Advertisement

روضة الناظر وجنة المناظر 001



الكتاب: روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر: مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: الطبعة الثانية 1423هـ-2002م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المجلد الأول
مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فمن فضل الله -تعالى- على عباده: أنه -سبحانه- بعد أن استخلفهم على هذه البسيطة لم يتركهم يخططون منهاج حياتهم، لأن العقل البشري مهما أوتي من الفطنة والذكاء يعتريه القصور، وتنتابه الشوائب، ولا يعلم الغيب، وتختلف مدارك الناس حول المصلحة الحقيقية التي ينشدونها، ولذلك: يحسّن بعض الناس ما هو عند غيرهم قبيحًا وبالعكس، بل قد يحسن الإنسان اليوم ما كان في نظره بالأمس قبيحًا ويقبح ما كان عنده قبل ذلك حسنًا.
(1/5)

ومن هنا تولى الله -سبحانه- عباده من أول الأمر بالعناية والتوجيه، وبيان المنهج الذي يجب أن يسيروا عليه. جاء ذلك واضحًا في قصة أبي البشر، بعد أن أهبطه الله -تعالى- إلى الأرض هو وزوجه "حواء" يقول الله -تعالى-: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} 1.
وتتابعت الشرائع بعد ذلك توضح منهج الله -تعالى- لكل أمة حسب ظروفها ومقتضيات أحوالها، عن طريق رسول منها، بلغتها التي تتخاطب بها {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 2.
ولما شاء الله -تعالى- أن يختم هذه السلسلة المباركة من الأنبياء والمرسلين، اختار أفضل خلقه، وأكمل رسله، فحمّله الرسالة الخاتمة التي جمعت كل ما تحتاج إليه البشرية في حياتها الدنيوية، وما تعدّ له في حياتها الآخرة، فكانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء. قال تعالى: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} 3.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة؟ فأنا في
__________
1 سورة طه الآيات 123-127.
2 سورة إبراهيم الآية 4.
3 سورة الصافات الآية: 37.
(1/6)

النبيين موضع تلك اللبنة" 1.
ومقتضى كون شريعة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- خاتمة المطاف، ومتضمنه لمنهج الله -تعالى- في صورته الأخيرة، مقتضى ذلك:
أ- حفظ أصول هذا الدين من التحريف والتبديل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 2.
ب- جعل معجزته الأساسية في كتاب يخاطب العقل، ويحقق مقتضيات الفطرة والصفات الإنسانية الثابتة، ليكون مستمر الإعجاز والتأثير إلى يوم القيامة، على عكس ما كان من معجزات السابقين، حيث كانت محصورة في المحسوسات، باعتبارها مؤقتة بوقت معين، ولأناس معينين.
أما شريعة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فكانت، ولا تزال إلى كل البشر، وعلى جميع المستويات، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ج- جمعه بين ما هو ثابت لا يتغير، وبين ما هو متغير حسب ظروف الناس وأحوالهم، ولذلك كانت الأحكام الشرعية شاملة للقطعي الذي لا مجال فيه للاجتهاد والرأي، لأن المصلحة في ثباته، كما شملت ما يسمى بالظني الذي فيه سعة ومجال للبحث والنظر، وهي ما تسمى بالأمور الاجتهادية، تمشيًا مع طبيعة الحياة وتغير ظروف الناس، حتى تكون الشريعة متسعة لكل ما يجدّ للناس من وقائع، فيجد فيها المسلم حاجته، ولا يحتاج -بعد ذلك- إلى شيء من التشريعات الوضعية التي يظهر نقصها من حين لآخر.
__________
1 رواه البخاري ومسلم عن جابر وأبي هريرة، ومسلم عن أبي سعيد الخدري، والترمذي عن جابر وأبي بن كعب، وأحمد عن الأربعة "الفتح الكبير 3/ 134".
2 سورة الحجر الآية: 9.
(1/7)

وبذلك تواكب الشريعة الإسلامية حركة الحياة في نموّها وازدهارها، من خلال وضع القواعد والضوابط التي تحقق مصالح العباد في العاجل والآجل.
ولذلك: كان من أهم الخصائص التي تميزت بها هذه الشريعة: أن أحكامها وتشريعاتها المختلفة قائمة على الحجة والدليل، ورد الأمور المتنازع فيها إلى الوحي الإلهي، المتمثل في القرآن والسنة، وما يلحق بهما عن طريق الاجتهاد من العلماء المؤهلين لذلك.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} 1.
فالرد إلى الله -تعالى- هو الرجوع إلى القرآن الكريم، والرد إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يكون بالرجوع إليه -صلى الله عليه وسلم- في حياته وإلى سنّته بعد مماته كذا قال عمرو بن ميمون2.
وقال -تعالى- {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ......} 3.
والمراد بأولي الأمر -في هذه الآية- هم العلماء.
قال الشوكاني في تفسير قوله تعالي: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بتدبرهم وصحة عقولهم4.
ومعنى ذلك: أن العلماء المجتهدين هم الذين يستطيعون أن يفتوا
__________
1 سورة النساء الآية: 59.
2 انظر: تفسير الطبري "5/ 151" والقرطبي "5/ 261".
3 سورة النساء من الآية: 83.
4 فتح القدير "1/ 552".
(1/8)

في الوقائع التي ليس فيها نص معين، على ضوء قواعد الشريعة ومقاصدها العامة، وروحها السمحة، وعلى أساس دلالات الألفاظ اللغوية، باعتبار أن القرآن الكريم نزل من عند الله -تعالى- بلسان عربي مبين، وكذلك السنة النبوية، فهي كلام أفصح العرب على الإطلاق، سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وبذلك يظهر دور أصول الفقه في تطبيق هذه الخاصية، خاصية قيام الشريعة الإسلامية على الدليل والبرهان، فهو الذي يبين مصادر التشريع الإسلامي، ويذكر حجتها، ومراتبها في الاستدلال، وكيفية استخراج الأحكام من هذه المصادر، كما يبين صفات الشخص الذي يستطيع أن يستبط الأحكام من هذه المصادر، وهو المجتهد.
ولذلك عرّفه البيضاوي بقوله: "أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد"1 والمستفيد هنا: المجتهد الذي يستفيد حكم الله -تعالى- من الدليل.
وهذا يقتضي أن يكون المتصدي للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية على درجة علمية تؤهله لذلك، وهي التي يعبر عنها علماء الأصول بشروط الاجتهاد.
وهذه الأهلية كانت موجودة لدى الصدر الأول من الصحابة -رضي الله عنهم- حيث كانوا أفقه الناس لروح الإسلام، وأعلمهم بمقاصده ومراميه، فقد تربوا في الحضرة النبوية، وعاشوا نزول الآيات وأسبابها، وورود الأحاديث النبوية، مع سلامة الفطرة ونور البصيرة، وجودة الفهم، وتمكن من اللغة، حيث كانت سليقة وسجية طبعوا عليها منذ نعومة أظفارهم.
__________
1 انظر: شرح البدخشي على المنهاج "1/ 13-14" طبعة صبيح.
(1/9)

وقد علّمهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- كيف يواجهون الأمور التي لم يرد فيها نص، وذلك بالاجتهاد وتبادل الرأي بين أهل العلم والصلاح.
روى سعيد بن المسيب عن علي -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض لك فيه سنّة؟
فقال -صلى الله عليه وسلم- "اجمعوا له العالمين، أو قال: العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد" 1.
وقد طبق الصحابة -رضي الله عنهم- ما وجههم إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل شئونهم.
روى الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران قال: "كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله نظر: هل كانت من النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه سنّة؟ فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم، خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا ... فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى في ذلك بقضاء؟
فربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول عند ذلك: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا.
فإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به"2.
وكذلك كان يفعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وكتابه إلى
__________
1 روى الطبراني مثله في الأوسط، انطر مجمع الزوائد "1/ 178".
2 إعلام الموقعين "1/ 84".
(1/10)

شريح القاضي مشهور ومعروف.
قال الشعبي: "قال عمر بن الخطاب: ما في كتاب الله وقضاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النبي -صلى الله عليه وسلم- فما قضى به أئمة العدل، وما لم يقض به أئمة العدل فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك، وأن شئت تؤامرني، ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا أسلم لك"1.
وفي بعض رواياته: " ... إذا جاءك أمر فاقض فيه بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنّ رسول الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله فاقض بما أجمع عليه الناس، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله ولم يتكلم به أحد، فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك، وإن شئت فأخره، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك"2.
وقد نقل عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- وقائع كثيرة تدل على تطبيقهم لهذا المنهج، وأن القواعد الأصولية التي يذكرها علماء الأصول -بعد التدوين- كانت موجودة لدى الصدر الأول من الصحابة -رضي الله عنهم- وإن لم تعرف بهذه التسمية، لأنه ما دام هناك فقه، فلا بد وأن تصحبه قواعد وأصول يتفرع عنها هذا الفقه:
أ- روى مالك في الموطأ: كتاب الأشربة "أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال علي بن ابي طالب: نرى أن تجلده ثمانينن جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد القذف، أو كما قال، فجلد عمر في الخمر ثمانين"3.
__________
1 أخرجه وكيع في أخبار القضاة "2/ 189".
2 المصدر السابق.
3 أخرجه البخاري "8/ 185" مع الفتح، ومسلم "2/ 56" وأحمد في المسند "2/ 49" والشافعي في مسنده "6/ 9".
(1/11)

فهو بهذا ينهج الحكم بالمآل، أو بسد الذرائع، وكلاهما من قواعد الأصول.
ب- روي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، مهما كانت المدة بعد الوفاة قليلة أو كثيرة، أخذًا بقول الله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ... } 1. ويرى أن هذه الآية ناسخة لآية سورة البقرة وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا....} 2. ويستدل على ذلك بقوله: "ومن شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد قوله تعالى: {.... أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... } 3.
ويقصد بسورة النساء القصرى: سورة الطلاق، فإنها تزلت بعد سورة البقرة.
ج- قتل الجماعة بالواحد:
فقد روي أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنًا له من غيرها غلامًا يقال له "أصيل" فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه، فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام: الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه، ثم
__________
1 سورة الطلاق من الآية: 4.
2 سورة البقرة من الآية: 234.
3 أخرجه عنه البخاري: كتاب التفسير، باب {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وأبو داود: كتاب الطلاق، باب في عدة الحامل، والنسائي: كتاب الطلاق، باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وكذلك ابن ماجه.
(1/12)

أما زيد بن ثابت: فيشبه الجد بساق الشجرة وأصلها، والأب بغصن منها، والإخوة بخوطين1 تفرعا عن ذلك الغصن، وأحد الخوطين إلى الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة، ألا ترى أنه إذا قطع أحدهما امتص الآخر ما كان يمتص المقطوع، ولا يرجع إلى الساق2.
هـ- تأبيد المرأة التي تتزوج في العدة:
فمن المسائل التي قضى فيها الصحابة -رضي الله عنهم- بالاجتهاد والرأي: ما إذا تزوجت المرأة وهي في العدة، ماذا حكمها؟
روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي، لما تزوجها في العدة، من زوج ثان وقال: "أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان قد دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدًا"3.
وذهب علي -رضي الله عنه- إلى أن للزوج الثاني نكاحها بعد انقضاء عدتها من الرجلين.
قال الشافعي: "أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرنا عطاء أن رجلا طلق امرأته فاعتدت منه، حتى إذا بقي شيء من عدتها نكحها
__________
1 الخوط -بالضم-: الغصن الناعم لسنة، أو كل قضيب. القاموس المحيط.
2 أخرج مثله ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله "2/ 131" والبيهقي في السنن الكبرى "6/ 247".
3 رواه مالك في الموطأ: كتاب النكاح -باب جامع ما لا يجوز من النكاح، كما أخرجه الشافعي في كتاب النكاح- الباب الخامس في العدة، وعبد الرزاق في المصنف: كتاب الطلاق، باب نكاحها في عدتها.
(1/14)

فلم يكن الصحابة ولا التابعون -رضي الله عنهم- في حاجة إلى معرفة القواعد والضوابط التي عرفت -فيما بعد- بأصول الفقه والاستنباط، لأنها كانت -كما قلت- مركوزة في أذهانهم وسجية لهم، فكانوا يعرفون الخاص والعام الذي أريد به العموم، والعام الذي يراد به الخصوص، والمطلق والمقيد، والمشترك والمفرد، والناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من القواعد التي تدرس في هذا العلم.
أما بعد أن طال الزمن، وفسد اللسان العربي، نتيجة لاتساع البلاد الإسلامية، واختلاط الأعاجم بالعرب، وجدّت حوادث ووقائع كثيرة، وكثر الاجتهاد والمجتهدون، واختلفت طرقهم في الاستنباط، وظهر في الأفق الاتجاهان المعروفان باتجاه أهل الحديث بالحجاز، واتجاه أهل الرأي بالعراق، وأسرف كل فريق في الطعن على الفريق الآخر، فعاب أهل الرأي على أهل الحديث الإكثار من الرواية التي هي مظنة لقلة الفهم والتدبر، كما عاب أهل الحديث على أهل الرأي بأنهم يأخدون في دينهم بالظن، ويحكمون العقل في الدين1، فلما اتسع النزاع بين المدرستين المذكورتين، أرسل الإمام عبد الر حمن بن مهدي -عالم الحديث بالمدينة المنورة المتوفى سنة "198هـ"- إلى الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يطلب منه وضع قواعد يحتكم إليها، وأسس يسير عليها العلماء في اجتهادهم، وكيف يتعاملون مع الأدلة الشرعية، فأجابه الإمام الشافعي، وبعث إليه بهذه القواعد، والتي عرفت فيما بعد باسم "الرسالة".
__________
= إذا أشهد، وفي باب فضائل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وباب ما يحذر من زهرة الدنيا، كما رواه الترمذي وأحمد وغيرهما.
1 تاريخ التشريع للخضري ص146.
(1/16)

وقد بين الإمام الشافعي -في هذه الرسالة- أهمية رسالة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وأهمية الكتاب العزيز "القرآن الكريم" وأنه لا تنزل بأحد نازلة إلا في كتاب الله -تعالى- حكم لها، إما نصًّا وإما إلحاقًا بالنص، وأن مهمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبيين ما نزّل إلى الناس، ثم أتبع ذلك بباب: "كيف يكون البيان" ثم تحدث عن علاقة السنة بالقرآن، وعن حجية السنة وأنها المصدر الثاني للتشريع، كما بين حجية خبر الآحاد بصفة خاصة، ثم أتبع ذلك الكلام على الإجماع، والقياس وحجيته وشروطه، وألحق به باب الاجتهاد، ثم الاستحسان، ثم ذكر الاختلاف بين العلماء، والمذموم منه والممدوح، وأنهى رسالته بموضوع "أقوال الصحابة" رضي الله عنهم، ومدى الاستدلال بها.
فكانت هذه الرسالة بمثابة اللبنة الأولى في هذا العلم، من حيث التأليف والتدوين، وأن الإمام الشافعي صاحب السبق في ذلك.
وإن كان هناك من ينازع في ذلك، ويدّعي أن هناك من سبق الإمام الشافعي في ذلك، كالإمامين: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، صاحبي الإمام أبي حنيفة -رحمهم الله جميعًا- كما ادعت الشيعة ذلك أيضًا.
وهي مجرد دعوى لا دليل عليها، فلم يصلنا من هذه المؤلفات شيء، كما وصلتنا رسالة الإمام الشافعي.
وفي تصوّري: أن ما يدعيه هؤلاء، إنما هو من قبيل القواعد التي ترد في بعض المسائل الفقهية بطريقة عارضة، وهو أمر مسلم به؛ فإن كل إمام من الأئمة المجتهدين كانت له قواعده وأصوله التي يسير عليها، ويحتكم إليها في اجتهاده، وسبق أن قلنا: إن هذا كان موجودًا ومطبقًا في عصر الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- وفرق كبير بين تطبيق القواعد
(1/17)

والاحتكام إليها، وبين تأليف كتاب مستقل متكامل مستوعب لأبواب العلم1.
ثم تتابع العلماء بعد ذلك في التأليف وإضافة بعض الموضوعات إلى رسالة الإمام الشافعي، شأنه في ذلك شأن سائر العلوم، تبدأ قليلة، ثم تنمو وتتسع.
وقد سلك العلماء -بعد الإمام الشافعي- مسالك مختلفة:
أ- فمنهم من اتجه نحو تحرير المسائل الأصولية وتقرير القواعد تقريرًا منطقيًّا يقوم على الدليل العقلي، دون نظر إلى ما يتفرع عنها من فروع فقهية، وسمي هذا الاتجاه: باتجاه المتكلمين؛ لأنهم أشبهوا علماء الكلام في إقامة الأدلة، ودفع شبه المخالفين.
ومن أمهات الكتب المؤلفة على هذه الطريقة:
1- كتاب "العمد" للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المعتزلي المتوفى سنة 415هـ.
2- كتاب "المعتمد" لأبي الحسين البصري: محمد بن علي الطيب البصري المعتزلي المتوفى سنة 436هـ.
3- كتاب "البرهان" لإمام الحرمين: عبد الملك بن يوسف الجويني المتوفى سنة 478هـ.
4 - كتاب "المستصفى" للإمام أبي حامد: محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة 505هـ.
فكانت هذه الكتب الأربعة بمثابة المرجع في الأصول على هذه
__________
1 انظر: التمهيد للإسنوي ص45، 46 تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو.
(1/18)

الطريقة، إلى أن قام عالمان جليلان بتلخيص ما فيها، هما: فخر الدين الرازي المتوفى سنة "606هـ" في كتاب سماه "المحصول" وسيف الدين الآمدي المتوفى سنة "361هـ" في كتاب سماه "الإحكام في أصول الأحكام".
وقد عني العلماء بهذين الكتابين عناية فائقة، بالاختصار والشرح والتعليق.
وتوالت -بعد ذلك- المؤلفات على هذه الطريقة مما يطول بيانه في هذه المقدمة.
ب- وبجانب طريقة المتكلمين ظهرت طريقة أخرى تسمى طريقة الفقهاء أو الحنفية، تميزت بربط القواعد الأصولية بالفروع الفقهية، بمعنى: أنهم جعلوا الأصول تابعة للفروع، بحيث تتقرر القواعد على مقتضى الفروع الفقهية، باعتبار أن هذه القواعد إنما هي لخدمة الفروع.
ومن أهم الكتب التي وضعت على هذه الطريقة:
1- رسالة الكرخي في الأصول: تأليف أبي الحسن عبد الله بن الحسن الكرخي المتوفى سنة "340هـ".
2- أصول الفقه: لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص المتوفى سنة "370هـ".
3- كنز الوصول إلى معرفة الأصول: تأليف الإمام فخر الإسلام أبي الحسن علي بن محمد البزدوي المتوفى سنة "482هـ".
4- أصول السرخسي: محمد بن أحمد بن سهل السرخسي المتوفى سنة "483هـ".
5- منار الأنوار: لأبي البركات: عبد الله بن أحمد النسفي المتوفى
(1/19)

سنة "710هـ". وعليه عدة شروح نفيسة، واختصره كثير من العلماء.
ج- طريقة الجمع بين المتكلمين والفقهاء:
وفي القرن السابع الهجري بدأت تظهر طريقة ثالثة تجمع بين المنهجين المتقدمين: منهج المتكلمين، ومنهج الفقهاء، بحيث تذكر القاعدة الأصولية وتقيم الأدلة عليها، وتقارن بين ما قاله المتكلمون وما قاله الفقهاء، مع المناقشة والترجيح، ثم تذكر بعض الفروع المخرجة عليها.
ومن أشهر الكتب التي ألفت على هذا المنهج:
1- كتاب "بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام" لمظفر الدين: أحمد بن علي الساعاتي الحنفي المتوفى سنة "694هـ".
2- كتاب "التنقيح" للقاضي صدر الشريعة: عبيد الله بن مسعود البخاري الحنفي المتوفى سنة "747هـ".
وقد وضع عليه شرحًا سماه "التوضيح شرح التنقيح".
3 - "جمع الجوامع" لتاج الدين: عبد الوهاب بن على السبكي المتوفى سنة "771هـ". وعليه عدة شروح وحواش عظيمة.
4- "التحرير" تأليف: كمال الدين: محمد بن عبد الواحد، المشهور بابن الهمام الفقيه الحنفي المتوفى سنة "861هـ".
شرحه تلميذه: محمد بن محمد أمير حاج الحلبي المتوفى سنة "879هـ" في كتاب سماه "التقرير والتحبير" وعليه شرح آخر يسمى "تيسير التحرير" للشيخ محمد أمين المعروف بأمير بادشاه.
5- "مسلم الثبوت" لمحب الدين بن عبد الشكور البهاري الفقيه الحنفي المتوفى "1119هـ" وعليه شرح نفيس للعلامة: عبد العلي
(1/20)

21
محمد بن نظام الدين الأنصاري يسمى: "فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت".
وهكذا بدأ المتأخرون ينسجون على منوال ما سلكه المتقدمون1.
د- اتجاه تخريج الفروع على الأصول:
وبجانب الاتجاهات المتقدمة، ظهر اتجاه رابع يسمى اتجاه "تخريج الفروع على الأصول" بحيث يذكر القاعدة الأصولية، وآراء العلماء فيها، دون الخوض في أدلة كل مذهب، ثم يفرع عليها بعض الفروع الفقهية، إما على مذهب معين، وإما مع المقارنة بين مذهبين مختلفين، كالحنفية والشافعية -مثلا- أو الشافعية والمالكية والحنابلة وهكذا.
ومن الكتب التي ألفت في هذا الاتجاه:
1- "تخريج الفروع على الأصول" للإمام شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني المتوفى سنة "656هـ".
يذكر القاعدة الأصولية، ثم يتبعها بتطبيقات فقهية على مذهب الحنفية والشافعية.
2- "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول" للإمام الشريف أبي عبد الله محمد التلمساني المالكي المتوفى سنة "771هـ".
سلك فيه مؤلفه نفس المسلك السابق، إلا أنه يقارن بين المذاهب الثلاثة: الحنفي والمالكي والشافعي.
3- "التمهيد في تخريج الفروع على الأصول" للإمام جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن القرشي الإسنوي الشافعي المتوفى سنة "772هـ".
ويعتبر من أهم الكتب التي ألفت على هذا المنهج، حيث استوعب
__________
1 انظر: مقدمة ابن خلدون ص325 طبعة دار المصحف بالقاهرة.
(1/21)

القواعد الأصولية، إلا أنه قصر التخريج على مذهب الشافعية فقط.
4- "القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية" للإمام: أبي الحسن علاء الدين: علي بن عباس البعلي الحنبلي، المعروف بابن اللحام المتوفى في سنة "803هـ".
سار فيه مؤلفه على نفس المنهج، غير أنه أبرز رأي علماء الحنابلة بشكل أوضح، وإن كان يذكر آراء بعض المذاهب الأخرى.
هـ- اتجاه بناء القواعد الأصولية على مقاصد الشريعة:
وبجانب الاتجاهات المتقدمة ظهر اتجاه مخالف للاتجاهات السابقة، سلكه الإمام الشاطبي: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي المتوفى سنة "790هـ" ألف الشاطبي كتابه المشهور المسمى "الموافقات" وكان في بداية الأمر قد سماه "عنوان التعريف بأسرار التكليف" ثم عدل عن هذه التسمية لأمر ما.
سلك الشاطبي في كتابه هذا مسلكًا جديدًا لم يسبق إليه، بحيث يذكر القواعد الأصولية تحت أبواب معينة تتضمن مقاصد الشريعة الإسلامية ومراميها المختلفة، والتي تتضمن حفظ الضروريات، والحاجيات والتحسينيات.
وتوالت -بعد ذلك- المؤلفات على الاتجاهات المختلفة، منها: المطول، ومنها المختصر، ومنها المتوسط، لكنها -في الجملة- لا تختلف كثيرًا عما أصّله المتقدمون، إلا في طريقة العرض، أو تقديم موضع على آخر، كما هو الشأن في التأليف.
وبعد هذه المقدمة عن نشأة هذا العلم وتطوّره، نذكر لمحة سريعة عن مؤلف كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر" وعن منهجه في الكتاب، والعمل الذي نقوم به.
(1/22)

التعريف بالإمام ابن قدامة
تمهيد:
الإمام ابن قدامة علم من أعلام الفكر الإسلامي، وله من الآثار العلمية ما يشهد بفضله ومكانته العلمية، الأمر الذي جعل العلماء يكتبون عن حياته من نواحيها المختلفة، حتى سجلت فيه بعض الرسائل العلمية1.
فأرى أن الكتابة عن حياته هنا من فضول القول.
وسوف أكتفي هنا بالإشارة السريعة إلى تاريخ حياته، تمهيدًا للحديث عن منهجه في كتابه: "روضة الناظر وجنة المناظر".
__________
1 راجع في ترجمته: معجم البلدان "2/ 113-114" مرآة الزمان "8/ 627-630" ذيل الروضتين ص139، والعبر "5/ 79"، دول الإسلام "2/ 93" فوات الوفيات "1/ 443-434"، البداية والنهاية "13/ 99-101"، الذيل لابن رجب "2/ 133-149"، شذرات الذهب "5/ 88-92"، سير أعلام النبلاء "22/ 165-173"، ابن قدامة وآثاره الأصولية للدكتور: عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عثمان السعيد الجزء الأول، مقدمة روضة الناظر وجنة المناظر للدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة جـ1 ص7-28، مقدمة "المغني" لابن قدامة بقلم الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو جـ1 ص5-56.
(1/23)

1- اسمه ونسبه ونشأته:
هو: أبو محمد، موفق الدين: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي.
فأسرته -رحمه الله تعالى- أسرة عريقة، يتصل نسبها إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
ولد -رحمه الله- في شهر شعبان من عام 541هـ الموافق 1146م في إحدى قرى نابلس، ثم رحل -بعد ذلك- إلى "دمشق" فحفظ القرآن، وتلقى العلوم على علمائها، وحفظ بعض المتون، ومنها: "مختصر الخرقي" للإمام: عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي المتوفى سنة "334هـ" وهو مختصر في فقه الإمام أحمد بن حنبل، وهو الذي شرحه ابن قدامة -فيما بعد- وسماه "المغني".
وفي عام 561هـ رحل ابن قدامة إلى "بغداد" وأخذ العلم عن علمائها، وبعد فترة عاد إلى دمشق، ثم إلى "بغداد" مرة ثانية، ثم إلى "مكة المكرمة" فسمع من علمائها وأفاد منهم كثيرًا في جوار البيت الحرام.
وهكذا كانت حياته الأولى، حل وارتحال، في سبيل طلب العلم، حتى وصل إلى المكانة المرموقة بين العلماء.
قال عنه أبو شامة " ... كان إمام عصره في علم العربية والنحو واللغة، ولم أتمكن من الإكثار من مجالسته والتعلم منه؛ لكثرة الزحام عليه"1.
__________
1 الذيل على الروضتين ص141.
(1/24)

شيوخه:
إن كثرة رحلاته وتنقله بين دمشق، وبغداد، ومكة، جعل شيوخه كثيرين، والحديث عنهم يطول، وليس هذا مجاله، وسوف نكتفي بذكر بعضهم.
أولًا- شيوخه في دمشق:
1- والده -رحمه الله تعالى- أحمد بن محمد بن قدامة المتوفى سنة "558هـ".
2- أبو المعالي: عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر السلمي الدمشقي المتوفى سنة "576هـ".
3- أبو المكارم: عبد الواحد بن محمد بن المسلّم بن هلال الأزدي الدمشقي المتوفى سنة "565هـ".
ثانيًا- شيوخه في بغداد:
1- أحمد بن صالح بن شافع الجيلي البغدادي المتوفى سنة "565هـ".
2- أحمد بن المقرب بن الحسين البغدادي الكرخي المتوفى سنة "563هـ".
ثالثًا- من شيوخه من مكة:
المبارك بن علي البغدادي الحنبلي، المحدث الفقيه، إمام الحنابلة بالحرم الشريف، المتوفى سنة "575هـ"1.
__________
1 انظر في شيوخه: ذيل طبقات الحنابلة "2/ 133 وما بعدها" سير أعلام النبلاء "22/ 166 وما بعدها".
(1/25)

تلاميذه:
وكما كان شيوخ "ابن قدامة" كثيرين، فإن تلاميذه كانوا -أيضًا- كثيرين.
فإذا كانت التلمذة -بالمعني العام- تثبت لكل من تلقى عنه وأفاد منه مباشرة، أو عن طريق مؤلفاته، فإن كان الأجيال المتأخرة عنه تعتبر من تلاميذه، ونحن منهم.
وسوف نقتصر على بعض المشهورين من تلاميذه الذين تلقوا عنه مباشرة. فمنهم:
1- تقي الدين أبو العباس: أحمد بن محمد بن عبد الغني المقدسي الصالحي، شيخ الحنابلة في عصره، المتوفى سنة "643هـ".
2- أبو شامة: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المتوفى سنة "665هـ".
3- أبو بكر: محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، قاضي القضاة المعروف بابن العماد المتوفى سنة "676هـ".
4- أبو الفرج: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة "682هـ".
عقيدته:
كان -رحمه الله تعالى- سلفي العقيدة، يسير على منهج أهل السنة والجماعة، ويكره الخوض في طرق المتكلمين؛ لأنها لا توصل إلى يقين، ويحمل صفات الباري -سبحانه وتعالى- على ظاهرها، كما جاءت في الكتاب والسنة، دون تكلف ولا تعسف، ولا تشبيه ولا تعطيل، فيثبت ما أثبته الله -تعالى- على وجه لا يعلمه إلا هو سبحانه، عملًا بقوله
(1/26)

تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1.
يدل على ذلك ما ذكره -رحمه الله تعالى- في كتبه في مواضع مختلفة:
فمن ذلك ما جاء في كلامه على قضية المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، يقول -رحمه الله- بعد أن أورد آراء العلماء في المراد من المتشابه: "والصحيح: أن المتشابه: ما ورد في صفات الله -سبحانه- مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2 {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} 3 {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} 4 {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} 5 {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} 6 ونحوه.
فهذا اتفق السلف -رحمهم الله- على الإقرار به، وإمراره على وجهه، وترك تأويله؛ فإن الله -سبحانه- ذم المتبعين لتأويله وقرنهم -في الذم- بالذين يبتغون الفتنة وسماهم أهل زيغ7.
يضاف إلى ذلك مؤلفاته في العقيدة، والتي منها:
1- "ذم التأويل" وهي رسالة مطبوعة ضمن مجموعة رسائل بمطبعة كروستان بمصر عام 1329هـ.
__________
1 سورة الشورى من الآية: 11.
2 سورة طه الآية: 5.
3 سورة المائدة من الآية: 64.
4 سورة "ص" من الآية: 75.
5 سورة الرحمن من الآية: 27.
6 سورة القمر من الآية: 14.
7 انظر: روضة الناظر "1/ 279-280" ط. مكتبة الرشد، تحقيق الدكتور عبد الكريم النملة.
(1/27)

2- "لمعة الاعتقاد" وهي رسالة في عقيدة أهل السنة، والجماعة، نسبها إليه "بروكلمان" في تاريخ الأدب العربي1.
3- "رسالة في مسألة العلو" نسبها إليه ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة2، وإسماعيل باشا في هدية العارفين3.
مذهبه الفقهي:
أما مذهبه الفقهي: فمعروف أنه من أئمة فقهاء الحنابلة، ومؤلفاته المتعددة في فقه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- شاهدة على ذلك، ومنها: "المغني" و"المقنع" و"الكافي".
وإذا كان كتابه "المغني" في الأصل موضوعًا على مذهب الإمام أحمد، فإن العلماء -وبالأخص في الأزهر- يعتبرونه مصدرًا مهمًّا من مصادر الفقه المقارن، ويضعونه بجانب كتاب "المجموع" للإمام النووي، و"بداية المجتهد" لابن رشد.
مكانته وثناء العلماء عليه:
أما مكانة "ابن قدامة" فحدّث ولا حرج، فقد شهد له علماء عصره، ومن بعدهم بالفضل والعلم والأخلاق الكريمة، ولا غرو، فهو شريف النسب، حيث يتصل نسبه إلى الخليفة العادل "عمر بن الخطاب" -رضي الله عنه- كما تقدم.
قال عنه تلميذه أبو شامة:
"كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدين، في العلم
__________
1 جـ1 ص368.
2 الذيل "2/ 139".
3 جـ1 ص460.
(1/28)

والعمل، صنف كتبًا حسانًا في الفقه، وغيره، عارفًا بمعاني الآثار والأخبار"1.
وقال عنه الصفدي:
".... كان أوحد زمانه، إمامًا في علم الفقه، والأصول، والخلاف، والفرائض، والنحو، والحساب، والنجوم السيارة والمنازل"2.
وقال عنه ابن الجوزي:
"كان إمامًا في فنون، ولم يكن في زمانه بعد أخيه "أبي عمر" أزهد منه، وكان معرضًا عن الدنيا وأهلها، هينًا لينًا متواضعًا، حسن الأخلاق، جوادًا سخيًّا، ومن رآه كأنما رأى بعض الصحابة، وكأن النور يخرج من وجهه"3.
وهذه شهادة تلميذ من تلاميذه الذين عاصروه وعاشروه عن قرب، وهي شهادة عدل فلا يطعن فيها كونه واحدًا من تلاميذه.
وفاته:
وبعد حياة حافلة بالبذل والعطاء ونشر العلم، تدريسًا وتأليفًا، توفي -رحمه الله تعالى- في يوم السبت غرة شوال عام 620هـ الموافق 1223م.
رحمه الله -تعالى- رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، آمين.
__________
1 انظر: الذيل ص140.
2 الوافي بالوفيات "17/ 37".
3 مرآة الزمان "8/ 628".
(1/29)

مؤلفاته:
مؤلفات "ابن قدامة" كثيرة ومتعددة الاتجاهات، منها ما يتعلق بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالقرآن والسنة، ومنها ما يتعلق بالفقه وأصوله، ومنها ما يتعلق بالآداب وفضائل الصحابة -رضي الله عنهم- ومنها ما يتعلق بالتاريخ والأنساب، إلى غير ذلك من الفنون التي برز فيها "ابن قدامة" وألّف فيها الموسوعات والرسائل، التي أفاد منها طلاب العلم في شتى المعارف المختلفة.
وهذه هي المؤلفات التي وقفت عليها، والتي أوردها فضيلة الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عثمان السعيد -يحفظه الله- في دراسته الضافية عن "ابن قدامة وآثاره الأصولية".
أولًا- في العقيدة:
1- الاعتقاد.
2- ذم التأويل.
3- رسالة إلى الشيخ فخر الدين ابن تيمية في تخليد أهل البدع في النار.
4- لمعة الاعتقاد، وهي رسالة في عقيدة أهل السنة والجماعة.
5- رسالة في مسألة العلو.
6- مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكتاب.
7- كتاب القدر.
ثانيًا- في أصول الفقه:
لم أجد -فيما اطلعت عليه- أن له في الأصول سوى "روضة الناظر وجنة المناظر" والذي سوف نتحدث عن منهج المصنف فيه إن شاء الله تعالى.
(1/30)

ثالثًا- في الفقه:
أما مؤلفات "ابن قدامة" في الفقه، فكثيرة جدًّا، منها ما وقفنا عليه:
1- المغني في شرح مختصر الخرقي.
2 - المقنع.
3 - الكافي.
4 - عمدة الأحكام.
5 - مختصر الهداية لأبي الخطاب.
6 - رسالة في المذاهب الأربعة.
7 - فقه الإمام.
8 - فتاوى ومسائل منثورة.
9 - مقدمة في الفرائض.
10- مناسك الحج.
رابعًا- في الكتاب والسنّة:
1- البرهان في مسألة القرآن.
2- قنعة الأريب في الغريب.
3- مختصر علل الحديث؛ لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال المتوفى سنة "311هـ".
4- مختصر في غريب الحديث.
5- جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن.
خامسًا- في الفضائل والأخلاق:
1- فضائل الصحابة.
2- فضائل العشرة المبشرين بالجنة.
3- فضائل عاشوراء.
(1/31)

4- كتاب التوابين.
5- كتاب الرقة والبكاء.
6- كتاب الزهد.
7- ذم الوسواس.
8- كتاب المتحابين في الله.
سادسًا- في التاريخ والأنساب:
1- الاستبصار في نسب الأنصار.
2- التبيين في نسب القرشيين.
3- مشيخة شيوخه.
4- مشيخة أخرى.
هذا بالإضافة إلى رسائل أخرى في موضوعات متفرقة1.
__________
1 يراجع في مؤلفاته: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، سير أعلام النبلاء، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، فوات الوفيات لابن شاكر، الوافي بالوفيات للصفدي، مرآة الزمان لابن الجوزي، معجم البلدان لياقوت الحموي، شذرات الذهب لابن العماد، ابن قدامة وآثاره الأصولية للدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد، مقدمة روضة الناظر، تحقيق الدكتور عبد الكريم النملة.
(1/32)

منهج ابن قدامة:
في كتابه: روضة الناظر وجنة المناظر
1- من المعروف أن "ابن قدامة" حنبلي المذهب، والحنابلة -بصفة عامة- يسيرون على منهج المتكلمين الذي يعنون بتأسيس القواعد وإقامة الأدلة عليها.
والمؤلف سلك نفس المسلك، فيذكر مذاهب العلماء في المسألة مقرونة بأدلتها، ثم يذكر ما يراه راجحًا، مؤيدًا بالبرهان والدليل، ثم يناقش أدلة المخالفين ويبين وجه الخطأ فيما قالوه.
وقد بين -رحمه الله تعالى- منهجه هذا في مقدمة كتابه فقال:
"أما بعد: فهذا كتاب نذكر فيه أصول الفقه، والاختلاف فيه، ودليل كل قول، على وجه الاختصار، والاقتصار من كل قول على المختار، ونبين من ذلك ما نرتضيه، ونجيب على من خالفنا فيه".
فهو بذلك يريد أن يجعل كتابه في "أصول الفقه المقارن" كما فعل ذلك في كتابه "المغني" في الفقه، فهو موضوع أساسًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- لكنه أضاف إليه أقوال بعض المذاهب الأخرى، مقرونة -أحيانا- بأدلتها، ثم يناقش هذه الأدلة ويبين الراجح في النهاية بقوله: "ولنا".
ولذلك يعتبره العلماء من أهم المراجع في الفقه المقارن.
(1/33)

2- والمؤلف سلك في كتابه "الروضة" مسلك الإمام الغزالي في كتاب "المستصفى من علم الأصول" في الجملة، حتى إنه تبعه في إضافة المقدمة المنطقية إلى كتابه، والتي كانت مثار انتقاد له من بعض العلماء، حتى قيل: إنه حذفها فيما بعد من بعض النسخ.
كما تبعه في ترتيب أدلة الأحكام، فجعلها على هذا النحو: كتاب الله -تعالى-، ثم سنّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم الإجماع، ثم دليل العقل المبقي على النفي الأصلي، ثم في الأدلة المختلف فيها، وأخر القياس وجعله في باب: ما يقتبس من الألفاظ، مخالفًا ما عليه جمهور العلماء من المذاهب الأربعة، حيث يجعلون القياس من الأدلة الأربعة المتفق عليها: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس.
جاء في شرح الكوكب المنير1: "أدلة الفقه المتفق عليها -على ما في بعضها من خلاف ضعيف جدًّا- أربعة:
الأول: الكتاب، وهو القرآن، وهو الأصل.
والثاني: السنة..... وهي مخبرة عن حكم الله تعالى.
والثالث: الإجماع..... وهو مستند إلى الكتاب والسنّة.
والرابع: القياس على الصحيح، وعليه جماهير العلماء.
وقال أبو المعالي وجمع: ليس القياس من الأصول، وتعلقوا بأنه لا يفيد إلا الظن.
قال في شرح التحرير: والحق هو الأول، والثاني ضعيف جدًّا، فإن القياس قد يفيد القطع -كما سيأتي- وإن قلنا: لا يفيد إلا الظن فخبر الواحد ونحوه لا يفيد الظن.
__________
1 الجزء الثاني ص5، 6.
(1/34)

وهو: أي القياس مستنبط من الثلاثة: التي هي الكتاب والسنة والإجماع".
و"ابن قدامة" وإن كان قد سار على منهج "الغزالي" إلا أنه قد خالفه في بعض المسائل، وفي ترتيب الفصول، وتقديم بعض المباحث وتأخير البعض، كما أنه امتاز عن "المستصفي" بإبراز آراء علماء الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى المتوفى سنة "458هـ"، وأبي حامد: الحسن بن حامد بن علي البغدادي المتوفى "403هـ" والتميمي: عبد العزيز بن الحارث بن أسد المتوفى سنة "371هـ"، وعبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي، المعروف بغلام الخلال المتوفى سنة "363هـ"، وعلي بن عقيل بن محمد "ابن عقيل الحنبلي" المتوفى سنة "513هـ"، ومحفوظ بن أحمد بن الحسن أبو الخطاب الحنبلي المتوفى سنة "510هـ" وغيرهم من علماء المذهب، فضلًا عن النقل عن إمامهم جميعًا: الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.
3- ولما كان الغرض من الكتاب الاختصار والاقتصار على ما هو الراجح -غالبًا- كما جاء في مقدمة الكتاب، فإن المصنف كثيرًا ما يحيل على المسائل المتقدمة التي تشبه المسألة التي يعالجها، ومن أمثلة ذلك:
قوله في باب النهي: "اعلم أن ما ذكرناه من الأوامر، تتضح به أحكام النواهي؛ إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي، وعلى العكس، فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير"1 كما أنه -أحيانًا- يضطر إلى إضافة بعض الأشياء في نهاية المسألة، حتى لا تخفى على القارئ بسب الاختصار الذي يختصره من كلام الغزالي.
ففي مسألة الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها
__________
انظر: الروضة "2/ 652" تحقيق الدكتور عبد الكريم النملة.
(1/35)

ينقل كلام الإمام الغزالي -باختصار شديد- ثم يقول في ختام المسألة:
" ... العقل لا دخل له في الحظر والإباحة..... وإنما تثبت الأحكام بالسمع.
وقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} 1 وبقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} 2 وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ....} 3 وبقوله {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ... } 4 ونحو ذلك.
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "..... وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه" "5".
4- كما أن منهجه: أن يوضح حقيقة الخلاف والآراء المنسوبة إلى المذاهب، فقد ينقل الغزالي عن الحنابلة رأيًا معينًا، بينما يكون في المسألة روايات أخرى لم يذكرها، فيوضح ابن قدامة ذلك، ويبين الرواية الراجحة والمرجوحة، ومن أمثلة ذلك: ما جاء في "مسألة الفرض والواجب" وهل هما بمعنى واحد أو مختلفان؟
يقول الغزالي: "فإن قيل: هل من فرق بين الواجب والفرض؟ قلنا:
__________
1 سورة البقرة من الآية: 29.
2 سورة الأعراف من الآية: 33.
3 سورة الأنعام من الآية: 151.
4 سورة الانعام من الآية: 145.
5 رواه الترمذي في سننه "1726" وابن ماجه "3367" والحاكم في المستدرك "4/ 115" والبيهقي "9/ 320" عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" والمراد بالفراء: حمار الوحش، أو الذي يلبس، وسيأتي الكلام على سند الحديث وما فيه في مسألة: حكم الأشياء قبل ورود الشرع.
(1/36)

لا فرق -عندنا- بينهما، بل هما من الألفاظ المترادفة، كالحتم واللازم وأصحاب أبي حنيفة -رحمه الله- اصطلحوا على تخصيص اسم "الفرض" بما يقطع بوجوبه، وتخصيص اسم "الواجب" بما لا يدرك إلا ظنًا"1.
أما ابن قدامة فيقول: "والفرض هو الواجب -على إحدى الروايتين- لاستواء حدهما، وهو قول الشافعي.
والثانية: الفرض آكد...."2.
فابن قدامة أظهر أن في مذهب الحنابلة روايتين، وقوى الرواية التي توافق مذهب الحنفية من كون الفرض آكد من الواجب، ودلل على ذلك من نصوص علماء اللغة، ثم توصل في النهاية إلى أن الخلاف مبني على الاصطلاح، وهو أمر لا مشاحة فيه.
ولذلك قال في نهاية المسألة: "ولا خلاف في انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون، ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى".
5- كذلك من منهجه: أنه -غالبًا- ما يبدأ المسألة بذكر المذهب الذي يراه راجحًا، ثم يتبعه برأي المخالفين وأدلتهم، ثم يناقشها، ثم يختم ببيان الأدلة التي تؤيد ما يرجحه، وغالبًا ما ينوع الأدلة التي يوردها مستندًا إلى كلام أهل اللغة، ثم إلى القرآن والسنّة والإجماع والقياس، إن وجد ذلك، وهو في ذلك كله لا يستهين بالرأي المخالف، حتى ولو كان ضعيفًا أو ظاهر البطلان، ولذلك ينقل عن المعتزلة، وأهل الظاهرة، والشيعة، حتى اليهود عنهم، كما جاء في باب النسخ.
وهذا -في الواقع- منهج علمي سليم، يقوم على الحجة والبرهان،
__________
1 المستصفى "1/ 212-213" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.
2 الروضة "1/ 151-152" تحقيق الدكتور عبد الكريم النملة.
(1/37)

حتى يكون المسلم على بينة من أمره، ولا ينخدع بما يزينه المخالفون لمنهج الإسلام، والطعن على أحكامه بأساليب مختلفة.
قيمة الكتاب العلمية ومزاياه:
أ- مما لا شك فيه أن كتاب "روضة الناظر" من أهم الكتب التي ألفت في علم الأصول -بصفة عامة- وفي مذهب الحنابلة -بصفة خاصة- فما من بحث أو كتاب في علم الأصول -من الكتاب المتأخرة عن "ابن قدامة"- إلا وتجده واحدًا من مصادره التي يعتمد عليها ومن أمثلة ذلك:
1- فقد جعله الإمام القرافي المتوفى سنة "684هـ" من مصادره في شرحه لكتاب "المحصول" للإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة "606هـ" والمسمى "نفائس الأصول".
2- كما نص الإمام بدر الدين الزركشي المتوفى سنة "794هـ" في مقدمة كتابه "البحر المحيط" على أن كتاب "روضة الناظر" من المؤلفات التي اعتمد عليها في كتابه.
3- كذلك الإمام: محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المتوفى سنة "972هـ" جعله واحدًا من أهم الكتب التي رجع إليها ونقل منها.
وغير هؤلاء كثير ممن يطول الكلام عنهم.
ب- كذلك من المزايا التي تميز بها الإمام ابن قدامة: أنه ليس مجرد ناقل، وإنما له فكره المستقل، ورأيه المستنير الذي لا يرى حجية المسألة تابعة لرأي شخص معين، مهما كانت منزلته، وإنما يعتمد في أقواله وترجيحاته على الدليل الذي لم يتطرق إليه أي احتمال.
__________
1 طبع مؤخرًا ونشر في المكتبة التجارية بمكة المكرمة.
(1/38)

ولذلك نراه يشتد في مناقشته للإمام الغزالي، ويصف رأيه بأنه خارج عن الإجماع، أو الكتاب في مسألة: إصابة كل مجتهد، أو أن المجتهد يخطئ ويصيب.
قال -رحمه الله تعالى-:
"وزعم بعض من يرى تصويب كل مجتهد: أن دليل هذه المسألة قطعي، وفرض الكلام في مسألتين:
أحدهما: مسألة فيها نص فينظر: فإن كان مقدورًا عليه، فقصّر المجتهد في طلبه، فهو مخطئ آثم لتقصيره، وإن لم يكن مقدورًا عليه، لبعد المسافة، وتأخير المبالغة، فليس بحكم في حقه...." إلى أن قال: "وزعم أن هذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف من كل منصف"1.
ويقصد بذلك الإمام الغزالي.
والذي يدل على ذلك ما جاء في المستصفى: ".... والمختار عندنا وهو الذي نقطع به، ونخطّئ المخالف فيه: أن كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله -تعالى-"2 ثم فرض المسألة في طرفين، كما قال ابن قدامة.
وهذا يدل على أن للرجل رأيًا مستقلًّا، وليس مجرد ناقل.
جـ- ومما يدل على أهمية الكتاب العلمية: اهتمام العلماء بشرحه والتعليق عليه، أو اختصاره، فضلا عن كونه الكتاب الأساس في أغلب المؤسسات التعليمية.
__________
1 روضة الناظر مع شرحه نزهة الخاطر العاطر "2/ 415".
2 المستصفى "2/ 363" المطبعة الأميرية بمصر.
(1/39)

ويدل على ذلك ما يلي:
1- الإمام نجم الدين: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي المتوفى سنة "716هـ" اختصر كتاب "روضة الناظر" في كتاب سماه "البلبل في أصول الفقه" طبع بمطبعة النور بالرياض عام 1383هـ.
ثم قام بشرح هذا المختصر شرحًا وافيًا، أضاف إليه أمورًا كثيرة من اجتهاداته، ومن أقول العلماء الآخرين، مما جعل لهذا الشرح أهمية بالغة.
وقد حقق هذا الشرح معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي -يحفظه الله- ونشر بمكتبة مؤسسة الرسالة.
2- قام بشرح الكتاب والتعليق عليه الشيخ عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران الدمشقي المتوفى سنة "1346هـ-1920م" وسماه "نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر".
وهو ليس شرحًا بالمعنى المعروف، لكنها تعليقات على بعض المسائل التي يصعب فهمها على المبتدئ في علم الأصول، وأغلبها منقول حرفيًّا من شرح الطوفي آنف الذكر.
وقد نبه -رحمه الله تعالى- على ذلك في أول الكتاب فقال: ".... وأخذت بكتابة تعليقات عليه، تقرب ما نأى من المطالب، وتفتح باب تلك الروضة لكل طالب، وتُهديه من ثمراتها، بلا ثمن، وتحرير مسائله تحرير ممارس مؤتمن، مع ترك الواضح منه، وصرف الهمة إلى ما أشكل"1.
3- وقد سلك مسلك "ابن بدران" في التعليق على ما أشكل من
__________
انظر: نزهة الخاطر العاطر "1/ 10" طبعة المعارف بالرياض.
(1/40)

الكتاب الشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي المتوفى سنة "1393هـ".
والظاهر أنه -رحمه الله تعالى- كان يتولى تدريس مادة "أصول الفقه" لطلبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إبّان افتتاحها عام 1380هـ وكان الكتاب المقرر هو "روضة الناظر" وأن الطلاب وجدوا صعوبة في فهمه، فوضع هذه التعليقات، وطبعت مستقلة بعنوان "مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر للعلامة ابن قدامة رحمه الله".
4- قدم فيه الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عثمان السعيد -يحفظه الله- دراسة علمية نال بها درجة "الدكتوراه" من كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، بعنوان "ابن قدامة وآثاره الأصولية" في قسمين:
القسم الأول: خصصه للحديث عن حياة ابن قدامة ونشأته ومراحل تعلّمه، ونسبه الذي أوصله إلى الخليفة العادل "عمر بن الخطاب" -رضي الله عنه- ثم تحدث باستفاضة عن آثار هذا الرجل في المذهب الحنبلي بعامة، وفي أصول الفقه ومنهجه فيه بخاصة.
أما القسم الثاني: فقد خصصه لتحقيق كتاب "روضة الناظر" والتعليق عليه.
وهو عمل جليل أظهر مكانة هذا العالم وأهمية كتاب الروضة، الأمر الذي جعل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تقوم بطبع الكتاب وتوزيعه على طلبة العلم، فجزى الله القائمين عليها خيرًا، وجعل ذلك في صفحات أعمالهم الصالحة.
5- كما حقق الكتاب وقدم له بدراسة وافية فضيلة الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن
(1/41)

سعود الإسلامية بالرياض -يحفظه الله- ونشرته مكتبة الرشد بالرياض.
والمطالع في هذه الطبعة يلمس الجهد المشكور الذي بذله المحقق في تصحيح النص ومقابلته على النسخ المخطوطة والمطبوعة للكتاب، مع تخريج شواهد الكتاب على أحدث طرق التحقيق، فجزاه الله عن هذا العمل خير الجزاء، ونفع بعلمه وعمله بقدر إخلاصه لله تعالى.
فهذه الأعمال المختلفة، وتلكم الجهود المتكررة حول كتاب "الروضة" خير شاهد على دعوانا: من أن لهذا الكتاب أهمية خاصة، ومكانة مرموقة بين أهل العلم، عبر العصور المختلفة.
وفي تصوري أن هذه العناية بهذا الكتاب بصفة خاصة، دون غيره من الكتب ترجع إلى إخلاص هذا الرجل في عمله، وأنه ما أراد به إلا وجه الله -تعالى- ورضاه.
ولذلك هيأ الله -تعالى- من يقوم بخدمة الكتاب ونشره بين أبناء العلم.
ما يؤخذ على الكتاب:
العمل البشري -دائمًا- يعتريه القصور، ويرد عليه الخطأ والنسيان وما من عمل يعمله الإنسان، ثم ينظر فيه -بعد ذلك- إلا ويجد نفسه قد قصّر في بعض الأمور، كما قال العماد الأصفهاني:
"إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يوم إلا قال في غده: لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
وكتاب "الروضة" وإن كان يعتبر موسوعة علمية في أصول الفقه،
(1/42)

خاصة في ذكر آراء علماء المذاهب المختلفة، والمقارنة بينها، والاستدلال لكل مذهب، وبيان الراجح منها بالدليل، وإبراز مذهب الحنابلة على وجه الخصوص، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي:
1- أحيانًا يعنون للشئ ولا يذكره، مثل ما جاء في الحكم وأقسامه.
عنون له بقوله: "حقيقة الحكم وأقسامه..... ثم قال: أقسام أحكام التكليف خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور ... ".
فلم يذكر شيئًا عن تعريف الحكم لغة واصطلاحًا، ولا عن تقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي إلى آخر ما هو معروف في هذا المجال.
كما أنه عبر بقوله "واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور" وهو خلاف ما عليه المحققون من العلماء، من أن خطاب التكليف هو: الإيجاب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة.
أما الواجب والمندوب، إلى آخره، فهو فعل المكلف الذي تعلق به الإيجاب أو الندب أو الكراهة أو الحرمة.
والوجوب: هو أثر الخطاب الشرعي، وهو الصفة التي تثبت للفعل.
فهناك فرق بين التعبيرات الثلاثة: الإيجاب، والواجب، والوجوب1.
كما أنه أهمل بعض تقسيمات الواجب، فلم يذكر شيئًا عن الواجب العيني والواجب الكفائي، وما يتعلق بهما من أحكام.
__________
1 راجع: كشف الأسرار "4/ 243" فواتح الرحموت "1/ 128" تيسير التحرير "2/ 148".
(1/43)

2- أحيانًا لا يصرح بالمذهب ولا بالقائلين به، وإنما كان يكتفي بعبارة:
"فإن قيل" فيستفاد منها المذهب والقائلون به.
وكثيرًا ما يورد هذه العبارة عند ذكر أدلة المخالفين، الأمر الذي يجعل طالب العلم، أو الباحث يرجع إلى أصل الكتاب، وهو "المستصفى" لمعرفة المقصود بهذه العبارة، أو إلى بعض المراجع الأخرى.
والأمثلة على ذلك لا تخفى على من طالع الكتاب.
3- غالبًا ما تكون عبارة الكتاب غامضة تحتاج إلى شرح وتوضيح.
ومن أسباب هذا الغموض: أن المؤلف -رحمه الله تعالى- كثيرًا ما يختصر عبارة "المستصفى" فيحذف عبارة يتوقف عليها فهم المعنى، فيحصل الغموض.
ومن أمثلة ذلك:
أ- ما جاء في المرتبة الخامسة من مراتب رواية الحديث بالنسبة للصحابة -رضي الله عنهم- وهي: "أن يقول: "كنا نفعل، أو كانوا يفعلون كذا.... ثم قال: مثل قول ابن عمر -رضي الله عنه- كنا نفاضل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، فيبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا ينكره".
وأصل الرواية -كما في المستصفى-: "كنا نفاضل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنقول: خير الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر وعمر وعثمان ... إلى آخره".
وقال في مثال آخر -في نفس المسألة-: "وقال: -أي: عبد الله بن عمر- كنا نخابر أربعين سنة" وهي في الأصل: كنا نخابر على عهد
(1/44)

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعده أربعين سنة، حتى روى لنا رافع بن خديج.... الحديث".
ب- في مسألة: إفادة الخبر المتواتر العلم وإن لم يدل عليه دليل آخر، كما هو رأي جمهور العلماء.... حكى رأي "السمنية" في أنهم خالفوا في ذلك وحصروا العلم في الحواس الخمس ... ثم رد عليهم بقوله: "ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد، وبلدة تسمى مكة".
والأصل في المستصفى "ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد وإن لم يدخلها".
ومحل الشاهد هنا في عبارة "وإن لم يدخلها" ومعناه: أن العلم بوجود هذه البلدة لم يتوقف على الحواس عن المشاهدة مثلًا، وإلا لكان موافقا للسمنية في حصر العلم على الحواس، فابن قدامة حذف عبارة "وإن لم يدخلها" ووضع مكانها "وبلدة تسمى مكة" فكرر المثال، وحذف محل الشاهد، ومثل ذلك كثير.
4- أحيانًا يتساهل في نسبة الآراء إلى المذاهب المختلفة، فيقول: يرى الحنفية كذا، بينما هو رأي البعض منهم، أو لا يمثل المذهب.
ومن أمثلة ذلك: ما نقله عن الحنفية في مسألة: تكليف الكفار بفروع الإسلام فقال: "واختلفت الرواية: هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؟
فروي أنهم لا يخاطبون منها بغير النواهي؛ إذ لا معنى لوجوبها، مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله، وهذا قول أكثر أصحاب الرأي".
وهذا القول مخالف لما في كتب الحنفية أنفسهم، حيث حكموا
(1/45)

على هذا الرأي بالشذوذ، وأن الصحيح عندهم أنهم غير مكلفين مطلقا1.
وهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى حيث قال: "مسألة: ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلًا حالة الأمر.
بل يتوجه الأمر بالمشروط والشرط، ويكون مأمورًا بتقديم الشرط.
فيجوز أن يخاطب الكفار بفروع الإسلام، كما يخاطب المحدث بالصلاة بشرط تقديم الوضوء، والملحد بتصديق الرسول، بشرط تقديم الإيمان بالمرسل.
وذهب أهل الرأي إلى إنكار ذلك"2.
5- أحيانًا يورد في المسألة عدة آراء، ويستدل لها، ويترك أهم الآراء فيها فلا يشير إليه.
ومن أمثلة ذلك: ما جاء في مسألة دلالة الأمر المطلق، هل يقتضي التكرار أو لا؟
حكى الآراء المختلفة، واستدل لما رآه راجحًا، وأغفل أهم الآراء، وهو: أنه يدل على مجرد تحصيل الماهية، من غير نظر إلى المرة أو التكرار، وهو الرأي الذي رجحه المحققون من علماء الأصول.
6- عدم تحريره لمحل النزاع فكثيرًا ما يطلق القول في المسألة، ويحكم عليها حكمًا عامًّا، مع أنه قد يكون هناك محال اتفاق ومحال خلاف وهذا قد يوقع القارئ في خطأ، وبالأخص المبتدئ.
__________
1 راجع: كشف الأسرار "4/ 243"، فواتح الرحموت "1/ 128".
2 انظر: المستصفى "1/ 304" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.
(1/46)

7- وأخيرًا -كما هي عادة أغلب المؤلفين القدامي- لا يذكر عنوانًا لأي مسألة، بل يقول: فصل..... ثم يبدأ مباشرة في نقل الآراء في الموضوع، وهكذا....، بل أحيانًا يجعل المسألة الواحدة في فصلين، فيجعل رأي بعض العلماء فصلا، والبعض الأخر فصلًا مستقلا، الأمر الذي يوهم أنه موضوع مستقل.
ومن أمثلة ذلك: ما جاء في مسألة التعبد بخبر الواحد عقلًا، قال: "فصل: وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلا؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، والعمل به عمل بالشك، وإقدام على الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل ... " إلى آخر الأدلة التي أوردها لهذا المذهب، ثم بعد أن ناقشها قال: "فصل: وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد؛ لأمور ثلاثة....".
فمع أن الكلام لا يزال موصولًا بموضوع التعبد بخبر الواحد عقلًا، إلا أنه فصل بين الآراء كما هو واضح.
وأقول:
ومع ذلك كله، فإن قيمة الكتاب العلمية لا ينكرها إلا جاهل أو معاند، وهذه الملحوظات التي أشرت إليها، أغلبها راجع إلى اختلاف المنهج بين المتقدمين والمتأخرين.
فالذي سلكه ابن قدامة لا يعتبر غريبًا ولا شاذًّا بمقتضى العصر الذي عاش فيه وكتب له، فهذه كانت طريقتهم التي ألفوها ودرجوا عليها.
وللعصور المتأخرة طريقتهم ومنهجهم الذي يسلكونه، فلا خلاف في المعنى، وإن اختلفت الطرق والسبل التي توصل إليه.
(1/47)

عملي في الكتاب:
بعد أن شرفت بالعمل في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القرى بمكة المكرمة، زادها الله شرفًا وتعظيمًا، وأسند إلى تدريس مادة "أصول الفقه" من كتاب "الروضة" لمست مدى الصعوبة التي يواجهها الطلاب في فهم الكتاب، بسبب الملاحظات التي أشرت إليها آنفًا.
فكنت أقرأ عبارة الكتاب أكثر من مرة، وأراجعها على "المستصفى" وأسجل الفوارق التي بينهما -إن وجدت- أو أضيف عبارة يكون تمام المعنى متوقفًا عليها، وقبل ذلك أحرر محل النزاع، ثم أدخل المحاضرة وأقول لأبنائي الطلبة: درس اليوم في الموضوع الفلاني، والذي يحتوي على العناصر الآتية.... ثم أشرحها شرحًا وافيًا، ثم أقول لهم: تعالوا نستخرج ذلك من الكتاب، فكان البعض منهم يستغرب ذلك في أول الأمر، ويقول: أين تحرير محل النزاع في الكتاب، ولم يذكره المصنف، فأقول لهم: إن المصنف قد ذكره، لكن بطريق الإشارة، وليس بصريح العبارة.
ومن أمثلة ذلك قوله في باب الأوامر: "الأمر المطلق لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين".
فقوله: "الأمر المطلق" فيه إشارة إلى أن الأمر المقيد بمرة واحدة، أو مرات لا يدخل تحت موضوع المسألة، فهذا تحرير لمحل النزاع وإن لم يصرح به.
ولما وجدتني أسجل في كل مسألة بعض الملاحظات، أو أضطر إلى توضيح عبارة الكتاب بأسلوب مبسط، استخرت الله -تعالى- في أن يتم ذلك على الكتاب كله -إن شاء الله تعالى- وتمثل ذلك في:
1- توضيح ما هو غامض من عبارات الكتاب، إما توضيح كلمة
(1/48)

بكلمة، إن كانت لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، وإما تلخيص لمجمل كلام المصنف في فصل كامل، أو أدلة لمذهب، بحيث أشير إلى بدايات الأدلة للمذهب الفلاني، وإلى بداية الرد على المذهب المخالف وهكذا، بحيث إذا تعذر على الطالب فهم ما يريده المصنف، وجد في الهامش ما يبين له المراد بأسلوب مبسط.
2- إضافة الموضوعات التي يتركها المصنف، وهي من لب الموضوع المتحدث عنه، كتعريف الحكم وبيان أقسامه، والفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، وتقسيم الواجب إلى عيني وكفائي وما أشبه ذلك.
3- تصحيح النص -على قدر الإمكان- ومراجعته على "المستصفى" فإذا وجدت عبارة حذفها المصنف، والمقام يحتاج إليها أضفتها بين معقوفين وأشرت إلى ذلك في الهامش.
وأحيانًا أصحح العبارة من كتب أخرى، كالعدة لأبي يعلى، والتمهيد لأبي الخطاب، وغيرهما، إلا أن ذلك يكون في الهامش.
5- خرجت شواهد الكتاب المختلفة، من عزو الآيات القرآنية إلى سورها، وتخريج الأحاديث النبوية والآثار المختلفة، مع الحكم عليها، والتعريف بالأعلام والفرق، ونسبة الأبيات الشعرية إلى قائليها، وإذا كانت هناك مسائل تحتاج إلى زيادة شرح وبسط، أحلت القارئ إلى المصادر التي يمكن الاستفادة منها.
5- ولما كان..... لا يضع عناوين لموضوعات الكتاب، فإني قد وضعت عناوين لجزئيات المسائل، وذلك لسائر الفصول، إعانة للطالب والباحث على استخراج ما يريده بأيسر الطرق.
(1/49)

وحتى يتضح أن هذه العناوين ليست من عمل المؤلف، وضعتها بين معقوفين، كما هو المتبع في قواعد التأليف والتحقيق.
وقد اعتمدت في نسخ الكتاب على النسخة التي عليها تعليقات الشيخ عبد القادر بن مصطفى بدران، وإذا كان هناك خطأ صححته من نسختي: الدكتور عبد العزيز بن عثمان السعيد، والدكتور عبد الكريم النملة -يحفظهما الله-، أو من المستصفى، وأشرت إلى ذلك في الهامش.
وأسأل الله -تعالى- أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به على قدر إخلاصي فيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه وسلم.
شعبان بن محمد إسماعيل
مكة المكرمة، المحرم 1416هـ.
(1/50)

مقدمة المجلد الأول
مدخل
...
روضة الناظر وجنة المناظر
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علمًا وفهمًا
الحمد لله العلي الكبير، العليم القدير، الحكيم الخبير، الذي جلّ عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والوزير {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1.
وصلى الله على رسوله محمد البشير النذير، السراج المنير، المخصوص بالمقام المحمود2، والحوض المورود3، في اليوم العبوس القمطرير4، وعلى آله وأصحابه الأطهار النجباء الأخيار، وأهل
__________
1 سورة الشورى من الآية: 11.
2 المقام المحمود: هو الذي يحمده فيه الخلائق لتعجيل الحساب من هول الموقف يوم المحشر العظيم، حيث يشفع -صلى الله عليه وسلم- للخلق بعد أن يتأخر عنها أولو العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- حتى تنتهي إليه -صلى الله عليه وسلم- فيقول: "أنا لها". انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص200 وما بعدها، النسخة التي صححها وعلق عليها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله.
3 الحوض المورود: هو الحوض الذي أكرم الله به نبيه -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، ترد عليه الخلائق بعد الحساب، وهو المراد بالكوثر في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} على رأي بعض المفسرين، فضلًا عن ثبوته بالأحاديث الصحيحة.
4 اليوم العبوس: أي الشديد، والقمطرير: أي الشديد العبوس، أو الشديد العسر، =
(1/51)

بيته الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وخصهم بالتطهير، وعلى التابعين لهم بإحسان، والمقتدين بهم في كل زمان.
أما بعد1.
فهذا الكتاب نذكر فيه "أصول الفقه" والاختلاف فيه، ودليل كل قول على المختار، ونبيّن من ذلك ما نرتضيه، ونجيب [على] من خالفنا فيه.
بدأنا بمقدمة لطيفة في أوله، ثم أتبعناها ثمانية أبواب:
الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه.
الثاني: في تفصيل الأصول، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاستصحاب.
الثالث: في بيان الأصول المختلف فيها.
الرابع: في تقاسيم الكلام والأسماء.
الخامس: في الأمر والنهي، والعموم، والاستثناء، والشرط، وما يقتبس من الألفاظ، من إشارتها وإيمائها.
السادس: في "القياس" الذي هو فرع للأصول.
__________
= نسأل الله -تعالى- اللطف في هذا الموقف وما بعده.
1 عبارة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، خاصة بعد حمد الله تعالى وغيره مما يبتدأ به كالبسملة، ولا تقع مبتدأة، ولا بد من مجيء الفاء بعدها؛ لأن "أما" لا عمل لها، فتفصل الكلام بعضه عن بعض، فتأتي الفاء لتصله. ومعنى العبارة: مهما يكن من شيء. وأول من قالها: "قس بن ساعدة" وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتي بها في خطبه. انظر: "الأوائل لأبي هلال العسكري ص53، فتح الرحمن للشيخ زكريا الأنصاري ص8".
(1/52)

السابع: في حكم "المجتهد" الذي يستثمر الحكم من هذه الأدلة، و"المقلد".
الثامن: في ترجيحات الأدلة المتعارضة.
ونسأل الله -تعالى- أن يعيننا فيما نبتغيه، ويوفقنا في جميع الأحوال لما يرضيه، ويجعل عملنا صالحًا، ويجعله لوجهه خالصًا، بمنّه ورحمته.
[معنى الفقه والأصول]
واعلم أنك لا تعلم معنى "أصول الفقه" قبل معرفة معنى "الفقه".
والفقه في أصل الوضع1: الفهم. قال الله تعالى: -إخبارًا عن موسى عليه السلام-: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي} 2.
__________
1 المراد بالوضع: ما وضعه أهل اللغة، إذ عادة الأصوليين والفقهاء أنهم إذا أرادوا بيان لفظ بينوه من جهة اللغة والشرع، فيذكرون المعنى اللغوي أولًا، ثم يذكرون المعنى الشرعي، ويوضحون هل الشرع وضع لحقائقه الشرعية أسماء بإزائها وضعًا استقلاليًّا جديدًا خارجًا عن وضع أهل اللغة، أو أنه أبقى الموضوعات اللغوية على حالها، وزاد فيها شرعًا شروطًا وأفعالًا أخر؟
مثاله: أنه سمى الصلاة الشرعية صلاة، لاشتمالها على الصلاة اللغوية وهي الدعاء، لكن اشترط لها في الشرع شروطها الستة، وأركانها الثلاثة عشر، وكذلك سمي الصوم الشرعي صومًا لاشتماله على الصوم اللغوي، وهو الإمساك وزاد النية، وقدّر وقته "انظر: شرح مختصر الروضة 1/ 129".
2 سورة طه الآيتان: 27، 28.
والذي قاله المصنف في معنى "الفقه" لغة هو الراجح، وهناك من قال: هو فهم غرض المتكلم من كلامه، أو هو: فهم الأشياء الدقيقة، لكن الذي تؤيده الآيات القرآنية المتعددة ونصوص علماء اللغة هو الرأي الأول. انظر: "لسان العرب 13/ 522، الحدود للباجي ص36".
(1/53)

وفي عرف الفقهاء: العلم بأحكام الأفعال الشرعية، كالحل والحرمة، والصحة والفساد ونحوها1.
فلا يطلق اسم "الفقيه" على متكلم، ولا محدّث، ولا مفسر، ولا نحوي2.
وأصول الفقه: أدلته الدالة عليه من حيث الجملة لا من حيث التفصيل3 فإن الخلاف يشتمل على أدلة الفقه، لكن من حيث التفصيل،
__________
1 كان الفقه في الصدر الأول يطلق على كل ما يفهم من الكتاب والسنة وما يلحق بهما، ولذلك كانوا يعرفونه بأنه "معرفة النفس ما لها وما عليها" وهو ما يفهم من قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".
وبعد تمايز العلوم أصبح الفقه يطلق على الأحكام الشرعية العملية.
والتعريف الذي ذكره المصنف للفقه هو تعريف ابن الحاجب في مختصره، إلا أن المصنف كعادته -غالبًا- لم يكمل التعريف الذي نقله عن ابن الحاجب، ولذلك استدرك عليه الطوفي فعرفه بقوله: ".... العلم بالأحكام الشرعية، الفرعية، عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال" انظر: "بيان المختصر 1/ 18، شرح مختصر الطوفي 1/ 333".
2 هذا ما يسميه العلماء: إخراج المحترزات.
3 ما ذكره المصنف من تعريف "أصول الفقه" من أنه: أدلته الدالة عليه من حيث الجملة. هو أحد التعريفات الاصطلاحية، وهناك تعريفات أخرى نذكرها بعد ذكر المعنى اللغوي لكلمة "أصول".
فالأصول: جمع أصل. والأصل في اللغة: ما يبنى عليه غيره، أو هو: ما يستند إليه الشيء، أو هو المحتاج إليه، أو هو: ما يتفرع عليه غيره.
وفي اصطلاح الأصوليين: يطلق على الدليل، وعلى الراجح، وعلى القاعدة، المستمرة كما يطلق على المقيس عليه.
أما معناه الاصطلاحي بعد أن صار علَمًا على هذا الفن، فإن العلماء مختلفون في تعريفه بناء على اختلافهم في موضوع "أصول الفقه" هل هو الأدلة -كما قال ابن قدامة-، أو هو الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة، أو =
(1/54)

كدلالة حديث خاص على مسألة "النكاح بلا ولي"1.
والأصول لا يتعرض فيها لآحاد المسائل، إلا على طريق ضرب المثال، كقولنا: الأمر يقتضي الوجوب ونحوه.
فبهذا يخالف أصول الفقه فروعه2.
ونظر الأصولي في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية، والمقصود: اقتباس الأحكام من الأدلة.
__________
= هو الأدلة والأحكام، أو هو الأدلة والترجيح والاجتهاد. فمن قال برأي من هذه الآراء عرّف الأصول بتعريف يشتمل على ما يرى، والذي نراه راجحًا من هذه الآراء هو ما ذهب إليه الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه من أن أصول الفقه عبارة عن الأدلة، والكيفية التي تستخرج بها الأحكام من الأدلة، والمجتهد الذي يستطيع إخراج الأحكام، من الأدلة وهو ما عبر عنه البيضاوي بقوله: "أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد". وعلى ذلك تكون الأحكام الشرعية هي الثمرة والنتيجة لعلم الأصول، ولذلك جعلها البيضاوي من المقدمات.
1 حديث "لا نكاح إلا بولي" أخرجه أبو داود: كتاب النكاح، باب في الولي حديث "2085"، والترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء: لا نكاح إلا بولي، حديث "1101"، وابن ماجه: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي حديث "1881"، والإمام أحمد في المسند "4/ 394، 411، 418" كما رواه ابن حبان والحاكم وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري.
قال الحاكم: "فقد استدللنا بالروايات الصحيحة وبأقاويل أئمة هذا العلم على صحة حديث أبي موسى بما فيه غنية لمن تأمله" انظر: تلخيص الحبير "3/ 162"، نصب الراية "3/ 183، 190".
2 مراده بذلك: أن الأصولي يبحث في الأدلة بطريق الإجمال، كما في: الأمر المطلق يقتضي الوجوب، والفقيه يبحث في الأدلة الشرعية من حيث التفصيل، وهو ما يسمى بالدليل التفصيلي، فيقول -مثلا-: الله تعالى يقول: {وَأَقِيمُوا =
(1/55)

المقدمة1:
اعلم أن مدارك العقول تنحصر في الحد والبرهان؛ وذلك لأن إدراك العلوم على ضربين:
إدراك الذوات المفردة، كعلمك بمعنى العالَم، والحادث، والقديم.
والثاني: إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض، نفيًا وإثباتًا.
فإنك تعلم أولًا معنى: العالَم، والحادث، والقديم، مفردة، ثم تنسب مفردًا إلى مفرد، فتنسب الحادث إلى العالم بالإثبات، فتقول: العالم حادث، وتنسب القديم إليه بالنفي، فتقول: العالم ليس بقديم.
والضرب الأول: يستحيل التصديق والتكذيب فيه، إذ لا يتطرق إلا
__________
الصَّلاةَ} فهذا أمر، والأمر المطلق يدل على الوجوب، ما لم يصرفه عن ذلك قرينة من القرائن، فتكون الصلاة واجبة، فالفقيه يرجع إلى نصوص القرآن والسنة في ضوء القواعد والأسس التي يضعها الأصوليون.
1 هذه هي المقدمة المنطقية التي وعد بها المصنف في بداية الكتاب، وعلم المنطق يسميه بعض العلماء: فن الميزان، وتارة بفن النظر، وبكتاب الجدل.
ومعنى الإدراك: الإحاطة بماهية الشيء، بلا حكم عليها بنفي أو إثبات، بمعنى إدراك حقائق الأشياء مجردة عن الأحكام، وهو ما يسمى بالتصور، لأخذه من الصورة، لحصول صورة الشيء في الذهن.
أما الضرب الثاني: وهو النسبة بين المفردات، فيسمى تصديقًا؛ لأن فيه حكمًا يصدق فيه أو يكذب.
فالتصديق يتضمن ثلاثة تصورات: تصور المحكوم عليه، والمحكوم به، ثم تصور نسبة أحدهما للآخر. والحكم يعتبر تصورًا رابعًا، انظر "إيضاح المبهم للدمنهوري ص6، شرح الكوكب المنير جـ1 ص58، 59".
(1/56)

إلى خبر وأقل ما يتركب منه الخبر مفردان.
والضرب الثاني: يتطرق إليه التصديق والتكذيب.
وقد سمى قوم الضرب الأول تصوّرًا، والثاني تصديقًا وسمى آخرون الأول. معرفة، والثاني علمًا.
وسمى النحويون الأول: مفردًا والثاني جملة.
وينبغي أن يعرف البسيط قبل مركبه1، فإن من لا يعرف المفرد كيف يعرف المركب، ومن لا يعرف معنى "العالَم" و"الحادث" كيف يعرف أن "العالم حادث"؟
ومعرفة المفردات قسمان:
أوّلي: وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب، كالموجود، والشيء.
ومطلوب: وهو الذي يدل اسمه على أمر جُملي غير مفصّل.
والثاني: قسمان أيضًا:
أولي: كالضروريات.
ومطلوب: كالنظريات2.
__________
1 يقصد بالبسيط: المفرد، وهو التصور، وبالمركب: التصديق.
2 خلاصة هذه التقسيمات: أن كلًّا من التصور والتصديق ضروري ونظري:
فالنظري: ما احتاج للتأمل والنظر، والضروري: ما لا يحتاج إلى ذلك. فمثال التصور الضروري: إدراك معنى: البياض، والحرارة، والصوت. ومثال التصور النظري: إدراك معنى: العقل، والجوهر الفرد، والجاذبية. ومثال التصديق الضروري: إدراك وقوع النسبة في قولنا: "الواحد نصف الاثنين" =
(1/57)

فالمطلوب من المعرفة لا يقتنص1 إلا بالحد.
والمطلوب من العلم لا يقتنص إلا بالبرهان.
فلذلك قلنا: مدارك العقول تنحصر فيهما.
__________
= و"النار محرقة" ومثال التصديق النظري: إدراك وقوع النسبة في قولنا: "الواحد نصف سدس الإثني عشر". انظر "إيضاح المبهم ص6".
1 القنص: الصيد جاء في القاموس المحيط فصل القاف، باب الصاد: "..... وقنصه يقنصه صاده" فهو هنا مجاز عما يصاد من المعاني، لأنه يحتاج إلى بحث ونظر، سواء أكان من التصورات أم من التصديقات.
2 المصنف -كعادته غالبًا- يبدأ بالتقسيم، ثم يذكر التعريف آخر الفصل، كما فعل هنا، فقد ذكر تعريف الحد بعد هذه التقسيمات وهو مسلك فيه نظر. =
(1/58)

فصل: "في أقسام الحد"
والحد ينقسم ثلاثة أقسام: حقيقي، ورسمي، ولفظي2.
[الحد الحقيقي، وشروطه]
فالحقيقي: هو القول الدال على ماهية الشيء.
والماهية: ما يصلح جوابًا للسؤال بصيغة "ما هو".
فإنّ صيغ السؤال التي تتعلق بأمهات المطالب أربعة:
أحدها: "هل" يطلب بها إما أصل الوجود، وإما صفته.
والثاني: "لِمَ" سؤال عن العلة، جوابه بالبرهان.
والثالث: "أيّ" يطلب بها تمييز ما عرف جملته.
(1/58)

والرابع: "ما" وجوابه بالحد.
وسائر صيغ السؤال كمتى، وأيان، وأين، يدخل في مطلب "هل"؛
__________
= والحد في اللغة: المنع، ومنه سمي البواب حدادًا، لأنه يمنع من دخول الدار، ومنه الحدود الشرعية، لأنها تمنع من العود إلى المعصية، وسمي التعريف حدًّا؛ لأنه يمنع غير أفراد المعرف من الدخول، كما يمنع أفراد المعرف من الخروج. "القاموس المحيط 1/ 296، مفرادات الراغب الأصفهاني ص108".
وفي الاصطلاح: هو الوصف المحيط بمعنى الموصوف المميز له عن غيره وله تعريفات أخرى كثيرة انظر: المستصفي 1/ 12، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب1/ 68، شرح الكوكب المنير 1/ 89 وما بعدها.
ووجه انحصار الحد في هذه الثلاثة: أن الحد إما أن يكون بحسب المعنى أو بحسب اللفظ، فإن كان بحسب اللفظ فهو الحد اللفظي.
وإن كان بحسب المعنى، فإن اشتمل على جميع الذاتيات فهو الحقيقي، وإن لم يشتمل على ذلك فهو الرسمي.
ومن العلماء من جعلها خمسة:
1- حقيقي تام، وهو: ما أنبأ عن ذاتيات المحدود الكلية المركبة، كقولك: ما الانسان؟ فيقال: حيوان ناطق.
2- حقيقي ناقص: وهو ما كان بالفصل القريب فقط، مثل: قولنا: ما الإنسان؟ فيقال: الناطق، أو بالفصل القريب والجنس البعيد، مثل: أن يقال: ما الإنسان؟ فيقال: جسم ناطق.
3- رسمي تام: وهو ما كان بالخاصة مع الجنس القريب، كأن يقال: ما الإنسان؟ فيقال: حيوان ضاحك.
4- رسمي ناقص: وهو ما كان بالخاصة فقط، أو مع الجنس البعيد.
5- الحد اللفظي: وهو شرح اللفظ بلفظ أشهر منه، كما سيأتي تمثيل المصنف له. انظر: "تحرير القواعد المنطقية ص79، شرح تنقيح الفصول ص13، شرح الكوكب المنير 1/ 92-95".
(1/59)

إذ المطلوب به صفة الوجود.
والكيفية: ما يصلح جوابًا للسؤال بكيف؟
والماهية تتركب من الصفات الذاتية.
والذاتي1: كل وصف يدخل في حقيقة الشيء دخولًا لا يتصور فهم معناه بدون فهمه، كالجسمية للفرس، واللونية للسواد، إذ من فهم "الفرس" فهم جسمًا مخصوصًا، فالجسمية داخلة في ذات الفرسية، دخولًا به قوامها في الوجود، والعقل لو قدَّر عدمها بطل وجود الفرس، ولو خرجت عن الذهن بطل فهم الفرس.
والوصف اللازم: ما لا يفارق الذات، لكن فهم الحقيقة غير موقوف عليه، كالظل للفرس عند طلوع الشمس، فإنه لازم غير ذاتي؛ إذ فهم حقيقة الفرس غير موقوف على فهمه، وكون الفرس مخلوقة، أو موجودة، أو طويلة، أو قصيرة، كلها لازمة لها غير ذاتية، فإنك تفهم حقيقة الشيء وإن لم تعلم وجوده.
وأما الوصف العارض: فيما ليس من ضرورته أن يلازم، بل تتصور مفارقته، إما سريعًا كحمرة الخجل، أو بطيئًا كصفرة الذهب.
والصبا، والكهولة2 والشيخوخة، أوصاف عرضية؛ إذ لا يقف فهم الحقيقة على فهمها، وتتصور مفارقتها.
__________
1 صفات الأشياء: ثلاثة: صفات ذاتية، وهي التي تعتبر جزءًا من حقيقة الشيء، وصفات لازمة للموصوف لا تنفك عنه، وتسمى "تابعًا" وصفات عارضة، تلحق الموصوف في بعض الأحيان، وتفارقه في البعض الآخر، والمصنف -رحمه الله تعالى- بدأ يعرّف بهذه الصفات الثلاثة ويفرق بينها، ويذكر أمثلة لكل واحدة على حدة.
2 اختلف العلماء في تحديد سن الكهولة على أقوال كثيرة، أصحها -من وجهة =
(1/60)

[تقسيم الأوصاف الذاتية]
ثم الأوصاف الذاتية تنقسم إلى جنس وفصل:
فالجنس: هو الذاتي المشترك بين شيئين فصاعدًا مختلفين بالحقيقة.
ثم هو منقسم إلى عام، لا أعم منه، كالجوهر1، ينقسم إلى جسم وغير جسم.
والجسم ينقسم إلى نام وغيره.
والنامي ينقسم إلى حيوان وغيره.
والحيوان ينقسم إلى آدمي وغيره.
وإلى خاص، لا أخص منه، كالإنسان.
ولا عم من الجوهر إلا الموجود، وليس بذاتي2.
__________
= نظري- أنه من جاوز الثلاثين، وحدده بعض العلماء بثلاثة وثلاثين سنة. وهو ما وصف الله به عيسى عليه السلام في قوله تعالىٍ: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا......} [سورة آل عمران الآية: 46] وانظر تفسير القرطبي جـ2 ص90 وما ذكره المصنف من مراحل العمر المختلفة أمثلة على الأوصاف العرضية البطيئة الزوال.
1 جوهر الشيء: ما خلقت عليه جبلته، ومن الأحجار: كل شيء يستخرج منه شيء ينتفع به، والنفيس الذي تتخذ منه الفصوص ونحوها. وعند المناطقة: ما قام بنفسه، ويقابله العَرَض، وهو ما يقوم بغيره. انظر تفصيل ذلك في التعريفات للجرجاني ص79.
2 سبق أن قلنا: إن الجوهر ما قام بنفسه، ولما قال المصنف: بأن الجوهر عام، لا أعم منه، استشعر اعتراضًا عليه مضمونه: كيف يكون كذلك، وكونه موجودًا أعم منه؟ فأجاب بقوله: "ليس بذاتي" أي: أنه يعني الأعم الذي هو ذاتي =
(1/61)

ولا أخص من الإنسان إلا الأحوال العرضية، من الطول، والقصر، والشيخوخة ونحوها.
والفصل: ما يفصله عن غيره، ويميزه به، كالإحساس في الحيوان، فإنه يشارك الأجسام في الجسمية، والإحساس يفصله عن غيره.
[شروط الحد]
فيشترط في الحد: أن يذكر الجنس والفصل معًا.
وينبغي أن يذكر الجنس القريب، ليكون أدل على الماهية، فأنك إن اقتصرت على ذكر البعيد بعدت، وإن ذكرت القريب معه كررت، فلا تقل -في حد الآدمي-: "جسم ناطق" بل حيوان ناطق، وقل -في حد الخمر- "شراب مسكر" ولا تقل "جسم مسكر".
ثم ينبغي أن يقدم ذكر الجنس على الفصل، فلا تقل -في حد الخمر-: "مسكر شراب"، بل العكس. وهذا لو ترك لشوّش النظم، ولم يخرج عن الحقيقة.
وإذا كان للمحدود ذاتيات متعددة فلا بد من ذكر جميعها؛ ليحصل بيان الماهية.
وينبغي أن يفصل بالذاتيات، ليكون الحد حقيقيًّا، فإن عسر ذلك عليك فاعدل إلى اللوازم، لكي يصير رسميًّا، وأكثر الحدود رسمية، لعسر درك الذاتيات1.
__________
= وداخل في حقيقة المحدود وماهيته، بخلاف "الموجود" فإنه خارج عن الماهية، وبذلك ينتفي الاعتراض المتوهم.
1 يقصد من ذلك: أن أكثر التعريفات أو الحدود التي تذكر في الكتب من قبيل =
(1/62)

واحترزْ من إضافة الفصل إلى الجنس، فلا تقل في حد الخمر: "مسكر الشراب" فيصير الحد لفظيًّا غير حقيقي.
وأبعد من هذا: أن تجعل مكان الجنس شيئًا كان وزال، فتقول في الرماد: "خشب محترق" فإن الرماد ليس بخشب1.
[الحد الرسمي وشروطه]
وأما الحد الرسمي: فهو اللفظ الشارح للشيء بتعديد أوصافه الذاتية واللازمة، بحيث يطرد وينعكس، كقوله، -في حد الخمر-: "مائع يقذف
__________
= الحد بالرسم، وهو: كما سيأتي في صلب الكتاب: اللفظ الشارح للشيء بتعديد أوصافه الذاتية واللازمة.
أما الحد الحقيقي -كما سبق تعريفه- فعسير جدًّا، فإن إدراك جميع الذاتيات ليس بالأمر الهين، ولذلك يلجأ كثير من العلماء إلى الحد بالرسم.
1 إلى هنا انتهى المصنف من ذكر شروط الحد الحقيقي، وهي سبعة:
الأول: الجمع بين الجنس والفصل معًا.
الثاني: أن يذكر في الحد الجنس القريب إن وجد.
الثالث: أن تذكر جميع الذاتيات مرتبة، بحيث يبدأ بالجنس ثم بالفصل.
الرابع: إذا كان للمحدود ذاتيات متعددة فلا بد من ذكرها جميعها.
الخامس: أن تفصل بالذاتيات دون العرضيات، إلا إذا تعذر ذلك، فإنه يلجأ إلى اللوازم.
السادس: عدم إضافة الفصل إلى الجنس.
السابع: عدم استبدال الجنس بشيء مضى.
وهناك شروط أخرى ذكرها بعض العلماء: كأن يكون مطردًا، وأن لا يكون مشتملًا على مجاز أو اشتراك الخ. انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 1/ 68، شرح تنقيح الفصول ص4، تحرير القواعد المنطقية ص78.
(1/63)

بالزبد، يستحيل إلى الحموضة، ويحفظ في الدَّن"1. تجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي بجملته الخمر، بحيث لا يخرج منه خمر، ولا يدخل فيه غير خمر.
واجتهد أن يكون من اللوازم الظاهر المعروفة.
ولا يحد الشيء بأخفى منه.
ولا بمثله في الخفاء.
ولا تحد شيئًا بنفي ضده، فتقول في الزوج: "ما ليس بفرد" وفي الفرد: "ما ليس بزوج" فيدور الأمر، ولا يحصل بيان.
واجتهد في الإيجاز -ما استطعت- فإن احتجت فاطلب منها ما هو أشد مناسبة للغرض2.
__________
1 الدَّن: وعاء ضخم للخمر ونحوها.
2 إلى هنا انتهى المصنف من تعريف الحد الرسمي وذكر شروطه وهي ستة:
الأول: أن يكون مطردًا منعكسًا: ومعنى الاطراد: أنه كلما وجد الحد وجد المحدود، والعكس معناه: كلما انتفى الحد انتفى المحدود.
الثاني: أن يكون الحد من اللوازم الظاهرة المعروفة.
الثالث: أن لا يكون بأخفى منه.
الرابع: أن لا يكون بما هو مساو له.
الخامس: أن لا يكون بنفي الضد.
السادس: أن يكون بطريق الإيجاز.
وهناك شروط أخرى ذكرها بعض العلماء، مثل: عدم اشتماله على ألفاظ غريبة، أو ألفاظ مجازية أو مشتركة، أو كنايات، لأنها لا تؤدي الغرض المقصود. انظر: تحرير القواعد المنطقية ص81.
(1/64)

[الحد اللفظي وشرطه]
وأما الحد اللفظي: فهو شرح اللفظ بلفظ أشهر منه: كقولك: في العقار1: "الخمر"، وفي الليث: "الأسد".
ويشترط: أن يكون الثاني أظهر من الأول.
واسم الحد شامل لهذه الأقسام الثلاثة2، لكن الحقيقي هو الأول؛ فإن معنى "الحد" يقرب من معنى حد الدار، وللدار جهات متعددة إليها ينتهي الحد، فتحديدها بذكر جهاتها المختلفة المتعددة التي الدار محصورة بها مشهورة.
وإذا سأل عن حد الشيء فكأنه يطلب المعاني والحقائق التي بائتلافها تتم حقيقة ذلك الشيء، وتتميز به عما سواه، فلذلك لم يسم "اللفظي" و"الرسمي" حقيقيًّا، وسمى الجميع باسم "الحد" لأنه جامع مانع؛ إذ هو مشتق من المنع، ولذلك سمى البواب حدّادًا؛ لمنعه من الدخول والخروج.
فحدُّ الحدِّ إذا: الجامع المانع
[تعريف الحد الحقيقي]
واختلف في حد الحد الحقيقي:
__________
1 العقار -بضم العين- الخمر. وبفتح العين: كل ملك ثابت له أصل، كالأرض والدار، جمعه عقارات.
والعقار الحر: ما كان خالص الملكية، يأتي بدخل سنوي يسمى ريعًا. والعقار من كل شيء خياره "المعجم الوسيط 2/ 621".
2 أي: الحد الحقيقي، والحد الرسمي، والحد اللفظي.
(1/65)

فقيل: هو اللفظ المفسر لمعنى المحدود على وجهٍ يجمع ويمنع.
وقيل: القول الدال على ماهية الشيء1.
وحدّه قوم: بأنه نفس الشيء وذاته2.
وهذا لا معارضة بينه وبين ما ذكرناه؛ لكون المحدود ههنا غير المحدود ثَمَّ، وإنما يقع التعارض بعد التوارد على شيء واحد3.
بيانه: أن الموجود له في الوجود أربع مراتب:
الأولى: حقيقته في نفسه.
__________
1 وهذا ما ذكره المصنف قبل ذلك، وهذا يدل على أن المصنف لم يلتزم بالمنهج العلمي، فكان ينبغي عليه أن يذكر هذه الآراء هناك، أما أن يذكر رأيا في أول المسألة، ثم يعيده مع غيره في آخرها ففيه ما فيه.
2 اعترض على هذا التعريف بأن فيه تفسير للشيء بنفسه.
وأجيب: بأن دلالة المحدود من حيث الإجمال، ودلالة الحد من حيث التفصيل، ولا محذور في ذلك.
3 علق "ابن بدران" على هذا الكلام بقوله: "معناه: أن هذه الأقوال الثلاثة المذكورة في حد الحد لا معارضة بينها وبين ما ذكره من أن حد الحد هو الجامع المانع، وذلك لأن كل واحد ذكر للحد حدًّا باعتبار غير ما اعتبره الثاني، والمعارضة لا تكون إلا حيث تواردت الحدود على محدود واحد باعتبار واحد".
ثم قال: والحاصل: أن الحد لفظ مشترك بين أقسام الوجود، وباختلاف إطلاقه على أحد معانيه اختلف حده.
ومثاله: أن حد "العين" بأنه العضو المدرك للألوان بالرؤية، لم يخالف من يحد "العين" بأنه الجوهر المعدني الذي هو أشرف النقود، بل حد هذا أمرًا مباينًا لحقيقة الأمر الآخر, وإنما اشتركا في اسم "العين". انظر: "نزهة الخاطر جـ1 ص41، 42".
(1/66)

