Advertisement

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب 005

رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ

تأليف
أبي عَلي حسَين بن علي بن طَلحة الرّجراجي الشوشَاوي
المتوفى سنة 899 ه

تحقيق
د. أَحْمَد بن محمَّد السراح
عضو هَيئة التّدريس بجامعة الإمَام محمَّد بن سعُود الإسلامية

المجلّد الخامِس
مَكْتَبة الرُّشدِ
نَاشِرُون
(5/1)

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1425 ه - 2004 م

مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب 17522 الرياض 11494 - هاتف: 4593451 - فاكس: 4573381
E - mail: alrushd@alrushdryh.com
www.rushd.com

* فرع الرياض: طريق الملك فهد - غرب وزارة البلدية والقروية ت 2051500
* فرع مكة المكرمة: ت: 5585401 - 5583506
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - ت: 8340600 - 8383427
* فرع جدة: مقابل ميدان الطائرة - ت: 6776331
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - ت: 3242214 - ف: 3241358
* فرع أبها: شارع الملك فيصل ت: 2317307
* فرع الدمام: شارع ابن خلدون ت: 8282175

وكلاؤنا في الخارج
* القاهرة: مكتبة الرشد - مدينة نصر - ت: 2744605
* الكويت: مكتبة الرشد - حولي - ت: 2612347
* بيروت: دار ابن حزم ت: 701974
* المغرب: الدار البيضاء/ مكتبة العلم/ ت: 303609
* تونس: دار الكتب الشرقية/ ت: 890889
* اليمن - صنعاء: دار الآثار ت: 603756
* الأردن: دار الفكر/ ت: 4654761
* البحرين: مكتبة الغرباء/ ت: 957823
* الامارات - الشارقة: مكتبة الصحابة/ ت: 5633575
* سوريا - دمشق: دار الفكر/ ت: 221116
* قطر - مكتبة ابن القيم/ ت: 4863533
(5/2)

رَفْعُ النِّقَابِ
عَن تنقِيح الشّهابِ
(5/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(5/4)

الباب السادس عشر
في الخبر
وفيه عشرة فصول:
الفصل الأول: في حقيقته.
الفصل الثاني: في التواتر.
الفصل الثالث: في الطرق المحصلة للعلم غير التواتر.
الفصل الرابع: في الدال على كذب الخبر.
الفصل الخامس: في خبر الواحد.
الفصل السادس: في مستند الراوي.
الفصل السابع: في عدده.
الفصل الثامن: فيما اختلفوا فيه من الشروط
الفصل التاسع: في كيفية الرواية.
الفصل العاشر: في مسائل شتى.
(5/5)

الباب السادس عشر في الخبر
وفيه [عشرة] (1) فصول (2).
ش: انظر لأي شيء أخر المؤلف باب الخبر عن بابي النسخ والإجماع، مع أن النسخ والإجماع مفتقران (3) إلى الخبر؛ إذ لا يوجدان إلا بعد وجود الخبر، فتقديم (4) الخبر عليهما أولى.
أجيب عن تقديم الإجماع: لأنه قطعي بخلاف الخبر فإن أكثره مظنون، فالقطعي أولى وأقوى من المظنون فقدم الإجماع لشرفه وقوته (5) (6).
وأجيب (7) عن تقديم النسخ: لأنه من توابع الكتاب الذي هو قطعي فقدمه على جهة التبعية لأصله (8) والله أعلم.
__________
(1) ساقط من أ.
(2) أكمل ناسخ ز المتن إلى نهاية الفصل الأول ثم عاد للشرح.
(3) "مفتقرًا" في ز.
(4) "فتقدم" في ز.
(5) "وقوله" في ز.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 94.
(7) "أجيب" في ز. بحذف الواو.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 94.
(5/7)

الفصل الأول في حقيقته (1)
قوله: (وهو المحتمل للصدق والكذب لذاته، احترازًا من خبر (2) المعصوم، والخبر على خلاف الضرورة) (3).
ش: اختلف (4) في الخبر هل يحد أو لا يحد؟ قولان، فإذا قلنا: لا يحد ففيه قولان، قيل: لعسره (5)، وقيل: لأنه ضروري (6).
فإذا (7) قلنا بأنه يحد فقيل: هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب، قاله
__________
(1) انظر مسائل هذا الفصل في: اللمع ص 207، والفصول 1/ 281، والمعتمد 2/ 542، والبرهان فقرة 488، والوصول 2/ 135، والمستصفى 1/ 132، والمحصول 2/ 1/ 307 وما بعدها، والإحكام للآمدي 2/ 4 وما بعدها، والعدة 3/ 839، والتمهيد 3/ 9، ومختصر ابن الحاجب 2/ 45، وفواتح الرحموت 2/ 100، والمعالم للرازي ص 234، وتيسير التحرير 3/ 24، وإرشاد الفحول ص 44، والإبهاج 2/ 310، والتبصرة 289، وشرح القرافي ص 346، والمسطاسي ص 94.
(2) "الخبر" في ز.
(3) في ش: "عن خلافا الضرورة"، وفي خ: "عن خلاف الضرورة".
(4) "واختلف" في ز.
(5) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 45، وشرح الكوكب المنير 2/ 295، وشرح حلولو ص 294.
(6) هذا رأي الإمام الرازي في المحصول 2/ 1/ 314، وانظر أيضًا: المعالم للرازي ص 234، والإحكام للآمدي 2/ 4، ومختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2/ 45، وفواتح الرحموت 2/ 100، وشرح حلولو ص 294.
(7) "وإذا" في ز.
(5/9)

المعتزلة (1) والقاضي أبو (2) بكر منا (3) (4).
واعترض هذا الحد بأنه يقتضي دخول الصدق في كل خبر، ودخول الكذب في كل خبر، وليس الأمر كذلك، فإن من الخبر ما لا يدخله إلا الصدق، ومن الخبر ما لا يدخله إلا الكذب (5).
فإن خبر الله تعالى، وخبر الرسول عليه السلام، وخبر مجموع الأمة، لا يدخله إلا الصدق ولا يدخله الكذب.
وكذلك الخبر (6) على وفق الضرورة، كقولك: الواحد نصف الاثنين، فلا يدخله إلا الصدق.
__________
(1) انظر: المعتمد 2/ 542، 543، والإحكام للآمدي 2/ 6، وشرح الكوكب المنير 2/ 289.
(2) "أبي" في الأصل.
(3) نسبه ابن الحاجب للقاضي في المختصر 2/ 45، لكن الباجي والجويني ذكراه عنه بلفظ "أو الكذب"، انظر: الفصول 1/ 281، والبرهان فقرة 488.
وهذا ما اختاره أبو يعلى في العدة 3/ 839، والغزالي في المستصفى 1/ 132.
(4) تنوعت حدود الأصوليين للخبر، فانظر: شرح الكوكب المنير 2/ 289 وما بعدها، حيث ذكر ثمانية من حدود الأصوليين للخبر.
وانظر ما سبق في التعليقين (1) و (3) وأيضًا: جمع الجوامع 2/ 106، والمحصول 2/ 1/ 307 وما بعدها، والمعالم ص 233، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 9، والوصول 2/ 135، والحدود للباجي ص 60، والتعريفات للجرجاني ص 85، وشرح المسطاسي ص 94، 95.
(5) انظر: الفصول 1/ 281، والوصول 2/ 136، والإحكام للآمدي 2/ 7، ومختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2/ 45.
(6) "الكذب" في ز.
(5/10)

ومثال ما لا يدخله إلا الكذب ولا يدخله الصدق: كالخبر على (1) خلاف (2) الضرورة، كقولك (3): الواحد نصف العشرة.
فالحد المذكور إذًا غير جامع، لأنه خرج عنه ما لا يدخله إلا الصدق وما لا يدخله إلا الكذب، ولأجل هذا قال المؤلف في حد الخبر: وهو المحتمل للصدق و [الكذب] (4) لذاته (5)، فزاد قوله: لذاته، أي لذات الخبر، أي لنفس الخبر، احترازًا من احتمال أحدهما دون الآخر لأمر (6) عارض، لا من (7) ذات [الخبر] (8) من حيث هو خبر، كخبر المعصوم، والخبر على وفق الضرورة، أو على خلاف الضرورة، فإن عدم احتمال الكذب أو عدم احتمال الصدق في ذلك إنما (9) عرض من جهة المخبر به أو من جهة المخبر عنه لا من جهة ذات الخبر، ولأجل هذا زاد المؤلف قوله: لذاته./ 270/
قوله: "احترازًا من خبر المعصوم والخبر على خلاف الضرورة"، أراد بالمعصوم الله تبارك وتعالى، ورسوله عليه السلام، ومجموع الأمة، وكذلك
__________
(1) "عن" في ز.
(2) "اختلاف" في ز.
(3) "كقوله" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) ذكر قريبًا من هذا الحد ابن همام الحنفي في التحرير، فانظره بشرح التيسير 3/ 24.
(6) "لا من" في ز.
(7) "ولا من" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) في هامش الأصل زيادة "هو".
(5/11)

الخبر على خلاف (1) الضرورة، فامتناع الصدق والكذب في هذه الأمور إنما هو بالنظر إلى متعلق الخبر لا بالنظر إلى ذاته (2)، وأما إن نظرت إلى معقول الخبر من حيث هو خبر مع قطع النظر عن متعلقه فهو محتمل للصدق والكذب.
قوله: (احترازًا من خبر المعصوم والخبر (3) على خلاف الضرورة) اعترض (4) [هذا] (5) بأن قيل (6): إنما يحترز مما يراد خروجه ولا يحترز مما يراد دخوله.
أجيب عنه: بأن في الكلام حذف مضاف تقديره: احترازًا من خروج خبر المعصوم، والخبر على خلاف الضرورة.
ونظير هذه العبارة قول المؤلف في حد التخصيص في الباب الأول في الفصل الثامن: (فقولنا: أو ما يقوم مقامه: احترازًا من المفهوم) (7)، تقديره: احترازًا من خروج المفهوم، على حذف المضاف.
قال المؤلف في شرحه: الخبر من حيث هو خبر يحتمل الصدق والكذب والتصديق والتكذيب، فالصدق: هو مطابقة الخبر للمخبر عنه، والكذب: هو عدم مطابقة الخبر [للمخبر] (8) عنه، والتصديق هو الإخبار عن كونه
__________
(1) "وفق" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 346.
(3) "والحبر" في ز.
(4) "واعترض" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "يقال" في ز.
(7) انظر: مخطوط الأصل ص 53، وشرح القرافي ص 51.
(8) ساقط من ز.
(5/12)

صدقًا، والتكذيب: هو الإخبار عن كونه كذبًا، فالصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه، عدميتان لا وجود لهما في الأعيان، وإنما وجودهما في الأذهان:
والتصديق والتكذيب خبران وجوديان في الأعيان (1) مسموعان، فظهر الفرق بين الصدق والتصديق و [بين] (2) الكذب والتكذيب.
[و] (3) قوله في حد الخبر: هو المحتمل للصدق والكذب [والتصديق والتكذيب] (4)، كما قال في الشرح (5) معترض بأن قيل: الصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه، والنسبة بين الشيئين لا تعرف [إلا] (6) بعد معرفتهما، فتعريف الخبر بهما تعريف الشيء بما لا يعرف (7) إلا بعد معرفته وهو محال (8)، وكذلك التصديق والتكذيب: هما نوعان من أنواع الخبر، والنوع لا يعرف (9) إلا بعد معرفة الجنس فتعريف الجنس بهما أيضًا دور (10).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 346، وفيه اختلاف يسير عما هنا. وانظر: شرح المسطاسي ص 95.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من ز.
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 346.
(6) ساقط من ز.
(7) "مما لا يعرف" في ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 346، 347، والمسطاسي ص 95.
(9) "وأنواع لا تعرف" في ز.
(10) انظر: المحصول 2/ 1/ 308، والمعالم ص 233، والإحكام للآمدي 2/ 6، وشرح =
(5/13)

أجيب عن ذلك: بأن الحد شرح اللفظ، وهو نسبة اللفظ إلى المعنى، [والمعنى] (1) في نفسه معروف فلا دور (2).
وأجاب بعضهم: [بأن] (3) النسبة (4) بين الخبر ومتعلقه معناها الإسناد، والصدق والكذب خلاف الإسناد، فالإسناد قابل لهما وهما مقبولان، والفرق بين القابل والمقبول ظاهر.
وقد أشار المؤلف إلى هذا في الباب الأول في الفصل السادس في حد الخبر بقوله: (إِسنادًا يقبل الصدق والكذب لذاته) (5).
قوله: (وقال الجاحظ (6): يجوز عزوه عن الصدق والكذب والخلاف (7) لفظي).
__________
= القرافي ص 346، وشرح المسطاسي ص 95، وانظر: شرح حلولو ص 294 و295 حيث نسب هذا الاعتراض للإبياري.
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 247، والمسطاسي ص 95.
(3) ساقط من ز.
(4) "بالنسبة" في ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 41، مع ملاحظة سقوط بعض الكلمات في هذا الموضع من المتن المطبوع معه. وانظر: شرح المسطاسي ص 28، من مخطوط مكناس رقم 352.
(6) أبو عثمان: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني، المعروف بالجاحظ لجحوظ عينيه، أي بروزهما، أديب ظريف وكاتب بليغ له من الكتب البديعة: البيان والتبيين، والمحاسن والأضداد، والحيوان، عاش أغلب حياته في البصرة وإليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة، وله مقالات في الكلام خالف فيها سائر المعتزلة. توفي سنة 255 ه. انظر: سير أعلام النبلاء 11/ 526، والوفيات 3/ 470، وتاريخ بغداد 12/ 212، والفرق بين الفرق ص 175.
(7) "والخلافي" في ز.
(5/14)

ش: مذهب أهل السنة: أن الخبر على قسمين خاصة: صادق، وكاذب، فلا واسطة بين الصدق والكذب (1).
وقال الجاحظ من المعتزلة: الخبر على ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب (2).
وسبب الخلاف يرجع إلى العرب، هل وضعت العرب لفظ الصدق للمطابقة (3) كيف كانت، أو وضعته للمطابقة مع القصد إليها؟
وكذلك لفظ الكذب، هل وضعته العرب لعدم المطابقة كيف كانت، أو وضعته لعدم المطابقة مع القصد إلى ذلك؟ (4).
وإلى هذا السبب أشار المؤلف بقوله: والخلاف لفظي، أي هذا (5) الخلاف يرجع إلى التسمية، فعلى مذهب الجمهور لم تضع العرب لفظ الصدق والكذب إلا لمطابقة في الصدق وعدم المطابقة في الكذب، وعلى مذهب الجاحظ وضعت العرب لفظ الصدق والكذب للمطابقة مع اعتقادها في الصدق ولعدم المطابقة مع عدم اعتقادها (6) في الكذب.
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 347، والمسطاسي ص 95، وشرح حلولو ص 295.
(2) انظر: المعتمد 2/ 544، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 11، والوصول 2/ 131، والمحصول 2/ 1/ 318، ومختصر ابن الحاجب 2/ 50، والإحكام للآمدي 2/ 10، والإبهاج 2/ 310، وإرشاد الفحول ص 44.
(3) "والمطابقة" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 348، والمسطاسي ص 96.
(5) "وهذا" في ز.
(6) "اعتقاد عدمها" في ز. ولعله الصواب ويجري هذا على قوله بعده:
الثاني: عدم المطابقة مع عدم الاعتقاد. إذ الأولى أن يقول: الكذب هو عدم المطابقة مع اعتقاد العدم؛ لأن عدم الاعتقاد قد يكون للجهل. =
(5/15)

فها هنا أربعة أوجه:
أحدها: المطابقة مع الاعتقاد.
الثاني: عدم المطابقة مع عدم الاعتقاد.
الثالث: المطابقة مع عدم الاعتقاد.
الرابع: عدم المطابقة مع حصول الاعتقاد.
فهذه أربعة أقسام:
مثال حصول المطابقة مع الاعتقاد، قولك: زيد في الدار إذا كان زيد في الدار واعتقدت أنه [فيها، فهذا خبر صادق بالاتفاق لوجود المطابقة والاعتقاد.
ومثال عدم المطابقة مع عدم الاعتقاد، قولك: زيد في الدار إذا لم يكن فيها واعتقدت أنه لم] (1) يكن (2) فيها، فهذا القسم كاذب (3) باتفاق لعدم (4)
__________
= وتكون الأقسام الأربعة بعد كالآتي:
1 - المطابقة مع اعتقادها.
2 - عدم المطابقة مع اعتقاد العدم.
3 - المطابقة مع اعتقاد العدم.
4 - عدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة.
أقول: ولو عبر الشوشاوي بالقصد بدلاً من الاعتقاد لكان أسلم، والتعبير بالقصد هو صنيع القرافي في شرحه ص 347، فيكون الصدق موضوعًا للمطابقة مع قصدها، والكذب موضوعًا لعدم المطابقة مع قصدها.
والقسمان الآخران هما: المطابقة، وعدم المطابقة، مع عدم قصدهما، والله أعلم.
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(2) "ليس" في ز.
(3) "كذب" في ز.
(4) "ولعدم" في ز.
(5/16)

المطابقة وعدم الاعتقاد (1).
ومثال المطابقة مع عدم الاعتقاد، قولك: زيد في الدار إذا كان فيها واعتقدت أنه ليس فيها، فهذا (2) القسم محل الخلاف.
مذهب الجماعة أنه صدق لوجود المطابقة.
ومذهب الجاحظ أنه ليس بصدق ولا كذب لعدم اعتقاد المطابقة.
ومثال عدم المطابقة مع وجود الاعتقاد، قولك: زيد في الدار إذا لم يكن فيها واعتقدت أنه (3) فيها، فهذا القسم أيضًا محل الخلاف، فمذهب (4) الجماعة أنه كذب لعدم المطابقة.
ومذهب الجاحظ أنه ليس بصدق ولا كذب لعدم اعتقاد عدم المطابقة.
وهذه الأقسام الأربعة: اثنان بالاتفاق (5)، واثنان بالاختلاف (6) فَتَحَصَّلَ مما ذكرنا أن الصدق عند الجاحظ: هو المطابق مع اعتقاد أنه مطابق، والكذب هو غير المطابق مع اعتقاد أنه غير مطابق، وماعدا ذلك فليس بصدق ولا كذب عنده.
حجة الجماعة القائلين بحصر الخبر في قسمين: قوله
__________
(1) لاحظ قوله: واعتقدت أنه لم يكن فيها، مع قوله: وعدم الاعتقاد، ثم ارجع للتعليق رقم (6) في الصفحة قبل السابقة، ويسري هذا على المثال الذي بعده.
(2) "وهذا" في ز.
(3) "لم يكن" زيادة في ز.
(4) "مذهب" في ز.
(5) "باتفاق" في ز.
(6) "بالخلاف" في ز.
(5/17)

تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [بَلَى] (1) ...} إلى قوله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} (2)، فدل على أن الكذب هو عدم المطابقة، وقوله عليه السلام: "مَنْ كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده في النار" (3) فدل على أن الكذب يتصور بدون العمد؛ لأن تقييده بالعمد يدل على تصوره بدون العمد، وقوله عليه السلام: "كفى بالمرء كذبًا (4) أن يحدث بكل ما سمع" (5) [فجعله كاذبًا إذا حدث بكل ما سمع] (6) وإن كان لا يشعر (7) بعدم المطابقة، [فذلك يدل على أن القصد لعدم المطابقة] (8) / 271/ ليس
__________
(1) ساقط من ز.
(2) النحل: 38، 39، وتمامها: {بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ}.
(3) هذا حديث صحيح رواه جمع كثير من الصحابة ومن بعدهم حتى جعله بعض المحدثين مثالاً على المتواتر من الأحاديث. انظر كلام ابن حجر حول هذا في فتح الباري 1/ 203، ونزهة النظر شرح نخبة الفكر ص 22.
وانظر هذا الحديث على سبيل المثال عند البخاري في كتاب العلم برقم 110 عن أبي هريرة، وعنه أيضًا عند مسلم في المقدمة برقم 3، وفي الزهد برقم 3004 عن أبي سعيد، وعند الترمذي في كتاب العلم برقم 2669 عن عبد الله بن عمرو، وفي التفسير برقم 2951 عن ابن عباس. ولم أطلع في الروايات التي راجعتها على لفظ "في النار" بل كل ما رأيته من الروايات بلفظ "من النار" فلعلها فيما لم أره.
(4) "كاذبًا" في الأصل.
(5) حديث صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 8/ 596، عن أبي هريرة مرفوعًا، وعنه أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه برقم 5. وقد رواه موقوفًا على ابن مسعود ابن المبارك في الزهد 128، وانظره بغير هذا اللفظ موقوفًا عن عمر وعبد الله بن مسعود في مسلم رقم 5، ومصنف ابن أبي شيبة 8/ 596.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) "لا شعور له" في ز.
(8) ساقط من ز.
(5/18)

بشرط في تحقق الكذب وهو المطلوب (1).
حجة الجاحظ: قوله تعالى حكاية عن الكفار: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ} (2) فجعلوا الجنون قسيم الكذب، وقسيم الشيء غيره، ولا يوصف الجنون بصدق ولا كذب، فجعلوا الجنون قسيم الكذب لعدم القصد فيه، مع أن خبره على التقديرين (3) غير مطابق، فدل ذلك على اشتراط القصد في حقيقة الكذب (4).
أجيب عنه: بأن ألافتراء عبارة عن الاختراع فهم نوعوا الكذب إلى اختراع وجنون، لا أنهم نوعوا كلامه إلى كذب وغيره (5).
وقوله: (واختلفوا في اشتراط الإِراده في [حقيقة] (6) كونه خبرًا)، وعند (7) أبي علي وأبي هاشم الخبرية معللة بتلك الإِرادة، وأنكره الإِمام لخفائها، فكان يلزم ألا يعلم خبر (8) البتة، ولا (9) ستحالة (10) قيام (11) الخبرية بمجموع الحروف لعدمه، ولا ببعضها (12) وإِلا كان خبرًا، وليس فليس.
ش: ذكر المؤلف ها هنا الخلاف بيننا وبين المعتزلة في مقامين:
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 347، والمسطاسي ص 95.
(2) سبأ: 8.
(3) "التقدير بين" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 347، والمسطاسي ص 95، 96.
(5) انظر: شرح القرافي ص 347، 348، والمسطاسي ص 96.
(6) ساقط من الأصل.
(7) "فعند" في ش.
(8) "خبرا" في الأصل وأ.
(9) "ولان" في أ.
(10) "والاستحالة" في ز.
(11) "بقيام" في ز.
(12) "ولا ببعضه" في نسخ المتن الثلاث.
(5/19)

أحدهما: هل تشترط الإرادة في كون الخبر خبرًا أم لا؟
المقام الثاني: إذا قلنا باشتراط الإرادة، هل هي علة الخبرية أم لا؟
ثم ذكر المؤلف (1) [بعد هذا] (2) جوابين، الأول عن الأول، والثاني عن الثاني.
قوله: واختلفوا في اشتراط الإرادة في حقيقة كونه خبرًا.
هذا هو المقام الأول، مذهب أهل السنة أن (3) الإرادة غير مشروطة في [حقيقة] (4) كون الخبر خبرًا (5)، ومذهب المعتزلة أنها مشروطة (6).
حجة المعتزلة: أن الخبر قد يأتي والمراد به الأمر كقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} (7) وقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ} (8)، ويأتي والمراد به الدعاء كقولنا: غفر الله لنا، ويأتي والمراد به التهديد كقوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} (9)، وإذا اختلفت موارد استعماله فلا يتعين للخبرية إلا بالإرادة (10) (11).
__________
(1) "لها" زيادة في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) "لان" في ز.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظر: التبصرة ص 289، والعدة 3/ 840.
(6) انظر: المعتمد 2/ 542، والمحصول 2/ 1/ 316.
(7) البقرة: 233.
(8) البقرة: 228.
(9) الرحمن: 31.
(10) عبارة ز كما يلي: "فلا يتعين للخبر إلا الإرادة".
(11) انظر: شرح القرافي ص 348، والمسطاسي ص 96.
(5/20)

أجيب عن هذا بوجهين:
أحدهما: أن الصيغة [إنما] (1) وضعت حقيقة للخبر، واستعمالها في غير الخبر مجاز، فتصرف (2) لمدلولها بالوضع لا بالإرادة (3)، والذي يحتاج إلى الإرادة هو المجاز (4) كما تقدم لنا في الأمر، هل تشترط الإرادة في كونه (5) أمرًا (6) أم لا؟ تقدم بيان ذلك في باب الأوامر في قول المؤلف ولا يشترط (7) فيه إرادة المأمور به ولا إرادة (8) الطلب خلافًا لأبي علي وأبي هاشم من المعتزلة (9) فالخلاف في هذه المسألة كالخلاف في تلك (10).
الجواب (11) الثاني: ما ذكره المؤلف عن الإمام وهو قوله: وأنكره الإمام لخفائها فكان يلزم أن لا يعلم خبر (12) البتة، لأن هذا جواب عن السؤال الأول، وهو هل تشترط الإرادة في حقيقة كون الخبر خبرًا أم لا؟
قوله: (وأنكرها (13) الإِمام لخفائها)، معناه: أنكر الإمام فخر الدين
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "فتنصرف" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 348، والمسطاسي ص 96.
(4) "المجاوز" في ز.
(5) "كون" في ز.
(6) "أمر" في ز.
(7) "تشترط" في الأصل، والمثبت من ز ونسخ المتن.
(8) "والإرادة" في ز.
(9) انظر: مخطوط الأصل صفحة 116، وشرح القرافي ص 138.
(10) انظر: المحصول 2/ 1/ 316 و1/ 2/ 24.
(11) "في الجواب" في ز.
(12) "خبرا" في الأصل.
(13) "وأنكره" في ز.
(5/21)

اشتراط (1) الإرادة لأجل خفاء الإرادة لأنها أمر باطني لا يطلع عليه لخفائه (2)، فلو كانت شرطًا في حقيقة الخبر للزم أن لا يعلم (3).
وأما المقام الثاني: وهو قولنا: هل الإرادة علة الخبرية أم لا؟
معناه: هل تلك الإرادة هي التي أوجبت كون اللفظ خبرًا أم لا؟
[قال] (4) أهل السنة: ليست الإرادة علة الخبرية.
[و] (5) قال أبو علي وأبو هاشم الجبائي (6) وغيرهم من المعتزلة: الإرادة علة الخبرية (7).
قوله: (ولاستحالة (8) قيام الخبرية بمجموع الحروف لعدمه ولا ببعضها (9) وإِلا كانت خبرًا، وليس فليس).
هذا جواب عن السؤال الثاني وهو قولنا: هل الإرادة علة الخبرية أم لا؟
__________
(1) "اشتراك" في ز.
(2) "لخفائها" في ز.
(3) انظر: المحصول 2/ 1/ 316.
(4) ساقط من ز.
(5) ساقط من الأصل.
(6) عبارة الأصل: قال أبو علي وأبو هاشم وأبوه الجبائي. وعبارة ز: وقال أبو علي وأبو هاشم والجبائي. وكلا العبارتين ركيك. فالصواب المثبت. وانظر: شرح القرافي ص 348.
(7) انظر: المحصول 2/ 1/ 317 و1/ 2/ 31.
(8) "والاستحالة" في ز.
(9) "ببعضه" في الأصل.
(5/22)

[و] (1) هو جواب أهل السنة القائلين بأن الإرادة ليست علة للخبرية (2).
وبيان هذا: أن ما قال المعتزلة من كون الإرادة علة للخبرية (3) محال، وبيان استحالته: أن هذه الخبرية المعللة بالإرادة لا تخلو، إما أن تقوم بمجموع حروف (4) الخبر، وإما أن تقوم ببعض الحروف دون البعض، والكل باطل لأنه محال.
فلا يصح قيامها بمجموع الحروف لعدم المجموع، لأن الكلام من المصادر السيالة كالماء يأتي بعض الحروف ويذهب بعضها، فلا يوجد منه أبدًا إلا حرف واحد فلا يمكن اجتماعها في حالة [واحدة] (5) من النطق، والإرادة تكون في دفعة واحدة فلا يصح قيامها بالمجموع لعدم المجموع، إذ لو قلنا؛ قامت الخبرية بمجموع الحروف لأدى (6) إلى قيام المعنى الوجودي بالأ [مر] (7) العدمي وذلك محال.
ولا يصح [أيضًا] (8) قيامها (9) ببعض الحروف خاصة دون البعض، لأنه
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "الخبرية" في ز.
(3) "الخبرية" في ز.
(4) "لفظ" زيادة في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "ذلك" زيادة في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) ساقط من ز.
(9) "قيامه" في ز.
(5/23)

يلزم [منه] (1) أن يكون ذلك البعض الذي قامت به خبرًا (2) والبعض الآخر ليس بخبر، وذلك أيضًا محال، وهو خلاف الإجماع.
قوله: (وإِلا كان خبرًا)، أي: وإن قامت الخبرية بالبعض كان ذلك البعض خبرًا وحده، وليس بخبر بإجماع (3)، فليس قيام الخبرية به، وهو المطلوب.
وقيل: معناه: فليس اشتراط الإرادة (4) في الخبر بصحيح.
قال المؤلف (5) في الشرح: فكأن الإمام فهم عنهم أن تلك الخبرية أمر وجودي فلا يصح قيامها بمجموع الحروف ولا ببعضها.
...
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "خبر" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 348، والمسطاسي ص 96.
(4) "للإرادة" في ز.
(5) "الإمام" في الأصل.
(5/24)

الفصل الثاني في التواتر (1)
ش: شرع المؤلف (2) في خبر التواتر؛ إذ الخبر على ثلاثة أقسام:
خبر التواتر، وخبر الآحاد، وما ليس بتواتر ولا آحاد وهو خبر المنفرد (3) إذا احتفت (4) به قرائن تفيد العلم (5).
قال المؤلف: هذا (6) القسم ما علمت له اسمًا في الاصطلاح، فليس بمتواتر (7) لعدم العدد، وليس بآحاد (8) لإفادته (9) العلم (10).
__________
(1) بدأ ناسخ ز في سرد المتن إلى نهاية الفصل ثم عاد للشرح، وقد انتهت صفحتي 46/ ب و47/ أمن نسخة (ز) في أثناء ذلك.
(2) "ها هنا" زيادة في ز.
(3) "الآحاد" في ز.
(4) "اختلفت" في الأصل.
(5) هذا التقسيم اصطلاح للقرافي تبعه فيه الشوشاوي، والمشهور عند الجمهور هو تقسيم الخبر إلى قسمين: متواتر وآحاد، ومنهم من يجعل الآحاد أقسامًا منها: المشهور، والمستفيض. أما الحنفية فجمهورهم على أن الخبر أقسام ثلاثة: تواتر، وآحاد، ومشهور. والمستفيض عند أكثر الأصوليين ما زادت نقلته على ثلاثة عدول. والمشهور عند الحنفية ما تواتر واشتهر في العصر الثاني أو الثالث بعد أن كان آحادًا.
انظر: شرح القرافي ص 349، والإحكام للآمدي 2/ 31، وجمع الجوامع 2/ 129، وإرشاد الفحول ص 49، والمغني للخبازي ص 192، وتيسير التحرير 3/ 37.
(6) "في هذا" في الأصل.
(7) "بتواتر" في الأصل.
(8) "ولا بالآحاد" في ز.
(9) "الفادة" في ز.
(10) انظر: شرح القرافي ص 349، وفي النقل اختلاف يسير. وانظر: شرح المسطاسي ص 97.
(5/25)

ذكر المؤلف في هذا الفصل سبع (1) مسائل.
[المسألة] (2) الأولى: حقيقة التواتر لغة.
قوله: (وهو مأخوذ من مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما) (3).
ش: هذه (4) حقيقته (5) لغة (6)، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} (7)، أي واحدًا (8) بعد واحد بفترة بينهم (9).
وقيل: مشتق من الوتر/ 272/ وهو الفرد (10).
وقال بعض اللغويين: من لحن العوام قولهم: تواترت عليّ كتبك، ومرادهم: "تواصلت عليّ كتبك" وهو لحن، ولا يقال ذلك إلا في عدم
__________
(1) "سبعة" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: اللسان، والقاموس المحيط، مادة: "وتر".
(4) "هذا" في ز.
(5) "حقيقة" في ز.
(6) "له" في ز.
(7) المؤمنون: 44.
(8) "واحد" في الأصل.
(9) انظر: حجة القراءات لأبي زرعة ص 487، وتفسير البحر المحيط 6/ 407، وشرح القرافي ص 349، والمسطاسي ص 96.
(10) حكى في اللسان أنه أصل الاشتقاق، قال: "وأصل ذلك كله من الوتر وهو الفرد وهو أني جعلت كل واحد بعد صاحبه فردًا فردًا" اه.
ونقله أبو زرعة بن زنجلة عن الزجاج.
انظر: اللسان مادة "وتر"، وحجة القراءات ص 487، وشرح القرافي ص 349، والمسطاسي ص 96.
(5/26)

التواصل (1).
قوله: (وفي الاصطلاح: خبر أقوام عن أمر محسوس يستحيل تواطؤهم (2) على الكذب عادة).
ش: هذه مسألة ثانية في حقيقته اصطلاحًا (3).
قوله: (خبر أقوام)، أي: جماعة، احترازًا من خبر واحد (4).
قوله: (عن أمر محسوس) وهو ما يدرك بالحواس الخمس، احترازًا من أمر عقلي كسائر النظريات، كما إذا أخبر الجمع العظيم بحدوث (5) العالم،
__________
(1) قال في القاموس مادة "وتر": ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهي مداركة ومواصلة. اه.
وانظر قريبًا من عبارة الشوشاوي في: درة الغواص في أوهام الخواص ص 7 - 9.
انظر: شرح القرافي ص 349، والمسطاسي ص 96.
(2) "تواطئيهم" في ز.
(3) اكتفى الشوشاوي بعرض حد القرافي وشرحه، وقد تعددت حدود الأصوليين للمتواتر فحده الباجي: بكل خبر وقع العلم بمخبره ضرورة من جهة الإخبار به.
وحده الرازي: بخبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم.
وحده الآمدي: بخبر جماعة مفيد بنفسه للعلم بمخبره.
وحده ابن حزم: بما نقلته كافة عن كافة حتى تبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما الحنفية فالمتواتر عندهم: خبر أقوام لا يحصى عددهم ولا: يمكن تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم.
انظر: الفصول 1/ 283، واللمع ص 208، والمحصول 2/ 1/ 323، والإحكام للآمدي 2/ 14، والإحكام لابن حزم 1/ 93، والمغني للخبازي ص 191، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 4.
(4) "الواحد" في ز.
(5) "يحدث" في ز.
(5/27)

فإن (1) خبرهم لا يحصل العلم (2).
قال إمام الحرمين في البرهان: ويلحق بذلك ما كان ضروريًا بقرائن (3) الأحوال كصفرة الوجل وحمرة الخجل فإنه ضروري عند المشاهدة (4).
قوله: (يستحيل تواطؤهم (5) على الكذب)، احترازًا من خبر الآحاد (6).
قوله: (عادة)، احترازًا من العقل، فإن العلم الحاصل بالتواتر (7) هو (8) عادي لا عقلي؛ لأن العقل يجوز الكذب على كل عدد وإن كثروا، فالإحالة المذكورة في التواتر هي عادية لا عقلية (9).
قوله: خبر أقوام، يريد عقلاء عالمين بما أخبروا به.
وقولنا: عقلاء، احترازًا من غير العقلاء كالمجانين (10) وغيرهم.
__________
(1) "لأن" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 349، وشرح المسطاسي ص 97.
(3) "يقر أين" في ز.
(4) انظر: البرهان فقرة 492، وأيضًا الفقرات 504، 512، وشرح القرافي ص 349، وشرح المسطاسي ص 97.
(5) "تواطئيهم" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 349، والمسطاسي ص 97.
(7) "من التواتر" في ز.
(8) "فإنه" في الأصل.
(9) انظر: شرح القرافي ص 350، والمسطاسي ص 97.
(10) "كالجانين" في ز.
(5/28)

وقوله: تواطؤهم (1)، معناه توافقهم، يقال: تواطأ القوم على الأمر، أي توافقوا عليه، ومنه قوله تعالى: {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} (2) معناه (3)، ليوافقوا عدة ما حرم الله (4)، يقال: واطأتك على الأمر، أي: وافقتك عليه، [فالمواطأة هي الموافقة] (5) (6).
ولا يشترط فيهم: الإسلام (7)، ولا العدالة (8)، ولا البلوغ، ولا الذكورية (9)، ولا الحرية (10).
وقولنا: عالمين بما أخبروا به، احترازًا مما إذا كانوا ظانين لذلك.
قوله: (وأكثر (11) العقلاء (12) على أنه مفيد للعلم (13) في الماضيات
__________
(1) "تواطئيهم" في ز.
(2) التوبة: 37.
(3) "أي" في ز.
(4) انظر: تفسير أبي حيان 5/ 40، والعمدة في غريب القرآن لمكي بن أبي طالب ص 147، والمفردات للراغب الأصفهاني ص 526.
(5) ساقط من الأصل.
(6) انظر: اللسان مادة: "وطأ".
(7) ونقل الشيرازي في التبصرة قولاً باشتراطه. انظر: التبصرة ص 297.
(8) انظر: التبصرة ص 297، واللمع ص 209، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 32، ومختصر ابن الحاجب 2/ 54.
(9) "الذكورية" في الأصل.
(10) انظر: شرح المسطاسي ص 97.
(11) "فأكثر" في أ.
(12) "العلماء" في أ.
(13) "يفيد العلم" في ز.
(5/29)

والحاضرات. والسمنية أنكروا العلم واعترفوا بالظن، ومنهم من اعترف به في الحاضرات فقط).
ش: هذه مسألة ثالثة، هل يفيد العلم أم لا؟ ثالثها: يفيده في الحاضرات دون الماضيات.
حجة الجمهور بأنه يفيده مطلقًا في الماضيات والحاضرات (1).
أنا نقطع بوجود دولة الأكاسرة والأقاصرة والخلفاء الراشدين ومن بعدهم من بني أمية وبني العباس من الماضيات، وإن (2) كنا لا نقطع بتفاصيل ذلك، ونقطع بوجود مكة والمدينة ودمشق (3) وبغداد وخراسان وغير ذلك من الأمور الحاضرات (4)، فقد حصل العلم بالتواتر من حيث الجملة (5).
__________
(1) انظر هذا القول في: التبصرة ص 291، واللمع ص 208، والفصول 1/ 284، والمعتمد 2/ 551، والوصول 2/ 139، ومقدمة ابن القصار ص 86، والمنخول ص 235، والمستصفى 1/ 132، والمحصول 2/ 1/ 324، والإحكام للآمدي 2/ 15، والعالم للرازي ص 237، وأصول الشاشي ص 272، والعدة 3/ 841، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 15، وابن الحاجب 2/ 52، والإبهاج 2/ 314، والمسطاسي ص 97.
(2) "فإن" في ز.
(3) "وذي مشق" في ز.
(4) "الحاضرة" في ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 350، والمسطاسي ص 97.
(5/30)

حجة السمنية: وهي طائفة من أهل الهند (1) (2): أنه كثيرًا (3) ما يجزم (4) بالشيء ثم ينكشف (5) الأمر بخلافه، فلو كان التواتر يفيد العلم لما انكشف الأمر بخلافه (6).
وحجة ثانية: أن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب، فيجور على المجموع، فإن (7) المجموع مركب من الآحاد، وخبر الآحاد مظنون، والمركب من المظنون مظنون، كما نقول (8) في الزنج: لما كان كل واحد منهم أسود، كان
__________
(1) السُّمَنية بضم السين وفتح الميم فرقة من عبدة الأصنام في الهند ينسبون إلى سومنان بلد في الهند، أو إلى سومنات صنم لهم، ومذهبهم يبطل النظر والاستدلال ويحصر العلم في الحواس الخمس، وينكر أكثرهم البعث، وتقول طائفة منهم بالتناسخ.
انظر: الفرق بين الفرق ص 270، وانظر: تيسير التحرير 3/ 31.
(2) وقد نسب هذا الرأي الشيرازي والآمدي وأبو الخطاب والقاضي أبو يعلى للبراهمة أيضًا، ونسبه ابن برهان للمعتزلة، ونسب الجويني في البرهان فقرة 45 للسمنية القول بإفادة المتواتر العلم، ثم نقل في فقرة 508 القول بإنكاره.
وانظر قول السمنية في: الفصول 1/ 284، والمنخول ص 235، والمستصفى 1/ 132، والمحصول 2/ 1/ 324، والإحكام للآمدي 2/ 15، والعدة 3/ 841، ومختصر ابن الحاجب 2/ 52، والإبهاج 2/ 314.
وانظر نسبة القول للبراهمة في: العدة 3/ 841، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 15، والإحكام للآمدي 2/ 15، والتبصرة ص 291.
(3) عبارة ز هكذا: "وهي طائفة من أهل الهندانة قالوا: وكثير ما يجزم".
(4) "مما يجزم" في الأصل.
(5) "ليكشف" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 350، والمسطاسي ص 97.
(7) "لان" في ز.
(8) "تقول" في ز.
(5/31)

مجموعهم أسود.
أجيب عن الأول: أن تلك الصور التي ينكشف الأمر فيها بخلافه لم يحصل فيها العلم، والذي يحصل فيها هو الاعتقاد (1)، ولو حصل فيها العلم لما انكشف الأمر بخلافه، ونحن لا ندعي حصول العلم في جميع الصور بل ادعينا أنه قد يحصل وذلك لا ينافي عدم حصوله في كثير من الصور (2).
وأجيب عن الثاني: بأن من الأحكام ما لا يثبت إلا للمجموع دون الآحاد ومنها ما لا يثبت إلا للآحاد دون المجموع.
فمثال (3) الأول: إشباع مجموع (4) اللقم من الطعام، وإرواء مجموع (5)
__________
(1) هذا الكلام يصح بناء على القول بأن الاعتقاد اسم لجنس الفعل على أي وجه وقع اعتقاده، وهذا خلاف الأصل، إذ الأصل فيه أنه مشبه بعقد الحبل، فالعالم بالشيء على ما هو عليه كالعاقد المحكم لا عقده. وعلى هذا يكون العلم أعم من الاعتقاد فكل معتقد عالم ولا عكس. ولذلك أيضًا أطلق بعضهم على الاعتقاد اسم العلم اليقيني. ومن هذا الباب تسمية العقائد بهذا الاسم لعقد القلب عليها وجزم المعتقد بها.
وقالوا في العلم: هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة.
انظر: الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص 73 و85، واللسان مادة: "عقد".
(2) انظر هذا الجواب في: شرح القرافي ص 350، والمسطاسي ص 97، 98.
وفي سياق هذا الجواب نظر، لأن تخلف صورة عن القاعدة يبطلها، فلو قال إن عدم وجود العلم في الصور المدعاة سببه تخلف شروط التواتر الذي لا ندعي إفادته العلم إلا بعد توفرها.
(3) "ومثال" في ز.
(4) "الشنيع بمجموع" في ز.
(5) "والإرواء بمجموع" في ز.
(5/32)

القطرات من الماء، وغلبة مجموع الجيش للعدو، [و] (1) ما أشبه ذلك من الأحكام الثابتة للمجموعات دون الآحاد.
ومثال ما يثبت للآحاد دون المجموع: كالألوان، والطعوم، والروائح، فإنه يستحيل ثبوتها إلا للآحاد، وأما المجموعات فإنها أمور ذهنية، والأمور الذهنية لا يمكن أن تقوم بها كيفيات الألوان وغيرها (2).
ومحل النزاع ها هنا هو [من] (3) القسم الأول الذي هو حصول الحكم للمجموع (4)، وليس من القسم الثاني الذي هو حصول الحكم للآحاد، فإنه قد يوجد في المركبات ما ليس في المفردات.
حجة الفرق بين الحاضرات والماضيات (5): أن الماضيات غائبة عن الحس فيتطرق إليها احتمال الخطأ والنسيان؛ ولذلك أن الدول الماضية لم يبق عندنا شيء من أحوالها.
وأما الحاضرات فمعضودة (6) بالحس فبعد (7) (8) تطرق احتمال الخطأ
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) انظر: شرح القرافي ص 350، والمسطاسي ص 98.
(3) ساقط من ز.
(4) "المجموع" في ز.
(5) انظر: المحصول 2/ 1/ 324، والإبهاج 2/ 314، ونهاية السول 3/ 70.
(6) "فمقصودة" في ز.
(7) "فبعدت" في ز.
(8) "عن" زيادة في ز.
(5/33)

والنسيان إليها (1).
قال المؤلف: الجواب عنه: أن حصول الفرق (2) لا يمنع من الاشتراك في الحكم، ويدل عليه ما قدمناه من حصول العلم بالدول (3) الماضية والبلدان الغائبة فبطل ما تعلقوا به (4).
قوله: (والعلم الحاصل منه ضروري عند الجمهور (5)، خلافًا لأبي الحسين البصري (6) وإِمام الحرمين (7) والغزالي) (8) (9) (10).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 351، والمسطاسي ص 98.
(2) "الفرض" في ز.
(3) "الدولة" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 351، وانظر: المسطاسي ص 98.
(5) انظر رأي الجمهور في: التبصرة ص 293، واللمع ص 208، والفصول 1/ 286، والوصول 2/ 141، والمحصول 2/ 1/ 328، والمعالم ص 237، والإحكام للآمدي 2/ 18، والإبهاج 2/ 315، والعدة 3/ 847، والوجيز للكرماستي ص 144، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 22، ومختصر ابن الحاجب 2/ 53، وشرح القرافي ص 351، والمسطاسي ص 98.
(6) "الحسن البصري" في الأصل وز.
وانظر: المعتمد 2/ 552، والوصول 2/ 341.
(7) انظر: البرهان فقرة 509.
(8) انظر: المنخول 237.
(9) أصل هذا القول لأبي القاسم البلخي المعروف بالكعبي تابعه عليه أبو الحسين البصري، وقد تابعه أيضًا الجويني والغزالي أوَّلا كلامه كما سيأتي في حجج هذا القول. وقد قال بهذا القول أبو بكر الدقاق كما في: التبصرة ص 293.
وانظر: اللمع ص 208، والمعتمد 2/ 552، والبرهان فقرة 509، والمنخول ص 236، والوصول 2/ 141، والمستصفى 1/ 132، والمحصول 2/ 1/ 328، 329، والإحكام للآمدي 2/ 18، والمعالم ص 237، والإبهاج 2/ 315، والعدة 3/ 847، والتمهيد 3/ 23، ومختصر ابن الحاجب 2/ 53، والوجيز للكرماستي ص 144، والمسطاسي ص 98.
(10) يوجد قول ثالث بالوقف ينسب للشريف المرتضى واختاره الآمدي.
انظر: المحصول 2/ 1/ 331، والإحكام للآمدي 2/ 19، 23، والإبهاج 2/ 316.
(5/34)

ش: هذه مسألة رابعة.
حجة الجمهور: أنا نجد العلم التواتري (1) يحصل (2) للصبيان والنسوان (3)، ومن ليس له أهلية النظر، فلو (4) كان نظريًا لما حصل (5) إلا لمن له أهلية النظر (6).
حجة القول بأنه نظري: أن السامع إذا توهم التهمة (7) من المخبرين فيما أخبروا (8) به لم يحصل له العلم، وإذا لم يتوهم ذلك حصل له العلم، وإذا علم أن المخبرين من أهل الديانة (9) والصدق حصل له العلم بالعدد اليسير منهم، وإذا علم أن المخبرين من أهل الفسق والكذب لم يحصل [له] (10) العلم بإخبار العدد الكثير منهم، فإذا كان العلم يتوقف حصوله على ثبوت أسباب وشروط (11) وانتفاء موانع (12)، فلا بد من النظر في تلك الأسباب والشروط،
__________
(1) "التواتر" في ز.
(2) فوق هذه الكلمة علق ناسخ الأصل كلمة: العلم، ولم أر الكلام محتاجًا إليها، فيحتمل أنه وضعها للتوضيح.
(3) "وانستون" في ز.
(4) "ولو" في ز.
(5) "فلا يحصل" في الأصل.
(6) انظر: شرح القرافي ص 351، والمسطاسي ص 98.
(7) "التهمية" في ز.
(8) "خبروا" في الأصل.
(9) "الديانات" في ز.
(10) ساقط من ز.
(11) "الشروط" في الأصل.
(12) "مانع" في ز.
(5/35)

وانتفاء [تلك] (1) الموانع، وما توقف على النظر (2) فهو نظري (3) (4).
أجيب عن هذا: بأنه صحيح، ولكن تلك المقدمات حاصلة في أوائل الفكرة (5) ولا يحتاج في العلم الحاصل عنها/ 273/ إلى كبير تأمل ولا يقال في العلم إنه نظري إلا إذا كان لا يحصل إلا لمن له أهلية النظر، وقد بينا أن الأمر ليس كذلك (6).
قوله: (والأربعة لا تفيد العلم، قاله (7) القاضي أبو بكر، وتوقف في الخمسة (8)، قال (9) فخر الدين: والحق أن عددهم غير محصور خلافًا لمن حصرهم في
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "نظري" في الأصل.
(3) هذا ما جعل الجويني والغزالي يصرحان بأن الخلاف مع الكعبي لفظي، ويختاران ما اختاره، فالجويني نزل قوله على النظر في ثبوت إيالة جامعة وانتفائها، والغزالي في المنخول نزل قوله على النظر في القرائن ثم حصول العلم الضروري بعد الاطلاع عليها، وفي المستصفى أوَّله على أن المقصود بالنظر حصول مقدمتين: إحداهما: أن أهل التواتر لا يجمعون إلا على الصدق لكثرتهم واختلاف أحوالهم. والثانية: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة. وبعد هاتين المقدمتين يحصل العلم الضروري.
انظر: البرهان فقرة 509، والمنخول ص 238، والمستصفى 1/ 133، والإبهاج 2/ 315، 316.
(4) انظر الدليل في: شرح القرافي ص 351، والمسطاسي ص 98.
(5) "الفطرة" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 351، والمسطاسي ص 98.
(7) "قال" في ز.
(8) انظر رأي القاضي في: البرهان فقرة 496، والمنخول ص 240، 241، والمحصول 2/ 1/ 370.
(9) "الإمام" زيادة في خ وش.
(5/36)

اثني (1) عشرة عدة (2) نقباء موسى عليه السلام (3) أو عشرين (4) عند أبي الهذيل لقوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (5) أو أربعين لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (6) وكانوا حينئذ أربعين، أو سبعين عدد المختارين (7) من قوم موسى عليه السلام (8)، أو ثلاثمائة عدد أهل بدر، أو عشرة عدد [أهل] (9) بيعة (10) الرضوان).
ش: هذه مسألة خامسة: وهي هل عدد التواتر محصور أو غير محصور؟
__________
(1) "اثنا" في الأصل.
(2) "عدد" في ش وز.
(3) النقيب العريف، وكان الله أمر موسى عليه السلام بأن يقيم نقباء من كل سبط نقيب، أي: عريف على قومه بالمبايعة والسمع والطاعة، وكان ذلك عندما توجه موسى لقتال الجبابرة كما روي عن ابن عباس. انظر كلام الشوشاوي الآتي بعد قليل، وانظر: القاموس المحيط مادة "نقب"، وتفسير ابن كثير 2/ 32.
(4) "العشرين" في ش.
(5) الأنفال: 65.
(6) الأنفال: 64.
(7) "عدد عند المختار" في أ.
(8) هم المذكورون في قوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبعينَ رَجُلاً لّميقَاتنا} [الأعراف: 155]، وقد اختارهم موسى من خيار بني إسرائيل للاعتذار من عبادة العجل. انظر: تفسير ابن كثير 2/ 249.
(9) ساقط من نسخ المتن.
(10) كذا في نسخ المتن الثلاث ونسختي الشرح، حيث جعل ما بعد العشرة تفسيرًا لها، ولم أجد هذا في شيء من كتب الأصول التي رجعت إليها، بل وجدت أنهما قولان: أولهما: أن يكونوا عشرة، ذكره في فواتح الرحموت 2/ 117، ونسبه حلولو في شرحه ص 298، والشوكاني في الإرشاد ص 47 للإصطخري. والقول الآخر أن يبلغوا عدد أهل بيعة الرضوان، ذكره في المحصول 2/ 1/ 380، والبرهان فقرة 495، والإبهاج 2/ 323. وعدد أهل بيعة الرضوان على القول الراجح ألف وأربعمائة. انظر: السيرة لابن هشام 2/ 309، والفصول لابن كثير ص 163، وجوامع السيرة ص 207، وانظر استدراك المسطاسي حول هذه النقطة في شرحه ص 100.
(5/37)

ذكر المؤلف فيه ها هنا ثمانية أقوال:
أحدها: وهو أصحها أنه غير محصور (1).
الثاني (2): الزائد على الخمسة (3)، الثالث: عشرة (4)، الرابع (5): اثنا (6) عشر (7)، الخامس: عشرون (8)، السادس: أربعون (9)، السابع: سبعون (10)، الثامن: ثلاثمائة (11).
__________
(1) هذا أشهر الأقوال وهو قول جمهور الأصوليين، وانظره في: التبصرة ص 295، والفصول 1/ 297، والإحكام لابن حزم 1/ 96، والوصول 2/ 147، والمحصول 2/ 1/ 377، والمعالم ص 237، والعدة 3/ 855، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 28، والإحكام للآمدي 2/ 27.
(2) "والثاني" في ز.
(3) هذا القول محكي عن القاضي، وقد تقدم ذكر مصادره. وحكاه الشيرازي في التبصرة عن الجبائي/ 295، وانظر: الإحكام لابن حزم 1/ 94.
(4) انظر: فواتح الرحموت 2/ 117، وإرشاد الفحول ص 47.
(5) "الرابعة" في ز.
(6) "اثني" في الأصل.
(7) انظر: التبصرة ص 295، واللمع ص 209، والوصول 2/ 147، والعدة 3/ 856.
(8) انظر: المعتمد 2/ 565، والإحكام لابن حزم 1/ 94، والإحكام للآمدي 2/ 26، والمحصول 2/ 1/ 378.
(9) انظر: البرهان فقرة 495، والمنخول ص 241، والمحصول 2/ 1/ 379.
(10) انظر: التبصرة ص 295، والمعتمد 2/ 565، والبرهان فقرة 495، والعدة 3/ 857.
(11) وقيل: ثلاثمائة وبضع عشرة رجلاً، انظر: التبصرة ص 295، والإحكام لابن حزم 1/ 94، والعدة 3/ 857.
(5/38)

قوله: نقباء موسى [عليه السلام وهم] (1) الذين أرسلهم موسى عليه السلام ليستخبروا (2) له (3) بلاد الجبارين [بالشام] (4) وهم اثنا عشر رجلاً (5) عدد الأسباط، لأنه جعل على كل سبط نقيبًا (6)، والنقيب (7) معناه الأمين، [وسمي نقيبًا] (8) لأنه ينقب على أحوال قومه (9).
وإنما جزم القاضي رحمه الله بأن الأربعة لا تفيد العلم، لاحتياج تزكيتهم في الزنا، فلو كان (10) خبر الأربعة (11) يفيد العلم لما احتاج الأربعة في الزنا إلى التزكية، وذلك خلاف الإجماع.
وإنما توقف في الخمسة لاحتمال حصول العلم بخبرهم.
وظاهر كلام القاضي رحمه الله أن العدد بما هو عدد هو مدرك العلم، وفيه نظر، بل (12) الحق (13) أن القرائن لا بد منها مع الخبر فقد يمكن
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "ليستخبرون" في ز.
(3) "به" في الأصل.
(4) ساقط من ز ومكانها بياض.
(5) "على" زيادة في ز.
(6) انظر: تفسير ابن كثير 2/ 32.
(7) "النقيب" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) انظر: اللسان مادة نقب.
(10) "فلذلك لو كان" في ز.
(11) "الآية" في الأصل.
(12) "وفيه تطويل" في ز بدلاً من قوله: "وفيه نظر، بل".
(13) "الخد" في ز.
(5/39)

حصول القرائن مع الأربعة فيفيد خبرهم العلم (1).
وهذه المذاهب المشترطة (2) عددًا معينًا فمدركها أن تلك الرتبة (3) من العدد وصفت بمنقبة حسنة، فجعل ذلك سببًا لأن تحصل لذلك العدد منقبة (4) أخرى وهو حصول العلم بخبرهم.
قال المؤلف في الشرح: وهذا غير لازم لأن الفضائل لا يلزم فيها التلازم، فقد يحصل العلم بقول الكفار أحيانًا، ولا يحصل بقول الأخيار أحيانًا، بل الضابط: حصول العلم، فإذا (5) حصل العلم بعدد فذلك العدد هو عدد التواتر (6).
قوله: (وهو ينقسم إِلى اللفظي وهو أن تقع الشركة (7) بين ذلك العدد في اللفظ المروي، والمعنوي وهو وقوع الاشتراك في معنى عام كشجاعة علي وسخاء (8) حاتم).
ش: هذه مسألة سادسة، وهي تقسيم (9) الخبر المتواتر إلى اللفظي والمعنوي (10).
ومعنى اللفظي: اشتراك المخبرين في اللفظ.
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 352.
(2) "المشرطة" في الأصل.
(3) "المرتبة" في ز.
(4) "متقبة" في ز.
(5) "فمتى" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 352.
(7) "المشترك" في ش، وفي التعليق: "الشركة" في نسخة خطية.
(8) "وسخاوة" في ز.
(9) "تنقسم" في ز.
(10) انظر: اللمع ص 208، نهاية السول 3/ 87، والمسطاسي ص 100.
(5/40)

ومعنى المعنوي: اشتراك المخبرين في المعنى (1).
فمثال التواتر اللفظي: كما نقول (2) في القرآن العظيم: إنه متواتر، [أي] (3) كل لفظ منه اشترك فيها العدد الناقلون للقرآن (4).
وكذلك دمشق (5) وبغداد، أي جميع المخبرين نطقوا بهذا اللفظ.
ومثال التواتر المعنوي: كشجاعة علي وسخاء (6) حاتم، فلم تقع الشركة في اللفظ وإنما وقعت في المعنى.
كما يروى أن عليًا قتل ألفًا في الغزوة (7) الفلانية، وقتل كذا وكذا في غزوة أخرى، وتروى قصص أخرى بألفاظ أخرى يدل مجموعها على شجاعته، وذلك بألفاظ (8) مختلفة ولكن معنى جميعها واحد وهو الشجاعة.
فشجاعة علي رضي الله عنه ثابتة بالتواتر المعنوي.
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 1/ 383، والإحكام للآمدي 2/ 30، والإبهاج 2/ 324، ومختصر ابن الحاجب 2/ 55، وفواتح الرحموت 2/ 119، والوجيز للكرماستي ص 145، وشرح القرافي ص 353.
(2) "تقول" في ز.
(3) ساقط من الأصل.
(4) "للقراءات" في الأصل.
(5) "ذي مشق" في ز.
(6) "وسخاوة" في ز.
(7) "الغزاوة" في ز.
(8) "بالفظ" في الأصل.
(5/41)

وكذلك سخاء حاتم، كما يروى (1) أنه أعطى مائة ناقة، وأعطى ألف دينار، وأعطى كذا وكذا، وأضاف كذا وكذا، [وذلك] (2) بألفاظ مختلفة ولكن (3) يدل مجموعها على معنى واحد وهو السخاء، فسخاء حاتم ثابت بالتواتر المعنوي.
قوله: (وشرطه على الإِطلاق إِن (4) كان الخبر لنا غير المباشر استواء الطرفين والواسطة، وإِن كان المباشر فيكون المخبر عنه محسوسًا، فإِن الإِخبار عن العقليات لا يحصل العلم).
ش: هذه مسألة سابعة، وهي شرط التواتر.
قال المؤلف في شرحه: التواتر له أربع حالات وهي:
إما طرف واحد، وإما طرفان، وإما طرفان وواسطة، وإما طرفان ووسائط.
فمعنى طرف واحد: إذا كان المخبر لنا هو المباشر لسماعه (5) من رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
ومعنى طرفان: إذا كان المخبر لنا ناقلاً عن المباشر.
ومعنى طرفان وواسطة: إذا كان المخبر لنا ناقلاً عن الناقل المباشر،
__________
(1) "روى" في ز.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "ولا كل" في الأصل.
(4) "وان" في ز.
(5) "سماعه" في ز.
(5/42)

فهم ثلاث طوائف (1).
ومعنى طرفان ووسائط: إذا تعددت الوسائط بيننا وبين الناقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما نقول في القرآن العظيم، فإن سامعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقله عنه وسائط وقرون متعددة حتى انتهى إلينا (2).
قوله: (وشرطه على الإِطلاق)، أي كان لفظيًا أو معنويًا.
قوله: (إِن كان الخبر لنا غير الباشر)، أي: غير مباشر السماع (3) من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: (استواء الطرفين (4) والواسطة)، يعني استواءهم (5) في الشرطين اللذين أشار إليهما المؤلف في حد التواتر، وهما (6) أن يكون كل طائفة يستحيل تواطؤهم (7) على الكذب عادة، [وأن يكون المخبر عنه أمرًا محسوسًا] (8) (9).
__________
(1) "ثلاثة طرائف" في الأصل.
(2) انظر: شرح القرافي ص 353، وانظر: المسطاسي ص 100.
(3) "للسماع" في الأصل.
(4) "اطرفين" في الأصل.
(5) "استويهم" في ز.
(6) "وهو" في الأصل.
(7) "تواطيهم" في ز.
(8) ساقط من الأصل.
(9) انظر هذه الشروط وغيرها من شروط المتواتر في: اللمع ص 209، والفصول 1/ 289، والمعتمد 2/ 558، 561، والبرهان فقرة 513، والمنخول ص 243، والمستصفى 1/ 134، والمعالم ص 236، وفواتح الرحموت 2/ 115، 116، =
(5/43)

قوله: (وإِن كان المباشر فيكون المخبر عنه محسوسًا)، أي [و] (1) إن كان المخبر لنا هو مباشر السماع (2) من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيشترط فيه أن يكون المخبر عنه أمرًا محسوسًا.
ظاهر هذا يوهم أن كونه محسوسًا خاص (3) بخبر المباشر، وليس الأمر كذلك، بل هذا الشرط (4) مشروط في جميع أنواع التواتر، وظاهره أيضًا [أنه] (5) لا يشترط في المباشر/ 274/ إلا هذا، وليس كذلك، بل يشترط فيه استحالة التواطئ على الكذب عادة (6).
قوله: (فإِن الإِخبار عن العقليات لا يحصل العلم)، كحدوث العالم؛ فإن المعتمد عليه في ذلك إنما هو الدليل العقلي لا الخبر (7).
...
__________
= والإبهاج 2/ 318، 319، 324، والوجيز للكرماستي ص 145، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 31، وروضة الناظر ص 97، ومختصر ابن الحاجب 2/ 53، وشرح القرافي ص 353.
(1) ساقط من ز.
(2) "المباشر للسامع" في الأصل، وقد عدلت في الهامش إلى: "مباشر سماع"، والمثبت من ز.
(3) "حاضرا" في ز.
(4) "شرط" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: المسطاسي ص 100.
(7) "الخبري" في ز.
(5/44)

الفصل الثالث في الطرق (1) المحصلة للعلم غير التواتر (2)
ش: يريد الأشياء المحصلة للعلم بالمخبر عنه، ولم يرد الأشياء المحصلة للعلم مطلقًا، لأن العلم قد يحصل بغير ما ذكر ها هنا كالتجريبيات والحدسيات.
مثال التجريبيات: كحلاوة العسل ومرارة الحنظل وغير ذلك مما يعلم بالتجريب.
ومثال الحدسيات: كجودة الفضة والذهب ورداءتهما، ونضج الفاكهة وعدم نضجها وغير ذلك بما يعلم بالحدس والتخمين، وذلك أن العلم سبعة أقسام (3) وهي: الضروري، والنظري، والحسي، والتواتري، والتجريبي، والحدسي، والوجداني، وقد تقدم بيان ذلك في الباب الأول في الفصل الثاني عشر: في حكم العقل بأمر على أمر (4).
__________
(1) "الصرق" في ز.
(2) بدأ ناسخ ز في سرد المتن ثم عاد للشرح كعادته.
(3) انظر أقسام العلم في: المستصفى 1/ 44، 45، 136، والبرهان فقرة 50، والمواقف للإيجي ص 14 وما بعدها.
(4) انظر: مخطوط الأصل ص 68 وما بعدها، وشرح القرافي ص 63.
(5/45)

قوله: غير التواتر (1)، [لأن التواتر] (2) قد تقدم أنه يفيد العلم ضرورة عند الجمهور.
وذلك أن الخبر محصور في ثلاثة (3):
إما خبر عن واجب، وإما خبر عن مستحيل، وإما خبر عن جائز.
فأما الخبر عن الواجب فلا يكون إلا صدقًا، وصدقه يعلم (4) بالضرورة، وقد يعلم بالنظر (5).
مثال ما علم صدقه بالضرورة: كقولك: الواحد نصف الاثنين.
ومثال ما علم صدقه بالنظر: كوجود الصانع وحدوث العالم.
وأما الخبر عن المستحيل فلا يكون إلا كذبًا، وكذبه قد يعلم بالضرورة، وقد يعلم بالنظر (6).
مثال ما علم كذبه [بالضرورة] (7): كقولك: الواحد نصف الثلاثة (8) أو نصف العشرة.
ومثال ما علم كذبه بالنظر: كقولك: العالم قديم.
__________
(1) "التأثير" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 95 و101.
(4) عبارة ز: وصدقه قديم علم.
(5) انظر: المعتمد 2/ 546، والبرهان فقرة 517، والمنخول ص 245.
(6) انظر: البرهان فقرة 523.
(7) ساقط من ز.
(8) "الثلاث" في ز.
(5/46)

وأما الخبر عن الجائز فإما أن يكون المخبر معصومًا (1) فلا يكون إلا صدقًا (2) كخبر الله تعالى، وخبر الرسول عليه السلام (3).
وإن كان المخبر غير معصوم، فإما أن يكون تواترًا، أو آحادًا.
فإن كان تواترًا فلا يكون إلا صدقًا (4).
وإن كان آحادًا، فإما أن تقترن به قرائن تفيد العلم أم لا، فإن اقترنت به فهو صدق، وإلا فمحتمل، وسيأتي بيانه في خبر الآحاد [إن شاء الله تعالى] (5).
قوله: (وهي سبعة، كون المخبر (6) عنه معلومًا بالضرورة، أو بالاستدلال (7) أو خبر (8) الله سبحانه، أو خبر (9) الرسول عليه السلام، أو خبر (10) مجموع الأمة، أو الجمع العظيم عن (11) الوجدانيات في أنفسهم (12)،
__________
(1) في ز زيادة ما يلي: "أو غير معصوم فإن كان معصومًا".
(2) "صادقًا" في ز.
(3) انظر: البرهان فقرة 522، والمنخول ص 245.
(4) انظر: البرهان فقرة 518، والمنخول ص 246.
(5) ساقط من ز. وانظر صفحة 276 من مخطوط الأصل، وصفحة 63 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 356.
(6) "الخبر" في ز.
(7) "أو الاستدلال" في نسخ المتن.
(8) "وخبر" في ش.
(9) "وخبر" في ش.
(10) "وخبر" في ش.
(11) "على" في ز.
(12) "نفوسهم" في نسخ المتن.
(5/47)

أو القرائن (1) عند إِمام الحرمين (2) والغزالي (3) والنظام (4) خلافًا للباقين).
ش: قوله: (كون المخبر (5) [عنه] (6) معلومًا بالضرورة) (7)، كقولك: الواحد نصف الاثنين، والواحد ثلث الثلاثة (8).
قوله: (أو بالاستدلال) (9)، كقولك: الواحد سدس عشر الستين لأنك تستدل عليه بالقياس المنظوم من مقدمتين قطعيتين، كقولك: الواحد سدس الستة، والستة عشر الستين [فينتج لك الواحد سدس عشر الستين] (10).
وكذلك قولك: الواحد ربع عشر الأربعين، لأنك تستدل عليه بالمعلوم بالضرورة وهو القياس المنظوم من مقدمتين قطعيتين، كقولك (11): والواحد
__________
(1) "والقرائن" في الأصل، وفي أ: "أو القولين".
(2) انظر: البرهان فقرة 503 - 507 و512، والمحصول 2/ 1/ 400.
(3) انظر: المنخول ص 237 و239 - 240، والمستصفى 1/ 135، والمحصول 2/ 1/ 400.
(4) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 295، والمنخول ص 239 - 240، والمحصول 2/ 1/ 400.
(5) "الخبر" في الأصل.
(6) ساقط من الأصل.
(7) انظر: المعتمد 2/ 546، والبرهان فقرة 517، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 15، والمنخول ص 245، والمحصول 2/ 1/ 387، والمسطاسي ص 101.
(8) "الثلاث" في ز.
(9) انظر: المعتمد 2/ 546، والبرهان فقرة 517، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 15، والمنخول ص 245، والمحصول 2/ 1/ 387، والإبهاج 2/ 310، وشرح القرافي ص 354، والمسطاسي ص 101.
(10) ساقط من ز.
(11) في ز زيادة ما يلي: "الواحد ربع عشر الأربعين لأن".
(5/48)

ربع الأربعة، والأربعة عشر الأربعين، ينتج (1) لك: الواحد ربع عشر الأربعين.
قوله: (أو خبر الله سبحانه) (2)، فإن خبر الله تعالى صدق، لأن ضد (3) الصدق كذب، والكذب نقص، والنقص في حق الله جل جلاله محال.
قوله: (أو خبر الرسول عليه السلام) (4) فإن خبر الرسول عليه السلام صدق؛ لأن المعجزات الظاهرة على يده تدل على صدقه قطعًا.
قوله: (أو خبر مجموع الأمة) (5)، لثبوت العصمة لمجموع الأمة، لقوله عليه السلام: "لا تجتمع أمتي على خطأ" كما تقدم في أدلة (6) الإجماع.
قوله: (أو لجمع العظيم عن الوجدانيات في أنفسهم) (7) ومعنى الوجدانيات هي المشاهدات (8) الباطنية التي يجدها الإنسان في نفسه،
__________
(1) "فينتجي" في ز.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 301، والمستصفى 1/ 141، والمعالم ص 234، والإحكام للآمدي 2/ 12، ومختصر ابن الحاجب 2/ 51، والمعتمد 2/ 547، والمحصول 2/ 1/ 387، وشرح القرافي ص 354، والمسطاسي ص 101.
(3) "اضد" في ز.
(4) انظر: المعتمد 2/ 547، والبرهان فقرة 522، والمنخول ص 245، والإبهاج 2/ 310، وإحكام الفصول 1/ 301، وشرح القرافي ص 354، والمسطاسي ص 101.
(5) انظر: إحكام الفصول 1/ 301، والمعتمد 2/ 547، والبرهان فقرة 522، والمستصفى 1/ 141، والمحصول 2/ 1/ 399، والإحكام للآمدي 2/ 12، ومختصر ابن الحاجب 2/ 51، وشرح القرافي ص 354، والمسطاسي ص 101.
(6) "ازلة" في ز.
(7) انظر: المحصول 2/ 1/ 399، والإبهاج 2/ 311، ونهاية السول 3/ 60، وشرح القرافي ص 354، والمسطاسي ص 101.
(8) "المشاهدة" في ز.
(5/49)

كالجوع، والعطش، واللذة، والألم، والفرح، والغضب، والنشاط، والكسل، وغير ذلك، مثال ذلك: أن يخبر كل واحد من الجمع العظيم على أنه وجد هذا الطعام شهيًا أو كريهًا، فإنا نقطع بأن ذلك الطعام كما أخبروا به؛ لأن متعلق أخبارهم واحد وهو كونه شهيًا أو كريهًا، وإن كنا لا نقطع بما في نفس كل واحد من تلك الشهوة (1)، أو تلك الكراهة؛ لأن كل واحد لم يخبر عما قام بغيره، وإنما أخبر عن شهوة نفسه أو كراهته (2) القائمة به.
ففي كل واحد منهم خبر واحد لا نقطع (3) به، بخلاف متعلق تلك الشهوة أو الكراهة فإنا نقطع به، فإنه واحد كونه شهيًا أو كريهًا.
قوله: (والقرائن) (4) (5).
حجة القول: بأن القرائن تفيد العلم: أن الإنسان إذا أخبر عن مرضه مع اصفرار وجهه وسقم جسمه وغير ذلك من أحواله الموافقة لخبره (6)، فإنا نقطع بصدقه حينئذ (7).
__________
(1) "الشهوات" في ز.
(2) "كراهة" في ز.
(3) "يقطع" في ز.
(4) "أو القرينة" في ز.
(5) انظر: إحكام الفصول 1/ 295، والوصول 2/ 150، والمنخول ص 139، والمحصول 2/ 1/ 400، والمعالم ص 236، والإبهاج 2/ 311، ومختصر ابن الحاجب 2/ 55، وشرح القرافي ص 354، والمسطاسي ص 101.
(6) "بخبره" في ز.
(7) انظر: شرح القرافي ص 354، والمسطاسي ص 101.
(5/50)

حجة القول بأن القرائن لا تفيد العلم: أنا نقطع بموت زيد، ثم ينكشف الأمر بخلاف (1) ذلك، وأنه فعل ذلك خوفًا من سلطان، أو فعل ذلك لغرض آخر (2).
أجيب عن هذا: بأنا لا نسلم أن الحاصل في هذه الصورة هو العلم، بل الحاصل فيها [هو] (3) الاعتقاد الجازم (4)، ونحن لا ندعي أن القرائن تفيد العلم في جميع الصور، بل يحصل العلم في بعضها، [ويحصل الظن في بعضها] (5) ويحصل الاعتقاد في بعضها، ونقطع في بعض الصور بحصول العلم وأن الأمر لا ينكشف بخلافه، ومن أنصف (6) وراجع نفسه وجد الأمر كذلك في كثير من الصور.
نعم [و] (7) في بعض الصور ليست كذلك، ولا نزاع فيه، وإنما النزاع هل يمكن أن يحصل العلم في صورة أم لا؟ فهم ينفونه على الإطلاق ونحن نثبته في بعض الصور، قاله المؤلف (8)، [وبالله التوفيق بمنه] (9)./ 275/
...
__________
(1) "بخلافه" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 355، والمسطاسي ص 102.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر تعليق رقم (1) من صفحة 32 من هذا المجلد.
(5) ساقط من ز.
(6) "انصاف" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 355.
(9) ساقط من ز.
(5/51)

الفصل الرابع في الدال على كذب الخبر
ش: هذا الفصل هو على ضد [ما عليه] (1) الفصل الذي قبله.
قوله: (وهو خمسة، منافاته (2) لما علم بالضرورة، أو النظر، أو الدليل القاطع، أو ما شأنه (3) أن يتواتر (4) [ولم يتواتر] (5) كسقوط المؤذن يوم الجمعة (6) ولم يخبر به إِلا واحد، وكقواعد (7) الشرع، أولهما جميعًا، كالمعجزات، أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقرار (8) الأحاديث فلم يوجد).
ش: قوله: (منافاته لما علم بالضرورة (9)).
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "منافاة" في أ.
(3) "أو فيما شانه" في نسخ المتن.
(4) "أن يكون متواترًا" في نسخ المتن.
(5) ساقط من ز.
(6) "عن المنابر" زيادة في ز.
(7) "أو لقواعد" في خ.
(8) "استقراء" في نسخ المتن.
(9) انظر: المعتمد 2/ 547، والبرهان فقرة 523، والمستصفى 1/ 142، والمحصول 2/ 1/ 413، والمعالم ص 238، والإحكام للآمدي 2/ 12، والإبهاج 2/ 326، ونهاية السول 3/ 88، وشرح القرافي ص 355، والمسطاسي ص 102.
(5/53)

مثال مخالفة الخبر لما علم بالضرورة كقولك: الواحد ليس نصف الاثنين (1).
قوله: (أو النظر) (2)، مثال مخالفة الخبر لما علم بالنظر والاستدلال: قولك: الواحد ليس سُدُس عشر الستين أو الواحد ليس [ربع] (3) عشر الأربعين.
[قوله: (والدليل القاطع)] (4) (5).
مثال مخالفة الخبر لما علم بالدليل القاطع: قولك (6): والشمس ليست بطالعة (7)، ونحن نشاهدها طالعة، لأن الحس دليل قاطع.
قوله: (أو ما شأنه أن يتواتر (8) ولم يتواتر) (9)، هذا رابع، وما
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 355، والمسطاسي ص 102.
(2) انظر: البرهان فقرة 523، والمستصفى 1/ 142، والإحكام للآمدي 2/ 12، والإبهاج 2/ 326، ونهاية السول 3/ 88، وشرح القرافي ص 355، والمسطاسي ص 102.
(3) ساقط من الأصل.
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: المستصفى 1/ 142، والمحصول 2/ 1/ 413، والإحكام للآمدي 2/ 12، وشرح القرافي ص 355، والمسطاسي ص 102.
(6) "قوله" في ز.
(7) "ليس مطالع" في ز.
(8) "أن يكون متواترًا" في ز.
(9) انظر: المعتمد 2/ 547، والبرهان فقرة 523، والمنخول ص 247، والمستصفى 1/ 142، والمحصول 2/ 1/ 414، والمعالم ص 238، والإبهاج 2/ 326، ونهاية السول 3/ 88، والمسطاسي ص 102.
(5/54)

موصولة، أو نكرة [موصوفة] (1)، تقديره على أنها موصولة: أو [كونه] (2) الخبر الذي شأنه أن يتواتر ولم يتواتر (3)، وتقديره على أنها نكرة موصوفة: أو كونه خبرًا شأنه أن يتواتر [ولم يتواتر] (4).
وهذا (5) الذي شأنه أن يتواتر على ثلاثة أقسام:
إما لغرابته (6)، وإما لشرفه، وإما لهما معًا، أي لغرابته وشرفه (7) جميعًا (8).
ومثال ما شأنه أن يكون متواترًا [لغرابته: سقوط المؤذن عن المنار يوم الجمعة (9).
ومثال ما شأنه أن يكون متواترًا] (10) لشرفه: قواعد الشرع، كوجوب الصلاة والزكاة، وتحريم الزنا والخمر، وغير (11) ذلك من قواعد الدين (12).
__________
(1) ساقط من الأصل وفي ز: "موصفة". والصواب المثبت ويشهد له الكلام الآتي في التقدير.
(2) ساقط من ز.
(3) "أو لم تواتر" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) "وهو" في ز.
(6) "الا قرابته" في ز.
(7) "ولشرفه" في ز.
(8) انظر: المعتمد 2/ 547، 548، والمحصول 2/ 1/ 414، وشرح القرافي ص 355.
(9) انظر: شرح القرافي ص 355، والمسطاسي ص 102.
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(11) "ونحو" في ز.
(12) انظر: شرح القرافي ص 355، والمسطاسي ص 102.
(5/55)

ومثال ما شأنه أن يكون متواترًا لغرابته وشرفه: معجزات الرسول عليه السلام، ففيها الغرابة، لأنها من خوارق العادات (1) وفيها الشرف لأنها أصل النبوة (2)، فإذا لم يتواتر شيء من ذلك ولم ينقله إلا واحد فإنه يدل على كذب المخبر (3)، ولكن بشرطين:
أحدهما: أن يحضره جمع كبير.
والثاني: ألا يقوم غيره مقامه في حصول المقصود منه.
فقولنا: أن يحضره جمع (4) كبير، احترازًا من انشقاق القمر (5)
__________
(1) "العادة" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 355، والمسطاسي ص 102.
(3) "الخبر" في ز.
(4) "جميع" في ز.
(5) انشقاق القمر معجزة من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهرت على يديه لإقامة الحجة على الكافرين، وقد كثرت فيها الأحاديث حتى قال بعض العلماء: إنه مما تواتر، فقد روي في ذلك أحاديث عن ابن مسعود وعلي وحذيفة وجبير بن مطعم وأنس وابن عمر وابن عباس روى بعضًا منها البخاري ومسلم، والأمة متفقة على أن الانشقاف حدث في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - شقتين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اشهدوا". أخرجه البخاري في المناقب رقم 3636، وانظر صحيح مسلم في كتاب صفة القيامة الحديث رقم 2800، والترمذي في التفسير رقم 3285.
وقد ورد حديث أنس أن ذلك كان بمكة وفيه: "أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر" أخرجه البخاري برقم 3637 في المناقب، وانظر مسلم رقم 2802، في كتاب صفات المنافقين، والترمذي رقم 3286 في التفسير. وانظر روايات أخرى للحديث في البخاري برقم 3638 عن ابن عباس في المناقب، وفي مسلم عنه أيضًا برقم 2803 في صفات المنافقين، وانظر مسلم أيضًا رقم 2801 عن ابن عمر، وعنه أيضًا في الترمذي برقم 3288.
وانظر: تفسير ابن كثير 4/ 261 وما بعدها، وتفسير أبي حيان 8/ 173 وما بعدها، وفتح الباري 6/ 632.
(5/56)

فإنه (1) لم يحضره عدد التواتر لأنه وقع في الليل.
وقولنا: ألا يقوم غيره مقامه، احترازًا من بقية معجزات الرسول عليه السلام، كتكثير القليل (2)، ونطق العجماء (3)، ونبع الماء من بين أصابعه (4)
__________
(1) "بأنه" في ز.
(2) ورد في هذا أحاديث كثيرة أذكر نماذج منها:
أ - حديث جابر وقصة دعوته النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى طعام صنعه له في أثناء غزوة الخندق، وكان عناقًا وبعض شعير فأكل منها أهل الخندق وبقي بعدهم بقية، وذلك ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد أخرجه البخاري في المغازي برقم 4101، وأخرجه مسلم في الأشربة برقم 2039، والدارمي في المقدمة 1/ 20، وأحمد في المسند 3/ 377.
ب - حديث أنس في طعام أبي طلحة وأم سليم في غزوة الخندق أيضًا، وقد أخرجه البخاري في المناقب رقم 3578، والترمذي في المناقب رقم 3630، والدارمي 1/ 22.
ج - حديث عكة أم مالك التي كانت تهدي فيها للنبي - صلى الله عليه وسلم - سمنًا، وكانت كلما التمست سمنًا وجدت فيها، فلما عصرتها قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو تركتيها مازال فائمًا". وقد أخرجه مسلم في الفضائل عن جابر برقم 2280.
(3) أحاديث نطق العجماء كثيرة، أشهرها حديث حنين الجذع الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب عليه، فلما اتخذ المنبر صاح حتى كاد أن ينشق فضمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سكن، أخرجه البخاري في كتاب المناقب عن ابن عمر برقم 3583، وعن جابر برقم 3584، وأخرجه الترمذي في المناقب عن أنس برقم 3627، وأخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة عن جابر برقم 1417، وعن أنس برقم 1415، وعن أبي بن كعب برقم 1414، وأخرجه الدارمي عن ابن عمر 1/ 15، وعن جابر 1/ 17، وأخرجه أحمد في المسند 5/ 137. ومنها حديث تسبيح الطعام وهو يؤكل الذي أخرجه البخاري عن ابن مسعود في المناقب برقم 3579، وأخرجه الدارمي 1/ 15.
ومنها الحجر الذي كان يسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، أخرجه الترمذي عن جابر بن سمرة في كتاب المناقب برقم 3624.
(4) نبع الماء بسبب دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءت به أحاديث كثيرة انظرها في البخاري في كتاب المناقب برقم 3571 عن عمران بن حصين، ورقم 3572، و3575 عن =
(5/57)

وغير ذلك من معجزاته عليه السلام، فإنه حضر الجمع العظيم، إلا أن الأمة اكتفت بنقل القرآن وإعجازه عن (1) غيره من معجزاته عليه السلام، فلذلك لم تنقل بالتواتر فنقلت آحادًا مع أن شأنها أن تكون متواترة (2).
قوله: (أو لهما جميعًا)، هذا الضمير يعود على الغرابة والشرف، يدل على ذلك سياق الكلام (3) وإن لم يتقدم لهما ذكر، كقوله تعالى: {كُلّ مَن عَلَيْهَا فَانٍ} (4) [أي على الأرض] (5) وقوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (6) يعني الشمس، تقدير كلام المؤلف: أو ما شأنه أن يتواتر لغرابته كسقوط المؤذن (7) عن المنار (8) يوم الجمعة، أو لشرفه كقواعد الشرع، أو لهما جميعًا كالمعجزات.
قوله: (أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقرار الأحاديث فلم يوجد)، هذا خامس.
__________
= أنس، ورقم 3576 عن جابر، وفي مسلم برقم 2279 عن أنس في كتاب الفضائل، وفي الترمذي برقم 3637 عن أنس في كتاب المناقب، وفي النسائي 1/ 161، عن أنس في كتاب الطهارة، وفي الموطأ 1/ 32 عن أنس في كتاب الطهارة، وفي الدارمي 1/ 14 عن جابر في المقدمة.
(1) "من" في ز.
(2) انظر الشرطين ومحترزاتهما في: شرح القرافي ص 356، والمسطاسي ص 102.
(3) "الكلم" في ز.
(4) الرحمن: 26.
(5) ساقط من الأصل.
(6) سورة (ص): 32.
(7) "المذن" في الأصل.
(8) "المنابر" في ز.
(5/58)

تقديره: أو كونه طلب فلم (1) يوجد، يعني (2): أن الأحاديث بعد (3) استقرارها وتحصيلها في الصدور أو الكتب (4)، إذا طلب حديث ولم يوجد عند الرواة ولا في شيء من كتب الحديث فإنه يدل على كذبه، ولكن بشرط استيعاب الاستقراء (5) بحيث لا يبقى ديوان ولا راوٍ إلا وقد كشف أمره في جميع أقطار الأرض، وذلك متعذر أو متعسر (6).
وأما الكشف في البعض دون البعض فلا يقطع [بكذبه و] (7) عدمه (8)، لاحتمال أن يكون ذلك الحديث في البعض الباقي.
وقد ذكر أبو حازم (9) حديثًا في مجلس هارون الرشيد (10)
__________
(1) "ولم" في ز.
(2) "نعنى" في ز.
(3) "تعد" في ز.
(4) "أو في الكتب" في ز.
(5) "الاستقرار" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 356، والمسطاسي ص 103.
(7) ساقط من ز.
(8) "بعدمه" في ز.
(9) هو سلمة بن دينار المدني المعروف بأبي حازم الأعرج، واعظ زاهد من أقران الزهري بل من شيوخه، أخذ عن سهل بن سعد الساعدي وعن كبار التابعين وعنه خلق من مشاهير التابعين منهم الحمادان والسفيانان، توفي سنة 135 ه.
انظر: تهذيب التهذيب 3/ 143، وتهذيب ابن عساكر 6/ 218، وطبقات خليفة ص 264، والحلية 3/ 229.
(10) أمير المؤمنين هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي، أحد عظماء خلفاء المسلمين الذين دانت لهم معظم الأقطار حتى خاطب السحابة بقوله: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك"، ولد بالري سنة 149 ه، ونشأ في دار الخلافة ببغداد، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه، فازدهرت الدولة في =
(5/59)

بحضرة (1) ابن شهاب الزهري، فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث، فقال له أبو حازم: أكل سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرفتها؟ فقال: لا، فقال (2): أثلثها؟ فقال: لا، فقال [له] (3): أنصفها؟ فسكت فقال له: اجعل هذا في النصف الذي لم تعرفه.
فهذا (4) ابن شهاب مع كثرة حفظه، فما ظنك بغيره؟ (5).
__________
= عهده وسار في الناس سيرة حسنة حتى توفي سنة 193 ه.
انظر: تاريخ بغداد 14/ 5، والشذرات 1/ 334، والبداية والنهاية 1/ 213.
(1) "بمحضرة" في الأصل.
(2) "له" زيادة في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) وهذا في ز.
(5) ذكر هذه القصة القرافي في شرحه ص 356، والمسطاسي ص 103.
وسياق هذه القصة غريب، فإن أبا حازم والزهري لم يدركا عهد الرشيد، إذ توفي أبو حازم سنة 135 ه وابن شهاب توفي سنة 125 ه, أما الرشيد فلم يولد إلا سنة 149 ه, وتوفي سنة 193 ه.
وقد نقل حلولو عن العراقي اعتراضه على القرافي في إيراد هذه القصة.
قال: إنهما ماتا قبل مجيء الدولة العباسية وإنما كان اجتماعهما في مجلس سليمان ابن عبد الملك. اه.
قلت: ولم أجد من ذكرها في ترجمة أبي حازم ولا في ترجمة الزهري.
وقد وجدت قريبًا منها بين الزهري وإسماعيل بن محمد وهي ما رواه البيهقي بسنده إلى إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عمه عامر بن سعد عن أبيه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن يمينه وعن شماله حتى كأني أنظر إلى صفحة خده، فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له إسماعيل بن محمد: أكل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سمعته؟ قال: لا، قال: فثلثه؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ فوقف الزهري عن النصف أو عند الثلث، فقال له إسماعيل: اجعل هذا =
(5/60)

. . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الحديث فيما لم تسمع. اه، انظر: سنن البيهقي 2/ 178. وانظر: زاد المعاد 1/ 260 من تحقيق الأرناؤوط، وإسماعيل من قرناء الزهري حيث توفي سنة 134 ه، ويكنى أبا محمد.
انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد الجزء المتمم لطبقات تابعي أهل المدينة ص 239، وتهذيب التهذيب 1/ 329، والتاريخ الكبير للبخاري 1/ 371، وانظر: شرح حلولو ص 305
(5/61)

الفصل الخامس في خبر الواحد
ش: شرع المؤلف ها هنا في خبر (1) الواحد، أي في حقيقته (2)، والاحتجاج (3) به، وشروطه.
قد تقدم لنا أن الخبر عند المؤلف ثلاثة أقسام (4):
تواتر، وآحاد، وما ليس بتواتر ولا آحاد، وهو خبر (5) الواحد إذا احتفت (6) به القرائن حتى يفيد (7) العلم، فإنه ليس بتواتر لعدم العدد، وليس بآحاد لإفادته العلم؛ إذ خبر الآحاد يفيد الظن ولا يفيد العلم (8).
__________
(1) "الخبر" في الأصل.
(2) في ز: "حقيقة خبر الواحد".
(3) "والاحتياج" في ز.
(4) انظر: مخطوط الأصل صفحة 272، وانظر صفحة 25 من هذا المجلد في أول الفصل الثاني في التواتر.
(5) "المنفرد" زيادة في ز.
(6) "اختلف" في ز.
(7) "افاد" في ز.
(8) "الظن" في ز.
(5/63)

مثاله: إذا أخبر (1) واحد بأن فلانًا (2) المريض مات، وسمعت النياحة، قال المؤلف في شرحه (3): هذا القسم الثالث لا أعلم له اسمًا في الاصطلاح (4).
قال بعضهم: هذا القسم الثالث الذي زاده المؤلف فيه نظر، لاندراجه في خبر الآحاد، لأن الأصوليين كلهم يقولون: الخبر على قسمين: تواتر، وآحاد.
فالتواتر: خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بصدقه.
وخبر الآحاد: ما لم ينته إلى التواتر، كما قاله (5) ابن الحاجب فيهما (6).
وقولنا: ما لم ينته إلى التواتر، يندرج فيه [خبر] (7) الواحد المنفرد إذا احتفت (8) به القرائن المفيدة للعلم.
والصحيح أن الخبر على قسمين: تواتر، وآحاد خاصة، كما قاله غير واحد كابن الحاجب وغيره (9)، وكون الخبر (10) المنفرد يفيد العلم بالقرائن لا
__________
(1) "خبر" في ز.
(2) "فلان" في الأصل.
(3) "الشرح" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 349.
(5) "قال" في ز.
(6) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 51 و55.
(7) ساقط من ز.
(8) "اختلف" في ز.
(9) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 51، والبرهان فقرة 518 و537، وإحكام الفصول للباجي 1/ 301، والإحكام لابن حزم 1/ 93.
(10) "الخبر" في ز.
(5/64)

يخرجه ذلك عن خبر الآحاد (1)، لأن مورد التقسيم إنما هو الخبر من حيث هو خبر، أي باعتبار نفسه لا باعتبار القرائن.
ومنهم من زاد قسمًا رابعًا وهو الخبر/ 276/ المستفيض وهو: ما زادت نقلته على ثلاثة، قاله ابن الحاجب (2) (3).
__________
(1) قال الباجي في إحكام الفصول: أخبار الآحاد تنقسم إلى قسمين: قسم لا يقع به العلم، وقسم يقع به العلم، وهو ستة أضرب، ثم عدها، فراجع: إحكام الفصول 1/ 301، وقد قال بإيجاب خبر الواحد المحتف بالقرائن العلم جماعة من كبار الأصوليين ولم يخرجوه من خبر الواحد كما فعل الغزالي في المستصفى 1/ 136، وإمام الحرمين في البرهان فقرة 504 و505، والآمدي في الإحكام 2/ 32.
ومثل هذا قول من قال بأن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يوجب العلم، وهو قول كثير من الحنابلة، ونقله الجويني عن ابن فورك، وبه قال الباجي وبعض المالكية، ولم يخرجه هؤلاء عن كونه خبر واحد. انظر البرهان فقرة 520، وإحكام الفصول للباجي 1/ 291 و302، وانظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة 2/ 362، ونقل حلولو في شرحه صفحة 305 عن الفهري أنه قال: خبر الواحد إذا أفاد العلم فليس من الآحاد اصطلاحًا، لأن اصطلاحهم خاص بما لا يفيد العلم فهو على خلاف اللغة طردًا وعكسًا.
(2) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 55.
ونقل في البرهان فقرة 519، عن أبي إسحاق أنه جعل المستفيض قسمًا ثالثًا، قال: ومثله ما يتفق عليه أئمة الحديث، ونقله حلولو في شرحه ص 306 عن الأستاذ أبي إسحاق وابن فورك وجماعة، وانظر: الإحكام للآمدي 2/ 31، وتيسير التحرير 3/ 37.
(3) المشهور عند الحنفية أن الأخبار ثلاثة: متواتر، وآحاد، ومشهور، ويعنون به: ما كان من الآحاد في الأصل ثم تواتر في العصر الثاني أو الثالث، وعند عامتهم أنه قسيم للمتواتر، والجصاص يجعله قسمًا من المتواتر. انظر: المغني للخبازي ص 192، وتيسير التحرير 3/ 37، وأصول الجصاص لوحة 163/ أ، و167/ ب، 168/ ب.
(5/65)

قوله: (وهو (1) خبر العدل (2) أو العدول المفيد للظن).
ش (3): احترز بالعدل من الفاسق (4).
قوله: (أو العدول) ليندرج (5) خبر الجماعة المفيد للظن (6).
قوله: (المفيد للظن) راجع إلى العدل والعدول، احترازًا من خبر العدل المفيد للعلم بالقرائن، فإنه ليس بخبر الواحد عند المؤلف كما تقدم (7).
واحترز بقوله: المفيد للظن أيضًا، من خبر العدول المفيد للعلم (8) فإنه من التواتر لا من الآحاد (9).
قوله: المفيد للظن، احترازًا من خبر العدل [أو العدول] (10) المفيد للشك فلا عبرة بالشك (11).
__________
(1) "وهذا" في ز.
(2) "الواحد" زيادة في ش.
(3) "قوله" زيادة في ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 103.
(5) "فيندرج" في ز.
(6) انظر: المسطاسي ص 103.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 103.
(8) في ز: زيادة ما يلي: "بالقرائن فإنه ليس بخبر الواحد عند المؤلف كما تقدم، واحترز بقوله المفيد للظن أيضًا من خبر العدول المفيد للعلم" اه.
ويبدو أنه تكرار للعبارة السابقة.
(9) انظر: شرح المسطاسي ص 103.
(10) ساقط من ز.
(11) انظر: شرح المسطاسي ص 103.
(5/66)

قال المؤلف في شرحه: كون خبر الجماعة إذا أفاد الظن يسمى (1) خبر الواحد، هو اصطلاح (2) لا لغة، انتهى [نصه] (3) (4).
وذلك أن خبر الواحد في اللغة إنما هو خبر إنسان واحد أعم من أن يكون عدلاً أو فاسقًا، وهو أعم من أن يفيد علمًا أو ظنًا أو شكًا (5).
قوله: (وهو عند مالك رحمه الله وعند أصحابه حجة.
[واتفقوا على جواز العمل به في الدنيويات، والفتوى، والشهادات.
والخلاف إِنما هو في كونه حجة] (6) في حق المجتهدين، فالأكثرون على أنه حجة لمبادرة الصحابة رضي الله عنهم إِلى العمل به).
ش: اختلف العلماء: هل يجوز التعبد بخبر الواحد عقلاً أو لا يجوز؟
ومذهب الجمهور جوازه، فإذا قلنا بمنعه، فقيل: يمتنع عقلاً، وقيل: يمتنع سمعًا، فإذا قلنا بجوازه، هل (7) يجب (8) العمل به أو لا يجب؟ (8).
مذهب (9) الجمهور وجوبه، فإذا قلنا بوجوب العمل به، فاختلفوا هل
__________
(1) "سمي" في ز.
(2) "اصطلاحى" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 357.
(5) انظر: جامع الأصول لابن الأثير 1/ 124.
(6) ساقط من ز.
(7) "فهل" في ز.
(8) "يجوز" في ز.
(9) "ومذهب" في ز.
(5/67)

يجب العمل به مطلقًا أو لا بد من زيادة؟ ومذهب (1) الجمهور وجوب العمل به مطلقًا من غير زيادة.
فإذا قلنا بالزيادة، فاختلفوا، فقيل: لا بد أن يكون هنالك ما يقويه، وقيل: لا بد أن يرويه اثنان (2)، وقيل: لا بد أن يرويه اثنان إلا فيما يتعلق بالزنا فلا بد أن يرويه أربعة، قاله عبد الجبار من المعتزلة (3)، وقيل: لا بد أن يرويه أربعة في كل شيء، قاله غيره من المعتزلة (4).
قوله: (وهو عند مالك رحمه الله وعند أصحابه حجة).
قال المؤلف في شرحه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن خبر الواحد حجة (5)، ......
__________
(1) "وهذا هو" في ز.
(2) "مطلقًا" زيادة في ز.
(3) نسبه له ابن السبكي في جمع الجوامع 2/ 137، وقد ذكر أبو الحسين في المعتمد 2/ 622، أن القاضي عبد الجبار حكى هذا القول في الشرح عن أبي علي الجبائي. اه. وقد نسبه إلى الجبائي أبو الخطاب في التمهيد 3/ 75، وابن الحاجب في مختصره 2/ 68، والصواب نسبته إلى الجبائي كما سيأتي في الفصل السابع. وانظر: شرح القرافي ص 357، والمسطاسي ص 103.
(4) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 308، وقد ذكره الشيرازي في التبصرة ص 312 دون نسبة، وكذا صنع صاحب الإبهاج 2/ 360 نقلاً عن جامع الأصول لابن الأثير 1/ 70، ونسبه المسطاسي في شرحه ص 103 إلى المعتزلة ولعله مصدر المؤلف.
(5) انظر: اللمع ص 215، والتبصرة ص 301، والمعتمد 2/ 573، و622، والمحصول 2/ 1/ 507، والإحكام للآمدي 2/ 45 و51، وشرح العضد 2/ 58، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 35، والروضة ص 100، 101.
(5/68)

وهو مذهب مالك (1)، والشافعي (2)، وأبو حنيفة (3)، وأحمد بن حنبل (4) وغيرهم (5).
وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص: وبه قال الفقهاء والأصوليون خلافًا لبعض المتكلمين (6).
قال الباجي: خالف في ذلك القاساني (7) (8) وغيره من المعتزلة (9).
__________
(1) انظر: مقدمة ابن القصار في أصول الفقه ص 87.
(2) انظر: الرسالة للشافعي ص 401 وما بعدها.
(3) انظر: مذهب الحنفية في المغني للخبازي ص 194، وتيسير التحرير 3/ 82.
(4) انظر: العدة 3/ 859.
(5) انظر: الفقيه والمتفقه للخطيب 1/ 96، والإحكام لابن حزم 1/ 107، والمعتمد 2/ 583، وانظر: شرح القرافي ص 357، والمسطاسي ص 103، وشرح حلولو ص 306.
(6) انظر: شرح القرافي ص 357، والمسطاسي ص 103.
(7) "النسائي" في ز.
(8) القاساني بفتح القاف بعدها ألف ثم سين، وبعضهم يقول: القاشاني بالشين وهما نسبة إلى بلدة قرب قم، وبعضهم يقول: قاسان بالسين المهملة ناحية من نواحي أصفهان تشتمل على قرى منها راوند التي ينسب إليها ابن الراوندي، وقاشان نسبة إلى الناحية المجاورة لقم.
انظر: اللباب لابن الأثير 3/ 7، ومعجم البلدان في قاسان وقاشان من حرف القاف، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص 96، 97.
والمقصود بالقاساني أو القاشاني هنا محمد بن إسحاق، كان من أصحاب داود ثم انتقل إلى مذهب الشافعي وصار رأسًا فيه، له كتاب إثبات القياس في الرد على داود، وكتاب أصول الفتيا، انظر: الفهرست ص 300، وطبقات الفقهاء للشيرازي ص 176، وقيل: بل هو أبو محمد جعفر بن محمد بن القاساني الرازي، كذا ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله في تعليقه على الإحكام للآمدي 4/ 24، وانظر ترجمته في اللباب 3/ 7.
(9) عبارة الباجي: ذهب القاساني وغيره من القدرية إلى أنه لا يجوز العمل بخبر =
(5/69)

حجة الجمهور على وجوب العمل به: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس (1).
فالكتاب قوله تعالى: {إِن جَاءَكمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (2) فأوجب التبين (3) عند الفسق، وعند عدمه يجب العمل وهو المطلب.
وقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (4).
فأوجب الحذر بقول الطائفة الخارجة من الفرقة (5)، والفرقة تصدق على ثلاثة والخارج منها يكون أقل منها وهو واحد أو اثنان، فإذا وجب الحذر عند قولهم كان قولهم حجة وهو المطلوب (6).
وأما السنة: فقوله عليه السلام: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولى (7)
__________
= الواحد. انظر: إحكام الفصول 1/ 308، وحكي الخلاف هنا أيضًا عن الرافضة وعن ابن داود، انظر: التمهيد ص 46، وشرح العضد 2/ 58، والإحكام للآمدي 2/ 51، وحكاه الباجي عن الجبائي في إحكام الفصول 1/ 303، ونسب له ابن الحاجب المنع عقلاً، انظر: شرح العضد 2/ 58، والمسطاسي ص 103.
(1) ساق القرافي في شرحه ص 358 هذه الأدلة جوابًا على حجة من منع الوقوع، وانظرها في شرح المسطاسي ص 103، 104.
(2) الحجرات: 6، وتمامها: {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
(3) "التبيين" في ز.
(4) التوبة: 122.
(5) "الفرق" في ز.
(6) انظر: تفسير الطبري 14/ 572، تحقيق شاكر، ط دار المعارف بمصر، وتفسير القرطبي 8/ 294، وتفسير روح المعاني للآلوسي 11/ 48، وانظر: القاموس المحيط مادة: طاف، والفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص 272، 273.
(7) "متولى" في ز.
(5/70)

السرائر".
وأما الإجماع فهو ما أشار إليه المؤلف بقوله لمبادرة الصحابة رضي الله عنهم إلى العمل [به] (1).
مثل (2) ما روي عن عائشة رضي الله عنها في (3) التقاء الختانين لأنهم رجعوا إلى خبرها بعد اختلافهم فيه.
وكذلك رجوعهم إلى خبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وهو قوله عليه السلام: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (4).
وكذلك رجوعهم إلى خبر حمل (5) بن مالك في الغرة قال: ضربت امرأة
__________
(1) ساقطة من ز. ومكانها بياض.
(2) "مثال" في ز.
(3) "من" في ز.
(4) أخرجه مالك في الموطأ 1/ 207، من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه. قال ابن عبد البر في التمهيد 2/ 114: هذا حديث منقطع لأن محمدًا لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف، ثم ساق له طريقين آخرين كلاهما منقطع، وقال: ولكن معناه متصل من وجوه حسان. وانظر: فتح الباري 6/ 261، فإن لابن حجر فيه كلامًا حسنًا حول الحديث. وللحديث شواهد صحيحة في البخاري برقم 3157، والترمذي برقم 1586، 1587.
(5) جمل بالجيم في النسختين، والصواب بالحاء المهملة والميم المفتوحتين ثم لام، وهو حمل بن مالك بن النابغة الهذلي، يكنى أبا نضلة، ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمله على صدقات هذيل، نزل البصرة وكان له بها دار، ولهذا يذكر مع البصريين، وإن كان مسلم ذكره في أهل المدينة.
انظر ترجمته في: الإصابة 1/ 355، والاستيعاب 1/ 366، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/ 169، والمغني في ضبط أسماء الرجال لمحمد طاهر ص 81.
(5/71)

امرأة أخرى فألقت جنينًا ميتًا فقضى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغرة (1)، فقال عمر رضي الله عنه: لو (2) لم نسمع هذا لقضينا فيه برأينا (3)، وغير ذلك من أخبار كثيرة لا تعد ولا تحصى.
وأما القياس: فبالقياس على الفتوى والشهادة، لأن كل واحد منهما خبر واحد.
حجة القول بعدم جواز التعبد به عقلاً (4): أن التكاليف تعتمد تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وذلك يقتضي أن تكون المصلحة والمفسدة معلومة، وخبر الواحد إنما يفيد الظن، والظن يجوز (5) خطؤه فيقع المكلف في الجهل والفساد (6) وهو غير سائغ (7).
__________
(1) فسرت روايات الحديث الغرة بأنها عبد أو أمة، وهذا الذي عليه جمهور المحدثين وقد ذكره أهل اللغة، فانظر: فتح الباري 12/ 249، والصحاح، ومعجم مقاييس اللغة مادة (غر).
(2) "فلو" في الأصل، والمثبت من ز وهو في روايات الحديث.
(3) أخرجه بقريب مما هنا عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس برقم 18343، وعن طاوس عن أبيه برقم 18342، وأخرجه أبو داود عن طاوس برقم 4573، والبيهقي في الكبرى 8/ 114، وأخرجه أبو داود عن ابن عباس برقم 4572 وليس فيه قول عمر الأخير، وكذا أخرجه البيهقي في الكبرى 8/ 43، والنسائي 8/ 47، وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم برقم 1681.
(4) نسبه ابن الحاجب في مختصره للجبائي فانظره 2/ 58، وانظر هذا القول في اللمع ص 211، والتبصرة ص 301، والمعتمد 2/ 583، والبرهان فقرة 539، وإحكام الفصول للباجي 1/ 303، والمحصول 2/ 1/ 507.
(5) "يعشون" في ز.
(6) "معلومة" زيادة في ز.
(7) انظر: شرح القرافي ص 357، والمسطاسي ص 104.
(5/72)

أجيب عن هذا بوجهين:
أحدهما: أن هذا مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، نحن نمنعها.
الوجه الثاني: أن الظن إصابته غالبة، وخطؤه نادر، والقواعد (1) تقتضي ألا تترك المصلحة الغالبة للمفسدة النادرة، ولذلك أقام [الشرع] (2) الظن مقام العلم في أمور كثيرة لغلبة صوابه وندرة (3) خطئه (4).
حجة القول بمنع التعبد به سمعًا (5): قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ (6) مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ} (7)، وخبر الواحد لا يفيد علمًا، وقوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (8) (9).
وجوابه: أن ذلك مخصوص بأصول الديانات وقواعد العبادات، ويدل على ذلك قوله عليه السلام: "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر"،
__________
(1) "والقاعدة" في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) "وندارة" في ز.
(4) انظر الجوابين في: شرح القرافي ص 357، والمسطاسي ص 104.
(5) حكى الشيرازي في اللمع والتبصرة هذا القول عن القاساني وابن داود والرافضة. فانظر: اللمع ص 211، والتبصرة ص 303.
وانظر القول في: المعتمد 2/ 583، والبرهان فقرة 539، وإحكام الفصول 1/ 303.
(6) "فلا تقف" في ز.
(7) الإسراء: 36، وتمامها: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
(8) يونس: 36، وقبلها: {ومَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا}.
(9) انظر: شرح القرافي ص 357، 358، والمسطاسي ص 104.
(5/73)

وكذلك غيره من الأدلة المذكورة الدالة على قبوله، إذ الجمع بين الأدلة أولى من اطراح أحدها (1).
حجة القول بأنه لا بد مما يقويه (2): قوله عليه السلام: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإلا فاتركوه" (3).
حجة القول بأنه لا بد من اثنين (4): أنه عليه السلام أنكر خبر ذي اليدين حتى أخبره (5) غيره. وكذلك أنكر أبو بكر خبر المغيرة (6) في ميراث الجدة
__________
(1) انظر الإجابة في: شرح المسطاسي ص 104.
(2) نسب هذا للجبائي وأراد بالذي يقويه: أن يرويه عدلان أو يرويه واحد ويعضده ظاهر، أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو يكون منتشرًا. انظر: المعتمد 2/ 622، والمحصول 2/ 1/ 599، وشرح العضد 2/ 68.
(3) هذا حديث منكر، قال فيه ابن حجر: إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال، وقال العقيلي: ليس له إسناد يصح، وقال الصاغاني: هو موضوع، وقال البيهقي والخطابي: هو حديث باطل. قال صاحب التمييز وغيره: وقد جمع طرقه البيهقي في كتابه المدخل. اه. قلت: ولم أجدها في المطبوع منه، وقد نقلها عنه السيوطي في مفتاح الجنة ص 12 وما بعدها. وقد أخرج الحديث بألفاظ كثيرة كلها تدل على هذا المعنى. فانظره في: سنن الدارقطني 4/ 208 و209، وفي الكفاية للخطيب ص 603، والإحكام لابن حزم 1/ 197 و198.
وانظر: الرسالة للشافعي ص 224، 225، والمعتبر للزركشي ص 175، وتمييز الطيب من الخبيث ص 13، وكشف الخفا 1/ 89.
(4) حكي هذا القول عن الجبائي أيضًا، حكاه صاحب المعتمد 2/ 622، واللمع ص 215، والبرهان فقرة 546، وإحكام الفصول 1/ 308، وأبو الخطاب في التمهيد 3/ 75، وغيرهم.
(5) "شهد معه" في ز.
(6) هو ابن شعبة بن أبي عامر الثقفي، أسلم قبل الحديبية فشهد بيعة الرضوان وحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان من دهاة العرب، ولاه عمر البصرة ثم الكوفة وبقي بها حتى =
(5/74)

