرهان فقرة 289، والمنخول ص 160، والوصول لابن برهان 2/ 254، والإشارة ص 157، والفصول للباجي 1/ 214.
(4) انظر: شرح القرافي ص 264، وشرح حلولو ص 222، والمسطاسي ص 18.
(5) ساقط من ز.
(6) "الكلام" في ز وز/ 2.
(7) "فيخرج" في ز وز/ 2.
(8) ساقط من ز وز/ 2.
(9) انظر: المستصفى 2/ 175، وروضة الناظر ص 258، وإحكام الآمدي 2/ 302، والعضد على ابن الحاجب 2/ 141، وشرح الكوكب المنير 3/ 322.
(4/227)

الشرط إلى الجميع؛ لأن الشروط اللغوية أسباب، والأسباب متضمنة للحكم والمصالح.
فعوده إلى الجميع فيه تكثير للمصلحة بخلاف الاستثناء؛ فإنه إخراج ما ليس بمراد عما هو مراد (1).
حجة القول باختصاصه بما يليه: ترجيحًا للقريب على البعيد؛ ولأن الشرط فضلة في الكلام ومبطل له فيختص (2) بما يليه، تقليلاً لمخالفة (3) الأصل (4).
حجة التوقف: تعارض الأدلة (5).
وقوله: (واتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، وعلى حسن التقييد به، وإِن كان الخارج به أكثر من الباقي).
ش: هذه هي المسألة الثالثة (6)، ذكر المؤلف ها هنا فرعين اتفقوا على
__________
(1) انظر: الفروق 1/ 82، وشرح القرافي ص 264، والإبهاج 2/ 167.
(2) "فتختصر" في ز وز/ 2.
(3) "لمخالفته" في ز وز/ 2.
(4) معنى اختصاصه بما يليه: أي إن كان متقدمًا اختص بالأولى، وإن كان متأخرًا اختص بالأخيرة، ونسبه في المحصول لبعض الأدباء.
انظر: المحصول 1/ 3/ 96، وإحكام الآمدي 2/ 311، وتمهيد الإسنوي ص 401، ومختصر ابن اللحام 121، وشرح القرافي ص 264، والمسطاسي ص 18.
(5) اختاره الرازي والآمدي وجمع.
انظر: المحصول 1/ 3/ 96، وإحكام الآمدي 2/ 311، وتمهيد الإسنوي ص 401، وشرح القرافي ص 265، والمسطاسي ص 18.
(6) "الثانية" في الأصل، وهو خطأ؛ لأن الأولى: تعدد الشرط والمشروط واتحادهما، والثانية: تعقب الشرط الجمل، وهذه الثالثة.
(4/228)

جوازهما:
أحدهما: وجوب اتصال الشرط بالكلام، ولا يدخله (1) الخلاف المتقدم في الاستثناء: هل يجب اتصاله أم لا (2)؟ كما ذكره المؤلف في قوله [أولاً] (3): ويجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة، خلافًا لابن عباس رضي الله عنه (4).
الفرع الثاني: جواز [التقييد في] (5) الشرط (6) سواء كان أقل أو أكثر أو مستغرقًا، ولا يدخله الخلاف المتقدم أيضًا في استثناء الأكثر والمساوي (7) في قول المؤلف أولاً: واختار القاضي عبد الوهاب والإمام جواز استثناء
__________
(1) "يدخل" في ز.
(2) حكى الاتفاق الرازي في المحصول، ونقله عنه جمع، وقد نقل تاج الدين ابن السبكي وابن الحاجب: أن فيه خلافًا كالاستثناء.
انظر: المحصول 1/ 3/ 97، ومختصر ابن الحاجب 2/ 146، وجمع الجوامع 2/ 22، وشرح الكوكب المنير 3/ 345، وحلولو ص 222، وشرح القرافي ص 265، وإرشاد الفحول ص 153، والمسطاسي ص 18.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: صفحة 100 من هذا المجلد، وصفحة 201 من مخطوطة الأصل، وشرح القرافي ص 242.
(5) ساقط من ز وز/ 2.
(6) "الشرع" في ز وز/ 2.
(7) اشترط في المحصول لجواز التقييد به كون الخارج به أكثر من الباقي، وتبعه على ذلك قوم، فال صفي الدين الهندي: ينزل هذا الشرط على المعلوم وأما المجهول فإنه يجوز أن يقيد به بلا حدود. انظر: المحصول 1/ 3/ 97، ونهاية السول 4/ 441، وشرح القرافي ص 265، وحلولو ص 222، والإبهاج 2/ 170، وشرح الكوكب المنير 3/ 345، والمسطاسي ص 18.
(4/229)

الأكثر، وقال القاضي أبو بكر: يجب أن يكون [أقل] (1)، وقيل (2): يجوز المساوي، دون الأكثر (3).
قوله: (واتفقوا على وجوب اتصال الشرط)، يريد لفظًا أو ما في حكمه، فلا يعتبر انفصاله (4) بسعال أو عطاس ونحوهما (5) كما تقدم في الاستثناء؛ لأن ذلك لا يعد انفصالاً في العرف والعادة.
ووجه الاتفاق على وجوب اتصال الشرط بالكلام: أن الشروط اللغوية أسباب، والأسباب متضمنة للحكم والمصالح، فلا ينبغي أن تؤخر المصالح اهتمامًا واعتناءً بها (6)؛ ولأن (7) الشرط لا يستقل بنفسه لأنه فضلة الكلام (8).
ووجه الاتفاق على جواز التقييد بالشرط، وإن كان الخارج به أكثر من الباقي: فهو عدم القبح في الإخراج؛ لأنه إذا قال: (9) أكرم بني تميم إن
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) بعد هذا الموضع سقط من نسخة (ز/ 2) حتى قوله: "حرمت عليك الخبز والثوب والفرس ... " إلخ، في الباب الثاني عشر في المجمل والمبين، الفصل الثاني فيما ليس مجملاً.
(3) انظر صفحة 114 من هذا المجلد وصفحة 202 من مخطوطة الأصل، وشرح القرافي ص 244.
(4) "فصاله" في ز.
(5) "أو نحوهما" في ز.
(6) انظر: الإبهاج 2/ 167، وجمع الجوامع 2/ 22، وشرح القرافي ص 265، والمسطاسي ص 18.
(7) "لأن" في ز.
(8) انظر: المسطاسي ص 18.
(9) "قيل" في ز.
(4/230)

أطاعوا الله، فقد لا يطيعه أكثرهم فيخرج من الكلام أكثره، وقد لا يطيعه أحد (1) منهم فيبطل جميع الكلام فلا يقبح ذلك، بخلاف الاستثناء؛ لأن المتكلم [به] (2) يعد عابثًا بنطقه بما يعتقد بطلان أكثره أو بطلان جميعه (3).
والفرق بين الشرط والاستثناء: أن الخارج (4) بالشرط غير متعين، بخلاف الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: أكرم بني تميم إن أطاعوا الله، قد (5) يطيعون كلهم، وقد يطيع أكثرهم، وقد يطيع أقلهم، وقد لا يطيعون كلهم، وذلك كله لا يقدح في الشرط ولا يقبح، بل يحسن، بخلاف الاستثناء فإنه يقبح فيه (6).
قوله (7): (ويجوز تقديمه في اللفظ وتأخيره، واختار الإِمام تقديمه خلافًا للفراء، جمعًا بين التقدم (8) الطبعي والوضعي).
ش: هذه هي المسألة الرابعة.
اعلم أن العلماء اتفقوا على [جواز] (9) تقديم الشرط وتأخيره عن المشروط
__________
(1) "واحد" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: جمع الجوامع 2/ 23، وإرشاد الفحول ص 153.
(4) "الجارج" في ز.
(5) "فقد" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 265، والفروق 1/ 108، والمسطاسي ص 18.
(7) "وقوله" في ز.
(8) "التقديم" في ز.
(9) ساقط من الأصل.
(4/231)

في اللفظ (1)، فيجوز أن تقول: إن دخلت الدار فأنت طالق، ويجوز أن تقول: أنت طالق إن دخلت الدار.
وإنما اختلفوا في المختار من الوجهين: هل المختار تقديمه؟ قاله الإمام الفخر (2)، أو [المختار] (3) تأخيره؟ قاله الفراء (4).
حجة الإمام: أن الشرط سبب، والسبب شأنه التقديم، فإذا تقدم في المعنى وجب أن يكون متقدمًا في اللفظ، وهذا معنى قول المؤلف: جمعًا بين التقدم (5) الطبعي والوضعي (6).
حجة الفراء: أن الشرط فضلة في الكلام، والفضلة شأنها التأخير كالصفة والغاية والنعت والمفعول والتأكيد وغير ذلك (7).
قال المؤلف في الشرح: وقد غلط بعض الجهال في هذه المسألة فقال: إن العلماء اختلفوا في تقديم المشروط على شرطه، وإذا سئل أين ذلك؟ أشار
__________
(1) لا خلاف في وجوب تقدم الشرط على المشروط في الوقوع، وأما في اللفظ فهو على الجواز، كما ذكر الشوشاوي.
انظر: المعتمد 1/ 259، واللمع ص 130، والمحصول 1/ 3/ 97، وإحكام الآمدي 2/ 311، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 146، وشرح القرافي ص 265، وحلولو ص 223، والمسطاسي ص 18.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 97، والمسطاسي ص 18.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 97، وحلولو ص 223، والمسطاسي ص 18.
(5) "التقديم" في ز.
(6) انظر: المحصول 1/ 3/ 97، وإحكام الآمدي 2/ 311، والعضد على ابن الحاجب 2/ 146، وشرح الكوكب المنير 3/ 343، وشرح حلولو ص 223، وشرح القرافي 265، والمسطاسي ص 18.
(7) انظر: شرح القرافي ص 265، وحلولو ص 223، والمسطاسي ص 19.
(4/232)

إلى هذه المسألة وهو غلط، ما قال أحد بأن المشروط لا يتوقف على شرطه، بل الخلاف إنما هو في التقدم في النطق حالة التعليق (1) فقط (2).
قال المسطاسي: هذا الذي قاله المؤلف [ها] (3) هنا مخالف لما قال في شرح المحصول؛ وهو أن العلماء اختلفوا في المشروط: هل يقع مع الشرط أو بعده؟ قال: وعليه يتخرج الخلاف فيما إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، هل يعتق على البائع أم لا؟ فتأمله فإنه يقتضي التدافع، والله أعلم؟ (4).
قوله: (ويجوز تقديمه في اللفظ ...) إلى آخر الكلام (5)، اعلم أن الشرط إذا تأخر كقولك: أنت حر إن دخلت الدار، اختلف النحاة في قولك: أنت حر مثلاً، هل هو دليل على الجواب أو هو نفس الجواب؟ قال البصريون: هو دليل (6) الجواب، وهو جملة خبرية وليس بنفس الجواب؛ لأن أداة الشرط لها صدر الكلام فلا تقع حشوًا (7)، وعلى هذا المذهب يجري قول الإمام الفخر في اختياره تقديم الشرط؛ لأن له صدر الكلام.
__________
(1) "التعلق" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 265، والمسطاسي ص 19.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 19.
(5) "إلخ" في ز.
(6) "على" زيادة في ز.
(7) انظر: شرح المفصل 9/ 7، وشرح التصريح 2/ 253، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 146، وفواتح الرحموت 1/ 342، وشرح الكوكب المنير 3/ 343.
(4/233)

وقال الكوفيون: هو نفس الجواب/ 217/، وهو جملة إنشائية (1).
وعلى هذا المذهب يجري قول الفراء في اختياره تأخير الشرط، والله أعلم.
...
__________
(1) وهذا أيضًا مذهب المبرد وأبي زيد.
انظر: شرح الأشموني 4/ 15، وشرح التصريح 2/ 253، وفواتح الرحموت 1/ 342، وشرح الكوكب المنير 3/ 343.
(4/234)

الباب العاشر
في المطلق والمقيد
(4/235)

الباب العاشر في المطلق والمقيد (1) (2)
ش: هذا الباب مناسب (3) للباب الذي قبله، لأن الشرط من جملة ما
__________
(1) بدأت نسخة (ز) بسرد المتن.
(2) لم يتعرض الشوشاوي في هذا الباب لحد المطلق والمقيد اكتفاء بتعريف القرافي لهما في الباب الأول في المطلب الرابع عشر والخامس عشر من الفصل السادس منه.
وقد حدهما صاحب المتن هناك بقوله: المطلق هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي، نحو: رجل، والمقيد هو اللفظ الذي أضيف إلى مسماه معنى زائد عليه نحو: رجل صالح.
انظر: مخطوط الأصل ص 39، وشرح القرافي ص 39.
وقد تعرض العلماء لتعريف المطلق والمقيد، وتعددت تعريفاتهم وتباينت:
أما المطلق فقيل فيه: هو ما دل على شائع في جنسه، وقيل: هو عبارة عن النكرة في سياق الإثبات، وقيل: هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه. وقيل: الدال على الماهية بلا قيد، وقيل: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتباره حقيقة شاملة لجنسه.
وعرفه الرازي: بأنه الدال على واحد لا بعينه.
وأما المقيد فقيل هو: ما أخرج من شياع بوجه ما، وقيل: هو المتناول لواحد معين أو غير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه، وقيل: ما كان من الألفاظ دالاً على مدلول معين أو على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه.
انظر لهذه التعريفات ومناقشتها: المحصول 1/ 2/ 522، والمعالم ص 160، وإحكام الآمدي 3/ 403، وروضة الناظر ص 259، 260، وجمع الجوامع 2/ 44، والعضد على ابن الحاجب 2/ 155، وشرح الكوكب المنير 3/ 392، والمسطاسي ص 19.
(3) "مناسبة" في ز.
(4/237)

يقيد به المطلق (1).
قال المؤلف في شرحه: التقييد والإطلاق من أسماء الألفاظ لا من أسماء المعاني؛ لأنك تقول: هذا لفظ (2) مطلق، وهذا لفظ (3) مقيد، ولا تقول: معنى مطلق، ولا معنى مقيد (4).
قوله: (التقييد والإِطلاق أمران اعتباريان).
ش: أي: أمران نسبيان، أي: إضافيان (5).
قوله: (فقد يكون المقيد مطلقًا بالنسبة إِلى قيد آخر، كالرقبة مقيدة بالملك، مطلقة بالنسبة إِلى الإِيمان).
ش: هذا تفسير وبيان لقوله: أمران اعتباريان، ومعناه (6): قد يكون الشيء (7) مطلقًا باعتبار شيء، ويكون [أيضًا] (8) مقيدًا باعتبار شيء
__________
(1) التقييد يقع بأشياء منها: الغاية، كقولك: اضرب عمرًا أبدًا حتى يرجع إلى الحق. والشرط، كقولك: من جاءك من الناس فأعطه درهمًا. والصفة، نحو: أعط القرشيين المؤمنين. انظر: الإشارة ص 157، والفصول 1/ 216، وانظر مناسبة الباب لما قبله في: المسطاسي ص 19، وذكر وجهًا آخر للمناسبة، وهو: أن العموم على قسمين: استغراقي وتعرض له المخصصات ومنها الشرط، وبدلي ويعرض له التقييد، فتكلم المؤلف على الأول، ثم شرع في الثاني.
(2) "اللفظ" في ز.
(3) "اللفظ" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 269، وشرح الكوكب المنير 3/ 394، والمسطاسي ص 19.
(5) انظر: روضة الناظر ص 260، والإبهاج 2/ 216، ومختصر ابن اللحام ص 125، وشرح الكوكب المنير 3/ 393.
(6) "معناه" في ز.
(7) "شيء" في الأصل.
(8) ساقط من ز.
(4/238)

[آخر] (1)، مثله المؤلف بالرقبة، فإن الرقبة إذا اعتبرت أن معناها المملوكة فهي مقيدة، لخروج غير المملوكة منها، وإذا اعتبرت صدقها على المؤمنة والكافرة [حرة كانت أو مملوكة] (2) فهي مطلقة، ولكن (3) جهة (4) التقييد خلاف جهة الإطلاق، فما به الإطلاق خلاف ما به التقييد.
قوله: (وقد يكون المطلق مقيدًا كالرقبة مطلقة وهي مقيدة بالرق).
ش: أي إذا اعتبرت كون الرقبة تصدق على المؤمنة والكافرة فهي مطلقة، وإذا اعتبرت كونها مملوكة فهي مقيدة.
قوله: (والحاصل أن كل حقيقة إِن اعتبرت من حيث هي هي فهي مطلقة، وإِن اعتبرت مضافة إِلى غيرها فهي مقيدة).
ش: قال المؤلف في شرحه: ضابط الإطلاق أنك تقتصر على مسمى اللفظة المفردة، نحو: رقبة، أو إنسان، أو حيوان، ونحو ذلك من الألفاظ المفردة، فهذه كلها مطلقات، ومتى زدت على مدلول اللفظة مدلولاً آخر بلفظ أو بغير لفظ صار مقيدًا (5)، مثال زيادته بلفظ نحو: رقبة مؤمنة، أو (6) إنسان صالح، أو (6) حيوان ناطق، ومثال زيادته بغير لفظ: أن تأخذ
__________
(1) ساقط من ز.
(2) ساقط من ز، وهي في الهامش من الأصل.
(3) "لكن" في ز.
(4) "من جهة" في ز.
(5) قوله: فمتى زدت على مدلول اللفظة مدلولاً آخر بلفظ أو بغير لفظ صار مقيدًا، قال المسطاسي: هذا يقتضي أن المعاني توصف بالتقييد والإطلاق، وقد صرح بإنكاره فتأمله. انظر: المسطاسي ص 19.
(6) "و" في ز.
(4/239)

هذه الألفاظ المطلقة باعتبار ألفاظ أخر، وذلك أن الرقبة إنسان مملوك، وأن الإنسان حيوان ناطق، وأن الحيوان (1) جسم حساس، وأن الرجل إنسان ذكر، وما أشبه ذلك.
فتبين بما ذكرناه: أن التقييد والإطلاق أمران نسبيان، فرب مطلق مقيد، ورب مقيد مطلق (2).
قوله: (ووقوعه في الشرع على أربعة أنواع (3) (4) (5):
متفق الحكم والسبب، كإِطلاق الغنم في حديث وتقييدها (6) في [حديث] (7) آخر بالسوم.
ومختلف الحكم والسبب، كتقييد الشهادة بالعدالة وإِطلاق (8) الرقبة في الظهار.
__________
(1) "الإنسان" في ز.
(2) انظر: الشرح للقرافي ص 266، وشرح المسطاسي ص 19.
(3) "أقسام" في نسخ المتن الثلاث.
(4) وكل نوع من هذه الأربعة لا يخلو إما أن يكون المطلق والمقيد فيه مثبتين، أو منفيين، أو أحدهما مثبتًا، والآخر منفيًا، والمؤلف اقتصر على هذه الأربعة؛ لأن المنفي عام لا مطلق، بناء على أن النكرة في سياق النفي تعم، أشار إلى هذا في الفروق، فانظره 1/ 192، وانظر: شرح القرافي ص 268، وشرح حلولو ص 224.
(5) يصرح كثير من الأصوليين بأن ما يجري في العموم والخصوص من متفق عليه ومختلف فيه يجري في المطلق والمقيد، ويزيدون هذه المسألة.
انظر: الإحكام للآمدي 3/ 4، والعضد على ابن الحاجب 2/ 155، وشرح حلولو ص 224.
(6) "وتقييده" في ز.
(7) ساقط من أوش.
(8) "في إطلاق" في أ.
(4/240)

[ومتحد الحكم مختلف السبب كالعتق (1) مقيد في القتل مطلق في الظهار] (2)، ومختلف الحكم متحد (3) السبب كتقييد الوضوء بالمرافق وإِطلاق التيمم (4). والسبب واحد [و] (5) هو الحدث).
ش: ومعنى قوله في القسم الأول: (متفق الحكم والسبب): أن قوله عليه السلام: "في كل أربعين شاة شاة" مع قوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" الحكم في السائمة والمعلوفة واحد، وهو وجوب الزكاة، وكذلك سبب [وجوب] (6) الزكاة فيهما أيضًا واحد، وهو نعمة الملك، أو نفي الشح عن النفس (7) (8).
قوله: (فالأول يحمل (9) فيه المطلق على المقيد على الخلاف في دلالة المفهوم، وهو حجة عند مالك رحمه الله تعالى).
ش: يعني أن المطلق يحمل على المقيد، على القول بأن المفهوم حجة، وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وقد تقدم التنبيه على ضعف التخصيص بالمفهوم في باب العموم في قول المؤلف: (وفي المفهوم نظر
__________
(1) الأولى أن يقول: كالرقبة، لأن التقييد والإطلاق لها.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) "ومتحد" في أ.
(4) التقييد والإطلاق هنا لليدين لا للوضوء والتيمم، والمعنى واضح.
(5) ساقطة من ش.
(6) ساقط من الأصل.
(7) انظر: شرح القرافي ص 266، وشرح المسطاسي ص 20.
(8) في هامش الأصل ما يلي: انظر سبب وجوب الزكاة.
(9) "لا يحمل" في أوخ، وهو خطأ.
(4/241)

وإِن قلنا: إِنه حجة، لكونه أضعف من المنطوق) (1)، وأما إذا قلنا: إن المفهوم ليس بحجة فلا يحمل المطلق على المقيد؛ إذ لا عبرة بالمفهوم (2).
وذلك أن قوله عليه السلام: "في كل أربعين شاة شاة" يقتضي بمنطوقه (3) وجوب الزكاة في السائمة والمعلوفة، وقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" يقتضي بمفهومه نفي الزكاة عن المعلوفة (4).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 215، ومخطوط الأصل صفحة 177.
(2) يبني بعض العلماء هذه المسألة على دليل الخطاب كما فعل الباجي، ويبنيها آخرون على مسألة الزيادة على النص، هل هي نسخ أو بيان؟ وكلا الفريقين يجرون مذاهب العلماء في تلك المسائل على المطلق والمقيد هنا.
والذي عليه جماهير الأصوليين في هذه المسألة هو القول بالحمل، ولذا صرح بعض الأصوليين، كابن برهان والآمدي وأبو البركات بعدم الخلاف في هذه المسألة.
ونسب أبو الحسين القول بعدم الحمل إلى معظم المتكلمين ومعظم الحنفية، وحكاه الباجي عن جمهور المالكية.
والخلاف من الحنفية فيما لا يجوز به النسخ كالآحاد للمتواتر مشهور هنا، وجار على مذهبهم في الزيادة على النص.
انظر: المعتمد 1/ 161، واللمع ص 132، والفصول 1/ 217، والإشارة ص 159، والمستصفى 2/ 185، والوصول 1/ 286، والروضة ص 260، والعدة 2/ 628، والمحصول 1/ 3/ 215، وإحكام الآمدي 3/ 4، والعضد على ابن الحاجب 2/ 155، ونهاية السول 2/ 497، والتمهيد للإسنوي ص 419، والإبهاج 2/ 217، وجمع الجوامع 2/ 50، ومختصر ابن اللحام ص 125، والمسودة ص 146، وقواعد ابن اللحام ص 281، ومفتاح الوصول للتلمساني ص 86، والوجيز للكرماستي ص 35، وتيسير التحرير 1/ 330 - 331، والكوكب المنير 3/ 396.
(3) "منطوقه" في ز.
(4) اشتراط صفة السوم في الأنعام التي تجب فيها الزكاة هو مذهب جماهير العلماء من الشافعية والحنفية والحنابلة، إلا أن الشافعية شرطوه في جميع الحول وغيرهم شرطه لأكثر الحول. =
(4/242)

قوله: (كإِطلاق الغنم في حديث وتقييدها في حديث آخر بالسوم)،
قال (1) في الشرح: وهذا المثال عليه إشكال من جهة أن مطلقه عام، فإن (2)
قوله عليه السلام: "في كل أربعين (3) شاة شاة" عام لا مطلق، فإذا كان عامًا
كان المقيد له مخصصًا لا مقيدًا، فإن المخصص مناقض لمقتضى العام ومناف
له، وأما المقيد فليس بمناقض لمقتضى المطلق (4) بل فيه ذلك المطلق وزيادة، فإن العامل بالمقيد عامل بالمطلق، وليس كذلك العام مع الخاص، فإن العامل بالخاص غير العامل (5) بالعام، فإن معتق الرقبة المؤمنة معتق الرقبة المطلقة، ومزكي الغنم السائمة ليس بمزكي الغنم المعلوفة (6).
__________
= أما الليث ومالك وجمهور المالكية، فذهبوا إلى عدم اشتراط صفة السوم، وأوجبوا الزكاة في المعلوفة والعوامل والنواضح من الغنم والبقر والإبل.
والخلاف يرد إلى الحديثين هل يحمل مطلقهما على مقيدهما أو لا يحمل؟
وقولنا: مطلق ومقيد تجَوُّز، وإلا هما من باب تخصيص العام بمفهوم الصفة، وإثباته مذهب الجماهير.
انظر: حاشية ابن عابدين 2/ 275، وبداية المجتهد 1/ 252، والقوانين لابن جزي ص 96، والمجموع شرح المهذب 5/ 355، والشرح الكبير للرافعي 5/ 315، والمغني 2/ 576، 577، 592، والإفصاح لابن هبيرة 1/ 196، وإحكام الآمدي 2/ 328، 3/ 72، وشرح القرافي ص 215.
(1) "المؤلف" في زيادة في ز.
(2) "بأن" في ز.
(3) "أربعة" في ز.
(4) في هامش الأصل ما يلي: "انظر حقيقة القيد ليس بمناقض".
(5) "الحامل" في ز.
(6) انظر: الشرح ص 266، 267، وقد قرر الشوشاوي الإشكال بصورة أوسع مما هي عليه في الشرح وقريبة مما هي عليه في المسطاسي، وإيراد العلماء الحديثين في أمثلة تخصيص العموم بالمفهوم تؤكد هذا الإشكال.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 328، 3/ 72، وشرح القرافي ص 215، والفروق 1/ 191، والمسطاسي ص 20، وحلولو ص 224.
(4/243)

وأجاب بعضهم عن هذا الإشكال: بأن مذهب المؤلف أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فإن السوم في الغنم حال من حالاتها، فالغنم بالنسبة إلى السوم مطلقة، وكذلك بالنسبة إلى العلف، فيصير إذًا من باب المطلق والمقيد [لا من باب العام والخاص فتأمله (1).
قال بعضهم: فإذا كان المفهوم حجة عند مالك (2)، ومذهبه أيضًا حمل المطلق على المقيد] (3) (4).
فها هنا مسألتان خالف فيهما أصله ولم يعتبر فيهما المفهوم، ولا حمل فيهما المطلق على المقيد (5).
المسألة الأولى: قوله عليه السلام: "في كل أربعين شاة شاة" / 218/ مع قوله عليه السلام: "في الغنم السائمة الزكاة"؛ لأن مالكًا رضي الله عنه أوجب الزكاة في السائمة والمعلوفة، ولم يعتبر المفهوم (6) ولا حمل المطلق على المقيد (7).
أجيب عن هذا بثلاثة أوجه:
أحدهما: أن هذا من باب العموم والخصوص، فإن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه، كما تقدم في باب العموم في قوله: وذكر بعض العموم لا
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 20.
(2) انظر: إحكام الآمدي 3/ 72، وشرح القرافي ص 267، ومفتاح الوصول ص 84.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(4) انظر: الفصول للباجي 1/ 218، وشرح التنقيح للقرافي ص 267.
(5) قائل هذا القول هو المسطاسي في شرحه صفحة 21.
(6) "العموم" في الأصل.
(7) انظر: القوانين لابن جزي ص 96، وبداية المجتهد 1/ 252.
(4/244)

يخصصه، خلافًا لأبي ثور (1).
الوجه الثاني: أن المفهوم وإن كان حجة فها هنا ما يعارضه، وهو دلالة المنطوق؛ لأن [دلالة المنطوق أولى من] (2) دلالة المفهوم (3)، [لأن المفهوم مختلف فيه هل هو حجة أم لا؟] (4).
الوجه الثالث: أن المفهوم إنما يكون حجة إذا لم يخرج مخرج الغالب (5)، والمفهوم ها هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن غالب أغنام (6) الحجاز السوم دون العلف (7).
المسألة الثانية: قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (8) مع قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (9)، فإن مالكًا رضي الله عنه قال: بنفس الارتداد ينحبط العمل، ولا يتوقف على الموت
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 219، ومخطوطة الأصل صفحة 182.
وانظر: المحصول 1/ 3/ 195، وإحكام الآمدي 2/ 335، والمسطاسي ص 21.
(2) ساقط من ز.
(3) "ضعيفة" زيادة في ز.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظر: المسطاسي ص 21.
(6) "أهل" زيادة في ز.
(7) انظر: شرح القرافي ص 267، وشرح المسطاسي ص 21.
(8) سورة الزمر آية رقم 65، والآية بتمامها: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
(9) سورة البقرة آية رقم 217.
(4/245)

على الكفر (1)، بدليل قوله تعالى في آية أخرى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} (2).
وقال الشافعي: لا ينحبط عمله إلا بوفاته على الكفر حملاً للمطلق على المقيد (3).
وتظهر ثمرة الخلاف: فيمن ارتد بعد أن حج حجة الفريضة، إذا رجع إلى الإسلام هل يعيد الحج أو لا يعيده؟
قال مالك: يعيده؛ لأنه منحبط بنفس ارتداده.
وقال الشافعي: لا يعيد (4) [الحج] (5)؛ لأن حبطه متوقف على وفاته على الكفر، حملاً للمطلق على المقيد (6).
أجاب المؤلف في القواعد في الفرق الحادي والثلاثين عن مالك في هذا فقال: ليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد.
وإنما هذا (7) من باب ترتيب مشروطين على شرطين، فالمشروطان هما
__________
(1) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 148، والفروق 1/ 193، مفتاح الوصول ص 88، وشرح المسطاسي ص 21.
(2) سورة المائدة آية رقم 5، وتمامها: {وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
(3) انظر: الفروق 1/ 194، وتفسير روح المعاني 2/ 110، والأم 6/ 158، والمسطاسي ص 21.
(4) "يعيده" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 148، وتفسير روح المعاني 2/ 111.
(7) "هو" في ز.
(4/246)

الحبوط والخلود (1)، والشرطان هما: الردة والوفاة عليها.
فالأول للأول والثاني للثاني، فالحبوط للردة، والخلود للوفاة عليها (2).
قوله: (والثاني لا يحمل [فيه] (3) إِجماعًا).
ش: يعني أن القسم الذي اختلف حكمه وسببه (4)، لا يحمل (5) فيه المطلق على المقيد إجماعًا (6)، إذ لا موجب لرد أحد الدليلين إلى الآخر لاختلاف الأحكام والأسباب، فإن اعتبار العدالة في الشهادة لا يوجب اعتبار العدالة في الرقبة (7).
قوله: (إِجماعًا)، يعني إجماع الجمهور، وإلا فقد نقل المؤلف في شرح المحصول في حمل المطلق على المقيد عن التبريزي (8) ثلاثة أقوال: لأنه قال في حمل المطلق على المقيد ثلاثة أقوال؛ قولان متقابلان على الإطلاق، والقول
__________
(1) "في النار" زيادة في ز.
(2) انظر: الفروق 1/ 194، ومفتاح الوصول ص 88، وشرح المسطاسي ص 21.
(3) ساقط من أ.
(4) "سببه وحكمه" بالتقديم والتأخير في ز.
(5) "ولا يحمل" في ز.
(6) انظر كلام الأصوليين على هذا القسم في: اللمع ص 132، والوصول لابن برهان 1/ 287، والعدة 2/ 636، وروضة الناظر ص 262، والمحصول 1/ 3/ 214، وإحكام الآمدي 3/ 4، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 155، ونهاية السول 2/ 495، والإبهاج 2/ 217، وتمهيد الإسنوي ص 418، ومختصر ابن اللحام ص 125، وقواعده ص 280، وفصول الباحي 1/ 216، والإشارة له ص 158، ومفتاح الوصول ص 86، وتيسير التحرير 1/ 330، وشرح الكوكب المنير 3/ 395، وفواتح الرحموت 1/ 361.
(7) انظر المسطاسي ص 20، ولاحظ أن هذا المثال مما اتحد فيه الحكم واختلف السبب.
(8) "التبزيزي" في الأصل.
(4/247)

الثالث: إن اتحد السبب حمل عليه وإلا فلا، قال: وهذا الثالث هو الحق (1)، فهذا يقتضي عدم الإجماع الذي ذكره (2) المؤلف ها هنا (3)؛ لأنه يقتضي الخلاف في جميع الأقسام.
قوله: (والثالث لا يحمل فيه المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا و (4) الحنفية خلافًا لأكثر الشافعية؛ لأن الأصل في اختلاف الأسباب اختلاف الأحكام، فيقتضي أحدهما التقييد والآخر الإِطلاق).
ش: يعني أن القسم الذي اتحد حكمه واختلف سببه لا يحمل فيه المطلق على المقيد عند أكثر أصحاب مالك والحنفية خلافًا لأكثر الشافعية (5).
__________
(1) انظر كلام التبريزي في تنقيح المحصول 2/ 294، رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى إعداد حمزة زهير حافظ، برقم 541 - 543 رسائل.
وانظر: نفائس الأصول للقرافي لوحة 220.
مخطوط مصور فلميًا بجامعة الإمام برقم 8045 ف.
وانظر: شرح المسطاسي ص 21.
(2) "ذكر" في ز.
(3) قال الباجي في الفصول: وقد حكى القاضي أبو محمد أن مذهب مالك في هذا: حمل المطلق على المقيد، وأخذ ذلك من رواية رويت عن مالك ... إلى أن قال: وهذا الذي حكاه القاضي أبو محمد تأويل غير مسلم ... إلخ.
فما نقله الباجي هنا مؤيد لصرف كلمة الإجماع عن معناها المطلق.
انظر: الفصول 1/ 217، وانظر: شرح المسطاسي ص 21.
(4) "أكثر" زيادة في خ.
(5) هذا القسم هو مدار الخلاف الحقيقي في المطلق والمقيد؛ لأنه مع اتحاد الحكم والسبب ندر من منع الحمل، ومع اختلاف الحكم قل من قال بالحمل، والعلماء في هذا القسم على ثلاثة مذاهب:
أ - عدم حمل المطلق على المقيد وهو مذهب الحنفية، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن المالكية، وقد أومأ إليه الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، وبه أخذ بعض الشافعية. =
(4/248)

قوله: (والحنفية) أي لا يحمل المطلق على المقيد ها هنا عند (1) الحنفية، يريد: إلا فيما يجوز نسخه به، فإن تقييد المطلق زيادة، والزيادة على النص نسخ عند الحنفية، كما سيأتي بيانه في باب النسخ إن شاء الله تعالى في
__________
= ب - وجوب حمل المطلق على المقيد بمقتضى اللغة، وبه قال بعض الشافعية والمالكية، وقد أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب.
ج - يحمل المطلق على المقيد بطريق القياس عند وجود جامع، وهذا مشهور عن الشافعي وأكثر الشافعية، وجمع من المالكية والحنابلة.
وقد أخر الشوشاوي أدلة المذاهب إلى ما بعد القسم الرابع، ولو جاء بها هنا لكان أولى.
وقد اشترط القائلون بالحمل لجوازه شروطًا أوصلها بعضهم إلى سبعة وهي:
1 - أن يكون القيد من باب الصفات.
2 - ألا يكون للمطلق إلا أصل واحد.
3 - أن يكونا في باب الأوامر والإثبات.
4 - ألا يكونا في جانب الإباحة.
5 - ألا يمكن الجمع بينهما إلا بالحمل.
6 - ألا يكون القيد لأجل قدر زائد.
7 - ألا يقوم دليل يمنع التقييد.
انظر: أصول الشاسي ص 33، واللمع ص 132، والتبصرة ص 212، 216، وشرح نظم الورقات للعمريطي ص 32، 33، والمستصفى 2/ 185، وروضة الناظر ص 261، والوصول لابن برهان 1/ 286، والعدة 2/ 639، وتخريج الفروع للزنجاني ص 262، والفصول للباجي 1/ 218، والإشارة ص 158، والمحصول 1/ 3/ 218، وإحكام الآمدي 3/ 5، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 157، ونهاية السول 4/ 503، والتمهيد للإسنوي ص 420، والإبهاج 2/ 219، وجمع الجوامع 2/ 51، والمسودة ص 145، وقواعد ابن اللحام ص 283، والوجيز للكرماستي ص 35، وشرح الكوكب المنير 3/ 402، وإرشاد الفحول ص 166، وشرح المسطاسي ص 21، وشرح حلولو ص 226، وشرح القرافي ص 267.
(1) "على" في ز.
(4/249)

الفصل الرابع منه، في قوله: [الزيادة] (1) على العبادة الواحدة ليست نسخًا عند مالك رحمه الله وعند أكثر أصحابه والشافعي، خلافًا للحنفية (2) (3).
قوله: (لأن الأصل في اختلاف الأسباب اختلاف الأحكام)، هذا الدليل أعم من المدلول؛ لأنه (4) يتناول القسم الثاني (5) أيضًا.
قوله: (والرابع فيه خلاف).
ش: يعني أن القسم (6) الذي اختلف حكمه واتحد سببه فيه خلاف (7)،
__________
(1) "والزيادة" في ز.
(2) انظر قوله في صفحة 254، من مخطوطة الأصل، صفحة 541 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 317.
(3) رأي الحنفية هذا يجري على سائر أقسام المطلق، وإذا حمل المطلق على المقيد فليس لأنه مطلق ومقيد، بل لأنه نسخ، كما سبق في القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة صفحة 242 من هذا المجلد، وانظر: المسطاسي ص 21.
(4) "فإنه" في ز.
(5) "المثلى" في ز.
(6) الرابع" زيادة في.
(7) الذي يصرح به غالب الأصوليين في هذه المسألة هو عدم الحمل، وقد نسب الإسنوي وغيره للقرافي أنه نقل القول بالحمل عن أكثر الشافعية، وأما ابن السبكي في جمع الجوامع فقد ذكر فيها ثلاثة أقوال كالمسألة السابقة، ونقله العراقي عن الباجي وابن العربي. انظر كلام الأصوليين حول هذا القسم في: أصول الشاشي ص 33، والعدة 2/ 636، والمحصول 1/ 3/ 214، وإحكام الآمدي 3/ 4، والعضد على ابن الحاجب 2/ 155، ونهاية السول 2/ 495، وتمهيد الإسنوي ص 419، والإبهاج 2/ 217، وجمع الجوامع 2/ 51، وفصول الباجي 1/ 216، والإشارة ص 158، ومختصر ابن اللحام ص 125، ومفتاح الوصول ص 87، وشرح الكوكب المنير 3/ 395، وفواتح الرحموت 1/ 361، وشرح حلولو ص 227.
(4/250)

كتقييد الوضوء بالمرافق وإطلاق التيمم والسبب واحد وهو الحدث (1)، فقيل: تحمل آية التيمم المطلقة على آية الوضوء المقيدة؛ لأن الله تعالى قال في آية التيمم: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (2)، أي: من الصعيد الطيب، وقال [في] (3) آية الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (4)، فتحمل إحدى (5) الآيتين (6) على الأخرى، فيتيمم إلى المرافق كالوضوء، حملاً للمطلق على المقيد (7)، وقيل: إنما تحمل آية التيمم [على آية السرقة (8)؛ لأن القطع فيها في الكوعين فيتيمم إلى الكوعين] (9) قياسًا على القطع (10)؛ لأنه عضو (11) أطلق (12) النص فيه (13).
فالقول الأول جعل هذا من باب حمل المطلق على المقيد.
__________
(1) انظر: المسطاسي ص 20.
(2) سورة المائدة آية رقم 6.
(3) ساقط من ز.
(4) سورة المائدة آية رقم 6.
(5) "أحد" في ز.
(6) هما من آية واحدة، فتعبيره بالآيتين فيه تجوز.
(7) ولورود عدة أحاديث بهذا. انظر: سنن الدارقطني 1/ 178 - 181، والتلخيص الحبير 1/ 151.
(8) هي الآية 38 من سورة المائدة.
(9) ساقط من ز.
(10) في (ز) زيادة ما يلي: "في السرقة فيتيمم إلى الكوعين" اه.
(11) "عطف" في ز.
(12) "إطلاق" في ز.
(13) في (ز) زيادة ما يلي: "فيختص بالكوعين قياسًا على القطع في السرقة" اه.
(4/251)

و [هذا] (1) القول الثاني جعله من باب القياس (2).
وقيل: [بل] (3) يتيمم إلى الإبطين لأن اسم اليد في اللغة من الإبط إلى الأصابع؛ و [لأجل] (4) ذلك (5) لما نزلت آية التيمم فيتيمم (6) الصحابة رضي الله عنهم إلى الإبط (7) وهم [أهل] (8) اللسان والمعرفة بمعاني الخطاب (9)، قال
__________
(1) ساقط من ز.
(2) ولورود الأحاديث الصحاح بهذا. انظر: نصب الراية 1/ 154.
(3) ساقط من ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "لذلك" في ز.
(6) هكذا في الأصل وز، ولعل الصواب: تيمم.
(7) تيمم الصحابة رضي الله عنهم إلى الآباط والمناكب، ورد في حديث عمار بن ياسر في نزول آية التيمم، وقد روي بعدة ألفاظ يطول التعرض لها، فانظرها في: النسائي 1/ 167، 168، وابن ماجه رقم 565، 566، وأبي داود رقم 318، 320، والحميدي رقم 143، وأحمد 4/ 263، 320، 321. وقد حمل بعض أهل العلم حديث عمار على أنه إخبار عما فعلوه، لا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرهم؛ لأنه ثبت أنه علّم معاذًا الاقتصار على الكفين.
انظر: الترمذي 1/ 270، ونصب الراية 1/ 155، والمحلى 2/ 208.
(8) ساقط من الأصل.
(9) ففي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
قيل: الكفان فقط، وبه قال أحمد، والأوزاعي، وابن المسيب، والشعبي، والحنابلة، والظاهرية، وقيل: إلى المرفقين، وبه قال الثوري، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه.
وقيل: إلى الإبط، وقال به ابن شهاب الزهري ومحمد بن مسلمة.
انظر: المحلى 2/ 199، وسنن الترمذي 1/ 270، ومقدمات ابن رشد 1/ 40، والمدونة 1/ 46، وبداية المجتهد 1/ 68، والهداية 1/ 25، والأم 1/ 49، والمغني لابن قدامة 1/ 255، وشرح القرافي ص 267، والمسطاسي ص 22.
(4/252)

جماعة من الفقهاء: سبب الخلاف في هذه الآية المذكورة في التيمم: هل يؤخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ (1).
قال المؤلف في الشرح: وهذا (2) باطل؛ لأن اسم اليد كل لا كلي فلا يجزئ البعض عن الكل إجماعًا، فلا تجزئ ركعة واحدة عن صلاة الصبح ولا يوم واحد عن شهر رمضان إجماعًا، وإنما محل الخلاف [هو الكلي] (3) الذي له مراتب في القلة والكثرة، كالطمأنينة والتدلك والرقبة وما أشبه ذلك (4)، كما تقدم بيانه في الباب الرابع في الأوامر في قوله: فرع: اختار القاضي عبد الوهاب أن الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار على أوله، والزائد على ذلك إما مندوب أو ساقط" (5).
حجة القول بعدم حمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب شيئان.
أحدهما: / 219/ أن الأصل في اختلاف الأسباب اختلاف الأحكام كما قال المؤلف (6).
الثاني: أن الأصل عدم الحمل، وخالفناه فيما اتفق سببه وبقي ما عداه على الأصل.
__________
(1) انظر: المسطاسي ص 22.
(2) "وهو" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 267، والفروق 1/ 190.
(5) انظر: مخطوط الأصل صفحة 135، وشرح القرافي ص 159.
(6) انظر: شرح القرافي ص 266، والمستصفى 2/ 185، وروضة الناظر ص 261، والمسطاسي ص 22.
(4/253)

وإنما قلنا: الأصل عدم الحمل؛ لأن كل واحد من المطلق والمقيد [له] (1) دلالة تخصه (2)، فليس إبطال دلالة المطلق بدلالة المقيد بأولى من العكس (3).
حجة القول بالحمل، ثلاثة أوجه:
أحدها: الجمع بين الدليلين؛ لأن العامل بالمقيد عامل بالمطلق، بخلاف العكس؛ لأن المطلق في ضمن المقيد.
فإذا قال لعبده: أكرم رجلاً، ثم قال له: أكرم زيدًا، فإذا أكرم زيدًا صدق عليه أنه أكرم رجلاً (4).
الوجه الثاني: أن القرآن كله كالكلمة الواحدة، فيقدر كالمنطوق (5) به [مع المطلق] (6)، فيتعين لذلك حمل المطلق على المقيد (7).
الوجه الثالث: بالقياس على الشهادة؛ لأن الله عز وجل أطلق الشهادة
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "تخصصه" في ز.
(3) انظر: المسطاسي ص 22.
(4) انظر: شرح القرافي ص 267، والمسطاسي ص 22.
(5) "كالمطلق" في ز.
(6) ساقط من ز.
(7) انظر لهذا الدليل: اللمع ص 133، والتبصرة ص 214، والوصول 1/ 288، والمحصول 1/ 3/ 219، وإحكام الآمدي 3/ 6، والفصول للباجي 1/ 220، ونهاية السول 2/ 504، والتمهيد للإسنوي ص 421، والإبهاج 2/ 219، وشرح القرافي ص 267، والمسطاسي ص 22.
(4/254)

في قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} (1) وقيدها بقوله: (2) {مَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (3)، وفي قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (4)، فإنه حُمِلَ المطلق على المقيد ها هنا باتفاق، فينبغي (5) أن يكون كذلك في محل النزاع، طردًا للقاعدة (6).
وأجيب عن الأول وهو قولنا: المطلق في ضمن المقيد: بأنا نسلم أن المطلق في ضمن المقيد، ولكن السبب مختلف (7)، فلعل القتل لعظم مفسدته يقتضي زيادة الزاجر (8) فيغلظ عليه باشتراط الإيمان في الرقبة، ولا يشترط ذلك في الظهار لخفة مفسدته.
وقاعدة الشرع: اختلاف الأسباب لاختلاف (9) المسببات، واختلاف العقوبات لاختلاف الجنايات، واختلاف الجابرات لاختلاف المجبورات (10).
وأجيب عن الثاني: وهو قولنا: القرآن كله كالكلمة الواحدة إنما ذلك
__________
(1) سورِة البقرة آية رقم 282، وبعدها: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}.
(2) "في قوله" في ز.
(3) سورة البقرة آية رقم 282، وبعدها: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}.
(4) سورة الطلاق آية رقم 2، وبعدها: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}.
(5) "ينبغي" في ز.
(6) انظر: المحصول 1/ 3/ 219، ونهاية السول 2/ 504، وتمهيد الإسنوي ص 421، وشرح القرافي ص 267، والمسطاسي ص 22.
(7) "يختلف" في ز.
(8) "الزجر" في ز.
(9) "اختلاف" في الأصل.
(10) انظر: شرح القرافي ص 268، والمسطاسي ص 22.
(4/255)

باعتبار عدم التناقض، لا باعتبار الأحكام؛ لأنه مختلف (1) قطعًا؛ لأن بعضه أمر وبعضه نهي، وبعضه وعد وبعضه وعيد، وغير ذلك من أنواعه (2)
وأجيب عن الثالث - وهو قولنا: بالقياس على الشهادة -: أن ذلك قياس في اللغة، واللغة لا تثبت بالقياس وإنما تثبت بالنقل عن أربابها (3).
تنبيه: قولهم: يحمل المطلق على المقيد، كيف يجمع بينهما مع أن الإطلاق والتقييد ضدان، والضدان لا يجتمعان؟.
الجواب: أن كون الإطلاق والتقييد ضدين لا ينافي حمل المطلق على المقيد؛ إذ لا يلزم من التضاد بين الصفتين وقوع التضاد بين الموصوفين، فإن الجسم الواحد لا يتصف بالحركة والسكون مع أنه لا يضاد نفسه، فكذلك المطلق والمقيد (4).
قوله: (فإِن قيد بقيدين مختلفين في موضعين حمل على الأقيس (5) عند الإِمام، ويبقى على إِطلاقه (6) عند الحنفية ومتقدمي الشافعية).
ش: تكلم أولاً على ما إذا قيد المطلق بقيد واحد، وتكلم ها هنا على ما
__________
(1) "يختلف" في ز.
(2) انظر: التبصرة ص 214، والوصول 1/ 288، والمحصول 1/ 3/ 220، وإحكام الآمدي 3/ 6، والفصول 1/ 220، والإبهاج 2/ 219، وشرح القرافي ص 268، والمسطاسي ص 22.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 22.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 216.
(5) "منهما" زيادة في ش وخ.
(6) "الإطلاق" في ز.
(4/256)

إذا قيد بقيدين.
قوله: (فإِن قيد بقيدين)، احترازًا من قيد واحد، وقد تقدم (1).
قوله: (مختلفين)، احترازًا من قيدين متفقين، فإن حكمهما حكم القيد الواحد (2).
قوله: (مختلفين)، مثاله: قوله تعالى في كفارة اليمين بالله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} (3) هذا الصوم مطلق ولم (4) يقيد بتتابع ولا بتفريق، وقيد الصوم في (5) الظهار بالتتابع في قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (6)، وقيد الصوم في كفارة التمتع بالتفريق في قوله (7) تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} (8)، فقد ورد الصوم مطلقًا بين قيدين مختلفين، أي: متضادين؛ لأن أحد القيدين (9) يقتضي الجمع، والآخر يقتضي التفريق، فهل يقاس على هذا، أو يقاس على هذا، أو لا يقاس على واحد منهما بل يبقى على
__________
(1) انظر: المسطاسي ص 23.
(2) انظر: المسطاسي ص 23.
(3) سورة المائدة رقم 89، وبعدها: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}.
(4) "لم" في ز.
(5) "كفارة" زيادة في ز.
(6) سورة المجادلة آية رقم 4، وبعدها: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}، والآية في سورة النساء آية رقم 92، في كفارة القتل وبعدها: {تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
(7) "وقوله" في الأصل.
(8) سورة البقرة آية رقم 196، وما بعدها: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}.
(9) "القدين" في ز.
(4/257)

إطلاقه؟ (1).
فلقائل أن يقول: قياسه على صوم الظهار أولى بجامع (2) الكفارة.
ولقائل أن يقول: قياسه على صوم التمتع أولى بجامع (2) الجبران؛ لأن كل واحد منهما جابر؛ هذا جابر لما فات من البر، وهذا جابر لما نقص من الحج.
ولقائل أن يقول: لا يصح قياسه على واحد منهما، فلا يصح قياسه على الظهار؛ لأن الظهار معصية تناسب التغليظ بخلاف كفارة الحنث، ولا يصح قياسه على التمتع، لأن الحج من باب العبادات، وهذا من باب الكفارات (3) فلا يصح القياس مع اختلاف الأبواب (4) (5) (6).
__________
(1) انظر المسألة في: نهاية السول 2/ 506، والتمهيد للإسنوي ص 423، والإبهاج 2/ 220، وقواعد ابن اللحام ص 285، وشرح الكوكب المنير 3/ 403، وشرح القرافي ص 269، والمسطاسي ص 22، وحلولو ص 228.
(2) "يجامع" في ز.
(3) "الكفارة" في الأصل.
(4) انظر: شرح القرافي ص 269.
(5) قوله: "ولقائل أن يقول لا يصح قياسه على واحد منهما ... إلخ".
قلت: لا ريب أنه ليس في المسألة إلا مخرجان، إما التتابع وإما التفريق، وأيًا ما فعل فهو موافق، إما لصيام الظهار أو لصيام الحج، وإن قلنا: إنه بطريق غير القياس، والعلماء هنا على مذهبين:
1 - يسن التتابع مع جواز التفريق، وعلى هذا مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد.
2 - يجب التتابع، وبه قال الحنفية، وهو ظاهر مذهب الحنابلة، وهو قول النخعي والثوري وأبي ثور، ودليل هؤلاء قراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وروى مالك عن مجاهد أنها في قراءة أبي بن كعب أيضًا.
انظر: الأم 7/ 66، والهداية 2/ 74، والمغني 8/ 752، وبداية المجتهد 1/ 418، وقوانين ابن جزي ص 144، وأحكام القرآن لابن العربي 2/ 654، والمنتقى للباجي 2/ 66.
(6) في هامش الأصل ما يلي: انظر: لا يصح القياس مع اختلاف الأبواب.
(4/258)

ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب"، وفي رواية: "أولاهن بالتراب"، وفي رواية: "أخراهن بالتراب" (1).
أخذ الحنفية والشافعية برواية إحداهن دون أولهن وأخراهن، أما الحنفية فلكونهم لا يقولون بحمل المطلق على المقيد، وأما الشافعية فإنما لم يقولوا ها هنا بحمل المطلق على المقيد مع أنهم يقولون بحمل المطلق [على المقيد] (2)؛ لأن القيدين في هذا الحديث متعارضان، أعني: أولاهن وأخراهن، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، فلما [تعارضا تساقطا، فلما] (3) تساقطا رجعوا - أعني: الحنفية والشافعية - إلى التمسك بالمطلق، وهو قوله: "إحداهن"، وأما المالكية فلم يعرجوا على هذا المطلق الذي هو إحداهن ولا عرجوا على
__________
(1) روي هذا الحديث بألفاظ كثيرة جلها لم يذكر فيه التعفير.
وأما الروايات التي ذكر فيها التعفير فاختلفت في تحديد الغسلة التي يكون فيها التراب. فورد أنها الثامنة من حديث عبد الله بن المغفل، وهو في مسلم برقم 280، وفي أبي داود برقم 74، وفي النسائي 1/ 54، 177، وفي ابن ماجه برقم 365، وفي الدارمي 1/ 188، وفي مسند أحمد 4/ 86، 5/ 56، وورد أن التعفير في السابعة من حديث أبي هريرة عند أبي داود برقم 73.
وورد أنها الأولى من حديث أبي هريرة وهو عند مسلم برقم 279، وأبي داود برقم 71، والنسائي 1/ 177، وأحمد 2/ 427، 508، وورد التخيير بين الأولى والأخيرة في حديث أبي هريرة وهو عند الترمذي برقم 97.
وورد أنها إحداهن من غير تقييد بترتيب، أشار لها النسائي من حديث أبي هريرة، فانظر: سننه 1/ 177، ورواها البزار من حديث أبي هريرة، فانظر: كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي رقم الحديث 277، وانظر: التلخيص الحبير 1/ 23، 39، وإرواء الغليل 1/ 60.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من ز.
(4/259)

قيديه اللذين هما أولاهن وأخراهن (1).
قال المؤلف في القواعد: وأنا متعجب من المالكية كيف لم يعرجوا على الروايات (2) الثلاث مع ورود ذلك في الأحاديث الصحاح (3)، قاله في الفرق الحادي والثلاثين بين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلي وبين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلية (4).
قوله: (حمل على الأقيس عند الإِمام) (5)، ويبقى على إطلاقه عند (6) الحنفية ومتقدمي الشافعية (7).
__________
(1) مذهب الحنفية في هذه المسألة عدم تحديد الغسلات بعدد، بل يغسل حتى تذهب النجاسة، واستدلوا بروايات أخر للحديث، ذكر في بعضها الغسل ثلاثًا وفي بعضها خمسًا.
أما الشافعية والحنابلة فقالوا: يغسل سبعًا إحداهن بالتراب كما ذكر الشوشاوي وذلك لتعارض الروايات، والمالكية قالوا هنا: يندب الغسل ولا يجب؛ لأنهم يقولون بطهارة الكلب، وإذا غسل فقولهم في غسلة التراب مثل الشافعية والحنابلة لتعارض الروايات.
انظر: المذاهب في: الأم 1/ 6، والهداية 1/ 23، وبدائع الصنائع 1/ 64، 87، والشرح الصغير للدردير 1/ 67، 134، وبداية المجتهد 1/ 28، والمغني 1/ 52، وشرح القرافي ص 269.
(2) "الرواية" في الأصل.
(3) قلت: بل قد عرجوا ولكن من باب الندب كما ذكر ذلك الدردير في الشرح الصغير.
انظر: الشرح الصغير 1/ 134.
(4) انظر: الفروق 1/ 193، وانظر: التلخيص الحبير 1/ 24.
(5) انظر: المحصول 1/ 3/ 223.
(6) "على" في الأصل.
(7) انظر: اللمع ص 132، والعدة 2/ 637، والمحصول 1/ 3/ 223، والمسودة ص 145، ونهاية السول 2/ 507، وتمهيد الإسنوي ص 423، والإبهاج 2/ 220، وجمع الجوامع 2/ 52، وقواعد ابن اللحام ص 280، 284، وشرح الكوكب المنير 3/ 406.
(4/260)

قال المؤلف في شرحه: ما أظن بين الفريقين خلافًا؛ لأن القياس إذا وجد قال به الحنفية والشافعية وغيرهم، فيحمل قولهم: / 220/ يبقى على إطلاقه على ما إذا لم يوجد قياس، أو استوى (1) القياسان (2).
...
__________
(1) "واستوى" في الأصل.
(2) انظر: الشرح ص 269، والمسطاسي ص 23، وحلولو ص 228.
(4/261)