الثانية: ثبوت مثال حقيقته في الذهن، وهو المعبر عنه بالعلم1.
الثالثة: اللفظ المعبّر عما في النفس2.
الرابعة: الكناية عن اللفظ.
وهذه الأربعة متوازية متطابقة.
فإذًا: المحدود في أحد الجانبين غير المحدود في الآخر، فلا معارضة بينهما والله أعلم.
__________
1 يقصد بالعلم هنا: التصور، لأنه عبارة عن إدراك حقائق الأشياء مجردة عن الحكم عليها بالإثبات أو النفي.
2 ومنه قول الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
والقائل: هو الأخطل -على رأي بعض العلماء-، وقال البعض: إنه ليس من كلام الأخطل لعدم وجوده في ديوانه، وأضيف إليه -عند الطباعة- في قسم الزيادات. انظر "شرح المفصل للزمخشري 1/ 31، معجم شواهد العربية 1/ 271".
(1/67)

فصل: [في أن تعذر البرهان على الحد لا يمنع صحته]
وزعم أهل هذا العلم1 أن الحد لا يمنع لتعذر البرهان على
__________
1 يقصد بأهل العلم: المناطقة، قال ابن بدران: والزعم هنا بمعنى الرأي، كقولك: زعم أبو حنيفة كذا: أي ارتأى كذا.
واعلم أن تفصيل القول في أن الحد لا يكتسب البرهان وتحقيق الحق فيه مما لا يليق بهذا الكتاب ولا بغيره من كتب الأصول، ومن أراده فعليه بكتاب "البرهان" من كتاب "الشفاء" لابن سينا، والمصنف اختطف خطفة من كلام الغزالي فأورثها كتابه هنا، ونحن نجاريه على كلامه قائلين: اعلم أن الحد لا =
(1/67)

صحته، فإن الحد أقل ما يتركب من مفردين، فيحتاج في البرهان عن كل مفرد إلى حد يشتمل على مفردين، ثم يتسلسل ذلك إلى أن يصير إلى الأوليات المعلومة ضرورة، لكن قل ما يمكن إنهاؤه إليها، والنظر وضع للتعاون على إظهار الحق، فلا يوضع على وجه لا يمكن إثباته أو يعسر، بل طريق الاعتراض عليه بالنقض أو المعارضة1، بحد آخر.
فإن عجز المستدل عن نقض حد المعترض كان منقطعًا، وإن أبطله صح حده.
مثاله: قولنا -في حد الغصب-: "إثبات اليد العادية على مال الغير".
فربما قال الحنفي: لا نسلم أن هذا هو الحد الغصب. قلنا: هو مطرد منعكس، فما الحد عندك؟ فيقول: "إثبات اليد العادية المزيلة لليد المحقّة".
قلنا: يبطل بالغاصب من الغاصب، فإنه غاصب يضمن للمالك، ولم يُزل اليد المحقة، فإنها كانت زائلة.
__________
= يحصل بالبرهان بمعنى: أن الحد لا يدخله المنع، وإنما يدخله من أقسام المعارضة الآتية في أواخر باب القياس: النقض، والمعارضة، وإنما لم يدخله المنع لتعذر البرهان على صحته...." انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص44".
1 النقض عبارة عن: بيان تخلف الحكم المدعى ثبوته أو نفيه على الدليل في بعض الصور.
والمعارضة عبارة عن: إقامة دليل يدل على خلاف ما قال به الخصم. وسوف يأتي ذلك موضحًا في باب القياس، إن شاء الله تعالى.
(1/68)

فصل: في البرهان1
وهو الذي يتوصل به إلى العلوم التصديقية المطلوبة بالنظر.
وهو عبارة عن أقاويل مخصوصة، ألفت تأليفًا مخصوصًا بشرط يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر، وتسمى هذه الأقاويل مقدمات2.
ويتطرق الخلل إلى البرهان من جهة المقدمات تارة، ومن جهة التركيب تارة، ومنهما تارة، على مثال البيت المبني: تارة يختل لعوج
__________
1 قال الشيخ ابن بدران: "ذكر في أول المقدمة أن مدارك العقول تنحصر في الحد والبرهان، وأهل هذا الفن يعبرون عن الأول بالتصور، ويجعلون مبادئه الكليات الخمس التي هي الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعَرض العام، ومقاصده: القول الشارح الذي يعنونونه بالحد.
وعن الثاني: بالتصديقات، ويجعلون مبادئه القضايا وأحكامها: من التناقص والعكس وغيرهما، ومقاصده: البرهان.
ولما أتم الكلام على التصورات، أراد هنا أن يتكلم على التصديقات كلامًا على نمط الأول فقال: فصل في البرهان". "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص48".
2 هذا هو تعريف البرهان، كما نقله عن المستصفى "1/ 29" لكن ببعض تصرف، وأوضح وأخصر منه ما قاله بعض العلماء من أنه: "قول مؤلف من قضايا يلزم عنها لذاتها قول آخر".
وقولهم في التعريف "قول مؤلف من قضايا" يشمل ما كان من قضيتين، مثل قولنا: العالم متغير، وكل متغير حادث، وهو حجة بلا خلاف، فالمراد بالقضايا عند المناطقة: ما زاد على قضية واحدة. انظر في هذه المسألة: "شرح العضد على المختصر 1/ 76، إيضاح المبهم ص7".
(1/69)

الحيطان، وانخفاض السقف إلى قرب من الأرض، وتارة لشعث1 اللبنات، أو رخاوة الجذوع، وتارة لهما جميعًا.
فمن يريد نظم البرهان يبتدئ أولًا بالنظر في الأجزاء المفردة، ثم في المقدمات التي فيها النظم والترتيب.
وأقل ما يحصّل منه المقدمة: مفردان.
وأقل ما يحصّل منه البرهان: مقدمتان، ثم يجمع المقدمتين فيصوغ منهما برهانًا، وينظر كيفية الصياغة2.
__________
1 المراد بالشعث هنا: تفرق اللبنات وعدم تماسكها. انظر: القاموس المحيط فصل الشين، باب: الثاء.
2 خلاصة ما يريده المصنف من إيراد المثال المحسوس الذي أورده في صورة بيت: أن ينظر الإنسان في المعاني المفردة وأقسامها، وفي الألفاظ المفردة ووجوه دلالتها، ثم إذا فهمنا اللفظ مفردًا، والمعنى مفردًا، استطعنا أن نؤلف معنيين ونجعلهما مقدمة، وننظر في حكم المقدمة وشرطها، ثم نجمع مقدمتين فنصوغ منهما قياسًا، وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة.
فإذا أردنا أن نبرهن على أن العالم حادث، ونرد على القائلين بقدمه، قلنا: العالم متغير، وهذه هي المقدمة الأولى، وتسمى "الصغرى" ثم نقول: وكل متغير حادث، وهذه هي المقدمة الثانية، وتسمى "الكبرى". ولهاتين المقدمتين نتيجة هي المقصودة للمستدل، وهي: "العالم حادث".
(1/70)

فصل: في كيفية دلالة الألفاظ على المعنى
...
فصل: [في كيفية دلالة الألفاظ على المعاني]
واعلم أن دلالة الألفاظ على المعنى تنحصر في: المطابقة، والتضمن، واللزوم.
(1/70)

فالمطابقة: كدلالة لفظ "البيت" على معنى البيت.
والتضمن: كدلالته على السقف، ودلالة لفظ "الإنسان" على الجسم.
واللزوم: كدلالة لفظ "السقف" على الحائط؛ إذ ليس جزءًا من السقف، لكنه لا ينفك عنه، فهو كالرفيق الملازم، ولا يستعمل في نظر العقل ما يدل بطريق اللزوم؛ لأن ذلك لا ينحصر في حد؛ إذ السقف يلزم الحائط، والحائط: الأس1، والأس الأرض، فلا ينحصر، بل اقتصرْ على الأولين: المطابقة والتضمن2.
[تقسيم اللفظ، من حيث التعيين وعدمه] 3
ثم اللفظ ينقسم إلى ما يدل على معين كزيد وهذا الرجل.
__________
1 الأس في اللغة: الأصل، فالأس والأساس: أصل البناء. انظر: القاموس المحيط فصل الهمزة، باب السين.
2 خلاصة ما يريده المصنف في هذه الجزئية: أن دلالة الألفاظ على المعاني ثلاثة أنواع، دلالة مطابقة، وهي دلالة اللفظ على كامل معناه، كدلالة "البيت" على البيت كاملًا بجميع مشتملاته.
ودلالة تضمن، وهي: دلالة اللفظ على جزء المعنى، كدلالة "السقف" لأنه جزء من البيت.
ودلالة التزام: وهي دلالة اللفظ على أمر خارج عن معناه، لكنه لازم له لا يفارقه، كدلالة السقف على الحائط، فالسقف ليس جزءًا من الحائط، لكنه لا يعقل أن يوجد سقف بدون حائط تحته، ومن هنا سميت دلالة التزامية.
ولما كانت الدلالات الالتزامية كثيرة لا حصر لها، حيث المصنف على الإقلال منها، والاقتصار على المطابقة والتضمن.
3 هذا التقسيم للألفاظ من حيث العموم والخصوص. =
(1/71)

وحدّه: اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد.
وإلى ما يدل على واحد من أشياء كثيرة، تتفق في معنى واحد، يسمى "مطلقًا" كقولنا: فرس، ورجل.
فإن دخلت عليه الألف واللام صار عامًا1 يتناول جميع ما يقع عليه ذلك.
فإن قيل: فالسماء، والأرض، والإله، والشمس، والقمر، مدلولها مفرد مع الألف واللام؟
قلنا: امتناع الشركة لم يكن لوضع اللفظ، بل لاستحالة وجود المشارك؛ إذ الشمس في الوجود واحدة، ولو فرضنا عوالم في كل واحد شمس، كان قولنا: الشمس شاملًا للكل.
[تقسيم الألفاظ المتعددة المعاني باعتبار مسمياتها]
ثم تنقسم الألفاظ إلى: مترادفة، ومتباينة، ومتواطئة، ومشتركة.
فالمترادفة: أسماء مختلفة لمسمّى واحد، كالليث والأسد، والعقار والخمر.
__________
= فالأول: يسمى معينًا كما عرفه المصنف.
والثاني: يسمى مطلقًا، وهو الذي لا يمنع مفهومه من وقوع الشركة فيه.
1 قوله: "فإن دخلت عليه الألف واللام صار عامًّا" أي: أن الاسم المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام، سمي عامًّا، يستغرق جميع أفراد الجنس، مثل: الكتاب، والميزان. بشرط أن يكون له في الخارج أفراد كثيرون، ولهذا أورد الاعتراض بالشمس والقمر وغيرهما، ورد على هذا الاعتراض بأنه لا وجود إلا لفرد واحد، ولو فرض وجود أكثر من شمس لصدق عليه أنه عام.
(1/72)

فإن كان أحدهما يدل على المسمى مع زيادة لم يكن من المترادفة، كالسيف، والمهنّد، والصارم؛ فإن المهنّد يدل على السيف مع زيادة نسبته إلى الهند، والصارم يدل عليه مع صفة الحدَّة، فخالف إذا مفهومه مفهوم السيف1.
والمتباينة: الأسماء المختلفة للمعاني المختلفة، كالسماء والأرض، وهي الأكثر.
وأما المتواطئة: فهي الأسماء المنطلقة على أشياء متغايرة بالعدد، متفقة في المعنى الذي وضع الاسم عليها، كالرجل: ينطلق على زيد، وعمرو، والجسم: ينطلق عليهما وعلى السماء والأرض، لاتفاقهما في معنى الجسمية.
وأما المشتركة: فهي الأسماء المنطلقة على مسميات مختلفة بالحقيقة، كالعين للعضو الناظر، والذهب2.
وقد يقع على المتضادين: كالجليل، للكبير والصغير، والجون: للأسود والأبيض، والقرء: للحيض والطهر، والشفق: للبياض والحمرة.
وقد يقرب المشترك من المتواطئ، كالحي، يقع على الحيوان والنبات، فيظن أنه من المتواطئ، وهو من المتشرك؛ إذ المراد من حياة
__________
يستفاد من ذلك: أن شرط الترادف: أن يكون في أحد اللفظين زيادة معنى لم يدل على اللفظ الآخر، وإلا خرج من باب الترادف.
2 لفظ "العين" يطلق على معان كثيرة منها: العين المبصرة، والذهب، وعين الشمس، وما ينبع من الماء، والجاسوس، ورئيس الجيش، وكبير القوم وشريفهم، وذات الشيء ونفسه، وعلى الحاضر من كل شيء، وعلى النفس من كل شيء.... انظر "الصاحبي لابن فارس ص171، المزهر للسيوطي 1/ 369".
(1/73)

النبات: الذي يحصل به نماؤه، ومن الحيوان: الذي يحس به ويتحرك بالإرادة، فيسمى هذا مشتبهًا.
والمختار: يطلق على القادر على الفعل وتركه، فلذلك يصح تسمية المكره مختارًا، ويطلق على من تخلَّى في استعمال قدرته ودواعي ذاته1. فلا تحرك دواعيه من خارج، وهذا غير موجود في المكره، فليفهم هذا.
وله نظائر في النظريات تاهت فيها عقول كثير من الضعفاء، فليستدل بالقليل على الكثير.
__________
1 هذه الجملة منقولة من المستصفى "1/ 32" وقد شرحها الشيخ ابن بدران فقال: "معناه: أن استعمال قدرته والداوعي التي تستدعيها ذاته لا يكون أمر خارج مؤثرًا عليها، وإنما تكون باختياره، "مخلَّى" أي خاليًا عن جميع المؤثرات الخارجية ... ثم قال: و"مَنْ" اسم موصول، مجرور بعلى, متعلق بيطلق، وجملة "تخلى" صلة الموصول، والظرف بعده متعلق به.
وقوله "فلا تحرك ... " الفاء تفريعية، وتحرك بالبناء للمجهول والمعنى: أن المختار يطلق على من كانت دواعي ذاته واستعمال قدرته مخلَّاة، أي متروكة له، فلا تكون لأجل أمر خارج دعاه إليها فتأمل" "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص56".
(1/74)

فصل: في النظر في المعاني
سبب الإدراك يسمى قوة1.
المعاني المدركة ثلاثة: محسوسة، ومتخيلة، ومعقولة.
__________
1 الإدراك: الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه، والطريق الذي يوصل إلى تلك =
(1/74)

ففي حدقتك1 معنى تميزت به عن الجبهة حتى صرت تبصر بها، تسمى قوة باصرة.
وشرط البصر: وجود المبصَر، فإذا أبصرت شيئًا فهو محسوس بحاسة البصر، فإذا انعدم المبصَر انعدم الإبصار، وبقيت صورته في دماغك كأنك تنظر إليها، فيسمى ذلك تخيّلًا، فغيبة الشيء تنفي الإبصار، ولا تنفي التخيل.
ولما كنت تحس التخيل في دماغك، فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة تهيؤ للتخيل، تباين بها بقية الأعضاء، كمباينة العين لها.
وهذه القوة2 يشارك فيها الإنسان البهيمة، فمهما رأى الفرسُ الشعير تذكر صورته، فيعرف أنه موافق له مستلذ لديه، ولو لم تثبت الصورة في خياله لم يبادر إليه، ما لم يجرّبه بالذوق مرة أخرى.
ثم فيك قوة ثالثة تباين البهيمة بها، تسمى "عقلًا" محلها القلب3، تباين قوة التخيل، أشد من مباينة قوة التخيل قوة الإبصار.
__________
= الإحاطة يسمى قوة مدركة، ولذلك نفى الله -تعالى- عن ذاته العلية، إدراك الأبصار لها، قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] ولا تعارض في ذلك مع إثبات الرؤية: قال الشوكاني: ".... الأبصار جمع بصر، وهو الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به.
قال الزجاج: أي لا تبلغ كنه حقيقته، فالمنفيّ هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية.
فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترًا لا شك فيه ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلًا عظيمًا" انظر: فتح القدير جـ2 ص170 ط. دار الخير.
1 حدقة العين: سوادها.
2 أي: قوة التخيل.
3 ما قاله المصنف هو رأي جمهور العلماء والأطباء. وقيل: محله الدماغ، وقيل: =
(1/75)

ثم فيك قوة رابعة: تسمى "المفكّرة" شأنها أن تقدر على تفصيل الصورة التي في الخيال، وتقطيعها وتركيبها، وليس لها إدراك شيء آخر، بل إذا خطر في الخيال صورة إنسان قدر أن يجعلها نصفين: نصفٌ إنسان، ونصفٌ فرس، وربما صوّر إنسانًا يطير إذا ثبت في الخيال صورة الإنسان والطيران مفردين، والمفكرة تجمع بينهما، كما تفرق بين نصفي الإنسان، وليس لها أن تخترع صورة لا مثل لها.
__________
= محله القلب وله اتصال بالدماغ. والذين يرون أن النفس جوهر قائم بذاته يقولون: إن محله النفس.
وهذه الأقوال ناشئة عن تعريف العقل. وهل يحد أو لا، وهل هو جوهر أو عرض، أو ليس بجوهر ولا عرض، وبناء على ذلك اختلف في تعريفه على عدة آراء: قال الإمام الشافعي: هو آلة التمييز والإدراك. وقال الراغب الأصفهاني: هو القوة المتهيئة لقبول العلم.
وفي شرح الكوكب المنير: العقل: ما يحصل به التمييز بين المعلومات.
ثم قال: وهو غريزة نصًّا. قال في "شرح التحرير" قال الإمام أحمد رضي الله عنه: العقل غريزة، وقاله الحارث المحاسبي، فقال: العقل غريزة وليس مكتسبًا، بل خلقه الله تعالى يفارق به الإنسان البهيمة، ويستعد به لقبول العلم وتدبير الصنائع الفكرية، فكأنه نور يقذف في القلب، كالعلم الضروري.
وقال: وقال الحسن بن علي البربهاري: من أئمة أصحابنا: ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب، وإنما هو فضل من الله تعالى. قال الشيخ تقي الدين: هذا يقتضي أنه القوة المدركة. كما دل عليه كلام أحمد، لا الإدراك. وقد ذهب الإمام الغزالي إلى عدم إمكان حدّه بحد يحيط به؛ لأنه يطلق على معان خمسة:
أحدها: الغريزة التي يتهيأ بها الإنسان لإدراك العلوم النظرية وتدبير الأمور الخفية.
ثانيها: إطلاقه على بعض الأمور الضرورية، وهي التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز، بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات. =
(1/76)

فصل: في تأليف مفردات المعاني 1
والتأليف بين مفردين لا يخلو: إما أن ينسب أحدهما إلى الآخر بنفي أو إثبات، كقولنا: "العلم حادث" و"العالم ليس بقديم".
يسمي النحويون الأول: مبتدأ، والثاني خبرًا2. ويسميه الفقهاء:
__________
= ثالثها: إطلاقه على العلوم المستفادة من التجربة، فإن الذي لديه الخبرة والحنكة يقال له: عاقل، وغيره ليس بعاقل.
رابعها: إطلاقه على ما يوصل إلى ثمرة معرفة عواقب الأمور، وذلك بقمع الشهوات الداعية إلى اللذات العاجلة التي تعقبها الندامة.
خامسها: إطلاقه على الهدوء والوقار. وهي هيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه. فيقال: هذا عاقل: أي عنده هدوء ورزانة.
وأيًّا كان الاختلاف في تعريف العقل، فإن الراجح أنه في القلب، كما قال بعض العلماء، وهو الذي تؤيده الآيات الكريمة:
قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [سورة ق الآية: 37] . عبر بالقلب عن العقل، لأنه محله، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ... } [سورة الحج الآية: 46] . وقال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا} [سورة الأعراف الآية: 179] ، فجعل العقل في القلب. فلولا أن العقل موجود في القلب لما وصف بذلك حقيقة في قوله تعالى: {.... فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} إذ لا يتصور أن توصف الأذن بأن يرى بها أو يشم بها، لأن الأصل إضافة منفعة كل عضو إليه. انظر في هذه المسألة: "الحدود للباجي ص35، المستصفى 1/ 23، المسوّدة ص558، شرح الكوكب المنير 1/ 79 وما بعدها".
1 لما فرغ من الحديث عن اللفظ مجردًا، وعن المعاني مجردة، بدأ يتحدث عن النسبة بينهما وهي المسماة بالتصديق.
2 ومثل المبتدأ والخبر: الفاعل ونائبه في المحكوم عليه، والفعل في المحكوم به. =
(1/77)

حكمًا ومحكومًا عليه. ويسمى الجميع قضية.
والقضايا أربع:
قضية في عين نحو: "زيد عالم".
وقضية مطلقة نحو: "بعض الناس عالم".
وقضية عامة كقولنا: "كل جسم متحيز".
وقضية مهملة كقوله تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}
__________
= ويسميه البلاغيون: مسندًا ومسندًا إليه، والمتكلمون: موصوفًا، وصفة، والمناطقة: موضوعًا ومحمولًا، والكل يسمى قضية، كما يسمى مقدمات؛ لأن المقدمة قضية جعلت جزء قياس.
والقضية نوعان: قضية شرطية وهي: التي حكم فيها بحكم على وجه التعليق لا على وجه الحمل، مثل: "إن جئتني الآن أكرمتك" وقد أهملها المصنف لعدم الحاجة إليها كثيرًا.
والقضية الحملية: هي ما يحكم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه. وهذه هي التي قسمها إلى أربعة أقسام. كما قال.
ووجه هذا التقسيم: أن الجزء الأول من القضية وهو المحكوم عليه إما أن يكون معينًا أو غير معين. فإن كان معينًا سميت قضية معينة وشخصية، لأن موضوعها شخص معين.
والثاني -وهو غير المعين-: إما أن يكون الحكم فيها على ما صدق عليه الكلي من الأفراد أو على نفس الكلي. والأول: إما أن يبين فيها أن الحكم على كل الأفراد أو بعضها، أو لم يبين.
فإن بيّن تسمى: "جزئية محصورة" إن كان الحكم على البعض.
والسور الذي يدل على ذلك: "بعض" و"واحد" إن كانت موجبة، و"ليس بعض" و"ليس كل" إن كانت سالبة.
وإن كان الحكم على كل الأفراد تسمى "قضية كلية" أو عامة.
(1/78)

وربما وضع بعض المغالطين المهملة موضع العامة، كقول الشافعية: "المطعوم ربوي" دليله: البر والشعير.
فيقال: إن أردت كل مطعوم فما دليله؟ والبر والشعير ليس كل المطعومات.
وإن أردت البعض لم تلزم النتيجة؛ إذ يحتمل أن السفرجل من البعض ليس بربوي1.
__________
= وسورها "كل" إن كانت موجبة. كما مثل المصنف، و: "لا شيء" و"لا واحد" و"ليس كل" إن كانت سالبة كقولنا: لا شيء من الوضوء بعبادة.
وإن لم يبين فيها الحكم على ما صدق عليه الكلي من الأفراد أو على بعضه تسمى: "مهملة" لإهمال السور وعدم ذكره فيها، كالمثال الذي ذكره المصنف.
والثاني: هو أن يكون الحكم على نفس مفهوم الكلي، لا على ما صدق عليها من الأفراد، وتسمى "طبيعية" مثل: الإنسان جوهر. ولم يتعرض لها المصنف لعدم الحاجة إليها. انظر: بيان المختصر 1/ 8 وما بعدها.
1 خلاصة ما يريده من ذلك: أن بعض الناس قد يستعملون القضايا المهملة بدلًا من القضايا العامة، ظنًّا منهم أن المهملات قد يراد بها الخصوص والعموم، فتحل محلها، وهذا لا ينبغي أن يوجد في القضايا النظرية، ثم ضرب لذلك مثالًا هو: قول الشافعية: المطعوم ربوي، لأن البر والشعير ربويان وهما مطعومان. فيقال لهم: إن أردتم بقولكم: "المطعوم ربوي" البعض، لم تلزم النتيجة، لأن السفرجل -وهو الفاكهة المعروفة- مطعوم وليس بربوي، وإن أردتم كل =
(1/79)

فصل: [في مقدمتي البرهان وأضربه]
وقد ذكرنا أن البرهان مقدمتان يتولد منهما نتيجة، ولا يسمى برهانًا إلا إذا كانت المقدمتان قطعية، فإن كانت مظنونة سميت قياسًا فقهيًا، وإن
(1/79)

كانت مسلمة سميت قياسًا جدليًّا، وتسميتها قياسًا مجاز؛ إذ حاصله:
إدراج خصوص تحت عموم: والقياس تقدير شيء بشيء آخر1.
والبرهان على خمسة أضرب:
الأول2: قولنا: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فيلزم منه أن كل نبيذ حرام ضرورة، متى سلمت المقدمتان؛ إذ كل عقل صدّق بالمقدمتين صدّق بالنتيجة مهما أحضرهما في الذهن.
ووجه دلالته: أنا جعلنا المسكر صفة للنبيذ، ثم حكمنا على الصفة بالتحريم، فبالضرورة يدخل الموصوف فيه. ولو بطل قولنا "النبيذ حرام" مع كونه مسكرًا، بطل قولنا: "كل مسكر حرام".
__________
= المطعومات لزمكم الدليل، وما ذكرتموه من البر والشعير كل المطعومات.
1 قال الشيخ ابن بدران: "قوله: ولا يسمى برهانًا الخ: بيان للزوم النتيجة؛ لأن النتيجة لا تلزم من هذا القياس إلا إذا كانت المقدمتان مسلمتين يقينًا، إن كان المطلوب عقليًّا، أو ظنًّا إن كان المطلوب فقهيًا، لما ستعلمه من أن أدلة الفقه ظنية، وإن كانت المقدمتان مسلمتين سمي القياس جدليًّا، لكن تسمية ما ذكر قياسًا إنما هي تسمية مجازية؛ لأن القياس في أصل الوضع: تقدير شيء بشيء آخر، كتقدير الثوب بالذراع، وحاصل الأقيسة المصطلح عليها: إدراج خصوص تحت عموم، فالخصوص كقولنا: الخمر مسكر، واندراجه تحت العموم كقولنا: وكل مسكر حرام، إلا أن يقال: إن تسمية ذلك قياسًا حقيقة عرفية، وهذا هو الأولى: "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص64-65".
2 لم يذكر المصنف اسم الضرب الأول، وإنما اكتفى بذكر المثال، وهو في عرف المناطقة يسمى: قياسًا اقترانيًّا وهو: الذي لا يذكر اللازم، أي النتيجة ولا نقيضه فيه بالفعل. والمثال الذي ذكره المصنف فيه تساهل في التعبير، حيث أدخل لفظ "كل" على النبيذ، وهو غير وارد في أسلوب المناطقة، ولذلك كان ابن الحاجب أدق منه حيث قال: "النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام". انظر: بيان المختصر "1/ 98".
(1/80)

ثم اعلم أن كل واحدة من المقدمتين تشتمل على جزئين: مبتدأ وخبر. فتصير أجزاء البرهان أربعة أمور، منها واحد مكرر في المقدمتين، فتعود إلى ثلاثة؛ إذ لو بقيت أربعة لم تشترك المقدمتان في شيء واحد1.
مثل قولنا: "النبيذ مسكر" و"المغصوب مضمون" لم ترتبط إحداهما بالأخرى.
ويسمى المكرر علة، فإنه لو قيل لك: لم حرمت النبيذ؟ قلت: لأنه مسكر.
ويسمى ما جرى مجرى النبيذ محكومًا عليه.
وما جرى مجرى الحرام حكمًا.
وما يشتمل على المحكوم عليه: المقدمة الأولى.
وما يشتمل على الحكم: المقدمة الثانية.
ولهذا الضرب شرطان2:
__________
1 قال الشيخ ابن بدران: "قوله: على جزئين: مبتدأ وخبر: أي وحكم ومحكوم به -كما عرفته في الاصطلاح السابق-، فهذه هي الأربعة التي هي مجموع الأجزاء، لكن لما كان واحد مكرر في المقدمتين من قولنا: "الخمر مسكر، وكل مسكر حرام" أخذنا واحدًا من المكررين، فرجعت الأجزاء إلى الثلاثة" "نزهة الخاطر جـ1 ص95".
2 الشرط الأول: راجع إلى المقدمة الأولى، وهو: أن تكون الصغرى مثبتة، أي: موجبة، فإن كانت نافية لم تحصل النتيجة.
والشرط الثاني: أن تكون الثانية عامة، أي يكون موضوعها كليًّا، ليعلم اندراج الأصغر فيه، كما مثل له المصنف، فلو كانت الكبرى جزئية جاز كون =
(1/81)

أحدهما: أن تكون الأولى مثبتة، ولو كانت منفية لم تنتج.
والثاني: أن تكون الثانية عامة، ليدخل فيها المحكوم عليه بسبب عمومها.
فلو قلت: "النبيذ مسكر، وبعض المسكر حرام" لم يلزم تحريم النبيذ.
الضرب الثاني: أن تكون العلة حكمًا في المقدمتين، كقولنا: "لا يقتل المسلم بالكافر"1؛ لأن الكافر غير مكافئ، وكل من يقتل به مكافء.
فهذه ثلاثة معان: "مكافء" و"يقتل به" والثالث: "الكافر".
__________
= الأوسط أعم من الأصغر، وكون المحكوم عليه في الكبرى بعضًا منه غير الأصغر، فلا يندرج، فلا ينتج.
انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص67".
1 يشير بذلك إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" رواه علي، وابن عباس، وابن عمر، وعمران بن حصين، وعائشة، وعبد الله، ومعقل بن يسار، ومن مرسل عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن.
أما رواية علي فأخرجها النسائي: كتاب القسامة -باب سقوط القود من المسلم للكافر- "8/ 24" والدراقطني في سننه: كتاب الحدود والديات وغيره "3/ 98" وأحمد في مسنده "1/ 122" وأبو داود في السنن: كتاب الديات -باب: أيقاد المسلم بالكافر- حديث "53" "9/ 22". وحديث ابن عباس رواه ابن ماجه: كتاب الديات -باب لا يقتل مسلم بكافر-، وإسناده ضعيف. وحديث ابن عمر رواه ابن حبان في صحيحه. وحديث عمران بن حصين رواه البزار والبيهقي. وحديث عائشة رواه البيهقي، وحديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد وأبو داود، وحديث معقل رواه البيهقي. وانظر بقية الروايات في كتب السنة.
(1/82)

والمكرر: "المكافئ" فهو العلة، وهو الحكم في المقدمة الأولى.
وخاصية هذا النظم: أنه لا ينتج إلا قضية نافية1.
ولهذا الضرب شرطان:
أحدهما: أن تختلف المقدمتان في النفي والإثبات2.
والثاني: أن تكون الثانية عامة.
الضرب الثالث: أن تكون العلة مبتدأ بها في المقدمتين3.
وتسميه الفقهاء نقضًا، وينتج نتيجة خاصة، كقولنا: كل سواد عرض، وكل سواد لون، فيلزم منه: أن بعض العرض لون.
ومن الفقه4: كل بر مطعوم، وكل بر ربوي، فيلزم منه أن بعض المطعوم ربوي.
__________
1 مثال ذلك: كل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة، وكل مجهول الصفة لا يصح بيعه، فينتج: كل غائب لا يصح بيعه.
2 بحيث تكون الأولى مثبتة والثانية منفية، أو الأولى منفية والثانية مثبتة.
3 أي: أن يكون الحد الأوسط الذي وصف بأنه العلة، مبتدأ به في المقدمتين: الصغرى والكبرى. مثل قولنا: كل سواد عرض "وهذه هي الصغرى" وكل سواد لون "وهذه هي الكبرى" فيلزم منه -كما قال المصنف-: أن بعض العرض لون.
وهذا الضرب لا ينتج إلا نتيجة جزئية. وشرطه: أن تكون صغراه موجبة، وأن تكون إحدى مقدمتيه كلية.
انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص69".
4 قوله: ومن الفقه: أي مثال آخر من الفقه.
(1/83)

الضرب الرابع: التلازم1: ومثاله: إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن الصلاة صحيحة، فيلزم أن المصلي متطهر.
أو نقول: إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي غير متطهر، فيلزم أن الصلاة غير صحيحة.
ووجه دلالة هذه الجملة: أنه جعل الطهارة شرطًا لصحة الصلاة، فيلزم من وجود المشروط وجود الشرط، ومن انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ولا يلزم العكس2.
فلو قال: إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي متطهر لم يصح؛ إذ قد تفسد الصلاة بأمر آخر.
وكذلك لو قال: "ومعلوم أن الصلاة غير صحيحة" لا يلزم منه شيء؛ إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، ولا من انتفاء المشروط انتفاء الشرط.
وتحقيقه: أنه متى جعل شيء لازمًا لشيء، فيجب أن يكون اللازم أعم من الملزوم، أو مساويًا له، إذ ثبوت الأخص يوجب ثبوت الأعم ضرورة، وانتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، ولا من انتفاء الأخص انتفاء الأعم.
ومثاله: إذا قلنا: كل حيوان جسم، فيلزم من ثبوت الحيوان ثبوت الجسم، ومن انتفاء الحيوان، ولم يلزم العكس3.
__________
1 ومعناه: أنه يلزم من وجود المشروط وجود الشرط، ومن انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط ولا عدمه.
2 أي: لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، كما هو الشأن في تعريف الشرط، حيث قال الأصوليون في تعريفه: "هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته".
3 أي: لا يلزم من انتفاء الحيوان انتفاء الجسم، لأنه قد يكون شيئًا آخر غير الحيوان.
(1/84)

فذلك قلنا: إنه يلزم من صحة الصلاة التطهر، ومن انتفاء التطهر انتفاء الصلاة، ولم يلزم من نفي صحة الصلاة انتفاء التطهر؛ ولا من وجود التطهر وجود الصحة، لكون التطهر أعم من الصلاة.
أما إذا كان أحدهما مساويًا للآخر، فيلزم الوجود بالوجود، والانتفاء بالانتفاء؛ لاستحالة تفارقهما، وهذا ظاهر.
كقولنا: إن كان زنا المحصن موجودًا فالرجم واجب، ومعلوم أن الرجم واجب، فيكون الزنا موجودًا، ولكنه غير واجب، فلا يكون الزنا موجودًا، لكن الزنا غير موجود، فلا يكون الرجم واجبًا.
وكذا كل معلول له علة واحدة1.
الضرب الخامس: السبر والتقسيم2: كقولنا: العالم إما حادث وإما قديم، لكنه حادث، فليس بقديم، أو لكنه قديم فليس بحادث، أو لكنه ليس بحادث، فهو قديم.
__________
1 أي مساو لعلته، ويلزم من وجود أحدهما وجود الأخر.
ومن أمثلة ذلك: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكنها طالعة فهو موجود، لكنها غير طالعة فهو غير موجود، ولكن النهار موجود فالشمس طالعة، ولكن النهار غير موجود فالشمس غير طالعة.
2 علق الشيخ ابن بدران على ذلك بقوله: "مشى المصنف في هذا على اصطلاح المتكلمين، فإنهم يسمون هذا النوع بهذا الاسم، ويسميه المنطقيون بالشرطي المنفصل، وانفرد الغزالي بتسميته بالتعاند. "نزهة الخاطر جـ1 ص73" وانظر: المستصفى "1/ 42".
والسبر في اللغة: الاختبار، ومنه: سبر الجرح: اختبر غوره، كما يسمى "الميل" الذي يختبر به الجرح في الطب "المسبار" والتقسيم: التجزئة.
أما عند المتكلمين: فهو حصر أقسام الحكم للشيء الذي يراد إثبات الحكم له، ثم يختار منها المناسب له في المقدمة الثانية. =
(1/85)

وفي الجملة: كل نقيضين ينتج إثبات أحدهما نفي الآخر، ونفيه إثبات الآخر.
ولا يشترط انحصار القضية في قمسين، لكن من شرطه: استفياء أقسامه1.
أما إذا لم يحصر: احتمل أن الحق في قسم آخر.
فإن كانت ثلاثة، كقولنا: العدد مساو، أو أقل، أو أكثر، فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين، ونفي الآخرين ينتج إثبات الثالث، وإبطال واحد ينتج: انحصار الحق في الآخرين.
__________
= أما الأصوليون فعرفوه: بأنه حصر أوصاف الأصل، وإبقاء ما يصلح للتعليل منها، وحذف ما لا يصلح للتعليل. انظر: "شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 236، إرشاد الفحول ص213".
1 وسبب ذلك: أنه لم يستوف أقسامه لا يكمن منتجًا.
قال الشيخ ابن بدران: "أتى المصنف بمثال حاصر وأشار بقوله: "إذا لم يحصر" إلى الذي لا ينتج، كقولك: زيد إما بالعراق وإما بالحجاز، فهذا ما يوجب إثبات واحد ونفي الآخر، فإنه إن ثبت أنه بالعراق انتفى عن الحجاز وغيره، وأما إبطال واحد فلا ينتج إثبات الآخر، إذ ربما يكون في صقع ثالث".
"نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص74-75".
(1/86)

فصل: [في أسباب مخالفة البرهان أو القياس]
وجميع الأدلة في أقسام العلوم ترجع إلى ما ذكرناه.
وحيث تذكر لا على هذا النظم فهو: إما لقصور، وإما لإهمال إحدى المقدمتين2.
__________
2 خلاصة ذلك: أن جميع الأدلة العقلية في جميع العلوم ترجع إلى ما تقدم ذكره، =
(1/86)

ثم إهمالهما إما لوضوحهما، وهو الغالب في الفقهيات. كقول القائل: هذا يجب رجمه؛ لأنه زنا وهو محصن، وترك المقدمة الأولى لاشتهارها، وهي: كل1 من زنا وهو محصن فعليه الرجم.
وأكثر أدلة القرآن على هذا. قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 2. فترك: أنهما لم تفسدا للعلم به3.
وكذلك قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} 4.
ثم قد يكون الإهمال للمقدمة الأولى، وقد يكون للثانية. وقد تترك إحدى المقدمتين للتلبيس على الخصم، وذلك بترك المقدمة التي يعسر إثباتها، أو ينازعه الخصم فيها، استغفالًا للخصم واستجالًا له، خشية أن يصرح بها فيتنبه ذهن خصمه لمنازعته فيها.
وعادة الفقهاء إهمال إحدى المقدمتين، فيقولون في تحريم النبيذ:
__________
= فإن كانت مخالفة لما تقدم لم تكن دليلًا معتبرًا، وذلك يرجع إلى أمرين: إما قصور علم الناظر، وإما إهمال إحدى المقدمتين: الصغرى أو الكبرى.
وهذا الإهمال لأحد سببين: إما وضوح تلك المقدمة، وإما قصد التعمية والتلبيس على المستدل، حتى لا يستطيع نقض المقدمة. هذا معنى كلامه.
1 في جميع النسخ "وكل" ولعل الواو من زيادات النساخ فلا محل لها.
2 سورة الأنبياء من الآية: 22.
3 قال الفراء: إن "إلا" هنا بمعنى "سوى" والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسدتا، ووجه الفساد: أن كون مع الله إلها آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرًا على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف ويحدث بسببه الفساد. انظر "فتح القدير للشوكاني جـ3 ص453".
4 سورة الإسراء الآية: 42.
(1/87)

النبيذ مسكر، فكان حرامًا كالخمر1، ولا تنقطع المطالبة عنه ما لم يردّ إلى النظم الذي ذكرناه -والله أعلم-.
__________
1 قال الشيخ ابن بدران: "قوله: النبيذ مسكر، أي: ويتركون: وكل مسكر حرام. ومثله قولك: لا تخالط فلانًا، فيقال: لِمَ؟ فيقول: لأن الحسَّاد لا تؤمن مخالطتهم. وتمامه أن تقول: الحساد لا يخالطون، وهذا حاسد، فينبغي أن لا يخالط. فتركت مقدمة المحكوم عليه وهي قولك: هذا حاسد.
وكل من يقصد التلبيس في المجادلات فطريقه: إهمال إحدى المقدمتين إيهامًا بأنه واضح". "نزهة الخاطر جـ1 ص76".
(1/88)

فصل: [في اليقين ومداركه]
اليقين: ما أذعنت النفس إلى التصديق به، وقطعت به، وقطعت بأن قطعها به صحيح، بحيث لو حُكي لها عن صادق خلافه لم تتوقف في تكذيب الناقل1. كقولنا: الواحد أقل من الاثنين، وشخص واحد لا يكون في مكانين2، ولا يتصور اجتماع ضدين3.
__________
1 ومعنى ذلك: أنه لو حكى للشخص نقيض ما يعتقده عن أفضل الناس لما توقف في تجهيله وتكذيبه.
2 أي: في وقت واحد، وإلا فقد يوجد الشخص في مكانين مختلفين في وقتين مختلفين، ولا تناقض في ذلك.
3 المعلومان: إما نقيضان، أو خلافان، أو ضدان، أو مثلان:
فالنقيضان: هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالوجود والعدم بالنسبة إلى الشيء المعين.
والخلافان: هما الشيئان اللذان قد يجتمعان وقد يرتفعان، كالحركة والبياض في الجسم الواحد.
والضدان: هما الشيئان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، كالسواد والبياض، =
(1/88)

ولنا حالة ثانية، وهي: أن تصدق بالشيء تصديقًا جزميًّا لا تتمارى فيه، ولا تشعر بنقيضه البتَّة، ولو شعرت بنقيضه عسر إذعانها للإصغاء، لكن لو ثبتت وأصغت وحكى لها نقيضه عن صادق أورث ذلك توقفًا عندها.
وهذا اعتقاد أكثر الخلق، وكافة الخلق يسمون هذا يقينًا، إلا آحادًا من الناس.
فأما ما للنفس سكون إليه وتصديق به، وهي تشعر بنقيضه أو لا تشعر، لكن إن شعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله، فهو يسمى ظنًّا1.
__________
= لا يمكن اجتماعهما، وقد يرتفعان ويحل محلهما لون آخر، كالصفار مثلًا.
والمثلان: هما الشيئان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، كالبياض والبياض.
انظر في ذلك: شرح تنقيح الفصول ص97 وما بعدها، شرح الكوكب المنير جـ1 ص68، 69.
1 المنهج الذي سلكه المصنف في حصر القسمة في "اليقين" و"الظن" يخالف ما قاله جمهور العلماء من: أن القسمة تنحصر في: الاعتقاد، والظن، والوهم، والشك، والجهل:
فالاعتقاد: هو الذي لا يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر، فإن طابق الواقع كان اعتقادًا صحيحًا، وإن لم يطابقه كان فاسدًا.
والظن: هو ما يكون متعلقه راجحًا على احتمال النقيض. والمقابل للظن هو الوهم. فإن تساوى متعلقه واحتمال نقيضه فهو الشك.
والجهل: اعتقاد المعتقد على ما ليس به.
وهو نوعان: مركب، وهو ما تقدم تعريفه.
وبسيط: وهو انتفاء إدراك الشيء بالكلية. ومنه: السهو، والغفلة، والنسيان.
انظر: الحدود للباجي ص28 وما بعدها، بيان المختصر 1/ 51، التعريفات للجرجاني ص134، شرح الكوكب المنير 1/ 74 وما بعدها.
(1/89)

وله درجات في الميل إلى النقصان والزيادة لا تحصى، فمن سمع من عدل شيئًا سكنت نفسه إليه، فإن انضاف إليه ثان زاد السكون حتى يصير يقينًا، وبعض الناس يسمي هذا يقينًا أيضًا1.
[مدارك اليقين]
ومدارك النفس خمسة:
الأول- الأوليات:
وهي: العقليات المحضة التي قضى العقل بمجرده بها، من غير استعانة بحس وتخيل2، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وأن القديم ليس بحادث، واستحالة اجتماع الضدين، فهذه القضايا تصادف مرتسمة في النفس3، حتى يظن أنه لم يزل عالمًا بها، ولا يدري متى تجدد، ولا يقف حصولها على أمر سوى مجرد العقل.
__________
قال الشيخ ابن بدران: "كالمحدثين، فإنهم يسمون أكثر هذه الأحوال علمًا ويقينًا، حتى يطلقون بأن الأخبار التي تشتمل عليها الصحاح يجب العمل بها على كافة الخلق، إلا آحاد المحققين، فإنهم يسمون الحالة الثانية يقينًا ولا يميزون بين الحالة الأولى والثانية. والحق أن اليقين هو الأول، والثاني مظان الغلط". "نزهة الخاطر العاطر 1/ 78".
2 هذا التعريف للعقليات هو ما قاله الغزالي، وأخصر منه أن يقال: هي ما يجزم العقل فيها بمجرد تصور الطرفين، بديهيًّا كان التصور أو نظريًّا، وتتفاوت جلاءً وخفاءً.
3 وضح الشيخ "ابن بدران" ذلك بقوله: "أي مرتبة في العقل عند وجوده، فيرتسم فيه الوجود -مثلًا- مفردًا، والحادث مفردًا، والقوة المفكرة تجمع هذه المفردات، وتنسب بعضها إلى بعض، مثل: أن تحضر أن القديم حادث، ويكذب العقل به، أو أن القديم ليس بحادث، ويصدق العقل به، ولا يحتاج إلا إلى ذهن ترتسم فيه المفردات، أو إلى قوة مفكرة تنسب بعض هذه المفردات =
(1/90)

الثاني- المشاهدات الباطنة:
كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وسائر أحواله الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس، فليست حسية، ولا هي عقلية؛ إذ تدركها البهيمة والصبي. والأوليات لا تكون للبهائم.
الثالث- المحسوسات الظاهرة:
وهي: المدركة بالحواس الخمس، وهي: البصر، والسمع، والذوق، والشم، واللمس.
فالمدرك بواحد منها يقيني، كقولنا: الثلج أبيض، والقمر مستدير، وهذا واضح.
لكن يتطرق الغلط إليها لعوارض: كتطرق الغلط إلى الإبصار، لبعد أو قرب مفرط، أو ضعف في العين وخفاء في المرئي.
وكذلك ترى الظل ساكنًا وهو متحرك، وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، والصبي، والنبات، هو في النمو لا يتبين ذلك.
وأسباب الغلط في الأبصار المستقيمة1 منها: الانعكاس كما في المرآة، والانعطاف، كما يرى ما وراء البلور والزجاج وغير ذلك.
الرابع- التجريبيات:
ويعبر عنها باطراد العادات: ككون النار محرقة، والخبز مشبع، والماء مرو، والخمر مسكر، والحجر هاو، وهي يقينية عند من جربها.
__________
= إلى البعض، فيتربص العقل على البديهة إلى التصديق أو التكذيب". "نزهة الخاطر جـ1 ص79".
1 قوله: المستقيمة: أي الصحيحة، وليس فيها ما في النوع الأول من أسباب.
(1/91)

وليست هذه محسوسة؛ فإن الحس شاهد حجرًا يهوي بعينه، أما أن كل حجر هاو، فقضية عامة لم يشاهدها، وليس للحس إلا قضية في عين.
الخامس- المتواترات:
كالعلم بوجود مكة وبغداد. وليس هو بمحسوس، إنما للحس أن يسمع، أما صدق المخبر فذلك إلى العقل. فهذه الخمسة مدارك اليقين.
فأما ما يتوهم أنه منها وليس منها: فالوهميات1، والمشهورات.
وهي آراء محمودة توجب التصديق بها2، إما شهادة الكل، أو الأكثر، أو جماعة من الأفاضل، كقولك: الكذب قبيح، وكفران المنعم، وإيلام البريء قبيح، والإنعام، وشكر المنعم، وإنقاذ الهلكى حسن.
__________
1 الوهميات: عبارة عن قوة في التجويف الأخير من الدماغ تسمى "وهمية" شأنها ملازمة المحسوسات التي ألفتها، فليس في طبعها إلا النبوة عنها، وليست هي من مدارك اليقين. "نزهة الخاطر العاطر 1/ 81".
2 قوله: وهي آراء محمودة الخ: تفسير للمشهورات، وإنما لم تكن من مدارك اليقين، لأنها ليست مطردة، فتارة تكون صادقة، وتارة تكون كاذبة.
(1/92)

فصل: في لزوم النتيجة من المقدمتين
اعلم أنك إذا جمعت بين مفردين، ونسبت أحدهما إلى الآخر، كقولك: "النبيذ حرام" فلم يصدق بينهما العقل، فلا بد من واسطة بينهما تنسب إلى المحكوم عليه، فتكون حكمًا له، وتنسب إلى الحكم فتصير حكمًا له، فيصدق العقل به، فليزم -ضروة- التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه.
بيانه: إذا قال: "النبيذ حرام" فمنع وطلب واسطة ربما صدّق العقل
(1/92)

بوجودها في النبيذ، وصدق بوصف الحرام لتلك الواسطة، فيقول: النبيذ مسكر؟ فيقول: نعم. إذا كان قد علم ذلك بالتجربة.
فيقول: وكل مسكر حرام؟ فيقول: نعم إذا كان حصل ذلك بالسماع، فيلزم التصديق بأن النبيذ حرام1.
فإن قيل: فهذه القضية ليست خارجة عن القضيتين2؟
قلنا: هذا غلط؛ فإن قولك: "النبيذ حرام" غير قولك: "النبيذ مسكر" وغير قولك: "المسكر حرام"، بل هذه ثلاث مقدمات مختلفات لا تكرير فيها.
لكن قولك: "المسكر حرام" شمل "النبيذ" بعمومه، فدخل "النبيذ" فيه بالقوة، لا بالفعل؛ إذ قد يخطر العام في الذهن، ولا يخطر الخاص، فمن قال: "الجسم متحيز" قد لا يخطر بباله ذكر القطب، فضلًا عن أن يخطر بباله -مع ذلك- أنه متحيز، فالنتيجة موجودة في إحدى المقدمتين بالقوة القريبة، لا تخرج إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين، ما لم يحضر المقدمتين في الذهن، ويخطر بباله وجه وجود النتيجة في المقدمتين بالقوة.
ولا يبعد أن ينظر الناظر إلى بغلة منتفخة البطن فيظن أنها حامل. فيقال: هل تعلم أن هذه البغلة عاقر؟ فيقول: نعم. فيقال: وهل تعلم أن
__________
1 قال الشيخ "ابن بدران" -موضحًا هذه الصورة-: "وتحريرها أن يقال: وعرضته على العقل، لم يخل العقل فيه من أمرين: إما أن يصدق به، أو يمتنع عن تصديقه، فإن صدق به فهو الأولي المعلوم بغير واسطة، أو بغير علة، أو بغير دليل، وإن امتنع عن المبادرة إلى التصديق فلا بد حينئذ من واسطة.... "نزهة الخاطر "1/ 84".
2 أي المقدمتين السابقتين، لأنه يعبر عن المقدمة بالقضية.
(1/93)

هذه بغلة؟ فيقول: نعم. فيقال: فكيف توهمت حملها؟ فتعجب من توهمه مع علمه بالمقدمتين1.
فإن قيل: فالمطلوب بالنظر معلوم أم مجهول؟
إن كان معلومًا كيف تطلبه وأنت واجد؟
وإن كان مجهولًا فبم تعلم مطلوبك؟
قلت: هذا تقسيم غير حاصر، بل ثَمَّ قسم آخر، وهو أني أعرفه من وجه دون وجه، فإني أفهم المفردات، وأعلم جملة النتيجة المطلوبة بالقوة، ولا أعلمها بالفعل، فهو كطلب الآبق في البيت، فإني أعرفه بصورته وأجهله بمكانه، وكونه في البيت أفهمه مفردًا، فهو معلوم لي بالقوة, وأطلب حصوله من جهة حاسة البصر، فإن رأيته في البيت صدقت بكونه فيه.
__________
1 أي علمه أن كل بغلة عاقر، وهذه بغلة فهي إذا عاقر، والعاقر هي التي لا تحمل، فإذًا هي لا تحمل، وانتفاخ البطن له أسباب سوى الحمل، فإذًا انتفاخها من سبب آخر. انظر: "نزهة الخاطر 1/ 86".
(1/94)

فصل: [في تقسيم البرهان: إلى برهان علة وبرهان دلالة] 1
وإذا استدللت بالعلة على المعلول فهو: برهان علة: كالاستدلال بالغيم على المطر.
وإن استدللت بالمعلول على العلة، أو بأحد المعلولين على الآخر:
__________
1 كما يسمى قياس علة وقياس دلالة, وسيأتي في باب القياس أن قياس الدلالة: هو ما لم تذكر فيه العلة.
(1/94)

فهو برهان دلالة، كالاستدلال بالمطر على الغيم.
والاستدلال بأحد المعلولين على الآخر، كقولنا: كل من صح طلاقه صح ظهاره، والذمي يصح طلاقه فيصح ظهاره، فإن إحدى النتيجتين تدل على الأخرى بواسطة العلة؛ فإنها1 تلازم علتها، والأخرى2 تلازم علتها، وملازم الملازم ملازم.
__________
1 أي النتيجة.
2 أي: أن النتيجة الثانية تلازم علتها أيضًا.
(1/95)

فصل: [في الاستدلال بالاستقراء]
فأما الاستدلال بالاستقراء: فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على مثلها، كقولنا -في الوتر-: ليس بفرض؛ لأنه يؤدى على الراحلة، والفرض لا يؤدى عليها.
فيقال: لِمَ قلتم: إن الفرض لا يؤدى عليها؟
قلنا: بالاستقراء؛ إذ رأينا القضاء والنذر والأداء لا تؤدى عليها، فهذا مختل1 يصلح للظنيات دون القطعيات، فإن حكمه بأن كل فرض لا يؤدى على الراحلة يمنعه الخصم؛ إذ الوتر عنده واجب يؤدى عليها.
فنقول: هل استقرأت حكم الوتر في تصفحك، وكيف وجدته؟
فإن قال: وجدته لا يؤدى على الرحلة فباطل إجماعًا.
__________
1 لأنه استقراء ناقص، وهذا يكفي في الظنيات، ومنها الأحكام الفقهية، إذ أغلبها ظني.
(1/95)

ثم هو مبطل المقدمة الأخرى على نفسه؛ إذ1 الوتر يؤدى على الراحلة.
وإن قال: لم أتصفحه، فلم يبين إلا بعض الأجزاء، فخرجت المقدمة عن أن تكون عامة، فإذًا لا يصلح ذلك إلا في الفقهيات.
فلنشرع الآن في ذكر الأصول فنقول:
__________
1 بعدها في جميع النسخ لفظ "هي" ولا محل لها هنا.
(1/96)

الباب الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه
معنى الحكم
...
الباب الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه1
أقسام أحكام التكليف خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور.
وجه هذه القسمة: أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل أو الترك أوالتخيير بينهما.
فالذي يرد باقتضاء الفعل أمر، فإن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا. والذي يرد باقتضاء الترك نهي، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة، وإلا فحظر.
__________
1 هذا العنوان أخذناه من كلام المصنف في المقدمة وإن لم يذكره هنا.
وقد بدأ المصنف ببيان أقسام الحكم ولم يتعرض لتعريفه، فلنذكر تعريفه لغة واصطلاحًا.
فالحكم في اللغة:
المنع والقضاء، يقال: حكمت عليه بكذا: أي منعته من خلافه، وحكمت بين الناس: قضيت بينهم وفصلت، ومنه حكمة اللجام، وهو: ما أحاط بحنكي الدابة، سميت بذلك لأنها تمنعها من الجري الشديد. وهي أيضًا حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه، ومنه الحكمة، لأنها تمنع صاحبها عن أخلاق الأراذل والفساد. "القاموس المحيط 4/ 9". =
(1/97)

..................................................................................
__________
= الحكم في الاصطلاح:
أما الحكم في الاصطلاح العام فهو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقل النسبة إيجابًا أو سلبًا، نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا. والجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.
2- حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة، مثل: كون حرارة الجسم دليلًا على المرض، وتعاطي الدواء مزيلًا لها.
3- حكم شرعي، وهو المقصود هنا:
وللحكم الشرعي تعريف عند الفقهاء، وآخر عند الأصوليين، والسبب في هذا الاختلاف: أن الأصوليين يعرفونه بما يفيد أنه خطاب الشارع الذي يبين صفة الفعل الصادر من المكلف. والفقهاء يعرفونها بما يفيد أنه أثر ذلك الخطاب.
فقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [سورة البقرة الآية: 43، 110] ، وهو الحكم عند الأصوليين، لأنه خطاب الله تعالى الذي بين صفة هي الوجوب لفعل صادر عن المكلف وهو الصلاة.
والوجوب الذي أثبته الخطاب المتقدم: هو الحكم عند الفقهاء، ولذلك كان تعريف الحكم عند الفقهاء: هو الأثر المترتب على خطاب الله تعالى، أو هو: مدلول الخطاب الشرعي وأثره. "انظر: الإحكام للآمدي 1/ 95، فواتح الرحموت 1/ 54".
معنى الحكم عند الأصوليين:
لعلماء الأصول في تعريف الحكم الشرعي اتجاهات مختلفة، فبعضهم عرفه بأنه: "خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير" وعلى ذلك لا يكون شاملًا للحكم الوضعي، وقالوا: إن الحكم الوضعي -كما سيأتي تعريفه- يرجع في النهاية إلى الحكم التكليفي.
وبعضهم أبدل كلمة "المكلفين" بكلمة "العباد" ليكون التعريف شاملًا للأفعال التي تصدر من غير المكلفين، ويترتب عليها أثرها من وجوب الحقوق المالية كضمان المتلفات والنفقات وما أشبه ذلك. =
(1/98)

..................................................................................
__________
ونحن نرى أن تعريف الجمهور للحكم الشرعي أشمل وأوضح من غيره، وأنه لا داعي للتجوز أو التقدير، فما لا يحتاج إلى تقدير أولى مما يحتاج، ولذلك عرفوه بأنه: "خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع".
والخطاب في الأصل: توجيه الكلام للغير ليفهمه، ويطلق -أيضًا- على الكلام الموجه نفسه. والمراد به هنا: كلام الله تعالى، فهو المشرع وحده دون غيره.
ومعنى تعلق الخطاب بأفعال المكلفين: ارتباطه بهذه الأفعال على وجه يبين صفتها من كونها مطلوبة الفعل أو الترك أو مخيرًا فيها.
والاقتضاء معناه: الطلب، سواء أكان طلب فعل أم كان طلب ترك.
فطلب الفعل إن كان جازمًا فهو الواجب، وإن كان غير جازم فهو المندوب. وطلب الترك إن كان جازمًا فهوالحرام، وإن كان غير جازم فهو المكروه.
والتخيير معناه: التسوية بين الفعل والترك، وهو الإباحة.
وبتقييد الحكم الشرعي بأنه: خطاب الله تعالى، خرج خطاب غيره، إذ لا حكم إلا لله تعالى.
وبقيد "المتعلق بأفعال المكلفين" خرج خمسة أشياء:
1- الخطاب المتعلق بذات الله تعالى، مثل قوله سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ... } [سورة آل عمران الآية: 18] .
2- الخطاب المتعلق بصفاته سبحانه، مثل قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... } [سورة البقرة الآية: 255] .
3- الخطاب المتعلق بفعله -جل شأنه- مثل قوله تعالى: {اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ... } [سورة الزمر الآية: 62] .
4- الخطاب المتعلق بذوات المكلفين، مثل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ... } [سورة الأعراف الآية: 11] .
5- الخطاب المتعلق بالجمادات، مثل قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ... } [سورة الكهف الآية: 47] . =
(1/99)

...............................................................................
__________
= فكل ما تقدم لا يشمله الحكم الشرعي المتقدم.
والمراد بالفعل: ما يعده العرف فعلًا، سواء أكان من أفعال القلوب، كالاعتقادات، أم كان من أفعال الجوارح.
والمراد بالمكلف: من قام به التكليف، وهو البالغ، العاقل، الذاكر، غير المكره وبلغته الدعوة.
والمراد بالوضع -في التعريف- أن الشارع قد ربط بين أمرين مما يتعلق بالمكلفين، كأن يربط بين الوارثة، ووفاة شخص، فتكون الوفاة سببًا للميراث، أو يربط بين أمرين يكون أحدهما شرطًا شرعيًّا لتحقيق الآخر، وترتب آثاره. كاشتراط الوضوء لصحة الصلاة، وكاشتراط الشهود لصحة عقد النكاح، ولذلك سمي وضعيًّا، وهذا لا يخرجه عن كونه شرعيًّا. "شرح العضد على المختصر 1/ 221".
أنواع الحكم الشرعي:
وبناء على التعريف المتقدم يتنوع الحكم الشرعي إلى نوعين: حكم تكليفي، وحكم وضعي:
1- الحكم التكليفي:
وهو: خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
وبناء على ذلك تكون الأحكام التكليفية خمسة:
1- الإيجاب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا جازمًا. مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [سورة البقرة الآيتان 43، 110] .
2- الندب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا غير جازم، نحو قوله تعالى: { ... وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [سورة النور الآية: 33] .
فالأمر بمكاتبة العبد حتى يعتق ليست واجبة، وإنما هي مندوبة حث عليها الإسلام تحقيقًا للحرية التي أردها الإسلام للجميع، فالمالك حر التصرف فيما يملك، فالأمر هنا على سبيل الندب، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". "أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي =
(1/100)

..................................................................................................
__________
= والنسائي وابن خزيمة: الفتح الكبير 3/ 182".
3- التحريم: وهو الخطاب الدال على طلب الكف طلبًا جازمًا، مثل قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَق....} [سوة الإسراء الآية: 33] .
4- الكراهة: وهي الخطاب الدال على طلب الكف عن الفعل طلبًا غير جازم، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين". أخرجه البيهقي وابن عدي في الكامل "الفتح 1/ 106". فالجلوس بدون صلاة مكروه.
5- الإباحة: وهي الخطاب الدال على تخيير المكلف بين الفعل والترك، مثل قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ... } [سورة الأعراف الآية: 31] .
وهذا تقيسم جمهور العلماء.
أما الحنفية: فالأحكام عندهم سبعة: الفرض، والإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة التحريمية، والكراهة التنزيهة، والإباحة، فزادوا على الجمهور الفرض، وكراهة التحريم.
ويتفرق الحكم التكليفي عن الحكم الوضعي بما يلي:
أولًا: أن المقصود من الحكم التكليفي طلب فعل من المكلف، أو الكف عنه، أو التخيير بين الفعل والترك.
وأما الحكم الوضعي: فليس فيه تكليف أو تخيير، وإنما فيه ارتباط أمر بآخر على وجه السببية أو الشرطية أو المانعية الخ....
ثانيًا: أن الحكم التكليفي مقدور للمكلف، وفي استطاعته أن يفعله أو يكف عنه، ولذلك يثاب على الفعل ويعاقب على الترك.
أما الحكم الوضعي: فقد يكون مقدورًا للمكلف، مثل: صيغ العقود، التي هي سبب لصحتها، واقتراف الجرائم، فهي سبب لترتب أحكامها، واستحقاق العقوبة.
وقد يكون غير مقدور للمكلف، مثل: القرابة التي هي سبب للإرث، فالإرث سبب من أسباب الملك، وهما غير مقدورين للمكلف، مثل: دلوك الشمس فإنه سبب لوجوب الصلاة. والدلوك ليس من فعل المكلف ولا قدره له على إيجاده. =
(1/101)

[الواجب وتقسيماته]
وحد الواجب: ما توعد بالعقاب على تركه.
وقيل: ما يعاقب تاركه.
وقيل: ما يذم تاركه شرعًا1.
__________
= ثالثًا: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بالمكلف، أما الحكم الوضعي: فإنه يتعلق بالجميع، فالصبي -مثلًا- تجب الزكاة في ماله وإن كان غير مكلف، لوجود سبب الزكاة، وهو ملك النصاب، ويضمن وليه ما يتلفه وهكذا. انظر: "أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 1/ 43-44".
1 هذه التعريفات التي أوردها المصنف للواجب هي باعتبار الاصطلاح الشرعي. أما الواجب في اللغة: فيطلق على معنيين:
أحدهما: الساقط، مأخوذ من: "وجب" بمعنى "سقط" قال الله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَر} [سورة الحج الآية: 36] . ومعنى "وجبت جنوبها": أي سقطت جنوبها على الأرض بسبب الذبح.
ثانيهما: اللزوم، يقال: وجب الشيء وجوبًا، أي: لزم لزومًا.
وقول المصنف: "ما توعد بالعقاب على تركه" لا ينافي عفو الله تعالى ومغفرته، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} [سورة النساء الآية: 116] فإن الله تعالى قد يخلف إيعاده، لكنه -جل شأنه- لا يخلف وعده.
ولذلك رجح كثير من العلماء التعريف الثالث وهو: "ما يذم تاركه شرعًا" لأن الذم أمر ناجز يترتب على الترك، أما العقوبة فمشكوك فيها، لأنه ربما لا يعاقب، وإن كان يذم على ترك الواجب.
وهو مأخوذ من تعريف أبي بكر الباقلاني وعبارته: "هو الذي يذم تاركه ويلام شرعًا بوجه ما" وقوله "بوجه ما" ليشمل الواجب المخير، فإنه يلام على تركه مع بدله، والواجب الموسع، فإنه على تركه مع ترك العزم على الامتثال، =
(1/102)

والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين1؛ لاستواء حدهما2، وهو قول الشافعي3.
__________
= وكذلك الواجب الكفائي، فإنه يلام إذا لم يفعله، ولم يفعله غيره أيضًا. انظر: "روضة الناظر مع الشرح لبدران 1/ 91".
1 أي: المنقولتين عن الإمام أحمد -رضي الله عنه- وهو رأي الجمهور من الأصوليين، وقد وافق الجمهور الحنفية في التفرقة بين الفرض والواجب في بعض الفروع الفقهية، كما في باب الحج: فقالوا: إن الفرض إذا تركه الحاج بطل حجه كالوقوف بعرفة، أما الواجب: فإنه يجبر بدم كرمي الجمرات.
2 هذا هو دليل الجمهور، وقد أورد الإمام الطوفي من النصوص ما يدل على أن السقوط يأتي في اللغة بمعنى وقوع الشيء من أعلى إلى أسفل، كقولنا: سقط الحجر من الجبل، وقوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} [سورة سبأ الآية: 9] ، كما يأتي بمعنى: وقوعه على المكلف من الله سبحانه وتعالى، الذي هو فوق عباده. "شرح مختصر الروضة جـ1 ص266".
على أن علماء اللغة قد نصوا أن الوجوب يأتي بمعنى السقوط، كما يأتي بمعنى الثبوت واللزوم، على سبيل الاشتراك اللفظي، فيحمل هنا على اللزوم ليتناسب مع المعنى المراد من الواجب، وهي قرينة ترجح حمله على أحد معنييه كما هو الشأن في المشترك اللفظي.
3 هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي، أبو عبد الله، الإمام الجليل، صاحب المذهب المعروف، ولد بغزة سنة 150هـ من أشهر مؤلفاته: كتاب الأم، والرسالة، وأحكام القرآن. توفي في مصر سنة 204هـ.
انظر: في ترجمته: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي "1/ 192"، شذرات الذهب "2/ 9"، وفيات الأعيان "3/ 305".
وهذا الرأي ليس للشافعي وحده، وإنما هو رأي الإمام مالك، وكثير من الحنابلة: انظر: "العدة 2/ 376، المستصفى 1/ 65، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 1/ 228".
(1/103)

والثانية: الفرض آكد.
فقيل: هو1 اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة2.
وقيل: ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا، نحو: أركان الصلاة، فإن الفرض في اللغة: التأثير، ومنه فُرضة النهر والقوس3.
والوجوب: السقوط، ومنه: "وجبت الشمس والحائط" إذا سقطا، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} 4 فاقتضى تأكد الفرض على الواجب شرعا؛ ليوافق معناه لغة.
__________
1 الضمير عائد على الفرض، وهو تفريع على مذهب من يفرق بين الفرض والواجب.
2 هو: النعمان بن ثابت بن زوطي، أحد الأئمة الأربعة المشهورين، ولد عام 80هـ. كان فقيه العراق وإمام أهلها بلا منازع، قال عنه الشافعي: "الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه" توفى سنة 150هـ "وفيات الأعيان 5/ 39، الشذرات 1/ 227".
3 قال الجوهري في الصحاح "مادة فرض": الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: هو الحز الذي يقع فيه الوتر، والفريض: السهم المفروض فوقه، والتفريض: التحزيز، والمفرض: الحديدة التي يحز بها، والفراض: فوهة النهر.
قال الطوفي: "وإذا ثبت ذلك، فالفرض أخص من السقوط، إذ لا يلزم -مثلًا- من سقوط الحجر ونحوه على الأرض أن يحزّ ويؤثر فيها، ويلزم من حزّه وتأثيره في الأرض أن يكون قد سقط واستقر عليها، وإذا كان كذلك وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم، كما اختص بقوة في اللغة، حملًا للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية" "شرح مختصر الروضة 1/ 275".
4 سورة الحج من الآية: 36.
(1/104)

ولا خلاف في انقسام الواجب إلى، مقطوع ومظنون، ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى1.
__________
1 في هذا إشارة إلى أن الخلاف لفظي. قال الطوفي: "إن النزاع في المسألة إنما هو في اللفظ، مع اتفاقنا على المعنى، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف، إلى قطعي وظني، واتفقنا على تسمية الظني واجبًا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبًا وفرضًا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاءوا" "شرح المختصر 1/ 276".
(1/105)

فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار ذاته]
والواجب ينقسم إلى معين، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فيسمى واجبًا مخيرًا، كخصلة من خصال الكفارة.
وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للوجوب مع التخيير.
ولنا: أنه جائز عقلًا وشرعًا:
أما العقل2: فإن السيد لو قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، أيهما فعلت اكتفيت به، وإن تركت الجميع عاقبتك، ولا أوجبهما عليك معًا، بل أحدهما لا بعينه، أيهما شئت، كان كلامًا معقولًا. ولا يمكن دعوى إيجاب الكل؛ لأنه
__________
1 في هذا إشارة إلى أن الخلاف لفظي. قال الطوفي: "إن النزاع في المسألة إنما هو في اللفظ، مع اتفاقنا على المعنى، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف، إلى قطعي وظني، واتفقنا على تسمية الظني واجبًا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبًا وفرضًا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاءوا" "شرح المختصر 1/ 276".
2 المصنف استدل على الجواز من وجهين:
الأول: قوله "فلأن السيد لو قال لعبده ... إلخ".
والوجه الثاني: قوله بعد ذلك: "ولأنه لا يمتنع في العقل ... إلخ" ومعناه:
أن الشارع قد يقصد عدم التعيين تخفيفًا وتيسيرًا على المكلفين، حتى يستطيع كل مكلف أن يأتي بما هو مقدور له، وهذا من محاسن التشريع الإسلامي.
(1/105)

صرح بنقيضه ولا دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا؛ لأنه عرضه للعقاب بترك الكل، ولا أنه أوجب واحدًا معينًا، لأنه صرح بالتخيير، فلم يبق إلا أنه أوجب واحدا لا بعينه.
ولأنه لا يمتنع في العقل أن يتعلق الغرض بواحد غير معين، لكون كل واحد منهما وافيًا بالغرض حسب وفاء صاحبه، فيطلب منه قدر ما يفي بغرضه، والتعيين فضلة لا يتعلق بها الغرض، فلا يطلبه منه.
وأما الشرع: فخصال الكفارة1، بل إعتاق الرقبة بالإضافة إلى إعتاق العبيد2، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها، ولا سيبل إلى إيجاب الجميع، وأجمعت الأمة3 على أن جميع خصال الكفارة غير واجب.
__________
1 المراد: خصال كفارة اليمين الواردة في سورة المائدة آية 92 وهي قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} .
2 قصده من هذه العبارة: أن التخيير وارد في الرقبة التي سيكفّر بها، فيجزئ أي رقبة كانت، سواء أكانت مؤمنة أم كافرة.
3 قوله "أجمعت الأمة إلخ" جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: الواجب جميع خصال الكفارة، فلو تركها عوقب على الجميع، ولو أتى بجميعها وقع الجميع واجبًا، ولو أتى بواحد سقط عنه الآخر، وقد يسقط الواجب بأسباب دون الأداء وذلك محال. فأجاب: أن هذا لا يطرد في الإمامين والكفؤين، فإن الجمع فيه حرام، فكيف يكون الكل واجبًا، ثم هو خلاف الإجماع في خصال الكفارة، إذ الأمة مجمعة على أن الجميع غير واجب. انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص97".
(1/106)

فإن قيل1: إن كانت الخصال متساوية عند الله -تعالى- بالنسبة إلى صلاح العبد، ينبغي أن يوجب الجميع، تسوية بين المتساويات.
وإن تميز بعضها بوصف ينبغي أن يكون هو الواجب عينًا.
قلنا: ولمَ قلتم: إن للإفعال صفات في ذاتها لأجلها يوجبها الله -سبحانه- بل الإيجاب إليه، له أن يخصص من المتساويات واحدًا بالإيجاب، وله أن يوجب واحدًا غير معين. ويجعل مناط التكليف اختيار المكلف، ليسهل عليه الامتثال.
جواب ثان2: أن التساوي يمنع التعيين؛ لكونه عبثًا، وحصول المصلحة بواحد يمنع من إيجاب الزائد، لكونه إضرارًا مجردًا حصلت المصلحة بدونه، فيكون الواجب واحدًا غير معين.
فإن قيل3: فالله -سبحانه- يعلم ما يتعلق به الإيجاب، ويعلم ما يتأدى به الواجب، فيكون معينًا في علم الله -سبحانه-.
قلنا: الله -سبحانه- إذا أوجب واحدًا لا بعينه علمه على ما هو عليه من نعته، ونعتُه أنه غير معين، فيعلمه كذلك، ويعلم أنه يتعين بفعل المكلف ما لم يكن متعينًا قبل فعله، والله أعلم.
__________
1 هذا هو الدليل الأول للمعتزلة، أورده المصنف في صورة اعتراض.
2 جواب آخر من المصنف على دليل المعتزلة المتقدم.
3 هذا هو الدليل الثاني للمعتزلة، أورده المصنف في صورة اعتراض.
وخلاصة القول في الواجب المخير أن فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن الوجوب يتعلق بواحد مبهم من أمور معينة، وهو مذهب الجمهور. ويعبرون عنه بالأحد الدائر بينها، وتارة بواحد لا بعينه، وتارة بالقدر المشترك، فالذي تعلق به الإيجاب: هو الواحد المبهم، وليس فيه تخيير والذي حصل فيه التخيير: هو الأمور المعينة، ولم يتعلق به الإيجاب، فلا تعارض بين الإيجاب والتخيير، كما قد يتوهمه البعض.
(1/107)

فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار وقت الأداء]
والواجب ينقسم -بالإضافة إلى الوقت- إلى مضيق وموسع.
وأنكر أصحاب أبي حنيفة التوسع، وقالوا: هو يناقض الوجوب1.
ولنا2: أن السيد لو قال لعبده: ابْن هذا الحائط في هذا اليوم: إما في أوله، وإما في وسطه، وإما في آخره وكيف أردت، فمهما فعلت امتثلت إيجابي، وإن تركت عاقبتك، كان كلامًا معقولًا.
ولا يمكن دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا، ولا أنه أوجب مضيقًا؛
__________
= المذهب الثاني: أن الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل، ويسقط بفعل واحد منها، وهو مذهب بعض المعتزلة، وهو قريب من مذهب الجمهور، فلا خلاف بينهما في المعنى.
المذهب الثالث: أن الواجب معين عند الله تعالى دون الناس، وهو مذهب ضعيف ترويه المعتزلة عن الجمهور، ويرويه الجمهور عن المعتزلة، ولذلك يسمى بمذهب التراجم، لأن كل فريق يرجم به الآخر، فلا أصل له.
انظر: "الإبهاج للسبكي جـ1 ص86، المعتمد لأبي الحسين البصري جـ1 ص87".
1 هذا هو الدليل الذي تمسك به الحنفية على أنكاء الواجب الموسع وخلاصته: أنه لو وجب الفعل فيما قبل الوقت الأخير لما جاز تركه، لكن التالي باطل، وهو أنه يجوز ترك الواجب، فبطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو عدم الوجوب فيما قبل الجزء الأخير من الوقت.
وأجيب عنه: بأن جواز ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير لا يقتضي عدم الوجوب، لأن الوجوب فيما عدا الجزء الأخير وجوب موسع، والذي ينافي الوجوب: هو الترك في جميع الأوقات، لا الترك في بعض الأوقات.
2 هذا هو الدليل العقلي للجمهور، وسيأتي -بعد ذلك- الدليل الشرعي.
(1/108)

لأنه صرح بضد ذلك، فلم يبق إلا أنه أوجب موسعًا.
وقد عهدنا من الشارع تسمية هذا القسم واجبًا، بدليل أن الصلاة تجب في أول الوقت1.
وكذلك انعقد الإجماع على أنه يثاب ثواب الفرض، وتلزمه نيته2، ولو كانت نفلًا لأجزأت نية النفل، بل لاستحالت نية الفرض من العالِمِ كونها نفلًا؛ إذ النية قصد يتبع العلم.
فإن قيل3: الواجب ما يعاقب على تركه، والصلاة إن أضيفت إلى
__________
1 هذا هو الدليل الشرعي، وهو: أن الصلاة تجب في أول الوقت وجوبًا موسعًا والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى في سورة الإسراء من الآية 78: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل} وقوله تعالى في سورة طه من الآية 130: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} وروي أن الله -تعالى- لما فرض الصلاة أرسل جبريل -عليه السلام- ليعلّم النبي -صلى الله عليه وسلام- كيفية الصلاة وأوقاتها، فأم جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- وصلى به الصلاة في أول يوم في أول الوقت، وفي اليوم الثاني صلاها في آخر الوقت، ثم قال له: "الوقت ما بين هذين" وهو حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه "1/ 101" وأبو داود في سننه "1/ 161"، وأحمد في مسنده "1/ 333" والنسائي في سننه "1/ 262".
قال البخاري: "هو أصح شيء في المواقيت".
وإذا كان الحديث قد قيد الوجوب بجميع الوقت، وهو صريح في هذا، فتخصيصه ببعض الأوقات دون البعض، تخصيص بلا دليل.
2 هذا هو الدليل الثالث للجمهور، وهو: أن الإجماع منعقد على أن من أدى الصلاة في أول وقتها أثيب عليها ثواب الفرض، وتلزمه النية، إذ النية تابعة لعلم المكلف وقصده، ولذلك يقول الآمدي في الإحكام "جـ1 ص108" "أجمع السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت ومات، أنه أدى فرض الله عليه".
3 هذا دليل من أدلة المنكرين للواجب الموسع، أورده المصنف في صورة اعتراض وأجاب عليه بما قاله -بعد- من أن القسمة ثلاثية، مندوب، وواجب مضيق، =
(1/109)

أخر الوقت فيعاقب على تركها، فتكون واجبه حينئذ، وإن أضيقت إلى أوله، فخيّر بين فعلها وتركها، وفعلها خير من تركها، وهذا حد الندب.
وإنما أثيب ثواب الفرض ولزمته نيته؛ لأن مآله إلى الفرضية، فهو كمعجّل الزكاة، والجامع بين الصلاتين في وقت أولاهما.
قلنا: الأقسام ثلاثة:
قسم: لا يعاقب على تركه مطلقًا، وهو: المندوب.
وقسم: يعاقب على تركه مطلقًا، وهو الواجب المضيق.
وقسم: يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت، وهذا القسم ثالث، يفتقر إلى عبارة ثالثة، وحقيقته لا تعدو "الواجب، والندب" وأولى عباراته: "الواجب الموسع".
قالوا: ليس هذا قسمًا ثالثًا، بل هو بالإضافة إلى أول الوقت ندب، وبالإضافة إلى آخره واجب، بدليل أنه في أول الوقت يجوز تركه، دون آخره1.
__________
وهذا القسم الثالث لا نستطيع أن نلحقه بالمندوب، لأن المندوب يجوز تركه مطلقًا، ولا نستطيع أن نلحقه بالواجب المضيق لأنه يخالفه، فلم يبق إلا أن نسميه باسم يختص به، وهو "الواجب" فهو واجب، لأن الشارع طلب فعله طلبًا جازمًا، وهو -أيضًا- موسع؛ لأن الشارع وسّع وقت الأداء، تيسيرًا على المكلفين، وما دام الشارع هو الذي رخص في ذلك فلا ينبغي المعارضة فيه، فلا اجتهاد مع النص، كما يقول العلماء.
1 خلاصة هذا الاعتراض: عدم التسليم بأن هذا قسم ثالث، بل هو داخل في القسمين، المندوب والواجب، فهو في أول الوقت ندب، لأنه يجوز تركه، وهذا هو الندب، وفي آخر الوقت واجب، لأنه لا يجوز تركه، وهذا هو حد الواجب.
وأجاب المصنف على هذا الاعتراض: بأن الندب يجوز تركه مطلقًا، =
(1/110)

قلنا: بل حد الندب: ما يجوز تركه مطلقًا، وهذا لا يجوز إلا بشرط وهو: "الفعل بعده" أو: "العزم على الفعل"، وما جاز تركه بشرط فليس بندب، كما أن كل واحد من خصال الكفارة يجوز تركه إلى بدل.
ومن أمر بالإعتاق فما من عبد إلا يجوز تركه بشرط عتق ما سواه، ولا يكون ندبًا، بل واجبًا مخيرًا، كذا هذا يسمى واجبًا موسعًا1.
وما جاز تركه بشرط يفارق ما جاز تركه مطلقًا، وما لا يجوز تركه مطلقًا فهو قسم ثالث2.
وإذا كان المعنى متفقًا عليه وهو: الانقسام إلى الأقسام الثلاثة، فلا معنى للمناقشة في العبارة.
وأما تعجيل الزكاة: فإنه يجب بنية التعجيل، وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت غير ما نواه في آخره، ولم يفرقوا أصلًا فهو مقطوع به3.
__________
= والواجب الموسع يجوز تركه في أول الوقت مع نية فعله بعد ذلك، فهو مخالف للمندوب من هذا الوجه.
1 أراد المصنف بذلك: التنظير للواجب الموسع بالواجب المخير، فكما أنه في الواجب المخير مخير بين أمور معينة كذلك هنا مخير بين الوقت الأول: وما بعده. وهذا لا ينافي أن الوقت الأول أفضل من غيره، فالأفضلية شيء، وجواز التأخير شيء أخر.
2 هو: الواجب الموسع -كما سبق توضيحه-.
3 هذا رد على من قال: إن أداء الصلاة في أول الوقت يعتبر تعجيلًا كتعجيل دفع الزكاة قبل حولان الحول. وخلاصة الرد: أن الصلاة تفعل في أول الوقت كما تفعل في آخره بنية واحدة، ولم يفرق السلف الصالح بين النيتين، أما الزكاة فلا تجب ولا يتوجه الأمر بها إلا بعد حولان الحول، فدفعها قبل ذلك لا بد فيه من نية التعجيل، فهذا قياس مع الفارق.
(1/111)

فإن قيل1. قولكم: "إنما جاز تركه بشرط العزم أو الفعل بعده" باطل، فإن لو ذهل أو غفل عن العزم ومات لم يكن عاصيًا".
ولأن الواجب المخير: "ما خير الشارع فيه بين شيئين" وما خير بين العزم والفعل.
ولأن قوله: "صل في الوقت" ليس فيه تعرض للعزم أصلًا، فإيجابه زيادة.
قلنا: إنما لم يكن عاصيًا، لأن الغافل لا يكلف.
فأما إذا لم يغفل، فلا يترك العزم على الفعل إلا عازمًا على الترك مطلقًا، وهو حرام، وما لا خلاص عن الحرام إلا به يكون واجبًا.
فهذا دليل وجوبه، وإن لم تدل عليه الصيغة، والله أعلم.
__________
1 القائل: هم الذين لا يشترطون العزم على الفعل في الوقت اللاحق للوقت الذي لم تفعل فيه العبادة. وخلاصة ما حكاه المصنف عنهم: أنهم ردوا على مذهب القائلين باشتراط العزم بثلاثة أوجه. فيقول: "فإنه لو ذهل.... الخ" هذا هو الوجه الأول، وقوله: "ولأن الواجب المخير ... الخ" هو الوجه الثاني، وقوله: "ولأن قوله: صل الخ" هو الوجه الثالث. وقوله -بعد ذلك-: "قلنا" رد على الوجوه الثلاثة المتقدمة.
وخلاصة ما قيل في الواجب الموسع: أن العلماء متفقون على ذلك، إلا أنهم مختلفون في جزء الوقت الذي يتعلق به الوجوب ويمثلون في الجملة اتجاهين:
أ- اتجاه يعترف بالواجب الموسع.
ب- اتجاه آخر ينكر ذلك.
وتفرع على ذلك عد112
فإن قيل1. قولكم: "إنما جاز تركه بشرط العزم أو الفعل بعده" باطل، فإن لو ذهل أو غفل عن العزم ومات لم يكن عاصيًا".
ولأن الواجب المخير: "ما خير الشارع فيه بين شيئين" وما خير بين العزم والفعل.
ولأن قوله: "صل في الوقت" ليس فيه تعرض للعزم أصلًا، فإيجابه زيادة.
قلنا: إنما لم يكن عاصيًا، لأن الغافل لا يكلف.
فأما إذا لم يغفل، فلا يترك العزم على الفعل إلا عازمًا على الترك مطلقًا، وهو حرام، وما لا خلاص عن الحرام إلا به يكون واجبًا.
فهذا دليل وجوبه، وإن لم تدل عليه الصيغة، والله أعلم.
(1/112)

....................................................................................................
__________
= المذهب الأول:
أن الوجوب يتعلق بالوقت كله وجوبًا موسعًا، فيجوز إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، فيجوز ترك الفعل في أول الوقت بدون بدل، ولا يعتبر عاصيًا ولا يأثم بالتأخير، إلا إذا تضيق الوقت فيحرم التأخير.
ومع ذلك فهم يقولون: إن أداء العبادة في أول الوقت أفضل، ففرق بين الأفضلية والجواز.
وهو مذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين.
واستدلوا على ذلك بدليلين: أحدهما من القرآن، وثانيهما من السنة.
أولا- من القرآن الكريم:
فقد استدلوا بقوله -تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] .
ووجه الاستدلال بالآية: أن الأمر بإقامة صلاة الظهر المفهوم من قوله تعالى: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} عام في جميع الأوقات، ولم يقتصر على وقت معين، فلا دلالة في الآية على إيقاع الصلاة في وقت معين، فقصره على بعض الأوقات لا دليل عليه. "الإحكام للآمدي 1/ 99".
ويؤكد هذا الفهم دليل السنة الآتي:
ثانيًا: استدلوا من السنة بما تقدم من حديث جبريل -عليه السلام- والذي جاء فيه "الوقت ما بين هذين" وهو نص في الموضوع من جهة، ومفسر للآية الكريمة من جهة ثانية.
المذهب الثاني: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، لكن لا يجوز ترك الواجب في الجزء الأول إلا ببدل، وهو العزم على إيقاع الفعل في الجزء الذي يليه، ثم إذا لم يفعل في ذلك الوقت تجدد البدل، وهكذا، حتى يدخل الوقت الأخير فيتعين هذا الجزء للأداء، وإلا خرج الوقت.
وهو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة من الأشاعرة والمعتزلة. =
(1/113)

..............................................................................................
__________
= وهذا المذهب يتفق مع المذهب المتقدم في أن الإيجاب يتعلق بأول الوقت وجوبًا موسعًا، إلا أنهم يخالفونهم من حيث إنهم يوجبون العزم في الوقت الذي لم يحصل فيه الفعل. ومن هنا كان دليلهم على الشق الأول هو نفس أدلة أصحاب المذهب الأول.
أما أنه يجب العزم فدليلهم على ذلك: أنه لو لم يجب العزم عند عدم الإتيان بالفعل للزم ترك الواجب بلا بدل: وترك الواجب بلا بدل باطل، لأنه يجعل الواجب غير واجب، ضرورة أن الواجب هو: ما لا يجوز تركه بلا بدل، وغير الواجب يجوز تركه بلا بدل، فثبت بذلك أنه لا بد من العزم عند عدم الفعل وهو المدّعي.
وأجاب الجمهور على ذلك: بأن العزم لا يصلح أن يكون بدلًا عن الواجب، لأنه لو صح أن يكون بدلًا لتأدى به الواجب، لأن بدل الشيء يقوم مقامه، والكل متفق على أن العزم هنا لا يقوم مقام الفعل، ولترتب على ذلك أن من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم يكون عاصيًا، لأنه ترك الواجب وبدله، ولم تتعرض النصوص الدالة على إيجاب الصلاة لشيء من ذلك، فإيجاب العزم زيادة على مقتضى الأمر الوارد بالصلاة.
يضاف إلى ذلك: أنه لو عزم على الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت، فهل يجب العزم في الجزء الثاني والثالث وهكذا أو لا؟
فإن قلنا: إنه لا يجب فقد ترك الواجب بلا بدل، ولزم على ذلك تخصيص جزء من الوقت بدون مخصص، حيث أوجبنا العزم في الجزء الأول، دون بقية الأجزاء.
وإن قلنا: يجب تعدد العزم لزم على ذلك تعدد البدل، والمبدل منه واحد، وهذا لا يجوز، لأن البدل -دائما- تابع للأصل وهو المبدل منه.
ثانيًا- اتجاه المنكرين للواجب الموسع:
وتفرع عن هذا الاتجاه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن الوجوب يختص بأول الوقت، فإن فعل في آخره كان قضاء. =
(1/114)

.................................................................................................
__________
= وهو منقول عن بعض المتكلمين، ونسب خطأ إلى الشافعية، فهي نسبة غير صحيحة.
واستدل القائلون بذلك بأدلة ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها.
منها: ما روي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: قال: "الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" "رواه الترمذي والدراقطني: الترغيب والترهيب جـ1 ص256".
وقالوا في وجه الدلالة: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبرنا بأن الصلاة في أول الوقت سبب رحمة الله ورضائه عن فاعلها، وأن فعلها في آخر الوقت يعد معصية، بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "عفو الله" لأن العفو إنما يكون عن شيء فيه مخالفة.
وأجيب عن هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف جدًّا. قال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث كذبه أحمد بن حنبل، وقد روي بأسانيد كلها ضعيفة.
"تحفة الأحوذي 1/ 517، سبل السلام 1/ 17".
الوجه الثاني: أنه مع فرض التسليم بصحته فإنه لا يثبت المدّعي، لأن العفو الوارد في الحديث لا يدل على أن الصلاة في آخر الوقت معصية، لكنه يلج على أن المكلف قد تباطأ في أداء العبادة في أول وقتها، ولا شك أن الوقت الأول وقت فضيلة بلا خلاف، فإهمال لوقت الفضيلة يستحق العفو من الله تعالى. فغاية ما يدل عليه الحديث: هو حث المكلف على المبادرة بأداء العبادة في أول وقتها حتى يستحق رضا الله تعالى ومغفرته.
بالإضافة إلى أن أن هذا الحديث مخالف لحديث جبريل المتقدم وهو حديث صحيح.
المذهب الثاني:
أن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإن فعل أوله كان من قبيل التعجيل، وهو مروي عن بعض الحنفية.
واستدلوا على ذلك: بأنه لو وجب الفعل فيما قبل الوقت الأخير لما جاز تركه لكن التالي باطل، وهو أنه لا يجوز ترك الواجب، فبطل المقدم، وثبت نقيضه، =
(1/115)

فصل: [في تضييق الواجب الموسع]
إذا أخر الواجب الموسع فمات في أثناء وقته قبل ضيقه1 لم يمت عاصيًا، لأنه فعل ما أبيح له فعله، لكونه جُوِّز له التأخير2.
__________
= وهو عدم الوجوب فيما قبل الجزء الأخير من الوقت.
وأجيب عن هذا الدليل: بأن جواز ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير لا يقتضي عدم وجوب الفعل، لأن الوجوب فيما عدا الجزء الأخير وجوب موسع، والذي ينافي الوجوب هو الترك في جميع أوقات الفعل، لا الترك في بعض الأجزاء والإتيان به في البعض الآخر.
والوجوب في الوقت الأخير أصبح مضيقًا، بحيث إذا لم يفعله فيه خرج وقته كله.
المذهب الثاني: أن المكلف إذا أتى بالفعل في أول الوقت، فإن جاء آخر الوقت والمكلف على صفة التكليف، بأن كان بالغًا، عاقلًا، خاليًا من الموانع الشرعية، كان فعله في أول الوقت واجبًا.
وإن جاء آخر الوقت وقد زالت عن المكلف صفة التكليف، بأن جن المكلف، أو حاضت المرأة مثلًا، كان الفعل الذي فعله في أول الوقت مندوبًا، وهذا المذهب مروي عن الإمام الكرخي من أئمة الحنفية.
وهذا المذهب من الضعف بحيث لا يحتاج إلى استدلال أو مناقشة. فهو مذهب مخالف لما عليه عامة الفقهاء، كما أنه مخالف لظاهر الآيات، وللأحاديث الصحيحة التي تثبت أن الواجب الموسع يجوز فعله في أي جزء من أجزاء هذا الوقت، وإن كان الأداء في أول الوقت فضلية.
1 يريد: قبل تضييق وقته، فلو أخره حتى ضاق الوقت فإنه يموت عاصيًا، كما لو أخر الصلاة لوقت لا يكفي لأدائها.
2 هذا تعليل كونه لا يموت عاصيًا، وهذا الرأي هو الراجح عند المحققين من =
(1/116)