السدس حتى رواه محمد بن مسلمة (1) (2). وكذلك أنكر عمر خبر أبي موسى الأشعري (3) في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد الخدري (4) [وهو قوله عليه السلام: "الاستئذان ثلاثًا فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع"] (5) (6). وكذلك أنكر عمر أيضًا خبر فاطمة بنت قيس في السكنى وقال (7): لا ندع كتاب ربنا
__________
= قتل عثمان، ولما تولى معاوية ولاه الكوفة فمازال أميرها حتى توفي بها سنة 50 ه، انظر: الإصابة 3/ 452، والاستيعاب 3/ 388.
(1) محمد بن مسلمة بن سلمة من الأوس، ولد قبل البعثة فهو ممن سمي محمدًا في الجاهلية، أسلم قديمًا على يد مصعب وشهد المشاهد، وكان عند عمر معدًا لكشف الأمور المعضلة، ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس حتى قتله بعض أهل الشام بالمدينة سنة 46 ه. انظر: الاستيعاب 3/ 334، والإصابة 3/ 383.
(2) خبر المغيرة أخرجه مالك في الموطأ 2/ 513، والترمذي برقم 2100، 2101، وأبو داود برقم 2894، كلهم عن قبيصة بن ذؤيب في الفرائض، وأخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 338، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه البغوي في شرح السنة برقم 2221 وقال: حديث حسن، وانظر: التلخيص الحبير 3/ 82.
(3) هو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري، أسلم ثم قدم بعد خيبر، كان حسن الصوت بالقرآن، وكان من علماء الصحابة وهو الذي فقه أهل البصرة وأقرأهم حين كان واليًا عليها لعمر، وكان أحد الحكمين بصفين ثم اعتزل الفريقين، توفي سنة 42 ه بالكوفة أو بمكة. انظر: الاستيعاب 2/ 371، والإصابة 2/ 359.
(4) سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري، والخدري نسبة لجده خدرة، شهد ما بعد أحد وهو أحد مكثري الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، توفي سنة 74 ه، انظر: الاستيعاب 2/ 47، والإصابة 2/ 35.
(5) ساقط من الأصل.
(6) رواه البخاري في الاستئذان عن أبي سعيد برقم 6245، وعن عبيد بن عمير في البيوع برقم 2062، ورواه مسلم عن أبي سعيد في الآداب برقم 2153، وعن أبي موسى برقم 2154.
(7) "فقال" في ز.
(5/75)

وسنة نبينا عليه السلام بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. حتى رواه غيرها. / 277/
وكذلك أنكرت عائشة رضي الله عنها خبر ابن عمر رضي الله عنه في تعذيب الميت ببكاء أهله [عليه] (1) حتى رواه غيره (2).
أجيب: عن حديث ذي اليدين: أنها واقعة عظيمة وقعت بمجمع (3) عظيم، فلو لم يخبر بها غيره لكانت ريبة توجب الرد (4).
[و] (5) أجيب عن خبر أبي موسى في الاستئذان بأنه مما يتكرر وتعم به البلوى، فلو لم يعرفه إلا (6) واحد لكان ريبة توجب الرد (7).
وكذلك الجواب عن (8) خبر المغيرة في ميراث الجدة، وخبر فاطمة بنت قيس في السكنى.
وأما خبر ابن عمر رضي الله عنه في تعذيب الميت ببكاء أهله [عليه] (9)
__________
(1) ساقط من ز.
(2) روى هذا الخبر البخاري في صحيحه عن هشام بن عروة عن أبيه في المغازي برقم 3978، ورواه مسلم عن هشام أيضًا في الجنائز برقم 931 و932، ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة في الجنائز أيضًا برقم 928، ورواه الترمذي في الجنائز برقم 1004، 1006.
(3) "في جمع" في ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 104.
(5) ساقط من ز.
(6) في صلب الأصل "غير" وقد صححت في أعلى الصفحة.
(7) انظر: المسطاسي ص 104.
(8) "في" في الأصل.
(9) ساقط من ز.
(5/76)

فإنما (1) أنكرته عائشة رضي الله عنها لأنه مخالف للقاعدة وهي: أن الإنسان لا يؤخذ بذنب غيره لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (2)، وقد ثبت في الأحاديث الصحاح أن النبي عليه السلام قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه" أثبته مالك في الموطأ (3) وغيره (4) من العلماء (5).
واختلف في الجواب عن هذا الحديث فقيل: هذا [إذا] (6) أوصى الميت بالبكاء والنياحة عليه (7) كما قال الشاعر وهو طرفة العبدي (8) من الشعراء الستة (9).
__________
(1) "فإنها" في ز.
(2) الأنعام: 164، وقبلها: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْهَا}، والإسراء: 15، وقبلها: {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}، وفاطر: 18، وبعدها: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ}، والزمر: 7، وقبلها: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}.
(3) لم أجد في الموطأ بعد طول بحث سوى الحديث مع استدراك عائشة عليه.
فانظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي 2/ 27، ولعل الحديث يوجد مستقلاً في رواية أخرى للموطأ.
(4) "أو غيره" في ز.
(5) رواه البخاري برقم 1290، ورواه أيضًا مسلم برقم 927، ورقمه الخاص 18 عن عمر بن الخطاب، ورواه أيضًا مسلم برقم 930 عن ابن عمر، وابن ماجه برقم 1594 عن أبي موسى، وليس فيها كلها قوله: "عليه".
وقد روى البخاري عن ابن عمر برقم 1286، ومسلم برقم 927، خاص 16 عن عمر، والترمذي برقم 1002 عن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" هذا لفظ البخاري ولفظها قريب منه.
(6) ساقط من ز.
(7) انظر: المنتقى للباجي 2/ 27، وفتح الباري 3/ 154.
(8) "البعدى" في ز.
(9) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد من بني بكر بن وائل، كان في حسب كريم وعدد =
(5/77)

إذا (1) مت فانعني (2) بما أنا أهله
وشقي علي الجيب (3) يا ابنة (4) معبدي (5)
فعلى هذا إنما يعذب الميت بفعله، وهو إيصاؤه بالبكاء والنياحة عليه.
وقيل: هذا إذا كان مع البكاء والنياحة ألفاظ تدل على الافتخار (6)
__________
= كثير، وكان شاعرًا جريئًا، وله شعر حسن، أحسنه معلقته المشهورة التي مطلعها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
قتل وهو ابن عشرين، وقيل: ست وعشرين، قبل البعثة بأكثر من سبعين سنة، قتله عامل عمرو بن هند على البحرين، وطرفة لقب له، واسمه عمرو. انظر: معجم الشعراء للمرزباني ص 14، والشعر والشعراء لابن قتيبة ص 76.
ولا أعلم ماذا يريد بالشعراء الستة، فإن أراد أصحاب المعلقات فهم سبعة: هو ولبيد وامرؤ القيس وعنترة وزهير وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، وإن أراد طبقته فإنه عد من الثانية أو الرابعة على خلاف. انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 78، وشرح المعلقات العشر للشنقيطي ص 37، 38.
(1) "إذا" في ز، والرواية المشهورة: "فإن مت ... " البيت.
(2) كذا في النسختين، والرواية المشهورة: "فانعيني ... " بالياء قبل النون.
(3) "الجنب" في ز.
(4) في ز "يا بنة"، وفي الأصل: "يا بنت"، ولعل الألف سقطت من الناسخ.
(5) بيت من البحر الطويل من معلقة طرفة، والرواية المشهورة:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وقد أثبت الناسخ في النسختين الياء بعد معبد فأثبتها، والصواب حذفها.
وقبل هذا البيت:
فظل الإماء يمتللن حوارها ... ويسعى علينا بالسديف المسرهد
فانظر: ديوان طرفة ص 46، وشرح المعلقات السبع للزوزني ص 78، وشرح المعلقات العشر للشنقيطي ص 49.
(6) "الافتتاح" في ز.
(5/78)

بالمنكرات، كسفك الدماء، والغصب (1)، والفسوق، كما هو عادة العرب (2)، فإطلاق البكاء على هذه الأفعال مجاز، والعلاقة بين البكاء وهذه الأفعال المحرمات (3) هي الملازمة، لأن البكاء يلازم هذا اللفظ، واللفظ يلازم مدلوله، فتقدير الكلام: إن الميت يعذب بلازم لازم البكاء، فعلى هذا أيضًا إنما يعذب الميت بفعله لا بفعل غيره.
وقيل: المراد بالعذاب المذكور في [هذا] (4) الحديث هو التشويش، وليس المراد به عذاب الآخرة المتوعد به شرعًا.
[فرع: الأموات يعلمون أحوال الأحياء من الشدة والرخاء والفقر والغنى] (5).
وقد روي أن امرأة في العراق (6) مات لها ولد فحزنت عليه حزنًا شديدًا، وبكت [عليه] (7) بكاءً عظيمًا، وصارت تخرج (8) كل عيد إلى المقابر تبكي (9) وتنوح عليه، ورحلت (10) من ذلك البلد إلى بلد آخر فلما حضر (11) العيد
__________
(1) "الغضب" في ز.
(2) انظر: المنتقى للباجي 2/ 27، وفتح الباري 3/ 155.
(3) "المحرضات" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "من أهل العراق" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "في" زيادة في ز.
(9) "فتبكي" في ز.
(10) "ثم رحلت" في ز.
(11) "دضر" في ز.
(5/79)

فخرجت إلى مقابر ذلك البلد [الذي] (1) حلت [به] (2) فأكثرت البكاء والعويل (3) فيها ثم نامت، فرأت أهل تلك المقابر قد هاجوا يسأل بعضهم بعضًا هل لهذه المرأة ولد عندنا؟
قالوا (4): لا، فقال بعضهم لبعض كيف جاءت عندنا تؤذينا ببكائها وعويلها من غير أن يكون لها عندنا ولد، ثم ذهبوا إليها فضربوها ضربًا وجيعًا، فاستيقظت فوجدت ألمًا عظيمًا من ذلك (5) الضرب (6).
وذلك يقتضي أن الأرواح تتألم بالمؤلمات وتفرح باللذات في البرزخ كما كانت في الدنيا.
وقد ورد أن الأرواح (7) تتألم بالمؤلمات وبعدم الزيارات، وتفتخر بالزيارات وتفرح باللذات، وأن الأموات يعلمون أحوال الأحياء (8) من الشدة والرخاء والفقر والاستغناء وغير ذلك، انظر القواعد السنية في الفرق الحادي والمائة بين قاعدة: فعل غير المكلف لا يعذب به، وقاعدة: البكاء على
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) ساقط من ز.
(3) "في العويل" في ز.
(4) "فقالوا" في ز.
(5) "داء" في ز.
(6) انظر القصة في: الفرق 101 من فروق القرافي 2/ 176، 177.
(7) علق فوقها في صلب الأصل كلمة: الأموات.
(8) جاءت العبارة في ز هكذا: وقد ورد أن أمواتًا يفرحون باللذات ويتألمون بالمؤلمات، ويفتخرون بالزيارات ويتألمون بعدم الزيارات، وأنهم يعلمون أحوال الأحياء ... إلخ.
(5/80)

الميت يعذب الميت به (1).
وأما حجة القول بأربعة في الخبر المتعلق بالزنا، فذلك بقياس الرواية على الشهادة (2).
وحجة القول بأربعة في جميع الأخبار: فإن ذلك احتياطًا بأعلى مراتب الشهادات (3) (4).
وأجيب عن هذين: بما قدمناه أولًا من الأدلة الدالة على قبول خبر الواحد من كتاب وسنة وإجماع وقياس.
قوله: ([واتفقوا] (5) على جواز العمل به في الدنيويات (6) والفتوى والشهادات، والخلاف إِنما هو في كونه حجة في حق المجتهدين).
ذكر المؤلف ها هنا محل الاتفاق ومحل الخلاف، فذكر أن محل الاتفاق ثلاث (7) مسائل، وهي: الأمور الدنيوية، والفتاوى، والشهادات (8).
ومعنى الأمور الدنيوية: كما إذا أخبر عدل بالأمن أو الخوف (9) في الطريق
__________
(1) الفروق للقرافي 2/ 176 وما بعدها. وانظر: الروح لابن القيم ص 5، وما بعدها و12، 14، فقد ساق آثارًا كثيرة عن السلف تدل على علم أهل القبور بالزيارة، وفرحهم بها، وترقبهم لها، وعلمهم بأحوال الأحياء وأعمالهم.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 104.
(3) "الشهادة" في ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 104، 105.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "الدنيوية" في ز.
(7) "ثلاثة" في ز.
(8) انظر: المعتمد 2/ 571، 572، والإبهاج 2/ 333.
(9) "لخوف" في الأصل.
(5/81)

فإن خبره يعتمد عليه، وكذلك إذا أخبر طبيب بأن المريض ينفعه هذا الطعام أو هذا الشراب أو يضره هذا الطعام أو هذا الشراب فإن خبره يعتمد عليه.
ومعنى الفتوى: إذا أفتى المفتي فإنه يجب الاعتماد على قوله، وإن كان قوله لا يفيد إلا الظن عند المستفتي.
ومعنى الشهادات: أن قول الشاهد العدل يجب على الحاكم قبول شهادته، وإن كان قوله لا يفيد إلا الظن عند الحاكم (1).
قوله: (والخلاف إِنما هو في كونه حجة في حق المجتهدين)، [أي: وإنما الخلاف في الأحكام المتعلقة بالفتاوى، هل يجوز للمجتهد الاعتماد على ذلك أم لا؟ على الخلاف المتقدم] (2) (3).
قوله: (ويشترط في المخبر العقل والتكليف وإِن كان تحمل (4) الصبي صحيحًا (5)، والإِسلام (6)، واختلف في المبتدعة إِذا كفرناهم فعند القاضي أبي بكر منا [وعند] (7) القاضي عبد الجبار لا تقبل روايتهم، وفَصَّل (8) فخر
__________
(1) انظر التفصيل للدنيويات والفتوى والشهادة في: شرح القرافي ص 358، وشرح المسطاسي ص 105، وشرح حلولو ص 306.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 358، وشرح المسطاسي ص 105.
(4) "تحصل" في ز.
(5) "وصحيحًا" في ز.
(6) "والضبط" زيادة في خ.
(7) ساقط من نسخ المتن.
(8) "الإمام" زيادة في نسخ المتن.
(5/82)

الدين وأبو الحسين (1) بين من يبيح الكذب وغيره، [والعدالة] (2)، والصحابة رضي الله عنهم عدول إِلا عند قيام المعارض).
ش: ذكر المؤلف أن المخبر يشترط فيه أربعة شروط:
العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، وزاد الباجي في الفصول شرطًا خامسًا، وهو: ألا يكون كثير الخطأ والنسيان (3).
أما (4) اشتراط العقل: فلأن العقل أصل الضبط (5)، والضبط لا يمكن من غير العاقل (6) كالمجنون والصبي غير المميز (7)، فلا تقبل رواية غير العاقل من غير خلاف (8).
وأما اشتراط التكليف، وهو البلوغ: فاحترز به من الصبي المميز (9)، وإنما لا تقبل إذ ليس معه وازع يمنعه من الكذب، والوازع من الكذب هو الخوف من
__________
(1) "الحسن" في ز.
(2) ساقط من ش.
(3) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 364، وشرح المسطاسي ص 105.
(4) "وأما" في ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 359.
(6) "لعاقل" في ز.
(7) "المصير" في ز.
(8) انظر شرط العقل في: البرهان فقرة 550، والمحصول 2/ 1/ 563، والمغني للخبازي ص 200، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 11، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 107، وشرح المسطاسي ص 105، وشرح حلولو ص 309.
(9) انظر: شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 61، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 106، وتيسير التحرير 3/ 39.
(5/83)

عذاب الله، وليس معه هذا المانع (1) لأنه غير مكلف فهو آمن من عذاب الله في كذبه لعدم تكليفه، فلا يؤمن عليه الكذب في روايته، فلا تقبل روايته (2)، بخلاف تحمله الرواية /278/ فإن تحمله مقبول، إذ لا (3) يشترط في تحمله إلا الضبط والميز (4).
ونقل عن الشافعي رضي الله عنه قول بجواز رواية الصبي (5)، وهو منكر من حيث النظر والقواعد، وذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ليس معه وازع يمنعه من الكذب كما قدمناه.
الوجه الثاني: أنه إذا لم تقبل رواية (6) الفاسق مع وجود الوازع في حقه، فالصبي أولى لعدم الوازع في حقه.
الوجه الثالث: أن إقراره على نفسه لا يقبل، فأولى وأحرى ألا يقبل قوله
__________
(1) "الصانع" في ز.
(2) انظر: البرهان فقرة 551، 552، وقد حكاه عن القاضي ونصره، والمحصول 2/ 1/ 564، والإحكام للآمدي 2/ 71، وشرح القرافي ص 359، والمسطاسي ص 105، وحكى حلولو في شرحه ص 309 قولًا بقبول الصبي المميز فيما طريقه المشاهدة دون ما طريقه الاجتهاد.
(3) "إلا" في الأصل.
(4) انظر: اللمع للشيرازي ص 220، والمعتمد 2/ 620، وإحكام الفصول 1/ 360، والمحصول 2/ 1/ 565، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 106، والإحكام للآمدي 2/ 72، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 61، وتيسير التحرير 3/ 39، وشرح المسطاسي ص 105، وحلولو ص 310.
(5) انظر: الإبهاج 2/ 346، وشرح القرافي ص 359، والمسطاسي ص 105.
(6) "روايته" في ز.
(5/84)

على الشريعة (1).
قوله: (وإِن كان تحمل الصبي صحيحًا)، هذا تأكيد وإغياء (2) راجع إلى التكليف الذي هو البلوغ، كأنه يقول: لا تقبل رواية الصبي ولو صح تحمله للرواية في حالة الصبا إلا تأديتها بعد بلوغه (3)، والدليل على صحة تحمل الصبي للرواية إجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على قبول رواية الصبيان إذا أدوا بعد البلوغ (4) ما تحملوه في حالة الصبا، كابن عباس (5)، وابن الزبير (6)، والحسن بن علي (7)، والنعمان بن بشير (8)، وأنس بن
__________
(1) انظر هذه الأوجه الثلاثة في: شرح المسطاسي ص 105.
(2) "اغناء" في ز.
(3) "بلوغها" في ز.
(4) انظر: الكفاية للخطيب البغدادي ص 105، والمعتبر للزركشي ص 126، وإحكام الفصول للباجي 1/ 360، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 106، والمحصول 2/ 1/ 565، وشرح القرافي ص 359.
(5) انظر: التاريخ الصغير للبخاري 1/ 126 و127.
(6) أبو خبيب، عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر "ذات النطاقين"، ولد عام الهجرة، فهو أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، فحنكه النبي - صلى الله عليه وسلم - وسماه باسم جده، بويع بالخلافة سنة 64 ه بعد موت يزيد، فاجتمع له أهل الحجاز والعراق واليمن، وحج بالناس ثماني حجج حتى غلب على الأمر بنو مروان، فقتله الحجاج سنة 73 ه، وصلبه بمكة.
انظر: الاستيعاب 2/ 300، والإصابة 2/ 309.
وانظر لروايته وهو صغير: الكفاية للخطيب ص 106.
(7) انظر: الكفاية للخطيب ص 106.
(8) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة، الخزرجي الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، وهو أول مولود للأنصار بعد الهجرة، تولى إمرة الكوفة لمعاوية ثم حمص، وبقي بها حتى قتله أنصار مروان بن الحكم لمناصرته ابن الزبير، وكان قتله سنة 65 ه.
انظر: الاستيعاب 3/ 550، والإصابة 3/ 559، وانظر: الكفاية للخطيب ص 107.
(5/85)

مالك (1)، ومحمود (2) بن الربيع (3) وغيرهم، رضي الله عنهم، فإن المعتبر عندهم إنما هو حالة الأداء لا حالة التحمل لأنهم يقبلون ما تحمله (4) الكافر (5) أو الفاسق أو الصبي بعد زوال الكفر والفسوق والصبا، فإن المعتبر في الرواية (6) وقت التأدية لا وقت [التحمل] (7) بمنزلة الشهادة (8).
قال ابن الحاجب في الأصول في باب الخبر: والرواية بعده، والسماع قبله مقبولة (9) كالشهادة (10)، الضمير (11) في قوله: بعده وقبله (12) يعود على البلوغ.
قوله: (والإِسلام) (13)، أما اشتراط الإسلام فاحترز به من الكافر،
__________
(1) انظر: التاريخ الصغير للبخاري 1/ 208، 209.
(2) في الأصل: "محمد". وهو خطأ.
(3) هو أبو محمد: محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو الخزرجي الأنصاري، سكن المدينة وعقل من النبي - صلى الله عليه وسلم - مجة مجها في وجهه من دلو في دارهم، وسنه إذ ذاك خمس أو أربع، توفي سنة 99، وقيل غير ذلك.
انظر: الاستيعاب 3/ 421، والإصابة 3/ 386.
(4) "محمله" في ز.
(5) انظر: الإبهاج 2/ 348، وتيسير التحرير 3/ 41.
(6) "هو" زيادة في ز.
(7) ساقط من الأصل.
(8) انظر: شرح القرافي ص 359، وشرح المسطاسي ص 105، 106، وشرح حلولو ص 310.
(9) "مقبول" في ز.
(10) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 61.
(11) "الصبي" في ز.
(12) "قبله وبعده" في ز بالتقديم والتأخير.
(13) انظر شرط الإسلام في: المعتمد 2/ 618، والبرهان فقرة 550، والمحصول 2/ 1/ 567، وإحكام الفصول للباجي 1/ 385، والمغني للخبازي ص 199، =
(5/86)

والكافر على ضربين: كافر من غير أهل القبلة كاليهود (1) والنصارى، وكافر من أهل القبلة كالمبتدعة.
فأما الكافر من غير أهل القبلة كاليهود والنصارى فلا تقبل روايته باتفاق لعدم الوازع معه (2)، وإن كان أبو حنيفة رضي الله عنه قبل شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، واستدل بقوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} (3) لأنه يقول: أو آخران من غير أهل دينكم، والجمهور يقولون: أو آخران من غير تلك القبيلة (4) (5).
__________
= والتوضيح 2/ 11، 12، وتيسير التحرير 3/ 41، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 106، ومختصر ابن الحاجب 2/ 62.
(1) "واليهود" في ز.
(2) انظر: المعتمد 2/ 618، والمحصول 2/ 1/ 567، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 115، وشرح القرافي ص 359، وشرح المسطاسي ص 106.
(3) المائدة: 106.
(4) "القفيلة" في ز.
(5) خلاف الجمهور هنا مع أحمد، وليس مع أبي حنيفة رحمهما الله؛ لأن أحمد هو الذي يجوز شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر، والأئمة الثلاثة يخالفونه، وقد سبق أحمد إلى القول بهذا كل من ابن عباس وابن مسعود وأبي موسى وشريح وسعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وجمع غيرهم.
وبالرأي الثاني قال الحسن البصري والزهري، وروي عن عكرمة وعبيدة، وبه أخذ الأئمة الثلاثة.
فانظر: تفسير ابن كثير 2/ 111، والمغني 9/ 182، والإفصاح لابن هبيرة 2/ 360، ومسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص 435.
ومما يدل على أن هذا المذهب ليس قولًا للحنفية، ما قاله السرخسي في المبسوط =
(5/87)

وأما الكافر من أهل القبلة، وهو المبتدع فقد بينه المؤلف بقوله: (واختلف في المبتدعة إِذا كفرناهم، فعند القاضي أبي بكر منا وعند القاضي عبد الجبار لا تقبل روايتهم، وفصّل فخر الدين وأبو الحسين بين من يبيح الكذب وغيره).
ش: ففي قبول رواية المبتدعة ثلاثة أقوال، ثالثها: التفصيل بين من يبيح الكذب فلا تقبل روايته، و (1) من لا يبيحه فتقبل روايته.
حجة القول بالمنع مطلقًا، وهو مذهب مالك رحمه الله (2): [فإنهم إما
__________
= ونصه: وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}، أي من غير دينكم ... ففيه تنصيص على جواز شهادتهم على وصية المسلم، ومن ضرورة جواز شهادتهم على وصية المسلم جوازها على وصية الكافر، وما يثبت بضرورة النص فهو كالمنصوص، ثم انتسخ ذلك في حق المسلم بانتساخ حكم ولا يتهم على المسلمين، فبقي حكم الشهادة فيما بينهم على ما ثبت بضرورة النص. اه. انظر: المبسوط 6/ 134.
وخلاف أبي حنيفة هو ما قاله ابن الحاجب في المختصر في شروط الراوي، قال: وفيها الإسلام للإجماع، وأبو حنيفة وإن قبل شهادة بعضهم على بعض لم يقبل روايتهم. اه. انظر المختصر: 2/ 62.
وهذا يصرح به الحنفية في كتبهم وينكره عليهم الأئمة، وإن كان عن أحمد فيه رواية ضعيفة، فانظر المبسوط 16/ 133، 134، وبدائع الصنائع للكاساني 6/ 280، والجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري 2/ 333، والمغني 9/ 184، والإفصاح 2/ 60.
قلت: ولعل الشوشاوي تبع القرافي في هذه النسبة إذ قد ذكر هذه المسألة القرافي في شرحه ص 359، وكذا صنع المسطاسي ص 106.
(1) "بين" زيادة في ز.
(2) وبه قال الشيرازي في اللمع ص 222، ونقله صاحب المعتمد 2/ 618، عن عبد الجبار، وحكاه الرازي في المحصول 2/ 1/ 567، والآمدي في إحكامه 2/ 73، وحكاه أبو الخطاب في التمهيد 3/ 115 عن أبي يعلى، انظر رأيه في: العدة 3/ 948 - 952.
(5/88)

كفار وإما فساق، وأيًا ما كان فلا تقبل روايتهم (1).
حجة القبول مطلقًا:] (2) (3) أنهم (4) من أهل القبلة، وأن أحكام الإسلام تجري عليهم [لأنهم] (5) يُورّثُوْن (6) ويُورَثُونْ (7).
حجة [القول] (8) بتجويز رواية من منع الكذب دون من جوزه (9)، وهو مذهب الشافعي، كما قاله المؤلف (10) في قوله (11): قبل الشافعي رواية أرباب الأهواء (12) (13): أن من منع الكذب معه الوازع يمنعه من الإقدام على الكذب، لعلمه (14) بتحريم الكذب.
ورد هذا الجواب: بأنه ينتقض عليه بالفاسق (15) فإن روايته لا تجوز مع
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 360، والمسطاسي ص 106.
(2) ما بين القوسين ساقط من ز.
(3) قال في المعتمد 2/ 618، وعند جل الفقهاء أن الفسق في الاعتقاد لا يمنع من قبول الحديث. اه.
(4) "لانهم" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "لا يرثون" في ز.
(7) انظر: شرح القرافي ص 360.
(8) ساقط من الأصل.
(9) انظر رأي أبي الحسين في: المعتمد 2/ 618، 619، ورأي الرازي في المحصول 2/ 1/ 567، وانظر الإحكام للآمدي 2/ 73.
(10) "بعد هذا" زيادة في ز.
(11) "بقوله" في ز.
(12) انظر صفحة 281 من مخطوط الأصل وصفحة 103 من هذا المجلد.
(13) "أي حجته" زيادة في ز.
(14) "تعلمه" في ز.
(15) "بالفسق" في الأصل.
(5/89)

علمه بتحريم الكذب (1). وكذلك ينتقض عليه بالكافر فإن منهم من لا يجيز (2) الكذب مع أن روايتهم (3) لا تجوز باتفاق (4).
فحصل (5) مما ذكرنا أن الخلاف في المبتدعة مطلقًا، سواء قلنا بتكفيرهم أم لا، فقول المؤلف: إذا كفرناهم، يقتضي أن الخلاف مخصوص بالقول بتكفيرهم، وليس الأمر كذلك، بل الخلاف عام، ولأجل هذا قال بعضهم: صوابه أن يقول: واختلف (6) في المبتدعة وإن كفرناهم، بزيادة الواو على وجه التأكيد (7).
قوله: (والعدالة) (8)، أما اشتراط العدالة، فاحترز بذلك من الفاسق،
__________
(1) ليس النزاع في العلم بتحريم الكذب وعدمه، وإنما النزاع في الفرق بين من يحرم في دينه الكذب فيمتنع عنه، وبين من يبيح دينه الكذب.
(2) "يجوز" في ز.
(3) "وايته" في ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 106.
(5) "يحصل" في ز.
(6) "اختلف" في ز.
(7) حكى هذا المسطاسي في شرحه ص 106 على سبيل الاعتراض، فانظره.
(8) انظر شرط العدالة في: اللمع ص 220، والمعتمد 2/ 616، والبرهان فقرة 550، وإحكام الفصول للباجي 1/ 355، والمحصول 2/ 1/ 571، والإحكام للآمدي 2/ 76، والمغني للخبازي ص 200، والتوضيح 2/ 12، وتيسير التحرير 3/ 44، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 108.
وانظر: مقدمة ابن الصلاح ص 218، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص 53، واختصار علوم الحديث لابن كثير ص 77، وتدريب الراوي للسيوطي 1/ 300، 301، وانظر: شرح القرافي 360 - 364، والمسطاسي ص 106 وما بعدها.
(5/90)

فلا تقبل روايته باتفاق (1).
والدليل على ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: قياس روايته على شهادته؛ لأن الفاسق لا تجوز شهادته، فإذا كانت شهادته لا تجوز في أمر جزئي، فأولى وأحرى ألا تجوز روايته التي تثبت حكمًا عامًا على الخلق إلى يوم القيامة.
[و] (2) الوجه الثاني: قوله (3) تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (4) فإنه يقتضي أن الفسق مانع من القبول.
والوجه الثالث: أن مقتضى الدليل ألا يعمل [بالظن] (5)، خالفناه في العدل، فيبقى ما عداه على مقتضى الدليل (6).
قوله: (والصحابة رضوان الله عليهم عدول إِلا عند قيام المعارض).
ش: الأصل في الصحابة العدالة حتى يدل الدليل على خلافه، والأصل في غيرهم عدم العدالة حتى يدل الدليل على خلافه، عملًا بالغالب في الفريقين (7).
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 106.
(2) ساقط من ز.
(3) "في قوله" في ز.
(4) الحجرات: 6.
(5) ساقط من الأصل.
(6) انظر هذه الأوجه الثلاثة في: شرح القرافي ص 360، وشرح المسطاسي ص 107.
(7) انظر: شرح القرافي ص 360، 361، والمسطاسي ص 107.
(5/91)

قوله: (إِلا عند قيام المعارض)، مثل: زنا ماعز مع الغامدية (1) (2).
قوله: (والصحابة رضوان الله عليهم عدول). هذا هو الذي عليه أكثر السلف، وجمهور (3) الخلف (4).
وقيل: حكمهم كحكم غيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم (5).
وقيل: هم عدول إلا الداخلين في الفتنة (6) الواقعة بينهم، فإن (7) أحد الفريقين ظالم، [وهو] (8) غير معين، فيجب البحث عن (9) العدالة (10).
وقالت المعتزلة: هم عدول إلا من قاتَل عليًا رضي الله عنه (11).
حجة الجمهور: الكتاب والسنة.
__________
(1) في النسختين: العامرية، وهو خطأ كما سبقت الإشارة إليه في صفحة 409 من المجلد الرابع.
(2) انظر شرح القرافي ص 360، والمسطاسي ص 107.
(3) "وجماهير" في ز.
(4) انظر: اللمع ص 224، والبرهان فقرة 567 - 572، وأحكام الفصول للباجي 1/ 379، وابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 67، والإحكام للآمدي 2/ 90، وروضة الناظر ص 118.
(5) ذكره الباجي في إحكام الفصول 1/ 379، ونسبه لبعض المبتدعة، وانظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 67، والإحكام للآمدي 2/ 90، والمسطاسي ص 107.
(6) "الفتن" في ز.
(7) "لأن" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) "على" في ز.
(10) انظر: شرح العضد 2/ 67، والإحكام للآمدي 2/ 90.
(11) انظر: اللمع ص 225، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 67، والإحكام للآمدي 2/ 90، غير أنه ذكره بدون نسبة.
(5/92)

أما الكتاب: فقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (1).
وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (2) أي: عدولًا.
وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (3).
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (4)} الآية (5)، وغير ذلك من الآيات الدالة على فضل الصحابة رضي الله عنهم.
ومن السنة: قوله عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (6)؛ لأن الاهتداء من غير عدالة محال.
__________
(1) آل عمران: 110.
(2) البقرة: 143.
(3) الفتح: 18.
(4) ساقط من ز.
(5) الفتح: 29.
(6) هذا حديث مشهور عند الأصوليين يحتجون به كثيرًا، وقد روي بألفاظ كثيرة هذا أحدها، وهي كلها روايات ضعيفة بل يصل بعضها إلى حد النكارة والوضع، وقد أخرجه ابن حزم في الإحكام 2/ 810 عن جابر، وقال بعد بحث في سند رجاله، فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلًا، بل لا شك أنها مكذوبة. اه. وأخرجه ابن عبد البر في جامعه 2/ 90، 91 بهذا اللفظ وغيره، وقال بعد كل رواية: إسناده لا يصح، وذكر علة عدم الصحة فراجعه إن شئت.
وأخرجه ابن الجوزي في العلل برقم 457 عن عمر، وقال: لا يصح.
وانظر الفقيه والمتفقه للخطيب 1/ 177، والاعتقاد للبيهقي ص 160، والتلخيص الحبير 4/ 190، والمعتبر للزركشي ص 80 وما بعدها.
(5/93)

وقوله عليه السلام: "والذي (1) نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبًا /279/ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (2).
وقوله عليه السلام: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (3).
قوله عليه السلام: "إن الله تعالى اختار لي أصحابًا وأصهارًا وأنصارًا" (4).
__________
(1) "فوالذي" في ز.
(2) "نصفه" في ز.
(3) حديث صحيح أخرجه البخاري عن عمران بن حصين في الشهادات برقم 2651 بلفظ: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ... " الحديث، وأخرجه أيضًا عن عبد الله بن مسعود برقم 2652 بلفظ: "خير الناس قرني ... " الحديث.
وبهذا اللفظ أخرجه الترمذي عن عمران برقم 2302 في كتاب الشهادات، إلا أنه قال: "ثم الذين يلونهم" ثلاث مرات.
وانظره عند مسلم بألفاظ أخر برقم 2533 عن ابن مسعود، وبرقم 2534 عن أبي هريرة، وبرقم 2535 عن عمران.
(4) أخرجه الخطيب في التاريخ 2/ 99 من حديث أنس بلفظ: "إن الله اختارني واختار لي أصحابًا واختار لي منهم أنصارًا وأصهارًا ... " الحديث.
وأخرجه أيضًا في الكفاية ص 96 بلفظ: "إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري ... " الحديث.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية 2/ 110 عن عويم بن ساعدة بلفظ: "إن الله تعالى اختارني واختار لي أصحابًا وجعل منهم أصهارًا وأنصارًا ووزراء ... " الحديث، وبقريب من لفظه أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن بسنده إلى محمد بن طلحة، قال: حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده.
ثم قال - أي البيهقي -: تفرد به محمد بن طلحة، وفيه إرسال لأن عبد الرحمن بن عويم ليست له صحبة. اه.
وتعقبه المحقق بأن المقصود بجده عويم وهو صحابي، ثم قال: إلا أن الحديث ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن سالم وأبيه، وضعف محمد بن طلحة. اه.
انظر: المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ص 113.
(5/94)

وأنصار الله تعالى لا يكونون غير عدول، وغير ذلك من الأحاديث.
وأما المعقول: فهو ما تواتر واشتهر من جدهم واجتهادهم (1) في امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب مناهيه، وذلك (2) دليل على عدالتهم رضي الله عنهم، فهذا هو القول الواضح.
وأما الأقوال الثلاثة (3) فهي كلها جرأة على السلف الصالح رضي الله عنهم.
لأن من قال: حكمهم (4) كحكم غيرهم، فأين (5) من مدحه الله تعالى ومدحه رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غيره (6).
ومن قال: إلا من دخل الفتن (7) التي وقعت بينهم؛ لأن (8) أحد الفريقين ظالم، وهو غير معين، فيجب البحث على (9) العدالة، لا يصح ذلك؛ لأن ما وقع بينهم إنما هو بالتأويل والاجتهاد، فكلهم (10) على الحق، سواء قلنا، كل مجتهد مصيب، أو قلنا: المصيب واحد من غير تعيين؛ لأنه إن قلنا: كل
__________
(1) "واجداداهم" في ز.
(2) "أدل" زيادة في ز.
(3) "الباقية" زيادة في ز.
(4) "خدمهم" في ز.
(5) "فان" في ز.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 107.
(7) "الفتان" في ز.
(8) "فإن" في ز.
(9) كذا في النسختين، والصواب: "عن".
(10) "وكلهم" في ز.
(5/95)

مجتهد مصيب، فكل واحد منهم على الحق لإصابته، فلا كلام.
وإن قلنا أيضًا: المصيب واحد، فقد اتفق الأصوليون على أن كل مجتهد يجب عليه ما أداه إليه اجتهاده، فكل واحد منهم على الحق؛ لأن كل واحد منهم عمل [ما عمل] (1) بمقتضى اجتهاده، وبالله التوفيق بمنه (2) (3).
فإذا ثبت أن الصحابة عدول فما معنى الصحابي؟
فاختلف العلماء في الصحابي من هو؟ على ثمانية أقوال:
فقيل: من ولد في زمانه عليه السلام (4).
وقيل: من ولد في زمانه، وبلغ في زمانه.
وقيل: من رآه، ولو مرة واحدة (5).
وقيل: من روى عنه، ولو حديثًا واحدًا.
وقيل: من رآه وطالت صحبته معه (6).
__________
(1) ساقط من ز.
(2) في ز كأن العبارة: "وفاته التوفيق عنه".
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 107، وشرح حلولو ص 311.
(4) انظر: شرح القرافي ص 360، والمسطاسي ص 107.
(5) انظر: شرح العضد 2/ 67، والإحكام للآمدي 2/ 92، وشرح القرافي ص 360، والمسطاسي ص 107، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 172، والعدة 3/ 987، وانظر: الكفاية للخطيب ص 99. وقد نقله عنه البخاري، وتدريب الراوي 2/ 208 قال: فالمعروف عند المحدثين أنه كل مسلم رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(6) نسبه أبو الخطاب في التمهيد 3/ 173 لأكثر العلماء، وانظر العدة 3/ 988، والإحكام للآمدي 2/ 92، والمسطاسي ص 107.
(5/96)

[وقيل: من رآه وروى عنه وطالت صحبته معه] (1) (2).
وقيل: من غزا معه غزوة أو غزوتين أو قعد معه سنة أو سنتين، قاله سعيد ابن المسيب [رضي الله] (3) عنه (4).
وقال شهاب الدين القرافي: أصحابه عليه السلام [هم الملازمون له] (5) (6) المهتدون بهديه، حتى فاضت عليهم أنواره، وظهرت عليهم بركته (7) وأسراره - صلى الله عليه وسلم - (8).
قال ابن الحاجب في الأصول: مسألة: الصحابي (9): من رآه - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يرو ولم تطل (10)، وقيل: إن طالت صحبته، وقيل: إن اجتمعا (11)، فذكر
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: تدريب الراوي 2/ 210، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 173، والعدة 3/ 988، والمسطاسي ص 107.
(3) ساقط من ز، ومكانها بياض.
(4) أخرجه عنه الخطيب في الكفاية ص 99، وقد نقله علماء المصطلح عن سعيد، كابن كثير في اختصار علوم الحديث ص 152، وابن الصلاح في مقدمته ص 424، والنووي في التقريب. انظر: التدريب 2/ 212، وقد نقل السيوطي عن الحافظ العراقي ضعف اتصاله بابن المسيب، وانظر كلام العراقي في التقييد والإيضاح له ص 297، حيث قال: لا يصح؛ فإن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث. اه.
(5) ساقط من ز ومكانها بياض.
(6) "من ربه" زيادة في ز.
(7) "بركاته" في ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 360، وفيه: "بركاته وآثاره"، وانظر: شرح المسطاسي ص 107.
(9) "الصحابة" في ز.
(10) "أو لم تطل" في ز.
(11) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 67.
(5/97)

ثلاثة أقوال من الأقوال المتقدمة.
وقوله: إن اجتمعا يعني: الرواية والطول.
قوله: (والعدالة اجتناب الكبائر وبعض الصغائر والإِصرار عليها والمباحات القادحة في المروءة) (1).
ش: لما ذكر [المؤلف] (2) أن العدالة شرط أخذ [ها هنا] (3) بذكر (4) حقيقتها، فذكر أن الذنوب فيها كبائر وصغائر، وهذا مذهب أرباب السنة وذهبت (5) طائفة من المعتزلة إلى أن الذنوب كلها كبائر بالنسبة إلى من يعصى بها، وهو الله عز وجل (6).
__________
(1) انظر: اللمع ص 220، والمعتمد 2/ 617، وإحكام الفصول للباجي 1/ 355، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 108، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 63، وشرح القرافي ص 361، وشرح المسطاسي 107، 108.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "يذكر" في ز.
(5) "وذهب" في الأصل.
(6) المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل الكفر، فهو في المنزلة بين المنزلتين، وعلى أصلهم القائل بإنفاذ الوعيد فهو مخلد في النار. وقال الخوارج أيضًا بهذا، أي بأن فاعل الذنب الكبير يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر ويخلد في النار. انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 356.
وقد ذهب إلى أن الذنوب كلها كبائر بالنسبة إلى من يعصى بها بعض العلماء كأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر الباقلاني، ونسبه بعضهم إلى جمهور الأشاعرة، وهو الذي مال إليه إمام الحرمين، مع قوله بأنها تتفاوت، ولكن هؤلاء لا يقولون بكفر فاعلها بل يقولون هو في مشيئة الله. انظر: الفروق للقرافي 4/ 65، 66، وفتح الباري 10/ 409، 410، وتفسير روح المعاني 5/ 18، وشرح القرافي ص 361، =
(5/98)

وذهبت (1) طائفة أخرى من المعتزلة أيضًا إلى أن الذنوب كلها صغائر بالنسبة إلى الإيمان فقالوا (2): لا كبيرة مع الإيمان كما لا حسنة مع الكفر (3)، والصحيح مذهب أهل السنة.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} (4).
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ} (5) واللمم [هي] (6) صغائر الذنوب.
وقوله تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} (7) فالفسوق (8) هو الكبائر، والعصيان هو الصغائر.
__________
= وشرح المسطاسي ص 108، والإرشاد للجويني ص 385، 386، 391.
(1) "وذهب" في ز.
(2) "فقال" في ز.
(3) الصواب أن أصحاب هذه المقالة: المرجئة، وأول من قال مقالتهم: جهم بن صفوان، فإنه أول من ابتدع التعطيل والإرجاء، ولا يعني هذا أن كل مرجئ جهمي. بل يوجد من المرجئة: الجهمي، والمعتزلي، والأشعري.
والمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 356، والروضة الندية شرح العقيدة الواسطية ص 252، 253.
(4) النساء: 31.
(5) النجم: 32.
(6) ساقط من ز.
(7) الحجرات: 7.
(8) "والفسوق" في ز.
(5/99)

قوله: (اجتناب الكبائر)، اختلف العلماء في الكبائر اختلافًا كثيرًا، قال (1) أبو عمر بن عبد البر: وأحسن ما قيل فيها: إنها عشرون، منها أربعة في القلب، وهي: الرياء، والحسد، والعجب، والكبر.
ومنها ثمانية في الفم، وهي: الغيبة، والنميمة، وقذف المحصنات (2)، وشهادة الزور، ويمين الغموس، وشرب الخمر، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى بالباطل.
ومنها اثنان في اليد: وهما: القتل، والسحر.
ومنها اثنان في الفرج، وهما الزنا، واللواط.
ومنها أربعة في سائر الجسد: وهي (3): ترك الصلاة، وعقوق الوالدين، والتولي يوم الزحف، وإفساد أموال (4) المسلمين (5) (6).
__________
(1) في هامش الأصل ما يلي: "انظر الكبائر عشرون".
(2) "المؤمنات" زيادة في ز.
(3) "وهو" في ز.
(4) "امول" في ز.
(5) انظر قول الإمام ابن عبد البر في شرح المسطاسي ص 108.
(6) اختلف العلماء رحمهم الله في حد الكبيرة وعدد الكبائر، وأحسن ما قيل في حدها أنها كل ذنب قرن بلعن أو وعيد.
وقريب منه قول بعضهم: هي ما ترتب عليها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، أما عددها فقيل: سبع، وقيل: سبع عشرة، وروي عن ابن عباس أنه قال: هي إلى السبعمائة أقرب، والصواب أنها لا تحصر بعدد معين، وما ورد في الأحاديث من التقييد بعدد كقوله: "اجتنبوا السبع الموبقات"، فيحمل على ذكر بعضها.
وقد صنف الحافظ الذهبي كتابًا ذكر فيه سبعين من الكبائر.
(5/100)

قوله: (وبعض الصغائر)، أي واجتناب بعض الصغائر يعني الصغائر التي تدل على أن صاحبها مستهزئ بدينه ومروءته، كسرقة بصلة أو تمرة أو لقمة، أو التطفيف (1) بحبة، أو تقبيل أجنبية بحضرة (2) الناس، وشبهها (3)، فهذا (4) وشبهه لا يفعله إلا من يستهزئ بدينه ومروءته (5).
وإنما قال: بعض الصغائر، ولم يقل: اجتناب جميع الصغائر كما قال في الكبائر؛ لأن من الصغائر ما لا يفسق فاعلها، إذ ليس (6) فيها إلا مجرد المعصية كالنظر إلى الأجنبية (7)، والكذب الذي لا يتعلق به ضرر أحد (8).
قوله: (والإِصرار عليها)، أي على الصغائر، معناه: واجتناب
__________
= وصنف الإمام محمد بن عبد الوهاب كتابًا ذكر فيه كثيرًا منها.
وللاطلاع على الأحاديث والآثار الواردة فيها وأقوال السلف والخلف، انظر: تفسير ابن كثير 1/ 480 وما بعدها، وفتح الباري 10/ 410 - 412، 12/ 182 - 184، وتفسير روح المعاني 5/ 17 - 19.
وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/ 19 - 21، وشرح الطحاوية ص 417، 418.
(1) "الطفيف" في الأصل، وفي ز "التصفيف"، والمثبت الصواب، فانظر المحصول 2/ 1/ 571.
(2) "بمحضرة" في الأصل.
(3) "وشبههما" في ز.
(4) "فهذه" في ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 361، وشرح المسطاسي ص 108.
(6) "وليس" في ز.
(7) "وجه أجنبية" في ز. وقد علق الناسخ كلمة وجه في الهامش وكتب فوقها أظن، بعد أن ترك مكانها بياضًا.
(8) انظر: شرح القرافي ص 361، وشرح المسطاسي ص 108.
(5/101)

الإصرار على الصغائر، أي: وترك العزم على معاودة الصغائر، فالإصرار معناه: اعتقاد العودة إلى الذنب، وفي الحديث: "لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار".
قال بعض العلماء: سبعة أشياء تصير الصغيرة كبيرة وهي (1):
الإصرار على الذنب وهو المقام عليه، واحتقار الذنب واستصغاره، والسرور والفرح به، والتهاون بستر الله [وحمله] (2)، وإتيان الذنب مشاهرة بغير حياء، والتحدث على وجه الافتخار به، وأن يفعله عالم مقتدى به (3).
قوله: (والمباحات القادحة في المروءة)، كالأكل في السوق لغير السوقي، والبول في الطريق، واللعب بالحمام، والحرف الدنية لمن لا تليق (4) به من غير ضرورة، كدباغة، وحجامة، وحياكة، وغيرها من كل ما يدل /280/ على أن صاحبه غير [مكترث] (5) بدينه (6) ومروءته (7).
قال الغزالي: إلا [أن] (8) يكون ممن يفعل ذلك على سبيل كسر النفس
__________
(1) "وهو" في ز.
(2) كذا في النسختين ولعل الصواب: وحلمه. وفي شرح المسطاسي: والتهاون بحكم الله وستره. انظر: صفحة 190 من مخطوط مكناس رقم 352.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 190 من مخطوط مكناس رقم 352.
(4) "يليق" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "يدينه" في الأصل.
(7) انظر: شرح القرافي ص 361، وشرح المسطاسي ص 190، من مخطوط مكناس رقم 352.
(8) ساقط من الأصل.
(5/102)

وقمعها وإلزامها التواضع، كما يفعله بعض العباد (1).
قوله: (ثم الفاسق إِن كان فسقه مظنونًا قبلت روايته بالاتفاق، وإِن كان مقطوعًا [به] (2) قبل الشافعي رواية (3) أرباب الأهواء إِلا الخطابية (4) (5) من الرافضة لتجويزهم الكذب لموافقة مذهبهم (6)، ومنع القاضي أبو بكر من قبولها) (7).
ش: لما ذكر أن العدالة شرط (8) [في] (9) قبول الرواية شرع ها هنا في
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 361، وشرح المسطاسي ص 190 من مخطوط مكناس رقم 352، ولم أجده فيما راجعت من كتب الغزالي.
(2) ساقط من أوش.
(3) "روايته" في أ، والأصل.
(4) فرقة من غلاة الرافضة، تنسب لأبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي مولاهم، يزعمون أن الأئمة آلهة، ويقولون: هم أبناء الله وأحباؤه، وقد قتل أبا الخطاب: عيسى ابن موسى بأمر المنصور في الكوفة، وافترقت الخطابية بعده فرقًا كثيرة، وهم يحلون دماء وأموال وأعراض غيرهم، ويجيزون شهادة الزور من موافقيهم على مخالفيهم. انظر: الفِصَل لابن حزم 5/ 28، والملل والنِحَل للشهرستاني 2/ 124، والفَرْق بين الفِرَق ص 247، والمعارف لابن قتيبة ص 623.
(5) "الخاطبية" في الأصل.
(6) انظر رأي الشافعي في الأم 6/ 205، والمحصول 2/ 1/ 573، والإبهاج 2/ 354، والإحكام للآمدي 2/ 83، والمستصفى 1/ 170، وقد نسب أبو الحسين قبول رواية أرباب الأهواء إلى جهل الفقهاء، وفي نسبته نظر، فارجع إلى المعتمد 2/ 618 لتتبين.
ونسبه الباجي إلى بعض أهل الحديث، انظر: إحكام الفصول 1/ 385.
(7) انظر: المحصول 2/ 1/ 572، والإحكام للآمدي 2/ 83. وقد اختاره الشيرازي في اللمع ص 227، وصححه الباجي في إحكام الفصول 1/ 385.
(8) "من شروط" زيادة في ز.
(9) ساقط من ز.
(5/103)

ضدها وهو الفسق، فذكر أن الفسق على ضربين: مظنون، ومقطوع، فالمظنون لا يمنع من القبول باتفاق (1).
فالمظنون (2) أن يعتقد أنه على صواب لمستند حصل له، ونحن نظن بطلان ذلك المستند ولا نقطع ببطلانه، فهو في حكم الفاسق لولا ذلك المستند، أما لو ظننا فسقه ببينة شهدت عليه أنه ارتكب شيئًا من أسباب الفسق فلا تقبل روايته باتفاق وليس من هذا القبيل (3).
فالفسق المظنون هو فسق الجوارح بالتأويل، والفسق المقطوع هو فسق العقائد.
قال الإمام فخر الدين في المحصول: وأما الفاسق (4) الذي يعلم كونه فاسقًا فلا تقبل روايته بالإجماع (5).
فقول المؤلف: ثم الفاسق، يعني الفاسق الذي لا يعلم كونه فاسقًا، وأما الفاسق الذي يعلم كونه فاسقًا فلا تقبل روايته بالإجماع (6).
فمثال الفسق المظنون: كفسق الحنفي إذا شرب النبيذ من غير سكر، فإنه غير مقطوع به عند الشافعي كما سيأتي، وإليه أشار المؤلف بقوله: ثم الفاسق
__________
(1) نقل الاتفاق الرازي في المحصول 2/ 1/ 572، والآمدي في الإحكام 2/ 83.
(2) "فالظنون" في الأصل.
(3) انظر: شرح القرافي ص 363، وشرح المسطاسي ص 109.
(4) "الفسق" في الأصل.
(5) انظر: المحصول 2/ 1/ 572.
(6) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 385.
(5/104)

إن كان مظنونًا قبلت روايته بالاتفاق (1).
ومثال الفسق المقطوع (2): فسق المعتزلة [كالخوارج] (3) والقدرية، فإنهم يستحلون دماء المسلمين وأموالهم (4)، ففسقهم مقطوع به، وإليه أشار المؤلف بقوله: وإن كان مقطوعًا به قبل الشافعي رواية أرباب (5) الأهواء، يعني: المعتزلة (6)، وإنما قبل روايتهم لأنهم من أهل القبلة، ولأن أحكام المسلمين تجري عليهم من الإرث والتوريث (7) لأنا نورثهم ونرثهم (8)، وإنما منع الشافعي رواية الخطابية من الرافضة لتجويزهم الكذب ليوافقهم الناس على التمسك بمذهبهم (9).
__________
(1) "باتفاق" في ز.
(2) "به" زيادة في ز.
(3) كذا في النسختين، وهو مشكل؛ لأن الخوارج غير المعتزلة، وإن قلت: لعل العبارة والخوارج، فهو مشكل أيضًا لعطف القدرية على الخوارج؛ لأن المعتزلة من القدرية كما هو مسطور في كتب الفرق، والتعليل بأنهم يستحلون دماء المسلمين وأموالهم لا ينطبق إلا على فرق من الخوارج، ولا ينطبق على القدرية المعتزلة، والله أعلم.
(4) "وأمولهم" في ز.
(5) في صلب الأصل "أهل"، وقد عدلت في الهامش إلى المثبت، وهي كذا في ز.
(6) قوله: يعني المعتزلة، فيه نظر، بل الصواب أنه يريد المعتزلة وغيرهم من الفرق، ويدل عليه استثناء الخطابية، وهم من الرافضة الغلاة، ويدل عليه قول الشافعي في الأم 6/ 205: "فلم نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة يقتدى به ... رد شهادة أحد بتأويل، وإن خطأه وضلله ... وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول ... إلا أن يكون منهم من يعرف باستحلال شهادة الزور ... إلخ" اه.
(7) "التواريث" في ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 363، وشرح المسطاسي ص 109.
(9) "بدينهم" في ز.
(5/105)

قوله: (إِلا الخطابية) (1)، سميت هذه الطائفة بالخطابية، لأنهم منسوبون إلى شيخهم أبي (2) الخطاب، وكان يأمر أصحابه بأن يشهدوا بالزور على من خالفهم في الدماء والأموال والجروح، وكان يقول: كل من خالف دينكم فماله ودمه حلال لكم، قاله ابن (3) قتيبة في المعارف (4) (5).
قوله: (من الرافضة)، سموا بذلك لأنهم رفضوا إمامة علي رضي الله عنه (6).
قوله: (ومنع القاضي أبو بكر من قبولها)، وهذا هو مذهب مالك، لأنهم إما كفار وإما فساق، كما تقدم.
__________
(1) "الخاطبية" في الأصل.
(2) في النسختين: "أبو" بالرفع.
(3) في النسختين: "أبو"، والصواب المثبت.
(4) من أشهر كتب ابن قتيبة ذكره كل من ترجم له، وهو كتاب مطابق لاسمه، فهو مجموعة من المعارف في التاريخ والأنساب والتراجم والنوادر وغيرها، طبع مرتين ثم حققه ثروت عكاشة، ونشرته دار المعارف بالقاهرة.
(5) انظر: المعارف ص 623.
(6) الصواب في سبب تسميتهم بالرافضة أن زيد بن علي بن الحسين خرج بقوم منهم من الكوفة لقتال والي هشام بن عبد الملك على العراق، فلما استمر القتال قالوا لزيد: لا نقاتل معك حتى تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر، فقال: لا أقول فيهما إلا خيرًا، وإنما أقاتل بني أمية الذين خرجوا على جدي وقتلوه، فعند ذلك فارقوه، وقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة، ثم شاع الاسم حتى أصبح مرادفًا لاسم الشيعة.
انظر: الفَرْق بين الفِرَق ص 35، 37، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص 52.
(5/106)

قوله: (وإِن كان مقطوعًا به قبل الشافعي رواية أرباب الأهواء) إلى قوله: (ومنع القاضي أبو بكر من قبولها) هو تكرار (1) لقوله أولًا: واختلف في المبتدعة إذا كفرناهم .. إلى قوله: وفصّل فخر الدين وأبو الحسين بين من يبيح الكذب وغيره (2).
وذلك الخلاف المذكور أولًا هو هذا الخلاف المذكور ها هنا.
وقال بعضهم: ليس بتكرار؛ لأنه تكلم أولًا على حكم المبتدعة على القول بأنهم كفار، وتكلم ها هنا: على حكمهم على القول بأنهم فساق، وذلك أنه لما ذكر شرط الإسلام أعقبه [بحكم] (3) المبتدعة بالنسبة إلى ضده الذي هو الكفر، ولما ذكر شرط العدالة أعقبها بضدها الذي هو الفسق، فذكر حكم المبتدعة بالنسبة إلى الفسق، فلا تكرار ولو كان الخلاف كالخلاف (4).
قوله: (واختلف العلماء في شارب النبيذ من غير سكر (5)، فقال الشافعي: أحده وأقبل شهادته [بناء على أن فسقه مظنون، وقال مالك رحمه الله: أحده ولا أقبل شهادته] (6) كأنه (7) قطع بفسقه) (8).
__________
(1) "تكل" في الأصل.
(2) انظر: صفحة 278 من مخطوط الأصل، وصفحة 82 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 359.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 106.
(5) "مسكر" في أ.
(6) ساقط من ز.
(7) "وكأنه" في أ.
(8) هذا هو المشهور من مذهب الشافعي ومالك، وقد ذهب أحمد رحمه الله إلى مثل مذهب الشافعي، أما الحنفية فلا يقولون بتفسيقه أصلًا بناءً على القول بعدم حرمته =
(5/107)

ش: ذكر المؤلف ها هنا جزئية يحتمل [الفسق] (1) فيها الأمرين.
يحتمل أن يكون مظنونًا كما قاله الشافعي، ويحتمل أن يكون مقطوعًا كما قاله مالك، وهي (2) شارب النبيذ إذا لم يسكر منه.
وسبب الخلاف (3) فيه قاعدتان: تمسك الشافعي فيه بإحداهما (4)، وتمسك مالك بالأخرى.
فالقاعدة التي تمسك بها الشافعي: أن الزواجر إنما شرعت لدرء المفاسد لا لتحصيل المصالح، ولذلك يزجر الصبيان والبهائم لأجل الاستصلاح لهم وإن لم يكونوا عصاة، ولهذا قال الشافعي: أحده وأقبل شهادته، وإنما حده
__________
= في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو مشهور الحنفية.
انظر: مذهب الشافعي في: الأم 6/ 206، والوجيز للغزالي 2/ 250، والمحصول 2/ 1/ 572، والإحكام للآمدي 2/ 83، والإبهاج 2/ 354، والمستصفى 1/ 160.
وانظر مذهب مالك في: الكافي لابن عبد البر 2/ 896، وشرح القرافي ص 362 - 364.
وانظر مذهب أحمد في: المغني 9/ 181، والمسودة ص 265، وشرح الكوكب المنير 2/ 408.
وانظر مذهب الحنفية في: الهداية 4/ 110 - 111، والجوهرة النيرة 2/ 269 - 270، وتيسير التحرير 3/ 43.
وانظر أيضًا: المغني لابن قدامة 9/ 181، وشرح العضد 2/ 63.
(1) ساقط من الأصل.
(2) "وهو" في ز.
(3) "خلاف" في الأصل.
(4) "أحدهما" في ز.
(5/108)

لدرء المفسدة (1)، وهي فساد العقل من التسبب إلى ذلك بالسكر (2)، وإنما قبل شهادته لعدم عصيانه لأنه قلد أبا حنيفة القائل بجواز شرب النبيذ (3)، فهذه القاعدة هي مدرك الشافعي فلا تناقض حينئذ بين حده وقبول شهادته، لأن حده لدرء المفسدة، وقبول شهادته لعدم المعصية (4).
القاعدة الثانية التي تمسك بها مالك رحمه الله: أن الحكم ينقض إذا خالف أربعة أشياء، وإن تأكد بقضاء القاضي، وهي: الإجماع، والنص، والقياس الجلي، والقواعد (5).
فإذا كان الحكم لا يقر (6) إذا خالف هذه الأشياء فلا يجوز التقليد فيه، فالتقليد فيه كالعدم، فيكون المقلد فيه كأنه (7) لم يقلد أحدًا، ومن لم يقلد أحدًا في شرب النبيذ كان عاصيًا في شربه، والعاصي بمثل هذه الفعلة يكون
__________
(1) "المفاسد" في ز.
(2) "فاسكر" في ز.
(3) انظر: الهداية للمرغيناني 4/ 110 - 111.
(4) انظر: شرح القرافي ص 363، وشرح المسطاسي ص 109.
(5) انظر: تفاصيل نقض القاضي قضاء نفسه أو قضاء غيره في: المغني لابن قدامة 9/ 56، والأم 6/ 204، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 253.
وانظر لنقض القضاء بهذه الأربعة: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 135، والفروق للقرافي 2/ 101 و109 و4/ 40، وإيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي ص 150 و161، وشرح المسطاسي ص 190.
وانظر باب الاجتهاد من هذا الكتاب صفحة 344 من مخطوط الأصل، وصفحة 59 من المجلد السادس من هذا الكتاب، وشرح القرافي ص 432.
(6) "لا يضر" في ز.
(7) "فكأنه" في الأصل.
(5/109)

فاسقًا، فهذه القاعدة هي مدرك مالك رحمه الله، ولأجل هذا قال مالك: أحده ولا أقبل شهادته، وإنما حده لعصيانه، ورد شهادته لفسقه (1).
قال المؤلف في شرحه: وقاعدة مالك أوجه في النظر من قاعدة الشافعي، / 281/ لأن قاعدة الشافعي [و] (2) إن كانت صحيحة يرد عليها أنها لم توجد إلا في الزواجر التي ليست بمحدودة (3)، وأما المحدودة فلا توجد إلا في المعاصي (4).
وإنما قلنا: إن المقلد في شرب النبيذ لأبي حنيفة كأنه غير مقلد لأحد، لأن أبا حنيفة خالف ها هنا [النص، والقياس الجلي، والقواعد.
أما النص: فهو قوله عليه السلام: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (5).
وأما القياس: فهو قياسه على الخمر بجامع السكر] (6).
وأما القواعد: [فهو] (7) سد الذريعة في صون العقل (8).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 363، 364، وشرح المسطاسي ص 109.
(2) ساقط من ز.
(3) أي التي لا حد فيها، بمعنى أن الحد لا يوجد إلا فيما كان معصية لله كالسكر والزنا ونحوهما.
(4) انظر: شرح القرافي ص 363، وشرح المسطاسي ص 110.
(5) حديث صحيح رواه مسلم بهذا اللفظ عن ابن عمر في الأشربة برقم 2003، ورقمه الخاص 75.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "العقول" في ز.
(5/110)

ولأجل هذا انعقد الإجماع على تحريم القطرة الواحدة من الخمر وإن كانت لا تسكر سد الذريعة (1) (2).
قوله: (وقالت (3) الحنفية (4): يقبل قول المجهول).
ش: يعني أن من جهل حاله ولا يعلم كونه فاسقًا أو كونه (5) عدلاً، هل تقبل روايته؟ قاله أبو حنيفة (6)، أو لا تقبل روايته؟ قاله الجمهور:
__________
(1) هكذا في النسختين ولا يستقيم الأسلوب إلا بلامين فتصبح العبارة: سدًا للذريعة، وفي شرح القرافي سدًا لذريعة الإسكار فانظره ص 364، وانظر أيضًا: شرح المسطاسي ص 110.
(2) انظر: شرح القرافي ص 364، وشرح المسطاسي ص 110.
(3) "وقال" في أوش وخ.
(4) "أبو حنيفة" في ش.
(5) "ولا كونه" في ز.
(6) يحكي كثير من الأصوليين هذا المذهب عن أبي حنيفة وأصحابه بالإطلاق، والذي يرجع إلى كتب الحنفية يجدهم يصرحون بالتقييد، فهم يقبلون مجهول الحال أو المستور لكن ذلك مقيد بالصدر الأول، أي القرون الثلاثة التي شهد لها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمران بن حصين وغيره، فالحنفية لا يقبلون مستور الحال بإطلاق.
يقول الخبازي في المغني ص 202: مستور الحال لا يقبل عند الحنفية، كالفاسق ما لم تظهر عدالته، إلا في الصدر الأول لأن العدالة هناك غالبة.
ويصرح صدر الشريعة في التوضيح 2/ 10، 11 بتحديد الفترة فيقول: وأما بعد القرن الثالث فلا لغلبة الكذب. وانظر: فواتح الرحموت 2/ 146، 147.
وقد روي عن أبي حنيفة رواية ضعيفة أن المستور إذا روى عنه الثقات ولم يردوا روايته يقبل، انظر: التيسير 3/ 48، وهذا غير منكر لأن بعض الأئمة يقولون بأن رواية الثقة عن غيره تعديل كما سيأتي، فانظر صفحة 282، 283 من مخطوط الأصل، وصفحة 116 و120 من هذا المجلد.
(5/111)

مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وجل أهل العلم (1).
حجة الجمهور من وجوه:
أحدها: قوله عليه السلام: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"، وصيغته صيغة الخبر، ومعناه الأمر [تقديره:] (2) ليحمل (3) هذا العلم من [كل] (4) خلف عدوله، فأمر عليه السلام بالعدالة في الرواية، فلو لم تكن العدالة شرطًا لبطلت حكمة هذا الخبر ولكان العدل وغيره في ذلك سواء (5).
والوجه الثاني: أنه عليه السلام كان يطلب العدالة فيمن ينفذه إلى القبائل والبلاد، فدل ذلك على أن العدالة شرط.
الوجه (6) الثالث: أن الصحابة رضوان الله عليهم يردون أخبار المجاهيل كما رد عمر رضي الله عنه [خبر] (7) فاطمة بنت قيس في السكنى فقال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا عليه السلام بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، وغير ذلك.
__________
(1) انظر مذهب الجمهور في: اللمع ص 228، والتبصرة ص 337، والبرهان فقرة 553، والمحصول 2/ 1/ 576، والمعالم ص 225، والإحكام للآمدي 2/ 78، وشرح القرافي ص 364، وشرح المسطاسي ص 110، ومختصر ابن الحاجب 2/ 64، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 121، وتدريب الراوي 1/ 316.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "يحمل" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 364.
(6) "والوجه" في ز.
(7) ساقط من ز.
(5/112)

والوجه الرابع: بالقياس على مجهول الإسلام إذ [لا] (1) فرق بينهما.
والوجه الخامس: أن مقتضى الدليل ألا يعمل بالظن (2) [خالفناه] (3) فيمن ثبتت عدالته، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل (4).
حجة الحنفية من وجوه أيضًا:
أحدها: قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (5)، فأوجب التبين (6) عند وجود الفسق، وعند عدم وجود الفسق لا يجب التبين (6)، فيجوز العمل بقول المجهول، وهو المطلوب (7).
الوجه (8) الثاني: قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (9) فأوجب الحذر عند قولهم ولم يشترط العدالة، فيقبل قول المجهول (10).
والوجه الثالث: أن أعرابيًا شهد عند النبي عليه السلام برؤية الهلال
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "إلا" زيادة في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر الأوجه الخمسة في شرح المسطاسي ص 110.
(5) الحجرات: 6.
(6) "التبيين" في ز.
(7) انظر: شرح القرافي ص 364، وشرح المسطاسي ص 110.
(8) "والوجه" في ز.
(9) التوبة: 122.
(10) انظر: شرح القرافي ص 364، وشرح المسطاسي ص 110.
(5/113)

فقبل شهادته (1)، فإذا جاز المجهول في الشهادة (2) ففي الرواية أولى؛ لأن الشهادة يشترط فيها ما لا يشترط في الرواية من الذكورية والحرية والعدد (3).
الجواب عن الأول وهو قوله تعالى (4): {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (5): أن الفسق إذا علم زواله ثبتت (6) العدالة، لأنهما ضدان لا ثالث لهما، متى علم زوال (7) أحدهما ثبت الآخر, [ومع جهل الحال لم ينتف قطعًا ولا ظنًا، فلا يقبل] (8).
[وأجيب عن الثاني: وهو قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} الآية (9) أن الطائفة مطلقة] (10) وقوله عليه السلام: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" مقيد لإطلاق (11) الآية، لأن السنة تبين القرآن؛ لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (12).
[وأجيب عن الثالث وهو قبول شهادة الأعرابي في الهلال: أن قضايا
__________
(1) روى الترمذي رقم 691، وأبو داود رقم 2340، وابن ماجه رقم 1652 عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت الهلال، قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ " قال: نعم، قال: "يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدًا"، وهذا لفظ الترمذي، وقد روي مرسلاً عن عكرمة، انظر: سنن أبي داود رقم 2341، وانظر الحديث في النسائي 2/ 132، والدارقطني 2/ 158.
(2) "الرواية" في الأصل.
(3) انظر: شرح القرافي ص 364، وشرح المسطاسي ص 110.
(4) لو قال: وهو استدلالهم بقوله تعالى .... إلخ، لكان أحسن.
(5) الحجرات: 6.
(6) "قبلت" في ز.
(7) "زول" في ز.
(8) ساقط من الأصل.
(9) التوبة: 122.
(10) ساقط من ز.
(11) "مقيد الإطلاق" في ز.
(12) النحل: 44.
(5/114)

الأعيان إذا جهل حالها نُزِّلتْ على القواعد، وقاعدة الشهادة العدالة، ولو نقل عن قاض من قضاة الوقت أنه حكم بقول رجل ولم يذكر صفته، حمل (1) على أنه ثبتت (2) عنده عدالته، فإذا كان هذا في آحاد القضاة، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى، لاسيما وهو عليه السلام يقول (3): "إذا شهد ذو عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا"، فتصريحه (4) عليه السلام بالعدالة يأبى قبول شهادة المجهول، فثبت بما ذكرنا أن قول أبي (5) حنيفة مرجوح (6).
واختلف في سبب قول أبي حنيفة: قيل: سببه أن العدالة معناها (7) الإسلام، والسلامة (8) من ظهور الفسق.
وأما معناها عند الجمهور فهي اجتناب الكبائر وبعض الصغائر والإصرار عليها، والمباحات القادحة في المروءة، كما تقدم (9).
وقيل: سببه: أن العدالة [عندهم] (10) حق للعبد (11) فإذا لم
__________
(1) "حكم" في ز.
(2) "ثبت" في ز.
(3) في هامش الأصل ما يلي: انظر قوله عليه السلام: "إذا شهد ذو عدل فصوموا وأفطروا". اه.
(4) "فتصريحد" في ز.
(5) "أبا" في الأصل.
(6) انظر الأجوبة عن الأدلة الثلاثة في شرح القرافي ص 364، 365، وشرح المسطاسي ص 110، 111.
(7) في هامش الأصل كلمة لم أتبينها ولعلها: "معناها"؛ لأن كلمة معناها غير موجودة في صلب الأصل.
(8) "والسلام" في ز.
(9) انظر صفحة 280 من مخطوط الأصل، وصفحة 98 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 361، وانظر إحكام الفصول 1/ 355.
(10) ساقط من الأصل.
(11) "العبد" في ز.
(5/115)

يطلبها الخصم فلا تجب، فإذا طلبها الخصم وجب على الحاكم إجابته.
وأما الجمهور فالعدالة عندهم حق لله تعالى فلا بد من ثبوتها طلبت أو لم تطلب (1).
وقيل سبب ذلك: أن أبا حنيفة إنما قال في ذلك في أول الإسلام حيث كان الناس الغالب عليهم العدالة (2)، ولما كثر الفساد وقل الرشاد فلا بد من ثبوت العدالة إلحاقًا للنادر بالغالب (3) في الوجهين (4)، والله أعلم.
قوله: (وتثبت العدالة إِما بالاختبار أو بالتزكية).
لما ذكر المؤلف أن العدالة شرط، أراد أن يذكر ما تثبت به، فذكر ها هنا أنها تثبت بأحد شيئين: أحدهما: الاختبار، والثاني: التزكية (5)، وزاد في الشرح شيئين آخرين، وهما: السماع المتواتر، أو المستفيض (6)، وزاد غيره خامسًا، وهو رواية العدل (7)، فهذه خمسة أشياء تدل على العدالة.
ومعنى الاختبار: هو (8) المعاملة [و] (9) المخالطة التي يطلع بها على خبايا (10) النفوس ودسائسها (11).
__________
(1) انظر هذا السبب في: المسطاسي ص 110، وشرح حلولو ص 312.
(2) العبارة في ز هكذا: حيث كان الغالب على الناس العدالة ... إلخ.
(3) "للغالب" في الأصل.
(4) انظر: المغني للخبازي ص 202، والتوضيح 2/ 10، 11، وفواتح الرحموت 2/ 146، 147. وانظر: المسطاسي ص 110، وشرح حلولو ص 312.
(5) انظر: المحصول 2/ 1/ 584، وشرح القرافي ص 365.
(6) انظر: شرح القرافي ص 365، وشرح المسطاسي ص 111.
(7) انظر: اللمع ص 229، حيث حكاه عن بعض الشافعية، والتبصرة ص 339، والبرهان فقرة 563، وإحكام الفصول 1/ 376، والمحصول 2/ 1/ 589، وشرح العضد 2/ 66، والعدة 3/ 934، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 129، والروضة ص 118، وشرح المسطاسي ص 111.
(8) "هي" في الأصل.
(9) ساقط من ز.
(10) "اخبار" في ز.
(11) انظر: شرح القرافي ص 365، وشرح المسطاسي ص 111، وشرح حلولو ص 313.
(5/116)

ومعنى التزكية: ثناء العدول (1) المبرزين عليه بصفات العدالة، وصفة هذا معروفة (2) عند الفقهاء (3).
قال مالك: هي (4) أن يقول المزكي: هو عدل رضا (5).
قال أبو محمد في الرسالة: لا (6) يقبل في التزكية إلا من/ 282/ يقول: عدل رضا (7)، فاللفظ عند مالك معتبر متعين على المشهور من مذهبه، وقد بين القاضي عبد الوهاب ذلك في التلقين بقوله: والمراعى في تزكية الشاهد: أن يشهد المزكي بأنه عدل رضا، وذلك يغني عما سواه، ولا يغني غيره عنه (8).
__________
(1) "العدل" في ز.
(2) "معرفة" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 365، وشرح المسطاسي ص 111، والمشهور من مذهب الشافعي أنه لا بد أن يقول: هو عدل لي وعلي، انظر: الأم 6/ 205، والكفاية للخطيب ص 145، والإبهاج 2/ 358، والمغني 9/ 68.
وقال الحنفية: لا بد أن يقول المعدل: هو حر عدل جائز الشهادة، وقيل: يكتفى بقوله: هو عدل، وقد ذكر ابن همام للتزكية مراتب فانظرها في التيسير 3/ 49.
وانظر: الهداية للمرغيناني 3/ 118، والجوهرة النيرة شرح القدوري 2/ 327، والحنابلة قالوا: يكفي قوله: أشهد أنه عدل. انظر: المغني لابن قدامة 9/ 68.
(4) "هو" في ز.
(5) وقد روى عنه ابن وهب أن للمزكي أن يقول: لا أعلم إلا خيرًا، انظر: المنتقى للباجي 5/ 196، وانظر النص على قوله عدل رضا في: إحكام الفصول 1/ 372، والكافي لابن عبد البر 2/ 900، والقوانين الفقهية ص 266، وشرح المسطاسي ص 111.
(6) "فلا" في ز.
(7) انظر: الرسالة لابن أبي زيد ص 111.
(8) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب ورقة/ 117/ ب، مخطوط في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم: ج 672، وفيه: ولا يغني عنه غيره.
(5/117)

قال بعضهم: هذا اللفظ الذي هو عدل رضا بمنزلة أم القرآن [في الصلاة] (1) لأنها تغني عن غيرها من القرآن ولا يغني غيرها عنها.
قوله: ولا يغني غيره عنه كإذا قال: هو نعم العبد، أو نعم الرجل، أو نعم الإنسان، أو مقبول الشهادة، أو جائز الشهادة، أو غير ذلك، فلا يزكى بذلك (2).
ولا يزكي الشاهد إلا من هو عارف بحاله ظاهرًا وباطنًا (3) كما قال عمر رضي الله عنه في رجل زكى شاهدًا عنده: هل ساكنته؟ هل سافرت معه؟ هل عاملته بالدنانير والدراهم التي تقطع الرحم؟ فقال: لا، فقال: [ائتني بغيره] (4) (5) (6).
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: الكافي لابن عبد البر 2/ 900، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 266.
وقد مر بنا أن الباجي نقل عن مالك رواية أخرى، وهي قوله: لا أعلم إلا خيرًا.
انظر: المنتقى 5/ 196، ونقل عن القاضي أبي بكر أنه قال: كل لفظ يخبر به عن العدالة والرضى صح التعديل به، انظر: إحكام الفصول 1/ 372.
(3) انظر: المنتقى 5/ 195، والكافي لابن عبد البر 2/ 901، والمغني لابن قدامة 9/ 68.
(4) ساقط من ز.
(5) في ز زيادة: "يا ابن أخي لا تعرفه".
(6) أخرجه البيهقي في الكبرى 10/ 125، عن خرشة بن الحر، وفيه: فعاملك بالدينار والدرهم اللذين بهما يستدل على الورع، وأخرج مثله الخطيب في الكفاية ص 144. وقد ذكره الصنعاني في سبل السلام 4/ 259، ونسبه لابن كثير في الإرشاد، قال: قال ابن كثير: رواه البغوي بإسناد حسن. قلت: ولم أقف عليه في شرح السنة.
وقد ذكره صاحب المغني 9/ 64، بقريب من هذا اللفظ.
(5/118)

قال مالك: ولا يكفي (1) في ذلك مصاحبة شهر (2) (3).
واختلف في هذين اللفظين قيل: مترادفان، وقيل: متباينان.
فإذا قلنا: متباينان، فقيل: عدل في أفعاله، [و] (4) رضا معناه: مأمون من التخيل (5) عليه في شهادته.
وقيل: عدل فيما بينه وبين الله، رضا فيما بينه وبين الناس.
واختلف في هذين اللفظين، هل يكتفى بأحدهما (6) عن الآخر أم لا؟
[قولان] (7) (8)، سببهما: الاختلاف المذكور في ترادفهما وتباينهما، فإذا قلنا بترادفهما فيكتفى بأحدهما عن الآخر، وإذا قلنا بتباينهما فلا يكتفى بأحدهما عن الآخر.
ومعنى السماع المتواتر: هو خبر أقوام عن أمر محسوس يستحيل تواطؤهم على (9) الكذب عادة، كما تقدم بيانه أول الباب (10).
__________
(1) "يكتفى" في ز.
(2) في ز: "مصاحبة شهرا".
(3) انظر: المنتقى للباجي 5/ 195.
(4) ساقط من ز.
(5) كذا في النسختين، وهي بمعنى التخييل، وهو الوهم وتوجيه التهمة، لأنه يقول: يشبه أن يكون كذا، لعله أن يكون كذا. انظر: القاموس المحيط مادة: (خال)، والصحاح، ومعجم مقاييس اللغة، مادة: (خيل).
(6) "أحدهما" في الأصل.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: المنتقى للباجي 5/ 196، والكافي لابن عبد البر 2/ 900.
(9) "عن" في الأصل.
(10) انظر: مخطوط الأصل صفحة 273، وصفحة 27 من هذا المجلد.
(5/119)

ومعنى السماع المستفيض: هو السماع المنتشر ولم يبلغ حد التواتر.
قال ابن الحاجب في الأصول: والمستفيض ما زادت نقلته على ثلاثة. انتهى (1).
ولكن هذا على القول بأن الخبر (2) ثلاثة أقسام: تواتر، وآحاد، ومستفيض.
والمشهور أنه محصور في قسمين خاصة، وهو التواتر، والآحاد، [و] (3) لا ثالث لهما.
فقولنا: السماع المتواتر والمستفيض تثبت (4) بهما العدالة، وذلك أنا نقطع بعدالة أقوام من العلماء والصلحاء من سلف هذه الأمة ولم نختبرهم، بل بالسماع المتواتر أو المستفيض.
وقد نص الفقهاء بأن (5) من عرف بالعدالة لا تطلب تزكيته (6).
وأما رواية العدل كإذا قال العدل: رويت هذا عن فلان، هل ذلك
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 55.
(2) "على" زيادة في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "ثبتت" في الأصل.
(5) "على أن" في ز.
(6) انظر: الكفاية للخطيب ص 147، والكافي لابن عبد البر 2/ 900، وشرح المسطاسي ص 111، ومقدمة ابن الصلاح ص 218، وشرح القرافي ص 365.
(5/120)

تعديل لفلان؟ ففيه ثلاثة أقوال: مشهورها التفصيل (1).
قال ابن الحاجب في الأصول: [و] (2) رواية العدل ثالثها المختار، تعديل إن كانت عادته أنه لا يروي إلا عن عدل. انتهى (3).
قوله: (واختلف الناس في اشتراط العدد في التزكية والتجريح، فشرطه (4) بعض المحدثين في التزكية والتجريح، في الرواية والشهادة،
__________
(1) ذهب أكثر العلماء إلى المنع من كون رواية الثقة عن المجهول تعديلاً له، كذا حكاه الباجي في إحكام الفصول 1/ 376، واختاره الشيرازي في اللمع ص 229، والتبصرة ص 339، وحكاه أبو الخطاب في التمهيد 3/ 129 عن الشافعية، وهو رواية عن أحمد.
وأشار لهذا المذهب: صاحب البرهان فقرة 563، وابن الحاجب في مختصره 2/ 66.
والقول الثاني: أنها تعديل: نسبه صاحب اللمع ص 229 لبعض الشافعية، وكذا فعل في التبصرة ص 339، وهو رواية عن أحمد كما في العدة 3/ 934 اختارها أبو يعلى، وانظر: التمهيد 3/ 129، الروضة ص 118.
وانظر هذا القول في إحكام الفصول للباجي 1/ 376، والبرهان فقرة 563، وشرح العضد 2/ 66.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون لا يروي إلا عن الثقات فتقبل وتكون تعديلاً، أو إذا كان يروي عنهم وعن غيرهم فلا تكون تعديلاً.
وقد اختار هذا الرأي: الجويني في البرهان فقرة 563، والباجي في إحكام الفصول 1/ 376، والرازي في المحصول 2/ 1/ 589، والآمدي في الإحكام 2/ 89، وانظر: شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 66، وشرح المسطاسي ص 111.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2/ 66.
(4) "فشرط" في أ.
(5/121)

واشترطه القاضي أبو بكر [في تزكية] (1) الشهادة فقط (2)، واختاره [الإمام] (3) فخر الدين) (4).
ش: اختلف الأصوليون هل يكتفى بمزكٍ واحد ومجرح واحد في الرواية والشهادة (5)؟ أو لا بد من اثنين في الرواية والشهادة (6)، أو التفصيل بين الرواية
__________
(1) غير واضحة في الأصل.
(2) قال صاحب المحصول 2/ 1/ 585، وقال القاضي أبو بكر: لا يشترط العدد في تزكية الشاهد ولا في تزكية الراوي، وإن كان الأحوط في الشهادة الاستظهار بعدد المزكي. اه. فهذا يدل على أن القاضي يقول بالواحد، وهو الذي نقله عنه الآمدي في الإحكام 2/ 85، وابن السبكي في الإبهاج 2/ 356، والعضد 2/ 64، ونقل حلولو ص 314 عنه مثلما نقل الرازي، وحكى المسطاسي القولين في شرحه ص 112. قال: وقيل: يكتفى بواحد في الجميع، قاله أبو بكر، وقيل: يكتفى بواحد في الرواية دون الشهادة، وإليه ذهب القاضي. اه. إلا أن يريد بالقاضي عبد الوهاب فيكون قول القاضي أبي بكر هو الأول من هذين القولين فقط.
(3) ساقط من أ، وخ.
(4) انظر: المحصول 2/ 1/ 585.
(5) نسب هذا المذهب الباجي إلى أكثر أهل العلم، وصححه، واختاره أيضًا الشيرازي، ونسبه صاحب المحصول إلى القاضي أبي بكر، وجعل شرطه الاثنين في الشهادة احتياطًا، وكذا نسبه له الآمدي وابن السبكي.
أما صاحب البرهان فجعل مرد العدد إلى حصول الثقة، فلو حصلت بواحد قبل.
انظر: البرهان فقرة 562، واللمع ص 228، وإحكام الفصول 1/ 369، والمحصول 2/ 1/ 585، والإبهاج 2/ 356، والإحكام للآمدي 2/ 85، وشرح العضد 2/ 64، والكفاية للخطيب ص 161.
(6) نسبه الشوشاوي لبعض المحدثين، وكذا نسبه لهم الرازي في المحصول 2/ 1/ 585 وصاحب الإبهاج 2/ 356، ونسبه الشيرازي لبعض الشافعية، فانظر اللمع ص 228، ونسبه الباجي في إحكام الفصول 1/ 369 لكثير من الفقهاء، وانظر: شرح العضد 2/ 64، والإحكام للآمدي 2/ 85.
(5/122)

والشهادة، على ثلاثة أقوال.
والقول الذي عليه الجمهور: التفصيل: أي يكتفى بواحد في التعديل والتجريح في الرواية، وأما الشهادة فلا بد في تعديلها وتجريحها من اثنين (1).
حجة اشتراط العدد فيهما، أي في الرواية الشهادة: قياسًا لهما على الترشيد، والتسفيه، والكفاءة، وغيرهما (2) لأن الجميع صفات (3)، وقياسًا (4) لهما أيضًا على الشهادة (5).
حجة القول بالاكتفاء بالواحد فيهما: قياسًا على الرواية (6).
حجة القول بالتفصيل: إلحاقًا للفرع بأصله تسوية بين البابين، وذلك أن الرواية يكتفى فيها بواحد على الصحيح، فيكتفى بواحد في التعديل والتجريح فيها.
والشهادة لا يكتفى فيها بواحد فلا بد فيها من اثنين، فكذلك لا بد من اثنين في التزكية والتجريح فيها، تسوية بين الفرع وأصله (7).
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 1/ 585، والإبهاج 2/ 356، والإحكام للآمدي 2/ 85، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 64، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 129، والروضة ص 117، والكفاية للخطيب ص 160، 161، ومقدمة ابن الصلاح ص 223.
(2) كذا في النسختين، والأولى: "وغيرها".
(3) انظر: شرح القرافي ص 365، والمسطاسي ص 112.
(4) "وقياس" في ز.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 112.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 112.
(7) انظر: شرح القرافي ص 365، وشرح المسطاسي ص 112.
(5/123)

قوله: (في تزكية الشهادة)، يريد: وتجريحها.
قوله: (وقال الشافعي: يشترط إِبداء سبب التجريح دون التعديل لاختلاف المذاهب (1) والعدالة شيء واحد (2)، وعكس قوم لوقوع الاكتفاء بالظاهر في العدالة دون التجريح (3)، ونفى ذلك القاضي أبو بكر فيهما) (4).
ش: واختلف في إظهار سبب التجريح والتعديل، هل يشترط أم لا؟ علي أربعة أقوال:
__________
(1) "في ذلك" زيادة في ش.
(2) ذكر هذا المذهب عن الشافعي صاحب البرهان فقرة 560، والباجي في إحكام الفصول 1/ 383، والرازي في المحصول 2/ 1/ 586، والآمدي في الإحكام 2/ 86، وابن الحاجب 2/ 65، والخطيب في الكفاية ص 178، وما ذكروه عن الشافعي موافق لما أورده رحمه الله في كتاب الأقضية من الأم إلا أنه اشترط في المعدل أن يعرف من عدله معرفة باطنة. فانظر الأم 6/ 205.
وقد أورده القاضي رواية ظاهرة عن أحمد، فانظر العدة 3/ 931، ونسبه الخطيب في الكفاية ص 166، 179 إلى الأئمة من حفاظ الحديث كالبخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم، وانظر تدريب الراوي 1/ 305. وقد اختار هذا المذهب الشيرازي في اللمع ص 229.
(3) نسب الجويني في البرهان هذا المذهب إلى القاضي ومال إليه، ثم رجح أن الأمر يرد إلى حال الجارح والعدل من حيث معرفته بالجرح والتعديل وشدته ولينه فيهما. انظر الفقرتين 560 و561.
وانظر هذا المذهب في المحصول 2/ 1/ 587، والإبهاج 2/ 357، والإحكام للآمدي 2/ 86، ومختصر ابن الحاجب 2/ 65.
(4) انظر: المحصول 2/ 1/ 587، ومختصر ابن الحاجب 2/ 65، والإحكام للآمدي 2/ 86، والإبهاج 2/ 357. وقد نسبه الباجي في إحكام الفصول 1/ 374، 383 إلى الجمهور واختاره إن كان المجرح أو المعدل عدلاً عالمًا بهما، واختاره أيضًا الآمدي، والرازي، والقرافي في شرحه ص 366.
(5/124)

قيل: يشترط في التعديل والتجريح، وقيل: لا يشترط فيهما، وقيل: يشترط في التجريح دون التعديل، وقيل: بالعكس.
ذكر المؤلف ثلاثة أقوال وسكت عن القول باشتراطه فيهما (1).
حجة القول باشتراط إظهار سبب التجريح والتعديل: الاحتياط، لأن الإنسان قد يعتقد أن شيئًا جرحة ويعتقد غيره أن ذلك الشيء ليس بجرحة، فالاحتياط (2) إظهار السبب (3).
حجة القول بعدم إظهار (4) السبب فيهما (5): أن العالم المتقن لا يجرح ولا يعدل إلا بما لو صرح به عند الحاكم لكان موجبًا للتجريح أو التعديل، وحينئذ يكتفي الحاكم بعلمه عن سؤاله (6).
حجة القول باشتراط ذلك في التجريح دون التعديل: أن ذلك لاختلاف المذاهب في سبب التجريح، فقد يعتقد إنسان في شيء أنه موجب للجرح، ويعتقد غيره أن ذلك الشيء بعينه غير موجب للجرح، فيحتاج (7) إلى إظهار سبب التجريح (8).
__________
(1) انظر هذا المذهب في: البرهان فقرة 560، وإحكام الفصول للباجي 1/ 374، 383، والمحصول 2/ 1/ 587، والإحكام للآمدي 2/ 86، وشرح العضد 2/ 65، وشرح المسطاسي ص 112.
(2) "الاحتياط" في الأصل.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 112.
(4) "اشتراط" في ز.
(5) "فيها" في ز.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 112.
(7) "وليحتاج" في ز.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 112.
(5/125)

قوله: (لاختلاف المذاهب) [أي لاختلاف المذاهب] (1) فيما يجرح به بخلاف سبب العدالة فهو واحد، وهو اجتناب الكبائر وبعض الصغائر والإصرار عليها، والمباحات القادحة في المروءة، وذلك يجمعها اجتناب القادحات.
حجة القول باشتراط الإظهار في التعديل دون التجريح: أن الناس يسرعون كثيرًا إلى الاعتماد (2) [على] (3) الظاهر (4)،/ 283/ بخلاف التجريح فلا بد من الاطلاع على سببه (5).
والصحيح من هذه الأقوال عدم الاشتراط فيهما، لأجل الاحتياط (6)، وهو قول القاضي أبي (7) بكر رحمه الله.
وأما ما احتجوا به من اختلاف المذاهب، فلا حجة فيه؛ لأن العالم
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "الاعتقاد" في الأصل.
(3) ساقط من ز.
(4) "بالظاهر" في ز.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 110.
(6) في الأسلوب لبس، فإن كان مراده الصحيح من الأقوال: عدم الاشتراط فيهما، وحجته الاحتياط، فغير مسلم؛ لأن الاحتياط هو في اشتراط السبب فيهما، كما سبق بيان ذلك في حجج الأقوال، وإن أراد غير ذلك فلم يظهر لي.
أما حجة هذا القول فهي ما ذكره صاحب المحصول وغيره عن القاضي أنه إن لم يكن بصيرًا بهذا الشأن لم تصح تزكيته، وإن كان بصيرًا فلا معنى للسؤال. اه.
انظر: المحصول 2/ 1/ 587، والإبهاج 2/ 357، والمستصفى 1/ 162.
(7) "أبو" في ز.
(5/126)

المتقن (1) لا يجرح بأمر مختلف فيه، يمكن التقليد فيه، ولا يفسق بذلك إلا جاهل، فما من مذهب إلا وفيه [أ] (2) مور ينكرها أهل المذاهب الأخر، ولو صح التفسيق بذلك لفسقت كل طائفة طائفة أخرى، وذلك يؤدي إلى تفسيق جميع الأمة، وذلك خلاف الإجماع، فالمذاهب كلها مسالك إلى الجنة وطرق إلى السعادة فمن سلك منها طريقًا وصله إلى الجنة، فكل من قلد تقليدًا صحيحًا فهو مطيع لله تعالى، وإن [كان] (3) غيره من [أهل] (4) المذاهب مخالفًا في ذلك (5).
قال المؤلف في شرحه: وأما الاكتفاء بالظاهر فهو شأن الجهلة والأغبياء، الضعفاء الحزم والعزم، ومثل هؤلاء لا ينبغي للحاكم الاعتماد على قولهم في التزكية، وكل من كان يغلب عليه حسن الظن بالناس فلا ينبغي أن يكون مزكيًا ولا حاكمًا لبعده من الحزم، وقد قال عليه السلام: "الحزم سوء الظن" (6) (7) فمن ضيع سوء الظن فقد ضيع الحزم، ثم لا ينبغي أن يبني على سوء ظنه شيئًا
__________
(1) "المتيقن" في الأصل.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من ز.
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 366، وشرح المسطاسي ص 112.
(6) حديث ضعيف، أخرجه الديلمي في مسنده عن علي بن أبي طالب موقوفًا، وقد روي مرسلاً عن عبد الرحمن بن عايد يرفعه، وهو ضعيف أيضًا، وفي معناه ما روي من قوله: "احترسوا من الناس لسوء الظن". قال في الكشف: وجميع طرقه بمعانيه المختلفة يتقوى بعضها ببعض. انظر: تمييز الطيب من الخبيث ص 67، وكشف الخفا 1/ 56 و426، والغماز على اللماز ص 61.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 112.
(5/127)

إلا لمستند شرعي، وهو معنى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (1)، أي: اجتنبوا العمل (2) به حتى يثبت بطريق شرعي (3)، فالحق مذهب القاضي. انتهى نصه (4).
قال ابن الحاجب في الفروع في كتاب الشهادات (5): ولا يجب ذكر سبب التعديل، وفي سبب الجرح، ثالثها لمطرف: إن كان عالمًا بوجهه لم يجب، ورابعها لأشهب: إن كان غير مبرز لم يجب. انتهى نصه (6).
قوله: (ويقدم الجرح على التعديل، إِلا أن يجرحه بقتل إِنسان (7) فيقول المعدل رأيته حيًّا (8)، وقيل: يقدم المعدل إِذا (9) زاد (10) عدده).
ش: قوله: (ويقدم الجرح على التعديل)، يعني: مطلقًا، سواء كان
__________
(1) الحجرات: 12.
(2) "العلم" في ز.
(3) انظر: تفسير البحر المحيط 8/ 114.
(4) انظر: شرح القرافي ص 366، وانظر: شرح المسطاسي ص 113.
(5) "الشهادة" في ز.
(6) انظر: جامع الأمهات المعروف بالفروع لابن الحاجب ورقة/ 89/ ب، من مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 887 د.
(7) "معين" زيادة في ش.
(8) انظر: المحصول 2/ 1/ 588، والإبهاج 2/ 357، والإحكام للآمدي 2/ 87، وشرح العضد 2/ 65، 66، وشرح القرافي ص 366.
(9) "ان" في ش.
(10) "زاي" في أ.
(5/128)

عدد المجرح (1) أكثر أو أقل أو مساويًا لعدد المعدل (2).
أما إذا كان عدد المجرح أكثر، فلا خلاف أنه يقدم، قاله القاضي عياض في الإكمال (3) (4).
وإن كان عدد المجرح أقل أو مساويًا، فقولان، مشهورهما: يقدم الجرح أيضًا (5).
وقيل: يقدم التعديل إذا كان عدد الجرح أقل (6)، ولا يقدم أحدهما على الآخر إذا تساويا لتعارضهما (7).
حجة القول بتقديم الجرح مطلقًا: أن المجرح اطلع على ما لم يطلع عليه
__________
(1) "المجروح" في الأصل.
(2) انظر: الكفاية للخطيب ص 175 و177، وإحكام الفصول للباجي 1/ 389، وقد نقله عن أبي بكر فيما إذا كان المجرح مساويًا للمعدل أو أكثر، ونسب لأكثر الناس تقديم المجرح ولو زاد عدد المعدل. وانظر: شرح المسطاسي ص 113.
(3) اسمه: إكمال المعلم بفوائد كتاب مسلم، كمل به كتاب المعلم للمازري، (ت 536 ه)، وهناك كتاب إكمال إكمال المعلم لأبي عبد الله محمد بن خليفة الوشتاني (ت 827 ه)، انظر: كشف الظنون 1/ 557، وفهرسة ما رواه عن شيوخه لأبي بكر بن خير ص 196.
(4) انظر: الإكمال ص 13 مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم/ ج/ 933.
(5) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 389، والمسطاسي ص 113.
وقد ذكر الشيرازي في اللمع ص 229، القول بتقديم الجرح فيما إذا عدله واحد وجرحه واحد.
(6) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 389، وقد ضعفه الرازي في المحصول 2/ 1/ 588، وقال الآمدي في الإحكام 2/ 87، ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد. اه.
وانظر: شرح القرافي ص 366، وشرح المسطاسي ص 113.
(7) ذكره الباجي عن بعض فقهاء المالكية، انظر: إحكام الفصول 1/ 389.
(5/129)

المعدل، فلا منافاة بين البينتين (1).
حجة القول بتقديم المعدل إذا زاد عدده: أن الكثرة تقوي الظن، والعمل بالراجح متعين (2).
جوابه: أن المجرح اطلع على ما لم يطلع عليه المعدل فلا منافاة، ولأن المجرح مستنده العلم، والمعدل مستنده الظن، ولا يعارض العلم بالظن (3).
وأما من قال: لا يقدم أحدهما على الآخر عند التساوي، فلا وجه له، ولأجل ذلك حمله الباجي على الصورة المخصوصة (4)، وهي الصورة التي استثناها المؤلف بقوله: إلا أن يجرحه بقتل إنسان فيقول المعدل: رأيته حيًا، يعني: أن الجرح يقدم على التعديل مطلقًا إلا إذا ذكر المجرح سبب التجريح ونفاه المعدل، مثل أن يقول المجرح: رأيت هذا الشاهد قتل فلانًا ظلمًا، ويقول المعدل: رأيت ذلك الفلان بعد ذلك التأريخ حيًا، فإن البينتين ها هنا متعارضتان، فلا تقدم إحداهما على الأخرى (5).
ومثاله أيضًا: أن يقول المجرح: رأيت هذا الشاهد يشرب الخمر أمس، ويقول المعدل: هو لم يفارقني أمس (6) من الصباح إلى الغروب، فلا خلاف في
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 113.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 113.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 113.
(4) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 391.
(5) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 390، 391، والمحصول 2/ 1/ 588، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 65، 66، والإبهاج 2/ 357، والإحكام للآمدي 2/ 87.
(6) "بالأمس" في الأصل.
(5/130)

مثل هذا أنه لا يقدم أحدهما على الآخر لحصول التعارض من كل وجه، ولا يمكن أن يقال ها هنا: إن المجرح اطلع على ما لم يطلع عليه المعدل، لأن كل واحد منهما ادعى المعرفة بما (1) أخبر به، فقد حصل التعارض، فوجب (2) التوقف، وإلا لزم الترجيح (3) من غير مرجح وهو محال، فيتساقطان [و] (4) كأنهما لم يكونا، فيرجع إلى [الاستصحاب أي إلى] (5) استصحاب الحالة السابقة قبل قيام هاتين البينتين (6).
...
__________
(1) "فيما" في ز.
(2) "فيجب" في ز.
(3) "التجريح" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 366، وشرح المسطاسي ص 113.
(5/131)

الفصل السادس في مستند (1) الراوي (2)
ش: أي: [في] (3) بيان الشيء الذي يستند إليه راوي الحديث.
والمستند في ذلك إما علم أو ظن (4)، فذكر المؤلف في ذلك المستند أربع مراتب (5).
قوله: (فأعلاه (6): أن يعلم قراءته على شيخه، [أ] (7) وإِخباره [له] (8)،
__________
(1) "مسند" في أ.
(2) بدأ ناسخ ز كعادته في سرد المتن ثم عاد للشرح.
(3) ساقط من ز.
(4) "وأما ظن" في ز.
(5) جل الأصوليين أدرج مسائل هذا الفصل ضمن كيفية الرواية التي سيذكرها المؤلف في الفصل التاسع، انظر: شرح حلولو ص 315، وقد ذكر مسائل هذا الفصل مفردة صاحب المعتمد 2/ 627، وجعلها بعنوان: فصل: في الرواية من الكتاب، وهو أقرب من عنوان المؤلف، وصاحب المحصول 2/ 1/ 595، وجعلها تحت عنوان: الفصل الثاني: في الأمور التي يجب ثبوتها حتى يحل للراوي أن يروي الخبر.
ولعلك وأنت تعرف العلاقة بين المعتمد والمحصول، وبين المحصول والتنقيح تفسر إفراد المؤلف لمسائل هذا الفصل.
(6) "فأعلى مراتبه" في ش: وهو اجتهاد من المحقق. فانظر: شرح القرافي ص 367.
(7) ساقط من أ.
(8) "به" في خ، وش، وهي ساقطة من أ.
(5/133)

أو يتفكر (1) ألفاظ قراءته).
ش: أي فأعلى مستند الراوي، أي فأعلى مراتب [مستند] (2) الراوي: أن يعلم الراوي قراءته، أي: أن يعلم أنه قرأ الحديث على شيخه (3).
قوله: (أو إِخباره له)، أي: أن يعلم الراوي إخبار الشيخ له بالحديث، أي أن يعلم الراوي أن الشيخ (4) حدثه بالحديث (5).
قوله: (أن يعلم قراءته أو إِخباره له)، معنى ذلك أن يقره الشيخ على ذلك بأن يقول له: الأمر كما قرأت (6).
قوله: (أو يتفكر ألفاظ قراءته)، أي أن يتذكر الراوي ألفاظ قراءة شيخه وهو يسمع (7).
قال المسطاسي: تذكر ألفاظ قراءة الشيخ أقوى من الأول (8)، والمؤلف
__________
(1) "بتفكر" في خ، وفي المحصول: ويتذكر بواو التشريك، وكذا في المعتمد، وهي أحسن في هذا الموضع من "أو".
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: المعتمد 2/ 627، والمحصول 2/ 1/ 595، وجمع الجوامع 2/ 174.
(4) "شيخه" في ز.
(5) انظر: المعتمد 2/ 627، والمحصول 2/ 1/ 595.
(6) سبق أن بين أن معنى قراءته هو قراءة التلميذ على الشيخ، ومعنى إخباره هو تحديث الشيخ التلميذ بالحديث، وظاهر كلام الشوشاوي هنا تفسير الإخبار بأنه الإقرار، وقد تبع في هذا المسطاسي ص 113.
(7) سبق التنبيه على أنها في المحصول والمعتمد بالواو.
قلت: ولا يمنع أن يكون التذكر لألفاظه هو في أثناء قراءته على شيخه ولألفاظ شيخه في أثناء تحديثه.
(8) انظر: جمع الجوامع 2/ 174، حيث قدم قراءة الشيخ على غيرها، وانظر: شرح العضد 2/ 69.
(5/134)

ساوى بين الأمرين، وليس الأمر كذلك، فإن السمع من الشيخ مشافهة أقوى من إقراره على القراءة، لأنهم لم يختلفوا في سماعه مشافهة، أن له أن يقول: حدثني وأخبرني مطلقًا، واختلفوا في إقراره على القراءة، هل له أن يقول أخبرني مطلقًا، أو لا يقول إلا أخبرني قراءة (1) عليه؟ (2).
قوله: (وثانيهما: أن يعلم قراءة جميع الكتاب ولا يذكر الألفاظ ولا الوقت) (3). / 284/
ش: يعني أن يعلم أنه روى جميع الكتاب عن شيخه وجزم بروايته عن شيخه من حيث الجملة، ولكن لم يذكر (4) تلك الألفاظ ولا تذكر وقت الرواية من الأعوام أو الشهور أو الأيام، فيجوز العمل بما رواه لحصول الثقة بذلك، بمنزلة من قطع بأنه رأى مسألة في كتاب ولا يذكر (5) صورة حروفها، فإنه يجوز له الاعتماد على ما جزم به من ذلك (6).
قوله: (أن يعلم قراءة (7) جميع الكتاب)، يريد أو حدثه الشيخ [به] (8) (9).
__________
(1) "قرأت" في ز.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 113، 114.
(3) انظر: اللمع ص 233، والمعتمد 2/ 627، والمحصول 2/ 1/ 595، والمسطاسي ص 114.
(4) "يتذكر" في ز.
(5) "ولا تذكر" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 367.
(7) "قراءته" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) انظر: المعتمد 2/ 627، والمحصول 2/ 1/ 595.
(5/135)

قوله: (وثالثها: أن يشك في سماعه فلا تجوز له روايته (1) (2) بخلاف الأولين).
ش: لأن الشاك (3) لا مستند له لا علم ولا ظن (4).
قوله: (ورابعها: أن يعتمد على خطه، فيجوز عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد (5)، خلافًا لأبي حنيفة).
ش: يعني أن الراوي لم يتذكر (6) سماعه ولا قراءته، لكنه يظن ذلك لما رآه من خطه.
قوله: (أن يعتمد على خطه)، يحتمل [الضمير] (7) في خطه أن يعود على الشيخ، [أو أن] (8) يعود (9) على نفس الراوي، وهو الظاهر والله أعلم (10).
__________
(1) "رواية" في ش.
(2) انظر: المعتمد 2/ 627، 628، والمحصول 2/ 1/ 595، وروضة الناظر ص 122.
(3) "الشك" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 367، والمسطاسي ص 114.
(5) في الأصل، علق الناسخ: "وأبي، قبل محمد"، وكتب في الهامش: "وأبي محمد"، وهو وهم منه.
(6) "يذكر" في ز.
(7) ساقط من ز، ومكانها بياض.
(8) ساقط من ز.
(9) "ويعود" في ز.
(10) لا مانع من عوده عليهما معًا، بل وعلى غيرهما، وهو خط كل من يثق به الراوي.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 102، وروضة الناظر ص 122، والمغني للخبازي ص 222.
(5/136)

قوله: (ومحمد) (1) يعني به: أبا الحسين (2).
فذكر المؤلف قولين في الاعتماد على الخط في الرواية، وكذلك أيضًا في الاعتماد على الخط في الشهادة، فإذا جمعت بين الرواية والشهادة، فتقول (3): في الاعتماد على الخط ثلاثة أقوال:
قال مالك: يعتمد على الخط في الرواية والشهادة (4).
وقال أبو حنيفة: لا يعتمد على الخط [لا] (5) في الرواية ولا في الشهادة (6).
وقال الشافعي: يعتمد على الخط في الرواية دون الشهادة (7).
__________
(1) "وأبو محمد" في الأصل، وهو خطأ.
(2) في ز: أبو الحسين، والصحيح: ابن الحسن، أي محمد بن الحسن الشيباني وكنيته أبو عبد الله.
(3) "فنقول" في الأصل.
(4) انظر: شرح القرافي ص 367، والكافي لابن عبد البر 2/ 915، والمنتقى للباجي 5/ 199، والمسطاسي ص 114، وحلولو ص 315، وقد نقله الخبازي في المغني ص 222، وصاحب التوضيح 2/ 24 عن محمد بن الحسن.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: المغني للخبازي ص 222، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 24، وقد نسبه لأبي حنيفة صاحب المعتمد 2/ 628، والآمدي في الإحكام 2/ 102، وصاحب الروضة ص 122، وانظر: المحصول 2/ 1/ 596، والعدة 3/ 975، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 169، والمسطاسي ص 114، ونقله صاحب اللمع ص 234 عن بعض الشافعية.
(7) وقد أومأ إليه أحمد كما في العدة 3/ 974، ورواه أهل الأصول عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، والصواب أنه عن أبي يوسف دون محمد، لأن محمدًا يقول به أيضًا في الشهادة كما سبق بيانه.
وانظر نسبته إليهم في المعتمد 2/ 628، والمحصول 2/ 1/ 596، والإحكام للآمدي =
(5/137)