الباب الحادي عشر
في دليل الخطاب
(4/263)

الباب الحادي عشر في دليل الخطاب (1) (2) (3) (4)
(5) وهو مفهوم المخالفة، وقد تقدمت حقيقته وأنواعه العشرة.
__________
(1) بدأت نسخة (ز) بسرد المتن.
(2) جاء في أعلى صفحة (221) من الأصل الموجود بها الباب ما يلي: ونظم ناسخه أنواع مفهوم المخالفة، فقال:
في الشرط والحصر مع الزمان ... فهم مخالفة والمكان
وغاية وعدد والعلة ... واللقب واستثناء هذا والصفة
(3) انظر مسائل دليل الخطاب في:
البرهان: الفقرات 353 - 385، المنخول ص 208، الوصول لابن برهان 1/ 335، العدة 2/ 448، اللمع ص 135، التبصرة ص 218، المستصفى 2/ 191، الإحكام لابن حزم 2/ 887، روضة الناظر ص 264، والمعتمد 1/ 153، التوضيح لصدر الشريعة 1/ 272، تيسير التحرير 1/ 98، مفتاح الوصول للتلمساني ص 91، والإحكام للآمدي 3/ 69، والمحصول 1/ 2/ 205، والمسودة ص 257، والإبهاج 1/ 373، وإرشاد الفحول ص 181، والعضد على ابن الحاجب 2/ 181، ونهاية السول 2/ 209، والتمهيد للإسنوي ص 261، وجمع الجوامع 1/ 254، ومختصر ابن اللحام ص 134، والقواعد لابن اللحام ص 287، ومقدمة ابن القصار ص 92، والإشارة للباجي ص 175، وإحكام الفصول للباجي 2/ 585، وشرح الكوكب المنير 3/ 489، وشرح المسطاسي ص 23، وشرح القرافي ص 270، وشرح حلولو ص 228.
(4) قال المسطاسي في شرحه: هذا الباب مناسب للباب الذي قبله؛ لأن اللفظ إما أن يدل بمنطوقه أو بمفهومه، والأول نص أو ظاهر، فالظاهر هو العام الذي ينقسم إلى استغراقي يعرض له التخصيص، وبدلي يعرض له التقييد، فلما تكلم المؤلف عن هذا تكلم الآن عن المفهوم المخالف وهو دليل الخطاب. اه. بتصرف.
انظر: شرح المسطاسي ص 23.
(5) "قال": زيادة في ز.
(4/265)

ش: يعني أن حقيقة مفهوم المخالفة تقدمت في الباب الأول في الفصل التاسع منه في قوله: "وهو إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه" (1) (2)، وتقدمت أنواعه أيضًا [كذلك] (3) هنالك في قوله: "وهو عشرة أنواع" (4)، ولم يذكر في هذا الباب من أنواعه إلا ثلاثة أنواع وهي: مفهوم الشرط، ومفهوم الصفة، ومفهوم الحصر.
قوله: (وهو حجة عند مالك وجماعة من أصحابه وأصحاب الشافعي) (5).
__________
(1) انظر: الباب الأول الفصل التاسع منه في لحن الخطاب ودليله وتنبيهه واقتضائه ومفهومه، قوله: وهو إثبات .. إلخ صفحة 57 من المخطوطة الأصل.
(2) انظر تعريف مفهوم المخالفة أو دليل الخطاب في:
الحدود للباجي ص 50، والفصول للباجي ص 1/ 11، العدة لأبي يعلى 1/ 154، والإحكام للآمدي 3/ 69، والتوضيح لصدر الشريعة 1/ 272، وشرح المسطاسي ص 23.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: مخطوط الأصل صفحة 57 وما بعدها.
وانظر: شرح المسطاسي ص 24.
(5) انظر: اللمع ص 135، والمستصفى 2/ 191، وروضة الناظر ص 264، ومفتاح الوصول للتلمساني ص 91، وإحكام الفصول 2/ 586، وانظر: المسطاسي ص 24، وقد حكاه عن الظاهرية، وهو خلاف ما في الإحكام لابن حزم 2/ 887.
قال حلولو في شرحه على التنقيح: في المفهوم مذاهب هي:
1 - أنه حجة بجميع أنواعه، وبه قال الدقاق والصيرفي وابن خويز منداد وبعض الحنابلة ونسبه بعضهم لمالك.
2 - أنه حجة بجميع أنواعه خلا اللقب، وهو المذهب المشهور وعليه الجمهور.
3 - أنه ليس بحجة مطلقًا، وقال به الحنفية وبعض الأصوليين.
4 - أنه حجة في الأمر دون الخبر.
5 - أنه حجة في كلام الشارع دون كلام الناس، وبه قال تقي الدين السبكي. =
(4/266)

ش: قال القاضي عبد الوهاب في الملخص (1): ومن الدليل على قول مالك بدليل الخطاب، احتجاجه (2) على [منع] (3) ذبح الضحايا والهدايا ليلاً بقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} (4) (5)، وقوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} (6)، والمراد بذلك (7) أبناؤكم بالنسب والرضاع (8) احترازًا من أبنائكم بالتبني.
قال ابن العربي في أحكامه في هذه الآية: الأبناء ثلاثة: ابن بالنسب، و [ابن] (9) بالرضاع، وابن بالتبني، فحليلة الابن بالنسب أو بالرضاع هي المحرمة (10) وأما حليلة الابن بالتبني فهي حلال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج حليلة
__________
= 6 - أنه حجة في المناسب من الصفات، أما غير المناسب فليس بحجة فيه، قال هذا إمام الحرمين. قلت: والصفة عند إمام الحرمين قد يسمي بها سائر أنواع المفهوم.
7 - أن مفهوم العدد ليس بحجة بخلاف غيره.
وذكر مذاهب أخرى تتفرع من هذه الأقوال.
انظر: شرح حلولو على التنقيح ص 228، 229، وانظر: البرهان فقرة 359.
(1) كتاب في أصول الفقه للقاضي عبد الوهاب لا أعلم عن وجوده شيئًا.
ذكر ابن خير في فهرسته أنه رواه بسنده إلى مؤلفه.
انظر فهرست ما رواه عن شيوخه لابن خير الإشبيلي ص 256.
(2) "احتاجه" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) سورة الحج آية رقم 28، وبعدها: {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}.
(5) انظر: المدونة 1/ 358.
(6) سورة النساء آية رقم 23.
(7) "به" في ز.
(8) "أو بالرضاع" في ز.
(9) ساقط من ز.
(10) "الحرمة" في الأصل.
(4/267)

زيد بن حارثة (1) (2) مع [أن] (3) النبي عليه السلام تبناه؛ لأنه يقال له: زيد ابن محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} (4) (5) (6).
قوله: (وخالف في مفهوم الشرط القاضي أبو بكر منا وأكثر المعتزلة).
ش: اعلم أن القائلين بمفهوم الصفة قالوا بمفهوم الشرط بأولى (7) وأحرى، والقائلون بأن مفهوم الصفة ليس بحجة اختلفوا في الشرط، فمنهم من طرد أصله في المنع، وهو القاضي أبو بكر منا وأكثر المعتزلة (8) وهو
__________
(1) حليلة زيد بن حارثة هي زينب بنت جحش، بنت عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وزيد هو ابن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى الكلبي، مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سبي في الجاهلية وبيع في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة. ثم وهبته خديجة لرسول الله، تبناه النبي عليه الصلاة والسلام، حينما جاء أبوه لفدائه، فاختار البقاء عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
زوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - من زينب، فلما طلقها تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر الله، وهذا وجه الاستشهاد بهذه القصة.
انظر: الإصابة 1/ 563، والاستيعاب 1/ 544.
(2) قصة زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بزينب أخرجها مسلم عن أنس برقم / 1428، والنسائي 6/ 79، وانظر: جامع الأصول الحديث رقم / 8948.
(3) ساقط من الأصل.
(4) سورة الأحزاب آية رقم 5.
(5) روى هذا عن ابن عمر رضي الله عنه، البخاري برقم/ 4782، ومسلم برقم 2425، والترمذي برقم 3814، وانظر: الدر المنثور للسيوطي ص 5/ 181.
(6) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 379.
(7) "فأولى" في ز.
(8) من المعتزلة الذين منعوه في الشرط: القاضي عبد الجبار، وأبو عبد الله المعتزلي، واختار هذا الرأي الآمدي في الإحكام.
انظر: المعتمد 1/ 153، والإحكام للآمدي 3/ 88، والمحصول 1/ 2/ 205، والمسودة/ 357، وإحكام الفصول للباجي 2/ 595.
(4/268)

اختيار الباجي (1)، ومنهم من خالف أصله وقال بأنه حجة في الشرط، وهو مذهب أكثر العراقيين (2)، وابن شريح (3) من الشافعية (4).
حجة القول بأن مفهوم الشرط حجة: أن الشرط بمنزلة العلة، [فإن العلة] (5) يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم (6).
وأجيب: بأن العلة لا يلزم من انتفائها انتفاء المعلول، لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضًا (7).
حجة القول بأن مفهوم الشرط ليس بحجة: قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} (8)؛ لأنه يقتضي بمفهوم الشرط أنهن إن
__________
(1) انظر: إحكام الفصول للباجي 2/ 595.
(2) إن أراد بهم الحنفية فواضح؛ إذ يسمون أهل الرأي وأهل العراق والعراقيين ونحو ذلك، وإن أراد بهم العراقيين من المالكية، فالمراد بهم القاضي إسماعيل وابن القصار وعبد الوهاب وأبو الفرج والأبهري ونظراؤهم.
(3) هكذا - بالشين المعجمة والحاء المهملة - ورد في النسختين، وفي شرح المسطاسي والذي عليه سائر الأصوليين نسبة هذا الرأي إلى ابن سريج بمهملة وجيم، وهو الذي في شرح القرافي، إلا أن الغزالي نسبه في المستصفى لابن شريح، ولعلها تصحفت عند الطبع.
وابن سريج، هو فقيه العراقيين، وإمام الشافعية في وقته، أبو العباس: أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، تقدمت ترجمته.
(4) انظر: اللمع ص 138، والإحكام للآمدي 3/ 88، والإبهاج 1/ 373، وإحكام الفصول للباجي 2/ 595، وإرشاد الفحول ص 181، وشرح المسطاسي ص 24.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 24.
(7) انظر: الجواب في المسطاسي ص 24، وقد ذكر جوابًا بعدم التسليم بتنزيل الشرط منزلة العلة.
(8) سورة النور آية رقم 33.
(4/269)

لم يردن التحصن فيجوز إكراههن على الزنا، وذلك خلاف الإجماع؛ لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا مطلقًا، سواء أردن التحصن، أو لم يردن التحصن (1).
وأجيب: بأن المفهوم [ها] (2) هنا لا يعتبر؛ لأنه خرج مخرج الغالب؛ لأن الإكراه على الزنا إنما يكون عند إرادة التحصن (3)، والمفهوم إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة كما سيأتي بعد هذا في الفرعين المذكورين بعد هذا.
قوله: (وليس معنى ذلك أن المشروط لا يجب انتفاؤه عند انتفاء شرطه فإِنه متفق عليه، بل معناه: أن هذا الانتفاء ليس مدلولاً للفظ).
ش: أراد المؤلف أن يبين بهذا (4) الكلام محل الخلاف في مفهوم الشرط، وبيان ذلك: أن قولك مثلاً في الشرط: أنت (5) طالق إن دخلت الدار، فهذا الشرط فيه أربعة أمور: أحدها: ارتباط الطلاق بالدخول، وثانيها: ارتباط عدم الطلاق بعدم (6) الدخول، وثالثها: دلالة لفظ التعليق على ارتباط الطلاق بالدخول (7)، ورابعها: دلالة [لفظ] (8) التعليق على ارتباط
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 155، وشرح العضد 2/ 181.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: المعتمد 1/ 155، وشرح العضد 2/ 181.
(4) "بهذه" في ز.
(5) "وأنت" في ز.
(6) "وبعدم" في ز.
(7) "وبالدخول" في ز.
(8) ساقط من الأصل.
(4/270)

عدم الطلاق بعدم الدخول، فهذه (1) أربعة أقسام. أما الأقسام الثلاثة الأولى (2) فلا خلاف فيها، وإنما الخلاف في القسم الرابع منها، وهو دلالة لفظ التعليق على ارتباط عدم الطلاق بعدم (3) الدخول؛ وذلك أن الجميع متفقون على أن المرأة إن لم تدخل الدار لا تطلق، وإنما اختلفوا من أين استفيد عدم الطلاق إذا لم تدخل الدار، هل هو مستفاد من استصحاب العصمة السابقة لا من اللفظ؟ وهو مذهب القاضي أبي (4) بكر وأكثر المعتزلة كما قال المؤلف، أو [هو] (5) مستفاد من دلالة لفظ التعليق مع ذلك الاستصحاب؟
فيحصل (6) بما ذكرنا أن الخلاف لفظي؛ لأنهم اتفقوا على أنها لا تطلق (7) إذا لم تدخل الدار، وإنما اختلفوا لماذا لم تطلق؟، فالقاضي أبو بكر يقول: إنما لم تطلق لشيء واحد، وهو استصحاب العصمة خاصة، ولا تأثير للفظ الشرط في ذلك، وغيره يقول: إنما لم تطلق لشيئين، وهما: الاستصحاب، واللفظ (8).
قوله: (ليس مدلولاً للفظ)، هو قول القاضي ومن تابعه، فلا يكون
__________
(1) "وهذه" في ز.
(2) "الأول" في ز.
(3) "وبعدم" في ز.
(4) "أبو" في الأصل.
(5) ساقط من ز.
(6) "فتحصل" في الأصل.
(7) "للتصلق" في ز.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 24؛ حيث قرر محل الخلاف في الشرط بقريب مما هنا.
وانظره أيضًا في شرح القرافي ص 270.
(4/271)

مفهوم الشرط حجة على هذا، وغير القاضي يقول: هو حجة، أي: هو مدلول اللفظ مع الاستصحاب، فالنزاع إذًا إنما هو في مستند (1) انتفاء المشروط [عند انتفاء شرطه] (2)، هل مستند (3) هذا الانتفاء هو الاستصحاب خاصة؟ قاله القاضي، أو مستنده (4) لفظ الشرط [مع] (5) الاستصحاب، فيكون حجة [على هذا] (6)؟.
قوله: (وخالف في مفهوم الصفة أبو حنيفة وابن شريح (7) والقاضي وإِمام الحرمين وجمهور المعتزلة (8)، ووافقنا الشافعي [والأشعري] (9) (10)).
ش: حجة القول بأن مفهوم الصفة حجة شيئان:
__________
(1) "مسند" في ز.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "مسند" في ز.
(4) "مسنده" في ز.
(5) ساقط من الأصل.
(6) ساقط من ز.
(7) سبق التنبيه إلى أنه ابن سريج بمهملة وجيم لا ابن شريح بشين معجمة وحاء مهملة، وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج الشافعي.
(8) انظر: التبصرة ص 218، والمعتمد 1/ 162، واللمع ص 136، والروضة ص 264، والمستصفى 2/ 192، والمحصول 1/ 2/ 229، وإحكام الفصول 2/ 586، والوصول لابن برهان 1/ 342.
(9) ساقط من ز.
(10) وبه قال مالك وأحمد وجماعة من أهل العربية.
انظر: المعتمد 1/ 161، والتبصرة ص 218، والمستصفى 2/ 191، والإبهاج 1/ 371، والتوضيح لصدر الشريعة 1/ 274، والإحكام للآمدي 3/ 72، والمحصول 1/ 2/ 230، وإحكام الفصول للباجي 2/ 286.
(4/272)

أحدهما: ما (1) قال المؤلف بعد هذا، وهو قوله: "لنا أن التخصيص لو لم يقتض سلب الحكم عن المسكوت عنه للزم الترجيح من غير مرجح، وهو محال" (2).
الثاني: أن الصفة تشعر بالعلة، [والعلة] (3) يلزم من عدمها عدم المعلول (4).
أجيب (5) عن هذا الدليل/ 221/ الثاني: أنه (6) لا يلزم من انتفاء العلة انتفاء المعلول، لأن العلل الشرعية يخلف (7) بعضها بعضًا (8).
وأجيب عن الدليل الأول - وهو أن تخصيص إحدى (9) الصورتين بالذكر يقتضي سلب الحكم عن المسكوت عنها -: بأن (10) السكوت لا يلزم منه سلب الحكم عن الصورة المسكوت عنها؛ لأن السكوت قد يكون لأمور
__________
(1) "من" في ز.
(2) انظر: المستصفى 1/ 200، والمحصول 1/ 2/ 242، والتوضيح 1/ 275، وشرح المسطاسي ص 25.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: المستصفى 2/ 202، والمحصول 1/ 2/ 243، والتوضيح 1/ 275، والإحكام للآمدي 3/ 80، والإبهاج 1/ 375، ونهاية السول 2/ 214، وشرح المسطاسي ص 25.
(5) "وأجيب" في ز.
(6) "بأنه" في ز.
(7) "يخالف" في ز.
(8) أي: إن الأحكام المتساوية قد تعلل بعلل مختلفة.
انظر: المحصول 1/ 2/ 245، وشرح المسطاسي ص 25.
(9) "أحد" في ز.
(10) "فإن" في ز.
(4/273)

أخرى (1) (2).
أحدها (3): [أن] (4) بيان الصورة الأخرى قد تقدم قبل ذلك (5).
وثانيها: أن صاحب الصورة المذكورة هو الحاضر (6) الآن (7).
وثالثها: أن يكون الشارع إنما سكت عن الصورة الأخرى ليفوز المجتهد بثواب الاجتهاد في التسوية بين الصورتين بالقياس (8)، كما نص عليه السلام على الأشياء الستة (9) مع أن حكم غيرها من الربويات مثلها، غير أنها فوضت لاجتهاد المجتهدين (10).
__________
(1) "أخر" في ز.
(2) انظر: المحصول 1/ 2/ 244، والمعتمد 1/ 163، وروضة الناظر ص 265، والوصول لابن برهان 1/ 340، وشرح المسطاسي ص 25.
(3) "إحداها" في الأصل.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 25، وشرح القرافي ص 271.
(6) "الحاص" في ز.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 25، وشرح القرافي ص 271.
(8) انظر: المعتمد 1/ 163، والروضة ص 265، وشرح المسطاسي ص 25، وشرح القرافي ص 271.
(9) الأشياء الستة هي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، ورد النهي عن بيعها بمثلها إلا مثلاً بمثل يدًا بيد، وقد جمعها حديث رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، فانظر رقم 1584 من صحيح مسلم، وحديث آخر رواه مسلم أيضًا عن عبادة بن الصامت، فانظر صحيح مسلم الحديث رقم 1587، والترمذي رقم 1240.
وانظرها مفرقة في أحاديث عدة في البخاري من رقم 2170 - إلى 2182، وفي مسلم من رقم 1584 إلى 1596.
(10) قاس المجتهدون غير الستة عليها، واختلفوا فيما يقاس وما لا يقاس تبعًا للاختلاف في علة هذه الأشياء الستة، فقيل: العلة الوزن في الذهب والفضة، والكيل في =
(4/274)

ورابعها: أن يكون إنما سكت عن الصورة الأخرى لينص عليها نصًا خاصًا بها، ليكون ذلك أبعد لها عن (1) [احتمال] (2) التخصيص (3).
وخامسها: أن يكون مقصود الشارع تكثير الألفاظ ليكثر ثواب القارئ والحافظ والضابط لها (4).
وبالجملة فالمرجحات كثيرة، فلا يتعين سلب الحكم عن المسكوت عنه، ولا يلزم ترجيح من غير مرجح.
واختلف في مفهوم الغاية، قال القاضي: هو حجة (5)، وقال الباجي: ليس بحجة (6) (7).
__________
= الباقي، وقيل: الثمنية في الذهب والفضة، والطعم في الأربعة الباقية، وقيل: الادخار، وقيل غير ذلك.
انظر: المغني لابن قدامة 4/ 5، وبداية المجتهد 2/ 130.
(1) "من" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: المعتمد 1/ 154، وروضة الناظر ص 265، وشرح المسطاسي ص 25، وشرح القرافي ص 271.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 25، وشرح القرافي ص 271.
(5) جل من قال بمفهوم الصفة أو بمفهوم الشرط قال بمفهوم الغاية، وقال به قوم خالفوا فيهما؛ كعبد الجبار المعتزلي وجمع.
انظر: المعتمد 1/ 157، واللمع ص 139، وإحكام الآمدي 3/ 92، وإرشاد الفحول ص 182، وإحكام الفصول للباجي 2/ 597، وشرح المسطاسي ص 26.
(6) انظر: إحكام الفصول للباجي 2/ 597، وشرح المسطاسي ص 26.
(7) اختار هذا الآمدي، وقال به بعض الحنفية وجماعة، وتردد إمام الحرمين، انظر: الإحكام للآمدي 3/ 92، وإرشاد الفحول ص 182، وشرح المسطاسي ص 26.
(4/275)

حجة القول بأنه حجة: قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} (1) إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (2)، فإنهم إذا أعطوا الجزية وجب الكف عن قتالهم (3).
حجة القول بأنه (4) ليس بحجة: قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (5)، فإنه لا يحل ماله بعد بلوغه، كما لا يحل قبل بلوغه (6).
قوله: (وحكى الإِمام أن مفهوم اللقب لم يقل به إِلا الدقاق).
ش: قال المؤلف (7) فيما تقدم، في الفصل التاسع من الباب الأول: "مفهوم اللقب هو تعليق الحكم على مجرد أسماء الذوات (8) " (9).
قال المؤلف في الشرح: قال التبريزي: اللقب هو العلم ويلحق به
__________
(1) سورة التوبة آية رقم 29.
(2) سورة التوبة آية رقم 29.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 26.
(4) "بأن" في ز.
(5) سورة الأنعام آية رقم 152، وبعدها: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} وسورة الإسراء آية رقم 34، وبعدها: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 26.
(7) جاء في نسخة الأصل زيادة: "في الشرح". ولا مجال لها هنا؛ لأن النقل من المتن.
(8) "الروات" في ز.
(9) انظر مخطوط الأصل صفحة 59، وشرح القرافي ص 53.
(4/276)

أسماء الأجناس (1)، فجعل الأعلام أصلاً وألحق بها أسماء الأجناس، وغيره أطلق في الجميع (2).
مثال الأعلام: زيد وعمرو (3) وبكر.
ومثال أسماء الأجناس: الإبل والبقر والغنم.
مثاله في الأعلام، قولك: زيد قائم، مفهومه أن غير زيد لم يقم.
ومثاله في أسماء الأجناس: في الغنم الزكاة، مفهومه لا زكاة في الإبل والبقر، وقوله عليه السلام: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر (4) والملح بالملح ربًا إلا هاء وهاء" [مفهومه: ألا ربا في غير هذه الأجناس] (5).
قوله: (لم يقل به إِلا الدقاق)، أي: لم يقل بكون مفهوم اللقب حجة إلا أبو بكر الدقاق من الشافعية (6).
__________
(1) لم أجد العبارة بنصها عند التبريزي ويوجد ما يقرب من معناها، فانظر تنقيح المحصول 1/ 157.
وانظر: شرح القرافي ص 271، وشرح المسطاسي ص 26.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 95، والتوضيح لصدر الشريعة 1/ 273، والإبهاج 1/ 370.
(3) "عمر" في ز.
(4) بالمثلثة في الكلمتين، ولم أجدها فيما طالعته من روايات الحديث، وورد في حديث ابن عمر في المزابنة عند البخاري: "ولا تبيعوا الثمر بالتمر"، بالمثلثة في الأولى.
انظره في: البخاري برقم 2171، 2183، 2185، 2186.
(5) ساقط من الأصل.
(6) انظر: التبصرة ص 222، والإحكام للآمدي 3/ 95، والإبهاج 1/ 369، ومفتاح الوصول للتلمساني ص 97، وشرح العضد 2/ 182، والتمهيد للإسنوي ص 261، وشرح المسطاسي ص 26، وشرح القرافي ص 271.
(4/277)

قال سيف الدين الآمدي: وكذلك الحنابلة قالوا به أيضًا (1).
حجة الجمهور: عدم الإشعار (2) بالعلة لجموده، بخلاف غيره من سائر المفهومات، فإنها كلها تشعر بالعلة (3).
وحجة أخرى (4): أن مفهوم اللقب لو كان دليلاً للزم منه تكفير من قال: زيد موجود، وكذلك من قال: محمد رسول الله، وذلك إذا قلنا: مفهوم اللقب حجة، فإن مفهوم قولك: زيد موجود، أن غيره غير موجود (5)، فيقتضي أن الله تعالى غير موجود، وهو كفر؛ لأنه خرق الإجماع.
وكذلك إذا قال القائل: محمد رسول الله، يقتضي أن غيره من (6) الأنبياء كعيسى وموسى ليس رسول (7) الله، وهو أيضًا كفر؛ لأنه خرق
__________
(1) هو المشهور من مذهب الحنابلة، وحملت عليه روايات وردت عن أحمد رحمه الله. ونسب إلى مالك رحمه الله القول به، ويروى عن أبي بكر الصيرفي من الشافعية، وابن خويز منداد من المالكية، وصحح القول به ابن فورك واختار أبو البركات الأخذ به إذا كان بعد سابقة ما يقتضي التعميم، وأخذ به قوم في أسماء الأجناس كالغنم، دون أسماء الأشخاص كزيد.
انظر: العدة لأبي يعلى 2/ 453، 455، والوصول لابن برهان 1/ 341، والإحكام للآمدي 3/ 95، وإحكام الفصول للباجي 2/ 585، والإبهاج 1/ 370، وجمع الجوامع 1/ 254، ومفتاح الوصول ص 97، وشرح العضد 2/ 182، وتمهيد الإسنوي 261، ومختصر ابن اللحام ص 134، والمسودة ص 352.
(2) "الأشعلى" في ز.
(3) انظر: المعتمد 1/ 160، وشرح المسطاسي ص 26، وشرح القرافي ص 271.
(4) "أيضًا" زيادة في ز.
(5) في ز: "أن غير زيد لم يوجد".
(6) "سائر" زيادة في ز.
(7) "برسول" في ز.
(4/278)

الإجماع (1).
حجة أبي بكر الدقاق: أن التخصيص بالذكر لا بد له من فائدة، ولا فائدة إلا نفي الحكم عن غير المذكور (2).
وأجيب عن هذا: بأن الفائدة قد تكون في الإخبار عن المذكور دون غيره، فلذلك خص بالذكر (3).
قالوا: ولأجل ضعف القول بمفهوم اللقب، ضعف الاستدلال على سقوط الوضوء عن المرأة بمس فرجها، بمفهوم قوله عليه السلام: "من مس ذكره فليتوضأ"؛ لأن الذكر اسم جنس (4)، وكذلك ضعف الاستدلال على (5) منع التيمم بالحجر بمفهوم (6) قوله عليه السلام: "جعلت (7) لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (8)؛ لأن التراب اسم جنس (9).
__________
(1) انظر: روضة الناظر ص 265، والتوضيح 1/ 273، والإحكام للآمدي 3/ 95، وشرح العضد 2/ 182.
(2) انظر: المعتمد 1/ 160، والوصول لابن برهان 1/ 339، وشرح المسطاسي ص 26.
(3) انظر: المعتمد 1/ 160، واللمع ص 141، والوصول لابن برهان 1/ 340.
(4) هذه رواية عند المالكية والحنابلة، أما الشافعية فيوجبون الوضوء على من مس فرجًا من ذكر أو أنثى أو صبي قبلاً كان أو دبرًا، أما الحنفية فلا يعدون مس الذكر ناقضًا أصلاً، انظر: المدونة 1/ 8، الأم 1/ 19، الوسيط للغزالي 1/ 412، الكافي لابن عبد البر 1/ 149، حاشية ابن عابدين 1/ 147، المغني لابن قدامة 1/ 182، والإنصاف 1/ 209 - 210.
(5) "عن" في ز.
(6) "مفهوم" في ز.
(7) "خلقت" في ز. ولم أرها فيما طالعت من روايات الحديث.
(8) "وترابًا طهورًا" في ز.
(9) القول بجواز التيمم بالحجر ونحوه هو قول المالكية والحنفية خلا أبا يوسف، أما =
(4/279)

قوله: (لنا أن التخصيص لو لم يقتض سلب الحكم عن المسكوت عنه للزم الترجيح (1) من غير مرجح، وهو محال) (2).
[ش: هذا الدليل يعم سائر أنواع مفهوم المخالفة، وبيانه بالمثال: أن تخصيص السائمة بالحكم في قوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" لو لم يقتض نفي الزكاة عن المعلوفة، لاستوت السائمة والمعلوفة في الحكم، ولزم من تخصيص السائمة بالذكر دون المعلوفة ترجيح من غير مرجح، أي: من غير فائدة] (3).
واعترض هذا الدليل بأنه يقتضي أن يكون مفهوم اللقب حجة؛ لأنه يصدق فيه هذا الدليل (4).
أجيب عن هذا: بأن الكلام إنما هو في الشيء الذي لو أسقط من الكلام لم يختل الكلام، فإن قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" لو أسقطت (5) السائمة لم يختل الكلام، فتقول: في الغنم الزكاة، وأما مفهوم اللقب كقولك: زيد قائم، فإنه لو أسقط زيد لاختل الكلام، ولم يبق فيه ما يقتضي المفهوم (6).
__________
= الشافعية والحنابلة فيقيدون المتيمم به بكونه ترابًا.
انظر: الوسيط 1/ 443، وبداية المجتهد 1/ 71، والمغني 1/ 247، والمبسوط 1/ 108.
(1) "ترجيحه" في ز.
(2) انظر: المستصفى 1/ 202، والمحصول 1/ 2/ 242، والإبهاج 1/ 375، والعضد 2/ 176، وشرح القرافي ص 271.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(4) انظر: المحصول 1/ 2/ 245، وشرح العضد 2/ 176، والابهاج 1/ 375.
(5) "أسقط" في ز.
(6) انظر: الإبهاج 1/ 375، وشرح العضد 2/ 176.
(4/280)

قوله: (فرعان: الأول: (1) المفهوم متى خرج مخرج الغالب فليس بحجة إِجماعًا، نحو قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} (2) ولذلك يرد على الشافعية في قوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" فإِنه (3) خرج مخرج الغالب، فإِن غالب أغنام (4) الحجاز وغيرها السوم).
ش: قوله: (فرعان)، أي: ها هنا فرعان زائدان على ما ذكر الإمام في المحصول/ 222/ ومعنى قوله: المفهوم إذا خرج مخرج الغالب، [يعني:] (5) أن القيد الدال على المفهوم إذا غلب على الحقيقة في العادة، فإذا قيدت به تلك الحقيقة، فلا يستدل بذلك على نفي الحكم عن المسكوت عنه (6).
قال [المؤلف] (7) في الشرح: وإنما (8) لا تكون الصفة الغالبة على الحقيقة حجة ودليلاً على نفي الحكم عن المسكوت عنه؛ لأن الصفة الغالبة على الحقيقة هي أبدًا لازمة للحقيقة بسبب الغلبة، فإذا استحضر (9) المتكلم تلك الحقيقة ليحكم عليها حضرت معها (10) تلك الصفة، فينطق بها لحضورها
__________
(1) "أن" زيادة في أوش وخ.
(2) سورة الإسراء، آية رقم 31، وبعدها: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}.
(3) "أنه" في ش وأ وخ.
(4) "أنعام" في ش.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 100، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 246، ومختصر ابن الحاجب 2/ 173، وشرح الكوكب المنير 3/ 490.
(7) ساقط من ز.
(8) "إنما" في ز.
(9) "استخص" في ز.
(10) "معه" في ز.
(4/281)

مع الحقيقة [في الذهن] (1) لا ليفيد بها انتفاء الحكم عن المسكوت عنه.
أما إذا لم تكن الصفة غالبة على الحقيقة فلا تكون لازمة لها في الذهن، فإذا نطق بها المتكلم علمنا أنه إنما استحضرها ليؤيد بها انتفاء الحكم عن المسكوت عنه؛ فلأجل ذلك كانت الصفة غير الغالبة دالة على نفي الحكم عن المسكوت عنه، وكانت الصفة الغالبة غير دالة على نفي الحكم عن المسكوت عنه (2).
وقال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام: لو كان بالعكس لكان أصوب، وذلك أن غير الغالبة إذا كانت [تدل] (3) على نفي الحكم عن المسكوت عنه، فأولى وأحرى في الغالبة، فإن الغالبة لا تحتاج [إلى] (4) النطق (5) بها للزومها، فإذا نطق بها المتكلم علمنا أنه إنما قصد بها انتفاء الحكم عن المسكوت عنه (6).
[وأما غير الغالبة إذا ذكرها، فيحتمل أن يكون إذا ذكرها أن يريد بذكرها إعلام السامع بأن هذه الصفة مما يعرض لهذه الحقيقة، لا أنه قصد بذكرها نفي الحكم عن المسكوت عنه] (7) (8).
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 26، والفروق للقرافي 2/ 38، وشرح القرافي ص 272.
(3) ساقط من الأصل.
(4) ساقط من ز.
(5) "للنطق" في ز.
(6) في ز. زيادة ما يلي: "لا أنه لم يقصد بذكرها نفي الحكم عن المسكوت عنه". اه.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) انظر: الفروق للقرافي 2/ 39، والإبهاج 1/ 273، وشرح المسطاسي ص 26، وشرح القرافي ص 272.
(4/282)

قوله: (نحو قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} (1)) أي: مخافة الفقر، فلا يقال: يجوز قتل الأولاد إذا لم يخف الفقر؛ لأن هذا خرج مخرج الغالب؛ إذ الغالب أن الكفار (2) إنما يقتلون الأولاد (3) مخافة الفقر، وأما قتلهم لغير ذلك فهو نادر (4) (5).
وذلك أن الكفار كانوا يدفنون البنات إذا ولدن أحياء، وذلك (6) الوأد (7) المذكور في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} (8).
ومثاله أيضًا قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ به} (9) أي: فإن خفتم الشقاق؛ لأن الغالب أن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، فلذلك لا يختص الخلع بحالة الشقاق (10) (11).
ومثاله أيضًا: قوله تعالى في جزاء الصيد: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا
__________
(1) سورة الإسراء آية رقم 31.
(2) "كانوا" زيادة في ز.
(3) "أولادًا" في ز.
(4) "ناذر" في الأصل.
(5) انظر: الفروق 2/ 40، وانظر: شرح المسطاسي ص 26.
(6) "هو" زيادة في ز.
(7) قال في القاموس: وأد بنته يئدها، دفنها حية، وهي وئيد ووئيدة وموءودة، انظر: القاموس المحيط مادة: وأد.
(8) سورة التكوير الآيتان رقم 8، 9.
(9) سورة البقرة آية رقم 229.
(10) انظر: شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 174.
(11) في ز زيادة ما يلي: ومثاله أيضًا: قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [سورة النساء آية رقم 23]؛ لأن الغالب أن الربيبة لا تكون إلا في حجر المتزوج بأمها. اه.
(4/283)

فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} (1)؛ لأن الجزاء يلزم في قتل الصيد مطلقًا لا فرق بين العمد والخطأ؛ لأن قتل الصيد الغالب فيه العمد دون غيره.
ومثاله أيضًا: قوله عليه السلام: "أيما امرأة أنكحت (2) نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل [باطل باطل] (3) " (4)؛ لأن الغالب أن المرأة لا تزوج (5) نفسها إلا عند عدم [إذن] (6) وليها [لها] (7) وإبايته (8) من تزويجها، فلا مفهوم له؛ لأن المرأة لا يجوز لها أن تزوج نفسها مطلقًا، سواء أذن لها وليها أو لم (9) يأذن [لها] (10) (11).
ومثاله أيضًا: قول ابن أبي زيد في الرسالة: ومن صلى بزوجته قامت خلفه (12)، [أي] (13): وكذلك ذات محرمه أو أجنبية (14)، إلا أنه تكلم على
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 95.
(2) "نكحت" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "ثلاثًا" في ز.
(5) "تتزوج" في ز.
(6) ساقط من الأصل.
(7) ساقط من ز.
(8) "أو إبايته" في ز.
(9) "أم" في ز.
(10) ساقط من ز.
(11) انظر: المحصول 1/ 2/ 246، والإحكام للآمدي 3/ 100، وشرح العضد 2/ 174.
(12) انظر الرسالة لابن أبي زيد صفحة 31.
(13) ساقط من ز.
(14) "وأجنبية" في ز.
(4/284)

الغالب.
قوله: (ولذلك يرد على الشافعية في قوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة")؛ فإن غالب أغنام الحجاز وغيرها السوم؛ وذلك أن الشافعية أوجبوا الزكاة في السائمة دون المعلوفة، تمسكًا منهم بمفهوم هذا الحديث (1).
قوله: (السوم) معناه: الرعي، يقال: سامت البهيمة تسوم سومًا، أي: رعت، والسائمة: هي الراعية (2)، وجمعها: سوائم، يقال: أسمتها وسومتها، أي: جعلتها سائمة، ومنه: قوله تعالى: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} (3) أي: ترعون (4).
قوله: (المفهوم متى خرج مخرج الغالب) هذا من باب المجاز؛ لأن الذي خرج مخرج الغالب هو القيد الدال على المفهوم، فأطلق المؤلف وصف الملزوم على اللازم؛ لأن المفهوم لازم عن القيد، والعلاقة بينهما هي: الملازمة.
قوله: (الثاني: (5) بالصفة (6) في جنس، هل يقتضي نفي ذلك الحكم عن سائر الأجناس؛ فيقتضي الحديث مثلاً نفي وجوب الزكاة عن سائر الأنعام وغيرها، أو لا يقتضي نفيه إِلا عن ذلك الجنس خاصة؟ وهو اختيار الإِمام
__________
(1) انظر: الأم 2/ 5، والتنبيه للشيرازي ص 30، والوجيز للغزالي 1/ 85.
(2) انظر: الصحاح للجوهري، والقاموس المحيط، مادة: سوم.
(3) سورة النحل آية رقم 10.
(4) انظر: تفسير البحر المحيط 5/ 478، والدر المنثور للسيوطي 4/ 112.
(5) "أن" زيادة في أوخ وش وز.
(6) "بالوصف" في ز.
(4/285)

[فخر الدين] (1)).
ش: البحث في هذا الفرع مبني على أن نقيض المركب هل هو عبارة عن سلب الحكم عن ذلك المركب خاصة أو هو عبارة عن سلب الحكم مطلقًا؟
فالأول لغوي، والثاني عقلي، فإذا قلنا: زيد في الدار، فالذي يناقضه لغة: زيد ليس (2) في الدار، وإن كان يناقضه [عقلاً] (3) عدم زيد مطلقًا، وكذلك قولنا: في الخبز من الحنطة غذاء (4)، فالذي يناقضه لغة: ليس في الخبز من الحنطة غذاء (4)، ولو قلنا: ليس في الخبز مطلقًا غذاء (4)، حصل التناقض عقلاً.
وعلى الجملة: هل يؤخذ خصوص المحل في النقيض أم لا؟ (5).
فمن نظر إلى عرف اللغة أخذه، وعليه الجمهور، وهو اختيار الإمام فخر الدين (6)، ومن نظر إلى العقل لم يأخذ خصوص المحل في النقيض، فقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة"، فنقيضه على مذهب الجمهور: ليس فيما ليس [سائمة من الغنم الزكاة، ونقيضه على القول الآخر: ليس فيما
__________
(1) ساقط من أوش.
(2) "ليس زيد" بالتقديم والتأخير في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "غراء" في ز.
(5) انظر: التبصرة ص 226، واللمع ص 140، والمحصول 1/ 2/ 248، والمسودة ص 358.
(6) انظر: المحصول 1/ 2/ 248، وانظر: التبصرة ص 226، واللمع ص 140، والمسودة 358.
(4/286)

ليس] (1) بسائمة مطلقًا الزكاة (2)، فالقول (3) الذي عليه الجمهور لا يتناول المفهوم في الحديث إلا المعلوفة من الغنم.
وأما على القول الآخر: فيتناول (4) المفهوم المعلوفة من الغنم، ويتناول كل ما ليس بغنم من الإبل والبقر والخضر والعقار (5) والحلي، فيستدل بهذا الحديث على هذا القول على عدم وجوب الزكاة في هذه الأشياء كلها؛ لأنها ليست بغنم سائمة (6)، وبالله التوفيق [بمنه] (7) / 223/.
...
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) انظر: التبصرة ص 226، واللمع ص 140، والمحصول 1/ 2/ 249.
(3) "والقول" في ز.
(4) "يتناول" في ز.
(5) "أو العقار والخضر" في ز.
(6) انظر: لهذا الفرع: شرح المسطاسي ص 26 - 27، وشرح القرافي ص 273.
(7) ساقط من ز.
(4/287)

الباب الثاني عشر
في المجمل والمبين
وفيه ستة فصول:
الفصل الأول: في معنى ألفاظه.
الفصل الثاني: فيما ليس مجملاً.
الفصل الثالث: في أقسامه.
الفصل الرابع: في حكمه.
الفصل الخامس: في وقته.
الفصل السادس: في المبين له.
(4/289)

الباب الثاني عشر في المجمل والمبين (1)

ش: المجمل مأخوذ من الجمل الذي هو الخلط (2)، ومنه قوله عليه السلام: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها"، ومعنى قوله: جملوها، أي: خلطوها (3) بالسبك (4) والتذييب (5).
وسمي اللفظ المجمل مجملاً؛ لأنه اختلط فيه المراد بغير المراد (6) (7).
__________
(1) بدأت نسخة ز بسرد المتن وفي أثنائه نهاية صفحة (ز 251/ ب).
(2) هذه الكلمة التي أصلها مكون من ثلاثة أحرف هي الجيم والميم واللام، ترجع إلى ثلاثة معان ذكرها أهل اللغة:
أحدها: الجمع، ولعله المراد بقوله: الخلط، ومنه قول صاحب القاموس: وجمل: جمع.
الثاني: الحسن ضد القبح، ومنه الجمال للحسن.
الثالث: الإذابة، ومنه قولهم: جمل وجملت الشحم: أذبته، وقالوا: الجميل: الشحم المذاب. انظر: القاموس المحيط، والأفعال للمعافري، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، كلها في مادة: جمل.
وانظر: الإبهاج 2/ 224، وشرح القرافي ص 274، والمسطاسي ص 27.
(3) ليس معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث جملوها: خلطوها، بل المعنى الذي يدل عليه سياق الحديث، وصرح به شراح الحديث، وكتب الغريب، هو: أذابوها.
فانظر: فتح الباري 4/ 415، والنهاية لابن الأثير 1/ 298.
(4) السبك مرادف للتذييب، ومنه سبيكة الذهب، وهي القطعة المشكلة منه بعد الإذابة. انظر: تاج العروس، ولسان العرب، والصحاح، مادة: سبك.
(5) "والتذبيب" في ز.
(6) انظر: الإبهاج 2/ 224، وشرح الكوكب المنير 3/ 413.
(7) قال المسطاسي: اختلف مماذا اشتق، فقيل: من الجمع، وقيل: من التحصيل، وقيل: من الخلط. اه. انظر: شرحه ص 27.
(4/291)

وقوله: (المبين)، معناه: المفسر، يقال: بان الشيء يبين بيانًا إذا ظهر وانكشف (1).
قال الإمام فخر الدين في المحصول: البيان اسم مصدر، وهو مشتق من التبيين (2).
قال المؤلف في شرح المحصول: قوله: البيان اسم مصدر، إن أراد بذلك أنه لا يجري على فعله كما تقول: [في] (3) سبحان الله من التسبيح، فلا يصح؛ لأن البيان مصدر يجري على فعله، لأنه (4) مصدر (5) بان يبين بيانًا، وإن لم يرد هذا فليس باصطلاح الناس.
وقوله أيضًا: البيان مشتق من التبيين، لا يصح، بل هما مصدران لفعلين، فالبيان مصدر بأن (6)، والتبيين مصدر بين (7)، والمصادر كلها ليس
__________
(1) بان الشيء بيانًا إذا اتضح وانكشف وظهر، والبيان: الإفصاح، هذه هي المعاني التي يوردها اللغويون في معنى هذه الكلمة.
فانظر: القاموس المحيط، والأفعال للمعافري، ومقاييس ابن فارس. مادة: بان.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 326.
(3) ساقط من ز.
(4) "لأن" في ز.
(5) "مصدره" في ز.
(6) المصدر القياسي لبان هو البون، أو البين، تقول: بان بينًا وبونًا؛ لأنها من باب باع بيعًا، وقد ذكر الزمخشري الفعال بفتح الفاء من مصادر الثلاثي، وقد أثبته سيبويه بقوله: دام يدوم دوامًا، وهو دائم، وزال يزول زوالاً وهو زائل، وراح يروح رواحًا وهو رائح كراهية للفعول". اه.
انظر: الكتاب لسيبويه 2/ 332 ط بولاق.
والمخصص لابن سيده 14/ 162، المفصل ص 218، وشرح المفصل لابن يعيش 6/ 46، والتبصرة للصيمري 2/ 760، وانظر: الصحاح، واللسان، والقاموس المحيط، والأفعال للمعافري، كلها في مادة: بون وبين.
(7) التفعيل مصدر الفعل الرباعي فعَّل، نحو: كلَّم تكليمًا، قال ابن مالك في باب =
(4/292)

فيها (1) اشتقاق، فكيف يجعل أحدهما مشتقًا من الآخر (2).
قوله: (وفيه ستة فصول، الفصل الأول: في معنى ألفاظه).
ش: الضمير في [قوله] (3): ألفاظه، لا يصح أن يعود على المجمل وحده؛ لأنه ذكر المبين كما ذكر المجمل، ولا يصح أيضًا أن يعود على المبين وحده؛ لأن المؤلف ذكر أيضًا المجمل كما ذكر المبين؛ ولأن كل واحد من المجمل والمبين ليس له ألفاظ، وإنما له لفظ واحد، ولا يصح أيضًا أن يعود على الباب؛ لأن الباب له لفظ واحد لا ألفاظ، فإذا كان لا يصح عوده على المجمل ولا على المبين ولا على الباب، فعلى أي شيء يعود؟
قالوا (4): عائد على الباب (5)، بمعنى: الألفاظ المستعملة في هذا
__________
= مصادر غير الثلاثي: ومن فعل على تفعيل. اه، وقد ذكره الزمخشري وغيره في مصادر الرباعي.
انظر: الأصول لابن السراج 3/ 116، والمفصل ص 219، وشرح ابن يعيش عليه 6/ 48، والمساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل 2/ 626، وتبصرة الصيمري 2/ 771، 775، وانظر: اللسان مادة: بين.
(1) "فيه" في ز.
(2) انظر: نفائس الأصول للقرافي لوحة رقم 190 ب، مخطوط مصور برقم 9632 ف بجامعة الإمام. لكنه قال في هذه النسخة: إن التبيين مصدر تبين والبيان مصدر بين. اه.
إلا أن الذي اتفقت عليه النسختان هنا أصح، وهو الذي تدل عليه كتب العربية؛ لأن مصدر تبين تبينًا كما تقول في تعلم تعلمًا، وأما مصدر بين فهو تبيينًا كما مر بنا قريبًا.
وانظر: التبصرة للصيمري 2/ 771، 775.
وجاء في المسطاسي ص 27 قريب مما في النفائس، ولعله تصحيف من النساخ.
(3) ساقط من ز.
(4) "قال" في ز.
(5) "الألباب" في الأصل.
(4/293)

الباب (1)، وهي أربعة ألفاظ، وهي: المجمل، والمبين، والمؤول، والمفسر.
ذكر المؤلف ثلاثة منها وهي: المجمل، والمبين، والمؤول، وسكت عن المفسر (2) استغناء عنه بالمبين؛ لأنه بمعناه (3).
قوله: (المبين (4): هو اللفظ الدال بالوضع على معنى، إِما بالأصالة (5)، وإِما بعد البيان).
ش: هذا الحد الذي ذكره المؤلف ها هنا في المبين، مرادف في المعنى للحد الذي ذكره في الباب الأول في الفصل السادس في أسماء الألفاظ؛ لأنه قال هنالك (6): والمبين ما أفاد معناه، إما بسبب الوضع، أو بضميمة بيان إليه (7).
فقوله ها هنا (8): (اللفظ الدال بالوضع على معنى بالأصالة)، هو معنى قوله أولًا: "هو ما أفاد معناه بسبب الوضع"، وقوله ها هنا: (وإِما بعد
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 28.
(2) قالوا: المفسر ما احتاج إلى تفسير وقد ورد عليه التفسير، أو الكلام المبتدأ المستغني عن التفسير لوضوحه في نفسه.
انظر لتعريف المفسر: العدة لأبي يعلى 1/ 151، والحدود للباجي ص 46، وإحكام الفصول للباجي 1/ 9، والمحصول 1/ 3/ 227 - 228.
(3) لأنه قال قبل قليل: المبين معناه المفسر.
(4) "فالمبين" في نسخ المتن الثلاث.
(5) "بالإضافة" في أ.
(6) "هناك" في ز.
(7) انظر: مخطوطة الأصل صفحة 37، وشرح القرافي ص 38.
(8) "هو" زيادة في ز.
(4/294)

البيان)، هو (1) معنى قوله أولًا: "أو بضميمة بيان إليه".
وذلك أن البيان [قد يكون] (2) بأصل الوضع [و] (3) قد يكون بالقرينة (4).
مثال البيان بالأصل: قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (5)، وقوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} (6)، وقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ
__________
(1) "وهو" في الأصل.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر تعريف المبين في:
المعتمد 1/ 319، والمستصفى 1/ 345، والمحصول 1/ 3/ 227، واللمع ص 143، وشرح الكوكب المنير 3/ 437، والمسطاسي ص 28.
أما أكثر الأصوليين فلم يعرفوا المبين، وإنما اكتفوا بتعريف البيان.
فقال أبو بكر الصيرفي وتابعه جمع من الأصوليين: البيان هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز الوضوح والتجلي، وقال قوم: البيان: هو العلم، وقال آخرون: البيان هو الدليل، وبهذا الأخير قال جماهير الأصوليين.
وقد عرف البيان أبو يعلى في العدة بأنه إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب مفصلًا مما يلتبس به ويشتبه من أجله.
وعرفه الباجي في الحدود وفي إحكام الفصول: بأنه إزالة اللبس وسائر وجوه الاحتمال التي تمنع تبيين الأمر أو النهي أو الخبر أو الجواب.
وقال صاحب التعريفات: هو عبارة عن إظهار المتكلم المراد للسامع، وقال أيضًا: هو إظهار المعنى وإيضاح ما كان مستورًا قبله.
وهناك تعريفات كثيرة ذكرها الأئمة، وفيما ذكر دلالة على المراد.
وانظر للتعريف: الرسالة للشافعي ص 21، والعدة لأبي يعلى 1/ 100 - 105، والبرهان فقرة 70 - 71، والمنخول ص 63، 64، وإحكام الفصول للباجي 1/ 8، والمستصفى 1/ 365، والحدود للباجي ص 41، والإحكام للآمدي ص 3/ 25، وشرح العضد 2/ 162، والتعريفات للجرجاني 40 - 41، والمسطاسي ص 28.
(5) سورة النور آية رقم 4.
(6) سورة البقرة آية رقم 196، وتمامها: {فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}، وسورة المائدة آية رقم 89، وتمامها: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ}.
(4/295)

كَامِلَةٌ} (1)، وغير ذلك؛ لأن أسماء الأعداد (2) نصوص (3) لا تحتمل أن يراد بها غير مدلولاتها، وكذلك قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (4)، وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} (5)، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} (6)، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا (7) النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ} (8).
ومثال البيان بالضميمة: آية الصلاة، وآية الزكاة (9)، وآية الحج (10)، لأنها مجملة بينها النبي عليه السلام بقوله وبفعله.
قال (11) في آية الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وقال في آية الزكاة: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح (12) أو دالية نصف العشر".
وقال في آية الحج: "خذوا عني مناسككم".
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 196.
(2) "العدد" في ز.
(3) "خصوص" في ز.
(4) سورة الإخلاص آية رقم 1.
(5) سورة الفتح آية رقم 29.
(6) سورة الإسراء آية رقم 32.
(7) "لا تقتلوا" في الأصل.
(8) سورة الأنعام آية رقم 151، وأيضًا سورة الإسراء آية رقم 33.
(9) دل على وجوِب الصلاة والزكاة آيات كثيرة منها: قوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} سورة الحج آية رقم 78.
(10) دل على وجوب الحج آيات منها: قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} الآية. سورة الحج آية رقم 27، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} آل عمران آية رقم 97.
(11) "وقال" في ز.
(12) "بنطح" في ز.
(4/296)

قوله: (والمجمل هو التردد (1) بين احتمالين فصاعدًا، إِما بسبب الوضع وهو المشترك، أو من جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إلى جزئياته).
ش: هذا الحد الذي ذكره المؤلف ها هنا في المجمل، هو موافق في المعنى للحد (2) الذي ذكره (3) في الباب الأول في قوله في الفصل السادس منه: "والمجمل هو المتردد بين احتمالين فأكثر على السواء، ثم التردد قد يكون من جهة الوضع كالمشترك، وقد يكون من جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إلى أشخاص مسماه" (4) (5).
ومعنى كلامه (6) في الموضعين: أن سبب الإجمال أمران:
أحدهما: الوضع (7).
والآخر: العقل (8).
__________
(1) "الدائر" في نسخ المتن وفي ز.
(2) "بالحد" في ز.
(3) "ذكر" في ز.
(4) انظر: مخطوط الأصل صفحة 37، وشرح القرافي ص 37.
(5) انظر: تعريف المجمل في: أصول الشاشي ص 81، والمعتمد 1/ 317، والمستصفى 1/ 345، والإحكام للآمدي 3/ 8، 9، والمحصول 1/ 3/ 231، الإبهاج 1/ 214 - 215، ومختصر ابن اللحام ص 126، وشرح الكوكب المنير 3/ 414، والعدة لأبي يعلى 1/ 142 - 143، وإحكام الفصول للباجي 1/ 9، والحدود للباجي ص 48، والمغني للخبازي ص 129، والوجيز للكرماستي ص 52، والتعريفات للجرجاني ص 6، 180، والمسطاسي ص 28.
(6) "الكلام" في ز.
(7) أي: المشترك اللفظي، مثل: القرء للطهر والحيض، والعين للباصرة والجارية وغيرهما.
(8) أي: المشترك المعنوي وهو المتواطئ، كالرجل يشمل زيدًا وبكرًا وعمرًا وغيرهم.
(4/297)

وقد تقدم (1) بيان ذلك في الباب الأول في الفصل السادس في أسماء الألفاظ (2).
قوله: (فكل مشترك مجمل، وليس كل مجمل مشتركًا) (3).
ش: لما كان الإجمال له سببان، أحدهما: الاشتراك اللفظي وهو اللفظ المشترك، والثاني: الاشتراك المعنوي وهو المتواطئ (4)، كان الإجمال أعم من كل واحد منهما وكل واحد منهما أخص منه، فصار كل مشترك وضعًا مجملًا (5)، وليس كل مجمل مشتركًا وضعًا، وكذلك أيضًا نقول: كل متواطئ مجمل وليس كل مجمل متواطئًا (6)، انظر لأي شيء خص (7) المؤلف المشترك (8) بهذا الحكم دون المتواطئ (9)، مع أن ذلك يقال في المتواطئ (10)، كما يقال في المشترك (11)؟!.
__________
(1) "تبين" في الأصل.
(2) انظر: صفحة 37 من المخطوطة الأصل.
وانظر: المستصفى 1/ 361، والمحصول 1/ 3/ 234، والإحكام للآمدي 3/ 9.
وشرح القرافي ص 274 - 275، وشرح المسطاسي ص 29.
(3) "مشترك" بالرفع في الأصل وز وأ من نسخ المتن.
(4) "التواطئ" هكذا في ز.
(5) "مجمل" في الأصل.
(6) انظر: شرح القرافي ص 275، وشرح المسطاسي ص 29.
(7) "خصص" في ز.
(8) "المجمل" في الأصل.
(9) "المتوطئ" في ز.
(10) "المتوطئ" في ز.
(11) "المجمل" في الأصل.
(4/298)

قوله: (وقد يكون اللفظ مبينًا من وجه [مجملًا (1) من وجه] (2)، كقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3)؛ فإِنه مبين في الحق مجمل في مقاديره (4)).
ش: سمى المؤلف ثبوت الحق [ها] (5) هنا (6) مبينًا، وسماه في الباب الأول ظاهرًا (7)، وذلك أمر قريب؛ لأن الظاهر مبين.
قوله: (مبين في الحق)، أي: في ثبوت الحق؛ لأن الحق ثابت فيه بلا شك، وهو مجمل بالنسبة إلى مقادير الحق، هل هو الثلث أو الربع أو النصف أو غير ذلك من المقادير؟
بينه النبي عليه السلام [بقوله] (8): "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح (9) أو دالية نصف العشر".
وقيل: معنى قوله: "مبين في الحق" / 224/، أي: (10) في حكم الحق وهو وجوب الحق؛ وذلك أن الحق يحتمل الوجوب ويحتمل الندب؛ لأنه
__________
(1) "محتملًا" في الأصل.
(2) ساقط من ش.
(3) سورة الأنعام آية رقم 141.
(4) "مقداره" في ش وخ، وفي أ: "مقدراه".
(5) ساقط من ز.
(6) "في الآية" زيادة في ز.
(7) انظر: مخطوط الأصل صفحة 37.
(8) ساقط من الأصل.
(9) "بنطح" هكذا في ز.
(10) "مبين" زيادة في ز.
(4/299)

يرد بمعنى الوجوب كقوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (1)، ويرد بمعنى الندب كقوله تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} (2)، فحمله على الوجوب أرجح لاقترانه باليوم (3).
وقيل: معنى قوله: "مبين (4) في الحق"، أي: ظاهر مبين في حكم الأمر بالحق، أي: في إرادة الوجوب بالأمر بالحق.
ومعنى الكلام: فهذا الأمر الذي هو قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ} (5) مبين وظاهر في حمله على الوجوب, لأن الأمر المطلق يحتمل الوجوب ويحتمل الندب، وحمله على الوجوب هو الراجح لاقترانه بالحق (6)، فهذه ثلاثة تأويلات، فالاحتمال في التأويل الثاني في نفس الحق، هل يراد به الوجوب أو الندب؟، والاحتمال في التأويل الثالث: في مدلول الأمر بالحق، هل هو (7) الوجوب أو (8) الندب؟.
هذه (9) ثلاثة (10) تأويلات في قوله: "فهو مبين في الحق".
__________
(1) سورة الروم آية رقم 47.
(2) سورة الروم آية رقم 38.
(3) "بالحق" في ز، والمثبت أصوب إن شاء الله.
(4) "مبينًا" في ز.
(5) {يَوْمَ حَصَادِهِ} زيادة في ز، والآية سبقت قبل قليل، وهي في سورة الأنعام آية رقم 141.
(6) قال في الأولى: لاقترانه باليوم، وقال هنا: لاقترانه بالحق، وكلاهما صحيح، ومعنى الأولى: لاقتران الحق باليوم، ومعنى هذه: لاقتران الأمر بالحق، والله أعلم.
(7) "على" في ز.
(8) "على" زيادة في ز.
(9) "هذا" في ز.
(10) "ثلاث" في ز.
(4/300)

قيل: (1) معناه: مبين في ثبوت الحق.
وقيل: معناه: مبين في معنى الحق.
وقيل: معناه: مبين في معنى الأمر بالحق.
والتأويل الأول هو أولاها، والله أعلم.
قوله: (والمؤول هو الاحتمال الخفي مع الظاهر).
ش: هذا هو اللفظ الثالث من الألفاظ المستعملة في هذا الباب، أي حقيقة المؤول هو الاحتمال المرجوح (2) الكائن مع الاحتمال الراجح، فالمراد بالخفي هو المعنى المرجوح، والمراد بالظاهر هو المعنى الراجح.
ولكن في كلامه مناقشة؛ لأنه فسر اللفظ الذي هو المؤول، بالمعنى الذي هو الاحتمال، فالأولى [أن يقول: و] (3) المؤول هو المحتمل الخفي الكائن مع المحتمل الظاهر، فالمؤول هو محل (4) التأويل، والتأويل مأخوذ من آل يؤول إذا رجع (5)، ومنه قوله تعالى: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (6) أي: طلب ما يؤول إليه معناه، ومنه قولهم: تأول فلان الآية، إذا نظر إلى ما يؤول إليه معناها، وقال بعضهم: حقيقة التأويل في الاصطلاح: حمل الظاهر على
__________
(1) "وقيل" في ز.
(2) "المرجوع" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "محتمل" في ز.
(5) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس، والقاموس المحيط، والأفعال للمعافري، والصحاح، كلها في مادة: أوْل، وانظر: الإحكام للآمدي 3/ 52.
(6) سورة آل عمران آية رقم 7.
(4/301)

المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحًا (1) (2).
فقوله: (حمل)، جنس. وقوله: (الظاهر) احترز به من النص والمجمل كان مشتركًا أو غير مشترك، فإن صرف المشترك إلى أحد (3) معنييه (4) لا يسمى تأويلًا، وقوله: (المحتمل)، احترز به عن حمل الظاهر على ما لا يحتمله، فإنه لا يكون تأويلًا أصلًا، وقوله: (المرجوح)، احترز به من حمل الظاهر على محتمله (5) الراجح؛ أعني: حمله على معناه.
وقوله: (بدليل)، احترز به عن التأويل بغير دليل، فإنه لا يكون تأويلًا صحيحًا، ومعنى قوله: (يصيره راجحًا) (6)، يصير المحتمل المرجوح راجحًا على مدلوله الظاهر.
فتبين بما قررناه أن التأويل لا يتطرق إلى النص ولا إلى المجمل، وإنما يتطرق إلى الظاهر، وهو المتردد بين احتمالين فأكثر، وهو في أحدهما
__________
(1) "راجحة" في ز.
(2) هذه حقيقة المؤول عند المتكلمين.
أما عند الحنفية فهو ما يرجح بعض وجوهه بغالب الرأي. فانظر للأول: المستصفى 1/ 387، وإحكام الفصول للباجي 1/ 10، والحدود للباجي ص 48، والمحصول 1/ 3/ 232، والإبهاج 1/ 214 - 215، والإحكام للآمدي 3/ 53، وجمع الجوامع 2/ 53، وفواتح الرحموت 2/ 22. وانظر للثاني: المغني للخبازي ص 122، والوجيز للكرماستي ص 39، وانظر أيضًا: التعريفات للجرجاني ص 43، والمسطاسي ص 29.
(3) "واحد" في ز.
(4) "معينه" في ز.
(5) "محتمل" في ز.
(6) "أي" زيادة في ز.
(4/302)

أرجح (1)، كالحقيقة مع (2) المجاز، والعام مع الخاص، والمطلق مع المقيد، وغير ذلك من الاحتمال المرجوح مع الاحتمال الراجح.
قوله: (مأخوذ من المآل).
ش: أي المؤول مأخوذ من المآل وهو الرجوع، يقال: آل يؤول، إذا رجع، والمآل اسم مصدر.
قوله: (إِما لأنه يؤول إِلى الظهور بسبب (3) الدليل العاضد).
ش: يعني أن المؤول سمي مؤولًا؛ لأنه يرجع معناه إلى الظهور والرجحان بسبب الدليل العاضد، أي: المقوي والمرجح لإرادة ذلك المعنى.
مثال ذلك: إذا قال: رأيت أسدًا، فإن المتبادر إلى ذهن السامع هو الحيوان المفترس؛ لأنه حقيقته (4) لغة، ويحتمل أن يريد (5) به المجاز وهو الرجل الشجاع وهو الاحتمال الخفي، وهذا الاحتمال الخفي قد يؤول إلى الظهور والرجحان إذا كان هناك دليل (6) يعضده؛ أي: قرينة تبين إرادة ذلك المعنى
__________
(1) انظر تعريف الظاهر في:
اللمع ص 144، والمحصول 1/ 3/ 230، والإحكام للآمدي 3/ 52، والإبهاج 1/ 214 - 215، وجمع الجوامع 2/ 52، ومفتاح الوصول للتلمساني ص 59، ومختصر ابن اللحام ص 131.
(2) "في" في ز.
(3) "بحسب" في الأصل وز.
(4) "حقيقة" في ز.
(5) "يرد" في ز.
(6) "دليلًا" في ز.
(4/303)

الخفي، كقوله (1) مثلًا: رأيت أسدًا يلعب بسيفه، فإن اللعب بالسيف دليل يعضد إرادة المعنى الخفي الذي هو الرجل الشجاع.
قوله: (أو لأن العقل يؤول إِلى فهمه بعد فهم الظاهر) (2).
ش: أي: ويحتمل أن يسمى المؤول مؤولًا, لأن العقل يرجع إلى فهم المعنى الخفي بعد فهم الظاهر؛ وذلك أن العقل إذا سمع اللفظ فأول ما يسبق إليه، الاحتمال الظاهر، كالحقيقة بالنسبة إلى المجاز، والعموم بالنسبة إلى الخصوص، والإطلاق بالنسبة إلى التقييد، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الاحتمال الخفي، كالمجاز، والخصوص، والتقييد، ويجوز أن يكون مراد المتكلم ذلك الاحتمال الخفي.
قوله: (وهذا وصف له بما هو موصوف به في الوقت الحاضر فيكون حقيقة).
ش: يعني أن تسميته بالمؤول؛ لأن العقل يؤول إلى فهمه بعد فهم الظاهر، حقيقة؛ لأنه وصف (3) بوصف قام به [في] (4) الحال.
قوله: (فيكون حقيقة)، معناه: فيكون إطلاق المؤول على هذا المعنى الخفي حقيقة (5).
قوله: (وهذا وصف له بما هو موصوف به).
__________
(1) "كقولك" في ز.
(2) "الظاهره" في أ.
(3) "وصفه" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 275.
(4/304)

ش: أي [و] (1) هذا الوصف وصف للمؤول بما هو موصوف به، أي: بالوصف الذي (2) المؤول موصوف به، أي: بذلك الوصف، فالضمير المجرور بالباء [هو] (3) عائد على: ما، وهو الرابط بين الصلة والموصول.
قوله: (وفي الأول (4) باعتبار ما يصير (5) إِليه، وقد لا يقع فيكون مجازًا مطلقًا).
ش: أي وتسميته في المعنى الأول، وهو كونه يؤول إلى الظهور بحسب الدليل العاضد، إنما هو باعتبار الدليل العاضد، وذلك وصف للشيء بوصف سيوجد [فيه] (6)، فيكون مجازًا؛ لأنه وصف مستقبل؛ لأن وصف الموصوف بوصف مستقبل مجاز (7).
قوله: (وقد لا يقع، فيكون مجازًا مطلقًا) / 225/، أي: وقد لا يقع الدليل العاضد، فيكون إطلاق المؤول على ذلك المعنى الخفي - على هذا - مجازًا مطلقًا، أي: وجد ذلك الدليل العاضد أو لم يوجد، وبالله التوفيق [بمنه] (8).
...
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "هو" زيادة في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "والأول" في أ.
(5) "تصير" في ز.
(6) ساقط من ز.
(7) انظر: شرح القرافي ص 275.
(8) ساقط من ز.
(4/305)

الفصل الثاني فيما ليس مجملًا (1)
معناه: (2) فيما يتوهم أنه مجمل وليس بمجمل، بل هو مبين، ونظير هذه الترجمة، قوله في الأوامر: الفصل الرابع: "فيما ليس من مقتضاه" (3)، وقوله في العموم: الفصل الرابع: "فيما ليس من المخصصات للعموم" (4)، وقوله في باب النسخ: "الفصل الرابع: فيما يتوهم أنه ناسخ" (5).
قوله: (فيما ليس مجملًا)، فلا يقال: لم يترجم المؤلف لهذا في الباب, لأن ما ليس مجملًا هو مبين. فقد ترجم له؛ لأنه مبين.
ذكر المؤلف في هذا الفصل مسألتين:
قوله: (إِضافة التحريم والتحليل (6) إِلى الأعيان ليس مجملًا).
__________
(1) نسخة ز بدأت بسرد المتن كالعادة.
(2) "يعني" في ز.
(3) انظر: مخطوطة الأصل صفحة 121، وشرح القرافي ص 144، ونسخة المتن خ/77، وقد جاء فيهما جميعًا: الفصل الخامس: فيما ليس من مقتضاه.
(4) انظر: مخطوطة الأصل صفحة 180، وشرح القرافي ص 216، وفي شرح القرافي: فيما ليس من مخصصاته.
(5) انظر: مخطوطة الأصل ص 253، وشرح القرافي ص 317.
(6) "التحليل والتحريم" في ش.
(4/307)

ش: هذه هي المسألة الأولى (1)، والمراد بالأعيان هي (2) الذوات، وهي الأجسام.
مثال إضافة التحريم إلى الأجسام: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} إلى [قوله: {إِلَّا] (3) مَا ذَكَّيْتُمْ} (4).
ومثال إضافة التحليل إلى الأجسام قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} (5).
ومثال إضافة التحريم والتحليل في آية واحدة: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [وَعَمَّاتُكُمْ]} (6) إلى آخر المحرمات، فقال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (7).
ومثال إضافة التحريم إلى الأعيان أيضًا: قوله عليه السلام: "ألا إن
__________
(1) انظر هذه المسألة في: التبصرة للشيرازي ص 201، واللمع ص 148، والمعتمد 1/ 333، والمستصفى 1/ 346، والروضة ص 181، والمحصول 1/ 3/ 241، والإحكام للآمدي 3/ 12، وجمع الجوامع وحواشيه 2/ 59، وشرح العضد 2/ 159، والمسودة ص 90، وشرح الكوكب المنير 3/ 420، وتيسير التحرير 1/ 166، وإحكام الفصول للباجي 1/ 236، وشرح القرافي ص 275, وشرح المسطاسي ص 29، وشرح حلولو ص 233.
(2) "هو" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) سورة المائدة آية رقم 3.
(5) سورة المائدة آية رقم 1.
(6) ساقط من ز.
(7) سورة النساء الآيتان رقم 23، 24.
(4/308)

دماءكم (1) وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" (2).
قوله: (ليس مجملًا)، أي: بل هو مبين، [وهو جار مجرى النص] (3)، هذا (4) مذهب الجمهور من أهل السنة (5) وأهل الاعتزال، كالقاضي عبد الجبار (6)، والجبائي (7) وأبي هاشم (8)، وأبي الحسين (9) خلافًا
__________
(1) "دماؤكم" في ز.
(2) هذا جزء من خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم النحر، التي قال في أولها: "أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ ... " إلخ، وهو حديث صحيح رواه الأئمة مطولًا ومختصرًا، والألفاظ التي رأيتها ليس فيها: "ألا إن"، بل كلها بلفظ: "فإن" أما آخر الجملة فقد رواه البخاري بلفظ: "بينكم حرام"، وبلفظ: "عليكم حرام" وبهذه جاء في مسلم، وجاء فيه أيضًا بما يوافق ما عندنا.
فانظر: البخاري كتاب العلم برقم 67، 105، والمغازي برقم / 4406، والأضاحي برقم 5550، والتوحيد برقم/ 7447، والفتن برقم 7078 كلها عن أبي بكرة.
وانظر: كتاب الحج الحديث رقم/ 1739 عن ابن عباس، وانظر: صحيح مسلم كتاب القسامة الحديث رقم 1679 عن أبي بكرة، وانظر: الترمذي كتاب الفتن برقم 2159، وكتاب التفسير برقم 3087، عن عمرو بن الأحوص، وقد قال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح.
وانظر: تحفة الأشراف 9/ 49.
(3) ما بين المعقوفتين استدركه ناسخ الأصل في الهامش.
(4) "وهذا" في ز.
(5) انظر: التبصرة ص 201، والمستصفى 1/ 346، والمحصول 1/ 3/ 241، والروضة ص 181، والمسودة ص 90، وتيسير التحرير 1/ 166، وشرح الكوكب المنير 3/ 420، والعضد 2/ 159.
(6) انظر: المعتمد 1/ 333، والإحكام للآمدي ص 3/ 12.
(7) انظر: المعتمد 1/ 333، والإحكام للآمدي 3/ 12.
(8) انظر: المعتمد 1/ 333، والإحكام للآمدي 3/ 12.
(9) انظر: المعتمد 1/ 333، والإحكام للآمدي 3/ 12.
(4/309)

للكرخي (1) وأبي عبد الله البصري (2) (3) (4).
حجة الجمهور: أن العرف عين المقصود من هذه الأعيان، فلا يفهم من هذه الإضافة عند الإطلاق غير ذلك، فصار ذلك المركب حقيقة عرفية لا يحتاج معها إلى تقدير (5)، (6) وهو مجاز لغوي (7)، وهو مجاز في التركيب؛ لأن النقل كما يكون في المفردات يكون في المركبات، واشتهر هذا المركب حتى صار حقيقة عرفية (8)، و [هو] (9) من باب إطلاق المجمل على الحال فيه.
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 333، والمحصول 1/ 3/ 241، والإحكام للآمدي 3/ 12، والمحلي على الجمع 2/ 59، والعضد على ابن الحاجب 2/ 159، وتيسير التحرير 1/ 166، وشرح حلولو ص 233.
(2) أبو عبد الله: الحسين بن علي البصري المعروف بالجُعْل، فقيه حنفي، متكلم معتزلي، ولد بالبصرة وسكن بغداد وبها توفي سنة 369 ه، له مصنفات عدة في الكلام والفقه. انظر: الفهرست ص 248، وتاريخ بغداد ص 8/ 73، وشذرات الذهب 3/ 68.
(3) انظر: المعتمد 1/ 333، والتبصرة ص 201، وإحكام الآمدي 3/ 12، والعضد 2/ 159.
(4) نسب الشيرازي في التبصرة الخلاف هنا إلى بعض الشافعية، فانظر: التبصرة ص 201، وانظر: المستصفى 1/ 346، وتيسير التحرير 1/ 166.
(5) "تقرير" في ز.
(6) انظر الدليل في: المعتمد 1/ 333، والتبصرة ص 201، والمحصول 1/ 3/ 241، 242، وإحكام الفصول للباجي 1/ 236، وروضة الناظر ص 181، والعضد على ابن الحاجب 2/ 159، وتيسير التحرير 1/ 166، وشرح الكوكب المنير 3/ 420، وشرح حلولو 223.
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 242، وإحكام الفصول للباجي 1/ 236، وشرح القرافي ص 276.
(8) انظر: المعتمد 1/ 334، وشرح القرافي ص 276، والمسطاسي ص 30.
(9) ساقط من ز.
(4/310)

قوله: (يحمل (1) على ما يدل العرف عليه في كل عين) (2).
هذا إشارة إلى حجة (3) الجمهور، وهي (4) كون العرف يعين المقصود بالتكليف في كل عين، فلا إجمال مع تعيين المقصود.
قوله: (فيحمل في الميتة على الأكل وفي الأمهات على وجوه الاستمتاع).
ش: هذا [بيان] (5) ما يدل العرف عليه في كل عين؛ وذلك أن المفهوم عرفًا من تحريم الميتة، هو أكلها، والمفهوم من تحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وغيرهن، هو الوطء ووجوه الاستمتاع، فقوله عليه السلام: "ألا إن دماءكم (6) وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" المقصود بالتحريم في الدماء سفكها، وفي الأموال أكلها، وفي الأعراض سبها وشتمها، وإذا قال السيد لعبده] (7): حرمت عليك الخبز والثوب والفرس، فالمقصود (8) في الخبز أكله، والمقصود في الثوب لبسه، والمقصود في الفرس ركوبه.
حجة الكرخي: أن التحريم والتحليل إنما يتعلق بما هو مقدور للمكلف
__________
(1) "فيحمل" في نسخ المتن وفي ز.
(2) "خلافًا للكرخي" زيادة في نسخ المتن.
(3) "الرجعة" في ز.
(4) "وهو" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "دماؤكم" في ز.
(7) إلى هنا نهاية السقط من نسخة ز/ 2.
(8) "والمقصود" في ز/ 2.
(4/311)

وهو أفعاله، وأما الأعيان التي أضيف إليها التحريم والتحليل فليست مقدورة للمكلف؛ إذ ليست من كسبه لا إيجادًا ولا إعدامًا، فلا يتعلق التكليف بها (1)، فتكون الأعيان غير مرادة، فالمراد أفعال المكلف وهي غير منطوق بها، فلا بد من تقدير (2) ما يتعلق به التكليف من تلك الأفعال، وليس هنالك (3) ما يعين بعض الأفعال، فليس تقدير (4) البعض بأولى (5) من البعض فيحصل الإجمال (6)، فقوله تعالى مثلًا: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (7) هل أكلها أو لمسها أو نظرها أو غير ذلك؟
وكذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} (8) هل مسهن أو نظرهن أو مضاجعتهن أو وطؤهن أو غير ذلك؟
وليس هنا [لك] (9) ما يعين أحد التقديرات فيحصل الإجمال، فيتوقف حتى يرد البيان، هذا حجة الكرخي، وجوابه ما تقدم وهو: أن العرف يبين
__________
(1) في ز زيادة ما يلي: "فإذا كانت الأعيان لا يتعلق التكليف بها" اه.
(2) "تقديم" في ز وز/ 2.
(3) "هناك" في ز وز/ 2.
(4) "تقديم" في ز وز/ 2.
(5) "بأولًا" في ز.
(6) انظر: المعتمد 1/ 333، والتبصرة ص 202، والمستصفى 1/ 346، والمحصول 1/ 3/ 244، وإحكام الآمدي 3/ 12، وإحكام الفصول للباجي 1/ 237، وجمع الجوامع 2/ 59، والعضد على ابن الحاجب 2/ 159، وتيسير التحرير 1/ 166، وشرح القرافي ص 275، وشرح الكوكب المنير 3/ 421، والمسطاسي ص 30، وشرح حلولو ص 233.
(7) سورة المائدة آية رقم 3.
(8) سورة النساء آية رقم 23.
(9) ساقط من ز وز/ 2.
(4/312)

المقصود من تلك التقديرات (1).
قوله: (وإِذا دخل النفي على فعل (2) كان مجملًا عند أبي عبد الله البصري نحو قوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهور" و"لا نكاح إلا بولي" لدوران النفي بين الكمال والصحة).
ش: هذه هي المسألة الثانية (3)، وهذه المسألة شبيهة (4) بالمسألة التي قبلها؛ لأن كل واحدة منهما أضيف الحكم فيها إلى ما لا يصلح (5) إضافته إليه، غير أن المسألة الأولى وقعت فيها (6) الإضافة من حيث الثبوت، ووقعت الإضافة في المسألة الثانية من حيث النفي (7).
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 333، والتبصرة ص 202، والمستصفى 1/ 346، والمحصول 1/ 3/ 245، وإحكام الفصول للباجي 1/ 237، وإحكام الآمدي 3/ 12، وتيسير التحرير 1/ 166، وشرح الكوكب المنير 3/ 426، وشرح القرافي ص 275، والمسطاسي ص 30.
(2) "الفعل" في نسخ المتن.
(3) انظر بحث هذه المسألة في:
المعتمد 1/ 335، والتبصرة ص 203، وإحكام الفصول للباجي 1/ 232، والمحصول 1/ 3/ 248، والمستصفى 1/ 352، واللمع للشيرازي ص 149، وروضة الناظر ص 182، والإحكام للآمدي 3/ 17، ونهاية السول 2/ 514، وجمع الجوامع 2/ 59، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 160، والمسودة ص 91، وتيسير التحرير 1/ 169، وإرشاد الفحول ص 171، وشرح القرافي ص 276، والمسطاسي ص 30.
(4) "تشبه" في ز وز/ 2.
(5) "يصح" في ز وز/ 2.
(6) "فيه" في ز وز/ 2.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 30.
(4/313)

قوله: (إِذا دخل النفي على فعل) (1).
ش (2): المراد بالفعل ها هنا: الفعل الحقيقي، وهو فعل المكلف، ولم يرد به الفعل (3) الصناعي عند النحاة (4).
مثال مقصوده: [قوله] (5) عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهور"، و"لا نكاح إلا بولي"، و"لا صيام لمن لم يبيت الصيام"، و"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" (6)، ...................................................
__________
(1) "الفعل" في ز وز/ 2، وكذا في نسخ المتن.
(2) عادة الشوشاوي ألا يورد هنا علامة الشرح (ش) , لأن الكلام جزء من كلام المؤلف السابق، أعيد وجزئ ليسهل شرحه.
(3) في ز وز/ 2، زيادة: "الذي هو أحد الكلم الثلاث".
(4) فسرته النسخة الثانية كما مر، بأنه أحد أقسام الكلام، الذي قسم النحاة الكلام إليه، كضرب ونصر، وهو المذكور في قول ابن مالك:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم ... واسم وفعل ثم حرف الكلم
وانظر: شرح المسطاسي ص 30.
(5) ساقط من ز.
(6) هذان الحديثان بمعنى واحد، وقد رواه الأئمة عن عدد من الصحابة، فروي مرفوعًا من حديث حفصة وعائشة وميمونة، وروي موقوفًا على ابن عمر، ولم أطلع على هذين اللفظين كما ذكرهما الشوشاوي، وأقرب ما وجدته من الألفاظ، ما رواه النسائي 4/ 197، والدارقطني 2/ 172، من حديث حفصة بلفظ: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر"، وما رواه ابن ماجه برقم 1700، والدارقطني 2/ 172 من حديث حفصة أيضًا بلفظ: "لا صيام لمن لم يفرضه من الليل".
أما لفظ التبييت فقد ورد في حديث حفصة عند النسائي 4/ 196، والدارمي 2/ 7، وحديث عائشة عند الدارقطني 2/ 172، والبيهقي 4/ 203، ولفظه: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
وانظر ألفاظ الحديث الأخرى التي ورد بها في: النسائي 4/ 196، والترمذي رقم 730، وأبي داود رقم 2454، وأحمد 6/ 287، والبيهقي 4/ 202، 203، والموطأ 1/ 188، والدارقطني 2/ 172، وانظر: نصب الراية 2/ 433، والتلخيص الحبير 2/ 188، وإرواء الغليل 4/ 25.
(4/314)

معناه: لم (1) يعزم (2) الصيام من الليل، "ولا صلاة (3) لجار المسجد إلا في المسجد" (4)، [و"لا وضوء لمن لم يسم الله" (5)، و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (6)،
__________
(1) "لمن لم" في ز وز/ 2.
(2) "على" زيادة في ز وز/ 2.
(3) صيام في ز وز/ 2.
(4) حديث ضعيف أخرجه عن أبي هريرة، الدارقطني 1/ 420، والحاكم 1/ 246، والبيهقي 3/ 57، وفيه سليمان بن داود اليمامي، وهو واه كما قال العلماء.
وأخرجه البيهقي 3/ 57، والدارقطني 1/ 420، عن علي موقوفًا، وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف جدًا. وأخرجه الدارقطني 1/ 420، عن جابر وفيه محمَّد بن سكين وهو ضعيف. وللحديث شواهد تؤيد معناه، كحديث الأعمى وغيره.
وانظر: التلخيص الحبير 2/ 31، وإرواء الغليل 2/ 251.
(5) معنى حديث روي عن عدد من الصحابة، منهم: أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وسعيد ابن زيد، وسهل بن سعد الساعدي وغيرهم.
وأشهر ألفاظه: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
وقد حسنه جماعة من الحفاظ المحدثين: كابن الصلاح، وابن كثير، والحافظ العراقي.
فانظر حديث أبي هريرة: عند أبي داود برقم 101، وابن ماجه برقم 399، والحاكم 1/ 146، ورواه عنه البيهقي 1/ 43، وأحمد 2/ 418.
وانظر: حديث أبي سعيد: عند ابن ماجه برقم 397، والدارقطني 1/ 71، والحاكم 1/ 146، وعنه البيهقي 1/ 43. وانظر حديث سهل عند ابن ماجه برقم 400، والحاكم 1/ 169.
وانظر حديث سعيد بن زيد: عند ابن ماجه برقم 398، والدارقطني 1/ 73، والبيهقي 1/ 43، وانظر: التلخيص الحبير 1/ 72، وإرواء الغليل 1/ 122.
(6) حديث صحيح خرجه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم عن عبادة بن الصامت لكن بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وفي لفظ لمسلم: "بأم القرآن".
فانظره في البخاري برقم 756، ومسلم برقم 394، وأبي داود برقم 822، والترمذي برقم 247، والنسائي 2/ 137، وابن ماجة برقم 837، والبيهقي 1/ 38، والدارقطني 1/ 321. وقد جاء من حديث أبي هريرة عند الدارقطني 1/ 321، بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد"، وانظر: التلخيص الحبير 1/ 230، وإرواء الغليل 2/ 10.
(4/315)

و"لا صلاة لمن لم يصل علي"] (1) وغير ذلك.
ذهب (2) أبو عبد الله البصري من المالكية (3) (4)، والقاضي أبو بكر (5)، إلى أنه مجمل (6)، وذهب الأكثرون إلى أنه غير مجمل (7)، واختاره الباجي (8) والشيرازي (9).
فالقائلون بأنه مجمل اختلفوا في وجه الإجمال على قولين:
أحدهما (10): أن ذلك لمجرد / 226/ إضافة النفي إلى الأفعال مع تحقق ثبوتها (11)، وهو قول ضعيف.
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "وذهب" في ز وز/ 2.
(3) تابع الشوشاوي في هذا المسطاسي، والصواب أنه من الحنفية، انظر ترجمته صفحة 310 من هذا المجلد.
(4) انظر: المعتمد 1/ 335، والتبصرة ص 203، والمحصول 1/ 3/ 248، والآمدي 3/ 17.
(5) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 233، والآمدي 3/ 17، وحواشي جمع الجوامع 2/ 59، وشرح العضد 2/ 160، وتيسير التحرير 1/ 169، وإرشاد الفحول ص 171، وشرح حلولو ص 233.
(6) نسب الباجي هذا القول إلى الحنفية، ونسبه الشوكاني إلى القاضي عبد الجبار، وإلى الجبائي وابنه، فانظر: إحكام الفصول 1/ 232، وإرشاد الفحول ص 171.
(7) انظر: المستصفى 1/ 352، والروضة ص 182، والعضد 2/ 160، وإحكام الفصول 1/ 233.
(8) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 223.
(9) انظر: التبصرة للشيرازي ص 203، واللمع ص 149.
(10) "إحداهما" في ز وز/ 2.
(11) انظر: المعتمد 1/ 335، والتبصرة ص 204، والمحصول 1/ 3/ 248، وجمع الجوامع 2/ 59، والمسطاسي ص 30.
(4/316)

القول الثاني: أن ذلك لتردد (1) النفي بين الكمال والصحة (2) كما قاله المؤلف (3).
أما القول بأن إجماله لمجرد إضافة النفي إلى الذات (4) مع ثبوتها فلا وجه له (5)، [ولذلك] (6) قال القاضي: هو (7) قول بعض الفقهاء ممن لا علم له بالحقائق (8).
وأما القول بأن (9) إجماله لتردد النفي بين الكمال والصحة، فوجهه: أن نفي الصحة قد وقع في قوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهور" [ونحوه، وورد أيضًا نفي الكمال في قوله عليه السلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فلما ورد النفي في الأمرين دل ذلك على الإجمال] (10).
وأما القائلون بعدم الإجمال فاختلفوا في ذلك على قولين:
أحدهما (11): أن النفي متوجه إلى الذات والصفات [كلها، فخصص
__________
(1) "لترده" في ز.
(2) انظر: المستصفى 1/ 352، والروضة ص 182، وإحكام الفصول للباجي 1/ 234.
(3) انظر: شرح القرافي ص 276، والمسطاسي ص 30، وحلولو ص 233.
(4) أي: إلى الذات الواقعة في الماضي، كما قاله القرافي ص 276.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 30.
(6) ساقط من ز وز/ 2.
(7) "وهو" في ز وز/ 2.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 30.
(9) "أن" في ز/ 2.
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وز/ 2.
(11) "إحداهما" في ز.
(4/317)

العقل الذات، وبقيت الصفات يعم النفي جميعها، فتنتفي الصحة والكمال، وإنما قلنا: توجه النفي إلى الذات والصفات] (1)؛ لأن اللفظ يتناول (2) الذات بالمطابقة ويتناول (3) الصفات بالالتزام؛ لأن الدال على نفي (4) الذات دال على نفي صفاتها؛ لأن الصفات لا تستقل (5) بنفسها، فلما خص العقل الذات بقي (6) العموم على مقتضاه في الصفات، فتنتفي الصحة والكمال وهو المطلوب (7).
واعترض هذا القول: بأنه يلزم منه الجمع بين النقيضين، وهما: ثبوت الصحة ونفيها؛ وذلك أن توجه النفي إلى الكمال يقتضي ثبوت الصحة، وتوجهه إلى الصحة يقتضي نفي الصحة، فظهر (8) بذلك أن توجه النفي إلى الصحة والكمال فيه الجمع بين النقيضين، وهما ثبوت الصحة وعدمها (9).
والقول الثاني: أن النفي إنما يتوجه (10) للصحة خاصة دون الكمال، ووجهه: أن النفي في الحقيقة إنما توجه (11) للفعل الواقع ورفع الواقع
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(2) "يناول" في ز والأصل.
(3) "يناول" في الأصل.
(4) "النفي" في ز/ 2.
(5) "تشتغل" في ز/ 2.
(6) "بنفي" في ز وز/ 2.
(7) انظر: التبصرة ص 204، والمحصول 1/ 3/ 252، وشرح القرافي ص 276 - 277، والمسطاسي ص 31.
(8) "فيظهر" في ز وز/ 2.
(9) انظر: المعتمد 1/ 335، والتبصرة ص 204، والمسطاسي ص 31.
(10) "توجه" في ز وز/ 2.
(11) "توجهه" في ز.
(4/318)

محال، فإذا تعذر (1) ذلك تعين حمله على المجاز، والمجاز متعدد وهو الصحة والكمال، واحد المجازين أقرب إلى الحقيقة وهو الصحة، فيجب حمل (2) النفي على الصحة؛ لأنها (3) أقرب إلى الحقيقة من الكمال (4)، وإنما قلنا: نفي الصحة أقرب إلى نفي الحقيقة لأنه يلزم من نفي الصحة نفي الحقيقة، [ولا يلزم من نفي الكمال نفي الحقيقة] (5)، فالصحة أقوى شبهًا من الكمال، والشبه [من] (6) علاقات المجاز (7)، فإذا كان الشبه أقوى، كان المصير (8) إليه أولى (9) (10) (11).
__________
(1) "تعدد" في ز.
(2) "جمل" في ز/ 2.
(3) "لأنه" في الأصل.
(4) انظر: التبصرة ص 204، والمستصفى 1/ 353، والمسطاسى ص 31.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وز/ 2.
(6) ساقط من ز وز 2.
(7) انظر: أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني ص 35، 41، 305، 346.
(8) "المميز" في ز/ 2.
(9) "أولًا" في ز وز/ 2.
(10) انظر: شرح القرافي ص 276.
(11) ذكر المسطاسي أن للعلماء هنا خمسة أقوال:
قولان للقائلين بالإجمال، وهما:
1 - أن الإجمال لمجرد إضافة النفي إلى الأعيان مع تحقق ثبوتها.
2 - أن الإجمال لتردد النفي بين الكمال والصحة.
وثلاثة أقوال للقائلين بعدم الإجمال، وهي:
1 - أن النفي توجه للذات والصفات جميعًا، فخص الدليل العقلي من ذلك الذات وبقيت الصفات.
2 - أن النفي إنما توجه للصفات خاصة على وجه العموم فيها، وأما الذات فلا يصح توجه الخطاب إليها البتة حتى يصح التخصيص فيها، فإن قامت دلالة على ثبوت الصحة انصرف النفي إلى الكمال.
3 - أن النفي إنما توجه للصحة دون الكمال.
انظر: شرح المسطاسي ص 30.
(4/319)

قوله: (وقيل: إِن كان المسمى شرعيًا انتفى ولا إِجمال، وقولنا: هذه صلاة فاسدة، محمول على اللغوي، وإِن كان حقيقيًا نحو الخطأ والنسيان وله حكم واحد انتفى ولا إِجمال، وإِلا تحقق الإِجمال، وهو قول الأكثرين).
ش: هذا القول بالتفصيل وهو المقابل للقول الأول الذي هو قوله: "كان مجملًا عند أبي عبد الله البصري"؛ لأن المؤلف نقل في المسألة قولين: قول بأنه مجمل من غير تفصيل وهو الأول، وقول بالتفصيل: تارة يكون مجملًا، وتارة لا يكون مجملًا، وإليه أشار بقوله: "وقيل: إن كان المسمى شرعيًا ... " إلى آخره (1).
قوله: (المسمى) المراد بالمسمى هو الفعل، أي فعل المكلف، لا أنه (2) مسمى الفعل الصناعي (3)، ومعنى هذا (4) القول: التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل الذي دخل عليه النفي شرعيًا، أو يكون لغويًا وهو المراد بقوله: حقيقيًا.
ومعنى الفعل الشرعي: هو الفعل الذي يتوقف وجوده على وجود الشرع، أي: هو الفعل الذي جاء به الشرع، كالصلاة والصيام وغيرهما.
__________
(1) قد يظن أن في المسألة ثلاثة أقوال, لأنه ذكر أولًا مذهب أبي عبد الله البصري ومن معه بالإجمال، ثم قال: وذهب الأكثرون إلى أنه غير مجمل واختاره الباجي، والشيرازي، ثم جاء هنا وقال: إن هذا القول يفصل أصحابه بين الشرعي واللغوي، والمسألة كما أشار الشوشاوي هنا ليس فيها إلا قولين، وما ذكره أولًا عن الباجي والشيرازي هو حكم أحد أقسام التفصيل، وهو ما كان شرعيًا، والله أعلم.
(2) "لأنه" في الأصل.
(3) في ز وز/ 2 زيادة ما يلي: "الذي هو أحد الكلم الثلاثة".
(4) "هذه" في ز/ 2.
(4/320)

ومعنى الفعل الحقيقي: هو الفعل الذي لا يتوقف وجوده على وجود الشرع، أي: هو الفعل الذي لم يجئ به الشرع، بل هو موجود سواء وجد الشرع أو لم يوجد (1) كالخطأ والنسيان؛ لأن وصف الفعل بكونه خطأ أو نسيانًا أمر معقول وجد الشرع أم (2) لا، ولأجل ذلك يقال له: أمر (3) حقيقي.
قوله: (إِن (4) كان المسمى شرعيًا انتفى ولا إِجمال)، أي: إذا دخل النفي على الفعل الشرعي فإنه ينتفي بكليته، فليس فيه إجمال، فإذا قال عليه السلام مثلًا: "لا صلاة إلا بطهور" و"لا صيام لمن لم يبيت الصيام"، فإنه قد حكم على هذه الحقيقة بالنفي لانتفاء شرطها؛ وذلك أن الحقيقة الشرعية ليست واقعة في صورة النفي، فأمكن إضافة النفي إليها (5).
قوله: (وقولنا) (6): [هذه] (7) صلاة فاسدة، محمول على اللغوي).
ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلًا للمؤلف: كيف يقال: ينتفي المسمى الشرعي إذا دخل عليه النفي؟ مع أن صاحب (8) الشرع يقول:
__________
(1) "يجد" في الأصل.
(2) "أو" في ز.
(3) "لأمر" في ز.
(4) "وإن" في ز وز 2.
(5) انظر: المعتمد 1/ 335، والمستصفى 1/ 352، والمحصول 1/ 3/ 249، وإحكام الآمدي 3/ 17، ونهاية السول 2/ 515، وشرح القرافي ص 277، والمسطاسي ص 31.
(6) "وقلنا" في ز 2.
(7) ساقط من ز وز 2.
(8) "صاحبه" في ز/ 2.
(4/321)

هذه (1) صلاة فاسدة، [فيجمع بين وجود الصلاة وفاسدة] (2)، فإن لفظ: هذه (3)، [يدل على وجودها، فدل ذلك على بقاء الصلاة، ووجودها على الفساد.
أجاب المؤلف عن هذا السؤال بقوله: "محمول على اللغوي"، يعني: أن قولنا: هذه صلاة] (4) فاسدة، محمول على المعنى اللغوي وهو الدعاء؛ لأن الصلاة لغة معناها: الدعاء، فالإشارة بقولنا: هذه صلاة فاسدة (5)، إلى المسمى اللغوي الذي هو الدعاء، يعني: أن الصلاة اللغوية التي هي الدعاء فسدت عن أن تكون شرعية، فانصرف (6) النفي في المعنى إلى المسمى الشرعي، وتنصرف الإشارة في قولنا: هذه صلاة فاسدة، إلى المسمى اللغوي، فتقدير (7) الكلام: هذه الصلاة اللغوية فسدت عن أن تكون شرعية، فهذا معنى فسادها.
__________
(1) "هذا" في ز وز 2.
(2) ساقط من ز وز 2.
(3) في ز وز 2 زيادة ما يلي: "يقتضي ثبوت الصلاة، وقوله: فاسدة، يقتضي نفيها، فيلزم الجمع بين النقيضين؛ لأن الهاء للتنبيه (*)، والذال للإشارة إلى حاضر (**) قريب، فكيف يكون المعدوم حاضرًا، فأجاب المؤلف: بأن الثابت لغوي والمنفي شرعي فلا تناقض، يعني أن الصلاة اللغوية التي هي الدعاء بطلت عن أن تكون شرعية، وهو معنى". اه.
(*) جاء في ز 2: "لا الهاستية".
(**) في ز 2: "خاض".
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وز 2.
(5) "إشارة" زيادة في ز وز 2.
(6) "وانصرف" في ز وز 2.
(7) "تقدير" في ز وز 2.
(4/322)

وإلا فالدعاء في نفسه لم يفسد؛ حيث نقضي بالفساد لعدم (1) الطهارة (2).
قوله: (وإِن كان حقيقيًا)، أي: وإن كان الفعل الذي دخل عليه النفي حقيقيًا، أي: لغويًا لا يتوقف وجوده على وجود الشرع، فإما أن يكون له حكم واحد أو أكثر، فإن كان له حكم واحد، فإن ذلك الحكم ينتفي فلا يكون فيه إجمال (3)، كقوله عليه السلام: "لا شهادة لمحدود في قذف" (4)؛ لأنه لا يمكن صرف النفي إلى ذات/ 227/ الشهادة؛ لأنها قد وجدت، فلا بد من صرف النفي إلى حكمها، وليس لها إلا حكم واحد وهو الجواز، قاله المؤلف في الشرح (5).
__________
(1) "بعدم" في ز 2.
(2) انظر هذا السؤال ومناقشته في: المعتمد 1/ 335، والمحصول 1/ 3/ 250، وروضة الناظر ص 182، وانظر: شرح القرافي ص 277، والمسطاسي ص 31، وحلولو ص 235.
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 251، ونهاية السول 2/ 514.
(4) لم أجده بهذا اللفظ، وقد جاء في حديث عمرو بن شعيب "لا تجوز شهادة خائن ولا محدود في الإِسلام، ولا ذي غمر على أخيه"، فانظره في ابن ماجه في كتاب الأحكام برقم 2366، وعند أحمد 2/ 208.
وجاء اللفظ نفسه تقريبًا في كتاب عمر رضي الله عنه في الأقضية، فانظر: الدارقطني كتاب الأقضية 4/ 206.
وانظر: نصب الراية 4/ 81، 83، والتلخيص الحبير 4/ 207.
ورد شهادة القاذف ما لم يتب هو مذهب جماهير الأئمة، وإذا تاب قبلها أحمد والشافعي مطلقًا، وردها أبو حنيفة مطلقًا، وقبلها مالك في غير ما حد فيه.
انظر: بداية المجتهد 2/ 443، والإفصاح لابن هبيرة 2/ 358.
(5) انظر: شرح القرافي ص 277، وقد تابع في هذا الإمام في المحصول فانظره 1/ 3/ 251.
(4/323)

قال المسطاسي: جعل المؤلف الشهادة وصفًا حقيقيًا، والظاهر أنها أمر شرعي (1) (2).
وإن كان له (3) أكثر من حكم واحد فإنه مجمل، وهو معنى قوله: (وإِلا (4) تحقق الإجمال) , أي: وإن كان [له] (5) أكثر من حكم واحد تحقق الإجمال، لأنه ليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر (6).
مثاله: (7) قوله عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وذلك أن هذا الفعل الذي هو [فعل] (8) الخطأ أو النسيان (9) لم يدخل النفي إلا على واقع، والواقع يستحيل نفيه، فيتعين العدول إلى حكمه، وله حكمان، وهما: الإثم ولزوم الضمان، فيتعين الإجمال حتى يدل
__________
(1) انظر: المسطاسي ص 31.
(2) الشهادة أمر حقيقي أي: لغوي، والشارع استعملها فيما وضعتها العرب له.
قال ابن فارس: الشين والهاء والدال أصل يدل على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك الشهادة يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور والعلم والإعلام. اه.
وقال صاحب القاموس: الشهادة خبر قاطع ... وشهد لزيد بكذا شهادة: أدى ما عنده من الشهادة فهو شاهد. اه.
انظر: القاموس المحيط، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، مادة: شهد.
(3) "لها" في الأصل.
(4) "ولا" في ز 2.
(5) ساقط من الأصل.
(6) انظر: المعتمد 1/ 335، والمحصول 1/ 3/ 251، ونهاية السول 2/ 515.
(7) في ز وز2 زيادة ما يلي: "قول المؤلف: نحو الخطأ والنسيان، تمثيل للفعل الحقيقي، لا أنه تمثيل لما له حكم واحد كما يظهر من كلام المؤلف، مثاله" اه.
(8) ساقط من ز وز 2.
(9) "والنسيان" في ز وز 2.
(4/324)

الدليل على أن المراد الإثم دون الضمان (1).
واعلم أن مذهب الجمهور أن المراد بهذا الحديث رفع المؤاخذة (2) والعقاب؛ لأنه قد علم من عرف [أهل] (3) اللغة أن السيد إذا قال لعبده: رفعت عنك الخطأ والنسيان، أن المراد منه (4) رفع (5) المؤاخذة والعقاب، والأصل في المتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، فلا إجمال (6)، خلافًا لأبي الحسن (7) البصري، وأبي عبد الله البصري (8) (9).
قوله: (وهو قول الأكثرين)، أي: القول (10) بالتفصيل بين الشرعي والحقيقي هو قول الأكثرين من الأصوليين (11).
...
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 277، والمسطاسي ص 31.
(2) "بالإثم" زيادة في ز وز 2.
(3) ساقط من ز وز/ 2.
(4) "به" في ز وز 2.
(5) "ترك" في ز وز 2.
(6) انظر مذهب الجمهور هذا في: المستصفى 1/ 348، والمحصول 1/ 3/ 258، وروضة الناظر ص 183، وإحكام الآمدي 3/ 15، وشرح العضد 2/ 159، والمسودة ص 91، واللمع للشيرازي ص 150.
(7) صوابه: أبو الحسن، نقل هذا عنه الآمدي في الإحكام 3/ 15، والعضد في شرح ابن الحاجب 2/ 159، والمحلي في شرحه على جمع الجوامع 2/ 60.
(8) انظر: الآمدي 3/ 15، وجمع الجوامع 2/ 60، والعضد على ابن الحاجب 2/ 159.
(9) نقل هذا الخلاف أيضًا الشيرازي عن بعض الشافعية في اللمع ص 149، وأبو البركات في المسودة ص 91، وحكاه أيضًا هو والمحلي في شرح جمع الجوامع 2/ 60 عن بعض الحنفية.
(10) "والقول" في ز وز 2.
(11) انظر: شرح المسطاسي ص 31.
(4/325)

الفصل الثالث في أقسامه (1)
ش: الضمير في: أقسامه، يعود على المبين، دل عليه سياق الكلام.
ذكر المؤلف في هذا الفصل مسألتين وهما: أقسام المبين وأقسام البيان، ولكن تبرع بمسألة البيان؛ لأنه لم يترجم للبيان وإنما ترجم للمبين.
ولك أن تقول: ترجم للبيان في المعنى؛ لأن ذكر (2) المبين يستلزم ذكر البيان.
قوله: (المبين إِما بنفسه كالنصوص والظواهر، وإِما بالتعليل كفحوى (3) الخطاب، أو باللزوم كالدلالة (4) على الشروط (5) والأسباب).
ش: هذه هي المسألة الأولى، وهي أقسام المبين (6).
__________
(1) بدأت نسخة ز وز 2 بالمتن ثم عادتا كعادتهما للشرح.
(2) "لا نذكر" في ز 2.
(3) "كفحول" في ز.
(4) "كالدالة" في ش.
(5) "الشرط" في الأصل.
(6) انظر: هذه المسألة في: الرسالة للشافعي ص 21 - 22، والفقيه والمتفقه للخطيب 1/ 74، والمحصول 1/ 3/ 259، والمعتمد 1/ 319، 321، وشرح القرافي ص 278، والمسطاسي ص 32، وحلولو ص 235.
(4/327)

وهو (1) [ثلاثة] (2) أقسام وهي: المبيَّن بالذات، والمبين بالتعليل، والمبين باللزوم.
فالمبين بالذات: كالنص والظاهر، والمراد (3) النص (ها) (4) هنا: النص في اصطلاح الأصوليين، وهو ما دل على معنى قطعًا ولا يحتمل غيره قطعًا كأسماء الأعداد (5)، كقوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (6).
ومثال الظاهر: قوله (7) تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (8) (9).
ومثال المبين بالتعليل: قوله تعالى: {فَلَا [تَقُلْ] (10) لَهُمَا أُفٍّ} (11) [لأنه] (12) فهم منه أن علة تحريم (13) التأفيف هي العقوق، ونحن نعلم حكم
__________
(1) "وهي" في ز وز 2.
(2) ساقط من ز.
(3) هنا انتهى المجلد الأول من نسخة ز، وسيكون الرمز للمجلد الثاني من بعد هذا الموضع ب (ز) فقط دون الرقم (2).
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: الرسالة ص 21، 22، والمحصول 1/ 3/ 259، والفقيه والمتفقه 1/ 74.
(6) سورة البقرة آية رقم 196.
(7) "كقوله" في ز.
(8) وردت الآية في النسختين بدون الفاء، وانظر الآية في سورة التوبة الآية رقم 5، قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}.
(9) انظر: المسطاسي ص 32.
(10) ساقط من ز.
(11) سورة الإسراء آية رقم 23.
(12) ساقط من ز.
(13) "التحريم" في الأصل.
(4/328)

الضرب من ذلك التعليل بطريق الأولى؛ لأن العقوق بالضرب أشد من العقوق بالتأفيف، فتحريم الضرب يناسب التعليل (1).
وأما المبين باللزوم فمثاله: دلالة المشروطات على شروطها (2)، ودلالة المسببات على أسبابها (3).
مثال دلالة المشروط على شروطه (4): قولك: صلى فلان صلاة صحيحة، فإنه يدل على وجود شروطها من الطهارة والسترة (5) وغيرهما من شروط الصلاة (6).
ومثال دلالة المسبب على سببه: كدلالة الإحراق على وجود النار، ودلالة الشبع على وجود الطعام، ودلالة الري على وجود الماء، وغير ذلك (7).
قوله: (والبيان (8): إِما بالقول، أو بالفعل كالكتابة والإِشارة، أو بالدليل العقلي، أو بالترك [فيعلم أنه ليس واجبًا] (9)، أو بالسكوت [بعد
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 321، والفقيه والمتفقه 1/ 74، والمحصول 1/ 3/ 260، وشرح القرافي ص 278، والمسطاسي ص 32، وشرح حلولو ص 235.
(2) "شروطه" في الأصل.
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 261، والمسطاسي ص 32.
(4) "شرطة" في ز.
(5) "الستارة" في الأصل.
(6) انظر: شرح القرافي ص 278، والمسطاسي ص 32، وشرح حلولو ص 236.
(7) انظر: شرح القرافي ص 278، والمسطاسي ص 32.
(8) "البيان" في ز.
(9) ساقط من ز.
(4/329)

السؤال] (1) فيعلم عدم الحكم الشرعي (2) في تلك الحادثة).
ش: هذه هي المسألة الثانية وهي أقسام البيان (3).
حقيقة البيان: إخراج الشيء من حيز (4) الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح (5).
ذكر المؤلف أن أقسام البيان خمسة وهي (6): القول، والفعل، والعقل (7)، والترك، والسكوت بعد السؤال، وزاد الباجي اثنين (8) وهما:
__________
(1) ساقط من خ.
(2) "للشرع" في أوخ.
(3) انظر هذه المسألة في: الرسالة للشافعي ص 21 - 26، والمعتمد 1/ 337، والبرهان فقرة 75، والمنخول ص 66، والمستصفى 1/ 367، والمحصول 1/ 3/ 162، وروضة الناظر ص 184، والعدة لأبي يعلى 1/ 110 - 112، وإحكام الفصول للباجي 1/ 255، وأصول الشاشي ص 261، والإبهاج 2/ 233، وشرح الكوكب المنير 3/ 445، وشرح القرافي ص 278، وشرح المسطاسي ص 32، وحلولو ص 236.
(4) "جيز" في ز.
(5) هذا التعريف كما سبق بيانه منسوب لأبي بكر الصيرفي، ولم يرتضه كثير من فحول الأصول، وعرفه بعضهم بالعلم، وقال آخرون: هو الدليل الدال على العلم، وإلى هذا مال الغزالي وغيره من الأعلام. انظر: العدة 1/ 105، والمنخول ص 63، 64، وإحكام الآمدي 3/ 25، والبرهان فقرة ص 70 - 71، وشرح العضد 2/ 162، والمستصفى 1/ 365، والمعتمد 1/ 318، وروضة الناظر ص 184، وجمع الجوامع وحواشيه 2/ 67.
(6) "وهو" في ز.
(7) "والدليل العقلي" في ز.
(8) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 255، والمسطاسي ص 32.
(4/330)

الإقرار على الفعل، وشاهد (1) الحال.
مثال البيان بالقول: قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح (2) والدالية (3) نصف العشر" بيانًا لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (4) (5).
ومثال البيان بالفعل: كصلاة (6) جبريل بالنبي عليهما السلام (7)،
__________
(1) "وهنا هذا" في ز.
(2) "النطح" في ز.
(3) "الدلاية" في ز.
(4) سورة الأنعام آية رقم 141.
(5) انظر: شرح القرافي ص 278، والمسطاسي ص 32.
(6) "صلاة" في ز.
(7) حديث صلاة جبريل عليه السلام بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ثابت مشهور، روي عن عدد من الصحابة بألفاظ متعددة، حيث ثبت أن جبريل أمَّ النبي مرتين، ثم قال في بعض الروايات: "الصلاة ما بين هذين الوقتين".
فعن ابن عباس رواه الترمذي برقم 149، وأبو داود برقم 393، والحاكم 1/ 193، والبيهقي 1/ 364، والدارقطني 1/ 258، وقد قال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة رواه النسائي 1/ 249، والحاكم 1/ 194، وعنه البيهقي 1/ 369. ورواه الدارقطني 1/ 261، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال في رواية أخرى له: صحيح على شرط مسلم.
وعن أبي مسعود الأنصاري رواه أبو داود برقم 394، والنسائي 1/ 245، والبيهقي 1/ 363، والدارقطني 1/ 261.
وعن جابر رواه الترمذي برقم 150، والنسائي 1/ 263، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
وفي رواية للنسائي 1/ 255، والبيهقي 1/ 369، والدارقطني 1/ 256: أن الرسول صلى بصلاة جبريل، والصحابة صلوا بصلاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وانظر: نصب الراية 1/ 221 - 227، وإرواء الغليل 1/ 268.
(4/331)

وكصلاته عليه السلام بأصحابه رضي الله عنهم (1)، بيانًا لقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا (2) الصَّلَاةَ} (3) (4).
ومثال البيان بالكتابة: كتابه (5) عليه السلام إلى عمر بن حزم (6) وغيره بنصب الزكاة ومقادير الديات (7) .........................................
__________
(1) صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - مستفيضة وقد دلت عليها أحاديث كثيرة بصيغ مختلفة، ولعل أقواها دلالة على المقصود ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة لها غلام نجار: "مري غلامك فليصنع لي أعوادًا أجلس عليها إذا كلمت الناس"، فلما وضع صلى عليه رسول الله وكان يسجد في أصل المنبر، وقال بعد صلاته: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي". فانظر أصله في البخاري برقم 377، ومسلم برقم 544، وأبي داود برقم 1080، والنسائي 2/ 57، وابن ماجه برقم 1416، والبيهقي 3/ 108، وأحمد 5/ 339، وانظر: إرواء الغليل 2/ 332.
(2) "أقيموا" في ز. وقد جاءت في كتاب الله هكذا بدون واو، في سورة الأنعام آية رقم 72.
(3) جاءت في آيات عدة هي: البقرة الآيات: 43، 83، 110، وسورة النساء الآية رقم 77، وسورة يونس آية رقم 87، وسورة النور آية رقم 56، وسورة الروم آية رقم 31، وسورة المزمل آية رقم 20.
(4) انظر: شرح القرافي ص 278، والمسطاسي ص 32.
(5) "ككتابه" في ز.
(6) هكذا في النسختين، والصواب: عمرو بالواو، وهو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي البخاري الأنصاري، يكنى أبا الضحاك، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي سنة عشر على نجران، وكتب له الكتاب المشهور، مات بالمدينة بعد الخمسين.
انظر: الإصابة 2/ 532، والاستيعاب 2/ 517.
(7) كتاب النبي الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران إلى الحارث بن عبد كلال ومن معه من اليمن من معافر وهمدان، رواه النسائي 8/ 58، والدارمي 2/ 189، والحاكم 1/ 395، والبيهقي 8/ 28، والدارقطني 1/ 117، والطحاوي في شرح معاني الآثار 2/ 35، وأبو عبيد في الأموال ص 328. =
(4/332)

(1).
ومثال البيان بالإشارة: كإشارته عليه السلام بيده إلى الذهب والحرير، وفي يده خيط ذهب وخيط حرير، فقال: "هذان محرمان على ذكور أمتي" (2)، وكقوله عليه السلام، "إذا أقبل الظلام من ها هنا"، وأشار بيده إلى المشرق، "وأدبر (3) الضياء من ها هنا" وأشار بيده إلى المغرب، "فقد وجبت الصلاة" (4)، وكإشارته عليه السلام إلى عدد أيام الشهر، فقال: "الشهر
__________
= وانظر: نصب الراية 2/ 239، وإرواء الغليل 7/ 268.
أما كتبه إلى غير عمرو فكثيرة منها: كتابه لعلي بن أبي طالب، وهو عند البيهقي 8/ 28، وكذا كتبه للملوك وسادات القبائل، ونحوهم.
(1) انظر: شرح القرافي ص 279، وشرح المسطاسي ص 32.
(2) معنى حديث روي عن علي بن أبي طالب وبعض الصحابة، ونص حديث علي: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريرًا بشماله وذهبًا بيمينه، ثم رفع بهما يديه، فقال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم" رواه ابن ماجه برقم 3595، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 250، وأحمد 1/ 115، والنسائي 8/ 160. وقد روي من حديث أبي موسى، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، لكن دون ذكر إشارته عليه السلام إليهما.
فانظر حديث أبي موسى في: الترمذي برقم 1720، والنسائي 8/ 190، والبيهقي 3/ 276، ومسند أحمد 4/ 392، 394، 407.
وحديث عقبة في البيهقي 3/ 275، وشرح معاني الآثار للطحاوي 4/ 251، وحديث عبد الله بن عمرو في ابن ماجه برقم 3597.
(3) "وإذا أبدأ" في ز.
(4) لم أجد الحديث بهذا اللفظ أعني: "فقد وجبت الصلاة"، وإنما الحديث يروى في فطر الصائم بلفظ: "فقد أفطر الصائم" وبدل الظلام والضياء: الليل والنهار.
فانظره من حديث عمر بن الخطاب عند البخاري في الصوم برقم 1954، ومسلم برقم 1100، وأبي داود برقم 2351، وأحمد 1/ 28.
ومن حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم برقم 1101، وأحمد 4/ 380.
(4/333)

هكذا وهكذا" وخنس (1) إبهامه في الثالثة (2) إشارة إلى أنه قد يكون تسعة وعشرين يومًا (3).
ومثال البيان بالعقل: قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (4)، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ (5) عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (6)، وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (7) وغير ذلك [مما خص الله به نفسه جل جلاله] (8) (9) (10).
__________
(1) "حبس" في ز. وهي رواية وردت في الأحاديث عند مسلم برقم 1080 عام 16 خاص في كتاب الصيام، وقد روي أيضًا: عقد، وقبض، وكسر، ونقص.
(2) هو بهذا اللفظ عن ابن عمر عند البخاري في الصوم برقم 1908، 1903، وفي الطلاق برقم 5303، ومسلم برقم 1080، والنسائي 4/ 140، وأبي داود في الصوم برقم 2319، وأحمد 2/ 28، 43، 44، 52، 81، 122، 125، 129، وعن سعد بن أبي وقاص بلفظ قريب عند مسلم برقم 1086، والنسائي 4/ 138، 139، وأحمد 1/ 184، وابن ماجه برقم 1657.
وعن جابر عند مسلم برقم 1084، وأحمد 3/ 329، وعن أبي هريرة عند ابن ماجه برقم 1656. وعن أبي بكرة عند أحمد 5/ 42.
(3) انظر: شرح القرافي ص 278، والمسطاسي ص 32.
(4) سورة الرعد آية رقم 16، وسورة الزمر آية رقم 62.
(5) "الله" في ز، وهي بدون واو في سورة البقرة الآيات رقم: 20، 106، 109، 148، 259، وسورة آل عمران آية رقم 165، وسورة النحل آية رقم 77، وسورة النور آية رقم 45، وسورة العنكبوت آية رقم 20، وسورة فاطر آية رقم 1، وسورة الطلاق آية رقم 12.
(6) سورة البقرة آية رقم 248، وسورة آل عمران الآيتان رقم 29، 189، وسورة المائدة الآيات رقم: 17، 19، 40، وسورة الأنفال الآية رقم 41، وسورة التوبة آية رقم 39، وسورة الحشر آية رقم 6.
(7) سورة آل عمران آية رقم 185، وسورة الأنبياء آية رقم 35، وسورة العنكبوت آية رقم 57.
(8) ساقط من الأصل.
(9) فالعقل يبين استثناء الله عز وجل من هذه الآيات وغيرها مما يختص الله به، ولهذا سمي هذا القسم بيانًا عقليًا.
(10) انظر: شرح القرافي ص 279، والمسطاسي ص 32.
(4/334)

ومثال البيان بالترك: نهيه عليه السلام عن الشرب قائمًا ثم ترك الجلوس وشرب قائمًا (1)؛ لأنه يدل على عدم وجوب الشرب جالسًا، وكذلك تركه عليه السلام للجلسة الأولى في الصلاة والاكتفاء بالسجود
__________
(1) أما أحاديث النهي عن الشرب قائمًا فقد رويت عن عدد من الصحابة منهم:
1 - أنس بن مالك روى حديثه مسلم في الأشربة برقم 2024، والترمذي في الأشربة برقم 1879، وأبو داود في الأشربة أيضًا برقم / 3717، وابن ماجه كذلك في الأشربة برقم 3424، والدارمي في الأشربة 2/ 121، وهذه بلفظ: نهى النبي عن الشرب قائمًا، وبعضها بلفظ: زجر. وقال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح.
2 - أبو سعيد الخدري روى حديثه مسلم برقم 2025 في الأشربة، وابن ماجه في الطهارة برقم 321، ولفظ هذا الحديث كلفظ حديث أنس.
3 - أبو هريرة رواه مسلم في الأشربة برقم 2026، بلفظ: "لا يشربن أحدكم قائمًا فمن شرب فليستقئ"، ورواه أيضًا الدارمي في الأشربة 2/ 121، وفيه أنه قال لرجل شرب قائمًا: "قئ".
أما الأحاديث التي دلت على جواز الشرب فهي أيضًا كثيرة وعن عدد من الصحابة منهم:
1 - ابن عباس ولفظه: سقيت النبي من زمزم قائمًا، رواه البخاري برقم 1637 في الحج وفي الأشربة برقم 5617، وزاد في الأول: قال عاصم: وحلف عكرمة ما كان إلا على بعير.
وروى الحديث دون هذه الزيادة مسلم برقم 2027، والترمذي برقم 1882، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في المناسك 5/ 237، وابن ماجه برقم 3422.
2 - علي بن أبي طالب ولفظه: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرب قائمًا، وفي بعضها: أنه شرب قائمًا، وقال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، وقد رواه البخاري برقم 5615، 5616 في الأشربة، وأبو داود في الأشربة برقم 3718.
3 - عمرو بن شعيب رواه الترمذي برقم 1883، وقال: حديث حسن صحيح.
4 - ابن عمر بلفظ: كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نسعى، أخرجه الترمذي برقم 1881، وقال: صحيح غريب، والدارمي 2/ 121.
5 - حديث كبشة الأنصارية أنه شرب من قربتها، رواه ابن ماجه برقم 3423.
(4/335)

عنها (1)، يدل على أنها غير واجبة (2) (3).
ومثال البيان بالسكوت بعد السؤال: قصة عويمر العجلاني (4) / 228/ إذ (5) سأل النبي عليه السلام عن حكم امرأته حين وجد معها رجلًا فسكت [عنه] (6) النبي عليه السلام (7)، فدل سكوته على عدم الحكم في النازلة حتى نزل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ ...} (8) [الآية] (9)، فلاعن عليه السلام بينهما (10).
__________
(1) الحديث متفق عليه، ولم أجد فيه إلا حديثًا واحدًا عن عبد الله بن بحينة.
وقد رواه البخاري برقم 1224، 1225، ومسلم برقم 570، والترمذي برقم 391، والنسائي 3/ 34 في كتاب السهو، وأبو داود برقم 1034، وابن ماجه برقم 1206، وأحمد 5/ 345، 346، والبيهقي 2/ 134، 340، 352، والدارمي 1/ 353، والدارقطني 1/ 377، وانظر: إرواء الغليل 2/ 45.
(2) التعبير بغير واجبة، ليس دقيقًا؛ لأن الجلسة للتشهد الأول من واجبات الصلاة، فلو قال: غير ركن، لكان أولى.
(3) انظر: شرح القرافي ص 279، والمسطاسي ص 32.
(4) في ز "كقصة عمر عمير بن العجلاني".
(5) "إذا" في ز.
(6) ساقط من ز.
(7) قصة عويمر العجلاني في لعان امرأته حينما وجد معها رجلًا فلم يهجه، وجاء للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: من وجد مع أهله رجلًا أيقتله فتقتلونه أم ماذا يفعل؟ فسكت عنه النبي حتى أنزل الله عليه حكم اللعان، فدعاه ولاعن بينه وبين زوجته، والرجل الذي رمى به زوجته هو شريك بن سحماء، والقصة بطولها في البخاري برقم 5308، ومسلم برقم 1492، والبيهقي 7/ 398، 399، 401، وأحمد 5/ 334، 336، 337، عن سهل بن سعد الساعدي.
ورواها أبو داود برقم 2253 عن ابن مسعود.
وانظر: نصب الراية 3/ 249، وإرواء الغليل 7/ 184.
(8) سورة النور آية رقم 6.
(9) ساقط من ز.
(10) انظر: شرح القرافي ص 279، والمسطاسي ص 32.
(4/336)

ومثال البيان بالإقرار على الفعل [على] (1) ما قال الباجي: إقراره عليه السلام أهل المدينة على أكل الخضر وبيعها من غير زكاة، بيانًا لقوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر".
ومثال البيان بشاهد (2) الحال: قوله عليه السلام: "يقضى بالحائط (3) لمن إليه القمط (4)، والعقود (5) (6) "، ومعناهما: تداخل الأركان بعضها في بعض، وقيل: القمط: هو التمليس بالجبس والجير والتراب،
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "يشاهد" في ز.
(3) "الحايطر" في ز.
(4) "القمطة" في ز.
(5) "العضود" في ز.
(6) لم أجد الحديث بهذا اللفظ، وقد روى ابن ماجه والدارقطني من حديث جارية بن ظفر الحنفي أن قومًا اختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في خص، وفي رواية: حظار كان بينهم، فبعث حذيفة ليقضي بينهم فقضى للذين يليهم القمط، وفي رواية: لمن وجد معاقد القمط تليه، فلما رجع وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: أصبت وأحسنت.
أخرجه ابن ماجه في الأحكام برقم/ 2343، وأخرجه الدارقطني 2/ 229 عن عقيل ابن دينار مولى خارجة عنه، وسماه حارثة، وهو تصحيف، انظر تصحيفات المحدثين للعسكري 3/ 2/ 519، وقد ترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب 1/ 246، وخرج حديثه، وانظر ترجمته في الإصابة 1/ 218، 2/ 520 والبخاري في الكبير 2/ 237، ومدار الحديثين على دهثم بن قرابة العكلي وهو ضعيف جدًا، انظر لترجمته: تهذيب التهذيب 3/ 213، ومعنى الخص في الحديث: البيت الذي يعمل من القصب، والحظار: حظير الإبل من شجر ونحوه.
ونمران بن جارية نقل في تهذيب التهذيب 10/ 475، جهالة حاله، وعقيل ترجم له البخاري في الكبير 7/ 52، وسكت عنه.
(4/337)

والعقود (1): هو تداخل الأركان بعضها في بعض (2).
...
__________
(1) "العضود" في ز.
(2) القُمُط بضمتين جمع قماط: وهي الشروط التي يشد بها الشخص ويوثق من ليف أو خوص أو غيرهما، وقيل: إن كان بضمتين فهو الشُرُط التي يشد بها من ليف أو خوص أو غيرهما، وإن كان بالكسر مع تسكين الميم فخاص بما تشد به الأخصاص.
وأما العقود: فهي جمع عقد وهي طاقات البناء المعقود بعضها فوق بعض، وأحدها طاق. انظر: القاموس المحيط مادة قمط وعقد، والصحاح مادة قمط، ومعجم مقاييس اللغة مادة: عقد، واللسان مادة: عقد، وانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 4/ 108.
(4/338)

الفصل الرابع في حكمه (1)
ش: الضمير في حكمه، يعود على البيان؛ وذلك أن المؤلف ذكر في هذا الفصل أربع مسائل، ثلاثة (2) في البيان، وواحدة في المجمل، وهي التي بدأ بها، فأعاد المؤلف الضمير على البيان، تغليبًا للكثير على القليل ..
قوله: ([و] (3) يجوز ورود المجمل في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه (4) عليه السلام، خلافًا لقوم.
لنا أن آية الجمعة وآية الزكاة مجملتان، وهما في كتاب الله عز وجل).
ش: هذه هي المسألة الأولى (5).
حجة القول بورود المجمل (6) في القرآن: نحو آية الجمعة، وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى
__________
(1) بدأت نسخة ز بسرد المتن.
(2) هكذا في النسختين: الأصل، وز، والأولى: ثلاث؛ لأن العدد يذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر.
(3) ساقط من ش.
(4) "النبي" في ز.
(5) انظر هذه المسألة في: المحصول 1/ 3/ 237، وجمع الجوامع 2/ 63، وشرح القرافي ص 280، وشرح المسطاسي ص 33، وشرح حلولو ص 237، وشرح الكوكب المنير 3/ 415.
(6) "وقوعه" زيادة في ز.
(4/339)

ذِكْرِ اللَّهِ} (1)، فهي مجملة بالنسبة إلى صفة أدائها (2).
وكذلك آية الزكاة، وهي قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3) فهي مجملة بالنسبة إلى مقادير الحق الواجب.
ومثال وروده في السنة: قوله عليه السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم (4) وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (5)، فقوله: "إلا بحقها" مجمل.
وغير ذلك من الآيات (6) والأحاديث، فدل وقوعه على جوازه؛ لأن الوقوع من لوازم الجواز؛ إذ لو كان ممتنعًا (7) لما وقع (8).
حجة القول بالمنع: (9) أن الوارد من ذلك في الكتاب والسنة، إما أن
__________
(1) سورة الجمعة آية رقم 9.
(2) "آدابها" في ز.
(3) سورة الأنعام آية رقم 141.
(4) "دماؤهم" في ز.
(5) حديث مشهور من حديث أبي هريرة وابن عمرو وجابر وغيرهم، رواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ كثيرة.
فانظره في: البخاري في كتاب الإيمان برقم 25، وكتاب الصلاة برقم 392، واستتابة المرتدين برقم 6924.
وانظره في مسلم في كتاب الإيمان برقم 20، 21، 22، 23 واللفظ الذي أورده الشوشاوي هنا رواه مسلم في الإيمان برقم 21 إلا أن فيه: "يشهدوا" بدل: "يقولوا".
(6) "الآية" في ز.
(7) "ممنوعًا" في ز.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 33.
(9) انظر: الدليل في: المحصول 1/ 3/ 238، وشرح الكوكب المنير 3/ 415، وشرح القرافي ص 280، وشرح المسطاسي ص 33.
(4/340)

يكون المراد به البيان، أو لا، والثاني عبث وهو غير جائز على الله تعالى.
وإن أريد به البيان، فإما أن يقترن بالمجمل ما يبينه أو لا، فإن اقترن به بيانه فذلك تطويل من غير فائدة؛ لأن (1) التنصيص عليه بالبيان أفصح من ذكره باللفظ المجمل ثم يبين (2) ذلك المجمل بلفظ آخر.
وإن لم يقترن به ما يبينه فهو باطل, لأنه إذا أريد به البيان مع عدم بيانه في اللفظ فهو ممتنع؛ لأنه تكليف بما لا يطاق.
والجواب: (3) أنا لا نسلم عدم الفائدة في ورود المجمل، بل فيه فوائد ومصالح:
أحدها: (4) امتحان العبد حتى يظهر تثبته وفحصه (5) عن البيان فيعظم أجره، أو يظهر إعراضه فيظهر عصيانه (6).
وثانيها: أنه إذا ورد المجمل ثم ورد البيان بعده، ازداد شرف العبد بكثرة مخاطبة سيده له.
وثالثها: أن الحروف إذا كثرت كثرت الأجور، لقوله عليه السلام: "من
__________
(1) "كما أن" في ز.
(2) "بين" في ز.
(3) انظر بعض هذا الجواب في: المحصول 1/ 3/ 239، وشرح الكوكب المنير 3/ 415، وانظره كاملًا في شرح القرافي ص 280، وشرح المسطاسي ص 33.
وقد أسقط الشوشاوي جوابًا حسنًا وهو: أن هذا مبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، ونحن نمنعها؛ لأن الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
(4) "أحدهما" في ز.
(5) "وفحمه" في ز.
(6) "عميانه" في ز.
(4/341)

قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر (1) حسنات" (2).
فهذه مصالح تترتب على الإجمال وهي: امتحان العبد، وزيادة شرفه، وكثرة ثوابه، وقوله عليه السلام: "من قرأ القرآن وأعربه"، أي: بينه؛ لأن الإعراب يراد (3) به البيان، كقوله عليه السلام: "الثيب (4) تعرب عن نفسها" (5) ومعنى أعربه (6): أي بينه بالترتيل؛ لأن الترتيل وسيلة إلى الفهم معناه (7)، وفهم معناه (8) الذي هو وسيلة إلى العمل الذي هو ثمرة التلاوة.
__________
(1) "عشرة" في الأصل.
(2) رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعربوا القرآن، فإن من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، وكفارة عشر سيئات ورفع عشر درجات" كذا أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: وفيه نهشل وهو متروك. انظر: مجمع الزوائد 7/ 163.
وله شواهد كثيرة ذكر بعضها صاحب الكنز، فانظر: كنز العمال 1/ 533، 534، وقد روى الترمذي وغيره حديث ابن مسعود الصحيح: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف"، فانظره في الترمذي برقم 2910.
(3) "يزاد" في ز.
(4) بعد هذا الموضع يوجد في نسخة (ز) خرم يمتد إلى أواخر الفصل الثالث من باب النسخ.
(5) رواه ابن ماجه في النكاح برقم 1872، وأحمد في المسند 4/ 192 من حديث عدي ابن عدي بن عميرة الكندي عن أبيه، وقد أعله بعضهم بالانقطاع؛ لأن عديًا لم يسمع من أبيه عدي بن عميرة، روي هذا عن أبي حاتم، وشواهده الكثيرة تفيد صحته.
(6) الإعراب: الإبانة والإفصاح، والتعريب: تهذيب المنطق من اللحن.
انظر: القاموس والصحاح مادة: عرب.
(7) التعبير ركيك ولو قال: إلى فهم معناه، بحذف الألف واللام لكان أولى.
(8) جاء في الهامش من مخطوط الأصل ما يلي: "انظر شرط الفهم في قراءة القرآن".
(4/342)

ومن ظن أن المقصود من القرآن تلاوته فقط فهو مغرور، ولهذا قال عليه السلام: "القرآن حجة لك أو عليك" (1)، وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: "ليس في القرآن أشد عليّ من هذه الآية؛ قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} (2) (3).
قوله: (ويجوز البيان بالفعل خلافًا لقوم (4).
ش: حجة المشهور القائل بالجواز: دليل النقل، ودليل (5)، فأما دليل النقل، فهو الأفعال الصادرة من النبي عليه السلام على وجه البيان؛ لأنه عليه السلام لما بين الصلاة بفعله، فقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولما بين الحج بفعله فقال: "خذوا عني مناسككم"، فدل (6) ذلك على أن فعله بيان
__________
(1) جاء هذا الحديث في مخطوطة الأصل: "وعليك" بالواو، والروايات التي وجدتها للحديث كلها بأو وهذا الذي يقتضيه السياق أيضًا.
وهذا الحديث مشهور من رواية أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في الطهارة برقم 223، والترمذي في الدعوات برقم 3517، والنسائي في الزكاة 5/ 8، وابن ماجه في الطهارة برقم 280.
(2) سورة المائدة آية رقم 68.
(3) انظر الأثر عن سفيان، والتوجيه بفهم القرآن في: شرح المسطاسي ص 33، ولم أجد من خرجه.
(4) انظر المسألة في: المحصول 1/ 3/ 269، والعدة لأبي يعلى 1/ 118، والإحكام للآمدي 3/ 27، والتبصرة ص 247، والمعتمد 1/ 338، والمستصفى 1/ 366، واللمع للشيرازي ص 156، وشرح العضد 2/ 162، والفصول للباجي 1/ 255، وشرح الكوكب المنير 3/ 442، وشرح القرافي ص 281، وشرح المسطاسي ص 33، وشرح حلولو ص 237.
(5) "هكذا" في الأصل، والأصوب زيادة: "العقل" ليستقيم الكلام.
(6) الأولى حذف الفاء من هنا، حتى يستقيم الأسلوب.
(4/343)

لتفاصيل الصلاة والحج، هذا دليل النقل (1).
وأما دليل العقل: فلأن مشاهدة فعل الصلاة والحج مثلًا، أدل على معرفة تفاصيلها من الإخبار عنهما بالقول؛ إذ ليس الخبر كالمعاينة (2).
حجة القول بالمنع: أن البيان بالفعل فيه تطويل، وتأخير البيان مع إمكانه بما هو أقصر من الفعل وهو القول عبث، والعبث على الله تعالى محال؛ وذلك أن زمان البيان بالقول أقل من زمان البيان بالفعل (3).
أجيب عنه: بأن البيان بالقول قد يكون أطول من البيان بالفعل، وذلك في الأشياء الغامضة التي تحتاج إلى ألفاظ كثيرة، وأما الفعل فقد يظهر بالمرة الواحدة ضروريًا عند من شاهد ذلك الفعل، وأيضًا سلمنا أن الفعل أطول، ولكن ذلك لفائدة، وهي كون الفعل أقوى وأثبت في النفس، ولذلك كانت الصنائع تنضبط بالمشاهدة دون الأقوال المجردة كالتجارة/ 229/ والحياكة والصياغة وغيرها (4).
قوله: (وإِذا تطابق القول والفعل، فالبيان القول، والفعل مؤكد له).
ش: هذه هي المسألة الثالثة (5): يعني إذا ورد القول والفعل بعد
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 33.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 270، وشرح الكوكب المنير 3/ 443.
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 272، وشرح القرافي ص 281، وشرح المسطاسي ص 34، وشرح حلولو ص 238.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 272، وشرح القرافي ص 281، وشرح المسطاسي ص 34.
(5) انظر: للمسألة: المعتمد 1/ 339، والإحكام للآمدي 3/ 28، والمحصول 1/ 3/ 272، وجمع الجوامع 2/ 68، وشرح العضد 2/ 163، وتيسير التحرير 3/ 176، وشرح القرافي ص 281.
(4/344)

المجمل، وكل واحد منهما صالح للبيان واتفقا في البيان، فإن القول هو البيان، وأما الفعل فهو مؤكد له.
وهذا الذي ذكره المؤلف هو أحد الأقوال الثلاثة:
قيل: البيان: القول، والفعل مؤكد له، كما قاله المؤلف.
وقيل: البيان: الفعل، وأما القول فهو مؤكد للفعل.
وقيل: هما سيان (1) (2) (3).
حجة الأول: أن القول يدل بنفسه بأصل الوضع، وأما الفعل فلا يدل إلا بواسطة القول الدال على كونه دليلًا، كقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (4)، وما يدل بنفسه أولى مما يدل بغيره (5).
__________
(1) فات الشوشاوي هنا الاستدراك على المؤلف بأن هذه المسألة فيما إذا جهل المتقدم، وأما إذا علم المتقدم فالذي عليه كثير من الأصوليين تقديم المتقدم قولًا كان أو فعلًا؛ حيث يكون هو البيان والثاني مؤكد له، واشترط بعضهم ألا يكون الثاني دون الأول في الدلالة، لاستحالة تأكيد الشيء بما هو دونه في الدلالة.
ورد هذا بأن الجمل تؤكد الثانية منهما الأولى، وإن كانت الثانية أضعف.
انظر: المحصول 1/ 3/ 272، والإحكام للآمدي 3/ 28، وتيسير التحرير 3/ 176، والمعتمد 1/ 339، وشرح الكوكب المنير 3/ 447 - 449، وشرح العضد 2/ 163، وشرح حلولو ص 238.
(2) الذي عليه كثير من الأصوليين في هذه المسألة أنه يحكم عليهما بإطلاق بأن الأول في نفس الأمر بيان، والثاني في نفس الأمر مؤكد له، دون تعيين. انظر: المحصول 1/ 3/ 273، والمعتمد 1/ 339، وشرح الكوكب المنير 3/ 448.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 34، وشرح حلولو ص 238.
(4) سورة الحشر آية رقم 7.
(5) انظر: شرح القرافي ص 281، وشرح المسطاسي ص 34.
(4/345)

حجة المنع (1): أن الفعل أقوى وأثبت في النفس من القول فيقدم (2).
حجة القول بالتسوية: تعارض الأدلة، وعدم الأولية، واستقلال كل واحد منهما بالدلالة على انفراده (3).
قوله: (وإِن تنافيا، نحو قوله عليه السلام: "من قرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافًا واحدًا" (4)، وطاف عليه السلام لهما طوافين (5)، فالقول مقدم؛ لأنه (6) يدل بنفسه).
ش: هذا من تمام ما قبله، وهو مقابلة؛ لأن ما تقدم إنما هو فيما إذا اتفق القول والفعل في البيان، وهذا فيما تنافيا (7) في البيان، أي: تخالفا في البيان، وذلك أن قوله عليه السلام: "فليطف لهما طوافًا واحدًا" هو بيان لآية الحج، وكذلك كونه عليه السلام طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين
__________
(1) لو قال: حجة القول الآخر، لكان أولى؛ إذ لا مجال للمنع ها هنا إلا أن يريد منع ما ادعاه الأولون.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 34.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 34.
(4) روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطواف الواحد والسعي الواحد أحاديث كثيرة، فعلية وقولية، فالفعلية: من حديث ابن عمر وابن عباس وجابر، وأبي قتادة وأبي سعيد وعائشة، فانظر هذه الأحاديث في: صحيح البخاري برقم 4395، وسنن الترمذي برقم 947، وسنن أبي داود برقم 1895، 1896، 1897، وسنن النسائي 6/ 226، 244، وابن ماجه برقم 972 - 974. وأما القولية، فمنها: حديث ابن عمر الذي رواه ابن ماجة برقم 975، والدارقطني 2/ 257.
(5) حديث طواف النبي - صلى الله عليه وسلم - طوافين، رواه الدارقطني عن ابن عمر 2/ 258، وعن علي 2/ 263، وعن ابن مسعود 2/ 264.
(6) "لكونه" في نسخ المتن.
(7) هكذا في الأصل، ولو قال: فيما إذا تنافيا، لكان أولى ولعله من الناسخ.
(4/346)

هو أيضًا بيان لآية الحج، ولكن بيانهما مختلف (1)، وهذا الحديث الذي مثل به المؤلف هو أيضًا تمثيل الإمام فخر الدين في المحصول (2)، وهذا الحديث إنما قاله عليه السلام في حجة الوداع (3)، وهذا المثال إنما جاء على القول بأنه عليه السلام في حجة الوداع قارن (4) وهو مذهب أبي حنيفة، وقيل: بأنه متمتع وهو مذهب الشافعي، وقيل بأنه مفرد وهو مذهب مالك رضي الله عنهم جميعًا (5).
__________
(1) لو قال: بيانيهما مختلفان، لكان أولى.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 273، وانظر: شرح القرافي ص 281، وشرح المسطاسي ص 34.
(3) انظر: صحيح البخاري الحديث رقم 4395.
(4) قال القرافي في شرحه ص 281: هو مبني على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعًا.
(5) وردت الأنساك الثلاثة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فروى الإفراد عنه: عائشة وعبد الله بن عمر وجابر وغيرهم، وروى القرآن عنه: أنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وجابر وابن عمر، وروى التمتع: علي بن أبي طالب وابن عباس وسعد بن أبي وقاص، وعمران ابن حصين وعبد الله بن عمر وغيرهم.
وجمع بين هذه الأحاديث بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج، فمن روى أنه مفرد أراد أنه لم يفعل إلا أفعال الحج، ومن روى أنه قارن أراد ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من قرن العمرة بالحج، ومن روى أنه متمتع أراد التمتع اللغوي، وهو التلذذ بجمع العمرة مع الحج في فعل واحد.
والصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا وأمر من معه ممن لم يسق الهدي بالتمتع، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت".
روى هذا البخاري وغيره. انظره في البخاري برقم 1651، وانظر: جامع الأصول 3/ 99 - 161، والمجموع شرح المهذب للنووي 7/ 159.
والعلماء متفقون على جواز الأنساك الثلاثة إلا ما روي عن بعض الصحابة والتابعين من خصوص التمتع بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين معه في حجة الوداع. ويرد هذا عموم قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}، وعموم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإطباق الأمة =
(4/347)

قوله: (فالقول مقدم لكونه يدل بنفسه). يعني: وأما الفعل فلا يدل إلا بواسطة القول الدال على كونه دليلًا، وما يدل بنفسه أولى مما يدل بغيره، فيكون القول هو البيان، فيحمل الفعل على أنه ندب، أو على أنه واجب خاص به عليه السلام، وهذا هو المختار عندهم جمعًا بين الدليلين؛ دليل القول، ودليل الفعل، والجمع بين الدليلين ولو بوجه ما أولى من إلغاء أحدهما.
قوله: (ويجوز بيان المعلوم بالمظنون، خلافًا للكرخي).
ش: هذه هي المسألة الرابعة (1)، المراد بالمعلوم: هو المتواتر، والمراد بالمظنون: الآحاد. ذكر المؤلف الوجه المختلف فيه، وهو بيان المعلوم بالمظنون، وسكت عن الثلاثة الباقية لجوازها باتفاق وهي: المعلوم
__________
= على فعله.
واختلف العلماء رحمهم الله في أفضل الأنساك الثلاثة:
فالصحيح من مذهب الشافعي ومذهب مالك والأوزاعي وأبي ثور وداود: أن الإفراد أفضل، وبه قال عمر بن الخطاب وعثمان وجماعة من الصحابة.
وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري وابن المنذر والمزني من أصحاب الشافعي إلى أن القران أفضل.
وقال الإمام أحمد: التمتع أفضل، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال ابن عباس وابن عمر وعائشة والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وسالم.
وللقوم حجج وأدلة يضيق المقام بسردها.
فانظر: الهداية للمرغيناني 1/ 153، وحاشية ابن عابدين 2/ 529، وبداية المجتهد 1/ 335، والمجموع شرح المهذب 7/ 152، والمغني لابن قدامة 3/ 276، والإنصاف للمرداوي 3/ 434.
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 275، والعدة 1/ 125، وروضة الناظر ص 185، والمعتمد 1/ 340.
(4/348)

بالمعلوم، والمظنون بالمظنون، أو (1) المظنون بالمعلوم (2).
قوله: (ويجوز بيان المعلوم بالمظنون)، مثاله: قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر" بيانًا لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3)؛ فإن هذا الحديث خبر واحد بالنسبة إلينا، وأما من سمع ذلك من الصحابة منه عليه السلام فإنه معلوم عنده لا مظنون؛ إذ لا يكون التواتر أقوى من المباشرة (4).
قوله: (خلافًا للكرخي)، حجة أبي الحسن الكرخي: أن المظنون أضعف من المعلوم، فلا يعتمد على الأضعف في البيان (5).
الجواب عنه: أن خبر الآحاد وإن كان مظنونًا من حيث السند فإن المتواتر أيضًا مظنون من حيث الدلالة فاشتركا في الظن، وخبر الآحاد أخص فيقيد به لأنه أقوى دلالة؛ ولأن فيه الجمع بين الدليلين بخلاف العكس، وبهذا ما قدمنا إلا ما هو أقوى على ما هو أضعف (6).
وفي هذا الجواب نظر؛ لأن الدليلين إنما تعارضا بالنسبة إلى ما تناوله
__________
(1) هكذا في الأصل والصواب بالواو.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 34.
(3) سورة الأنعام آية رقم 34. وقد ضبط الناسخ الحاء من حصاده بالكسر وهي قراءة ورش عن نافع؛ إذ قد ورد في الحاء هنا قراءتان: الفتح وبها قرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر، وهي لغة أهل نجد وتميم. وقرأ الباقون بالكسر وهي لغة أهل الحجاز.
انظر: النشر 2/ 266، وحجة القراءات ص 275.
(4) انظر: شرح القرافي ص 282، وشرح المسطاسي ص 34.
(5) انظر: شرح القرافي ص 282، وشرح المسطاسي ص 34.
(6) انظر: شرح القرافي ص 282، وشرح المسطاسي ص 34.
(4/349)

الدليل الخاص، وأما ما عداه فلم يحصل فيه معارضة، وحينئذ يلزم من إعمال أحدهما إلغاء الآخر فلا محالة.
ولا يقال: إن ذلك الأخص أقوى.
فإذا تعارضا من كل وجه، وجب التوقف حتى يرد البيان.
***
(4/350)

الفصل الخامس في وقته
الضمير في "وقته" يعود على البيان، دل عليه سياق الفصل.
ذكر المؤلف في هذا الفصل ثلاثة (1) مسائل، وهي:
تأخير البيان عن وقت الحاجة، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة، وتأخير ما يوحى إليه عليه السلام إلى وقت الحاجة.
قوله: (من جوز تكليف ما لا يطاق، جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة).
ش: هذه هي المسألة الأولى، وهي جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة (2).
قال الغزالي في المستصفى (3): لا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن
__________
(1) التذكير هنا أولى كما سبقت الإشارة في عدة مواضع.
(2) انظرها في: العدة لأبي يعلى 3/ 724، والمعتمد 1/ 342، والبرهان فقرة 77، وروضة الناظر ص 185، والمسودة ص 181، واللمع للشيرازي ص 159، والمستصفى 1/ 368، والمحصول 1/ 3/ 279، وشرح العضد 2/ 164، وإحكام الآمدي 3/ 32، وجمع الجوامع وحواشيه 2/ 69، وتيسير التحرير 3/ 174، وفواتح الرحموت 2/ 49، والفصول للباجي 1/ 256، والإبهاج 2/ 234، وشرح القرافي ص 282، وشرح المسطاسي ص 34، وشرح حلولو ص 239.
(3) من أجمع كتب أصول الفقه، ألفه الغزالي بعد أن تمكن من العلم، فجاء فيه بعلم غزير وترتيب بديع، طبع مع فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت بالمطبعة الأميرية ببولاق سنة 1325، ومنذ ذلك الحين وهو يصور، ولم يحظ بمن يحققه ويدققه.
(4/351)

وقت الحاجة إلا على مذهب من يجوز تكليف المحال (1) وهو تكليف ما لا يطاق.
قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن تأخيره يمنع وقوع الفعل، وذلك من باب تكليف ما لا يطاق، وهو التكليف بفعل لا تعلم صفته.
وقال الباجي: لا خلاف بين الأمة أنه لم يرد في الشرع تأخير البيان عن وقت الحاجة (2).
قوله: (من جوز تكليف ما لا يطاق جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (3) إِليه، وهو التكليف بفعل لا تعلم صفته) يعني: ومن منع تكليف ما لا يطاق منع تأخير البيان عن وقت الحاجة باتفاق في المسألتين.
سبب الخلاف إذًا في جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة: هو الخلاف في جواز تكليف ما لا يطاق. / 230/
من جوزه جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومن منع ذلك منع هذا.
فحصل من كلامه: أن في تأخير البيان عن وقت الحاجة قولين: الجواز، والمنع.
مثال هذه المسألة: أن يقول الله تعالى في رمضان مثلًا: {فَإِذَا انْسَلَخَ
__________
(1) انظر: المستصفى للغزالي 1/ 368.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 256.
(3) إلى هنا انتهى كلام المتن، وما بعده إلى قوله: "يعني ... " إلخ ليس من كلامه فليعلم، وجملة: "وهو التكليف بفعل لا تعلم صفته"، من كلام القاضي عبد الوهاب في الملخص كما مر فلا أدري لِمَ جعلها المؤلف مع كلام الماتن؟
(4/352)

الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (1).
فرمضان وقت الخطاب، وأول صفر وقت الحاجة، من جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو أول صفر، قال: يجوز البيان بعد أول صفر (2)، ومن منع تأخير البيان عن وقت الحاجة، قال: يجب البيان في أول صفر.
والبيان مثلًا قوله عليه السلام: "نهيت عن قتل النساء والصبيان".
قوله: (وتأخيره عن وقت الخطاب إِلى وقت الحاجة جائز عندنا، سواء كان للخطاب (3) ظاهر (4) أريد (5) خلافه، أو (6) لم يكن، خلافًا لجمهور (7)، المعتزلة (8) إِلا في النسخ (9)، ومنع أبو الحسين منه فيما له ظاهر أريد خلافه، وأوجب تقديم البيان الإِجمالي دون التفصيلي بأن تقول (10): هذا الظاهر ليس مرادًا).
ش: هذه هي المسألة الثانية (11)، وهي تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
__________
(1) سورة التوبة آية رقم 5.
(2) انظر: شرح القرافي ص 282.
(3) "الخطاب" في الأصل وش.
(4) "ظاهرا" في الأصل وش.
(5) "وأريد" في أوش.
(6) "وان" في أ.
(7) "للجمهور" في أ.
(8) "من المعتزلة" في أ.
(9) في ش زيادة ما يلي: "لأنهم وافقوا على النسخ".
(10) "يقول" في ش وخ.
(11) انظرها في: العدة 3/ 725، والمعتمد 1/ 342، والمحصول 1/ 3/ 280، والبرهان فقرة 77، 78، والإحكام للآمدي 3/ 32، التمهيد للإسنوي ص 429، وروضة الناظر ص 185، والتبصرة للشيرازي ص 207، والمستصفى 1/ 368، =
(4/353)

ذكر المؤلف فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز مطلقًا، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية (1).
القول الثاني: المنع مطلقًا، وهو مذهب أبي بكر الأبهري من المالكية (2) , والجمهور من المعتزلة (3) والحنفية (4) والظاهرية (5).
__________
= واللمع للشيرازي ص 159، والوصول لابن برهان البغدادي 1/ 123، ونهاية السول 2/ 532، والفقيه والمتفقه 1/ 122، وتيسير التحرير 3/ 174، وجمع الجوامع وحواشيه 2/ 69، والإبهاج 2/ 234، والإحكام لابن حزم 1/ 75، وإحكام الفصول للباجي 1/ 256، وأصول ابن مفلح 2/ 585، وشرح القرافي ص 283، والمسطاسي ص 35، وحلولو ص 239.
(1) ذهب إليه جماهير علماء المذاهب الثلاثة، فمن المالكية: القاضي الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب، وابن خويز منداد، ورواه ابن بكير عن مالك.
ومن الشافعية: ابن سريج، وأبو سعيد الإصطخري، والقفال، وأبو إسحاق الشيرازي، ونقله عن الشافعي القاضي أبو بكر في التقريب.
ومن الحنابلة: أبو يعلى، وابن عقيل، وأبو الخطاب، وابن قدامة، ونسبه المجد في المسودة لأكثر الأصحاب. وعلى هذا القول جماهير الأصوليين كالرازي ومن تبعه.
انظر: التبصرة ص 207، والتمهيد للإسنوي ص 429، وشرح الكوكب المنير 3/ 453، والمسودة ص 178، والإبهاج 2/ 235، وأصول ابن مفلح 2/ 585، والفصول للباجي 2/ 256.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 257.
(3) انظر: المعتمد 1/ 342، والبرهان فقرة 78، وقد استثنى المعتزلة النسخ كما مر.
(4) نسب لهم في إحكام الفصول للباجي 1/ 257، والعدة 3/ 725، وإحكام الآمدي 3/ 23، والحق أن كثيرًا من الحنفية قالوا بالجواز، انظر: تيسير التحرير 3/ 174.
(5) نص ابن حزم في الإحكام على الجواز فانظره ص 1/ 75.
وقد نسب المنع للظاهرية: أبو يعلى في العدة 3/ 725، وصاحب الروضة ص 186، والآمدي في الإحكام 3/ 32، وابن مفلح في أصوله 2/ 585.
(4/354)

وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي (1) (2)، وأبو بكر الصيرفي، من الشافعية (3) (4).
القول الثالث: بالتفصيل لأبي الحسين بين المجمل (5) والعام، فيجوز تأخير البيان في المجمل ولا يجوز تأخيره في العام، بل يجب فيه تقديم البيان الإجمالي دون التفصيلي، وهو أن يقول: هذا الظاهر ليس مرادًا (6).
فهذه ثلاثة أقوال (7).
__________
(1) أبو إسحاق: إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي الشافعي، أخذ العلم عن ابن سريج وبرع فيه فتصدر العلم بعده، وأقام دهرًا طويلًا يُدرَس ويصنف، وفي آخر عمره انتقل إلى مصر وبها توفي سنة 340 ه، له شرح على مختصر المزني وكتاب الفصول في معرفة الأصول، وكتاب الخصوص والعموم.
انظر: الوفيات 1/ 26، وتاريخ بغداد 6/ 11، والفهرست ص 299.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 257، والإحكام للآمدي 3/ 32، وتيسير التحرير 3/ 174.
(3) انظر: الفصول للباجي 1/ 257، وإحكام الآمدي 3/ 32، وتيسير التحرير 3/ 174.
(4) وبه قال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي وجمع من الحنابلة. انظر: العدة 3/ 725، وأصول ابن مفلح 2/ 585.
(5) "الجمل" في الأصل وهو تصحيف.
(6) انظر: المعتمد 1/ 343، 348.
(7) في المسألة أقوال أخرى لم يذكرها المؤلف هنا منها:
1 - جواز التأخير فيما لا ظاهر له كالمجمل، ومنعه فيما له ظاهر كالعام، وبه قال الكرخي وجماعة من الحنفية.
2 - عكس القول السابق حكاه الإبياري في شرح البرهان.
3 - جوازه في النسخ وامتناعه فيما عداه، قاله الجبائي.
فانظر تفصيل الأقوال في: الإبهاج 2/ 235 - 237، والمعتمد 1/ 342، وشرح حلولو ص 239، 240، وجمع الجوامع 2/ 69، وإرشاد الفحول ص 174.
(4/355)

ومثال هذه المسألة وهي تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة: أن يقول الله تعالى مثلًا في شهر رمضان: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (1) فوقت الخطاب هو رمضان، ووقت الحاجة هو أول صفر.
هل يجوز تأخير البيان، وهو قوله عليه السلام: "نهيت عن قتل النساء والصبيان" من رمضان إلى أول صفر أو لا يجوز تأخيره؟ محل الخلاف.
حجة القول المشهور بالجواز: أن أكثر أدلة الشريعة وردت مجملة ثم ورد بيانها بعد ذلك (2).
مثال ذلك: قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (3) بينه النبي عليه السلام بفعله، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (4) بينه النبي عليه السلام بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، وبقوله: "ليس في أقل من خمس أواق صدقة"، وبقوله: "في كل أربعين شاة شاة"، وبقوله: "ليس فيما دون
__________
(1) سورة التوبة آية رقم 5.
(2) انظر: شرح الكوكب المنير 3/ 453، والمستصفى 1/ 371، والمعتمد 1/ 356، والإحكام للآمدي 3/ 41، والمسطاسي ص 35.
(3) سورة الأنعام آية رقم 72.
(4) هي في: سورة البقرة: 43، 83، 110 بفعل الأمر، 277 بالفعل الماضي، وفي سورة النساء: 77 بالأمر، وفي سورة التوبة: 5 بالماضي، و11 بالماضي، وفي سورة الحج: 41 بالماضي، و78 بالأمر، وسورة النور: 56 بالأمر، وسورة المجادلة: 13 بالأمر، وسورة المزمل: 20 بالأمر.
(4/356)

خمس من الإبل صدقة" (1)، وبقوله: "في كل ثلاثين من البقر تبيع" (2)، وبقوله: "فيما سقت السماء العشر"، وغير ذلك.
وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (3) الآية، بينه النبي عليه السلام بقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل".
وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (4) بينه النبي عليه السلام بفعله وقال: "خذوا عني مناسككم".
وقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (5) بينه النبي عليه السلام بقوله: "لا قطع فيما دون ربع دينار"، وبقوله: "ولا قطع في ثمر معلق ولا في الجمار في النخل" (6).
__________
(1) هذه جزء من حديث رواه البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا فانظره في كتاب الزكاة برقم 1405، 1447، ورواه مسلم أيضًا في الزكاة برقم 979، 980، وأكثر الروايات جاء بلفظ: "وليس فيما دون خمس ذود صدقة". وانظر: سنن النسائي 5/ 37.
(2) ورد من حديث معاذ حين بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، قال معاذ: فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة ... الحديث. أخرجه أصحاب السنن في كتاب الزكاة فانظره في الترمذي برقم 623، والنسائي 5/ 26، وفي أبي داود برقم 1576، وفي ابن ماجه برقم 1803، وروي مرفوعًا من حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، أخرج هذا الترمذي في الزكاة برقم 622، وابن ماجه في الزكاة أيضًا برقم 1804.
(3) سورة البقرة آية رقم 183.
(4) سورة آل عمران آية رقم 97.
(5) سورة المائدة آية رقم 38.
(6) لم أجد الحديث بهذا اللفظ، ومعناه صحيح وارد في عدة أحاديث، فالثمر المعلق ورد في الحديث الذي رواه النسائي في باب قطع السارق 8/ 84، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: في كم تقطع اليد؟ فقال: "لا تقطع اليد في ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين ... " الحديث. =
(4/357)

وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (1) بينه النبي عليه السلام بقوله: "لا يقتل والد بولده" (2)، وبقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر".
وقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (3) بينه النبي عليه السلام بقوله: "لا تنكح امرأة على عمتها ولا على خالتها".
وقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} (4) بينه الله تعالى بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} (5) الآية.
وكذلك قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} (6) بينه عليه السلام أن المراد بذوي القربى بنو هاشم وبنو عبد المطلب (7) ........................
__________
= وورد الثمر والجمار في حديث رافع بن خديج وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا قطع في ثمر ولا كُثْر"، قالوا: الكثر هو الجمار، فانظره في النسائي 8/ 88، والترمذي برقم 1449، وأبي داود برقم 4388، وابن ماجه برقم 2593، وروى ابن ماجه هذا اللفظ أيضًا من حديث أبي هريرة برقم 2594.
(1) سورة البقرة آية رقم 178.
(2) هو بهذا اللفظ عند أحمد عن عمر مرفوعًا 1/ 49، ورواه ابن ماجه عن عمر بلفظ: "لا يقتل الوالد بالولد" فانظره برقم 2662، ورواه الترمذي بهذا اللفظ عن ابن عباس برقم 1401، وانظره عن ابن عباس في ابن ماجه برقم 2661.
(3) سورة النساء آية رقم 3.
(4) سورة التوبة آية رقم 41.
(5) سورة الفتح آية رقم 17.
(6) سورة الأنفال آية رقم 41.
(7) كان هذا في غزوة خيبر؛ حيث قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فكلمه جبير بن مطعم وعثمان بن عفان في ذلك، فقال عليه السلام: "أنا وبنو المطلب ... " الحديث. =
(4/358)

(1)، وقال عليه السلام: "أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا" وشبك بين أصابعه (2).
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (3)، أراد بقرة معينة، قاله الغزالي (4)، ولم يبينها إلا بعد السؤال عنها.
فهذا كله يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
وحجة القول بمنع تأخير البيان عن وقت الخطاب: أن تأخيره يؤدي إلى وقوع العبد في المفسدة (5)، وهو جهله بما كلف به؛ لأن الجهل مفسدة إجماعًا، ويستحيل على الله تبارك وتعالى أن يوقع عبده في مفسدة، فلا يؤخر البيان عن وقت الخطاب نفيًا لهذه المفسدة. قاله المعتزلة (6).
__________
= فانظر: صحيح البخاري كتاب فرض الخمس رقم 3140، والنسائي 7/ 130، 135، وسنن أبي داود كتاب الإمارة، الأحاديث رقم 2978، 2979، 2980.
(1) الصواب بنو المطلب؛ لأن بني عبد المطلب من بني هاشم، وأما المطلب فهو أخو هاشم. انظر: سيرة ابن هشام 1/ 106.
(2) لم أجد نص الحديث وورد معناه في النسائي 7/ 31.
وعزا هذه الرواية ابن حجر في الفتح إلى ابن إسحاق ولفظها عنده: "أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه". انظر: الفتح 6/ 245.
وانظر تخريج الحديث السابق، وقد أورد الحديث بهذا اللفظ الغزالي في المستصفى 1/ 371 فلعله مصدر المؤلف.
(3) سورة البقرة آية رقم 67.
(4) انظر: المستصفى 1/ 371.
(5) في الصلب: "الفساد"، وقد صححت في الهامش كما أثبتها.
(6) انظر: المعتمد لأبي الحسين 1/ 343، والعدة لأبي يعلى 3/ 730، والمستصفى 1/ 377، والتبصرة ص 210، وروضة الناظر ص 186، وشرح العضد 2/ 66، وشرح القرافي ص 283، والمسطاسي ص 35.
(4/359)

أجيب عن هذا: بأن الله تبارك وتعالى له أن يفعل في ملكه ما يشاء: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (1) قاله أهل السنة (2).
وحجة أخرى للقول بالمنع أيضًا: أن الخطاب بالمجمل من غير بيان بمنزلة خطاب الميت، فلا يجوز كما لا يجوز خطاب الميت.
وذلك لاشتراكهما في الجهل بمراد الآمر مثلًا؛ لأن الميت لا يفهم المراد من الخطاب، وكذلك الحي إذا خوطب بالمجمل فلا يفهم المراد منه (3).
أجيب عن هذا: بأن قيل: قياس الخطاب بالمجمل على خطاب الميت إما أن يكون ذلك على تقدير حياته أو على تقدير مماته، فإن كان على تقدير حياته، فنحن نقول به لأنا نجوز خطاب المعدوم على تقدير وجوده، وإن كان ذلك على تقدير مماته فالفرق بينهما أن الحي يحصل له البيان في المستقبل بخلاف الميت (4).
وحجة القول بالتفصيل لأبي الحسين بين ما ليس له ظاهر أريد خلافه وما له ظاهر أريد خلافه:
أن ما لا ظاهر له كاللفظ المشترك، فقال أبو الحسين: أجوز (5) على الله تعالى إيقاع عبده في الجهل البسيط لخفته ولا بأس به/ 231/؛ لأنه من لوازم
__________
(1) سورة الأنبياء آية رقم 23.
(2) انظر: الأحكام لابن حزم 1/ 75، وشرح القرافي ص 283، والمسطاسي ص 35.
(3) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 259، وشرح المسطاسي ص 36.
(4) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 259، وشرح المسطاسي ص 36.
(5) هذه العبارة مبنية على جواز التحسين والتقبيح العقلي وبه تقول المعتزلة.
(4/360)

العبد؛ إذ لا يعرى منه بشر (1).
وأما ما له ظاهر، كالعام الذي أريد به الخاص إذا تأخر بيانه عن وقت الخطاب، فإن السامع يعتقد أن الخاص ليس مراد الله تعالى لظهور اللفظ في إرادة العموم دون الخصوص، وذلك جهل مركب.
فقال أبو الحسن: لا أجوز على الله تعالى إيقاع عبده في الجهل المركب لفرط قبحه ولإمكان السلامة منه، فيجب تعجيل البيان الإجمالي بأن يقول الله تعالى: هذا الظاهر ليس مرادًا، فيذهب الجهل المركب ويبقى البسيط فقط، فيتأخر بيانه التفصيلي إلى وقت حاجة (2) (3).
قال المؤلف في الشرح: وأما اتفاقهم معنا على جواز تأخير البيان بالنسخ؛ لأن النسخ يستحيل أن يقع إلا مؤخرًا؛ لأن التأخير من ضروريات النسخ، فإنه لو عجل بيانه في وقت الخطاب، مثل أن يقول الله تعالى: سأنسخ عنكم وقوف الواحد للعشرة في الجهاد بعد سنة لكان ذلك من باب المُغيَّا بالغاية لا من باب النسخ كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (4)، فمن ضرورة النسخ تأخير البيان فيه، فلذلك وافقونا عليه بخلاف غير النسخ من البيانات ليس من ضرورته تأخير البيان (5).
قوله: (ومنع أبو الحسين منه فيما له ظاهر أريد خلافه)، أي كالعام إذا
__________
(1) انظر: المعتمد لأبي الحسين 1/ 347، والمحصول 1/ 3/ 281.
(2) كذا في الأصل ولو قال: حاجته، لكان أحسن.
(3) انظر: المعتمد 1/ 343، 346، والمحصول 1/ 3/ 281، وشرح القرافي ص 283.
(4) سورة البقرة آية رقم 187.
(5) انظر: شرح القرافي ص 283، وفي النقل تصرف.
(4/361)

أريد به خصوصه، وكالمطلق إذا أريد به تقييده، وكالحقيقة إذا أريد مجازها.
مثال الأول: اقتلوا المشركين، ويريد الرجال الحربيين.
ومثال الثاني: أكرم رجالًا، ويريد العلماء.
ومثال الثالث: اضرب الأسد، ويريد الرجل الشجاع.
قوله: (وأوجب تقديم البيان الإِجمالي).
مثاله: أن يقول: هذا الظاهر ليس مرادًا، ولا يجب أن يقول: ليس مرادًا بهذا كذا وكذا، معينًا بالبيان التفصيلي، وإنما بينه بيانًا إجماليًا، مثل قوله: الظاهر غير مراد، أو يقول: المراد به الخصوص، أو المراد به التقييد، أو المراد به المجاز، من غير تعيين ذلك الخصوص، ولا تعيين ذلك التقييد، ولا تعيين ذلك المجاز (1).
قوله: (ويجوز له عليه السلام تأخير ما يوحى إِليه إِلى وقت [الحاجة]) (2).
ش: هذه هي المسألة الثالثة (3)، وهي: تأخير النبي عليه السلام ما
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 346، 347، والمحصول 1/ 3/ 281.
(2) ساقط من أ.
(3) راجع المسألة في: المعتمد 1/ 341، والعدة 3/ 732، والإبهاج 2/ 245، والإحكام لابن حزم 1/ 75، وتيسير التحرير 3/ 173، ونهاية السول 2/ 540، والإحكام للآمدي 3/ 48، وفواتح الرحموت 2/ 49، وشرح الكوكب المنير 3/ 453، وإحكام الفصول للباجي 1/ 259، والمحصول 1/ 3/ 327، وشرح القرافي ص 285، وشرح المسطاسي ص 37، وشرح حلولو ص 240.
(4/362)

يوحى به إليه إلى وقت الحاجة، وهي تفريع على القول بمنع تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأن المانعين لتأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير تبليغ ما يوحى به إلى النبي عليه السلام من أحكام العبادات إلى وقت الحاجة إليه.
والقول المشهور الذي عليه المحققون: جوازه؛ إذ لا يلزم من فرضه محال (1).
حجة هذا القول المشهور: أن التبليغ يقتضي المصلحة، فقد تكون المصلحة في التعجيل، وقد تكون في التأخير (2)، فلو أوحي إلى النبي عليه السلام بقتال (3) أهل مكة بعد سنة، لكانت المصلحة تقتضي تأخير ذلك لئلا يستعد العدو للقتال ويعظم الفساد، ولأجل ذلك لما أراد عليه السلام قتالهم، قطع عنهم الأخبار، وسد دونهم الطريق حتى دهمهم (4).
يقال: دهِمتهم (5) الخيل، إذا غشيتهم وجاءتهم بغتة، ويقال: دهَمتهم بفتح الهاء أيضًا، والكسر أفصح (6)، فكان دهمه إياهم سبب أخذهم
__________
(1) انظر: الإحالات على المراجع في صدر المسألة.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 328، والإحكام للآمدي 3/ 48، والإبهاج 2/ 245، وتيسير التحرير 3/ 173، وشرح القرافي ص 285، والمسطاسي ص 37.
(3) في الأصل: "بقتل"، ولعل الناسخ أسقط الألف كما يفعل كثيرًا في بعض الكلمات ككتاب ونحوها.
(4) يدل على هذا قصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة وقد خرجها البخاري في كتاب المغازي برقم 4274.
وانظر: فتح الباري 7/ 520، والبداية والنهاية 4/ 282.
(5) في الأصل: "دهمتم"، والصواب المثبت.
(6) انظر: القاموس المحيط، مادة: دهم، قال: ودهمك كسمع ومنع غشيك.
(4/363)

وقهرهم، فلذلك يجوز التأخير في بعض الصور، بل يجب الإبلاغ (1) في بعض الصور (2).
حجة القول بمنع تأخير الإبلاغ: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (3) (4)، فظاهر الأمر يقتضي الوجوب والفور (5).
أجيب عنه: بأن كونه للوجوب والفور لا نسلمه, لأنه محل الخلاف، سلمناه، لكن لا نسلم أن ما أنزل يتناول الأحكام التي وقع النزاع فيها، لكونها ظاهرًا في إرادة القرآن؛ لأن السابق إلى الفهم معناه: بلغ القرآن (6).
قوله: (لنا: قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (7) (8) وكلمة ثم للتراخي، فيجوز التأخير وهو المطلوب).
ش: هذا دليل على المسألتين: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، وتأخير تبليغ ما يوحى به إلى النبي عليه السلام إلى وقت الحاجة.
__________
(1) لعل العبارة: بل يجب تأخير الإبلاغ.
(2) انظر: شرح القرافي ص 285، والمسطاسي ص 37.
(3) هكذا بالجمع وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر.
انظر: النشر 2/ 255، وحجة القراءات لأبي زرعة ص 232.
(4) سورة المائدة آية رقم 67.
(5) انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 75، والإحكام للآمدي 3/ 48.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 48، والإبهاج 2/ 245.
(7) سورة القيامة الآيتان رقم 18، 19.
(8) جاء في الأصل: "ثم علينا بيانه"، وهو خطأ.
(4/364)

قوله. {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ}، أي: أنزلناه (1).
وقوله: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، يدل على تأخير البيان عن وقت الإنزال مطلقًا من غير تفصيل؛ لأن ثم للتراخي، وكذلك قوله: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} (2) (3).
واعترض هذا الاستدلال: بأن ثم قد تكون لغير التراخي كقوله تعالى: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} (4)، وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (5)، فهي في هذين بمعنى الواو (6). قاله الباجي (7) (8).
الجواب: بأن استعمالها لغير التراخي مجاز، والحقيقة أولى من المجاز (9) ولكن يقال أيضًا: الأصل عدم المجاز، والأصل عدم الاشتراك، والمجاز أولى من الاشتراك (10).
...
__________
(1) هذا التفسير وارد عن ابن عباس أخرجه عنه البخاري وغيره، فانظر: البخاري كتاب التفسير الحديث رقم 4929، وانظر: الدر المنثور للسيوطي 6/ 289.
(2) سورة هود آية رقم 1.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 35، وروضة الناظر ص 186، والمستصفى 3/ 371.
(4) سورة يونس آية رقم 46.
(5) سورة طه آية رقم 82.
(6) في الهامش من مخطوط الأصل ما يلي: انظر ثم بمعنى الواو.
(7) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 40.
(8) انظر: الاعتراض في المحصول 1/ 3/ 283، والإحكام للآمدي 3/ 35، والمسطاسي ص 38.
(9) انظر: شرح المسطاسي ص 38.
(10) انظر: شرح المسطاسي ص 151، من مخطوط الجامع الكبير بمكناس رقم 352.
(4/365)

الفصل السادس في المبين له
ش: أي في بيان الشخص الذي يجب بيان الخطاب له.
وفي هذا الفصل أربع مسائل.
قوله: (يجب البيان لمن أريد إِفهامه [فقط] (1)).
ش: هذه هي المسألة الأولى (2)؛ يعني أن الخطاب المحتاج إلى البيان إنما يجب بيانه لمن أريد إفهامه، وهو المكلف بذلك الخطاب دون غيره.
وإنما يجب (3) البيان له؛ لأنه لو لم يبين له ذلك لكان مكلفًا بما لا سبيل له إلى العلم به، وذلك تكليف بما لا يطاق (4).
قوله: (فقط)، يعني أن من لم يرد إفهامه وهو غير مكلف بذلك
__________
(1) ساقط من أ.
(2) راجع المسألة في: المعتمد 1/ 358، والمحصول 1/ 3/ 331، ونهاية السول 2/ 542، والإبهاج 2/ 246، وشرح القرافي ص 286، والمسطاسي ص 38.
(3) قوله: "يجب" وافق عليها المؤلف، وقد قال ابن السبكي في الإبهاج مناقشًا البيضاوي حول هذه الكلمة: إطلاق قوله: يجب البيان لمن أريد فهمه، يشعر بأنه يجب على الله تعالى، وهذا إنما يقوله المعتزلة، فهي عبارة ردية، والأولى التعبير بأن البيان لمن أريد فهمه لا بد من وقوعه. اه.
انظر: الإبهاج 2/ 246.
قلت: وهذه العبارة تابع فيها الرازي ومن تبعه أبا الحسين في المعتمد 1/ 358.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 331، والإبهاج 2/ 246، ونهاية السول 2/ 542.
(4/367)

الخطاب، فلا يجب البيان له؛ لأنه لا تعلق له بذلك الخطاب، فإذا لم يجب بيان الخطاب لغير المكلف به، فيجوز له/ 232/؛ لأن نفي الوجوب أعم من الجواز والمنع (1).
قوله: (يجب البيان لمن أريد إِفهامه فقط)، معناه: يجب بيان الخطاب لمن أراد الله تعالى تكليفه بذلك الخطاب (2).
مثاله: قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3) يجب وإن هذه الآية للحراثين والجنائين (4).
وكقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (5) يجب بيانها للعقلاء البالغين.
وكقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (6) يجب بيانها للأغنياء وأهل النعم،
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 286، والمسطاسي ص 38، وشرح حلولو ص 242.
(2) قلت: بل لعل المعنى أن البيان يكون من الله لمن أريد منه فهم الخطاب كالعلماء والعقلاء، فقد يكون الشخص مكلفًا ولم يرد منه فهم الخطاب، بل العمل فقط، كما مثلوا بالنساء والضعفاء، وانظر: المحصول 1/ 3/ 332، 333، ونهاية السول 2/ 542، والمعتمد 1/ 359.
(3) سورة الأنعام آية رقم 141.
(4) هذا أحد الاحتمالين اللذين تحتملهما كتابة الناسخ لهذه الكلمة، وتأويله: أنه جمع تصحيح مذكر لصيغة المبالغة من جنى، تقول: جنى الثمر يجنيه فهو جان وجناء والجمع جناؤون وجناء بضم الجيم.
والاحتمال الآخر هو جنانين بنونين جمع جنان صفة لمن يقوم على الجنة. أي: الأرض المزروعة، وهذا الاسم - أي الجنة للمزرعة - شائع بالمغرب.
انظر: القاموس المحيط مادة جنن وجني، والأصول لابن السراج 1/ 122، وشرح الكافية الشافية لابن مالك 4/ 1801، وشرح التصريح 2/ 69.
(5) سورة البقرة آية رقم 43.
(6) سورة البقرة آية رقم 43.
(4/368)

وغير ذلك.
قوله: (يجب البيان) قال فيما تقدم: "يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة"، وقال هنا: "يجب"، فهذا تناقض (1).
أجيب عنه: بأن الجواز باعتبار العقل، والوجوب باعتبار السمع؛ فإن مذهبنا: أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلًا ممتنع سمعًا (2).
ولأجل ذلك قال فيما تقدم: من جوز تكليف ما لا يطاق جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قوله: (ثم المطلوب قد يكون علمًا فقط).
كالعلماء بالنسبة إلى الحيض، أو عملًا (3) فقط كالنساء بالنسبة إلى أحكام الحيض وفقهه، أو العلم والعمل كالعلماء بالنسبة إلى أحوالهم، أو لا علم ولا عمل كالعلماء بالنسبة إلى الكتب السالفة.
ش: هذه هي مسألة ثانية (4)، وهي: تقسيم المطلوب إلى أربعة أقسام تقسيمًا عقليًا، يعني أن المطلوب بيانه لا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك المطلوب العلم خاصة دون العمل، أي: أن يكون ذلك المطلوب فهم الخطاب خاصة دون العمل بمقتضاه، كالعلماء بالنسبة إلى الحيض؛ إذ المطلوب في حقهم هو العلم بأحكام الحيض؛ يعني:
__________
(1) انظر: المسطاسي ص 38.
(2) انظر: شرح القرافي ص 282، والمسطاسي ص 38.
(3) في الأصل: "وعملًا".
(4) انظر: المعتمد 1/ 359، والمحصول 1/ 3/ 332، 333، والشرح للقرافي ص 286، والمسطاسي ص 38، وشرح حلولو ص 242.
(4/369)

وشبه الحيض كالعدة والاستبراء.
الثاني: أن يكون ذلك المطلوب العمل بمقتضى الخطاب فقط دون علمه وفهمه، كالنساء بالنسبة إلى أحكام الحيض وفقهه، هكذا قال الإمام فخر الدين في المحصول؛ لأنه قال في المحصول: لم يوجب الله تعالى على النساء فهم الخطاب وإنما أوجب عليهن استفتاء العلماء (1)، ووافقه على ذلك جماعة من العلماء (2).
قال المؤلف: وهذا غير متجه، بل النساء مأمورات بالعلم والعمل كالرجال، فلا ينبغي أن نقول: المطلوب منهن العمل فقط دون العلم (3)، بل المطلوب منهن العلم والعمل؛ لأنهن كالرجال في جميع أحكام الشريعة إلا ما خصه الدليل، فإن في النساء العاجز عن فهم الخطاب كما إن في الرجال العاجز عن فهم الخطاب، وفي النساء الذكي للفهم كما إن في الرجال الذكي للفهم، وغاية ما في الباب أن العجز فيهن أكثر من الرجال (4)، فإذا كان النساء كالرجال في الأحكام الشرعية سقط القسم وبقي ثلاثة أقسام من الأربعة (5).
قال المسطاسي: فلو قال المؤلف: أو عملًا فقط كالضعفاء لعجزهم عن
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 333، وفي النقل اختلاف يسير في اللفظ.
(2) تابع الرازي رحمه الله في هذا أبا الحسين البصري في المعتمد ونقل عبارته تقريبًا.
فانظر: المعتمد 1/ 359.
(3) انظر: شرح القرافي ص 286.
(4) انظر: الإبهاج 2/ 246، ونهاية السول 2/ 542، وشرح المسطاسي ص 151 من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح القرافي ص 286.
(5) قلت: لا يؤدي هذا إلى سقوط القسم؛ لأن العقل يقتضيه، ثم هو موجود في العاجز من الرجال والنساء.
(4/370)

فهم الخطاب، لاستقام الكلام (1).
قال: والعجب من إطباق جماعة مع الإمام فخر الدين على هذا مع أنه مقطوع ببطلانه كما رأيت (2)، وقد تقدم التنبيه على هذا في باب العموم في قوله: والصحيح عندنا اندراج النساء في خطاب التذكير (3).
قوله: (أو العلم والعمل كالعلماء بالنسبة إِلى أحوالهم)؛ أي الوجه الثالث: أن يكون ذلك المطلوب العلم والعمل معًا، كالعلماء بالنسبة إلى أحوالهم؛ أي بالنسبة إلى الأحكام المتعلقة بهم كصلاتهم وزكاتهم، وجميع الأحكام المطلوبة منهم شرعًا؛ فإنه يجب عليهم فهم آية الصلاة وآية الزكاة وغير ذلك، ويجب عليهم العمل بمقتضى تلك الآيات.
قال في الشرح: كون المطلوب من العلماء العلم، مبني على أن المجتهد لا يجوز له أن يقلد غيره، وهو قول مالك وجمهور أهل السنة (4).
وفيه خمسة أقوال، ثالثها: يجوز تقليد العالم الأعلم، ورابعها: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي به، وخامسها: يجوز إن ضاق الوقت عن الاجتهاد وإلا فلا (5).
ذكر المؤلف هذه الأقوال الخمسة في الباب التاسع عشر في الاجتهاد في
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 151، من مخطوط مكناس رقم 352.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 151، من مخطوط مكناس رقم 352.
(3) انظر: شرح القرافي ص 198، ومخطوط الأصل صفحة 164.
(4) انظر: المستصفى 2/ 384، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 408، وشرح المسطاسي ص 38، وشرح القرافي ص 286.
(5) انظر: المصادر السابقة.
(4/371)

الفصل التاسع منه (1).
قال المؤلف في شرحه: ما غلب على ظن المجتهد هو حكم الله تعالى في حقه وفي حق من قلده إذا حصل له سببه، فصار ما حصل له علمًا بهذه الطريقة (2)، وقد تقدم هذا في حد الفقه في الأول (3).
قوله: (أو لا علم ولا عمل، كالعلماء بالنسبة إِلى الكتب السالفة)، أي: الوجه الرابع: أن يكون ذلك المطلوب لا علم ولا عمل.
مثاله: العلماء بالنسبة إلى الكتب السالفة في الأمم الماضية كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها.
قال الإمام في المحصول: لم يرد الله تعالى من هذه الأمة أن يفهموا مراده من الكتب السالفة ولا أن يفعلوا مقتضاها (4).
قال المؤلف في الشرح: إنما لم نؤمر بتعلمها والعمل بمقتضاها لعدم صحتها، وتأدبًا مع الأفضل منها الذي هو القرآن العظيم، وإنما نؤمر بما فيها من العقائد والقواعد الكلية وغيرها من الفروع من جهة دلالة شرعنا على اعتبار ذلك لا من جهة تلك الكتب (5).
قوله: (أو لا علم ولا عمل).
اعترض هذا القسم: بأنه ليس من أقسام المطلب؛ لأنه غير مطلوب، فقد
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 443.
(2) انظر: شرح القرافي ص 286.
(3) انظر: شرح القرافي ص 18، ومخطوط الأصل صفحة 19.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 333.
(5) انظر: الشرح للقرافي ص 286، والمسطاسي ص 38، وشرح حلولو 242.
(4/372)

أدخل في المقسوم ما ليس منه ومن شرط المقسوم صدقه على كل واحد من أقسامه (1).
أجيب عنه: بأن المطلوب أعم من كونه مطلوب الترك أو مطلوب الفعل، فيكون هذا القسم المذكور من أقسام المطلوب، والله أعلم (2).
قوله: (ويجوز إِسماع المخصوص بالعقل من غير التنبيه عليه وفاقًا) (3).
ش: هذه مسألة ثالثة (4)، وإنما وقع الاتفاق عليه من غير التنبيه على تخصيصه؛ لأن الدليل العقلي حاصل في الطباع، فيحصل البيان بالتأمل، فإذا كان فيه التأخير كان التفريط من جهة المكلف لا من جهة المتكلم، بخلاف الخصوص (5) بالسمع؛ إذ لا قدرة للمكلف في تحصيله لعدم حصوله في الطباع فكان معذورًا (6).
قوله: (والمخصوص بالسمع بدون بيان مخصصه عند النَظَّام (7)
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 38.
(2) انظر: المسطاسي ص 38.
(3) بعدها إشارة إلى نص في الهامش وهو: أي: يجوز إسماع العام المخصوص بالعقل. اه. ولعل مكانها بعد الشين، وقد وردت مرة أخرى في صفحة 376 من هذا المجلد، فلعل المهمش ضل مكانها.
(4) انظر: هذه المسألة في: المعتمد 1/ 360، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 307، والمحصول 1/ 3/ 334، والإحكام للآمدي 3/ 49، وجمع الجوامع 2/ 73، وشرح القرافي ص 286، وشرح المسطاسي ص 38، 39، وشرح الكوكب المنير 3/ 455.
(5) كذا في الأصل، والصواب: "المخصوص".
(6) انظر: شرح القرافي ص 286، والمسطاسي ص 39.
(7) أبو إسحاق: إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، المشهور بالنظام، قيل: لأنه ينظم =
(4/373)

وأبي هاشم، واختاره الإِمام [فخر الدين] (1)، خلافًا للجبائي وأبي الهذيل) (2).
ش: / 233/ هذه مسألة رابعة (3)، الذي عليه أهل الحق (4) .. اختار الإمام فخر الدين جواز إسماع الدليل المخصوص بالدليل السمعي (5)، والدليل على ذلك شيئان:
أحدهما: أن النبي عليه السلام ما كان في تبليغه يطوف على القبائل حتى يستوعب أنواعهم وأشخاصهم بكل حكم، بل يبلغ من حيث الجملة،
__________
= الخرز في سوق البصرة، وقيل: لحسن نظم كلامه شعرًا ونثرًا الذي تشهد به كتبه كالطفرة والجواهر والأعراض والوعيد والنبوة وغيرها، وهو شيخ الجاحظ، تكلم في القدر وانفرد بمسائل كَفَّره بها جماعة من السلف، توفي سنة بضع وعشرين ومائتين. انظر: سير أعلام النبلاء 10/ 541، والفرق بين الفرق ص 131، وتاريخ بغداد 6/ 97، واللباب 3/ 316.
(1) ساقط من أوش.
(2) محمَّد بن الهذيل البصري المشهور بالعلاف، رأس في الاعتزال صاحب مقالات ومناظرات في مذهبهم، طال عمره حتى عمي وخَرَّف إلا أنه كان لا يذهب عنه شيء من الأصول، توفي سنة 227 ه، وقيل غير ذلك.
انظر: الوفيات 4/ 265، تاريخ بغداد 3/ 366، وسير أعلام النبلاء 10/ 542، والفرق بين الفرق ص 121.
(3) انظر: مراجع المسألة السابقة، وأيضًا: المستصفى 2/ 152.
(4) كذا جاءت العبارة، والأسلوب غير مستقيم، ولعله يريد أن يقول: إن اختيار الرازي هو الذي يوافق أصول الفقه وأصول أهل الحق، كما ذكر ذلك المسطاسي في شرحه ص 39.
(5) انظر: المحصول 1/ 3/ 334، وقد نسبه للنظام وأبي هاشم والفقهاء، وانظر نسبة هذا الرأي إلى النظام وأبي هاشم أيضًا في: المعتمد 1/ 360.
(4/374)

ويقول: "بلغوا عني ولو آية" (1).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "رحم الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، فهذا يدل على أنه كان يسمع البعض فقط، وذلك معلوم من حاله عليه السلام بالضرورة (2).
الدليل الثاني: أن بعض الناس يسمعون العام ولا يسمعون مخصصه إلا بعد حين، كما روي أن فاطمة رضي الله عنها سمعت قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} (3) ولم تسمع قوله عليه السلام: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" إلا بعد حين (4).
وحجة القول بأن ذلك لا يجوز: أن ذلك يفضي إلى اعتقاد حكم الله تعالى على خلاف ما هو عليه، وذلك مفسدة، لا تليق بالحكيم (5).
الجواب عنه: أن الله تعالى لا يسأل عما يفعل، فله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (6).
__________
(1) جزء من حديث عبد الله بن عمرو المشهور وتمامه: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وقد خرجه البخاري في كتاب الأنبياء برقم 3461، وكذا الترمذي في كتاب العلم برقم 2669، والدارمي في المقدمة 1/ 36، وأحمد في المسند 2/ 159، 202، 214.
(2) انظر: الشرح للقرافي ص 287، والمسطاسي ص 39.
(3) سورة النساء آية رقم 11.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 335، والإحكام للآمدي 3/ 49، وشرح العضد 2/ 167، والمسطاسي ص 39.
(5) انظر: شرح القرافي ص 287، والمسطاسي ص 39.
(6) انظر: شرح القرافي ص 287، والمسطاسي ص 39.
(4/375)

قوله: (ويجوز إِسماع الخصوص بالعقل من غير التنبيه عليه وفاقًا، والمخصوص بالسمع)؛ أي: ويجوز إسماع العام المخصوص بالعقل وفاقًا من غير التنبيه عليه.
قال المؤلف في شرحه: فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب؟
فجوابه: أن تلك المسألة مفروضة فيما إذا لم ينزل البيان البتة، وهذه فيما إذا نزل البيان لكن سمعه البعض ولم يسمعه البعض، فالذي لم يسمعه هو محل النزاع (1)، فالأولى: قبل نزول البيان، والثانية: بعد نزول البيان.
...
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 286، 287، والمسطاسي ص 152 من مخطوط مكناس رقم 352.
(4/376)

الباب الثالث عشر
في فعله عليه الصلاة والسلام
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في دلالة فعله عليه الصلاة والسلام
الفصل الثاني: في اتباعه عليه السلام
الفصل الثالث: في تأسيه عليه الصلاة والسلام
(4/377)

الباب الثالث عشر في فعله عليه السلام
ش: المقصود بهذا الباب هو التأسي بالنبي عليه السلام في أفعاله.
قوله: (في فعله عليه السلام)، أي: في دلالة فعله عليه السلام على حكم ذلك الفعل بالنسبة إلينا نحن الأمة (1)
قوله: (وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول في دلالة فعله عليه السلام
إِن كان بيانًا لمجمل، فحكمه حكم ذلك المجمل، في الوجوب أو الندب أو الإِباحة (2)، وإِن لم يكن بيانًا وفيه قربة، فهو عند مالك رحمه الله تعالى وابن القصار والأبهري (3) والباجي وبعض الشافعية [للوجوب، وعند] (4) الشافعي للندب، وعند القاضي أبي بكر (5) والإِمام [فخر الدين] (6) وأكثر
__________
(1) انظر: المسطاسي ص 40.
(2) "والندب والإباحة" بالواو في الأصل.
(3) "والأبهري وابن القصار"، تقديم وتأخير في أ.
(4) ساقط من أ.
(5) "منا" زيادة في ش.
(6) ساقطة من أوش.
(4/379)

المعتزلة على الوقف.
و [أما] (1) ما لا قربة فيه كالأكل والشرب [واللباس] (2) فهو عند الباجي للإِباحة، وعند بعض أصحابنا للندب).
ش: ذكر المؤلف رحمه الله أن فعله عليه السلام إما أن يكون: بيانًا لمجمل أو لا، والثاني: إما أن تكون فيه قربة أو لا، فهذه ثلاثة أقسام (3).
__________
(1) ساقط من أوخ.
(2) ساقط من أوش.
(3) ذكر بعضهم أقسامًا أهمها:
1 - ما كان من فعله - صلى الله عليه وسلم - جبلَّيًا كالنوم والقيام ونحوهما.
2 - ما علم اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - به كالوصال.
3 - ما علمت صفته وحكمه بلفظ أو قرينة.
4 - ما لم تعلم صفته وفيه قربة.
5 - ما كان يحتمل الجبلِّي وغيره، كالذهاب من طريق والرجوع من آخر في العيد.
6 - ما فعله بيانًا لأمر آخر.
7 - ما لم تعلم صفته وحكمه ولا قربة فيه كالأكل والشرب.
انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 178 وما بعدها، وإرشاد الفحول ص 35.
وانظر: مبحث الأفعال في: المعتمد 1/ 377، والمستصفى 2/ 214، والمنخول ص 226، والبرهان فقرة 394، والمحصول 1/ 3/ 345، والعدة 3/ 734، والتبصرة ص 240، وإحكام الآمدي 1/ 173، ونهاية السول 3/ 16، وفواتح الرحموت 2/ 180، وتيسير التحرير 3/ 120، وجمع الجوامع وحواشيه 2/ 97، وإرشاد الفحول ص 35، والمسودة ص 187، وشرح العضد 2/ 23، والإحكام لابن حزم 1/ 422، والوصول لابن برهان 1/ 369، واللمع ص 195، والإبهاج 2/ 289، والمغني للخبازي ص 262، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 313، وشرح الكوكب المنير 2/ 178، ومقدمة ابن القصار ص 84، وإحكام الفصول للباجي 2/ 263، وشرح القرافي ص 288، والمسطاسي ص 40، وحلولو ص 244.
(4/380)

فإن كان بيانًا لمجمل؛ فحكمه حكم ذلك المجمل مطلقًا، فإن كان المبين واجبًا فكذلك الفعل الذي هو بيانه واجب، وإن كان المبين مندوبًا فكذلك الفعل الذي هو بيانه، وإن كان المبين مباحًا فكذلك الفعل الذي هو بيانه؛ لأن البيان تابع لمبينه في حكمه إن واجبًا فواجبًا، وإن مندوبًا فمندوبًا، وإن مباحًا فمباحًا (1)، وهذا القسم لا خلاف فيه (2).
قال المؤلف في شرحه: وذلك أن البيان يعد كأنه منطوق به في ذلك المبين.
فبيانه عليه السلام لآية الحج يعد كأنه منطوق به في الآية، فكأنه تعالى قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (3) على هذه الصفة، وكذلك بيانه عليه السلام لآية الجمعة، وقد فعلها بخطبة وجماعة وجامع وغير ذلك من شروطها، يعد ذلك كأنه منطوق به في الآية، فكأنه تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا
__________
(1) بالنصب لما بعد الفاء في الثلاث، والفاء واقعة في جواب الشرط والتقدير: إن كان المبين واجبًا فيكون المبين واجبًا، والقرافي في شرحه ص 288 قد رفع ما بعد الفاء، فالتقدير عنده، فالمبين واجب، ومعلوم أن كلا الصنيعين جائز، إلا أن صنيع القرافي أولى؛ لأن كان يجوز أن تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، وحينئذ يجوز في الخبرين أربعة أوجه: نصب الأول ورفع الثاني كما فعل القرافي وهذا أولاها، نحو: إن خيرًا فخير، والثاني: رفع الأول ونصب الثاني، وهذا أضعفها نحو: إن خير فخيرًا، والثالث: رفعهما، والرابع نصبهما، وهذان متوسطان، ذكر هذا ابن هشام في أوضح المسالك. انظر: ضياء المسالك 1/ 258.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 2/ 263، والمستصفى 2/ 214، والإحكام لابن حزم 1/ 431، والإحكام للآمدي 1/ 173، والعدة لأبي يعلى 3/ 734، وشرح القرافي ص 288.
(3) سورة آل عمران آية رقم 97.
(4/381)

الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} (1) التي من شأنها كذا، وصفتها كذا {مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (1)، وغير ذلك من سائر أفعاله عليه السلام التي هي بيان للمجملات، فإذا كان البيان بَعْدُ، فكأنه (2) منطوق به في المبين، صار حكمه حكم المبين من غير خلاف (3).
وكذلك إذا كان الفعل مخصوصًا بالنبي عليه السلام لا خلاف فيه أيضًا، ولم يذكره المؤلف لوضوحه (4).
وأما القسم الثاني: وهو الفعل الذي فيه القربة، أي: قصد به طاعة الله تعالى ولم يكن بيانًا لمجمل.
فذكر المؤلف فيه ثلاثة أقوال: الوجوب والندب والوقف.
ونقل فيه سيف الدين (5)، وفخر الدين (6)، القول الرابع بالإباحة، ونسبوه إلى مالك رضي الله عنه (7).
__________
(1) سورة الجمعة آية رقم 9.
(2) كذا في الأصل، وقد ضبط الناسخ كلمة: بعد، كما أثبت. ولعل العبارة: فإن كان البيان يعد كأنه ... إلخ.
(3) انظر: شرح القرافي ص 288، وشرح المسطاسي ص 41.
(4) وقد أغفله أيضًا كثير ممن تعرض للمسألة.
وانظر الإشارة إليه في: التبصرة للشيرازي ص 240، والإحكام للآمدي 1/ 173، وشرح الكوكب المنير 2/ 178، وجمع الجوامع 2/ 97.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 174.
(6) انظر: المحصول 1/ 3/ 346.
(7) وقد ذكره أيضًا ابن السبكي في جمع الجوامع 2/ 99، وابن الحاجب في مختصر المنتهى 2/ 25، ونسبه ابن عبد الشكور في الفواتح لأكثر الحنفية بشرط عدم مداومته عليه السلام عليه. فانظر: فواتح الرحموت 2/ 181.
(4/382)

حجة القول بالوجوب: الكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة.
فالكتاب: قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (1)، وفعله مما أتانا به فوجب أخذه (2).
وقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (3)، والأمر محمول على الوجوب (4).
وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (5)، جعل الله اتباع نبيه من لوازم محبة الله تعالى، ومحبتنا لله تعالى واجبة، ولازم الواجب واجب، فاتباعه عليه السلام واجب، فقوله تعالى: {فَاتَّبِعُونِي} أمر والأمر محمول على الوجوب (6).
وقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (7)، والأمر محمول على الوجوب (8).
__________
(1) سورة الحشر آية رقم 7.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 176، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 323، والمحصول 1/ 3/ 349، وشرح القرافي ص 288، والمسطاسي ص 42.
(3) سورة الأعراف آية رقم 158.
(4) انظر: العدة 3/ 738، والمحصول 1/ 3/ 348، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 324، وإحكام الفصول للباجي 2/ 266، وشرح القرافي ص 279، والمسطاسي ص 42.
(5) سورة آل عمران آية رقم 31.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 176، والعدة 3/ 741، وشرح القرافي ص 289، والمسطاسي ص 42.
(7) سورة النساء آية رقم 59.
(8) انظر: التبصرة ص 245، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 324، والإحكام للآمدي 1/ 176، والمحصول 1/ 3/ 349، والمسطاسي ص 42.
(4/383)

وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (1) (2).
وقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ...} (3) الآية، وترك المتابعة هو مشاقة (4).
وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (5)، والأمر قدر مشترك بين القول والفعل، فوجب القول به نفيًا للمجاز والاشتراك؛ لأنهما على خلاف الأصل (6).
وأما دليل السنة: فمنه قوله عليه السلام/ 234/: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" (7) (8).
وقوله: "من ترك سنتي فليس مني" (9) والسنة هي الطريقة المسلوكة، وهي
__________
(1) سورة الأحزاب آية رقم 21.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 2/ 268، والمسطاسي ص 42.
(3) سورة النساء آية رقم 115.
(4) انظر: المسطاسي ص 42.
(5) سورة النور آية رقم 63.
(6) انظر: المحصول 1/ 3/ 347، وإحكام الآمدي 1/ 175، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 322، والمسطاسي ص 42.
(7) هذا جزء من حديث العرباض بن سارية المشهور الذي أوله: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها الدموع ... الحديث.
وقد رواه الترمذي في كتاب العلم برقم 2676، بلفظ: "الراشدين المهديين" وليس فيه: "من بعدي"، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه أيضًا أبو داود في كتاب السنة برقم 4607، وابن ماجه في المقدمة رقم 44.
(8) انظر: المسطاسي ص 42.
(9) لم أجده بهذا اللفظ، والذي في البخاري ومسلم وغيرهما حديث أنس بلفظ: "فمن رغب عن سنتي فليس مني"، فانظره في: كتاب النكاح عند البخاري برقم 5063، =
(4/384)

تتناول أقواله وأفعاله وتركه عليه السلام (1).
وقوله: "إِنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (2) والنبي عليه السلام إمام الأمة وسيدها، فوجب اتباعه في فعله (3).
وما روي أن عليًا رضي الله عنه قبل الحجر الأسود، فقال: "لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلك ما قبلتك" (4) (5).
وما روي أن أم سلمة رضي الله عنها سألها رجل عن قبلة الصائم، فسألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ألا أخبرته أني أقبل وأنا صائم" (6)،
__________
= ومسلم برقم 1401، وقد رواه ابن ماجه عن عائشة بلفظ: "فمن لم يعمل بسنتي فليس مني". انظره عنده برقم 1846.
(1) انظر: المسطاسي ص 42.
(2) هو بهذا اللفظ عند البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا، فانظر كتاب الأذان الحديث رقم 722، ورواه مسلم أيضًا برقم 414، وليس فيه: "جعل"، ورواه جمع بدون: "فلا تختلفوا عليه". فانظر: البخاري كتاب الصلاة رقم 378، ومسلم في الصلاة برقم 77، والترمذي في الصلاة برقم 361، ومسند أحمد 2/ 230, 3/ 110، 6/ 51.
(3) انظر: المسطاسي ص 42.
(4) هذا الأثر مشهور عن عمر، ولم أجد من المحدثين ولا الأصوليين حتى المسطاسي من نسبه إلى علي، وانظره عن عمر من حديث زيد بن أسلم عن أبيه في البخاري كتاب الحج برقم 1597.
وانظر كتاب الحج أيضًا في مسلم رقم 1270، والترمذي رقم 860، وأبي داود برقم 1873 كتاب المناسك، والنسائي 5/ 227، وابن ماجه في المناسك رقم 2943، والدارمي 2/ 53، والموطأ 1/ 376.
(5) انظر الاحتجاج بالحديث في التمهيد لأبي الخطاب 2/ 325، والعدة لأبي يعلى 3/ 743، والمسطاسي 42.
(6) روى هذا الحديث مالك في الموطأ وعنه الشافعي في المسند عن زيد بن أسلم عن عطاء =
(4/385)

فذلك كله يدل على وجوب اتبا [عه] (1) عليه السلام في أفعاله (2).
وأما الإجماع: فلأن الصحابة رضوان الله عليهم لما اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين سألوا عائشة رضي الله عنها عن ذلك، فقالت: "فعلته أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاغتسلنا"، فرجعوا إلى قولها بعد اختلافهم وأجمعوا على ذلك، فذلك يدل على وجوب اتباع فعله عليه السلام (3) (4).
حجة القول بأن فعله المذكور محمول على الندب: أن الأدلة المذكورة دلت على رجحان الفعل، والأصل الذي هو براءة الذمة دل على عدم الحرج، فيجمع بين المدركين وهما: الرجحان، وعدم الحرج، فيحمل على الندب (5).
أجيب عن هذا: بأن ذلك الأصل قد ارتفع بظواهر الأوامر الدالة على الوجوب (6).
__________
= ابن يسار بلفظ: "ألا أخبرتها أني أفعل ذلك"، فانظر: المنتقى للباجي 2/ 45، ومسند الشافعي مطبوع بذيل الأم مع مختصر المزني ص 423.
وللحديث شواهد عند البخاري في الحيض رقم 322، ومسلم في الصيام رقم 1108.
(1) ساقط من الأصل ولا يتم المعنى إلا به.
(2) انظر: العدة لأبي يعلى 3/ 742، والمسطاسي ص 42.
(3) انظر: التبصرة للشيرازي ص 246، والعدة 3/ 743، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 326، وإحكام الفصول للباجي 2/ 268، والمحصول 1/ 3/ 350، والإحكام للآمدي 1/ 177، وشرح القرافي ص 289، والمسطاسي ص 42.
(4) انظر الإجابة على هذه الأدلة في: المسطاسي ص 42.
(5) انظر: شرح القرافي ص 289، والمسطاسي ص 44.
(6) انظر: شرح القرافي ص 289، والمسطاسي ص 44.
(4/386)

حجة القول بالوقف: تعارض المدارك (1).
أجيب: بأن التعارض قد ارتفع أيضًا بما تقدم من الأدلة الدالة على الوجوب (2).
حجة القول بالإباحة: أن الإباحة التي هي نفي الحرج هي المتحقق في فعله عليه السلام، فوجب الوقوف معها، ولا يحكم بالزيادة على ذلك إلا بدليل (3).
أجيب عن هذا: بأنا نقول بالإباحة في كل فعل لم يظهر فيه من النبي عليه السلام قصد القربة، وأما ما ظهر فيه قصد القربة فيمتنع أن يكون مباحًا؛ بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه من غير ترجيح الفعل على الترك، فإن مثل ذلك لا يتقرب به إلى الله تعالى، وذلك مما يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك (4).
وأما القسم الثالث (5): وهو الفعل الذي لم يقصد به التقرب إلى الله تعالى، ولم يكن بيانًا لمجمل كأكله وشربه ولباسه عليه السلام، فذكر
__________
(1) انظر: التمهيد لأبي الخطاب 2/ 319، والإحكام للآمدي 1/ 178، والعدة 3/ 748، والمحصول 1/ 3/ 346، وشرح القرافي ص 289، والمسطاسي ص 45.
(2) انظر: التمهيد لأبي الخطاب 2/ 319، والعدة لأبي يعلى 3/ 748، وشرح القرافي ص 289، والمسطاسي ص 45.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 178، والمحصول 1/ 3/ 371، والمسطاسي ص 44.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 185، والمسطاسي ص 44.
(5) انظر هذا القسم في: العدة 3/ 734، والفصول للباجي 2/ 263، والإحكام للآمدي 1/ 173، والمسودة 187، وتيسير التحرير 3/ 120، وشرح العضد 2/ 22، وجمع الجوامع وحواشيه 2/ 97، والمسطاسي ص 45.
(4/387)

المؤلف فيه قولين: الإباحة والندب (1).
حجة القول بالإباحة: أن الطلب إنما يتبع مصالح القربات، فلا قربة، فلا مصلحة، فتعينت الإباحة (2).
حجة القول بالندب: هي الحجة على الندب فيما فيه قربة.
وهي: أن الأوامر الدالة على رجحان الفعل، والأصل الذي هو براءة الذمة يدل على عدم الحرج، فيجمع بين المدركين فيحمل على الندب (3).
قوله: (وأما إِقراره على الفعل فيدل على جوازه).
ش: أي: إذا فعل فعل وعلم به النبي عليه السلام ولم ينكره، فإن سكوته عليه السلام عن إنكاره يدل على جواز ذلك؛ لأنه عليه السلام لا يقر على باطل (4).
مثاله: ما روي أنه عليه السلام سلم من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله (5)؟، فلم ينكر عليه السلام عليه
__________
(1) ونقل صاحب شرح الكوكب المنير قولًا بمنع الاتباع عن أبي إسحاق الإسفراييني، فانظر: شرح الكوكب المنير 2/ 179.
(2) انظر: شرح القرافي ص 289، والمسطاسي ص 45.
(3) انظر: شرح القرافي ص 290، والمسطاسي ص 45.
(4) انظر: المسألة في اللمع ص 200، 202، والمنخول 229، وإحكام الآمدي 1/ 188، والإحكام لأبن حزم 1/ 436، وشرح العضد 2/ 25، وتيسير التحرير 3/ 128، والمسطاسي ص 45، وشرح حلولو ص 243.
(5) قصة ذي اليدين مشهورة رواها الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة، فانظره في: البخاري في كتاب الصلاة رقم 714، ومسلم في المساجد رقم 573، وانظر: الترمذي كتاب الصلاة رقم 399.
(4/388)

الكلام في الصلاة لتفهيم الإمام، فدل ذلك على جوازه (1).
...
__________
(1) نقل المولى حلولو في شرحه على التنقيح في المسألة أقوالًا هي:
1 - أنه يدل على الجواز، وحكى القاضي عياض الإجماع عليه.
2 - هو يدل على الجواز إلا في حق من يغريه الإنكار.
3 - دال على الجواز إلا في حق الكافر والمنافق.
4 - دلالته على الجواز إلا في حق الكافر فقط.
انظر: شرح حلولو 243، 244.
(4/389)

الفصل الثاني في اتباعه عليه السلام
(قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: يجب اتباعه في فعله، إِذا علم وجهه [وجب اتباعه] (1) في ذلك الوجه، لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (2)، والأمر ظاهر في الوجوب.
وقال أبو علي بن خلاد (3) به في العبادات فقط).
ش: قوله: (في اتباعه)، أي: في وجوب اتباعه عليه السلام.
قال المؤلف في شرح المحصول: هذه المسألة في غاية الالتباس بالتي قبلها.
لأن المسألة الأولى في دلالة فعله على الوجوب والندب والإباحة، وذلك يرجع إلى وجوب اتباعه في ذلك، وهي المسألة الثانية (4).
قال: الفرق بينهما: أن المسألة الأولى إنما هي: هل نصب فعله عليه السلام دليلًا أم لا؟
__________
(1) ساقط من أ.
(2) سورة الحشر آية رقم 7.
(3) أبو علي محمَّد بن خلاد البصري، من الطبقة العاشرة من المعتزلة، درس على أبي هاشم في العسكر ثم ببغداد، من كتبه: الأصول، والشرع، توفي سنة 321 ه.
انظر: الفهرست لابن النديم ص 247.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 45.
(4/391)

والمسألة الثانية: إذا قلنا بنصبه دليلًا، فهل كلفنا باتباعه أم لا؟
فإن هنالك أشياء أمرنا بالاتباع فيها مع أنها لم تنصب دليلًا، كأئمة الصلاة، والأمراء، فإنه يجب علينا اتباعهم وطاعتهم مع أن أفعالهم لم تنصب دليلًا شرعيًا، فهذا هو الفرق بين المسألتين (1).
فالمسألة الأولى إذًا: إنما هي في فعله المجهول حكمه.
والمسألة الثانية: هي في فعله المعلوم حكمه (2) (3).
قوله: (قال جماهير الفقهاء والمعتزلة)، أي: وجماهير المعتزلة بخفض المعتزلة عطفًا على الفقهاء.
بدليل قوله: "وقال علي بن خلاد" (4)؛ لأنه من المعتزلة (5).
قوله: (يجب اتباعه في فعله إِذا علم وجهه)، أي: إذا علم حكمه الذي فعله عليه، أي: إن فعله على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله على وجه الوجوب، وإن فعله على وجه الندب وجب علينا أن نفعله على وجه
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 45.
(2) إلى هنا انتهى النقل من شرح المحصول للقرافي، فانظر اللوحة رقم 248، من المخطوط المصور فلميًا بجامعة الإمام برقم 8224 ف.
(3) انظر للمسألة: المعتمد 1/ 383، والبرهان فقرة 398، والمحصول 1/ 3/ 373، والتبصرة ص 240، والإحكام للآمدي 1/ 186، والمسودة ص 186. والوصول لابن برهان 1/ 369، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 313، وتيسير التحرير 3/ 121، وشرح العضد 2/ 23، وجمع الجوامع وحواشيه 2/ 102، وشرح القرافي ص 290، وشرح المسطاسي ص 45، وشرح حلولو ص 245.
(4) الصواب: أبو علي كما ذكره أولًا، وكما تقدم في ترجمته أن اسمه محمَّد.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 45.
(4/392)

الندب إذا أردنا فعله، وإن فعله على وجه الإباحة وجب علينا أن نفعله على وجه الإباحة إذا أردنا فعله؛ إذ لو خالفناه في النية لم يحصل الاتباع (1) (2).
قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: ليس المراد بهذا أن المندوب والمباح واجب علينا إذا فعله النبي عليه السلام، وإنما الواجب اتباع صفة ذلك الفعل؛ إذ لا يجب علينا إلا الواجب على/ 235/ النبي عليه السلام، وأما المندوب والمباح فلا يجب علينا كما لا يجب على النبي عليه السلام.
حجة الجمهور: قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (3)، قال بعضهم: هذه الآية لا دليل فيها على اتباعه في فعله عليه السلام؛ لأن الإيتاء لا يصدق على فعله؛ لأنه ظاهر في الإعطاء (4)، وهو مجاز في القول (5).
ودليل الجمهور أيضًا: قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (6) (7)،
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 291، وشرح المسطاسي ص 45.
(2) قال المسطاسي: لم يحك المؤلف في هذا إلا قولين، وقد تقدمت فيه أربعة أقوال، وقال ابن برهان في الأوسط: يجب التأسي عندنا، وقال المتكلمون: بالوقف، والقولان للحنفية، قال: فإذا قلنا بالوجوب فهل بالسمع أو بالعقل؟، قولان. اه. وسيأتي للمسألة بيان. انظر: شرح المسطاسي ص 45، 46، وشرح حلولو ص 245.
(3) سورة الحشر آية رقم 7.
(4) في الأصل: "الأعضاء" وهو تصحيف ظاهر.
(5) قال هذا الجويني في البرهان فقرة 398.
(6) سورة الأعراف آية رقم 158.
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 374، والمعتمد 1/ 384، والتبصرة 241، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 315.
(4/393)

وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) (2)، وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} (3) (4).
وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (5)، والأمر قدر مشترك بين القول والفعل، فوجب القول به نفيًا للمجاز والاشتراك؛ لأنهما على خلاف الأصل.
قوله: (وقال علي بن خلاد به (6) في العبادات فقط)، أي: قال ابن خلاد المعتزلي: إنما يجب اتباعه عليه السلام في فعله المعلوم حكمه في العبادات فقط، ولا يجب في العادات كالأنكحة والمعاملات وغيرها فإنه يندب ولا يجب (7) (8).
__________
(1) سورة آل عمران آية رقم 31.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 186، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 315.
(3) سورة الأحزاب آية رقم 21.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 186، والمعتمد 1/ 383، والمحصول 1/ 3/ 374، والتبصرة ص 241.
(5) سورة النور آية رقم 63.
(6) هو أَبو علي وليس عليًا كما سبق التنبيه.
(7) انظر: المعتمد 1/ 383، والمحصول 1/ 3/ 373، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 314، والإحكام للآمدي 1/ 186، وقد نسبه ابن برهان في الوصول لابن خيران وترجم له المحقق؛ إذ هو إمام من أئمة الشافعية ولم أجد هذا الرأي منسوبًا إليه في غير الوصول.
(8) وفي المسألة أقوال أخرى ذكرها بعضهم وملخصها:
1 - المنع مطلقًا من الاتباع في الفعل، ومال إليه الجويني.
2 - التوقف، نسبه ابن برهان للمتكلمين.
3 - وجوب التأسي عقلاً لا سمعًا، وبه تقول المعتزلة. =
(4/394)

حجته: قوله عليه السلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خذوا عني مناسككم"، وظاهر الأمر للوجوب، فمفهوم هذا المنطوق أن غير المذكور لا يجب، وهو المطلوب (1).
قوله: (يجب اتباعه في فعله)، يريد: وكذلك يجب اتباعه في تركه، لأن في المتروكات ما يجب تركه كالمحرمات، ومنها ما يندب إلى تركه كأكل الضب (2)، ومنها ما يباح كلبس الثوب المباح (3).
__________
= 4 - وجوب التأسي سمعًا لا بمجرد العقل، وبه يقول أهل السنة.
انظر: المحصول 1/ 3/ 373، والإحكام للآمدي 1/ 186، والبرهان فقرة ص 398، وشرح المسطاسي ص 46، وشرح حلولو ص 245، والتبصرة ص 240.
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 378، والإحكام للآمدي 1/ 187، وشرح القرافي ص 291، والمسطاسي ص 46.
(2) المندوب إلى تركه معناه المكروه، ولم يقل بكراهة أكل الضب أحد إلا ما روي عن أبي حنيفة، ونسب صاحب المغني القول بالتحريم له وللثوري، والقول بإباحته هو مذهب الجماهير كمالك والشافعي وأحمد والليث وابن المنذر، وهو قول جماعة من الصحابة، منهم: عمر وابن عباس وأبو سعيد، وهو الذي يعضده صحيح الدليل، وصريحه، حيث روي أنه أكل على مائدة حضرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانظر كتاب الأطعمة من صحيح البخاري الحديث رقم 5391، 5400، وكتاب الصيد من مسلم الحديث رقم 1943، 1944، 1945.
قال الشافعي رضي الله عنه: ولا بأس بأكل الضب صغيرًا أو كبيرًا، ثم قال عن ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له: فإنما ترك مباحًا عافه ولم يشتهه، ولو كان خبزًا أو لحمًا أو تمرًا أو غير ذلك كان ذلك شيئًا من الطباع. اه.
انظر: الأم 2/ 250، وقال الباجي في شرح الموطأ: وأما أكل الضب فمباح عند مالك، وقال أَبو حنيفة هو مكروه. اه. انظر: المنتقى 3/ 132.
ونقل الكراهة عن أبي حنيفة صاحب الهداية 4/ 68، وانظر: المغني لابن قدامة 8/ 603.
(3) انظر: المعتمد 1/ 272، والمسطاسي ص 46، وصفحة 156 من مخطوط مكناس رقم 352.
(4/395)

قوله: (يجب اتباعه في فعله) انظر: هل يجب اتباعه في زمان فعله وفي مكان فعله أم لا؟
قال أَبو زكريا المسطاسي: هذه المسألة اختلف فيها الأصوليون على أربعة أقوال:
قيل بالتعبد فيهما، وقيل: بعدم التعبد فيهما، وقيل: بالتعبد إن تكرر الفعل فيهما وإلا فلا، وقيل بالتعبد في المكان دون الزمان (1).
والمشهور من هذه الأقوال: أن الزمان والمكان لا يعتبران؛ وذلك أن الزمان لا يمكن الاتباع فيه؛ لأن الزمان الذي فعل فيه النبي عليه السلام ذلك الفعل قد ذهب ولا يمكن الاتباع فيه منا (2) (3).
ويدل على عدم اعتبار المكان: أنه قد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قطع الشجرة التي بويع النبي عليه السلام تحتها مخافة أن تعبد (4)، وكان عمر رضي الله عنه ينهى الناس عن تعمد الصلاة في المواضع التي صلى فيها النبي عليه السلام (5)، وقال: "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا" (6)، وهذا حجة
__________
(1) انظر: المسطاسي ص 156 من مخطوط مكناس رقم 352، وراجع هذه المسألة في: المعتمد 1/ 372، والمستصفى 2/ 224، وإحكام الفصول للباجي 2/ 272.
(2) انظر: المعتمد 1/ 373، والفصول للباجي 2/ 272، والمستصفى 2/ 225، والمسطاسي ص 155 من مخطوط مكناس رقم 352.
(3) المقصود بالزمان: المثلية لا عين الزمن الماضي كما أيد هذا أبو الحسين في المعتمد 1/ 374.
(4) روى ابن أبي شيبة عن نافع أنه بلغ عمر أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بها فقطعت. اه. انظر: المصنف لابن أبي شيبة 2/ 375، باب ما جاء في الصلاة إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وانظر: الدر المنثور للسيوطي 6/ 73.
(5) جاء في الهامش من مخطوط الأصل: انظر نهي عمر عن تعمد الصلاة في موضع صلى فيه النبي عليه السلام.
(6) روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة: أن عمر رضي الله عنه في حجه رأى قومًا ينزلون =
(4/396)

المشهور.
وحجة القول بالتعبد في المكان دون الزمان: أن ابن عمر يقصد المواضع التي صلى بها النبي عليه السلام فيصلي فيها (1).
حجة القول بالتعبد فيهما: أن الزمان والمكان يعتبران في الحج فيجب اعتبارهما في غير الحج (2).
ورد هذا بأن الحج خرج بدليله بأمر النبي عليه السلام، وليس بمحل النزاع (3).
وحجة القول باعتبار الزمان والمكان إن تكرر الفعل فيهما وإلا فلا: أن التكرار فيهما قرينة تدل على اعتبار القربة فيهما، والله أعلم (4).
قوله: (وإذا وجب التأسي به، وجب معرفة وجه (5) فعله من الوجوب والندب والإِباحة).
__________
= فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل وإلا فليمض. اه.
هذا لفظ عبد الرزاق، فانظر: مصنفه 2/ 119، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة 2/ 376.
(1) انظر: صحيح البخاري في كتاب الصلاة الحديث رقم 483.
(2) انظر: الفصول للباجي 2/ 272، والمعتمد 1/ 372، والمسطاسي ص 156 من مخطوط مكناس رقم 352.
(3) انظر: الفصول للباجي 2/ 272، والمسطاسي ص 156، من مخطوط مكناس رقم 352.
(4) انظر: المستصفى 2/ 225، والمسطاسي ص 156 من مخطوط مكناس رقم 352.
(5) "وجهه" في أ.
(4/397)

ش: التأسي معناه: الاتباع والاقتداء والاقتفاء والاقتفار (1)، وإنما لم يذكر من أقسام الحكم الشرعي إلا هذه الثلاثة؛ لأن أفعاله عليه السلام محصورة في هذه الثلاثة؛ لأنه عليه السلام معصوم من المحرم ومن المكروه (2).
قوله: (إما بالنص، أو بالتخيير بينه وبين غيره مما (3) علم فيه وجه (4) (5) فيسوى به، أو بما يدل على نفي القسمين (6) فيتعين الثالث، أو بالاستصحاب في [عدم] (7) الوجوب (8)، وبالقربة (9) على نفي (10) الإِباحة [فيحصل (11) الندب] (12)، وبالقضاء على الوجوب، وبالإِدامة مع الترك في بعض الأوقات على الندب، وبعلامة الوجوب عليه كالأذان، وبكونه (13) جزاء (14) لسبب
__________
(1) قال في القاموس: قفر الأثر واقتفره اقتفاه وتبعه. اه.
انظر: القاموس مادة: قفر.
(2) انظر المسألة في: المعتمد 1/ 385، والمحصول 1/ 3/ 381، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 329، والإبهاج 2/ 298.
(3) "فيما" في ش.
(4) "وجهه" في ش.
(5) "ثبوته" زيادة في خ.
(6) "قسمين" في نسخ المتن.
(7) ساقط من أ.
(8) "والندب" زيادة في أ.
(9) "أو بالقربة" في خ وش.
(10) "عدم" في ش.
(11) "فيتعين" في خ.
(12) ساقط من أ.
(13) "أو بكونه" في أ، وفي ش: "وبكون".
(14) "جزء" في خ.
(4/398)

الوجوب كالنذر).
ش: ذكر المؤلف ها هنا الأشياء التي يعرف بها حكم فعله عليه السلام.
ذكر المؤلف ثمانية أشياء، وهي في التحقيق خمسة أشياء كما سيظهر لك (1).
قوله: (إِما بالنص)، أي: إما أن يعرف حكم فعله عليه السلام بنصه، كما إذا نص على أن الفعل واجب أو مندوب أو مباح، كما نص بعد أن صلى صلاة الجمعة، فقال: "هذا حق واجب على كل مكلف" (2)، فيدل
__________
(1) "خلاصة كلام من طَرَقَ هذه المسألة من الأصوليين أن طُرُقَ معرفة وجه أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - تنقسم إلى قسمين: عام، وخاص.
أما الأمور العامة فهي:
1 - النص على أن هذا الفعل واجب أو مندوب أو مباح.
2 - التسوية بينه وبين فعل آخر يعلم حكمه.
3 - أن يقع امتثالاً لأمر يعلم حكمه.
4 - أن يكون بيانًا لأمر يعلم حكمه.
5 - أن تنفي القسمين فيتعين الثالث.
أما الأمور الخاصة فمما يعلم به الواجب:
1 - أن يقترن بعلامة تدل على وجوبه كالأذان للصلاة.
2 - أن يكون جزاء لسبب الوجوب.
3 - القضاء عند المالكية؛ حيث خصوه بالواجب.
ويعرف المندوب بما يلي:
1 - أن يكون فيه معنى القربة مع عدم الدليل على وجوبه.
2 - أن يداوم على فعله ويتركه أحيانًا.
انظر: المعتمد 1/ 385، والمحصول 1/ 3/ 381، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 129، والإبهاج 2/ 298، وشرح حلولو ص 245.
(2) أخرج أَبو داود في سننه عن طارق بن شهاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة حق واجب =
(4/399)

على أنها واجبة.
وكما نص على سجدة التلاوة بعد أن سجدها فقال: "إِن الله تعالى لم يكتبها علينا إِلا أن نشاء" (1) فيدل على أنها مندوبة.
قوله: (أو بالتخيير) أي: إذا خير النبي عليه السلام بين الفعل الصادر منه، وبين فعل علم حكمه، فحكم ذلك الفعل حكم ذلك المعلوم، فإن كان واجبًا فواجب، وإن كان مندوبًا فمندوب، وإن كان مباحًا فمباح (2).
مثال ذلك: حديث أنس بن مالك: كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنا المتم ومنا المقصر ومنا الصائم ومنا المفطر (3)، فلم يعب بعضنا بعضًا (4).
__________
= على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض". انظره في السنن كتاب الصلاة برقم 1067.
قال أَبو داود: طارق رأى النبي ولم يسمع منه. انظر: السنن 1/ 384.
(1) لم أجد الحديث مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ووجدته موقوفًا على عمر؛ حيث قرأ سجدة في خطبة الجمعة فنزل وسجد، ثم قرأها في الجمعة الثانية ولم يسجد، فقال: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
هذا لفظ مالك في الموطأ، أما لفظ البخاري فهو: "إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء".
انظر: صحيح البخاري في سجود القرآن رقم 1077، والموطأ في كتاب القرآن 1/ 206.
(2) انظر المسطاسي ص 46.
(3) في مخطوط الأصل: "المطفر"، وهو تصحيف.
(4) روى هذا عدد من الصحابة، ولم أجد من روى القصر والإتمام وإنما وجدت الصيام والفطر، فانظر: حديث أنس في البخاري كتاب الصوم رقم 1947، ومسلم في الصيام رقم 1118، وأبي داود في الصوم رقم 2405، وانظره عن أبي سعيد في: الترمذي رقم 1712، والنسائي 4/ 188، وعن جابر في النسائي 4/ 189.
(4/400)

فيستدل بالتخيير بين شيئين على أن حكمهما واحد؛ لأن التخيير يقتضي التسوية في الحكم (1).
قال المؤلف في القواعد السنية (2): جمهور الفقهاء يعتقدون أن التخيير يقتضي التسوية، وأنه لا يخير إلا بين واجب وواجب، أو بين مندوب ومندوب، أو بين مباح [ومباح] (3)، وليس الأمر كذلك، بل التخيير على قسمين: تخيير يقتضي التسوية، وتخيير لا يقتضي التسوية، فالتخيير الذي يقتضي التسوية هو التخيير [بين] (4) الأشياء المختلفة، كالتخيير بين خصال الكفارة؛ فإن حكم كل واحد من الخصال حكم الأخرى.
وأما التخيير الذي/ 236/ لا يقتضي التسوية فهو التخيير بين الأقل والأكثر، أو بين الجزء والكل.
مثال التخيير بين الأقل والأكثر: قوله (5) تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} (6)، فإنه خيره تعالى بين الثلث والنصف والثلثين، مع أن الثلث هو الواجب والزائد عليه مندوب، فقد وقع التخيير ها هنا بين واجب ومندوب؛ لأن التخيير قد وقع بين الأقل والأكثر.
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 291.
(2) انظر: الفروق للقرافي 2/ 8 الفرق الثامن والأربعين بين قاعدة التخيير الذي يقتضي التسوية وبين قاعدة التخيير الذي لا يقتضي التسوية بين الأشياء المخير بينها.
(3) ليست في الأصل، وقد أثبتها من الفروق للقرافي.
(4) في الأصل: "بعض"، والمثبت من الفروق للقرافي.
(5) "فقوله" في الأصل، والمثبت أولى.
(6) سورة المزمل الآيات من 1 - 4.
(4/401)

ومثال التخيير بين الجزء والكل: قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (1) خير الله المسافرين بين ركعتين وأربع ركعات، مع أن الركعتين واجبتان جزمًا، والزائد ليس بواجب؛ لأنه يجوز تركه، وما يجوز تركه ليس بواجب، وأما الركعتان فلا يجوز تركهما إجماعًا، فقد وقع التخيير بين واجب وغير واجب؛ لأن التخيير وقع بين جزء وكل (2).
قوله: (أو بما يدل على نفي قسمين فيتعين الثالث) يعني: إذا كان هناك ما يدل على نفي حكمين فإن الثالث يتعين، ذلك أن أفعاله عليه السلام محصورة في ثلاثة أحكام وهي: الوجوب، والندب، والإباحة؛ إذ لا يفعل محرمًا ولا مكروهًا، فإذا كان هنالك ما ينفي الوجوب والندب تعين الإباحة، وإذا كان هنالك ما ينفي الوجوب والإباحة تعين الندب، وإذا كان هنالك ما ينفي الندب والإباحة تعين الوجوب (3).
وإنما يتعين الثالث بانتفاء الاثنين لضرورة انحصار أحكامه في ثلاثة أشياء وهي المذكورة قبل (4).
قوله: (أو بالاستصحاب في عدم الوجوب - وبالقربة - على نفي الإِباحة)، يعني: أن من وجوه الاستدلال: أن الاستصحاب يدل على عدم
__________
(1) سورة النساء الآية رقم 101، وقد كتبها ناسخ الأصل: "لا جناح عليكم أن تقصروا".
(2) إلى هنا انتهى النقل من كتاب الفروق للقرافي، وهو نقل بالمعنى، فقد صاغه الشوشاوي بعبارة مختلفة.
(3) انظر: شرح القرافي ص 292، وشرح المسطاسي ص 46.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 382.
(4/402)

الوجوب، وكونه قربة يدل على عدم الإباحة (1)، وهذا تكرار؛ لأنه أحد أقسام ما يدل على نفي قسمين، فجعله المؤلف قسيمًا للذي قبله مع أنه أحد أقسامه؛ لأنه حين انتفى الوجوب والإباحة تعين الندب، فصوابه أن يقول: كالاستصحاب في عدم الوجوب مع القربة في نفي الإباحة فيحصل الندب (2).
قوله: (وبالقضاء على الوجوب)، هذا على مذهب مالك القائل: بأن النوافل لا تقضى، وأما على مذهب الشافعي القائل: بأن ذوات الأسباب من النوافل كالعيدين تقضى، فلا يستدل بالقضاء على الوجوب (3) ....
__________
(1) انظر: الشرح للقرافي 292، وشرح المسطاسي ص 46.
(2) ذكره صاحب المحصول 1/ 3/ 383 أمرًا خاصًا بمعرفة المندوب كصنيع القرافي هنا، وكذا صاحب الإبهاج 2/ 299، وقد أورد هذا الاعتراض عليهما وعلى المؤلف المسطاسي في شرحه 46.
(3) لا بد هنا من إيضاح مسألتين: وجوب القضاء، وجوازه.
أما جواز القضاء فالذي ينص عليه هو الجواز مطلقًا سواء للنوافل أو للرواتب أو لذوات الأسباب كالعيد ونحوه، وأما الوجوب فيتصور بمسألتين:
الأولى: إذا قطع النافلة فما حكم القضاء؟ حكى الباجي فيها ثلاثة أقوال:
قال مالك: يلزمه القضاء إن قطعها عمدًا.
وقال أَبو حنيفة: يقضي سواء قطعها عامدًا أو معذورًا.
وقال الشافعي: لا يقضي.
الثانية: صلاة العيد إذا لم يعلموا بها إلا بعد فوات وقتها:
1 - قال مالك: لا تقضى أصلاً؛ لأنها سنة فات وقتها فلا تقضى كالكسوف، وحكاه في المغني عن أبي حنيفة.
2 - أنهم يصلونها من الغد وهو قول الجمهور، وحكاه صاحب الهداية عن الحنفية.
3 - أنه إن علم بعد الزوال وقبل الغروب لم تقض، وإن علم بعد الغروب من يوم العيد صلوا من الغد؛ لأنه وقتها، قاله الشافعي. =
(4/403)

(1).
قوله: (وبالإِدامة مع الترك في بعض الأوقات على الندب)، يعني: أن المداومة على الفعل يدل على عدم الإباحة، والترك في بعض الأوقات يدل على عدم الوجوب، فيتعين الندب (2)، وهذا أيضًا تكرار لقوله: أو بما يدل على نفي القسمين فيتعين الثالث.
قوله: (وبعلامة الوجوب عليه كالأذان)، يعني: إذا أمر عليه السلام بالأذان لصلاة علمنا أنها واجبة؛ لأن الأذان من خصائص الوجوب (3).
قوله: (وبكونه جزاء لسبب الوجوب كالنذر) يعني: ويستدل أيضًا على معرفة حكم فعله عليه السلام: بأن يكون ذلك الفعل جزاء لسبب الوجوب، والمراد بالجزاء جواب الشرط، يقال له: الجواب، والجزاء.
والمراد بالسبب هو الشرط؛ لأن الشروط اللغوية أسباب (4).
__________
= هذا بالنسبة للجماعة أهل البلد، أما الفرد فلا خلاف أنه إن شاء صلى وإن شاء ترك نص عليه مالك وغيره.
انظر: المدونة 1/ 97، 155، الأم 1/ 149، 229، 240، والمنتقى للباجي 1/ 313، 319، 321، والهداية للمرغيناني 1/ 86، 87، والمغني لابن قدامة 2/ 121، 141، 390، 391، وبداية المجتهد 1/ 219.
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 384، وقد جعله أيضًا علامة على المندوب فانظره 1/ 3/ 383، وانظر: الإبهاج 2/ 299، وشرح القرافي ص 292، والمسطاسي ص 47.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 383، والمسطاسي ص 47.
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 384، والإبهاج 2/ 298، وشرح القرافي ص 292، والمسطاسي ص 47.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 385، والإبهاج 2/ 298.
(4/404)

مثل المؤلف ذلك بالنذر، قال ابن رشد: حقيقة النذر التزام ما لا يلزم من الطاعات، فإذا بلغنا أن النبي عليه السلام نذر صلاة أو غيرها من المندوبات وفعلها قضينا على أن ذلك الفعل بالوجوب؛ لأن فعل المنذور واجب (1).
قوله: (وبكونه جزاء لسبب الوجوب)، تقديره: وبكونه جوابًا لشرط الوجوب كالنذر، وذلك أن الفعل لا يجب أولاً قبل النذر، ثم إنه لما جعل جوابًا لشرط صار واجبًا إذا وجد شرطه، كقولك: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي، فعلي كذا وكذا من الطاعات.
قوله: (وبكونه جزاء لسبب الوجوب) هذه النسخة لا تتناول إلا النذر المعلق على شرطه كما تقدم تمثيله، ولا تتناول النذر المطلق، كقوله: لله علي أن أفعل كذا وكذا من الطاعات، من غير تعليق ذلك النذر على شرط، وفي بعض النسخ: "وبكونه جزءًا لسب الوجوب كالنذر"، من غير ألف قبل الهمزة (2)، فقوله: كالنذر، هو أحد جزئي السبب، والجزء الآخر: هو كون المنذور مندوبًا إليه قبل النذر، لأن النذر لا تعلق له بالمحرم ولا بالمكروه ولا بالواجب ولا بالمباح، وإنما يتعلق بالمندوب فقط، فإذا كان مندوبًا إليه قبل النذر، ثم نذره وفعله لأجل النذر علمنا أن تأثير النذر إنما هو في الوجوب، فسبب الوجوب إذًا: النذر والندب.
قوله: (تفريع: إِذا وجب الاتباع وعارض فعله قوله (3)، فإِن تقدم القول وتأخر (4) الفعل نسخ الفعل القول، كان القول خاصًا به أو بأمته أو عمهما،
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 292، والمسطاسي ص 47.
(2) وهو ما في النسخة المطبوعة مع الذخيرة، فانظر مقدمة الذخيرة 1/ 102.
(3) في ش: "وعارض قوله عليه السلام فعله".
(4) "أو تأخر" في أ.
(4/405)

وإِن تأخر القول وهو عام له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل، وإِن اختص بأحدهما خصصه عن عموم حكم الفعل.
وإِن تعقب الفعل القول من غير تراخ وعم القول له ولأمته خصصه عن عموم القول، وإِن اختص بالأمة ترجح القول [على الفعل، وإن اختص به جاز إِن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته، وإِلا فلا.
وإِن لم يتقدم واحد منهما، رجح القول] (1) لاستغنائه بدلالته عن (2) غيره من غير عكس.
فإِن عارض الفعل الفعل بأن يقر شخصًا على فعل فعل (3) [هو] (4) عليه السلام ضده، فيعلم خروجه عنه، أو يفعل عليه السلام ضده في وقت (5) يعلم لزوم مثله (6) [له فيه، فيكون نسخًا للأول] (7)).
ش: كلام المؤلف ها هنا في حكم الدليلين إذا تعارضا بنفي/ 237/ أو إثبات (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من أوخ وش.
(2) "من" في أ.
(3) "وفعل" في الأصل.
(4) ساقط من أوخ.
(5) "أخر" زيادة في ش.
(6) "عنه" زيادة في أ.
(7) ساقط من أ.
(8) تراجع المسألة في: المعتمد 1/ 388 - 389، والمستصفى 2/ 226، والفصول للباجي 1/ 274، 277، والبرهان فقرة 405، والتبصرة ص 249، والمحصول 1/ 3/ 385، والإحكام للآمدي 1/ 190، 191، وجمع الجوامع 2/ 99، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 330، والإبهاج 2/ 299، وشرح العضد 2/ 26، وتيسير التحرير 3/ 148، وشرح الكوكب المنير 2/ 198، والمسطاسي ص 47، وحلولو ص 247.
(4/406)

ينبغي أن نقدم ها هنا أربعة أمور:
أحدها: أن الدليلين المتعارضين إذا تأخر أحدهما كان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم (1).
والأمر الثاني: مهما أمكن الجمع بين الدليلين فلا يعدل عنه إلى النسخ (2).
والأمر الثالث: أن من شرط الناسخ أن يكون مساويًا أو أقوى من المنسوخ (3).
والأمر الرابع: أن الأفعال لا يصح التعارض فيها لاستحالة اجتماعهما في زمان واحد، بخلاف الأقوال؛ فإنها تتناول الأزمنة بصيغها (4).
واعلم (5) أن التعارض على ثلاثة أوجه: إما بين القولين، وإما بين الفعلين. وإما بين القول والفعل.
فالتعارض بين القولين لم يتعرض له المؤلف ها هنا وموضعه (6) باب
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 387، 388، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 331، والمعتمد 1/ 390، وشرح القرافي ص 293، والمسطاسي ص 47.
(2) انظر: شرح القرافي ص 295، والمسطاسي ص 47.
(3) انظر: شرح القرافي ص 294، والمسطاسي ص 47.
(4) انظر: المعتمد 1/ 381، وشرح الكوكب المنير 2/ 198، والمستصفى 2/ 226، وشرح القرافي ص 295، والمسطاسي ص 47.
وقد ذكر صاحب المحصول 1/ 3/ 393، والباجي في الفصول 1/ 174، أن التعارض يحصل بين الفعلين كما سيبين المؤلف بعد قليل.
(5) انظر هذا التفصيل في: المسطاسي ص 47، وحلولو ص 247.
(6) في الأصل: "وموضه"، وهو تصحيف ظاهر.
(4/407)

النسخ، وأما التعارض بين الفعلين، أو بين القول والفعل، فهذان القسمان هما اللذان تعرض لهما المؤلف ها هنا.
ذكر المؤلف في هذا التفريع جزأين:
الأول: في حكم التعارض بين القول والفعل.
والجزء الثاني: في حكم التعارض بين الفعلين.
أما التعارض بين القول والفعل، فإما أن يعلم التاريخ أو يجهل التاريخ، فإن علم التاريخ ففيه اثنا عشر وجهًا: ستة أوجه في تقديم (1) القول على الفعل، وستة أوجه في تقديم (1) الفعل على القول.
وبيان ذلك أن القول إذا تقدم على الفعل، فإما بتراخ، وإما بفور، وعلى التقديرين: فإما أن يكون القول خاصًا به عليه السلام، أو خاصًا بالأمة، أو عامًا لهما، فهذه ستة أوجه في تقديم القول وتأخير الفعل.
وهكذا يقول أيضًا في تقديم الفعل وتأخير القول؛ لأنا نقول: إما أن يتأخر عنه القول بتراخ، أو بفور، وعلى التقديرين: فإما أن يكون القول خاصًا به عليه السلام، أو خاصًا بالأمة، أو عامًا لهما، أيضًا ستة أوجه في تقديم الفعل وتأخير القول (2).
مجموع ذلك اثنا (3) عشر وجهًا ذكرها المؤلف كلها.
__________
(1) لعلها: "تقدم".
(2) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 191، وجمع الجوامع 2/ 99، والمحصول 1/ 3/ 386، 387، وشرح الكوكب المنير 2/ 200، وشرح العضد 2/ 26، والمسطاسي ص 47.
(3) في الأصل: "اثني" وهو لحن، والصواب الرفع بالألف: "اثنا"؛ لأنه خبر لمجموع.
(4/408)

قوله: (إِذا وجب الاتباع).
يعني: إذا وجب التأسي بالنبي عليه السلام في فعله المعلوم حكمه.
قوله: (فإِن تقدم القول وتأخر الفعل نسخ الفعل القول)، وإنما ينسخه لأن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا ولم يمكن الجمع بينهما نسخ المتأخر المتقدم (1).
قوله: (كان القول خاصًا به أو بأمته أو عمهما).
مثال الخاص بأمته: قوله عليه السلام: "الزاني المحصن يجلد ثم يرجم" (2)، ثم إنه عليه السلام رجم ماعزًا والغامدية (3) من غير جلد.
ومثال العام له ولأمته: قوله عليه السلام: "من أصبح جنبًا فلا صيام له" (4)، ثم أصبح عليه السلام جنبًا (5).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 293.
(2) مشهور من حديث عبادة بن الصامت رواه مسلم في الحدود برقم 1690، والترمذي في الحدود برقم 1434.
وجمهور العلماء على نسخه؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزًا والغامدية وغيرهما من غير جلد، وذهب داود ورواية عن أحمد إلى بقائه مستدلين بهذا الحديث، وبقصة علي رضي الله عنه مع شراحة؛ حيث جلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة. انظر: الأم 6/ 134، والمدونة 4/ 397، والمغني 8/ 157، وبداية المجتهد 2/ 435، والهداية 2/ 97، والقوانين الفقهية ص 304، والإفصاح 2/ 234.
(3) في الأصل: "العامرية" ولم أجدها في شيء من كتب الحديث، والصواب: "الغامدية" كما مر في ترجمتها.
(4) رواه مسلم في الصيام برقم 1109 موقوفًا على أبي هريرة، وقد رواه ابن ماجه في الصوم برقم 1302 عن أبي هريرة مرفوعًا.
(5) أحاديث كثيرة عن عائشة وأم سلمة وغيرهما، دلت على أن النبي يصبح جنبًا من جماع، فيغتسل ويصوم.
فانظر: البخاري في الصوم رقم 1931 عن عائشة، ومسلم في الصيام رقم 1109، عن عائشة، والترمذي في الصوم رقم 779 عن عائشة وأم سلمة.
(4/409)

قوله: (وإِن تأخر القول وهو عام له ولأمته، أسقط حكم الفعل عن الكل)، فلما ذكر حكم الفعل إذا تأخر عن القول، شرع ها هنا في عكسه وهو حكم القول إذا تأخر عن الفعل، فذكر أن القول إن كان عامًا له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل (1)، معناه: أسقط ذلك القول المتأخر حكم الفعل المتقدم عن الكل، أي: عن النبي عليه السلام وعن أمته.
مثال ذلك: أنه عليه السلام يسجد سجدة التلاوة مع أصحابه حتى قال لهم: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
قوله: (وإِن اختص بأحدهما خصصه عن عموم حكم الفعل (2))، اعلم أن الفعل في ذاته لا عموم له؛ ولأجل ذلك أضاف المؤلف العموم إلى حكمه لا إلى ذاته، بخلاف القول، فلا عموم للفعل، وإنما يتعلق الفعل بالنبي عليه السلام بالدليل الدال على التكرار في حقه، وتعلق بالأمة بالدليل الدال على التأسي، فالقول الخاص بأحدهما ناسخ، وهي عبارة فخر الدين (3)، والآمدي (4)، وغيرهما (5)، فإطلاق التخصيص عليه تَجَوُّز (6).
قوله: (وإِن تعقب الفعل القول من غير تراخ وعم القول له ولأمته، خصصه عن عموم القول).
هذا مقابل قوله أولاً: "فإن تقدم القول وتأخر الفعل نسخ الفعل
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 390، والمحصول 1/ 3/ 388، وشرح القرافي ص 293.
(2) انظر: شرح القرافي ص 293.
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 388.
(4) انظر: الإحكام 1/ 92.
(5) القرافي في شرحه أيضًا ص 293.
(6) انظر: المسطاسي ص 48.
(4/410)

القول"، لأن ما تقدم إنما هو فيما إذا تأخر الفعل بتراخ، وكلامه ها هنا فيما إذا تأخر الفعل من غير تراخ (1).
قوله: (خصصه عن عموم القول)، معناه: خصص الفعل النبي عليه السلام من عموم القول (2).
قال المؤلف في شرحه: تعذر النسخ في هذه الصورة؛ لأن من شرط النسخ التراخي، فإذا تعذر النسخ لم يبق إلا التخصيص، فيعلم أنه عليه السلام غير مراد بالعموم (3).
مثال ذلك: قوله عليه السلام: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها حين ذكرها"، فأخر عليه السلام الصبح حتى خرجوا من واد الشيطان (4)، ولا يجوز التأخير لغيره إذا ذكرها، فالنبي عليه السلام مختص بذلك الفعل (5).
__________
(1) انظر: المعتمد 1/ 390.
(2) انظر: شرح القرافي ص 293.
(3) انظر: شرح القرافي ص 293، والمسطاسي ص 48.
(4) هي قصة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه حينما كانوا قافلين من خيبر فأرادوا المبيت، وعهد النبي إلى بلال ليكلأهم، فاستند إلى راحلته فنعس، فلم يستيقظوا إلا والشمس قد طلعت، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالركوب، وقال: "هذا منزل حضرنا فيه الشيطان"، كما في رواية مسلم عن أبي هريرة عنه في كتاب المساجد برقم 680.
وانظر القصة عنده عن أبي قتادة برقم 681، وعن عمران بن حصين برقم 682، ورواها النسائي في المواقيت عن أبي هريرة 1/ 298، وأبو داود في الصلاة برقم 436، وابن ماجه في الصلاة برقم 697.
(5) كلامه هنا فيه نظر:
وذلك أن الفعل هنا لم يتعقب القول؛ لأنه إما متراخ عنه، أو أن القول هو المتأخر؛ إذ قد ثبت في رواية أبي هريرة عند مسلم، فلما قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها" الحديث، وكذا عند الترمذي من حديث أبي قتادة أنهم لما ساروا =
(4/411)

قوله: (وإِن اختص بالأمة ترجح القول على الفعل)، قال فخر الدين في المحصول: يجب المصير إلى القول جمعًا بين الدليلين؛ لأن حكم الفعل ثابت في حقه عليه السلام، بخلاف المصير إلى الفعل؛ فإن فيه إلغاء القول (1).
وقال المؤلف في الشرح: إن اختص القول بالأمة، والفعل أيضًا شأنه أن يترتب في حقهم حكمه، وهما متناقضان متعارضان، فيقدم القول على الفعل لقوته؛ لأن دلالة القول بالوضع فلا يفتقر إلى دليل يدل على أنه حجة، بخلاف الفعل؛ لولا (2) قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (3) لتعذر علينا نصب الفعل دليلاً (4).
مثال هذا: قوله عليه السلام: "إذا انتصف شعبان فلا يصومن أحدكم" (5)،
__________
= بعد الصلاة سألوا النبي عن صلاتهم، فقال: ... الحديث.
فانظر: مسلم رقم 680، والترمذي رقم 177.
وقد قال بعض العلماء: إنه يستحب التأسي بالنبي في فعله هذا، وهو التحول عن المواضع التي تحل فيها الشياطين، وقياسًا على الحمام ونحوه.
بل قد أمر النبي عليه السلام بالتحول في حديث أبي هريرة عند أبي داود بقوله: "تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة".
فانظر: سنن أبي داود رقم الحديث 436، وشرح النووي على مسلم 5/ 182 - 183.
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 386، وانظر أيضًا: شرح القرافي ص 293.
(2) لو قال: "إذ لولا" لكان أولى.
(3) سورة الحشر آية رقم 7.
(4) انظر: شرح القرافي ص 293.
(5) رواه الترمذي في الصوم برقم 738، وأبو داود برقم 2337، وابن ماجه برقم 1651 كلهم عن أبي هريرة بألفاظ متقاربة.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. =
(4/412)

فصام عليه السلام إلى رمضان (1).
قوله: (وإِن اختص به جاز إِن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته، وإِلا فلا).
ش: مثال هذا: إذا قال النبي عليه السلام: الفعل الفلاني واجب علي في الوقت الفلاني، ثم تلبس بضده في ذلك الوقت قبل التمكن منه/ 238/، فمن جوز نسخ الحكم قبل التمكن من الامتثال قال: الفعل ناسخ للقول، ومن لم يجوز ذلك مع كون الفعل رافعًا لحكم القول، قال: لا يتصور وجود مثل هذا الفعل، وهو معنى قوله: وإلا فلا.
قوله: (وإِن اختص به جاز إِن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته وإلا فلا) (2)، مثاله قوله عليه السلام: "نهيت عن قتل النساء والصبيان" ثم بعد ذلك رمى عليه السلام أهل الطائف بالمجانيق (3)، فقيل له عليه السلام: فيهم الذرية، فقال: "هم من آبائهم" (4).
__________
= قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مفطرًا، فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان، ثم ساق قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم".
(1) أحاديث كثيرة روتها عائشة وأم سلمة وغيرهما.
فانظرها في كتاب الصوم في البخاري برقم 1970، والترمذي برقم 736، والنسائي 4/ 199، 200، 201، وأبو داود برقم 2336، وابن ماجه برقم 1648، 1649.
(2) انظر: المسطاسي ص 48.
(3) جمع منجنيق، وهي الآلة التي ترمى بها الحجارة الكبيرة، وهي فارسية معربة أصلها جه. نيق، أي: أنا ما أجودني. ذكر هذا صاحب القاموس في مادة (جنق).
(4) أما رمي أهل الطائف بالمنجنيق فقد ذكره أصحاب السير، ولم أجده في حديث، إلا ما روى ابن سعد في الطبقات بسند رجاله ثقات عن مكحول مرسلاً: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا"، ويؤيده ما روى مسلم عن أنس قال: =
(4/413)

انظر قول ابن الحاجب: ويقاتل العدو بكل نوع ولو بالنار ... إلى آخر المسألة (1).
قوله: (وإِن لم يتقدم واحد منهما، رجح القول باستغنائه (2) عن غيره من غير عكس).
ش: لما ذكر المؤلف حكم التعارض بين القول والفعل إذا علم التاريخ، شرع ها هنا في حكم التعارض بينهما إذا جهل التاريخ، فذكر أن القول هو
__________
= "فحاصرناهم أربعين يومًا" انظر: صحيح مسلم الحديث رقم 1059، وطبقات ابن سعد 2/ 159. وسيرة النبي لابن هشام 4/ 128، والبداية والنهاية 4/ 348، وجوامع السيرة لابن حزم 243، وحدائق الأنوار لابن الديبع 2/ 691.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هم من آبائهم" فلم أجد من الأحاديث ولا من كلام أهل السير ما يشير إلى أنه قالها في أهل الطائف، وقد رواها البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن النبي سئل في الأبواء أو بودان: أن خيل المسلمين وطئت من نساء المشركين وأولادهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هم منهم"، وفي رواية عمرو بن دينار: "هم من آبائهم".
انظر: كتاب الجهاد من البخاري رقم 3012، ومسلم رقم 1745، وأبا داود رقم 2672، وابن ماجه رقم 2839، وكتاب السير في الترمذي رقم 1570، وهذا الحديث أعني حديث الصعب لا يصلح للتمثيل هنا من ناحيتين:
الأولى: أن هذا من تعارض الأقوال؛ لأن قوله عليه السلام: "هم من آبائهم" هو الذي أخذ منه حكم الجواز، وهو قول لا فعل.
الثانية: أن هذا سابق للنهي عن قتل النساء والأطفال لا بعده بدليل قول الزهري في رواية أبي داود السابقة: ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك عن قتل النساء والولدان. اه.
انظر: حديث رقم 2672 في أبي داود.
(1) انظر: الفروع الورقة 39 - ب من مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 887 د.
(2) في المتن كما مر: "لاستغنائه" وهي أولى.
(4/414)

المتقدم (1)؛ لأنه يدل بنفسه، أي: يدل بالوضع ولا يحتاج إلى ما يدل على أنه دليل (2)، بخلاف الفعل؛ فإنه لا يكون دليلاً إلا بالقول الدال على أنه دليل.
مثال ذلك: قوله عليه السلام: "امشوا أمام الجنازة" (3) رواه أَبو هريرة رضي الله عنه, وقال ابن عباس عنه: يمشي وراء الجنازة مع الصحابة (4).
__________
(1) لو قال: المقدم، لكان أولى؛ لأن القصد أن القول يقدم على الفعل، فالقول مقدم لا متقدم.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 388 - 389، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 331، والإحكام للآمدي 1/ 192، 193، والمعتمد 1/ 390، وإحكام الفصول للباجي 1/ 279، وتيسير التحرير 3/ 148، وشرح الكوكب المنير 2/ 202، والمسطاسي ص 48.
(3) لم أجد الحديث عن أبي هريرة، وقد روي عن أنس وابن عمر "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر" زاد أنس: "وعثمان" "يمشون أمام الجنازة".
فانظر الأحاديث: في كتاب الجنائز في الترمذي برقم 1007 عن ابن عمر، 1010 عن أنس، وفي النسائي 4/ 56، عن ابن عمر، وفي أبي داود برقم 3119 عن ابن عمر أيضًا، وفي ابن ماجه برقم 1482 عن ابن عمر.
أما الآثار: فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف 3/ 277، والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 24، عن أبي حازم أنه رأى أبا هريرة والحسن بن علي يمشيان أمام الجنازة.
وكذا عن أبي صالح مولى التوأمة أنه رأى أبا هريرة وأبا قتادة وابن عمر وأبا أسيد يمشون أمام الجنازة.
وروى ابن أبي شيبة عن الغفار بن المغيرة أن أبا هريرة لما رآه يمشي خلف جنازة دفعه حتى جعله أمامها، فانظر: المصنف 3/ 278.
(4) لم أجد هذا الحديث عن ابن عباس، وقد روى المشي خلف الجنازة ابن مسعود، وأبو هريرة وعلي وجماعة من الصحابة.
فانظر حديث ابن مسعود عند: الترمذي في الجنائز برقم 1011، وعند ابن ماجه برقم 1484، وانظر حديث أبي هريرة في المسند، انظر: ترتيب المسند للبنا 8/ 17 الحديث رقم 212 من كتاب الجنائز، وانظر الآثار عن علي في: مصنف عبد الرزاق 3/ 445، 447، =
(4/415)

قوله: (فإِن عارض الفعل الفعل، بأن يقر شخصًا على فعل، وفعل هو عليه السلام ضده، فيعلم خروجه عنه، أو يفعل عليه السلام ضده في وقت يعلم لزوم مثله له فيه، فيكون نسخًا للأول).
ش: هذا هو الجزء الثاني، وهو التعارض بين الفعلين (1)؛ فإن ما تقدم كله فإنما هو في حكم التعارض بين القول والفعل، وهذا الكلام إنما هو في حكم التعارض بين الفعلين.
قال الغزالي: لا يمكن التعارض بين الفعلين (2)، وذلك أن نقول: إما أن يمكن اجتماعهما، فإن أمكن اجتماعهما كالصلاة والصوم فلا تعارض، وإن لم يمكن اجتماعهما، إما أن يتماثلا، أو يتضادا؛ فإن تماثلا كظهر اليوم وظهر الغد فلا تعارض أيضًا، وإن تضادا كما إذا صام في وقت معين وأكل في مثل ذلك الوقت فلا تعارض أيضًا، لجواز أن يكون الفعل واجبًا في أحد الوقتين وجائزًا (3) في الوقت الآخر (4)، فإذا انتفت المعارضة فلا نسخ ولا تخصيص إلا في مسألتين (5):
__________
= وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن طاوس بن كيسان أنه قال: ما مشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة حتى مات إلا خلف الجنازة وبه نأخذ. انظره في المصنف 3/ 445.
(1) انظر: البرهان فقرة 405، والمعتمد 1/ 288، والإحكام للآمدي 1/ 190، وشرح العضد 2/ 26، وجمع الجوامع 2/ 99، وتيسير التحرير 3/ 147، وشرح الكوكب المنير 2/ 198، والمستصفى 2/ 226، والمحصول 1/ 3/ 393، وشرح القرافي ص 293، والمسطاسي ص 48.
(2) انظر: المستصفى 2/ 226، وشرح القرافي ص 295، والمسطاسي ص 48.
(3) في الأصل: "وجائز" بالرفع، وهو لحن.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 190، وشرح القرافي ص 294.
(5) انظرهما في: المحصول 1/ 3/ 393، والمعتمد 1/ 389، وشرح القرافي ص 294، والمسطاسي ص 48، وحلولو ص 251.
(4/416)

إحداهما: أن يقر عليه السلام شخصًا على فعل ثم فعل عليه السلام ضد ذلك الفعل؛ فإنه يعلم خروج ذلك الشخص المقر من حكم ذلك الفعل، فيكون إقرار ذلك الشخص على ذلك الفعل نسخًا لحكم الفعل في حق ذلك الشخص، أو يكون تخصيصًا له من حكم ذلك الفعل.
مثال ذلك: إقراره عليه السلام عبد الرحمن بن عوف على لباس الحرير (1)، وهو عليه السلام يترك لباسه (2).
وإلى هذه المسألة أشار المؤلف بقوله: بأن يقر شخصًا على فِعْلٍ فَعَلَ هو عليه السلام ضده فيعلم خروجه عنه.
المسألة الثانية: أن يفعل عليه السلام فعلاً ويدل الدليل على أنه يجب عليه تكرر ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، ثم فعل عليه السلام ضد ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، فيكون الفعل الثاني ناسخًا لحكم الفعل الأول.
مثال ذلك: أنه عليه السلام رئي يشرب جالسًا ثم رئي بعد ذلك يشرب قائمًا، فالقيام ضد الجلوس.
...
__________
(1) روى هذا البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص من حرير من حكة كانت بهما"، وجاء في بعض الروايات: أنهما اشتكيا القمل ... إلخ.
انظره في: البخاري برقم 2919، 5839، وفي مسلم برقم 2076، وفي الترمذي برقم 1722.
(2) لحديث نهيه عن لبس الحرير الذي سبق تخريجه، وهو أنه رفع خيطًا من ذهب وخيطًا من حرير، فقال: "هذان محرمان على ذكور أمتي حلال لإناثها".
(4/417)

الفصل الثالث في تأسيه عليه السلام
ش: التأسي هو الاتباع (1)، أي: في اتباعه عليه السلام لشرع من قبله من الأنبياء عليهم السلام.
الفرق بين هذا الفصل والذي قبله: أن التأسي فيما تقدم أضيف إلى المفعول، وها هنا في هذا الفصل أضيف إلى الفاعل، تقدير الفصل المتقدم: الفصل الثاني: في اتباع الأمة للنبي عليه السلام، وتقدير هذا الفصل الثالث: أي الفصل الثالث: في اتباع النبي عليه السلام لشرع من قبله من الأنبياء عليهم [السلام] (2).
قوله: (مذهب مالك وأصحابه أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقيل: كان متعبدًا).
ش: يقال: تعبد، إذا تلبس بالعبادة (3)، فهو متعبد بكسر الباء اسم
__________
(1) ذكر هذا المعنى صاحب اللسان وصاحب التاج، والتأسي في التعزي أشهر منه في الاتباع، يقال: تأسى به أي: "تعزى".
أما الاتباع، فالأشهر فيه الاتساء، يقال: اتسى به، أي: اقتدى به، ومنه قولهم: لا تأتس بمن ليس لك بأسوة، أي: لا تقتد بمن ليس لك بقدوة.
انظر: اللسان، وتاج العروس، وصحاح الجوهري، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، والمشوف المعلم، والقاموس المحيط، كلها في مادة: (أسا).
(2) غير موجودة بالأصل.
(3) أصل التعبد هو التنسك. انظر: الصحاح، ومعجم المقاييس لابن فارس، مادة: عبد.
(4/419)

الفاعل، ويقال: تعبده الله بكذا، إذا كلفه عبادته فهو متعبد بفتح الباء اسم مفعول.
قال المؤلف في الشرح (1): المختار أن نقول: متعبد، بكسر الباء فيما قبل النبوة.
ونقول: متعبد، بفتح الباء فيما بعد النبوة، قال: وهو الصواب، وهو الذي يظهر لي.
قال: والدليل على ذلك أنه عليه السلام قبل النبوة كان ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على حالة لا تليق لصانع العالم فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث فيه أي: يتعبد ويقترح أشياء من ذاته لقربها من المناسب في اعتقاده، ويخشى ألا تكون مناسبة لصانع العالم، فكان من ذلك في أمر عظيم وكرب شديد، حتى بعثه الله سبحانه، وعلمه جميع طرق الهداية، وأوضح له جميع مسالك الضلالة، فزال عنه ذلك الثقل الذي كان يجده، وهو المراد بقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} (2) على أحد التأويلات (3) أي: ووضعنا عنك الثقل الذي كنت تجده من أمر العبادة والتقرب.
وهذا يقتضي أن نقول: متعبد بكسر الباء؛ لأنه عليه السلام يقترح أشياء من ذاته لاعتقاده مناسبتها لجانب الربوبية، وذلك يقتضي أنه لم يكلف
__________
(1) انظر: الشرح ص 295 - 296، وانظر أيضًا: شرح المسطاسي ص 48.
(2) سورة الشرح الآيتان رقم 2، 3.
(3) انظر: تفسير ابن كثير 4/ 524، والدر المنثور للسيوطي 6/ 363، وقد ذكر هذا التفسير عن مجاهد وغير واحد من السلف.
(4/420)

بها.
وأما إن قلنا: إنه متعبد بفتح الباء فيقتضي أنه تعبده الله تعالى بشريعة سابقة أي: كلفه بها، وإنما يستقيم ذلك بعد النبوة؛ فإن الله تعالى تعبده بشريعة من قبله بعد النبوة، على الخلاف في ذلك (1).
قوله: (مذهب مالك وأصحابه / 239/ أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقيل: كان متعبدًا).
ذكر المؤلف في هذا الفصل مسألتين: الأولى: فيما قبل نبوته عليه السلام، والثانية: فيما بعد نبوته عليه السلام، فذكر فيما قبل النبوة (2) قولين، وفيه قول ثالث بالوقف (3)؛ ففيه إذًا ثلاثة أقوال.
__________
(1) إلى هنا انتهى النقل من القرافي، وفيه تصرف وتقديم وتأخير.
(2) انظر هذه المسألة في:
البرهان فقرة 417 وما بعدها، والمستصفى 1/ 246، المنخول ص 231، المحصول 1/ 3/ 397، العدة لأبي يعلى 3/ 765، التمهيد لأبي الخطاب 2/ 413، الإحكام للآمدي 4/ 137، نهاية السول 3/ 46، الإبهاج 2/ 302، الوجيز للكرماستي 162، تيسير التحرير 3/ 129، العضد على ابن الحاجب 2/ 286، المعتمد 2/ 900، وشرح القرافي 295، والمسطاسي ص 48، وشرح حلولو ص 251.
(3) خلاصة الأقوال في هذه المسألة أربعة:
1 - أنه غير متعبد بشرع مطلقًا، وبه تقول المالكية والمعتزلة ونسبه في المنخول للقاضي أبي بكر، وحكاه أَبو الخطاب في التمهيد عن الحنفية.
2 - أنه متعبد، وهؤلاء اختلفوا على سبعة أقوال: قيل: بشريعة آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل عيسى، وقيل: بجميع الشرائع.
وقيل: بما ثبت أنه شرع في وقته، وهذا الأخير عليه كثير ممن نصر هذا القول، وهم أكثر الشافعية والحنابلة، وأومأ إليه الإمام أحمد في عدة روايات، واختاره البيضاوي. =
(4/421)

والقائلون بالتعبد اختلفوا في الشريعة التي تعبدها: فقيل: بجميع الشرائع، وقيل: بشريعة آدم، وقيل: بشريعة إبراهيم، وقيل: بشريعة نوح، وقيل: بشريعة موسى، وقيل: بشريعة عيسى.
وهي ستة أقوال (1).
حجة القول المشهور الذي عليه مالك وأصحابه رضي الله عنهم بعدم التعبد هي: قوله: (لنا أنه لو كان كذلك لافتخرت به أهل تلك الملة وليس فليس (2)).
معناه: لو قلنا: إنه عليه السلام متعبد بشريعة من قبله، لافتخر أهل تلك الشريعة به بعد بعثه، لعلو شأنه بنسبته إلى شريعتهم، مع أنه لم ينقل شيء من ذلك.
قوله: (وليس فليس).
__________
= 3 - أن التعبد جائز عقلاً غير واقع شرعًا، نصر هذا القول القاضي أَبو بكر في التقريب والإرشاد كما حكاه ابن السبكي في الإبهاج، وبه قال جماعة من المتكلمين كعبد الجبار والغزالي في المستصفى واختاره الآمدي.
4 - الوقف، وقد مال إليه إمام الحرمين، ورجحه الغزالي في المنخول، ونسبه صاحب التيسير لابن الأنباري.
انظر: البرهان فقرة 418، 423، والمستصفى 1/ 246، والمنخول ص 231 - 232، والمعتمد 2/ 900، والمحصول 1/ 3/ 397، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 413، والعدة 2/ 766، وإحكام الآمدي 4/ 137، وتيسير التحرير 3/ 129، 130، والإبهاج 2/ 302، وشرح المسطاسي ص 49، وشرح حلولو ص 251.
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 49.
(2) انظر: المستصفى 1/ 246، والمحصول 1/ 3/ 398، وإحكام الآمدي 4/ 138، وشرح المسطاسي ص 49.
(4/422)

استعمل المؤلف ها هنا نوعًا من علم البديع وهو الترديد، وهو من الفصاحة اللفظية.
وهو أن تعلق الكلمة في المصراع - أو مثله من النثر - بمعنى ثم تعلقها فيه بمعنى آخر (1)، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} (2)، وقد يجتمع في مصراع واحد ترديدان كقوله:
ليس بما ليس به باس باس ... ولا يضر المرء ما قال الناس (3)
وحجة ثانية أيضًا: أن الشرائع المتقدمة قد اندرست ولم يبق منها ما يتمسك به أهلها فضلاً عن غيرهم (4).
وحجة ثالثة أيضًا: أنه لو كان متعبدًا بشريعة من قبلنا لكان يراجع علماء تلك الشريعة ويسألهم؛ إذ لم يقع ذلك، ولو وقع لاشتهر، ولو اشتهر لنقل إلينا (5).
__________
(1) قال ابن حجة في الخزانة: الترديد هو أن يعلق الشاعر لفظة في بيت واحد بمعنى، ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر ... والذي أقوله: إن الترديد والتكرار ليس تحتهما كبير أمر ولا بينهما وبين أنواع البديع قرب ولا نسبة لانحطاط قدرهما عن ذلك ... وللترديد بعض مزية يتميز بها على التكرار، ويتحلى بشعارها. اه.
انظر: خزانة الأدب وغاية الأرب لتقي الدين ابن حجة الحموي ص 164.
وانظر أيضًا: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن لابن أبي إصبع المصري ص 253.
(2) سورة الأنعام آية رقم 124.
(3) لم أجد هذا البيت في شيء من المراجع التي طالعتها.
(4) انظر: شرح القرافي ص 296، والمسطاسي ص 49.
(5) انظر: المعتمد 2/ 900، ونهاية السول 3/ 48، وشرح القرافي ص 296، وشرح المسطاسي ص 49.
(4/423)

وحجة رابعة أيضًا: ما تقدم لنا من أنه يقترح من ذاته أشياء يعتقد مناسبتها، ويخشى ألا تكون مناسبة، فلو كان متعبدًا بشرع من قبلنا (1) لما احتاج إلى ذلك (2).
وأما القائلون بالتعبد فحجتهم من وجهين:
أحدهما: أن شريعة من قبله عامة للأشخاص والأزمان، فوجب دخوله عليه السلام فيها ما لم يرد ناسخ، ولا ناسخ قبل نبوته، فوجب اندراجه فيها (3).
والوجه الثاني: أنه عليه السلام كان يأكل اللحم والفواكه، ويركب الدواب، ويطوف بالبيت، ويصل الرحم، ويتقي الفواحش ولا بد من ذلك من مستند، ولا مستند [إلا] (4) الشرائع المتقدمة على مذهب أهل السنة القائلين بأن العقل لا يفيد الأحكام الشرعية، وإنما الذي يفيدها هو الشرائع (5).
أجيب عن الأول، الذي هو قولهم: شريعة من قبله عامة فيدخل فيها، بأن ذلك دعوى لا برهان لها؛ إذ لا نسلم عمومها، وأيضًا سلمنا عمومها،
__________
(1) الأولى: "من قبله".
(2) انظر: المسطاسي ص 49.
(3) انظر: المستصفى 1/ 247، والمحصول 1/ 3/ 399، وشرح القرافي ص 296، والمسطاسي ص 49.
(4) ليست في الأصل، والعبارة لا تستقيم بدونها، وهي في شرح القرافي ص 296، والمسطاسي ص 49 - 50.
(5) يعني بذلك مذهب الأشاعرة في هذه المسألة.
فانظر: الإرشاد للجويني ص 8، وانظر: فتاوى ابن تيمية 6/ 469 وما بعدها.
(4/424)

فإن تلك الشرائع قد بدلت وغيرت، فلم يبق منها ما يوثق به، فانحسمت أبواب التوصل إليها، فكيف يكلف بها والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها (1).
وأجيب عن الوجه الثاني: الذي هو كونه عليه السلام يأكل اللحم والفواكه، ويركب الدواب، ويطوف بالبيت وشبه ذلك، بأن مستنده في ذلك البراءة الأصلية، وذلك كاف في مباشرة هذه الأفعال (2).
وأما طوافه بالبيت فلا حجة فيه؛ لأن العرب مازالوا يطوفون بالبيت ويتبركون (3) به ويعظمونه ولم يقتدوا في ذلك بشريعة، وإنما توارث ذلك أصاغرهم عن أكابرهم (4).
وأما صلة الرحم وتوقي الفواحش، فذلك مما جبلت عليه الطبائع الشريفة (5).
وها هنا تنبيهان:
الأول: قال المؤلف في الشرح: هذا الخلاف مخصوص بالفروع، وأما الأصول فلا خلاف في التكليف بها.
والدليل: أن أموات الكفار في الجاهلية يعذبون على تركها، ولولا
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 399، والآمدي في الإحكام 4/ 139، وشرح القرافي ص 296، والمسطاسي ص 50.
(2) انظر: المستصفى 1/ 248، والإحكام للآمدي 4/ 139، وشرح القرافي ص 297، والمسطاسي ص 50.
(3) في الأصل: "وتبركون".
(4) انظر: المسطاسي ص 50.
(5) انظر: المسطاسي ص 50.
(4/425)

التكليف بها لما عذبوا بتركها، وإنما الخلاف في الفروع خاصة، فإطلاق العلماء ها هنا مخصوص بالإجماع (1).
التنبيه الثاني: قال المازري، والأبياري (2) في شرح البرهان (3)، والإمام فخر الدين (4)، وإمام الحرمين (5)، والتبريزي (6): هذه المسألة لا تظهر ثمرة لا في الأصول ولا في الفروع البتة، بل تجري مجرى التواريخ (7) المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة البتة (8).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 297، والمسطاسي ص 158 من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح حلولو ص 251.
(2) في الأصل: "الأنباري" والأنباري "بنون وباء"، والصواب: الأبياري بالباء الموحدة والياء المثناة التحتانية نسبة إلى أبيار مدينة قرب الإسكندرية. انظر: شرح القرافي ص 297.
وهو أَبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن حسن بن عطية، كان بارعًا في علوم شتى ودَرَّس بالاسكندرية فانتفع به خلق، له شرح البرهان المذكور، ويوجد منه مجلد مخطوط في مكتبة مكناس، وله أيضًا كتاب سفينة النجاة في المواعظ والأخلاق، توفي سنة 616 ه، انظر: الديباج المذهب 2/ 121.
(3) انظر: صفحة 287 من مخطوط شرح البرهان لأبي الحسن الأبياري، موجود بمكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم 95.
(4) لم أجد نصًا للفخر في هذا الموضوع ولا من نسب إليه هذا سوى القرافي في شرحه ص 297، والشوشاوي هنا.
(5) انظر: البرهان فقرة 417.
(6) قال التبريزي: لا أرى فيه فائدة، ثم لا دليل على ثبوته ولا على انتفائه إلا عدم الظفر بدليل ثبوته، فالخوض فيه تضييع، ولعل كتمان حاله فيه من جملة كراماته ومعجزاته.
انظر: تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه للتبريزي 2/ 320.
(7) "التوارخ" في الأصل، والمثبت من البرهان. وشرح القرافي ص 297.
(8) نقل القرافي في النفائس لوحة 255 قريبًا من هذا الكلام عن المازري والأبياري وإمام =
(4/426)

قوله: (وأما بعد ثبوته فمذهب مالك رحمه الله تعالى وجمهور أصحابه.
وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة (1) أنه متعبد بشرع من قبله، وكذلك أمته إِلا ما خصه الدليل، ومنع من ذلك (2) القاضي أَبو بكر [وغيره] (3) (4).
لنا قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى (5) اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (6) وهو عام، لأنه اسم جنس أضيف).
ش: هذه هي المسألة الثانية (7)، وهذه المسألة هي التي يقول فيها الفقهاء: شرع من قبلنا هل هو مشروع لنا أم لا (8)؟
__________
= الحرمين والتبريزي، فانظر: المخطوط برقم 8224 ف، وانظر: نهاية السول 3/ 48، والإبهاج 2/ 302، وشرح القرافي ص 297، وشرح المسطاسي ص 158 من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح حلولو ص 252.
(1) "وأصحاب أبي حنيفة" في ش.
(2) "ومنع منه" في أوخ.
(3) ساقط من خ.
(4) "وجماعة من أصحابنا" زيادة في خ.
(5) "هداهم" في أ.
(6) سورة الأنعام آية رقم 90.
(7) انظر المسألة في: المعتمد 2/ 901، العدة 3/ 753، البرهان فقرة 411، المستصفى 1/ 245، التمهيد لأبي الخطاب 2/ 416، المغني للخبازي ص 264، والمحصول 1/ 3/ 401، الوجيز للكرماستي ص 161، الإحكام للآمدي 4/ 140، روضة الناظر ص 160، التمهيد للإسنوي ص 441، نهاية السول 3/ 49، والمنخول ص 232، الوصول لابن برهان 1/ 382، وشرح العضد 2/ 286، والمسطاسي ص 50.
(8) يذكر بعض الأصوليين هذه المسألة مع الأفعال أو بعدها، وبعضهم يذكرها مع الأدلة المختلف فيها كما صنع الغزالي في المستصفى، والآمدي، وابن الحاجب، وصاحب الروضة، وبعض الأصوليين يذكرها كمسألة مستقلة كصنيع أبي الخطاب في التمهيد.
(4/427)

ذكر المؤلف فيها قولين: قول بالتعبد (1)، وقول بعدم التعبد (2)، وفيها قول ثالث بالوقف (3).
فهي ثلاثة أقوال كالأقوال الثلاثة المتقدمة فيما قبل النبوة.
واعلم أن شرائع من قبلنا على ثلاثة أقسام (4):
قسم لا نكلف به باتفاق.
وقسم نكلف به باتفاق.
وقسم مختلف فيه.
فالقسم الذي لا نكلف به باتفاق، هو ما لا يعلم إلا بقولهم ومن جهة كتبهم المبدلة، فلا نكلف به لعدم صحته.
__________
(1) وقد نسبه القرافي إلى مالك وجمهور أصحابه وأصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة كما مر، ونسبه إمام الحرمين والغزالي إلى الشافعي أخذًا من كلامه في كتاب الأطعمة، وهو ظاهر الرواية عن أحمد كما قرره صاحب العدة، وجعله صاحب الروضة إحدى الروايتين ونسبه للحنفية، والذي في كتبهم أن ما قص الله تعالى أو رسوله من غير إنكار يلزمنا على أنه شريعة لرسولنا، ذكره الخبازي في المغني، والكرماستي في الوجيز، وأشار إليه ابن برهان في الوصول.
انظر: البرهان فقرة ص 411، والمنخول ص 232، والعدة 3/ 753 - 756، وروضة الناظر ص 161، والمغني للخبازي ص 265، والوجيز للكرماستي ص 161، والوصول لابن برهان 1/ 383.
(2) انظر: إحكام الآمدي 4/ 140، والمحصول 1/ 3/ 401، وقد نسبه لجمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء، وانظر: المستصفى 1/ 251، والمغني للخبازي ص 265، والعدة 3/ 756.
(3) ذكره الآمدي 4/ 148، واستبعده، وذكره المسطاسي ص 50.
(4) انظرها في شرح القرافي ص 298، والإبهاج لابن السبكي 2/ 308، وانظر أيضًا: شرح المسطاسي ص 51.
(4/428)

والقسم الذي نكلف به باتفاق، هو ما علم بشرعنا وأمرنا به، كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ...} (1) الآية، وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (2).
والقسم المختلف فيه ما علم بشرعنا أنه مشروع لهم، ولم نؤمر به، فهذا القسم الثالث هو محل الخلاف: هل تعبدنا به، أم لا، أو الوقف؟
وهذا الخلاف أيضًا / 240/ فيما عدا الأصول وهي عقائد التوحيد والقواعد الكلية كما تقدم فيما قبل النبوة، فالخلاف إذًا إنما هو مخصوص بالفروع.
وهذا القسم المختلف فيه مثاله: قوله تعالى حكاية عن منادي يوسف عليه السلام: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (3) والزعيم: هو الضامن (4).
هل يستدل بهذه الآية على وجوب الضمانة (5) أم لا؟
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 178.
(2) سورة البقرة آية رقم 183.
(3) سورة يوسف آية رقم 72.
(4) ومنه الحديث: "الزعيم غارم"، وقولهم: زعيم القوم، أي: سيدهم؛ لأنه متكفل بأمورهم ضامن لها، فالزعيم هو الكفيل الضامن.
انظر: الصحاح، والقاموس المحيط، ومعجم المقاييس لابن فارس، مادة: زعم، وكفل.
(5) الأصح: هل يستدل بها على جواز الكفالة والضمانة أو لا؟
والذي يصرح به العلماء هو الاستدلال بها على جواز الضمان ومشروعيته، ذكره ابن العربي في أحكام القرآن 3/ 1095، والجصاص في أحكام القرآن 3/ 75، ويفرق =
(4/429)

وكذلك قوله تعالى حكاية عن شعيب (1) وموسى عليهما السلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ...} (2) الآية.
هل يستدل بهذه الآية على جواز الإجارة أم لا؟
مذهب مالك وجمهور العلماء (3) أن النبي عليه السلام متعبد بشرع من قبلنا وكذلك أمته، معناه: أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما خصه الدليل، كالجمع بين الأختين وتزويج الأخت (4)، واسترقاق السارق كما في قوله تعالى: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ
__________
= بعض العلماء بين الكفالة والضمان فيخصص الكفالة بضمان الأبدان، أي: بضمان صاحب الدين، ويجعل الضمان عامًا لضمان الدين نفسه وضمان صاحبه.
انظر: المغني 4/ 590.
أما أكثر الفقهاء فيجعلون الكفالة والضمان بمعنى واحد.
انظر: المحلى 8/ 111، والمغني 4/ 591، والكافي لابن عبد البر 2/ 793.
(1) كون شعيب هو صاحب موسى في هذه القصة هو المشهور عن أكثر المفسرين، ونص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس وغيرهما.
وقال آخرون: اسمه شعيب ولكنه غير النبي عليه السلام، بل هو: سيد الماء.
وقيل: هو ابن أخي شعيب عليه السلام، وقيل: ابن عمه، وقيل: رجل مؤمن من قومه.
قال ابن كثير وغيره: الذي في كتب أهل الكتاب اسمه: ثيرون كاهن أهل مدين، أي: عالمها وكبيرها. اه.
انظر: تفسير ابن كثير 3/ 384، والدر المنثور 5/ 126، والبداية والنهاية 2/ 244.
(2) سورة القصص آية رقم 27.
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 401، والإحكام للآمدي 4/ 140.
(4) هكذا في الأصل، ولعلها: وتزوج الأخت.
(4/430)

فَهُوَ جَزَاؤُهُ} (1) معناه: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، وقوله: فهو جزاؤه تكرار لتأكيد البيان، وقيل: تقديره: من وجد في رحله فاسترقاقه جزاؤه، فالخبر للمبتدأ على التقدير الأول مفرد، والخبر على التقدير الثاني جملة، مبتدأ (2) وخبر (3).
واختلف أصحاب هذا القول بالتعبد: هل بجميع الشرائع؟ أو بشريعة آدم؛ لأنها أول الشرائع (4)، أو بشريعة نوح (5)، أو بشريعة إبراهيم (6)، أو بشريعة موسى (7)، أو بشريعة عيسى (8)، كما تقدم فيما قبل النبوة (9).
حجة القول بالتعبد كما قال المؤلف: قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (10)؛ لأن قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} اسم جنس أضيف، وهو عام للأقوال والأفعال والاعتقادات (11)، وكذلك قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ...} إلى قوله: {وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (12)،
__________
(1) سورة يوسف آية رقم 75.
(2) "مبتد" في الأصل.
(3) انظر: البحر المحيط 5/ 331، وقد ذكر هناك تقديرين آخرين.
(4) انظر: شرح القرافي ص 300.
(5) انظر: المنخول ص 233.
(6) انظر: البرهان فقرة 416، 419.
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 401.
(8) انظر: الوصول لابن برهان 1/ 387.
(9) انظر: شرح القرافي ص 300، والمسطاسي ص 50.
(10) سورة الأنعام آية رقم 90.
(11) انظر: إحكام الآمدي 4/ 142، والوصول لابن برهان 1/ 387، وشرح القرافي ص 298، وشرح المسطاسي ص 50.
(12) سورة الشورى آية رقم 13.
(4/431)

وهذا عام في جميع ما وصى به كل واحد منهم (1)، وكذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ (2) الَّذِينَ أَسْلَمُوا} (3) ونبينا عليه السلام من جملتهم (4)، وكذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (5) (6)، وكذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (7) (8)، وكذلك قوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (9) (10)، وكذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ (11) مِنْ بَعْدِهِ} (12) (13).
وأجيب عن هذا الاستدلال بهذه الآيات كلها: بأنه يحتمل أن يكون
__________
(1) انظر: البرهان فقرة 416، والمستصفى 1/ 257، وشرح القرافي ص 299، والمسطاسي ص 50.
(2) في الأصل مهموزة وهي قراءة ورش عن نافع بهمز النبيء، كما سبقت الإشارة.
انظر: حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة ص 52، 98.
(3) سورة المائدة آية رقم 44.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 142، ونهاية السول للإسنوي 3/ 52، والمسطاسي ص 50.
(5) سورة النحل آية رقم 123.
(6) انظر: الوصول لابن برهان 1/ 387، والمسطاسي ص 51.
(7) سورة البقرة آية رقم 130.
(8) انظر المستصفى 1/ 256، والمسطاسي ص 51.
(9) سورة الحج آية رقم 78.
(10) انظر: البرهان فقرة 416، وشرح القرافي ص 299، والمسطاسي ص 51.
(11) في الأصل مهموز، وهي قراءة ورش عن نافع.
انظر: حجة القراءات ص 52، 98.
(12) سورة النساء آية رقم 163.
(13) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 142.
(4/432)

المراد الاتباع في الأصول، والقواعد الكلية، دون الفروع (1).
وحجة القول بعدم التعبد أوجه:
أحدها: قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (2) (3).
الوجه الثاني: أنه لو كان متعبدًا بشرع من قبله لوجب عليه مراجعة علماء تلك الشريعة ولا يتوقف إلى نزول الوحي عليه؛ إذ لو فعل ذلك لاشتهر، ولو اشتهر لنقل إلينا (4).
الوجه الثالث: أنه لو تعبدنا بشرع من قبلنا لوجب على علمائنا مراجعة علماء تلك الشرائع، وليس فليس (5).
الوجه الرابع: قوله عليه السلام لمعاذ بن جبل (6) رضي الله عنه: "بم
__________
(1) انظر: المعتمد 2/ 904، والمحصول 1/ 3/ 414، والبرهان فقرة ص 416، والمستصفى 1/ 257، والوصول لابن برهان 1/ 387، ونهاية السول للإسنوي 3/ 52، والإحكام للآمدي 4/ 144، وشرح القرافي ص 299، والمسطاسي ص 51.
(2) سورة المائدة آية رقم 48.
(3) انظر: المستصفى 1/ 253، وروضة الناظر ص 161.
(4) انظر: المعتمد 2/ 902، والمحصول 1/ 3/ 402، والإحكام للآمدي 4/ 140، وشرح القرافي ص 299، والمسطاسي ص 51.
(5) انظر: البرهان فقرة 414، والمنخول ص 233، والمستصفى 1/ 253، وشرح القرافي ص 299، وشرح المسطاسي ص 51.
(6) هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وكان أعلم الصحابة بالحلال والحرام, بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن عاملاً وقاضيًا ولم يرجع إلا في خلافة أبي بكر، توفي رضي الله عنه في طاعون عمواس في الشام سنة 18 ه، وعمره 34 سنة.
انظر: الاستيعاب 3/ 355، والإصابة 3/ 426.
(4/433)

تحكم يا معاذ؟ "، فقال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال النبي عليه السلام: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله" (1)، فدل ذلك على عدم اعتبار الشرائع المتقدمة (2).
الوجه الخامس: اتفاق العلماء على إضافة جميع الأحكام إلى شريعته عليه السلام دون الشرائع المتقدمة، ولو تعبدنا بالشرائع المتقدمة لأضيف ذلك إليها لا إلى شرعنا (3).
__________
(1) حديث مشهور يحتج به الأصوليون في أبواب كثيرة.
أخرجه جماعة من المحدثين منهم: الترمذي في الأحكام برقم 1327، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 855، وأبو داود في الأقضية برقم 3592، وغيرهم من طرق عدة إلى شعبة عن أبي العون عن الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ عن معاذ، وهناك طريق آخر نقله ابن حجر عن ابن طاهر وهو عن محمد بن جابر عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ.
وقد ذكروا أن له طريقًا ثالثة عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، وليس فيه ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد.
وقد ضعف العلماء هذا الحديث بطرقه الثلاث، أما الأوليان فللجهالة بأصحاب معاذ وبالرجل الثقفي، وأما الثالثة فلوجود كذاب فيها وهو محمد بن سعيد المعروف بالمصلوب، وممن ضعفه البخاري والترمذي والدارقطني والحافظ العراقي وغيرهم.
وقد رضي جماعة من العلماء الاحتجاج بهذا الحديث كالخطيب البغدادي، وجماعة من الفقهاء وكثير من الأصوليين، استنادًا إلى صحة معناه، وتلقي الأمة له بالقبول، فانظر الكلام على الحديث في: التلخيص الحبير لابن حجر 4/ 182، والفقيه والمتفقه 1/ 189، والمعتبر للزركشي ص 63، وتخريج أحاديث اللمع ص 299، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني الحديث رقم 881.
(2) انظر: المستصفى 1/ 251، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 419، وشرح القرافي ص 300، وشرح المسطاسي ص 51.
(3) انظر: المعتمد 2/ 904، وروضة الناظر ص 162، وشرح المسطاسي ص 51.
(4/434)

وأجيب عن قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (1) بأن المراد بالشريعة والمنهاج هو القرآن؛ لأنه يخاطب به جميع الناس، ولم يرد بذلك الكتب المتقدمة قبله.
وأجيب عن عدم مراجعته عليه السلام وعن مراجعة علمائنا إلى (2) تلك الشرائع: لعدم التوثق بهم (3).
وأجيب عن حديث معاذ: بأنه خبر آحاد، وأيضًا كتابنا وكتبهم جميع ذلك هو كتاب الله؛ فإن كتابنا يدل على الكتب المتقدمة (4).
وأجيب عن إضافة الأحكام إلى شريعته عليه السلام دون سائر الشرائع المتقدمة: لكونه أحياها وبينها، لا لكونه غير مخاطب بها (5)، وبالله التوفيق بمنه.
...
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 48.
(2) كذا في الأصل، والأولى حذفها.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 141، وشرح القرافي ص 300، وهو بنصه من شرح المسطاسي ص 51.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 141، والمستصفى 1/ 251، وروضة الناظر ص 162، وشرح القرافي ص 300، وانظر كلا الجوابين في المسطاسي ص 51.
(5) انظر: المسطاسي ص 51.
(4/435)

الباب الرابع عشر
في النسخ
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: في حقيقته.
الفصل الثاني: في حكمه.
الفصل الثالث: في الناسخ والمنسوخ.
الفصل الرابع: فيما يتوهم أنه ناسخ.
الفصل الخامس: فيما يعرف به النسخ.
(4/437)

الباب الرابع عشر في النسخ
وفيه خمسة فصول:

ش: النسخ في اللغة يطلق على معنيين: أحدهما: الإزالة (1)، والثاني: النقل (2).
فمن الإزالة (1): قوله تعالى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ...} (3)، أي: يزيله (4)، ومنه قوله: نسخت الشمس الظل، ..................
__________
(1) "الازلة" في الأصل.
(2) ذكر هذين المعنيين معظم أصحاب المعاجم، كما ذكر صاحب اللسان وصاحب القاموس معان أخرى: كالإبطال والتبديل والتغيير.
فانظر: اللسان، والقاموس المحيط، وشرحه تاج العروس، والصحاح، ومعجم مقاييس اللغة، والأفعال للمعافري، كلها في مادة: نسخ، وانظر: شرح المسطاسي ص 51 - 52 تجد فيه كثيرًا مما في هذه المقدمة.
(3) الحج: 5.
(4) الذي في كتب أكثر المفسرين أن معنى ينسخ هنا: يبطل أو يذهب به، وأشار إلى هذا المعنى أَبو حيان في البحر المحيط.
وأرى أن المعنى الذي ذكره أكثر المفسرين أولى؛ لأن ما ألقى الشيطان لا يزول وإنما يزول تأثيره ببيان بطلانه وإنزال الله الرد عليه.
انظر: الكشاف للزمخشري 3/ 165، وتفسير القرطبي 12/ 86، والبحر المحيط 6/ 381، وتفسير ابن كثير 3/ 230، وروح المعاني 17/ 173، وتفسير أبي السعود 6/ 113.
(4/439)

أي: أزالته (1)، وقولهم: نسخت الريح الأثر، أي: أزالته (2)، وقولهم: نسخ الشيب الشباب (3).
ومثال المعنى الذي هو النقل: [قوله] (4) تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (5) أي: ننقل (6)، ومنه قولهم: نسخت النحل ونسخت العسل، إذا نقلتهما من خلية إلى خلية (7)، ومنه قولهم: تناسخ المواريث، وهو نقل الحق من وارث إلى وارث (8)، ومن معنى النقل قولهم: نسخت الكتاب (9)، ولكن إطلاق النسخ على هذا مجاز، وهو مجاز التشبيه؛ لأن حقيقة النقل نقل الشيء من مكان إلى مكان ومن حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه، كقولك: نقلت الحجر من مكان إلى مكان، وأما نسخ الكتاب فليس فيه نقل، وإنما هو شبيه بالنقل؛ لأن تحصيل مثل ما في أحد الكتابين/ 241/ في الآخر يجري
__________
(1) انظر: اللسان مادة (نسخ).
(2) قال في اللسان: نسخت الريح آثار الديار غيرتها. اه. انظر مادة: (نسخ)، وانظر: الصحاح مادة: (نسخ).
(3) قال ابن فارس: وكل شيء خلف شيئًا فقد انتسخه ... والشيب الشباب. اه.
انظر: مادة (نسخ).
(4) ليست في الأصل ولا يتم المعنى إلا بها.
(5) الجاثية: 29.
(6) وقيل: معناه: نستكتب الملائكة، قالوا: والنسخ لا يكون إلا عن أصل، والأصل هو أفعال العباد، وهذا مروي عن ابن عباس.
انظر: روح المعاني 25/ 156، وتفسير أبي السعود 8/ 74، وتفسير ابن كثير 4/ 152، والدر المنثور للسيوطي 6/ 36.
(7) انظر: القاموس المحيط، ومعجم المقاييس لابن فارس مادة: (نسخ).
(8) انظر: المصدرين السابقين.
(9) انظر: المصدرين السابقين والصحاح مادة: (نسخ).
(4/440)

مجرى نقله، وأما عين الشيء الذي في الكتاب المنسوخ منه فلم ينقل حقيقة (1).
وهذان المعنيان المذكوران اللذان هما: الإزالة والنقل، اختلف الأصوليون في إطلاق النسخ عليهما؛ هل هو على سبيل الاشتراك فهو لفظ مشترك بينهما؟ قاله القاضي أَبو بكر والغزالي (2)؛ إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة.
وقيل: هو حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل، قاله أَبو الحسين البصري (3) وغيره (4)؛ لأن إطلاق النسخ على النقل في قولهم: نسخت الكتاب مجاز؛ لأنه لم ينتقل حقيقة، فيتعين كونه حقيقة في الإزالة (5).
وقيل: حقيقته (6) في النقل مجاز في الإزالة، قاله بعض الشافعية (7)؛ لأنه حقيقة في تناسخ المواريث، ونسخ النحل من خلية إلى خلية أخرى؛ لأن ذلك
__________
(1) انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب ص 41 - 43، والمعتمد 1/ 395.
(2) انظر: المستصفى 1/ 107، والإحكام للآمدي 3/ 102، والوصول إلى الأصول لابن برهان 2/ 5، ونسبه المسطاسي للقاضي عبد الوهاب، انظر: المسطاسي ص 52.
والمراد بالاشتراك هنا: الاشتراك المعنوي، وهو المتواطئ. قاله المسطاسي ص 52، ومولى حلولو ص 255.
(3) انظر: المعتمد 1/ 394، 395، والمسطاسي ص 52.
(4) كالرازي؛ حيث احتج له في المحصول 1/ 3/ 420 - 423.
(5) انظر: المعتمد 1/ 395، والإحكام للآمدي 3/ 102، والوصول لابن برهان 2/ 6.
(6) لعلها: "حقيقة".
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 420 - 421، والإحكام للآمدي 3/ 102، والمسطاسي ص 52، ونسبوه للقفال.
(4/441)

نقل حقيقة، فيكون مجازًا في الإزالة.
ولكن هذان القولان المتعاكسان فيهما نظر؛ لأن كل واحد منهما معارض بمثله، والظاهر القول الأول بالاشتراك، والله أعلم؛ إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون حقيقة فيهما، وهذا الخلاف لفظي لا حظ للمعنى فيه (1).
وها هنا ثلاثة ألفاظ وهي: النسخ، والمسخ، والسلخ.
لأنه يقال: نسخت الكتاب وسلخته ومسخته، فالنسخ معناه: نقل اللفظ والمعنى، والسلخ معناه: نقل المعنى دون اللفظ، والمسخ معناه: إفساد اللفظ والمعنى (2).
وقد كتب بعض العلماء إلى صديق له يعرفه بناسخ فقال: أعرفك بصفته: إن نسخ مسخ، وإن لفظ غلط، وإن شَكَّل أشكل، ولقد أمليته زيدًا فسمع عمرًا، وكتب خالدًا فقرأ عبد الله (3).
قوله: (الفصل الأول: في حقيقته (4).
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 104.
(2) انظر: تاج العروس للزبيدي حيث قال في مادة (سلخ):
وسلخ الشعر: وضع لفظ بمعنى اللفظ الآخر في جميعه، فتزيل ألفاظه وتأتي بدلها بألفاظ مرادفة لها في معناها فهذا سلخ، فإن قصر دون معناه كان مسخًا. اه.
وانظر منه أيضًا: مسخ. وانظر: شرح المسطاسي ص 52.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 52.
(4) المراد: في حد النسخ اصطلاحًا.
انظر: حد النسخ اصطلاحًا في: المعتمد لأبي الحسين 1/ 396، والعدة 3/ 778، والبرهان فقرة 1412، وما بعدها، والمستصفى 1/ 107، والمسودة ص 195، =
(4/442)

قال القاضي (1) منا والغزالي (2) (3): هو خطاب دال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه) (4).
ش: وفي بعض النسخ: والغزالي من الشافعية (5)، ولا شك أن الغزالي من الشافعية.
قوله: (خطاب)، جنس يشمل اللفظ والفحوى والمفهوم والفعل والإقرار؛ لأن النسخ يقع بالجميع (6).
__________
= وروضة الناظر ص 69، والعضد على ابن الحاجب 2/ 185، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار لأبي بكر الحازمي ص 9، والإحكام لابن حزم 4/ 438، والإحكام للآمدي 3/ 104، والمحصول للرازي 1/ 3/ 423، وفواتح الرحموت 2/ 53، وإرشاد الفحول ص 184، وشرح المحلي على جمع الجوامع مع حواشيه 2/ 75، وإحكام الفصول للباجي 1/ 410، واللمع للشيرازي ص 163، وشرح الكوكب المنير 3/ 526، والفقيه والمتفقه 1/ 80، والوصول لابن برهان 2/ 7، والإشارة للباجي ص 162، والإبهاج 2/ 247، ونهاية السول 2/ 548، وتيسير التحرير 3/ 178، والتلويح على التوضيح 2/ 62، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 336، وشرح القرافي ص 301، والمسطاسي ص 53، وحلولو ص 256.
(1) نسبه للقاضي أبي بكر الباقلاني: الجويني في البرهان فقرة 1415، وابن برهان في الوصول 2/ 7، وصاحب الإبهاج 2/ 248، وابن الحاجب في مختصره 2/ 187، والرازي في المحصول 1/ 3/ 423، والحازمي في الاعتبار ص 9، والمسطاسي ص 53.
(2) انظر: المستصفى 1/ 107.
(3) "من الشافعية" زيادة في خ.
(4) وقد ارتضاه الشيرازي في اللمع، فانظر: اللمع ص 163.
(5) هو الموجود في نسخة خ.
(6) انظر: المحصول 1/ 3/ 424، والمستصفى 1/ 107، والإحكام للآمدي 3/ 105، والمسطاسي ص 53.
(4/443)

قوله: (دال على ارتفاع حكم) الحكم أعم من الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة؛ لأن النسخ يقع في جميعها (1).
قوله: (ثابت بخطاب متقدم) احترازًا من حكم ثابت بعقل؛ لأن العقل ليس بخطاب؛ لأن العقل يقتضي براءة الذمة قبل ورود الشرع، فابتداء إيجاب العبادة في الشرع مزيل لحكم العقل الذي هو براءة الذمة، ولا يسمى ذلك نسخًا (2).
قوله: (على وجه لولاه لكان ثابتًا) أي: لولا الخطاب الناسخ لكان حكم الخطاب المتقدم ثابتًا؛ أي مستمرًا.
واحترز بذلك من الحكم المؤقت، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (3) فيقول الله تعالى مثلاً: فإذا دخل الليل فكلوا واشربوا، فإن هذا لا يكون نسخًا لحكم الأول لفوات شرط النسخ وهو استمرار الحكم الأول عند عدم الثاني الذي هو الناسخ، فإن الحكم المؤقت بغاية لا يستمر إذا انتهى إلى غايته (4).
قوله: (مع تراخيه عنه) أي: مع تأخير الخطاب الثاني الذي هو الناسخ عن الخطاب الأول الذي هو المنسوخ.
واحترز بذلك من الخطاب المتصل بالخطاب الأول كالاستثناء والشرط
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 424، والمستصفى 1/ 107، والمسطاسي ص 53.
(2) انظر: المستصفى 1/ 107، والمحصول 1/ 3/ 424، والإحكام للآمدي 3/ 105.
(3) البقرة: 187.
(4) انظر: المستصفى 1/ 107 - 108، والإحكام للآمدي 3/ 105، والمسطاسي ص 53.
(4/444)

والصفة والغاية، فلا يسمى ذلك نسخًا لفوات شرط النسخ وهو التراخي بين الناسخ والمنسوخ؛ فإن ذلك يسمى بيانًا ولا يسمى نسخًا (1).
قوله: (خطاب دال على ارتفاع حكم ...) إلى آخر الحد معترض من أوجه:
أحدها: أن الخطاب طريق معرف للنسخ وليس هو نفس النسخ؛ لأن النسخ هو الارتفاع، فالخطاب معَرِّف والنسخ معَرَّف، والفاعل خلاف المفعول فلا يتناول الحد المحدود أصلاً (2).
الثاني: أنه غير جامع، لخروج الفعل والإقرار من المحدود؛ لأن فعله عليه السلام وإقراره ليس بخطاب مع أن النسخ يقع بذلك كما تقدم لنا في الباب قبل هذا، في قوله: "تفريع: إذا وجب الاتباع وعارض فعله قوله، فإن تقدم القول وتأخر الفعل نسخ الفعل القول، كان القول خاصًا به أو بأمته أو عمهما (3) " (4).
الثالث: أنه غير جامع لخروج الفعل والإقرار منه أيضًا بالنسبة إلى المنسوخ؛ لأنه يقع النسخ في الفعل والإقرار كما يقع بهما؛ لأن قول المؤلف:
__________
(1) انظر: المستصفى 1/ 108، والمحصول 1/ 3/ 425، والإحكام للآمدي 3/ 105.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 25، وشرح العضد 2/ 187، والإحكام للآمدي 3/ 105، وشرح القرافي ص 301، وشرح المسطاسي ص 53، وحلولو ص 256.
(3) انظر قوله في صفحة: 237 من مخطوط الأصل، وشرح القرافي ص 292.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 425، والإحكام للآمدي 3/ 105، وشرح العضد 2/ 187، وفواتح الرحموت 2/ 53، وشرح القرافي ص 301، وشرح المسطاسي ص 53 - 54، وشرح حلولو ص 256.
(4/445)

(بخطاب متقدم)، يقتضي أن الفعل والإقرار لا ينسخان؛ إذ ليسا بخطاب (1)، فوقع الاعتراض بالفعل والإقرار من وجهين: وجه من جهة الخطاب الناسخ، ووجه من جهة الخطاب المنسوخ.
الرابع: أن رفع الحكم لا يصح؛ لأنه إما أن يريد به كلام الله القديم، أو يريد أفعال المكلفين، ولا يصح الرفع في كليهما.
أما رفع القديم فمحال ظاهر، وأما أفعال المكلفين، فإما أن يقع الفعل أم لا، فإن وقع الفعل فلا يصح رفعه/ 242/ لأن رفع الواقع محال، وإن لم يقع فرفع ما لم يقع محال أيضًا، فاستحال الرفع على كل حال (2).
الخامس: أن قوله: (لولاه لكان ثابتًا)، حشو مستغنى عنه، فإن الحكم المغيا بوقت يرتفع بانتهائه إلى وقته، فلا يدل الخطاب الثاني على ارتفاع حكم الخطاب الأول، بل يرتفع بانتهائه إلى وقته؛ لأن ارتفاعه يتوقف على ثبوته لاستحالة ارتفاع المرتفع (3).
السادس: أن قوله: (مع تراخيه عنه) حشو أيضًا؛ لأن الخطاب المتصل ليس رافعًا لحكم الخطاب الأول، بل هو مبين لكون الخطاب المتقدم لم يرد به الحكم في المستثنى، وفيما خرج عن الشرط، والغاية، والصفة (4).
أجيب عن الأول الذي هو قولنا: الخطاب مُعَرِّف للنسخ لا نفس النسخ:
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 105، وشرح العضد 2/ 187، وفواتح الرحموت 2/ 53، وشرح القرافي ص 301.
(2) انظر: المستصفى 1/ 108، وروضة الناظر ص 70، والمحصول 1/ 3/ 427، 435، والمسطاسي ص 54.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 106، وشرح العضد 2/ 187، وشرح حلولو ص 256.
(4) انظر: أحكام الآمدي 3/ 106، وشرح العضد 2/ 187، وشرح حلولو ص 256.
(4/446)

بأن الناسخ في الحقيقة هو الله، ولذلك أضاف النسخ إلى نفسه في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (1)، فالنسخ هو فعل الناسخ، وفعله هو هذه المدارك وجعلها ناسخًا، فالمصدر في التحقيق هو هذه المدارك، فاندفع السؤال (2).
وأجيب عن الثاني - الذي هو خروج الفعل والإقرار من الحد لكونهما غير خطاب - بأن فعله عليه السلام وإقراره يدل على ورود خطاب الله تعالى الدال على ارتفاع الحكم أو على ثبوت الحكم؛ إذ ليس للرسول عليه السلام رفع الحكم ولا إثباته من تلقاء نفسه؛ لأنه مبلغ عن الله تعالى أحكامه للعباد، فيندرج فعله عليه السلام وإقراره في الخطاب، وهذا الجواب أيضًا هو جواب عن الثالث (3).
وأجيب عن الرابع الذي هو قولنا: رفع الحكم الشرعي محال: بأن المراد بالحكم الشرعي ها هنا ما يجعل المكلف بعد أن لم يكن، وهو الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهو تعلق تنجيز التكليف، وهو كون المخاطب مكلفًا بالإتيان بالمكلف به عند تعلق الخطاب به، وليس المراد بالحكم الشرعي ها هنا الحكم القديم الأزلي (4).
وأجيب عن الخامس الذي هو قولنا: لولاه لكان ثابتًا حشو: بأنه أتى به
__________
(1) البقرة: 106.
(2) انظر: إحكام الآمدي 3/ 106، وشرح العضد 2/ 186، وشرح القرافي ص 302، وشرح المسطاسي ص 54.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 106، وشرح العضد 2/ 186، وفواتح الرحموت 2/ 53، وشرح حلولو ص 256.
(4) انظر: المستصفى 1/ 109، وروضة الناظر ص 71، والمسطاسي ص 54.
(4/447)

رفعًا للبيان إلى أقصى غايته.
وهكذا الجواب عن السادس الذي [هو] (1) قولنا: قوله: مع تراخيه عنه حشو.
قوله: (قال (2) الإِمام فخر الدين: الناسخ طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الثابت بطريق لا يوجد بعده متراخيًا عنه بحيث لولاه لكان ثابتًا (3)، فالطريق يشمل (4) سائر المدارك الخطاب وغيره، وقوله (5): مثل الحكم؛ لأن الثابت قبل النسخ غير المعدوم بعده، وقوله: متراخيًا (6) لئلا يتهافت الخطاب، وقوله: [لولاه] (7) لكان ثابتًا احترازًا من المغيات نحو: الخطاب بالإِفطار بعد غروب الشمس، فإِنه ليس ناسخًا (8) [لوجوب] (9) الصوم (10)).
ش: لما نظر الإمام إلى الإشكالات الواردة على حد القاضي عدل إلى هذا الحد فقال: طريق شرعي، فالطريق يندرج فيه الخطاب والفعل والإقرار، فالطريق أعم من الخطاب (11) وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: "فالطريق يشمل
__________
(1) ليست في الأصل، وهي زيادة يقتضيها السياق.
(2) "وقال" في م وش.
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 428.
(4) "تشمل" في خ.
(5) "فقوله" في الأصل.
(6) "عنه" زيادة في ش.
(7) ساقط من خ.
(8) "نسخًا" في ش.
(9) ساقط من أ.
(10) "للصوم" في أ.
(11) انظر: المحصول 1/ 3/ 428، وشرح القرافي ص 301، والمسطاسي ص 54.
(4/448)

سائر المدارك: الخطاب وغيره".
وقوله: (يدل) يعني دلالة الالتزام، ولا تصح ها هنا دلالة المطابقة ولا دلالة التضمن؛ لأن المنسوخ ليس جملة الناسخ ولا جزأه.
قوله: (على أن مثل الحكم الثابت بطريق) أي: بطريق شرعي، وإنما حذف صفة الطريق ها هنا لدلالة الأول عليه، وإنما قال: "مثل الحكم" ولم يقل: يدل على أن الحكم الثابت، بناء على أن الحكم الأول لا يرتفع، وإنما الذي يرتفع بالنسخ هو مثله لا نفسه؛ لأنه لو لم يرد النسخ لتجدد مثل الحكم الأول، فورود النسخ يمنع تجدد مثل الحكم الأول، وهذا على طريقة المعتزلة القائلين بأن الحكم الشرعي قول، والأقوال عندهم لا تبقى زمانين فلا بد من تجددها.
قوله: (الثابت) أي: الثابت قبل النسخ.
قوله: (لا يوجد بعده) أي: لا يوجد بعد النسخ، أي: لا يوجد مثل الحكم الأول بعد النسخ بل يعدم مثله بعد النسخ، وهذا بناء على أن النسخ ليس فيه رفع الحكم المتقدم، وإنما هو بيان انتهاء مدة الحكم المتقدم.
قوله: (متراخيًا عنه) قال فخر الدين وتاج الدين (1): أخرجنا بهذا القيد
__________
(1) الأقرب أنه تاج الدين الأرموي وهو محمد بن الحسن بن عبد الله الأرموي الشافعي، تلميذ الفخر الرازي، وصاحب كتاب الحاصل مختصر المحصول، كان بارعًا في العقليات، استوطن بغداد وبها توفي حوالي سنة (653 ه).
انظر ترجمته في: طبقات الإسنوي 1/ 451، والدليل الشافي 2/ 613، وفيه محمد بن الحسن، وقلت: إنه الأقرب؛ لتقدمه ولارتباطه بالمحصول فإنه ذكر هنا مع الفخر الرازي صاحب المحصول.
ويحتمل أن يكون تاج الدين ابن السبكي وهو أَبو نصر عبد الوهاب بن الشيخ علي =
(4/449)

الأشياء المتصلة من الشرط والاستثناء والغاية؛ لأنها غير متراخية (1).
قوله: (لئلا يتهافت الخطاب) التهافت لغة: هو التساقط، قال المؤلف في الشرح: قولي: مع تراخيه عنه؛ لأنه لو قال الشارع: افعلوا، لا تفعلوا، لتهافت الخطاب وأسقط الثاني الأول، وكذلك لو قال عند الأول: هو منسوخ عنكم بعد سنة، لكان هذا الوجوب مغيًا بتلك الغاية من السنة فلا يتحقق النسخ بل ينتهي بوصوله إلى غايته، وحينئذ يتعين أن يكون الناسخ مسكوتًا عنه في ابتداء الحكم. انتهى نصه (2).
قوله: (بحيث لولاه لكان ثابتًا) أي: على وجه لولا الناسخ لكان مثل الحكم ثابتًا أي مستمرًا.
قوله: (احترازًا من المغيات) كأن يقول الله تعالى مثلاً: صوموا إلى الليل، ثم يقول بعد ذلك: إذا دخل الليل فكلوا واشربوا.
فإن الحكم إذا جعل له غاية فلا يكون ثابتًا إذا وصل غايته، ومن شرط النسخ أن يكون الحكم الأول قابلاً للثبوت والدوام، والمغيا لا يقبل الثبوت والدوام بعد وصوله غايته (3).
قوله: (الناسخ طريق شرعي ...) إلى آخر الحد.
__________
= ابن عبد الكافي السبكي، صاحب الطبقات والإبهاج ورفع الحاجب وغيرها، المتوفى سنة (771 ه)، وانظر ترجمته في: الدرر الكامنة 3/ 39، وشذرات الذهب 6/ 221.
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 435، وانظر: الإبهاج 2/ 247 - 248.
(2) انظر: شرح القرافي ص 302.
(3) انظر: شرح القرافي ص 302.
(4/450)

معترض/ 243/ من أوجه:
أحدها: أن الطريق ناسخ لا نسخ، والمصدر غير الفاعل، فالحد لا يصدق على المحدود (1).
الثاني: أن قوله: "يدل على أن مثل الحكم الثابت"، يقتضي خروج ما أمر به مرة واحدة في العمر ثم نسخ، كذبح إسحاق عليه السلام (2) فإنه شيء واحد والشيء الواحد لا مثل له، فيكون الحد غير جامع (3).
الثالث: أن الحكم الشرعي كلام الله القديم، والمثلية في حق القديم محال، وإنما تصح المثلية في الأعراض الممكنة التي يستحيل البقاء عليها زمانين (4) (5).
الرابع: أن قوله: "متراخيًا عنه"، مناقض لقوله في الباب الذي قبل هذا: وإن تعقب الفعل القول من غير تراخ، وعم القول له ولأمته، خصصه عن
__________
(1) انظر: شرح العضد 2/ 186، وشرح المسطاسي ص 54.
(2) هذا الذي يرجحه المؤلف في الذبيح، والصحيح أن الذبيح إسماعيل كما سترى تحقيقه في الفصل القادم عند قوله: ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه. اه. في صفحة 248 من مخطوط الأصل ص 481 من هذا المجلد.
أما إسحاق فهو ابن نبي الله إبراهيم من زوجته سارة، بشّرهما به الملائكة لما مروا بإبراهيم في طريقهم لإهلاك قوم لوط، وكان إبراهيم وسارة قد شاخا، وإسحاق هذا هو الذي من ذريته بنو إسرائيل، والله أعلم.
انظر: البداية والنهاية 1/ 160.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 54.
(4) انظر: المسطاسي ص 54.
(5) هذا الاعتراض مبني على قول الأشاعرة في كلام الله، وهي مسألة سبق التنبيه عليها في باب الاستثناء.
(4/451)

عموم القول، وإن اختص بالأمة ترجح القول على الفعل، وإن اختص به جاز إن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته وإلا فلا (1). انتهى نصه.
فذكر هنالك أن الفعل إذا تعقب القول من غير تراخ وكان القول خاصًا بالنبي عليه السلام فإنه يكون نسخًا، فإن كان التراخي شرطًا في النسخ فلا يصح كلامه في تعارض القول والفعل، وإن لم يكن التراخي شرطًا فلا يصح حده في النسخ، فأحد الأمرين لازم.
الخامس: قوله: "لولاه لكان ثابتًا" إنما يحسن على القول بأن النسخ رفع لا أنه انتهاء (2).
أجيب عن الأول: الذي هو قولنا: أن الطريق ناسخ لا نسخ والمصدر خلاف الفاعل: بأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى والنسخ هو فعله، وفعله هو هذا الطريق الذي جعله ناسخًا، فالمصدر في التحقيق هو هذا الطريق الذي جعله ناسخًا (3).
أجيب عن الثاني: الذي هو قولنا: قوله: "يدل على أن مثل الحكم الثابت"، يقتضي خروج ما أمر به مرة واحدة كنسخ ذبح إسحاق؛ لأنه شيء واحد، والشيء الواحد لا مثل له مع تحقق النسخ، أجيب عنه: بأن المقصود التعدد في الزمان لا في الفعل المأمور به (4)؛ لأن زمان الذبح متسع من حين
__________
(1) انظر: مخطوط الأصل ص 238، وص 406 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 292.
(2) انظر: فواتح الرحموت 2/ 53.
(3) انظر: شرح العضد 2/ 186، والمسطاسي ص 54.
(4) انظر: الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص 51.
(4/452)

الأمر به إلى حين الفداء (1).
أجيب عن الثالث: الذي هو قولنا: الحكم الشرعي قديم ولا تصح المثلية في القديم: بأن المراد بالحكم الشرعي ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، وهو تنجيز التكليف وهو كونه مخاطبًا بالإتيان بالمكلف به كما تقدم في حد القاضي (2).
أجيب عن الرابع: الذي هو قولنا: قوله: (متراخيًا عنه) مناقض لما تقدم في تعارض الفعل والقول (3): بأن ما تقدم جار على أحد القولين بدليل: جاز إن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته وإلا فلا، وما ذكر ها هنا جار على القول الآخر.
أجيب عن الخامس: الذي هو قولنا: قوله: (لولاه لكان ثابتًا)، إنما يحسن على القول بأن النسخ رفع لا على أنه انتهاء.
أجيب: بأن ذلك على أحد القولين، ولا يعارض قول بقول.
والمختار في تحديد النسخ عند المحققين ما قاله ابن الحاجب في الأصول وهو: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (4).
ومراده بالحكم الشرعي: ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، وليس المراد به الحكم القديم.
قوله: (وقال القاضي (5) منا، والغزالي: الحكم المتأخر يزيل
__________
(1) انظر: المسطاسي ص 54.
(2) انظر: المسطاسي ص 54.
(3) في الأصل: في تعارض الفعل القول، والصحيح المثبت كما سبق قبل قليل.
(4) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 185، وانظر: شرح الكوكب المنير 3/ 526.
(5) جاء في الهامش: القاضي الباقلاني مالكي.
(4/453)

[الحكم] (1) المتقدم، وقال الإِمام والأستاذ وجماعة: هو بيان انتهاء (2) مدة الحكم، وهو (3) [الذي يتجه] (4)؛ لأنه لو كان دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا، فكان يستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب العلم [جهلاً] (5)، وكذلك الكلام القديم الذي [هو] (6) خبر عنه) (7).
ش: لما ذكر المؤلف حد النسخ فذكر في ذلك حدين: أحدهما للقاضي، والآخر للإمام، فذكر أن معنى النسخ عند القاضي: هو رفع الحكم المتقدم (8)، وأن معناه عند الإمام: هو انتهاء الحكم المتقدم (9)، ولا خلاف بين الفريقين في
__________
(1) ساقط من نسخ المتن.
(2) "لانتهاء" في ش.
(3) "الحق" زيادة في نسخ المتن.
(4) ساقط من نسخ المتن.
(5) ساقط من نسخ المتن.
(6) ساقط من الأصل.
(7) "منه" في الأصل.
(8) ذكر ذلك عنه الرازي في المحصول 1/ 3/ 430، وفي المعالم ص 210، والشريف التلمساني في مفتاح الوصول ص 607، والإسنوي في نهاية السول 2/ 548، وانظر: الحازمي في الاعتبار، وقد اختار هذا ابن السبكي في جمع الجوامع 2/ 74، وابن الحاجب، انظر: شرح العضد 2/ 185، والمسطاسي ص 54.
(9) نقله الرازي في المحصول 1/ 3/ 431 عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وانظر: المعالم ص 210، ونهاية السول 2/ 549، والاعتبار ص 9، وقد رجحه الجويني في البرهان فقرة 1412، والمسطاسي ص 54، وأصحاب هذا الرأي اتفقوا على أنه بيان، ثم اختلفوا:
فقال بعضهم: هو بيان انتهاء مدة العبادة.
وقال آخرون: هو بيان انتهاء مدة الحكم.
وقال آخرون: هو بيان انتفاء شرط دوام الحكم.
انظر: المسطاسي ص 54 - 55، وشرح حلولو ص 256.
قلت: وعلى هذا يكون عزو المؤلف هذا الرأي للإمام والأستاذ والجماعة غير محرر؛ =
(4/454)

أن الخطاب يقتضي الدوام في اعتقادنا، وإنما الخلاف بينهما: هل يقتضي الدوام في نفس الأمر؟ قاله القاضي، أو لا يقتضيه؟ قاله الإمام.
قال القاضي: النسخ بمنزلة الفسخ، فكما أن الإجارة إلى شهر مثلاً يمكن فسخها في أثناء الشهر؛ لأن شأنها أن تدوم إلى تمام الشهر، فكذلك النسخ لا يكون إلا فيما شأنه أن يدوم (1)، وأما بعد الشهر فلا يمكن الفسخ لعدم الدوام، فيقتضي الخطاب عنده الدوام إلا أن يبطله الناسخ.
وقال الإمام والجماعة (2): لا يقتضي الخطاب الدوام في نفس الأمر، وإنما يقتضي الحكم إلى الغاية التي بيّنها النسخ.
حجة القاضي: أن معنى النسخ لغة هو: الإزالة والرفع، فوجب أن يكون عرفًا كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير (3).
وحجة الإمام ما قاله المؤلف وهو قوله: (لو كان دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا ...) إلى آخره، وتقدير (4) هذا الدليل: لو كان الحكم المتقدم يقتضي دوامه في نفس الأمر إلى أن رفعه الناسخ، لَعلمه الله تعالى دائمًا فيما
__________
= لأنهم وإن قالوا: إنه بيان، فإنهم لم يتفقوا على أنه بيان انتهاء مدة الحكم .. والله أعلم.
انظر: شرح حلولو ص 257.
(1) انظر: شرح القرافي ص 302، والمسطاسي ص 54.
(2) قال المسطاسي في شرحه: وإليه ذهب أكثر الفقهاء، وبه قال ابن فورك وأبو الطيب الطبري، وإليه رجع إمام الحرمين في البرهان، وهو اختيار المؤلف ها هنا. اه.
انظر: المسطاسي ص 54، وانظر: البرهان فقرة 1412.
(3) انظر: مفتاح الوصول للشريف التلمساني ص 107، والمسطاسي ص 55.
(4) هكذا في الأصل، ولعلها: "وتقرير".
(4/455)

علمه الله تعالى دائمًا، فيستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب علم الله جهلاً، فذلك محال وما يؤدي إلى المحال فهو محال (1) فيتبين بهذا الدليل أن الحكم المتقدم لا يقتضي الدوام في نفس الأمر، فإذا كان لا يقتضي الدوام في نفس الأمر فلا يصح رفعه بالنسخ وهو المطلوب.
قالوا: يلزم القاضي القائل برفع الحكم المحال في ثلاث صفات: وهي العلم، والخبر، والإرادة (2).
أما العلم: فلأن الله تعالى علم الأشياء على ما هي عليه، فلو كان الحكم دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا، ولو علمه الله لاستحال نسخه؛ لأن خلاف معلومه محال (3).
وأما الخبر: فلأن الله تعالى لو شرعه دائمًا لعلمه دائمًا، ولو علمه دائمًا لأخبر عن دوامه، ولو أخبر عن دوامه لوجب دوامه/ 244/ ولو وجب دوامه لاستحال نسخه؛ لأن خلاف خبره محال (4)، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: وكذلك الكلام القديم الذي [هو] (5) خبر عنه، معناه: وكذلك يستحيل نسخ الكلام القديم الذي هو خبر عن الحكم؛ لأن ذلك يؤدي إلى التناقض.
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 437، والمعالم ص 210، وشرح القرافي ص 302، وشرح المسطاسي ص 55.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 55.
(3) انظر: شرح المحصول للقرافي لوحة 264، من المخطوط رقم 8224 ف مصور فلميًا بجامعة الإمام.
وانظر: شرح التنقيح للقرافي 302، والمسطاسي ص 55.
(4) انظر: شرح المحصول للقرافي لوحة 264، من المخطوط رقم 8224 ف مصور فلميًا بجامعة الإمام.
(5) غير واضحة في الأصل.
(4/456)

وأما الإرادة: فلأن [الله] (1) تعالى لو شرعه دائمًا لأراد دوامه، ولو أراد دوامه لوجب دوامه، ولو وجب دوامه لاستحال نسخه؛ لأن خلاف مراده محال (2).
فلو صح رفع الحكم بالنسخ كما قال القاضي للزم مخالفة هذه الصفات الثلاث، فتعين بذلك أن الحكم كان دائمًا في اعتقادنا لا في نفس الأمر، فالناسخ مزيل للدوام من اعتقادنا لا من نفس الأمر (3)، فالنسخ على هذا بمنزلة تخصيص العام، ولهذا قالوا: النسخ تخصيص في الأزمان (4).
قال بعضهم: هذا الخلاف بين القاضي والإمام، إنما هو اختلاف حال وليس باختلاف مقال، فقول القاضي: النسخ هو: الحكم المتأخر يزيل المتقدم، إنما هو بالنسبة إلى اعتقادنا، وقول الإمام والجماعة: هو بيان انتهاء مدة الحكم، إنما هو بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، فعلى هذا فلا خلاف بين الفريقين (5).
...
__________
(1) غير واضحة في الأصل.
(2) انظر: شرح القرافي ص 302.
(3) انظر: شرح القرافي ص 303، والمسطاسي ص 55.
(4) انظر: المسألة الثانية والثالثة من مسائل النسخ من موافقات الشاطبي 3/ 104 - 108 تجد أن النسخ عند المتقدمين يشمل: تقييد المطلق، وبيان المجمل، وتخصيص العام بالمتصل أو المنفصل، ورفع الحكم بدليل متأخر، وأن هذا أيضًا يمكن أن يجري على قواعد المتأخرين.
لأن المجمل بعد بيانه، والعام بعد تخصيصه، والمطلق بعد تقييده أصبح غير الأول، بحيث لا يعمل بالأول مع أي منها.
وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 14/ 101، وإعلام الموقعين 1/ 35، وانظر: شرح المسطاسي ص 55.
(5) انظر: شرح المحصول للقرافي لوحة 266 من المخطوط رقم 8224 ف، مصور فلميًا بجامعة الإمام، وانظر: شرح المسطاسي ص 55.
(4/457)

الفصل الثاني في حكمه
ش: أي: في حكم النسخ باعتبار الجواز والوقوع.
أي: هل هو جائز أم لا؟ وهل هو واقع أم لا؟
ذكر المؤلف في هذا الفصل ثماني مسائل.
قوله: (وهو واقع (1)، وأنكره بعض اليهود عقلاً وبعضهم سمعًا، وبعض المسلمين مؤولاً لما وقع من ذلك بالتخصيص.
لنا: ما اتفقت عليه الأمم من أن الله تعالى شرع لآدم تزويج الأخ بأخته (2) غير توأمته، وقد نسخ ذلك).
ش: قال سيف الدين الآمدي في الإحكام: اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلاً، وعلى وقوعه شرعًا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى
__________
(1) انظر هذه المسألة في: المعتمد 1/ 401، والعدة 3/ 769، والمحصول 1/ 3/ 440، والإحكام للآمدي 3/ 115، والمستصفى 1/ 111، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 341، والتبصرة للشيرازي ص 251، واللمع ص 164، وإحكام الفصول للباجي 1/ 414، والبرهان فقرة 1423 وما بعدها، والمسودة ص 195، وشرح الكوكب المنير 3/ 533، والتنقيح لصدر الشريعة وشرحه المسمى بالتلويح للسعد 2/ 62، وشرح العضد 2/ 188، وشرح القرافي ص 303، والمسطاسي ص 55، وشرح حلولو ص 257.
(2) "خته" في الأصل.
(4/459)

أبي مسلم الأصفهاني (1) من المعتزلة، فإنه جوّزه عقلاً ومنعه شرعًا، ولم يخالف في ذلك من أرباب الشرائع سوى اليهود، فإنهم افترقوا في ذلك ثلاث فرق:
فذهبت الشمعنية (2) إلى امتناعه عقلاً وسمعًا (3).
وذهبت العنانية (4) منهم إلى امتناعه سمعًا لا عقلاً.
وذهبت العيسوية (5) إلى جوازه عقلاً ............
__________
(1) هو محمد بن بحر الأصفهاني أو الأصبهاني المعتزلي، كان كاتبًا بليغًا متكلمًا جدلاً، له كتاب جامع التأويل لمحكم التنزيل في تفسير القرآن على مذهب المعتزلة، توفي سنة 322 ه.
انظر: الفهرست لابن النديم ص 196، وشذرات الذهب 3/ 307، وقد ذكر الشيرازي في التبصرة أن اسمه عمرو بن يحيى وتابعه على ذلك القرافي في شرحه، والشوشاوي كما سيأتي في آخر المسألة، فانظر: التبصرة ص 251، وشرح القرافي ص 306.
(2) كذا في الأصل، وفي الإحكام للآمدي 3/ 115، وعند بعضهم كالإسنوى في نهاية السول 2/ 555: الشمعونية بواو بين العين والنون، قيل: منسوبون إلى شمعون بن يعقوب، قاله الدكتور مصطفى زيد في كتابه النسخ في القرآن الكريم 1/ 27، وقال: إنه لم يعثر له على ترجمة بعد طول بحث - ثم قال: فلعله صاحب فرقة من الفرق الصغيرة التي لم تشتهر. اه.
(3) انظر: نفائس الأصول للقرافي/ 267/ ب من مخطوط رقم 8224 ف مصور فلميًا بجامعة الإمام.
(4) هم أصحاب عنان الداودي اليهودي، يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد، ويكثرون في العراق والشام ومصر وطليطلة من الأندلس.
انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 1/ 78، والملل والنحل للشهرستاني 3/ 20.
(5) نسبة إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، كان في زمن المنصور، وابتدأ دعوته في آخر عهد بني أمية فتبعه كثير من اليهود وادعوا له كرامات ومعجزات، =
(4/460)

ووقوعه (1) سمعًا، واعترفوا بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة (2).
قوله: (وهو واقع) يعني باتفاق المسلمين، وأما قول الأصبهاني المذكور فهو مؤول كما سيأتي.
وقوله: (وأنكره بعض اليهود عقلاً) يعني: وسمعًا بأولى وأحرى وهم الشمعنية (3) المذكورة (4).
قوله: (وبعضهم سمعًا) يعني: وجوزه عقلاً، وهم العنانية المذكورة (5).
قوله: (وبعض المسلمين مؤولاً لا وقع من ذلك بالتخصيص) يعني: أن بعض المسلمين وهو أَبو مسلم الأصبهاني من المعتزلة، فسر النسخ الوارد في الشريعة بالتخصيص في الأزمان (6)؛ وذلك أن الحكم المنسوخ عنده هو مؤقت [بغاية وأنه] (7) انتهى بانتهاء غايته، فعلى هذا لا خلاف في المعنى، وإنما
__________
= وهؤلاء يعترفون بنبوة عيسى إلى بني إسرائيل خاصة ونبوة محمد إلى بني إسماعيل خاصة. انظر: الفصل لابن حزم 1/ 78، والملل والنحل للشهرستاني 3/ 21.
(1) "ووقوعًا" في الأصل، والمثبت من الإحكام للآمدي 3/ 115.
(2) إلى هنا نهاية النقل من الآمدي وهو قريب مما في الإحكام، فانظر: الإحكام 3/ 115.
(3) "الشمعية" هكذا في الأصل، والصواب المثبت كما سبق.
(4) انظر: التبصرة ص 252، والإحكام للآمدي 3/ 115، ونهاية السول 2/ 555، والمسطاسي ص 55.
(5) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 414، والإحكام للآمدي 3/ 115، وشرح الكوكب المنير 3/ 533.
(6) انظر: جمع الجوامع مع شرح المحلي 2/ 88، وشرح القرافي ص 306، والبرهان فقرة 1414.
(7) غير واضحة في الأصل، والظاهر أنها كما أثبت.
(4/461)

الخلاف في التسمية؛ هل يسمى نسخًا أو يسمى تخصيصًا؟ (1).
فحصل من كلام المؤلف رحمه الله تعالى ثلاثة أقوال:
الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والثالث: يجوز عقلاً ولا يجوز سمعًا.
فالأول للمسلمين، والآخران لليهود لعنهم الله تعالى.
قوله: (لنا ما اتفقت عليه الأمم من [أن] (2) الله تعالى شرع لآدم تزويج الأخ بأخته (3) غير توأمته)، هذا دليل أهل الإسلام على جوازه عقلاً وسمعًا؛ لأن الوقوع يستلزم الجواز (4)، وذلك أن أمنا حواء عليها السلام ولدت أربعين بطنًا في كل بطن ذكر وأنثى، فكان آدم عليه السلام يزوج لكل ذكر غير توأمته (5)، ثم حرم الله ذلك في زمان نوح عليه السلام.
ولنا أيضًا (6) أن الله تعالى أباح لآدم وحواء أكل كل ما دب على وجه الأرض، ثم حرم الله تعالى في زمان نوح عليه السلام، وهذان الدليلان يستدل بهما على من أنكر النسخ من اليهود؛ لأن هذا موجود في التوراة (7).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 306، وشرح المسطاسي ص 56، وشرح حلولو ص 257.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "لأخته" في الأصل.
(4) انظر هذا الدليل في: المعتمد 1/ 402، والتبصرة ص 252، والعدة 3/ 773، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 345، والمحصول 1/ 3/ 442، والمسطاسي ص 56.
(5) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 1/ 92.
(6) انظر الدليل في: المحصول 1/ 3/ 442، لكنه جعل الإحلال لنوح والتحريم على موسى، وانظر: الإحكام للآمدي 3/ 117، والمسطاسي ص 56.
(7) التوراة هي أحد الكتب الأربعة التي أنزلها الله، وقد أنزلت التوراة على نبي الله موسى عليه السلام وكانت صحيحة في عهده، فلما توفي وخبث اليهود وخشوا من ذهاب السلطة من أيديهم حرفوا التوراة، بناء على أن الله ربهم من دون الناس وأن =
(4/462)

ولنا أيضًا: إباحة العمل في السبت ثم حرم في زمان موسى (1).
ولنا أيضًا: أن في التوراة السارق إذا سرق في الرابعة تنقب أذنه ويباع (2)، ثم نسخ ذلك.
ولنا أيضًا: جواز الجمع بين الحرة والأمة في شرع إبراهيم؛ لأنه جمع بين سارة الحرة وهاجر الأمة، ثم نسخ ذلك في التوراة (3).
__________
= التوراة لهم دون الناس، وأن النبي سيظهر فيهم، ثم توالى تحريف التوراة حتى اشتهر منها ثنتان: التوراة العبرانية، والتوراة السامرية.
انظر: مقدمة كتاب التوراة السامرية للدكتور أحمد السقا.
* تحريم تزوج الأخ أخته موجود في الإصحاح الثامن عشر/ 9 من سفر الأحبار من التوراة السامرية. انظر ص 207.
أما إحلال ما دب على الأرض لآدم فهو في الإصحاح الأول/ 28، 30 من سفر التكوين من التوراة السامرية، انظر ص 36.
وتحريم بعض ذلك على نوح في الإصحاح التاسع/ 3، 4 من سفر التكوين من التوراة السامرية ص 45.
وتحريم بعضه على موسى في الإصحاح الحادي عشر من سفر الأحبار. انظر: التوراة السامرية ص 194.
* الاستدلال بهذه الوقائع من التوراة، من باب إلزامهم بما في كتبهم، وإلا فمعلوم أنها محرفة.
(1) انظر: الإصحاح السادس عشر/ 29، 30، 31 من سفر الخروج من التوراة السامرية، وجاء هذا صريحًا في القرآن العظيم في قوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} النساء: 154.
وانظر: شرح القرافي ص 305، والمسطاسي ص 56.
(2) ذكر بيع السارق إذا لم يكن لديه ما يعوض المسروق منه في الإصحاح الثاني والعشرين/ 3 من سفر الخروج. انظر: التوراة السامرية ص 148.
وانظر: شرح القرافي ص 205.
(3) انظر: الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين في التوراة ص 53، وانظر: شرح =
(4/463)

ولنا أيضًا: أن الله تعالى قال في التوراة لموسى عليه السلام: أخرج أنت وشعبك لترثوا الأرض المقدسة التي وعدت بها أباكم (1) إبراهيم، فلما صاروا إلي التيه، قال الله تعالى: لا تدخلوها لأنكم عصيتموني (2)، فهذا أيضًا عين النسخ) (3).
قال المؤلف في الشرح (4): وقد ذكرت في شرح المحصول صورًا كثيرة غير هذه (5)، وكذلك ذكرتها في كتاب الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة (6)، في الرد على اليهود والنصارى (7).
ولنا أيضًا: قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} (8) والتحليل بعد التحريم نسخ.
__________
= القرافي ص 305.
(1) "آباءكم" في الأصل.
(2) انظر: الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر الخروج في التوراة السامرية ص 166.
(3) انظر: شرح القرافي ص 305.
(4) انظر: المصدر السابق ص 306.
(5) انظر: شرح المحصول للقرافي لوحة 267، 268 من المخطوط رقم 8224 ف مصور فلميًا بجامعة الإمام.
(6) أحد كتب القرافي التي يشير إليها كثيرًا في كتبه، وقد طبع في مصر عام 1322 ه على حاشية كتاب الفارق بين المخلوق والخالق لعبد الرحمن أفندي، كما حقق أخيرًا في جامعة الإمام، ويوجد له مخطوطات كثيرة في مكتبات العالم مثل مكتبة جامعة الملك سعود برقم 1268، وطوبقبوسراي برقم 4831، 4832 وغيرها.
وقد ناقش القرافي في هذا الكتاب بعض مسائل العقيدة عن طريق الإجابة على أسئلة تقدم بها إليه بعض اليهود والنصارى. انظر: كشف الظنون 1/ 11.
(7) انظر: الأجوبة الفاخرة للقرافي ص 83 - 85.
(8) آل عمران: 50.
(4/464)

وكذلك قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (1) (2)، وبيّن الله تعالى ذلك بقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} (3)، ومعنى ذي ظفر: ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز، وقد بين المجاصي (4) ذلك في أرجوزته (5) فقال:
وجاءنا/ 245/ في وصف كل ذي ظفر ... يعني البعير والنعام والحمر
وقيل كل كاسب بالظفر ... من سبع أو غيره كالطير (6)
ثم الحوايا مبعر في البطن ... فيما حكى ذوو النهى والفطن (7) (8)
وقوله: أو الحوايا: في مفرده ثلاثة أقوال ذكرها المهدوي في التحصيل (9).
__________
(1) النساء: 160.
(2) انظر: العدة لأبي يعلى 3/ 772، والمسطاسي ص 56.
(3) الأنعام: 146.
(4) لم أجد له ترجمة، وقد جاء في طرة أرجوزته أن اسمه محمد بن محمد المجاصي، وكنيته أَبو عبد الله.
(5) هي أرجوزة في غريب القرآن للمجاصي، توجد منها نسخة في الخزانة العامة بالرباط برقم 1645 د.
(6) في أرجوزة المجاصي: "وغيره في الطير".
(7) في أرجوزة المجاصي: "فيما حكاه ذو الحجا والفطن".
(8) انظر: أرجوزة المجاصي في غريب القرآن. غريب سورة الأنعام ورقة 81/ ب.
(9) كتاب في التفسير اختصره المهدوي من كتابه الكبير الموسوم بالتفصيل، يوجد مخطوطًا بخزانة ابن يوسف بمراكش تحت رقم 658 مجلد واحد فيه من الآية 44 من سورة آل عمران إلى آية 23 من سورة هود، وقد أكلت الأرضة أطرافه وكتب على غلافه: جزء من التفسير مجهول مؤلفه.
(4/465)

قال: قيل: حاوياء مثل قاصعاء وقواصع، وقيل: حاوية كضاربة وضوارب، وقيل: حوية، كسفينة وسفائن (1).
ولنا أيضًا: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ...} الآية (2) فأمر بذبح ولده، ثم نسخ ذلك.
ولنا أيضًا: قوله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ ...} الآية (3)، وذلك أن الله تعالى حرم على اليهود العمل يوم السبت بعد أن كان مباحًا قبل ذلك، والتحريم بعد التحليل نسخ (4).
ولنا أيضًا: أن العلماء أجمعوا على أن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لجميع الشرائع السالفة (5).
وكذلك أجمعوا أيضًا على نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة (6).
__________
(1) انظر: التحصيل للمهدوي في تفسير قوله تعالى: {أَوِ الْحَوَايَا} من الآية 146 من سورة الأنعام، مخطوط في خزانة ابن يوسف بمراكش برقم 658.
(2) الصافات: 102.
(3) الأعراف: 163.
(4) ذكر هذا الدليل في صفحة 463 وكرره هنا مرة أخرى بعبارة أخرى.
(5) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 414.
(6) الإجماع على وجوب استقبال البيت العتيق، ذكره غير واحد من العلماء، فانظر: الإفصاح 1/ 121، وبداية المجتهد 1/ 111، وانظر: الاعتبار للحازمي ص 100، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب ص 109.
(4/466)

وكذلك أجمعوا أيضًا على نسخ عدة الوفاة التي هي مقدرة بالحول الكامل بأربعة أشهر وعشر (1).
وكذلك أجمعوا أيضًا (2) على نسخ الوصية الوالدين (3) والأقربين بآية المواريث (4).
وكذلك أجمعوا أيضًا على نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي عليه السلام (5).
وكذلك أجمعوا على نسخ وجوب وقوف الواحد للعشرة بوقوفه للاثنين (6) (7).
ويدل على جواز النسخ أيضًا قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ
__________
(1) انظر: بداية المجتهد 2/ 96، والإفصاح 2/ 173، والمغني 7/ 470، وانظر: الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص 153.
(2) هكذا جمع بين كذلك وبين أيضًا، وكان الاكتفاء بواحدة منهما أولى، وقد كرر ذلك مرارًا كما رأيت.
(3) كذا في الأصل، والأولى أن يقول: الوصية للوالدين، بلام الجر.
(4) اتفق العلماء على النسخ هنا، لكنهم اختلفوا في الناسخ، فقال قوم: الناسخ آية المواريث، وقال آخرون: بل الناسخ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصية لوارث"، ومرد الخلاف هنا إلى الخلاف في جواز نسخ القرآن بالسنة.
انظر: الاعتبار للحازمي ص 45، 46، والإيضاح لمكي بن أبي طالب ص 119.
(5) انظر: تفسير ابن كثير 4/ 326، والدر المنثور 6/ 185، والإيضاح لمكي ص 368، وأسباب النزول للواحدي ص 234، 235.
(6) انظر: الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص 259، وشرح القرافي ص 303.
(7) بعض هذه الأدلة جاء بها المؤلف مفصلة في المسألة الآتية، وهي نسخ القرآن بالقرآن فانظر ص 477.
(4/467)

بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (1) (2)، قوله: "ننسخ" و"ننسها"، في كل واحد من الفعلين قراءتان في السبع، أما "ننسخ" بقراءة ابن عامر بضم النون وكسر السين (3)، يقال: أنسخت الكتاب، أي: وجدته منسوخًا (4)، كقولك: أحمدته وأبخلته، أي: وجدته محمودًا، أو بخيلاً (5)، وفتحها الباقون (6)، وأما "ننسها" (7) فقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون والسين مع الهمزة، وقرأه الباقون بضم النون وكسر السين من غير همزة (8).
فقوله تعالى: {أَوْ نُنْسِهَا} (9) على قراءته بغير همز، يحتمل أن يكون من النسيان الذي هو ضد الذكر، ويحتمل أن يكون من النسيان الذي هو
__________
(1) البقرة: 106.
(2) انظر: المستصفى 1/ 112، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 344.
(3) انظر: النشر 2/ 219، وحجة القراءات لابن زنجلة ص 109.
(4) هذا أحد التأويلات بناء على أن الفعل ليس للتعدية، وعليه تتفق مع القراءة الأخرى في المعنى وإن اختلفا في اللفظ، واختار هذا المعنى أَبو علي الفارسي، واختار الزمخشري التعدية وجعل المعنى: ما نأمر جبريل بجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، وجعل ابن عطية الأمر لمحمد، أي ما نأمرك يا محمد بتركه، انظر: تفسير البحر المحيط 1/ 342، وحجة القراءات ص 109، والكشاف للزمخشري 1/ 176.
(5) انظر: القاموس المحيط مادة (بخل)، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة (حمد).
(6) انظر: النشر 2/ 220، وحجة القراءات ص 109، والإقناع لابن الباذش 2/ 601.
(7) "ننسيها" في الأصل بالياء.
(8) فتكون على القراءة الأولى: نَنْسَأها، وعلى الثانية: نُنْسِهَا. انظر: النشر 2/ 220، والإقناع 2/ 601، وحجة القراءات ص 109، 110.
(9) "وننسيه" في الأصل، وهو خطأ.
(4/468)

الترك، كقوله تعالى: {وَقِيلَ الْيَوْمَ (1) نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} (2) معناه (3): نترك ثوابكم كما تركتم العمل ليوم هذا (4)، فمعناه على أن المراد به النسيان الذي هو ضد الذكر: ما ننسخ من حكم آية أو ننسيكها تلاوتها، على حذف المفعول الأول لننسي (5).
ومعناه على أن المراد بالنسيان الترك: ما ننسخ من تلاوة آية أو ننسيكها العمل (6) بها، أي نأمرك بترك العمل بها (7).
وقوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا}، يعني: ثوابها (8) في الآجل لا في العاجل.
وأما معناه على قراءة الهمز فهو: ما ننسخ من حكم آية أو نؤخرها من التلاوة مع بقاء حكمها نأت بخير منها أو مثلها (9).
__________
(1) في الأصل: "فاليوم" وهو خطأ، والصواب المثبت.
(2) الجاثية: 34.
(3) في الأصل: "معنا" بإسقاط الهاء.
(4) الأسلوب ركيك، فلعل العبارة: "ليومكم هذا"، أو: "لهذا اليوم".
(5) انظر: البحر المحيط 1/ 343، وحجة القراءات ص 110.
(6) "العمل" بدل من الهاء في ننسيكها.
(7) انظر: تفسير البحر المحيط 1/ 344.
(8) انظر: الكشاف للزمخشري 1/ 176.
والذي عليه أغلب المفسرين: أن المراد بالخيرية سقوط المشقة إن كان الناسخ أخف، وزيادة الثواب إن كان الناسخ أثقل، انظر: البحر المحيط لأبي حيان 1/ 344، وابن كثير 1/ 150.
(9) انظر: تفسير ابن كثير 1/ 150، وتفسير البحر المحيط 1/ 344، وحجة القراءات ص 109، والمفردات للراغب الأصفهاني، مادة: (نسأ)، والعدة في غريب القرآن لمكي بن أبي طالب ص 81.
(4/469)

فقوله: أو ننسأها بالهمز: نؤخر (1)، فقولهم: نسأه ينسؤه نسأ، إذا أخره (2) ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} (3)، وهو تأخير القتال في المحرم إلى صفر إذا احتيج إلى ذلك (4).
ومنه تسمية العصا بالمنسأة (5)، ومنه قوله تعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} (6).
ومنه قول الشاعر:
إذا دببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل (7)
ويدل على جواز النسخ أيضًا قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ...} (8) الآية (9).
وهذا بأسره (10) يدل على جواز النسخ، وإلى ذلك أشار المؤلف بقوله:
__________
(1) في الأصل: "مؤخر وهو تصحيف".
(2) انظر: الصحاح والقاموس المحيط مادة: (نسأ).
(3) التوبة: 37.
(4) الصواب: تأخير تحريم القتال في المحرم إلى صفر، أي إنهم يحلون القتال في المحرم ويحرمونه في صفر. انظر: تفسير ابن كثير 2/ 356.
(5) قال في القاموس: سميت بذلك لأن الدابة تنسأ بها. اه. أي: تدفع وتساق بها.
انظر: القاموس المحيط مادة (نسأ).
(6) سبأ: 14.
(7) بيت من البسيط لم أعثر على قائله، وقد ذكره الجاحظ في البيان والتبيين 3/ 29، وابن منظور في اللسان مادة (نسأ) دون نسبة.
(8) النحل: 101، وتمامها: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.
(9) انظر هذا الدليل في: إحكام الفصول للباجي 1/ 415، والمستصفى 1/ 111، وروضة الناظر ص 73.
(10) بأسره أي: بقده، يعني: جميعه، كما يقال: برمته، وانظر: الصحاح مادة (أسر).
(4/470)

"وهو واقع".
قوله: (وأنكره بعض اليهود عقلاً) حجتهم: أن الفعل لا يخلو إما أن يكون حسنًا وإما أن يكون قبيحًا، فإن كان حسنًا استحال النهي عنه لحسنه، وإن كان قبيحًا استحال الإذن فيه لقبحه؛ لأن الله تعالى لا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة، فكيف يأمر بما فيه مصلحة ثم ينهى عنه؟ وكيف ينهى عن شيء فيه مفسدة ثم يأمر به؟ (1).
أجيب عن هذا: بأن الفعل قد يكون حسنًا في وقت وقبيحًا في وقت آخر، كالأكل والشرب، باعتبار الصحة والمرض، وباعتبار الجوع والشبع، وباعتبار الشتاء والصيف.
ألا ترى أن الطبيب قد يأمر المريض بدواء خاص في وقت معين لمصلحة، وينهاه عن ذلك في وقت آخر لمصلحة أخرى؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، كما تختلف باختلاف الأزمان والأوقات (2).
قوله: (وبعضهم سمعًا) يعني الطائفة العنانية من اليهود.
حجتهم: أن موسى عليه السلام تواتر عندهم أنه قال: إن هذه الشريعة مؤبدة عليكم ما دامت السموات والأرض (3) (4).
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 119، ونهاية السول 2/ 560، والمحصول 1/ 3/ 446، والتنقيح لصدر الشريعة 2/ 63، والتبصرة ص 253، والمعتمد 1/ 402، وشرح القرافي ص 303، والمسطاسي ص 56.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 116، والتنقيح لصدر الشريعة 2/ 63، وشرح القرافي ص 304، والمسطاسي ص 56، والمغني للخبازي ص 252، وتيسير التحرير 3/ 182، والمحصول 1/ 3/ 452.
(3) انظر: الإصحاح السادس من سفر التثنية في التوراة السامرية، ص 300.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 120، والمحصول 1/ 3/ 452، والتبصرة ص 254، =
(4/471)

أجيب عنه بأوجه:
أحدها: الأدلة المتقدمة في جواز النسخ.
الوجه الثاني: أن لفظ الأبد ظاهر في عموم الأزمنة المستقبلة لا نص، والمسألة علمية لا يكتفى فيها بالظواهر (1) كما يأتي في قوله: "ويجوز نسخ ما قيل فيه: افعلوا أبدًا خلافًا لقوم" (2)، فإن صيغة أبدًا بمنزلة العموم في الأزمان، والعموم قابل للتخصيص والنسخ.
الوجه الثالث: أن اليهود لم يبق منهم ما يصلح للتواتر؛ لأنهم أفناهم وأبادهم بختنصر (3) بالقتل (4).
__________
= وتيسير التحرير 3/ 183، وشرح القرافي ص 304، والمسطاسي ص 56.
(1) انظر: المسطاسي ص 57.
(2) انظر: ص 150 من مخطوط الأصل، ص 498 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 310.
(3) كثير من المؤرخين المسلمين يجعلون بختنصر الذي غزا أورشليم مرزبانًا أو أميرًا على العراق من قبل ملوك فارس، وكان في عصر الملك لهراسب، قال المسعودي: وأهل التواريخ يجعلونه ملكًا برأسه، وإنما كان مرزبانًا على ما وصفنا. اه.
أما المؤرخون المعاصرون فيرون أنه أحد ملوك الدولة الكلدانية التي حكمت بين عامي (608 - 538 ق. م)، وكان حكمه بين عامي (605 - 562 ق. م)، ويسمى بختنصر أو بنوخذ نصر بن نيوبل عزر، وقد غزا أورشليم فحاصرها ثم ظفر بها، فدمر قصر الملك، والهيكل، وذبح ستين من أعيانها، وأسر أكثر من عشرة آلاف، وكان ذلك نحو عام (586 ق. م). انظر: تاريخ الطبري 1/ 538، ومروج الذهب للمسعودي 1/ 235، والبداية والنهاية 2/ 38 - 39، والأمم السامية مصادر تاريخها وحضارتها تأليف حامد عبد القادر ص 92، 112، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي 1/ 351، وانظر: القاموس المحيط مادة (نصر).
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 457، والتلويح 2/ 63، وتيسير التحرير 3/ 184، وشرح القرافي ص 305، وشرح المسطاسي ص 57.
(4/472)

الوجه الرابع: أن لفظ الأبد في التوراة ورد على خلاف التأبيد (1)، فقال في التوراة: العبد يستخدم ست سنين ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبدًا (2)، فأطلق الأبد على العمر خاصة، وقال في السفر الثاني من التوراة: قربوا إليّ كل يوم خروفين/ 246/؛ خروفًا غدوة وخروفًا عشية قربانًا دائمًا لاحقًا بكم أبدًا (3)، ثم نسخ ذلك.
الوجه الخامس: أنه لو صح ما ذكروه من النقل عن موسى عليه السلام لحاججوا (4) به النبي عليه السلام، ولم يرو عن أحد منهم أنه أظهر ذلك في زمان النبي عليه السلام، وإنما أظهره ابن الراوندي (5) (6) بعد ذلك، ليعارض
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 457، والإحكام للآمدي 3/ 125، وشرح القرافي ص 305، والمسطاسي ص 57.
(2) انظر: الإصحاح الحادي والعشرين 2، 5، 6 من سفر الخروج من التوراة السامرية ص 146.
وانظر: المحصول 1/ 3/ 458، وشرح القرافي ص 305، والمسطاسي ص 57.
(3) انظر: الإصحاح التاسع والعشرين من سفر الخروج/ 38 - 42، ص 161 من التوراة السامرية والنص بالمعنى.
انظر: شرح القرافي ص 305، والمسطاسي ص 57.
(4) كذا في الأصل، والصواب الإدغام؛ لأنهما مثلان متحرك ثانيهما في كلمة واحدة، جب الإدغام، والفك هنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر.
انظر: المفصل للزمخشري ص 393، وشرحه لابن يعيش 10/ 121، والتبصرة للصيمري 2/ 934، 935.
(5) في الأصل: "ابن ابن الراوندي" وهو تكرار.
(6) أَبو الحسين: أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، نسبة إلى قرية من قرى قاسان بنواحي أصبهان، جزم أكثر العلماء بإلحاده لتصنيفه كتبًا يسفه بها القرآن والنبوات، وقد عده بعضهم من المعتزلة، وصنف هو كتابًا ردّ فيه عليهم سماه: فضيحة المعتزلة، قالوا: ألّف ما يزيد على مائة كتاب، توفي سنة 245 ه، وقيل غير ذلك. انظر: =
(4/473)

بذلك دعوى محمد - صلى الله عليه وسلم - (1).
الوجه السادس: أنه لو صح ما نقلوه عن موسى عليه السلام لما ظهرت معجزات نبي بعده، وقد ظهرت معجزات عيسى، ومعجزات محمد عليهما الصلاة والسلام (2).
فثبت بما قررناه أن ما نقلوه عن موسى عليه السلام افتراء عليه وبهتان، والحمد لله على ظهور كذبهم وفضيحتهم.
قوله: (ويجوز عندنا وعند الكافة نسخ القرآن خلافًا لأبي مسلم (3) الأصفهاني؛ لأن الله تعالى نسح وقوف الواحد للعشرة [في الجهاد] (4) بثبوته للاثنين، وهما في القرآن).
ش: هذه مسألة ثانية (5).
__________
= الوفيات 1/ 94، وشذرات الذهب 2/ 235.
(1) انظر: الإحكام 3/ 124، والتلويح على التوضيح لمتن التنقيح للسعد التفتازاني 2/ 63، والتبصرة ص 254، وتيسير التحرير 3/ 184، والمسطاسي ص 57.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 57، وبرهان الجويني فقرة 1428.
(3) "مسلمة" في أ.
(4) ساقط من الأصل.
(5) اللائق بهذه المسألة أن توضع في الفصل الثالث الخاص بالناسخ والمنسوخ كما هو صنيع كثير من الأصوليين، لكن الشوشاوي تبع القرافي في ذكرها هنا وتكرارها هناك. وكثير من الأصوليين كالباجي والشيرازي وأبي الخطاب وغيرهم لم يذكروا فيها خلافًا، فانظر المسألة في: الإحكام لابن حزم 1/ 440، واللمع للشيرازي ص 173، وإحكام الفصول للباجي 1/ 455، والمحصول 1/ 3/ 460، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 368، والإبهاج 2/ 251، وشرح القرافي ص 306، وشرح المسطاسي ص 58.
(4/474)

قوله: (عندنا) يعني: أهل السنة.
قوله: (وعند الكافة) يعني: المعتزلة.
قوله: (خلافًا لأبي مسلم الأصبهاني)، ذكر المؤلف أن الخلاف المنسوب إلى أبي مسلم الأصبهاني مخصوص بنسخ القرآن.
وهذا مخالف لما قال سيف الدين الآمدي في الإحكام؛ لأنه ذكر أن أبا مسلم الأصبهاني خالف في النسخ مطلقًا، فإنه منع وروده شرعًا وجوزه عقلاً (1)، كما تقدم لنا أول هذا الفصل (2).
فيحتمل أن يكون لأبي مسلم الأصبهاني قولان: قول بإنكار النسخ مطلقًا كما قاله الآمدي، وقول بإنكاره في القرآن خاصة، كما قاله المؤلف (3).
قوله: (خلافًا لأبي مسلم الأصبهاني) ذكر المؤلف الخلاف في جواز نسخ القرآن، وهذا مخالف لما ذكره القاضي أَبو بكر وإمام الحرمين؛ لأنهما قالا: لا خلاف بين الأمة في جواز نسخ القرآن بالقرآن (4)، ولم يذكرا خلاف
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 115.
(2) انظر: ص 460 من هذا المجلد.
(3) ذكر القرافي خلاف أبي مسلم تبعًا للرازي في المحصول 1/ 3/ 460، ولعل ذلك من باب أنه مخالف في أصل المسألة، وهو وقوع النسخ، فخلافه جار على فروعها لا أن له قولين، على أن الآمدي لم ينف خلاف أبي مسلم في هذه المسألة؛ لأنه قال: اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن. اه.
فانظر: الإحكام 3/ 146، وانظر: الإبهاج 2/ 251، وشرح المسطاسي ص 58.
(4) لم أجد في البرهان نصًا لإمام الحرمين يدل على هذا، ولعله يفهم من تعرضه للخلاف في نسخ الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب، أو أنه في كتاب آخر كالتلخيص، وقد صرح بنفي الخلاف: الباجي في الفصول 1/ 455.
وقال الآمدي: اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وهي عبارة =
(4/475)

أبي مسلم الأصبهاني، فيحتمل أن يكون سكوتهما عن خلاف أبي مسلم الأصبهاني بناء على القول بتكفير المعتزلة (1)، فلا يعتبرون في الإجماع (2).
قوله: (خلافًا لأبي مسلم)، قال أَبو إسحاق الشيرازي في اللمع: أَبو مسلم كنيته، واسمه: عمر بن يحيى (3).
حجة الجماعة: ما قاله المؤلف، وهو قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ (4) مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا [أَلْفًا] (5) مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ
__________
= جميلة، فانظر: الإحكام 3/ 146.
(1) لم أجد من صرح بتكفير المعتزلة، غير أن ابن تيمية قال في الفتاوى 7/ 507: والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية والمشبهة وأمثال هؤلاء، ولم يكفر أحمد الخوارج ولا القدرية إذا أقروا بالعلم وأنكروا خلق الأفعال وعموم المشيئة، لكن حكي عنه في تكفيرهم روايتان. اه.
وانظر مسألة التكفير وعدمه في الفتاوى 7/ 507، 12/ 484 وما بعدها.
(2) أو بناء على معرفة خلافه في أصل المسألة، فلا حاجة إلى التنبيه على خلافه في فروعها، كما فعل ذلك الآمدي في الإحكام 3/ 146.
وانظر: المسطاسي ص 58.
(3) هذا ما صرح به بعض متأخري الأصوليين من أن أبا إسحاق ذكر اسمه في اللمع وقال: هو عمر بن يحيى، أو عمرو بن يحيى، ولم أجد هذا في نسخة اللمع المطبوعة.
وقد ذكره الشيرازي في التبصرة فقال: وقال أَبو مسلم عمرو بن يحيى الأصبهاني: فلعل مراد العلماء: التبصرة، وقد تابع الشوشاوي القرافي في هذا.
والأصوليون يختلفون في اسم هذا الرجل، فبعضهم يقول: محمد بن بحر، وآخرون يسمونه عمرو بن بحر، وقال آخرون: عمرو بن يحيى، وقال آخرون: محمد بن يحيى، وغير ذلك، والصحيح الذي ذكرته كتب التراجم هو الأول، وغيره إنما هو من تصحيفات النسّاخ، فراجع ترجمته المتقدمة.
وانظر: شرح القرافي ص 306، وشرح المسطاسي ص 58.
(4) بالتاء، هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر، وقرأ الباقون بالياء: "يكن". انظر: النشر 2/ 277.
(5) ساقط من الأصل.
(4/476)

قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} (1)، هذه الآية منسوخة بالتي بعدها، وهي قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ (2) مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (3) (4).
وكذلك نسخ اعتداد المتوفى عنها بالحول الكامل بأربعة أشهر وعشر، وذلك أن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} (5)، وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (6) (7).
وغير ذلك من الناسخ والمنسوخ في القرآن.
حجة أبي مسلم القائل بمنع نسخ القرآن بالقرآن: قوله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ [مِنْ] (8) بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} (9)، فلو نسخ لبطل؛ لأن النسخ إبطال (10).
__________
(1) الأنفال: 65.
(2) بالتاء هي قراءة نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وقرأ الباقون بالياء: "يكن". انظر: النشر 2/ 277.
(3) الأنفال: 66.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 463، والإحكام للآمدي 3/ 146، والمسطاسي ص 58، والإيضاح لمكي بن أبي طالب ص 259.
(5) البقرة: 240.
(6) البقرة: 234.
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 460، والإبهاج 2/ 252، والإحكام للآمدي 3/ 146، وشرح القرافي ص 306، والمسطاسي ص 58.
(8) ساقط من الأصل.
(9) فصلت: 42، وتمامها: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
(10) انظر: المحصول 1/ 3/ 467، والإبهاج 2/ 255، ونهاية السول 2/ 562، وشرح =
(4/477)

أجيب: بأن معنى الآية: لم يتقدمه من الكتب ما يبطله، ولا يأتي بعده ما يبطله (1)، فالناسخ والمنسوخ حق (2).
قوله: (ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه عندنا خلافًا لأكثر الشافعية والحنفية [والمعتزلة] (3)، كنسخ ذبح إسحاق عليه السلام قبل وقوعه).
ش: هذه مسألة ثالثة (4) (5).
__________
= القرافي ص 306، وشرح المسطاسي ص 58.
(1) العبارة في الأصل: "ولا يأتي بعده ما بعده ما يبطله"، وهي زيادة من الناسخ.
(2) انظر: المحصول 1/ 3/ 467، والإبهاج 2/ 256، ونهاية السول 2/ 562، وشرح القرافي ص 306، والمسطاسي ص 58.
(3) ساقط من خ.
(4) انظر المسألة في: البرهان فقرة 1431، والإحكام لابن حزم 1/ 472، والمعالم للرازي ص 214، والمحصول 1/ 3/ 467، والفصول للباجي 1/ 438، والوصول لابن برهان 2/ 36، والمعتمد 1/ 406، والمستصفى 1/ 112، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 66، واللمع للشيرازي ص 165، والإحكام للآمدي 3/ 126، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 355، والعدة 3/ 807، والإبهاج 2/ 256، وشرح القرافي ص 306، والمسطاسي ص 58، وشرح حلولو ص 258.
(5) الخلاف في هذه المسألة مشهور عن المعتزلة، أما نسبته لأكثر الشافعية والحنفية فغير محررة.
أما الشافعية، فلأن المصرح به في كتب أصولهم الجواز، ككتب الشيرازي والرازي والغزالي وغيرهم، إلا أن الشيرازي في اللمع نسب الخلاف لبعض الشافعية، وصرح الآمدي بنسبته إلى أبي بكر الصيرفي، أما الحنفية، فالخلاف عندهم محكي عن بعض شيوخهم، وهم: الكرخي والماتريدي والجصاص والدبوسي، أما جماهيرهم وعلى رأسهم البزدوي والسرخسي فيقولون بالجواز، هذا ما صرح به صاحب المسلم وشارحه، وصاحب التيسير، ولم يحك صدر الشريعة في توضيحه الخلاف إلا عن المعتزلة.
وقد حكى بعض الأصوليين الخلاف هنا عن بعض الحنابلة، وصرح بعض الحنابلة =
(4/478)

قال المؤلف في شرحه: ها هنا أربع صور:
إحداها: أن يوقت الفعل بزمان مستقبل فينسخ قبل حضوره.
وثانيها: أن يؤمر به على الفور فينسخ قبل الشروع فيه.
وثالثها: أن يشرع فيه فينسخ قبل كماله.
ورابعها: أن يكون الفعل يتكرر فيفعل مرارًا ثم ينسخ.
فأما هذه الصورة الرابعة فقد وافقنا فيها المعتزلة، لحصول مصلحة الفعل بتلك المرة الواقعة قبل النسخ، كنسخ بيت المقدس بالكعبة وغير ذلك.
وأما المسألة الأولى والثانية، وهما: النسخ قبل الوقت، وقبل الشروع، فقد منعه المعتزلة، لعدم حصول مصلحة الفعل؛ لأن ترك المصلحة عندهم ممنوع على قاعدة التحسين والتقبيح.
وأما الصورة الثالثة وهي: النسخ بعد الشروع وقبل الكمال، فقال المؤلف في شرحه: لم أر فيه نقلاً للأصوليين، ومقتضى مذهب المعتزلة في هذه الصورة التفصيل بين الفعل الذي لا تحصل مصلحته إلا بكماله، وبين الفعل الذي تكون مصلحته متوزعة على أجزائه.
مثال الفعل الذي لم تحصل مصلحته إلا بكماله كذبح الحيوان، وإنقاذ
__________
= بأنه رأي لأبي الحسن التميمي، أما جماهير الحنابلة فيقولون بالجواز.
انظر: اللمع للشيرازي ص 165، والمحصول 1/ 3/ 468، والمستصفى 1/ 112، والمنخول 297، والإحكام للآمدي 3/ 126، والفصول للباجي 1/ 438، ومسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت 2/ 61، وتيسير التحرير 3/ 187، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 66، والعدة لأبي يعلى 3/ 807، 808، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 355، والمعتمد 1/ 407.
(4/479)

الغريق؛ فإن مجرد قطع الجلد لا يحصل مقصود الذكاة من إخراج الفضلات وزهوق الروح على وجه السهولة، وكذلك إيصال الغريق في البحر إلى قرب البر ويترك هنالك لا يحصل مقصود النجاة.
ومثال الفعل الذي تكون مصلحته متوزعة على أجزائه كإطعام الجوعان، وسقي العطشان، وإكساء العريان، فإن كل جزء من هذه الأفعال يحصل جزءًا من المصلحة.
فمقتضى مذهبهم (1) في القسم الأول منع النسخ لعدم حصول المصلحة، ومقتضى مذهبهم في القسم الثاني الاحتمال: يحتمل أن يقولوا بالجواز لحصول بعض المصلحة المخرجة للأمر الأول عن العبث، ويحتمل أن يقولوا بالمنع؛ لأن جزء المصلحة لا يقصدها العقلاء غالبًا بخلاف المصالح التامة (2).
قوله: (ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه عندنا) هو أعم/ 247/ من كونه لم يحضر وقته، أو حضر ولم يفعل منه شيء، أو فعل بعضه ولم يكمل، فإن هذه الصور كلها مندرجة في كلام المؤلف، وهي كلها جائزة عندنا نحن المالكية (3).
قوله: (كنسخ ذبح إِسحاق عليه السلام قبل وقوعه) أي: قبل وقوع الذبح، أي: قبل حصوله (4).
__________
(1) "مذهم" في الأصل، وهو تصحيف ظاهر.
(2) انظر: شرح القرافي ص 307، والنقل بمعناه، وانظر: شرح المسطاسي ص 58 - 59، وشرح حلولو ص 259.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 59.
(4) هذا الدليل على الجواز، فانظره في البرهان فقرة 1436، والإحكام لابن حزم 1/ 474، والمعالم للرازي ص 214، والفصول للباجي 1/ 438، واللمع =
(4/480)

وذلك أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، بدليل قوله تعالى: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (1)، ثم نسخ ذلك قبل فعله بذبح كبش بدليل قوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (2) (3).
قال ابن عباس رضي الله عنه: فدي بكبش رعى في الجنة أربعين سنة (4)، ومعنى قوله: عظيم، أي: كبير متقبل (5).
قوله: (كنسخ ذبح إِسحاق عليه السلام) هذا يقتضي أن الذبيح هو إسحاق، هذا هو القول الصحيح، وهو الذي عليه كثير أهل العلم (6) (7).
__________
= ص 165، والتوضيح 2/ 66، والمحصول 1/ 3/ 468، والإحكام للآمدي 3/ 126، والوصول لابن برهان 2/ 39، والإبهاج 2/ 258، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 356.
(1) الصافات: 102.
(2) الصافات: 107.
(3) انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب ص 339.
(4) أخرجه ابن جرير في التفسير؛ في تفسير سورة الصافات، بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فانظر: التفسير 23/ 50، وانظر: الدر المنثور للسيوطي 5/ 284، وتفسير ابن كثير 4/ 15.
(5) انظر: تفسير القرطبي 15/ 107، وتفسير الطبري 23/ 50، 51.
(6) لعل العبارة: "كثير من أهل العلم".
(7) أما إن كثيرًا من أهل العلم عليه فصحيح، وأما إنه الصحيح ففيه نظر؛ لأن القولين متكافئان؛ فكل واحد منهما قال به جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
قال ابن كثير بعد أن ساق أقوالاً لبعض الصحابة والتابعين بأن الذبيح إسحاق، قال: وهذه الأقوال والله أعلم كلها مأخوذة عن كعب الأحبار. اه.
قلت: وقد تعددت الروايات الصحيحة عن ابن عباس على أن الذبيح إسماعيل، وجزم به عدد من كبار التابعين، كالحسن البصري، ومجاهد، والشعبي، وسعيد بن =
(4/481)

وقيل: بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، واستدل قائل هذا بقوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (1)؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أن المبشر به خلاف الذبيح، أي: وبشرناه بإسحاق مع الفداء، وإنما قلنا: ظاهر الآية أن إسماعيل هو الذبيح؛ لأن الله تعالى لما فرغ من قصة الذبيح قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ}، فدل ذلك على أن المبشر به غير الذبيح.
وتأولها القائلون بأن الذبيح هو إسحاق بأن التقدير: وبشرناه بكون إسحاق نبيًا من الصالحين (2).
قوله: (كنسخ ذبح إسحاق عليه السلام) اعترض سيف الدين هذا المثال بأن النسخ فيه بعد التمكن من الامتثال، وليس محل النزاع في النسخ قبل التمكن من الامتثال (3) (4).
أجيب: بأنه لو كان بعد التمكن لعصى بتأخير المأمور به عن أول زمان الإمكان.
ومثل سيف الدين هذه المسألة: بنسخ الخمسين صلاة ليلة الإسراء بخمس
__________
= جبير، وسعيد بن المسيب، فالجزم بصحة القول بأن الذبيح إسحاق فيه نظر.
وانظر تحرير المسألة ونسبة الأقوال إلى أهلها في: تفسير الطبري 3/ 48 - 50، وتفسير القرطبي 15/ 99، 100، والدر المنثور للسيوطي 5/ 280 - 283، وتفسير ابن كثير 4/ 17، 18، وشرح المسطاسي ص 59.
(1) الصافات: 112.
(2) انظر: تفسير الطبري 3/ 51.
(3) هكذا العبارة في الأصل، وهي قلقة لا تناسب السياق، ولعل صوابها: وليس محل النزاع في النسخ بعد التمكن من الامتثال، أو: وليس محل النزاع؛ إذ محل النزاع في النسخ قبل التمكن من الامتثال.
(4) انظر: المسطاسي ص 59.
(4/482)

صلوات (1) (2).
قال المؤلف في شرحه: ويرد عليه أن ذلك خبر واحد والمسألة علمية، فلا يفيد القطع، ولأنه نسخ قبل الإنزال، وقبل الإنزال لا يتقرر علينا حكم، فليس من صورة النزاع (3).
قال بعضهم: قول المؤلف: نسخ قبل الإنزال، فيه نظر، بل هو نسخ بعد الإنزال؛ لأنه أنزل على النبي عليه السلام في السماء ولا عبرة في هذا بالإنزال إلى الأرض؛ لأن الذي ينزل عليه هو النبي عليه السلام (4)، وقد أمر بذلك سواء كان في الأرض أو في السماء، فمثال سيف الدين موافق.
قوله (5): (ونسخ (6) [الحكم] (7) لا إِلى بدل خلافًا لقوم، كنسخ الصدقة في قوله تعالى: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} (8) لغير بدل).
__________
(1) نسخ الصلوات من خمسين إلى خمس صلوات ورد في حديث الإسراء المشهور، الذي رواه الأئمة وتلقته الأمة بالقبول، فانظره في البخاري في كتاب الصلاة برقم 349، وفي مسلم في كتاب الإيمان برقم 162، 163، وفي الترمذي في كتاب الصلاة برقم 213.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 130، وقد سبق الآمدي في التمثيل بهذا ابن حزم في الإحكام 1/ 472، والباجي في الفصول 1/ 441.
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 308، حيث أوردهما، وانظر الاعتراضين أيضًا في: الإحكام للآمدي 3/ 131.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 132، وشرح المسطاسي ص 59.
(5) "ويجوز" زيادة في خ.
(6) "والنسخ" في أ، وش.
(7) ساقط من أ، وش.
(8) المجادلة: 12، وصدرها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا} الآية.
(4/483)

ش: هذه مسألة رابعة (1) اختلف فيها أهل السنة وأهل الاعتزال.
قوله: (خلافًا لقوم) يعني المعتزلة (2).
سبب الخلاف: هل يجوز ارتفاع التكليف عن المكلفين جملة أو لا يجوز؟
جوزه أهل السنة ومنعه المعتزلة، فإذا جوزناه جملة فأولى وأحرى أن نجيزه في عبادة مخصوصة (3).
واحتج المعتزلة على منع النسخ بغير بدل: بقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (4)، فنص على أنه لا بد في النسخ من بدل بخير أو مثل (5).
أجيب عنه: بأن رفع الحكم لغير بدل قد يكون خيرًا للمكلف باعتبار
__________
(1) انظر المسألة في: البرهان فقرة 1450، والمعتمد 1/ 415، واللمع ص 171، والمحصول 1/ 3/ 479، والوصول لابن برهان 2/ 21، والإحكام للآمدي 3/ 135، وجمع الجوامع وشرحه للمحلي 2/ 87، والإبهاج 2/ 261، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 351، وشرح المسطاسي ص 60، وشرح حلولو ص 260.
(2) نسب الخلاف إليهم: أَبو المعالي في البرهان فقرة 1450، ولم يصرح أَبو الحسن في المعتمد 1/ 415 بنسبة القول بالمنع إلى أحد من أصحابه، ونصر القول بالجواز، وقد حكى ابن السبكي في الإبهاج 2/ 261 أنه قال: خالف فيه قوم من أهل الظاهر، وكذلك المعتزلة. اه، وانظر: شرح حلولو ص 260.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 60.
(4) البقرة: 106.
(5) انظر الدليل في: المعتمد 1/ 416، والمحصول 1/ 3/ 479، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 251، وشرح القرافي ص 308، والمسطاسي ص 60.
(4/484)

التخفيف عليه يرفع التكليف عنه (1).
وأجيب عنه أيضًا: بأن قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ...} الآية صيغة شرط والشرط لا يستلزم الإمكان؛ إذ ليس من شرط الشرط (2) أن يكون ممكنًا، فقد يكون الشرط ممكنًا كقوله: إن جاء زيد فأكرمه، وقد يكون متعذرًا إن (3) كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان، فهذا الشرط محال مع أن الكلام عربي فصيح، ومنه قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (4) فالشرط ها هنا محال أيضًا؛ لأن تعدد الآلهة محال، فإذا كان الشرط لا يستلزم الإمكان، فلا يدل على الوقوع مطلقًا، فضلاً عن الوقوع ببدل (5).
قوله: (كنسخ الصدقة في قوله تعالى: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} (6))، قال بعضهم: الاستدلال بهذه الآية على جواز النسخ ضعيف؛ لأن هذا من باب ارتفاع الحكم لارتفاع سببه؛ لأن الأمر بالصدقة المذكورة
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 3/ 479، والوصول لابن برهان 2/ 21، وشرح القرافي ص 308، والمسطاسي ص 60.
(2) في الأصل: "شر الشرط"، وهو سقط ظاهر.
(3) كذا في الأصل ولعل العبارة: وقد يكون متعذرًا كقولك: إن كان ... إلخ.
(4) الأنبياء: 22.
(5) نقل الشوشاوي هذا عن القرافي والمسطاسي.
وفي هذا التعليل نظر؛ فإن الشرط وإن كان لا يستلزم الإمكان إلا أنه يقتضي وجود المشروط عند وجوده، فالفساد لا بد أن يوجد عند تعدد الآلهة، وآية النسخ التي معنا صريحة في الدلالة على البدل، فيمكن أن يقال: إن التخفيف بغير بدل هو البدل، لا أن يقال بنفي البدل مطلقًا، والله أعلم.
انظر: شرح القرافي ص 308، والمسطاسي ص 60.
(6) المجادلة: 12.
(4/485)

سببه التمييز بين المؤمنين والمنافقين (1)، وقد ذهب المنافقون فارتفع الحكم لارتفاع سببه (2).
أجيب عنه: بأن هذا رفع للحكم مع بقاء سببه؛ لأنه روي أنه لم يتصدق إلا علي رضي الله عنه (3)، فرفع الحكم ونسخ حينئذ مع بقاء السبب بعد صدقته (4).
وأجيب عنه أيضًا: بأن سبب الأمر بالصدقة هو أن أهل المشورة غلبوا على مجالسة النبي عليه السلام ومناجاته، فكره عليه السلام ذلك، فأمر الله عز وجل الأغنياء بالصدقة عند المناجاة، ثم نسخ ذلك (5).
__________
(1) روى ابن جرير عن ابن زيد أنها نزلت لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن زيد: وكان المنافقون ربما ناجوا فيما لا حاجة لهم به. اه.
ونقل القرطبي عن زيد بن أسلم: أنها نزلت في المنافقين واليهود، كانوا يناجون النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقولون: هو أذن. اه.
انظر: تفسير الطبري 28/ 14، 15، وتفسير القرطبي 17/ 301.
(2) انظر: شرح القرافي ص 308، وشرح المسطاسي ص 61.
(3) أخرجه الحاكم في التفسير من المستدرك 2/ 482، عن علي بن أبي طالب قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى .. الحديث.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقد أخرجه ابن جرير في تفسيره عن مجاهد، فانظره في 28/ 14، وانظر: الدر المنثور للسيوطي 6/ 185.
(4) انظر: شرح القرافي ص 308، وشرح المسطاسي ص 61.
(5) أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل كما ذكره السيوطي في الدر، وذكره عن مقاتل أيضًا: الواحدي في أسباب النزول، ونقل القرطبي عن الحسن البصري قريبًا منه.
انظر: الدر المنثور للسيوطي 6/ 185، وتفسير القرطبي 17/ 301، وأسباب النزول للواحدي ص 276، وانظر هذا الرد في المسطاسي ص 61.
(4/486)

قوله: (ونسخ الحكم إِلى الأثقل، خلافًا لبعض أهل الظاهر كنسخ عاشوراء برمضان) (1).
ش: هذه مسألة خامسة، ها هنا ثلاثة أوجه:
أحدها: نسخ الحكم ببدل مماثل، كنسخ توجه بيت المقدس بالكعبة.
الثاني: نسخ الحكم ببدل أخف، كنسخ تحريم الأكل بعد النوم ليلة رمضان بإباحة الأكل (2).
__________
(1) روى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أمر بصيام عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. فانظره في كتاب الصوم عند البخاري برقم 1893، 2001، وفي مسلم برقم 1125، وفي الترمذي برقم 753، وفي أبي داود برقم 2442.
وللبخاري ومسلم وأبي داود مثله عن ابن عمر، فانظر كتاب الصوم في البخاري، الحديث رقم 1892، ومسلم رقم 1126، وأبي داود رقم 2443.
ويرى بعض العلماء أن عاشوراء لم يجب قط، وإنما كان مندوبًا، وعمدتهم في ذلك حديث معاوية أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر" رواه البخاري في الصوم برقم 2003، والذي عليه جمع من العلماء أنه كان واجبًا قبل فرض رمضان، نقل الحازمي عن الشافعي أنه قال: لا يحتمل قول عائشة ترك صيامه بمعنى يصح إلا ترك إيجاب صومه. اه. قالوا: ولأن معاوية إنما صحب النبي من سنة الفتح، والذي روى إيجاب الصوم شهدوه في السنة الأولى.
انظر: الاعتبار للحازمي ص 205 - 208، والمعتبر للزركشي ص 205، وفتح الباري لابن حجر 4/ 247.
(2) الناسخ هو قوله تعالى في سورة البقرة: 187،: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} الآية.
وقد ورد هذا من حديث البراء في قصة صرمة الأنصاري أنه طلب من أهله طعامًا فلم يجد فقالت امرأته: أذهب ألتمس لك طعامًا، فلما رجعت وجدته نائمًا فلم يأكل =
(4/487)

والثالث: نسخ الحكم بأثقل منه، كنسخ عاشوراء بصوم رمضان؛ لأن صوم شهر أثقل من صوم يوم.
أما القسمان الأولان فلا خلاف في جوازهما عند القائلين بالنسخ.
وأما القسم الثالث، وهو النسخ بالأثقل: فهو محل النزاع (1).
جوّزه جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين (2)، ومنعه بعض الظاهرية (3)، وبعض الشافعية (4)، وبعض المعتزلة (5)، ولكن منهم من منعه مطلقًا عقلاً وسمعًا، ومنهم من منعه سمعًا وجوّزه عقلاً (6).
حجة الجمهور: نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان (7)، وكذلك نسخ الصفح/ 248/ عن الكفار بالقتال؛ لأن القتل أثقل وأشد من الصفح؛ لأن
__________
= لأنه حرم عليه، فلما انتصف النهار من غد سقط مغشيًا عليه من الجوع، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل التخفيف، فانظر القصة في البخاري في كتاب الصوم برقم 1915، والترمذي في التفسير برقم 2968، والنسائي في الصوم 4/ 147، وأبي داود في الصوم برقم 2313.
(1) في هامش مخطوط الأصل: الخلاف، وقد جزم بصحتها الناسخ.
(2) انظر: اللمع ص 171، والفصول للباجي 1/ 429، والوصول لابن برهان 2/ 25، والمحصول 1/ 3/ 480، والمعتمد 1/ 416، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 352، والإحكام للآمدي 3/ 137، والإبهاج 2/ 262.
(3) انظر: الإبهاج 2/ 263، والفصول للباجي 1/ 429، والمحصول 1/ 3/ 480، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 352.
(4) انظر: اللمع ص 172، والإحكام للآمدي 3/ 137.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 61.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 137.
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 480، والآمدي 3/ 137.
(4/488)

قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ} (1) منسوخ بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (2) (3).
وكذلك نسخ الحبس في البيوت بالجلد والرجم؛ لأنهما أثقل وأشد على الزناة (4) من الحبس؛ لأن قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} (5) منسوخ بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ...} الآية (6)، وبرجم النبي عليه السلام ماعزًا والغامدية (7) (8).
حجة المخالف: قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (9) فنصّ على الخير وهو الأخف، ونصّ على المثل، ولم ينص على الأثقل، فيمنع (10).
أجيب عنه: بأن الأثقل قد يكون خيرًا للمكلف باعتبار الثواب
__________
(1) الزخرف: 89، وتمامها: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.
(2) التوبة: 5.
(3) انظر: الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص 267، والفصول للباجي 1/ 432، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 352، والمسطاسي ص 61.
(4) "الزيادة" في الأصل وهو تصحيف.
(5) النساء: 15، وتمامها: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}.
(6) النور: 2.
(7) في الأصل: "العامرية".
(8) انظر: الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص 179، والمحصول 1/ 3/ 480، والوصول لابن برهان 2/ 26، وشرح القرافي ص 308، والمسطاسي ص 61.
(9) البقرة: 106.
(10) انظر: الفصول للباجي 1/ 432، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 352، والإحكام للآمدي 3/ 139، والإبهاج 2/ 263، وشرح القرافي ص 308.
(4/489)

والأجور (1).
واحتج المخالف أيضًا: بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (2) والأثقل هو عسر لا يسر (3).
أجيب عنه: بأن اليسر محمول على اليسر في الآخرة (4).
قوله: (ونسخ التلاوة دون الحكم، كنسح: "الشيخ والشيخة إِذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله" مع بقاء الرجم (5)، والحكم دون التلاوة كما تقدم في [آية] (6) الجهاد (7)، وهما معًا لاستلزام إمكان المفردات إِمكان المركبات (8)).
__________
(1) انظر: المحصول/ 3/ 481، والوصول لابن برهان 2/ 26، والفصول للباجي 1/ 432، وشرح القرافي ص 309.
(2) البقرة: 185.
(3) انظر: الفصول للباجي 1/ 431، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 253، والإحكام للآمدي 3/ 138، والإبهاج 2/ 264، وشرح القرافي ص 308.
(4) انظر: الفصول للباجي 1/ 431، والمحصول 1/ 3// 482، والإبهاج 2/ 264، وشرح القرافي ص 309.
(5) روى هذا البخاري في خطبة عمر المشهورة فانظرها بطولها في كتاب الحدود من الصحيح برقم 6830، وانظر ما يتعلق بنسخ هذه الآية في مسلم عن ابن عباس عن عمر موقوفًا برقم 1691، والموطأ 2/ 824، وأبي داود برقم 4418، وابن ماجه برقم 2553، والبيهقي 8/ 211، وقد رواها البيهقي من حديث أبيّ بن كعب 8/ 211، وأيضًا من حديث زيد بن ثابت 8/ 211، وأخرج الحاكم في المستدرك حديث أبيّ فانظر: المستدرك 4/ 359.
(6) ساقط من أوخ وش.
(7) هي قوله تعالى في سورة الأنفال: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} الآية: 65.
(8) "المركب" في أوخ وش.
(4/490)

ش: هذه مسألة سادسة (1)، ذكر المؤلف فيها ثلاثة فروع وهي: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، أو نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، أو نسخ التلاوة والحكم معًا.
مثال نسخ التلاوة دون الحكم قوله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله".
وكذلك روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: كنا نقرأ من القرآن: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم" (2).
وكذلك روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: أنزل في قتلى بئر معونة (3):
__________
(1) انظر المسألة في: اللمع ص 168، والفصول للباجي 1/ 434، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 73، والإحكام للآمدي 3/ 141، وشرح القرافي ص 309، وشرح المسطاسي ص 61، وشرح حلولو ص 261.
(2) أخرجه السيوطي عنه في مسند الصديق من جمع الجوامع، فانظر مسند أبي بكر للسيوطي ص 56 ط. السلفية، وقد أخرجه البخاري عن عمر في خطبته، فانظر: كتاب الحدود برقم 6830، وأحمد 1/ 55، رواها أحمد مختصرة في المسند 1/ 47، ولم أجد هذا اللفظ عند من روى الخطبة غير من ذكرت.
وقد روى البخاري في الفرائض ص 6768، ومسلم في الإيمان ص 62، وأحمد في المسند 2/ 526، عن أبي هريرة حديثًا مرفوعًا لفظه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر".
(3) معونة بفتح الميم وضم العين، بئر لبني سليم بين مكة والمدينة، وكانت عندها الوقعة المعروفة بسرية القراء، والتي غدرت فيها رعل وذكوان بسبعين من قراء الصحابة أرسلهم النبي في جوار أبي البراء عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة، والقصة مسطورة في كتب السير والتاريخ.
فانظر: سيرة ابن هشام 3/ 183، وجوامع السيرة لابن حزم ص 178، والبداية والنهاية 4/ 71، وفتح الباري 7/ 386، وانظر: معجم البلدان مادة (بئر).
(4/491)

"ألا بلغوا إخواننا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" (1).
ومثال نسخ الحكم دون التلاوة: نسخ وقوف الواحد للعشرة بوقوفه للاثنين، وإليه أشار المؤلف بقوله: كما تقدم في آية الجهاد، وكذلك نسخ الاعتداد بالحول الكامل بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرًا في حق المتوفى عنها زوجها.
وكذلك نسخ الوِصية للوالدين (2) والأقربين (3): {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (4) بآية المواريث، وهي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ ...} (5) الآية (6).
وكذلك نسخ وجوب الفدية على المفطر القادر على الصوم بوجوب الصوم، وذلك أن قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (7) أي: يطعم عن كل يوم أفطر فيه مدًا من الطعام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
__________
(1) رواه البخاري في المغازي من حديث أنس بن مالك برقم 4090، 4091، وفيه: قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنًا ثم إن ذلك رفع: "بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" اه.
(2) "لوالدين" في الأصل.
(3) لو قال: في قوله تعالى ... إلخ لكان أولى.
(4) البقرة: 180، وتمامها: {بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}.
(5) النساء: 11.
(6) وفي معناها غيرها من آيات المواريث، وهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها العلماء في جواز نسخ القرآن بالسنة، والخلاف هنا هل الناسخ لهذه الآية آيات المواريث، أو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصية لوارث"؟ وستأتي هذه المسألة مبسوطة في جواز نسخ القرآن بالسنة إن شاء الله.
(7) البقرة: 184، وهي بالجمع قراءة نافع وابن عامر وقرأها الباقون بالإفراد "مسكين".
انظر: النشر 2/ 226، وحجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة ص 124.
(4/492)

{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (1) (2).
ومثال نسخ التلاوة والحكم معًا: قول عائشة رضي الله عنها: كان فيما أنزل الله تعالى: "عشر رضعات يحرمن" ثم نسخن بخمس (3).
وروي أيضًا أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة ثم نسخ منها ما نسخ (4).
حجة الجمهور بالجواز مطلقًا: أن التلاوة والحكم عبادتان متباينتان، أي: حكمان متباينان، فجاز رفع أحدهما وبقاء الآخر، وجاز رفعها معًا؛ إذ ليس في ذلك كله ما يحيله كسائر الأحكام (5).
حجة من منع نسخ التلاوة مع بقاء الحكم: أن التلاوة دليل على الحكم والحكم يثبت بثبوتها، فينبغي أن ينتفي بانتفائها (6).
__________
(1) البقرة: 185.
(2) انظر: الإيضاح لمكي ص 125.
(3) معنى حديث مشهور عن عائشة رواه مسلم برقم 1452، والترمذي رقم 1150، وأبو داود في النكاح برقم 2062، ومالك في الموطأ 2/ 608، والدارمي 2/ 157.
(4) هذا مشهور أيضًا من حديث أبي بن كعب الذي مر معنا في نسخ آية: "الشيخ والشيخة إذا زنيا ... " إلخ، وقد أخرجه النسائي في السنن الكبرى. انظر: تحفة الأشراف 1/ 16، وأحمد 5/ 132، والحاكم في المستدرك 4/ 359، والبيهقي 8/ 211، وابن حبان: انظر: موارد الظمآن رقم الحديث 1756.
(5) انظر الدليل في: اللمع ص 171، والفصول للباجي 1/ 437، والوصول لابن برهان 2/ 28، والمحصول 1/ 3/ 482، والإحكام للآمدي 3/ 141، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 368، وشرح القرافي ص 309، وشرح المسطاسي ص 62.
(6) انظر: الوصول لابن برهان 2/ 31، والإحكام للآمدي 3/ 142، والمسطاسي ص 62.
(4/493)

أجيب عنه: بأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فإن وجود العالم دليل على وجود صانعه جل وعلا، ولا يلزم من عدم العالم عدم صانعه (1).
حجة من منع نسخ الحكم دون التلاوة: أن التلاوة دليل على الحكم، فإذا ارتفع المدلول ارتفع دليله (2).
أجيب عنه: بأن دلالة التلاوة على الحكم مشروطة بعدم الناسخ، فإذا وجد الناسخ انتفت الدلالة لانتفاء شرطها (3).
قوله: (وهما معًا) فيه حذف مضاف تقديره: ونسخهما معًا، أي: ويجوز نسخ التلاوة والحكم معًا.
قوله: (لاستلزام إِمكان المفردات إِمكان المركبات).
هذا دليل على جواز نسخ التلاوة والحكم معًا، معناه: لأن ما يمكن في المفردات يلزم أن يمكن في المركبات، أي: فيما تركب من المفردات، يعني: أن النسخ لما جاز في حالة إفراد التلاوة دون الحكم، وجاز أيضًا في حالة إفراد الحكم دون التلاوة، فيجوز نسخهما معًا في حالة تركيبهما، أي: في حالة اجتماعهما.
قوله: (ونسخ الخبر إِذا كان متضمنًا لحكم عندنا خلافًا لمن جوز (4) مطلقًا، أو منع (5) مطلقًا، وهو أبو علي، وأبو هاشم وأكثر المتقدمين، لنا أن
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 143، والمسطاسي ص 62.
(2) انظر: اللمع ص 171، والفصول للباجي 1/ 434، والوصول لابن برهان 2/ 31، والمسطاسي ص 62.
(3) انظر: الفصول للباجي 1/ 435، والمسطاسي ص 62.
(4) "جوزه" في ش.
(5) "منعه" في ش.
(4/494)

نسخ الخبر يوجب عدم المطابقة، وهو محال، فإِذا تضمن (1) [جاز نسخه] (2)؛ لأنه (3) مستعار له، ونسخ الحكم جائز كما لو عبر عنه بالأمر).
ش: هذه مسألة سابعة (4). ذكر المؤلف في جواز نسخ الخبر ثلاثة أقوال: قولان متقابلان، والثالث بالتفصيل بين أن يكون بمعنى الطلب أم لا.
وهذا القول الثالث هو المختار عندنا، قاله الباجي في الفصول (5)، والقاضي عبد الوهاب في الملخص.
قوله: (خلافًا لمن جوز مطلقًا) كأبي عبد الله البصري، وأبي الحسين البصري، والقاضي عبد الجبار (6) كلهم من المعتزلة، واختاره فخر الدين منا (7) في المحصول (8).
قوله: (أو منع مطلقًا) وهو أبو علي وأبو هاشم وأكثر الأصوليين (9)،
__________
(1) "الحكم" زيادة في أوخ وش.
(2) ساقط من أ.
(3) "فإنه" في أ.
(4) انظر المسألة في: الإحكام لابن حزم 1/ 448، والفصول للباجي 1/ 427، والوصول لابن برهان 2/ 63، والمحصول 1/ 3/ 486، والإحكام للآمدي 3/ 144، واللمع ص 166، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 66، والمعتمد 1/ 419، والعدة لأبي يعلى 3/ 825، والمسودة ص 196، وشرح القرافي ص 309، وشرح المسطاسي ص 62، وشرح حلولو ص 262.
(5) انظر: الفصول للباجي 1/ 427، وانظر: المسطاسي ص 63.
(6) انظر آراءهم في: المعتمد 1/ 419، وانظر: الإحكام للآمدي 3/ 144، والمسطاسي ص 63.
(7) هذا وهم، ولعله من النساخ؛ لأن الفخر شافعي، أو لعله يريد من أهل السنة.
(8) انظر: المحصول 1/ 3/ 486، واختاره أيضًا ابن برهان في الوصول 2/ 63.
(9) خاصة المتقدمين، انظر: المحصول 1/ 3/ 487، والمعتمد 1/ 419، والإحكام =
(4/495)

وهو مذهب القاضي أبي بكر (1).
قوله: (ونسخ الخبر ...) المسألة، واعلم أن الخبر على قسمين: إما خبر عما لا يتغير؛ كالخبر بالوحدانية وحدوث العالم/ 249/ وما في معنى ذلك، فهذا لا يصح فيه النسخ باتفاق.
والقسم الثاني: هو الخبر عما يتغير، فهذا هو محل الخلاف (2)، سواء كان ماضيًا أو مستقبلاً، كان وعدًا أو وعيدًا أو حكمًا شرعيًا (3).
مثال الماضي: قولك: زيد مؤمن، أو زيد كافر.
ومثال الوعد: قولك: المطيع يدخل الجنة.
ومثال [الوعيد] (4): قولك: العاصي يدخل النار.
ومثال الحكم الشرعي: قولك: يجب الحج على المستطيع.
قوله: (إِذا كان متضمنًا لحكم) أي: إذا كان الخبر بمعنى الأمر، مثلاً كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (5)، وقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (6)، وقوله تعالى:
__________
= للآمدي 3/ 144، والفصول للباجي 1/ 427، وشرح القرافي ص 309، وشرح المسطاسي ص 63.
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 144، وشرح المسطاسي ص 63.
(2) انظر: اللمع ص 166، والمحصول 1/ 3/ 486، والمعتمد 1/ 419، والعدة 3/ 845، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 66، وشرح القرافي ص 309.
(3) في الأصل بالواو: "وحكمًا شرعيًا".
(4) غير موجودة في الأصل.
(5) البقرة: 228.
(6) البقرة: 233، وبعدها: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}.
(4/496)

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (1).
وسبب الخلاف في جواز نسخ الخبر: مبني على الخلاف في حقيقة النسخ، فمن قال: النسخ عبارة عن بيان مدة لعبادة، قال هنا بجواز النسخ مطلقًا؛ إذ لا فرق في ذلك بين الخبر وغيره.
ومن قال: النسخ عبارة عن رفع الحكم الثابت، قال هنا بمنع النسخ مطلقًا؛ لأن رفع الخبر يؤدي إلى الخَلْف (2) والبداء (3)، وذلك في حق الله تعالى محال، فهذا هو سبب الخلاف بين القولين المتقابلين (4).
وأما من فرّق بين أن يتضمن حكمًا أم لا، فلأنه إذا تضمن حكمًا كان
__________
(1) البقرة: 234.
(2) بفتح المعجمة وتسكن اللام، هكذا ضبطها الناسخ، والذي ذكره أصحاب المعاجم في معنى هذه الكلمة أنها تطلق على الكلام الرديء، أو عكس قُدَّام، وذكروا معاني أخرى لا علاقة لها بمقامنا، وهذان المعنيان لا يدلان دلالة واضحة على ما يراد من الكلمة ها هنا، ولهذا أظن الأصوب في ضبطها هو الضم للمعجمة، قال صاحب القاموس: والخلف بالضم الاسم من الإخلاف، وهو في المستقبل كالكذب في الماضي، فهذا المعنى هو الذي يدل على ما يراد من الكلمة هنا، وهو التغير في الخبر، والله أعلم.
انظر: القاموس المحيط، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، والمشوف المعلم، والصحاح مادة (خلف).
(3) البداء، بفتحتين: اصطلاح كلامي تعلق به من أنكر النسخ أو بعض أنواعه، وتعلقت به الرافضة وجعلته سبب النسخ، وعولت عليه في بعض الآراء التي تقول بها، وأصل البداء في اللغة: الظهور، أو نشأة رأ