فإن قيل1: إنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة؟
قلنا: هذا محال؛ فإن العاقبة مستورة عنه2.
ولو سألنا فقال: "عليّ صوم يوم فهل يحل لي تأخيره إلى غد" فما جوابه؟
إن قلنا: "نعم" فلم أثم بالتأخير؟
وإن قلنا: "لا" فخلاف الإجماع.
وإن قلنا إن كان في علم الله أنك تموت قبل غدٍ، لم يحل، وإلا فهو يحل.
فيقول: وما يدريني ما في علم الله، فلا بد من الجزم بجواب.
فإذًا: معنى الوجوب وتحقيقه: أنه لا يجوز له التأخير، إلا بشرط العزم، ولا يؤخر إلا إلى وقت يغلب على ظنه البقاء إليه. والله أعلم.
__________
= الأصوليين، حتى حكى بعضهم الإجماع على ذلك.
1 هذا يعتبر مذهبًا ثالثًا، وهو: أنه يجوز التأخير بشرط سلامة العاقبة، مثل: عدم المرض، أو كبر السن وما أشبه ذلك.
2 صحيح هي مستورة، لكن لها أمارات، والأحكام العملية يكتفى فيها بغلبة الظن.
وتفرع على ذلك: أنه لو تخلف ظنه وعاش بعد الوقت الذي ظن أنه لن يعيش بعده، وأدى الفرض -بعد هذا الوقت-، فهل يعتبر أداء، باعتبار الواقع، لا عبرة بهذا الظن الذي تخلف. أو يعتبر قضاء باعتبار ظنه رأيان في المسألة.
(1/117)

فصل: [في مقدمة الواجب وحكمها]
ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم إلى: ما ليس إلا المكلف، كالقدرة واليد في الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فلا يوصف بوجوب.
وإلى ما يتعلق باختيار العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي إلى الجمعة، وغسل جزء من الرأس مع الوجه، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، فهو واجب.
وهذا أولى من قولنا: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب؛ إذ قولنا: "يجب ما ليس بواجب" متناقض، لكن الأصل: وجب بالإيجاب قصدًا، والوسيلة وجبت بواسطة وجوب المقصود، فهو واجب كيف ما كان، وإن اختلفت علة إيجابهما1.
__________
1 خلاصة ذلك: أنه من المباحث المتعلقة بالواجب: ما يسمى بمقدمة الواجب، أو ما لا يتم الواجب إلا به، أو ما يتوقف عليه الواجب، أو الوسيلة، وكلها تنزل على معنى واحد. ومقدمة الواجب نوعان:
1- مقدمة وجوب: وهي ما يتوقف عليها وجوب الواجب، وقد تكون سببًا كملك النصاب للزكاة، وقد تكون شرطًا كالبلوغ، فإنه شرط للتكليف، وقد تكون مانعًا، كالدين، فإنه مانع من وجوب الزكاة. وهذا النوع لا خلاف بين العلماء في عدم التكليف به، لعدم قدرة المكلف على تحصيله.
2- مقدمة وجود: وهي ما يتوقف عليها وجود الواجب وإيقاعه على صفة الكمال، كما أراد الشارع. وهي أيضًا نوعان:
أ- نوع غير مقدور للمكلف، مثل: حضور الإمام والعدد المشترط لصحة صلاة الجمعة. وهذا النوع متفق على عدم التكليف به أيضًا، لعدم قدرة المكلف على تحصيله. =
(1/118)

فإن قيل: لو كان واجبًا لأثيب على فعله، وعوقب على تركه، وتارك الوضوء والصوم لا يعاقب على ما ترك من غسل الرأس وصوم الليل1.
قلنا: ومن أنبأكم أن ثواب القريب من البيت في الحج مثل ثواب البعيد وأن الثواب لا يزيد بزيادة العمل في الوسيلة؟
وأما العقوبة: فإنه يعاقب على ترك الوضوء والصوم، ولا يتوزع على أجزاء الفعل، فلا معنى لإضافته إلى التفصيل.
__________
= ب- النوع الثاني: مقدمة مقدورة للمكلف. وهي محل خلاف بين العلماء في: هل إذا أمر الشارع أمرًا مطلقًا بفعل يتوقف وجوده على شرط أو سبب، يكون أمرًا بالمقدمة، أو أنها تكون بأمر آخر؟
وقد اختار المصنف أن الأمر بالشيء الواجب يقتضي وجوب المقدمة، ولذلك قال: "فهو واجب كيفما كان".
1 اعتاد المصنف: أن يورد المذهب المخالف ضمنًا في صورة اعتراض، يدل على المذهب وعلى دليله، وهذا هو دليل المذهب الثاني الذي يرى أن الأمر بالشيء ليس أمرًا بما يتوقف عليه، سواء أكان سببًا أم شرطًا.
وهناك مذهبان آخران أغفلهما المصنف:
أحدهما: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب السبب، دون الشرط، وحجة أصحاب هذا المذهب: أن ارتباط السبب بالمسبب أقوى وأشد من ارتباط الشرط بالمشروط، ولذلك يلزم من وجود السبب وجود المسبب، بخلاف الشرط، فلا يلزم من وجوده الوجود.
ثانيهما: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يستلزم إيجاب ما يتوقف عليه إن كان شرطًا شرعيًّا، أما إن كان شرطًا عقليًّا أو عاديًّا، أو سببًا فلا يقتضي ذلك، وهذا الرأي منسوب لإمام الحرمين.
ومن خلال استعراض هذه المذاهب الأربعة نرى رجحان ما ذهب إليه ابن قدامة، من أن الأمر بالشيء يستلزم وجوب ما يتوقف عليه مطلقًا، سواء أكان =
(1/119)

فصل: [في بعض الفروع المخرجة على مقدمة الواجب]
وإذا اختلطت أخته بأجنبية1، أو ميتة بمذكاة حرمتا: الميتة بعلة الموت، والأخرى بعلة الاشتباه.
وقال قوم: المذكاة حلال، لكن يجب الكف عنها.
وهذا متناقض2، إذ ليس الحل والحرمة وصفًا ذاتيًّا لهما، بل هو متعلق بالفعل، فإذا حرم فعل الأكل فيهما فأي معنًى لقولنا: هي حلال؟!
وإنما وقع هذا في الأوهام، حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالسواد والبياض، والأوصاف الحسية، وذلك وَهْم على ما ذكرناه. والله أعلم.
__________
= سببًا أم شرطًا، لأنه لا يعقل أن يكلف الشارع بشيء يتوقف وجوده على شيء آخر بدون تكليف بهذا الشيء، ما دام مقدورًا للمكلف.
انظر في هذه المسألة: الإبهاج للإمام السبكي "1/ 110"، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد "1/ 244".
1 وكذا لو اختلطت زوجته بأجنبية، حرمتا أيضًا، الأجنبية حرام، لأنها أجنبية، وحرمت زوجته لاشتباهها بالأجنبية، ولا يمكن اجتناب الأجنبية إلا باجتناب الاثنتين، ويقال مثل ذلك في الميتة والمذكاة، الميتة حرام أصلًا، والمذكاة حرام لاشتباهها بالميتة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب هنا هو الكف عن أخته فلا يتزوجها، وعن الأجنبية فلا يقربها، وعن الميتة فلا يأكلها، ولا يتحقق ذلك إلا بالكف عما اختلط بالمحرم، فاجتناب ما اشتبه بالمحرم بالأصالة واجب.
2 لأنه يؤدي إلى أنهما يباحان ويحرمان في وقت واحد. وهذا الرد من "ابن قدامة" فيه مبالغة، لأن المخالفين نظروا إلى الواقع ونفس الأمر, والواقع: أن الأجنبية =
(1/120)

فصل: [في الواجب غير المحدد] 1
الواجب الذي لا يتقيد بحد محدود، كالطمأنينة في الركوع والسجود، ومدة القيام والعقود، إذا زاد على أقل الواجب: فالزيادة ندب، واختاره أبو الخطاب2.
__________
= حلال، والمذكاة حلال، لكنهما وجب الكف عنهما -مؤقتًا- لحين التمييز بينهما، ولم يقل أحد من العلماء إن التحريم متوجه إلى الذوات، وهذا ما قاله البيضاوي -تبعًا للإمام الرازي ومختصريه- قال: "لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا: على معنى أنه يجب الكف عنهما" قال الإسنوي -شرحا على ذلك-: "المراد بتحريم الأجنبية: إنما هو الكف، لا تحريم ذاتها" انظر: نهاية السول على منهاج البيضاوي جـ1 ص212 وبهامشه سلم الوصول للشيخ المطيعي.
1 هذا فرع آخر من الفروع المخرجة على ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ووجه تخريجه عليه: أن غير الواجب فيه وهو الزيادة لاحق له من آخره، ومقدمة الواجب لاحقة له من أوله.
وقد بين الطوفي في شرح مختصر الروضة "1/ 348" محل الخلاف فقال: "الزيادة على الواجب إما أن تكون متميزة عنه أو لا: فإن تميزت عنه: كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات فهي -يعني الزيادة المتميزة- ندب اتفاقًا. إذ لا نص في وجوبها ولا إجماع، ولا جامع بينها وبين الواجب حتى تقاس عليه، ولا اشتدت ملابستها للواجب حتى تلحق به، ولا مدرك لثبوت الأحكام شرعًا إلا هذه الأدلة: النص والإجماع والقياس والاستدلال.
وإن لم تتميز الزيادة على الواجب ولا تنفصل حقيقتها من حقيقته حسًّا، كالزيادة في الطمأنينة..... واجبة عند القاضي أبي يعلى، ندب عند أبي الخطاب وهو الصواب".
2 محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي. ولد سنة 432هـ، كان أحد =
(1/121)

وقال القاضي1: الجميع واجب؛ لأن نسبة الكل إلى الأمر واحد، والأمر في نفسه أمر واحد، وهو أمر إيجاب، ولا يتميز البعض عن البعض، فالكل امتثال.
ولنا: أن الزيادة يجوز تركها مطلقًا من غير شروط ولا بدل، وهذا هو الندب.
ولأن الأمر إنما اقتضى إيجاب ما تناوله الاسم فيكون هو الواجب، والزيادة ندب، وإن كان لا يتميز بعضه عن البعض، فيعقل كونه بعضه واجبًا، وبعضه ندبًا، كما لو أدى دينارًا عن عشرين"*".
__________
= أئمة المذهب وأعيانه، صنف العديد من الكتب منها "التمهيد" في أصول الفقه. توفي سنة 510هـ.
انظر في ترجمته: "المنهج الأحمد 2/ 198، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص211-239".
1 محمد بن الحسين بن محمد، أبو يعلى الفراء الحنبلي، كان عالم زمانه وفريد عصره، إمامًا في الأصول والفروع. ولد سنة 380هـ. وتوفي سنة 450هـ. من مؤلفاته في الأصول "العدة" "طبقات الحنابلة 2/ 193-230".
"*" الواجب العيني والواجب الكفائي.
ترك المصنف تقسيمًا من تقسيمات الواجب، وهو: تقسيمه إلى واجب عيني، وواجب كفائي، فلزم إضافة هذا التقسم هنا فنقول:
الواجب العيني: هو ما توجه فيه الطلب إلى كل مكلف، أي طلب الشارع فعله من كل واحد من المكلفين، فلا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه، ومن يأثم بالترك، ولا يغني عنه فعل غيره، ولذلك سمي بفرض العين، لأن المنظور إليه في هذا الواجب: الفعل نفسه، والفاعل نفسه، مثل: فرائض الصلاة، والصيام، والوفاء بالعقود، وإعطاء كل ذي حق حقه.
والواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين من غير =
(1/122)

..........................................................................................
__________
نظر إلى فاعله، لأن مقصود الشارع حصول الفعل فقط، فإذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يفعل نهائيًّا أثم الجميع، لتعلق الطلب بالكل.
فالطلب هنا منصب على إيجاد الفعل في حد ذاته لا إلى الفاعل.
ومن أمثلته: الجهاد، والقضاء، وأداء الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيجاد الصناعات والحرف المختلفة والعلوم التي تحتاج إليها الأمة، وإعداد القوة بأنواعها ونحو ذلك مما يحقق مصلحة الأمة.
ولا خلاف بين الأصوليين في أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين، وعلى أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يستوجب تأثيم الجميع، لأنهم فوّتوا ما قصد من الفعل، وكذلك لو قام به عدد أقل ممن يسد بهم الحاجة، فالفاعلون مثابون، وغيرهم آثمون.
لكنهم مختلفون في الخطاب المتعلق بهذا الفعل، هل هو موجه إلى جميع المكلفين، ويسقط بفعل البعض، أو هو موجه إلى بعض غير معين؟
فالجمهور على أنه متعلق بجميع المكلفين، بمعنى أن القادر على الفعل عليه أن يقوم بنفسه، وغير القادر يحث غيره على القيام به.
وذهب بعض الأصوليين ومنهم المعتزلة إلى أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة، لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف: فيمن علم بشيء من فروض الكفايات، كتغسيل ميت وتكفينه، والصلاة عليه، وشك هل هناك من قام بهذا الواجب أو لا؟
فعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر، لأن الأمر متعلق به على سبيل الوجوب المحقق، ولا يسقط بالشك.
أما على الرأي الثاني فلا يلزمه ذلك، لأن الخطاب لم يتوجه إليه.
وقد يصير الواجب الكفائي واجبًا عينيًّا، إذا انحصر الفعل المطلوب في شخص معين أو فئة معينة، كالجهاد، فإنه يصبح فرض عين على كل قادر عليه، إذا لم يحصل بعدد محدد.
ومثل ذلك: إذا شهد المكلف القادر دون غيره منكرًا، فعليه إنكاره بقدر استطاعته. =
(1/123)

فصل: القسم الثاني: المندوب
...
القسم الثاني: المندوب 1
والندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل. كما قال:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا2
__________
= ومثله الطبيب في مكان ناء عن المدن، ولم يوجد غيره أصبح إسعاف المريض بالنسبة له فرض عين.
أيهما أفضل: فرض العين أم فرض الكفاية؟
للعلماء في هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: أن فرض العين أفضل، لشدة اعتناء الشارع به، ولذلك طلب فعله من كل مكلف ولذلك يكره ترك فرض العين لأداء فرض الكفاية، فلا يحسن ترك الطواف المفروض لصلاة الجنازة، لأن الأول فرض عين، والثاني فرض كفاية.
وهذا هو رأي الشافعية وغيرهم.
الرأي الثاني: أن فرض الكفاية أفضل، لأن فاعل الكفاية ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، أما فرض العين فإنه يصان به الإثم عن الفاعل فقط، ولا شك أن ما يتعلق بالأمة كلها أهم، وأولى مما يتعلق بالبعض.
وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين ووالده.
انظر: "التمهيد اللإسنوي، حاشية البناني على شرح جمع الجوامع جـ1 ص183، الإبهاج للسبكي 1/ 100 طبعة الكليات الأزهرية، نهاية السول للإسنوي 1/ 94، الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان ص37، الطبعة الثانية.
1 القسم الثاني: من أقسام الحكم التكليفي: المندوب. ويسمى: سنة ومستحبًّا وتطوعًا وطاعة ونفلًا وقربة ومرغبًا فيه وإحسانًا. وهي اصطلاحات مستحدثة في المذاهب، والمتفق عليه بين المتقدمين: الفرض والسنة.
2 الشاعر هو: قريط بن أنيف العنبري، والبيت من القصيدة له يهجو بها قومه، ويمدح بني مازن الذين استنقذوا إبله بعد أن تخلى عنه قومه. انظر: شرح ديوان الحماسة للتبريزي "1/ 19".
(1/124)

وحده في الشرع: مأمور لا يلحق بتركه ذم، من حيث تركه من غير حاجة إلى بدل1.
وقيل: هو ما في فعله ثواب، ولا عقاب في تركه.
والمندوب مأمور [به] . وأنكر قوم كونه مأمورًا [به] قالوا: لأن الله -سبحانه- قال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} 2. والمندوب لا يحذر فيه ذلك.
ولأن3 النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"4. وقد ندبهم إلى السواك، علم أن الأمر لا يتناول المندوب.
__________
1 قوله: "مأمور" جنس يتناول الواجب والمندوب، وقوله: "لا يحلق بتركه ذم...." أعم من أن يكون تركه مطلقًا أو إلى بدل، فيشمل: الواجب الموسع، والمخير، وفرض الكفاية، لأن جميعها مأمورات يجوز تركها، لكن إلى بدل، فلما قال: "من غير حاجة إلى بدل" أخرج ذلك كله وأبقى المندوب.
2 سورة النور من الآية: 63 وهي الدليل الأول للقائلين بأن المندوب غير مأمور به.
3 هذا هو الدليل الثاني للقائلين بأن المندوب غير مأمور به.
4 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب التمني "887" ومسلم: كتاب الطهارة، باب السواك "252" وأبو داود: كتاب الطهارة، باب السواك "46" والنسائي: كتاب الطهارة، باب السواك "1/ 12" والترمذي حديث رقم "23" وابن ماجه "287"، والطحاوي في شرح معاني الآثار "1/ 403" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. كما رواه عن زيد بن خالد الجهني: أحمد في مسنده "4/ 114، 116"، وأبو داود "47" والترمذي "23" وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه أحمد والطحاوي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
ووجه الدلالة من الحديث -كما قال أصحاب هذا المذهب-: أن السواك مندوب، مع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر أمته =
(1/125)

ولأن1 الأمر: اقتضاء جازم لا تخيير معه، وفي الندب تخيير، ولم يسم تاركه عاصيًا.
ولنا2 أن الأمر: استدعاء وطلب، والمندوب مستدعًى ومطلوب، فيدخل في حقيقة الأمر. قال الله تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} 3 وقال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ} 4. ومن ذلك ما هو مندوب.
ولأنه6: شاع في ألسنة الفقهاء: أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب.
__________
= بالسواك، فلا يكون المندوب مأمورًا به. وقد أجاب المصنف على ذلك كما سيأتي.
1 هذا هو الدليل الثالث وخلاصته: أن الأمر طلب فعل جازم لا تخيير فيه، وتاركه يسمى عاصيًا، لقول الله تعالى -عن موسى عليه السلام لأخيه-: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] والمعنى: عصيتني بمخالفة أمري، والمندوب على عكس ذلك، فليس فيه طلب جازم، وإنما فيه تخيير بين الفعل والترك، كما أن تاركه لا يسمى عاصيًا، فدل ذلك على أن ليس مأمورًا به.
2 من هنا سيبدأ المصنف في إيراد الأدلة على أن المندوب مأمور به.
3 سورة النحل من الآية: 90.
4 سورة لقمان من الآية: 17.
5 ومثلهما قوله تعالى في سورة الحج الآية: 77: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن من المأمور به ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، فمن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو على سبيل الجزم، ومنه ما هو على سبيل الاستحباب والندب، وكذلك الأمر بالمعروف، وفعل الخير، فثبت بذلك: أن الأمر يطلق على المندوب، كما يطلق على الواجب، وهذا هو الدليل الأول.
6 هذا هو الدليل الثاني.
(1/126)

ولأن1: فعله طاعة، وليس ذلك لكونه مرادًا، إذ الأمر يفارق الإرادة، ولا لكونه موجودًا؛ فإنه موجود في غير الطاعات "أو حادثًا، أو لذاته، أو صفة نفسه؛ إذ يجري ذلك في المباحات"2. ولا لكونه مثابًا؛ فإن الممتثل يكون مطيعًا وإن لم يثب، وإنما الثواب للتراغيب في الطاعات.
وقولهم3: "إن الأمر ليس فيه تخيير" ممنوع.
__________
1 هذا هو الدليل الثالث.
2 ما بين القوسين من المستصفى، والذي في الروضة "فإنه في غير الطاعات" وهي توهم أن المندوب كما يكون في الطاعات يكون غير غيرها، وهو خطأ، فالمصنف بحذفه هذه العبارات جعل المعنى مختلًا. وخلاصة هذا الدليل: أن الندب أمر وفيه طاعة، وهذه العبارة ليست باعتبار كون الأمر مرادًا، لأن الأمر يفارق الإرادة، ولا باعتبار كونه موجودًا أو حادثًا أو لذاته أو صفة نفسه، فهذا كله موجود في المباحات، ولا باعتبار كونه مثابًا عليه، فإن المأمور يعتبر مطيعًا حتى ولو لم يثب، فإن الثواب للترغيب، فقد يحبط عمله بالفكر، فثبت بذلك كله أن المندوب داخل في الأمر.
انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص115".
3 بدأ المصنف ينافش أدلة المخالفين. فبدأ بمناقشة الدليل الأول: وهو: "أن الطلب والتخيير متنافيان" فقال: هذا غير صحيح، لأن الطلب قد يكون جازمًا وقد يكون غير جازم.
ولو سلمنا -جدلًا- بأن الطلب والتخيير متنافيان، فنقول: إن الندب ليس تخييرًا مطلقًا، بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك، للثواب على فعله، وعدم الثواب في تركه. ولم يسم تاركه عاصيًا، لأن الله تعالى هو الذي أسقط عنه هذا، لأن الأمر فيه ليس جازمًا.
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "..... لأمرتهم بالسواك...." لا يدل على مدّعاكم، لأن المنفي في الحديث: هو الأمر على سبيل الجزم والوجوب، بدليل أنه -صلى الله عليه وسلم- ندبهم إلى هذه السنة وأمرهم بها في بعض الأحاديث الأخرى، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: =
(1/127)

وإن سلمنا: فالمندوب كذلك، لأن التخيير عبارة عن التسوية، فإذا ترجح جهة الفعل ارتفعت التسوية والتخيير.
ولم يسم تاركه عاصيًا، لأنه اسم ذم، وقد أسقط الله -تعالى- الذم عنه، لكن يسمى مخالفًا وغير ممتثل، ويسمى فاعله موافقًا ومطيعًا.
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ".... لأمرتهم بالسواك....." أي: أمرتهم أمر جزم وإيجاب.
وقوله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ونحن نقول به، لكن يجوز صرفه إلى الندب بدليل، ولا يخرج بذلك عن كونه أمرًا، كما ذكرناه في دليلنا. والله أعلم.
القسم الثالث: المباح
وحدّه: ما أذن الله في فعله وتركه، غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه1.
__________
= "تسننوا ولا تدخلوا عليّ قُلْحًا بُخْرا" [رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث عبد الله بن بشر المازني. والقلح: الذي أصفرت اسنانه حتى بخرت من باطنها] . والجمع بين الحديثين يكون بحمل الأول على الندب، والحديث الذي معنا الذي نفى الأمر على الإيجاب، حتى لا يكون هناك تعارض في الأدلة الشرعية، والرد على الاستدلال بالآية الكريمة واضح.
1 هذا أحد التعريفات الشرعية للمباح، وعرفه البعض بأنه: ما اقتضى خطاب الشرع التسوية بين فعله وتركه من غير مدح يترتب عليه ولا ذم.
أما معناه في اللغة: فمأخوذ من الإباحة، وهي: الإظهار، يقال: باح بسره، إذا أظهره: وقيل: مأخوذ من باحة الدار وهي ساحتها، إذ فيه معنى السعة =
(1/128)

وهو من الشرع1.
__________
وانتفاء العائق، لأن الساحة تتسع للتصرف فيها بالسعي والحركة بحسبها، والعائق من ذلك منتف فيها.
انظر: "القاموس المحيط فصل الباء، باب الحاء، شرح مختصر الروضة 1/ 386".
1 وهذا هو رأي جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك: بأن الإباحة عبارة عن خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك، فمعنى الإباحة: قول الشارع: أبحت لكم هذا، أو أنتم مخيرون في فعله وتركه، وهذا يتوقف على خطاب الشارع، فتكون الإباحة حكمًا شرعيًّا.
وذهب بعض المعتزلة ومنهم الكعبي: "عبد الله بن أحمد، رأس طائفة من المعتزلة تسمى الكعبية. توفي سنة 319هـ" ذهب إلى أن الإباحة حكم عقلي، إذ إنها عبارة عن انتفاء الحرج عن المكلف، وذلك ثابت قبل ورود الشرع.
وأجاب الجمهور على ذلك: بأن الإباحة عبارة عن خطاب الشارع بالتخيير، وهذا متوقف على ورود الشرع. والخلاف بين الجمهور والمعتزلة في هذه المسألة متفرع على مسألة أخرى هي: الحسن والقبح في الأشياء، هل هي شرعية أو عقلية، فلا بد من بيان ذلك.
معنى الحسن والقبح:
يطلق الحسن والقبح على معان ثلاثة:
المعنى الأول: أن الحسن: ما يلائم الفطرة الإنسانية المائلة إلى جلب المنافع ودفع المضار.
والقبح: ما ينافر الفطرة: فإنقاذ الإنسان من تهلكة حسن، وترك إنقاذه قبيح.
المعنى الثاني: أن الحسن: صفة كمال يستحق فاعله المدح من العباد في الدنيا.
والقبح: صفة نقص يستحق فاعله الذم من العباد في الدنيا. فالعلم حسن، والجهل قبيح.
وهذان المعنيان لا خلاف بين العلماء في أنهما عقليان أي أن الفعل يستقل بإدراك ما فيهما من حسن أو قبيح من غير توقف على الشرع.
(1/129)

........................................................................................................
__________
= المعنى الثالث: الحسن: ما يستحق فاعله المدح من الله تعالى، والثواب في الآخرة، كالصدق والتواضع، والجود.
والقبح: ما يستحق فاعله الذم من الله تعالى، والعقاب في الآخرة، كالكذب والتكبر، والبخل.
وهذا النوع هو الذي جرى فيه الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة.
فالمعتزلة يرون أنهما عقليان، أي أن العقل يستطيع أن يدرك ما فيهما من حسن أو قبح، وأن الوقوف على حكم الله تعالى لا يفتقر إلى ورود الشرع، لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وهذا أمر يدركه العقل، والشرائع تأتي مؤكدة لذلك، وأن الله تعالى عليه أن يأمر وينهى على وفق ما في الأفعال من حسن أو قبح.
أما أهل السنة: فإنهم يقولون: لا يعلم ذلك إلا من جهة الشرع، إذ لا حاكم إلا الله تعالى، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح، ما قبحه الشرع، وأما العقل فلا يحسّن، ولا يقبّح، ولا يوجب ولا يحرّم.
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة: أن المعتزلة يرون أن حسن الأشياء أو قبحها ذاتي، وأهل السنة يرون أنهما تابعان لصفات قائمة بهما.
ومن المؤكد أن رأي أهل السنة: هو الأرجح، وإلا لو كان حسن الأشياء أو قبحها ذاتيًّا، لكان الصدق حسنًا في كل الأحوال، ولكان الكذب قبيحًا في كل صوره، مع أن هذا مخالف للواقع.
وقد أطال العلماء في الرد على مسلك المعتزلة ومن معهم، ومن أقوى الأدلة الدالة على بطلان مذهبهم: قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] فإن هذا النص الكريم يقتضي نفي التعذيب بمباشرة بعض الأفعال وترك بعضها قبل بعثة الرسل، ومذهب المعتزلة يستلزم تعذيب تارك الأفعال ومباشرة بعضها قبل بعثة الرسل، لأن الحسن والقبح -على مذهبهم- يتحقق قبل البعثة، والحسن في بعض الأفعال مستلزم لكونه واجبًا، والقبح في بعضها مستلزم لكونه حرامًا، فيكون بعض الأفعال قبل البعثة واجبًا، =
(1/130)

وأنكر بعض المعتزلة ذلك؛ إذ معنى الإباحة: نفي الحرج عن الفعل والترك، وذلك ثابت قبل ورود السمع، فمعنى إباحة الشيء: تركه على ما كان قبل السمع.
قلنا1: الأفعال ثلاثة أقسام:
قسم صرح فيه الشرع بالتخيير بين فعله وتركه، فهذا خطاب، ولا معنى للحكم إلا الخطاب.
وقسم لم يرد فيه خطاب بالتخيير، لكن دل دليل السمع على نفي الحرج عن فعله وتركه، فقد عرف بدليل السمع، ولولا هو لعرف بدليل العقل نفي الحرج عنه، فهذا اجتمع عليه دليل العقل والسمع.
وقسم لم يتعرض الشرع له بدليل من أدلة السمع، فيحتمل أن يقال: قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك، فالمكلف فيه مخير.
وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل لا مدلول عليه سمعًا، فتكون إباحته من الشرع.
ويحتمل أن يقال: لا حكم له، والله أعلم.
__________
= وبعضها حرامًا، وترك الواجب يقتضي استحقاق العقاب، كما أن فعل الحرام يستوجب العقاب أيضًا. فيؤدي ذلك في النهاية إلى إثبات أحكام شرعية، قبل البعثة وهو مخالف لمقتضى الآية الكريمة. انظر: "بيان المختصر للأصفاني جـ1 ص287 وما بعدها".
1 بدأ المصنف يرد على المعتزلة الذين قالوا: إن الإباحة حكم عقلي، فبين أن المسألة فيها عدة احتمالات، وبعضها للعقل فيه مجال، إلا أنها في النهاية ترجع إلى الشرع، وهي -كما سبق- راجعة إلى مسألة الحسن، والقبح هل هما عقليان أو شرعيان؟
(1/131)

فصل: [في حكم الأشياء قبل ورود الشرع]
اختلف في الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع ما حكمها1:
فقال التميمي2، وأبو الخطاب، والحنفية: هي على الإباحة: إذ
__________
1 وضح الشيخ الشنقيطي محال الاتفاق ومحل الخلاف في المسألة فقال: "الأعيان المنتفع بها لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون فيها ضرر محض، ولا نفع فيها -ألبتة- كأكل الأعشاب السامة القاتلة.
الحالة الثانية: أن يكون فيها نفع محض، ولا ضرر فيها أصلًا.
الحالة الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة، وضرر من جهة أخرى.
فإن كان فيها ضرر محض، ولا نفع فيها، أو كان ضررها أرجح من نفعها أو مساويا له، فهي حرام؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ضرر ولا ضرار" وإن كان نفعها خالصًا لا ضرر معه، أو معه ضرر خفيف، والنفع أرجح منه فأرجح الأقوال الجواز، وقد أشار المصنف إلى هذا التفصيل بقوله: "المنتفع بها" فمفهومه: أن ما لا نفع فيه لا يدخل في كلامه" انتهى ببعض تصرف. "مذكرة أصول الفقه ص20".
وهذه المسألة مفرعة على مسألة: الحسن والقبح العقليين. وللعلماء فيها مذاهب كثيرة منها: ما رجحه المصنف، وهي أنها مباحة مطلقًا، وقيل: إنها على الحظر حتى يأتي الشرع بالإباحة، ومنهم من توقف في الجزم برأي معين.
يراجع في ذلك: المستصفى "1/ 63"، والإحكام للآمدي "1/ 91".
2 هو: عبد العزيز بن حارث بن أسد، أبو الحسن التميمي، المولود سنة 317هـ. صحب أبا القاسم الخرقي وأبا بكر بن عبد العزيز، كان من أعيان علماء الحنابلة، له مؤلفات في الأصول والفروع. توفي سنة 371هـ.
انظر: "طبقات الحنابلة جـ2 ص139، المنهج الأحمد جـ2 ص66".
(1/132)

قد علم انتفاعنا بها من غير ضرر علينا، ولا على غيرنا، فليكن مباحًا.
ولأن الله -سبحانه- خلق هذه الأعيان لحكمة لا محالة، ولا يجوز أن يكون ذلك لنفع يرجع إليه، فثبت أنه لنفعنا.
وقال ابن حامد1، والقاضي2، وبعض المعتزلة: هي على الحظر؛ لأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله -سبحانه- المالك ولم يأذن3.
ولأنه4 يحتمل أن في ذلك ضررًا، فالإقدام عليه خطر5.
__________
1 هو: الحسن بن حامد بن علي بن مروان، إمام الحنابلة في عصره ومعلمهم ومفتيهم. من مؤلفاته: "الجامع" في الفقه وكتاب في أصول الفقه. توفي سنة 403هـ. انظر: "طبقات الحنابلة جـ2 ص171، شذرات الذهب جـ3 ص166".
2 تقدمت ترجمته قريبًا.
3 هذا هو الدليل الأول للقائلين بالحظر: قياس تصرف العبد في ملك الله -تعالى- على التصرف في ملك العباد، وهو ما يسميه الأصوليون: قياس أحكام الله تعالى على أحكام الخلق فيما بينهم، ونظم القياس هكذا: الواحد منا لا يجوز له أكل طعام غيره أو شرب شرابه، أو ركوب دابته، أو لبس ثوبه بغير إذنه، فكذلك أحكام الله تعالى، لا يجوز لنا التصرف فيها أن الحكم عليها بدون إذنه سبحانه.
4 هذا هو الدليل الثاني للقائلين بالحظر، وتقريره: أن الإقدام على هذا الانتفاع خطر، أي مخاطرة بالنفس، فالإمساك عنه أحوط لها في العقل.
أما أنه خطر، فلأن بتقدير الحل في نفس الأمر أمَنَةً من العذاب، وبتقدير التحريم تكون معرضة له، فهذا وجه المخاطرة، وهو: ركوب أمر يلحق فيه الضرر على بعض الاحتمالات. وأما أن الإمساك عن الانتفاع المذكور يكون أحوط، فهو من القضايا الضرورية عقلًا وشرعًا وعرفًا. "شرح مختصر الروضة جـ1 ص395".
5 في الأصل "حظر" وصححناه من شرح مختصر الروضة.
(1/133)

وقال أبو الحسن الجزري1، وطائفة من الواقفية2: لا حكم لها؛ إذ معنى الحكم: الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع.
والعقل لا يبيح شيئا ولا يحرمه، وإنما هو معرف للترجيح والاستواء، وقبح التصرف في ملك الغير إنما يعلم بتحريم الشارع ونهيه.
ولو حكمت فيه العادة [لقضت بأنه] إنما يقبح في حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، بل يقبح المنع مما لا ضرر فيه، كالظل وضوء النار.
وهذا القول هو اللائق بالمذهب، إذ العقل لا دخل له في الحظر والإباحة، على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وإنما تثبت الأحكام بالسمع.
وقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} 3.
__________
1 هو: أحمد بن نصر بن محمد، أبو الحسن الجزري -نسبة إلى جزيرة ابن عمر بالعراق- من قدماء الحنابلة، ومن المبرزين في المناظرة، والجدل والأصول والفروع. توفي سنة 380هـ "طبقات الحنابلة 2/ 167".
2 هم الذين يقفون في المسائل المختلف فيها، ولا يجزمون فيها برأي معين، والتوقف له معنيان، أو سببان: إما لعدم الدليل أصلًا، وإما لتعارض الإدلة.
3 سورة البقرة من الآية: 29 وقد بين الشيخ "ابن بدران" وجه الاستدلال بالآية الكريمة فقال: "وجه الاستدلال: أنه سبحانه وتعالى أخبرهم -في معرض الامتنان عليهم وتذكيرهم النعمة- أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص أو الملك، إذا صادفت قابلًا له، والخلق قابلون للملك، وهو في الحقيقة: تخصيص من الله -سبحانه- لهم بانتفاعهم به؛ إذ لا مالك -على الحقيقة- إلا الله -سبحانه وتعالى- فاقتضى ذلك: أنهم متى اجتمعوا وما خلق لهم وسخر لهم في الوجود ملكوه، وإذا ملكوه جاز انتفاعهم به؛ إذ فائدة الملك: جواز الانتفاع". "نزهة الخطر جـ1 ص19".
(1/134)

وبقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِش} الآية1.
وقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} 2.
وبقوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآية3. ونحو ذلك.
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "...... وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه" 4 وقوله: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم
__________
1 سورة الأعراف من الآية: 33.
2 سورة الأنعام من الآية: 151.
3 سورة الأنعام من الآية: 145.
ووجه الاستدلال بالآيات الثلاث: أن الله -تعالى- حصر المحرمات فيما ذكر فيها، فدل ذلك على أن غير المذكورات في الآيات على الإباحة.
4 رواه الترمذي في سننه حديث رقم "1726" وابن ماجه في سننه رقم "3367" والحاكم في المستدرك "4/ 115"، والبيهقي "9/ 320" عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن السمن والجبن والفراء فقال:
"الحلال: ما أحل الله في كتابه، والحرام: ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه".
والفراء: جمع "الفرا" بفتح: حمار الوحش. وقيل: جمع "الفرو" الذي يلبس. ويشهد لهذا القول: ما فعله الترمذي؛ فإنه ذكر في باب لبس الفرو وإنما سألوه عنه حذرًا من صنيع الكفر من اتخاذ الفرو من جلود الميتة غير مدبوغة.
وفي سند الحديث مقال، حيث ضعف المحدثون أحد رواته وهو: "سيف بن هارون". قال الترمذي: وكأن الموقوف أصح.
ومع ذلك فللحديث: ما يؤيده ويقويه من أحاديث أخرى تؤدي نفس المعنى، =
(1/135)

يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته"1.
وفائدة الخلاف: أن من حرم شيئًا أو أباحه كفاه فيه استصحاب حال الأصل.
__________
= منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" انظر: "مجمع الزوائد 7/ 75".
1 حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.
(1/136)

فصل: [هل المباح مأمور به]
المباح غير مأمور به، لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمباح مأذون فيه ومطلق له، غير مستدعى ولا مطلوب. وتسميته مأمورًا تجوّز2.
__________
= منها قوله -صلى الله عليه وسلم-"إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" انظر: "مجمع الزوائد 7/ 75".
1 حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.
2 الخلاف في هذه المسألة بين علماء الأصول وبين عبد الله بن أحمد الكعبي من المعتزلة. فالجمهور يرون أن المباح غير مأمور به، لأن الأمر استدعاء وطلب والمباح ليس كذلك. بيانه أن الأمر يستلزم ترجيح إيجاد الفعل ولا ترجيح في المباح. وقوله: "وتسميته مأمورًا تجوز" جواب عن سؤال مقدر هو: كيف يكون غير مأمور به، وهو يسمى مأمورًا؟ فأجاب المصنف: أن هذا من قبيل الأمر المجازي لا الحقيقي.
وذهب الكعبي إلى أن المباح مأمور به، محتجًّا: بأن المباح ترك الحرام، وترك الحرام واجب، فيكون المباح واجبًا.
وأجاب المصنف على ذلك: بأن المباح يستلزم ترك الحرام ويحصل به، لا أن المباح هو ترك الحرام بعينه، وإلا فترك الحرام كما يحصل بالمباح يحصل بالواجب والمندوب إلى آخر التصورات التي ذكرها المصنف.
(1/136)

فإن قيل: ترك الحرام مأمور به، والسكوت المباح يترك به الكفر، والكذب الحرام، فيكون مأمورًا به.
قلنا: فليكن المباح واجبًا إذًا، وقد يترك الحرام إلى المندوب فليكن واجبًا.
وقد يترك الحرام بحرام آخر, فليكن الشيء حرامًا واجبًا، ولتكن الصلاة حرامًا إذا تحرّم بها من عليه الزكاة، وهذا باطل.
فإن قيل: فهل الإباحة تكليف؟
قلنا: من قال التكليف: الأمر والنهي، فليست الإباحة كذلك.
ومن قال: التكليف: ما كلف اعتقاد كونه من الشرع، فهذا كذلك. وهذا ضعيف؛ إذ يلزم عليه جميع الأحكام1.
القسم الرابع: المكروه
وهو: ما تركه خير من فعله2.
وقد يطلق ذلك على المحظور3.
__________
1 خلاصة ذلك راجع إلى معنى "التكليف" فمن قال هو: طلب ما فيها كلفة ومشقة -وهم الجمهور- قال: المباح غير داخل فيه هو اعتقاد كونه مباحًا، قال: هو داخل في التكليف، وهو ضعيف كما قال المصنف.
2 اعترض بعض العلماء على هذا التعريف بأنه يتناول المحرم، لأن تركه خير من فعله، ولذلك أضافوا إلى التعريف قيدًا يخرج الحرام وهو: "من غير ذم".
3 وقد ورد في آيات القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} إلى أن قال سبحانه {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الآيات: 31-38 من سورة الإسراء] . =
(1/137)

وقد يطلق على ما نهي عنه نهي تنزيه1، فلا يتعلق بفعله عقاب.
فصل: والأمر المطلق لا يتناول المكروه2؛
لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعى ولا مطلوب.
ولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا.
وإذا قلنا: إن المباح ليس مأمورًا، فالمنهي عنه أولى.
__________
= كما أنه وارد في لغة الفقهاء: يقول الإمام الخرقي: "ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة" أي: يحرم.
1 الجمهور على أن المكروه قسم واحد: أما الحنفية فقسّموه إلى قسمين:
أ- المكروه كراهة تحريم: وهو: ما نهى عنه الشرع نهيًا جازمًا بدليل ظني، كأخبار الآحاد والقياس. ومثلوا له بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" رواه مسلم وابن ماجه. وهو حديث آحاد، فهو ظني الثبوت.
فالفارق -عندهم- بين الحرام والمكروه تحريمًا: أن الحرام ثابت بدليل قطعي، والمكروه ثابت بدليل ظني، وهو أقرب إلى الحرام، حتى عده بعضهم من الحرام، وإن كان لا يكفر جاحده.
ب- المكروه تنزيهًا: وهو: ما طلب الشارع الكف عنه طلبًا غير جازم، وهو المقابل للمندوب، مثل: نهي الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن أن يشبك الشخص بين أصابعه في المسجد.
روى أبو داود وأحمد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبك بين أصابعه" انظر: نيل الأوطار "2/ 373".
2 وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية وبعض الحنابلة إلى أنه يتناوله.
(1/138)

فصل: القسم الخامس: الحرام
الحرام ضد الواجب1: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة معصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى: واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد.
والواحد بالنوع يجوز أن ينقسم إلى واجب وحرام، ويكون انقسامه بالإضافة، لأن اختلاف الإضافات والصفات توجب المغايرة، والمغايرة
__________
= وقد استدل المصنف لمذهب الجمهور: بأن تعريف الأمر لا يتناول المكروه، كما أن الأمر ضد النهي، فلو دخل المكروه في الأمر لكان جمعًا بين الضدين، وإذا كان الراجح في المباح أنه غير مأمور به، فكون المكروه غير مأمور به أولى.
وتوضيح ذلك: أن المأمور به إذا كان بعض جزيئاته منهيًا عنه، نهي تنزيه أو تحريم، فلا يدخل المنهي عنه في المأمور به -كما يقول الجمهور- خلافًا لمن ذهب إلى دخوله فيه. ومن أمثلة ذلك: تحية المسجد، فهي سنة ومأمور بها، فلو دخل المصلي في وقت الكراهة، هل يصلي تحية المسجد أو لا؟
للفقهاء في ذلك خلاف مبني على هذه المسألة.
هذا ما أفهمه في هذه المسألة، وإلا فلا يعقل أن يكون الشيء مأمورًا به ومنهيًّا عنه في وقت واحد، وبصفة واحدة، ولذلك قال المصنف: "فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا".
1 يعني: أنه تقدم في تعريف الواجب أنه: "ما توعد بالعقاب على تركه" أو "ما يعاقب تاركه" أو "ما يذم تاركه شرعًا" فإذا كان الحرام ضد الواجب فيكون تعريفه "ما توعد بالعقاب على فعله"، أو "ما يعاقب فاعله" أو "ما يذم فاعله شرعًا" وإن شئت قلت: ما طلب الشارع تركه جازمًا. هذا هو معناه شرعًا أما في اللغة: فهو الممنوع. قال تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْل....} [القصص: 12] مأخوذ من الحرمة، وهو: ما لا يحل انتهاكه.
(1/139)

تارة تكون بالنوع، وتارة تكون باختلاف في الوصف، كالسجود لله -تعالى- واجب، والسجود للصنم حرام، والسجود لله -تعالى- غير السجود للصنم.
قال الله -تعالى- {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنّ} 2.
والإجماع منعقد على أن الساجد للصنم عاص، بنفس السجود والقصد جميعًا، والساجد لله مطيع بهما جميعًا.
وأما الواحد بالعين: كالصلاة في الدار المغصوبة من عمرو، فحركته في الدار واحد بعينه.
واختلفت الرواية في صحتها:
فروي أنها لا تصح، إذ يؤدي إلى أن تكون العين الواحدة من الأفعال حرامًا واجبًا، وهو متناقص؛ فإن فعله في الدار وهو: "الكون في الدار، وركوعه وسجوده وقيامه وقعوده" وأفعال اختيارية هو معاقب عليها، منهي عنها، فكيف يكون متقربًا بما هو معاقب عليه، مطيعًا بما هو عاص به؟!
وروي أن الصلاة تصح؛ لأن هذا الفعل الواحد له وجهان متغايران، هو مطلوب من أحدهما، مكروه من الآخر، فليس ذلك محالًا، إنما المحال: أن يكون مطلوبًا من الوجه الذي يكره منه.
ففعله من حيث إنه صلاة مطلوب.
مكروه من حيث إنه غصب.
__________
1 سورة فصلت من الآية: 37.
(1/140)

والصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة1، وقد اجتمع الوجهان المتغايران.
فنظيره: أن يقول السيد لعبده: خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار، فإن امتثلت أعتقتك، وإن ارتكبت النهي عاقبتك، فخاط الثواب في الدار، حسن من السيد عتقه وعقوبته.
ولو رمى سهمًا إلى كافر فمرق منه إلى مسلم لاستحق سَلَب الكافر2، ولزمته دية المسلم؛ لتضمن الفعل الواحد أمرين مختلفين.
ومن اختار الرواية الأولى3 قال: ارتكاب النهي متى أخل بشرط العبادة أفسدها بالإجماع، كما لو نهى المحدث عن الصلاة، فخالف وصلى، ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، فكيف يمكن التقرب به، وقيامه وقعوده في الدار فعل هو عاص به، فكيف يكون متقربًا بما هو عاص به؟! وهذا محال.
وقد غلط من زعم أن في هذه المسألة إجماعًا4؛ لأن السلف لم
__________
1 أي يمكن وجود أحدهما بدون الآخر، كمن صلى ولم يغصب، أو غصب ولم يصل.
2 سلب الكافر: ما على القتيل من ثياب وحلى وسلاح وإن كثر، وفي دخول الدابة وآلتها في السلب روايتان. وكون السلب للقاتل ثابت بأحاديث صحيحة، منها ما رواه البخاري عن أبي قتادة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من قتل قتيلًا فله سلبه ... " قالها ثلاثًا في حديث طويل رواه البخاري في باب من لم يخمس الأسلاب حديث رقم "3142" والمغازي رقم "4321".
3 وهي عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة.
4 حكى المصنف في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة مذهبين: أحدهما: أنها صحيحة، وثانيهما: أنهما غير صحيحة. وفيها مذهب مروي عن أبي بكر الباقلاني وغيره: أنها غير صحيحة، ولكن يسقط بها الفرض. =
(1/141)

يكونوا يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء الصلوات في أماكن الغصب، إن هذا جهل بحقيقة الإجماع، فإن حقيقته: الاتفاق من علماء أهل العصر، وعدم النقل عنهم ليس بنقل الاتفاق.
ولو نقل عنهم أنهم سكتوا فيحتاج إلى أنه اشتهر فيما بينهم كلهم: القول بنفي وجوب القضاء فلم ينكروه.
فيكون -حينئذ- فيه اختلاف هل هو إجماع أم لا؟
على ما سنذكره في موضعه.
__________
قال الطوفي -عن هذا الرأي-: "وهذا مسلك ظاهر الضعف، لأن سقوط الفرض بدون أدائه شرعًا غير معهود، بل لو منع الإجماع المذكور لكان أيسر عليه، فإنه يبعد على الخصم أن يثبت أن ظالمًا في زمن السلف صلى في مكان مغصوب وعلم به أهل الإجماع، فضلًا عن أن يثبت ذلك في جميع الظلمة أو أكثرهم، ولو سلّم ذلك، لكن لا نسلم أنهم أقروا الظلمة على ذلك ولم يأمروهم بالإعادة، ولا يلزم من عدم نقل ذلك عدم وجوده، لجواز أن الأمر بالإعادة وجود لم ينقل، لاستيلاء الظلمة وسطوتهم، أو كون الحكم ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقل الإنكار فيه" "شرح مختصر الروضة جـ1 ص363".
والصلاة في الدار المغصوبة مثال جاء به المصنف تطبيقًا على مسألة: أن الشيء الواحد يستحيل أن يكون واجبًا حرامًا في وقت واحد.
وقد وضح الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- كلام المصنف فقال: "إيضاح معنى كلامه- رحمه الله- أن الوحدة ثلاثة أقسام:
أ- وحدة بالجنس.
ب- وحدة بالنوع.
جـ- وحدة بالعين.
أما الوحدة بالجنس أو النوع: فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما =
(1/142)

.................................................................
__________
= حرامًا وبعضها حلالًا، بخلاف الوحدة بالعين فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا وبعضها حلالًا.
مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير، لأنهما يشملهما جنس واحد هو "الحيوان" فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسًا، ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير.
ومثال الوحدة بالنوع: السجود: فإنه نوع واحد، فالسجود لله والسجود للصنم يدخلان في نوع واحد هو: اسم السجود، ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، ولله قربة. كما قال تعالى: {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} .
ومثال الوحدة بالعين: عند المؤلف -رحمه الله-: الصلاة في الدار المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا، وبعضها مباحًا.
وإيضاح مراده أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشغله الفراغ المملوك لغيره بجسمه تعدّيًا غصب، فهو حرام. فهذا الركن الذي هو القيام غصب فهو حرام، فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في ركوعه، وإذا سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده وهكذا.
وشغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا غصب، فلا يمكن أن يكون قربة، لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربة معصية؛ لاستحالة اجتماع الضدين في شيء واحد، من جهة واحدة، فليزم بطلان الصلاة المذكورة.
ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة وهم الجمهور. قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعل له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان: هو طاعة من إحداهما، ومعصية من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة -من حيث هي صلاة- قربة، ومن حيث هي غصب معصية، فله صلاته وعليه غصبه.
فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي رد، للحديث الصحيح: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" فيقول خصمه، الصلاة في نفسها من أمرنا، فليست برد، وإنما الغصب هو الذي ليس =
(1/143)

فصل: [في أقسام النهي]
مصححو الصلاة في الدار المغصوبة قسموا النهي ثلاثة أقسام:
الأول: ما يرجع إلى ذات المنهي عنه، فيضاد وجوبه، كقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى....} 1.
وإلى ما لا يرجع إلى ذات المنهي عنه، فلا يضاد وجوبه، مثل قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ} 2 مع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تلبسوا الحرير" 3.
ولم يتعرض في النهي للصلاة، فإذا صلى في ثوب حرير أتى بالمطلوب والمكروه4 جميعًا.
القسم الثالث: أن يعود النهي إلى المنهي عنه دون أصله، كقوله -تعالى-: {وَأَقِيمُوا الصَّلاة} 5 مع قوله -تعالى-: {لاََ
__________
من أمرنا فهو رد" "مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص22-23" ط. دار القلم، بيروت.
1 سورة الإسراء من الآية: 23.
2 سورة الإسراء من الآية: 78.
3 حديث صحيح رواه البخاري عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في كتاب اللباس، باب: لبس الحرير "4/ 83" ومسلم: كتاب اللبس "4/ 140" بلفظ: "ولا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" كما رواه النسائي والترمذي وأحمد.
4 استعمل المصنف كلمة "المكروه" وقصده "المحرم" وهو وارد فقد جاء في القرآن الكريم إطلاق لفظ "المكروه" على بعض المقطوع بحرمتها، قال الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} إلى أن قال سبحانه: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} اقرأ الآيات 31-38 من سورة الإسراء.
5 سورة البقرة الآيات: 43، 110 وفي سورة الأنعام {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاة وَاتَّقُوهُ
(1/144)

تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيل} 1 وقوله -عليه السلام-: "دعي الصلاة أيام أقرائك" 2، ونهيه عن الصلاة في المقبرة3، وقارعة الطريق، والأماكن السبعة4. ونهيه عنها في الأوقات الخمسة5.
__________
وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [72] .
1 سورة النساء من الآية: 34.
2 هذا جزء من حديث ورد في قصة فاطمة بنت حبيش بنت جحش، وحمنة بنت جحش، بألفاظ مختلفة: فرواه أبو داود: كتاب الطهارة باب: في المرأة المستحاضة، وأحمد في المسند "6/ 322" عن أم سلمة -رضي الله عنها- أنها استفتت النبي -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش فقال لها: "تدع الصلاة قدر أقرائها، ثم تغتسل وتصلي" وفي الموطأ والبخاري: " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي". وللحديث روايات أخرى كثيرة.
يراجع: "الموطأ 1/ 61، فتح الباري 1/ 409، جامع الأصول 7/ 360-368".
3 روى مسلم في صحيحه "97-972" عن أبي مرثد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
4 عن ابن عمر، -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق" حديث صحيح رواه الترمذي: أبواب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية ما يصلي إليه وفيه، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المواضع التي تكره فيها الصلاة.
والمراد ببيت الله: الكعبة المشرفة لإخلاله بالتعظيم وعدم احترامها بالاستعلاء عليها، والمزبلة: محل الزبل، ومثله كل نجاسة متيقنة. وعطن الإبل، المكان الذي تنحّى فيه ليشرب غيرها، ومحجة الطريق: وسطه "فيض القدير 4/ 88".
5 صحت الأحاديث الدالة على النهي في الأوقات الخمسة، ومنها: الحديث الذي =
(1/145)

فأبو حنيفة يسمي المأتي به على هذا الوجه فاسدا وغير باطل1.
وعندنا: أن هذا من القسم الأول1، وهو قول الشافعي، فإن المكروه الصلاة في زمن الحيض3، لا الوقوع في الحيض مع بقاء الصلاة مطلوبة، إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الإيقاع، ولذلك بطلت الصلاة في هذه المواضع كلها4.
__________
= رواه البخاري ومسلم أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
وعن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب" رواه مسلم. انظر: صحيح البخاري "1/ 352"، صحيح مسلم "1/ 567" الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل للمؤلف جـ1 ص122 ط. المكتب الإسلامي.
1 حيث يفرق الحنفية بين الفاسد والباطل فيقول: الفاسد: ما كان الخلل فيه راجعًا إلى وصف من أوصاف الفعل، أما الباطل: فما كان الخلل فيه راجعًا إلى أصل الفعل. انظر: أصول السرخسي ج1 ص80.
2 وهو: النهي الذي يرجع إلى ذات المنهي عنه.
3 يقصد بالمكروه هنا -المحرم- كما تقدم. وإلا فالصلاة في زمن الحيض حرام.
4 وضح الشيخ "الشنقيطي" ما أراده المصنف من هذا الفصل فقال: "اعلم أن حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن المنهي عنه إما أن تكون جهة النهي فيه منفردة، أعني: أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك بالله، والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال.
وإما أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها، وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل.
لكنهم عند التطبيق يختلفون:
فيقول الحنبلي: الصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، =
(1/146)

فصل: [الأمر بالشيء نهي عن ضده]
الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى، فأما الصيغة فلا؛ فإن قوله "قم" غير قوله لا "تقعد".
__________
= مأمور بها من جهة الصلاة، إلا أن الجهة هنا غير منفكة، لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبًا، والصلاة يشترط فيها نية التقرب، وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصب لا يمكن فيها نية التقرب، إذ لا يمكن أن يكون متقربًا بما هو عاص به.
أما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح، كالصلاة بالحرير، فإن الجهة منفكة، لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقًا، في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة وعليه إثم لبسه الحرير.
فيقول المالكي والشافعي -مثلًا-: لا فرق -ألبتة- بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب -أيضًا- حرام في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة وعليه إثم غصبه.
ويقول المالكي -مثلًا- مثال الجهة غير المنفكة: صوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة الله؛ لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة الله، لأن الإعراض عنهما هو: الامتناع عن الأكل والشرب، فلا يمكن انفكاك الجهة.
فيقول الحنفي: الجهة منفكة أيضًا، لأن الصوم -من حيث إنه صوم- قربة، ومن حيث كونه في العيد منهي عنه، فالجهة منفكة ولذا: لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد بناء على انفكاك الجهة عنده.
وقول المؤلف -رحمه الله- في هذا المبحث: "قسموا النهي إلى ثلاثة أقسام" إيضاح معناه: أن المنهي عنه: إما أن يكون المنهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسمًا رابعًا: وهو أن المنهي عنه لخارج =
(1/147)

وإنما النظر في المعنى وهو: أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود1؟
__________
= عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكون منفكة عنها، فتكون الأقسام أربعة:
مثال المنهي عنه لذاته: الشرك بالله والزنا.
ومثال المنهي عنه لوصفه القائم به: الخمر بالنسبة إلى الإسكار.
ومثل له المؤلف بالصلاة في حالة السكر، لأنها منهي عنها لوصف السكر القائم بالمصلي.
ومثال المنهي عنه لخارج غير لازم: الصلاة بالحرير.
ومثال المنهي عنه لخارج لازم: -عند المؤلف- الصلاة في المكان المغصوب، والنهي يقتضي البطلان في ثلاثة منها وهي: ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو الخارج عنه له لزومًا غير منفك.
أما الرابع: فلا يقتضي البطلان، وهو ما كان النهي عنه لخارج غير لازم راجع: مذكرة أصول الفقه ص24-25.
1 وضح الشيخ الشنقيطي كلام المصنف في هذا الفصل فقال: "اعلم أن كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده وهذا قول جمهور المتكلمين، قالوا: أسكن مثلًا، السكون المأمور به فيه، هو عين ترك الحركة، فهو إذًا عين النهي عن الحركة أيضًا، فالأمر بالسكون هو النهي عن الحركة، قالوا وشغل الجسم فراغًا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب إلى المغرب بعد، قالوا ومثل ذلك طلب السكون فهو بالنسبة إليه أمر، وإلى الحركة نهي، والذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينًا وكونه وقته مضيقًا ولم يذكر ذلك المؤلف، أما إذا كان غير معين كالأمر بواحد من خصال الكفارة فلا يكون نهيًا عن ضده، فلا يكون في آية الكفارة نهي عن ضد الإعتاق، مثلًا لجواز ترك الإعتاق من أصله والتلبس بضده والتكفير بالإطعام مثلًا، =
(1/148)

......................................................................................................
__________
= وذلك بالنظر إلى ما صدقه، أي فرده المعين كما مثلنا لا بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بين تلك الأشياء.
فإن الأمر حينئذ نهي عن ضد الأحد الدائر، وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها، وكذلك الوقت الموسع فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيًا على التلبس بضدها في ذلك الوقت، بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت.
ثم قال:
الذي يظهر -والله أعلم- أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي. وأن الأمر النفسي، هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة، وبقطعهم النظر عن الصيغة، واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الأمر هو عين النهي عن الضد، مع أن متعلق الأمر طلب، ومتعلق النهي ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، والنهي استدعاء ترك، فليس استدعاء شيء موجود، وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهي عن الضد، وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أن الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرد عن الصيغة، ويوضح ذلك اشتراطهم في كون الأمر نهيًا عن الضد أن يكون الأمر نفسيًا يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحب الضياء اللامع وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله من حيث المعنى، وأما الصيغة فلا، ولم ينتبه، لأن هذا من المسائل التي فيها النار تحت الرماد، لأن أصل هذا الكلام مبني على زعم باطل وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ، لأن هذا القول الباطل يقتضي أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها رب السموات والأرض، وبطلان ذلك واضح وسيأتي له إن شاء الله زيادة إيضاح في مباحث القرآن ومباحث الأمر.
المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه، وهذا هو أظهر الأقوال: لأن قولك أسكن مثلًا يستلزم نهيك عن الحركة لأن المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده لاستحالة اجتماع الضدين وما لا يتم =
(1/149)

فقالت المعتزلة: ليس بنهي عن ضده، لا بمعنى أنه عينه ولا يتضمنه ولا يلازمه؛ إذ يتصور أن يأمر بالشيء من هو ذاهل عن ضده، فكيف يكون طالبا لما هو ذاهل عنه، فإن لم يكن ذاهلا عنه فلا يكون طالبًا له إلا من حيث يعلم أنه لا يمكن فعل المأمور به إلا بترك ضده، فيكون تركه ذريعة بحكم الضرورة، لا بحكم ارتباط الطلب به، حتى لو تصور -مثلًا- الجمع بين الضدين ففعل، كان ممتثلًا، فيكون من قبيل: ما لا يتم الواجب إلا به واجب، غير مأمور به.
وقال قوم: فعل الضد: هو عين ترك ضده الآخر، فالسكون عين ترك الحركة، وشغل الجوهر حيزا عين تفريغه للحيز المنتقل عنه، والبعد من المغرب هو: عين القرب من المشرق وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد.
فإذًا: طلب السكون بالإضافة إليه أمر، وإلى الحركة نهي.
وفي الجملة: إنا لا نعتبر في الأمر الإرادة1، بل المأمور: ما اقتضى الأمر امتثاله.
__________
= الواجب إلا به واجب كما تقدم، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلاني في آخر مصفاته وكان يقول بالأول.
المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه، وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية، واستدل من قال بهذا بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلًا عن ضده، وإذا كان ذاهلًا عنه فليس ناهيًا عنه إذ لا يتصور النهي عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلًا، ويجاب عن هذا بأن الكف عن الضد لازم لأمره لزومًا لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين قالوا ولا تشترط إرادة الآمر كما أشار إليه المؤلف رحمه الله. "مذكرة أصول الفقه ص26-27".
1 علق الشيخ "الشنقيطي" على هذا بقوله: "قولهم هنا: "ولا تشترط إرادة الآمر". =
(1/150)

والأمر يقتضي ترك الضد؛ ضرورة أنه لا يتحقق الامتثال إلا به، فيكون مأمورا به، والله أعلم.
فهذه أقسام أحكام التكليف1.
ولنبين -الآن- التكليف، ما هو شروطه.
__________
= غلط؛ لأن المراد بعدم اشترط الإرادة في الأمر: إرادة الآمر وقوع المأمور به، أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه الأمر، فلا بد منها على كل حال، وهي محل النزاع هنا.
ومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة: قول الرجل لامرأته: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال لها: قومي فقعدت، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله "قومي" هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفة لنهيه المعبر عنه بصيغة الأمر، فتطلق، وعلى أنه مستلزم له فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول، هل هو أو لا، وعلى أنه ليس عين النهي عن الضد ولا مستلزمًا له، فإنها لا تطلق" مذكرة أصول الفقه ص28.
1 ذكره بعض العلماء قسمًا سادسًا سموه:
مرتبة العفو
ومعناها: أن الله -تعالى- لا يعذب عليها؛ لأنه قد عفا عن فاعلها، ولا يحاسبه عما فعل، ولا يمكن أن يطلق على هذه المرتبة اسم "المباح".
والأصل في هذه المرتبة: ما رواه الحاكم وابن جرير والدراقطني من حديث أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله فرض فرائض فلا يضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" حديث حسن كما قال النووي في أربعينه. =
(1/151)

..........................................................
__________
= ويشمل ذلك:
1- ما كان عليه أهل الجاهلية، حيث كانوا يستبيحون ما لم يبحه الإسلام -بعد ذلك- كالتزوج بأزواج الآباء، وجمعهم بين الأختين، وقد جاءت آيات القرآن الكريم بتحريم ذلك، والإشارة إلى أن الله تعالى قد عفا عما سلف.
يقول الله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [سورة النساء الآية: 22] .
ويقول -جل شأنه-: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَف} [سورة النساء الآية: 23] .
2- ومنه -أيضًا- ما تركه الإسلام في أول ظهوره من غير نص قاطع بالتحريم، ثم نزل النص القاطع بتحريمه، كما جاء في "الخمر والميسر".
ولذلك ختمت الآيات الواردة في سورة المائدة بالتحريم النهائي في شأنهما، ختمت بها يفيد أن الله تعالى قد عفا عما مضى، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة المائدة الآيات 90-93] .
ومن هذا القبيل: ما جاء في موضوع تحريم الربا قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] .
3- ومن هذا القبيل: عدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان والإكراه، فإن هذه الأمور لا تندرج تحت "المباح" بحيث يستوي فيها الفعل والترك، بل هي من مرتبة العفو التي تفضل المولى -سبحانه- بعدم المؤاخذة عليها.
وهذا ما جاء واضحًا في قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وراه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب: المكره 1/ 659، والدارقطني في السنن 4/ 170، والبيهقي في سننه، كتاب الخلع، =
(1/152)

فصل: [في معنى التكليف وشروطه]
التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة. أي: مشقة1.
قالت الخنساء2 في صخر3:
يكلفه القوم ما نابهم4 ... وإن كان أصغرهم مولدًا5
__________
= باب: طلاق المكره 7/ 357، والحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق 2/ 198.
4- ومنه: من ارتكب شيئًا ثبت تحريمه، ولكنه يجهل التحريم لعذر، كمن يتزوج امرأة محرمة عليه وهو لا يعلم، كأن تكون أخته من الرضاعة، وهو لا يعلم بذلك، فإذا تبين الإنسان ذلك بعد الزواج فرّق بينهما دون مؤاخذة، فلا حد عليهما.
1 جاء في القاموس المحيط "3/ 198": "والتكليف: الأمر بما يشق، وتكلفه: تجشمه".
2 هي: تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، من بني سليم، من أهل نجد، أشهر شواعر العرب، وأشهرهن على الإطلاق، عاشت في الجاهلية، وأدركت الإسلام فأسلمت، ووفدت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع قومها، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستنشدها ويعجبه شعرها، توفيت سنة 24هـ. "الشعر والشعراء لابن قتيبة ص213، أسد الغابة 7/ 88".
3 هو: صخر بن عمرو بن الحارث، قتل يوم كلاب، وقيل: يوم ذي الأثل، طعنه ربيعة بن ثعلبة الأسدي، وكان من فرسان العرب وشجعانهم. فلما قتل رثته أخته "الخنساء" بقصيدة طويلة مطلعها:
أعيني جودا ولا تجمدا
ألا تبكيان لصخر الندا
4 في ديوان الخنساء ص31 "ما عالهم".
5 انظر: ديوان الخنساء 31 ط. الأندلس.
(1/153)

وهو في الشريعة: الخطاب بأمر أو نهي1.
وله شروط بعضها يرجع إلى المكلف، وبعضها يرجع إلى نفس المكلف به.
أما ما يرجع إلى المكلف: فهو أن يكون عاقلا يفهم الخطاب2.
فأما الصبي والمجنون: فغير مكلفين؛ لأن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال: ولا تمكن إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد: العلم بالمقصود، والفهم للتكليف إذ من لا يفهم كيف يقال له افهم؟ "ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف يكلم؟ وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة، فهو كمن لا يسمع"3.
ومن يفهم فهما ما "لكنه لا يفهم ولا يثبت كالمجنون وغير المميز"4 فخطابه ممكن، لكن اقتضاء الامتثال منه -مع أنه لا يصح منه قصد صحيح- غير ممكن. ووجوب الزكاة5 والغرامات في مال الصبي
__________
1 اعترض على هذا التعريف بأنه لا يشمل المباح، فليس فيه أمر ولا نهي.
وأجيب: بأنه ألحق بالأحكام التكليفية من قبيل التغليب، فأطلق عليه اسم التكليف تجوزًا، وقيل: إن المباح يجب اعتقاد إباحته، فهو داخل تحت الحكم التكليفي.
2 المصنف جمع بين العقل وفهم الخطاب، لأن الإنسان قد يكون عاقلًا ولا يفهم الخطاب كالصبي الناسي والسكران والمغمى عليه، فإنهم في حكم العقلاء من بعض الوجوه وهم لا يفهون.
3 ما بين القوسين من المستصفى ص"101" طبعة الجندي وهي في الأصل: "ومن لا يسمع لا يقال له: تكلم، وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة فهو كمن لا يسمع".
4 ما بين القوسين من المستصفى ص"101" وهي في الأصل: "ومن لا يفهم فهمًا ما كغير المميز" وفيها نقص واضح.
5 هذا دفع لاعتراض قد يرد مفاده: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلفين فكيف =
(1/154)

والمجنون ليس تكليفًا لهما، إذ يستحيل التكليف بفعل الغير1.
وإنما معناه: أن الائتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمتهما، بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال، وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، وهذا ممكن، إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم: افهم.
وإنما أهلية ثبوت الأحكام في الذمة بالإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به يفهم التكليف في ثاني الحال. والبهيمة ليس لها أهلية فهم الخطاب، لا بالقوة ولا بالفعل، فلم يتهيأ ثبوت الحكم في ذمتها.
والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكن الحصول على القرب فنقول: هو موجود بالقوة.
كما أن شرط الملكية: الإنسانية، وشرط الإنسانية الحياة، والنطفة يثبت لها الملك مع عدم الحياة التي هي شرط الإنسانية؛ لوجودها بالقوة.
فكذا الصبي مصيره إلى العقل، فصلح لثبوت الحكم في ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال.
فأما الصبي المميز: فتكليفه ممكن؛ لأنه يفهم ذلك، إلا أن الشرع حط التكليف عنه تخفيفا "لأن العقل خفي، وإنما يظهر فيه على التدريج"2 إذ لا يمكن الوقوف بغتة على الحد الذي يفهم به خطاب
__________
= نوجب عليهما دفع الزكاة، وضمان المتلفات. فأجاب المصنف: بأن ذلك من قبيل خطاب الوضع، لوجود سببه، وليس من قبيل خطاب التكليف، والحكم الوضعي يتعلق بالمكلف وغيره.
1 لفظ "الغير" من المستصفى ص"101".
2 ما بين القوسين من المستصفى ص"102" وهي في الأصل: "ليظهر خفي التدريج" وفيها تحريف ظاهر.
(1/155)

الشارع، ويعلم الرسول والمرسِل، فنصب له علامة ظاهرة.
وقد روي أنه مكلف1.
__________
1 وهناك رواية ثالثة -عن الإمام أحمد- أنه مكلف بالصلاة إذا بلغ عشرًا لكونه يعاقب على تركها، كما في الحديث: "..... واضربوهم عليها لعشر...." والواجب: ما عوقب على تركه. قال المصنف في الكافي "1/ 94": "والمذهب الأول" أي لا تجب على الصبي حتي يبلغ؛ للحديث ولأن الطفل لا يعقل.
(1/156)

فصل: [في عدم تكليف الناسي والنائم والسكران]
والناسي والنائم غير مكلف؛ فكيف يقال له: افهم؟
وكذا السكران الذي لا يعقل1.
__________
1 وهو الذي يسميه الفقهاء: السكران الطافح، وهو الذي لا يعقل شيئًا، وهذا رأي كثير من العلماء، منهم: الإمام أحمد. والرواية الثانية عنه: أنه مكلف ما دام قد استعمل المسكر مختارًا غير مكره، عالمًا بأنه يسكر، وهو مذهب الحنفية والشافعي وكثير من أهل العلم، لأنه ليس بمرفوع عنه القلم.
حكى الإمام أحمد عن الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنهما- أنه كان يقول: وجدت السكران ليس بمرفوع عنه القلم. "القواعد والفوائد الأصولية ص37". ونص عليه في الأم "5/ 25".
وقد روي عن الإمامين: الشافعي وأحمد -رضي الله عنهما- في حكم السكران أقوال كثيرة أخرى: فقيل: إنه كالمجنون، وقيل: إنه كالمجنون في أقواله وكالصاحي في أفعاله، وقيل: إنه في الحدود كالصاحي، وفي غيرها كالمجنون، وقيل: إنه فيما يستقل به -كالقتل والعتق ونحوهما- كالصاحي، وفيما لا يستقل به: كبيعه وشرائه ومعاوضاته كالمجنون. وقيل: التوقف في طلاقه وعتقه، أما بيعه وشراؤه فينفذ. وقيل: جميع تصرفاته تنفذ ما عدا الردة.
وقال بعض المالكية: إن السكر يذهب بالإرادة والقدرة فتبطل جميع تصرفاته. =
(1/156)

وثبوت أحكام أفعالهم: من الغرامات، ونفوذ طلاق السكران، من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، وذلك مما لا ينكر.
فأما قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} 1 فقد قيل: هذا كان في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، والمراد منه: المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كيلا يأتي عليه وقت الصلاة وهو سكران، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان. معناه لا تشبع فيثقل عليك التهجد.
وقال الله -تعالى-: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون} 2.
أي: الزموا الإسلام ولا تفارقوه، حتى إذا جاءكم الموت أتاكم وأنتم مسلمون.
وقيل: هو خطاب لمن وجد منه مبادىء النشاط والطرب ولم يزل عقله؛ لأنه إذا ظهر بالبرهان استحالة توجه الخطاب: وجب تأويل الآية.
__________
= ولا خلاف بين العلماء في وجوب قضاء ما فاته من العبادات، وضمان المتلفات، لأنها من قبيل خطاب الوضع وقد وجد سببها. وينبغي أن يكون معلومًا أن الخلاف في التكليف وعدمه: إنما هو في أداء الواجب، لا في الوجوب نفسه، وإلا فالناسي والنائم يجب عليهما قضاء الصلاة بعد التذكر واليقظة للحديث المشهور: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها".
راجع في هذه المسألة: "القواعد والفوائد الأصولية ص37 وما بعدها، المسودة ص35، شرح الكوكب المنير جـ1 ص505 وما بعدها، كشف الأسرار 4/ 353، فواتح الرحموت 1/ 145، المستصفى ص102.
1 سورة النساء من الآية: 43.
2 سورة آل عمران من الآية: 102.
(1/157)

فصل: [في حكم تكليف المكره]
فأما المكره1: فيدخل تحت التكليف؛ لأنه يفهم ويسمع ويقدر على تحقيق ما أُمر به وتركه.
__________
1 عادة المصنف عدم تحرير محل النزاع، وهذا قد يوقع القارئ في خطأ نتيجة لهذا التعميم. وقد قسم العلماء الإكراه إلى قسمين:
أ- إكراه ملجئ: وهو الذي لا تبقى للمكلف معه قدرة ولا اختيار، كمن حلف ألا يدخل دار فلان. فقهره من هو أقوى منه، وكبّله بالحديد، وحمله قهرًا حتى أدخله الدار. ومثل ذلك غير مكلف باتفاق العلماء؛ إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه.
ب- إكراه غير ملجئ: بحيث يبقى للإنسان قدرة واختيار على الفعل أو الترك -كما قال المصنف- كما إذا أكره الإنسان على شيء يكرهه ولا يرضاه، كما لو أمر الحاكم شخصًا بقتل إنسان ما، وإلا قتلناك، فهذا هو محل الخلاف وللعلماء في ذلك مذهبان -كما قال المصنف-.
وجزم المصنف -في هذا النوع- بأنه مكلف فيه نظر:
فقد فرّق العلماء بين الإكراه في حق الغير، والإكراه في حق النفس، فالذي يكره على قتل إنسان مسلم لا يجوز له قتله، وإن أدى ذلك إلى قتله هو.
إما الإكراه في حق النفس، فالظاهر من الأيات والأحاديث أن الإكراه عذر يسقط التكليف، وهو ما يفيده قول الله تعالى: { ... إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان ... } [النحل: 106] ويؤيد ذلك: قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وقد روي بطرق متعددة: فقد رواه ابن حبان وصححه، والحاكم في المستدرك: كتاب الطلاق، باب: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد 2/ 198، وحسّنه النووي في الأربعين النووية: باب التجاوز عن المخطئ والناسي والمكره، حديث رقم "39" ص58.
ولا يطعن فيه ما نقله عبد الله بن أحمد عن أبيه أنه أنكر الحديث جدًّا، كما لا =
(1/158)

وقالت المعتزلة: ذلك محال؛ لأنه لا يصح منه فعل غير ما أكره عليه، ولا يبقى له خيرة.
وهذا غير صحيح؛ فإنه قادر على الفعل وتركه، ولهذا يجب عليه ترك القتل إذا أكره على قتل مسلم، ويأثم بفعله.
ويجوز أن يكلف ما هو على وفق الإكراه، كإكراه الكافر على الإسلام، وتارك الصلاة على فعلها، فإذا فعلها قيل: أدى ما كلف، لكن إنما تكون منه طاعة إذا كان الانبعاث بباعث الأمر، دون باعث الإكراه.
فإن كان إقدامه للخلاص من سيف المكرِه لم تكن طاعة، ولا يكون مجيبا داعي الشرع.
وإن كان يفعلها ممتثلًا لأمرالشارع، بحيث كان يفعلها لولا الإكراه فلا يمتنع وقوعها طاعة. وإن وجدت صورة التخويف.
__________
= يطعن فيه نقل الخلال عنه أنه قال: "من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة" وقد جمع العلماء بين ما قاله الإمام وبين غيره: بأن المراد من رفع الخطأ والنسيان: رفع المؤاخذة بهما: لا رفع حكمهما، وإلا كيف يؤاخذ الناسي والمخطئ وقد قال الله -تعالى- في ختام سورة البقرة {.. رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وقد جاء في حديث مسلم حول هذه الآية "قال الله نعم" أي: أجبت دعاءكم "تفسير ابن كثير جـ1 ص324".
قال الشيخ الشنقيطي: "والحديث وإن أعله أحمد وابن أبي حاتم، فقد تلقاه العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة" مذكرة أصول الفقه ص33.
(1/159)

فصل: [في حكم تكليف الكفار بفروع الإسلام]
واختلفت الرواية1: هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؟
__________
أي عن الإمام أحمد. وهذه المسألة متفرعة عن قاعدة أصولية هي: هل حصول الشرط الشرعي شرط في صحة التكليف أو لا؟ ومعنى هذا: أنه هل يشترط الإسلام للتكليف بالعبادات ونحوها: أو أن الكفار يعتبرون مكلفين بها حتى ولو لم يدخلوا في الإسلام.
ويتحرر محل النزاع فيما يأتي:
أولًا- لا خلاف بين العلماء في أن الكفار مخاطبون بأصول العقيدة: من الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الأخر، حتى نقل القاضي أبو بكر الباقلاني الإجماع على ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم} أول سورة الحج: وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "...... وبعثت إلى الناس كافة" حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والنسائي. "الفتح الكبير ج1 ص199".
ثانيًا- لا خلاف -أيضًا- أنهم مخاطبون بالعقوبات الشرعية، فتقام عليهم إذا وجدت أسبابها، وكذلك المعاملات المالية، لأنها أمور دنيوية.
وقد وضح الإمام ابن السبكي محل الخلاف في المسألة فقال: "أطبق المسلمون على أن الكفار بأصول الشرائع مخاطبون، وباعتبارها مطالبون، ولا اعتداد بخلاف مبتدع يشبب بأن العلم بالعقائد يقع اضطرارًا فلا يكلف به، وأجمعت الأمة -كما نقله القاضي أبو بكر- على تكليفهم بتصديق الرسل، وبترك تكذيبهم وقتلهم وقتالهم، ولم يقل أحد إن التكليف بذلك متوقف على معرفة الله تعالى".
ثم بعد أن نقل آراء العلماء في المسألة حرر محل الخلاف فقال:
"..... وكشف الغطاء في ذلك أن الخطاب على قسمين: خطاب تكليف وخطاب وضع: =
(1/160)

فروي أنهم لا يخاطبون منها بغير النواهي؛ إذ لا معنى لوجوبها مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله؟ وهذا قول أكثر أصحاب الرأي1.
__________
= فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف، وليس كل تكليف أيضًا، بل ما لم نعلم اختصاصه بالمؤمنين أو ببعض المؤمنين، وإنما المراد العامة التي شملهم لفظًا، هل يكون الكفر مانعًا من تعلقها بهم أو لا؟.
وأما خطاب الوضع: فمنه ما يكون سببًا لأمر أو نهي، مثل كون الطلاق سببًا لتحريم الزوجة قال والدي -رحمه الله-: فهذا من محل الخلاف أيضًا".
ثم قال: "ومن خطاب الوضع: كون إتلافهم وجناياتهم سببًا في الضمان، وهذا ثابت في حقهم إجماعًا، بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي، وكون وقوع العقد على الأوضاع الشرعية سببًا في البيع والنكاح وغيرهما فهذا لا نزاع فيه، وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في المسلم، وكذا كون الطلاق سببًا للفرقة، فإن الفرقة ثبتت إذا قلنا بصحة أنكحتهم.
ومن هذا القبيل: الإرث والملك به، ولولا ذلك لما شاع بيعهم لمواريثهم وما يشترونه، ولا معاملتهم، وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية، والخلاف في ذلك لا وجه له".
وقال: "ومن خطاب الوضع: ثبوت المال في ذمتهم في الديون والكفارات عند حصول أسبابها، ولا نزاع في ثبوت ذلك في حقهم، كما ثبت في حق المسلمين، وكذا تعلق الحقوق التي يطالبون بدائها بأموالهم مثل: تعلق أروش الجنايات برقاب الجناة ... ".
ثم قال: "ومن خطاب الوضع: كون الزنا سببًا لوجوب الحد وذلك ثابت في حقهم، ولذلك رجم النبي -صلى الله عليه وسلم- اليهوديين. وهو ثابت في الصحيحين "اللؤلؤ والمرجان 2/ 188" انظر: الإبهاج للسبكي جـ1 ص176-177 طبعة الكليات الأزهرية، والبحر المحيط للزركشي جـ1 ص410 طبعة الكويت.
1 قول المصنف: "إن هذا هو قول أكثر أصحاب الرأي" فيه نظر، فالمشهور عن =
(1/161)

وروي أنهم مخاطبون بها، وهو قول الشافعي1؛ لأنه جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا2.
__________
= أكثر الحنفية: أنهم ليسوا بمكلفين مطلقًا، ولا أدري من أين نقل المصنف ذلك، وهذا المذهب، وإن قال به بعض العلماء، إلا أنه غريب وشاذ، قال الزركشي في البحر المحيط "1/ 402": "ولعله انقلب مما قبله، ويرده: الإجماع السابق على تكليفهم بالنواهي: ويقصد بقوله: "انقلب مما قبله" أن القائل به اختلط عليه مذهب القائلين بأنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر فعكس المسألة. انظر: "كشف الأسرار 1/ 128، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص325" ولذلك لم يذكره الطوفي في المختصر ولا في الشرح.
1 وعنه وعن الإمام أحمد -رضي الله عنهما- رواية ثانية: أنهم غير مكلفين، وهو المنقول عن أكثر الحنفية، واختاره أبو حامد الإسفراييني، والإمام فخر الدين الرازي, انظر: العضد على مختصر ابن الحاجب "2/ 13" وفي المسألة عدة مذاهب أخرى لم يتعرض لها المصنف:
فقيل: هم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، حتى نقل بعض العلماء إخراج هذا من محل الخلاف، وأن تكليفهم بالنواهي متفق عليه.
وقيل: إن المرتد هو المكلف فقط، دون الكافر الأصلي.
وقيل: إنهم مكلفون بما عدا الجهاد، حكاه القرافي عن بعض العلماء ولم ينسبه.
وقيل: إن المكلف غير الحربي، أما الحربي فليس بمكلف.
وقيل: بالتوقف.
ولكل مذهب من هذه المذاهب أدلته، وعليها مناقشات كثيرة تراجع في مظانها. انظر: "فواتح الرحموت 1/ 154، تيسير التحرير 2/ 248، أصول السرخسي 2/ 341، البحر المحيط 1/ 402 وما بعدها".
2 فالمصنف بذلك قد اختار هذا المذهب واستدل على صحته بالعقل والنقل كما سيأتي توضيحه.
(1/162)

أما الجواز العقلي:
فإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: بني الإسلام على خمس، وأنتم مأمورون بجميعها، وبتقديم الشهادتين من جملتها، فتكون الشهادتان مأمورا بهما لنفسهما، ولكونهما شرطا لغيرهما، كالمحدث يؤمر بالصلاة1.
فإن منع مانع الحكم في المحدث وقال: إنما يؤمر بالوضوء، فإذا توضأ أمر بالصلاة؛ إذ لايتصور الأمر بالصلاة مع الحدث؛ لعجزه عن الامتثال.
قلنا: فإذًا لو ترك الصلاة طول عمره لا يعاقب على تركها، وهو خلاف الإجماع2.
وينبغي أن لا يصح أمره بالصلاة بعد الوضوء. بل بالتكبيرة الأولى، لاشتراط تقديمها3.
__________
1 أي: يؤمر بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به، كالطهارة، فإن: ما لا يتم الواجب إلا به واجب.
2 عبارة البلبل المطبوع "والإجماع على خلافه" ومعنى العبارة: أن الإجماع منعقد على خلاف أنه لا يعاقب إلا على ترك الوضوء، بل يعاقب على جميع الصلوات الفائتة طول عمره، وذلك يدل على أنه مكلف بها.
3 هذا تفريع على ما تقدم ومعناه: أن المحدث لو توضأ وترك الصلاة، يلزم أن لا يعاقب إلا على تكبيرة الإحرام، لاشتراط تقديمها. هذا معنى كلامه -رحمه الله تعالى-.
قال "الطوفي" -معترضًا على هذا الإلزام-: "وهو إلزام غير جيد، لأن التكبيرة جزء الصلاة، وليست حقيقة مستقلة عنها، كالوضوء، اللهم إلا أن ينزِّلوا أجزاءها منزلة الحقائق المستقلة، مؤاخذة بما اقتضاه لفظ الخصم من اشتراط التقديم، وجزء الشيء يتقدمه، ويتوقف الشيء عليه. وبالجملة: هذا تدقيق ليس وراءه تحقيق، إنما هو من باب: إعنات الخصم". شرح مختصر الروضة "1/ 207-208".
(1/163)

وأما الدليل الشرعي:
فعموم قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... } 1 وإخبار الله -سبحانه- عن المشركين: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين} 2.
ذكر هذا في معرض التصديق لهم تحذيرًا من فعلهم، ولو كان كذبا لم يحصل التحذير منه، كيف وقد عطف عليه {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} 3 كيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه.
وقال الله- تعالى-: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر ... } الآية. لأنه نص في مضاعفة العذاب في حق من جمع بين المحظورات.
__________
1 سورة آل عمران من الآية: 97.
2 سورة المدثر الآيتان: 42، 43.
3 سورة المدثر الآية: 46.
4 سورة الفرقان الآيتان: 68، 69. ووجه الدلالة من ذلك: أن الله -تعالى- رتب الوعيد على مجموع ترك الأصل وهو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ... } والفرع، وهو قوله تعالى: {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُون} فكانت الفروع جزءًا من سبب الوعيد، وذلك يستلزم أنهم مكلفون بها.
يضاف إلى ما أورده المصنف من الآيات: آيات أخرى صريحة ونص في محل النزاع خاصة بخطاب أهل الكتاب والمشركين، تحثهم على طاعة الله تعالى، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، مثل قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَة} إلى أن قول سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاة} [سورة البينة: 1-5] .
وقال تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاة} [فصلت: 6، 7] قال القرطبي: "وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه". =
(1/164)

وفائدة الوجوب1: أنه لو مات عوقب على تركه، وإن أسلم سقط عنه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله.
ولا يبعد النسخ قبل التمكن من الامتثال، فكيف يبعد سقوط الوجوب بالإسلام3؟.
__________
= ومن الأدلة الصريحة في مضاعفة العذاب: قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] .
1 هذا بيان لثمرة تكليف الكفار بفروع الإسلام. وقد ذكر العلماء ثمارًا أخرى منها:
أنه إذا علم بمضاعفة العذاب فوق عذاب الكفر بادر بفعلها، طلبًا للتخفيف، فإنه من الثابت أن أهل النار متفاوتون في المنازل والدركات، بحسب أعمالهم، كما أن أهل الجنة متفاوتون في المنازل والدرجات. انظر: "شرح المختصر الطوفي جـ1 ص213-214".
2 وهو معنى ما جاء في صحيح مسلم: باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الحج والعمرة، في حديث طويل عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- ".... فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: أبسط يمينك فلأُبايعْك فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي. قال: "ما لك يا عمرو؟ " قلت: أردت أن أشترط. قال: "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي. قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ... " الحديث.
3 معنى هذه الفقرة: أن الذين يقولون بعدم تكليفهم قالوا: كيف تقولون: أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، مع أنه لا يجب قضاؤها عليهم؟.
فأجاب المصنف: أن هذا مبني على مسألة أخرى هي: هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول؟
فإن قلنا: بأمر جديد سقط الاعتراض، لأن الإسلام أسقط عنهم القضاء، فليس هناك أمر جديد بالأداء.
وإن قلنا: إنه بالأمر، فيكون القضاء قد سقط عنهم بدليل آخر ناسخ للمتقدم، وهو الحديث، وليس ببعيد أن يرد النسخ قبل التمكن من الفعل، =
(1/165)

فصل: [شروط الفعل المكلف به]
فأما الشروط المعتبرة للفعل المكلف به فثلاثة:
أحدهما: أن يكون معلومًا للمأمور به، حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة الله -تعالى- حتى يتصور منه قصد الطاعة والامتثال. وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب1.
__________
= الدليل موجود وهو حديث "الإسلام يهدم ما كان قبله" أي: يقطع ما قبله من أحكام الكفر.
1 إيضاح معنى هذا الشرط: أن الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعًا أن يكون المكلف يعلمه، فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة لأن التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق، إذ لو قيل للمكلف افعل ما أضمره في نفسي أنك تفعله وإلا عاقبتك، فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به لأن اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علم ليس في طاقته كما هو واضح.
واعلم أن الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدي محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبدي كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط في التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور به من الله تعالى، إذ لا بد له من نية التقرب به إلى الله تعالى ونية التقرب إليه عز وجل لا تمكن إلا بعد معرفة أن الأمر المتقرب به إليه أمر منه جل وعلا، وأما معقول المعنى فلا يشترط في صحة فعله نية التقرب ولكن لا أجر له فيه البتة إلا بنية التقرب إلى الله تعالى. ومثال ذلك رد الأمانة، والمغصوب وقضاء الدين، والإنفاق على الزوجة. فمن قضى دينه وأدى الأمانة ورد المغصوب مثلًا لا يقصد بشيء من ذلك وجه الله بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلًا ففعله صحيح دون النية وتسقط عنه المطالبة فلا يلزمه الحق في الآخرة بدعوى أن قضاءه في الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب بل القضاء صحيح والمطالبة ساقطة على كل حال ولكن لا أجر له إلا بنية التقرب، وهذا هو مراد المؤلف بقوله وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب.
(1/166)

الثاني: أن يكون معدومًا، أما الموجود: فلا يمكن إيجاده، فيستحيل الأمر به1.
الثالث: أن يكون ممكنًا، فإن كان محالًا، كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به2.
__________
1 إيضاح معنى هذا الشرط: أنه يشترط في المطلوب المكلف به أن يكون الفعل المطلوب معدومًا، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لا بد أن يكونا غير موجودين، والمكلف ملزم بإيجادهما على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها، فلا يمكن أمره بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على أكمل وجه لأن الأمر بتحصيلها معناه أنها غير حاصلة والفرض أنها حاصلة فيكون تناقضًا، ومن هنا قالوا تحصيل الحاصل محال لأن السعي في تحصيله معناه أنه غير حاصل بالفعل وكونه حاصلًا بالفعل ينافي ذلك فصار المعنى هو غير حاصل هو حاصل. وهذا تناقض واجتماع النقيضين مستحيل. "مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص35".
2 هذا الشرط مرتبط بمسألة أخرى هي: التكليف بما لا يطاق، أو التكليف بالمحال، وفيها تفصيل لأهل الأصول لم يتعرض له المصنف، وقد وضحه الشيخ "الشنقيطي" فقال:
"اعلم أن حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيها من جهتين:
الأولى: من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلًا أن يكلف الله عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلًا.
الثانية: هل يمكن ذلك شرعًا أو لا، أن أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلًا بما لا يطاق، قالوا وحكمته ابتلاء الإنسان، هل يتوجه إلى الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا لله بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون في حكم العاصي. ومنهم من يقول لا يلزم ظهور الحكمة في أفعال الله لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم =
(1/167)

.....................................................
__________
= وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح إبطال ذلك في الكلام على علة القياس، وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلًا، قالوا لأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه فهو محال عقلًا، أما بالنسبة إلى الإمكان الشرعي ففي المسألة التفصيل المشار إليه آنفًا وهو أن المستحيل أقسام. فالمستحيل عقلًا قسمان: قسم مستحيل لذاته كوجود شريك لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدين في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة.
ويسمى هذا القسم المستحيل الذاتي، وإيضاحه أن العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه، أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معًا، فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتي المعروف بواجب الوجود، كذات الله جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وإن قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلًا كوجود شريك لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. وإن قبل العقل وجوده وعدمه، فهو المعروف بالجائز عقلًا وهو الجائز الذاتي كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه. فالمستحيل الذاتي أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصح شرعًا لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة.
القسم الثاني من قسمي المستحيل عقلًا: هو ما كان مستحيلًا لا لذاته بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، لأن ما سبق في علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلًا أن يوجد لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضي، ونحن نرى أن هذه العبارة لا تنبغي لأن وصف استحالته بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة الله، فالذي ينبغي أن يقال: إنه مستحيل لأجل ما سبق في علم الله من أنه لا يوجد. ومثال هذا النوع إيمان أبي لهب، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلًا الجواز الذاتي لأن العقل يقبل وجوده، وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا الذاتي، مستحيل من جهة أخرى، وهى من حيث تعلق علم الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة =
(1/168)

وقال قوم: يجوز ذلك 1:
وبدليل قوله تعالى: {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه} 2. والمحال لا يسأل دفعه.
ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل 3 لا يؤمن، وقد أمره بالإيمان وكلفه إياه.
__________
= تغير ما سبق به العلم الأزلي، والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا وجائز عقلًا وشرعًا بإجماع المسلمين، لأنه جائز ذاتي لا مستحيل ذاتي، والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان واجب ومستحيل فقط، لأن العلم إما أن يتعلق بالوجود فهو واجب أو بالعدم فهو مستحيل ولا واسطة، والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي. وهذا هو حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة، والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق لأن المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على مَن قبلنا، لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به. "مذكرة أصول الفقه ص36-37".
1 اسم الإشارة هنا عائد على المحال لذاته، أي: أجاز قوم التكليف به، واستدل له المصنف بثلاثة أدلة: أولها: الآية الكريمة، والثاني: قوله: "ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل لا يؤمن" إلخ. ووجه الاستدلال به: أن أبا جهل قد أمر بالإيمان بكل ما أنزله الله تعالى، ومن بعض ذلك: أنه لا يؤمن، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} وأوضح من ذلك تمثيل بعض الأصوليين بأبي لهب، الذي نزلت في حقه صراحة سورة المسد، إذًا يكون هؤلاء مأمورون بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا، وبأنهم لا يؤمنون، وهو جمع بين النقيضين. وسيتأتى الرد على ذلك.
2 سورة البقرة من الآية: 286.
3 هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخرومي القرشي، كان شديد القرشي، كان شديد العداوة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صدر الإسلام، كان أحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها =
(1/169)