حجة القول بالاعتماد مطلقًا: أن الإنسان قد يقطع بصور الحروف وأنها لم تتبدل بقرائن حالية قامت بتلك الحروف، ولا يمكن التعبير عن تلك القرائن، كما أن منتقد الذهب والفضة يقطع بجيدها ورديئها بقرائن في تلك الأعيان لا يمكنه (1) التعبير (2) عنها (3) (4).
حجة المنع من الاعتماد على الخط: قوة احتمال التزوير على الخط، ومن استقرأ (5) أحوال المزورين على الخطوط علم (6) أن وضع مثل الخط ليس من البعيد المتعسر وأنه من القريب المتيسر، حتى روى بعض المصنفين في مذهب مالك أنه رجع عن الشهادة على (7) الخط (8).
وذكر الباجي في إحكامه في الشهادة على الخط خمسة أقوال (9) في المذهب: تجوز، لا تجوز، تجوز على خط نفسه دون خط غيره، تجوز في
__________
= 2/ 102، والعدة 3/ 975، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 169، وانظر: روضة الناظر ص 122، وشرح القرافي ص 367، والمسطاسي ص 114.
(1) "ولا يمكنه" في ز.
(2) "التلبيس" في ز.
(3) "عنهما" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 367، والمسطاسي ص 114.
(5) "استقر" في ز.
(6) "على" في ز.
(7) "في" في الأصل.
(8) انظر: المنتقى للباجي 5/ 199، والكافي لابن عبد البر 2/ 915، وشرح القرافي ص 367، والمسطاسي ص 114، وشرح حلولو ص 315.
(9) لم أجد هذه الأقوال في الإحكام للباجي، وإنما ذكرها في كتابه الموسوم بالمنتقى في شرح الموطأ 5/ 198 - 202، وانظرها في شرح المسطاسي ص 114.
(5/138)

الرق (1) دون غيره، تجوز إن لم يكن محو ولا ريبة في الوثيقة وإلا فلا (2).
حجة الشافعي رضي الله عنه القائل بقبول الشهادة على (3) الخط في الرواية دون الشهادة وجهان:
أحدهما: أن الرواية لا تتعلق بشخص معين؛ لأنها متعلقة بجميع الأمة فيضعف فيها التزوير؛ إذ لا يتصور أن يعادي أحد جميع الأمة إلى قيام الساعة، بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بشخص معين، وهو مظنة العداوة.
الوجه الثاني: أن الشهادة غالبًا إنما تقع في الأموال النفيسة والأغراض (4) الخطيرة، فتقوى الداعية فيها على التزوير على ما تقتضيه الطباع البشرية، وبالله التوفيق (5) (6).
...
__________
(1) كذا في النسختين، وفي شرح المسطاسي: يجوز إن كانت في رق وإلا فلا.
والظاهر أنه يريد بالرق: الجلد الرقيق الذي يكتب عليه، ولعل ذلك راجع إلى صعوبة تزوير ما كتب فيه، غير أني لم أجد هذا القول في كتب الباجي فيحتمل أن الكلمة صحفت عن: المقر؛ فإن الباجي ذكر عن ابن المواز: أن قول مالك لم يختلف في جواز الشهادة على خطه، ونقل عن الشيخ أبي القاسم أنه قال: فيه روايتان بالجواز والمنع، فانظر: المنتقى 5/ 202.
(2) وذكر الباجي في المنتقى قولاً آخر: هو جواز الشهادة على خط الشاهد في الأموال خاصة، قاله مطرف وابن الماجشون. انظر: المنتقى 5/ 202.
وانظر أقوال المالكية في المعيار المعرب للونشريسي 10/ 196، 197 و210، 211.
(3) "في" في الأصل.
(4) "الأعراض" في ز.
(5) "بمنه" زيادة في ز.
(6) انظر الوجهين في: شرح القرافي ص 367، والمسطاسي ص 115.
(5/139)

الفصل السابع في عدده (1) (2)
ش: أي هل يشترط تعدد الراوي للحديث أم لا؟
قوله: (والواحد عندنا وعند جمهور الفقهاء يكفي، خلافًا للجبائي في اشتراطه (3) الاثنين (4)، أو يعضد الواحد ظاهر، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون منتشرًا فيهم، ولم يقبل في الزنا إِلا أربعة.
لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قبلوا خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين وحدها (5)، وهو مما (6) تعم به البلوى).
ش: قال بعضهم: الأولى [أن] (7) يذكر المؤلف هذا الفرع في الفصل
__________
(1) ابتدأ ناسخ (ز) في سرد المتن، ثم عاد للشرح كعادته في الفصول والأبواب السابقة.
(2) ذكرت أغلب مسائل هذا الفصل ضمن الفصل الخامس في خبر الواحد، حيث ذكرها الشوشاوي مع مسألة اختلاف العلماء في التعبد بخبر الواحدة صفحة 277 من مخطوط الأصل، صفحة 67 وما بعدها من هذا الجلد، وسيشير الشوشاوي لهذا، وقد أشار لهذا التكرار حلولو في شرحه ص 315.
(3) "اشتراط" في ش.
(4) "اثنين" في أ، وخ.
(5) "وحدهما" في أ.
(6) "ما" في أ.
(7) ساقط من ز.
(5/141)

الثامن الذي يلي هذا الفصل؛ لأن هذا الشرط من الشروط المختلف فيها، ولا وجه لإفراد الفصل له (1).
وقد تقدم لنا في الفصل الخامس في خبر الواحد خمسة أقوال (2):
قيل: يجب العمل به وحده، وقيل: لا بد مما يقويه، وقيل: لا بد من اثنين مطلقًا، وقيل: لا بد من اثنين (3) إلا في الخبر المتعلق بالزنا، فلا بد فيه من أربعة، وهذان القولان المذكوران في الاثنين مرويان عن الجبائي.
وقيل: لا بد من أربعة مطلقًا في كل خبر (4).
احتج الجبائي: بحديث ذي اليدين، لأنه عليه السلام سلم من اثنتين (5) فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فقال عليه السلام: "كل ذلك لم يكن"، فقال (6) [ذو اليدين] (7): قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصحابة رضي الله عنهم: "أحق ما يقول ذو اليدين"، فقالوا: نعم، فلم يقبل عليه السلام قول ذي اليدين وحده (8).
__________
(1) أورد هذا المأخذ المسطاسي في شرحه ص 115.
(2) انظرها في: شرح المسطاسي ص 115.
(3) "الاثنين" في ز.
(4) سبق الكلام عن هذه الأقوال ونسبتها في الفصل الخامس في خبر الواحد صفحة 68 - 74 من هذا المجلد.
(5) "اثنين" في الأصل.
(6) "قال" في الأصل.
(7) ساقط من الأصل.
(8) انظر: شرح القرافي ص 368، والمسطاسي ص 115.
(5/142)

واحتج الجبائي أيضًا: بحديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رده (1) ولم يقبله وحده حتى رواه غيره (2).
واحتج الجبائي أيضًا: بأن مقتضى الدليل ألا يعمل (3) بالظن لقوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (4)، خالفناه في العدد، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل (5).
أجيب عن الحديثين المذكورين: أن الرد فيهما لأجل الريبة، لا لكون العدد شرطًا، وليس [ذلك] (6) محل النزاع.
أما حديث ذي اليدين فلأنها واقعة عظيمة في جمع عظيم فلو لم يخبر بها (7) إلا ذو (8) اليدين لكان ذلك ريبة (9) فيه، فسؤاله عليه السلام إنما هو لأجل الريبة، لا لأن العدد شرط (10) (11).
وأما حديث أبي موسى الأشعري فلأن الاستئذان مما يتكرر وتعم به
__________
(1) "ردوه" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 368، والمسطاسي ص 115.
(3) "لا يعمل" في ز.
(4) النجم: 28.
(5) انظر: شرح القرافي ص 368، والمسطاسي ص 115.
(6) ساقط من ز.
(7) "يخربها" في ز.
(8) "ذوا" في ز.
(9) العبارة في ز هكذا: "لكان ذا لا ريبة"، وهو تصحيف.
(10) "شرطا" في ز.
(11) انظر: شرح القرافي ص 368، والمسطاسي ص 115.
(5/143)

البلوى، فلو لم يخبر به إلا أبو (1) موسى لكان ذلك ريبة (2) فيه، فالرد فيه إنما هو لأجل الريبة، لا لأن العدد شرط (3) (4).
وأما قوله مقتضى الدليل ألا يعمل بالظن خالفناه في العدد فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
الجواب (5) عنه: أن الأدلة على أنه لا يعمل بالظن مخصوصة بعمل الصحابة رضي الله عنهم/ 285/ لقبولهم خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين وحدها، وهو مما تعم به البلوى.
وقبولهم خبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وحده في أخذ الجزية من المجوس لما روى لهم قوله عليه السلام: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وغير ذلك من الأخبار.
وقد تقدم لنا ذلك في الفصل الخامس في خبر الواحد (6)، والجمع بين الدليلين أولى من اطراح أحدهما، وبالله التوفيق (7) (8).
قوله: (أو يعضد الواحد ظاهر)، تقديره: أو أن يعضد بالنصب بأن
__________
(1) "أبي" في ز.
(2) العبارة في ز هكذا: "لكان ذا لا ريبة" ... وهو تصحيف.
(3) "شرطا" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 368، والمسطاسي ص 115.
(5) "فالجواب" في ز.
(6) انظر صفحة 70 - 72 من هذا المجلد.
(7) "بمنه" زيادة في ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 368، والمسطاسي ص 115.
(5/144)

المحذوفة (1) لأن هذا الفعل معطوف على الاسم الذي هو الاثنين، ولا يمكن عطف الفعل على الاسم إلا أن يكون الفعل مقدرًا بالاسم، ولا يمكن تقدير الفعل ها هنا بالاسم إلا بأن المصدرية ليصير الفعل بمعنى (2) المصدر (3)، لأن أن المصدرية تقدر مع الفعل بعدها بتأويل المصدر، تقدير الكلام: خلافًا للجبائي في اشتراطه الاثنين [أو يعضد الواحد ظاهر، أي: اشتراطه الاثنين أو عضد الواحد ظاهر، فحينئذ يصح عطف العضد على الاثنين] (4).
وهذا من المواضع التي يجوز فيها حذف أن المصدرية (5).
وإلى هذا أشار أبو موسى الجزولي فقال: والموضع الذي تضمر فيه وتظهر (6) (7): بعد لام كي إذا لم يكن معها لا، وبعد حرف العطف المعطوف به الفعل على المصدر الملفوظ به. انتهى نصه (8).
وقوله: إذا لم يكن [معها] (9) لا، احترازًا مما إذا دخلت لا على لام كي، فإنه يجب التصريح فيه (10) بأن، أو التصريح بكي، كقولك:
__________
(1) "المندوبة" في ز.
(2) "لبعض" في ز.
(3) انظر: الأصول في النحو لابن السراج 2/ 150، وشرح ابن يعيش على المفصل 7/ 22.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظر: الأصول في النحو لابن السراج 2/ 149.
(6) "ولا تظهر" في ز.
(7) في المقدمة الجزولية: وتظهر هو.
(8) انظر: القانون في النحو ص 61.
(9) ساقط من الأصل.
(10) "فيه التصريح" في ز بالتقديم والتأخير.
(5/145)

جئت (1) لئلا تغضب، أو تقول: لكيلا تغضب (2).
ومنه قوله تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} (3)، وقوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} (4)، إذ كلام أبي موسى ها هنا فيما يجوز فيه حذف أن ويجوز فيه إظهارها، فإن ما احترز منه يجب فيه إظهارها.
وإنما يجب إظهار أن فيما إذا دخلت لا على لام كي؛ لئلا يلتقي المثلان، وهما اللامان، فلا تقول: جئتك للا تغضب (5).
وقول أبي موسى: [و] (6) بعد حرف العطف المعطوف به الفعل على المصدر الملفوظ [به] (7) (8)، مثاله قولك: يعجبني ضرب زيد فيغضب، تقديره: فأن يغضب، ومنه قول الشاعر:
للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف (9)
__________
(1) "جئتك" في ز.
(2) انظر: شرح ابن عقيل 2/ 170، وشرح المفصل 7/ 28.
(3) الحديد: 23.
(4) الحديد: 29.
(5) انظر: شرح ابن يعيش على المفصل 7/ 28، وشرح التصريح على التوضيح 2/ 244.
(6) ساقط من الأصل.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: الأصول لابن السراج 2/ 149، 150، وشرح التصريح على التوضيح 2/ 244.
(9) بيت من الوافر، لميسون بنت بحدل الكلبية، من قصيدة قالتها في الحنين إلى البادية لما تزوجت معاوية بن أبي سفيان فثقلت عليها الغربة، والرواية المشهورة: ولبس عباءة، والشفوف بضمتين: الثياب الرقاق.
انظر: خزانة الأدب 3/ 592، وشرح شواهد المغني 2/ 653.
(5/146)

ومنه قوله تعالى على قراءة غير نافع بالنصب {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} (1) أعني: بنصب "يرسل" عطفًا على قوله: "وحيًا" (2).
تقدير [ه] (3): أو أن يرسل، أي: إلا وحيًا أو إرسالاً (4)، ولا يجوز عطفه على أن يكلمه؛ لأنه يلزم منه نفي (5) الرسل، أو نفي المرسل إليهم، وذلك ممنوع (6).
وأما قراءة الرفع، فهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: [أو] (7) هو يرسل رسولاً (8).
وقول أبي موسى: على المصدر الملفوظ به، احترازًا من العطف (9) على المصدر المتوهم، فإنه يجب فيه حذف أن، كقولك: ما تأتينا فتحدثنا، بالنصب على إضمار أن بعد الفاء، تقديره: فأن تحدثنا، فهو (10) معطوف على
__________
(1) الشورى: 51، وتمامها {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}،
(2) انظر: النشر 2/ 368.
(3) ساقط من الأصل.
(4) "وإرسالاً" في ز.
(5) "هي" في ز.
(6) انظر: تفسير أبي حيان 7/ 527، وحجة القراءات ص 644.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: النشر 2/ 369، وحجة القراءات ص 644، وتفسير أبي حيان 7/ 527.
(9) "اللفظ" في الأصل.
(10) "معطوف وهو" زيادة في الأصل، وفي ز: "وهو".
(5/147)

مصدر متوهم تقديره: ما يكون منك إتيان فحديث (1).
وقول أبي موسى: وبعد حرف العطف المعطوف به الفعل على المصدر الملفوظ به، معترض [من] (2) ثلاثة (3) أوجه.
أحدها: أنه أطلق في حرف العطف، مع أن سيبويه نص على أن هذا مخصوص بثلاثة أحرف من حروف العطف، وهي: الواو، والفاء، وأو (4)، فتقول: أعجبني ضرب زيد ويغضب، أو أعجبني ضرب زيد فيغضب، أو أعجبني ضرب زيد أو يغضب، ولا تقول: أعجبني ضرب زيد ثم يغضب.
صوابه: وبعد حروف (5) العطف الثلاثة الواو والفاء وأو.
الوجه الثاني: قوله المعطوف به الفعل، أطلق في الفعل، فيظهر منه أن الماضي والمضارع سواء، وليس كذلك، فيوهم كلامه على هذا دخول الفعل الماضي في هذا، فيوهم أن قوله تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (6) يضمر فيه "أن" بعد الواو في قوله تعالى: {أَقْرَضُوا} وليس الأمر كذلك.
__________
(1) ولهذه العبارة معنيان: الأول: ما تأتينا إلا لم تحدثنا، والثاني: ما تأتينا فكيف تحدثنا.
انظر: الأصول في النحو لابن السراج 2/ 153، 154، وشرح المفصل لابن يعيش 7/ 27 و28.
(2) ساقط من ز.
(3) "بثلاثة" في ز.
(4) انظر: الكتاب لسيبويه 1/ 427.
(5) "حرف" في ز.
(6) الحديد: 18.
(5/148)

صوابه: أن يقول: وبعد حرف العطف المعطوف به الفعل المضارع.
الوجه الثالث: قوله: على المصدر، ظاهره أن هذا مختص بالمصدر، وليس الأمر كذلك؛ لأن سيبويه نص على أن المصدر وغيره في ذلك سواء، وأنشد قول الشاعر:
[و] (1) ما أنا للشيء (2) الذي ليس نافعي (3)
ويغضب منه صاحبي بقؤول (4) (5)
فعطف يغضب على الشيء، وهو اسم غير مصدر.
وقال آخر:
[ولولا] (6) رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوءك علقمًا (7)
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "بالشيء" في الأصل.
(3) "نافعني" في الأصل.
(4) بيت من الطويل، لكعب بن سعد الغنوي، من قصيدة له أولها:
لقد أنصبتني أم قيس تلومني ... وما لوم مثلي باطلاً بجميل
انظر: الأصمعيات ص 74 و76، والكتاب 2/ 426، وخزانة الأدب 3/ 619، والمفصل ص 249.
(5) انظر: الكتاب لسيبويه 2/ 426.
(6) ساقط من الأصل.
(7) بيت من الطويل للحصين بن الحمام المري، من قصيدة له قالها في يوم دارة موضوع، أولها:
جزى الله أفناء العشيرة كلها ... بدارة موضوع عقوقًا ومأثمًا
وفي رواية أخرى للبيت: من رازم بن مازن
انظر: المفضليات ص 64، 66، والكتاب 1/ 429.
(5/149)

فعطف أسوءك على رجال وليس بمصدر (1).
ومثاله أيضًا قولك (2): لولا أخوك ويغضب لما جئتك، بعطف (3) يغضب على أخوك، وليس [أخوك] (4) بمصدر.
صوابه: المعطوف به الفعل على الاسم.
ولكن يشترط في هذا الاسم أن يكون خالصًا، أي غير شبيه بالفعل، احترازًا من الاسم المؤول بالفعل، كقولك: الطائر فيغضب زيد الذباب، فقولك: فيغضب مرفوع لا منصوب، لأنه معطوف في المعنى على الفعل، لأن الطائر اسم فاعل واسم الفاعل شبيه بالفعل، تقديره: الذي يطير فيغضب زيد الذباب (5).
وقد أشار ابن مالك إلى هذا بقوله:
وإن على اسم خالص فعل عطف ... تنصبه "أن" ثابتًا (6) أو منحذف (7)
قوله: (أو اجتهادًا)، أراد به القياس.
قوله: (أو يكون)، هو معطوف على قوله: (أو يعضد)، تقديره: أو [أن] (8)
__________
(1) انظر: شرح التصريح 2/ 244.
(2) "قولا" في ز.
(3) "فعطف" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) انظر: أوضح المسالك لابن هشام 4/ 33 ومعه ضياء السالك، وانظر: شرح ابن عقيل 2/ 282 - 283، وشرح التصريح 2/ 245.
(6) "ثابت" في ز.
(7) انظر: ألفية ابن مالك ص 58، باب إعراب الفعل.
(8) ساقط من ز.
(5/150)

يكون منتشرًا فيهم (1).
قوله: (ولم يقبل في الزنا إِلا أربعة) (2) (3)، الفاعل بيقبل هو الجبائي؛ لأن هذا كله كلام الجبائي.
ومنهم من يحكي عن الجبائي اشتراط الاثنين مطلقًا (4)، لا في الزنا ولا في غيره (5) (6).
[و] (7) وجه اشتراط الأربعة في الخبر المتعلق بأحكام الزنا: قياس الرواية على الشهادة، كما تقدم في خبر الواحد في الفصل الخامس (8).
قوله: (لنا أن الصحابة قبلوا خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين وحدها، وهو (9) مما تعم به البلوى).
هذا حجة الجمهور في قبول الراوي المنفر [د] (10).
__________
(1) "فهم" في ز.
(2) "الأربعة" في الأصل.
(3) انظر: المعتمد 2/ 622، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 75، ومختصر ابن الحاجب 2/ 68، وشرح القرافي ص 357، وشرح المسطاسي ص 103.
(4) "مطقا" في الأصل.
(5) كذا في النسختين، ولو قال: في الزنا وفي غيره، لكان أحسن.
(6) انظر: المعتمد 2/ 622، واللمع ص 215، والبرهان فقرة 546، وإحكام الفصول 1/ 308، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 75.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: صفحة 278 من مخطوط الأصل، وصفحة 81 من هذا المجلد.
(9) "فهو" في ز.
(10) ساقط من ز.
(5/151)

وكذلك قوله عليه السلام: / 286/ "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر" يدل (1) على قبوله.
وكذلك قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (2)، مفهومه أن خبر العدل المنفرد مقبول، كما تقدم في الفصل الخامس في خبر الواحد (3).
...
__________
(1) "لا يدل" في ز.
(2) الحجرات: 6.
(3) انظر: صفحة 277 من مخطوط الأصل، وصفحة 70 من هذا المجلد.
(5/152)

الفصل الثامن فيما اختلف (1) فيه من الشروط (2)
تعرض المؤلف ها هنا لذكر الشروط المختلف فيها، هل تعتبر في الرواية أم لا؟
والصواب أن يجعل هذا الفصل مع الذي قبله ترجمة واحدة، لأجل وجود الخلاف في الجميع.
قوله: (قالت (3) الحنفية: إِذا لم يقبل راوي الأصل الحديث، لا تقبل رواية (4) الفرع، قال الإِمام: إِن جزم كل واحد منهما لم يقبل، وإِلا عمل بالراجح، وقال أكثر أصحابنا والشافعية والحنفية: إِذا شك الأصل في الحديث لا يضر ذلك، خلافًا للكرخي).
ش: قوله: (إِذا لم يقبل راوي الأصل الحديث لا تقبل رواية الفرع)، يعني: أن الراوي إذا كذب من روى عنه فيما روى عنه، قالت الحنفية لا تقبل
__________
(1) "اختلفوا" في ز.
(2) في هذا الفصل لم يبدأ الناسخ في ز بسرد المتن أول الفصل كعادته في الفصول السابقة، وإنما سار على طريقة نسخة الأصل، وذلك بالبداية في الشرح وكذلك فعل إلى آخر الكتاب.
(3) "قال" في نسخ المتن الثلاث.
(4) "لا يقبل راوي" في أ.
(5/153)

رواية الفرع (1).
حجة الحنفية: أن اعتبار الفرع فرع اعتبار الأصل، والأصل قد أنكر رواية الفرع عنه، فلا يقبل الفرع، قياسًا على الشهادة إذا أنكرها الشاهد على الناقل قبل القضاء بها فإن الشهادة تبطل باتفاق (2) (3).
__________
(1) الأولى أن تقسم المسألة إلى فرعين:
الأول: إذا جزم الأصل بتكذيب الفرع بأن قال: ما حدثتك به، أو ما رويته، ونحو ذلك، فهذا نقل الآمدي الاتفاق على رد الحديث وعدم العمل به، وفي نقله نظر لأن السيوطي نقل فيه أربعة أقوال:
1 - الرد مطلقًا، وهو مختار متأخري المحدثين وكثير من أهل العلم.
2 - القبول مطلقًا، واختاره السمعاني وعزاه الشاشي للشافعي.
3 - أن تكذيب الأصل لا يقدح في صحة الحديث، لكن لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل.
4 - أنهما يتعارضان ويرجح أحدهما بطريقه، وهذا اختيار إمام الحرمين.
الفرع الثاني: إذا قال لا أذكره، أو لا أعرفه، ولم يجزم بعدم تحديثه، فجماهير المحدثين والأصوليين على قبول الحديث، وطائفة من الحنفية وبعض المحدثين على رده وأن ذلك يقدح في الرواية، وهو رواية لأحمد.
وهذا التفصيل قريب مما سيذكره الشوشاوي عن الرازي، وهو صنيع كثير من أهل العلم ممن صنف في المصطلح أو الأصول.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 106، والبرهان فقرة 595 - 599، والعدة 3/ 959 وما بعدها، والمحصول 2/ 1/ 605، ومقدمة ابن الصلاح ص 233 - 234، وتدريب الراوي 1/ 334 - 336، والباعث الحثيث ص 86، وشرح حلولو ص 316.
وانظر لمذهب الحنفية: المغني للخبازي ص 214، وتيسير التحرير 3/ 107، والتوضيح 2/ 26، وقد نقل عن محمد بن الحسن أنه يقبل الحديث.
(2) في هامش الأصل تعليق من الناسخ، نصه: انظر.
(3) انظر: شرح القرافي ص 369، والمسطاسي ص 115، 116.
(5/154)

قال ابن الحاجب في الفروع في كتاب الشهادة، وإذا كذب الأصل الفرع قبل الحكم بطلت، وبعده ثلاثة، ابن القاسم يمضي ولا غرم، ابن حبيب ينقض، محمد (1) يمضي ويغرم الأصل لرجوعه (2).
أجيب عن هذا: بأن قياس الرواية على الشهادة ضعيف لوجود الفارق، لأن الرواية أخف من الشهادة؛ إذ يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية من العدد والذكورية والحرية، فباب الشهادة أضيق من باب الرواية (3).
قوله: (إِذا لم يقبل راوي الأصل الحديث لا تقبل رواية الفرع)، نسبة هذا البطلان للحنفية دون غيرهم غير صحيح.
ذكر سيف الدين الآمدي، وقطب الدين الشيرازي: أن الأصل إذا كذب الفرع فلا تقبل رواية الفرع باتفاق (4)، لا فرق بين الحنفية وغيرهم في هذا.
فالأولى الاجتزاء (5) بما قال الإمام (6).
__________
(1) يعني ابن المواز، هذا اصطلاح متأخري المالكية، وإذا قالوا: المحمدان فهما: ابن المواز وابن سحنون، قاله الرهوني.
وانظر كناشا، فيه التعريف بجملة من كتب وأعلام المالكية مخطوط بمكتبة السيد محمد المنوني بالمغرب.
(2) انظر: كتاب الفروع لابن الحاجب ورقة 91 ب من مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 887 د. وفيه: ويغرم الأصل لرجوعهم.
(3) انظر: الفروق للقرافي 1/ 4، وتدريب الراوي 1/ 332، وشرح المسطاسي ص 116.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 106، وشرح قطب الدين الشيرازي على مختصر ابن الحاجب الأصولي صفحة 206، من مخطوطات خزانة مكناس برقم 160.
قلت: لكن هذا الاتفاق الذي ذكراه إنما هو في الفرع الأول من فروع المسألة، وهو فيما إذا جزم الأصل بتكذيب الفرع. أما الحنفية فخلاف من خالف منهم في الجميع.
(5) "الاجزاء" في ز.
(6) انظر: المحصول 2/ 1/ 605.
(5/155)

وحاصل ما قال الإمام: أن الأصل والفرع إما أن يجزما معًا بما قالا، وإما (1) ألا يجزما معًا، وإما أن يجزم الأصل ولم يجزم الفرع، وإما أن يجزم الفرع ولم يجزم الأصل.
فإن جزما معًا: أي قال الأصل: كذب الفرع عني (2) فيما روى، وقال الفرع: بل رويت عنه، فلا يقبل هذا الحديث باتفاق بل يحصل فيه التوقف إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح (3).
وإن لم يجزم كل واحد منهما بما قال، لم يقبل الحديث أيضًا كالأول (4).
وإن جزم الأصل ولم يجزم الفرع، قدم ما قال الأصل لرجحانه بالجزم، إذ العمل بالراجح متعين فلا يقبل غير الجازم.
وإن جزم الفرع ولم يجزم الأصل، قبل الحديث لجزم الفرع بالرواية، فقوله راجح (5).
__________
(1) في ز: "بما قال أو إما".
(2) "اعني" في ز.
(3) قد سبق القول بأن في هذا الفرع أربعة أقوال ذكرها السيوطي. وقد نقل الباجي في هذا الفرع تفصيلاً بين ما إذا جحد الرواية أصلاً فلا يقبل وبن ما إذا قال قد رويته لكني لم أحدثك به فيقبل.
انظر: تدريب الراوي 1/ 334، 335، والبرهان فقرة 599، وإحكام الفصول 1/ 330، وجمع الجوامع 2/ 137، وانظر مذهب الجمهور في: اللمع ص 234، والمنخول ص 277، والمعالم ص 256، والمحصول 2/ 1/ 605.
(4) انظر: المحصول 2/ 1/ 605.
(5) انظر هذا التفصيل في: شرح القرافي ص 369 إلا أنه لم يذكر عدم الجزم من كليهما. وانظر: شرح المسطاسي ص 116.
(5/156)

وهو معنى قول المؤلف: وقال أكثر أصحابنا والشافعية والحنفية إذ [ا] (1) شك الأصل في الحديث لا يضر ذلك، أي: لا يقدح ذلك في رواية الفرع بل تقبل روايته، لأن عدالته مع جزمه تقتضي صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافي صدقه، فالمثبت مقدم على النافي [لأن الإثبات أولى من النفي] (2) (3).
قوله: (خلافًا للكرخي)، يعني مع جماعة من الحنفية (4)، قال: يقدح (5) شك الأصل في رواية الفرع فلا تقبل الرواية مع الشك.
__________
(1) ساقط من ز.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر لمذهب الجمهور في هذا الفرع اللمع ص 233، والتبصرة ص 341، والمعتمد 2/ 621، والبرهان فقرة 595، وإحكام الفصول 1/ 331، والمنخول ص 276، والمحصول 2/ 1/ 605، والمعالم ص 256، وروضة الناظر ص 122، وشرح العضد 2/ 71، والإحكام للآمدي 2/ 106، والعدة 3/ 959، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 125.
(4) منهم القاضي أبو زيد وفخر الإسلام، ونسب لأبي يوسف تخريجًا، من رده شهادة شاهدين شهدا على قاض بحكمه في قضية وهو لا يذكر.
ونسبه بعض الأصوليين كالغزالي في المنخول لأبي حنيفة، وقال ابن همام ضم أبي حنيفة مع أبي يوسف يحتاج إلى تثبيت.
وبهذا القول قال بعض المحدثين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
انظر: المغني للخبازي ص 214، وتيسير التحرير 3/ 107، والمنخول ص 277، وانظر نسبته للكرخي في: المعتمد 2/ 621، وتيسير التحرير 3/ 107، واللمع ص 233، وانظر نسبته لبعض الحنفية في التبصرة ص 341، والبرهان فقرة 595، وشرح العضد 2/ 71، وشرح المسطاسي ص 116، وانظر: العدة 3/ 960، وروضة الناظر ص 122، 123، والإحكام للآمدي 2/ 106.
(5) "يقدم" في ز.
(5/157)

حجة الكرخي: قياس الرواية على الشهادة (1).
أجيب عنه: بأن القياس ضعيف، لما تقدم من أن الشهادة يشترط فيها ما لا يشترط في الرواية من العدد والذكورية والحرية (2) فالرواية أخف من الشهادة (3).
حجة الجمهور: أن الشك لا يعارض اليقين، فاليقين (4) مقدم على الشك، ولأن عدالة الفرع تمنع كذبه وتقتضي صدقه (5).
واستدل الجمهور أيضًا بما رواه ربيعة بن [أبي] (6) عبد الرحمن (7) عن سهيل (8) بن (9) أبي صالح (10) ......................................
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 116.
(2) "وغيرها" زيادة في ز.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 116.
(4) "باليقين" في ز.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 116، وشرح حلولو ص 317.
(6) ساقط من ز.
(7) هو: أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المدني التيمي مولاهم، روى عن أنس والسائب بن يزيد وسعيد بن المسيب وغيرهم، وعنه مالك والأوزاعي والثوري، وخلق، عرف بربيعة الرأي؛ لبصره بالرأي وفطنته، وكان مع هذا فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث حتى جلس إليه بعض شيوخه، توفي سنة 136 ه.
انظر ترجمته في: كتاب مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 81، وتهذيب التهذيب 3/ 258، وتذكرة الحفاظ 1/ 157، وتاريخ بغداد 8/ 420.
(8) "سعيد" في ز.
(9) "عن" في ز.
(10) هو: أبو يزيد سهيل بن أبي صالح المدني، واسم أبي صالح ذكوان السمان، روى سهيل عن أبيه وابن المسيب والأعمش وغيرهم، وعنه ربيعة ومالك وشعبة، أثنى عليه جماعة من العلماء، وخرج له البخاري مقرونًا، ومسلم، والأربعة، يقال إنه =
(5/158)

عن أبيه (1) عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام: "أنه قضى باليمين مع الشاهد"، وكان سهيل نسي (2) هذا [الحديث] (3) ويقول: حدثني ربيعة عني (4) هذا الحديث (5)، وشاع وذاع ذلك بين الصحابة من غير نكير فدل ذلك على أن نسيان (6) الأصل لا يضر [مع] (7) جزم الفرع.
قوله: (والمنقول عن مالك أن الراوي إِذا لم يكن فقيهًا فإِنه كان يترك روايته، ووافقه أبو حنيفة، وخالفه الإِمام (8) وجماعة).
ش: ذكر المؤلف ها هنا قولين في اشتراط الفقه في الراوي، فاشترطه
__________
= أصابته في كبره علة أذهبت بعض حديثه. توفي سنة 140 ه.
انظر ترجمته في: كتاب مشاهير علماء الأمصار ص 137، وتهذيب التهذيب 4/ 263، والكواكب النيرات لابن الكيال ص 241.
(1) هو: ذكوان السمان أو الزيات، لقب بذلك لأنه كان يجلب السمن والزيت للكوفة، وذكوان بفتح المعجمة وسكون الكاف، وهو مولى لجويرية بنت الأحمس الغطفاني، روى عن أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي سعيد وجابر وعائشة وغيرهم، وعنه أولاده سهيل وصالح وعبد الله وعطاء بن أبي رباح والأعمش وغيرهم، وثقه العلماء كابن معين وأحمد وغيرهما توفي سنة 101 ه، وانظر ترجمته في التاريخ الصغير 1/ 239، وتهذيب التهذيب 3/ 219، وتذكرة الحفاظ 1/ 89.
(2) "لبني" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) "عن" في ز.
(5) انظر: سنن أبي داود، الحديث رقم 3610، والكفاية للخطيب ص 542، 543، وانظر: مقدمة ابن الصلاح ص 234، وتدريب الراوي 1/ 235.
(6) "تسيان" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "فخر الدين" زيادة في ش.
(5/159)

مالك لأنه كان يترك (1) رواية الراوي الجاهل بالفقه (2)، ووافقه على ذلك الشرط أبو حنيفة (3).
وقال الإمام فخر الدين وجمهور العلماء: لا يشترط في الراوي معرفته بالفقه (4).
حجة مالك وأبي حنيفة: أن غير الفقيه يسوء (5) فهمه، فيفهم الحديث على خلاف مقتضاه، وربما يخطر بباله أن ينقله بالمعنى الذي فهمه معرضًا علي اللفظ، فيقع الخلل في مقصود الشارع، فالاحتياط والحزم (6) ألا يروى
__________
(1) "تترك" في الأصل.
(2) انظر: شرح القرافي ص 369، وشرح المسطاسي ص 116، وشرح حلولو ص 318.
وانظر: التوضيح لصدر الشريعة 2/ 7، 8.
قلت: ولم أجد فيما طالعته من كتب الأصول غير ما ذكرت من نسب هذا القول إلى مالك، وجل الأصوليين نسبه إلى أبي حنيفة؛ بعضهم مطلقًا، وبعضهم فيما خالف القياس.
(3) روي عن أبي حنيفة إطلاق اشتراط الفقه، وروي عنه تخصيص هذا الشرط بما إذا خالفت الرواية القياس. وزاد بعضهم: إن المذهب قبوله إلا إذا خالف جميع الأقيسة وانسد باب الرأي بالكلية، وعلى هذا عيسى بن أبان، وأبو زيد الدبوسي، ومن الحنفية من لا يقول بهذا الشرط، كالكرخي.
انظر: فواتح الرحموت 2/ 144، 145، والمغني للخبازي ص 207، وأصول الشاشي ص 275، والتوضيح 2/ 8، وتيسير التحرير 3/ 52.
(4) انظر: المحصول 2/ 1/ 607، وإحكام الفصول للباجي 1/ 363، والإبهاج 2/ 360، والإحكام للآمدي 2/ 94، والمستصفى 1/ 161.
(5) "سواء" في ز.
(6) "الجزم" في ز.
(5/160)

الحديث إلا عن فقيه (1).
حجة الجمهور [ثلاثة] (2) أوجه.
أحدها: (3) قوله عليه السلام: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"، فاشترط العدالة دون الفقه، فدل ذلك على أن الفقه ساقط عن الاعتبار (4).
الوجه (5) الثاني: قوله عليه السلام: "نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها" فلم يشترط إلا أن يؤديها كما سمعها، ولم يشترط الفقه (6).
الوجه الثالث: قوله عليه السلام: "رب حامل فقه [غير فقيه إلى فقيه ورب حامل فقه] (7) إلى من هو أفقه منه"، فقوله: "رب حامل فقه غير فقيه" يدل على أن الحامل للحديث لا يشترط فيه الفقه (8)./ 287/
قوله: (والمنقول عن مالك أن الراوي إِذا لم يكن فقيهًا فإِنه كان يترك روايته)، معناه: فإن مالكًا يترك رواية الراوي الجاهل بالفقه.
قال بعض الشراح: ما قاله مالك رضي الله عنه مؤول بما إذا لم يكن
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 369، 370، والمسطاسي ص 117.
(2) ساقط من الأصل، وهي معلقة في هامش ز وإثباتها أولى.
(3) "ان" زيادة في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 370، والمسطاسي ص 116، 117.
(5) "والوجه" في ز.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 117.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 117.
(5/161)

الراوي ضابطًا لما رواه (1).
وقال القاضي (2) عياض في الإكمال: لا يشترط في رواية الثقة عندنا وعند المحدثين من الفقهاء والأصوليين والمحدثين كون المحدث من أهل العلم والفقه، بل يشترط ضبطه لما رواه خاصة (3).
وقال القاضي (4) عبد الوهاب في الملخص (5): لا يرد الخبر لكون الراوي لا يعرف معناه ولا يدري المراد به، ولا يشترط علمه بمعناه، وإنما المشترط صدقه في الرواية.
قوله: (قال الإِمام (6): ولا يخل بالراوي تساهله في غير الحديث، ولا جهله بالعربية، ولا الجهل بنسبه، ولا مخالفة (7) أكثر الأئمة (8) لروايته، [و] (9) قد اتفقوا على أن مخالفة الحفاظ (10) لا تمنع من القبول، ولا كونه
__________
(1) قال المولى حلولو في شرحه ص 318: وعندي أن هذا المروي عن مالك لا يدل على أنه يقول باشتراط الفقه في الراوي، بل لعله على جهة الاحتياط ليبني عليه مذهبه. اه.
(2) "قاضي" في ز.
(3) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض ص 9 من مخطوطات الخزانة العامة بالرباط برقم/ ج/ 933 وفي النقل اختلاف يسير.
(4) "قاضي" في ز.
(5) "المخلص" في ز.
(6) "فخر الدين" زيادة في ش.
(7) "خلاف" في أ، وخ.
(8) "الأمة" في نسخ المتن، وهو موافق لما في المحصول 2/ 1/ 627.
(9) ساقط من ز.
(10) "الحافظ" في أ، وز.
(5/162)

على خلاف الكتاب، خلافًا (1) لعيسى بن أبان).
ش: ذكر المؤلف ها هنا ستة أشياء لا تقدح في الراوي للحديث.
أحدها: جهله بفنون العلم سوى (2) علم الحديث، وهو المشار إليه بقوله: تساهله في غير الحديث، فإذا علم ضبط الراوي للحديث وعلم عدم تساهله فيه، فلا يضر تساهله في غيره؛ إذ المقصود ضبط الشريعة، فإذا علم ضبط الراوي للحديث حصل المقصود فتقبل روايته (3).
الثاني: جهله بالعربية، أي جهله بعلم النحو؛ لأن عدالته تمنعه أن يروي الحديث إلا كما سمع، وعلى إعرابه وصورته (4)، وأنه متى شك في شيء تركه (5).
الثالث: الجهل بنسبه؛ إذ المقصود إنما هو حصول عدالته، ولا يضر عدم العلم بنسبه (6).
__________
(1) "خلاف" في الأصل.
(2) "سواء" في ز.
(3) انظر: المحصول 2/ 1/ 610، وجمع الجوامع 2/ 147، وشرح القرافي ص 370، والمسطاسي ص 117، وحلولو ص 118.
وقد ذكر ابن السبكي وحلولو: أن هناك من يقول برد روايته.
(4) "وصوته" في ز.
(5) انظر: المعتمد 2/ 620، والمحصول 2/ 1/ 611، والإحكام للآمدي 2/ 94، وشرح القرافي ص 370، وشرح المسطاسي ص 117.
(6) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 365، والمعتمد 2/ 621، والمحصول 2/ 1/ 612، والإحكام للآمدي 2/ 94، وانظر: الكفاية للخطيب ص 533، وشرح القرافي ص 370، وشرح المسطاسي ص 117.
(5/163)

الرابع: مخالفة أكثر الأئمة (1) لروايته، أي إذا خالفه أكثر الصحابة فيما رواه، فلا يقدح ذلك في حديثه لأنه قد ينفرد بما لم يطلعوا (2) عليه، والإحاطة في حق البشر متعذرة (3).
وقد حدث أبو حازم بحديث في مجلس هارون الرشيد بحضرة ابن شهاب الزهري، فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث، فقال أبو حازم: أكُلَ (4) حديث النبي عليه السلام عرفته؟ [فقال: لا] (5)، فقال له: أثلثيه؟ فقال: لا، فقال له: أنصفه؟ فسكت، فقال له أبو حازم: اجعل هذا الحديث في النصف الذي لم تعرفه (6).
الخامس: مخالفة الحفاظ (7) كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل؛ لأنه قد ينفرد بما لم يطلعوا عليه (8).
__________
(1) سبق التنبيه على أن ما في نسخ المتن هو: الأمة. وهو كذلك في المحصول 2/ 1/ 627.
(2) "يطلقوا" في ز.
(3) انظر: المحصول 2/ 1/ 627، وشرح العضد على ابن الحاجب 2/ 72، وشرح القرافي ص 370، والمسطاسي ص 117.
(4) "لكل" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) سبق الكلام على هذه الحكاية في صفحة 60 من هذا المجلد.
وانظر: شرح المسطاسي ص 117.
(7) "الحافظ" في ز.
(8) انظر: المحصول 2/ 1/ 627، 628، قال في المحصول: وأما القدر الذي خالفوه فيه فالأولى ألا يقبل لأن السهو يجوز عليه أكثر مما يجوز عليهم. اه. بمعناه وانظر: شرح القرافي ص 370.
(5/164)

السادس: كون [مذهب] (1) الراوي مخالفًا للكتاب، خلافًا لعيسى بن أبان من الحنفية (2).
حجة عيسى بن أبان: قوله عليه السلام: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فخذوه وإلا فاتركوه" (3).
أجيب عنه: [بوجهين] (4) (5):
أحدهما: أن هذا الخبر معارض بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (6) والتخصيص بيان للعام (7) المخصص، والمخصص مخالف للمخصص، فكان يلزم على ذلك ترك المخصص لمخالفته عموم (8)
__________
(1) كذا في النسختين، والصواب: "حديث"، يدل عليه سياق الكلام والاستدلال.
(2) المراد من هذه المسألة: أن خبر الواحد إذا تكاملت شروطه لا يعرض على الكتاب، وقال عيسى: يعرض، والخلاف هنا لا أثر له؛ لأنه لا تتكامل شروطه إلا إذا كان غير مخالف للكتاب؛ لأنه إما ناسخ أو منسوخ أو مخصص أو مقيد أو نحو ذلك، ولذا نص الشافعي في الرسالة على أن الحديث لا يعارض كتاب الله أبدًا.
انظر: الرسالة الفقرات 419، 480، 537، 570، 607، 629، 1614.
وانظر: المعتمد 2/ 643، والمحصول 2/ 1/ 628، والإحكام لابن حزم 1/ 105، 106، وانظر رأي عيسى بن أبان في المعتمد 1/ 643، والمحصول 2/ 1/ 629، والمسطاسي ص 117.
(3) انظر: شرح القرافي ص 370، وشرح المسطاسي ص 117.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظرهما في: شرح القرافي ص 370, 371، والمسطاسي ص 117.
(6) النحل: 44.
(7) "العام" في ز.
(8) "لعموم" في ز.
(5/165)

الكتاب، وليس كذلك لقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}.
الوجه الثاني: أن ظاهر [هذا] (1) الحديث يقتضي رد الخبر وإن كان متواترًا مقطوعًا بدلالته، وليس كذلك، فيحمل الحديث الذي احتج به عيسى بن أبان على ما إذا دلت قواطع الكتاب على نقيض ما دل عليه الحديث، والحديث خبر واحد (2) أو مظنون الدلالة (3).
وحاصل ذلك: أن الكتاب إما أن يكون مقطوع الدلالة أم لا، فإن كان مقطوع الدلالة (4) فإما أن يكون الخبر متواترًا أو مظنونًا، فإن كان متواترًا فإما أن يكون مقطوع الدلالة أم لا.
فإن كان مقطوع الدلالة تساقطا لحصول (5) المساواة بينهما من كل وجه.
وإن كان مظنون الدلالة قدم [الكتاب] (6) للقطع بدلالته.
وإن كان آحادًا قدم الكتاب للقطع بطريقه.
وإن كان الكتاب مظنون الدلالة، فإما أن يكون الخبر متواترًا أم لا، فإن كان متواترًا فإما أن يكون مقطوع الدلالة أم لا.
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "الواحد" في ز.
(3) هذا على رأي من يقول: إن الآحاد لا ينسخ الكتاب، وأيضًا على فرض صحة الحديث وقد سبق بيان بطلان ونكارة هذا الحديث، فانظره صفحة 74 من هذا المجلد.
(4) في ز زيادة ما يلي: تساقطا لحصول المساواة. اه. وهو تكرار.
(5) "بحصول" في الأصل.
(6) ساقط من ز.
(5/166)

فإن كان مقطوع الدلالة قدم الخبر.
وإن كان مظنون الدلالة تساقطا لحصول المساواة.
فإن كان آحادًا، فإما أن يكون مقطوع الدلالة أم لا.
فإن كان مقطوع الدلالة قدم الخبر على المشهور.
وإن كان مظنون الدلالة قدم الكتاب للقطع بطريقه.
فهذا تلخيص هذا الموضع، وبالله التوفيق.
قوله: (ولا كون مذهبه على خلاف (1) روايته، وهو مذهب أكثر أصحابنا (2)، وفيه أربعة مذاهب:
قال الحنفي (3): إِن خصصه رجع إِلى مذهب الراوي؛ لأنه أعلم (4).
وقال الكرخي: ظاهر الخبر أولى (5).
وقال الشافعي: إِن خالف ظاهر الحديث رجع إِلى الحديث، وإِن كان أحد الاحتمالين رجع إِليه (6).
وقال القاضي عبد الجبار: إِن كان تأويله على خلاف الضرورة ترك، وإِلا
__________
(1) "مذهبه بخلاف" في أ، وخ.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 328.
(3) "الحنفية" في أ، وخ، وش.
(4) انظر: المغني للخبازي ص 216، والتوضيح 2/ 25، وتيسير التحرير 3/ 71 و72.
(5) انظر: المعتمد 2/ 670، وتيسير التحرير 3/ 71، والحصول 2/ 1/ 630، والإحكام للآمدي 2/ 115.
(6) انظر: الرسالة الفقرة 1805 - 1811، والمحصول 2/ 1/ 631، والإحكام للآمدي 2/ 115، والمعتمد 2/ 670.
(5/167)

وجب النظر في ذلك) (1).
ش: قال المؤلف في شرحه: ينبغي أن تكون هذه المسألة مخصوصة بالراوي المباشر للنقل عن النبي عليه السلام، لأنه هو الذي يحسن أن يقال فيه: هو أعلم بمراد (2) المتكلم، وأما غيره كمالك (3) في مخالفته لحديث بيع الخيار الذي رواه، وغيره من الأحاديث التي رواها وخالفها، فلا يصح ذلك فيه ولا يندرج ذلك في هذه المسألة، فلا يكون مذهبه دليلاً حتى يخصص (4) كلام صاحب الشرع؛ إذ لا يحسن أن يقال فيه: لعله شاهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرائن [تقتضي مخالفة الحديث (5).
وهذه المسألة قد نبه عليها المؤلف في باب العموم في قوله: ومذهب الراوي لا يخصص عند مالك والشافعي، خلافًا لبعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي (6).
وقال المؤلف في شرحه هنالك،/ 288/ والذي أعتقده أنه مخصوص بما إذا كان الراوي صحابيًا؛ لأنه هو الذي يحسن أن يشاهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) انظر: المعتمد 2/ 670، والمحصول 2/ 1/ 631، والإحكام للآمدي 2/ 115، والإبهاج 2/ 363. وانظر المسألة في الإحكام لابن حزم 1/ 148 وما بعدها.
(2) "بمراذ" في ز.
(3) "كمالاً" في ز.
(4) "به" زيادة في ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 371.
(6) انظر: صفحة 181، من مخطوط الأصل، وانظر: شرح القرافي ص 219.
(5/168)

قوائن] (1) تدل على تخصيص ذلك العام، وأنه عليه السلام أطلق العام لإرادة (2) الخاص، وأما إذا كان الراوي مالكًا وغيره ممن لم (3) يشاهد الرسول (4) - صلى الله عليه وسلم - فلا يتأتى ذلك فيه، ومذهبه ليس دليلاً حتى يخصص به كلام صاحب الشرع، والتخصيص بغير دليل لا يجوز إجماعًا. انتهى كلامه (5).
فقد نص المؤلف على أن المسألة مخصوصة بالصحابي في هذا الباب وفي باب العموم.
فذكر فيها ها هنا أربعة مذاهب.
أحدها، وهو مذهب الجمهور: أن الحديث أولى من المذهب (6) مطلقًا (7).
حجته: أن الحجة في لفظ صاحب الشرع لا في مذهب الراوي؛ لاحتمال أن يكون ذلك اجتهادًا منه واجتهاده لا يكون حجة على غيره (8).
القول الثاني: أن مذهب الراوي أولى من الحديث، وهو مذهب الحنفية.
حجته: أن المباشر يحصل له من القرائن الحالية والمقالية ما يقتضي خلاف
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من ز.
(2) "على إرادة" في ز.
(3) "ممن لا" في ز.
(4) "رسول الله" في ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 219، وفيه اختلاف يسير عما ها هنا.
(6) "المذاهب" في ز.
(7) انظر هذا المذهب في: التبصرة 343، والوصول لابن برهان 2/ 195، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 193.
(8) انظر هذه الحجة في: شرح القرافي ص 371، والمسطاسي ص 118.
(5/169)

الحديث فيرجع إلى مذهبه كما يرجع إليه في أصل الحديث (1).
القول الثالث، وهو مذهب الشافعي: أن الحديث إن كان له ظاهر فالحديث أولى.
مثاله: اللفظ العام، قال الشافعي: كيف آخذ بقول من لو عاصرته لحججته، وأترك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2).
وإن كان المذهب تفسيرًا للمجمل فالتفسير أولى.
حجته: أن الحديث إن كان له ظاهر، فالحجة في ظاهر الشريعة لا في مذهب الراوي، وإن لم يكن له [ظاهر] (3) وكانت الاحتمالات متساوية فلا حجة فيه لإجماله، وحينئذ يرجع إلى تفسير الراوي لأنه أعلم بحال المتكلم (4).
مثاله: اللفظ المشترك، كما إذا قال عليه السلام: "اعتدي بالأقراء" فحمله الراوي على الأطهار، فيتعين مذهب الراوي.
القول الرابع، وهو قول عبد الجبار: التفصيل بين أن يكون مذهب الراوي مخالفًا للضرورة، وبين أن يكون موافقًا للضرورة.
ولكن قول عبد الجبار موافق من وجه مخالف من وجه.
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 371، والمسطاسي ص 118.
(2) ذكر هذا القول عن الشافعي: المحلي في شرحه لجمع الجوامع 2/ 146، وانظر: شرح حلولو ص 319.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر هذه الحجة في: شرح القرافي ص371، وشرح المسطاسي ص 118.
(5/170)

فإذا كان مذهب الراوي مخالفًا للضرورة، فإنه يترك ويرجع إلى الحديث، وهذا (1) لا يخالف فيه أحد؛ إذ لا يمكن مخالفة الضرورة، وهو من هذا الوجه موافق للجماعة (2).
وأما إن كان مذهب الراوي على وفق الضرورة، فهو مخالف لمن جزم بتقديم الخبر مطلقًا، وهو مخالف أيضًا لمن جزم بتقديم المذهب مطلقًا؛ لأنه قال: وجب النظر في ذلك، فإنه ينظر في نص الحديث وفي مذهب الراوي بالمدارك المرجحة إما من نص أو ظاهر أو قياس أو أمارة، فإن وجد شيء من المرجحات في الحديث أو المذهب فإنه يقدم على الآخر، وإن تساوت الاحتمالات وجب التوقف؛ لأن الترجيح من غير مرجح محال (3).
قوله: (وإِذا ورد الخبر في مسألة علمية، وليس في الأدلة القطعية ما يعضده (4) رد؛ لأن الظن لا يكفي في القطعيات، وإِلا قبل (5)).
__________
(1) "فهذا" في ز.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 118.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 118.
(4) "ما بعصره" في ز.
(5) انظر المسألة في: المعتمد 2/ 659، والمحصول 2/ 1/ 632، والخلاف هنا مبني على الخلاف في خبر الواحد، أيوجب العلم أو لا يوجبه؟ وفيه كما مر بنا أربعة مذاهب:
1 - أنه يفيد العلم مطلقًا، وهو قول معظم الظاهرية، حكاه ابن حزم عن داود، ونصره، وحكاه عن الحارث المحاسبي والحسين الكرابيسي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، واختاره، وهو رواية عن أحمد إلا أنها حملت على ما تلقته الأمة بالقبول.
2 - أنه يفيد العلم إذا احتف بالقرائن، وعلى هذا الجويني والغزالي والنظام والرازي وابن الحاجب والبيضاوي والآمدي، ومن الحنابلة: ابن قدامة وابن حمدان والطوفي =
(5/171)

ش: المسائل العلمية هي أصول الدين، فإن المقصود (1) فيها (2) إنما هو العلم لا الظن، والمراد بالأدلة القطعية: العقلية والنقلية: [وهي] (3) الكتاب والسنة المتواترة والإجماع.
فإذا ورد في المسألة العلمية خبر يفيد الظن، فإما أن يكون في الدلالة القطعية ما يقتضي ذلك الذي اقتضى الخبر أم لا.
فإن لم يكن ذلك فإن الخبر يُردُّ لعدم الفائدة فيه، لأن ما ورد فيه لا يعتبر فيه، والذي يعتبر فيه لم يرد فيه.
وإن كان في الدلالة القطعية ما يقتضيه حصل المقصود بالدليل العقلي،
__________
= وجماعة. وقال الشوكاني: والخلاف مع هؤلاء لفظي؛ لأن القرائن إذا كانت قوية بحيث يحصل لكل عاقل عندها العلم كان من المعلوم صدقه. اه. إرشاد الفحول ص 50.
3 - أنه يفيد العلم إذا تلقته الأمة بالقبول، وبه قال الخطيب البغدادي والشيرازي والباجي وأبو يعلى وتقي الدين ابن تيمية وجماعة من المحدثين.
4 - أنه لا يفيد إلا الظن، وهو المحكي قولاً للجمهور.
انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 107 وما بعدها، وإحكام الفصول للباجي 1/ 291، 302، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 78، والعدة 3/ 900، والبرهان فقرة 518، والمستصفى 1/ 136، 137، والمعتمد 2/ 566، والمحصول 2/ 1/ 400 وما بعدها، ومختصر ابن الحاجب 2/ 55، ونهاية السول 3/ 54، والإحكام للآمدي 2/ 32، والروضة ص 99، وشرح الكوكب المنير 2/ 348، وإرشاد الفحول ص 49، 50، والكفاية للخطيب ص 51، واللمع للشيرازي ص 210، والمسودة ص 240.
(1) "المطلوب" في ز.
(2) "بها" في ز.
(3) ساقط من الأصل.
(5/172)

ويصير الخبر مؤكدًا له ومؤنسًا، ويكون أقوى مما ليس فيه إلا العقل وحده، فإن اليقين بما ورد فيه السمع والعقل أقوى مما ليس فيه إلا العقل وحده (1)، وهذا بناء (2) على القول بحصول التفاوت في العقليات، وهي مسألة الخلاف، والصحيح حصوله (3).
لقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (4) وهذا يدل على حصول التفاوت في العقليات (5).
وأيضًا نحن (6) ندرك بالضرورة حصول التفاوت بين النظريات والحسيات والبديهيات مع حصول القطع في جميع ذلك.
وسيأتي بيان ذلك في باب التعارض والترجيح في الفصل الثاني منه في قول (7) [المؤلف] (8): ويمتنع الترجيح في العقليات لتعذر التفاوت بين القطعيين (9) (10).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 372.
(2) "أبناء" في ز.
(3) القول الآخر: عدم حصول التفاوت في القطعيات، وإليه ذهب الجويني في البرهان فقرة 46، 68، والغزالي في المنخول ص 48، وانظر: المحصول 1/ 1/ 102، وشرح الكوكب المنير 1/ 61 - 63.
(4) البقرة: 260.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 118.
(6) "كحن" في ز.
(7) "قوله" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) "القطعين" في الأصل.
(10) انظر: مخطوط الأصل صفحة 325، وصفحة 485 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 420.
(5/173)

وقوله: (وإِن اقتضى عملاً تعم به البلوى عند المالكية والشافعية، خلافًا للحنفية.
لنا حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم في [التقاء] (1) الختانين).
ش: يعني أن خبر الواحد إذا ورد في عمل تعم به البلوى، أي تمس إليه الحاجة في عموم الأحوال، فإنه مقبول عند المالكية (2) والشافعية (3) (4)، خلافًا للحنفية (5)، وابن خويز منداد من المالكية (6).
مثاله: قول عائشة رضي الله عنها: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل فعلته أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاغتسلنا" (7).
وكذلك خبر ابن مسعود (8): ..........................................
__________
(1) ساقط من أ، وخ.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 326، حيث حكاه عن أكثرهم، ومختصر ابن الحاجب 2/ 72.
(3) انظر: اللمع ص 215، والتبصرة ص 314، والوصول لابن برهان 2/ 192، والمحصول 2/ 1/ 633، والإحكام للآمدي 2/ 112.
(4) وقد حكاه أبو الحسين في المعتمد 2/ 661، عن أبي علي وعبد الجبار، وهو مذهب الحنابلة. انظر: العدة 3/ 885، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 86، وروضة الناظر ص 127.
(5) انظر: أصول الشاشي ص 284، والمغني للخبازي ص 198، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 17، 18، وتيسير التحرير 3/ 112، ونسبه معظم الأصوليين إليهم.
(6) انظر نسبة هذا الرأي له في: إحكام الفصول للباجي 1/ 326، وشرح المسطاسي ص 118.
(7) "فاغسلنا" في ز.
(8) أبو عبد الرحمن: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أسلم بمكة قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وهو صاحب نعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان من =
(5/174)

"من مس ذكره فليتوضأ" (1).
وكذلك خبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من النوم [قال:] (2) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين (3) باتت (4) يده" (5) [وكذلك خبر أبي هريرة في رفع اليدين عند الركوع، قال: كان يرفع يديه في الصلاة كلما خفض ورفع] (6) .........................................................
__________
= علماء وفقهاء الصحابة، ومن المتشددين في الرواية، توفي بالمدينة، وقيل بالكوفة سنة 32 ه، انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 6/ 27، وتذكرة الحفاظ 1/ 13، والإصابة 2/ 368، والاستيعاب 2/ 316.
(1) المشهور عن ابن مسعود عكس ما يدل عليه هذا الحديث، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 164، 165، وعبد الرزاق في مصنفه رقم 430، والطبراني والبيهقي 1/ 136، أن ابن مسعود سئل عن مس الذكر، فقال: لا بأس، وفي بعضها: هل هو إلا كطرف أنفك، وفي بعضها: إن علمت فيك بضعة نجسة فاقطعها، وهذا كله يدل على أن مذهب ابن مسعود عدم الوضوء من مس الذكر، وانظر: مجمع الزوائد 1/ 244، والمعتبر للزركشي ص 134. أما أحاديث الوضوء من مس الذكر فأصحها حديث بسرة، وقد روي أيضًا من حديث سبعة عشر صحابيًا غيرها، ولم أطلع لابن مسعود على حديث فيه، وانظر: التلخيص الحبير 1/ 123.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "ان" في الأصل.
(4) "بابت" في الأصل.
(5) أخرجه البخاري بهذا اللفظ برقم 162، وأخرجه بغير هذا اللفظ مسلم برقم 278، والترمذي برقم 24.
(6) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(5/175)

(1) وغير ذلك من الأخبار التي تعم بها (2) البلوى.
مذهب الجمهور أنه مقبول، ومذهب الحنفية وجماعة قليلة أنه غير مقبول.
حجة الحنفية القائلين بعدم قبوله: وجهان:
أحدهما: أن ما تعم به البلوى شأنه أن يكون معلومًا عند الكل لعموم سببه، فيحتاج كل أحد (3) أن يعلم حكمه، فلو كان فيه حكم لعلمه الكل، فإذا لم يعلموه دل ذلك على كذبه (4).
الوجه الثاني: قوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (5) فإن
__________
(1) أخرجه الدارقطني في العلل عن عمرو بن علي عن ابن أبي عدي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال الدارقطني: لم يتابع عمرو بن علي على ذلك، وغيره يرويه بلفظ التكبير، وليس فيه رفع اليدين، وهو الصحيح. اه.
انظر: الإصابة 1/ 414، والتلخيص الحبير 1/ 219، قلت: وعلى هذا الحديث جماعة من العلماء، منهم البخاري صاحب الصحيح، وقد ألف جزءًا في ذلك، وللحديث شواهد عدة، وقال البخاري في جزئه: وقد روى الرفع سبعة عشر نفسًا من الصحابة. اه. انظر: التلخيص الحبير 1/ 220، ومن العلماء من لا يقول بالرفع إلا عند افتتاح الصلاة، وبعضهم يزيد عليه ثلاثة مواضع مع الركوع ومع الرفع منه ومع القيام من التشهد الأول، ويشهد للأخير حديث ابن عمر عند البخاري برقم 739.
(2) "به" في ز.
(3) "واحد" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 372، وشرح المسطاسي ص 118.
(5) يونس: 36.
(5/176)

مقتضى [هذا] (1) الدليل ألا يعمل بالظن، خالفناه فيما لا تعم به البلوى، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل (2).
أجيب/ 289/ عن الأول: بأنه لو صح ما ذكرتم للزم أن يثبت كل ما تعم به البلوى بالتواتر، وليس كذلك؛ لأن فيه ما ثبت بالتواتر، وفيه ما ثبت بالآحاد (3).
وأجيب عن الثاني: بأنه معارض بقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (4) مفهومه: إن جاءكم غير فاسق بنبأ فاقبلوا (5)، فإن مقتضاه الجزم بالعمل عند عدم الفسق كان فيما تعم به البلوى أم لا (6).
وأيضًا يرد على الحنفية: أنهم نقضوا أصلهم، فإنهم أوجبوا الوضوء من القهقهة، والحجامة، والفصادة، والرعاف، والقيء، وغيرها (7)، وهي كلها أخبار آحاد تعم بها البلوى (8).
قال المسطاسي: إطلاق القول بقبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى أو
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) انظر: شرح القرافي ص 372، 373، والمسطاسي ص 118، 119.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 119.
(4) الحجرات: 6.
(5) "فاقبلوه" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 373.
(7) انظر نواقض الوضوء عند الحنفية في: الهداية 1/ 14 - 16، والجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري 1/ 8 - 10، وانظر الأحاديث في ذلك في: نصب الراية 1/ 37 - 42، 47 - 53.
(8) انظر: شرح القرافي ص 372، والمسطاسي ص 119.
(5/177)

رده مطلقًا لا يتجه، والصحيح والصواب أن ذلك يختلف باختلاف القرائن والأحوال، فلا بد للمجتهد من النظر في كل صورة (1).
قوله: (وإِن اقتضى عملاً تعم به البلوى)، احترازًا مما لا تعم به البلوى، فإنه يقبل بأولى وأحرى كقوله عليه السلام في أخذ الجزية من المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" رواه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
ومذهب مالك وجمهور العلماء: أن خبر الواحد مقبول كان مما تعم به البلوى أم لا (2)، دليلهم: الكتاب والسنة.
فالكتاب: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (3) دليل الخطاب (4) أن غير الفاسق مقبول.
والسنة: قوله عليه السلام: "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر" والظن ظاهر فيحكم به.
وقول عائشة رضي الله عنها: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل".
وخبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان: "الاستئذان ثلاث، فإن أذن
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 119، وفيه اختلاف يسير عما هنا. وقال بعده: فتأتى على هذا في قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى ثلاثة أقوال: يقبل مطلقًا، لا يقبل مطلقًا، لا بد من النظر في كل صورة صورة، وهو الصواب. اه.
(2) "ولا" في ز.
(3) الحجرات: 6.
(4) "أي" المفهوم.
(5/178)

لك فادخل وإلا فارجع".
وخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، وغير ذلك من الأدلة.
***
(5/179)

الفصل التاسع في كيفية الرواية
[ش] (1): أي في صفة الرواية، ولا يخلو الراوي إما أن يكون صحابيًا أو غيره.
فإن كان صحابيًا فذكر فيه المؤلف سبع مراتب.
وإن كان الراوي غير صحابي فذكر فيه ثماني مراتب (2).
قوله: (إِذا قال الصحابي: سمعت رسول (3) الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أخبرني، أو شافهني، فهذا أعلى المراتب).
ش: يريد وكذلك إذا قال: حدثني عليه السلام بكذا (4).
__________
(1) ساقط من ز.
(2) يختلف علماء الحديث وعلماء أصول الفقه في حصر هذه المراتب والحكم عليها وألفاظ الرواية بها اختلافًا كثيرًا، لذا سأكتفي بالإحالة على ما أستطيع من المراجع، مع ذكر ما استقر عليه المتأخرون من علماء الحديث على ما في مقدمة ابن الصلاح، وتقريب النووي، وتدريب السيوطي، ومعظم المحدثين لم يذكروا مراتب الرواية للصحابي، بل يذكرون مراتب للصحابي وغيره؛ لذا سيكون التعرض لآرائهم في القسم الثاني من هذا الفصل، وهو المتعلق بغير الصحابي، إلا ما وجدتهم نصوا عليه لاختصاصه بالصحابي، والله الموفق.
(3) "النبي" في أ، وخ، وش.
(4) "وكذا وكذا" زيادة في ز.
(5/181)

[وهذه] (1) المرتبة هي أعلى المراتب، ولا خلاف أنه (2) [كلام] (3) النبي عليه السلام؛ لأنه لا يحتمل الواسطة بل هو محمول على المشافهة (4).
وأما المراتب الست (5) الباقية فهي محل الخلاف لما فيها من الاحتمال.
قوله: (وثانيها: أن يقول: قال عليه السلام).
ش: إنما (6) جعل المؤلف هذه المرتبة أخفض من الأولى، لأن الأولى لا تحتمل إلا المشافهة، وأما "قال": فيحتمل المشافهة [و] (7) يحتمل الواسطة، كما (8) يقول أحدنا اليوم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان لم يسمعه ولا شافهه، ولا شك أن اللفظ الدال على المشافهة أنص في المقصود وأبعد عن الخلل المتوقع من الوسائط (9).
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "في أن" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر الكلام على هذه المرتبة في: المحصول 2/ 1/ 637، والإبهاج 2/ 364، والروضة ص 90، والإحكام للآمدي 2/ 95، وشرح القرافي ص 373.
(5) "الستة" في الأصل.
(6) "وإنما" في ز.
(7) ساقط من ز.
(8) "مما" في ز.
(9) ولا خلاف في أنه حجة للعمل، وقال الأكثرون: يحمل على السماع، ونقل عن أبي بكر الباقلاني التردد في حمله على السماع، ونقل هذا أبو الخطاب عن الأشاعرة، وقال الرازي: ظاهره النقل، وليس نصًا صريحًا.
انظر: المحصول 2/ 1/ 638، والإبهاج 2/ 364، والإحكام للآمدي 2/ 95، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 68، والعدة لأبي يعلى 3/ 999، =
(5/182)

قوله: (ثانيها وثالثها ورابعها ...) إلى آخرها، إنما أتى بها على صورة التذكير لأنه اعتبر الأقسام ولم يعتبر المراتب؛ لأن المراتب هي في المعنى أقسام.
قوله: (وثالثها: [أن يقول] (1) أمر (2) بكذا [أ] (3) ونهي عن كذا).
ش: يعني أمر أو نهى بالبسط من غير ذكر الفاعل.
قال المؤلف في شرحه: يريد: وكذلك إذا قال: أمرنا أو نهانا (4).
قوله: (وهذا كله محمول عند المالكية على أمر (5) النبي عليه السلام خلافًا لقوم).
ش: هذا الكلام راجع إلى المرتبة الثالثة خاصة، وهي قوله: أمر أو نهى.
__________
= والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 185، وروضة الناظر ص 90، وانظر: الكفاية للخطيب ص 589، وشرح القرافي ص 373، والمسطاسي ص 119.
(1) ساقط من نسخ المتن.
(2) "عليه السلام" زيادة في نسخ المتن الثلاث ونسخة: ز. وإثبات الفاعل يعتبر مرتبة أخرى، وهي التي تكلم عليها جل الأصوليين، لكن سياق الشوشاوي للمسألة كما سترى، وتنبيهه الآتي بأن المؤلف أسقط مرتبة أخرى، وهي ما صرح فيه بالفاعل كل ذلك يؤكد إسقاط الفاعل من هذه المرتبة هنا.
وهذه المرتبة أعني: أمر، بفتح الثلاثة بسطًا للفعل من غير ذكر الفاعل، لم أر من تعرض لها سوى القرافي في شرحه ص 373، وتبعه المسطاسي ص 119، والشوشاوي وحلولو ص 320.
(3) ساقط من ز.
(4) في شرح القرافي ص 373: بل يقول الراوي أمر بكذا أو أمرنا بكذا، وانظر صفحة 374 منه.
(5) في ش: "أمره عليه السلام".
(5/183)

قال المؤلف في الشرح: [و] (1) قولي: إنه محمول عند المالكية على أمر النبي عليه السلام، أريد إذا لم يذكر النبي عليه السلام في الأمر، بل يقول الراوي: أمر بكذا، أو أمرنا بكذا، فإن اللفظ يحتمل أن يكون فاعل هذا الأمر هو النبي عليه السلام أو غيره. انتهى (2).
وإنما جعل هذه المرتبة أخفض من التي قبلها؛ لأن التي قبلها لا تحتمل إلا احتمالاً واحدًا، وهو احتمال الوسيطة (3)، وأما هذه المرتبة الثالثة فتحتمل احتمالات كثيرة، أي: هل أمر عليه السلام أو أمر غيره؟ ثم هل المراد بالأمر الطلب أم لا؟ ثم الطلب، هل المراد به الجازم أو لا؟ ثم الجازم، هل المراد به الفور أو التراخي؟ ثم الفور، هل المراد به التكرار أو المرة الواحدة؟ وهل المراد به الكل أو البعض؟ (4).
حجة المالكية أن هذا محمول على أمره عليه السلام [أ] (5) ونهيه: أن من له
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر شرح القرافي ص 373.
(3) كذا في النسختين، وفي المسطاسي: الواسطة، وهو أولى.
وفي القاموس: الوسيط: هو المتوسط بين المتخاصمين، وفي اللسان: التوسيط: أن تجعل الشيء في الوسط.
وفيه أيضًا: صار الماء وسيطة إذا غلب على الطين.
ولم يوردها صاحب اللسان، ولا صاحب القاموس، ولا شارحه، بمعنى: الواسطة، لكنها تفهم من المعاني التي ذكرت.
انظر: المسطاسي ص 197 من مخطوط مكناس رقم 352، واللسان، والقاموس، والتاج، كلها مادة: (وسط).
(4) انظر: شرح القرافي ص 373، والمسطاسي ص 119.
(5) ساقط من ز.
(5/184)

رئيس معظم إذا قال: أمر بكذا، أو أمرنا بكذا، إنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو رئيس الأمة وعظيمها ومرجعهم، وهو المشار إليه في أقوالهم وأفعالهم، فتنصرف إطلاقاتهم في ذلك إليه - صلى الله عليه وسلم - (1).
قوله: (خلافًا لقوم)، حجة المخالف: أن الفاعل إذا حذف احتمل النبي عليه السلام أو غيره، فيكون المعنى: أمر الكتاب، أو أمر (2) بعض الأمة، والاحتمال شك، ولا يثبت الشرع بالشك.
أجيب عنه: بأن شاهد الحال صارف للنبي عليه السلام كما تقدم تقريره من [أن] (3) الفعل المطلق ينسب إلى الرئيس، والعمل بالراجح متعين (4).
قوله: (وثالثها: أن يقول: أمر بكذا أو نهى عن كذا) ببسط الفعل فيهما (5)، سكت المؤلف عن مرتبة أخرى، وهي: إذا صرح بالفاعل فقال: أمر النبي عليه السلام (6) أو نهى عليه السلام عن كذا (7)، ففيها الخلاف أيضًا (8)،
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 374.
(2) "امره" في ز.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر الدليل والإجابة عنه في: شرح القرافي ص 374، والمسطاسي ص 119.
(5) "فيها" في ز.
(6) "بكذا" زيادة في ز.
(7) "بكذا" في ز.
(8) وهذه حجة عند الأكثرين، وخالف داود الظاهري وبعض المتكلمين والقاضي في مختصر التقريب، حكى هذا صاحب الإبهاج وقال: وحكي عن داود الوقف، وإليه مال الإمام. اه. بمعناه: انظر: الإبهاج 2/ 365، والمحصول 2/ 1/ 638، 639، ومختصر ابن الحاجب 2/ 68، والإحكام للآمدي 2/ 96، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 186، وروضة الناظر ص 91، والكفاية للخطيب ص 590، 591.
(5/185)

وحكمها عند المالكية (1) حكم المرتبة التي هي: أمر أو نهى من غير ذكر النبي عليه السلام، إلا أن هذه المرتبة [التي] (2) فيها التصريح بذكر النبي عليه السلام أقوى من المرتبة التي لم يذكر فيها النبي عليه السلام؛ / 290/ لأنه إذا ذكر النبي عليه السلام ارتفع منه احتمال واحد، وهو إرادة غيره (3) عليه السلام، وبقي سائر الاحتمالات (4).
قوله: (ورابعها: أن يقول: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فعندنا (5) وعند الشافعية (6)، يحمل (7) على أمره (8) عليه السلام (9) خلافًا للكرخي (10)).
__________
(1) "أيضًا" زيادة في ز.
(2) ساقط من ز.
(3) "غير النبي" في ز.
(4) انظر: المحصول 2/ 1/ 638، وروضة الناظر ص 91، وانظر: شرح المسطاسي ص 119.
(5) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 403، ومختصر ابن الحاجب 2/ 68.
(6) انظر: المحصول 2/ 1/ 640، والإحكام للآمدى 2/ 97، والإبهاج 2/ 365.
(7) "يحتمل" في ز.
(8) "ونهيه" زيادة في ش.
(9) وهو رأي جمهور العلماء من المحدثين والأصوليين.
انظر مقدمة ابن الصلاح ص 127 و128، والكفاية للخطيب ص 592، 593، وإحكام الفصول 1/ 403، والوصول لابن برهان 2/ 198، وشرح العضد 2/ 68، والإحكام للآمدي 2/ 97، والإبهاج 2/ 365، والعدة 3/ 992، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 177، والبرهان فقرة 594.
(10) ونسب هذا الرأي أيضًا للصيرفي، وداود الظاهري، وأبي بكر الرازي، ومال إليه الغزالي، قال في المنخول: فلعله قاله قياسًا وسنة النبي اتباع القياس، ونصر هذا الرأي ابن حزم في الإحكام، ونسبه صاحب البرهان للمحققين.
انظر: المعتمد 2/ 667، والمحصول 2/ 1/ 640، والإبهاج 2/ 365، والإحكام للآمدي 2/ 97، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 177، والعدة 3/ 994، وإحكام الفصول للباجي 1/ 403، والإحكام لابن حزم 1/ 194، والبرهان فقرة 594.
(5/186)

ش: اعترض [على] (1) المؤلف في جعل هذه مرتبة أخرى؛ إذ لا فرق بين بسط الفعل وتركيبه فيما إذا حذف الفاعل، فالأولى (2) أن يجعل هذه المرتبة مع التي قبلها مرتبة واحدة لاتحادهما في الحكم والاحتجاج (3).
قوله: (وخامسها: أن يقول: السنة كذا، فعندنا يحمل (4) على سنته عليه السلام (5)، خلافًا لقوم) (6).
ش: سبب الخلاف: النظر إلى اللغة، أو النظر إلى العرف.
من نظر إلى اللغة قال: لفظ السنة مجمل؛ لأن معنى السنة في اللغة هو الطريقة، ومنه قوله تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا} (7) أي: طريقتهم (8)، فقول الراوي: من السنة كذا، [أي من الطريقة كذا] (9)، ولا يدرى هل طريقة النبي عليه السلام أو طريقة غيره من أصحابه؟ وذلك مجمل.
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "فأولى" في ز.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 197، من مخطوط مكناس رقم 352.
(4) "يحتمل" في ز.
(5) وهو رأي الجمهور كالمسألة السابقة. انظر: التبصرة ص 331، والمعتمد 2/ 668، والعدة 3/ 991، والمحصول 2/ 1/ 641. وانظر مراجع قول الشافعي والجمهور في المرتبة السابقة.
(6) منهم الكرخي، وأبو بكر الرازي، والصيرفي، ومن معهم في المرتبة السابقة، فانظر المراجع هنالك.
(7) الإسراء: 77، وتمامها: {وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}.
(8) انظر: المفردات للراغب ص 45، مادة: (سنن).
(9) ساقط من ز.
(5/187)

ومن نظر إلى العرف قال: تعين أن المراد بذلك طريقة النبي عليه السلام، لأن السنة في العرف هي طريقة النبي عليه السلام في الشريعة (1).
فإذا قلنا: المراد بالسنة طريقة النبي عليه السلام وهو المعنى العرفي، [انظر] (2) ما معنى السنة في اصطلاح أهل الشرع (3).
فقيل السنة: هي المندوب، ولأجل ذلك تذكر السنة في مقابلة الفرض، فيقال (4): فروض (5) الصلاة وسننها كذا وكذا (6).
وقيل: السنة ما ثبت من قِبَلَه عليه السلام من قول أو فعل غير القرآن كان
__________
(1) انظر: رد الخلاف إلى المعنى اللغوي والاصطلاحي في: شرح القرافي ص 374، والمسطاسي ص 119.
(2) ساقط من الأصل.
(3) يختلف العلماء في تعريف السنة بحسب بحثهم فيها. فالمحدثون يعنون بالسنة كل ما ثبت عن الرسول من أقوال أو أفعال أو صفات خلقية، بضم المعجمة واللام، أو خلقية، بفتح المعجمة وسكون اللام، أو غير ذلك.
والأصوليون يعنون بها كل ما أثر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير يتعلق به حكم شرعي سوى القرآن. والفقهاء يعنون أحد الأحكام الخمسة وهو المندوب. وقد تطلق في مقابلة البدعة. وقد تطلق على ما استقر عليه عمل الصحابة من الآيات والأحاديث، وهو معناها في القرون الأولى.
انظر تعريفات السنة في: العدة لأبي يعلى 1/ 166، والحدود للباجي ص 56، 57، والإحكام للآمدي 1/ 169، والموافقات للشاطبي 4/ 3 - 7، وتيسير التحرير 3/ 19، 20، وشرح الكوكب المنير 2/ 159، 160، وإرشاد الفحول ص 33، والتعريفات للجرجاني ص 107، 108.
(4) "يقال" في ز.
(5) "فرض" في الأصل.
(6) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 160، وإرشاد الفحول ص 33، والحدود للباجي ص 57، والعدة 1/ 166، وشرح القرافي ص 374.
(5/188)

مندوبًا أو واجبًا (1)، ولذلك قال الشافعي (2): الختان سنة، وهو عنده واجب، أي ثابت بالسنة (3).
وقيل: السنة ما فعله (4) عليه السلام [وداوم عليه] (5) واقترن به ما يدل على أنه غير واجب (6).
وقيل: ما فعله عليه السلام في جماعة، وداوم (7) عليه، واقترن به ما يدل على (8) أنه غير واجب (9).
وتظهر ثمرة (10) الخلاف بين هذين القولين في ركعتي الفجر، هل هي من السنن أو من الرغائب؟ من اشترط الجماعة، قال: من الرغائب، ومن أسقط (11) الجماعة من الحد (12)، قال: من السنن (13).
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 169، وشرح الكوكب المنير 2/ 160 وما بعدها، والحدود للباجي ص 56، وتيسير التحرير 3/ 19، وشرح القرافي ص 374.
(2) العبارة في ز: "كان واجبًا أو مندوبًا، وكذلك يقول الشافعي ... " إلخ.
(3) انظر مذهب الشافعي في: المجموع للنووي 1/ 301. وانظر العبارة في شرح القرافي ص 374.
(4) "النبي" زيادة في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: تيسير التحرير 3/ 20، وإرشاد الفحول ص 33، وشرح القرافي ص 374.
(7) "ودام" في ز.
(8) "عليه" في ز.
(9) انظر: الحدود للباجي ص 57.
(10) "فائدة" في ز.
(11) "سقط" في الأصل.
(12) "الحمد" في ز.
(13) هذه مسألة خلاف عند المالكية.
(5/189)

قوله: (وسادسها: أن يقول عن النبي عليه السلام، قيل (1): يحمل على سماعه هو (2)، وقيل: [لا] (3) (4)).
ش: هذا اللفظ يحتمل المباشرة ويحتمل الواسطة، وذلك أن قول الراوي: عن النبي عليه السلام يحتمل أن يكون متعلق هذا الجار رويت أو نقلت أو أخذت عن النبي عليه السلام، فيكون الراوي مباشرًا للسماع.
ويحتمل أن يكون متعلق هذا الجار روي أو نقل [أو أخذ] (5) عن النبي عليه السلام بتركيب الفعل المتعلق، فلا يلزم أن يكون الراوي مباشرًا لسماعه من النبي عليه السلام.
فمن غلّب (6) حال الصحابي حمله على المباشرة؛ لأن غالب حال (7) الصحابي مباشرة السماع من النبي عليه السلام.
ومن غلب ظاهر اللفظ قال بالاحتمال؛ لاحتمال المباشرة والواسطة؛ لأن
__________
= فابن القاسم وابن الحكم وجماعة يقولون: هي سنة، وصححه ابن عبد البر، وأشهب وأصبغ وجماعة يقولون هي من الرغائب وليست بسنة.
انظر: المقدمات لابن رشد 1/ 86، والكافي لابن عبد البر 1/ 255، والحدود للباجي ص 57.
(1) "فقيل" في ش.
(2) انظر: المعتمد 2/ 669، والمحصول 2/ 1/ 343، والإبهاج 2/ 366.
(3) ساقط من ز.
(4) انظر: المعتمد 2/ 669، والمحصول 2/ 1/ 342.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "ظاهر" زيادة في ز.
(7) "أحال" في ز.
(5/190)

اللفظ محتمل فلا يحمل (1) على المباشرة إلا بدليل (2) لإجماله، فيتعين التوقف.
قوله: (وسابعها: [أن يقول] (3): كنا نفعل كذا (4)، وهو يقتضي (5) كونه شرعًا).
ش: يريد وكذلك إذا قال: [كانوا] (6) يفعلون كذا (7) (8).
والضمير (9) في قوله: (وهو)، يعود على قول الراوي.
والضمير في قوله: (كونه)، يعود على الفعل المكنى [عنه] (10) بكذا (11) , أي: يدل قول الراوي: كنا، أو كانوا، على أن ذلك الفعل مشروع (12)،
__________
(1) "محمل" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 374 - 375، والمسطاسي ص 120.
(3) ساقط من الأصل.
(4) كتب في الأصل: "كذا نفعل"، ثم شطب الكلمتين.
(5) "مقتضى" في الأصل.
(6) ساقط من ز.
(7) "له" في ز.
(8) انظر: الكفاية للخطيب ص 595، ومقدمة ابن الصلاح ص 126، والمسطاسي ص 120.
(9) "أو الضمير" في ز.
(10) ساقط من ز.
(11) "بذلك" في ز.
(12) انظر: المعتمد 2/ 669، والتبصرة ص 333، وإحكام الفصول 1/ 407، والمحصول 2/ 1/ 643، ومختصر ابن الحاجب 2/ 69، والإبهاج 2/ 366، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 182، والروضة ص 92، والكفاية للخطيب ص 594، 595، ومقدمة ابن الصلاح ص 126.
(5/191)

خلافًا (1) لبعض الحنفية (2).
حجة المشهور: أن مقصود الصحابي أن يخبرنا بما كان شرعًا؛ لأن الغالب اطلاع النبي عليه السلام على ذلك الفعل وإقراره عليه، وذلك يقتضي كونه شرعًا لأنه عليه السلام لا يقر على باطل، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم لا يقرون بين أظهرهم إلا ما كان شرعًا، فيكون ذلك الفعل شرعًا (3).
حجة المخالف: أنهم كانوا يفعلون في زمانه عليه السلام ما لا يكون مسندًا (4) إليه، كما قال بعضهم حين اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين: "كنا نجامع على (5) عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نغتسل" (6).
وقال جابر (7): ...................................................
__________
(1) "خلاف" في ز.
(2) انظر: تيسير التحرير 3/ 69 و70.
(3) انظر: شرح القرافي ص 375، والمسطاسي ص 120.
(4) "مستندًا" في ز.
(5) "في" في ز.
(6) أخرجه أحمد من حديث طويل عن رفاعة بن رافع، وفيه: فقلت: كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فسألتم عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: كنا نفعله على عهده فلم نغتسل.
انظر: مسند أحمد 5/ 115، وأخرجه البزار، انظر: كشف الأستار، الحديث رقم 325، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 265: رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، ما خلا ابن إسحاق، وهو ثقة إلا أنه مدلس. اه.
(7) أبو عبد الله: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، من فقهاء الصحابة وعلمائهم، وأحد المكثرين من رواية الحديث، توفي سنة 78 ه.
انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ 1/ 43، ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 11، وأسد الغابة 1/ 256.
(5/192)

كنا نبيع أمهات الأولاد على (1) عهد النبي عليه السلام (2) (3).
أجيب عن هذا: بأن محل النزاع إنما هو فيما الغالب عليه اطلاعه عليه السلام، وأما مثل هذه الأفعال مما يمكن إخفاؤه عنه عليه السلام فليس بمحل (4) النزاع (5).
قوله: (وأما غير الصحابي فأعلى مراتبه (6) أن يقول: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته، وللسامع منه أن يقول: حدثني، [أ] (7) وأخبرني، [أ] (8) وسمعته يحدث عن فلان، إِن قصد إِسماعه خاصة (9)، أو في جماعة، وإِلا فيقول: سمعته يحدث).
ش: هذا مقابل (10) قوله أولاً: إذا قال الصحابي، فلما تكلم على كيفية
__________
(1) "في" في الأصل.
(2) رواه ابن ماجه في العتق برقم 2517 بلفظ: "كنا نبيع سرارينا وأمهات أولادنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - فيناحي، لا نرى بذلك بأسًا"، ورواه أبو داود في العتق برقم 3954 ولفظه: "بعنا أمهات أولادنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا"، وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر 4/ 218.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 120.
(4) "محمل" في الأصل.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 120.
(6) "مرتبته" في الأصل.
(7) ساقط من خ.
(8) ساقط من أ، وخ.
(9) "خاصته" في أ.
(10) "مقال" في الأصل.
(5/193)

رواية الصحابي، شرع ها هنا في كيفية رواية غير الصحابي، فذكر فيها ثماني مراتب (1):
المرتبة الأولى، وهي أعلاها: قراءة الشيخ لما يرويه الراوي عنه (2)، وهو معنى قول المؤلف: "أن يقول: حدثني، أو: أخبرني".
__________
(1) ذكر المؤلف هنا ثماني مراتب، وذكر المحدثون أيضًا ثماني مراتب، لكنها تختلف اختلافًا يسيرًا عما ذكر المؤلف، فالمراتب عند المحدثين هي:
1 - السماع من الشيخ.
2 - القراءة على الشيخ، وهي تسمى: العرض، أو عرض القراءة.
3 - الإجازة.
4 - المناولة.
5 - المكاتبة.
6 - إعلام الراوي الطالب بأن الحديث من سماعه دون الإذن بالتحديث عنه.
7 - الوصية بالكتب.
8 - الوجادة.
والثلاث الأخيرة لم يذكرها المؤلف، وذكر بدلاً منها:
1 - أن يقول الطالب للشيخ: أسمعت هذا؟ فيشير بأصبعه أو رأسه.
2 - أن يقرأ عليه ولا ينكر.
3 - أن يقول الشيخ: حدث عني، ولم يقل: سمعته.
انظر المراتب عند المحدثين في: مقدمة ابن الصلاح ص 245 - 295، وتدريب الراوي 2/ 8 - 63، وانظر: شرح حلولو ص 323 - 326 حيث جمع بينهما.
(2) لا خلاف بين المحدثين والأصوليين أن هذا القسم هو والقسم الثاني أعلى المراتب، واختلفوا في أيهما أعلى، كما سيأتي. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 245، وتدريب الراوي 2/ 8، والمحصول 2/ 1/ 644، والإبهاج 2/ 368، والمغني للخبازي ص 221.
(5/194)

يعني: أن يقول الشيخ: حدثني فلان بكذا، أو أخبرني (1)، أو سمعت (2) فلانًا يقول كذا، أو سمعته يحدث عن فلان.
فلا يخلو الشيخ إما أن يكون قصد إسماع السامع منه بالقراءة سواء كان السامع وحده أو كان مع غيره، أو لم يقصد إسماع السامع منه.
فإن قصد إسماعه خاصة، أو قصد إسماع جماعة هو فيهم، فذلك أعلى المراتب في الرواية؛ إذ لا خلاف في قبول روايته بقراءة الشيخ؛ لأنه إذا قصد الشيخ إسماعه خاصة، أو قصد إسماع جماعة [هو] (3) فيهم، صدق لغة أن يقول السامع منه: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته يحدث عن فلان (4).
وأما إذا لم يقصد الشيخ إسماع السامع خاصًا، ولا قصد إسماع جماعة هو فيهم، فلا يصدق أنه حدثه ولا أخبره (5) وإنما يصدق أنه سمعه فقط، ولأجل هذا لا (6) يقول السامع منه إلا سمعته فقط، فإن سماعه لا
__________
(1) "بكذا" زيادة في ز.
(2) "سمعته" في ز.
(3) ساقط من الأصل.
(4) قال الخطيب: وأرفعها سمعت ... ثم حدثنا وحدثني ... ثم أخبرنا ... ثم نبأنا وأنبأنا، وهي قليلة في الاستعمال. اه. انظر: الكفاية ص 412، 415.
وقال ابن الصلاح: وكان هذا كله قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بما قرئ على الشيخ. اه. انظر: المقدمة ص 245 - 248.
وانظر: التقريب وشرحه التدريب 2/ 8 - 11، والإحكام لابن حزم 2/ 255، والمحصول 2/ 1/ 644، والعدة 3/ 977، واللمع ص 234، والمعتمد 2/ 663، 664، وشرح القرافي ص 375، والمسطاسي ص 120، 121.
(5) "أو أخبره" في ز.
(6) "الا" في ز.
(5/195)

يتوقف/ 291/ على قصد إسماع الشيخ (1).
قوله: (عن فلان)، تعلق بالثلاثة، وكذلك قوله: (إِن قصد إِسماعه).
قوله: (وثانيها: أن يقول (2) له: أسمعت (3) هذا من فلان؟ فيقول: نعم، أو يقول بعد الفراغ: الأمر كما (4) قرأت (5)، فالحكم (6) مثل الأول في وجوب العمل ورواية السامع).
ش: هذه المرتبة الثانية هي قراءة الراوي أو غيره على الشيخ، وهي (7) أن يقول الراوي للشيخ بعد الفراغ من القراءة: هل سمعت هذا الحديث من فلان؟ فيقول الشيخ: نعم، أو يقول الشيخ بعد الفراغ من القراءة عليه: الأمر كما قرأت علي، أو كما قرأ (8)، فإن العمل بالحديث لازم للسامع، وللسامع
__________
(1) انظر: الكفاية للخطيب ص 416، ومقدمة ابن الصلاح ص 247، والتدريب للسيوطي 2/ 10، والإحكام لابن حزم 1/ 255، والمحصول 2/ 1/ 644، والإبهاج 3/ 368، والإحكام للآمدي 2/ 100، وشرح القرافي ص 375.
(2) "نقول" في ش.
(3) "سمعت" في أ، وش.
(4) "مكا" في ز.
(5) "قرئ" في نسخ المتن.
(6) في أ: "في للحكم"، وفي خ: "فالحكم فيه".
(7) "وهو" في ز.
(8) هذا القسم يسميه المحدثون عرضًا، أو عرض القراءة، احترازًا من عرض المناولة، وهو ما يعرضه التلميذ على شيخه من كتاب فيتأمل الشيخ ثم يناوله إياه، ويأذن له في التحديث به. والمحدثون هنا لا يشترطون النطق، فلو سكت ولم ينكر لجاز للطالب الرواية، كما سيذكر المؤلف في المرتبة الخامسة.
وقد روي عن أهل الظاهر وبعض الشافعية اشتراط النطق.
(5/196)

أيضًا أن يقول: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته (1)، وإلى هذا أشار بقوله: فالحكم مثل الأول في وجوب العمل ورواية السامع، تقديره: فالحكم في وجوب العمل، و [في] (2) رواية السامع في هذا القسم الثاني مثل الأول، أي مثل القسم الأول، وهو قوله: فأعلى مراتبه أن يقول: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته ... إلى آخره، وذلك أنه إذا قيل (3) له: أسمعت هذا من فلان؟ فيقول: نعم، فإن لفظة نعم في اللغة تقتضي إعادة الكلام الأول بعينه، فإذا قلت لغيرك: أقام زيد؟ فيقول: نعم، تقديره: نعم قام زيد، فإذا قيل لشيخ (4): أسمعت هذا؟ فيقول: نعم، [تقديره: نعم] (5) سمعته.
قوله: (الأمر كما قرأت)، عبر بالأمر ها هنا عما سمعه وضبطه (6).
__________
= انظر: تدريب الراوي 2/ 12 و2/ 46، والكفاية ص 380 - 382، والمحصول 2/ 1/ 644، والإبهاج 2/ 368، والإحكام لابن حزم 1/ 255، 256.
(1) هذا قول بعض المحدثين، وقال به أبو الحسين البصري وابن حزم والرازي في المحصول.
وقال آخرون: لا بد من تقييد ذلك بالقراءة، وهو قول أحمد وابن المبارك والنسائي.
وقال الشافعي ومسلم وجمهور المشارقة، وهو ما استقر عليه مذهب المحدثين: ليس له أن يقول إلا أخبرني وأخبرنا. وهناك أقوال أخرى.
انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 250، 251، وتدريب الراوي 2/ 16، 17، والكفاية للخطيب ص 427، 428.
وانظر: اللمع ص 234، والمعتمد 2/ 664، والإحكام لابن حزم 1/ 255، والمحصول 2/ 1/ 645، والإبهاج 2/ 269، والعدة 3/ 977.
(2) ساقط من ز.
(3) "قال" في ز.
(4) "قال للشيخ" في ز.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "وضبطا" في ز.
(5/197)

تقديره: الذي سمعته وضبطته كما قرأت، [أي مثل الذي قرأت] (1)، لأن اللفظ إذا أعيد بعينه كان الثاني مثل الأول، لأنها أمثال تتكرر وتتوالى، فإذا أعاد الإنسان (2) قراءة الفاتحة كانت أصواته الثانية مثل أصواته الأولى لا أنها عينها بل هي أصوات تتكرر وتتوالى (3).
قوله: فالحكم مثل الأول في وجوب العمل ورواية (4) السامع.
أما كون هذا القسم مثل القسم الأول في وجوب العمل فهو أمر متفق عليه (5).
وأما كونه مثل الأول في رواية السامع فهو مختلف فيه، فجرى كلام المؤلف على قول إذ فيه للمحدثين ثلاثة أقوال:
قيل: قراءة الشيخ على الطالب أصح، وهو مذهب الجمهور (6)، وقيل: قراءة الطالب على الشيخ أصح، على عكس القول الأول، وهو
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "الانس" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 375، وشرح المسطاسي ص 121.
(4) "في رواية" في ز.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 121.
(6) قال ابن الصلاح وتبعه النووي في التقريب: هو مذهب جمهور المشارقة، وهو الصحيح، وكذا نقل صاحب الإبهاج. ورواه الخطيب في الكفاية عن وكيع وجمع من العلماء.
فانظر: الكفاية ص 395 وما بعدها، ومقدمة ابن الصلاح ص 250، وتدريب الراوي 2/ 15، والإبهاج 2/ 369.
(5/198)

مذهب مالك رضي الله عنه (1).
وقيل: هما سواء، وهو مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا (2).
حجة القول بأن قراءة الشيخ على الطالب أقوى: أن الشيخ ربما يغفل ويذهل إذا كان الطالب هو الذي يقرأ، لأنه قد يخطئ الطالب في القراءة والشيخ غافل ذاهل لا يشعر بالخطأ.
حجة القول بأن قراءة الطالب (3) على الشيخ (4) [هي] (5) أقوى كما قال مالك: أن الطالب إذا أخطأ في القراءة فإن الشيخ يرد عليه لعلمه بخطأ الطالب، لأن تصديه للنقل عنه يبعد (6) عنه الذهول والغفول (7)، وأما إذا كان
__________
(1) نقله الخطيب البغدادي عنه في الكفاية، ونقله أيضًا عن ابن أبي ذئب، وشعبة، وأبي حنيفة، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن بكير، وجماعة غيرهم، فانظر: الكفاية ص 398 - 403. وانظر: تدريب الراوي 2/ 15، ومقدمة ابن الصلاح ص 249، والباعث الحثيث ص 92.
(2) انظر: الكفاية للخطيب ص 392، ومقدمة ابن الصلاح ص 250، والباعث الحثيث ص 92، وتدريب الراوي 2/ 14، قال ابن الصلاح: وقد قيل: إن التسوية بينهما مذهب علماء الحجاز والكوفة، ومذهب مالك وأصحابه وشيوخه من علماء المدينة، ومذهب البخاري وغيرهم. اه.
ونقل الخطيب هذا المذهب عن جهابذة العلماء، فانظر: الكفاية ص 383 - 394.
(3) "الشيخ" في ز.
(4) "الطالب" في ز.
(5) ساقط من ز.
(6) "فبعد" في ز.
(7) "العقول" في ز، والمثبت من الأصل، وهو الصواب إن شاء الله.
وهو مصدر غفل، قال في القاموس مادة (غفل): غفل عنه غفولاً تركه وسها عنه، ... والاسم منه: الغفلة، والغَفَل بفتحتين. اه.
(5/199)

الشيخ هو القارئ فإذا أخطأ فلا يرد عليه الطالب إما لجهله بالخطأ، وإما لمهابة الشيخ وتوقيره (1) (2).
حجة القول بأنهما سواء: تعارض (3) الأدلة، لجواز الذهول على الشيخ إذا كان الطالب يقرأ (4)، ولجواز الجهل على الطالب إذا كان الشيخ هو القارئ (5)، وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: قراءتك على العالم كقراءة العالم عليك (6).
وهذه الأقوال الثلاثة [المذكورة] (7) ذكرها ابن رشد في أول الجزء الثاني
__________
(1) "وتوقيره" في ز.
(2) انظر: الكفاية للخطيب ص 402.
(3) "تغارض" في ز.
(4) "هو القارئ" في ز.
(5) وقد يقال: إنما سوي [بضم السين] بينهما لتساويهما في إفادة الرواية وصدقهما على التحديث، والله أعلم.
(6) انظر الأثر عن علي رضي الله عنه في الكفاية للخطيب ص 383 ولفظه: "قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء إذا أقر لك به".
وأخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 429، بلفظ: "القراءة على العالم بمنزلة السماع منه". وانظر ة محاسن الإصلاح للبلقيني ص 249، وتدريب الراوي للسيوطي 2/ 14، وقال: رواه البيهقي في المدخل. قلت: ولم أجده في المطبوع، وانظر مقدمة محققه ص 79.
وأما الأثر عن ابن عباس فانظره في: الكفاية ص 385، بلفظ: "قراءتك العالم وقراءة العالم عليك سواء"، وفي لفظ: "فإن قراءتكم علي كقراءتي عليكم".
وانظر: المحدث الفاصل ص 429، ومحاسن البلقيني ص 249، والتدريب للسيوطي 2/ 14.
(7) ساقط من الأصل.
(5/200)

من جامع البيان (1).
قوله: (وثالثها: أن يكتب إِلى غيره بسماعه (2)، فللمكتوب إِليه أن يعمل بكتابه إِذا تحققه أو ظنه، ولا يقول: سمعته (3) ولا حدثني، ويقول: أخبرني).
ش: قد تقدم لنا في الفصل السادس من هذا الباب (4): أن الاعتماد على الخط في الرواية جوزه جمهور العلماء، وقد جوزه كثير ممن منعه في الشهادة لأن الداعية إلى التزوير في الرواية ضعيفة بخلاف الشهادة، فإن التزوير فيها قوية (5).
لأن الشهادة مظنة العداوة، وأنها تكون في الأموال النفيسة والأمور العظيمة، فتقوى داعية التزوير فيها على ما تقتضيه الطباع البشرية بخلاف الرواية.
قوله: (أن يكتب إِليه (6) بسماعه)، أي يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، وذلك نوعان:
__________
(1) يريد البيان والتحصيل، ولم أر من سماه بهذا الاسم، فهم يسمونه البيان، ويسمونه التحصيل، ويسمونه الشرح، فيحتمل أن هذا اسم أيضًا، والله أعلم.
انظر لتسميته: مقدمة البيان والتحصيل 1/ 6، 7، ولم أجد النقل في الكتاب المذكور بعد طول بحث.
(2) "سماعه" في نسخ المتن.
(3) "سمعت" في نسخ المتن.
(4) انظر: مخطوط الأصل صفحة 285، وصفحة 136 من هذا المجلد.
(5) كذا في النسختين، ولعل العبارة: فإن داعية التزوير فيها قوية.
(6) "إلى غيره" في ز.
(5/201)

أحدهما: مجرد عن الإجازة.
والثاني: مقرون بالإجازة (1).
ومعنى المجرد عن الإجازة: أن يكتب إليه فيقول له: هذا الذي كتبته إليك هو سماعي.
ومعنى المقرون بالإجازة: أن يكتب إليه فيقول له: هذا الذي كتبته إليك هو سماعي، وأجزتك بأن تروي عني ما كتبت إليك، وهذه الكتابة المقرونة بالإجازة شبيهة بالمناولة [المقرونة] (2) بالإجازة في الصحة والقوة (3).
وأما الكتابة المجردة عن الإجازة فقد منع قوم الرواية بها (4)، وأجازها قوم (5)، وهي كالمناولة المجردة عن (6) الإجازة.
قوله: (ولا يقول: سمعته ولا حدثني)؛ لأن الكتابة ليست مما يسمع ولا هي من الحديث.
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 1/ 645، والإبهاج 2/ 370، ومقدمة ابن الصلاح ص 286، وتدريب الراوي 2/ 55، والباعث الحثيث ص 105.
(2) ساقط من ز.
(3) سيأتي حكم المناولة المقرونة بالإجازة في المرتبة السابعة والمرتبة الثامنة.
وانظر: الباعث الحثيث ص 105، وتدريب الراوي 2/ 55، ومقدمة ابن الصلاح ص 288، والكفاية للخطيب ص 480.
(4) منهم الماوردي والآمدي وغيرهما. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 287، وتدريب الراوي 2/ 55، والإحكام للآمدي 2/ 101، والإبهاج 2/ 370.
(5) هو قول الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وعليه عمل الأمة.
انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 287، وتدريب الراوي 2/ 56، والمعتمد 2/ 665، والإحكام لابن حزم 1/ 256، والمحصول 2/ 1/ 645، والإبهاج 2/ 370.
(6) "من" في ز.
(5/202)

قوله: (ويقول: أخبرني) (1)؛ لأن إطلاق الإخبار على الكتابة حقيقة عرفية مجاز لغوي؛ لأن الإخبار في اللغة إنما يكون باللفظ، وسميت الكتابة إخبارًا لأنها تدل على اللفظ؛ لأن الحروف الكتابية موضوعة للدلالة على الحروف اللسانية، فسميت الكتابة إخبارًا أو خبرًا من باب تسمية الدال (2) باسم المدلول، ولأن الإعلام يقع بالكتابة كما يقع باللفظ، فقولهم في الكتابة: أخبرني، معناه: أعلمني (3).
قوله: (ورابعها: أن يقال له: هل سمعت هذا؟ (4)، فيشير برأسه أو بإِصبعه (5) فيجب العمل (6) ولا يقول المشار إِليه: أخبرني، ولا حدثني، ولا سمعته (7)).
__________
(1) المحدثون يرون أن من الورع والأمانة أن يصرح بالكتابة كأن يقول: أخبرني كتابة، كتب إليّ، حدثني كتابة ... ونحو ذلك.
ونقل عن الليث بن سعد ومنصور بن المعتمر جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا.
ونقل السيوطي عن قوم أنهم أجازوا أخبرنا دون غيرها، وهو رأي المؤلف.
انظر: الكفاية للخطيب ص 490، وتدريب الراوي 2/ 58، والباعث الحثيث ص 105، ومقدمة ابن الصلاح ص 288، واللمع ص 234، والتبصرة ص 345، والإحكام لابن حزم 1/ 256، والمحصول 2/ 1/ 645، والإبهاج 2/ 370.
(2) "الدليل" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 376، والمسطاسي ص 121.
(4) في ز زيادة: "من فلان"، وفي أزيادة: "فيقول".
(5) "بإصبعه أو برأسه" في أ، وخ.
(6) "به" زيادة في خ، وش.
(7) لم يفرد هذه المسألة بمرتبة أكثر الذين كتبوا في مصطلح الحديث، وإنما جعلوها مع القراءة على الشيخ، سواء أقر بلفظه أو إشارته أو سكت.
انظر هذه المرتبة في: المحصول 2/ 1/ 646، والإبهاج 2/ 370.
وانظر: الكفاية للخطيب ص 409، وتدريب الراوي 2/ 20.
(5/203)

ش: وإنما قال ها هنا يجب العمل بمقتضى [الإشارة] (1)؛ لأن الإشارة في اللغة والعرف تقوم مقام "نعم" فتفيد غلبة الظن، والعمل بالظن في هذا الباب واجب (2).
قوله: (ولا يقول المشار إِليه: أخبرني، ولا حدثني، ولا سمعته) (3)؛ لأن الإشارة ليست خبرًا حقيقة، ولا حديثًا، ولا هي مسموعة، لأنها من المبصرات لا من المسموعات.
وهذه المعاني/ 292/ موجودة أيضًا في الكتابة، فيحتاج أن يقال في الإشارة أخبرني، كما يقال ذلك في الكتابة.
قال المؤلف في شرحه: الفرق بين الكتابة والإشارة من وجهين:
أحدهما: أن الكتابة أمَسُّ بالإخبار لكثرة استعمالها وتداولها بين الناس، ولذلك (4) ملئت الخزائن بالكتب والدواوين بخلاف الإشارة.
الوجه الثاني: أن الكتابة [فيها] (5) وضع اصطلاحي بخلاف
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 376، والمسطاسي ص 121.
(3) هذا أحد الأقوال، أي: أنه لا بد أن يقيد هذا بالقراءة كأن يقول: قرأت أو قرئ عليه وأنا أسمع أو حدثنا قراءة أو أخبرنا قراءة ونحو ذلك.
وقيل: يجوز الإطلاق. وقيل: يجوز أن يقول: أخبرنا بإطلاق، رواه الخطيب عن الشافعي.
انظر الأقوال والرواية مسندة عن أصحابها في: الكفاية للخطيب ص 427 - 445، وهي كلها أقوال في القراءة مطلقًا سواء أقر الشيخ أو لم يقر.
وانظر: الإبهاج 2/ 370، وتدريب الراوي 2/ 20.
(4) "كذلك" في ز.
(5) ساقط من ز.
(5/204)

الإشارة (1).
قوله: (وخامسها: أن يقرأ عليه ولا (2) ينكر (3) بإِشارة ولا عبارة ولا يعترف، فإِن غلب على الظن اعترافه لزم العمل (4) وعامة الفقهاء جوزوا روايته، وأنكرها المتكلمون، وقال بعض المحدثين ليس له أن يقول إِلا: أخبرني قراءة عليه، وكذلك الخلاف لو قال القارئ للراوي بعد قراءة الحديث: أأرويه (5) عنك؟ قال: نعم، وهو السادس: وفي مثل هذا اصطلاح المحدثين (6) وهو من مجاز التشبيه شبه (7) السكوت بالإِخبار).
ش: يعني إذا قرأ الطالب على الشيخ: حدثك فلان بهذا، فسكت الشيخ ولا ينكر بإشارة ولا عبارة، ولا يعترف أيضًا بصحة ما قرئ عليه لا بإشارة ولا عبارة.
وفي هذه المسألة ثلاثة فروع:
أحدها: هل يجب العمل بهذا أم لا؟
الثاني: هل تجوز الرواية بهذا أم لا؟
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 376، وشرح المسطاسي صفحة 198 من مخطوط الجامع لكبير بمكناس برقم 352.
(2) "فلا" في نسخ المتن.
(3) "ينكره" في ش.
(4) "به" زيادة في ش، وز.
(5) "ارويه" في نسخ المتن.
(6) "للمحدثين" في خ.
(7) "فشبه" في ز.
(5/205)