ولأن تكليف المحال لا يستحيل لصيغته، إذ ليس يستحيل أن يقول: {كُونُوا قِرَدَة} 1. {كُونُوا حِجَارَة} 2.
وإن أحيل طلب المستحيل للمفسدة، ومناقضة الحكمة: فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله -تعالى- محال؛ إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح.
ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد فالسفه من المخلوق ممكن.
ووجه استحالته3.
قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} 4 و {لا نُكَلِّف
__________
= في الجاهلية، يقال له: أبو الحكم فدعاه المسلمون: أبا جهل. قتل في غزوة بدر الكبرى "عيون التاريخ 1/ 144".
1 سورة البقرة من الآية: 65.
2 سورة الإسراء من الآية: 50 وقول المصنف: "ولأن تكليف المحال...." هذا هو الدليل الثالث للمذهب الذي يجوّز التكليف بالمحال. وقد اختصره المصنف من "المستصفى" وبيانه: أنهم قالوا: لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته، أو لمعناه، أو لمفسدة تتعلق به، أو لأنه يناقض الحكمة.
ولا يستحيل لصيغته؛ إذ لا يستحيل أن يقول: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} وأن يقول السيد لعبده الأعمى: أبصر، وللزّمن: امش. وأما قيام معناه بنفسه، فلا يستحيل -أيضًا- إذ يمكن أن يطلب من عبده كونه في حالة واحدة في مكانين ليحفظ ماله في بلدين. وهذا مما تركه المصنف -اختصارًا- وأشار إلى القسمين الأخيرين بقوله: "وإن أحيل طلب المستحيل إلخ" أي قالوا: محال أنه ممتنع للمفسدة ومناقضة الحكمة، فإن بناء الأمور في حق الله محال، إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح، ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد، والفساد والسفه من المخلوق ممكن، فلم يمتنع ذلك مطلقًا. "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص152-153".
3 بدأ المصنف يورد أدلة المذهب الذي اختاره وهو: استحالة التكليف بالمحال.
4 سورة البقرة من الآية: 286.
(1/170)

نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا..} 1.
ولأن الأمر: استدعاء وطلب، والطلب يستدعي مطلوبًا، وينبغي أن يكون مفهومًا بالاتفاق، ولو قال "أبجد هوّز" لم يكن ذلك تكليفا؛ لعدم عقل معناه.
ولو علم الأمر دون المأمور: به لم يكن تكليفا، إذ التكليف: الخطاب بما فيه كلفة، وما لا يفهمه المخاطب ليس بخطاب، وإنما اشترط فهمه ليتصور منه الطاعة، إذ كان الأمر: استدعاء الطاعة، فإن لم يكن استدعاءً لم يكن أمرا، والمحال لا يتصور الطاعة فيه، فلا يتصور استدعاؤه، كما يستحيل من العاقل طلب الخياطة من الشجر.
ولأن2 الأشياء لها وجود في الأذهان قبل وجودها في الأعيان، وإنما يتوجه إليه الأمر بعد حصوله في العقل، والمستحيل لا وجود له في العقل فيمتنع طلبه.
ولأننا3 اشترطنا: أن يكون معدوما في الأعيان ليتصور الطاعة فيه، فلذلك يشترط أن يكون موجودا في الأذهان، ليتصور إيجاده على وفقه.
ولأننا4 اشترطنا كونه معلومًا ومعدومًا، وكون المكلف عاقلا فاهما؛ لاستحالة الامتثال بدونهما، فكون الشيء ممكنا في نفسه أولى أن يكون شرطا.
__________
1 سورة الأنعام من الآية: 152 والآيتان هما الدليل الأول.
2 هذا هو الدليل الثاني، وهو وما بعده أدلة عقلية، أوردها بعد الأدلة النقلية، التي منها الآيتان السابقتان.
3 هذا هو الدليل الثالث.
4 هذا هو الدليل الرابع.
(1/171)

وقوله تعالى 1: {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه} فقد قيل: المراد به: ما يثقل ويشق، بحيث يكاد يفضي إلى إهلاكه، كقوله تعالى: {اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُم} 2. وكذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المماليك: "لا تكلفوهم ما لا يطيقون" 3.
وقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَة} تكون إظهارًا للقدرة4.
__________
1 من هنا سيبدأ المصنف في الرد على الأدلة التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، وهم المجوّزون للتكليف بالمستحيل.
وبيان ذلك: أن المستدلين بالآية قالوا: "بأن المحال لا يسأل دفعه، فإنه مندفع بذاته" فأجاب المصنف: بأن الآية لا تدل على جواز التكليف بما لا يطاق، إذ قد يقع السؤال بما لا يجوز على الله غيره نحو قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء: 112] .
ولم يدل دليل على أن الله -سبحانه- يجوز أن يحكم بالباطل.
وتمدح -سبحانه- بقوله: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد} [ق: 29] مع أنه لا يجوز عليه الظلم.
ولئن سلمنا أن المحال لا يسأل دفعه، فإنهم سألوا أن لا يكلفهم ما يشق عليهم، وهذا متعارف في اللغة أن يقول الشخص لما يشق عليه: لا أطيقه، لأنهم علموا جواز تكليف ما لا يطاق فسألوا نفيه" انظر: نزهة الخاطر "1/ 155".
2 سورة النساء من الآية: 66: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} .
3 حديث صحيح: رواه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بروايات مختلفة. ولفظ مسلم باب صحبة المماليك عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". انظر: فيض القدير جـ5 ص292.
4 أي: لا بمعنى أنه طلب من المعدوم أن يكون بنفسه.
(1/172)

وقوله تعالى: {كُونُوا حِجَارَة} تعجيز، وليس شيء من ذلك أمرا1.
وتكليف أبي جهل الإيمان غير محال؛ فإن الأدلة منصوبة، والعقل حاضر، وآلته تامة2. ولكن علم الله -تعالى- منه أنه يترك ما يقدر عليه، حسدا وعنادا، والعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، وكذلك نقول: الله قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن، وخلاف خبره محال لكن استحالته لا ترجع إلى نفس الشيء فلا تؤثر فيه3.
__________
1 أي: لإظهار عجزهم، لا أنه أمرهم بذلك حتى يتم الاعتراض بالآية الكريمة.
2 عبارة المستصفى: "والأدلة منصوبة، والعقل حاضر، إذ لم يكن هو مجنونًا".
3 وبذلك يكون المستصفى قد أجمل الكلام في هذه المسألة ولم يفرق بين الجواز العقلي والوقوع الشرعي. وقد تقدم لنا توضيح ذلك بما نقلناه عن الشيخ الشنقيطي.
وخلاصته أن في الجواز العقلي ثلاثة مذاهب:
الأول: عدم الجواز مطلقًا.
الثاني: جواز التكليف بما هو محال لغيره، دون المحال لذاته.
الثالث: الجواز مطلقا، وهو رأي الجمهور. أما الوقوع الشرعي ففيه المذهبان اللذان ذكرهما.
(1/173)

فصل: [في المقتضى بالتكليف]
والمقتضى بالتكليف: فعل أو كف.
فالفعل: كالصلاة.
والكف: كالصوم وترك الزنا والشرب.
(1/173)

وقيل: لا يقتضي الكف، إلا أن يتناول التلبس1 بضد من أضداده، فيثاب على ذلك لا على الترك؛ لأن "لا تفعل" ليس بشيء، ولا تتعلق به قدرة، إذ لا تتعلق القدرة إلا بشيء.
والصحيح: أن الأمر فيه مستقيم، فإن الكف في الصوم مقصود، ولذلك تشترط النية فيه.
والزنا والشرب نهي عن فعلهما، فيعاقب على الفعل، ومن لم يصدر منه ذلك لا يثاب ولا يعاقب؛ إلا إذا قصد كف الشهوة عنه مع التمكن فهو مثاب على فعله.
ولا يبعد أن "يكون مقصود الشرع"2 أن لا يتلبس بالفواحش، وإن لم يقصد أنه يتلبس بضدها3.
__________
1 في جميع النسخ "التلبيس" وهو خطأ واضح، وقد صححناها من المستصفى.
2 ما بين القوسين من المستصفى لتوضيح المعنى.
3 خلاصة هذا الفصل: أن الفعل المكلف به يتنوع إلى نوعين: فعل وكف، وقد اختلف العلماء فيما يقتضيه التكليف؟.
فالجمهور على أن المقتضى به الإقدام أو الكف، وهو فعل أيضًا، ولذلك قالوا: لا تكليف إلا بفعل. فالكف معناه: كف النفس وصرفها عن المنهي عنه، وآيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- تؤيد ذلك. قال الله -تعالى-: {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63] فسمى الله -تعالى- عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، فدل ذلك على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعل. وقال تعالى: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] . فسمى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا وهو واضح. وفي السنة من هذا كثير، من ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" فسمى ترك الأذي إسلامًا.
(1/174)

فصل: الضرب الثاني - من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار
...
الضرب الثاني - من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار 1
وهو أقسام أيضًا:
__________
= وقال بعض المعتزلة: إن متعلق التكليف في النهي: هو العدم الأصلى؛ لأن تارك الزنا ممدوح حتى مع الغفلة عن ضدية ترك الزنى. وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن المدح على كف النفس عن المعصية. انظر: الإحكام للآمدي "1/ 147"، شرح الكوكب المنير "1/ 492-493".
1 من هنا سيتكلم المؤلف عن الضرب الثاني من الأحكام الشرعية، وهو: الحكم الوضعي.
وإذا كان قسيمه وهو: الحكم التكليفي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، كما تقدم. فإن الحكم الوضعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو كونه صحيحًا أو فاسدًا، أو رخصة أو عزيمة، أو أداء أو إعادة أو قضاء.
ومعنى الوضع: أن الشرع وضع: أي شرع أمورًا سميت أسبابًا وشروطًا وموانع إلخ تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي لوجود الموانع.
وأما معنى "الإخبار" فهو: أن الشرع بوضع هذه الأمور أخبرنا بوجود أحكامه، وانتفائها عند وجود تلك الأمور أو انتفائها، فكأنه قال مثلا-: إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة، والحول الذي هو شرطه، فاعلموا أني أوجبت عليكم أداء الزكاة، وإن وجد الدين الذي هو مانع من وجوبها، أو انتفى السوم الذي هو شرط لوجوبها في السائمة: فاعلموا أني لم أوجب عليكم الزكاة، وكذا الكلام في القصاص والسرقة والزنا وكثير من الأحكام بالنظر إلى وجود أسبابها وشروطها وانتفاء موانعها وعكس ذلك. انظر: "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص157".
وأقسام خطاب الوضع هي: العلل، والأسباب، والشروط، والموانع، =
(1/175)

أحدهما- ما يظهر به الحكم:
ثم اعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الشارع في كل حال، أظهر خطابه لهم بأمور محسوسة، جعلها مقتضية لأحكامها على مثال: اقتضاء العلة المحسوسة معلولها، وذلك شيئان:
أحدهما: العلة.
والثاني: السبب.
ونصبهما مقتضيين لأحكامهما حكم من الشارع1.
فلله -تعالى- في الزاني حكمان:
أحدهما: وجوب الحد عليه.
__________
= والصحة، والفساد، والعزيمة والرخصة، والأداء والإعادة والقضاء. وسوف يذكر المصنف هذه الأمور تباعًا.
1 جمهور العلماء لم يذكروا العلة من أقسام الحكم الوضعي، والمصنف مشى على رأي من يجعلها منه. والسبب في هذا الاختلاف: اختلاف العلماء في العلاقة بين العلة والسبب: فقيل: إنهما بمعنى واحد، وقيل: إنهما متغايران، فخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينها وبين الحكم، وخصوا السبب بالأمارة غير المؤثرة. وقال أكثر الأصوليين: إن السبب أعم من العلة، فكل علة سبب، ولا عكس، وأن السبب يشمل الأسباب التي ترد في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي هي ركن من أركان القياس.
وفرقوا بينهما فقالوا: إن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك تأثيرها في الحكم بالعقل، وليست من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة فتسمى سببًا. أما أذا أدرك العقل تأثير الوصف في الحكم فيسمى علة، ويسمى سببًا، فالسبب يشمل القسمين، فهو أعم من العلة.
"انظر: المحلى على جمع الجوامع 1/ 95، الإحكام للآمدي 1/ 128، شرح الكوكب المنير 1/ 438-439".
(1/176)

والثاني: جعل الزنا موجبا له.
فإن الزنا لم يكن موجبا للحد لعينه، بل بجعل الشرع له موجبا، ولذلك يصح تعليله فيقال: إنما نصب علّة لكذا وكذا.
فأما العلة: فهي في اللغة: عبارة عما اقتضى تغييرا، ومنه سميت علة المريض لأنها اقتضت تغيير الحال في حقه.
ومنه العلة العقلية:
وهي: عبارة عما يوجب الحكم لذاته، كالكسر مع الانكسار، والتسويد مع السواد.
فاستعار الفقهاء1 لفظ "العلة" من هذا، واستعملوه في ثلاثة أشياء:
أحدها: بإزاء ما يوجب الحكم لا محالة.
فعلى هذا لا فرق بين المقتضى والشرط والمحل والأهل، بل العلة: المجموع، و"الأهل والمحل" وصفان من أوصافها؛ أخذًا من العلة العقلية2.
__________
1 يشير المصنف بذلك إلى العلاقة بين "العلة العقلية" والعلة عند الفقهاء والأصوليين.
ومعناه: أنه إذا وجد هذا المجموع المركب من مقتضى الحكم وهو المعنى الطالب له، وشروطه، ومحله: وهو ما تعلق به الحكم، وأهله: وهو المخاطب بالحكم، وجد الحكم لا محالة. كوجوب الصلاة: فإنه حكم شرعي، ومقتضيه: أمر الشارع بالصلاة، وشرطه: أهلية المصلي لتوجه الخطاب إليه، بأن يكون بالغًا عاقلًا. ومحله الصلاة، وأهله المصلي، فإذا وجد هذا المجموع وجدت الصلاة، ويطلق على هذا المجموع: اسم العلة، تشبيهًا بالعلة العقلية.
2 قول المؤلف: "والأهل والمحل وصفان من أوصافها" غير مسلم، بل هما ركنان من أركانها، على هذا التفسير. انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص41.
(1/177)

والثاني: أطلقوه بإزاء المقتضي للحكم، وإن تخلف الحكم لفوات شرط، أو وجود مانع1.
والثالث: أطلقوه بإزاء الحكمة2، كقولهم: المسافر يترخص لعلة المشقة. والأوسط أولى.
الثاني- السبب:
وهو في اللغة: عبارة عما حصل الحكم عنده لا به. ومنه سمي الحبل والطريق سببا3.
فاستعار الفقهاء لفظة "السبب" من هذا الموضع واستعملوه في أربعة أشياء:
أحدها: بإزاء ما يقابل المباشرة كالحفر مع التردية: الحافر يسمى صاحب سبب، والمردي صاحب علة.
الثاني: بإزاء علة العلة، كالرمي، يسمى سببًا.
__________
1 مثال ذلك: اليمين مع عدم الحنث، بالنسبة لوجوب الكفارة، فاليمين علة الكفارة، وشرط وجوبها: الحنث، فتسمى اليمين دون الحنث علة، وهي: علة تخلف حكمها، وهذا المعنى هو الذي رجحه المؤلف.
2 ضابط الحكمة: أنها هي المعنى الذي من أجله صار الوصف علة، أو هي: المعنى المناسب الذي ينشأ عنه الحكم.
فعلة تحريم الخمر: الإسكار، وحكمته: حفظ العقل، لأن حفظ العقل هو الذي صار من أجله الإسكار علة للتحريم في الخمر.
وللعلماء خلاف طويل في جواز التعليل بالحكمة، أو عدم الجواز، سيأتي تحقيقه -إن شاء الله تعالى- في باب القياس.
3 جاء في القاموس المحيط: فصل السين، باب الباء: "والسبب: الحبل وما يتوصل به إلى غيره".
(1/178)

فصل: [في الشرط وأقسامه]
ومما يعتبر للحكم: الشرط1.
وهو: ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم، كالإحصان مع الرجم، والحول في الزكاة.
فالشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده2.
__________
1 أي: مما يعتبر لإظهار الحكم الوضعي: الشرط.
2 هذا هو تعريف الشرط في اصطلاح الأصوليين، وهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى، وله تعريفات أخرى أدق من هذا التعريف، منها ما ذكراه السرخسي في أصوله "2/ 303" والآمدي في الإحكام "1/ 130" من أنه: "ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته" وقالوا في علة زيادة لفظ "لذاته" إنه احتراز من مقارنة الشرط للسبب، فيلزم الوجود لوجود السبب، أو مقارنة الشرط للمانع، فإنه يلزم العدم لا لذاته، بل لوجود المانع.
أما معناه: لغة: فهو العلامة. قال الله -تعالى-: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُم} [سورة محمد: 18] أي: علاماتها.
قال الجوهري في الصحاح "مادة شرط": الشرط معروف -يعنى بالسكون- =
(1/179)

والعلة: يلزم من وجودها وجود المعلول، ويلزم من عدمها عدمه في الشرعيات1.
والشرط: عقلي، ولغوي، وشرعي2.
فالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة3.
واللغوي: كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق4.
والشرعي كالطهارة للصلاة والإحصان للرجم.
__________
= والشرط -بالتحريك-: العلامة. وأشراط الساعة: علاماتها.
وقال الطوفي: "قلت: ومع اتفاق المادة لا أثر لاختلاف الحركات، والكل ثابت عن أهل اللغة". "شرح مختصر الروضة جـ1 ص430".
1 هذا غير مسلم، فقد قرر العلماء: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وسيأتي ذلك مفصلًا في القياس، إن شاء الله تعالى.
2 وهناك قسم رابع: وهو الشرط العادي: كالغذاء للحيوان، والغالب فيه: أنه يلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة، ومن وجوده وجودها إذ لا يتغذى إلا حي، فعلى هذا يكون الشرط العادي كاللغوي، في أنه مطرد منعكس، ويكونان من قبيل الأسباب لا من قبيل الشروط. ولهذا قال بعض الفضلاء: الشروط اللغوية أسباب؛ لأنه يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية. "شرح مختصر الروضة جـ1 ص432".
3 إذ لا يعقل عالم إلا وهو حي، فالحياة يلزم من انتفائها انتفاء العلم؛ إذ الجسم بدونها جماد، وقيام العلم بالجماد محال.
وسمي عقليًا؛ لأن العقل هو الذي أدرك لزومه لمشروطه، وعدم تصور انفكاكه عنه، كما أدرك لزوم الحياة للعلم، ولزوم للإرادة. "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص163".
4 وجه كونه لغويًّا: أن دخول الدار شرط لوقوع الطلاق ولازم له من حيث اللغة، بحيث إذا لم تدخل لم يحصل طلاق.
(1/180)

وسمي شرطًا؛ لأنه علامة على المشروط، يقال: أشرط نفسه للأمر: إذا جعله علامة عليه، ومنه قوله -تعالى-: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا..} 1. أي علاماتها.
وعكس الشرط: المانع:
وهو: ما يلزم من وجوده عدم الحكم2.
ونصب الشيء شرطا للحكم، أو مانعا له: حكم شرعي، على ما قررناه في المقتضي للحكم. والله أعلم.
القسم الثاني: الصحة والفساد
فالصحة: هو4 اعتبار الشرع الشيء في حق حكمه3.
__________
1 سورة محمد من الآية: 18.
2 ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. كالحيض بالنسبة للصلاة والصوم، فإذا وجد امتنع الحكم، فإذا ارتفع الحيض، لا يلزم من ارتفاعه وجود الصلاة والصوم، فإن المرأة الطاهر قد تصلي وتصوم، وقد لا تفعل ذلك.
3 الصحة والفساد أو البطلان: أوصاف ترد على الأحكام الشرعية بصفة عامة، فتوصف الصلاة بالصحة: إذا استوفت أركانها، وشروطها وانتفت الموانع، وتوصف بالفساد أو البطلان: إذا فقدت ما تقدم، كما توصف العقود بأنها صحيحة وتترتب عليها آثارها إذا استوفت أركانها وشروطها وانتفت عنها الموانع، كما تكون فاسدة أو باطلة إذا فقدت ما تقدم.
وقد جعلها المصنف قسمًا مستقلًّا -بعد أن تكلم على الأمور التي بها يظهر الحكم الوضعي: من العلة والسبب والشرط والمانع- وإن كانت من الحكم الوضعي، إلا أن الأمور السابقة تعتبر كالكليات، وهذه تعتبر كاللواحق الجزئية له، فجعلها قسمًا ثانيًا.
4 هكذا في جميع النسخ، والصواب "هي".
5 معناه: أن الشارع إذا اعتبر شيئًا وأقره وأعطاه حكمًا من الأحكام الشرعية: فهذه هي الصحة.
(1/181)

ويطلق1 على العبادات مرة وعلى العقود أخرى.
فالصحيح من العبادات: ما أجزأ وأسقط القضاء2.
والمتكلمون يطلقونه بإزاء ما وافق الأمر، وإن وجب القضاء، كصلاة من ظن أنه متطهر3.
وهذا يبطل بالحج الفاسد، فإنه يؤمر بإتمامه وهو فاسد4.
__________
1 هكذا في الأصل والصواب "وتطلق" لأنها عائدة على الصحة.
2 هذا عند الحنفية: فالصحة عندهم في العبادات: هي الإجزاء وإسقاط القضاء. فالصلاة الواقعة بشروطها وأركانها مع انتفاء موانعها: مجزئة، ومسقطة للقضاء.
والصحة في المعاملات: هي ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد: فكل نكاح أباح ما يترتب على عقد النكاح من آثار فهو صحيح، وكل بيع أباح التصرف في المبيع فهو بيع صحيح وهكذا.
أما المتكلمون: فلهم اصطلاح آخر سيذكره المصنف حالا.
3 أي أن ضابط الصحة عند المتكلمين عبارة عن موافقة أمر الشارع، بمعنى: أن كل فعل -سواء أكان عبادة أم معاملة- لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون موافقًا للوجه الشرعي: أي على الصفة التي أمر بها الشارع، وإما أن يكون مخالفًا له. فإن وقع الفعل موافقًا لأمر الشارع فهو الصحيح، وإن وقع مخالفًا فهو الفاسد أو الباطل، لأن كلًّا منهما بمعنى واحد، كما سيأتي.
والموافقة قد تكون بحسب الواقع ونفس الأمر، وقد تكون بحسب ظن المكلف. فهل يشترط أن تكون الموافقة بحسب الواقع، أو يكفي أن تكون بحسب ظنه؟ اختار المصنف الثاني، وهو أن تكون بحسب ظن المكلف، ولذلك مثل لها بصلاة من ظن أنه متطهر، مع أنه على خلاف ذلك.
وهناك من اشترط أن تكون الموافقة بحسب الواقع، ولا يكفي الظن.
4 هذا اعتراض على ما قاله المصنف خلاصته: أن قول المتكلمين: "إن الصحة موافقة أمر الشارع" يعارضه أن إتمام الحج الفاسد مأمور به، مع أنه غير صحيح. فأجاب المصنف: بأن الحج إنما فسد لأنه وقع مخالفًا لأمر الشارع =
(1/182)

وأما العقود: فكل ما كان سببًا لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه فهو صحيح، وإلا فهو باطل.
فالباطل: هو الذي لم يثمر، والصحيح: الذي أثمر1.
والفاسد مرادف الباطل، فهما اسمان لمسمى واحد2.
وأبو حنيفة أثبت قسما بين الباطل والصحيح، جعل الفاسد3 عبارة عما كان مشروعًا بأصله، غير مشروع بوصفه4.
__________
= بارتكاب ما يفسده أولًا، فلا يرد الاعتراض. انظر: "مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص45".
1 معناه: أن العقد إذا أفاد المقصود منه، بحيث يترتب حكمه عليه، فهو صحيح، وإن لم يفد ما قصد منه فهو الباطل أو الفاسد، وهذا معنى قوله: "أثمر" أو "لم يثمر".
2 الفاسد والباطل عند الجمهور سواء، إلا في بعض المسائل الفرعية: كالحج، والنكاح، والوكالة، والخلع، والإجارة.
انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص111، التمهيد للإسنوي ص8.
3 بعدها في جميع النسخ جملة "عبارة عنه وزعم أنه" وأرى أنها من زيادات النساخ، لأن المعنى غير مترابط.
4 معنى كلام المصنف: أن الحنفية فرقوا بين الفاسد والباطل، فقالوا: إن الفاسد: ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، ومن أمثلة ذلك في العبادات: صوم يوم الفطر أو النحر، فلو نذر صوم يوم العيد صح نذره، ويؤمر بالفطر والقضاء، لأن المعصية في فعله دون نذره، لأن النذر مشروع، ولو صامه خرج عن عهدة النذر، وإن كان يأثم لمخالفة النهي، والإعراض عن ضيافة الله تعالى في ذلك اليوم.
ومثاله في المعاملات: بيع الدرهم بالدرهمين، فإنه بيع فاسد، لاشتماله على الزيادة، فيأثم به، ويفيد بالقبض: الملك الخبيث، فلو حذفت الزيادة صح البيع، لانتفاء الوصف المتقدم.
(1/183)

ولو صح له هذا المعنى لم ينازع في العبارة، لكنه لا يصح، إذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع بأصله1.
__________
= أما الباطل: فهو ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، مثل: الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان، ومثل: بيع الملاقيح: وهي ما في بطون الأجنة، لانعدام المعقود عليه.
هكذا أطلقها بعض العلماء، ومنهم المصنف، ولم يفرقوا بين العبادات والمعاملات. وإن كان البعض يرى أن الحنفية يفرقون بين الباطل والفاسد في المعاملات فقط، أما في العبادات فهم كالجمهور في عدم التفرقة وهذا هو المنصوص عليه عندهم، انظر: "كشف الأسرار على أصول البزدوي 1/ 258، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص337".
1 معنى هذا: أن هذا التفرقة غير مسلمة؛ إذ إن كل ممنوع بوصفه ممنوع بأصله، فكل منهما لا يثمر.
(1/184)

فصل: في القضاء والأداء والإعادة 1.
الإعادة: فعل الشيء مرة أخرى2.
__________
1 هكذا في جميع النسخ، مع أن أصل الكتاب وهو "المستصفى" بدأ بالأداء، ثم الإعادة، ثم القضاء، كما هي عادة الأصوليين، فلا أدري لماذا بدأ المصنف بالإعادة قبل الأداء.
ولذلك خالفه "الطوفي" في مختصره فبدأ بالأداء كما هو معهود.
2 أضاف بعض العلماء لذلك قيدًا فقالوا: "الإعادة: فعل المأمور به في وقته المقدر له شرعًا لخلل في الأول" أي في الفعل الأول، سواء أكان الخلل في الأجزاء: كمن صلى بدون شرط أو ركن، أو كان في الكمال، كمن صلى منفردًا فيعيدها جماعة في الوقت.
إلا أن المصنف أطلق، ولم يذكر هذا القيد، لأن الإعادة قد تكون لخلل في العبادة، وقد تكون لغير خلل، فالذي يعيد الصلاة في جماعة، مع أن صلاته =
(1/184)

والأداء: فعلها في وقته.
والقضاء: فعله بعد خروج وقتها المعين شرعًا.
فلو غلب على ظنه -في الواجب الموسع- أنه يموت قبل آخر الوقت: لم يجز له التأخير، فإن أخره وعاش لم يكن قضاء، لوقوعه في الوقت1.
والزكاة واجبة على الفور، فلو أخرها ثم فعلها لم تكن قضاء؛ لأنه لم يعين وقتها بتقدير وتعيين2.
__________
= الأولى صحيحة يسمى معيدًا للصلاة.
وقد رجح ذلك الطوفي حيث قال: "وهذا أوفق للغة والمذهب، أما اللغة: فإن العرب على ذلك تطلق الإعادة، يقولون: أعدت الكرّة، إذ كرّ مرة بعد أخرى، وأعدنا الحرب خُدعة. وإعادة الله سبحانه للعالم: هو إنشاؤه مرة ثانية.
قال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون} [الأعراف: 29] .
وأما المذهب: فإن أصحابنا وغيرهم قالوا: من صلى ثم حضر جماعة، سن له أن يعيدها...." "شرح مختصر الطوفي جـ1 ص447-448".
1 أي: أنه وقع في وقته المحدد له شرعًا، ولا عبرة بالظن الذي بان خطؤه، وهو مذهب الجمهور.
وقال القاضي أبو بكر البلاقاني: إنه يعتبر قضاء، بناء على ظنه؛ إذ كان يجب عليه المبادرة إلى فعل المأمور به باعتبار ظنه انظر: "التمهيد للإسنوي ص64".
2 والسبب في عدم وصف الزكاة بالقضاء يرجع لأمرين.
الأول: أن وقتها غير محدد الطرفين -البداية والنهاية- كما في الصلاة.
الأمر الثاني: أن كل وقت من الأوقات التي يؤخر أداؤها فيه هو مخاطب بإخراجها فيه، فإذا قلنا: إن أداءها في الوقت الثاني قضاء، لزم أن نقول مثل ذلك في الثالث والرابع وهكذا، وهذا يؤدي إلى تكرر الأمر بالقضاء. فنقول قضاء قضاء قضاء القضاء ... وهذا غير معهود.
(1/185)

ومن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخر: لم نقل: إنه قضاء القضاء، فإذًا: اسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعًا، ثم فات الوقت قبل الفعل.
ولا فرق بين فواته لغير عذر، أو لعذر كالنوم، والسهو، والحيض في الصوم والمرض والسفر.
وقال قوم: الصيام من الحائض بعد رمضان ليس بقضاء؛ لأنه ليس بواجب؛ إذ فعله حرام؛ ولا يجب فعل الحرام فكيف تؤمر بما تعصي به1؟
__________
= وقد رد الطوفي على هذين الوجهين فقال: "إن تحديد الوقت بطرفيه لا تأثير له ههنا، بل المؤثر أن يكون مقدار وقته معلومًا في الجملة، ووقت وجوب الزكاة معلوم المقدار، وهو بعد تمام الحول بقدر ما يتسع لأدائها.
ثم أجاب عن الأمر الثاني: بأن العلماء لم يكرروا لفظ القضاء للتخفيف، استثقالًا لتكرار لفظ القضاء، وإلا فحقيقة القضاء: استدراك مصلحة فائتة، وهذا كذلك" انظر "شرح مختصر الروضة 1/ 454-455".
وأضيف إلى ما قاله "الطوفي": بأن ما قاله المصنف منقوض بزكاة الفطر، فإنها محدودة، حتى جاء النص على أنها إذا فعلت في غير وقتها كانت صدقة من الصدقات.
روي الشيخان وغيرهما -عن ابن عمر رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، أي صلاة العيد.
وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
1 هذا قول آخر في القضاء، يتضمن تفصيلًا بين فوات المأمور به في وقته لعذر أو لغير عذر: فإن كان لعذر لم يكن فعله بعد الوقت قضاء، كالحائض والمريض. =
(1/186)

ولا خلاف في أنها لو ماتت لم تكن عاصية1.
وقيل -في المريض والمسافر- لا يلزمهما الصوم -أيضًا- فلا يكون ما يفعلانه بعد رمضان قضاء.
وهذا فاسد لوجوه ثلاثة:
أحدها: ما روي عن عائشة2 -رضي الله عنها- أنها قالت: "كنا نحيض على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"3.
والآمر بالقضاء: إنما هو النبي -صلى الله عليه وسلم4- على ما نقرره فيما يأتي.
__________
= والمسافر، يفوتهم صيام رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فيستدركه بعده.
أما إن كان لغير عذر فإنه يكون قضاء. وقد رد المصنف على ذلك كما سيأتي.
1 هذا كالاستدلال على أنه لا يسمى قضاء بالنسبة للحائض ومن في حكمها. وبيانه: أن القضاء يستدعي سبق الوجوب، وهذا غير موجود، إذ لو كان هناك وجوب لكانت عاصية إذا ماتت حال الحيض، وهناك إجماع على أنها لا تكون عاصية.
2 هي: الصديقة بنت الصديق: عائشة بنت أبي بكر، أم المؤمنين زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسلمت صغيرة، وتزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل الهجرة، ودخل بها بعد الهجرة، وكناها: "أم عبد" بابن أختها: عبد الله بن الزبير، كانت من أفقه الناس وأعلم الناس: توفيت -رضى الله عنها- سنة 75هـ. "الإصابة 4/ 359".
3 حديث صحيح رواه مسلم: كتاب الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، وأبو داود: كتاب الطهارة، والترمذي وحسنه.
4 يؤيده رواية ابن ماجه: "كنا نحيض على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة".
(1/187)

الثاني: لا خلاف بين أهل العلم في أنهم ينوون القضاء.
الثالث: أن العبادة متى أمر بها في وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه: لا يجب بعده، ولا يمتنع وجوب العبادة في الذمة؛ بناء على وجود السبب، مع تعذر فعلها كما في النائم والناسي، وكما في "المحدث" تجب عليه الصلاة، مع تعذر فعلها منه في الحال، وديون الآدميين تجب على المعسر، مع عجزه عن أدائها1.
__________
1 خلاصة الوجه الثالث: أن ثبوت العبادة في الذمة غير ممتنع، كما أن ثبوت دين الآدمي في الذمة غير ممتنع وإذا كان ثبوتها في الذمة غير ممتنع، كان فعلها خارج وقتها بعد ثبوتها في الذمة قضاء، كدين الآدمي، والدليل على ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " ... فدين الله أحق أن يقضى" حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فدل ذلك على أن دين الله تعالى يثبت في الذمة، ويستدرك بالقضاء. انظر: "شرح مختصر الطوفي جـ1 ص452".
(1/188)

فصل: في العزيمة والرخصة 1
العزيمة في اللسان القصد المؤكد2. ومنه قوله تعالى: {وَلَمْ نَجِد
__________
1 من العلماء من يجعل العزيمة والرخصة من الأحكام الوضعية، كالغزالي والآمدي والشاطبي، وعلى ذلك سار المصنف، لارتباطهما بالسبب والشرط والمانع.
وقال بعض العلماء: هما من خطاب التكليف، لما فيهما من معنى "الاقتضاء" حيث ينتقل الحكم من النهي إلى الإباحة، ومن المطلوب فعله طلبًا جازمًا إلى جواز الفعل والترك وهكذا.
ويبدو أن الخلاف لفظي؛ حيث إن الأحكام الوضعية ترجع في النهاية إلى الأحكام التكليفية، فالمآل واحد، وإن اختلفت طريقة كل منهما.
2 جاء في الصحاح للجوهري "5/ 1985": "عزمت على كذا عَزْمًا وعُزمًا =
(1/188)

لَهُ عَزْمًا} 1 {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} 2.
والرخصة: السهولة واليسر3، ومنه: رخص السعر: إذا تراجع وسهل الشراء.
فأما في عرف حملة الشرع:
فالعزيمة: الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي4.
وقيل: ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى.
والرخصة: استباحة المحظور، مع قيام الحاظر5.
__________
= -بالضم- وعزيمة وعزيمًا، إذا أردت فعله وقطعت عليه".
1 سورة طه من الآية: 115.
2 سورة آل عمران من الآية: 159.
3 جاء في الصحاح "3/ 1104": "الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، والتشديد لا يحصل إلا من الواجب فعلًا أو كفًّا".
وفي المصباح المنير "1/ 342": "يقال: رخص الشارع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا، إذا يسّره وسهّله، وفلان يترخص في الأمر: إذا لم يستقص، وقضيب رَخْصٌ: أي: طري لين، ورخُص البدن -بالضم- رخاصة ورخوصة: إذا نعم ولان ملمسه، فهو رخص".
4 هذا التعريف لم أجده منسوبًا لأحد من علماء الأصول على حسب اطلاعي، ولذلك قال الشيخ الشنقيطي: "والتعريف الثاني الذي حكاه بقيل أجود من الأول" وهو الذي ذكره الغزالي.
5 ومن أمثلة ذلك: إباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور وهو أكل الميتة، مع قيام الحاظر، أي المانع وهو: خبث الميتة الذي حرمت من أجله دفعًا للضرر الذي يلحق الآكل.
وينطبق هذا المثال على التعريف الثاني، فإن أكل الميتة ثابت على خلاف دليل شرعي، هو قول الله -تعالى- في سورة المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ =
(1/189)

وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح1.
ولا يسمى ما لم يخالف الدليل رخصة، وإن كان فيه سعة، كإسقاط صوم شوال2، وإباحة المباحات.
لكن ما حُطَّ عنا من الإصر الذي كان على غيرنا يجوز أن يسمى رخصة مجازا، لما وجب على غيرنا، فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق ذلك3.
__________
وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم} لمعارض راجح مثل قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيم} في نفس آية سورة المائدة.
1 قول المصنف -في التعريف- لمعارض راجح: احتراز عما كان لمعارض مساوٍ أو قاصر، فإنه إذا كان المعارض مساويًا وجب التوقف والبحث عن مرجح خارجي. وإن كان قاصرًا عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر، وتبقى العزيمة بحالها.
انظر: "شرح الكوكب المنير جـ1 ص478".
وقال العسقلاني: "أجود ما يقال في الرخصة: ثبوت حكم لحالة تقتضيه، مخالفة مقتضى دليل يعمها" وهو منقول عن "المقنع" لابن حمدان: شرح الكوكب المنير "1/ 479".
2 قوله: "كإسقاط صوم شوال" يقصد به عدم التكليف، لأن الإسقاط إنما يكون بعد الإيجاب، ولذلك عبر الغزالي عن هذا بقوله: "فإن ما لا يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال، وصلاة الضحى لا يسمى رخصة، وما أباحه في الأصل: من الأكل والشرب لا يسمى رخصة".
3 يقصد بذلك ما جاء في ختام البقرة وهو قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ =
(1/190)

فأما إباحة التيمم: إن كان مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو زيادة ثمن: سمي رخصة. وإن كان مع عدمه فهو معجوز عنه1، فلا يمكن تكليف استعمال الماء مع استحالته، فكيف يقال السبب قائم؟
فإن قيل2: فكيف يسمى أكل الميتة رخصة مع وجوبه في حال
__________
عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ... } أي ما ثقل علينا حمله من التكاليف التي كلف بها بنو إسرائيل: من قتل النفس هي التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقطع موضع النجاسة من الثياب، وهي تكاليف شاقة تثقل كاهل الإنسان.
ولذلك يروى أنه لما نزلت هذه الآية فقرأها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيل له عقب كل كلمة: "قد فَعَلْتُ" رواه أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ومعناه: أن الله تعالى قد استجاب الدعاء. ولما كان التخفيف في حقنا، والتشديد على غيرنا كان رخصة من قبيل المجاز.
1 خلاصة ذلك: أن إباحة التيمم إن كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو زيادة ثمن سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه، كعدم الماء فلا يسمى رخصة، لأن سبب الحكم الأصلي وهو: وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه.
2 هذا اعتراض أورده بعض الأصوليين خلاصته: أنه كيف يقال: إن أكل الميتة رخصة مع أنه واجب في حال الضرورة.
وأجاب المصنف على ذلك بما خلاصته: أن الواحد بالشخص قد تكون له جهتان مختلفتان كما في هذا المثال: فهو من جهة التوسيع وعدم التضييق رخصة وتيسير، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة.
هكذا فسرها الشيخ الشنقيطي في مذكرته ص51.
وأرى أن هذا كله تكلف لا داعي له، وأوضح منه ما قاله بعض العلماء من أنها تنقسم إلى عدة أقسام:
الأول: رخصة واجبة: كأكل الميتة للمضطر، لأنه سبب لإحياء النفس وإنقاذ لها من التهلكة.
(1/191)

الضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث: إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله -تعالى- إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو: خبث المحل ونجاسته.
ويجوز أن يسمى من حيث: وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين.
فأما الحكم الثابت على خلاف العموم:
فإن كان الحكم في بقية الصور لمعنى موجود في الصورة المخصوصة، كبيع العرايا المخصوص من المزاينة المنهي عنها: فهو حينئذ رخصة1.
__________
= الثاني: رخصة مندوبة، كقصر الصلاة للمسافر إذا استوفت شروطه.
الثالث: رخصة مباحة، يجوز الأخذ بها أو عدم الأخذ، كالجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر، وعند الأعذار الأخرى كالمطر، في غير عرفة ومزدلفة انظر: شرح الكوكب المنير "1/ 479".
1 العرية في الأصل: ثمر النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من لا تمر له، وقال مالك: العرية: أن يعري الرجل النخلة، أي: يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمر يابس.
روى البخاري ومسلم ومالك وغيرهم عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نهى عن المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية: النخلة والنخلتين يأخذهما أهل البيت برخصها تمرًا، يأكلونها رطبًا".
والمزابنة: بيع التمر بالرطب، وخصت منه ال192
الضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث: إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله -تعالى- إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو: خبث المحل ونجاسته.
ويجوز أن يسمى من حيث: وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين.
فأما الحكم الثابت على خلاف العموم:
فإن كان الحكم في بقية الصور لمعنى موجود في الصورة المخصوصة، كبيع العرايا المخصوص من المزاينة المنهي عنها: فهو حينئذ رخصة1.
(1/192)

وإن كان لمعنى غير موجود في الصورة المخصوصة، كإباحة الرجوع في الهبة للوالد، المخصوص من قوله -عليه السلام-: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" 1 فليس برخصة؛ لأن المعنى الذي حرم لأجله الرجوع في الهبة غير موجود في الوالد2.
__________
1 حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها حديث رقم "2589، 2621، 2622، 6975" ومسلم: كتاب الهبات حديث "1622" وأبو داود: حديث "3538" والترمذي: حديث "1298" والنسائي "6/ 265".
2 اعترض الطوفي على التفرقة بين الصورتين -العرايا والهبة- وقال إن كلًّا منهما رخصة ودلل على ذلك فقال: "واعلم أن الفرق لا يؤثر، ولا يناسب اختلاف الحكم في الصورتين المذكورتين، بل الأشبه أنهما يسميان رخصة: أعني رجوع الأب في الهبة، وجواز العرايا لوجهين:
أحدهما: أن معنى الرخصة لغة وشرعًا مشترك بينهما.
أما لغة: فلأن الرخصة من السهولة -كما سبق- وفي تجويز الرجوع للأب في الهبة تسهيل عليه.
وأما شرعًا: فلأن رجوعه على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهذا هو حد الرخصة، فوجب أن يكون رخصة.
الثاني: أن الرخصة تقابل العزيمة، ولا شك أن تحريم الرجوع في الهبة على الأجانب عزيمة، فوجب أن يكون جوازه للأب رخصة". "شرح مختصر الطوفي جـ1 ص463".
(1/193)

الباب الثاني: في أدلة الأحكام
مدخل
...
باب: في أدلة الأحكام
الأصول1 أربعة:
كتاب الله تعالى.
وسنه رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
والإجماع.
ودليل العقل المبقي على النفي الأصلي.
__________
1 كلمة "الأصول" إما أن تعرب مبتدأ، خبره "أربعة" واللام في "الأصول" للعهد الذكري الذي تقدم في أول الكتاب عند الكلام على تعريف "أصول الفقه".
وإما أن تعرب "أربعة": خبر لمبتدأ محذوف، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر للمبتدأ الأول، وهو "الأصول" والتقدير: الأصول التي وعدنا بالكلام عليها: هي أربعة.
والمؤلف تبع في تقسيمه للأدلة من حيث الاتفاق والاختلاف منهج الإمام الغزالي في المستصفى، وهو مسلك مخالف لما عليه جمهور العلماء من أن الأدلة المتفق عليه أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
جاء في مختصر ابن الحاجب: "الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال".
قال الأصفهاني في بيان المختصر "1/ 454-455": "وإنما انحصر الدليل الشرعي في الخمسة المذكورة؛ لأن الدليل الشرعي إما أن يكون واردًا من جهة الرسول -عليه السلام- أو لا.
(1/194)

.....................................................
__________
والأول: إما أن يكون معجزًا، وهو الكتاب، أو لا، وهو السنة، ويندرج فيها قول الرسول وفعله وتقريره.
والثاني: وهو الذي لا يكون واردًا من جهة الرسول -عليه السلام- إما أن يكون صادرًا ممن لا يجوز عليه الخطأ، وهو الإجماع، أو لا. وحينئذ إما أن يكون حمل فرع على أصل لعلة مشتركة بينهما، وهو القياس، أو لا، وهو الاستدلال".
وقد ذكر ذلك الآمدي، ونقله عنه "الطوفي" في شرح مختصر الروضة "2/ 6" حيث قال: "إن الدليل الشرعي، إما أن يرد من جهة الرسول أو لا من جهته، فإن ورد من جهة الرسول، فهو إما من قبيل ما يتلى: وهو الكتاب، أو لا: وهو السنة، وإن ورد لا من جهة الرسول، فإما أن نشترط فيه عصمة من صدر عنه أو لا، والأول: الإجماع، والثاني: إن كان حمل معلوم على معلوم بجامع مشترك، فهو القياس، وإلا فهو الاستدلال.
فالثلاثة الأول -وهي الكتاب، السنة، والإجماع- نقلية، والآخران معنويان، والنقلي أصل للمعنوي، والكتاب أصل للكل.
فالأدلة إذًا: خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال.
وعرفه الآمدي بأنه: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس" ا. هـ.
وفي شرح الكوكب المنير "2/ 5 وما بعدها": "أدلة الفقه، المتفق عليها أربعة: الأول: الكتاب وهو القرآن وهو الأصل، والثاني: السنة، والثالث: الإجماع، والرابع: القياس على الصحيح، وعليه جماهير العلماء، وقال أبو المعالي، وجمع: ليس القياس من الأصول، وتعلقوا بأنه لا يفيد إلا الظن.
قال في شرح التحرير: والحق هو الأول، والثاني ضعيف جدًّا؛ فإن القياس قد يفيد القطع -كما سيأتي- وإن قلنا: لا يفيد إلا الظن فخبر الواحد ونحوه لا يفيد إلا الظن، وهو: أي القياس مستنبط من الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع" ا. هـ.
وقول المصنف: "ودليل العقل المبقي على النفي الأصلي" أراد به: أن العقل يدل على براءة الذمة وعدم شغلها بأي واجب من الواجبات قبل مجيء دليل من =
(1/195)

.....................................
__________
= الشرع يدل على التكليف، وعبارة الغزالي واضحة في ذلك حيث قال: "اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دلّ على براءة الذمة عن الواجبات، وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات، قبل بعثة الرسل -عليهم السلام- وتأييدهم بالمعجزات. وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع، فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات، فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة، لا بتصريح النبي بنفيها، لكن كان وجوبها منتفيًا، إذ لا مثبت للوجوب، فبقي على النفي الأصلي؛ لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة، فبقي على النفي في حق السادسة، وكأن السمع لم يرد، وكذلك إذا أوجب صوم رمضان، بقي صوم شوال على النفي الأصلي، وإذا أوجب عبادة في وقت بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية، وإذا أوجب على القادر بقي العاجز على ما كان عليه فإذًا: النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها، أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه، وأما النفي: فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، فانتهض دليلًا على أحد الشطرين وهو النفي".
انظر: المستصفى ص159 طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
ولما كانت دلالة العقل على الأحكام قاصرة على جانبي النفي فقط قال الغزالي في موضع آخر: "فتسمية العقل أصلًا من أصول الأدلة تجوّز ... " انظر: المصدر السابق ص80.
والخلاصة: أن الأدلة الشرعية نوعان: أدلة نقلية وأدلة عقلية، فالنقلية هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعرف، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي.
والعقلية هي: القياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، والذرائع.
وكل من الأدلة النقلية والعقلية محتاج إلى الآخر، فالأدلة النقلية لا بد فيها من التعقل والتدبر والنظر الصحيح.
كما أن الأدلة العقلية والتي أساسها الاجتهاد، لا تقبل إلا إذا كان لها مستند =
(1/196)

واختلف في قول الصحابي، وشرع من قبلنا1. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وأصل الأحكام كلها من الله سبحانه2؛ إذ قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- إخبار عن الله بكذا.
والإجماع يدل على السنة3.
فإذا نظرنا إلى ظهور الحكم عندنا فلا يظهر إلا بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإننا لا نسمع الكلام من الله -تعالى- ولا من جبريل -عليه السلام- وإنما ظهر لنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والإجماع يدل على أنهم استندوا إلى قوله.
لكن إذا لم نحرر النظر وجمعنا المدارك صارت الأصول التي يجب فيها النظر منقسمة إلى ما ذكرنا.
__________
= من النقل، لأن العقل المجرد لا يستقل بتشريع الأحكام، فالمشرع في الحقيقة هو الله تعالى، كما أشار إلى ذلك المصنف في قوله الآتي: "وأصل الأحكام كلها من الله سبحانه ... ".
1 ترك المصنف -تبعًا لأصله "المستصفى"- بعض الأدلة المختلف فيها
2 إذ إن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه، فالحكم له وحده -جل شأنه- قال تعالى: { ... إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] وقال تعالى: { ... فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12] وقال جل شأنه {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] .
3 جاء في المستصفى ص80: "والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى" ومعناه: أن الإجماع لا بد له من مستند، فإذا انعقد إجماع دل ذلك على أن له دليلًا وإن لم نعرفه. وعبارة "الطوفي": "والإجماع دال على النص" وهي أولى، لأن مستند الإجماع قد يكون نصًّا من القرآن الكريم، وقد يكون سنة، وقد يكون قياسًا على النص. انظر: "شرح مختصر الروضة جـ2 ص7".
(1/197)

فصل: [في تعريف الكتاب والقرآن وأنهما بمعنى واحد]
وكتاب الله -سبحانه- هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل -عليه السلام- على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقال قوم: الكتاب غير القرآن وهو باطل.
قال الله -تعالى-: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ... } إلى قوله -تعالى-: { ... إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ... } 1 وقالوا: { ... إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} 2.
فأخبر الله -تعالى- أنهم استمعوا القرآن وسموه قرآنًا وكتابًا.
وقال تعالى: {حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ... } 3.
وقال تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا} 4.
وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} 5.
وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} سماه قرآنا وكتابا وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين.
__________
1 سورة الأحقاف الآيتان: 29، 30.
2 سورة الجن الآية الأولى.
3 سورة الزخرف الآيات 1-3.
4 سورة الزخرف الآية: 4.
5 سورة الواقعة الآيتان: 77، 78.
6 سورة البروج الآيتان: 21، 22.
(1/198)

وهو: ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا1.
__________
1 اعترض الطوفي علي هذا التعريف وقال: فيه دور. شرح مختصر الروضة جـ2 ص10. وبيانه: أن وجود المصحف ونقله فرع تصوّر القرآن، فلا يعرّف القرآن بهما.
والأوضح من هذا التعريف ما ذكره "الطوفي" -أيضًا- حيث قال: وكتاب الله عز وجل: كلامه المنزل هو جنس للإعجاز بسورة منه وهو القرآن"..... ثم شرح ذلك فقال: فقوله "كلامه" هو جنس يتناول كل كلام تكلم الله به -سبحانه وتعالى- عربيًا كالقرآن، أو أعجميًا، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من صحف الأنبياء، وما نزل للإعجاز أو لغيره، كما دل عليه قوله عليه السلام: "أوتيت القرآن ومثله معه" [حديث صحيح رواه أحمد، وأبو داود، والطبراني في الكبير، والدارقطني وغيرهم] . وإن جبريل يأتيني بالسنة كما يأتيني بالقرآن.
وقوله: "المنزل" يحترز به ممن يثبت كلام النفس، لأنه لا يصح فيه التنزيل.
وقوله "للإعجاز" احتراز مما نزل لغير الإعجاز، كسائر الكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين فإنها لم تنزل للإعجاز، بل لبيان الأحكام، وإنما كانت معجزات أولئك الأنبياء -عليهم السلام- فعلًا لا صفات.
وقوله: "بسورة منه" ليدخل في حد الكتاب كل سورة من سوره. انظر: المرجع السابق.
وهناك تعريفات أخرى للقرآن الكريم، فيها بعض القيود والإضافات التي خلا عنها تعريف الطوفي، حيث خلا من لفظ "التواتر" وهو قيد لا بد منه، ولذلك فرّع المصنف -بعد هذا الفصل- فصلًا آخر يتعلق بالقراءة التي نقلت بطريق الآحاد، وهي التي يطلق عليها الشاذة.
كما خلا من قيد "المتعبد بتلاوته" لتخرج الآيات منسوخة التلاوة، لأنها أصبحت غير قرآن، فلا يتعبد بها.
وقد أورد الشوكاني عدة تعريفات للقرآن الكريم فقال:
"والقرآن في اللغة: مصدر بمعنى القراءة، غلب في العرف العام على المجموع المعين من كلام الله سبحانه، المقروء بألسنة العباد" ... ثم قال:
"وأما حد الكتاب اصطلاحًا: فهو الكلام المنزل على الرسول، المكتوب في =
(1/199)

.........................................
__________
= المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا ... ".
.... وقيل قي حده: هو اللفظ العربي المنزل للتدبر والتذكر، المتواتر.
وقيل: هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.
وقال جماعة في حده: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف تواترًا.
وقال جماعة: هو القرآن المنزل على رسولنا، المكتوب في المصاحف المنقول تواترًا بلا شبهة.
وقيل: هو كلام الله العربي، الثابت في اللواح المحفوظ للإنزال.
انظر: إرشاد الفحول جـ1 ص141-143 بتحقيقنا.
وهذه التعريفات المختلفة للقرآن الكريم تصدق على قراءات الأئمة العشرة الذين نقلوا إلينا هذا القرآن بأسانيدهم الصحيحة المتصلة إلى سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقراءاتهم تعتبر جزءًا من الأحرف السبعة التي صحت بها الأحاديث، والتي منها ما رواه البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
والأئمة العشرة هم:
1- نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، المتوفى سنة 199هـ وعنه راويان هما:
أ- قالون: عيسى بن مينا بن وردان بن عبد الصمد. المتوفى سنة 220هـ.
ب- ورش: عثمان بن سعيد بن عبد الله المصري. المتوفى سنة 197هـ.
2- عبد الله بن كثير بن عمر بن عبد الله بن زاذان المكي، المتوفى سنة 120هـ وعنه راويان هما:
أ- أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع البزي. المتوفى سنة 250هـ.
(1/200)

...................................
__________
ب- محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد الشهير بقنبل المتوفى سنة 291هـ.
3- أبو عمرو البصري: زبّان بن العلاء بن عمار بن العريان المازني التميمي، المتوفى سنة 254هـ، وعنه راويان هما:
أ- حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبات بن عدي الدوري، المتوفى سنة 246هـ.
ب- صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل بن الجارود السوسي. المتوفى سنة 261هـ.
4- عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة، إمام أهل الشام المتوفى سنة 118هـ وعنه راويان هما:
أ- هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة السلمي المتوفى سنة 245هـ.
ب- عبد الله بن أحمد بن بشر بن ذكوان المتوفى سنة 242هـ.
5- عاصم بن أبي النجود، إمام أهل الكوفة. المتوفى سنة 127هـ وعنه راويان هما:
أ- شعبة بن عياش بن سالم الحنّاط الأسدي المتوفى سنة 193هـ.
ب- حفص بن سليمان بن المغيرة بن أبي داود الأسدي المتوفى سنة 180هـ.
6- حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي. المتوفى سنة 156هـ وعنه راويان هما:
أ- خلف بن هشام بن ثعلب الأسدي البغدادي. المتوفى سنة 229هـ.
ب- خلاد بن خالد الشيباني الصيرفي الكوفي. المتوفى سنة 220هـ.
7- علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان الكسائي. المتوفى سنة 189هـ وعنه راويان هما:
أ- الليث بن خالد المروزي البغدادي، وكنيته أبو الحارث. المتوفى سنة 240هـ.
ب- حفص الدوري: الذي تقدمت ترجمته في تلاميذ أبي عمرو البصري. =
(1/201)

وقيدناه بالمصاحف؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- بالغوا في نقله وتجريده عما سواه، حتى كرهوا التعاشير1 والنقط، كيلا يختلط بغيره، فنعلم أن المكتوب في المصحف هو القرآن، وما خرج عنه فليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة، مع توفرالدواعي على حفظ القرآن أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه.
__________
= 8- يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، المكنى بأبي جعفر. المتوفى سنة 130هـ على الأصح. وعنه راويان هما:
أ- عيسى بن وردان المدني، وكنيته أبو الحارث. المتوفى في حدود سنة 160هـ.
ب- سليمان بن محمد بن مسلم بن جماز. المتوفى بعد سنة 170هـ.
9- يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي المصري. المتوفى سنة 205هـ. وعنه راويان هما:
أ- رويس: محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري. المتوفى سنة 238هـ.
ب- روح بن عبد المؤمن الهذلي البصري. المتوفى سنة 234، أو 235هـ.
10- خلف بن هشام البزار البغدادي. أحد الرواة عن حمزة. وأخذ عنه راويان هما:
أ- إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله المروزي، ثم البغدادي. المتوفى سنة 286هـ.
ب- إدريس بن عبد الكريم الحداد الغدادي. المتوفى سنة 292هـ.
انظر في ترجمتهم: غاية النهاية لابن الجزري، النشر في القراءات العشر لابن الجزري أيضًا، معرفة القراء الكبار للذهبي.
فقراءة هؤلاء الأئمة العشرة ورواتهم هي التي جمعت شروط القراءة الصحيحة، وهي: التواتر، وموافقة أحد المصاحف التي نسخها سيدنا عثمان -رضي الله عنه- ووافقت وجهًا من وجوه اللغة العربية. والقراءة التي تفقد واحدًا من هذه الشروط تسمى شاذة، أو آحادية، وهي التي عقد لها المصنف الفصل الآتي.
1 التعاشير: أي جعل علامة عند آخر كل عشر آيات.
(1/202)

فصل: [في حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة]
فأما ما نقل نقلا غير متواتر، كقراءة ابن مسعود1 -رضي الله عنه-: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"2: فقد قال قوم: ليس بحجة3؛ لأنه خطأ قطعا؛ لأنه واجب على الرسول تبليغ القرآن طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم وليس له مناجاة الواحد به.
__________
1 هو: الصحابي الجليل: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أحد السابقين إلى الإسلام، والمهاجرين إلى الحبشة والمدينة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدرًا وما بعدها من المشاهد، كان كثير الملازمة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي قرأ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سورة النساء حتى أتى إلى قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} فبكى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال له: "حسبك الآن ... " توفى سنة 32هـ.
انظر: "الإصابة 2/ 368، والاستيعاب 2/ 316".
2 سورة المائدة الآية: 89، والقراءت المتواترة ليس فيها لفظ "متتابعات" وقراءة ابن مسعود أخرجها عبد الرازق في المصنف "16102" عن ابن جريج قال: سمعت عطاء: يقول: بلغنا في قراءة ابن مسعود "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" قال: وكذلك نقرؤها.
وفي الباب عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ مثل ابن مسعود، عند الطبري "1497" و"1498" وسنن البيهقي "10/ 60".
3 القراءة الشاذة يتعلق بها مسألتان:
المسألة الأولى: هل يجوز القراءة بها، سواء أكان ذلك في الصلاة، أم في غيرها؟
للعلماء في ذلك خلاف طويل، بين مجيز ومانع، والذي رجحه جمهور المسلمين -سلفًا وخلفًا- عدم جواز القراءة بما هو شاذ من القراءات، ولا تصح بها الصلاة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء. =
(1/203)

وأن لم ينقلة [على أنه] من القرآن: احتمل أن يكون مذهبًا، واحتمل أن يكون خبرًا، ومع التردد لا يعمل به.
والصحيح: أنه حجة1، لأنه يخبر أنه سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن
__________
= قال الإمام النووي: "لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست قرآنا؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والقراءة الشاذة ليست متواترة، ومن قال غيره فغالط أو جاهل، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه قراءته في الصلاة وغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ.
ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا يجوز القراءة بالشواذ، ولا يصلى خلف من يقرأ بها.
انظر: التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص47.
المسألة الثانية: في حكم الاحتجاج بها، واستنباط الأحكام الشرعية منها.
وللعلماء فيها مذهبان:
أحدهما: أنها ليست حجة، وهو رأي مالك والشافعي، وجمهور الأصوليين، ورواية عن الإمام أحمد واستدل المصنف لهذا المذهب بوجهين:
الأول: أنه على تقدير أن الناقل نقله على أنه قرآن، فإنه يكون خطأ قطعًا لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يجب عليه تبليغ الوحي لجماعة يحصل العلم بخبرهم، ولا يخرج عن عهدة التبليغ بتبليغ الواحد، وحينئذ نعلم قطعًا أن الناقل أخطأ على الرسول في نقله الآحاد على أنها قرآن، وما دامت ليست قرآنًا فلا يصح الاحتجاج بها.
الثاني: نقله لها على أنها ليست قرآنًا، وحينئذ تكون مترددة بين الخبر، وبين أن تكون مذهبًا له، ومع التردد في جواز الاحتجاج بها لا تكون حجة، استصحابًا للحال فيها، وهو عدم الاحتجاج.
انظر: الإحكام للآمدي "1/ 230-231" شرح مختصر الروضة "2/ 26".
1 وهو مذهب الحنفية ورأي للإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. انظر: فواتح الرحموت "2/ 16" نهاية السول "2/ 333" القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص155. =
(1/204)

لم يكن قرآنا: فهو خبر، فإنه ربما سمع الشيء من النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسيرًا، فظنه قرآنًا.
وربما أبدل لفظة بمثلها ظنًّا منه أن ذلك جائز، كما روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يجوز مثل ذلك، وهذا يجوز في الحديث دون القرآن.
ففي الجملة: لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ومرويًّا عنه فيكون حجة كيف ما كان.
وقولهم: "يجوز أن يكون مذهبا له":
قلنا: لا يجوز ظن مثل هذا بالصحابة -رضي الله عنهم- فإن هذا افتراء على الله -تعالى- وكذب عظيم؛ إذ جعل رأيه ومذهبه الذي ليس هو عن الله -تعالى- ولا عن رسوله قرآنًا، والصحابة -رضي الله عنهم- لا يجوز نسبة الكذب إليهم في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا في غيره، فكيف يكذبون في جعل مذاهبهم قرآنا؟ هذا باطل يقينًا1.
__________
= واستدل أصحاب هذا المذهب: بأن القراءة الشاذة، وإن لم يثبت كونها قرآنًا، إلا أنها تنزل منزلة خبر الآحاد، وهو حجة عند الجمهور.
وقد احتج بها بعض العلماء في كثير من الأحكام الشرعية، مثل: الاستدلال على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما"، ووجوب التتابع في صيام كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود -أيضًا-: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات".
قال أبو عبيد في فضائل القرآن: "فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن فكيف إذا روي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف: معرفة صحة التأويل" الإتقان للسيوطي "1/ 227-228".
1 خلاصة هذا الرد: أن كون الصحابي ينسب رأي نفسه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كذب من =
(1/205)

فصل: [في اشتمال القرآن على الحقيقة والمجاز]
والقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز:
وهو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي على وجه يصح.
كقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} 1 {وَاسْأَلِ الْقَرْيَة} 2، {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضّ} 3، {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ... } 4، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} 5 {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} 6 {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّه} أي: أولياء الله.
وذلك كله مجاز، لأنه استعمال اللفظ في غير موضوعه.
__________
= الصحابي وافتراء على النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث ينقل عنه ويقول ما لم يقل، وذلك لا يليق نسبته إلى الصحابة، مع تحريهم في الصدق عليه، فمن باب أولى لا يكذبون على الله تعالى، في جعل مذاهبهم قرآنًا.
انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 26".
1 سورة الإسراء من الآية: 24. قال الطوفي: والجناح: حقيقة للطائر من الأجسام، والمعاني والجمادات لا توصف به. "شرح المختصر 2/ 28".
2 سورة يوسف من الآية: 82. أي: أهلها؛ لأن الجمادات لا تفهم ولا تجيب.
3 سورة الكهف من الآية: 77. قال الطوفي: "والجدار لا إرداة له، إذ الإرادة حقيقة من خصائص الحيوان أو الإنسان، وإنما هو كناية عن مقاربته الانقضاض لأن من أراد شيئًا قاربه، فكانت المقارنة من لوازم الإرادة فتجوّز بها عنها".
4 سورة النساء الآية: 43، والمائدة: 6. وهو في الأصل: المكان المنخفض، فتجوّز به عن قضاء الحاجة.
5 سورة الشورى الآية: 40، والمراد بالسيئة الثانية: المجازاة.
6 سورة البقرة من الآية: 194.
7 سورة الأحزاب من الآية: 57.
(1/206)

ومن منع ذلك فقد كابر.
ومن سلم وقال: لا أسميه مجازًا: فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه1. والله أعلم.
__________
1 خلاصة ما يريد أن يقوله المصنف: أن القرآن يوجد فيه كثير من الآيات المشتملة على المجاز، وأتى بأمثله لذلك، وأن من منع ذلك فقد كابر وعاند؛ لأنه ينكر شيئًا موجودًا ومحسًّا، ثم أشار إلى أن هناك من لا يسميه مجازًا، وإنما يطلق عليه إطلاقات أخرى، قال المصنف، فالخلاف مع هذا خلاف لفظي، قائم على الاصطلاح، ولا مشاحة فيه. هذا معنى كلامه.
وقد نقل الطوفي عدة أوجه للمحتجين بأنه ليس في القرآن مجاز، نلخص منها:
أولًا: أنه يلزم عليه أن يكون الله -تعالى- متجوزًا، أي: مستعيرًا؛ لأن مستعمل المجاز يسمى في اللغة متجوزًا، والتجوز: استعارة اللفظ لغير موضوعه، فيلزم: أن يسمى الله -تعالى- كذلك، لكنه لا يسمى بذلك، فلا يكون المجاز واقعًا في القرآن.
ثانيا: أن المجاز لا ينبئ بنفسه عن معناه، فوقوعه في القرآن يوقع في اللبس والإشكال وعدم البيان، ومقصود القرآن البيان.
ثالثًا: أن العدول إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، أو يدل عليه، والعجز على الله -تعالى- محال.
ثم أجاب -رحمه الله تعالى- عن هذه الأدلة -بما ملخصه.
أما عن الدليل الأول، فأجيب عنه بجوابين:
أحدهما: صحة تسميته -سبحانه- متجوزًا بمعنى: أنه مستعمل للمجاز وليس فيه نقص ولا محذور، كما يسمى متكلمًا باستعماله للكلام.
ثانيهما: عدم التسليم بأنه -سبحانه وتعالى- لو تكلم بالمجاز، لزم أن يسمى متجوزًا للفرق بينه -سبحانه- وبين خلقه؛ فإن أسماءه -سبحانه- وصفاته توقيفية، بخلاف غيره. =
(1/207)

....................................................
__________
= ثم أجاب عن الدليل الثاني فقال: "إن البيان يحصل بالقرينة فلا إلباس".
وقال ردًّا على الدليل الثالث: "وجوابه: بمنع ذلك، بل المجاز له فوائد سبق ذكره بعضها".
ومنها: أن كلام الله -تعالى- حق، بمعنى أنه صدق، ليس بكذب ولا باطل، لا بمعنى أن جميع ألفاظه مستعملة في موضوعها الأصلي، وكونه له حقيقة معناه: أنه موجود له في نفسه بناء وتأويل، وأنه ليس بخيال لا وجود له في الخارج كالمنام.
وأيضًا: فإنه كلام عربي، فهو مشتمل على المجاز، وقابل لوقوع المجاز، فالقرآن كذلك، وإلا لم يكن عربيًّا".
راجع: شرح مختصر الروضة "2/ 30، 31".
هذا: وقد نقل الشيخ "ابن بدران" -رحمه الله تعالى- مذاهب العلماء في المسألة، وحاول أن يجعل الخلاف فيها خلافًا لفظيًّا، فقال:
"قوله: ومن منع فقد كابر": أي أن قومًا منعوا جواز وقوع المجاز في القرآن ونسب الطوفي المنع إلى الظاهرية.
وحكى برهان الدين: إبراهيم بن مفلح في طبقاته: أن أبا الحسن الجزري البغدادي الحنبلي له اختيارات منها: أنه لا مجاز في القرآن، وأنه يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس.
وحكى شيخ الإسلام "ابن تيمية" في كتاب "الإيمان" أن أبا الحسن هذا، وأبا عبد الله بن حامد، وأبا الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي منعوا أن يكون في القرآن مجاز.
ومنع ذلك -أيضًا- محمد بن خويز منداد وغيره من المالكية.
ومنع منه داود بن علي، وابنه: أبو بكر، ومنذر بن سعيد اللوطي، وصنف فيه مصنفًا.
ولما كان هؤلاء من العلم بمكان معروف، تردد المصنف في الأمر، فجعل ذلك إما مكابرة، وإما نزاعًا في عبارة. وأقول: لا مكابرة، وإنما الصواب الثاني. =
(1/208)

.................................
__________
وبيانه: أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز، هو اصطلاح حادث، بعد انقضاء القرون الثلاثة، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز: أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه: "مجاز القرآن".
وقد بين هذا ابن السبكي في "عروس الأفراح" ولكن لم يعنِ بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية: ما يعين به عن الآية.
والمانعون قالوا: إنكم تقولون: المجاز: الكلمة المستعلمة في غير ما وضعت له، وهذا يقتضي العلم: بأن هذه الكلمة وضعت أولًا لكذا، ثم استعملت في غيرها، أو فيها، فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال، وهذا إنما يصح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية، فيدعي أن قومًا من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا، وهذا بكذا، وبجعل هذا عامًا في جميع اللغات.
قال الإمام "ابن تيمية": وهذا القول لا نعرف أحدًا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم الجبائي، فإنه تنازع هو أبو الحسن الأشعري في مبدأ اللغات، فقال أبو هاشم: هي اصطلاحية وقال الأشعري: هي توقيفية، ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة.
قال الإمام: والمقصود هنا: أنه لا يمكن أحدًا أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من الأمم: أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالتواتر: استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها، فإن ادعى مدع أنه يعلم وضعًا يتقدم ذلك فهو مبطل، فإن هذا لم ينقل عن أحد من الناس.
وقد أطال الإمام النفس في هذه المسألة في كتابه: "الإيمان".
وحاصل الأمر: تعذر معرفة تقدم وضع على وضع، فلا مجاز بالمعنى الذي قالوه، بل الكل موضوع، فرجع إلى أنه نزاع في العبارة" نزهة الخاطر "1/ 182-184" طبعة مكتبة المعارف بالرياض.
(1/209)

فصل: [ليس في القرآن ألفاظ غير عربية]
قال القاضي: ليس في القرآن لفظ بغير العربية؛ لأن الله -تعالى- قال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ... } 1.
ولو كان فيه لغة العجم: لو يكن عربيًّا محضًا، وآيات كثيرة في هذا المعنى.
ولأن الله -سبحانه- تحداهم بالإتيان بسورة من مثله، ولا يتحداهم بما ليس من لسانهم ولا يحسنونه2.
__________
1 سورة فصلت من الآية: 44.
2 انظر: العدة "3/ 707" وما قاله القاضي أبو يعلى هو رأي كثير من العلماء، منهم الإمام الشافعي، وأبو عبيدة: معمر بن المثنى، وابن جرير الطبري، وأبو بكر الباقلاني، وأحمد بن فارس، وأبو بكر: عبد العزيز بن جعفر الحنبلي، وأبو الخطاب، وابن عقيل وغيرهم. انظر: التمهيد "2/ 278" شرح الكوكب المنير "1/ 192، 193".
وهذا الخلاف إنما هو في غير الأعلام، أما الأعلام: فمتفق على وجودها مثل: إسرائيل، جبريل، عمران، نوح، إلخ.
قال الإمام الشافعي:
"وقد تكلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له -إن شاء الله- فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا، والقرآن يدل على أن ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب".
ثم قال: "إن جهل بعض العرب ببعض ما في القرآن من ألفاظ غريبة عنهم ليس دليلًا على عجمة القرآن.
ويحتمل أن بعض الأعاجم تعلم بعض الألفاظ العربية، وانتشرت في لغاتهم، فتوافقت بعض كلمات القرآن القليلة مع تلك الألفاظ.
(1/210)

وروي عن ابن عباس1، وعكرمة2 -رضي الله عنهما- أنهما قالا: فيه ألفاظ بغير العربية3.
__________
= وربما تكون بعض الكلمات الأعجمية قد سرت إلى العرب فعربوها، فصار بذلك عربي الشكل والصيغة والمخارج، وإن كان أصله أعجميًّا".
وبعد أن أورد الآيات الصريحة في أن القرآن كله عربي، ختم كلامه بقوله:
"فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح" الرسالة ص40-44 تحقيق الشيخ شاكر.
وقال أبو عبيد: القاسم بن سلام: "والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعًا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية، كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعرِّبت بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية فصادق" شرح الكوكب المنير "1/ 194-195".
1 هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي -صلى الله عليه وسلم- حبر الأمة، وترجمان القرآن، دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". توفي بالطائف سنة 68هـ. "الإصابة 2/ 330 والاستيعاب "2/ 350".
2 هو: عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس، أحد فقهاء مكة من التابعين، أصله بربري من أهل المغرب. توفي سنة 104هـ على أرجح الروايات. "وفيات الأعيان 2/ 427، معجم الأدباء 12/ 181".
3 وهو منقول -أيضًا- عن كثير من العلماء، منهم: مجاهد، وابن جبير، وعطاء وغيرهم. انظر: "الإحكام للآمدي "1/ 50 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/ 212، المزهر 1/ 266 وما بعدها، شرح الكوكب المنير 1/ 194".
(1/211)

قالوا: {نَاشِئَةَ اللَّيْل} 1 بالحبشية، و"مشكاة"2 هندية، و"استبرق"3 فارسية.
وقال من نصر هذا4: اشتمال القرآن على كلمتين ونحوهما أعجمية، لا يخرجه عن كونه عربيًّا، وعن إطلاق هذا الاسم عليه، ولا يمهد للعرب حجة، فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيًّا، وإن كان فيه آحاد كلمات عربية.
ويمكن الجمع بين القولين، بأن تكون هذه الكلمات أصلها بغير العربية، ثم عرّبتها العرب، واستعملتها، فصارت من لسانها بتعريبها واستعمالها لها وإن كان أصلها أعجميًّا5.
__________
1 من قوله تعالى في سورة المزمل الآية 6: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} .
2 من قوله تعالى في سورة النور الآية: 35: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ... } الآية.
قال صاحب مسلم الثبوت -وهو هندي-: "ثم كوة المشكاة هندية غير ظاهر. فإن البراهمة العارفين بأنحاء الهند لا يعرفونه، نعم "المسكاة" بضم الميم والسين المهملة بمعنى التبسم هندي وليست في القرآن بهذا المعنى" انظر: فواتح الرحموت "1/ 212".
وجاء في لسان العرب "المشكاة هي الكوة، وقيل هي بلغة الحبش، ثم قال: والمشكاة من كلام العرب".
3 من مثل قوله تعالى في سورة الكهف آية: 31: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ... } .
4 أي: رأي ابن عباس ومن معه.
5 وهذا ما نقلناه -قبل ذلك- عن الإمام الشافعي، وعن أبي عبيد القاسم بن سلام.
(1/212)

فصل: [في المحكم والمتشابه]
وفي كتاب الله -سبحانه- محكم ومتشابه1، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... } 2.
قال القاضي: المحكم: المفسر، والمتشابه: المجمل؛ لأن الله -سبحانه- سمى "المحكمات" "أم الكتاب" وأم الشيء: الأصل الذي لم يتقدمه غيره، فيجب أن يكون المحكم غير محتاج إلى غيره، بل هو أصل بنفسه وليس إلا ما ذكرنا.
__________
1 المحكم: معناه المتقن، يقال أحكمت الشيء، أحكمه إحكامًا، فهو محكم، إذا أتقنته، فكان في غاية ما ينبغي من الحكمة، ومنه: بناء محكم: أي ثابت يبعد انهدامه، وذلك كالنصوص والظواهر، لأنه من البيان في غاية الإحكام والإتقان "المصباح المنير 1/ 145، شرح الكتاب المنير 2/ 140-141" ولذلك وصف الله -تعالى- كتابه بذلك، فقال جل شأنه {الر، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} مطلع سورة هود.
والمتشابه: مأخوذ من الشبه، أو الشبه، أو الشبيه، وهو ما بينه وبين غيره أمر مشترك، فيتشتبه به. "المصباح المنير 1/ 304".
وقد وصف الله -تعالى- كتابه الكريم بأنه متشابه. فقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ... } [الزمر: آية 23] : يشبه بعضه بعضًا في إعجازه وتناسبه وتناسقه.
وهذا المعنى لكل من المحكم والمتشابه يسمى بالإحكام العام، والتشابه العام. وأما بالمعنى الخاص الذي يبحثه الأصوليين: فهو ما يأتي بعد ذلك، وهو الذي تضمنته آية سورة آل عمران -كما سيأتي حالًا-.
2 سورة آل عمران من الآية: 7.
(1/213)

وقال ابن عقيل1: المتشابه هو الذي يغمض علمه على غير العلماء والمحققين، كالآيات التي ظاهرها التعارض، كقوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُون} 2. وقال -تعالى- في آية أخرى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} 3. ونحو ذلك.
وقال آخرون: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، والمحكم: ما عداه5.
وقال آخرون: المحكم: الوعد والوعيد، والحرام والحلال،
__________
1 هو: علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي، المقرئ الفقيه الأصولي الواعظ المتكلم، أحد الأئمة الأعلام، له مؤلفات كثيرة تدل على سعة علمه وفضله، منها: "الواضح" في أصول الفقه قال عنه الشيخ ابن بدران: "أبان فيه عن علم كالبحر الزاخر، وفضل يفحم من في فضله يكابر، وهو أعظم كتاب في هذا الفن، حذا فيه حذو المجتهدين". توفي ابن عقيل سنة 513هـ. "ذيل طبقات الحنابلة 1/ 142-166، المنهج الأحمد 2/ 215-232".
2 سورة المرسلات الآية: 35.
3 سورة يس من الآية: 52.
4 أي: من الآيات التي ظاهرها التعارض، وهي في الواقع ليست كذلك، قال الواحدي: قال المفسرون: في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون.
وقيل في تفسير آية سورة المرسلات: إن هذا إشارة إلى وقت دخولهم النار وهم عند ذلك لا ينطقون؛ لأن مواقف السؤال والحساب قد انقضت. وقال الحسن: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون.
انظر: فتح القدير للشوكاني "5/ 416" طبعة دار الخير.
وبناء على تفسير ابن عقيل للمتشابه: بأنه الذي يغمض علمه على غير العلماء، يكون المحكم هو: ما لا يغمض علمه ولا فهمه.
5 انظر: الإتقان للسيوطي "2/ 2".
(1/214)

والمتشابه: القصص والأمثال1.
والصحيح: أن المتشابه: ما ورد في صفات الله -سبحانه- مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله -تعالى-: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان} 3، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي} 4، {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك} 5 {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} 6، ونحوه7.
فهذا اتفق السلف -رحمهم الله- على الإقرار به، وإمراره على وجهه وترك تأويله.
فإن الله -سبحانه- ذم المبتغين لتأويله، وقرنهم -في الذم- بالذين يبتغون الفتنة، وسماهم أهل زيغ.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي "1/ 166".
2 سورة طه الآية: 5.
3 سورة المائدة من الآية: 64.
4 ص من الآية: 75 وهي قوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} .
5 سورة الرحمن من الآية: 27.
6 سورة القمر من الآية: 14.
7 من الآيات والأحاديث مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يد الله ملأى لا تغيضها النفقة" وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري "4684" ومسلم "993" وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال الله عز وجل: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك" وقال: "يد الله ملأي لا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار".
قال الطوفي: "ونحو ذلك، مما هو كثير في الكتاب والسنة، لأن هذا اشتبه المراد منه على الناس، فلذلك قال قوم بظاهره، فجسموا وشبهوا، وفر قوم من التشبيه، فتأولوا وحرفوا، وتوسط قوم، فسلموا، وأمرُّوه كما جاء، مع اعتقاد التنزيه، فسلموا، وهم أهل السنة" شرح المختصر "2/ 44، 45".
(1/215)

وليس في طلب تأويل ما ذكروه من المجمل1 وغيره ما يذم به صاحبه، بل يمدح عليه؛ إذ هو طريق إلى معرفة الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.
ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله -سبحانه- منفرد بعلم تأويل المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله} 2 له لفظًا ومعنى.
أما اللفظ: فلأنه لو أراد عطف "الراسخين" لقال: "ويقولون آمنا به" بالواو.
وأما المعنى: فلأنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلومًا: لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا.
ولأن قولهم {آمَنَّا بِهِ} يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه.
سيما إذا اتبعوه بقولهم: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} فذكرهم ربهم -ههنا- يعطي الثقة به، والتسليم لأمره، وأنه صدر منه، وجاء من عنده كما جاء من عنده المحكم.
ولأن لفظة "أما" لتفصيل الجمل، فذكره لها في {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغ} مع وصفه إياهم لابتغاء المتشابه، وابتغاء تأويله، يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم "الراسخون" ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل.
__________
1 أي: الآراء التي عرضها الأول.
2 آل عمران: 7.
(1/216)

وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد: فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه؛ لأن ما ذكر من الوجوه لا يعلم تأويله كثير من الناس.
فإن قيل: فكيف يخاطب الله الخلق بما لا يعقلونه، أم كيف ينزل على رسوله ما لا يطلع على تأويله؟
قلنا:
يجوز أن يكلفهم الإيمان بما لا يطلعون على تأويله؛ ليختبر طاعتهم، كما قال -تعالي-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين} 1 {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَم ... } الآية2، {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس} 3.
وكما اختبرهم بالإيمان بالحروف المقطعة مع أنه لا يعلم معناها4.
والله أعلم.
__________
1 سورة محمد من الآية: 31.
2 سورة البقرة من الآية: 143.
3 سورة الإسراء من الآية: 60.
4 قال الشوكاني: "لا شك أن لها معنى لم تبلغ أفهامنا إلى معرفته...." انظر في ذلك: فتح القدير "1/ 314 وما بعدها، وإرشاد الفحول 1/ 150" الطبعة المحققة.
(1/217)

الباب الثالث: النسخ
فصل: تعريف النسخ
النسخ في اللغة: الرفع والإزالة، ومنه: "نسخت الشمس الظل" ونسخت الريح الأثر1.
وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل، كقولهم: "نسخت الكتاب"2.
فأما النسخ في الشرع: فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير.
__________
1 أي: رفعته وأزلته؛ لأن الشمس إذا قابلت موضع الظل ارتفع وزال، والريح إذا مرت على آثار المشي، ارتفعت وزالت.
انظر: مختصر الطوفي وشرحه "2/ 251".
2 قال الطوفي: "..... فإن نسخ الكتاب ليس نقلًا لما في المنسوخ منه حقيقة؛ لبقائه بعد النسخ، وإنما هو مشبه للنقل من جهة أن ما في الأصل صار مثله في الفرع لفظًا ومعنى".
ومن هذا الباب: تناسخ المواريث، وهو: انتقال حالها بانتقالها من قوم إلى قوم، مع بقاء المواريث في نفسها".
ثم قال:
"اختلف في النسخ في أي المعنيين هو حقيقة، هل هو حقيقة في الرفع والإزالة، أو في النقل وما يشبهه؟
وفيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وهو قول القاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما. =
(1/218)

وحدّه: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه.
ومعنى الرفع: إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتًا على مثال:
"رفع حكم الإجارة بالفسخ" فإن ذلك يفارق زوال حكمها بانقضاء مدتها.
وقيدنا الحد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء العبادات في الشرع مزيل لحكم العقل من براءة الذمة، وليس بنسخ.
وقيدناه بالخطاب الثاني؟ لأن زوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخ.
وقولنا: "مع تراخيه عنه"؛ لأنه لو كان متصلًا به، كان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له بمدة وشرط1.
__________
= والثاني: أنه حقيقة في الرفع والإزالة، مجاز في النقل، وهو قول أبي الحسين البصري وغيره.
والثالث: عكس هذا، وهو أنه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة، وهو اختيار القفال. ذكر هذه الأقوال وأصحابها الآمدي.
والأظهر من هذه الأقوال أن النسخ حقيقة في الرفع، مجاز في النقل". شرح المختصر "2/ 252" وانظر: المستصفى "2/ 35" وما بعدها، الإحكام للآمدي "2/ 236".
1 هذه كلها احترازات أراد المصنف أن يخرجها عن كونها نسخًا.
فقوله: "رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم" احتراز من زوال حكم النفي الأصلي، فإن الأصل براءة الذمة، فإذا أثبتنا حقًّا من الحقوق، فقد رفعنا حكم براءة الذمة، وشغلناها بهذا الحق، وهو ليس بنسخ، لأن الحكم المرفوع لم يكن ثابتًا بخطاب متقدم.
وقوله: "بخطاب" احتراز من زوال الحكم بالموت أو المجنون، لأن من مات أو جن، انقطعت عنه أحكام التكليف، وليس ذلك بنسخ. =
(1/219)

وقال قوم: النسخ كشف مدة العبادة بخطاب ثان1.
وهذا يوجب أن يكون قوله -تعالى-: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... } 2 نسخًا وليس فيه معنى الرفع3، فإن قوله: {إِلَى اللَّيْلِ} إذا لم يتناول إلا النهار متباعدًا عن الليل بنفسه، فأي معنى لنسخه؟!
وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول، وما ذكروه تخصيص.
على أن نسخ العبادة قبل وقتها والتمكن من امتثالها جائز، وليس فيه بيان لانقطاعها.
__________
= وقوله: "مع تراخيه عنه" احتراز من زوال الحكم بخطاب متصل، كالشرط والاستثناء، فهذا ليس نسخًا، وإنما يعتبر تخصيصًا، والتخصيص معناه -عند بعض الأصوليين-: بيان المراد بالعام، ولذلك قال المصنف: "لأنه لو كان متصلًا به كان بيانًا" يعني: تخصيصًا لا نسخًا.
انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 258" إرشاد الفحول "1/ 510".
1 وهو منقول عن الحنفية حيث قالوا: "النسخ بيان لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع، وتبديل لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلومًا عندنا لو لم ينزل الناسخ" انظر: أصول السرخسي "2/ 54" وقريب منه ما ذهب إليه الإمام الرازي في المحصول "جـ1 ق3 ص428" والبيضاوي في المنهاج، على ما في نهاية السول "2/ 162"، وابن حزم في الإحكام "4/ 438".
2 سورة البقرة من الآية "187".
3 هذا رد من المصنف على التعريف خلاصته: أن انتهاء مدة الصوم بظهور الليل ليس رفعًا للحكم، وإنما هو مغيًّا بغاية معينة، ينتهي بوجودها.
ثم بين أن هذا التعريف ينطبق على التخصيص، لا على النسخ.
كما بين أن نسخ العبادة قبل دخول وقتها جائز عند جمهور العلماء، ومنهم أكثر الفقهاء، إلا أن أكثر الحنفية والمعتزلة منعوا ذلك.
(1/220)

فصل: [معنى النسخ عند المعتزلة]
وحدّ المعتزلة النسخ بأنه:
الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا1.
ولا يصح؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، وقد أخلوا الحد عنه2.
فإن قيل:
تحديد النسخ بالرفع لا يصح لخمسة أوجه:
أحدها: أنه لا يخلو: إما أن يكون رفعًا لثابت، أو لما لا ثبات له،
__________
1 انظر: المعتمد "1/ 396".
2 قوله: "ولا يصح" يريد أن هذا التعريف المنقول عن بعض المعتزلة غير صحيح، لأن النسخ في الشرع إنما هو الرفع، وقد عدلوا عنه إلى قولهم: "الخطاب الدال ... الخ" فكان الحد للناسخ لا للنسخ، والمطلوب: تعريف النسخ لا الناسخ الذي هو اسم فاعل، وذلك أن الخطاب ليس المراد به مصدر خاطب خطابًا، حتى يكون تعريف مصدر بمصدر، وإنما المراد بالخطاب: القول الدال على شيء. انظر: نزهة الخاطر "1/ 192".
جاء في العدة لأبي يعلى "3/ 768-769" -بعد أن عرّف النسخ- أن النسخ يفتقر إلى وجود خمس شرائط:
1- أن يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ.
2- أن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بالشرع.
3- أن يكون الرافع دليلًا شرعيًّا.
4- أن لا يكون للعبادة المنسوخة مدة معينة.
5- أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله، ولا يكون أضعف منه.
انتهى ملخصًا من العدة، وهي مأخذوة من التعريفات المتقدمة. وأما كونه أقوى أو مساو فسيأتي ذلك قريبًا.
(1/221)

فالثابت لا يمكن رفعه، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه.
الثاني: أن خطاب الله -تعالى- قديم، فلا يمكن رفعه.
الثالث: أن الله -تعالى- إنما أثبته لحسنه، فالنهي يؤدي إلى أن ينقلب الحسن قبيحًا.
الرابع: أن ما أمر به، إن أراد وجوده، كيف ينهى عنه، حتى يصير غير مراد؟
الخامس: أنه يدل على "البداء" فإنه يدل على أنه بدا له مما كان حكم به وندم عليه، وهذا محال في حق الله -تعالى-1.
__________
1 خلاصة هذه الاعتراضات:
أولًا: أن الحكم قبل النسخ إما أن يكون ثابتًا أو غير ثابت، فإن كان ثابتًا لم يمكن رفعه بالناسخ، لأن ارتفاع الحكم الثابت بالحكم الطارئ ليس بأولى من العكس؛ لاستقرار الثابت وتمكنه. وأما إذا كان غير ثابت فلا يحتاج إلى النسخ، لأنه مرتفع بنفسه.
ثانيًا: أن حكم الله -تعالى- قديم، فلا يمكن رفعه وإزالته، لأن ذلك يعتبر تغييرًا له، وهو محال على القديم.
ثالثًا: أن الله -تعالى- إنما أثبت الحكم المرفوع لما فيه من حسن، فإذا رفعه كان هذا الرفع قبيحًا، وهذا لا يجوز.
رابعًا: أن الرفع فيه تناقض، لأن إثباته يدل على إرادته، ورفعه يدل على قدم إرادته، وهو تناقض لا يليق بالله تعالى.
خامسًا: أن الرفع أو النسخ يدل على نسبة الجهل إلى الله تعالى، وهو محال، لأنه يدل على أن الشارع قد بدا له ما كان خافيًا عنه، على حد قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] هذا معنى كلامه، وسيأتي رده على هذه الاعتراضات.
(1/222)

قلنا:
أما الأول: ففاسد؛ فإنا نقول: بل هو رفع لحكم ثابت لولاه لبقي ثابتًا، كالكسر في المكسور، والفسخ في العقود.
إذ1 لو قال قائل: إن الكسر إما أن يرد على معدوم أو موجود:
فالمعدوم لا حاجة إلى إعدامه، والموجود لا ينكسر2، كان غير صحيح؛ لأن معناه: أن له من استحكام البنية ما يبقى لولا الكسر، وندرك تفرقته بين كسره، وبين انكساره بنفسه، لتناهي الخلل فيه، كما ندرك تفرقته بين فسخ الإجارة، وبين زوال حكمها: لانقضاء مدتها3.
وبهذا فارق "التخصيص" "النسخ"؛ فإن التخصيص يدل على أنه أريد باللفظ: البعض3.
وأما الثاني:
فإنه يراد بالنسخ: رفع تعلق الخطاب بالمكلف، كما يزول
__________
1 لفظ "إذ" من المستصفى لتوضيح المعنى.
2 عبارة المستصفى: "والوجود لا سبيل إلى إزالته".
3 خلاصة الرد: أن ارتفاعه غير ممتنع؛ لأنه إما أن يرتفع بانتهاء مدته، وإما بالناسخ مع إرادة الشارع، قياسًا على كسر آنية من الأواني: فيقال: إن استحكام شكل الآنية يقتضي بقاء صورتها دائمًا، لولا ما ورد عليه من السبب الكاسر، فالكاسر قطع ما اقتضاه استحكام بنية الآنية دائمًا، لولا الكسر.
ومثل ذلك: فسخ عقد الإجارة، فإن الفسخ يقطع حكم العقد، ولولاه لدام العقد، فالفسخ قاطع لحكم العقد الدائم.
وبهذا فارق النسخ التخصيص، فإن التخصيص يبين لنا أن اللفظ يدل على البعض لا الكل، والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد الدلالة عليه.
انظر في ذلك: المستصفى "2/ 40، 41".
(1/223)

تعلقه به؛ لطريان العجز والجنون، ويعود بعودة القدرة والعقل، والخطاب في نفسه لا يتغير1.
وأما الثالث:
فينبني على التحسين والتقبيح في العقل، وهو باطل2. وقد قيل: إن الشيء يكون حسنًا في حالة، وقبيحًا في أخرى، لكن لا يصح هذا العذر؛ لجواز النسخ قبل دخول الوقت، فيكون قد نهي عما أمر به في وقت واحد.
والرابع:
ينبني على أن الأمر مشروط بالإرادة وهو غير صحيح3.
وأما الخامس:
ففاسد؛ فإنهم إن أرادوا أن الله -تعالى- أباح ما حرم، ونهى عما
__________
1 خلاصة الرد: أن الحكم مقتضى الخطاب وأثره، لا نفس الخطاب حتى يرد عليه ما قلتم، فالمرتفع بالنسخ مقتضى الخطاب القديم، لا نفس الخطاب، بدليل أن الخطاب يرتفع بالعجز والجنون، ثم يعود بعد القدرة والعقل.
2 يريد أن يقول: إن هذا مبنى على مسألة أخرى: هي التحسين والتقبيح العقليين اللذين يقول بهما المعتزلة، بينما أهل السنة يقولون: إن الحسن والقبح شرعيان، فالحسن: ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.
3 معناه: أن اعتراضكم مبني على أن الأمر مشروط بالإرادة، وهو يؤدي إلى التناقض، فيكون المنسوخ مرادًا وغير مراد، وهذا غير صحيح، لأن الإرادة تعلقت بوجوده قبل النسخ، وبعدمه بعده، فلا تناقض، لأن التناقض إنما يكون مع اتحاد وقت التعلق، أما إرادة شيء في وقت، وعدم إرادته في وقت آخر فلا تناقض فيه، لانفكاك الجهة.
(1/224)

أمر به: فهو جائز؛ {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} 1، ولا تناقض كما أباح الأكل ليلًا، وحرمه نهارًا.
وإن أرادوا: أنه انكشف له ما لم يكن عالمًا به: فلا يلزم من النسخ، فإن الله -تعالى- يعلم أنه يأمرهم بأمر مطلق، ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم يقطع فيه التكليف بالنسخ2.
فإن قيل:
فهم مأمورون به في علم الله -تعالى- إلى وقت النسخ، أو أبدًا؟
إن قلتم: إلى وقت النسخ: فهو بيان مدة العبادة.
وإن قلتم: أبدًا، فقد تغير علمه ومعلومه.
قلنا:
بل هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع للحكم، المطلق الذي لولاه لدام الحكم كما يعلم الله البيع المطلق مفيدًا لحكمه،
__________
1 سورة الرعد من الآية: 39.
2 وضح الطوفي هذا الرد بقوله: "واجب عن الخامس -وهو لزوم البداء- فإنه غير لازم للقطع، أي: لأنا نقطع بكمال علم الله -تعالى- والبداء ينافي كمال العلم، لأنه يستلزم الجهل المحض؛ لأنه ظهور الشيء بعد أن كان خفيًّا....
وإذا ثبت استحالة البداء على الله سبحانه وتعالى، فتوجيه النسخ: هو أن الله سبحانه وتعالى، علم المصلحة في الحكم تارة، فأثبته بالشرع، وعلم المفسدة فيه تارة، فنفاه بالنسخ. ولذلك فائدتان:
إحداهما: رعاية الأصلح للمكلفين تفضلًا من الله عز وجل لا وجوبًا.
الفائدة الثانية: امتحان المكلفين بامتثالهم الأوامر والنواهي، خصوصًا في أمرهم بما كانوا منهيين عنه، ونهيهم عما كانوا مأمورين به، فإن الانقياد له أدل على الإيمان والطاعة". شرح المختصر "2/ 264".
(1/225)

إلى أن ينقطع بالفسخ، ولا يعلمه في نفسه قاصرًا، ويعلم أن الفسخ سيكون، فينقطع الحكم به، لا لقصوره في نفسه.
(1/226)

فصل: [الفرق بين النسخ والتخصيص]
فإن قيل:
فما الفرق بين النسخ والتخصيص؟
قلنا:
هما مشتركان من حيث: إن كل واحد يوجب اختصاص بعض متناول اللفظ.
مفترقان من حيث: إن التخصيص: بيان أن المخصوص غير مراد باللفظ.
والنسخ يخرج ما أريد باللفظ الدلالة عليه كقوله: "صم أبدًا" يجوز أن ينسخ ما أريد باللفظ في بعض الأزمنة.
كذلك افترقا في وجوه ستة:
أحدها: أن النسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه1.
والثاني: أن النسخ يدخل في الأمر بمأمور واحد، بخلاف التخصيص.
والثالث: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب، والتخصيص يجوز بأدلة العقل والقرائن.
والرابع: أن النسخ لا يدخل في الأخبار، والتخصيص بخلافه2.
__________
1 كما يجوز أن يتقدم أو يتأخر.
2 وهو مذهب جمهور العلماء، وهناك من أجاز ذلك، كالإمام الرازي وغيره. انظر: المحصول "جـ1 ق3 ص9". =
(1/226)

والخامس: أن النسخ لا يبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته، والتخصيص لا ينتفي معه ذلك.
والسادس: أن النسخ في المقطوع به لا يجوز إلا بمثله، والتخصيص فيه جائز بالقياس وخبر الواحد وسائر الأدلة.
__________
= وقد أورد الشوكاني عشرين فرقًًا بين النسخ والتخصيص، ونسبها لقائليها، تراجع في الجزء الأول ص510 وما بعدها الطبعة المحققة.
(1/227)

فصل: [ثبوت النسخ بالأدلة العقلية والنقلية]
وقد أنكر قوم النسخ1.
وهو فاسد؛ لأن النسخ جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا.
__________
1 الخلاف في النسخ دائر بين الجواز العقلي أو الشرعي، والوقوع.
قال الشيخ الطوفي: "اختلف الناس في النسخ، والخلاف إما في جوازه أو في وقوعه.
والخلاف في جوازه، إما عقلًا، أو شرعًا.
وقد اتفق أهل الشرائع على جوازه عقلًا، ووقوعه سمعًا، إلا الشمعونية من اليهود، فإنهم أنكروا الأمرين، وأما العنانية منهم، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين، فإنهم أنكروا جواز النسخ شرعًا، لا عقلًا شرح مختصر الروضة "2/ 266، 267".
وأبو مسلم الذي أشار إليه الطوفي: هو: محمد بن بحر الأصفهاني، مفسر، نحوي، متكلم معتزلي، له كتاب في التفسير على مذهب المعتزلة يسمى "جامع التأويل لمحكم التنزيل" ولد الأصفهاني سنة 254هـ، وتوفي سنة 322هـ. وهو غير الجاحظ، خلافًا لما ذكره الإسنوي في نهاية السول "2/ 149": انظر: "معجم الأدباء 18/ 35، بغية الوعاة 1/ 59".
والنقول عن هذا الرجل -في قضية النسخ- متضاربة، والذي توصل إليه المحققون أن خلافه مع الجمهور خلاف لفظي، وأنه لا ينكر النسخ، كما هو =
(1/227)

أما العقل:
فلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة في زمان دون زمان، ولا بُعْدَ في أن الله -تعالى- يعلم مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا، ويمتنعوا -بسبب العزم عليه- عن معاص وشهوات، ثم يخففه عنهم.
فأما دليله شرعًا:
فقال الله -تعالى-: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... } 1، {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة....} 2.
__________
= مشهور، فهو يسميه تخصيصًا لا نسخًا,
قال المحلي في شرح جمع الجوامع "2/ 88": "النسخ واقع عند كل المسلمين، وسماه أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة تخصيصًا؛ لأنه قصر للحكم على بعض الأزمان، فهو تخصيص في الأزمان، كالتخصيص في الأشخاص.
فقيل: خالف في وجوده حيث لم يذكره باسمه المشهور، فالخلف الذي حكاه الآمدي وغيره عنه من نفيه وقوعه لفظي لما تقدم من تسميته تخصيصًا".
1 سورة البقرة من الآية: 106 وقد اعترض بعض العلماء على الاستدلال بهذه الآية على وقوع النسخ فقالوا: إن الآية تفيد صدق التلازم الحاصل بين الشرط والجزاء، وصدق هذا التلازم، لا يتوقف على وقوع الشرط والجزاء ولا على وقوعهما، بل إن التلازم يصدق ولو كان الشرط محالًا، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين} [الزخرف: 81] .
وقد أجاب الإسنوي على ذلك بما حاصله: أن الآية مع قطع النظر عن سبب نزولها لا دلالة فيها على الجواز كما تقولون، ولكن إذا نظرنا إلى سبب النزول: وهو أن اليهود عابوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحوله عن بيت المقدس إلى البيت الحرام، فقالوا: إن محمدًا يأمر بالشيء، ثم ينهى عنه، فأنزل الله تعالى -ردًا عليهم-: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ... } انظر: نهاية السول "2/ 557" بهامشه سلم الوصول.
2 سورة النحل من الآية: 110.
(1/228)

وقد أجمعت الأمة على أن شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- قد نسخت ما خالفها من شرائع الأنبياء قبله.
وقد كان يعقوب -عليه السلام- يجمع بين الأختين.
وآدم -عليه السلام- كان يزوج بناته من بنيه، وهو محرم في شرائع من بعدهم من الأنبياء عليهم السلام1.
__________
1 هذه أمثلة لوقوع النسخ بين الشرائع المختلفة، وهناك أمثلة كثيرة لوقوع النسخ في شريعتنا، منها:
1- نسخ اعتداد المتوفى عنها زوجها حولًا كاملًا، بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، فقد كانت المرأة في صدر الإسلام تعتد سنة كاملة، عملًا بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ... } [البقرة: 240] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... } [البقرة: 234] فهذه الآية الأخيرة ناسخة للاعتداد بالحول، وهي وإن كانت متقدمة على الثانية في التلاوة، والأصل: أن يكون المتأخر هو الناسخ، إلا ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول، فالآية الناسخة نزلت بعد المنسوخة، وإن كانت قد وضعت قبلها.
على أن من العلماء من قال: إنها ليست منسوخة، وإنما خص من الحول بعضه فجعل عدة واجبة على المرأة، وبقي البعض وصية لها إن شاءت مكثت ولها المتعة من تركة زوجها، وإن شاءت خرجت وسقط حقها في المتعة.
وقد أخرج ذلك البخاري "4531" وابن جرير الطبري عن مجاهد، إلا أن الجمهور على أنها منسوخة: انظر: فتح القدير للشوكاني "1/ 258".
2- نسخ الوصية للوالدين بآية المواريث. وأمثلة كثيرة لا تخفى على أهل العلم، وكلها تدل على وقوع النسخ، والوقوع دليل على الجواز وزيادة.
(1/229)

فصل: [في وجوه النسخ في القرآن]
يجوز نسخ الآية دون حكمها، ونسخ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معًا.
وأحال قوم نسخ اللفظ؛ فإن اللفظ إنما نزل ليتلى، ويثاب عليه، فكيف يرفع؟
ومنع آخرون نسخ الحكم دون التلاوة، لأنها دليل عليه، فكيف يرفع المدلول مع بقاء الدليل؟
قلنا: هو متصور عقلًا، وواقع:
أما التصور: فإن التلاوة، وكتابتها في القرآن، وانعقاد الصلاة بها، من أحكامها، وكل حكم فهو قابل للنسخ.
وأما تعلقها بالمكلف في الإيجاب وغيره: فهو حكم -أيضًا- فيقبل النسخ1.
__________
1 حاصل ذلك: أن التلاوة، والكتابة في المصحف، وانعقاد الصلاة بها، كل ذلك حكم من أحكام اللفظ، وكل حكم منها قابل للنسخ، والتلاوة حكم من هذه الأحكام، فيقبل النسخ كغيره من الأحكام.
قال الطوفي: "اللفظ والحكم عبادتان متفاصلان، أي تنفصل إحداهما في التعبد بها عن الأخرى فعلًا، فجاز نسخ إحداهما دون الأخرى، كسائر العبادات المتفاصلة.
وبيان تفاصل اللفظ والمعنى: هو أن اللفظ متعبّد بتلاوته، والحكم متعبد بامتثاله، وهذا هو مرادنا بتفاصلهما، لا أن إحداهما يمكن انفصاله عن الآخر حسًّا" شرح المختصر "2/ 273".
(1/230)

وأما الدليل على وقوعه:
فقد نسخ حكم قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ... } 1 وبقيت تلاوتها2.
__________
1 سورة البقرة من الآية: 184.
2 وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام مخيرين بين أن يصوموا، وبين أن يفطروا، ويطعموا مسكينًا عن كل يوم، فنسخ ذلك التخيير بتعيين الصوم للقادر عليه بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... } وبقيت الرخصة في حق العاجز عن الصوم، لكبر، أو مرض، أو حمل، أو رضاع.
روى ابن جرير الطبري "2752" وأبو داود "8/ 23" والبيهقي "4/ 230" عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم، رخّص لهما أن يفطرا إن شاءا، ويطعما لكل يوم مسكينًا، ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... } وثبت ذلك للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا، وإسناده صحيح.
قال الشوكاني:
"وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة، فقيل: إنها منسوخة، وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام، لأنه شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم، وهو يطيقه، ثم نسخ ذلك، وهذا قول الجمهور.
وروي عن بعض أهل العلم أنها لم تنسخ، وأنها رخصة للشيوخ، والعجائز خاصة إذا كانوا لا يطيقون الصيام إلا بمشقة، وهذا يناسب قراءة التشديد، أي: يكلفونه كما مر. "فتح القدير 1/ 198".
وقراءة التشديد التي أشار إليها، هي قراءة شاذة رويت عن بعض الصحابة، "يُطَوِّقُونَهُ" بفتح الطاء مخففة، وتشديد الواو مبنيًا للمفعول، بمعنى يكلّفونه فلا يطيقونه: انظر: زاد المسير "1/ 186".
(1/231)

وكذلك الوصية للوالدين والأقربين1.
وقد تظاهرت الأخبار بنسخ آية الرجم، وحكمها باق2.
__________
1 الوصية للوالدين والأقربين في صدر الإسلام واجبة، لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] وقد اختلف في هذه الآية: هل هي منسوخة أو محكمة، وإذا كانت منسوخة، فهل هي منسوخة بآية المواريث، أو بالحديث "لا وصية لوارث" قال الشوكاني في فتح القدير "1/ 195":
"وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟
فذهب جماعة إلى أنها محكمة، قالوا: وهي وإن كانت عامة فمعناها الخصوص، والمراد بها من الوالدين: من لا يرث كالأبوين الكافرين، ومن هو في الرق، ومن الأقربين من عدا الورثة منهم.
قال: ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذين لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة.
وقال كثير من أهل العلم: إنها منسوخة بآية المواريث مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا وصية لوارث" وهو حديث صححه بعض أهل الحديث وروي من غير وجه.
وقال بعض أهل العلم: إنه نسخ الوجوب وبقي الندب".
2 روى البخاري في كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنا، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال عمر: "لقد خشيت أن يطول بالناس، زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحمل أو الاعتراف".
قال الحافظ ابن حجر في الفتح "12/ 142": وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية جعفر الفرياني عن علي بن عبد الله شيخ البخاري وفيه: فقال بعد قوله: "أو الاعتراف": "وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما -ألبتة- وقد رجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجمنا بعده" وقد جاءت هذه الزيادة في الموطأ "2/ 824" عن سعيد بن المسيب قال: "لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة =
(1/232)

.............................................
__________
= خطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض وتُركتم على الواضحة.... ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، قد رجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة.
وللحديث رويات أخرى متعددة عند مسلم، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي وغيرهم.
وأخرجه أحمد في المسند "5/ 183" عن كثير بن الصلت، قال: كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف، فمروا على هذه الآية: فقال زيد: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" فقال عمر: لما نزلت هذه الآية أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: أكتبها؟ فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم؟
قال الحافظ ابن حجر -تعليقًا على هذا الحديث-: "فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها، لكون العمل على غير الظاهر من عمومها". انظر: فتح الباري "12/ 142".
هذا في الثيب، أما البكر، فقد نسخ حكمه بما جاء في سورة النور وهو قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة} .
ومع صحة الأحاديث السابقة إلا أن أبا جعفر النحاس يرى أن الحكم بالنسبة للبكر نسخ بآية النور، وبالنسبة للثيب فهو ثابت بالسنة الصحيحة، وليس من قبيل القرآن المنسوخ التلاوة، حيث قال: "وإسناد الحديث صحيح، إلا أنه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله جماعة عن جماعة، ولكنه سنة ثابتة، وقد يقول الإنسان: كنت أقرأ كذا، لغير القرآن، والدليل على هذا أنه قال: "ولولا أن أكره أن يقال: زاد عمر في القرآن لزدته" الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس ص8.
ورجح أبو الحسين البصري ما قاله أبو جعفر النحاس فقال: "ويحتمل أن =
(1/233)

وقولهم: كيف ترفع التلاوة1؟
قلنا:
لا يمتنع أن يكون المقصود الحكم دون التلاوة، لكن أنزل بلفظ معين.
وقولهم: كيف يرفع المدلول مع بقاء الدليل2؟
__________
= يكون ذلك مما أنزل وحيًا ولم يكن ثابتًا في المصحف" المعتمد "1/ 418".
والسنة التي يشير إليها أبو جعفر النحاس هي: ما روي من حديث عبادة بن الصامت -رضى الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم". رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.
قال الطوفي:
"قلنا هذا مقرر لحكم تلك الآية، ومعرّف أنه لم ينسخ، ويضعف هذا بوجهين:
أحدهما: أن حمل الحديث على التأسيس، وإثبات الرجم ابتداء، أولى من حمله على تأكيد حكم الآية المنسوخة.
الوجه الثاني: أن الحديث ورد مبينًا للسبيل المذكور في قوله تعالى: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] فدل على أنه غير متعلق بآية الرجم، بل هو إما مستقل بإثبات الرجم، أو مبين للسبيل في الآية الأخرى". شرح مختصر الروضة "2/ 277".
وبذلك يكون الطوفي مع الذين يرون ثبوت الحكم بالسنة وليس بالآية المنسوخة، وإن لم يصرح بذلك.
1 وهم المانعون لنسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
2 وهم المانعون من نسخ الحكم وبقاء التلاوة.
وقد أجاب المصنف عن ذلك: بأن اللفظ إنما كان دليلًا على الحكم قبل النسخ، أما بعد النسخ فلم يعد دليلًا، والدليل إنما هو النسخ، فلا يلزم على ذلك ما قلتموه: من أنه كيف يرفع المدلول ويبقى الدليل؟
(1/234)

قلنا:
إنما يكون دليلًا عند انفكاكه عما يرفع حكمه، والناسخ مزيل لحكمه، فلا يبقى دليلًا والله أعلم.
(1/235)

فصل: في نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال
...
وقد اعتاص1 هذا على2 القدرية2 حتى تعَسَّفوا3 في تأويله من ستة أوجه:
أحدها: أنه كان منامًا.
الثاني: أنه لم يؤمر بالذبح، وإنما كُلِّف العزم على الفعل؛ لامتحان سرِّه في صبره.
الثالث: أنه لم ينسخ، لكن قلب الله عنقه نحاسا، فانقطع التكليف عنه لتعذره.
الرابع: أن المأمور به: الاضطجاع، ومقدمات الذبح، بدليل {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} .
الخامس: أنه ذبح امتثالًا، فالتأم الجرح واندمل، بدليل الآية4.
السادس: أنه إنما أخبر أنه يؤمر به في المستقبل، فإن لفظه لفظ الاستقبال لا لفظ الماضي.
__________
1 جاء في المصباح المنير "2/ 438": "اعتاص: صعب، فهو عويص، وكلام عويص: يعسر فهم معناه".
2 فرقة من المعتزلة سموا بذلك، لأنهم يقولون: إن الله -تعالى- غير خالق لأفعال الناس، ولا لشيء من أعمال الحيوانات، وأن الناس هم الذين يقدرون أعمالهم، ولذلك سماهم العلماء بالقدرية. انظر في هذه الفرقة وآرائها: الفرق بين الفرق ص94.
3 أي: تكلفوا في تأويله.
4 أي قوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا} .
(1/236)

والجواب من وجهين:
أحدهما: يعم جميع ما ذكروه1.
والثاني: أنا نفرد لكل وجه مما ذكروه بجواب:
أما الأول2: فلو صح شيء من ذلك: لم يحتج إلى فداء، ولم يكن بلاءً مبينًا في حقه.
والجواب الثاني2:
أما قولهم: "كان منامًا لا أصل له".
قلنا: منامات الأنبياء -عليهم السلام- وحي4، وكانوا يعرفون الله -تعالى- به.
ولو كان منامًا لا أصل له: لم يجز له قصد الذبح، والتل للجبين. ويدل على فساده: قول ولده -عليه السلام-: {افْعَلْ مَا تُؤْمَر} ولو لم يؤمر: كان ذلك كذبًا.
والثاني: فاسد لوجهين:
__________
1 أي: أن الجواب الأول يعم جميع الأوجه التي ذكروها.
2 وهو الجواب الذي يعم جميع ما تقدم.
3 وهو التفصيلي.
4 روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أول ما ابتدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من النبوة الرؤيا الصادقة، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح".
قال الطوفي: "إن رؤيا آحاد الأمم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة على ما شهدت به السنن الصحيحة، فرؤيا الأنبياء أولى أن تكون نبوة".
(1/237)

أحدهما: أنه سماه ذبحًا بقوله {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} والعزم لا يسمى ذبحًا.
والآخر1: أن العزم لا يجب ما لم يعتقد وجوب المعزوم عليه، ولو لم يكن المعزوم عليه واجبًا، كان إبراهيم -عليه السلام- أحق بمعرفته من القدَرية.
والثالث: لا يصح عندهم؛ لأنه إذا علم الله أنه يقلب عنقه حديدًا، يكون آمرًا بما يعلم امتناعه2.
والرابع: فاسد؛ لكونه لا يسمى ذبحًا.
والخامس: فاسد؛ إذ لو صح كان من آياته الظاهرة، فلا يترك نقله، ولم ينقل، وإنما هو اختراع من القدرية3.
ومعنى قوله: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا} أي: عملت عمل "مصدق بالرؤيا"4. والتصديق غير التحقيق والعمل5.
وقولهم: "إنه أخبر أنه يؤمر به في المستقبل"6 فاسد؛ إذ لو أراد
__________
1 أي الوجه الثاني من رده على الوجه الثاني للمعتزلة.
2 معناه: أن ذلك لا يصح على حسب أصول المعتزلة، لأن الأمر بالمشروط لا يصح عندهم، فإذا علم الله أنه سيقلب عنقه حديدًا، يكون آمرًا بما يعلم امتناعه، فلا يحتاج إلى الفداء، ولا يكون بلاء في حقه -عليه السلام-.
3 قال الغزالي في توضيح هذا الرد: "وأما الخامس: وهو أنه فعل والتأم: فهو محال؛ لأن الفداء كيف يحتاج إليه بعد الالتئام، ولو صح ذلك لاشتهر، وكان ذلك من آياته الظاهرة، ولم ينقل ذلك قط، وإنما هو اختراع من القدرية".
4 ما بين القوسين من المستصفى، وهي في الأصل: "صدق".
5 لفظ "والعمل" من المستصفى لتمام المعنى.
6 وهذا هو الوجه السادس، وإن لم يعنون له.
(1/238)

ذلك: لوجد الأمر به في المستقبل؛ كيلا يكون خلفًا في الكلام.
وإنما عبر بالمستقبل عن الماضي، كما قال: {إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَان} 1، و {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} 2. أي: قد رأيت.
__________
1 سورة يوسف من الآية: 43.
2 سورة يوسف من الآية: 36.
قال الطوفي -ردًّا على هذا الوجه-: "قلنا: الجواب من وجهين:
أحدهما: لا نسلم أن المراد به المستقبل، بل معنى قوله: {مَا تُؤْمَرُ} افعل ما أمرت به، وضعا للمضارع موضع الماضي، وهو كثير في اللغة.
الوجه الثاني: أن معنى قوله: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} أي: ما تؤمر به في الحال، استصحابًا لحال الأمر الماضى.
وبيان ذلك: أن كل مأمور بفعل، فالأمر به متوجه إليه ما لم يفعله، استصحابًا لحال الأمر في آخر الوقت، فإبراهيم -عليه السلام- لما أمر في الليل بذبح ولده، ثم أصبح فأخبر ولده بذلك، فهو في حال إخباره ولده مأمور بما أمر به في الليل، بذبح ولده، لأن الأمر لم يسقط عنه بعد، فأمره بالذبح في الماضي مستصحب إلى حال إخباره ولده، وقوله: {مَا تُؤْمَرُ} أي: ما أنت مأمور به في الحال، بناء على استصحاب الأمر الماضي، والفعل المضارع يصلح للحال والاستقبال، وهو في الحال أظهر.
وإذا حملنا قوله: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} على الحال، عملًا بظاهر لفظه، وبما ذكرناه من دليلنا، فلا استقبال فيه، وحينئذ يبطل قولكم: "إنه أخبر أنه سيؤمر بذبحه في المستقبل".
ثم قال: ولو صح ما ذكرتموه من أن المراد به: سيؤمر بذبحه في المستقبل، إلا أنه أُمر به في الماضي، لما احتاج إلى الفداء؛ لأن الفداء يكون عن ترك مأمور وعلى قولكم: هو إلى الآن لم يؤمر بشيء، فضلًا عن أن يكون قد أُمر وترك، وأيضًا: لو صح ذلك لأمر به في المستقبل، لئلا يقع الخلف في خبر المعصوم، فلما لم يقع، دل على بطلان ما تأولوه" شرح مختصر الروضة "2/ 287، 288".
(1/239)

وقال الشاعر1:
وإذا تكونُ كريهةً أُدْعَى لَها ... وَإذَا يُحاس الحيسُ يُدعى جُندب
وقولهم: "إنه يفضي إلى أن يكون الشيء مأمورًا منهيًّا" فلا يمتنع أن يكون مأمورا من وجه، منهيا عنه من وجه آخر، كما يؤمر بالصلاة مع الطهارة وينهى عنها مع الحدث.
كذا ههنا: يجوز أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الأمر، فيقال: "افعل ما آمرك به، إن لم يزل حكم أمرنا عنك بالنهي".
فإن قيل:
فإذا علم الله -سبحانه- أنه سيُنهى عنه: فما معنى أمره بالشرط الذي يعلم انتفاءه قطعًا؟
قلنا: يصح إذا كان عاقبة الأمر ملتبسة على المأمور، لامتحانه
__________
1 الشاعر هو: ضمرة بن ضمر بن جابر النهشلي، من بني دارم، شاعر جاهلي، من الشجعان الرؤساء، كان يقال له: "شقة بن ضمرة" فسماه النعمان "ضمرة" الأعلام "3/ 311".
والبيت من قصيدة له يشكو فيها من أهله أنهم يقدمون عليه أخًا له يسمى "جندبًا" مع أنه كان أبرّ بهم منه.
والحيس: تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن، ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربما جعل معه سويق، وهو مصدر في الأصل، يقال: حاس الرجل حيسًا، من باب باع، إذا اتخذ ذلك. المصباح المنير "1/ 159".
ومعنى البيت: أنه إذا ألم بهم مكروه دعوا ضمرة لينقذهم منه، فإذا جاء موعد الطعام والأكل: دعوا أخاه جندبًا.
ومحل الشاهد من البيت: أنه عبر بالمستقبل عن الماضي.
(1/240)

بالعزم، والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد، وربما يكون فيه لطيفة واستصلاح لخلقه.
ولهذا جوّزوا الوعد والوعيد بالشرط من العالم بعاقبة الأمور فقالوا: يجوز أن يَعِدَ الله -سبحانه- على الطاعة ثوابًا بشرط عدم ما يحبطها، وعلى المعصية عقابا بشرط عدم ما يكفرها من التوبة، والله -سبحانه- عالم بعاقبة أمره.
جواب ثان:
أنه يجوز أن يكون الشيء مأمورًا منهيًّا في حالين؛ إذ ليس المأمور حسنًا في عينه لوصف هو عليه قبل الأمر به، ولا المأمور مرادًا ليتناقض ذلك.
وقولهم: "إن الكلام قديم، فيكون أمرًا بالشيء ونهيًا عنه في حال واحد".
__________
1 خلاصة هذا الرد من وجهين:
الوجه الأول: أن المعتزلة ينكرون ثبوت الأمر بالشرط، مع أنهم يجوّزون الوعد بالشرط من العالم بعواقب الأمور فقالوا: يجوز أن يعد الله -تعالى- بالثواب على الطاعة بشرط عدم وجود ما يحبطها كالردة، كما يجوز أن يوعد بالعقاب على المعصية بشرط عدم وجود ما يكفرها من التوبة، مع أن الله -تعالى- عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة أو التوبة.
فإذا جاز ذلك عندكم فلا معنى للاعتراض.
الوجه الثاني: ما تقدم أكثر من مرة، من أنه لا مانع أن يكون الشيء مأمورًا به في وقت، ومنهيًّا عنه في وقت آخر.
وقوله: "إذ ليس المأمور حسنًا في عينه الخ" إشارة إلى ما يعتقده المعتزلة من أن حسن الأشياء وقبحها ذاتي لا ينفك عنها، وهذا التفسير هو الذي يترتب عليه التناقض، أما أهل السنة: فيرون أن حسن الأشياء وقبحها تابع لصفات قائمة بالمأمور، وليست ذاتية.
(1/241)

قلنا: يتصور الامتحان به إذا سمعه المكلف في وقتين، ولذلك اشترطنا التراخي في النسخ، ولو سمعهما في وقت واحد لم يجز.
فأما جبريل: فيجوز أن يسمعهما في وقت واحد، ويؤمر بتبليغ الأمة في وقتين1؛ فيأمرهم بمسالمة الكفار مطلقًا، وباستقبال بيت المقدس، ثم ينهاهم عنه بعد ذلك. والله سبحانه أعلم.
(1/242)

فصل: [هل الزيادة على النص نسخ؟]
والزيادة على النص ليست بنسخ2.
وهي على ثلاث مراتب:
أحدهما: أن لا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة، ثم أوجب الصوم.
فلا نعلم فيه خلافًا، لأن النسخ: رفع الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه.
__________
1 لأنه -عليه السلام- ليس داخلًا في التكليف، بل هو مكلف بالتبليغ فقط.
2 معنى كلام المصنف: أن الزيادة على النص ليست بنسخ في جميع المراتب التي سيذكرها، وأن النوع الأول -على ما سيأتي- ليس فيه خلاف، والمرتبتان الأخيرتان فيهما خلاف، إلا أن المصنف حسم المسألة -من وجهة نظره- مبدئيًّا....
قال الطوفي -مبينًا محل الاتفاق ومحل الخلاف-: "الزيادة على النص إما أن لا تتعلق بحكم النص أصلًا، أو تتعلق به، فإن لم تتعلق به، فليست نسخًا له إجماعًا، وذلك كزيادة إيجاب الصوم، بعد إيجاب الصلاة، فإنه ليس نسخًا لإيجاب الصلاة بالإجماع.
(1/242)

الرتبة الثانية:
أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلّقًا ما، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة التغريب على الجلد في الحد1، وعشرين سوطًا على الثمانين في حد القذف.
__________
= وإن تعلقت الزيادة بحكم النص المزيد عليه، فتلك الزيادة إما جزء له، أو شرط، أو لا جزء ولا شرط:
مثال كونها جزءًا له: زيادة ركعة في الصبح، أو عشرين سوطًا في حد القذف، فتصير الصبح ثلاث ركعات، والركعة الثالثة جزء منها، وحد القذف مائة سوط، والعشرون الزائدة جزء منها.
ومثال كونها شرطًا: نية الطهارة، هي شرط لها، وقد زيدت بالحديث والاستدلال على باقي آية الوضوء من أفعاله، بناء على أن النية ليست مستفادة من الآية، على خلاف فيه.
ومثال كون الزيادة لا جزءًا ولا شرطًا: التغريب على الجلد في زنى البكر، إذ الجلد لا يتوقف على التغريب توقف الكل على جزئه، ولا توقف المشروط على شرطه، وليس شيء من ذلك نسخًا عندنا، خلافًا للحنفية.
وحكى الآمدي عن القاضي عبد الجبار، والغزالي، في المثالين، أنهما وافقا الحنفية في أنه نسخ". شرح المختصر "2/ 291-292".
1 يقصد بذلك: حد الزاني غير المحصن، فإن قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ... } يفيد أن هذا هو الحد فقط، ثم زيد على هذا النص تغريب عام بما رواه مسلم: في كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد في مسنده "3/ 476" من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- مرفوعًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
أما زيادة عشرين سوطًا في حد القذف، فهو مثال افتراضي كمثال زيادة ركعة في صلاة الصبح. =
(1/243)

فذهب أبو حنيفة إلى أنه نسخ؛ لأن الجلد كان هو: الحد كاملًا، يجوز الاقتصار عليه، ويتعلق به التفسيق، ورد الشهادة، وقد ارتفعت هذه الأحكام بالزيادة.
ولنا:
أن النسخ: هو رفع حكم الخطاب، وحكم الخطاب بالحد: وجوبه وإجزاؤه على نفسه، وهو باق، وإنما انضم إليه الأمر بشيء آخر فوجب الإتيان به، فأشبه الأمر بالصيام بعد الصلاة.
فأما صفة الكمال: فليس هو حكمًا مقصودًا شرعيًّا، بل المقصود: الوجوب والإجزاء، وهما باقيان.
ولهذا لو أوجب الشرع الصلاة -فقط- كانت كلية ما أوجبه الله وكماله، فإذا أوجب الصوم، خرجت الصلاة عن كونها كلية1 الواجب، وليس بنسخ اتفاقا2.
وأما الاقتصار عليه: فليس هو مستفادا من منطوق اللفظ؛ لأن وجوب الحد لا ينفي وجوب غيره.
وإنما يستفاد من المفهوم، ولا يقولون به3.
__________
= قال الشيخ ابن قدامة في المغني "12/ 386": "وحد القذف ثمانون، إذا كان القاذف حرًّا، للآية، والإجماع، رجلًا كان أو امرأة ... ".
1 في الأصل: "كل" وما أثبتناه من المستصفى.
2 خلاصة هذا الدليل: أن النسخ عبارة عن: رفع الحكم الثابت بالخطاب، والحكم ههنا باق لم يرتفع، وإنما زيد عليه شيء آخر، والزيادة عليه لا تقتضي رفعه، فثبت أن الزيادة ليست نسخًا، انظر: شرح المختصر "2/ 292".
3 هذا رد لقول الحنفية: إن الجلد كان هو الحد فقط، فيجوز الاقتصار عليه.
فأجاب المصنف: بأن دعواكم هذه ليست مستفادة من منطوق اللفظ، وإنما هو =
(1/244)

ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم، فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ، فيجوز بخبر الواحد.
ثم إنما يستقيم هذا: أن لو ثبت حكم المفهوم واستقر، ثم ورد التغريب بعده، ولا سبيل إلى معرفته، بل لعلة وردتنا بالإسقاط المفهوم متصلًا به أو قريبًا منه1.
وأما التفسيق، ورد الشهادة، فإنما يتعلق بالقذف، لا بالحد.
ثم لو سلّم بتعلقه بالحد: فهو تابع غير مقصود، فصار كحل النكاح بعد العدة، ثم تصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر، ليس تصرفًا في حل النكاح، بل في نفس العدة2.
__________
= مستفادة من المفهوم، وأنتم لا تقولون به، فإنكم لا تعتبرون دلالة المفهوم حجة.
1 هذا رد آخر من المصنف على عدم تسليم المدعي، حاصله: أن ما ذكره الحنفية من أن الحد كان الجلد فقط، والتغريب زيادة عليه فكانت نسخًا، قولهم هذا غير مستقيم؛ إلا إذا علم أن الحكم كان قد استقر وثبت، ثم جاءت الزيادة بعد ذلك، لأنه من المتفق عليه بيننا وبينهم أن من شرط النسخ أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ، وهنا لم يتحقق هذا الشرط، لاحتمال أن يكون التغريب جاء بيانًا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- مقارنًا للآية، أو بعدها بقليل، وهذا يجعله خارجًا عن النسخ.
2 توضيح ذلك: أن الحنفية قالوا -في دليلهم السابق-: "إن الجلد قبل زيادة التغريب كان حدًّا كاملًا مستقلًّا بعقوبة الزاني، يتعلق به أن المحدود صار فاسقًا لا تقبل شهادته، وبعد زيادة التغريب لم يبقَ حدًّا تامًّا مستقلًّا صالحًا لتعلق الأحكام به، بل جزءًا أولًا للحد، والتغريب جزءًا ثانيًا له، فارتفعت الأحكام التي أنيطت بالجزء الأول واستقرت بتمام الجزئين، وهذا هو معنى النسخ.
فأجاب المصنف عن ذلك: بأن التفسيق ورد الشهادة لا يتعلقان بالحد، وإنما بالقذف، ومع التسليم بذلك، فهما تابعان وليسا مقصودين أصليين، شأنهما شأن حل النكاح بعد عدة الوفاة.
(1/245)

فإن قيل: قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم} 1 يقتضي أن لا يحكم بأقل منهما، والحكم بشاهد ويمين2 نسخ له.
قلنا: هذا إنما استفيد من مفهوم اللفظ، وقد أجبنا عنه3.
الرتبة الثالثة:
أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط، بحيث يكون المزيد عليه وعدمه واحدًا، كزيادة النية في الطهارة، وركعة في الصلاة فذهب بعض من وافق في الرتبة الثانية إلى أن الزيادة ههنا نسخ؛ إذ كان حكم المزيد عليه: الإجزاء والصحة، وقد ارتفع4.
وليس بصحيح؛ لأن النسخ: رفع حكم الخطاب بمجموعه، والخطاب اقتضى: الوجوب والإجزاء، والوجوب باقٍ بحاله، وإنما ارتفع الإجزاء، وهو بعض ما اقتضى اللفظ، فهو كرفع المفهوم، وتخصيص العموم.
__________
1 سورة البقرة من الآية: 282.
2 يشير إلى الحديث الذي رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "قضى بيمن وشاهد". أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد وابن ماجه: كتاب الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين، والشافعي: كتاب القضاء والشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد.
3 وهو أن الحنفية لا يرون حجية دلالة المفهوم.
4 ظاهر العبارة أن بعض العلماء الذين يرون أن الزيادة على النص ليست نسخًا في المرتبة الثانية انضموا في المرتبة الثالثة إلى الحنفية فقالوا: إنها تعتبر نسخًا، ولذلك جاء في بعض النسخ "فذهب بعض الشافعية إلى أن الزيادة ههنا نسخ".
ويؤيد هذا التفسير قول المصنف -بعد ذلك-: "ثم لا يصح هذا من أصحاب الشافعي؛ فإنهم اشترطوا النية للطهارة، والطهارة للطواف بالسنة، وأصلها ثابت بالكتاب".
(1/246)

ثم إنما يستقيم أن لو ثبت الإجزاء واستقر، ثم وردت الزيادة بعده ولم يثبت.
بل ثبوت الزيادة بالقياس المقارن للفظ، أو لخبر يحتمل أن يكون متصلًا بيانًا للشرط، فلا معنى لدعوى استقراره بالتحكم1.
ثم لا يصح هذا من أصحاب الشافعي؛ فإنهم اشترطوا النية للطهارة2، والطهارة للطواف3 بالسنة، وأصلها ثابت بالكتاب.
فإن قيل:
فالطهارة المنْوية غير الطهارة بلا نية، وإنما هي نوع آخر، فاشتراط النية يوجب رفع الأولى بالكلية.
__________
1 خلاصة ذلك: أن دعوى النسخ تستقيم أن لو ثبت الحكم واستقر، ثم جاءت الزيادة متأخرة عنه، لأن من شروط النسخ تأخر الناسخ عن المنسوخ، وهذا غير مسلم، فإن الزيادة إما أن تكون ثابتة بقياس مقارن لنزول اللفظ، أو بخبر متصل به -أيضًا- فدعوى استقرار الحكم تحكم لا دليل عليه.
2 للحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري: في باب كيف كان بدء الوحي، وفي كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق، وفي كتاب الإيمان، باب النية في الإيمان، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مرفوعًا، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..".
كذلك أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنية" وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي وغيرهم.
3 للحديث الذي أخرجه البيهقي والحاكم وابن حبان والدارمي عن ابن عباس مرفوعًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام" وفي رواية: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير" وله طرق أخرى كثيرة.
انظر: فيض القدير "4/ 293"، التلخيص الحبير "1/ 129".
(1/247)

قلنا: هذا باطل؛ فإنها لو كانت غيرها: لوجب أن لا تصح الطهارة المنوية، عند من لا يوجب النية؛ لكونها غير مأمور بها1.
__________
1 خلاصة ذلك: أن المنسوخ هل يشترط أن يكون مقصودًا بالرفع أو لا؟
فإن اشترط أن يكون مقصودًا، لم يكن رفع استقلال المزيد عليه بالحكم نسخًا، لأنه حاصل بالاقتضاء الضروري.
وإن لم يشترط ذلك، بل يكفي في المنسوخ أن يكون مرتفعًا بالقصد أو الاقتضاء الضروري، كان رفع الاستقلال نسخًا. انظر: نزهة الخاطر العاطر "1/ 214".
(1/248)

فصل: [في نسخ جزء العبادة أو شرطها]
ونسخ جزء العبادة المتصل بها، أو شرطها، ليس بنسخ لجملتها.
وقال المخالفون في المرتبة الثانية من الزيادة: هو نسخ1، لأن الركعات الأربع غير الركعتين وزيادة، بدليل: ما لو أتى بصلاة الصبح أربعًا فإنها لا تصح.
ولأن الركعتين كانتا لا تجزئان، فصارتا مجزئتين، وهذا تغيير وتبديل.
وليس بصحيح؛ لأن الرفع والإزالة إنما يتناول الجزء والشرط خاصة، وما سوى ذلك باق بحالة، فهو كالصلاة، كانت إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك إلى الكعبة فلم يكن نسخًا للصلاة.
وقولهم: "هي غيرها" قد سبق جوابه2.
__________
1 جاء في شرح الكوكب المنير "3/ 584" بيان لهؤلاء المخالفين حيث قال: "وعن بعض المتكلمين والغزالي، وحكى عن الحنفية: أنه نسخ لأصل العبادة".
2 وهو قوله في الرد على المخالفين في الرتبة الثالثة: "وليس بصحيح؛ لأن النسخ =
(1/248)

وإنما لا تصح الصبح إذا صلاها أربعًا؛ لإخلاله بالسلام والتشهد في موضعه.
وقولهم: "كانت مجزئة" معناه: أن وجودها كعدمها، وهذا حكم عقلي ليس من الشرع، والنسخ: رفع ما ثبت بالشرع.
وكذلك وجوب العبادة مزيل لحكم العقل في براءة الذمة، وليس بنسخ.
__________
= رفع حكم الخطاب بمجموعه.." ومعناه: أن الرفع إنما تناول الجزء والشرط فقط، وما سوى ذلك من العبادة باق على حاله، فهو من باب التخصيص وليس من النسخ.
(1/249)

فصل: [في جواز نسخ العبادة إلى غير بدل]
يجوز نسخ العبادة إلى غير بدل1.
وقيل: لا يجوز2، لقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا....} 3.
ولنا أنه متصور عقلًا، وقد قام دليله شرعًا:
__________
1 وهو رأي الجمهور.
2 وهو مروي عن أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر، كما أنه رأي الإمام الشافعي، حيث قال في الرسالة ص109: "وليس ينسخ فرض أبدًا، إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة".
3 سورة البقرة من الآية: 106.
(1/249)

أما العقل:
فإن حقيقة النسخ: الرفع والإزالة، ويمكن الرفع من غير بدل.
ولا يمتنع أن يعلم الله -تعالى- المصلحة في رفع الحكم، وردّهم إلى ما كان من الحكم الأصلي1.
وأما الشرع:
فإن الله -سبحانه- نسخ النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي2، وتقديم الصدقة أمام المناجاة3 إلى غير بدل.
__________
1 وضح ذلك الشيخ الطوفي -رحمه الله تعالى- فقال: "لنا: الرفع لا يستلزم البدل إلى آخره. هذا دليل الجواز وهو من وجهين:
أحدهما: أن النسخ رفع الحكم، والرفع لا يستلزم البدل، بل يمكن وجوده بدون بدل، واعتبر ذلك بالمحسوسات، فإنه ليس من ضرورة رفع الحجر من مكانه أنه يضع مكانه غيره، بل ذلك على الجواز، وكذلك وقع النسخ في الشريعة، تارة إلى البدل، وتارة لا إلى بدل.
وأيضًا: لا يمتنع أن يعلم الله تعالى مصلحة المكلف في نسخ الحكم عنه لا إلى بدل، ورده إلى ما قبل الشرع من إباحة أو حظر أو وقف على ما سبق من الخلاف.. "شرح المختصر "2/ 296-297".
2 النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث روي عن عائشة وعلي وغيرهما مرفوعًا بألفاظ متقاربة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي، فكلوا وادّخروا ما شئتم" وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه حديث "5423"، "5438"، "5570"، "6687"، ومسلم "1971" وأبو داود "3812" والترمذي "1511" والنسائي "7/ 235" ومالك في الموطأ "2/ 484" وأحمد في المسند "6/ 51" وانظر: فيض القدير "5/ 45 وما بعدها".
3 جاء في كتاب التفسير عن ابن عباس وقتادة: أن قوما من شباب المؤمنين كثرت =
(1/250)

فأما الآية: فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيه ذكر.
على أنه يجوز أن يكون رفعها خيرًا منها في الوقت الثاني؛ لكونها لو وجدت فيه كانت مفسدة.
__________
= مناجاتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- في غير حاجة، إلا لتظهر منزلتهم، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمْحًا لا يرد أحدًا، فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ... } [المجادلة: 12] ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها.
روى الحاكم في المستدرك "2/ 481، 482" عن علي -رضي الله عنه- قال: "إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى ... قال: كان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فكنت كلما ناجيت النبي -صلى الله عليه وسلم- قدمت بين يدي نجواي دراهمًا، ثم نسخت، فلم يعمل بها أحد، فنزلت: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ... } الآية.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
انظر: الدر المنثور "6/ 158" تفسير ابن كثير "4/ 327".
(1/251)

فصل: [في النسخ بالأخف والأثقل]
يجوز النسخ بالأخف والأثقل1.
__________
1 هكذا أطلق المصنف الكلام في المسألة، لكن ينبغي تحديد محل النزاع، وقد بينه الأصفهاني في بيان المختصر "2/ 523" فقال: "القائلون بجواز النسخ اتفقوا على جواز النسخ ببدل أخف، مثل: نسخ تحريم الأكل بعد النوم في ليلة رمضان، ببدل حله، وهو الأخف.
وببدل مساو، مثل: نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس، بوجوب التوجه إلى الكعبة.
واختلفوا في جواز النسخ ببدل أثقل:
فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب بعض الشافعية إلى عدم جوازه".
(1/251)

وأنكر بعض أهل الظاهر جواز النسخ بالأثقل1، لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... } 2.
وقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم ... } 3، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... } 4.
ولأن الله -تعالى- رءوف، فلا يليق به التثقيل والتشديد5.
ولنا:
أنه لا يمتنع لذاته.
ولا يمتنع أن تكون المصلحة في التدريج والترقي من الأخف إلى الأثقل، كما في ابتداء التكليف6.
__________
1 انظر: الإحكام لابن حزم "4/ 466".
2 سورة البقرة من الآية: 185.
3 سورة الأنفال من الآية: 66.
4 سورة النساء من الآية: 28.
5 هذا هو الدليل الثاني للمانعين خلاصته: أن النسخ إلى الأثقل تشديد على المكلف، وذلك لا يليق برأفة الله -عز وجل- ورحمته، لأن شأنه التسهيل على خلقه، لا التشديد عليهم.
والدليل الأول: النصوص الدالة على التخفيف والتيسير، وهي: الآيات التي أوردها المصنف.
6 بدأ المصنف يستدل لمذهب الجمهور، وقد أورد دليلين، أحدهما: دليل عقلي، والثاني دليل شرعي بوقوع مثل ذلك في صور كثيرة سيذكرها.
وخلاصة الدليل الأول: أن امتناع ذلك إما أن يكون عقلًا أو شرعًا، فإن كان شرعًا فسيأتي الرد عليه من الوقوع في كثير من الأحكام الشرعية، والوقوع دليل الجواز وزيادة.
وأما إن كان عقلًا، فلا يمتنع لذاته، لأنه لو قدر وقوعه لم يلزم منه محال =
(1/252)

وقد نسخ التخيير بين الفدية والصيام، بتعين الصيام1، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف إلى وجوب الإتيان بها2.
__________
= لذاته بدليل أنه قد وقع -كما سيأتي- ولم يلزم منه، فدل على أنه لا يمتنع لذاته، أي لكونه نسخًا من الأخف إلى الأثقل، وإنما قلنا: أنه لا يمتنع؛ لأنه يتضمن مصلحة عظيمة، وهي: تدرج المكلف من الأخف إلى الأثقل، فيسهل عليه الامتثال، والتدرج في التشريع من أهم الخصائص التي تميز بها التشريع الإسلامي، لأن الناس لو أخذوا بالأحكام دفعة واحدة لأدى ذلك إلى نفرتهم من الإسلام، خاصة في الأمور التي ألفوها وشبوا عليها.
فالحاصل: أن النسخ من الأخف إلى الأثقل، لا يعتبر مستحيلًا لذاته، ولا لغيره. فضلًا عن الأدلة الشرعية التي وقعت، وهي خير دليل على ذلك -كما سيأتي-.
1 التخيير بين الفدية والصيام كان ثابتًا بقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ... } [البقرة: 184] وقد نسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] . وقد قدم الكلام على الآثار الواردة في ذلك.
2 جاء في تفسير ابن كثير "1/ 519" "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخر صلاة الظهر والعصر يوم الأحزاب فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء".
كما روى البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رجع من الأحزاب قال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بلى نصلي، لم يرد ذلك منا، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يعنف واحدًا منهم. انظر: نيل الأوطار "3/ 368" طبعة الحلبي.
فلما نزل قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ... } [البقرة: 239] نسخ تأخير الصلاة، وصلوا على أي حال، ثم جاء بيان كيفية الخوف في قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] .
(1/253)

وحرم الخمر1، ونكاح المتعة، والحمر الأهلية2.
وأمر الصحابة بترك القتال والإعراض عنه، ثم نسخ بإيجاب الجهاد3.
__________
1 تحريم الخمر أخذ أطوارًا متعددة حتى حرم تحريمًا نهائيًّا، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] وإن كان بعض العلماء يرى أن التدرج في التشريع لا يعتبر نسخًا.
2 النهي عن النكاح صحت فيه الأحاديث براويات مخلتفة، منها: ما أخرجه مسلم: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح، وأبو داود: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، والنسائي: كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، وأحمد في المسند "3/ 404، 405" وابن ماجه: كتاب النكاح، باب في نكاح المتعة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة".
وأخرج مالك في الموطأ: كتاب النكاح، باب في نكاح المتعة، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية.
كما أخرجه البخاري: في باب غزوة خيبر، من كتاب المغازي، وفي باب نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نكاح المتعة آخرًا، من كتاب النكاح، وفي باب لحوم الحمر الإنسية، من كتاب الذبائح، ومسلم، في باب نكاح المتعة، وفي باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية من كتاب الصيد، والترمذي: باب ما جاء في تحريم نكاح المتعة، والنسائي: كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، وفي باب: تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، من كتاب الصيد.
كما رواه ابن ماجه، والدارمي، وأحمد في المسند "1/ 79".
3 معناه: أن القتال كان ممنوعًا منه في أول الإسلام بآيات كثيرة منها: قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ... } [النساء: 81] {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ... } [النساء: 13] ، {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} [البقرة: 109] ثم نسخ ذلك بمشروعية القتال ونزل في ذلك =
(1/254)

والآيات التي احتجوا بها وردت في صور خاصة أريد بها التخفيف، وليس فيه منع إرادة التثقيل1.
وقولهم: "إن الله رءوف" فلا يمنع من التكليف بالأثقل، كما في التكليف ابتداء، وتسليط المرض والفقر وأنواع العذاب لمصالح يعلمها.
__________
= قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ... } [التوبة: 14] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التحريم: 9] ومثل ذلك كثير، ولا شك أن وجوب القتال أثقل من تركه، ولذلك يقول -جل شأنه- {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ... } [البقرة: 216] .
1 بدأ المصنف يرد على الأدلة التي استدل بها المخالفون، فبين أن الآيات التي وردت في التيسير والتخفيف في صور خاصة تقتضي ذلك، وليست عامة حتى يحتج بها في منع النسخ إلى الأثقل:
فقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر} وردت في سياق تخفيف الصوم عن المريض والمسافر، فاللام في "اليسر" و"العسر" وإن كانت محتملة للعموم والاستغراق، إلا أنها محمولة على المعهود، وهو اليسر الحاصل بالإفطار للمريض، والمسافر، والعسر الحاصل لهما بالصوم في حالة المرض والسفر.
وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... } وردت في سياق نكاح الأمة لمن لم يجد صداق الحرة، فلا تصلح أن تكون دليلًا على ما ذكرتم.
كما رد على قولهم: "إن الله تعالى رءوف بعباده، فلا يليق به التشديد" فقال: كونه -سبحانه- رءوفًا بعباده لا يمنع من التكليف بالأثقل، فإن ذلك منقوض بابتداء التكليف، فإنه تشديد، لمصالح العباد، وكذلك وقوع المرض، والفقر، وأنواع الآلام، والمؤذيات على الخلق، كل ذلك تشديد، لكنه وقع، لمصالح لا يعلمها إلا الله تعالى.
(1/255)

فصل: [في حكم من لم يبلغه النسخ]
إذا نزل الناسخ، فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه؟
قال القاضي: ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- أنه لا يكون نسخًا؛ لأن أهل قباء بلغهم نسخ الصلاة، إلى بيت المقدس وهم في الصلاة فاعتدوا بما مضى من صلاتهم1.
وقال أبو الخطاب: يتخرج أن يكون نسخا؛ بناء على قوله2 في الوكيل: "ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم"؛ لأن النسخ بنزول الناسخ، لا بالعلم، إذ العلم لا تأثير له إلا في نفي العذر، ولا يمتنع وجوب القضاء على المعذور كالحائض، والنائم.
والقبلة يسقط استقبالها في حق المعذور، فلهذا لم يجب على أهل قباء الإعادة3.
__________
1 قصة تحويل القبلة: أخرجها البخاري في كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم: كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، من حديث البراء بن عازب وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهم جميعًا- ولفظ ابن عمر قال: "بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة".
2 أي: على قول الإمام أحمد في انعزال الوكيل، إلا أنه -رحمه الله تعالى- رويت عنه رواية أخرى أنه لا ينعزل، وتصرفاته نافذة، كما في المغني "7/ 234" ويرد على هذا التنظير: أن مسألة الوكيل فرع فقهي، فلا يكون أصلًا يقاس عليه، لأنه يلزم عليه الدور، حيث يكون الفرع متوقفًا على الأصل، والأصل متوقفًا على الفرع.
3 هذا رد من أبي الخطاب على أصحاب المذهب الأول.
(1/256)

وقال من نصر الأول1: النسخ بالناسخ، لكن العلم شرط؛ لأن الناسخ خطاب، ولا يكون خطابًا في حق من لم يبلغه.
__________
1 هذا جواب عن دليل ابن الخطاب.
(1/257)

فصل: [في وجوه النسخ بين القرآن والسنّة]
يجوز نسخ القرآن بالقرآن.
والسنة المتواترة بمثلها.
والآحاد بالآحاد2.
والسنة بالقرآن، كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس3 وتحريم
__________
1 هذا جواب عن دليل ابن الخطاب.
2 خلاصة ذلك: أن نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بالسنة المتواترة، والآحاد بالآحاد، هذه الوجوه الثلاثة لا خلاف في وقوعها؛ لوجود التماثل بينها، فجاز أن يرفع بعضه ببعض.
أما نسخ السنة بالقرآن: فالجمهور من العلماء على جوازه، خلافًا للإمام الشافعي فعنه في المسألة روايتان.
قال الآمدي في الإحكام "3/ 146": "هو جائز عقلًا، وواقع سمعًا عند الأكثر من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء، وممتنع في أحد قولي الشافعي".
3 بيانه: أن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة، فنسخ ذلك بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } [البقرة: 144] والوقوع دليل على الجواز وزيادة.
والسنة التي يشير إليها المصنف: هي ما جاء في صحيح البخاري "1/ 82" حاشية السندي، ومسلم "1/ 374" تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبلة البيت، وإنه صلى =
(1/257)

المباشرة في ليالي رمضان1، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف بالقرآن، وهو في السنّة1.
فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة:
فقال أحمد -رحمه الله-: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده3 قال القاضي: ظاهره أنه منع منه عقلًا وشرعًا4.
__________
= أول صلة صلاها: صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت..".
وروي مثله عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "تفسير ابن كثير 1/ 180".
1 روى البخاري عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله -تعالى-: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ... } [البقرة: 187] انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي "1/ 103" أحكام القرآن للجصاص "1/ 226"، فتح القدير للشوكاني "1/ 187".
2 فقد صح عنه -صلى الله عليه- أنه قال يوم الخندق، وقد أخر الصلاة: "حشا الله قبورهم نارًا". حديث صحيح أخرجه البخاري "1/ 168" بحاشية السندي، ومسلم "1/ 437". وقد تقدم الكلام على مشروعية صلاة الخوف وعدم تأخير الصلاة أثناء القتال.
3 وهو المنقول عن الإمام الشافعي في الرسالة ص106 وما بعدها، كما أنه رأي أكثر الشافعية، وأكثر الظاهرية على ما في الإحكام للآمدي "3/ 153" وانظر: شرح مختصر الطوفي "2/ 320".
4 عبارة أبي يعلى في العدة "3/ 788": "لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعًا، ولم يوجد ذلك، نص عليه أحمد -رحمه الله- في رواية الفضل بن زياد، وأبي الحارث، وقد سئل: هل تنسخ السنة القرآن، فقال: لا ينسخ القرآن إلا قرآن =
(1/258)

وقال أبو الخطاب وبعض الشافعية: يجوز ذلك1؛ لأن الكل من عند الله، ولم يعتبر التجانس.
والعقل لا يحيله؛ فإن الناسخ -في الحقيقة- هو الله -سبحانه- على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- بوحي غير نظم القرآن.
وإن جوزنا له النسخ بالاجتهاد2، فالإذن في الاجتهاد من الله -تعالى-.
وقد نسخت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: "لا وصية لوارث" 3.
__________
= يجيء بعده، والسنة تفسر القرآن، وبهذا قال الشافعي".
1 ونص عبارته في التمهيد "2/ 369": "فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة: فقال شيخنا: لا يجوز ذلك شرعًا، ويجوز عقلًا، إلا أن أحمد قال في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده، والسنة تفسر القرآن، فظاهره أنه منع من نسخه شرعًا وعقلًا وبه قال الشافعي.
وقال أكثر الفقهاء، والحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين: يجوز ذلك وهو الأقوى عندي.
وقد قال أحمد في رواية صالح فيما خرجه في الحبس: "بعث الله نبيه وأنزل عليه كتابه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه" وهذا يدل على أنه ينسخه بقوله، إلا أن قوله ذلك لا يكون إلا صادرًا عن الوحي، فيعلم به أن الله -تعالى- الناسخ على لسان نبيه".
وبذلك يظهر أن النقل عن الإمام أحمد مختلف، وعنه روايتان في المسألة، والذي يرجحه أبو الخطاب الجواز، حيث قال: "وهو الأقوى عندي" واعتبر أن الكل وحي من عند الله تعالى، وإن كان القرآن وحيًا باللفظ والمعنى، والسنة وحيًا بالمعنى دون اللفظ.
2 الضمير في "له" للنبي -صلى الله عليه وسلم- ومعناه: أن ما كان منه -صلى الله عليه وسلم- عن اجتهاد فهو من الله -تعالى- لأن الله قد أذن له فيه.
3 الوصية للوالدين والأقربين كانت واجبة بقوله تعالى في سورة البقرة آية: 180: =
(1/259)

ونسخ إمساك الزانية في البيوت1 بقوله: "قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم"2.
ولنا3: قول الله -تعالى-: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا}
__________
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} وقد تقدم الكلام عليها وعلى الناسخ لها في فصل وجوه النسخ في القرآن.
وأما حديث "لا وصية لوارث" فهو حديث صحيح روي من عدة طرق مشهورة، جاء في بعضها: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" أخرجه أبو داود في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث عن أبي أمامة الباهلي، والترمذي: كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، كما أخرجه عن عمرو بن خارجة: ثم قال: حديث حسن صحيح.
كما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة وعمرو بن خارجة أيضًا، وأخرجه النسائي عن عمرو بن خارجة.
وللحديث -كما قلت- طرق أخرى كثيرة، وهو وإن كان حديث آحاد، إلا أن الأمة مجمعة على العمل به كما في الأحكام للآمدي "3/ 217".
1 وهو قوله تعالى في سورة النساء الآية 15: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} .
2 الحديث أخرجه مسلم: كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأبو داود: كتاب الحدود، باب في الرجم، والترمذي: كتاب الحدود باب في الرجم على الثيب، وابن ماجه: كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأحمد في المسند "3/ 476"، والشافعي: كتاب الحدود، باب رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه، من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا وأوله: "خذوا عني، خذوا عني ... " إلى آخر الحديث.
3 بدأ المصنف يورد الأدلة على أن السنة لا تنسخ القرآن.
(1/260)

أَوْ مِثْلِهَا..} والسنة لا تساوي القرآن، ولا تكون خيرًا منه.
وقد روى الدارقطني2 في سننه عن جابر3 أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن"4.
ولأنه لا يجوز نسخ تلاوة القرآن وألفاظه بالسنة، فكذلك حكمه5.
__________
1 سورة البقرة من الآية: 106.
2 هو: الإمام الحافظ: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن البغدادي، روى عن البغوي وغيره، كما روى عنه الحاكم وأبو حامد الإسفراييني، من مؤلفاته "السنن" و"العلل" ولد سنة 306هـ وتوفي سنة 385هـ. "تذكرة الحفاظ 3/ 558، شذرات الذهب 3/ 116".
3 هو: الصحابي الجليل: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب الأنصاري السلمي، كان من علماء الصحابة، وشهد معظم المشاهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفي سنة 70هـ وقيل: سنة 77هـ. "الإصابة 1/ 434".
4 أخرجه الدارقطني في نوادره "4/ 145". قال الذهبي عنه: "إنه موضوع، آفته جبرون بن واقد "أحد رواته" فإنه متهم وليس بثقة، فكيف يكزن خبره نصًّا في المسألة.
كما أن فيه محمد بن داود القنطري، وهو متهم أيضًا.
انظر: "الميزان للذهبي 1/ 388".
قال الطوفي: "وأما الحديث فلا تقوم الحجة بمثله ههنا؛ لأنه أصل كبير، ومثله لا يخفى في العادة، لتوفر الدواعي على نقل ما كان كذلك عادة، فلو ثبت لاشتهر، ثم لم يخالفه أحد من العلماء لشهرته ودلالته.
سلمنا صحته، لكنه ليس نصًّا في محل النزاع، بل هو ظاهر؛ لأن لفظه عام، ودلالة العام ظاهرة، لا قاطعة، فيحمل على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، يبقى المتواتر، لا دليل على المنع فيه من ذلك" شرح المختصر "2/ 322-323".
5 خلاصة ذلك: أن المصنف استدل على عدم جواز نسخ القرآن بالسنة بثلاثة أدلة، أحدها: الآية، وثانيها: الحديث، وثالثها: أن السنة لا تنسخ لفظ القرآن، وهو =
(1/261)

وأما الوصية: فإنها نسخت بآية المواريث، قاله ابن عمر1، وابن عباس2. وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا بقوله: "إن الله قد أعطى كل ذي
__________
= متفق عليه، فكذلك لا تنسخ حكمه؛ لاشتراك لفظ القرآن وحكمه في القوة والتعظيم وصيانته عن أن يرفع بما هو دونه.
وأجاب المجوزون عن الآية: بأن المراد: نأت بخير منها في الحكم ومصلحته، والسنة تساوى القرآن في ذلك؛ إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أضعاف المصلحة الثابتة بالقرآن، إما في عظم الأجر، بناء على نسخ الأخف بالأثقل، أو في تخفيف التكليف، بناء على نسخ الأثقل بالأخف. "شرح مختصر الروضة 2/ 322".
قال الغزالي في المستصفى "2/ 104": "ليس المراد: الإتيان بقرآن آخر خير منها؛ لأن القرآن لا يوصف بكون بعضه خيرًا من البعض.... بل معناه: أن يأتي بعمل خير من ذلك العمل، لكونه أخف منه، أو لكونه أجزل ثوابًا".
وقد تقدم الرد على الاستدلال وما فيه.
وأما قولهم: "السنة لا تنسخ لفظ القرآن، فكذلك لا تنسخ حكمه".
فجوابه: أن هناك فرقًا بين لفظ القرآن وبين حكمه، إذ إن لفظ القرآن معجز، والسنة ليست معجزة، فلا تقوم مقامه في الإعجاز، فلا تقوى على نسخ لفظه، أما الحكم: فالمراد منه تكليف الخلق به، والسنة تقوم مقامه في ذلك.
قال الطوفي -رحمه الله- مبينًا السبب في هذا الخلاف:
"تلخيص مأخذ النزاع في المسألة: أن بين القرآن ومتواتر السنة جامعًا وفارقًا:
فالجامع بينهما: ما ذكرناه من إفادة العلم، وكونهما من عند الله -تعالى-.
والفارق: إعجاز لفظ القرآن، والتعبد بتلاوته، بخلاف السنة، فمن لاحظ الجامع، أجاز النسخ، ومن لاحظ الفارق منعه" شرح المختصر "2/ 323".
1 هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، صحابي جليل، هاجر إلى المدينة وعمره عشر سنوات، كان من أهل العلم والورع والعبادة، وكان شديد الاتباع لآثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو أحد الستة المكثرين من الرواية. توفي بمكة سنة 73هـ على الراجح. انظر: "الإصابة 2/ 347، تذكرة الحفاظ 1/ 37".
2 تقدمت ترجمته.
(1/262)

حق حقه، فلا وصية لوارث" وأما الآية الآخرى: فإن الله -سبحانه- أمر بإمساكهن إلى غاية يجعل لهن سبيلًا، فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله جعل لهن السبيل. وليس ذلك بنسخ. والله أعلم.
(1/263)

فصل: [في حكم نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد]
فأما نسخ القرآن، والمتواتر من السنة، بأخبار الآحاد: فهو جائز عقلًا؛ إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد.
وغير جائز شرعًا1.
وقال قوم من أهل الظاهر: يجوز2.
وقالت طائفة: يجوز في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يجوز بعده3؛ لأن أهل قباء قبلوا خبر الواحد في نسخ القبلة.
__________
1 وهذا هو رأي جمهور العلماء.
وقد نقل الغزالي في المستصفى "2/ 107" عدم جواز نسخ القرآن بالمتواتر والآحاد عن الخوارج.
2 انظر: الإحكام لابن حزم "4/ 617".
3 وهو الذي رجحه الغزالي حيث قال: "المختار: جواز ذلك عقلًا لو تعبّد به، ووقوعه سمعًا في زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدليل: قصة قباء".
وحكاه الشوكاني عن بعض العلماء: كأبي بكر الباقلاني، وأبي الوليد الباجي، والقرطبي، انظر: إرشاد الفحول "2/ 79" والعجب من العلماء الذين قالوا بهذا الرأي، كيف غاب عنهم أنه لا نسخ بعد عصر النبوة، والأعجب منه ما ذهب إليه الظاهرية من جوازه مطلقًا مع ما اتفق عليه الجميع من أن الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، لأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟! =
(1/263)

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبعث آحاد الصحابة إلى أطراف دار الإسلام، فينقلون الناسخ والمنسوخ.
ولأنه يجوز التخصيص به، فجاز النسخ به كالمتواتر.
ولنا: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على أن القرآن والمتواتر لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه، حتى قال عمر -رضي الله عنه-: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة: لا ندري أصدقت أم كذبت"1.
__________
= ومن الغريب أن "الطوفي" يميل إلى مذهب الظاهرية وينصره، ويورد العديد من الأدلة على ذلك، مع أنه قال -بعد ذلك- في المسألة السابعة: "الحكم الثابت بالإجماع لا ينسخ، أي: لا يكون منسوخًا.
وتقريره، أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، ويلزم من ذلك أن حكم الإجماع لا ينسخ.
أما أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة؛ فلأن النسخ رفع للحكم، وإبطال له وتغيير، وذلك إنما يكون في عهد النبوة، لأنه زمن الوحي الرافع للأحكام، وبعد انقراض عهد النبوة يستقر الشرع، فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة" شرح المختصر "2/ 330-331".
1 أخرجه مسلم: كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، والترمذي: كتاب الطلاق، باب ما جاء في المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى، وأحمد في المسند "6/ 415" عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعل لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سكنى ولا نفقة، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [سورة الطلاق: 1] .
(1/264)

فصل: [الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به]
فأما الإجماع: فلا ينسخ:
لأنه لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص، والنسخ لا يكون إلا بنص.
ولا ينسخ بالإجماع:
لأن النسخ إنما يكون لنص، والإجماع لا ينعقد على خلافه، لكونه معصومًا عن الخطأ، وهذا يفضي إلى إجماعهم على الخطأ2.
__________
1 ما قاله المصنف من أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق الذي ينبغي عدم التعويل على غيره، وقد نقل الآمدي عن بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان من الحنفية أنهم أجازوا النسخ بالإجماع، كما نقل عن بعض العلماء القول بنسخ الحكم الثابت بالإجماع. انظر الإحكام "3/ 160-161".
2 خلاصة الاستدلال على أن الإجماع لا ينسخ: أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، فيلزم من ذلك: أن حكم الإجماع لا ينسخ، لأن النسخ لا يكون إلا بنص.
وأما الاستدلال على أن الإجماع لا ينسخ به: فلأن الإجماع لو كان ناسخًا، لكان دليل الحكم المنسوخ إما نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا، فإن كان نصًّا، فالإجماع الناسخ لا بد له من مستند، وإلا كان خطأ، وذلك المستند هو الناسخ، لا نفس الإجماع.
وإن كان دليل الحكم المنسوخ إجماعًا، فلو نسخ بالإجماع، لزم تعارض الإجماعين، فأحدهما باطل، فلا نسخ.
وإن كان دليل الحكم المنسوخ قياسًا، فهو إما غير صحيح، فلا عبرة به، فلا نسخ، وإن كان صحيحًا، فالإجماع الناسخ، إن استند إلى نص، فالنص هو =
(1/265)

فإن قيل:
فيجوز أن يكونوا ظفروا بنص كان خفيًّا هو أقوى من النص الأول، أو ناسخ له.
قلنا: فيضاف النسخ إلى النص الذي أجمعوا عليه لا إلى الإجماع.
__________
= الناسخ، والإجماع دل عليه كما سبق.
انظر: الإحكام للآمدي "3/ 161" وشرح مختصر الروضة "2/ 331-332".
(1/266)

فصل: [في نسخ القياس والنسخ به]
ما ثبت بالقياس:
إن كان منصوصًا على علته: فهو كالنص، ينسخ وينسخ به. وما لم يكن منصوصًا على علته: فلا ينسخ، ولا ينسخ به، على اختلاف مراتبه.
وشذت طائفة فقالت: ما جاز التخصيص به: جاز النسخ به.
وهو منقوض بدليل العقل، وبالإجماع، وبخبر الواحد.
والتخصيص بجميع ذلك جائز دون النسخ فكيف يتساويان؟
والتخصيص بيان، والنسخ رفع، والبيان تقرير، والرفع إبطال.
__________
1 المصنف اختصر الكلام في هذه المسألة ولم يبين مذاهب العلماء فيها، والذي في المستصفى "2/ 109": "لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد، على اختلاف مراتبه، جليًّا كان أو خفيًّا. هذا ما قطع به الجمهور.
(1/266)

.................................................
__________
= إلا شذوذ منهم قالوا: ما جاز التخصيص به جاز النسخ به وهو منقوض.... الخ".
ثم قال: وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز النسخ بالقياس الجلي، ونحن نقول: لفظ الجلي مبهم، فإن أرادوا المقطوع به، فهو صحيح. وأما المظنون فلا" ا. هـ.
وقد وضح الطوفي وجه عدم جواز النسخ فقال:
"الحكم الثابت بالقياس: إما أن يكون منصوص العلة، أو لا.
كالنص، ينسخ وينسخ به، أي: يكون ناسخًا ومنسوخًا، كما أن النص كذلك؛ لأن القياس لا بد وأن يستند إلى نص، فإذا كانت علة القياس منصوصًا عليها في ذلك النص، صار حكم القياس منصوصًا عليه بواسطة القياس، فيكون نصًّا يصح أن يكون ناسخًا ومنسوخًا.
مثال ذلك: لو قال الشارع: حَرَّمْت الخمر المتخذ من العنب؛ لكونه مسكرًا فإذا قسنا عليه نبيذ التمر المسكر في التحريم، كان تحريم هذا النبيذ حكمًا منصوصًا على علته، حتى كأنه قال: حرّمت نبييذ التمر المسكر، فلو فرض أن الشرع قال: أبحت نبيذ الذرة المسكر، جاز أن يكون تحريم نبيذ التمر المسكر، المستفاد من القياس، ناسخًا لذلك، إذا ثبت تأخره عن إباحة نبيذ الذرة، ومنسوخًا بإباحة نبيذ الذرة إذا ثبت تقدم تحريم نبيذ التمر، وذلك لأن تحريم نبيذ التمر، وإباحة نبيذ الذرة حكمان متضادان مع اتحاد علتهما، وهي الإسكار، فكان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، كما لو قال: أبحت الخمر، ثم قال: حرمتها، أو بالعكس.
وأما إن لم يكن الحكم الثابت بالقياس منصوصًا على علته، لم يجز أن يكون ناسخًا ولا منسوخًا، لأن العلة إذا لم تكن منصوصة، فهي مستنبطة، واستنباطها هو باجتهاد المجتهد، واجتهاد المجتهد عرضة للخطأ، فلا يقوى على رفع الحكم الشرعي، بخلاف النص على العلة، فإنه حكم الشارع المعصوم من الخطأ، فهو يقوى على ذلك. =
(1/267)

فصل: [في نسخ التنبيه والنسخ به]
والتنبيه ينسخ، وينسخ به1.
__________
= فإذا قسنا الذرة على البر والشعير، في تحريم التفاصل، بجامع الكيل، بناء على أنه العلة فيهما، ثم قال الشارع: أبحت التفاضل في السمسم، لم يجز لنا أن نجعل الإباحة في السمسم ناسخة للتحريم في الذرة ولا التحريم في الذرة ناسخًا للإباحة في السمسم؛ لأن النسخ لا بد فيه من تضاد الناسخ والمنسوخ، ونحن لا نعلم أن إباحة التفاضل في السمسم، وتحريمها في الذرة متضادان، لجواز عدم اختلاف العلة فيهما، أو كون الحكم في أحدهما، أو في البر والشعير غير معلل، فينتفي التضاد، فينتفي النسخ" ثم بين بطلان قياس النسخ على التخصيص فقال:
"إن النسخ إبطال للحكم؛ لأنه رفع له، والتخصيص تقرير وبيان له، لأنه عبارة عن بيان المراد من اللفظ، فإذا بان المراد منه، واستقر الحكم عليه، ورفع الحكم وتقريره متناقضان، فيمتنع استواؤهما، حتى يقال: إن ما جاز التخصيص به، جاز النسخ به، لأن ذلك يصير كقولنا: ما جاز أن يبين الحكم ويقرره، جاز أن يرفعه ويبطله، وهو باطل؛ لأنه ترتيب لحكمين متناقضين على علة واحدة" شرح مختصر الروضة "2/ 333-335".
1 المقصود بالتنبيه هنا: مفهوم الموافقة؛ لأن اللفظ إما أن يدل على الحكم بمنطوقه، وإما أن يدل عليه بمفهومه، وتسمى دلالة المفهوم.
والمفهوم: إما أن يكون حكمه موافقًا لحكم المنطوق، ويسمى بمفهوم الموافقة، أو فحوى الخطاب، أو تنبيه الخطاب.
وأن كان حكمه مخالفًا لحكم المنطوق، سمي بمفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب، أو لحن الخطاب.
وقد اتفق الأصوليون على جواز نسخ حكم المنطوق والمفهوم الموافق دفعة واحدة، لما بينهما من التلازم.
لكن اختلفوا في نسخ أحدهما مع بقاء الآخر على أربعة أقوال: =
(1/268)

لأنه يفهم من اللفظ، فهو كالمنطوق وأوضح منه.
ومنع منه بعض الشافعية وقالوا: هو قياس جلي.
وليس بصحيح؛ وإنما هو مفهوم الخطاب.
ولأنه يجري مجرى النطق في الدلالة، فلا يضر تسميته قياسًا.
وإذا نسخ الحكم في المنطوق: بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه.
وأنكر ذلك بعض الحنفية؛ لأنه نسخ بالقياس1.
__________
= الأول: لا يجوز نسخ أحدهما بدون نسخ الآخر، فلا ينسخ المنطوق ويبقى المفهوم، ولا ينسخ المفهوم، ويبقى المنطوق، بل نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر.
القول الثاني: أنه يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر.
القول الثالث: أن نسخ المفهوم يستلزم نسخ المنطوق، وأما نسخ المنطوق فلا يستلزم نسخ المفهوم، وهو مختار ابن الحاجب.
القول الرابع: إن جعل مفهوم الموافقة من باب القياس الجلي، كان نسخ أصله نسخًا له، وإن جعل من باب الدلالة اللفظية، فلا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، بل يجوز نسخ المنطوق وبقاء المفهوم، كما يجوز نسخ المفهوم وبقاء المنطوق.
وهو مختار الآمدي.
انظر: مختصر ابن الحاجب ص119، الإحكام للآمدي "3/ 152" تيسير التحرير "3/ 215".
وقول المصنف: "ومنع منه بعض الشافعية الخ": هو مبني على الخلاف في التنبيه، أو مفهوم الموافقة، هل هو قياس جلي، كما يقول الشافعية، أو دلالته لفظية.
1 المصنف يرجح أن نسخ الحكم الثابت بالمنطوق نسخ للمفهوم، ثم نقل عن =
(1/269)

وليس بصحيح؛ لأن هذه فروع تابعة لأصل، فإذا سقط حكم الأصل: سقط حكم الفرع.
__________
= بعض الحنفية أنهم خالفوا في ذلك، وقالوا: يختص النسخ بالمنطوق وحده، وما خرج عن محل النطق فهو حكم مستقل لا يلزم من نسخه نسخه.
ورد عليهم المصنف: بأنه إذا سقط حكم الأصل، سقط حكم الفرع، لأنه تابع له.
قال الطوفي.
"معنى هذا الكلام: أن المنطوق -وهو مدلول اللفظ بالمطابقة أو التضمن- إذا نسخ، بطل حكم ما تفرع عليه من مفهومه، ومعلوله، ودليل خطابه، لأنها توابع له، وإذا بطل المتبوع، بطل التابع، وإذا انتفى الأصل، انتفى فرعه" شرح المختصر "2/ 337".
(1/270)

فصل: فيما يعرف به النسخ
اعلم أن ذلك لا يعرف بدليل العقل، ولا بقياس: بل بمجرد النقل، وذلك من طرق1:
أحدها: أن يكون في اللفظ: كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور" 2، "كنت
__________
1 معنى ذلك: أن النسخ إما رفع للحكم الشرعي المتأخر، أو بيان مدة انتهائه وكلاهما لا طريق للعقل إلى معرفته، ولو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل، لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام ابتداء بدون النقل، وليس كذلك.
وإذا ثبت أن العقل لا مجال له في معرفة الناسخ، فلم يبق إلا النقل، وله طرق كثيرة، سيأتي ذكرها.
2 هذا جزء من حديث روي عن بريدة -رضي الله عنه- بلفظ: "كنت نهتيكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكر الآخرة" أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب استئذان النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه عز وجل في زيارة =
(1/270)

رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا بها"1.
الثاني: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه فيقول: سمعت عام الفتح، ويكون المنسوخ معلومًا بقدمه.
الثالث: أن تجمع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ وأن ناسخه متأخر.
الرابع: أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ، فيقول: "رخص لنا في المتعة فمكثنا ثلاثًا، ثم نهانا عنها"2.
__________
= قبر أمه حديث "977" وأبو داود: كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور والترمذي: كتاب الجنائز، باب الرخصة في زيارة القبور، وقال: حديث حسن صحيح.
كما أخرجه الإمام أحمد في المسند "5/ 350، 356، 357، 359، 361" بلفظ "نهيتكم عن زيارة القبور فزورها".
1 هذا الحديث روي من عدة طرق: فقد أخرجه أبو داود: كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، والترمذي: كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، والنسائي: كتاب الفرع، باب ما يدبغ به جلود الميتة، وابن ماجه: كتاب اللباس، باب من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، وأحمد في المسند "4/ 310".
كما أخرجه البيهقي "1/ 25، 26" والطحاوي "1/ 468" عن عبد الله بن عكيم قال: حدثني أشياخ جهينة قالوا أتانا كتاب من رسول الله -صلى الله عيله وسلم- أو قرئ إلينا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء".
وللحديث -كما قلت- روايات عدة تراجع في: نصب الراية "1/ 120 وما بعدها" وتلخيص الحبير "1/ 46 وما بعدها".
2 تقدم تخريج حديث المتعة قريبًا، وهذه الرواية "رخص لنا ... " أخرجها مسلم حديث "1405" من حديث سلمة بن الأكوع، قال: "رخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها".
(1/271)

الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- والآخر لم يصحب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا في أول الإسلام.
كرواية طلق بن علي الحنفي1، وأبي هريرة2 في الوضوء من مس الفرج والله تعالى أعلم.
__________
1 هو: طلق بن علي بن طلق بن عمرو السحيمي الحنفي اليمامي، صحابي جليل روى عنه ابنه قيس، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان.
انظر في ترجمته: "الاستعياب 2/ 776".
روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "..... هل هو إلا بضعة منك".
أخرجه عنه أبو داود: كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، أي: في ترك الوضوء من مس الذكر.
كما أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر وقال فيه: "هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب"، والنسائي كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك.
كذلك أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وأحمد في المسند، والدارقطني وغيرهم.
وقد ضعف الحديث الإمام الشافعي، والبيهقي، وأبو حاتم، والدارقطني، وابن الجوزي. انظر: تلخيص الحبير "1/ 125" والفتح الرباني "2/ 88 وما بعدها".
2 هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة سنة سبع وأسلم، وشهد خيبر، وكني بأبي هريرة، لأنه وجد هرة فحملها في كمه، ولزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رغبة في العلم وطلب الحديث، حتى دعا له -صلى الله عليه وسلم- بالحفظ، روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل، توفي بالمدينة سنة 57هـ. انظر: الاستيعاب "4/ 202"، الإصابة "4/ 202".
وقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ومن أفضى بيده إلى ذكره، ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء". =
(1/272)

الباب الرابع: الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي -صلى الله عليه وسلم
مدخل
...
الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-1
وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة؛ لدلالة المعجز على صدقه، وأمر الله -سبحانه- بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره.
__________
= رواه الإمام أحمد في مسنده "2/ 88" والشافعي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في نواقض الوضوء، والدارقطني: كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر، والبيهقي: كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر بلفظ "من مس ذكره فليتوضأ"، والحاكم في المستدرك: كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر وقال: "حديث صحيح".
وأخرجه ابن حبان في صحيحه وقال: "هذا حديث صحيح سنده، وعدول نقلته".
وذكر الزيلعي في نصب الراية "1/ 56" أن البيهقي أخرجه من طريق البخاري موقوفًا على أبي هريرة، كما نقل ذلك عن الذهبي في مختصره.
وللعلماء في ترجيح أحد الحديثين على الآخر، أو نسخ حديث أبي هريرة لحديث طلق خلاف طويل.
قال أبو يعلى في العدة "3/ 833": "وكان خبر أبي هريرة متأخرًا، لأن أبا هريرة أسلم بعد وفاة طلق بن علي، وقبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأربع سنين".
وقال الطوفي -تعقيبًا على حديث "هل هو إلا بضعة منك"- قال: "فإن في بعض ألفاظه: "جئت وهم يؤسسون المسجد" وكان ذلك أول الإسلام، وحديث أبي هريرة وبسرة وأم حبيبة في نقض الوضوء بمس الذكر بعد ذلك، لأن أبا هريرة متأخر الإسلام أسلم سنة سبع، وبناء المسجد كان في أول السنة الأولى من الهجرة". شرح المختصر "2/ 343، 344".
1 لم يذكر المصنف تعريف السنة في اللغة ولا في الاصطلاح، كعادة علماء الأصول، وسوف نذكر ذلك بإيجاز ونحيل القارئ إلى المصادر التي استوفت ذلك:
فالسنة في اللغة: الطريقة والسيرة المستمرة، سواء أكانت حسنة أم سيئة. قال =
(1/273)

................................................................
__________
= الله تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 77] .
وروى مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة -والترمذي وحسنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا".
وخصها بعض العلماء بالطريقة الحسنة دون غيرها. انظر: "لسان العرب جـ14 ص225، تهذيب اللغة جـ4 ص298".
وأما في الاصطلاح: فلها تعريف عام، وتعريفات خاصة، بحسب اصطلاح أهل كل فن أو علم من العلوم:
فهي في الاصطلاح العام: تطلق على كل ما نقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم. وهو ما جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".
أخرجه أبو داود حديث رقم "4607" والترمذي: باب الأخذ بالسنة، وابن ماجه "1/ 15-16".
وهي بهذا المعنى تقابل البدعة.
وأما تعريفها في الاصطلاحات الخاصة، فإنها تختلف باختلاف اصطلاح أهل كل فن:
فالسنة عند المحدثين: هي ما نقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أقوال وأفعال وتقريرات، وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها.
وعند الفقهاء: هي ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، أو ما في فعلها ثواب، وليس في تركها عقاب، باعتبار أن الفقهاء يبحثون عن حكم أفعال العباد، من الوجوب والندب، والإباحة والحرمة والكراهة إلى آخر صفات أفعال العباد.
أما علماء الأصول فقد عرفوا السنة بتعريف يتفق مع طبيعة منهجهم من =
(1/274)

وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاهًا، فأما من بلغه بالإخبار عنه: فينقسم في حقه قسمين: تواترًا وآحادًا1.
__________
= البحث في الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام منها -على وجه الإجمال- ولذلك قالوا في تعريفها: هي ما نقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير، وزاد بعضهم جملة "مما ليس بقرآن" وقال بعضهم: "تطلق السنة على ما صدر من النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأفعال والأقوال التي ليست للإعجاز".
وأدخلوا التقريرات في الأفعال، باعتبار أن التقرير عبارة عن الكف عن الإنكار، والكف فعل، فكان التقرير داخلًا في الأفعال.
انظر: في ذلك: الإبهاج للسبكي "2/ 170" نهاية السول "2/ 170" الإحكام للآمدي "1/ 169" شرح الكوكب المنير "2/ 160" شرح مختصر الروضة "2/ 623" وما بعدها إرشاد الفحول ص "1/ 155"، الحدود للباجي ص56.
1 خلاصة هذا الكلام: أن المصنف أراد أن يستدل على أن السنة حجة من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن المعجز دل على صدقه -عليه الصلاة والسلام- وكل من دل المعجز على صدقه فهو صادق، فهو -صلى الله عليه وسلم- صادق، وكل صادق قوله حجة، فقوله -عليه الصلاة والسلام- حجة.
والوجه الثاني: أن الله -تعالى- أمر بتصديقه، وكل من أمر الله بتصديقه كان قوله حجة.
أما أن الله -تعالى- أمر بتصديقه -عليه الصلاة والسلام- فلقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } [النساء: 136] أي: صدقوا؛ لأن الإيمان هو التصديق، ولا معنى للتصديق بالرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا اعتقاد صدقه، وقبول ما جاء به.
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] والمتابعة فرع على التصديق، وملزوم له، والأمر بالفرع والملزوم أمر بالأصل واللازم.
أما أن كان من أمر الله -تعالى- بتصديقه يكون له قوله حجة؛ فلأن تصديقه إياه يقتضي أن قوله حق وصدق، والحق والصدق حجة. =
(1/275)

............................................................
__________
الوجه الثالث: أن الله -تعالى- حذر من مخالفة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وكل من حذر الله -سبحانه وتعالى- من مخالفته وجبت موافقته ومتابعته؛ لأن المخالفة سبب لنزول العذاب، وسبب العذاب -وهو المخالفة- حرام، وترك الحرام واجب، فترك المخالفة واجب، وترك المخالفة يستلزم المتابعة والموافقة، فتكون واجبة، وهذا هو المطلوب. انظر: شرح مختصر الروضة جـ2 ص66، 67.
هذا معنى ما قاله ابن قدامة.
وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها الغزالي في المستصفى، ما عدا الوجه الثالث فلم يذكره، ولكنه قال: "ولأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" لكن بعض الوحي يتلى، فيسمى "كتابًا" وبعضه لا يتلى وهو "السنة" المستصفى جـ2 ص120 تحقيق الدكتور حمزة بن زهير حافظ.
والواقع أن ما ذكره الغزالي أورده بعض العلماء في الاستدلال على حجية السنة، وما ذكره "ابن قدامة" وارد أيضًا، وهناك آيات أخرى كثيرة في الدلالة على حجية السنة، من أوضحها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .
قال ابن كثير: "أطيعوا الله: أي اتبعوا كتابه، وأطيعوا الرسول: أي خذوا بسنته، وأولي الأمر منكم: أي فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" تفسير القرآن العظيم "1/ 518".
وقال ميمون بن مهران: "الرد إلى الله: هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول: هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته" جامع بيان العلم وفضله "2/ 190".
وكما دل القرآن الكريم على حجية السنة، فقد دلت السنة نفسها على أن سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حجة يجب الالتزام بما جاءت به من أحكام، والأحاديث الواردة في هذا الشأن كثيرة، منها:
1- عن مالك -رضي الله عنه- أنه بلغه أن النبي -صلى الله عليه وسلم قال: "تركت فيكم =
(1/276)

.........................................................
__________
= أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وسنة رسوله".
2- روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأب يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".
3- عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع.." الحديث.
رواه أحمد في مسنده "4/ 130-131" وأبو داود في سننه حديث "4604" ورواه الترمذي بلفظ "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما حرم الله" انظر: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي ص11.
كذلك دل الإجماع على حجيّة السنة، منذ عصر الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين، والأئمة المجتهدين، وإلى يومنا هذا، لم يشذ عن ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام.
فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا عرضت عليهم مسألة بحثوا عن حكمها في كتاب الله تعالى، فإذا لم يجدوا حكمها في القرآن بحثوا عنها في السنة، هكذا كانت سياسة الخليفة الأول: أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وكذلك عمر بن الخطاب، ومن جاء بعدهما من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين.
روى الدارمي عن ميمون بن مهران قال: "كان "أبو بكر" ‘إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضي به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر: هل كانت من النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه سنة؟ فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا ... فنظرت في =
(1/277)

.........................................................................
__________
= كتاب الله، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول -عند ذلك-: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا.
وإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به".
وكتب "عمر" -رضي الله عنه- إلى "شريح" لما ولاه قضاء الكوفة كتابًا قال له فيه:
"انظر ما تبين لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح" انظر: إعلام الموقعين جـ1 ص84 وما بعدها.
وهكذا كان التابعين -رضي الله عنهم- والأئمة المجتهدون، يرجعون إلى السنة النبوية بعد القرآن الكريم، بل كانوا يرجعون إلى السنة لبيان ما جاء به القرآن مجملًا، باعتبارها الشارحة والمفسرة للقرآن الكريم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
".... وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين -عند الأمة قبولًا عامًّا- يتعمد مخالفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقًًا على وجوب اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه" رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص3-4.
والمراد بالمعجز: القرآن الكريم، حيث عجز العرب جميعًا عن أن يأتوا بمثله، أو بمثل أقل سورة منه، بل عجز الإنس والجن جميعًا عن الإتيان بمثله، كما جاء في قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] .
وفي بعض النسخ المطبوعة "المعجزة" وهي أعم من أن تكون قرآنًا أو غيره، =
(1/278)

فصل: في ألفاظ الرواية
...
فصل: [ألفاظ الرواية]
وألفاظ الرواية في نقل الأخبار خمسة1:
فأقواها: أن يقول سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-[يقول كذا] ، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني.
فهذا لا يتطرق إليه الاحتمال، وهو الأصل في أمر الرواية، قال -صلى الله عليه وسلم-: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها" 2 الحديث.
__________
= فمعجزات الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثيرة، منها المعنوية، ومنها الحسيّة، وكلها تدل على صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل ما أمر بتبليغه عن الله -عز وجل- وقال الله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] .
وقال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 3-5] .
وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44-46] .
إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة كما أمره ربه جل وعلا.
وقول المصنف: "وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاها ... " معناه: أن قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- إن كان مسموعًا منه مباشرة بدون واسطة، فهو حجة قاطعة على من سمعه منه، لا يسوغ مخالفته بوجه من الوجوه، إلا بنسخ، أو جمع بين متعارضين بتأويل صحيح.
وإن كان منقولًا بواسطة، فهو ينقسم إلى قسمين: متواتر وآحاد، ولكل منهما حكم خاص سيأتي قريبًا.
1 هذه المراتب خاصة بالصحابة -رضي الله عنهم- وقد صرح بذلك الغزالي في المستصفى.
2 للحديث عدة طرق: فأخرجه من حديث زيد بن ثابت، أحمد في مسنده =
(1/279)

الرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا، فهذه ظاهرة النقل1، وليس نصًّا صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد سمعه من غيره عنه، كما روى أبو هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له"2. فلما استكشف قال: حدثني الفضل بن عباس3.
__________
= "5/ 183" وأبو داود "3643" والترمذي "2794" وابن ماجه "230" والطبراني في الكبير "4891" وابن حبان وصححه حديث "72، 73".
كما أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود، أحمد، والترمذي "2657" وابن ماجه "1/ 85" والشافعي في الرسالة ص411، وفي المسند "1/ 14" وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "1/ 40"، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص322، وابن حبان "1/ 227" وغيرهم.
1 قوله: "فهذا ظاهره النقل" أي: إذا صدر ذلك من الصحابي لم يكن صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد قال ذلك اعتمادًا على ما بلغه عن طريق التواتر، أو على لسان من يثق به.
2 حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك وابن ماجه. انظر: فتح الباري "4/ 143"، صحيح البخاري حاشية السندي "1/ 329" ومسلم مع شرح النووي "2/ 779" مسند الإمام أحمد "6/ 84" الموطأ "1/ 290"، سنن ابن ماجه "6/ 84".
وقد روت عائشة وأم سلمة -رضي الله عنهما- "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصبح جنبًا من غير احتلام في رمضان، ثم يغتسل ويصوم ذلك اليوم" أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب اغتسال الصائم، وأبو داود: كتاب الصوم، باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان حديث "2388" ومسلم: كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب حديث "78/ 1109".
فلما علم أبو هريرة بذلك قال: هما أعلم بذلك، وأن الحديث الذي رواه إنما نقله عن: الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان رديف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، غزا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في فتح مكة وثبت يوم حنين، توفي سنة 13هـ على بعض الأقوال.
انظر: طبقات ابن سعد "4/ 37"، الأعلام "5/ 355".
(1/280)