الثالث: ما كيفية الرواية ها هنا؟
أما الأول، وهو هل يجب العمل أم لا؟ فقد بينه المؤلف بقوله: فإن غلب على الظن اعترافه لزم العمل (1)، يعني: وإن غلب على الظن عدم اعترافه حرم العمل (2).
قال المؤلف في الشرح: إذا غلب على الظن اعترافه لزم العمل؛ لأن العمل بالظن واجب في هذا الباب.
غير أن ها هنا إشكالاً، وهو أن مطلق الظن كيف كان لم يعتبر [ه] (3) صاحب الشرع، وإنما اعتبر ظنًا خاصًا عند سبب خاص، فإن قلنا: يكفي (4) ها هنا مطلق الظن كان على خلاف القواعد، وإن قلنا: المطلوب ها هنا ظن خاص فما ضبطه، فإن ضبطه صعب، فلزم (5) الإشكال. انتهى (6).
وإن لم يكن إلا مجرد السكوت، فمذهب الجمهور وجوب العمل (7)، وذهب [بعض] (8) أهل الظاهر إلى أنه لا بد من التصريح بالتقرير، وإلا حرم العمل (9).
__________
(1) "به" زيادة في ز.
(2) انظر: المسطاسي ص 122.
(3) ساقط من ز.
(4) "فيكفي" في ز.
(5) "فيلزم" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 377، وفيه اختلاف يسير. وانظر: المسطاسي ص 122.
(7) انظر: المعتمد 2/ 664، والمحصول 2/ 1/ 646، والإبهاج 2/ 370، والإحكام للآمدي 2/ 100.
(8) ساقط من ز.
(9) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 100، وقد ذكر ابن السبكي في الإبهاج عدم الخلاف فيه انظره 2/ 370، وانظر شرط الإقرار في الإحكام لابن حزم 1/ 255، 256.
(5/206)

حجة الجمهور: أن سكوته مع عدالته وثقته يتنزل منزلة التقرير؛ لأنه لو سكت غير مقرر مع علمه بأن الذي قرئ عليه يؤثر عنه لكان ذلك قدحًا في عدالته (1).
[حجة القول الآخر: أن السكوت محتمل، والاحتمال شك، والشرع لا يثبت بالشك (2)] (3).
وأما الفرع الثاني وهو هل تجوز الرواية بهذا أم لا؟ فقد بينه المؤلف بقوله: وعامة الفقهاء جوزوا روايته (4)، وأنكرها المتكلمون (5).
حجة الفقهاء القائلين بالجواز من وجهين:
أحدهما: قياس الرواية على العمل؛ لأن المانع (6) في الرواية وافق على وجوب العمل.
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 122.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 122.
(3) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(4) وبه قال جماهير علماء الحديث والأصول.
انظر: الكفاية للخطيب ص 408، 409، ومقدمة ابن الصلاح ص 254، والباعث الحثيث ص 94، 95، والمعتمد 2/ 665، والمحصول 2/ 1/ 646، والإبهاج 2/ 370، والمسطاسي ص 123.
(5) نسبه لهم صاحب المحصول، وهو أيضًا قول بعض المحدثين، وبعض علماء الشافعية كالشيرازي وسليم الرازي وابن الصباغ، نسبه لهم ابن الصلاح وابن السبكي وغيرهما.
انظر: الكفاية للخطيب ص 408، ومقدمة ابن الصلاح ص 254، وتدريب الراوي 2/ 20، والمحصول 2/ 1/ 646، والإبهاج 2/ 370، والمسطاسي ص 122.
(6) "العامل" في ز.
(5/207)

الوجه الثاني: أن الظن حصل باعترافه، فتجوز الرواية، كما لو قال: نعم (1).
حجة المتكلمين القائلين بالمنع: أن الرواية عبارة عن التحمل والنقل، وهو لم يأذن في شيء فيتحمل (2) عنه، والتحمل من غير سماع ولا ما يقوم (3) مقام السماع لا يجوز (4).
أجيب بمنع الثاني: لأن ها هنا ما يقوم (5) مقام السماع، وهو غلبة الظن باعترافه (6).
وأما الفرع الثالث: وهو كيفية الرواية، فقد بينه المؤلف بقوله: وقال بعض المحدثين: ليس له أن يقول إلا: أخبرني قراءة عليه (7) يعني أنه لا يقول: أخبرني مطلقًا، من غير تقييد بالقراءة عليه، لأ [نه] (8) محض الكذب، وإنما يقول: أخبرني قراءة عليه، فسر إخباره بأنه قراءة عليه، فإن قوله: قراء [ة] (9) عليه، منصوب على التمييز، والتمييز مفسر لكون إخباره قراءة
__________
(1) انظر الوجهين في: شرح القرافي ص 377، والمسطاسي ص 122.
(2) "فتحتمل" في ز.
(3) "تقوم" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 377، والمسطاسي ص 122.
(5) "تقوم" في ز.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 122.
(7) انظر: الكفاية للخطيب ص 428.
وانظر: المحصول 2/ 1/ 646، والمسطاسي ص 122.
(8) ساقط من ز.
(9) ساقط من ز.
(5/208)

عليه، لا سماعًا لفظيًا، هذا هو قول الجمهور (1).
وقيل يقول: أخبرني مطلقًا، [أو حدثني مطلقًا] (2) من غير تقييد بالقراءة عليه (3).
قوله: (وكذلك الخلاف لو قال القارئ للراوي بعد قراءته (4) الحديث: أأرويه (5) عنك؟ قال: نعم، وهو السادس، وفي مثل هذا اصطلاح المحدثين، [وهو من مجاز التشبيه] (6) شبه السكوت بالإِخبار).
ش (7): يعني أن الخلاف المذكور في القسم الخامس، هو (8) أيضًا كذلك في القسم السادس (9)، وهو أن يقول القارئ للشيخ بعد الفراغ من قراءة الحديث: أأرويه عنك؟ فيقول الشيخ: نعم.
وعورض ذلك: بأن هذا القسم السادس أقوى من القسم الخامس؛ إذ فيه
__________
(1) انظر: الكفاية للخطيب ص 428، والإحكام للآمدي 2/ 100، وشرح القرافي ص 377، والمسطاسي ص 122.
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: الكفاية للخطيب ص 428، وقد نسبه للشافعي ورواه عنه في صفحة 435، ورواه أيضًا عن جماعة من العلماء، فانظر الصفحات 434 - 437، وانظر: المسطاسي ص 122.
(4) "قراءة" في ز.
(5) "ارويه" في الأصل.
(6) ساقط من ز.
(7) الأولى حذف الشين هنا؛ لأن المصنف ليس من عادته ذكرها إذا أعاد المتن.
(8) "وهو" في ز.
(9) انظر: المحصول 2/ 1/ 647.
(5/209)

التصريح بالجواب، وهو نعم بخلاف الخامس فليس فيه إلا السكوت، فإذا كان أقوى من الخامس فالأولى (1) تقديم هذا السادس على الخامس (2).
أجيب عن المؤلف في تأخيره هذا القسم السادس عن الخامس: بأن مقصوده عدد الأقسام لا ترتيبها.
قوله: (وفي مثل هذا اصطلاح المحدثين)، يعني السكوت في الخامس مثل السكوت في السادس في اصطلاح المحدثين؛ لأن المحدثين يطلقون الخبر على السكوت وعلى اللفظ (3).
قوله: (وهو من مجاز التشبيه)، أي: وإطلاقهم (4) الخبر على السكوت مجاز التشبيه (5)، شبه السكوت بالإخبار بجامع إفادة الظن؛ إذ كل واحد منهما يفيد الظن.
__________
(1) "فأولى" في ز.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 122.
(3) أي أن المحدثين لا يفرقون في الحكم على الرواية، سواء نطق الشيخ بقوله: الأمر كما قرأت، أو أقر بقوله: نعم، أو سكت، فيعتبرون الرواية صحيحة والحكم عليها في لفظ الرواية واحد، حسب الخلاف المتقدم.
انظر: التدريب للسيوطي 2/ 20، والكفاية للخطيب ص 427، ومقدمة ابن الصلاح ص 254.
(4) "لطلاقهم" في الأصل.
(5) المجاز ضد الحقيقة، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة هي: الاتساع، والتوكيد، والتشبيه. فإذا عدمت تعينت الحقيقة. وللمجاز جهات وأقسام عدة كالحذف والزيادة والتضاد وغيرها. والتشبيه أحد هذه الأقسام.
انظر: الخصائص لابن جني 2/ 442، والمزهر للسيوطي 1/ 356.
(5/210)

قوله: (وسابعها: إِذا قال له: حدث عني ما في هذا الكتاب، ولم يقل له: سمعته، فإِنه لا يكون محدثًا له به، وإِنما أذن له في التحدث عنه).
ش: هذه المرتبة هي المناولة.
قال الإمام في المحصول: المناولة (1) أن يشير الشيخ إلى كتاب فيقول: قد سمعت ما فيه، فإنه يكون بذلك محدثًا، فلغيره أن يرويه عنه سواء قال: اروه عني، أو لم يقل ذلك.
أما إذا قال له: حدث عني ما في هذا الكتاب، ولم يقل: سمعته، فإنه لا يكون محدثًا، وإنما أجاز له التحدث، وليس له أن يحدث به عنه.
أما إذا أشار الشيخ إلى نسخة معينة من كتاب مشهور وقال: سمعتها، لم تجز رواية نسخة أخرى؛ لأن النسخ تختلف (2) إلا أن يعلم أنهما متفقتان (3) (4).
قوله: (إِذا قال [له] (5) حدث عني ما في هذا الكتاب ولم يقل له:
__________
(1) تنقسم المناولة عند المحدثين إلى قسمين:
1 - مقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة، ولها صور عديدة، منها أن يناول الشيخ الطالب الكتاب ويقول: هذا سماعي من فلان فاروه عني.
2 - مجردة من الإجازة، بأن يناوله الكتاب مقتصرًا على قوله: هذا سماعي، ولم يقل: اروه عني.
انظر: مقدمة ابن الصلاح 278 - 283، وتدريب الراوي 2/ 44 - 50.
(2) "مختلف" في ز.
(3) "متفقان" في ز.
(4) انظر: المحصول 2/ 1/ 648، 649، والمعتمد 2/ 665، وانظر: تدريب الراوي 2/ 48.
(5) ساقط من ز.
(5/211)

سمعته)، لأنه لم يقل: سمعته، لم يثبت إسناد الرواية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيبطل العمل (1).
وأما إذا قال له: حدث عني ما في هذا الكتاب، وقد سمعته، / 293/ فلغيره أن يحدث به عنه (2)، وكذلك إذا قال له: سمعت ما في هذا الكتاب (3)، وأشار إلى كتاب معين، فلغيره أن يحدث به عنه.
قوله: (وثامنها: الإِجازة، [وهي] (4) تقتضي أن الشيخ أباح له أن يحدث به، وذلك إِباحة للكذب، لكنه في عرف المحدثين معناه: أن ما صح عند [ك] (5) أني سمعته فارو [ه] (6) عني، والعمل عندنا بالإِجازة جائز، خلافًا لأهل الظاهر في اشتراطهم المناولة، وكذلك إِذا كتب إليه: إِن الكتاب الفلاني رويته فاروه عني إِذا (7) صح عندك، فإِذا صح عنده جازت (8) له الرواية، وكذلك إِذا قال له مشافهة: ما صح عندك من حديثي (9) فاروه عني) (10).
ش: تكلم المؤلف في هذه المرتبة في الإجازة، والكلام فيها في أربعة
__________
(1) انظر: المعتمد 2/ 665، وشرح القرافي ص 378، والمسطاسي ص 122.
(2) انظر: تدريب الراوي 2/ 45، والعدة 3/ 981.
(3) "للكتاب" في الأصل.
(4) ساقط من الأصل، ومن نسخ المتن.
(5) ساقط من ز.
(6) ساقط من الأصل.
(7) "ان" في ش.
(8) "جاز" في الأصل.
(9) في ز: "موحد ثي"، ولعلها التبست على الناسخ فصورها.
(10) في ش زيادة: "إن صح عندك، فإذا صح عنده جازت الرواية". اه.
(5/212)

مطالب: ما صورتها، وما حكمها، وما كيفية الرواية به، وما حكم العمل بها.
أما المطلب الأول، وهو صورة الإجازة، فلها صورتان: مطلقة ومقيدة (1).
فالمطلقة: أن يقول الشيخ مثلًا: أجزتك أن تروي (2) عني كل شيء لأنك حاذق تقي، أو يقول له: أجزت لك الرواية عني مطلقًا، فهذه هي المطلقة، وهي تقتضي أن يروي عنه كل شيء، وذلك يقتضي (3) إباحة للكذب؛ لأنه أباح له أن يحدث بما لم يحدثه (4) به، وإلى هذه الإجازة المطلقة أشار المؤلف بقوله: الإجازة تقتضي أن الشيخ أباح له أن يحدث به، وذلك
__________
(1) ذكر المحدثون للإجازة أقسامًا سبعة هي:
1 - أن يجيز معينًا لمعين، مثل أجزتك البخاري.
2 - أن يجيز معينًا غير معين، مثل أجزتك مسموعاتي.
3 - أن يجيز غير معين بوصف العموم، كأجزت المسلمين.
4 - الإجازة بمجهول أو لمجهول مثل: أجزتك كتاب السنن، وهو يروي كتبًا، أو أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي، وهناك جماعة تشترك في الاسم، وهو لم يرد إلا واحدًا، ولم يعينه.
5 - الإجازة لمعدوم، كأجزت لمن يولد لفلان.
6 - الإجازة لما لم يتحمله المجيز ليرويه المجاز إذا تحمله المجيز.
7 - إجازة المجاز، كأجزتك مجازتي.
انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 262 - 275، وتدريب الراوي 2/ 29 - 41، والكفاية ص 466، 477، 492، 500، وانظر: المعتمد 2/ 665، والبرهان فقرة 588، 589، والمحصول 2/ 1/ 649، والمسطاسي ص 122.
(2) عبارة ز: "أجزت لا أن تروي".
(3) "تقتضي" في ز.
(4) "يحدث" في ز.
(5/213)

إباحة للكذب (1).
والإجازة المقيدة: أن يقول له: ما صح عندك أني سمعته فاروه عني، أو قال له: [ما صح] (2) عندك أني رويته فاروه عني، أو قال له مشافهة: ما صح عندك من حديثي فاروه عني، وما في معنى ذلك، فهذه الإجازة المقيدة ليس فيها إباحة للكذب، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: لكنه في عرف المحدثين معناه: أن ما صح عندك (3) [أني سمعته] (4) فاروه عني.
قوله: (ما صح عندك أني سمعته فاروه عني)، وكذلك قوله: (إِذا كتب إِليه: إِن الكتاب الفلاني رويته فاروه عني)، [وكذلك] (5) قوله: (إذا قال له مشافهة: ما صح عندك من حديثي فاروه عني)، ذلك كله أمثلة للإجازة المقيدة.
قوله: (وكذلك إِذا كتب إِليه: إِن الكتاب الفلاني رويته فاروه عني)، وذلك (6) كما فعل المازري كتب إلى عياض: إن كتاب معلم رويته فاروه عني إذا صح عندك أنه خطي وروايتي (7).
وأما المطلب الثاني، وهو حكم الإجازة، فقال عبد الوهاب في الملخص (8): اختلف أهل العلم في الإجازة، وهو أن يقول الراوي لغيره:
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 1/ 649، والمعتمد 2/ 666، والمسطاسي ص 122.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "من حديثي" زيادة في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "وكذلك" في ز.
(7) انظر: الديباج المذهب 2/ 252، وانظر أيضًا: 2/ 47.
(8) "المخلص" في ز.
(5/214)

قد أجزت لك أن تروي هذا الكتاب عني، أو يكتب بذلك إليه (1). فمنعها (2) مالك (3) وأشهب، وأكثر الفقهاء (4).
وأما المطلب الثالث، وهو كيفية الرواية بها على القول بإجازتها، فقال القاضي عبد الوهاب: اختلف فيما يقول المجاز، فقيل: يقول: أخبرني إجازة، ولا يقول أخبرني مطلقًا، ولا حدثني.
وقيل: يقول: كتب إلي، أو أجازني (5) فقط (6).
__________
(1) "إليه بذلك" في ز بالتقديم والتأخير.
(2) "فمعنها" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 378، حيث نقل هذا النص عن عبد الوهاب، وفيه: فقبلها مالك ... إلخ، ولعله خطأ في الطبع؛ إذ في الطبعة التونسية ص 324: فمنعها، وكذا في شرح المسطاسي ص 123، ونقله السيوطي في التدريب 2/ 30.
(4) منهم أبو حنيفة وأبو يوسف في قول لهما.
ورواية عن الشافعي بها أخذ الماوردي وجماعة من الشافعية، وقال به من المحدثين: شعبة وإبراهيم الحربي وجماعة، ونصره ابن حزم.
وقد ذكر الباجي في إحكام الفصول أنه لا خلاف فيها بين سلف الأمة وخلفها، وحكى هذا السيوطي عنه وعن عياض. والقول بجوازها قول جماهير العلماء واستقر عليه عمل الأمة. انظر: المنخول ص 270، والعدة 3/ 983، والإحكام للآمدي 2/ 105، وتيسير التحرير 3/ 94، والإحكام لابن حزم 1/ 256 و257، وإحكام الفصول 1/ 394، ومقدمة ابن الصلاح ص 262، 263، وتدريب الراوي 2/ 29، 30، وانظر: الكفاية ص 446، 465، حيث نقل الأقوال فيها مسندة إلى أصحابها.
(5) "جاءني" في ز.
(6) للمحدثين في ذلك عدة أقوال:
أ - قيل: لا بد من التقييد بالإجازة، وعليه أكثر الأصوليين.
ب - يجوز الإطلاق بأي لفظ، من حدثنا، وأخبرنا، ونحوه.
(5/215)

وأما المطلب الرابع وهو حكم العمل بها، فقال المؤلف: (العمل عندنا بالإِجازة جائز (1)، خلافًا لأهل الظاهر (2) في اشتراط المناولة (3)، ومعنى المناولة: أن يناوله (4) الشيخ كتابًا ويجيزه الرواية به عنه، والمناولة عندنا ليست بشرط ولكن (5) هي مؤكدة وعاضدة؛ لأن المقصود إِنما هو اتصال [السند] (6) بطريق صحيح، فإِذا جمع اتصال السند (7) حصل (8) المقصود، ولا عبرة بالمناولة).
حجة أهل الظاهر: أن خصوص هذا الكتاب الذي وجده الآن لم يسمعه
__________
= ج - قيل: يقول: أنبأنا.
د- قيل: يقول: أخبرنا.
انظر: الكفاية للخطيب ص 474 - 476، واللمع ص 334، والمعتمد 2/ 666، وإحكام الفصول 1/ 394، وانظر النقل عن عبد الوهاب في: شرح القرافي ص 378.
(1) المحكي عن الجمهور: الوجوب، ولعله أطلق الجواز تجوزًا. انظر: اللمع ص 334، وإحكام الفصول 1/ 352، والإبهاج 2/ 372، ومقدمة ابن الصلاح ص 264، والكفاية للخطيب ص 446.
(2) انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 256 و257، وانظر: مقدمة ابن الصلاح ص 264، وتدريب الراوي 2/ 30، والكفاية ص 446، واللمع ص 334، والإبهاج 2/ 372.
(3) انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 256، وإحكام الفصول 1/ 352، والمسطاسي ص 123.
(4) "يتناوله" في ز.
(5) "وإنما" في ز.
(6) ساقط من الأصل، وفي ز: "المسند"، والمثبت أصوب لما سيأتي.
(7) "المسند" في ز.
(8) "حصله" في ز.
(5/216)

من شيخه فلم يتصل سنده (1) فيه، فلا تجوز نسبته إلى الرسول (2) - صلى الله عليه وسلم -، فلا يجوز العمل به (3).
أجيب عنه: بأن السند متصل بالطريق الذي بيناه، وقد صح عنده رواية مجيزه له، فيتصل السند ولا حاجة للمناولة؛ لأن ثبوت رواية المجيز يقوم مقام المناولة، فالمقصود اتصال السند بطريق صحيح كيف كان (4).
قال المؤلف في الشرح: ومعنى جواز العمل، أنه يجوز للمجتهد أن يجعله مستنده فيما يفتي به من حكم الله عز وجل وأما من ليس بمجتهد فلا يجوز له العمل بمقتضى حديث وإن صح عنده سنده، لاحتمال نسخه وتخصيصه وتقييده، وغير ذلك من العوارض التي لا يضبطها إلا المجتهدون، وكذلك لا يجوز لغير المجتهد أن يعتمد (5) على آيات القرآن (6) لما ذكرنا، بل الواجب عليه تقليد مجتهد معتبر ليس إلا، لا يخلصه عند الله تعالى إلا ذلك، كما أن المجتهد لا يخلصه إلا ما أدى (7) إليه اجتهاده بعد بذل جهده (8) بشرطه،
__________
(1) "مسنده" في الأصل.
(2) "رسول الله" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 378، والمسطاسي ص 123.
(4) انظر: شرح القرافي ص 378، والمسطاسي ص 123.
(5) "الاعتماد" في ز.
(6) جاء في هامش الأصل ما يلي: "انظر: لا يجوز لغير المجتهد أن يعمل بمقتضى الحديث ولا آيات القرآن". اه.
(7) "إذا" في ز.
(8) "اجتهاده" في ز.
(5/217)

ولا يخلصه التقليد (1)، وسيأتي بيانه في باب الاجتهاد في الفصل (2) التاسع فيمن يتعين عليه الاستفتاء (3).
...
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 379، وانظر: شرح المسطاسي ص 123.
(2) هنا انتهى الخرم الذي في نسخة الخزانة الحسنية بالرباط والمرموز لها بحرف "ط".
(3) انظر: مخطوط الأصل صفحة 352، 157، وما بعدها من المجلد السادس من هذا الكتاب، وشرح القراقي ص 443، 444.
(5/218)

الفصل العاشر في مسائل شتى
ش: أي في بيان مسائل مفترقة مختلفة، أي لم تجتمع في جنس، وهي ثلاث مسائل.
قوله: ([فالمسألة] (1) الأولى (2): المراسل (3) عند مالك رحمه الله، وأبي حنيفة وجمهور المعتزلة [حجة] (4) خلافًا للشافعي؛ لأنه إِنما أرسل حيث
__________
(1) ساقط من نسخ المتن، وفي ز، وط: "المسألة".
(2) "فالأولى" في نسخ المتن.
(3) كذا في نسخ الشرح، وقد سار عليها الشرشاوي في المسألة كلها مخالفًا القرافي والمسطاسي وأكثر المحدثين والأصوليين، حيث يقولون: مراسيل، كما في نسخ المتن. وفد نص الصرفيون على أن [مفعل] اسم مفعول من الرباعي، يجمع قياسًا على مفعلون ومفعلات، نحو: مكرمون ومكرمات، فالقياس هنا هو مرسلات، وهو ما يوجد في كلام متقدمي المحدثين كمالك وابن المديني وأحمد ونحوهم، انظر النقول عنهم في التدريب 2/ 203.
أما جمع الكثرة [مفاعل ومفاعيل] فقد سمع عن العرب نظائره نحو: منكر ومناكير فلعل المحدثين أجروا مراسيل ومسانيد على هذا السماع، ومعلوم أن القياس في [مفعل] اسم مكان هو مفاعل، كمسجد ومساجد ومعهد ومعاهد وبرثن وبراثن، فلعل الشوشاوي أراد إلحاقها بما يقاربها في الوزن، والله أعلم.
وانظر: الكتاب لسيبويه 2/ 210، والتكملة لأبي علي الفارسي 92، 93، والأصول لابن السراج 3/ 20.
(4) ساقط من أ، وخ.
(5/219)

جزم بالعدالة، فتكون (1) حجة).
ش: وها هنا ثلاثة مطالب: أحدها: [ما] (2) معنى الحديث المرسل، الثاني: ما حكمه (3)، الثالث: ما أقسام الحديث عند المحدثين.
أما معنى المرسل: فهو عبارة عما سقط من سنده صحابي. قاله الحاكم (4) في كتاب علوم الحديث (5) (6).
__________
(1) "فيكون" في أ، وش، وز، وط.
(2) ساقط من ز.
(3) "محكمة" في ز.
(4) هو: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، المشهور بالحاكم، والمعروف بابن البيع، ولد سنة 321 ه، وطلب العلم صغيرًا في بلده ثم رحل إلى العراق والحجاز فسمع من ألفي شيخ أو نحوهم منهم أبو العباس الأصم وأبو عمر ابن السماك وغيرهما، وممن روى عن الحاكم الدارقطني والبيهقي وخلق، توفي سنة 405 ه، له: المستدرك، وتاريخ النيسابوريين، وغيرهما.
انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 5/ 473، وتذكرة الحفاظ 3/ 1039، وطبقات ابن السبكي 3/ 64.
(5) اسمه: معرفة علوم الحديث، وهو ثاني الكتب المشهورة المؤلفة في علوم الحديث، بعد كتاب الرامهرمزي المسمى بالمحدث الفاصل، وقد طبع مرارًا أشهرها طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد بالهند بعناية معظم حسين.
(6) عبارة الحاكم: فإن مشايخ الحديث لم يختلفوا في أن الحديث المرسل هو الذي يرويه الحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم ص 25.
وهذا المعنى هو معنى المرسل عند المحدثين؛ فإن المحدثين يخصون المرسل بما سقط منه الصحابي فقط، فأما إن سقط من الإسناد شخص قبل الوصول للتابعي فيسمونه منقطعًا كما سيأتي. وقد أطلق الخطيب في الكفاية المرسل، ولم يجعله خاصًا بما رواه التابعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 132، وتدريب الراوي 1/ 195، وانظر: الكفاية =
(5/220)

وقيل: عبارة عما سقط من سنده [راو] (1) (2) كان صحابيًا أو غيره. قاله الباجي في الفصول (3).
وسمي الحديث الذي سقط منه راو: مرسلًا (4)، مأخوذ من الإرسال (5) الذي هو الإهمال، ومنه قولهم: [أرسلت الناقة، إذا أهملتها بلا راع (6)، ومنه قولهم:] (7) المصالح المرسلة، أي المهملة؛ لأن الشارع أهمله ولم يشهد لها بالاعتبار/ 294/ ولا بالإلغاء، فسمي الحديث بالمرسل لأنه أهمل (8) فيه فذكر راو من رواته (9).
وأما حكمه، فقد بينه (10) المؤلف بقوله: المراسل عند مالك رحمه الله،
__________
= ص 546، وانظر: الإبهاج 2/ 376، 377، والمحلي على جمع الجوامع 2/ 168، والمسطاسي 123، 124، وحلولو ص 326.
(1) ساقط من ز.
(2) "وان" زيادة في ز.
(3) انظر: إحكام الفصول 1/ 334، وانظر: الإشارة للباجي ص 159، وهذا المعنى هو المراد من المرسل في عرف الأصوليين والفقهاء. انظر: اللمع ص 218، والمعتمد 2/ 628، والبرهان فقرة 573، والإحكام لابن حزم 3/ 131، وشرح العضد 2/ 74، والإبهاج 2/ 377.
(4) "مرسل" في ط.
(5) "إرسال" في الأصل.
(6) انظر: القاموس المحيط مادة (رسل).
(7) ساقط من ط.
(8) "أهل" في ز.
(9) انظر: شرح المسطاسي ص 123.
(10) "فقدسه" في ز.
(5/221)

وأبي (1) حنيفة، وجمهور المعتزلة حجة (2)، خلافًا للشافعي (3).
قال الباجي: وعلى مذهب الشافعي أكثر المتكلمين، وبه قال القاضي أبو بكر، والقاضي إسماعيل، والقاضي عبد الوهاب (4).
وهذان (5) القولان المذكوران على كل واحد منهما جم غفير من أهل العلم.
وروي عن الشافعي رد المراسل إلا مراسل [سعيد] (6) بن المسيب رضي الله عنه، فإن الشافعي يقبلها (7).
وروي عن الشافعي أيضًا أنه يرد المراسل إلا مراسل سعيد بن المسيب، ومراسل الحسن.
__________
(1) "أو أبي" في ز.
(2) وعليه جماهير المالكية والحنفية، وهو رواية عن أحمد، وذكر الطبري إجماع التابعين على قبوله إلى رأس المائتين.
انظر: الكفاية للخطيب ص 547، ومقدمة ابن الصلاح ص 141، ومحاسن الاصطلاح ص 141، وإحكام الفصول 1/ 335، والتبصرة ص 326، والمعتمد 2/ 628، والعدة 3/ 906، 909، والمغني للخبازي ص 189 - 191، والتوضيح 2/ 15، والمحصول 2/ 1/ 650، والإحكام لابن حزم 1/ 136، والمسطاسي ص 125.
(3) وبهذا قال أئمة الحديث، وهو رواية عن مالك رحمه الله ونصره ابن حزم وسيأتي اختلاف الروايات عن الشافعي رحمه الله. انظر: الكفاية ص 547، والمحصول 2/ 1/ 650، والمعالم ص 252.
(4) عبارة الباجي في إحكام الفصول ليس فيها النسبة إلى عبد الوهاب، فلعله في نسخة أخرى أو كتاب آخر من كتبه.
انظر: إحكام الفصول 1/ 335، وانظر: شرح المسطاسي ص 125.
(5) في ز: "فهذا أن"، وفي ط: "فهذان".
(6) ساقط من ز.
(7) انظر: اللمع ص 218، والبرهان فقرة 581، وشرح القرافي ص 380، وانظر القول مسندًا للشافعي في الكفاية ص 571.
(5/222)

وروي عن الشافعي أيضًا، أنه لا يقبل إلا مراسل الصحابة (1) رضوان الله عليهم، وأما مراسل التابعين فلا يقبلها إلا بأمور أربعة تقويها (2):
أحدها: أن يكون ظاهر حاله أن ما أرسله أسنده غيره.
[و] (3) الثاني: أن ما أرسله قال به بعض الصحابة.
الثالث: أن يقول به عامة العلماء.
الرابع: أن يعلم أنه إذا سمى لا يسمي مجهولًا، ولا من فيه علة [تمنع] (4) من قبول حديثه (5).
فهذه أربعة أقوال عن الشافعي، والظاهر من مذهبه: القول برد المراسل مطلقًا (6).
قال الباجي: وهذا الخلاف إنما هو [فيما] (7) إذا كان المرسل لا يروي إلا
__________
(1) وهي رواية عن أحمد وبعض الظاهرية. انظر: العدة 3/ 909، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 131، والروضة ص 126، وانظر قول الشافعي في: التبصرة ص 326، واللمع ص 218.
(2) "تقرنها" في ز.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظر: الرسالة للشافعي ص 461 - 465، وانظر أيضًا صفحة 467، والمحصول 2/ 659، 660، والإحكام للآمدي 2/ 123، والمحلي على جمع الجوامع 2/ 169، 170، والمعتمد 2/ 629، وشرح القرافي ص 380، نقلًا عن عبد الوهاب.
(6) انظر: البرهان فقرة 574، الإبهاج 2/ 380، وشرح القرافي ص 380، نقلًا عن عبد الوهاب، والمسطاسي ص 125.
(7) ساقط من الأصل.
(5/223)

عن الثقاة خاصة، وأما إذا [كان] (1) يروي عن الثقاة وغيرهم فلم يقبل اتفاقًا (2).
حجة مالك ومن تابعه على قبول الحديث المرسل: أن سكوت المرسل مع عدالته وعلمه بأن روايته يترتب عليها شرع عام، يقتضي [ذلك] (3) أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته، فإن سكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكاه عندنا قبلنا (4) تزكيته وروايته، فكذلك سكوته عنه، ولأجل هذا قال بعضهم: إن المرسل أقوى من المسند فكانه لما أرسله [فقد] (5) التزمه في ذمته وتذممه في ذمته، بخلاف ما إذا أبرزه فقد فوض أمره إلى السامع ينظر فيه (6).
وإلى بسط هذه الحجة المذكورة أشار المؤلف بقوله: لأنه إنما أرسله (7) حجث جزم بالعدالة، فيكون (8) حجة.
وحجة الشافعي ومن تابعه على رد الحديث (9) المرسل من وجهين:
__________
(1) ساقط من ز.
(2) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 334، والإشارة له ص 159، وشرح المسطاسي ص 125.
(3) ساقط من ز وط.
(4) "قلنا" في ز.
(5) ساقط من ز، وط.
(6) انظر هذه المقالة ومناقشتها في: الكفاية ص 562، وانظر الدليل برمته في شرح القرافي ص 379 - 380، وشرح المسطاسي ص 125، 126.
(7) "ارسل" في ز، وط.
(8) "فتكون" في الأصل.
(9) "حديث" في الأصل.
(5/224)

أحدهما: أن مقتضى الدليل (1) ألا يعمل بالظن، خالفناه فيمن (2) علمت عدالته بالبحث والمباشرة، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل (3).
الوجه الثاني: أن سكوته عنه لا يدل [على] (4) عدالته، [[لجواز أن يكون إذا [ا] (5) طلعنا نحن عليه لا تقبل روايته (6).
قال القاضي [أبو بكر:] (7) وهذا هو الصحيح (8)، وأما قولهم: إن سكوته عنه يقتضي الجزم بعدالته]] (9) فلا يصح (10).
والدليل على ذلك: أن العدل قد يروي عن العدل وغير العدل ولا يقدح ذلك في عدالته، ألا ترى أن الزهري وهو إمام (11) الأئمة روي عنه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا، فلما سئل عمن أخبره به، فقال: أخبرني به رجل
__________
(1) "الرسل" في ز.
(2) "فيما" في ط.
(3) انظر: شرح القرافي ص 379، والمسطاسي ص 126.
(4) ساقط من ز.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 379، والمسطاسي ص 126.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر نسبة رد المراسيل لأبي بكر الباقلاني في: إحكام الفصول 1/ 335، والإبهاج 2/ 377، وجمع الجوامع 2/ 169. وقد نسب له الغزالي في المنخول ص 274، قبول مرسل الإمام العدل.
(9) ما بين المعقوفات الأربعة ساقط من ط.
(10) جاءت هذه العبارة في ز كما يلي: إن سكوته عنه لا يدل على عدالته، فلا يصح. اه.
(11) "اتمام" في ز.
(5/225)

على باب مروان (1) لا أعرفه (2).
حجة القول بقبول مراسل سعيد بن المسيب دون غيره: قال الشافعي: إنما قبلتها لأني اختبرتها (3) فوجدتها كلها مسندة (4)، فعلى هذا لم يقبل في الحقيقة إلا مسندًا (5)، ولم يقبل مرسلًا.
وكذلك الجواب في قبول مراسل الحسن.
حجة القول بقبول مراسل الصحابة رضي الله عنهم دون غيرهم: لأن الصحابة يكتفى فيهم بتعديل الله تعالى إياهم، بخلاف غيرهم فلا بد مما يقوي ذلك فيهم من الأوصاف المذكورة أو لا (6).
فإن قيل: الإرسال معناه إسقاط صحابي (7) من السند، والصحابة عدول،
__________
(1) يعني به مروان بن الحكم، أحد خلفاء بني أمية، وهو الذي اجتمع عليه أمرهم بعد يزيد بن معاوية، وخلفه في الملك أبناؤه إلى قيام دولة بني العباس، وكان مروان فقيهًا حازمًا، توفي سنة 65 ه.
انظر ترجمته في شذرات الذهب 1/ 73.
(2) إلى هنا كلام أبي بكر الباقلاني، فانظره في: شرح المسطاسي ص 126.
(3) "أخبرتها" في ز.
(4) انظر: محاسن البلقيني ص 137، وانظر الكفاية ص 571، وشرح القرافي ص 380، وشرح المسطاسي ص 126، وشرح حلولو ص 327.
(5) "مستندًا" في ز وط.
(6) والقول بحجية مرسل الصحابي، هو قول جماهير العلماء من المحدثين والأصوليين وغيرهم، وحكي الخلاف في قبولها عن أبي إسحاق الإسفراييني.
انظر: تدريب الراوي 1/ 207، ومقدمة ابن الصلاح ص 141، 142، ومحاسن البلقيني ص 142، والكفاية ص 547، والمسطاسي ص 126.
(7) "الصحابي" في ز.
(5/226)

فلا فرق بين ذكر الصحابي والسكوت عنه، فكيف يجري الخلاف فيه؟
فالجواب: إنهم عدول إلا عند قيام المعارض، فقد يكون المسكوت (1) عنه ممن عرض في حقه ما يوجب القدح، فيتوقف في قبول المرسل حتى تعلم (2) سلامته من القدح (3).
وأما أقسام الحديث عند أرباب الحديث، فقال الحاكم في كتاب علوم الحديث: ينبغي للأصولي أن يعرفها ليستعين بها على معرفة المرسل وغيره (4)، وهي (5) عشرة أقسام (6):
__________
(1) "السكوت" في ز، وط.
(2) "نعلم" في ز.
(3) انظر الاعتراض وجوابه في شرح القرافي ص 380.
قال ابن حجر في شرح نخبة الفكر ص 41: وإنما ذكر المرسل في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيًا، ويحتمل أن يكون تابعيًا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى هذا يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد إما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وإما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة. اه.
قلت: فليس التوقف في المرسل لمجرد سقوط الصحابي، بل لمثل ما ذكره الحافظ ابن حجر.
(4) لم أجد النص بعينه، وانظر حث الحاكم على معرفة أقسام الحديث في كتابه ص 17، 18، 20. قال المسطاسي ص 124، وها هنا ألقاب ذكرها الحاكم في كتاب علوم الحديث له ينبغي أن تكون على خاطر الأصولي ليستعين بها على معرفة المرسل وغيره. ثم عدها.
(5) "وهو" في الأصل.
(6) قوله هي عشرة أقسام ثم عدها بعد ذلك عشرة أو اثني عشر، ليس على إطلاقه، لأن المحدثين قسموا الحديث من حيث الجملة إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف =
(5/227)

أولها: المسلسل، ثم المسند، ثم المرسل، ثم المنقطع، ثم الموقوف، ثم المقطوع، ثم المعضل، ثم المدرج، ثم الغريب، ثم الحسن، فهذه عشرة أنواع، زاد بعضهم اثنين، وهما: الصحيح، والمدلس، فتكون (1) جملتها اثني عشر قسمًا (2)، جمعها بعضهم بهذه الأبيات:
سلسل بإسناد وقوف المرسل ... واقطع بمنقطع غريب المعضل
ولتدرجن صحيحه في حسنه ... واحفظ مدلسه وخذ بالأفضل (3)
__________
= ثم ذكروا بعد ذلك أقسامًا منها ما يصلح للدخول تحت أي منها، ومنها ما يختص ببعضها. وهذه الأقسام عندهم إما بالنظر إلى المتن كالمرفوع والموقوف والمقطوع، وإما بالنظر إلى السند فقط، كالمتصل والمنقطع والمعضل، وإما بالنظر إلى السند والمتن جميعًا، إما على سبيل الجمع كالمسند لأنه ما كان مرفوعًا متصلًا، أو لا على سبيل الجمع كالمدرج لأنه يشمل إدراج المتن وإدراج السند.
مثال ما يصلح للدخول تحت أي من الأقسام الثلاثة: المرفوع، فقد يكون صحيحًا وقد يكون حسنًا وقد يكون ضعيفًا.
ومثال المختص ببعضها كالمنقطع، فإنه خاص بالضعيف، والله أعلم.
انظر: قواعد التحديث للقاسمي ص 79 وما بعدها، والباعث الحثيث ص 17 وما بعدها.
(1) "فيكون" في ط.
(2) انظر التعليق الثالث من الصفحة السابقة.
وأنا أذكر لك بعض ما فات الشوشاوي من أقسام الحديث: لم يذكر المشهور والعزيز وذكر الغريب وسبيلها واحد. ولم يذكر المرفوع وذكر الموقوف والمقطوع وسبيلها واحد. ولم يذكر الضعيف والموضوع وذكر الصحيح والحسن وسبيلها واحد. ولم يذكر المتصل والمعلق وذكر المرسل والمعضل والمنقطع وسبيلها واحد. ولم يذكر الشاذ والمنكر والمعلل والمضطرب والمقلوب والأفراد.
(3) ذكر هذه الأبيات المسطاسي في شرحه ص 124.
(5/228)

[وجمعها بعضهم أيضًا بهذه الأبيات] (1):
يا صاح أقسام الحديث تنقل ... مسلسل وحسن (2) ومرسل
ومدرج ومعضل ومنقطع ... والسابع المقطوع يا ذا فاستمع
والثامن الموقوف والغريب ... والعاشر المعنعن (3) العجيب (4)
ولنشرع في تفسيرها واحدًا (5) بعد واحد، على تواليها أولًا في قولنا: [وهي] (6) عشرة أقسام، أولها: المسلسل ثم المسند ثم المرسل ... إلى آخرها.
أما المسلسل: فهو السماع الظاهر الذي لا غبار عليه مثل أن يقول: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا (7)، [كذلك] (8) إلى آخر السند (9).
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "ومسند" في ز وط.
(3) "المعنق" في الأصل.
(4) جاء في هامش الأصل ما يلي:
وجمعها ناسخه نظمًا، فقلت بعون الله:
اثنين بعد عشرة الخبر ... منقسم مسلسل مشتهر
ومسند ومرسل ومنقطع ... موقوف مقطوع ومعضل وقع
قبيل مدرج غريب حسن ... وصحيح مدلس ذا بين
(5) "واحد" في ز.
(6) ساقط من ز، وط.
(7) "يقول" زيادة في ز.
(8) ساقط من ز، وط.
(9) هذا ما قاله الحاكم في كتاب معرفة علوم الحديث ص 29.
وقول الشوشاوي: مثل أن يقول: سمعت ... إلخ هذا مثال لأحد أنواعه، وهو مسلسل السماع، وقد ذكر الحاكم له ثمانية أنواع، وذكر غيره أكثر من ذلك. =
(5/229)

وأما المسند (1): فهو المتصل المعنعن برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كقولك: مالك عن نافع (2) عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[أنه] (3) قال كذا (4).
[وأما المرسل: فهو ما سقط منه الصحابي، قاله الحاكم، كما تقدم، كقولك: مالك عن نافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا (5).
__________
= قال ابن حجر في نخبة الفكر ص 62: وإن اتفق الرواة في صيغ الأداء أو غيرها من الحالات فهو المسلسل. اه.
وقال ابن الصلاح: هو عبارة عن تتابع رجال الإسناد وتواردهم فيه واحدًا بعد واحد على صفة أو حالة واحدة. اه، انظر: المقدمة لابن الصلاح ص 401. ومن اتفاف صفات الرواة في المسلسل أن تتفق أسماؤهم أو كناهم أو بلدانهم أو أفعالهم كالقبض على اللحية، أو تشبيك الأصابع عند الرواية.
ومن اتفاق صفات الرواية كالمسلسل بسمعت، أو حدثني، أو كتب إلي ونحوها.
وقد يكون المسلسل غير صحيح كما ذكره الحاكم في المعرفة ص 34. انظر: تدريب الراوي 2/ 187، والباعث الحثيث ص 142، وشرح المسطاسي ص 124.
(1) المسند في عرف المحدثين: هو ما اتصل سنده من راويه إلى منتهاه مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: لا يشترط الرفع، والصحيح اشتراطه.
انظر: المعرفة للحاكم ص 17، ومقدمة ابن الصلاح ص 119، وقواعد التحديث ص 123، وتدريب الراوي 1/ 182.
(2) أبو عبد الله العدوي المدني، مولى ابن عمر، روى عن ابن عمر وعائشة وأبي هريرة وطائفة، وعنه مالك وأيوب والأوزاعي والليث وغيرهم، قالوا: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقد كان رحمه الله ثقة ثبتًا حافظًا، مع تواضع وطيب عشرة، توفي سنة 117 ه. انظر: تذكرة الحفاظ ص 99، وتهذيب التهذيب 10/ 412.
(3) ساقط من ز.
(4) هذا مثال للحديث المعنعن، والمعنعن عند جماهير المحدثين من قبيل الإسناد المتصل، بشرط ثبوت الملاقاة بين الرواة، وسلامتهم من التدليس.
انظر: معرفة علوم الحديث ص 34، ومقدمة ابن الصلاح ص 152.
(5) انظر: الباعث الحثيث ص 29، والمعرفة للحاكم ص 25.
(5/230)

وأما المنقطع: فهو ما سقط منه غير الصحابي، كقولك: مالك عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا] (1) (2).
وأما الموقوف: فهو ما سقط منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الموقوف على (3) الصحابي، / 295/ كقولك: مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال كذا (4).
وأما المقطوع: فهو المقطوع على (5) التابعي، أي المنتهي إلى التابعي، كقولك: مالك (6) عن نافع أنه قال كذا (7).
وأما المعضل: فهو ما سقط منه أكثر من راو واحد، كقولك: مالك عن النبي عليه السلام أنه قال كذا (8).
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من ز.
(2) انظر: معرفة علوم الحديث ص 28، وتدريب الراوي 1/ 208، ومقدمة ابن الصلاح ص 144، والمسطاسي ص 124.
(3) "عن" في ز.
(4) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم ص 19، ومقدمة ابن الصلاح ص 123، وشرح نخبة الفكر ص 55، 57، والمسطاسي ص 124.
(5) "عن" في ط.
(6) العبارة في ط كما يأتي: "كقولك مالك عن النبي عليه السلام عن نافع". اه.
(7) قال المحدثون: المقطوع: هو ما جاء عن التابعين فمن دونهم موقوفًا عليهم.
انظر: قواعد التحديث ص 130، وشرح نخبة الفكر ص 56، 57، والمسطاسي ص 124.
(8) انظر: تدريب الراوي 1/ 211، والمعرفة للحاكم ص 26، ومقدمة ابن الصلاح ص 147، والمسطاسي ص 124.
(5/231)

وأصل العضل المنع (1)، ومنه قوله تعالى: {فَلَا (2) تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (3) (4)، أي فلا تمنعوهن (5)، ومنه قولهم: الداء العضال، وهو الذي أعيا الأطباء (6) دواؤه (7)، وكأن الراوي قد منع الحديث بسبب ما أسقط منه (8).
وأما المدرج: فهو أن يدرج في الحديث ما هو من كلام الصحابي (9)، كقوله (10) في الحديث: "من أعتق شركًا له في عبده ثم استسعى غير مشقوق عليه" (11) ........................................................
__________
(1) انظر: القاموس المحيط، والصحاح، ومعجم المقاييس لابن فارس، مادة: (عضل) قال ابن فارس: عضل ... أصل واحد صحيح يدل على شدة والتواء في الأمر. اه.
(2) "ولا" في الأصل، وهو خطأ.
(3) "أزوجهن" في ز.
(4) البقرة: 232.
(5) انظر: تفسير البحر المحيط 2/ 209، وتفسير ابن كثير 1/ 282.
(6) "الابطة" في ز.
(7) انظر: القاموس المحيط، والصحاح، ومعجم مقاييس اللغة، مادة: (عضل).
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 124.
(9) لا يختص الإدراج بالصحابي، ويدل على هذا مثال الشوشاوي بإدراج قتادة، كما لا يختص الإدراج بالمتن بل قد يكون في السند، ومثاله: أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة فيرويها عنهم راو ويجعلها بإسناد واحد. وله أنواع.
انظر: شرح نخبة الفكر ص 46، وتدريب الراوي 1/ 268.
(10) "كقولك" في ز وط.
(11) هذا حديث صحيح، روى معناه البخاري ومسلم، وغيرهما. ففي البخاري برقم 2537 من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أعتق نصيبًا أو شقيصًا في مملوك =
(5/232)

قيل: إنه من قول قتادة (1) (2).
__________
= فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستسعي به غير مشقوق عليه". اه.
وأخرجه مسلم في العتق برقم 1503، وفي كتاب الأيمان، فانظر صحيح مسلم 3/ 1288، تحقيق عبد الباقي.
(1) أبو الخطاب: قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري الضرير، من علماء التابعين وفضلائهم، سمع أنسًا وأخذ عن ابن المسيب وعكرمة وابن سيرين والحسن وغيرهم من كبار التابعين، وعنه شعبة وابن أبي عروبة وأيوب والأوزاعي وحماد بن سلمة وخلق، كان آية في الحفظ والذكاء، مع فقه ومعرفة بالتفسير والأنساب واللغة، وثقه العلماء وخرجوا له وكان معروفًا بالتدليس، ورمي بالقدر.
انظر: تذكرة الحفاظ 1/ 122، وتهذيب التهذيب 8/ 351.
(2) ذهب بعض العلماء كابن المنذر والخطابي وابن العربي إلى أن الاستسعاء من قول قتادة، واحتجوا بحديث ابن عمر عند البخاري برقم 2522، وأخرجه غيره، وفيه: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" ولم يذكر الاستسعاء، وأيضًا بأن روايات أخرى لحديث أبي هريرة لم تذكر الاستسعاء، مثل ما رواه مسلم في العتق برقم 1502 من طريق شعبة عن قتادة، وأيضًا تصريح بعض رواته بأن الاستسعاء من كلام قتادة، كما أخرج الحاكم في معرفة علوم الحديث ص 40، من طريق همام بن يحيى.
وفيه قال همام: وكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعي العبد. اه.
وقد أخرجه أيضًا الدارقطني في سننه 4/ 127 وهو قريب مما عند الحاكم. هذا ما احتج به من قال: إن الاستسعاء من قول قتادة. وذهب آخرون إلى أن الاستسعاء من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدل على هذا صنيع البخاري ومسلم، فقد أخرجاه من طريق سعيد ابن أبي عروبة وجرير بن حازم عن قتادة، وذكر البخاري أن حجاجًا، وأبان بن يزيد العطار، وموسى بن خلف، قد تابعوا سعيدًا وجريرًا في رواية الاستسعاء مرفوعًا.
واعتذر البخاري عن الاحتجاج برواية شعبة حيث لم يذكر فيها الاستسعاء بأن شعبة اختصر الحديث.
قالوا: وعدم ذكر شعبة وهمام للاستسعاء لا يدل على نفيه، فلعل سعيدًا سمعه في مجلس آخر من قتادة لطول ملازمته له، ثم إن فتياه به مرة لا ينافي تحديثه به مرة أخرى. =
(5/233)

وأما الغريب: فإما (1) غريب السند، وإما غريب المتن، فالغريب في السند هو الحديث الذي روي عن رجل لم تجر العادة بالرواية عنه، والغريب في المتن أن يكون لفظه غريبًا (2).
وأما الحسن: فهو ما كان راويه في أول رتبة العدالة (3).
__________
= وقد ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة كحديث جابر، وحديث خالد بن أبي قلابة عن رجل من بني عذرة.
وممن رجح هذا الرأي ابن دقيق العيد، وابن حجر في الفتح، فانظر إحكام الأحكام لابن دقيق العيد 4/ 261، وفتح الباري 5/ 157 وما بعدها، وشرح المسطاسي ص 124.
(1) "أما" في ز، وط.
(2) ينقسم الغريب إلى ثلاثة أقسام:
أ - غريب المتن والإسناد، كما إذا تفرد برواية متنه راو واحد.
ب - غريب الإسناد دون المتن، كحديث متنه معروف مروي عن جماعة من الصحابة إذا تفرد بعضهم برواية عن صحابي آخر.
ج - غريب المتن دون الإسناد، كحديث رواه عمن تفرد به، عدد كثير حتى اشتهر بأخرة.
ويقولون للحديث الذي يرويه عن الزهري ونحوه من الأئمة رجل واحد غريب، فإن رواه رجلان أو ثلاثة فعزيز، فإن رواه جماعة فمشهور.
انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 395، 396، وتدريب الراوي 2/ 180 - 183، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص 94 - 96، وشرح المسطاسي ص 124، 125.
(3) الحسن إما أن يكون راويه مشهورًا بالصدق غير أنه دون غيره في الحفظ أو يكون في مسنده مشهور لم تحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلًا ولا متهمًا بالكذب، ويكون متابعًا فيه، أي قد روي من وجه آخر أو أكثر. هذه خلاصة كلام ابن الصلاح في الحسن مع أن العلماء قد اختلفوا كثيرًا في ضبطه وحده.
انظر: المسطاسي ص 125، ومقدمة ابن الصلاح 103 وما بعدها، والباعث الحثيث ص 30 وما بعدها.
(5/234)

وأما الصحيح (1) على قول من زاده (2) على الأقسام (3) العشرة فهو: ما كان راويه (4) في غاية العدالة (5).
وأما الحديث المدلس فهو: أن يروي عن قوم مجهولين، أو مجرحين، أو عن قوم لم يسمع منهم، وما في معنى ذلك (6).
قوله: (ونقل الخبر بالمعنى عند [أبي] (7) الحسين (8) والشافعي
__________
(1) "الصيح" في الأصل.
(2) "على القول بزيادته". في ز، وط.
(3) "الأسقام" في ط.
(4) "رواية" في ط.
(5) عرف ابن الصلاح الصحيح بأنه الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معللًا. اه.
انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 82.
وانظر أيضًا: شرح نخبة الفكر ص 29، وتدريب الراوي 1/ 63، والباعث الحثيث ص 17، وشرح المسطاسي ص 125.
(6) هذه بعض أنواع التدليس التي ذكرها الحاكم، حيث ذكر الحاكم ستة أقسام، ومرد التدليس إلى قسمين:
1 - تدليس الإسناد بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه، أو عن مجهول لا يدرى من هو.
2 - تدليس الشيوخ بأن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه بما لا يعرف به.
قالوا: ومنه تدليس التسوية بأن يسقط شيخه لكونه صغيرًا أو ضعيفًا.
انظر: تدريب الراوي 1/ 223، وما بعدها، ومعرفة علوم الحديث ص 103 - 112، والباعث الحثيث ص 45، 46، والمسطاسي ص 125.
(7) ساقط من أ.
(8) كذا في جميع النسخ ما عدا "أ"، وفي "أ" عند الحسن، وأرجح أنه الصواب؛ لأن صاحب المحصول 2/ 1/ 667، وصاحب المعتمد 2/ 626، نسبا هذا المذهب للحسن البصري والشافعي وأبي حنيفة، والمؤلف لا يعدو عبارتهما إلا نادرًا. وهذا الرأي أيضًا اختيار أبي الحسن، كما في المعتمد 2/ 626، 627.
(5/235)

وأبي حنيفة (1) جائز، خلافًا لابن سيرين وبعض المحدثين، بثلاثة شروط: ألا تزيد الترجمة، وألا (2) تنقص، وألا (3) تكون أخفى لأن المقصود إِنما هو إِيصال المعاني، فلا (4) يضر فوات غيرها (5).
ش: اختلف العلماء في نقل الحديث بالمعنى على ثلاثة أقوال:
أحدها: جوازه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (6)، مالك وغيره.
قال الباجي: وهو مذهب المتقدمين من أصحاب الحديث (7).
__________
(1) "أبي حنيفة، والشافعي". في ش بالتقديم والتأخير.
(2) "ولا" في نسخ المتن وز.
(3) "ولا" في نسخ المتن وز.
(4) "ولا" في أ.
(5) "غيره" في أ.
(6) انظر: تدريب الراوي 2/ 99، والإحكام للآمدي 2/ 103، والإبهاج 2/ 382.
وانظر مذهب الحنفية في: المغني للخبازي ص 223، والتوضيح 2/ 25.
وانظر مذهب المالكية في: إحكام الفصول 1/ 398، ومختصر ابن الحاجب 2/ 70.
وانظر مذهب الشافعية في: اللمع ص 272، والتبصرة ص 346، والوصول 2/ 187، والبرهان فقرة 600، والمنخول ص 280، وجمع الجوامع 2/ 171، وانظر رأي الشافعي في الرسالة ص 270 - 276.
وانظر مذهب أحمد بن حنبل وأصحابه في: العدة 3/ 968، والروضة ص 124، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 161، وانظر المعتمد 2/ 626، والكفاية للخطيب ص 300، 308 - 317.
(7) انظر: إحكام الفصول للباجي 1/ 398، وانظر شرح المسطاسي ص 127. وانظر: تدريب الراوي 2/ 100، 101، حيث نقل عن المدخل للبيهقي آثارًا عن بعضهم تدل على قولهم بجواز رواية الحديث بالمعنى ولم أجدها في المطبوع منه، وانظر مقدمة محققه ص 81.
وانظر آثارًا عن الحسن البصري والشعبي والنخعي في الكفاية ص 311.
(5/236)

القول الثاني: منعه، وهو مذهب ابن سيرين (1) [و] (2) جماعة من الفقهاء (3). قال الباجي: وهو مذهب المتأخرين من أصحاب الحديث (4)، وهو مختار أبي بكر الرازي من الحنفية (5).
قوله: بثلاثة (6) شروط، أي يجوز على القول بجوازه بثلاثة شروط.
أحدها: ألا تزيد الترجمة، ومعنى الترجمة عبارة الناقل التي يعبر بها عن معنى الحديث، أي ألا تزيد عبارة الناقل على ما أفاده الحديث (7).
__________
(1) انظر: الكفاية للخطيب ص 284، 285، 311، وتدريب الراوي 2/ 98، والمحصول 2/ 1/ 667، 668، وجمع الجوامع 2/ 172، والعدة 3/ 969.
(2) ساقط من الأصل.
(3) مر بنا في المتن أن القول بالمنع قول ابن سيرين وبعض المحدثين، وقد ذكر منهم الخطيب في الكفاية ص 311، القاسم بن محمّد ورجاء بن حيوة، ونسبه لبعض الفقاء الباجي في إحكام الفصول 1/ 398، ولبعض الشافعية الشيرازي في التبصرة ص 346.
(4) انظر: إحكام الفصول 1/ 398، والمسطاسي ص 127، وقد نسب الغزالي هذا الرأي للمحدثين بإطلاق في المنخول ص 279، وعزاه في البرهان إلى معظم المحدثين، انظر فقرة 600، قال الخطيب في الكفاية ص 300: قال كثير من السلف وأهل التحري في الحديث: لا تجوز الرواية على المعنى بل يجب مثل تأدية اللفظ بعينه ... وقال جمهور الفقهاء: يجوز للعالم ... رواية الحديث على المعنى. اه. أنها الخطيب وجمهور متأخري علماء الحديث فجوزوا الرواية بالمعنى على خلاف، هل بالمرادف أو به وبغيره؟ انظر: الكفاية ص 300، ومقدمة ابن الصلاح ص 332، والباعث الحثيث ص 119، وتدريب الراوي 2/ 99.
(5) انظر: أصول الجصاص لوحة رقم/ 205/ ب من المخطوط رقم/ 935/ ف مصور فلميًا بجامعة الإمام.
(6) "ثلاثة" في ز.
(7) انظر: المعتمد 2/ 626، والمحصول 2/ 1/ 668.
(5/237)

الشرط الثاني: ألا تنقص عبارة الناقل مما أفاده الحديث (1).
الشرط الثالث: ألا تكون عبارة الناقل أخفى من عبارة النبي عليه السلام (2).
يريد: ولا تكون (3) عبارة الناقل أجلى من عبارة النبي عليه السلام، وهو شرط رابع (4) (5).
قالوا: يزاد على هذه الأربعة شرطان آخران (6):
أحدهما: أن يكون الناقل عالمًا بالحديث، أي عارفًا بدلالة الألفاظ واختلاف مواقعها (7) (8).
والشرط الآخر: أن يكون الحديث المنقول يسير الألفاظ دون كثيرها.
فهذه ستة شروط هي مشترطة (9) في جواز نقل الحديث بالمعنى، فإذا عدمت كلها أو بعضها فلا يجوز نقله بالمعنى اتفاقًا (10).
__________
(1) انظر: المصدرين السابقين.
(2) انظر: المصدرين السابقين.
(3) "وألا تكون" في ط.
(4) "الرابع" في ط.
(5) انظر: المحصول 2/ 1/ 668، والروضة ص 125.
(6) انظرهما في شرح المسطاسي ص 127.
(7) "من أقعها" في ز.
(8) انظر: التبصرة ص 346، وإحكام الفصول 1/ 398، ومقدمة ابن الصلاح ص 331.
(9) "مشرطة" في ز.
(10) انظر: شرح المسطاسي ص 127.
(5/238)

فإذا وجدت هذه الشروط كلها فهو محل الخلاف (1)، وفيه ثلاثة أقوال (2): الجواز مطلقًا والمنع مطلقًا، وهذان القولان ذكرهما المؤلف، والقول الثالث نقله ابن الحاجب وغيره: يجوز (3) نقله باللفظ المرادف للفظ الحديث بحيث لا احتمال فيه أصلًا (4)، كإبدال لفظ الجلوس بالقعود، وكإبدال لفظ القيام بالوقوف، وكإبدال لفظ الاستطاعة بالقدرة، وكإبدال لفظ الحظر بالتحريم، وما في معنى ذلك من الألفاظ المترادفة (5)، [التي لا تحتمل غير المرادفة] (6).
__________
(1) قال علماء المصطلح: يخرج من هذا الخلاف الرواية من الكتب المصنفة، فإنه لا يجوز فيها الرواية بالمعنى؛ لأن الترخيص في الرواية بالمعنى إنما هو للحرج من ضبط الألفاظ، وهذا غير موجود في المصنفات.
انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 333، وتدريب الراوي 2/ 102.
(2) وهناك أقوال أخرى أشهرها:
1 - أنه يجوز للصحابة دون غيرهم، وقد جزم به ابن العربي في أحكام القرآن 1/ 22.
2 - جوازه في غير حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أقوال الصحابة ونحوهم، وقد رواه الخطيب عن مالك، فانظر الكفاية ص 288، 289. وانظر بقية الأقوال في: مقدمة ابن الصلاح ص 331، وتدريب الراوي 2/ 101، 102، وشرح حلولو ص 328، 329.
(3) "فيجوز" في الأصل.
(4) وقد اختاره الخطيب، فانظر: الكفاية ص 300.
وانظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 70، والإحكام للآمدي 2/ 103، وجمع الجوامع 2/ 172، وشرح المسطاسي ص 127، والمحاسن للبلقيني ص 333، وتدريب الراوي 2/ 102.
(5) "الترادفة" في ط.
(6) ساقط من الأصل.
(5/239)

قوله: (ألا تزيد الترجمة، وألا (1) تنقص، [و] (2) ألا تكون أخفى)، يريد: وألا (3) تكون أجلى، وأن يكون عالمًا بالحديث، وأن يكون المسموع يسيرًا.
أنها وجه اشتراط كون (4) الترجمة لا تزيد ولا تنقص، فلأن عبارة الراوي إذا زادت أو نقصت فقد زاد في الشرع أو نقص منه، وذلك (5) حرام إجماعًا (6).
وأما كونها لا تكون (7) [أخفى ولا] (8) أجلى، فلأن الحديث متى كانت عبارته (9) جلية وأبدلها بعبارة خفية، فقد أوقع (10) في الحديث وَهْنًا يوجب تقديم غيره عليه بسبب خفائه، فإن الأحاديث (11) إذا تعارضت في الحكم الواحد يقدم (12) أجلاها على أخفاها (13).
__________
(1) "ولا" في ز.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) "ولا" في ز.
(4) "دون" في ز.
(5) "فذلك" في ط.
(6) انظر: شرح القرافي ص 381، وشرح المسطاسي ص 201 من مخطوط الجامع الكبير بمكناس رقم 352.
(7) في ز: "ولا تكون"، وفي ط: "وألا تكون".
(8) ساقط من ز.
(9) "عبارة" في ط.
(10) "وقع" في الأصل.
(11) "الحديث" في الأصل.
(12) "تقدم" في ز.
(13) انظر: المستصفى 2/ 397، وإحكام الفصول 2/ 904، 905، وإرشاد الفحول ص 278.
(5/240)

وكذلك إذا كانت عبارة الحديث خفية فأبدلها بعبارة جلية، فقد أوجب له تقديمه على غيره عند التعارض، فقد تسبب بذلك التبديل إلى تغيير حكم الله تعالى، وذلك لا يجوز (1).
وأما اشتراط كونه عالمًا بالحديث، فلأن الجاهل يسوء فهمه فيفهم الشيء على غير فهمه، فإذا نقله على مقتضى فهمه فقد أوقع خللًا في الشرع (2).
وأما اشتراط كون المسموع يسيرًا كالسطر ونحوه، فإن (3) الكثير لا يمكن حفظه إلا بتكرار وترداد، فإذا كرره النبي عليه السلام وأعاده لم يمكن أن يزاد فيه ولا [أن] (4) ينقص منه (5).
حجة القول بجواز نقل الحديث بالمعنى أوجه:
أحدها: ما ذكره المؤلف، وهو أن المقصود من السنة إنما (6) هو إيصال معنى اللفظ إلى المكلفين، فلا يضر فوات اللفظ؛ لأن اللفظ وسيلة إلى فهم معناه، ومعناه هو المقصود، فإذا حصل المقصود فلا عبرة بالوسيلة؛ لأن لفظ السنة لم نتعبد (7) به بخلاف [لفظ] (8) القرآن (9).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 381، وشرح المسطاسي ص 201 من مخطوط مكناس رقم 352.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 201 من مخطوط مكناس رقم 352.
(3) "فلأن" في ز.
(4) ساقط من ز، وط. وهي معلقة في الأصل.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 201 من مخطوط مكناس رقم 352.
(6) "إذا" في ط.
(7) "تتعبد" في ز.
(8) ساقط من ز.
(9) في هامش الأصل ما يلي: "انظر لم نتعبد بلفظ الحديث دون القرآن". اه. =
(5/241)

وما نقل عن مالك في (1) تشديد [ه] (2) في إبدال الباء (3) بالتاء أو بالعكس في [بالله وتالله في] (4) القسم (5) (6)، محمول على المبالغة في الأولوية (7) (8)، فإن (9) الأولى والأفضل أن يؤتى بلفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما هو.
الوجه الثاني: أن الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون الأحاديث الكثيرة ولا يكتبونها ولا يكررونها (10) [بل يروونها] (11) بعد السنين الكثيرة والمدة الطويلة، ومثل هذا يجزم (12) الإنسان فيه أن نفس العبارة لا تنضبط فيه، بل المعنى فقط (13).
الوجه الثالث: أن أحاديث كثيرة/ 296/ قد رويت (14) بألفاظ مختلفة في
__________
= وانظر الدليل في شرح القرافي ص 381، والمسطاسي ص 127.
(1) "من" في ز، وط.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) "الياء" في ط.
(4) ساقط من الأصل.
(5) "القبس" في الأصل.
(6) انظر: الكفاية للخطيب ص 275، وتدريب الراوي 2/ 101، ومختصر ابن الحاجب 2/ 70، ونقل حلولو ص 328 عن المازري حكايته عن مالك.
(7) في الأصل: "الأولية"، وفي ط: "الألوية".
(8) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 70، وشرح حلولو ص 328.
(9) "ولا نزاع أن" في ز، وط.
(10) "يكرروها" في ط.
(11) ساقط من ط، وفي ز: "يرونها".
(12) "الحزم" في ز.
(13) انظر: شرح القرافي ص 381، والمسطاسي ص 127.
(14) "روينا" في ز.
(5/242)

قصة واحدة، فيدل ذلك على جواز نقل الحديث بالمعنى، كقوله عليه السلام: "نضر الله امرأ سمع (1) مقالتي فوعاها"، وروي [أيضًا] (2): "رحم الله امرأ"، وكذلك قوله عليه السلام: ["رب حامل فقه غير فقيه إلى فقيه"] (3)، وروي: "رب حامل فقه لا فقه له إلى فقيه", وغير ذلك من الأحاديث الواردة في قصة متحدة بألفاظ متعددة (4).
الوجه الرابع: إجماع العلماء على جواز تفسير الحديث بالعجمية، فيكون تفسيره بالعربية أولى وأحرى، فإن تبديل العربي (5) بالعربية أقرب وأخف من تبديل العربي بالعجمي (6).
الوجه الخامس: قياس الرواية على الشهادة؛ فإن تحمل الشهادة لا يشترط [فيه] (7) صورة الألفاظ اتفاقًا، بل ضبط المعنى خاصة (8).
حجة القول بمنع (9) نقل الحديث بالمعنى وجهان:
أحدهما: قوله عليه السلام: "رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها
__________
(1) "اسمع" في ط.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط، وقد كتب صدر الحديث ثم ألغي.
(4) انظر: شرح القرافي ص 381.
(5) "العربية" في ز، وط.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 127.
(7) ساقط من ط.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 127.
(9) "بالمنع" في ط.
(5/243)

وأداها كما سمعها"، فهذا يقتضي أن اللفظ المؤدى كاللفظ المسموع عملًا بكاف التشبيه، والمسموع في الحقيقة هو اللفظ والمعنى تبع للفظ (1) (2).
الوجه الثاني: أن الشرع قد اعتبر اللفظ في أشياء كثيرة كالأذان والإقامة وتكبيرات الصلاة (3) وغيرها، فيكون [نقل] (4) لفظ الحديث معتبرًا كذلك (5).
أجيب عن الأول: بأن ذلك من باب الأولى لا من باب الأوجب، يدل عليه قوله عليه السلام: "رحم الله امرأ"، فإن مثل هذا الدعاء لا يستعمل في الوجوب.
وأجيب عنه أيضًا: بأن معنى [قوله] (6): أداها كما سمعها، أي أدى معناها، كالفارسي إذا نقله وعبر عنه بلسانه.
وأجيب عنه أيضًا: بأنه معارض بقوله عليه السلام: "إذا أصيب المعنى
__________
(1) "اللفظ" في ز، وط.
(2) انظر: شرح القرافي ص 381، وشرح المسطاسي ص 128.
(3) "الصلوات" في ز.
(4) ساقط من ط.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 128.
(6) ساقط من ز، وط.
(5/244)

فلا بأس" (1) (2).
وأجيب عن الثاني: وهو اعتبار الشرع اللفظ في أشياء كثيرة كالأذان والإقامة وتكبيرات (3) الصلوات: أن اللفظ لو كان معتبرًا في نقل الحديث لنقل إلينا نقلًا تقوم به الحجة، كما نقل الأذان وغيره (4).
وأما حجة من قال بجواز (5) نقل الحديث بالمعنى في اللفظ المرادف دون غيره: أن اللفظ المرادف كإبدال القعود بالجلوس مثلًا، يقطع بأنه لم يغير معنى، وأما ما يكون باجتهاده فلا يجوز، وإن قطع بأنه لم يغير معنى؛ لأن غيره ربما أداه اجتهاده إلى خلاف ذلك، ولم يكلف (6) أحد (7) إلا باجتهاده ولم يكلف باجتهاد غيره (8).
__________
(1) حديث ضعيف أخرج الخطيب معناه في الكفاية ص 302 من حديث يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن جده.
ورواه أيضًا عن يعقوب بن إسحاق بن عبد الله بن أكيمة الليثي عن أبيه عن جده.
وأخرج أيضًا حديثًا آخر من حديث ابن مسعود بلفظ: "إذا أصاب أحدكم المعنى فلا بأس".
وقد أخرجه الطبراني في الكبير بالسند الأول، وقال فيه الهيثمي: يعقوب وأبوه لم أر من ذكرهما. انظر: مجمع الزوائد 1/ 154.
قال السخاوي في شرح ألفية العراقي: هذا حديث مضطرب لا يصح. انظر: فتح المغيث 2/ 217.
(2) انظر الأجوبة الثلاثة في شرح المسطاسي ص 128.
(3) "وتكبير" في الأصل.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 128.
(5) "يجوز" في ط.
(6) "يتكلف" في ط.
(7) "أحدًا" في ز.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 128.
(5/245)

قوله: (وإِذا زادت إِحد [ى] (1) الروايتين على الأخرى والمجلس مختلف قبلت، وإِن كان واحدًا ويتأتى (2) الذهول عن تلك الزيادة قبلت، وإلا لم تقبل (3)).
[ش] (4): أي إذا انفرد أحد الرواة بالزيادة (5) [في] (6) الحديث دون الباقين، فإن كان المجلس مختلفًا قبلت الزيادة باتفاق (7).
__________
(1) ساقط من أ.
(2) "تأتي" في ش.
(3) ذكر المحدثون في هذه المسألة أقوالًا عدة، منها:
أ - القبول مطلقًا، وحكاه الخطيب عن جمهور الفقهاء وأصحاب الحديث، واختاره الخطيب، ونصره ابن حزم في الإحكام 1/ 208.
ب - الرد مطلقًا، ونسبه ابن كثير لأكثر المحدثين.
ج - تقبل إن زادها غير راوي الحديث، أما إن رواه ناقصًا ثم رواه بالزيادة فلا تقبل، ونسب لبعض الشافعية.
د - إذا أفادت حكمًا قبلت، وإلا لم تقبل.
وقسم ابن الصلاح الزيادة إلى ثلاثة أقسام:
1 - زيادة تخالف الثقات فترد.
2 - زيادة لا تخالف الثقات فتقبل.
3 - زيادة لفظة على ألفاظ الحديث فتحتمل الوجهين، والصحيح القبول.
انظر: الكفاية ص 597، ومقدمة ابن الصلاح ص 185 وما بعدها، والباعث الحثيث ص 51، وتدريب الراوي 1/ 245 - 247.
(4) ساقط من ط.
(5) "بزيادة" في ز، وط.
(6) ساقط من ط.
(7) انظر: المعتمد 2/ 609، والإحكام للآمدي 2/ 108، والمحصول 2/ 1/ 677، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 153، والإبهاج 2/ 385، وتيسير التحرير 3/ 109.
(5/246)

قال ابن الحاجب: فإن تعدد المجلس قبل باتفاق، فإن جهل فأولى بالقبول. انتهى (1). وإنما تقبل الزيادة باتفاق في تعدد المجلس؛ لأن الراوي قد يسمع (2) الزيادة في مجلس آخر لم يحضر فيه الباقون (3) (4) [لتلك الزيادة] (5).
فأما إن كان المجلس واحدًا فهذا محل الخلاف، وفيه ثلاثة أقوال (6)، ثالثها: بالتفصيل بين إمكان الذهول عن الزيادة وعدم إمكانه (7)، وهذا القول هو الذي ذكره المؤلف ها هنا.
قال القاضي عبد الوهاب [في الملخص: و] (8) إذا انفرد بعض رواة (9)
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 71، وانظر الإحكام للآمدي 2/ 110، وتيسير التحرير 3/ 109، وقد نقل حلولو ص 329 عن الإبياري والصفي الهندي إخراج هذا من الخلاف في المسألة.
(2) "سمع" في ز.
(3) غير واضحة في ط، وهي كالمثبت في الأصل وز، وهي مناسبة للمعنى في ز، وط؛ لأن بعدها فيهما: "من الرواة"، أما في الأصل فالمناسب أن تكون: النافون.
(4) "من الرواة" زيادة في ز، وط.
(5) ساقط من ز، وط.
(6) فيه أقوال كثيرة ذكر طرفًا منها صاحب المعتمد 2/ 610، 611، وانظر: شرح المسطاسي ص 128، وحلولو ص 329، 330.
(7) انظر: المعتمد 2/ 610، والمحصول 2/ 1/ 677، والإحكام للآمدي 2/ 108، 109، التمهيد لأبي الخطاب 3/ 153، وتيسير التحرير 3/ 109.
(8) ساقط من ز، وط.
(9) "رواية" في ط.
(5/247)

الحديث بزيادة وخالفه بقية الرواة، فقال مالك وأبو الفرج من أصحابنا: تقبل إن كان ثقة ضابطًا (1)، وقال الشيخ أبو بكر الأبهري (2) وغيره: لا تقبل (3).
قوله: (وإِن كان واحدًا ويتأتى الذهول عن تلك الزيادة قبلت وإِلا لم تقبل)، أي إذا انفرد واحد بالزيادة في مجلس واحد دون الباقين (4)، فإن كان الباقون جماعة كثيرة لا يمكن الذهول على مجموعهم عادة لكثرتهم لم تقبل تلك الزيادة؛ لأن نسبة الذهول إلى الواحد أولى من نسبته إلى الجماعة الكثيرة، وإن كان الباقون جماعة قليلة كالاثنين والثلاثة مثلًا فإن الزيادة تقبل لإمكان الذهول عليهم لقلتهم.
حجة القول بقبول الزيادة مطلقًا وجهان:
أحدهما: [أن] (5) انفراد الراوي بالزيادة على الحديث كانفراده بحديث
__________
(1) انظر نسبة الرأي لأبي الفرج في: شرح حلولو ص 329. وقد ذهب إلى إطلاق قبول الرواية دون تفصيل جماعة من العلماء كالشيرازي والغزالي وابن برهان وابن حزم، وقد نص عليه أحمد في مواضع، ونسبه إمام الحرمين إلى الشافعي وكافة المحققين.
انظر: اللمع ص 236، والمنخول ص 283، والوصول 2/ 186، والعدة 3/ 1004، والإحكام لابن حزم 1/ 208، والبرهان فقرة 608، وانظر نسبة هذا الرأي لمالك في مقدمة ابن القصار ص 95.
(2) "الأبري" في ز، وانظر رأيه في: شرح حلولو ص 329.
(3) انظر: النص في شرح القرافي ص 382.
(4) جاءت العبارة في ط كما يلي: "بالزيادة دون الباقين في مجلس واحد، فإن كان الباقون ... " إلخ.
(5) ساقط من ز، وط.
(5/248)

تام، فتقبل زيادته (1) كما يقبل حديثه (2).
الوجه (3) الثاني: عدم المعارضة في نقله؛ لأن الراوي للزيادة (4) قطع بها، والباقون لم يقطعوا بنفيها بل هم شاكون، ولا يعارض اليقين بالشك (5)، لإمكان أن يكون سمعها في موطن آخر، أو يكون سمعها قبل دخول الباقين المجلس، أو يكون سمعها بعد خروج الباقين [من] (6) المجلس (7)، أو لم يسمعوها لغفلتهم وذهولهم عنها، أو يكونوا سمعوها وطرأ عليهم (8) النسيان (9).
حجة القول بعدم [قبول] (10) الزيادة مطلقًا: أن عدم رواية سائر الرواة لهذه الزيادة يقوم مقام تصريحهم بعدمها، وتصريحهم [بعدمها] (11) مقدم على روايته (12).
__________
(1) "زيادة" في ز، وط.
(2) انظر: شرح القرافي ص 382، والمسطاسي ص 128.
(3) "قوله" في ط.
(4) "بالزيادة" في الأصل.
(5) "بالشد" في ط.
(6) ساقط من ط.
(7) "بالمجلس" في ط.
(8) "الذهول أو" زيادة في ط.
(9) انظر: شرح المسطاسي ص 128.
(10) ساقط من ز.
(11) ساقط من ط.
(12) انظر: شرح القرافي ص 382، والمسطاسي ص 129.
(5/249)

أجيب عن هذا: بأن عدم روايتهم (1) للزيادة لا يقوم مقام التصريح بعدمها، بل يتعين حمله على الذهول والنسيان جمعًا بين عدالة الفريقين (2).
وبالله التوفيق بمنه (3).
...
__________
(1) "رواتهم" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 382، وشرح المسطاسي ص 129.
(3) قال المسطاسي ص 129، وعلى الجملة فالمسألة اجتهادية تتفاوت فيها الظنون بحسب نازلة نازلة، وحديث حديث. اه.
(5/250)

الباب السابع عشر
في القياس
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: في حقيقته.
الفصل الثاني: في حكمه.
الفصل الثالث: في الدال على العلة.
الفصل الرابع: في الدال على عدم اعتبار العلة.
الفصل الخامس: في تعدد العلل.
الفصل السادس: في أنواعها.
الفصل السابع: فيما يدخله القياس.
(5/251)

الباب السابع عشر في القياس
وفيه سبعة فصول

[ش] (1) القياس شريف القدر، عظيم (2) الخطر، وهو أصل الرأي في استنباط الأحكام الشرعية، فمن علم تقاسيمه، وصحيحه وفاسده (3)، وجليه [وخفيه] (4) فقد ظفر بعلم الفقه (5).
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "وعظيم" في ز، وط.
(3) "وماسده" في ز.
(4) ساقط من ز.
(5) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 20/ 504 - 505: لفظ القياس مجمل يدخل فيه القياس الصحيح، والقياس الفاسد.
فالقياس الصحيح: هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، الأول: قياس الطرد، والثاني: قياس العكس.
فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو ألا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع.
فمثل هذه الأقيسة لا تأتي الشريعة بخلافه، وليس من شرطه أن يعلم صحته كل أحد، وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس، علمنا قطعًا أنه قياس فاسد؛ إذ ليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا. اه.
وانظر: البرهان فقرة 676 - 679، وشرح المسطاسي ص 129، وشرح حلولو ص 331.
(5/253)

والقياس في اللغة له معنيان:
أحدهما: المساواة، والآخر: التقدير (1).
فمن المساواة قولهم: فلان يقاس بفلان، أي يساوى (2) [به] (3) , ويقال: فلان لا يقاس بفلان، [أي] (4) لا يساوى (5) [به] (6).
ومنه قول الشاعر:
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ماشاه
كحذو (7) النعل بالنعل ... إذا ما النعل حاذاه (8)
__________
(1) يمكن أن يقال: إن المعنيين يرجعان لمعنى واحد؛ إذ المساواة لازم التقدير؛ لأنها لا تعلم إلا به، ولذلك قال أصحاب المعاجم: قاس الشيء يقيسه قيسًا وقياسًا واقتاسه وقيسه، إذا قدره على مثاله اه. فلا تعرف المساواة إلا بعد التقدير.
قال في الصحاح: تقسى فلان القوم إذا تشبه بهم اه. فهو قدر فعلهم ثم ساواهم فيه.
وقال صاحب معجم المقاييس: قوس: أصل يدل على تقدير شيء بشيء، ومنه القياس وهو تقدير الشيء بالشيء.
انظر: اللسان (قيس)، وتاج العروس (قاس)، والصحاح (قوس)، و (قيس)، والمشوف المعلم (قيس)، ومعجم مقاييس اللغة (قوس).
(2) "يساويه" في ز، وط.
(3) ساقط من ز وط.
(4) ساقط من ط.
(5) "يساويه" في ز.
(6) ساقط من ط.
(7) "لحذو" في ز.
(8) انظر: شرح المسطاسي ص 129.
(5/254)

وهذا الشعر منسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأوله:
[لا تصحب] (1) / 297/ أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليمًا حين واخاه (2)
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء (3) ماشاه
كحذو النعل بالنعل ... إذا ما النعل حاذاه
وللشيء على الشيء (4) ... مقاييس وأشباه (5)
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه (6)
__________
(1) ساقط من ز، وط، وهو كذا في الأصل، وفي مخطوط كتاب الآجري أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز، وفي عيون الأخبار: (ولا تصحب)، وبه يستقيم الوزن.
(2) كذا في النسخ الثلاث، وفي عيون الأخبار ومخطوط الآجري: آخاه، وهي اللغة الفصيحة، أما واخى فهي من كلام العامة على ما في الصحاح واللسان، ووجهها من القياس: حمل الماضي على المستقبل؛ إذ يقال في الفصيح: يواخي بقلب الهمزة واوا على التخفيف.
وقيل: واخيته لغة طيء، وروي عن الزيديين: آخيت وواخيت. انظر: اللسان والصحاح مادة: (أخا).
(3) في الأصل: "إذا هو"، وفي عيون الأخبار: "إذا ما هو".
(4) في ط: "وللشيء بالشيء".
(5) "وامشاه" في ز، وط.
(6) أوردها ابن قتيبة في عيون الأخبار 3/ 79 ما عدا الرابع، وهو قوله: كحذو النعل ... إلخ، وقال قبلها: قال أبو قبيل: أسرت ببلاد الروم فاصبت على ركن من أركانها، ثم ساقها. وأورده في 2/ 182 أن أبا العتاهية قال:
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وللناس من الناس ... مقاييس وأشباه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه =
(5/255)

وأما المعنى الآخر، وهو التقدير، فمنه قولهم: قست (1) الأرض بالقصبة [أو بالحبل] (2) وقست (3) الثوب بالذراع، أي قدرته، وذلك راجع إلى القسمة بين الشيئين على وجه المساواة بينهما.
وأما حقيقة القياس في الشرع: فهو مساواة الفرع بالأصل في الحكم، وهو من باب تخصيص ما عممته اللغة، كتخصيص الدابة بالحمار عند أهل مصر، أو بالفرس عند أهل العراق.
__________
= وفي العين غنى ... للعين أن تنطق أفواه
وفي 3/ 8 أورد هذه الأربعة ونسبها لأبي العتاهية إلا أنه جعل بدل: وللناس من الناس ... إلخ، وللشكل على الشكل ... إلخ. وليست الأبيات في ديوان أبي العتاهية. وقد أورد الجاحظ في البيان والتبيين 1/ 101 ثلاثة أبيات ولم ينسبها، وهي:
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وفي الناس من الناس ... مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للمرء ... أن تنطق أفواه
وفي مخطوط لكتاب الآجري المسمى أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز: روى أبو القاسم عبد الملك بن بشران قال: حدثنا أبو بكر الآجري قال: حدثنا أبو محمّد السكري: قال: حدثنا أبو يعلى الساجي قال: نا الأصمعي قال: حدثنا سلمة بن بلال عن مجالد عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام فساق الأبيات ما عدا الرابع إلا أنه قال: حين آخاه، وقال: وللشيء من الشيء.
فانظر: راموز الصفحة الأخيرة من المخطوط في صفحة 43 من الكتاب المطبوع، وهي ضمن مجموع في ظاهرية دمشق برقم 30/ 1 مجموع.
(1) "قسمت" في ز.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "وقسمت" في ز.
(5/256)

فالقياس إذًا: حقيقة عرفية، مجاز لغوي (1).
قوله: (الفصل الأول: في حقيقته (2)، وهو إِثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر، لأجل [ا] (3) شتباههما (4) في علة الحكم عند المثبت.
فالإِثبات (5)، المراد به: المشترك بين العلم والظن والاعتقاد، ونعني بالمعلوم: المشترك بين المعلوم والمظنون (6).
وقولنا: عند المثبت، ليدخل فيه القياس الفاسد).
ش: [قوله]: (7) إثبات، هذا جنس وما بعده فصول، فالإثبات قدر مشترك بين العلم والظن والاعتقاد الجازم؛ لأن إثبات الحكم في الفرع أعم من كونه علمًا أو ظنًا أو اعتقادًا جازمًا، فقد اشتركت هذه الثلاثة في الإثبات،
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 384، وشرح المسطاسي ص 129.
(2) يعني: في حقيقته العرفية، أي تعريفه الاصطلاحي. وانظر هذا الحد في: المحصول 2/ 2/ 17. وانظر حد القياس اصطلاحًا. في: اللمع ص 275، والبرهان فقرة 681، والمستصفى 2/ 228، والإحكام للآمدي 3/ 183، وما بعدها، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 358، والعدة 1/ 174، وإحكام الفصول للباجي 2/ 603. والمعتمد 2/ 197، 1031، والمنخول ص 323، والإبهاج 3/ 5، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 204، والمغني للخبازي ص 285، والتوضيح 2/ 105، وتيسير التحرير 3/ 264، والمعالم للرازي ص 262، والإشارة للباجي ص 177، والوصول لابن برهان 2/ 216، وشرح القرافي ص 383، وشرح المسطاسي ص 129 - 130.
(3) ساقط من ط.
(4) "اشتراكهما" في خ.
(5) "كالإثبات" في ط.
(6) المظنون والمعلوم في أ, وخ بالتقديم والتأخير.
(7) ساقط من ط.
(5/257)

وهو المطلوب (1).
وقوله: (مثل حكم معلوم)، وإنما قال: مثل، ولم يقل: إثبات حكم معلوم؛ لأن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الحكم الثابت في الأصل، بل هو مثله لا عينه، وهما مختلفان بالعوارض، فقد يكون الأول ثابتًا بالنص [أ] (2) وبالإجماع، ويكون الثاني ثابتًا (3) بالقياس، وحكم الأول لا خلاف فيه، وحكم الثاني مختلف فيه، غير أنه مثله من حيث إنه تحريم أو تحليل (4).
قوله: (حكم معلوم لمعلوم آخر)، احترازًا ممن قال: حد القياس: إثبات حكم الأصل في الفرع (5)؛ لأن الأصل والفرع لا يعقلان إلا بعد معرفة القياس، فتعريف القياس بهما (6) دور، فإذا قيل: إثبات مثل (7) حكم معلوم لمعلوم آخر اندفع الدور (8).
[و] (9) قوله: (لأجل (10) اشتباههما في علة الحكم (11))، احترازًا من
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 383، والمسطاسي ص 130، وشرح حلولو ص 331.
(2) ساقط من ط.
(3) "ثابت" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 384، والمسطاسي ص 130، وحلولو ص 332.
(5) انظر: المعتمد 2/ 697، واللمع ص 275، والعدة 1/ 174، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 358، وشرح العضد 2/ 204.
(6) "بما هو" في ز وط.
(7) في ز: "إثباته"، "ومثل" ساقط من الأصل، وز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 383، والمسطاسي ص 130، وحلولو ص 331.
(9) ساقط من ز، وط.
(10) "لا على" في ط.
(11) "الكم" في الأصل.
(5/258)

إثبات الحكم بالنص، [كما] (1) لو ورد نص بتحريم الربا في الأرز كما ورد في البر، فإن ذلك لا يكون قياسًا (2).
قوله: (عند المثبت)، ليندرج (3) القياس الفاسد، فإنه قياس شرعي، فإنا لو قلنا: لأجل اشتباههما في علة الحكم خاصة، فإن ذلك لا يتناول إلا العلة المرادة للشرع، ولا يتناول العلة التي هي غير مرادة للشرع، فيخرج القياس الفاسد من الحد، فيكون الحد [غير] (4) جامع (5)، لأن القياس الفاسد هو قياس شرعي (6).
وذلك أن العلماء لما اختلفوا في علة الربا، هل هي الطعم أو القوت أو الادخار (7) أو الكيل أو غير ذلك (8)؟ وقاس كل إمام بعلة اعتقدها،
__________
(1) ساقط من ط.
(2) انظر: شرح القرافي ص 383، والمسطاسي ص 130.
(3) "ليتدرج" في ز.
(4) ساقط من ط.
(5) "لا جماع" في ط.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 16 - 17، 19، وشرح المسطاسي ص 130، وشرح حلولو ص 332.
(7) في النسخ الثلاث بالعطف بأو، والأولى العطف بالواو؛ لأن أصحاب هذا القول وهم المالكية شرطوهما على الجمع لا على البدل، وهذا لا تفيده عبارة الشوشاوي، وانظر التعليق الآتي.
(8) الربا نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة، وجمهور العلماء على وقوع الربا بهما، وقد روي عن بعض الصحابة كابن عباس، وابن الزبير، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة.
لكن الجمهور على وقوع ربا الفضل في الأصناف الستة وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وهل يقاس عليها غيرها؟ الجمهور: نعم، وبعض التابعين: لا، وهو مذهب الظاهرية. =
(5/259)

أجمعت (1) الأمة (2) على أن الجميع أقيسة شرعية، سواء قلنا: كل مجتهد مصيب، أو قلنا: المصيب واحد.
فإن قلنا: كل مجتهد مصيب، فكل واحد مصيب للعلة المرادة للشرع.
وإن قلنا: المصيب واحد، وذلك الواحد المصيب لم يتعين، فيتعين أن يكون الجميع أقيسة شرعية، مع أن جميع تلك العلل غير مرادة للشرع (3) (4)،
__________
= ثم المتفقون على إلحاق غيرها بها اختلفوا في علة القياس. فقيل: العلة في الذهب والفضة: الوزن، وفي الباقي: الكيل، وهو مشهور الحنابلة، ورأي الحنفية.
وقيل: العلة في الذهب والفضة: الثمينة، وفي الباقي: الطعم، وهو قول الشافعية، ورواية عند الحنابلة.
وقيل: العلة في الأربعة: القوت والادخار، وفي الذهب والفضة الثمينة والقيمية، وهو قول المالكية.
وأما كونه من جنس واحد، فهو شرط لربا الفضل عند جل العلماء، لقوله عليه السلام: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"، رواه مسلم في كتاب المساقاة برقم 1587.
انظر: المغني 4/ 3 - 9، وبداية المجتهد 2/ 129 - 132، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 218، والتنبيه للشيرازي ص 56، والهداية للمرغيناني 3/ 61.
(1) "اجتمعت" في ز.
(2) "الأئمة" في ط.
(3) "للشرعي" في ط.
(4) قوله: جميع تلك العلل غير مرادة للشرع، فيه نظر؛ إذ لا يلزم من قولنا: المصيب واحد، كون تلك العلل جميعًا غير مرادة للشرع.
لأن واحدة منها، وهي علة المصيب مرادة للشرع في نفس الأمر؛ لأن الصواب لا يخرج عن أقوال الأمة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" الحديث. رواه البخاري في الاعتصام برقم 7311، ومسلم في الإمارة برقم 1923 واللفظ له: ثم إن باقي العلل مرادة للشرع ظاهرًا، ولذا كلف كل مجتهد باتباع اجتهاده، وجعل له أجرًا بذلك.
(5/260)

فالقياس بغير علة صاحب الشرع قياس فاسد، مع أنه قياس شرعًا، فلأجل هذا زاد المؤلف: عند المثبت، ليتناول (1) جميع العلل، كانت علة صاحب الشرع أو غيرها (2) (3).
...
__________
(1) "يتناول" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 384، والمسطاسي ص 130.
(3) أورد المسطاسي على حد القرافي عددًا من الاعتراضات لم يذكرها الشوشاوي، منها:
1 - أن القياس اشتمل على أمور متباينة، وهي الأصل والفرع والحكم والجامع، والحقائق المتباينة لا تدخل تحت حد واحد.
2 - قوله: إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم فيه تعريف الشيء بثمرته، وهو دور.
3 - قوله: لأجل اشتباههما في علة الحكم، لا يندرج فيه إلا قياس العلة، فلا يكون جامعًا.
فانظرها وغيرها، والإجابة عنها في شرح المسطاسي ص 130 - 131، كما أورد اعتراضات على الحدود الأخرى للقياس فانظر شرحه ص 131 - 132.
وانظر: شرح حلولو ص 331 - 332.
(5/261)

الفصل الثاني في حكمه
(وهو حجة عند مالك وجماهير العلماء، خلافًا لأهل الظاهر (1) لقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} (2)، ولقول معاذ رضي الله
__________
(1) اختلف في القياس الشرعي على ثلاثة أقوال رئيسية، وهي:
(أ) أن العقل يجيز التعبد به، وقد ورد السمع بذلك، وهذا قول الجمهور، إلا أن بعضهم كأبي الحسن قال: إن دلالة السمع عليه ظنية.
(ب) أنه لا يجوز التعبد به عقلًا وسمعًا، وإليه ذهب النظام والشيعة وبعض المعتزلة، ونسبه في المحصول للظاهرية، وهو الظاهر من كلام ابن حزم في الإحكام، ونسبه إلى داود وأصحابه.
(ج) جوازه عقلًا، ومنع الشرع منه، وهو الذي ينسب للظاهرية كما في اللمع والإشارة، وقيد الظاهرية مذهبهم في منع القياس بما يمكن ورود النص فيه.
وقال ابن السبكي في جمع الجوامع 2/ 204: ومنعه ابن حزم شرعًا، وداود غير الجلي. اه. فبناءً على هذا يكون قول داود هو إنكار القياس الخفي دون الجلي، لكن يرد هذا كلام ابن حزم حيث نفى أن يكون داود أو أحد من أصحابه قال بنوع من القياس.
وانظر المسألة في: نهاية السول 4/ 7، والبرهان فقرة 689 - 699، والمعتمد ص 705، والإشارة للباجي ص 177، واللمع ص 276، والمنخول ص 324، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 800، والإحكام للآمدي 4/ 5، والروضة ص 279، والمحصول 2/ 2/ 31، وإحكام الفصول 2/ 608، والمستصفى 2/ 234، والوصول لابن برهان 2/ 232 و243، والتوضيح 2/ 108، وأصول الشاشي ص 308، وفواتح الرحموت 2/ 310، والإحكام لابن حزم 2/ 1110، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 365، وشرح القرافي ص 285، وشرح المسطاسي ص 132، وحلولو ص 332 - 333.
(2) الحشر: 2.
(5/263)

عنه: "أجتهد رأيي"، بعد ذكره للكتاب (1) والسنة).
ش: حجة الجمهور على أن القياس حجة شرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب [فمن وجوه، أحدها] (2):
قوله (3) تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي [الأَبْصَار] (4)} (5).
ووجه الاستدلال من هذه الآية: أن الاعتبار معناه تمثيل الشيء بالشيء وإجراء حكمه عليه (6)، فالاعتبار مأخوذ من العبور وهو المجاوزة (7)، ومنه قولهم: المعبر (8) للمكان الذي يعبر (9) منه من شاطئ الوادي (10) (11)، ومنه قولهم أيضًا: المعبر، للسفينة (12)، ومنه قولهم: العبرة (13)، للدمع؛ لأنها
__________
(1) "الكتاب" في نسخ المتن وط.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "فقوله" في الأصل.
(4) ساقط من ز.
(5) الحشر: 2.
(6) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة: (عبر).
(7) "الجاوزه" في ط.
(8) "المعتبر" في ز.
(9) "يعتبر" في ز.
(10) في النسخ الثلاث: الواو، بدون الياء.
(11) المعبر: بفتح الميم والباء الموحدة وسكون العين المهملة، هو الشط المهيأ للعبور.
انظر: القاموس، والتاج، ومعجم المقاييس، واللسان، مادة: (عبر).
(12) المعبر بكسرة فسكون ففتحة ما عبر به النهر من فلك ونحوه. انظر: المراجع السابقة.
(13) "المعبرة" في ز، وط.
(5/264)

تعبر من الشقوق (1) إلى العين (2)، ومنه عابر الرؤيا؛ لأنه يتجاوز من تلك المثل المرئية إلى المراد (3)، فكأن القياس يتجاوز من حكم الأصل إلى حكم الفرع، فيتناول لفظ الآية القياس (4) بالاشتقاق (5) (6).
الوجه الثاني: قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (7)، فإن مقتضى (8) المشاورة: القياس والاجتهاد.
الوجه الثالث: قوله تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} (9).
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} (10).
__________
(1) كذا في الأصل، وفي ز، وط: الشوق، ولم أجد لهما معنى يناسب السياق.
وفي شرح القرافي والمسطاسي: الشئون، جمع شأن، وهي ما بين قبائل الرأس، سميت بذلك لأنها مجاري الدمع كأن الدمع يطلبها، وقريب من هذا الرسم: الموق، وهو طرف العين الذي يلي الأنف، وهو مخرج الدمع.
انظر: المخصص لابن سيده 1/ 96، ومعجم المقاييس، والقاموس مادة: "شأن"، وشرح القرافي ص 285، وشرح المسطاسي ص 132.
(2) انظر: معجم مقاييس اللغة، واللسان، مادة: (عبر).
(3) انظر: القاموس، والتاج، واللسان، مادة: (عبر).
(4) "بطريق" زيادة في ز، وط.
(5) "الاشتقاق" في ز، وط.
(6) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس، مادة: (عبر) وانظر شرح القرافي ص 285.
(7) آل عمران: 159، وقبلها: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر لهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}.
(8) "فإنما اقتضى" في ط.
(9) يس: 78 - 79.
(10) الواقعة: 62.
(5/265)

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} (1).
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ النُّشُورُ} (2).
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} (3).
وقوله تعالى: {[وَ] (4) كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (5)، وغير ذلك؛ لأن ذلك كله فيه تنبيه على قياس النشأة الآخرة على الأولى.
الوجه الرابع: قوله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ} (6).
وقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنُهُ بِدِينَارٍ لأَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (7).
وقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِتْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (8).
وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ [ذَرَّةٍ] (9)} (10).
__________
(1) البقرة: 73، وقبلها: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}
(2) فاطر: 9، وقبلها: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
(3) سورة ق: 11، وقبلها: {رِزْقًا لِلْعِبَادِ وأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدةَ مَّيْتَا}.
(4) ساقط من ز وط.
(5) الروم: 19، وقبلها: {يُخْرِجُ الْحَيَّ منَ الْمَيّت وَيُخْرِجُ الْمَيّتَ منَ الْحَىِّ وَيُحْيِيِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتِهَا}.
وهي بدون الواو - كما في نسخة ز، وط - في الزخرف: 11.
(6) الإسراء: 23.
(7) آل عمران: 75.
(8) الزلزلة: 7 - 8.
(9) ساقط من ز.
(10) النساء: 40.
(5/266)

الوجه الخامس: قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (1)، ورد من في الأموال ثم قيس غيرها عليها (2).
الوجه السادس: قوله تعالى: {وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} (3)، وقيس (4) شحمه على لحمه (5).
وهذه الأدلة المذكورة/ 298/ تدل على القياس (6).
ويرد على الأول، [وهو] (7) قوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} (8): أنه فعل في سياق الثبوت، فلا يتناول إلا مطلق العبور، فلا يتناول كل عبور بل يصدق بفرد (9) واحد؛ لأنه مطلق فلا عموم للآية في كل عبور، فلا تندرج
__________
(1) الطلاق: 2.
(2) الإشهاد هنا لم يرد في الأموال، بل ورد في الرجعة، أو فيها وفي الطلاق، على قولين مشهورين. والذي ورد بالإشهاد في الأموال قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايعْتُمْ} البقرة: 282، وقوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} النساء: 6.
انظر: تفسير البحر المحيط 8/ 282، وتفسير ابن كثير 4/ 379.
(3) البقرة: 173.
(4) "ثم قيس" في ز، وط.
(5) انظر: تفسير البحر المحيط 1/ 488.
(6) لم يرد في شرح القرافي من الأدلة من القرآن إلا الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ}. انظر: شرح القرافي ص 285. وانظرها، عدا السادس في شرح المسطاسي ص 132 - 133.
(7) ساقط من ط.
(8) الحشر: 2.
(9) "برد" في ز.
(5/267)

فيه صورة النزاع لأنه مطلق، فإذا كان (1) مطلقًا [فإنه] (2) يدل على ما هو أعم من القياس، والدال على الأعم غير دال على الأخص، كما أن لفظ الحيوان لا يدل على الإنسان، ولفظ العدد لا يدل على الزوج.
ويرد على الدليل الثاني، وهو قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (3) [أنه] (4) إنما أمره بذلك لتحسين العشرة مع أصحابه، ولذلك قال له: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكلْ عَلَى اللهِ} (5).
ويرد على الثالث، وهو قوله تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} (6) الآية، و [ما] (7) في معناها من الآي المذكورة: أن ذلك أمر عقلي وليس بمحل النزاع؛ إذ محل النزاع هو الأمر (8) الشرعي.
ويرد على الرابع، وهو قوله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ} (9)، وما في (10) معناها من الآي المذكورة [معها] (11): أنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى أو بالعكس، وليس من باب القياس عند الأكثرين.
__________
(1) "ذلك" زيادة في ط.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) آل عمران: 159.
(4) ساقط من ز.
(5) آل عمران: 159، تمامها: {إِنَّ اللهَ يُحِبُ الْمُتَوَكلِينَ}.
(6) يس: 78.
(7) ساقط من ط.
(8) "هو أمره" في ز.
(9) الإسراء: 23.
(10) "ولا في" في ز.
(11) ساقط من الأصل.
(5/268)

أو يقال (1): إنما يستفاد حكم المسكوت (2) عنه من دليل آخر، فيستفاد (3) حكم غير التأفيف من قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (4)، ومن قوله تعالى: {وَقُل لَّهمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (5).
ويستفاد حكم ما فوق الذرة من الخير أو الشر (6) من قوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كسَبَتْ} (7)، ومن قوله تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} (8)، وما في معنى ذلك.
ويرد على الخامس، وهو قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (9) أن (10) الشهادة في غير الأموال إنما تثبت بقوله عليه السلام: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (11) فإنه يعم جميع الأحكام.
__________
(1) "ونقول" في الأصل.
(2) "السكوت" في ط.
(3) "ليستفاد" في الأصل.
(4) الإسراء: 23.
(5) الإسراء: 23.
(6) "الشر والخير" في ز، وفي ط: "الخير والشر".
(7) غافر: 17.
(8) آل عمران: 195، وفي الأصل: "إن الله لا يضيع عمل ... " إلخ، وهو خطأ.
(9) الطلاق: 2.
(10) "لان" في ط.
(11) روي هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا، وله شواهد كثيرة تدل على صحة معناه، فقد رواه البيهقي بهذا اللفظ عن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعًا، فانظر السنن 10/ 252.
ورواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، وعن أبي هريرة مرفوعًا أيضًا، ولفظه: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة". فانظر سننه 4/ 218. =
(5/269)

ويرد [على] (1) السادس، وهو قوله تعالى: {وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} (2): أن الشحم (3) داخل في مسمى اللحم بوضع اللغة لا بالقياس (4).
وأما دليل السنة فمن وجوه (5):
أحدها: قوله عليه السلام لمعاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن: "بم تحكم يا معاذ؟ " فقال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: "فبسنة رسول الله"، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال عليه السلام: "الحمد لله الذي
__________
= ورواه الترمذي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" قال الترمذي: وفي إسناده مقال. فانظر الحديث رقم 1341.
وروى البخاري في صحيحه في كتاب الرهن عن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس، فكتب إلي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قضى أن اليمين على المدعى عليه".
فانظر الحديث رقم 3514، وانظره في صحيح مسلم مرفوعًا من حديث ابن عباس برقم 1711، وانظر سنن الترمذي برقم 1342، وقد ورد في كتاب عمر إلى أبي موسى فانظره في الدارقطني 4/ 206.
وللحديث شاهد عند البخاري من حديث عبد الله بن مسعود في قصة الخصومة بين الأشعث وأحد اليهود، حيث قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألك بينة؟ " قال: لا، فقال لليهودي: احلف ... " الحديث.
فانظره في كتاب الخصومات برقم 2416، 2417، وانظره في مسلم برقم 138، وفي الترمذي برقم 1269، وله شاهد أيضًا من حديث وائل بن حجر في قصة الخصومة الواقعة بين رجل حضرمي ورجل من كندة وفيها ما في حديث الأشعث فانظره في مسلم برقم 139، وفي الترمذي برقم 1340.
(1) ساقط من ز.
(2) البقرة: 173.
(3) "اشحم" في الأصل.
(4) انظر: الأجوبة ما عدا السادس في: شرح المسطاسي ص 133.
(5) انظرها جميعًا في: شرح المسطاسي ص 133.
(5/270)

وفق رسول (1) رسوله".
الوجه الثاني: قوله عليه السلام: "إذا اجتهد المجتهد فأصاب كان له أجران وإن أخطأ كان له أجر واحد" (2) (3).
الوجه الثالث: قوله عليه السلام حين قيل (4) له: أيباع الرطب باليابس؟: "أينقص (5) الرطب إذا جف؟ "، قالوا: نعم، قال: "فلا إِذًا".
الوجه الرابع: قوله عليه السلام: "إنما أقضي (6) فيكم (7) بالرأي فيما لم ينزل علي فيه شيء" (8).
__________
(1) "رسوله" في ز.
(2) حديث صحيح، روي من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهما.
فحديث عمرو أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام برقم 7352، ولفظه: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". ورواه بهذا اللفظ: مسلم في الأقضية برقم 1716، وأخرجه أيضًا أحمد في المسند 4/ 204، وأبو داود في الأقضية برقم 3574، وابن ماجه في الأحكام برقم 2314، والبيهقي في سننه 10/ 118، بألفاظ متقاربة.
وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه الترمذي برقم 1326، بلفظ: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران, وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد" قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأخرجه الدارقطني في سننه 4/ 204، والبيهقي 10/ 119.
(3) انظر: حلولو ص 333.
(4) "قال" في ط.
(5) "أينغص" في ز.
(6) "يقضي" في ط.
(7) "فيحكم" في ز، وط.
(8) روى هذا الحديث أبو داود في سننه عن إبراهيم بن موسى الرازي عن عيسى ابن يونس السبيعي عن أسامة بن زيد الليثي عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة =
(5/271)