وروى ابن عباس قوله: "إنما الربا في النسيئة" 1. فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد2.
فهذا حكمه حكم القسم الذي قبله؛ لأن الظاهر أن الصحابي لا يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن قوله ذلك يوهم السماع، فلا يقدم عليه إلا عن سماع، بخلاف غير الصحابي3.
ولهذا اتفق السلف على قبول الأخبار، مع أن أكثرها هكذا4.
__________
= قال الخطابي: فأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان محرمًا في أول الإسلام على الصائم في الليل بعد النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله -تعالى- الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب، إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم؛ لارتفاع الحظر المتقدم. انظر: "معالم السنن للخطابي 2/ 115".
1 حديث صحيح أخرجه البخاري "3/ 98" بلفظ "لا ربا إلا في النسيئة" ومسلم: حديث رقم "1596" من طريق أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلًا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى.
فقلت له: إن ابن عباس يقول هذا. فقال: لقد لقيت ابن عباس فقلت له: أرأيت هذا الذي يقول، أشيء سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو وجدته في كتاب الله عز وجل؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الربا في النسيئة".
2 هو: أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، أبو زيد الكلبي، كان حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفي في خلافة معاوية -رضي الله عنه- سنة 54هـ. "الاستيعاب 1/ 75، تهذيب الأسماء 1/ 113".
3 مقصوده من ذلك: أن قرينة حاله تدل على أنه لم يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف الصحابي. هذا معنى كلامه، وفيه نظر: فإن الحديثين المتقدمين منقولان عن بعض الصحابة، ولم يسمعوا منه -صلى الله عليه وسلم- ولذلك لا نسلم للمصنف جعل هذه الرتبة مثل السابقة، لهذا الاحتمال.
4 أي: أن أكثر الأخبار تروى هكذا: قال أبو بكر، قال عمر -رضي الله عنهما-.
(1/281)

ولو قدّر أنه مرسل فمرسل الصحابة حجة على ما سيأتي.
الرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكذا، أو نهى عن كذا. فيتطرق إليه احتمالان:
أحدهما: في سماعه، كما في قوله: [قال] 1.
والثاني: في الأمر2؛ إذ قد يرى ما ليس بأمر أمرًا؛ لاختلاف الناس فيه، حتى قال بعض أهل الظاهر: لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ3.
والصحيح: أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم أنه أمر [بذلك] 4.
وأما احتمال الغلط: فلا يحمل عليه أمر الصحابة؛ إذ يجب حمل ظاهر قولهم وفعلهم على السلامة مهما أمكن.
ولهذا لو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو شرط شرطًا أو وقَّت وقتًا، فيلزمنا اتباعه5.
__________
1 أي: الاحتمال الأول في سماعه شفاهًا أو بواسطة، كما في الرتبة الثانية، ولذلك نقلت لفظ "قال" من المستصفى لتوضيح المعنى.
2 الاحتمال الثاني: أن يظن ما ليس بأمر أمرًا وما ليس بنهي نهيًا. وهذا الاحتمال بعيد، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا على دراية تامة بقواعد اللغة وأساليبها المختلفة، فلا يعقل أن يشتبه عليهم ذلك، وهم أهل الفصاحة والبيان.
3 هذا النقل عن أهل الظاهر فيه نظر، فلم أجده في كتبهم، فلا أدري من أين نقله المصنف. انظر: الإحكام لابن حزم "2/ 205" فليس فيه ما يشير إلى ذبلك.
4 ما بين القوسين من المستصفى.
5 قال الغزالي: "ولا يجوز أن نقول: لعله غلط في فهم الشرط والتأقيت، ورأى ما ليس بشرط شرطًا".
(1/282)

ثم هذا إنما يستقيم أن لو كان الخلاف في الأمر مبنيًّا على اختلاف الصحابة فيه، ولم يثبت ذلك.
والظاهر: أنه لم يكن بينهم فيه اختلاف؛ إذ لو كان لنقل، كما نقل اختلافهم في الأحكام، وأقوالهم في الحلال والحرام.
وليس من ضرورة الاختلاف في زماننا أن يكون مبنيًّا على اختلافهم، كما أنهم اختلفوا في الأصول، وفي كثير من الفروع، مع عدم اختلاف الصحابة فيه، فإذا قال الصحابي: أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو نهى، لا يكون إلا بعد سماعه ما هو أمر حقيقة1.
الرتبة الرابعة: أن يقول: "أُمرنا بكذا" أو "نُهينا" [عن كذا] فيتطرق إليه من الاحتمالات ما مضى3.
__________
1 قال الغزالي في المستصفى "2/ 125-126" تحقيق الدكتور حمزة حافظ: "ويتطرق إليه احتمال ثالث في عمومه وخصوصه، حتى ظن قوم: أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة.
والصحيح: أن من يقول بصيغة العموم -أيضًا- ينبغي أن يتوقف في هذا؛ إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمرًا للأمة، أو لطائفة، أو لشخص بعينه، وكل ذلك يبيح له أن يقول: "أمر" فيتوقف فيه على الدليل.
لكن يدل عليه: أن أمره للواحد أمر للجماعة، إلا إذا كان لوصف يخصه، من سفر أو حضر، ولو كان كذلك لصرح به الصحابي، كقوله: "أمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن".
نعم، لو قال: أمرنا بكذا" وعلم من عادة الصحابي أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة، حمل عليه، وإلا احتمل أن يكون أمرًا للأمة أو له، أو لطائفة".
وسيأتي لذلك توضيح أكثر في باب العموم.
2 ما بين القوسين من المستصفى.
3 أي: احتمال أنه سمعه بواسطة، واحتمال اعتقاد ما ليس بأمر أمرًا، وما ليس =
(1/283)

واحتمال آخر: وهو أن يكون الآمر غير النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأئمة والعلماء.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يحتج به، لهذا الاحتمال1.
وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله -تعالى- وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه يريد به إثبات شرع، وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا يحتج بقوله.
وفي معناه: قوله" "من السنة كذا" و"السنة جارية بكذا".
فالظاهر: أنه لا يريد إلا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون سنة غيره، ممن لا تجب طاعته.
ولا فرق بين قول الصحابي ذلك في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بعد موته.
وقول الصحابي والتابعي2 والصحابي في ذلك سواء، إلا أن الاحتمال في قول التابعي أظهر3.
__________
= بنهي نهيًا، واحتمال أن يكون الآمر غير النبي -صلى الله عليه وسلم- والذي أشار إليه بقوله: "واحتمال آخر....".
1 أي: كون الآمر غير النبي -صلى الله عليه وسلم-.
2 أي قوله: "أمرنا وبكذا، أو نهينا عن كذا".
3 في جميع النسخ المطبوعة "إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر" ما عدا النسخة التي حققها الدكتور: عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد -يحفظه الله- ففيها "التابعي" وهو الموافق لما في المستصفى "2/ 127" حيث قال: "ولا فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بعد وفاته".
أما التابعي إذا قال: "أُمرنا" احتمل أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمر الأمة بأجمعها، والحجة حاصلة به، ويحتمل أمر الصحابة.
لكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من تجب طاعته، ولكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قوله الصحابي".
(1/284)

الرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون [كذا] فمتى أضيف [ذلك] إلى زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو دليل على جوازه؛ لأن ذكره ذلك في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه النبي -صلى الله عليه وسلم- فسكت عنه؛ ليكون دليلًا [على الجواز] مثل قول ابن عمر -رضي الله عنهما-: "كنا نفاضل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنقول: [خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم] 1 أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا ينكره"2.
وقال: "كنا نخابر [على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده] 3 أربعين سنة [حتى روى لنا رافع بن خديج4" الحديث] 5.
__________
1 ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.
2 حديث صحيح رواه البخاري، غير أنه لم يرد فيه "فيبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا ينكره" راجع: صحيح البخاري مع حاشية السندي "2/ 389".
3 ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.
4 هو: أبو عبد الله: رافع بن خديج الأوسي الحارثي، عُرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد، استوطن المدينة وكان عريف قومه فيها حتى توفي سنة 74هـ. "الإصابة 2/ 495".
5 ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.
والمخابرة: المزراعة على نصيب معين مما تخرجه الأرض، كالثلث والربع، وقيل: هي من الخبار، وهي الأرض اللينة، وقيل: مأخوذة من "خيبر" لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم، أي عاملهم في خيبر.
وحديث المخابرة رواه أحمد في المسند "1/ 234، 2/ 11" والنسائي "7/ 48" وابن ماجه "2450" بلفظ "كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا".
وعند البخاري حديث "2343" ومسلم "1547/ 109" "أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، =
(1/285)

وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "كانوا لا يقطعون في الشيء التافه"1.
فإن قال الصحابي: كانوا يفعلون: فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع؛ لتناول اللفظ إياه2.
وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يدل ذلك على فعل الجميع، ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع3.
قال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابي "هذا الخبر منسوخ" وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره.
__________
= وصدرًا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-".
وحديث النهي عن المخابرة أخرجه الشافعي في المسند "2/ 169"، ومسلم في البيوع حديث رقم "1536" وأبو داود عن جابر -رضي الله عنه- "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المخابرة والمحاقل والمزابنة" والمخابرة تقدم معناها. والمحاقلة: كراء الأرض بالطعام، والمزابنة: شراء التمر بالتمر في رءوس النخل.
1 أخرج ابن أبي شيبة في المصنف "9/ 476" من طريق عبد الرحيم بن سليمان الكناني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لم يكن يقطع على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشيء التافه" وإسناده صحيح كما قال الزيلعي في نصب الراية "3/ 360".
2 انظر: التمهيد "3/ 184".
3 انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي جـ2 ص89.
(1/286)

فصل: [في حد الخبر وأقسامه]
وحد الخبر: هو الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب1.
وهو قسمان: تواتر وآحاد2.
__________
1 أي: ما صح أن يقال في جوابه: صدق أو كذب، فيخرج بذلك الإنشاء، من الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والدعاء، فلا يصح أن يقال في جواب شيء من ذلك: صدق أو كذب.
قال الغزالي في المستصفى "2/ 131": " ... وهو أولى من قولهم: "يدخله الصدق والكذب" إذ الخبر الواحد لا يدخله كلاهما، بل كلام الله -تعالى- لا يدخله الكذب أصلًا، والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلًا".
2 التواتر في اللغة: التتابع، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 44] أصلها: وترا، أبدلت الواو تاء.
واصطلاحًا: إخبار قوم يمتنع تواطؤهم على الكذب لكثرتهم.
والآحاد: جمع أحد، كأبطال جمع بطل، وهمزة أحد مبدلة من الواو، وأصل آحاد: أأحاد، بهمزتين، أبدلت الثانية ألفًا للتخفيف.
أما في الاصطلاح: فله تعريفات كثيرة، وجمهور الأصوليين يعرفونه: بأنه ما عدا المتواتر.
وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة "2/ 103": "الثاني: الآحاد، وهو ما عدم شروط التواتر أو بعضها".
وخبر الآحاد -عند الجمهور- ينقسم إلى عدة أقسام: منها: خبر الواحد، ومنها: الخبر المستفيض، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة أو على واحد، أو على اثنين -على خلاف في ذلك- ومنها: المشهور: وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث: وكان رواته في الطبقة الأولى واحدًا أو أكثر.
وقسم القرافي الأخبار إلى متواتر وآحاد، وما ليس بمتواتر ولا آحاد.
وجمهور الحنفية يقسمون السنة إلى ثلاثة أقسام: متواتر، ومشهور، وآحاد. =
(1/287)

فالمتواتر يفيد العلم، ويجب تصديقه، وإن لم يدل عليه دليل آخر، وليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرده إلا المتواتر، وما عداه إنما يعلم صدقه بدليل آخر يدل عليه سوى نفس الخبر، خلافًا للسمنية1، فإنهم حصروا العلم في الحواس، وهو باطل، فإننا نعلم استحالة كون الألف أقل من الواحد، واستحالة اجتماع الضدين.
بل حصرهم العلم في الحواس -على زعمهم- معلوم لهم، وليس مدركًا بالحواس، ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى "بغداد" "وإن لم يدخلها"2 ولا نشك في وجود الأنبياء، بل في وجود الأئمة الأربعة ونحو ذلك.
__________
= انظر "الكفاية للخطيب البغدادي ص16، شرح تنقيح الفصول ص349 كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي 2/ 360".
1 معنى ذلك: أنه يحصل العلم بالخبر المتواتر من نفس الخبر، دون أن ينضم إليه دليل آخر، بخلاف الأخبار الأخرى فإنها تحتاج إلى ما يقويها من قرائن وأدلة آخرى، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الفرق، فقالوا: يفيد الظن، ومنهم: الفرقة الضالة التي تسمى "السمنية" بضم السين وفتح الميم، حصروا مدارك العلم في الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
والسمنية: فرقة من الفرق الضالة التي كانت تسكن الهند، وتعبد الأصنام؛ دهريون يقولون بتناسخ الأرواح، وسموا بذلك نسبة إلى اسم بلد تسمى "سومنات" أو نسبة إلى صنم كانوا يعبدونه يسمى "سمن" أو "سوسان" كانوا يعتقدون فيه أنه يحيي ويميت، كسره القائد الإسلامي، السلطان محمود الغزنوي، المجاهد العالم الفقيه، أحد كبار القادة المسلمين، كانت عاصمته "غزنة" بين خراسان والهند، وامتدت سلطنته من أقاصي الهند إلى نيسابور، توفي سنة "421هـ" ينظر في ترجمته: "وفيات الأعيان 2/ 84، والأعلام 8/ 47، 48".
وقد رد عليهم المصنف بعدة ردود واضحة لا تحتاج إلى شرح.
2 ما بين القوسين من المستصفى، وبه يستقيم الكلام، وهو محل الشاهد حيث إن =
(1/288)

فإن قيل: لو كان معلوما -ضرورة- لما خالفناكم؟
قلنا: إنما يخالف في هذا معاند يخالف بلسانه، مع معرفته فساد قوله، أو من في عقله خبط1.
ولا يصدر إنكار هذا من عدد كثير يستحيل عنادهم.
ثم لو تركنا ما علمناه لمخالفتكم لزمنا ترك المحسوسات، لمخالفة السوفسطائية2.
__________
= العلم حصل بدون مشاهدة، وإلا لكان للمخالف أن يقول: إن العلم حصل بدخولها: فيكون ثابتًا بالحواس.
1 الخبط: الاضطراب والفساد.
2 خلاصة ذلك الاعتراض والرد عليه: أنه لو أفاد التواتر العلم، لاشتركنا نحن وأنتم فيه بالضرورة -خصوصًا على رأي من يقول: إنه يفيد العلم الضروري، ولو اشتركنا جميعًا في حصول العلم الضروري من جهة التواتر لما خالفناكم فيه، لكنا خالفناكم ولم نشارككم في ذلك، ولما لم نشارككم في العلم التواتري دل على أنه لا يفيد الظن.
وأجاب المصنف على ذلك: بأن مخالفتكم لنا عناد منكم ومكابرة، أو اضطراب في عقولكم، شأنكم في ذلك شأن من يخالف في المحسوسات لاضطراب عقله ومزاجه، أو مرض في حواسه، كالمريض الذي ينكر حلاوة العسل، كما قال الشاعر:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
ثم لو تركنا ما علمناه لمخالفتكم، لزمنا ترك المحسوسات -أيضًا- لمخالفته السوفسطائية فيها.
والسفسطة: قياس مركب من الوهميات، الغرض منه: تغليظ الخصم وإسكاته.
والسوفسطائية: فرقة يونانية تنكر حقائق الأشياء وتزعم أنه لا حقيقة لها وهم ثلاث فرق: =
(1/289)

فصل: [فيما يفيده الخبر المتواتر]
قال القاضي: العلم الحاصل بالتواتر ضروري، وهو صحيح؛ فإننا نجد أنفسنا مضطرين إليه، كالعلم بوجود مكة، ولأن العلم النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك، وتختلف فيه الأحوال، فيعلمه بعض الناس دون بعض، ولا يعلمه النساء والصبيان ومن ليس من أهل النظر، ولا من ترك النظر قصدًا.
وقال أبو الخطاب: هو نظري؛ لأنه لم يفد العلم بنفسه، ما لم ينتظم في النفس مقدمتان:
إحداهما: أن هؤلاء -مع اختلاف أحوالهم وكثرتهم- لا يجمعهم على الكذب جامع، ولا يتفقون عليه.
الثانية1: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة، فينبني العلم بالصدق على المقدمتين.
__________
= الأولى: تسمى اللاأدرية، سموا بذلك لأنهم يقولون: لا نعرف ثبوت شيء من الموجودات ولا انتفاءه، بل نحن متوقفون.
الثانية: تسمى العنادية، تنكر حقائق الأشياء وتزعم أنها أوهام.
الثالثة: تسمى العندية، لأنهم يقولون: إن أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس، فكل من اعتقد شيئًا فهو في الحقيقة كما اعتقد، فالعالم قديم عند من يعتقد أنه قديم، وحادث عند من يعتقد أنه حادث وهكذا.
قال الشيخ "ابن بدران": "هذه فرق السوفسطائية ومقالاتهم، ومن يناظرهم يبقى في حيرة من أمره، لأنهم ينكرون حقيقة الدليل ومقدماته وسائر الأشياء، فلا يقطعهم إلا الضرب حتى يجدوا حقيقة ألمه، والإلقاء في النار حتي يقال لهم: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَر} .. "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص247".
1 في جميع النسخ "الثاني" وما اثبتناه من المستصفى.
(1/290)

ولا بد من إشعار النفس بهما، وإن لم يتشكل فيها بلفظ منظوم، فقد شعرت به حتى حصل التصديق.
ورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بتوسطها كقولنا: "الاثنان نصف الأربعة" فإنا لا نعلم ذلك إلا بواسطة: أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر، والاثنان كذلك، فقد حصل العلم بواسطة لكنها جلية في الذهن.
ولهذا لو قيل: "ستة وثلاثون نصف اثنين وسبعين" افتقر فيه إلى تأمل ونظر.
والضروري عبارة عن الأوّلي الذي يحصل بغير واسطة، كقولنا: "القديم ليس محدثا" "والمعدوم ليس موجودًا" لأننا نجد أنفسنا مضطرين إليه، وهو ما يحصل دون تشكل واسطة في الذهن، كالعلوم المحسوسة، والعلم بالتجربة، كقولنا: الماء مروٍ، والخمر مسكر.
والصحيح الأول؛ فإن اللفظ يدل عليه؛ لاشتقاقه منه.
والقول الآخر: مجرد دعوى، لا دليل عليها1.
__________
1 في بعض النسخ "مجرد اختيار لا دليل عليه".
هذا. والمصنف قدم وأخر في كلام الإمام الغزالي فأصبح غير واضح، وسوف أنقل هنا عبارة المستصفى حيث تعتبر خلاصة لما هو ضروري أو نظري.
قال: "وتحقيق القول فيه أن الضروري: إن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة، كقولنا: "القديم لا يكون حديثًا" و"الموجود لا يكون معدومًا" فهذا ليس بضروري: فإنه حصل المقدمتين المذكورتين.
وإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في الذهن فهذا ضروري.
ورب واسطة حاضرة في الذهن، لا يشعر الإنسان بوجه توسطها، وحصول العلم بواسطتها، فيسمى "أوليًّا" وليس بأولى "أي يعتقد أنه أولى وهو ليس =
(1/291)

...................................................
__________
= كذلك" كقولنا: "الاثنان نصف الأربعة" فإنه لا يعلم ذلك إلا بواسطة، وهو: أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر، والاثنان أحد الجزءين المساوي للباقي من جملة الأربعة، فهو إذا نصف.
فقد حصل العلم بواسطة، لكنها جلية في الذهن حاضرة، ولهذا لو قيل: "ستة وثلاثون هل هو نصف اثنين وسبعين"؟ يفتقر فيه إلى تأمل ونظر، حتى يعلم أن هذه الجملة تنقسم بجزءين متساوين، أحدهما ستة وثلاثون.
فإذًا: العلم بصدق خبر التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات وما هو كذلك فليس بأوّلي، وهل يسمى ضروريًا؟
ربما يختلف فيه الاصطلاح.
والضروري -عند الأكثرين- عبارة عن الأولى، لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه؛ فإن العلوم الحسابية كلها ضرورية، وهي نظرية, ومعنى كونها نظرية: أنها ليس بأولية. وكذلك العلم بصدق التواتر.
ويقرب منه: العلم المستفاد من التجربة، التي يعبر عنها بـ"اطراد العادات" كقولنا: "الماء مرو" و"الخمر مسكر" المستصفى جـ2 ص136 تحقيق الدكتور حمزة حافظ.
أما الطوفي: فقد جعل الخلاف بين الفريقين نظريًّا، فبعد أن أورد أدلة كل مذهب قال:
".... لأن القائل بأنه ضروري لا ينازع في توقفه على النظر في المقدمات المذكورة، والقائل بأنه نظري لا ينازع في أن العقل يضطر إلى التصديق به، وإذا وافق كل واحد من الفريقين صاحبه على ما يقوله في حكم هذا العلم وصفته، لم يبق النزاع بينهما إلا في اللفظ، وهو: أن الأول سمى ما يضطر العقل إلى التصديق به -وإن توقف على مقدمات نظرية- ضروريًّا.
والثاني سمى ما يتوقف على النظر في المقدمات -وإن كانت بينة- نظريًّا، وخص الضروري بالبديهي، وهو الكافي في حصول الجزم به: تصور طرفيه، كقولنا: الواحد نصف الاثنين؛ فإن من تصور حقيقة الواحد، وتصور حقيقة الاثنين حصل له العلم بأن الواحد نصف الاثنين. =
(1/292)

فصل: ي أن ما حصل العلم في واقعة أفاده في غيرها
...
فصل: [في أن ما حصل العلم في واقعة أفاده في غيرها]
ذهب قوم إلى أن ما حصل العلم في واقعة يفيده في كل واقعة، وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع، ولا يجوز أن يختلف.
__________
= وهذا معنى قوله: "إذ مراد الأول بالضروري: ما اضطر العقل إلى تصديقه" أي سواء توقف على مقدمات بينة أو لا. "والثاني": أي: ومراد الثاني بالضروري: "البديهي الكافي في حصول الجزم به" أي: التصديق الجازم به "تصور طرفيه" أعني: الموضوع والمحمول، وإن شئت: المحكوم والمحكوم عليه، نحو: العالم موجود، والمعدوم لا يكون موجودًا حال عدمه، والقديم لا يكون حادثًا، وبالعكس فيهما، بخلاف قولنا: العالم حادث، أو ليس بقديم، فإنه لا بد في التصديق به من واسطة، فنقول: العالم مؤلف، وكل مؤلف محدث، أو ليس بقديم.
ثم قال: العلم الضروري منقسم إلى البديهي، الذي يدرك بالبديهية، من غير احتياج إلى واسطة نظر، وإلى ما اضطر العقل إلى التصديق به بواسطة النظر.
فدعوى كل واحد من الفرقين غير دعوى الآخر، لأن الأول يقول: هو ضروري متوقف على الوساطة البينة، والآخر يقول: ليس بديهيًّا غنيًّا عن الواسطة مطلقًا.
وقد بينا أن كل واحد منهما موافق للآخر على قوله.
أي: كل واحد من الخصمين يقول: إن التواتر يفيد العلم الجازم، لكن تنازعا في تسميته ضروريًّا أو نظريًّا.
قلت: قد سبق عند ذكرنا للعلم: أنه الحكم الجازم المطابق لموجب، وأن ذلك الموجب إما عقل، أو سمع، أو مركب منهما، وهو التواتر، لتركبه من نقل النقَلَة، ونظر السامع في المقدمتين الممذكورتين، فصار التواتر كالواسطة بين القسمين، فلذلك وقع فيه النزاع، وعلى هذا يترتب العلم إلى قطعي وظني، والقطعي: إما بديهي محض، أو نظري محض، أو متوسط بينهما، وهو =
(1/293)

وهذا إنما يصح: إذا تجرد الخبر عن القرائن.
فإن اقترنت به قرائن: جاز أن تختلف به الوقائع والأشخاص؛ لأن القرائن قد تورث العلم، وإن لم يكن فيه أخبار، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار، فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين1.
ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة القرائن، وكيفية دلالتها فنقول:
لا شك أنا نعرف أمورًا ليست محسوسة؛ إذ نعرف من غيرنا حبّه لإنسان، وبغضه إياه، وخوفه منه، وخجله، وهذه أحوال في النفس لا يتعلق بها الحس، قد يدل عليها دلالات، آحادها ليست قطعية، بل يتطرق إليها الاحتمال، لكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف، ثم الثاني والثالث يؤكده، ولو أفردت آحادها لتطرق إليها الاحتمال، إلى أن يحصل القطع باجتماعها.
__________
= التواتري، كما رأيت، والله أعلم" شرح مختصر الروضة جـ2 ص81-82.
1 خلاصة ذلك: أن ما أفاد العلم اليقيني من الأخبار في واقعه معينة وجب أن يفيده -أيضًا- في كل واقعة أخرى، وأن من أفاد العلم بالنسبة لشخص من الناس، وجب أن يفيده لكل شخص غيره، إذا شاركه في سماع ذلك الخبر، ولا يجوز أن تختلف واقعة عن واقعة، أو شخص عن شخص.
وإلى ذلك ذهب بعض العلماء، كأبي بكر الباقلاني، وأبي الحسين البصري وغيرهما.
أما جمهور العلماء -ومنهم ابن قدامة- فقد فرقوا بين الخبر الذي تجرد عن القرائن، والخبر الذي اقترنت به القرائن، فإن تجرد الخبر عن القرائن، فلا يجوز أن يختلف كما قال الأولون، وهذا معنى قوله: "وهذا إنما يصح إذا تجرد الخبر عن القرائن".
أما إذا اقترنت بالخبر قرائن، فلا شك أن حصول اليقين به يتفاوت؛ لأن القرائن الخفية يدركها البعض وتخفى على البعض الآخر، فتقوم القرائن -عند من يدركها- مقام عدد من المخبرين. وسوف يبدأ المؤلف ببيان هذه القرائن.
(1/294)

كما أن قول كل واحد من عدد التواتر محتمل منفردًا، ويحصل القطع بالاجتماع: فإنا نعرف محبة الشخص لصاحبه بأفعال المحبين من خدمته، وبذل ماله له، وحضوره مجالسه لمشاهدته، وملازمته في تردداته، وأمور من هذا الجنس، وكل واحد منها إذ انفرد يحتمل أن يكون لغرض يضمره، لا لمحبته، لكن تنتهي كثرة هذه للدلالات إلى حد يحصل لنا العلم القطعي بحبه.
وكذلك نشهد الصبي يرضع مرة بعد أخرى، فيحصل لنا علم بوصول اللبن إلى جوفه، وإن لم نشاهد اللبن، لكن حركة الصبي في الامتصاص، وحركة حلقه، وسكوته عن بكائه، مع كونه لا يتناول طعامًا آخر، وكون ثدي المرأة الشابة لا يخلو من لبن، والصبي لا يخلو من طبع باعث على الامتصاص ونحو ذلك من القرائن.
فلا يبعد أن يحصل التصديق بقول عدد ناقص، مع قرائن تنضم إليه.
ولو تجرد عن القرائن لم يفد العلم، والتجربة تدل على هذا.
وكذلك العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر يقتضي إيالة1 الملك وسياسة إظهاره، والمخبرون من [رؤساء] 2 جنود الملك، فيتصور اجتماعهم تحت ضبط الإيالة بالاتفاق على الكذب، ولو كانوا متفرقين خارجين عن ضبط الملك لم يتطرق إليهم هذا الوهم، فهذا يؤثر في النفوس تأثيرًا لا ينكر3.
__________
1 في القاموس المحيط، فصل الهمزة باب اللام: "آل الملك رعيته إيالًا ساسهم، وعلى القوم أولًا وإيالًا وإيالة: ولي".
2 ما بين القوسين من المستصفى.
3 خلاصة ذلك كله: أن القرائن إذا احتفت بالخبر قامت مقام آحاد المخبرين في =
(1/295)

فصل: [في شروط التواتر]
وللتواتر ثلاثة شروط:
الأول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند إلى محسوس1؛ إذ لو
__________
= إفادة الظن وتزايده، لأنا نجد تأثيرها في أنفسنا بالضرورة، إذا كانت القرائن بمثابة المخبرين، جاز -بالضرورة- أن يحصل العلم بخبر الواحد منها، لأن مخبرًا واحدًا مع عشرين قرينة ينزل واحد وعشرين مخبرًا، بل ربما أفادت القرينة الواحدة ما لا يفيده خبر جماعة، إذا احتفت قرائن تنفي اليقين: كأن يجتمع رؤساء الجند -مع كثرتهم- فيذيعون خبرًا عن أمر تكون إذاعته سياسة ودهاء للحاكم، فهذا لا يحصّل اليقين، مع أنهم لو كانوا متفرقين خارجين عما هم فيه من الانضمام إلى الحاكم لحصل اليقين بخبرهم.
انظر: المستصفى جـ2 ص145-146.
قال العزالي بعد ذلك:
"ولا أدري لم أنكر القاضي ذلك، وما برهانه على استحالته، فقد بان بهذا: أن العدد بجوز أن يختلف بالوقائع والأشخاص، فرب شخص انغرس في نفسه أخلاق تميل به إلى سرعة التصديق ببعض الأسماء، فيقوم ذلك مقام القرائن، وتقوم تلك القرائن مقام خبر بعض المخبرين، فينشأ من ذلك: أن لا برهان على استحالته" المصدر السابق ص146.
1 أي: أن يكون الإخبار عن مشاهدة أو سماع يحصل بواحد منهما العلم الضروري، بأن القول: رأينا مكة وبغداد، ورأينا موسى وقد ألقى عصاه فصارت حية تسعى، ورأينا المسيح وقد أحيا الموتى، ورأينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وقد انشق له القمر، وسمعناه يتلو القرآن ويتحدى به العرب، فعجزوا عن معارضته.
ومن تمام هذا الشرط: أن لا تكون المشاهدة والسماع على سبيل غلط الحس، كما في إخبار النصارى بصلب المسيح -عليه السلام- وأن يكونوا على صفة يوثق معها بقولهم، فلو كانوا متلاعبين أو مكرهين لم يوثق بخبرهم.
انظر: نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص254.
(1/296)

فصل: [مذاهب العلماء في عدد التواتر]
واختلف الناس فيه:
فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة. وقال قوم بخمسة، وقال قوم بعشرين، وقال آخرون بسبعين، وقيل غير ذلك1.
__________
1 فقيل: أربعون، وقيل: ثلاثمائة، وقيل: عشرة، عدد أهل بيعة الرضوان. قال =
(1/297)

والصحيح: أنه ليس له عدد محصور، فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود "مكة" ووجود الأنبياء -عليهم السلام- ولا سبيل إلى معرفته؛ فإنه لو قتل رجل في السوق، وانصرفت جماعة فأخبرونا بقتله، فإن قول الأول يحرك الظن، والثاني يؤكده، ولا يزال يتزايد حتى يصير ضروريًّا ولا يمكننا تشكيك أنفسنا فيه.
فلو تصور الوقوف على اللحظة التي حصل فيها العلم ضرورة، وحفظ حساب المخبرين، وعددهم: لأمكن الوقوف عليه، ولكن إدراك تلك اللحظة عسير؛ فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدًا خفيّ التدريج، كتزايد عقل الصبي المميز، إلى أن يبلغ حد التكليف، وتزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك: تعذّر على القوة البشرية إدراكه.
فأما ما ذهب إليه المخصصون بالأعداد، فتحكم فاسد، لا يناسب الغرض، ولا يدل عليه، وتعارض أقوالهم يدل على فسادها.
فإن قيل: فكيف تعلمون حصول العلم بالتواتر، وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟
قلنا: كما نعلم أن الخبز مشبع، والماء مرو، وإن كنا لا نعلم أقل
__________
= الطوفي: وهو وهم لأن أهل بيعة الرضوان، وهي بيعة الحدبيبة تحت الشجرة، كانوا ألفًا وخمسمائة. شرح مختصر الروضة جـ2 ص89، 90.
جاء في صحيح البخاري "4150" عن البراء بن عازب: "كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أربع عشر مائة" وجاء فيه أيضًا "4151" عن البراء: "أنهم كانوا خمس عشرة مائة" وفيه روايات أخرى بأعداد مخالفة.
والخلاصة: أن الضابط في حصول عدد التواتر: حصول العلم بالخبر، فمتى حصل العلم بالخبر المجرد عن القرائن علمنا حصول التواتر.
أما إذا وجدت قرائن، فهذه تزيد الخبر قوة، حتى ولو كان من خبر الآحاد.
(1/298)

مقدار يحصل به ذلك، فنستدل بحصول العلم الضروري على كمال العدد لا أنَّا نستدل بكمال العدد على حصول العلم.
فصل
ليس من شرط التواتر: أن يكون المخبرون مسلمين، ولا عدولًا؛ لأن إفضاءه إلى العلم، من حيث إنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه، ويمكن ذلك في الكفار، كإمكانه في المسلمين2.
__________
1 حاصل ذلك: أن المصنف أورد اعتراضًا خلاصته: أن حصول العلم فرع عن حصول العدد، فلو عرف حصول العدد بحصول العلم لكان دورًا، أي: يتوقف معرفة أحدهما على معرفة الآخر.
وحاصل ما أجاب به المصنف: أنا لا نسلم وجود الدور، لأن الدور يتحقق إذا كانت الجهة متحدة، وهذا غير موجود فيما نحن فيه، لأن حصول العلم معلول الإخبار ودليله، فالإخبار علة حصول العلم ومدلول له، والاستدلال على وجود العلة بوجود المعلول لا دور فيه، وإلا لما صح الاستدلال على وجود الصانع -جل جلاله- بوجود العلم، لأنه علته، والموجد له، ولأن العلة لازم المعلول، والاستدلال على وجود اللازم بوجود الملزوم لا خلاف في صحته، وهذا كما نقول في الشبع: هو معلول الطعام المشبع، ودليله: أنه لا شبع إلا بمشبع، والري معلول الشراب المروي، ودليله: أنه لا ري إلا بمروٍ، وإن كنا لا نعلم القدر الكافي من المشبع والمروي ابتداء، لكن إذا شبعنا وروينا علمنا أننا تناولنا من الطعام أو الشراب قدرًا مشبعًا أو مرويًا، فكذلك ما نحن فيه، لا نعلم مقدار العدد المحصل للعلم ما هو؟ فإذا حصل العلم بالخبر علمنا حصول العدد المحصل للعلم، لأنه لازم لحصول العلم وشرط له، والمشروط والملزوم يدلان على وجود اللازم والشرط. "نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص256-257".
2 هذا هو رأي جمهور العلماء. قال الطوفي: لأن مناط حصول العلم كثرتهم، =
(1/299)

ولا يشترط -أيضًا- ألا يحصرهم عدد، ولا تحويهم بلد؛ فإن الحجيج إذا أخبروا بواقعة صدتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت من الصلاة، علم صدقهم مع دخولهم تحت الحصر وقد حواهم مسجد، فضلًا عن البلد1.
__________
= بحيث لا يجوز عادة تواطؤهم على الكذب، لا العدالة والإسلام وسائر أوصاف الرواية؛ لأن ذلك إنما يشترط في الشهادات، وأخبار الآحاد، لأنها إنما تفيد الظن، أما التواتر: فهو يفيد للعلم الضروي أو النظري -كما سبق- فهو مستغن عن اعتبار أوصاف المخبرين المراد لتقوية الظن وغلبته. "شرح مختصر الروضة 2/ 94".
1 ومعناه: أن الناس المجتمعين في الحج، لو أخبروا بأنه عرض لهم مانع منعهم من أداء الحج في ذلك العام، كعدو صدهم عن دخول البيت، أو غور عيون الماء في الطريق، ونحو ذلك؛ لحصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون تحت عدد يمكن، معرفته، وكذلك أهل الجامع -يوم الجمعة- لو أخبروا بوجود مانع منعهم من صلاة الجمعة، كعدم وجود الإمام، أو هجوم عدو جعلهم يخرجون من المسجد، حصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون في عدد معين، وفي مسجد، فضلًا عن بلد.
وخالف في ذلك بعض العلماء، واشترطوا الإسلام والعدالة في المخبرين.
كما أورد الغزالي آراء آخرى في المسألة. انظر: التمهيد لأبي الخطاب "3/ 33" المستصفى "2/ 156 وما بعدها".
(1/300)

فصل: [لا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إليه]
ولا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية1.
__________
1 الإمامية فرقة من الشيعة، تقول: "إن الإمامة لعلي -رضي الله عنه- ولأولاده من =
(1/300)

وليس بصحيح؛ لأن كتمان ذلك يجري -في القبح- مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو به، فلم يجز وقوع ذلك منهم وتواطؤهم عليه.
فإن قيل: قد ترك النصارى نقل كلام عيسى في المهد1؟
__________
= بعده، فهي منصب إلهي، والتصديق به ركن من أركان الإيمان عندهم. وادعوا أن هناك نصوصًا تدل على إمامة علي كتمها الصحابة -رضي الله عنهم- مع كثرتهم، ووقوع ذلك منهم يدل على جواز كتمان الخبر المتواتر، واستندوا في ذلك إلى أحاديث بعضها صحيح، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- في شأن "علي" -رضي الله عنه-: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري حديث رقم "3706" و"4416" عن سعد بن أبي وقاص، ومسلم: حديث رقم "2404" والترمذي حديث رقم "3731" وأحمد في المسند"1/ 173" والحديث وإن كان صحيحًا إلا أنه ليس صريحًا.
وأجاب المصنف على ذلك بقوله: وليس بصحيح؛ فإن كتمان ما يحتاج إلى النقل، يجري مجرى الكذب، والكذب محال في حق الصحابة -رضي الله عنهم- حيث أثنى عليهم الخالق -جل وعلا- في العديد من الآيات، كما أثنى عليهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فتواطؤهم على الكذب محال، وكذلك تواطؤهم على الكتمان.
قال الشيخ: "ابن بدران": "وللجمهور أن يعارضوا الإمامية بالمثل، بأن يقولوا: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نص على إمامة أبي بكر نصًّا جليًّا متواترًا.." "نزهة الخاطر جـ1 ص259".
ومن هذه النصوص: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" وهو حديث صحيح وصريح، أخرجه أحمد في المسند "5/ 382، 385، 399، 402" كما أخرجه الترمذي حديث "3663"، وابن ماجه حديث "79" وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "2/ 223" وصححه ابن حبان "2193" والحاكم "3/ 75".
1 هذه شبهة: أوردها الإمامية دعمًا لرأيهم -في جواز كتمان الخبر المتواتر-، خلاصتها: أن النصارى تركوا كلام عيسى -عليه السلام- في المهد، مع أنه =
(1/301)

قلنا: لأن كلامه في المهد كان قبل ظهوره واتباعهم له.
القسم الثاني، أخبار الآحاد
وهي: ما عدا المتواتر1
اختلفت الرواية عن إمامنا -رحمه الله- في حصول العلم بخبر الواحد:
__________
= مما يحتاج إلى نقله، وتتوفر الدواعي عليه، فهذه صورة من صور الدعوى قد وقعت، وهي تدل على الجواز.
وأجاب المصنف على هذه الشبهة: بأن ذلك كان قبل نبوته، والدواعي تتوفر على نقل أعلام النبوة.
قال الطوفي:
"وهذا ضعيف؛ لأن كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته، والدواعي تتوفر على نقل مثله عادة، وإن لم يكن الناقلون أتباعا للمنقول عنه". ثم ذكر وجوهًا أخرى للرد عليهم فقال:
الوجه الثاني: أنه قد نقل أن حاضري كلام المسيح في المهد لم يكونوا كثيرين، بحيث يحصل العلم بخبرهم، بل إنما كانوا زكريا وأهل مريم ومن يختص بهم، فلذلك لم ينقل متواترًا، ولا يلزم من عدم تواتره عدم نقله مطلقًا، لجواز أنهم نقلوه ولم يتواتر.
الوجه الثالث: أنَّا لا نسلم أنهم لم ينقلوه، بل نقلوه وهو متواتر عندهم في "إنجيل الصَّبْوَة" يعني: الذي ذكر فيه أحوال عيسى -عليه السلام- في صبوته، منذ ولد إلى أن رفع، وإنما لم يتوافر نقلهم لذلك عندنا لعدم مشاركتنا لهم في سببه، أو لاستغنائنا عنه بتواتر القرآن". "شرح المختصر جـ2 ص101، 102".
1 قوله: وهي ما عدا المتواتر، أي: أن خبر الواحد ما فقدت فيه شروط المتواتر أو بعض منها، بأن كان إخبارًا عن غير محسوس، أو رواية ممن يجوز الكذب عليه عادة، أو جماعة لا يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة، أو كانوا ممن يستحيل =
(1/302)

فروى: أنه لا يحصل به. وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا؛ لأنَّا نعلم -ضرورة- أنا لا نصدق كل خبر نسمعه.
ولو كان مفيدًا للعلم: لما صح ورود خبرين متعارضين؛ لاستحالة اجتماع الضدين.
ولجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به، لكونه بمنزلتهما في إفادة العلم، ولوجب الحكم بالشاهد الواحد، ولاستوى في ذلك العدل والفاسق كما في المتواتر1.
وروي عن أحمد أنه قال: -في أخبار الرؤية- يقطع على العلم بها.
وهذا يحتمل أن يكون في أخبار الرؤية وما أشبهها، مما كثرت
__________
= منهم الكذب عادة، لكن في بعض طبقاته دون البعض.
1 نقل المصنف عن الإمام أحمد -رضي الله عنه- روايتين فيما يفيده خبر الآحاد:
الرواية الأولى: أنه لا يفيد العلم، واستدل على هذا الرأي بخمسة أوجه:
الوجه الأول: أنه لو أفاد العلم لصدقنا كل خبر نسمعه، لكنا لا نصدق كل خبر نسمعه، فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.
الوجه الثاني: لو أفاد خبر الواحد العلم لما تعارض خبران، لأن العلمين لا يتعارضان، لكن التعارض موجود كثيرًا في أخبار الآحاد، فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.
الوجه الثالث: أنه لو أفاد العلم لجاز نسخ القرآن والسنة المتواترة به، لكنه لا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بالآحاد، فدل على أنه لا يفيد العلم.
الوجه الرابع: أنه لو أفاد العلم لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم يحتج إلى شاهد آخر ولا إلى اليمين عند عدمه، ولو كان مفيدًا للعلم لما احتاج لذلك.
الوجه الخامس: أنه لو أفاد العلم لاستوى خبر العدل والفاسق، كما في المتواتر، لكن الفاسد والعدل لا يستويان في خبر الواحد -بالإجماع- فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.
(1/303)

رواته، وتلقته الآمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ناقله، فيكون إذًا من المتواتر؛ إذ ليس للمتواتر عدد محصور.
ويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدًا للعلم.
وهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر.
قال بعض العلماء: إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم وإتقانهم، ونقل من طرق متساوية، وتلقته الأمة بالقبول، ولم ينكره منهم منكر؛ فإن الصديق والفاروق -رضي الله عنهما- لو رويا شيئا سمعاه أو رأياه، لم يتطرق إلى سامعهما شك ولا ريب، مع ما تقرر في نفسه لهما، وثبت عنده من ثقتهما وأمانتهما.
ولذلك: اتفق السلف في نقل أخبار الصفات، وليس فيها عمل، وإنما فائدتها: وجوب تصديقها، واعتقاد ما فيها.
لأن اتفاق الأمة على قبولها إجماع منهم على صحتها، والإجماع حجة قاطعة1.
__________
1 هذه هي الرواية الثانية المنقولة عن الإمام إحمد. وللعلماء في تخريجها عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: أنها خاصة بأحاديث الرؤية وما أشبهها من الأمور العقدية.
الاحتمال الثاني: أن ذلك خاص بما وجدت معه قرائنه تقويه.
الاحتمال الثالث: أن هذا هو رأي الإمام أحمد في خبر الآحاد عمومًا، وهو رأي المحدثين وأهل الظاهر.
وهناك احتمال رابع -حكاه المصنف- عن بعض أهل العلم: أن ذلك خاص بما نقله الأئمة المتفق على عدالتهم وثقتهم وتلقي الأمة لما نقل عنهم بالقبول والرضا، مثل ما نقل عن الشيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-.
وقد لخص محمد الأمين الشنقيطي آراء العلماء في هذه المسألة فقال: =
(1/304)

............................................
__________
"حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب:
الأول: وهو مذهب جماهير الأصوليين: أن أخبار الآحاد إنما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين.
المذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولًا ضابطين.
وهو رواية عن الإمام أحمد، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية.
المذهب الثالث: هو التفصيل: بأنه إذا احتفت به قرائن دالة على صدقه أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن.
ومن أمثلة ذلك: أحاديث الشيخين -البخاري ومسلم- لأن القرائن دالة على صدقهما، لجلالتهما في هذا الشأن وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحد.
واختار هذا القول: ابن الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي، وممن اختار هذا القول: أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
وحمل بعضهم الرواية عن أحمد: على ما قامت القرائن على صدقه خاصة دون غيره. ا. هـ ملخصًا من مذكرة الشيخ الشنقيطي ص103.
[خبر الآحاد في العقيدة]
ثم تطرق -رحمه الله تعالى- إلى قضية أخرى مهمة، وهي: أن أخبار الآحاد متى صحت، يجب قبولها في الأصول، كما يجب في الفروع، فقال:
"اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه: أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع، تقبل في الأصول، فما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله على نحو: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا ثبت بها شيء من صفات الله زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطل لا يعول عليه. ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمجرد تحكيم العقل.
(1/305)

..............................................
__________
والعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله، وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها أنه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعي، هو جهل وتخبط في الظلمات.
ومن أوضح الأدلة، وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلًا: إن العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناء على ذلك فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبتم فيه بل العقل يوجبه. وما ذكرتم بأنه يجيزه كذبتم فيه بل هو يمنعه وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة، كاختلافهم في أفعال العبد وجواز رؤية الله بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين إلى غير ذلك.
فيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدي والنجاة باتباع ما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل.
وعلى كل حال فإثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات كالعمل بما دلت عليه من أوامر الله ونواهيه، كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه وكذلك تثبت بها صفاته. "المصدر السابق ص104، 105".
والذي قاله الشيخ الشنقيطي هو ما نقل عن المحققين من العلماء، منهم الأئمة: مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسين الكرابيسي، وابن خويز منداد، وابن كج، وابن حزم، وابن قيم الجوزية، وبدر الدين الزركشي، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فقد ألف رسالة في ذلك بعنوان: "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين".
وهو ما توصلت إليه في بحث بعنوان: "حجية خبر الآحاد في العقيدة".
تحت الطبع.
ومن الأدلة التي استندت إليها في هذا البحث:
(1/306)

..............................................................................
__________
= الدليل الأول:
حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما بعث معاذًا -رضي الله عنه- على اليمن قال: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإن عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم واتق كرائم أموال الناس".
أخرجه البخاري: 24- كتاب الزكاة: 41، باب وجوب الزكاة 3/ 261، وباب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة: 3/ 322، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا: 3/ 357، وفي المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم: 5/ 101، وفي المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن 8/ 64، وفي التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى: 13/ 347، ومسلم في الإيمان 1/ 50.
فقد أمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبلغهم قبل كل شيء عقيدة التوحيد، وأن يعرفهم بالله عز وجل، وما يجب له وما ينزه عنه، فإذا عرفوه تعالى بلغهم ما فرض الله عليهم، وذلك ما فعله معاذ يقينًا، فهو دليل على أن العقيدة تثبت بخبر الواحد، وتقوم به الحجة على الناس، ولولا ذلك لما اكتفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإرسار معاذ وحده.
ومن لم يسلم بما ذكرنا لزمه أحد أمرين لا ثالث لهما:
1- القول بأن رسله عليهم السلام ما كانوا يعلمون الناس العقائد، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرهم بذلك، وإنما أمرهم بتبليغ الأحكام فقط، وهذا باطل لمخالفته لحديث معاذ المتقدم.
2- أنهم كانوا مأمورين بتبليغها، وأنهم فعلوا ذلك، فبلغوا الناس كل العقائد الإسلامية ومنها هذا القول المزعوم: "لا تثبت العقيدة بخبر الآحاد" فإنه في نفسه عقيدة كما سبق، وعليه فقد كان هؤلاء الرسل رضوان الله عليهم يقولون للناس: آمنوا بما نبلغكم إياه من العقائد، ولكن لا يجب عليكم أن تؤمنوا بها لأنها خبر آحاد، وهذا باطل أيضًا كالذي قبله، وما لزم منه باطل فهو باطل، =
(1/307)

........................................................
__________
فثبت بطلان هذا القول، وثبت وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد. وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة للشيخ الألباني ص11، 12.
الدليل الثاني:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] وقال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [المائدة: 99] ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "بلغوا عني" متفقعليه.
وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: "أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون"، قالوا: "نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت" رواه مسلم في الحج "147": وأبو داود "1905" وابن ماجه "311".
ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ، ويحصل به العلم، فلو كان خبر الواحد، لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه، فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسنته، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر. وهذا من أبطل الباطل. فيلزم من قال: إن أخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا تفيد العلم أحد أمرين:
1- إما أن يقول: إن الرسول لم يبلغ غير القرآن، وما رواه عنه عدد التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ.
2- وإما أن يقول إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علمًا ولا يقتضي عملًا.
وإذا بطل هذان الأمران بطل بأن أخباره -صلى الله عليه وسلم- التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علمًا. وهذا ظاهر لا خفاء به.
مختصر الصواعق المرسلة "2/ 396".
(1/308)

فأما التعارض -فيما هذا سبيله- فلا يسوغ إلا كما يسوغ في الأخبار المتواترة وآي الكتاب1.
وقولهم: "إنا لا نصدق كل خبر نسمعه" فلأننا إنما جعلناه مفيدًا للعلم؛ لما اقترن به من قرائن زيادة الثقة، وتلقي الأمة له بالقبول2.
ولذلك اختلف خبر العدل والفاسق3.
وأما الحكم بشاهد واحد: فغير لازم؛ فإن الحاكم لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبينة التي هي مظنة الصدق4. والله أعلم.
__________
1 المصنف بعد أن أورد الرأي الثاني المنقول عن الإمام أحمد وما فيه من احتمالات بدأ يرد على الوجوه التي استدل بها على أن خبر الآحاد يفيد الظن، وتقدم أنها خمسة، لكنه هنا لم يلتزم الترتيب، كما لم يرد على الوجه الثالث منها.
وقوله: "فأما التعارض ... إلخ" هذا هو الرد على الوجه الثاني الذي خلاصته: أن خبر الآحاد لو أفاد العلم لما وقع تعارض بين الأدلة المتعارضة القطعية من السنة المتواترة وآي القرآن الكريم، وذلك بالجمع بين الدليلين إن أمكن، أو يعتبر المتأخر ناسخًا للمتقدم، أو حمل المطلق على المقيد، إلى آخر وجوه الجمع بين المتعارضات.
2 هذا هو الرد على الوجه الأول: وهو أن التفرقة بين خبر وخبر، إنما جاءت من القرائن، كزيادة الثقة في الراوي، أو تلقي الأمة له بالقبول.
3 هذا رد على الوجه الخامس: وهو أنه لو أفاد العلم لاستوى خبر العدل والفاسق، كالمتواتر، فإنه لا يشترط فيه أن يكون المخبرون عدولًا. فرد على ذلك: بأن التفرقة جاءت من القرينة.
4 هذا رد على الوجه الرابع: وهو أنه لو أفاد العلم لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم يحتج إلى شاهد آخر، أو اليمين عند عدمه. فأجاب عن ذلك: بأن هذا ليس =
(1/309)

فصل: [في حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا]
وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا1؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، والعمل به عمل بالشك، وإقدام على الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل.
بل إذا أمرنا الشرع بأمر فليعرفناه؛ لنكون على بصيرة، إما ممتثلون، وإما مخالفون2.
والجواب:
أن هذا إن صدر من مقر بالشرع فلا يتمكن منه؛ لأنه تعبد بالحكم
__________
= بلازم، أي لا يلزمنا ذلك، للفرق بين الشهادة والرواية، ولذلك لا يحكم القاضي بمقتضى علمه، وإنما يحكم بناء على البينة التي هي مظنة الصدق، فقياس الرواية على الشهادة قياس مع الفارق.
1 معنى التعبد بخبر الواحد: أي يجوز أن يتعبد الله -تعالى- خلقه بخبر الواحد، بأن يقول لهم: اعبدوني بمقتضى ما يبلغكم عني وعن رسولي على ألسنة الآحاد. وهو قول الجمهور: الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء والأصوليين.
وأنكر ذلك جماعة: منهم الجبائي وبعض المتكلمين.
انظر: "العدة جـ3 ص857، شرح اللمع جـ1 ص583، شرح مختصر الروضة جـ2 ص112، 113".
2 هذه حجة المنكرين لجواز التعبد بخبر الواحد عقلًا، خلاصتها: أن خبر الواحد يحتمل الكذب، فالعمل به عمل بالجهل، وهو قبيح عقلًا، والعقل لا يجيز القبيح؟
وأيضًا: فإن امتثال أمر الشرع والدخول فيه؛ يجب أن يكون بطريق علمي؛ ليكون المكلف منه على يقين وبصيرة، وأمان من الخطأ.
انظر: شرح المختصر جـ1 ص115.
(1/310)

بالشهادة، والعمل بالفتيا، أو التوجه إلى الكعبة بالاجتهاد عند الاشتباه، وإنما يفيد الظن، كما يفيد بالعمل بالمتواتر، والتوجه إلى الكعبة عند عدم معاينتها، فلِمَ يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم؟
وإن صدر من منكر للشرع: فيقال له: أي استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، والظن مدرك بالحس، فيكون الوجوب معلومًا؟
فيقال له: إذا ظننت صدق الشاهد، والرسول، والحالف: فاحكم به، ولست متعبدًا بمعرفة صدقه، بل بالعمل به عند ظن صدقه، وأنت ممتثل مصيب صدق أم كذب.
كما يجوز أن يقال: إذا طار طائر ظننتموه غرابًا: أوجبت عليكم كذا، وجعلت ظنكم علامة، كما جعل زوال الشمس علامة على وجوب الصلاة1.
__________
1 خلاصة ما أجاب به المصنف على هؤلاء المنكرين: أن المنكر إما أن يكون مقرًّا بالشرع أو لا؟ فإن كان مقرًّا فنقول له: إن الشرع ورد فيه ما ينقض قولك، كالحكم بالشهادة، والعمل بقول المفتي، وهو واحد، والاجتهاد في القبلة إذا اشتبهت على المصلي، فإنه يجب عليه أن يصلي إلى الجهة التي ظنها القبلة، وكل هذا من قبيل الظنون.
وإن كان المنكر ممن ينكر الشرع فيقال له: أي استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، كما لو قال: إذا طار بكم طائر وظننتموه غرابًا أوجبت عليكم كذا وكذا، وجعلت ظنكم علامة على وجوب العمل، كما جعلت زوال الشمس علامة على وجوب الصلاة، والظن وجوده مدرك بالحس، فيكون الوجوب معلومًا، فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعًا، وهكذا العمل في الشاهد والحالف، لسنا متعبدين بالعلم بصدقه، لكن بالعمل بالظن الذي نحسه من أنفسنا. انظر: "شرح ابن بدران جـ1 ص264، 265".
(1/311)

فصل1 وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة:
أحدها: أنا لو فرضنا العمل على القطع تعطلت الأحكام؛ لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين.
الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مبعوث إلى الكافة، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر.
الثالث: أنا إذا ظننا صدق الراوي فيه ترجح وجود أمر الله -تعالى- وأمر رسوله -عليه السلام- فالاحتياط: العمل بالراجح.
وقال الأكثرون: لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك.
ولا يلزم من عدم التعبد به تعطيل الأحكام؛ لإمكان البقاء على
__________
1 هذا الفصل تابع للمسألة السابقة، وهي: حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا، والفصل الآتي لحكم التعبد به سمعًا، فلا أدري لماذا جعله المصنف فصلًا مستقلًّا؟!
والخلاصة: أن المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: إنكار التعبد بخبر الواحد -وهو الذي حكاه المصنف في الفصل السابق-.
المذهب الثاني: وجوب التعبد، للأدلة الثلاثة التي ساقها المصنف -نقلًا عن أبي الخطاب-، وهي في الواقع للغزالي.
المذهب الثالث: الجواز، وهو الذي عبر عنه المصنف بقوله: "وقال الأكثرون: لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك" هذا ما فهمته في هذه المسألة. والله أعلم.
(1/312)

البراءة الأصلية والاستصحاب.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- يكلف تبليغ من أمكنه من أمته تبليغه، دون من لا يمكنه، كمن في الجزائر ونحوها.
(1/313)

فصل: [في التعبد بخبر الواحد سمعًا]
فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا1: فهو قول الجمهور.
خلافًا لأكثر القدرية2 وبعض أهل الظاهر.
ولنا دليلان قاطعان:
أحدهما: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على قبوله:
فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.
__________
1 معنى "سمعًا" أي: من جهة دليل الشرع، وما تقدم كان من جهة العقل.
قال الطوفي: "وفي المسألة تفصيل، وهو: أن القائلين بجواز التعبد به عقلًا، منهم من نفى كونه حجة شرعًا، كالشيعة، والقاشاني، وابن داود [الظاهري] ، ومنهم من أثبت ذلك، ثم هؤلاء اتفقوا على دلالة السمع عليه، واختلفوا في دلالة العقل عليه، فأثبته أحمد والقفال وابن سريج، ونفاه الباقون
وقال أبو عبد الله البصري: هو حجة فيما لا يسقط بالشبهة، واختار الآمدي أنه حجة مطلقًا، وهو المذكور في المختصر". "شرح المختصر جـ2 ص119". وانظر: الإحكام للآمدي "2/ 45" والإحكام لابن حزم "1/ 94".
2 القدرية: فرقة من المعتزلة بالغت في القول بالقدر، بمعنى أنهم يكذبون بالقدر، ويبالغون في إنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم عشرون فرقة، كل فرقة منها تكفر الأخرى. الفرق بين الفرق ص24.
(1/313)

منها: أن الصديق -رضي الله عنه- لما جاءته الجدة تطلب ميراثها نشد الناس: من يعلم قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها؟
فشهد له محمد بن مسلمة1، والمغيرة بن شعبة2 أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما، وعمل به "عمر" بعده3.
وروي عن "عمر" -رضي الله عنه- في وقائع كثيرة:
منها: قصة الجنين حين قال: "أذكر الله امرأ سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجنين"؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة4 وقال: "كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح5 فقتلتها
__________
1 هو: محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الحارثي، صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها، استخلفه الرسول -صلى الله عليه وسلم- على المدينة في بعض غزواته، مات بالمدينة سنة 43هـ.
انظر في ترجمته: "الاستعياب 3/ 1377، الخلاصة ص359".
2 هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، أحد دهاة العرب، ولاه "عمر" البصرة، ثم عزله عنها وولاه الكوفة، وأقره "عثمان" عليها، ثم عزله، ولما تم الأمر لمعاوية أعاده عليها، حتى توفي سنة 50هـ.
انظر: "الاستيعاب 4/ 1445، الإصابة القسم السادس ص197".
3 أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب في الجدة، والترمذي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، وابن ماجه: كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة.
4 هو: حمل بن مالك بن النابغة بن جابر الهذلي، البصري، استعمله النبي -صلى الله عليه وسلم- على صدقات "هذيل" وعاش إلى خلافة "عمر" -رضي الله عنهما-.
انظر في ترجمته: "الإصابة 1/ 355، الاستيعاب 1/ 366".
5 المسطح: بكسر الميم عود من أعواد الخباء.
(1/314)

وجنينها، فقضى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنين بغرة"1 فقال عمر: "لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره"2.
وكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك3: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إليه: أن يورث امرأة أَشْيَم الضبابي4 من دية زوجها"5.
__________
1 الغرة: بضم الغين: عبد أو أمة.
2 الحديث رواه أبو داود: كتاب الديات، باب دية الجنين، والدراقطني: كتاب الحدود والديات، كما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والشافعي في الرسالة ص427. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن دية الجنين خفيت على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حتى سأل الناس ... الحديث.
وفي رواية لأبي داود: فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنينها بغرة وأن تقتل" أي القاتلة.
3 هو: الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر بن كلاب الكلابي، من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان شجاعًا مقدامًا، ولاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمع الصدقات من قومه.
انظر: في ترجمته: "الإصابة 3/ 477، الخلاصة ص197".
4 أشيم -بوزن أحمد-: الضبابي -بكسر المعجمة بعدها باء موحدة-، قتل مسلمًا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمر -صلى الله عليه وسلم- الضحاك بن سفيان أن يورث امرأته من ديته.
انظر: الإصابة مع الاستيعاب "1/ 97"، أسد الغابة "1/ 197".
5 أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب المرأة ترث من دية زوجها، والترمذي كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، وقال: "حديث حسن صحيح".
كما أخرجه ابن ماجه: كتاب الديات، باب الميراث من الدية، ومالك في الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه، والشافعي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، والدارقطني: كتاب الفرائض.
(1/315)

ورجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف1 عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"2.
وأخذ عثمان بخبر "فريعة بن مالك"3 في السكنى، بعد أن أرسل إليها وسألها4.
__________
1 هو: عبد الرحمن بن عوف بن الحارث، القرشي الزهري، أبو محمد، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل فترة دار الأرقم، جمع بين الهجرتين، هجرة الحبشة، وهجرة المدينة. شهد بدرًا وما بعدها، كان أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر المشورة فيهم في الخلافة. مات بالمدينة سنة 31هـ. "الإصابة 4/ 346".
2 رواه البزار في مسنده، والدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة في مسنده، ومالك في الموطأ: كتاب الزكاة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-: "أشهد لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أعله ابن عبد البر بالانقطاع؛ لأن محمد بن علي بن الحسين لم يلق عمر، وأعله غيره بالإرسال، لكن يشهد له ما جاء في البخاري من حديث مجالد قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذها من مجوس هجر.
كما يشهد له -أيضًا- ما رواه البخاري من أخذ الجزية من البحرين التي صالح أهلها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وولى عليها العلاء بن الحضرمي، وهم من المجوس.
انظر: "فتح الباري جـ6 ص259".
3 هي: فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية، أخت أبي سعيد الخدري، وهي التي قتل زوجها في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن تمكث في بيتها حتى تنتهي عدتها -كما سيأتي تخريج الحديث-.
انظر: في ترجمتها: "الإصابة 8/ 66، والاستيعاب 4/ 1903".
4 أخرجه أبو داود: كتاب الطلاق، في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي: كتاب =
(1/316)

وعلي كان يقول: كنت إذا سمعت من النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من عبد يذنب، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له" 1.
__________
= الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها ولفظه:
"أنها -أي فريعة- جاءت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- تسأله أن ترجع إلى أهلها في "بني خدرة" وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم -موضع بضاحية المدينة- لحقهم فقتلوه.
قالت: فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أرجع إلى أهلي؛ فإن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه، ولا نفقة.
قالت: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نعم".
قالت: ما انصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة، أو في المسجد، ناداني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو أمر بي، فنوديت له، فقال: "كيف قلت؟ " قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، قال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله".
قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا.
قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، وقضى به".
والحديث أخرجه أيضًا: النسائي: باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، وابن ماجه: باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والدارمي: باب خروج المتوفى عنها زوجها، والشافعي: كتاب النفقات، باب اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها.
1 الحديث رواه أبو داود: كتاب الصلاة، باب في الاستغفار بلفظ: "كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، قال: وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "وما من =
(1/317)

ولما اختلف الأنصار في الغسل من المجامعة: أرسلوا أبا موسى1 إلى "عائشة" فروت لهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا مس الختان الختان وجب الغسل"2. فرجعوا إلى قولها.
واشتهر رجوع أهل قباء إلى خبر الواحد في التحول إلى الكعبة3.
وروى أنس4 قال: كنت أسقي أبا عبيدة5، وأبا طلحة6.
__________
= عبد يذنب ذنبًا، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له" ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران: 135] .
كما أخرجه ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة؛ باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، وأحمد في مسنده "1/ 2" وابن حبان حديث "2454" وصححه.
1 هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري، أسلم قديمًا بمكة، ثم رجع إلى قومه، ثم قدم جماعة من الأشعريين إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- حين فتح خيبر، ولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- اليمن، ثم ولاه عمر البصرة ... مات بالكوفة وقيل: بمكة سنة 44هـ. "الإصابة 4/ 211".
2 أخرجه مسلم: كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب في الإكسال، والترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان، وجب الغسل، وابن ماجة: كتاب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان.
3 تقدم تخريجه في باب النسخ.
4 هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخادمه.
توفي سنة 93هـ. "صفة الصفوة 1/ 298، الأعلام 1/ 365".
5 هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام.
توفي بالطاعون سنة 18هـ. "حلية الأولياء 1/ 100، والأعلام 4/ 21".
6 هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو الأنصاري الخزرجي، كان فارسًا =
(1/318)

وأبي بن كعب1 شرابًا من فضيخ2، إذ أتانا آت فقال: إن الخمرة قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس "قم إلى هذه الجرار فاكسرها" فكسرتها3.
ورجع ابن عباس إلى حديث أبي سعيد4 في الصرف5.
__________
= شديدًا، وقى النبي -صلى الله عليه وسلم- بصدره من قبل المشركين في أحد، تصدق بحديقة كانت له لما نزل قوله الله -تعالى-: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} توفي سنة 50هـ. "الإصابة 2/ 607".
1 هو: أبي بن كعب بن قيس بين عبيد بن النجار الأنصاري، سيد القراء، من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدرًا وما بعدها، وكان من كتاب الوحي. توفي سنة 20هـ. وقيل غير ذلك.
انظر: "الإصابة 1/ 27، البداية والنهاية 7/ 97".
2 الفضيخ: هو أن يجعل التمر في إناء ثم يصب عليه الماء الحار، فيستخرج حلاوته، ثم يغلى ويشتد. التعريفات للجرجاني ص167.
3 حديث صحيح، رواه البخاري "3/ 321" بحاشية السندي، ومسلم "13/ 151" مع شرح النووي، ومالك في الموطأ "3/ 155" مع المنتقى.
4 هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، الخزرجي، الأنصاري، الخدري، من علماء الصحابة، وحفاظها المكثرين. توفي سنة 74هـ.
انظر: "الاستيعاب 4/ 1671، تاريخ بغداد 1/ 180".
5 حديث ابن عباس: "إنما الربا في النسيئة" تقدم الحديث عنه. أما حديث أبي سعيد الذي رجع إليه ابن عباس فهو: ما أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الفضة، وأحمد في مسنده "3/ 9" ومسلم: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، ولفظه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر وبالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".
(1/319)

ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة1.
وكان زيد بن ثابت2 يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف3.
فقال له ابن عباس سل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك؟ فأخبرته، فرجع زيد يضحك وقال لابن عباس: "ما أراك إلا قد صدقت".
والأخبار في هذا أكثر من أن تحصى.
واتفق التابعون عليه أيضا4. وإنما حدث الاختلاف بعدهم.
__________
1 تقدم قريبًا.
2 هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، كان من كتاب الوحي وهو الذي تولى جمع القرآن في عهد أبي بكر -رضى الله عنه- وهو أعلم الصحابة بالفرائض فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أفرضكم زيد" توفي سنة 42هـ. "الإصابة 2/ 594، الاستيعاب 1/ 551".
3 أي: لا ترجع إلى بلدها إلا إذا طافت طواف الوداع.
وكان زيد بن ثابت يفتي بذلك، حتى علم بخبر ابن عباس، الذي أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت "أي: طافت طواف الإفاضة". ولفظه: عن عكرمة قال: إن أهل المدينة سألوا ابن عباس -رضي الله عنهما- عن امرأة طافت، ثم حاضت؟ قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا "أم سليم" فقالت: إن صفية بنت حيي -زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- حاضت فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أحابستنا هي؟ "
قالوا: إنها أفاضت. قال: "فلا إذن".
أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب وجوب طواف الوادع وسقوطه عن الحائض، والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الحج، باب ترك الحائض الوداع.
4 أي: أن التابعين اتفقوا على العمل بخبر الواحد، كما اتفق الصحابة -رضي الله عنهم- وما وقع الاختلاف إلا بعد عصر التابعين.
(1/320)

فإن قيل: لعلهم عملوا بأسباب قارنت هذه الأخبار، لا بمجردها، كما أنهم أخذوا بالعموم، وعملوا بصيغة الأمر والنهي، ولم يكن ذلك نصًّا صريحًا فيها1.
قلنا: قد صرحوا بأن العمل بالأخبار؛ لقول عمر: "لولا هذا لقضينا بغيره".
وتقدير قرينة وسببها هنا كتقدير قرائن مع نص الكتاب والأخبارالمتواترة وذلك يبطل جميع الأدلة.
وأما العموم، وصيغة الأمر والنهي، فإنها ثابتة، يجب الأخذ بها، ولها دلالات ظاهرة، تعبدنا بالعمل بمقتضاها، وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها فهي كمسألتنا2.
وإنما أنكرها من لا يعتد بخلافه، وأعتذروا بأنه لم ينقل عنهم في صيغة الأمر والعموم تصريح3.
__________
1 هذا اعتراض حاصله: أنهم ربما عملوا بخبر الواحد لأسباب وقرائن قارنت الأخبار لا بمجردها، كما أنهم عملوا بالعمومات، والأمر والنهي، وكلها نصوص غير صريحة، فعملوا بها مع القرائن أيضًا.
وأجاب المصنف عن ذلك: بأنه لم ينقل عنهم إلا الأخذ بالأخبار، كما في خبر حمل بن مالك المتقدم. ولو قدر وجود قرائن هنا لقدر ذلك مع آيات القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وهذا يؤدي إلى إبطال جميع الأدلة، لأنه لا يستدل بها منفردة عن القرائن، وهذا غير صحيح.
2 هذا رد من المصنف على أولئك الذين قالوا: إن العمل بالأخبار والألفاظ العامة، والأوامر والنواهي، بناء على قرائن احتفت بها، وليس منها مجردة.
وخلاصته: بأن صيغ العموم، والأمر والنهي لها دلالات ظاهرة وواضحة، كلفنا بالعمل بمقتضاها، والسلف الصالح عملوا بها مجردة عن القرائن وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها كما في الأخبار.
3 هذا كالحجة لمن ينكر دلالة الأخبار، والعمومات، والأمر والنهي. =
(1/321)

فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة1.
فلم يقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- خبر ذي اليدين2,
__________
= مضمونها: أنه لم ينقل عن السلف: أنهم عملوا بها مجردة، وفي هذا إشارة إلى أنه كانت هنالك قرائن لم يذكروها.
هذا معنى كلام المصنف، والواقع أن هذه الجملة ليس محلها هنا، وإنما كانت تأتي عند حكاية مذهبهم، كما فعل الغزالي، إلا أن المصنف دأب على اختصار العبارات، وعلى التقديم والتأخير مما جعل المعنى غير مترابط، وإلا فجملة: "واعتذروا" ليس لها محل هنا. يوضح ذلك عبارة الغزالي حيث قال:
"فإن قيل: لعلهم عملوا بها [يقصد الأخبار] مع قرائن أو بأخبار أخر صاحبتها، أو ظواهر ومقاييس وأسباب قارنتها، لا بمجرد هذه الأخبار -كما زعمتم-.
كما قلتم بالعموم وصيغة الأمر والنهي ليس نصًّا صريحًا على أنهم عملوا بمجردها، بل بها مع قرائن قارنتها ... ".
1 هذا اعتراض على قول المصنف -في أول المسألة: ولنا دليلان قاطعان، أحدهما: إجماع الصحابة على قبوله إلى آخر الأمثلة التي تقدمت، فكأن المخالف يقول: كيف تدعون الإجماع على القبول، مع أن هناك أدلة آخرى كثيرة، بلغت حد الإجماع -أيضًا- برد العمل بخبر الواحد، ثم بدأ يذكر أمثلة لذلك.
2 ذو اليدين: هو الخرباق بن عمرو، من بني سليم، قيل له: ذو اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، فسماه -صلى الله عليه وسلم-: ذا اليدين، عاش بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى روى عنه بعض المتأخرين من التابعين. انظر في ترجمته: "الإصابة 1/ 489، تهذيب الأسماء 1/ 185".
وحديثه -في السهو في الصلاة- حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو، ومسلم: كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب السهو في السجدتين، والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين =
(1/322)

ولم يقبل "أبو بكر" خبر "المغيرة" وحده في ميراث الجدة1.
و"عمر" لم يقبل خبر "أبي موسى" في الاستئذان2.
ورد "علي" خبر معقل بن سنان الأشجعي3 في "بروع"4.
__________
= من الظهر والعصر، كما أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما.
ولفظ مسلم -عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: صلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة العصر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: -صلى الله عليه وسلم-: "كل ذلك لم يكن" قال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله.
فأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.
1 تقدم تخريجه قريبًا.
2 عن عمر -رضي الله عنه- أن أبا موسى استأذن عليه ثلاثًا، فلم يؤذن له، فانصرف، فأرسل إليه "عمر": لم انصرفت؟ فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثًا، فلم يؤذن له فلينصرف". فقال من يشهد ذلك؟ فمضى أبو موسى إلى الأنصار، فقالوا: نبعث معك بأصغرنا: أبي سعيد الخدري، فمضى فسمع "عمر" منهما.
روى هذه القصة: البخاري في كتاب الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم في كتاب الآداب، باب: الاستئذان، وأبو داود: كتاب الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، والترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب الاستئذان، والدارمي: كتاب الاستئذان، باب: الاستئذان ثلاثًا.
3 هو: معقل بن سنان بن مظهر بن غطفان الأشجعي، كان يحمل لواء قومه يوم الفتح ويوم حنين، قتله عقبه بن مسلم سنة 63هـ.
4 هي: بروع -بكسر الباء أو فتحها وسكون الراء وفتح الواو- بنت واشق =
(1/323)

..........................................................
__________
= الأشجعية، زوج هلال بن مرة، روت أن رجلًا عقد عليها ولم يفرض لها مهرًا، وفوضت إليه ذلك، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقضى لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصداق نسائها: انظر: الإصابة "4/ 251".
وأما الخبر الذي رده "علي" -رضي الله عنه- فهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده "1/ 447" وأبو داود في كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات حديث رقم "2114" والترمذي في كتاب النكاح، باب "44" حديث رقم "1145" والنسائي في سننه "6/ 121" وابن ماجه في كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها حديث رقم "1891" ولفظه: عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض فيها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، ولا وكسَ ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بروع بنت واشق -امرأة منا- مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود.
وكان "علي" -رضي الله عنه- لا يرى ذلك ويقول: "لا ندع كتاب ربنا لقول أعرابي بوال على عقبيه".
ورواية البيهقي في سننه "7/ 247": "لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله".
وقد ضعف بعض المحدثين عبارة "بوال على عقبيه" وأن ذلك لا يصح عن "علي" وفي إسناد هذه الرواية: أبو إسحاق الكوفي. قال عنه الأزدي: ليس بثقة. انظر: ميزان الاعتدال "4/ 488"، تخريج أحاديث اللمع ص221، 222.
وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه "6/ 293": أن عليًّا -رضي الله عنه- كان يجعل لها الميراث وعليها العدة، ولا يجعل لها صداقا، ويقول: "لا نصدق الأعراب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
(1/324)

وردت "عائشة" خبر "ابن عمر" في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه1.
قلنا: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا حجة عليهم؛ فإنهم قد قبلوا الأخبار التي توقفوا عنها بموافقة غير الراوي له، ولم يبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرج عن رتبةالآحاد إلى رتبة التواتر.
والثاني: أن توقفهم كان لمعان مخصصة بهم.
فتوقف النبي -صلى الله عليه وسلم- في خبر "ذي اليدين" ليعلمهم: أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد1.
__________
1 روى يحيي بن عبد الرحمن عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الميت يعذب ببكاء أهله عليه" فقالت عائشة -رضي الله عنها-: يرحمه الله، لم يكذب، ولكنه وهم، إنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجل مات يهوديًّا: "إن الميت ليعذب، وإن أهله ليبكون عليه". حديث صحيح: رواه البخاري حديث "1288" ومسلم حديث "391" والترمذي حديث "100" والنسائي "4/ 17" ومالك في الموطأ "1/ 234" بلفظ: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ".
1 خلاصة الرد الثاني: أن هذه الأخبار كان لها ظروف خاصة اقترفت بها: فخبر ذي اليدين، كان الناس كثيرين خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيهم من هو أضبط لأفعال الصلاة من ذي اليدين، فلذلك أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتأكد بوقوع ذلك.
وأما خبر "المغيرة" فلعل أبا بكر -رضي الله عنه- قد غلب فيه جانب الشهادة على المال، وهو يثبت حقًّا ماليًّا مؤبدًا، وهو ميراث الجدة، فكان ذلك مناسبًا للتوقف والتأكد.
وأما رد سيدنا عمر لخبر أبي موسى، فواضح الدلالة، حيث كان -رضي الله عنه- شديد الحرص على عدم دخول شيء في السنة ليس منها.
وأما حديث "ابن عمر" الذي ردته "عائشة" -رضي الله عنها- فإنما ردته لا من =
(1/325)

وأما أبو بكر -رضي الله عنه-: فلم يرد خبر "المغيرة" وإنما طلب الاستظهار بقول آخر، وليس فيه ما يدل على أنه لا يقبل قوله لو انفرد.
وأما عمر -رضي الله عنه- فإنه كان يفعل ذلك سياسة؛ ليتثبت الناس في رواية الحديث، وقد صرح به فقال: "إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
وعائشة -رضي الله عنها- لم ترد خبر "ابن عمر" وإنما تأولته.
الدليل الثاني1:
ما تواتر من إنفاذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف؛ لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات وتبليغ الرسالة.
ومن المعلوم: أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- مأمور بتبليغ الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به.
دليل ثالث2:
أن الإجماع انعقد على وجوب قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنه فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى، فإن تطرق الغلط
__________
= حيث الكذب، وإنما من حيث الوهم، أو الخطأ والنسيان.
وكل هذه الملابسات لا تقوى على الطعن في العمل بخبر الآحاد.
1 هذا هو الدليل الثاني على وجوب التعبد بخبر الواحد.... حيث قال في أول الفصل: ولنا دليلان قاطعان: أحدهما: إجماع الصحابة، وهذا هو الثاني.
2 هذا دليل ثالث على وجوب العمل بخبر الواحد. ولما لم يكن في قوة الدليلين السابقين لم يضمه إلى الدليلين السابقين.
وخلاصة هذا الدليل: قياس خبر الواحد على ما يفتي به المفتي، بجامع =
(1/326)

إلى المفتي كتطرق الغلط إلى الراوي؛ لأن المجتهد -وإن كان مصيبًا- فإنما يكون مصيبا إذا لم يفرط.
وربما ظن أنه لم يفرط، ويكون قد فرط، وهذا عند من يجوز تقليد مقلد بعض الأئمة أولى، فإنه إذا جاز أن يروي مذهب غيره، لم لا يجوز أن يروي قول غيره.
فإن قيل:
هذا قياس لا يفيد إلا الظن، وخبر الواحد أصل لا يثبت بالظن.
ثم الفرق بينهما: أن هذا حال ضرورة، فإنا لو كلفنا كل أحد الاجتهاد تعذر1.
قلنا: لا نسلم أنه مظنون، بل هو مقطوع بأنه في معناه؛ فإنا إذا قطعنا بخبر الواحد في البيع، قطعنا به في النكاح، ولم يختلف باختلاف المروي فيه، ولم يختلف ههنا إلا المروي عنه، فإن هذا يروي عن ظنه، وهذا يروي عن غيره2.
__________
= حصول الظن فيهما؛ أما في الفتيا: فإنه يغلب على ظن المفتي والمستفتي أن ما أفتى به هو حكم الله تعالى.
وأما في الراوي: فلأنه يغلب على ظن السامع أن ما رواه ثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيجب أن يقبل؛ قياسًا على الفتيا: انظر: "شرح مختصر الروضة ج2 ص131-132".
1 خلاصة هذا الاعتراض: أن هذا القياس ظني؛ فلا يثبت به العمل بخبر الواحد؛ لأنه أصل قوي، فلا يثبت بمثل هذا القياس.
2 خلاصة الجواب على هذا الاعتراض: أن كون القياس المذكور ظنيًّا محل النزاع، ونحن لا نسلم به، بل هو جلي قاطع، فإنه لا فارق بين الرواي والمفتي، إلا أن هذا يخبر عن غيره، وهذا يخبر عن ظنه. =
(1/327)

وقولهم: "إنه يفضي إلى تعذر الأحكام" ليس كذلك، فإن العامي يرجع إلى البراءة الأصلية، واستصحاب الحال، كما قلتم في المجتهد إذا لم يجد قاطعًا1.
فصل: وذهب الجبائي2 إلى أن خبر الواحد إنما يقبل إذا رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى أن يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاسه على الشهادة.
وهذا باطل بما ذكرناه من الدليل على قبول خبر الواحد.
ولا يصح قياسه على الشهادة؛ فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة، وكذلك لا تعتبر الرواية في الزنى أربعة، كما يعتبر ذلك في الشهادة فيه3.
__________
= قال الطوفي -مضيفًا ردًا آخر-: "وتحرير الجواب عن الاعتراض المذكور: إما بما ذكرناه من منع كون القياس المذكور ظنيًّا، أو بمنع كون محل النزاع -وهو جواز التعبد بخبر الواحد- قطعيًّا بل هو اجتهادي فيثبت بدلالته الظنية كالقياس المذكور وغيره". "شرح مختصر الروضة جـ2 ص132".
1 هذا رد على قولهم: "إن حالة الإفتاء حالة ضرورة، فلو كلفنا كل واحد بالاجتهاد لتعذرت الأحكام".
خلاصته: أن ذلك لا يفضي إلى تعذر الأحكام، فإن العامي إذا لم يصل إلى الحكم بناء على دليل، استطاع أن يرجع إلى البراءة الأصلية، وهي عدم التكليف.
هذا معنى كلامه، وفيه نظر، فإن العامي لا يعرف ذلك.
2 هو: أبو علي: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري، رأس المعتزلة وشيخهم، من أشهر مؤلفاته: "تفسير القرآن" و"متشابه القرآن" توفي سنة 303هـ. انظر: "الفرق بين الفرق ص183، فرق وطبقات المعتزلة ص85".
3 معنى كلام المصنف في هذا الفصل: أن أبا علي الجبائي يشترط في قبول خبر =
(1/328)

فصل: [في شروط الراوي] 1
ويعتبر في الراوي المقبول روايته أربعة شروط:
الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط.
أما الإسلام: فلا خلاف في اعتباره؛ فإن الكافر متهم في الدين2.
__________
= الواحد أن يرويه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- اثنان، ثم يرويه عن كل واحد اثنان، وهكذا إلى الحد الذي يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاس خبر الواحد على الشهادة.
ورد عليه المصنف من وجهين:
الأول: الأدلة المتقدمة التي دلت على وجوب العمل بخبر الواحد وهي صحيحة وكثيرة.
الثاني: عدم صحة قياس خبر الواحد على الشهادة لأنها تفارق الخبر من أوجه كثيرة منها: أن الشهادة دخلها التعبد، ولذلك لا تقبل فيها النساء بدون الرجال، إلا في المواضع التي لا يصح اطلاع الرجال عليها.
ومنها: أن الشهادة إنما تكون على معين من الناس، فاحتيط له أكثر من غيره، بخلاف الرواية فإنها تكون في جملة أحكام الناس، وينبني عليها قواعد كلية، فلا يتجرأ المسلم على الكذب فيها.
1 لما انتهى المصنف من بيان جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا وسمعًا، أراد أن يبين أن الواحد الذي تقبل روايته له شروط لا بد من تحقيقها.
2 فلا يؤتمن عليه من خبر ديني، كالرواية، والإخبار عن جهة القبلة، ولا يقبل خبره في وقت الصلاة، وطهارة موضعها، وطهارة الماء، ووقت السحور والإفطار، والأصل في ذلك قوله سبحانه: {لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة: 13]
وقوله -تعالى-: {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ =
(1/329)

فإن قيل: هذا يتجه في كافر لا يؤمن بنبينا -صلى الله عليه وسلم- إذ لا يليق بالسياسة تحكيمه في دين لا يعتقد تعظيمه.
أما الكافر المتأول: فإنه معظم للدين، يمتنع من المعصية، غير عالم أنه كافر، فلم لا تقبل روايته؟
قلنا: كل كافر متأول، فاليهودي -أيضًا- متأول؛ فإن المعاند هو الذي يعرف الحق بقلبه ويجحده بلسانه، وهذا يندر، بل تورّع هذا من الكذب كتورع اليهودي، فلا يلتفت إلى هذا، ولا يستفاد هذا المنصب بغير الإسلام1.
وقال أبو الخطاب -في الكافر والفاسق المتأولين-: إن كان داعية فلا يقبل خبره؛ فإنه لا يؤمن أن يضع حديثًا على موافقة هواه، وإن لم يكن داعية:
فكلام أحمد -رحمه الله- يحتمل الأمرين: من القبول وعدمه؛ فإنه قد قال: "احتملوا الحديث من المرجئة"2.
وقال: يكتب عن القدري3 إذا لم يكن داعية.
__________
= ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل} [الممتحنة: 1] أي لا تتولهم في الدين، وهذه الفروع من الدين: شرح المختصر "2/ 136".
"وهذا ما أكده القرآن الكريم في العديد من آياته، يقول الله تعالى في سورة البقرة آية: 146: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
2 المرجئة: طائفة من أهل الكلام، يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والمحبة والخضوع، بالقلب والإقرار بالوحدانية، وما جاءت به الرسل ليس داخلًا في أصل الإيمان، فلا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة، وهم فرق كثيرة. انظر في معتقداتهم: "الفرق بين الفرق ص203، والملل والنحل 1/ 186".
3 تقدم التعريف بالقدرية.
(1/330)

واستعظم الرواية عن سعد العوفي1 وقال: هو جهمي، امتحن فأجاب2.
واختار أبو الخطاب: قبول رواية الفاسق المتأول، لما ذكرناه، وأن توهم الكذب منه كتوهمه من العدل؛ لتعظيمه المعصية وامتناعه منها، وهو مذهب الشافعي.
ولذلك كان السلف يروي بعضهم عن بعض، مع اختلافهم في المذاهب والأهواء3.
__________
1 هو: سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعيد العوفي، ضعيف، قال فيه الإمام أحمد: "جهمي" وقال: "ولم يكن هذا -أيضًا- ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك" توفي سنة 276هـ. انظر: تاريخ بغداد "9/ 126".
2 وعبارة أبي يعلى في العدة "3/ 948": "امتحن فأجاب قبل أن يكون ترهيب".
والجهمية: فرقة تنسب إلى "جهم بن صفوان" من الجبرية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأولية: ونفي عن الله -كل ما يوصف به خلقه: كالعلم والحياة، ويقول: إن الإنسان لا يقدر على شيء، وتنسب له الأفعال مجازًا، كما تنسب للجماد، ويقول بفناء الجنة والنار، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، كما ينفي رؤية الله -تعالى- في الآخرة.
انظر: في عقيدة هذه الفرقة "الملل والنحل جـ1 ص87".
3 أرى أن تعليل ابن قدامة في قبول رواية الفاسق المتأول بالقياس على اختلاف السلف الصالح، غير مقبول، وهو قياس مع الفارق، فاختلاف السلف كانت له أسباب ومبررات مشروعة، مثل: اختلاف الرواية، أو عدم اطلاع البعض على الدليل أصلًا، وما إلى ذلك من الأسباب التي تذكر في بيان سبب الخلاف.
والذي نرجحه في هذه المسألة: عدم قبول رواية الفاسق، حتى لو كان متأولًا.
وما نقله المصنف عن الشافعي يخالف ما نقل عنه في الأم، حيث رأى عدم انعقاد النكاح بشهادة الفاسق "الأم 5/ 22".
(1/331)

والثاني: التكليف:
فلا يقبل خبر الصبي والمجنون، لكونه لا يعرف الله -تعالى- ولا يخافه، ولا يلحقه مأثم، فالثقة به أدنى من الثقة بقول الفاسق؛ لكونه يعرف الله -تعالى- ويخافه، ويتعلق المأثم به، ولأنه لا يقبل قوله فيما يخبر عن نفسه -وهو الإقرار- ففيما يخبر به عن غيره أولى1.
أما ما سمعه صغيرًا، ورواه بعد البلوغ: فهو مقبول؛ لأنه لا خلل في سماعه ولا أدائه.
ولذلك: اتفق السلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة: كابن عباس، وعبد الله بن جعفر2، وعبد الله بن الزبير3،....
__________
= وقال الغزالي: "ومذهب الشافعي: أن الكفر نقصان، والفسق يوجب الرد للتهمة". "المستصفى جـ2 ص242".
وقال: "وتورع المتأول عن الكذب كتورع النصراني، فلا ينظر إليه، بل هذا المنصب لا يستفاد إلا بالإسلام، وعرف ذلك بالإجماع، لا بالقياس" المصدر السابق ص230.
قال الشيخ الشنقيطي: "اعلم أن الكافر لا تقبل روايته على التحقيق ولو كان متأولًا معظمًا للدين؛ لأن منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام، وخلاف من خالف في هذا لا يعول عليه" مذكرة أصول الفقه ص112.
1 فرق بعض العلماء بين الصبي المميز وغير المميز، فقلبوا رواية المميز. قال القاضي أبو يعلى: "فأما تحمله الخبر، إن كان عاقلًا مميزًا، ورواه بعد بلوغه، فجائز؛ لإجماع السلف على عملهم بخبر ابن عباس وابن الزبير..... وغيرهم من أحداث الصحابة". "العدة جـ3 ص949".
2 هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، ولد بأرض الحبشة لما هاجر إليها أبواه: جعفر، وأسماء بنت عميس، التي تزوجها أبو بكر بعد وفاة جعفر، ثم علي -بعد أبي بكر-. كانت سنّه عند وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين توفي سنة 80هـ. انظر: "الإصابة 4/ 40".
3 هو: عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي الأسدي، ولد سنة اثنتين من الهجرة، =
(1/332)

والحسن1، والحسين2، والنعمان بن بشير3، ونظرائهم.
وعلى ذلك درج السلف والخلف: في إحضارهم الصبيان مجالس السماع، وقبولهم لشهادتهم فيما سمعوه قبل البلوغ.
والثالث: الضبط4:
فمن لم يكن حاله السماع ممن يضبط، ليؤدي في الآخرة5 على
__________
= وقيل في السنة الأولى، وأمه أسماء بنت أبي بكر، بويع بالخلافة سنة 64هـ عقب موت يزيد، ولم يتخلف عن مبايعته إلا أهل الشام، ثم قتل وصلب سنة 73هـ. "الاستيعاب 3/ 905".
1 هو: الحسن بن علي بن أبي طالب، ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السيدة فاطمة الزهراء ولد سنة 3 للهجرة، تولى الخلافة بعد مقتل أبيه، ثم تنازل عنها لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين. توفي بالمدينة سنة 49هـ. "الإصابة 2/ 68".
2 هو: الحسين بن علي بن أبي طالب، سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن السيدة فاطمة الزهراء، سيد شباب أهل الجنة، قتل في كربلاء على يد عبيد الله بن زياد سنة 61هـ. "الإصابة 2/ 76".
3 هو: النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بثمان سنين، تولى إمرة الكوفة في خلافة معاوية ستة أشهر، ثم تولى له إمرة حمص، ولابنه يزيد من بعده، ولما مات يزيد دعا لابن الزبير، فخالفه أهل "حمص" وقتلوه سنة 64هـ. "الاستيعاب 4/ 1496".
4 أصل الضبط: إمساك الشيء باليد، أو اليدين، إمساكًا يؤمن مع الفوات، ثم استعمل -مجازًا- في حفظ الوالي ونحوه البلاد بالحزم وحسن السياسة، وفي حفظ المعاني بألفاظها، أو بدونها بالقوة الحافظة.
ويستعمل في اصطلاح المحدثين في التحري والتشديد في النقل، والمبالغة في إيضاح الخط بالإعراب، والشكل، والنقط. "شرح مختصر الروضة جـ2 ص144-145".
5 أي بعد البلوغ.
(1/333)

الوجه1، لم تحصل الثقة بقوله.
الرابع: العدالة2:
فلا يقبل خبر الفاسق؛ لأن الله -تعالى- قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} 3. وهذا زجر عن الاعتماد على قبول [قول] الفاسق.
ولأن من لا يخاف الله -سبحانه- خوفًا يزعه4 عن الكذب لا تحصل الثقة بقوله.
__________
1 عبارة المستصفى: "على وجهه" أي: لم يغير اللفظ ولا المعنى.
2 قال الغزالي: "والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين.
ويرجع حاصلها إلى: هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله -تعالى- خوفًا وازعًا عن الكذب.
ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكفي -أيضًا- اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما يرد به، كسرقة بصلة، وتطفيف حبة قصدًا.
وبالجملة: كل ما يدل على ركاكة دينه، إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية". "المستصفى جـ2 ص231".
3 سورة الحجرات من الآية: 6.
4 يزعه: أي يكفه ويمنعه.
(1/334)

فصل: [في حكم خبر مجهول الحال]
ولا يقبل خبر مجهول الحال في هذه الشروط، في إحدى الروايتين1.
__________
1 عن الإمان أحمد -رضي الله عنه-.
(1/334)

وهو مذهب الشافعي1.
والأخرى يقبل مجهول الحال في العدالة خاصة، دون بقية الشروط. وهو مذهب أبي حنيفة2.
ووجهه: أربعة أدلة3:
أحدها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ولم يعرف منه إلا الإسلام4.
__________
1 بل مذهب أكثر الشافعية والمالكية والحنابلة، وبعض الحنفية.
انظر: "المستصفى جـ2 ص233 وما بعدها، المسودة ص253، كشف الأسرار على أصول البزدوي جـ2 ص400".
2 اتفق العلماء على عدم قبول رواية مجهول الحال في: الإسلام، والتكليف، والضبط. واختلفوا في قبول خبر مجهول العدالة على مذهبين -كما قال المصنف-.
وتحرير الخلاف في هذه المسألة متفرع على: هل شرط قبول الرواية العلم بعدالة الراوي، أو عدم العلم بالفسق؟
فإن قلنا: شرط القبول العلم بعدالته، لم تقبل رواية المجهول، لأننا لم نعلم بتحققها فيه.
وإن قلنا: الشرط هو عدم العلم بالفسق، قبلت رواية المجهول؛ لعدم العلم بفسقه. انظر: "شرح مختصر الروضة جـ2 ص147".
وقد فرق السرخسي في أصوله "1/ 352" بين مجهول الحال في القرون الثلاثة التي شهد لها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالخيرية، وبين غيره من القرون الأخرى فقال: "المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه، ما لم يتبين منه ما ينزل عدالته، فيكون خبره حجة ... " وهو تفصيل حسن.
3 أي أن صاحب المذهب الثاني، وهم القائلون بقبول رواية المجهول استدلوا بأربعة أدلة كما سيأتي.
4 حديث قبول شهادة الأعرابي: أخرجه الترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في =
(1/335)

الثاني: أن الصحابة كانوا يقبلون رواية الأعراب، والعبيد، والنساء؛ لأنهم لم يعرفوهم بفسق.
الثالث: أنه لو أسلم، ثم روى أو شهد: فإن قلتم: لا تقبل فبعيد. وإن قلتم: تقبل فلا مستند لذلك إلا إسلامه، مع عدم ظهور الفسق منه، فإذا مضى لذلك زمان، فلا يجوز أن يجعل ذلك مستندًا لرد روايته.
الرابع: أنه لو أخبر بطهارة الماء، أو نجاسته، أو أنه على طهارة: قبل ذلك حتى يصلح للائتمام به.
ولو أخبر بأن هذه الجارية المبيعة ملكه، أو أنها خالية عن زوج، قبل قولهم حتى ينبني على ذلك حل الوطء.
ووجه الرواية الأولى1 خمسة أمور:
__________
= الصوم بالشهادة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ولفظه: "جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني رأيت الهلال. قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ " قال: نعم. قال: "يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدًا".
قال الترمذي: "حديث ابن عباس فيه اختلاف، وروى سفيان الثوري وغيره عن سماك عن عكرمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن عكرمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا".
كما أخرجه أبو داود: كتاب الصيام، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان.
عن ابن عباس مسندًا، وعن عكرمة مرسلًا، بلفظ قريب من لفظ الترمذي.
كذلك أخرجه النسائي: كتاب الصيام، باب في قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان بنحو ما أخرجه أبو داود، ومثله ابن ماجه عن ابن عباس مسندًا.
1 وهي: أن رواية المجهول لا تقبل.
(1/336)

أحدها: أن مستند قبول خبر الواحد الإجماع، والمجمع عليه: قبول رواية العدل، ورد خبر الفاسق.
والمجهول الحال ليس بعدل، ولا هو في معنى العدل في حصول الثقة بقوله.
الثاني: أن الفسق مانع كالصبا والكفر، فالشك فيه كالشك في الصبا والكفر من غير فرق.
الثالث: أن شهادته لا تقبل، فكذلك روايته.
وإن منعوا في المال1: سلموا في العقوبات.
وطريق الثقة في الرواية والشهادة واحدة، وإن اختلفا في بقية الشروط.
الرابع: أن المقلد إذا شك في بلوغ المفتي درجة الاجتهاد: لم يجز تقليده، بل قد سلموا أنه لو شك في عدالته وفسقه: لم يجز تقليده.
وأي فرق بين حكايته عن نفسه اجتهاده، وبين حكايته خبرًا عن غيره؟
الخامس: أنه لا تقبل شهادة2 الفرع ما لم يعين شاهد الأصل فَلِمَ يجب تعيينه إن كان قول المجهول مقبولًا؟
فإن قالوا: يجب تعيينه، لعل الحاكم يعرفه بفسق فيرد شهادته3.
__________
1 معناه: إن قالوا: لا نسلم عدم قبول شهادته في المال، فقد سلموا بعدم القبول في العقوبات.
2 في الأصل "رواية" وما نقلناه من المستصفى.
3 معنى هذا: أنه في حال الشهادة، لا تقبل الشهادة الثانية، والتي =
(1/337)

قلنا: إذا كانت العدالة هي: الإسلام من غير ظهور فسق، فقد عرف ذلك، فلم يجب التتبع1؟
وأما قبول النبي -صلى الله عليه وسلم- قول الأعرابي، فإن كونه أعرابيًّا لا يمنع كونه معلوم العدالة عنده إما بخبر عنده، أو تزكيته ممن عرف حاله، وإما بوحي، فمن سلم لكم أنه كان مجهولًا؟
وأما الصحابة: فإنما قبلوا قول أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وقول من عرفوا حاله ممن هو مشهود العدالة عندهم، وحيث جهلوا ردُّوا.
جواب ثان:
أن الصحابة -رضي الله عنهم- لا تعتبر معرفة ذلك فيهم؛ لأنه مجمع على عدالتهم بتزكية النص لهم، بخلاف غيرهم2.
وأما الحديث العهد بالإسلام: فلا يسلم قبول قوله؛ لأنه قد يسلم الكاذب ويبقى على طبعه.
وإن سلمنا قبول روايته فذلك لطراوة إسلامه، وقرب عهده بالإسلام.
__________
= تسمى فرعًا، على الشهادة حتي يعين الأصل الذي شهد على شهادته، فلو كان قول المجهول مقبولًا لم يحتج للتعيين.
1 هذا مبني على الخلاف في العدالة والفسق: هل هما بحسب نفس الأمر وباطنه فيما بين المكلف وبين ربه، أو بحسب ما يظهر من أفعاله وحركاته الدالة -عادة- على باطنه، أو بحسب علمنا بحاله: عدالة أو فسقًا.
فأهل العراق -من الحنفية- يقولون: العدالة عبارة عن إظهار الإسلام، مع سلامته عن فسق ظاهر، فكل مسلم مجهول الحال عندهم عدل.
أما الجمهور فيقولون: لا تعرف عدالته إلا بخبرة باطنة، والبحث عن سيرته وسريرته. انظر: "المستصفى جـ2 ص233".
2 معناه: أن المجهول منهم عدل، بتزكية الشارع وتعديلهم جميعًا.
(1/338)

وشتان بين من هو في طراوة البداية وبين من نشأ عليه بطول الألفة.
فإن قيل: إذا كانت العدالة لأمر باطن، وأصله الخوف، ولا يشاهد، بل يستدل عليه بما يغلب على الظن: فأصل ذلك الخوف: الإيمان، فإنه يدل على الخوف دلالة ظاهرة، فلنكتف به؟
قلنا: المشاهدة والتجربة دلت على أن فسّاق المسلمين أكثر من عدولهم فلا نشكك أنفسنا فيما عرفناه يقينًا.
ثم هلّا اكتفى به في شهادة العقوبات، وشهادة1 الأصل، وحال المفتي، وسائر ما سلّموه.
وأما قول العاقد: فهو مقبول رخصة مع ظهور فسقه، لمسيس الحاجة إلى المعاملات.
وأما الخبر عن نجاسة الماء وقلته، فلا نسلمه2.
__________
1 في الأصل "شاهد" وما نقلناه عن المستصفى.
2 معناه: أن إخباره بنجاسة الماء وطهارته، وسائر الأمثلة التي ذكروها -غير مسلم، وإن سلّمنا بذلك، فلا تقاس عليه الرواية، لأن نجاسة الماء وطهارته، أحكام جزئية، ولا تعظم في قبولها منه، بخلاف الرواية، فإنها تثبت حكمًا شرعيًّا عامًّا، تعظم المفسدة بتقدير الكذب فيه.
ففرق بين من يقول: أنا متطهر، فصلوا خلفي، فلو فرض كذبه لترتب على ذلك فساد هذه الصلاة فقط، في واقع الأمر، مع أنها صحيحة في ظاهر الحكم.
أما من روي: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، فعلى تقدير كذبه يبطل صلاة كثير من الناس.
انظر في بيان ذلك: "شرح مختصر الروضة جـ2 ص155، 156".
(1/339)

فصل: [فيما لا يشترط في الراوي]
ولا يشترط في الرواية الذكورية؛ فإن الصحابة قبلوا قول عائشة وغيرها من النساء.
ولا البصر1؛ فإن الصحابة كانوا يروون عن عائشة -رضي الله عنها- اعتمادًا على صوتها، وهم كالضرير في حقها.
ولا يشترط كون الراوي فقيها2 لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" 3.
وكانت الصحابة تقبل خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثًا واحدًا.
ولا يقدح في الرواية: العداوة والقرابة، لأن حكمها عام، لا يختص بشخص فيؤثر فيه ذلك4
ولا يشترط معرفة نسب الراوي؛ فإن حديثه يقبل ولو لم يكن له
__________
1 فالضرير الضابط للصوت تقبل روايته، وإن لم تقبل شهادته.
2 خلافًا لمالك وأبي حنيفة وبعض العلماء، فإنهم يشترطون فقه الراوي ولذلك قدح أهل العراق في رواية أبي هريرة -رضي الله عنه- لأنه لم يكن مشهورًا بالفقه، ويرد عليهم بالحديث الأتي.
3 لفظ الحديث: عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" رواه أحمد في مسنده "5/ 183" وأبو داود في سننه حديث "3643" والترمذي حديث "2794" وابن ماجه "230" والطبري في الكبير "4891"، "4924"، "4925"والطحاوي في مشكل الآثار "2/ 232".
4 وهذا بخلاف الشهادة، فإن العداوة أو القرابة تمنع من قبولها، كما هو معروف.
(1/340)

نسب، فالجهل بالنسب أولى أن لا يقدح.
ولو ذكر اسم شخص متردد بين مجروح وعدل فلا يقبل حديثه المتردد.
فصل: في التزكية والجرح1
اعلم أنه يسمع الجرح والتعديل من واحد في الرواية2؛ لأن العدالة التي تثبت بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية، بخلاف الشهادة.
__________
1 هذا الفصل في "المستصفى" بعنوان: الجرح والتعديل، ولم يذكر التزكية.
والتزكية: هي التعديل. والجرح: ضد التزكية.
قال الطوفي: "وحقيقة الجرح -بفتح الجيم- هو القطع في الجسم الحيواني بحديد أو ما قام مقامه، والجرح -بالضم- هو أثر الجرح -بالفتح- وهو الموضع المقطوع من الجسم، ثم استعمله المحدثون والفقهاء فيما يقابل التعديل مجازًا، لأنه في الدين والعرض، كما أن الجرح الحقيقي تأثير في الجسم.
والجرح -كما ذكر-: هو أن ينسب إلى الشخص ما يرد قوله لأجله، من فعل معصية كبيرة أو صغيرة، أو ارتكاب دنيئة.
وبالجملة: ينسب إليه ما يخل بالعدالة التي هي شرط قبول الرواية ... ".
ثم قال: "والتعديل خلافه، أي خلاف الجرح، فيكون إذن: نسبة ما يقبل لأجله قول الشخص، أي: أن ينسب إليه من الخير، والعفة والصيانة، والمروءة، والتدين، بفعل الواجبات، وترك المحرمات، ما يسوغ، قبول قوله شرعًا، لدلالة هذه الأحوال على تحري الصدق، ومجانية الكذب" شرح المختصر "2/ 162-163".
2 هذا هو مذهب الجمهور. قال الغزالي: ".... فشرط بعض المحدثين العدد في المزكي والجارح، كما في مزكي الشهادة.
وقال القاضي: لا يشترط العدد في تزكية الشاهد، ولا في تزكية الراوي، وإن =
(1/341)

وكذلك تقبل تزكية العبد والمرأة، كما تقبل روايتها.
واختلفت الرواية1 في قبول الجرح إذا لم يتبين سببه:
فروي: أنه يقبل؛ لأن أسباب الجرح معلومة، فالظاهر أنه لا يجرح إلا بما يعلمه.
__________
= كان الأحوط في الشهادة الاستظهار بعدد المزكي.
وقال قوم: يشترط في الشهادة دون الرواية. وهذه مسألة فقهية، والأظهر -عندنا- أنه يشترط في الشهادة دون الرواية، وهذا لأن العدد الذي تثبت به الرواية لا يزيد على نفس الرواية". "المستصفى جـ2 ص250-251".
1 عن الإمام أحمد. قال الطوفي: "مذهب الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أن التعديل لا يشترط بيان سببه، استصحابًا لحال العدالة، وهو قول الشافعي. بخلاف سبب الجرح، فإنه يشترط بيانه في أحد القولين عن أحمد، وهو قول الشافعي؛ وذلك لاختلاف الناس في سبب الجرح، واعتقاد بعضهم ما لا يصلح أن يكون سببًا للجرح جارحًا، كشرب النبيذ متأولًا، فإنه يقدح في العدالة عند مالك، دون غيره، كمن يرى إنسانًا يبول قائمًا، فيبادر لجرحه بذلك، ولم ينظر أنه متأول، مخطئ أو معذور، كما حكى عند النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه بال قائمًا؛ لعذر كان به. فينبغي بيان سبب الجرح؛ ليكون على ثقة واحتراز من الخطأ، والغلو فيه".
ثم قال: "والقول الثاني عن أحمد: لا يشترط بيان سبب الجرح -أيضًا- اكتفاءً بظهور أسبابه، فإنها ظاهرة مشهورة بين الناس، والظاهر من الجارح أنه إنما يجرح بما يعلمه صالحًا للجرح. والقول الأول أولى.
ومذهب أبي بكر في عدم اشتراط بيان السبب فيهما حسن جيد، فينبغي للحاكم أو المحدث، أن لا يقبل إلا قول الجازم، المتوسط بين المفرّط والمفْرط، فمن غلا في الجزم بما يصلح وما لا يصلح، لا يقبل قوله، ومن أحسن ظنه بالناس، واطرح الجزم، حتى عدل من يصلح ومن لا يصلح، لا يقبل قوله، لأن الأول إفراط، والثاني تفريط، وكلاهما مذموم، والصواب التوسط". "شرح المختصر جـ2 ص164، 165".
(1/342)

وروي: أنه لا يقبل؛ لاختلاف الناس فيما يحصل به الجرح، من فسق الاعتقاد، والتدليس وغيره، فيجب بيانه ليعلم.
وقيل: هذا يختلف باختلاف المزكِّي، فمن حصلت الثقة ببصيرته وضبطه يكتفى بإطلاقه.
ومن عرفت عدالته دون بصيرته فنستفصله.
(1/343)

فصل: تعارض الجرح والتعديل
...
أما إذا تعارض الجرح والتعديل: قدمنا الجرح؛ فإنه اطلاع على زيادة خفيت على المعدل1.
__________
1 خلاصة ذلك: أنه إن كان عدد المجرحين أكثر من عدد المعدلين قدم الجرح بلا خلاف، فإن تساوي عدد المجرحين والمعدلين أو كان المعدلون أكثر، فالصحيح تقديم المجرحين؛ لأن مستند المعدل في تعديله: استحصاب حال العدالة الأصلية، وعدم الاطلاع على ما ينافيها. ومستند الجارح: الاطلاع على ما يقدح في العدالة، فقدم قوله، كراوي الزيادة في الحديث؛ لأنه سمع ما لم يسمعه غيره.
والقول الثاني: أنه إذا زاد عدد المعدلين على عدد المجرحين قدم قول المعدلين؛ لأن الكثرة تقوي الظن، والمعدل بأقوى الظنين واجب، كما في تعارض الحديثن والأمارتين وغيرهما من المتعارضات.
قال المصنف: وهو ضعيف، فإن سبب التقديم زيادة العلم، فلا ينتفي ذلك بكثرة العدد.
قال الطوفي: "هذا إنما هو فيما إذا أمكن اطلاع الجارح على زيادة، أما إذا استحال ذلك، مثل أن قال الجارح: رأيت هذا قد قتل زيدًا في وقت كذا، وقال المعدل: رأيت زيداحيًّا بعد ذلك الوقت، فههنا يتعارضان، فيتساقطان، ويبقى أصل العدالة ثابتًا.
قلت: ويحتمل هاهنا أن يقدم قول المعدل، لأن السبب الذي استند إليه =
(1/343)

فإن زاد عدد المعدل على الجارح فقد قيل: يقدم التعديل، وهو ضعيف، لأن سبب التقديم زيادة العلم، فلا ينتفي ذلك بكثرة العدد.
فصل: في التعديل
وذلك: إما بقول، وإما بالرواية عنه، بخبر، أو بالحكم به.
وأعلاها: صريح القول، وتمامه: هو عدل، رضي، ويبين السبب1
الثاني: أن يروى عنه.
وهل ذلك تعديل له؟ على روايتين2:
والصحيح: أنه إن عرف من عادته، أو بصريح3 قوله: أنه لا يستجيز الرواية إلا عن العدل، كانت الرواية تعديلًا له.
وإلا فلا؛ إذ من عادة أكثرهم الرواية عمن لو كلفوا الثناء عليه لسكتوا، فليس فيه تصريح بالتعديل.
فإن قيل: لو روى عن فاسق كان غاشًّا في الدين.
__________
= الجارح قد تبين بطلانه، فتبين به أن الجرح كأنه لم يكن، فيبقى التعديل مستقلًّا". "شرح المختصر جـ2 ص166".
2 أي: سبب التعديل: وإلا لم يقبل.
2 عن الإمام أحمد.
3 في الأصل "تصريح" وما نقلناه من المستصفى.
(1/344)

قلنا: لم يوجب على غيره العمل به، بل قال: سمعت فلانًا قال كذا، وقد صدق فيه.
ثم لعله لم يعرفه بفسق ولا عدالة، فروى عنه ووكل البحث إلى من أراد القبول.
الثالث: العمل بالخبر، إن أمكن حمله على الاحتياط، أو العمل بدليل آخر وافق الخبر، فليس بتعديل.
وإن عرفنا يقينًا أنه عمل بالخبر فهو تعديل؛ إذ لو عمل بخبر غير العدل فَسَقَ.
ويكون حكم ذلك حكم التعديل بالقول من غير ذكر السبب.
الرابع: أن يحكم بشهادته، وذلك أقوى من تزكيته بالقول.
أما تركه الحكم بشهادته فليس بجرح؛ إذ قد يتوقف في شهادته لأسباب سوى الجرح.
(1/345)

فصل: [في عدالة الصحابة]
والذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف: أن الصحابة -رضي الله عنهم- معلومة عدالتهم بتعديل الله وثنائه عليهم.
قال الله -تعالى-: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} 1.
__________
1 سورة التوبة الآية: 100 وتمام الآية: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
(1/345)

قال: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} 1 وقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار} 2.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "خير الناس قرني...." 3، وقال: "إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا وأصهارًا وأنصارًا" 4.
فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب، وتعديل رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟
ولو لم يرد لكان فيما اشتهر وتواتر من حالتهم في طاعة الله -تعالى- وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وبذل المهج5 ما يكفي في القطع بعدالتهم.
وهذا يتناول من يقع عليه اسم الصحابي، ويحصل ذلك بصحبته ساعة ورؤيته مع الإيمان به6.
__________
1 سورة الفتح من الآية: 18.
2 سورة الفتح من الآية: 29.
3 حديث صحيح رواه عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... " أخرجه البخاري في أول كتاب فضائل الصحابة، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حديث رقم "2535" وأبو داود: كتاب السنة، باب في فضل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، حديث "4657" والترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث. والنسائي: كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، وأحمد في المسند "4/ 426، 436، 440".
4 أخرجه الحاكم في المستدرك "3/ 443" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والخطيب في تاريخه "13/ 140" والطبراني في الكبير "17/ 140" بلفظ: "إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا، فجعل لي بينهم وزراء وأنصارًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناسب أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل" قال الهيثمي في مجمع الزوائد "10/ 17": "فيه من لم أعرفه".
5 المهج: جمع مهجة، وهي الدم، أو الروح والنفس.
6 هذا تعريف للصحابي الذي تقدمت الأدلة على أنهم جميعًا عدول، وأن مجهول =
(1/346)

ويحصل لنا العلم بذلك بخبره عن نفسه، أو عن غيره: أنه صحب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فإن قيل: إن قوله: [أنا صحابي] شهادة لنفسه، فكيف يقبل؟
قلنا: إنما هو خبر عن نفسه بما يترتب عليه حكم شرعي يوجب العمل، لا يلحق غيره مضرة، ولا يوجب تهمة، فهو كرواية الصحابي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
__________
= الحال منهم تقبل روايته. هذا هو مقصود المصنف.
والذي ذكره في تعريف الصحابي هو رأي من الآراء التي قيلت في هذا المقام. وقد أجمل الغزالي هذه الآراء في المستصفى جـ2 ص261 فقال: "فإن قيل: القرآن أثنى عل الصحابة، فمن الصحابي؟ أمن عاصر رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؟
أو من لقيه مرة؟
أو من صحبه ساعة؟
أو من طالت صحبته؟ وما حد طولها؟
قلنا: الاسم لا يطلق إلا على من صحبه، ثم يكفي للاسم -من حيث الوضع- الصحبة ولو ساعة. ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته" وهناك آراء آخرى كثيرة، وبيان المدة التي يجب أن يصحب النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها تراجع في المطولات.
1 قال الطوافي: "بل يوجب تهمة، وهو تحصيل منصب الصحبة لنفسه، ويضر بالمسلمين، حيث يلزمهم قبول ما يرويه مع هذه التهمة" شرح المختصر "2/ 187" وقال ابن بدران: "والحق أنه لا بد من تقييد من قال بقبول خبره أنه صحابي: أن تقوم القرائن الدالة على صدق دعواه، وإلا لزم خبر كثير من الكذابين الذين ادعوا الصحبة".
(1/347)

فصل: [في حكم خبر المحدود في القذف]
المحدود في القذف: إن كان بلفظ الشهادة: فلا يرد خبره؛ لأن نقصان العدد ليس من فعله1.
ولهذا روى الناس عن أبي بكرة2، واتفقوا على ذلك، وهو محدود في القذف.
وإن كان بغير لفظ الشهادة: فلا تقبل روايته حتى يتوب.
__________
1 خلاصة هذا الفصل: أن المحدود في القذف نوعان:
أحدهما: أن يكون قذف غيره بلفظ الشهادة، مثل أن يشهد على إنسان بالزنا ولا تكتمل الشهادة فيحد لذلك، وهذا تقبل روايته، لأنه إنما يحد لعدم كمال نصاب الشهادة بالزنا وهو أربعة، وعدم كمال نصاب الشهادة ليس من فعله، فلا ترد شهادته.
ثانيهما: القذف بغير لفظ الشهادة، بأن يقول لآخر: يا زاني، يا عاهر، ونحو ذلك، فهذا ترد شهادته حتى يتوب، لأن هذا الحد إنما كان بسبب فعله، فسلب منه منصب الشهادة حتى يتوب، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4، 5] فإذا تاب قبلت روايته.
2 هو: نفيع بن الحارث الثقفي، ويقال: نفيع بن مسروح، المكنى بأبي بكرة، لأنه تدلى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من حصن الطائف وقت حصار النبي -صلى الله عليه وسلم- له بعد "حنين" ببكرة، فاشتهر بها. كان من فضلاء الصحابة الذين سكنوا البصرة، واعتزال الفتنة بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- وكان عمر -رضي الله عنه- قد جلده حين شهد على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم تكتمل الشهادة. توفي سنة 51هـ. انظر في ترجمته: "الإصابة 6/ 467".
(1/348)

فصل: في كيفية الرواية
وهي على أربع مراتب:
أعلاها: قراءة الشيخ عليه في معرض الإخبار ليروي عنه.
وذلك يسلّط الراوي أن يقول: حدثني، وأخبرني، وقال فلان، وسمعته يقول.
الثانية: أن يقرأ على الشيخ فيقول: نعم، أو يسكت، فتجوز الرواية به، خلافًا لبعض أهل الظاهر.
ولنا: أنه لو لم يكن صحيحًا لم يسكت.
نعم لو كان ثَمَّ مخيلة2 إكراه، أو غفلة لا يكتفى بسكوته.
وهذا يسلط الراوي على أن يقول: أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه.
وهل يجوز أن يقول: أخبرنا، أوحدثنا؟ على روايتين3:
إحداهما: لا يجوز، كما لا يجوز أن يقول: سمعت من فلان.
والأخرى: يجوز. وهو قول أكثر الفقهاء4.
لأنه إذا أقر به كقوله: نعم. والجواب بنعم كالخبر، بدليل ثبوت أحكام الإقرار به.
ولذلك يقول: أشهدني على نفسه5.
__________
1 هذه الكيفية لغير الصحابي، أما الصحابي: فقد تقدم حكمها.
2 مخيلة: مصدر خال الشيء يخاله: أي يظنه.
3 أي: عن الإمام أحمد.
4 ومنهم: أبو حنيفة ومالك وأكثر العلماء.
5 هذا تقوية للرواية الثانية: ومعناه: أن من قيل له: أََلِفلان عليك عشرة دراهم =
(1/349)

وكذلك إذا قال الشيخ: أخبرنا، أو حدثنا، هل يجوز للراوي عنه إبدال إحدى اللفظتين بالأخرى؟
على روايتين:
وهل يجوز أن يقول سمعت فلانًا؟
فقد قيل: لا يجوز؛ لأنه يشعر بالنطق، وذلك كذب، إلا إذا علم بصريح قوله أو بقرينة أنه يريد القراءة على الشيخ.
الثالثة: الإجازة:
وهي أن يقول: أجزت لك ان تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من مسموعاتي1.
__________
= فقال: نعم، كان للشاهد عليه أن يقول: أشهدني على نفسه بعشرة دراهم، مع أنه لا مستند له إلا قوله نعم، فكذا في الرواية، بل أولى.
1 العلماء يقسمون الإجازة إلى أربعة أقسام:
الأول: الإجازة لمعين في غير معين، كقوله: أجزت لك أو لكم أن تروي أو ترووا عني الكتاب الفلاني.
الثاني: الإجازة لمعين في غير معين، كقوله: أجزت لك أن تروي عني جميع مروياتي.
الثالث: الإجازة لغير معين في معين، كأن يقول: أجزت للمسلمين أن يرووا عني الكتاب الفلاني.
الرابع: الإجازة لغير معين من غير معين، كأن يقول: أجزت للمسلمين أن يرووا عني جميع مروياتي.
وجمهور العلماء على جواز الرواية والعمل بالإجازة، حتى حكي الإجماع على ذلك.
ومنع الرواية بالإجازة والمناولة جماعة من العلماء منهم: القاضي حسين والماوردي، وهي إحدى الروايتين عن الشافعي، وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة =
(1/350)

الرابعة: المناولة:
وهي أن يقول: خذ هذا الكتاب فاروه عني.
فهو كالإجازة؛ لأن مجرد المناولة دون اللفظ لا يغني، واللفظ وحده يكفي، وكلاهما تجوزالرواية به، فيقول حدثني، أو أخبرني إجازة.
فإن لم يقل: "إجازة" لم يجز.
وجوَّزه قوم. وهو فاسد؛ لأنه يشعر بسماعه منه، وهو كذب.
وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف1: أنه لا يجوز الرواية بالمناولة والإجازة، وليس بصحيح؛ لأن المقصود: معرفة صحة الخبر، لا عين الطريق2.
وقوله: "هذا الكتاب مسموعي، فاروه عني" -في التعريف- كقراءته والقراءة عليه.
وأما إن قال: "سماعي" ولم يقل: "اروه عني" فلا تجوز الرواية
__________
= وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك. وقال ابن حزم: إنها بدعة. انظر: الإحكام "2/ 100"، كشف الأسرار "3/ 45" المسودة ص287.
1 هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب أبي حنيفة، والذي ساعد على نشر مذهبه، من أهم مؤلفاته: "الخراج" توفي سنة 182هـ. "الفوائد البهية ص225".
2 طريق الحديث: هو قول الراوي: حدثنا فلان عن فلان إلى السند، وهو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، فمعرفة صحة الحديث هي المقصودة.
والقاعدة: أن المقاصد إذا حصلت بدون الوسائل، سقطت الوسائل، لأنها ليست مقصودة لنفسها، ومعرفة صحة الخبر، حصلت بالإجازة أو المناولة؛ لأن المخبر عدل جازم بالإذن في الرواية، والظاهر أنه ما أذن إلا فيما هو عالم بصحته وروايته له. انظر: "شرح مختصر الروضة جـ2 ص209".
(1/351)

عنه؛ لأنه لم يأذن، فلعله لا يجوّز الرواية، لخلل يعرفه.
وكذا لو قال: "عندي شهادة" لا يشهد بها ما لم يقل "أذنت لك أن تشهد على شهادتي".
فالرواية شهادة، والإنسان قد يتساهل في الكلام، لكن عند الجزم بها1 يتوقف2.
وكذلك لو وجد شيئًا مكتوبًا بخطه: لا يرويه عنه.
لكن يجوز أن يقول: "وجدت بخط فلان".
أما إذا قال العدل: "هذه نسخة من صحيح البخاري"3 فليس له أن يروي عنه.
__________
1 أي بالشهادة.
2 قوله: "والإنسان قد يتساهل إلخ" جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: لو علم أن في روايته خللًا، لما قال له: خذ هذا الكتاب، أو هو سماعي؛ لأنه تغرير للسامع بالرواية عنه، فيكون غشًّا في الدين.
والجواب: أن الإنسان قد يتساهل في الكلام، وعند العمل والجزم والتحقيق يتوقف، وحينئذ لا يمتنع أن يقول له: خذ هذا الكتاب ليستفيد به نظرًا، أو هو سماع، ترغيبًا له في الرواية عنه لغيره، أو لذلك الكتاب بعينه، بشرط أن يتحقق حال روايته له فيما بعد. "شرح مختصر الروضة جـ2 ص211".
3 البخاري: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، أبو عبد الله الإمام الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، وصاحب أصح كتاب بعد القرآن الكريم، جمع فيه سبعة آلاف ومائتين وخمسة وسبعين حديثًا، وقيل غير ذلك.
ولد ببخارى سنة 194هـ وتوفي سنة 256هـ بقرية تسمى "خرتنك" على بعد ثلاثة فراسخ من سمرقند.
انظر في ترجمته: "تذكرة الحفاظ 2/ 122، تهذيب التهذيب 9/ 47".
(1/352)

وهل يلزم العمل به؟
فقيل: إن كان مقلدًا: فليس له العمل به؛ لأن فرضه تقليد المجتهد1.
وإن كان مجتهدًا: لزمه2؛ لأن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حاملها بصحتها، دون أن يسمعها كل واحد منه، فإن ذلك يفيد سكون النفس وغلبة الظن.
وقيل: لا يجوز العمل بما لم يسمعه3. والله أعلم.
فصل: إذا وجد سماعه بخط يوثق به، جاز له أن يرويه وإن لم يذكر سماعه، إذا غلب على ظنه أنه سمعه. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، قياسًا على الشهادة.
ولنا: ما ذكرنا من اعتماد الصحابة على كتب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
__________
1 لقصوره عن معرفة الحكم مع تعارض الأدلة.
2 أي: لزمه العمل به، لأن المحذور، في العمل بالحديث، إما من جهة ضعفه، أو من جهة الخطأ في دلالته، وكلاهما منتف ههنا.
أما الضعف: فقد انتفى بقول العدل العارف: هذه نسخة صحيحة.
وأما الخطأ في الدلالة فمنتف لأن المجتهد عارف بتنزيل الأدلة منازلها، وكيفية التصرف فيها، ولأن الصحابة كانوا يحملون صحف الصدقات وغيرها إلى البلاد، كما، قال المصنف. انظر: "شرح مختصر الروضة جـ2 ص212".
3 لعدم سماعه له.
(1/353)

ولأن مبنى الرواية على حسن الظن وغلبته، بناء على دليل، وقد وجد ذلك.
والشهادة لا نسلمها على إحدى الروايتين.
وعلى الأخرى: الشهادة آكد؛ لما علم بينهما من الفروق. والله أعلم1.
__________
1 خلاصة هذا الفصل: أنه إذا وجد سماعه بخط يغلب على الظن به أنه سمعه، مع أنه ناس للسماع، فهل له أن يرويه اعتمادًا على الخط، وهو ما اختاره المؤلف، وعزاه للشافعي، وعلل ذلك: بأن مبنى الرواية على حسن الظن وغلبته بناء على دليل، وقد وجد ذلك في هذه المسألة؛ لأن الثقة بالخط المذكور يغلب على الظن بها صحة السماع المذكور، وهذه هي الرواية الأولى عن الإمام أحمد.
والرواية الثانية: لا يجوز له أن يروي ذلك اعتمادًا على الخط بسبب نسيانه للسماع، وهو مروي عن أبي حنيفة قياسًا للرواية على الشهادة.
واعترض المصنف على قياس الرواية على الشهادة من جهتين:
الأولى: أن الشهادة تصح اعتمادًا على الخط الموثوق به، وإن لم يتذكرها على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
الثانية: أن الشهادة أضيق من الرواية، فهي آكد من الرواية، وأغلظ، فإذا وجد خطه ولم يذكر، لم يشهد به.
انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص131، التمهيد لأبي الخطاب "3/ 974".
(1/354)

فصل: [في حكم الشك في السماع]
إذا شك في سماع حديث من شيخه: لم يجز أن يرويه عنه؛ لأن روايته عنه شهادة عليه، فلا يشهد بما لم يعلم.
(1/354)

وإن شك في حديث من سماعه والتبس عليه: لم يجز أن يروي شيئًا منها مع الشك؛ لما ذكرنا.
فإن غلب على ظنه في حديث أنه مسموع:
فقال قوم: يجوز؛ اعتمادًا على غلبة الظن.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه يمكن اعتبار العلم بما يرويه، فلا يجوز أن يرويه مع الشك فيه كالشهادة1.
__________
1 خلاصة هذه المسألة في النقاط التالية:
1- إذا شك في سماع حديث من شيخه لا يجوز له أن يرويه عنه مع الشك.
2- إذا شك في حديث من سماعه، ثم التبس عليه ذلك الحديث المشكوك فيه فلم يميزه عن غيره، لم يجز له أن يروي عنه شيئًا مع ذلك الشك، لأن كل حديث رواه عنه محتمل أن يكون هو ذلك الحديث الذي شك في سماعه.
3- إذا غلب على ظنه أنه سمع منه حديثًا، ولم يجزم بذلك، فهل تكفي غلبة الظن فتجوز الرواية، أو لا تكفي فلا يجوز؟
حكى المصنف في ذلك روايتين ولم يرجح واحدة منهما، وقد رجح الغزالي الرأي الأول، وقال عن الرأي الثاني إنه بعيد؛ لأن الاعتماد في الشهادة على غلبة الظن، بالنسبة للحاكم؛ لأنه لا يعلم صدق الشاهد.
أما الشاهد: فينبغي أن يتحقق؛ لأن تكليفه أن لا يشهد إلا على المعلوم -فيما تمكن فيه المشاهد- ممكن، وتكليف الحاكم أن لا يحكم إلا بصدق الشاهد محال.
انظر: "المستصفى جـ2 ص270".
(1/355)

فصل: [في حكم إنكار الشيخ للحديث]
إذا أنكر الشيخ الحديث وقال: "لست أذكره" لم يقدح ذلك في
(1/355)

الخبر في قول إمامنا1، ومالك، والشافعي، وأكثر المتكلمين2.
ومنع منه الكرخي؛ قياسًا على الشهادة.
وليس بصحيح، لأن الراوي عدل جازم بالرواية، فلا نكذبه، مع إمكان تصديقه، والشيخ لا يكذبه، بل قال "لست أذكره" فيمكن الجمع بين قوليهما:
بأن يكون نسيه، فإن النسيان غالب على الإنسان، وأي محدث يحفظ جميع حديثه، فيجب العمل به، جمعًا بين قوليهما.
والشهادة تفارق الرواية في أمور كثيرة.
__________
1 أي الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.
2 هكذا أطلق المصنف الكلام في هذه المسألة، ولم يذكر ما إذا كان الشيخ جازمًا بعد الرواية، أو أنه لا يذكره، وهو ما وضحه الغزال بقوله: "إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع مكذب للراوي لم يعمل به، ولم يصر الراوي مجروحًا. ثم قال: أما إذا أنكر إنكار متوقف، وقال: لست أذكره، فيعمل بالخبر؛ لأن الراوي جازم أنه سمعه منه، وهو ليس بقاطع بتكذيبه، وهما عدلان، فنصدقهما إذا أمكن.
وذهب الكرخي: إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطل الحديث". "المستصفى جـ2 ص272".
وما قاله الكرخي، هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف وأكثر الحنفية.
انظر: أصول السرخسي "2/ 3".
3 هو: عبيد الله بن الحسن بن دلال، من أئمة الحنفية المجتهدين، كان تقيًّا ورعًا، ألّف العديد من الكتب في فقه الإمام أبي حنيفة مثل: "شرح الجامع الصغير والكبير" توفي سنة 340هـ. انظر: "تاج التراجم ص39".
(1/356)

منها: أن لا تسمع شهادة الفرع -مع القدرة- على الأصل. والرواية بخلافه1.
فإن الصحابة -رضي الله عنهم- كان بعضهم يروي عن بعض، مع القدرة على مراجعة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ولهذا كان يلزمهم قبول قول رسله وسعاته من غير مراجعة.
وأهل قباء تحولوا إلى القبلة بقول واحد من غير مراجعة2.
وأبو طلحة وأصحابه قبلوا خبر الواحد في تحريم الخمر من غير مراجعة3. والله أعلم.
وقد روى ربيعة بن عبد الرحمن4 عن سهل5 عن أبيه6 عن
__________
1 قول المصنف "والشهادة تفارق الرواية إلخ" جواب عن قول الكرخي: لو جاز العمل برواية الفرع مع نسيان الأصل، لجاز العمل بشهادة الفرع مع نسيان الأصل، والتالي باطل بالاتفاق. فأجاب المصنف: بأن هناك فروقًًا كثيرة بين الشهادة والرواية: منها ما ذكره المصنف. ومنها: أن الشهادة آكد من الرواية وأضيق، فيغتفر في الرواية ما لا يغتفر في الشهادة.
2 تقدم تخريجه.
3 تقدم تخريجه أيضًا.
4 هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واسم أبيه فروخ المدني، مولى آل المنكدر، المعروف بربيعة الرأي، أحد التابعين، ثقة مشهور، وكان أحد شيوخ الإمام مالك. توفي سنة 136هـ.
انظر: "تاريخ بغداد 8/ 420، تذكرة الحفاظ 1/ 157".
5 هو: سهيل بن أبي صالح، ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، اختلف في توثيقه وضعفه، روى عن أبيه وسعيد بن المسيب، توفي في خلافة المنصور. "ميزان الاعتدال 2/ 243".
6 هو: ذكوان أبو صالح السمان المدني، ثقة، روى عن أبي هريرة وأبي الدرداء =
(1/357)

أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى باليمين مع الشاهد1، ثم نسيه سهيل، فكان بعده يقول: "حدثني ربيعة عني أني حدثته" فلا ينكره أحد من التابعين2.
__________
= وعائشة وغيرهم. توفي سنة 101هـ. "تذكرة الحفاظ 1/ 89".
1 تقدم تخريجه في مبحث الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا؟
قال أبو داود: أحد رواة الحديث -عقب روايته للحديث-: "وزادني الربيع بن سليمان المؤذن هذا الحديث، قال: أخبرني الشافعي، عن عبد العزيز، قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة -وهو عندي ثقة- أني حدثته إياه، ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كانت أصابت سهيلًا علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه" يراجع: العلل لابن أبي حاتم جـ1 ص463، 469.
2 فكان ذلك إجماعًا على قبوله.
قال الطوفي: "فإن قيل: لعل سهيلًا تذكر الحديث برواية ربيعة عنه، ومراجعته له في ذلك، فتخرج قصته عن الاحتجاج بها في محل النزاع.
قلنا: لو كان كذلك، لما رواه بعد ذلك عن ربيعة عنه، بل كان يرويه كما لو لم ينس، عن أبيه، عن أبي هريرة، والنسيان متسلط على الإنسان فيحمل الحال عليه". "شرح المختصر جـ2 ص217".
(1/358)

فصل: [في حكم انفراد الثقة بزيادة في الحديث]
انفراد الثقة في الحديث بزيادة مقبول، سواء كانت لفظًا أو معنى1
__________
1 أي سواء أكانت هذه الزيادة في اللفظ فقط ولا تغير المعنى، أم كانت زيادة في اللفظ والمعنى.
ومن أمثلة الأول: لفظ "ربنا لك الحمد"، "ربنا ولك الحمد" في الرفع من =
(1/358)

لأنه لو انفرد بحديث لقبل1، فكذلك إذا انفرد بزيادة.
وغير ممتنع أن ينفرد بحفظ الزيادة؛ إذ إن المحتمل أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر ذلك في مجلسين، وذكر الزيادة في أحدهما، ولم يحضرها الناقص.
ويحتمل أن راوي الناقص دخل أثناء المجلس، أو عرض له -في أثنائه- ما يزعجه2 أو ما يدهشه عن الإصغاء3، أو ما يوجب له القيام قبل التمام، أو سمع الكل ونسي الزيادة.
والراوي للتمام عدل جازم بالرواية، فلا نكذبه مع إمكان تصديقه.
__________
= الركوع للمؤتم، فإن الواو زيادة في اللفظ ولا تغير المعنى، وكلاهما وارد ومن أمثلة الزيادة التي تغير المعنى: قوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الذي رواه أحمد "1/ 466" وأبو داود "3511" و"3512" والنسائي "7/ 303" وابن ماجه "2186" وغيرهم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، تحالفا وترادًا" فإن جملة "والسلعة قائمة" وردت في بعض الروايات، وهي زيادة في اللفظ تفيد معنى زائدًا.
1 معناه: أن الرواي الثقة إذا روى حديثًا كاملًا قبل منه ذلك، فمن باب أولى إذا روى زيادة في حديث.
2 مثل ما روي عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعقلت ناقتي بالباب، فأتى ناس من أهل اليمن فقالوا: يا رسول الله، جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: "كان الله ولم يكن معه شيء، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" قال عمران: ثم أتاني رجل فقال: يا عمران، أدرك ناقتك فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها، فإذا السراب يتقطع دونها، وأيم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم".
3 أي يشغله ويجعله ينصرف عن الاستماع.
(1/359)

فإن علم أن السماع كان في مجلس واحد:
فقال أبو الخطاب: يقدم قول الأكثرين، وذوي الضبط، فإن تساووا في الحفظ والضبط، قدّم قول المثبت1.
وقال القاضي: إذا تساووا فعلى روايتين2.
__________
1 انظر: "التمهيد جـ3 ص153، 154".
2 أي عن الإمام أحمد، إحداهما: الأخذ بالزيادة، كما يقول الجمهور، لما تقدم في الأدلة التي أوردها المصنف، والثانية: لا تقبل الزيادة.
وقد أورد القاضي أبو يعلى أدلة في كتابه "العدة جـ3 ص1007 وما بعدها" ومما أورده للقائلين برفض الزيادة قال: "واحتج المخالف: بأنه إذا نقله الكل وانفرد واحد بالزيادة، كان ما تفرد به سهوًا، لأنهم ما حفظوه حين قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- مرارًا سمعوه كلهم، فلو كان ما تفرد به صحيحًا لقال الزيادة، كما قال المزيد عليه، ولو قال سمعوه كما سمع، ونقلوه كما نقل.
ثم رد عليه بالاحتمالات التي ذكرها ابن قدامة، وقال: واحتج -أي المخالف أيضًا- بأن الأصل متحقق، والزيادة مشكوك فيها، فلا تترك الحقيقة بالمشكوك فيه.
والجواب: أنا لا نسلم أنها مشكوك فيها، لأن غالب الظن فيه التصديق فيما تفرد به، للاحتمال الذي ذكرنا".
(1/360)

فصل: [في حكم رواية الحديث بالمعنى]
وتجوز رواية الحديث بالمعنى للعالم المفرق بين المحتمل وغير المحتمل والظاهر والأظهر، والعام والأعم عند الجمهور1.
فيبدل لفظًا مكان لفظ فيما لا يختلف الناس فيه: كالألفاظ المترادفة.
__________
1 ومنهم الأئمة الأربعة. وتفصيل القول في هذه المسألة: أن الراوي للحديث: إن =
(1/360)

مثل: القعود والجلوس، والصب والإراقة، والحظر والتحريم، والمعرفة والعلم، وسائر ما لا يشك فيه، ولا يتطرق إليه الاستنباط والفهم.
ولا يجوز إلا فيما فهمه قطعًا، دون ما فهمه بنوع استنباط، واستدلال يُختلف فيه.
ولا يجوز -أيضًا- للجاهل بمواقع الخطاب، ودقائق الألفاظ.
ومنع منه بعض أصحاب الحديث مطلقًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع" 2.
__________
= كان غير عالم بمقتضيات الألفاظ، والفرق بينها من جهة الإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص، فلا يجوز له الرواية بالمعنى، لأنه قد يبدل لفظًا بلفظ يساويه -في ظنه- وهو ليس كذلك، فيترتب على ذلك خلل في المعنى.
أما إن كان عالمًا بما تقدم، فإن كان المعنى غير متطابق فلا يجوز.
وإن كان مطابقًا: فقد جوزه جمهور العلماء، بشروط يأتي بيانها.
ومنعه جماعة، منهم: محمد بن سيرين "ت110هـ" وبعض السلف.
وشروط الجمهور لجواز نقل الحديث بالمعنى كما يلي:
1- أن يكون الناقل عالمًا باللسان العربي، لا تخفى عليه النكت الدقيقة التي يحصل بها الفرق بين معاني الألفاظ. كما مثل المنصف.
2- أن يكون جازمًا بمعنى الحديث، وليس عن طريق الاستنباط أو الاستدلال بمختلف فيه.
3- أن لا يكون اللفظ الذ نقل به الراوي معنى الحديث أخفى من لفظ النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال القرافي: "يجوز بثلاثة شروط: أن لا يزيد الترجمة، ولا ينقص، ولا يكون أخفى من لفظ الشارع" شرح تنقيح الفصول ص164.
قال الطوفي: "هذا هو معنى المطابقة" شرح المختصر "2/ 245".
1 وهذا ما سبق توضيحه.
2 تقدم تخريجه.
(1/361)


ولنا: الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال كلمة عربية بأعجمية ترادفها، فبعربية أولى.
وكذلك كان سفراء النبي -صلى الله عليه وسلم- يبلغونهم أوامره بلغتهم.
وهذا لأنا نعلم أنه لا يعتد1 باللفظ، وإنما المقصود فهم المعنى، وإيصاله إلى الخلق.
ويدل على ذلك: أن الخطب المتحدة والوقائع، رواها الصحابة بألفاظ مختلفة.
ولأن الشهادة آكد من الرواية، ولو سمع الشاهد شاهدًا يشهد بالعجمية: جاز أن يشهد على شهادته بالعربية.
ولأنه تجوز الرواية عن غير النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمعنى، فكذلك عنه؛ فإن الكذب فيهما حرام2.
والحديث حجة لنا3؛ لأنه ذكر العلة، وهو اختلاف الناس في الفقه والفهم ونحن لا نجوّزه لغير من يفهم.
__________
في الأصل "تعتد" وما أثبتناه من المستصفى. قال العلماء: هذا في غير الألفاظ المتعبد بلفظها، كالأذان والإقامة والتكبير، والتشهد في الصلاة، فلا يجوز نقله بالمعنى؛ لأننا متعبدون بلفظه، ومثل ذلك ما كان من جوامع الكلم التي اختص بها النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يجوز نقله بالمعنى.
2 وأقول: قياس الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على غيره قياس مع الفارق؛ فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يقول: "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" انظر: صحيح مسلم بشرح النووي "14/ 57" طبعة الشعب.
3 هذا رد على دليل المخالف وهو الحديث المتقدم. قال الغزالي: "وهذا الحديث =
(1/362)

جواب آخر:
أن من روى بالمعنى فقد روى كما سمع، ولهذا لا يعد كذبًا.
قال أبو الخطاب: لا يجوز أن يبدل لفظًا بأظهر منه؛ لأن الشارع ربما قصد إيصال الحكم باللفظ الجلي تارة، وبالخفي أخرى1.
__________
= بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، وإن أمكن أن تكون جميع الألفاظ قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أوقات مختلفة، لكن الأغلب أنه حديث واحد، ونقل بألفاظ مختلفة، فإنه روى: "رحم الله امرأ"، "نضر الله امرأ"، وروى: "رب حامل فقه لا فقه له" وروى: "رب حامل فقه غير فقيه". المستصفى "2/ 280".
1 انظر: التمهيد "3/ 162".
قال الطوفي -معللًا لذلك-: "لأن الشارع ربما قصد إيصال الحكم إلى المكلفين باللفظ الجلي تارة؛ تسهيلًا للفهم عليهم، وباللفظ الخفي أخرى؛ تكثيرًا لأجرهم بإجالة النظر فيه". شرح مختصر الروضة "2/ 248".
(1/363)

فصل: [في حكم مراسيل الصحابة]
مراسيل1 أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مقبولة عند الجمهور.
__________
1 المرسل في اللغة: المطلق، فهو اسم مفعول من أرسل بمعنى: أطلق.
وعند المحدثين: هو أن يترك التابعي الواسطة بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا.
أما جمهور أهل الأصول: فيطلقون المرسل على قول من لم يلق النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا" سواء أكان من التابعين أم من تابعي التابعين أم ممن بعدهم. فالمرسل عند علماء الأصول يشمل المنقطع، وهو: ما حذف من إسناده رجل في أثنائه، كما يشمل المعضل وهو: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا في أي موضع كان.
والمراد بالمرسل -في مقامنا هذا-: ما رواه صحابي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- =
(1/363)

وشذ قوم فقالوا: لا يقبل مرسل الصحابي إلا إذا عرف بصريح خبره، أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي، وإلا فلا، لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبته.
وهذا ليس بصحيح، فإن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من أصاغر الصحابة مع إكثارهم، وأكثر روايتهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مراسيل.
قال البراء بن عازب1: "ما كل ما حدثنا به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمعناه منه، غير أننا لا نكذب"2.
__________
= بلفظ: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو لم يسمع منه مباشرة، وإنما سمعه من صحابي آخر لم يسمه. كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" ولما سئل عنه قال: رويته عن الفضل بن العباس.
وهو حجة عند جمهور العلماء، منهم: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وجمهور المعتزلة، وهو الذي رجحه الآمدي.
وقد حكى أبو الخطاب الإجماع على ذلك، وفيه نظر، فكيف ينقل الإجماع مع أن فيه خلافًا كما سيذكر المصنف وغيره.
انظر: الإحكام للآمدي "2/ 112" التمهيد "3/ 134" الإحكام لابن حزم "1/ 143" إرشاد الفحول جـ1 ص258 وما بعدها تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل.
1 هو: البراء بن عازب بن حارث بن عدي، أبو عمارة الأنصاري الحارثي الخزرجي، صحابي جليل، شهد الخندق وما بعدها، توفي بالكوفة سنة 71هـ وقيل: 72هـ.
انظر في ترجمته: "الاستيعاب 1/ 155، الإصابة 1/ 142".
2 ذكره الآمدي "2/ 179" بلفظ "ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن سمعنا بعضه، وحدثنا أصحابنا ببعضه".
(1/364)

وكثير منهم كان يرسل الحديث، فإذا استكشف قال: حدثني به فلان: كأبي هريرة وابن عباس1 وغيرهما.
والظاهر أنهم لا يروون إلا عن صحابي، والصحابة معلومة عدالتهم.
فإن رووا عن غير صحابي، فلا يروون إلا عمن علموا عدالته.
والرواية عن غير عدل وهم بعيد، لا يلتفت إليه ولا يعول عليه.
__________
= وأورده الخطيب البغدادي في الكفاية "ص548": عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: ليس كلنا سمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت لنا ضيعة "العقار والأرض المغلة" وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب" وروي مثله عن أنس.
1 كما تقدم في حديث "من أصبح جنبًا" وحديث "إنما الربا في النسيئة".
(1/365)

فصل: [في حكم مراسيل غير الصحابة]
فأما مراسيل غير الصحابة، وهو أن يقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- من لم يعاصره، أو يقول: قال أبو هريرة من لم يدركه: ففيها روايتان1:
إحداهما: تقبل، اختارها القاضي2.
وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وجماعة من المتكلمين3.
__________
1 أبو يعلى في العدة جـ3 ص906.
2 يراجع: المستصفى جـ2 ص281 وما بعدها، الإحكام للآمدي جـ2 ص133 وما بعدها، شرح مختصر الروضة جـ2 ص230 وما بعدها.
(1/365)

والأخرى: لا تقبل، وهو قول الشافعي1، وبعض أهل الحديث وأهل الظاهر2.
ولهم دليلان3:
أحدهما: أنه لو ذكر شيخه ولم يعدّله وبقي مجهولًا عندنا: لم نقبله، فإذا لم يسمه فالجهل أتم، إذ من لا يعرف عينه كيف نعرف عدالته؟!
الثاني: أن شهادة الفرع لا تقبل ما لم يعين شاهد الأصل، فكذا الرواية.
وافتراق الشهادة والرواية في بعض التعبدات لا توجب فرقًا في هذا المعنى، كما لا توجب فرقًا في قبول رواية المجروح المجهول.
__________
1 النقول عن الإمام الشافعي -في حجية المراسيل- متعارضة ومتضاربة، فالبعض يروي عنه أنها حجة، والبعض الآخر ينكر، والذي عليه المحققون: أنه اشترط لقبول الحديث المرسل بعض الشروط التي تؤدي إلى غلبة الظن بصحة الحديث، وخلاصة ذلك: أن الحديث إن كان من مراسيل الصحابة، أو كان قد أسنده غير من أرسله، أو أرسله راو آخر من غير طريق الأول، بمعنى أنه اختلفت طرق الإرسال، فيعضد بعضها بعضًا، أو يكون المرسل قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن عدل، أو عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، فهو حجة، وإلا فلا. فإطلاق المصنف النقل عن الإمام الشافعي تبعًا للغزالي ليس بجيد.
يراجع في ذلك: الرسالة تحقيق الشيخ شاكر ص461 وما بعدها، نهاية السول للإسنوي جـ2 ص324، شرح مختصر الروضة جـ2 ص230.
2 انظر: الإحكام لابن حزم جـ1 ص135.
3 أي: القائلون بعدم حجية المرسل.
(1/366)

ووجه الرواية الأولى:
أن الظاهر من العدل الثقة: أنه لا يستجيز أن يخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بقول، ويجزم به، إلا بعد أن يعلم ثقة ناقله وعدالته.
ولا يحل له إلزام الناس عبادة، أو تحليل حرام، أو تحريم مباح، بأمر مشكوك فيه، فيظهر أن عدالته مستقرة عنده، فهو بمنزلة قوله: "أخبرني فلان وهو ثقة عدل".
ولو شك في الحديث: ذكر من حدّثه؛ لتكون العهدة عليه دونه.
ولهذا قال إبراهيم النخعي2: "إذا رويتُ عن عبد الله3 وأسندت: فقد حدثني واحد عنه، وإذا أرسلت فقد حدثني جماعة عنه"4.
وأما المجهول5: فإن الرواية عنه ليست بتعديل له -في إحدى الروايتين-.
__________
1 وهي: رواية قبول المرسل.
2 هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أحد أعلام التابعين، رأى جماعة من الصحابة، ولم يسمع منهم مباشرة، فكان يرسل عنهم، ومنهم عبد الله بن مسعود. مات بالكوفة سنة 96هـ. "ميزان الاعتدال 1/ 74".
3 يقصد: عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- تقدمت ترجمته.
4 أخرج هذا الأثر: البيهقي في سننه "1/ 48" والدراقطني "3/ 174".
5 بعد أن ذكر أدلة الفريقين، بدأ يناقش أدلة المنكرين لحجية مراسيل غير الصحابة.
وخلاصة ما استدل به النافون للحجية: أن الواسطة المحذوفة في المرسل لا تعرف عينها، ومن لا تعرف عينه لم تعرف عدالته، ورواية مجهول العدالة مردودة -كما تقدم- ولأن شهادة الفرع لا تقبل على شهادة الأصل فكذلك الرواية، وافتراق الشهادة والرواية في بعض الأحكام لا يستلزم افتراقهما في هذا المعنى، كما أنه لا فرق بينهما في عدم قبول رواية المجروح والمجهول. =
(1/367)

وفي الأخرى: تكون تعديلًا، على ما مضى، ولا كذلك ههنا.
والرواية تفارق الشهادة في أمور كثيرة:
منها: اللفظ، والمجلس، والعدد، والذكورية، والعجز عن شهود الأصل، والحرية -عندهم- وأنه لا يجوز لشهود الفرع الشهادة حتى تحملهم إياها شهود الأصل، فيقولوا: اشهدوا على شهادتنا.
والرواية تخالف هذا.
فجاز اختلافهما في هذا الحكم.
__________
= فرد المصنف على ذلك: بأن الرواية عن الجمهور ليست تعديلًا له في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى تكون تعديلًا، لكن لا يقاس عليها ما نحن فيه، لعدم معرفة الساقط، والاكتفاء بعدالة الرواي وثقته. هذا هو الرد على الدليل الأول.
ثم رد على الدليل الثاني: بأن الرواية تخالف الشهادة في أمور كثيرة ذكر منها ما هو موجود في الأصل، ثم بنى على ذلك: جواز اختلاف الرواية عن الشهادة، وأن الرواية المرسلة مقبولة.
(1/368)

فصل: [في حكم خبر الواحد فيما تعم به البلوى]
ويقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى1: كرفع اليدين في الصلاة، ومس الذكر، ونحوه، في قول الجمهور2.
__________
1 معنى "تعم به البلوى" أي يكثر التكليف به، كرفع اليدين في الصلاة، ونقض الوضوء بمس الذكر، ونحو ذلك من أخبار الآحاد التي يكثر التكليف بها، ولا تخص أحدًا دون أحد.
2 انظر: العدة لأبي يعلى "3/ 885" والتمهيد لأبي الخطاب "3/ 86" وشرح مختصر الروضة "2/ 233 وما بعدها".
(1/368)

وقال أكثر الحنفية: لا يقبل؛ لأن ما تعم به البلوى كخروج النجاسة من السبيلين يوجد كثيرًا، وتنتقض به الطهارة، ولا يحل للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يشيع حكمه؛ إذ يؤدي إلى إخفاء الشريعة، وإبطال صلاة الخلق، فتجب الإشاعة فيه، ثم تتوفر الدواعي على نقله، فكيف يخفى حكمه، وتقف روايته على الواحد؟!
ولنا: أن الصحابة -رضي الله عنهم- قبلوا خبر عائشة في الغسل من الجماع بدون الإنزال1، وخبر رافع بن خديج في المخابرة2.
ولأن3 الراوي عدل جازم بالرواية، وصدقه ممكن، فلا يجوز تكذيبه، مع إمكان تصديقه.
ولأن4 ما تعم به البلوى يثبت بالقياس، والقياس مستنبط من الخبر وفرع له، فلأن يثبت بالخبر الذي هو أصل أولى.
وما ذكروه يبطل بالوتر، والقهقهة، وخروج النجاسة من غير السبيلين، وتثنية الإقامة، فإنه مما تعم به البلوى، وقد أثبتوه بخبر الواحد5.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 تقدم تخريجه والكلام على معنى "المخابرة" وهذا هو الدليل الأول للجمهور.
3 هذا هو الدليل الثاني.
4 هذا هو الدليل الثالث للجمهور.
5 بعد أن ذكر أدلة الجمهور، وأدلة الحنفية، بدأ يرد عليهم ويناقشهم في هذه الأدلة فقال: إنهم قبلوا خبر الواحد فيما يعم به البلوى مثل: وجوب الوتر، وإبطال الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة، واختاروا تثنية الإقامة في الصلاة، وأوجبوا الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيلين، وكل ذلك مما تعم به البلوى، وقد أثبته الحنفية بخبر الواحد.
ثم رد على قولهم: "يجب إشاعة ما تعم به البلوى ... " بقوله: إنه -صلى الله عليه وسلم- =
(1/369)

ولم يكلف الله -تعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم- إشاعة جميع الأحكام، بل كلفه إشاعة البعض، ورد الخلق -في البعض- إلى خبر الواحد.
كما ردهم إلى القياس في قاعدة الربا، وكان يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المكيل بالمكيل، والمطعوم بالمطعوم؛ حتى يستغني عن الاستنباط من الأشياء الستة. فيجوز أن يكون ما تعم به البلوى من جملة ما يقتضي مصلحة الخلق: أن يرد فيه إلى خبر الواحد.
__________
= مكلف بإشاعة البعض، ورد البعض الآخر إلى خبر الواحد، فالذي لا يكفي فيه الظن تجب فيه الإشاعة، والذي يكفي فيه الظن لا تجب فيه الإشاعة، ولذلك رد الناس إلى القياس فيما تعم به البلوى في الأصناف الستة وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، فيقاس عليها ما يماثلها، والخبر أولى من القياس ومقدم عليه. فإذا جاز ذلك في القياس، فلأن يجوز في خبر الواحد من باب أولى، ويكون في ذلك مصلحة للخلق، أرادها المشرع.
(1/370)

فصل: [في حكم خبر الواحد في الحدود]
ويقبل خبر الواحد في الحدود، وما يسقط بالشبهات1.
وحكي عن الكرخي2: أنه لا يقبل؛ لأنه مظنون فيكون ذلك شبهة، فلا يقبل، لقوله -عليه السلام-: "ادرءوا الحدود بالشبهات" 3.
__________
1 وهو قول جمهور العلماء.
2 وبه قال أبو عبد الله البصري من المعتزلة انظر: المعتمد "2/ 570".
3 رواه بهذا اللفظ: الحارثي في مسند أبي حنيفة من حديث مقسم عن ابن عباس =
(1/370)

وهذا غير صحيح، فإن الحدود حكم شرعي، يثبت بالشهادة، فيقبل فيه خبر الواحد، كسائر الأحكام.
ولأن ما يقبل فيه القياس المستنبط من خبر الواحد: فهو بالثبوت بخبر الواحد أولى.
وما ذكروه يبطل الشهادة والقياس، فإنهما مظنونان ويقبلان في الحدود.
__________
= مرفوعًا، كما في المقاصد الحسنة ص344، وابن عساكر في تاريخه.
كما روته عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا بلفظ: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم؛ فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" أخرجه الترمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد، ورواه -أيضًا- موقوفًا وقال: الموقوف أصح، والدراقطني: في أوائل كتاب الحدود، والبيهقي، والحاكم في المستدرك: كتاب الحدود، باب، إن وجدتم لمسلم مخرجًا فخلوا سبيله وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
ومدار هذا الحديث على "يزيد بن زيادة" أحد رواة هذا الحديث، قال عنه البخاري: "منكر الحديث" وقال النسائي: "متروك الحديث" وضعفه الترمذي وغيره انظر: المغني في الضعفاء "2/ 749" وله روايات أخرى كثيرة مرفوعة وموقوفة انظر: تلخيص الحبير "4/ 56".
(1/371)

فصل: [في حكم الواحد إذا خالف القياس]
ويقبل خبر الواحد فيما يخالف القياس1.
وحكي عن مالك: أن القياس يقدم عليه2.
__________
1 وهو قول الشافعية والحنابلة وكثير من الفقهاء، وهو الذي رجحه ابن قدامة.
2 المنقول عن الإمام مالك رأيان. والذي حكاه المصنف بقوله: "وحكي...." هو =
(1/371)

وقال أبو حنيفة: إذا خالف الأصول، أو معنى الأصول، لم يحتج به1.
وهو فاسد؛ فإن معاذًا2 قدم الكتاب والسنة على الاجتهاد، فصوبه
__________
= المشهور من مذهبه. انظر: "شرح تنقيح الفصول ص387".
1 الفرق بين مخالفة الأصول، أو معنى الأصول: أن مخالفة القياس أخص من مخالفة الأصول؛ لأن القياس أصل من الأصول، فكل قياس أصل، وليس كل أصل قياسًا، فما خالف القياس خالف أصلًا خاصًّا، وما خالف الأصول يصدق بما خالف قياسًا أو نصًّا أو إجماعًا، أو استصحابًا أو غير ذلك.
فوجوب الوضوء بالنوم موافق للقياس؛ من حيث إنه تعليق حكم بمظنته كسائر الأحكام المعلقة بمظانها، مع أنه مخالف لبعض الأصول، وهو: استصحاب العدم الأصلي في خروج الحدث حتى يعلم أمر ناقل عن الاستصحاب.
فالمراد بمعنى الأصل: نفي الفارق بين الأصل والفرع.
هذا معنى ما ذكره المصنف في مذهب الحنفية، والذي في كتبهم غير هذا وخلاصة ما ورد في كتبهم:
1- المتقدمون يرون تقديم خبر الآحاد على القياس مطلقًا، وهو رأي الإمام وصاحبيه.
2- تقديم القياس إذا كان الراوي لخبر الواحد غير فقيه، ولا مجال للاجتهاد في الحديث.
3- يقدم القياس على الصحابي الذي لم يعرف إلا بحديث أو حديثين،
واختلف الثقات في قبوله، أو لم يشتهر بين السلف.
4- تقديم خبر الواحد إذا كان الراوي ضابطًا غير متساهل فيما يرويه.
5- تقديم القياس إذا كان الراوي من غير الخلفاء الأربعة والعبادلة، وهو رأي البزدوي. انظر في ذلك: "أصول السرخسي 1/ 343، كشف الأسرار 2/ 379".
2 هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، كان =
(1/372)

النبي -صلى الله عليه وسلم-1.
وقد عرفنا من الصحابة -رضي الله عنهم- في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يعدلون إلى القياس عند عدم النص.
ولذلك قدم عمر -رضي الله عنه- حديث حمل بن مالك في غرة الجنين2.
__________
= أعلم الناس بالحلال والحرام، شهد المشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وولاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- قضاء اليمن، كما في الحديث الذي معنا. توفي سنة 18هـ "أسد الغابة 4/ 376، حلية الأولياء 1/ 228".
1 يشير إلى حديث معاذ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعثه إلى اليمن قال له: "كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ " قال: أقضى بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه الله ورسوله".
أخرجه أبو داود: كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، والترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، وقال: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل" وأخرجه الطيالسي في كتاب القضاء والدعاوي والبينات، باب آداب القضاء والقاضي كيف يقضي.
والحديث وإن كان في سنده مقال، إلا أن المحققين من العلماء حكموا بقبوله والعمل به. قال عنه إمام الحرمين، كما نقله ابن حجر في تلخيص الحبير "4/ 183" "إنه حديث مدون في الصحاح متفق على صحته، لا يتطرق إليه التأويل".
وقال الغزالي: "تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر أحد فيه طعنًا، فلا يقدح فيه كونه مرسلًا" كما قواه ابن عبد البر، وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير.
انظر: المستصفى "2/ 254" والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر.
2 سبق تخريجه.
(1/373)

وكان يفاضل بين ديات الأصابع ويقسمها على قدر منافعها، فلما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "في كل إصبع عشر من الإبل" 1: رجع عنه إلى الخبر، وكان بمحضر من الصحابة2.
ولأن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كلام المعصوم وقوله، والقياس استنباط الراوي، وكلام المعصوم أبلغ في إثارة غلبة الظن.
ثم أصحاب أبي حنيفة قد أوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر. وأبطلوا الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة، دون خارجها، وحكموا في القسامة بخلاف القياس، وهو مخالف للأصول3.
__________
1 روى البيهقي في سننه الكبرى: كتاب الديات، باب الأصابع كلها سواء، عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر -رضي الله عنه- في الأصابع: في الإبهام بثلاث عشر، وفي التي تليها باثنتي عشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست، حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم يذكرون أنه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيما هنالك من الأصابع "عشر، عشر" قال سعيد: فصارت الأصابع إلى عشر، عشر.
وحديث عمرو بن حزم أخرجه النسائي: كتاب القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له.
وللحديث روايات أخرى عن أبي موسى الأشعري عند أبي داود، والنسائي وابن ماجه، والحاكم وصححه. وأخرجه أحمد بلفظ "الأصابع سواء، والأسنان سواء".
2 قال أبو يعلى في العدة "3/ 890": "وكان بمحضر من الصحابة -رضي الله عنهم- فلم ينكر ذلك منكر، ولم يخالفه فيه مخالف، فدل على أنه إجماع عنهم".
3 تقدم أن أبا حنيفة يرى: أن خبر الواحد إذا خالف الأصول، أو معنى الأصول لا يحتج به، وأورد المصنف العديد من الأدلة التي تدل على رفض ما قاله أبو حنيفة. ثم أورد على مذهب الحنفية بعض الأمثلة التي أخذوا فيها بما يخالف =
(1/374)

باب: الأصل الثالث: الإجماع
فصل: معنى الاجماع
...
باب: الأصل الثالث: الإجماع
فصل: ومعنى الإجماع
في اللغة: الاتفاق، يقال: أجمعت الجماعة على كذا: إذا اتفقوا عليه.
ويطلق بإزاء تصميم العزم، يقال: أجمع فلان رأيه على كذا: إذا صمم
__________
= القياس؛ فقال: فقد أوجبتم الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، مع مخالفة ذلك لسائر المائعات استنادًا إلى ما رواه أبو داود "84" والترمذي "88" وابن ماجه "84" وأحمد "1/ 49، 150".
عن ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له ليلة الجن: "ما في إداوتك؟ " قال: نبيذ قال: "تمرة طيبة وماء طهور" وقد نص العلماء على ضعف الحديث من عدة طرق، منها: أن ابن مسعود لم يكن مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الليلة: انظر: "نصب الراية 1/ 138-141".
كما أبطلتم الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة دون خارجها، بما روي عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: ".... بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلى بالناس، إذ دخل رجل، فتردى في حفرة كانت في المسجد، وكان في بصره ضرر، فضحك كثير، من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة" أخرجه الطبراني، والهيثمي في مجمع الزوائد "1/ 246".
وهو حديث في إسناده ثلاثة رواة متكلم فيهم. "نصب الراية 1/ 47".
كما أخذتم بحديث القسامة، وهي عبارة عن أيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم وليس لهم بينة، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في الديات، ومسلم في كتاب القسامة، كما أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهم.
وحديث القسامة مخالف لسائر الدعاوى، لأن اليمين يبدأ فيها بالمدعي قبل المدعى عليه. ومعنى هذا كله: أن الحنفية بذلك أخذوا بخبر الواحد فيما يخالف الأصول.
(1/375)

عزمه عليه1.
قال الله -تعالى-: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُم} 2.
ومعنى الإجماع في الشرع: اتفاق علماء العصر من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- على أمر من أمور الدين3.
[إمكان وجود الإجماع وتصوره]
ووجوده متصور:
__________
1 انظر: القامو س المحيط "3/ 15" والمصباح المنير "1/ 171".
2 سورة يونس من الآية: 71.
3 جمهور الأصوليين يقولون في تعريفه: "اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-".
وعرفه الآمدي بقوله: "هو اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- في عصر ما على حكم واقعة من الوقائع".
وقريب منه تعريف القرافي.
والمراد بالاتفاق: الاشتراك في القول، أو الفعل، أو الاعتقاد.
والمراد بأهل الحل والعقد: المجتهدين -كما قال الجمهور-.
وقول الآمدي: "اتفاق جملة أهل الحل والعقد: فيه احتراز من اتفاق البعض فلا يكون إجماعًا.
وفائدة قولهم: "من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-" إخراج اتفاق بقية الأمم، فإنه ليس إجماعًا معتبرًا، لأنهم قد يتفقون على الباطل، ومن هنا جاءت الأحاديث في عصمة هذه الأمة من الاتفاق على الباطل أو الخطأ. كما سيأتي في حجية الإجماع.
انظر: في تعريف الإجماع: "العضد على ابن الحاجب 2/ 29، شرح تنقيح الفصول ص322، الإحكام للآمدي 1/ 196، شرح مختصر الروضة 2/ 6".
(1/376)

فإن الأمة مجمعة على وجوب الصلوات الخمس، وسائر أركان الإسلام.
وكيف يمتنع تصوره؛ والأمة كلها متعبدة بالنصوص والأدلة القواطع، معرضون للعقاب بمخالفتها؟
وكما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب: لا يمتنع اتفاقهم على أمر من أمور الدين.
وإذا جاز اتفاق اليهود -مع كثرتهم- على باطل: فلم لا يجوز اتفاق أهل الحق عليه1.
__________
1 مسألة إمكان وقوع الإجماع للعلماء فيها ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه يمكن انعقاده، بل ووقع فعلًا في كل العصور، وهو مذهب جمهور العلماء.
المذهب الثاني: أنه غير ممكن عادة، لا عقلًا، وهو رأي النظام وبعض الشيعة وبعض المعتزلة.
المذهب الثالث: أنه ممكن الوقوع باعتبار ذاته، ولكنه متعذر باعتبار نقله، وهو مروي عن الإمام أحمد، كما روي عنه إمكان ذلك ووقوعه في عصر الصحابة فقط، لإمكان الاطلاع عليه ونقله.
وقد استدل المصنف للمذهب الأول: بأن الإجماع قد وقع، والوقوع يستلزم الجواز، أي يدل عليه، ومثل لذلك بالإجماع على الصلوات الخمس وسائر أركان الإسلام، فإنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب ذلك، وكيف يمتنع تصور ذلك والأمة كلها متعبدة باتباع النصوص والأدلة القاطعة، ومعرضون للعقاب إذا خالفوها.
فكما لا يمتنع اتفاقهم واجتماعهم على أمر من أمور الدنيا، كالأكل والشرب لا يمتنع اتفاقهم على أمر من أمور الدين، وإذا جاز اتفاق أهل الباطل على شيء، فمن باب أولى اتفاق أهل الحق.
(1/377)

[كيف يعرف الإجماع]
ويعرف الإجماع بالإخبار، والمشافهة، فإن الذين يعتبر قولهم في الإجماع: هم العلماء المجتهدون، وهم مشتهرون معروفون، فيمكن تعرف أقوالهم من الآفاق1.
[موقف العلماء من حجية الإجماع]
والإجماع حجة قاطعة عند الجمهور2.
__________
هذا رد على سؤال مقدر يمكن أن يرد من المنكرين لإمكان وقوع الإجماع، مفاده: أن الإجماع يتعذر وجوده لعدة أسباب:
أولًا: انتشار المجتمعين شرقًا وغربًا، وجواز خفاء بعضهم، بأن يكون أسيرًا أو محبوسًا، أو أن يكون خامل الذكر غير معروف.
ثانيًا: احتمال الكذب، فإن البعض قد يفتي على خلاف ما يعتقد خوفًا من سلطان جائر، أو بقصد التقرب إليه للوصول إلى منصب مرموق.
ثالثًا: احتمال رجوع بعضهم قبل الإجماع.
فأجاب المصنف على هذه الاحتمالات: بأن ذلك يعرف بالأخبار التي تنقل عن العلماء، أو المشافهة، خاصة وأن الذين يصلون إلى درجة الاجتهاد قليلون ومشهورون.
هذا معنى ما قاله المصنف وغيره.
وقد نقل "ابن بدران" عن أبي المعالي أنه قال: "والإنصاف أنه لا طريق لنا إلى معرفة الإجماع إلا من زمن الصحابة" ولعل هذا هو الذي جعل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، وما يدريه، ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا".
انظر: إعلام الموقعين "1/ 30" نزهة الخاطر العاطر جـ1 ص335، أصول مذهب الإمام أحمد ص322.
2 للعلماء في نوع حجية الإجماع ثلاثة مذاهب: =
(1/378)

وقال النظام1: ليس بحجة2.
وقال: "الإجماع: كل قول قامت حجته" ليدفع عن نفسه شناعة قوله، وهذا خلاف اللغة والعرف3.
__________
= المذهب الأول: أنه حجة قطعية تحرم مخالفته، وهو رأي الجمهور كما قال المصنف.
المذهب الثاني: أنه حجة ظنية، وهو رأي بعض العلماء، كالإمام الرازي، والآمدي وغيرهما.
المذهب الثالث: أنه حجة قطعية إذا اتفق عليه المعتبرون، أما إذا لم يتفقوا، بأن كان إجماعًا سكوتيًّا، أو يندر مخالفه كان حجة ظنية. انظر: "فواتح الرحموت 2/ 213، التقرير والتحبير 3/ 83، الإحكام للآمدي 1/ 144".
1 هو: إبراهيم بن يسار بن هانئ، أبو إسحاق البصري، المعتزلي، كان أديبًا متكلمًا، وهو أستاذ الجاحظ، تنسب إليه اقوال غريبة، كما كان شديد الحفظ، حفظ القرآن والتوراة والإنجيل، وطالع كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، من مؤلفاته "النكت" في عدم حجية الإجماع. توفي سنة 231هـ.
انظر: فرق وطبقات المعتزلة ص59، تأريخ بغداد "6/ 97".
2 وهو رأي بعض الشيعة وبعض المعتزلة.
وقالت الإمامية: إن كان فيه قول الإمام المعصوم فهو حجة، وإلا فلا. وهذا في الواقع خارج عن الإجماع، لأن الحجة عندهم في قول الإمام، باعتبار أنه معصوم حسب عقيدتهم. انظر: المعتمد "2/ 458".
3 يعنى: أن النظام لما أحس بشناعة رأيه عرف الإجماع بما ذكره المصنف، وهو تعريف غير صحيح من ناحية اللغة والعرف الشرعي.
(1/379)

فصل: [الأدلة على حجية الإجماع]
ولنا دليلان1:
__________
1 أي طريقان أو مسلكان، أحدهما من القرآن، والثاني من السنة.
(1/379)

أحدهما: قول الله -تعالى-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} 1 وهذا يوجب اتباع سبيل المؤمنين، ويُحرِّم مخالفتهم.
__________
1 سورة النساء الآية: 115. والمصنف لم يكمل الآية، وقد أكملتها تبعًا للغزالي حتى يظهر وجه الشاهد من الآية وهو: الوعيد على مشاقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أي مخالفته، واتباع غير سبيل المؤمنين.
قال الشوكاني: "ووجه الدلالة من الآية: أن الله -تعالى- جمع بين مشاقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا، لما جمع بينه وبين المحظور، فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن: متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة" "إرشاد الفحول جـ1 ص293، 294".
والغزالي -كغيره من العلماء- أورد العديد من الآيات الدالة على حجية الإجماع هي:
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ... } [البقرة: 143] .
وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... } [آل عمران: 110] .
وقوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] .
وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ... } [آل عمران: 103] .
وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه ... } [الشورى: 10] .
وقوله تعالى: { ... فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] .
ثم قوله: فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض، بل لا تدل -أيضًا- دلالة الظواهر. وأقواها قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ.....} الآية. انظر: "المستصفى جـ2 ص298، 299".
(1/380)

فإن قيل1: إنما توعّد على مشاقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وترك اتباع سبيل المؤمنين معًا، أو على ترك أحدهما بشرط ترك الآخر، فالتارك لأحدهما بمفرده لا يلحق به الوعيد.
ومن وجه آخر: وهو أنه إنما ألحق الوعيد لتارك سبيلهم إذا بان له الحق فيه؛ لقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} والحق -في هذه المسألة- من جملة "الهدى" فيدخل فيها.
ويحتمل: أنه توعد على ترك سبيلهم فيما صاروا فيه مؤمنين.
ويحتمل: أنه أراد بالمؤمنين: جميع الأمة إلى قيام الساعة، فلا يحصل الإجماع بقول أهل عصر.
ولأن المخالف من جملة المؤمنين، فلا يكون تاركًا لاتباع سبيلهم بأسرهم.
ولو قدر أنه لم يرد شيء من ذلك، غير أنه لا ينقطع الاحتمال، والإجماع أصل لا يثبت بالظن2.
قلنا3: التوعد على الشيئين يقتضي أن يكون الوعيد على كل واحد منهما منفردًا، أو بهما معًا.
ولا يجوز أن يكون لاحقًا بأحدهما معينًا، والآخر لا يلحق به
__________
1 بدأ المصنف يورد الاعتراضات التي قالها المخالفون على الاستدلال بالآية الكريمة.
2 خلاصة هذا الاعتراض: أن النص ليس بقاطع، لأن قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين} يحتمل وجوهًا كثيرة، منها ما ذكره، إذا وجد الاحتمال لم يكن النص قطعيًّا، وإنما كان ظنيًّا، والإجماع أصل من الأصول العامة فلا يثبت بطريق الظن.
3 بدأ المصنف يرد على الاعتراضات السابقة.
(1/381)

وعيد، كقول القائل: "من زنا أو شرب ماء عوقب".
وهذا لا يدخل في القسم الثاني1 لأن مشاقة الرسول بمفردها تثبت العقوبة، فثبت أنه من القسم الأول2.
وأما الثاني3: فلا يصح؛ فإنه توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقًا من غير شرط.
وإنما ذكر تبين الهدي عقيب قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} وليس بشرط لإلحاق الوعيد على مشاقة الرسول اتفاقًا، فلأن لا يكون شرطًا لترك اتباع سبيل المؤمنين -مع أنه لم يذكر معه- أولى.
وأما الثالث4: فنوع تأويل، وحمل اللفظ على صورة واحدة.
"وأما الرابع5: فإن مطلق الاحتمال لا يؤثر في نفس كونه من الأدلة
__________
1 وهو: أن يكون على كل منهما معًا.
2 وهو: أن يكون الوعيد على كل منهما منفردًا.
3 أي الرد على الاعتراض الثاني وهو قوله: "أنه إنما ألحق الوعيد لتارك سبيلهم إذا بان له الحق" وخلاصة الرد بوجهين:
أحدهما: لا نسلم أن كل ما كان شرطًا في المعطوف عليه أن يكون شرطًا في المعطوف، لأن العطف لا يقتضى سوى التشريك في مقتضى العامل إعرابًا ومدلولًا.
ثانيهما: لو سلمنا أن الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف، فإن ذلك لا يضرنا، فإنه لا نزاع في أن "الهدى" المشروط في تحريم المشاقة إنما هو دليل التوحيد والنبوة، لا أدلة الأحكام الفرعية، فيكون "الهدى" شرطًا في اتباع غير سبيل المؤمنين ونحن نسلم به.
4 أي الاعتراض الثالث: وهو: "ويحتمل أنه توعد على ترك سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين".
5 أي الاعتراض الرابع وهو قوله "ولو قدر أنه لم يرد شيء من ذلك".
(1/382)

الأصلية؛ إذ ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، فإن النص يحتمل أن يكون منسوخًا، والعام يجوز أن يكون مخصوصًا، وهذا وشبهه لم يمنع كونه من الأصول، كذا ههنا"1.
الدليل الثاني: من السنة2:
قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا تجتمع أمتي على ضلالة" 3. وروي: "لا تجتمع على خطأ". وفي لفظ "لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ".
__________
1 ما بين القوسين من النسخة التي حققها الدكتور عبد الكريم النملة -يحفظه الله-.
2 المسلك الثاني على حجية الإجماع: أن الإجماع صادر عن مجموع الأمة، والأمة معصومة، والمعصوم لا يصدر عنه إلا الصواب.
أما أن الأجماع صادر عن مجموع الأمة، فلما سبق في تعريفه، من أنه اتفاق مجتهدي الأمة إلخ. والمجتهدون قائمون مقام الأمةإ إذ إليهم إبرام أمورهم ونقضها، ولذلك جاء في بعض التعريفات أنه: "اتفاق أهل الحل والعقد".
وأما أن الأمة معصومة عن الخطأ، أو الضلال: فلأن الأخبار النبوية في عصمتها بلغت حد التواتر المعنوي، لاختلاف ألفاظها، واشتراكها في الدلالة على أمر واحد، وهو: نفي الخطأ عنها.
انظر: شرح المختصر "3/ 18، 19".
3 هذا الحديث روي بألفاظ مختلفة مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أخرجه عنه الترمذي: كتاب الفتن، باب لزوم الجماعة بلفظ: "إن الله لا يجمع أمتي، أو قال: أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار" ثم قال: هذا الحديث غريب من هذا الوجه.
كما رواه الحاكم في المستدرك: كتاب العلم "1/ 115، 116".
وأخرجه أبو داود: كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها عن أبي مالك الأشعري. وابن ماجه في كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، من حديث أنس بن مالك. =
(1/383)

وقال: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح"1.
وقال: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة2 الإسلام من عنقه"3
__________
= كما روي بأسانيد أخرى كثيرة بعضها مرفوع وبعضها موقوف، وبعضها ضعيف.
يراجع في ذلك: مجمع الزوائد "1/ 177" و"5/ 217" ونصب الراية "4/ 133".
1 هذا جزء من حديث موقوف على عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أخرجه الإمام أحمد في مسنده "1/ 379" ولفظه: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد في قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهوعند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيّء" وأخرجه عنه الحاكم -موقوفًا- في كتاب معرفة الصحابة، باب فضائل أبي بكر -رضي الله عنه-. ثم قال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرجه البزار بسنده في باب الإجماع من كتاب كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي "1/ 88".
قال الهيثمي في مجمع الزوائد "1/ 177، 178": "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون".
والحديث وإن كانت له روايات متعددة، إلا أن الصحيح أنه موقوف على ابن مسعود -رضي الله عنه-.
انظر: المقاصد الحسنة ص367".
2 قال ابن الأثير في النهاية "2/ 62": "الربقة في الأصل: عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشد به المسلم نفسه من عرى الإسلام: أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه".
3 هذا الحديث رواه أبو ذر -رضي الله عنه- مرفوعًا: أخرجه عنه أبو داود: كتاب =
(1/384)

و "من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية"1.
وقال: "عليكم بالسواد الأعظم".
وقال: "ثلاث لا يغل3 عليهن قلب المسلم: إخلاص العمل لله، والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين"4.
__________
= السنة، باب قتل الخوارج، وأحمد في المسند "5/ 180" كما أخرجه عن الحارث الأشعري -رضي الله عنه- مرفوعًا بلفظ قريب منه، وأخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الصوم، عن الحارث- أيضًا- وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
1 حديث صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها" من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ولفظه: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية" كما أخرجه في كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام، ما لم يكن معصية.
كما أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين.
وهو مخرج -أيضًا- عند أحمد والدارمي والنسائي وغيرهم.
2 المراد بالسواد الأعظم: جملة الناس ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان، وسلوك النهج السليم "النهاية لابن الأثير 2/ 191" والحديث تقدم تخريجه ضمن روايات حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
3 يغل: بضم الياء وكسر الغين، من الإغلال وهو الخيانة، وروي "يغل" بفتح الياء، من الغل وهو الحقد. كما روي "يغل" بفتح الياء وكسر الغين وتخفيف اللام من الوغول، وهو الدخول في الشيء. "النهاية 3/ 168".
4 هذا جزء من حديث أخرجه الترمذي: كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا بسند صحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن ... " ورواه أحمد في المسند "4/ 80" والحاكم في =
(1/385)

ونهى عن الشذوذ1 وقال: "مَن شَذًٌ شَذٌ فلي النٌار" 2.
وقال: "لا تزال طائفة من أمتى على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله" 3.
وقال: "من أراد بحبوحة4 الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" 5.
__________
= المستدرك وابن ماجه: كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر: "3056" عن جبير بن مطعم، كما رواه أبو داود وابن ماجه عن زيد بن ثابت. انظر: مشكاة المصابيح "1/ 78" ومجمع الزوائد "1/ 139".
1 الشذوذ: الانفراد والمقارنة، والمقصود: مفارقة جماعة المسلمين.
2 تقدم تخريجه.
3 حديث صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزل طائفة من أمتى ظاهرين على الحق" عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- ولفظه: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون".
كما أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين.
وأخرجه أبو داود في أول كتاب الفتن عن ثوبان -رضي الله عنه-، وكذلك الترمذي وأحمد في المسند "5/ 278".
4 بحبوحة الجنة: أي وسطها. يقال: بحبوحة الدار: وسطها، ويقال: تبحبح الرجل، وبحبح: إذا تمكن من الحلول والمقام وتوسط المنزل.
5 حديث صحيح أخرجه الشافعي في الرسالة ص474، وأحمد في المسند "14/ 18، 26" والترمذي حديث "2166" وابن ماجه "2363" وابن حبان "2282" والحاكم "1/ 18، 4/ 1" من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وأبي الدرداء مرفوعًا بألفاظ مختلفة. انظر: شرح البغوي "3/ 347".
(1/386)

وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحابة والتابعين، لم يدفعها أحد من السلف والخلف.
وهي وإن لم تتواتر آحادها، حصل لنا بمجموعها العلم الضروري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عظم شأن هذه الأمة، وبين عصمتها عن الخطأ1.
وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى تصديق شجاعة "علي" وسخاء "حاتم" 2 وعلم "عائشة"، وإن لم يكن آحاد الأخبار فيها متواترًا، بل يجوز على كل واحد منها الكذب لو جرّدنا النظر إليه، ولا يجوز على المجموع.
ويشبه ذلك: ما يحصل فيه العلم بمجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال، ويحصل بمجموعها العلم الضروري.
ومن وجه آخر3.
__________
خلاصة ما يريده المصنف من ذلك: أن هذه الأخبار الكثيرة التي أوردها على حجية الإجماع ظاهرة ومشهورة عند الصحابة والتابعين، وهي وإن كانت لم تبلغ حد التواتر اللفظي، إلا أنها إذا انضم بعضها إلى بعض وصلت إلى التواتر المعنوي، كتواتر شجاعة "علي" -رضي الله عنه- وجود "حاتم الطائي" وعلم السيدة "عائشة" أم المؤمنين -رضي الله عنها- فهذه الأخبار لو كانت منفردة لجاز عليها الكذب، بخلاف ما لو كانت مجتمعة فإنها تفيد العلم الضروري.
2 هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، المشهور بحاتم الطائي، نسبة إلى قبيلة "طيئ" كان جوادًا مشهورًا بالكرم، شاعرًا جيد الشعر، مات سنة 45 قبل الهجرة.
انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة "1/ 241" تهذيب ابن عساكر "3/ 320 وما بعدها".
3 خلاصة ذلك: أن المصنف يريد أن يقول: إن دلالة الأحاديث المتقدمة على حجية الإجماع من ثلاثة وجوه:
(1/387)

أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر فيه أحد خلافًا إلى زمن النظام.
ويستحيل في مطرد العادة ومستقرها توافق الأمم في أعصار مطردة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته، مع اختلاف الطباع، وتباين المذاهب في الرد والقبول.
ولذلك: لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف، وإبداء تردد فيه.
ومن وجه آخر:
أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا به وهو: الإجماع الذي يحكم على كتاب الله وسنة رسوله.
ويستحيل في العادة التسليم بخبر يرفعون به، الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى سند مقطوع به.
أما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلومًا، حتى لا يتعجب
__________
= الوجه الأول: ما تقدم من أن هذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على حجية الإجماع منذ عصور الصحابة والتابعين، وهي وإن لم تتواتر لفظيًّا إلا أنها تفيد التواتر المعنوي كما تقدم.
الوجه الثاني: أن هذه اأحاديث تمسك بها الصحابة والتابعون، ولم يظهر أحد فيها خلافًا إلى زمن النظام، فهو الذي بدأ في إنكار حجية الإجماع، ويستحيل اطراد مثل ذلك إلا إذا كان حجة.
الوجه الثالث: أن المحتجين بهذه الأحاديث أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا به يحكم به على كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلا بد وأن يكون مستندًا، إلى دليل قطعي. هذا معنى كلامه، وفيه نظر يطول شرحه.
(1/388)

متعجب، ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستنده إلى خبر غير معلوم الصحة؟!
وكيف يذهل عنه جميع الأمة إلى زمن النظام فيختص بالتنبيه له؟ هذا وجه الاستدلال1.
فصل: ولا يشترط في أهل الإجماع أن يبلغوا عدد التواتر؛
لأن الحجة في قولهم، لصيانة الأمة عن الخطأ بالأدلة المذكورة، فإذا لم يكن على الأرض مسلم سواهم، فهم على الحق يقينًا، صيانة لهم عن الاتفاق على الخطأ2.
__________
1 أي وجه الاستدلال بالأحاديث المتقدمة على حجية الإجماع، وهي من ثلاثة أوجه -كما تقدم-.
2 خلاصة ذلك: أنه لا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر كما لا يشترط ذلك في الدليل السمعي، لأن المقصود اتفاق مجتهدي العصر، وقد حصل، ولا دخل للعدد فيه.
ونقل عن بعض العلماء أنه يشترط التواتر، ومنهم: أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وابن السبكي.
هكذا ورد في بعض الكتب مثل: شرح تنقيح الفصول ص341، شرح الكوكب المنير "2/ 252".
إلا أن الغزالي وغيره من العلماء يفرقون بين من أخذ حجية الإجماع من دليل العقل، وبين من أخذ من الدليل السمعي.
فإذا كان من دليل العقل فيلزم اشتراط التواتر، وإذا كان من السمع ففيه مذهبان:
أحدهما: اشتراط ذلك.
وثانيهما: عدم الاشتراط. =
(1/389)