الوجه الخامس: قوله عليه السلام لما سأله عمر بن الخطاب عن قبلة الصائم، فقال له: "أرأيت لو تمضمضت (1) [بماء] (2) ثم مججته (3) أكنت
__________
= عن أم سلمة أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءه رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست، يقول: "إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه".
وهذا الحديث رجاله ثقات، ما خلا أسامة فقد تكلم فيه، وعده الذهبي فيمن تكلم فيه وهو موثق، وقال: صدوق قوي الحديث، وستأتي ترجمته بعد قليل؛ إذ قدح الشوشاوي في الحديث بضعف أسامة، وسيأتي بحث ذلك .. وانظر ترجمة إبراهيم في تهذيب التهذيب 1/ 170، وترجمة عيسى فيه أيضًا 8/ 327، وانظر ترجمة عبد الله ابن رافع فيه أيضًا 5/ 206، وانظر الحديث في كتاب الأقضية من سنن أبي داود برقم 3585.
وقد أخرج الدارقطني هذا الحديث أيضًا في سننه 4/ 238 - 239، قال: نا أبو بكر، نا يزيد بن سنان نا صفوان بن عيسى نا أسامة بن زيد - يعني الليثي - عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة، ثم ساق الحديث بقريب مما في أبي داود.
وهذا السند أيضًا رجاله ثقات إلا ما مضى من شأن أسامة. فأبو بكر هو إمام الشافعية في وقته عبد الله بن زياد النيسابوري، انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ 2/ 819. ويزيد وثقه ابن أبي حاتم والنسائي وابن حبان وجماعة، فانظر تهذيب التهذيب 11/ 335. وصفوان بن عيسى وثقه ابن سعد وابن حبان وغيرهما، فانظر تهذيب التهذيب 4/ 430، وبهذا نعلم أنه لا يقدح في الحديثين إلا من جهة أسامة الليثي، وهو قد روى توثيقه جماعة من أهل العلم كالدوري وأبي يعلى الموصلي.
وعليه يمكن أن يقبل الحديث، خصوصًا أن له شاهدًا من حديث أم سلمة عند البخاري ومسلم وغيرهما.
فعنها رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار". انظره في كتاب الحيل من البخاري برقم 6967، وفي الأقضية من مسلم برقم 1713.
(1) "تمضمت" في الأصل.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "لم محجته" في ز.
(5/272)

شاربه (1)؟ " (2)، شبه القبلة إذا لم يعقبها إنزال بالمضمضة إذا لم يعقبها شرب بجامع انتفاء الثمرة المقصودة في الموضعين، وهذا عين القياس (3).
الوجه السادس: قوله عليه السلام للخثعمية (4): أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟، قالت: نعم، قال: "فدين الله أحق أن يقضى" (5).
__________
(1) "تساويه" في ز.
(2) روى هذا الحديث الإمام أحمد في المسند عن جابر عن عمر، فانظر المسند 1/ 21 و 52 ورواه أبو داود في الصوم من سننه برقم 2385، ورواه النسائي في الكبرى وقال: هذا حديث منكر وبكير مأمون، وعبد الملك بن سعيد رواه عنه غير واحد، ولا ندري ممن هذا. اه.
فانظر: تحفة الأشراف 8/ 17. وقد رواه الحاكم في المستدرك 1/ 431، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه على ذلك الذهبي.
ورواه ابن حبان، فانظر زوائده للهيثمي برقم 905، ورواه ابن خزيمة، فانظر صحيحه برقم 999، واحتج به ابن حزم في المحلى، فانظره بإسناده في 6/ 309.
(3) انظر: شرح القرافي ص 386.
(4) "للمختلعة" في ز، وط.
(5) هكذا يورد أكثر الأصوليين والفقهاء هذا الحديث.
ولم أجده هكذا؛ إلا ما أخرجه أبو داود عن الفضل بن عباس في المناسك برقم 2909 قال: أتت امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله عز وجل في الحج، وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على دابته، أفأحج عنه؟ قال: "نعم لو كان على أبيك دين قضيته"، وانظر: مسند الشافعي مع مختصر المزني ص 374. وقد روي عن الفضل وليس فيه القياس على الدين، فانظره في مسلم برقم 1335، والترمذي برقم 928، كلاهما في كتاب الحج، وأحمد في المسند 1/ 212، ورويت القصة من حديث ابن عباس وليس فيها قياس فانظرها في البخاري برقم 1513، ومسلم برقم 1334، والموطأ 1/ 359، كلهم في الحج.
وأخرج البخاري عن ابن عباس في جزاء الصيد أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: =
(5/273)

ويرد على الأول، وهو حديث معاذ: أنه رواية الحارث بن عمر (1) وهو مجهول.
ويرد على الثاني، وهو حديث الاجتهاد: أن الاجتهاد أعم من القياس، فالدال (2) على الأعم غير دال على الأخص.
ويرد على الثالث، وهو حديث الرطب إذا جف: أنه نص على العلة وليس بمحل النزاع، وإنما النزاع في العلة المستنبطة لا في المنصوصة.
__________
= "نعم" ... ثم ذكر الحديث قريبًا مما هنا، فانظره عند البخاري برقم 1852، ويؤيد الحديث: ما أخرج مسلم عن ابن عباس في الصيام قال: جاء رجل، وفي رواية امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمك دين ... " الحديث فذكره بمثل حديثنا، فانظره في مسلم برقم 1148.
وانظر أيضًا: الفتح الرباني 11/ 24، 25، وسنن أبي داود رقم 1809، وانظر الاستدلال بالحديث في: شرح القرافي ص 386، والمسطاسي ص 133.
(1) كذا في النسخ الثلاث، والصواب: عمرو بالواو، وهو الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، ذكره البخاري في الصغير فيمن توفي بين المائة إلى العشر، ثم قال: ولا يعرف الحارث إلا بهذا - يعني حديث معاذ - ولا يصح. اه.
وقد ذكر العقيلي وابن الجارود وأبو العرب الحارث بن عمرو في الضعفاء. وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: ما روى عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول. انظر ترجمته والكلام عليه في: التاريخ الكبير للبخاري 2/ 277، والصغير 1/ 268، والضعفاء الكبير للعقيلي 1/ 215، والكاشف للذهبي 1/ 196، وميزان الاعتدال 1/ 349، وتهذيب التهذيب 2/ 151، وانظر تخريج حديثه (حديث معاذ) في صفحة 434 من المجلد الرابع من هذا الكتاب.
(2) "فادال" في ط.
(5/274)

ويرد على الرابع، وهو حديث القضاء بالرأي (1): أنه رواية أسامة الليثي، وهو ضعيف (2).
ويرد على الخامس والسادس، وهما حديث القبلة، وحديث الدين: أن اجتهاد النبي عليه السلام لا يلحق به غيره؛ لأنه لا ينطق [عن] (3) الهوى (4) (5).
__________
(1) "بالراوي" في ط.
(2) أسامة بن زيد الليثي مولاهم المدني، توفي سنة 153 ه، أخرج له الأربعة وأخرج له مسلم كثيرًا، وأكثر ما خرج مسلم شواهد ومتابعات.
روى عن طاووس والزهري ونافع وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن رافع وجماعة، وعنه يحيى بن سعيد القطان وابن المبارك والثوري والأوزاعي ووكيع وغيرهم.
ضعفه أحمد بن حنبل، وقال روى عن نافع مناكير، وترك حديثه يحيى القطان بعد أن روى عنه، واختلفت الرواية عن ابن معين فيه إلا أن أكثر أصحابه رووا عنه توثيقه كأبي يعلى الموصلي والدوري وغيرهما.
وقال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: يروي عنه الثوري وجماعة من الثقات، وقال ابن حبان: يخطئ وهو مستقيم الأمر صحيح الكتاب، وقال الحاكم: استدللت بكثرة رواية مسلم له على أنه عند صحيح الكتاب، وقد ذكره العقيلي في الضعفاء.
وذكره الذهبي فيمن تكلم فيه وهو موثق، وقال: الظاهر أنه ثقة، وقال في ديوان الضعفاء: صدوق فيه لين يستر.
انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري 1/ 22، والضعفاء الكبير للعقيلي 1/ 17، والكاشف للذهبي 1/ 154، وميزان الاعتدال 1/ 174، وذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق ص 41، وديوان الضعفاء للذهبي ص 16، وتهذيب التهذيب لابن حجر 1/ 208.
(3) ساقط من ز.
(4) "بالهوى" في ز.
(5) انظر الأجوبة جميعًا في: المسطاسي ص 133.
(5/275)

وأما دليل الإجماع، فهو: أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على العمل بالقياس، وذلك يعلم من استقراء أحوالهم ومناظراتهم، وقد كتب عمر (1) رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري "اعرف الأشباه (2) والنظائر، وما اختلج (3) في صدرك فألحقه بما هو أشبه بالحق" (4)، وهذا عين القياس (5).
أجيب عن هذا: بأن الإجماع لم ينقل (6) عن جميعهم، إذ لا ينسب قول إلى ساكت (7)، وأيضًا لو انعقد عليه إجماع الصحابة لما وقع فيه خلاف (8) بين
__________
(1) "ابن الخطاب" زيادة في ز وط.
(2) "الأشياء" في ز.
(3) "اجتلج" في ط.
(4) هذا جزء من كتاب عمر إلى أبي موسى حينما ولاه القضاء، وهو كتاب مشهور متلقى بالقبول، قال فيه البيهقي: هو كتاب معروف مشهور، لا بد للقضاة من معرفته.
وقد رواه جمع من الأئمة بأسانيد عدة، أصحها ما أخرجه الدارقطني في سننه 4/ 207، عن محمد بن مخلد نا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي نا سفيان بن عيينة نا إدريس الأودي عن سعيد بن أبي بردة، وأخرج الكتاب فقال: هذا كتاب عمر ثم قرئ على سفيان: من ها هنا إلى أبي موسى الأشعري، أما بعد ... الحديث.
وقد أخرجه جماعة من أهل العلم بأسانيدهم إلى سفيان، منهم ابن حزم في الإحكام 2/ 1003، والخطيب في الفقيه 1/ 200، والبيهقي في سننه 10/ 135.
كما أخرجه الدارقطني بسنده إلى أبي المليح الهذلي فانظر سننه 4/ 106، وابن حزم في الإحكام 2/ 1002 عن عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه.
وانظر سنن البيهقي 10/ 135، 150، وانظر: إعلام الموقعين 1/ 85 حيث ذكره عن أبي عبيد وأبي نعيم بسنديهما إلى سعيد بن أبي بردة، ثم شرحه شرحًا وافيًا في أكثر من 450 صفحة.
(5) انظر: شرح القرافي ص 385 - 386، والمسطاسي ص 133 - 134.
(6) "ينتقل" في ز.
(7) "الساكت" في ز.
(8) في صلب الأصل: الخلاف، وقد عدلت في الهامش.
(5/276)

التابعين.
وأجيب عن رسالة عمر: بأنها جاءت من طريق عبد الله بن أبي هاشم، وهو مجهول (1).
وأما حجة أهل الظاهر القائلين بمنع (2) القياس فالكتاب، والسنة، وأخبار الصحابة.
أما الكتاب فمن أوجه:
أحدها: قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (3).
وقوله تعالى: {تِبْيَانًا لِّكُل شَيْءٍ} (4)، وهذا يدل على أن في القرآن [بيان] (5) جميع الحوادث، فيبطل حينئذ القياس.
الوجه (6) الثاني: قوله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ} (7).
[و] (8) قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
__________
(1) كذا في جميع النسخ وفي المسطاسي ص 134، عبد الله بن أخي هشام، ولم أجد من يسمى بأي من هذين الاسمين في رواة الحديث، وعلى فرض وجوده وجهالته فلا يضر، لأن الحديث روي من عدة طرق يقوي بعضها بعضًا، بل فيها ما رجاله ثقات، كحديث الدارقطني السابق، والله أعلم.
(2) في ز: "يمنع"، وفي ط: "بمعنى".
(3) الأنعام: 38.
(4) النحل: 89، وقبلها: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكتَابَ}.
(5) ساقط من ط.
(6) "قوله" في ط.
(7) المائدة: 48.
(8) ساقط من ط.
(5/277)

الْكَافِرُونَ} (1).
و (2) {الْظَّالِمُونَ} (3)، و (4) {الْفَاسِقُونَ} (5).
وقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} (6).
الوجه الثالث: قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (7).
وقوله تعالى: {[إِن] (8) نَّظُنّ (9) إلا ظَنًّا} (10).
وقوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ (11) الظَّنِّ إِثْمٌ} (12)، لأن القياس إنما يفيد الظن.
وقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (13).
وقوله تعالى: {وَأَن تَقولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (14)، وهذا كله يقتضي
__________
(1) المائدة: 44.
(2) "أو" في ز.
(3) المائدة: 45.
(4) "أو" في ز.
(5) المائدة: 47، ولم يورد القرافي في شرحه ص 386، لهم دليلًا سوى هذه الآية.
(6) الأعراف: 3
(7) النجم: 28.
(8) ساقط من ز.
(9) "الظن" في ز.
(10) الجاثية: 32.
(11) "بعد" في ط.
(12) الحجرات: 12.
(13) الإسراء: 36
(14) البقرة: 169، وقبلها: {إِنَّمَا يَامُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ}. والأعراف: 33، =
(5/278)

منع القياس (1).
أجيب عن الأول، وهو قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (2)، وما في معناه: أنه لو كانت الأحكام في جميع الحوادث مستفادة من القرآن لكان تحريم القياس موجودًا فيه كما زعمتم.
أجيب (3) عن الثاني، وهو قوله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ} (4)، وما في معناه: بأن (5) الحاكم بالقياس هو حاكم بما أنزل الله، لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (6)، وقد جاءنا بالقياس فقال: {فَاعْتَبِروا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} (7).
أجيب (8) عن الثالث، وهو قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ} (9)، وما في معناه: بأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أشياء كثيرة، كالشهادة وخبر الواحد، فالحاكم بالظن حاكم بالعلم، وما ورد من المنع بمقتضى (10) الظن إنما
__________
= وقبلها: {وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}.
(1) انظر هذه الأوجه في المسطاسي ص 134.
(2) الأنعام: 38.
(3) "وأجيب" في ز.
(4) المائدة: 48.
(5) "فان" في ز.
(6) في ز: زيادة: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، وهي الآية: 7، من سورة الحشر.
(7) الحشر: 2، وانظر هذا الجواب في شرح القرافي ص 386.
(8) "وأجيب" في ز.
(9) الأنعام: 116، وبعدها: {وَإِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ}.
(10) "فمقتضى" في ز.
(5/279)

ذلك في الظن الذي لا مستند له/ 299/ كظن الكفار ونحوه (1).
وأما دليل السنة، فمنه قوله عليه السلام: "إن الله [تعالى] (2) لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (3).
ومنه قوله عليه السلام: "تعمل هذه الأمة (4) برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" (5).
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 134 - 135.
(2) ساقط من ط.
(3) حديث صحيح رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيه: حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا ... الحديث.
فانظره في البخاري برقم 100، وانظره في مسلم برقم 2673، وفيه: يترك عالمًا، وانظره أيضًا في الترمذي برقم 2652، وانظر الاستدلال به في المسطاسي ص 135.
(4) "الأئمة" في ط.
(5) حديث ضعيف لا تقوم به حجة، وقد وجدته بإسنادين إلى أبي هريرة يرفعه، وليس فيهما القياس، وإنما فيهما الرأي، وكلا الإسنادين ضعيف. أما أحدهما ففيه جبارة بضم الجيم وفتح الموحدة، ابن المُغَلِسْ كمحدث، قال فيه ابن معين: كذاب، وقال البخاري: مضطرب، وقيل: ليسَ بكذاب وإنما يوضع له الحديث فيحدث به. وفيه أيضًا حماد بن يحيى الأبح، وفيه قال البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء، وأما الطريق الآخر ففيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي الزهري، قال البخاري: تركوه، وقال الهيثمي في الزوائد: متفق على ضعفه.
وانظر الحديث بطريقيه في الفقيه والمتفقه 1/ 179، والإحكام لابن حزم 2/ 786، ومجمع الزوائد 1/ 179، وعزاه لأبي يعلى، وجامع بيان العلم 2/ 134.
وانظر ترجمة جبارة في: الخلاصة/ 65، وديوان الضعفاء ص 41، والمغني للهندي ص 56، و238، وترجمة حماد في: الخلاصة أيضًا ص 92، وديوان الضعفاء ص 73، وترجمة عثمان في: الخلاصة ص 261، وديوان الضعفاء ص 210، وانظر المعتبر للزركشي 226.
(5/280)

أجيب عن ذلك: بأن المراد (1) محمول على القياس الفاسد الوضع (2)، المخالف للنص؛ إذ من شرط القياس ألا يخالف النص الصريح جمعًا بين الأدلة (3).
وأما أخبار الصحابة: فلأن الصحابة يذمون القياس، فمن ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن (4) قلت في القرآن برأيي" (5).
وقال عمر رضي الله عنه: "إياكم وأصحاب (6) الرأي فإنهم أعداء السنن (7)،
__________
(1) "بهذا" زيادة في ز، وط.
(2) "الواضع" في ط.
(3) انظر الدليل الثاني والإجابة عنه في: شرح القرافي ص 386، 387، والمسطاسي ص 135.
(4) "إذا" في ز، وط، وهي في إحدى روايات الأثر، فانظر جامع بيان العلم 2/ 52.
(5) هذا الأثر روي عن أبي بكر رضي الله عنه حينما سئل عن الأب في قوله تعالى: {وَفَاكهَةَ وَأَبًّا} سورة عبس: 31، فقال هذه الكلمات.
وقد رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/ 52، وروى قريبًا من هذه الكلمات، ونسبها لعلي بن أبي طالب.
وانظره عن أبي بكر الصديق في مسنده الذي جمعه السيوطي ص 36، وقد عزاه السيوطي إلى أبي عبيد في فضائله، وعبد بن حميد في مسنده. وكذا عزاه لهما في الدر المنثور، فانظر الدر 6/ 317، وانظره بسند أبي عبيد إلى إبراهيم التيمي في تفسير ابن كثير 4/ 473، وقال فيه ابن كثير: هو منقطع بين التيمي والصديق.
وانظر الاستدلال به في شرح القرافي ص 386، والمسطاسي ص 135.
(6) "وأصحابي" في ط.
(7) "السقر" في ز.
(5/281)

أعيتهم الأحاديث [أن يحصوها] (1) فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا" (2).
وقال علي رضي الله عنه: "لو كان الدين يؤخذ بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره" (3)، وهذا يدل على منع القياس.
أجيب عن هذا: أن ذم الصحابة القياس محمول على القياس الفاسد المخالف للشرع، جمعًا بين الأدلة (4).
قوله: (وهو مقدم على خبر الواحد عند مالك، [لأن الخبر إِنما يرد (5) لتحصيل الحكم، والقياس متضمن للحكمة، فيقدم على الخبر] (6)) (7).
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) أثر مشهور النسبة إلى عمر بن الخطاب، أخرجه عنه الدارقطني في النوادر من سننه 4/ 146، وفي سنده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، فانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 10/ 39.
وقد أخرجه بغير إسناد الدارقطني: الخطيب في الفقيه 1/ 180 - 181، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/ 135، وابن حزم في الإحكام 2/ 780.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين 1/ 55، بعد أن ساق آثارًا هذا منها: وأسانيد هذه الآثار في غاية الصحة. اه.
انظر الاستدلال به في: القرافي ص 386، والمسطاسي ص 135.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة من سننه عن عبد خير، قال: قال علي ... الحديث، فانظره برقم 162، قال ابن حجر في التلخيص 1/ 160: إسناده صحيح.
وأخرجه أيضًا الدارقطني 1/ 199، وابن حزم في الإحكام 2/ 780، وقد أخرج الخطيب في الفقيه 1/ 181، قريبًا من هذا القول منسوبًا إلى عمر.
وانظر ذكر هذا الأثر دليلًا لهم في شرح القرافي ص 386، والمسطاسي ص 135.
(4) انظر: شرح القرافي ص 387، والمسطاسي ص 135
(5) "ورد" في ش.
(6) ما بين القوسين ساقط من أ.
(7) المنقول في المذاهب الثلاثة تقديم خبر الواحد على القياس، إلا ما روي عن بعض الحنفية من تقديم القياس على خبر غير الفقيه. أما مالك فقد روي عنه تقديم القياس، =
(5/282)

ش: ذكر القاضي عياض في التنبيهات، وابن رشد في المقدمات (1)، قولين في مذهب مالك في تقديم القياس على خبر الواحد (2).
حجة تقديم القياس: أنه متضمن لتحصيل المصالح ودرء المفاسد (3) بخلاف الخبر، فما تضمن المصلحة أو درًا المفسدة (4) موافق للقواعد، [و] (5) ما لم يتضمن ذلك فهو مخالف للقواعد، فالقياس مقدم لموافقته القواعد، والخبر المخالف له مخالف للقواعد (6)، فيقدم (7) القياس عليه (8).
حجة المنع: أن القياس فرع النصوص، والفرع لا يقدم على
__________
= وهذا المشهور عند المالكية، وروي عنه تقديم الخبر.
وذهب أبو الحسن البصري إلى تفصيل القول:
لأنه إما أن يثبت حكم الأصل بدليل مقطوع به أو لا.
فإذا كان حكم الأصل لم يثبت بدليل مقطوع به قدم خبر الواحد، وإن كان حكم الأصل ثابتًا بدليل مقطوع به فلا يخلو، إما أن تكون علة القياس منصوصة، أو مستنبطة، فإن كانت منصوصة قدم القياس للقطع بطريقه، وإن كانت العلة مستنبطة فينبغي أن يكون الناس إنما اختلفوا في هذا.
انظر المسألة في: المعتمد 2/ 653، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 94، والروضة ص 129، وتيسير التحرير 3/ 116، وفواتح الرحموت 2/ 177، ومختصر ابن الحاجب 2/ 73، والإحكام للآمدي 2/ 118، ومقدمة ابن القصار ص 100.
(1) "المتقدمات" في ط.
(2) انظر النقل عنهما في: شرح القرافي ص 387.
(3) "المفساد" في ز.
(4) "المفاسد" في ط.
(5) ساقط من ز.
(6) "القواعد" في ز.
(7) "على" زيادة في ط.
(8) انظر: شرح القرافي ص 387، والمسطاسي ص 136.
(5/283)

أصله (1)، وإنما قلنا: إن القياس فرع النصوص، لأنه لم يكن حجة إلا بالنصوص الدالة على كونه حجة، فالقياس فرع النصوص، وأيضًا فالمقيس عليه لا بد أن يكون منصوصًا عليه، فصار القياس فرع النصوص من هذين الوجهين (2).
أما قولنا: إن الفرع لا يقدم على أصله، فلأنه (3) لو قدم على أصله لبطل أصله، ولو بطل أصله لبطل هو في نفسه.
أجيب عن هذه: بأن النصوص التي هي أصل القياس، غير النص الذي قدم عليه القياس، فلا تناقض، ولم يقدم الفرع على أصله، بل قدم على غير أصله (4).
قوله: (وهو حجة في الدنيويات اتفاقًا) (5).
ش: مثاله: مداواة الأمراض، فإذا رأينا شيئًا صلح لمرض (6) (7)، فإنا نقيس عليه مرضًا آخر، فإن الطب مبني على القياس والتجريب.
فإنهم (8) يقولون: من قواعد الطب: مقابلة الضد بالضد، فإن الضد يمنع
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب ص 73، وشرح القرافي ص 387 - 388.
(2) انظر: شرح القرافي ص 388، والمسطاسي ص 136.
(3) "فإنه" في ط وز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 388، والمسطاسي ص 136.
(5) انظر: المحصول 2/ 2/ 29، وجمع الجوامع بشرح المحلي 2/ 203 - 204، وشرح القرافي ص 387، والمسطاسي ص 136، وشرح حلولو ص 332.
(6) "للمرض" في ز.
(7) "ما" زيادة في ز، وط.
(8) "فإن" في ز، وط.
(5/284)

ضده، وهذه قاعدة (1) يعتمد عليها في الطب (2).
مثاله: إذا كان المرض من الحرارة فيكون شفاؤه التبريد، وإن كان المرض من البرد [فيكون] (3) شفاؤه (4) التسخين، وإن كان المرض من الرطوبة فيكون شفاؤه التيبيس (5)، وإن كان المرض من اليبوسة [فيكون] (6) شفاؤه (7) الترطيب (8) (9).
قوله: (وهو إِن كان بإِلغاء الفارق فهو (10) تنقيح المناط عند الغزالي، أو باستخراج الجامع من الأصل ثم تحقيقه في الفرع، فالأول (11) تخريج المناط، والثاني تحقيقه).
ش: ذكر المؤلف ها هنا ثلاثة أشياء، وهي:
تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط.
__________
(1) "بعيدة" زيادة في ط.
(2) هذا من الدلائل على خوض الشوشاوي في علم الطب، وقد مر بنا في القسم الدراسي أن له رسالة في الطب، وانظر معنى هذه القاعدة الطبية في: كتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية لابن سينا ص 34، وكتاب الطب النبوي للذهبي ص 8 بهامش تسهيل المنافع.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) "فشفاؤه" في ز، وط.
(5) "من التيبيس" في ز.
(6) ساقط من ز.
(7) "فشفاؤه" في ز.
(8) "من الترطيب" في ز.
(9) انظر: المسطاسي ص 136.
(10) "فهي" في ش.
(11) "يسمى" زيادة في ش.
(5/285)

قال المؤلف في شرحه (1): المناط: اسم مكان الإناطة، [والإناطة] (2): هي (3) التعليق والإلصاق (4).
قال (5) حسان بن ثابت رضي الله عنه فيمن هجاه:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد (6)
الزنيم: هو الملاصق (7) للقوم (8)، ومنه قوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} (9) ومنه قول حبيب (10) الطائي (11) أيضًا:
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 388، وانظر: شرح المسطاسي ص 137.
(2) ساقط من ط.
(3) "هو" في الأصل وط.
(4) انظر: القاموس المحيط، وشرحه تاج العروس، وانظر لسان العرب، والصحاح، كلها في مادة: "نوط".
(5) "وقال" في ز وط.
(6) بيت من الطويل من قصيدة له يهجو فيها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأولها:
لقد علم الأقوام أن ابن هاشم ... هو الغصن ذو الأفنان لا الواحد الوغد
والبيت هنا كما في ديوانه ص 89، ويروى: وأنت هجين، ويروى: وأنت دعي، فانظر اللسان مادة: نوط.
(7) "المصالق" ط.
(8) الزنيم: المستلحق في القوم ليس منهم، انظر: القاموس، والصحاح مادة (زنم).
(9) سورة القلم: 13.
(10) "جيب" في ز.
(11) هو أبو تمام: حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، نشأ بمصر، وقيل: بدمشق، وجالس الأدباء والعلماء حتى ظهر صيته في الشعر، فطلبه المعتصم فوافاه بسر من رأى، ومدحه بقصائد عدة حتى صار من خلصائه، توفي بالموصل سنة ص 231، وله ديوان الحماسة جمع فيه أجود شعر العرب. =
(5/286)

بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها (1)
أي: علقت علي الحروز فيها.
وسميت العلة مناطًا (2) على وجه الاستعارة والتشبيه؛ لأن الحكم علق عليها (3) ونيط بها.
قوله: (إِن كان بإِلغاء الفارق (4))، أي إن كان القياس واقعًا بإلغاء الفارق، فيسمى (5) تنقيح المناط عند الغزالي (6).
فنقول على هذا: تنقيح المناط هو إلغاء الفارق، أي ترك الفارق بين المقيس والمقيس عليه.
__________
= انظر: ترجمته في: الفهرست ص 235، وتاريخ بغداد 8/ 248، ووفيات الأعيان 2/ 11، وطبقات الأدباء لابن الأنباري ص 123.
(1) بيت من الطويل نسبه لأبي تمام تابعًا القرافي في شرحه ص 388، ولم أجده في ديوانه، وقد ذكره صاحب اللسان وصاحب التاج في مادة: (نوط)، ونسباه للرقاع ابن قيس الأسدي.
وذكره القالي في الأمالي 1/ 83، وابن عبد البر في بهجة المجالس 1/ 2/ 804، ولم ينسباه، وصدره عندهما: بلاد بها حل الشباب تمائمي، وذكرا قبله:
أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها
وذكره المبرد في الكامل 1/ 406 غير منسوب، وصدره عنده:
بلاد بها حل الشباب تميمتي
وفي صدر الذي قبله: ما بين مشرف.
(2) "مناطه" في ز، وط.
(3) "بها" في الأصل.
(4) "أي إن كان القياس بإلغاء الفارق" زيادة في ط، وز.
(5) "فسمي" في ط.
(6) انظر: المستصفى 2/ 231، 232، المحصول 2/ 2/ 29، والإبهاج 3/ 87، وشرح القرافي ص 388، والمسطاسي ص 137.
(5/287)

مثاله: قياس العبد على الأمة في تشطير (1) الحد، [لأنه ورد النص بالتشطير في الأمة في قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ} (2)، فيقاس على الأمة في ذلك] (3)؛ إذ لا فارق بينهما إلا الذكورية، وهو وصف لا يصلح (4) للتعليل، فيسوى (5) في الحكم بينهما لعدم الفارق (6).
ومثاله أيضًا: [قياس] (7) بيع الصفة على بيع الرؤية في الجواز؛ إذ لا فارق بينهما إلا الرؤية، وهي لا يصح (8) أن تكون (9) فارقًا بينهما في أغراض (10) المبيع، فيسوى بينهما في الحكم (11).
__________
(1) "شطير" في ز.
(2) النساء: 25.
(3) ما بين القوسين ساقط من ز، وط.
(4) "يصح" في ز، وط.
(5) "فسوى" في ط.
(6) انظر: التنبيه للشيرازي ص 140، وبداية المجتهد 2/ 437، والهداية للمرغيناني 2/ 97، وشرح منتهى الإرادات 3/ 344.
(7) ساقط من الأصل.
(8) "وهو لا يصلح" في الأصل وز.
(9) "يكون" في ط.
(10) "أعراض" في ط.
(11) جواز بيع الصفة قياسًا على بيع الرؤية هو قول مالك وأكثر المدنيين، وللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
1 - الصحة مطلقًا.
2 - عدم الصحة.
3 - تعليق الصحة بالرؤية، وإذا رآه فله الخيار.
انظر: بداية المجتهد 2/ 155، والمغني لابن قدامة 3/ 582.
(5/288)

ومثاله أيضًا: قياس الأمة على العبد في وجوب التقويم (1) على معتق (2) الشقص، كما في قوله عليه السلام: "من أعتق شركًا له في عبد (3) قوم عليه نصيب شريكه" (4)، فتقاس الأمة على العبد في ذلك التقويم (5)؛ إذ لا فارق بينهما إلا الذكورية، وهي لا يصح (6) أن تكون فارقًا (7) بينهما في ذلك الحكم، فهذا معنى تنقيح المناط عند الغزالي (8).
قوله: (أو باستخراج الجامع (9))، أي إن كان القياس واقعًا باستخراج الجامع من الأصل، أي باستخراج العلة الجامعة بين الفرع المقيس والأصل المقيس عليه من الأصل المقيس عليه (10).
مثاله: وجوب الكفارة على كل مفطر هتك (11) حرمة رمضان، قياسًا على الأعرابي/ 300/ الذي جاء الرسول (12) - صلى الله عليه وسلم - يضرب صدره
__________
(1) "التقديم" في ز.
(2) "المعتق" في ز.
(3) "عند" في ز.
(4) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، فانظره في البخاري برقم 2522، وفي مسلم برقم 1501.
(5) "التقديم" في ز.
(6) "فهي لا يصلح" في الأصل وز.
(7) "فارق" في ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 388، وفيه الأمثلة الثلاثة، وانظر أيضًا المسطاسي ص 137.
(9) "من الأصل" زيادة في ز، وط.
(10) يريد أن هذا هو تخريج المناط، وقد ذكره بعد، ولو بين هنا لكان أتم.
(11) "متد" في ز.
(12) "إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" في ز، وط.
(5/289)

وينتف (1) شعره، فقال: هلكت [هلكت] (2) واقعت (3) أهلي في نهار رمضان، فأوجب (4) النبي عليه السلام الكفارة عليه.
فذكر (5) في الحديث كونه أعرابيًا، وكونه يضرب صدره، وكونه ينتف شعره، وهذه الأوصاف كلها لا تصلح للتعليل لعدم (6) مناسبتها، وكونه مفسد [اً] (7) للصوم هو (8) المناسب للكفارة، فقد استخرجت علة (9) الحكم من الأصل (10).
ومثاله أيضًا: قياس الأرز مثلًا على البر في تحريم الربا إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، [لأنه ورد النهي عن بيع البر (11) بالبر إلا مثلًا بمثل يدًا بيد] (12)، ولم
__________
(1) "ونتف" في ز.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) "واقطعت" في ط.
(4) "فوجب" في ط.
(5) "قد كان" في ط.
(6) "التعليل بعدم" في ط.
(7) ساقط من ط.
(8) "وهو" في الأصل.
(9) "استخرت عليه" في ط.
(10) المعروف أن هذا المثال مثال لتنقيح المناط لا لتخريجه؛ لأن العلة استخرجت فيه من أوصاف مذكورة، هذا ما ذكره القرافي في شرحه ص 389، والمسطاسي ص 137، وقد مثل به لتنقيح المناط: الغزالي في المستصفى 2/ 232، والآمدي في الإحكام 3/ 303.
(11) "الربا" في ز.
(12) ما بين القوسين ساقط من ط.
(5/290)

يذكر العلة، ولا أوصافًا تشتمل على العلة.
فاختلف في العلة، هل الطعم أو القوت أو الكيل أو المالية؟ كما هو المعروف في الفقه، فهذا أيضًا استخراج العلة من الأصل، بخلاف القسم [الثاني] (1) الذي هو إلغاء الفارق.
فإن القسم الأول يسمى عند الغزالي تنقيح المناط، وهذا القسم الثاني يسمى عند الغزالي تخريج المناط (2).
قوله: (عند الغزالي)، راجع إلى القسمين تنقيح المناط وتخريج المناط.
ونبه بقوله: عند الغزالي، على أن معناهما عند غيره مخالف لمعناهما عند الغزالي.
وذلك أن معنى تنقيح المناط عند غير الغزالي: استخراج العلة من أوصاف مذكورة.
[ومعنى تخريج المناط: استخراج العلة من أوصاف غير مذكورة] (3) (4).
مثال استخراجها من أوصاف مذكورة: حديث الأعرابي المذكور.
ومثال (5) استخراجها من أوصاف غير مذكورة: قياس الأرز على البر
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) انظر: المستصفى 2/ 233، والمحصول 2/ 2/ 29 - 30.
(3) ما بين القوسين ساقط من ط.
(4) نسبه القرافي إلى الحسكفي في جدله، وتبعه المسطاسي، فانظر: شرح القرافي ص 389، والمسطاسي ص 137، وانظر: الإحكام للآمدي 3/ 303، والإبهاج 3/ 89 - 90.
(5) "ومثل" في ط.
(5/291)

في حديث بيع الربا المتقدم.
فتحصل مما ذكرنا (1): أن [معنى] (2) تنقيح المناط فيه قولان، و [معنى] (3) تخريج المناط أيضًا فيه قولان:
فتنقيح المناط قال الغزالي: معناه إلغاء الفارق (4).
وقال غيره: معناه استخراج العلة من أوصاف مذكورة.
وأما تخريج المناط فقال الغزالي: معناه استخراج العلة مطلقًا، من أوصاف مذكورة، ومن (5) أوصاف غير مذكورة (6).
__________
(1) "فتحصيل ما" في الأصل.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) أي معناه: أن تقول: لا فارق بين بيع الصفة وبيع الرؤية إلا الرؤية، وهي لا تصلح أن تكون فارقًا، وهكذا كما مر في الأمثلة، وانظر: شرح القرافي ص 388، وما في المستصفى من كلام الغزالي، غير مطابق لا نقل عنه القرافي، حيث قال عن تنقيح المناط: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب وينوطه به، وتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن درجة الاعتبار ليتسع الحكم (ثم مثل بقصة جماع الأعرابي وقال): والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عرف المناط بالنص لا بالاستنباط. اه.
فإن كان القرافي نقل للغزالي رأيًا من غير المستصفى فلم أطلع عليه، وإن كان أراد ما في المستصفى فإني لا أرى بين الفريقين خلافًا، ويدل على ذلك أن الفريقين مثلوا بقصة الأعرابي.
والخلاصة أن الغزالي يقول: نص على العلة واقترن بها أوصاف لا مدخل لها في التعليل فيجب حذفها، وغيره يقول: وردت أوصاف أحدها يصلح للتعليل فيجب حذف غيره. والله أعلم. انظر: المستصفى 2/ 231 - 233.
(5) "أو من" في ز، وط.
(6) قال الغزالي في المستصفى مبينًا معنى تخريج المناط: أن يحكم الشارع بتحريم في محل، =
(5/292)

وقال غيره: معناه استخراج العلة من أوصاف غير مذكورة.
والاصطلاحان المذكوران في تنقيح المناط كلاهما مناسب؛ لأن التنقيح معناه: التصفية والإصلاح والإزالة (1)، وهو إزالة ما لا يصلح عما يصلح (2).
قوله: (ثم تحقيقه في الفرع) هذا هو اللفظ الثالث من الألفاظ الثلاثة، وهو تحقيق المناط.
ومعنى تحقيق المناط: عبارة عن تحقيق العلة في الفرع بعد الاتفاق عليها (3).
مثال (4) [ذلك] (5): أن يتفق على أن علة الربا هي القوت الغالب، ثم يختلف بعد ذلك [في الربا] (6) في التين.
فقيل فيه بالربا (7) بناء على أنه يقتات غالبًا بالأندلوس (8).
__________
= ولا يذكر إلا الحكم والمحل، ولا يتعرض لمناط الحكم وعلته ... فنحن نستنبط المناط بالرأي والنظر. اه. انظر: المستصفى 2/ 233.
فكلامه يدل على أن تخريج المناط عنده استخراج العلة من أوصاف غير مذكورة.
(1) انظر: القاموس المحيط، ومعجم مقاييس اللغة، مادة: (نقح).
(2) انظر: شرح القرافي ص 389.
(3) انظر: المستصفى 1/ 230، والمحصول 2/ 2/ 29 - 30، والإبهاج 3/ 89، والإحكام للآمدي 3/ 302، وشرح القرافي 389، والمسطاسي ص 137.
(4) "مثاله" في ز، وط.
(5) ساقط من ز، وط.
(6) ساقط من ز، وط.
(7) "الربا" في ز.
(8) كذا في النسخ الثلاث، وهكذا ينطقها العامة في المغرب وجهاته، ولعلها مأخوذة من اللغة الأسبانية؛ لأن الأسبان يسمونها "أندلوسيا"، والعرب يقولون: الأندلس، =
(5/293)

وقيل فيه بعدم الربا بناء على أنه لا يقتات غالبًا بالحجاز (1) وغيرها.
فهذا معنى تحقيق المناط وهو أن ينظر في المناط، هل هو محقق في الفرع أم لا؟ [أي] (2) هل هو موجود في الفرع أم لا؟ بعد الاتفاق على كونه علة للحكم في الأصل.
فقد تبين (3) لك الفرق بين هذه الحقائق الثلاث، وهي: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط، وكلها اصطلاحات لفظية (4).
...
__________
= بفتح الدال وضمها وضم اللام، ومن الفتح قول شاعرهم:
سألت الناس أين الأنس قالوا ... بأندلس وأندلس بعيد
وبلاد الأندلس تشمل أسبانيا والبرتغال، وقد فتحها طارق بن زياد سنة 92 ه في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان طارق أحد قادة جيوش موسى بن نصير والي المغرب للوليد. انظر: معجم البلدان 1/ 262، وفتوح البلدان للبلاذري 232.
(1) "المجاز" في ز.
(2) ساقط من ط.
(3) "بين" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 389، والمسطاسي ص 139.
(5/294)

الفصل الثالث في الدال على العلة
ش: أي فيما يدل (1) على [العلة] (2) الجامعة بين الأصل والفرع، لأن كل علة لا بد لها من دليل يدل عليها، كما أن كل حكم لا بد له من دليل يدل عليه.
قوله: (وهو ثمانية: النص، والإِيماء، والمناسبة، والشبه، والدوران (3)، والسبر، والطرد، وتنقيح المناط).
ش: زاد بعضهم تاسعًا وهو الإجماع (4).
__________
(1) في ز، وط: "أي في بيان ما يدل".
(2) ساقط من ز.
(3) "والدورار" في ز.
(4) وزاد بعضهم عاشرًا، وهو التأثير، ولم يتعرض المؤلف ولا الشوشاوي لهما. فانظر الإجماع في: اللمع ص 312، وأصول ابن مفلح 3/ 764، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 21، والمستصفى 2/ 293، والإحكام للآمدي 3/ 251، وشرح حلولو ص 338، وفواتح الرحموت 2/ 295، وتيسير التحرير 4/ 39، وإحكام الفصول 2/ 750، والمحصول 2/ 2/ 191.
وانظر التأثير في: اللمع ص 314، والمحصول 2/ 2/ 275، وتيسير التحرير 4/ 48، ومختصر ابن الحاجب 2/ 243، والمستصفى 2/ 297، وإحكام الفصول 2/ 769.
(5/295)

قوله: (فالنص (1) على العلة (2) ظاهر) (3).
ش: نحو قول (4) الشارع (5): العلة كذا، أو إنما (6) فعلته لأجل كذا.
ومنه قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} (7).
ومنه قوله عليه السلام: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم".
ومنه قوله عليه السلام: "إنما جعل الاستئذان من أجل (8) البصر" (9).
قوله: (و (10) الإِيماء (11) خمسة).
__________
(1) "فالأول النص" في ش.
(2) "وهو" زيادة في نسخ المتن.
(3) انظر مسلك النص في: المحصول 2/ 2/ 193، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 9، والمعتمد 2/ 775، والإبهاج 3/ 46، والمعالم للرازي ص 281، وفواتح الرحموت 2/ 295، وشرح القرافي ص 390، والمسطاسي ص 139.
(4) "قال" في ط.
(5) "الشاعر" في ز.
(6) "وانما" في ز.
(7) المائدة: 32.
(8) "لأجل" في ز وط.
(9) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي، وهذا اللفظ موافق للفظ البخاري، فانظر كتاب الاستئذان من صحيح البخاري الحديث رقم 6241، وأخرجه أيضًا في كتاب الديات برقم 6901.
وانظره في الآداب من مسلم برقم 2156، وفي الاستئذان من سنن الترمذي برقم 2709، وانظر: الجامع لمعمر بن راشد الأزدي برواية عبد الرزاق في آخر مصنفه، الحديث رقم 19431.
(10) "الثاني" زيادة في ش.
(11) "وهو" زيادة في نسخ المتن.
(5/296)

ش: الإيماء ضد الصراحة، وهو الإشارة إلى العلة (1).
وهو محصور في خمسة أشياء:
قوله: (الفاء (2)، نحو قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} (3)).
ش: لأن الزنا علة الجلد.
ومثاله (4): قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (5)، لأن السرقة علة القطع.
ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} (6)،
__________
(1) قال المسطاسي: والمراد به ما أفاد العلة ظاهرًا، انظر: شرحه ص 139، ونقل حلولو في شرحه ص 338، إن المراد به: ما لا يدل على التعليل وضعًا، ويفهم منه معنى التعليل، ضرورة حمل المذكور على فائدة، وإلا صار الكلام لغوًا يجل عنه منصب الشرع ويُنَزَّلْ في الإفادة منزلة الإشارة. اه.
(2) يعني أن يوجد في الكلام لفظ غير صريح يدل على العلة، كتعليق الحكم على علته بالفاء، وهي إما أن تدخل على الحكم أو على العلة كما سيأتي، وانظر لهذه المسألة المعتمد 2/ 776، والمحصول 2/ 2/ 197، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 11، والروضة ص 297، وأصول ابن مفلح 3/ 765، والإحكام للآمدي 3/ 254، وتيسير التحرير 4/ 39، والمغني للخبازي ص 288، ومختصر ابن الحاجب 2/ 234، والإبهاج 3/ 49، ونهاية السول 4/ 63، وشرح القرافي ص 390، والمسطاسي ص 139.
ونقل حلولو في شرحه ص 338، عن الفهري أن الفاء من النص وليست من الإيماء.
(3) في خ: "زيادة كل واحد"، وفي أ، وز، وط زيادة: "كل واحد منهما". وهي في الآية رقم 2 من سورة النور.
(4) "أيضًا" زيادة في ز وط.
(5) المائدة: 38.
(6) النساء: 93.
(5/297)

فإن قتل العمد علة لتغليظ العذاب.
ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (1)، فإن (2) قتل الخطأ علة لتحرير الرقبة.
ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ (3) (4) مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} (5).
واعلم أن الفاء تارة تدخل على المعلول (6) مثل (7) هذه المثول (8) المذكورة،
__________
(1) النساء: 92.
(2) "لأن" في ز.
(3) كذا في النسخ الثلاث وهي بفتح الياء، وفتح الظاء والهاء مع تشديدهما، دون ألف بينهما، وهي قراءة ورش عن نافع الشائعة في بلاد المغرب العربي، وقرأها هكذا أيضًا ابن كثير وأبو عمر.
أما عاصم فقرأ: "يظاهرون" بضم الياء، وتخفيف الظاء والهاء مع فتح الأولى وكسر الثانية، وبألف بينهما.
وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بفتح الياء، وتشديد الظاء وفتحها، وتخفيف الهاء وفتحها، مع ألف بين الظاء والهاء.
انظر النشر 2/ 385، وحجة القراءات ص 703، والإقناع لابن الباذش 2/ 782.
(4) "منكم" زيادة في الأصل، وهي خطأ.
(5) المجادلة: 3.
(6) أي الحكم بحيث تتقدم العلة، كقوله: زنا ماعز فرجم.
انظر: روضة الناظر ص 297، والمحصول 2/ 2/ 198، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 12، وأصول ابن مفلح 3/ 765، والإحكام للآمدي 3/ 254، والمعتمد 2/ 776، وتيسير التحرير 3/ 39، والإبهاج 3/ 50، والقرافي ص 390، والمسطاسي ص 139.
(7) "نحو" في ز، وط.
(8) كذا في النسخ الثلاث، ولم أجد لها قياسًا يناسب السياق، لأنها بهذه الصيغة مصدر لمثل يمثل بمعنى أقام ومكث، ضد: زال. =
(5/298)

فإن الزنا علة الجلد، فالجلد معلول الزنا، وكذلك ما ذكر معه من الأمثلة، وقد تدخل الفاء تارة على العلة (1)، كقوله عليه السلام في المحرم الذي وقصت (2) به ناقته (3): "لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، فإن الإحرام علة المنع من الطيب.
قوله: (وترتيب الحكم على الوصف، نحو ترتيب الكفارة على قوله: واقعت (4) أهلي في نهار (5) رمضان.
قال الإمام: سواء كان مناسبًا أو لم يكن (6)).
ش: يعني: أن الحكم إذا رتب على وصف، فإن ذلك الوصف علة لذلك
__________
= أما مثال فقياسها في القلة: أمثلة، وفي الكثرة: مثل: بضمتين.
انظر: الأصول لابن السراج 2/ 448، وأوضح المسالك مع ضياء السالك للنجار 4/ 190، 192، والقاموس مادة: "مثل".
(1) أي ويكون الحكم متقدمًا.
وانظر: التمهيد لأبي الخطاب 4/ 11، والمحصول 2/ 2/ 197، والمعتمد 2/ 776، والإبهاج 3/ 50، وتيسير التحرير 3/ 39، وشرح القرافي ص 390، والمسطاسي ص 139.
(2) "وقعت" في ز.
(3) الوقص بسكون العين: دق العنق، وقصه بفتحتين: دق عنقه، وهو لازم ومتعد، تقول: وقصت عنقه، ووقصت الناقة عنقه، وأغلب ما في روايات الحديث: وقصته، وأوقصته، ووقص بالبناء للمفعول، وفي قليل منها: وقصت برجل ناقته فقتلته، والمعنى: ألقته. انظر: المشوف المعلم، والقاموس، مادة: وقص.
(4) "وقعت" في ط.
(5) "شهر" في نسخ المتن.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 200.
(5/299)

الحكم (1)، لأن ترتيب الحكم على الوصف يؤذن بأن ذلك الوصف علة/ 301/ لذلك الحكم، سواء كان ذلك الوصف مناسبًا لذلك الحكم أم لا (2).
مثال المناسب للحكم المرتب عليه، قولك: أكرم العلماء وأهن الجهال، فإن الإكرام مناسب للعلم، والإهانة مناسب للجهل.
ومثال غير المناسب [قولك] (3): أكرم الجهال (4) وأهن العلماء، فإن الإكرام غير مناسب (5) للجهل، والإهانة غير مناسب للعلم.
وقول الإمام: سواء كان مناسبًا أو لم يكن، هو إشارة إلى أن ترتيب الحكم على الوصف مستقل بالدلالة على العلية (6) وإن عري عن المناسبة، فإن القائل إذا قال: أكرم الجهال وأهن العلماء، فإن السامعين ينكرون ذلك ويعيبونه ويستقبحونه، ومدرك الاستقباح أنهم فهموا أن القائل جعل الجهل (7) علة الإكرام، وجعل العلم علة الإهانة، ولا مستند لهم في اعتقاد هذا التعليل إلا ترتيب (8) الحكم على الوصف لا المناسبة (9).
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 300 - 301، والإحكام للآمدي 3/ 256، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 14، والمحصول 2/ 2/ 203 وما بعدها، والمعتمد 2/ 777، وأصول ابن مفلح 3/ 766، ومفتاح الوصول للتلمساني ص 147، وشرح حلولو ص 339.
(2) انظر: شرح القرافي ص 390، والمسطاسي ص 139.
(3) ساقط من ط.
(4) "الجهار" في ط.
(5) "المناسب" في ط.
(6) "العلة" في ط.
(7) "الجهال" في ط.
(8) "الترتيب" في ط.
(9) انظر: شرح القرافي ص 390، والمسطاسي ص 139.
(5/300)

فإن المناسبة ها هنا مفقودة، فدل ذلك على أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على العلية وإن فقدت المناسبة.
قوله: (نحو ترتيب الكفارة على قوله: واقعت (1) أهلي في نهار رمضان) يفهم (2) منه أن الجماع علة الكفارة.
[و] (3) مثاله أيضًا: قوله عليه السلام: "خمس فويسقات يقتلن في الحل والحرم" (4) (5).
قوله: (وسؤاله عليه السلام عن وصف المحكوم عليه (6)، نحو قوله عليه
__________
(1) "وقعت" في ط.
(2) "ففهم" في ز، وط.
(3) ساقط من ز.
(4) "والحرام" في ط.
(5) حديث صحيح، معناه ثابت من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، فقد رواه البخاري من حديث عائشة في بدء الخلق برقم 3314، ولفظه: "خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفارة, والعقرب، والحديا، والغراب، والكلب العقور". ورواه في مواضع أخرى من حديثها، ومن حديث ابن عمر، بألفاظ مقاربة لهذا، وقد أخرجه مسلم عن عائشة أيضًا في الحج برقم 1198، بألفاظ: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ... " ثم ذكرهن وذكر الحية بدلًا من العقرب.
ورواه من عدة طرق من حديثها، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث حفصة.
وانظره أيضًا في الترمذي برقم 837، والدارمي 2/ 36، وأحمد 1/ 257، 6/ 97.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 208، والمستصفى 2/ 290، والمعتمد 2/ 777، والبرهان فقرة 764، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 13، والإحكام للآمدي 3/ 257، والروضة ص 299، والإبهاج 3/ 55 - 56، وأصول ابن مفلح 3/ 767، وشرح القرافي ص 390، والمسطاسي ص 208، من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح حلولو ص 339.
(5/301)

السلام: "أينقص الرطب (1) إِذا جف؟ ").
ش: لم يكن سؤاله عليه السلام لعدم علمه بنقصان الرطب إذا جف، لأن (2) كل أحد (3) يعلم ذلك، وإنما سؤاله لتنبيه السامع على علة المنع، فيكون السامع مستحضرًا لعلة الحكم حالة وروده عليه، فيكون ذلك أقرب لقبوله للحكم، بخلاف إذا غابت العلة عن السامع، وربما صعب (4) عليه تلقي الحكم، واحتاج لنفسه من المجاهدة ما لا يحتاجه إذا علم العلة.
قوله: (وتفريق (5) الشارع بين شيئين في الحكم (6)، نحو قوله عليه السلام: "القاتل [عمدًا] (7) لا يرث" (8)).
__________
(1) "التمر" في أ.
(2) "فان" في ط.
(3) "واحد" في ز، وط.
(4) "ضعف" في ط.
(5) "أو تفريق" في أ، وش.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 210، والمستصفى 2/ 290، والمعتمد 2/ 778، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 15، والإحكام للآمدي 3/ 259، وتيسير التحرير 4/ 45، والإبهاج 4/ 57، وأصول ابن مفلح 3/ 768، وفواتح الرحموت 2/ 297، والتوضيح 2/ 138، وشرح القرافي ص 390، والمسطاسي ص 208، من مخطوط مكناس رقم 352، وشرح حلولو ص 339.
(7) ساقط من نسخ المتن، والصحيح إسقاطها لعدم ثبوتها في حديث صحيح كما سيأتي.
(8) لم أجد الحديث بهذا اللفظ، وقد روى البيهقي في السنن 6/ 221، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم فتح مكة: "لا يتوارث أهل ملتين المرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرثها من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدًا"، قال الشافعي في هذا الحديث: ولا يثبته أهل العلم بالحديث.
وقد روى الدارقطني 4/ 120 عن عمر، والبيهقي 6/ 220 عن علي وزيد وابن مسعود أنهم قالوا: "لا يرث القاتل عمدًا ولا خطأ شيئًا"، وعلى هذا جماهير =
(5/302)

[ش: وذلك أن قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ} (1)، يقتضي توريث جميع الأولاد، وقوله عليه السلام: "القاتل لا يرث"] (2) يقتضي تفريق الحكم في الأولاد، فيقتضي ذلك أن القتل هو علة المنع من الميراث لأن التفريق بين شيئين في الحكم يؤذن (3) بالعلة، و [في] (4) هذا أيضًا ترتيب الحكم على الوصف.
ومثاله أيضًا: تفريقه عليه السلام بين الفارس والراجل في الإسهام، فقال: "للفارس سهمان وللراجل سهم" (5)، فالتفريق بينهما يؤذن بالعلة.
__________
= العلماء، خلافًا للمالكية في تقييدهم منع القاتل من الميراث بكونه متعمدًا.
انظر: المغني لابن قدامة 6/ 291، وبداية المجتهد 2/ 360، والكافي لابن عبد البر 2/ 1044، والقوانين لابن جزي ص 338.
(1) النساء: 11.
(2) ما بين القوسين ساقط من ز، وط.
(3) "مؤذن" في ط.
(4) ساقط من الأصل.
(5) روي هذا الحديث بهذا اللفظ من عدة طرق عن ابن عمر، ومجمع بن جارية، فقد روى الدارقطني في سننه 4/ 106، 107، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم للفارس سهمين وللراجل سهمًا. وله عنده ألفاظ أخرى تدل على هذا المعنى.
أما حديث مجمع فقد رواه الدارقطني 4/ 105، وأحمد في المسند 3/ 420، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر على أهل الحديبية فكان للفارس سهمان وللراجل سهم ولفظ أحمد "فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهمًا".
وهذه الروايات مخالفة لما في الصحيحين من حديث ابن عمر لأن فيه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للفرس سهمين وللراجل سهمًا" وفي بعضها "وللرجل سهمًا" وفي بعضها "ولصاحبه" أي الفرس سهمًا، وهذه تدل على أن للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد، وهذا ما فسره به نافع بعد روايته لأحد الأحاديث في صحيح البخاري برقم 4228، قال: "إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن له فرس فله سهم" اه. =
(5/303)

قوله: (وورود (1) النهي عن (2) فعل [يمنع] (3) ما تقدم وجوبه) (4).
ش: مثاله: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (5) [الآية] (6)، فهذا يدل على وجوب السعي إلى الجمعة، فقوله تعالى بعد ذلك: {وَذَروا الْبَيْعَ}، يقتضي منع البيع؛ لأن البيع يمنع السعي الواجب وفعل الجمعة، فيكون ذلك من باب الإيماء إلى العلة، وأن تحريم البيع علته التشاغل عن (7) فعل الجمعة، فيدخل في ذلك النهي كل ما يشغله عن الجمعة من الأكل والشرب والكلام وغير ذلك، كما بينه (8)
__________
= وانظر هذا الحديث في البخاري برقم 2863، ومسلم برقم 1762، والترمذي برقم 1554، قال ابن حجر في الفتح في تأويل اللفظ الأول: المقصود أسهم للفارس سهمين بسبب فرسه غير سهمه المختص به. اه.
انظر: فتح الباري 6/ 68.
(1) "أو ورود" في نسخ المتن.
(2) "على" في الأصل، وط، وأ.
(3) ساقط من أ.
(4) عبر بعض الأصوليين عن هذا النوع من الإيماء بقوله: أن يذكر في الكلام شيئًا لو لم يكن علة لذلك الحكم المقصود كان الكلام غير منتظم.
وانظر: المحصول 2/ 2/ 213، والمعتمد 2/ 779، والإحكام للآمدي 3/ 260، والروضة ص 300، والإبهاج 4/ 58، وأصول ابن مفلح 3/ 770، وشرح حلولو ص 339، والقرافي في شرحه ص 390، والمسطاسي ص 208، من مخطوط مكناس رقم 352.
(5) الجمعة: 9.
(6) ساقط من ط.
(7) "على" في ط.
(8) "ينبه" في ز.
(5/304)

ابن أبي زيد في قوله: ويحرم حينئذ البيع (1) وكل ما يشغل عن السعي (2).
قوله: (والمناسب: (3) ما تضمن [تحصيل] (4) مصلحة أو درء مفسدة.
فالأول: كالغنى، علة في وجوب (5) الزكاة (6).
والثاني: كالإِسكار، علة في تحريم (7) الخمر).
ش: هذا هو الثالث من الأشياء الثمانية الدالة على العلة، وهو المناسب (8).
ومعنى قولهم: المناسب، أي المناسب لأن يترتب عليه الحكم، فسر المؤلف الوصف المناسب، بالوصف المتضمن لتحصيل مصلحة أو لدرء مفسدة.
وإنما كانت المناسبة تدل على العلة؛ لأن الأصل في ورود الشرائع إنما هو لتحصيل المصالح ودرء (9) المفاسد.
__________
(1) "بيع" في ط.
(2) انظر: الرسالة لابن أبي زيد ص 40.
(3) "والثالث المناسبة" في ش.
(4) ساقط من الأصل وأ.
(5) "لوجوب" في نسخ المتن.
(6) المعروف أن علة الزكاة هو ملك النصاب؛ إذ وجوب الزكاة يدور معه وجودًا وعدمًا.
(7) "علة التحريم" في نسخ المتن.
(8) انظر: البرهان فقرة 759 - 763، والمستصفى 2/ 296، والمحصول 2/ 2/ 217، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 238، وجمع الجوامع مع شرح المحلي وحاشية البناني 2/ 272، ونهاية السول 4/ 76، والإبهاج 3/ 59، والإحكام للآمدي 3/ 270، والروضة ص 302، وتيسير التحرير 3/ 325، وفواتح الرحموت 2/ 300، والتوضيح 2/ 143، وشرح القرافي ص 391، والمسطاسي ص 140، وحلولو ص 339.
(9) "أو درء" في ز، وط.
(5/305)

مثل المؤلف الوصف المتضمن للمصلحة بالغنى، [فإنه] (1) علة لوجوب الزكاة؛ لأن الغنى مناسب لوجوب الزكاة لما فيه من المواساة للفقراء، فالمصلحة على هذا هي المواساة.
وقيل (2): المصلحة ها هنا [هي] (3) تطهير (4) النفس من رذيلة البخل؛ لأن المال محبوب بالطبع فلا يبذله لله تعالى إلا من غلبت عليه محبة الله تعالى وخلص (5) إيمانه، ولهذا قال عليه السلام: "الصدقة برهان" (6)، أي دليل على صدق الإيمان وخلوصه (7).
ومثل المؤلف (8) الوصف المتضمن للمفسدة بالإسكار، فإنه علة لتحريم (9) الخمر؛ لأن الإسكار مناسب للتحريم لما فيه من خلل العقل (10).
قوله: ([و] (11) المناسب ينقسم إِلى ما هو في محل الضرورات، وإِلى ما
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) "ان" زيادة في ز، وط.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) "تطهر" في ط.
(5) "وتخلص" في ط.
(6) جزء من حديث أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي مالك الأشعري برقم 223، وأخرجه الترمذي برقم 3517، وقال في حديث صحيح، وأخرجه الدارمي 1/ 167، وأحمد 5/ 342.
(7) انظر: شرح النووي على مسلم 3/ 101، وشرح المسطاسي ص 140.
(8) "في" زيادة في ز.
(9) "تحريم" في ط.
(10) المعنى: لما يوجبه الإسكار من خلل العقل فيناسبه التحريم.
(11) ساقط من ط.
(5/306)

هو في محل الحاجات، وإِلى ما هو في محل التتمات، فيقدم الأول على الثاني، والثاني على الثالث عند التعارف).
ش: قسم المؤلف الوصف المناسب للحكم ها هنا ثلاثة أقسام: ضروري، وحاجي، وتتمي (1).
فالضروري: هو الذي لا يستغنى عنه أصلًا، ولا بد [منه] (2) لكل أحد (3)، على كل حال.
والحاجي: هو الذي يحتاج إليه في بعض الأحوال.
والتتمي: هو الذي يستغنى عنه ولا يحتاج إليه، ولكن هو من تتماته وتكميلاته وتحسيناته وتزييناته.
وفائدة هذا التقسيم تظهر في تعارض الأقيسة، فيقدم (4) الضروري على الحاجي، ويقدم الحاجي على التتمي (5).
قوله: (فالأول نحو الكليات الخمس، وهي حفظ النفوس، والأديان،
__________
(1) هذه الأقسام الثلاثة هي أقسام مقاصد الشريعة، ولوجود العلاقة بين المناسب وبين مقاصد الشرع، قسمه القرافي إلى هذه الأقسام تبعًا للرازي في المحصول 2/ 2/ 220، وانظر هذه الأقسام في البرهان فقرة 901 وما بعدها، والإبهاج 3/ 60، والإحكام للآمدي 3/ 274، وتيسير التحرير 3/ 306، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 240، وجمع الجوامع 2/ 280، والمستصفى 1/ 86، والموافقات للشاطبي 2/ 8، وشرح حلولو ص 341.
(2) ساقط من ط.
(3) "واحد" في ط.
(4) "فيقسم" في ط.
(5) "التتامي" في ز.
(5/307)

والأنساب/ 302/ والعقول، والأموال، وقيل: والأعراض).
ش: قال المؤلف: اختلف العلماء في عدد هذه [الكليات] (1) فبعضهم يذكر الأديان، ولا يذكر الأعراض.
وبعضهم يذكر الأعراض، ولا يذكر الأديان.
وفي التحقيق: أن الجميع محرم (2) باتفاق، وقد حكى الغزالي وغيره إجماع الملل على [اعتبار] (3) هذه الكليات، وأن الله تعالى لم يبح (4) شيئًا من هذه الكليات في ملة من الملل (5) (6) من لدن خلق (7) [الله] (8) آدم إلى الآن.
بل أمر الله تعالى بحفظ هذه الكليات كلها.
فإنه أمر بحفظ النفوس من القتل وقطع الأعضاء.
وأمر بحفظ الأديان من الكفر.
وأمر بحفظ الأنساب من الزنا.
وأمر بحفظ العقول من المسكرات.
__________
(1) ساقط من ز.
(2) قوله: الجميع محرم، العبارة لا تؤدي المقصود، فلو قال: الجميع معتبر أو محرم الإخلال به، لكان أولى.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) انظر: تعليق (2) من هذه الصفحة.
(5) "ملل" في ز، وط.
(6) انظر: شرح القرافي ص 392، والمستصفى 1/ 288، والإبهاج 3/ 60، والموافقات للشاطبي 2/ 10، وتيسير التحرير 3/ 306، وشرح المسطاسي ص 140.
(7) "منذ خلق" في ز.
(8) لفظ الجلالة ساقط من ز.
(5/308)

وأمر بحفظ الأموال من الغصب والسرقة.
وأمر بحفظ الأعراض من القذف والسب وما في معنى ذلك (1).
قال المؤلف: لم يبح الله تبارك وتعالى شيئًا من هذه الكليات في ملة من الملل (2) بالإجماع، إلا في المقدار الذي لا يسكر من المسكرات، ففيه خلاف في ملتنا (3)، وهو مباح في الملل المتقدمة قبل الإسلام، وأما المقدار الذي يسكر فهو حرام بإجماع الملل (4).
قال المسطاسي: فإن قيل هذا الإجماع المذكور يشكل بما يذكرونه من إباحة الخمر في أول الإسلام، فكيف يحرم الخمر في جميع الملل المتقدمة، ويباح في هذه الملة (5) التي هي أفضل الملل وأتمها في استيفاء المصالح ودرء المفاسد؟ (6).
__________
(1) "وما في معناه" في ز، وط.
(2) "جميع الملل" في ز، وط.
(3) عبارة القرافي ص 392، ففي الإسلام هو حرام، فلعله أراد قول الجمهور، وعبارة الشوشاوي هنا أدق للخلاف المشهور عن الحنفية في القليل غير المسكر مما سوى عصير العنب المشتد؛ فإن الخمر عندهم مخصوصة بعصير العنب المسكر، فهو محرم لعينه، وغيره محرم لسكره، فإذا لم يسكر فلا يحرم، والجمهور مطبقون على تحريم قليل ما أسكر كثيره للأحاديث الصحاح الواردة بذلك.
انظر: سنن الترمذي الحديث رقم 1865 - 1866، وانظر المغني لابن قدامة 8/ 305، وبداية المجتهد 2/ 444، والتنبيه للشيرازي ص 143، والهداية 4/ 108، وما بعدها، والتلخيص الحبير 4/ 73.
(4) انظر: شرح القرافي ص 392، والمسطاسي ص 140.
(5) "الملل" في الأصل.
(6) "المفساد" في ز.
(5/309)

الجواب عنه: أن ما ذكروه من الإباحة، معناه: أنه مسكوت (1) عن تحريمه، وأن تصرفهم فيه إنما هو بالبراءة (2) الأصلية، لا [أ] (3) ن الشرع أذن لهم في شربه.
قال: وأما احتجاجهم على إباحة الخمر في أول الإسلام بقوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} (4)، في الكلام (5) حذف، تقديره: شيء تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا، أن تتخذوا (6) منه ما يسكر وما لا يسكر، فذكر المسكر في سياق الامتنان يدل على الإباحة؛ إذ لا يمتن إلا بمباح ولا يمتن بالمحرم.
قال (7): الجواب عنه [من] (8) وجهين (9):
أحدهما: [أن] (10) السكر (11) المذكور في الآية المراد به الخل، كما قاله جماعة من المفسرين (12)؛ لأن أصل السكر لغة هو ......................
__________
(1) "سكوت" في ط.
(2) "البراءة" في ط.
(3) ساقط من ز وط.
(4) النحل: 67.
(5) كذا في النسخ الثلاث، والأنسب أن يقول: ففي الكلام.
(6) كذا في النسخ الثلاث، والأنسب أن يقول: أي تتخذون منه ... إلخ.
(7) أي المسطاسي.
(8) ساقط من ز، وط.
(9) "بوجهين" في ز، وط.
(10) ساقط من ط.
(11) "المسكر" في ز.
(12) هذا أحد أقوال المفسرين، وهو الذي رجحه ابن جرير بناء على أن الآية غير منسوخة، وقد رراه ابن جرير عن مجاهد والشعبي، وحكى عن ابن عباس قوله: =
(5/310)

المنع (1).
ومنه قوله تعالى: {سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} (2) (3)، أي منعت من الإبصار (4).
[و] (5) سمي الخل سكرًا، لأنه يمنع من الأدواء الصفراوية وغيرها.
والوجه الثاني: سلمنا أن المراد به المسكر (6)، ولكن إنما وقع الامتنان [به] (7) من حيث إنه لم يحرمه عليهم، وعدم تحريمه أعم من كونه مأذونًا فيه أو
__________
= إن الحبشة يسمون الخل السكر. وقد روي تفسيرها بالخل عن ابن عباس ابن أبي حاتم، كما في الدر للسيوطي، ونسبه لابن عباس: أَبو حيان في البحر المحيط، قال صاحب اللسان: وقال المفسرون في السكر الذي في التنزيل: إنه الخل، وهذا شيء لا يعرفه أهل اللغة، انظر: اللسان مادة: سكر.
قلت: ذكر ابن جرير في تفسيره أن للسكر في لغة العرب أربعة أوجه:
1 - ما أسكر من الشرب.
2 - ما طعم من الطعام.
3 - السكور.
4 - المصدر من سكر فلان يسكر.
انظر: تفسير ابن جرير 14/ 84 - 85، من طبعة الميمنية، والدر المنثور 4/ 123، والبحر المحيط 5/ 511.
(1) المنع هو أحد معاني السكر، بسكون الكاف، ومنه قولهم: سكرت النهر سكرًا، إذا سددته، وقال ابن فارس: سكر أصل واحد يدل على حيرة اه. ثم أول ما ورد من معاني السكر بهذا المعنى. انظر: الصحاح ومعجم مقاييس اللغة، مادة: سكر.
(2) الحجر: 15.
(3) زاد في ز بعد الاية: قوله: {إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}.
(4) انظر: تفسير البحر المحيط 5/ 448، وتفسير ابن كثير 2/ 547.
(5) ساقط من ز.
(6) "السكر" في ط.
(7) ساقط من ط.
(5/311)

مسكوتًا (1) عنه، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فيسقط الاستدلال بالآية (2) على إباحة الخمر (3).
قوله: (وهي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال، وقيل: والأعراض).
قال المسطاسي: ومما يستدل به على اعتبار هذه الكليات في شريعتنا قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (4).
فقوله: {الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، يدل على حفظ الأنساب، فالظاهر منها كذوات الرايات (5)، والباطن [منها] (6) كذوات الأخدان (7).
__________
(1) "مسكورا" في ط.
(2) "بالاباحة" في ز.
(3) هنا انتهى كلام المسطاسي، فانظر: شرحه 140 - 141.
(4) الأعراف: 33.
(5) "الزيارات" في ز، وط، والمقصود بالرايات: التي تضعهن الزواني على حوانيتهن في الجاهلية.
(6) ساقط من ز، وط.
(7) يدل على هذا قول ابن عباس: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فنهى الله عنه سرًا وجهرًا. انظر: تفسير الطبري 12/ 219، وانظر: تفسير البغوي بحاشية تفسير ابن كثير 3/ 469، وقيل: ما ظهر: طواف العراة، وما بطن: الزنا، قاله مجاهد. انظر: تفسير ابن جرير 12/ 403.
(5/312)

وقوله: {وَالْإِثْمَ}، قيل: المراد به الخمر (1)، ومنه قول الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول (2)
يدل على حفظ العقول.
وقوله: {وَالْبَغْيَ}، وهو الظلم (3)، يدل على حفظ النفوس والأموال والأعراض.
[و] (4) قوله: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}، يدل على حفظ الأديان.
وقوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، إشارة إلى ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام (5) (6)، المذكورة في قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} (7).
__________
(1) انظر: الكشاف للزمخشري 2/ 101، وتفسير أبي حيان 4/ 292، وتفسير البغوي مطبوع بحاشية تفسير ابن كثير 3/ 470، ويروى عن ابن الأنباري أنه ينكر أن يكون الإثم اسمًا للخمر، ويرى أن البيت الآتي مصنوع، وتبعه بعض اللغويين على هذا، وقالوا: سميت إثمًا مجازًا لأنها سبب إلى الإثم، قاله ابن سيده وأبو حيان وغيرهما.
انظر اللسان، وتاج العروس، والصحاح، مادة: "أثم"، وتفسير أبي حيان 4/ 292.
(2) في هامش الأصل كتب الناسخ مقابل البيت ما يلي: من الوافر.
(3) انظر: تفسير الطبري 12/ 403، والكشاف للزمخشري 2/ 101.
(4) ساقط من ط.
(5) انظر تفسير الطبري 12/ 404، وتفسير البغوي 3/ 470.
(6) هنا انتهى كلام المسطاسي، فانظر صفحة 209، من مخطوط مكناس رقم 354.
(7) المائدة: 103.
(5/313)

وقد كثر اختلاف المفسرين في معنى هذه الأشياء الأربعة.
وأقربها ما قال محمد بن إسحاق (1) قال: البحيرة بنت السائبة، والسائبة هي (2) الناقة [إذا] (3) تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، فإنها لم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها (4)، ولم يشرب لبنها إلا ضيف (5)، فكلما نتجت بعد ذلك من أنثى فهي البحيرة، فإنها تشق أذنها ويخلى (6) سبيلها، ويفعل بها ما يفعل بأمها (7).
__________
(1) أَبو بكر: محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي ولاء، المدني، أحد من يرجع إليه علم المغازي والسير، وأهل الحديث يترددون في حديثه في الأحكام لأمور، منها: نسبته إلى التشيع والقدر، وتدليسه المشهور، ولا يتهمونه بشيء من الكذب. وقد حدث عنه شعبة والثوري والحمادان وابن عيينة وخلق لا يحصون، توفي سنة 150 ه، من آثاره: السيرة، والمبتدأ، والمغازي، وكتاب الخلفاء، انظر ترجمته في: الفهرست ص 136، وتاريخ بغداد 1/ 214، وسير النبلاء 7/ 33، ووفيات الأعيان 4/ 276.
(2) "بنت" زيادة في الأصل، وهي خطأ ليست من كلام ابن إسحاق.
(3) ساقط من الأصل.
(4) "دبرها" في ز.
(5) السائبة: بمعنى المسيبة كراضية ومرضية، والمعنى المهملة المخلاة، وقال قوم في تفسيرها: إنها التي ينذر الرجل أن يخلي سبيلها إذا سلم له مال أو شفي من مرض أو نحو ذلك.
انظر: تفسير ابن جرير 11/ 123، والكشاف للزمخشري 1/ 685، والسيرة لابن هشام 1/ 90.
(6) "يخل" في الأصل.
(7) وقال غير ابن إسحاق: هي الناقة تشق أذنها، فلا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها إلا ضيف، أو يتصدق به، وتهمل لآلهتهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكرًا، ذبحوه فأكل منه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا أذنها فقالوا: هذه بحيرة. وانظر أقوالاً =
(5/314)

فهي البحيرة (1) بنت السائبة، [يقال: بحرت أذن الناقة، إذا شققتها، فالبحيرة، معناها: مبحورة الأذن، أي مشقوقة الأذن] (2).
ومعنى الوصيلة: هي الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، فهي (3) وصيلة، فما ولدت بعد ذلك فهو لذكورهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء فيشترك في [أكله] (4) الذكور والإناث (5).
ومعنى الحام: هو الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، فيقال: حمى ظهره، فلا يركب ولا يجز وبره (6)، ويخلى سبيله، ولا ينتفع منه إلا بالضراب في الإبل (7).
__________
= أخرى في: البحر المحيط لأبي حيان 4/ 28، 29، وتفسير الطبري 11/ 121، وتفسير ابن كثير 2/ 107 - 108، والسيرة لابن هشام 1/ 89.
(1) في الأصل: فالبحيرة هي بنت السائبة، والمثبت موافق لكلام ابن إسحاق.
(2) ما بين القوسين لم أره في المصادر التي نقلت كلام ابن إسحاق فلعله إدراج من الشوشاوي.
انظر: القاموس، مادة: "بحر"، وتفسير ابن جرير 11/ 121.
(3) "فهو" في الأصل.
(4) ساقط من ز.
(5) وقال غير ابن إسحاق: الوصيلة هي التي تلد أمها اثنين في كل بطن، فإذا ولدت في بطن ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها بدفعها عنه الذبح، وقيل غير ذلك، فانظر: تفسير الطبري 11/ 124، وتفسير ابن كثير 2/ 108، وتفسير أبي حيان 4/ 29.
(6) "دبره" في ز.
(7) هنا انتهى كلام ابن إسحاق.
وانظره بمعناه في: سيرة النبي لابن هشام 1/ 90، وتفسير ابن جرير 11/ 125، وذكره مفرقًا ابن كثير في تفسيره 2/ 108، وابن العربي في أحكام القرآن 2/ 702.
(5/315)

قوله: (وقيل: [والأعراض] (1))، الأعراض (2) جمع عِرْضٍ.
اختلف (3) في عرض الرجل، قيل: ذاته ونفسه (4)، دليله قوله عليه السلام في أهل الجنة: "لا يبولون (5) ولا يتغوطون (6)، وإنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل ريح المسك" (7)، [و] (8) قوله عليه السلام: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". [قال ابن العربي (9) في أحكام القرآن: يحل عرضه، بأن
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) "والأعراض" في ز.
(3) "واختلف" في ط.
(4) انظر: القاموس، والصحاح، واللسان، مادة: "عرض".
ومنال الطالب في شرح طوال الغرائب لابن الأثير ص 329، 592.
وهذا المعنى ينسب لابن قتيبة، ويخالفه فيه جماهير اللغويين، وانظر: الأمالي لأبي علي القالي 1/ 118.
(5) "ولا يبولون" في ز.
(6) "ولا يغوطون" في ز.
(7) حديث صفة أهل الجنة، وأنهم يأكلون ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوطون، وأن أكلهم وشربهم يخرج على هيئة رشح رائحته مسك. هذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وغيره.
فانظره في البخاري برقم 3245، 3327، وفي مسلم برقم 2834، وفي الترمذي برقم 3537، من حديث أبي هريرة، وانظره من حديث جابر في مسلم برقم 2835، ولم أجد في الروايات التي طالعتها لفظ: "أعراضهم"، وهو الشاهد هنا.
وقد ذكره الهروي في غريب الحديث 1/ 156، وابن الأثير في النهاية 3/ 209، ويذكره أصحاب المعاجم اللغوية في مادة: "عرض".
ومعنى الأعراض في الحديث: المواضع التي تعرق من الجسد.
(8) ساقط من ط.
(9) "ابن عربي" في ط.
(5/316)

يقول: مطلني، ويحل عقوبته بأن يحبس (1) له حتى ينصفه] (2) (3).
وقيل: عرض الرجل، حسبه وشرفه (4)، دليله قول الشاعر:
رب مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
قوله (5): (فالأول نحو الكليات الخمس ..) المسألة، أي فمثال الأول الذي هو الوصف الكائن في محل الضرورة: هو الكليات الخمس، التي هي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال والأعراض.
وبيان ذلك في حفظ النفوس: أن القتل وصف مناسب للقصاص / 303/ فترتيب القصاص عليه فيه مصلحة، وهي حفظ النفوس.
وبيانه في حفظ الأديان: أن الشرك وصف مناسب للحرابة، فترتيب الحرابة عليه لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأديان.
وبيانه في حفظ الأنساب: أن الزنا وصف مناسب للحد، فترتيب
__________
(1) "يحس" في ز.
(2) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(3) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 112، وقد فسر حل العرض بأن يقول: يا ظالم، يا آكل أموال الناس، وقد روي التفسير الذي أورده الشوشاوي عن سفيان كما في البخاري، فانظر فتح الباري 5/ 62، وروى أحمد في المسند 4/ 388، عن وكيع أنه قال: عرضه: شكايته، وعقوبته حبسه.
(4) هذا أحد معاني العرض بكسر العين، وينسب لأبي عبيد القول به، وتابعه جمهور أهل اللغة، خلافًا لابن قتيبة، لأنه يقول: العرض فيما يمدح ويذم الجسد، ويستدل بحديث أهل الجنة، وأهل اللغة يردون استدلاله بالحديث بأن المراد به مواضع العرق من الجسد. انظر: اللسان مادة: "عرض"، والأمالي لأبي علي القالي 1/ 118 - 119.
(5) "وقوله" في ز، وط.
(5/317)

[الحد] (1) عليه لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأنساب من الاختلاط.
وبيانه في حفظ العقول: أن شرب الخمر وصف مناسب للحد، فترتيب الحد عليه لما فيه من مصلحة، وهي حفظ العقول.
وبيانه في حفظ الأموال: أن السرقة مثلاً وصف مناسب للقطع، فترتيب القطع عليها لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأموال.
وبيانه [في] (2) حفظ الأعراض: أن القذف مثلاً وصف مناسب للحد، [فترتيب الحد] (3) عليه لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأعراض.
قوله: (والثاني مثل تزويج الولي الصغيرة، فإِن النكاح غير ضروري، لكن الحاجة تدعو إِليه في تحصيل الكفء (4) لئلا يفوت (5) (6)).
ش: هذا مثال للوصف (7) الذي في محل الحاجات.
فالكفء، وهو المثل (8) وصف مناسب لتزويج الولي الصغيرة، وتزويج الولي الصغيرة حكم مرتب على هذا الوصف، لما فيه من مصلحة، [وهي] (9)
__________
(1) ساقط من ز.
(2) ساقط من ز.
(3) ساقط من ط.
(4) "الكفى" في ط.
(5) "يموت" في ز.
(6) انظر: المستصفى 1/ 289، والمحصول 2/ 2/ 222، والعضد في شرحه على ابن الحاجب 2/ 241، والإبهاج 3/ 61، والإحكام للآمدي 3/ 275، وتيسير التحرير 3/ 307، وانظر: الموافقات للشاطبي 2/ 10 - 11.
(7) "الوصف" في ط.
(8) "هو" زيادة في الأصل.
(9) ساقط من ز.
(5/318)

مخافة (1) التفويت.
قوله: ([و] (2) الثالث: ما كان حثًا على مكارم الأخلاق كتحريم تناول القاذورات وسلب أهلية (3) الشهادة (4) عن الأرقاء (5)، ونحو (6) الكتابات، ونفقات القرابات) (7) (8).
ش: هذا مثال (9) الوصف الذي في محل التتمات، وذلك أن القاذورات وهي النجاسات وصف مناسب لتحريم تناولها، فترتيب (10) التحريم على هذا الوصف لمصلحة، وهي مكارم الأخلاق (11)، [و] (12) هي من التتمات، وليس من الضرورات ولا من الحاجات.
وكذلك سلب أهلية الشهادة عن العبيد (13)، وذلك [أن] (14)
__________
(1) في صلب نسخة ز: "مخالفة"، وفي الهامش علق لمخافة.
(2) ساقط من ط.
(3) "أهل" في أ.
(4) "الشهادات" في نسخ المتن.
(5) "الأزواء" في ز.
(6) "ومحو" في ز.
(7) "القربات" في أ.
(8) انظر: المستصفى 1/ 290، والمحصول 2/ 2/ 222، والإحكام للآمدي 3/ 275، والإبهاج 3/ 62، ومختصر ابن الحاجب 2/ 240، وشرح العضد عليه 2/ 241، وتيسير التحرير 3/ 307، والموافقات للشاطبي 2/ 11.
(9) "مثالا" في ط.
(10) "فرتب" في ز.
(11) "ومكارم الأخلاق" زيادة في ز، وط.
(12) ساقط من ز.
(13) "العبد" في ز، وط.
(14) ساقط من ز.
(5/319)

الخسة (1) التي هي وصف العبد، وصف مناسب لسلب أهلية الشهادة، فترتب (2) منع شهادته على هذا الوصف الذي هو الخسة لمصلحة هي (3) مكارم الأخلاق؛ لأن الشهادة منصب شريف فلا يناسبه العبد لخسته.
وليس سلب ذلك عن العبد (4) بضروري ولا بحاجي (5)، وإنما هو من مكارم الأخلاق (6).
وكذلك الكتابات، وذلك أن توهم المال في العبد وصف مناسب للكتابة، وكتابته حكم مرتب على هذا الوصف لما فيه من مصلحة، وهي العتق، لأنه من مكارم الأخلاق.
وإنما قلنا الكتابة من مكارم الأخلاق، لأنها عون على حصول العتق وإزالة الرق عن الصورة البشرية المكرمة، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (7)، فالكتابة من مكارم الأخلاق وتتمات المصالح.
وكذلك نفقات القرابات كالأبوين (8) والأولاد، فهي من مكارم الأخلاق
__________
(1) في هامش الأصل ما يلي: الخسة: هي الحقرة والدنية، يقال: فلان هو أخس جماعته، أي هو أدناهم وأسفلهم في المرتبة. اه.
(2) "فرتب" في ز، وط.
(3) "وهي" في ز، وط.
(4) "عبد" في ز، وط.
(5) "حاجى" في ز، وط.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 141.
(7) الإسراء: 70.
(8) "كالايومن" في ز.
(5/320)

وتتمات المصالح (1).
وذلك أن القرابة وصف مناسب لوجوب (2) النفقة، فوجوب النفقة حكم مرتب على هذا الوصف لمصلحة، وهي مكارم الأخلاق (3).
قوله: (وتقع أوصاف مترددة بين هذه المراتب، كقطع الأيدي باليد (4) الواحدة (5)، فإِن شرعيته (6) ضرورية صونًا للأعضاء (7).
وأمكن (8) أن يقال: ليس منه، لأنه يحتاج (9) الجاني (10) فيه إلى الاستعانة (11) بالغير، وقد يتعذر).
ش: لما ذكر [المؤلف] (12) أن الوصف قد يقطع بأنه في محل الضرورات،
__________
(1) وهي مع ذلك - أعني نفقة الأبوين والأولاد - واجبة بالإجماع فلا منافاة بين كون الشيء واجبًا، وكونه تحسينيًا.
فإن ستر العورة واجب، وأكل النجاسات وبيعها محرم، والطهارة وإزالة النجاسة واجب، وهذه كلها في عداد التتمات التحسينيات. انظر: الموافقات للشاطبي 2/ 11، وانظر: الإجماع على وجوب نفقة الوالدين والأولاد. المغني لابن قدامة 7/ 583، ومراتب الإجماع لابن حزم ص 79.
(2) "لوجود" في ط.
(3) انظر: شرح القرافي ص 392، والمسطاسي ص 141.
(4) "الايد" في ط.
(5) "الوحدة" في ط.
(6) "شريعته" في ز.
(7) "الأطراف" في ش.
(8) "وان أمكن" في خ، وش.
(9) "لا يحتاج" في أ.
(10) "الجان" في ط.
(11) "الاستقامة" في ز.
(12) ساقط من ز، وط.
(5/321)

أو في محل الحاجات، أو في محل التتمات، ذكر ها هنا أن الوصف قد [لا] (1) يقطع فيه بشيء (2) (3)، فيكون مترددًا، أي محتملاً (4).
مثال الوصف الذي لا يقطع عليه بشيء (5) من ذلك بل هو محتمل: قطع الأيدي باليد الواحدة، [فإن قطع الأيدي باليد الواحدة] (6) وصف متردد بين الضروري والحاجي، فإنه يمكن أن يقال: قطع الأيد [ي] (7) باليد الواحدة (8) حكم مرتب على قطع اليد الواحدة (8)، حكم ضروري لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأعضاء، كما نقول في قطع اليد الواحدة (9) باليد الواحدة (9)؛ إذ لو قلنا بعدم قطع الأيدي (10) باليد الواحدة لأدى ذلك إلى عدم صيانة الأعضاء، ولكان كل من أراد قطع عضو إنسان استعان بغيره، فينتفي القصاص.
ويمكن أن يقال (11): قطع الأيدي [باليد] (12) الواحدة (13) ليس بضروري؛
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "شيء" في ز.
(3) "من ذلك" زيادة في ز، وط.
(4) انظر: البرهان فقرة 907، والمحصول 2/ 2/ 223، والإبهاج 3/ 64، والموافقات 2/ 12.
(5) "شيء" في ز.
(6) ساقط من ط.
(7) ساقط من ط.
(8) "الوحدة" في ط.
(9) "الوحدة" في ط.
(10) "اليد المتعددة" في ط.
(11) "يكون" في ط.
(12) ساقط من الأصل.
(13) "بالواحدة" في الأصل.
(5/322)

لأن الغير قد يساعد الجاني [على الإعانة] (1)، وقد لا يساعده (2) فيتعذر (3).
فمن اعتبر الصيانة قال بأن القطع (4) ضروري.
ومن اعتبر عدم تحقق الاستعانة قال: ليس بضروري.
وقطع الأيدي المتعددة باليد الواحدة حكم مرتب على قطع اليد الواحدة، وهو (5) ضروري لمصلحة، وهي حفظ الأعضاء.
وأمكن أن يقال: ليس من الضروري، بل هو من الحاجي؛ لأنه يحتاج الجاني فيه إلى الاستعانة بغيره، والضروري لا يحتاج [الجاني] (6) فيه إلى الاستعانة بالغير، وقد يتعذر الاستعانة بالغير.
قوله: (ومثال (7) اجتماعها كلها في وصف واحد: أن نفقة النفس ضرورية والزوجات حاجية (8)، والأقارب (9) تتمة) (10).
ش: وذلك أن الجوع وصف مناسب لوجوب النفقة، كانت النفقة
__________
(1) كذا في النسخ الثلاث، والمعنى يستقيم بحذفها.
(2) "يستاعده" في ط.
(3) انظر: الإبهاج 3/ 64، وشرح المسطاسي ص 141.
(4) "هو" زيادة في ط.
(5) "وهي" في ز.
(6) ساقط من الأصل.
(7) "ومثل" في الأصل.
(8) "حاجة" في أ، وخ.
(9) "الأقاريب" في الأصل.
(10) "تتمية" في ط.
(5/323)

[ضرورية كالنفقة] (1) على نفسه، أو كانت (2) حاجية كالنفقة على الزوجة، أو كانت تتمة (3) كالنفقة (4) على الأبوين، فقد اجتمعت الضرورة والحاجة والتتمة في شيء واحد، [وهو وجوب النفقة] (5).
قوله: (واشتراط العدالة في الشهادة ضروري صونًا للنفوس والأموال، وفي الإِمامة (6) على الخلاف حاجية (7) لأنها شفاعة والحاجة داعية (8) [إِلى] (9) إِصلاح (10) الشفيع، وفي النكاح تتمة لأن الولي قريب يزعه (11) طبعه عن الوقوع في العار والسعي في الإِضرار، وقيل: حاجية (12) على الخلاف.
ولا يشترط / 304/ في الإِقرار لقوة الوازع الطبعي (13)).
ش: هذا مثال [آخر] (14) لاجتماع المراتب الثلاث (15)، وهي: الضرورة،
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "على" زيادة في ط.
(3) "تتمية" في ط.
(4) "كنفقة" في ط.
(5) ساقط من ز، وط.
(6) "الأمانة" في ط.
(7) "حاجة" في أ، وخ.
(8) "تدعو" في ز، وط.
(9) ساقط من نسخ المتن.
(10) "لإصلاح" في نسخ المتن.
(11) "يمنعه" في ش.
(12) "حاجة" في أ، وخ.
(13) "الطبيعي" في ش.
(14) ساقط من ط.
(15) "الثلاثة" في الأصل.
(5/324)

والحاجة، والتتمة.
وذلك أن اشتراط العدالة، قد يكون ضروريًا، وقد يكون حاجيًا، وقد يكون تتميًا.
مثال كونه ضروريًا: اشتراط العدالة في الشهادة، لأن الشهادة وصف مناسب لاشتراط العدالة، فاشتراط العدالة حكم مرتب على الشهادة لما فيه من مصلحة، وهي صون النفوس والأموال.
ومثال كون اشتراط العدالة حاجيًا: اشتراط العدالة في إمامة الصلاة، على القول باشتراط العدالة فيها، وهو قول مالك (1)، وذلك أن الإمامة وصف مناسب لاشتراط العدالة فيها (2)، فاشتراط العدالة حكم مرتب على الإمامة لما فيه من المصلحة، وهي الشفاعة، والحاجة داعية إلى إصلاح الشفيع.
ومراد المؤلف بالإمامة: الإمامة الصغرى، وهي إمامة الصلاة، يدل عليه قوله: لأنها شفاعة.
وأما الإمامة (3) الكبرى فاشتراط العدالة فيها ضروري، صونًا للنفوس
__________
(1) وهي رواية عن أحمد، وأما الشافعية والحنفية ومشهور الحنابلة فهو الجواز لإمامة غير العدل.
وأول أَبو بكر الأبهري مذهب مالك هنا بقوله: إن صلى خلف من قطع بفسقه أعاد أبدًا، وإن صلى خلف مظنون الفسق أعاد في الوقت. اه. ويريد بالمقطوع بفسقه من كان مجمعًا على فسقه. انظر: المنتقى للباجي 1/ 236، والمدونة 1/ 83 - 84، وبداية المجتهد 1/ 145، والمغني 2/ 187 - 188، والهداية للمرغيناني 1/ 56، والوسيط للغزالي 2/ 699، وشرح العقيدة الطحاوية 421 - 423.
(2) "فيهما" في الأصل.
(3) "الأمانة" في ط.
(5/325)

والأموال (1).
ومثال كون اشتراط العدالة تتمة: اشتراط العدالة في ولي النكاح، وذلك أن الولاية وصف مناسب لاشتراط العدالة، فاشتراط (2) العدالة حكم مرتب على الولاية لما فيه من مصلحة، وهي دفع العار (3) عن الولي، فاشتراط العدالة في هذه الولاية تتمة، وقيل حاجية؛ لأن الحاجة داعية إلى إصلاح الولي.
قوله: (على الخلاف)، أي على القول باشتراط العدالة في ولي النكاح، وفي مذهب مالك قولان في اشتراط العدالة في ولي النكاح، المشهور عدم اشتراطها اكتفاء بالوازع الطبعي عن العدالة (4).
قوله: (ولا يشترط في الإِقرار)، (5) أي ولا يشترط اشتراط (6)
__________
(1) هذا في نصب الخليفة ابتداء، أما إن غلب الناس بسيفه فاسق، أو كان عدلاً ثم أحدث فسقًا بعد بيعته، فلا يجوز الخروج عليه، هذا الذي عليه العلماء، وتدل عليه النصوص، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان" رواه البخاري عن عبادة بن الصامت في الفتن برقم 7056، وانظر: فتح الباري 13/ 8، ومراتب الإجماع لابن حزم ص 126، وانظر كلام الشوشاوي هذا، في: شرح المسطاسي ص 141.
(2) "فإن اشتراط" في ط.
(3) "الجار" في ز.
(4) انظر: بداية المجتهد 2/ 12، ومقدمات ابن رشد 2/ 47، والقوانين لابن جزي ص 174، والمنتقى للباجي 3/ 272، والقول بعدم اشتراط العدالة، هو قول الجمهور، خلافًا للشافعية وأحمد في رواية.
انظر: المغني 6/ 466، والتنبيه للشيرازي ص 95، وانظر: شرح القرافي ص 392، والمسطاسي ص 141.
(5) "لقوة الوازع الطبعي" زيادة في ز، وط.
(6) "اشتراك" في ط.
(5/326)

العدالة في الإقرار، لأن الوازع الطبعي يمنع (1) الإنسان من الإضرار بنفسه بغير موجب (2) فلا يقر (3) الإنسان إلا بما هو حق عليه، فيقبل (4) إقراره (5) سواء كان برًا أو فاجرًا (6)، مؤمنًا أو كافرًا، ولا خلاف (7) بين الأمة في ذلك (8).
فتبين بهذه الأمثلة أن الضرورة والحاجة والتتمة قد اجتمعت في شيء واحد، وهو العدالة.
قوله: (ودفع المشقة عن النفوس مصلحة، ولو أفضت إِلى مخالفة (9) القواعد، وهي ضرورية (10) مؤثرة في الترخيص، كالبلد الذي يتعذر فيه العدول.
قال: ابن أبي زيد في النوادر: تقبل شهادة أمثلهم (11) حالاً لأنها (12) ضرورة.
__________
(1) "مع" في ز.
(2) "وجب" في ز.
(3) "يضر" في ز.
(4) "فليقبل" في ط.
(5) "اضراره" في ز.
(6) "كان" زيادة في ز، وط.
(7) "فيه" زيادة في ط.
(8) انظر: مراتب الإجماع ص 56، والإفصاح لابن هبيرة ص 14، 15، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 387، وشرح القرافي ص 392، والمسطاسي ص 141.
(9) "خلاف" في ش.
(10) "ضرورته" في ز.
(11) "امثلتهم" في أ.
(12) "لأنه" في أ، وخ.
(5/327)

وكذلك يلزم في القضاة وولاة (1) الأمور، وحاجية (2) في الأوصياء (3) على الخلاف (4) في عدم اشتراط العدالة، وتمامية (5) في السلم والمساقاة (6) وبيع الغائب، فإِن [في] (7) منعها مشقة على الناس، وهي من تتمات معايشهم (8)).
ش: هذا مثال آخر لاجتماع المراتب الثلاث، وهي: الضرورة، والحاجة، والتتمة.
وذلك أن دفع المشقة باعتبار تأثيرها في الترخيص، قد يكون ضروريًا، وقد يكون حاجيًا، وقد يكون تتميًا (9).
مثال كونه ضروريًا: البلد الذي ليس فيه عدول بل عمه الفسق، فإن عموم الفسق للبلد وصف مناسب [لجواز] (10) قبول (11) شهادة غير العدل (12)، وقبول شهادة غير العدل (12) حكم مرتب على الفسق (13)، لما فيه من مصلحة،
__________
(1) "وأولاة" في الأصل، وز، وط.
(2) في أ، وخ: "حاجة"، وفي ط: "حاجيته".
(3) في الأصل: "الأويصاء"، وفي خ: "الأولياء".
(4) "على الخلاف في الأوصياء"، في ش بالتقديم والتأخير.
(5) في الأصل: "تامية"، وفي ز، وط: تتمة.
(6) "المساقاة والسلم" في ز، وط، بالتقديم والتأخير.
(7) ساقط من أ.
(8) "معاشهم" في نسخ المتن.
(9) "تتما" في الأصل.
(10) ساقط من ز، وط.
(11) "لقبول" في ز، وط.
(12) "العدول" في ط.
(13) الأولى أن يقول: حكم مرتب على عدم وجود العدل.
(5/328)

وهي صون النفوس والأموال، فقبلت شهادة الفاسق هنا لهذه المصلحة، وإن كان ذلك مخالفًا لقاعدة الشهادة التي هي العدالة، لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (1)، وقال أيضًا: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (2).
وذلك أنه لو كلف شهادة (3) العدول في البلد (4) الذي تعذر فيه العدول، لكان ذلك مشقة على النفوس، فقبلت شهادة غير العدول للضرورة، دفعًا لهذه المشقة.
وقد نص ابن أبي زيد [رضي الله عنه على هذا] (5) في [كتابه] (6) النوادر قال (7): تقبل شهادة أمثلهم حالاً، أي أحسنهم حالاً، وفي بعض تواليفه (8) قال: [قال] (9) سحنون: من (10) غلب خيره على شره جازت شهادته، سيأتي على الناس زمان لا يوجد فيه عدل رضا.
قوله: (وكذلك يلزم [في] (11) القضاة وولاة (12) الأمور)، .............
__________
(1) الطلاق: 2.
(2) البقرة: 282.
(3) "بشهادة" في ز.
(4) "البلاد" في ط.
(5) ساقط من ز، وط.
(6) ساقط من ز.
(7) "وقال" في ط.
(8) "توليفيه" في الأصل.
(9) ساقط من ط.
(10) "ومن" في ط.
(11) ساقط من ط.
(12) "وأولاة" في ز، وط.
(5/329)

هذا (1) مثال آخر للضروري أيضًا، وذلك أن البلد الذي ليس فيه عدل يستحق القضاء، أو يستحق ولاية الأمر، بل عم الفسق أهل البلد كلهم، فإنه يلزم أن يستقضي أحسنهم حالاً، وكذلك يلزم أن يتولى أمرهم أحسنهم (2) حالاً، فإن عموم الفسق وصف مناسب لجواز استقضاء غير العدل، فاستقضاء غير العدل [حكم] (3) مرتب على عموم الفسق، لمصلحة، وهي حفظ النفوس والأموال، وكذلك تولية غير العدل.
وذلك من باب تغليب أحد الضررين (4) على الآخر، وذلك أن الضررين (4) إذا تعارضا فإنه يقدم أقواهما، لأن العمل بالراجح متعين، وذلك أن الضرر الحاصل من عدم قبول الشهادة وعدم نصب القضاء والإمامة لعدم العدالة، أعظم من الضرر الحاصل من قبول الشهادة ونصب القضاة والولاة لعدم العدالة (5).
قوله: (وحاجية في الأوصياء على الخلاف في عدم اشتراط العدالة)، هذا معطوف (6) على قوله: وهي ضرورية (7) هذا مثال كون المشقة (8) حاجية، وذلك أن عموم الفسق وصف مناسب لاستيصاء غير العدل، واستيصاء غير العدل حكم مرتب على عموم الفسق، لمصلحة، وهي دفع (9) المشقة عن
__________
(1) "هذه" في ز.
(2) "احاسنهم" في ط.
(3) ساقط من ط.
(4) كذا في ط، وفي الأصل، وز: "الضرورين".
(5) الأولى أن يقول: مع عدم العدالة، وانظر: شرح المسطاسي ص 142.
(6) "مقطوع" في ز.
(7) "ضرورة" في ط.
(8) "الثقة" في ز، وط.
(9) "تدفع" في ط.
(5/330)

النفوس.
قال المؤلف في الشرح: قولي: حاجية في الأوصياء، معناه: أن الناس يحتاجون (1) أن يوصوا لغير العدول، وفي منعهم من ذلك مشقة عليهم، وفيه خلاف، ومذهب مالك إنه إنما يشترط (2) فيه أن يكون مستور الحال فقط (3).
وعلى القول بعدم اشتراط العدالة مع أنها ولاية، والولاية لا بد فيها من العدالة، لكن خولفت هذه القاعدة في عدم/ 305/، اشتراط العدالة في الأوصياء، دفعًا للمشقة الناشئة من الحيلولة بين الإنسان [و] (4) بين من يريد أن يعتمد (5) عليه (6).
__________
(1) "يحتاجوا" في ز.
(2) "اشترط" في ز.
(3) هذا ما يدل عليه نص مختصر خليل؛ فإنه اشترط كونه عدلاً فيما ولي عليه. قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير للدردير: والمراد حسن التصرف، ليس عدالة الشهادة، ولا عدالة الرواية، ولكن جاء في المدونة أن مالكًا سئل عن الوصي الخبيث أيعزل عن الوصية؟ فقال: نعم، إذا كان الوصي غير عدل فلا تجوز الوصية إليه. اه.
وقد نسب ابن قدامة في المغني إلى مالك والشافعي ورواية عن أحمد عدم صحة الوصية إلى الفاسق، ورواية أحمد الأخرى: تصح الوصية إليه، ويضم إليه أمين، ونسب لأبي حنيفة صحة الوصية إليه ونفاذ تصرفه، وما ذكر القرافي هنا من الاكتفاء بالستر موافق لرأي أكثر الحنفية، فإن أكثرهم يعتبر العدالة: الإسلام وعدم إظهار ما يدل على الفسق.
انظر: المدونة 4/ 287، والشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوي 6/ 355، والمغني لابن قدامة 6/ 138، وبدائع الصنائع 6/ 268.
(4) ساقط من ز.
(5) "يتعمد" في ط.
(6) انظر: شرح القرافي ص 392، والمسطاسي ص 142.
(5/331)

قوله: (وتمامية (1)، في السلم (2) والمساقاة (3) (4) وبيع الغائب)، هذا مثال كون المشقة تتمة.
وبيان (5) ذلك في السلم: أن العجز وصف مناسب لبيع ما ليس عندك، وبيع ما ليس عندك حكم مرتب على هذا الوصف لمصلحة، وهي دفع المشقة عن النفوس.
ونقول في المساقاة أيضًا:
إن العجز وصف مناسب لجواز إجارة مجهولة، فجواز الإجارة المجهولة حكم مرتب على هذا الوصف لمصلحة، وهي دفع المشقة.
[وكذلك نقول في بيع الغائب: فإن العجز وصف مناسب لجواز بيع الغائب، وجواز بيع الغائب حكم مرتب على هذا الوصف لمصلحة، وهي دفع المشقة] (6) عن النفوس.
__________
(1) "وتتمة" في ز، وط.
(2) السلم لغة بمعنى السلف.
أما في الاصطلاح فقد ذكروا له حدودًا أحسنها، هو عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً.
انظر: الصحاح، مادة: سلم، والتعريفات للجرجاني ص 106، وتصحيح التنبيه للنووي ص 60، وأنيس الفقهاء للقونوي ص 218.
(3) المساقاة هي أن يستعمل رجل رجلاً في نخيل ونحوها ليقوم بإصلاحها على أن يكون له سهم معلوم مما تغله.
انظر: أنيس الفقهاء ص 274.
(4) "في المساقاة والسلم" في ز، وط بالتقديم والتأخير.
(5) "وبين" في ط.
(6) ما بين القوسين ساقط من ز، وط.
(5/332)

قال المؤلف في الشرح: وكذلك خولفت القواعد في السلم، والمساقاة، وبيع الغائب، والجعالة، والمغارسة (1)، وغير ذلك، لما (2) فيه [من] (3) جهالة (4) وغرر (5) (6).
وكذلك الصيد لاشتماله على الفضلات، وعدم تسهيل الموت على الحيوانات، فقد خولفت القواعد في هذه الأشياء لتتمة المعاش (7)، فإن من الناس (8) من يحتاج في معاشه إلى هذه الأمور، وذلك شرع عام في الكل لعدم الانضباط في مقادير الحاجات (9).
فتقرر بما قررناه: أن الوصف الذي هو المشقة اجتمع فيه أيضًا الثلاثة الأشياء: الضرورة، والحاجة، والتتمة.
قوله: (و [هو] (10) ينقسم أيضًا (11) إِلى ما اعتبره الشرع، وإِلى ما ألغاه، وإِلى ما جهل حاله.
__________
(1) "المغارسد" في ز.
(2) "مما" في ز، وط.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) "حياله" في ز.
(5) "غرور" في الأصل.
(6) في شرح القرافي ص 392، فيما فيه جهالة في الأجرة وغرر.
(7) "المعايش" في الأصل، والمثبت موافق لما فيه شرح القرافي.
(8) "من في الناس" في ز.
(9) انظر: شرح القرافي 392 - 393، وفيه اختلاف يسير عما هنا.
وانظر: شرح المسطاسي ص 142.
(10) ساقط من ز، وط.
(11) "أيضًا ينقسم" في نسخ المتن بالتقديم والتأخير.
(5/333)

فالأول (1) ينقسم إِلى ما اعتبر (2) نوعه في نوع الحكم، كاعتبار نوع الإِسكار في نوع التحريم، وإِلى ما اعتبر جنسه [في جنسه] (3)، كالتعليل بمطلق (4) المصلحة، كإِقامة الشرب (5) مقام القذف لأنه مظنته.
وإِلى ما اعتبر نوعه في جنسه، كاعتبار الأخوة في التقديم في الميراث، فيقدم (6) في النكاح، وإِلى ما اعتبر جنسه في نوع الحكم، كإِسقاط الصلاة عن الحائض بالمشقة، فإِن المشقة جنس، وهو (7) نوع من الرخص.
فتأثير النوع في النوع، مقدم على تاثير النوع في الجنس، وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع، وهو مقدم على تأثير الجنس في الجنس.
والملغى، نحو المنع من زراعة العنب خشية الخمر.
والذي جهل أمره، هو (8) المصلحة المرسلة، التي نحن (9) نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في المذاهب (10)).
__________
(1) "والأول" في نسخ المتن.
(2) "إلى اعتبار" في أ.
(3) ساقط من ط.
(4) "في كلو" في ز.
(5) "المشرب" في ز.
(6) "فتقدم" في ح، وش.
(7) في خ، وز، وط: "وهي"، وفي ش زيادة: "أي الإسقاط".
(8) "هي" في ز، وط.
(9) "نحو" في ز.
(10) "المذهب" في أ، وط.
(5/334)

ش: قوله: (وهو ينقسم أيضًا)، يعني المناسب.
وذلك أن المؤلف قسم المناسب أولاً باعتبار الضرورة والحاجة والتمام، ثم قسمه ها هنا بالنسبة إلى الاعتبار والإلغاء والإهمال.
وذلك أن (1) الوصف المناسب للحكم الشرعي، تارة يعتبره الشرع، وتارة لا يعتبره بل يلغيه ويتركه، وتارة يسكت (2) عنه ولم يعتبره ولم يلغه (3)، وسيأتي بيان جميعها.
قوله: (فالأول ينقسم إِلى ما اعتبر نوعه في نوع الحكم)، قسم المؤلف الأول من (4) الأقسام الثلاثة، وهو المناسب المعتبر إلى أربعة أقسام، وهي:
النوع في النوع، والجنس في الجنس، والنوع في الجنس، والجنس في
__________
(1) فوق (أن) في نسخة ط حروف لم أتبينها.
(2) "يسكته" في ز.
(3) تختلف مناهج الأصوليين في تقسيم المناسب، والقرافي هنا تابع الرازي في تقسيمه واختصره، وانظر آراء الأصوليين في هذا الموضع في:
المستصفى 2/ 297، والروضة ص 303، ومختصر ابن الحاجب 2/ 242، وأصول ابن مفلح 3/ 786، والإحكام للآمدي 3/ 282، وفواتح الرحموت 2/ 265، وتيسير التحرير 3/ 310، وجمع الجوامع مع شرح المحلي 2/ 282، والتوضيح 2/ 143، وما بعدها.
وانظر: الإبهاج 3/ 65 - 70، ونهاية السول 4/ 91 - 103، فقد ذكرا كثيرًا من اصطلاحات المؤلف في التقسيم، وراجع شرح حلولو ص 343، ففيه تفصيل حسن، وانظر تقسيم القرافي هذا في: المحصول 2/ 2/ 226، والإبهاج 3/ 65، ونهاية السول 4/ 91، والمستصفى 1/ 284، ومختصر ابن اللحام ص 162، والاعتصام للشاطبي 2/ 113، وانظر: المنخول ص 353.
(4) "في" في الأصل.
(5/335)

النوع (1).
ولا بد ها هنا من مقدمة بها يفهم كلام المؤلف رحمه الله تعالى، وهي: أن تعلم (2) أحوال الوصف وأحوال الحكم باعتبار الجنسية والنوعية.
فنقول: الوصف من حيث هو وصف هو جنس عال، وتحته مناسب وغير مناسب، ثم المناسب تحته معتبر وغير معتبر، ثم المعتبر تحته مصلحة ومفسدة، ثم المصلحة [أ] (3) والمفسدة تحتها ضرورة أو حاجة أو تتمة (4)، فهذه أحوال الوصف.
وأما أحوال الحكم فنقول: الحكم من حيث هو حكم هو جنس عال، وتحته طلب وتخيير، ثم الطلب تحته طلب فعل و (5) طلب ترك، ثم طلب الفعل تحته طلب واجب وطلب مندوب، ثم الواجب [تحته] (6) عبادي وعادي.
ونقول أيضًا في طلب الترك (7): تحته ترك محرم وترك مكروه، فهذه
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 2/ 226، والإبهاج 3/ 66، ونهاية السول 4/ 94، وشرح المسطاسي ص 142.
(2) "أن" زيادة في ز.
(3) ساقط من ط.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 228، والإحكام للآمدي 3/ 284، والإبهاج 3/ 67، ونهاية السول 4/ 97، والمستصفى 2/ 321، وشرح القرافي ص 393، وشرح المسطاسي ص 142، وشرح حلولو ص 344.
(5) "تر" زيادة في ز.
(6) ساقط من ط.
(7) "التركة" في ط.
(5/336)

أحوال الحكم (1).
وبهذا الطريق تظهر الأجناس العالية والمتوسطة، والأنواع السافلة في الأحكام والأوصاف.
وبيان هذا أن نقول: الوصف أعم أحواله كونه وصفًا، وأخص منه كونه مناسبًا، وأخص منه كونه معتبرًا، وأخص منه كونه مصلحة أو مفسدة، وأخص منه كونه مصلحة كذا أو مفسدة كذا، وأخص منه كون المصلحة أو المفسدة من باب الضرورة أو الحاجة أو التتمة.
وأما الحكم فأعم أحواله كونه حكمًا، وأخص منه [كونه] (2) طلبًا أو تخييرًا، وأخص منه كونه إيجابًا أو تحريمًا، وأخص منه كونه إيجاب كذا أو تحريم كذا.
فإذا تحققت هذه المقدمة (3) سهل عليك فهم كلام المؤلف.
قوله: (فالأول ينقسم إِلى ما اعتبر نوعه في نوع الحكم (4) كاعتبار نوع الإِسكار في نوع التحريم)، هذا مثال تأثير النوع في النوع (5)، اعتبر نوع
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 2/ 228، والإحكام للآمدي 3/ 284، والإبهاج 3/ 67، ونهاية السول 4/ 97، والمستصفى 2/ 320 - 321، وشرح القرافي ص 393، وشرح المسطاسي ص 142، وشرح حلولو ص 344.
(2) ساقط من ط.
(3) في ز: "المقامة"، وفي ط: "المتقدمة".
(4) "فاعتبار" زيادة في ط.
(5) انظر: المستصفى 2/ 298، 319، والإحكام للآمدي 3/ 282، وأصول ابن مفلح 3/ 788، والمحصول 2/ 2/ 226، والإبهاج 3/ 66، ونهاية السول 4/ 94.
(5/337)

الوصف (1) الذي هو الإسكار، في نوع الحكم الذي [هو] (2) التحريم.
وإنما قلنا: الإسكار نوع، لأنه تحت المفسدة، وهو نوع من أنواع المفسدة؛ لأن المفسدة جنس تحتوي على الإسكار وغيره من [سائر] (3) أنواع المفسدة (4).
وإنما قلنا: التحريم نوع، لأنه تحت الطلب، لأن الطلب جنس يحتوي على التحريم وغيره من أنواع الطلب.
فقد اعتبر ها هنا النوع في النوع.
قوله: (وإِلى ما اعتبر جنسه في جنسه كالتعليل بمطلق المصلحة، كإِقامة الشرب مقام القذف لأنه مظنته (5))، هذا مثال تأثير الجنس في الجنس (6)، معناه: كالتعليل/ 306/ بمطلق المصلحة في مطلق الحكم، أي كالتعليل بجنس المصلحة في جنس الحكم.
وذلك أن شرب الخمر جنس الوصف، والحد جنس الحكم.
__________
(1) "الموصف" في ط.
(2) ساقط من الأصل.
(3) ساقط من الأصل.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 143.
(5) "مظلته" في ز.
(6) وهذا عند بعضهم أحد أقسام الملائم، ويمثله أكثرهم بقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان. انظر: الإحكام للآمدي 3/ 282، وجمع الجوامع 2/ 283، وأصول ابن مفلح 3/ 787.
وانظر: المحصول 2/ 2/ 227، والإبهاج 3/ 67، ونهاية السول 4/ 95، والمستصفى 2/ 320.
(5/338)

وذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن [حد] (1) شارب الخمر، فقال: أراه إذا شرب سكر، وإذا سكر [هذى] (2)، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري، فأخذ رضي الله عنه مطلق المناسبة والمظنة، لأن الشرب مظنة القذف.
قوله: (وإِلى ما اعتبر نوعه في جنسه، كاعتبار الأخوة في التقديم في الميراث فيقدم في النكاح)، هذا مثال تأثير النوع في الجنس (3).
وذلك أن الأخوة نوع من الأوصاف، لأن النسب جنس للأخوة، والتقديم جنس من الأحكام، لأنه يحتوي على التقديم في الميراث، وعلى التقديم في النكاح، وعلى التقديم في صلاة (4) الجنازة.
فيقدم الإخوة مطلقًا في الأبواب الثلاثة قياسًا للنكاح والجنازة على الميراث.
قوله: (وإِلى ما اعتبر جنسه في نوع الحكم، كإِسقاط الصلاة عن (5) الحائض بالمشقة، فإِن المشقة جنس، وهو نوع من الرخص).
هذا مثال تأثير الجنس في النوع (6)، وذلك أن المشقة جنس؛ لأنها متنوعة
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) ساقط من ط.
(3) انظر: المحصول 2/ 2/ 226، ونهاية السول 4/ 95، والإبهاج 3/ 66، والمستصفى 2/ 319، وشرح المسطاسي ص 143.
(4) في الأصل: "في لصلاة".
(5) "على" في ط.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 227، والمستصفى 2/ 319، والإحكام للآمدي 3/ 284، والإبهاج 3/ 66، ونهاية السول 4/ 95، وشرح المسطاسي ص 143.
(5/339)

إلى مشقة الصلاة وإلى مشقة الصيام و [إلى] (1) غير ذلك من أنواع المشاق، فمطلق المشقة جنس، وإسقاط الصلاة عن (2) الحائض نوع من الأحكام والإسقاطات والرخص (3).
قوله: (فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس)، لما ذكر أقسام المناسب الأربعة أراد [ها] (4) هنا أن يبين أحكام تلك الأقسام فيما إذا تعارضت.
فذكر ها هنا أولاً أن تأثير النوع في النوع مقدم على الجميع، أي مقدم على الأقسام الثلاثة (5)، وهي: تأثير النوع في الجنس، وتأثير الجنس في النوع، وتأثير الجنس في الجنس (6).
وإنما قدم تأثير النوع في النوع على الجميع لوجود الخصوصين فيه، أعني خصوص الوصف، وخصوص الحكم، بخلاف غيره من الأقسام الثلاثة الباقية إذ ليس في قسمين منها (7) إلا خصوص واحد، وهما النوع في الجنس؛ والجنس (8) في النوع، وليس في القسم الثالث خصوص أصلاً، وهو الجنس في
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) "على" في ط.
(3) انظر: شرح القرافي ص 394.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) "الثلاثة الأقسام" في الأصل بالتقديم والتأخير.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 227، والمستصفى 2/ 319، والإحكام للآمدي 4/ 279، ومختصر ابن الحاجب 2/ 318، والإبهاج 3/ 66.
(7) "منهما" في ز.
(8) "أو الجنس" في ز.
(5/340)

الجنس، فلأجل هذا قدم النوع في النوع على الجميع لوجود (1) الخصوصين فيه؛ إذ الأخص بالشيء مقدم على غيره أبدًا (2).
ولأجل هذه القاعدة قدمت البنوة في الميراث على الأخوة، وقدمت الأخوة على (3) العمومة.
ولذلك قدم النجس على الحرير [في الصلاة] (4) من حيث المنع؛ لأن النجس أخص بالصلاة من الحرير، فإن منع الحرير لا يختص بالصلاة، فكان (5) تحريم النجس (6) أقوى من تحريم الحرير؛ لاختصاص منع النجس بالصلاة على الخلاف فيه.
وكذلك المحرم إذا لم يجد إلا ميتة وصيدًا، فإنه يأكل الميتة دون الصيد (7)،
__________
(1) "الأجل وجود" في ز، وط.
(2) انظر: شرح القرافي ص 394، والمسطاسي ص 143.
(3) "في" في ط.
(4) ساقط من ز.
(5) "فدان" في ز.
(6) "الجنس" في ط.
(7) هذا قول جمهور العلماء، وقال الشافعي في أحد قوليه: يأكل الصيد، وهو قول الشعبي، وهو اختيار أبي يعلى الحنبلي في الخلاف، ووجه تقديم الميتة في الأكل عند من قدمها على الصيد: أن الصيد فيه ثلاث جنايات، صيده، وذبحه، وأكله، بخلاف الميتة فليس فيها إلا الأكل، وقالوا أيضًا: إن الميتة إباحتها للمضطر منصوصة، أما الصيد فإباحته له بالاجتهاد.
أما من اختار أكل الصيد فلأن كلا منهما فيه جناية، فالضرورة أباحت الجناية في كل منهما، فيتميز الصيد بكونه مذكى فيقدم.
انظر: المغني لابن قدامة 8/ 601، والكافي لابن عبد البر 1/ 439، والتنبيه للشيرازي ص 53، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 87، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 90، والقواعد لابن رجب ص 246.
(5/341)

لأن تحريم الصيد خاص بالإحرام، بخلاف تحريم الميتة فإنه عام للإحرام وغيره.
فالقاعدة (1) أن الأخص أبدًا مقدم على الأعم (2).
ومعنى قولنا: يقدم الصيد على الميتة، أي يقدم عليه في المنع والترك، أي يقدم تحريم الصيد على تحريم الميتة، أي فيترك الصيد.
وكذلك قولنا: يقدم النجس على الحرير في الصلاة، أي يترك النجس ويصلى بالحرير؛ لأن ضرورة (3) الأخص أشد وأقوى من ضرورة (3) الأعم.
قوله: (فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس) يعني إذا تعارضا، أي [إذا] (4) تعارض التأثيران.
مثاله: إذا لم يجد العريان إلا ثوب الحرير وثوب النجس، فإنه يترك النجس ويصلي بالحرير، وإنما يقدم تحريم النجس (5) ها هنا على تحريم الحرير؛ لأن تحريم النجس فيه تأثير النوع في النوع، بخلاف تحريم الحرير فهو تأثير النوع في الجنس.
وبيان ذلك أن لبس (6) الثوب النجس نوع من الوصف؛ لأن لبس الثوب أعم من النجس والطاهر، فلبس (7) النجس إذًا أخص من ذلك، ثم تحريم
__________
(1) "فالقاعد" في الأصل.
(2) انظر: شرح القرافي ص 394، والمسطاسي ص 143.
(3) "ضرر" في ز، وط.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) "الجنس" في الأصل.
(6) "لباس" في ز.
(7) في ز: "والظاهر أن لبس".
(5/342)

لباسه في الصلاة نوع من الحكم؛ لأن لبس النجس أعم من كونه في داخل الصلاة أو في خارجها، فصار تحريم [لبس] (1) النجس في الصلاة إذًا أخص من تحريمه (2) مطلقًا في الصلاة وفي خارجها.
فقد ظهر لك بهذا (3) التقرير أن لبس النجس في الصلاة فيه تأثير النوع في النوع.
ونقول في الحرير: إن لبس الحرير نوع من الوصف؛ لأن لبس الثوب أعم من الحرير وغيره، فصار لبس الحرير إذًا أخص من ذلك.
ثم تحريم لباسه أعم من كونه في الصلاة أو [في] (4) غيرها.
فقد ظهر لك بهذا [التقرير] (5) أن لبس (6) الحرير فيه تأثير النوع في الجنس، فلبس الحرير وصف مناسب لتحريمه مطلقًا في الصلاة وفي غيرها، ولبس النجس وصف مناسب لتحريمه في الصلاة خاصة، فيقدم النجس في الترك (7) ويصلى بالحرير؛ لأن مفسدة النجس خاص بالصلاة ومفسدة الحرير عامة للصلاة وغيرها؛ إذ لا تعلق لها (8) بخصوص الصلاة، فإن النهي الخاص يقدم
__________
(1) ساقط من ز، وملغى من ط.
(2) "تحريم" في ط.
(3) "هذا" في ز، وط.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "أو لبس" في ز.
(7) "التروك" في الأصل.
(8) "بها" في ط.
(5/343)

على النهي العام.
هذا هو توجيه القول المشهور بتقديم الحرير في الفعل على النجس، وهو قول ابن القاسم.
وقال أصبغ: يصلي بالنجس، ووجهه أن النجس يجوز لباسه في غير الصلاة، فهو أخف من هذا الوجه من الحرير؛ لأن الحرير لا يجوز لباسه في الصلاة (1) ولا في غيرها.
قال ابن الحاجب في الفروع: ويستتر العريان بالنجس وبالحرير، على المشهور، ونص ابن القاسم وأشهب في الحرير: يصلي عريانًا، فإن اجتمعا، فالمشهور ابن (2) القاسم (3) بالحرير، وأصبغ بالنجس، وخرج في الجميع قولان (4)، والمذهب: يعيد في الوقت، ولو صلى بالحرير مختارًا عصى، وثالثها: تصح إن كان (5) ساتر (6) غيره. انتهى (7) (8).
قوله: (وتأثير النوع/ 307/ في الجنس مقدم على ثأثير الجنس في النوع).
ش: اعترض كلام المؤلف ها هنا بكلامه في الباب الثامن عشر في
__________
(1) "لا في الصلاة" في ط.
(2) "لابن" في ز، وط.
(3) "يصلي" زيادة في ز، وط.
(4) انظر: الكافي لابن عبد البر 1/ 240.
(5) "كانت" في ط.
(6) في ز، وط: "ساترا"، والمثبت أولى باعتبار كان تامة هنا، والمعنى إن وجد ساتر.
(7) انظر: جامع الأمهات، المعروف بفروع ابن الحاجب، الورقة 6/ أ، من المخطوطة الموجودة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 887 د.
(8) انظر: الكافي لابن عبد البر 1/ 240، وبداية المجتهد 1/ 116.
(5/344)

التعارض والترجيح في الفصل الخامس منه، لأنه قال فيه: والمناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم مقدم على ما اعتبر جنسه في نوعه، ونوعه في جنسه؛ وجنسه في جنسه، لأن الأخص بالشيء أرجح وأولى به (1)، والثاني والثالث متعارضان (2).
فقوله: [و] (3) الثاني والثالث متعارضان، يعني [أن] (4) القسمين (5) وهما: الجنس في النوع، والنوع في الجنس، متعارضان متساويان، لا مزية (6) لأحدهما على الآخر، فيجب التوقف لعدم الترجيح؛ إذ ليس تقديم خصوص أحدهما على خصوص الآخر (7) بأولى من العكس، لوجود الخصوص من وجه في كل واحد من النوعين، وذلك مناقض لما قال ها هنا؛ لأن كلامه ها هنا يقتضي تقديم أحد النوعين على الآخر، وكلامه في باب التعارض والترجيح يقتضي تساويها لتعارضهما، فلا يقدم (8) واحد منهما على الآخر (9).
__________
(1) "به وأولى" في ز، وط.
(2) انظر: صفحة 336 من مخطوط الأصل، وصفحة 585 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 427.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) "المقسمين" في الأصل.
(6) "لامرته" في ز.
(7) "الأخرى" في ط.
(8) "يتقدم" في ط.
(9) قال القرافي في شرحه: والمنقول أنهما متعارضان لوجود الخصوص فيهما من حيث الجملة, والذي في الأصل ما أرى نقله إلا سهوًا. اه. باختصار، ويريد بالأصل: المتن، فانظر شرحه ص 394.
(5/345)

والمنقول (1) عن الأصوليين في هذين النوعين هو التعارض والتساوي، كما قال المؤلف في باب التعارض والترجيح (2).
ووجه التعارض [ظاهر] (3)، وهو كون [كل] (4) واحد من النوعين فيه خصوص من وجه واحد؛ إذ في أحد النوعين خصوص الوصف، وفي الآخر خصوص الحكم، فليس تقديم [خصوص] (5) أحد النوعين على خصوص الآخر بأولى من العكس.
ووجه (6) ما قال المؤلف ها هنا في باب القياس: أن الوصف أصل للحكم؛ لأن الحكم إنما جيء (7) به لأجل الوصف، والحكم فرع له، وإذا تعارض الأصل مع الفرع قدم الأصل، فخصوص الأصل أولى بالاعتبار (8)
__________
(1) "والنقول" في ط.
(2) الذي يدل عليه كلام الغزالي في المستصفى 2/ 319، والآمدي في الإحكام 4/ 279، وابن الحاجب في المختصر 2/ 318، هو تقديم الثاني على الثالث، أي تقديم تأثير النوع في الجنس على عكسه، قالوا: لأن تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هو فرع تعدية العلة، فهي الأصل في التعدية وعليها المدار.
ويدل على تقديمه أيضًا كلام الرازي في المحصول 2/ 2/ 613، إلا أنه قال: وأما الثاني والثالث فهما كالمتعارضين. اه. فلم يصرح بالتعارض كالقرافي.
ويؤيد هذا كلام صاحب الإبهاج، حيث قال: هما متقاربان، لكن ذلك أولى، لأن الإبهام في العلة أكثر محذورًا من الإبهام في المعلول. اه. فانظر الإبهاج 3/ 67.
(3) ساقط من الأصل.
(4) ساقط من ط.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "ووجهه" في ط.
(7) "يجيء" في ز، وط.
(8) "باعتبار" في ط.
(5/346)

[من] (1) خصوص الفرع (2)، والله أعلم.
قوله: (فتأثير النوع [في النوع] (3) مقدم على تأثير النوع في الجنس)، إلى آخر [ه] (4).
مثال تقديم النوع في النوع على النوع في الجنس: اختلافهم في نية الوضوء.
قال مالك: عبادة بدنية، فتفتقر إلى نية أصله الصلاة (5).
قوله: عبادة بدنية، نوع الوصف.
قوله: فتفتقر إلى نية، نوع الحكم.
وقال الآخر (6): طهارة مائية، فلا تفتقر [إلى نية] (7)، أصله زوال النجاسة.
قوله (8): طهارة مائية، نوع الوصف.
__________
(1) ساقط من ط.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 279، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 318.
(3) ساقط من ط.
(4) ساقط من الأصل.
(5) قال بقول مالك: جمهور الفقهاء، خلافًا للحنفية، حيث قالوا: النية سنة، وسبب الخلاف: تردد الوضوء بين كونه عبادة محضة كالصلاة، أو كونة عبادة معقولة المعنى كالغسل من الجنابة، انظر: بداية المجتهد 1/ 8 - 9، والوسيط للغزالي 1/ 360، والتنقيح المشبع للمرداوي ص 38، والهداية 1/ 13.
(6) "هو قول الحنفية" كما مر.
(7) ساقط من الأصل.
(8) "وقوله" في ز، وط.
(5/347)

وقوله: فلا تفتقر إلى نية، جنس الحكم.
هذا مثال قوله: فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس.
ومثال تقديم النوع في الجنس على الجنس في النوع، اختلافهم فيمن دفع الصائل (1) من البهائم عن نفسه، هل يضمن أم لا؟
قال مالك رحمه الله: هذا دفع الصائل عن النفس، فلا يضمن، أصله الصائل الآدمي (2).
قوله: دفع الصائل عن النفس، نوع الوصف.
وقوله: لا يضمن، جنس الحكم.
وقال الآخر: هذا إتلاف مال الغير فيضمن، أصله أكل مال الغير في زمان المسغبة.
قوله: إتلاف مال الغير، جنس الوصف.
وقوله: يضمن، نوع الحكم.
هذا مثال قوله: وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع.
ومثال تقديم الجنس في النوع على الجنس في الجنس، اختلافهم في
__________
(1) "الطائل" في ز.
(2) وعلى قول مالك: جمهور العلماء، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، فعند أبي حنيفة ومن تابعه يجب الضمان؛ لأنه غير مأذون فيه من صاحبه وهو العبد، انظر: المغني لابن قدامة 8/ 328، والوجيز للغزالي 2/ 185، والجوهرة النيرة على مختصر القدوري 1/ 216، والهداية 1/ 177، والكافي لابن عبد البر 2/ 1126.
(5/348)

السلس والدود والحصى، هل يوجب الوضوء أم لا؟
قال الشافعي: هذا حدث فيجب منه الوضوء، أصله الصحيح (1).
قوله: حدث، جنس الوصف.
وقوله: يجب منه الوضوء، نوع الحكم.
ويقول المالكي: هذا مكلف يشق عليه الفعل فيسقط عنه الحكم، أصله لزوم المذي في الصلاة.
قوله: (مكلف يشق عليه الفعل، جنس الوصف).
وقوله: (يسقط (2) عنه [الحكم] (3)، جنس الحكم).
هذا مثال (4) قوله: وهو (5) مقدم على تأثير الجنس في الجنس.
والضمير في قوله: وهو [مقدم على تأثير الجنس في الجنس] (6)، عائد على تأثير الجنس في النوع، تقديره: وتأثير الجنس في النوع مقدم على تأثير الجنس في الجنس، وسيأتي زيادة بيان لهذا (7) في الفصل الخامس في ترجيح
__________
(1) "الصيح" في الأصل.
(2) "فيسقط" في ط.
(3) ساقط من ط.
(4) "مثاله" في ز.
(5) "وهذا" في ط.
(6) ساقط من ز، وط.
(7) "لبيان هذا" في ز.
(5/349)

طرق العلل (1)، في الباب الثامن عشر [في التعارض والترجيح] (2) (3).
قوله: (والملغى (4)، نحو المنع من زراعة العنب خشية الخمر).
ش: هذا [هو] (5) القسم الثاني من أقسام الوصف المناسب، وهو [المناسب] (6) الملغى (7)، وهذا راجع إلى قوله: وهو ينقسم أيضًا إلى ما اعتبره الشرع، وإلى ما ألغاه، وإلى ما جهل حاله، فلما فرغ المؤلف من بيان المناسب المعتبر، شرع هنا في بيان المناسب الملغى.
مثاله: المنع من زراعة العنب خشية الخمر.
وكذلك مجاورة الرجال مع النساء [الأجنبيات في الدار الواحدة.
فإن المناسبة تقتضي ألا يزرع العنب سدًا لذريعة الخمر.
والمناسبة تقتضي ألا يسكن الرجال مع النساء] (8) في الدار الواحدة سدًا لذريعة الزنا.
__________
(1) "العلة" في ز، وط.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) انظر صفحة 335 من مخطوط الأصل، وصفحة 579 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 427.
(4) "والمعنى" في ز.
(5) ساقط من ط.
(6) ساقط من الأصل.
(7) انظر: المحصول 2/ 2/ 229، والمستصفى 1/ 285، والإبهاج 3/ 68، ونهاية السول 4/ 91، والمنخول ص 353، والاعتصام للشاطبي 2/ 113، والمختصر لابن اللحام ص 162، وشرح القرافي ص 394، والمسطاسي ص 143، وشرح حلولو ص 344.
(8) ما بين القوسين ساقط من ز، وط.
(5/350)

ولكن [أجمع] (1) المسلمون على جواز زراعة العنب، وعلى جواز سكنى الرجال مع النساء في الدار الواحدة.
فقد أجمعوا (2) على إلغاء المناسب (3) ها هنا (4).
قوله: (والذي جهل أمره، هو المصلحة المرسلة، التي نحن نقول [بها] (5)، وعند التحقيق هي (6) عامة في المذاهب) (7).
ش: هذا (8) القسم الثالث من أقسام المناسب الثلاثة، وهو المعبر (9) عنه بالمصلحة المرسلة (10)، وإنما سمي هذا بالمصلحة المرسلة لأن الشرع أهملها، لم يشهد لها باعتبارها ولا بإلغائها، بل سكت عنها جملة.
[وهي] (11) مأخوذة (12) من الإرسال الذي هو الإهمال.
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) "اجتمعوا" في ط.
(3) "المناسبة" في ز، وط.
(4) انظر: شرح القرافي ص 394، والمسطاسي ص 143.
(5) ساقط من ط.
(6) "هو" في ز.
(7) "المذهب" في ز.
(8) "هو" زيادة في ز، وط.
(9) "المعتبر" في ز، وط.
(10) انظر: المحصول 2/ 2/ 230، والمستصفى 1/ 286، والاعتصام للشاطبي 2/ 114، والمختصر لابن اللحام ص 162، والإبهاج 3/ 68، 190، والروضة ص 169، وجمع الجوامع ص 284، وشرح القرافي ص 394، والمسطاسي ص 143.
(11) ساقط من ز، وط.
(12) "مأخوذ" في ز، وط.
(5/351)

ومعنى المصلحة المرسلة، [أي] (1) المناسبة المهملة.
وقال بها مالك رضي الله عنه، وأنكرها جمهور العلماء (2).
وسبب الخلاف تعارض أصلين (3)، أحدهما: أن الأصل ألا يعتبر إلا ما اعتبره الشرع، والثاني: أن الأصل اعتبار المصلحة في الجملة (4).
فمن نظر إلى الأصل الأول، / 308/ قال: لا تعتبر المصلحة المرسلة؛ لأن الشرع لم يعتبرها.
ومن نظر إلى الأصل الثاني، قال باعتبار المصلحة المرسلة؛ لأن الشرع اعتبر المصلحة من حيث الجملة (5).
__________
(1) ساقط من ط.
(2) لا خلاف بين العلماء في قبول المصلحة إذا كانت ضرورية قطعية كلية، ويمثلون لهذه بتترس الكفار بقوم من المسلمين، فإن تركوا استأصلوا المسلمين ثم رجعوا على الترس فقتلوهم، وإن قتلوا اندفع شرهم، وأبقي على عامة المسلمين.
أما إذا كانت غير ذلك، فالمشهور عن مالك القول بها، وروي عن الشافعي أنه يقول بها في القديم، أما جل العلماء من فقهاء المذاهب فهم على عدم اعتبارها.
انظر: المستصفى 1/ 294 - 297، والمنخول 354 - 355، والاعتصام للشاطبي 2/ 111، والإحكام للآمدي 4/ 160، ومختصر ابن الحاجب 2/ 242، والوصول لابن برهان 2/ 287، وتيسير التحرير 4/ 171، وجمع الجوامع 2/ 284، والمسودة 450 - 451، والإبهاج 3/ 190، وشرح المسطاسي ص 143.
(3) "الأصلين" في ز، وط.
(4) "الجنس" في ط.
(5) انظر: شرح المسطاسي 143 - 144.
(5/352)

قال المؤلف في شرحه: والمنقول عن العلماء أن المصلحة المرسلة خاصة بمذهبنا، وليس الأمر كذلك، بل هي عامة (1) للمذاهب، فإنا إذا وجدناهم قاسوا أو جمعوا [أو] (2) فرقوا، فلا يطلبون شاهدًا بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة التي نقول بها، فهي إذًا عامة للمذاهب، فإن المصلحة المرسلة، أخص من مطلق المصلحة، لأن المرسلة مصلحة بقيد السكوت عنها، والمصلحة المطلقة (3) أعم، لأنها تكون معتبرة وملغاة ومرسلة (4) (5)، فكل مرسلة مصلحة، وليس كل مصلحة مرسلة (6).
ويدل على اعتبار المصلحة المرسلة: قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، وفي رواية: "من الفجار (7) " (8) أي من ..........................................
__________
(1) "علة" في ز، وط.
(2) ساقط من ط.
(3) "المصلقة" في ز.
(4) "ومرسلات" في ط.
(5) انظر: شرح القرافي ص 394.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 144.
(7) "الفجور" في ز.
(8) بحثت عن هذا النص كثيرًا في الكتب التي ترجمت لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فلم أجده، لا في كتب التراجم العامة، ولا فيما أفرد من كتب لترجمة عمر.
والمالكية يذكرونه في كتبهم، وينسبونه لعمر، فقد ذكره ابن أبي زيد في الرسالة ص 110، ونسبه لعمر، ونقل الصاوي في حواشيه على الشرح الصغير للدردير 5/ 573 عن ابن فرحون أنه قال: قاعدة: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوه من الفجور، هو من كلام عمر بن عبد العزيز، استحسنه مالك لأن من قواعد مذهبه مراعاة المصالح العامة اه. =
(5/353)

أعمال (1) الفجار على حذف المضاف في هذه الرواية، وكان عمر بن عبد العزيز يحلف الناس بلا خلطة (2) (3)، فقيل له في ذلك فقال: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور".
وقال ابن أبي زيد في النوادر: كان سحنون يقبل الوكيل من الطالب ولا يقبله من المطلوب، فقيل له: لم فعلت ذلك [مع] (4) أن مالكًا (5) يقبل الوكيل من الطالب والمطلوب؟ فقال: قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
__________
= نقل القاضي عياض في المدارك 2/ 30 عن ابن وضاح أنه من قول مالك، وانظر: شرح المسطاسي ص 143.
(1) "اهال" في ز.
(2) الخلطة بكسر الخاء، وفتح الطاء، مأخوذة من الخلط وهو المزج، والمقصود بالخلطة هنا هي المعاملة بالبيع والشراء، واشترط بعض الفقهاء أن يسالفه مبايعة ويشتري منه مرارًا.
انظر القاموس مادة: "خلط"، والمنتقى للباجي 5/ 225.
(3) روى مالك في الموطأ عن حميد بن عبد الرحمن المؤذن: أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز وهو يقضي بين الناس، فإذا جاءه الرجل يدعي على الرجل حقًا نظر، فإن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة، أحلف الذي ادعى عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه. اه.
انظر: المنتقى 5/ 224، فهذه الرواية تخالف ما هنا، فلعله فعل ذلك بعد أن كثر الفجور في الناس.
والقول بعدم التحليف إلا مع وجود الخلطة هو قول الفقهاء السبعة، وبه أخذ مالك، انظر: المنتقى 5/ 224، والمدونة 4/ 91.
(4) ساقط من ط.
(5) "مالك" في ز.
(5/354)

وقد قيل لابن وضاح (1): كان عاصم (2) يحلف الناس بالطلاق، فقال: أخذ ذلك من قول عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (3).
ولأجل هذا قال التونسي: يجوز التحليف في المصحف إذا علم الارتداع به (4).
__________
(1) هو: أبو عبد الله محمد بن وضاح بن بزيع القرطبي، رحل إلى المشرق، وأخذ عن يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وابن المديني، وابن أبي شيبة، وسحنون، وأصبغ، وخلق، وقرأ بقراءة ورش على عبد الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم، وبعده اعتمد أهل الأندلس على قراءة ورش، كان إمامًا في الحديث والرجال، عاقلاً، زاهدًا، ورعًا، توفي سنة 286 ه.
انظر: الديباج المذهب 2/ 179، وبغية الملتمس ص 123، وطبقات الشيرازي ص 163.
(2) كذا في النسخ الثلاث، والصواب: ابن عاصم، وهو حسين بن عاصم بن مسلم بن كعب الثقفي القرطبي أَبو الوليد، رحل للمشرق، فسمع من ابن القاسم وأشهب ومطرف وابن وهب وابن نافع ونظرائهم، وأدخل العتبي سماعه في المستخرجة، توفي سنة 208 ه.
انظر: ترتيب المدارك 2/ 28، وبغية الملتمس ص 251، وطبقات الشيرازي ص 162.
(3) روى القاضي عياض في المدارك 2/ 30، عن ابن وضاح قال: قلت لسحنون: إن ابن عاصم يحلف الناس بقرطبة بالطلاق، قال: ومن أين أخذ هذا؟ قلت له: من قول مالك: يحدث للناس أقضية ... إلخ.
وانظر: حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير 5/ 573.
(4) انظر لجواز التحليف بالمصحف: حاشية الصاوي على الشرح الصغير 5/ 689، وانظر كراهة ذلك لعدم وروده عن الرسول وخلفائه والسلف الصالح في: المغني 9/ 230.
(5/355)

قال المؤلف في شرحه (1): والدليل على العمل بالمصلحة المرسلة: أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أمورًا بمطلق [المصلحة] (2)، نحو: كتابة القرآن في المصحف، كما فعله عثمان رضي الله عنه (3)، وكالعهد بالولاية، كما فعله أَبو بكر (4) رضي الله عنه (5) (6)، وكاتخاذ (7) السكة للمسلمين (8)، واتخاذ
__________
(1) "الشرح" في ز، وط.
(2) ساقط من ز.
(3) أخرجه البخاري في التفسير عن أنس برقم 4987، والترمذي في تفسير القرآن عنه أيضًا برقم 3104، وفيه: أن حذيفة قدم على عثمان من الشام، وأشار عليه بجمع القرآن بعدما رأى اختلاف الناس في القراءة، فأرسل إلى حفصة أن ترسل إليه بالصحف التي جمع أبو بكر، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الزبير، فأمرهم بنسخ الصحف في المصاحف، ثم بعث إلى كل أفق بمصحف، وانظر الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد 17/ 33، 34، والكامل في التاريخ لابن الأثير 3/ 55، 56.
(4) "لعمر" في ز، وط.
(5) "عنهما" في ز، وط.
(6) انظر: الفتح الرباني 23/ 70، والإصابة لابن حجر 2/ 165، والبداية والنهاية 7/ 18، والكامل لابن الأثير 2/ 291 - 293.
(7) "وكعمل" في ز، وط.
(8) ذكر المقريزي في شذور العقود في ذكر النقود ص 7 - 8، أن عمر بن الخطاب ضرب الدراهم سنة 18 ه على نقش الدراهم الكسروية، نسبة إلى كسرى - غير أنه زاد في بعضها: الحمد لله، وفي بعضها: لا إله إلا الله وحده، وفى بعضها: محمد رسول الله، وجعل وزن كل عشرة ستة مثاقيل. اه.
والمعروف عند المؤرخين أن أول من ضرب الدراهم والدنانير عبد الملك بن مروان، ولعلهم أرادوا الضرب العربي؛ فإن عبد الملك منع تداول غير دراهمه ودنانيره، من دراهم ودنانير فارس والروم، بعد أن بلغه أنهم أوشكوا أن يكتبوا فيها سبًا للدين ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
أما الضرب على نقش الدراهم الكسروية والطبرية ونحوهما فقد فعله عمر وعثمان =
(5/356)

السجن (1)، كما فعله عمر رضي الله عنه، وكهدم الأوقاف لتوسعة المسجد، كما فعله عثمان بمسجد النبي عليه السلام (2)، وكجعل أذان الجمعة في السوق (3) ثم
__________
= ومعاوية ومصعب بن الزبير وعبد الله بن الزبير، حتى جاء عبد الملك بن مروان فجعل النقد الإسلامي وحدة قائمة بذاتها.
انظر: شذور العقود للمقريزي ص 7 - 10، والدرهم الإسلامي للنقشبندي 1/ 21، وفتوح البلدان للبلاذري ص 451، والأموال لأبي عبيد ص 467، والبداية والنهاية 9/ 15، والكامل لابن الأثير 4/ 53.
(1) روى البخاري تعليقًا أن نافع بن عبد الحارث، عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على مكة، اشترى دارًا للسجن من صفوان بن أمية على أنه إن رضي عمر فالبيع بيعه وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة دينار. اه.
انظر: كتاب الخصومات باب الربط والحبس في الحرم، وانظر: فتح الباري 5/ 75 - 76، وقد وصله الأزرقي في أخبار مكة 2/ 165، بسنده إلى عبد الرحمن بن فروخ، والبيهقي في سننه 6/ 34، وفيه قال ابن عيينة: فهو سجن الناس اليوم بمكة. اه.
انظر: المصنف لعبد الرزاق 5/ 148، الحديث رقم 9513، وغاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام لعز الدين بن فهد 1/ 44.
(2) توسعة المسجد في عهد عثمان هي التوسعة التي زاد فيها المسجد زيادة كبيرة، وغير بناءه، فجعل جداره وعمده بالحجارة المنقوشة، وجعل سقفه من الساج، وقد روى البخاري في كتاب الصلاة عن ابن عمر حديثًا يفيد ذلك، فانظره برقم 446، وانظر أيضًا: الحديث رقم 450، وروى حديث ابن عمر: الإمام أحمد في المسند، فانظر: الفتح الرباني 23/ 276، وانظر: البداية والنهاية 7/ 154، والكامل لابن الأثير 3/ 51، وفتح الباري 1/ 545.
(3) روى البخاري في كتاب الجمعة من الصحيح عن السائب بن يزيد قال: كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر إذا خرج الإمام، وإذا أقيمت الصلاة، فلما كان عثمان رضي الله عنه زاد النداء الثالث على الزوراء.
انظره في البخاري برقم 912، وفي الترمذي برقم 516، وفي المسند 3/ 450، وكان ذلك سنة ثلاثين من الهجرة، وانظر: البداية والنهاية 7/ 148، 156، والكامل لابن الأثير 3/ 58.
(5/357)

نقله هشام (1) إلى المسجد، وغير ذلك.
قوله: (الرابع الشبه، قال القاضي أَبو بكر: هو (2) الوصف الذي لا يناسب [بذاته (3) ويستلزم المناسب] (4) لذاته، وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب.
والشبه يقع في الحكم، كشبه (5) العبد المقتول بالحر، [أ] (6) وشبهه بسائر المملوكات، وعند ابن علية (7) يقع الشبه في الصورة، كرد الجلسة الثانية إِلى (8)
__________
(1) هو: أمير المؤمنين، أَبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، ولد بعد السبعين، واستخلف سنة 105 ه بعد أخيه يزيد، وكان عاقلاً حازمًا حسن السيرة والسياسة توفي سنة 125 ه, انظر: سير أعلام النبلاء 5/ 351، والبداية والنهاية 9/ 351، وشذرات الذهب 1/ 163، والكامل لابن الأثير 4/ 192، 254 - 256.
(2) "هذا" في أ.
(3) "لذاته" في ش.
(4) ساقط من ط.
(5) "كمشابهة" في ش.
(6) ساقط من خ.
(7) هو: أَبو بشر، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، المعروف بابن علية، بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء المفتوحة، بصري، أصله من الكوفة، روى عن أيوب وابن عون وأضرابهما، وعنه أحمد وشعبة وابن معين وجماعة سواهم، قال فيه ابن معين وغيره: هو ثقة مأمون صادق ورع تقي. اه.
ابتلي في آخر عمره بالقول بخلق القرآن فزل، ثم رجع وتاب، غير أن أهل السنة ما زالوا يجدون عليه حتى مات سنة 193 ه، انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 6/ 229، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/ 99، والميزان 1/ 216، وتهذيب التهذيب 1/ 275، وتذكرة الحفاظ 1/ 322.
(8) "الجلسة" زيادة في أ، وخ.
(5/358)

الأولى في الحكم، وعند الإِمام التسوية، بين الأمرين إِذا غلب على الظن أنه مستلزم للحكم (1))، و [هو] (2) ليس بحجة عند القاضي منا).
ش: تكلم المؤلف ها هنا على الوصف الرابع من الأوصاف الثمانية الدالة على العلة وهو الشبه (3).
ذكر المؤلف حقيقته وأقسامه وحكمه.
أما حقيقته: فهو (4) الوصف الذي لا يناسب بذاته ويستلزم المناسب لذاته، كما قاله القاضي أَبو بكر (5).
__________
(1) في خ: زيادة: "أو لما هو علة للحكم صح القياس". اه.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) انظر: هذه المسألة في: المعتمد 2/ 842، واللمع ص 289، والمستصفى 2/ 310، وإحكام الفصول للباجي 2/ 733، والمنخول ص 378، والمحصول 2/ 2/ 277، والبرهان فقرة ص 825، وأصول ابن مفلح 3/ 791، والوصول لابن برهان 2/ 294، وروضة الناظر ص 312، والإحكام للآمدي 3/ 294، ومختصر ابن الحاجب 2/ 244، وتيسير التحرير 4/ 53، وفواتح الرحموت 2/ 301، ومفتاح الوصول ص 151، والمسودة ص 374، وجمع الجوامع 2/ 286، والإبهاج 3/ 72، وشرح القرافي ص 395، والمسطاسي ص 144، وحلولو ص 344.
(4) "فهي" في الأصل.
(5) انظر كلام القاضي في: البرهان فقرة ص 832، والمحصول 2/ 2/ 277، والإبهاج 3/ 72، وجمع الجوامع 2/ 287، والإحكام للآمدي 3/ 295، وتعريف القاضي للشبه هنا هو تفسير له بقياس الدلالة، كما قال الآمدي وابن مفلح وغيرهما؛ لأن قياس الدلالة: هو ما كان الوصف فيه دالاً على العلة وليس هو العلة.
وقد اختلف الأصوليون في حد الشبه، وذلك راجع إلى غموضه والتباسه بالمناسبة والطرد، فلذا يذكر كثير من الأصوليين الفروق بينها عند الكلام على الشبه، ويرجع الخلاف أيضًا إلى أن القياس كله مبني على المشابهة، والشبه هنا تخصيص وقصر للاسم على نوع من القياس، وأقرب ما قيل في حده: أنه ما توهم فيه المناسبة من غير =
(5/359)

مثال ذلك: قولنا: الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه في العادة، وما لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تزال به النجاسة، قياسًا على الدهن.
فقولنا: لا تبنى القنطرة على جنسه، ليس بمناسب (1)، ولكن (2) مستلزم للمناسب، وهو القلة، وذلك أن القنطرة لا تبنى على المائع القليل، وإنما تبنى على المائع الكثير كالأنهار، فالقلة (3) مناسبة لعدم مشروعية الطهارة بالمائع المتصف بالقلة، فإن الطهارة شرع عام، [وما هو شرع عام] (4) يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود، فإن تكليف الجميع بما لا يجده [إلا] (5) البعض بعيد عن القواعد (6).
__________
= اطلاع عليها، فهو بين المناسبة والطرد؛ لأن المناسبة عرفت فيها العلة، والطرد لا مناسبة فيه أصلاً.
انظر: المستصفى 2/ 310 - 311، والبرهان فقرة 825 - 833، والإحكام للآمدي 3/ 294 - 295، وأصول ابن مفلح 3/ 791 - 792، وجمع الجوامع 2/ 286، وإرشاد الفحول ص 219، وشرح القرافي ص 395، وانظر: شرح المسطاسي ص 144 حديث ذكر كثيرًا من تعريفاته مع أمثلتها، وانظر شرح حلولو ص 344 - 345.
(1) في ز: "يناسب"، وفي ط: "مناسب".
(2) "ولكنه" في ز، وط.
(3) "والقلة" في ط.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) ساقط من ط.
(6) هذا المثال الذي ذكره هنا، ذكره الغزالي في المستصفى 2/ 311، والبيضاوي في المنهاج مثالاً للطرد، قال الغزالي: بناء القنطرة على جنس الماء القليل علة مطردة لا نقض عليها، ليس فيها علة سوى الاطراد، ونعلم أنها لا تناسب الحكم ولا تناسب العلة التي تقتضي الحكم بالتضمن لها والاشتمال عليها، فإنا نعلم أن الماء جعل مزيلاً للنجاسة لخاصية وعلة وسبب يعلمه الله. اه. =
(5/360)

قوله: (وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب).
أي: وقد اعتبر الشرع أن قلة الماء يؤثر في عدم استعماله في الطهارة، إذا ألجأت الحاجة إلى الماء في السفر مثلاً، فإنه يرجع إلى التيمم، فكذلك تؤثر القلة في عدم استعمال الخل في الطهارة، فكما أن الماء القليل لا يستعمل في الطهارة إذا احتيج إليه، كذلك الخل لا يستعمل في الطهارة، والجامع بينهما القلة.
قوله: (جنسه القريب)، أي جنس الوصف القريب من صورة النزاع (1)؛ لأن قلة الماء وصف قريب من الخل لاشتراكه مع الخل في القلة.
قوله: (لتأثير (2) جنسه القريب في جنس الحكم القريب)، فقد اعتبر الشرع في مثالنا [تأثير] (3) قلة الماء في عدم استعمال الماء للطهارة، فجنس الحكم ها هنا هو عدم الاستعمال للطهارة.
__________
= ومثل الغزالي للشبه بالمسح على الرأس، قال أَبو حنيفة: لا يكرر قياسًا على الخفين بجامع المسح، وقال الشافعي: ركن من أركان الوضوء يؤدى بالماء فيستحب فيه التكرار كباقي الأركان، وساق عدة أمثلة.
فانظر: المستصفى 2/ 311 وما بعدها، وانظر: الإبهاج 3/ 72 - 73، ونهاية السول 4/ 109، والعضد في شرحه على مختصر ابن الحاجب 2/ 245.
وساق القرافي هذا المثال للشبه عند القاضي، فانظر شرحه ص 395، وانظر أيضًا: المسطاسي ص 144.
(1) "الشرع" في ز.
(2) "التأثير" في ز.
(3) ساقط من ط، وفي ز: "التأثير".
(5/361)

قوله: (والشبه يقع في الحكم)، هذا (1) بيان أقسام الشبه، وهو [على] (2) قسمين: شبه في الصورة، وشبه في الحكم (3).
مثال الشبهين معًا (4): العبد المقتول لأنه شبيه (5) بالحر في كونه آدميًا، وشبيه بسائر المملوكات في كونه مملوكًا.
ففيه إذًا شبهان، فمن غلب عليه الشبه الصوري، وهو كونه آدميًا أوجب فيه القيمة ما لم تزد (6) على دية الحر، وهو أبو حنيفة، بل قال أَبو حنيفة: لا بد أن ينقص دينار من دية الحر إذا بلغتها قيمة (7) العبد (8). ومن غلب عليه الشبه الحكمي، وهو الشبه الشرعي، وهو كونه مملوكًا، أوجب فيه القيمة بالغة ما بلغت، وهو مالك والشافعي (9).
__________
(1) "فهذا" في ط.
(2) ساقط من الأصل.
(3) انظر ذكر أقسام الشبه في عرض الاختلاف في: المعتمد 2/ 842 - 843، والإبهاج 3/ 74، والمحصول 2/ 2/ 279، والبرهان فقرة 827، وشرح القرافي ص 395، والمسطاسي ص 145.
(4) "مع" في ز.
(5) "شبهه" في ط.
(6) "تزيد" في ط.
(7) "دية" في الأصل.
(8) قال الحنفية: إذا بلغت قيمة العبد أو الأمة دية الأحرار أو زادت عليها، لم يدفع الجاني إلا دية الحر أو الحرة وينقص منها عشرة دراهم، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، أما أَبو يوسف فقال بقول الجمهور.
انظر: الهداية 4/ 209، وحاشية ابن عابدين 6/ 618، وبداية المجتهد 2/ 414.
(9) انظر: المدونة 4/ 480، والأم 7/ 328، والتنبيه للشيرازي ص 132، وبداية المجتهد 2/ 414.
(5/362)

قوله: (والشبه يقع في الحكم)، أي وفي الصورة.
قوله: (كشبه العبد المقتول بالحر)، هذا عند أبي (1) حنيفة، لأنه قال: العبد/ 309/ آدمي، فالواجب في قتله القيمة ما لم تزد على دية الحر، قياسًا على الحر.
قوله: (أو شبهه بسائر المملوكات)، هذا (2) عند مالك والشافعي، لأنهما قالا: العبد مملوك (3)، فالواجب في قتله القيمة ولو زادت على الدية، قياسًا على سائر المملوكات.
قوله: (وعند ابن علية يقع الشبه في الصورة، كرد الجلسة الثانية إِلى الأولى في الحكم (4)) , [أي] (5) قال ابن علية: تقاس الجلسة الثانية على الجلسة الأولى فتكونان سنتين لمشابهتهما (6) في الصورة.
قوله: (وعند الإِمام للتسوية [بين] (7) الأمرين (8) إِذا غلب على الظن أنه مستلزم للحكم (9)، وهو ليس بحجة عند القاضي منا) (10).
__________
(1) "ابو" في ط.
(2) "هو" في ط.
(3) "مملوكًا" في ط.
(4) انظر: المعتمد 2/ 842، والمحصول 2/ 2/ 279، والإبهاج 3/ 74، ونهاية السول 4/ 112، وشرح القرافي ص 395، وشرح المسطاسي ص 145.
(5) ساقط من ط.
(6) كذا في ز، وط، وفي الأصل: "لمشابهما"، ولعل الأنسب أن يقول: لتشابههما.
(7) ساقط من ط.
(8) "الأولين" في ز.
(9) انظر: المحصول 2/ 2/ 279، وشرح القرافي ص 395، وانظر: الإبهاج 3/ 74.
(10) انظر: البرهان فقرة ص 840، والمحصول 2/ 2/ 280، وشرح القرافي ص 396.
(5/363)

هذا بيان حكم الشبه، وذلك أن العلماء اختلفوا في قياس الشبه، هل هو حجة أم [لا]؟ (1). على ثلاثة أقوال؛ قيل: حجة، وقيل: ليس بحجة، وقيل: قياس الحكم حجة دون قياس الصورة (2).
والمراد بالأمرين في قوله: التسوية بين الأمرين: الشبهان (3)؛ الصوري والحكمي (4) إذا غلب على الظن أن [الشبه] (5) مستلزم للحكم، أي إذا غلب على الظن أن الشبه علة الحكم أو مستلزم لعلة الحكم، فإنه يجب كونه علة، سواء كان صورة، أو حكمًا، أو غير ذلك، عملاً بموجب الظن.
حجة القول بأنه حجة: قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} (6)، والشبه نوع من الاعتبار، فوجب (7) اندراجه في دليل الاعتبار.
__________
(1) ساقط من ط.
(2) مذاهب الأصوليين في الشبه ترجع إلى سبعة هي:
1 - بطلانه مطلقًا.
2 - اعتباره في الحكم ثم في الصورة.
3 - اعتباره فيهما على حد سواء.
4 - اعتباره في الحكم فقط.
5 - اعتباره في الصورة فقط.
6 - اعتباره فيما يظن استلزامه للعلة.
7 - اعتبار قياس (غلبة الأشباه) دون غيره.
انظر: الإبهاج 3/ 75، والمسودة ص 374 - 375.
(3) "المشبهان" في ز.
(4) "والحكم" في الأصل.
(5) ساقط من الأصل.
(6) الحشر: 2.
(7) "فيوجب" في ط.
(5/364)

وقوله عليه السلام: "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر"، والشبه ظاهر لأنه يفيد الظن، فوجب (1) اندراجه في دليل الظاهر.
وقول معاذ: أجتهد رأيي (2)، والشبه من الاجتهاد، فوجب (1) اندراجه في دليل الاجتهاد.
حجة القول بأنه ليس بحجة، كما قال القاضي: أن الأصل ألا يعمل بالظن (3) لقوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (4)، خالفناه في قياس المناسبة، فيبقى قياس الشبه (5) على مقتضى الدليل (6).
حجة القول بأن قياس الشبه الشرعي حجة دون الصوري (7): أن الشرعي (8) أولى من غيره بالاعتبار.
وهذا الخلاف كله [إنما هو] (9) فيما إذا عدم قياس العلة (10)، وكذلك
__________
(1) "فيوجب" في ط.
(2) انظر: الأدلة الثلاثة في: شرح المسطاسي 145 - 146.
(3) "بالظاهر" في ط.
(4) يونس: 36.
(5) "الشبهة" في ز، وط.
(6) انظر: شرح القرافي ص 396، والمسطاسي ص 146.
(7) "الضروري" في ز، وط.
(8) "الشرع" في ز، وط.
(9) ساقط من ز، وط.
(10) في ز زيادة: "باعتبار قياس العلة".
(5/365)

إذ [ا] (1) كان الفرع تجاذباه (2) أصلان، وكان الفرع أقوى شبهًا بأحدهما، فإن الأقوى شبهًا يقدم على الآخر باتفاق، عملاً بالراجح.
وإنما محل النزاع ما عدا هاتين الصورتين (3) (4).
قوله: ([الخامس] (5): الدوران، وهو عبارة عن اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف، وعدمه مع عدمه، وفيه خلاف.
والأكثرون (6) من أصحابنا وغيرهم يقولون بكونه حجة).
ش: هذا هو الوصف الخامس من الثمانية الدالة على العلة، وهو المعبر (7) عنه بالدوران، ويعبر عنه أيضًا بالطرد والعكس (8)، وبالاطراد (9)
__________
(1) ساقط من ط.
(2) كذا في النسخ الثلاث، وهذا خلاف القياس؛ لأن القياس توحيد الفعل، وقد حكي عن طيء وعن أزد شنوءة لغة تفيد تثنية وجمع الفعل ليوافق الفاعل، نحو قول الشاعر:
يلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي فكلهم ألوم
انظر: أوضح المسالك 2/ 14 - 18.
(3) "الضرورتين" في ط.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 146.
(5) ساقط من ز.
(6) "والأكثر أن" في ز.
(7) "المعتبر" في ط.
(8) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 299، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 795، وشرح المسطاسي ص 146، وشرح حلولو ص 346.
(9) "بالطراد" في ز.
(5/366)

والانعكاس (1) (2).
ومعناه: اقتران الوجود بالوجود، والعدم بالعدم، أي إذا وجد الوصف وجد الحكم، وإذا عدم عدم (3).
مثاله: الإسكار مع التحريم، فإن التحريم يدور مع الإسكار وجودًا وعدمًا، إذا وجد الإسكار وجد التحريم، وإذا عدم الإسكار عدم التحريم.
فإن عصير العنب قبل الشدة [ليس بمسكر، فليس بحرام، فقد اقترن العدم بالعدم، وإذا صار مسكرًا صار حرامًا، فقد اقترن الوجود بالوجود، وإذا تخلل صار] (4) ليس مسكرًا ولا حرامًا، فقد دار التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا (5).
إلا أن الفقهاء ذكروا في الخمر إذا تخلل التفصيل بين أن يكون ذلك بغير معالجة فهو حلال باتفاق، وإن كان ذلك بمعالجة [ففيه] (6) قولان (7): قيل:
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 2/ 297، وشرح المسطاسي ص 146.
(2) انظر هذا المسلك في: المعتمد 2/ 784، والمستصفى 2/ 307، والبرهان فقرة 796، وما بعدها، والمحصول 2/ 2/ 285، والروضة ص 308، والإحكام للآمدي 3/ 299، واللمع ص 314، والإبهاج 3/ 78، ونهاية السول 4/ 117، وجمع الجوامع مع شرح المحلي 2/ 288، ومختصر ابن الحاجب 2/ 245، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 24، وتيسير التحرير 4/ 49، وفواتح الرحموت 2/ 302، وشرح القرافي ص 396، والمسطاسي ص 146، وحلولو ص 346.
(3) انظر: المحصول 2/ 2/ 285، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 24، واللمع ص 314، والمعتمد 2/ 784.
(4) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5) انظر: شرح القرافي ص 396، والمسطاسي ص 146.
(6) ساقط من ز، وط.
(7) "فقولان" في ز، وط.
(5/367)

حرام، وقيل: حلال (1).
سببهما: انقلاب الأعيان، هل له تأثير في الأحكام أم لا؟ (2) (3).
قوله: (اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف، وعدمه مع عدمه)، قد يكون ذلك في صورة واحدة كما تقدم في عصير العنب، وقد يكون ذلك في صورتين (4).
مثاله: أن ندعي وجوب الزكاة في الحلي المتخذ للاستعمال المباح (5)،
__________
(1) وهناك قول ثالث بالكراهة حكاه ابن رشد في بداية المجتهد، فانظر البداية 2/ 475، وانظر: المغني 8/ 319، وحاشية ابن عابدين 6/ 451، والأموال لأبي عبيد 104 - 106، والأموال لابن زنجويه 1/ 284.
(2) "أولا" في ز، وط.
(3) قال ابن رشد: سبب الخلاف تعارض القياس والآثار الواردة في ذلك، فقد ورد منع التخليل من حديث أنس أن أبا طلحة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرًا قال: "أهرقها"، قال: أفلا أجعلها خلاً؟، قال: "لا"، رواه أبو داود في الأشربة برقم 3675.
وروي عن عمر أنه قال: لا يحل خل من خمر أفسدت حتى يكون الله هو الذي أفسدها، رواه عبد الرزاق في المصنف برقم 17110، وأبو عبيد في الأموال ص 105، وابن زنجويه في الأموال 1/ 287، وأما القياس فهو عدم وجود علة تحريم الخمر في الخل. انظر: بداية المجتهد 2/ 475.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 285، والإبهاج 3/ 79، وشرح القرافي ص 396، والمسطاسي ص 146، وحلولو ص 346.
(5) القول بوجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال هو قول الحنفية ورواية للشافعية ورواية للحنابلة، وبين الصحابة والتابعين والسلف والخلف نزاع قديم في هذه المسألة ولكل حجاج يقصر عنها هذا المقام. فانظر: المغني 3/ 11، والتنبيه ص 33، وبداية المجتهد 1/ 251، والهداية 1/ 104.
(5/368)

فنقول: الموجب (1) لوجود (2) الزكاة في النقدين كونهما أحد الحجرين؛ لأن وجوب الزكاة دار مع كونهما أحد الحجرين وجودًا وعدمًا.
أما وجودًا: ففي صورة المسكوك، فإنه أحد الحجرين، فالزكاة واجبة فيه.
وأما عدمًا: ففي صورة العقار، فإنه ليس أحد الحجرين، فلا تجب الزكاة فيه، إلا أنه في الصورة الواحدة أرجح منه في الصورتين؛ لأن انتفاء الحكم بعد ثبوته [في] (3) الصورة (4) الواحدة يقتضي أنه ليس معه ما يقتضيه في تلك الصورة وإلا لثبت فيها، وأما انتفاء الحكم من صورة أخرى فيمكن أن يقال: موجب الحكم في صورة الثبوت غير الوصف المدعى علة (5)، وإن الوصف المدعى علة (6) لو فرض انتفاؤه لثبت الحكم بوصف آخر، فلم يتعين ها هنا عدم اعتبار [غير] (7) ه، بخلاف الصورة الواحدة (8).
قوله: (وفيه خلاف (9) والأكثرون من أصحابنا وغيرهم يقولون بكونه حجة).
واختلف الأصوليون في الدوران على أربعة أقوال:
__________
(1) "الواجب" في ط.
(2) "لوجوب" في ز.
(3) ساقط من ط.
(4) "صورة" في ط.
(5) "علته" في ز، وط.
(6) "علته" في ز.
(7) ساقط من ز، وط.
(8) انظر: شرح القرافي ص 396.
(9) "اختلاف" في الأصل.
(5/369)

قيل: يفيد العلة قطعًا (1)، وقيل: يفيدها ظنًا (2).
وقيل: إن تكرر كثيرًا أفادها قطعًا، وإلا أفادها ظنًا (3).
والقول الرابع: لا يفيدها مطلقًا؛ لا قطعًا ولا ظنًا (4).
حجة الأكثرين القائلين بأن الدوران حجة: أن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم يغلب على الظن أن المدار علة (5) للدائر، بل يحصل القطع بذلك في بعض الصور.
وذلك أن من ناديناه باسم فغضب، ثم سكتنا عنه فزال غضبه، ثم ناديناه بذلك الاسم فغضب، ثم سكتنا عنه فزال غضبه، ثم ناديناه [به] (6) فغضب، ثم كذلك مرارًا كثيرة (7)، حصل لنا الظن الغالب، [أو] (8) القطع الجازم أن علة غضبه هو (9) نداؤه بذلك الاسم (10)، ولذلك جزم الأطباء/ 310/ بكثير من
__________
(1) انظر: البرهان فقرة 796، والمحصول 2/ 2/ 285، والإبهاج 3/ 79، والإحكام للآمدي 3/ 299، وجمع الجوامع 2/ 289، والمسطاسي ص 146.
(2) انظر: البرهان فقرة 801، والمحصول 2/ 2/ 285، والروضة ص 308، والإبهاج 3/ 79، والإحكام للآمدي 3/ 299، وجمع الجوامع 2/ 289، المسطاسي ص 146.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 146.
(4) انظر: البرهان فقرة ص 800، والمحصول 2/ 2/ 286، والوصول لابن برهان 2/ 299، والإبهاج 3/ 79، والإحكام للآمدي 3/ 299، وجمع الجوامع 2/ 288، والمسطاسي ص 146.
(5) "علته" في ط.
(6) ساقط من الأصل.
(7) "كثيرًا" في ط.
(8) ساقط من ط.
(9) "هي" في ز، وط.
(10) "اسم" في ط.
(5/370)

الأدوية المسهلة والقابضة، والمبردات (1) والمسخنات، وغيرها، بسبب وجود تلك [الآثار عند وجود تلك] (2) العقاقير (3)، وعدمها [عند عدمها] (4).
فالدوران أصل كبير من أصول الدنيا والآخرة، [فإذا وجدناه بين الوصف] (5) والحكم، جزمنا بعلة الوصف للحكم (6).
قال إمام الحرمين في البرهان: الدوران أقوى ما تثبت به العلة (7).
حجة القول بأن الدوران ليس بحجة: أن بعض الدورانات (8) ليس بحجة، فوجب أن يكون الجميع ليس بحجة، وذلك كالجوهر مع العرض، وكحركات الأفلاك مع الكواكب، فإن كل واحد منهما يدور مع الآخر وليس أحدهما علة للآخر، فوجب أن يكون الجميع ليس بحجة إلا ما وقع الاتفاق عليه.
أجيب عنه: بأن القول بكون الدوران حجة، مشروط بألا يجزم بعدم عليته (9) والموصوف بهذه الصفة لم يوجد في صورة النقض، فلا يرد النقض (10).
__________
(1) "المرادات" في ط.
(2) ساقط من ط.
(3) "العقاقر" في ط.
(4) ساقط من الأصل.
(5) ساقط من ط.
(6) انظر: شرح القرافي ص 397، والمسطاسي 146 - 147.
(7) انظر: البرهان فقرة 796، حيث نقل هذا عن الجدليين، ونقل عن أبي الطيب الطبري أنه قال: إن هذا المسلك من أعلى المسالك المظنونة. اه.
وانظر: الإبهاج 3/ 79.
(8) "الدورنات" في ط.
(9) "علته" في الأصل.
(10) انظر الحجة والإجابة عنها في: شرح القرافي ص 397، والمسطاسي ص 147.
(5/371)

[قوله] (1): (السادس: السبر والتقسيم، وهو أن تقول (2): إِما أن يكون الحكم معللاً بكذا أو بكذا [أو بكذا] (3)، والكل (4) باطل إِلا كذا فيتعين).
ش: هذا هو الوصف السادس من الثمانية الدالة على العلة، وهو السبر والتقسيم (5).
والسبر في اللغة معناه: الاختبار، ومنه المسبار لما يختبر به الجرح طولاً وعرضًا، ومنه قول العرب: هذه القضية يسبر بها غور العقل (6).
قال المؤلف: والأولى أن يقال (7): التقسيم والسبر، بتقديم التقسيم على السبر، لأنا نقسم أولاً، ثم نسبر تلك الأقسام ثانيًا (8)، ولكن إنما قدموا (9)
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "يقول" في ش، وخ، وز، وط.
(3) ساقط من الأصل، وش، وز، وط.
(4) "فالكل" في ز، وط.
(5) انظر: البرهان فقرة 772، والمحصول 2/ 2/ 299، والمستصفى 2/ 295، والمنخول ص 350، ومختصر ابن الحاجب 2/ 236، والإحكام للآمدي 3/ 264، وروضة الناظر ص 306، وجمع الجوامع 2/ 270، والمسودة ص 426، وتيسير التحرير 4/ 46، وفواتح الرحموت 2/ 299، ونهاية السول 4/ 128، والإبهاج 3/ 83، وشرح القرافي ص 397، والمسطاسي ص 147، وحلولو ص 346.
(6) انظر: المشوف المعلم، والصحاح، مادة: "سبر".
(7) "يقول" في ز.
(8) انظر: نهاية السول للإسنوي 4/ 129 - 130.
(9) "تقدم" في ط.
(5/372)

السبر في اللفظ على التقسيم؛ لأن السبر هو القصد (1)، والتقسيم وسيلة إلى السبر، فالمقصد (2) أهم من الوسيلة، فإن شأن العرب [تقديم] (3) الأهم والأفضل (4).
وهذا الوصف الذي هو السبر والتقسيم (5)، حجة [عند الأكثرين] (6).
والدليل على (7) كونه حجة أصلان:
أحدهما: أن الأصل في الأحكام التعليل، فمهما أمكن أن يكون الحكم معللاً فلا يجعل تعبدًا (8).
والأصل الثاني: أنه مهما أمكن إضافة الحكم إلى المناسب فلا يضاف إلى غيره، ولم نجد ها هنا مناسبًا (9) إلا ما بقي بعد السبر، فوجب كونه علة عملاً بهذين الأصلين (10).
حجة القول بأنه ليس بحجة: أن إبطال ما بطل من المعاني لا يلزم (11) منه
__________
(1) "المقصد" في ز، وفي ط: "المصدر".
(2) "فالمصدر" في ط.
(3) ساقط من ط.
(4) انظر: شرح القرافي ص 398، والمسطاسي ص 147.
(5) "هو" زيادة في ز، وط.
(6) ساقط من ز، وط، وانظر: شرح حلولو ص 347.
(7) "بأن" في ز.
(8) انظر: شرح القرافي ص 398، والمسطاسي ص 147.
(9) "مناسب" في ط.
(10) انظر: شرح القرافي ص 398، والمسطاسي ص 147.
(11) "يرم" في ز.
(5/373)

صحة (1) ما بقي، لاحتمال بطلانه في نفسه، أو تكون للحكم علة أخرى (2).
مثال ذلك: سارق الكفن [من القبر] (3)، قال مالك: يقطع (4)، وقال أَبو حنيفة: [لا يقطع] (5) (6).
فيقول المالكي: سقوط القطع لا يخلو إما لعدم الملك، وإما لعدم الحرز، وإما لعدم الخصومة، فلا يصح أن يقال: لعدم الملك؛ لأن الملك ثابت إما للميت وإما للورثة، ولا يصح أن يقال: لعدم الحرز؛ لأن حقيقة الحرز ما لا يعد الواضع فيه [في العرف] (7) مضيعًا للمال، فإن من كفن ميتًا ودفنه وسد قبره فلا ينسب إلى ضياعه في العرف، فإن القبر حرز للميت ولكفنه، ولا يصح أن يقال لعدم الخصومة فيه؛ لأن الخصومة فيه ثابتة إما للورثة وإما للإمام، فإذا انتفت أسباب السقوط تعين القطع.
قوله: (السابع: الطرد، وهو عبارة عن اقتران الحكم بسائر (8) صور الوصف، وليس (9) مناسبًا ولا مستلزمًا (10) للمناسب، وفيه خلاف).
ش: [هذا] (11) هو الوصف السابع من الثمانية الدالة على العلة، وهو
__________
(1) "حجة" في ز.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 147.
(3) ساقط من ط.
(4) انظر: الرسالة لابن أبي زيد ص 109، وبداية المجتهد 2/ 449.
(5) ساقط من ط.
(6) انظر: الهداية 2/ 121، والمبسوط 9/ 159.
(7) ساقط من ز، وط.
(8) "سائر" في ط.
(9) "فليس" في ش.
(10) "ملتزمًا" في ط.
(11) ساقط من ط.
(5/374)

الطرد (1).
ومعناه: اقتران الحكم بجميع صور الوصف، وهو اقتران الوجود بالوجود، وليس مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب؛ لأنه لو كان مناسبًا لكان هو المناسب المتقدم، ولو كان مستلزمًا [للمناسب] (2) لكان هو الشبه المتقدم، ونحن إنما قصدنا [ها هنا] (3) إثبات طريق آخر (4) غير المناسب وغير الشبه، فاقتران الوجود بالوجود طريق مستقل في إثبات العلة (5)، وفيه قولان:
قيل (6): يدل على العلة، وإليه ذهب القاضي ابن القصار (7) وجماعة (8).
__________
(1) انظر بحث الطرد في: المعتمد 2/ 786، والبرهان فقرة 738، وما بعدها، والمحصول 2/ 2/ 305، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 30، والمستصفى 2/ 307، والتبصرة ص 460، والمنخول ص 340، وروضة الناظر ص 309، والوصول لابن برهان 2/ 303، ونهاية السول 4/ 135، والإبهاج 3/ 85، وجمع الجوامع 2/ 291، وشرح القرافي ص 398، والمسطاسي ص 147، وحلولو ص 347.
(2) ساقط من ط.
(3) ساقط من ط.
(4) "الاخر" في ط.
(5) انظر: الفرق بين الشبه والمناسبة والطرد في: المستصفى 2/ 310 - 311، والبرهان فقرة 825، والإحكام للآمدي 3/ 296، وجمع الجوامع 2/ 286، وشرح القرافي ص 398، والمسطاسي ص 148.
(6) "وقيل" في الأصل.
(7) انظر: مقدمة ابن القصار ص 125، وشرح المسطاسي ص 148.
(8) منهم بعض الشافعية كأبي بكر الصيرفي والرازي والبيضاوي في المنهاج.
انظر: التبصرة ص 460، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 30، والمحصول 2/ 2/ 305، والإبهاج 3/ 85، والمسطاسي ص 148.
(5/375)

وقيل: لا يدل على العلة، وإليه ذهب [القاضي] (1) أَبو بكر (2)، وأبو إسحاق الشيرازي (3) (4)، وأبو حامد الغزالي (5)، وغيرهم (6).
مثال ذلك: كما (7) لو قلنا [علة] (8) وجوب الزكاة في الحلي من أحد النقدين كونه ذهبًا أو فضة، فإنه ليس بمناسب ولا هو مستلزم للمناسب الذي هو الغنى، فنقول بوجوب الزكاة في الحلي المباح إلحاقًا له بسائر الصور من المسكوك (9) والمثبور (10)، ..............................................
__________
(1) ساقط من ط.
(2) انظر: البرهان فقرة 739، 744، والإبهاج 3/ 85.
(3) "والشيرازي" في ط، ويحتمل أن العبارة صحيحة ويكون المراد بأبي إسحاق: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني؛ لأنه ممن أنكر القول بالطرد، انظر: البرهان فقرة 744.
(4) انظر: التبصرة ص 460.
(5) انظر: المنخول ص 340، والمستصفى 2/ 307.
(6) كالجويني وأبي الخطاب من الحنابلة، وأبي الحسين البصري وابن قدامة وغيرهم.
انظر: البرهان فقرة 739، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 30، والمعتمد 2/ 786، 1038، والروضة ص 309، والمسطاسي ص 148.
(7) "مكا" في ز.
(8) ساقط من ط.
(9) أي المضروب دراهم ودنانير، وسبب التسمية راجع إلى السكة بكسر السين وفتح الكاف، وهي الحديدة التي تضرب عليها الدراهم والدنانير.
انظر: اللسان، والصحاح، مادة: "سكك" والمخصص لابن سيده 12/ 28.
(10) كذا في الأصل، وز، ومعناها في اللغة: المحبوس والمخزون، انظر: اللسان مادة: "ثبر" وفي ط: "التبور".
ولعل صواب الكلمة: التبر، وهو الذهب المكسور أو المنثور قبل صياغته، مأخوذ من التتبير، وهو التغيير والتكسير، فإذا ضرب فهو عين.
انظر: اللسان، والصحاح مادة: "تبر"، والمخصص 12/ 23.
(5/376)

والغلة (1)، والصحاح (2)، وغيرها.
حجة القول بأنه حجة ودليل، وجهان:
أحدهما: أن الأصل في الأحكام التعليل، وليس ها هنا غير هذا الوصف، فوجب كونه علة عملاً بهذا الأصل، نفيًا للتعبد بحسب الإمكان.
والوجه الثاني: [أن] (3) اقتران الحكم بجميع الصور مع انتفاء ما يصلح (4) للتعليل غير هذا المقترن يغلب على الظن علية ذلك المقترن، والعمل بالراجح متعين (5).
حجة القول بأنه ليس بحجة، أربعة أوجه (6):
أحدها: أن الأصل في الشرائع اعتبار المصالح والمفاسد، فما لم يعلم (7) فيه تحصيل مصلحة ولا درء مفسدة، وجب ألا يعتبر (8).
الوجه الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم إنما نقل عنهم العمل بالمناسب، وأما غير المناسب فلا، فوجب بقاؤه على الأصل في عدم الاعتبار (9).
__________
(1) الغلة: هي الدخل من كراء دار، أو فائدة أرض، ونحوهما. انظر: اللسان: "غلل".
(2) صحاح بفتح الصاد والحاء، يقال: درهم صحاح، بمعنى صحيح، ويروى بضم الصاد، ومنهم من يرويه بالكسر ولا وجه له. انظر: اللسان، مادة: "صحح".
(3) ساقط من ط.
(4) "يصح" في ط.
(5) انظر الوجهين في: شرح القرافي ص 398، والمسطاسي ص 148.
(6) انظرها في: شرح المسطاسي ص 148.
(7) "يصلح" في الأصل.
(8) انظر: شرح القرافي ص 398.
(9) انظر: شرح القرافي ص 398.
(5/377)

الوجه الثالث: أن العلل الشرعية أمارات (1) نصبها الشرع على الأحكام، فلا تثبت إلا بدلالة (2) السمع، فلا بد من إقامة الدليل على اعتبارها.
الوجه الرابع: أن الطرد راجع إلى السلامة من النقص، ولا يلزم [من] (3) انتفاء مفسدة خاصة انتفاء جميع المفسدات، وعلى تقدير انتفاء جميع المفسدات فلا يلزم ثبوت الصحة.
قوله: (الثامن: تنقيح المناط، وهو إِلغاء الفارق، فيشتركان في الحكم).
ش: هذا هو الوصف الثامن الباقي من الثمانية الدالة على العلة، وهو المعبر عنه بتنقيح المناط (4).
تقدم لنا الخلاف في معنى تنقيح المناط (5)، هل هو إلغاء الفارق؟
قاله الغزالي، أو تعيين (6) العلة من أوصاف مذكورة، قاله غيره.
ومعنى قوله: فيشتركان في الحكم، أي يشترك الأصل والفرع في الحكم لعدم الفارق بينهما.
__________
(1) "امارنا" في ز.
(2) "بدالة" في ز.
(3) ساقط من ط.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 215، وجمع الجوامع 2/ 292، والإبهاج 3/ 87، ونهاية السول 4/ 137، وشرح القرافي ص 399، والمسطاسي ص 148، وحلولو ص 347.
(5) انظر: صفحة 301 من مخطوط الأصل، وصفحة 291 من هذا المجلد وشرح القرافي ص 388 - 389.
(6) "تعين" في ز.
(5/378)

والدليل على أن تنقيح المناط حجة على تفسيره بإلغاء الفارق (1): أن الأصل [في] (2) كل مثلين/ 311/ أن يكون (3) حكمهما واحد [اً] (4)، فإذا استوت صورتان ولم يوجد (5) بينهما فارق، [فإن] (6) الظن القوي (7) القريب من القطع يقتضي أنهما متساويتان (8) في الحكم (9).
مثال ذلك: قياس العبد على الأمة في تشطير الحد الوارد في الأمة [في] (10) قوله (11) تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (12)؛ إذ لا فارق يصلح للتعليل بين العبد والأمة.
وكذلك قياس الأمة على العبد في التقويم على معتق الشقص؛ لأن النص وارد بلفظ العبد، لقوله عليه السلام: "من أعتق شركًا له في عبد قوم
__________
(1) قال حلولو في شرحه ص 347: الأكثر على أنهما مسلكان لا مسلك واحد كما ظنه المصنف، والمسلك الأول: التنقيح، والثاني: إلغاء الفارق.
(2) ساقط من ط.
(3) "او يكون" في ط.
(4) ساقط من الأصل وط.
(5) "يجدوا" في ط.
(6) ساقط من ز.
(7) "اللغوي" في ز، وط.
(8) متساويان في الأصل.
(9) انظر: شرح القرافي ص 399، والمسطاسي ص 148.
(10) ساقط من الأصل.
(11) "لقوله" في الأصل.
(12) النساء: 25.
(5/379)

عليه نصيب شريكه".
وكذلك قياس بيع الصفة على بيع الرؤية؛ إذ لا فارق بينهما يصلح للتعليل.
***
(5/380)

الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة
ش: هذا الفصل نقيض الفصل الذي قبله.
قوله: (وهو خمسة).
[ش] (1) جملتها: النقض، وعدم التأثير [والقلب] (2)، والقول بالموجب (3)، والفرق (4)، وهي كلها ظنية.
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "بالوجوب" في ط.
(4) لم يذكر القرافي من قوادح العلة أو الاعتراضات على القياس سوى خمسة، تبعًا لصاحب المحصول، وقد تفاوت الأصوليون في تعداد هذه القوادح، فأوصلها بعضهم إلى خمسة وعشرين، كالآمدي، وابن الحاجب، والاعتراضات منها ما يرجع إلى جملة القياس، ومنها ما يرجع إلى الأصل، ومنها ما يرجع إلى الفرع، ومنها ما يرجع إلى العلة، فلعله اقتصر على الأخيرة.
قال العضد في شرح ابن الحاجب: إن الحصر العقلي في مثل عدد هذه الاعتراضات مشكل، سيما وهو أمر للاصطلاح والمواضعة فيه مدخل. اه.
وقال الغزالي في المستصفى بعد أن عد بعض القوادح: وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي ... فإن لم يتعلق بها فائدة، فينبغي أن تشح على الأوقات أن تضيعها بها، وإن تعلق بها فائدة ... فهي ليست من جنس أصول الفقه، فينبغي أن تفرد بالنظر ولا تمزج بالأصول. اه.
انظر: المستصفى 2/ 349 - 350، والإحكام للآمدي 4/ 69، والإبهاج 3/ 91، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 257، 258، والروضة ص 339، والمسطاسي ص 154، وشرح حلولو ص 357.
(5/381)

والقادح في العلة أعم من كونه (1) ظنيًا أو قطعيًا، فالقطع مخالفته للنص أو الإجماع (2)، قال القاضي: وكذلك إذا لم يقم دليل (3) على نصبها فإنه يقطع بفسادها (4).
وكذلك إثباتها بطريق العقل دون اعتبار مور [د] (5) الشرع، كما يفعله المعتزلة فيما يحل ويحرم عقلاً، فيلحقون الفروع (6) بالأصول على (7) قطعية (8) العقل (9).
قوله: (الأول (10): النقض، وهو وجود الوصف بدون الحكم) (11).
__________
(1) "كونها" في ز، وط.
(2) انظر: اللمع ص 321.
(3) "الدليل" في ز.
(4) "بفسداها" في ط.
(5) ساقط من ط.
(6) "الفرع" في ط.
(7) "عن" في ط.
(8) "قضية" في ز، وط.
(9) إلى هنا كلام القاضي، فانظر: شرح المسطاسي 148 - 149.
(10) "فالأول" في أ.
(11) انظر هذا القادح في: المعتمد 2/ 822، والبرهان فقرة ص 969، والمحصول 2/ 2/ 323، والروضة ص 342، ومختصر ابن الحاجب 2/ 268، والمنخول ص 404، والإحكام للآمدي 4/ 89، وأصول ابن مفلح 3/ 849، والمسودة ص 412، والمستصفى 2/ 336، والتبصرة ص 466، وتيسير التحرير 4/ 9، وفواتح الرحموت 2/ 277، وجمع الجوامع 2/ 294، والإبهاج 3/ 92، ونهاية السول 4/ 145، واللمع ص 318، والمعالم للرازي ص 286، وشرح القرافي ص 399، وحلولو ص 350.
(5/382)

[ش] (1): قوله: (وجود الوصف بدون الحكم)، يعني في صورة أخرى.
مثاله: تعليل وجوب الزكاة بالغنى، فإنه ينتقض بالعقار، فإن فيه الغنى مع عدم الزكاة، فقد وجدنا العلة بدون الحكم.
وكما يرد النقض على العلة، فكذلك (2) يرد على الأدلة والحدود، فإن وجود الدليل بدون المدلول، ووجود الحد بدون المحدود، [نقض عليه (3).
ولا خلاف في أنه قادح في الحد، واختلف في قدحه في العلة والدليل.
فقيل: يقدح في العلل والأدلة كما يقدح في الحد (4)،] (5) وقيل: لا يقدح.
قوله (6): (وفيه أربعة مذاهب.
ثالثها: إن وجد المانع في صورة النقض فلا يقدح، وإِلا قدح.
ورابعها: إِن نص عليها لم يقدح، وإِلا قدح).
ش: قيل: يقدح مطلقًا، [وقيل: لا يقدح مطلقًا] (7) وقيل: يقدح إلا أن يوجد المانع في النقض، وقيل: يقدح إلا أن تكون العلة منصوصة (8).
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "وكذلك" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 399، والمسطاسي ص 149.
(4) "الحدود" في ز.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) "وقوله" في ط.
(7) ساقط من ط.
(8) وهناك أقوال أخرى في المسألة، منها:
1 - أنه يقدح في المنصوصة دون المستنبطة.
(5/383)

ومعنى كون النقض قادحًا، أي يكون دليلاً على [عدم] (1) اعتبار العلة.
ومعنى كونه لا يقدح، أي لا يكون دليلاً على عدم اعتبار العلة.
مثال هذه الأقوال الأربعة: [أن] (2) الأمير مثلاً إذا كان يعطي صدقة لكل فقير في كل يوم، وفيهم رجل (3) لا يعطي له في بعض الأيام، فترك العطاء لهذا الرجل، نقض دال على [أن] (4) الفقر ليس بعلة للعطاء (5) فيقدح فيه، وقيل: لا يقدح فيه.
والقول الثالث: إن وجد المانع من العطاء (6) كقلة الأدب مع الأمير، أو كون ذلك الرجل مبتدعًا، فلا يقدح [النقض، وإن لم يوجد مانع فيقدح.
والقول الرابع: إن نص الأمير على علة الإعطاء، كقوله: إنما أعطي لهم لأجل فقرهم، فلا يقدح] (7) النقض في عدم تأثير الفقر، وإن لم ينص على
__________
= 2 - أنه يقدح في الحاظرة دون المبيحة.
3 - أنه يقدح إلا أن يرد على جميع المذاهب.
وانظر: المحصول 2/ 2/ 323، وجمع الجوامع 2/ 297، ونهاية السول 4/ 148، والإبهاج 3/ 93، والمعتمد 2/ 822، والمسطاسي ص 149، وحلولو ص 350 - 351.
(1) ساقط من ط.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "رجلاً" في الأصل.
(4) ساقط من ط.
(5) "للإعطاء" في ط.
(6) "الإعطاء" في ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5/384)

ذلك [قدح] (1).
حجة القول بأن النقض (2) يقدح في العلة مطلقًا، أي يمنع من اعتبار العلة: أن الوصف إما أن يكون علة أو مستلزمًا لها، أو لا يكون علة ولا مستلزمًا لها، فلو كان علة أو مستلزمًا لها لثبت الحكم معه في جميع صوره، وإن لم يكن الوصف علة ولا مستلزمًا لها لكان الوصف وحده (3) ليس بعلة، حتى ينضاف (4) إليه غيره، والمقدر أنه علة، هذا خلف (5).
حجة القول بأن النقض (6) لا يقدح، أي لا يمنع من اعتبار العلة مطلقًا وجهان:
أحدهما (7): أن الموجب (8) لعلية الوصف هو (9) المناسبة، والمناسبة تقتضي أن يثبت الحكم معها حيثما وجدت، [وقد وجدت] (10) فيما عدا صورة النقض، فوجب أن يثبت الحكم معها و [إن] (11) لم يوجد معها في صورة
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "النص" في ز.
(3) "وحدها" في ط.
(4) "يضاف" في ز، وط.
(5) كذا في النسخ الثلاث، وفي شرح المسطاسي ص 149، أما شرح القرافي ص 399، ففيه: وهذا خلف، والمعنى: والمقدر أن الوصف علة فإذا لم يكن علة بل كان جزء علة صار الوصف غير صالح للتعليل به.
(6) "النص" في ز.
(7) "وأحدهما" في ز.
(8) "الموجوب" في ز.
(9) "هي" في الأصل.
(10) ساقط من ز، وط.
(11) ساقط من ز، وط.
(5/385)

النقض (1).
الوجه الثاني: أن العلة أمارة على الحكم، فجاز تخصيصها، بمنزلة العام، وتكون العلة كالعام المخصوص إذا خرجت منه بعض الصور، فإنه يبقى حجة فيما عدا صورة التخصيص، سواء علم موجب التخصيص أم لا.
ولأجل هذا قال كثير من الأصوليين: النقض تخصيص للعلة (2).
قال المؤلف: وهذا هو المذهب المشهور (3).
حجة القول بالفرق بين وجود المانع من الحكم في صورة النقض وعدم المانع: أن الفرق إذا وجد في صورة النقض كان ذلك الفارق مانعًا من ثبوت الحكم مع العلة في صورة النقض، أما إذا لم يوجد فارق (4) كان عدم الحكم في صورة [النقض] (5) منافيًا لعدم علية الوصف [لا] (6) لقيام (7) المانع فلا يكون الوصف علة (8).
حجة القول بالفرق بين التنصيص على العلة وعدم التنصيص: أن
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 400، والمسطاسي ص 149.
(2) انظر: المعتمد 2/ 822، والمحصول 2/ 2/ 323، والإحكام للآمدي 3/ 218، والإبهاج 3/ 98 - 99، وشرح القرافي ص 400، والمسطاسي ص 149.
(3) انظر: شرح القرافي ص 400.
(4) "فإن" في الأصل.
(5) ساقط من ز، وط.
(6) ساقط من ط.
(7) "القيام" في ط.
(8) انظر: شرح القرافي ص 400.
(5/386)

الوصف إذا نص على كونه علة تعين الانقياد لنص صاحب الشرع، وهو أعلم بالمصالح فلا عبرة بالنقض مع نص صاحب الشرع بل النص مقدم، أما إذا لم يوجد نص فإنه يتعين أن الوصف ليس بعلة، لأنه لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره، وليس فليس (1).
قوله: (وجواب النقض (2) إِما بمنع (3) وجود الوصف في صورة النقض أو بالتزام الحكم فيها).
ش: لما كان النقض مركبًا من شيئين: أحدهما: وجود الوصف في صورة النقض، والثاني: عدم الحكم فيها، كان انتفاء أحدهما مانعًا من النقض؛ لأن الماهية المركبة من شيئين تنتفي بانتفاء أحدهما، فإذا عدم الوصف من صورة النقض، أو وجد الحكم فيها،/ 312/ لم يرد النقض (4).
مثال عدم الوصف من صورة النقض: أن يختلف في الوقف هل يفتقر (5) إلى القبول أم لا؟
فنقول (6): الوقف عقد (7) ينقل [ا] (8) لملك، فوجب أن يفتقر إلى القبول
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 400.
(2) "النض" في ط.
(3) "ما يمنع" في أ.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 343، والإحكام للآمدي 4/ 89 - 90، وجمع الجوامع 2/ 299، والمنخول ص 409، ومختصر ابن الحاجب 2/ 268، والروضة ص 342، والإبهاج 3/ 109، 114، وشرح القرافي ص 400، والمسطاسي ص 150، وحلولو ص 352 - 353.
(5) غير واضحة في ز، وتقرب من: "يقتضي".
(6) "فيقول" في الأصل.
(7) "عدل" في ط.
(8) ساقط من ز.
(5/387)

قياسًا على البيع.
فيقول المعترض (1): هذا منقوض بالعتق، لأنه عقد ينقل [ا] (2) لملك، مع أنه لا يفتقر إلى القبول باتفاق.
فيقول المجيب: لا نسلم أن العتق نقل، بل هو إسقاط كالطلاق، والإسقاط لا يفتقر إلى القبول، بخلاف النقل والتمليك.
وسيأتي الفرق بين النقل والإسقاط في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى في قول المؤلف: الفصل الثاني في تصرفات المكلفين في الأعيان، وهي: إما نقل، أو إسقاط، أو قبض أو إقباض، إلى آخر كلامه هنالك (3).
ومثال آخر لعدم الوصف من صورة النقض: أن يختلف في الوضوء، هل يفتقر إلى نية أم لا؟
فيقول المستدل: الوضوء طهارة من حدث، فيفتقر إلى نية، قياسًا على التيمم.
فيقول المعترض: هذا ينتقض بإزالة النجاسة، لأنه وجد فيه الوصف، وهو الطهارة، مع أنه لا يفتقر إلى نية.
ويقول المجيب: لا نسلم وجود الوصف في زوال النجاسة؛ لأن الوصف
__________
(1) في ز: "المخالف المعترض"، وفي ط: "المخالف".
(2) ساقط من ز.
(3) انظر: مخطوط الأصل صفحة 367، وصفحة 277 من المجلد السادس من هذا الكتاب، وشرح القرافي ص 455.
(5/388)

المعلل به في الوضوء هو (1) الطهارة من الحدث لا الطهارة المطلقة، فما به الاشتراك غير ما به الامتياز، لأن زوال النجاسة طهارة الخبث، والوضوء طهارة الحدث.
ومثال وجود الحكم في صورة النقض: أن يختلف في وجوب الزكاة فيما توالد بين الغنم والظباء، وفي ذلك في مذهبنا ثلاثة أقوال، أشار إليها ابن الحاجب فقال في كتاب الزكاة: وفي المتولد منها ومن الوحش، ثالثها: إن كانت الأمهات من النعم (2)، وجبت (3).
فيقول المستدل: هذا حيوان توالد بين حيوانين لا زكاة في أحدهما فلا تجب فيه الزكاة.
فيقول المعترض: هذا ينتقض بما توالد بين السائمة والمعلوفة، لأنه حيوان توالد بين حيوانين لا تجب الزكاة في أحدهما، وهي المعلوفة.
فيقول المجيب: لا نسلم أن المعلوفة لا تجب فيها (4) الزكاة بخلاف الظباء.
قوله: (الثاني: عدم التأثير، وهو أن يكون الحكم موجودًا مع وصف، ثم يعدم ذلك الوصف ويبقى الحكم، فيقدح، بخلاف العكس، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى، فلا يقدح؛ لأن العلل الشرعية يخلف
__________
(1) "وهو" في ط.
(2) "الغنم" في ط.
(3) انظر: فروع ابن الحاجب ورقة 20/ ب، من مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 887 د.
(4) "فيه" في ز، وط.
(5/389)

بعضها بعضا).
ش: ذكر المؤلف ها هنا عدم التأثير (1)، ثم أدرج في (2) [هذا] (3) دالاً آخر، وهو المعبر عنه بالعكس (4).
مثال عدم التأثير: تعليل تحريم الخمر بغليانه في دنه (5)، أو بلون خاص، ثم زال غليانه، [أ] (6) وتغير لونه المعلل به إلى لون آخر، مع كون تحريمه باقيًا، فهذا عدم التأثير، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة واحدة، فإن ذلك يدل على عدم تأثير ذلك الوصف لذلك التحريم؛ إذ لو كان ذلك الوصف علة لذلك الحكم، لكان ذلك الحكم معدومًا عند عدم ذلك (7) الوصف.
__________
(1) انظر عدم التأثير في: المعتمد 2/ 789، وكتاب القياس الشرعي لأبي الحسين 2/ 1040، واللمع ص 317، والبرهان فقرة 1004، والمحصول 2/ 2/ 355، وأصول ابن مفلح 3/ 843، والمنخول ص 411، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 125، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد 2/ 265، والإبهاج 3/ 119، وتيسير التحرير 4/ 134، 151، والوجيز للكرماستي ص 195 - 196، وروضة الناظر ص 349، وجمع الجوامع 2/ 307، ونهاية السول 4/ 183، والإحكام للآمدي 4/ 85، والمعالم للرازي ص 285، وشرح القرافي ص 401، والمسطاسي ص 150، وحلولو ص 353.
(2) "فيها" في ز، وط.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 355، والإبهاج 3/ 119، والبرهان فقرة 1005، 1019، ونهاية السول 4/ 183، وأصول الشاشي ص 350، والمغني للخبازي ص 324، والمسطاسي ص 150، وحلولو ص 354.
(5) "دهنه" في ز، وط. والدن: وعاء عظيم لا قاعدة له يستقر عليها، فلذا يحفر له حتى يثبت، انظر القاموس مادة: "دن". والمخصص لابن سيده 11/ 83.
(6) ساقط من ز.
(7) تستقيم العبارة بدون الإسراف في تكرار "ذلك".
(5/390)

قوله: (بخلاف العكس)، هذا هو دال آخر، وهو في المعنى رابع، وإن جعله المؤلف ثالثًا في اللفظ (1)، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى، وهو عكس النقض الذي تقدم أولاً؛ لأن النقض معناه: وجود الوصف بدون الحكم في صورة أخرى.
وأما العكس فمعناه: وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى.
وأما عدم التأثير فمعناه: وجود الحكم بدون الوصف في صورة واحدة.
مثال النقض: تعليل الزكاة بالغنى، ثم يعترض عليه بالعقار كما تقدم.
ومثال عدم التأثير: تعليل الخمر بلون خاص، ثم يزول ذلك اللون ويبقى التحريم، كما تقدم [أيضًا] (2).
ومثال العكس، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى: تعليل الحد بالقذف؛ لأنه يعترض عليه بحد الزنا وحد الشرب، فهذا الاعتراض لا يرد؛ لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضًا.
ومثال العكس أيضًا: تعليل وجوب الغسل بالإنزال، فيعترض عليه بوجوب الغسل من الإيلاج والحيض، فلا يرد هذا الاعتراض؛ لأن العلل
__________
(1) لم يتضح لي معنى قوله: (رابع في المعنى) لأنه لم يسبق من القوادح إلا اثنان، النقض، وعدم التأثير: فلعله تبع المسطاسي في هذه العبارة، والمسطاسي قد استطرد عند كلامه على النقض فأورد الكسر، وهو قادح قريب من النقض ذكره كثير من الأصوليين، وهو تخلف الحكم عن معنى العلة، والمقصود بمعنى العلة: الحكمة، وعلى هذا تكون أربعة: النقض، والكسر، وعدم التأثير، والعكس، انظر: شرح المسطاسي ص 151، والإحكام للآمدي 3/ 230.
(2) ساقط من ز، وط.
(5/391)

الشرعية يخلف بعضها بعضًا.
قال المؤلف في شرحه: قال سيف الدين الآمدي: يرد سؤال النقض ولا يرد سؤال العكس، إلا أن يتفق المتناظران (1) على اتحاد (2) العلة في النقض والعكس (3).
قال المؤلف: وكثيرًا ما يغلط طلبة العلم في إيراد العكس، فإنهم يوردونه كما يوردون النقض، وهو غلط؛ لأن (4) العلل الشرعية يخلف بعضها بعضًا.
فقد ظهر الفرق (5) بين النقض والعكس وعدم التأثير. انتهى نصه (6).
فالنقض وعكسه (7) في صورتين، وعدم التأثير في صورة واحدة، [اعلم ذلك] (8).
قوله: (الثالث: القلب، وهو إِثبات نقيض الحكم بعين العلة، كقولنا في
__________
(1) "المنتظران" في ز.
(2) "الحاد" في ز.
(3) كذا في النسخ الثلاث، والذي في شرح القرافي ص 401، على اتحاد العلة فيرد النقض والعكس، وهو أكثر وضوحًا مما هنا؛ لأن العكس - كما قال الآمدي - لا يرد إلا إذا كان جنس المعلل ليس له إلا علة واحدة، أما إذا كان معللاً بعلل، له في كل صورة علة فلا يرد.
فمعنى اتحاد العلة هنا ألا يكون له إلا علة واحدة. وانظر: الإحكام للآمدي 3/ 235.
(4) "فإن" في ز، وط.
(5) "النقض" في ط.
(6) انظر: شرح القرافي ص 401.
(7) "والعكس" في ز.
(8) ساقط من ز، وط.
(5/392)

الاعتكاف: لبث في مكان مخصوص، فلا يستقل بنفسه، [قياسًا على] (1) الوقوف (2) بعرفة، فيكون الصوم شرطًا فيه (3).
فيقول السائل: لبث في مكان مخصوص، فلا يكون الصوم شرطًا [فيه] (4)، كالوقوف بعرفة.
وهو إِما [أن] (5) يقصد به (6) إِثبات مذهب السائل، [أ] (7) وإِبطال مذهب المستدل (8)، فالأول كما سبق، والثاني كما يقول الحنفي: [مسح الرأس] (9) ركن من أركان الوضوء، فلا يكفي فيه أقل ما يمكن،
__________
(1) ساقط من ش.
(2) "كالوقوف" في ش.
(3) الخلاف في اشتراط الصوم في الاعتكاف مشهور بين الصحابة ومن بعدهم، وذلك راجع لورود الأحاديث بالصوم وعدمه، وممن قال باشتراط الصوم: ابن عمر وابن عباس وعائشة، وأخذ به عروة بن الزبير والزهري والأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد.
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود: لا يشترط الصوم، وأخذ بهذا الحسن البصري وأبو ثور وداود والشافعي، وهو الرواية المشهورة عن أحمد، وعليها أكثر أصحابه. انظر المغني لابن قدامة 3/ 185 - 186، وبداية المجتهد 1/ 315، وبدائع الصنائع 2/ 108، وروضة الطالبين 2/ 393، والمجموع شرح المهذب 6/ 487.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) ساقط من أ.
(6) "فيه" في الأصل.
(7) ساقط من ز.
(8) المقصود بالسائل في عرف الجدليين هو المعترض على الدليل، والمستدل هو المنتصب لإثبات الدعوى بالدليل.
(9) ساقط من أ، وفي ح، وش: "المسح".
(5/393)

أصله (1) الوجه (2).
ويقول (3) الشافعي: ركن من أركان الوضوء، فلا يقدر بالربع، أصله (4) الوجه).
ش: تكلم المؤلف ها هنا على الثالث من مبطلات العلة، وهو القلب (5) , أي قلب العلة إلى حكم آخر، فقسمه المؤلف إلى قسمين:
أحدهما: يقصد به إثبات مذهب السائل.
__________
(1) "اطه" في ز.
(2) مذهب أبي حنيفة في مسح الرأس الاكتفاء بقدر الربع منه، وهو قول زفر، وذكر الكرخي والطحاوي عن بعض الحنفية أنه يقدر بمقدار الناصية، وقال بعضهم: يقدر بثلاثة أصابع، والمشهور عند الشافعية أنه يكفي ما يطلق عليه الاسم.
أما مالك، وظاهر مذهب أحمد فيجب التعميم، وخص به أحمد الرجل دون المرأة.
انظر: مذاهب العلماء وما استدل به كل فريق في المغني 1/ 125، والشرح الصغير للدردير 1/ 168، وروضة الطالبين 1/ 53، وبدائع الصنائع 1/ 4.
(3) في أ: "يقول"، بدون الواو، وفي خ، وش: "فيقول".
(4) "اطه" في ز.
(5) انظر هذا القادح في:
المعتمد 2/ 819، وكتاب القياس الشرعي لأبي الحسين 2/ 1040، واللمع ص 319، والتبصرة ص 475، والبرهان فقرة 1032، والمنخول ص 414، والمحصول 2/ 2/ 357، والإحكام للآمدي 4/ 105، والإبهاج 3/ 136، ومختصر ابن الحاجب 2/ 278، والجدل لابن عقيل ص 62، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 202، والروضة ص 344، وأصول ابن مفلح 3/ 871، وجمع الجوامع 2/ 311، والمغني للخبازي ص 322، وشرح القرافي ص 401، والمسطاسي ص 151، وحلولو ص 354.
(5/394)

والآخر: يقصد به إبطال مذهب المستدل (1).
فالأول: قياس الاعتكاف على الوقوف بعرفة، لأن فيه إثبات مذهب السائل، وهو القالب (2).
والثاني: وهو ما يقصد به إبطال مذهب المستدل: أن الحنفي يقول: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ما يسمى مسحًا، كما قاله الشافعي،/ 313/ قياسًا على الوجه.
فقول الحنفي: لا يكفي (3) فيه أقل ما يسمى مسحًا، فيه إبطال مذهب المستدل، و [هو] (4) الشافعي، وليس فيه ما يثبت (5) مذهب الحنفي القائل بإيجاب مسح الربع؛ لأن قوله: لا يكفي (6) [فيه] (7) أقل ما يمكن، أعم من إيجاب الربع، كما قاله الحنفي، ومن إيجاب مسح الجميع، كما قاله مالك رحمه الله، والدال على الأعم غير دال على الأخص.
وكذلك قول الشافعي: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء فلا يقدر بالربع، أصله الوجه، فيه [أيضًا] (8) إبطال مذهب الحنفي القائل بإيجاب
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 2/ 361، والإبهاج 3/ 137، ونهاية السول 4/ 212، والإحكام للآمدي 4/ 109، وأصول ابن مفلح 3/ 871، وجمع الجوامع 2/ 314، ومختصر ابن الحاجب 2/ 278، وحلولو ص 354.
(2) "القلب" في الأصل.
(3) "يكتفى" في ز.
(4) ساقط من ط.
(5) "ثبت" في ز.
(6) "يكتفى" في ز.
(7) ساقط من الأصل.
(8) ساقط من الأصل.
(5/395)

الربع، وليس فيه إثبات مذهب الشافعي القائل بأقل ما يسمى مسحًا، لأن قوله: لا يقدر بالربع أعم من إيجاب أقل المسح، كما قاله الشافعي، ومن إيجاب جميع (1) [الرأس] (2)، كما قاله مالك رضي الله عنهم (3) [جميعًا] (4)، والدال على الأعم غير دال على الأخص.
والمراد بالسائل في كلام المؤلف هو القالب، وإنما جعل القلب مبطلاً للعلة؛ لأن القالب إذا أثبت (5) نقيض الحكم في صورة النزاع كان ذلك مبطلاً للعلة، وإلا للزم (6) اجتماع النقيضين في صورة النزاع (7).
قوله: (الرابع: القول بالموجب (8)، وهو تسليم ما ادعاه المستدل موجب علته، مع بقاء الخلاف في صورة النزاع).
[ش:] (9) تكلم المؤلف ها هنا على الرابع من مبطلات العلة، وهو القول بالموجب (10)، والموجب هو بفتح الجيم، وهو اسم مفعول، وهو ما توجبه
__________
(1) "الجميع" في ز، وط.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) "عنه" في ز، وط.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) "إذا ثبت" في ز، وط.
(6) "لزم" في ز، وط.
(7) انظر: شرح القرافي ص 402، والمسطاسي ص 152.
(8) "الموجب" في ط.
(9) ساقط من الأصل.
(10) انظر: المعتمد 2/ 821، والبرهان فقرة 965 وما بعدها، والمنخول ص 402، والمحصول 2/ 2/ 365، والإبهاج 3/ 141، والإحكام للآمدي 4/ 111، ونهاية السول 4/ 222، ومختصر ابن الحاجب 2/ 279، وشرح القرافي ص 402، وتيسير التحرير 4/ 124، وفواتح الرحموت 2/ 356، والمغني للخبازي =
(5/396)

العلة، أي الحكم الذي أوجبته العلة أو الدليل (1).
وإنما جعل المؤلف القول بالموجب مبطلاً للعلة، باعتبار صورة النزاع خاصة، وإلا فالعلة صحيحة مسلمة، وحكمها صحيح مسلم أيضًا، وإنما بطلانها باعتبار صورة النزاع خاصة، وذلك أن المستدل بها أراد أن يثبت الشيء المتنازع فيه، فإذا هو قد أثبت غيره، بمنزلة الرامي إذا رمى فأخطأ الغرض، فإن ذلك لا يقدح، فكذلك ها هنا، الاستدلال صحيح، وإنما فسد من جهة كونه حاد (2) عن محل النزاع (3).
مثال القول بالموجب: القاتل في الحرم، يقول المستدل: هذا شخص انصدر (4) منه القتال فوجب عليه القصاص، قياسًا على الحل.
__________
= ص 315، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 186، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 876، وروضة الناظر ص 350، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 189، وشرح القرافي ص 402، والمسطاسي ص 153، وحلولو ص 355.
(1) وبكسر الجيم هو نفس العلة أو الدليل، وانظر: شرح حلولو ص 355.
(2) "حادا" في الأصل، وط.
(3) انظر: البرهان، فقرة 965.
(4) كذا في النسخ الثلاث، وبناء الفعل بهذه الصورة لم أجد له تعليلاً؛ لأن بناء: "انفعل" من أبنية المطاوعة، وهي لا تكون إلا من المتعدي، نحو: دفعته فاندفع، وقطعته فانقطع.
والفعل هنا وهو "صدر" لازم، نقول: صدر القتل من القاتل، ولا يصاغ منه مطاوعة، إلا إذا حولنا الفعل إلى أصدر، فإن مطاوعه يكون فَعَلَ، تقول: أصدرت الأمر فصدر، وأذهبت الحزن فذهب، وأجلست الرجل فجلس. انظر: التبصرة والتذكرة للصيمري 2/ 752 - 753.
(5/397)

فيقول المعترض: سلمنا في وجوب القصاص عليه، لكن لا نسلم في الاقتصاص [منه في الحرم حتى يخرج إلى الحل (1). فالذي ادعاه المستدل من وجوب القصاص عليه مسلم فيه، وصورة النزاع باقية] (2).
ومثاله أيضًا قول المستدل: المحرم لا يُغَسل ولا يُطَيب، لقوله عليه السلام في محرم وقصت (3) به ناقته: "لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم (4) القيامة ملبيًا" (5) (6).
فيقول المعترض: ليس النزاع في ذلك المحرم الذي ورد فيه النص، وإنما
__________
(1) للفقهاء هنا ثلاثة أقوال هي:
1 - أنه يقتص منه في الحرم، سواء جنى في الحرم أو خارجه ثم لجأ إليه.
2 - أنه لا يقتص منه في الحرم مطلقًا.
3 - التفصيل بين أن يفعل الجناية في الحرم فيقتص منه، أو يفعل الجناية خارج الحرم ثم يلجأ إلى الحرم فلا يقتص منه حتى يخرج، انظر: حاشية ابن عابدين 6/ 547، وروضة الطالبين 9/ 224، والمغني 8/ 236 - 239، والشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوي عليه 7/ 57.
(2) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(3) "أي عثرت" زيادة في ز، وط.
(4) "قوم" في ز.
(5) هذا قول الشافعية والحنابلة، وأما المالكية والحنفية فقالوا: المحرم يفعل به ما يفعل بغيره، من حنوط وطيب ونحوهما. والخلاف راجع إلى الخلاف في الموت هل يقطع الإحرام أم لا؟
انظر: بداية المجتهد 1/ 232، والمغني 2/ 537، وروضة الطالبين 2/ 107، والمبسوط 2/ 52 - 53.
(6) هذا المثال أورده القرافي في شرحه ص 402، مثالاً على القول بالموجب في النصوص لأن القول بالموجب يدخل في العلل والنصوص وسائر ما يستدل به.
وانظر: شرح حلولو ص 355، 356.
(5/398)

النزاع في غيره؛ لأن ذلك النص ليس فيه عموم يتناول غيره، فلا يضرنا ذلك.
ومثاله أيضًا: استدلال الشافعي على وجوب العمرة بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (1)، فإن الأمر للوجوب (2).
ويقول (3) مالك: سلمنا أنها واجبة في إتمامها، وإنما النزاع في إنشائها، ودليل مالك على عدم وجوبها: قوله عليه السلام: "بني الإسلام على خمس" (4) فذكر الحج ولم يذكر العمرة.
[و] (5) مثاله أيضًا: قول القائل: تجب الزكاة في الخيل؛ لأنه حيوان يسابق عليه، فتجب الزكاة فيه كالإبل.
فيقول المعترض: أقول بموجب هذه العلة، ولكن تجب الزكاة فيها إذا كانت للتجارة، وإنما محل النزاع هل تجب الزكاة في رقابها من حيث هي
__________
(1) البقرة: 196.
(2) هذا مذهب الشافعي في الجديد، وهو مشهور الحنابلة، أما الحنفية فقالوا: العمرة واجبة، والواجب عندهم ما احتمل الفرض والتطوع فيحتاط فيه.
وأما المالكية فالعمرة عندهم سنة مؤكدة آكد من الوتر. انظر: بدائع الصنائع 2/ 226، والشرح الصغير 2/ 295، وبداية المجتهد 1/ 322، والمغني 3/ 223، وروضة الطالبين 3/ 17.
(3) "فيقول" في ز، وط.
(4) حديث صحيح أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن عمر، فانظره في البخاري في كتاب الإيمان برقم 8، وفي مسلم في الإيمان برقم 16، وفي الترمذي في الإيمان أيضًا برقم 2609.
(5) ساقط من ط.
(5/399)

خيل (1)؟ (2).
قوله: (الخامس: الفرق، وهو إِبداء معنى مناسب للحكم في إِحدى (3) الصورتين مفقود في الأخرى (4)، وقدحه مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين، لاحتمال أن يكون الفارق إِحداهما، فلا يلزم من عدمه عدم الحكم لاستقلال الحكم بإِحدى العلتين).
ش: هذا هو الخامس من مبطلات العلة، وهو الفرق بين الأصل والفرع (5).
قوله: (مناسب للحكم)، يريد الحكم المدعى، احترازًا من غير المناسب
__________
(1) أورد القرافي هذا المثال مثالاً لدخول القول بالموجب في العلل، فانظر شرحه ص 402.
(2) القول بإيجاب الزكاة في الخيل هو قول أبي حنيفة، ويشترط أن تكون سائمة، وأن إسامتها للدر والنسل، وأن تكون مختلطة ذكورًا وإناثًا.
أما إن كانت ذكورًا أو إناثًا، فعنه روايتان: وأما إن كانت غير سائمة أو كانت إسامتها للركوب والجهاد ونحوهما، فلا زكاة فيها.
والصاحبان يقولان: لا زكاة فيها كيف كانت، وهو مذهب الجمهور، ويستثنى من قولهم ما إذا كانت للتجارة؛ لأنها حينئذ عروض.
انظر: بدائع الصنائع 2/ 34، والهداية 1/ 100، والشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوي 2/ 95، والمغني 2/ 620، وروضة الطالبين 2/ 151.
(3) "أحد" في أ، وط.
(4) "الآخر" في أ، وط، وز.
(5) انظر هذا القادح في: البرهان فقرة 1065، والمحصول 2/ 2/ 367، والمنخول ص 417، والإبهاج 3/ 144، ونهاية السول 4/ 230، ومختصر ابن الحاجب 2/ 276، والإحكام للآمدي 4/ 103، وجمع الجوامع 2/ 319، وشرح القرافي ص 403، والمسطاسي ص 153، وحلولو ص 356.
(5/400)

أصلاً، ومن المناسب لغير الحكم المدعى (1)، فهذا المعنى الذي يقع به الفرق إذًا ثلاثة أقسام:
أحدها: غير مناسب.
والثاني: مناسب للحكم المدعى.
والثالث: مناسب لغير الحكم المدعى (2).
مثال الفرق بالمعنى الذي هو غير مناسب أصلاً: قياس الأرز على البر في منع التفاضل بجامع الطعم أو القوت.
ثم يقول المعترض: الفرق بينهما أن الأرز أشد بياضًا وأيسر تقشيرًا من سنبله من البر، فهذا الفرق لا عبرة به لعدم المناسبة فيه.
ومثال الفرق بالمعنى المناسب للحكم المدعى: قياس الهبة على البيع في منع الغرر، فإن المستدل يقول: عقد ينقل الملك فلا يجوز فيه الغرر قياسًا على البيع (3).
فيقول المعترض: الفرق بينهما أن البيع عقد معاوضة والمعاوضة مكايسة (4) يخل بها الغرر، بخلاف الهبة فإنها عقد مكارمة وإحسان محض، فلا يخل بها
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 403.
(2) انظر الأقسام الثلاثة وأمثلتها في: شرح القرافي ص 403، والمسطاسي ص 153 - 154.
(3) جاء في هامش الأصل ما يلي: "انظر حكم الجهل في الهبة".
(4) من الكيس وهو العقل، ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه"، والمكايسة هي المغالبة بالعقل والكياسة، انظر: القاموس، والصحاح، مادة: "كيس".
(5/401)

الغرر، ولأن الموهوب (1) له إذا لم يحصل له شيء فلا يتضرر به، بخلاف المشتري، وهذا هو الفرق المعتبر.
ومثال الفرق بالمعنى المناسب لحكم آخر خلاف (2) الحكم المدعى: قياس المساقاة على القراض في جواز المعاملة على جزء مجهول.
فيقول المعترض: الفرق بينهما أن الشجر إذا ترك العمل فيها هلكت، بخلاف النقدين، فهذا ليس بمناسب للحكم المدعى، وهو جواز المساقاة، وإنما هو مناسب للزوم عقد المساقاة لا لجوازه، فإن القول (3) بجواز عقد المساقاة يؤدي إلى جواز رده بعد مدة من غير عمل فتهلك الشجر.
أما باعتبار الغرر فلا مدخل لمناسبة هذا الفرق فيه.
قوله: (وقدحه مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين ..) إلى آخره، يعني أن تأثير الفرق في بطلان (4) العلة إنما ذلك على القول بأن الحكم الواحد لا يعلل بعلتين.
أما إذا قلنا بأن الحكم في الأصل المقيس عليه معلل (5) بعلتين، فوجدت إحداهما في الفرع دون الأخرى، فإن عدم العلة الأخرى [من] (6) الفرع (7) لا
__________
(1) "الموهب" في ز.
(2) "بخلاف" في ز.
(3) "العقد" في ط.
(4) "مطلق" في ز، وط.
(5) "يعلل" في ز، وط.
(6) ساقط من ز.
(7) "للفرع" في ز.
(5/402)

يضر (1).
مثال ذلك: إذا عللنا إجبار الأب/ 314/ [بالصغر] (2) والبكارة.
فإذا انفردت البكارة في المعنسة ثبت الجبر، أو انفرد الصغر في الثيب الصغيرة ثبت الجبر.
فإذا أورد (3) المعترض الفرق بوجود أحد الوصفين في الأصل دون الفرع لم يرد، لأنه علة أخرى في الأصل، ولا يضر عدمها من الفرع لاشتراكهما (4) في العلة الأخرى، فإن عدم إحداهما لا يمنع ترتب الحكم على الأخرى.
فلأجل هذا قال الإمام: وقدحه مبني على أن الحكم الواحد (5) لا يعلل بعلتين؛ لاحتمال أن يكون الفارق إحداهما (6) (7).
قال المؤلف في الشرح: وعليه إشكال؛ لأن الجمهور على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين، والجمهور أيضًا على سماع الفرق، فكيف هذا البناء؟
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 403، والمسطاسي ص 154.
(2) مطموسة في الأصل.
(3) "اراد" في ط.
(4) "لاشتراكها" في ز، وط.
(5) "الوحد" في ز.
(6) "احدهما" في ط.
(7) عبارة الفخر الرازي في المحصول 2/ 2/ 367: والكلام فيه مبني على أن تعليل الحكم الواحد بعلتين، هل يجوز أم لا؟ اه.
والنص الذي أورده الشوشاوي هنا هو عبارة القرافي في المتن كما سبق، وانظر: شرح القرافي ص 403، 404، والمسطاسي ص 154.
(5/403)

لأن ذلك يقتضي بطلان قوله: سماع [الفرق] (1) ينافي تعليل الحكم بعلتين.
والجواب: أن الفرق قد يستقل بالعلة كالصغر مع البكارة، وقد لا يستقل كما نفرق بزيادة (2) المشقة وزيادة الغرر من باب صفة الصفة التي لا تصلح للتعليل المستقل.
فما (3) لا يصلح للاستقلال يمكن أن يسمع مع جواز التعليل بعلتين، فاتجه ما قاله الإمام.
وذلك أن ما يصلح (4) للاستقلال لا يمكن إيراده (5) إذا جوزنا التعليل بعلتين، وبالله التوفيق (6) (7).
...
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) في الأصل: "كما نفرق بين زيادة".
(3) "بما" في ز.
(4) "ما لا يصلح" في ز.
(5) عبارة الأصل: "لا يمكن أن يراده".
(6) "بمنه" زيادة في ز، وط.
(7) انظر: شرح القرافي ص 404.
(5/404)

الفصل الخامس في تعدد العلل (1)
يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين، خلافًا لبعضهم، كوجوب (2) الوضوء على من بال ولا مس.
ولا يجوز بمستنبطتين، لأن الأصل عدم الاستقلال فيجعلان علة واحدة.
ش: ذكر المؤلف قولين في جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين (3).
__________
(1) "العلة" في ط.
(2) "نحو وجوب" في ش.
(3) النزاع في تعليل الحكم بعلتين نزاع تنوع، ونزاع في العبارة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنه لا خلاف في جواز تعليل الحكم الواحد بالجنس والنوع بعلتين، أي أن بعض أنواعه أو أفراده يثبت بعلة، وبعض أفراده أو أنواعه يثبت بعلة أخرى، كالإرث يثبت بالرحم والنكاح والولاء.
فمحل النزاع: في الحكم المعين الواحد بالشخص، مثل لمس النساء، ومس الذكر، والبول علة لنقض الوضوء في حق شخص واحد.
ومع هذا فالفريقان متفقان على أن كل واحدة من العلل مستقلة بالحكم في حال الانفراد، بمعنى أنه يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين على البدل.
ويتفق الفريقان أيضًا على أن الحكم في حال اجتماع العلتين لا يقال إنه ثبت بكل منهما على سبيل الاستقلال؛ لأن هذا جمع بين النقيضين؛ لأنه لا يقال ثبت الحكم بهذه دون هذه، وثبت أيضًا بهذه دون هذه.
فعلى هذا يقال: العلة هي ما وجد أولاً، وما بعدها مؤكد للحكم وعاضد له، أو يقال: إن المجموع هو العلة فكل منها عند الاجتماع جزء علة، وعند الانفراد تستقل بالحكم. =
(5/405)

حجة القول بالجواز، وهو المشهور: أن العلل الشرعية أمارات (1) على الأحكام ومعرفات لها (2)، فيجوز للشارع (3) أن يربط الحكم الشرعي (4) بعلة واحدة، أو بعلتين، أو بأكثر (5)، أو بغير علة، يفعل ما يشاء ويحكم ما
__________
= انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام 20/ 167، وما بعدها، وشرح حلولو ص 357، وانظر تعليل الحكم بعلتين في: المعتمد ص 799، والبرهان فقرة 777، واللمع ص 297، والمستصفى 2/ 342، والمنخول ص 392، والمحصول 2/ 2/ 367، والإحكام للآمدي 3/ 236، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 745، والروضة ص 333، ومختصر ابن الحاجب 2/ 223، وتيسير التحرير 4/ 23، وفواتح الرحموت 2/ 282، وإحكام الفصول 2/ 741، وجمع الجوامع 2/ 245، وشرح القرافي ص 404، والمسطاسي ص 155، وحلولو ص 357.
(1) "امارة" في ط.
(2) كون العلل علامات ومعرفات للأحكام، هو مذهب الجمهور.
وقال المعتزلة: العلل مؤثرة بذاتها في الأحكام.
وقال بعض أهل الأصول: هي مؤثرة بجعل الله لها لا بذاتها.
وقيل: هي الباعث على الحكم، أي التي تبعث المكلف للعمل بالحكم.
والصواب: الأول، وهو أن علل الأحكام أمارات ومعرفات وعلامات عليها، لكنها ليست علامات وأمارات ساذجة عاطلة عن الإيجاب، بل هي موجبة للمصالح ودافعة للمفاسد، فإن السكر علة لتحريم الخمر، وهو أمارة يوجد عند وجودها الحكم، ومع ذلك هو موجب لحفظ العقل بترتيب الحد عليه، والخلاف هنا مبني على رأي كل منهم في معنى العلة.
انظر: الإحكام للآمدي 3/ 202، مع تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 124، وجمع الجوامع 2/ 232، والإبهاج 3/ 43، ونهاية السول 4/ 53، واللمع ص 296، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 727، والمسودة ص 385.
(3) "للشارعى" في ط.
(4) "الواحد" في ز، وط.
(5) "او بالخز" في ز.
(5/406)

يريد (1).
مثال ذلك: وجوب الوضوء على من بال ولامس.
وكذلك: الصغر والبكارة، كل واحد منهما علة في إجبار الأب على النكاح.
وكذلك القتل (2) والزنا والردة، كل واحد منها علة لوجوب القتل.
وكذلك: الحيض والصوم والإحرام، كل واحد منها علة لتحريم الوطء (3)، وغير ذلك، وهو كثير، وهذا كله استدلال بالوقوع.
حجة القول بالمنع وجهان:
أحدهما: أن تعليل الحكم الواحد بعلتين يلزم منه نقض (4) العلة، وذلك خلاف الأصل (5).
بيانه: أنه إذا وجدت إحدى العلتين ترتب الحكم عليها، فإذا وجدت العلة الأخرى لم يترتب عليها شيء، فيلزم وجود العلة بدون مقتضاها، وذلك نقض [على] (6) العلة، والنقض على العلة يبطلها كما تقدم في مبطلات العلة.
الوجه الثاني: أن تعليل الحكم الواحد بعلتين يلزم منه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وهو محال، لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وذلك
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 404.
(2) في هامش الأصل علق أمام هذه الكلمة: "القتال".
(3) "الوضوء" في ز.
(4) "نقيض" في ز، وط.
(5) انظر: شرح القرافي ص 405، والمسطاسي ص 155.
(6) ساقط من الأصل.
(5/407)

[أن] (1) الوقوع بأحدهما سبب في عدم الوقوع بالآخر، فلو وقع بهما للزم ألا يقع بهما، وذلك جمع بين النقيضين، وهو محال (2).
والجواب عن الأول: أن النقض لقيام المانع لا يقدح في العلة (3).
والجواب عن الثاني: أن العلل الشرعية معرفات لا مؤثرات؛ لأن العلل الشرعية علامات وأمارات ودلالات على الأحكام ومعرفات لها وليس بمؤثرات، واجتماع معرفين أو معرفات على معرف واحد جائز، كما يعرف الله تبارك وتعالى بكل جزء من أجزاء العالم (4)، والمحال الذي ذكروه (5) إنما يلزم في العلل العقليات لأنها مؤثرات، وهذا من الوجوه الخمسة التي تخالف بها العلة العقلية العلة (6) الشرعية (7).
أحدها هذا، وهو أن الحكم العقلي لا يعلل بعلتين.
الثاني: أن العقلية توجب حكمها لذاتها، ولا يصح وجودها بدون حكمها (8).
الثالث: أن العقلية لا توجب حكمها لغير محلها.
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) انظر: شرح القرافي ص 404 - 405، والمسطاسي ص 155.
(3) انظر: شرح القرافي ص 405، والمسطاسي ص 155.
(4) انظر: شرح القرافي ص 405.
(5) "ذكره" في ط.
(6) "العليه" في ط.
(7) في هامش الأصل تعليق هو: "الفرق بين العلة" اه.
(8) انظر: فواتح الرحموت 2/ 279، ومقدمة ابن القصار ص 123.
(5/408)

الرابع: أن العقلية لا تكون (1) إلا وجودًا، وأما الشرعية فتكون وجودًا وعدمًا.
الخامس: أن العقلية لا تتوقف على شرط في اقتضائها حكمها، بخلاف العلة (2) الشرعية فإنه تفتقر إلى الشرط (3) في اقتضاء حكمها (4)، كالطعم علة في الربا لكن بشرط اتحاد الجنس.
فإن قيل: أليس [العلم] (5) من شرطه الحياة، والعلم علة (6) عقلية؟
فالجواب: أن الحياة شرط في وجود العلم، لا في اقتضائه [حكمه] (7).
قوله: (ولا يجوز بمستنبطتين). قال المؤلف: إنما لا يجوز في المستنبطتين؛ لأن الشرع إذا ورد بحكم مع أوصاف مناسبة وجب جعل كل واحد منها جزء علة لا علة مستقلة، لأن الأصل عدم الاستقلال حتى ينص صاحب (8) الشرع على استقلالها أو أحدها فيستقل (9).
قوله: (يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين خلافًا لبعضهم)، ذكر المؤلف الخلاف في تعدد العلة للحكم الواحد، وسكت عن الخلاف في
__________
(1) "حكمها" زيادة في ز.
(2) "العلية" في ط.
(3) "شرط" في ز، وط.
(4) انظر: مقدمة ابن القصار ص 123.
(5) ساقط من ط.
(6) "علية" في ز.
(7) ساقط من ط.
(8) "صاحبه" في ز.
(9) انظر: شرح القرافي ص 405.
(5/409)

تعدد الحكم للعلة الواحدة.
والمشهور جوازه؛ لأن العلل الشرعية معرفات وأمارات على الأحكام، فكما تكون العلة الواحدة أمارة على حكم واحد، فكذلك تكون أمارة على حكمين فأكثر (1)؛ إذ لا مانع من ذلك (2).
مثال ذلك: الإحرام، علة لتحريم (3) الوطء والطيب ولبس المخيط وغير ذلك.
* * *
__________
(1) "أو أكثر" في ز، وط.
(2) انظر: إحكام الآمدي 3/ 238، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 751، واللمع ص 297، وجمع الجوامع 2/ 246، ومختصر ابن الحاجب 2/ 228، والمختصر لابن اللحام ص 144، وتيسير التحرير 4/ 29، وفواتح الرحموت 2/ 288، وشرح المسطاسي ص 156، وشرح حلولو ص 357.
(3) "التحريم" في ز.
(5/410)

الفصل السادس في أنواعها
وهي أحد (1) عشر نوعًا.
الأول: التعليل بالمحل، وفيه خلاف، قال الإِمام (2): إِن جوزنا أن تكون العلة قاصرة جوزناه (3)، كتعليل (4) الخمر بكونه خمرًا، أو البر يحرم الربا فيه لكونه برًا (5).
ش: ذكر المؤلف في جواز التعليل بالمحل، أي محل النص
__________
(1) "إحدى" في ز.
(2) "فخر الدين" زيادة في ش.
(3) انظر: المحصول 2/ 2/ 386.
(4) "كتحريم" في الأصل.
(5) يحسن التفريق بين: التعليل بالمحل، والتعليل بالاسم، والتعليل بالعلة القاصرة، لتشابه هذه الثلاثة.
فأما التعليل بالمحل: فهو التعليل بما وضع اللفظ له، أي بالمسمى، كتعليل الربا في البر بوصف البرية.
وأما التعليل بالاسم فظاهر، وهو كتعليل الربا في البر لتسميته برًا.
وأما العلة القاصرة فهي ما اشتمل عليه المحل ولم يوضع اللفظ له، كتعليل الربا في البر لاشتماله على نوع من الحرارة والرطوبة الملائمة لمزاج الإنسان، وهي علة لا توجد في غيره.
(5/411)

خلافًا (1)، كتحريم الخمر بعلة كونه خمرًا، وتحريم الربا [في البر] (2) بعلة كونه برًا. / 315/.
ذكر سيف الدين الآمدي في جواز [ه] (3) ثلاثة أقوال: ثالثها: يجوز في الجزء ولا يجوز في الكل (4) (5)، والقول بالمنع مطلقًا هو قول الأكثرين (6).
حجة الجواز مطلقًا: أن العلل الشرعية أمارات على الأحكام، فكما يجوز أن يكون الوصف أمارة على الحكم، فكذلك يجوز أن يكون المحل أمارة على الحكم (7).
حجة المنع مطلقًا: أن العلة (8) فائدتها التعدية للفرع، والمحل قاصر، فلا يصح أن يكون علة (9)، ولأجل هذا خرج الإمام الخلاف في التعليل بالمحل على التعليل بالعلة القاصرة، فالمحل والعلة القاصرة شيئان لا شيء
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 2/ 386، والإحكام للآمدي 3/ 201، ومختصر ابن الحاجب 2/ 217، والإبهاج 3/ 149، ونهاية السول 4/ 256، وانظر بهامشه حاشية الشيخ بخيت المطيعي 4/ 257، وشرح القرافي ص 405، والمسطاسي ص 156، وحلولو ص 358.
(2) ساقط من ط.
(3) ساقط من ط.
(4) "الحل" في ط.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 201، وانظر: شرح المسطاسي ص 156.
(6) انظر: المصدرين السابقين، ونهاية السول 4/ 258، ونقل ابن الحاجب وابن السبكي أن الأكثرين على جوازه، فانظر: الإبهاج 3/ 149، ومختصر ابن الحاجب 2/ 217، وشرح حلولو ص 358.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 156.
(8) "العلية" في ط.
(9) انظر: شرح المسطاسي ص 156.
(5/412)

واحد (1)، فلو كانا شيئًا واحدًا (2) لما حسن التخريج.
والفرق بين المحل والعلة القاصرة:
أن المحل ما وضع (3) اللفظ [له] (4) كوصف البرية، والعلة القاصرة هي وصف اشتمل عليه محل النص ولم يوضع اللفظ له، كاشتمال البر على نوع من الحرارة والرطوبة، وهو ملائم لمزاج الإنسان ملاءمة (5) لا تحصل (6) بين الإنسان والأرز، فإن الأرز [حار] (7) يابس يبسًا شديدًا منافيًا لمزاج الإنسان، فيحرم الربا في البر لأجل هذه الملائمة الخاصة التي لا توجد في غير البر، فهذه علة قاصرة لا محل، وأما وصف البرية بما هو (8) برية فهو (9) المحل (10).
حجة من جوز التعليل في الجزء دون الكل: أن الجزء قد يتعد [ى] (11) بخلاف (12) الكل، أي كل المحل (13).
__________
(1) "وحد" في ط.
(2) "واحد" في الأصل.
(3) "وقع" في ط.
(4) ساقط من الأصل.
(5) "وملائمة" في ز.
(6) "تحمل" في ط.
(7) ساقط من ط.
(8) "هي" في ز، وط.
(9) "وهو" في ط.
(10) انظر: شرح القرافي ص 406، والمسطاسي ص 156.
(11) ساقط من ز.
(12) "الخلاف" في ز.
(13) قوله: الجزء قد يتعدى بخلاف الكل: ليس على إطلاقه.
ذلك أن العلماء اتفقوا على أن المتعدية لا تكون محلًا ولا جزء محل؛ لأن الشيء =
(5/413)

قوله: (قال الإِمام: إِن جوزنا أن تكون العلة قاصرة جوزناه).
يقتضي: أن كل من قال بجواز التعليل بالعلة القاصرة، قال به في المحل، وليس كذلك، فإن الأكثر على جواز التعليل بالعلة القاصرة، والأكثر على منع التعليل بالمحل.
قوله: (الثاني: الوصف إِن لم يكن منضبطًا جاز التعليل بالحكمة، وفيه خلاف، والحكمة هي (1) التي لأجلها صار الوصف علة، كذهاب العقل الموجب لجعل (2) الإِسكار علة) (3).
ش: ذكر المؤلف ها هنا الخلاف في جواز التعليل بالحكمة (4).
قيل بالجواز، وقيل بالمنع، وهو (5) قول الأكثرين، ثالثها: يجوز إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة، وإلا فلا يجوز (6).
__________
= يستحيل أن يكون نفسه وغيره.
فمن علل بالجزء لم يرد جزء المحل المعين، بل أراد جزءًا عامًا يشمل الفرع والأصل، انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 217، والإحكام للآمدي 3/ 201.
(1) "هو" في ط.
(2) "نجعل" في ز.
(3) "علته" في ط.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 389، ومختصر ابن الحاجب 2/ 213، والإحكام للآمدي 3/ 202، والإبهاج 3/ 150، وجمع الجوامع 2/ 238، ونهاية السول 4/ 260، والمسودة ص 423، وفواتح الرحموت 2/ 274، وشرح القرافي ص 406، والمسطاسي ص 157.
(5) "وهي" في ط.
(6) وهناك قول رابع ذكره القرافي في المتن وأهمله الشوشاوي، وهو: يجوز إذا لم يكن الوصف منضبطًا. وانظر: شرح حلولو ص 359، وانظر الأقوال الثلاثة في: المسطاسي ص 157.
(5/414)

والفرق بين الوصف والحكمة: أن الوصف عبارة عما شرع الحكم عنده للحكمة، والحكمة عبارة عما شرع الحكم لأجله.
مثال ذلك: اختلاط الأنساب، فإنه الحكمة في جعل [وصف] (1) الزنا سببًا لوجوب الحد، وكذلك ضياع المال، فهو الحكمة في جعل وصف السرقة سبب القطع، وكذلك ذهاب العقل هو الحكمة في جعل الإسكار علة لوجوب الحد، وغير ذلك.
حجة القول بجواز التعليل بالحكمة وجهان:
أحدهما: أن الحكمة هي أصل للوصف (2)، [فإذا جاز التعليل بالوصف] (3) فأولى وأحرى (4) أن يجوز التعليل بالحكمة، لأنها أصله (5).
الوجه الثاني: أن الحكمة هي نفس المصلحة والمفسدة، وهي سبب ورود الشرائع، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على فرعها (6).
حجة القول بمنع التعليل بالحكمة وجهان:
أحدهما: أنه لو جاز التعليل بالحكمة لامتنع (7) بالوصف؛ لأن الأصل لا يعدل عنه إلا عند تعذره، والحكمة ليست متعذرة، فيجب التعليل بها، فإذا
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) "الوصف" في ز.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) "فأخرى" في ز.
(5) انظر: شرح القرافي ص 406، والمسطاسي ص 157.
(6) انظر المصدرين السابقين.
(7) "لا تمنع" في ز.
(5/415)

علل بها امتنع التعليل بالوصف (1)، لكن المنع من التعليل بالوصف خلاف إجماع أرباب القياس (2).
الوجه الثاني: أنه لو جاز التعليل بالحكمة للزم النقض، وهو تخلف الحكم عن علته، وذلك خلاف الأصل، لأن النقض من مبطلات العلة، كما تقدم في بيان النقض (3).
وبيان ذلك مثلًا: أن وصف الرضاع (4) سبب التحريم، وحكمته أن جزء المرأة وهو لبنها صار جزءًا من الرضيع، لأنه قد صار لحمًا للرضيع، فأشبه لبنها منيها الذي صار جزءًا للرضيع، فكما أن ولد الصلب (5) حرام، فكذلك ولد الرضاع، وهو سر قوله عليه السلام: "الرضاع لحمة كلحمة النسب" (6)، إشارة إلى الجزئية، فإذا كانت هذه هي الحكمة، فلو أكل رضيع
__________
(1) "بالوصل" في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 406، والمسطاسي ص 157.
(3) انظر: صفحة 312 من مخطوط الأصل، وصفحة 382، من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 399.
(4) "ارضاع" في ز.
(5) "الطلب" في ز.
(6) لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، وغالب أحاديث الرضاع تدور حول أحد ثلاثة أمور: إما وقت الرضاع، وإما المقدار المحرم منه، وإما ما يحرم به.
أما وقت الرضاع، فهو الحولين الأولين، وهما وقت بناء اللحم والعظم، وقد ورد به حديث عن ابن عباس يرفعه بلفظ: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين"، أخرجه الدارقطني في سننه 4/ 174، ورواه الدارقطني من كلام ابن عباس وعمر في السنن 4/ 174، ورواه مالك من كلام ابن مسعود، وانظر: المنتقى 4/ 155، وانظر: فتح =
(5/416)

قطعة من لحم امرأة فقد (1) صار (2) جزؤها جزءه، فكان يلزم التحريم، ولم يقل به أحد، فقد وجدت العلة (3) وتخلف حكمها، فانبطلت (4) العلة.
__________
= الباري 9/ 146، وسنن الترمذي 3/ 459، وروى الترمذي عن أم سلمة ترفعه: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" فانظره في كتاب الرضاع برقم 1152.
وانظر معناه موقوفًا على ابن مسعود في: سنن أبي داود برقم 2059، والسنن الكبرى للبيهقي 7/ 461، ومصنف عبد الرزاق 7/ 463، برقم 13895، وقد روي عن ابن مسعود، رفعه أبو داود في سننه برقم 2060، والدارقطني 4/ 172.
أما المقدار المحرم، فهو خمس رضعات، وهي التي تبني لحمًا وتفتق الأمعاء بخلاف ما هو أقل منها، ويدل على هذا، اللفظ الثاني من أحاديث القسم السابق، ويدل عليه أيضًا ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة برقم 1452، وهو حديث نسخ الرضعات العشر بخمس، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحرم المصة ولا المصتان" رواه مسلم من حديث عائشة برقم 1450، وأيضًا الترمذي برقم 1150.
وأما الذي يحرم بالرضاع فهو ما يحرم بالنسب سواء بسواء، دلت على ذلك أحاديث كثيرة، انظر منها: حديث ابن عباس عند البخاري في الشهادات برقم 2645، وعند مسلم في الرضاع برقم 1447، وعند البيهقي 7/ 452.
ومنها أحاديث عائشة، انظرها عند البخاري في النكاح برقم 5099، 5239، وعند مسلم في الرضاع برقم 1444، وعند الترمذي في الرضاع برقم 1147، وعند البيهقي 7/ 452.
وكل هذه الأحاديث لم أجد فيها لفظ: "لحمة كلحمة النسب"، والحديث الشهور بهذا اللفظ هو في الولاء وليس في الرضاع، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا تباع ولا توهب"، أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 341، عن ابن عمر وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وانظر: السنن الكبرى للبيهقي 10/ 292.
(1) "فقط" في الأصل.
(2) "طر" في ز.
(3) أي الحكمة التي جعلت علة.
(4) لم أجد لهذا التعبير تعليلًا، وقد مضى نظير له في صفحة 397 من هذا المجلد فانظر الكلام عليه هناك.
(5/417)

وكذلك وصف الزنا حكمته اختلاط الأنساب، فإذا أخذ رجل صبيانًا صغارًا (1) وغيبهم عن آبائهم حتى صاروا رجالًا ولم يعرفهم آباؤهم فاختلطت أنسابهم، فكان ينبغي أن يجب عليه الحد أي حد الزنا، لوجود حكمة وصف الزنا، لكنه خلاف الإجماع، فقد وجدت العلة ها هنا أيضًا وتخلف حكمها فبطلت العلة.
فلو جاز التعليل بالحكمة للزم النقض بهذه (2) الصور، فلا يجوز التعليل بها إذًا، وهو المطلوب (3).
حجة القول بالتفصيل: أنه إذا جاز التعليل بالوصف لانضباطه وإن لم يكن هو المقصود، فأولى وأحرى أن يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت منضبطة؛ لأن الحكمة هي المقصودة، وإنما جيء بالوصف من أجل الحكمة ليكون الوصف معرفًا لها ودليلًا عليها (4).
قوله: (الثالث (5)، يجوز التعليل بالعدم، خلافًا لبعض الفقهاء، فإِن عدم العلة علة لعدم المعلول) (6).
ش: مثال التعليل بالعدم: قولنا: لا علة تتقى في العصير فيباح
__________
(1) "صغيرًا" في ط.
(2) "هذه" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي 406 - 407، والمسطاسي ص 157.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 203، وشرح المسطاسي ص 157.
(5) "والثالث" في ش.
(6) اتفق العلماء على تعليل الحكم الثبوتي بالوصف الثبوتي، كقولهم: هذا مسكر فيحرم، كما اتفقوا على تعليل العدمي بالعدمي كقولهم: هذا غير مسكر، فلا يحرم، إلا ما نقل عن الحنفية في منعهم التعليل بالعدم مطلقًا، ونقل بعضهم الاتفاق على عدم التعليل بالعدم المحض.
فعلى هذا ينحصر الخلاف في هذه المسألة: في العدم المخصوص بشيء معين، هل =
(5/418)

كاللبن (1) (2).
وقولك: لا علة تتقى في العصير فلا يحرم كاللبن، فالمثال الأول تعليل الحكم الثابت (3) بالمعدوم (4).
والمثال الثاني: تعليل الحكم المعدوم بالمعدوم (5).
__________
= يكون علة للحكم الثبوتي، أو لا يكون؟ مثل تعليل العقوبة بعدم فعل الطاعات، ومثل تعليل التيمم بعدم الماء، ونحو ذلك.
انظر المسألة في: المحصول 2/ 2/ 400، والتبصرة ص 456، واللمع ص 300، والإحكام للآمدي 3/ 206، والإبهاج 3/ 152، وجمع الجوامع 2/ 239، ونهاية السول 4/ 265، وانظر بهامشه حاشية المطيعي ففيها تفصيل حسن.
وانظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 214، ومفتاح الوصول للتلمساني ص 138، وتيسير التحرير 4/ 2، وفواتح الرحموت 2/ 274، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 48، والروضة ص 330، والمسودة ص 418، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 730، والمعالم للرازي ص 292، وشرح القرافي ص 407، والمسطاسي ص 157، وحلولو ص 359.
(1) "كالبن" في الأصل.
(2) هذا مثال للعدم المطلق، وقد مر بنا في التعليق أنه لا يصلح للتعليل.
وانظر: الجواب على دليل المانعين الأول الآتي بعد قليل يتبين لك وهم الشوشاوي في مثاله. انظر: المسودة ص 419، وتيسير التحرير 4/ 2، وحاشية المطيعي على نهاية السول 4/ 269.
(3) "الثالث" في ط.
(4) "في المعدوم" في ط.
(5) مر بنا تعليقًا أن هذا لا يشمله الخلاف المراد بالمسألة، وفيه خلاف للحنفية لم يتعرض له الشوشاوي.
وانظر: المسودة ص 418، ونهاية السول 4/ 265، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 240.
(5/419)

حجة القول بالجواز وجهان:
أحدهما: أن العلة الشرعية أمارة ودلالة على الحكم، وهي مُعَرِّفٌ له، والمعرف للشيء يجوز أن يكون وجوديًا وعدميًا، حقيقيًا وإضافيًا، حكمًا وحكمة، قاصرًا ومتعديًا؛ إذ لا مانع من ذلك كله (1).
الوجه الثاني: بالقياس على الحكم، فإن الحكم يجوز أن يكون وجودًا وعدمًا/ 316/ فكذلك العلة (2).
حجة القول بالمنع وجهان:
أحدهما: أن العدم نفي محض لا تمييز فيه، وما لا تمييز فيه فلا يمكن جعله علة، [لأن العلة حكم، والحكم فرع التصور، أي لأن العلة فرع التميز (3).
الوجه الثاني: أن العلة وصف وجودي] (4) لأنها [نقيض] (5) لا علية، ولا علية عدم، فتكون العلة (6) وجوديًا، والصفة الوجودية لا تقدم بالعدم ولا المعدوم، وإلا لزم الشك في وجود الأجسام، لأنا لا نرى من هذا العالم إلا أعراضه، فلو جوزنا قيام الصفات الوجودية بالعدم، لجاز أن تكون هذه
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 158.
(2) انظر: المصدر السابق.
(3) انظر: المحصول 2/ 2/ 401، والإحكام للآمدي 3/ 206، والإبهاج 3/ 152، وشرح القرافي ص 407، والمسطاسي ص 158.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) ساقط من ط.
(6) "العلية" في الأصل.
(5/420)

الألوان قائمة (1) بالمعدوم، فلا يوجد شيء من أجزاء العالم، وهو (2) خلاف الضرورة (3).
الجواب عن الأول: أن العدم الذي يقع التعليل به لا بد أن يكون عدم شيء بعينه، فهو عدم متميز، فيصح التعليل به؛ فإن عدم العلة علة لعدم المعلول، كما نقول: عدم الإسكار علة الإباحة والتطهير؛ لأن الإسكار علة التحريم والتنجيس، فإذًا عدم الإسكار ثبت الإباحة والتطهير (4).
والجواب عن الثاني: أنه لا نسلم أن العلية وصف وجودي؛ لأن العلة عندنا نسبة وإضافة (5)، والنسب والإضافات عدمية عندنا، فيكون قولنا: لا
__________
(1) "قاعة" في ز.
(2) "فهو" في ز، وط.
(3) انظر: المحصول 2/ 2/ 401، والإحكام للآمدي 3/ 206، وشرح القراقي ص 407، والمسطاسي ص 158.
(4) انظر: شرح القرافي ص 407، والمسطاسي ص 158.
(5) النسب والإضافات أمور اعتبارية، والنسبة أن يكون الشيء لا يعقل إلا بالقياس إلى غيره، وأقسامها سبعة: الأين، والمتى، والوضع، والملك، والفعل، والانفعال، والإضافة.
فقولهم: النسب والإضافات، من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الإضافة من أقسام النسبة كما بينا.
والإضافة: هي النسبة المتكررة أي نسبة تعقل بالقياس إلى نسبة كالأبوة والبنوة، والتقدم والتأخر، ونحوها.
وقد اختلف هل النسب والإضافات وجودية أو عدمية؟ والجمهور على أنها عدمية، والفلاسفة يقولون: وجودية ذهنًا لا خارجًا.
انظر: المواقف للإيجي ص 97 - 98، 177، وجمع الجوامع 2/ 240، 426، وشرح القرافي ص 408، وانظر تعليق الشيخ عفيفي رحمه الله على الإحكام للآمدي 2/ 174.
(5/421)

علية (1) ثبوتًا؛ لأن النفي إذا دخل على النفي صار ثبوتًا، فتكون العلة عدمًا، لأن نقيضها ثبوت فلا يتم مقصودكم (2).
قوله: (الرابع: المانعون من التعليل بالعدم، امتنعوا من التعليل بالإضافة (3) لأنها عدم).
ش: تكلم ها هنا على العدم الإضافي، وما تقدم هو العدم المطلق (4).
مثال العدم الإضافي: النبيذ غير مسكر للعقل فيباح، أصله اللبن؛ لأن عدم العلة علة لعدم (5) المعلول.
قال المؤلف في شرحه (6): النسب والإضافات، كالأبوة والبنوة، والتقدم والتأخر، والمعية والقبلية والبعدية، عدمية عندنا مطلقًا ذهنًا وخارجًا، وهي عند الفلاسفة وجودية في الذهن عدمية في الخارج، فهي عندهم موجودة في الأذهان مفقودة في الأعيان، بخلاف الأوصاف العدمية فهي عدم مطلقًا في الذهن والخارج، فهذا هو الفرق بين العدم الإطلاقي،
__________
(1) "الا عليه" في ط.
(2) انظر: شرح القرافي ص 407، والمسطاسي ص 158.
(3) في أ: "بالأوصاف"، وفي خ، وش: "بالإضافات".
(4) المراد بالإضافة هنا: الأوصاف الإضافية، كالأبوة والبنوة، والتقدم والتأخر، ونحوها.
فكلامه لبيان أن من منع التعليل بالعدم منع التعليل بالأوصاف الإضافية لأنها عدم، وليس كلامه هنا عن العدم الإضافي، ويدل على هذا كلام الإمام في المحصول 2/ 2/ 405، والقرافي في شرح التنقيح ص 408، والمسطاسي ص 158، وحلولو ص 360.
(5) "العدم" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 408.
(5/422)

والعدم (1) الإضافي (2)، فقد استوى القسمان في العدم في الخارج، فلأجل ذلك من منع ذلك منع هذا، ومن جوز ذلك جوز هذا من باب أولى.
قوله: (الخامس: يجوز تعليل (3) الحكم (4) الشرعي بالحكم (5) الشرعي، خلافًا لقوم، كقولنا: نجس فيحرم) (6).
ش: حجة الجواز: أن العلل الشرعية أمارات ومعرفات للأحكام، فللشارع (7) أن يجعل الحكم علمًا على حكم آخر، كالنجاسة فإنها حكم شرعي، وقد جعلها الشرع علمًا على تحريم البيع أو الأكل، [وتحريم البيع أو الأكل] (8) حكم شرعي أيضًا (9).
__________
(1) "العدمي" في ز، وط.
(2) الصواب: هذا الفرق بين الأوصاف العدمية، والأوصاف الإضافية، وانظر: شرح القرافي ص 408.
(3) "التعليل" في ش.
(4) "بالحكم" في ش.
(5) "للحكم" في ش.
(6) انظر: المعتمد 2/ 789، والمحصول 2/ 2/ 408، ومختصر ابن الحاجب 2/ 230، وجمع الجوامع بحاشية المحلي 2/ 234، والإحكام للآمدي 3/ 310، والإبهاج 3/ 153، ونهاية السول 4/ 271، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 44، والروضة ص 319، والمسودة ص 411، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 755، وتيسير التحرير 4/ 34، وفواتح الرحموت 2/ 290، وشرح القرافي ص 408، والمسطاسي ص 158، وحلولو ص 360.
(7) "فللشارعي" في ط.
(8) ساقط من ز.
(9) انظر: شرح القرافي ص 408، والمسطاسي ص 158.
(5/423)

حجة المنع وجهان:
أحدهما: أن الحكم (1) شأنه أن يكون معلولًا لا علة، فلو كان علة للزم قلب الحقائق (2).
والوجه الثاني: أن الحكمين متساويان في [كون] (3) كل واحد منهما حكمًا، فليس جعل أحدهما علة [للآخر] (4) بأولى من العكس (5).
الجواب عن الأول: أن كونه معلولًا لعلته، غير مانع من أن يكون علة لحكم آخر، فيكون علة باعتبار، ومعلولًا [باعتبار] (6) آخر، وهذا ليس فيه قلب الحقائق، فإن قلتم: إن شأن الحكم ألا يكون (7) علة البتة، فهذا محل النزاع (8).
الجواب عن الثاني: أن المناسبة تعين أحدهما للعلية والآخر للمعلولية (9)، كما [تقول] (10): نجس فيحرم، وطاهر فتحل به الصلاة؛ فإن النجاسة مناسبة للتحريم، والطهارة مناسبة للتحليل، ولو عكس ذلك لم يستقم (11).
__________
(1) "الشرعي" زيادة في ز.
(2) انظر: شرح القرافي ص 408، والمسطاسي ص 158.
(3) ساقط من ز، وط.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) انظر: شرح القرافي ص 408، والمسطاسي ص 158.
(6) ساقط من ط.
(7) "أن يكون" في ز، وط.
(8) انظر: شرح القرافي ص 408، والمسطاسي ص 159.
(9) "للمعلولة" في الأصل.
(10) ساقط من ز.
(11) انظر: شرح القرافي ص 408، والمسطاسي ص 159.
(5/424)

قوله: (السادس: يجوز التعليل بالأوصاف العرفية (1)، كالشرف والخسة، بشرط اطرادها (2) وتمييزها (3) عن غيرها) (4) (5).
ش: المراد (6) بالشرف ما لا تقززه (7) النفوس، كاللبن والعسل (8)، والمراد بالخسة ما تقززه النفوس، كالبول والدم (9).
فتقول مثلًا: اللبن والعسل طاهر لشرفه؛ لأنه لا تقززه النفوس.
وتقول مثلًا: البول والدم نجس لخسته؛ لأنه تقززه النفوس، فهذان (10) قاعدتان (11).
واعترض على قاعدة الشرف بالخمر؛ لأنه لا تقززه النفوس، وهو مع
__________
(1) "العرقية" في أ.
(2) "اطراده" في أ، وز، وط.
(3) في أ: "تمييزه"، وفي ش: "تميزها".
(4) "غيره" في أ.
(5) انظر: المحصول 2/ 2/ 412 - 413، وجمع الجوامع 2/ 234، وشرح القرافي ص 408، ونهاية السول 4/ 255، والإبهاج 3/ 149، وشرح المسطاسي ص 159، وحلولو ص 361.
(6) "والمراد" في ز، وط.
(7) "تقوره" في ز، وهو تصحيف، ومعنى تقززه: تأباه، انظر: القاموس مادة: قز.
(8) أصل الشرف: العلو، يقال: جبل مشرف، أي عال، ولذا يقال: رجل شريف وخلق شريف، وطعام شريف، أي عال على غيره. انظر: القاموس، ومختار الصحاح مادة: "شرف".
(9) سبق بيان الخسة، وهي الحقرة والدناءة، وانظر: مختار الصحاح مادة: "خسس".
(10) في ط: "فهذا"، والأولى: فهاتان، بالتأنيث لاسم الإشارة.
(11) "قاعدان" في الأصل.
(5/425)

ذلك نجس.
واعترض على قاعدة الخسة بالمخاط؛ لأنه تقززه النفوس، وهو مع ذلك طاهر.
وإنما جاز التعليل بالشرف (1) والخسة للمناسبة (2)؛ لأن الشرف يناسب التعظيم، والخسة تناسب ضد التعظيم، وهو الإهانة (3).
قوله: (بشرط (4) اطرادها وتمييزها عن غيرها)، أي بشرط اطراد تلك الأوصاف، أي إذا وجدت تلك الأوصاف وجدت أحكامها، وأما إذا وجدت دون حكمها (5) فذلك (6) نقض لها، وقد تقدم أن النقض قادح في العلة (7).
وإذا لم [تتميز] (8) تلك الأوصاف عن غيرها لم يصح تصورها، وإذا لم يصح تصورها لم يصح التعليل [بها] (9)؛ لأن الحكم بها فرع تصورها (10).
قوله: (بشرط اطرادها وتمييزها) (11)، يوهم كلامه أن هذين الشرطين
__________
(1) "بالشرب" في ط.
(2) "للمناسب" في ط.
(3) انظر: شرح القرافي ص 408، والمسطاسي ص 159.
(4) في ز: "شرط"، وفي ط: "يشترط".
(5) "أحكامها" في ز، وط.
(6) "فلذلك" في ط.
(7) انظر: شرح القرافي ص 408، والمسطاسي ص 159، وحلولو ص 361، وانظر قادح النقض في صفحة 312 من مخطوط الأصل، وصفحة 382 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 399.
(8) ساقط من ز، ومكانها بياض، وفي ط: "تميز".
(9) ساقط من ز.
(10) انظر: شرح القرافي ص 408، وحلولو ص 361.
(11) "وغيرها" في ز.
(5/426)

مخصوصان بهذه الصورة، وليس كذلك، بل ذلك عام لجميع صور التعليل، ولا يختص بهذه الصورة.
قوله: (السابع: يجوز التعليل بالعلة المركبة عند الأكثرين، كالقتل العمد العدوان) (1).
ش: حجة الجواز وجهان:
أحدهما: أن العلل (2) الشرعية أمارات [و] (3) معرفات، فكما يصح التعريف بالمفرد (4)، فكذلك يصح بالمركب (5).
الوجه الثاني: أن المصلحة قد لا تصح إلا مع التركيب، كوصف الزنا، فإنه لا يستقل بالحد حتى ينضاف إليه (6) العلم بكون الموطوءة أجنبية، وإلا لم يناسب وجوب الحد. / 317/.
وكذلك القتل وحده لا يناسب وجوب القصاص حتى ينضاف إليه العمد
__________
(1) انظر: اللمع ص 301، والمحصول 2/ 2/ 413، وجمع الجوامع 2/ 234، والإحكام للآمدي 3/ 212، ومختصر ابن الحاجب 2/ 230، ونهاية السول 4/ 288، والإبهاج 3/ 158، وتيسير التحرير 4/ 35، وفواتح الرحموت 2/ 291، والوجيز للكرماستي ص 180، والتوضيح لصدر الشريعة 2/ 133، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 757، وروضة الناظر ص 319، وشرح القرافي ص 409، والمسطاسي ص 159، وحلولو ص 361.
(2) "العلال" في ز.
(3) ساقط من الأصل.
(4) "الفرد" في الأصل.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 159.
(6) في الأصل خلل في هذا الموضع، جعل العبارة غير مستقيمة.
(5/427)

العدوان (1).
حجة القول بالمنع: أن القول بتركيب (2) العلة الشرعية يؤدي إلى نقض العلة العقلية.
بيانه: أن عدم جزء المركب علة لعدم ذلك المركب، فإذا فرضنا علة مركبة من ثلاثة أجزاء، فعدم واحد منها، عدم لذلك المركب، فإذا عدم جزء آخر لم يترتب عليه عدم ذلك المركب، وإلا لزم تحصيل الحاصل، فقد وجدت العلة العقلية بدون أثرها، وذلك نقض لها، وهو محال؛ لأن نقض العلة العقلية محال (3)
والجواب (4) عنه: أن الاثنين الباقيين من الثلاثة ماهية أخرى غير ماهية الثلاثة، فإذا عدم واحد من الاثنين عدم مجموع الاثنين، فإن عدم الحزء الثاني من الاثنين هو علة لعدم الاثنين، لا أنه (5) علة لعدم الثلاثة [فلم توجد العلة] (6) بدون أثرها، فلا نقض (7).
قوله: (الثامن: يجوز التعليل بالعلة القاصرة (8) عند الشافعي وأكثر
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 409، والمسطاسي ص 159.
(2) "بالتركيب" في ط.
(3) انظر: شرح القرافي ص 409، والمسطاسي ص 159.
(4) "وللجواب" في الأصل.
(5) "لانه" في الأصل.
(6) ساقط من الأصل.
(7) انظر: شرح القرافي ص 409، والمسطاسي ص 159.
(8) انظر: المسألة في: المعتمد 2/ 801، والبرهان ص 1090، والمستصفى 2/ 345، واللمع ص 301، والتبصرة ص 452، والمنخول ص 419، والمحصول 2/ 2/ 423، وجمع الجوامع 2/ 241، والإبهاج 3/ 154، ونهاية السول =
(5/428)

المتكلمين، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه، إِلا أن تكون منصوصة؛ لأن فائدة التعليل عند الحنفية التعدية (1) للفرع، وقد امتنعت (2).
وجوابهم: بقاء (3) سكون النفس للحكم (4) والاطلاع (5) على مقصود الشرع) (6).
ش (7): ومعنى العلة القاصرة، [أي القاصرة] (8) على محل النص، أي لم توجد في غير محل النص، كتعليل تحريم الربا في الذهب والفضة بكونهما (9) أصول الأثمان والمثمونات، وكتعليل الربا أيضًا في البر بكونه مشتملًا على نوع من الحرارة والرطوبة ملائم لمزاج الإنسان ملاءمة لا تحصل بين الإنسان والأرز، فإن الأرز حار يابس يبسًا شديدًا منافيًا لمزاج الإنسان، فهذه الملاءمة
__________
= 4/ 276، والإحكام للآمدي 3/ 216، والوصول لابن برهان 2/ 269، ومختصر ابن الحاجب 2/ 217، والإشارة ص 182، ومقدمة ابن القصار ص 127، وإحكام الفصول للباجي 2/ 739، وتيسير التحرير 4/ 5، وفواتح الرحموت 2/ 276، والتوضيح 2/ 133، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 61، والروضة ص 320، والمسودة ص 411، وأصول ابن مفلح 3/ 735، وشرح القرافي ص 409، والمسطاسي ص 159، وحلولو ص 361.
(1) "المتعدية" في الأصل.
(2) "انتفت" في نسخ المتن.
(3) في أ، وش: "بقي"، وفي خ: "نفى".
(4) "الحكم" في أ.
(5) "والاطباع" في أ.
(6) "فيه" زيادة في خ، وش.
(7) "قوله" في ط.
(8) ساقط من ز، وط.
(9) "بكونها" في ز، وط.
(5/429)

الخاصة لا توجد في غير البر، فهي (1) علة قاصرة على محل النص كالثمنية في النقدين.
وقد حكى القاضي عبد الوهاب (2) في جواز التعليل بالعلة القاصرة ثلاثة أقوال:
الجواز مطلقًا، وهو قول أصحابنا (3) وأصحاب الشافعي (4) (5).
والمنع مطلقًا، وهو قول أكثر العراقيين (6).
والجواز في المنصوصة والمنع في المستنبطة إلا أن ينعقد (7) فيها إجماع،
__________
(1) "فهو" في ط.
(2) انظر كلام القاضي في: شرح القرافي ص 409، وشرح المسطاسي ص 159، وحلولو ص 361.
(3) انظر: الإحكام للباجي 2/ 739، ومقدمة ابن القصار ص 127، والإشارة للباجي ص 182، ومختصر ابن الحاجب 2/ 217.
(4) انظر: اللمع ص 301، والتبصرة ص 452، والبرهان فقرة 1090، والمحصول 2/ 2/ 423، والإبهاج 3/ 154.
(5) وهو قول معظم الخائضين في الأصول، وبه قال عبد الجبار وأبو الحسين من المعتزلة، وهو رواية في مذهب الحنابلة اختارها أبو الخطاب وأبو البركات وابن قدامة، وإليه ذهب بعض الحنفية. انظر: المحصول 2/ 2/ 423، والإبهاج 3/ 154، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 62، والروضة ص 323، والمسودة ص 411، والمعتمد 2/ 801، وتيسير التحرير 4/ 5.
(6) انظر: جمع الجوامع 2/ 241، والإبهاج 3/ 154، وشرح القرافي ص 409. قال صاحب الإبهاج: ولم أر هذا القول في شيء مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا. اه. انظر: الإبهاج 3/ 154.
(7) "يعتقد" في ط.
(5/430)

وهو قول العراقيين أيضًا (1) (2).
حجة الجواز مطلقًا: أن العلل الشرعية أمارات [و] (3) معرفات للأحكام، فكما يجوز أن تكون أمارات على أشياء (4)، فكذلك يجوز أن تكون أمارات (5) على شيء واحد، ولا مانع من ذلك (6).
حجة المنع مطلقًا: أن فائدة العلة هي التعدية إلى الفرع، فإذا كانت قاصرة على محل النص، وقد (7) عدمت التعديه ها هنا، فيستغنى بالنص عنها (8).
حجة الجواز [في] (9) المنصوصة دون المستنبطة: أن النص يجب الانقياد إليه ولا مندوحة عنه، وأما استنباطنا فلا يجوز أن يكون إلا للتعدية (10)؛ إذ لا فائدة للاستنباط إلا التعدية (11) (12).
والجواب: أن فائدة ذلك ما قاله المؤلف، وهو الاطلاع على حكمة الشرع
__________
(1) انظر: تيسير التحرير 4/ 5، وفواتح الرحموت 2/ 276، والتوضيح 2/ 133، وهو الذي يحكيه أكثر الأصوليين عن الحنفية، انظر مراجع المسألة.
(2) وهو المشهور عند الحنابلة، ورأى لبعض الشافعية: انظر: التمهيد لأبي الخطاب 4/ 61، والروضة ص 319، والتبصرة للشيرازي ص 452.
(3) ساقط من ط.
(4) "الأشياء" في ط.
(5) "أمارة" في ط.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 160.
(7) كذا في النسخ الثلاث، والأولى: "فقد".
(8) انظر: مقدمة ابن القصار ص 127، وشرح المسطاسي ص 160، وحلولو ص 361.
(9) ساقط من ط.
(10) "لتعدية" في الأصل.
(11) "للتعدية" في ز، وط.
(12) انظر: شرح القرافي ص 410، والمسطاسي ص 160.
(5/431)

في الأصل، فيكون ذلك أدعى لطواعية العبد وسكون نفسه للحكم، فإن العبد إذا لم يطلع على الحكمة فربما تنفر نفسه من ذلك فيحتاج إلى معالجتها ومعاناتها (1) (2).
قوله: (التاسع: اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم) (3).
ش: مثاله: تعليل الخمر بكونه خمرًا.
والفرق بين التعليل بالاسم والتعليل بالمحل: أن المحل مسمى، وهذا اسم فنقول في التعليل بالمحل مثلًا: حرم الخمر لكونه مائعًا (4) يقذف بالزبد، ونقول في التعليل بالاسم: حرم الخمر لتسميته بالخمر (5).
قوله: (اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم)، هذا الاتفاق غير صريح، بل نقل فيه الباجي ثلاثة أقوال: ثالثها: يجوز بالاسم المشتق دون الجامد (6).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 410، والمسطاسي ص 160، وحلولو ص 361.
(2) في هامش الأصل تعليق هو: "انظر في الاطلاع على حكمة الشرع ... " اه. وبعدها كلمتان لم تتضح لي بسبب خلل أصاب الورقة.
(3) انظر: المسألة في اللمع ص 300، والتبصرة ص 454، والمحصول 2/ 2/ 422، ونهاية السول 4/ 254، وجمع الجوامع 2/ 234، والإبهاج 3/ 149، وإحكام الفصول للباجي 2/ 762، ومقدمة ابن القصار ص 132، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 41، والمسودة ص 393، والأصول لابن مفلح 3/ 728، وشرح القرافي ص 410.
(4) "مانعًا" في ز.
(5) في الأصل: لتسميتها الخمر، وقد عدلت بعد خلل أصاب الورقة.
(6) انظر: إحكام الفصول للباجي 2/ 762، وانظر: التبصرة ص 454، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 41 - 42، وشرح المسطاسي ص 160، وحلولو ص 362.
(5/432)

مثال المشتق (1): ولد وعبد ومملوك.
ومثال الجامد (2): دينار ودرهم.
حجة الجواز: أن العلل الشرعية أمارات على الأحكام، فكما يجوز أن يكون الوصف أمارة على الحكم، فكذلك الاسم، ولا مانع من ذلك (3).
حجة المنع: أن الاسم طردي محض لا مصلحة فيه، وشأن الشرائع رعاية المصالح ومظانها، وما ليس فيه مصلحة ولا مظنة المصلحة فليس من شأن الشرع اعتباره (4).
حجة الجواز في المشتق دون غيره: أن الاشتقاق يشعر بالمناسبة والعلة، بخلاف الجامد فإنه طردي محض.
قوله: (العاشر: اختار [الإِمام] (5) أنه لا يجوز التعليل بالأوصاف المقدرة خلافًا لبعض الفقهاء، كتعليل العتق عن الغير بتقدير الملك) (6).
ش: تكلم المؤلف ها هنا على الأوصاف المقدرة، .......................
__________
(1) المشتق: هو ما أخذ من غيره، سواء كان اسمًا أو فعلًا، فالاسم كما مثل الشوشاوي، والفعل كذهب، مشتق من الذهاب. انظر: معجم المصطلحات النحوية والصرفية للبدي ص 117.
(2) الجامد من الأسماء: هو ما لم يؤخذ من غيره، ومثاله كما ذكر الشوشاوي.
انظر: المصدر السابق ص 48.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 160.
(4) انظر: المصدر السابق.
(5) ساقط من ز، وط.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 431، وجمع الجوامع 2/ 251، وشرح القرافي ص 410، والمسطاسي ص 161، وحلولو ص 363.
(5/433)

وهي (1) المعبر عنها (2) بالتقادير الشرعية، مثل: إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاء المعدوم حكم الموجود.
ومثال إعطاء الموجود حكم المعدوم: وجود الماء في حق من لا يقدر على استعماله، وكذلك النجاسة المعفو عنها، وكذلك الغرر اليسير في البيع، وكذلك فعل المكره، كطلاقه ونكاحه وعتقه وغير ذلك، وكذلك قاتل موروثه، فوجود ذلك كله كعدمه.
ومثال إعطاء المعدوم حكم الموجود: كالحمل في الميراث، ولأجل ذلك يوقف ميراثه حتى يولد، وكذلك الإعتاق عن الغير، يقدر الملك للمعتق عنه قبل العتق بالزمان الفرد، ولأجل ثبوت الملك له يثبت له الولاء، وتبرأ ذمته من الكفارة الواجبة عليه إذا أعتق عنه بسببها.
ومثاله أيضًا: تقدير ملك الدية للمقتول قبل موته بالزمان الفرد، ولأجل ذلك تورث الدية عنه.
ومثاله أيضًا: تقدير الثمن في ذمة المشتري في بيع الدين، وكذلك تقدير المثمون في السلم (3) في ذمة المسلم إليه، وكذلك تقدير الذمة نفسها،/ 318/ فإن الذمة من جملة المقدرات، فإن معناها: معنى شرعي مقدر في الإنسان قابل للإلزام (4) والالتزام.
__________
(1) "وهو" في ز، وط.
(2) "عنه" في ز، وط.
(3) "المسلم" في ز.
(4) "للازام" في ط.
(5/434)

واعلم أن أرباب الأصول اختلفوا في جواز التعليل بالمقدرات (1)، بالجواز، والمنع، واختار الإمام فخر الدين القول بالمنع، وأنكر القول بجوازه غاية الإنكار، وقال: إنها من الأمور التي لا ينبغي أن تعتقد في الشرائع، وقال: تقدير الأعيان في الذمة، وتقدير الملك في العتق عن الغير لا يتصور (2) (3).
قال المؤلف في الشرح: وإنكار (4) الإمام هو المنكر، فإن التقادير الشرعية لا يكاد يعرى منها باب من أبواب الفقه، فكيف يصح عقد السلم (5) في إردب من الحنطة (6)، وهو غير معين ولا مقدر في الذمة، فكيف تصح المطالبة بذلك الإردب مع كونه غير معين ولا مقدر في الذمة، فذلك (7) طلب بلا مطلوب، وعقد بلا معقود، بل هو لفظ بلا معنى، وكذلك إذا باعه سلعة بثمن إلى أجل، فإن هذا الثمن غير معين، فإذا كان غير مقدر في الذمة فكيف يتصور كونه ثمنًا، وكذلك الإجارة لا بد من تقدير المنافع المعقود عليها في الأعيان المستأجرة وإلا امتنعت إجارتها، وكذلك الصلح عن الدين، والعتق عن
__________
(1) "المقدورات" في ط.
(2) "يتضرر" في ط.
(3) انظر: المحصول 2/ 2/ 432 - 434، وكلام الإمام في المحصول أقوى مما هنا، فإنه قال: إنها من جنس الخرافات، وقال أيضًا: هذا من الترهات التي لا حاجة في العقل والشرع إليها. اه، وانظر: شرح القرافي ص 410، والمسطاسي ص 161.
(4) "وانكارم" في ط.
(5) "المسلم" في ط.
(6) "حنطة" في ز، وط.
(7) "فكذلك" في ز.
(5/435)

الغير، وتوريث الدية، وغير ذلك.
قال (1): والحق جواز التعليل (2) بالمقدرات (3).
وذكر المؤلف في القواعد السنية مسائل من هذا الباب، وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، منها: رفع النية في العبادات، كالوضوء، والصلاة، والصوم، والحج، على القول بصحة الرفض.
وذلك أن الشرع يقدر هذه النية الواقعة، وهذه (4) العبادة الواقعة، كأنها لم توجد أصلًا، لا أنه رفعها بعد وجودها؛ لأن رفع الواقع محال (5).
ومنها: الرد بالعيب، على القول بأنه نقض البيع من أصله، فتكون غلة المبيع للبائع؛ لأن صاحب الشرع يقدر هذا العقد كأنه لم يقع قط ولم يوجد [أصلًا] (6)، لا أنه نقضه بعد وقوعه؛ لأن رفع الواقع محال (7).
ومنها: من قال لامرأته: إن قدم فلان آخر الشهر فأنت طالق من أوله، فإنها مباحة الوطء إلى قدوم فلان بالإجماع، فإذا قدم فلان آخر الشهر، فقال ابن يونس مذهب مالك أنها تطلق من أول الشهر (8)؛ فإن الإباحة الواقعة في
__________
(1) "المؤلف في شرحه" زيادة في ز، وط.
(2) "جوازه لتعليل" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 410، 411.
(4) "وهي" في ز، وط.
(5) انظر: الفروق للقرافي 2/ 27، والأمنية في إدراك النية له أيضًا ص 48، 49.
(6) ساقط من ط.
(7) انظر: الفروق 2/ 27، والأمنية ص 49.
(8) انظر: الجامع لابن يونس، كتاب الأيمان بالطلاق، فيمن طلق إلى أجل، مخطوط بالخزانة الحسنية بالرباط برقم 3700، وللمالكية أقوال في المسألة ذكرها القرافي في الفروق 1/ 70.
(5/436)

أثناء الشهر قدرها الشرع كأنها لم تقع أصلًا ولا وجدت قط، لئلا يكون ذلك رفع الواقع؛ لأن رفع الواقع محال (1).
وهذا كله من إعطاء الموجود حكم المعدوم، وهي من التقادير الشرعية.
قال المؤلف في الشرح (2)، وفي القواعد أيضًا (3): وقد بينت التقادير الشرعية في كتاب الأمنية في إدراك النية (4). انظر القواعد [(5) السنية، في الفرق السادس والخمسين، في الفرق بين رفع الواقعات وتقدير رفع الواقعات (6).
[و] (7) انظر أيضًا الفرق الثالث] (5) في الفرق بين الشرط اللغوي، وغيره من الشروط العقلية والشرعية والعادية (8).
قوله: (الحادي عشر: يجوز تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، ولا يتوقف على وجود المقتضي عند الإِمام، خلافًا للأكثرين في التوقف (9)،
__________
(1) انظر: الفروق 1/ 70، 2/ 28، والأمنية ص 49.
(2) انظر: شرح القرافي ص 410.
(3) انظر: الفروق 1/ 71.
(4) في الأصل، وط: "المنية"، وفي ز: "الأمنية" وفي الفروق 1/ 71، الأمنية في إدراك أحكام النية، وفي مقدمة الكتاب ص 6 قال القرافي: الأمنية في إدراك النية. اه، والكتاب طبعته دار الكتب العلمية بيروت.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) انظر: الفروق 2/ 26.
(7) ساقط من ز.
(8) انظر: الفروق 1/ 61، 69 - 72.
(9) "التوقيف" في ز، وط.
(5/437)

وهذا هو تعليل [انتفاء] (1) الحكم (2) بالمانع، فهو يقول: [المانع] (3) (4) ضد علة الثبوت والشيء لا يتوقف على ضده.
وجوابه: أنه لا يحسن في العادة (5) أن يقال للأعمى: إِنه لا يبصر زيدًا للجدار الذي بينهما، وإِنما يحسن ذلك في البصير).
ش: مثال تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، قولك: الطير لا يطير لكونه في القفص، فعلة عدم طيرانه كونه في القفص، فقد عللنا الحكم العدمي وهو عدم الطيران، بالوصف الوجودي، وهو كونه في القفص، وهذا هو المعبر عنه عندهم بتعليل انتفاء الحكم بالمانع (6)، كما قال المؤلف.
[و] (7) في كلامه تقديم وتأخير، تقديره: يجوز تعليل [الحكم] (8) العدمي بالوصف الوجودي، وهذا (9) تعليل انتفاء الحكم بالمانع (10).
__________
(1) ساقط من أ.
(2) "للحكم" في أ.
(3) ساقط من أ.
(4) "هو" زيادة في نسخ المتن.
(5) "القادة" في ش.
(6) انظر المسألة في: المحصول 2/ 2/ 438، والإحكام للآمدي 3/ 242، ومختصر ابن الحاجب 2/ 232، وتيسير التحرير 3/ 37، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 759، ونهاية السول 4/ 295، والإبهاج 3/ 161، وشرح القرافي ص 411، والمسطاسي ص 161، وحلولو ص 364.
(7) ساقط من ط.
(8) ساقط من ز، وط.
(9) "هو" زيادة في ز، وط.
(10) في الأصل: تعليل الحكم بانتفاء المانع.
(5/438)

قوله: (ولا يتوقف على وجود المقتضي عند الإِمام خلافًا للأكثرين (1) في التوقف)، يعني أن الأصوليين اختلفوا في التعليل بالمانع، هل (2) يتوقف على وجود السبب المقتضي لثبوت الحكم أو لا يتوقف عليه؟ قال الإمام فخر الدين: لا يتوقف عليه (3).
وقالت الجماعة: بل يتوقف على وجود المقتضي (4).
فقولنا مثلًا: الطير لا يطير لكونه في القفص، فعلى (5) مذهب الإمام لا يتوقف التعليل بكونه في القفص على وجود [الشرط] (6) المقتضي للطيران، وهو الحياة.
[وعلى مذهب الجماعة: لا يصح هذا التعليل إلا مع وجود المقتضي لثبوت الطيران، وهو الحياة] (7).
قوله: (فهو يقول: المانع ضد علة الثبوب، والشيء لا يتوقف على ضده) هذا دليل الإمام القائل بعدم التوقف (8)، والضمير في قوله: هو (9)
__________
(1) "لأكثرين" في الأصل.
(2) "بل" في ط.
(3) انظر: المحصول 2/ 2/ 438، واختار هذا الرأي: البيضاوي في المنهاج، وابن الحاجب، انظر: الإبهاج 3/ 161، 162، ومختصر ابن الحاجب 2/ 232، واختاره ابن الهمام في التحرير، انظر: التيسير 4/ 37.
(4) وهو اختيار الآمدي، فانظر: الإحكام 3/ 242، وانظر، الإبهاج 3/ 161، ونهاية السول 4/ 296.
(5) "هذا" زيادة في ط
(6) ساقط من ز، وط.
(7) ما بين القوسين ساقط من ز، وط.
(8) انظر: المحصول 2/ 2/ 439.
(9) "فهو" في ز، وط.
(5/439)

يقول، عائد على الإمام، معناه: فالإمام يقول في استدلاله على هذا: المانع من ثبوت الحكم هو ضد المقتضي لثبوت الحكم، فالمراد بعلة الثبوت [هو السبب المقتضي لثبوت] (1) الحكم، فالمانع ضد المقتضي، وأحد الضدين لا يكون شرطًا في [وجود] (2) الآخر؛ إذ من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع المشروط، والضد لا يمكن اجتماعه مع ضده (3) وهذا معنى قوله: المانع ضد علة الثبوت، والشيء لا يتوقف على ضده.
الجواب: أن تقول: لا نسلم أن المانع ضد المقتضي، وإنما هو [ضد أثره، فالتضاد إنما هو] (4) بين الأثرين لا بين المؤثرين.
وبيان ذلك: أن قولك مثلًا: لا تجب الزكاة [على الفقير لكونه] (5) مديانًا، فهذا تعليل انتفاء الحكم بالمانع، وهو كونه مديانًا، فيقول الإمام (6) في هذا المثال: المانع ضد (7) المقتضي، فلا يتوقف عليه لأنه ضده، أي المانع الذي هو الدين، لا يتوقف على وجود المقتضي الذي هو النصاب لأنه ضده؛ لأن النصاب يقتضي وجوب الزكاة، والدين يقتضي (8) عدم وجوب
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) ساقط من الأصل.
(3) انظر: شرح القرافي ص 411، والمسطاسي ص 161.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) ساقط من ط.
(6) "الامال" في ز.
(7) "علة" زيادة في ز، وط.
(8) "مقتضى" في ط.
(5/440)

الزكاة (1). / 319/.
وقالت الجماعة: لا نسلم أن المانع ضد المقتضي؛ لأن التضاد إنما وقع بين الأثرين لا بين المؤثرين؛ فإن (2) أثر النصاب وجوب الزكاة، وأثر (3) الدين عدم وجوبها، فقد وقع التضاد بين الأثرين، وهما الوجوب [وعدمه، ولم يقع التضاد بين المؤثرين، وهما النصاب والدين، لأنه يمكن اجتماعهما؛ لأنه قد يكون مديانًا وعنده النصاب، وإنما وقع التضاد بين الأثرين، وهما الوجوب] (4) والعدم، والوجوب مع العدم متناقضان، والجماعة لم يقولوا بأن أحدهما (5) شرط في الآخر، [بل] (6) قالوا بنفي أحدهما مطلقًا (7)، وقالوا: أحد المؤثرين شرط في الآخر، ولم يقولوا: أحد الأثرين شرط في الآخر.
فعلى مذهب الجماعة لا نقول: لا تجب الزكاة على الفقير (8) لكونه مديانًا، وإنما نقول: لكونه فقيرًا.
وكذلك لا نقول في الأجنبي: لا يرث لكونه عبدًا، وإنما نقول لكونه أجنبيًا.
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 411، والمسطاسي ص 161.
(2) "لأن" في ط.
(3) "بواثر" في ز.
(4) ما بين القوسين ساقط من ط.
(5) في ط: "بأن أحدًا".
(6) ساقط من الأصل.
(7) "قطعًا" في ز، وط.
(8) "المفلس" في الأصل.
(5/441)

ولا نقول في الطير الميت: لا يطير لكونه في القفص، وإنما نقول: لكونه ميتًا.
قوله: (وجوابه: أنه لا يحسن في العادة أن يقال للأعمى: إِنه لا يبصر زيدًا للجدار الذي بينهما، وإِنما يحسن ذلك في البصير)، هذا دليل الجماعة، وهو دليل عادي [على] (1) أن (2) المانع يتوقف على وجود المقتضي، وهو أنه لا يحسن أن يقال: الأعمى (3) لا يبصر زيدًا لأجل الجدار الكائن بينه وبن زيد، وإنما [الذي] (4) يحسن أن يقال: لا يبصر [ه] (5) لكونه أعمى، فالمانع الذي هو الجدار يستدعي ثبوت المقتضي، وهو البصر، لأن البصر يقتضي الإبصار عادة، فدليل الإمام واحد، [وهو] (6) عقلي.
ودليل الجماعة شيئان: عادي، وشرعي.
فالعادي: ما ذكر (7) من الأعمى.
والشرعي: ما ذكر (8) من عدم الزكاة، وعدم إرث العبد (9).
...
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) "فإن" في ز، وط.
(3) "للأعمى" في ز، وط.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) ساقط من ط.
(6) ساقط من ط.
(7) "ذكره" في ز، وط.
(8) "ذكرنا" في ز، وط.
(9) انظر: شرح القرافي ص 411، والمسطاسي ص 161.
(5/442)

الفصل السابع فيما يدخله القياس
وهو ثمانية أنواع:
الأول: [اتفق أكثر المتكلمين] (1) [على جوازه] (2) في العقليات، ويسمونه إلحاق [الغائب] (3) بالشاهد (4).
__________
(1) ساقط من أ.
(2) ساقط من ط.
(3) ساقط من ط.
(4) في المحصول وغيره: ومنه نوع يسمونه إلحاق الغائب بالشاهد اه. وهو أدق؛ لأن إلحاق الغائب بالشاهد أحد أنواع القياس العقلي. انظر: المحصول 2/ 2/ 449، والإبهاج 3/ 35. وانظر: اللمع ص 276، والعلماء في إثبات الأحكام العقلية بالقياس ثلاث طوائف، فطائفة منعت ذلك مطلقًا، وقالت: إن الأحكام العقلية قطعية، والقياس ظني، فلا تثبت به العقليات، وطردت المنع في الصفات الإلهية.
وطائفة أجازت ذلك مطلقًا، وطردت ذلك في الصفات الإلهية، وهو المذهب الذي ذكره الشوشاوي هنا.
وطائفة توسطت، فأجازت أن يدل القياس على الأحكام العقلية والصفات الإلهية لكنه لا يستقل بإثباتها، وأجازوا من ذلك قياس الأولى مستدلين بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} النحل: 60.
فانظر: التبصرة ص 116، والمستصفى 2/ 331، والروضة ص 318، وجمع الجوامع 2/ 207، ونهاية السول 4/ 42، والفتاوى لابن تيمية 12/ 345، وما بعدها، والرسالة التدمرية ص 93، وما بعدها.
(5/443)

ش: اختلف في هذا النوع [الأول] (1) الذي هو العقليات.
مذهب الجمهور: جواز القياس فيها: ويسمونه إلحاق الغائب بالشاهد، قالوا: الجامع بين الغائب والشاهد أربعة أشياء، وهي: الحقيقة، والدليل، والشرط، والعلة (2).
مثال الجمع بالحقيقة (3): قولنا: العالم من قام به العلم، والله تعالى عالم، فيقوم به العلم.
ومثال الجمع بالدليل: قولنا: الإتقان في الشاهد دليل العلم، والله تعالى متقن، فيكون عالمًا.
ومثال الجمع بالشرط: قولنا: العلم في الشاهد مشروط بالحياة، والله تعالى عالم، فيكون حيًا.
ومثال الجمع بالعلة قولنا: العلم في الشاهد علة العالمية، والله تعالى [له] (4) علم (5) فيكون عالمًا (6).
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) انظر هذه الأربعة مع أمثلتها في: شرح القرافي ص 412، والمسطاسي 161، 162. وقد نسبها المسطاسي لإمام الحرمين في كتابه: الإرشاد والشامل. قال: أحمد حلولو: ومنع في البرهان قياس الشاهد على الغائب مع الأربعة ... والجمهور على خلافه، وعلى مذهب الجمهور درج في الإرشاد. اه.
انظر: شرح حلولو ص 365، وانظر: البرهان فقرة 694، والإرشاد للجويني ص 83 - 84.
(3) "بين الحقيقة" في ط.
(4) ساقط من ز، وط.
(5) "علم" ضبطها ناسخ (ط) بفتح العين وكسر اللام، فعل ماض من العلم.
(6) انظر: الرسالة التدمرية ص 95، 96، حيث ذكر أنه يمكن إثبات كثير من الصفات =
(5/444)

وكثير من أصول الديانات مبني على قياس الغائب على الشاهد (1).
حجة القول بمنع قياس الغائب على الشاهد: أن صورة المقيس إما أن تكون بعينها صورة المقيس عليه أو غيرها.
فإن كانت هي فلا قياس لأنهما صورة واحدة.
وإن كانت غيرها فلكل (2) واحد منهما (3) تعيين، فلعل تعيين الأصل شرط في ثبوت الحكم، وتعيين الفرع مانع من ثبوت الحكم، ومع الاحتمال لا يقين، والمطلوب بهذا القياس اليقين (4).
وأجيب عن هذا: بأن العقل قد يقطع بسقوط (5) الخصوصات (6) عن الاعتبار، كاللون القائم بالحيوان والجماد والنبات، فإنه يفتقر لمحل يقوم به، وخصوصية الحيوان [أ] (7) والجماد أو النبات لا مدخل له في افتقار اللون للمحل، لا شرطًا، ولا مانعًا، ولا موجبًا، بل ذلك لذات اللون من حيث هو
__________
= بالعقل، سواء في ذلك الصفات السبع، أو غيرها من الحب والبغض والرضا ونحوها.
قال: بل وكذلك إمكان الرؤية ... ومنهم من أثبتها بأن كل قائم يمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك. اه.
(1) الصواب: وكثير من أصول الديانات يجوز فيها قياس الغائب على الشاهد؛ لأن أصول الدين مبنية على التوقيف والسماع، والعقل الصحيح يوافق النقل الصريح.
(2) "فكل" في ط.
(3) "منها" في ط.
(4) انظر: شرح القرافي ص 412، والمسطاسي ص 162.
(5) "بشرط" في ز.
(6) "المخصوصات" في ز.
(7) ساقط من ط.
(5/445)

لون، وكذلك العلم القائم بزيد مشروط بالحياة لكونه (1) علمًا (2)، لا لخصوص محل زيد، ونحن إنما نقيس فيما هذا شأنه، فاندفع الإشكال وزال الاحتمال (3).
قوله: (الثاني: اختار (4) الإِمام (5) وجماعة (6) (7) القياس في اللغات.
وقال ابن جني هو قو [ل] (8) أكثر الأدباء (9)، خلافًا للحنفية (10)، وجماعة من الفقهاء) (11).
ش: اختلفوا في جواز القياس في اللغة، بالجواز، والمنع (12).
__________
(1) "بكونه" في ط.
(2) "عالمًا" في ز، وط.
(3) انظر: شرح القرافي ص 412، والمسطاسي ص 162.
(4) "اجاز" في خ.
(5) انظر: المحصول 2/ 2/ 357.
(6) "جواز" زيادة في ش.
(7) منهم القاضي أبو بكر، وابن سريج، والشيرازي، وجمع من فقهاء الشافعية، وعليه أكثر الحنابلة، انظر: التبصرة ص 444، والإحكام للآمدي 1/ 57، وشرح الكوكب المنير 1/ 223.
(8) ساقط من ز.
(9) انظر: الخصائص لابن جني 1/ 114، 2/ 43.
(10) انظر: فواتح الرحموت 1/ 185، وتيسير التحرير 1/ 56، والتوضيح 2/ 115.
(11) وعليه إمام الحرمين، وأبو الخطاب الكلوذاني، والغزالي، واختاره ابن الحاجب، والآمدي، وغيرهم، انظر: البرهان فقرة 83، والمستصفى 2/ 331، والتمهيد 3/ 455، والإحكام للآمدي 1/ 57، ومختصر ابن الحاجب 1/ 183.
(12) محل النزاع في هذه المسألة هو أسماء الأجناس.
وهو الاسم الموضوع لمسمى مستلزم لمعنى في محله وجودًا وعدمًا، وهو كما مثل =
(5/446)

مثاله: اللواط، هل يقاس على الزنا للشبه (1) الذي بينهما أم لا؟ خلاف.
وكذلك النباش للقبور، هل يقاس على السارق في حكمه أم لا؟ خلاف.
وكذلك النبيذ، هل يقاس على الخمر أم لا؟ خلاف.
جهة القول بجواز القياس في اللغة: أن الفاعل في زماننا يرفع والمفعول ينصب، في أسماء لم تسمعها العرب، وليس ذلك بوضع العرب؛ لأن العرب لم تسمعه، والوضع فرع التصور، فيتعين (2) أن يكون ذلك بالقياس (3).
أجيب عنه: بأن الرفع والنصب بالوضع لا بالقياس، وذلك أن العرب لما وضعت الفاعل ورفعته لم تضعه لشيء واحد بعينه، بل وضعته للحقيقة الكلية وهي كونه فاعلًا من حيث هو فاعل، وذلك صادق (4) في جميع صور
__________
= الشوشاوي.
أما أسماء الأعلام المشخصة بالذات، وأسماء الصفات، والأحكام النحوية، فلا خلاف فيها؛ لأن الأولى لا يمكن القياس فيها، والثانية مطردة بوضع اللغة، وهي كالعالم والكريم ونحوهما، والثالثة مبنية على الاستقراء والتتبع.
انظر: الإحكام للآمدي 1/ 57، وأصول ابن مفلح القسم الأول ص 103، وإرشاد الفحول ص 16، ومختصر ابن الحاجب 1/ 183، والمنخول ص 71.
وانظر المسألة في المراجع الواردة في التعليقات الماضية في المسألة، وفي: الإبهاج 3/ 36، وجع الجوامع بحاشية المحلي 1/ 271، واللمع للشيرازي ص 63، ونهاية السول 4/ 44، ومقدمة ابن القصار ص 133، والمسودة ص 173، وروضة الناظر ص 172، وشرح القرافي ص 412، والمسطاسي ص 162، وحلولو ص 365.
(1) "لشبه" في الأصل.
(2) "فتعين" في الأصل.
(3) انظر: شرح القرافي ص 413، والمسطاسي ص 162.
(4) "صدق" في ز.
(5/447)

الفاعل، فيكون الإطلاق [عليه] (1) حقيقة لا مجازًا ولا قياسًا (2).
وقال بعضهم: جميع اللغات اليوم ثابتة بالقياس؛ لأن العرب إنما وضعت (3) أسماء الأجناس للأعيان (4) التي شاهدوها، كالإنسان والفرس والطير مثلًا، وقد ذهبت تلك الأعيان وجاءت أعيان أخر، فلم يطلق عليها ذلك الاسم إلا بالقياس على الأسماء التي شاهدتها (5) العرب حين الوضع (6).
قال المؤلف في الشرح: وهذا غلط؛ لأن العرب إنما وضعت لما تصورته (7) بعقولها، لا لما شاهدته (8) بأبصارها، والمتصور بالعقل شامل للماضي والحاضر والغائب على حد واحد، فكأن الواضع (9) يقول مثلًا في وضع الفرس: كل ما تنطبق عليه هذه الصورة الذهنية فهو المسمى [بالفرس عندي] (10) (11).
__________
(1) ساقط من ز، وط.
(2) انظر: شرح القرافي ص 413، والمسطاسي ص 162.
(3) "وضعته" في الأصل.
(4) "للاعياس" في ط.
(5) "شاهدته" في الأصل.
(6) انظر: اللمع للشيرازي ص 63، وانظر: شرح القرافي ص 413، والمسطاسي ص 162 - 163.
(7) "تصورتها" في ط.
(8) "الا لمشاهدته" في ط.
(9) "الوضع" في ز.
(10) ساقط من ز، وط.
(11) انظر: شرح القرافي ص 413.
(5/448)

حجة القول بمنع القياس في اللغة وجهان:
أحدهما: أنه لو صح/ 320/ القياس لغة لبطل المجاز، كقولك: أسد للرجل الشجاع، فإن الجامع بينهما وهو (1) العلاقة لا بد منه، وحينئذ إما أن يريدوا بالقياس أنه حقيقة، وإما أن يريدوا أنه مجاز.
فإن أرادوا (2) أنه حقيقة، بطل المجاز من أصله، وهو خلاف الإجماع.
وإن أرادوا أنه مجاز، فهو متفق عليه، فبطل القول بالقياس، وهو المطلوب (3).
الوجه الثاني: أن الأبيض من الخيل يقال له: الأشهب (4)، والأسود من الخيل يقال له: الأدهم (5)، والأحمر من الخيل يقال له: الكميت (6)، وما
__________
(1) "وهي" في الأصل.
(2) "وإن أريدوا" في الأصل.
(3) انظر: شرح القرافي ص 413، والمسطاسي ص 162.
(4) الشهب والشهبة: لون بياض يصدعه سواد في خلاله، ذكره ابن سيده من ألوان الخيل. وقيل: الشهبة: البياض الغالب على السواد.
وقال أبو عبيدة: الشهبة في ألوان الخيل: أن تشق معظم اللون شعرة أو شعرات بيض، كميتا كان أو أشقر أو أدهم. انظر: المخصص لابن سيده 6/ 152، واللسان، والصحاح، والقاموس، مادة: "شهب".
(5) الدهمة: السواد الشديد، والأدهم: الأسود يكون في الخيل والإبل وغيرهما.
انظر: المخصص 6/ 152، واللسان مادة: "دهم".
(6) الكميت بضم الكاف وفتح الميم وسكون الياء، لم ينطق به إلا مصغرًا، وهو لون بين السواد والحمرة، وقيل: حمرة يدخلها قنوء، والقولان متقاربان، وهو أحب ألوان الخيل إلى العرب. قال في اللسان: وهو يكون في الخيل والإبل وغيرهما. انظر: المخصص لابن سيده 6/ 150، واللسان مادة: "دهم".
(5/449)

اجتمع فيه البياض والسواد يقال له: الأبلق (1)، ولا تطلق هذه الأسماء على غير هذه الخيل (2)، ولو صح القياس لغة لصح إطلاق الأشهب على كل أبيض، وصح إطلاق الأدهم على كل أسود، وصح إطلاق الكميت على كل أحمر، وصح إطلاق الأبلق (3) على كل ما اجتمع فيه البياض والسواد.
وكذلك [لفظ] (4) القارورة للزجاجة (5) لأجل ما يستقر فيها من المائعات، ولا يقال ذلك لغيرها وإن استقرت فيه المائعات (6).
[فلو صح القياس لغة لصح إطلاق القارورة على كل ما يستقر فيه المائعات] (7).
واختار سيف الدين (8) وغيره من المحققين (9) القول [بمنع] (10) القياس في اللغة (11).
__________
(1) البلق بفتح الباء واللام، سواد وبياض، ومنه بلق الدابة إذا جمعت سوادًا وبياضًا، انظر: اللسان، ومختار الصحاح مادة: "بلق".
(2) انظر: التعليقات السابقة، تجد التصريح بإطلاق هذه الألوان على غير الخيل، وانظر: المخصص لابن سيده 7/ 55، تجد أن الكميت والأدهم من أسماء الإبل أيضًا.
(3) "الأبيض" في ز، وط.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظر: القاموس، ومختار الصحاح مادة: "قر".
(6) انظر: شرح القرافي ص 413، والمسطاسي ص 162.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز، وط.
(8) انظر: الإحكام 1/ 57، وانظر: شرح القرافي ص 412.
(9) منهم إمام الحرمين والغزالي وابن الحاجب وأبو الخطاب، كما سبق بيان ذلك في صدر المسألة.
(10) ساقط من ز، وط.
(11) في ز، وط: "القول بالقياس في اللغة". اه. وهو وهم من الناسخ.
(5/450)

قوله: (الثالث: المشهور أنه لا يجوز إِجراء (1) القياس في الأسباب، كقياس اللواط على الزنا في وجوب الحد (2) (3)، لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس إِنه موجب للعبادة كغروبها).
ش: المشهور منع القياس في الأسباب (4).
حجة المنع: أنا إذا قسنا سببًا على سبب إنما نجمع بينهما بالحكمة، والحكمة غير منضبطة لاختلاف مقاديرها، والجمع بغير المنضبطة لا يجوز، ولأجل ذلك عدل عن الحكمة إلى التعليل بالوصف لانضباطه، وجدت حكمة (5) أم لا، فلذلك يقطع السارق [و] (6) إن وجد معه المال المسروق ولم يتلف، ويحد
__________
(1) "اجزاء" في ز.
(2) "به" زيادة في أ، وخ.
(3) تفسير هذا المثال: أن سبب وجود الحد في الزنا: كونه إيلاج فرج في فرج محرم مشتهىً طبعًا، واللواط موجود فيه هذا السبب، فهل يقاس على الزنا في وجوب الحد أو لا يقاس؟
ومثاله أيضًا: قياس السكر على القذف بجامع الافتراء، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فانظر: الإحكام للآمدي 4/ 65، وشرح حلولو ص 367.
(4) هو مذهب أكثر الحنفية، وجمع من المالكية، واختاره الرازي والآمدي والبيضاوي وابن الحاجب، والقول الآخر بجواز ذلك، وهو مذهب جمهور الحنابلة، وأكثر الشافعية، ونصره الغزالي.
انظر: المستصفى 2/ 332، والمحصول 2/ 2/ 465، والروضة ص 335، وأصول ابن مفلح 3/ 834، والإحكام للآمدي 4/ 65، والإبهاج 3/ 38، وجمع الجوامع 2/ 255، ونهاية السول 4/ 49، وفواتح الرحموت 2/ 319، ومختصر ابن الحاجب 2/ 205، وشرح القرافي ص 414، والمسطاسي ص 163.
(5) "حكمته" في ز، وط.
(6) ساقط من الأصل.
(5/451)

الزاني وإن لم يخلط نسبًا.
فعلمنا أن الحكمة لا عبرة بها (1).
حجة القول بالجواز من وجهين:
أحدهما: أن السببية حكم شرعي، فجاز القياس فيها كسائر الأحكام.
الوجه الثاني: أن السبب إنما يكون سببًا لأجل الحكمة التي اشتمل عليها فإذا وجدت تلك الحكمة [في] (2) غيره (3) وجب أن يكون سببًا، تكثيرًا لتلك (4) [الحكمة] (5) (6).
قوله: (لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس: إِنه موجب للعبادة كغروبها)، فيه نظر؛ لأنه قياس بغير جامع، وهو ممنوع باتفاق، وليس محل النزاع (7).
قوله: (الرابع: اختلفوا في (8) دخول القياس في العدم الأصلي.
قال الإِمام: والحق أنه يدخله قياس الاستدلال بعدم خواص الشيء على
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 414، والمسطاسي ص 163.
(2) ساقط من ز، وط.
(3) "وغيره" في ز، وط.
(4) "لتكلف" في ط.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر الحجتين في: شرح القرافي ص 414، والمسطاسي ص 163.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 163.
(8) "جواز" زيادة في ش.
(5/452)

عدمه دون قياس العلة (1)، وهذا بخلاف (2) الإِعدام فإِنة حكم شرعي) (3).
ش: معنى (4) العدم الأصلي (5): هو البراءة الأصلية السابقة قبل الشرع (6).
اختلفوا في القياس بالعدم الأصلي على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والثالث للإمام بالتفصيل: يجوز قياس الاستدلال [و] (7) لا يجوز قياس العلة.
ومثال العدم الأصلي: عدم (8) وجوب صلاة (9) سادسة، وعدم (10)
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 2/ 467، والغزالي يقول أيضًا: إن النفي الأصلي يجري فيه قياس الدلالة دون قياس العلة، لكن قياس الدلالة عنده أن يستدل بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن مثله، ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل، أي ضم القياس إلى الاستصحاب. فالرازي وافق الغزالي في الرأي وخالفه في التفسير، والمعلوم أن قياس الدلالة: هو الجمع بين الفرع والأصل بلازم العلة، ذكره الآمدي وغيره، ومثاله: رائحة الخمر، الملازمة للشدة. انظر: المستصفى 2/ 332، والروضة ص 339، والإحكام 4/ 4، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 799.
(2) "قياس" زيادة في ز.
(3) "أي" فيجري فيه القياس، وانظر: المحصول 2/ 2/ 468.
(4) "ومعنى" في ز، وط.
(5) "الأصل" في ز، وط.
(6) ومنهم من يسميه النفي الأصلي، كالغزالي، وتبعه صاحب الروضة، وابن همام في التحرير.
انظر: المستصفى 2/ 332، والروضة ص 339، وتيسير التحرير 3/ 286، وشرح القرافي ص 414، والمسطاسي ص 163، وحلولو ص 368.
(7) ساقط من الأصل.
(8) "كعدم" في ط.
(9) "الصلاة" في ط.
(10) "وكعدم" في ز، وط.
(5/453)

وجوب شهر غير رمضان، وما أشبه ذلك.
حجة الجواز مطلقًا: أنه يمكن أن يقال: إنما لم يجب الفعل الفلاني؛ لأن فيه مفسدة خالصة أو راجحة، وهذا فعل فيه مفسدة خالصة أو راجحة، فوجب ألا يجب قياسًا على الفعل الفلاني (1).
حجة المنع مطلقًا: أن العدم الأصلي مستمر بذاته، وما هو مستمر بذاته يستحيل إثباته (2) بالغير، فلا يمكن إثباته بالقياس (3).
وأجيب عن هذا بوجهين:
أحدهما: أن الاستمرار بالغير، غير الاستمرار بالذات؛ لأن أحدهما عقلي والآخر شرعي، فأحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه.
الوجه الثاني: أن العلل أمارات ومعرفات، وإنما يلزم ذلك لو قلنا (4): إنها مؤثرات، والأمر ليس كذلك (5).
حجة الإمام: أن العلل إنما تكون في المعاني الوجودية، والعدم الأصلي نفي محض، فلا تتصور فيه العلل (6)، بخلاف الاستدلال بعدم خاصية الشيء (7)، على عدمه (8)، كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا الله
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 414، والمسطاسي ص 163.
(2) في صلب الأصل: ثبوته، وفي الهامش: إثباته. وهو ما في النسخ الباقية.
(3) انظر: شرح القرافي ص 414، والمسطاسي ص 163.
(4) "لقولنا" في ط.
(5) انظر الوجهين: في شرح المسطاسي ص 163 - 164.
(6) انظر: شرح القرافي ص 414.
(7) في ز: "خاصينا لشيء".
(8) "عدمها" في ط.
(5/454)

لَفَسَدَتَا} (1)، فيستدل بعدم الفساد على عدم تعدد الآلهة (2).
أجيب عن هذا: بأن العدم قد يعلل بالمفسدة، كقولنا: إنما لم يبح الله تعالى الخمر والزنا وشبههما (3) لما في ذلك من مفسدة، وهذا الفعل مشتمل على المفسدة، فوجب ألا يباح (4).
قوله: (وهذا بخلاف الإِعدام فإِنه حكم شرعي)، معناه: والعدم الأصلي مخالف للإعدام؛ فإن الإعدام حكم شرعي، والعدم الأصلي هو حكم عقلي.
مثال العدم الأصلي: عدم وجوب صلاة سادسة.
ومثال الإعدام: كالخمر إذا تخلل، فيباح بالقياس على أصله قبل التخمير، فيستدل برفع الحكم (5) على إباحته، ومعنى الإعدام هو رفع الحكم بعد ثبوته ورفع الثابت يحتاج إلى رافع، بخلاف العدم الأصلي، فإنه يرتفع بنفسه ولا يحتاج إلى رافع، لئلا يكون تحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل محال (6).
فظهر (7) الفرق بين العدم والإعدام (8).
__________
(1) الأنبياء: 22.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 164.
(3) "وشبهما" في الأصل.
(4) انظر: شرح القرافي ص 414، والمسطاسي ص 164.
(5) "بالحكم" في ز.
(6) "ومحال" في ط.
(7) "فظاهر" في ط.
(8) انظر: شرح القرافي ص 414، والمسطاسي ص 164.
(5/455)

قوله: (الخامس: [قال] (1) الجبائي (2) والكرخي: لا يجوز [إِثبات] (3) أصول العبادات بالقياس (4)).
ش: وقال غيرهما (5) بالجواز (6).
مثال ذلك: المريض العاجز عن كل أمر سوى نيته (7)، هل يخاطب بالصلاة قياسًا على الإيمان أم لا؟
قال ابن الحاجب: فإن عجز عن كل أمر سوى نيته فلا نص، وعن الشافعي إيجاب القصد (8)، وعن أبي حنيفة (9) سقوط (10) ...........
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "البجائي" في ط.
(3) ساقط من أ.
(4) انظر هذا الرأي منسوبًا لهما في: المعتمد 2/ 794، والمحصول 2/ 2/ 469، والإبهاج 3/ 33، وشرح القرافي ص 415، ونهاية السول 4/ 46، وشرح المسطاسي ص 164، وانظر المسألة في المراجع السابقة، وأيضًا في: جمع الجوامع 2/ 206.
وانظر: التبصرة ص 443، والإحكام للآمدي 2/ 67، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 440 - 441، وشرح حلولو ص 368.
(5) "غيرها" في ط.
(6) انظر: الإبهاج 3/ 33.
(7) "فيه" في الأصل.
(8) أي العمل بقلبه، قال الغزالي في الوسيط 2/ 605: فإن لم يبق في أجفانه حراك فيمثل الأفعال في قلبه، حتى إن خرس لسانه يجري القراءة على قلبه. اه. وهذا هو مشهور الحنابلة، فانظر: المغني 2/ 149.
(9) "حقيقة" في ز.
(10) أي سقوط الصلاة، ويقيد الحنفية ذلك بكثرة الفوائت؛ إذ العاجز عن القيام - عندهم - يصلي جالسًا، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا، أو على جنبه يومئ برأسه، فإن لم يستطع الإيماء أخرت الصلاة عنه، ولا يومئ بعينيه، ولا بحاجبيه، ولا ينوي بقلبه. =
(5/456)

(1).
قال ابن بشير: الاحتياط (2) مذهب الشافعي، والرجوع إلى براءة الذمة مقتضى مذهب الحنفية (3).
حجة الجواز من وجهين:
أحدهما: أن الأصول أحكام شرعية (4)، فيجوز إثباتها بالقياس كسائر الأحكام الشرعية (5).
الوجه الثاني: أن أصل العبادة إذا وجب لنوع من المصلحة، ووجدنا تلك المصلحة في فعل آخر، وجب أن يكون ذلك الفعل واجبًا، تكثيرًا لتلك المصلحة (6) / 321/.
حجة المنع من وجهين (7):
__________
= انظر: المبسوط 1/ 216، والهداية 1/ 77، وحاشية ابن عابدين 2/ 95 - 99.
(1) في فروع ابن الحاجب: وعن أبي حنيفة سقوطهما. فانظر كلام ابن الحاجب في فروعه المسمى جامع الأمهات، ورقة 10/ أمن مخطوطات الخزانة العامة بالرباط برقم 887 د.
(2) "الإحاطة" في الأصل.
(3) في التنبيه لابن بشير: "والرجوع إلى براءة الذمة مذهب أبي حنيفة". اه.
فانظر التنبيه على مبادئ التوجيه، الجزء الأول، باب أحكام المريض من كتاب الصلاة (غير مرقم).
مخطوط بخزانة القرويين بفاس برقم 1132.
(4) "الشرعية" في ز.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 164.
(6) انظر: شرح القرافي ص 415، وشرح المسطاسي ص 164.
(7) انظرهما في: شرح القرافي ص 415، والمسطاسي ص 164.
(5/457)

أحدهما: [أن] (1) مقتضى الدليل ألا يعمل بالظن، خالفناه في إثبات فروع العبادات بالقياس، فبقي فيما عداه على مقتضى الدليل.
الوجه الثاني: أن أصول العبادات أمر مهم (2) في الدين، فلا يثبت إلا بنص (3) الشارع لاهتمامه (4) به، بخلاف الفروع، فإن الأصل ينبه على فرعه (5)، فيكتفى فيه بالقياس.
أجيب عن الأول: بأن الأدلة الدالة على نفي العمل بالظن محمولة على أصول العبادات، والأدلة الدالة على القياس عامة للأصول والفروع، فالجمع بين الدليلين أولى ما أمكن (6).
أجيب عن الثاني: بأن مصلحة الأصول إما أن تكون أعظم من مصلحة الفروع أو مثلها؛ لأن الفرع لا يكون أضعف من أصله (7)، وعلى كل تقدير يصح القياس تحصيلًا لتلك المصلحة التي هي أعظم بطريق الأولى،
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "موهم" في الأصل.
(3) "بلفظ" في الأصل.
(4) "الاهتمام" في ز.
(5) "فروعه" في ط.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 164.
(7) هكذا العبارة في النسخ الثلاث.
والعبارة وردت في شرح القرافي: "لأن الأصل لا يكون أضعف من فرعه".
ووردت في شرح المسطاسي: "لأن الأصل لا يكون أعظم من الفرع".
والصواب بلا شك عبارة القرافي؛ لأن الفروع إما أن تساوي الأصول، أو تكون أضعف منها، والسياق يدل على هذا، فانظر: شرح القرافي ص 415، وشرح المسطاسي ص 164.
(5/458)

والمصلحة (1) المساوية؛ لأن ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر (2).
قوله: (السادس: يجوز عند ابن القصار (3) والباجي (4) والشافعي (5) جريان القياس في المقدرات والحدود والكفارات (6)، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه (7)؛ لأنها أحكام شرعية).
ش: مثال المقدرات: كنصب الزكاة.
ومثال الحدود: حد الزنا (8).
ومثال الكفارات: كفارة الظهار، [وكفارة اليمين] (9)، وكفارة فدية
__________
(1) كذا في النسخ الثلاث، وفي شرح القرافي: أو المصلحة. وهو أولى لأن المقام تخيير لا تشريك. فانظر: القرافي ص 415.
(2) انظر: شرح القرافي ص 415، والمسطاسي ص 164.
(3) انظر: مقدمة ابن القصار ص 134.
(4) انظر: الإشارة للباجي ص 181، وإحكام الفصول 2/ 723.
(5) انظر: الأم 7/ 276، والمحصول 2/ 2/ 471.
(6) وهو مذهب جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة، ووافق الجمهور أبو يوسف، كما ذكر أبو الخطاب.
فانظر: التبصرة ص 440، واللمع ص 281، والمستصفى 2/ 334، والبرهان فقرة 869، والمنخول ص 385، والمحصول 2/ 2/ 471، والإبهاج 3/ 33، وجمع الجوامع 2/ 204، والإحكام للآمدي 4/ 62، ونهاية السول 4/ 39، وإحكام الفصول 3/ 723، والإشارة ص 181، ومقدمة ابن القصار ص 134، ومختصر ابن الحاجب 2/ 254، وشرح القرافي ص 415، والمسطاسي ص 164، وحلولو ص 368، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 449، والمسودة ص 398، والروضة ص 338، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 833.
(7) انظر: تيسير التحرير 4/ 103، وفواتح الرحموت 2/ 317.
(8) "الزناة" في الأصل.
(9) ساقط من ط.
(5/459)

الأذى.
وهذا الخلاف الذي أشار إليه المؤلف هو سبب اختلاف العلماء في قياس حد الشرب على حد القذف، وكذلك قياس (1) النباش على حد السارق، وكذلك قياس كفارة الأكل على كفارة الجماع في الصيام.
حجة الجواز من ثلاثة أوجه:
أحدها: ما قال المؤلف وهو أن هذه الأشياء (2) أحكام شرعية، فجاز فيها القياس كما جاز في غيرها من الأحكام الشرعية.
الوجه الثاني: عملًا بالأدلة الدالة على كون القياس حجة (3).
الوجه الثالث: أن العلل الشرعية أمارات ومعرفات، فجاز نصبها في المقدرات كغيرها (4).
حجة المنع: [أن] (5) المقدرات كنصب الزكاة، والحدود، والكفارات، أمور تعبديات لا يعقل معناها، وما لا يعقل معناه تعذر فيه [القياس] (6)؛ لأنه لا بد من جامع، ولا جامع، فلا قياس (7).
__________
(1) "حد" زيادة في ز، وط.
(2) "هي" زيادة في ز، وط.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 165.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 165.
(5) ساقط من ط.
(6) ساقط من ط.
(7) انظر: شرح القرافي ص 415، والمسطاسي ص 165.
(5/460)

أجيب عن هذا: بأنا لا نقول بالقياس إلا حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم في الأصل، فلا ترد علينا مواطن التعبد (1).
قوله: (خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه)، يرد على الحنفية (2) أنهم ناقضوا أصلهم في تقديرهم مسح الرأس [بالربع] (3)، وكذلك مسح الخف (4)، وقاسوا كفارة الأكل في رمضان على (5) كفارة الجماع (6) (7).
قوله: (السابع: [يجوز القياس] (8) عند الشافعي على الرخص، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه) (9).
ش: وفي القياس على الرخص قولان في مذهب مالك (10).
وقد خرجوا على هذا الخلاف في المذهب فروعًا كثيرة، منها: الخلاف في
__________
(1) انظر: المصدرين السابقين.
(2) "الحنيفة" في ز.
(3) ساقط من الأصل.
(4) أي في تقديرهم المسح بربع الخف، أو بمقدار ثلاثة أصابع، فانظر: الهداية 1/ 28.
(5) "في" في ط.
(6) انظر: الهداية للمرغيناني 1/ 124 - 125، والجوهرة النيرة على مختصر القدوري 1/ 172 - 173.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 165.
(8) ساقط من ط.
(9) كثير من الأصوليين جعل هذه المسألة مع المسألة التي قبلها لتساويهما في سبب ومحل النزاع، وتساويهما في الأقوال والأدلة. فانظر: مراجع المسألة السابقة، وانظر مثلًا: المحصول 2/ 2/ 471، والمنخول ص 385، وجمع الجوامع 2/ 204، وشرح حلولو ص 369، وانظر: كتاب الأم للإمام الشافعي 1/ 184، وانظر: شرح القرافي ص 415، والمسطاسي ص 165.
(10) انظر: شرح القرافي ص 415، والمسطاسي ص 165.
(5/461)

المسح على الجوربين (1) (2)، والجرموقين (3) (4)، وغير ذلك.
حجة الجواز من وجهين (5):
أحدهما: أنها أحكام شرعية فجاز القياس عليها كغيرها من الأحكام الشرعية.
الوجه الثاني: الأدلة الدالة على كون القياس [حجة] (6).
حجة المنع: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقياس عليها يؤدي إلى كثرة (7) مخالفة الدليل، وذلك غير سائغ (8) (9) (10).
__________
(1) الجورب بفتح الجيم والراء بينهما واو، هو لفافة الرجل، وهو فارسي معرب، وأصله بالفارسية: كورب. قال ابن العربي: الجوربان غشاءان للقدم من صوف يتخذان للدف. اه. نقله صاحب التاج.
وجمع جورب: جواربة، وجوارب.
انظر: اللسان، والتاج، مادة: "جرب".
(2) المشهور عند المالكية أن الجورب لا يمسح عليه، إلا إذا كان ظاهره جلدًا.
انظر: المدونة 1/ 44، والشرح الصغير 1/ 228.
(3) الجرموق بضم الجيم والميم وسكون الراء، معرب. قيل: هو خف صغير، وقيل: هو خف يلبس على الخف، وقيل: خف غليظ لا ساق له.
انظر: اللسان مادة: "جرق"، والمخصص لابن سيده 4/ 114، والمنتقى للباجي 1/ 82، وتصحيح التنبيه للنووي ص 5.
(4) انظر: المدونة 1/ 44، والمنتقى للباجي 1/ 82.
(5) انظرهما في: شرح المسطاسي ص 165.
(6) ساقط من ط.
(7) "كبيرة" في ط.
(8) في ز، وط: "وغير ذلك سائغ".
(9) سائغ بمعنى جائز، انظر: القاموس مادة: "ساغ".
(10) انظر الحجة في: شرح القرافي ص 416، والمسطاسي ص 165.
(5/462)

أجيب عنه: بأن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملًا بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع، وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي من أجلها (1) خولف الدليل في صورة أخرى، وجب أن يخالف (2) الدليل بها عملًا برجحانها، فنحن على هذا إنما كثرنا موافقة الدليل لا مخالفة (3) الدليل (4).
قوله: (الثامن (5): لا يدخل القياس فيما طريقه الخلقة (6) والعادة، كالحيض، و [لا] (7) فيما [لا] (8) يتعلق به عمل، كفتح مكة عنوة ونحوه).
ش: الخلقة (9): هي الطبيعة (10)، فلا تقاس (11) طبيعة زيد [على] (12)
__________
(1) "التي لأجلها" في ز، وط.
(2) "ألا يخالف" في ز، وط.
(3) "على مخالفة" في ز، وط.
(4) انظر: شرح القرافي ص 416، والمسطاسي ص 165.
(5) "الثاني" في ط.
(6) "الخليقة" في ط.
(7) ساقط من ش، وز، وط.
(8) ساقط من أ.
(9) "الخليقة" في ط، وهي في اللغة بمعنى الطبيعة.
انظر: القاموس مادة: "خلق".
(10) الخلق بالضم وبضمتين: السجية والطبع، والخلقة بكسر الخاء وفتح القاف: الفطرة، والخليقة: الطبيعة، انظر: القاموس، ومختار الصحاح، مادة: "خلق".
(11) "فالقياس" في ز.
(12) ساقط من ز، وط.
(5/463)

طبيعة (1) عمرو مثلًا؛ لأن الطبائع تختلف، فرب طبيعة يغلب عليها معنى لا يغلب على طبيعة أخرى.
قال المؤلف في الشرح: لا يمكن (2) أن تقول: فلانة تحيض عشرة أيام وينقطع دمها، فوجب أن تقيس عليها غيرها (3).
واعترض هذا الذي قاله المؤلف بقياس المبتدأة على أيام لداتها؛ لأن ذلك روي عن مالك (4) (5).
قوله: (كالحيض)، هذا مثال الخلقة (6)، أي كالحيض بالنسبة إلى أقله وأكثره، [(7) وكالطهر أيضًا بالنسبة إلى أقله وأكثره، [(8) وكالنفاس بالنسبة إلى أقله وأكثره] (7) (8).
فلا تقاس امرأة بامرأة في جميع ذلك، فكل طبيعة يحكم عليها (9) بحكمها، ولا يحكم على طبيعة بحكم غيرها.
__________
(1) "بطبيعة" في ز، وط.
(2) "ولا يمكن" في الأصل.
(3) انظر: شرح القرافي ص 416.
(4) في ز، وط: "لأنه روي عن مالك ذلك".
(5) الرواية عن مالك في المبتدأة التي تمادى بها الدم، روي عنه: أنها تجلس أكثر مدة الحيض، ثم هي مستحاضة، وروي: أنها تقيم قدر أيام لداتها، ثم هي مستحاضة، انظر: المدونة 1/ 54، والمنتقى للباجي 1/ 124.
(6) "الخليقة" في ط.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(8) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(9) "لها" في ز، وط.
(5/464)

قوله: (والعادة (1)) , أي لا يدخل القياس أيضًا فيما طريقه العادة والعرف (2)؛ لأن العوائد تختلف باختلاف الأقاليم، فرب إقليم يغلب عليه معنى (3) لا يغلب على غيره من الأقاليم.
قوله: (ولا فيما [لا] (4) يتعلق به عمل، كفتح مكة عنوة ونحوه).
هذا قول الإمام في المحصول (5).
قال المؤلف في الشرح: فإن أراد أن مكة فتحت عنوة، فوجب أن يكون دمشق (6) مثلًا مثلها، فهو صحيح؛ لأن العنوة تابعة لأسبابها، ولا يمكن إثبات عنوة ولا صلح (7)، بالقياس.
وإن أراد أن العنوة ليس فيها حكم شرعي، فليس الأمر كذلك؛ لأن العنوة تتعلق بها أحكام شرعية، كالحبس، والإجارة، والشفعة، والقسمة، والإرث، وغير ذلك.
__________
(1) في ط: "والعادة قوله والعادة".
(2) انظر: اللمع ص 382، والمحصول 2/ 2/ 477، والإبهاج 3/ 40، وجمع الجوامع 2/ 208، ونهاية السول 4/ 52، وشرح القرافي ص 416، والمسطاسي ص 165، وحلولو ص 369.
(3) "بمعنى" في ز.
(4) ساقط من ط.
(5) انظر: المحصول 2/ 2/ 477، وقد ذكرأمثلة أخرى، منها: قران النبي - صلى الله عليه وسلم - وإفراده، ومعلوم أن القران والإفراد يتعلق به عمل، كمعرفة أفضل الأنساك مثلًا. وانظر: اللمع ص 282، فقد قال في هذا القسم: ما طريقه الرواية والسماع، ثم ساق الأمثلة، وقال: فهذا كله لا مجال للقياس فيه، وانظر: شرح المسطاسي ص 165.
(6) "دمشقًا" في الأصل.
(7) "يصح" في ز.
(5/465)

فقد قال مالك: إن أرض العنوة يمنع فيها ذلك كله (1) (2).
وقال الشافعي: يجوز فيها جميع ذلك (3).
فإذا تعلقت (4) بها هذه الأحكام، أمكن التمسك في بعضها بالقياس إن وجد جامع يقتضيه، غير أن الإمام أطلق القول (5) في ذلك، والحق هذا التفصيل (6). / 322/.
...
__________
(1) في ز، وط: "يمنع فيها جميع ذلك".
(2) انظر: المدونة 3/ 280، والمقدمات لابن رشد 3/ 466.
(3) انظر: الوجيز للغزالي 2/ 194.
(4) "تعلت" في الأصل.
(5) "المقول" في ز، وط.
(6) انظر: شرح القرافي ص 416، والمسطاسي 165، 166، وحلولو ص 369.
(5/466)

الباب الثامن عشر
في التعارض والترجيح
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: هل يجوز تساوي الأمارتين .. إلخ.
الفصل الثاني: في الترجيح.
الفصل الثالث: في ترجيحات الأخبار
الفصل الرابع: في ترجيح الأقيسة.
الفصل الخامس: في ترجيح طرق العلة.
(5/467)

الباب الثامن عشر في التعارض والترجيح (1)
وفيه خمسة فصول:

الفصل الأول (2)
اختلفوا: هل يجوز تساوي الأمارتين؟ (3) (4) فمنعه الكرخي (5)، وجوزه
__________
(1) جعل صاحب المحصول عنوان هذا الباب: "التعادل والترجيح"، وهو صنيع بعض الأصوليين، ويريدون به تعارض الأدلة والترجيح بينها؛ لأن التعادل بمعنى التعارض، قال صاحب القاموس: والعدال ككتاب، أن يعرض أمران فلا تدري لأيهما تصير، فأنت تروَّى في ذلك. اه.
انظر: القاموس مادة: "عدل"، وانظر: المحصول 2/ 2/ 503، وجمع الجوامع 2/ 357، والإبهاج 3/ 212.
(2) في ش زيادة: "هل يجوز تساوي الأمارتين". اه.
(3) في ز وط زيادة: "أي الدليلين". اه.
(4) الأمارة: هي الدليل الظني، أي ما يلزم من العلم به، الظن بوجود المدلول. انظر: التعريفات للجرجاني ص 29.
وانظر المسألة في: التبصرة ص 510، والمعتمد 2/ 853، والمستصفى 2/ 393، والمحصول 2/ 2/ 506، والوصول لابن برهان 2/ 333، وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2/ 189، والإبهاج 3/ 213، وجمع الجوامع 2/ 359، ونهاية السول 4/ 432، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 349، والمسودة ص 446، والروضة ص 372، ومختصر ابن الحاجب 2/ 298، وشرح القرافي ص 417، والمسطاسي ص 166، وحلولو ص 369.
(5) انظر: المعتمد 2/ 853، والمحصول 2/ 2/ 506، وهو قول جمهور الحنابلة، انظر: =
(5/469)

الباقون، والمجوزون اختلفوا، فقال القاضي أبو بكر منا (1) وأبو علي وأبو هاشم (2): يتخير (3)، ويتساقطان [عند بعض الفقهاء] (4).
قال الإِمام رحمه الله: إِن وقع التعارض في فعل واحد باعتبار حكمين فهو (5) متعذر، وإِن وقع في فعلين والحكم واحد، كالتوجه إِلى جهتين للكعبة فيتخير (6).
[و] (7) قال الباجي في القسم الأول: إِذا تعارضا في الحظر والإِباحة يتخير (8) (9).
وقال الأبهري: يتعين الحظر: بناء على أصله أن الأشياء على الحظر (10).
وقال أبو الفرج: تتعين الإِباحة، بناء على أصله أن الأشياء على
__________
= التمهيد 4/ 349، والمسودة ص 446.
(1) انظر: إحكام الفصول 2/ 916، وانظر: شرح القرافي ص 417، وشرح حلولو ص 370.
(2) في خ زيادة: "وبعض الشافعية وبعض الحنفية". اه.
(3) انظر نسبة هذا الرأي لأبي علي وابنه في: المعتمد 2/ 853، والمحصول 2/ 2/ 506، والمستصفى 2/ 379.
(4) ساقط من ز وط، وانظر: المحصول 2/ 2/ 506، والوصول لابن برهان 2/ 333، والمستصفى 2/ 393.
(5) "فهذا". في خ وز وط.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 507، 517.
(7) ساقط من ش.
(8) "تخير" في نسخ المتن.
(9) انظر: إحكام الفصول للباجي 2/ 916.
(10) انظر: إحكام الفصول للباجي 2/ 812.
(5/470)

الإِباحة (1).
فالثلاثة رجعوا إِلى حكم العقل (2) على أصولهم).
ش: [قوله] (3): (يتخير)، هذا هو المشهور.
قوله: (ويتساقطان)، وهو القول بالتوقف، وهو شاذ.
مثال تعارضهما في فعل واحد: قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقّ بِرَدِّهِنَّ} (4).
قوله (5): (وبعولتهن)، يقتضي ثبوت الزوجية فيحل وطء الرجعية (6).
وقوله: (وأحق بردهن)، يقتضي زوال (7) الزوجية (8) فيحرم وطؤها، والجمع بين التحليل والتحريم في شيء واحد متعذر.
حجة الكرخي القائل بمنع تساوي الأمارتين: أن الظنون تختلف ولا تنضبط؛ لأنها تابعة للعقول والطبائع، والعقول والطبائع مختلفة غير منضبطة، فتابع المختلف [مختلف] (9) (10).
__________
(1) انظر المصدر السابق.
(2) "بناء" زيادة في ش.
(3) ساقط من ط.
(4) البقرة: 228.
(5) "وقوله" في ط.
(6) "الزوجية" في ط.
(7) "بزوال" في ط.
(8) لأن الرد إنما يكون بعد ذهاب الشيء.
(9) ساقط من ط.
(10) انظر: شرح القرافي ص 417، والمسطاسي ص 166.
(5/471)

فعلى قول الكرخي: لا بد أن تكون إحدى الأمارتين راجحة والأخرى مرجوحة، فيعمل عنده بالراجحة.
حجة الجواز: أن الغيم الرطب (1) في زمان الشتاء قد يستوي العقلاء في موجَبه (2) وما يقتضيه حاله، وكذلك الجدار المائل لا بد أن يجتمع اثنان على حكمه، وإن خالفهما (3) الباقون، وذلك كاف في المطلوب؛ لأن المدعى الجواز لا الوجوب، والجواز يصدق بصورة [ما] (4)، والممتنع لا يصدق بكل حال (5).
حجة القول بالتغيير: أن التساوي يمنع الترجيح، وإعمال الدليل الشرعي واجب بحسب الإمكان، فإذا خيرناه بينهما، فقد أعملنا الدليل الشرعي من حيث الجملة، بخلاف إذا قلنا بالتساقط، فإنه إلغاء للدليل الشرعي بالكلية (6).
حجة القول بالتساقط من وجهين:
أحدهما: أن الحكم لا بد له من مستند، والمستند إما علم أو ظن، ومع التساوي لا علم ولا ظن، فلا حكم.
__________
(1) "الرهب" في ط.
(2) موجَبه بفتح الجيم، أي ما ينتج عنه.
(3) "خالفهم" في ط.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظر: شرح القرافي ص 417، والمسطاسي ص 166.
(6) انظر: شرح القرافي ص 417 - 418، والمسطاسي ص 116.
(5/472)

الوجه الثاني: [أنَّا] (1) إذا خيرنا فقد رجحنا الإباحة، مع أنها مساوية (2) للحظر، والرجحان مع التساوي محال.
أجيب عن الأول: أن الظن المنفي إنما هو الظن الناشئ عن أحدهما عينًا، لا ظن التخيير الناشئ عن التساوي، فإنه لا نسلم أنه غير حاصل.
وأجيب عن الثاني: أن التخيير إنما نشأ عن تساوي (3) الأمارتين، لا عن أمارة الإباحة، فلا يلزم الترجيح (4) من غير مرجح، فقد تشترك المختلفات في اللازم الواحد، كاشتراك الإنسان والفرس في الحيوانية (5).
قال المؤلف في شرحه (6): وأما قول الإمام: هذا متعذر في [فعل] (7) واحد باعتبار حكمين، فليس كما قال، فإن المتعذر هو ثبوت حكمين لفعل واحد من جهة واحدة، أما ثبوتهما له من جهتين مختلفتين فلا يمتنع ذلك، كالصلاة في الدار المغصوبة، هي حرام واجبة من جهتين مختلفتين (8)، وتعارض الأمارتين ليس من ذلك، فإنا لا نقول بمقتضاهما الذي هو الوجوب والحظر مثلًا، بل نقول: إنهما اقتضيا حكمين متضادين، فلو امتنع ذلك لامتنع وجود المقتضي والمانع في جميع صور الشريعة، وليس كذلك، فلا
__________
(1) ساقط من ز.
(2) "متساوية" في ز.
(3) "التساوي" في ط.
(4) "الرجيح" في ط.
(5) انظر الوجهين مع جوابيهما في: شرح القرافي ص 418، والمسطاسي ص 167.
(6) "الشرح" في ز وط.
(7) غير واضحة في ط.
(8) "المختلفتين" في ز.
(5/473)

محال حينئذ، انتهى نصه (1).
انظر قول المؤلف: ولو امتنع ذلك لامتنع وجود المقتضي والمانع، فإن مذهب الإمام منع اجتماعهما، فهو استدلال بمحل (2) النزاع، وقد تقدم شبهة الإمام في ذلك والرد عليه في باب القياس، في قول المؤلف: يجوز تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، ولا يتوقف على وجود المقتضي عند الإمام، خلافًا لأكثرين (3) في التوقف (4).
قوله: (كالتوجه إِلى جهتين للكعبة)، هذا مثال التعارض في حكم واحد في فعلين، وذلك أن تدل أمارة (5) على أن القبلة في جهة، وتدل أمارة أخرى على [أن] (6) القبلة في جهة أخرى مستدبرة للجهة الأولى، فالاستقبال والاستدبار فعلان، وحكمهما واحد، وهو وجوب التوجه، فيتخير في الجهتين كما قال الإمام (7).
قال ابن الحاجب في الفروع: فإن أغمي عليه، ففي تخييره، أو أربع
__________
(1) انظره مع اختلاف يسير في الصياغة في: شرح القرافي ص 418.
(2) "محل" في ز وط.
(3) "للأكثرين" في ز وط.
(4) انظر: مخطوط الأصل صفحة ص 319، وصفحة ص 437 من هذا المجلد، وشرح القرافي ص 411.
وهو النوع الحادي عشر من الباب السادس في أنواع العلل.
(5) "الأمارة" في ز وط.
(6) ساقط من الأصل.
(7) انظر: شرح القرافي ص 418، والمسطاسي ص 167، وحلولو ص 371.
(5/474)

صلوات، أو تقليده، ثلاثة أقوال (1).
قوله: (وقال الباجي في القسم الأول)، وهو إذا وقع التعارض في فعل واحد بين حكمين، وهما الحظر والإباحة.
مثاله: خنزير الماء، وذبيحة الكتابي (2)، والجمع بين الأختين بوطء (3) الملك. قال الباجي: بالتخيير، وقال الأبهري: يتعين الحظر، وقال أبو الفرج: تتعين الإباحة (4).
قوله: (فالثلاثة رجعوا إِلى حكم العقل على أصولهم)؛ لأن الأمارتين عندهم لما تعارضتا تساقطتا، [فلما تساقطتا] (5) رجع كل واحد منهم إلى أصله في حكم الأشياء قبل ورود الشرائع (6).
قوله: (فالثلاثة رجعوا إِلى حكم العقل على أصولهم)، يقتضي أن مستندهم (7) في ذلك هو العقل (8)، وليس الأمر كذلك؛ لأن ذلك [هو] (9)
__________
(1) انظر: الفروع لابن الحاجب ورقة 9 أمن مخطوط الخزانة العامة بالرباط برقم 887 د.
(2) "الكتابر" في ز.
(3) "وطء" في ز.
(4) انظر: شرح المسطاسي ص 167.
(5) ساقط من ز.
(6) انظر: شرح المسطاسي ص 167.
(7) "مسندهم" في ز.
(8) "الفعل" في ط.
(9) ساقط من ط.
(5/475)

مستند أهل الاعتزال (1).
وقد نبه المؤلف على هذا في شرحه في الحسن والقبح.
فقال: تنبيه: قول من قال من الفقهاء بأن الأشياء قبل ورود الشرائع على الحظر أو الإباحة ليس موافقًا للمعتزلة، وإنما ذلك لمستند شرعي.
أما الأبهري: فمستنده في الحظر: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أحِلَّ لَهُمْ} (2)، وقوله تعالى/ 323/: {أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ] (3)} (4) [فإن] (5) مفهوم (6) هاتين الآيتين يقتضي أنها كانت قبل ذلك على الحظر.
وأما أبو الفرج فمستنده [في] (7) الإباحة: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم مَّا فِي الأَرْضِ [جَمِيعًا] (8)} (9) وقوله تعالى: {أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (10) فإن ذلك يدل على الإذن في الجميع. فهذه المدارك الشرعية تدل بعد ورودها على أن الأشياء قبل ورود الشرع إنما هي على الحظر أو على الإباحة، فلو لم ترد هذه النصوص لقال هؤلاء الفقهاء: لا علم لنا بحظر ولا
__________
(1) أي بناء على قاعدتهم في الحسن والقبح العقليين. انظر: المعتمد 1/ 364، وصفحات بعدها، وانظر: شرح المسطاسي ص 167.
(2) المائدة: 4.
(3) ساقط من ز وط.
(4) المائدة: 1.
(5) ساقط من ز.
(6) "فمفهوم" في ز.
(7) ساقط من ط.
(8) ساقط من ز.
(9) البقرة: 29.
(10) طه: 50.
(5/476)

بإباحة (1)، بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون: المدارك عندنا العقل (2)، فلا يضرنا عدم ورود الشرائع إلا فيما لا يمكن الاطلاع على حكمته (3).
فمن ها هنا افترق هؤلاء الفقهاء من (4) المعتزلة، فاتفقوا في الحكم واختلفوا في المدرك (5).
فقول المؤلف ها هنا: رجعوا إلى حكم العقل، غير صحيح، بل رجعوا إلى حكم النص، كما تقدم.
قال المؤلف في شرحه: ورجح سيف (6) الدين الآمدي الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجه:
أحدها: أن الحظر إنما يكون لتضمن المفاسد، وعناية الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أعظم من عنايتهم بتحصيل المصالح، فيقدم الحظر عنده على المباح والواجب والمندوب.
الوجه الثاني: أن الحظر موافق للأصل (7)، وهو عدم الفعل، لأن عدم الفعل هو الأصل، بخلاف غيره، فإن مقتضاه الفعل، وهو (8) خلاف الأصل.
__________
(1) "إباحة" في الأصل.
(2) "للعقل" في ز.
(3) انظر تقسيم الأفعال إلى عقلية وسمعية في: المعتمد 1/ 370، وانظر اعتمادهم على العقل في الحكم على الأشياء في المعتمد 2/ 868.
(4) علق ناسخ الأصل بحذائها "مع" والمثبت من النسخ الثلاث وشرح القرافي.
(5) انظر النقل عن القرافي في شرحه ص 92، وانظر: المسطاسي ص 224 من مخطوط مكناس رقم 352.
(6) "سوف" في ط.
(7) في ز: "يوافق الأصل".
(8) "فهو" في ز.
(5/477)

الوجه الثالث: [أن الحظر] (1) يخرج الإنسان عن عهدته بمجرد تركه وإن لم يشعر به، بخلاف الوجوب ونحوه (2)، فإنه لا بد فيه من الشعور حتى يخرج من العهدة، فالحظر (3) بهذا الاعتبار أقرب إلى الأصول (4)، فهذه ترجيحات (5) غير تلك الأصول المتقدمة (6).
قوله: (وإِذا نقل عن مجتهد قولان)، فإِن كانا في موضعين وعلم التاريخ، عد الثاني رجوعًا عن الأول.
وإِن لم يعلم (7) حكي عنه القولان، ولا يحكم عليه بالرجوع (8).
وإِن كانا في موضع واحد، بأن يقول: في المسألة قولان، فإِن أشار إِلى تقوية أحدهما فهو قوله، وإِن لم [يعلم] (9) [فقيل] (10): يتخير السامع (11) بينهما (12).
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "وغيره" في الأصل.
(3) "فالنظر" في ز وط.
(4) "الأصل" في الأصل.
(5) "ترجحات" في ز.
(6) انظر: شرح القرافي ص 418، وانظر: الإحكام للآمدي 4/ 259 - 260، وشرح المسطاسي ص 224، من مخطوط مكناس رقم 352.
(7) في الأصل: "ولم يعلم"، وفي أ: "وإن يعلم".
(8) "برجوع" في نسخ المتن.
(9) ساقط من أ، وفي ز وط: "يشر".
(10) ساقط من ط.
(11) "السابع" في أ.
(12) انظر المسألة في: المعتمد 2/ 860، والتبصرة ص 511، 514، واللمع ص 362، =
(5/478)

ش: فإذا (1) علم التاريخ عد القول الثاني رجوعًا عن الأول (2).
قال المؤلف في شرحه: فلا يجوز الفتيا بالأول (3)، ولا تقليده فيه، ولا يعد من الشريعة، بل هو كالنص المنسوخ من نصوص صاحب الشريعة (4)، لأ [ن] (5) نصوص المجتهد بالنسبة إلى المقلد كنصوص صاحب الشريعة بالنسبة إلى المجتهد، فإن المتأخر منها (6) ناسخ للمتقدم.
قال المؤلف في باب الاجتهاد في الفصل السابع في نقض الاجتهاد: أما (7) المجتهد في نفسه، فلو تزوج امرأة علق (8) طلاقها الثلاث (9) قبل الملك بالاجتهاد فإن حكم به حاكم ثم تغير اجتهاده لم ينقض، وإن لم يحكم به الحاكم نقض، ولم يجز له إمساك المرأة.
__________
= والمستصفى 2/ 381، والمحصول 2/ 2/ 522، والإحكام للآمدي 4/ 200، والإبهاج 3/ 215، وجمع الجوامع 2/ 359، ونهاية السول 4/ 438، ومختصر ابن الحاجب 2/ 299، وشرح القرافي ص 418، والمسطاسي ص 167، وحلولو ص 371، وتيسير التحرير 4/ 232، وفواتح الرحموت 2/ 394، والتمهيد لأبي الخطاب 4/ 357، والروضة ص 375، والمسودة ص 450، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 950.
(1) "وإذا" في ط.
(2) العبارة في الأصل كما يلي: "عد القول الأول رجوعًا عنه إلى الثاني". اه.
(3) "بأول" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 419.
(5) ساقط من ط.
(6) "منهما" في الأصل.
(7) "وأما" في ز وط.
(8) "عقلا" في ز.
(9) "الثالث" في ز.
(5/479)

وأما العامي: فإذا فعل ذلك بقول المفتي ثم تغير اجتهاده، فالصحيح أنه تجب المفارقة، قاله الإمام، انتهى (1).
قوله: فالصحيح: أنه تجب المفارقة، قال في الشرح: لأن الاجتهاد الأول منسوخ بالاجتهاد الثاني (2).
[و] (3) قال: وقيل: لا تجب المفارقة (4)؛ لأن الثاني هو اجتهاد أيضًا، وليس إبطال أحدهما بالآخر أولى من العكس، فلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد إلا إذا قطع ببطلان الأول، فتجب المفارقة اتفاقًا.
قوله: (وإِن لم يعلم، حكي عنه القولان (5)، ولا يحكم عليه بالرجوع).
أي: إذا لم يعلم التاريخ، فلا يحكم عليه بالرجوع (6) عن أحدهما.
قال المؤلف في الشرح: ولا يعمل بواحد منها؛ لحصول الجزم بأن (7) أحدهما مرجوع [عنه، والمرجوع (8) عنه] (9) منسوخ، ولكن لا يعلم الناسخ
__________
(1) انظر مخطوطة الأصل صفحة 352 - 353، وصفحة 139 من المجلد السادس في هذا الكتاب، وانظر: شرح القرافي ص 441، وراجع شرح المسطاسي ص 167.
(2) انظر: شرح القرافي ص 441.
(3) ساقط من ز وط.
(4) "الفارقة" في الأصل.
(5) "معا" زيادة في ز وط.
(6) "الروع" في ط.
(7) "فإن" في ز وط.
(8) "الرجوع" في الأصل، والمثبت يقتضيه السياق.
(9) ساقط من ز وط.
(5/480)

من المنسوخ، فيحرم العمل بكل واحد منهما، بمنزلة اختلاط [الجائز بالممنوع، كاختلاط] (1) المذكاة بالميتة، والأجنبية بالأخت من الرضاع (2).
قوله: ([وإِن] (3) كانا في موضع واحد)، بأن يقول: في المسألة قولان، فإن أشار إلى تقوية أحدهما فذلك قوله، أي: ويترك القول الآخر، وإن لم يعلم كونه مشيرًا إلى تقوية أحدهما، فقيل يتخير المقلد بين القولين، ووجه هذا التخيير قياسًا (4) على تعارض الأمارتين؛ لأن المشهور في تعارض الأمارتين هو التخيير كما تقدم، فإن (5) نصوص المجتهد بالنسبة إلى المقلد كنسبة نصوص صاحب الشريعة (6) إلى المجتهد، وكذلك يحمل (7) عام المجتهد على خاصة (8) (9)، ومطلقه على مقيده، وناسخه على منسوخه، وصريحه على محتمله، كما يعمل ذلك في نصوص صاحب الشرع (10).
قال المؤلف في شرحه: كون المجتهد جازمًا بالقولين (11) في مسألة واحدة
__________
(1) ساقط من ز وط.
(2) انظر: شرح القرافي ص 419، وانظر: شرح المسطاسي ص 168.
(3) ساقط من ط.
(4) "اقياسا" في ز.
(5) "قال" في ز.
(6) "الشرع" في ز وط.
(7) "يحصل" في ز.
(8) "خاصته" في ط.
(9) في هامش الأصل علق الناسخ ما يلي: انظر يحمل عام المجتهد على خاصة. اه.
(10) انظر: شرح القرافي ص 419.
(11) "بقولين" في ز وط.
(5/481)

محال ضرورة، وإنما معنى ذلك أنهما (1) قولان محتملان للعلماء، أي يمكن أن يقول (2) بكل واحد منهما عالم، لتقاربهما من الحق (3).
...
__________
(1) "اسما" في ط.
(2) "يقال" في ز.
(3) انظر: شرح القرافي ص 419.
(5/482)

الفصل الثاني في الترجيح
ش: أي في ترجيح الأدلة بعضها على بعض.
قوله: (والأكثرون اتفقوا على التمسك به، وأنكره بعضهم)، وقال: يلزم التخيير [أ] (1) والتوقف (2).
ش: حجة الجواز ثلاثة أوجه:
__________
(1) ساقط من ط.
(2) ينسب بعض الأصوليين القول بالتخيير إلى أبي عبد الله البصري المعتزلي، وقد نقل إمام الحرمين في البرهان: أن القاضي حكاه عنه، ثم قال: ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها.
ونسب ابن برهان في الوصول، وبعض متأخري الأصوليين كابن السبكي إلى القاضي القول بالتوقف، وعدم العمل بالدليلين المتعارضين، ووجوب الرجوع إلى دليل آخر، والأصح عدم ثبوته عنه؛ إذ لم يصرح به المحققون من الأصوليين خاصة تلميذه إمام الحرمين الذي ذكر أن في المسألة خلافًا لا يكاد يذكر، فلو كان لشيخه خلاف فيها لذكره.
وانظر المسألة في البرهان فقرة 1167 وما بعدها، والمستصفى 2/ 394، والوصول لابن برهان 2/ 332، والمنخول ص 426، وجمع الجوامع مع شرح المحلي 2/ 361، والإبهاج 3/ 223، ونهاية السول 4/ 446، والمسودة ص 309، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 1006، وشرح القرافي ص 420، والمسطاسي ص 168، وحلولو ص 172.
(5/483)

أحدها: قوله عليه السلام: "نحن نحكم بالظاهر، والله متولي السرائر".
الثاني: قوله عليه السلام: "عليكم بالسواد الأعظم"، فإنه يقتضي تغليب (1) الظاهر الراجح؛ لأن الظاهر كون الحق (2) معهم.
الثالث: بالقياس على الفتيا، والشهادة، وقيم المتلفات، وغير ذلك، فإن الظاهر فيها الصدق (3)، والكذب مرجوح، وقد اعتبر فيها الراجح إجماعًا، فكذلك ها هنا (4).
حجة القول بمنع الترجيح: [أن] (5) الدليلين (6) إذا تعارضا ورجح أحدهما، ففي كل واحد منهما مقدار معارض بمثله، فيسقط المثلان/ 324/ لتعارضهما ويبقى مجرد الرجحان، [ومجرد الرجحان] (7) ليس بدليل، وما ليس بدليل لا يصح الاعتماد عليه، فتتخرج هذه المسألة على تساوي الأمارتين، وقد تقدم أن التخيير هو المشهور فيها (8) (9).
والجواب عن هذا: أنا لا نسلم أن القول بالترجيح حكم بمجرد الرجحان، بل الحكم بالدليل الراجح، كالقضاء بأعدل البينتين، فإنه قضاء بالبينة
__________
(1) "تغلب" في ز وط.
(2) في ز: "كون الحق والحق".
(3) "القصد" في ط.
(4) انظر الأوجه الثلاثة في: شرح القرافي ص 420، والمسطاسي ص 168.
(5) ساقط من ز.
(6) "والدليلين" في ز.
(7) ساقط من ط.
(8) في ز وط: "أن المشهور فيها التخيير".
(9) انظر: شرح القرافي ص 420، والمسطاسي ص 168 - 169.
(5/484)

الراجحة لا برجحانها، فكذلك ها هنا، فالحكم إنما هو بالدليل الراجح لا بالرجحان.
وقولهم: إن المثلين يتساقطان، ويبقى (1) مجرد الرجحان، ممنوع (2)؛ فإنا (3) لا نقضي بمزيد العدالة دون أصلها، بل نقضي (4) بأصل العدالة مع الرجحان (5).
قوله: (ويمتنع الترجيح في العقليات؛ لتعذر التفا [وت] (6) بين القطعيين).
ش: هذا قول الإمام (7)، وقال غيره: لا يمتنع الترجيح في
__________
(1) "وبقي" في الأصل.
(2) "مصنوع" في ز.
(3) "فإنه" في ز.
(4) "نقتضي" في ز.
(5) انظر هذا الجواب في: شرح القرافي ص 420، والمسطاسي ص 169.
(6) ساقط من أ.
(7) انظر: المحصول 2/ 2/ 532، وهو رأي جمهور الأصوليين، كإمام الحرمين، وأبي الحسين البصري والغزالي، وتبعهم البيضاوي وابن الحاجب والآمدي وغيرهم. وقد فصل إمام الحرمين والغزالي والفخر الرازي في العقائد. فمع قولهم بمنع الترجيح في العقليات، إلا أنهم قالوا:
لا يمنع تقوية العقائد، ومثلوا بالعوام، حيث يطلب منهم الاعتقاد الجازم ولو على سبيل التقليد، فلا يمتنع تطرق التقوية إلى هذا الاعتقاد، وكلام الغزالي في المنخول يفيد الترجيح في العقائد مطلقًا.
انظر: البرهان فقرة 1170، 1171، والمنخول ص 427، والمستصفى 2/ 393، =
(5/485)

العقليات (1).
حجة [القول] (2) بعدم الترجيح في العلم وجهان (3):
أحدهما: أن التفاوت يؤدي إلى انقسام المعنى، وذلك محال، وذلك أنه لو دخل الترجيح في العقلي (4) لدخله التفاوت، ولو دخله التفاوت لدخله التبعيض والانقسام، وانقسام المعنى محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال.
الوجه [الثاني] (5): أن القول بالتفاوت يلزم (6) منه الجمع بين النقيضين، وذلك محال؛ لأن التفاوت إنما يكون بزيادة في أحد المحلين ونقصان في الآخر، ومحل النقصان لا بد أن يقوم به نقيضه، ونقيض العلم عدم العلم، فيلزم أن يكون المحل الواحد عالمًا غير عالم، وهو محال.
__________
= والمعتمد 2/ 672، والإبهاج 3/ 224، ونهاية السول 4/ 446، وجمع الجوامع 2/ 361، ومختصر ابن الحاجب 2/ 310، والإحكام للآمدي 4/ 241، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 1008، وشرح المسطاسي ص 169، وحلولو ص 173.
(1) انظر: تيسير التحرير 3/ 136 - 137.
وقد أخرج قوم من النزاع تعارض العقليين في ذهن المجتهد، وردوا النزاع إلى التعارض في نفس الأمر.
انظر: الإبهاج 3/ 224، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 358.
(2) ساقط من ز.
(3) انظرهما في: شرح المسطاسي ص 169.
(4) "القلي" في ز.
(5) ساقط من الأصل.
(6) "ويلزم" في ز.
(5/486)

حجة القول بالتفاوت (1) وجهان: المنقول، والمعقول.
أما المنقول: فقوله (2) تعالى لإبراهيم عليه السلام: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (3)، والطمأنينة معناها: معرفة الشيء من جميع جهاته، وقال عليه السلام: "لم يفقكم أبو بكر بصلاة ولا بصوم، ولكن بما وقر في قلبه, لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالم لرجح" (4)، وقال عليه السلام: "أنا أعرفكم بالله" (5)، ...........................................................
__________
(1) "بأن التفاوت" في ز.
(2) "قوله" في ط.
(3) البقرة: 260.
(4) القسم الأول من هذا الأثر لم أجده مسندًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد أورد ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص 269 كلامًا لبكر بن عبد الله المزني (أحد التابعين) أنه قال: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره. اه. أما القسم الثاني، وهو قوله: "لو وزن ... " إلخ.
فقد أورده ابن الديبع في التمييز بلفظ قريب مما هنا، ثم قال: رواه إسحاق بن راهويه، والبيهقي في الشعب، بسند صحيح عن عمر من قوله. اه.
وقال صاحب الكشف: أخرجه ابن عدي والديلمي كلاهما عن ابن عمر مرفوعًا. وفي سنده عيسى بن عبد الله ضعيف، لكن يقويه ما أخرجه ابن عدي أيضًا من طريق أخرى بلفظ: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجحهم. اه.
انظر: التمييز ص 134، والكشف 2/ 234، وللحديث شاهد في فضائل الصحابة لأحمد 1/ 207 من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيت كأني وضعت في كفة الميزان ووضعت أمتي في كفة فرجحتُ بهم، ثم وضع أبو بكر ووضعت أمتي فرجح بهم .... " الحديث، وانظر مسند أحمد 5/ 259، ومجمع الزوائد 9/ 58 و59.
(5) روى البخاري في كتاب الإيمان عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا"، انظره في البخاري برقم 20، وانظر مسند أحمد 6/ 61.
(5/487)

وقال عليه السلام: "أشهد (1) أني رسول (الله) (2) حقًا" (3)؛ وذلك لما يراه في نفسه من الأمور الدالة على نبوته، سوى ما شاركه فيه غيره من العلم به، وقد قيل له عليه السلام: كان عيسى عليه السلام يمشي [على الماء] (4)، فقال: "لو ازداد (5) يقينًا لمشى على الهواء" (6)، [أي على الريح] (7)، وأشار بذلك إلى نفسه، حيث مشى فوق السموات وتخلف البراق (8) ...........................
__________
(1) "شهدوا "في ز".
(2) ساقط من ز.
(3) ورد في أحاديث عدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أشهد أني رسول الله". منها ما أخرجه البخاري عن جابر في قصة جذاذ نخل جابر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أشهد أني رسول الله". انظره عند البخاري في كتاب الأطعمة برقم 5443. ومنها ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة في قصة تكثير الطعام، فانظره في كتاب الإيمان برقم 27، وانظر: المسند لأحمد 4/ 336.
(4) ساقط من ز وط.
(5) "لو أن ذلك" في ز وط.
(6) لم أجده في شيء من الكتب المسندة، وقد قال أبو إسحاق الثعلبي في كتابه قصص الأنبياء المسمى بالعرائس ص 275، قال: حدثنا أبو منصور الخشماوي بإسناده عن معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو عرفتم الله حق معرفته لعلمتم العلم الذي ليس بعده جهل، وما بلغ ذلك أحد قط، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، قالوا: يا رسول الله قد بلغنا أن عيسى يمشي على الماء، قال: نعم، لو ازداد خوفًا ويقينًا لمشى على الهواء" اه.
(7) ساقط من ز وط.
(8) نجزم بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقوى إيمانًا من عيسى، ومن سائر الأنبياء والناس أجمعين، لكنه لم يعرج إلى السموات وحده، ولا مستقلًا، فقد عرج به المعراج، وهو السلم، كما ورد في بعض الروايات، وكان تابعًا في الصعود لجبريل، لقوله في بعض الروايات: "فانطلق بي جبريل", وفي بعضها: "فصعد بي جبريل"، فلا ينبغي أن نبني ظهور المعجزات وقوتها على قوة الإيمان، ولا نربطها به، فقد كان عيسى يبرئ =
(5/488)

(1)، وقد قال عليه السلام لأصحابه رضي الله عنهم: "أي (2) المؤمنين أعظم إيمانًا؟ "، فقالوا: [الملائكة] (3)، فقال: "ولم لا يكونون (4) كذلك وهم يشاهدون الأمر؟ " فقالوا: الأنبياء، فقال: "ولم لا يكونون (4) كذلك والوحي ينزل عليهم بالأمر؟ " فقالوا: نحن، فقال: "ولم لا تكونون كذلك وأنتم تشاهدون الأشياء، وأنا بين أظهركم؟ " فقال: "هم قوم يأتون آخر الزمان يسمعون الأشياء (5) سماعًا، ويتهالكون عليها حبًا واشتياقًا، للعامل منهم أجر سبعين منكم" فقالوا: منهم، فقال: "بل (6) منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، وهم لا يجدون ذلك، وإني إليهم لمشتاق" (7).
وهذا كله يدل على جواز التفاوت والترجيح في القطعيات.
__________
= الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، ونحو ذلك مما ذكر في القرآن، ولم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء من ذلك، وهو بلا شك أفضل من عيسى. والله أعلم، وانظر: فتح الباري 7/ 208، والسيرة النبوية لابن هشام 2/ 403.
(1) انظر الأدلة السابقة في شرح المسطاسي ص 169.
(2) "أن" في ز.
(3) ساقط من ط.
(4) "يكون" في ز وط.
(5) "والأشياء" في ز.
(6) "ابل" في ز.
(7) أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 65، بلفظ قريب مما هنا، وعزاه لأبي يعلى والبزار. وروى الترمذي وغيره من حديث أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من ورائكم أيامًا، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم. قيل: يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم". اه. انظره في الترمذي برقم 3058 في تفسير سورة المائدة، وفي أبي داود برقم 4341 في الملاحم، وفي ابن ماجه برقم 4014 في الفتن.
(5/489)

ويدل عليه أيضًا قول الشاعر:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي (1) الخمر
ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر (2)
وذلك أنه إذا شرب الخمر فقد علمها ضرورة وأدرك (3) طعمها ولونها وريحها، وبقي له من الإدراكات السمع.
فقال منبهًا على الإدراك السمعي: وقل لي: هي الخمر، فإن من علم الشيء من وجه، فلا يساوي من علمه من جميع (4) الوجوه.
وأما الدليل المعقول فهو: [أن] (5) العلم الضروري أجلى (6) من العلم النظري، فإن علمك [بأن] (7) الواحد (8) نصف (9) الاثنين أجلى (10) من علمك بأن الواحد سدس عشر الستين (11).
__________
(1) "هو" في ز وط.
(2) بيت من الطويل لأبي نواس، وهو مطلع قصيدة خمرية.
انظره في ديوانه ص 28.
(3) "واذكر" في ط.
(4) "بجميع" في الأصل.
(5) ساقط من ز وط.
(6) "أجل" في ز.
(7) ساقط من ط.
(8) "بالواحد" في ط.
(9) "نصفا" في ز.
(10) "اجل" في ز.
(11) انظر: شرح المسطاسي ص 169.
(5/490)

قوله: (ويمتنع الترجيح (1)) هو أحد القولين المذكورين.
وهذه القاعدة [هي] (2) سبب الخلاف في الإيمان القلبي، هل يزيد وينقص (3) أم لا؟
قوله: (ومذهبنا ومذهب الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة، خلافًا لقوم) (4).
[ش] (5): حجة الجواز: أن كثرة الأدلة تزيد ظنًا بالمدلول، والظن مرجح، والعمل بالراجح متعين (6).
حجة [المنع] (7): القياس على منع الترجيح بالعدد في الشهادة، فإن المشهور المنع منه، بخلاف الترجيح بمزيد العدالة (8).
__________
(1) "في العقليات" زيادة في ز وط.
(2) ساقط من ط، وفي ز "من سبب".
(3) "أو ينقص" في ز وط.
(4) هم الحنفية، فانظر: تيسير التحرير 3/ 169، وفواتح الرحموت 2/ 204، وانظر مذهب الجمهور في: المحصول 2/ 2/ 534، وجمع الجوامع 2/ 361، والإبهاج 3/ 320، ونهاية السول 4/ 471. وانظر: التبصرة ص 348، والمنخول ص 430، والمستصفى 2/ 394، والإحكام للآمدي 4/ 242، ومختصر ابن الحاجب 2/ 310، والعدة لأبي يعلى 3/ 1019، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 202، وشرح القرافي ص 420، والمسطاسي ص 169، وحلولو ص 173.
(5) ساقط من الأصل.
(6) انظر: شرح القرافي ص 420، والمسطاسي ص 169.
(7) ساقط من ط.
(8) انظر الحجة والجواب عنها في: شرح القرافي ص 420 - 421، وشرح المسطاسي ص 169 - 170.
(5/491)

والجواب: أن الترجيح بالعدد إنما منع في الشهادة سدًا لباب الخصومات، وحسمًا لمادة النزاع بين الخصمين، فلو فتح هذا الباب لأدى إلى أن يأتي كل واحد من الخصمين بأكثر من عدد شهود صاحبه، ولا يزال كل واحد منهما يتحيل في ذلك، فلا تكاد تنفصل خصومة، بخلاف الترجيح بمزيد العدالة؛ إذ ليس في قدرة الخصم أن يُصَيّر بينته أعدل من بينة خصمه، والترجيح بكثرة الأدلة من هذا القبيل، فليس في قدرته أن يصير دليلًا مرجوحًا راجحًا، ولا أن يصير قليل الأدلة كثيرها؛ لأن الأدلة قد استقرت من جهة صاحب الشرع فلا قدرة على الزيادة (1) فيها، بخلاف غيره، فالترجيح (2) بكثرة الأدلة كالترجيح بمزيد العدالة لا كالترجيح بالعدد، فظهر الفرق [بينهما] (3).
قوله: (وإِذا تعارض دليلان فالعمل بكل واحد منهما [من وجه] (4) أولى من العمل باحدهما دون الآخر، وهما إِن كانا عامين (5) معلومين والتاريخ [معلوم] (6) نسخ [المتأخر المتقدم (7)، وإِن كان مجهولًا (8) سقطا، وإِن علمت المقارنة (9) خير بينهما، وإِن كانا مظنونين
__________
(1) "زيادة" في ط، بحذف الألف واللام.
(2) "والترجيح" في الأصل.
(3) ساقط من الأصل.
(4) ساقط من ط.
(5) "عاملين" في ط.
(6) ساقط من ز.
(7) في ز: "المتقدم بالمتأخر".
(8) "مجهولين" في أ.
(9) "المفارقة" في ز.
(5/492)

فإِن علم المتأخر نسخ] (1) المتقدم، وإِلا رجع (2) إِلى الترجيح، وإِن كان أحدهما معلومًا (3) والآخر مظنونًا (4) والمتأخر المعلوم نسخ، [أ] (5) والمظنون لم ينسخ، وإِن جهل الحال تعين المعلوم، وإِن كانا خاصين فحكمهما حكم العامين، وإِن كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا (6) قدم (7) الخاص (8) على العام، لأنه لا يقتضي إِلغاء (9) أحدهما بخلاف العكس، وإِن كان أحدهما عامًا من وجه، كما في قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} (10) / 325/ مع قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (11) وجب الترجيح إِن كانا مظنونين).
ش: هذا (12) التقسيم الذي ذكره المؤلف هو للإمام (13) فخر الدين في المحصول (14)، وحصر ذلك: أن الدليلين إذا تعارضا، فإما أن يمكن الجمع
__________
(1) ساقط من ط.
(2) "والارجح" في ش.
(3) "معلوم" في أ.
(4) في ز وط: "وإن كان أحدهما مظنونا والآخر معلومًا".
(5) ساقط من ز وط.
(6) "خاص" في أ.
(7) "فيقدم" في ش.
(8) "الاخص" في ط.
(9) في أ: "لأنه يقتضي عدم إلغاء"، وفي خ: "لأنه لا يقتضي عدم إلغاء".
(10) النساء: 23.
(11) النساء: 3.
(12) "هذه" في ز.
(13) "الامام" في ز.
(14) انظر: المحصول 2/ 2/ 542، 544 - 552، وانظر: اللمع ص 237، والمعتمد 2/ 672، وجمع الجوامع 2/ 361 - 362، والإبهاج 3/ 224 و228 - 230، ونهاية السول 4/ 449 و452، وشرح القرافي ص 421، والمسطاسي ص 170، وحلولو ص 173.
(5/493)

بينهما أولا، فإن لم يمكن الجمع بينهما ففيه أربعة أقسام وهي: إما أن يكونا عامين، وإما أن يكونا خاصين، وإما أن يكون أحدهما عامًا والآخر خاصًا، وإما أن يكون أحدهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه، والآخر كذلك.
فهذه (1) أربعة أقسام، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة: إما أن يكونا معلومين، وإما أن يكونا مظنونين، وإما أن يكون أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، فثلاثة في أربعة باثني عشر قسمًا، وفي كل واحد من هذه الأقسام إما معلوم التاريخ، وإما مجهول (2) التاريخ بينهما، فهذه أربعة وعشرون قسمًا (3).
قوله: (فالعمل بكل واحد منهما [من] (4) وجه (5) أولى من العمل بأحدهما دون الآخر).
قال المؤلف: إنما رجح العمل بكل واحد منهما من وجه؛ لأن كل واحد منهما (6) يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الوجه الذي ترك العمل به، ولا يجوز إطلاقه بدون جميع ما دل عليه، فإن ذلك يُصَيّر اللفظ باطلًا بالكلية (7)، وأما التقدير الأول فهو أولى؛ لأن فيه الجمع بين الدليلين، فهو أولى من اطّراح (8)
__________
(1) "فهي" في ط.
(2) في الأصل: "أو مجهول".
(3) في الأصل: "أربعة عشر قسما"، وانظر هذا الحصر في: شرح المسطاسي ص 170.
(4) ساقط من الأصل.
(5) "بوجه" في الأصل.
(6) في الأصل زيادة: "من وجه لأن كل واحد".
(7) انظر: شرح القرافي ص 421.
(8) في ز: "اطر لا ح".
(5/494)

أحدهما (1).
مثال ذلك: قوله عليه السلام: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" (2) مع قوله عليه السلام: "من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (3)، فيحمل الأول على الندب، ويحمل الثاني على نفي الحرج.
وكذلك نهيه عليه السلام عن الشرب (4) قائمًا، ثم روي عنه أنه شرب قائمًا فيحمل الأول على الكراهة، و [يحمل] (5) الثاني على نفي الحرج.
وقوله عليه السلام: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبول ولا غائط" (6).
وروي عنه أنه فعل ذلك في بيته، فيحمل الأول على الأفضية، ويحمل الثاني على الأبنية.
__________
(1) انظر: شرح المسطاسي ص 170.
(2) حديث صحيح، هو بهذا اللفظ في المسند لأحمد 3/ 6، من حديث أبي سعيد، وقد رواه من حديثه البخاري في الأذان برقم 858، ومسلم في الجمعة برقم 846، والدارمي 1/ 361، وأبو داود في الطهارة برقم 341، ومالك في الموطأ 1/ 102، والنسائي 3/ 93 في كتاب الجمعة، وابن ماجه في إقامة الصلاة برقم 1089، ولفظه عندهم: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، وبهذا اللفظ رواه مالك في الموطأ 1/ 101 عن أبي هريرة، وزاد: كغسل الجنابة.
(3) هذا الحديث أخرجه الترمذي عن سمرة بن جندب بلفظ: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" فانظره عنده في كتاب الصلاة برقم 497، وانظره في سنن النسائي 3/ 94، كتاب الجمعة، وفي سنن أبي داود في كتاب الجمعة برقم 354، وانظر: الدارمي 1/ 362، ومسند أحمد 5/ 8 و11.
(4) "على الشراب" في ز.
(5) ساقط من ز وط.
(6) "أو غائط" في ز وط.
(5/495)

وكذلك قوله عليه السلام: "خير الشهداء من شهد قبل أن يستشهد" (1) مع قوله عليه السلام: "شر الشهداء من شهد [قبل أن] (2) يستشهد" (3) (4)، فيحمل الأول على حقوق الله تعالى، ويحمل الثاني على حقوق الآدميين.
ومثاله أيضًا: إذا شهدت بينة أن الدار لزيد، وشهدت أخرى أنها لعمرو، فإنها تكون لهما معًا (5)؛ جمعًا بين الدليلين.
قوله: (وهما إن كان عامين معلومين والتاريخ معلوم نسخ المتأخر
__________
(1) روى مسلم في الأقضية عن زيد بن خالد الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء، الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها"، انظره برقم 1719، وانظره في الشهادات عند الترمذي برقم 2295، و2297، وعند أبي داود برقم 3596، وعند ابن ماجه برقم 2364 وانظر: مسند أحمد 4/ 115 و117 و5/ 192 و193، والموطأ 2/ 720، وشرح معاني الآثار للطحاوي 4/ 152.
(2) ساقط من ز وط.
(3) في ز وط: "ولم يستشهد".
(4) روى البخاري من حديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن" انظره في صحيحه برقم 2651، ورواه مسلم في فضائل الصحابة من صحيحه برقم 2535، والترمذي في الشهادات برقم 2302.
وقد روي مثله عن عدد من الصحابة منهم عمر وأبو هريرة وابن مسعود. فانظر صحيح البخاري الحديث رقم 2652، ومسلم برقم 3534، وابن ماجه برقم 2363، ومسند أحمد 2/ 228 و410، والكفاية للخطيب ص 94، والإحكام لابن حزم 1/ 546، والمستدرك للحاكم 1/ 114، والجامع لمعمر بن راشد الأزدي برواية عبد الرزاق في آخر مصنفه برقم 20710، وشرح معاني الآثار للطحاوي 4/ 150.
(5) في ز: "فإنها تكون بينهما".
(5/496)

المتقدم) لأنه إذا لم يمكن الجمع بينهما تعين النسخ (1)؛ لأنه يشترط في النسخ أن يكون المتأخر مساويًا (2) أو أقوى (3)، وهو ها هنا مساوٍ (4)، فيتعين النسخ.
مثاله: قوله تعالى: {وَالَّذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} (5) إلى قوله: {الْحَوْلِ} (6) (7) مع قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ} إلى قوله: {[أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ] (8) وَعَشْرًا} (9).
قوله: (وإِن كان مجهولًا سقطا).
مثاله: [قوله تعالى] (10): {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} الآية (11)، ظاهره تعذيب القاتل وإن تاب.
وقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} الآية (12) ظاهره عدم تعذيب القاتل التائب (13).
فالدليلان عامان مقطوعان مع جهل التاريخ؛ لأنه إذا جهل التاريخ وجب
__________
(1) بشرط أن لا ينص على أن المتأخر ناسخ للمتقدم؛ فالنسخ حينئذ مقدم مطلقًا.
(2) "متساويًا" في ط.
(3) انظر: شرح القرافي ص 421، والمسطاسي ص 170.
(4) "متساو" في ط.
(5) "ويذرون أزواجًا" زيادة في ط.
(6) "إلى الحول" في ط.
(7) البقرة: 240.
(8) ساقط من ز.
(9) البقرة: 234.
(10) ساقط من ط.
(11) النساء: 93.
(12) الفرقان: 68.
(13) أي بدليل قوله تعالى بعد: {إلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} ... الآية. الفرقان: 70.
(5/497)

الوقف؛ إذ ليس نسخ أحدهما للآخر بأولى من العكس فيسقطان، فإذا (1) سقطا رجع إلى الأصل، وهو عدم الحكم، فيجب الوقف حتى يدل الدليل (2).
قوله: (وإِن علمت المقارنة خير بينهما)، أي: ولا نسخ؛ لأن من شرط النسخ التراخي، ولا تراخي مع المقارنة، فلا نسخ، وكل واحد منهما [حجة قطعًا، فيتعين (3) التخيير بينهما؛ لئلا يتهافت الخطاب (4).
قوله: (وإِن كانا مظنونين فإِن علم المتأخر نسخ المتقدم لحصول المساواة بينهما في الظن) (5).
مثالهما: قوله عليه السلام: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي ترد عليكم، وأما الآن فكلوا وتصدقوا وادخروا" (6).
قوله: (وإِلا رجع إِلى الترجيح)، أي: وإن لم يعلم المتأخر منهما] (7) رجع إلى الترجيح، ولا سبيل ها هنا إلى التساقط، بخلاف المعلومين، لتعذر التفاوت بين المعلومين.
__________
(1) "وإذا" في ز وط.
(2) انظر: شرح القرافي ص 421، والمسطاسي ص 170.
(3) "فتعين" في ز.
(4) انظر: شرح القرافي ص 422، والمسطاسي ص 170.
(5) انظر: شرح المسطاسي ص 170.
(6) "وتدخروا" في الأصل.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(5/498)

مثاله: قوله عليه السلام: "وهل هو إلا بضعة منك؟ " (1) مع قوله عليه السلام: "من مس ذكره فليتوضأ" (2) هذا أرجح؛ لأنه رواه عدد كثير، بخلاف الأول؛ لأنه رواه عدد قليل.
ولو علمت المقارنة ها هنا في المظنونين خير بينهما، كما يخير (3) في المعلومين.
قوله: (وإِن كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، والمتأخر المعلوم نسخ، أو المظنون لم ينسخ).
مثال المتأخر المعلوم: قوله: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الأول المغرب عند الغروب، وصلاها بنا في اليوم الثاني عند الشفق (4)، نسخه قوله
__________
(1) حديث مشهور من رواية طلق بن علي أخرجه عنه أصحاب السنن، وفي بعض ألفاظه: "وهل هو إلا مضغة؟ ".
فانظره في الترمذي برقم 85، وفي النسائي 1/ 101، وفي أبي داود برقم 182، وفي ابن ماجه برقم 483، وفي المنتقى لابن الجارود برقم 20، وفي موارد الظمآن برقم 207، وفي سنن الدارقطني 1/ 148، وفي مسند أحمد 4/ 22 و23.
وقد أخرج مثله ابن ماجه عن أبي أمامة فانظره في كتاب الطهارة من سننه برقم 484.
(2) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة منهم: بسرة بنت صفوان، وأم حبيبة، وأبو أيوب، وأبو هريرة، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم.
وقد سبق تخريجه، فانظر فهرس الأحاديث.
(3) "خير" في الأصل.
(4) روي هذا من حديث بريدة الأسلمي وأبي موسى الأشعري، وكلاهما عند مسلم. فحديث بريدة أخرجه مسلم في المساجد برقم 613، وأخرجه الترمذي برقم 152، وأخرجه ابن ماجه برقم 667، وحديث أبي موسى أخرجه مسلم برقم 614، والنسائي 1/ 260، وأبو داود برقم 395.
(5/499)

عليه السلام: "صلى به جبريل عليه السلام صلاة المغرب في اليومين عند الغروب" (1) هذا معلوم، والأول مظنون (2).
وذلك [أنه] (3) يشترط في الناسخ [أن يكون] (4) مساويًا [أ] (5) وأقوى.
فإن [كان] (6) المعلوم هو المتأخر نسخ لأنه أقوى (7).
وإن كان المظنون هو المتأخر لم ينسخ لأنه أضعف (8).
مثاله: حديث أهل قباء، وخالف فيه الباجي وأهل الظاهر، كما تقدم في باب النسخ، في الفصل الثالث في الناسخ والمنسوخ، في قول المؤلف: وأما
__________
(1) حديث صلاة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - سبق تخريجه، وفيه أنه صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عند البيت وذكر أنه صلّى المغرب في اليومين في وقت واحد، فانظره في الترمذي عن ابن عباس برقم 149، وفي أبي داود برقم 393، وانظره في المسند 3/ 30 عن أبي سعيد.
(2) كون حديث صلاة جبريل بالنبي ناسخًا للحديث الأول فيه نظر؛ لأن صلاة جبريل بالنبي كانت بمكة؛ لقوله: "أمني جبريل عند البيت" والحديث الأول كان في المدينة لقول أبي موسى وبريدة: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فسأله عن مواقيت الصلاة، فالظاهر أنه بعد استقرار الإسلام بالهجرة، خاصة أن بريدة لم يسلم إلا بعد الهجرة.
والذي دعى الشوشاوي إلى جعل حديث جبريل ناسخًا هو أن المشهور عند المالكية أن المغرب ليس لها إلا وقت واحد هو غروب الشمس. فانظر: المدونة 1/ 60، والمنتقى للباجي 1/ 14، وبداية المجتهد 1/ 95.
(3) ساقط من الأصل.
(4) ساقط من الأصل.
(5) ساقط من ط.
(6) ساقط من الأصل.
(7) انظر: شرح المسطاسي ص 170.
(8) انظر: شرح القرافي ص 422، والمسطاسي ص 170.
(5/500)

جواز نسخ الكتاب بالآحاد فجائز عقلًا غير واقع سمعًا، خلافًا لأهل الظاهر والباجي منا، مستدلًا بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة (1).
قوله: (وإِن جهل الحال تعين المعلوم)، لأجل رجحانه فإن العمل (2) بالراجح متعين (3) (4).
مثاله: قوله عليه السلام: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن [فهي خداج] " (5) (6) هذا معلوم، وقوله: "كل ركعة [لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج] " (7) (8) مظنون، ..................................................
__________
(1) انظر: مخطوط الأصل صفحة 250، وصفحة 504، من المجلد الرابع من هذا الكتاب، وشرح القرافي ص 311.
(2) "العامل" في ط.
(3) "يتعين" في ط.
(4) انظر: شرح القرافي ص 422، والمسطاسي ص 170.
(5) ساقط من ز وط.
(6) روى مسلم في كتاب الصلاة من حديث أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا" فانظره في مسلم برقم 395، وانظره في الترمذي برقم 2953، في تفسير الفاتحة، وفي سنن أبي داود برقم 821، وفي النسائي 2/ 135، وفي سنن ابن ماجه برقم 838، والموطأ 1/ 84، وفي مسند أحمد 2/ 241.
(7) ما بين المعقوفتين ساقط من ز وط.
(8) أخرج مالك في الموطأ عن جابر أنه قال: "من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام" انظر: الموطأ 1/ 84، وأخرج ابن ماجه عن أبي سعيد مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة، في فريضة أو غيرها" انظره برقم 839. قال ابن حجر في التلخيص 1/ 232: إسناده ضعيف، وقال: وعند البخاري من حديث أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ كل ركعة بفاتحة الكتاب، وهذا مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" دليل على وجوب =
(5/501)

وإنما قلنا [بأن] (1) الأول (2) معلوم؛ لأن الرواة اتفقوا على مرفوعه (3) إليه عليه السلام، بخلاف كل ركعة.
قوله: (وإِن كانا خاصين فحكمهما حكم العامين، الحكم كالحكم، والتقسيم كالتقسيم، وإِن كانا معلومين والتاريخ معلوم نسخ المتأخر المتقدم (4)).
مثاله:/ 226/ قوله تعالى: {عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ} الآية (5).
هذا خاص، وقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكمْ} (6) الآية (7) هذا خاص أيضًا.
وإن جهل التاريخ، سقطا ووجب الوقف.
وإن علمت المقارنة، خير بينهما.
[وإن كانا مظنونين، فإن علم التاريخ، نسخ المتأخر المتقدم.
وإن جهل التاريخ، رجع إلى الترجيح.
__________
= التكرير. اه. وانظر حديث أبي قتادة في كتاب الأذان من صحيح البخاري برقم 776.
(1) ساقط من ز وط.
(2) "بالأول" في ز وط.
(3) "مرفعه" في ز وط، ولعل الصواب: "رفعه".
(4) "المقدم" في الأصل.
(5) الأنفال: 65، وصدر الآية {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ}.
(6) في ز زيادة: "وعلم أن فيكم ضعفا".
(7) الأنفال: 66.
(5/502)

وإن علمت المقارنة، خير بينهما] (1).
وإن كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، فإن كان المتأخر المعلوم نسخ، وإلا فلا، على ما تقدم.
فإن كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا [قدم الخاص] (2)، نحو قوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} (3)، مع قوله عليه السلام: "لا تقتلوا النساء والصبيان".
وإنما يقدم الخاص على العام من وجهين (4):
أحدهما: ما ذكر [ه] (5) المؤلف، وهو أنه لا يقتضي إلغاء أحدهما بخلاف العكس؛ لأنا إذا قدمنا الحديث [بقيت] (6) الآية مستقلة (7) فيما عدا الصبيان، ولو قدمنا عموم الآية لبطل الحديث بالكلية.
الوجه الثاني: أن دلالة (8) الخاص على ما دل عليه أقوى من دلالة (8) العام عليه، فإن العام يصح إطلاقه بدون ذلك الخاص، ولا يصح إطلاق الخاص بدون إرادة الصبيان؛ لأنهم جميع مدلوله.
قوله: (وإِن كان أحدهما عامًا من وجه ما) في قوله تعالى: {وَأَنْ
__________
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(2) ساقط من الأصل.
(3) التوبة: 5.
(4) انظرهما في: شرح القرافي ص 422، والمسطاسي ص 171.
(5) ساقط من ز وط.
(6) ساقط من ط.
(7) "متعلقة" في ز وط.
(8) "الأدلة" في ط.
(5/503)

تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} (1) مع قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (2) [وجب الترجيح إن كانا مظنونين (3) ووجه العموم فيها: أن قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} يتناول الحرتين والمملوكتين [خاص بالأخوات دون غيرهن] (4)، وقوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}] (5) يتناول الأختين والأجنبيتين [خاص بالمملوكات] (6). فصار أحد العمومين يقتضي تحريم الجمع بينهما، أي بين الأختين المملوكتين، والعموم الآخر يقتضي حلية الجمع بينهما، وليس تخصيص عموم أحدهما بأولى من العكس، فلا بد من مرجح، وإلا وجب الوقف.
وقد اختلف أرباب العلم في الوطء [في] (7) الملك (8) في الأختين على ثلاثة أقوال: التحريم، والإباحة، والوقف (9).
__________
(1) النساء: 23.
(2) النساء: 3
(3) انظر التفصيل في: شرح القرافي ص 422، والمسطاسي ص 171، وحلولو ص 375.
(4) ساقط من الأصل.
(5) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(6) ساقط من الأصل.
(7) ساقط من ط.
(8) "بالملك" في ط.
(9) وهناك قول رابع في المسألة: أنه يجوز له الجمع بينهما في الملك دون الوطء، فإذا ملكهما خير في وطء أيهما شاء، فإذا وطئ إحداهما لم تحل له الأخرى حتى تحرم عليه من وطئ أولًا ببيع أو نكاح. وانظر مذاهب العلماء في المسألة في: المحلى لابن حزم 11/ 145، والكافي لابن عبد البر 2/ 541 وبداية المجتهد 2/ 41، والكافي لابن قدامة 3/ 41 و42، والتنبيه للشيرازي ص 96، ورحمة الأمة ص 271، والهداية 1/ 191.
(5/504)

والمشهور التحريم ترجيحًا لآية التحريم على آية التحليل.
لأن آية التحليل مخصوصة بموطوءات الآباء إجماعًا، وآية التحريم اختلف فيها، هل دخلها التخصيص أم لا؟ وما اختلف في تخصيصه أقوى مما خُصِّص إجماعًا، والعمل بالراجح متعين، فتقدم آية [التحريم] (1) لرجحانها؛ ولأنهما قد تعارضا، والتحريم في نظر الشرع أغلب؛ لاشتماله على المفسدة (2).
وأما من قال بالإباحة: فلأنهما لما تعارضا تساقطا، والأصل براءة الذمة (3).
وأما الوقف: فلأنهما لما تعارضا فلا أولوية، فوجب [الوقف] (4) والإلزام الترجيح من غير مرجح، وهو محال (5).
وجوابه: أن المرجح حاصل. وقد تقدم بيانه، وبالله التوفيق بمنه.
ومثاله أيضًا قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اْلْبَحْرِ} (6) هو (7) عام للحي (8) والميت خاص بالبحر، وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ [عَلَيْكُمُ] (9) الْمَيْتَةُ} (10) عام
__________
(1) ساقط من ط.
(2) انظر: شرح المسطاسي ص 171.
(3) انظر المصدر السابق.
(4) ساقط من ط.
(5) انظر دليل الواقفية وجوابه في: شرح المسطاسي ص 171.
(6) المائدة: 96.
(7) "وهو" في ط.
(8) "الحى" في ط.
(9) ساقط من ز.
(10) المائدة: 3.
(5/505)

للبر، والبحر خاص (1) بالميتة دون الحي.
قوله: (إِن كانا مظنونين)، كقوله عليه السلام: "لا صلاة نافلة بعد الفجر ... " الحديث [هذا] (2) خاص بالزمان عام بالمكان، وقوله: "من دخل المسجد على وضوء" عكسه، فهذا أرجح؛ لأن الأول ضعيف، لأنه خص (3) بالحزب، [وبالوتر] (4)، وبركعتي الفجر (5).
...
__________
(1) "ماص" في الأصل.
(2) ساقط من ز وط.
(3) "خاص" في ز.
(4) ساقط من ط.
(5) ورد ما يدل على جواز صلاة ركعتي الفجر بعد فريضته. أما الحزب والوتر: فإن المشهور أن قضاءهما قبل الصلاة، أو ما بين طلوع الشمس وصلاة الظهر.
وانظر: المغني لابن قدامة 2/ 118، 120، وبداية المجتهد 1/ 203 و207، والكافي لابن عبد البر 1/ 195.
(5/506)

الفصل الثالث في ترجيح (1) الأخبار
وهو (2) إِما في الإِسناد، أو [في] (3) المتن (4).
فالأول: قال الباجي: يترجح بأنه في قصة (5) مشهورة، والآخر ليس كذلك، أو راويه (6) أحفظ، أو أكثر، أو مسموع منه عليه السلام، والآخر مكتوب به، أو متفق على رفعه إِليه عليه السلام، أو تتفق (7) رواته عند (8) إِثبات الحكم به، أو راويه (9) صاحب القضية، أو إِجماع (10) أهل المدينة على العمل به، أو روايته (11) أحسن نسقًا، أو سالم من الاضطراب، أو موافق
__________
(1) "ترجيحات" في نسخ المتن.
(2) "وهي" في نسخ المتن.
(3) ساقط من ش.
(4) "المتون" في أوخ.
(5) "قضية" في خ وش.
(6) "رواته" في أوخ.
(7) "اتفق" في خ وش.
(8) "على" في ش.
(9) "رواية" في أوخ.
(10) "عمل" زيادة في أ.
(11) في ش: "رواية"، وفي ط: "راويته".
(5/507)

لظاهر الكتاب، والآخر ليس كذلك (1).
ش: واعلم أن الترجيح يكون في الأخبار، ويكون في الأقيسة، ويكون في طرق العلل.
وقد عقد المؤلف لكل واحد من هذه الثلاثة فصلًا (2) يخصه، فقدم الكلام ها هنا على ترجيح الأخبار.
والترجيح في الأخبار على قسمين: إما في أسانيدها (3)، وإما في متنها.
ومعنى إسنادها: أي إسناد الحديث إلى رواته (4).
ومعنى متنها: أي لفظ الحديث [نفسه] (5).
قوله: (فالأول)، أي فالقسم الأول الذي هو الترجيح في الإسناد.
(قال الباجي: يترجح أحد الخبرين بأنه في قصة مشهورة، والآخر ليس كذلك) (6) (7).
__________
(1) انظر هذه الأقسام في: الإشارة للباجي ص 190 - 192.
(2) "فما" في ط.
(3) "إسنادها" في ز وط.
(4) "رواية" في الأصل.
(5) ساقط من ز وط.
(6) انظر: إحكام الفصول للباجي 2/ 885، والإشارة ص 190، وشرح القرافي ص 423، وشرح المسطاسي ص 171، وحلولو ص 376.
(7) قرن الشوشاوي مسائل هذا الفصل بأمثلة توضح كيفية الترجيح عند التعارض، وأغلب أمثلته قد أوردها المسطاسي في شرحه، فلتراجعه إن شئت مع تخريج كل مسألة، وسأنبه على ما انفرد به الشوشاوي في موضعه، إن شاء الله.
(5/508)

مثاله: الخلاف (1) بين العلماء في جواز النكاح من غير إشهاد، قال مالك: بجوازه (2)، وقال غيره: بمنعه (3).
واستدل مالك بحديث أنس بن مالك، أنه عليه السلام تزوج صفية (4) في غزوة خيبر (5)، فأولم بتمر وأقط ولم يشهد؛ ولذلك شك الصحابة، هل اتخذها زوجة أو أم ولد، حتى حجبها فعلموا أنها زوجة (6)، وهذه قصة مشهورة (7).
واستدل الشافعي بحديث ابن عباس رضي الله عنه، [وهو] (8) قوله عليه
__________
(1) "خلاف" في ط.
(2) أي جواز النكاح بدون إشهاد مقارن للعقد، ويشهد فيما يستقبل؛ لأن مالكًا يشترط الإعلان دون الإشهاد، فلو أشهد وأمر بالكتمان لم يجز في قول مالك. وانظر: المدونة 1/ 158.
(3) يريد هنا الشافعي، كما سيأتي في الاستدلال. والقول باشتراط الإشهاد هو قول الجمهور. فانظر: الأم للشافعي 5/ 22، والشرح الكبير لابن أبي عمر المقدسي 4/ 203، والهداية 1/ 190.
(4) أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب سيدة بني النضير، اصطفاها النبي - صلى الله عليه وسلم - من سبي خيبر فأعتقها وتزوجها، روت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى عنها ابن أخيها ومولاها كنانة، وزين العابدين علي بن الحسين، توفيت رضي الله عنها سنة 50 على الصحيح.
انظر ترجمتها في: الاستيعاب 4/ 346، والإصابة 4/ 346.
(5) خيبر شمال المدينة النبوية، أجلى إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني النضير، فلما كان أول السنة السابعة سار إليها فافتتحها، وقسم غنائمها على أهل الحديبية، ثم أقر اليهود بها واستعملهم عليها بنصف ما يخرج منها، وما زالوا بها حتى أجلاهم عمر في خلافته، انظر: الدرر لابن عبد البر ص 196، والفصول لابن كثير ص 167.
(6) انظر قصة زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من صفية من حديث أنس بن مالك في المغازي من صحيح البخاري برقم 4213، وفي النكاح من مسلم برقم 1365، ورقمه الخاص 87.
(7) انظر: المنتقى للباجي 3/ 313.
(8) ساقط من ط.
(5/509)

السلام: "لا نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدين (1) عدلين" (2) (3) وليس هذا الحديث في قصة مشهورة.
فحديث مالك أولى لشهرته، فالإشهاد عند مالك من شروط الكمال، وعند الشافعي من شروط الصحة.
قوله: (أو رواية أحفظ (4)).
مثاله: اختلافهم في استسعاء العبد في خلاص نفسه، إذا لم يكن الشريك المقوم عليه مليًا.
قال مالك: لا يستسعى العبد (5)، وقال الحنفي: يستسعى (6).
__________
(1) "وشادين" في ط.
(2) سبق تخريج الحديث بلفظ "لا نكاح إلا بولي" وبلفظ "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" أما زيادة الصداق فلم أجدها بهذا السياق إلا ما أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "لا يكون نكاح إلا بولي وشاهدين ومهر ما كان قل أم كثر" فانظره برقم 11343.
وقال الهيثمي في الزوائد 4/ 286: وروى مثله في الأوسط وفي إسنادهما الربيع ابن بدر وهو متروك.
(3) انظر: الأم للشافعي 5/ 22.
(4) انظر: المعتمد 2/ 675، والمنخول ص 430، والمستصفى 2/ 395، والمحصول 2/ 2/ 559، والإحكام للآمدي 4/ 243، وجمع الجوامع 2/ 363، ونهاية السول 4/ 488، والإبهاج 3/ 237، وإحكام الفصول 2/ 887، والإشارة ص 190، ومختصر ابن الحاجب 2/ 310، ومفتاح الوصول ص 118، والعدة لأبي يعلى 3/ 1023، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 206، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 1010، وتيسير التحرير 3/ 163، وفواتح الرحموت 2/ 206، وشرح المسطاسي ص 172، وحلولو ص 376.
(5) انظر: المنتقى 6/ 260.
(6) انظر: الهداية 2/ 55.
(5/510)

واستدل مالك بحديث ابن عمر رضي الله عنه، وهو قوله عليه السلام: "من أعتق شركًا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق".
واستدل الحنفي بحديث سعيد بن أبي عروبة (1) وهو قوله عليه السلام: / 327/ "من أعتق نصيبًا له في مملوك فعليه إخلاصه من ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال استسعى العبد في قيمته غير مشقوق عليه"، وحديث مالك أولى؛ لأن ابن عمر أحفظ من الآخر (2).
__________
(1) في الأصل وط: "سعيد بن عروة"، وفي ز: "سعيد بن عروبة" والصواب المثبت، وعروبة بفتح العين المهملة وضم الراء: وهو أبو النضر سعيد بن مهران البصري إمام أهل البصرة في وقته، روى عن الحسن البصري وقتادة والنضر بن أنس وأيوب وجماعة، وعنه شعبة ويحيى القطان وابن المبارك وخلق، كان آية في الحفظ والعلم، ورمي بشيء من القدر، توفي سنة 156 ه.
انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري 3/ 504، وميزان الاعتدال 2/ 151، والكاشف 1/ 368، وتهذيب التهذيب 4/ 63، وتهذيب الأسماء للنووي 1/ 221، والمغني في ضبط أسماء الرجال للهندي ص 173. وراجع: شرح المسطاسي ص 172.
(2) قوله: لأن ابن عمر أحفظ من الآخر. هذا وهم منه رحمه الله؛ إذ كيف يقارن بين ابن عمر وهو من هو، وبين رجل من أتباع التابعين.
فتقديم من قدم حديث ابن عمر على حديث أبي هريرة في الاستسعاء ليس لأن ابن عمر أحفظ من ابن أبي عروبة، أو أحفظ من أبي هريرة، وإنما قدم؛ لأن الاستسعاء لا يدري أهو من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من كلام قتادة؟. لأن شعبة روى الحديث عن قتادة ولم يذكر الاستسعاء، وهمام روى الحديث وفصل الاستسعاء وجعله من كلام قتادة. فقد انفرد سعيد برواية الاستسعاء، وجعله من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد بين البخاري في الصحيح أن سعيدًا لم ينفرد برفع الاستسعاء، بل تابعه حجاج =
(5/511)

قوله: (أو أكثر) (1)، مثاله: قوله عليه السلام: "من مس ذكره فليتوضأ" رواه عدد كثير من الرجال والنساء، وهو دليل مالك (2).
وعارضه الحنفي بقوله عليه السلام: "وهل هو إلا بضعة منك" (3) رواه عدد قليل.
قوله: (أو مسموع منه عليه السلام، والآخر مكتوب به) (4).
مثاله: اختلافهم في جلود الميتة، هل يطهرها الدباغ أم لا؟
فقال مالك: لا يطهرها الدباغ (5)، وقال غيره: يطهرها (6).
__________
= ابن حجاج وأبان وموسى بن خلف، فكلهم رووا الاستسعاء عن قتادة مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فانظر: صحيح البخاري الحديث رقم 2527، وانظر كلام الحافظ ابن حجر في الفتح 5/ 157 وما بعدها. وقد مضى الكلام على الحديثين فانظر فهرس الأحاديث في آخر هذا الكتاب، والله الموفق.
(1) انظر: اللمع ص 238، والتبصرة ص 348، والبرهان فقرة 1194، والمعتمد 2/ 676، والمحصول 2/ 2/ 553، وإحكام الفصول 2/ 890، والإشارة ص 190 والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج 3/ 33، وشرح المسطاسي ص 172.
(2) انظر: المدونة 1/ 8، والشرح الصغير للدردير 1/ 216.
(3) انظر: بدائع الصنائع 1/ 30.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 560، والمستصفى 2/ 395، وإحكام الفصول للباجي 2/ 894، والإشارة ص 190، والإحكام للآمدي 4/ 244، 248، وجمع الجوامع 2/ 263، والإبهاج 3/ 237، ونهاية السول 4/ 488، ومختصر ابن الحاجب 2/ 310، والمسودة ص 309، وأصول ابن مفلح 3/ 1014، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 172، وحلولو ص 376.
(5) انظر: الشرح الصغير للدردير 1/ 79.
(6) هو قول الشافعية والحنفية، واستثنى الحنفية جلد الإنسان والخنزير، وزاد الشافعي جلد الكلب. وعن أحمد رواية بطهارة جلد الميتة ما كان طاهرًا في الحياة. انظر: بدائع الصنائع 1/ 85، والمجموع للنووي 1/ 264، والشرح الكبير لابن أبي عمر الحنبلي 1/ 25.
(5/512)

واستدل الغير: بقوله عليه السلام: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" [وهذا الخبر] (1) مسموع منه عليه السلام.
واستدل مالك بحديث عبد الله بن عكيم (2) قال: كتب إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل موته بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" (3)، حديث السماع أولى من حديث الكتابة؛ لأن المكتوب يحتمل التزوير (4) والتصحيف والغلط.
ولكن في هذا نظر؛ لأن التزوير (5) والتصحيف والغلط على كتابه عليه السلام في مثل هذا بعيد.
قوله: (أو متفق [على رفعه] (6) إِليه عليه السلام)، أي والآخر مختلف
__________
(1) ساقط من ط.
(2) في النسخ الثلاث: عبد الله بن حكيم، وهو خطأ، إذ هو عبد الله بن عكيم بالعين المهملة، وهو أبو معبد: عبد الله بن عكيم الجهني، أدرك الجاهلية، واختلف في سماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروى عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود، توفي بالكوفة في زمن الحجاج.
انظر: طبقات ابن سعد 6/ 113، والاستيعاب 2/ 368.
(3) حديث عبد الله بن عكيم أخرجه الترمذي برقم 1729، وأبو داود في اللباس برقم 2127، وبرقم 2128، والنسائي 7/ 175، وابن ماجه برقم 3613 في اللباس، وأحمد في المسند 4/ 310، وقد قال فيه الترمذي: حديث حسن، ثم قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد يعمل به ثم تركه لما اضطربوا في إسناده.
(4) "التزويج" في ط.
(5) "التزويج" في ط.
(6) ساقط من ط.
(5/513)

في رفعه إليه (1).
مثاله: اختلافهم في فرضية أم القرآن، هل هي فرض في جملة الصلاة أو هي فرض [في] (2) كل ركعة؟.
استدل القائل بفرضها (3) في جملة [الصلاة] (4) بقوله عليه السلام: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج"، وهذا الحديث مرفوع إليه عليه السلام.
واستدل (5) [القائل بفرضها في كل ركعة] (6) بقوله عليه السلام: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن ... " إلى آخره، وهذا موقوف على جابر (7) (8) (9)، فالمرفوع أولى من الموقوف؛ لأن المرفوع إليه حجة إجماعًا، وأما الموقوف على الراوي فهو محتمل؛ لأنه يحتمل أن يكون سمعه فيكون حجة، ويحتمل أن يكون اجتهادًا منه، فيخرج على الخلاف في قول .........................
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 2/ 563، والإحكام للآمدي 4/ 348، والإبهاج 3/ 241، ونهاية السول 4/ 493، والروضة ص 390، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 1014، وإحكام الفصول للباجي 2/ 896، والإشارة ص 191، ومختصر ابن الحاجب 2/ 311، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج 3/ 31، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 172 وحلولو ص 376.
(2) ساقط من الأصل.
(3) "بفرضيتها" في ز وط.
(4) ساقط من ز وط.
(5) "الآخر" زيادة في ز وط.
(6) ساقط من ز وط.
(7) "جائز" في ط.
(8) انظر: الموطأ 1/ 84، وقد سبق الكلام على الحديث قريبًا، فانظر فهرس الأحاديث.
(9) هذا المثال لم يذكره المسطاسي، وقد ذكر بدله حديث الاستسعاء.
(5/514)

الصحابي هل هو حجة أم لا؟ (1).
قوله: (أو تتفق رواته عند إِثبات الحكم به) (2) (3).
مثاله: اختلافهم في جواز النافلة بعد العصر.
قال مالك: يمنع ذلك (4)، واستدل برواية [عمر] (5) رضي الله عنه، وهو قوله عليه السلام: "لا صلاة نافلة بعد العصر حتى تغرب [الشمس] (6) ".
وقال أهل الظاهر بجوازه (7)، استدلالاً (8) بحديث عائشة رضي الله عنها [قالت:] (9) "ما دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر إلا صلى ركعتين" (10).
__________
(1) انظر: شرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 173.
(2) أي: ألا يروى عنه رواية أخرى مخالفة لهذه الرواية المحتج بها.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 248، والإشارة للباجي ص 191، وإحكام الفصول 2/ 897، والعدة لأبي يعلى 3/ 1031، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 1014، واللمع ص 240، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 173، وحلولو ص 376.
(4) انظر: الشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوي 1/ 342.
(5) ساقط من ز وط.
(6) ساقط من ط.
(7) انظر: المحلى لابن حزم 3/ 3 و23، وانظر: بداية المجتهد 1/ 102 - 103.
(8) في ز: "استدلا"، وفي ط: "استدل".
(9) ساقط من الأصل.
(10) أخرجه البخاري في المواقيت برقم 593، ومسلم في الصلاة برقم 835 ورقمه الخاص 299، وأبو داود برقم 1279، في صلاة التطوع، والحميدي برقم 194، والدارمي 1/ 334، وأحمد في المسند 6/ 96.
(5/515)

فخبرنا أولى؛ لأنه لم يرو عن عمر غيره، وأما عائشة فقد روي عنها مثل ما ذكر عمر (1)، وإنما كان (2) أولى؛ لأن اتفاق رواته عند إثبات الحكم به دليل على قوة الخبر، فإن رواة [الخبر] (3) عن عمر متفقون، والرواة عن عائشة مختلفون.
قوله: (أو راويه صاحب القضية) (4).
مثاله: اختلافهم في [نكاح] (5) المحرم، جوزه الشافعي (6)، ومنعه
__________
(1) الذي اشتهر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تصلي هاتين الركعتين وتأمر بهما، وكانت تقول: وهم عمر، إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتحرى طلوع الشمس، وغروبها، أخرجه مسلم في صلاة المسافرين برقم 833، وأحمد في المسند، انظر: الفتح الرباني 2/ 294، والخلاف بينها وبين زيد بن ثابت في هذا معروف، فانظر: الفتح الرباني 2/ 293.
وقد ذكر الترمذي في سننه 1/ 347 أنه روي عن عائشة عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس. وانظر: المسند لأحمد 6/ 303 و6/ 311.
(2) "يكون" في ز.
(3) ساقط من ط.
(4) انظر: اللمع ص 238، والمستصفى 2/ 396، والمحصول 2/ 2/ 556، والإحكام للآمدي 4/ 243، وجمع الجوامع 2/ 365، والإبهاج 3/ 236، وإحكام الفصول 2/ 898، والإشارة ص 191، ومختصر ابن الحاجب 2/ 310، والعدة 3/ 1025، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 207، والمسودة ص 306، والتقرير والتحبير 3/ 32، وفواتح الرحموت 2/ 209، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 173، وحلولو ص 376.
(5) ساقط من الأصل.
(6) الصواب جوزه أبو حنيفة؛ لأن الحنفية يجيزون نكاح المحرم. انظر: بدائع الصنائع 2/ 310.
أما الشافعي فلا يجيز نكاح المحرم، بل يحكم بفسخه لو فعله المحرم، وهذا المعتمد عند الشافعية. انظر: الأم 5/ 78، والمجموع شرح المهذب 7/ 283، 287، 288.
(5/516)

مالك (1).
استدل الشافعي: بحديث ابن عباس رضي الله عنه قال: "تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهما محرمان" (2).
واستدل مالك: بحديث ميمونة، قالت: "تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن حلالان" (3)، وهي صاحب القضية، وصاحب القضية أعلم بحال القضية من غيره.
قوله: ([أ] (4) وإِجماع أهل المدينة على العمل به) (5)
مثاله: اختلافهم في تربيع (6) الأذان (7).
__________
(1) انظر: المنتقى للباجي 2/ 239، وبداية المجتهد 1/ 331.
(2) هو بهذا اللفظ في سنن النسائي 5/ 191، وقد رواه البخاري في جزاء الصيد برقم 1837، ولفظه: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم"، وبهذا اللفظ أخرجه مسلم برقم 1410، والترمذي في الحج برقم 842، وأبو داود في المناسك برقم 1844.
(3) هذا اللفظ في سنن أبي داود برقم 1843، وزاد في آخره: بسرف، وقريب منه في سنن الدارقطني 3/ 262، وقد أخرج الحديث بألفاظ عدة كلها تدل على المراد، فانظره في صحيح مسلم برقم 1411، والترمذي برقم 845، وابن ماجه برقم 1964، ومسند أحمد 6/ 332، 333، 335.
(4) ساقط من الأصل.
(5) انظر: اللمع ص 240، والمستصفى 2/ 396، وإحكام الفصول 2/ 898، والإشارة 191، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 173، وحلولو ص 376.
(6) "ترفيع" في ط.
(7) المذاهب المشهورة في الأذان ثلاثة:
1 - تثنية التكبير الأول وتربيع الشهادتين ثم تثنية الباقي، وهذا مذهب أهل المدينة =
(5/517)

فقال مالك: بتربيع (1) التشهد، وتثنية التكبير.
وقال غيره: بالعكس، وهو تربيع (1) التكبير، وتثنية التشهد.
فالأول مذهب مالك، وعليه عمل أهل المدينة.
وسبب الخلاف: اختلاف الأحاديث. وعمل أهل المدينة أولى؛ لأنها مهبط الوحي، ومعدن الرسالة، ومن عندهم (2) خرج العلم إلى غيرهم، فإذا لم يوجد الخبر بين أظهرهم، دل ذلك على كذبه أو نسخه (3).
قوله: (أو روايته (4) أحسن نسقًا) (5).
__________
= وهو المشهور عن مالك، والمتأخرون من المالكية يقولون بالترجيع في الشهادتين، وهو أن يخفض صوته في اثنتين، ثم يرفع صوته بالأخريين.
2 - تربيع التكبير الأول والشهادتين مع الترجيع في الشهادتين، وهو مذهب المكيين، وبه أخذ الشافعية.
3 - تربيع التكبير الأول ثم تثنية ما بقي سوى "لا إله إلا الله" في الأخير، فقد اتفق الجميع على أنها واحدة، وهذا الأخير هو قول أبي حنيفة، وجمهور الحنفية، وهو قول الحنابلة. انظر: الشرح الصغير للدردير 1/ 350، وبداية المجتهد 1/ 105، والمجموع للنووي 3/ 90، والمغني لابن قدامة 1/ 404، وحاشية ابن عابدين 1/ 385.
(1) "ترفيع" في ط.
(2) "وعنهم" في ز وط.
(3) انظر: شرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 173.
(4) "راويه" في ط.
(5) انظر: اللمع ص 238، والعدة 3/ 1029، والمسودة ص 308، وإحكام الفصول 2/ 899، والإشارة ص 191، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 173، وحلولو ص 377.
(5/518)

مثاله: اختلافهم في الأفضل من صفة الحج، هل الإفراد؟ قاله مالك (1)، أو القران؟ قاله أبو حنيفة (2).
[واستدل مالك بحديث جابر، واستدل أبو حنيفة] (3) بحديث أنس.
فحديث جابر أولى؛ لأنه وصف فيه حجه عليه السلام من أوله إلى آخره، لأنه قال: أفرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج، ثم فعل كذا ثم فعل كذا (4) (5)، فأتى به على أحسن نسق، وأما أنس فإنه قال: "قرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (6).
__________
(1) انظر: الشرح الصغير للدردير 2/ 333.
(2) انظر: بدائع الصنائع 2/ 174.
(3) ما بين المعقوفتين ساقط من ط.
(4) "إلى آخره" زيادة في ز وط.
(5) حديث جابر الطويل في صفة حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرجه مسلم برقم 1218، وأبو داود برقم 1905، وأورد النسائي في سننه 5/ 155 أوله، وليس في حديث جابر هذا ما يدل على أن الرسول حج مفردًا، بل دلالته على أن الصحابة حجوا مفردين، لقوله فيه: "لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة" لهذا استدل جماعة من العلماء به على أن الرسول أحرم إحرامًا مطلقًا ينتظر الأمر، وبهذا المعنى ترجمه النسائي 5/ 155، والبيهقي 5/ 5، والحديث يدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حج قارنًا، لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيه: "دخلت العمرة على الحج إلى يوم القيامة" وشبك بين أصابعه، وقيل: إن قوله هذا لإبطال ما يعتقده الجاهليون من تحريم العمرة في أشهر الحج، لا لبيان أنه حج قارنًا. وقد روي عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حج مفردًا، فانظر: كتاب المناسك من سنن أبي داود الحديث رقم 2966، 2967، والسنن الكبرى للبيهقي 5/ 4، وانظر الحديثين رقم 1213، 1216، من صحيح مسلم.
وروي ذلك عن عائشة، فانظر البخاري رقم 1563، ومسلم رقم 1211، والترمذي رقم 820، وروي أيضًا عن ابن عمر، فانظر صحيح البخاري رقم 4354، ومسلم رقم 1231.
(6) انظر حديث أنس في البخاري برقم 4353، ومسلم برقم 1232، والترمذي برقم 821، والنسائي 5/ 150، وابن ماجه برقم 2968 و2969.
(5/519)

فحديث جابر أولى؛ لأنه وصفه من بدايته (1) إلى نهايته (2)، وذلك يدل على حفظه وضبطه، وعلمه بظاهر الأمر وباطنه، بخلاف الذي لم ينقل إلا بلفظة واحدة.
فإنه يجوز ألا يعلم سببها (3).
قال المؤلف: وإنما كان الأحسن نسقًا أولى؛ لأنه أنسب للفظ (4) النبوة، فإنه عليه السلام أفصح العرب، فإضافة الأفصح إليه أنسب من ضده (5).
فسر المؤلف في شرحه حسن النسق بالفصاحة، فأضاف ها هنا الفصاحة إلى السند، وأضاف (6) الفصاحة إلى المتن في قوله [بعد] (7)، أو يكون فصيح اللفظ يعني الخبر (8).
قوله: (أو سالم من الاضطراب) (9).
__________
(1) "بداية" في ز وط.
(2) "نهاية" في ز وط.
(3) غير محررة في الأصل ويبدو أنها: "نسبتها".
(4) "للافظ" في ز.
(5) انظر: شرح القرافي 423، والمسطاسي 173.
(6) "وإضافة" في ط.
(7) ساقط من ز وط.
(8) انظر: صفحة 331 من مخطوط الأصل، وصفحة 541 من هذا المجلد، وشرح القرافي 424.
(9) انظر: اللمع 240، والمستصفى 2/ 395، والإحكام للآمدي 2/ 248، والعدة 3/ 1029، والمسودة 308، وأصول ابن مفلح 3/ 1014، وشرح القرافي 423، والمسطاسي 173، وحلولو 377.
(5/520)

قال المؤلف: الاضطراب: هو اختلاف ألفاظ الرواة (1).
مثاله: حديث أنس رضي الله عنه: كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمنا (2) الصائم ومنا المفطر، ومنا المقصر، [ومنا المتم] (3)، وهذا الحديث لم يضطرب فيه راويه، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فرضت الصلاة مثنى مثنى، وروي عنها أيضًا أنها قالت: فرضت الصلاة أربعًا [أربعًا] (4) (5) (6)، فحديث أنس أولى لعدم (7) اضطراب راويه في لفظه، وهو يقتضي عدم وجوب القصر، وحديث عائشة يقتضي وجوب القصر؛ لقولها (8): وأقرت (9) صلاة الحضر (10).
__________
(1) السالم من الاضطراب في السند: هو الذي لم يوجد خلل في إسناده عند كل من رواه، لا بزيادة، ولا نقص، ولا رواية عمن لا يمكن الرواية عنه، ونحو ذلك.
وقد يكون اختلاف ألفاظ الرواة مما يرجح به في السند؛ لأن عدم الاضطراب يدل على الحفظ، والحافظ مقدم على غيره، كما قاله القاضي أبو يعلى، فانظر العدة 3/ 1029 - 1030، وانظر كلام القرافي في شرحه 423.
(2) "منا" في ط.
(3) ساقط من ط.
(4) ساقط من ط.
(5) روى البخاري في مناقب الأنصار من صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى، فانظره برقم 3935، وانظر: السنن الكبرى للبيهقي 1/ 262.
(6) لم يذكر المسطاسي هذا المثال هنا، وذكر بدله حديثي الخلاف في جواز النافلة بعد العصر، وهما حديث عائشة وحديث عمر.
(7) "بعدم" في ز.
(8) في ز: "لقوله"، وفي ط: "بقوله".
(9) "أو أقرت" في ز.
(10) كذا في النسخ الثلاث، والصواب: وأقرت صلاة السفر. وانظر الحديث رقم 350 في كتاب الصلاة من صحيح البخاري، والحديث رقم 685 من صحيح مسلم.
(5/521)

قوله: (أو موافق لظاهر الكتاب) (1).
مثاله: اختلافهم في الزكاة/ 328/ في مال الصبي.
فقال مالك: تجب فيه الزكاة (2)؛ لقوله عليه السلام: "أمرت أن آخذ الصدقة (3) من أغنيائهم وأردها على فقرائهم" (4)، هذا (5) موافق لظاهر الكتاب وهو قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (6).
[و] (7) قال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في مال الصبي (8)؛ لقوله
__________
(1) انظر: الإشارة للباجي 191، والمنخول للغزالي 431. والمستصفى 2/ 396، والمسودة 311، والروضة 391، وشرح القرافي 423، المسطاسي 173، وحلولو 377.
(2) انظر: الشرح الصغير للدردير 2/ 95 - 96.
(3) "الزكاة" في ز وط.
(4) دل على هذا أحاديث عدة، منها: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" اه. فانظره في: الزكاة من البخاري برقم 1395، وفي الإيمان من مسلم برقم 19، وفي الزكاة من سنن أبي داود برقم 1584، وفي الزكاة من الترمذي برقم 625، وفي مسند أحمد 1/ 233، وفي الدارمي 1/ 379، ومنها قصة ضمام بن ثعلبة حينما قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا"، فانظر قصته من حديث أنس عند البخاري في العلم برقم 63، وعند النسائي في الصيام 4/ 123، وفي مسند أحمد 3/ 168، وانظر حديث أبي جحيفة في الترمذي برقم 649.
(5) "فهذا" في ز وط.
(6) التوبة: 103.
(7) ساقط من ط.
(8) انظر: بدائع الصنائع 2/ 4.
(5/522)

عليه السلام: "رفع القلم عن الصبي [حتى] (1) يبلغ" فالحديث المعضود بالكتاب أقوى في الظن مما ليس له عاضد.
[قوله] (2): (قال الإِمام: أو يكون راويه (3) فقيهًا، أو عالمًا بالعربية، أو عرفت عدالته بالاختبار، أو علمت بالعدد الكثير، أو ذكر سبب عدالته، أو لم يختلط عقله في بعض الأوقات، أو كونه من أكابر الصحابة، أو له اسم واحد، أو لم تعرف له رواية في زمان الصبا والآخر ليس كذلك، أو يكون مدنيًا والآخر [مكيًا] (4)، أو راويه متأخر الإِسلام (5)).
ش: قوله: (أو يكون راويه فقيهًا) (6)؛ لأن العلم بالفقه يبعد معه الخطأ في النقل، فإن اشتركا في الفقه وكان أحدهما أفقه.
فقال القاضي عبد الوهاب: إن (7) كان النقل باللفظ فلا ترجيح، وإن نقل
__________
(1) ساقط من الأصل.
(2) ساقط من ز.
(3) "روايه" في أ.
(4) ساقط من ز، ومكانها بياض.
(5) انظر: المحصول 2/ 2/ 554 - 568.
وقد ذكر الرازي مرجحات لم يذكرها القرافي؛ لأنه تقدم ما يقوم مقامها في كلام الباجي.
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 555، والمعتمد 2/ 677، واللمع 238، والإحكام للآمدي 4/ 244، وجمع الجوامع 2/ 363، والإبهاج 3/ 234، ونهاية السول 4/ 477، والمسودة 307، والتقرير والتحبير 3/ 27، وتيسير التحرير 3/ 163، وفواتح الرحموت 2/ 206، وشرح القرافي 423، والمسطاسي 173 - 174، وحلولو 376.
(7) "أو" في ز.
(5/523)

بالمعنى، فالأفقه أولى. انظر هل يلزم مثله في الفقيه وغير الفقيه، أو يفرق بينهما، وأن (1) الفقيه أولى من غيره مطلقًا؟ لأن مالكًا اشترط الفقه في الراوي بخلاف الأفقه، إلا أن يقال: إنما اشترط مالك الفقه حيث يكون النقل بالمعنى.
قوله: (أو عالمًا بالعربية) (2)، مثاله: اختلافهم في المعتقة تحت الحر، هل تخير أم لا؟ (3).
قال مالك: لا تخير (4)، استدل بحديث نافع، وهو قوله: عتقت بريرة (5) تحت عبد فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6)، ونافع عالم بالعربية.
__________
(1) "فان" في ط.
(2) انظر: المحصول 2/ 2/ 555، والإبهاج 3/ 235، ونهاية السول 4/ 478، وجمع الجوامع 2/ 363، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 174، وحلولو ص 376.
(3) لم يذكر المسطاسي مثالاً لهذه المسألة، والمثال الذي ذكره الشوشاوي هنا لا يدل على المقصود، سوى مجرد التمثيل.
(4) انظر: الشرح الصغير 3/ 178.
(5) "بربرية" في الأصل، والصواب المثبت، وهي مولاة عائشة، كانت لقوم من الأنصار فاشترتها عائشة، وقصتها في الصحيحين. انظر: الاستيعاب 4/ 249، والإصابة 4/ 251.
(6) روى ذلك الدارقطني بسنده إلى نافع عنه عن ابن عمر قال: كان زوج بريرة عبدًا، وروى أيضًا عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد قالت ... (مثله) انظر: سنن الدارقطني 3/ 293.
وقد روى البخاري بسنده إلى نافع عنه عن ابن عمر قصة بريرة، وقال البخاري بعده: قال همام: قلت لنافع: حرًا كان زوجها أو عبدًا؟ فقال: ما يدريني؟ فانظر الحديث عند البخاري برقم 2156، وقد روي أن زوجها عبد عن ابن عباس، =
(5/524)

وقال أبو حنيفة: تخير (1)، استدل بحديث رجل جاهل بالعربية، وهو قوله: عتقت بريرة (2) تحت حر فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3)؛ لأن العلم بالعربية يبعد معه الخطأ في النقل، والكلام في اشتراط العربية كالكلام الذي تقدم في الفقه (4).
قوله: (أو عرفت عدالته بالاختبار) (5)، أي: عدالة الخلطة، أولى وأقوى
__________
= فانظر: البخاري برقم 5280، وأبا داود برقم 2231، و2232، والدارمي 2/ 170، وروي أيضًا عن عائشة، فانظر: صحيح مسلم برقم 1504، والرقم الخاص 11، 13 من العتق، والترمذي برقم 1154، والدارقطني في سننه 3/ 22، 288، 289، 291، 292، والنسائي 6/ 165، وسنن أبي داود برقم 2233، 2234، وانظر: فتح الباري 9/ 410 - 411.
(1) انظر: بدائع الصنائع 2/ 328.
(2) انظر التعليق رقم (6) في الصفحة السابقة.
(3) أورد هذا البخاري في صحيحه وجعله من قول الأسود بن يزيد، فانظر الحديث رقم 6754، وقد رواه جمع من المحدثين بأسانيدهم عنه عن عائشة، فانظر: الرضاع من الترمذي برقم 1155، وسنن أبي داود برقم 2235، وسنن النسائي 6/ 163، وسنن الدارمي 2/ 169، والدارقطني 3/ 290، وقوله: رجل جاهل بالعربية، هذا غير سديد منه رحمه الله؛ لأن مدار الحديث على الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو الثقة الثبت الذي روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وبلال وعائشة وأبي موسى وغيرهم، قال فيه إبراهيم النخعي كان ممن يفتي من أصحاب ابن مسعود، وقال فيه ابن حبان: كان صوامًا فقيهًا عابدًا زاهدًا، توفي رحمه الله سنة 75 ه ثم هل التفريق بين الحر والعبد مما يحتاج فيه إلى معرفة بالعربية؟. رحم الله الشوشاوي وعفا عنه.
انظر ترجمة الأسود في: مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 100، وتهذيب التهذيب 1/ 342.
(4) أي: هل يقدم الأعلم بالعربية على العالم؟.
(5) انظر: المحصول 2/ 2/ 558، والإبهاج 3/ 236، ونهاية السول 4/ 486، وجمع =
(5/525)

من عدالة التزكية من غير خلطة للمزكى (1).
ومعنى الاختبار: كالمخالطة والمعاملة التي تطلع على خبايا النفوس ودسائسها؛ لأن ذلك أقوى ممن علمت عدالته بالتزكية [فقط] (2).
قوله: (أو علمت (3) بالعدد الكثير) (4)؛ لأن من علمت عدالته بالعدد الكثير أقوى ظنًا ممن علمت عدالته بالعدد القليل (5)، والعمل بالراجح متعين.
قوله: (أو ذكر سبب (6) عدالته) (7)؛ لأن من ذكر (8) سبب (6) عدالته أقوى ممن [سكت عن سبب عدالته؛ لاحتمال الاكتفاء بالظاهر في التزكية المطلقة.
قوله: (أو لم يختلط عقله في بعض الأوقات) (9)؛ لأن الذي] (10)
__________
= الجوامع 2/ 363، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 174، وحلولو ص 377.
(1) انظر: شرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 174.
(2) ساقط من ز وط.
(3) "عدالته" زيادة في ز.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 558، والإحكام للآمدي 4/ 245، والإبهاج 3/ 237، ونهاية السول 4/ 487، وجمع الجوامع 2/ 363، ومختصر ابن الحاجب 2/ 311، وشرح المسطاسي ص 174، وحلولو ص 377.
(5) في ز: "الكثير اليسير" وفي ط: "اليسير".
(6) "سب" في الأصل.
(7) انظر: المحصول 2/ 2/ 559، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 174.
(8) في ز: "لان مذكر".
(9) انظر: المحصول 2/ 2/ 560، والإبهاج 3/ 239، ونهاية السول 4/ 489، وشرح القرافي ص 423، والمسطاسي ص 174، وحلولو ص 377.
(10) ما بين المعقوفتين ساقط من ز.
(5/526)

يختلط عقله في بعض الأوقات يحتمل أن يكون ما رواه مما سمعه في حال اختلاط عقله بخلاف الذي لم يختلط عقله في وقت من الأوقات.
قوله: (أو كونه من أكابر الصحابة) (1).
مثاله: اختلافهم في وقت [قطع] (2) التلبية (3).
قال مالك: يقطعها بعد الزوال والرواح إلى مصلى عرفة (4)، رواه الخلفاء الأربعة، وعليه عمل أهل المدينة أيضًا (5).
وقال الشافعي وأبو حنيفة: يقطعها عند جمرة العقبة (6)، استدلالاً على
__________
(1) انظر: اللمع ص 237، والمعتمد 2/ 678، والمحصول 2/ 2/ 561، والإحكام للآمدي 4/ 244، وجمع الجوامع 2/ 364، ومفتاح الوصول ص 118، ومختصر ابن الحاجب 2/ 310، والعدة 3/ 1026، والتمهيد لأبي الخطاب 3/ 209، والمسودة ص 307، وأصول ابن مفلح 3/ 1011، والتقرير والتحبير 3/ 28، وفواتح الرحموت 2/ 207، وشرح المسطاسي ص 174، وحلولو ص 377.
(2) ساقط من ط.
(3) لم يذكر المسطاسي مثالاً لهذه المسألة.
(4) أي بشرطين: زوال الشمس من يوم عرفة، والرواح إلى مصلى عرفة، وقيل: هما قولان لمالك.
انظر: الشرح الصغير 2/ 331، والمنتقى 2/ 216، وبداية المجتهد 1/ 339.
(5) روى مالك في كتاب الحج من الموطأ 1/ 338: أن علي بن أبي طالب كان يلبي في الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية. قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. اه.
وروي أيضًا عن عائشة أنها كانت تترك التلبية إذا راحت إلى الموقف، ونقل ابن رشد في البداية 1/ 339، عن ابن شهاب قوله: كانت الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يقطعون التلبية عند زوال الشمس من يوم عرفة، ولم أجد ذلك مسندًا إليهم سوى ما سلف عن علي، بل روي عن عمرو على خلاف ذلك، كما سيأتي.
(6) انظر قول الشافعية في: الأم 2/ 221، والمجموع 8/ 181، ورأي الحنفية في: البدائع 1/ 154.
(5/527)

ذلك بحديث طلق بن علي (1) (2).
والاستدلال بحديث الأكابر أولى؛ لأن الأصاغر يأخذون العلم من الأكابر، فوجب تقديم الأكابر عليهم.
وقد اختلف، هل يرجح بالسن أم لا؟ واختار القاضي عبد الوهاب عدم الترجيح بالسن، وعلل ذلك بأن حديث السن قد يكون أتقن (3)
قوله: (أوله اسم واحد) (4)؛ لأن الذي له اسم واحد يبعد التدليس به، بخلاف ذي الاسمين؛ لأن ذي (5) الاسمين أقرب اشتباهًا بغيره ممن ليس بعدل، وهو يسمى بأحد اسميه، فتقع الرواية عن (6) الذي ليس بعدل فيظن
__________
(1) أبو علي: طلق بن علي بن طلق الحنفي، له صحبة ووفادة ورواية، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبني مسجد المدينة، فقال: "قربوا له الطين فإنه أعرف"، روى عنه ابنه قيس وابنته خلدة، انظر: الاستيعاب 2/ 240، والإصابة 2/ 232.
(2) لم أجد لطلق رواية في التلبية، والرواية بقطع التلبية عند جمرة العقبة مشهورة عن الفضل بن عباس عند البخاري في الحج برقم 1544، وعند مسلم في الحج برقم 1281، والترمذي في الحج برقم 918، والنسائي 5/ 258 و276، وأبي داود في المناسك برقم 1815، وابن ماجه في المناسك برقم 3040، والدارمي 2/ 62.
وعن ابن عباس عند النسائي 5/ 268، وابن ماجه في المناسك برقم 3039، وأحمد في المسند 1/ 210, 216.
وعن أسامة بن زيد في البخاري برقم 1543، وعن علي بن أبي طالب في مسند أحمد 1/ 114، والسنن الكبرى للبيهقي 5/ 138، وعن عمر في البيهقي 5/ 112، وعن ابن مسعود في البيهقي 5/ 138، ومسند أحمد 1/ 417.
(3) انظر: شرح المسطاسي ص 174.
(4) انظر: المحصول 2/ 2/ 561، ونهاية السول 4/ 489، وجمع الجوامع 2/ 365، وشرح القرافي ص 424، والمسطاسي ص 174، وحلولو ص 377.
(5) "ذلك" في ط، وفي ز: "ذا".
(6) "عند" في ز وط.
(5/528)

السامع أن العدل ذو الاسمين (1).
قوله: (أو لم تعرف له رواية في زمان الصبا) (2).
مثاله: اختلافهم في سجود التلاوة في المفصل (3).
قال ابن عباس رضي الله عنه: ما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في (4) [والنجم والانشقاق والعلق] (5) منذ تحول من مكة إلى المدينة (6).
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: سجدنا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في والنجم
__________
(1) كذا في النسخ الثلاث، وفي شرح القرافي: "فيظن السامع أنه العدل ذو الاسمين فيقبله". اه. وهو أولى. فانظر: شرح القرافي ص 424.
(2) انظر: المحصول 2/ 2/ 562، والإحكام للآمدي 4/ 245، والإبهاج 3/ 240، ونهاية السول 4/ 491، وجمع الجوامع 2/ 364، ومختصر ابن الحاجب 2/ 310، وأصول الفقه لابن مفلح 3/ 1012، والتقرير والتحبير 3/ 29، وفواتح الرحموت 2/ 208، وشرح القرافي ص 424، والمسطاسي ص 174، وحلولو ص 377.
(3) لم يذكر المسطاسي مثالاً لهذه المسألة.
(4) في ط: "في المفصل"، وفي ز: "في المصل".
(5) ما بين القوسين ساقط من ز وط.
(6) روى أبو داود والبيهقي من حديث ابن عباس قال: لم يسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
انظره في: أبي داود برقم 1403، وفي البيهقي 2/ 313.
قال ابن حجر في الفتح 2/ 555: ما رواه أبو داود ضعفه أهل العلم لضعف في بعض رواته، واختلاف في إسناده، وعلى تقدير ثبوته، فرواية المثبت مقدمة على النافي.
وانظر: الموطأ 1/ 207.
(5/529)

والانشقاق والعلق (1).
وأبو هريرة لم تعرف له رواية في زمان الصبا، بخلاف ابن عباس؛ لأن رواية الصبا غير موثوق (2) بها، بخلاف الذي لم يرو إلا بعد البلوغ.
قوله: (أو يكون مدنيًا والآخر مكيًا) (3) (4).
مثاله: حديث أبي هريرة من المدنيين: "من مس ذكره فليتوضأ"، وروى طلق بن علي [من المكيين] (5): "هل هو إلا بضعة منك" فيقدم (6) المدني
__________
(1) لم أجد حديثًا عن أبي هريرة جمع السور الثلاث، لكن روي السجود فيها في أحاديث عدة. فالانشقاق روى السجود فيها البخاري عن أبي هريرة في سجود القرآن برقم 1074، وأيضًا مسلم في المساجد برقم 578، ورقمه الخاص 107، ومالك في الموطأ 1/ 205، وأما العلق فروى مسلم عن أبي هريرة قال: سجدنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك. انظره في المساجد برقم 578، ورقمه الخاص 108، ورواه أيضًا الترمذي في الصلاة برقم 573، والبيهقي 2/ 316، والدارمي 1/ 343، وابن ماجه رقم 1058. وأما النجم فروى البيهقي 2/ 314 عن أبي هريرة أن عمر قرأ النجم فسجد. وروى مالك في الموطأ 1/ 206 عن ابن شهاب عن الأعرج أن عمر قرأ النجم فسجد.
وانظر: سنن البيهقي 2/ 315، وسنن أبي داود الحديث برقم 1401، وسنن الترمذي الحديث رقم 568.
(2) "موثق" في ز وط.
(3) انظر: اللمع ص 240، والمحصول 2/ 2/ 567، والإبهاج 3/ 243، ونهاية السول 4/ 494، والتقرير والتحبير 3/ 29، وشرح القرافي ص 424، والمسطاسي ص 174، وحلولو ص 377.
(4) لم يذكر المسطاسي مثالاً لهذه المسألة.
(5) ساقط من ز وط، والصواب إسقاطها؛ لأن طلقًا ليس من المكيين: إذ قدم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة كما مر في ترجمته، فانظر: فهرس الأعلام، ولم أحذف العبارة لكون الاستدلال مبنيًا عليها.
(6) "فليقدم" في ز.
(5/530)

لاحتمال (1) النسخ، ولقول ابن عباس رضي الله عنه: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (2). <