فصل: [في المعتبرين في الإجماع]
ولا اختلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع وأنه لا يعتد بقول الصبيان والمجانين.
فأما العوام:
فلا يعتبر قولهم عند الأكثرين.
وقال قوم: يعتبر قولهم؛ لدخولهم في اسم "المؤمنين" ولفظ الأمة1.
__________
= وأورد أدلة كل فريق ورجح عدم الاشتراط كما يقول الجمهور.
راجع في هذه المسألة: "البرهان 1/ 680، 691، المستصفى 2/ 351 وما بعدها، بيان المختصر للأصفهاني 1/ 573-575".
1 خلاصة هذا الفصل: أن كل واحد من الأمة، إما أن يكون مجتهدًا أو لا، فإن كان مجتهدًا فلا خلاف في اعتبار موافقته، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإما أن يكون غير مكلف، وإما أن يكون مكلفًا، فإن كان غير مكلف فلا خلاف في عدم اعتبار، وموافقته كالصبي والمجنون.
وإن كان مكلفًا كالعوام، وطلبة العلم الذين لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد، فهؤلاء لا يعتبر قولهم من الإجماع، وهذا هو رأي جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة:
وذهب بعض العلماء إلى اعتبار قولهم في الإجماع، كأبي بكر الباقلاني والآمدي.
ومنهم من قال: يعتبر قولهم في المسائل المشهورة والمعلومة من الدين بالضرورة.
ومن الأدلة التي استند إليها هؤلاء: أن اسم "المؤمنين" و"الأمة" يشمل العوام، كما يشمل المجتهدين. وأجيب عنه: بأن العامي خص من هذا العموم، كما خص الصبي والمجنون. =
(1/390)

وهذا القول يرجع إلى إبطال الإجماع؛ إذ لا يتصور قول الأمة كلهم في حادثة واحدة.
وإن تصوّر: فمن الذي ينقل قول جميعهم، مع كثرتهم وتفرقهم في البوادي والأمصار والقرى؟!
ولأن العامي ليس له آلة هذا الشأن1، فهو كالصبي في نقصان الآلة، ولا يفهم من عصمة الأمة عن الخطأ: إلا عصمة من تتصور منه الإصابة لأهليته.
والعامي إذا قال قولًا: علم أنه يقوله عن جهل، وليس يدري ما يقول.
ولهذا انعقد الإجماع على أنه يعصي بمخالفة العلماء، ويحرم عليه ذلك.
ولذلك ذم النبي -صلى الله عليه وسلم- الرؤساء الجهال الذين أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا2.
وقد وردت أخبار كثيرة بإيجاب المراجعة للعلماء، وتحريم الفتوى بالجهل والهوى3.
__________
= انظر: "آراء العلماء وأدلتهم في: شرح الكوكب المنير 2/ 252، شرح مختصر الروضة 3/ 31 وما بعدها، العدة 4/ 113".
1 وهي أهليته للنظر والاجتهاد.
2 يشير بذلك إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم -أو لم يُبق عالمًا- اتخذ الناس رؤساء -وفي بعض الروايات رءوسًا- جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".
3 مثل قوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] =
(1/391)

فصل: [فيمن يعتبر في الإجماع من أصحاب العلوم]
ومن يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم، كأهل الكلام، واللغة، والنحو ودقائق الحساب: فهو كالعامي لا يعتد بخلافه، فإن كل أحد عامي بالنسبة إلى ما لم يحصل علمه، وإن حصل علمًا سواه1.
فأما الأصولي الذي لا يعرف تفاصيل الفروع، والفقيه الحافظ لأحكام الفروع، من غير معرفة بالأصول، أو النحوي إذا كان الكلام في
__________
و [الأنبياء: 7] وقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... } [النساء: 83] .
وروى جابر بن عبد الله قال: "خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بذلك، فقال: "قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتمم ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده" أخرجه أبو داود "336" وابن ماجه "572" والدارمي "1/ 157" وأحمد "3056" والطبراني "11472" وله طرق أخرى كثيرة.
1 وهو رأي الجمهور العلماء. قال الطوفي: "ويعتبر في إجماع كل فن قول أهله، كالفقيه في الفقه، والأصولي في الأصول، والنحوي في النحو، والطبيب في الطب، إذ غير أهل ذلك الفن، بالإضافة إلى ذلك الفن عامة".
ثم قال: "وعلى قول القاضي أبي بكر ينبغي أن يعتبر في الإجماع في فن إجماع أهل سائر الفنون؛ لأن أسوا أحوالهم أن يكونوا كالعامة، وهو يعتبر قولهم" شرح المختصر "3/ 36".
(1/392)

مسألة تنبني على النحو: فلا يعتد بقولهم -أيضًا-.
وقال قوم: لا ينعقد الإجماع بدونهم؛ لأن الأصولي -مثلًا- العارف بمدارك الأحكام، وكيفية تلقيها من المفهوم والمنطوق، وصيغة الأمر والنهي، والعموم: متمكن من درك الأحكام إذا أراد، وإن لم يحفظ الفروع1.
وآية ذلك2: أن "العباس"3........................................
__________
1 قوله "فأما الأصولي ... إلخ" هذا متفرع على مسألة تجزؤ الاجتهاد، فمن أجاز ذلك أجاز أن يكون قول هؤلاء معتبرًا، لأن كلًّا منهم وإن لم يكن أهلًا للاجتهاد في جميع المسائل، لكنه أهل للاجتهاد في بعضها، مثل: أن يبني الأصولي وجوب الزكاة على أن الأمر للفور، ويبني النحوي مسائل الشرط في الطلاق على باب الشرط والجزاء. ومن منع تجزؤ الاجتهاد منع ذلك.
قال الطوفي: "والأشبه بالصواب، وما دل عليه الدليل، اعتبار قول الأصولي والنحوي فقط، دون الفقيه الصرف؛ لتمكّنهما من إدراك الحكم بالدليل، هذا بقواعد الأصول، وهذا بقواعد العربية، لأن علمهما من مواد الفقه وأصوله، فيتسلطان به عليه، ولأن مباحث الأصول والعربية عقلية، وفيهما من القواطع كثير، فيتنقح بهما الذهن، ويقوى بهما استعداد النفس لإدراك التصورات والتصديقات حتى يصير لها ذلك ملكة، فإذا توجهت إلى الأحكام الفقهية أدركتها".
المصدر السابق ص39.
2 يقصد بذلك: الاستدلال على أنه يعتد بخلاف من لم يصل إلى درجة من العلم كما وصل بعض الصحابة، وأجرى مقارنة بين العباس، وطلحة، والزبير، وبين العبادلة: كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وبعضهم كان من أهل الشورى الذين عينهم عمر بن الخطاب، كعبد الله بن عمر وغيره.
3 هو: العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، كان من أكابر قريش في =
(1/393)

و "طلحة"1 و"الزبير" ونظراءهم ممن لم ينصب نفسه للفتيا نصب العبادلة، وزيد بن ثابت ومعاذ: يعتد بخلافهم.
وكيف لا يعتد بهم وهم يصلحون للإمامة العظمى، وقد سمّي بعضهم في الشورى، ولم يكونوا يحفظون الفروع، بل لم تكن الفروع موضوعة بعد.
لكن عرفوا الكتاب والسنة، وكانوا أهلًا لفهمهما.
والحافظ للفروع قد لا يحفظ دقائق مسائل الحيض والوصايا، فأصل هذه الفروع لأصل هذه الدقائق.
ولنا3: أن من لا يعرف الأحكام لا يعرف النظير فيقيس عليه.
__________
= الجاهلية، وفي الإسلام. توفي سنة 32هـ "صفة الصفوة 1/ 203".
1 هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، القرشي، التيمي، شهد أحدًا وما بعدها، أحد العشرة والمبشرين بالجنة، قتل في وقعة الجمل سنة 36هـ. "الإصابة 3/ 290".
2 هو: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي، ابن عمة النبي -صلى الله عليه وسلم- أول من سل سيفًا في الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. قتل سنة 36هـ. "الاستيعاب 2/ 510-516".
3 بدأ المصنف يذكر ما يرجح مذهب القائلين بعدم تجزؤ الاجتهاد، فبين أن من لا يعرف الأحكام الشرعية لا يستطيع معرفة نظائرها، ومن يعرف النصوص الشرعية، ولا يعرف كيف تؤخذ منها الأحكام، والتي تسمى بكيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، كل هؤلاء لا يمكنهم معرفة الأحكام.
ثم رد على استشهاد المخالفين بالصحابة، بأن هؤلاء الصحابة كانوا على علم بالأدلة الشرعية وبكيفية استنباط الأحكام منها.
ثم أورد استفهامًا على هذه المسألة، هل هي اجتهادية أو قطعية؟ فأجاب: بأنها اجتهادية، ومعنى هذا: أننا إذا اعتبرنا قول العوام ومن في حكمهم في =
(1/394)

ومن لا يعرف الاستنباط، مع عدم معرفته ما يستنبط منه: لا يمكنه الاستنباط.
وكذلك من يعرف النصوص، ولا يدري كيف يتلقى الأحكام منها: كيف يمكنه تعرف الأحكام؟
وأما الصحابة الذين ذكروهم: فقد كانوا يعلمون أدلة الأحكام، وكيفية الاستنباط، وإنما استغنوا بغيرهم، واكتفوا بمن سواهم.
فإن قيل: فهذه المسألة اجتهادية أم قطعية؟
قلنا: هي اجتهادية، فمتى جوزنا أن يكون قول واحد من هؤلاء معتبرًا فخالف: لم يبق الاجماع حجة قاطعة.
__________
= الإجماع، فخالف بعضهم، لم يكن الإجماع حجة قطعية، لمخالفة البعض، وإذا لم نعتبره كان الإجماع حجة قطعية، لأن مخالفتهم كمخالفة الصبيان فلا أثر لها.
(1/395)

فصل: [في عدم الاعتداد بقول الكافر والفاسق في الإجماع]
ولا يعتد في الإجماع بقول كافر، سواء بتأويل أو بغيره1.
__________
1 ينقسم الكافر إلى معاند ومتأول، فالمعاند: كاليهود والنصاري ومن ارتد عن الإجماع بلا خوف.
أما المتأول: وهو المستند إلى شبهة، كمبتدعة المسلمين من الخوارج والمعتزلة ونحوهما، فهؤلاء للعلماء فيهم قولان:
أحدهما: عدم قبول قولهم مطلقًا.
والثاني: أنهم كالكفار عند من يكفرهم، فلا يقبل قولهم بالنسبة له، ومن لا يكفرهم يقبل قولهم.
(1/395)

فأما الفاسق باعتقاد، أو فعل1 فقال القاضي: لا يعتد بهم2 وهو قول جماعة3؛ لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} 4. أي: عدولًا. وهذا غير عدل، فلا تقبل روايته، ولا شهادته، ولا قوله في الإجماع.
ولأنه لا يقبل قوله منفردًا فكذلك مع غيره.
وقال أبو الخطاب. يعتد بهم5؛ لدخولهم في قوله تعالى: { ... وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين} . وقوله عليه السلام: "لا تجتمع أمتي على خطأ".
__________
1 مثال الفسق بالاعتقاد: الرفض والاعتزال، والفسق بالفعل: كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما في شرح الكوكب المنير "2/ 227" وقال الطوفي: "المختار أن من كان من أهل الشهادتين فإنه لا يكفر ببدعة على الإطلاق، ما استند فيها إلى تأويل يلتبس فيه الأمر على مثله، فيقبل قول جميع مبتدعة المسلمين الذين هم كذلك، إذا عرف منهم الصدق والعدالة في بدعتهم، كما قلنا: إن الكافر العدل في دينه يلي مال ولده الصغير والمجنون؛ لأنه إذا اجتمعت العدالة مع الكفر، فمع البدعة أولى، وقد ثبت أن أئمة الحديث نقلوا أخبار كثير من أهل البدع الغليظة، لصدقهم وعدالتهم في بدعتهم. "الشرح 3/ 44".
2 انظر: العدة لأبي يعلى "4/ 1139".
3 منهم: الجصاص: والجرجاني، وكثير من علماء الحنفية وغيرهم.
4 سورة البقرة من الآية: 143.
5 هذا النقل مخالف لما في التمهيد "3/ 253" حيث قال: "والصحيح عندي أنه إذا كان من أهل الاجتهاد وارتكب بدعة كفّر بها لم يعتد بخلافه، وإن لم يكفّر بها اعتد بخلافه" وفي المسألة آراء أخرى ذكرها أيضًا، كما ذكرها أبو يعلى في العدة "4/ 1040".
(1/396)

فصل: في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة
...
مسألة: [في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة]
وإذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة اعتد بخلافه في الإجماع عند الجمهور، واختاره أبو الخطاب1.
وقال القاضي وبعض الشافعية: لا يعتد به، وقد أومأ أحمد -رضي الله عنه- إلى القولين2.
وجه قول القاضي:
أن الصحابة شاهدوا التنزيل، وهم أعلم بالتأويل، وأعرف بالمقاصد، وقولهم حجة على من بعدهم، فهم مع التابعين كالعلماء مع العامة، ولذلك قدمنا تفسيرهم3.
__________
1 انظر: التمهيد "3/ 267" وهو رأي الحنفية والمالكية وجمهور الشافعية، وهو ما اختاره ابن عقيل، والقاضي أبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني.
وقال القاضي عبد الوهاب، الفقيه المالكي: الحق التفصيل، وهو: أن الواقعة إن حدثت للصحابة بعد أن صار التابعي من أهل الاجتهاد، كان كأحدهم لا إجماع لهم بدونه، وإن حدثت قبل أن يصير من أهل الاجتهاد، فأجمعوا على حكمها، أو اختلفوا، أو توقفوا، لم يعتد بقوله.
قال الطوفي: "قلت: ونحوه اختار الآمدي، والأشبه: أنه متى أدرك الخلاف فيها، أو التوقف، اعتبر قوله فيها، اختلافًا أو اتفاقًا" شرح المختصر "3/ 62".
2 الروايتان عن الإمام أحمد ذكرهما القاضي أبو يعلى في العدة "4/ 1153، 1157" وأبو الخطاب في التمهيد "3/ 267، 268".
3 ذكر القاضي أبو يعلى في العدة "4/ 1160" عدة وجوه تأييدًا لمذهبه، وأورد أدلة المخالفين وردّ عليها، وخلص من ذلك كله: أن للصحابة -رضي الله عنهم- مزايا لا توجد في التابعين، فلا يشاركهم التابعون في هذا الفضل.
(1/397)

وأنكرت عائشة -رضي الله عنها- على أبي سلمة1 حين خالف ابن عباس، قالت: "إنما مثلك مثل الفروج، سمع الديكة تصيح فصاح لصياحها"2.
ووجه الأول3:
أنه إذا بلغ رتبة الاجتهاد: فهو من الأمة، فإجماع غيره لا يكون إجماع كل الأمة، والحجة إجماع الكل.
نعم لو بلغ رتبة الاجتهاد بعد إجماعهم: فهو مسبوق بالإجماع، فهو كمن أسلم بعد تمام الإجماع.
ولا خلاف أن الصحابة -رضي الله عنهم- سوّغوا اجتهاد التابعين:
ولهذا ولى عمر -رضي الله عنه- "شريحًا"4 القضاء وكتب إليه:
__________
1 هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته. كان ثقة كثير الحديث، روى عن أبيه وعن عثمان بن عفان وطلحة وعائشة وغيرهم.
توفي سنة 94هـ. وقيل: سنة 104هـ. "تهذيب التهذيب 12/ 115".
2 مخالفة أبي سلمة لابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها سيأتي تخريجها قريبًا، وليس فيها كلام السيدة عائشة -رضي الله عنها- والذي ورد فيه ذلك هو: ما رواه مالك في الموطأ: كتاب الطهارة، باب واجب الغسل إذا التقى الختانان وفيه: "قال أبو سلمة: سألت عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل".
3 أي المذهب الأول وهو مذهب جمهور العلماء، من أن التابعي إذا بلغ رتبة الاجتهاد اعتد برأيه في الإجماع.
4 هو: شريح بن الحارث بن قيس، أبو أمية الكندي، الكوفي، القاضي المشهور، تولى القضاء ستين سنة مات سنة 78هـ وقيل غير ذلك بعد أن عمر طويلًا. =
(1/398)

"ما لم تجد في السنة فاجتهد رأيك"1.
وقد علم أن كثيرًا من أصحاب عبد الله2، كعلقمة3، والأسود4، وغيرهما، وسعيد بن المسيب5، وفقهاء المدينة6 كانوا يفتون في عصر الصحابة -رضي الله عنهم- فكيف لا يعتد بخلافهم؟!
__________
= انظر: "تذكرة الحفاظ 1/ 58، شذرات الذهب 1/ 85".
1 كتاب عمر -رضي الله عنه- إلى شريح أخرجه وكيع في كتابه: أخبار القضاة "2/ 189" بسنده إلى الشعبي ولفظه: "عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: ما في كتاب الله وقضاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النبي -عليه السلام- فما قضى به أئمة العدل، وما لم يقض به أئمة العدل فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن شئت تؤامرني، ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا أسلم ذلك".
كما رواه بلفظ آخر قريب مما تقدم، جاء في آخره: ".. فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يسنه رسول الله، ولم يتكلم به أحد، فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك، وإن شئت فأخره، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك".
2 يعني: عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- وتقدمت ترجمته.
3 هو: علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الهمداني، تابعي، كان يشبه ابن مسعود في هديه وسمته وفضله. توفي سنة 62هـ. "تأريخ بغداد 12/ 296".
4 هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، الكوفي، تابعي، روى عن الخلفاء الأربعة، كما روى عن عائشة وغيرها. توفى سنة 75هـ. وقيل غير ذلك.
"تذكرة الحفاظ 1/ 50، تهذيب التهذيب 1/ 321".
5 هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة. توفي سنة 94هـ. "حلية الأولياء 2/ 161".
6 فقهاء المدينة هم: الذين عينهم عمر بن عبد العزيز لأخذ رأيهم في أمور المسلمين كمجلس استشاري له -رضي الله عنه- حتى روى أنه قال لهم: "إنما =
(1/399)

وقد روى الإمام أحمد في الزهد أن أنسًا1 سئل عن مسألة فقال: "سلوا مولانا الحسن2، فإنه غاب وحضرنا، وحفظ ونسينا"3 "وإنما
__________
= دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن اقطع أمرًا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم" وكانوا عشرة هم:
1- عبد الله بن عامر بن ربيعة توفي سنة بضع وثمانين من الهجرة.
2- عروة بن الزبير. توفي سنة 94هـ.
3- أبو بكر بن عبد الرحمن. توفي سنة 94هـ.
4- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. توفي سنة 98هـ.
5- خارجة بن زيد. توفي سنة 100هـ.
6- عبد الله بن عبد الله بن عمرو. توفي سنة 105هـ.
7- سالم بن عبد الله بن عمر. توفي سنة 106هـ.
8- سليمان بن يسار. توفي سنة 107هـ.
9- القاسم بن محمد. توفي سنة 108هـ.
10- أبو بكر سليمان بن أبي حثْمة.
انظر: "تأريخ الطبري 6/ 427-428" ط. دار المعارف، عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، ماجدة فيصل زكريا ص73 ط مكتبة الطالب الجامعية مكة المكرمة".
1 يعنى: أنس بن مالك، تقدمت ترجمته.
2 هو: الحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي عالم زاهد، ولد بالمدينة المنورة في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وتوفي سنة بالبصرة سنة 110هـ. "تذكرة الحفاظ 1/ 71".
3 هذا الأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات "7/ 176" في ترجمة الحسن البصري وفيه:....... فقالوا: يا أبا حمزة نسألك وتقول: سلوا مولانا الحسن؟! فقال: إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا" وذكر مثله الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب "2/ 264".
(1/400)

يفضل الصحابي بفضيلة الصحبة"1 أليس فيكم أبو الشعثاء؟ يعني: جابر بن زيد2.
وروى نحوه عن جابر بن عبد الله3.
وإنما فضّل الصحابي بفضيلة الصحبة4، ولو كانت هذه الفضيلة تخصص الإجماع لسقط قول متأخري الصحابة بقول متقدميهم، وقول المتقدم منهم بقول العشرة5، وقول العشرة بقول الخلفاء، وقولهم بقول أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وإنكار عائشة على أبي سلمة مخالفة ابن عباس قد خالفها أبو هريرة7 فقال: "أنا مع ابن اخي"8 هي قضية في عين،
__________
1 يبدو أن هذه الجملة مكررة ولا محل لها هنا، وأن قوله "أليس فيكم أبو الشعثاء" من تمام الأثر. والله أعلم.
2 هو: جابر بن زيد الأزدي ثم الجوفي -نسبة إلى الجوف- محلة بالبصرة، فقيه ثقة، من مشاهير علماء التابعين. توفي سنة 93هـ. "البداية والنهاية 9/ 93".
3 تقدمت ترجمته.
4 هذه الجملة تؤكد أن الجملة السابقة مكررة.
5 يقصد العشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة الجراح، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد. رضي الله عنهم جميعًا.
6 يريد أن يرد على الاستشهاد بالأثر المروي عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- بأنه معارض بما روي عن ابي هريرة -رضي الله عنه- من أنه وافق أبي سلمة على رأيه -كما سيأتي-.
7 هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، المقلب بأبي هريرة، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له. توفي سنة 59هـ. "تهذيب الأسماء 2/ 270".
8 أخرج هذا الأثر البخاري في كتاب التفسير، سورة الطلاق، كما أخرجه مسلم، =
(1/401)

يحتمل أنها أنكرت عليه ترك التأدب مع ابن عباس، أولم تره بلغ رتبة الاجتهاد، أوغير ذلك من المحتملات. والله أعلم.
__________
= والترمذي والنسائي وغيرهم ولفظه: "عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كنا نتذاكر أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدة المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا عدتها: أن تضع حملها، وقال أبو هريرة:
أنا مع ابن أخى، فأرسل ابن عباس غلامه "كريبًا" إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان أبو السنابل فيمن خطبها".
(1/402)

فصل: [في حكم انعقاد الإجماع بقول الأكثر]
ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور1.
وقال محمد بن جرير2، وأبو بكر الرازي3: ينعقد4.
__________
1 وهو: المنقول عن أكثر الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وهو الذي رجحه الغزالي حيث قال: "والمعتمد عندنا: أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع، بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشوري: 10] وانظر: المستصفى "2/ 341".
2 وهو: محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري، الإمام الجليل والمجتهد، المطلق، جمع من العلوم ما لا يشاركه فيه أحد من أهل عصره. توفي سنة 310هـ. "وفيات الأعيان 3/ 332، شذرات الذهب 2/ 260".
3 هو: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص، الفقيه الحنفي المشهور، ولد سنة 305هـ وتوفي سنة 370هـ. "الدرر المضية 1/ 84".
4 ونقل أبو الحسن البصرى في "المعتمد" "2/ 486" هذا الرأي عن أبي الحسين الخياط. =
(1/402)

وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله-.
ووجهه1:
أن مخالفة الواحد شذوذ، وقد نهى عن الشذوذ.
وقال -عليه السلام-: "عليكم بالسواد الآعظم". وقال: "الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد".
ولنا2:
أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع بل هو مختلف فيه، وقد قال -تعالى-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه} 3.
وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ... } 4.
فإن قيل5:
__________
= وفي أصول السرخسي "1/ 316": أن رأي أبي بكر الرازي فيه تفصيل: وهو أن الأكثرين إذا سوغوا للأقل ذلك الاجتهاد لم ينعقد الإجماع، وإن أنكروا عليهم رأيهم انعقد الإجماع.
ونقل الغزالي رأيًا آخر في المسألة وهو: إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر اندفع الإجماع، وإن نقص فلا يندفع.
ونقل الشوكاني في إرشاد الفحول جـ1 ص341 عن القاضي أبي بكر أنه قال: إن هذا الرأي هو الذي صح عن ابن جرير.
1 أي دليل القائلين بانعقاد الإجماع بقول الأكثر.
2 بدأ المصنف يذكر أدلة الجمهور على أن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثرين.
3 سورة النساء من الآية: 59.
4 سورة الشورى من الآية: 10.
5 هذا اعتراض أورده المصنف على لسان المخالفين للجمهور، خلاصته: أنه قد =
(1/403)

قد يطلق اسم الكل على الأكثر؟
قلنا: هذا مجاز؛ لأن الجمع المعرّف حقيقة في الاستغراق، ولهذا يصح أن يقال: إنهم ليسوا كل المؤمنين، ولا يجوز التخصيص بالتحكم.
وقد وردت نصوص تدل على قلة أهل الحق وذم الأكثرين: كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} 1 ونحوها.
وقال تعالى: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ... } 2. وقال: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} 3. وقال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} 4 وقال -صلى الله عليه وسلم- "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء".
__________
= يطلق اسم الأمة وهو الكل على الأكثر، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف، ويراد به الأكثر.
وأجاب المصنف على ذلك: بأن هذا من قبيل المجاز، والمجاز لا بد له من دليل، ولا دليل هنا على التخصيص، ولا يجوز التخصيص بالتحكم من غير دليل.
ثم أكمل الرد بقوله بعد ذلك: "وقد وردت نصوص إلخ" ومعناه: أنه كيف تصح دعواكم والحال أنه قد وردت نصوص كثيرة تدل على قلة أهل الحق".
1 سورة الأنعام الآية: 37.
2 سورة "ص" من الآية: 24.
3 سورة البقرة من الآية: 249.
4 سورة سبأ من الآية: 13.
5 الحديث رواه مسلم "146" من حديث عبد الله بن عمر بلفظ "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود -كما بدأ- غريبًا، فطوبى للغرباء".
كما رواه أحمد في المسند "1604" عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت أبي =
(1/404)

دليل ثان1:
إجماع الصحابة على تجويز المخالفة للآحاد:
__________
= يقول سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود كما بدأ فطوبى يومئذ للغرباء، إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده، ليأرز الإيمان بين هذين المسجدين، كما تأرز الحية في جحرها".
ومعنى: يأرز: أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض. والمسجدان: هما المسجد الحرام، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة.
و"بدأ" بالهمز وبدونه، معناها: الابتداء، وبدون همز معناها الظهور، قال النووي: ضبطناه بالهمز ويؤيده المقابلة بالعود، فإن العود يقابل بالابتداء.
قال ابن بدران: "ومعناه: أن الإسلاكم بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال، حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة -أيضًا- كما بدأ.
وحاصل الاستدلال: أنه إذا لم يكن ضابط يضبط أهل الإجماع، ولا مرد يرجع إليه عند الاختلاف، فلا خلاص إلا بقول الجميع". "نزهة الخاطر 1/ 360".
1 هذا دليل ثان لمذهب الجمهور على أن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثر، وصرح الغزالي بذلك فقال: "الدليل الثاني: إجماع الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد، فكم من مسألة انفرد فيها الآحاد بمذهب، كانفراد ابن عباس بالعول، فإنه أنكره "المستصفى 2/ 343".
ووجه الدلالة من هذا الدليل: أن ابن عباس وغيره من الصحابة خالفوا جمهور الصحابة في مسائل كثيرة، وجوز الصحابة لهم هذه المخالفة، وهذا الانفراد ببعض الآراء، ولو انعقد إجماع الصحابة بدون ذلك، لاستحال ترك النكير عليهم، وإقرارهم على مخالفة الإجماع، فدل ذلك على أن الإجماع مع مخالفة الأقل لا ينعقد وهو المدعى.
(1/405)

فانفرد ابن عباس بخمس مسائل في الفرائض1، وانفراد ابن مسعود بمثلها2.
__________
1 وضح المصنف -رحمه الله تعالى- هذه المسائل في المغني فقال:
"فصل: حصل خلاف ابن عباس للصحابة في خمس مسائل، اشتهر قوله فيها:
أحدها: زوج وأبوان.
والثانية: امرأة وأبوان، للأم ثلث الباقي عندهم، وجعل هو لها ثلث المال فيهما.
والثالثة: أنه لا يحجب الأم إلا ثلاثة من الأخوة "يعنى من الثلث إلى السدس".
والرابعة: لم يجعل الأخوات مع البنات عصبة.
والخامسة: أنه لم يُعِل المسائل، فهذه الخمس صحت الرواية عنه فيها، واشتهر عنه القول بها، وشذت عنه روايات سوى هذه ذكرنا بعضها فيما مضى" المغني "9/ 30" طبعة هجر بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو.
ومعنى قوله "لم يعد المسائل": أنه يرى إنكار القول بالعول في الفرائض.
2 في بعض النسخ "فانفرد ابن مسعود بخمس مسائل، وانفرد ابن عباس بمثلها".
والمسائل التي انفرد بها عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في الفرائض كثيرة، أشار إليها المصنف في "المغني" وجمع منها ستة مسائل في فصل واحد فقال:
"وإذا كانا ابني عم، أحدهما أخ لأم، فللأخ للأم السدس، وما بقي بينهما نصفين: هذا قول جمهور الفقهاء، يروى عن عمر -رضي الله عنه- ما يدل على ذلك، ويروى ذلك عن "علي" -رضي الله عنه- وزيد وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ومن تبعهم. وقال ابن مسعود: المال للذي هو أخ من أم.
ثم قال: وإن كان ابن عم لأبوين، وابن عم هو أخ لأم، فعلى قول الجمهور: للأخ السدس، والباقي للآخر، وعلى قول ابن مسعود: المال كله لابن العم =
(1/406)

فإن قيل1:
فقد أنكروا على ابن عباس القول بالمتعة2، و"إنما الربا في
__________
= الذي هو أخ لأم.... فإن كان ابنا عم، أحدهما أخ من أم، وبنت ابن، فللبنت أو بنت الابن النصف، والباقي بينهما نصفين، وسقطت الإخوة من الأم بالبنت، وإن كان الذي ليس بأخ ابن عم من أبوين، أخذ الباقي كله كذلك، وعلى قول ابن مسعود: الباقي للأخ في المسألتين، بدليل أن الأخ من الأبوين يتقدم على الأخ من الأب، بقرابة الأم، فإن كان في الفريضة بنت تحجب قرابة الأم....".
ثم أشار إلى أن هذه الأمثلة كلها تمثل مسألة واحدة، فقال: "فصل: فحصل خلاف ابن مسعود في مسائل ست، هذه إحداهن.
والثانية: في بنت وبنات ابن وابن ابن، الباقي عنده للابن دون أخواته.
الثالثة: في أخوات لأبوين وأخ وأخوات لأب، الباقي عنده للأخ دون أخواته.
الرابعة: بنت وابن ابن وبنات ابن، عنده لبنات الابن الأضر بهن من السدس أو المقاسمة.
الخامسة: أخت لأبوين وأخ وأخوات لأب، للأخوات عنده الأضر بهن من ذلك.
السادسة: كان يحجب الزوجين والأم بالكفار والعبيد والقاتلين، ولا يورثهم. المصدر السابق ص31، 32.
1 هذا يعتبر دليلًا آخر للخصم وردًّا على ما استدل به الجمهور من تجويز الخلاف للآحاد -كما نقل عن ابن مسعود وابن عباس-، وحاصله: أنهم أنكروا على ابن عباس إباحة زواج المتعة، وحصر الربا على النسيئة حتى رجع عنهما، وأنكرت عائشة -رضي الله عنها- على زيد بن أرقم بيع العينة، وهي شراء ما بيع بأقل مما بيع عليه، ومحل الشاهد: أنه لولا أن اتفاق الأكثر حجة، لما كان لهم الإنكار عليهم.
2 أخرج البخاري: كتاب الحيل، باب الحيلة في النكاح، عن محمد بن علي: "أن =
(1/407)

النسيئة"1، وأنكرت عائشة على "زيد بن أرقم"2 مسألة العينة3.
وأنكر ابن عباس على من خالفه في العول والجد4.
__________
عليًّا -رضي الله عنه- قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسًا، فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية".
وروى مثله الإمام أحمد في المسند "1/ 142" والطبراني في الأوسط، وابن أبي شيبة في المصنف "4/ 292-293".
1 سبق تخريجه وأن ابن عباس قال: "أخبرني به أسامة بن زيد".
2 هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، شهد الخندق وما بعدها، وشهد موقعة "صفين" مع علي -رضي الله عنه- توفي بالكوفة سنة 66هـ. "الإصابة 2/ 589".
3 يشير إلى ما أخرجه أحمد في المسند، والدارقطني في سننه: كتاب البيوع، عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة -رضي الله عنها- فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين، إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته بستمائة درهم نقدًا، فقالت لها عائشة: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، إن جهاده مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بطل، إلا أن يتوب".
وله طرق أخرى كثيرة عند البيهقي "5/ 330، 331" وعبد الرزاق في المصنف "8/ 184" وابن حزم في المحلى "9/ 688-693".
4 العول في اللغة: الميل إلى الجور، والرفع. وفي الشرع: زيادة السهام على الفريضة، فتعول المسألة إلى سهام الفريضة، فيدخل النقص عليهم بقدر حصصهم. "التعريفات للجرجاني ص159".
وخلاف ابن عباس في العول أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الفرائض باب أول من أعال الفرائض عمر، والبيهقي في سننه: كتاب الفرائض، باب العول في الفرائض، بسنده إلى عتبة بن مسعود قال: "دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس -بعدما ذهب بصره-، فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال: ترون الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يحص ما في مال نصفًا ونصفًا =
(1/408)

............................................................
__________
= وثلثًا، إذا ذهب نصف ونصف فأين موضع الثلث؟! فقال له زفر: يا ابن عباس من أول من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: ولم؟ قال: لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضًا، قال: والله ما أدري كيف أصنع بكم، والله ما أدري أيكم قدّم الله، ولا أيكم أخّر، قال: وما أجد في هذا المال شيئًا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص.
ثم قال: ابن عباس: وأيم الله لو قدم من قدم الله، وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيهم قدم وأيهم أخر؟ فقال: كل فريضة لا تزول إلا إلى فريضة، فتلك التي قدم الله، وتلك فريضة الزوج، له النصف، فإن زال فإلى الربع، لا ينقص منه، والمرأة لها الربع، فإن زالت عنه صارت إلى الثمن، لا تنقص منه، الأخوات لهن الثلثان، والواحدة لها النصف، فإن دخل عليهن البنات كان لهن ما بقي، فهؤلاء الذين أخر الله، فلو أعطى من قدم الله فريضته كاملة، ثم قسم ما بقي بين من أخر الله بالحصص ما عالت فريضة.
فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته والله.
قال ابن إسحاق: فقال لي الزهري: وأيم الله لولا أن تقدمه إمام هدى كان أمره على الورع ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم".
وأما إنكاره على من خالفه في الجد:
فإن ابن عباس وأبا بكر وغيرهما من الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يرون أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يسقطهم الأب.
وكان علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- يورّثونهم معه، ولا يحجبونهم به؛ لأن الأخ ذكر يعصّب أخته، فلم يسقطه الجد، كالابن، ولأن ميراثهم ثبت بالكتاب، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وجد شيء من ذلك، فلا يحجبون.
ولأنهم تساووا في سبب الاستحقاق فيتساوون فيه؛ فإن الأخ والجد يدليان بالأب، الجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة النبوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى؛ فإن الابن يسقط تعصيب الأب، ولذلك مثّله "علي" -رضي الله عنه- بشجرة أنبتت غصنًا، فانفرق منه غصنان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب =
(1/409)

قلنا: إنما أنكروا عليهم لمخالفتهم السنة المشهورة، والأدلة الظاهرة.
ثم هب أنهم أنكروا عليهم، والمنفرد منكر عليهم إنكارهم، فلم ينعقد الإجماع، فلا حجة في إنكارهم1.
والشذوذ يتحقق بالمخالفة بعد الوفاق.
ولعله أراد به: الشاذ من الجماعة، الخارج على الإمام، على وجه
__________
= منه إلى أصل الشجرة، ومثّله زيد بواد خرج منه نهر، انفرق منه جدولان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي.
ولابن عباس ومن معه من الصحابة أدلة أخرى كثيرة، تدل على أن الجد يسمى أبًا، ويحل محله في حجب الإخوة، ولذلك قال: "ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الاب أبًا".
أخرجه ابن عبد البر في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله" "2/ 131" وانظر: السنن الكبرى للبيهقي "6/ 247" والمغني لابن قدامة "9/ 65 وما بعدها" طبعة هجر، تحقيق الدكتور عبد الله عبد المحسن تركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو.
1 هذا جواب عن الدليل المتقدم وهو: إنكار الصحابة على ابن عباس، في المتعة والربا، وإنكار السيدة عائشة على زيد بن أرقم، وإنكار ابن عباس على من خالفه في العول والجد. والجواب من وجهين:
الأول: أن إنكار الصحابة إنما كان بسب مخالفتهم السنة المشهورة والأدلة الظاهرة، لا لكون اتفاقهم مع مخالفة هؤلاء إجماعًا.
الثاني: سلمنا بإنكار الصحابة -رضي الله عنهم- لكن المخالفين أنكروا على الصحابة إنكارهم ... ولذلك روي عن ابن عباس أنه قال: "ألا يتقي الله زيد، يجعل ولد الولد بمنزلة الولد، ولا يجعل أب الأب بمنزلة الأب، إن شاء باهلته عند الحجر الاسود"، وإذا حصل الإنكار من الطرفين فلا إجماع بل هو مختلف فيه.
(1/410)

يثير الفتنة1، كفعل الخوارج.
وهذا الجواب عن الحديث الآخر2، والله أعلم.
__________
1 هذا جواب عن قول ابن جرير: "إن مخالفة الواحد شذوذ وهو منهي عنه".
وقد أجاب عنه المصنف: بأن المراد بالشذوذ: إما أن يكون ذلك بعد الاتفاق وانعقاد الإجماع، وإما أن يكون المراد به: الشذوذ الذي يشق به صاحبه عصا الطاعة، ويخرج عن حكم الإمام، ويثير الفتن والقلاقل، كما فعل الخوارج، وهم: كل من خرج على الإمام الحق، وكان أول ظهور هذه الفرقة في عهد علي بن أبي طالب، ومن معتقداتهم، التبري من عثمان وعلي، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون وجوب الخروج على الحاكم إذا خالف السنة وغير ذلك من معتقداتهم الفاسدة.
2 وهو قوله: -صلى الله عليه وسلم- "عليكم بالسواد الأعظم" و "الشيطان مع الواحد.." إلخ.
(1/411)

فصل: [في حكم إجماع أهل المدينة]
وإجماع أهل المدينة ليس بحجة1.
وقال مالك: هو حجة، لأنها معدن العلم، ومنزل الوحي، وبها أولاد الصحابة، فيستحيل اتفاقهم على غير الحق، وخروجه عنهم2.
__________
1 وهو رأي جمهور العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا مالك -رحمه الله تعالى-.
2 ينبغي توضيح المذهب، كما هو وارد عندهم، لأن اعتبار إجماع أهل المدينة حجة مشروط بشرطين:
أحدهما: أن يكون فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد.
ثانيهما: أن يكون من الصحابة أو التابعين، دون من بعدهم، لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فألحق بهم مالك التابعين =
(1/411)

ولنا1:
__________
= من أهل المدينة، لتعلّمهم ذلك عن الصحابة.
أما في مسائل الاجتهاد: فالصحيح عنه أنهم كغيرهم من الأمة، وإن كان قد نقل عنه الإطلاق.
قال صاحب مراقي السعود:
وأوجبنْ حجية للمدني ... فيما على التوقيف أمره بُني
وقيل: مطلقًا..... انظر: نثر الورود على مراقي السعود "2/ 431".
ومن الأدلة التي تمسك بها الإمام مالك: الأحاديث التي وردت في فضل المدينة، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد" أخرجه البخاري: كتاب فضائل المدينة، ومسلم: في كتاب الحج، باب: المدينة تنفي شرارها بلفظ "ألا إن المدينة كالكير، تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد".
وقد أجاب المصنف على ذلك -فيما بعد- بأن ورود مثل ذلك لا يدل على أن اتفاق أهلها حجة، فالعصمة ليست للمكان، وإلا لكانت مكة أولى بذلك من المدينة، ومساوية لها، لأنها أفضل من المدينة عند الأكثرين، وإنما العصمة للأمة جميعها. كما أجاب الجمهور عن الاستدلال بالحديث المتقدم؛ بأن هذا الحديث ورد على سبب خاص، وهو: أن أعرابيًا دخل المدينة، وبايع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك، فخرج بغير إذنه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن المدينة كالكير، تنفي خبثها، ويتضيع طيبها" أخرجه البخاري ومسلم أيضًا. ومعنى "يتضيع طيبها" أي: يفوح وينتشر.
كما أجيب عنه بوجه ثان: هو أن الخبث في عرف اللغة لا يفيد الخطأ مطابقة، ولا تضمنًا ولا التزامًا، فكيف يستدل بالحديث على نفي الخطأ؟
انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 105، 106".
1 هذا استدلال على أن إجماع أهل المدينة ليس حجة وهو من وجهين:
أحدهما: أن العصمة تثبت للأمة كلها إلخ. =
(1/412)

أن العصمة تثبت للأمة بكليتها، وليس أهل المدينة كل الأمة.
وقد خرج من المدينة من هو أعلم من الباقين بها: كعلي، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ، وأبي عبيدة، وأبي موسى، وغيرهم من
__________
= الثاني: أنه قد خرج من المدينة عدد كثير من الصحابة، وهم أعلم ممن بقي بها، فكيف ينعقد إجماع بدونهم، وهم من أهل الاجتهاد، ثم ناقش أدلة المالكية، وهي واضحة.
إجماع أهل الحرمين والمصرين:
من المسائل التي يوردها الأصوليون، وأغفلها المصنف ما يسمى بإجماع أهل الحرمين: مكة والمدينة، والمصرين: البصرة والكوفة.
فقد زعم بعض أهل الأصول أن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة مع مخالفة غيرهم؛ لأن هذه المواطن كانت محلًا لإقامة الصحابة -رضي الله عنهم-.
قال الزراكشي: "وهذا صريح بأن القائلين بذلك لم يعمموا في كل عصر، بل في عصر الصحابة فقط".
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرزي: "قيل: إن المخالف أراد زمن الصحابة والتابعين، فإن هذا مراده فمسلم لو اجتمع العلماء في هذه البقاع، وغير المسلم أنهم اجتمعوا فيها" فإن الصحابة -رضي الله عنهم- انتشروا في مدن أخرى، كاليمن، والشام، ومصر، والعراق.
وقصر الإجماع على عصر الصحابة -رضي الله عنهم- يخالف الأدلة الكثيرة التي تدل على عدم انحصار الإجماع في عصر دون عصر.
وبذلك يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، من عدم حجية إجماع أهل الحرمين والمصرين، لأن العصمة إنما ثبتت مجتمعة، وهؤلاء بعض الأمة وليس كلها.
انظر في هذه المسألة: "الأحكام لابن حزم "4/ 566" شرح المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني "2/ 158" إرشاد الفحول جـ1 ص321 الطبعة المحققة.
(1/413)

الصحابة، فلا ينعقد الإجماع بدونهم.
وقوله: "يستحيل خروج الحق عنهم" تحكم؛ إذ لا يستحيل أن يسمع رجل حديثا من النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر، أو في المدينة، ثم يخرج منها قبل نقله.
وفضل المدينة لا يوجب انعقاد الإجماع بأهلها، فإن مكة أفضل منها، ولا أثر لها في الإجماع.
ولأن إجماعهم لو كان حجة، لوجب أن يكون حجة في جميع الأزمنة. ولا خلاف في أن قولهم لا يعتد به في زماننا فضلًا عن أن يكون إجماعًا.
__________
1 خلاصة هذا الفصل: أنه لو اتفق الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- على أمر من الأمور بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخالفهم غيرهم، لا يعد ذلك إجماعًا، وهذا هو رأي الجمهور.
وحجتهم على ذلك: ما ذكره المصنف -قبل ذلك- من أن العصمة عن الخطأ =
(1/414)

فصل: [في حكم إجماع الخلفاء الأربعة]
واتفاق الأئمة الخلفاء الأربعة ليس بإجماع.
وقد نقل عن أحمد -رحمه الله- ما يدل على أنه لا يخرج من قولهم إلى قول غيرهم.
والصحيح: أن ذلك ليس بإجماع؛ لما ذكرناه.
وكلام أحمد -في إحدى الروايتين عنه- يدل على أن قولهم حجة، ولا يلزم من كل ما هو حجة ان يكون إجماعًا.
(1/414)

..............................................
__________
= إنما تثبت للأمة كلها، والخلفاء الأربعة ليسوا كل الأمة، وهذا ما أشار إليه بقوله: "والصحيح أن ذلك ليس بإجماع لما ذكرناه".
والمنقول عن الإمام أحمد عدة روايات.
الأولى: كالجمهور، وهو أن اتفاقهم ليس إجماعًا.
الثانية: أنه حجة وليس إجماعًا، ومعنى هذا: أنه لا يلزم من كونه حجة وجوب اتباعه، وإلزام الغير به، غاية الأمر أنه يجوز للمجتهد أن يعمل به وحده ولا يلزم غيره به.
الرواية الثالثة: أنه حجة وإجماع، نقل ذلك الفتوحي وقال: "اختاره ابن البنا من أصحابنا وأبو خازم -بالمعجمتين- وكان قاضيًا حنفيًّا، وحكم بذلك زمن المعتضد "الخليفة العباسي ت289هـ" في توريث ذوي الأرحام، فأنفذ حكمه، وكتب به إلى الآفاق، ولم يعتبر خلاف زيد في ذلك، بناء على أن الخلفاء الأربعة يورثونهم ... "شرح الكوكب المنير "2/ 239-241" وانظر: تاريخ الخلفاء ص368.
هذا، ولم يذكر المصنف هنا مسألتين توردهما كتب الأصول كلها وهما:
المسألة الأولى: أبو بكر وعمر -رضي الله عنه- هل هو: إجماع أو لا؟.
المسألة الثانية: هل ينعقد الإجماع بالعترة وهم: آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- أو لا؟
أما بالنسبة لاتفاق الخليفتين: أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فجمهور العلماء على أن اتفاقهما ليس إجماعًا، لأن العصمة إنما تثبت للأمة مجتمعة، وهما ليسا كل الأمة، وإذا لم نعتبر اتفاق الخلفاء الأربعة حجة، فمن باب أولى عدم اعتبار قول الشيخين -رضي الله عنهما-.
وذهب بعض العلماء إلى أن اتفاقهما يعتبر إجماعًا، مستدلين بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" وراه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث حذيفة بن اليمان. انظر: "تلخيص الحبير 4/ 190".
وأجاب الجمهور عن هذا الاستدلال: بأن المقصود من الحديث أنهم أهل للاقتداء بهم، لا على أن قولهم حجة على غيرهم، فإن المجتهد متعبد بالبحث =
(1/415)

.................................................
__________
= عن الدليل حتى يظهر له ما يظنه حقًّا.
كما أن الحديث معارض بأحاديث أخرى تفيد حجية قول بعض الصحابة منفردًا، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد" وهو: عبد الله بن مسعود، رواه الطبراني ورجاله ثقات "مجمع الزوائد 9/ 260".
وقوله -صلى الله عليه وسلم- عن أبي عبيدة بن الجراح: "إنه أمين هذه الأمة" رواه البخاري ومسلم.
فلو كان الحديث الخاص بالشيخين دالًّا على أن قولهما يعتبر إجماعًا، لكان هذان الحديثان دالين على حجية قول ابن مسعود وحده، وقول أبي عبيدة وحده حجة، وهذا غير مسلم.
انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب "2/ 36" وشرح مختصر الروضة "3/ 102".
إجماع آل البيت:
أما مسألة إجماع العترة، وهم: آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-: علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحسن، والحسين -رضي الله عنهم جميعًا-، وهم الذين نزل فيهم قول الله -تعالى-: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] .
فقد روي أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي -صلى الله عليه وسلم- الكساء وقال: "هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" رواه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة، ورواه أحمد والحاكم وصححه، وابن جرير الطبري عن أم سلمة، ورواه مسلم من حديث عائشة.
انظر: مسند الإمام أحمد "6/ 296" صحيح مسلم "4/ 1883" تحفة الأحوذي "9/ 66".
وجمهور العلماء على أن اتفاقهم ليس إجماعًا، لأنهم ليسوا كل الأمة، والعصمة إنما ثبتت للأمة مجتمعة، متمثلة في اتفاق مجتهديها.
وذهبت الشيعة إلى أن اتفاقهم يعتبر إجماعًا، واستدلوا على ذلك بالآية المتقدمة، وقالوا: إن الله -تعالى- أخبر عن نفي الرجس عن أهل البيت، =
(1/416)

...............................................................
__________
= والخطأ رجس، فيكون منفيًّا عنهم، وإذا انتفى عنهم الخطأ كان إجماعهم حجة.
ورد عليهم: بأنه لم يقل أحد: إن الخطأ رجس، فالرجس -في اللغة- هو القذر أو العذاب، فلا دلالة في الآية على المدعي.
كما استدلوا بأحاديث تدل على فضلهم وشرفهم، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي".
أخرجه أحمد في المسند "3/ 17" والحاكم "3/ 148" والطبراني في الكبير "5/ 190، 205، 210" وفي الصغير "1/ 131" ورواه الترمذي بلفظ "إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي".
وأجاب الجمهور على هذا:
أولًا: أن هذا خبر آحاد، وليس حجة عند الشيعة.
ثانيًا: ومع التسليم بأنه حجة، فلا نسلم أن المراد بالثقلين: القرآن والعترة وإنما المراد: القرآن والسنة، كما في الرواية الأخرى: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" أخرجه مالك في الموطأ.
وإنما خص -صلى الله عليه وسلم- العترة بالذكر؛ لأنهم أخبر بحاله -صلى الله عليه وسلم-.
ثالثًا: على أن أقصى ما تدل عليه هذه الرواية: إنما هو بيان فضلهم وشرفهم، وهذا أمر لم ينازع فيه أحد، وفرق بين الفضيلة والحجية، على نحو ما سبق في إجماع الخلفاء الأربعة والشيخين.
قال الطوفي: "أقرب ما يسلك في الرد على الإمامية في هذه المسألة:.... أن يقال: إذا خالف أهل البيت باقي الأمة في حكم، فإما أن يعتبر القولان، أو يلغيا جميعًا، وهو باطل باتفاق، أو يقدم قول أهل البيت، وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما: أنه مخالف لقوله عليه السلام: "اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار".
الثاني: أن إصابة آحاد يسيرة، وخطأ الجم الغفير بعيد جدًّا.
شرح مختصر الروضة "3/ 116".
وبذلك يترجح قول الجمهور، وهذا هو الذي عليه العمل والله أعلم.
(1/417)

فصل: هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع
...
مسألة: [هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع] ؟
ظاهر كلام أحمد -رحمه الله-: أن انقراض أهل العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قول بعض الشافعية1.
وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة: انعقد الإجماع.
وهو قول الجمهور واختاره أبو الخطاب2.
__________
1 وهؤلاء اختلفوا في كيفية الانقراض: فمنهم من اشترط انقراض جميع أهل العصر، ومنهم من اشتراط انقراض الأكثر، وهو الماوردي، ومنهم من اشترطه في إجماع الصحابة دون غيرهم. انظر: التقرير والتحبير "3/ 87".
2 وهو رأي الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو المنقول عن أكثر الحنفية والمتكلمين.
وفي المسألة مذاهب أخرى:
فقيل: يشترط ذلك في الإجماع السكوتي دون غيره، وهو مذهب أبي إسحاق الإسفراييني واختاره الآمدي؛ لاحتمال أن يكون السكوت من أجل التأمل والنظر، وإظهار الخلاف بعد سكوت دليل على هذا الاحتمال، بخلاف الإجماع القولي أو الفعلي، فليس فيهما هذا الاحتمال.
وقيل: إن كان مستند الإجماع دليلًا قطعيًّا فلا يشترط فيه الانقراض، أما إن كان عن دليل ظني اشترط فيه ذلك. وهو مذهب إمام الحرمين.
وقيل: إن كان المجمع عليه من الأحكام التي لا يتعلق بها إتلاف واستهلاك اشترط فيه انقراض العصر، وإن تعلق بها ذلك فوجهان، وهو مذهب الماوردي.
وقيل: إن كان الإجماع مطلقًا لم يشترط الانقراض، وإن كان معلقًا على شرط اعتبر، مثل أن يقول المجمعون: هذا قولنا، ويجوز أن يكون الحق في غيره، فإذا وضح نظرنا إليه، وهو منقول عن بعض الشافعية. =
(1/418)

وأدلة ذلك أربعة:
أحدها: أن دليل الإجماع: الآية والخبر1، وذلك لا يوجب اعتبار العصر.
الثاني: أن حقيقة الإجماع: الاتفاق، وقد وجد، ودوام ذلك استدامة له، والحجة في اتفاقهم، لا في موتهم.
الثالث: أن التابعين كانوا يحتجون بالإجماع في زمن أواخر الصحابة كأنس2 وغيره، ولو اشترط انقراض العصر: لم يجز ذلك.
الرابع: أن هذا يؤدي إلى تعذر الإجماع، "فإنه إن بقي واحد من الصحابة: جاز للتابعي المخالفة؛ إذ لم يتم الإجماع"3.
وما دام واحد من عصر التابعي "باق بها"4 لا يستقر الإجماع منهم، فلتابعي التابعين مخالفتهم، وهذا خبط5.
__________
= انظر في هذه المذاهب: البرهان "1/ 693" والإحكام للآمدي "1/ 231"، المسودة لآل تيمية ص320، أدب القاضي للماوردي "1/ 474"، التمهيد لأبي الخطاب "3/ 346-347".
1 أما الآية: فقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ... } .
وأما الخبر: فالأحاديث الكثيرة التي دلت على عصمة الأمة عن الخطأ، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تجتمع أمتي على خطأ".
2 أي: أنس بن مالك حيث توفي سنة 93هـ "صفة الصفوة 1/ 298".
3 ما بين القوسين من المستصفى "2/ 372" ومن النسخة التي حققها الدكتور: عبد الكريم النملة -يحفظه الله-. "2/ 483".
4 ما بين القوسين من المستصفى.
5 وعبارة الغزالي: "وهذا خبط لا أصل له" وفي هذا دلالة على أن ابن قدامة ينقل كلام الغزالي ويختصر منه بعض العبارات.
(1/419)

ووجه الأول: أمران:
أحدهما: ذكره الإمام احمد: وهو أن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن "عمر" وخالفه "علي" بعد موته1.
وحد الخمر: كان في زمن أبي بكر أربعين، ثم جلد "عمر" ثمانين، ثم جلد "علي" أربعين2، ولو لم يشترط انقراض العصر لم يجز ذلك.
الثاني: أن الصحابة لو اختلفوا على قولين: فهو اتفاق منهم على
__________
1 خلاصة الدليل الأول: أنه لو لم يشترط انقراض العصر، لما جاز للمجتهد الرجوع عما وافق عليه المجمعين، لاستقرار الإجماع قبل رجوعه، فيكون محجوجًا به، لكن ذلك جائز وواقع فعلًا، كالأمثلة التي ذكرها المصنف.
ومنها: أن الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعوا في زمن عمر -رضي الله عنه- على أن أم الولد تعتق بموت سيدها ولا تباع، ثم خالف "علي" هذا الإجماع بعد موت "عمر" وأجاز بيعها كالأمة، كما كانت قبل الإجماع.
والأثر المروي في ذلك: عن عبيدة السلماني قال: "سمعت عليًّا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، قال: ثم رأيت بعد أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليّ من رأيك وحدك في الفرقة".
أخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب بيع أمهات الأولاد، وابن أبي شيبة في مصنفه: كتاب البيوع والأقضية، باب في بيع أمهات الأولاد، والبيهقي في سننه الكبرى: كتاب عتق أمهات الأولاد، باب الخلاف في أمهات الأولاد.
2 روى مسلم: كتاب الحدود، باب حد الخمر، "أن عثمان -رضي الله عنه- لما أراد إقامة الحد على الوليد بن عقبة- لما شرب الخمر- قال لعلي -رضي الله عنه-: قم فاجلده، فقال على: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولّ حارها من تولى قارّها، "فكأنه وجد عليه" فقال: يا عبد الله بن جعفر: قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد =
(1/420)

تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين فلو رجعوا إلى قول واحد صارت المسألة إجماعًا.
ولو لم يشترط انقراض العصر: لم يجز ذلك؛ لأنه يفضي إلى خطأ أحد الإجماعين1.
فإن قيل: لا نسلم تصور وقوع هذا، لكونه يفضي إلى خطأ أحد الإجماعين.
ثم إن سلمنا تصوره، فلا نسلم أن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، بل كل طائفة تقول: الحق معنا والأخرى مخطئة، وإنما سوّغت للعامي أن يستفتي كل أحد حتى لا يتحرّج، فإذا اتفقوا زال القول الآخر، لعدم من يفتي به.
الثالث2: لا نسلم أن إجماعهم بعد الاختلاف إجماع صحيح.
__________
= النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنة، وهذا أحب إلي".
1 هذا هو الدليل الثاني لمذهب القائلين باشتراط انقراض العصر، خلاصته أنه لو لم يشترط انقراض العصر لما كان اتفاق المجمعين على أحد القولين في المسألة بعد اختلافهم فيها إجماعًا، إذ يلزم منه تعارض الإجماعين، وهو باطل، إذ إن اختلافهم في مسألة على قولين إجماع منهم على تسويغ الخلاف، فإذا رجعوا إلى أحد القولين واتفقوا عليه، صار ذلك إجماعًا على عدم تسويغ الخلاف، بل حصروا الحكم في أحد القولين، فصار الإجماع الثاني معارضًا للإجماع الأول، وتعارض الإجماعين باطل، لأن كلًّا منهما قاطع، والقواطع المعصومة لا تتعارض، لكن اتفاقهم على أحد القولين بعد اختلافهم في المسألة إجماع صحيح، ولا يلزم منه محال، وقد وقع، كاتفاق الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وعلى أن الأئمة من قريش بعد اختلافهم فيهما وفي أمثالهما.
2 الثالث من وجوه الاعتراض التي بدأها بقوله: "فإن قيل.." وكان على =
(1/421)

قلنا1.
هذا متصور عقلًا، إذ لا يمتنع أن يتغير اجتهاد المجتهد، ولا نحجر عليه أن يوافق مخالفه، فمن ذهب إلى تصحيح النكاح بغير ولي، لِمَ لا يجوز أن يوافق من أبطله إذا ظهر له دليل بطلانه؟
وإذا انفرد الواحد عن الصحابة، كانفراد ابن عباس في مسألة العول، لم لا يجوز أن يرجع إلى قولهم؟
وقد أجمع الصحابة -رضي الله عنهم- على قتال مانعي الزكاة بعد الخلاف2.
__________
= المصنف أن يقول: فإن قيل: هذا عليه اعتراض من ثلاثة وجوه: هي: كذا وكذا.
1 بدأ المصنف يرد على الاعتراضات المتقدمة، فبين أنها قائمة على تصور عقلي محض، وأن الواقع يكذبها ثم أتى بأمثلة تؤيد ذلك.
2 قصة اختلاف الصحابة -رضي الله عنهم- في قتال مانعي الزكاة أخرجها مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتي يقولوا: لا إله إلا الله وأبو داود في سننه: كتاب الجهاد، باب علام يقاتل المشركون؟ والدراقطني في سننه، كتاب الزكاة، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: "لما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله عز وجل" قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلهم على منعه.
فقال عمر بن الخطاب: "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله -عز وجل- قد شرح صدر أبي بكر للقتال قال: "فعرفت أنه الحق".
(1/422)

وعلى أن: "الأئمة من قريش".
وعلى إمامة "أبي بكر" -رضي الله عنه- بعد الخلاف2.
ولا خلاف في تجويز ذلك في القطعيات، فلمَ لا يجوز في الظنيات؟
__________
1 حديث: "الأئمة من قريش" أخرجه أحمد في المسند "3/ 129" والنسائي في سننه الكبرى حديث رقم "2525" والطبراني في المعجم الكبير حديث "725"، والبزار في كشف الأستار، كتاب الإمارة، باب الناس تبعًا لقريش حديث "1578" والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش "8/ 144"، من حديث أنس بن مالك.
ورواه الطبراني، والحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر فضائل قريش "4/ 75، 76" والبيهقي من حديث "علي" -رضي الله عنه-. واختلف في رفعه ووقفه على "علي" ونقل الحافظ عن الدراقطني أنه رجح في العلل الموقوفة.
ورواه أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة، من حديث أبي برزة، وإسناد الأخيرين حسن. كما قال الحافظ ابن حجر.
وللحديث روايات أخرى بألفاظ مختلفة.
2 قصة اختلاف الصحابة -رضي الله عنهم- فيمن يتولى الخلافة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشهورة، أخرجها ابن سعد في طبقاته "3/ 183" وأبو يعلى في كتابه "المعتمد في أصول الدين" ص224. وجاء في هذه القصة: أن عليًّا -رضي الله عنه- قال: "ولكن إن نبيكم نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- لم يمت فجأة، ولم يقتل قتلًا، مرض أيامًا وليالي، يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة، فيقول: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نظرنا في أمرنا: أن الصلاة عضد الإسلام وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لديننا، فولينا الأمر أبا بكر".
(1/423)

ومنْع ذلك1؛ بناء على تعارض الإجماعين ينبني على أن الإجماع تم في بعض العصر، وهو محل النزاع، فكيف يجعل دليلًا عليه؟
والثاني باطل؛ إذ لا خلاف أن فرض المجتهد في مسائل الاجتهاد: ما يؤديه إليه اجتهاده.
وفرض المقلد: تقليد أي المجتهدين شاء.
والثالث: دليله: إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر، بعد الاختلاف، فدل على صحته.
__________
1 من هنا بدأ المصنف يناقش الاعتراضات الثلاثة المتقدمة، فقوله: "ومنع ذلك ... إلخ" رد على الاعتراض الأول، فبين أنه استدلال، بمحل النزاع فلا يصح أن يكون دليلًا.
وقوله: "والثاني باطل.." رد على الاعتراض الثاني، وهو قوله -قبل ذلك- "ثم إن سلمنا تصوره إلخ".
وقوله: "والثالث" رد على الاعتراض الثالث الذي قال فيه: "إن إجماعهم بعد الاختلاف إجماع غير صحيح" فرد عليه المصنف بأن ذلك وقع من الصحابة كثيرًا، فدل على أنه صحيح.
(1/424)

خلافًا لداود1، وقد أومأ أحمد -رحمه الله- إلى نحو ذلك2، لأن الواجب: اتباع سبيل المؤمنين جميعهم، والصحابة وإن ماتوا: لم يخرجوا من المؤمنين ولا من الأمة.
ولذلك: لو أجمع التابعون على أحد قولي الصحابة، لم يصر إجماعًا، ولا ينعقد الإجماع دون الغائب، فكذلك الميت3.
ومقتضى هذا4 أن لا ينعقد الإجماع -أيضًا- للصحابة، لكن لو
__________
1 هو: داود بن على بن خلف، الأصبهاني أصلًا، الكوفي مولدًا، البغدادي نشأة ووفاة، إمام أهل المذهب الظاهري، ولد سنة 202هـ.
من مؤلفاته "إبطال القياس" توفي سنة 270هـ.
انظر: وفيات الأعيان "2/ 26" شذرات الذهب "2/ 158".
2 أي أن الرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه مع أهل الظاهر في أن إجماع الصحابة فقط هو الحجة، وإن كانت الرواية ليست صريحة كالرواية الأولى، وإن كان يعتبر في الإجماع الغائب دون الميت، خلافًا للظاهرية.
3 انظر: الإحكام للآمدي "1/ 256" والمستصفى "1/ 192".
4 هذا اعتراض توقع الظاهرية وروده عليهم، فذكروه ثم ردوا عليه، وخلاصة الاعتراض: أن يقول لهم قائل: يلزم على دليلكم أن لا ينعقد إجماع بعد موت بعض الصحابة، مثل: سعد بن معاذ، وحمزة بن عبد المطلب وغيرهما ممن استشهدوا من المهاجرين والأنصار، ممن كانوا موجودين عند نزول قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} فإن إجماع، من وراءهم ليس إجماع جميع المؤمنين، ولا إجماع كل الأمة، كما يلزم على ذلك -أيضًا- أن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزول الآية الكريمة.
فأجابوا عن ذلك بقولهم: نعم لو اعتبرنا ذلك لم ينعقد إجماع قط، فلم ينتفع بالإجماع، لذلك نعتبر قول من دخل في الوجود دون من لم يوجد، بمعنى: أنهم فرقوا بين السابق وهو الميت، وبين اللاحق، فإن الميت ثبت قوله واستقر ورتبت عليه الأحكام، بخلاف اللاحق، فإنه لم يوجد بعد، فضلًا عن أن يكون له اجتهاد. انظر: نزهة الخاطر "1/ 373" والمستصفى "2/ 355 وما بعدها".
(1/425)

اعتبرنا ذلك: لم ينتفع بالإجماع، فاعتبرنا قول من دخل في الوجود، دون من لم يوجد.
أو نقول: الآية والخبر تناولا الموجودين الذين كان وجودهم حين نزول الآية؛ إذ المعدوم لا يوصف بإيمان، ولا أنه من الأمة.
ولأنه يحتمل: أن يكون لبعض الصحابة في هذه الحادثة قول لم نعلمه يخالف ما أجمع عليه التابعون، فلا ينعقد إجماعهم بخلافه.
ولنا: ما ذكرناه من الأدلة على قبول الإجماع، من غير تفريق بين عصر وعصر.
والتابعون إذا أجمعوا: فهو إجماع من الأمة، ومن خالفهم سالك غير سبيل المؤمنين.
ويستحيل -بحكم العادة- شذوذ الحق عنهم -مع كثرتهم- كما سبق.
ولأنه إجماع أهل العصر فكان حجة كإجماع الصحابة.
وما ذكروه باطل:
إذ يلزم على مساقه: أن لا ينعقد الإجماع بعد موت من مات من الصحابة في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعده، بعد نزول الآية، كشهداء أحد، واليمامة، ولا خلاف في أن موت واحد من الصحابة لا يحسم باب الإجماع.
وكما بطل -على القطع- الالتفات إلى اللاحقين: بطل الالتفات إلى الماضين، فالماضي لا يعتبر، والمستقبل لا ينتظر.
"فثبت أن وصف"1 كلية الأمة حاصل لكل الموجودين في كل
__________
1 ما بين القوسين من المستصفى "2/ 357" والذي في الأصل: "وكلية الأمة =
(1/426)

وقت، ويدخل في ذلك الغائب، لأنه ذو مذهب تمكن مخالفته وموافقته بالقوة، والميت لا يتصور في حقه وفاق ولا خلاف، لا بالقوة ولا بالفعل1.
بل الطفل والمجنون لا ينتظر؛ لأنه بطل منه إمكان الوفاق والخلاف، فالميت أولى، وما ذكر من احتمال مخالفة واحد من الصحابة، يبطل بالميت الأول من الصحابة فإن إمكان خلافه لا يكون كحقيقة مخالفته.
وهذا هو التحقيق "وهو أنه"2 لو فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج؛ إذ ما من حكم إلا ويتصور تقدير نسخه، "وانفراد الواحد بنقله وموته قبل أن ينقل إلينا"3.
وإجماع الصحابة يحتمل أن يكون واحد منهم أضمر المخالفة وأظهر الموافقة لسبب، أو رجع بعد أن وافق.
والخبر يحتمل أن يكون كذبًا، فلا يلتفت إلى هذه الاحتمالات.
__________
= حاصلة" ومعناه: أن سائر خطابات التكليف تعم الحاضرين ومن بعدهم إلى يوم الدين، ولم يختص بمن كان حاضرًا.
1 يعني: أن الغائب يعتبر قوله كالحاضر؛ لأنه تمكن مراجعته واستعلام رأيه في الواقعة بالمراسلة، او انتظار رجوعه، فيؤخر الإجماع لحين عودته، بخلاف الميت.
2 ما بين القوسين من المستصفى "2/ 359" وفي المطبوعة "وهذا التحقيق لأنه ... ".
3 ما بين القوسين في المستصفى والذي في الأصل: "إذ ما من حكم إلا يتصور تقدير نسخه ولم ينقل".
(1/427)

فصل: [هل اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة إجماع؟]
وإذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما1:
فقال أبو الخطاب، والحنفية: يكون إجماعًا2.
لقوله عليه السلام: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق" 3 وغيره من النصوص.
ولأنه: اتفاق من أهل عصر، فهو كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفقوا على أحدهما.
__________
1 قال الطوفي في شرح المختصر "3/ 95": "وليس ذلك مخصوصًا بالتابعين مع الصحابة، بل أي عصر من الأعصار اختلف أهله، يصح اتفاق أهل العصر بعده على أحد القولين؟ ولا نزاع في إمكان تصور ذلك عقلًا، بل في صحته شرعًا".
2 وهو رأي كثير من المتكلمين والمعتزلة، وأكثر الحنفية، وليس الكل كما قال المصنف.
انظر: التمهيد "3/ 297 وما بعدها" وأصول السرخسي "1/ 320".
3 حديث صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- مرفوعًا، بلفظ: "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون".
كما أخرجه مسلم-: كتاب الإمارة، باب: لا تزال طائفة من أمتي.
وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين، عن ثوبان -رضي الله عنه- مرفوعًا، وقال: "حديث حسن صحيح".
وأخرجه عن ثوبان -أيضًا- أبو داود في أول كتاب الفتن، وأحمد في المسند "5/ 278" كما أخرجه عن أبي أمامة -رضي الله عنه- "5/ 269".
(1/428)

وقال القاضي، وبعض الشافعية: لا يكون إجماعًا؛ لأنه فتيا بعض الأمة؛ لأن الذين ماتوا على القول الآخر من الأمة لا يبطل مذهبهم بموتهم1.
ولذلك يقال: خالف أحمد، أو وافقه، بعد موته فأشبه ما إذا اختلفوا على قولين، فانقرض القائل بأحدهما.
فإن قيل:
إن ثبت نعت الكلية للتابعين، فيكون خلاف قولهم حرامًا، وإن لم يكونوا كل الأمة فلا يكون قولهم إجماعًا.
أما أن يكونوا كل الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض.
قلنا:
الكلية2 تثبت بالإضافة إلى مسألة حدثت في زمنهم.
أما ما أفتى به الصحابي: فقوله لا يسقط بموته3.
ولو مات القائل "فأجمع الباقون على خلافه، لا يكون إجماعًا، ولو حدثت مسألة بعد موته"4 فأجمع عليها الباقون على خلافه كان إجماعًا.
ومن وجه آخر: أن اختلاف الصحابة على قولين: اتفاق منهم على تسويغ الأخذ بكل منهما، فلا يبطل إجماعهم بقول من سواهم.
__________
1 انظر: العدة "4/ 1105" مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد "2/ 41".
2 أي: الأمة كلها، وهذا يصدق على من حدثت المسالة في زمنهم.
3 يقول الإمام الشافعي: "المذاهب لا تموت بموت أربابها".
4 ما بين القوسين من النسخة التي حققها الدكتور عبد الكريم النملة -سلمه الله- "2/ 466".
(1/429)

فصل: [اختلاف الصحابة على قولين يمنع إحداث قول ثالث]
إذا اختلف الصحابة على قولين: لم يجز إحداث قول ثالث في قول الجمهور1.
وقال بعض الحنفية، وبعض أهل الظاهر: يجوز2؛ لأمور ثلاثة:
أحدها: أن الصحابة خاضوا خوض مجتهدين، ولم يصرحوا بتحريم قول ثالث.
__________
1 ظاهر كلام المصنف قصر الخلاف في هذه المسألة على عصر الصحابة مع التابعين، والذي في كتب الأصول عدم التخصيص بعصر الصحابة، ولذلك يعبرون عنها بقولهم: "إذا اختلف أهل العصر على قولين امتنع على من بعدهم إحداث قول ثالث" فلا أدري ما السبب الذي جعل المصنف يقصر المسألة على عصر الصحابة وحدهم؟
قال ابن مفلح: "كما لو أجمعوا على قول واحد، فإنه يحرم إحداث قول ثان، ونص عليه الإمام الشافعي -رضي الله عنه- في الرسالة".
انظر: الرسالة ص596، شرح الكوكب المنير "2/ 264".
2 ومعهم الشيعة أيضًا، وهو رواية أخرى عن الإمام أحمد. انظر: التمهيد "3/ 311".
وهناك رأي ثالث مروي عن الشافعي، واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه كثير من الأصوليين، منهم: ابن الحاجب، والقراقفي، والرازي، وابن السبكي، والطوفي وغيرهم، وهو: أنه إن رفع حكمًا مجمعًا عليه حرم إحداثه، وإن لم يرفع حكمًا مجمعًا عليه جاز إحداثه:
فمن أمثلة الأول: القول بأن الأخ يحجب الجد، فهذا لا يجوز؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا في ذلك على قولين، فمنهم من جعله بمنزلة الأب، فيحجب الأخ، ومنهم من شرّك بينه وبين الإخوة -على خلاف بينهم في مقدار هذا التشريك- فكأن الصحابة -رضي الله عنهم- قد أجمعوا على أن للجد نصيب، فالقول بحجب الأخ له خرق لهذا الإجماع، فلا يجوز.
(1/430)

الثاني: أنه لو استدل الصحابة بدليل، وعللوا بعلة: جاز الاستدلال والتعليل بغيرهما؛ لأنهم لم يصرحوا ببطلانه، كذا هنا.
الثالث: أنهم لو اختلفوا في مسألتين، فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما، وذهب الآخرون إلى التحريم فيهما: فذهب التابعي إلى التجويز في إحدهما، والتحريم في الأخرى: كان جائزًا، وهو قول ثالث.
ولنا:
أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق، والغفلة عنه؛ فإنه لو كان الحق في القول الثالث: كانت الأمة قد ضيعته وغفلت عنه، وخلا العصر من قائم لله بحجته، ولم يبق منهم عليه أحد وذلك محال. وقولهم1: "لم يصرحوا بتحريم قول ثالث".
قلنا: ولو اتفقوا على قول واحد، فهو كذلك، ولو لم يجوّزوا خلافهم.
فأما إذا عللوا بعلة، فيجوز بسواها؛ لأنه ليس من فرض دينهم
__________
= ومن أمثلة الثاني: اختلاف العلماء في جواز أكل متروك التسمية، فقال بعضهم: يحل أكله، سواء أكان عمدًا أم سهوًا، وقال البعض: لا يحل مطلقًا فالقول بأنه إن كان الترك عمدًا فلا يحل، وإن كان سهوًا فهو حلال، يعتبر قولًا ثالثًا، ولا حرج فيه.
ويبدو -والله أعلم- رجحان هذا المذهب.
يراجع في هذه المسألة: المحصول للرازي "2/ 1/ 179 وما بعدها" الإحكام للآمدي "1/ 269-270"، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد "2/ 39"، المحلى على جمع الجوامع "2/ 198" شرح الكوكب المنير "2/ 264 وما بعدها" شرح مختصر الروضة "3/ 88 وما بعدها".
1 أي القول الثاني، وهو جواز إحداث قول ثالث.
(1/431)

الاطلاع على جميع الأدلة، بل يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد، وليس على الاطلاع على علة أخرى نسبة إلى تضييع الحق، بخلاف مسألتنا.
وأما إذا اختلفوا في مسألتين فإنهم: إن صرحوا بالتسوية بين المسألتين: فهو كمسألتنا، لا يجوز التفريق.
وإن لم يصرحوا به: جاز التفريق، لأن قوله في كل مسألة موافق لمذهب طائفة.
ودعوى المخالفة للإجماع ههنا جهل بمعنى المخالفة، إذ المخالفة: نفي ما أثبتوه، أو إثبات ما نفوه، ولم يتفق أهل العصر على إثبات أو نفي، في حكم واحد، ليكون القول بالنفي والإثبات مخالفًا، ولا يلتئم الحكم من المسألتين، بل نقول: لا يخلو الإنسان من خطأ ومعصية، والخطأ موجود من جميع الأمة، وليس محالًا، إنما المحال: الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا تقوم به طائفة.
ولهذا: يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فريقين، فتخطئ فرقة في مسألة، وتصيب فيها الأخرى، وتخطئ في المسألة الأخرى، وتصيب فيها المخطئة الأولى2. والله أعلم.
__________
1 حاصل ذلك: الرد على ما استدل به أصحاب المذهب الثاني من قولهم:
"الثاني: لو استدل الصحابة بدليل ... إلخ" وخلاصته: أن ما ذكروه قياس مع الفارق، فهناك فرق بين استنباط الحكم، وبين الدليل والتعليل، فإن الحكم يجوز إثباته بدليلين أو علتين، ويخفى أحدهما على أهل العصر الأول، ويظهر لأهل العصر الثاني، وليسوا متعبدين بالاطلاع على جميع الأدلة والعلل؛ لأنها وسائل لا مقاصد، وليس في اطلاعهم على علة أخرى، أو دليل آخر نسبة إلى تضييع الحق.
انظر: شرح مختصر الطوفي "3/ 90".
2 خلاصة هذا كله: أن الأصوليين اختلفوا في انقسام الأمة إلى قسمين في =
(1/432)

......................................................
__________
= مسأليتن، وكلاهما مخطئ في إحداهما:
وحاصل ذلك في ثلاث حالات:
الحالة الأولى: اتفاقهم على الخطأ في المسألة الواحدة من الوجه الواحد، فهذا لا يجوز إجماعًا.
الحالة الثانية: اتفاقهم على الخطأ في مسألتين مختلفتين، كأن تكون إحداهما في المعاملات والأخرى في العبادات، فهذا جائز باتفاق.
الحالة الثالثة: المسألة الواحدة ذات الوجهين، مثل: المانع من الميراث فإنه جنس واحد، إلا أنه ينقسم إلى نوعين، مثل: القتل والرق، فهل يجوز أن يقول بعضهم: القاتل يرث، والعبد لا يرث، ويقول البعض: بعكس ذلك، فيخطئ كل منهما فيما أصاب فيه الآخر، فقيل: هذا لا يمتنع، لأن الأمة لا تجتمع على خطأ في شيء معين واحد وقيل: يمتنع؛ نظرًا إلى خطأ المجموع في الجملة.
انظر: مذكرة الشيخ الشنقيطي ص157.
قال الطوفي -موضحًا ذلك-:
"واعلم أن خطأ كل فرقة في مسألة هو واسطة بين طرفين، فلهذا خرج الخلاف فيه، وذلك لأن القسمة تقتضي أنه إما أن تخطئ كل واحدة من الفرقتين، في كل واحدة من المسألتين، أو تصيب كل واحدة في مسألة وتخطئ في الآخرى:
فالأول ممتنع؛ لأنه خطأ كلي، والثاني جائز حسن؛ لأنه إصابة كلية، والثالث واسطة، لأنه خطأ من وجه دون وجه، فبالنظر إلى ما فيه من الخطأ ألحق بالطرف الأول، وهو الخطأ الكلي في الامتناع، وبالنظر إلى ما فيه من الصواب ألحق بالطرف الثاني، وهو الصواب الكلي في الجواز" شرح المختصر "3/ 92".
هذا، وقد مثل الطوفي لذلك بأمثلة كثيرة، منها: خطأ الشافعية في إباحة البنت المخلوقة من الزني، وكراهة الماء المشمس، وإصابة الحنابلة في تحريمها "أي بنت الزنى" وعدم كراهة الماء المشمس. انظر: المصدر السابق.
(1/433)

فصل: [في حكم الإجماع السكوتي]
إذا قال بعض الصحابة1 قولًا، فانتشر في بقية الصحابة، فسكتوا: فإن لم يكن قولا في تكليف فليس بإجماع2.
وإن كان: فعن أحمد -رضي الله عنه- ما يدل على أنه إجماع، وبه قال أكثر الشافعية.
وقال بعضهم: يكون حجة، ولا يكون إجماعًا3.
وقال جماعة آخرون: لا يكون حجة ولا إجماعًا4، ولا ينسب إلى ساكت قول، إلا أن تدل قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين للرضا، وتجويز الأخذ به.
__________
1 تخصيص المصنف مسألة الإجماع السكوتي في الصحابة فقط، مخالف لما عليه جمهور الأصوليين من تعميمهما في كل الأعصار، إلا إذا كان مذهبه تخصيص حجية الإجماع بعصر الصحابة، إلا أن هذا يناقض ما قاله قبل ذلك في مسألة "إجماع أهل كل عصر حجة، كإجماع الصحابة"؟!
2 يريد بذلك ذكر شروط الإجماع السكوتي وهي: أن ينتشر ويشتهر، بحيث يبلغ جميع المجتهدين، وأن يكون من المسائل التكليفية، وليس من مسائل الأصول والعقائد، وأن يكون السكوت قبل استقرار المذاهب، لأنه إن كان بعدها لم يدل على الموافقة، وأن تمضي مدة كافية للنظر والتأمل، وأن توجد قرائن تدل على الرضا، وأن يكون الشخص الذي صدرت منه المسألة مجتهدًا، وهي من المسائل المجتهد فيها، وأن تنتفي الموانع التي تمنع من اعتبار السكوت موافقة.
3 بمعنى: أن يكون حجة ظنية يجوز العمل بها، وليس بإجماع تمتنع مخالفته وهو اختيار أبي هاشم الجبائي والآمدي. انظر: الأحكام "1/ 252".
4 وهو منقول عن الإمام الشافعي، ولذلك قال: "لا ينسب لساكت قول". وفي المسألة آراء آخرى كثيرة ذكرها الشوكاني في كتابه "إرشاد الفحول" وأوصلها إلى =
(1/434)

وقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب:
أحدها: أن يكون لمانع في باطنه لا يطلع عليه.
الثاني: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب.
الثالث: أن لا يرى الإنكار في المجتهدات، ويرى ذلك القول سائغًا لمن أداه اجتهاده إليه، وإن لم يكن هو موافقًا.
الرابع: أن لا يرى البدار1 في الإنكار مصلحة؛ لعارض من العوارض ينتظر زواله، فيموت قبل زواله، أو يشتغل عنه.
الخامس: أن يعلم أنه لو أنكر: لم يلتفت إليه، وناله ذل وهوان، كما قال ابن عباس حين سكت عن القول بالعول في زمن عمر -رضي الله عنه-: "كان رجلًا مهيبا فهبته"2.
السادس: أن يسكت؛ لأنه متوقف في المسألة؛ لكونه في مهلة النظر.
السابع: أن يسكت؛ لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار، وأغناه عن الإظهار؛ لأنه فرض كفاية ويكون قد غلط فيه؛ وأخطأ في وهمه3.
__________
= اثنى عشر قولًا. يراجعها من يريد معرفتها والوقوف على أدلة كل مذهب. انظر: إرشاد الفحول "1/ 326 وما بعدها".
1 أي: المبادرة بالإنكار، بل ينتظر مدة لسبب من الأسباب.
2 سبق تخريجه.
3 عبارة الغزالي: "أن يسكت لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار، وأغناه عن الإظهار ثم يكون قد غلط فيه، وترك الإنكار عن توهم، إذ رأى الإنكار فرض كفاية، وظن أنه قد كُفي، وهو مخطئ في وهمه" وهي أوضح من عبارة المصنف في الدلالة على المراد.
(1/435)

ولنا:
أن حال الساكت لا يخلو من ستة أقسام1:
أحدها: أن يكون لم ينظر في المسألة.
الثاني: أن ينظر فيها فلا يتبين له الحكم.
وكلاهما خلاف الظاهر؛ لأن الدواعي متوفرة، والأدلة ظاهرة، وترك النظر خلاف عادة العلماء عند النازلة، ثم يفضي ذلك إلى خلو الأرض عن قائم لله بحجته.
الثالث: أن يسكت تقيَّة، فلا يُظهِر سَبَبها، ثم يظهر قوله عند ثقاته وخاصته، فلا يلبث القول أن ينتشر.
الرابع: أن يكون سكوته لعارض لم يظهر.
وهو خلاف الظاهر، ثم يفضي إلى خلو العصر عن قائم لله بحجته.
الخامس: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب.
فليس ذلك قولًا لأحد من الصحابة.
ولهذا: عاب بعضهم على بعض، وأنكر بعضهم على بعض مسائل انتحلوها.
ثم العادة: أن من ينتحل مذهبًا يناظر عليه، ويدعو إليه، كما نشاهد في زمننا.
__________
1 في الأصل "سبعة" في الواقع ستة، إلا أن الطوفي أشار إلى وجه سابع فقال: "ووجه سابع: وهو أن ينكر الساكت، لكن لم ينقل إنكاره" شرح المختصر "3/ 82".
(1/436)

السادس: أن لا يرى الإنكار في المجتهدات.
وهو بعيد لما ذكرناه.
فثبت أن سكوته كان لموافقته.
ومن وجه آخر1: أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة، فنقل إليهم قول صحابي منتشر وسكوت الباقين: كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع
منهم على كونه حجة.
ومن وجه آخر: أنه لو لم يكن هذا إجماعًا: لتعذر وجود الإجماع؛ إذ لم ينقل إلينا في مسألة قول كل علماء العصر مصرحًا به.
وقول من قال: "هو حجة وليس بإجماع" غير صحيح؛ فإنا إن قدّرنا رضا الباقين كان إجماعًا، وإلا فيكون قول بعض أهل العصر، والله أعلم.
__________
1 أضاف المصنف إلى الحالات السابقة وجهان آخران، لإثبات أن الإجماع السكوتي حجة.
إلا ان الطوفي استبدل الوجه الثاني هنا بدليل آخر قال فيه: "إن إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما سمعه أو يراه دليل على رضاه وتصويبه، فكذلك سكوت المجتهدين وإقرارهم؛ لأنهم شهداء الله في الأرض، بنص السنة الصحيحة" شرح المختصر "3/ 83".
ويقصد بالسنة الصحيحة: ما رواه البخاري في صحيحه حديث رقم "1367، 2642" ومسلم "949 والترمذي "1058" والنسائي "4/ 59، 60" وأحمد في المسند "3/ 186، 211، 245" من حديث أنس بن مالك: أنه مر بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "وجبت" ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "وجبت" فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ما وجبت؟
قال: "هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
(1/437)

فصل: في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس
...
مسألة: [في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس]
يجوز أن ينعقد الإجماع عن اجتهاد وقياس، ويكون حجة1.
وقال قوم: لايتصور ذلك2؛ إذ كيف يتصور اتفاق الأمة مع اختلاف طبائعها، وتفاوت أفهامها على مظنون؟
أم كيف تجتمع على قياس، مع اختلافهم في القياس؟
وقال آخرون: هو متصور، وليس بحجة؛ لأن القول بالاجتهاد يفتح باب الاجتهاد ولا يجب3.
ولنا:
__________
1 وهو رأي جمهور العلماء.
2 وهو رأي ابن جرير الطبري كما في المستصفى "2/ 377" وأهل الظاهر كما في الإحكام لابن حزم "4/ 527" والشيعة كما في الإحكام للآمدي "1/ 264".
3 عبارة المستصفى "لأن القول بالاجتهاد يفتح باب الاجتهاد، ولا يحرمه" وقد وضحه الطوفي فقال: "إنه إذا تصور الاتفاق عن القياس، كان حجة بأدلة الإجماع السابقة؛ لأنه سبيل المؤمنين، فيحرم خلافه، وبقوله -عليه السلام-: "أمتى لا تجمتع على ضلالة ونحوه" ومعناه: انه إذا كان عن اجتهاد جاز مخالفته ولا يحرم، وهذا بالتالي يتعارض مع طبيعة الإجماع.
وهناك رأي رابع حكاه الطوفي، وهو جواز انعقاده عن قياس جلي، لا عن قياس خفي.
وقد أورد الطوفي -كذلك- رأي القائلين بالجواز بأنهم اختلفوا في الوقوع: فمنهم من قال: إنه قد وقع، مثل: إمامة أبي بكر -رضي الله عنه- وقتال مانعى الزكاة، وتحريم شحم الخنزير وغير ذلك كلها ثبتت بالرأي والاجتهاد.
أما المانعون فقالوا: إن الصورة المذكورة مستفادة من نصوص معينة، وليست باجتهاد. انظر: شرح المختصر "3/ 124، 125".
(1/438)

أن هذا إنما يستنكر فيما يتساوى فيه الاحتمال.
أما الظن الأغلب فيميل إليه كل واحد، فأي بُعْدٍ في أن يتفقوا على أن النبيذ في معنى الخمر في التحريم؛ لكونه في معناه في الإسكار؟
وأكثر الإجماعات مستندة إلى عمومات، وظواهر، وأخبار آحاد، مع تطرق الاحتمال.
وإذا جاز اتفاق أكثر الأمم على باطل -مع أنه ليس لهم دليل قطعي ولا ظني- لِمَ لا يجوز الاتفاق على دليل ظاهر، وظن غالب؟!
وأما منع تصوره بناء على الخلاف في القياس: فإنا نفرض ذلك في الصحابة، وهم متفقون عليه، والخلاف حدث بعدهم1.
وإن فرض ذلك بعد حدوث الخلاف فيستند أهل القياس إليه، والآخرون إلى اجتهاد في مظنون ليس بقياس وهو في الحقيقة قياس، فإنه قد يظن غير القياس قياسًا وكذلك العكس.
وإذا ثبت تصوره: فيكون حجة لما سبق من الأدلة على الإجماع2.
__________
1 هذا اعتراف من المصنف على أن المسألة خاصة بعصر الصحابة فقط، كما هو ديدنه في المسائل السابقة، بينما الجمهور على عدم التخصيص بعصر الصحابة -رضي الله عنهم-.
2 معناه: أن كثيرًا من المنكرين للقياس يستندون إليه في بعض الأحكام ويسمونه بغير اسمه، كالتنبيه وتنقيح المناط وما أشبه ذلك.
قال الطوفي: ".... فإن كثيرًا من منكري القياس استندوا إليه في مواضع، وسموه بغير اسمه، كالتنبيه وتنقيح المناط، فبعضهم يقول: لا يقضي القاضي وهو جائع، وهو في الحقيقة قياس على الغضب بالجامع المعروف، ويقولون: نبّه بحالة الغضب على حالة الجوع وغيرها من الأحوال.
والحنفية مع قولهم: لا قياس في الكفارات، أوجبوا الكفارة على الصائم =
(1/439)

فصل: الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون 1.
فالمقطوع:
ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا تختلف فيه مع وجودها، ونقله أهل التواتر.
والمظنون:
ما اختل فيه أحد القيدين: بأن توجد مع الاختلاف فيه، كالاتفاق في بعض العصر، وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين، أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد1.
__________
= بالأكل والشراب، وهو في الحقيقة قياس على الوطء، بجامع الإفساد، وقالوا: هذا تنقيح المناط، اعتبارًا من حديث الأعرابي، لعموم الإفساد، لا لخصوص الجماع.
فهكذا يجوز أن يستند المخالف في القياس عند الإجماع على ما لا يعتقده قياسًا، وهو قياس، فيتحد المستند ويتفرع عليه الإجماع، أو نفرض أن المخالف "يظن القياس غير قياس، كالعكس" أي: كما يجوز أن يظن غير القياس قياسًا، كالتنقيح، والتنبيه، ومفهوم الموافقة، كذلك يجوز أن يظن القياس غير قياس، فيستند إليه في الإجماع".
شرح المختصر "3/ 122-123".
1 خلاصة ما قاله المصنف: أن الإجماع قسمان: مقطوع: وهو ما وجد فيه جميع الشروط التي لا يختلف فيها، مع وجودها، ونقل نقلًا متواترًا. ومظنون: وهو: ما اختل فيه أحد القيدين، بأن يوجد على وجه مختلف فيه متواترًا، أو متفقًا عليه، لكن بطريق الآحاد.
مثال الأول: اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، أو أن يكون الإجماع سكوتيًّا، أو يوجد الاتفاق في بعض العصر، ولم ينقرض حتى =
(1/440)

وذهب قوم إلى أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد1؛ لأن الإجماع دليل قاطع، يحكم به على الكتاب والسنة، وخبر الواحد لا يقطع به، فكيف يثبت به المقطوع؟
وليس ذلك بصحيح؛ فإن الظن متبع في الشرعيات، والإجماع المنقول بطريق الآحاد يغلب على الظن، فيكون ذلك دليلًا كالنص المنقول بطريق الآحاد.
وقولهم: "هو دليل قاطع".
__________
خولف إلى آخر المسائل التي وقع فيها الخلاف، هل هي إجماع أو لا؟.
ومثال الثاني: وهو: المتفق عليه، لكنه نقل آحادًا: أن ينقل إجماع عن الصحابة بطريق الآحاد. هذا معنى كلامه.
إلا أن جمهور الأصوليين يقسمونه إلى أربعة أقسام: وضحها الطوفي بقوله: "إن الإجماع إما نطقي، أو سكوتي، وكل واحد منهما: إما تواتر أو آحاد:
فالنطقي: ما كان اتفاق مجتهدي الأمة، جميعهم عليه نطقًا، بمعنى: أن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيًا أو إثباتًا.
والسكوتي: ما نطق به البعض، وسكت البعض.
وكل واحد من هذين إما أن ينقل تواترًا أو آحادًا.
ثم قال: ومراتبها متفاوتة في القوة والضعف، وأقواها: النطقي المتواتر، ثم النطقي المنقول آحادًا، لضعف الآحاد عن التواتر، ثم السكوتي المتواتر، ثم السكوتي المنقول آحادًا". شرح مختصر الروضة "3/ 126، 127".
1 أي: أن الإجماع يكون مستنده خبر من أخبار الآحاد، وهو رأي جمهور العلماء.
قال الآمدي: -بعد أن بين أن العلماء اختلفوا في ثبوت الإجماع عن خبر الآحاد-: "فأجازه الحنابلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وأنكره الباقون". انظر: الإحكام "1/ 281". =
(1/441)

قلنا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- دليل قاطع -أيضًا- في حق من شافهه، أو بلغه بالتواتر، وإذا نقله الآحاد كان مظنونًا، وهو حجة، فالإجماع كذلك، بل هو أولى؛ فإنه أقوى من النص، لتطرق النسخ إلى النص، وسلامة الإجماع منه؛ فإن النسخ إنما يكون بنص، والإجماع لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص1.
__________
= وقال القرافي في شرح تنقيح الفصول ص332: "الإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة، يعني عند مالك، خلافًا لأكثر الناس".
1 ولذلك قال العلماء: الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، وقد تقدم توضيح ذلك في باب النسخ.
(1/442)

فصل: [الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعًا]