Advertisement

روضة الناظر وجنة المناظر 002


المجلد الثاني
باب: العموم
مدخل
...
باب: العموم
أعلم أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة.
وقد يطلق على غيرها، كقولهم: عمهم القحط، أو المطر والعطاء، لكنه مجاز، فإن عطاء زيد متميز عن عطاء عمرو، وليس في الوجود فعل -هو عطاء- نسبته إلى زيد وعمرو واحدة، وليس في الوجود معنى واحد مشترك بين اثنين.
وعلوم الناس وقُدَرهم، وإن اشتركت في أنها: علم وقدرة، لا توصف بأنها عموم.
والرجل له وجود في الأعيان، والأذهان، واللسان.
فوجوده في الأعيان لا عموم له، إذ ليس في الوجود رجل مطلق، بل إما زيد، وإما عمرو.
وأما وجوده في اللسان: فلفظة "الرجل" قد وضعت للدلالة عليهما1.
ونسبتها في الدلالة عليهما واحدة، فسمي عامًّا لذلك
__________
1- بعدها في بعض النسخ "عليها" وفي بعضها "عليهما" ولا وجود لهما في المستصفى.
(2/5)

وأما الذي في الأذهان من معنى "الرجل" فيسمى "كليًّا"1، فإن العقل يأخذ من مشاهدة زيد: حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل، فإن رأى عمرا: لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الحادث، كنسبته إلى زيد الذي عهده أولًا.
فإن سمى عامًّا بهذا المعنى فلا بأس2.
__________
1 الكلي: هو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه كالإنسان.
2 وضح الطوفى -رحمه الله تعالى- مسألة كون العموم من عوارض الألفاظ أو المعاني، ومذاهب العلماء في ذلك فقال:
"وهذا البحث يوجد في أكثر كتب الأصوليين غير محقق، ووجه الكشف عنه: أنا إذا قلنا: هذا الشيء من عوارض هذا الشيء، أي: مما يعرض له ويلحقه، واشتقاقه من العَرَض، وهو المعنى الذي يذهب ويجيء، ولهذا سمي المال والمرض عرضًا؛ لأن كل واحد منهما يذهب ويجيء".
ثم قال: "والعرض في اصطلاح المتكلمين: هو ما لا يدخل في حقيقة الجسم ومفهومه، سواء كان لازمًا لا يفارق، كسواد الغراب، أو مفارقًا يذهب ويجيء كالحركة والسكون.
وبهذا المعنى قولنا: العموم من عوارض الألفاظ، أي: أنه يلحقها، وليس هو داخلًا في حقيقتها، وهو عرض لازم لما لحقه من الألفاظ لا ينفك عنه، وهو خاص ببعض الألفاظ، وهي التي وضعها الواضع لتدل على استغراق جميع ما وضعت له.
ومعنى قولنا: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، أي: أنه في الحقيقة لا يعرض إلا لصيغة لفظية، كالمسلمين والمشركين، ونحو ذلك من صيغه.... وإذا أضفنا العموم إلى المعاني، كقولنا: هذا حكم عام، وخصب عام، أو جدب عام، أو بلاء أو رخاء عام، وهذه مصلحة عامة، كان ذلك مجازًا، أي: لا يستحق المعنى بحسب الأصل أن يوصف بالعموم، إنما هو بحسب الاستعارة، إما من اللفظ، أو نظرًا إلى شمول مجموع أفراد المعنى المذكور لمجموع =
(2/6)

فصل: [تعريف العام]
وحد العام: هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدًا مطلقًا1.
واحترزنا بالواحد عن قولهم: "ضرب زيد عمرًا" فإنه يدل على شيئين، لكن بلفظين.
وبقولنا: "مطلقًا" عن قولهم: "عشرة رجال"، فإنه يدل على شيئين فصاعدًا، لكن ليس بمطلق، بل هو إلى تمام العشرة.
__________
= محالِّه.... قال: وعبارة الشيخ أبي محمد ملخصة من كلام الشيخ أبي حامد. وحاصل ما ذكراه في معنى قولنا: "باعتبار وجوديها" اللساني والذهني" هو أن الرجل -مثلًا- له وجود في الأعيان، وفي اللسان، وفي الأذهان.
أما وجوده في الأعيان، فلا عموم له، إذ ليس في الوجود الخارجي رجل مطلق، يعني كليًّا، بل إما زيد أو عمرو، أو غيرهما، فهو مقيد بقيد التشخص والعَلمية.
وأما وجوده في اللسان: فلفظ الرجل وضع للدلالة على زيد وعمرو وبكر وغيرهم، ونسبته إليه واحدة، وهذا معنى العموم.
وأما وجوده في الذهن فإن للرجل صورة كلية مطابقة له، تتناول زيدًا وعمرًا وبكرًا وغيرهم، وتدل عليهم دلالة واحدة، كدلالة لفظ الرجل عليهم، غير أن اللفظ يدل بالوضع، والذهن يدرك بالتصور.
فقد ثبت أن معنى العموم والشمول موجود في اللساني والذهني، دون العيني الخارجي.
ثم قال: وقال الآمدي: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة اتفاقًا، واختلفوا في المعاني، هل هو من عوارضها حقيقة؟ فنفاه الأكثرون، وأثبته الأقلون.
وقال ابن الحاجب: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وفي المعاني أقوال: أصحها أنه حقيقة فيها، أيضًا.
والثاني: ليس من عوارضها، شرح مختصر الروضة "2/ 449 وما بعدها".
1 اللفظ: جنس يتناول العام والخاص والمشترك والمطلق وغير ذلك، والقيود التي ذكرها المصنف -بعد ذلك- لإخراج ما عدا العام.
(2/7)

وقيل: العام كلام مستغرق لجميع ما يصلح له1.
__________
1 وهو تعريف أبي الحسين البصري، وتابعه على ذلك أبو الخطاب في التمهيد "2، 5، 6" واختاره الفخر الرازي وزاد عليه قوله: "بحسب وضع واحد" ورجحه الشوكاني. انظر: المعتمد "1/ 203"، المحصول حـ1 ق2 ص513، إرشاد الفحول "1/ 415".
وقد أورد الطوفي للعام عدة تعريفات، غير ما ذكره المصنف، واعترض عليها كلها، واختار له تعريفًا مبنيًّا على التقسيم فقال: "اللفظ إن دل على الماهية من حيث هي هي فقط، فهو المطلق، أو على وحدة معينة، كزيد وعمرو، فهو العلم، أو غير معينة، كرجل فهو النكرة، أو على وحدات متعددة، فهي إما بعض وحدات الماهية، فهو اسم العدد كعشرين رجلًا، أو جميعها، فهو العام، فإذن: هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله ... ثم فرق بين العام وبين المطلق، والعلَم، والنكرة، واسم العدد فقال:
فالمطلق هو اللفظ الدال على الماهية المجردة عن وصف زائد.
والعلَم: هو اللفظ الدال على وحدة معينة.
والنكرة: هو اللفظ الدال على وحدة غير معينة.
واسم العدد: هو اللفظ الدال على بعض وحدات ماهية مدلوله، والعام ما ذكرناه"
انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 448 وما بعدها".
(2/8)

فصل: [أقسام العام والخاص]
ثم العام ينقسم إلى:
عام لا أعم منه، يسمى عامًّا مطلقًا، كالمعلوم، يتناول الموجود والمعدوم
وقيل: الشيء
(2/8)

وقيل: ليس لنا عام مطلق؛ لأن "الشيء" لا يتناول المعدوم، والمعلوم لا يتناول المجهول.
والخاص ينقسم إلى خاص، لا أخص منه، يسمى خاصًّا مطلقًا، كزيد وعمرو، وهذا الرجل.
وما بينهما عام وخاص بالنسبة، فكل ما ليس بعام ولا خاص مطلقًا: فهو عام بالنسبة إلى ما تحته، خاص بالنسبة إلى ما فوقه.
فالموجود: خاص بالنسبة إلى المعلوم، عام بالنسبة إلى الجسم
والجسم: خاص بالنسبة إلى الجوهر، عام بالنسبة إلى النامي.
والنامي: خاص بالنسبة إلى الجسم، عام بالنسبة إلى الحيوان.
وأشباه ذلك يسمى عامًّا، لشموله ما يشملهن خاصًّا من حيث قصوره عما شمله غيره1.
__________
1 خلاصة ذلك: أن كلًّا من العام والخاص ينقسم بحسب مراتبه إلى ثلاثة أقسام: علو ونزولًا وتوسطًا فاللفظ إما عام مطلق، وهو ما ليس فوقه أعم منه، أو خاص مطلق، وهو ما ليس تحته أخص منه، أو عام وخاص إضافي، وهو المتوسط. مثال العام المطلق: المعلوم أو الشيء؛ لأن المعلوم يتناول جميع الأشياء قديمها ومحدثها، ومعدومها وموجودها، لتعلق العلم بذلك كله.
والشيء: أخص من المعلوم؛ لأن كل شيء معلوم، وليس كل معلوم شيئًا -عند أهل السنة والجماعة- أما المعتزلة فقالوا: المعدوم شيء.
ولهذا أورد المصنف في كلامه "وقيل: الشيء" أي: أن العام المطلق كالشيء، لا كالمعلوم، لما تقدم من أن المعلوم يشمل الموجود والمعدوم، والعدم والمعدوم لا يتصفان بالعموم، لأنهما معنيان محتاجان إلى ما يقومان به، ولذلك يجب أن يكونا شيئًا.
وعبارة الإمام الغزالي في هذا المعنى أوضح مما ذكره المصنف حيث قال: =
(2/9)

فصل: [في ألفاظ العموم] 1
وألفاظ العموم خمسة أقسام:
__________
"واعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقًا، نحو: زيد، وهذا الرجل. وإما عام بالإضافة، كلفظ "المؤمنين" فإنه عام بالإضافة إلى آحاد المؤمنين، خاص بالإضافة إلى جملتهم، إذ يتناولهم دون المشركين، فكأنه يسمى عامًّا من حيث شموله للآحاد، خاصًّا من حيث اقتصاره على ما شملهن وقصوره عما لم يشمله، ومن هذا الوجه يمكن أن يقال: ليس في الألفاظ عام مطلق؛ لأن لفظ المعلوم لا يتناول المجهول، والمذكور لا يتناول المسكوت عنه"
المستصفى "3/ 213" وانظر: شرح الطوفي "2/ 461" وما بعدها"
1 مذهب جمهور الأصوليين أن للعموم صيغ وألفاظ تخصه، حقيقة فيه، وذهب بعض العلماء إلى نفي ذلك. وقد وضحه الشوكاني فقال: "ذهب الجمهور إلى أن العموم له صيغة موضوعة له حقيقة، وهي: أسماء الشرط، والاستفهام، والموصولات، والجموع المعرفة تعريف الجنس، والمضافة، واسم الجنس، والنكرة المنفية، والمفرد المحلى باللام، ولفظ "كل" و"جميع" ونحوها. قال: لأن الحاجة ماسة إلى الألفاظ العامة؛ لتعذر جمع الآحاد على المتكلم فوجب أن يكون لها ألفاظ موضوعة حقيقة؛ لأن الغرض من وضع اللغة: الإعلام والإفهام".
ثم بعد أن استوفى أدلة الجمهور قال: "وقال محمد بن المنتاب، من المالكية، ومحمد بن شجاع الثلجي، من الحنفية: إنه ليس للعموم صيغة تخصه، وأن ما ذكروه من الصيغ موضوع في الخصوص، وهو أقل الجمع: إما اثنان، أو ثلاثة -على الخلاف في أقل الجمع- ولا يقتضي العموم إلا بقرينة.
قال القاضي في التقريب، والإمام في البرهان: يزعمون أن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في الجمع محتملات فيما عداه، إذا لم تثبت قرينة تقتضي تعديها عن أقل المراتب" إرشاد الفحول "1/ 425-426" وانظر: البرهان "1/ 322". =
(2/10)

الأول: كل اسم عرّف بالألف واللام لغير المعهود1.
وهو ثلاثة أنواع:
الأول: ألفاظ الجموع، كالمسلمين والمشركين، والذين.
والنوع الثاني: أسماء الأجناس، وهو ما لا واحد له من لفظه، كالناس، والحيوان، والماء، والتراب.
والنوع الثالث: لفظ الواحد2: كالسارق، والسارقة، والزاني، والزانية، و {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْر} 13.
القسم الثاني: من ألفاظ العموم: ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة4 إلى معرفة، كعبيد زيد، ومال عمرو5.
__________
= قال الشوكاني: "ولا يخفاك أن قولهم: موضوع للخصوص. مجرد دعوى ليس عليها دليل، والحجة قائمة عليهم لغة وشرعًا وعرفًا، وكل من يفهم لغة العرب واستعمالات الشرع لا يخفى عليه هذا".
1 لأن المعرف بلام العهد ليس عامًّا، وإنما يدل على ذات معينة، مثل: "لقيت رجلًا، فقلت للرجل".
2 ويعبر عنه: بالمفرد المحلى باللام غير العهدية، وكونه من صيغ العموم هو مذهب الشافعي وأحمد وابن برهان وأبي الطيب والبويطي ونقله الآمدي عن أكثر العلماء، ونقله الفخر الرازي عن الفقهاء والمبرد، وهو الذي رجحه البيضاوي وابن الحاجب. انظر القواعد والفوائد الأصولية ص194، نهاية السول "2/ 80"، شرح الكوكب المنير "3/ 133-134".
3 سورة العصر2. والدليل على أن اللام هنا للجنس: الاستثناء الوارد بعدها، وهو قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} .
4 وهي: ألفاظ الجموع، وأسماء الأجناس، والمفرد المحلى بالألف واللام.
5 المثال الأول: جمع منكر، مضاف إلى معرفة، والثاني: اسم جنس مضاف لمعرفة أيضًا. =
(2/11)

القسم الثالث: أدوات الشرط: كـ"مَن" فيمن يعقل، و"ما" فيما لا يعقل، و"أي" في الجميع1، و"أين" و"أيان" في المكان2 و"متى" في الزمان، ونحوه.
كقوله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه} 3 و {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاق} 4 و {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْت} 5، وقوله عليه السلام: "أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا...." 6.
__________
= ومثال المفرد المحلى بالألف واللام: السارق، والزانية. قال الطوفي: "وهو إذا أضيف إلى معرفة لا يقتضي العموم؛ لأنه لا جمع في لفظه، بخلاف عبيد، ومال؛ لأن فيهما جمعًا حقيقيًّا في نحو: عبيد زيد أو معنويًّا في نحو: مال زيد، والمال جنس يشمل أنواعًا، أما السارق والزاني ونحوهما، فلم يوضع لفظه ليدل على جمع لفظي ولا معنوي، بل ليدل على ذات متصفة بفعل صدر عنها، أو قام بها، وليس من لوازم ذلك: جمع ولا إفراد إلا بطريق الفرض". شرح الطوفي "2/ 467".
1 أي: تشمل من يعقل ومن لا يعقل.
2 هكذا في جميع النسخ، ولعل ذلك من تحريف النساخ، فإن "أيان" للزمان، دل على ذلك القرآن الكريم. قال الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [الأعراف: 187، والنازعات: 42] .
قال الشيخ الطوفي: "وجعل الشيخ أبو محمد أين وأيان جميعًا للمكان، وهو سهو، بل أين وحدها للمكان، وأيان للزمان؛ لأن أصلها: أيَّ أوَانٍ يكون كذا، ثم ركبت الكلمتان بعد الحذف تخفيفًا، وجعلا كلمة واحدة...." شرح مختصر الروضة "2/ 471 وما بعدها".
3 سورة الطلاق من الآية "3".
4 سورة النحل من الآية "96".
5 سورة النساء من الآية "78".
6 أخرجه أبو داود: كتاب النكاح -باب الولي- من حديث عائشة، رضي الله عنها =
(2/12)

القسم الرابع: "كل" و"جميع": كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت} 1، و {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} 2، و {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء} 3.
القسم الخامس: النكرة في سياق النفي، كقوله تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة} 4، {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} 5.
__________
= مرفوعًا بلفظ: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل". كما أخرجه عنها: الترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، وقال: "حديث حسن"، وابن ماجه: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، وأحمد في مسنده "6/ 47"، كما رواه الدارمي والدارقطني والحاكم وغيرهم. انظر: نصب الراية للزيلعي "3/ 184-185".
1 سورة آل عمران من الآية "185".
2 سورة الأعراف من الآية "34".
3 سورة الزمر من الآية "62".
4 سورة الأنعام من الآية "101"
5 سورة البقرة من الآية "255".
أما النكرة في سياق الأمر: ففيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: تفيد العموم مثل النكرة في سياق النفي، ومنهم من قال: لا تفيد العموم، وهو رأي الجمهور.
ومن أمثلته: "أعتق رقبة" فالجمهور يقولون: إنه لا يفيد العموم، لأنه مطلق، والمطلق ليس بعام، كما تقدم في تعريفه.
وقال البعض: إنه يعم؛ لأنه لو لم يكن عامًّا، لما خرج المأمور عن عهدة الأمر بعتق أي رقبة كانت.
قال الطوفي: "وفي هذا نظر؛ لأنه إنما خرج عن عهدة الأمر بذلك؛ لأنه مأمور برقبة مطلقة، والمطلق يكفي في امتثاله إيجاد فرد من أفراده؛ لأن الواجب فيه تحصيل الماهية، وهي حاصلة بفرد من أفراده، كما لو قال: صلِّ صلاةًَ، أو: صم يومًا. والله تعالى أعلم". شرح مختصر الروضة "2/ 473".
(2/13)

قال البستي1: الكامل في العموم: هو الجمع، لوجود صورته ومعناه، وما عداه قاصر في العموم؛ لأنه بصيغته إنما يتناول واحدًا، لكنه ينتظم جمعًا من المسميات معنى، فالعموم قائم بمعناها، لا بصيغتها.
[هل للعموم صيغة تخصه حقيقة] 2
واختلف الناس في هذه الأقسام الخمسة:
فقالت الواقفية: لا صيغة للعموم، بل أقل الجمع داخل فيه بحكم الوضع، وفيما زاد عليه، فيما بين الاستغراق وأقل الجمع: مشترك كاشتراط لفظ "النفر" بين الثلاثة والخمسة3.
وحكي مثل ذلك عن محمد بن شجاع الثلجي4.
__________
1 هو: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، من أهل "بست" من بلاد "كابول" فقيه محدث، من نسل زيد بن الخطاب "أخي عمر بن الخطاب" ولد سنة "319هـ".
من مؤلفاته: معالم السنن في شرح سنن أبي داود، بيان إعجاز القرآن. توفي سنة "388هـ" انظر: وفيات الأعيان "1/ 166" والأعلام "2/ 304" وخلاصة رأيه: أن لفظ الجمع، كالمسلمين، والمشركين، أكمل في باب العموم من غيره من ألفاظ العموم الأخرى؛ لأن لفظ الجمع يفيد التعدد، كما أن معناه يفيد التعدد أيضًا، بخلاف غيره، فإن التعدد في مدلوله، لا في لفظه، انظر شرح ذلك بتوسع في شرح مختصر الروضة "2/ 474-475".
2 سبق أن أوضحنا مذاهب العلماء في هذه المسألة في أول فصل: ألفاظ العموم.
3 خلاصة رأي الواقفية: أن الصيغ المتقدمة لم توضع لعموم ولا لخصوص، بل موضوعة لأقل الجمع "على الخلاف في أقله كما سيأتي" وما زاد على أقل الجمع يكون مشتركًا بينه وبين الاستغراق. انظر: المستصفى "3/ 250"، وشرح مختصر الروضة "2/ 475" وما بعدها.
4 هو: محمد بن شجاع الثلجي البغدادي، أبو عبد الله، فقيه العراق في وقته، من =
(2/14)

قالوا1: لأن أقل الجمع مستيقن، وفيما زاد مشكوك، يحتمل أن يكون مرادًا، وأن لا يكون مرادًا، فيحمل على اليقين2.
ولأن3 وضع هذه الصيغ للعموم: إما أن يعلم بعقل، أو بنقل.
فالعقل لا مدخل له في اللغات.
والنقل: إما تواتر، وإما آحاد:
فالآحاد لا يحتج بها.
والتواتر لا يمكن دعواه.
ثم لو كان لأفاد علمًا ضروريًّا.
ولأنا4 لما رأينا العرب تستعمل الألفاظ المشتركة في جميع مسمياتها: قضينا بأنها مشتركة، وأن من ادعى أنها حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر: كان متحكمًا.
وهذه الصيغ تستعمل في العموم والخصوص، بل استعمالها في الخصوص أكثر في الكتاب والسنة، وليس أحدهما أولى من الآخرن فهما قولان متقابلان، فيجب تدافعهما، والقول والاعتراف بالاشتراك.
ولأنه5 يحسن الاستفهام، فلو قال: "من دخل داري فأعطه درهمًا"
__________
= أصحاب أبي حنيفة، شرح فقه الإمام أبي حنيفة، واحتج له، كان يميل إلى الاعتزال، ولد سنة "181هـ" وتوفي سنة "266هـ" انظر: الوافي بالوفيات "3/ 148" والأعلام "6/ 157".
1 أي: الواقفية ومن معهم. وهو منسوب لأبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني، وبعض المتكلمين.
2 هذا هو الدليل الأول لهم.
3 هذا هو الدليل الثاني
4 هذا دليل ثالث لهم.
5 هذا دليل رابع.
(2/15)

حسن أن يقول: "وإن كان فاسقًا"؟ ولو عم اللفظ: لما حسن الاستفسار. ولنا دليلان1:
أحدهما: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فإنهم مع أهل اللغة بأجمعهم، أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم، إلا ما دل على تخصيصه دليل؛ فإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم: فعملوا بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم} 2 واستدلوا به على إرث فاطمة3 -رضي الله عنها- حتى نقل أبو بكر، رضي الله عنه: "نحنُ معاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنَاه صَدَقة" 4.
__________
1 بدأ المصنف يستدل لمذهب الجمهور على أن الصيغ المتقدمة موضوعة للعموم، فتحمل على عمومها، حتى يدل دليل على الخصوص.
2 سورة النساء من الآية "11".
3 هي: فاطمة الزهراء بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من السيدة خديجة -رضي الله عنها- ولدت قبل البعثة بستة أشهر، وهي أصغر بنات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوجها علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- بعد واقعة أحد، وهي أم الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، ولها مناقب عظيمة، فهي سيدة نساء المؤمنين. توفيت -رضي الله عنها- سنة "11هـ" بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بستة أشهر. انظر: الإصابة "4/ 377" والاستيعاب "4/ 373"، حلية الأولياء "2/ 39".
4 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الخُمس- باب فرض الخُمس- حديث"2" وكتاب فضائل الصحابة - باب مناقب قرابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث "207" وكتاب المغازي - باب غزوة خيبر حديث "256"، وكتاب الفرائض- باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركنا صدقة".
كما أخرجه مسلم: كتاب الجهاد -باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة"، حديث "52/ 1759" عن عائشة -رضي الله عنها- أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر -رضي الله عنه- تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفَدَك ومما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- =
(2/16)

وأجروا {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة} 1، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} 2، و {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} 3، و {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} 4، {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم} 5 و {لا تَقْتُلُوا الصَّيْد} 6، و "لَا تُنْكَحُ المَرْأَة على عَمَّتِها" 7، "ومَنْ أَغْلَقَ عليه بابَهُ فهو آمِنٌ"8، و " لا يَرِثُ القَاتِلُ" 9، وغير ذلك مما لا يحصى على العموم
__________
= قال: "لا نورث ما تركناه صدقة" وللحديث روايات أخرى صحيحة. يراجع فيها: المنتقى ص524.
1 سورة المائدة من الآية "38".
2 سورة النور من الآية "2".
3 سورة الإسراء من الآية "33".
4 سورة البقرة من الآية "278".
5 سورة النساء من الآية "29".
6 سورة المائدة من الآية "95".
7 حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب النكاح- باب لا تنكح المرأة على عمتها- من حديث جابر وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وفي رواية: نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
كما أخرجه مسلم: كتاب النكاح -باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح- من حديث أبي هريرة.
وأخرجه عنه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم. انظر: نصب الراية "3/ 169/ 170".
8 أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير -باب فتح مكة، وأبو داود: كتاب الخراج والفيء والإمارة- باب ما جاء في خبر مكة -ولفظه: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" كما أخرجه أحمد في المسند "2/ 292، 538".
9 أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العقول -باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ =
(2/17)

ولما نزل قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 1 قال ابن أم مكتوم2: "إني ضرير البصر" فنزل: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَر} فعَقَل الضرير وغيره من عموم اللفظ3.
ولما نزل {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} 4 قال ابن الزبعري5: لأخصمن محمدًا، فقال له: قد عُبدت الملائكة
__________
= فيه -عن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ليس للقاتل شيء".
كما أخرجه أبو داود: كتاب الديات- باب ديات الأعضاء، وابن ماجه: كتاب الديات- باب القاتل لا يرث، وأحمد في المسند "1/ 49"، والبيهقي: كتاب الفرائض- باب لا يرث القاتل. السنن الكبرى "6/ 220".
قال المصنف في المغني "9/ 150": "أجمع أهل العلم على أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئًا، إلا ما حكي عن سعيد بن المسيب وابن جبير، أنهما ورّثاه، وهو رأي الخوارج، لأن آية الميراث تتناوله بعمومها، فيجب العمل بها فيه. ولا تعويل على هذا القول؛ لشذوذه، وقيام الدليل على خلافه".
1 سورة النساء، من الآية "95".
2 هو: عمرو بن أم مكتوم بن قيس بن زائدة، صحابي جليل، وهو الذي نزل في حقه أول سورة "عبس وتولى"، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدها يزيد في إكرامه، وكان يستخلفه على الصلاة في المدينة في أكثر غزواته، روى أنه شهد القادسية واستشهد بها، رضي الله عنه.
انظر: الإصابة "4/ 87، 4/ 600"، البداية والنهاية "7/ 49".
3 عبارة الغزالي في المستصفى "3/ 233": "فعَقل الضرير وغيره عموم لفظ المؤمنين" وهي أوضح من عبارة المصنف.
4 سورة الأنبياء من الآية "98".
5 هو: عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي، صحابي جليل، كان من شعراء قريش، ومن أشد الناس عداوة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- =
(2/18)

والمسيح، أفيدخلون النار؟ فنزل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون} 1.
فعقَل العموم، ولم ينكر عليه، حتى بين الله -تعالى- المراد من اللفظ. ولما أراد أبو بكر -رضي الله عنه- قتال مانعي الزكاة، قال له عمر: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناس حَتَّى
__________
= وللمسلمين، ثم أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، واعتذر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقبل عذره، انظر في ترجمته "الإصابة 2/ 300-303"، أسد الغابة 3/ 239-240".
1 سورة الأنبياء الآية "101".
والقصة رواها الطبراني في الكبير "12739" عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُون} قال عبد الله بن الزبعري: أنا أخصم لكم محمدًا، فقال: يا محمد، أليس فيما أنزل الله عليك: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُون} قال: "نعم" قال: فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرًا، وهذه بنو تميم تعبد الملائكة، فهؤلاء في النار؟ فأنزل الله، عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} كما أوردها السيوطي في الدر المنثور "5م 679"، والحاكم في المستدرك
2/ 384-385"، وابن جرير في تفسيره "17/ 97-98" وعوّل على أن "ما" في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُون} عند العرب لغير العاقل
أما ابن كثير فقال: "وهذا الذي قاله ابن الزبعري خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطابًا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعًا وتوبيخًا لعابديها، ولهذا قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم} فكيف يورد على هذا المسيح والعزير ونحوهما ممن له عمل صالح ولم يرض بعبادة من عبده"؟!
(2/19)

يقولوا: يقولوا لا إِلَه إِلّا اللهُ ... " 1 الحديث. فلم ينكر أبو بكر احتجاجه، بل قال: أليس قد قال: "إِلّا بِحَقِّهَا" والزكاة من حقها.
واختلف عثمان وعلي في الجمع بين الأختين2:
فاحتج عثمان بقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم} 3.
واحتج علي بعموم قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن} 4.
__________
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الزكاة- باب وجوب الزكاة، وفي كتاب الاعتصام- باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا ولفظه: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
كما أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأبو داود: كتاب الجهاد، باب علام يقاتل المشركون؟
كما أخرجه ابن ماجه، والترمذي، والنسائي وغيرهم.
2 أي: بملك اليمين، أما الجمع بين الأختين في الزواج فمجمع على تحريمه، لقوله -تعالى- في آية المحرمات من النساء: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن} .
3 سورة المؤمنون "6" والمعارج "30".
4 سورة النساء من الآية "23".
فآية سورة "المؤمنون" و"المعارج" تفيد إباحة الجمع، وآية سورة النساء تفيد التحريم، ولذلك روي عن عثمان -رضي الله عنه- لما سئل عن الجمع بين الأختين، بملك اليمين قال: "لا آمرك ولا أنهاك، أحلتهما آية وحرمتهما آية"، والتحريم أولى" انظر: تفسير القرطبي "5/ 117"، والموطأ "3/ 148".
(2/20)

ولما سمع عثمان بن مظعون1 قول لبيد2:
.................... ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحالَةَ زَائلُ
قال له: كذبت، إن نعيم الجنة لا يزول3.
وهذا وأمثاله مما لا ينحصر كثرة، يدل على اتفاقهم على فهم العموم من صيغته، والإجماع حجة.
ولو لم يكن إجماعهم حجة، لكان حجة من حيث إنهم أهل اللغة، وأعرف بصيغتها وموضوعاتها.
__________
1 هو: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب، القرشي الجمحي، أبو السائب، صحابي جليل، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، توفي سنة "2هـ" ودفن بالبقيع. انظر: الإصابة "2/ 464" والاستيعاب "3/ 58".
2 هو: لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة، أبو عقيل الشاعر المعروف، صاحب المعلقة. قال النبي، صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد:
أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باَطِلُ".
مات بالكوفة سنة "41هـ" انظر الإصابة "5/ 675" والاستيعاب "3/ 1235". وقول لبيد هذا: عجز بيت صدره:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل ... ................................
انظر: ديوان لبيد ص256، الشعر والشعراء لابن قتيبة "1/ 297".
3 انظر: الموشح للمرزباني ص100، وقد نسب هذا التكذيب إلى أبي بكر، رضي الله عنه.
والأدلة على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع كثيرة، منها قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] وجاء في الصحيحين "يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت". انظر: تفسير ابن كثير "2/ 442" طبعة دار زمزم.
(2/21)

المسلك الثاني1: أن صيغ العموم يحتاج إليها في كل لغة، ولا تختص بلغة العرب.
فيبعد جدًّا أن يغفل عنها جميع الخلق، فلا يضعونها مع الحاجة إليها.
ويدل على وضعه2: توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام، وسقوطه عمن أطاع، ولزوم النقض والخلف على الخبر العام، وبناء الاستحلال3 والأحكام على الألفاظ العامة.
فهذه أربعة أمور تدل على الغرض.
وبيانها: أن السيد إذا قال لعبده: "من دخل داري فأعطه رغيفًا" فأعطى كل داخل: لم يكن للسيد أن يعترض عليه.
ولو قال: "لِمَ أعطيت هذا وهو قصير" وإنما أردت الطوال؟
فقال: "ما أمرتني بهذا، وإنما أمرتني بإعطاء كل داخل" فعرض هذا على العقلاء: رأوا اعتراض السيد ساقطًا، وعذر العبد متوجهًا.
ولو أن العبد حرَم واحدًا، فقال له السيد: "لِمَ لم تعطه"؟ فقال: "لأن هذا أسود، ولفظك ما اقتضى العموم، فيحتمل أنك أردت الأبيض" استوجب التأديب عند العقلاء، وقيل له: "ما لك وللنظر إلى اللون، وقد أمرت بإعطاء كل داخل"؟
__________
1 أي: الدليل الثاني على أن هذه الصيغ موضوعة للعموم، وكان قد قال في بداية كلامه: "ولنا دليلان".
2 أي: مما يدل على أنها موضوعة للعموم: توجه الاعتراض على من يعصي أمر المتكلم بكلام عام، وسقوط هذا الاعتراض عمن أطاع.
3 أي: كونه حلالًا.
(2/22)

وأما النقض: فإنه لو قال: "ما رأيت أحدًا" وكان قد رأى جماعة: كان كلامه خلفًا1 ومنقوضًا وكذبًا.
ولذلك قال الله تعالى: { ... قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} 2. وإنما أورد هذا نقضًا على كلامهم، فإن لم يكن هذا عامًّا: فلِمَ أورد النقض عليهم؟
فإن هم أرادوا3 غير موسى، فلِمَ لزم دخول موسى تحت اسم البشر؟
وأما إثبات الاستحلال والأحكام: فإذا قال: "أعتقت عبيدي وإمائي" ومات عقيبه، جاز لمن سمع أن يزوج عبيده، ويتزوج من إمائه بغير رضا الورثة.
ولو قال: "العبيد الذين في يدي ملك فلان": كان إقرارًا محكومًا "به"4 في الكل.
ولو ادعى على رجل دينًا فقال5: "مالك عليّ شيء" كان إنكارًا لدعواه، ولو حلف على ذلك: بريء في الحكم
__________
1 في المصباح المنير "1/ 179": "الخَلْف: وزان فلس: الرديء من القول، يقال: سكت ألفًا ونطق خلْفًا: أي: سكت عن ألف كلمة، ثم نطق بخطإ. وقال أبو عبيد في كتاب الأمثال: الخلف من القول: هو السقط الرديء، كالخلْف من الناس".
2 سورة الأنعام من الآية "91".
3 في جميع النسخ "فلعلهم أرادوا" وما أثبتناه من المستصفى لوضوحه.
4 ما بين القوسين من المستصفى.
5 أي: المدعى عليه، والسبب في ذلك: أن الأصل براءة ذمته، ولذلك اكتفى منه باليمين، بخلاف الصورة الآتية.
(2/23)

ولو كان له عليه دين، فحلف هذه اليمين، كان كاذبًا آثمًا1.
وبناء أمثال هذه الأحكام على العموم لا ينحصر.
فإن قيل: إنما ثبت هذا الذي ذكرتموه بالقرائن، لا بمجرد اللفظ.
قلنا: هذا باطل؛ فإنه لو قدر انتفاء القرائن: لفهم العموم: فإنه لو قدر أن سيدًا أمر عبدًا له لم يعرف له عادة، ولا عاشره زمانًا بأمر عام، ولا يعلم له غرضًا في إثباته وانتفائه، لتمهد عذره في العمل بعمومه، وتوجه إليه اللوم بترك الامتثال.
ولو قال: "كل عبد لي حرٌّ" ولم تعلم منه قرينة أصلًا: حكمنا بحرية الكل.
وتقدير قرينة -ههنا- كتقدير قرينة في سائر أنواع أدلة الكتاب والسنة، وهذا يبطلها بأسرها.
ولأن اللفظ لو لم يكن للعموم: لخلا عن الفائدة، واختلت أوامر الشرع العامة كلها؛ لأن كل واحد يمكنه أن يقول: "لم أعلم أنني مراد بهذا الأمر، ولا في اللفظ دلالة على أنني مراد به، ولا يلزمني الامتثال". وكذلك النواهي، يقول: "لست مخاطبًا بالنهي لعدم دلالته على العموم في حقي" فتختل الشريعة، وتبطل دلالة الكتاب والسنة.
ولا يصح من أحد الاحتجاج بلفظ عام في صورة خاصة، لعدم دلالته عليها. ولا يقدر أحد أن يأمر جماعة، ولا ينهاهم، ولا يذكر لهم شيئًا يعمهم بلفظ واحد.
__________
1 لأنه أقر له بالحق، فالحق ثابت في ذمته، فلو حلف على أنه أداه لم يقبل منه، فلا بد من البينة على أنه قد أداه، حتى تبرأ ذمته. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى -وهي محل الشاهد- أن الأول خاص والثاني عام.
(2/24)

وهذا باطل يقينًا، وفاسد قطعًا، فوجب اطّراحه.
وأما حجة الواقفية: فحاصلها: مطالبة بالدليل، وليس بدليل1.
ثم قد ذكرنا وجه الدليل على التعميم، وأنها إنما تستعمل على الخصوص مع قرينة.
وإنما حسن الاستفسار عن الفاسق؛ لأنه يفهم من الإعطاء: الإكرام، ويفهم من عادة الناس أنهم لا يكرمونهم.
فلتوهم القرينة المخصصة: حسن السؤال.
ولذلك: لم يحسن في بقية الصفات، ولأنه لو لم يراجع، وأعطى الفاسق: لكان عذره متمهدًا.
ثم إنه إنما حسن الاستفهام لظهور التجوز به عن الخصوص، فلذلك كان للمستفهم الاحتياط في طلبه.
ولهذا دخل التوكيد في الكلام، لرفع اللبس، وإزالة الاتساع.
ولهذا يحسن الاستفهام في الخاص، فإذا قال: "رأيت الخليفة" قيل له: "أنت رأيته"؟!
__________
1 أي: أن حجة الواقفية: هي مطالبة الجمهور بدليل يدل على العموم، والمطالبة بالدليل لا تعتبر دليلًا، ومع ذلك أقام المصنف الأدلة على أنها تفيد العموم، ولا تدل على الخصوص إلا مع قرينة.
(2/25)

فصل: [في الخلاف في عموم بعض الصيغ]
وقد قال قوم بالعموم، إلا فيما فيه الألف واللام1.
وقال آخرون: بالعموم، إلا في اسم الواحد بالألف واللام2.
وقال بعض النحويين المتأخرين في "النكرة في سياق النفي" لا تعم، إلا أن تكون فيه "مِنْ" مظهرة، كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} 3، أو مقدرة، كقوله تعالى: {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه} 4، بدليل أنه يحسن أن يقال:
__________
1 حكى الطوفي في المسألة مذاهب أخرى حكاها عن الآمدي، بعد أن نقل ما قاله المصنف، فقال: "وقال الآمدي: ذهبت المرجئة إلى أن العموم لا صيغة له في اللغة تخصه. وذهب الشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن الصيغ المذكورة حقيقة في العموم، مجاز فيما عداه.
ومنهم من عكس الحال، يعني: أنها مجاز في العموم، حقيقة فيغيره.
ومنهم من خالف في عموم اسم الجمع، واسم الجنس المعرف دون غيره، كأبي هاشم.
واختلف قول الأشعري في الاشتراك والوقف، ووافقه القاضي في الوقف.
ومنهم من وقف في الأخبار والوعد والوعيد، دون الأمر والنهي.
قال الآمدي: والمختار أن الصيغ المذكورة حجة في الخصوص لتيقنه، والوقف فيما وراء ذلك" شرح مختصر الروضة "2/ 477".
2 مثل: الدينار خير من الدرهم.
3 سورة "ص" من الآية 65".
4 سورة الصافات من الآية "35" وتمام الآية: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} وسورة محمد من الآية "19" {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم} .
(2/26)

ما عندي رجل، بل رجلان1.
ومن أنكر أن الألف واللام للاستغراق قال:
__________
1 هذا دليل بعض النحويين الذين أنكروا إفادة النكرة للعموم، إلا إذا كانت هناك "من" مظهرة أو مقدرة.
وقد وضحه الطوفي فقال: "وتقرير حجته: أنه يحسن أن يقال: ما عندي رجل، بل رجلان، ولا يحسن أن يقال: ما عندي من رجل، بل رجلان، وذلك يدل على أن: ما عندي من رجل يعم، لامتناع إثبات الزيادة عليه، لافضائه إلى التناقض في عرف اللسان، وأن: ما عندي رجل، لا يعم، لجواز الزيادة عليه وعدم إفضائه إلى التناقض في عرف اللسان، ولا فرق بين الصورتين إلا إثبات "من" وعدمها" فدل على أنها هي المؤثرة في العموم في هذا الباب، ويلحق بثبوتها تحقيقًا، ثبوتها تقديرًا لاشتراكهما في المعنى.
وسر هذا التقدير: أن "من" موضوعة للدلالة على الجنس، فإذا دخل النفي عليها تحقيقًا أو تقديرًا، كما سبق مثاله، أفاد نفي الجنس، وهو معنى الاستغراق والعموم، وإذا لم يدخل عليها، لم يفد نفي الجنس، بل نفي الشخص المذكور مبهمًا.
مثاله: "ما في الدار من رجل" يقتضي نفي جنس الرجال من الدار، و"ما في الدار رجل" يقتضي نفي رجل واحد مبهم من جنس الرجال...." شرح مختصر الروضة "2/ 486-487".
ثم أجاب عن هذا الاستدلال فقال: "إن النفي إذا وقع على النكرة، اقتضى نفي ماهيتها، وماهيتها لا تنتفي إلا بانتفاء جميع أفرادها، كما إذا قال: "لا صلاة بغير طهور" فإنه نفي لماهية الصلاة، وهو لا يحصل إلا بانتفاء جميع أفراد الصلاة بغير طهور في جميع الأوقات والأماكن. وهذا الدليل قاطع في العموم، وحينئذ يجب تأويل ما ذكرت أيها الخصم من الدليل على عدم العموم؛ لأنه غير قاطع، وما ذكرناه قاطع، وإذا اجتمع القاطع وغيره، كان تقديم القاطع -ما لم يعارضه معارض- أولى" المصدر السابق ص488.
(2/27)

يحتمل أن تكون للمعهود.
ويحتمل أن تكون للاستغراق.
ويحتمل أنها لجملة من الجنس.
فما دليل التعميم؟ 1
ثم وإن سلم في البعض، فما قولكم في جمع القلة، وهو ما ورد على وزن الأفعال، كالأحمال، والأَفْعُل، كالأكلُب، والأكعُب، والأَفْعِلَة، كالأرغفة، والفِعلة، كالصبية؟
فقد قال أهل اللغة: إنه للتقليل وهو ما دون العشرة.
وقال ناس بالتعميم، إلا في لفظة المفرد المحلى بالألف واللام؛ لأنه لفظ واحد، والواحد ينقسم إلى: واحد بالنوع، وواحد بالذات.
فإذا دخله التخصيص علم أنه ما أراد الواحد بالنوع، فانصرف إلى الواحد بالذات.
قلنا: ما ذكرناه من الاستدلال جار فيما فيه الألف واللام، وفي النكرة في سياق النفي، فإنه إذا قال لعبده: "أعط الفقراء والمساكين،
__________
1 هذا دليل القائلين بأن الصيغ المتقدمة تفيد العموم، ما عدا المقترن باللام، وحجتهم على ذلك: أن اللام تستعمل للمعهود تارة كما في قوله تعالى: { ... كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15-16] كما تستعمل لبعض الجنس تارة، مثل: شربت الماء، وأكلت الخبز، والمراد بعضه. وتستعمل للاستغراق، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر} [القمر: 54] .
وإذا كانت تستعمل في هذه المعاني، كان اختصاصها بإفادة العموم ترجيحًا بدون مرجح. انظر: شرح الطوفي "2/ 485". وسيأتي رد المصنف على ذلك.
(2/28)

واقتل المشركين1، واقطع السارق والسارقة، وارجم الزانية والزاني2، ولا تؤذ مسلمًا، ولا تجعل مع الله إلهًا"3 واقتصر عليه، وانتفت القرائن، جرى فيه حكم الطاعة والعصيان، وتوجه الاعتراض وسقوطه.
ولو قال: "والله لا آكل رغيفًا": حنث إذا أكل رغيفين.
وقد قال الله، تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة} 4، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد} 5 {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} 6، {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة} 7، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور} 8.
ولا يحل أن يقال في مثل هذا: إن اللفظ ما اقتضى التعميم9.
وقولهم: "إن الألف واللام للمعهود".
قلنا: إنما يصرف إلى المعهود عند وجوده، وما لا معهود فيه يتعين حمله على الاستغراق.
__________
1 هذه أمثلة لما كان له واحد من لفظه.
2 هذه أمثلة لما كان لفظه واحد وقد دل على العموم.
3 هذان مثالان للنكرة في سياق النفي، وقد أفادت العموم أيضًا.
4 سورة الأنعام من الآية "101".
5 سورة الإخلاص "4".
6 سورة الكهف من الآية "49".
7 سورة النساء من الآية "40".
8 سورة النور من الآية "40".
9 قصد المؤلف من إيراد هذه الأمثلة: أن يقيم الأدلة على أن في الألفاظ العربية ما هو موضوع للعموم، ومنها ما هو موضوع للخصوص، والقرآن الكريم نزل باللسان العربي، فيجب الاحتكام إليه عند الاختلاف.
(2/29)

وهذا لأن الألف واللام للتعريف، فإذا كان ثم معهود فحمل عليه حصل التعريف.
وإن لم يكن ثم معهود فصرف إلى الاستغراق، حصل التعريف أيضًا.
وإن صرف إلى أقل الجمع أو إلى واحد، لم يحصل التعريف، وكان دخول اللام وخروجها واحدًا.
ولأنهما إذا كانا للعهد استغرقا جميع المعهود، فإذا كانا للجنس يجب أن يستغرقا.
وأما جمع القلة: فإن العموم إنما يتلقى من الألف واللام.
ولهذا استفيد1 من لفظ الواحد في مثل: السارق والسارقة، والدينار أفضل من الدرهم و "أهْلَك الناسَ الدينارُ والدرهمُ" 2.
ولذلك صح توكيده بما يقتضي العموم، وجاز الاستثناء منه، كقوله تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} 3، والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت الخطاب.
__________
1 أي: العموم.
2 حديث صحيح: أخرجه البخاري من حديث أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، وابن ماجه بلفظ "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم"، وفي رواية "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة". وفي لفظ للعسكري، من حديث الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لعن" بدل "تعس".
انظر: المقاصد الحسنة ص257، كشف الخفا "1/ 366".
3 سورة العصر "2، 3".
(2/30)

فقوله: "إنه يصح أن يقول: ما عندي رجل، بل رجلان"1.
قلنا: قوله: "بل رجلان" قرينة لفظية تدل على أنه استعمل لفظ العموم في غير موضوعه.
ولا يمنع ذلك من حمله على موضوعه عند عدم القرينة، كما أن لفظة "الأسد" إذا استعملت في الرجل الشجاع بقرينة، لا يمنع من استعمالها في موضوعها وحملها عليه عند الإطلاق.
وأما لفظة "مِنْ" فهي من مؤكدات العموم، وتمنع من استعماله في مجازه.
ولتأثيرها في التأكيد، ومنعها من التوسع، واستعمال اللفظ في غير العموم: تطرق الوهم إلى القائل بنفي التعميم فيما خلت منه.
__________
1 يريد المصنف أن يرد على من قال: إن النكرة في سياق النفي لا تفيد العموم، إلا إذا كانت هناك "من" مظهرة أو مقدرة، كما تقدم.
2 وهو رأي جمهور العلماء منهم: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
3 وكذلك الإمام مالك، ذكر ذلك القاضي عبد الوهاب، كما في شرح تنقيح الفصول ص233.
4 هو: محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري، خلف والده في حلقته بالتدريس =
(2/31)

وبعض الشافعية1: أن أقله اثنان، لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس} 2 ولا خلاف في حجبها باثنين.
وقد جاء ضمير الجمع للاثنين في قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} 3، {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} 4، وكانوا اثنين، {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} 5 و {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} 6.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "الاثنان فما فوقهما جماعة" 7.
__________
= وهو صغير، كان أديبًا شاعرًا، فقيهًا أصوليًّا، من كتبه: "الوصول إلى معرفة الأصول". توفى سنة "297هـ" وفيات الأعيان "2/ 272"، تاريخ بغداد "5/ 256".
1 كالغزالي وغيره، ولكن الصحيح عند الشافعية عمومًا هو المذهب الأول.
2 سورة النساء من الآية "11".
3 سورة الحج من الآية "19".
4 سورة "ص" الآية "21".
5 سورة الحجرات من الآية "9".
6 سورة التحريم من الآية "4".
7 هذا الحديث روي عن أبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، والحكم بن عمير، وأبي هريرة، وأبي أمامة.
أما حديث أبي موسى: فأخرجه ابن ماجه حديث "972" والدارقطني: باب الاثنان جماعة حديث "1"، والحاكم: كتاب الصلاة، باب الاثنين فما فوقهما جماعة، من طريق الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد عن أبيه عن جده. قال الحافظ البوصيري وابن حجر: ضعيف، وقال ابن حجر في جده "مجهول". وكذلك بقية الطرق فيها ضعف أيضًا. يراجع فيه: تلخيص الحبير "3/ 81"، ومجمع الزوائد "2/ 45".
(2/32)

ولأن الجمع مشتق من جمع الشيء إلى الشيء وضمه إليه، وهذا يحصل في الاثنين.
ولنا: ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال لعثمان، رضي الله عنه: "حَجبتَ الأم بالاثنين من الإخوة، وإنما قال الله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس} 1، وليس الأخوان بإخوة في لسانك، ولا في لسان قومك؟ "
فقال له عثمان: "لا أنقض أمرًا كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار"2، فعارضه على أنه في لسان العرب ليس بحقيقة في الاثنين، وإنما صار إليه للإجماع.
__________
1 سورة النساء من الآية "11".
2 أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الفرائض، باب ميراث الإخوة من الأب والأم، ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير "3/ 85" فقال: "وفيه نظر، فإن فيه شعبة مولى ابن عباس، وقد ضعفه النسائي".
كما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى: كتاب الفرائض -باب فرض الأم- قال أبو يعلى في العدة "2/ 651": "وهذا يدل على أن أقل الجمع ثلاثة؛ لأن ابن عباس قاله، وأقره عثمان عليه، وإنما صرفه عنه بالإجماع الذي ذكره".
وقد بين الشيخ "ابن قدامة" في كتابه "المغني 9/ 19" أن خلاف ابن عباس في ذلك لا يعول عليه؛ لأنه في مخالفة الإجماع- فقال: "ولنا: قول عثمان هذا". فإنه يدل على أنه إجماع ثم قبل مخافة ابن عباس؛ ولأن كل حجب تعلق بعدد كان أوله اثنين كحجب البناتِ بناتِ الابن، والأخوات من الأبوين الأخوات من الأب، والإخوة تستعمل في الاثنين، قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن} [النساء: 176] وهذا الحكم ثابت في أخ وأخت".
(2/33)

دليل آخر:
أن أهل اللسان فرقوا بين الآحاد، والتثنية، والجمع، وجعلوا لكل واحد من هذه المراتب لفظًا وضميرًا مختصًّا به، فوجب أن يغاير الجمع التثنية، كمغايرة التثنية الآحاد.
ولأن الاثنين لا ينعت بهما الرجال والجماعة في لغة أحد، فلا تقول: رأيت رجالًا اثنين، ولا جماعة رجلين، ويصح أن يقال: ما رأيت رجالًا، وإنما رأيت رجلين، ولو كان حقيقة فيه لما صح نفيه.
وأما ما احتجوا به فغايته: أنه جاز التعبير بأحد اللفظين عن الآخر مجازًا، كما عبر عن الواحد بلفظ الجمع في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم} 1 و {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر} 2.
ثم إن "الطائفة" و"الخصم" يقع على الواحد والجمع، والقليل والكثير، فرد الضمير إلى الجماعة الذين اشتمل عليهم لفظ "الطائفة" و"الخصم".
وأما قوله: "الاثنان ... جماعة" فأراد في حكم الصلاة، وحكم انعقاد الجماعة، لأن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- يحمل على الأحكام، لا على بيان الحقائق3.
__________
1 سورة آل عمران من الآية "173" والمراد بلفظ "الناس" الأول: ركب عبد القيس، وبالثاني: أبو سفيان وقومه.
2 سورة الحجر من الآية "9".
3 ويؤيد ذلك رواية الإمام أحمد في المسند "5/ 254" عن أبي أمامة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يصلي، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" فقام رجل يصلي معه فقال: "هذان جماعة".
(2/34)

وقولهم: "إنه جمع شيء إلى شيء".
قلنا: الأسماء في اللغة لا يلزم فيها حكم الاشتقاق، على ما مضى.
(2/35)

فصل: [في حكم العام الوارد على سبب خاص]
إذا ورد لفظ العموم على سبب خاص: لم يسقط عمومه1، كقوله
__________
1 وهو رأي جمهور العلماء، حتى اشتهر بين العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بد من تحرير محل النزاع في المسألة فنقول: العام الوارد على سبب خاص له صورتان.
الصورة الأولى: أن تكون إجابة السائل غير مستقلة بنفسها، بحيث لا تفيد شيئًا إلا إذا اقترنت بالسؤال، وهذه تابعة للسؤال عمومًا بلا خلاف، وفي الخصوص- أيضًا- على أرجح الأقول.
مثال العموم: ما لو سئل -صلى الله عليه وسلم- عمن جامع امرأته في نهار رمضان، فقال: "يعتق رقبة" فهذا عام في كل واطئ في نهار رمضان.
ومثال الخصوص: ما لو قال: وطئت في نهار رمضان عامدًا، فيقول: "عليك الكفارة" فيجب قصر الحكم على السائل ما لم يدل دليل على العموم.
الصورة الثانية: أن يكون الجواب مستقلًّا بنفسه بحيث لو جاء منفردًا لأفاد معنى.
وتحت هذه الصورة ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون الجواب مساويًا للسؤال عمومًا وخصوصًا، فهذا تابع للسؤال في العموم والخصوص.
الحالة الثانية: أن يكون الجواب أخص من السؤال، كما لو سئل -صلى الله عليه وسلم- عن أحكام المياه عمومًا، فيقول: "ماء البحر طهور" فإنه يخص ماء البحر فقط.
الحالة الثالثة: أن يكون الجواب أعم من السؤال. وتحته نوعان:
النوع الأول: أن يكون أعم من السؤال في غير الحكم المسئول عنه، كما سئل -صلى الله عليه وسلم- عن التوضؤ بماء البحر، فأجاب: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" فقد أجاب =
(2/35)

-عليه السلام- حين سئل: أنتوضأ بماء البحر في حال الحاجة؟ قال: "هُو الطَّهُورُ مَاؤُه" 1.
وقال مالك2، وبعض الشافعية3: يسقط عمومه:
__________
= عن الميتة وهي ليست مسئولًا عنها، فهذا لا خلاف في عمومه.
النوع الثاني: أن يكون أعم من السؤال بالنسبة للحكم المسئول عنه فقط، مثل ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- سئل عن ماء بئر بضاعة، وهي بئر تلقي فيها الحيض والنجاسات، فأجاب: "الماء طهور لا ينجسه شيء" فهذا النوع هو محل الخلاف.
انظر: الإحكام للآمدي "2/ 318"، العدة "2/ 596 وما بعدها" إرشاد الفحول للشوكاني "1/ 480 وما بعدها".
1 أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
كما أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، والنسائي: كتاب الطهارة، باب ماء البحر.... كذلك أخرجه الدارقطني، والدارمي، ومالك في الموطأ، والشافعي، والبيهقي وغيرهم، من طريق أبي هريرة وغيره.
انظر: تلخيص الحبير "1/ 9 وما بعدها" نصب الراية "1/ 96 وما بعدها"
2 الصحيح في النقل عن مالك أنه مع الجمهور، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال صاحب مراقي السعود:
............................. ... ودع ضمير البعض والأسبابا
قال الشيخ الشنقيطي في نثر الورود على مراقي السعود "1/ 309": "هذه أربع مسائل اختلف في التخصيص بهان والمعتمد عدم التخصيص...." ثم قال: الثانية: سبب النزول لا يخصص العام النازل فيه...."
3 كالمزني، صاحب الإمام الشافعي، والقفال، والدقاق. وقال إمام الحرمين: إنه =
(2/36)

إذ لو لم يكن للسبب تأثير لجاز إخراج السبب بالتخصيص من العموم.
ولما نقله الراوي، لعدم فائدته.
ولما أخر بيان الحكم إلى وقوع الواقعة.
ولأنه جواب، والجواب يكون مطابقًا للسؤال.
ولنا: أن الحجة في لفظ الشارع، لا في السبب، فيجب اعتباره بنفسه في خصوصه وعمومه1.
ولذلك: لو كان أخص من السؤال: لم يجز تعميمه، لعموم السؤال.
ولو سألت امرأة زوجها الطلاق، فقال: "كل نسائي طوالق" طلقن كلهن، لعموم لفظه، وإن خص السؤال.
ولذلك: يجوز أن يكون الجواب معدولًا عن سَنَن السؤال2، فلو قال قائل: "أيحل أكل الخبز، والصيد، والصوم" فيجوز أن يقول: الأكل مندوب، والصوم واجب، والصيد حرام، فيكون جوابًا، وفيه: وجوب، وندب، وتحريم، والسؤال وقع عن الإباحة.
وكيف ينكر هذا وأكثر أحكام الشرع نزلت على أسباب: كنزول آية
__________
= الذي صح عندنا من مذهب الشافعي، وقد رد عليه العلماء وبينوا سبب هذا النقل عن الإمام الشافعي، وصححوا أنه يقول بالعموم. انظر: الإحكام للآمدي "2/ 218" المحصول "جـ1 ق3 ص189" والبحر المحيط للزركشي "3/ 204"، إرشاد الفحول "1/ 484" هامش.
1 أي: اعتبار لفظ الشارع.
2 سنن السؤال: بفتح السين والنون: أي: طريقة السؤال عمومًا وخصوصًا.
(2/37)

الظهار1 في أوس الصامت2، وآية اللعان3 في هلال بن أمية4 ونحو هذا
__________
1 وهي الآيات الأولى من سورة المجادلة.
2 هو الصحابي أوس بن الصامت بن قيس الأنصاري، أخو عبادة بن الصامت، شهد بدرًا وما بعدها، كان شاعرًا، مات أيام عثمان -رضي الله عنه- وعمره 85 عامًا، وقيل: توفي سنة "34هـ" وقيل: غير ذلك.
انظر في ترجمته "الإصابة 1/ 85، أسد الغابة 1/ 172".
وقصة مظاهرته من زوجته التي تسمى "خولة" وقيل: اسمها "جميلة" بنت عم له -روتها السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: "تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى آخر الآية". أخرجه أحمد في مسنده "6/ 411" وأبو داود "1/ 513"، والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم. انظر، نيل الأوطار "6/ 294".
"3" {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6-9] .
4 هو: هلال بن أمية بن عامر بن قيس الأنصاري الواقفي، أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وتاب الله عليهم، وهم: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهم الذين نزل في حقهم قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة 118] . انظر ترجمته في "الإصابة 3/ 606، أسد الغابة5/ 406".
وكون آية اللعان نزلت في هلال، هو إحدى الروايتين، وقيل: نزلت في حق عويمر العجلاني. أخرج ذلك البخاري. كتاب التفسير، باب سورة النور، ومسلم في أول كتاب اللعان، وأبو داود: كتاب الطلاق، باب اللعان، وابن ماجه: كتاب الطلاق باب اللعان. كما أخرجها النسائي والترمذي وغيرهما. انظر: أسباب النزول للواحدي ص328 وما بعدها.
(2/38)

ولا يلزم من وجوب التعميم: جواز تخصيص السبب، فإنه لا خلاف في أنه بيان الواقعة، وإنما الخلاف: هل هو بيان لها خاصة، أم لها ولغيرها؟
فاللفظ يتناولها يقينًا، ويتناول غيرها ظنًّا، إذ لا يسأل عن شيء فيعدل عن بيانه إلى بيان غيره، إلا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل السؤال، كما قال لعمر، لما سأله عن القبلة للصائم: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ " 1
ولهذا كان نقل الراوي للسبب مفيدًا، ليبين به تناول اللفظ له يقينًا، فيمتنع تخصيصه.
وفيه فوائد أخر، من معرفة أسباب النزول، والسير، والتوسع في الشريعة.
وقولهم: لم أخر بيان الحكم؟
قلنا: الله أعلم بفائدته في أي وقت يحصل {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل} 2 ثم لعله أخره إلى وقت الواقعة، لوجوب البيان في تلك الحال، أو اللطف، ومصلحة للعباد داعية إلى الانقياد، لا تحصل بالتقديم ولا بالتأخير.
ثم يلزم لهذه العلة: اختصاص الرجم بماعز، وغيره من الأحكام
__________
1 أخرجه أحمد في المسند "1/ 52"، وأبو داود: كتاب الصوم. باب القبلة للصائم، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارمي، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا فقبلت وأنا صائم، فقال: "أرأيت لو تمضمت بماء ثم مججته وأنت صائم؟ " قلت: لا بأس، فقال: "ففيم"
2 سورة الأنبياء من الآية "23".
(2/39)

وقولهم: تجب المطابقة.
قلنا: يجب أن يكون متناولًا له.
أما أن يكون مطابقًا له، فكلا.
بل لا يمتنع أن يسأل عن شيء، فيجب عنه وعن غيره، كما سئل عن الوضوء بماء البحر، فبين لهم حل ميتته1.
__________
1 وقد تقدم الكلام على الحديث الوارد في ذلك
وخلاصة ما تقدم: أن المصنف أورد للجمهور دليلين على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
الدليل الأول: أن الحجة إنما هي في لفظ الشارع لا في خصوص السبب، ولذلك يقول الإمام الشافعي: ولا يصنع السبب شيئًا، إنما يصنعه الألفاظ.
الدليل الثاني: أن أكثر أحكام الشرع واردة على أسباب خاصة، فلو جعلت خاصة بمن نزلت فيه للزم على ذلك تعطيل هذه الأحكام بالنسبة لغيرهم، وهذا غير صحيح.
ثم رد على أدلة المخالفين على النحو التالي:
قالوا: إنه لو لم يكن للسبب تأثير، لجاز إخراج السبب بالتخصيص.
فرد عليهم المصنف بما خلاصته: أنه لا خلاف في أن الكلام بيان للواقعة، والخلاف إنما هو في شموله لغير صاحب السبب، فدلالة العام على السبب تعتبر دلالة نصية، ومقطوع بها، فلا يجوز إخراجه بالتخصيص، كما في إجابته -صلى الله عليه وسلم- عن القبلة للصائم.
قالوا: لو لم يكن قاصرًا على السبب لما كان لذكره فائدة.
فأجاب: بأنه لا وجه لجعل الفائدة: هي قصر العام على سببه، بل له فوائد كثيرة منها:
1- معرفة تاريخ تشريع الحكم، وفي ذلك فائدة تتعلق بمعرفة الناسخ والمنسوخ.
2- توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها، فيكثر ثواب المصنفين، كالمصنفين في أسباب النزول، وسعة المجال أمام المجتهدين.
3 التأسي بوقائع السلف وما جرى لهم من أحداث، فمن زنت زوجته وأراد =
(2/40)

.................................
__________
= ملاعنتها، فإنه لا يجد غضاضة في ذلك، فيقول: قد لاعن من هو خير مني.... قالوا: لو لم يكن خاصًّا به فلم أخره إلى وقوع الحادثة؟
فأجاب عن ذلك: بأن تأخير بيان الحكم إلى وقوع السبب من متعلقات العلم الأزلي، ولا علة له، فهو سبحانه {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون} لأن ذلك يجرنا إلى نقض الأحكام المبتدأة، فيقال: لم فرضت الصلاة سنة كذا، دون ما قبلها وما بعدها؟ ومثل ذلك يقال في الصوم والحج وهكذا.
ثم لعل في التأخير لطف ومصلحة للعباد، تدعو إلى الانقياد والطاعة، ولا يحصل ذلك بالتقديم أو التأخير.
ثم أجاب عن قولهم: إن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، بأن هذا ليس بلازم، بل اللازم أن يكون الجواب متناولًا لمحل السؤال، لكن لا يمنع أن يزيد عليه، كما سئل -صلى الله عليه وسلم- عن التوضؤ بماء البحر فأجاب عنه، وعن حل الميتة ولم تكن واردة في السؤال، حيث قال، صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
وبذلك تتهاوى شبه المخالفين، ويثبت: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وقد لخص الإمام الطوفي في الحجة على أن العبرة بعموم اللفظ في وجهين.
أحدهما: أن الحجة في لفظ الشارع لا في سببه، وإذا كان الأمر كذلك، وجب مراعاة اللفظ عمومًا وخصوصًا، كما لو ورد ابتداء على غير سبب، فلو سألت امرأة زوجها الطلاق، فقال: "كل نسائي طوالق" عمهن الطلاق مع خصوص السبب، ولو سأله جميع نسائه الطلاق، فقال: "فلانة طالق" اختص الطلاق بها، وإن عم السبب.
الوجه الثاني: أن أكثر أحكام الشرع العامة وردت لأسباب خاصة، كورود حكم الظهار في أوس بن الصامت، وحكم اللعان في شأن هلال بن أمية، فلو كان السبب الخاص يقتضي اختصاص العام به، لما عمت هذه الأحكام، لكنه باطل بالإجماع". انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 503-504".
(2/41)

فصل: [حكاية الفعل من الصحابي تقتضي العموم]
قول الصحابي: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المزابنة"1 و"قضى بالشفعة فيما لم يقسم"2: يقتضي العموم3.
وقال قوم: لا عموم له4؛ لأن الحجة في المحكي، لا في لفظ الحاكي.
__________
1 المزابنة: بيع الثمر بالثمر كيلًا وبيع الكرم بالزبيب كيلًا.
أخرجه مالك في الموطأ "2/ 624" والبخاري: كتاب البيوع، باب بيع الثمر على رءوس النخل حديث "2185" ومسلم: كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا حديث "1542" عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المزابنة.
2 حديث صحيح رواه البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الأرض والدور مشاعًا غير مقسوم حديث "2214" ومسلم: كتاب المساقاة -باب الشفعة- حديث "1608" وأبو داود: كتاب البيوع، باب الشفعة، والترمذي: أبواب الأحكام، باب ما إذا حدت الحدود، والنسائي: كتاب البيوع، باب ذكر الشفعة وأحكامها، وأحمد في المسند "3/ 296، 316، 372، 399"، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة".
3 أي: يصح التمسك به في العموم في أمثال تلك القضية المحكية، نحو "نهى عن بيع الغرر"، و"حكم بالشاهد واليمين".
وهو رأي الحنابلة، واختاره بعض المتكلمين: كالآمدي، والشوكاني وغيرهما. انظر: "الأحكام، 2/ 255ط والمحصول جـ1، ق2 ص647، وإرشاد الفحول "1/ 453 وما بعدها".
4 منهم: إمام الحرمين، والإمام فخر الدين الرازي، وأكثر الأصوليين.
(2/42)

والصحابي يحتمل أنه سمع لفظًا خاصًّا، أو يكون عمومًا، أو يكون فعلًا لا عموم له.
وقضاؤه بالشفعة، لعله حكم في عين، أو بخطاب خاص مع شخص، فكيف يتمسك بعمومه؟
أم كيف يثبت العموم مع التعارض والشك1؟
ولنا: إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فإنه قد عرف عنهم الرجوع إلى هذا اللفظ في عموم الصور. كرجوع ابن عمر إلى حديث رافع: "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المخابرة"2، واحتجاجهم بهذا اللفظ، نحو: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، وبيع الثمر حتى يبدو صلاحه، والمنابذة"3 وسائر المناهي.
وكذلك أوامره، وأقضيته، ورخصه، مثل: "وأَرْخَصَ في السَّلَمِ"4
__________
1 خلاصة دليل القائلين بعدم العموم: أن الحجة إنما هي في المحكى لا في لفظ الحاكي، والمحكي عبارة عن قضايا وأحكام وقعت من النبي -صلى الله عليه وسلم- في محال معينة، فحكاها الرواة عنه، فلا عموم في لفظها، ولا في معناها، فلا تقتضي العموم، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أن الحكم في هذه القضايا يحتمل أنه كان خاصًّا بشخص معين، فوهم الراوي وظن أنه عام، ومع وجود هذه الاحتمالات لا يكون اللفظ عامًّا.
وقد أجاب عنه المصنف بقوله -فيما بعد- بقوله: "ولنا".
2 تقدم تخريجه
3 سبق تخريج ذلك.
4 روى ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث، فقال، صلى الله عليه وسلم: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، وزن معلوم، إلى أجل معلوم".
أخرجه البخاري في السلم: السلم في النخل حديث "2249، 2250" ومسلم في =
(2/43)

و "وضع الجوائح"1.
وقد اشتهر هذا عنهم في وقائع كثيرة، مما يدل على اتفاقهم على الرجوع إلى هذه الألفاظ.
واتفاق السلف على نقل هذه الألفاظ دليل على اتفاقهم على العمل بها، إذ لو لم يكن كذلك: لكان اللفظ مجملًا.
ثم لو كانت القضية في شخص واحد: وجب التعميم، لما ذكرناه في المسألة الأخرى2.
__________
= المساقاة: السلم، حديث "1604" كما أخرجه أصحاب الكتب الستة "جامع الأصول 2/ 17" والسلم والسلف بمعنى واحد، إلا أن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق.
1 الجوائح: هي الآفات التي تصيب الثمار فتهلكها.
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل ذلك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " رواه مسلم. انظر: سبل السلام "3/ 48".
2 وهي مسألة: العام الوارد على سبب خاص، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(2/44)

فصل: [الخطاب المضاف إلى الناس والمؤمنين يعم العبيد والنساء]
وما ورد من خطاب مضافًا إلى "الناس" و"المؤمنين"1 دخل فيه العبد، لأنه من جملة من يتناوله اللفظ.
__________
1 ومثل ذلك: الأمة والمكلفين، وما أشبه ذلك.
(2/44)

وخروجه عن بعض التكاليف1 لا يوجب رفع العموم فيه، كالمريض، والمسافر، والحائض.
ويدخل النساء في الجمع المضاف إلى "الناس" وما لا يتبين فيه لفظ التذكير والتأنيث، كأدوات الشرط2.
ولا يدخلن فيما يختص بالذكور من الأسماء، كالرجال والذكور. فأما الجمع بالواو والنون، كالمسلمين، وضمير المذكرين، كقوله، تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} 3 فاختار القاضي أنهن يدخلن فيه4.
وهو قول بعض الحنفية وابن داود5.
واختار أبو الخطاب والأكثرون: أنهن لا يدخلن فيه، لأن الله -تعالى- ذكر "المسلمات"6 بلفظ متميز، فيما يثبته ابتداء، ويخصه بلفظ "المسلمين" لا يدخلن فيه إلا بدليل آخر، من قياس، أو كونه في معنى المنصوص، وما يجري مجراه7.
__________
1 كعدم وجوب الحج، والجهاد، والجمعة، وغير ذلك لا يخرجه عن هذا العموم؛ لأنها أمور عارضة، كالمرض والسفر، والحيض.
2 مثل: "من دخل دارك فأكرمه" فإنه يتناول النساء.
3 سورة الأعراف من الآية "31".
4 انظر: العدة: 2/ 351".
5 هو: محمد بن داود بن خلف الظاهري. تقدمت ترجمته.
6 قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات....} [الأحزاب: 35] .
7 خلاصة الخلاف في هذه المسألة: أن ما اختص بالرجال، كالرجال، والذكور والفتيان، والكهول، والشيوخ لا يتناول النساء باتفاق الجميع.
وما يختص بالنساء، كلفظ النساء، والفتيات، والعجائز لا يتناول الرجال باتفاق أيضًا. =
(2/45)

ولنا: أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث، غلب التذكير.
ولذلك: لو قال، لمن بحضرته من الرجال والنساء: "قوموا واقعدوا" يتناول جميعهم.
ولو قال: قوموا، وقمن، واقعدوا، واقعدن: عُدَّ تطويلًا ولكنه1.
ويبينه قوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ} 2، وكان ذلك خطابًا لآدم وزجته والشيطان.
وأكثر خطاب الله -تعالى- في القرآن بلفظ التذكير، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} 3 و {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} 4، و {هُدىً لِلْمُتَّقِين} 5، {وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين} 6، {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِين} 7 والنساء يدخلن في جملته.
وذكره لهن بلفظ مفرد -تبيينًا وإيضاحًا- لا يمنع دخولهن في اللفظ
__________
= وما يعم الذكور والإناث مثل: الناس، والبشر، والإنسان، إذا أريد به النوع أو الشخص، وولد آدم وذريته، وكذلك أدوات الشرط، فإن ذلك كله يدخل فيه النساء.
أما جمع المذكر السالم، وضمير الجمع المتصل بالفعل، مثل: المسلمين، "وكلوا واشربوا" وقاموا وقعدوا، ويأكلون ويشربون، فهذا هو محل النزاع انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 514 وما بعدها".
1 اللكنة: العيّ وثقل اللسان.
2 سورة البقرة من الآية "36".
3 آيات كثيرة وردت بهذا اللفظ، منها: البقرة "104"، "153"، "172".
4 سورة الزمر من الآية "53".
5 سورة البقرة من الآية "2".
6 سورة البقرة "97" والنمل "2".
7 سورة الحج من الآية "34".
(2/46)

العام الصالح لهن، كقوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال} 1 وهما من الملائكة.
وقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} 2
وقد يعطف العام على الخاص، كقوله تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} 3 والمال عام في الكل.
__________
1 سورة البقرة من الآية "98" وهو من عطف الخاص على العام.
2 سورة الرحمن آية "68" وهو من عطف الخاص على العام أيضًا.
3 سورة الأحزاب من الآية "27".
وقد اعترض الطوفي على دخول النساء في الصيغ المذكورة بأصل وضع اللغة، ورجح أنها بقرائن تدل على ذلك فقال: "لا نسلم أن تناول الصيغ المذكورة
للنساء في الوجوه التي ذكرتموها بأصل الوضع، بل بقرائن، لشرف الذكورية في الوجه الأول والثالث، ويسمى: التغليب، وهو أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث، غلب المذكر في الخطاب، لشرف الذكورية، كما غلب القمر على الشمس في قولهم: القمران، لشرف الذكورية وخفتها، فالتغليب يقع في اللغة لمعان: منها: شرف الذكورية، ومنها: خفة اللفظ، كتغليب "عمر" على "أبي بكر" -رضي الله عنهما- في قولهم: "العمران" لخفة الإفراد، وكذلك لو قال: يا عبادي وإمائي الذين آمنوا، ويا أيها الذين آمنوا واللاتي آمنّ، وقوموا وقمن كان عيًّا في عرف اللغة، فلقرينة لزوم العي من إفرادهن بالذكر حكمنا بدخولهن في الخطاب المذكور، لا بوضع اللغة.
وكذلك في قوله: أوصيت لهم، إنما تناول النساء بقرينة الإيصاء الأول فإنه لما صرح بالوصية لهن فيه، ثم قال: أوصيت لهم، دل على أنه أراد جميع من أوصى له أولًا". شرح مختصر الروضة "2/ 522-523".
(2/47)

فصل: [العام بعد التخصيص حجة]
العام إذا دخله التخصيص يبقى حجة فيما لم يخص عند الجمهور.
وقال أبو ثور1 وعيسى بن أبان2: لا يبقى حجة3؛ لأنه يصير مجازًا، فقد خرج الوضع من أيدينا، ولا قرينة تفصل وتحصر، فيبقى مجملًا.
__________
1 هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، أبو ثور البغدادي الكلبي، كان إمامًا جليلًا، وفقيهًا ورعًا، كان من أصحاب الرأي، ثم لما حضر الشافعي إلى بغداد حضر عليه ورجع إلى أهل الحديث، وهو الذي نقل الأقوال القديمة عن الشافعي. توفي ببغداد سنة "240هـ" انظر: وفيات الأعيان "1/ 7" طبقات الفقهاء ص110، طبقات الشافعية الكبرى "2/ 74".
2 هو: عيسى بن إبان بن صدقة، أبو موسى، الفقيه الحنفي، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، وتفقه على محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- تولى قضاء العسكر، ثم البصرة، قال عنه هلال بن أمية: "ما في الإسلام قاض أفقه منه". من مؤلفاته: "خبر الواحد" و"إثبات القياس" و"اجتهاد الرأي". توفي بالبصرة سنة "221هـ" "الفوائد البهية ص151، طبقات الفقهاء ص137".
3 حكى المصنف في المسألة مذهبين، وفيها مذاهب أخرى حكاها الطوفي في شرحه "2/ 526" بالتفصيل فقال: "وفي المسألة مذاهب":
أحدها: أن العام بعد التخصيص حجة مطلقًا، وهو مذهب غالب الفقهاء.
والثاني: ليس بحجة مطلقًا، وهو مذهب أبي ثور، وعيسى بن أبان.
والثالث: أنه إن خص بدليل متصل كالاستثناء والشرط، فهو حجة، وإن خص بدليل منفصل لم يبق حجة، وهو مذهب البلخي.
والرابع: إن كان العام قبل التخصيص ممكن الامتثال دون بيان، فهو حجة بعد التخصيص، وإلا فلا. وهو قول القاضي عبد الجبار
(2/48)

ولنا: تمسك الصحابة -رضي الله عنهم- بالعمومات1، وما من عموم: إلا وقد تطرق إليه التخصيص -إلا اليسير- كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 2، و {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 3
فعلى قولهم4، لا يجوز التمسك بعمومات القرآن أصلًا.
ولأن لفظ "السارق" يتناول كل سارق بالوضع، فالمخصص صرف دلالته عن البعض، فلا تسقط دلالته عن الباقي، كالاستثناء.
وقولهم: "يصير مجازًا" ممنوع5.
وإن سلم: فالمجاز دليل إذا كان معروفًا، لأنه يعرف منه المراد، فهو كالحقيقة.
__________
= والخامس: أنه يكون حجة في أقل الجمع، لا فيما زاد عليه، وهو مذهب قوم من الأصوليين، وفيه عرف ذلك.
1 مثل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ....} [النساء:11] فإنه خص منه الكافر والقاتل.
2 سورة هود من الآية "6".
3 سورة الأنفال من الآية "75" ولفظ البقرة {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} من الآية "231".
وقد أورد المصنف هاتين الآيتين مثالًا على العام الذي لم يدخله التخصيص.
4 أي: أنه ليس بحجة.
5 بين الطوفي وجه المنع فقال: "لا نسلم أن العام بعد التخصيص مجاز، بل هو حقيقة مستعمل في موضوعه أولًا، وذلك لأن اللفظ العام وإن كان واحدًا، لكنه في تقدير ألفاظ متعددة مطابقة لأفراد مدلوله في العدد.
مثاله: إذا قال: أكرم الرجال، وفرضنا أن جنس الرجال عشرون، فلفظ الرجال في تقدير عشرين لفظًا يدل كل لفظ منها على رجل من العشرين، فكأنه قال: أكرم زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا وجعفرًا وبشرًا ... كذلك حتى سمى العشرين، فإذا قال، بعد ذلك: لا تكرم زيدًا، صار زيد مخصوصًا من =
(2/49)

وقولهم: "لا قرينة تفصل".
قلنا: ليس كذلك، فإنا إنما نجعل اللفظ مجازًا بدليل التخصيص، فيختص الحكم به، دون ما عداه.
(2/50)

فصل: [العام بعد التخصيص حقيقة]
واختار القاضي1 أنه حقيقة بعد التخصيص، وهو قول أصحاب الشافعي2.
__________
= العشرين، وسقط لفظ اسمه المطابق لمسماه تقديرًا، وهو معنى قولنا: "فسقط منها بالتخصيص". أي: من الألفاظ التقديرية، طبق ما خص من المعنى، وهو لفظ زيد المطابق لمعناه في هذه الصورة، فيبقى معنا تسعة عشر شخصًا من الرجال، وتسعة عشر لفظًا تقديرية، هي أسماؤهم، وتسعة عشر اسمًا تطابق في العدد تسعة عشر شخصًا مسمى....
ثم قال: وإذا ثبت أن لفظ العام بعد التخصيص مطابق لمدلوله في التقدير، فهو مستعمل فيما وضع له تقديرًا، فلا يكون مستعملًا في غير موضوعه...." شرح المختصر "2/ 531-532".
ثم بين المصنف أنه إن سلم أنه مجاز، فإن المجاز يعمل به إذا كان مشهورًا حتى ولو لم توجد قرينة، مثل قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ.....} [النساء: 43 والمائدة:6] فإنه وإن كان مجازًا، إلا أنه معروف ومشهور لدى العامة والخاصة.
ثم ختم كلامه بأن دعواكم عدم وجود قرينة غير مسلم، فإن اللفظ لم يجعل مجازًا -على زعمكم- إلا بدليل التخصيص، وهو قرينة على المجاز.
1 أبو يعلى: انظر: العدة "2/ 533".
2 قال الآمدي: هو مذهب الحنابلة وبعض أصحاب الشافعي. انظر: الإحكام "2/ 227".
(2/50)

وقال قوم: يصير مجازًا على كل حال1؛ لأنه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له كان مجازًا2.
وإن لم يكن هذا هو المجاز فلا يبقى للمجاز معنى إذًا، ولا خلاف في أنه لو رد إلى ما دون أقل الجمع فقال: "لا تكلم الناس" وأراد "زيدًا" وحده كان مجازًا، وإن كان هو داخلًا فيه.
وقال آخرون3: إن خص بدليل منفصل4 صار مجازًا، لما ذكرناه5، وإن خص بلفظ متصل6 فليس بمجاز، بل يصير الكلام بالزيادة كلامًا آخر، موضوعًا لشيء آخر، فإنا نقول: "مسلم" فيدل على واحد، ثم نزيد الواو والنون، فيدل على أمر زائد، ولا نجعله مجازًا، ثم نزيد الألف والنون في "رجل" فيصير صيغة أخرى بالزيادة.
ولا فرق بين زيادة كلمة، أو زيادة حرف، فإذا قال: "السارق للنصاب يقطع" أو "يقطع السارق، إلا سارق دون النصاب" فلا مجاز فيه، بل مجموع هذا الكلام موضوع للدلالة على ما دل عليه، فقوله تعالى:
__________
1 وهو مذهب الغزالي وجماعة من أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة كما في الإحكام للآمدي.
2 قال أبو الخطاب في التمهيد "2/ 139": "ووجه من ذهب إلى أنه يصير مجازًا: أن حد المجاز: استعمال الشيء في غير ما وضع له، ولفظ العموم يقتضي الاستغراق في أصل الوضع، فإذا استعمل في البعض صار مستعملًا في غير ما وضع له فصار مجازًا".
3 وهو مروي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة من الأصوليين.
4 كالعقل والنقل.
5 في قوله سابقًا: "لأنه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له كان مجازًا"
6 كالشرط والاستثناء.
(2/51)

{أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} 1 دل على تسعمائة وخمسين وضعًا، فكأن العرب وضعت لذلك عبارتين
ويمكن أن يقال: ما صار بالوضع عبارة عن هذا القدر، بل بقي الألف للألف، والخمسون للخمسين، و"إلا" للرفع بعد الإثبات، فإذا رفعنا من الألف خمسين بقي تسعمائة وخمسون.
أما زيادة الواو والنون: فلا معنى لها في نفسها، بخلاف هذا.
ووجه قول القاضي: أن القرينة المنفصلة من الشرع كالقرينة المتصلة؛ لأن كلام الشارع يجب بناء بعضه على بعض، فهو كالاستثناء، وقد تبين الكلام فيه.
__________
1 سورة العنكبوت من الآية "14" وتمام الآية {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} .
(2/52)

فصل: [فيما ينتهي إليه التخصيص]
ويجوز تخصيص العموم على أن يبقى واحد1.
وقال الرازي2 والقفال3 والغزالي: لا يجوز النقصان من أقل
__________
1 وهو مذهب أكثر الحنابلة، والمختار عند الحنفية، وهو قول مالك وبعض الشافعية. انظر: العدة "2/ 544" الإحكام للآمدي "2/ 283"، شرح تنقيح الفصول ص224، فتح الغفار "1/ 108".
2 تقدمت ترجمته.
3 هو: محمد بن إسماعيل، أبو بكر، القفال الكبير، الشاشي موطنًا، شافعي المذهب فقيه أصولي، متكلم، مفسر، محدث، له مؤلفات كثيرة، منها: =
(2/52)

الجمع؛ لأنه يخرج به عن الحقيقة1.
ولنا: أن القرينة المتصلة كالقرينة المنفصلة وفي القرينة المتصلة يجوز ذلك، فكذلك في المنفصلة2.
__________
= شرح الرسالة" للإمام الشافعي، "كتاب في أصول الفقه". توفي سنة "365هـ". انظر: طبقات الشافعية الكبرى "3/ 200"، النجوم الزاهرة "2/ 111".
والمنقول عن القفال -كما في الإحكام للآمدي "2/ 283"- أنه يجوز التخصيص إلى أن ينتهى إلى أقل المراتب التي ينطلق عليها ذلك اللفظ المخصوص، مراعاة لمدلول الصيغة، فإن كان جمعًا فيجوز تخصيصه إلى ثلاثة، وإن كان غير الجمع مثل "من" و"ما" فيجوز تخصيصها إلى الواحد.
1 وفي المسألة مذاهب أخرى كثيرة تراجع في: العدة "2/ 544"، المعتمد "1/ 253"، شرح الكوكب المنير "3/ 271 وما بعدها".
2 معنى كلامه: أن القرينة المتصلة كالاستثناء المتصل والشرط والصفة والغاية يجوز التخصيص بها إلى أن يبقى واحد، فكذلك القرينة المنفصلة، إذ لا فارق بينهما.
وهذا لا يصلح أن يكون حجة على الجواز -كما يقول الجمهور- لأن المانعين يمنعون التخصيص إلى واحد، سواء أكان ذلك في القرينة المتصلة أم في المنفصلة، فلا يصح الاحتجاج به.
والجواب الصحيح ما ذكره الطوفي في شرحه "2/ 548" حيث قال: "التخصيص بيان أن بعض العام غير مراد بالحكم، والبعض المخصوص أعم من أن يكون أقل العموم أو أكثره أو نصفه، فما عدا الواحد يصدق عليه اسم البعض، فيجوز بيان أنه غير مراد، وهو المطلوب". أو أن يقال: "إن التخصيص تابع للمخصص، والعام متناول للواحد، ويلزم من ذلك جواز التخصيص إليه".
(2/53)

فصل: [الخطاب العام يتناول من صدر منه]
والمخاطب يدخل تحت الخطاب بالعام1.
وقال قوم: لا يدخل2، بدليل قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 3. ولو قال قائل لغلامه: "من دخل الدار فأعطه درهمًا" لم يدخل في ذلك.
وهذا فاسد4؛ لأن اللفظ عام، والقرينة هي التي أخرجت المخاطب فيما ذكروه.
ويعارضه قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 5، ومجرد كونه مخاطبًا ليس بقرينة قاضية بالخروج عن العموم، والأصل اتباع العموم.
واختار أبو الخطاب: أن الآمر لا يدخل في الأمر؛ لأن الأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، وليس يتصور كون الإنسان دون نفسه، فلم توجد حقيقته6.
__________
1 معناه: أن المتكلم بكلام عام يدخل تحت عموم كلامه مطلقًا، سواء أكان أمرًا أم غيره، مثل قوله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من قال: لَا إِلَه إِلَّا اللهُ خالصًا من قلبه دَخَلَ الجَنَّةَ". وهو مذهب أكثر الجنابلة وبعض الشافعية.
2 نقل ذلك العطار في حاشيته على شرح جمع الجوامع "1/ 429" عن الإمام النووي في الروضة، وقال: لا يدخل إلا بقرينة وهو الأصح عند أصحابنا.
3 سورة الرعد من الآية16 والزمر الآية "62" {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} .
4 هذا رد من المصنف على استدلال أصحاب المذهب الثاني.
5 سورة البقرة من الآية "29".
6 انظر: التمهيد "1/ 272".
(2/54)

ولأن مقصود الآمر: الامتثال، وهذا لا يكون إلا من الغير.
وقال القاضي: يدخل النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فيما أمر به.
ويمكن أن تنبني هذه المسألة على أن ما ثبت في حق الأمة من حكم، شاركهم النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- في ذلك الحكم2.
ولذلك لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ثم لم يفعل، سألوه عن ترك الفسخ، فبين لهم عذره3.
وقد عاب الله -تعالى- الذين يأمرون بالبر وينسون أنفسهم4.
وقال -في حق شعيب- عليه السلام: {....وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} 5.
وفي الأثر: "إذا أمرت بمعروف فكن من آخذ الناس به، وإذا نهيت عن منكر فكن من أترك الناس له، وإلا هلكت"6.
__________
1 وقد أومأ الإمام أحمد إلى اختيار هذا الرأي، ونقل عنه رواية أخرى أنه لا يدخل إلا بدليل. انظر: العدة "1/ 339" وشرح الكوكب المنير "3/ 252 وما بعدها".
2 في فصل: إذا أمر الله -تعالى- نبيه -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- بلفظ ليس فيه تخصيص.
3 وذلك في قوله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لو استقبلت من أمري ما أستدبرت لجعلتها عمرة، ولحللت كما تحلون". أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدى، من حديث جابر -رضي الله عنه- ومسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، كما أخرجه أبو داود، والطيالسي، والشافعي وغيرهم. انظر: تلخيص الحبير "2/ 231".
4 مثل قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]
5 سورة هود من الآية "88".
6 هذا الأثر منقول عن الحسن البصري التابعي الزاهد المشهور المتوفى سنة "110هـ". =
(2/55)

فصل: [العام يجب اعتقاد عمومه في الحال]
اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال1، في قول أبي بكر2، والقاضي3.
وقال أبو الخطاب: لا يجب حتى يبحث فلا يجد ما يخصصه 4.
قال 5: وقد أومأ إليه6 في رواية صالح7 وأبي الحارث8.
__________
= والأثر المذكور أخرجه عنه الإمام أحمد في المسند "1/ 360".
1 كما يجب العمل به قبل البحث عن المخصص.
2 هو: عبد العزيز بن جعفر، المعروف بـ"غلام الخلال" تقدمت ترجمته
3 أبو يعلى كما في العدة "2/ 525".
4 انظر: التمهيد "2/ 65، 66".
5 أي: أبو الخطاب
6 أي: الإمام أحمد.
7 هو: صالح بن أحمد بن حنبل الشيباني، أبو الفضل، أكبر أولاد الإمام أحمد، أخذ عن والده وعن كثير من علماء عصره، كان كريمًا فاضلًا، صدوقًا ثقة، تولى القضاء بطرسوس ثم بأصبهان. ولد سنة "203هـ" وتوفي بأصبهان سنة "266هـ".
انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة "1/ 173-176" والإنصاف "12/ 286".
8 هو: إبراهيم بن الحارث بن مصعب بن الوليد بن عبادة بن الصامت، من أهل طرسوس، ومن كبار أصحاب الإمام أحمد، ومن المكرمين عنده، نقل عن الإمام أحمد كثيرًا من المسائل.
انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة "1/ 94"، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي "1/ 42".
(2/56)

وقال القاضي: فيه روايتان1.
وعن الحنفية: كقول أبي بكر2
وعنهم: أنه إن سمع من النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- على طريق تعليم الحكم، فالواجب اعتقاد عمومه، وإن سمعه من غيره فلا3.
وعن الشافعية كالمذهبين4
قالوا5: لأن لفظ العموم يفيد الاستغراق مشروطًا بعدم المخصص، ونحن لا نعلم عدم إلا بعد أن نطلب فلا نجد، ومتى لم يوجد الشرط لا يوجد المشروط.
وكذلك كل دليل أمكن أن يعارضه دليل، فهو دليل بشرط سلامته عن المعارض، فلا بد من معرفة الشرط، والجمع بين الأصل والفرع بعلة مشروط بعدم الفرق، فلا بد من معرفة عدمه6.
ثم اختلفوا إلى متى يجب البحث؟
__________
1 انظر: العدة "2/ 525".
2 أي: يجب اعتقاد عمومه والعمل به قبل البحث عن المخصص.
3 وهذه رواية أخرى عن الحنفية. يراجع: كشف الأسرار "1/ 291".
4 أي: أن البعض يرى اعتقاد العموم والعمل به قبل البحث عن المخصص، والبعض يرى وجوب البحث عن المخصص.
5 أي: القائلون بوجوب البحث قبل العمل بالعام. وقد استدلوا على ذلك بدليلين: أحدهما: أن شرط العمل بالعام عدم المخصص، وشرط العلم بالعدم الطلب، كما في طلب الماء لجواز التيمم، فلا يجوز العمل بالعام إلا بعد البحث عن المخصص.
ثانيهما: أن العمل بالدليل مشروط بعدم معارضته بدليل آخر، والعام مع المخصص متعارضان، فلا بد من معرفة عدمه أولًا حتى يعمل بالعام.
6 خلاصة ذلك: أن المصنف استدل لمذهب القائلين بعدم وجوب البحث بدليلين: =
(2/57)

فقال قومه: يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء، عند الاستقصاء في البحث، كالباحث عن المتاع في البيت، إذا لم يجده: غلب على ظنه انتفاؤه.
وقال آخرون: لا بد من اعتقاد جازم، وسكون نفس، بأنه لا مخصص، فيجوز الحكم حينئذ.
أما إذا كان تشعر نفسه بدليل شذ عنه، وتخيل في صدره إمكانه، فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حرامًا؟!
ولنا: أن اللفظ موضوع للعموم، فوجب اعتقاد موضوعه، كأسماء الحقائق، والأمر والنهي.
ولأن اللفظ عام في الأعيان والأزمان، ثم يجب اعتقاد عمومه في الزمان، ما لم يرد نسخ، كذلك في الأعيان.
وقولهم1: "إن دلالته مشروطة بعدم القرينة".
__________
أحدهما: أن اللفظ موضوع للعموم، والأصل عدم المخصص، فيستصحب ذلك حتى يظهر ما يخالفه.
ثانيهما: أن تخصيص العام تخصيص في الأعيان، أي: في الأفراد، والنسخ: تخصيص في الأزمان، واعتقاد عموم اللفظ في النسخ واجب حتى يظهر الناسخ، فكذلك يجب اعتقاد عمومه في الأعيان. حتى يظهر المخصص.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ....} [المائدة:3] فإنه يقتضي دوام التحريم في جميع زمن التكليف، وهو العموم الزمني، مع احتمال رفعه في بعض الأزمنه بالنسخ، كما يقتضي تعلق التحريم بكل فرد من أفراد العموم العيني، مع احتمال أنه يسقط عن بعض الأعيان، كالسمك والجراد. انظر توضيح ذلك في شرح الطوفي "2/ 544".
1 بدأ المصنف يناقش أدلة أصحاب المذهب الثاني، وهم القائلون بعدم اعتقاد العموم.
(2/58)

قلنا: لا نسلم، وإنما القرينة مانعة من حمل اللفظ على موضوعه، فهو كالنسخ، يمنع استمرار الحكم.
والتأويل يمنع حمل الكلام على حقيقته.
واحتمال وجوده لا يمنع من اعتقاد الحقيقة.
ولأن التوقف يفضي إلى ترك العمل بالدليل؛ فإن الأصول غير محصورة، ويجوز أن لا يجد اليوم، ويجده بعد اليوم، فيجب التوقف أبدًا، وذلك غير جائز، والله أعلم.
فصل
في الأدلة التي يخص بها العموم
لا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم1.
وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قول الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 2 و {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} 3 و {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} 4؟
__________
1 التخصيص: بيان أن بعض مدلول اللفظ غير مراد بالحكم، ولذلك قال المصنف: لا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم، لأنه لا خلاف بين العلماء في أن البيان مطلوب.
2 سورة الزمر من الآية "62" فقد خص من العموم في هذه الآية، ذات الله تعالى، وصفاته، فليست مخلوقة.
3 سورة القصص من الآية "57" قال الفتوحي: "ونعلم أن ما في اقصى المشرق والمغرب لم تجب إليه ثمراته" شرح الكوكب المنير "3/ 278".
4 سورة الأحقاف من الآية "25" والعموم الذي في الآية الكريمة مخصوص بأشياء لم تدمرها الريح، كالسموات والأرض.
وقد اعترض الطوفي على الاستدلال بهذه الآية وبين أنها من قبيل الخاص الذي =
(2/59)

وقد ذكرنا أن أكثر العمومات مخصصة1.
وأدلة التخصيص تسعة2:
الأول: دليل الحس3.
وبه خصص قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} 4 خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس5.
__________
= أريد به الخاص فقال: "هذه الآية يحتج بها الأصوليون على إطلاق العام وإرادة الخاص، ولا حجة فيها؛ لأنها جاءت في موضع آخر مقيدة بما يمنع الاستدلال بها على ذلك، وهو قوله، عز وجل: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 41-42] ، والقصة واحدة، فدل على أن قوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء} مقيد بما أتت عليه، كأنه -سبحانه- قال: تدمر كل شيء أتت عليه، وحينئذ يكون التدمير مختصًّا بذلك، فتكون الآية خاصة أريد بها الخاص، فلا يصح الاحتجاج بها على ما يذكرون" شرح الطوفي "2/ 551-552".
1 في فصل: العام إذا دخله التخصيص يبقى حجة فيما لم يخص.
2 المخصص ينقسم إلى قسمين: منفصل ومتصل.
فالمنفصل: هو ما يستقل بنفسه، ولم يكن مرتبطًا بكلام آخر ويشمل: الحس، والعقل، والإجماع، والقياس، والمفهوم، سواء أكان مفهوم موافقة أم مفهوم مخالفة، والعرف المقارن للخطاب، ولم يذكره المصنف، والنص من الكتاب أو السنة، وزاد المصنف -على ما ذكره جمهور الأصوليين- قول الصحابي، عند من يراه حجه.
والمخصص المتصل: ما لا يستقل بنفسه، ويشمل: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية، وبدل البعض.
3 وهو الدليل المأخوذ من إحدى الحواس الخمسة المعروفة.
4 سورة الأحقاف من الآية "25" وسبق ما أورده الطوفي على الاستدلال بها.
5 كالجبال مثلًا
(2/60)

الثاني: دليل العقل.
وبه خصص قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} 1 لدلالة العقل على استحالة تكليف من لا يفهم.
فإن قيل: العقل سابق على أدلة السمع، والمخصص ينبغي أن يتأخر؛ لأن التخصيص: إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ، وخلاف المعقول لا يمكن تناول اللفظ له.
قلنا: نحن نريد بالتخصيص: الدليل المعرّف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصًّا، والعقل يدل على ذلك، وإن كان متقدمًا2.
فإن قلتم: لا يسمى ذلك تخصيصًا، فهو نزاع في عبارة 3.
وقولهم: "لا يتناوله اللفظ".
__________
1 سورة آل عمران من الآية "97" ومثل ذلك قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16 والزمر: 62] فإن العقل قاض بالضرورة أنه -سبحانه- لم يخلق نفسه. والعلماء يمثلون بالآيتين، ويجعلون الآية الأولى من قبيل دليل العقل النظري، والثاني من الضروري.
2 معناه: أن العقل ينظر إليه من جهتين: الأولى من حيث وجوده، وهذا لا خلاف فيه، والثانية من حيث كونه مبينًا للعام، وهذا هو المقصود، فالعقل متقدم من حيث الوجود، ومتأخر من حيث التخصيص. انظر: شرح الطوفي "2/ 554".
3 لأن تسمية الأدلة مخصصة تجوز، وقد علم أن تخصيص العام محال، لكن الدليل يعرف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم، معنى خاصًّا، ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله -تعالى- ما أراد بقوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْء} نفسه وذاته، فإنه وإن تقدم دليل العقل، فهو موجود -أيضًا- عند نزول اللفظ، وإنما يسمى مخصصًا بعد نزول الآية لا قبلها. انظر: شرح الطوفي "2/ 554"، ونزهة الخاطر العاطر "2/ 160، 161".
(2/61)

قلنا: يتناوله من حيث اللسان لكن لما وجب الصدق في كلام الله -تعالى- تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة، مع شمول اللفظ له وضعًا1.
الثالث: الإجماع2.
فإن الإجماع قاطع، والعام يتطرق إليه الاحتمال.
وإجماعهم على الحكم في بعض صور العام على خلاف موجب العموم: لا يكون إلا عن دليل قاطع بلغهم في نسخ اللفظ، إن كان أريد به العموم، أو عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم3.
__________
1 معناه: أن قولهم: "لا يجوز دخوله تحت اللفظ" ممنوع، بل يدخل تحت اللفظ من حيث اللغة، ولكن يكون قائله كاذبًا، ولما وجب الصدق في كلام الله -تعالى- تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة، مع شمول اللفظ له من حيث الوضع اللغوي. انظر: المرجعين السابقين.
2 التخصيص بالإجماع: رأي جمهور العلماء، ومرادهم بذلك: دليل الإجماع، لا أن الإجماع نفسه مخصص؛ لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه، وإن لم نعرفه. وذهب بعض العلماء إلى عدم التخصيص بالإجماع. انظر: المحصول جـ1 ق3 ص124، العدة "2/ 578" شرح الكوكب المنير "3/ 369".
3 خلاصته: أن الإجماع دليل قطعي، ودلالة العام على أفراده ظنية، والقطعي مقدم على الظني.
فإذا أجمع المجتهدون على حكم شرعي يخالف موجب اللفظ العام، دل ذلك على أن هناك دليلًا استندوا إليه وإن لم نعرفه، كما يدل أن هناك ناسخًا، فالتخصيص والنسخ راجعان إلى ذلك المستند، فإذا رأينا الإجماع منعقدًا على العمل في بعض الصور على خلاف العام، علمنا أن هناك نصًّا دل على ذلك العمل.
ومن أمثلة ذلك: أن الدليل العام دل على أن المعارضات لا بد فيها من عوض معلوم، ثم رأينا الناس مجمعين على دخول الحمامات، وركوب السفن، =
(2/62)

الرابع: النص الخاص يخصص اللفظ العام:
فقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لَا قَطْعَ إِلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ" 1 خصص عموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 2.
وقوله عليه السلام: "لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ" 3 خصص عموم قوله: "فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ" 4.
__________
= والجلوس في النوادي بغير تعيين عوض، لأن الناس يختلفون في مقدار المدة التي يمكثونها، ومقدار الماء الذي يستخدمونه فاستدللنا بذلك الإجماع على أن هنالك دليلًا مخصصًا للعام. انظر: شرح الطوفي "2/ 556".
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب الحدود- باب قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} من حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا.
كما أخرجه مسلم: كتاب الحدود - باب: حد السرقة ونصابها، وأبو داود: كتاب الحدود - باب فيما يقطع فيه السارق.
كما أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في المسند "6/ 36، 80، 81، 104" انظر: تلخيص الحبير "4/ 64"
2 سورة المائدة من الآية "38".
3 حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب الزكاة- باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة"، كما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك والشافعي. والخمسة أوسق: ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بغدادي، فالأوسق الخمس 1600 رطل بغدادي. انظر: "فيض القدير 5/ 376".
4 حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب الزكاة- باب العشر فيما يسقى من ماء =
(2/63)

ولا فرق بين أن يكون العام كتابًا أو سنة1 أو متقدمًا أو متأخرًا2.
وبهذا قال أصحاب الشافعي.
__________
= السماء وبالماء الجاري، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- بلفظ "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريًا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر". والمراد بقوله: "عثريًا" بالثاء الساكنة والعين المفتوحة: ما يسقى بالسيل الجاري في حفر، وما يسقى من النهر بلا مؤونه، أو يشرب بعروقه.
كما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني، جميعهم في الزكاة: انظر: المنتقى ص317.
1 فتكون الصور أربعة:
الأولى، تخصيص الكتاب بالكتاب: مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] خصصت بقوله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4] .
الصورة الثانية: تخصيص الكتاب بالسنة: كالمثال الذي ذكره المصنف في تخصيص آية السرقة
الصورة الثالثة: تخصيص السنة بالسنة، كالمثال الذي أورده المصنف.
الصورة الرابعة: تخصيص العام من السنة بالخاص من القرآن، مثل قوله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... " فقد خصص بقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] . وفي هذه الصورة خلاف سيذكره المصنف.
2 وهذا هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، قال أبو يعلى في العدة "2/ 615". "سواء تقدم العام على الخاص أو تأخر، أو جهل التاريخ.
(2/64)

وقد روي عن أحمد -رحمه الله- رواية أخرى: أن المتأخر يقدم، خاصًّا كان أو عامًّا.
وهو قول الحنفية1، لقول ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحداث فالأحداث من أمر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم"2.
__________
= وفي شرح الكوكب المنير "3/ 382": "سواء كانا مقترنين، أو كانا غير مقترنين" وقال: "وحكي عن بعضهم في صورة الاقتران تعارض الخاص لما قابله من العام، ولا يخصص به.
وعن الإمام أحمد -رضي الله عنه- رواية في غير المقترنين موافقة لقول الحنفية والمعتزلة وغيرهم: أنه إن تأخر العام نسخ، وإن تأخر الخاص نسخ من العام بقدره. فعلى هذا القول: إن جهل التاريخ وقف الأمر حتى يعلم". ا. هـ.
1 الحنفية وإن كانوا يوافقون الحنابلة، منها: أن لا يتأخر المخصص، وأن يكون مستقلًا بالكلام، وأن يكون متصلًا بالعام، إلا كان نسخًا. انظر: فواتح الرحموت "1/ 300، 345".
2 هذا الأثر أخرجه البخاري من قول الزهري حيث قال: "قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- الآخر فالآخر" ووافقه على ذلك ابن حجر في فتح الباري "4/ 181".
أما رواية ابن عباس: فأخرجهما مسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ولفظه: ".....عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه أخبره أن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وكان صحابة رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- يتبعون الأحداث فالأحداث من أمره".
كما أخرجه مسلم بسند آخر ثم قال: "قال يحيى: قال سفيان: لا أدري من قول من هو؟ وكان يؤخذ بالآخر من قول رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم-. وهذا يقوي رواية =
(2/65)

ولأن العام يتناول الصور التي تحتهن كتناول اللفظ لها بالتنصيص عليها، ولو نص على الصورة الخاصة: لكان نسخًا، فكذلك إذا عم.
وهذا فيما إذا علم المتأخر.
فإن جهل: فهذه الرواية تقتضي: أن يتعارض الخاص وما قابله من العام ولا يقضي بأحدهما على الآخر.
وهي قول طائفة.
لأنه يحتمل أن يكون العام ناسخًا، لكونه متأخرًا.
ويحتمل أن يكون مخصوصًا، فلا سبيل إلى التحكم1.
وقال بعض الشافعية: لا يخصص عموم السنة بالكتاب2.
__________
= البخاري في أن الأثر من قول الزهري. وبمثل رواية مسلم -عن ابن عباس- رواه مالك في الموطأ، كتاب الصيام، باب الصوم في السفر رقم "1715".
1 وضح الطوفي -رحمه الله تعالى- هذه المسألة في شرحه "2/ 561" فقال: فإن جهال التاريخ، فكذلك عندنا، أي: يقدم الخاص على العام؛ لأن أكثرها في جهالة التاريخ: أن يقدر تأخر العام، ونحن لو تحققنا تأخره، قدمنا الخاص عليه، فلا فرق على قولنا بين تقدمه وتأخره، وجهالة التاريخ.
وعند الحنفية يتعارضان، وهو قياس الرواية المذكورة عن أحمد، والتعارض بين الخاص وما قبله من العام؛ لأنه يحتمل أن يكون العام متأخرًا، فيكون ناسخًا للخاص، ويحتمل أن يكون العام متقدمًا، فيكون مخصوصًا بالخاص، ولا مرجح، فيجب التوقف، لئلا يكون ترجيح أحدهما تحكمًا".
2 هذا متصل بقول المصنف، قبل ذلك: "ولا فرق بين أن يكون العام كتابًا أو سنة...." وهذا كما قلنا: يشمل أربع صور، منها: تخصيص العام من السنة بالخاص من القرآن الكريم، فبين المصنف هنا أن في هذه الصورة خلافًا لبعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، خرجها ابن حامد، كما سيأتي.
(2/66)

وخرّجه1 ابن حامد رواية لنا، لقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 2، لأن المبيِّن تابع للمبيَّن، فلو خصصنا السنة بالقرآن صار تابعًا لها3.
وقالت طائفة من المتكلمين: لا يخصص عموم الكتاب بخبر الواحد.
وقال عيسى بن أبان: يخص العام المخصوص، دون غيره4.
وحكاه القاضي عن أصحاب5 أبي حنيفة، لأن الكتاب مقطوع به، والخبر مظنون، فلا يترك به المقطوع، كالإجماع لا يخص بخبر الواحد.
وقال بعض الواقفية: بالتوقف؛ لأن خبر الواحد مظنون الأصل، مقطوع المعنى.
__________
1 التخريج: نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه. انظر: المدخل لابن بدران ص55.
2 سورة النحل من الآية "44".
3 خلاصة وجه الدلالة: أن التخصيص بيان، فلو كان القرآن مبينًا للسنة للزم التناقض، إذ يصير كل واحد منهما مبينًا للآخر وتابعًا له؛ لأن المبيِّن، بالكسر، تابع للمبيَّن، بالفتح، وكون كل واحد من الشيئين تابعًا للآخر باطل.
4 أي: أن خبر الواحد يخصص العام إذا كان مخصوصًا قبل ذلك بغيره، أما إذا لم يخصص فلا يقوي خبر الواحد على تخصيصه؛ لأنه يرى أن العام إذا خصص صار مجازًا. انظر: العدة "2/ 552".
5 لفظ "أصحاب" من العدة "2/ 551" ولفظه: "وقال أصحاب أبي حنيفة" إن كان العموم قد دخله التخصيص بالاتفاق جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإن لم يكن دخله التخصيص، لم يجز تخصيصه بخبر الواحد" وانظر في المسألة: فواتح الرحموت "1/ 349"، أصول السرخسي "1/ 133".
(2/67)

واللفظ العام من الكتاب مقطوع الأصل، مظنون الشمول، فهما متقابلان، ولا دليل على الترجيح1.
ولنا في تقديم الخاص مسلكان2:
أحدهما: أن الصحابة -رضي الله عنهم- ذهبت إليه:
فخصصوا قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} 3 برواية أبي هريرة عن النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تُنْكَحُ المرأةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِها" 4.
وخصصوا آية الميراث بقوله: "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَاَ الْكَافِرُ
__________
1 خلاصة دليل الواقفية: أن العام من القرآن قطعي السند؛ لأنه نقل نقلًا متواترًا، ظني الدلالة على أفراد العام، وخبر الواحد قطعي الدلالة، لخصوصيته في مدلوله، ظني الثبوت من حيث السند فيتعادلان، لأن كل واحد منهما صار راجحًا من وجه، مرجوحًا من وجه آخر. انظر: شرح الطوفي "2/ 563".
وأقول: إن هذا الدليل يصلح أن يكون دليلًا لما رجحه المصنف والحنابلة بصفة عامة، من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وهو الذي يتفق مع الأمثلة التي سيذكرها.
2 أي: دليلان، أو وجهان كما قال الطوفي.
3 سورة النساء من الآية "24".
4 حديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، حديث صحيح أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، عن جابر وعن أبي هريرة، رضي الله عنهما.
كما أخرجه مسلم: كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح عن أبي هريرة، وأبو داود: كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، وكذلك الترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم.
(2/68)

المُسْلِمَ" 1، " وَلَاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ " 2، و "إنَّا مَعَاشِرَ الْْأَنْبِياءِ لَا نُورَثُ" 3.
وخصصوا عموم الوصية4 بقوله: "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" 5.
وعموم قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} 6، بقوله: "حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا" 7.
__________
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب لا يرث المسلم الكافر، وفي كتاب الفرائض، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه والدارمي ومالك جميعهم في كتاب الفرائض، وأحمد في المسند "5/ 201، 202، 209".
2 أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه، من حديث عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.
كما أخرجه أبو داود: كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وابن ماجه: كتاب الفرائض، باب ميراث القاتل، عن أبي هريرة، رضي الله عنه.
3 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الفرائض، باب قول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا نورث ما تركنا صدقة" من حديث عائشة رضي الله عنها.
كما أخرجه عنها مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا نورث"، وأبو داود: كتاب الخراج، باب في صفايا رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- من الأموال، والترمذي: كتاب السير، باب ما جاء في تركة رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.
4 وذلك في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} . [البقرة:180] .
5 أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والدارمي وأحمد والشافعي وغيرهم. وقد تقدم تخريجه والحكم عليه في باب النسخ.
6 سورة البقرة من الآية "230" وهي قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ....} .
7 أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث، كتاب اللباس، =
(2/69)

إلى نظائر كثيرة لا تحصى، مما يدل على أن الصحابة والتابعين كانوا يسارعون إلى الحكم بالخاص، من غير اشتغال بطلب تاريخ، ولا نظر في تقديم ولا تأخير.
الثاني: أن إرادة الخاص بالعام غالبة معتادة، بل هي الأكثر1، واحتمال النسخ كالنادر البعيد2، وكذلك احتمال تكذيب الراوي، فإنه عدل جازم في الرواية.
__________
= باب الإزار المهدب، وكتاب الأدب، باب التبسم والضحك، ومسلم: كتاب النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح. ولفظة: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب. فتبسم رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
كما أخرجه الترمذي وابن ماجه والدارمي. انظر "شرح السنة للبغوي جـ9 ص233".
1 معناه: أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص، فالظاهر الغالب أن حكم الخاص مراد به، وأن المراد بالعام ما عدا الحكم الخاص، فإرادة أن الأنبياء لا يورثون من قوله-صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" أظهر من إرادة أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- يورث من قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء:11] وإذا كانت إرادة الخاص أظهر وأغلب، قدم لظهوره وغلبته. انظر شرح الطوفي "2/ 564".
2 هذا جواب عن دليل الطائفة التي ذهبت إلى تعارض العام والخاص عند جهل التاريخ، لاحتمال النسخ أو التخصيص، ولا سبيل إلى الترجيح. فأجاب المصنف: بأن احتمال النسخ كالنادر البعيد. وكذلك احتمال كذب الراوي بعيد أيضًا، فإنه عدل، والنفس تطمئن إلى نقل العدل في العدل، كاطمئنانها إلى صدق الشاهدين العدلين.
(2/70)

وسكون النفس إلى العدل في الرواية فيما هو نص، كسكونها إلى عدلين في الشهادات.
ولا يخفى أن احتمال صدق أبي بكر -رضي الله عنه- في روايته عن النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنبياء لا نورث" أرجح من احتمال أن تكون الآية سيقت لبيان حكم ميراث النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم-1.
فلذلك: عمل به الصحابة، والعمل بالراجح متعين.
فأما قول من قال بالتعارض والوقف: فهو مطالبة بالدليل لا غير2.
وقد ذكرنا الدليل من وجهين، وبينا أن احتمال إرادة الخصوص أرجح من احتمال النسخ؛ فإن أكثر العمومات مخصصة وأكثر الأحكام مقررة غير منسوخة.
وكون النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- مبينًا لا يمنع من حصوله البيان بغيره، فقد أخبر الله -تعالى- أنه أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء3.
وقولهم: "المبيِّن تابع" غير صحيح فإن الكتاب يبين بعضه بعضًا، والسنة يخص بعضها بعضًا، وليس المخصص تابعًا للمخصوص.
وقد بينا -فيما تقدم- جواز التخصيص بدليل سابق4، وبالإجماع ويجوز تخصيص الآحاد بالمتواتر، وليس فرعًا له.
__________
1 هذا تابع لقول المصنف: "أن إرادة الخاص بالعام غالبة معتادة، بل هي الأكثر". كما سبق توضيحه في هامش "1".
2 أي: أنهم قالوا: إن عموم الكتاب وخبر الواحد متعادلان ولا دليل على الترجيح فيجب التوقف حتى يظهر الدليل، وقد ظهر لهم ما يزيل هذا التوقف.
3 قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} النحل من الآية "89" وهو رد على بعض الشافعية الذين خالفوا في تخصيص السنة بالكتاب.
4 كالعقل.
(2/71)

وقولهم: "إن الكتاب مقطوع به"1
قلنا: دخول المخصوص في العموم، وكونه مرادًا ليس بمقطوع، بل هو مظنون ظنًّا ليس بالقوى، بل ظن الصدق أقوى منه، لما ذكرنا.
ثم إن براءة الذمة قبل السمع مقطوع بها، بشرط أن لا يرد سمع، وتشتغل بخبر الواحد.
جواب آخر:
آن وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع، وإنما الاحتمال في صدق الراوي، ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه، فإن تحليل البضع2، وسفك الدم واجب3 بقول عدلين قطعًا، مع أنا لا نقطع بصدقهما، كذا الخبر.
الخامس: المفهوم بالفحوى ودليل الخطاب4.
فإن الفحوى قاطع كالنص، ودليل الخطاب حجة كالنص، فيخص عموم قوله، عليه السلام: "في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" 5 بمفهوم قوله: "في
__________
1 هذا رد على ما ذهب إليه الحنفية، كما تقدم قريبًا.
2 كالنكاح، فإنه يثبت بشهادة عدلين.
3 كالحدود والقصاص، فإن ذلك يثبت بشهادة اثنين أيضًا
4 أي: أن اللفظ العام يخص بفحوى الخطاب، وهو ما يطلق عليه عند الجمهور مفهوم الموافقة، كما يخص بدليل الخطاب، وهو ما يطلق عليه مفهوم المخالفة والتخصيص بمفهوم الموافقة محل اتفاق بين العلماء، أما التخصيص بمفهوم المخالفة، فقد خالف فيه الحنفية وبعض الشافعية، كالغزالي، حيث لم يعتبروه حجة.
5 أخرجه أبو داود: كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، من حديث علي وابن عمر -رضي الله عنهم- والترمذي: كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم من حديث ابن عمر، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الغنم.
(2/72)

سائِمةِ الغَنَمِ زَكَاةٌ" في إخراج المعلوفة2.
السادس: فعل رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم،
كتخصيص عموم قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} 3 بما روت عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض"4.
ولذلك: ذهب بعض الناس إلى تخصيص قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} 5 برجمه لماعز، وتركه جلده6.
__________
1 هذا جزء من حديث أنس -رضي الله عنه- مرفوعًا، الذي روى فيه كتاب أبي بكر -رضي الله عنه- وبين فيه أحكام الزكاة التي فرضها رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- وهو حديث طويل جاء فيه: ".... وفي صدقة الغنم في سائمتها زكاة....".
أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، وأبو داود: كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والنسائي: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، والدارقطني: كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم، والشافعي: كتاب الزكاة، كتاب رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- الذي جمع فرائض الصدقة.
2 هذا مثال للتخصيص بمفهوم المخالفة. ومثال التخصيص بمفهوم الموافقة: قوله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لَيُّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وغيرهم. خص منه الوالدان بمفهوم قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] فمفهومه: حرمة إيذائها بحبس أو غيره. العدة "2/ 579".
3 سورة البقرة من الآية "222".
4 رواه البخاري: كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، وفي كتاب الاعتكاف، باب في غسل المعتكف، ومسلم: كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب في الرجل يصيب منها دون الجماع، كما رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي وأحمد.
5 سورة النور من الآية2.
6 قال الشيخ الطوفي: "وبيانه: أن قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة}
(2/73)

السابع: تقرير رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- واحدًا من أمته بخلاف موجب العموم وسكوته عليه، فإن سكوت النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن الشيء يدل على جوازه، فإنه لا يحل له الإقرار على الخطأ، وهو معصوم1.
وقد بينا أن إثبات الحكم في حق واحد يعم الجميع2.
الثامن: قول الصحابي، عند من يراه حجة مقدمًا على القياس
__________
= [النور:2] ، عام في الثيب والبكر، فلما رجم النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- ماعزًا، وترك جلده، دل على أن الجلد مختص بالبكر دون الثيب، فكان هذا تخصيصًا للنص العام بفعله، عليه الصلاة والسلام، أو بمعنى فعلهن وهو ترك الجلد، وهذه من مسائل الخلاف، أعني: أن الزاني الثيب: هل يجلد مع الرجم أم لا؟ والصحيح من مذهبنا أنه يجلد خلافًا للشافعي" شرح مختصر الروضة "2/ 570".
والخلاصة: أن التخصيص بفعل النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- محل خلاف بين العلماء فالجمهور يرون أنه يخصص العام، وخالف في ذلك بعض الشافعية، والكرخي من الحنفية. انظر العدة "2/ 575".
1 وهذا هو رأي جمهور العلماء، خلافًا للحنفية وبعض المتكلمين، حيث قالوا: إن التقرير لا صيغة له، فلا يقابل صيغة العام. ورد عليهم الجمهور بأن سكوت رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن ذلك مع علمه به دليل على جوازه، وإلا لوجب إنكاره.
جاء في شرح الكوكب المنير "3/ 375" "وحيث جاز التخصيص بالتقرير، فهل المخصص نفس تقريره -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- أو المخصص ما تضمنه التقرير من سبق قوله به فيكون مستدلًا بتقريره على أنه قد خص بقول سابق، إذ لا يجوز لهم أن يفعلوا ما فيه مخالفة للعام إلا بإذن صريح، فتقريره دليل ذلك؟ فيه وجهان.
قال ابن فورك والطبري: الظاهر الأول".
2 وذلك في قول المصنف: "وكذلك إذا توجه الحكم إلى واحد من الصحابة داخل فيه غيره" من باب الأمر.
(2/74)

يخص به العموم، فإن القياس يخصص به، فقول الصحابي المقدم عليه أولى1.
فإن قيل: فالصحابي يترك مذهبه للعموم، كترك ابن عمر مذهبه لحديث رافع بن خديج في المخابرة2، فغيره يجب أن يتركه.
قلنا: إنما تركه لنص عارضه، لا للعموم.
التاسع: قياس نص خاص إذا عارض عموم نص آخر:
فيه وجهان:
أحدهما: يخص به العموم.
وهو قول أبي بكر3، والقاضي4، وقول الشافعي، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين5.
والوجه الآخر: لا يخص به العموم.
وهو قول أبي إسحاق بن شاقلا وجماعة من الفقهاء، لحديث معاذ6.
__________
1 وهو رأي الحنابلة والحنفية وبعض الشافعية، وخالف في ذلك المالكية وجمهور الشافعية. انظر: المحصول جـ1 ق3 ص191، الإحكام للآمدي "3/ 333" والعدة "2/ 579".
2 المخابرة: المزارعة على نصيب معين مما تخرجه الأرض، كالثلث والربع، وقد روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "كنا نخابر على عهد رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- وبعد أربعين سنة، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- نهى عن ذلك". تقدم تخريج الحديث في فصل ألفاظ الرواية.
3 المراد به: عبد العزيز بن جعفر، المعروف بغلام الخلال.
4 كما في العدة "2/ 559".
5 وهو رأي جمهور العلماء كما في العدة "2/ 559".
6 تقدم تخريجه والكلام على سنده. ووجه الدلالة من الحديث لأصحاب هذا =
(2/75)

ولأن الظنون المستفادة من النصوص أقوى من الظنون المستفادة من المعاني المستنبطة.
ولأن العموم أصل، والقياس فرع، فلا يقدم على الأصل.
ولأن القياس إنما يراد لطلب حكم ما ليس منطوقًا به، فما هو منطوق به لا يثبت بالقياس.
وقال قوم: يقدم جلي القياس على العموم، دون خفية1، لأن الجلي أقوى من العموم، والخفي ضعيف.
والعموم -أيضًا- يضعف تارة بأن لا يظهر منه قصد التعميم، ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه، ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة، فإن دلالة قوله: "لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ" 2 على تحريم بيع الأرز، أظهر من دلالة قوله
__________
= المذهب: أن معادًا -رضي الله عنه- قدم السنة على الاجتهاد الذي يشمل القياس، وهو عام فيما إذا كان القياس أخص أو أعم، وهذا يقتضي تقديم العام على قياس النص الخاص، فلا يخص به النص الخاص.
ومثاله: أن الله -تعالى- أحل البيع في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] . وهو عام في كل بيع، ثم ورد حديث رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- بتحريم الربا في البر، والعلة في تحريمه عند بعض العلماء: الكيل، فقيس عليه تحريم الربا في الأرز، وخص به العموم المتقدم. انظر: شرح الطوفي "2/ 572".
1 نسبه الآمدي إلى جماعة من الشافعية. انظر: الإحكام "2/ 159".
2 هذا الحديث روي بألفاظ مختلفة، منها ما رواه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الفضة بالفضة عن أبي سعيد مرفوعًا، أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء" وأخرجه عنه مسلم: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، وأحمد في المسند "3/9".
(2/76)

تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 1
على إباحة بيعه متفاضلًا.
ودلالة تحريم الخمر على تحريم النبيذ بقياس الإسكار، أغلب في الظن من دلالة قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ... } 2 على إباحته.
فإن تقابل الظنان: وجب تقديم أقواهما، كالعمل في العمومين، والقياسين المتقابلين.
__________
1 سورة البقرة من الآية "275".
2 سورة الأنعام من الآية "145".
(2/77)

فصل: [تعريف القياس الجلي والخفي]
ثم القائلون بهذا اختلفوا في القياس الجلي.
ففسّره قوم: بأنه قياس العلة، والخفي: بقياس الشبه3.
وقيل: الجلي: ما يظهر فيه المعنى، كقوله، عليه السلام: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" 4، وتعليل ذلك بما يدهش الفكر
__________
1 سورة البقرة من الآية "275".
2 سورة الأنعام من الآية "145".
3 القياس ينقسم باعتبار علته إلى أربعة أقسام:
قياس العلة: وهو ما صرح فيه بالعلة.
قياس الدلالة: وهو ما لم تذكر فيه العلة، وإنما ذكر فيه لازم من لوازمها.
قياس في معنى الأصل؛ وهو ما كان بإلغاء الفارق بين الأصل والفرع.
قياس الشبه: وهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة الحكم من جلب المصلحة أو دفع المفسدة، كما عرفه بذلك المصنف في باب القياس.
وسوف يأتي -إن شاء الله تعالى- توضيح هذه الأقسام والتمثيل لها في باب القياس.
4 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب هل يقضي الحاكم أو =
(2/77)

حتى يجري ذلك في الجائع1.
وقال عيسى بن أبان: يجوز ذلك في العام المخصوص، دون غيره، لضعف العام بالتخصيص2.
وحكاه القاضي عن أصحاب3 أبي حنيفة.
وجه الأول4.
أن صيغة العموم محتملة للتخصيص، معرضة له، والقياس غير محتمل، فيقضي به على المحتمل، كالمجمل مع المفسر.
فأما حديث معاذ5: فإن كون هذه الصورة مرادة باللفظ العام غير مقطوع به، والقياس يدلنا على أنها غير مرادة.
ولهذا جاز ترك عموم الكتاب بخبر الواحد، وبالخبر المتواتر اتفاقًا، ورتبة السنة بعد رتبة الكتاب في الخبر6، والسنة لا يترك بها الكتاب، لكن تكون مبينة له، والتبيين يكون تارة باللفظ، وتارة بمعقول اللفظ.
__________
= يفتي وهو غضبان، عن أبي بكرة -رضي الله عنه- مرفوعًا.
كما أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، وأبو داود: كتاب الأقضية- باب القاضي يقضي وهو غضبان. كما أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم. انظر: تلخيص الحبير "3/ 189".
1 ومثله الخوف والألم وكل ما يؤدي إلى اضطراب الخاطر وضعف إدراك الحكم.
2 لما قلناه قريبًا من أن العام عنده بعد التخصيص يصير مجازًا.
3 لفظ "أصحاب" من العدة "2/ 563" فقد نسبه لأصحاب أبي حنيفة، وليس لأبي حنيفة.
4 أي: هذا دليل المذهب الأول، وهو جواز التخصيص بالقياس مطلقًا.
5 بدأ المصنف يرد على أدلة المخالفين.
6 أي: في خبر معاذ المتقدم.
(2/78)

وقولهم: "إن الظنون المستفادة من النصوص أقوى".
فلا نسلم ذلك على الإطلاق.
وقولهم: "لا يترك الأصيل بالفرع".
قلنا: هذا القياس فرع نص آخر، لا فرع النص المخصوص به، والنص يخص تارة بنص آخر، وتارة بمعقول النص.
ثم يلزم: أن لا يخصص عموم القرآن بخبر الواحد1.
وقولهم: "هو منطوق به"2.
قلنا: كونه منطوقًا به أمر مظنون، فإن العام إذا أريد به الخاص: كان نطقًا بذلك القدر، وليس نطقًا بما ليس بمراد.
ولهذا جاز التخصيص بدليل العقل القاطع، مع أن دليل العقل لا يقابل النص الصريح من الشارع؛ لأن الأدلة لا تتعارض.
__________
1 معناه: أنه يلزم على قولهم أن لا يخصص عموم القرآن بخبر الواحد؛ لأنه فرع عنه، فإن حجيته ثابتة بأصل من كتاب أو سنة، فيكون فرعًا له، وقد سلمتم بتخصيص الكتاب بخبر الواحد، فالقياس مثله.
2 أي: قولهم: "ولأن القياس إنما يراد الطلب حكم ما ليس منطوقًا به، فما هو منطوق به لا يثبت بالقياس". فبين المصنف أن كونه منطوقًا به أمر مظنون ومشكوك فيه.
ومن أمثلة ذلك: الأرز في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} ليس كما لو قيل: يحل بيع الأرز بالأرز متفاضلًا ومتماثلًا. فإذا كان كونه مرادًا بآية إحلال البيع مشكوكًا فيه، كان كونه منطوقًا به مشكوكًا فيه؛ لأن العام إذا أريد به الخاص كان ذلك نطقًا بذلك القدر، وليس نطقًا بما ليس بمراد. انظر: نزهة الخاطر "1/ 172".
(2/79)

فصل: في تعارض العمومين
إذا تعارض عمومان: فأمكن الجمع بينهما، بأن يكون أحدهما أخص من الآخر، فيقدم الخاص1.
أو يكون أحدهما يمكن حمله على تأويل صحيح، والآخر غير ممكن تأويله، فيجب التأويل في المؤول، ويكون الآخر دليلًا على المراد منهن جمعًا بين الحديثين، إذ هو أولى من إلغائهما.
وإن تعذر الجمع بينهما، لتساويهما، ولكونهما متناقضين، كما لو قال: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقتلُوه" 2، "مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَلَا تَقْتُلُوه": فلا بد أن يكون أحدهما ناسخًا للآخر.
فإن أشكل التاريخ طلب الحكم من دليل غيرهما.
وكذلك لو تعارض عمومان، كل واحد عام من وجه خاص من وجه، مثل قوله، عليه السلام: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 3، فإنه يتناول الفائتة بخصوصها، ووقت النهي بعمومه، مع
__________
1 كما سبق في قول المصنف: "الرابع: النص الخاص يخصص اللفظ العام".
2 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، وفي كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة، عن ابن عباس مرفوعًا، وأبو داود: كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، والترمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه: كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه: كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه.
3 أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها من حديث أنس مرفوعًا، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء =
(2/80)

قوله: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" 1 يتناول الفائتة بعمومه، والوقت بخصوصه.
وقوله: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه" مع قوله: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ" 2.
فهما سواء، لعدم ترجيح أحدهما على الآخر، فيتعارضان، ويعدل إلى دليل غيرهما.
__________
= الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، كما أخرجه أبو داود وغيره.
1 أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب من رخص في الركعتين بعد العصر إذا كانت الشمس مرتفعة، كما أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي والدارمي وأحمد.
2 الذي في كتب الحديث عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن أمرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- مقتولة، فأنكر رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قتل النساء والصبيان. رواه البخاري، كتاب الجهاد "3014" و"3015" ومسلم في الجهاد أيضًا "827" والنسائي "1/ 278" وأحمد في المسند "3/ 95" من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه.
فحديث "من بدل دينه...." عام في الرجل والمرأة، خاص في سبب القتل، وهو التبديل والردة، وحديث النهي عن قتل النساء، خاص في النساء، عام في النهي عن القتل، فيتعادلان، ويطلب المرجح.
وخلاصة هذا الفصل: أنه إذا تعارض عامان من كل وجه، بحث لا يمكن الجمع بينهما قدم أصحهما سندًا، فإن تساويا في السند، قدم ما يرجحه دليلًا خارجي، فإن لم يوجد مرجح: فإن علم التاريخ، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، وإن جهل التاريخ وجب التوقف والبحث عن مرجح.
وإن تعارض العامان من بعض الوجوه وجب الجمع بينهما ما أمكن، بأن يكون أحدهما أخص من الآخر فيقدم الأخص، أو يحمل أحدهما على تأويل صحيح =
(2/81)

وقال قوم: لا يجوز تعارض عمومين خاليين عن دليل الترجيح، لأنه يؤدي إلى وقوع الشبهة، وهو منفر عن الطاقة.
قلنا: بل ذلك جائز، ويكون مبيَّنًا للعصر الأول.
وإنما خفي علينا، لطول المدة، واندراس القرائن والأدلة، ويكون ذلك محنة وتكليفًا علينا، لنطلب دليلًا آخر، ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا.
وأما التنفير: فباطل، فقد نفر طائفة من الكفار من النسخ، ثم لم يدل ذلك على استحالته، والله أعلم.
__________
= يجمع به بين العامين، فإن كان كل منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه تعادلا وجلب المرجح الخارجي. انظر: شرح الطوفي "2/ 576 وما بعدها".
(2/82)

فصل: في الاستثناء
وصيغته: "إلا" و"غير" و"سوى" و"عدا" و"ليس" و"لا يكون" و"حاشا" و"خلا".
وأمُّ الباب "إلا"1
وحدّه: أنه قول ذو صيغة متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول2
__________
= يجمع به بين العامين، فإن كان كل منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه تعادلا وجلب المرجح الخارجي. انظر: شرح الطوفي "2/ 576 وما بعدها".
1 أي: هي الأصل، وما عداها يقوم مقامها.
2 وعرّفه الغزالي بقوله: وحده: أنه قول ذو صيغ مخصوصة، محصورة، دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول". المستصفى "3/ 377" وهو الذي اختاره الآمدي في الإحكام "2/ 120" وإن كان قد زاد عليه بعض القيود فقال: "هو لفظ =
(2/82)

ويفارق الاستثناء التخصيص1 بشيئين:
أحدهما: في اتصاله2.
والثاني: أنه يتطرق إلى النص، كقوله: "عشرة إلا ثلاثة"3.
والتخصيص بخلافه
__________
= متصل بجملة، لا يستقل بنفسه، دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به بحرف "إلا" أو بأحد أخواتها".
وقول المصنف: "متصل...." إلى آخر التعريف رد على من زعم أن الاستثناء يؤدي إلى التناقض، فإن البعض الذي أخرج كان قد دخل في الجملة المستثنى منها، فبين المصنف أن المستثنى لم يكن مرادًا من اللفظ العام أولًا، حتى يلزم ما قاله هؤلاء من التناقض.
ومثال ذلك: أن قول القائل: "جاءني عشرة إلا ثلاثة" المراد به: سبعة، وقوله: "إلا ثلاثة" قرينة على إرادة السبعة من العشرة، من إطلاق الكل وإرادة البعض.
والخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، لأن الاستثناء قد تقرر وقوعه في لغة العرب تقررًا مقطوعًا به لا يتيسر لمنكر أن ينكره، وأن ما بعد آلة الاستثناء خارج عن الحكم لما قبلها بلا خلاف.
وقد ورد ذلك في العديد من آيات القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14] .
1 المقصود بالتخصيص هنا: التخصيص بالمنفصل، وإلا فالاستثناء تخصيص أيضًا، فالعبارة فيها تجوز.
2 أي: يجب أن يكون الاستثناء متصلًا بالمستثنى منه؛ لأنه لا يستقل بنفسه.
3 معناه: أن الاستثناء داخل في النص، فإذا قال: له عليّ عشرة إلا ثلاثة" فإن "ثلاثة" داخله في النص، والعشرة نص في مسماها، فتطرق الاستثناء إلى ذلك النص، بخلاف التخصيص بغير الاستثناء، فإنه داخل في العام ودلالته عليه ظنية، ودخوله في العام بالنظر إلى إرادة المتكلم.
(2/83)

ويفارق النسخ -أيضًا- في ثلاثة أشياء:
أحدها: في اتصاله.
والثاني: أن النسخ رافع لما دخل تحت اللفظ، والاستثناء يمنع أن يدخل اللفظ ما لولاه لدخل1.
والثالث: أن النسخ يرفع جميع حكم النص، والاستثناء إنما يجوز في البعض2.
__________
1 ومعناه: أن المنسوخ كان مرادًا ثم نسخ، بخلاف الاستثناء، فإنه لم يكن مرادًا من الأول.
2 هذا الفارق ليس على إطلاقه، فإن النسخ قد يرفع الحكم كلية، وقد يرفع بعضه، كما تقدم في باب النسخ.
(2/84)

فصل: [في شروط الاستثناء]
ويشترط في الاستثناء ثلاثة شروط:
أحدهما: أن يتصل بالكلام، بحيث لا يفصل بينهما كلام، ولا سكوت يمكن الكلام فيه؛ لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام، فإذا انفصل: لم يكن إتمامًا، كالشرط، وخبر المبتدأ، فإنه لو قال: "أكرم من دخل داري" ثم قال، بعد شهر: "إلا زيدًا": لم يفهم، كما لو قال: "زيدًا" ثم قال، بعد شهر: "قائم" لم يعد خبرًا، وكذلك الشرط.
وحكي عن ابن عباس: أنه يجوز أن يكون منفصلًا3.
__________
1 ومعناه: أن المنسوخ كان مرادًا ثم نسخ، بخلاف الاستثناء، فإنه لم يكن مرادًا من الأول.
2 هذا الفارق ليس على إطلاقه، فإن النسخ قد يرفع الحكم كلية، وقد يرفع بعضه، كما تقدم في باب النسخ.
3 الروايات عن ابن عباس متعددة: فروي عنه أنه يصح الاستثناء وإن طال الزمن، ثم اختلف عنه فقيل: إلى شهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدًا. ومنهم من أنكر ذلك وقال: لم يصح ذلك عن ابن عباس، ومنهم: إمام الحرمين والعزالي، لما =
(2/84)

وعن عطاء1 والحسن2: جواز تأخيره ما دام في المجلس3. وأومأ إليه أحمد -رحمه الله- في الاستثناء في اليمين4.
والأولى: ما ذكرناه5.
الشرط الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه6
__________
= يلزم على ذلك من ارتفاع الثقة بالعهود والمواثيق، لإمكان تراخي الاستثناء وقال القرافي: "المنقول عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خاصة.
قال: ونقل بعض العلماء أن مدركه في ذلك قوله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 23-24] .
قال: المعنى: إذا نسيت قول "إن شاء الله" فقل بعد ذلك، ولم يخصص"، شرح تنقيح الفصول ص243.
وقال الشوكاني: "ومن قال: بأن هذه المقالة لم تصح عن "ابن عباس" لعله لم يعلم بأنها ثابتة في "مستدرك الحاكم" وقال: صحيح على شرط الشيخين بلفظ: "إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستنثي إلى سنة" وقد روى عنه هذا غير الحاكم من طرق، كما ذكره أبو موسى المديني وغيره". إرشاد الفحول "1/ 527-528" وانظر: المستدرك "4/ 303".
1 هو: عطاء بن أبي رباح بن أسلم، أبو محمد القرشي بالولاء، المكي، من أعلام التابعين، كان مفتي مكة ومحدثها، سمع من السيدة عائشة وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم -رضي الله عنهم جميعًا- كما أخذ عنه أبو حنيفة والأوزاعي وابن إسحاق. توفي بمكة سنة 114هـ". انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ "1/ 98"، شذرات الذهب "1/ 147"، ميزان الاعتدال "3/ 70".
2 هو: الحسن بن يسار البصري. تقدمت ترجمته.
3 انظر: التمهيد لأبي الخطاب "2/ 74".
4 انظر: العدة "2/ 661".
5 أي: اشتراط اتصال المستثنى بالمستثنى منه.
6 وهو رأي أكثر الحنابلة. قال الفتوحي: "وهذا هو الصحيح من الروايتين عند =
(2/85)

فأما الاستثناء من غير الجنس: فمجاز لا يدخل في الإقرار، ولو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلًا1.
وهذا قول بعض الشافعية.
وقال بعضهم2، ومالك وأبو حنيفة، وبعض المتكلمين: يصح؛ لأنه قد جاء في القرآن واللغة الفصيحة.
قال الله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا} 3، و {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ... } 4، {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} 5.
وقال الشاعر6:
...................وَما بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ
__________
= الإمام أحمد -رضي الله عنه- واختيار الأكثر من أصحابنا وغيرهم"، شرح الكوكب المنير "3/ 286".
1 انظر "العدة "2/ 673".
2 أي: بعض الشافعية.
3 سورة مريم من الآية "62" ومحل الشاهد: أن السلام ليس من جنس اللغو.
4 سورة النساء من الآية "29" ومحل الشاهد: أن التجارة ليست من جنس المال؛ لأن المال هو الأعيان، والتجارة: هي التصرف في هذه الأعيان.
5 سورة الليل "19-20" ومحل الشاهد: أن ابتغاء وجه ربه الأعلى ليس من جنس النعمة.
6 هو: زياد بن معاوية النابغة الذبياني المضري، من فحول شعراء الجاهلية من أهل الحجاز، كان يقصده الشعراء ويعرضون عليه أشعارهم، كان أحسن الشعراء شعرًا، وأكثرهم في الكلام رونقًا، وأجزلهم بيتًا، ليس في شعره تكلف. انظر: طبقات فحول الشعراء "1/ 56".
(2/86)

إلَّا الأَوَاريّ.....1
[وقال آخر] 2:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس3
ومثله كثير.
__________
1 هذان جزءان من بيتين للنابغة من قصيدة مدح بها النعمان بن بشير ملك الحيرة، ويتنصل بها عما قذفوه به، وهي إحدى المعلقات السبع، مطلعها:
يا دارَ مَيَّة بالعَلياء فالسند ... أقْوت فطال عليها سالف الأبد
إلى أن قال:
وقفتُ فيها أُصَيْلالًا أُسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالرَّبْع من أحد
إلا أواريَّ لأيّامًا أبيتها ... والنّوى كالحوض بالمظلومة الجلد
والأواري: هي التي تسمى الطوائل، وليس من جنس أحد، وهذا هو محل الشاهد. انظرك ديوان النابغة ص25-32، وخزانة الأدب "4م 121-130".
2 القائل: هو جران العون: عامر بن الحارث بن كُلْفة، والجران: باطن العنق الذي يضعه البعير على الأرض إذا نام، وكان يعمل من جلد هذا العنق: الأسواط واشتهر هذا الشاعر بجران العود؛ لأنه هدد زوجتيه بجران جمل كبير له فقال:
خذا حذّرا يا جارتيّ فإنني ... رأيت جران العود قد كان يصلح
والعود: البعير المسن.
3 البيت في ديوان جران العود ص53، وفي لسان العرب "4/ 309"، وكتاب سيبويه "1/ 133".
ومحل الشاهد في البيت قوله: "إلا اليعافير" فإنه استثناء من قوله: "أنيس" واليعافير جمع "يعفور" وهو الظبي الذي لونه لون التراب، أو هو ولد البقرة الوحشية، و"العيس" جمع "أعيس" و"عيساء" وهو من الإبل الذي يخالط بياضه شقرة.
انظر: القاموس المحيط "4/ 209"، لسان العرب "4/ 309 وما بعدها".
(2/87)

ولنا: أن الاستثناء: إخراج بعض ما يتناوله المستثنى منه بدليل: أنه مشتق من قولهم: "ثنيت فلانًا عن رأيه" و"ثنيت العنان" فيشعر بصرف الكلام عن صوبه1 الذي كان يقتضيه سياقه2.
فإذا ذكر ما لا دخول له في الكلام الأول، لولا الاستثناء، فما صرف الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله.
فتكون تسميته استثناء تجوزًا باللفظ عن موضوعه، وتكون "إلا" ههنا بمعنى "لكن"3.
قال هذا ابن قتيبة4. وقال: هو قول سيبويه5، وقاله غيرهما من أهل العربية.
__________
1 جاء في المصباح المنير مادة "صوب": الصوب، وزن فلس، مثل الصواب.
2 قال الطوفي: "اعلم أن الاستثناء من حيث اللفظ: استفعال، إما من التثنية؛ لأن المستثنى في كلامه يثني الجملة، أي: يأتي بجملة ثانية في كلامه، نحو: قام القوم إلا زيدًا، فهم منه قيام القوم، وعدم قيام زيد، فهي جملتان، أو من ثنى الفارسُ عِنان فرسه: إذا عطفه، لأن المستثنى يعطف على الجملة، فيخرج بعضها عن الحكم بالاستثناء". شرح مختصر الروضة "2/ 580-581".
3 لأن "لكن" يستدرك بها المتلكم خللًا وقع في كلامه أو غيره، وكذلك "إلا" يستدرك بها نحو ذلك.
4 هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، من أئمة الحديث واللغة، عدّه شيخ الإشلام ابن تيمية من أهل السنة. ولد ببغداد سنة 213هـ" وقيل: ولد بالكوفة وتوفي سنة "276هـ" على الأصح. انظر: بغية الوعاة "2/ 63"، تذكرة الحفاظ "2/ 631".
5 هو: عمرو بن عثمان بن قنبر، المعروف بسيبويه، إمام مدرسة أهل البصرة في النحو، تتلمذ على الخليل بن أحمد وأبي الخطاب الأخفش وغيرهما. من مؤلفاته "الكتاب" في النحو. توفي بالبيضاء سنة "180هـ". انظر: بغية الوعاة "2/ 231" نزهة الألباء ص "71".
(2/88)

وإذا كانت بمعنى "لكن" لم يكن لها في الإقرار معنى1، فلم يصح أن ترفع شيئًا منه، فتكون لاغية، فإن "لكن" إنما تدخل للاستدراك بعد الجحد، والإقرار ليس بجحد، فلا يصح فيه.
ولذلك: لم يأت الاستثناء المنقطع في إثبات بحال.
الشرط الثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف.
وفي استثناء النصف وجهان.
__________
1 هذا جواب عن قولهم المتقدم: "ولو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلًا" وحاصل الجواب: أن الاستثناء المنقطع مقدر بلكن، وهي تفيد الاستدراك؛ لأن المتكلم بها يستدرك خللًا وقع في كلامه، فمثله: الاستثناء المنقطع، ويتفرع على هذا ما ذكره الخرقي في مختصره: "ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلًا، إلا أن يستثني عينًا من ورِق، أو ورِقًا من عين" والمراد بالعين هنا: الذهب.
فعلى هذا يكون قوله: "إلا أن يستثني عينًا من ورق ... " مخالفًا لهذه القاعدة.
وقد حمله أصحاب الإمام أحمد على الاستحسان، وحمله الطوفي على الاستثناء من الجنس البعيد، وهو أن الكل مال.
قال الطوفي: "ووجه الاستحسان: أن الذهب والفضة هما أثمان المبيعات، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، ومقاصدهما واحدة، فينزلا لذلك منزلة الجنس الواحد، وأما نص الخرقي على ذلك في "المختصر" فهذا وجهه.... ثم قال: وهو أحد القولين في المذهب.
ويفيد الخلاف في هذا الشرط أنه لو قال: له عندي مائة درهم إلا ثوبًا، أو إلا شاة أو غيرها من المتقومات، بطل الإقرار عندنا، وصح عند المخالف، ويلزمه مائة إلا قيمة ثوب، لاشتراك المستثنى والمستثنى منه في جنس المالية، وما يقع في المستثنى من جهالة تزال بالوساطة أو الصلح. قلت: وهذا راجع إلى الاستثناء من الجنس، غير أنه الجنس البعيد. "شرح الطوفي 2/ 597".
(2/89)

وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: يجوز استثناء الأكثر.
ولا نعلم خلافًا في أنه: لا يجوز استثناء الكل1.
واحتج من جوزه -أي: جوز الأكثر- بقوله تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} 2.
وقال في أخرى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} .
فاستثنى كل واحد منهما من الآخرن وأيهما كان الأكثر: حصل المقصود4.
__________
1 خلاصة ذلك: أنه لا خلاف بين العلماء في عدم صحة الاستثناء المستغرق، فلا يصح أن يقال: له علي عشرة إلا عشرة؛ لأنه يفضي إلى العبث، ويعتبر تناقضًا كليًّا.
وفي استثناء الأكثر والنصف خلاف. واشترط قوم أن يكون أقل من النصف وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.
قال الطوفي: "المصحِّح لاستثناء الأكثر هم أكثر الفقهاء والمتكلمين، والمانع منه أصحابنا وبعض الفقهاء والقاضي أبو بكر في آخر أقواله.
قال الآمدي: وقد استقبح بعض أهل اللغة استثناء عقد صحيح، واختار هو الوقف.
قلت: مثال استثناء العقد الصحيح: له سبعون إلا عشرة". شرح مختصر الروضة "2/ 598".
2 سورة ص "82-83".
3 سورة الحجر الآية "42".
4 وجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله تعالى استثنى الغاوين من العباد، والغاوون أكثر، بدليل قوله تعالى: {وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17] .
وقال الطوفي: "فاستثنى في الأولى العباد المخلصين من بني آدم، وفي الثانية =
(2/90)


وقال الشاعر:
أدُّوا التي نَقَصَتْ تسعين مِنْ مائةٍ ... ثم ابْعَثوا حكمًا بالحقّ قَوَّاما1
ولأنه إذا جاز استثناء الأقل، جاز استثناء الأكثر.
ولأنه رفع بعض ما تناوله اللفظ، فجاز في الأكثر كالتخصيص.
ولنا: أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة نفوا ذلك وأنكروه2.
قال أبو إسحاق الزجاج3: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير4.
وقال ابن جني5: لو قال قائل: "مائة إلا تسعة وتسعين" ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامه عيًّا من الكلام ولكنة.
__________
= الغاوين من العباد، وأيهما كان الأكثر حصل المقصود". شرح المختصر "2/ 599".
1 سيأتي نقل المصنف عن ابن فصال: أن هذا البيت مصنوع لم يثبت عن العرب، فلا يصح الاحتجاج به.
2 وأهل اللغة هم الحجة في هذا المقام، ولذلك نقل المصنف كلامهم الآتي.
3 هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة والعروض، واشتهر بالزجاج، لأنه كان يعمل في خرط الزجاج، تتلمذ على المبرد، من مؤلفاته: "معاني القرآن" و"الاشتقاق". توفي ببغداد سنة "310هـ" على الأرجح. انظر: بغية الوعاة "1/ 411" وفيات الأعيان "11/ 11".
4 انظر: إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس "2/ 565".
5 هو: عثمان بن جني، أبو عثمان الموصلي، كان والده مملوكًا روميًّا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي، كان إمامًا في النحو والأدب، تلقى عن أبي على الفارسي، وبعد وفاته تولى مكانه في بغداد. من كتبه "الخصائص" و"المذكر والمؤنث" توفي سنة "392هـ". انظر: بغية الوعاة "2/ 132"، شذرات الذهب "3/ 140".
(2/91)

وقال القتيبي1: يقال: "صمت الشهر كله إلا يومًا واحدًا، ولا يقال: صمت الشهر إلا تسعة وعشرين يومًا" ويقول: "لقيت القوم جميعهم إلا واحدًا أو اثنين"، ولا يجوز أن يقول: "لقيت القوم إلا أكثرهم".
إذا ثبت أنه ليس من اللغة: فلا يقبل.
ولو جاز هذا: لجاز في كل ما كرهوه وقبحوه.
وأما الآية التي احتجوا بها: فقد أجيب عن احتجاجهم بها بأجوبة.
منها: أنه استثناء في إحدى الآيتين المخلصين من بني آدم وهم الأقل.
وفي الأخرى: استثناء الغاوين من جميع العباد وهم الأقل، فإن الملائكة من عباد الله، قال الله تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} 2 وهم غير غاوين3.
ومنها: أنه استثناء منقطع في قوله تعالى: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} 4 بمعنى "لكن" بدليل أنه قال في آية أخرى: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ ... } 5
__________
1 هو: عبد الله بن مسلم، المشهور بابن قتيبة. تقدمت ترجمته.
2 سورة الأنبياء من الآية "26".
3 لم يرتض الطوفي هذه الإجابة وقال: إنها ضعيفة؛ لأن المحاورة إنما وقعت في ذرية آدم، فلا يصح ضم الملائكة إليهم، حتى يكون الغاوون بالنسبة إليهم مع ذرية آدم قليلًا. انظر: "شرح المختصر 2/ 602".
4 الحجر: 42.
5 سورة إبراهيم من الآية "22" ولم يرتضه الطوفي أيضًا. ثم قال: "والجواب الصحيح عن الآية هو: أنا نمنع من استثناء الأكثر إذا صرح بعدد المستثنى منه، أما إذا لم يصرح به، فهو جائز باتفاق، كما إذا قال: خذ ما في هذا الكيس من =
(2/92)

وأما البيت فليس فيه استثناء.
مع أنه قال ابن فصال النحوي1: هذا بيت مصنوع ولم يثبت عن العرب.
وأما القياس في اللغة2: فغير جائز. ولو كان جائزًا: فهو جمع بغير علة3 ومثل هذا لو جاز استثناء البعض، جاز استثناء الكل.
ويعارضه: بأنه إذا لم يجز استثناء الكل، فلا يجوز استثناء الأكثر.
والفرق بين القليل والكثير: أن العرب استعملته في القليل دون الكثير، فلا يقاس في لغتهم ما أنكروه على ما حسّنوه وجوّزوه.
__________
= الدراهم إلا الزيوف، وكانت أكثر، والآية من هذا الباب، لم يصرح فيها بعدد المستثنى منه، بل قال سبحانه وتعالى: "إن عبادي" وهو مقدار غير معين، بخلاف: له عندي مائة إلا تسعين، فهذا هو الممنوع". المصدر السابق5.
1 هو: علي بن فصال بن علي بن غالب المجاشعي القيرواني، المعروف بالفرزدقي نسبة إلى جده "الفرزدق"، كان عالمًا بالنحو واللغة، ظل يقرئ ببغداد حتى توفي سنة "479هـ" انظر: بغية الوعاة "2/ 183"، والبلغة ص161.
2 هذا رد على قولهم السابق: "ولأنه إذا جاز استثناء الأقل جاز استثناء الأكثر" فبين المصنف أن ذلك قياسًا في اللغة، وهو غير حجة عند كثير من العلماء. ثم عارضه برد آخر هو: قياسه على استثناء الكل، ومعناه: أن عدم جواز استثناء الكل أمر متفق عليه، فيقاس عليه: عدم جواز استثناء الأكثر؛ لأن الأكثر يأخذ حكم الكل.
ثم بين -أخيرًا- أن الحجة إنما هي في استعمال العرب؛ لأنهم أهل اللغة، وهم قد استعملوه في القليل دون الكثير، فلا يقاس ما أنكروه على ما حسنوه.
3 معناه: أن القياس لا بد له من علة جامعة بين الأصل والفرع، وقياس الأكثر على الأقل ليست فيه علة جامعة.
(2/93)

فصل: [في حكم الاستثناء بعد جمل متعددة]
إذا تعقب الاستثناء جملًا، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا....} ، وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ في سُلْطانِه، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتَه إلَّا بإِذْنِه" 2: رجع الاستثناء إلى جميعها، وهو قول أصحاب الشافعي3.
وقال الحنفية: يرجع إلى أقرب المذكورين4 لأمور ثلاثة:
__________
1 سورة النور "4-5".
2 رواه أحمد في مسنده "5/ 272" ومسلم: كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث "673" وأبو داود: كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث "582"،والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء من أحق بالإمامة حديث "235". وقال: "حديث حسن صحيح".
كما أخرجه ابن ماجه والنسائي والدارقطني والطيالسي، جميعهم في كتاب الصلاة، من حديث أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلمًا -أي: إسلامًا- ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه" والتكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل: من فراش أو سرير أو غير ذلك مما يعد كرامة.
3 كما أنه رأي جمهور العلماء، مالك والشافعي وأحمد وأكثر أصحابهم. انظر: العدة "2/ 678" شرح تنقيح الفصول ص249، المستصفى "3/ 388".
4 محل الخلاف بين العلماء في هذه المسألة: إذا لم توجد قرينة أو دليل على أن الاستثناء راجع إلى بعض الجمل دون البعض.
(2/94)

أحدهما: أن العموم يثبت في كل صورة بيقين، وعود الاستثناء على جميعها مشكوك فيه، فلا يزيل -أي: العموم- المتيقن بالشك1.
__________
= فقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} ... إلى قوله، تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} الخلاف في الاستثناء هنا راجع إلى الجملتين الأخيرتين وهما قوله، تعالى: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} فرجوعه إلى الجملة الأخيرة متفق عليه، ورجوعه إلى الجملة الأولى، فتقبل شهادته أو لا؟ محل الخلاف؛ فالجمهور يرون قبول شهادته، باعتبار أن الاستثناء يرجع إلى الجميع والحنفية يقولون: لا تقبل شهادته.
ولا خلاف بين الجميع في عدم رجوع الاستثناء إلى قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة} لأن الجلد حق الآدمي، ولا يسقط بالتوبة.
انظر: نهاية السول "2/ 104 وما بعدها" طبعة صبيح.
ومثل ذلك: ما لو قال قائل: "نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وخيلي وقف، إلا الحيض" فإن الاستثناء راجع إلى الجملة الأولى، بقرينة ذكر الحيض، فإنه مختص بالنساء.
ولو قال: "إلا الزنجيين أو الهنديين" اختص بالثانية، لأن هذه الصفات في العرف مختصة بالعبيد.
ولو قال: "إلا الدُّهم أو العراب" اختص بالأخيرة؛ لأن هذه صفات الخيل عرفًا.
انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 613".
وجمهور العلماء على أن العطف لا يشترط فيه أن يكون بالواو، بل يجوز أن يكون بثم أو غيرها من حروف العطف، واشترط بعضهم أن يكون ذلك بالواو، وأن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، وإلا عاد إلى الأخيرة فقط.
وكون العطف في الجمل من باب الغالب، وإلا فإنه يقع في المفردات أيضًا، فلو قال: حفصة وفاطمة طالقتان إن شاء الله، فإنه يكون من هذ الباب أيضًا. انظر: التمهيد للإسنوي ص399.
1 معناه: أن العموم في كل جملة من الجمل المتقدمة متيقن، وعود الاستثناء جميعها مشكوك فيها، ولا يرفع المتيقن بالمشكوك، وإنما عاد إلى الأخيرة =
(2/95)

الثاني: أن الاستثناء إنما وجب رده إلى ما قبله، ضرورة أنه لا يستقل بنفسه، فإذا تعلق بما يليه: فقد استقل وأفاد، فلا حاجة إلى تعلقه بما قبل ذلك، فلا نعلقه به، وصار كالاستثناء من الاستثناء.
والثالث: أن الجملة مفصول بينها وبين الأولى، فأشبه ما لو حصل فصل بينهما بكلام آخر1.
وأدلتنا ثلاثة:
أحدهما: أن الشرط إذا تعقب جملًا: عاد إلى جميعها، كقوله "نسائي طوالق، وعبيدي أحرار إن كلمتُ زيدًا" فكذلك الاستثناء، فإن الشرط والاستثناء سيّان2 في تعلقهما بما قبلهما وبغيرهما له، ولهذا يسمى التعليق بشرط مشيئة الله: استثناء، فما ثبت لأحدهما ثبت في الآخر.
فإن قيل: الفرق بينهما: أن الشرط رتبته التقديم، بخلاف الاستثناء. قلنا: إذا تأخر الشرط فلا فرق بينهما.
ثم إن كان متقدمًا: فلم لا يتعلق بالجملة الأولى، دون ما بعدها؟
فإذا تعلق بجميع الجمل -تقدم أو تأخر- وكذلك الاستثناء، فإنه
__________
= للضرورة، وهي: أن الاستثناء لا بد وأن يكون متعلقًا بشيء آخر.
1 أي: أن الفصل بين الجمل بحرف العطف أشبه الفصل بكلام أجنبي.
2 في جميع النسخ "شيئان" ولا معنى لذلك، فإن المقصود من هذا: أن الاستثناء كالشرط في أن كلًّا منهما يفتقر إلى ما تعلق به، فكما أن الشرط متعلق بمشروطه، ولا يستقل عنه، فكذلك الاستثناء، متعلق بالمستثنى منه، ولا يستقل بدونه، وإذا ثبت أن بين الشرط والاستثناء هذا الاشتراك الخاص، وجب أن يستويا في رجوع كل منهما إلى جميع الجمل التي قبله. انظر: شرح الطوفي "2/ 614".
(2/96)

مساو للشرط في حال تأخره1.
الثاني: اتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة2 عيٌّ ولكنة، ولو لم يعد الاستثناء إلى الجميع، لم يقبح ذلك، بل كان متعينًا لازمًا فيما يريد فيه الاستثناء من جميع الجمل.
الثالث: أن العطف بالواو يوجب نوعًا من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه، فتصير الجمل كالجملة الواحدة، فيصير كأنه قال: "اضرب الجماعة الذين هم قتلة وسرّاق إلا من تاب" ولا فرق بين هذا وبين قوله: "اضرب من قتل وسرق إلا من تاب"3.
__________
1 خلاصة ذلك: أن الخصم اعترض على قياس الاستثناء على الشرط بوجود فرق بينهما، وهو: أن الشرط رتبته التقديم، بخلاف الاستثناء فإنه متأخر. فأجاب المصنف عن ذلك بثلاثة أوجه.
الوجه الأول: قولهم: "رتبة الشرط التقديم" فقال: هذا في العقل، ونحن نتكلم في اللغة، ولا يلزم من توقف المشروط على الشرط وتقدمه عليه عقلًا أن لا يساوي الاسثتناء فيما ذكر.
الوجه الثاني: أن كلامنا فيما إذا تأخر الشرط، مثل: نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، إن كلمتُ زيدًا، فهو مثل: نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، إلا أن أكلم زيدًا.
الوجه الثالث: أنه يلزم على قولهم أن يتعلق الشرط بالجملة الأولى فقط، وهو باطل بالاتفاق، فدل ذلك على أن تقديم الشرط لا اعتبار له، وبذلك يستوي الحكم على الشرط والاستثناء. انظر: شرح الطوفي "2/ 615-616".
2 كأن يقال: نسائي طوالق إلا أن أكلم زيدًا، وعبيدي أحرار إلا أن أكلم زيدًا.
3 معناه: أن العطف يوجب اتحادًا معنويًّا بين المعطوف والمعطوف عليه، ولهذا قدرت التثنية والجمع، نحو: الزيدان والزيدون، بالعطف، نحو: قام زيد وزيد وزيد وشبه ذلك بقولهم: "قاموا" فواو العطف، والجمع والضمير المتصل =
(2/97)

وقولهم: "إن التعميم مستيقن": ممنوع، فإن العموم والإطلاق لا يثبت قبل تمام الكلام، وما تم حتى أردف باستثناء يرجع إليه1.
ثم يبطل بالشرط والصفة، وقد سلم أكثرهم عموم ذلك.
ولما ذكر الله -تعالى- خصال كفارة اليمين الثلاثة، ثم قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} 2: رجع ذلك إلى جميعها.
وقولهم: "إن الاستثناء إنما تعلق بما قبله ضرورة" ممنوع، بل إنما رجع إلى ما قبله، لصلاحيته لذلك3.
__________
= بالفعل، كل ذلك وأشباهه فيه اتحاد معنوي، فتكون الجمل المتعددة كالجملة الواحدة.
1 معنى ذلك: أن المخالفين في رجوع الاستثناء إلى الجميع استدلوا بأن العموم ثابت في كل صورة بيقين، والاستثناء مشكوك فيه، والمتيقن لا يرفع المشكوك فأجاب المصنف عن ذلك: بأنه إن أرادوا أن التعميم مستيقن قبل تمام الكلام فهذا ممنوع، وإن أرادوا أنه متيقن بعد تمام الكلام، فالكلام لا يتم إلا بالاستثناء، وبعد الاستثناء لا يبقى العموم متيقنًا، حتى يكون رفعه بالشك ممنوعًا، إلا على قولهم: يتعلق بالجملة الأخيرة، ويبقى العموم فيما قبلها، وهذا هو محل النزاع.
2 سورة المائدة من الآية "89" وهي قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
ومحل الشاهل: أن قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} راجع إلى الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة.
3 هذا رد لقولهم: "إن الاستثناء تعلق بما قبله للضرورة" وهو أنه لا يمكن أن يستقل بنفسه، فأجاب المصنف بأنه ليس للضرورة، وإنما لصلاحية تعلق ما قبله به، والجمل كلها صالحة لذلك التعلق.
(2/98)

ثم يبطل -أيضًا- بالشرط والصفة1.
أما الاستثناء من الاستثناء2: فلم يمكن عوده إلى الأول، لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي3، فتعذر النفي من النفي.
وهكذا كل ما فيه قرينة تصرفه عن الرجوع، لا يرجع على الأول، كقوله تعالى: { ... فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} 4 لا يعود إلى التحرير، لأن صدقتهم إنما تكون بمالهم، فالعتق ليس حقًّا لهم.
فصل: في الشرط
الشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده.
__________
1 معناه: أن ما ذكروه من أن التعلق بالجملة الأخيرة للضرورة، يبطل بالشرط والصفة، فإن كلًّا منهما يتعلق بجميع الجمل، مع أن هذه الضرورة تندفع بتعلقهما بالجملة الأخيرة. انظر: شرح الطوفي "2/ 618-619".
2 هذا رد على قولهم: "وصار كالاستثناء من الاستثناء".
3 هذا الاستشهاد إنما يصح على رأي الجمهور. أما الحنفية: فقد خالفوا في ذلك. ولهم رواية أخرى أن الاستثناء من الإثبات نفي، وأما الاستثناء من النفي فليس بإثبات. انظر: كشف الأسرار "3/ 126".
واستثنى المالكية من هذه القاعدة الأيمان فقالوا: إن الاستثناء من النفي إثبات، في غير الأيمان. انظر: الفروق للقرافي "2/ 93".
4 سورة النساء من الآية "92" ومحل الشاهد: أن الاستثناء راجع إلى الدية لا إلى التحرير، لأنه ليس من حق الورثة حتى يصدّقوا به. ومثل ذلك كل قرينة تخرج جملة من الجمل المتقدمة على الاستثناء، وتقدم توضيح ذلك في الهامش أول الفصل.
(2/99)

والعلة: يلزم من وجودها وجود المعلول، ولا يلزم من عدمها عدمه في الشرعيات.
والشرط: عقلي، وشرعي، ولغوي:
فالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة.
والشرعي: كالطهارة للصلاة، والإحصان للرجم.
واللغوي: كقوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" و"إن جئتني أكرمتك" مقتضاه في اللغة: اختصاص الإكرام بالمجيء، فينزل منزلة التخصيص والاستثناء.
والاستثناء والشرط يغير الكلام عما كان يقتضيه لولاه حتى يجعله متكلمًا بالباقي، لا أنه يخرج من الكلام ما دخل فيه؛ فإنه لو دخل لما خرج1. فإذا قال: "أنت طالق إن دخلت الدار" معناه: أنك عند الدخول طالق.
وقوله: "له عشرة إلا ثلاثة" معناه: له عليّ سبعة، فإنه لو ثبت له عليه عشرة: لما قدر على إسقاط ثلاثة، ولو قدر على ذلك بالكلام
__________
1 هذا هو المخصص الثاني من المخصصات المتصلة. ومن المعروف أن الأحكام الشرعية لها علل، وهي أسبابها المؤثرة في وجودها شرعًا، أي: هي المعرفة لها شرعًا. ولها كذلك شروط يتوقف تأثير العلل في الأحكام عليها. فالزنا -مثلًا- علة لوجوب الرجم، والإحصان شرط لتأثير هذه العلة. والزكاة لها سبب هو ملك النصاب، ولها شرط هو تمام الحول. ولذلك عرف المصنف هنا: الشرط والعلة، فذكر أن الشرط هو: ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. وأن العلة هي: ما يلزم من وجودها وجود المعلول، ولا يلزم من عدمها عدمه في الشرعيات، لجواز أن يكون له علة أخرى.
وقد تقدم الكلام على الشرط والفرق بينه وبين العلة والمانع في الحكم الوضعي.
(2/100)

المتصل: لقدر عليه بالمنفصل، فيصير موضوع الكلام ذلك.
فقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} 1 لا حكم له قبل إتمام الكلام، فإذا تم كان الكلام مقصورًا على من وجد منه السهو والرياء، لا أنه دخل فيه كل مصلٍّ، ثم خرج البعض، كذلك الاستثناء والشرط.
__________
1 سورة الماعون آية "4".
(2/101)

فصل: في المطلق والمقيد
المطلق: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه1، وهي النكرة في سياق الأمر، كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} 2.
__________
1 قوله: "المتناول لواحد" خرج به ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد. وخرج بقوله: "لا بعينه" المعارف، كزيد وعمرو، وخرج بباقي التعريف: المشترك، والواجب المخير، فإن كلًّا منهما يتناول واحدًا لا بعينه،
لا باعتبار حقائق مختلفة. انظر: شرح الكوكب المنير "3/ 392".
2 سورة المجادلة من الآية "3" وقد مشى المصنف على أن المطلق والنكرة بمعنى واحد، كالمثال المتقدم، بينما ذهب كثير من الأصوليين إلى التفرقة بينهما. فإن المطلق: هو الدال على الماهية من حيث هي، والنكرة: هي الدالة على الماهية بقيد الوحدة الشائعة. وما قاله المصنف من اتحاد المطلق والنكرة، هو اختبار بعض الأصوليين، كابن الحاجب والآمدي، وعليه عامة النحويين؛ لأن الموجود في الخارج هو الفرد، والماهية الذهنية لا وجود لها في الخارج. انظر: بيان المختصر "2/ 349" والإحكام "3/ 1"، نثر الورود على مراقي السعود "1/ 321".
(2/101)

وقد يكون في الخبر، كقوله، عليه السلام: "لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ" 1.
والمقيد: هو المتناول لمعيّن، أو غير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة: {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} 3 قيد الرقبة بالإيمان، والصيام بالتتابع.
وقد يكون اللفظ مطلقًا مقيدًا بالنسبة4، كقوله تعالى:
__________
1 للحديث طرق وشوهد كثيرة تجعله من قسم الصحيح: فقد أخرجه الدارقطني في سننه: كتاب النكاح، بلفظ: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل" والشافعي: كتاب النكاح، باب: لا يصح النكاح إلا بولاية رجل، والبيهقي: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
كما أخرجه ابن حبان في كتاب النكاح، باب ما جاء في الولي والشهود من حديث عائشة -رضي الله عنها- انظر زوائد ابن حبان للهيثمي ص305.
ومحل الشاهد في الآية: أن الرقبة جاءت مطلقة عن قيد الإيمان، كما أن لفظ "الولي" جاء في الحديث مطلقًا.
2 فهو يقابل المطلق، ومعناه: المتناول لمعين، أو غير معين، لكنه موصوف بوصف زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه، وتتفاوت مراتبه في التقييد باعتبار قلة القيود وكثرتها، فما كثرت قيوده كان أعلى رتبة مما قلت قيوده، مثل قوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [سورة التحريم: 5] .
3 سورة النساء من الآية "92".
4 أي: قد يجتمع الإطلاق والتقييد في لفظ واحد، باعتبار جهتين مختلفتين، فيكون اللفظ مطلقًا من وجه، مقيدًا من وجه آخر، كلفظ "رقبة" فهي مقيدة من حيث الإيمان، فلا تكفي الرقبة الكافرة. ومطلقة من حيث ما سوى الإيمان من =
(2/102)

{رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} 1 مقيدة بالإيمان، مطلقة بالنسبة إلى السلامة وسائر الصفات.
ويسمى الفعل مطلقًا، نظرًا إلى ما هو من ضرورته من: الزمان، والمكان، والمصدر، والمفعول به، والآلة فيما يفتقر إلى الآلة والمحل للأفعال المتعدية، وقد يتقيد بأحدها، دون بقيتها2 والله أعلم.
__________
= الأوصاف، ككمال الخلقة، والطول، والبياض وأضداد ذلك. انظر: شرح الكوكب المنير "3/ 393-394".
1 سورة النساء من الآية "92".
2 ومعناه: أن الفعل قد يقيد ببعض مفاعيله دون بعض، فيكون مطلقًا مقيدًا بالإضافة إلى بعضها دون بعض، مثل: "صم يوم الاثنين" فإن الصوم مقيد من جهة ظرف الزمان، ولو قيل: "صم في المدينة يومين" لكان على عكس ما تقدم انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 634".
(2/103)

فصل: [في حمل المطلق على المقيد]
إذا ورد لفظان: مطلق ومقيد، فهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
أن يكون في حكم واحد، بسبب واحد، كقوله، عليه السلام: "لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ" 3، وقال: "لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهدَيْ عَدْلٍ" 4، فيجب حمل المطلق على المقيد.
__________
= الأوصاف، ككمال الخلقة، والطول، والبياض وأضداد ذلك. انظر: شرح الكوكب المنير "3/ 393-394".
1 سورة النساء من الآية "92".
2 ومعناه: أن الفعل قد يقيد ببعض مفاعيله دون بعض، فيكون مطلقًا مقيدًا بالإضافة إلى بعضها دون بعض، مثل: "صم يوم الاثنين" فإن الصوم مقيد من جهة ظرف الزمان، ولو قيل: "صم في المدينة يومين" لكان على عكس ما تقدم انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 634".
3 تقدم تخريج هذه الرواية قريبًا.
4 هذه الرواية أوردها المصنف في المغني "9/ 368" فقال: "وروى أبو بكر البرقاني بإسناده عن جابر قال: قال رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل" ولم نجدها في كتب السنة إلا عند البيهقي في كتاب النكاح =
(2/103)

وقال أبو حنيفة: لا يحمل عليه؛ لأنه نسخ، فإن الزيادة على النص نسخ، فلا سبيل إلى النسخ بالقياس1.
وقد بينا فساد هذا2، فإن قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} 3 ليس بنص في إجزاء الكافرة4، بل هو مطلق يعتقد ظهور عمومه، مع تجويز الدليل على خصوصه، والتقييد صريح في الاشتراط، فيجب تقديمه.
__________
= باب: لا نكاح إلا بولي مرشد عن ابن عباس موقوفًا. السنن الكبرى "7/ 124" وأورده الهيثمي في كتاب النكاح، باب ما جاء في الولي والشهود، ولم يورد فيه لفظ "مرشد" انظر: مجمع الزوائد "3/ 286" والحديث بلفظ "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" حديث مشهور له طرق كثيرة جعلته من قسم الصحيح، كما تقدم قريبًا.
ومحل الشاهد في الحديثين: أن الأول مطلق في الولي بالنسبة إلى الرشد والغي وفي الشهود بالنسبة إلى العدالة والفسق، والثاني مقيد بالرشد في الولي، والعدالة في الشهود، وهما متحدان في السبب والحكم، فالسبب هو النكاح، والحكم: نفي النكاح بدون ولي وشهود.
1 الصواب أن رأي الحنفية في صورة اتحاد السبب والحكم متفق -في الجملة- مع رأي الجمهور، في صورة ما إذا كان الحكم مثبتًا. انظر: كشف الأسرار "2/ 287". قال المجد ابن تيمية: "فإن كان المطلق والمقيد مع اتحاد السب والحكم في شيء واحد، كما لو قال: "إذا حنثتم فعليكم عتق رقبة". وقال في موضع آخر: "إذا حنثتم فعليكم عتق رقبة مؤمنة" فهذا لا خلاف فيه، وأنه يحمل المطلق على المقيد، اللهم إلا أن يكون المقيد آحادًا والمطلق تواترًا، فينبني على مسألة الزيادة على النص، هل هي نسخ؟ وعلى النسخ للتواتر بالآحاد والمنع قول الحنفية" المسودة ص146.
2 في مسألة: الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا؟
3 سورة المجادلة من الآية3.
4 لأنه كما يجوز بالمؤمنة يجوز بالكافرة، فهو ظاهر في العموم، فيجوز تخصيصه، =
(2/104)

القسم الثاني: أن يتحد الحكم ويختلف السبب، كالعتق في كفارة الظهار، والقتل، قيد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان، وأطلقها في الظهار.
فقد روي عن الإمام أحمد -رحمه الله- ما يدل على أن المطلق لا يحمل على المقيد، وهو اختيار أبي إسحاق بن شاقلا، وقول جل الحنفية، وبعض الشافعية1.
واختار القاضي: حمل المطلق على المقيد2.
وهو قول المالكية3، وبعض الشافعية4، لأن الله -تعالى- قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} 5، وقال في المداينة:
__________
= أما التقييد فإنه صريح في اشتراط الإيمان، فيقدم على الظاهر.
وعبارة الغزالي: "فلو قال في كفارة القتل". {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ثم قال فيها مرة أخرى: "فتحرير رقبة مؤمنة" فيكون هذا اشتراطًا، ينزل عليه الإطلاق"، المستصفى "3/ 398".
1 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص283، العدة "2/ 638" كشف الأسرار "2/ 287" الإحكام للآمدي "3/ 5"، نهاية السول "2/ 141".
2 انظر: العدة "638 وما بعدها".
3 جاء في نثر الورود "1/ 325": "وظاهر كلامه -أي: المصنف- أن أكثر العقلاء لا يحمل أحدهما على الآخر وأنهما سواء في ذلك، ليس كذلك، لأن حمل المطلق على المقيد فيما إذا اتحد الحكم واختلف السبب قال به جل الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية". وفي الإشارات للباجي ص41: "أكثر المالكية على أنه لا يحمل المطلق على المقيد إلا بدليل يقتضي ذلك".
4 وهل هذا الحمل من قبيل اللغة، أو على القياس عليه؟ خلاف بين أصحاب هذا المذهب. انظر في ذلك: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب "2/ 156".
5 سورة الطلاق من الآية2.
(2/105)

{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} 1، ولم يذكر عدلان ولا يجوز إلا عدل، فظاهر هذا حمل المطلق على المقيد.
ولأن العرب تطلق في موضع، وتقيد في موضع آخر، فيحمل أحدهما على صاحبه.
كما قال2:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك أرض والرأي مختلف
وقال آخر:3
وما أدري إذا يمّمتُ أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
__________
1 سورة البقرة من الآية: 282.
2 الشاعر هو: قيس بن الحطيم بن عدي بن عمرو الخزرجي، من شعراء الجاهلية توفي قبل ظهور الإسلام، وابنه ثابت بن قيس من الصحابة.
والبيت من قصيدة له مطلعها:
رد الخليطُ الجمالََ فانقبضا
وقطّعوا من وصالك السببا
والخليط: المجاور في الدار. انظر: ديوان قيس بن الحطيم ص171، 239، تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد، الكتاب لسيبويه "1/ 37".
ومحل الشاهد: أنه حذف من الشطر الأول عبارة "راضون" لدلالة قوله: "راض" عليها في الشطر الثاني، والتقدير: نحن بما عندنا راضون.
3 الشاعر هو: المثقب العبدي. والبيتان من قصيدة له مطلعها:
أفاطم قبل بَيْنِك متّعيني
ومنعك ما سألت كأن تبيني
انظر: ديوان المثقب العبدي ص212، معاني القرآن للفراء "1/ 231"، الشعر والشعراء لابن قتيبة "1/ 396".
ومحل الشاهد في قوله: "أريد الخير" فإن التقدير: وأتوقى الشر.
(2/106)

وقال أبو الخطاب: يبني عليه من جهة القياس1؛ لأن تقييد المطلق كتخصيص العموم، وذلك جائز بالقياس الخاص على ما مر2.
فإن كان ثَمَّ مقيدان بقيدين مختلفين ومطلقًا: ألحق بأشبههما به وأقربهما إليه3.
ومن نصر الأول4 قال: هذا تحكم محض يخالف وضع اللغة، إذ لا يتعرض القتل للظهار، فكيف يرفع الإطلاق الذي فيه؟
والأسباب المختلفة تختلف -في الأكثر- شروط واجباتها.
ثم يلزم من هذا تناقض؛ فإن الصوم مقيد بالتتابع في الظهار، وبالتفريق في الحج، حيث قال تعالى:
__________
1 انظر: التمهيد "2/ 181".
2 في قول المصنف: "التاسع: قياس نص خاص إذا عارض عموم نص آخر فيه وجهان".
قال الطوفي في شرحه "2/ 640": "معنى هذا الكلام" أن يحمل المطلق على المقيد إن وافقه قياس دل عليه، قياسًا على تخصيص العام بالقياس، كما سبق، وإن لم يوافقه قياس لم يحمل المطلق على المقيد".
3 معنى ذلك: أنه إذا وجد لفظ مطلق، ومقيدان متضادان، حمل المطلق على ما هو أشبه به وأقرب إليه من المقيدين المتضادين، وهو تفريع على القول بحمل المطلق على المقيد، ومن أمثلة ذلك: غسل الأيدي في الوضوء، ورد مقيدًا بالمرافق، كما في الآية الكريمة، وورد مقيدًا بالكوع في السرقة بالإجماع المستند إلى السنة، فقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر -رضي الله عنهما- أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة. ومسح الأيدي في التيمم ورد مطلقًا، فهل يلحق بالسرقة، فيقيد بالكوع، أو بالوضوء في تقييده بالمرافق. ولهذا خرج الخلاف انظر شرح الطوفي "2/ 645".
4 أي: مذهب القائلين بعدم حمل المطلق على المقيد.
(2/107)

{ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} 1، ومطلق في اليمين، فعلى أيهما يحمل؟
وفي المواضوع التي استشهدوا بها: كان التقييد بأمر آخر2، والله أعلم.
القسم الثالث:
أن يخلف الحكم: فلا يحمل المطلق على المقيد، سواء اتفق السبب أو اختلف، كخصال الكفارة، إذا قيد الصيام بالتتابع، وأطلق الإطعام3؛ لأن القياس شرطه: اتحاد الحكم، والحكم ههنا مختلف4.
__________
1 سورة البقرة من الآية "196".
وقد اعترض الشيخ الطوفي على هذا التمثيل فقال: "أما تردد صوم كفارة اليمين بين صوم الظهار والحج، فمثال ذكره الشيخ أبو محمد، وفيه نظر؛ لأن الصوم في كفارة اليمين ما ورد عن الشرع إلا مقيدًا بالتتابع، بناء على أن العمل بقراءة ابن مسعود، رضي الله عنه: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وأنها إما قرآن، أو خبر، كما سبق، نعم يصح تمثيل الشيخ أبي محمد بناء على قول من لا يرى التتابع فيهن وضرب الأمثلة في أصول الفقه لا يختص بمذهب" شرح المختصر "2/ 645-646".
2 أي: القائلون بحمل المطلق على المقيد، وهو ما تقدم من شروط العدالة في المداينة، وفي الشواهد الشعرية. ويقصد المصنف أن التقييد لم يكن بحمل المطلق على المقيد، وإنما من قرائن خارجية.
3 هذا مثال لاتفاق السبب.
ومثال اختلاف السبب: الأمر بالتتابع في كفارة اليمين، على قراءة ابن مسعود وإطلاق الإطعام في كفارة الظهار.
4 معناه أن المطلق والمقيد لما كان حكمهما بالنظر إلى كل واحد منهما منفردًا مختلفًا عن الآخر، كان فائدة حمل أحدهما على الآخر: اتحاد الحكم، فلما كان حكمهما مختلفًا امتنع حمل أحدهما على الآخر. انظر: شرح الطوفي "2/ 644".
(2/108)

باب: في الفحوى والإشارة
فصل: فيما يقتبس من الألفاظ من فحوها وإشارتها لا من صيغها 1
وهي خمسة أضرب.
الأول: يسمى اقتضاء.
__________
1 الدليل الشرعي: إما منقول، وإما معقول، أو ثابت بالمنقول والمعقول.
فالمنقول: الكتابة والسنة، ودلالتهما: إما من منطوق اللفظ، أو من غير منطوق اللفظ.
فالأول يسمى منطوقًا، كفهم وجوب الزكاة في السائمة في قوله، عليه الصلاة والسلام: "في سائمة الغنم الزكاة".
والثاني يسمى فحوى ومفهومًا، كفهم عدم وجوب الزكاة في المعلوفة في الحديث المتقدم.
والدليل المعقول: القياس، لأنه يستفاد بواسطة النظر العقلي.
أما الدليل الثابت بالمنقول والمعقول: فالإجماع.
فقول المصنف: "لا من صيغها" يخرج المنطوق؛ لأنه مستفاد من الصيغة. فيبقى ما لا يستفاد منه الصيغة، وهو ما يطلق عليه: الفحوى، أو الإشارة، أو الإيماء، أو لحن الخطاب. فكلها بمعنى واحد فالفحوى في اللغة معنى القول.
والإشارة معناها: الإيماء، يقال: أومأ إليه باليد، أي: أشار إليه، إلا أن الإيماء أعم؛ لأن الإشارة لا تكون إلا باليد، أما الإيماء فقد يكون باليد وقد يكون بغيرها. =
(2/109)

وهو ما يكون من ضرورة اللفظ1، وليس بمنطوق به: إما أن لا يكون المتكلم صادقًا إلا به، كقوله: "لا عمل إلا بنية"2، أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعًا بدونه، كقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ....} 3 أي: فأفطر فعدَّة، وقولهم: "أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه" يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به4.
أو من حيث يمتنع وجوده عقلًا بدونه، كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} 5 يتضمن إضمار الوطء ويقتضيه.
__________
= واللَّحنْ: مأخوذ من اللَّحن بالتحريك، أي: قلت قولًا يفهمه عنك، قال الله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} سورة محمد "30" أي: معناه. انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 705 وما بعدها.
1 أي: يتوقف صدق المتكلم، أو صحة الملفوظ به عليه عقلًا، أو شرعًا كما سيأتي التمثيل لذلك.
2 تقدم تخريج الحديث على الرواية المشهورة: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" أما هذه الرواية فقال عنها صاحب كشف الخفا "1/ 166": "وورد بألفاظ مختلفة، بيناها في أوائل "الفيض الجاري" منها: العمل بالنية، ومنها: "لا عمل إلا بالنية".
ومحل الشاهد: أن التقدير: "لا عمل صحيح إلا بنية"؛ لأن الأعمال كلها كالصلاة والصوم وسائر العبادات يمكن وجودها بدون نية، فكان إضمار "الصحة" من ضرورة صدق الكلام.
3 سورة البقرة من الآية: "184"، وتقدير الكلام: أو على سفر فأفطر، فعليه صوم عدة من أيام أخر؛ لأن قضاء الصوم إنما يجب إذا أفطر في سفره، أما إذا صام في سفره فلا موجب للقضاء.
4 لأنه لا يعتق عن الإنسان إلا ما كان ملكًا له، فوجب تصحيح هذا العتق، وهو أن يقدر دخول العبد في ملك القائل حتى يتفرع عليه العتق.
5 سورة النساء من الآية "23" ومحل الشاهد: أن العقل يحيل إضافة التحريم إلى =
(2/110)

ويجوز أن يلقب هذا بالإضمار، ويقرب من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
الضرب الثاني: فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب: كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 1 يفهم منه: كون السرقة علة، وليس بمنطوق به، ولكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام.
وكذا قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} 2 أي: لبرهم {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} 3 أي: لفجورهم.
وهذا قد يسمى "إيماء" و"إشارة" و"فحوى الكلام" و"لحنه" وإليك الخيرة في تسميته.
الضرب الثالث: التنبيه:
وهو فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، ومعرفة وجود المعنى في المسكوت بطريق الأولى، كفهم تحريم الشتم والضرب من قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 4.
ولا بد من معرفتنا المعنى في الأدنى، ومعرفة وجوده في الأعلى.
__________
= الأعيان، فوجب إضمار فعل يتعلق به التحريم، وهو الوطء. انظر في توضيح ذلك كله: شرح الطوفي "2/ 710-711".
وهذه الصورة كلها تسمى "دلالة الاقتضاء" لأن اللفظ يقتضيها لتصحيح الكلام.
1 سورة المائدة من الآية "38".
2 سورة الانفطار الآية "13".
3 سورة الانفطار الآية "14".
4 سورة الإسراء من الآية "23".
(2/111)

فلولا معرفتنا أن الآية سيقت للتعظيم للوالدين؛ لما فهمنا منع القتل، إذ قد يقول السلطان، إذا أمر بقتل ملك لمنازعته له في ملكه: اقتله، ولا تقل له: أف.
ويسمى مفهوم الموافقة، وفحوى اللفظ.
واختلف أصحابنا في تسميته قياسًا.
فقال أبو الحسن الجزري1 وبعض الشافعية: هو قياس؛ لأنه إلحاق المسكوت بالمنطوق في الحكم، لاجتماعهما في المقتضى، وهذا هو القياس2.
وإنما ظهر فيه المعنى، فسبق إلى الفهم من غير تأمل، فأشبه القياس فيما ظهرت العلة فيه بنص أو غيره3، مثل: قياس الجوع المفرط على الغضب في المنع من الحكم؛ لكونه يمنع كمال الفكر4.
وقياس الزيت على السمن في حكم النجاسة إذا وقعت فيه، في حال جموده، أو كونه مائعًا بغير الفأرة5.
__________
1 تقدمت ترجمته.
2 ويسمى قياس الأولى، أو مفهوم الموافقة.
3 معناه: لو قيل: إن القياس يحتاج إلى تأمل واستنباط علة، وهذا ليس كذلك، فأجاب المصنف عن هذا بقوله: "وإنما ظهر فيه المعنى إلخ".
4 روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، من حديث أبي بكر نفيع بن الحارث، أن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "لا يقضي القاضي وهو غضبان". فيقاس عليه كل ما يؤدي إلى اضطراب الخاطر، وضعف إدراك الحكم، كالجوع المفرط ونحوه.
5 روى البخاري وأبو داود وغيرهما عن سفيان بن عيينة، حدثنا الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فسئل عنها رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه". =
(2/112)

وقال القاضي أبو يعلى، والحنفية، وبعض الشافعية، ليس بقياس1، إذ هو مفهوم من اللفظ من غير تأمل ولا استنباط، بل يسبق على الفهم حكم المسكوت مع المنطوق من غير تراخ، إذا كان هو الأصل في القصد، والباعث على النطق، وهو أولى في الحكم.
ومن سماه قياسًا: سلم أنه قاطع، فلا تضره تسميته قياسًا2
وقد يلتحق بهذا الفن ما يشبهه3 من وجه، ولا يفيد القطع، كقولهم: "إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة" فهذا ليس بقاطع، إذ لا يبعد أن يقال: الفاسق متهم في دينه، والكفار يحترز من الكذب لدينه.
وأما الفاسد من هذا الضرب4: فنحو قولهم: "إذا جاز السلم في
__________
= وجاء في المصنف لعبد الرزاق "278" وأبو داود "3842" وابن حبان "1394" عن معمر عن الزهري، عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: سئل النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن الفأرة تقع في السمن، قال: "إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا لا تقربوه". فيقاس الزيت على السمن في التنجيس، بوقوع النجاسة فيه، بجامع السراية. انظر: شرح الطوفي "2/ 717".
1 وسماه الحنفية "دلالة النص" انظر: كشف الأسرار "1/ 73".
2 قال الطوفي -بعد أن ذكر أدلة الفريقين- قلت: دليل المسألة متجاذب، وكأن ما قاله الآمدي أرجح" شرح المختصر "2/ 720" فكأنه يريد أن يقول: إن الخلاف في المسألة خلاف لفظي، وإن كان يرجح ما ذهب إليه القائلون بأن هذا المفهوم ليس من باب القياس، وإنما هو من قبيل فحوى الدلالة اللفظية.
3 معناه: أن مفهوم الموافقة ينقسم إلى قطعي في دلالته، كما تقدم في تحريم سائر أنواع الإيذاء من النهي عن التأفيف، وإلى ظني غير قطعي، كالأمثلة التي ذكرها المصنف، من رد شهادة الكافر وغيره.
4 معناه: أن مفهوم الموافقة إما قاطع وإما ظني، كما تقدم، وإما فاسد، كالمثال الذي ذكره وهو السلم.
(2/113)

المؤجل: ففي الحال أجوز، ومن الغرر أبعد" فإنه لا بد من اشتراكهما في المقتضى، وليس المقتضى لصحة السلم المؤجل: بعده من الغرر ليلتحق به الحال، بل الغرر مانع، احتمل في المؤجل، والحكم لا يصح لعدم مانعه، بل لوجود مقتضيه.
ولو كان بُعده من الغرر علة الصحة فما وجدت في الأصل، فكيف يصح الإلحاق؟
الضرب الرابع: دليل الخطاب:
ومعناه: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه.
ويسمى مفهوم المخالفة؛ لأنه فهم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق -أيضًا- مفهوم.
ومثاله قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} 1 و "في سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ" 2 يدل على انتقال الحكم في المخطئ3 والمعلوفة4. وهذا حجة في قول إمامنا5، والشافعي، ومالك، وأكثر المتكلمين6.
__________
1 سورة المائدة من الآية "95".
2 تقدم تخريجه
3 فتخصيص الجزاء بالعمد في قتل الصيد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة 95] . يدل على نفي وجوب الجزاء في قتل الصيد خطأ، وهو أحد قولين لأهل العلم.
4 أي: أن تخصيص وجوب الزكاة بالسائمة يدل على أنها لا تجب في المعلوفة.
5 أي: الإمام أحمد رحمه الله تعالى، انظر: العدة "2/ 448".
6 وجماعة من أهل العربية: كأبي عبيدة وغيره، بالشروط التي ذكرها علماء الأصول ما عدا مفهوم اللقب فليس بحجة على الأصح.
(2/114)

وقالت طائفة منهم1، وأبو حنيفة2: لا دلالة له، لأمور خمسة:
أحدها: أنه يحسن الاستفهام، فلو قال: "من ضربك عامدًا فاضربه" حسن أن تقول: "فإن ضربني خاطئًا هل أضربه؟ " ولو دل على النفي: لما حسن الاستفهام فيه كالمنطوق.
الثاني: أن العرب تعلق الحكم على الصفة مع مساواة المسكوت عنه3، كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} 4، {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} 5، {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} 6 فالمسكوت -أيضًا- محتمل للمساواة وعدمها، فلا سبيل إلى دعوى النفي بالتحكم.
__________
1 أي: من المتكلمين.
2 وكذلك أصحابه، وأبو بكر الباقلاني، وابن سريج، والقفال، والشاشي، وجمهور المعتزلة. انظر: شرح الطوفي "2/ 725".
وقال أبو عبد الله البصري: إن كان ذلك قد ورد للبيان أو التعليم، دل على نفي الحكم في محل السكوت، وإلا فلا، المصدر السابق.
3 العبارة فيها قصور، وعبارة الغزالي في المستصفى "3/ 416": "المسلك الثالث: أنا نجدهم يعلقون الحكم على الصفة، تارة مع مساواة المسكوت عنه للمنطوق، وتارة مع المخالفة، فالثبوت للموصوف معلوم منطوق، والنفي عن المسكوت محتمل، فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة، ودليل آخر.
أما دعوى كونه مجازًا عند الموافقة، حقيقة عند المخالفة، فتحكم بغير دليل، يعارضه عكسه من غير ترجيح".
4 سورة النساء من الآية "23".
5 سورة النساء من الآية "102".
6 سورة البقرة من الآية "229".
(2/115)

الثالث: أن تعليقه الحكم على اللقب، والاسم العلَم لا يدل على التخصيص، ومنع ذلك بهت واختراع على اللغات، إذ يلزم من أن يكون قوله: "زيد عالم" كفر؛ لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته.
ويلزم من قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} 1 نفي الرسالة عن غيره، وذلك كفر.
الرابع: أنه كما أن للعرب طريقًا إلى الخبر عن مخبر واحد واثنين مع السكوت عن الباقي: فلها طرق في الخبر عن الموصوف بصفة، فتقول: "رأيت الظريف، وقام الطويل" فلو قال، بعد: "والقصير" لم يكن مناقضة.
الخامس: أن التخصيص للمذكور بالذكر قد يكون لفائدة سوى تخصيص الحكم به:
فمنها: توسعة مجاري الاجتهاد، لينال المجتهد فضيلته2.
ومنها: الاحتياط على المذكور بالذكر، كي لا يفضي اجتهاد بعض الناس إلى إخراجه من عموم اللفظ بالتخصيص.
ومنها: تأكيد الحكم في المسكوت، لكون المعنى فيه أقوى كالتنبيه3.
ومنها: معان لا يطلع عليها4.
__________
1 سورة الفتح من الآية "29".
2 لأن تخصيص الشيء بالذكر مع احتمال الاختصاص بالحكم وعدمه يحتاج إلى نظر واجتهاد، يحصل به فضيلة النظر، والثواب على قدر المشقة.
3 وهو دلالة الأدنى على ما هو أعلى منه، ويسمى بالقياس الأولوي، كما في دلالة النهي عن التأفيف على الشتم أو الضرب في قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} .
أي: أسباب ومقتضيات يبطنها المتكلم ولا اطلاع لنا عليها
(2/116)

فلا سبيل إلى دعوى عدم الفائدة بالتحكم1
فلا ينكر الفرق بين المنطوق والمسكوت، لكن من حيث أن الأصل عدم الحكم في الكل، فبالذكر يبين ثبوته، في المذكور، وبقي المسكوت عنه على ما كان عليه، لم يوجد في اللفظ نفي له ولا إثبات له.
فإذًا: لا دليل في اللفظ على المسكوت بحال.
وعماد الفرق: نفي وإثبات.
فمستند الإثبات: الذكر الخاص.
ومستند النفي: الأصل.
والذهن إنما ينبه على الفرق عن الذكر الخاص، فيسبق إلى الأوهام العامية أن الاختصاص والفرق من الذكر، لكن أحد طرفي الفرق حصل من الذكر، والآخر كان حاصلًا في الأصل.
وهذا دقيق لأجله غلط الأكثرون2.
__________
1 معناه: أنه ما دام محتملًا لهذه المعاني، فدعواكم: أن فائدته نفي الحكم عما عداه تحكم وترجيح بلا مرجح.
2 خلاصة هذا الكلام: أنه إن اعترض أحد بأنكم بكلامكم هذا ساويتم بين المنطوق والمسكوت، مع أنه من المتفق عليه أن بينهما فرقًا. فأجاب النافون لحجية مفهوم التكليف، أي: عدم وجود حكم بالنسبة للمنطوق والمسكوت. إلا أن تخصيص الشيء بالذكر أثبت للمنطوق حكمًا، وبقي المسكوت عنه على أصل براءة الذمة، لعدم وجود دليل يدل على إثبات حكم له.
فخلاصته: أن عندنا إثبات ونفي.
فالإثبات ثبت بالذكر وهذا هو الدليل في المنطوق.
والدليل الذي استند إليه النفي هو: القاعدة السابقة وهي: عدم الحكم، أو البراءة الأصلية.
(2/117)

ولنا دليلان1:
أحدهما: أن فصحاء أهل اللغة يفهمون من تعليق الحكم على شرط، أو وصف: انتفاء الحكم بدونه، بدليل: ما روى يعلى بن أمية2 قال: قلت لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه: ألم يقل، تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} 3، فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" رواه مسلم4.
فهما5 من تعليق إباحة القصر على حالة الخوف: وجوب الإتمام حال الأمن، وعجبا من ذلك.
__________
= فالحكم في المنطوق ثبت بالدليل الخاص، أما المسكوت فلم يثبت من مفهوم الدليل الخاص، وإنما هو ثابت بالقاعدة الأصلية قبل النطق.
1 أي: على أن مفهوم المخالفة حجة.
2 هو: يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي الحنظلي، صحابي جليل، أسلم عام الفتح، وشهد حنينًا والطائف وتبوك، كان مشهورًا بالسخاء والكرم، شهد واقعة "صفين" مع علي -رضي الله عنه- وقتل فيها سنة "38هـ". انظر: الاستيعاب "4/ 1585"، سير أعلام النبلاء "3/ 100".
3 سورة النساء من الآية "101".
4 في كتاب صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافر وقصرها، وأبو داود: باب صلاة المسافر، والنسائي: كتاب تقصير الصلاة في السفر، والترمذي: كتاب التفسير باب من سورة البقرة، وابن ماجه: كتاب الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر، والدارمي: كتاب الصلاة، باب قصر الصلاة في السفر، وأحمد في المسند "1/ 25-26".
5 أي: يعلى بن أمية وعمر -رضي الله عنهما- وهما من فصحاء العرب، وقولهما حجة.
(2/118)

فإن قيل: الإتمام واجب بحكم الأصل فلما استثنى حالة الخوف: بقيت حالة الأمن على مقتضاه، فلذلك عجبا؛ حيث خولف الأصل.
ثم الآية حجة لنا1، فإنه لم يثبت انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فدل على انتفاء الدليل2.
قلنا: ليس في القرآن آية تدل على وجوب التمام، بل قد روي عن عمر -رضي الله عنه- وهو صاحب القصة، وعائشة، وابن عباس: "أن الصلاة إنما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر"3.
فدل على أن فهمهم: وجوب الإتمام وتعجبهم إنما كان لمخالفة دليل الخطاب، وإنما ترك دليل الخطاب لدليل آخر كما قد يخالف العموم.
ولما قال النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الأَسْوَدُ" قال عبد الله بن الصامت4 لأبي ذر5: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر؟
__________
1 أي: القائلون بأن مفهوم المخالفة ليس حجة.
2 أي الدليل الذي استدل به الجمهور وهو قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ... } إلى آخر القصة.
3 روى البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر".
وفي رواية أخرى للبخاري: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر-صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- ففرضت أربعًا، وأقرت صلاة السفر على الأول".
زاد الإمام أحمد: ".....إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها القراءة" سبل السلام "2/ 37".
4 هو: عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، روى عن عمه أبي ذر الغفاري وعمر وعثمان، وروى عنه أبو العالية وغيره، وثقه النسائي وغيره، تابعي ثقة. انظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال "2/ 67".
5 هو: جندب بن جنادة بن سفيان، أبو ذر الغفاري، من السابقين إلى الإسلام، =
(2/119)

فقال: سألت رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- كما سألتني فقال: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ" 1. ففهما من تعليق الحكم على الموصوف بالسواد: انتفاءه عما سواه.
ولأن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال: "لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّراوِيلاتِ وَلَا الْبَرانِسَ" 2. فلولا أن تخصيصه المذكور بالذكر يدل على إباحة لبس ما سواه: لم يكن جوابًا للسائل عما يجوز للمحرم لبسه.
الدليل الثاني: أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة، فإن استوت السائمة والمعلوفة: فلم خص السائمة بالذكر، مع عموم الحكم، والحاجة إلى البيان شاملة للقسمين؟
__________
= كان زاهدا متقللًا من الدنيا، قال عنه ابن عمر: "والله ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر" توفي بالربذة سنة 32هـ. انظر: الإصابة "4/ 63"، حلية الأولياء "1/ 156، 352".
1 رواه مسلم: كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، والترمذي: باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة، والنسائي: كتاب القبلة، باب ما يقطع الصلاة، كما رواه ابن ماجه وأحمد في مسند أبي ذر -رضي الله عنه- قال رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخر الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود.....".
2 أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، وباب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل، كما أخرجه في أماكن أخرى من صحيحه. كذلك أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وأبو داود، كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم، والإمام أحمد في المسند "1/ 215، 221، 228، 279، 285، 327".
(2/120)

بل لو قال: "في الغنم الزكاة" لكان أخصر في اللفظ، وأعم في بيان الحكم، فالتطويل لغير فائدة يكون لكنة في الكلام وعيًّا، فكيف إذا تضمن تفويت بعض المقصود؟!
فظهر أن القسم المسكوت عنه غير مساو للمذكور في الحكم.
اعترضوا عليه من أربعة وجوه:
أحدها: أنكم جعلتم طلب الفائدة طريقًا إلى معرفة الوضع1.
وينبغي أن يعرف الوضع، ثم تترتب عليه الفائدة، أما أن يكون الوضع يتبع معرفة الفائدة: فلا.
الثاني: لِمَ قلتم: إنه لا فائدة سوى اختصاص الحكم؟
فلئن قلتم: ما علمنا له فائدة.
قلنا: فلعل ثَمَّ فائدة لم يعثروا عليها، وعدم العلم بعدم الفائدة ليس علمًا بعدمها.
الثالث: يبطل بمفهوم اللقب، فلِمَ لم يقولوا: إن تخصيص الأشياء الستة2 في الربا يوجب اختصاصها به، وإن تخصيص سائمة الغنم يمنع وجوبها في بقية المواشي؟
الرابع: أن من التخصيص فائدة سوى ما ذكرتم، على ما قدمناه3.
ويحتمل أن السؤال وقع عنها، أو اتفقت المعاملة فيها، أو غير ذلك من أسباب لا يطلع عليها.
__________
1 وهو ما قاله الجمهور في الدليل الثاني.
2 وهي ما جاء في الحديث المشهور: "الذهب بالذهب والورق بالورق ... ".
3 في الدليل الخامس للمنكرين لحجية مفهوم المخالفة.
(2/121)

الجواب:
أما الأول: فغير صحيح، فإن الاستدلال على الشيء بآثاره وثمراته جائز غير ممتنع في طرف النفي والإثبات، فإننا استدللنا على عدم الاشتراك في الصور المتنازع فيها بإخلاله بمقصود الوضع، وهو التفاهم.
واستدللنا على عدم إلهٍ ثان بعدم وقوع الفساد1.
فإذ قد علمنا: أن كلام الله -تعالى- لا يخلو من فائدة، وأنه لا فائدة للتخصيص سوى اختصاصه بالحكم، فيلزم منه ذلك ضرورة.
وأما الثاني2: فإن قصر الحكم عليه فائدة متيقنة، وما سواها أمر موهوم يحتمل العدم والوجود، فلا يترك المتيقن لأمر موهوم، كيف والظاهر عدمها؟ إذ لو كان ثم فائدة لم تخف على الفطن العالم بدقائق الكلام مع بحثه وشدة عنايته، فجرى هذا مجرى الاستدلال باستصحاب الحال المشروط بعدم الدليل الشرعي.
وأما مفهوم اللقب: فقد قيل: إنه حجة3.
ثم الفرق بينهما ظاهر، وهو: أن تخصيص اللقب يحتمل حمله على أنه لم يحضره ذكر المسكوت عنه4.
وهذا يبعد فيما إذا ذكر أحد الوصفين المتضادين؛ لأن ذكر الصفة يذكر ضدها، وهو منتف بالكلية فيما إذا ذكر الوصف العام، ثم وصفه بالخاص، فظهر احتمال المفهوم.
__________
1 وذلك في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] .
2 أي: الاعتراض الثاني من الاعتراضات المتقدمة.
3 سيأتي الكلام على حجيته وموقف العلماء منها.
4 أي: أن المتكلم حينما يقول: "زيد عالم" لم يخطر بباله نفي العلم عن غيره.
(2/122)

وأما الثالث1: فباطل؛ فإن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- بعث للبيان والتعليم2، والتبيين للأحكام من المقاصد الأصيلة التي بعث لها، والاجتهاد ثبت ضرورة، لعدم إمكان بناء كل الأحكام على النصوص، فلا تظن أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- ترك ما بعث له، لتوسعة مجاري الضرورات، ثم يفضي إلى محذور، وهو نفي الحكم في الصورة التي هو ثابت فيها.
وأما الفائدة الثانية والثالثة3: فلا تحصل؛ لأن الكلام فيما إذا كان المسكوت أدنى في المعنى من المنطوق في المقتضى، أو مماثلًا له.
فالتخصيص إذًا يكون بعيدًا.
وأما إذا كان المسكوت أعلى في المعنى: فهو التنبيه، وقد سبق الكلام فيه.
وأما الرابع4: فأمور موهومة، فلا يترك لها المتيقن، لما ذكرنا5. وقولهم: "يحسن الاستفهام عنه" ممنوع6.
__________
1 أي: الاعتراض الثالث.
2 قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]
3 والتي سبق ذكرها في قوله: "ومنها: الاحتياط على المذكور بالذكر، ومنها: تأكيد الحكم في المنطوق....".
4 أي: الاعتراض الرابع.
5 في قوله في الدليل الثاني: "فإن قصر الحكم عليه فائدة متيقنة، وما سواها أمر موهوم....".
6 وضح الطوفي سبب المنع في شرحه "2/ 732-733" فقال: "الجواب عن هذا، إنما حسن الاستفهام من السامع، لعدم نصوصية التخصيص اللفظي الحكمي، وعدم قطعيته في ذلك، أي: ليس نصًّا في ذلك ولا قاطعًا، بل هو ظافر فيه كالعام، فإنه لو قال قائل: "أكرم الرجال" لحسن من السامع أن يقول: "وزيدًا =
(2/123)

وأما إذا قال: "من ضربك متعمدًا فاضربه" فلا يحسن أن يقال: "من ضربني خاطئًا، هل أضربه؟ " لكن يحسن أن يقال: "فالخاطئ ما حكمه"؟
أو ما أصنع به"؟ وهذا غير ما دل عليه الخطاب.
ولو سلمنا: فيحسن الاستفهام، ليستفد التأكيد في معرفة الحكم، كما يحسن الاستفهام في بعض صور العموم1.
وقولهم: "إن العرب تعلق الحكم على ما لا ينتفي عند عدمه"2.
قلنا: لا ننكر هذا إذا ظهر للتخصيص فائدة سوى اختصاص الحكم به: إما لكونه الأغلب، أو غير ذلك.
والكلام فيما إذا لم يظهر له فائدة. والله أعلم.
فصل في درجات أدلة الخطاب
اعلم أن ههنا صورًا أنكرها منكرو المفهوم، بناء على أنها منه، وليست منه، وهي ثلاثة:
__________
= أيضًا" أكرم؟ وليس ذلك لعدم تناول الرجال زيدًا، بل لعدم نصوصيته فيه، فالاستفهام إنما هو لتحصيل النصوصية والقطع فيما استفهم عنه، لا لعدم إفادته التخصيص".
1 في فصل ألفاظ العموم.
2 في الدليل الثاني للنافين لحجية مفهوم المخالفة
(2/124)

الأولى: قوله: "لا عَالم إلا زيد"1 فهذه أنكرها غلاة منكري المفهوم2.
وقالوا: هو نطق بالمستثنى، وسكوت عن المستثنى منه، فما خرج بقوله: "إلا" فمعناه: أنه لم يدخل في الكلام، فصار الكلام مقصورًا على الباقي، والمستثنى غير متعرض له بنفي ولا إثبات.
وهذا فاسد: فإن هذا صريح في الإثبات والنفي: فمن قال: "لا إله إلا الله" مثبت للإلهية لله -سبحانه- نافٍ لها عمن سواه.
وقولهم: "لا سيف إلا ذو الفقار" و"لا فتى إلا علي" نفي وإثبات
__________
1 وهي المعبر عنها بأن الاستثناء من النفي إثبات، وهو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بأن الإجماع منعقد على أن قولنا: "لا إله إلا الله" إثبات الإلهية لله سبحانه وتعالى، وهو استثناء من نفي، وتقديره: لا إله موجود إلا الله.
2 من الحنفية ومن سار على مذهبهم. وقالوا: إن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، لأنه لو كان إثباتًا، لكان قوله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا صلاة إلا بطهور" و "لا نكاح إلا بولي" يقتضي صحة الصلاة عند وجود الطهور، والنكاح عند وجود الولي، لأنه مستثنى من نفي الصلاة والنكاح، لكن ذلك غير مسلم، لجواز تخلف صحة الصلاة عند وجود الطهور، لانتفاء شرط آخر، وكذلك صحة النكاح مع وجود الولي. انظر: شرح الطوفي "2/ 737-738".
وأجاب الطوفي عن هذا الاستدلال فقال: "إن هذا الذي ذكرتموه ليس من باب الاستثناء، لأن الاستثناء يصدق على المستثنى فيه بعد "إلا" اسم المستثنى منه وهو ما قبلها، أو يكون ما بعد "إلا" جزءًا مما قبلها ... وإذا عرفت هذا فالطهور والولي لا يصدق عليهما اسم ما قبلهما، ولا هما جزء منه، إذ الطهور ليس بصلاة ولا جزئها، والولي ليس بنكاح ولا جزئه، بل من باب انتفاء الحكم لانتفاء شرطه".
(2/125)

يقينًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي.
فهذا من صريح اللفظ، لا من مفهومه.
فأما قوله: "لا صلاة إلَّا بطهورٍ" 1 و "لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ" 2 فإن هذه صيغة الشرط، ومقتضاها: نفي الصلاة عند انتفاء الطهارة.
وأما وجودها عند وجودها: فليس منطوقًا بل هو على وفق قاعدة المفهوم، فإن نفي شيء عند انتفاء شيء لا يدل على إثباته عند وجوده، بل يبقى كما كان قبل النطق.
فالمنطوق به: الانتفاء عند النفي فقط؛ فإن قوله: "لا صلاة" ليس فيه تعرض للطهارة، بل للصلاة فقط، وقوله: "إلا بطهور" إثبات للطهور الذي لم يتعرض له الكلام، فلم يفهم منه إلا الشرط3.
__________
1 رواه الطبراني في الأوسط: كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء من طريق عيسى بن سبرة عن أبيه عن جده قال: صعد رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس: لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
وروى مسلم: كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، والترمذي: أبواب الطهارة، باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور، وابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، عن ابن عمر -رضي الله عنهما، أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "لا تقبل صلاة إلا بطهور" قال الترمذي: "هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب" وقد تقدم وجه استدلال الحنفية ومن معهم بهذا الحديث ومثله حديث الربا الآتي.
2 تقدم تخريجه.
3 تقدم توضيح ذلك من كلام الشيخ الطوفي، رحمه الله تعالى.
(2/126)

الصورة الثانية، قوله: "إنما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 1.
فهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة، وبعض منكري المفهوم على إنكاره. وقالوا: هو إثبات فقط، لا يدل على الحصر؛ لأن "إنما" مركبة
__________
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري في عدة مواضع: في كتاب الصلاة، باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، وفي كتاب الشروط، باب الشروط في البيع، وفي كتاب الأطعمة، باب الأدم، وغير ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها، مرفوعًا.
كما أخرجه مسلم: كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، وأبو داود: كتاب العتق، باب بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة، والترمذي: كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء أن الولاء لمن أعتق.
والصورة الثانية التي سيتحدث عنها المصنف هي: الحصر بإنما.
قال عنها الطوفي: "إنما: لا يقع بعدها إلا جملة خبرية، والجملة الخبرية إما اسمية نحو: "الولاء لمن أعتق" و"الأعمال بالنيات"، أو فعلية نحو قوله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178] . وقول القائل: إنما قام زيد، فإن وقع بعد "إنما" جملة اسمية اقتضت حصر المبتدأ في الخبر، كالولاء لمن أعتق، والأعمال فيما وقع بالنيات، وزيد في القيام في قولنا: إنما زيد قائم.
وإن وقع بعدها جملة فعلية، اقتضت حصر الفعل في الفاعل، كالقيام في زيد في قولنا: إنما قام زيد.
ومعنى الحصر: أن المبتدأ لا يكون متصفًا إلا بالخبر، وإن كان الخبر صفة لغيره، نحو: إنما زيد قائم، فزيد لا يتصف إلا بالقيام، وإن اتصف بالقيام عمرو وبكر، وكذلك الفعل لا يتصف به إلا الفاعل، وإن اتصف الفاعل بغيره من الأفعال، نحو: إنما قام زيد، فالقيام لا يوجد إلا في زيد، وإن وجد من زيد ضرب، وقتل، وغير ذلك من الأفعال.
فإذا عرف معنى الحصر، فإنما يقتضيه عند قوم، خلافًا لمنكري المفهوم" شرح مختصر الروضة "2/ 740-741".
(2/127)

من "إن" و"ما" و"إن" للتوكيد، و"ما" زائدة كافة1، فلا تدل على نفي، كما لو قال: "إنما النبي محمد".
وهذا فاسد2، فإن لفظة "إنما" موضوعة للحصر والإثبات: تثبت المذكور، وتنفي ما عداه؛ لأنها مركبة من حرفي نفي وإثبات: "إن" للإثبات و"ما" للنفي فتدل عليهما.
ولذلك لا تستعمل في موضع لا يحسن فيه النفي والاستثناء منه، كقوله، تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 3 و {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} 4 و {إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} 5، كما قال: {وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ} 6، وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ" 7، مثل قوله: "لا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ" 8
وقال الشاعر9:
أنا الرجل الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
__________
1 أي: تكف "إن" وأخواتها عن العمل فيما بعدها، وتهيئها للدخول على الجملة الفعلية، وهذه الحروف كانت قبل دخول "ما" عليها مختصة بالدخول على الأسماء عاملة فيها: وإذا ثبت أنها كافة لم تكن نافية، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض. انظر: شرح الطوفي "2/ 724-743".
2 هذا رد ابن قدامة على دليل الحنفية ومن معهم.
3 سورة النساء من الآية "171".
4 سورة فاطر من الآية "28".
5 سورة "ص" من الآية "65".
6 سورة الأحقاف من الآية "9".
7 سبق تخريجه والروايات الواردة فيه قريبًا
8 تقدم تخريجه.
9 هو: همام بن غالب بن صعصعة التيمي، المعروف بالفرزدق، من شعراء الطبقة الأولى الإسلاميين، توفي بالبصرة سنة "110هـ". انظر: معجم الشعراء =
(2/128)

وقولهم: "إنها إثبات فقط": غير صحيح1
وقولهم: "إنما النبي محمد" فهذا اختراع على اللغة لم يسمع به.
بلى لو قال: "إنما العالم زيد": ساغ ذلك مجازًا، لتأكيد العلم في "زيد" كما قال: "ولا فتى إلا علي" يريد بذلك تأكيد الفتوة فيه، وهذا مجاز، لا تترك الحقيقة له إلا بدليل2.
فالقول فيه كالقول في الاستثناء بإلا من النفي بلا فرق.
الصورة الثالثة3: قوله، عليه السلام: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" 4
و"تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" 5.
__________
= للمرزباني ص465، ديوان الفرزدق "2/ 153".
ومحل الشاهد في البيت: أنه حصر المدافعة عن الأحساب فيه، أو في مثله، فدل ذلك على أنها للحصر.
1 لأن المفهوم منها في غالب مواقعها واستعمالاتها الحصر، وهو المتبادر إلى أفهام أهل اللغة، كما وردت في صريح الحصر في العديد من الآيات القرآنية التي تقدم ذكر بعضها.
2 يريد: أنها استعملت في الحصر في كثير من المواضع، في اللغة، وفي القرآن، وفي السنة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فلا تحمل على غير ذلك إلا بدليل.
3 وهي ما يعبر عنها بحصر المبتدأ في الخبر.
4 أخرجه البخاري: كتاب الشفعة، باب الشفعة ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة. عن جابر، رضي الله عنه "قضي رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة".
كما أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في الشفعة، والترمذي: كتاب الأحكام، باب ما جاء إذا حدت الحدود، ووقعت السهام فلا شفعة، والنسائي: كتاب البيوع، باب الشركة في الرباعي والإمام أحمد في المسند "3/ 296".
5 أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، وباب الإمام يُحدث بعدما =
(2/129)

وهذا يلتحق بالصورة التي قبله، وإن كان دونه في القوة.
ووجهه: أن الاسم المحلى بالألف واللام يقتضي الاستغراق وأن خبر المبتدأ يجب أن يكون مساويًا للمبتدأ، كقولنا: "الإنسان بشر" أو أعم منه كقولنا: "الإنسان حيوان".
ولا يجوز أن يكون أخص منه، كقولنا: "الحيوان إنسان".
فلو جعلنا التسليم أخص من تحليل الصلاة: كان خلاف موضوع اللغة.
ولو جعلنا الشفعة فيما يقسم: لم يكن كل الشفعة منحصرًا فيما لم يقسم، وهو خلاف الموضوع1.
[درجات دليل الخطاب]
فأما ما هو من دليل الخطاب: فعلى درجات ست:
[مفهوم الغاية]
أولها: هو مد الحكم إلى غاية بصيغة "إلى" أو "حتى". كقوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} 2، {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} 3.
__________
يرفع رأسه من آخر ركعة، والترمذي: باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها، وابن ماجه: كتاب الصلاة، باب مفتاح الصلاة الطهور، والإمام أحمد في المسند "1/ 123، 129".
1 وحصر المبتدأ في الخبر له صورتان:
إحداهما: ما ذكره المصنف.
الثانية: أن تكون الجملة معرفة الطرفين: مثل: "المنطلق زيد" وللحصر صور أخرى كثيرة تكفلت ببيانها كتب البلاغة.
2 سورة البقرة من الآية "230".
3 سورة البقرة من الآية "187".
(2/130)

أنكره بعض منكري المفهوم، لأن النطق إنما هو بما قبل الغاية، وما بعدها مسكوت عنه، وكل ما له ابتداء: فغايته مقطع ابتدائه، فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية، وقبل البداية لم يكن فيه دليل على نفي ولا إثبات، فليكن بعدها كذلك.
ولنا: مع ما سبق من الأدلة1: أن {حَتَّى تَنْكِح} ليس بمستقل، ولا يصح حتى يتعلق بقوله: {فَلا تَحِلُّ لَه} ولا بد فيه من إضمار وهو "حتى تنكح زوجًا غيره فتحل له".
ولهذا يقبح الاستفهام لو قال قائل: "فإن نكحت هل تحل له؟ "
ولأن الغاية نهاية، ونهاية الشيء مقطعه؛ فإن لم يكن مقطعًا: فليس بنهاية ولا غاية2.
[مفهوم الشرط]
الدرجة الثانية: التعليق على شرط، كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} 3.
أنكره قوم4، لأنه يجوز تعليق الحكم بشرطين، كما يجوز
__________
1 أي: التي تقدمت في حجية مفهوم المخالفة عمومًا
2 قال الشيخ الطوفي "2/ 761": "واعلم أن هذه المسألة محل نظر وتردد، فلا سبيل فيها إلى القطع بشيء، أما من حيث الظن، فالظن مع مثبتي مفهوم الغاية لغة وعرفًا".
3 سورة الطلاق من الآية6.
4 من المنكرين لحجية مفهوم المخالفة وهم: أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار، وأبو عبد الله البصري، والغزالي، وهو الذي اختاره الآمدي.
(2/131)

بعلتين1، فإن قوله: "احكم بالمال إن شهد به شاهدان" لا يمنع الحكم به بالإقرار، وبالشاهد واليمين. ولا يكون نسخًا، ولهذا جوّزناه بخبر الواحد.
ولنا: ما سبق2.
وتعليقه بشرطين؛ لأن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر في ثبوت الحكم به، لا يمنع من انتفاء الحكم عند انتفائهما، كما لو صرح فقال: "لا تحكم إلا بشاهدين أو إقرار"3.
وجوزناه بخبر الواحد؛ لأنه تخصيص، وتخصيص العام بخبر الواحد جائز.
[اقتران الاسم العام بصفة خاصة]
الدرجة الثالثة: أن يذكر الاسم العام، ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدلال4 والبيان كقوله: "في الغَنَم السَّائمةِ الزَّكاةُ" أو: في
__________
1 بيان ذلك: أن تعليق الحكم بشرط لا يمنع تعليقه بشرطين فأكثر، وإذا جاز تعليقه بشرطين، لم يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الحكم، لوجود الشرط الآخر. انظر: شرح الطوفي "2/ 762".
2 أي: من الأدلة على حجية مفهوم المخالفة مطلقًا.
3 عبارة الطوفي: "ورد هذا الاستدلال: بأن الأصل عدم الشرط الثاني، والأصل التعليق على شرط واحد؛ لأنه مستقل بتصحيح تأثير المؤثر، فالزائد خلال الأصل، فلا يعتبر تقريره. وحينئذ يصح ما ذكرناه، من انتفاء الحكم لانتفاء شرطه المعلق به، فإن ثبت تعليقه على شرط ثان فصاعدًا، لدعوى الحاجة إليه اعتبرناه، ولم نحكم بانتفاء الحكم إلا بانتفاء جميع شروطه كانتفاء الحكم عند انتفاء البينة والإقرار". شرح مختصر الروضة "2/ 762".
4 هكذا في جميع النسخ، ولعلها محرفة، والأصل "الاستدراك" وهي هكذا في =
(2/132)

سَائِمةِ الغَنَم الزَّكاةُ" 1، و "مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثمَرتُهُ لِلْبَائِعِ" 2 فهو حجة –أيضًا– طلبًا لفائدة التخصيص3.
[مفهوم التقسيم]
وفي معنى هذه الدرجة: إذا قسم الاسم إلى قسمين، فأثبت في قسم منهما حكمًا، يدل على انتفائه في الآخر، إذ لو عمهما: لم يكن للتقسيم فائدة.
__________
= المستصفى. قال الطوفي: "أي: بذكر الصفة الخاصة عقيب ذكر الاسم العام، فيكون مستدركًا لعمومه بخصوص الصفة، مبينًا أن المراد بعمومه الخصوص" شرح المختصر "2/ 764".
1 أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- مرفوعًا وهو الحديث الذي روي فيه كتاب أبي بكر -رضي الله عنه- وبيّن فيه أحكام الزكاة التي فرضها رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- وجاء فيه: " ... وفي صدقة الغنم في سائمتها زكاة، إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ... ".
كما أخرجه عنه أبو داود: كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والنسائي: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، والدارقطني: كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم.
2 أخرجه البخاري: كتاب المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم: كتاب البيوع، باب: من باع نخلًا عليها ثمر من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما.
كما أخرجه أبو داود والترمذي، ومالك في الموطأ "2/ 617" وأحمد في المسند "2/ 78"، "5/ 326" ولفظه: "من باع نخلًا قد أبرت، فثمرها للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع".
والتأبير: شق طلع النخلة ليذرّ فيه شيء من طلع ذكر النخل.
3 يشير بذلك إلى قوله في الدليل الثاني على حجية مفهوم المخالفة: "إن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة....".
(2/133)

ومثاله: قوله، عليه السلام: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ" 1.
[مفهوم الصفة]
الدرجة الرابعة: أن يخص بعض الأوصاف التي تطرأ وتزول بالحكم، كقوله: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّها" 2 فيدل على أن ما عداه بخلافه، طلبًا للفائدة في التخصيص3.
وبه قال جل أصحاب الشافعي.
واختار التميمي4: أنه ليس بحجة.
__________
1 أخرجه البخاري: كتاب الحيل، باب في النكاح، ومسلم: كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، وأبو داود: كتاب النكاح، باب في الثيب، والترمذي: باب ما جاء في استئمار البكر والثيب من أبواب النكاح.
كما رواه النسائي وابن ماجه والدارمي، ومالك وأحمد.
ومحل الشاهد من الحديث: أن الأيم هي التي فارقت زوجها، ولما خص الرسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- البكر بالاستئذان، فدل ذلك على نفيه عن الأيم.
وقد بين المصنف أن هذا النوع يلتحق بالنوع الذي قبله، وهو تعقيب الاسم العام بصفة خاصة، فتقسيم الاسم أو الصنف إلى قسمين: وتخصيص كل قسم منهما بحكم، يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر. انظر: شرح الطوفي "2/ 765".
وفي شرح الكوكب المنير "3/ 505": "ووجه ذلك: أن تقسيمه إلى قسمين، وتخصيص كل واحد بحكم يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، إذ لو عمهما لم يكن للتقسيم فائدة، فهو من جملة مفهوم المخالفة".
2 تقدم قريبًا.
3 أي: أن تخصيصه بالصفة لا بد له من فائدة، وإلا لكان عبثًا، كما تقدم في الدليل الثاني من أدلة القائلين بحجية مفهوم المخالفة.
4 من علماء الحنابلة. تقدمت ترجمته.
(2/134)

وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين.
والفرق بين هذه الصورة وما قبلها: أن ذكر الثيب يظهر معه أنه ذاكر للبكر، ويحتمل الغفلة عن الذكر، فصار المفهوم ظاهرًا.
وعند ذكره الوصف الخاص مع العام انقطع احتمال عدم الحضور، فصار المفهوم ههنا أظهر1.
[مفهوم العدد]
الدرجة الخامسة: أن يخص نوعًا من العدد بحكم، كقوله: "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا المَصَّتَانِ" 2 و "لَيْسَ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَطْرَةِ
__________
1 معناه: أن هناك فرقًا بين مفهوم الصفة وما قبله، وهو تعقيب الاسم العام بصفة خاصة، وهو: أن المتكلم قد يغفل عن ضد الوصف الذي علق عليه الحكم، كالبكارة في قوله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "والبكر تستأذن" فيحتمل أن يغفل عن الثيب، حتى يقصد نفي الاستئذان عنها، وكذلك قوله: "الثيب أحق بنفسها" يحتمل أن البكر لم تخطر بباله، حتى يقصد نفي أحقيتها بنفسها عنها. بخلاف العام الذي تعقبته الصفة، فإن هذا الاحتمال منتف فيه؛ لأنه لما ذكر اللفظ العام لزم استحضار الصنفين في ذهنه. انظر: شرح الطوفي "2/ 767".
2 للحديث روايات عدة، منها: ما أخرجه مسلم: كتاب الرضاع، باب في المصة والمصتان من حديث أم الفضل، مرفوعًا، بلفظ "لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان"، وابن ماجه بنحوه في كتاب النكاح، باب: لا تحرم المصة ولا المصتان.
وأخرجه الدارقطني في كتاب الرضاع عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- مرفوعًا، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في الرواية محمد بن العباس، وقد سأله عن الرضاع فقال: عن النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان" فأرى الثلاثة تحرم. العدة "2/ 450".
(2/135)

والْقَطْرَتَيْنِ" 1 فيدل على: أن ما زاد على الاثنين بخلافهما.
وبه قال مالك، وداود، وبعض الشافعية.
وخالف فيه أبو حنيفة2، وجل أصحاب الشافعي.
والكلام فيه قد تقدم3.
__________
= وجاء في المغني لابن قدامة "8/ 140": "إن الصحيح من مذهب الحنابلة: أن العدد المحرم هو خمس رضعات فضاعدًا".
1 أخرجه الدارقطني: كتاب الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن بلفظ ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دمًا سائلًا". من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.
2 وبعض أصحابه.
3 أي: من الأدلة على حجية المخالفة عمومًا. وقد استدل بعض العلماء على حجية مفهوم العدد بأدلة أخرى كثيرة، منها: أنه لما نزل قول الله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ... } [التوبة: 80] قال النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لأزيدن على السبعين" رواه البخاري حديث رقم "4670" عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: لما توفي عبد الله بن أُبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنما خيرني الله فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} وسأزيد على السبعين" قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فأنزل الله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] .
ومحل الشاهد من ذلك: أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فهم أن حكم ما فوق السبعين مخالف لما قبلها، وهو -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- أعلى أهل اللغة رتبة فيها، فدل ذلك على حجية مفهوم العدد. =
(2/136)

[مفهوم اللقب]
الدرجة السادسة: أن يخص اسمًا بحكم، فيدل على أن ما عداه بخلافه. الخلاف فيها كالخلاف في التي قبلها.
وأنكره الأكثرون، وهو الصحيح؛ لأنه يفضي إلى سد باب القياس.
وأن تنصيصه على الأعيان الستة في الربا يمنع جريانه في غيرها1 ولا فرق بين كون الاسم مشتقًا كالطعام2، أو غير مشتق كأسماء الأعلام3، والله تعالى أعلم.
__________
= قال الشوكاني: "والحق ما ذهب إليه الأولون، والعمل به معلوم من لغة العرب ومن الشرع، فإن من أمر بأمر وقيده بعدد مخصوص، فزاد المأمور على ذلك العدد أو نقص عنه، فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص، كان هذا الإنكار مقبولًا عند من يعرف لغة العرب، فإن ادّعى المأمور أنه قد فعل ما أمر به، مع كونه نقص عنه، أو زاد عليه، كانت دعواه هذه مردودة عند كل من يعرف لغة العرب" إرشاد الفحول "2/ 65".
1 معناه: أنه لو كان مفهوم اللقب حجة، لمنع التنصيص على تحريم الربا في الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- من أن يجري الربا في غيرها، لأن مستند القائلين بحجيته: أن فائدة تخصيصه بالذكر: هي قصر الربا على هذه الأصناف الستة، فيلزم على ذلك عدم ثبوت الربا في غيرها وهذا باطل، فإن الربا قد ثبت في كل ما وجدت فيه العلة كالذرة، والسمسم، وأشباهها من المكيلات، والحديد والرصاص والنحاس، وغيرها من الموزونات، والفواكه وغيرها من المطعومات، وهذا يدل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة. انظر: شرح الطوفي "2/ 772-773".
2 فإنه مشتق من الطعم.
3 مثل قولنا: زيد عالم، وكالحنطة والشعير والتمر والملح والذهب والفضة.
قال الطوفي: الأشبه الذي تسكن النفس إليه أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات =
(2/137)

......................................................................................
__________
= كالحديث الضعيف في المنطوقات، والقياس الشبهي في الأقيسة" شرح المختصر "2/ 775".
شروط العمل بمفهوم المخالفة:
هناك شروط وضعها القائلون بحجية مفهوم المخالفة، فإن لم تتحقق لم يكن حجة باتفاق، ولم يذكرها المصنف وهي:
أولًا: أن لا يكون للقيد الذي قيد به النص فائدة أخرى غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت، كالترغيب والترهيب، أو التنفير أو التفخيم، أو تأكيد الحال أو الامتنان، أو غير ذلك من الفوائد التي يمكن أن تكون مقصودة للشارع، غير نفي الحكم عما عدا المذكور.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً....} [آل عمران: 130] فوصف الربا بكونه "أضعافًا مضاعفة" إن جاء للتنفير من أمر ظالم كان عليه أهل الجاهلية، حيث كان المرابي يزيد في الربا كلما زاد في أجل الدين، حتى كان المال يبلغ أضعاف أصل الدين، مما يؤدي إلى استئصال مال الغريم، فنوهت الآية الكريمة بهذا الوصف، تشنيعًا على المرابين، وتوجيهًا لهم إلى واقع تصرفهم المقيت، لا لتقييد الحكم بهذا الوصف.
وعلى هذا فأصل الربا محرم، كثيرًا كان أو قليلًا، بدليل قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ... } [البقرة: 275] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278-279] .
ثانيًا: أن لا يكون قد خرج مخرج الغالب، كما في قوله تعالى، في شأن المحرمات من النساء: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ ... } [النساء 23] ، فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج، بدليل أن الله -تعالى- قيد تحريم بنت الزوجة بالدخول بالأمهات، والحل بعدم الدخول، فلو كانت الربيبة حرامًا؛ لوجودها في حجر الزوج فقط، لما كان للتعليل بالدخول معنى: انظر: القرطبي "5/ 112".
(2/138)

.......................................................................
__________
= ثالثًا: أن لا يعارض مفهوم المخالفة ما هو أقوى منه، كأن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، أو مساويًا له، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] فقد دلت الآية بمنطوقها على حرمة أكل مال اليتيم، كما دلت بمفهومهما، على أن غير الأكل مثل الأكل، كالإحراق أو التبديد، لأن هذا هو الذي يتبادر فهمه من علة التحريم.
رابعًا: أن لا يكون جوابًا لسؤال سائل، ولا لحادثة خاصة بالمذكور، مثل: أن يسأل سائل: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيجاب: في الغنم السائمة زكاة، فلا يكون المفهوم هنا حجة باتفاق العلماء. إرشاد الفحول [2/ 59] .
خامسًا: أن يكون الكلام الذي ذكر فيه القيد مستقلًا، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا يكون حجة.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ... } [البقرة: 187] فإن تقييد كون الاعتكاف في المساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف ممنوع من مباشرة زوجته مطلقًا، والاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، فلا يكون هذا المفهوم حجة. المهذب للشيرازي "1/ 194".
سادسًا: أن لا يوجد في الواقعة المسكوت عنها دليل خاص بها، لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... } [النساء: 101] فقد دلت الآية الكريمة على جواز قصر الصلاة في حالة الخوف من تقييد الحكم بالشرط في قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} . وهذا القيد يدل بمفهوم المخالفة على عدم جواز القصر حالة الأمن، إلا أن هذا المفهوم ألغي لوجود نص خاص به، فقد ورد أن يعلى بن أمية سأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟! فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" تقدم تخريجه.
فقد تعارض في مسألة قصر الصلاة حالة الأمن حكمان: أحدهما: مستفاد من =
(2/139)

باب: القياس
فصل: تعريف القياس
...
باب: القياس
القياس في اللغة: التقدير، ومنه: "قست الثوب بالذراع": إذا قدرته به1.
قال الشاعر2، يصف جراحة أو شجة:
إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت ... غثيثتها أو زاد وهيًا هزومها3.
__________
مفهوم المخالفة من الآية الكريمة، وثانيهما: من منطوق الحديث الشريف، ولا شك أن دلالة المنطوق أقوى من دلالة مفهوم المخالفة. انظر في هذه الشروط مختصر المنتهى مع شرح العضد "2/ 174"، الإحكام للآمدي "3/ 93-94"، شرح مختصر الروضة "2/ 775" شرح الكوكب المنير "3/ 489 وما بعدها" إرشاد الفحول "2/ 59".
1 قال الجوهري: قستُ الشيء بالشيء، أي: قدّرته على مثاله، يقال: قست، أقيس، وأقوس، فهو من ذوات الياء والواو، ونظائره في اللغة كثيرة، والمصدر: قيسًا وقوسًا، بالياء والواو. انظر: الصحاح "3/ 967".
ويطلق القياس في اللغة على المساواة أيضًا، سواء أكانت حسية أم معنوية، فمن أمثلة الأول: قست هذا الكتاب بهذا الكتاب، ومن أمثلة الثاني: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه. انظر: لسان العرب "8/ 70" القاموس المحيط "2/ 244".
قال الطوفي: "واعلم أنا قد بينا أن القياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم، وهو في الشرع تسوية خاصة بين الأصل والفرع، فهو كتخصيص لفظ الدابة ببعض مسمياتها، فهو حقيقة عرفية، مجاز لغوي". شرح المختصر "3/ 219".
2 هو: خداش بن بشر بن خالد، أبو زيد التميمي المعروف بالبعيث: خطيب، شاعر، من أهل البصرة. قال فيه الجاحظ: أخطب بني تميم، كانت بينه وبين جرير مهاجاة دامت نحو أربعين سنة. توفي بالبصرة سنة 134هـ.
انظر ترجمته في: الشعر والشعراء لابن قتيبة "1/ 497"، الأعلام "2/ 302".
3 الآسي، بالمد: الطبيب. والنِّطاسي: بكسر النون أو فتحها: العالم بالطب، فهو =
(2/140)

"وقاس الطبيب الجراحة": إذا جعل فيها الميل1 يقدّرها به، ليعرف غورها.
وهو في الشرع:
حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما2.
وقيل: حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل، لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل.
وقيل: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما، أو نفيهما3 عنهما.
ومعاني هذه الحدود متقاربة4.
وقيل: هو الاجتهاد
__________
= وصف للآسي: ومعنى "أدبرت": وليت. ومعنى "غثيثها": ما في الجرح من صديد ولحم ميت يؤلم المجروح. وقوله: "هزومها" الهزوم: غمز الشيء باليد، فتصير فيه حفرة، كما تغمز القربة فتنهزم في جوفها. وقد أورد له ابن منظور هذا البيت في معرض كلامه على معنى كلمة "نطس". انظر: لسان العرب "مادة: نطس".
1 الميل: آلة يدخلها الطبيب في الجرح ليعرف عمقه، ويسمى "المسبار" لأن الطبيب يختبر به الجرح، والسبر في اللغة: الاختبار.
2 المراد بالحمل: التسوية بين الأصل والفرع في الحكم.
3 أي: نفي الحكم أو الصفة.
4 هذا مسلم في التعريف الأول والثاني، أما الثالث فغير مسلم، فإن قوله: "من إثبات حكم أو صفة لهما، أو نفيهما عنهما" غير صحيح، فإن القياس يثبت حكم الفرع فقط، أما حكم الأصل فمعلوم، وإلا فكيف يقاس عليه؟
وهذه التعريفات جارية على أن حكم الفرع هو نفس حكم الأصل.
وهناك اتجاه آخر يرى أن حكم الفرع ليس هو حكم الأصل، وإنما هو مثله، ولذلك عرفه القرافي بأنه: إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لأجل اشتباههما =
(2/141)

وهو خطأ، فإن الاجتهاد قد يكون بالنظر في العمومات وسائر طرق الأدلة، وليس بقياس.
ثم لا ينبيء في العرف1 إلا عن بذل المجهود، إذ من حمل خردلة لا يقال: اجتهد.
وقد يكون القياس جليًّا2 لا يحتاج إلى استفراغ الوسع وبذل
__________
= في علة الحكم عند المثبت".
فقوله: "مثل حكم معلوم" يدل على أنه مثله لا عينه.
وقوله: "عند المثبت" ليشمل القياس الصحيح والفاسد؛ لأن علة القياس قد تكون منصوصة، وقد تكون مستنبطة، فتختلف فيها وجهة نظر العلماء، كما اختلفوا في علة الربا في الأمور الستة الواردة في حديث عبادة بن الصامت، هل هي الكيل، أو الطعم، أو الوزن، أو الاقتيات؟ فإذا قلنا: إن كل مجتهد مصيب، كان ذلك قياسًا شرعيًّا صحيحًا، وإذا قلنا: إن المجتهد يصيب ويخطئ، كان المصيب واحدًا، وغيره مخطئ. فيكون قياسه فاسدًا، ومع ذلك فهو داخل في التعريف.
انظر: الإحكام للآمدي "3/ 183" شرح مختصر الروضة "3/ 220" وما بعدها"
1 أي: عرف علماء الشرع، وحاصل الرد على هذا التعريف: أن لفظ "القياس" ينبئ عن معنى التقدير والاعتبار، والاجتهاد لا ينبئ عن ذلك، وهذا نقض للتعريف من جهة اللفظ.
وأما من جهة المعنى: فإنه منقوض بالنظر في العمومات ومواقع الإجماع وغيرها من طرق الأدلة، فإنه اجتهاد وليس بقياس.
كما أن لفظ الاجتهاد ينبئ عن بذل الجهد في النظر، والقياس قد يكون جليًّا لا يحتاج على نظر واجتهاد.
فالحاصل: أن تعريف القياس بالاجتهاد تعريف بالأعم، فإن الاجتهاد أعم من القياس، إذ كل قياس اجتهاد، وليس كل اجتهاد قياسًا. انظر: شرح الطوفي "3/ 224".
2 القياس ينقسم إلى عدة أقسام، باعتبارات مختلفة، ومن هذه الأقسام انقسامه إلى جلي، وخفي. =
(2/142)

الجهد. ولا بد في كل قياس من أصل، وفرع، وعلة، وحكم.
فأما إطلاق القياس على المقدمتين اللتين يحصل منهما نتيجة: فليس بصحيح؛ لأن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر، ويقدر به، فهو اسم إضافي بين شيئين على ما ذكرناه في اللغة1.
__________
= فالجلي: هو ما كانت العلة الجامعة فيه بين الأصل والفرع منصوصة أو مجمعًا عليها، أو هو: ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
والخفي: ما كانت العلة فيه مستنبطة، أو الذي لم يقطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، مثل: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد، بجامع القتل العمد العدوان؛ لإثبات وجوب القصاص في المثقل. وهذا هو اصطلاح الجمهور في التفرقة بين القياس الجلي والخفي، أما الحنفية فلهم اصطلاح آخر. انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب "2/ 243"، شرح مختصر الروضة "3/ 223"، كشف الأسرار "2/ 122".
1 حاصل ذلك: أن المصنف أراد أن يفرق بين القياس عند الأصوليين والقياس عند الفلاسفة، وأن كلًّا منهما بعيد عن الآخر، فالقياس عند الفلاسفة عبارة عن: تركيب مقدمتين يحصل منهما نتيجة، كقول القائل: كل حيوان جسم، وكل جسم مؤلف، يلزم عنه: أن كل حيوان مؤلف، فهذه نتيجة لازمة عن مقدمتين، ولو أضفنا إليها مقدمة أخرى وهي قولنا: كل مؤلف محدث، لزم عن ذلك: أن كل حيوان محدث.
ومع التسليم بهذه النتيجة، إلا أن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بنوع من المساواة، إذ تقول العرب: لا يقاس فلان إلى فلان في عقله ونسبه، وفلان يقاس إلى فلان فهو عبارة عن معنى إضافي بين شيئين. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 225"، نزهة الخاطر العاطر "2/ 228-229".
(2/143)

فصل: في العلة
ونعني بالعلة: مناط الحكم1.
وسميت علة؛ لأنها غيرت حال المحل، أخذًا من علة المريض؛ لأنها اقتضت تغيير حاله2.
__________
1 أي: ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به، ونصبه علامة عليه.
2 انظر: القاموس المحيط: "2/ 347".
وفي إرشاد الفحول للشوكاني "2/ 157": "وقيل: إنها مأخوذة من العلل بعد النهل، وهو معاودة الشرب مرة بعد مرة، لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر مرة بعد مرة".
وهذا معناها في اللغة.
أما في الاصطلاح الشرعي: فلها معان كثيرة.
المعنى الأول: أنها المعرفة للحكم، بأن جعلت علمًا على الحكم، إن وجد المعنى وجد الحكم.
المعنى الثاني: أنها المؤثرة في الحكم بجعل الله تعالى.
المعنى الثالث: أنها الباعث على التشريع، بمعنى: أن يكون الوصف مشتملًا على مصلحة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرح الحكم.
المعنى الرابع: هي المؤثرة في الحكم بذاتها، لا بجعل الله تعالى. وهو تعريف المعتزلة، وهو مرفوض، لأن الله تعالى هو الفعال لما يريد، ولا يجب عليه شيء، فإنه سبحانه لا يحمله شيء على فعل شيء.
ونستطيع أن نستخلص من هذه التعريفات تعريفًا شاملًا للعلة بأنها: هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يناسب الحكم بتحقيق مصلحة الناس، إما بجلب منفعة أو دفع مضرة. انظر: المعتمد "2/ 704"، فواتح الرحموت "2/ 260"، نهاية السول "3/ 39"، إرشاد الفحول "2/ 157 وما بعدها".
(2/144)

فصل: [طرق الاجتهاد في إثبات العلة]
والاجتهاد في العلة على ثلاثة أضرب:
تحقيق المناط للحكم، وتنقيحه، وتخريجه.
أما تحقيق المناط1، فنوعان:
أولهما: لا نعرف في جوازه خلافًا.
ومعناه: أن تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع.
ومثاله: قولنا: "في حمار الوحش: بقرةٌ" لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} 2 فنقول: "المثل واجب، والبقرة مثل، فتكون هي الواجب".
فالأول: معلوم بالنص والإجماع، وهو: وجوب المثلية في البقرة3.
أما تحقيق المثلية في البقر، فمعلوم بنوع من الاجتهاد4.
__________
1 والمراد بالمناط: ما نيط به الحكم، أي: علق به، وهو العلة التي رتب عليها الحكم في الأصل، يقال: نطُت الحبل بالوتد، أنوطه نوطًا: إذا علقته، ومنه ذات أنواط، وهي شجرة كانوا في الجاهلية يعلقون فيها سلاحهم.
روى الإمام أحمد في مسنده "5/ 218" عن أبي واقد الليثي أن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} والذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من كان قبلكم".
2 سورة المائدة من الآية "95".
3 أي: أن وجوب المثل متفق عليه ثابت بالنص والإجماع.
4 أي: أن كون البقرة مثل حمار الوحش، اجتهادي، ثابت بالاجتهاد في تحقيق =
(2/145)

ومنه الاجتهاد في القبلة فنقول: وجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة1: فيعلم بالاجتهاد.
وكذلك تعيين الإمام2، والعدل، ومقدار الكفاية في النفقات ونحوه4.
فليعبر عن هذا بتحقيق المناط، إذ كان معلومًا، لكن تعذر معرفة وجوده في آحاد الصور، فاستدل عليه بأمارات5
الثاني: ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع، فيبين المتجهد وجودها في الفرع باجتهاده.
مثل: قول النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- في الهر: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجسٍ؛ إِنَّهَا مِنَ
__________
= النص؛ لأن الله -تعالى- لم ينص على أن البقرة مثل حمار الوحش. في كفارة قتل المحرم للصيد متعمدًا.
1 في حق من اشتبهت عليه، فليس هناك نص في ذلك، وعليه أن يجتهد فيها
2 يعني: أن نصب الإمام والوالي والقاضي واجب، لكن تعيين فلان أو فلان من الناس لهذه المناصب موكول إلى اجتهاد أهل الحل والعقد في ذلك.
3 أي: أن حكم القاضي بالصدق واجب، وهو أمر معلوم بالنص، وقول العدل صدق معلوم بالظن، وأمارات العدالة لا تعلم إلا بالظن.
4 أي: أن قدر الكفاية في نفقة الزوجات والأقارب ونحوهم واجب متفق عليه، أما كون قدر الكفاية بالوزن أو الكيل كذا، فيدرك بالاجتهاد والظن.
5 أي: أن مناط الحكم معلوم بنص أو إجماع، فلا حاجة على استنباطه أو الاجتهاد فيه لكن تعذر معرفة وجوده في الصور التي يراد إثبات الحكم فيها، فاستدل عليه بأمارات ظنية، تسمى تحقيق المناط. انظر: المستصفى "3/ 486 وما بعدها"، شرح مختصر الروضة "3/ 234-235".
(2/146)

الضرب الثاني: تنقيح1 المناط:
وهو: أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه، فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار، ليتسع الحكم.
ومثاله: قوله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- للأعرابي الذي قال: هلكتُ يا رسول الله. قال: "مَا صَنَعتَ؟ " قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. قال: "أَعْتِقْ رَقَبةً" 2.
فنقول: كونه أعرابيًّا: لا أثر له3 فيلحق به "التركي" و"العجمي"، لعلمنا أن مناط الحكم: وقاع مكلف، لا وقاع الأعرابي، إذ التكاليف تعم الأشخاص، على ما مضى4.
ويلحق به: من أفطر بوقاع في رمضان آخر؛ لعلمنا أن المناط: حرمة رمضان، لا حرمة ذلك الرمضان5.
__________
1 التنقيح في اللغة: التخليص والتهذيب، يقال: نَقَّحْتُ العظم: إذا استخرجت مخه، ونقّحت الشيء: خلصت جيده من رديئه. انظر: المصباح المنير مادة "نقح".
وأما في الاصطلاح: فهو إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف الشارع الحكم إليها لعدم صلاحيتها للاعتبار في العلة. انظر: شرح الطوفي "3/ 237".
2 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان لم يكن له شيء، عن أبي هريرة مرفوعًا، ومسلم: كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم.
كما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والشافعي وغيرهم. انظر: تلخيص الحبير "2/ 206".
3 فلا يخيل للسامع أن علة الكفارة هي مجموع كونه أعرابيًّا جامع في نهار رمضان.
4 في باب العموم.
5 الذي وقع فيه الجماع في حياة الرسول، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.
(2/148)

وكون الموطوءة منكوحة: لا أثر له، فإن الزنا أشد في هتك الحرمة.
فهذه إلحاقات معلومة تبنى على مناط الحكم، بحذف ما علم بعادة الشرع في مصادره وموارده وأحكامه: أنه لا مدخل له في التأثير.
وقد يكون بعض الأوصاف مظنونًا، فيقع الخلاف فيه كالوقاع، إذ يمكن أن يقال: مناط الكفارة: كونه مفسدًا للصوم المحترم، والجماع آلة الإفساد، كما أن السيف آلة للقتل الموجب للقصاص، وليس هو من المناط، كذا ههنا1.
ويمكن أن يقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان الشهوة بمجرد وازع الدين، فيحتاج إلى كفارة وازعة، بخلاف الأكل.
والمقصود: أن هذا نظر في تنقيح المناط بعد معرفته بالنص، لا بالاستنباط، وقد أقر به أكثر منكري القياس.
__________
1 يعني: أنه قد تكون علة الحكم ظنية، فتختلف فيها الأنظار، مثل: هل العلة في الكفارة خصوص الجماع في نهار رمضان، أو عموم إفساد الصوم، كالأكل والشرب؟ خلاف بين العلماء:
فأبو حنيفة ومالك يرون أن الأكل والشرب كالجماع في وجوب الكفارة، بل هما أولى من الجماع؛ لأنهما مادة الجماع وسببه المقوي عليه، ووسيلته المتوصل بها إليه، إذ الجائع لا يستطيعه، والشبعان ينشط له، فكان إيجاب الكفارة بالأكل والشرب من باب: سد الذرائع، وحسم مواد الفساد.
والشافعي وأحمد يقولان: لا كفارة إلا بخصوص الجماع، لأن النفس لا تنزجر عنه عند هيجان الشهوة بمجرد الوازع الديني، فاحتيج فيه إلى زيادة في الوازع وهي الكفارة. انظر: شرح الطوفي "3/ 240".
(2/149)

وأجراه أبو حنيفة في الكفارات، مع أنه لا قياس فيها عنده1.
الضرب الثالث، تخريج المناط2:
وهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه أصلًا. كتحريمه شرب الخمر، والربا في البر.
فيستنبط المناط بالرأي والنظر، فيقول: حرّم الخمر، لكونه مسكرًا، فيقيس عليه النبيذ، وحرّم الربا في البر، لكونه مكيلًا، فيقيس عليه الأرز.
وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه.
فصل
في إثبات القياس على منكريه
قال بعض أصحابنا: يجوز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا، لقول أحمد،
__________
1 يعني: مع أن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون القياس في الكفارات، إلا أنهم خالفوا أصلهم في هذه المسالة، وأجروا القياس فيها.
2 التخريج في اللغة: الاستخراج والاستنباط.
أما في الاصطلاح: فهو عبارة عن إضافة حكم -لم يتعرض الشرع لعلته- إلى وصف مناسب في نظر المجتهد بالسبر والتقسيم، كالأمثلة التي ذكرها المصنف.
قال الشيخ الطوفي، موضحًا ذلك: "وتحرير الكلام ههنا: أنا إذا رأينا الشارع قد نص على حكم، ولم يتعرض لعلته، قلنا: هذا حكم حادث لا بد له بحق الأصل من سبب حادث، فيجتهد في استخراج ذلك من محل الحكم، فإذا ظفر بوصف مناسب له، واجتهد ولم يجد غيره، غلب على ظنه أن ذلك الوصف هو سبب ذلك الحكم". شرح المختصر "3/ 243".
(2/150)

رحمه الله: "لا يستغني أحد عن القياس"1.
وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين.
وذهب أهل الظاهر والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلًا ولا شرعًا2. وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله- فقال: "يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس"3.
وتأوله القاضي على قياس يخالف به نصًّا.
وقالت طائفة: لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب، لكنه في مظنة الجواز، فأما التعبد به شرعًا: فواجب.
وهو قول بعض الشافعية وطائفة من المتكلمين4.
__________
1 ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في العدة "4/ 1280" وأبو الخطاب في التمهيد "3/ 365".
2 انظر الإحكام لابن حزم "7/ 93".
3 أورد ذلك القاضي أبو يعلى في العدة "4/ 1281" وتأوله على القياس المخالف للنص فقال: "وهذا محمول على استعمال القياس في معارضة السنة، فإنه لا يجوز".
4 قال الطوفي، موضحًا آراء العلماء في حجية القياس: "النزاع في التعبد بالقياس إما عقلًا، أو شرعًا، وعلى كل واحد من التقريرين: فإما أن يكون النزاع في جوازه، أو وجوبه، أو امتناعه، أو وقوعه، فهي ثمانية أقوال، قد ذهب إلى أكثرها ذاهبون، فممن أوجب ورود التعبد به عقلًا: القفال، وأبو الحسين البصري. وممن أحاله من سبق ذكره "يقصد: الظاهرية والنظام" وأجازه الأكثرون عقلًا وشرعًا، ثم اختلفوا في وقوعه، فأثبته الأكثرون، ومنعه داود بن علي الأصبهاني والقاشاني والنهرواني.
واختلف المثبتون لوقوعه، هل هو بدليل العقل أو السمع؟ وهل دليل السمع =
(2/151)

وجه قول أصحابنا1:
[الدليل الأول] أن تعميم الحكم واجب، ولو لم يستعمل القياس: أفضى إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام، لقلة النصوص، وكون الصور2 لا نهاية لها، فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة3.
فإن قيل: يمكن التنصيص على المقدمات الكلية ويبقى الاجتهاد في المقدمات الجزئية، فيكون من تحقيق المناط، وليس ذلك بقياس، وذلك مثل: أن ينص على: "أن كل مطعوم ربوي" وهذه المقدمة الكلية، فيبقى الاجتهاد في: "أن هذا مطعوم أم لا"؟
وهذا لا خلاف في جوازه.
قلنا: إن تصوّر هذا فليس بواقع، فإن أكثر الحودث ليس بمنصوص على مقدماتها الكية، كميراث الجد وأشباهه، فيقتضي العقل: أن لا يخلو عن حكم4.
__________
= قطعي؟ وهو مذهب الأكثرين، أو ظني؟ وهو قول أبي الحسين البصري والآمدي. شرح المختصر "3/ 246".
1 وهم الذين صدر بهم المسألة فقال: "قال بعض أصحابنا يجوز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا ... "
2 أي: الوقائع والحوادث التي تقع للناس من حين لآخر.
3 معناه: أننا لو لم نعمل بالقياس عند عدم وجود نص من القرآن أو السنة، لخلت حوادث كثيرة عن أحكام؛ لكثرة الحوادث والوقائع وقلة النصوص الشرعية، فلا يوجد في كل حادثة نص يخصها، فاحتيج إلى إلحاق غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه.
4 يعني: أن المنكرين للقياس قالوا: يمكن الاستغناء عن القياس بالتنصيص على المقدمات الكلية، ويبقى الاجتهاد في المقدمات الجزئية، فتستخرج منه =
(2/152)

دليل ثان:
أن العقل يدل على العلل الشرعية ويدركها، إذ مناسبة الحكم عقلية مصلحية، يقتضي العقل تحصيلها وورود الشرع بها، كالعلل العقلية1.
ولأننا نستفيد بالقياس ظنًّا غالبًا في إثبات الحكم، والعمل بالظن الراجح متعين2.
وشبهة المانعين منه عقلًا: ما مضى في رد خبر الواحد3. وقد مضى
__________
= الأحكام، كما سبق في النوع الأول من تحقيق المناط، وهذا لا يسمى قياسًا بالاتفاق، كما سبق.
وأجاب المصنف على ذلك: بأن مجرد جواز النص على القواعد الكلية لا يكفي في إثباته، وأكثر الحوادث لم ينص على مقدماتها، كميراث الجد وما يشبهه، فاقتضى ذلك استعمال القياس.
1 هذا دليل عقلي ثان على جواز القياس خلاصته: أن العقل كما دل على العلل في الأمور العقلية، فإنه يدل، أيضًا على العلل في الأمور الشرعية؛ لأن مناسبتها للأحكام عقلية مصلحية، فمن المعلوم أن الأحكام الشرعية تقوم على رعاية مصالح العباد: من جلب المنافع ودرء المفاسد، والعقل يدرك طلب تحصيلها وورود الشرع بها.
2 هذا دليل آخر على حجية القياس، ولكنه يشير إلى اعتراض وارد من المخالفين خلاصته: أن القياس يثبت حكمًا ظنيًّا، وهذا يجوز في الفروع، أما الأصول: فلا بد فيها من القطع، فأجاب المصنف بهذا الدليل: أن المقصود من كون القياس حجة: إنما هو العمل به لا مجرد اعتقاد كونه حجة، والأحكام الفرعية يكفي فيها الظن، فكذلك ما كان وسيلة لها، خاصة إذا كان الظن راجحًا.
3 يشير إلى ما ورد في التعبد بخبر الواحد، حيث قال: "وأنكر قوم التعبد بخبر الواحد عقلًا؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، فالعمل به عمل بالشك، وإقدام على =
(2/153)

فأما التعبد به شرعًا: فالدليل عليه:
إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- على الحكم بالرأي في الوقائع الخالية عن النص.
فمن ذلك
حكمهم بإمامة أبي بكر -رضي الله عنها- بالاجتهاد مع عدم النص، إذ لو كان ثم نص لنقل، ولتمسك به المنصوص عليه1.
وقياسهم العهد على العقد، إذ عهد أبو بكر إلى عمر -رضي الله عنهما- ولم يرد فيه نص، لكن قياسًا لتعيين الإمام على تعيين الأمة2.
__________
= الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل، بل إذا أمرنا الشارع بأمر فليعرفناه، لنكون على بصيرة: إما ممتثلون، وإما مخالفون" وقد رد المصنف على ذلك فقال: "والجواب عن هذا: إن صدر من مقر بالشرع فلا يتمكن منه؛ لأنه تعبد بالحكم بالشهادة، والعمل بالفتوى، والتوجه إلى الكعبة بالاجتهاد عند الاشتباه، وإنما يفيد الظن كما يفيد العمل بالمتواتر.... وإن صدر من منكر للشرع فيقال له: أي: استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، والظن مدرك بالحس فيكون معلومًا، فيقال له: إذا ظننت صدق الشاهد والرسول والحالف فاحكم به، ولست متعبدًا بمعرفة صدقه، بل بالعمل به عند ظن صدقه".
1 جاء في طبقات ابن سعد "3/ 183": "عن وكيع بن الجراح عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قد قدّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- لديننا، فقدمنا أبا بكر" وقد ذكره السيوطي في "تاريخ الخلفاء" ص64، كما ذكره ابن قيم الجوزيه في "إعلام الموقعين" "1/ 230".
2 أي: أن الأصل في اختيار الإمام أن يكون بالبيعة، كما حدث لأبي بكر -رضي الله عنه- إلا أن أبا بكر -رضي الله عنه- عهد إلى عمر -رضي الله عنه- بالخلافة، قياسًا للعهد من الإمام على تعيين الأمة بعقد البيعة، وعهد أبي بكر إلى عمر =
(2/154)

ومن ذلك: موافقتهم أبا بكر -رضي الله عنه- في قتال مانعي الزكاة بالاجتهاد1.
وكتابة المصحف بعد طول التوقف فيه2.
__________
= -رضي الله عنهما- ثابت في التاريخ الصحيح، أورده ابن حجر في التلخيص الحبير "4/ 44"، وابن سعد في طبقاته "3/ 274".
1 معناه: أن أبا بكر -رضي الله عنه- قاس الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع منها، بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام، وقال في ذلك: "لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. ووافقه الصحابة -رضي الله عنهم- على ذلك، فكان إجماعًا على صحة القياس. انظر: شرح الطوفي "3/ 264".
3 روى أبو داود الطيالسي في مسنده، والترمذي في سننه في أبواب التفسير، والبيهقي في السنن الكبرى، والبغوي في شرح السنة "4/ 513-515" والإمام أحمد في مسنده "1/ 13" وغيرهم عن زيد بن ثابت قال: "أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وكان عنده عمر، فقال: إن هذا أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ بالقراء، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في سائر المواطن، فيذهب القرآن، وقد رأيت أن تجمعوه، فقلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدره، ورأيت فيه الذي رأى، فقال أبو بكر: إنك شاب -أو رجل- عاقل، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- لا نتهمك فاكتبه، قال: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي منه، فقلت لهما: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم؟ قال أبو بكر وعمر: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر وعمر يراجعاني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرهما، ورأيت فيه الذي رأيا، فتتبعت القرآن أنسخه من الصحف والعسب "جريد النخل" واللخاف "الحجارة الرقاق"، وصدور الرجال، حتى فقدت آية كنت أسمع رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- يقرأ بها {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... } =
(2/155)

وجمع عثمان له على ترتيب واحد1.
__________
= [التوبة: 128-129] فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت فأثبتها في سورتها".
انظر: كتاب المصاحف للسجستاني تحقيق الدكتور محب الدين عبد السبحان واعظ "1/ 165 وما بعدها" فقد استوفى الروايات الواردة في ذلك بأسانيدها.
1 عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فرج أرمينية وأذربيجان "الفرج: الثغر" مع أهل العراق، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إليّ بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، أن انسخوا الصحف في المصحاف، وقال للرهط القرشيين الثلاثة، ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا، وأمر بسوى ذلك من صحيفة أو مصحف أن يحرق" رواه البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، والترمذي: في أبواب التفسير، والبغوي في شرح السنة "4/ 519"- 521" وقال: "هذا حديث صحيح" كما أورده أبو شامة عن البخاري في المرشد الوجيز "49-51" والسجستاني في كتاب المصاحف "1/ 204 وما بعدها"
وقول المصنف: "على ترتيب واحد" أي: على النسخة التي كانت عند السيدة حصفة -رضي الله عنها- وهي التي جمعت في عهد سيدنا أبي بكر -رضي الله عنه- وهو الترتيب الذي عليه المصاحف الآن، أما المصاحف الأخرى التي كانت عند بعض الصحابة -رضي الله عنهم جميعًا- فكانت مختلفة الترتيب، وبعضها كان على حسب نزول السور، ولذلك أمر عثمان -رضي الله عنه- بحرق ما عدا المصحف الذي اعتبر مصحف الجماعة. انظر: البرهان للزركشي "1/ 240"، فصائل القرآن لابن كثير، ملحق بتفسيره "7/ 446".
(2/156)

واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة "الجد والإخوة" على وجوه مختلفة، مع قطعهم أنه لا نص فيها1.
وقولهم في المشرّكة2.
__________
1 مسألة ميراث الإخوة مع الجد، وقع فيها خلاف طويل بين الصحابة -رضي الله عنهم- فالبعض أنزله منزلة الأب، فلا يرث الإخوة معه شيئًا، ومنهم من قال: يقاسمهم إلى الثلث، ومنهم من قال: إلى السدس، ومنهم من قال: إلى نصف السدس، فأقر بعضهم بعضًا على ما ذهب إليه، ولم ينكر بعضهم على بعض، فكان ذلك اتفاقًا منهم على الاجتهاد في المسألة.
قال أبو يعلى في العدة "4/ 1307-1308": "فإن كان هناك نص لم يخل من ثلاثة أحوال:
إما أن يكون خفي عليهم.
أو علموه وتركوه.
أو علم به بعضهم دون بعض.
فبطل أن يكون هناك نص خفي عليهم، لأنه يفضي أن يجمعوا على خطإ، وأن يخرج الأمر عن أيديهم.
وبطل أن يقال: علموا به وتركوه؛ لأن هذا عناد.
وبطل أن يقال: علم به بعضهم دون بعض؛ لأنه لو كان كذلك لأظهره الذي علمه، ورواه وذكره
فلما لم يكن شيء من هذا، ثبت أن القوم قالوا فيها باجتهادهم.
ويؤيد هذا: أن القوم قاسوا الجد على غيره، واعتبره علي بالبحر، والأب بالنهر، والإخوة بالأنهار.
واعتبره زيد بالشجرة، والأب بالغصن والإخوة بالأفنان، "جمع فنن: الغصن" ثبت أن القوم أجمعوا على القياس، وعملوا به، وأقر بعضهم بعضًا على ذلك". وانظر: السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الفرائض، جماع أبواب الجد.
2 وهي المسألة المشهورة في الفرائض، وهي: أن يوجد في المسألة زوج وأم، وإخوة لأم، اثنان أو أكثر، وإخوة أشقاء.
(2/157)

ومن ذلك: قول أبي بكر -رضي الله عنه- في الكلالة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. الكلالة: ما عدا الوالد والولد"1.
ونحوه عن ابن مسعود في قضية بَرْوع بنت واشق2.
__________
= فللزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، ولا شيء للإخوة الأشقاء؛ لأنهم عصبة، وأصحاب الفروض قد استوفوا التركة.
وهذا ما كان يفتي به عمر -رضي الله عنه- فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارًا أليست أمّنا واحدة؟ فشرّك بينهم، ولذلك سميت بالمشركة، وعدل عمر -رضي الله عنه- عن رأيه وعمل على التشريك بينهم، فيما بعد.
أخرج الدارقطني في سننه: كتاب الفرائض، عن مسعود بن الحكم الثقفي قال: "أتى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في امرأة تركت زوجها وأمها وإخوتها لأم وإخوتها لأبيها وأمها، فشرّك بين الإخوة للأم وبين الإخوة للأم والأب بالثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهما في عام كذا وكذا. قال: فتلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم".
1 أخرجه البيهقي في سننه: كتاب الفرائض، باب حجب الإخوة والأخوات من قبل الأم "......عن الشعبي قال: سئل أبو بكر -رضي الله عنه- عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ مني ومن الشيطان، أراه ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر -رضي الله عنه- قال: إني لأستحيي الله أن أرد شيئًا قاله أبو بكر".
كما أخرجه عبد الرزاق في المصنف: كتاب الفرائض، باب الكلالة، والدارمي: كتاب الفرائض، باب الكلالة، والخطيب في كتابه: "الفقيه والمتفقه" باب: ذكر ما روي عن الصحابة والتابعين في الحكم بالاجتهاد.
2 روى أبو داود في سننه: كتاب النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات: "أن عبد الله بن مسعود أُتي في رجل بهذا الخبر، يعني: في رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق، فاختلفوا إليه =
(2/158)

ومنه: حكم الصديق -رضي الله عنه- في التسوية بين الناس في العطاء، كقوله: "إنما أسلموا لله وأجورهم عليه، وإنما الدنيا بلاغ"، ولما انتهت النوبة إلى عمر -رضي الله عنه- فصل1 بينهم وقال: "لا أجعل من ترك داره وماله وهاجر إلى الله ورسوله كمن أسلم كرهًا"2.
ومنه: عهد عمر -رضي الله عنه- إلى أبي موسى: "اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور برأيك3.
__________
= شهرًا، أو قال: مرات، قال: فإني أقول فيها: إن لها صداقًا كصداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وإن لها الميراث، وعليها العدة، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، فقام ناس من أشجع، فيهم الجراح وأبو سنان، فقالوا: يا ابن مسعود نحن نشهد أن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قضاها فينا في بَرْوع بنت واشق، وأن زوجها هلال بن مرة الأشجعي كما قضيت، قال: ففرح عبد الله بن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم". كما أخرجه عبد الرزاق في المصنف: كتاب النكاح، باب الذي يتزوج فلا يدخل ولا يفرض حتى يموت، وأحمد في المسند "4/ 279".
1 في المستصفى "فرق" وفي كتب الحديث "فاضل".
2 أخرج نحوه البيهقي في السنن الكبرى "6/ 348"- كتاب قسم الفيء، باب التسوية بين الناس في القسمة، كما أخرجه الإمام أحمد في المسند "1/ 21"، "3/ 475" وجاء في بعض الروايات: "وذكر عن عثمان، رضي الله عنه، أنه فضل بينهم في القسمة".
3 كتاب عمر -رضي الله عنه- إلى أبي موسى الأشعري، كتاب جليل القدر، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله والتفقه فيه، كما قال ابن القيم.
أخرجه الدارقطني: كتاب الأقضية والأحكام، والبيهقي: كتاب آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي، وما يفتي به المفتي.
وهو كتاب طويل جاء فيه: " ... أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة =
(2/159)

وقال علي، رضي الله عنه: "اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن، وأنا الآن أرى بيعهن"1.
وقال عثمان لعمر: "إن نتبع رأيك فرأي رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان"2.
ومنه: قولهم، في السكران: "إذا سكر هذي، وإذا هذي أفترى، فحدوه حد المفتري"3.
__________
= متبعة.....الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحق فيما ترى ... ".
1 رواه عبد الرزاق في المصنف "7/ 291" والبيهقي في السنن الكبرى "10/ 348" عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليًّا يقول: "اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن، ثم رأيت بعدُ أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إلي من رأيك وحدك في الفرقة. قال: فضحك علي" قال ابن حجر في تلخيص الحبير "4/ 219": "إسناده من أصح الأسانيد".
2 روى عبد الرزاق في مصنفه "10/ 263" والحاكم "4/ 340" والبيهقي في سننه الكبرى "6/ 246" والدارمي في سننه: كتاب الفرائض "2/ 354" عن مروان بن الحكم: أن عمر بن الخطاب -لما طُعن- استشارهم في الجد، فقال: إني كنت رأيت في الجد رأيًا، فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه، فقال له عثمان: إن نتبع رأيك فإنه راشد، وإن نتبع رأي الشيخ فلنعم ذو الرأي كان.
3 هذا الأثر أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الأشربة- باب الحد في الخمر- عن ثور بن زيد الدِّيلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: "نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى -أو كما قال- فجلد عمر في الخمر ثمانين".
كما أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي والحاكم وغيرهم. قال الحافظ في تلخيص الحبير "4/ 75": "وهو منقطع، لأن ثورًا لم يلحق عمر، بلا خلاف" =
(2/160)

وهذا التفات منهم إلى أن مظنة الشيء تنزل منزلته.
وقال معاذ للنبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "أجتهد رأيي"1 فصوبه
فهذا وأمثاله -مما لا يدخل تحت الحصر- مشهور، إن لم تتواتر آحاده: حصل بمجموعة العلم الضروري: أنهم كانوا يقولون بالرأي، وما من وقت إلا وقد قيل فيه بالرأي2.
ومن لم يقل، فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد، وما أنكر على القائل به، فكان إجماعًا.
[الاعتراضات الواردة على إجماع الصحابة]
فإن قيل: فقد نقل عنهم ذم الرأي وأهله:
فقال عمر، رضي الله عنه: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء
__________
= لكن الحاكم أخرجه في مستدركه في كتاب الحدود وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
1 تقدم تخريجه.
2 معناه: أن هذه الوقائع المختلفة، وغيرها كثيرة، وهي وإن كانت أخبار آحاد لم تبلغ حد التواتر اللفظي، إلا أن مجموعها يعتبر تواترًا معنويًّا، كسخاء حاتم الطائي وشجاعة علي، رضي الله عنه.
ومن لم يقل منهم بالرأي، فإن سبب ذلك: أن غيره أغناه عنه، فلم يعد في حاجة إليه.
قال الغزالي في المستصفى "3/ 520": "فهذا وأمثاله، مما لا يدخل تحت الحصر، مشهور".
وما من مفتٍ إلا وقد قال بالرأي، ومن لم يقل؛ فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد، ولم يعترض عليهم في الرأي.
فانعقد إجماع قاطع على جواز القول بالرأي والظن".
(2/161)

السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا"1.
وقال علي، رضي الله عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه"2.
وقال ابن مسعود، رضي الله عنه: "قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالًا فيقيسون ما لم يكن بما كان"3.
وقولهم: "إن حكمتم بالرأي أحللتم كثيرًا مما حرم الله، وحرمتم كثيرًا مما أحله"4.
وقول ابن عباس: "إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه، وقال لنبيه: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 5 ولم يقل: بما رأيت"6.
__________
1 أخرجه ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" باب: ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس، والخطيب في كتابه "الفقيه والمتفقه" "1/ 180-181"، وابن حزم في الإحكام ص779.
2 أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، باب: كيف المسح؟ وابن حزم في الإحكام "1/ 380، وابن حجر في "التلخيص الحبير" "1/ 160" وقال: "إسناده صحيح".
3 أخرجه ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" "2/ 165" والدارمي في سننه "1/ 65".
4 هذا الأثر أخرجه الخطيب في كتابه "الفقيه والمتفقه" "1/ 182" عن ابن مسعود، رضي الله عنه.
وأخرجه ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" "2/ 94" عن الشعبي، ومثله ابن حزم في الإحكام "2/ 1073".
5 سورة النساء من الآية "105".
6 أخرجه ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" "2/ 133".
(2/162)

وقوله: "إياكم والمقاييس، فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس"1.
وقال ابن عمر: "ذروني من أرأيت وأرأيت"2.
[الرد على الاعتراضات المتقدمة]
قلنا: هذا منهم ذم لمن استعمل الرأي والقياس في غير موضعه، أو بدون شروطه.
فذم عمر -رضي الله عنه- ينصرف إلى من قال بالرأي من غير معرفة للنص، ألا تراه قال: "أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها" وإنما يحكم بالرأي في حادثة لا نص فيها، فالذم على ترك الترتيب، لا على أصل القول
__________
1 أخرجه ابن حزم في الإحكام "2/ 1073" عن محمد بن سيرين بلفظ: "القياس شؤم، وأول من قاس إبليس فهلك، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس".
وأخرجه الدارمي في سننه "1/ 65" عن ابن سيرين أيضًا. كما ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين "1/ 254".
2 جاء في مجمع الزوائد "1/ 180" عن الشعبي قال: قال ابن مسعود، رضي الله عنه: "إياكم وأرأيت وأرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت وأرأيت، ولا تقيسوا شيئًا بشيء فتزل قدم بعد ثبوتها، فإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه ثلث العلم" وقد نسبه صاحب مجمع الزوائد إلى الدارقطني ثم قال: "والشعبي لم يسمع ابن مسعود، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف". كما نسبه إلى ابن مسعود أيضًا ابن القيم في إعلام الموقعين "1/ 58". وخلاصة هذه الاعتراضات: أن الإجماع الذي نقله المصنف عن الصحابة -رضي الله عنهم- على حجية القياس، معارض بآثار أخرى تدل على ذم القياس، فلم تسلم لهم الأدلة السابقة.
3 أي: الترتيب الذي جاء في حديث معاذ -رضي الله عنه- حيث جاء فيه الاجتهاد بعد عدم وجود الحكم في الكتاب والسنة.
(2/163)

بالرأي، ولو قدم إنسان القول بالسنة على ما هو أقوى منها1: كان مذمومًا.
وكذلك قول علي، رضي الله عنه2.
وكل ذم يتوجه إلى أهل الرأي فلتركهم الحكم بالنص هو أولى، كما قال بعض العلماء3:
أهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا ... علم الحديث الذي ينجو به الرجل
لو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا ... عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا
جواب ثانٍ:
أنهم ذموا الرأي الصادر عن الجاهل الذي ليس أهلًا للاجتهاد والرأي، ويرجع إلى محض الاستحسان، ووضع الشرع بالرأي، بدليل أن الذين نقل عنهم هذا هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد4.
والقائلون بالقياس مقرون بإبطال أنواع من القياس، كقياس أهل
__________
1 وهو القرآن الكريم.
2 وهو قوله: "لو كان الدين بالرأي: لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه".
3 القائل هو: موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، أبو مزاحم الخاقاني، كان عالمًا بالعربية، شاعرًا، من أهل بغداد، كما كان راوية مأمونًا. ولد سنة 248هـ وتوفي سنة 325هـ. "غاية النهاية 2/ 320، الأعلام 8/ 275". والبيتان أوردهما عنه الخطيب البغدادي "ت463هـ" في كتابه: "شرف أصحاب الحديث" ص79 تحقيق محمد سعيد خطيب أوغلي، نشر دار إحياء السنة النبوية.
4 معناه: أن الذين نقل عنهم ذم الرأي والاجتهاد، هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد -كما سبق- فلا بد من دفع هذا التعارض، وهذا إنما يكون بحمل الذم على الرأي الفاسد الذي لم تكتمل شروطه، أو المخالف للنص، أو الصادر من الجاهل.
(2/164)

الظاهر، إذ قالوا، الأصول لا تثبت قياسًا، فكذلك الفروع.
فإذًا: إن بطل القياس، فليبطل قياسهم1
فإن قيل: فلعلهم عولوا في اجتهادهم على عموم، أو أثر، أو استصحاب حال، أو مفهوم، أو استنباط معنى صيغة من حيث الوضع واللغة في جمع بين آيتين أو خبرين، أو يكون اجتهادهم في تحقيق مناط الحكم، لا في استنباطه.
فقد علموا أنه لا بد من إمام، وعرفوا -بالاجتهاد- من يصلح للتقديم، وهكذا في بقية الصور2.
__________
1 أي: ومما يؤيد ما قلناه من دفع التعارض السابق: أن القائلين بحجية القياس مقرون ومعترفون بفساد بعض الأقيسة، مثل: قياس أهل الظاهر، حيث قالوا: لا يجوز القياس في الأصول، فمنعوا القياس في الفروع، قياسًا على الأصول.
فرد الجمهور هذا القياس وقالوا للظاهرية: إنكم أبطلتم القياس من أساسه، فكيف تقيسون الفروع على الأصول، فأنتم بذلك تبطلون القياس بالقياس؟!
2 معنى ذلك: أن الجمهور لما استدلوا على صحة القياس بالإجماعات المنقولة عن الصحابة -رضي الله عنهم- اعترض عليهم النافون لحجية القياس بعدم التسليم بأن ما ذكروه كان مبنيًّا على القياس، بل يحتمل أنهم عولوا على أشياء أخرى، كصيغ العموم، أو بعض الآثار، أو الاستصحاب، أو دلالة مفهوم، أو استنباط حكم شرعي بناء على مدلول بعض الصيغ من حيث اللغة، أو الاحتكام إلى تحقيق المناط، كما تقدم، حيث تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويأتي الاجتهاد في إلحاق بعض الفروع بها، كعلم الصحابة -رضي الله عنهم- بوجوب نصب إمام يلي أمور المسلمين، ثم يجتهدون فيمن تتحقق فيه شروط الإمامة، ومع هذه الاحتمالات لا يكون الاستدلال صحيحًا. وقد أجاب المصنف عن ذلك، كما سيأتي.
(2/165)

قلنا:
لم يكن اجتهاد الصحابة مقصورًا على ما ذكروه، بل قد حكموا بأحكام لا تصح إلا بالقياس، كعهد أبي بكر إلى عمر، قياسًا للعهد على العقد بالبيعة، وقياس الزكاة على الصلاة1، وقياس عمر الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة2، وإلحاق السكر بالقذف لأنه مظنته3.
وقد اشتهر اختلافهم في الجد قياسًا: فقال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا"4، فأنكر ترك قياس الأبوة على البنوة، مع افتراقهما في الأحكام.
وصرح من سوى بينهما بأن الأخ يدلي بالأب، والجد يدلي به أيضًا، فالمدلى به واحد، والإدلاء مختلف5.
__________
1 في الأثر الذي تقدم وفيه: "لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة".
2 تقدمت ترجمته.
3 وهو ما سبق تخريجه عن علي -رضي الله عنه- قال، في شارب الخمر: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي "أي: تكلم بكلام غير معقول" وإذا هذي افترى "أي: قذف" وعلى المفترى ثمانون جلدة".
4 ذكره ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله "2/ 131" بدون إسناد، كما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه "10/ 266".
5 أي: أن الذين سووا بين الجد والإخوة في أن كلًّا منهما يستحق الميراث قالوا: كل منهما يدلي إلى الميت بواسطة الأب، فالمدلَى به -وهو الأب- واحد، والإدلاء مختلف، فالجد يدلي إلى الميت بجهة الأبوة، والإخوة يدلون بجهة البنوة، فهما مختلفان، فقاسوا الإدلاء بجهة البنوة على الإدلاء بجهة الأبوة، مع أن البنوة تختلف عن الأبوة في بعض الأحكام، فتوريث الصحابة -رضي الله عنهم- للإخوة مع الجد ثابت بالقياس، وهذا هو المدعى.
(2/166)

وصرحوا بالتشبيه بالغصنين، والخليجين1.
__________
1 خلاصة الكلام في ميراث الجد ومحل الشاهد من إيراده هنا: أن الصحابة رضي الله عنهم، اختلفوا في ميراث الجد مع الإخوة، في حالة عدم وجود الأب، على مذهبين:
المذهب الأول: أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات في جميع الجهات، تنزيلًا له منزلة الأب، وهو رأي أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وروي ذلك عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم جميعًا.
المذهب الثاني: أن الأخوة يرثون مع الجد -على خلاف بينهم في القدر الذي يرثه- ولا يقوى الجد على حجبهم كما يحجبهم الأب، وهو رأي علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- لأن ميراثهم ثابت بالكتاب، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وجد شيء من ذلك.
ولأنهم تساووا مع الجد في سبب الاستحقاق، فالإخوة والجد يدليان إلى الميت بواسطة الأب، فالجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى، ولذلك مثله علي -رضي الله عنه- بشجرة أنبتت غصنًا، فانفرق منه غصنان، كل واحد منهم على الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة، ومثّله زيد بواد خرج منه نهر، انفرق منه جدولان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي.
انظر: سنن البيهقي: كتاب الفرائض، باب: من ورّث الإخوة مع الجد، والمصنف لعبد الرزاق "10/ 95" والمغني لابن قدامة "9/ 65 وما بعدها".
ومحل الشاهد في إيراد هذه القضية: أن الصحابة -رضي الله عنهم- استعملوا القياس في ميراث الجد، حيث اعترض ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم قياس الجد على ابن الابن، فإن ابن الابن يحل محل الابن في حالة عدم وجوده، فلماذا لا يحل الجد محل الأب، وهذا معنى قوله: "ألا يتقى الله زيد بن ثابت، بجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا".
كما أن الذين سووا بين الجد والإخوة وأنهم لا يحجبون استعملوا القياس أيضًا، كما تقدم في غصني الشجرة، وجدولي الماء.
(2/167)

ومن فتّش عن اختلافهم في الفرائض وغيرها؛ عرف ضرورة سلوكهم التشبيه والمقايسة، وأنهم لم يقتصروا على تحقيق المناط في إثبات الأحكام، بل استعملوا ذلك في بقية طرق الاجتهاد.
[الأدلة النقلية على حجية القياس]
وقد استدل على إثبات القياس بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} 1.
وحقيقة الاعتبار: مقايسة الشيء بغيره كما يقال: "اعتبر الدينار بالصَّنْجة"2. وهذا هو القياس.
فإن قيل: المراد به الاعتبار بحال من عصى أمر الله، وخالف رسله، لينزجر، ولذلك لا يحسن أن يصرح بالقياس ههنا فيقول:
__________
1 سورة الحشر من الآية "2".
قال الطوفي في شرحه "3/ 259-260"- مبينًا وجه الدلالة من هذه الآية: "القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به.
أما المقدمة الأولى، وهي: أن القياس اعتبار، فهي لغوية، أي: طريق معرفتها اللغة، وأنه التقدير والاعتبار، وأيضًا: فإن الاعتبار مشتق من العبور، وهو المجاوزة، ومنه المِعْبَر؛ لأنه يجاوز بالناس من أحد جانبي البحر إلى الآخر، وعابر المنام؛ لأنه يعبر حال المنام إلى ما يشبهه في اليقظة، وكذلك القياس يجاوز بحكم المنصوص إلى غيره، ويعبر منه إليه، فكان القياس اعتبارًا بحكم الاشتقاق.
وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الاعتبار مأمور به، فلقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} أمر بالاعتبار، والأمر للوجوب، فيكون الاعتبار الذي منه القياس واجبًا.
2 هي الميزان. معرّبة. القاموس المحيط فصل الصاد باب الجيم.
(2/168)

{يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} فألحقوا الفروع بالأصول، لتعرف الأحكام.
قلنا: اللفظ عام، وإنما لم يحسن التصريح بالقياس ههنا، لأنه يخرج عن عمومه المذكور في الآية، إذ ليس حالنا فرعًا لحالهم1.
دليل آخر:
قول النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- لمعاذ: "بِمَ تَقْضِي؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لمْ تَجدْ؟ " قال: بسنة رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "فَإن لمْ تَجدْ؟ " قال أجتهد رأيي، قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- لما يرضي رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم 2".
قالوا: هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو1 عن رجال من أهل
__________
1 خلاصة ذلك: أن المنكرين لحجية القياس اعترضوا على الاستدلال بهذه الآية فقالوا: إن الاعتبار هنا معناه الاتعاظ، لأن قوله تعالى: {فاعتبروا} وارد في سياق قوله تعالى، في حق بني قريظة والنضير: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} فلا يحسن أن يقول هنا: فقيسوا الذرة على البر؛ لأنه يكون ركيكًا لا يليق بالشارع.
فأجاب المصنف على ذلك: بأن المراد بالاعتبار هنا: القدر المشترك بين القياس والاتعاظ، وهو المجاوزة، فإن القياس مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والاتعاظ مجاوزة من حال الغير إلى حال نفسه، وكون صدر الآية غير مناسب للقياس لا يستلزم عدم مناسبته للقدر المشترك بين القياس والاتعاظ.
2 تقدم تخريجه. ومحل الشاهد: أن الرسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- أقر معاذًا على الاجتهاد، ومن الأمور التي يعتمد عليها في الاجتهاد: القياس.
3 هو: الحارث بن عمرو الثقفي، ابن أخي المغيرة بن شعبة، روى عن أناس من =
(2/169)

حمص، والحارث، والرجال مجهولون. قاله الترمذي1.
ثم إن هذا الحديث ليس بصريح في القياس، إذ يحتمل أنه يجتهد في تحقيق المناط.
قلنا: قد رواه عبادة بن نُسَيّ2 عن عبد الرحمن بن غَنْم3 عن معاذ.
ثم الحديث تلقته الأمة بالقبول، فلا يضره كونه مرسلًا4.
__________
= أهل حمص من أصحاب معاذ، وروى عنه أبو عوف: محمد بن عبيد الله الثقفي، ولا يعرف إلا بهذا، مات بعد المائة. قال البخاري: لا يصح ولا يعرف، وذكره العقيلي وابن الجارود وأبو العرب في الضعفاء، وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تهذيب التهذيب "2/ 152"، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال "1/ 185".
1 هو: محمد بن عيسى بن سورة السلمى الترمذي، أبو عيسى، من أئمة الحديث وحفاظه، صاحب الجامع الكبير في الحديث. توفي سنة "279هـ". انظر: وفيات الأعيان "1/ 484"، تذكرة الحفاظ "2/ 633".
2 هو: عبادة بن نُسَيّ، أبو عمرو الشامي، قاضي طبرية، روى عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وغيرهما، وروى عنه برد بن سنان، والمغيرة بن زياد، ثقة، توفي سنة "118هـ".
انظر: تقريب التهذيب "1/ 395"، تهذيب التهذيب "5/ 113".
3 هو: عبد الرحمن بن غنم الأشعري، اختلف في صحبته. روى عن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- وعن عمر وعثمان وعلي، وعن غيرهم من الصحابة، رضي الله عنهم جميعًا. كما روى عنه ابنه محمد ومكحول الشامي، ورجاء بن حيوة، وعبادة بن نُسي وغيرهم. وثقه ابن سعد والعجلي ويعقوب بن شيبة، كما ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. توفي سنة "78هـ". انظر: تقريب التهذيب "1/ 494"، تهذيب التهذيب "6/ 250".
4 قال الخطيب البغدادي في كتابه: "الفقيه والمتفقه" "1/ 189-190": "إن قول =
(2/170)

..................................................................
__________
= الحارث بن عمرو "عن أناس من أصحاب معاذ" يدل على شهرة الحديث، وكثرة رواته، وقد عرف فضل معاذ وزهده، والظاهر من حال أصحابه الدين والتفقه والزهد والصلاح، وقد قيل: إن عبادة بن نُسَي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول الرسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لَا وَصِيّة لِوَارِث" وفي البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ، لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له".
وقال إمام الحرمين في البرهان "2/ 772": "وهو مدون في الصحاح، متفق على صحتة، ولا يتطرق إليه التأويل".
وقال الغزالي في المستصفى "2/ 254": "تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر فيه أحد طعنًا، فلا يقدح فيه كونه مرسلًا".
كما قواه ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي وابن كثير. انظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر "ص63-71" بتعليق الأستاذ حمدي السلفي.
وقال القاضي أبو يعلى في العدة "4/ 1294": "فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يصح أن يحتج به في هذه المسألة التي هي أصل.
قيل: هذا أشهر وأثبت من قوله: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وقد احتج به المخالف في الإجماع، فكان هذا أولى.
وجواب آخر وهو: أنه إذا جاز أن تثبت الأحكام الشرعية بخبر الواحد، مثل: تحليل وتحريم، وإيجاب وإسقاط، وتصحيح وإبطال، وإقامة حق وحد، بضرب وقطع وقتل، واستباحة الفروج، وما أشبه ذلك، كان يثبت القياس به أولى؛ لأن القياس طريق لهذه الأحكام، وهي المقصودة دون الطريق".
وقال الشيخ محمد الأمين المختار الشنقيطي في مذكرة أصول الفقه على روضة =
(2/171)

والثاني1: لا يصح؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.
خبر آخر:
قول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: " إذا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَد فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فََلَهُ أَجْرٌ". رواه مسلم2.
__________
= الناظر ص360، في الملحق الذي سجله -رحمه الله تعالى- في المسجد النبوي عند كلامه عن القياس، قال: "والذين قالوا: إن الحديث صحيح وأنه يجوز العمل به لأمرين.
أحدهما: أن الحارث بن عمرو وثقه ابن حبان وإن كان ابن حبان تساهل في التوثيق له، فالحديث له شواهد ومؤيدات يعتضد بها، كحديث الصحيحين "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران". قالوا: وليس في أصحاب معاذ بن جبل أحد مجروح، فكلهم عدول، وإذا كان الحارث موثقًا، وأصحاب معاذ كلهم عدول، فالحديث مقبول.
وثانيهما: أن علماء المسلمين تلقوا هذا الحديث -خلفًا عن سلف- بالقبول وتلقى العلماء للحديث بالقبول يكفيه عن الإسناد، وكم من حديث يكتفى بصحته عن الإسناد، يكتفى بعمل العلماء في أقطار الدنيا؛ لأن هذه الأمة إذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلًا، واكتفي بذلك عن الإسناد".
1 أي: قول المعترضين، سابقًا: "ثم إن هذا الحديث ليس بصريح في القياس، إذ يحتمل أن يجتهد في تحقيق المناط" فأجاب المصنف: أنا لا نسلم ذلك الاحتمال؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه نص من كتاب أو سنة، وهذا لا يسمى تحقيق المناط.
2 في صحيحه: كتاب الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد وأخطأ. كما رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ، من حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- مرفوعًا. =
(2/172)

ويتجه عليه أنه: يجتهد في تحقيق المناط، دون تخريجه1.
خبر آخر:
قول النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- للخثعمية2: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِه أَكانَ يَنْفَعُهُ"؟ قالت: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى".
__________
= كما رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
1 أي: أنه لا يتناول القياس إلا بعمومه، حيث يكون قاصرًا على تحقيق المناط، دون تخريج المناط، فليس بصريح في الدلالة على حجية القياس.
وترك المصنف الجواب على هذا الاعتراض؛ لأنه معلوم من الرد على الاعتراض الثاني على حديث معاذ، وهو قوله: "والثاني لا يصح؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه كتاب ولا سنة".
2 الخثعمية: امرأة مجهولة لم تسم، من خثعم بن أنمار بن أراش بن كهلان، وجاء في بعض الروايات: أنها امرأة شابة، وهي التي كان ينظر إليها الفضل بن العباس وهو رديف رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- في حجة الوداع فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: "كان الفضل بن عباس رديف رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، وإن شددته خشيت عليه، أفأحج عنه؟ قال: نعم" سبل السلام "2/ 181" فهذه الزيادة التي أوردها المصنف ليست في حديث الخثعمية، فلا يصح الاحتجاج به في هذا المقام، وهو القياس.
وقد روى مثله الإمام أحمد في مسنده "1/ 345" والنسائي "5/ 87" وابن خزيمة "4/ 346" عن ابن عباس أيضًا: "أن امرأة نذرت أن تحج، فماتت، فأتى أخوها النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فسأله عن ذلك فقال: "أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه"؟ قال: نعم. قال: "فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء" وروى مثله البخاري عن امرأة أن أمها نذرت أن تحج، وماتت ولم تحج.
(2/173)

فهو تنبيه على قياس دين الله على دين الخلق.
وقوله -عليه السلام- لعمر، حين سأله عن قبلة الصائم: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ " 1
فهو قياس للقبلة على المضمضة، بجامع أنها مقدمة الفطر، ولا يفطر2.
وروى أبو عبيد3 أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "إنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ بالرَّأْي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فيهِ وَحْيٌ" 4. وإذا كان يحكم بينهم باجتهاده: فلغيره الحكم برأيه إذا غلب على ظنهم.
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في المسند "1/ 52" وأبو داود: كتاب الصوم، باب القبلة للصائم، حديث "2385" والدارمي: كتاب الصوم، باب الرخصة في القبلة للصائم، كما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، من حديث جابر بن عبد الله عن عمر -رضي الله عنهما- قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقلت صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، فقبلت وأنا صائم. فقال: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته وأنت صائم؟ " قلت: لا بأس بذلك. فقال: "ففيم؟ " أي: ففيم الاستغراب.
2 أي: أن كلًّا منهما مقدمة لشيء لم يتم.
3 هو: القاسم بن سلام البغدادي، أبو عبيد، الفقيه المحدث اللغوي، أخذ عن كبار اللغويين والنحويين، كأبي عبيدة، والكسائي، والفراء، تولى قضاء طرسوس. من مؤلفاته، "الأموال" و"أدب القضاء" وقد أورد فيه هذا الحديث بسنده عن أم سلمة -رضي الله عنها- توفي بمكة المكرمة، وقيل: بالمدينة المنورة سنة "224هـ" على الأصح- انظر: تذكرة الحفاظ "2/ 417"، طبقات المفسرين للداودي "2/ 32"، شذرات الذهب "1/ 141".
4 المصنف روى الحديث بالمعنى، ولفظه: عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا =
(2/174)

فصل: [الأدلة النقلية للمنكرين للقياس]
احتجوا بقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} 1.
وقوله: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} 2.
فما ليس في القرآن ليس بمشروع، فيبقى على النفي الأصلي3.
الثانية: قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 5 وهذا حكم بغير المنزل.
__________
= يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، ومسلم: كاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
1 سورة الأنعام من الآية "38".
2 سورة النحل من الآية "89" قال الطوفي، في وجة الدلالة لهاتين الآيتين: "إن في الكتاب كفاية وغناء عن القياس، وإثبات القياس رد لذلك".
3 هذا يعتبر اعتراضًا منهم على استدلال الجمهور المتقدم: "لولا القياس لتعطلت حوادث كثيرة عن أحكام، لعدم وفاء النصوص القليلة بالحوادث الكثيرة" خلاصته: لا نسلم أن ذلك يؤدي إلى ما قلتم؛ لأن ما لم يرد في الكتاب والسنة يبقى على النفي الأصلي أي: لا حكم له.
والمصنف أقحم هذه العبارة هنا في وجه الدلالة، ولعل له وجهة.
ويمكن الرد على هذا الاعتراض: أن هذا يناقض استدلالكم بهاتين الآيتين؛ لأن ذلك -على مقتضى استدلالكم- يوجب أن لا حادثة إلا ولها في الكتاب حكم، وقولكم: "فما ليس في القرآن ليس بمشروع، فيبقى على النفي الأصلي" يثبت أن هناك من الحوادث ما لا حكم له في القرآن، وهذا تناقض. انظر: شرح الطوفي "3/ 271".
4 عبارته غير واضحة، فالمتقدم آيتان، وليست واحدة حتى يعطف عليها قوله "الثانية" إلا إذا اعتبر دلالة الآيتين المجموعة الأولى؛ لأن مدلولهما واحد، والآيتان الآتيتان هما المجموعة الثانية، أو المراد: الشبهة الثانية.
5 سورة المائدة من الآية "49".
(2/175)

وهكذا قوله: { ... فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 1,
وأنتم تردونه إلى الرأي.
__________
1 سورة النساء من الآية "59".
(2/176)

فصل: [الأدلة العقلية للمنكرين للقياس]
وأما شبههم المعنوية:
[فالأولى] : قالوا: براءة الذمة بالأصل معلومة قطعًا، فكيف ترفع بالقياس المظنون؟!
والثانية: كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد، والفرق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات، إذ قال: "يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ" 1، ويجب الغسل من المني والحيض، دون المذي والبول، ونظائر ذلك كثير.
الثالثة: أن الرسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قد أوتي جوامع الكلم2، فكيف يليق به
__________
1 روى أبو داود والنسائي والحاكم وصححه، عن أبي السمح قال: قال رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- "يُغسل من بول الجارية، ويرشُّ من بول الغلام". كما أخرجه أيضًا البزار وابن ماجه وابن خزيمة، عن أبي السَّمح قال: كنت أخدم رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فأُتي بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: "يغسل من بول الجارية".
وقد رواه أيضًا أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن ماجه والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين ... وذكرت الحديث وجاء في لفظه: "يُغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر" كما رووه عن علي -رضي الله عنه- قال قال قتادة: "هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غُسلا". انظر: سبل السلام "1/ 38".
2 روى البخاري: كتاب التعبير، باب: رؤيا الليل، عن أبي هريرة رضي الله عنه: =
(2/176)

أن يترك الوجيز المفهم إلى الطويل الموهم، فيعدل عن قوله: "حرَّمتُ الربا في المكيل" إلى الأشياء الستة؟
الرابعة: قالوا: الحكم ثبت في الأصل بالنص؛ لأنه مقطوع به والحكم مقطوع به، فكيف يحال على العلة المظنونة، والحكم يثبت في الفرع بالعلة، فكيف يثبت الحكم فيه بطريق سوى طريق الأصل؟
الخامسة: قالوا: غاية العلة: أن يكون منصوصًا عليها، وذلك لا يوجب الإلحاق، كما لو قال: "أعتقت من عبيدي سالمًا؛ لأنه أسود" لم يقتض عتق كل أسود، ولا يجري ذلك مجرى قوله: "أعتقت كل أسود".
كذا قوله: "حرمت الربا في البر، لأنه مطعوم" لا يجري مجرى قوله: "حرمت الربا في كل مطعوم".
الجواب:
أما قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} فإن القرآن دل على جميع الأحكام، لكن إما بتمهيد طريق الاعتبار، وإما بالدلالة على الإجماع والسنة، وهما قد دلا على القياس.
وإلا فأين في الكتاب مسألة: "الجد والإخوة" و"العول" و"المبتوتة" و"المفوضة"1، و"التحريم"2، وفيها حكم لله شرعي.
__________
= أن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "أعطيت مفاتيح الكلم" وفي باب: المفاتيح في اليد بلفظ: "بعثت بجوامع الكلم".
كما أخرجه عن أبي هريرة أيضًا مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة بلفظ: "أوتيت جوامع الكلم" وللحديث روايات أخرى متعددة. يراجع فيض القدير "1/ 563".
1 هذه الأمثلة تقدم الكلام عليها.
2 وهي قول الرجل لزوجته: "أنتِ عليّ حرام" هل يعتبر ظهارًا، أو طلاقًا؟ وإذا =
(2/177)

ثم قد حرّمتم القياس، وليس في القرآن تحريمه1.
وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 2.
قلنا: القياس ثابت بالإجماع والسنة، وقد دل عليه القرآن المنزل.
ومن حكم بمعنى: استنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل.
__________
= اعتبر طلاقًا، هل يقع ثلاثًا أو رجعيًّا؟ فيه خلاف طويل يراجع في المغني "10/ 396"، "11/ 61".
1 خلاصة ذلك الرد: أن المراد من قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} من حيث الإجمال: تمهيد طرق الاعتبار الكلية، والقياس من هذه الطرق؛ لأن القرآن دل على حجية السنة والإجماع، وهما قد دلا على حجية القياس، كما أن هناك العديد من الأحكام الفرعية التي ثبت لها حكم شرعي، وليس فيها نص في كتاب الله تعالى، كالأمثلة التي ذكرها المصنف، وغيرها كثير.
هذا ما أجاب به المصنف -رحمه الله تعالى- وهو مبني على أن المراد بالكتاب في قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} هو القرآن الكريم. أما إذا أريد به "اللوح المحفوظ" فلا دلالة فيه على محل النزاع.
روى الطبري، بسنده، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} : ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.
كما روى، بسنده أيضًا، عن يونس قال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} قال: كلهم مكتوب في أم الكتاب. "تفسير الطبري 11/ 345-346" دار المعارف بالقاهرة.
وقال القرطبي: قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} أي: في اللوح المحفوظ، فإنه أثبت فيه ما يقع من الحواث. وقيل: أي في القرآن، أي: ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول -عليه الصلاة والسلام- أو من الإجماع، أو من القياس الذي يثبت بنص الكتاب ... "، الجامع لأحكام القرآن "6/ 420".
2 المائدة: 49.
(2/178)

وقوله تعالى: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 1. قلنا: نحن لا نرده إلا إلى العلة المستنبطة من كتاب الله -تعالى- ونص رسوله، فالقياس: تفهّم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم، وحذف الحشو الذي لا أثر له.
ثم أنتم رددتم القياس بلا نص، ولا معنى نص.
وقولهم: "كيف ترفعون القواطع بالظنون".
قلنا: كما ترفعونه بالظواهر، والعموم، وخبر الواحد، وتحقيق المناط في آحاد الصور.
ثم نقول: لا نرفعه إلا بقاطع، فإنا إذا تعبدنا باتباع العلة المظنونة، فإنا نقطع بوجود الظن، ونقطع بوجود الحكم عند الظن، فيكون قاطعًا.
وقولهم: "مبنى الحكم على التعبدات".
قلنا: نحن لا ننكر التعبدات في الشرع، فلا جرم، قلنا: الأحكام ثلاثة أقسام:
قسم: لا يعلل.
وقسم: يعلم كونه معللًا، كالحجر على الصبي، لضعف عقله.
وقسم: يتردد فيه.
ولا نقيس ما لم يقم دليل على كون الحكم معللًا2.
__________
1 النساء: "59".
2 معناه: أننا لا نقيس إلا إذا وجد المعنى الذي في الأصل في الفرع بعينه، وتحققت شروط القياس، كالنبيذ مع الخمر، والأرز مع البر، فإن الأحكام الشرعية إما غير معللة كالعبادات المختلفة، فلا يجري فيها القياس، وإما معللة بعلة معينة، وهذه هي التي يجري فيها القياس.
وأما اعتراضهم بالتفرقة بين المتماثلات: فله علة -أيضًا- لكنها خفيت عليهم، فقد نص العلماء على أن بول الأنثى أثقل من بول الذكر، حيث إن مزاج الذكر =
(2/179)

وقولهم: "لِمَ لم ينص على المكيل، ويغني عن القياس على الأشياء الستة"؟
قلنا: هذا تحكم على الله -تعالى- وعلى رسوله، وليس لنا التحكم عليه فيما صرّح ونبّه وطوّل وأوجز1، ولو جاز ذلك: لجاز أن يقال: "فلم لم يصرّح بمنع القياس على الأشياء الستة؟ ولِمَ لم يبين الأحكام كلها في القرآن، وفي المتواتر2، لينحسم الاحتمال؟ وهذا كله غير جائز.
ثم نقول: إن الله -تعالى- علم لطفًا في تعبد العلماء بالاجتهاد، وأمرهم بالتشمير في استنابط دواعي الاجتهاد، لـ {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} 3.
وقولهم: "كيف يثبت الحكم في الفرع بطريق غير طريق الأصل"؟
قلنا: ليس من ضرورة كون الفرع تابعًا للأصل أن يساويه في طريق
__________
= حار، ومزاج الأنثى بارد، فيضعف الهضم عندها، فتبقى الفضلة كثيفة، ذات قوام كثيف، فإذا تعلقت بالأجسام، كان أثرها محتاجًا إلى الغسل، بخلاف الغلام. وهكذا سائر الصورة التي أوردوها. انظر: شرح الطوفي "3/ 275، وما بعدها".
1 في المطبعة: طول ونبه وأوجز، وصححناه من المستصفى "3/ 568".
2 أي: من السنة.
3 سورة المجادلة من الآية "11".
يضاف إلى ذلك: أن هناك حوادث ووقائع تقع في سائر الأزمان ولا يمكن إعطاؤها حكمًا شرعيًّا إلا بالاجتهاد الذي من وسائله القياس، يؤيد ذلك ما رواه سعيد بن المسيب عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: قلت: يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه سنة؟ قال، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "اجمعوا له العالمين، أو قال: العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد". روى مثله الطبراني في الأوسط. انظر: مجمع الزوائد "1/ 178" وإعلام الموقعين "1/ 65".
(2/180)

الحكم؛ فإن الضروريات والمحسوسات أصل للنظريات، ولا يلزم تساويهما في الطريق، وإن تساويا في الحكم
وأما إذا قال: "أعتقت سالمًا؛ لسواده" فالفرق بينه وبين أحكام الشرع من حيث الإجمال والتفصيل.
أما الإجمال: فإنه لو قال، مع هذا: "فقيسوا عليه كل أسود" لم يتعد العتق سالمًا.
ولو قال الشارع: "حرمت الخمر لشدّتها، فقيسوا عليه كل مشتد": للزمت التسوية، فكيف يقاس أحدهما على الآخر، مع الاعتراف بالفرق؟
وأما التفصيل: فلأن الله -تعالى- علق الحكم في الأملاك حصولًا وزوالًا على اللفظ، دون الإرادات المجردة.
أما أحكام الشرع: فتثبت بكل ما دل عليه رضا الشارع وإرادته، ولذلك تثبت بدليل الخطاب، وبسكوت النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عما جرى بين يديه من الحوادث.
ولو أن إنسانًا باع مال غيره بأضعاف قيمته وهو حاضر، ولم ينكر ولم يأذن، بل ظهرت عليه علامات الفرح: لا يصح البيع.
بل قد ضيق الشرع أحكام العباد حتى لا تحصل بكل لفظ1.
__________
1 توضيحه: أن هناك فرقًا بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فحقوق الله تعالى قائمة على المسامحة والتيسير، فاكتفى فيها بالظن، توسيعًا لمجاري التكليف، أما حقوق العباد: فقائمة على المشاحة، فشددت الشريعة فيها، فلا تنقل عنهم إلا بطريق قاطع، لما قلناه، أو لأن حقوقهم في الأصل ملك لله تعالى، فتعبدهم في زوالها بالطريق القاطع، وأثبت التكاليف الشرعية بالطرق المظنونة، ولله -سبحانه- أن يفعل في ملكه ما يشاء. انظر: شرح الطوفي "3/ 285".
(2/181)

فلو قال الزوج: "فسخت النكاح، ورفعت علاقة الحل بيني وبين زوجتي" لم يقع الطلاق، إلا أن ينويه.
وإذا أتى بلفظ الطلاق: وقع وإن لم ينوه.
وإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ فكيف تحصل بمجرد الإرادة1؟
على أن القياس مفهوم في اللغة، فإنه لو قال: "لا تأكل الأهليلج2؛ لأنه مسهل"، و"لا تجالس فلانًا؛ لأنه مبتدع" فهم منه التعدي بتعدي العلة، وهذا مقتضى اللغة، وهو مقتضاه في العتق، لكن التعبد منع منه.
وعلى أن هذا الذي ذكروه قياس لكلام الشارع على كلام المكلفين في امتناع قياس ما وجدت العلة التي علل بها فيه عليه، فيكون رجوعًا إلى القياس الذي أنكروه.
ثم إن قياس كلام الشارع على كلام غيره أبعد من قياس أحكام الشرع بعضها على بعض.
فإن قيل: فلعل الشرع علل الحكم بخاصية المحل، فتكون العلة في تحريم الخمر: شدة الخمر، وفي تحريم الربا بطعم البر، لا بالشدة.
__________
1 في النسخ المطبوعة: "وإذا لم يحصل بجميع اللفظ فكيف يحصل بمجرد الإرادة" وهي عبارة غير واضحة، وأوضح منها عبارة الغزالي في المستصفى "3/ 574".
"فإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ، بل ببعضها، فكيف تحصل بما دون اللفظ مما يدل على الرضا".
2 الأهليلج: ثمر معين بالغ النضج، منه الأصفر والأسود، معرب. المصباح المنير مادة "هلج".
(2/182)

المجردة1. [ولا بالطعم المجرد] 2.
ولله أسرار في الأعيان: فقد حرم الخنزير والدم والميتة لخواص لا يطلع عليها، فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من الخاصية ما ليس لشدة النبيذ، فبماذا يقع الأمن عن هذا؟ 3.
قلنا: قد نعلم ضرورة سقوط اعتبار خاصية المحل كقوله: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ المَتاع أَحَقُّ بِمَتاعِهِ" 4 يعلم أن المرأة في معناه.
وقوله: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي" 5 فالأمة في معناه.
__________
1 "المجردة" من المستصفى "3/ 576".
2 هذه الزيادة يقتضيها المقام، فإن المعترض يقول: لعل العلة خاصة بمحل النص وليست عامة، لخاصية معينة ليست موجودة في كل المحال.
3 قال الغزالي، بعد ذلك: "وهذا أوقع كلام في مدافعة القياس". المستصفى "3/ 577".
4 حديث صحيح: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، رضي الله عنه: أن رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره".
ورواه مالك وأبو داود عن أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلًا، ووصله أبو داود من طريق أخرى بلفظ "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" سبل السلام "3/ 53".
5 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، وفي كتاب العتق، باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما.
كما أخرجه مسلم في كتاب العتق، وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(2/183)

لأنا1 عرفنا بتصفّح أحكام العتق، والبيع، وبمجموع أمارات وتكريرات، وقرائن: أنه لا مدخل للذكورية2 في العتق والبيع.
وقد يظن ذلك ظنًّا يسكن إليه3.
وقد 4 عرفنا أن الصحابة عولوا على الظن، فعلمنا أنهم فهموا من رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قطعًا، إلحاق الظن بالقطع.
وقد اختلف الصحابة في مسائل، فلو كانت قطعية: لما اختلفوا فيها، فعلمنا أن الظن كالعلم.
فإن انتفى العلم والظن: فلا يجوز الإقدام على القياس.
__________
1 زيادة من المستصفى.
2 في المستصفى "للأنوثة".
3 عبارة المستصفى: "وقد يعلم ذلك ظنًّا بسكون النفس إليه".
4 زيادة من المستصفى.
(2/184)

فصل: [في مذهب النظام في الإلحاق بالعلة المنصوصة]
قال النظام: العلة المنصوص عليها توجب الإلحاق بطريق اللفظ والعموم، لا بطريق القياس، إذ لا فرق في اللغة بين قوله: "حرّمت الخمر لشدتها" وبين: "حرّمت كل مشتد"1.
__________
1خلاصة رأي النظام: أن العلة المنصوص عليها توجب إلحاق الفرع بالأصل من جهة اللفظ، بمعنى أن الإلحاق مستفاد من عموم اللفظ، لا من جهة القياس، =
(2/184)

وهذا خطأ، إذ لا يتناول قوله: "حرمت الخمر لشدتها" من حيث الوضع إلا تحريمها خاصة.
ولو لم يرد التعبد بالقياس: لاقتصرنا عليه، كما لو قال: "أعتقت غانمًا لسواده"1.
وكيف يصح هذا ولله تعالى -أن ينصب شدة الخمر- خاصة- علة، ويكون فائدة التعليل: زوال التحريم عند زوال الشدة.
ويتجه عليه: ما ذكره نفاة القياس2، والله أعلم.
__________
= وعلل ذلك بعدم الفرق بين قول القائل: "حرمت الخمر لشدتها" وبين قوله: "حرمت كل مشتد" فهو من قبيل العموم المعنوي.
1 خلاصة الرد: أننا لا نسلم باستواء الصيغتين، فإن قوله: "حرمت كل مشتد" يفيد العموم لعليته، أما قوله: "حرمت الخمر لشدتها" فلا يفيد إلا تحريم الخمر خاصة، ولولا القياس لما حرم كل مشتد، كما لو قيل: "أعتقت غانمًا لسواده" فيختص العتق بغانم" والنص على العلة لا يوجب العموم اللفظي. انظر: شرح الطوفي "3/ 346".
2 وهي الأدلة التي استندوا إليها سابقًا.
(2/185)

فصل: [في أوجه تطرق الخطأ إلى القياس]
ويتطرق الخطأ إلى القياس من خمسة أوجه:
أحدها: أن لا يكون الحكم معللًا1.
__________
1 معناه: أن الحكم يكون غير معلل في الواقع، فيأتي القائس له بعلة من عنده، مثل ما روي من أن علة انتقاض الوضوء بأكل لحم الجزور، لشدة حرارته ودسمه مرخ =
(2/185)

والثاني: أن لا يصيب علته عند الله تعالى1
والثالث: أن يقصر في بعض أوصاف العلة2.
الرابع: أن يجمع إلى العلة وصفًا ليس منها3
الخامس: أن يخطئ في وجودها في الفرع، فيظنها موجودة، ولا يكون كذلك.
__________
= للجوف، ومخرج للحدث، فيلحق به كل طعام مرخ للجوف، والصحيح المشهور أن ذلك تعبد. انظر: شرح الطوفي "3/ 347".
1 مثل: أن يعتقد أن علة الربا في البر هي: الطعم، فيلحق به الخضروات وسائر المطعومات، بينما هي غير ذلك.
2 عبارة الغزالي في المستصفى "الثالث" أنه إن أصاب في أصل التعليل، وفي عين العلة، فلعله قصر على وصفين أو ثلاثة، وهو معلل به مع قرينة أخرى زائدة على ما قصر اعتباره عليه".
3 مثل أن يعلل الحنبلي القصاص: بأنه قتل عمد عدوان، فيوجب القصاص. فيقول الحنفي: نقصت من أوصاف العلة وصفًا، وهو الآلة الصالحة السارية في البدن، يعني: المحدّد، فلا يصح إلحاق المثقل به، وهذا مثال للنقص من أوصاف العلة، ومثال الزيادة: أن يعلل الحنفي بما تقدم، فيقول الحنبلي: زدت في أوصاف العلة وصفًا ليس منها، وهو: صلاحية الآلة، والعلة: هي القتل العمد العدوان فقط. انظر: شرح الطوفي "3/ 348".
وقد ذكر الغزالي وجهًا آخر وهو إثبات العلة بمجرد الوهم والحدس. انظر المستصفى "3/ 590 وما بعدها".
(2/186)

فصل: [في أقسام إلحاق المسكوت بالمنطوق]
إلحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون:
(2/186)

فالمقطوع ضربان:
أحدهما: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، وهو المفهوم1
ولا يكون مقطوعًا حتى يوجد فيه المعنى الذي في المنطوق وزيادة، كقولنا: إذا قبل شهادة اثنين، فثلاثة أولى، فإن الثلاثة: اثنان وزيادة.
وإذا نهى عن التضحية بالعوراء2: فالعمياء أولى، فإن العمى: عوَر مرتين.
فأما قولهم: "إذا وجبت الكفارة في القتل الخطأ، ففي العمد أولى" و"إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى"3: فهذا يفيد الظن
__________
1 أي: فحوى الخطاب، أو مفهوم الموافقة الأولوي كما سبق، وقد اختلف العلماء في تسميته قياسًا، والراجح أنه لا يسمى قياسًا، لأنه لا يحتاج إلى إعمال فكر واستنباط علة، كما أن المسكوت عنه أولى من المنطوق، فكيف يقاس عليه وهو أولى منه بالحكم. ولعل المسألة راجعة إلى الاصطلاح ولا مشاحة فيه. وقد سبق توضيح ذلك في مبحث المفاهيم.
2 عن البراء بن عازب، رضي الله عنه: قال: قام فينا رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال: "أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ضَلَعُها، والكبيرة التي لا تنقي" أي: التي لا نقي لها وهو: المخ. رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وحسنه الإمام أحمد وقال: ما أحسنه من حديث. انظر: سبل السلام "4/ 93".
قال الصنعاني: "والحديث دليل على أن هذه الأربعة العيوب مانعة من صحة التضحية، وسكت عن غيرها من العيوب، فذهب أهل الظاهر إلى أنه لا عيب غير هذه الأربعة. وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها غيرها مما كان أشد منها أو مساويًا لها، كالعمياء ومقطوعة الساق" المصدر السابق.
3 معنى ذلك: أن قياس القتل العمد على القتل الخطإ في وجوب الكفارة التي وردت في قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... } =
(2/187)

لبعض المجتهدين، وليس من الأول؛ لأن العمد نوع يخالف الخطأ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على رفعه، بخلاف الخطأ.
والكافر يحترز من الكذب لدينه، والفاسق متهم في الدين.
الضرب الثاني:
أن يكون المسكوت مثل المنطوق، كسراية العتق في العبد1، والأمة مثله، وموت الحيوان في السمن2، والزيت مثله.
وهذا يرجع إلى العلم بأن الفارق لا أثر له في الحكم، وإنما يعرف ذلك باستقراء أحكام الشرع في موارده ومصادره في ذلك الجنس.
وضابط هذا الجنس: أن لا يحتاج فيه إلى التعرض للعلة الجامعة، بل بنفي الفارق المؤثر، ويعلم أنه ليس ثم فارق مؤثر قطعًا.
__________
= [النساء:92] وكذلك شهادة الكافر قياسًا على رد شهادة الفاسق، كل ذلك ليس من قبيل النوع الأول، وهو القياس الأولوي؛ لما قاله المصنف من أن القتل العمد فيه قصاص، ولا تقوى الكفارة على رفع إثمه، بخلاف الخطأ، وكذلك هناك فرق بين شهادة الكافر وشهادة الفاسق.
1 وهو ما جاء عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "من أعتق شركًا له في عبد قوّم عليه نصيب شريكه، ثم يعتق". أخرجه البخاري في كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، كما أخرجه في كتاب العتق، وكذلك مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
2 سئل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن الفأرة تقع في السمن الذائب، فلم تمت؟ قال: لا بأس بأكله، وفي رواية أخرى قال: إذا كان حيًّا فلا شيء، إنما الكلام في الميت. المغني "1/ 72" وما قيل في السمن يقال في الزيت لأنه مثله.
(2/188)

فإن تطرق إليه احتمال: لم يكن مقطوعًا به، بل يكون مظنونًا1
وقد اختلف في تسمية هذا قياسًا2.
وما عدا هذا من الأقيسة: فمظنون3.
وفي الجملة، فالإلحاق له طريقان:
أحدهما: أنه لا فارق إلا كذا، وهذه مقدمة4.
ولا مدخل لهذا الفارق في التأثير، وهذه مقدمة أخرى5.
فيلزم منه نتيجة، وهو أن لا فرق بينهما في الحكم6.
وهذا إنما يحسن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل، فلا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع.
__________
1 خلاصة ذلك: أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق تارة يكون قطعيًّا، وتارة يكون ظنيًّا، فإن كان الذهن يتبادر إلى المسكوت عنه دون نظر وتأمل وبحث عن العلة، وأنه لا فارق بين الأصل والفرع، وأنه ليس هناك مؤثر آخر، فهذا هو القطعي، وإن تطرق إليه احتمال مما تقدم كان ظنيًّا، وهذا هو الضابط لهذه المسألة.
2 سبق في باب دلالة المفهوم أن بعضهم يسميه قياسًا جليًّا، وبعضهم يسميه مفهوم موافقة، والبعض يطلق عليه دلالة النص، وقلنا: إن ذلك راجع إلى الاصطلاح، ولا مشاحة فيه.
3 أي: ما عدا ما ذكرناه يعتبر من الأقيسة المظنونة، وهو ما يطلق عليه: القياس الخفي.
4 صغرى.
5 كبرى.
6 مثال ذلك أن يقال: لا فارق بين العبد والأمة في سراية العتق، وتنصيف الحد إلا الذكورية، ولا أثر لذلك، فيجب استواؤهما في الحكم.
(2/189)

الثاني: أن يتعرض للجامع فيبينه، ويبين وجوده في الفرع1. وهذا المتفق على تسميته قياسًا2.
وهذا3 يحتاج إلى مقدمتين، أيضًا:
أحدهما: أن السكر-مثلًا- علة التحريم في الخمر.
والثانية: أنه موجود في النيبذ.
فهذه المقدمة الثانية يجوز أن تثبت بالحس، ودليل العقل، والعرف، وأدلة الشرع4.
__________
1 معناه: أن يثبت أن العلة في الأصل كذا، ثم يبين أن هذه العلة موجودة في الفرع، فيجب استواؤهما في الحكم.
مثال ذلك أن يقال: العلة في تحريم الخمر: الإسكار، وهي موجودة في النبيذ، فيجب استواؤهما في الحكم.
2 اسم الإشارة عائد على الطريق الثاني، أما الطريق الأول ففيه خلاف، هل يسمى قياسًا أو لا؟
قال الطوفي في شرحه "3/ 353": وذلك لأن القياس اعتبار شيء بغيره، أو الجمع بين شيئين بالقصد الأول، وهو يتحقق في بيان علة الأصل ووجودها في الفرع، أما إلغاء الفارق، فليس ذلك موجودًا فيه بالقصد الأول، إنما الموجود فيه إلغاء الفارق، وأما الجمع بين الأصل والفرع، فإنما يحصل فيه بالقصد الثاني".
3 اسم الإشارة عائد على الطريق الثاني أيضًا.
4 لأن إثبات وجود هذه العلة في الفرع قائم على اجتهاد المجتهدين، فيجوز أن يكون بالحس أو العقل أو العرف أو أدلة الشرع.
أما المقدمة الأولى وهي: كون السكر علة التحريم فلا تثبت إلا بالشرع؛ لأن العلل الشرعية ليست مؤثرة في الحكم بذاتها، وإنما هي علامة على وجود الحكم ومشتملة على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، إذ من المعلوم أن أفعال الله -تعالى- معللة بالحكم ورعاية مصالح العباد، فهو -سبحانه- لا يفعل =
(2/190)

وأما الأولى: فلا تثبت إلا بدليل شرعي، فإن كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي، كما أن نفس التحريم كذلك، وطريقه طريقه، فالشدة التي جعلت علامة للتحريم يجوز أن يجعلها الشارع علامة للحل، فليس إيجابها لذاتها.
[أدلة إثبات العلة] 1
وأدلة الشرع ترجع إلى "نص" أو "إجماع" أو "استنباط" فهذه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إثبات العلة بأدلة نقلية2، وهو ضربان3:
__________
= شيئًا عبثًا لغير مصلحة وحكمة، بل أفعاله -جل شأنه- صادرة عن حكمة بالغة لأجلها شرع لعباده ما شرع، تفضلًا منه وإحسانًا.
انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية "3/ 112، 8/ 70".
1 وهي ما يطلق عليها: "مسالك العلة".
2 أي: من الكتاب والسنة.
3 في أكثر النسخ "ثلاثة أضرب" لكن المصنف -كما سيأتي- ذكر ضربين فقط:
الأول: النص الصريح، والثاني: التنبيه والإيماء إلى العلة.
ولعل السبب في ذلك: أن الإمام الغزالي، الذي يعتبر كتابه "المستصفى" أصلًا لهذا الكتاب، جعل ذلك ثلاثة أضرب: الصريح، والتنبيه والإيماء على العلة، والتنبيه على الأسباب بترتيب الأحكام عليها بصيغة الجزاء والشرط، وبالفاء التي هي للتعقيب والتسبيب.
وجمهور العلماء يجعلونها ثلاثة أضرب أيضًا، هي: النص القاطع، وهو الذي يدل على التعليل دلالة صريحة دون احتمال لغيره، مثل: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لأجل كذا، ولكي، والنص الظاهر: وهو ما يدل على العلية مع احتمال غيرها احتمالًا مرجوحًا، وله ألفاظ معينة تدل على التعليل، كاللام والباء وإنّ، والإيماء. =
(2/191)

الأول- الصريح1:
وذلك أن يرد فيه لفظ التعليل كقوله تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً} 2 {لِكَيْلا تَأْسَوْا} 3، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} 4، {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ} 5
__________
= فالمصنف أخذ عنوان المستصفى في جعلها ثلاثة أضرب، وأدخل الظاهر مع القاطع وجعلهما ضربًا واحدًا، أو يكون ذلك من تصرف النساخ. انظر في هذه المسألة: الإحكام للآمدي "3/ 38"، فواتح الرحموت "2/ 295"، الإبهاج للسبكي "3/ 22"، شرح مختصر الروضة "3/ 356 وما بعدها".
1 تقدم تعريفه آنفًا.
2 سورة الحشر من الآية "7" وهي قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ... } أي: إنما جعل مصرف الفيء في هذه الجهات حتى لا يتداوله الأغنياء جيلًا بعد جيل، أو قومًا بعد قوم، ولا تنتفع به الجهات المحتاجة إليه.
3 سورة الحديد من الآية "23" وقبلها قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} أي: أخبر الله تعالى بأن كل ما يجري في هذا الكون مسطر في اللوح المحفوظ قبل أن يقع، لئلا تحزنوا على ما يفوتكم ولا تفرحوا -فرح بطر وتكبر- بما يأتيكم من نعم.
4 سورة الأنفال من الآية "13" والحشر من الآية "4" والمشاقة: المخالفة، وسميت بالمشاقة؛ لأن المخالف صار في شق آخر. قال في المصباح: "شاقّه، مشاققة، وشقا: خالفه، وحقيقته: أن يأتي كل منهما ما يشق على صاحبه، فيكون كل منهما في شق غير شق صاحبه". ومحل الشاهد هنا: أن الله تعالى قد أخبر في الآية التي قبلها بأن قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} بسبب شقاقهم أو لعلة شقاقهم، كما رتب -سبحانه- العلة في سورة الأنفال على قوله: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ... } ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله.
5 سورة المائدة من الآية "32" وهناك خلاف بين العلماء في متعلق {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} =
(2/192)

{لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} 1، {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} 2.
وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم2: "إِنَّما جُعِلَ الاسْتِئْذانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ" 3، و "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ" 4.
__________
= فالمشهور أنه متعلق بـ"كتبنا" أي: كتبنا على بني إسرائيل بسبب قتل ابن آدم أخاه، صونًا للدماء. وقيل: متعلق بندامة ابن آدم على قتل أخيه، أو من أجل عدم مواراة أخيه، حتى نبهه الغراب على ذلك والتعليل صحيح على كل تقدير. انظر: شرح الطوفي "3/ 358".
1 سورة البقرة من الآية "143" وقبلها قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} أي: ليمتحن الله -تعالى- عباده بالانقياد في التحول من قبلة إلى قبلة.
2 سورة المائدة من الآية "95" وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أي: أوجبنا عليه الفدية عقوبة على فعله ليذوق وبال أمره، أي: ثقل فعله وسوء عاقبة ذنبه، والتعليل هنا ظاهر، أي: لعلة إذاقته وبال أمره.
3 أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الامتشاط، وفي كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، ومسلم في كتاب الأدب، باب: تحريم النظر في بيت غيره، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب من اطلع في دار قوم بغير إذنهم وعبد الرزاق في المصنف: كتاب الجامع، باب الرجل يطلع في بيت الرجل. كما أخرجه الإمام أحمد في المسند "5/ 330/ 335".
4 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك وأحمد، والرواية التي معنا هي لفظ مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- في كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، جاء فيها قالوا: يا رسول الله، إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجعلون فيها الودك. "دسم اللحم والشحم" قال: "وما ذاك" قالوا: نَهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفّت فكلوا وادخروا وتصدقوا". والمراد =
(2/193)

وكذلك إن ذُكر المفعول له، فهو صريح في التعليل؛ لأنه يذكر للعلة والعذر، كقوله تعالى: { ... لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} 1، {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} 2.
وما جرى هذا المجرى من صيغ التعليل.
فإن قام دليل على أنه لم يقصد التعليل نحو: أن يضاف إلى ما لا يصلح علة: فيكون مجازًا، كما لو قيل: "لم فعلت هذا"؟ قال: "لأني أردتُ"، فهذا استعمال اللفظ في غير محله3.
فأما لفظة "إنّ" مثل قوله، عليه السلام، لما ألقى الروثة: إِنَّها رِجْسٌ"4، وقال، في الهرة: "إِنَّها لَيْسَتْ بِنَجسٍ، إِنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ
__________
= بالدافة: جماعة من المساكين قدموا المدينة، فنهى -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن ادخار لحوم الأضاحي، حتى يتصدق عليهم أهل المدينة، ويوسعوا عليهم انظر: الموطأ "2/ 485".
1 سورة الإسراء من الآية "100" وهي قوله تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} . أي: خشية أن تنتهي هذه الخزائن.
2 سورة البقرة من الآية "19".
3 معناه: أن الأصل في وضع اللغة أن يضاف الفعل إلى علته وسببه، فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة فهو مجاز، ويعرف ذلك بوجود دليل على عدم صلاحيته للعلية، كما في المثال الذي أورده المصنف، وإنما لم يكن علة؛ لأن الإرادة ليست علة للفعل، وإن كانت هي الموجبة لوجوده، أو المصححة له، لأن المقصود بالعلة: المقتضى الخارجي للفعل، أما الإرادة فليست معنى خارجًا عن الفاعل: انظر: شرح الطوفي "3/ 359/ 360".
4 رواه البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه- في كتاب الوضوء، باب: الاستنجاء بالحجارة لكن بلفظ "ركس" بدل "رجس" ومثله رواية الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الاستنجاء بالحجرين، والنسائي: كتاب الطهارة، باب =
(2/194)

عَلَيكُمْ"1 و "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِها وَلَا عَلَى خَالَتِهَا؛ إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ" 2.
فإن انضم إلى "إنّ" حرف الفاء: فهو آكد، نحو قوله، عليه السلام: "لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا" 3.
قال أبو الخطاب: هذا صريح في التعليل.
وقيل: بل هذا من طريق التنبيه والإيماء إلى العلة، لا من طريق الصريح4. والله أعلم.
__________
= الرخصة في الاستطابة بحجرين، ثم قال: "الركس: طعام الجن".
وأخرجه بالرواية التي أوردها المصنف ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة، والنهي عن الروث والرمة، وأحمد في المسند "1/ 388". وهناك خلاف طويل بين العلماء في كون الرجس هو الركس أو غيره. ينظر: النهاية في غريب الحديث "2/ 100" والمصباح المنير مادة "ركس".
1 تقدم تخريجه.
2 تقدم تخريجه أيضًا.
3 أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: كيف يكفن المحرم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا ومسلم: كتاب الحج، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي.
4 خلاصة ما يريده المصنف من أول قوله: "فأما لفظة إنّ" إلى هنا: أن هذه الأمثلة وما يشبهها فيها مذهبان: أحدهما: أنها من قبيل الصريح، وثانيهما: أنها من قبيل الإيماء. فأبو الخطاب يرى أنها صريحة، خصوصًا إذا لحقته الفاء، كما في حديث المحرم، فإنه يزداد بها تأكدًا، لدلالتها على أن ما بعدها سبب للحكم فيما قبلها. ويرى غير أبي الخطاب أنها من قبيل التنبيه والإيماء. وهذا ما جرى عليه الطوفي في شرحه "3/ 360-361" لكن ذلك يخالف ما نص عليه أبو الخطاب في التمهيد؛ حيث جعل "إنَّ" من قبيل الصريح، وما دخلت عليه الفاء من قبيل =
(2/195)

الضرب الثاني، التنبيه والإيماء إلى العلة1:
وهو أنواع ستة:
أحدها: أن يذكر الحكم عقيب وصف بالفاء، فيدل على التعليل بالوصف
__________
= الإيماء. قال: "وأما التنبيه: فضروب، منها: أن يكون في الكلام لفظ غير صريح في التعليل، فيعلق الحكم على علته بلفظ الفاء. وهو على ضربين:
أحدهما: أن تدخل الفاء على السبب والعلة، ويكن الحكم متقدم، كقوله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- في المحرم حيث وقصته ناقته: "لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيًا" التمهيد "4/ 11".
والغزالي في المستصفى "3/ 606-607" جعل "إنّ" المجردة، والتي انضمت إليها الفاء من قبيل الإيماء.
وقد جعل الطوفي الخلاف في ذلك خلافًا لفظيًّا فقال: "النزاع في هذا لفظي، لأن أبا الخطاب يعني بكونه صريحًا في التعليل: كونه تبادر منه إلى الذهن بلا توقف في عرف اللغة، وغيره يعني بكونه ليس بصريح: أن حرف "إنّ" ليست للتعليل في اللغة، وهذا أقرب إلى التحقيق، وإنما فهم التعليل منه فهمًا ظاهرًا متبادرًا بقرينة سياق الكلام، وصيانة له عن الإلغاء؛ لأن قوله: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات، إنها ليست بنجس" ونحو ذلك، لو قدّر استقلاله وعدم تعلقه بما قبله، لم يكن له فائدة، فتعين لذلك ارتباطه بما قبله، ولا معنى له إلا ارتباط العلة بمعلولها، والسبب بمسببه. فبهذا الطريق يثْبُت كونه للتعليل لا بوضع اللغة" شرح مختصر الروضة "3/ 361".
قال ابن بدران، تعليقًا على كلام الطوفي: "أقول: يعلم كل لغوي أن حرف الجر يحذف من "إنّ" قياسًا مطردًا" والمحذوف كالثابت، ففهم التعليل إنما جاء من اللام المحذوفة لا من "إنّ" فالأقرب إلى التحقيق ما قاله أبو الخطاب". نزهة الخاطر العاطر "2/ 260".
1 قال الطوفي في شرحه "3/ 361": "وهو ضرب من الإشارة، والفرق بينه وبين =
(2/196)

كقوله تعالى: { ... قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} 1، و {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 2 وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" 3، و "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فهِيَ له" 4.
فيدل ذلك على التعليل؛ لأن الفاء في اللغة للتعقيب، فيلزم من ذكر الحكم مع الوصف بالفاء: ثبوته عقيبه، فيلزم منه السببية، إذ لا معنى للسبب إلا ما ثبت الحكم عقيبه.
__________
= النص: أن النص يدل على العلة بوصفه لها، والإيماء يدل عليها بطريق الالتزام، كدلالة نقص الرطب على التفاضل، أو بطريق من طرق الاستدلال عقلًا" والخلاصة: أن دلالة الإيماء على العلة دلالة معنوية، ودلالة النص دلالة لفظية.
1 سورة البقرة من الآية "222".
2 سورة المائدة من الآية "38".
3 أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما -مرفوعًا- في كتاب الجهاد، باب: لا يعذب بعذاب الله حديث "3017" وفي كتاب استتابة المرتدين، باب: حكم المرتد والمرتدة حديث "6922" وأحمد في المسند "1/ 282، 283، 322، 323"، وأبو داود: كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه، حديث "4351" والترمذي: كتاب الحدود، باب: ما جاء في المرتد، حديث "1458" والنسائي: كتاب تحريم الدم، باب: الحكم في المرتد "7/ 104" وابن ماجه: كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه، حديث "2535".
4 أخرجه أبو داود في سننه حديث "3073" والترمذي "1378" والبيهقي "6/ 142" والدارمي: كتاب البيوع، باب: من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وأحمد في مسنده "3/ 338، 381" والنسائي بلفظ: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق".
كما أخرجه البخاري تعليقًا في باب: من أحيا أرضًا مواتًا، من كتاب الحرث والمزارعة.
وقوى سنده الحافظ في الفتح "5/ 19". ورواه أبو عبيد في الأموال "286" عن =
(2/197)

ولهذا يفهم منه السببية وإن انتفت المناسبة، نحو قوله: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوضَّأْ" 1.
ويلحق بهذا القسم2: ما رتبه الراوي بالفاء، كقوله: "سَهَى رَسُولُ الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فَسَجَدَ"3 و"رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ"4. يفهم منه السببية فلا يحل نقله.
__________
= عائشة -رضي الله عنها- بلفظ: "من أحيا أرضًا ليست لأحد، فهو أحق بها".
1 تقدم تخريجه.
2 أي: يلحق بالنوع الأول، وهو: ما ذكر فيه الحكم عقب الوصف بالفاء في كلام الشارع، ما ورد على لسان الراوي مقرونًا بالفاء؛ لأنه من أهل اللغة.
3 روي عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- "صلى بهم فسهى فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم" أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب: سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم حديث "1039"، والترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في التشهد في سجدتي السهو، حديث "395" والحاكم في كتاب السهو، باب: سجدتي السهو بعد السلام "1/ 323" وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" قال الذهبي في الميزان "1/ 267": "أشعث بن عبد الملك ثقة، لكنه ما خرّجا له في الصحيحين".
4 روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح "حلي الفضة" لها، فقتلها بحجر، قال: فجيء به إلى النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- وبها رمق، فقال لها: "أقتلك فلان؟ " فأشارات برأسها أن لا. ثم قال لها الثانية، فأشارات برأسها أن لا. ثم سألها الثالثة فقالت: نعم، وأشارت برأسها، فقتله رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- بين حجرين.
أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب: إذا قتل بحجر أو عصًا، ومسلم: في كتاب القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره "1672" وأبو داود: كتاب الديات، باب: يقاد من القاتل، وباب القود بغير حديد، والترمذي حديث "1394" والنسائي: كتاب القسامة، باب القود من الرجل للمرأة، وباب القود من غير حديدة. كما أخرجه الإمام أحمد في المسند "3/ 170، 171".
(2/198)

من غير فهم السببية؛ لكونه تلبيسًا1 في دين الله.
والظاهر أن الصحابي يمتنع مما يحرم عليه في دينه، لا سيما إذا علم عموم فساد، فيظهر أنه فهم منه التعليل.
والظاهر أنه مصيب في فهمه، إذ هو عالم بمواقع الكلام ومجاري اللغة، فلا يعتقد السببية إلا بما يدل عليها، واللفظ مشعر به. ولا يحتاج إلى فقه الراوي، فإن هذا مما يقتبس من اللغة، دون الفقه2.
الثاني:
ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدل على التعليل به.
كقوله تعالى: {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} 3. {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} 4، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} 5. أي: لتقواه.
وقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطَانِ" 6.
__________
1 التلبيس: المبالغة في الخلط. جاء في المصباح المنير مادة "لبس" ولبستُ الأمر لبسًا، من باب ضرب: خلطته. وفي التنزيل: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] والتشديد مبالغة".
2 قال الفتوحي في شرح الكوكب المنير "4/ 127": "ولا فرق في العمل بذلك بين كون الراوي صحابيًّا أو فقيهًا أو غيرهما، لكن إذا كان صحابيًّا فقيهًا كان أقوى"
3 سورة الأحزاب من الآية: "30".
4 سورة الأحزاب من الآية "31".
5 سورة الطلاق من الآية "2".
6 أخرجه البخاري: كتاب الذبائح، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، ومسلم: كتاب المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب، والترمذي: أبواب الصيد، =
(2/199)

وكذلك ما أشبهه؛ فإن الجزاء يتعقب شرطه ويلازمه.
فلا معنى للسبب إلا ما يستعقب الحكم ويوجد بوجوده.
النوع الثالث:
أن يسأل النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن أمر حادث، فيجيب بحكم، فيدل على أن المذكور في السؤال علة.
كما روي أن أعرابيًّا أتى النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال: هلكت وأهلكت. قال: "مَاذَا صَنَعْتَ"؟ قال: واقعت أهلى في رمضان. فقال، عليه السلام: "أعْتِقْ رَقَبَة" 1 فيدل على أن الوقاع سبب؛ لأنه ذكره جوابًا له، والسؤال كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: "وَاقَعْتَ أَهْلَكَ فَاعْتِق رَقَبَة".
واحتمال أن يكون المذكور منه ليس بجواب: ممتنع، إذ يفضي ذلك إلى خلو محل السؤال عن الجواب، فيتأخر البيان عن وقت الحاجة، وهو ممتنع بالاتفاق.
النواع الرابع:
أن يُذكر مع الحكم شيء، لو لم يقدر التعليل به: لكان لغوًا غير مفيد.
فيجب تقدير الكلام على وجه مفيد، صيانة لكلام النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن اللغو.
__________
= باب: ما جاء من أمسك كلبًا ما ينقص من أجره والنسائي: كتاب الصيد، باب الرخصة في إمساك الكلب للماشية، وباب الرخصة في إمساك الكلب للصيد، كما أخرجه الإمام مالك: كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في أمر الكلام، والإمام أحمد في المسند "2/ 4، 8، 37، 47، 60، 101، 113، 156".
1 تقدم تخريجه.
(2/200)

وهو قسمان:
أحدهما: أن يُستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود، ثم يذكر الحكم عقيبه، كما سئل -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ"؟ قالوا: نعم. قال "فَلَا إِذَنْ" 1.
فلو لم يقدر التعليل له: كان الاستكشاف عن نقصان الرطب غير مفيد لظهوره2.
الثاني أن يعدل في الجواب على نظير محل السؤال: كما روي أنه لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين، فقال، عليه السلام: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهَا"؟ قالت: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالقَضاءِ" 3.
فيفهم منه: التعليل بكونه دينًا تقريرًا لفائدة التعليل.
__________
1 أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في التمر بالتمر عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- مرفوعًا، والترمذي: كتاب البيوع، باب: ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة وقال: "حديث صحيح".
كما أخرجه ابن ماجه والنسائي ومالك والحاكم والشافعي والدارقطني. انظر نصب الراية "4/ 40-42" والاستفهام من الرسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عن يبس الرطب- استفهام تقريري؛ لأنه -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- يعلم ذلك.
2 قال الغزالي في المستصفى "3/ 608"، عند الاستدلال بهذا الحديث: ففيه تنبيه على العلة من ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا وجه لذكر هذا الوصف لولا التعليل به.
الثاني: قوله: "إذًا" فإنه للتعليل.
الثالث: الفاء في قوله "فلا إذًا" فإنه للتعقيب والتسبيب".
3 تقدم تخريج الحديث وبيان أن هذه ليست رواية الخثعمية، وإنما رواية امرأة من جهينة.
(2/201)

النوع الخامس: أن يذكر في سياق الكلام شيء لو لم يعلل به: صار الكلام غير منتظم
كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ....} 1 فإنه يعلم منه التعليل للنهي عن البيع بكونه مانعًا من السعي إلى الجمعة؛ إذ لو قدرنا النهي عن البيع مطلقًا من غير رابطة الجمعة يكون خبطًا2 في الكلام.
وكذا قوله، عليه السلام: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" تنبيه على التعليل بالغضب، إذ النهي عن القضاء مطلقًا من غير هذه الرابطة لا يكون منتظمًا.
النوع السادس: ذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب، فيدل على التعليل به كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... } 4. و {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} ، أي: لبرهم وفجورهم، فإنه يسبق إلى الأفهام التعليل به، كما لو قال: "أكرم العلماء وأهن الفسّاق" يفهم منه: أن إكرام العلماء لعلمهم، وإهانة الفساق لفسقهم.
فكذلك في خطاب الشارع، فإن الغالب منه: اعتبار المناسبة.
بل قد نعلم أنه لا يرد الحكم إلا لمصلحة: فمتى ورد الحكم مقرونًا بمناسب: فهمنا التعليل به.
__________
1 سورة الجمعة من الآية "9".
2 هو: السير على غير جادة، أو طريق واضحة. تاج العروس مادة "خبط".
3 تقدم تخريجه.
4 سورة المائدة من الآية "38".
5 سورة الانفطار "13، 14".
(2/202)

ففي هذه المواضع يدل على أن الوصف معتبر في الحكم، لكنه يحتمل: أن يكون اعتباره لكونه علة في نفسه.
ويحتمل أن اعتباره لتضمنه للعلة نحو: نهيه عن القضاء مع الغضب، ينبه على أن الغضب علة لا لذاته، بل لما يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر، حتى يلتحق به الجائع والحاقن.
ويحتمل: أن ترتيبه فساد الصوم على الوقاع؛ لتضمنه إفساد الصوم، حتى يتعدى إلى الأكل والشرب.
والظاهر: الإضافة إلى الأصل، فصرفه عن ذلك إلى ما يتضمنه يحتاج إلى دليل1.
__________
1 خلاصة ذلك: أن الوصف في هذا النوع، أي: في كل موضع رتب الحكم عليه معتبر في تعريف الحكم، أو في تأثيره ووجوده، إلا أن الوصف الذي رتب الحكم عليه يحتمل أن يكون علة لذاته، كإحياء الأرض الموات، فإنه علة بنفسه لملك الأرض.
ويحتمل أن الوصف ليس علة لذاته، بل لما تضمنه واشتمل عليه من معنى جعله علة، كالنهي عن القضاء أثناء الغضب، فهل العلة هي: مطلق الغضب، أو ما تضمنه الغضب من تشويش الفكر وعدم استيفاء النظر للحكم الصحيح، ومثل ذلك: وجوب الكفارة بالوقاع في رمضان، هل العلة هي الوقاع بذاته، أو ما تضمنه الوقاع من إفساد الصوم الذي يكون بالوقاع كما يكون بالأكل والشرب.
فمن قال: إن العلة هي ذات الغضب لم يلحق به غيره، ومن قال: إن العلة هي: ما تضمنه الغضب ألحق به ما يشبهه كالجوع المفرط، وكالحاقن وأمثال ذلك.
كذلك في كفارة الوقاع، من قال: إن الوقاع هو العلة، لم يلحق به غيره من المفطرات، ومن قال: إن العلة ما تضمنه الوقاع من إفساد الصوم، ألحق به الأكل والشرب. وقد رجح المصنف أن كلًّا من الغضب والوقاع علة بنفسه، وأن إضافة غيره إليه تحتاج إلى دليل، غير أنه رجح في كتب الفقه أن الغضب ليس علة =
(2/203)

.......................................................................
__________
= بذاته، وإنما يقاس عليه كل ما يشوش الفكر، أما الوقاع فاعتبره علة بذاته لا يقاس عليه غيره.
قال في المغني "14/ 19-20": ".... ثم يخرج في اليوم الذي وعد بالجلوس فيه إلى مجلسه على أكمل حال وأعدلها، خليًا من الغضب، والجوع الشديد، والعطش، والفرح الشديد، والحزن الكثير، والهم العظيم، والوجع المؤلم، ومدافعة الأخبثين أو أحدهما، والنعاس الذي يغمر القلب؛ ليكون أجمع لقلبه، وأحضر لذهنه، وأبلغ في تيقظه للصواب، وفطنته لموضع الرأي، ولذلك قال النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فنص على الغضب، ونبه على ما في معناه من سائر ما ذكرناه".
وقال في الكافي: "1/ 352": "باب ما يفسد الصوم وما يوجب الكفارة: يحرم على الصائم الأكل والشرب للآية والخبر، فإن أكل أو شرب مختارًا ذاكرًا لصومه أبطله ... " ثم قال: "ومن جامع في الفرج، فأنزل أو لم ينزل فعليه القضاء والكفارة، لما روى أبو هريرة أن رجلًا جاء فقال: يا رسول الله، وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال: "هل تجد تعتق رقبة"؟ قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال: لا قال: فسكت النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فبينا نحن على ذلك أتى رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- بفرَق تمر "الفرَق: بفتح الراء -مكيال يسع ستة عشر رطلًا". فقال: "أين السائل؟ خذ هذا فتصدق به" فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! فو الله ما بين لا بتيها -يريد الحرّتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- حتى بدت أنيابه فقال: "أطعمه أهلك" متفق عليه.
وبذلك يكون المصنف قد فرق بين مسألتي: الغضب والوقاع في نهار رمضان، فقاس على الأول ولم يقس على الثاني.
قال في المغني في كتاب الصيام: "نقل عن الإمام مالك: تجب الكفارة بكل ما كان هتكًا للصوم، إلا الردة؛ لأنه إفطار في رمضان، أشبه الجماع. وحكي عن عطاء والحسن والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق، أن الفطر بالأكل والشرب يوجب ما يوجبه الجماع، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به". =
(2/204)

القسم الثاني. ثبوت العلة بالإجماع:
كالإجماع على تأثير "الصغر" في الولاية1.
وكالإجماع على أن علة منع القاضي من القضاء وهو غضبان اشتغال قلبه عن الفكر والنظر في الدليل والحكم، وتغير طبعه عن السكون والتلبث للاجتهاد.
وكتأثير تلف المال تحت اليد العادية2 في الضمان؛ فإنه يؤثر في الغصب إجماعًا، فقيس السارق -وإن قُطع- على الغاضب، لاتفاقهما في العلة المؤثرة في محل الوفاق إجماعًا.
فلا تصح المطالبة بتأثير العلة في الأصل، للاتفاق عليها.
__________
= ثم قال: "ولنا: أنه أفطر بغير جماع فلم توجب الكفارة، كبلع الحصاة أو التراب، أو كالردة عند مالك.
ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا، ولا إجماع، ولا يصح قياسة على الجماع؛ لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس، والحكم في التعدي به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرمًا، ويختص بإفساد الحج دون سائر محظوراته، ووجوب البدنة، ولأنه -في الغالب- يفسد صوم اثنين "أي الرجل والمرأة" بخلاف غيره" ولعل هذه الأسباب هي التي جعلت المصنف يفرق بين المسألتين.
1 أي: ولاية الإجبار على البكر الصغيرة، وعلى الصغير في المال أو النكاح، فيقول الحنفي في الثيب الصغيرة: صغيرة، فتجبر على النكاح، قياسًا على البكر الصغيرة، والابن الصغير، ويدعى أن العلة في الأصل: الصغر بالإجماع، وقد تحققت في الفرع.
2 أي: المعتدية. وتوضيحه: أن تلف المال تحت اليد العادية علة للضمان على الغاصب إجماعًا، فيلحق به تلف العين في يد السارق، وإن قطع بها؛ لأن يده عادية، فضمن ما تلف فيها كالغاصب، لاشتراكهما في الوصف الجامع وهو التلف تحت اليد العادية. انظر: شرح الطوفي "3/ 376-377".
(2/205)

وإن طولب بتأثيرها في الفرع، فجوابه أن يقال: القياس لتعدية حكم العلة من موضع إلى موضع.
وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال، فلا يفتح هذا الباب، بل يكلف المعترض الفرق، أو التنبيه على مثار خيار الفرق1.
وكذلك لو قال: الأخوّة من الأبوين أثرت في التقديم في الميراث إجماعًا، فلتؤثر في التقديم في النكاح.
أو قال: الصغر أثر في ثبوت الولاية على البكر: فكذلك على الثيب.
__________
1 معنى هذا: أنه إذا قاس المستدل على علة مجمع عليها، فليس من حق المعترض أن يطالب بتأثير تلك العلة في الأصل؛ لأن ذلك ثابت بالإجماع، ولا بتأثيرها في الفرع؛ لأنها مطّردة في كل قياس، إذ القياس عبارة عن تعدية حكم الأصل إلى الفرع بالجامع المشترك بينهما، وما من قياس إلا ويتجه عليه سؤال المطالبة بتأثير الوصف في الفرع، فيقال: مثلًا: ما الدليل على أن الصغر مؤثر في إجبار الثيب الصغيرة؟
قال المصنف: "فلا يفتح هذا الباب، بل يكلف المعترض الفرق، أو التنبيه على مثار خيال الفرق" أي: يقال له: قد بينت أن العلة مؤثرة في الأصل بالاتفاق، وبينت وجودها في الفرع، فتم القياس، فإن كان عندك ما تبين به عدم تأثيرها فهاته. فإن أمكن للمعترض أن يثبت ذلك ببيان أن هناك فرقًا بين الأصل والفرع وجب على المستدل أن يجيب عنه. هذا معنى كلام المصنف، لكن الغزالي زاد المسألة توضيحًا فقال: "وهذا السؤال إما أن يوجهه المجتهد على نفسه، أو يوجهه المناظر في المناظرة: أما المجتهد فيدفعه بوجهين:
أحدهما: أن يعرف مناسبة المؤثر، كالصغر، فإنه يسلط الولي على التزويج للعجز، فيقول: الثيب كالبكر في هذه المناسبة.
الثاني: أن يتبين أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا، ولا مدخل له في =
(2/206)

القسم الثالث: ثبوت العلة بالاستنباط.
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: إثبات العلة بالمناسبة.
وهو: أن يكون الوصف المقرون بالحكم مناسبًا1.
__________
= التأثير، كما ذكرناه في إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق ونظائره. فيكون هذا القياس-تمامه- بالتعرض للجامع ونفي الفارق جميعًا.
وإن ظهرت المناسبة استغني عن التعرض للفارق.
وإن كان السؤال من مناظر، فيكفي أن يقال: "القياس لتعدية حكم العلة من موضع إلى موضع، وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال، فلا ينبغي أن يفتح هذا الباب".
بل يكلف المعترض الفرق، أو التنبيه على مثار خيال الفرق، بأن يقول، مثلًا: "أخوّة الأم أثرت في الميراث في الترجيح؛ لأن مجردها يؤثر في التوريث، فلم قلت: "إذا استعمل في الترجيح ما يستقل بالتأثير، فيستعمل حيث لا يستقل".
فتقبل المطالبة على هذه الصيغة، وهي أولى من إبدائه في معرض الفرق ابتداء.
أما إذا لم ينبه على مثار خيال الفرق، وأصر على صرف المطالبة، فلا ينبغي أن يصطلح المناظرون على قبوله؛ لأنه يفتح بابًا من اللجاج لا ينسد.
ولا يجوز إرهاقه إلى طلب المناسبة؛ فإن ما ظهر تأثيره بإضافة الحكم إليه فهو علة، ناسب أو لم يناسب". المستصفى "3/ 615-616".
ومعنى "خيال الفرق" أي: الفرق الذي يتخيله المناظر، وفي بعض النسخ "حبال" بالحاء ومعناه: الوسائل التي يلجأ إليها المناظر.
1 وتسمى بالإخالة، أي: الظن؛ لأن الحكم بمناسبة الحكم يظن أن الوصف علة لهذا الحكم، كما تسمى المصلحة، والاستدلال، ورعاية المقاصد، وتخريج المناط.
والمناسبة في اللغة: الملائمة، يقال: الثوب الأبيض مناسب لصلاة الجمعة، أي: ملائم له.
(2/207)

ومعناه: أن يكون في إثبات الحكم عقيبه مصلحة.
ولا يعتبر أن يكون منشأ للحكمة، كالسفر مع المشقة، بل متى كان في إثبات الحكم عقيب الوصف مصلحة فيكون مناسبًا، كالحاجة مع
__________
= أما عند الأصوليين: فلها تعريفات كثيرة، منها: ما ذكره المصنف. أما الآمدي: فقد عرف المناسب، ومنه يعرف تعريف المناسبة: فقال: "المناسب: عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم عليه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع، من تحصيل مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، دنيا وأخرى، على وجه ما يمكن إثباته بما لو أصر الخصم على منعه بعده، يكون معاندًا" انظر: الإحكام "3/ 388".
وترتب على ذلك أن يكون المناسب ثلاثة أقسام:
ضروري، وحاجي، وتكميلي.
فالضروري: ما تقوم عليه حياة الناس الدينية والدنيوية، وإذًا فقد اختل نظام الحياة، وفسدت أحوال الناس، وينحصر في خمسة أشياء: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
والحاجي: هو ما يترتب عليه التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم، مثل: مشروعية البيع والقراض والسلم والرهن وسائر المعاملات التي تجري بين الناس.
والتكميلي: هو ما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق ومحاسن العادات، مثل: مشروعية الطهارة، وستر العورة، وأخذ الزينة وآداب الأكل والشرب ونحو ذلك. ومن المعلوم أن الضروري آكدها، ويليه الحاجي، ثم التكميلي، أو التحسيني، كما يسميه بعض العلماء.
ويترتب على ذلك أنه إذا اجتمعت كلها في وصف واحد قدم الأهم، مثال ذلك: أن نفقة النفس ضرورية، ونفقة الزوجة حاجية، ونفقة الأقارب تتمة وتكملة، ولهذا قدم بعضها على بعض، على الترتيب المتقدم، وتأكدت نفقة الزوجة على نفقة القريب، فتسقط بمضي الزمن دون نفقة الزوجة. انظر: الموافقات "2/ 6"، شرح مختصر الروضة "3/ 385".
(2/208)

البيع، والشكر مع النعمة، فيدل ذلك على التعليل به، إذ قد علمنا أن الشارع لا يثبت حكمًا إلا لمصلحة.
فإذا رأينا الحكم مفضيًا إلى مصلحة في محل، غلب على ظننا أنه قصد بإثبات الحكم تحصيل تلك المصلحة، فيعلل بالوصف المشتمل عليها1.
__________
1 معنى قول المصنف: "ولا يعتبر. أي الوصف، منشأ للحكمة" إلخ. يقتضي تعريف "المنشأ والحكمة".
فالإنشاء: محل النشيء وهو الظهور، يقال: نشأ ينشأ نشأ ونشوءًا: إذا بدا وظهر، ومنشأ الشيء: مظهره ومبدأه، وهو الموضع الذي يظهره.
أما الحكمة: فهي الغاية المطلوبة من تشريع الحكم، كحفظ الأنفس والأموال بتشريع القصاص وقطع اليد.
ومعنى ذلك: أن كون الوصف المناسب منشأ للحكمة المطلوبة من الحكم ليس شرطًا، بل المعتبر: ثبوت المصلحة عقيبه، وهو أعم من أن يكون منشأ لها أو لا. وهو رأي جمهور العلماء. وهذا يصدق على ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون الوصف منشأ للحكمة المطلوبة من الحكم، كقولنا: السفر منشأ المشقة المبيحة للترخص، والزنا منشأ المفسدة، وهي: تضييع الأنساب وإلحاق العار، وانتهاك الحرمات، فهذه الأوصاف ينشأ عنها الحكمة التي ثبتت هذه الأوصاف لأجلها.
الصورة الثانية: أن يكون الوصف معرفًا للحكمة ودليلًا عليها، كقولنا: النكاح أو البيع الصادر ممن هو أهل لذلك يناسب الصحة، أي: يدل على الحاجة التي اقتضت جعل البيع سببًا لتحصيل الانتفاع بواسطة الصحة، كما أن النكاح سبب للاستمتاع بالزوجة.
الصورة الثالثة: أن يظهر عند الوصف، ولم ينشأ عنه، ولم يدل عليه، كشكر النعمة المناسب للزيادة منها، فالشكر هو الوصف المناسب، وزيادة النعمة هي الحكمة، ووجوب الشكر هو الحُكم. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 386-387".
(2/209)

فصل: تقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره
...
[تقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره]
إذا ثبت هذا: فالمناسب ثلاثة أنواع:
مؤثر، وملائم، وغريب.
فالمؤثر: ما ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع1.
وهو شيئان:
أحدهما: ما يظهر تأثير عينه في عين الحكم، كقياس الأمة على الحرة في سقوط الصلاة بالحيض، لما فيه من مشقة التكرار، إذ قد يظهر تأثير عينه في عين الحكم بالإجماع، لكن في محل مخصوص، فعدّيناه إلى محل آخر2.
وهذا لا خلاف في اعتباره عند القائلين بالقياس.
ومن خاصيته: أنه لا يحتاج إلى نفي ما عداه في الأصل.
ولو ظهر في الأصل مؤثر آخر: لم يضر، بل يعلل بهما، فإن
__________
1 ومعنى ذلك: أننا إذا وجدنا حكمًا ترتب على وصف مناسب ثبتت مناسبته بنص أو إجماع، ألحقنا به إثبات عين ذلك الحكم أو جنسه بدليل الوصف المناسب في صورة أخرى، كالأمثلة الآتي ذكرها.
2 هذا المثال إنما يصح لو أن سقوط الصلاة على الحائض خاصة بالحرة، لكن الدليل الدال على سقوط الصلاة جاء عامًّا، فيشمل الحرة والأمة، وهو: ما روي أن عَمرَة قالت لعائشة -رضي الله عنها- ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ أخرجه البخاري حديث "321" ومسلم "335" وغيرهما.
وأولى من ذلك: التمثيل بإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق، وإلحاق ولاية النكاح بولاية المال، بجامع الصغر، فالصغر وصف أثر عينه في عين الحكم، وهو الولاية على الصغير، ولم يختلف إلا محل الولاية وهو المال والنكاح. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 390-391".
(2/210)

"الحيض" و"العدة" و"الردة" قد تجتمع في امرأة، ويعلل تحريم الوطء بالجميع1.
وهو قسمان:
أحدهما: أن يظهر أثر عينه في عين ذلك الحكم، فهو الذي يقال: إنه في معنى الأصل.
وربما يقرّ به منكرو القياس؛ إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحل، كقولنا: "إذا ثبت أن الكيل علة في تحريم الربا في البر، فالزبيب ملحق به".
ويكون هذا كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفارة على الأعرابي، فالتركي والهندي في معناه2.
الرتبة الثانية: أن يظهر أثر عينه في جنس ذلك الحكم:
كظهور أثر الأخوة من الأبوين في التقديم في الميراث، فيقاس عليه ولاية النكاح، فإن الولاية في النكاح ليست هي عين الميراث، لكن بينهما مجانسة3.
__________
1 فلو أردنا أن نقيس الأمة على الحرة في ذلك بأحد هذه الأوصاف صح، كما يصح أن نعلل تحريم وطئها بالأوصاف الثلاثة مجتمعة.
2 أي: أن هذا شبيه بما تقدم في "تنقيح المناط" حيث أثر الدفاع في نهار رمضان في عين الحكم، وهو وجوب الكفارة على الأعرابي الذي قال لرسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "واقعت أهلي في نهار رمضان"، وأوجب عليه رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- الكفارة، فيقاس عليه الأعجمي والتركي؛ لأن العلة عامة، تشمل الأعرابي وغيره، وهي: "الوقاع في نهار رمضان من شخص مكلف" فالفرع هنا في معنى الأصل.
3 هذا هو القسم الثاني من أقسام المؤثر، وهو: ما أثر عينه في جنس الحكم كقولنا: الأخ للأبوين مقدم في ولاية النكاح، قياسًا على تقديمه في الإرث، =
(2/211)

النوع الثاني: الملائم1:
وهو: ما ظهر تأثير جنسه في عين الحكم.
كظهور أثر المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض، فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء الصلاة، كتأثير مشقة السفر في إسقاط الركعتين الساقطتين بالقصر2.
__________
= فالوصف الذي هو الأخوة في الأصل والفرع متحد بالنوع، والحكم الذي هو الولاية والإرث متحدان بالجنس لا بالنوع، فهذا وصف أثر عينه في جنس الحكم، وهو جنس التقديم. انظر: شرح المختصر "3/ 392".
والملاحظ هنا: أن المؤلف كرر تقسيم المؤثر، فبعد أن عرفه قال: "وهو شيئان: أحدهما ما يظهر تأثير عينه في عين الحكم ... وذكر أمثلته ... " ثم قال: وهو قسمان: أحدهما: أن يظهر أثر عينه في عين ذلك الحكم" وهو السابق بعينه فليتنبه لذلك.
1 معنى "الملائم" الموافق، سمي بذلك لموافقته تصرف الشارع في تأثير جنس الأسباب في أعيان الأحكام، وهو تخصيص اصطلح عليه العلماء للتفرقة بين الأنواع الثلاثة، وإلا فجميعها ملائمة وموافقة لجنس مراعاة الشرع للمصالح المناسبة. انظر: شرح المختصر "3/ 393".
2 توضيح ذلك: أن جنس المشقة أثر في عين السقوط، إذ مشقة تكرار الصلاة في حق الحائض مخالفة لمشقة إتمامها في حق المسافر، إن لم يكن بالحقيقة والماهية فبالكمية والكيفية، أما ماهية السقوط في حقهما فواحدة.
وقد اعترض على هذا التمثيل: بأنه من القسم الأول، وهو: ما أثر عينه في عين الحكم؛ لأن نوع المشقة في التأثير واحد، وكذا نوع الحكم، وإن اختلفا من جهة سببهما؛ إذ هي مشقة تكرار، وهذا مشقة إتمام، وهذا سقوط أصل الصلاة، وذاك سقوط ركعتين منها.
فالأولى أن يقال: كإسقاط الصلاة عن الحائض للمشقة فإن جنس المشقة أثر في عين هذا السقوط من غير تعرض لمسافر ولا غيره. انظر: المرجع السابق.
(2/212)

النوع الثالث، الغريب:
وهو: ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم.
كتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام1.
__________
1 معناه: إلحاق بعض الأحكام ببعض بجامع المناسبة المصلحية المطلقة، كإلحاق شارب الخمر بالقاذف، في جلده ثمانين، كما قال علي، رضي الله عنه: "أراه إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فأرى عليه حد المفتري" فمظنة جنس الافتراء أثر في جنس الحد، وسمي هذا النوع غريبًا، لقلة التفات الشرع إليه في تصرفاته، فأصبح لقلة وقوعه كالغريب. وقال البرماوي: "وسمي غريبًا؛ لأنه لم يشهد له غير أصله بالاعتبار، كالطعم في الربا، فإن نوع الطعم مؤثر في حرمة الربا، وليس جنسه مؤثرًا في جنسه". شرح الكوكب المنير "4/ 177" قال الفتوحي: "وهذا التشبيه إنما يجري على قواعد من يقول: إن علة الربا الطعم".
(2/213)

فصل: [مراتب الجنسية]
ثم الجنسية مراتب، بعضها أعم من بعض:
فإن أعم الأوصاف كونه حكمًا.
ثم ينقسم إلى: إيجاب، وندب، وتحريم، وإباحة، وكراهية.
ثم الواجب ينقسم إلى: عبادة، وغير عبادة.
والعبادة تنقسم إلى: صلاة وغيرها.
فما ظهر تأثيره في الصلاة الواجبة أخص مما ظهر في العبادة، وما ظهر في العبادة أخص مما ظهر في الواجب، وما ظهر في الواجب أخص مما ظهر في الأحكام.
وفي المعاني أعم أوصافه: أنه وصف يناط الحكم بجنسه حتى يدخل فيه الاشتباه.
(2/213)

وأخص منه: كونه مصلحة، وأخص منه: كونه مصلحة خاصة، كالردع، أو سد الحاجة.
فلأجل تفاوت درجات الجنسية -في القرب والبعد- تتفاوت درجات الظن، والأعلى مقدمًا على ما دونه1.
__________
1 وضح الطوفي ذلك في شرحه "3/ 395 وما بعدها" فقال: "لما تقرر أن الوصف مؤثر في الحكم، والحكم ثابت بالوصف، ومسمى الوصف والحكم جنس تختلف أنواع مدلوله بالعموم والخصوص، كاختلاف أنواع مدلول الجسم والحيوان وغيرهما من الأجناس -كما تقرر أول الكتاب- ولهذا اختلف تأثير الوصف في الحكم تارة بالجنس، وتارة بالنوع، احتجنا إلى بيان مراتب جنس الوصف والحكم، ومعرفة الأخص منها من الأعم، ليتحقق لنا معرفة أنواع تأثير الأوصاف في الأحكام.
فأعم مراتب الوصف: كونه وصفًا؛ لأنه أعم من أن يكون مناطًا للحكم، أو لا يكون، إذ بتقدير أن يكون طرديًّا غير مناسب لا يصلح أن يناط به حكم، فكل مناط وصف، وليس كل وصف مناطًا. ثم كونه مناطًا أعم من أن يكون مصلحة أو لا، فكل مصلحة مناط للحكم، وليس كل مناط مصلحة، لجواز أن يناط الحكم بوصف تعبّدي، لا يظهر وجه المصلحة فيه، وكلامنا في المصلحة في ظاهر الأمر، أما في نفس الأمر، فلا يخلو تصرف الشرع عن مصلحة.
ثم كون الوصف مصلحة؛ لأنها قد تكون مصلحة عامة، بمعنى أنها متضمنة لمطلق النفع، وقد تكون خاصة، بمعنى كونها من باب الضرورات، والحاجات، أو التكميلات والتتمات. كما سبق تقريره في الاستصلاح.
وأما الحكم: فأعم مراتبه: كونه حكمًا؛ لأنه أعم من أن يكون وجوبًا، أو تحريمًا، أو صحة، أو فسادًا. ثم كونه واجبًا ونحوه، أي: من الأحكام الخمسة، وهي الواجب، والحرام، والمكروه، والمندوب، والمباح، وما يلحق بذلك من الأحكام الوضعية -كما سبق- إذا الواجب أعم من أن يكون عبادة اصطلاحية أو غيرها.
ثم كونه عبادة؛ لأنها أعم من الصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات. =
(2/214)

[تعريف آخر للملائم والغريب]
وقيل: بل الملائم: ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم، كتأثير المشقة في التخفيف1.
والغريب: الذي لم يظهر تأثيره، ولا ملائمته لجنس تصرفات الشرع2، كقولنا: الخمر إنما حرم لكونه مسكرًا، وفي معناه: كل مسكر، ولم يظهر أثر السكر في موضع آخر، لكنه مناسب اقترن الحكم به.
وقولنا: المبتوتة في مرض الموت ترث؛ لأن الزوج قصد الفرار من الميراث، فعورض بنقيض قصده، قياسًا على القاتل3 -لما استعجل
__________
= ثم كونه صلاة، إذ كل صلاة عبادة، وليس كل عبادة صلاة.
ثم كونها ظهرًا؛ لأن الصلاة أعم من الظهر، إذ كل ظهر صلاة، وليس كل صلاة ظهرًا.
ثم قال: لما عرف بما ذكرناه الأخص والأعم من الأوصاف والأحكام، فليعلم أن تأثير بعضها في بعض يتفاوت في القوة والضعف، فتأثير الأخص في الأخص أقوى أنواع التأثير، كمشقة التكرار في سقوط الصلاة، والصغر في ولاية النكاح، وتأثير الأعم في الأعم يقابل ذلك، فهو أضعف أنواع التأثير، وتأثير الأخص في الأعم وعكسه، وهو تأثير الأعم في الأخص واسطتان بين ذينك الطرفين، إذ في كل واحد منهما قوة من جهة الأخصية، وضعف من جهة الأعمية، بخلاف الطرفين، إذ الأول تمحضت فيه الأخصية، فتمحضت له القوة، والثاني تمحضت فيه الأعمية، فتمحض له الضعف".
1 هذا تعريف آخر لكل من الملائم والغريب، حيث عرف الملائم بما عرف به الغريب سابقًا. انظر: شرح الكوكب المنير "4/ 175" وشرح مختصر الروضة "3/ 398".
2 وهو اختيار الغزالي في المستصفى "3/ 622" وشفاء الغليل ص148، وانظر: شرح الكوكب المنير "4/ 177".
3 حرمان القاتل من الميراث وردت فيه أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه مالك في =
(2/215)

الميراث- عورض بنقيض قصده، فإنا لم نر الشارع التفت إلى مثل هذا في موضع آخر، فتبقى مناسبة مجردة غريبة.
وقد قصر قوم القياس على المؤثر1؛ لأن الجزم بإثبات الشارع الحكم رعاية لهذا المناسب تحكّم، إذ يحتمل أن يكون الحكم ثبت تعبدًا، كتحريم الميتة، والخنزير، والدم والحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، مع إباحة الضب والضبع.
__________
= الموطأ -كتاب العقول- باب: ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "لا يرث القاتل" كما أخرجه أبو داود، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كذلك أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أما المبتوتة: وهي التي طلقها زوجها طلاقًا بائنًا في مرض الموت، فإنها ترث زوجها أثناء العدة ولا يرثها، وبه قال جمهور الصحابة وأكثر فقهاء المذاهب المتبوعة، والمشهور عن الإمام أحمد أنها ترثه في العدة وبعدها ما لم تتزوج. وقد صح عن عثمان -رضي الله عنه- أنه ورّث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرضه فبتها. واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعًا. انظر: السنن الكبرى للبيهقي "7/ 362" والمغني "9/ 194".
1 توضيح ذلك: أن بعض الأصوليين يرون أن القياس لا يصح إلا بالوصف المؤثر، دون الملائم والغريب، وحجتهم على ذلك: أنا لو أجزنا القياس بجامع غير مؤثر، للزم التحكم والترجيح بلا مرجح، وهذا لايجوز.
بيان ذلك: أنا لو قسنا النبيذ على الخمر-مثلًا- بعلة الإسكار، على تقدير عدم ورود النص على النبيذ، لاحتمل أن يكون تحريم الخمر تعبدًا غير معلل بعلة، كتحريم الخنزير والميتة والدم إلخ، واحتمل أن يكون تحريمها لوصف آخر لم يظهر لنا، واحتمل أن يكون للإسكار، وما دام التحريم محتملًا لهذه الأمور كان تعيين بعضها لإضافة التحريم إليه تحكمًا، بخلاف الوصف المؤثر، فإن تأثيره ثابت بالنص أو الإجماع، فلا تردد فيه.
(2/216)

ويحتمل أن يكون لمعنى آخر مناسب، لم يظهر لنا. "ويحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدًا وتحكمًا"1 ويحتمل أن يكون للإسكار.
فهذه ثلاث احتمالات.
فالتعيين تحكم بغير دليل، ووهم مجرد مستنده: أنه لم يظهر إلا هذا.
وهذا غلط، فإن عدم العلم ليس علمًا بعدم سبب آخر. وبمثل هذا القول بطل القول بالمفهوم.
وهذا لا ينقلب في المؤثر؛ فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه نصًّا، أو إجماعًا2.
قلنا: لا يصح ما ذكروه لوجهين:
أحدهما: أنا قد علمنا من أقيسة الصحابة -رضي الله عنهم- في
__________
= وأجيب عن ذلك بوجهين:
أحدهما: أن اقتران الحكم بالوصف الملائم أو الغريب يفيد الظن بأنه سببه ومقتضيه، والظن واجب الاتباع في الفروع العملية.
ثانيهما: أن الصحابة -رضي الله عنهم- قد ربطوا الأحكام بالأوصاف المناسبة، ولم يشترطوا كون العلة منصوصة أو مجمعًا عليها، ولو كان ذلك مشروطًا لما تركوا النص عليه، وإلا للزم على ذلك القدح في عصمة الأمة، حيث كانوا هم كل الأمة حينئذ، فلو تركوا ما هو مشترط في الاجتهاد؛ لأجمعوا على الخطأ، ولزم وقوع الخبر النبوي مخالفًا لمخبره، وهو قدح في العصمة. انظر: شرح الطوفي "3/ 402-403".
1 ما بين القوسين من المستصفى حتى يصح الكلام؛ لأن المصنف حذف التمثيل بالخمر، فأصبح قوله: "ويحتمل أن يكون للإسكار" لا عائد له.
2 هذا خلاصة ما استند إليه القائلون بقصر القياس على المؤثر، وقد سبق توضيحه.
(2/217)

اجتهاداتهم أنهم لم يشترطوا في كل قياس كون العلة معلومة بنص أو إجماع.
والثاني: أن المطلوب غلبة الظن، وقد حصل، فإن إثبات الشرع الحكم على وفقه يشهد لملاحظة الشرع له1.
وهذا الاحتمال راجح على احتمال التحكم بما رددنا به مذهب منكري القياس، كما في المؤثر، فإن العلة إذا أضيف إليها الحكم في محل: احتمل اختصاصها به.
وبه اعتصم نفاة القياس2.
لكن قيل لهم: عُلم من الصحابة اتباع العلل، واطّراح التعبد3، مهما أمكن، فكذا ههنا، ولا فرق.
وقولهم: "يحتمل أن ثم مناسبًا آخر، فهو وهم محض".
[فنقول] 4: غلبة الظن في كل موضع تستند إلى مثل هذا الوهم،
__________
1 سبق توضيح هذين الدليلين.
2 أي: استدل نفاة القياس بهذا الاحتمال، وقد استدرك عليه المصنف بقوله: "لكن قيل لهم ... ".
3 عبارة الغزالي: "واطراح تنزيل الشرع على التحكم ما أمكن، فكذلك ههنا، ولا فرق".
4 ما بين القوسين من المستصفى، وعبارة المصنف: وغلبة الظن إلخ، وهي توهم أن هذا من كلام المخالفين، فكان لا بد من هذه الإضافة. وقد رد المصنف عليهم بأربعة أوجه.
الأول: أن هذا الاحتمال لا يؤثر في الوصف المناسب، ولو ظهر وصف آخر أقوى مما ظهر لنا قبلناه، وإن لم يكن أقوى رددناه.
الوجه الثاني: أنه لو رد كل ما غلب على الظن بمجرد احتمال وصف آخر لم يستقم أي قياس، لهذا الاحتمال =
(2/218)

ويعتمد انتفاء الظهور في معنى آخر لو ظهر لبطل الظن.
ولو فتح هذا الباب لم يستقم قياس، فإن المؤثر إنما يغلب على الظن، لعدم ظهور الفرق، ولعدم ظهور معارض.
وصيغ العموم والظواهر إنما تغلب على الظن بشرط: انتفاء قرينة مخصصة، لو ظهرت لزال الظن، وإذا لم تظهر جاز التعويل عليه.
__________
= الوجه الثالث: أنه يحصل الظن من صيغ العموم والظواهر بشرط انتفاء القرينة المخصصة، فكذلك ما ههنا.
الوجه الرابع: أن الصحابة رضي الله عنهم، حين أجمعوا على جواز الاجتهاد لم يظهر لنا من ذلك إلا اتباع الرأي الأغلب، بدليل اختلافهم في بعض القضايا، ولم يحصروا أجناس غلبة الظن، ولم يميزوا جنسًا عن جنس، وهذا يشمل المؤثر والملائم والغريب.
ثم رد المصنف على قولهم: "هذا وهم" بأن هذا لا يصح، لأن هناك فرقًا بين الوهم والظن، وأن من بنى أمره في المعاملات على الظن كان معذورًا، بخلاف من بناه على الوهم، وفرع على ذلك تصرف ولي اليتيم في ماله بناء على الظن أو الوهم.
هذا خلاصة ما أراده المصنف في هذه المسألة. والله أعلم.
قال الجرجاني في التعريفات ص144، "الظن: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك، وقيل: الظن أحد طرفي الشك بصفة الرجحان".
وفي شرح الكوكب المنير "1/ 74": ".... والأول وهو الذي يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدّره الراجح منه، وهو الذي يكون متعلقه راجحًا عند الذاكر على احتمال النقيض ظن، ويتفاوت الظن حتى يقال: غلبة الظن.
والمرجوح: وهو المقابل للظن وهم.
والمساوي: وهو الذي يتساوى متعلقه واحتمال نقيضه عند الذاكر شك".
(2/219)

ولم يظهر لنا من الصحابة إلا اتباع الرأي الأغلب، ولم يضبطوا أجناسه، ولم يميزوا جنسًا عن جنس، فمهما سلمتم غلبة الظن: وجب اتباعه.
وقولهم: "هذا وهم": لا يصح؛ فإن الوهم ميل النفس من غير سبب، والظن: ميلها بسبب.
وهذا الفرق بينهما.
ومن بنى أمره في المعاملات على الظن: كان معذورًا، ومن بناه على الوهم سُفِّه.
ولو تصرف في مال اليتيم بالظن: لم يضمن، ولو تصرف بالوهم ضمن.
وقد بينا الظن ههنا فيجب البناء عليه. والله أعلم.
النوع الثاني
في إثبات العلة. السبر1
قال أبو الخطاب: "ولا يصح إلا أن تجمع الأمة على تعليل أصل، ثم يختلفون في علته، فيبطل جميع ما قالوه إلا واحدة، فيعلم صحتها،
__________
1 السبر لغة: الاختبار، ومنه سمي ما يعرف به طول الجرح وعرضه: سِبَّارًا ومسبارًا.
وبعض العلماء يكتفي بإطلاق لفظ "السبر" على هذا النوع، والبعض يطلق عليه "التقسيم" فقط، والجمهور على الجمع بينهما، إذ أن هذا الدليل مبني على أمرين: =
(2/220)

كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة"1.
فنقول: الحكم معلل، ولا علة إلا كذا أو كذا، وقد بطل أحدهما فيتعين الآخر.
مثاله: الربا يحرم في البر بعلة، والعلة: "الكيل، أو القوت، أو الطعم" وقد بطل التعليل بالقوت والطعم، فثبت أن العلة: الكيل.
__________
= أحدهما: حصر الأوصاف التي يتوهم صلاحيتها للتعليل، وهو المسمى بالتقسيم.
ثانيهما: سبر واختبار هذه الأوصاف ليتميز الصالح منها للتعليل وإبطال ما لا يصلح.
ولذلك عرفه الأصوليون بأنه: "إبطال كل علة عُلّل بها الحكم المعلل إجماعًا إلا واحدة فتتعين" أي: للتعليل.
مثال ذلك: أن يقول: "علة الربا في البُرِّ ونحوه: إما الكيل، أو الطعم، أو القوت، وكلها باطلة إلا الأولى، وهي: الكيل، إن كان حنفيًّا أو حنبليًّا، أو إلا الطعم، إن كان شافعيًا، أو إلا القوت، إن كان مالكيًّا، فيتعين هذا الوصف للتعليل، ويلحق الأرز والذرة ونحو ذلك بالبر، بجامع الكيل أو غيره على حسب ما تقدم. ويقيم الدليل على بطلان ما أبطله، إما بانتقاضه انتقاضًا مؤثرًا، أو بعدم مناسبته، أو غير ذلك بحسب الإمكان. انظر: البرهان "2/ 815" والإحكام للآمدي "3/ 380" وشرح مختصر الروضة "3/ 404-405" وشرح الكوكب المنير "4/ 142".
1 انظر: التمهيد "4/ 22".
(2/221)

صحتها؛ لجواز أن يكون الحكم ثابتًا تعبدًا، إذ لم يوجد من الدليل على صحتها إلا خلو المحل عما سواها.
والوجود المجرد لا يكفي في التعليل1.
وقول المستدل: بحثت في المحل فلم أعثر على ما يصلح للتعليل: ليس بأولى من قول خصمه: بحثت في الوصف الذي ذكرته، فلم أعثر فيه على مناسبة، أو ما يصلح به التعليل، فيتعارض الكلامان.
الأمر الثاني: أن يكون سبره حاصرًا لجميع ما يعلل به: إما بموافقة خصمه، وإما بأن يسير حتى يعجز عن إبراز غيره2.
__________
1 خلاصة قول أبي الخطاب، وارتضاه المصنف: أنه يشترط في السبر أن يكون الحكم مجمعًا على تعليله، ولا يكفي أن يكون مختلفًا فيه؛ لأن للخصم في هذه الحالة أن يقول: إن الحكم تعبدي ولا علة له، فيبطل القياس. إلا أن للطوفي تفصيلًا آخر حيث قال: "إن كان المستدل مناظرًا، أو خصمه منتميًا إلى مذهب ذي مذهب، كفاه موافقة الخصم على التعليل، ولم يعتبر الإجماع عليه من الأمة، وإن كان الخصم مجتهدًا، اعتبر الإجماع على تعليله، إذ المجتهد لا حجر عليه إلا بإجماع الأمة، إذ بدونه له أن يلزم التعبد في الأصل، ويفسد كل علة علل بها، أما إذا أجمع على كونه معللًا، لم يمكنه ذلك، لمخالفة الإجماع، وإن كان المستدل ناظرًا لا مناظرًا، اعتبر الإجماع على التعليل أيضًا؛ لأن غرضه ليس إفحام خصم، بل استخراج حكم، وذلك إنما يحصل بحصول غلبة الظن بأن العلة هذا الوصف، ولا يحصل ذلك مع وقوع الخلاف في تعليل الحكم، وفي هذا شيء لا يخفى". شرح المختصر "3/ 405-406".
2 وبذلك يكون الخصم قد سلّم بما ذكره المستدل.
فحاصل الأمر: أن موافقة الخصم على الحصر إما اختيارية بالتسليم، أو اضطرارية بعجزه عن الزيادة على ما ذكره المستدل من أوصاف، ولذلك يجب على الخصم التسليم بالحصر، أو إبراز ما عنده لينظر فيه المستدل فيفسده عليه، =
(2/222)

فإن كان مناظرًا: كفاه أن يقول: هذا منتهى قدرتي في السبر، فإن شاركتني في الجهل بغيره: لزمك ما لزمني، وإن اطلعت على علة أخرى فيلزمك إبرازها في صحتها، فإن كتمانها -حينئذ- عناد، وهو محرم، وصاحبها إما كاذب، وإما كاتم لدليل مست الحاجة إلى إظهاره، وكلاهما محرم.
الثالث1: إبطال أحد القسمين:
وله في ذلك طريقان:
أحدهما: أن يبين بقاء الحكم بدون ما يحذفه، فيبين أنه ليس من العلة، إذ لو كان منها: لم يثبت الحكم بدونه.
الثاني: أن يبين أن ما يحذفه من جنس ما عهدنا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الأحكام، كالطول والقصر، والسواد والبياض، أو عهد منه الإعراض عنه في جنس الأحكام المختلف فيها كالذكورية، والأنوثية في سراية العتق2.
__________
= ولا يكفي أن يقول المعترض: عندي وصف زائد لكني لا أذكره؛ لأنه حينئذ إما أن يكون صادقًا فيكون كاتمًا لدليل دعت الحاجة إلى إظهاره، أو كاذبًا فلا يعول على قوله.
1 من شروط صحة السبر، كما تقدم.
2 خلاصة ذلك: أن المعترض إذا أظهر وصفًا زائدًا على ما ذكره المستدل من الأوصاف، لزم المستدل أن ينظر في ذلك الوصف ويبطله بأحد طريقين:
أحدهما: أن يبين بقاء الحكم مع حذف ذلك الوصف في بعض الصور، مثل: أن يقول الشافعي أو الحنبلي: يصح أمان العبد؛ لأنه أمان وجد من عاقل مسلم غير متهم فيصح قياسًا على الحر.
فيقول الحنفي: لا نسلم أن ما ذكرت هو أوصاف العلة في الأصل فقط، بل هناك وصف آخر، وهو الحرية، وهو مفقود في العبد، فلا يصح القياس =
(2/223)

فصل: [أمور لا تكفي لإفساد علة الخصم]
ولا يكفيه في إفساد علة خصمه: النقض؛ لاحتمال أن يكون جزءًا من العلة، أو شرطًا فيها، فلا يستقل بالحكم، ولا يلزم من عدم استقلاله: صحة علة المستدل بدونه.
ولا يكفيه، أيضًا أن يقول: بحثت في الوصف الفلاني فما عثرت فيه على مناسبة، فيجب إلغاؤه، فإن الخصم يعارض بمثل كلامه فيفسد.
فإن بيّن -مع ذلك- صلاحية ما يدّعيه علة، أو سلم له ذلك بموافقة خصمه: فذلك يكفيه ابتداء، بدون السبر، فالسبر إذًا تطويل طريق غير مفيد، فلنصطلح على ردّه.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يكفيه ذلك.
وقال بعض المتكلمين: إذا اتفق خصمان على فساد تعليل مَن
__________
= فيقول المستدل: وصف الحرية ملغى بالعبد المأذون له، فإن أمانه يصح باتفاق مع عدم الحرية، فصار وصفًا لا غيًا لا تأثير له في العلة.
ثانيهما: أن يبين كون هذا الوصف الزائد طرديًّا، أي: لم يلتفت الشارع إليه فيما عهد من تصرفاته، كالطول والقصر، والذكورية والأنوثية، وما أشبه ذلك.
مثال ذلك: لو قال المستدل: يسري العتق في الأمة قياسًا على العبد، بجامع الرق في كل منهما، إذ لا علة غيره، عملًا بالسبر. فقال المعترض: الذكورية وصف زائد معتبر في الأصل، فلا يصح القياس؛ لأن العبد إذا كمل عتقه بالسراية حصل منه ما لا يحصل من الأمة، من تأهله للحكم والإمامة وأنواع الولايات، ولا يلزم في ثبوت السراية في الأكمل ثبوته في غيره.
فيقول المستدل: ما ذكرت من الفرق مناسب، غير أنا لم نر الشرع اعتبر الذكورية والأنوثية في باب العتق، فيكون اعتبار ذلك على خلاف معهوده، فيكون وصفًا طرديًّا في ظاهر الأمر. انظر: شرح الطوفي "3/ 407-408".
(2/224)

سواهما، ثم أفسد أحدهما علة صاحبه: كان ذلك دليلًا على صحة علته.
وليس بصحيح؛ فإن اتفاقهما ليس بدليل على فساد قول من خالفهما.
والذي فسدت علته منهما يعتقد فساد علة خصمه الحاضر، كاعتقاد فساد علة الغائب، فيتساوى عنده الأمر فيهما.
فلا يتعين عنده صحة إحداهما، ما لم يكن الحكم مجمعًا على تعليله، ويبطل ما قيل: إنه علة1. والله أعلم.
__________
1 خلاصة ذلك: أنه لا يكفي المستدل في إفساد الوصف الذي أبرزه المعترض كونه منتقضًا، بل يوجد بدون الحكم؛ لأن الوصف المذكور قد يكون جزء العلة أو شرطًا لها، والعلة لا تصح بدون جزئها أو شرطها.
مثال ذلك: قول المستدل: علة الربا في البر: الكيل، فعارضه المعترض بالطعم، فنقضه المستدل بالماء أو غيره مما يطعم ولا ربا فيه فلو قال المستدل ذلك لم يكف في بطلان كون الطعام هو العلة؛ لجواز أن يكون الطعم جزء علة الربا، بأن تكون العلة مجموع الكيل والطعم، أو شرطًا لها، فتكون علة الربا: الكيل بشرط أن يكون المكيل مطعومًا.
كذلك لا يكفي المستدل أن يقول: إني بحثت في علتك التي أبرزتها فلم أعثر فيها على مناسبة بينها وبين الحكم؛ لأن للمعترض أن يقول مثل هذا الكلام، فيتعارض الكلامان، ويقف المستدل، وتنقطع حجته.
فإن رد المستدل على خصمه هذا الكلام، وبين صلاحية الوصف الذي أثبته، أو سلم له الخصم بذلك، كفاه ذلك ابتداء، بدون حاجة إلى السبر، لأنه يكون تطويلًا بلا فائدة. وهذا رأي بعض العلماء واختاره المصنف.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يكفيه ذلك؛ لأن الظاهر من حاله أنه صادق، وهو أهل للنظر، فيقبل قوله.
ثم تطرق المصنف إلى صورة أخرى متعلقة بالسبر، وهي: إذا اتفق خصمان على =
(2/225)

[إثبات العلة بالدوران]
النوع الثالث- في إثبات العلة: أن يوجد الحكم بوجودها، ويعدم بعدمها1.
__________
= فساد علة من خالفهما، ثم بعد ذلك أفسد أحد الخصمين علة صاحبه، فهل يعتبر ذلك دليلًا على صحة علته؟
حكى المصنف عن بعض المتكلمين أن ذلك يعتبر دليلًا على صحة علته.
ثم رد على ذلك بأنه غير صحيح؛ لأن اتفاقهما على فساد علة غيرهما لا يقتضي فسادها في نفس الأمر، بل في اعتقادهما، وهو لا يؤثر بالنسبة إلى غيرهما، إذ غيرهما يعتقد فساد علتهما، كالمالكي يعتقد فساد التعليل بالكيل والطعم، ويدّعي علة القوت، فيتعارض اعتقادهما واعتقاده، وكذلك كل منهما يعتقد فساد علة غيره من حاضر وغائب، فليس أحدهما بأولى من الآخر. انظر: شرح مختصر الطوفي "3/ 409-410".
1 يسمى هذا النوع بالدوران، وهو في اللغة: مصدر دار يدور دورانًا، إذا تحرك حركة دورية كالدولاب والرحا.
أما في الاصطلاح فهو: ترتب حكم على وصف وجودًا وعدمًا، أو: وجود الحكم بوجود العلة، وعدمه بعدمها. وسماه الآمدي وابن الحاجب: الطرد والعكس. وهو بمعناه.
وفي كونه علة خلاف بين العلماء:
فالجمهور يرون أنه حجة، لكنهم مختلفون في نوع هذه الحجية، فقال بعض المعتزلة: إنها حجة قطعية. وقال بعض ومنهم أبو بكر الباقلاني: إنها ظنية. وذهب بعض العلماء إلى عدم حجيته، وعلى ذلك أكثر الحنفية، والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم.
وقال قوم: إنه يفيد العلية ظنًا إذا انضم إليه السبر المتقدم.
انظر: المعتمد "2/ 843"، الإحكام للآمدي "3/ 430"، شرح العضد على المختصر "2/ 245"، شرح الكوكب المنير "4/ 191".
(2/226)

كوجود التحريم بوجود الشدة في الخمر، وعدمه لعدمها، فإنه دليل على صحة العلة العقلية، وهي موجبة، فأولى أن يكون دليلًا على الشرعية وهي أمارة1.
ولأنه يغلب على الظن ثبوت الحكم مستندًا إلى ذلك الوصف، فإننا لو رأينا رجلًا جالسًا، فدخل رجل فقام عند دخوله، ثم جلس عند خروجه، وتكرر منه، غلب على ظننا: أن العلة في قيامه: دخوله2.
فإن قيل: الوجود عند الوجود طرد محض، وزيادة العكس لا تؤثر، إذ ليس بشرط في العلل الشرعية.
ولأن الوصف يحتمل أن يكون ملازمًا لعلة أو جزءًا من أجزائها،
__________
1 هذا هو الدليل الأول على حجية الدوران.
2 وهذا هو الدليل الثاني، كما أوردهما المصنف. وقد أضاف إليهما الطوفي دليلين آخرين فقال: "وبمثل ذلك عَلِمَ الأطباءُ ما علموه من قوى الأدوية وأفعالها، كالأدوية المسهلة والقابضة وغيرها، حيث دارت آثارها معها وجودًا وعدمًا ... ثم قال: وأما دليل الشرع فلأن النبي -عليه السلام- بعث ابن اللتبية عاملًا، فلما عاد من عمله جاء بمال، فجعل يقول: هذا لكم، وهذا لي أُهدى إلي، فخطب النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- فقال: "ما بال الرجل نبعثه في عمل المسلمين فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا لي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر هل يهدى له؟! " [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود] .
وهذا عين الاستدلال بالدوران. أي: إنا إذا استعملناك أُهدي إليك، وإذا لم نستعملك لم يُهدَ لك، فعلة الهدية لك: استعمالنا إياك. فثبت بهذا أنه يوجب ظن العلية.
وأما أنه إذا وجب ظن العلية، وجب اتباعه، فلأن الظن متبع في العمليات بما عرف في الدليل على إثبات القياس من أنه يتضمن دفع ضرر مظنون". شرح المختصر "3/ 413-414".
(2/227)

فيوجد الحكم عند وجوده، لكون العلة ملازمة، وينتفي بانتفائه.
ويحتمل ما ذكرتم.
ومع التعارض لا معنى للتحكم.
ثم لو كان ذلك علة؛ لأمكن كل واحد من المختلفين في علة الربا أن يثبت الحكم بثبوتها، وينفيه بنفيها.
ثم يبطل هذا المعنى برائحة الخمر المخصوصة به مقرنة بالشدة، يزول التحريم بزوالها، ويوجد بوجودها، وليس بعلة1.
قلنا: قد بينا أن الطرد والعكس يؤثران في غلبة الظن.
وكون كل واحد من "الطرد" لا يؤثر منفردًا. لا يمنع من تأثيرهما مجتمعين، فإن العلة إذا كانت ذات وصفين لا يحصل الأثر من أحدهما.
__________
1 من أول قول المصنف: "فإن قيل" إلى هنا يمثل المذهب الثاني في أن الدوران لا يفيد العلية مطلقًا، وقد أورد المصنف لأصحاب هذا المذهب دليلين:
أحدهما: أن الاحتجاج به إما أن يكون بوجود الحكم عند وجود الوصف وهو المعبر عنه بالطرد، وإما أن يكون بانتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وهو المسمى بالعكس. والطرد غير مؤثر، ولا إشعار له بالعلية، والعكس غير معتبر في العلل الشرعية.
الدليل الثاني: أنه ليس من الضرورة أن يكون كل وصف دائرًا مع الحكم علة له، بل يحتمل أن يكون علة -كما ذكرتم- ويحتمل أن يكون ملازمًا للعلة، مثل: الرائحة الملازمة لشدة الخمر، فإنها تنعدم قبل الإسكار، وتوجد معه، وتزول بزواله، ومع ذلك ليست علة.
ويحتمل أن يكون الوصف جزءًا من أجزاء العلة، أو شرطًا لها، ومع وجود هذه الاحتمالات لا يحصل القطع أو الظن بالعلية.
(2/228)

واحتمال شيء آخر لا ينفي الظن، ولا يمنع من التمسك بما ظنناه علة، ما لم يظهر الأمر الآخر، فيكون معارضًا.
والنقض برائحة الخمر: غير لازم، فإن صلاحية الشيء للتعليل لا يلزم أن يعلل به، إذ قد يمتنع ذلك، لمعارضة ما هو أولى منه1.
وقال قوم: إنما يصح التعليل به مع السبر، فيقول: علة الحكم أمر حادث، ولا حادث إلا كذا وكذا، ويبطل ما سواه2.
والسبر إذا تم بشروطه: استغني عما سواه، مع أنه لا يلزم أن يكون علة الحكم أمرًا حادثًا، إذ يجوز أن تكون العلة سابقة، ويقف ثبوت الحكم على شرط حادث، كالحول في الزكاة.
أو يكون الحادث جزءًا تمت العلة به.
أو يكون الحكم غير معلل. والله أعلم.
__________
1 من قول المصنف: "قلنا" إلى هنا رد على الدليلين السابقين، وهو من وجهين أيضًا.
أحدهما: أنه قد تقدم أن الطرد والعكس يؤثران في إثبات غلبة الظن، وكون كل واحد منهما منفردًا لا يؤثر، لا يمنع من تأثيرهما مجتمعين.
ثانيهما: أن مجرد احتمال وجود شيء آخر لا ينفي الظن، ولا يمنع من التمسك بما ظنناه علة، ما لم يظهر الشيء الآخر.
والنقض برائحة العمر، حيث إنها تدور مع الوصف وجودًا وعدمًا، ليس بلازم أن يعلل به، فإنه قد يمتنع التعليل بالشيء لوجود ما أهو أقوى منه، ولا شك أن السكر أقوى من الرائحة. وقد نص جمهور العلماء على أن الوصف يشترط فيه أن يكون مناسبًا للحكم أو محتملًا، فإن كان طرديًّا فقط -كرائحة الخمر- علم أنه ليس علة، حتى ولو دار مع الحكم وجودًا وعدمًا.
2 هذا هو المذهب الثالث، الذي يشترط أن يكون مع الدوران السبر، واستدل =
(2/229)

فصل: [هل تثبت العلة بشهادة الأصول]
ومما يشبه هذا- شهادة الأصول1.
كقولهم في الخيل: ما لا تجب الزكاة في الذكور منفردة: لم تجب في الذكور والإناث2.
__________
= القائلون بذلك: بأن الحكم لا بد له من علة؛ لأنه أمر حادث، ولا حادث يعلل به إلا كذا وكذا -من الأوصاف- والكل باطل إلا الوصف الفلاني، فيثبت كونه علة.
وقد أجاب عنه المصنف بأن السير وحده علة، إذا تم بشروطه المتقدمة، فلا يحتاج إلى أن ينضم إليه الدوران أو غيره من المسالك.
ثم لا يلزم أن تكون علة الحكم أمرًا حادثًا، بل يجوز أن تكون سابقة على الحكم، وتتوقف على شرط حادث، كالحول في الزكاة، فإنه شرط لوجوبها، مع أن علتها بلوغ النصاب الذي تجب فيه الزكاة.
كما يحتمل أن يكون الحادث جزءًا من العلة، لا تتم إلا به، ويحتمل أن يكون الحكم أمرًا تعبديًّا غير معلل، ومع وجود هذه الاحتمالات لا يستقيم هذا المذهب.
1 المراد بشهادة الأصول: دلالة الكتاب أو السنة أو الإجماع على الحكم المعلل، أو المراد: كون الحكم المعلل له أصل معين من نوعه يوجد فيه جنس الوصف أو نوعه.
2 ودليل ذلك: أن الشريعة ساوت بين الذكور والإناث في سائر السوائم في الحكم. وجودًا وعدمًا، فقد ساوت الشريعة بين الإبل والبقر والغنم في الزكاة، فإنها تجب في ذكورها إذا انفردت، وتجب في ذكورها وإناثها إذا اجتمعت، فكذلك البغال والحمير لا تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت، ولا تجب في ذكورها وإناثها إذا اجتمعت. انظر: التمهيد لأبي الخطاب "4/ 28".
والذي سبّب هذا الخلاف: أن العلماء مختلفون في الخيل السائمة هل فيها زكاة أو لا؟ بعد اتفاقهم على أن المعلوفة لا زكاة فيها، وأن المعدة للتجارة فيها زكاة.
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخيل السائمة لا زكاة فيها، واستدلوا على ذلك بما =
(2/230)

ويستدل على صحتها بالاطراد والانعكاس في سائر ما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب.
وقولهم: من صح ظهاره: صح طلاقه كالمسلم.
ذهب القاضي وبعض الشافعية إلى صحته، لشبهه بما ذكرنا، وتغليبه على الظن.
ومنع منه بعضهم. والله أعلم.
__________
= جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة" وهذا النفي يشمل الذكور والإناث وأنه لم يثبت في السنة العملية أخذ الزكاة من الخيل، كما أخذت من الإبل والبقر والغنم.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى وجوب الزكاة فيها، واستدل بأدلة كثيرة، منها: ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- قال: "الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله -أي: للجهاد- فهي لذلك أجر. ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي ذلك ستر، ورجل ربطها فخرًا ورياءً ونواءً -مناوأة- لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر". ووجه الدلالة. عنده، أن حق الله في الرقاب هو الزكاة، وفي الظهور: إعارتها للمضطر ونحوه ليركبها، وعطف الظهور على الرقاب يقتضي المغايرة بينهما.
كما استدل على ذلك بالقياس على الإبل، فكلاهما حيوان نام ينتفع به، وقد تحقق فيه شرط الزكاة وهو السوم ويؤيده ما صح عن الصحابة -رضي الله عنهم- فقد روى الطحاوي والدارقطني بإسناد صحيح إلى السائب بن يزيد قال: رأيت أبي يقوم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب.
وهناك آثار أخرى كثيرة كهذا. انظر: نصب الراية "3/ 359"، نيل الأوطار "4/ 118"، فقه الزكاة للدكتور القرضاوي "1/ 222 وما بعدها".
ومثل ما قيل في زكاة الخيل يقال في ظهار الذمي: يصح ظهاره، كما يصح طلاقة كالمسلم، فالمسلم البالغ العاقل يصح منه الطلاق والظهار، والصبي والمجنون لا =
(2/231)

................................................................................................
__________
= يصحان منه. فصحة طلاق الذمي أصل لصحة ظهاره.
جاء في المغني لابن قدامة "11/ 56": "وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره، وهو البالغ العاقل، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، حرًّا أو عبدًا.... ثم قال: ويصح ظهار الذمي. وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يصح منه؛ لأن الكفارة لا تصح منه، وهي الرافعة للتحريم، فلا يصح منه التحريم، ودليل أن الكفارة لا تصح منه: أنها عبادة تفتقر إلى النية، فلا تصح منه، كسائر العبادات، ولنا أن من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم، فأما ما ذكروه فيبطل بكفارة الصيد إذا قتله في الحرم، وكذلك الحد يقام عليه، ولا نسلم أن التكفير لا يصح منه؛ فإنه يصح منه العتق والإطعام، وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة، كما في حق العبد".
والخلاصة: أن في ثبوت العلة بشهادة الأصول رأيان:
الأول: أن ذلك يثبت العلة وهو رأي القاضي أبي يعلى، وبعض الشافعية، كالشيرازي في اللمع.
وحجتهم على ذلك أن هذا الطريق شبيه بالدوران وتحصيله غلبة الظن.
الرأي الثاني: أن ذلك لا يصح، لأن شهادة الأصول ليس نصًّا في العلية، ولا إجماعًا، ولا مؤثرًا، ولا ملائمًا، ولا غريبًا، إنما هو مجرد تخيل أن الفرع المشهود له مشتمل على علة الأصل الشاهد، والظن الحاصل من التخيل ضعيف جدًّا، فلا يناط به حكم ولا يعول عليه.
قال الطوفي: "قلت: التحقيق في هذا أنه يختلف باختلاف النظار والمجتهدين قوة وضعفًا، وباختلاف الأصول الشاهدة كثرة وقلة، فمتى كان هذا الطريق مفيدًا من الظن ما يساوي ما يفيده دليل آخر متفق عليه بين الفريقين المختلفين فيه، كخبر الواحد، أو العموم، أو القياس الجلي ونحوه، صح التمسح به، إذ قد يتفق ناظر فاضل مرتاض، فتظهر له أصول كثيرة شاهدة للفرع المتنازع فيه حتى يكاد يجزم أن حكم الفرع حكم تلك الأصول، فهذا يجب المصير على ما ظنه من ذلك، إن كان مجتهدًا لنفسه، وإن كان مناظرًا أمكنه إبراز تلك الشواهد لخصمه، وقرب ما ادعاه إلى ذهنه بالمقدمات الظاهرة المقبولة حتى يحصل له =
(2/232)

فصل: [في المسالك الفاسدة]
فأما الدلالة على صحة العلة باطرادها ففاسد؛ إذ لا معنى له إلا سلامتها عن مفسد واحد هو: النقض.
وانتفاء المفسد ليس بدليل على الصحة، فربما لم يسلم من مفسد آخر. ولو سلمت من كل مفسد: لم يكن دليلًا على صحتها، كما لو سلمت شهادة المجهول من جارح: لم تكن حجة ما لم تقم بينة معدلة مزكية: فكذلك لا يكفي للصحة انتفاء المفسد، بل لا بد من قيام دليل على الصحة.
وفي الجملة: فنصب العلة مذهب يفتقر إلى دليل كوضع الحكم، ولا يكفي في إثبات الحكم بأنه لا مفسد له، فكذلك العلة.
ويعارضه: أنه لا دليل على الصحة.
واقتران الحكم بها ليس بدليل على أنها علة، فقد يلازم الخمر لون وطعم ورائحة يقترن به التحريم، ويطرد وينعكس، والعلة: الشدة واقترانه بما ليس بعلة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب أو هبوب ريح.
ثم للمعترض في إفساده المعارضة بوصف مطرد يختص بالأصل فلا يجد إلى التقصي عنه طريقًا.
ومثال ذلك: قولهم، في الخل: مائع لا يصاد من جنسه السمك، ولا تبنى عليه القناطر، فلا تزال به النجاسة كالمرق.
__________
= الظن بذلك، فيسلم. والله تعالى أعلم". شرح المختصر "3/ 417-418"
وانظر: العدة "5/ 1453"، التمهيد "4/ 27 وما بعدها"، اللمع ص230.
(2/233)

وكذلك لو استدل على صحتها بسلامتها عن علة تفسدها، لم يصح؛ لما ذكرنا.
فإن قيل: دليل صحتها: انتفاء المفسد.
قلنا: بل دليل الفساد: انتفاء المصحح، ولا فرق بين الكلامين1.
__________
1 عقد المصنف هذا الفصل للمسالك التي لا تصلح لإثبات العلة، والتي سماها الغزالي بالمسالك الفاسدة، ومنه أخذنا عنوان الفصل. والإمام الغزالي ذكر من المسالك الفاسدة ثلاثًا.
الأول: سلامة العلة عن علة تفسدها، وتقتضي نقيض حكمها.
الثاني: اطرادها وجريانها في حكمها.
الثالث: الطرد والعكس، وهو المعبر عنه بالدوران؛ فإنه لا يرى حجيته.
ولما كان المصنف يرى حجية الدوران، كما تقدم. فقد ذكر من المسالك الفاسدة نوعين فقط هما: الأول والثاني، وترك الثالث. إلا أنه في هذا الفصل خلط بين المسلكين في الاستدلال والمناقشة، الأمر الذي جعل كلامه غامضًا، حيث قدم وأخر، وكرر.
لذلك أنقل كلام الطوفي في هذه المسألة بنصه، باعتباره ملخصًا وشارحًا لكلام المصنف.
قال، رحمه الله تعالى: "لما بين الطرق الدالة على صحة العلة، أخذ يبين الطرق الفاسدة التي لا تدل على صحتها.
فمنها: اطرادها، لا يدل على صحتها، إذ معنى اطرادها: سلامتها عن النقض، وهو بعض مفسداتها وسلامتها عن مفسد واحد لا ينفي بطلانها بمفسد آخر، ككونها قاصرة، أو عدمية، أو طردية غير مناسبة عند من لا يرى التعليل بذلك.
وما مثال من يقول: هذه العلة صحيحة؛ لأنها ليست منتقضة، إلا مثال من يقول: هذا العبد صحيح سليم؛ لأنه ليس بأعمى، إذ جاز أن تنتفي سلامته ببرص أو عرج أو غيره.
وأيضًا: فإن صحة العلة حكم، والأحكام إنما تثبت صحتها بدليل الصحة، لا =
(2/234)

فصل: [في حكم العلة إذا استلزمت مفسدة]
متى لزم من الوصف المتضمن للمصلحة مفسدة مساوية للمصلحة، أو راجحة عليها.
__________
= بانتفاء المفسد، وبوجود المقتضى، لا بانتفاء المانع، وعدالة الشاهد والراوي إنما تثبت بحصول المعدل، لا بانتفاء الجارح، فكذلك العلة إنما تصح بوجود مصححها، لا بانتفاء مفسدها.
وقول القائل: هذه العلة صحيحة، إذ لا دليل على فسادها، معارض بقول الخصم: هذه فاسدة، إذ لا دليل عن صحتها.
ومن الطرق الفاسدة في إثباتها: الاستدلال على صحتها باقتران الحكم بها، وذلك لا يدل؛ إذ الحكم يقترن بما يلازم العلة، وليس بعلة، كاقتران تحريم الخمر بلونها وطعمها وريحها، وإنما العلة الإسكار". شرح مختصر الروضة "3/ 419/ 3420".
وينبغي أن يكون معلومًا أن الطرد هنا هو الطرد الوجودي، وهو: الذي يدور معه الحكم وجودًا فقط، لا عدمًا، وهو بهذا يختلف عن الطرد في الدوران، فإنه يدور مع الحكم وجودًا وعدمًا.
وللعلماء في حجية الطرد الوجودي مذاهب كثيرة، اختار المصنف منها: كونه غير حجة، كما هو مذهب الغزالي وجمهور العلماء.
وذهب بعض الحنفية إلى أنه حجة إن سلم من الانتقاض، ومثاله: المائع الذي تبنى عليه القناطر، ويصاد فيه السمك تقع به الطهارة، فيقال في الرد على ذلك ليس ذلك بعلة؛ لأن الطهارة تصح بغير المذكور، كالتراب ونحوه.
وذهب بعض الشافعية إلى أنه حجة بشرط مقارنة الحكم والوصف في جميع الصور، غير صورة النزاع، فيلحق النادر بالأغلب.
وقال الكرخي، من الحنفية: إنه مقبول جدلًا، ولا يسوغ التعويل عليه في العمل والفتيا.
انظر: إرشاد الفحول ص221، مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص262.
(2/235)

فقيل: إن المناسبة تنتفي؛ فإن تحصيل المصلحة على وجه يتضمن فوات مثلها أو أكبر منها ليس من شأن العقلاء، لعدم الفائدة على تقدير التساوي، وكثرة الضرر على تقدير الرجحان، فلا يكون مناسبًا، إذ المناسب: ما إذا عرض على العقول السليمة تلقته بالقبول.
فيعلم أن الشارع لم يرد بالحكم تحصيلًا للمصلحة في ضمن الوصف المعين1.
وهذا غير صحيح2، فإن المناسب [هو] المتضمن للمصلحة. والمصلحة أمر حقيقي لا ينعدم بمعارض، إذ ينتظم من العاقل أن يقول:
__________
1 هذا الفصل تابع للنوع الأول من القسم الثالث في إثبات العلة بالاستنباط، وهو إثبات العلة بالوصف المناسب، وذكره هنا يوهم أنه من المسالك الفاسدة، فلا أدري لماذا أخره؟!
ومعنى هذا الفصل: أن الوصف المناسب للحكم إذا استلزم أو تضمن مفسدة هل تُلغى مصلحته وتختل مناسبته أو لا؟
وقول المصنف: "مفسدة مساوية للمصلحة، أو راجحة عليها" فيه بيان لتحرير محل الخلاف، وهو المفسدة المساوية للمصلحة، أو الراجحة عليها.
أما إذا كانت المفسدة مرجوحة على المصلحة، فإنها تكون معتبرة بالاتفاق، ولا نظر للمفسدة المرجوحة؛ لأنه لا عبرة بالمرجوح في مقابلة الراجح.
وللعلماء في هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: أن المناسبة تنتفي.
الرأي الثاني: أن المناسبة تبقى ولا تلغى، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: "وهذا غير صحيح" ثم ذكر الأدلة التي استند إليها أصحاب هذا المذهب.
واستدلال المصنف للمذهب واضح لا يحتاج إلى شرح.
2 هذا اعتراض على أدلة المذهب الأول، وهو في الوقت نفسه استدلال للقائلين بعدم إلغاء المناسبة.
(2/236)

إلى مصلحة في كذا، يصدني عنه ما فيه من الضرر من وجه آخر".
وقد أخبر الله. تعالى. أن في الخمر والميسر منافع، وأن إثمهما أكبر من نفعهما1، فلم ينف منافعهما مع رجحان إثمهمها.
__________
1 قال الله تعالى في سورة البقرة "219": {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ... } وقرأ حمزة والكسائي: "قل فيهما إثم كثير" بالثاء المثلثة.
فمنافع الخمر: الربح في التجارة بها، فإن العرب كانت تجلبها من الشام وتبيعها في الحجاز بثمن مرتفع. وقيل: إنها تهضم الطعام، وتقوي الضعيف، وتشجع الجبان، وتسخي البخيل إلى غير ذلك مما كان يعتقده أهل الجاهلية. ومفاسدها كثيرة جدًّا بينتها سورة المائدة في الآيات "90-92" ومنها: إفساد العقل.
وفي الميسر منفعة كبيرة، ففيه الربح الوفير بدون كد ولا تعب، وكانوا يوسعون بما يستفيدونه على الفقراء والمساكين، لكن مفسدته أكبر، حيث إنه أكل لأموال الناس بالباطل، ويستوجب عذاب الله تعالى وغضبه. ومحل الشاهد: أن الله تعالى أطلق الأمرين في الخمر والميسر، ولو كانت المناسبة مختلة لما صح هذا الكلام: ثم لا يستبعد وجود المعارض مع الحكم.
وأقول: إن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر، حيث إن ذلك كان في بداية التشريع، ولذلك فهم منه بعض الصحابة تحريم الخمر قبل نزول آيات المائدة فامتنعوا عن شربها.
قال القرطبي: "تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة؛ فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ... } فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ ... } الآية: فصارت حرامًا عليهم =
(2/237)

والمصلحة: جلب المنفعة، أو دفع المضرة، ولو أفردنا النظر إليها: غلب على الظن ثبوت الحكم من أجلها.
وإنما يختل ذلك الظن مع النظر إلى المفسدة اللازمة من اعتبار الوصف الآخر، فيكون هذا معارضًا؛ إذ هذا حال كل دليل له معارض.
ثم ثبوت الحكم مع وجود المعارض لا يعد بعيدًا.
ونظيره: ما لو ظفر الملك بجاسوس لعدوه، فإنه يتعارض في النظر اقتضاءان:
أحدهما: قلته؛ دفعًا لضرره.
__________
= حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئًا أشد من الخمر" الجامع لأحكام القرآن "6/ 286".
وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على مشروعية ما كان ضرره أكثر من نفعه، والأحكام الشرعية تدور مع الراجح وجودًا وعدمًا.
ولذلك أرى أن يقتصر الكلام في هذا المسلك على المفسدة المساوية للمصلحة فقط ويخرج منه ما كانت المفسدة فيه راجحة على المصلحة، وإن كان الشيخ الشنقيطي ينقل الاتفاق على عدم اعتبار ذلك في المفسدة المساوية والراجحة فيقول: "اعلم أن التحقيق في هذه المسألة: أن الخلاف فيها لفظي؛ لأن المصلحة إذا استلزمت مفسدة مساوية أو راجحة فإن الحكم لا ينبني على تلك المصلحة قولًا واحدًا؛ لأن الشرع لا يأمر باستجلاب مصلحة مؤدية لمفسدة أكبر منها أو مساويًا لها. ولكن الخلاف في المصلحة المعارضة بالمفسدة، هل هي منخرمة زائلة من أصلها أو هي باقية معارضة بغيرها، وهو اختيار المؤلف؟
فعلى أن المصلحة باقية، فعدم الحكم لوجود المانع، وعلى أنها زائلة فعدم الحكم لعدم المقتضى. ومن أمثلته: فداء أسرى المسلمين بالسلاح إذا كان يؤدي إلى قدرة الكفار بذلك السلاح على قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين".
مذكرة أصول الفقه ص264.
(2/238)

والثاني: الإحسان إليه استمالة له ليكشف حال عدوه فسلوكه إحدى الطريقين لا يعد عبثًا، بل يعد جريًا على موجب العقل.
ولذلك ورد الشرع بالأحكام المختلفة في الفعل الواحد، نظرًا إلى الجهات المختلفة، كالصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنها سبب للثواب من حيث إنها صلاة، وللعقاب من حيث إنها غصب، نظرًا إلى المصلحة والمفسدة، مع أنه لا يخلو: إما أن يتساويا، أو يرجح أحدهما:
فعلى تقدير التساوي: لا تبقى المصلحة مصلحة، ولا المفسدة مفسدة، فيلزم انتفاء الصحة والحرمة.
وعلى تقدير رجحان المصلحة: يلزم انتفاء الحرمة.
وعلى تقدير رجحان المفسدة: يلزم انتفاء المصلحة.
فلا يجتمع الحكمان معًا1، ومع ذلك اجتمعا.
فدل على بطلان ما ذكروه2.
ثم لو قدرنا توقف المناسبة على رجحان المصلحة، فدليل الرجحان: أنا لم نجد في محل الوفاق مناسبًا سوى ما ذكرناه.
فلو قدرنا الرجحان: يكون الحكم ثابتًا معقولًا.
وعلى تقدير عدمه: يكون تعبدًا.
واحتمال التعبد أبعد وأندر، فيكون احتمال الرجحان أظهر.
ومثال ذلك: تعليلنا وجوب القصاص على المشتركين في القتل،
__________
1 وهما: حرمة الصلاة وصحتها، وهذا دليل على أن المناسبة لا تبطل بمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية.
2 أي: أصحاب المذهب الأول.
(2/239)

بحكمة الردع والزجر؛ كي لا يفضي إسقاطه إلى فتح باب الدماء. فيعارض الخصم بضرر إيجاب القتل الكامل على من لم يصدر منه ذلك.
فيكون جوابه: ما ذكرناه1، والله أعلم.
__________
1 وهو: أن مصلحة قتلهم جميعها ترجح على تلك المفسدة.
روى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا.
وعن علي -رضي الله عنه- أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلًا. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قتل جماعة بواحد. ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعًا.
ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة، كحد القذف، ويفارق الدية؛ فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض؛ ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك، أدى إلى الشارع به فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر.
انظر: المغني "11/ 490-491".
(2/240)

فصل: في قياس الشَّبه 1.
واختلف في تفسيره.
ثم في: أنه حجة.
__________
1 الأقيسة أربعة أنواع:
الأول: قياس العلة، وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف مناسب وهو الذي تقدم أول الباب.
الثاني قياس الشبه: وهو الذي معنا.
الثالث: قياس الدلالة، وهو الجميع بين الأصل والفرع بدليل العلة لا بها، وسيأتي.
الرابع: قياس الطرد: وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف غير مناسب ولا =
(2/240)

فأما تفسيره:
فقال القاضي يعقوب: هو أن يتردد الفرع بين أصلين: حاظر ومبيح، ويكون شبهه بأحدهما أكثر1.
نحو: أن يشبه المبيح في ثلاثة أوصاف ويشبه الحاظر في أربعة، فنلحقه بأشبههما به.
ومثاله: تردد العبد بين الحر وبين البهيمة في أنه يملك.
فمن لم يملكه قال: حيوان يجوز بيعه، ورهنه، وهبته، وإجارته، وإرثه، أشبه الدابة.
__________
= موهم المناسبة، كقياس الخل على المرق أو الدهن في عدم إزالة النجاسة، بجامع أن كلًّا منهما لا تبنى عليه القناطر ولا تصاد منه الأسماك، ولا تجري فيه السفن، وسيأتي بيانه قريبًا.
1 الشبه في اللغة: المثل، يقال: أشبه الشيء الشيء: ماثله. انظر: لسان العرب مادة "شبه".
قال الطوفي: "اعلم أن ظاهر كلام أهل اللغة والأصول الفرق بين المثل والشبه والمماثلة والمشابهة، وأن مثل الشيء: ما ساواه من كل وجه في ذاته وصفاته وشبه، الشيء وشبيهه: ما كان بينه وبينه قدر مشترك من الأوصاف. وحينئذ تتفاوت المشاهبة بينهما قوة وضعفًا بحسب تفاوت الأوصاف المشتركة بينهما كثرة وقلة، فإذا اشتركا في عشرة أوصاف، كانت المشابهة بينهما كثرة أقوى مما إذا اشتركا في تسعة فما دون، وعلى هذا القياس، وهذا هو الأمر المتعارف، فإذا أطلق لفظ الشبيه على المثل، أو لفظ المثل على الشبيه، فهو مجاز باعتبار ما بينهما من القدر المشترك من الأوصاف". شرح المختصر "3/ 424-425".
لأنه باعتبار أن الفرع لا بد أن يشبه الأصل يطلق على جميع الأقيسة، إلا أن الأصوليين اصطلحوا على تسمية هذا النوع بقياس الشبه.
وأطلق عليه البعض: "غلبة الشبه" انظر: العدة "4/ 1325".
(2/241)

ومن يملّكه قال: يثاب ويتعاقب، وينكح ويطلق، ويكلف، أشبه الحر. فيلحق بما هو أكثرهما شبهًا1.
وقيل: الشبه: الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة الحكم: من جلب المصلحة، أو دفع المفسدة2.
وذلك أن الأوصاف تنقسم ثلاثة أقسام:
قسم يعلم اشتماله على المناسبة لوقوفنا عليها بنور البصيرة، كمناسبة الشدة للتحريم3.
وقسم لا يتوهم فيه مناسبة أصلًا، لعدم الوقوف عليها بعد البحث التام، مع إِلْفِنَا من الشارع: أنه لا يلتفت إليه في حكم ما، كالطول والقصر، والسواد والبياض4، وكون المائع لا تبنى عليه القناطر.
__________
1 ومثل ذلك يقال في "المذي": فإنه متردد بين البول والمني. فمن قال بنجاسته قال: هو خارج من الفرج، لا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، أشبه البول، ومن قال بطهارته قال: هو خارج تحلّله الشهوة، ويخرج أمامها، أشبه المني. انظر: شرح الكوكب المنير "4/ 188".
2 قال الآمدي: "هو: ما اجتمع فيه مناطان لحكمين مختلفين، لا على سبيل الكمال، إلا أن أحدهما أغلب من الآخر"، الإحكام "3/ 427".
وقال الطوفي: "هو: الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة ما" شرح المختصر "3/ 427".
3 أي: لتحريم الخمر، فيقاس عليها النبيذ، وهذا يسمى قياس العلة؛ لأنه قد علمت مناسبة الوصف للحكم، واعتبار الشرع له قطعًا، ومثل ذلك: مناسبة القتل للقصاص، والقطع للسرقة، وغير ذلك من الأوصاف المناسبة لأحكامها.
4 ومعنى ذلك: أنه لا يقال: إنما قتل القاتل، وقطع السارق، وحد الزاني لكونه أسود أو أبيض، أو لكونه طويلًا أو قصيرًا، لأننا وجدنا الشارع لا يلتفت إلى مثل هذه الأوصاف في تشريعاته، فلا علاقة بين الوصف والحكم، ولذلك أطلق عليه: "قياس الطرد".
(2/242)

وقسم ثالث -بين القسمين الأولين- وهو: ما يتوهم اشتماله على مصلحة الحكم، ويظن أنه مظنتها وقالبها من غير اطلاع على عين المصلحة، مع عهدنا، اعتبار الشارع له في بعض الأحكام، كالجمع بين مسح الرأس ومسح الخف في نفي التكرار، بوصف كونه مسحًا، والجمع بينه وبين الأعضاء المغسولة في التكرار، بكونه أصلًا في الطهارة، فهذا قياس الشبه.
فالقسم الأول: قياس العلة، وهو صحيح.
والقسام الثاني: باطل.
والثالث: الشبه. وهو مختلف فيه.
وكل قياس فهو مشتمل على شبه واطّراد.
لكن قياس العلة عرف بأشبه صفاته وأقواها.
وقياس الشبه كان أشرف صفاته المشابهة، فعرف به
وكذلك القياس الطردي عرف بخاصيته، وهو: الاطراد؛ إذ لم يكن له ما يعرف به سواه.
وكل وصف ظهر كونه مناطًا للحكم فاتباعه من قبيل قياس العلة، لا من قبيل قياس الشبه.
واختلفت الرواية عن أحمد -رحمه الله- في قياس الشبه: فروي: أنه صحيح.
والأخرى: أنه غير صحيح، اختارها القاضي2.
__________
1 ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في العدة "4/ 1326" وانظر: الجدل لابن عقيل ص12، مختصر البعلي ص149، وشرح الكوكب المنير "4/ 190".
2 وكذلك الحنفية وأبو بكر الصيرفي، وأبو إسحاق المروزي، والشيرازي، أما أبو =
(2/243)

وللشافعي قولان كالروايتين1.
[دليل القائلين بحجيته]
ووجه كونه حجة: هو أنه يثير ظنًّا غالبًا يبنى على الاجتهاد، فيجب أن يكون متبعًا كالمناسب.
فلا يخلو:
إما أن يكون الحكم لغير مصلحة.
أو لمصلحة في الوصف الشبهي.
أو لمصلحة في ضمن الأوصاف الأخر.
لا يجوز أن يكون لغير مصلحة، فإن حكم الشارع لا يخلو عن الحكمة.
واحتمال كونه لمصلحة وعلى ظاهرة أرجح من احتمال التعبد واحتمال اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة أغلب وأظهر من اشتمال الأوصاف الباقية عليها.
فيغلب على الظن ثبوت الحكم به، فتعدى الحكم بتعديه2.
__________
= بكر الباقلاني فيرى أنه صالح لأن يرجح به. انظر: فواتح الرحموت "2/ 302"، الوصول إلى الأصول "2/ 252"، شرح الكوكب المنير "4/ 191"، العدة "4/ 1326".
1 انظر الرسالة ص479.
وفي شرح الكوكب المنير "4/ 191": "وقيل: إنما يحتج به في التعليل إذا كان في قياس فرع قد اجتذبه أصلان، فيلحق بأحدهما بغلبة الاشتباه ويسمونه: قياس غلبة الاشتباه".
2 خلاصة هذا الدليل: أن قياس المعنى، وهو القياس المبني على الوصف المناسب إنما كان حجة بسبب إفادته الظن الغالب المبني على الاجتهاد، فكذلك قياس =
(2/244)

.....................................................................................
__________
= الشبه يفيد الظن الغالب، فيجب أن يكون حجة مثله. وهذا معنى قول المصنف "فيجب أن يكون متبعًا كالمناسب".
وإنما كان حجة لأن الحكم الشرعي لا يخلو من عدة احتمالات، إما أن يكون لغير مصلحة، وهذا بعيد؛ لأن أحكام الشرع لا تخلو من حكمة، سواء علمناها أم لم نعلمها. وإما أن يكون لمصلحة في الوصف الشبهي ما دام ليس هناك وصف آخر، وإما أن يكون لمصلحة ضمن أوصاف أخر غير معتبرة، واحتمال كونه لمصلحة ظاهرة أرجح من كونه تعبدًا ومن الأوصاف الأخرى، فيجب تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع.
أما النافون لحجية قياس الشبه: فتمسكوا بظاهر الآيات التي تنهي عن اتباع الظن مثل قوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] . فهذه الآية وأمثالها تنفي العمل بالظن مطلقًَا، وأخرج من ذلك قياس المناسبة لأدلة أخرى رجحت العمل به، فيبقى قياس الشبه داخلًا تحت النهي عن العمل بالظن.
وقد رد الطوفي هذا الاستدلال بأوجه كثيرة منها: عموم الأدلة التي تدل على مشروعية القياس ومنها قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] وقياس الشبه نوع من أنوع الاعتبار.
ومنها: دخوله في عموم حديث معاذ -رضى الله عنه- والذي جاء فيه "أجتهد رأيي" انظر في ذلك: شرح المختصر "3/ 433-434".
وأقول إن الاستشهاد بالآيات التي تنهى عن اتباع الظن لا يصح الاستشهاد بها هنا؛ لأن المقصود منها: النهي عن اتباع الظن في الأحكام العقدية التي يطلب فيها اليقين، أما الأحكام العملية فالظن فيها كاف، وقد ثبت أن الرسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- عمل به في كثير من قضاياه، فقد روى مسلم -في صحيحه- عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار". [صحيح مسلم: كتاب الأفضية. جـ3 ص1337] .
(2/245)

فصل: في قياس الدلالة
وهو: أن يجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة، ليدل اشتراكهما فيه على اشتراكهما في العلة، فيلزم اشتراكهما في الحكم ظاهرًا1.
__________
= قال الصاوي عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} "فتحصل: أن الأمور الاعتقادية كمعرفة الله -تعالى- ومعرفة الرسل وما أتوا به لا بد فيها من الجزم المطابق للحق عن دليل، ولا يكفي فيها الظن، وأما الأمور العملية كفروع الدين فيكفي فيها غلبة الظن". حاشية الصاوي على الجلالين "4/ 110".
1 القياس من حيث التأثير والمناسبة وعدمها ينقسم إلى المناسب والشبهي والطردي، وقد تقدم توضيح ذلك.
ومن حيث التصريح بالعلة وعدمه ينقسم إلى قياس العلة، والقياس في معنى الأصل، وقياس الدلالة.
فقياس العلة: هو الجمع بين الأصل والفرع بعلته، كالجمع بين النبيذ والخمر بعلة الإسكار.
والقياس في معنى الأصل: هو الذي لا فارق فيه بين الأصل والفرع، أو كان بينهما فارق لا أثر له. مثل: قياس العبد على الأمة في تنصيف الحد.
وقياس الدلالة: هو الجمع بين الأصل والفرع بدليل يدل على العلة، لا بالعلة نفسها.
ودليل العلة قد يكون بلازم من لوازمها مثل: قياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة المشتدة، فهي لازمة للإسكار. وقد يكون بأثر من آثارها مثل أن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بالمحدد، بجامع الإثم، وهو أثر العلة التي هي: القتل العمد العدوان. كما يكون بحكم العلة، مثل أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به، بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك، حيث كان غير =
(2/246)

ومثاله: قولنا، في جواز إجبار البكر: جاز تزويجها وهي ساكتة، فجاز وهي ساخطة كالصغيرة؛ فإن إباحة تزويجها مع السكوت، يدل على عدم اعتبار رضاها، إذ لو اعتبر، لاعتبر دليله وهو النطق. أما السكوت: فمحتمل متردد.
وإذا لم يعتبر رضاها أبيح تزويجها حال السخط.
وكذا قولنا، في منع إجبار العبد على النكاح: لا يجبر على إبقائه، فلا يجبر على ابتدائه كالحر، فإن عدم الإجبار على الإبقاء يدل على خلوص حقه في النكاح، وذلك يقتضي المنع من الإجبار في الابتداء.
__________
= عمد. وترتيبها من حيث القوة كما مر: أعلاها: لازم العلة، ثم أثرها، ثم حكمها. وللعلماء في حجية قياس الدلالة مذهبان: أحدهما: أنه دليل وثانيهما: أنه ليس بدليل، وإنما يرجح به غيره، وهو الأصح عند الشيرازي انظر: اللمع ص289، المعونة في الجدل ص37، 38، شرح مختصر الروضة "3/ 436 وما بعدها".
(2/247)

باب: أركان القياس
مدخل
...
باب: أركان القياس
وهي أربعة: أصل، وفرع، وعلة، وحكم1.
__________
1 الركن في اللغة: الجانب الأقوى للشيء. يقال: أركان الكعبة، وأركان البيت، أي: الجانب الأقوى من الكعبة والبيت، ومن ذلك: أركان الإسلام، أي: أهم القواعد والأسس التي بني عليها الإسلام، كما جاء ذلك في الحديث الشريف.
ومنه قوله تعالى: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] .
وفي المصباح المنير "1/ 313": "أركان الشيء: أجزاء ماهيته التي لا توجد إلا بوجوده".
وجمهور العلماء على أن أركان القياس التي لا يحصل في الذهن والخارج إلا بها أربعة: الأصل المقيس عليه، والفرع المقيس، والعلة الجامعة بين الأصل والفرع، وحكم الأصل، ولم يذكروا من أركان القياس حكم الفرع؛ لأنه ثمرة القياس، وثمرة الشيء لا يصح أن تكون من أركانه؛ لأن ذلك يعتبر دورًا، حيث يتوقف صحة القياس عليه، بينما هو ثمرة القياس، على أن حكم الأصل هو حكم الفرع الذي نقلناه من الأصل إلى الفرع، وإن كان غيره باعتبار المحل.
وذهب بعض العلماء إلى جعل حكم الفرع ركنًا من أركان القياس، وليس ثمرة له، كما يقول الجمهور، بل إن ثمرة القياس: هي العلم بحكم الفرع، وهذا يتفق مع رأي القائلين بأن القياس ليس مثبتًا لحكم الفرع، وإنما هو كاشف ومظهر لحكم الفرع.
انظر في هذه المسألة: كشف الأسرار على أصول البزدوي "3/ 344"، نهاية السول على المنهاج وحاشية الشيخ بخيت "4/ 53"، الإحكام للآمدي "3/ 6".
(2/248)

فصل: [الركن الأول: الأصل وشروطه]
فالأول له شرطان:
أحدهما: أن يكون ثابتًا بنص، أو اتفاق من الخصمين1.
فإن كان مختلفًا فيه، ولا نص فيه: لم يصح التمسك به، لأنه ليس بناء أحدهما على الآخر بأولى من العكس.
ولو أراد إثبات حكم الأصل بالقياس على محل آخر لم يجز، فإن العلة التي يجمع بها بين الأصل الثاني والأول، إن كانت موجودة في الفرع: فليقس على هذا الأصل الثاني ويكفيه، فذكر الأول تطويل غير مفيد، فليصطلح على رده.
وإن كان الجامع بين الأصلين غير موجود في الفرع: لم يصح قياسه على الأصل الأول؛ لأنه قد تبين ثبوت حكمه بعلة غير موجودة في الفرع، ومن شرط القياس: التساوي في العلة2.
__________
1 مثال الأصل الثابت بالنص: وجوب غسل الإناء من ولوغ الخنزير قياسًا على وجوب غسله من ولوغ الكلب الثابت بالحديث: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات". ومثال اتفاق الخصمين على الأصل: قياس النبيذ على الخمر، والأرز على البر. وإنما اشترط ثبوت الأصل بالنص؛ لأنه يلحق به الفرع، ويبنى عليه، وما لا ثبوت له لا يتصور بناء غيره عليه.
وأما اشتراط كونه متفقًا عليه؛ فلأنه إذا كان مختلفًا فيه كان من حق الخصم أن ينازع في القياس بعدم التسليم بحكم الأصل.
وقد علل المصنف لشرط كون الأصل ثابتًا بالنص أو متفقًا عليه بقوله: "فإن كان مختلفًا فيه إلخ" ومعناه: أن الذي ليس منصوصًا ولا متفقًا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته، فكونه أصلًا يقاس عليه ليس بأولى من أن يكون فرعًا.
2 خلاصة ذلك: أن جمهور العلماء يشترطون ألا يكون الأصل المقيس عليه فرعًا لأصل آخر؛ لأن العلة الجامعة بين القياسين إن كانت واحدة كان ذكر الأصل =
(2/249)

ولا يمكن تعليل الحكم في الأصل الأول بغير ما علله به في قياسه إياه على الأصل الثاني، فإنه إنما يعرف كون الجامع علة بشهادة الأصل له، واعتبار الشرع له بإثبات الحكم على وفقه.
ولا يعرف اعتبار الشرع للوصف إلا أن يقترن الحكم به عريًا عما يصلح أن يكون علة، أو جزءًا من أجزائها، فإنه متى اقترن بوصفين يصلح التعليل بهما مجتمعين، أو بكل واحد منهما منفردًا، احتمل أن يكون ثبوت الحكم بهما جميعًا، أو بأحدهما غير معين، فالتعيين تحكم.
ولذلك كانت المعارضة في الأصل سؤالًا صحيحًا1.
__________
= الثاني تطويلًا بلا فائدة، مثل: قياس الذرة على الأرز المقيس على البر. وإن لم تكن العلة واحدة بين الأصل المنصوص عليه والأصل الثاني، كان القياس فاسدًا.
1 هذا تابع لدليل الجمهور في عدم جواز كون الأصل المقيس عليه ثابتًا بالقياس. ومعناه: أنه لا يمكن تعليل الحكم في الأصل الأول بغير العلة التي جمعت بينه وبين الأصل الثاني؛ لأن الطريق الذي عرف به كون ذلك الجامع هو العلة: هو شهادة الأصل الأول، واعتبار الشرع له بإثبات الحكم على وفق ذلك الوصف، واقتران الحكم بذلك الوصف دليل على عدم وصف آخر يمكن أن يعلل به.
فإن اقترن الحكم بوصفين كل منهما صالح للتعليل منفردًا أو مجتمعًا مع غيره، فهذا يحتمل أمرين.
أحدهما: أنه معلل بهما جميعًا.
ثانيهما: أنه معلل بواحد منهما، لكنه غير معين.
وإذا احتمل الأمرين بالتساوي، فلا يمكن تعيين أحدهما بعينه؛ لأنه يكون ترجيحًا بلا مرجح.
ولذلك: إذا عارض الخصم في الأصل الذي قاس عليه المستدل، كان هذا سؤالًا صحيحًا يعترض به على القياس.
وسيأتي بيان ذلك في الأسئلة المتوجهة إلى القياس.
(2/250)

وقال بعض أصحابنا: يجوز القياس على ما ثبت بالقياس؛ لأنه لما ثبت صار أصلًا في نفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص.
ولعله أراد: ما ثبت بالقياس، واتفق عليه الخصمان1.
وقال قوم: من شرطه: أن يكون متفقًا عليه بين الأمة2، فإنه إذا لم يكن مجمعًا عليه فللخصم أن يعلل الحكم في الأصل بمعنى مختص به لا يتعدى إلى الفرع.
__________
1 هذا هو المذهب الثاني في المسألة، وهو: أنه يجوز القياس على ما ثبت بالقياس؛ لما قاله المصنف، من أنه لما ثبت صار أصلًا في نفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص. ولما كان المصنف لا يرى ذلك، كما سيأتي فقد حاول أن يوجد له مخرجًا فقال: "ولعله أراد ما ثبت بالقياس واتفق عليه الخصمان" فإن القياس حينئذ يكون صحيحًا جدلًا؛ لأنه يشترط في القياس أن يكون حكم الأصل ثابتًا بنص أو اتفاق الخصمين، وقد حصل الثاني.
وتأويل المصنف هذا محل نظر؛ فإنه إن أراد توضيح مذهبه فذلك له، وإن أراد أن هذا هو رأي القائلين بذلك فهذا غير مسلم؛ لأن أصحاب هذا المذهب لم يصرحوا بشيء من ذلك.
جاء في العدة "4/ 1361": "ما ثبت بالقياس يجوز القياس عليه، مثل: حمل الذرة على الأرز.
وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: "لا بأس بدفع الثوب إلى من يعمله بالثلث والربع كالمزارعة".
قال في رواية المروذي: "لا يجوز بيع أرض السواد، ويجوز شراؤها كالمصاحف" فقد قاس الفرع على أصل مختلف فيه.
وهو قول الرازي والجرجاني من أصحاب أبي حنيفة. وقول أصحاب الشافعي".
ومثل ذلك جاء في التمهيد لأبي الخطاب "3/ 443" وابن النجار في شرح الكوكب المنير "4/ 26" فهو مذهب مستقل وليس داخلًا في المذهب الأول.
2 هذا هو المذهب الثالث الذي يشترط أن يكون الأصل مجمعًا عليه، وخلاصة =
(2/251)

.........................................................................
__________
= دليل هذا المذهب: أن الأصل إذا لم يكن مجمعًا عليه جاز للمعترض أن يعلل الحكم في الأصل بعلة قاصرة لا تتعدى إلى الفرع.
فإن وافقه المستدل على ذلك انقطع القياس وبطل، لعدم وجود العلة في الفرع. وهذا معنى قول المصنف: "فإن ساعده ... إلخ".
وإن لم يوافقه على ذلك، بل علل بعلة أخرى متعدية بطل القياس أيضًا؛ لأن المعترض قد منع أن يكون ذلك الشيء علة للأصل، وبيّن أنه لا يوافق على أن هذه هي العلة، بل هي العلة التي لا تتعدى إلى الفرع، ويسمى ذلك بالقياس المركب.
والقياس المركب نوعان: مركب الأصل، ومركب الوصف.
أما مركب الأصل: فهو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل وعلى كون الوصف المدعى أنه علة موجودًا فيه، ولكن كل واحد منهما يدعي له علة غير علة الآخر، كالاتفاق على تحريم الربا في البر، وعلى وجود وصف الكيل والطعم فيه، مع اختلافهم في العلة، هل هي الكيل أو الطعم؟
أما مركب الوصف: فهو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل، ولكن المعترض يدعي عدم وجود العلة التي يدعيها المستدل. انظر: مذكرة الشيخ الشنقيطي ص273-274.
وقد مثل المصنف للقياس المركب الأصل بقياس العبد على المكاتب في عدم قتل الحر به قصاصًا، فيقال: العبد منقوص بالرق، فلا يقتل به الحر كالمكاتب فيقول المعترض: العبد يعلم مستحق دمه، وهو السيد بخلاف المكاتب فإنه لا يعلم مستحق دمه، هل وارثه، أو سيده الذي كاتبه؟ لأنه بالكتابة صار فيه شيئًا بين الحرية والرق، فإن أدّى عتق، ويكون مستحق دمه وارثه، كسائر الأحرار، وإن لم يؤد عاد رقيقًا، ويكون مستحق دمه سيده، كسائر العبيد.
فإن سلّم المستدل أن العلة في المكاتب هي عدم العلم بمستحق دمه -كما قال المعترض- امتنع قياس العبد عليه؛ لأن مستحق دمه معلوم. وإن لم يسلّم أن العلة هي عدم العلم بمستحق دمه، بل هي نقص الرق، منع المعترض أن ذلك هو العلة في المكاتب، بل هي ما ذكره، أو منع الحكم فيه فيقول: سلّمتُ أن العلة =
(2/252)

فإن ساعده المستدل على التعليل به: انقطع القياس؛ لعدم المعنى في الفرع.
وإن لم يساعده: منع الحكم في الأصل، فبطل القياس.
وسمّوه: القياس المركب.
ومثاله: قياسنا العبد على المكاتب فنقول: العبد منقوص بالرق، فلا يقتل به الحر كالمكاتب.
فيقول المخالف: العلة في المكاتب: أنه لا يُعلم هل المستحق لدمه الوارث، أو السيد؟
فإن سلمتم ذلك: امتنع قياس العبد عليه؛ لأن مستحقه معلوم.
وإن منعتم: منعنا الحكم في المكاتب، فذهب الأصل، فبطل القياس.
وهذا لا يصح لوجهين.
أحدهما: أن كل واحد من المتناظرين مقلِّد، فليس له منع حكم ثبت مذهبًا لإمامه؛ لعجزه عن تقريره، فإنه لا يتيقن مأخذ إمامه في الحكم.
ولو عرف ذلك فلا يلزم من عجزه عن تقريره فساده، إذ من المحتمل أن يكون لقصوره؛ فإن إمامه أكمل منه، وقد اعتقد صحته.
ويحتمل: أن إمامه لم يثبت الحكم في الفرع؛ لوجود مانع عنده، أو لفوات شرط.
فلا يجوز له منع حكم ثبت يقينًا؛ بناء على فساد مأخذه احتمالًا.
__________
= في المكاتب: نقص الرق، لكن لا أسلم امتناع القصاص بينه وبين الحر فالأمر دائر بين منع العلة في المكاتب أو منع الحكم. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 295-296".
(2/253)

وحاصل هذا:
أنه لا يخلو: إما أن يمنع على مذهب إمامه، أو على خلافه.
فالأول باطل، لعلمنا أنه على خلافه.
والثاني باطل؛ فإنه تصدى لتقرير مذهبه، فتجب مؤاخذته به. ثم لو صح هذا: لما تمكن أحد الخصمين من إلزام خصمه حكمًا على مذهبه غير مجمع عليه؛ لأنه لا يعجز عن منعه1.
الثاني: أنا لو حصرنا القياس في أصل مجمع عليه بين الأمة: أفضى إلى خلو كثير من الوقائع عن الأحكام، لقلة القواطع، وندرة مثل هذا القياس2.
__________
1 سبق أن قلنا: إن المصنف يرى أنه يكفي أن يكون حكم الأصل منصوصًا أو مجمعًا عليه بين الخصمين. المذهب الثاني: عدم اشتراط ذلك، والمذهب الثالث: يشترط اتفاق الأمة ولا يكفي اتفاق الخصمين وأورد المصنف دليلهم على ذلك، ثم بين هنا أن ذلك لا يصح لوجهين:
خلاصة الوجه الأول: أن كلًّا من المستدل والمعترض مقلد لإمامه، فلا يجوز لأي واحد منهما منع حكم ثبت كونه مذهبًا لإمامه، لعدم معرفة كل من المستدل والمعترض مأخذ إمامه في إثبات الحكم.
ولو فرض أن أحدهما -المستدل أو المعترض- عرف مأخذ إمامه، فلا يلزم من عجز أحدهما عن تقرير مذهب إمامه فساد مذهبه، لاحتمال قصور المستدل أو المعترض، خاصة وأن المقلد يعتقد صحة مذهب إمامه، كما يحتمل أن يكون إمامه لم يثبت الحكم في الفرع لوجود مانع، أو فقدان شرط من الشروط.
ولم يتعرض المصنف لحالة ما إذا كان المعترض مجتهدًا فإنه يشترط الإجماع؛ لأنه ليس مقتديًا بإمام، فإذا لم يكن الحكم مجمعًا عليه ولا منصوصًا عليه جاز منعه. انظر: إرشاد الفحول جـ2 ص153-154.
2 هذا هو الوجه الثاني من الوجهين اللذين رد بهما المصنف على من اشترط اتفاق الأمة. وهو واضح.
(2/254)

فإن كان الحكم منصوصًا عليه: جاز الاستناد إليه في القياس وإن كان مختلفًا فيه بين الخصمين، بشرط أن يكون النص غير متناول للفرع، فإنه إذا كان متناولًا للفرع: كان منصوصًا عليه، فلا يستروح1 إلى القياس على وجه لا يجد بُدًّا من الاسترواح إلى النص، فيكون تطويل طريق بغير فائدة، فليصطلح على رده.
وقال قوم: لا يجوز القياس على المختلف فيه بحال؛ لأنه يفضي إلى نقل الكلام من مسألة إلى مسألة، وبناء الخلاف على الخلاف، وليس أحدهما أولى من الآخر2.
ولنا:
أن حكم الأصل أحد أركان الدليل، فيجب أن يتمكن من إثباته بالدليل، كبقية أركانه؛ فإنه ليس من شرط ما يُفتقر إليه في إثبات الحكم: أن يكون متفقًا عليه، بل يكفي أن يكون ثابتًا بدليل يغلب على الظن، فيجب أن يكتفي بذلك في الأصل؛ إذ الفرق تحكّم.
__________
1 في القاموس المحيط "مادة روح": "استروح: وجد الراحة، كاستراح".
3 خلاصة ذلك: أن حكم الأصل إذا كان منصوصًا عليه، واختلف الخصمان فيه، هل يصبح الاستناد إليه أولًا؟
حكى المصنف في ذلك مذهبين:
الأول: جواز ذلك وعدم الاعتداد بخلاف المعارض، بشرط عدم تناول النص للفرع، فإنه إذا كان متناولًا له فلا معنى للقياس مع إمكان الرجوع إلى النص، فإنه يكون تطويلًا بدون فائدة.
المذهب الثاني: عدم جواز القياس على أصل مختلف فيه؛ لأنه يؤدي إلى نقل الكلام من مسألة إلى مسألة أخرى، لأن كلًّا منهما يمنع ثبوت ذلك الأصل بذلك النص، وهكذا ينتقل الكلام من مسألة إلى مسألة، كما قال المصنف.
(2/255)

وإنا منعنا من إثباته بالقياس، لما ذكرناه ابتداء.
فأما إذا أمكن إثبات ذلك بنص، أو إجماع منقول عن أهل العصر الأول: فيكون كافيًا1.
الشرط الثاني2:
أن يكون الحكم معقول المعنى، إذ القياس إنما هو: تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدي المقتضى.
وما لا يعقل معناه، كأوقات الصلوات، وعدد الركعات، لا يتوقف فيه على المعنى المقتضى، ولا يعلم تعديه، فلا يمكن تعدية الحكم فيه.
__________
1 هذا دليل لأصحاب المذهب الأول، القائلين بجواز القياس على الأصل المختلف فيه إذا كان منصوصًا عليه، فإن إثبات حكم الأصل ليس من شرطه الاتفاق بين الخصمين، بل يكفي قيام الدليل الذي يغلب على ظن المجتهد.
فإن اعترض أحد فقال: لم لا تجوزون القياس على ما ثبت بالقياس، مع أنه يفيد غلبة الظن؟ فالجواب: ما تقدم من أن العلة إن كانت واحدة فليقس على الأصل الأول، وإن كانت مختلفة فلا يصح القياس.
2 من شروط الأصل.
(2/256)

فصل: الركن الثاني: الحكم. [وشروطه]
...
الركن الثاني: الحكم. [وشروطه] :
وله شرطان:
أحدهما: أن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل، كقياس البيع على النكاح في الصحة1 والزنا على الشرب في التحريم، والصلاة على الصوم في الوجوب. فإن حقائق هذه الأحكام لا تختلف باختلاف متعلقها2، والسبب يقتضي الحكم، لإفضائه إلى حكمته.
__________
1 كما يقال في بيع الغائب: عقد على غائب فصح، قياسًا على عقد النكاح.
2 أي: أن حقائق هذه الأحكام من الصحة والحرمة والوجوب كما هي ثابتة في =
(2/256)

فإذا كان حكم الفرع مثل حكم الأصل تأدي به من الحكمة مثل ما تأدي بحكم الأصل، فيجب أن يثبت.
أما إذا كان مخالفًا له فلا يصح قياسه عليه؛ لأن ما يتأدى به من الحكمة مخالفًا لما يتأدى بحكم الأصل إما بزيادة، وإما بنقصان1.
فإذا كانت أنقص: فإثبات الحكم في الأصل يدل على اعتبارها بصفة الكمال، فلا يلزم اعتبارها بصفة النقصان.
وإن كانت الحكمة في الفرع أكثر: فعدول الشرع عنه إلى حكم الأصل يدل على أن في تعيينه مزيد فائدة أوجبت تعيينه، أو على وجود مانع منع ثبوت حكم الفرع، فكيف يصح قياسه عليه؟
ولأن2 القياس: تعدية الحكم بتعدي علته، فإذا أثبت في الفرع غير حكم الأصل: لم يكن ذلك تعدية، بل ابتداء حكم.
وقولهم، في السلم: "بلغ بأحد عوضيه أقصى مراتب الأعيان، فليبلغ بالآخر أقصى مراتب الديون، قياسًا لأحدهما على الآخر"3.
__________
= الأصل ثابتة في الفرع على التساوي، ولا تختلف، وإنما الذي اختلف هو المحل الذي تعلقت به.
1 كما لو قسنا الوجوب على الندب أو العكس، فإن الحكمة في الوجوب أكمل منها في الندب.
2 هذا هو الدليل الثاني على شرط المساواة بين حكم الأصل والفرع، وما سبق هو الدليل الأول.
3 توضيح هذا المثال: أنه لا يجوز قياس إثبات الأجل في العين المسلم فيها على نفي الأجل في الثمن؛ لأنه قياس إثبات على نفي؛ لأن من شرط السلم: تسليم الثمن في مجلس العقد، بينما المثمن مؤجل. فلا يصح القياس، لاختلاف الحكم في الأصل والفرع.
(2/257)

ليس بقياس، إذ القياس: تعدية الحكم وتوسعة مجراه، فكيف تختلف التعدية، وهذا إثبات ضده؟
وكذلك لو أثبت في الأصل حكمًا، ولم يمكنه إثباته في الفرع إلا بزيادة أو نقصان: فهو باطل؛ لأنه ليس على صورة التعدية.
مثاله: قولهم في صلاة الكسوف: "يشرع فيها ركوع زائد؛ لأنها صلاة شرعت لها الجماعة، فتختص بزيادة، كصلاة الجمعة، تختص بالخطبة، وصلاة العيد تختص بالتكبيرات".
وهذا فاسد؛ لأنه لم يتمكن من تعدية الحكم على وجهه وتفصيله1.
الشرط الثاني: أن يكون الحكم شرعيًّا.
فإن كان عقليًّا، أو من المسائل الأصولية، لم يثبت بالقياس؛ لأنها قطعية لا تثبت بأمور ظنية.
وكذلك لو أراد إثبات أصل القياس، وأصل خبر الواحد بالقياس: لم يجز، لما ذكرناه3.
__________
1 وهذه صورة أخرى اختلف فيها حكم الفرع مع حكم الأصل بنوع من الزيادة، كما في قياس صلاة الكسوف على صلاة الجمعة وصلاة العيدين، بجامع أن كلا منها فيها زيادة على نفس الصلاة. فهذا غير جائز، لأن القائس لم يستطع من تعدية حكم الأصل للفرع على وجه الكمال والتفصيل.
2 المراد بكونه شرعيًّا: أن يكون من الفروع لا من الأصول، بدليل قوله، بعد ذلك: "فإن كان عقليًّا، أو من المسائل الأصولية. إلخ".
3 في شروط الأصل، حيث قال في شروطه: "أن يكون ثابتًا بنص أو اتفاق من الخصمين ... ثم قال: ولو أراد إثبات حكم الأصل بالقياس على محل آخر لم يجز ... ".
(2/258)

فإن كان لغويًّا: ففي إثباته بالقياس خلاف ذكرناه فيما مضى1.
__________
1 في مسألة: هل تثبت اللغة بالقياس أو لا؟
(2/259)

فصل: الركن الثالث: الفرع [وشروطه]
...
الركن الثالث: الفرع [وشروطه]
ويشترط فيه:
أن تكون علة الأصل موجودة فيه، فإن تعدية الحكم فرع تعدي العلة.
واشترط قوم: تقدم الأصل على الفرع في الثبوت؛ لأن الحكم يحدث بحدوث العلة، فكيف تتأخر عنه؟!
والصحيح: أن ذلك يشترط لقياس العلة، ولا يشترط لقياس الدلالة.
بل يجوز قياس الوضوء على التيمم2 مع تأخره عنه؛ فإن الدليل يجوز تأخره عن المدلول؛ فإن حدوث العالم دليل على الصانع القديم، وأن الدخان دليل على النار، والأثر دليل على المؤثر3.
ولا يشترط أيضًا أن يكون وجود العلة مقطوعًا به في الفرع، بل يكفي فيه غلبة الظن، فإن الظن كالقطع في الشرعيات.
__________
1 في مسألة: هل تثبت اللغة بالقياس أو لا؟
2 في اشتراط النية، فمن المعلوم أن مشروعية التيمم متأخرة عن الوضوء.
3 انظر: شرح المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني "2/ 188".
(2/259)

فصل: الركن الرابع: العلة
...
الركن الرابع: العلة:
ومعنى العلة الشرعية: العلامة1.
__________
1 هذا هو تعريف الجمهور للعلة وهو: أنها مجرد أمارة على وجود الحكم إن وجدت وجد الحكم، وإن انتفت انتفى، وهذا معنى قولهم: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. =
(2/259)

ويجوز أن تكون حكمًا شرعيًّا، كقولنا: "يحرم بيع الخمر فلا يصح بيعه كالميتة".
وتكون وصفًا عارضًا، كالشدة في الخمر، ولازمًا كالصغر والنقدية1، أو من أفعال المكلفين2. كالقتل والسرقة، ووصفًا مجردًا، أو مركبًا من أوصاف كثيرة، ولا ينحصر ذلك في خمسة أوصاف.
وتكون نفيًا، وإثباتًا.
وتكون مناسبًا وغير مناسب.
ويجوز أن لا تكون العلة موجودة في محل الحكم، كتحريم نكاح الأمة، لعلة رق الولد.
وتفارق العلة الشرعية العقلية في هذه الأوصاف.
فصل: [من شرط العلة: أن تكون متعدية]
قال أصحابنا: من شرط صحة العلة: أن تكون متعدية3.
__________
= وللعلماء في تعريف العلة اتجاهات مختلفة:
فعرفها الغزالي وغيره بأنها: المؤثر في الحكم بجعل الله تعالى:
بينما عرفها المعتزلة بأنها: المؤثر في الحكم بذاتها، لا بجعل الله تعالى، تمشيًا مع مذهبهم في الحسن والقبح والعقليين. تراجع هذه التعريفات في: الإبهاج مع الإسنوي "3/ 28"، المحلى على جمع الجوامع "2/ 243".
1 أي: كالولاية على الصغيرة وإجبارها على النكاح والتعدية في تحريم الربا في الذهب والفضة.
2 أي: تكون العلة فعلًا من أفعال المكلفين، كالقتل فإنه علة للقصاص، والسرقة فإنها علة للقطع وهكذا.
3 وهو مذهب جمهور العلماء. ومعناه: أن تكون العلة وصفًا يمكن أن يتحقق في =
(2/260)

فإن كانت قاصرة على محلها، كتعليل الربا في الأثمان بالثمنية لم يصح، وهو قول الحنفية1، لثلاثة أوجه:
__________
= عدة أفراد في غير الأصل المقيس عليه؛ لأن الغرض من تعليل الحكم في الأصل تعديته إلى الفرع.
1 محل الخلاف في العلة القاصرة المستنبطة، أما العلة المنصوصة أو المجمع عليها فلا خلاف في صحتها. وللعلماء في العلة القاصرة المستنبطة مذهبان:
المذهب الأول: عدم صحة التعليل بالعلة القصارة، وهو مذهب أكثر الحنابلة، ورواية عن الإمام أحمد، كما أنه مذهب أكثر الحنفية وبعض أصحاب الشافعي، وبعض المعتزلة. وقد استدل المصنف لذلك بثلاثة أدلة سيأتي ذكرها.
المذهب الثاني: صحة التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة، وهو مذهب الإمام الشافعي وأكثر أصحابه، والإمام أحمد وبعض أصحابه، كأبي الخطاب.
كما أنه مذهب المالكية وأكثر المعتزلة وبعض الحنفية.
وقد مثل المصنف للعلة القاصرة بالثمنية في الذهب والفضة، أي: كونها- في الأصل- أثمان الأشياء.
فمن رأى عدم التعليل بالعلة القاصرة لم يلحق بالذهب والفضة سائر الأوراق النقدية التي تقوم مقامها في العصر الحاضر؛ لأنها علة قاصرة لا تتعدى محلها.
ومن قال بصحة التعليل قاس عليهما ما يقوم مقامهما في تقويم الأشياء ووسيلة إلى التعامل بين الناس.
والأثر المترتب على اعتبار هذه العلة أو عدم اعتبارها: أن من اعتبرها أجرى على كل ما يقوم مقام الذهب والفضة ما يجري عليهما، من أحكام ربا الفضل والنسيئة وغير ذلك من الأحكام الفقهية، ومن لم يعتبرها حجة لم يقس على الذهب والفضة سائر العملات. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع، فقد بحثه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة المنعقدة عام 1402هـ وأصدر بشأنه القرار التالي:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وآله =
(2/261)

................................................................................
__________
= وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع على البحث المقدم إليه في موضوع العلة الورقية، وأحكامها من الناحية الشرعية، وبعد المناقشة والمداولة بين أعضائه قرر ما يلي:
أولًا: أنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وبناء على أن علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقول عند فقهاء الشريعة.
وبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل.
وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوّم الأشياء في هذا العصر، لاختفاء التعامل بالذهب والفضة وتطمئن النفوس بتموّلها وادخارها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمر خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سر مناطها بالثمنية.
وحيث أن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهي متحققة في العملة الورقية، لذلك كله؛ فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعيه: فضلًا ونسيئًا، كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا، باعتبار الثمنية في العملة الورقية، قياسًا عليهما.
وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها.
ثانيًا: يعتبر الورق النقدي قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة، تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلًا ونسيئًا، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب =
(2/262)

أحدها: أن علل الشرع أمارات، والقاصرة ليست أمارة على شيء1.
__________
= والفضة وفي غيرها من الأثمان.
وهذا كله يقتضي ما يلي:
أ- لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقًا، فلا يجوز مثلًا بيع ريال سعودي بعملة أخرى متفاضلًا نسيئة بدون تقابض.
ب- لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلًا، سواء كان ذلك نسيئه أو يدًا بيد، فلا يجوز مثلًا بيع عشرة ريالات سعودية ورقًا بأحد عشر ريالًا سعودية ورقا، نسيئة أو يدًا بيد.
جـ- يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان يدًا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية، بريال سعودي ورقًا كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة ريالات سعودية أو أقل من ذلك أو أكثر إذا كان يدًا بيد، ومثل ذلك -في الجواز- بيع الريال السعودي الفضة، بثلاثة ريالات سعودية ورق، أو أقل من ذلك أو أكثر، يدًا بيد، لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثالثًا: وجوب زكاة الأوراق النقدية، إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة. [ومعلوم أن نصاب الذهب عشرون دينارًا، والفضة مائتا درهم] .
رابعًا: جواز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم، والشركات. والله أعلم، وبالله التوفيق.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وعلى ذلك يكون مجلس المجمع الفقهي قد رجح مذهب القائلين بصحة التعليل بالعلة القاصرة، كما هو واضح.
يراجع قرار المجمع في مجلة المجمع الفقهي السنة الأولى. العدد الأول 1408هـ-1987م ص117-119.
1 هذا هو الدليل الأول للقائلين بعدم التعليل بالعلة القاصر، خلاصته: أن علل =
(2/263)

الثاني: أن الأصل أن لا يعمل بالظن؛ لأنه جهل ورجم بالظن، وإنما جوز في العلة المتعدية، ضرورة العمل بها، والعلة القاصرة لا عمل بها، فتبقى على الأصل.
الثالث: أن القاصرة لا فائدة فيها1، وما لا فائدة فيه لا يرد الشرع به2.
دليل المقدمة الأولى: أن فائدة العلة: تعدية الحكم، والقاصرة لا تتعدى.
ودليل أن فائدتها التعدي: أن الحكم ثابت في محل النص بالنص، لكونه مقطوعًا به، والقياس مظنون، ولا يثبت المقطوع بالمظنون. إذا ثبت هذا: تعين اعتبارها في غير محل النص، والقاصرة لا يمكن فيها ذلك.
فإن قيل: فلو لم يكن الحكم مضافًا إلى العلة في محل النص، لما تعدى الحكم بتعديها.
ولا تنحصر الفائدة في التعدي، بل في التعليل فائدتان سواه.
إحداهما: معرفة حكمة الحكم، لاستمالة القلب إلى الطمأنينة، والقبول بالطبع، والمسارعة إلى التصديق.
والثانية: قصر الحكم على محلها، إذ معرفة خلو المحل عن الحكم يفيد ثبوت ضده، وذلك فائدة3.
__________
= الشرع أمارات، أي: علامات على الحكم، والعلة القاصرة ليست أمارة على شيء؛ لأن الحكم في الأصل ثبت بالنص، فيكون التعليل بالعلة القاصرة خاليًا عن الفائدة.
1 لعدم تعديها، كما قلنا في الدليل الأول.
2 أي: وما دامت العلة القاصرة لا فائدة فيها، فلا يرد بها الشرع.
3 هذا اعتراض على الوجه الثالث أورده القائلون بجواز التعليل بالعلة القاصرة، =
(2/264)

قلنا: قولكم: "الحكم يتعدى" مجاز يتعارفه الفقهاء، فإن الحكم لو تعدى: لخلا عنه المحل الأول.
والتحقيق فيه: أنه لا يتعدى، وإنما معناه: أنه متى وجد في محل آخر مثل تلك العلة: ثبت مثل ذلك الحكم.
وظنُّنَا: أن باعث الشرع على الحكم كذا، لا يوجب إضافة الحكم في الثبوت إليه، إذ لو كان مضافًا إليه لكان على وفقه في القطع والظن؛ إذ لا يثبت بالظن شيء مقطوع به.
وامتناع إضافة الحكم إلى العلة في محل النص لا لقصورها، بل لأن ثمَّ دليلًا أقوى منها، ففي غير محل النص يضاف إليها؛ لصلاحيتها، وخلوها عن المعارض1.
وقولكم: "فائدة التعليل: الاطلاع على حكمة الحكم ومصلحته".
قلنا: نحن لا نسد هذا الباب، لكن ليس كل معنى استنبط من النص.
__________
= وهو مكون من وجهين.
الأول: أنه لو لم يكن الحكم مضافًا إلى العلة في محل النص لما تعدى إلى الفرع بتعديها.
الثاني: عدم التسليم بأن فائدة العلة منحصرة فيما ذكر، بل لها فائدتان سوى ما ذكر، هما ما ذكرهما المصنف.
1 أجاب المصنف عن الوجه الأول من الاعتراض بأن لفظ "يتعدى" مجاز اصطلح عليه العلماء؛ لأنه إذا تعدى وانتقل حقيقة لخلا الأصل عن الحكم، وإنما معناه: أنه متى وجد الوصف في محل آخر أعطيناه حكمًا مماثلًا لما ثبت في الأصل وكوننا ظننا أن الباعث على الحكم كذا، لا يوجب ثبوت الحكم إليه؛ لأنه مجرد ظن، ولا يثبت بالظن شيء مقطوع به، وعدم إضافة الحكم إلى العلة في محل النص لا لقصورها؛ بل لأنه وجد ما هو أقوى منها وهو النص.
(2/265)

علة، إنما العلة: معنى تعلق الحكم به في موضع، والقاصرة ليست كذلك1.
وقولهم: "فائدته: قصر الحكم على محلها".
قلنا: هذا يحصل بدون هذه العلة إذا لم يكن الحكم معللًا، قصرناه على محله2.
وقال أصحاب الشافعي: يصح التعليل بها.
وهو قول بعض المتكلمين، واختاره أبو الخطاب3 لثلاثة أوجه:
أحدها: أن التعدية فرع صحة العلة، فلا يجوز أن تكون شرطًا، فإنه يفضي إلى اشتراط تقدم ما يشترط تأخره.
وذلك أن الناظر ينظر في استنباط العلة، وإقامة الدليل على صحتها بالإيماء والمناسبة، أو تضمن المصلحة المبهمة، ثم ينظر فيها:
فإن كانت أعم من النص عدّاها، وإلا اقتصر.
فالتعدية فرع الصحة، فكيف يجوز أن تكون من جملة المصحح4.
__________
1 هذا رد على قولهم في الاعتراض السابق: "إن فائدة العلة القاصرة: بيان أن الحكم الشرعي مطابق وموافق لحكمة الحكم الشرعي.
فأجاب المصنف: بأن هذا مسلم به، لكن الذي لا نسلم به أنه ليس كل معنى يمكن استنباطه من النص يصلح أن يكون علة؛ لأن العلة هي معنى يتعلق به الحكم وجودًا وعدمًا، والقاصرة ليست كذلك.
2 هذا رد من المصنف على قولهم في الاعتراض السابق: إن العلة القاصرة تفيد قصر الحكم على محلها، ولا يتعداه إلى غيره. فأجاب المصنف: بأن هذا يحصل إذا لم يكن الحكم معللًا، أما إذا كان معللًا، فلا نقصره على محله.
3 راجع في ذلك: البرهان "2/ 1080"، التمهيد لأبي الخطاب "4/ 62".
4 خلاصة الدليل الأول لأصحاب هذا المذهب: أنه لو اشترط كونها متعدية لأدى =
(2/266)

الثاني: أن التعدية ليست شرطًا في العلة المنصوص عليها، ولا في العقلية، وهما آكد، فكذلك المستنبطة1.
__________
= ذلك إلى الدور، لتوقف كونها علة على كونها متعدية، وكونها متعدية متوقف على كونها علة، والدور باطل، فالمفضي إليه باطل أيضًا، فلا يجوز تعليل عليتها بكونها متعدية، فيجوز اعتبارها مع كونها قاصرة. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 319".
وقول المصنف: "إن الناظر ينظر في استنباط العلة إلخ" معناه:
أن القائس يقيم الدليل على صحة العلة بطريق من طرق إثبات العلة: من الإيماء أو المناسبة أو تضمن مصلحة مبهمة من جنس المصالح، ثم ينظر في هذه المصلحة، فإن كانت أعم من النص عدّى الحكم إلى غير محل النص، وإلا قصرها على محل النص، فالتعدية فرع الصحة وتابعة لها، فكيف يكون تابع الشيء فرعًا له ومصححًا له؟
1 معنى ذلك: أنه ما دام لا يشترط التعدي في العلة المنصوصة أو العقلية، فكذلك المستنبطة لا يشترط فيها ذلك لضعفها عنهما.
وقد اعترض عليه الطوفي من وجهين.
أحدهما: أنه لا يلزم من عدم اشتراط التعدية للعقلية والمنصوصة أن لا يشترط للمستنبطة لقيام الفرق من جهة أن العقلية موجبة مؤثرة، وإنما يظهر تأثيرها في محلها لا يتجاوزه، بخلاف الشرعية، فإنها أمارة معرِّفة، والتعريف لا يختص بمحل المعرف.
وأيضًا: فالقياس بالتعدية يفيد الظن، ولا مدخل له في العقليات. وأما المنصوصة: فهي ثابتة بالنص، فثبتت قوتها به، واستغنت عن قوة التعدي، بخلاف المستنبطة.
الوجه الثاني: أن قولهم: إذا لم تشترط التعدية في العقلية والمنصوصة، ففي غيرهما أولى، كلام فاسد الوضع، والذي ينبغي هو العكس، لاستغناء العقلية. والمنصوصة عن التعدي لقوتها، وافتقار المستنبطة إلى التعدي لضعفها. انظر: شرح المختصر "3/ 319-320".
(2/267)

الثالث: أن الشارع لو نص على جمع القاتلين ظلمًا بوجوب القصاص: لا يمنعنا أن نظن أن الباعث حكمة الردع والزجر، وإن لم يتعد إلى غير قاتل: فإن الحكمة لا تختلف باستيعاب النص لجميع الحوادث أو اقتصاره على البعض1.
وقولهم: "لا فائدة في التعيل بالعلة القاصرة" عنه جوابان:
أحدهما: المنع، فإن فيها فائدتين ذكرناهما.
إحداهما: قصر الحكم على محلها.
وقولهم: "إن قصر الحكم مستفاد من عدم التعليل".
قلنا: بل يحصل هذا بالعلة القاصرة، فإن كل علة غير المؤثرة، إنما تثبت بشهادة الأصل، وتتم بالسبر، وشرطه الاتحاد.
فإن ظهرت علة أخرى: انقطع الحكم.
فإن أمكن التعليل بعلة متعدية: تعدى الحكم.
فإذا ظهرت علة قاصرة: عارضت المتعدية ودفعتها، وبقي الحكم مقصورًا على محلها، ولولاها لتعدى الحكم.
والثانية2: معرفة باعث الشرع وحكمته، ليكون أسرع في التصديق.
__________
1 هذا هو الوجه الثالث من أدلة القائلين بصحة التعليل بالعلة القاصرة خلاصته: أن الشارع لو نص على وجوب القصاص على جميع القاتلين ظلمًا وعدوانًا، فإن ذلك لا يمنعنا أن نظن أن الباعث على ذلك هو الردع والزجر، حتى ولو لم يتعد ذلك القصاص إلى غير القاتل؛ لأن الحكمة الشرعية تستنبط من النص، حتى ولو كان مستوعبًا لجميع الحوادث، فلا فرق بين النص على الجميع، أو الاقتصار على البعض، والنتيجة عدم الفرق بين المنصوصة والمستنبطة.
2 أي: الفائدة الثانية من التعليل بالعلة القاصرة.
(2/268)

وأدعى إلى القبول، فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة أميل منها إلى قهر التحكم، ومرارة التعبد1.
ولمثل هذا الغرض استحب الوعظ والتذكير، وذكر محاسن الشريعة، ولطائف معانيها، وكون المصلحة مطابقة للنص على قدره تزيده حسنًا وتأكيدًا.
الثاني2: أننا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم، وثبوته بالنص لا يمنعنا أن نظن أن الباعث عليه حكمته التي في ضمنه، كما أن تنصيصه على رخص السفر لا يمنعنا أن نظن أن حكمته: دفع مشقته.
وكذلك المسح على الخفين: معلل بدفع المشقة اللاحقة بنزع الخف، وإن لم يقس عليه غيره، ولا يسقط هذا الظن باستيعاب مجاري الحكم,
ولما نص على أن كل مسكر حرام، لم يمنعنا أن نظن أن باعث الشرع على التحريم: السكر.
ولا حجر علينا في أن نصدق فنقول: إنما ظننا كذا، مهما ظننا كذا، ولا مانع من هذا الظن.
__________
1 قال الطوفي في شرحه "3/ 321": "والنفس إلى قبول الأحكام المعللة أميل، وإليها أسكن، وهي بتصديقها أجدر، لحصول الطمأنينة، إذ كل عاقل يجد من نفسه فرقًا بين قبولها نقض الوضوء بأكل لحم الجزور، وبين نقضه بمس الفرج؛ لأن فيه مخيلًا مناسبًا للحكم، وهو كونه محل خروج الخارج الناقض بالنص، ولهذا اشترط بعضهم في مسه أن يكون بشهوة، ليصير مظنة لوجود الخارج المناسب".
2 من الجوابين اللذين أشار إليهما المصنف في قوله: "عنه جوابان".
(2/269)

وأكثر المواعظ ظنية، وطباع الآدميين خلقت مطيعة للظنون.
وأكثر بواعث الناس على أعمالهم وعقائدهم الظنون.
قولهم: "لا نسمي هذا علة".
قلنا: متى سلمتم أن الباعث هذه الحكمة، وهي غير متعدية، وجب أن يقتصر الحكم على محلها، وهو فائدة الخلاف، ولا يضرنا أن لا تسموه علة، فإن النزاع في العبارات، بعد الاتفاق على المعنى لا يفيد.
وتلخيص ما ذكرناه:
أنه لا نزاع في أن القاصرة لا يتعدى بها الحكم، ولا ينبغي أن ينازع في أن يظن أن حكمة الحكم: المصلحة المظنونة في ضمن محل النص، وإن لم يتجاوز محلها.
ولا ينبغي أن ينازع في تسميته علة أيضًا؛ لأنه بحث لفظي لا يرجع إلى المعنى.
فيرجع حاصل النزاع إلى أن الحكم المنصوص عليه، إذا اشتمل على حكمتين: قاصرة ومتعدية، هل يجوز تعديته؟
فالصحيح أنه لا يتعدى؛ لأنه لا يمتنع أن يثبت الشارع الحكم في محل النص، رعاية للمصلحة المختصة به، أو رعاية للمصلحتين جميعًا.
فلا سبيل إلى إلغاء هذين الاحتمالين بالتحكم.
ومع بقائهما تمتنع التعدية1، والله أعلم.
__________
1 خلاصة ذلك: أن الحكم إذا علل بعلتين: إحداهما قاصرة، والأخرى متعدية، فهل يعلل بالقاصرة ويمنع التعدي، أو يتعدى بالعلة المتعدية؟
رجح المصنف الأول وقال: إنه الصحيح، وعليه جمهور العلماء، لما قاله:
(2/270)

فصل: في اطّراد العلة
وهو: استمرار حكمها في جميع محالها1.
حكى أبو حفص البرمكي2 في كون ذلك شرطًا لصحتها وجهين:
أحدهما: هو شرط، فمتى تخلف الحكم عنها مع وجودها: استدللنا على أنها ليست بعلة إن كانت مستنبطة.
أو على أنها بعض العلة إن كانت منصوصًا عليها.
ونصره القاضي أبو يعلى، وبه قال بعض الشافعية3.
__________
= المصنف: من أنه لا يمتنع أن يثبت الشارع حكمًا في محل النص رعاية للمصلحة المختصة به، أو رعاية للمصلحتين معًا.
أما الحنفية فقد ذهبوا إلى أنه لا يمتنع التعليل بالعلة المتعدية؛ لأنه لا اعتبار بغلبة الظن بغلبة الوصف القاصر، فإنها مجرد وهم، لا غلبة ظن، فلا يعارض غلبة الظن بغلبة الوصف المتعدي المؤثر. انظر: نزهة الخاطر العاطر "2/ 320".
1 ومعناه: وجود حكمها في كل محل وجدت فيه، مثل: وجود التحريم حيث وجد الإسكار.
2 هو: عمر بن أحمد بن إبراهيم، أبو حفص البرمكي.
كان من العبّاد الزهاد والفقهاء المشهورين في فقه الحنابلة، صحب الخلال وعمر بن بدر المغازلي وغيرهما، توفي ببغداد سنة 387هـ. انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة "2/ 153".
3 هذا الفصل يطلق عليه بعض العلماء: "النقض" وهو: وجود العلة وتخلف الحكم، وهل هو قادح في العلة أو مخصص لعمومها؟
فمن اشترط اطراد العلة فالنقض قادح فيها، ومن لم يشترط الاطراد فيعتبر ذلك تخصيصًا لعمومها. وإنما سمي ذلك تخصيصًا؛ لأن العلة وإن كانت معنى، ولا عموم للمعاني حقيقة؛ لأنه في ذاته شيء واحد، ولكنه باعتبار حلوله في محال متعددة يوصف بالعموم، فإخراج بعض المحال التي توجد فيها العلة عن تأثير =
(2/271)

والوجه الآخر: تبقى حجة فيما عدا المحل المخصوص، كالعموم إذا خص. اختاره أبو الخطاب1.
وبه قال مالك، والحنفية، وبعض الشافعية، لوجهين:
أحدهما: أن علل الشرع أمارات2، والأمارة لا توجب وجود حكمها معها أبدًا، بل يكفي كونه معها في الأغلب الأكثر.
كالغيم الرطب في الشتاء، أمارة على المطر، وكون مركوب القاضي على باب الأمير، أمارة على أنه عنده، وقد يجوز أن لا يكون عنده، فلو لم يكن عنده في مرة، لم يمنع ذلك من رأي تلك الإمارة أن يظن وجود ما هو أمارة عليه.
__________
= العلة فيه، وقصر عمل العلة على الباقي يكون بمنزلة التخصيص. انظر: كشف الأسرار للبخاري "4/ 32"، العدة "4/ 1386".
وقد حرر أبو الخطاب محل النزاع في المسألة، وفرق بين العلة المستنبطة والمنصوصة فقال: "اختلف أصحابنا -رضي الله عنهم- في العلة المستنبطة المخصوصة: هل هي حجة فيما عدا المخصوص أم لا؟
فقال بعضهم: هي حجة فيه، وبه قال مالك وأصحاب أبي حنيفة.
وقال بعضهم: تكون باطلة منتقضة فلا يحتج بها. وبه قال أصحاب الشافعي. وكلام أحمد -رضي الله عنه- يحتمل القولين معًا.
فأما العلة المنصوصة: فمن قال بتخصيص العلة المستنبطة يقول بتخصيصها، ومن منع من تخصيص العلة المستنبطة، اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم: يجوز تخصيصها.
وقال بعضهم: لا يجوز. ومتى وجدناها مخصصة علمنا أنها بعض العلة".
التمهيد "4/ 69-71".
1 انظر: التمهيد "4/ 69 وما بعدها" وراجع تحريره لمحل النزاع الذي نقلناه آنفًا.
2 أي: علامات وليست مؤثرات.
(2/272)

الثاني: أن ثبوت الحكم على وفق المعنى المناسب في موضع دليل على أنه العلة، بدليل أنه يكتفى بذلك.
فإن لم يظهر أمر سواه، وتخلف الحكم، يحتمل أن يكون لمعارض من فوات شرط، أو وجود مانع.
ويحتمل: أن يكون لعدم العلة، فلا يترك الدليل المغلب على الظن لأمر محتمل متردد.
فإن قيل: نفي الحكم لمعارض نفي للحكم مع وجود سببه، وهو خلاف الأصل، ونفيه لعدم العلة موافق للأصل، إذ هو نفي الحكم؛ لانتفاء دليله، فيكون أولى.
قلنا: هو مخالف للأصل من جهة أخرى، وهو: أن فيه نفي العلة مع قيام دليلها، والأصل توفير المقتضى على المقتضي فيتساويان، ودليل العلة ظاهر، والظاهر لا يعارض بالمحتمل المتردد1.
__________
1 هذا اعتراض من أصحاب المذهب الأول، وهم الذين يشترطون اطّراد العلة خلاصته: أن انتفاء الحكم لانتفاء علته موافق للأصل، وانتفاؤه مع وجود علته على خلاف الأصل، وحمل الكلام على وفق الأصل أولى من حمله على خلافه وهذا يقوي مذهبهم.
وأجاب عنه المصنف: بأنه مخالف للأصل من جهة أن نفي العلة مع قيام دليلها، والأصل توفير المقتضى وهو العلة على المقتضي وهو الدليل، فيتساوى المقتضى والمقتضي، وأيضًا: دليل العلة ظهر، ونفيها محتمل متردد، والظاهر لا يعارض بالمحتمل. انظر: شرح مختصر الطوفي "3/ 324"، نزهة الخاطر العاطر "2/ 322".
ومعنى عبارة "توفير المقتضي" اسم مفعول، وهو: العلة على المقتضى، اسم فاعل وهو: الدليل. فيتساوى المقتضي والمقتضى، أي: العلة والدليل.
(2/273)

وفرّق قوم بين العلة المنصوص عليها، وبين المستنبطة، وجعل نقض المستنبطة مبطلًا لها1.
وإن كانت ثابتة بنص أو إجماع فلا يقدح ذلك فيها؛ لأن كونها علة عرف بدليل متأكد قوي، وتخلف الحكم يحتمل أن يكون لفوات شرط، أو وجود مانع، فلا يترك الدليل القوي لمطلق الاحتمال.
ولأن ظن ثبوت العلة من النص، وظن انتفاء العلة من انتفاء الحكم مستفاد بالنظر، والظنون الحاصلة بالنصوص أقوى من الظنون الحاصلة بالاستنباط2.
وإن كان ثبوت العلة بالاستنباط بطلت بالنقض؛ لأن ثبوت الحكم على وفق المعنى، إن دل على اعتبار الشارع له في موضع، فتخلف الحكم عنه يدل على أن الشرع ألغاه.
وقول القائل: "إنني أعتبره إلا في موضع أعرض الشرع عنه" ليس بأولى ممن قال: "أعرض عنه إلا في موضع اعتبره الشرع بالتنصيص على الحكم".
ثم إن جُوِّز وجود العلة مع انتفاء الحكم من غير مانع، ولا تخلف شرط، فليجز ذلك في محل النزاع.
__________
1 المراد بالنقض هنا: عدم الاطراد، وهو: أن يوجد الوصف الذي يدعى أنه علة في محل ما، مع عدم الحكم.
2 خلاصة ذلك: أن العلة إذا كانت منصوصة أو مجمعًا عليها تعين الانقياد لنص الشارع ولإجماع المعصومين، ولم يؤثر في ذلك تخلف الحكم عنها في صورة ما؛ لأن النص والإجماع يفيدان من ظن الصحة أكثر مما يفيد التخصيص من ظن البطلان، شرح مختصر الروضة "3/ 326".
(2/274)

قولهم1: "ثبوت الحكم على وفق المعنى في موضع دليل على أنه علة". قلنا: وتخلف الحكم مع وجوده2: دليل على أنه ليس بعلة، فإن انتفاء الحكم لانتفاء دليله موافق للأصل، وانتفاؤه لمعارض على خلاف الأصل.
قولهم: "إنه مخالف للأصل، إذ فيه نفي العلة مع قيام دليلها، فيتساوى الاحتمالان".
قلنا: متى سلمتم أن احتمال انتفاء الحكم لانتفاء السبب كاحتمال انتفائه لوجود المعارض على السواء، لم يبق ظن صحة العلة، إذ يلزم من الشك في دليل الفساد: الشك في الفساد لا محالة، إذ ظن صحة العلة مع الشك فيما يفسدها محال، فهو كما لو قال: "أشك في الغيم، وأظن الصحو" و"أشك في موت زيد، وأظن حياته".
قولهم: "دليل العلة ظاهر".
قلنا: والمعارض ظاهر أيضًا فيتساويان، فلا يبقى الظن مع وجود المعارض.
قولهم: "العلة أمارة، والأمارة لا توجب وجود حكمها أبدًا".
قلنا: إنما يثبت كونها أمارة: إذا ثبت أنها علة.
والخلاف -ههنا- هل هذا الوصف علة وأمارة أو لا؟
وليس الاستدلال على أنه علة بثبوت الحكم مقرونًا به أولى من الاستدلال على أنه ليس بعلة بتخلف3 الحكم عنه، إذ الظاهر: أن الحكم لا يتخلف عن علته.
__________
1 من هنا سيبدأ المصنف في مناقشة أدلة المخالفين.
2 أي: وجود الوصف المدعى أنه علة.
3 في جميع النسخ "يتخلف" وهو خطأ يغير المعنى.
(2/275)

أو احتمال انتفاء الحكم في محل النقض لمعارض كاحتمال ثبوت الحكم في الأصل بغير هذا الوصف، أو به وبغيره.
وكما أن وجود مناسب آخر في الأصل على خلاف الأصل: كذلك وجود المعارض في محل النقض على خلاف الأصل فيتساويان.
وبهذا يتبين الفرق بين العلة المنصوص عليها والمستنبطة، فإن المنصوص عليها يثبت كونها أمارة بغير اقتران الحكم بها، فلا يقدح فيها تخلفه عنها، كما لا يقدح في كون "الغيم أمارة على المطر" تخلفه عنه في بعض الأحوال.
والمستنبطة إنما يثبت كونها أمارة باقتران الحكم بها، فتخلفه عنها ينفي أنها أمارة. والله أعلم.
[طريق الخروج عن عهدة النقض] .
فإذًا طريق الخروج عن عهدة النقض أربعة أمور:
أحدها: منع العلة في صورة النقض.
والثاني: منع وجود الحكم.
والثالث: أن يبين أنه مستثنى عن القاعدة بكونه على خلاف الأصلين.
وإن أمكن المعترض إبراز قياس ما ينتفي بمسألة النقض: كانت علته المطردة أولى من المنقوضة، ولم يقبل دعوى المعلل: أنه خارج عن القياس.
والرابع: بيان ما يصلح معارضًا في محل النقض، أو تخلف ما يصلح شرطًا، ليُظن أن انتفاء الحكم كان لأجله، فيبقى الظن المستفاد من مناسبة الوصف وثبوت الحكم على وفقه كما كان، فإن الغالب من ذات
(2/276)

الشرع: اعتبار المصالح والمفاسد، فيظن: أن عدم الحكم للمعارض، فلا تكون العلة منتقضة.
فصل: [في أضرب تخلف الحكم عن العلة] 1
تخلف الحكم عن العلة على ثلاثة أضرب.
أحدها: ما يعلم أنه مستثنى عن قاعدة القياس.
كإيجاب الدية على العاقلة دون الجاني، مع أن جناية الشخص علة وجوب الضمان عليه.
وإيجاب صاع تمر من لبن المصرّاة2، مع أن علة إيجاب المثل في المثليات: تماثل الأجزاء.
__________
1 وجه ارتباط هذا الفصل بما قبله: أنه لما أنهى الكلام على تخصيص العلة بتخلف حكمها عنها في بعض الصور، وكان للتخلف أحكام بعضها مؤثر في العلة وبعضها غير مؤثر، ذكر أنواع تخلف الحكم عن العلة، ليتميز بعضها من بعض.
2 التصرية: جمع اللبن في ضرع الحيوان لإيهام الناس أنها حلوب، وقد حرم الإسلام ذلك لما فيه من التدليس على المشتري. صحت في ذلك أحاديث كثيرة منه قوله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لَا تَصَرُّوا الإبلَ والغَنَمَ فَمنِ ابتاعَها بَعْدَ فَهُو بخير النَّظَرَين بَعْدَ أنْ يَحْلُبَها: إِنْ شاء أَمْسَكَ وإنْ شاء رَدَّها وصَاعًا مِنْ تَمرٍ" متفق عليه. زاد مسلم: "فهو بالخيار ثلاثة أيام". انظر: سبل السلام "3/ 26".
ومحل الشاهد: أن القياس يقتضي أن يضمن لبن المصراة بمثله، لا بالتمر، ولذلك ترك الحنفية العمل بهذا الحديث وجعلوه مما يخالف الأصول، فهذا لا تبطل به علة القياس قطعًا بنص الشارع ومناسبة العقل، ولا يلزم المستدل الاحتراز عنه في تعليله بأن يقول: كل امرئ مختص بضمان جناية نفسه في غير دية الخطأ، وتماثل الأجزاء علة إيجاب المثل في ضمان المثليات في المصراة، =
(2/277)

فهذه العلة معلومة قطعًا، فلا تنتقض بهذه الصورة، ولا يكلف المستدل الاحتراز عنها.
وكذلك لو كانت العلة مظنونة، كإباحة بيع العرايا1 نقضًا لعلة من يعلل الربا بالكيل، أو الطعم، فإن مستثنى أيضًا، بدليل: وروده على علة كل معلل، فلا يوجب نقضًا على القياس، ولا يفسد العلة، بل يخصصها بما وراء الاستثناء، فيكون علة في غير محل الاستثناء.
ولا يقبل قول المناظر: إنه مستثنى، إلا أن يبين ذلك للخصم بكونه على خلاف قياسه أيضًا، أو بدليل يصلح لذلك2.
__________
= لأنه إنما يجب الاحتراز عما ورد نقضًا وهذا ليس كذلك. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 328".
1 روى البخاري ومسلم، أن رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "نهى عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبًا". رواه البخاري: كتاب البيوع، باب المزابنة، وباب بيع الثمر على رءوس النخل بالذهب والفضة، وباب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل من كتاب المساقاة، ومسلم: كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا.
2 لأنها دعوى، فتحتاج إلى دليل يثبتها.
قال الشيخ الطوفي: "واعلم أن قول الفقهاء: هذا الحكم مستثنى عن قاعدة القياس، أو خارج عن القياس، أو ثبت على خلاف القياس، ليس المراد به بأنه تجرد عن مراعاة المصلحة حتى خالف القياس، وإنما المراد به: أنه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي. فمن ذلك: أن القياس عدم بيع المعدوم، وجاز ذلك في السلم، والإجارة توسعة وتيسيرًا على المكلفين.
ومنه: أن القياس أن كل واحد يضمن جناية نفسه، وخولف في دية الخطإ رفقًا بالجاني، وتخفيفًا عنه، لكثرة وقوع الخطإ من الجناة.
(2/278)

"والثاني: انتفاء الحكم لمعارضة علة أخرى"1
فإن قيل 2: فلم لا ينعطف قيد على العلة يكون وصفًا من أوصافها يندفع به النقض:
فنقول في مسألة "المصراة": العلة في وجوب المثل: تماثل الأجزاء مع قيد الإضافة إلى غير المصرّاة، ويكون التماثل المطلق بعض العلة.
وعلى هذا يكون تخلف الحكم في "المصراة" لعدم العلة، فلا يكون نقضًا، فليجب على المعلل ذلك.
قلنا: بل العلة: مطلق التماثل، فإن العلة إما أن تكون سميت علة استعارة من البواعث، فإن الباعث على الفعل يسمى علة الفعل.
فمن أعطى فقيرًا شيئًا لفقره، وعلل بأنه فقير، ثم منع فقيرًا آخر
__________
= وكذلك الكلام في المصرّاة، لما كان اللبن المحتلب منها مجهولًا، فلو وجب ضمانه بمثله، لأفضى إلى النزاع؛ لجهالة القدر المضمون، فقطع الشارع النزاع بينهم بإيجاب صاع تمر باجتهاده؛ لأنه مضبوط معلوم، وكان ذلك من باب العدل العام؛ لأن الشخص تارة يكون آخذًا للصاع بتقدير كونه بائعًا للمصراة، وتارة مأخوذًا منه بتقدير كونه مشتريًا لها، فما يقع من التفاوت بين قيمة التمر وقيمة اللبن مغتفر في تحصيل هذا العدل العام"، انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 329-330".
2 ما بين القوسين قال عنه الشيخ ابن بدران: "هذا ثابت في بعض النسخ ومشطوب عليه في بعض آخر، وشطبه هو الصواب؛ لأن الثاني قد يجيء بعد هذا. وقوله: فإن قيل إلخ، لا يلائمه". نزهة الخاطر العاطر "2/ 328".
2 هذا اعتراض وارد على قوله: "ولا يقبل قول المناظر إنه مستثنى ... إلخ". خلاصته: إدعاء كون العلة مركبة من جزءين، فوجود جزء منها دون الآخر لا ينتج المطلوب. وحاصل الجواب: منع ذلك، وبيان أن العلة إنما هي التماثل فقط. انظر: نزهة الخاطر "2/ 328".
(2/279)

وقال: لأنه عدوِّي، ومنع آخر وقال: هو معتزلي، فإن الباقي على الاستقامة التي يقتضيها أصل الفطرة: لا يستبعد ذلك، ولا نعده متناقضًا.
ويجوز أن يقول: أعطيته لفقره، إذ الباعث هو الفقر، وقد لا تحضره عند الإعطاء العداوة والاعتزال وانتفاؤهما.
ولو كانا جزءين من الباعث لم ينبعث إلا عند حضورهما في ذهنه، وقد انبعث ولم يخطر بباله إلا مجرد الفقر.
كذلك مجرد التماثل علة؛ لأنه الذي يبعثنا على إيجاب المثل في ضمانه، ولا تحضرنا مسألة "المصراة" أصلًا، عن تلك الحالة.
ويقبح في مثل هذا أن يكلف الاحتراز عنه فيقول: تماثل في غير المصراة.
وإما1 أن تسمى العلة استعارة من علة المريض؛ لأنها اقتضت تغيير حاله، كذلك العلة الشرعية اقتضت تغيير الحكم.
فيجوز أن يسمى الوصف المقتضى علة بدون تخلف الشرط، ووجود المانع، فإن "البرودة" مثلًا، علة المرض في المريض؛ لأنه يظهر عقيبها، وإن كانت لا تحصل بمجرد البرودة، بل ربما ينضاف إليها في المزاج2 الأصلي أمور كالبياض -مثلًا- لكن يضاف المرض على البرودة الحادثة.
فيجوز أيضًا أن يسمى التماثل المطلق علة، وإن كان ينضاف.
__________
1 معطوف على قوله: "إما أن تكون سميت علة استعارة ... إلخ".
2 جاء في المصباح المنير مادة "مزج": "مزاج الجسد- بالكسر- طبائعه التي يتألف منها".
(2/280)

إليها [شيء آخر] : إما شرطًا، وإما انتفاء المانع. والله أعلم.
ومن سماها علة أخذًا من العلة العقلية، وهو عبارة عما يوجب الحكم لذاته: لم يسم التماثل المطلق علة، ولم يفرق بين المحل والعلة والشرط، بل العلة: المجموع، والأهل، والمحل وصف من أوصاف العلة.
ولا فرق بين الجميع؛ لأن العلة: العلامة، وإنما العلامة جملة الأوصاف.
والأولى أولى؛ لأن علل الشرع لا توجب الحكم لذاتها، بل هي أمارة معرفة للحكم، فاستعارتها عما ذكرنا أولًا1 أولى. والله أعلم.
الضرب الثاني: تخلف الحكم لمعارضة علة أخرى.
كقوله: "علة رق الولد: رق الأم"، ثم المغرور بحرية جارية ولده: حر، لعلة الغرور، ولولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع: لما وجبت قيمة الولد.
فهذا لا يرد نقضًا أيضًا، ولا يفسد العلة؛ لأن الحكم ههنا كالحاصل تقديرًا2.
__________
1 وهو قوله: "إما أن تكون سميت علة استعارة من البواعث؛ فإن الباعث على الفعل يسمى علة الفعل".
3 هذا الضرب سماه الشيخ الطوفي بالنقض التقديري فقال: "القسم الثاني من أقسام تخلف الحكم عن العلة، وإنما سميته "النقض التقديري" لمناسبته، وذلك بما ذكر في إثباته، وهو تخلف الحكم عن العلة لا لخلل فيها، بل لمعارضة علة أخرى أخص كقول القائل: "رق الأم علة رق الولد" فينتقض عليه "بولد المغرور بأمِّه".
وهو من تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت أمه، فهذا الولد حر، مع أن أمه أمة، فقد تخلف حكم العلة عنها. فيقول المستدل: هذا الولد وإن كان حرًّا حكمًا، =
(2/281)

الضرب الثالث: أن يتخلف الحكم لا لخلل في ركن العلة1، لكن لعدم مصادفتها محلها، أو فوات شرطها.
كقولنا: "السرقة علة القطع" وقد وجدت في "النباش" فيقطع2".
فيقال: تبطل بسرقة ما دون النصاب، وبسرقة الصبي، أو بسرقة من غير الجرز
__________
= فهو رقيق تقديرًا، أي: في التقدير؛ بدليل وجوب قيمته على أبيه لسيد أمه، ولولا أن الرق فيه حاصل تقديرًا، لما وجبت قيمته، إذ الحر لا يضمن بالقيمة. قلت: ومعنى قولنا: تخلف الحكم لمعارضة علة أخرى، هو أن هذا الولد تنازعه علتان: إحداهما: علة الرق تبعًا لأمه، والثانية: علة الحرية تبعًا لاعتقاد أبيه حريته، فثبت مقتضى هذه العلة، وهو الحرية تحقيقًا، تحصيلًا للحرية، تغليبًا لجانبها، لأنها الأصل، وثبت مقتضى علة الرق تقديرًا، جبرًا لما فات على السيد من إتلاف مالية الولد عليه، إذ سبب إتلافه اعتقاد الأب حريته، فضمن ما أتلف ... " شرح مختصر الروضة "3/ 330-331".
1 أي: ولا لاستثناء على قاعدة القياس، ولا لمعارضة علة أخرى مما تقدم بيانه.
2 جاء في المغني لابن قدامة "2/ 455": "روي عن ابن الزبير أنه قطع نبّاشًا. وبه قال الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والشعبي، والنخعي، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا قطع عليه؛ لأن القبر ليس بحرز؛ لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ والكفن لا يوضع في القبر لذلك، ولأنه ليس بحرز لغيره، فلا يكون حرزًا له ... ثم قال: ولنا قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... } وهذا سارق، فإن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا. وما ذكروه لا يصح، فإن الكفن يُحتاج إلى تركه في القبر دون غيره، ويكتفى به في حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت من غير أن يحفظ كفنه، ويترك في القبر وينصرف عنه ... ".
وخلاصة ما يريده المصنف من هذه الأمثلة: أن العلة لم تصادف محلها وليس =
(2/282)

وكقولنا: البيع علة الملك، وقد جرى، فليثبت الملك في زمن الخيار، فيقال: يبطل ببيع الموقوف والمرهون. فهذا لا يفسد العلة.
لكن هل يكلف المناظر جمع هذه الشروط في دليله؛ كي لا يرد ذلك نقضًا؟ فهذا اختلف فيه الجدليون1.
والخطب فيه يسير، فإن الجدل موضوع، فكيف اصطلح عليه فإليهم ذلك.
والأليق: تكليفه ذلك؛ لأن الخطب فيه يسير، وفيه ضم نشر الكلام وجمعه.
فأما تخلف الحكم لغير أحد هذه الأضرب الثلاثة: فهو الذي تنتقض العلة به، وفيه من الاختلاف ما قد مضى.
__________
= لكون السرقة ليست علة، كما في النباش-على رأي من لا يقول بقطعه- أو لفوات أهلية القطع كما في الصبي، أو لفوات شرطه، كما في سرقة ما دون النصاب ... فهذا وأمثاله لا يفسد العلة؛ لأن تأثير العلة يتوقف على وجود شروطها، وانتفاء موانعها، وهذا منه. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 333".
1 معنى هذا: هل يكلف المعلل أو المستدل على ثبوت الحكم بوجود علية الاحتراز من هذا بذكر ما يحصله، كقوله: بيع صدر من أهله، وصادف محله، أو استجمع شروطه، فأفاد الملك، أو المكلف سرق نصابًا كاملًا من حرز مثله، لا شبهة فيه فوجب قطعه؟
قال المصنف: هذا موضوع اختلف فيه علماء الجدل، والخلاف فيه يسير، فإن كانوا قد اصطلحوا على ذلك وجب تكليف المعلل أو المستدل بذلك، وإلا فلا ثم رجح تكليفه بذلك؛ لأنه أجمع للكلام وأنفى لنشره؛ لأنه ربما أدى إلى تشعيب الكلام بما لا فائدة فيه.
(2/283)

فصل: [في أقسام المستثنى من قاعدة القياس] .
والمستثنى عن قاعدة القياس منقسم إلى:
ما عقل معناه.
وإلى ما لا يعقل.
فالأول: يصح أن يقاس عليه ما وجدت فيه العلة.
من ذلك: استثناء العرايا للحاجة، لا يبعد أن نقيس العنب على الرطب، إذا تبين أنه في معناه.
وكذا إيجاب صاع من تمر في لبن "المصرّاة" مستثنى من قاعدة الضمان بالمثل. نقيس عليه: ما لو ردّ "المصراة" بعيب آخر، وهو نوع إلحاق.
ومنه: إباحة أكل الميتة عند الضرور، صيانة للنفس، واستبقاء للمهجة1. يقاس عليه: بقية المحرمات، إذا اضطر إليها، ويقاس عليه2. المكره؛ لأنه في معناه3.
وأما ما لا يعقل: فكتخصيصه بعض الأشخاص بحكم، كتخصيصه.
__________
1 المهجة: الدم، وقيل: دم القلب خاصة. وخرجت مهجته أي: روحه. مختار الصحاح "مهج".
2 أي: على المضطر.
3 صحة القياس على المستثنى هو مذهب الجمهور، وهو الذي رجحه المصنف، كما يظهر من تعليله.
وهناك مذاهب أخرى في المسألة تراجع في مظانها مثل: كشف الأسرار عن أصول البزدوي "3/ 311"، العدة "4/ 1397 وما بعدها"، التمهيد لأبي الخطاب "3/ 444".
(2/284)

أبا بردة بجذعة من المعز1، وتخصيصه خزيمة بشهادته وحده2. وكتفريقه في بول الصبيان بين الذكر والأنثى3.
فإنه لما لم ينقدح فيه معنى: لم يقس عليه الفرق في البهائم بين ذكورها وإناثها.
وفي الجملة: إن معرفة المعنى من شرط صحة القياس في المستثنى وغيره. والله أعلم.
__________
1 تقدم التعريف بأبي بردة وتخريج حديثه.
2 هو: خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي، أبو عمارة، من السابقين الأولين للإسلام، شهد بدرًا وما بعدها، استشهد بصفين، بعد عمار -رضي الله عنهما- سنة 37هـ انظر في ترجمته: الإصابة "2/ 278"، شذرات الذهب "1/ 48".
وقصة جعل شهادته -رضي الله عنه- تعدل شهادة اثنين، رواها أبو داود في سننه "3/ 418"، والنسائي في سننه "7/ 266"، والبيهقي في سننه "10/ 146" والطبراني وغيره. جاء في مجمع الزوائد "9/ 320" عن خزيمة بن ثابت -رضي الله عنه- أن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم-اشترى فرسًا من سوار بن الحارث، فجحده، فشهد له خزيمة بن ثابت، فقال رسول الله -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "وما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضرًا؟ " فقال: صدقتك بما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقًّا، فقال له رسول الله، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه". رواه الطبراني، ورجاله كلهم ثقات.
3 ورد في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده "1/ 76، 97، 137"، والترمذي في أبواب الجمعة، باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب، عن علي -رضي الله عنه- أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. قال: "بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل".
قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإن طعما غسل بولهما. المغني "2/ 496".
(2/285)

فصل: [في جواز التعليل بنفي صفة أو اسم أو حكم] 1
قال أبو الخطاب: يجوز أن تكون العلة: نفي صفة، أو اسم، أو حكم، على قول أصحابنا.
كقولهم: ليس بمكيل ولا موزون2، ليس بتراب3، لا يجوز بيعه فلا يجوز رهنه4.
وقال بعض الشافعية: لا يجوز أن يكون العدم سببًا لإثبات حكم؛ لأن السبب لا بد أن يكون مشتملًا على معنى يثبت الحكم، رعاية له.
والمعنى إما تحصيل مصلحة، أو نفي مفسدة، والعدم لا يحصل به شيء من ذلك5.
فلئن قلتم6: إنه تحصل به الحكمة، فإن ما كان نافعًا، فعدمه
__________
1 خلاصة هذا الفصل: هل يجوز أن تكون العلة أمرًا عدميًّا، أو لا بد وأن تكون أمرًا ثبوتيًّا؟
2 أي: فلا يحرم فيه التفاضل.
3 أي: فلا يصح التيمم به.
4 نص عبارة التمهيد "4/ 48" "ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه" كالخمر مثلًا.
5 خلاصة دليل بعض الشافعية، في أن العدم لا يصلح أن يكون علة: أن قول القائل -عن الجص- ليس بصعيد فلا يجوز التيمم به قد حكم بالنفي على عدم التيمم بالجص، وجعله سببًا له مع أن السبب لا بد أن يكون مشتملًا على تحصيل مصلحة أو نفي مفسدة، إذا روعيت ثبت الحكم مراعاة لها، والعدم لا يحصل منه شيء وأجاب عنه ابن بدران: بأن هذا شأن الأعدام المطلقة، أما الأعدام المقيدة فليست كذلك. انظر: نزهة الخاطر "2/ 334".
6 هذا اعتراض توقعه أصحاب المذهب الثاني من أصحاب المذهب الأول ثم أجابوا عنه بعد ذلك.
(2/286)

مضر، وما كان مضرًا فعدمه يلزمه منه منفعة، ويكفي في مظنة الحكم أن يلزم منها الحكمة، ولا يشترط أن يكون منشأ لها.
قلنا: لا ننكر ذلك، لكن لا يناسب حكمًا في حق كل أحد، بل إعدام النافع يناسب عقوبة في حق من وجد منه الإعدام، زجرًا له، وإعدام المضر يناسب حكمًا نافعًا في حق من وجد منه إعدامه، حثًّا له على تعاطي مثله. فالمناسبة في الموضعين انتسبت إلى الإعدام، وهو أمر وجودي، لا إلى العدم1.
فلئن قلتم2: إن عدم الأمر النافع للشخص يناسب ثبوت حكم نافع له، جبرًا لحاله.
قلنا: عنه جوابان.
أحدهما: منع المناسبة؛ فإنه لا يلخو: إما أن تثبت المناسبة بالنسبة إلى الله -عز وجل- أو إلى غيره.
وفي الجملة: شرع الجائز إنما يكون معقولًا على من وجد منه الضرر. وأما شرعه في حق غيره. فإنه عدول على مذاق القياس، ومقتضى
__________
1 لما اعترض أصحاب المذهب الأول بعدم التسليم بأن الأمر العدمي لا تحصل منه الحكمة أجاب أصحاب المذهب الثاني عن هذا الاعتراض: بأننا نسلم وجود الحكمة، لكننا ننازع في أمر آخر، وهو أن الحكمة لا تناسب كل أحد فإن إعدام النافع يعتبر عقوبة مناسبة في حق شخص معين، وهو من وجد منه الإعدام، زجرًا له.
كما أن إعدام المضر يعتبر حكمًا مناسبًا في حق شخص معين أيضًا فالمناسبة في هذين المثالين أضيفت إلى فعل الإعدام، وهو أمر وجودي، ولم تضف على العدم.
2 هذا اعتراض ثان.
(2/287)

الحكمة، كإيجان ضمان فرس زيد على عمرو، إذا تلف بآفة سماوية.
فإن قيل: يناسب الثواب بالنسبة إلى الله -عز وجل- فهو عود إلى الوجود1.
ثم إن وجوبه على واحد من الخلق يلزم منه من الضرر في حق من وجب عليه بقدر ما يحصل من المصلحة لمن وجب له، فلا يكون مناسبًا؛ فإن نفع زيد بضرر عمرو لا يكون مناسبًا، لكونهما في نظر الشرع على السواء.
الثاني2: أنه لا يمكن اعتباره؛ لقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} 3. وإثبات الحكم له لمنفعته من غير سعيه مخالف للعموم.
قلنا4:
بل يجوز التعليل بالعدم:
فإن5 علل الشرع أمارات على الحكم، ولا يشترط فيها أن تكون منشأ للحكمة، ولا مظنة لها.
وعند ذلك لا يمتنع أن ينصب الشارع العدم أمارة: إذا كان ظاهرة معلومًا.
ولو قال الشارع: اعلموا أن ما لا ينتفع به لا يجوز بيعه، وأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه: فما المانع من هذا وأشباهه؟
__________
1 إلى الأمر الوجودي لا إلى العدم.
2 من الجوابين اللذين ذكرهما أصحاب المذهب الثاني.
3 سورة النجم "39".
4 من هنا سيبدأ المصنف في إيراد أدلة المذهب الأول على جواز التعليل بالنفي والعدم.
5 هذا هو الدليل الأول.
(2/288)

وقد1 تقرر بين الفقهاء: أن انتفاء الشرط علامة على عدم المشروط، فإنه ينتفي بانتفائه.
وإذا جاز ذلك في النفي: ففي الإثبات مثله، فإنه لو قال الشارع "ما لا مضرة فيه من الحيوان فمباح لكم أكله" و"ما لم يذكر اسم الله عليه فحرام عليكم أكله" لم يمتنع ذلك.
وقد قال الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} 2 وهذا تعليق لتحريم الأكل على عدم اسم الله.
ولأن3 النفي صلح أن يكون علة للنفي، فيلزم منه أن يصلح التعليل به للإثبات؛ لأن كل حكم له ضد، فالحل ضده: الحرمة، والوجوب ضده: براءة الذمة، والصحة ضدها: الفساد، وكل ما نفي شيئًا أثبت ضده.
فما كان علة لانتفاء الحرمة: فهو علة الإباحة.
وما ذكروه4 من: "أن النفي لا يناسب إثبات الحكم في حق الآدمي؛ لأنه يلزم منه: ضرر في حق الآدمي الآخر".
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أن جهات إثبات العلة لا تنحصر في المناسبة، بل طرقها كثيرة على ما علم، فلا يلزم من انتفاء طريق واحد انتفاؤها.
__________
1 هذا هو الدليل الثاني.
2 سورة الأنعام من الآية "121".
3 هذا هو الدليل الثالث لأصحاب المذهب الأول.
4 من هنا سيبدأ المصنف في مناقشة أدلة أصحاب المذهب الثاني، وهم الذين منعوا التعليل بالنفي والعدم.
(2/289)

الثاني: أن المناسبة متحققة فيه، فإن ما كان وجوده نافعًا، لزم من عدمه الضرر، وما كان مضرًّا: لزم من عدمه النفع.
فللَّه -تعالى- فرائض وواجبات، كما أن له محظورات ومحرمات، فكما أن فعل المحرمات يناسب شرع عقوبات في حق من فعلها، زجرًا عنها، فعدم [فعل] الفرائض يناسب ترتيب العقوبات على تاركها، حثًّا عليها.
ولا بُعد في قول من قال: إن ترك الصلاة يناسب شرع القتل، أو الضرب، أو الحبس، وكذلك أشباهها من الواجبات.
وقولهم: "إن هذا إعدام".
غير صحيح، بل هو مجرد عدم؛ إذ الإعدام: إخراج الموجود إلى العدم، ولم يكن للصلاة من تاركها وجود فيعدمها.
ولا يلزم من ثبوت الحكم: أن يكون في حق آدمي آخر.
ثم لو لزم منه ضرر: فلا تنتفي المناسبة بوجود الضرر، على ما علم في موضع آخر.
ومثل هذا يوجد في الإثبات، فلا فرق إذًا.
وقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} يتناول ماله، دون ما عليه، فليست عامة، فلا يصح الاستدلال بها على عموم التعليل بالنفي.
على أن الآية إنما أريد بها الثواب في الآخرة، دون أحكام الدنيا، بدليل أن فقر القريب صلح علة لإيجاب النفقة له.
وعدم المال في حق المسكين جعله مصرفًا للزكاة. وأمثال هذا يكثر. والله أعلم.
(2/290)

فصل: [في جواز تعليل الحكم بعلتين]
يجوز تعليل الحكم بعلتين؛ لأن العلة الشرعية أمارة، فلا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد.
ولذلك من لمس، وبال في وقت واحد: انتقض وضوؤه بهما.
من أرضعتها أختك، وزوجة أخيك، فجمع لبنهما وانتهى على حلقها دفعة واحدة: حرمت عليك؛ لأنك خالها وعمها. ولا يحال على أحدهما دون الآخر.
ولا يمكن أن يقال: تحريمان، وحكمان؛ لأن التحريم له حد واحد وحقيقة واحدة، ويستحيل اجتماع مثلين1.
فإن قيل: فإذا ذكر المعترض علة أخرى في الأصل، فلم يعارض علة المستدل، لم يقبل هذا الاعتراض، إذا أمكن الجمع بين علتين2.
__________
1 وضح الطوفي مذاهب العلماء في المسألة فقال: "قال الآمدي: اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل في كل صورة بعلة، واختلفوا في الحكم الواحد بالشخص في صورة واحدة، هل يعلل بعلتين معًا؟
فمنع من ذلك القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، وجوّزه آخرون.
وفصل الغزالي بجواز ذلك في العلل المنصوصة دون المستنبطة.
قال الآمدي: والمختار منعه.
قلت: وهذا التفصيل هو الذي ذكره القرافي، وهو مراد الشيخ أبي محمد من إطلاقه، بدليل سياق كلامه في أثناء المسألة". شرح مختصر الروضة "3/ 339-340" وانظر: الإحكام للآمدي "3/ 341".
2 قال ابن بدران: في الكلام حذف تقديره: فإن قيل: فإذا قاس المعلل على أصل بعلة فذكر المعترض على أخرى في الأصل: بطل قياس المعلل، وإن أمكن الجمع بين علتين فلم يقبل الاعتراض". نزهة الخاطر "2/ 338".
(2/291)

قلنا:
إن كانت علة المستدل مؤثرة: لم تبطل بذلك، كما ذكرناه من الأمثلة، وكاجتماع العدة والردة؛ إذ دل الشرع على أن كل واحدة علة على حيالها.
وإن كانت ثابتة بالاستنباط: فسدت بهذه المعارضة؛ لأن ظن كونها علة إنما يتم بالسبر، وهو أنه لا بد لهذا الحكم من علة، ولا يصلح علة إلا هذا.
فإذا ظهرت علة أخرى: بطلت إحدى المقدمتين، وهي: "أنه لا يصلح علة إلا كذا".
مثاله: من أعطى إنسانًا شيئًا فوجدناه فقيرًا: ظنناه أنه أعطاه لفقره، وعللنا به. فإن وجدناه قريبًا: عللناه بالقرابة. فإن وجدناه فقيرًا قريبًا: أمكن أن يكون الإعطاء لهما، أو لأحدهما، فلا يبقى الظن أنه أعطاه لواحد بعينه.
فإن قيل: فلم يلزم العكس، وهو وجود الحكم بدون العلة، فإن العلل الشرعية أمارات ودلالات، فإذا جاز اجتماع دلالات، لم يكن من ضرورة انتفاء البعض انتفاء الحكم.
قلنا: هذا صحيح، وإنما يلزم العكس إذا لم يكن للحكم إلا واحدة، فإن الحكم لا بد له من علة.
فإذا اتحدت وانتفت، فلو بقي1 الحكم: لكان ثابتًا بغير سبب.
__________
1 في جميع النسخ: "فلو نفي" والمثبت من نسخة الدكتور عبد العزيز السعيد يحفظه الله.
(2/292)

وأما إذا تعددت العلة: فلا ينتفي عند انتفاء بعضها، بل عند انتفاء جميعها.
فصل: [في جريان القياس في الأسباب]
قال قوم: يجوز إجراء القياس في الأسباب1.
فنقول: إنما نصب الزنا سببًا لوجوب2 الرجم لعلة كذا، وهو موجود في اللواط، فيجعل سببًا، وإن كان لا يسمى زنا.
ومنع منه آخرون3.
قالوا: الحكم يتبع السبب دون حكمته؛ فإن الحكمة: ثمرة، وليست علة، فلا يجوز أن يوجب القصاص بمجرد الحاجة إلى الزجر4 بدون القتل، وإن علمنا أنه5 حكمة وجوب القصاص في القتل.
__________
1 قال الطوفي: "وهو مذهبنا ومذهب أكثر الشافعية، ومنع منه أبو زيد الدبوسي والحنفية. قال الآمدي: وصورته: إثبات كون اللواط سببًا للحد قياسًا على الزنا قلت: وكذا الكلام في النباش والنبيذ"، شرح المختصر "3/ 448".
قال الإسنوي: "الصحيح، وهو مذهب الشافعي كما قاله الإمام، أن القياس يجري في الشرعيات كلها، أي: يجوز التمسك به في إثبات كل حكم، حتى الحدود، والكفارات، والرخص، والتقديرات، إذا وجدت شرائط القياس فيها" انظر: نهاية السول "3/ 36".
2 في كثير من النسخ المطبوعة "لوجود" وما أثبتناه من نسخة الدكتور عبد الكريم النملة. يحفظه الله.
3 وهم بعض الحنفية وبعض الشافعية، كما تقدم.
4 في الأصل "الرجم" والمثبت من نسخة الدكتور النملة.
5 في جميع النسخ "عنها" والمثبت من نسخة الدكتور عبد العزيز السعيد، فالضمير راجع إلى "الزجر".
(2/293)

ولأن القياس في الأسباب يعتبر فيه التساوي في الحكمة، وهذا أمر استأثر الله -سبحانه وتعالى- بعلمه.
ولنا:
أن نصب الأسباب حكم شرعي، فيمكن أن تعقل علته، ويتعدى إلى سبب آخر.
فإن اعترفوا بهذا ثم توقفوا عن التعدية: كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم، كمن يقول: يجري القياس في حكم الضمان لا في القصاص، وفي البيع دون النكاح.
وإن ادّعوا الإحالة فمن أين عرفوا ذلك، أبضرورة1 أو نظر؟ كيف2 ونحن نبين إمكانه بالأمثلة!
فإن قالوا: هو ممكن في العقل، لكنه غير واقع؛ لأنه لا يلغي3 للأسباب علة مستقيمة تتعدى.
قلنا: قد ارتفع النزاع الأصولي، إذ لا ذاهب على تجويز القياس، حيث لا تعقل العلة، ولا تتعدى
وهم قد ساعدوا على جواز القياس حيث أمكنت التعدية، فارتفع الخلاف.
ثم إننا نذكر إمكان القياس في الأسباب من منهجين4.
__________
1 في جميع النسخ "بضرورة" والمثبت من المستصفى "3/ 695".
2 قبلها في المستصفى: "ولا بد من بيانه".
3 في جميع النسخ "لا يلفي" بالفاء، والمثبت من المستصفى "3/ 696".
4 في النسخ المطبوعة "وجهين" والمثبت من المستصفى "3/ 696" وهو الذي يتمشى مع قول المصنف -بعد ذلك- "المنهج الثاني".
(2/294)

أحدهما: تنقيح المناط.
فنقول: قياس اللائط على الزاني، كقياس الأكل على الجماع في الكفارة، فإنا تعرفنا أن وصف كونه "زنا" لا يؤثر، بل المؤثر: كونه إيلاج فرج في فرج محرم قطعًا، مشتهى طبعًا.
فإن قالوا: ليس هذا بقياس1؛ فإن القياس أن يقال: علق الحكم بالزنا لعلة كذا، وهي موجودة في اللواط، فيلحق به، كما يقال: ثبت التحريم في الخمر لعلة الشدة، وهي موجودة في النبيذ، فيضم النبيذ إلى الخمر في التحريم، ولم نغير من الخمر شيئًا.
ونحن في "الكفارة" لم نبين أن الحكم ثبت للجماع، ولم نعلق به، وإنما علقنا الحكم بإفساد الصوم، فنتعرف الحكم الوارد شرعًا أين ورد، وكيف ورد؟
وكذا أنتم لم تعلّقوا الحكم بالزنا.
وبهذا يظهر الفرق -للمنصف- بين تعليل الحكم، وتعليل السببية، فإن تعليل الحكم تعدية له عن محله، مع تقريره في محله.
وفي السببية إذا قلنا: علق الشرع الرجم بالزنا لعلة كذا، فألحقنا به غير الزنا: تناقض آخر الكلام وأوله؛ لأن الزنا إن كان مناطًا من حيث إنه "زنا" فألحقنا به ما ليس بزنا: أخرجنا الزنا عن كونه علة ومناطًا، فإنا نتبيّن بالآخرة: أن الزنا لم يكن هو السبب، بل معنى أعم منه وهو: إيلاج فرج.
__________
1 أي: فإن حاولوا الاعتذار عما وقعوا فيه فقالوا: إن هذا ليس بقياس، وإنما هو استدلال على موضع الحكم بحذف الفوارق الملغاة. أجيب عن ذلك: بأن هذا لا ينفعكم، فإنه قياس من حيث المعنى، لوجود شرائط القياس فيه، ولا عبرة بالتسمية: انظر نزهة الخاطر "2/ 341".
(2/295)

في فرج محرم، فكيف يعلل كونه مناطًا بما يخرج به عن كونه مناطًا، والتعليل تقرير لا تغيير1.
وإنما يكون تعليلًا أن لو بقي الزنا سببًا، وانضم إليه سبب آخر، كما بقي الخمر محلًّا للتحريم، وانضم إليه محل آخر، وذلك غير جار في الأسباب.
قلنا: هذا الطريق جار لنا في "اللائط" و"النباش" وهو نوع إلحاق لغير المنصوص بالمنصوص، بفهم العلة التي هي مناط الحكم، فيرجع2 النزاع إلى الاسم3، ولا فائدة فيه.
أو يقول4: هذا بعينه جار في الأحكام، فإن الخمر لما حرم لعلة الشدة: بينا أن وصف كونه خمرًا لا أثر له، والمؤثر إنما هو كونه مشتدًا مزيلًا للعقل.
كما تبينا أن المؤثر في الحد: إيلاج فرج في فرج محرم.
وكما جعلتم الموجب للكفارة في الجماع: كونه مفسدًا للصوم.
فالقياس في كل موضع: توسعة محل الحكم، بحذف الأوصاف غير المؤثرة.
وقولهم: "إنا نبين بهذا أن الزنا لم يكن سببًا".
قلنا: بل هو سبب؛ لاشتماله على المعنى المؤثر.
__________
1 في جميع النسخ "يعتبر" والمثبت من ط الدكتور عبد العزيز السعيد، وهو الموافق لما في المستصفى.
2 في النسخة التي ننقل منها "فيرفع" والمثبت من المستصفى "3/ 697".
3 في الأصل الذي ننقل عنه "الحكم" والمثبت من المستصفى.
4 في الأصل: "أن" والمثبت من نسخة الدكتور النملة.
(2/296)

المنهج الثاني:
أنا نعلل الحكم بالحكمة، ونعدّي الحكم بتعديها، كما في قوله عليه السلام: "لَا يَقْضِي القَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وهُوَ غَضْبَان" 1. إنما جعل الغضب سببًا؛ لأنه يدهش العقل، ويمنع من استيفاء الفكر، وهو موجود في "الجوع والعطش" المفرطين، فنقيسه عليه.
وكقولنا: الصبي يولّى عليه لحكمة، وهي: عجزه عن النظر لنفسه2، فينصب "الجنون" سببًا، قياسًا على "الصغر" لهذه الحكمة.
ولذلك: اتفق عمر وعلي -رضي الله عنهما- على قتل الجماعة بالواحد3، قياسًا على الواحد بالواحد، للاشتراك في الحاجة إلى الردع والزجر.
وقولهم: "الزجر: ثمرة، إنما تحصل بعد الحكم، فكيف تكون علة"؟
__________
1 تقدم تخريج الحديث وبيان الخلاف في القياس عليه.
2 قال الغزالي بعدها: "فليس الصبا سبب الولاية لذاته بل لهذه الحكمة". المستصفى "3/ 698".
3 أثر قتل الجماعة بالواحد ورد عن عمر -رضي الله عنه- بروايات مختلفة: فرواه البخاري معلقًا في كتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب، أو يقتص منهم كلهم ولفظه: "وقال لي ابن بشار: حدثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن غلامًا قُتل غِيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم". أما رواية موافقة علي لعمر -رضي الله عنهما- فقد أخرجها عبد الرزاق في مصنفه "9/ 477" وفيها: "أن عمر كان يشك فيها حتى قال علي: يا أمير المؤمنين: أرأيت لو أن نفرًا اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضوًا، وهذا عضوًا، أكنت قاطعهم؟ قال: نعم. قال: فذلك. حتى امتدح له الرأي". وانظر: التلخيص الحبير "4/ 20".
(2/297)

قلنا: الحاجة إلى الزجر هي العلة؛ لكون القتل سببًا، دون نفس الزجر، والحاجة سابقة وإن تأخر الزجر، كما يقال: خرج الأمير للقاء زيد، ولقاء زيد بعد خروجه، لكن الحاجة إلى اللقاء علة باعثة على الخروج سابقة عليه، وإنما المتأخر نفس اللقاء.
كذلك ههنا: الحاجة إلى العصمة هي الباعثة، وهي متقدمة1.
فصل: [في جريان القياس في الكفارات والحدود]
ويجري القياس في الكفارات والحدود2، وهو قول الشافعية. وأنكره الحنفية.
لأن الكفارات والحدود وضعت لتكفير المآثم، والزجر والردع عن المعاصي، والقدر الذي يحصل ذلك به من غير زيادة أمر استأثر الله بعلمه3.
__________
1 عبارة المستصفى "3/ 699": "فكذلك الحاجة إلى عصمة الدماء هي الباعثة للشرع على جعل القتل سببًا للقصاص، والشريك في هذا المعنى يساوي المنفرد، والمثقل يساوي الجارح، فألحق به قياسًا". وهي أوضح من عبارة المصنف، وأتت بالنتيجة المقصودة من المثال.
2 الكفارات مثل: كفارة القتل الخطأ، والظهار، واليمين، والحدود مثل: حد الزنا، والقذف، والشرب. ومثلهما: المقدرات: كنصب الزكوات، وعدد الصلوات، والركعات، وأروش الجنايات ونحوها.
وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، وإليه ذهب ابن القصار والباجي من المالكية، وأكثر العلماء. وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه، كما قال المصنف. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 451".
3 هذا هو الدليل الأول للحنفية.
(2/298)

وكذلك الحكم بمقدار معلوم في الصلاة و"الزكاة" و"المياه" لا يعلمه إلا الله -سبحانه- فلم يجز الإقدام عليه بالقياس1.
ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والقياس لا يخلو من الشبهة2. ولنا:
ما تقدم في المسألة التي قبلها: من أنه يجري فيه قياس التنقيح3.
ولأنه حكم من أحكام الشرع عقلت علته، فجرى فيه القياس كبقية الأحكام4.
وما ذكروه5. يبطل بسائر الأحكام فإنها شرعت لمصالح العباد والقياس يجري فيها.
ولو ساغ ما ذكروه: لساغ لنفاة القياس في الجملة.
ولأننا إنما نقيس إذا علمنا الأصل، ويثبت ذلك عندنا بالقياس، فيصير كالتوقيف.
فأما ما لا نعلمه: كأعداد الركعات ونحوه: فلا يجري القياس فيه. وقولهم: "إن في القياس شبهة".
قلنا: يبطل بخبر الواحد، والشهادة، والظاهر، فإنه6 يثبت به الحد، مع وجود الاحتمال فيه.
__________
1 هذا هول الدليل الثاني.
2 هذا هو الدليل الثالث.
3 بدأ المصنف يورد أدلة القائلين بجريان القياس في الكفارات والحدود، والدليل الأول هو ما تقدم في مسألة جريان القياس في الأسباب.
4 هذا هو الدليل الثاني.
5 بدأ المصنف يناقش أدلة المخالفين.
6 في جميع النسخ "أنه" والمثبت من ط د. السعيد. وهو الذي يتفق مع السياق؛ =
(2/299)

مسألة: [في جريان القياس في النفي]
والنفي على ضربين:
طارئ، كبراءة الذمة من الدَّين1.
فهو حكم شرعي يجري فيه قياس العلة، وقياس الدلالة، كالإثبات2.
ونفي أصلي:
وهو البقاء على ما كان قبل ورود الشرع، كانتفاء صلاة سادسة، فهو منفي باستصحاب موجب العقل.
فلا يجري فيه قياس العلة؛ لأنه لا موجب له قبل ورود السمع، فليس بحكم شرعي حتى تطلب له علة شرعية، بل هو نفي حكم الشرع ولا علة له، إنما العلة لما يتجدد3.
__________
= فإنه عائد إلى كل من: خبر الواحد، والشهادة، وظواهر النصوص، فكل واحد منها يثبت به الحد مع وجود الاحتمال فيه.
1 أي: بعد ثبوته في الذمة. والفرق بين النفي الطارئ والأصلي: أن النفي الطارئ: ما تقدمه ثبوت، كالمثال الذي معنا، والنفي الأصلي: ما لم يتقدمه ثبوت، كالمثال الذي أورده المصنف.
2 أي: أنه كالإثبات الشرعي؛ لأن النفي الطارئ بالشرع له خواص يستدل بانتفائها على انتفائه، وآثار يستدل بوجودها على وجوده، كذلك له علل وأسباب يعلل بها وتلحق به ما يشاركه فيها.
ومن أمثلة ذلك: من خواص براءة الذمة من الدين: أن لا يطالب به بعد أدائه، ولا يرفع إلى الحاكم، ولا يحبس به، ولا يحال به عليه، وكل هذه الخواص موجودة، فدل على وجود براءة الذمة. انظر: شرح المختصر "3/ 453 وما بعدها".
3 هذا بيان للفرق بين قياس الدلالة وقياس العلة في النفي الأصلي.
(2/300)

لكن يجري فيه قياس الدلالة، وهو: أن يستدل بانتفاء حكم شيء على انتفائه عن مثله، ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل، هو: استصحاب الحال1، والله أعلم.
فصل: [في قوادح العلة]
قال بعض أهل العلم: يتوجه على القياس اثنا عشر سؤالًا2:
__________
1 معناه: أنه ضم دليلًا إلى دليل، والدليل الذي ضمه هو استصحاب الحال.
2 بعض العلماء يسميها: قوادح العلة، والبعض يسميها: أسئلة. ولا خلاف في المعنى، إلا أن تسميتها أسئلة يستدعي توضيح معنى السؤال وأنواع الأسئلة حتى يتضح المراد.
الأول: سؤال الفقير الغني، والعبد الرب، وهو: أن يطلب منه ما يصلحه من مال أو عفو.
الثاني: سؤال الاستفهام، نحو: زيد يسأل عن حال عمرو، أي: يطلب منه معرفة كيفية حاله.
الثالث: سؤال الاستفادة، كسؤال المتعلم للمعلم.
الرابع: سؤال العناد والتعجيز، كسؤال المعترض للمستدل: لم قلت كذا وكذا؟ وهو طلب الفائدة أو الدليل.
والمراد بالسؤال هنا: أحد هذين النوعين؛ لأن الأسئلة الواردة على القياس قد تكون من مستفيد يقصد معرفة الحكم، وقد تكون من معاند يقصد قطع خصمه ورده إليه.
وهذه الأسئلة لم يذكرها الغزالي في "المستصفى" الذي هو أصل هذا الكتاب، وادعى أنها كالعلاوة على أصول الفقه، وأن موضع ذكرها: "علم الجدل". وقد أوصلها بعض العلماء إلى خمسة وعشرين سؤالًا، كابن الحاجب، وابن مفلح، والفتوحي في مختصر التحرير، بينما أوصلها الشوكاني إلى ثمانية وعشرين، =
(2/301)

الاستفسار -وفساد الاعتبار -وفساد الوضع -والمنع -والتقسيم -والمطالبة -والنقض- والقول بالموجب- والقلب- وعدم التأثير -والمعارضة- والتركيب
[السؤال الأول: الاستفسار]
أما الاستفسار: فيتوجه على المجمل1.
وعلى المعترض إثبات الإجمال، ويكفيه في إثباته: بيان احتمالين في اللفظ، ولا يلزمه بيان المساواة بينهما؛ لأنه ليس في وسعه ذلك.
وجوابه: منع تعدد الاحتمال، أو بترجيح أحدهما2.
__________
= وحصرها الإمام الرازي في أربعة: النقض، وعدم التأثير، والقول بالموجب، والقلب.
انظر: بيان المختصر "3/ 178"، شرح الكوكب المنير "4/ 229"، إرشاد الفحول "2/ 209"، المحصول "2/ 2/ 321"، شرح مختصر الروضة "3/ 458 وما بعدها".
1 معناه: طلب تفسير اللفظ وبيان المراد به، إذا كان لفظ المستدل مجملًا؛ لأن المجمل لا يفيد معنى معينًا، كما تقدم في تعريفه، وحينئذ: إما أن يعترض المعترض على كل واحد من معانيه، أو على أحدهما، أو لا على واحد منهما. انظر: شرح المختصر "3/ 459-460".
2 معناه: أنه يجب على المعترض إثبات الإجمال في لفظ المستدل، ولا يكفي أن يدعي أنه مجمل؛ لأن ذلك يؤدي إلى فتح باب العناد، إذ يصح لكل معترض أن يقول: هذا مجمل بدون بينة.
وطريق بيان الإجمال: أن يبين له أن لفظه يحتمل معنيين فصاعدًا احتمالًا مطلقًا، ولا يلزمه بيان التساوي بين هذين المعنيين.
معنى ذلك: أن من حق المستدل أن يجيب عن هذا السؤال بوجهين:
أحدهما: منع تعدد احتمالات اللفظ، إن أمكن ذلك.
(2/302)

السؤال الثاني: فساد الاعتبار
وهو أن يقول1: هذا قياس يخالف نصًّا، فيكون باطلًا، فإن
__________
= الثاني: أن يبين رجحان أحد المعنيين في اللفظ المجمل بأمر من الأمور المرجحة، وبذلك يسلم الاستدلال.
ومن أمثلة هذا النوع من الأسئلة: لو قال المستدل: العدة بالأقراء. فيقول المعترض: لو كان بالأقراء، للزم خلاف الظاهر، إذ ظاهر القرآن أنها تعتد بثلاثة قروء كوامل، يعني بالقروء: الأطهار، وكمالها قد يتخلف فيما إذا طلقها في أثناء طهر، فإنها تعتد به قرءًا، فلا يحصل اعتدادها بثلاثة قروء كاملة.
فيقول المستدل: أنا أردت بالأقراء الحيض، والكمال لازم فيها؛ إذ بعض الحيضة لا يعتد به قرءًا، فيكون قد أعد الإجمال في أول كلامه، للحاجة إلى التفصيل في آخره، فلأجل هذه الأمور العارضة للإجمال، توجه سؤال الاستفسار، ليكون المعترض متكلمًا على بصيرة آمنًا من المغالطة والمخاتلة. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 461-462".
1 أي: يقول المعترض: هذا القياس باطل؛ لأنه يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع.
مثال ما خالف الكتاب: قولنا: يشترط تبييت النية لرمضان؛ لأنه صوم مفروض فلا تصح نيته بالنهار. فيقول المعترض: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفته نص الكتاب، فإن الله تعالى بين أن الصائم له أجر عظيم، فيكون صومه صحيحًا.
ومثال ما خالف السنة: قولنا: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه عقد يشتمل على الغرر فلا يصح، كالسلم في المختلطات. فيقول المعترض: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفته لما روي عن النبي -صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم- أنه رخص في السلم.
ومثال ما خالف الإجماع: قول الحنفي: لا يجوز أن يغسِّل الرجل زوجته؛ لأنه يحرم النظر إليها، فحرم غسلها كالأجنبية. فيقول المعترض: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أن عليًّا غسَّل فاطمة ولم ينكر عليه أحد، والقضية في مظنة الشهرة، فكان ذلك إجماعًا انظر: شرح مختصر الطوفي "3/ 467-468".
(2/303)

الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا لا يصيرون إلى قياس مع ظفرهم بالخبر؛ فإنهم كانوا يجتمعون لطلب الأخبار، ثم بعد حصول اليأس: كانوا يعدلون إلى القياس.
وقد أخر معاذ -رضي الله عنه- العمل به عن السنة، فصوبه النبيُّ، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم1.
والجواب2 من وجهين:
أحدهما: أن يبين عدم المعارضة.
والثاني: بيان أن القياس الذي استند إليه من قبيل ما يجب تقديمه على المعارض المذكور.
السؤال الثالث: فساد الوضع
وهو: أن يبين أن الحكم المعلق على العلة تقتضي العلة نقيضه3.
مثاله: ما لو قال: في النكاح بلفظ الهبة: "لفظ الهبة ينعقد به غير النكاح، فلا ينعقد به النكاح كالإجارة".
فيقال له: هذا تعليق على العلة ضد ما تقتضيه؛ فإن انعقاد غير النكاح به يقتضي انعقاد النكاح به، لا عدم الانعقاد.
__________
1 هذا الحديث دليل على أن رتبة القياس بعد النص.
2 أي: الجواب من المستدل على هذا الاعتراض من وجهين، كما ذكر المصنف.
3 قال الطوفي في شرحه "3/ 472": "وإنما سمي هذا فساد الوضع؛ لأن وضع الشيء: جعله في محل على هيئة أو كيفية ما، فإذا كان ذلك المحل، أو تلك الهيئة، لا تناسبه، كان وضعه على خلاف الحكمة، وما كان على خلاف الحكمة يكون فاسدًا.
فنقول ههنا: إن العلة إذا اقتضت نقيض الحكم المدعي أو خلافه، كان ذلك =
(2/304)

وجوابه1 من وجهين:
أحدهما: أن يدفع قول الخصم: "إنه يقتضي نقيض ذلك".
الثاني: أن يسلم ذلك، ويبين أنه يقتضي ما ذكره من وجه آخر، والحكم على وفقه فيجب تقديمه؛ لأن الأخذ بما ظهر اعتباره أولى من الأخذ بغيره.
فإن ذكر الخصم لما ذكره أصلًا يشهد له بالاعتبار فهو انتقال إلى سؤال المعارضة.
السؤال الرابع: المنع
ومواقعه أربعة:
منع حكم الأصل.
منع وجود ما يدّعيه علة الأصل.
ومنع كونه علة [في الأصل] .
ومنع وجوده في الفرع2.
وقد اختلف في انقطاع المستدل عند توجه منع الحكم في الأصل: والصحيح: أنه لا ينقطع، على التفصيل الذي ذكرناه3.
__________
= مخالفًا للحكمة، إذ من شأن العلة أن تناسب معلولها، لا أنها تخالفه، فكان ذلك فاسد الوضع بهذا الاعتبار.
1 أي: من جهة المستدل.
2 مثال ذلك: إذا قيل: النبيد مسكر، فكان حرامًا، قياسًا على الخمر. فيقول المعترض: لا نسلم تحريم الخمر، إما جهلًا بالحكم، أو عنادًا فهذا منع حكم الأصل. ولو قال: لا أسلم وجود الإسكار في الخمر، لكان هذا منع وجود المدعى علة في الأصل. ولو قال: لا أسلم أن الإسكار علة التحريم لكان هذا مع علية الوصف في الأصل. ولو قال: لا أسلم وجود الإسكار في النبيذ، لكان هذا منع وجود العلة في الفرع.
3 أي: في أركان القياس.
(2/305)

الثاني: منع وجود ما يدعيه علة في الأصل. فعند ذلك يحتاج المستدل إلى إثباته.
إن كان عقليًّا: فبالاسترواح إلى أدلة العقل.
وإن كان محسوسًا. بالاستناد إلى شهادة الحس.
وإن كان شرعيًّا. فبدليل شرعي.
وقد يقدر على ذلك بإثبات أثر، أو أمر يلازمه.
الثالث: منع كونه علة [في الأصل] فيحتاج إلى إثباتها بأحد الطرق التي ذكرناها.
الرابع: منع وجود ما ادّعاه علة في الفرع.
ولا بد لبيان ذلك بطريقة.
السؤال الخامس: التقسيم 1
وحقه أن يقدم على المطالبة؛ إذ فيه منع، والمطالبة: تسليم محض. والمنع بعد التسليم غير مقبول، إذ هو رجوع عما اعترف به. والتسليم بعد المنع يقبل؛ لأنه اعتراف بما أنكر فيقبل؛ لأنه علته والإنكار بعد الاعتراف له فلا يقبل.
ويشترط لصحته شرطان.
أحدهما: أن يكون ما ذكره المستدل منقسمًا إلى: "ما يمنع ويسلّم".
__________
1 وهو عبارة عن ترديد اللفظ بين احتمالين متساويين، واختصاص كل احتمال باعتراض مخالف للاعتراض على الآخر.
والتقسيم نوعان.
أحدهما: من الناظر في استخراج العلة بتخريج المناط.
والثاني: من المعترض المناظر على ما يقوله المستدل، وهذا هو المقصود هنا.
(2/306)

فلو أورد ذلك بذكر زيادة في الدليل على ما ذكره المستدل فلا يصح؛ لأنه يمهد لنفسه شيئًا، ثم يوجه الاعتراض، فحينئذ يكون مناظرًا مع نفسه، لا مع خصمه.
الثاني: أن يكون حاصرًا لجميع الأقسام، فإنه إذا لم يكن حاصرًا فللمستدل أن يبين أن مورده غير ما عينه المعترض1 بالذكر، فعند ذلك يندفع.
وطريق المعترض في صيانة تقسيمه عن هذا الدفع أن يقول عن التقسيم: إن عنيت به هذا المحتمل: فمسلم، والمطالبة متوجهة.
وإن عنيت به ما عداه: فممنوع.
وذكر قوم: أن من شرط صحته: أن يكون الاحتمال في الأقسام على السواء.
لكن يكفيه بيان الاحتمالات، ولا يلزمه بيان المساواة، لكونه غير مقدور عليه.
وأنه إذا بين المستدل ظهور اللفظ في مجمل. إما بحكم الوضع، وإما بحكم العرف، وإما بقرينة وجدت: فسد التقسيم.
قال: ولو لم يكن اللفظ مشهورًا في أحدهما، فللمستدل أن يبين ظهوره.
بأن يقول للمعترض: سلمت أن اللفظ غير ظاهر في غير هذا المحتمل.
ولا بد للمعترض من تسليم ذلك، ضرورة صحة تقسيمه، فإن شرطه: تساوي الاحتمالات، وأنا أسلم ذلك، أيضًا فيلزم أن يكون
__________
1 في جميع النسخ "المستدل" والمثبت من أن الدكتور عبد العزيز السعيد.
(2/307)

ظاهرًا في الاحتمال الذي عينه، ضرورة نفي الاشتراك، فإنه على خلاف الأصل.
ويمكن أن يمنع أن تساوي الاحتمالات شرط1، إذ لا حجر على المستدل أن يفسر كلامه بما يحتمله، وإن كان الظاهر خلافه، فكذلك، لا حجر على المقسّم في تقسيمه إلى ما يمكن المستدل أن يفسر كلامه.
وجواب التقسيم من حيث الجدل.
بدفع انقسام الكلام
أو بيان ظهور أحد الاحتمالين.
أو بيان أن الكلام غير منحصر في الأقسام المذكورة.
وإن اختار الجواب الفقهي فأمكنه الدلالة على المنع، واختيار القسم المسلم، فالأحسن اختيار القسم المسلم؛ لأنه يستغنى عن الدلالة على المنع.
وإن اختار القسم الآخر: جاز، فإن فيه تكثيرًا للفقه.
وإن لم يقدر إلا على سلوك أحد الطريقين فليختره2.
القسم السادس، في السؤال، المطالبة.
وهي: طلب المستدل بذكر ما يدل على أن ما جعله جامعًا هو العلة3.
__________
1 معناه: أنه يمكنه أن يمنع شرطية تساوي الاحتمالات في هذا النوع
2 وضح الطوفي هذا النوع من الأسئلة الفقهية على كل احتمال من هذه الاحتمالات، ونقل ذلك كله يخرجنا عن الهدف الذي قصدناه. فليرجع من شاء إلى شرح مختصر الروضة 3/ 489 وما بعدها".
3 معناه: أن يطلب المعترض من المستدل الدليل على أن الوصف الذي جعله جامعًا بين الأصل والفرع علة، كقوله، فيما إذا قال: مسكر، فكان حرامًا =
(2/308)

وهو المنع الثالث في المعنى1.
وفيه: تسليم وجود العلة في الفرع، وفي الأصل، وتسليم الحكم2.
وجواب ذلك.
بيان كونه علة بأحد الطرق التي ذكرناها3.
القسم السابع -في السؤال- النقض.
ومعناه: إبداء العلة بدون الحكم. أي: أن لا تكون العلة مطابقة للحكم4.
وقد ذكرنا الخلاف في كونه مفسدًا للعلة فيما مضى5.
ورجحنا قول من قال: بصحة النقض.
__________
= كالخمر، أو مكيل، فحرم فيه التفاضل كالبر. فيقول المعترض: لِمَ قلت: إن الإسكار علة التحريم، وإن الكيل علة الربا؟
1 معناه: أن الجواب عنها هو عين الجواب المذكور في المنع الثالث من السؤال الرابع المتقدم، وليس المقصود أنها الثالث بعينه وإن كانت عبارته غير واضحة
2 أي أن المعترض مسلم بالأمور الثلاثة، ولكنه يطلب دليلًا على أن الوصف المذكور هو العلة، كما في المثال المتقدم.
3 في أدلة إثبات العلة، أو ما يسمى بمسالك العلة، وهي ثلاثة: النص، والإجماع، والاستنباط.
4 مثال ذلك: أن يقال في إقامة حد السرقة على النباش: سرق نصابًا كاملًا من حرز مثله، فيجب عليه القطع، كسارق مال الحي. فيقول المعترض: هذا ينتقض بالولد يسرق مال ولده، وصاحب الدَّين يسرق مال مدينه؛ فإن الوصف موجود فيهما، ولا يقطعان.
5 أي: في مسألة تخصيص العلة.
(2/309)

واختلف في وجوب الاحتراز في الدليل عن صورة النقض:
والأليق: وجوب الاحتراز؛ فإنه أقرب إلى الضبط، وأجمع لنشر الكلام، وهو هيِّن.
ثم للمستدل في دفع النقض طرق أربعة:
منها: منع وجود العلة.
أو الحكم في صورة النقض.
وليس للمعترض أن يدل عليه1؛ إذ فيه الكلام إلى مسألة أخرى، وتصدي المعترض لمنصب الاستدلال، وكل واحد منها على خلاف ما يقتضيه جمع الكلام.
فإن قال المستدل: لا أعرف الرواية فيها: كفى ذلك في دفع النقض؛ لأن كون هذه المسألة من مذهبه مشكوك فيها، فلا يترك ما قام الدليل على صحته لأمر مشكوك فيه.
الثالث: أن يبين في الموضع الذي تخلف الحكم فيه، ما يصلح مستندًا لذلك من: "فوات شرط" أو "وجود مانع"؛ ليظن استناد تخلف الحكم إليه، فيبقى الظن المستفاد من الدليل بحاله.
ويكفيه أن يبين -في صورة النقض- معنى يناسب انتفاء الحكم، أو فوات أمر يناسب الاشتراط، فإن الغالب: اعتبار المصالح والمفاسد.
ولا يعتبر قول من قال: لا بد أن يبين "وجود المانع" أو "فوات الشرط" في صورة النقض، ولا يثبت ذلك ما لم يوجد المقتضى، ولا يثبت كونه مقتضيًا ما لم يثبت المانع، فيفضي إلى الدور؛ لأنا نقول: كونه
__________
1 أي: ليس من حق المعترض أن يستدل على وجود العلة في صورة النقض، حتى لا يصير المعترض مستدلًا، والمستدل معترضًا، فتنقلب قاعدة النظر وينتشر الكلام، وهذا على خلاف قواعد المناظرة.
(2/310)

مناسبًا معتبرًا يدل على كونه مقتضيًا
وإنما ترك لمعارضة تخلف الحكم، فإذا ظهر ما يصلح مستندًا له: وجب إحالة الحكم عليه، وبقي الظن الأول بحاله.
ولو أبدى النقض على أصل المستدل، فيلزمه الاعتذار عنه، ويكفيه في ذلك أمر يوافق أصله.
وإن أبداه على أصل نفسه وقال: هذا الوصف لم يطرد على أصلي، فكيف يلزمني اتباعه: لم يصح، فإن المستدل إذا أثبت أن ما ذكره مقتضى للحكم، نظرًا إلى الدليل: لزم خصمه الانقياد إليه، والعمل بمقتضاه في جميع الصور، وكان حجة عليه في صورة النقض، كما هو حجة في المسألة التي هما فيها؛ فإن ما ذكره في الدليل على كونه علة مغلب للظن، إنما يترك لمعارض، ولا تقبل معارضة الخصم بأصل نفسه.
الرابع، في دفع النقض:
أن يبين كونه مستثنى عن القاعدة بكونه على خلاف الأصلين، على ما مر1.
ولو قال المعترض: ما ذكرته من الدليل على كونه علة موجود في صورة النقض: فهذا نقض لدليل العلة، لا لنفس العلة، فيكون انتقالًا من سؤال إلى سؤال2.
ويكفي المستدل في ذلك أدنى دليل يليق بأصله.
__________
1 وهي مسألة: هل يجوز القياس على المستثنى من القاعدة، مثل: عرية التمر، هل يقاس عليها العنب وغيره؟
2 معنى ذلك: أنه إذا نقض المعترض علة المستدل بصورة، فأجاب المستدل عن =
(2/311)

[السابع: الكسر- معناه وحكمه]
وأما الكسر:
وهو إبداء الحكمة بدون الحكم: فغير لازم؛ لأن الحكم مما لا ينضبط بالرأي والاجتهاد، فيتعين النظر إلى مراد الشارع في ضبط مقدارها1.
__________
= ذلك بأحد الأجوبة المتقدمة وهي: إما منع العلة، أو الحكم في صورة النقض، أو ورود النقض على المذهبين، أو غير ذلك، فقال المعترض: الدليل الذي دل على أن وصفك الذي عللت به في محل النزاع، علة موجودة في صورة النقض، فيلزمك الإقرار بثبوت الحكم فيها، عملًا بوجود الوصف المقتضي له، لكنك لم تقل به، فيلزمك النقض.
مثال ذلك: أن يقول الحنفي، في قتل المسلم بالذمي: قتل عمد عدوان فأوجب القصاص، كقتل المسلم. فيقول الحنبلي: لا أسلم أن قتل الذمي عدوان فيقول الحنفي: الدليل على أن قتل الذمي عدوان: أنه معصوم بعد الإسلام، وكل من كان معصومًا بعصمة الإسلام فقتله عدوان.
فيقول المعترض: دليل العدوانية في قتل الذمي موجود في قتل المعاهد، فليكن عدوانًا يجب به القصاص على المسلم. فهذا نقض لدليل العلة، لا لنفس العلة، فلا يسمح؛ لأنه -كما قلنا سابقًا- انتقال من منصب المعترض إلى منصب المستدل، وهو غير جائز في عرف المناظرة. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 503"، ونزهة الخاطر العاطر "2/ 370-371".
1 أضاف المصنف إلى الأسئلة التي أوردها نوعًا آخر، ضمن النقض، وهو: الكسر. وكثير من العلماء يعدونه نوعًا مستقلًّا. وللكسر تعريفات مختلفة:
فعرفه الإمام الرازي وأتباعه بأنه: "عدم تأثير أحد جزأي العلة ونقض الجزء الآخر" بأن يكون الوصف المدعى عليته مركبًا من جزئين، فيبين المعترض: أن أحدهما لا تأثير له في الحكم، ولا يستلزمه، ثم ينقض الجزء الآخر، بأن يوجد الحكم بدون هذا الوصف. وبناء على ذلك لا يكون الكسر إلا في العلل المركبة، =
(2/312)

وإذا1 احترز عن النقض بذكر وصف في العلة لا أثر له في الحكم لو عدم في الأصل لم يعدم الحكم بعدمه: لم يندفع النقض به، نحو قولهم، في الاستجمار: حكم يتعلق بالأحجار يستوي فيه الثيب والأبكار، فاشترط فيه العدد، كرمي الجمار.
وقال قوم: يندفع به النقض؛ لأن العلة يشترط لها الطرد. فإذا لم يكن الوصف المؤثر مطردًا: ضممنا إليه وصف غير مؤثر، لتكون العلة مؤثرة مطردة.
__________
= أما التعريف الذي اختاره جمهور العلماء ومنهم المصنف، فهو: إبداء الحكمة بدون الحكم. كما قال المصنف.
مثال ذلك قول الحنفي، في العاصي بسفره: يترخص؛ لأنه مسافر، فيترخص كالمسافر سفرًا مباحًا. فإذا قيل له: لم قلت: إنه يترخص؟ قال: لأنه يجد مشقة في سفره، فناسب الترخص، وقد شهد له الأصل المذكور بالاعتبار.
فيقول الحنبلي: هذا ينكسر بالمكاري والفيّج "وهو الذي يسرع في مشيه الذي يحمل الأخبار من بلد إلى بلد" ونحوهما ممن دأبه السفر، يجد المشقة ولا يترخص، وكذلك المريض الحاضر، يجد المشقة، ولا يجوز له قصر الصلاة. انظر: شرح المختصر "3/ 511".
والصحيح عن علماء الأصول أن الكسر لا يعتبر نقضًا للعلة؛ لأن الحِكَم ليست مضبوطة في نفسها؛ لأنها عبارة عن جلب مصالح، ودفع مفاسد، والمصالح والمفاسد تختلف وتتفاوت باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وما كان كذلك وجب رده إلى تقدير الشارع وضبطه. انظر: المحصول "2/ 2/ 353"، شرح الطوفي "3/ 511 – 512".
1 هذا من تتمة الكلام على النقض. والمصنف أقحم موضوع "الكسر" في النقض، وكان الأولى أن يجعله مستقلًّا، أو ملحقًا بالنقض لشبهه به. ومعنى هذا الكلام: أن المعلل إذا احترز عن النقض بذكر وصف في العلة غير مؤثر في الحكم -وجودًا وعدمًا- بحيث لا يتوقف وجوده على وجوده، ولا عدمه على عدمه، لم يندفع النقض به، وهو رأي جمهور العلماء ورجحه المصنف، وخالف في ذلك =
(2/313)

ولنا:
أن الوصف الطردي بمفرده لا يصلح للتعليل به في موضع، فلا يجوز التعليل به مع غيره، كما لو كان خاليًا عن الطرد والتأثير.
وهذا صحيح؛ فإن ما ليس أثر إذا كان مفردًا لا يؤثر بغيره، كالفاسق في الشهادة1.
وإن احترز2 عن النقض بشرط ذكَرَه في الحكم، مثل أن يقول:
__________
= بعض العلماء وقالوا: يندفع به النقض.
ومثاله: ما ذكره المصنف.
وتوضيحه: أن قوله: الاستجمار حكم يتعلق بالأحجار وصف شبهي صحيح وقوله: يستوي فيه الثيب والأبكار. لا تأثير له في اشتراط العدد ولا عدمه، وإنما أتي به دفعًا لنقض القياس المذكور بحد الرجم؛ لأنه حكم يتعلق بالأحجار، فلو اقتصر على هذا الوصف في الاستجمار، لورد عليه حد الرجم؛ لأنه حكم يتعلق بالأحجار، ولم يشترط فيه العدد، فلما قيل: يستوي فيه الثيب والأبكار، خرج حد الرجم، وزال النقض به؛ لأنه وإن كان حكمًا يتعلق بالأحجار، لكنه فارق الاستجمار، بأنه يختلف فيه الثيب والأبكار، فالثيب إذا زنا يرجم، والبكر لا يرجم، بل يجلد ويغرّب، بخلاف الاستجمار، فإنه يستوي فيه الثيب والبكر؛ لأنه إزالة نجاسة، وهما مخاطبان بها. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 515".
1 أي: لا تقبل شهادته وحده، فيما تقبل فيه شهادة الواحد كالرضاع، عند بعض العلماء، فلا تقبل شهادته مع غيره فيما يعتبر فيه شهادة أكثر من واحد.
2 أي المستدل. ومعناه: أن المستدل لو احترز عن نقض العلة بذكر شرط في الحكم، بأن قيده بشرط أو وصف كالمثال الذي ذكره المصنف. فالعلة تقتضي أنه حيث وجد حرّان مكلفان محقونا الدم أن يجري بينهما القصاص، حتى في قتل الخطإ وشبه العمد، لكن ذلك باطل بالإجماع. فلما انتقضت العلة بذلك كان احترازه في الحكم بذكر العمد لاحقًا للعلة بعد فسادها فلم يؤثر في تصحيحها، كما ولغ كلب في قلتي ماء إلا رطلين، ثم وضع فيه رطل ماء، لم يكن مؤثرًا في زوال نجاسته بالولوغ السابق. انظر: شرح الطوفي "3/ 517".
(2/314)

"حرّان مكلفان محقونا الدم، فوجب أن يثبت بينهما القصاص في العمد كالمسلمين": فقيل: هذا اعتراف بالنقض؛ لأن علته: الأوصاف المذكورة أولًا، فيجب أن يثبت حكمها حيث وجدت: فإذا قال، في العمد: اعترف بتخلف حكمها في الخطإ، فتكون العلة قاصرة، ويجب أن يذكر العمد، إن كان وصفًا من العلة مع الأوصاف المتقدمة.
وقال آخرون: هو صحيح؛ لأن الوصف المذكور آخرًا وهو العمد متقدم في المعنى، وهذا جائز، كتقديم المفعول على الفاعل، وإن كان متأخرًا في اللفظ، فإن للعمد أثرًا في القصاص، فيجب أن يكون من جملة العلة، واختاره أبو الخطاب.
الوجه الثامن -في الاعتراض- القلب.
ومعناه: أن يذكر لدليل المستدل حكمًا ينافي حكم المستدل، مع تبقية الأصل والوصف بحالهما1.
وهو قسمان:
أحدهما: أن يبين أنه يدل على مذهبه.
مثاله: أن يعلل حنفي -في الاعتكاف بغير صوم- بأنه لبث محض، فلا يكون قربة بمفرده، كالوقوف بعرفة.
فيقول المعترض: لبث محض، فلا يعتبر الصوم في كونه قربة، كالوقوف بعرفة2.
__________
1 أي: أن المعترض يقلب دليل المستدل، ويبين أنه عليه لا له.
2 أي: كما أن الوقوف بعرفة لا يشترط لصحته الصوم، فكذلك الاعتكاف لا يشترط لصحته الصوم، عملًا بالوصف المذكور، وهو كون الوقوف والاعتكاف لبثًا محضًا وإذا تبين أن وصف المستدل يناسب دعواه وعدمها، لم يكن إثبات أحد الأمرين أولى من الآخر.
(2/315)

القسم الثاني: أن يتعرض لبطلان مذهب خصمه.
كما لو قال حنفي، في مسح الرأس: ممسوح في الطهارة، فلا يجب استيعابه كالخف.
فيقول خصمه: ممسوح في الطهارة، فلا يتقدر بالربع كالخف.
أو يقول، في بيع الغائب: عقد معاوضة فينعقد مع جهل العوض كالنكاح.
فيقول خصمه: فلا يعتبر فيه خيار الرؤية كالنكاح1.
فيلزم من الوفاء بموجب ذلك: امتناع التصحيح؛ فإنه لازم لذلك في مذهب الخصم، ويلزم من انتفاء اللازم: انتفاء الملزوم لا محالة2.
__________
1 في هذين المثالين إشارة إلى أن القسم الثاني تحته نوعان:
أحدهما: إبطال مذهب المستدل صراحة.
ثانيهما: إبطال مذهبه ضمنًا، أي: يدل على بطلان لازم من لوازمه، وسيأتي للمصنف أن يوضح ذلك.
2 توضيح ذلك أن الحنفي إذا قال -في بيع الغالب- هو: عقد معارضة، فينعقد مع جهل العوض كالنكاح، فإنه يصح مع جهل الزوج بصورة الزوجة وكونه لم يرها، فكذلك في البيع، بجامع كونهما عقد معاوضة.
فيقول المعترض: هذا الدليل ينقلب عليك بأن يقال: عقد معاوضة فلا يعتبر فيه خيار الرؤية كالنكاح، فإن الزوج إذا رأى الزوجة ولم تعجبه، لم يجز له فسخ النكاح، فكذلك المشتري لا يكون له خيار إذا رأى المبيع في بيع الغائب، بمقتضى الجامع المذكور.
فالخصم، هنا لم يصرح ببطلان مذهب المستدل، لكن دل على بطلانه ببطلان لازمه -عند الخصم- وهو خيار الرؤية، فإن أبا حنيفة يجيز بيع الغائب بشرط ثبوت الخيار للمشتري إذا رآه. وإذا بطل هذا الشرط -بموجب قياسه على النكاح- بطل مشروطه، وهو صحة البيع، فهو إبطال له بالملازمة لا بالتصريح. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 521-522".
(2/316)

[الفرق بين القلب والمعارضة]
والقلب نوع من المعارضة، لكنه يزيد على مطلق المعارضة بكونه يعارضه بعين1 المذكور، فيستغنى عن مؤن كثيرة يحتاج إليها في المعارضة: من الأصل، وبيان الجامع.
ويجيب عن هذا السؤال بما يجيب به عن المعارضة، إلا أنه يسقط منه: منع وجود الوصف2.
__________
1 في الأصل الذي ننقل منه "بغير" والمثبت من ن الدكتور النملة.
2 جمهور العلماء على أن القلب نوع من المعارضة، وهو الذي رجحه المصنف، إلا أنه نوع خاص من المعارضة، يتميز عنها بما يأتي:
أولًا: أنه لا يحتاج إلى أصل؛ لأنه يعتمد على أصل المستدل.
ثانيًا: أنه لا يحتاج إلى إثبات الوصف.
فكل قلب معارضة، وليس كل معارضة قلبًا.
وجواب المعارضة -كما سيأتي- هو جواب القلب، إلا أنه يسقط منه: منع وجود الوصف؛ لأنه مقر بوصف المستدل.
ومن أمثلة ذلك: أن يقول، في مسألة مسح الرأس: لا نسلم أن الخف لا يتقدر بالربع، فيمنع حكم الأصل في قلب المعترض، إلا منع الوصف، فإنه يجوز في المعارضة، ولا يجوز في القلب، مثل أن يقول: لا نسلم أن الاعتكاف والوقوف لبث محض، أو لا نسلم أن مسح الرأس والخف مسح، أو لا نسلم أن البيع أو النكاح عقد معاوضة.
والفرق بين المعارضة والقلب في ذلك: أن المستدل في المعارضة لم يعلل بوصف المعترض، ولا التزمه واعتمد عليه في قياسه، فجاز له منعه، بخلاف القلب، فإن المستدل التزم في قياسه صحة ما علل به المعترض وهو: اللبث والمسح، وعقد المعاوضة، فليس له في جواب القلب منعه؛ لأنه هدم لما بنى، ورجوع عما التزمه، واعترف بصحته. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 522-523".
(2/317)

الوجه التاسع -من السؤال- المعارضة 1:
وهو قسمان:
معارضة في الأصل.
ومعارضة في الفرع.
وأحسنهما: المعارضة في الأصل؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره، ولا يحتاج إلى أصل.
وفي المعارضة في الفرع يحتاج إلى ذكر صلاحية ما يذكره للتعليل، وأصل يشهد له، ثم ينقلب مستدلًا، والمستدل معترضًا عليه.
ومعنى المعارضة في الأصل:
أن يبين في الأصل الذي قاس عليه المستدل معنى يقتضي الحكم2.
__________
1 قال الطوفي في شرحه "3/ 527": "المعارضة مفاعلة من "عرض له يعرض: إذا وقف بين يديه، أو عارضه في طريقه ليمنعه النفوذ فيه، فكأن المعترض يقف بين يدي المستدل، أو يوقف حجته بين يدي دليله؛ ليمنعه من النفوذ في إثبات الدعوى".
وقال في ص525 من نفس الجزء: "الفرق بين هذه المعارضة والاعتراض: أن المعارضة كدليل مستقل، فلا يتقدر بدليل المستدل، بخلاف الاعتراض، فإنه منع للدليل، فلا تجوز الزيادة عليه، إذ يكون كالكذب على المستدل، حيث يقوله ما لم يقل".
2 مثال ذلك: لو علل الشافعي تحريم ربا الفضل في البر بالطعم، فعارضه الحنفي بتعليل تحريمه بالكيل أو الجنس أو القوت.
ومعنى هذا: أن يبين المعترض أن في الأصل الذي قاس عليه المستدل معنى آخر يصلح للتعليل غير الذي ذكره المستدل، وحينئذ لا يتعين ما ذكره المستدل لأن يكون علة، بل يحتمل أن يكون هو، ويحتمل أن يكون علية الوصفين جميعًا، =
(2/318)

فقد قال قوم1: إنه لا يحتاج المستدل إلى حذفه؛ لأنه لو انفرد ما ذكره صح التعليل به.
وإنما صح، لصلاحيته، لا لعدم غيره، إذ العدم ليس من جملة العلة، وصلاحيته لا تختلف2.
ولأن معنى العلة: أنه إذا وجدت: ثبت الحكم عقبه، فعند ذلك لا تتحقق المعارضة بين الوصفين إذا أمكن الجمع، بأن قال: إذا وجد كل واحد منهما: ثبت الحكم.
فإن بين المعترض أن الوصف الذي ذكره يناسب إثبات الحكم عند وجود ما ذكره المستدل، فيكون من قبيل المانع في الفرع3.
والصحيح: أن المستدل يلزمه حذف ما ذكره المعترض، إذ المناسب العرى عن شهادة الأصل غير معمول به.
__________
= الذي ذكره المستدل، والذي ذكره المعترض. كما في المثال المتقدم.
1 المراد بهم: جماعة من علماء الجدل.
وخلاصة المسألة: أنه هل يلزم المستدل الاحتراز في دليله عن الوصف الذي أبداه المعترض في الأصل، وذلك بحذف هذا الوصف أو لا يلزمه ذلك؟
قولان لعلماء الجدل سبق ذكر مثلهما في سؤال النقض.
فإن أهمل المستدل الاحتراز عما ذكره المعترض كان من حق المعترض أن يعارض به، فيرد على المستدل ويلزمه جوابه.
مثال ذلك: قول الحنفي -في رفع اليد في الركوع- ركن غير الإحرام فلا يشرع فيه رفع اليد كالسجود؛ فإنه إن لم يحترز عن -الإحرام- عارضه به الخصم بأن يقول: ركن فشرع فيه الرفع كالإحرام. انظر: شرح المختصر "3/ 530".
2 أي: وإنما صح التعليل به لكون ذلك الأصل صالحًا لأن يكون علة، وليس لعدم وجود غيره، إذ الأعدام لا تكون من جملة العلة.
3 معناه: إذا بين المعترض في أصل قياس المستدل وصفًا زائدًا على الفرع يصح =
(2/319)

فإذا استند إلى أصل ثبت الحكم على وقفه.
فالناظر المجتهد ليس له العمل به ما لم يبحث، بحيث يستفيد ظنًّا غالبًا أنه ليس ثم مناسب آخر.
وأما المناظر: فيكفيه مجرد تقرير المناسبة، وإثبات الحكم على وفقه، دفعًا لشغب الخصم، إلى أن يبين المعترض في الأصل مناسبًا آخر، فعند ذلك يتعارض احتمالات ثلاثة:
أحدها: أن يثبت الحكم؛ رعاية لما ذكره المستدل.
"واحتمال ثبوته، رعاية لما ذكره المعترض"1
واحتمال ثبوته، رعاية لهما جميعًا.
ولعل هذا الاحتمال أظهر، فإنه لو قدر ثبوت الحكم لأحدهما بعينه: كان إعراضًا عن اعتبار الآخر، وهو خلاف دأب الشارع؛ فإنه لا يزال يسعى في اعتبار المصالح، ويمتنع التعليل بكل واحد من المناسبين استقلالًا، فإن معنى تعليل الحكم بالمناسب: ثبوته لمصلحته لا غير، أي: هي كافية.
فعند ذلك: يمتنع مثل هذا القول بالنسبة إلى الآخر، لما بينهما من
__________
= تعليق الحكم عليه، فألغاه المستدل ببيان ثبوت الحكم في أصل آخر بدون ذلك الوصف الذي أبداه المعترض، فبين المعترض أن في هذا الوصف الثاني وصفًا آخر مناسبًا يصح تعليق الحكم به لزم المستدل إبطال هذا الوصف، بحذفه أو منعه أو غير ذلك من وجوه الإبطال؛ لأنه إن لم يبطله كان الكلام فيه كالكلام في الأصل الأول، من حيث إن ما ذكره المستدل للتعليل. وهذا معنى قول المصنف: "فيكون من قبيل المانع في الفرع".
راجع توضيح ذلك بالأمثلة في شرح الطوفي "3/ 535 وما بعدها".
1 ما بين القوسين من ن الدكتور النملة.
(2/320)

التضاد، فإنا إذا قلنا: لهذا لا غير: فقد نفينا ما عداه. فإذا قلنا: ثبت لهذا الثاني لا غير: كان هذا القول على نقيض الأول.
ولا يمكن تعليل الحكم بواحد بعينه بدون ضميمة قولنا: لا غير، فإن هذا موجود بالنسبة إلى كل واحد من أجزاء العلة، والعلة: المجموع، لا كل جزء بمفرده.
وإن فسرت العلة بأنها أمارة، فمتى عرف ثبوت الحكم بشيء: استحال معرفة ثبوته، بغيره، إذ المعلوم لا يعلم ثانيًا.
وبيان أن الاحتمال الثالث أظهر:
أن لو رأينا إنسانًا أعطى فقيرًا ذا قربة له: غلب على الظن: أنه أعطاه لهما جميعا.
ثم لا حاجة للمعترض إلى ترجيح احتمال، بل يكفيه تعارض الاحتمالات، فيحتاج المستدل إلى دليل ترجيح ما يذكره، فإنه لا أقل من الدليل المظنون في إثبات الغرض.
ثم غرض المعترض يحصل بأحد الاحتمالين.
احتمال ثبوت الحكم بمجرد ما ذكره
واحتمال ثبوته بالمناسبين جميعًا.
وغرض المستدل لا يحصل إلا من احتمال ثبوت الحكم بمجرد ما ذكره، ووجود أحد الاحتمالين لا بعينه أقرب من احتمال واحد متعين في نفسه، إذا تساوت الاحتمالات.
(2/321)

[طرق الجواب في المعارضة]
وللمستدل -في الجواب- طرق أربعة:
أحدها: أن يبين أن مثل ذلك الحكم ثابت1 بدون ما ذكره المعترض، فيدل على استقلال ما ذكره المستدل بالحكم.
فإن بين المعترض في الأصل الآخر مناسبًا آخر: لزم المستدل أيضًا حذفه.
ولا يكفيه أن يقول: كل واحد من المناسبين ملغي بالأصل الآخر، لجواز أن يكون الحكم في كل أصل معللًا بعلة مختصة به، فإن العكس غير لازم في العلل الشرعية.
الطريق الثاني:
أن يبين إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه، كظهور إلغاء صفة الذكورية في جنس أحكام العتق. ولذلك ألحقنا الأمة بالعبد في السراية2.
__________
1 في جميع النسخ: "أن يبين مثل ذلك الحكم ثابتًا" والمثبت من ن الدكتور عبد العزيز السعيد "2/ 347".
ومعنى الجملة: أن أحد الأجوبة التي يجيب بها المستدل على المعارضة: أن يبين أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره المعترض، فيظهر بذلك أن عدم التأثير غير معتبر في الحكم، فيستقل به ما ذكره المستدل. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 534".
2 روى البخاري: كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، ومسلم: كتاب العتق، عن عبد الله بن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: "من أعتق شركًا له في عبد، قوم عليه نصيب شريكه، ثم يعتق". فتقاس الأمة على العبد في سراية العتق، بناء على هذا الحديث.
(2/322)

الطريق الثالث:
أن يبين أن العلة ثابتة بنص، أو تنبيه من الشارع، على ما ذكرناه فيما تقدم1.
الطريق الرابع:
يختص ما يدعي المعترض فيه أن ما ذكره علة مستقلة بدون ضمه إلى ما ذكره المستدل.
وهو أن يبين رجحان ما ذكره على ما أبرزه المعترض.
فإن ظهر ذلك، إما بدليل، وإما بتسليم المعترض: لزم أن يكون هو العلة، إذا توافقنا على كون الحكم معللًا بأحدهما، كالكيل مع الطعم، لامتناع اعتبار المرجوح وإلغاء الراجح؛ فإن تحصيل المصلحة على وجه يفوت مصلحة أعظم منها: ليس من شأن العقلاء، فلا يمكن نسبته إلى الشارع.
إذا ثبت هذا: فإذا كان ما ذكره المستدل مناسبًا فلا يكفي المعترض أن يذكر وصفًا شبيهًا؛ لأن المناسب أقوى، على ما لا يخفى.
القسم الثاني: في المعارضة: المعارضة في الفرع.
وهو: أن يذكر في الفرع ما يمتنع معه ثبوت الحكم وهو ضربان:
أحدهما: أن يعارضه بدليل آكد منه، من نص أو إجماع2.
__________
1 أي: في مسالك العلة.
2 من أمثلة ذلك: ما لو قال الحنفي، في رفع اليدين في الركوع وفي الرفع منه: ركن من أركان الصلاة فلا يشرع فيه رفع اليدين كالسجود. فيقول له الخصم:
هذا خلاف الحديث الصحيح الذي رواه ابن عمر وغيره، أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان =
(2/323)

وقد ذكرناه في فساد الاعتبار.
الثاني: أن يعارضه بإبداء وصف في الفرع.
وقد يذكر في معرض كونه مانعًا للحكم في الفرعللسببية.
فإن ذكر مانعًا للحكم: احتاج في إثبات كونه مانعًا إلى مثل طريق المستدل في إثبات حكمه، من العلة والأصل.
ويفتقر إلى أن تكون علة المعترض في القوة كعلة المستدل، إن كان طريق المستدل النص أو التنبيه، فلا يكفي المعترض: المعارضة بوصف مخيل1.
وإن كان طريقه المناسبة: فلا يكفي المعترض المعارضة بوصف شبهي. وإن ادّعى كونه مانعًا للسببية: فقد قيل: لا يحتاج إلى أصل، فإن الحكم ثبت للحكمة، وقد علمنا انتفاءها.
وإن بقي احتمال الحكمة، -ولو على بعد: لم يضر المستدل، لما عرف من دأب الشارع الاكتفاء -بعد المظنة- باحتمال الحكمة، وإن بعد، فيحتاج إلى أصل يشهد له بالاعتبار، ليبين به أن الشارع لا يكتفي بما وجد من احتمال الحكمة معه.
وفي المعارضة في الفرع ينقلب المستدل معترضًا فيعترض على دليل المعترض بما أمكنه من الأسئلة التي ذكرناها.
__________
= يرفع يديه في ثلاثة مواطن: عند الإحرام والركوع والرفع منه" فيكون قياسك فاسدًا؛ لمخالفته للنص.
1 الإخالة: من "خال" بمعنى "ظن"، وسميت بذلك؛ لأنه بالنظر إلى ذاته يظن عليه الوصف للحكم. والمقصود هنا: أن يكون الوصف صالحًا لإثبات دعواه، ولا يكفي أي وصف.
(2/324)

وقال قوم: لا تقبل المعارضة؛ لأن حق المعترض هدم ما بناه المستدل، وذكر المعارضة بناء، فلا يليق بحاله1.
والصحيح: أنها تقبل؛ إذ فيه هدم ما بناه؛ فإن دليل المستدل إذا صار معارضًا: لم تبق دلالته؛ إذ المعارض له حكم العدم في إثبات الحكم.
الوجه العاشر في السؤال: عدم التأثير2.
ومعناه: أن يذكر في الدليل ما يستغنى عنه في إثبات الحكم في الأصل:
إما لأن الحكم يثبت بدونه.
وإما لكونه وصفًا طرديًّا3.
مثال الأول: ما لو قال، في بيع الغائب: "مبيع لم يره فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء".
فذكر عدم الرؤية ضائع4؛ فإن الحكم يثبت في الأصل بدونه، فإنه
__________
1 معناه: أن بعض العلماء ادّعوا أن المعارضة لا تقبل؛ لأنها بناءٌ من المعترض، إذ هي دليل في حكم المستأنف، ووظيفة المعترض أن يكون هادمًا لما يذكره المستدل، فلا يصح منه خلاف وظيفته. قال المصنف: "والصحيح أنها تقبل ... إلخ" فإنها وإن كانت بناءً، فهي بناءٌ بالعَرض وهدم بالذات لما بناه المستدل، فأشبهت المنع فتقبل. انظر: شرح الطوفي"3/ 546".
2 التأثير: إفادة الوصف أثره، فإذا لم يفده فهو عدم التأثير.
فمعنى تأثير العلة في الحكم: انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وعدم التأثير معناه: وجود الحكم وبقاؤه في محله بعد زوال الوصف المدعى علته.
3 الوصف الطردي: هو الذي لم يلتفت إليه الشرع في معهود تصرفه، كالطول والقصر، والبياض والسواد، والذكورية والأنوثية.
4 أي: لم يؤثر؛ لأن بيع الطير في الهواء غير جائز وإن كان مرئيًّا.
(2/325)

لا يصح بيع الطير في الهواء، ولو كان مرئيًّا، فيعلم: أن العلة فيه غير ما ذكره المستدل.
ومثال الثاني: قولهم، في الصبح: صلاة لا يجوز قصرها، فلا يجوز تقديمها على الوقت كالمغرب1.
فإن هذا وصف طردي، على ما لا يخفى.
وإن ذكر الوصف لدفع النقض، لكونه يشير إلى خلو الفرع عن المانع، أو إلى اشتماله على شرط الحكم، فلا يكون من هذا القسم.
وهكذا لو كان الوصف المذكور يشير إلى اختصاص الدليل ببعض صور الخلاف، فيكون مفيدًا للغرض في بعض الصور، فيكون مقبولًا، إذا لم تكن الفتيا عامة.
وإن عمم الفتيا: فليس له أن يخص الدليل ببعض الصور؛ لأنه لا يفي بالدليل على ما أفتى به2. والله أعلم.
__________
1 ومثل له الطوفي بقول: "قول القائل في أن الفجر لا يقدم أذانها على الوقت، صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت كالمغرب". انظر: شرح المختصر "3/ 547".
2 معناه: أن الوصف الذي يورده المستدل إذا أشار إلى اختصاص الحكم ببعض الصور، فلا يخلو إما أن تكون فتياه -أي: جوابه- عامًّا أو خاصًّا.
فإن كان عامًّا لم يجز؛ لأن الدليل الخاص لا يفي بثبوت الحكم العام. مثل ما إذا قيل للمالكي: هل يجوز أن تزوج المرأة نفسها؟ فيقول: نعم. فإذا قيل له: لِمَ؟ قال: لأن عامة الناس أكفاء لها، فلا يفضي ذلك إلى لحوق النقص والعار بها غالبًا، كما لو زوجها وليها، فإن العلة هنا تشير إلى اختصاص جواز ذلك بالدنية من النساء، فلا يجوز ذلك؛ لأن جوابه بجواز تزويجها نفسها خرج عامًّا، فلا يفرق بين الدنية والشريفة، وتعليله خاص بالدنية.
وإن لم تكن فتياه، عامة كما لو قال المالكي في المثال المتقدم: يجوز ذلك في =
(2/326)

الوجه الحادي عشر -في السؤال- التركيب:
وهو: القياس المركب من اختلاف مذهب الخصم1:
كما لو قيل، في المرأة البالغة: "إنها أنثى فلا تزوج نفسها كابنة خمس عشرة" فالخصم يعتقد أنها لا تزوج نفسها؛ لصِغرها. فقد قيل: هذا قياس فاسد؛ لأنه فرار عن فقه المسألة برد الكلام إلى مقدار سن البلوغ، وهي مسألة أخرى، وليس ذلك بأولى من عكسه.
وقيل: يصح التمسك به؛ لأن حاصل السؤال راجع إلى المنازعة في
__________
= بعض النساء، أو يجوز في الجملة، وعلل بالتعليل المذكور، جاز وأفاد جواز فرض الكلام في بعض صور السؤال، وهو: جواز تزويج الدنية نفسها دون الشريفة-فرقًا بينهما- كما هو مذهب الإمام مالك. انظر: شرح الطوفي "3/ 550-551".
1 معناه: أن يتفق الخصمان على حكم الأصل، ويختلفان في علته فإذا ألحق أحدهما بذلك الأصل فرعًا بغير علة صاحبه، فالقياس منتظم، لكن بناء على تركيب حكم الأصل من علتين. ومن الأمثلة على ذلك: أن الإمامين: الشافعي وأحمد – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- يعتقدان أن بنت خمس عشرة لا تزوج نفسها لأنوثتها، وأبو حنيفة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يعتقد أنها لا تزوج نفسها لصِغرها؛ إذ الجارية إنما تبلغ -عنده- لتسع عشرة، وفي رواية لثمان عشرة كالغلام. فالعلتان موجودتان فيها، والحكم متفق عليه بناء على ذلك.
فإذا قال الشافعي أو الحنبلي- في البالغة: "أنثى فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة" انتظم القياس بناء على ما ذكرناه من تركيب حكم الأصل بين الخصمين من العلتين، واستناده عند كل منهما إلى علته، ولهذا جاز لأحدهما منع صحة القياس، لاختلاف العلة في الفرع والأصل، مثل أن يقول الحنفي هاهنا للمستدل: أنت عللت المنع في البالغة بالأنوثة، والمنع في بنت خمس عشرة عندي معلل بالصِغر، فلما اتفقت علة الأصل والفرع، فلا يصح الإلحاق. انظر: شرح الطوفي "3/ 553".
(2/327)

الأصل، وإبطال ما يدعى المعترض تعليل الحكم به، ليسلم ما يدعيه من الجامع في الأصل.
ولا يلزم من ذلك: فساد القياس، كما في سائر المواضع.
الوجه الثاني عشر- في السؤال: القول بالموجَب 1.
وحقيقته: تسليم ما جعله المستدل موجبًا لدليله، مع بقاء الخلاف وإذا توجه: انقطع المستدل.
وهو آخر الأسئلة، إذ بعد تسليم الحكم والعلة لا تجوز له المنازعة في واحد منهما.
بل: إما أن يصح، فينقطع المستدل.
وإما أن يفسد، فينقطع المعترض.
ومورد ذلك موضعان2:
أحدهما: أن ينصب الدليل فيما يعتقده مأخذًا للخصم.
كما لو قال- في القتل بالمثقل: "التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه"3.
__________
1 يفتح الجيم ومعناه: القول بموجب دليل المستدل مع بقاء الخلاف بينهما.
مثال ذلك: ما إذا قال الشافعي- فيمن أتى حدًّا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم: يستوفي منه الحد؛ لأنه وجد سبب جواز الاستيفاء منه فكان جائزًا.
فيقول الحنبلي أو الحنفي: أنا قائل بموجب دليلك، وأن استيفاء الحد جائز، وإنما أنازع في هتك حرمة الحرم، وليس في دليلك ما يقتضي جوازه. فهذا قد سلم للمستدل مقتضى دليله، وهو جواز استيفاء الحد، وادعى بقاء الخلاف في شيء آخر وهو: هتك حرمة الحرم. انظر: شرح الطوفي "3/ 555".
2 أراد بالمورد: المحل الذي يرد فيه من الأحكام أو الدعاوى.
3 أي: أن التفاوت في الآلة التي حصل بها القتل لا يمنع من القصاص، مثل =
(2/328)

فيقول المعترض: أنا قائل بموجب الدليل، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القتل، ولا يلزم القصاص؛ فإنه لا يلزم من عدم المانع ثبوت الحكم.
وهذا النوع يتفق كثيرًا.
وطريق المستدل في دفعه:
أن يبين لزوم محل النزاع منه إن قدر عليه1.
أو يبين أن الخلاف مقصود فيما يعرض له في الدليل.
كما في مسألة "المدين"2 لو ذكر في الدليل حكمًا: أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
أو في مسألة "وطء الثيب": أن الوطء لا يمنع الرد.
ونحو ذلك مما اشتهرت المسألة به، فإن اشتهار المسألة به يدل على وقوع الخلاف فيه3.
__________
= التفاوت في المتوسل إليه وهو القتل، فإنه لو ذبحه، أو ضرب عنقه، أو طعنه برمح، أو رماه بسهم أو رصاص أو غير ذلك لا يمنع القصاص.
1 أي: أن المستدل له في دفع القول بالموجب طريقان: أحدهما هذا، والثاني: أن يبين المستدل أن النزاع إنما هو فيما يعرض له، إما بإقرار أو اعتراف من المعترض بذلك، مثل أن يقول: إنما الكلام في صحة بيع الغائب لا في ثبوت خيار الرؤية.
2 في الأصل "المديون" ولعلها من تحريف النساخ.
3 معنى ذلك: أنه إذا قال المستدل: الدين لا يمنع الزكاة، ووطء الثيب لا يمنع الرد بالعيب. فيقول المعترض: أسلم أنه لا يمنع، لكن لِمَ قلت: إن الزكاة والرد يثبتان؟
فيقال له: هذا القول بالموجب لا يسمع؛ لأن محل النزاع في هذه المسائل =
(2/329)

أو يقول: عن هذا الحكم سئلت، وبه أفتيت، وعن دليله سئلت، فالقول بموجبه تسليم لما وقع التنازع بيننا فيه.
[هل يكلف المعترض إبداء مستند القول بالموجب] .
واختلف في تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب.
فقيل: يلزمه ذلك؛ كيلا يأتي به نكرًا وعنادًا.
ومنهم من قال: لا يلزمه ذلك؛ فإنه إذا سلم ما ذكره المستدل، وعرف أنه لا يلزم منه الحكم: فقد وفّى بما هو حقيقة القول بالموجب، وبقي الخلاف بحاله، فيتبين أن ما ذكره ليس بدليل1.
المورد الثاني:
أن يتعرض [المستدل] لحكم يمكن المعترض تسليمه مع بقاء الخلاف. مثاله: لو قال- في وجوب زكاة الخيل: "حيوان تجوز المسابقة عليه، فتجب الزكاة فيه كالإبل".
__________
= ونحوها مشهور، وهو أن النزاع في الزكاة هل تجب مع الدين؟ ووطء الثيب هل يجوز معه الرد؟ ومع الشهرة لا يقبل العدول عن المشهور، ولا دعوى خفائه. انظر: شرح المختصر "3/ 560 – 561".
1 أورد الطوفي دليلًا آخر للمذهب الثاني فقال: ".... لأن المعترض عدل، وهو أعرف بمذهبه ومأخذه، فوجب تقليده في ذلك، وإلا كان مطالبته بالمستند تكذيبًا له".
ثم قال: "إن محل القولين إنما هو في المعترض العدل، أما إذا لم يكن عدلًا، أو كان معروفًا بحب الانتصار على الخصم حتى بالاسترسال في الكلام فلا بد من مطالبته بالمستند، لئلا يفضي إلى إفحام المستدل بغير حق، وتضييع فائدة النظر ونشر الكلام. ثم إذا ذكر مستند القول بالموجب، لا يجوز للمستدل الاعتراض عليه فيه ... " شرح مختصر الروضة "3/ 562-563".
(2/330)

فيقول المعترض: "أنا قائل بموجبه"، وعندي: "أنه تجب فيه زكاة التجارة، والنزاع في زكاة العين".
وطرق المستدل في الدفع أن يقول: النزاع في زكاة العين، وقد عرّفنا الزكاة بالألف واللام في سياق الكلام، فينصرف إلى موضع الخلاف ومحل الفتيا.
ولو أورد "القول بالموجب" على وجه بغير الكلام عن ظاهره: فلا يتوجه، فيكون منقطعًا1.
مثاله: ما لو قال المستدل- في إزالة النجاسة: "مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل النجس كالمرق".
فيقول المعترض: "أقول به، فإن الخل النجس عندي لا يزيل النجاسة ولا الحدث" فلا يصح ذلك، فإنه يعلم من حال المستدل: أنه يعني بقوله: "مائع": الخل الطاهر؛ إذ هو محل النزاع، واللفظ يتناوله 2، والله سبحانه أعلم.
__________
1 معنى ذلك: أن المعترض إذا أورد القول بالموجب على وجه بغير كلام المستدل عن ظاهره، فلا يقبل منه، ويكون منقطعًا؛ لأن وجوده كعدمه، ولو عدم القول بالموجب لانقطع، فكذا إذا أتى به في حكم المعدوم؛ لأنه بتغير الكلام عن ظاهره، صار كالمناظر لنفسه.
2 وضحه الطوفي فقال: لأن محل النزع عقلًا وعرفًا وشرعًا: إنما هو الخل الطاهر، أما النجس: فمتفق علي أنه لا يزيل النجاسة، فصار كالنقض العام على العلة؛ لأن النجس لما لم يكن بإزالته للنجاسة قائل، صار مرفوضًا لا يفرض فيه نزاع، ولا يوجه إليه نظر". انظر: شرح المختصر"3/ 563".
(2/331)

[أسئلة أخرى ترد على القياس]
وقد يعترض على القياس بغير ما ذكرناه:
كقول نفاة القياس: هذا استعمال للقياس في الدين، ولا نسلم أنه حجة1.
وقول الحنفية: هذا استعمال للقياس في الحدود والكفارات أو في "المظانّ"2، ونحو ذلك مما بينا مسائله فيما مضى، وذكرنا حجة خصومنا، والجواب عنها، فلا حاجة إلى إعادته3.
وقد اختلف في وجوب ترتيب الأسئلة.
ولا خلاف في أنه أحسن وأولى. والله سبحانه وتعالى أعلم.
__________
1 كما يقول الظاهرية
2 يعنى: الأسباب.
3 قال: الطوفي في شرحه "3/ 565": "جميع الأسئلة المذكورة- على تعددها- راجعة عند التحقيق إلى منع حال الدليل ليسلم مذهب المعترض من إفساده له، أو إلى معارضة الدليل بما يقاومه أو يترجح عليه، لتضعف قوته عن إفساد مذهب المعترض".
(2/332)

باب: [كتاب الاجتهاد]
فصل: في حكم المجتهد
اعلم أن الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود، واستفراغ الوسع في فعل1. ولا يستعمل إلا فيما فيه جهد، يقال: اجتهد في حمل الرحى، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة.
وهو في عرف الفقهاء: مخصوص ببذل المجهود في العلم بأحكام الشرع2.
__________
1 الاجتهاد في اللغة: مشتق من مادة "جهد" بضم الجيم، بمعنى بذلك الجهد، وهو الطاقة، أو بفتح الجيم، بمعنى تحمل الجهد وهو المشقة. فالاجتهاد في اللغة بذل الجهد واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور الشاقة، سواء أكان في الأمور الحسية، كالمشي والعمل، أو في الأمور المعنوية، كاستخراج حكم أو نظرية عقلية أو شرعية أو لغوية. انظر: لسان العرب مادة "جهد" والمصباح المنير.
2 هذا تعريف للاجتهاد باعتباره مصدرًا دالًّا على الحدث، وهو فعل المجتهد، وعلى ذلك جمهور العلماء، وهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى.
ومنهم من عرفه بالمعنى الاسمي، أي: باعتباره وصفًا للمجتهد نفسه، فقالوا في =
(2/333)

والاجتهاد التام: أن يبذل الوسع في الطلب إلى أن يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب1.
__________
= تعريفة: "هو ملكة يقتدر بها على استنبط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية". انظر: الإحكام للآمدي "3/ 204".
1 أشار المصنف بذلك إلى أن الاجتهاد قسمان: ناقص: وهو النظر المطلق في تعرّف الأحكام الشرعية، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال.
وتام: وهو استفراغ القوة النظرية حتى يحس الناظر من نفسه العجز عن مزيد طلب. كما قال المصنف.
(2/334)

فصل: [شروط المجتهد] .
وشروط المجتهد:
إحاطته بمدارك الأحكام المثمرة لها، وهي: الأصول التي فصلناها: الكتاب والسنة، والإجماع، واستصحاب الحال، والقياس التابع لها، وما يعتبر في الحكم في الجملة، وتقديم ما يجب تقديمه منها.
فأما العدالة:
فليست شرطًا لكونه مجتهدًا، بل متى كان عالًما بما ذكرناه: فله أن يأخذ باجتهاد نفسه، لكنها شرط لجواز الاعتماد على قوله، فمن ليس عدلًا لا تقبل فتياه.
والواجب عليه في معرفة الكتاب:
معرفة ما يتعلق منه بالأحكام وهي: قدر خمسمائة آيةٍ2. ولا يشترط حفظها، بل علمه بمواقعها حتى يطلب الآية المحتاج إليها وقت حاجته.
__________
= تعريفة: "هو ملكة يقتدر بها على استنبط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية". انظر: الإحكام للآمدي "3/ 204".
1 أشار المصنف بذلك إلى أن الاجتهاد قسمان: ناقص: وهو النظر المطلق في تعرّف الأحكام الشرعية، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال.
وتام: وهو استفراغ القوة النظرية حتى يحس الناظر من نفسه العجز عن مزيد طلب. كما قال المصنف.
2 قال الشيخ الطوفي: "والصحيح أن هذا التقدير غير معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر؛ فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر =
(2/334)

والمشترط في معرفة السنة:
معرفة أحاديث الأحكام، وهي وإن كانت كثيرة فهي محصورة1.
ولا بد من معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، ويكفيه أن يعرف أن المستدل به في هذه الحادثة غير منسوخ2.
ويحتاج أن يعرف الحديث الذي يعتمد عليه فيها أنه صحيح غير ضعيف، إما بمعرفة رواته وعدالتهم، وإما بأخذه من الكتب الصحيحة
__________
= والنواهي، كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقلَّ أن يوجد في القرآن الكريم آية إلا ويستنبط منها شيء من الأحكام...." ثم قال: "وكأن هؤلاء الذين حصروها في خمسمائة آية إنما نظروا إلى ما قصد منه بيان الأحكام دون ما استفيدت منه ولم يقصد به بيانها" شرح المختصر "3/ 577 – 578".
1 أي: محصورة في كتب السنة، كالصحيحين وبقية السنن الستة وغيرها كثير، بالإضافة إلى الكتب التي اعتنت بأحاديث الأحكام بصفة خاصة مثل: الأحكام الكبرى لمحب الدين الطبري المتوفى سنة 694هـ وكتاب المنتقي من الأخبار في الأحكام للإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله الحزاني المعروف بابن تيمية المتوفى سنة 652هـ.
2 لأن المنسوخ بطل حكمه، وأصبح الحكم للناسخ، ومن هنا تظهر أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ. روى عن على – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنه رأي قاصًّا يقصُّ في مسجد الكوفة وهو يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت، ثم قال له: أبو من أنت؟ قال: أبو يحيى. قال: أنت "أبو اعرفوني"، ثم أخذ أذنه ففتلها، وقال له: لا تقص في مسجدنا بعد.
قال الطوفي- بعد أن حكى هذه القصة: "ولا يشترط أن يعرف جميع الأحاديث المنسوخة من الناسخة، بل يكفيه أن يعرف أن دليل هذا الحكم غير منسوخ، على أن الإحاطة بمعرفة ذلك أيسر من غيره؛ لقلة المنسوخ بالنسبة إلى المحكم من الكتاب والسنة"، شرح المختصر "3/ 580".
(2/335)

التي ارتضى الأئمة رواتها1.
وأما الإجماع:
فيحتاج إلى معرفة مواقعه، ويكفيه أن يعرف أن المسألة التي يفتي فيها هل هي من المجمع عليه، أم من المختلف فيهن أم هي حادثة؟ ويعلم استصحاب الحال على ما ذكرناه في بابه.
ويحتاج إلى معرفة نصب الأدلة وشروطها2
ومعرفة شيء من النحو واللغة، يتيسر به فهم خطاب العرب، وهو: ما يميز به بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه.
__________
1 خلاصة ذلك: أنه يشترط في المجتهد- مع معرفته بأحاديث الأحكام – معرفة صحة الحديث، إما بالاجتهاد فيه إذا كانت لديه الأهلية والقوة في علم الحديث بحيث يستطيع معرفة طريق الحديث الذي ثبت به، ومن رواية أي البلاد هو، ويعلم عدالة رواته وضبطهم.
وبالجملة: يعلم من حاله وجود شروط قبول الحديث، وانتفاء موانعه، وموجبات ردّه. هذا إن كان مجتهدًا في علم الحديث.
أما إن كان دون ذلك، فيكفيه نقل الحديث من الكتب الصحاح التي ارتضى الأئمة رواتها، كالصحيحين، وسنن أبي داود ونحوها من الكتب الصحيحة. انظر: شرح الطوفي "3/ 579-580".
2 أي: يشترط في المجتهد: أن يعرف تقرير الأدلة، وما يتحقق به نصب الدليل، ووجه دلالته على المطلوب، ولذلك: اشترط بعض العلماء معرفة علماء علم المنطق، كالإمام الغزالي وسماه "معيار العلوم"، وتبعه على ذلك الإمام الرازي وغيره؛ إذ به تتحقق معرفة نصب الأدلة، وتقرير مقدماتها، ووجه إنتاجها ... إلخ.
(2/336)

ولا يلزمه من ذلك: إلا القدر الذي يتعلق به الكتاب والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك دقائق المقاصد فيه.
فأما تفاريع الفقه: فلا حاجة إليها؛ لأنها مما ولَّدها المجتهدون بعد حيازة منصب الاجتهاد، فكيف يكون شرطًا لما تقدم وجوده عليها؟! 1
[تجزؤ الاجتهاد]
فليس من شرط الاجتهاد في مسألة: بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، بل متى علم أدلة المسألة الواحدة، وطرق النظر فيها: فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها.
فمن نظر في مسألة "المشرّكة"2: يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفًا بالفرائض: أصولها ومعانيها، وإن جهل الأخبار الواردة في تحريم المسكرات، والنكاح بلا ولي؛ إذ لا استمداد لنظر هذه المسألة منها، فلا تضر الغفلة عنها3.
ولا يضره- أيضًا- قصوره عن علم "النحو" الذي يعرفه به قوله
__________
1 المصنف يرى أن معرفة الفروع الفقهية ليست شرطًا للاجتهاد؛ لأنها هي الثمرة التي يتوصل إليها المجتهد، فكيف تكون شرطًا؟! وعلى ذلك جمهور العلماء.
بينما ذهب بعض العلماء إلى اشتراط ذلك، ولا يؤدي ذلك إلى الدور كما يقول الجمهور، وإنما هي لازمة للمجتهد ليطبق عليها القواعد التي يتوصل إليها، وخاصة في مواضع الاختلاف وأسبابها.
2 وهي مسألة تشريك عمر بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأم في الميراث. تقدم الحديث عنها.
3 ما قاله المصنف هو مذهب الجمهور. وذهب بعض العلماء كالإمام أبي حنيفة وغيره إلى أن العالم لا يقال له: مجتهد إلا إذا أحاط بأدلة الفقه جميعها. انظر: إرشاد الفحول "2/ 310 وما بعدها" تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل.
(2/337)

-تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} وقس عليه كل مسألة.
ألا ترى أن الصحابة- رَضِيَ اللَّهُ عنهم- والأئمة من بعدهم قد كانوا يتوقفون في مسائل.
وسئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: "لا أدري"2. ولم يكن توَقُّفُه في تلك المسائل مخرجًا له عن درجة الاجتهاد. والله أعلم.
__________
1 سورة المائدة [من الآية: 6] ومعنى ذلك: أن الباء ترد المعان كثيرة: منها الإلصاق، وقيل: إنها زائدة، وقيل: للتبعيض.
وقد نقل عن علماء اللغة إنكار مجيئها للتبعيض.
قال الطوفي: "والمأخذ الجيد في تبعيض مسح الرأس غير هذا، وهو من وجهين:
أحدهما: أن الباء استعملت في اللغة تارة بمعنى الإلصاق، نحو: أمسكت الجبل بيدي، أي: ألصقتها به، وتارة للتبعيض، وإن لم تكن موضوعة له، نحو: مسحت برأس اليتيم، ومسحت يدي بالمنديل، وأخذت بثبوت الرجل وبركابه. ولما استعملت في المعنيين بقيت في الآية مترددة بينهما، فكانت مجملة، فاقتصر في مسح الرأس على مطلق الاسم؛ لأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه، فلا يجب بالشك". شرح المختصر "2/ 635".
2 انظر الانتقاء لابن عبد البر ص38، وجامع بيان العلم وفضله ص356.
(2/338)

فصل: مسألة: [في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-]
...
مسألة: [في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-]
ويجوز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-للغائب.
فأما الحاضر: فيجوز له ذلك بإذن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
وأكثر الشافعية يجوزون ذلك بغير اشتراط.
__________
1 سورة المائدة [من الآية: 6] ومعنى ذلك: أن الباء ترد المعان كثيرة: منها الإلصاق، وقيل: إنها زائدة، وقيل: للتبعيض.
وقد نقل عن علماء اللغة إنكار مجيئها للتبعيض.
قال الطوفي: "والمأخذ الجيد في تبعيض مسح الرأس غير هذا، وهو من وجهين:
أحدهما: أن الباء استعملت في اللغة تارة بمعنى الإلصاق، نحو: أمسكت الجبل بيدي، أي: ألصقتها به، وتارة للتبعيض، وإن لم تكن موضوعة له، نحو: مسحت برأس اليتيم، ومسحت يدي بالمنديل، وأخذت بثبوت الرجل وبركابه. ولما استعملت في المعنيين بقيت في الآية مترددة بينهما، فكانت مجملة، فاقتصر في مسح الرأس على مطلق الاسم؛ لأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه، فلا يجب بالشك". شرح المختصر "2/ 635".
2 انظر الانتقاء لابن عبد البر ص38، وجامع بيان العلم وفضله ص356.
(2/338)

وأنكر قوم التعبد بالقياس في زمن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ لأنه يمكن الحكم بالوحي الصريح، فكيف يردهم إلى الظن؟
وقال آخرون: يجوز للغائب، ولا يجوز للحاضر1.
ولنا:
قصة معاذ حين قال: "أجتهد رأيي": فصوّبه2.
وقال لعمرو بن العاص3: "احكم" في بعض القضايا، فقال: "أجتهد وأنت حاضر؟! " فقال: "نعم، إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر" 4.
__________
1 خلاصة المسألة: أن في الاجتهاد في زمن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-عدة مذاهب:
أحدها: جواز ذلك للغائب أما الحاضر فلا بد فيه من إذن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
ثانيهما: جوازه للغائب وللحاضر بدون إذن منه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
ثالثها: منعه مطلقًا للغائب والحاضر، وهو منقول عن بعض الشافعية وبعض المعتزلة.
رابعًا: التوقف. ولم يذكره المصنف. انظر: شرح الطوفي "3/ 589".
2 تقدم تخريجه.
3 هو: عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي أحد أصحاب رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، كان من دهاة العرب، وهو الذي فتح مصر في عهد عمر بن الخطاب. توفيى سنة 43هـ. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي "2/ 235-240"، الأعلام "5/ 248-249".
4 أخرجه أحمد في المسند "4/ 205"، والحاكم في المستدرك "4/ 88"، والدارقطني في سننه "4/ 203" ولفظه: أن رجلين اختصما إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-فقال لعمرو: "اقض بينهما" فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله؟! قال: "نعم، إنك إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فاخطأت فلك أجر".
(2/339)

وقال لعقبة بن عامر1 ولرجل من الصحابة: "اجتهد فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة" 3.
وفوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ4، فحكم، وصوّبه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
__________
1 هو: عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني، صحابي جليل روى الكثير من الأحاديث، وكان من القراء وأحد الذين جمعوا القرآن. توفيى سنة 58هـ الإصابة "4/ 520"، حلية الأولياء "2/ 8".
2 في الأصل "ولرجلين"، والمثبت من المستصفى، وهو الذي يتفق مع السياق.
3 أخرجه الدارقطني عن عقبة بن عامر، ولم يذكر معه رجلًا آخر، ولفظه في مجمع الزوائد "4/ 195" عن عقبة بن عامر الجهني- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قال: جئت إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-وعنده خصمان يختصمان، فقال: "اقض بينهما" فقلت: بأبي وأمي أنت أولى بذلك مني: فقال: "اقض بينهما" فقلت: على ماذا؟ فقال: "اجتهد فإن أصبت فلك عشر حسنات، وإن لم تصب فلك حسنة" ثم قال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حفص بن سليمان الأسدي، وهو متروك.
4 هو: سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، سيد الأوس، أسلم على يد مصعب بن عمير قبل الهجرة، شهد بدرًا وأحدًا، وقريظة، والخندق، توفى – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- شهيدًا من جرح أصابه في غزوة الخندق. فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ" انظر: الإصابة "3/ 87"، أسد الغابة "2/ 373".
5 روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري: أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى سعد، فأتاه على حمار، فلما دنا قريبًا من المسجد قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "قوموا إلى سيدكم، أو خيركم" فقعد عند النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال له: "إن هؤلاء نزلوا على حكمك" فقال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم فقال: "لقد حكمت بما حكم به الملك".
وفي رواية "قضيت بحكم الله عَزَّ وَجَلََََّّّّ". انظر: فتح الباري "6/ 165"، صحيح مسلم "3/ 1388، 1389"، مسند الإمام أحمد "3/ 22".
(2/340)

ولأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته، ولا يفضي إلى محال، ولا مفسدة. ولا يبعد أن يعلم الله – تعالى- لطفًا فيه يقتضي أن يناط به صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد، لعلمه أنه لو نصَّ لهم على قاطع: لعصوا، كما ردّهم في قاعدة الربا إلى الاستنباط من الأعيان الستة، مع إمكان التنصيص على كل مكيل وموزون، أو مطعوم.
وكان الصحابة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم – يروي بعضهم عن بعض، مع إمكان مراجعة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
كيف ورسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-قد تُعُبِّد بالقضاء بالشهود والحكم بالظاهر، حتى قال: "إنكم لتختصمون إليَّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع" 1؟!.
وكان يمكن نزول الوحي بالحق الصريح في كل واقعة.
وإمكان النص لا يجعل النص موجودًا. والله- سبحانه وتعالى- أعلم.
__________
1 حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم بلفظ: "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضٍ فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو ليتركها". انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي "4/ 163"، صحيح مسلم بشرح النووي "4/ 12"، سنن أبي داود "2/ 205"، سنن ابن ماجة "2/ 777"، مشكاة المصابيح "2/ 342".
(2/341)

فصل: [في تعبد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-بالاجتهاد]
ويجوز أن يكون النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- متعبَّدًا بالاجتهاد فيما لا نص فيه
وأنكر ذلك قوم؛ لأنه قادر على استكشاف الحكم بالوحي الصريح.
(2/341)

ولأن قوله نص قاطع، والظن يتطرق إليه احتمال الخطأ، فهما متضادان1.
ولنا:
أنه ليس بمحال في ذاته، ولا يفضي إلى محال ولا مفسدة.
ولأن الاجتهاد طريق لأمته، وقد ذكرنا أنه يشاركهم فيما ثبت لهم من الأحكام2.
وقولهم: "هو قادر على الاستكشاف".
قلنا: فإذا استكشف: فقيل له: حكمنا عليك أن تجتهد، فهل له أن ينازع الله – تعالى – فيه؟!
__________
1 قال الطوفي في شرحه "3/ 593-594": "اعلم أن ما فيه نص إلهي لا يجوز للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يجتهد فيه بخلاف النص شرعًا، لقوله عزل وجل: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الأنعام: 106] .
أما ما لا نصَّ فيه، فهل متعبد بالاجتهاد فيه أم لا؟ فالمذاهب فيه أربعة:
أحدها: الإثبات، وهو مذهب أحمد، والقاضي أبي يوسف.
والثاني: النفي، وهو قول أبي على الجبائي وابنه أبي هاشم.
والثالث: الإثبات في الحروب والآراء، دون الأحكام الشرعية.
والرابع: تجويزه من غير قطع به. حكاه الآمدي عن الشافعي في رسالته.
قال: وبه قال بعض الشافعية، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري.
والتحقيق أن الكلام في جواز ذلك ووقوعه، والأصح جوازه؛ إذ لا يلزم منه محال، ولا أحسب أحدًا ينازع في الجواز عقلًا، إنما ينازع من ينازع فيه شرعًا، وأما الوقوع: فحكى الغزالي فيه أقوالًا، ثالثها الوقف واختاره.
وقال القرافي: توقف أكثر المحققين في الكل، واختار الآمدي الجواز والوقوع، وذكر القوافي أن الشافعي وأبا يوسف قالا بالوقوع".
2 إلا ما ثبت اختصاصه به -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-
(2/342)

وقولهم: "إن قوله نص".
قلناك إذا قيل له: ظنك علامة الحكمن فهو يستيقن الظن والحكم جميعا، فلا يحتمل الخطأ.
ومنع هذا "القدرية"1 وقالوا: إن وافق الصلاح في البعض، فيمتنع أن يوافق الجميع.
وهو باطل؛ لأنه لا يبعد أن يلقي الله – تعالى- في اجتهاد رسوله ما فيه صلاح عباده.
وأما وقوع ذلك:
فاختلف أصحابنا فيه.
واختلف أصحاب الشافعي فيه أيضًا.
وأنكره أكثر المتكلمين2:
لقول الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} .
ولأنه لو كان مأمورًا به لأجاب عن كل واقعة، ولما انتظر الوحي، ولنقل ذلك واستفاض.
ولأنه كان يختلف اجتهاده فيتهم بسبب تغيُّر الرأي4.
__________
1 تقدم التعريف بهم.
2 تقدم قريبًا بيان خلاصة هذه المذاهب نقلًا عن شرح الطوفي.
3 سورة النجم [الآية: 3] .
4 العبارة هكذا في الأصل وهي غير واضحة. وعبارة الغزالي: "الثالث: أنه لو كان، لكان ينبغي أن يختلف اجتهاده ويتغير، فيتهم بسبب تغير الرأي".
المستصفى "4/ 27". ومعناها: أنه لو وقع منه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- اجتهاد أنه يحصل فيه تغير واختلاف في الرأي في بعض الأمور فيتهم – -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بسبب ذلك.
(2/343)

ولنا:
قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} 1. وهو عام.
ولأنه عوتب في أساري بدر، ولو حكم بالنص: لما عوتب2.
ولما قال- في مكة: "لا يُخْتَلى خَلَالها" قال العباس3: إلا الإذخر. فقال: "إلّا الإذخَرَ" 4.
ولما سئل عن الحج: ألعامنا هو أم للأبد؟ فقال: للأبد، ولو قلت لعامنا لوجب"5.
__________
1 سورة الحشر [من الآية: 2] .
2 أما وقد عوتب -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في أخذ الفداء، فهذا يدل على أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قد اجتهد، والآيات في ذلك صريحة. قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى أن قال- سبحانه: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67، 68] .
3 هو: العباس بن عبد المطلب- عم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- تقدمت ترجمته.
4 عن ابن عباس أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-قال: "إن الله – عَزَّ وَجَلََََّّّّ- حرّم مكة، فلم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يُخْتَلَى خَلَاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرّف" فقال العباس: إلا الإذخَر لصاغتنا وقبورنا. قال: "إلا الإذخَر" أخرجه الإمام أحمد في مسنده حديث رقم "2279"، والبخاري "1349" "1833"، "2090"، والطبراني "11957" والبيهقي "5/ 195".
ومعنى "خلالها" الخلا: نبات رقيق ما دام رطبًا، ومعنى "لا يُختَلى": لا يقطع، و "لا يعضد" أي: لا يقطع. و "الإذخر": حشيشة معروفة طيبة الريح توجد بالحجاز. كما قال الحافظ في هدى الساري ص76.
5 أخرجه الإمام أحمد في مسنده "1/ 352، 370، 371" وأبو داود "1721" والنسائي "5/ 111" وابن ماجة "2886" من حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- وفي رواية "لوجبت" أي: الكلمة أو الحجة كل عام.
(2/344)

ولما نزل ببدر للحرب قال له الحباب1: إن كان بوحي: فسمعًا وطاعة، وإن كان باجتهاد: فليس هذا هو الرأي. قال: "بل باجتهاد" ورحل2.
ولما أراد صلح الأحزاب على شطر نخل في المدينة، وكتب بعض الكتاب ذلك، جاء سعد بن معاذ3، وسعد بن عبادة4، فقالا له: مثل مقالة الحباب، قال: "بل هو رأي رأيته لكم". فقالا: ليس ذاك برأي، فرجع إلى قولهما، ونقض رأيه5.
__________
1 هو: الحباب بن المنذر بن الجموح، الأنصاري الخزرجي، شهد مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بدرًا والمشاهد كلها، وكان يقال له: ذا الرأي. توفي في خلافة عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بالمدينة المنورة. انظر: الإصابة "1/ 316"، أسد الغابة "1/ 436".
2 المصنف حكى القصة بالمعنى. ولفظها- كما جاء في كتب السيرة – وسار رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-حتى نزل أدنى ماء من مياه بدر..... فأتاه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح فقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل منزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال -عليه الصلاة والسلام: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغوِّر ما وراءه من القُلُب "جمع قليب وهي: البئر العادية القديمة" ثم نبني عليه حوضًا فنملأه فنشرب ولا يشربون. فاستحسن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-هذا الرأي وفعله". رواه الحاكم في المستدرك "3/ 427"، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام "1/ 620".
3 تقدمت ترجمته.
4 هو: سعد بن عبادة من دليم الخزرجي الأنصاري، سيد الخزرج، ونقيب بني ساعدة، وصاحب راية الأنصار في المشاهد كلها، شهد بدرًا وما بعدها، ومناقبه كثيرة جدًّا، خرج على الشام فمات بحوران سنة 15هـ، وقيل: سنة 16هـ. الإصابة "2/ 30".
5 تروي كتب السيرة أن سبب ذلك هو تألب المشركين واستعدادهم لمهاجمة =
(2/345)

ولأن داود وسليمان -عليهما السلام- حكَما بالاجتهاد، بدليل قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} . ولو حكما بالنص: لم يخص سليمان بالتفهيم، ولو لم يكن الحكم بالاجتهاد جائزًا، لما مدحهما الله – تعالى- بقوله: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} .
وأما انتظار الوحي2:
فلعله حيث لم ينقدح له اجتهاد، أو حكم لا يدخله الاجتهاد.
وأما الاستفاضة:
فلعله لم يطلع عليه الناس3.
وأما التهمة بتغير الرأي:
فلا تعويل عليه؛ فقد اتهم بسبب النسخ ولم يبطله 4.
__________
= المسلمين بالمدينة فأراد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يحول بينهم وبين المسلمين، فعزم على أن يصالح "غطفان" على ثلث ثمار المدينة، وبعد أن كتب الصلح مع عيينة بن حص، وقبل أن يوقعه استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فأشارا عليه بعدم ذلك، فأمر بمحو الصحيفة. رواه البزار والطبراني في الكبير، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام "2/ 223"، مجمع الزوائد "6/ 132".
1 سورة الأنبياء من الآية: "79".
2 بدأ المصنف يرد على أدلة المخالفين وأوّلها: أنه كان ينتظر الوحي ... إلخ، فأجاب: بأنه كان ينتظر الوحي عند تعارض مدارك الأحكام، ومسالك الاجتهاد، واستبهام وجه الحق والصواب، أما حين يظهر له ذلك فإنه كان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يجتهد، هذا إذا كان الحكم اجتهاديًّا، أو كان لا يجتهد إذا كان الحكم لا يدخل تحت دائرة الاجتهاد.
3 هذا ردٌّ على دليلهم الثاني، وهو قولهم: "لو اجتهد لنقل ذلك واستفاض". فأجاب المصنف: بأنّا لا نسلم أن من ضرورة وقوع الاجتهاد نقله، فضلًا عن استفاضته؛ فهناك العديد من القضايا وقعت ولم تنقل، كما لا نسلم أن ذلك لم ينتشر، بل هي مستفيضة ومشهورة. انظر في ذلك: شرح الطوفي "3/ 600".
4 هذا هو الرد على الدليل الثالث، وهو: "أنه لو اجتهد لاختلف اجتهاده فيتهم". =
(2/346)

وعورض بأنه لو لم يتعبد بالاجتهاد: لفاته ثواب المجتهدين1.
__________
= وخلاصة الردّ: عدم التسليم بأنه لو اجتهد لاختلف اجتهاده؛ لأنه معصوم، ومؤيد بالوحي الإلهي، فلو أخطأ لصحح له الوحي. على أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قد اتهم في النسخ من قبل السفهاء من الكفار بأنه يفعل اليوم أمرًا ثم ينهى عنه غدًا، ولم يؤدِ ذلك إلى بطلان النسخ.
1 قوله "وعورض...." أي: عورض كلام المانعين. والواقع أن هذا من تكملة أدلة الجمهور على وقوع الاجتهاد منه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكان الأولى ذكره قبل الرد على المخالفين.
(2/347)

فصل: [في خطأ المجتهد وإصابته]
الحق في قول واحد من المجتهدين، ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين، أو أصوله2.
لكنه إن كان في فروع الدين، مما ليس فيه دليل قاطع -من نص أو إجماع- فهو معذور غير آثم، وله أجر على اجتهاده.
وبه قال بعض الحنفية والشافعية.
__________
= وخلاصة الردّ: عدم التسليم بأنه لو اجتهد لاختلف اجتهاده؛ لأنه معصوم، ومؤيد بالوحي الإلهي، فلو أخطأ لصحح له الوحي. على أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قد اتهم في النسخ من قبل السفهاء من الكفار بأنه يفعل اليوم أمرًا ثم ينهى عنه غدًا، ولم يؤدِ ذلك إلى بطلان النسخ.
1 قوله "وعورض...." أي: عورض كلام المانعين. والواقع أن هذا من تكملة أدلة الجمهور على وقوع الاجتهاد منه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكان الأولى ذكره قبل الرد على المخالفين.
2 ينبغي أن نقرر أولًا: أن الأمور التي يجري فيها الاجتهاد إما أن تكون قطعية أو ظنية: فإن كانت قطعية فالمخطئ فيها آثم بلا خلاف؛ لأن الحقَّ فيها واحد؛ فمن أصابه فهو المحق، ومن أخطأه فهو المبطل، سواء أكان مدرك ذلك عقليًّا محضًا، كحدوث العالم، ووجود الصانع- جل وعلا- أو شرعيًّا مستندًا إلى ثبوت أمر عقلي، كعذاب القبر، والصراط، والميزان. انظر: الإحكام للآمدي "4/ 178"، شرح الكوكب المنير "4/ 488" والخلاف بين العلماء إنما هو في الأمور الظنية، كما هو واضح.
(2/347)

وقال بعض المتكلمين: كل مجتهد "في الظنيات" مصيب، وليس على الحق دليل مطلوب.
واختلف فيه عن أبي حنيفة والشافعي.
وزعم بعض من يرى تصويب كل مجتهد: أن دليل هذه المسألة قطعي2.
وفَرَضَ 3 الكلام في طرفين.
أحدهما: مسألة فيها نص فينظر:
فإن كان مقدورًا عليه، فقصّر المجتهد- في طلبه: فهو مخطئ آثم؛ لتقصيره.
وإن لم يكن مقدورًا عليه لبعد المسافة، وتأخير المبلّغ: فليس بحكم في حقه.
بدليل أن الله- تعالى- لما أمر جبريل أن يخبر محمدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بتحويل القبلة إلى الكعبة، فصلَّى قبل إخبار جبريل إياه لم يكن مخطئًا4.
ولما بُلِّغ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-وأهل قباء يصلون إلى بيت المقدس لم
__________
1 ما بين القوسين من المستصفى "4/ 48".
2 يقصد بذلك الإمام الغزالي، حيث نقل كلامه من أول قوله: "وفَرَضَ الكلام ... " إلى قوله: "بخلاف أدلة العقول؛ فإنها لا تختلف"، والغريب أنه لم يصرح باسمه- كما قلنا في مقدمة الكتاب- مع أنه يختصر كلامه، أو يستبدل عبارته بعبارة مرادفة لها!
3 أي: الغزالي.
4 عبارة الغزالي: "أنه لو صلَّى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-إلى بيت المقدس، بعد أن أمر الله – تعالى- جبريل أن ينزل إلى محمد – عليه السلام- ويخبره بتحويل القبلة، فلا يكون النبي مخطئًا؛ لأن خطاب استقبال الكعبة- بعد – لم يبلغه".
(2/348)

يبلغهم: لم يكونوا مخطئين.
ولو بلغ أهل قباء فاستمر أهل مكة على الصلاة إلى أن بلغهم: لم يكونوا مخطئين.
وإذا ثبت هذا فيما فيه نصُّ: ففيما لا نصَّ فيه أولى.
ولا يخلو: إما أن تكون الإصابة ممكنة، أو محالًا. ولا تكليف بالمحال. ومن أمر بممكن، فتركه، أثم وعصى؛ إذ يستحيل أن يكون مأمورًا ولم يعص ولم يأثم بالمخالفة؛ لمناقضة ذلك للإيجاب.
وزعم: أن هذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل مصنف.
ثم قال1: الظنيات لا دليل فيها؛ فإن الأمارات الظنية ليست أدلة لأعيانها، بل تختلف بالإضافات من دليل يفيد الظن لزيد، ولا يفيده لعمرو، مع إحاطته به.
بل ربما يفيد الظن لشخص واحد في حالة دون حالة.
بل قد يقوم في حق شخص واحد في حالة واحدة دليلان متعارضان، ولا يتصور في القطعية تعارض.
ولذلك ذهب أبو بكر الصديق – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إلى التسوية في العطاء، وعمر إلى التفضيل2، وكل واحد منهما كشف لصاحبه دليله وأطلعه عليه، فغلب على ظن كل واحد منهما ما صار إليه، وكان مغلّبًا
__________
1 أي: الغزالي- أيضًا- وهذا هو الطرف الثاني، وإن كان الغزالي لم يعنون له في المستصفى.
2 رُوي عن أبي بكر- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنه قال: "إنما أسلموا لله، وأجورهم عليه، وإنما الدنيا بلاغ" أما عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فقال: "لا أجعل من ترك داره وماله وهاجر إلى الله ورسوله كمن أسلم كرهًا" تقدم تخريج ذلك في فصل إثبات القياس على منكريه.
(2/349)

على ظنه دون صاحبه؛ لاختلاف أحوالهما.
فمن خُلِقَ خِلْقَتُهما1 يميل ميلهما، ويصير إلى ما صارا إليه في الاختلاف، ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسة يوجب اختلاف الظنون.
فمن مارس الكلام: ناسب طبعه أنواعًا من الأدلة يتحرك بها ظنه، لا يناسب ذلك طبع من مارس الفقه.
ومن غلب عليه الغضب: مالت نفسه إلى ما فيه "شهامة وانتقام"2.
ومن رقَّ طبعه: مال إلى الرفق والمساهلة.
بخلاف أدلة العقول؛ فإنها لا تختلف.
وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الإثم غير محطوط في الفروع3، بل فيها حقّ معين4 عليه دليل قاطع؛ لأن العقل قاطع بالنفي الأصلي، إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع.
وإنما استقام لهم هذا؛ لإنكارهم القياس وخبر الواحد.
وبما أنكروا الحكم بالعموم والظاهر5.
وزعم الجاحظ6: أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر، فعجز عن درك الحقِّ: فهو معذور غير آثم.
__________
1 فسرهما الغزالي- بعد ذلك – فقال: "ومن خلقه الله خلقة عمر وعلى حالته وسجيته...."
2 في جميع النسخ: "السياسة والانتقام" والمثبت من المستصفى وهو المناسب.
3 وكذلك الأصول من باب أولى، كما قال الطوفي في شرحه "3/ 603".
4 في الأصل "يتعين" والمثبت من المستصفى.
5 بعدها في المستصفى: "المحتمل".
6 هو: عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان، المعروف بالجاحظ، العالم =
(2/350)

وقال عبيد الله بن الحسن العنبري1: كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع جميعًا.
وهذه كلها أقاويل باطلة.
أما الذي ذهب إليه الجاحظ:
فباطل يقينًا، وكفر بالله- تعالى- وردٌّ عليه وعلى رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإنا نعلم – قطعًا – أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتِّباعه، وذمهم على إصرارهم.
ونقاتل جميعهم، ونقتل البالغ منهم.
ونعلم: أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة، اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا، ولم يعرفوا معجزة الرسول وصدقه.
والآيات الدالّة في القرآن على هذا كثيرة:
كقوله تعالى: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} 2، {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 3، {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} 4، {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} 5، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
__________
= المشهور، صاحب التصانيف في كل فنٍّ، وإليه تنسب فرقة الجاحظية من المعتزلة، من مؤلفاته: "البيان والتبيين" و"الحيوان". توفي بالبصرة سنة 255هـ انظر: وفيات الأعيان "3/ 140" بغية الوعاة "2/ 228".
1 هو: عبيد الله بن الحسن بن الحسين العنبري بن تميم، فقيه محدث، ولي القضاء بالبصرة، ولد سنة 105هـ وتوفي سنة 168هـ انظر: تاريخ بغداد "10/ 306"، الأعلام "4/ 346".
2 سورة ص، من الآية: "27".
3 سورة فصلت، الآية: "23".
4 سورة البقرة، من الآية: "78".
5 سورة المجادلة، من الآية: "18" وتمامها: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} .
(2/351)

مُهْتَدُونَ} 1، {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِه ِ ... } 2.
وفي الجملة: ذم المكذبين لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-مما لا ينحصر في الكتاب والسنة.
وقول العنبري: "كل مجتهد مصيب".
إن أراد: أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه: فهو كقول الجاحظ.
وإن أراد: أن ما اعتقده فهو على اعتقاده: فمحال؛ إذ كيف يكون قِدَمُ العالم وحدوثه حقًّا، وتصديق الرسول وتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه وهذه أمور ذاتية، لا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها؟!.
فهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية3:
فإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها، وجعلها تابعة للمعتقدات.
وقد قيل: إنما أراد4 اختلاف المسلمين.
وهو5 باطل كيفما كان؛ إذ كيف يكون القرآن قديمًا مخلوقًا، والرؤية محالًا ممكنًا وهذا محالٌ؟! 6.
__________
1 سورة الزخرف، من الآية: "37".
2 سورة الكهف، من الآيتين: "104، 105".
3 تقدم التعريف بهم.
4 أي: العنبري.
5 أي: تفسير قول العنبري: بأن المراد به: اختلاف المسلمين.
6 معنى هذا: أن المعتذرين عن العنبري بأنه يقصد: اختلاف المسلمين، قولهم هذا مردود؛ فإن المعتزلة قالوا: القرآن مخلوق، والسلف الصالح وأهل الحديث قالوا: هو قديم، فكيف يتصور على زعمه أن يكون قديمًا وحديثًا؟! وكيف يتصور =
(2/352)

والدليل على أن الحق في جهة واحدة1: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعنى2.
أما الكتاب:
فقول الله – تعالى- {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} 3.
فلو استويا في إصابة الحكم: لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم معنى. وهو يدلُّ على فساد مذهب من قال: "الإثم غير محطوط عن المخطئ"، فإن الله- تعالى- مدح كلا منهما وأثنى عليه بقوله: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} 4.
فإن قيل: فيكف يجوز أن ينسب الخطأ إلى داود وهو نبيٌّ؟! ومن أين
__________
= اجتماع الممكن والمحال، إذ أن السلف يقولون: إن رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة داخلة في الممكن، والمعتزلة قالوا: هي من المحال. انظر: نزهة المخاطر "2/ 420".
1 بدأ المصنف يورد الأدلة على أن الحق في قول واحد بعينهن ومن عداه مخطئ.....
2 المراد بالمعنى: الدليل العقلي.
3 سورة الأنبياء، من الآيتين: "78، 79".
4 قال الطوفي: موضحًا ذلك: "ولولا أن الحق في جهة بعينها، لما خصَّ سليمان بالتفهيم؛ إذ كان يكون ترجيحًا بلا مرجح، ولولا سقوط الإثم عن المخطئ، لما مدح داود عليه السلام بقوله – عَزَّ وَجَلََََّّّّ: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} لأن المخطئ لا يمدح، فدلّ هذا على أن الحق في قول مجتهد معيّن، وأن المخطئ في الفروع غير آثم". شرح المختصر "3/ 605".
(2/353)

لكم أنه حكم باجتهاده، وقد علمتم الاختلاف في جواز ذلك1؟!.
ثم لو كان مخطئًا: كيف يمدح المخطئ وهو يستحق الذم؟!
ثم يحتمل: أنهما كانا مصيبين فنزل الوحي بموافقة أحدهما
قلنا:
يجوز وقوع الخطأ منهم، لكن لا يقرّون عليه، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.
وإذا تُصُوِّر وقوع الصغائر منهم: فكيف يمتنع وجود خطأ لا مأثمَ فيه، وصاحبه مثاب مأجور؟!
ولولا ذلك: ما عوتب نبينا- عليه السلام – على الحكم في أسارى بدر، ولا في الإذن في التخلف عن غزوة تبوك فقال- تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ....} 2.
وقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إنكم لتختصمون إليَّ، ولعلّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ، وإنما أقضي على نحو ما أسمعُ، فمن قضيت له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذْهُ؛ فإنما أقْطعُ له قطعةً من النار" 3.
فبين أنه يقضي للرجل بشيء من حقِّ أخيه.
قولهم: "من أين لكم أنه حكم بالاجتهاد؟! "
قلنا:
الآية دليل عليه؛ فإنه لو حكم بنص: لما اختصَّ سليمان بالفهم دونه.
__________
1 في مسألة جواز تعبّد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-بالاجتهاد فيما لا نص فيه.
2 سورة التوبة من الآية "43".
3 تقدم تخريج الحديث.
(2/354)

وقولهم: "إن النص نزل بموافقة سليمان".
قلنا:
لو كان ما حكم به داود – عليه السلام- صوابًا وهو الحق، فتغير الحكم بنزول النص: لا يمنع أن يكون فهمهما وقت الحكم، ولا يوجب اختصاص "سليمان" بالإصابة، كما لو تغير بالنسخ.
وأما السنة:
فما تقدم من الخبر، فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-أخبر بأنه يقضي للإنسان بحق أخيه.
ولو كان يأثم بذلك: لم يفعله النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
ولو كان ما قضي به هو الحكم عند الله – تعالى- لما قال: "قضيت له بشيء من حق أخيه" ولا قال: "إنما أقطع له قطعة من النار".
ولأن الحكم عند الله تعالى- لا يختلف باختلاف لحن1 المتخاصمين، أو تساويهما.
وروي أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا بعث جيشًا أوصاهم فقال: "إذا حاصرتم حصنًا أو مدينة، فطلبوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله؛ فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم" 2.
__________
1 اللَّحَن- بفتحتين: الفطنة، وهو سرعة الفهم، وفلان ألحن من فلان، أي: أسبق فهمًا منه. والمراد منه هنا: أن بعضكم قد يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره. انظر: المصباح المنير مادة "لحن".
2 أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، وأبو داود: كتاب الجهاد باب في دعاء المشركين، والترمذي: كتاب السير، باب ما جاء في وصيته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في القتال، وابن ماجة: كتاب الجهاد، باب وصية الإمام، من حديث سليمان بن بريدة الأسلمي.
(2/355)

وروى ابن عمر وعمرو بن العاص وأبو هريرة، وغيرهم: أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر".
هذا لفظ رواية عمرو. أخرجه مسلم1.
وهو حديث تلقته الأمة بالقبول.
وهو صريح في: أنه يحكم باجتهاده فيخطئ ويؤجر دون أجر المصيب.
فإن قيل: المراد به: أنه أخطأ مطلوبه، دون ما كلّفه، كخطأ الحاكم، ردّ المال إلى مستحقيه2، مع إصابته حكم الله عليه، وهو اتباع موجب ظنه. وخطأ المجتهد جهة القبلة مع أن فرضه جهة يظن أن مطلوبه فيها. وهذا يتحقق في كل مسألة فيها نص، أو اجتهاد يتعلق بتحقيق المناط، كأروش الجنايات، وقدر كفاية القريب؛ فإن فيها حقيقة معينة عند الله، وإن لم يكلف المجتهد طلبها3.
قلنا:
فإذا سلم هذا: ارتفع النزاع، فإننا لا نقول: إن المجتهد يُكلَّف إصابة الحكم، وإنما لكل مسألة حكم معين يعلمه الله، كلف المجتهد طلبه، فإن اجتهد فأصابه فله أجران، وإن أخطأه فله أجر على اجتهاده،
__________
1 في كتاب الأقضية، باب أجر الحاكم إذا اجتهد وأخطأ، والبخاري: كتاب الاعتصام: باب أجر الحكام إذا اجتهد فأصاب وأخطأ، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ.
2 عبارة الغزالي في المستصفى "4/ 76": "فإن الحاكم يطلب ردّ المال إلى مستحقه وقد يخطئ ذلك، فيكون مخطئًا فيما طلبه، مصيبًا فيما هو حكم الله – تعالى- عليه".
3 في الأصل "طلبه" والمثبت من المستصفى "4/ 77".
(2/356)

وهو مخطئ، وإثم الخطأ محطوط عنه.
كما في مسألة القبلة؛" فإن المصيب لجهة الكعبة عند اختلاف المجتهدين واحد، ومن عداه مخطئ يقينًا، يمكن أن يبين له خطأه، فيلزمه إعادة الصلاة عند قوم، ولا يلزمه عند آخرين، لا لكونه مصيبًا لها، بل سقط عنه التوجه إليها، لعجزه عنها.
وهكذا كون حق زيد عند عمرو، إذا اختلف فيه مجتهدان، فالمصيب أحدهما، والآخر مخطئ؛ إذ لا يمكن كون ذمة عمرو مشغولة بريئة.
وتخصيص ذلك بما فيه نص خلاف موجب العموم، وهو باطل- أيضًا- فإن القياس [في] معنى النص، ونحن نتعرف بالبحث المعني الذي قصده النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فهو كالنص.
وأما الإجماع:
فإن الصحابة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم – اشتهر عنهم في وقائع لا تحصى: إطلاق الخطأ على المجتهدين.
من ذلك: قول أبي بكر- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: في الكلالة: "أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان"1.
وعن ابن مسعود في قصة "برْوع" مثل ذلك2.
وقال عمر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لكاتبه: "اكتب: هذا ما رآه عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر"3.
__________
1 تقدم تخريج الأثر.
2 تقدم تخريجه.
3 جاء في سنن البيهقي "10/ 116": أن عمر رأى رأيًا، فكتب الكاتب: هذا ما =
(2/357)

وقال- في قضية قضاها: "والله، ما يدري عمر أصاب أم أخطأ" ذكره الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد1 عن أبيه.
وقال علي لعمر- في المرأة التي أرسل إليها فأجهضت ذا بطنها، وقد استشار عثمان وعبد الرحمن، فقالا: "لا شيء عليك، إنما أنت مؤدب"- فقال علي: "إن يكونا قد اجتهدا: فقد أخطآ، وإن يكونا ما اجتهد فقد غشّاك، عليك الدية". فرجع عمر إلى رأيه2.
وقال علي- في إحراق الخوارج3:
__________
= أرى اللهُ أميرَ المؤمنين. فانتهره عمر، وقال: اكتب: هذا ما رأى عمر؛ فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن عمر.
1 هو: بكر بن محمد النسائي البغدادي، روى عن أبيه عن الإمام أحمد – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – مسائل كثيرة، وكان الإمام أحمد يقدمه ويكرمه. انظر: طبقات الحنابلة "1/ 119، 120".
2 تقدم تخريج الأثر.
3 هكذا في الأصل، والذي في صحيح البخاري: أن الذين أحرقهم علي هم الزنادقة. روى البخارى: باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم حديث "6922" عن عكرمة قال: "أُتِيَ علي– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابنعباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لا تعذبوا بعذاب النار، ولقتلتهم لقول رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "من بدل دينه فاقتلوه".
وحكى ابن حجر في الفتح روايات أخرى في الذين حرقوا: فقيل: إنهم أناس كانوا يعبدون الأصنام سرًّا. وقيل: إنهم جماعة ارتدوا عن الإسلام، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، فأُتِيَ بهم فضرب أعناقهم ورماهم في حفرة، ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم. وزعم أبو المظفر الإسفراييني في "الملل والنحل" أنهم طائفة من الروافض ادّعوا فيه الإلهية، وهم من السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي كان يهوديًّا، ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة.
(2/358)

لقد عثرت عثرة لا تنجبر ... سوف أليسُ1 بعدها أو أستمر
.............................. ... وأجمع الرأي الشتيت المنتشر2
وقال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد؛ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا"3.
وقال: "من شاء باهلته في العول"4.
وقالت عائشة: "أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-إلا أن يتوب"5.
وهذا اتفاق منهم على أن المجتهد يخطئ.
فإن قيل6: لعلهم نسبوا الخطأ إليه، لتقصيره في النظر، أو لكونه من غير أهل الاجتهاد.
__________
= ورُوي أنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بعد أن أحرقهم قال:
إني إذا رأيت أمرًا منكرًا
أوقدت ناري ودعوت قنبرًا
انظر: فتح الباري "12/ 331" طبعة دار الكتب العلمية.
1 جاء في تاج العروس مادة "ألس": "يقال: تلايس الرجل إذا حسن خلقه، وكان حمولًا، وتلايس عنه: أغمض"، ومعناه هنا: أني سوف أتحمل كل ما يفعله هؤلاء وأغمض العين عن القذى، أو أستمر على عقابهم حتى أجمع الرأي المتشتت المنتشر. نزهة الخاطر "2/ 424".
2 والشطر الأول: أرفع منذيلي ما كنت أجرُّ.
والبيتان نسبتهما إلى الإمام علي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الطبري في تاريخه "4/ 437" إلا أن صدر البيت الأول عنده: إني عجزت عجزة لا أعتذر....
3 تقدم تخريجه.
4 في الأصل "القول" وهو خطأ مطبعيٌّ. وخلاف ابن عباس في العول تقدم توضيحه في فصل: حكم الإجماع بقول الأكثر.
5 تقدم تخريج هذا الأثر في فصل: حكم الإجماع بقول الأكثر.
3 القائل: هو الإمام الغزالي في المستصفى "4/ 81": ونصُّ عبارته: "وإنما ينتفي" =
(2/359)

أو يكون القائل لذلك يذهب مذهب من يرى التخطئة1.
قلنا:
أما الأول: فجهل قبيح، وخطأ صريح، كيف يستحل مسلم: أن "أن يقول: إن"2 الخلفاء الراشدين، والأئمة المجتهدين ومن سمينا معهم من البحر: ابن عباس، والأمين: عبد الرحمن بن عوف، وفقيه الصحابة وأفرضهم وقارئهم: زيد بن ثابت ليسوا من أهل الاجتهاد؟!
وإذا لم يكونوا من أهل الاجتهاد: فمن الذي يبلغ درجتهم؟!
ولا يكاد يتجاسر على هذا القول من له في الإسلام نصيب.
ونسبته لهم -أنهم قصّروا في الاجتهاد- إساءة ظنٍّ بهم، مع تصريحهم بخلافه، فإن عليًّا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: "إن يكونا قد اجتهدا فقد أخطآ" وتوقف ابن مسعود في قصة "برْوع" شهرًا. وهذا في القبح قريب من الذي قبله؛ لكونه نسب هؤلاء الأئمة إلى الحكم بالجهل والهوى، وارتكاب ما لا يحل، ليصحح به قوله الفاسد، فلا ينبغي أن يلتفت إلى هذا.
وقولهم: "يذهب مذهب من يرى التخطئة".
فكذلك هو، لكن هو إجماع منهم، فلا تحل مخالفته.
وأما المعنى: فوجوه:
أحدها: أن مذهب من يقول بالتصويب3 محالٌ في نفسه؛ لأنه
__________
= الخطأ: متى صدر الاجتهاد من أهله، وتم في نفسه، ووضع في محله، ولم يقع مخالفًا لدليل قاطع، ثم مع ذلك كله يثبت اسم الخطأ بالإضافة إلى ما طلب، لا إلى ما وجب".
1 أي: يذهب مذهب من يرى أن المصيب واحد، ومن عداه مخطئ.
2 ما بين القوسين من نسخة الدكتور عبد الكريم النملة – حفظه الله.
3 أي: أن كل مجتهد مصيب.
(2/360)

يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وهو: أن يكون يسير النبيذ حرامًا حلالًا، والنكاح بلا وليٍّ صحيحًا فاسدًا، ودم المسلم- إذا قتل الذمي- مهدرًا معصومًا، وذمة المحيل- إذا امتنع المحتال من قبول الحوالة على المليء- بريئة مشغولة؛ إذ ليس في المسألة حكم معين.
وقول كل واحد من المجتهدين حقٌّ وصواب مع تنافيهما.
قال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوَّله سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه في الابتداء: يجعل الشيء ونقيضه حقًّا، وبالآخرة يخير المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين، ويختار من المذاهب أطيبها.
قالوا: لا يستحيل كون الشيء حلالًا وحرامًا في حقّ شخصين، والحكم ليس وصفًا للعين.
فلا يتناقض أن يحل لزيد ما حرم على عمرو، كالمنكوحة، حلال لزوجها، حرام على غيره، وهذا ظاهر.
بل لا يمتنع في حق شخص واحد مع اختلاف الأحوال كالصلاة واجبة في حق المحدث، إذا ظن أنه متطهر، حرام إذا علم بحدثه.
وركوب البحر: مباح لمن غلب على ظنه السلامة، حرام على الجبان الذي يغلب على ظنه العطب1.
والجواب2:
أنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين في حق شخص واحد؛ فإن المجتهد لا يَقْصُرُ الحكم على نفسه، بل يحكم بأن يسير النبيذ حرام على كل واحد، والآخر يقضي بإباحته في حق الكل.
__________
1 جاء في المصباح المنبر "عَطِبَ": عطبًا من باب تَعِبَ: هلك.
2 أي على كون الحكم وصفًا لأفعال المكلفين، وإثبات كونه وصفًا للأعيان.
(2/361)

فكيف يكون حرامًا على الكل، مباحًا لهم؟!
أم كيف تكون المنكوحة بلا وليٍّ مباحة لزوجها، حرامًا عليه؟!
ثم لو لم يكن محالًا في نفسه، لكنه يؤدي إلى المحال في بعض الصور: فإنه إذا تعارض عند المجتهد دليلان، فيتخير بين الشيء ونقيضه.
ولو نكح مجتهد امرأة بلا وليٍّ، ثم نكحها آخر يرى بطلان الأول، فكيف تكون مباحة للزوجين؟
المسلك الثاني1:
لو كان كل مجتهد مصيبًا: جاز لكل واحد من المجتهدين في القبلة أن يقتدي كل واحد منهما بصاحبه؛ لأن كل واحد منهما مصيب، وصلاته صحيحة، فلِمَ لا يقتدي بمن صلاته صحيحة في نفسه؟! 2
ثم يجب أن يُطوى بساط المناظرات في الفروع، لكون كل واحد منهم مصيبًا لا فائدة في نقله عن ما هو عليه، ولا تعريفه ما عليه خصمه.
المسلك الثالث:
أن المجتهد يكلف الاجتهاد بلا خلاف، والاجتهاد: طلب يستدعي مطلوبًا لا محالة، فإن لم يكن للحادثة حكم: فما الذي يطلب؟ فمن يعلم – يقينًا- أن زيدًا ليس بجاهل ولا عالم، هل يتصور أن يطلب الظن بعلمه؟!
ومن يعتقد أن النبيذ ليس بحلال ولا حرام، كيف يطلب أحدهما؟! فإن قالوا: إن المجتهد لا يطلب حكم الله – تعالى- بل إنما يطلب غلبة
__________
1 أي: الوجه الثاني من قوله- قبل ذلك- "والمعنى من وجوه".
2 أي: في نفس المجتهد المؤتم؛ حيث يعتقد أن كل مجتهد مصيبٌ، على فرض صحة هذا المذهب.
(2/362)

الظن، فيكون حكمه، ما غلب على ظنه.
كمن يريد ركوب البحر فقيل له: إن غلب على ظنك الهلاك: حرم عليك الركوب، وإن غلب على ظنك السلامة: أُبِيْحَ لك الركوب، وقبل الظن لا حكم لله – تعالى- عليك سوى اجتهادك في تتبع ظنك.
فالحكم يتجدد1 بالظن، ويوجد بعده.
ولو شهد عند قاض شاهدان، فحكم الله – تعالى – عليه يترتب عليه ظنه:
إن غلب عليه الصدق: وجب قبوله.
وإن غلب على ظنه الكذب: لم يجب قبوله.
قلنا:
قولهم: "إنما يطلب غلبة2 الظن".
فالظن- أيضًا- لا يكون إلا لشيء مظنون، ومن يقطع بانتفاء الحكم كيف يتصور أن يظن وجوده؟!؛ فإن الظن لا يتصور إلا لموجود، والموجود يتتبع الظن، فيؤدي إلى الدور.
وراكب البحر لا يطلب الحكم، إنما يطلب تعرّف الهلاك أو السلامة، وهذا أمر يمكن تعرّفه.
والحاكم إنما يطلب الصدق أو الكذب، وهذا غير الحكم الذي يلزمه، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن المطلوب: هو الحكم الذي يعلم أنه لا وجود له، فكيف يتصور طلبه له؟!
ثم إذا علمنا أنه لا حكم لله- تعالى- في الحادثة، فلِمَ يجب الاجتهاد؟!
__________
1 عبارة المستصفى: "يتبع".
2 في الأصل: "عليه" والمثبت من نسخة الدكتور النملة.
(2/363)

فإننا إذا علمنا بالعقل قبل ورود الشرع: انتفاء الواجبات، وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات، فيجب أن يطلق في الأشياء من غير اجتهاد، والعامِّي الذي لا اجتهاد له لا يؤاخذ على فعل من الأفعال؛ فإن الحكم إنما يحدث بالاجتهاد، وهو لا اجتهاد له، فلا حكم عليه إذًا، ولا خطاب في حقه، وهذا فاحش.
وقولهم: "إن النص إذا لم يقدر عليه المجتهد لا يكون حكمًا في حقه": ممنوع، بل الحكم بنزول النص إلى الخلق، بلغهم أو لم يبلغهم.
فلو وقف الحكم على سماع الخطاب، وبلوغ النص: لم يكن على العامّي حكم في أكثر المسائل؛ لكونه لم يبلغه النص، ولكان المجتهد إذا امتنع من الاجتهاد لا حكم عليه لتلك الحادثة، ولا يجب عليه قضاء ما ترك من العبادات والواجبات، ولا يكون مخطئًا إلا بترك الاجتهاد لا غير.
أما النص إذا نزل به "جبريل" فقد قال أبو الخطاب: يكون نسخًا، وإن لم يعلم به المنسوخ عنه1.
وإنما اعتدّ أهل قباء بما مضى من صلاتهم؛ لأن القبلة يعذر فيها بالعذر2.
جواب ثانٍ:
أن هذا فرض في مسألة لا يتوهم أن لها دليلًا يطلب، وإنما الخطأ فيما نصب الله – تعالى- عليه دليلًا، وأوجب على المكلف طلبه، ثم يحتاج إلى بيان تصور ذلك، وإمكان خلو بعض المسائل من الدليل، وهو باطل؛ إذ لا خلاف في وجوب الاجتهاد في الحادثة، وتعرّف حكمها،
__________
1 التمهيد "2/ 395".
2 هذا جواب سؤال مقدر تقديره: يرد على قولكم: إذا نزل جبريل بالنص يكون =
(2/364)

والشرع قد نصب عليها: إما دليلًا قاطعًا، أو ظنيًّا.
قولهم: "إن الأدلة الظنية ليست أدلة لأعيانها بدليل: اختلاف الإضافات".
قلنا:
هذا باطل، فإنّا قد بينّا في كل مسألة دليلًا، وذكرنا وجه دلالته. ولو لم يكن فيها أدلة: لاستوى1 المجتهد والعامّي.
ولجاز للعامّي الحكم بظنه، لمساواته المجتهد في عدم الدليل.
وهل الفرق بينهما إلا معرفة الأدلة، ونظره في صحيحها وسقيمها2؟!
ونبوّ3 بعض الطباع عن قبول الدليل لا يخرجه عن دلالته؛ فإن كثيرًا من العقليات يختلف فيها الناس مع اعتقادهم أنها قاطعة.
ولا ينكر أن منها ما تضعف دلالته، ويخفى وجهه، ويوجد معارض له، فتشتبه على المجتهد، وتختلف فيه الآراء.
ومنها: ما يظهر ويتبين خطأ مخالفيه، وكلها أدلة.
__________
= نسخًا، وإن لم يعلم به المنسوخ عنه: أن أهل قباء اعتدّوا بما مضى من صلاتهم، ولم يستأنفوها، ولو عدوا النزول نسخًا لاستأنفوها.
فأجاب المصنف: أن القبلة يعذر فيها بالعذر، فهي خارجة عما ذهبنا إليه، ومعنى: يعذر فيها بالعذر، أي: يقبل فيها العذر، انظر: نزهة الخاطر "2/ 429".
1 في الأصل "لا يستوي" والمثبت من الدكتور النملة.
2 أي: نظر المجتهد في الأدلة وتمييز بين ما يصلح منها وما لا يصلح
3 جاء في المصباح المنير مادة "نبا": "نبا الطبع عن الشيء: نفر ولم يقبله".
(2/365)

ولأن الظن إذا لم يكن دليلًا: فبِمَ عرفتم أنه ليس بدليل1؟
ويلزم من انتفاء ذلك: انتفاء الدليل على أنه ليس بدليل!.
وقولهم: "إنه لا يخلو إما أن يكون مكلفًا بممكن، أو بغير ممكن".
قلنا:
لا يكلف إلا ما يمكن.
ولا نقول: إنه يكلف الإصابة في محل التعذر، بل يكلف طلب الصواب، والحكم بالحق الذي هو حكم الله.
فإن أصابه: فله أجر اجتهاده، وأجر إصابته.
وإن أخطأ: فله ثواب اجتهاده، والخطأ محطوط عنه. والله – تعالى- أعلم.
__________
1 معناه: أنه يلزم من انتفاء كون الظن دليلًا: الدليل على أن الظن ليس بدليل، وذلك الانتفاء لا يحصل إلا بالظن، وذلك دور. انظر: نزهة الخاطر "2/ 430".
(2/366)

فصل: [في تعارض الأدلة]
إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح أحدهما: وجب عليه التوقف، ولم يكن له الحكم بأحدهما، ولا التخيير فيهما.
وبه قال أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية.
وقال بعضهم وبعض الحنفية: يكون المجتهد مخيرًا في الأخذ بأيهما شاء؛ لأنه لا يخلو:
إما أن يعمل بالدليلين
أو يسقطهما.
__________
1 معناه: أنه يلزم من انتفاء كون الظن دليلًا: الدليل على أن الظن ليس بدليل، وذلك الانتفاء لا يحصل إلا بالظن، وذلك دور. انظر: نزهة الخاطر "2/ 430".
(2/366)

أو يتحكم بتعيين أحدهما.
أو يتخير فيهما.
لا سبيل إلى الجمع بينهما، عملًا وإسقاطًا؛ لأنه متناقض، ولا إلى التوقف إلى غير غاية، فإن فيه تعطيلًا، وربما لم يقبل الحكم التأخير.
ولا سبيل إلى التحكم.
لم يبق إلا التخيير، والتخيير بين الحكمين مما ورد به الشرع في العامّي، إذا أفتاه مجتهدان، وفي خصال الكفارة1، والتوجه إلى أي جدران الكعبة شاء لمن دخلها.
والتخيير في زكاة مائتين من الإبل بين الحقاق وبنات اللبون 2. وأمثال ذلك.
فإن قلتم: التخيير بين التحريم ونقيضه، والإيجاب وعكسه، يرفع التحريم والإيجاب.
قلنا:
إنما يناقض الإيجاب: جواز الترك مطلقًا، أما جوازه بشرط فلا،
__________
1 فإنه مخير بين العتق والإطعام والكسوة. قال الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ... } [المائدة: 89] .
2 أي: أن المزكي إذا كان عنده مائتان من الإبل، خُيّر بين أن يخرج عنها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون؛ لأنه قد وجد لديه مقتضي إخراج بنات اللبون والحقاق، فإنه في كل أربعين بنت لون، وفي كل خمسين حقة. وبنت اللبون: ما لها سنتان، سُميت بذلك لأن أمها وضعت- غالبًا- فأصبحت ذات لبن، والحقة: ما لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سُميت بذلك لأنها استحق أن تركب ويحمل عليها، ويطرقها الفحل.
(2/367)

بدليل الواجب الموسع، يجوز تركه بشرط1.
والركعتان الأخيرتان في الرباعية من المسافر، يجوز تركهما بشرط قصد القصر. كذا هاهنا: يجوز ترك الواجب بشرط قصد الدليل المسقط له.
وإذا سمع قوله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} 2: حرم عليه الجمع "بين المملوكتين"3، وإنما يجوز له الجمع إذا قصد الدليل الثاني، وهو قوله: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... } 4 كما قال عثمان: "أحلتهما آية وحرمتهما آية".
__________
1 وهو: الإتيان به في الوقت الموسع، وهو الذي قال عنه في فصل تقسيم الواجب: "وفعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت".
2 سورة النساء من الآية: "23".
3 ما بين القوسين من المستصفى "4/ 118" وعليه يتوقف صحة المعنى.
4 سورة النساء، من الآية: "24" ولفظ المؤمنون: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} آية: "6" ومثلها في المعارج آية: "30" وفي جميع الطبعات: "أو ما ملكت أيمانكم" وهو خطأ يجب أن يتنبه له.
ومحل الشاهد: أن قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} يقتضي تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ لأنها لم تفرق بين الأختين في الزواج وملك اليمين. وقوله تعالى: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يقتضي إباحة الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ حيث لم تفرق الآية بين الأختين وغيرهما. وهذا معنى قول "عثمان"- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أحلتهما آية وحرمتهما آية"، تقدم تخريجه.
(2/368)

ولنا:
أن التخيير: جمع بين النقيضين، واطّراح لكلا الدليلين، وكلاهما باطل.
أما بيان اطّراح الدليلين: فإذا تعارض الموجَب والمحرَّم فيصير على التخيير المطلق، وهو حكم ثالث غير الدليلين معًا، فيكون اطّراحًا لهما، وتركًا لموجبهما.
وأما الجمع بين النقيضين: فإن المباح نقيض المحرَّم، فإذا تعارض المبيح والمحرِّم، فخيرناه بين كونه محرَّمًا يأثم بفعله، وبين كونه مباحًا لا إثم على فاعله: كان جمعًا بينهما، وذلك محال.
ولأن في التخيير بين الموجِب والمبيح رفعًا للإيجاب، فيصير عملًا بالدليل المبيح عينًا، وهو تحكم، قد سلموا بطلانه1.
قولهم2: "إنما جاز بشرط القصد".
قلنا:
فقبل أن يقصد العمل بأحدهما: ما حكمه؟
إن قلتم: حكمه الوجوب والإباحة معًا، والتحريم والحل معًا، فقد جمعتم بين النقيضين.
وإن قلتم: حكمه التخيير، فقد نفيتم الوجوب قبل القصد، واطّرحتم دليله، وأثبتم حكم الإباحة من غير شرط.
وإن قلتم: لا حكم له قبل القصد، وإنما يصير له بالقصد حكم.
فهذا إثبات حكم بمجرد الشهوة، والاختيار من غير دليل؛ فإن
__________
1 حيث قالوا في دليلهم السابق: "ولا سبيل إلى التحكم، لم يبق إلا التخيير".
2 بدأ المصنف يناقش أدلة المذهب الثاني.
(2/369)

الدليلين وجدا، فلم يثبت لهما حكم، وثبت بمجرد شهوته وقصده بلا دليل، وهذا باطل.
قولهم: "إن التوقف لا سبيل إليه".
قلنا:
نلزمك ما إذا لم يجد المجتهد دليلًا في المسألة، والعامّي إذا لم يجد مفتيًا، فماذا يصنع؟
وهل ثَمَّ طريق إلا التوقف في المسألة؟
ثم لا نسلم تصور خلوِّ المسألة عن دليل؛ فإن الله تعالى – كلّفنا حكمه، ولا سبيل إليه إلا بدليل.
فلو لم يجعل له دليلًا كان تكليفًا لِمَا لا يطاق.
فعند ذلك إذا تعارض دليلان، وتعذر الترجيح أسقطهما، وعدل إلى غيرهما، كالحاكم إذا تعارضت عنده بينتان.
أما العامّي:
فقد قيل: يجتهد في أعيان المفتين، فيقلد أعلمهما وأدينهما. وهو ظاهر قول الخرقي1؛ لأنه قال في الأعمى إذا كان مع مجتهدَيْن في القبلة، قلّد أوثقهما في نفسه2.
وقيل3: يخير فيهما.
__________
1 هو: عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي، من فقهاء الطبقة الثالثة الحنابلة، صاحب كتاب "المختصر في الفقه" توفي بدمشق سنة 334هـ.
طبقات الحنابلة "2/ 75-76".
2 انظر: المختصر مع المغني "2/ 109".
3 وهذا هو الرأي الثاني في العامّي "إذا أفتاه مجتهدان.
(2/370)

والفرق بينهما1: أن العامّي ليس عليه دليل، ولا هو متعبد باتباع موجب ظنه.
بخلاف المجتهد؛ فإنه متعبد بذلك، ومع التعارض لا ظنّ له، فيجب عليه التوقف.
ولهذا لا يحتاج العامّي إلى الترجيح بين المفتين على هذا الوجه، ولا يلزمه العمل بالراجح، بخلاف المجتهد.
ولا ينكر التخيير في الشرع2، لكن التخيير بين النقيضين ليس له في الشرع مجال، وهو في نفسه محال. والله أعلم.
__________
1 أي: بين العامّي والمجتهد.
2 مثل التخيير في كفارة اليمين بين الإطعام والكسوة والعتق، وبين إخراج أربع حقاق، أو خمس بنات لبون في مائتين من الإبل، كما تقدم.
(2/371)

فصل: [هل للمجتهد أن يقول قولين في مسألة واحدة]
وليس للمجتهد أن يقول في المسألة قولين في حالٍ واحدة، في قول عامّة الفقهاء.
وقال ذلك الشافعي في مواضع1.
منها: قال في المسترسل من اللحية قولان:
أحدهما: يجب غسله.
__________
1روي أن ذلك وقع منه -رضي الله عنه– في ستة عشر أو سبعة عشر مسألة. انظر: نهاية السول للإسنوي "3/ 184".
(2/371)

والآخر: لا يجب1.
فقيل عنه: لعله تكافأ عنده الدليلان، فقال بهما على التخيير. أو علم الحق في أحدهما لا بعينه فقال ذلك، لينظر فيهما، فاخترمه الموت، أو نبه أصحابه على طريق الاجتهاد.
ولا يصح شيء من ذلك؛ فإن القولين لا يخلو:
إما أن يكونا صحيحين، أو فاسدين.
أو أحدهما صحيح، والآخر فاسد.
فإن كانا فاسدين: فالقول بهما حرام.
وإن كانا صحيحين، وهما ضدان: فكيف يجتمع ضدان؟!
وإن كان أحدهما فاسدًا، لم يخلُ:
إما أن يعلم فساد الفاسد، أولا يعلمه.
فإن علمه، فكيف يقول قولًا فاسدًا؟! أم كيف يلبّس2 على الأمة بقول يحرم القول به؟!
وإن اشتبه عليه الصحيح بالفاسد، لم يكن عالمًا بحكم المسألة، ولا قول له فيها أصلًا، فكيف يكون له قولان؟!.
قولهم: "تكافأ عنده دليلان". قد أبطلناه3.
ثم لو صح، فحكمه التخيير، وهو قول واحد.
وقولهم: "إنه علم الحق في أحدهما لا بعينه".
__________
1 انظر: الأم "1/ 25" طبعة دار المعرفة – لبنان.
2 في المصباح المنير مادة "لبس": "ولبست الأمر لبسًا- من باب ضرب- خلطته، وفي التنزيل {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] . والتشديد مبالغة".
3 في قوله- سابقًا: "وإن كانا صحيحين وهما ضدان، فكيف يجتمع ضدان؟! ".
(2/372)

قد بينا أن ما كان كذلك لم يكن له في المسألة قول أصلًا. ثم كان ينبغي أن ينبه على ذلك، ويقول:
لي في المسألة نظر" أو يقول: "الحق في أحد هذين القولين".
إما إطلاقه فلا وجه له.
وهذا هو الجواب عن الآخر1.
أما ما يحكى عن غيره من الأئمة من الروايتين، فإنما يكون ذلك في حالتين، لاختلاف الاجتهاد، والرجوع عما رأى إلى غيره "ثم إن علمنا المتأخر عملنا به وألغينا المتقدم، وإن لم نعلم"2 المتقدم منهما، فيكونان كالخبرين المتعارضين.
__________
1 وهو قولهم: "إنه قال ذلك لينبه أصحابه على طريق الاجتهاد". ومعناه: أنه كان يجب عليه أن يبين ولا يطلق.
2 ما بين القوسين زيادة من ط الدكتور عبد العزيز السعيد- حفظه الله – ص "376" وهو وإن لم يذكر مصدر هذه الزيادة، إلا أن هذا موافق لما قاله القاضي أبو يعلى في العدة "5/ 1616 – 1617" حيث قال: "قيل: الروايتان لم يقلهما أحمد في حالٍ واحدةٍ، فيؤدي ذلك إلى أن يكون الشيء الواحد حلالًا حرامًا، وإنما قال ذلك في وقتين مختلفينن رجع عن الأول منهما. ولو علمنا المتأخر منهما صرنا إليه، وجعلناه رجوعًا عن الأول، فلما لم نعرف المتقدم من المتأخر، جعلنا الحكم فيها مختلفًا؛ لأنه ليس تقديم أحدهما أولى من تأخيره".
(2/373)

فصل: [المجتهد لا يقلد غيره]
اتفقوا على أن المجتهد إذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم، لم يجزْ له تقليد غيره.
(2/373)

وعلى أن العامّي له تقليد المجتهد.
فأما المتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل، ولا يقدر على الاجتهاد في البعض إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء، كالنحو في مسألة نحوية، وعلم صفات الرجال في مسألة خبرية، فالأشبه: أنه كالعامّي فيما لم يُحصّل علمُه؛ فإنه كما يمكنه تحصيله، فالعامّي يمكنه ذلك مع المشقة التي تلحقه.
إنما المجتهد الذي صارت العلوم عنده حاصلة بالقوة القريبة من الفعل، من غير حاجة إلى تعب كثير بحيث لو بحث عن المسألة، ونظر في الأدلة استقل بها، ولم يفتقر إلى تعلُّمٍ من غيره.
فهذا المتجهد هل يجوز له تقليد غيره.
قال أصحابنا: ليس له تقليد مجتهد آخر، مع ضيق الوقت، ولا سعته، لا فيما يخصه، ولا فيما يفتي به.
لكن يجوز له أن ينقل للسمتفتي مذهب الأئمة، كأحمد والشافعي، ولا يفتي مِنْ عند نفسه بتقليد غيره؛ لأن تقليدَ مَنْ لا تثبت عصمته، ولا تعلم إصابته: حكمٌ شرعيٌّ لا يثبت إلا بنص، أو قياس، ولا نص ولا قياس؛ إذ المنصوص عليه العامّي مع المجتهد، وليس ما اختلفنا فيه مثله؛ فإن العامّي عاجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه، والمجتهد قادر، فلا يكون في معناه.
فإن قيل: هو لا يقدر على غير الظن، وظن غيره كظنه.
قلنا:
مع هذا إذا حصل ظنه: لم يجزْ له اتباع ظن غيره، فكان ظنه أصلًا، وظن غيره بدلًا، فلا يجوز إثباته إلا بالدليل.
ولأنه إذا لم يجزْ له العدول إليه مع وجود المبدل، لم يجزْ مع
(2/374)

القدرة عليه، كسائر الأبدال والمبدلات.
فإن قيل: "لا نسلم عدم النص في المسألة، بل فيها نصوص: كقوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} 1. وهذا لا يعلم هذه المسألة.
وقوله: { ... أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} 2.
قلنا:
المراد بالأولى: أمر العامّة بسؤال العلماء؛ إذ ينبغي أن يتميز السائل عن المسؤول، فالعالم مسؤول غير سائل، ولا يخرج عن العلماء بكون المسألة غير حاضرة في ذهنه إذا كان متمكنًا من معرفتها من غير تعلُّمٍ من غيره.
الثاني3:
يحتمل أن يكون معناه: اسألوا لتعلموا، أي: سلوا عن الدليل ليحصل العلم، كما يقال: "كُلْ لتشبع" و"اشرب لتروي" والمراد بـ {أُولِي الْأَمْرِ} : الولاة، لوجوب طاعاتهم؛ إذ لا يجب على المجتهد طاعة المجتهد.
وإن كان المراد به العلماء، فالطاعة على العوامّ.
ثم هو معارض بعمومات أخرى أقوى مما ذكروه، يمكن التمسك بها في المسألة:
كقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} 4، وقوله تعالى:
__________
1 سورة النحل، من الآية: "43"، والأنبياء، من الآية: "7".
2 سورة النساء، من الآية: "59".
3 أي: المعنى الثاني الذي يمكن أن يؤخذ من قوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ} .
4 سورة الحشر، من الآية: "2".
(2/375)

{لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 1، وقوله سبحانه: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} 2 وقوله سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 3.
وهذا أمر بالتدبر والاستنباط، والخطاب مع العلماء.
ثم لا فرق بين المماثل والأعلم؛ فإن الواجب أن ينظر إن وافق اجتهاده الأعلم: فذاك.
وإن خالفه فمن أين ينفع كونه أعلم وقد صار مزيفًا؟! 4 عنده، وظنه عنده أقوى من ظن غيره، وله الأخذ بظن نفسه اتفاقًا، ولم يلزمه الأخذ بقول غيره؟! وإن كان أعلم، فينبغي أن لا يجوز تقليده.
فإن قيل: فلم ينقل عن طلحة والزبير ونظرائهما نظر في الأحكام، مع ظهور الخلاف، فالأظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم.
قلنا:
كانوا لا يفتون، اكتفاءً بغيرهم، وأما علمهم لنفوسهم: لم يكن إلا بما عرفوه، فإن أشكل عليهم شاوروا غيرهم، لتعرّف الدليل، لا للتقليد، والله أعلم.
__________
1 سورة النساء، من الآية: "83".
2 سورة محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- من الآية: "24".
3 سورة النساء، من الآية: "59".
4 أصل التزييف: تمييز الرائج من الزائف، وهو الرديء، ثم استعمل في الرد والإبطال. تاج العروس مادة "زيف".
(2/376)

فصل: [إذا نصّ المجتهد على حكم لعلة في مسألة فهو مذهبه في كل ما توجد فيه هذه العلة]
إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة بيّنها توجد في مسائل سوى المنصوص عليه: فمذهبه في تلك المسائل كمذهبه في المسألة المعللة؛ لأنه يعتقد الحكم تابعًا للعلة، ما لم يمنع منها مانع.
فإن لم يبين العلة: لم يجعل ذلك الحكم مذهبه في مسألة أخرى. وإن أشبهتها شبهًا يجوز خفاء مثله على بعض المجتهدين.
فإنا لا ندري لعلها لو خطرت له: لم يَصِرْ فيها إلى ذلك الحكم. ولأن ذلك إثبات مذهب بالقياس.
ولذلك افترقا في منصوص الشارع: فما1 نصَّ على علته كان كالنص، يُنسخ وينسخ به، وما لم ينص على علته: لم ينسخ ولم ينسخ به.
ولو نص المجتهد- على مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين: لم ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى؛ ليكون له في المسألتين روايتان؛ لأنّا إذا لم نجعل مذهبه في المنصوص عليه مذهبًا في المسكوت عنه، فالطريق الأولى: أن لا نجعله مذهبًا له فيما نُصّ على خلافه.
ولأنه إنما يضاف إلى الإنسان مذهب في المسألة، بنصه، أو دلالة تجري مجرى نصه، ولم يوجد أحدهما.
وإن وجد منه نوع دلالة على الأخرى، لكن قد نص فيها على خلاف تلك الدلالة، فالدلالة2 الضعيفة لا تقاوم النص الصريح.
__________
1 في الأصل "فيما" والمثبت من ط الدكتور عبد العزيز السعيد.
2 في الأصل "والدلالة" والمثبت من ط الدكتور السعيد.
(2/377)

فإن نص في مسألة واحدة على حكمين مختلفين، ولم يعلم تقدم أحدهما: اجتهدنا في أشبههما بأصوله، وأقواهما في الدلالة فجعلناها له مذهبًا، وكنا شاكِّين في الأخرى. وإن علمنا الآخرة: فهي المذهب؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين قولين مختلفين- على ما بينا1- فيكون نصه الأخير رجوعًا عن رأيه الأول، فلا يبقى مذهبًا له، كما لو صرح بالرجوع.
وقال بعض أصحابنا: يكون الأول مذهبًا له؛ لأنه لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد.
ولا يصح2.
فإنهم إن أرادوا أن لا يترك ما أداه إليه اجتهاده الأول باجتهاده الثاني، فهو باطل يقينًا؛ فإنّا نعلم أن المجتهد في القبلة إذا تغير اجتهاده: ترك الجهة التي كان مستقبلًا لها، وتوجه على غيرها، والمفتي إذا أفتى في مسألة بحكم، ثم تغير اجتهاده: لم يجزْ أن يفتي فيها بذلك الحكم3، وكذلك الحاكم.
وإن أرادوا: أن الحكم الذي حكم به على شخص لا ينقضه، أو ما أداه من الصلوات لا يعيده: فليس هذا نظيرًا لمسألتنا.
إنما الخلاف فيما إذا تغير اجتهاده، هل يبقى الأول مذهبًا له أم لا، وقد بينا أنه لا يبقى4.
__________
1 أي: في فصل: ليس للمجتهد أن يقول في المسألة قولين.
2 أي: لا يصح هذا القول: وبذلك يكون المصنف قد رجح المذهب الأول، وسوف يدلل على ذلك فيما يأتي.
3 أي: الأول.
4 في فصل: ليس للمجتهد أن يقول في المسألة قولين.
(2/378)

ثم يبطل ما ذكروه بما [لو] صرح بالرجوع عن القول الأول، فكيف يجعل مذهبًا له مع قوله: "رجعت عنه، واعتقدت بطلانه"؟! فلا بد من نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
وعند ذلك ينبه على أن المجتهد لو تزوج امرأة خالعها ثلاثًا1 وهو يرى أن الخلع فسخ، ثم تغير اجتهاده، واعتقد أن الخلع طلاق، لزمه تسريحها، ولم يجزْ له إمساكها على خلاف اعتقاده.
فإن حكم بصحة ذلك النكاح حاكم، ثم تغير اجتهاده، لم يفرق بين الزوجين، لمصلحة الحكم، فإنه لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد. لنقض النقض، وتسلسل، واضطربت الأحكام، ولم يوثق بها.
أما إذا نكح المقلد بفتوى مجتهد، ثم تغير اجتهاد المجتهد: فهل يجب على المقلد تسريح زوجته؟
الظاهر: أنه لا يجب؛ لأن عمله بفتياه جري مجرى حكم الحاكم، فلا ينقض ذلك، كما لا ينقض ما حكم به الحاكم2.
__________
1 لفظ "ثلاث" ليس في أصلنا. وأثبتناه من ط الدكتور النملة.
2 قال الطوفي- ملخصا ذلك: "وحاصل ما ذكر: أن اجتهاد المجتهد إما أن يتجرد عن الحكم والفتوى، أو لا يتجرد. فإن تجرد عنهما: وجب نقضه بالاجتهاد المخالف له بعده. وإن اقترن به حكم: لم ينقض، واستؤنف العمل بالاجتهاد الثاني.
وإن اقترن به الفتيا، والعمل بها: احتمل أن لا ينقض ما عمل بها مطلقًا في النكاح، وغيره تنزيلًا للعمل بها منزلة حكم الحاكم، واحتمل أن ينقض ما سوى النكاح، كما فرض في المختصر، فرقًا بينه وبين غيره بما عرف من خواصّه، وتشوق الشرع إلى تكثيره". شرح المختصر "3/ 649".
(2/379)

فصل: في التقليد
التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به.
ويسمى ذلك قلادة، والجمع قلائد1.
قال الله تعالى: { ... وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ} 2.
ومنه قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الخيل: "لا تقلِّدوها الأوتار"3.
قال الشاعر4:
قلدوها تمائمًا ... خوف واش وحاسد
__________
1 انظر: معجم مقاييس اللغة "5/ 19"، القاموس المحيط "1/ 329".
2 سورة المائدة، من الآية: "2".
3 هذا الحديث روي بطرق مختلفة، منها: ما رواه الإمام أحمد في المسند "3/ 352" عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، وامسحوا نواصيها، وادعوا لها بالبركة، وقلِّدوها، ولا تقلِّدوها الأوتار".
وأخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في مشكل الآثار حديث رقم "323" والطبراني في الأوسط، وأبو داود حديث "2553"، والنسائي "6/ 218" كما أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود بروايات أخرى. انظر: مجمع الزوائد للهيثمي "5/ 259"، شرح السنة للبغوي حديث رقم "2639".
والأوتار: جمع وتر، وهو القوس. وقد اختلف العلماء في المراد من الحديث:
فقيل: إنهم كانوا يقلدون الخيل والإبل أوتار القسي حتى لا تصاب بالعين، فأمروا بقطعها للإعلام بأنها لا ترد من قدر الله شيئًا. وقيل: إنما نهوا عن ذلك لئلا تختنق الدابة عند شدة الركض. انظر: شرح السنة "5/ 529".
4 لم أقفْ على القائل.
(2/380)

ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه. كما قال لقيط الإيادي1:
وقلِّدا أمركم لله دركم
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعًا.
وهو في عرف الفقهاء.
قبول قول الغير من غير حجة، أخذًا من هذا المعنى2، فلا يسمى الأخذ بقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- والإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه.
قال أبو الخطاب: العلوم على ضربين:
منها ما لا يسوغ التقليد فيه وهو: معرفة الله ووحدانيته، وصحة
__________
1 هو: لقيط بن يعمر بن خارجة الإيادي، شاعر جاهلي من أهل الحيرة، كان يحسن الفارسية، اتصل بكسرى فكان من كتابه والمطلعين على أسرار دولته. توفي نحو 250 قبل الهجرة. انظر: الأغاني "2/ 23"، الأعلام "6/ 109". والبيت من قصيدة له مطلعها:
سلام في الصحيفة من لقيط
إلى من بالجزيرة من إياد
ومعنى "رحب الذراع" كناية عن القوى المقتدر على الأمور. ومعنى "مضطلعًا" الاضطلاع من الضلاعة، وهي: قوة احتمال الأثقال من الاضطلاع. انظر: ديوان لقيط الإيادي ص47 تحقيق الدكتور عبد المعين خان ط مؤسسة الرسالة.
2 أي: المعنى اللغوي، فكأن المقلد يطوّق المجتهد، ويجعل ما يأخذه عن طوقًا في عنقه، أخذًا من قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِه ِ....} [الإسراء: من الآية: 13] .
ويشير إلى ذلك- أيضًا – ما أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-قال: "من أفتى بفتيا غير ثبت" أي غير صواب" فإنما إثمه على من أفتاه" انظر: شرح الطوفي "3/ 652"، نزهة الخاطر العاطر "2/ 450".
(2/381)

الرسالة1. ونحو ذلك؛ لأن المقلد في ذلك إما أن يجوز الخطأ على من يقلده، أو يحيله.
فإن أجازه فهو شاكٌّ في صحة مذهبه.
وإن أحاله: فبِمَ عرف استحالته، ولا دليل عليها؟
وإن قلده في أن أقواله حق، فبِمَ عرف صدقه؟
وإن قلد2 غيره في تصديقه، فبِمَ عرف صدق الآخر؟
وإن عوّل على سكون النفس في صدقه، فما الفرق بينه وبين سكون أنفس النصارى واليهود المقلدين؟
وما الفرق بين قول مقلده أنه صادق، وبين قول مخالفه؟
وأما التقليد في الفروع:
فهو جائز إجماعًا3.
فكانت الحجة فيه: الإجماع.
ولأن المجتهد في الفروع إما مصيب، وإما مخطئ مثاب غير مأثوم، بخلاف ما ذكرناه.
__________
1 إلى هنا انتهى كلام أبي الخطاب في التمهيد "4/ 396" وجاء بعدها: "وبه قال عامّة العلماء. وقال بعض الشافعية: يجوز للعامّي التقليد في ذلك".
2 في الأصل "قلده" والمثبت من ط الدكتور النملة.
3 كيف يدّعي الإجماع والقضية خلافية، وقد نقل المصنف نفسه بعد ذلك خلاف القدرية في المسألة؟!.
قال القرافي: "مذهب مالك وجمهور العلماء: وجوب الاجتهاد، وإبطال التقليد، وادّعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد". انظر: شرح تنقيح الفصول ص442، 443، وهو الذي رجحه الشوكاني في كتابيه: "إرشاد الفحول". و"القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد".
(2/382)

فلهذا جاز التقليد فيها، بل وجب على العامّي ذلك.
وذهب بعض القدرية إلى أن العامّة يلزمهم النظر في الدليل في الفروع أيضًا.
وهو باطل بإجماع الصحابة؛ فإنهم كانوا يفتون العامّة، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامّهم.
ولأن الإجماع منعقد على تكليف العامّي الأحكام، وتكليفه رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع، فيؤدي إلى خراب الدنيا.
ثم ماذا يصنع العامّي إذا نزلت به حادثة إن لم يثبت لها حكم إلى أن يبلغ رتبة الاجتهاد، فإلى متى يصير مجتهدًا؟
ولعله لا يبلغ ذلك أبدًا، فتضيع الأحكام.
فلم يبقَ إلا سؤال العلماء، وقد أمر الله – تعالى – بسؤال العلماء في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} 1.
__________
1 سورة النحل، من الآية: "43" والأنبياء، من الآية: "7" قال الشوكاني- ردًّا على الاستدلال بهذه الآية: ".... وليس بالمراد بما احتج به الموجبون للتقليد، والمجوزون له من قوله سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} إلا السؤال عن حكم الله في المسألة، لا عن آراء الرجال، هذا على تسليم أنها واردة في عموم السؤال-كما زعموا- وليس الأمر كذلك، بل هي واردة في أمر خاصٍّ، وهو السؤال عن كون أنبياء الله رجالًا، كما يفيده أول الآية وآخرها، حيث قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ... } .
راجع: إرشاد الفحول جـ2 ص353 ومناقشتنا لما قاله الشوكاني في ذلك.
(2/383)

قال أبو الخطاب: "ولا يجوز التقليد في أركان الإسلام الخمس ونحوها، مما اشتهر، ونقل نقلًا متواترًا؛ لأن العامة شاركوا العلماء في ذلك، فلا وجه للتقليد"1.
__________
1 انظر: التمهيد "4/ 398".
(2/384)

فصل: [فيمن يستفتيه العامّي]
ولا يستفتي العامّي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد، بما يراه من انتصابه للفتيا بمشهد من أعيان العلماء، وأخذ الناس عنه، وما يتلمحه من سمات الدين والستر، أو يخبره عدل عنه.
فأما من عرفه بالجهل: فلا يجوز أن ينقله اتفاقًا.
ومن جهل حاله.
فقد قيل: يجوز تقليده؛ لأن العادة أن من دخل بلدة يسأل عن مسألة لا يبحث عن عدالة من يستفتيه، ولا1 عن علمه2.
وإن منعتم السؤال عن علمه، فلا يمكن منع السؤال عن عدالته، وهو حجة لنا في الصورة الممنوعة3.
__________
1 في الأصل "إلا" والمثبت من ط الدكتور النملة.
3 هذا هو المذهب الأول، والمذهب الثاني: أنه لا يجوز تقليد مجهول الحال، وهو الذي رجحه المصنف، واستدلّ له بقوله: "قلنا ... ".
4 العبارة غير واضحة، ونصّ عبارة الغزالي في المستصفى "4/ 151": "فإن قيل: إذا لم يعرف عدالة المفتي، هل يلزمه البحث؟ إن قلتم: يلزمه البحث، فقد خالفتم العادة؛ لأن كل من دخل بلدة فيسأل عالم البلد، ولا يطلب حجة على عدالته، وإن جوزتم مع الجهل، فكذلك في العلم".
(2/384)

قلنا:
كل من وجب عليه قبول قول غيره، وجب معرفة حاله، فيجب على الأمة معرفة حال الرسول، بالنظر في معجزاته، ولا يصدّق كل مجهول يدّعي أنه رسول الله، ويجب على الحاكم معرفة الشاهد، وعلى العالم بالخبر معرفة حال رواته.
وفي الجملة: كيف يقلد من يجوز أن يكون أجهل من السائل؟
أما العادة من العامة: فليست دليلًا.
وإن سلمنا ذلك مع الجهل بعدالته: فلأن الظاهر من حال العالم العدالة، لا سيما إذا اشتهر بالفتيا.
ولا يمكن أن يقال: ظاهر الخلق نيل درجة الاجتهاد، لغلبة الجهل، وكون الناس عوامًّا، إلا الأفراد.
ولا يمكن أن يقال: العلماء فسقة إلا الآحاد، فافترقا1.
__________
1 عبارة الغزالي: ولا يمكن أن يقال: ظاهر حال الخلق العلم ونيل درجة التقوى، والجهل أغلب على الخلق؛ فالناس كلهم عوامّ إلا الأفراد في البلاد، ولا يمكن أن يقال: المجتهدون والعلماء كلهم فسقة إلا الأفراد، بل العلماء كلهم عدول إلا الآحاد" المستصفى "4/ 151".
(2/385)

فصل: [إذا تعدد المجتهدون فللمقلد سؤال من شاء]
وإذا كان في البلد مجتهدون فللمقلد مساءلة من شاء منهم. ولا يلزمه مراجعة الأعلم، كما نقل في زمن الصحابة؛ إذ سأل العامّة الفاضل والمفضول في أحوال العلماء.
(2/385)

وقيل: بل يلزمه سؤال الأفضل1.
وقد أومأ إليه الخرقي فقال: "إذا اختلف اجتهاد رجلين اتبع الأعمى أوثقهما في نفسه"2.
والأولى أولى؛ لما ذكرنا من الإجماع.
وقول الخرقي يحمل على ما إذا سألهما فاختلفا، وأفتاه كل واحد بخلاف قول صاحبه، فحينئذ يلزمه الأخذ بقول الأفضل في علمه ودينه.
وفيه وجه آخر: أنه يتخير، لما ذكرناه من الإجماع3.
ولأن العامّي لا يعلم الأفضل حقيقة، بل يغتر بالظواهر، وربما يقدم المفضول؛ فإن لمعرفة مراتب الفضل أدلة غامضة ليس دركها شأن العوامّ.
__________
1 وضحه الطوفي فقال: "يكفي المقلد سؤال بعض مجتهدي البلد، يعني: سؤال من شاء منهم، ولا يلزمه سؤال جميعهم، وفي وجوب تخير الأفضل، أي: هل يجب عليه أن يتخير أفضل المجتهدين فيستفتيه؟ فيه قولان:
ثم ساق أدلة القائلين بعدم وجوب تخير الأفضل فقال:
أحدهما: أن الصحابة أجمعوا على تسويغ سؤال مقلديهم الفاضل والمفضول، أي: أجمعوا على أن للمستفتي أن يقلد فاضلهم ومفضولهم، وذلك ينفي وجوب تخير الأفضل، وإلا كان إجماع الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- خطأ، وهو باطل.
الوجه الثاني: أن الفضل قدر مشترك بين الفاضل والأفضل، فليكف في جواز التقليد، ولا عبرة بخاصية الأفضلية.
قلت: ولأن الناس متفاوتون في رتبة الفضائل فما من فاضل إلا وثَمَّ من هو أفضل منه بدليل قوله – عَزَّ وَجَلََََّّّّ: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: من الآية: 76] ، فلو اعتبر الأفضل لانسد باب الاجتهاد". انظر: شرح المختصر "3/ 666-367".
2 انظر: المختصر مع المغني "2/ 109"
3 هذا تكرار لما تقدم.
(2/386)

ولو جاز ذلك:
جاز له النظر في المسألة ابتداءً.
ووجه القول الأول1:
أن أحد القولين خطأ، وقد تعارض عنده دليلان، فيلزمه الأخذ بأرجحهما، كالمجتهد يلزمه الأخذ بأرجح الدليلين المتعارضين2.
ولأن من اعتقد أن الصواب في أحد القولين لا ينبغي له أن يأخذ بالتشهي، وينتقي 3 من المذاهب أطيبها، ويتوسع، ويعرف الأفضل بالأخبار، وبإذعان المفضول له، وتقديمه له، وبأمارات تفيد غلبة الظن دون البحث عن نفس علمه، والعامّي أهل لذلك.
والإجماع محمول على ما إذا لم يسألهما؛ إذ لم ينقل إلا ذلك.
فأما إن استوى عنده المفتيان: جاز له الأخذ بقول من شاء منهما؛ لأنه ليس قول بعضهم أولى من البعض.
وقد رجح قوم القول الأشد؛ لأن الحق ثقيل.
ورجح الآخرون الأخف؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-بعث بالحنيفية السمحة4.
__________
1 أي: لزوم البحث عن الأفضل وسؤاله.
2 وضحه الشيخ الطوفي فقال: "احتج المثبت لوجوب تخير الأفضل بأن الظن الحاصل من قول الأفضل أغلب، فيكون واجبًا، أما الأولى فظاهرة، وأما الثانية: فبناء على أن الأصل اعتبار العلم، وإنما سقط في الشرعيات لتعذره، فوجب الظن الأقرب إلى العلم"، شرح مختصر الروضة "3/ 667".
3 في الأصل "ينتقد" والمثبت في المستصفى "4/ 154".
4 روى البخاري وأحمد وغيرهما أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-قال: "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ... " انظر: صحيح البخاري مع الفتح "1/ 86، 87" مسند الإمام أحمد "1/ 236، 5/ 226، 6/ 116، 233" فيض القدير "3/ 203".
(2/387)

وهما قولان متعارضنا فيسقطان1.
وقد روي عن أحمد- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ما يدل على جواز تقليد المفضول؛ فإن الحسين بن بشار2 سأله عن مسألة في الطلاق فقال: "إن فعل حنث" فقال له: يا أبا عبد الله، إن أفتاني إنسان -يعني: لا يحنث- فقال: تعرف حلقة المدنيين؟ -حلقة بالرصافة– فقال: إن أفتوني به حل؟ قال نعم3.
وهذا يدل على التخيير بعد الفتيا. والله أعلم.
__________
1 أي: أن كلًّا من الأخذ بالأشد، والأخذ بالأخف متعارض مع الآخر فيتساقطان، ويرجع العامّي إلى الأخذ بقول من شاء.
2 هو: الحسين بن بشار المخرمي، من أصحاب الإمام أحمد -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الذين نقلوا عنه كثيرًا من المسائل. انظر: طبقات الحنابلة "1/ 142".
3 انظر: التمهيد لأبي الخطاب "4/ 403، 404".
(2/388)

باب: في ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح
مدخل
...
باب: في ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح 2
يجب على المجتهد في كل مسألة أن ينظر أول شيء إلى الإجماع: فإن وجده لم يحتجْ إلى النظر في سواه.
ولو خالفه كتاب أو سنة علم أن ذلك منسوخ، أو متأول؛ لكون الإجماع دليلًا قاطعًا، لا يقبل نسخًا ولا تأويلًا2.
ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة، وهما على رتبة واحدة؛ لأن كل واحد منهما دليل قاطع.
__________
1 قال الطوفي: "اعلم أن هذا من موضوع نظر المجتهد وضروراته؛ لأن الأدلة الشرعية متفاوتة في مراتب القوة، فيحتاج المجتهد إلى معرفة ما يقدم منها وما يؤخر، لئلا يأخذ بالأضعف منها مع وجود الأقوى، فيكون كالمتيمم مع وجود الماء.
وقد يعرض للأدلة التعارض والتكافؤ، فتصير بذلك كالمعدومة، فيحتاج إلى إظهار بعضها بالترجيح ليعمل بها، وإلا تعطلت الأدلة والأحكام. فهذا الباب مما يتوقف عليه الاجتهاد توقف الشيء على جزئه أو شرطه". شرح مختصر الروضة "3/ 673".
2 فالإجماع مقدم على سائر الأدلة لوجهين:
أحدهما: كونه قاطعًا معصومًا من الخطأ بشهادة المعصوم بذلك وهو الرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-كما تقدم في باب الإجماع.
(2/389)

ولا يتصور التعارض في القواطع، إلا أن يكون أحدهما منسوخًا.
ولا يتصور أن يتعارض علم وظن؛ لأن ما علم كيف يظن خلافه؟! وظن خلافه شك، فكيف يشك فيما يعلم؟!
ثم ينظر في أخبار الآحاد:
فإن عارض خبر خاصٌّ عمومَ كتاب أو سنة متواترة: فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها1.
ثم ينظر -بعد ذلك- في قياس النصوص:
فإن تعارض قياسان أو خبران، أو عمومان: طلب الترجيح.
__________
= ثانيهما: أنه لا يقبل النسخ والتأويل، بخلاف باقي الأدلة، وقد سبق الكلام في أن الإجماع لا يقبل النسخ في بابه.
وأما كونه لا يقبل التأويل: فإن التأويل لا يلحق إلا ما كانت دلالته ظاهرة، والإجماع قاطع، فصار كالنصوص في مدلولها لا تقبل التأويل. انظر: شرح الطوفي "3/ 675".
1 في مسألة تعارض الخاص مع العام.
(2/390)

فصل: [تعريف التعارض]
واعلم أن التعارض: هو التناقض1.
ولا يجوز ذلك في خبرين؛ لأن خبر الله –تعالى– ورسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-لا يكون كذبًا.
__________
1 في الأصل: "الناقض" وهو خطأ مطبعي، والتعارض في اللغة التمانع، ومنه: تعارض البينات؛ لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها.
انظر: تاج العروس "8/ 73" المفردات للراغب الأصفهاني "1/ 391".
وأما التعارض في الاصطلاح: فله تعريفات كثيرة، من أوضحها: تعريف الزركشي بأنه: "تقابل الدليلين على سبيل الممانعة". البحر المحيط "6/ 109". وانظر في تعريفه: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع "2/ 359"، نهاية السول "4/ 433"، شرح الكوكب المنير "4/ 605".
(2/390)

فإن وجد ذلك في حكمين:
فإما أن يكون أحدهما كذبًا من الراوي.
أو يمكن الجمع بينهما بالتنزيل على حالين، أو في زمانين.
أو يكون أحدهما منسوخًا.
فإن لم يمكن الجمع، ولا معرفة النسخ: رجحنا1، فأخذنا الأقوى في أنفسنا.
[وجوه الترجيح في الأخبار]
ويحصل الترجيح في الأخبار من ثلاثة أوجه:
الأول: يتعلق بالسند:
وذلك أمور خمسة:
أحدها: كثرة الرواة، فإن ما كان رواته أكثر كان أقوى في النفس، وأبعد من الغلط أو السهو؛ فإن خبر كل واحد يفيد ظنًّا على انفراده، فإن انضم أحدهما إلى الآخر كان أقوى وآكد منه لو كان منفردًا، ولهذا ينتهي إلى التواتر بحيث يصير ضروريًّا قاطعًا لا يشك فيه.
وبهذا قال الشافعي2.
وقال بعض الحنفية: لا يرجح به 3؛ لأنه خبر يتعلق به الحكم، فلم يترجح بالكثرة، كالشهادة والفتوى.
__________
1 الترجيح في اللغة: مأخوذ من رجح بمعنى: زاد، يقال: رجح الشيء يرجح رجوحًا إذا مال وثقلت كفته.
وأما في الاصطلاح: فله تعريفات كثيرة منها: تعريف الزركشي أنه: "بيان اختصاص الدليل بمزيد قوة عن مقابله ليعمل به"، البحر الحيط "6/ 130".
2 انظر: البرهان "2/ 1143، 1162"، الإحكام للآمدي "4/ 241".
3 يراجع: كشف الأسرار "4/ 78"، التوضيح على التنقيح "3/ 59".
(2/391)

قلنا:
الأصل ما ذكرناه1 بدليل أمور ثلاثة:
أحدها: ما ذكرناه من غلبة الظن، وتقديم الراجح متعين، لأنه أقرب إلى الصحة.
ولذلك إذا غلب على الظن كون الفرع أشبه بأحد الأصلين وجب اتباعه.
الثاني: أن الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- كانوا يرجحون بكثرة العدد. ولذلك قوّى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-خبر ذي اليدين بموافقة أبي بكر وعمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-2.
وأبو بكر قوّى خبر المغيرة في ميراث الجدة بموافقة محمد بن مسلمة3. وقوّى عمر خبر المغيرة -أيضًا- في دية الجنين بموافقة محمد بن مسلمة4. وقوّى خبر أبي موسى في الاستئذان بموافقة أبي سعيد5. وقوّى ابن عمر خبر أبي هريرة في: "من شَهِد جنازة" بموافقة عائشة6. إلى غير ذلك مما يكثر، فيكون إجماعًا منهم.
الثالث أن هذا عادة الناس في حراثتهم وتجاراتهم، وسلوك
__________
1 وهو أنه يرجح بكثرة الرواة.
2 تقدم تخريجه.
3 تقدم تخريجه.
4 سبق للمصنف أن نقل هذا الخبر في خبر الواحد أن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: "أذكِّرُ الله امرءًا سمع من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الجنين؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة. وقال: كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الجنين بغرة. فقال عمر: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره". وسبق تخريجه في محله. أما هذه الرواية فلم أطلع عليها.
5 سبق تخريجه.
6 عن أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- "من شَهِد الجنازة =
(2/392)

الطريق؛ فإنهم عند تعارض الأسباب المخوفة يميلون إلى الأقوى. فأما الشهادة1: فلم يرجحوا فيها، وسببها: أن باب الشهادة مبنٌّي على التعبد.
ولهذا لو شهد بلفظ الإخبار دون الشهادة لم يقبل، ولا تقبل شهادة مائة امرأة على باقة بقل.
الثاني2: أن يكون أحد الراويين معروفًا بزيادة التيقظ وقلة الغلط، فالثقة بروايته أكثر.
الثالث: أن يكون أورع وأتقى، فيكون أشد تحرزًا من الكذب، وأبعد من رواية ما يشك فيه.
الرابع: أن يكون راوي أحدهما صاحب الواقعة، فقول "ميمونة"3: "تزوجني النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ونحن حلالان"4
__________
= حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان: قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" متفق عليه.
زاد مسلم: "حتى يوضع في اللحد".
وللبخاري -من حديث أبي هريرة -أيضًا- "من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد". انظر: صحيح البخاري: كتاب الجنائز: باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها.
1 بدأ المصنف يناقش أدلة بعض الحنفية المتقدمة.
2 من الأمور التي يرجح بها عن طريق السند.
3 هي: ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، كانت تسمى "برة" فسماها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- "ميمونة" وهي آخر امرأة تزوجها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-. توفيت -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا- سنة 61هـ. انظر: الإصابة "8/ 126".
4 أخرجه مسلم: كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم، وأبو داود: كتاب =
(2/393)

يُقَدَّم على رواية "ابن عباس": "نكحها وهو محرم"1.
الخامس: أن يكون أحدهما باشر القصة، كرواية أبي رافع 2: "تزوج النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ميمونة وهو حلال، وكنت السفير بينهما"3، مع رواية "ابن عباس" التي ذكرناها، فإن المباشر أحق بالمعرفة من الأجنبي.
ولذلك قدم الصحابة أخبار أزواج النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في صحة صوم من أصبح جنبًا، وفي وجوب الغسل من التقاء الختانين بدون الإنزال على خبر من روى خلاف ذلك.
الوجه الثاني4: الترجيح لأمر يعود إلى المتن بأمور:
منها: أن يشهد القرآن والسنة أو الإجماع بوجوب العمل على وفق
__________
= المناسك، باب المحرم يتزوج، والترمذي: أبواب الحج، باب ما جاء في الرخصة في ذلك، وابن ماجة: كتاب النكاح، باب: المحرم يتزوج.
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب المحصر وجزاء الصيد، باب تزويج المحرم، وباب عمرة القضاء من كتاب المغازي، ومسلم: كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم، قال المصنف في كتابه: "المغني" جـ5 ص163، 164: "وميمونة أعلم بنفسها، وأبو رافع صاحب القصة، وهو السفير فيها، فهما أعلم بذلك من ابن عباس وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيرًا، فكيف وقد كان صغيرًا لا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها، وقد أنكر عليه هذا القول؟! ".
2 اسمه أسلم أو إبراهيم، كان مولًى للعباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم -فأعتقه -عليه الصلاة والسلام- حينما بشره بإسلام العباس، وأسلم أبو رافع قبل بدر ولم يشهدها، ثم شهد ما بعدها من المشاهد، زوجة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مولاته سلمى. توفى في آخر خلافة عثمان، "الإصابة 7/ 65".
3 أخرجه الترمذي في أبواب الحج، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم، والدارمي: كتاب المناسك، باب في تزويج المحرم، والبيهقي: كتاب الحج، باب: المحرم لا ينكح ولا ينكح، والإمام أحمد في المسند "6/ 392، 393".
4 من الوجوه الثلاثة في ترجيح الأخبار.
(2/394)

الخبر، أو يعضده قياس، أو يعمل به الخلفاء، أو يوافقه قول صحابي كموافقة خبر التغليس1 قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} .
الثاني: أن يختلف في وقت أحد الخبرين على الراوي، والآخر يتفق على رفعه.
الثالث: أن يكون راوي أحدهما قد نقل عنه خلافه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارض، فيكون أولى.
الرابع: أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر متصلًا، فالمتصل أولى؛
__________
1 الغلس -بفتحتين- ظلام آخر الليل، وغلّس في الصلاة: صلاها بغلس، والمصنف يريد أن يقول: رجح العلماء الخبر الوارد بالتغليس في صلاة الفجر على الخبر الوارد بالإسفار وهو: الإضاءة، لأن خبر التغليس يوافقه قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم ْ ... } [آل عمران، من الآية: 133]
أما خبر التغليس: فهو ما روته عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا- قالت: "كان نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الناس". وفي رواية: "كان رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس" أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب كم تصلي المرأة في الثياب، وفي كتاب المواقيت، باب وقت الفجر، وباب انتظار الناس قيام الإمام العالم، وباب سرعة انصراف الناس من الصبح وقلة مقامهم في المسجد كما أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح.
وأما خبر الإسفار: فهو ما رواه رافع بن خديج قال: "سمعت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقول: "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر" أخرجه الترمذي: في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإسفار بالفجر، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب في وقت الصبح والنسائي: باب الإسفار من كتاب المواقيت والإمام أحمد في المسند "3/ 465، 4/ 140، 142، 143".
(2/395)

لأنه متفق على صحته، وذلك مختلف فيه.
وأما الترجيح لأمر من خارج1:
فكترجيح أحد الخبرين بكونه ناقلًا عن حكم الأصل، مثل الموجب للعبادة أولى من النافي لها؛ لأن النافي جاء على مقتضى العقل، والآخر متأخر عنه، فكان كالناسخ له.
وكذلك رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي؛ لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على صاحبه2.
قال القاضي: وإذا تعارض الحاظر والمبيح: قدم الحاظر؛ لأنه الأحوط. وقيل: لا يرجح بذلك3.
ولا يرجح المسقط للحد على الموجب له، ولا الموجب للحرية على المقتضي للرق؛ لأن ذلك لا يوجب تفاوتًا في صدق الراوي فيما ينقله من لفظ الإيجاب والإسقاط.
__________
1 وهو الوجه الثالث من وجوه الترجيح بين الأخبار.
2 قال الطوفي: "إن نفي النافي إن استند إلى عدم العلم، كقوله: لم أعلم أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلّى بالبيت، ولم أعلم أن فلانًا قتل فلانًا، لم يلتفت إليه، وكان إثبات المثبت للصلاة، وقتل فلان مقدمًا لما سبق، وإن استند نفي النافي إلى علم بالعدم كقول الراوي: أعلم أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يصلِّ بالبيت؛ لأني كنت معه فيه، ولم يغب عن نظري طرفة عين فيه، ولم أره صلّى فيه، أو قال: أخبرني رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنه لم يصلِّ فيه، أو قال: أعلم أن فلانًا لم يقتل زيدًا؛ لأني رأيت زيدًا حيًّا بعد موت فلان، أو بعد الزمن الذي أخبر الجارح أنه قتله فيه. فهذا يقبل؛ لاستناده إلى مَدْرك علمي، ويستوي هو وإثبات المثبت، فيتعارضان، ويطلب المرجح من خارج". شرح المختصر "3/ 701".
3 أي: أنهما يتساويان، فيحتاج إلى مرجح خارجي.
(2/396)

وأما الترجيح بأمر خارج: فبأمور:
منها: أن يشهد القرآن أو السنة أو الإجماع بوجوب العمل على وفق الخبر، أو يعضده قياس، أو يعمل به الخلفاء، أو يوافقه قول صحابي، كموافقة خبر التغليس قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} .
الثاني: أن يختلف في وقف أحد الخبرين على الراوي، والآخر متفق على رفعه.
الثالث: أن يكون راوي أحدهما قد نُقل عنه خلافه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارض، فيكون أولى.
الرابع: أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر متصلًا، فالمتصل أولى؛ لأنه متفق عليه، وذلك مختلف فيه1.
__________
1 هذه الأمور الأربعة تقدمت بعينها في الترجيح لأمر يعود إلى المتن، فلعلها مكررة من النساخ.
(2/397)

فصل: في ترجيح المعاني
قال أصحابنا: ترجح العلة بما يرج به الخبر1:
من موافقتنا لدليل آخر من كتاب أو سنة، أو قول صحابي، أو خبر مرسل، أو بكون إحداهما ناقلة عن الأصل، كما قلنا في الخبر. فأما إن كانت إحداهما حاظرة والأخرى مبيحة، أو كانت إحداهما مسقطة للحد، أو موجبة للعتق، ففي الترجيح بذلك اختلاف2:
فرجح به قوم، احتياطًا للحظر ونفي الحد.
__________
1 يريد: أن ما تقدم من وجه ترجيح الأخبار يجري مثله في ترجيح العلة.
2 وذلك أن العلل مستفادة من النصوص، فتتبعها في الخلاف.
(2/397)

ولأن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها.
ومنع آخرون الترجيح بذلك، من حيث إنهما حكمان شرعيان فيستويان1.
ولأن سائر العلل لا ترجح بأحكامها، فكذا هاهنا.
ورجح قوم العلة بخفة حكمها؛ لأن الشريعة خفيفة. وآخرون بالعكس؛ لأن الحق ثقيل.
وهي ترجيحات ضعيفة.
فإن كانت إحدى العلتين حكمًا، والأخرى وصفًا حسيًّا، ككونه قوتًا أو مسكرًا2.
فاختار القاضي ترجيح الحسية3.
ومال أبو الخطاب إلى ترجيح الحكمية4؛ لأن الحسية كانت موجودة قبل الحكم، فلا يلازمها حكمها، والحكم أشد مطابقة للحكم.
ورجح القاضي: بأن الحسية كالعلة العقلية، والعقلية قطعية، فهي أولى مما يوجب الظن5.
ولأنها لا تفتقر إلى غيرها في الثبوت.
وقيل: هذا كله ترجيح ضعيف.
__________
1 سبق للمصنف توضيح ذلك.
2 كونه "قوتًا" مثال للعلة الحسية، وكونه "مسكرًا" مثال للعلة الحكمية.
3 انظر: العدة "5/ 1531".
4 انظر: التمهيد "4/ 230".
5 هذا الدليل لمذهب القاضي أبي يعلى المتقدم؛ لأن حكاية مذهبه تقدمت قبل ذلك.
(2/398)

وذكر أبو الخطاب ترجيح العلة إذا كانت أقل أوصافًا، لمشابهتها العلة العقلية.
ولأنها أجرى على الأصول1.
وترجيحها بكثرة فروعها وعمومها2.
ثم اختار3 التسوية، وأن هذين لا يرجح بهما؛ لأن العلتين سواء في إفادتهما حكمهما، وسلامتهما من الفساد.
ومتى صحت لم يلتفت إلى كثرة فروعها، ولا كثرة أوصافها.
ورجح العلة المنتزعة من الأصول على ما انتزع من أصل واحد؛ لأن الأصول شواهد للصحة، وما كثرت شواهده كان أقوى في إثارة غلبة الظن.
ورجح العلة المطردة المنعكسة على ما لا ينعكس؛ لأن الطرد والعكس دليل على الصحة ابتداء، لما فيه من غلبة الظن، فلا أقل من أن يصلح للترجيح.
ورجح العلة المتعدية على القاصرة، لكثرة فائدتها.
ومنع ذلك قوم؛ لأن الفروع لا تبني على قوة في ذات العلة، بل القاصرة أوفق للنص.
والأول أولى، فإنها متفق عليها، وهذه مختلف فيها4.
__________
1 انظر: التمهيد "4/ 235".
2 معناه: ترجيح العلة ذات الوصف الواحد على العلة ذات الوصفين فأكثر؛ لأن ذلك الوصف الواحد أكثر فروعًا؛ لأن ثبوت الحكم بها متوقف على وصف واحد، وهذا يجعلها أكثر فروعًا مما توقف على وصفين أو أكثر. انظر شرح الطوفي: "3/ 722".
3 أي: أبو الخطاب، وكذا كل ما بعده نقله المصنف عن أبي الخطاب.
4 قال الطوفي: "اعلم أن العلة القاصرة قد سبق الخلاف فيها هل هي علة صحيحة =
(2/399)

ورجح ما كانت علته وصفًا على ما كانت علته اسمًا؛ لأنه متفق على الوصف، مختلف في الاسم فالمتفق عليه أقوى1.
ورجح ما كانت علته إثباتًا على التعليل بالنفي، لهذا المعنى أيضًا.
ورجح العلة المردودة2 إلى أصل قاسَ الشارعُ عليه، كقياس الحج على الدَّين في أنه لا يسقط بالموت، أولى من قياسهم على الصلاة، لتشبيه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- له بالدين في حديث الخثعمية3.
__________
= في نفسها أم لا؟ فإن قلنا: ليست صحيحة لم تعارض المتعدية، فلا ترجيح، كغير المطردة مع المطردة، وإن قلنا: هي صحيحة، فاجتمعت مع المتعدية ففيه أقوال:
أحدها: أنهما سواء في الحكم لا رجحان لإحداهما على الأخرى؛ لقيام الدليل على صحتها، كما تقدم في موضعه.
الثاني: أن القاصرة أرجح، فتقدم لوجهين:
أحدهما: أنها مطابقة للنص في موردها -أي: لم يجاوز تأثيرها موضع النص- بخلاف المتعدية فإنها لم تطابق النص، بل زادت عليه، وما طابق النص كان أولى.
الوجه الثاني: أمَْنُ صاحبها -أي المعلل بها- من الخطأ؛ لأنه لا يحتاج إلى التعليل بها في غير محل النص كالمتعدية، فربما أخطأ بالوقوع في بعض مثارات الغلط في القياس، وما أُمِنَ فيه من الخطأ أولى مما كان عرضة له.
القول الثالث: أن المتعدية أرجح، فتقدم؛ لكثرة فوائدها، كالتعليل في الذهب الفضة بالوزن، فيتعدى الحكم إلى كل موزون، كالحديد والنحاس الصفر ونحوه، بخلاف التعليل بالثمنية أو النقدية، فلا تتعداهما، فكان التعليل بالوزن الذي هو وصف متعدٍّ لمحلِّ النقدين إلى غيرهما أكثر فائدة من الثمنية القاصرة عليهما لا تجاوزهما" شرح المختصر "3/ 720، 721".
1 لأن التعليل بالأوصاف متفق عليه، بخلاف التعليل بالأسماء، فإنه محل خلاف، ولأنه أكثر فائدة، كما تقدم في تقديم العلة المتعدية على العلة القاصرة.
2 في الأصل "المردودة" وهو خطأ مطبعي.
3 تقدم تخريجه.
(2/400)

ومتى كان أصل إحدى العلتين متفقًا عليه، والآخر مختلفًا فيه، كانت المتفق على أصلها أولى، فإن قوة الأصل تؤكد قوة العلة.
وكذلك ترجح كل علة قوى أصلها، مثل:
أن يكون أحدهما محتملًا للنسخ، والآخر لا يحتمل.
أو يثبت أحدهما بخبر متواتر، والآخر بآحاد.
أو أحدهما ثابتًا بروايات كثيرة، والآخر برواية واحدة.
أو أحدهما بنص صريح، والآخر بتقدير أو إضمار.
أو يكون أحدهما أصلًا بنفسه، والآخر أصلًا لآخر.
أو أحدهما اتفق على تعليله، والآخر اختلف فيه.
أو يكون دليل أحد الوصفين مكشوفًا1 معينًا، والآخر أجمعوا على أنه بدليل، ولم يكن معينًا.
أو يكون أحدهما مغيرًا للنفي الأصلي، والآخر مبقيًا عليه، فالمغير أولى؛ لأنه حكم شرعي، والآخر نفي للحكم على الحقيقة.
وترجح العلة المؤثرة على الملائمة.
والملائمة على الغريب.
والمناسبة على الشبهية؛ لأنه أقوى في تغليب الظن2. والله -سبحانه- أعلم.
__________
1 أي: ظاهرًا.
2 سبق أن ذكر المصنف أن من اقسام العلة: ثبوتها بالاستنباط، ومنه: إثباتها =
(2/401)

تم الكتاب بحمد الله ومنّه وكرمه.
وصلَّى اللهُ على خير رسله: محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
__________
= بالمناسبة، وأن المناسبة ثلاثة أنواع، أعلاها المؤثر، يليه الملائم، ثم الغريب، فذكر -هنا- أن العلة المؤثرة ترجح على الملائمة، والملائمة ترجح على الوصف الغريب، وأن المناسبة بأنواعها الثلاثة تقدم على الوصف الشبهي؛ لأنها أقوى في إفادة غلبة الظن.
وهذا آخر ما تيسر لنا كتابته من توضيحات على هذا الكتاب، قصدنا بها مساعدة طلبة العلم على فهم الكتاب. وكان الفراغ منها في عصر يوم الجمعة 17 من المحرم 1418هـ بتوقيت أم القرى.
أسال الله -تعالى- أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل مشتغل بالعلم إنه جواد كريم.
وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
شعبان بن محمد اسماعيل
(2/402)

الفهارس
موضوعات الجزء الثاني:
...
فهرس
موضوعات الجزء الثاني:
باب العموم.
العموم من عوارض الألفاظ ويطلق علي غيرها مجازًا 5
تعريف العامّ 7
أقسام العام 8
العامّ الذي لا أعمَّ منه ومثاله 8
من العلماء من يرى أنه لا يوجد عامٌّ لا أعمَّ منه 9
أقسام الخاصّ 9
الخاصّ الذي لا أخصَّ منه 9
فصل
في ألفاظ العموم.
الأول: الاسم المعرّف بالألف واللام غير العهدية وهو ثلاثة أنواع 11
القسم الثاني: من ألفاظ العموم: ما أضيف إلى الأنواع الثلاثة المتقدمة 11
القسم الثالث: أدوات الشرط 12
القسم الرابع: كل وجميع 13
القسم الخامس: النكرة في سياق النفي 13
هل للعموم صيغة تخصه؟ 14
الواقفية يرون أنه لا صيغة للعموم 14
أدلتهم على ذلك 15
أدلة الجمهور على أن للعموم صيغًا تدل عليه 16
مناقشة أدلة الواقفية 24
(2/403)

فصل
في الخلاف في عموم بعض الصيغ.
من العلماء من يرى أن جميع الصيغ تفيد العموم إلا المحلى بالألف واللام 26
من العلماء من يرى أن الواحد المعرَّف بالألف واللام لا يفيد العموم 26
من العلماء من يرى أن النكرة في سياق النفي لا تفيد العموم 26
أدلة المنكرين لإفادة النكرة للعموم 26
دليل من قال: ما دخلت عليه الألف واللام لا يفيد العموم 27
دليل من قال: إن الواحد المعرّف بالألف واللام لا يفيد العموم 28
ردُّ ابن قدامة على هذه المذاهب 28
فصل: في أقل الجمع 31
مذاهب العلماء وأدلتهم في المسألة 31
فصل: في حكم العام الوارد على سبب خاص 35
جمهور العلماء على أن العبرة بعموم اللفظ 35
مخالفة بعض العلماء في المسألة ودليلهم 36
أدلة الجمهور 37
مناقشة أدلة المخالفين 39
فصل: حكاية الفعل من الصحابة تقتضي العموم 42
ذهب بعض العلماء إلى أنه لا عموم له 42
أدلة أصحاب هذا المذهب 42
أدلة الجمهور 43
فصل: الخطاب المضاف إلى الناس والمؤمنين يعمُّ العبيد 44
دخول النساء في الجمع المضاف إلى الناس 45
هل يدخل النساء في اللفظ الذي لا يتبين فيه التذكير والتأنيث؟ 45
هل يدخل النساء فيما يختص بالذكور من الأسماء؟ 45
هل يدخل النساء في الجمع مثل "المسلمين"؟ 45
فصل: العامّ بعد التخصيص حجة 48
المذهب الأول: أنه حجة وهو مذهب الجمهور 48
المذهب الثاني: أنه لا يبقى حجة والأدلة على ذلك 48
(2/404)

أدلة الجمهور 48
الرد على أدلة المذهب الثاني 49
فصل: العام بعد التخصيص حقيقة عند الجمهور 50
المذهب الثاني: أنه يصير مجازًا والأدلة على ذلك 51
المذهب الثالث: التفصيل بين المخصص بمنفصل والمخصص بمتصل 51
فصل
فيما ينتهي إليه التخصيص.
المذهب الأول: جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد 52
المذهب الثاني: يجوز التخصيص إلى أقل الجمع 52
دليل المذهب الثاني: 53
دليل المذهب الأول: 53
فصل الخطاب العام يتناول من صدر منه عند الجمهور 54
قال قوم: لا يدخل في العام وأدلتهم على ذلك 54
بيان فساد هذا المذهب 54
مذهب أبي الخطاب أن الأمر لا يدخل في الأمر ودليله على ذلك 54
القاضي أبو يعلى يرى دخول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما أمر به 55
فصل: اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال عند بعض العلماء 56
قال أبو الخطاب: لا يجب اعتقاده إلا بعد البحث عن المخصص 56
المذهب الثالث: التفصيل 57
أدلة المذهب الثاني 57
إلى متى يجب البحث عن المخصص 57
أدلة المذهب الأول 58
الرد على أدلة المذهب الثاني 58
فصل
في الأدلة التي يخص بها العموم.
الأدلة على جواز تخصيص العموم 60
الدليل الأول بين المخصصات: الحس 60
(2/405)

الدليل الثاني: العقل 61
الاعتراض على التخصيص بالعقل 61
الرد على هذا الاعتراض 61
الدليل الثالث: الإجماع 62
الدليل الرابع: النص الخاص 63
مذاهب العلماء في هذا النوع 64
المذهب الأول: أن النص الخاص يخصص العام مطلقًا 64
أدلة هذا المذهب 64
المذهب الثاني: أن المتأخر يقدم خاصًّا كان أو عامًّا إذا علم المتأخر 64
الأدلة على هذا المذهب 65
إذا جهل التاريخ تعارض العام والخاص 66
بعض الشافعية يمنعون تخصيص عموم السنة بالكتاب 66
الأدلة على هذا الرأي 67
بعض العلماء يمنعون تخصيص الكتاب بخبر الواحد 67
قال عيسى ابن أبان: يخص العام المخصوص بخبر الواحد دون غيره 67
ذهب بعض العلماء إلى التوقف في تخصيص الكتاب بخبر الواحد 67
الأدلة على تقديم الخاص على اللفظ العام مطلقًا 68
الرد على أدلة المذاهب الأخرى 71
الدليل الخامس: من أدلة تخصيص العام - المفهوم 72
الدليل السادس: فعل الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- 73
الدليل السابع: تقرير الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- 74
الدليل الثامن: قول الصحابي 74
الدليل التاسع: القياس 75
آراء العلماء في المسألة 75
المذهب الأول: أن القياس يخص به العموم 75
المذهب الثاني: منع تخصيص العام بالقياس 75
أدلة هذا المذهب 75
المذهب الثالث: جواز التخصيص بالقياس الجلي دون الخفي 76
(2/406)

دليل هذا المذهب 76
تعريف القياس الجلي والخفي 77
المذهب الرابع: جواز التخصيص بالقياس في العام المخصوص 78
دليل المذهب الأول 78
الرد على أدلة المذاهب المخالفة للمذهب الأول 78
فصل: في تعارض العمومين 80
كيفية الجمع بين العمومين المتعارضين 80
فصل
في الاستثناء.
صيغة الاستثناء 82
تعريفه 82
الفرق بينه وبين التخصيص 83
الفرق بينه وبين النسخ 84
فصل: في شروط الاستثناء 84
الشرط الأول: أن يتصل بالكلام 84
ما روي عن ابن عباس وعطاء والحسن من جواز التأخير 84
الشرط الثاني: أن يكون من جنس المستثنى منه 85
خلاف العلماء في هذا الشرط 86
الشرط الثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف 89
خلاف العلماء وأدلتهم في هذا الشرط 90
فصل
في حكم الاستثناء بعد جمل متعددة.
المذهب الأول: أنه يرجع إلى جميع الجمل 94
المذهب الثاني: أنه يرجع إلى أقرب المذكورين 94
أدلة المذهب الثاني 95
أدلة المذهب الأول 96
الرد على أدلة المذهب الثاني 98
(2/407)

فصل
في الشرط.
معنى الشرط 99
الفرق بينه وبين العلة 100
أقسام الشرط 100
بيان التخصيص بالشرط 100
فصل
في المطلق والمقيد.
تعريف المطلق وأمثلته 101
تعريف المقيد وأمثلته 102
بيان أن اللفظ قد يكون مطلقًا مقيدًا 102
فصل
في حمل المطلق على المقيد.
القسم الأول: أن يكونا في حكم واحد وسبب واحد 103
مذاهب العلماء في هذا القسم 103
المذهب الأول: يحمل المطلق على المقيد 103
المذهب الثاني: لا يحمل عليه 104
دليل المذهب الثاني 104
الرد على هذا الدليل 104
القسم الثاني: اتحاد الحكم واختلاف السبب 105
مذاهب العلماء في هذا القسم 105
المذهب الأول: لا يحمل المطلق على المقيد 105
المذهب الثاني: يحمل المطلق على المقيد 105
أدلة هذا المذهب 105
أدلة أصحاب المذهب الأول 107
الرد على أدلة المذهب الثاني 107
(2/408)

القسم الثالث: أن يختلف الحكم فيهما 108
لا يحمل المطلق على المقيد في هذا القسم 108
باب في الفحوى والإشارة
فصل
فيما يقتبس من الألفاظ من فحواها وإشارتها لا من صيغها.
وهو خمسة أضرب 109
الضرب الأول: دلالة الاقتضاء 109
تعريفها 110
صورها وأمثلتها 110
الضرب الثاني: فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب 111
أسماء هذا الضرب 111
الضرب الثالث: التنبيه 111
تعريف التنبيه 111
أسماء التنبيه: مفهوم الموافقة وفحوى اللفظ 112
هل يسمى هذا النوع قياسًا؟ 112
مذاهب العلماء وأدلتهم في ذلك 112
الضرب الرابع: دليل الخطاب وهو مفهوم المخالفة 114
تعريفه وأمثلته 114
مذاهب العلماء في حجيته 114
المذهب الأول: أنه حجة 114
المذهب الثاني: أنه ليس حجة 115
أدلة هذا المذهب 115
الدليل الأول للمذهب الأول 118
الاعتراضات الواردة على هذا الدليل 119
الدليل الثاني: للمذهب الأول 120
الرد على الاعتراضات الواردة على الدليل الأول122
الرد على أدلة المذهب الثاني 122
(2/409)

فصل
في درجات أدلة الخطاب.
الصور التي أنكرها منكرو مفهوم المخالفة 124
الصورة الأولى: "لا عالم إلا زيد" 125
الصورة الثانية: "إنما الولاء لمن أعتق" 127
الصورة الثالثة: "الشفعة فيما لم يقسم" 129
درجات دليل الخطاب.
الدرجة الأولى: مفهوم الغاية وأمثلته 130
المذهب الأول: أنه ليس حجة 130
أدلة هذا المذهب 131
أدلة الجمهور على حجيته 131
الدرجة الثانية: مفهوم الشرط وأمثلته 131
المذهب الأول: أنه ليس حجة 131
أدلة هذا المذهب 132
أدلة الجمهور على حجيته 132
الرد على أدلة المخالفين للجمهور 132
الدرجة الثالثة: اقتران الاسم العام بصفة خاصة 132
مفهوم التقسيم ومثاله 133
الدرجة الرابعة: مفهوم الصفة 134
مذاهب العلماء في حجيته 134
الدرجة الخامسة: مفهوم العدد 135
مذاهب العلماء في حجيته 136
الدرجة السادسة: مفهوم اللقب 137
مذاهب العلماء في حجيته 137
باب القياس.
معنى القياس في اللغة 140
تعريف القياس في الشرع 141
(2/410)

فصل
في العلة.
معنى العلة 144
طريق الاجتهاد في إثبات العلة 145
الاول: تحقيق المناط 145
معناه ومثاله 145
الثاني: تنقيح المناط 148
معناه ومثاله 148
الثالث: تخريج المناط 150
معناه ومثاله 150
فصل
في إثبات القياس على منكريه.
مذاهب العلماء في التعبد بالقياس 150
المذهب الأول: جواز التعبد به عقلًا وشرعًا 150
المذهب الثاني: لا يجوز التعبد به عقلًا وشرعًا 151
المذهب الثالث: أنه لا حكم للعقل فيه ويجب التعبد به شرعًا 151
أدلة الجمهور على جواز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا 152
أدلة وجوب التعبد به شرعًا 154
أولًا: الإجماع 154
أمثلة من إجماعات الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- 154
الاعترضات الواردة على إجماعات الصحابة 161
الرد على الاعتراضات المتقدمة 163
الأدلة النقلية على حجية القياس 168
الأدلة النقلية للمنكرين للقياس 175
الأدلة العقلية للمنكرين للقياس 176
الرد على هذه الأدلة 177
فصل: في مذهب النظام في الإلحاق بالعلة المنصوصة184
(2/411)

فصل: في أوجه تطرق الخطأ إلى القياس 185
فصل: في أقسام إلحاق المسكوت بالمنطوق 186
إلحاق المسكوت بالمنطوق ضربان: مقطوع ومظنون186
المقطوع ضربان:
أحدهما: كون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق 187
الضرب الثاني: أن يكون المسكوت مثل المنطوق 188
لإلحاق المسكوت بالمنطوق طريقان 189
أدلة إثبات العلة.
القسم الأول: إثبات العلة بأدلة نقلية 191
الأول: النص الصريح وأمثلته 192
الثاني: التنبيه والإيماء إلى العلة 196
وهو ستة أنواع: 196
أحدها: ذكر الحكم عقيب وصف بالفاء 196
أمثلة على ذلك 197
الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء 199
أمثلة على هذا النوع 199
الثالث: إجابة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن أمر حادث 200
أمثلة على هذا النوع 200
الرابع: أن يذكر مع الحكم شيء لو لم يكن للتعليل لكان لغوًا وهو قسمان 200
أمثلة على هذا النوع 200
الخامس: أن يذكر في الكلام شيء لو لم يعلل به صار الكلام غير منتظم 201
أمثلة على هذا النوع 202
السادس: ذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب 202
أمثلة على هذا النوع 202
القسم الثاني: ثبوت العلة بالإجماع 205
مثلة على هذا القسم 205
القسم الثالث: ثبوت العلة بالاستنباط 207
الاستنباط ثلاثة أنوع: 207
(2/412)

أحدها: إثبات العلة بالمناسبة 207
معنى المناسبة 208
تقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره 210
المؤثر: معناه وأقسامه وأمثلته 210
الملائم: معناه وأمثلته 212
الغريب: معناه وأمثلته 213
تعريف آخر للملائم والغريب 215
النوع الثاني
في إثبات العلة: السبر.
معنى السبر لغة واصطلاحًا 220
شروط صحة السبر 221
أمور لا تكفي لإفساد علة الخصم 224
إثبات العلة بالدوران 226
معنى الدوران لغة واصطلاحًا 226
أمثلة على هذا النوع 227
اعتراض بعض العلماء على هذا النوع 227
الرد على هذا الاعتراض 228
قال بعض العلماء: لا يصح التعليل بالدوران إلا مع السبر 229
هل تثبت العلة بشهادة الأصول؟ 230
المراد بشهادة الأصول 230
مذاهب العلماء في المسألة 231
فصل
في المسالك الفاسدة.
اطراد العلة لا يدل على صحتها 233
فصل: في حكم العلة إذا استلزمت مفسدة 235
(2/413)

فصل
في قياس الشبه.
معناه وأمثلته 240
الفرق بينه وبين قياس العلة وقياس الطرد 240
موقف العلماء من حجيته 241
دليل القائلين بحجيته 244
فصل
في قياس الأدلة.
معناه وأمثلته وحكمه 246
باب أركان القياس.
الركن الأول: الأصل وشروطه 249
الشرط الأول: ثبوته بنص او اتفاق من الخصمين 249
اختلاف العلماء في ثبوت القياس على ما ثبت بالقياس 249
اشترط بعض العلماء أن يكون الأصل متفقًا عليه بين الأمة 251
الرد على هذا المذهب 253
الشرط الثاني: أن يكون الحكم معقول المعنى 256
الركن الثاني: الحكم وشروطه: 256
الشرط الأول: أن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل 256
الشرط الثاني: أن يكون الحكم شرعيًّا 258
الركن الثالث: الفرع وشروطه 259
الركن الرابع: العلة 259
معنى العلة: 259
فصل: من شرط العلة: أن تكون متعدية 260
خلاف العلماء في التعليل بالعلة القاصرة 261
(2/414)

الحنفية بمنعون التعليل بالعلة القاصرة 261
أدلتهم على ذلك 263
المذهب الثاني: صحة التعليل بالعلة القاصرة 264
أدلة هذا المذهب 265
فصل
في اطراد العلة.
معناه 271
اختلاف العلماء في شرط اطراد العلة 271
المذهب الأول: أن ذلك شرط 271
المذهب الثاني: أن ذلك ليس شرطًا 272
أدلة المذهب الثاني 272
المذهب الثالث: التفريق بين العلة المنصوص عليها والمستنبطة 273
أدلة هذا المذهب 274
الرد على أدلة المذهب الثاني 275
طريق الخروج عن عهدة النقض 276
فصل
في أضرب تخلف الحكم عن العلة.
الضرب الأول: العلم باستثنائه عن قاعدة القياس277
أمثلة على هذا الضرب 277
الضرب الثاني: تخلف الحكم لمعارضة علة أخرى 281
أمثلة على هذا الضرب 281
الضرب الثالث: تخلف الحكم لعدم مصادفة العلة محلها 282
فصل
في أقسام المستثنى من قاعدة القياس.
المستثنى ينقسم إلى ما عقل معناه وإلى ما لا يعقل 284
المعقول المعنى يصحُّ القياس عليه 284
(2/415)

أمثلة على ذلك 284
غير معقول المعنى لا يصحّ القياس عليه 284
فصل
في جواز التعليل بنفي صفة أو اسم أو حكم.
مذاهب العلماء في ذلك 286
أبو الخطاب يرى أن تكون العلة نفي صفة أو اسم أو حكم 286
بعض الشافعية يمنعون التعليل بالعدم 286
أدلتهم على ذلك 286
مناقشة أدلة الشافعية 287
فصل: في جواز تعليل الحكم بعلتين 291
فصل
في جريان القياس في الأسباب.
الحنابلة وأكثر الشافعية على جريان القياس في الأسباب 293
أمثلة لذلك 293
المذهب الثاني عدم الجواز 293
أدلة هذا المذهب 294
أدلة المذهب الأول 295
الرد على أدلة المذهب الثاني 296
فصل
في جريان القياس في الكفارات والحدود.
الشافعية والحنابلة على جريان القياس فيهما 298
الحنفية يخالفون في ذلك 298
أدلة الحنفية 298
أدلة الشافعية والحنابلة 299
الرد على أدلة الحنفية 299
(2/416)

فصل
في قوادح العلة.
بعض العلماء يطلقون على هذه القوادح أسئلة 301
السؤال الأول: الاستفسار 302
ما الذي يتوجه عليه الاستفسار 302
السؤال الثاني: فساد الاعتبار 303
معنى هذا السؤال ومثاله 304
السؤال الثالث: فساد الوضع 304
معنى هذا السؤال ومثاله 304
السؤال الرابع: المنع 305
مواقعه وحكمها 305
السؤال الخامس: التقسيم 306
معناه وشروطه 306
القسم السادس -في السؤال- المطالبة 308
معناه وحكمه 308
القسم السابع-في السؤال- النقض 309
معناه 309
هل يجب الاحتراز في الدليل على صورة النقض؟ 310
خلاف العلماء في ذلك 310
الكسر: معناه وحكمه 312
الوجه الثامن-في الاعتراض- القلب 315
معناه وأمثلته 315
الفرق بين القلب والمعارضة 317
الوجه التاسع -في السؤال- المعارضة 318
معنى المعارضة 318
أقسام المعارضة 318
معنى المعارضة في الأصل 318
هل يلزم المستدل حذف ما ذكره المعترض؟ 319
(2/417)

طرق الجواب في المعارضة 322
القسم الثاني: المعارضة في الفرع 323
أقسام المعارضة في الفرع 323
الوجه العاشر -في السؤال- عدم التأثير 325
معنى هذا الوجه وأمثلته 325
الوجه الحادي عشر -في السؤال- التركيب327
معنى هذا الوجه وأمثلته 327
مذاهب العلماء فيه 327
الوجه الثاني عشر -في السؤال- القول بالموجب328
حقيقة هذا الوجه وموقعه من الأسئلة السابقة 328
المحل الذي يرد فيه هذا السؤال 328
طريق المستدل في دفعه 329
هل يكلف المعترض إبداء مستند القول بالموجب؟ 330
خلاف العلماء في ذلك 330
أسئلة أخرى ترد على القياس 332
كتاب الاجتهاد
فصل
في حكم المجتهد.
تعريف الاجتهاد في اللغة 333
تعريف الاجتهاد عند علماء الشرع 333
أنواع الاجتهاد:
الاجتهاد التام والناقص 334
شروط المجتهد.
الإحاطة بمدارك الأحكام المثمرة لها 334
ليست العدالة شرطًا للمجتهد 334
الواجب على المجتهد في معرفة الكتاب العزيز 334
(2/418)

الواجب على المجتهد في معرفة السنة 335
لا بد من معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة 335
معرفة الإجماع 336
معرفة استصحاب الحال 336
معرفة نصب الأدلة وشروطها 336
معرفة شيء من النحو واللغة 336
تجزؤ الاجتهاد.
هل من شرط المجتهد بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل؟ 337
آراء العلماء وأدلتهم في المسألة 337
فصل
في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-
مذاهب العلماء في المسألة:
المذهب الأول:
جواز الاجتهاد للغائب ولا يجوز للحاضر إلا بإذن النبي صلَّى الله عليه وسلم- 338
المذهب الثاني: جواز ذلك مطلقًا من غير إذن 339
المذهب الثالث: عدم جواز الاجتهاد مطلقًا 339
المذهب الرابع: جواز الغائب دون الحاضر 339
أدلة المجوزين للاجتهاد في زمن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- 339
فصل
في تعبد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالاجتهاد.
جمهور العلماء على جواز اجتهاد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما لا نصَّ فيه 341
المذهب الثاني: عدم جواز الاجتهاد 341
أدلة المذهب الثاني 342
أدلة الجمهور على الجواز 342
الرد على أدلة المذهب الثاني 342
مذاهب العلماء في وقوع الاجتهاد منه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- 343
(2/419)

المذهب الأول: أن ذلك وقع منه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- 343
المذهب الثاني: أن ذلك لم يقع 343
أدلة المذهب الثاني 343
أدلة المذهب الأول 344
الرد على أدلة المذهب الثاني 346
فصل
في خطأ المجتهد وإصابته.
مذاهب العلماء في هل الحق في قول واحد أو أن كل مجتهد مصيب 347
المذهب الأول: الحق في قول واحد ومن عداه مخطئ 347
المذهب الثاني: كل مجتهد في الظنيات مصيب 348
أدلة المذهب الثاني 348
المذهب الثالث: أن الإثم غير محطوط في الفروع وهو مذهب الظاهرية
وبعض المتكلمين 350
موقف الجاحظ من المسألة 350
قال العنبري: كل مجتهد في الأصول والفروع مصيب 351
بيان بطلان مذهبي الجاحظ والعنبري 351
أدلة الجمهور على أن الحق في قول واحد ومن عداه مخطئ 353
الأدلة من القرآن الكريم 353
الأدلة من السنة 355
الأدلة من الإجماع 359
الأدلة من المعنى 360
الرد على أدلة المذهب الثاني 361
فصل
في تعارض الأدلة.
إذا تعارض دليلان عند المجتهد ولم يترجح أحدهما وجب التوقف 366
بعض الحنفية يرون تخيير المجتهد فيهما 366
(2/420)

أدلة الحنفية 366
أدلة المذهب الأول 367
الرد على أدلة المذهب الثاني 369
فصل
هل للمجتهد أن يقول قولين في مسألة واحدة.
المذهب الأول: أنه ليس للمجتهد ذلك 371
المذهب الثاني: أن له ذلك 371
الرد على أصحاب هذا المذهب 371
فصل
المجتهد لا يقلد غيره.
اتفق العلماء على أن المجتهد إذا اجتهد وغلب على ظنه الحكم لا يقلد غيره 373
المجتهد في بعض المسائل دون البعض حكمه حكم العامي فيما لم يجتهد فيه 374
هل للمجتهد الذي عنه القدرة على الاجتهاد أن يقلد غيره؟ 374
فصل
إذا نصَّ المجتهد على حكم لعلة في مسألة
فهو مذهبه في كل ما توجد فيه هذه العلة.
إذا لم يبيّن المجتهد علة الحكم لم يكن ذلك مذهبه في غيرها 377
إذا نص المجتهد على مسألتين متشابهتين هل يجوز نقل إحداهما إلى الأخرى؟ 377
إذا نص المجتهد على حكمين مختلفين في مسألة واحدة فما الحكم؟.... 378
فصل
في التقليد.
معنى التقليد في اللغة 380
(2/421)

معنى التقليد عند الفقهاء 381
ما لا يسوغ التقليد فيه 381
ما يسوغ التقليد فيه وهو الفروع 382
الأدلة على ذلك 383
بطلان مذهب القدرية في وجوب النظر على العامة 383
هل يجوز التقليد في أركان الإسلام ونحوها؟ 384
فصل في من يستفتيه العامّيّ384
فصل: إذا تعدد المجتهدون فللمقلد سؤال من شاء 385
وقيل: يلزمه سؤال الأفضل 386
دليل المذهب الأول 386
دليل المذهب الثاني 387
أقوال أخرى في المسألة 388
فصل
في ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح.
على المجتهد -أولًا- أن ينظر إلى الإجماع 389
ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة 389
ثم في أخبار الآحاد 390
ثم في القياس 390
تعريف التعارض 390
وجوه الترجيح في الأخبار.
الأول: يتعلق بالسند -وهو من خمسة وجوه: 391
أحدها: كثرة الرواة، وهو مذهب الشافعي 391
قال بعض الحنفية: لا يرجح بكثرة الرواة 391
الرد على مذهب الحنفية 392
الثاني: أن يكون أحد الراويين معروفًا بزيادة التيقظ وعدم الغلط 393
الثالث: أن يكون أورع وأتقى من الآخر 393
الرابع: أن يكون أحدهما صاحب الواقعة 393
(2/422)

الخامس: أن يكون أحدهما باشر القصة 394
الوجه الثاني: الترجيح لأمر يعود إلى المتن 394
وهو من عدة وجوه:
الأول: أن يشهد القرآن أو السنة أو الإجماع بوجوب العمل على وفق الخبر، أو يعضده قياس أو عمل الخلفاء أو قول صحابي 394
الثاني: أن يختلف في رفع أحد الخبرين ويتفق على رفع الآخر 395
الثالث: أن يكون راوي أحدهما نقل عنه خلافه 395
الرابع: أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر متصلًا 395
الترجيح لأمر خارج وصوره 396
فصل
في ترجيح المعاني.
ترجح العلة بما يرجح به الخبر 397
ترجح العلة الموافقة لدليل آخر 397
خلاف العلماء في الترجيح بين العلة الحاظرة والمبيحة 397
خلاف العلماء في الترجيح بين العلة الحكمية والحسية 398
الخلاف في الترجيح بين العلة التي أوصافها أقل والتي أوصافها أكثر 399
ترجح العلة المنتزعة من الأصول على المنتزعة من أصل واحد 399
ترجح العلة المطردة المنعكسة على ما لا ينعكس 399
ترجح العلة المتعدية على العلة القاصرة 399
ترجح ما كانت علته وصفًا على ما كانت علته اسمًا 400
ترجح ما كانت علته إثباتًا على التعليل بالنفي 400
ترجح العلة المردودة إلى أصلٍّ قاسَ الشارعُ عليه 400
ترجح كل علة قُوِّيَ أصلها 401
(2/423)

الفهارس العامة:
أولًا: فهرس الآيات القرآنية.
ثانيًا: فهرس الأحاديث.
ثالثًا: فهرس الآثار.
رابعًا: فهرس الأبيات الشعرية.
خامسًا: فهرس الأعلام.
سادسًا: فهرس الفرق والطوائف والملل.
سابعًا: فهرس المراجع.
(2/425)

أولًا: فهرس الآيات القرآنية 1
سورة البقرة
{هدًى للمتقين}
{يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت}
{خلق لكم ما في الأرض جميعا}
{وهو بكل شيء عليم}
{وعلم آدم الأسماء كلها} 19 2/ 194
{وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} 36 2/ 46
{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 43، 83، 17 1/ 144-537-538-557
{كونوا قردة} 65 1/ 170-172-547
{إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} 67 1/ 536
{وإن هم إلا يظنون} 78 2/ 351
{وأشربوا في قلوبهم العجل} 93 1/ 500
{وبشرى للمؤمنين} 97 2/ 46
{من كان عدوًّا لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل وميكال} 98 2/ 47
{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى قل هاتوا
برهانكم إن كنتم صادقين} 111 1/ 452
{ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} 106 1/ 228-249-260
{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} 130 1/ 463
{وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس} 143 1/ 380
{وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم} 143 1/ 217
{لنعلم من يتبع الرسول} 143 1/ 193
{وما كان الله ليضيع إيمانكم} 143 1/ 496
__________
1 الرقم المجاور للآية والموضوع بين قوسين هو رقم الآية من المصحف، وما بعده رقم الصفحات التي وردت فيها الآية.
(2/427)

{فاستبقوا الخيرات} 148 1/ 573
{يا أيها الذين آمنوا} 104-153-172، 183 2/ 46
{أيامًا معدوداتٍ فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة} 184 2/ 110
{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} 184 1/ 231
{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} 185 1/ 252
{ثم أتموا الصيام إلى الليل} 187 1/ 220-2/ 130
{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} 194 1/ 206-464
{ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} 196 2/ 108
{تلك عشرة كاملة} 196 1/ 506
{ولا تنكحوا المشركات} 221 1/ 610
{قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض} 222 1/ 197
{ولا تقربوهن حتى يطهرن} 222 2/ 73
{فإن تطهرن فأتوهن} 222 1/ 561
{فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} 229 2/ 115
{حتى تنكح زوجًا غيره} 230 2/ 69-130
{إن الله بكل شيء عليم} 231 2/ 49
{أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} 237 1/ 517-540
{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة} 249 1/ 404
{ولا يحيطون بشيء من علمه} 255 2/ 13
{وأحل الله البيع} 275 1/ 520-2/ 77
{وذروا ما بقي من الربا} 278 1/ 612-2/ 17
{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} 282 1/ 246-2/ 106
{ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} 286 1/ 170
{ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} 286 1/ 169-172.
سورة آل عمران:
{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أمُّ
الكتاب وأُخَر متشابهات} 7 1/ 213
{فأما الذين في قلوبهم زيغ} 7 1/ 216
{وما يعلم تأويله إلا الله} 7 1/ 216
{ولله على الناس حج البيت} 97 1/ 164-538-2/ 61
{ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} 102 1/ 157
{ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} 104 1/ 583
(2/428)

{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} 133 1/ 573-2/ 395
{فإذا عزمت فتوكل على الله} 159 1/ 189
{الذين قال لهم الناس إن الناس} 173 2/ 34
{كل نفس ذائقة الموت} 185 2/ 13
سورة النساء:
{يوصيكم الله في أولادكم} 11 2/ 16
{فإن كان له إخوة فلأمه السدس} 11 2/ 32-33
{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} 22 1/ 612
{حرمت عليكم أمهاتكم} 23 2/ 110
{وربائبكم اللاتي في حجوركم} 23 2/ 115
{وأن تجمعوا بين الأختين} 23 2/ 20-368-376
{وأحل لكم ما وراء ذلكم} 24 2/ 68
{يريد الله أن يخفف عنكم} 28 1/ 252
{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} 29 2/ 86
{ولا تقتلوا أنفسكم} 29 2/ 17
{إن الله لا يظلم مثقال ذرة} 40 2/ 29
{لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} 43 1/ 145-157
{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} 58 1/ 550
{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} 59 1/ 8-2/ 375
{وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} 59 1/ 403-2/ 176-376
{اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} 66 1/ 172
{أينما تكونوا يدرككم الموت} 78 2/ 12
{لعلمه الذين يستنبطونه منهم} 83 1/ 8-2/ 376
{فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} 92 2/ 99
{فتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} 92 2/ 102
{لا يستوي القاعدون من المؤمنين} 95 2/ 18
{فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ختم
أن يفتنكم الذين كفروا} 101 2/ 118
{ولا جناح عليكم إن كان بكم أذًى من مطر} 102 2/ 115
{لتحكم بين الناس بما أراك الله} 105 2/ 162
{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع
غير سبيل المؤمنين} 115 1/ 280-381-382
{إنما الله إله واحد} 171 2/ 128
(2/429)

سورة المائدة:
{ولا الهدى ولا القلائد} 2 2/ 380
{وإذا حللتم فاصطادوا} 2 1/ 546-561
{حرمت عليكم الميتة} 3 1/ 519-525
{وامسحوا برءوسكم} 6 2/ 338
{من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} 32 2/ 192
{وجاهدوا} 35 1/ 538
{والسارق والسارقة} 38 2/ 17-63-111-197-202
{إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون
الذين أسلموا} 44 1/ 462
{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} 44 1/ 462
{والسن بالسن} 45 1/ 463
{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا} 48 1/ 459-464
{وأن احكم بينهم بما أنزل الله} 49 2/ 175
{بل يداه مبسوطتان} 64 1/ 215
{فمن لم يجد} 89 1/ 203-2/ 99
{لا تقتلوا الصيد} 95 2/ 17
{ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم} 95 2/ 114-145
{ليذوق وبال أمره} 95 2/ 193
سورة الأنعام:
{ما فرطنا في الكتاب من شيء} 38 2/ 175
{ولكن أكثرهم لا يعلمون} 37 1/ 404
{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} 90 1/ 462-463
{قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل
الكتاب الذي جاء به موسى} 91 2/ 23
{ولم تكن له صاحبة} 101 2/ 13-29
{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} 121 2/ 289
{وآتوا حقه يوم حصاده} 141 1/ 539
{قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا} 145 1/ 135-2/ 77
{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} 151 1/ 135
{لا تكلف نفسًا إلا وسعها} 152 1/ 170-171
{فاتبعوه} 153 1/ 598
(2/430)

سورة الأعراف:
{وكلوا واشربوا} 31 2/ 45
{قل إنما حرم ربي الفواحش} 33 1/ 135
{ولكل أمة أجل} 34 2/ 13
{واتبعوه} 158 1/ 598
سورة الأنفال:
{ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} 13 2/ 192
{ولذي القربى} 41 1/ 537
{إن الله بكل شيء عليم} 75 2/ 49
{الآن خفف الله عنكم} 66 1/ 252
سورة التوبة:
{فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} 5 1/ 535-564-568
{فقاتلوا أئمة الكفر} 12 1/ 562
{ليس على الضعفاء وعلى المرضى} 91 1/ 538
{عفا الله عنك لما أذنت لهم} 43 2/ 354
{والسابقون الأولون} 100 1/ 245
سورة يونس:
{فاجمعوا أمركم وشركاءكم} 71 1/ 376
سورة هود:
{آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} 1 1/ 536
{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} 6 2/ 49
{احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق
عليه القول} 40 1/ 537
{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} 88 2/ 55
{وما أمر فرعون برشيد} 97 1/ 504
سورة يوسف:
{إني أراني أعصر خمرًا} 36 1/ 239
{إني أرى سبع بقرات سمان} 43 1/ 239
{واسأل القرية} 82 1/ 206-500
(2/431)

سورة الرعد:
{قل الله خالق كل شيء} 16 2/ 54-61
{يمحوا الله ما يشاء ويثبت} 39 1/ 225
سورة إبراهيم:
{وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم} 22 2/ 92
سورة الحجر:
{إنا نحن نزلنا الذكر} 9 2/ 34
{إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك من
الغاوين} 42 2/ 90
{ادخلوها بسلام} 46 1/ 546
سورة النحل:
{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} 43 2/ 375-383
{لتبين للناس ما نزل إليهم} 44 2/ 67
{تبيانًا لكل شيء} 89 2/ 175
{إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} 90 1/ 126
{ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ} 96 2/ 12
{وإذا بدلنا آية مكان آية} 101 1/ 228
{ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} 123 1/ 462
سورة الإسراء:
{فلا تقل لهما أفّ} 23 2/ 111
{واخفض لهما جناح الذل} 24 1/ 206
{ولا تقربوا الزنى} 32 1/ 144
{ومن قتل مظلومًا} 33 2/ 17
{قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لا بتغوا إلى
ذي العرش سبيلًا} 42 1/ 87
{كونوا حجارة} 50 1/ 170-547
{وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} 60 217
{أقم الصلاة} 78 1/ 144-546
{ ... لأمسكتم خشية الإنفاق} 100 2/ 194
(2/432)

سورة الكهف:
{ولا يظلم ربك أحدًا} 49 2/ 29
{جدارًا يريد أن ينقض} 77 1/ 206
{الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعًا * اولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} 104، 105 2/ 352
سورة مريم:
{آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويًّا * فخرج على
قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا} 10، 11 1/ 544
{فقولي إني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًّا} 26 1/ 544
{أسمع بهم وأبصر} 38 1/ 547
{لا يسمعون فيها لغوًا إلا سلامًا} 62 2/ 86
سورة طه:
{الرحمن على العرش استوى} 5 1/ 215
{وأقم الصلاة لذكري} 14 1/ 464
{واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي} 27-28 1/ 53
{أفعصيت أمري} 93 1/ 557
{ولم نجد له عزمًا} 115 1/ 188
سورة الأنبياء:
{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} 7 2/ 375
{ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} 22 1/ 87-457
{لا يُسأل عما يفعل} 23 2/ 39
{بل عباد مكرمون} 26 2/ 92
{وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه
غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان} 78، 79 2/ 346-353
{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} 98 2/ 18
{إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} 101 2/ 19
(2/433)

سورة الحج:
{هذان خصمان اختصموا} 19 2/ 32
{وبشر المخبتين} 34 2/ 46
{فإذا وجبت جنوبها} 36 1/ 104
سورة المؤمنون:
{أولئك يسارعون في الخيرات} 61 1/ 573
{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} 6 2/ 20
سورة النور:
{الزانية والزاني} 2 2/ 17-73
{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا
وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا} 4، 5 2/ 94
{فكاتبوهم} 33 1/ 546
{ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور} 40 2/ 29
{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} 63 1/ 125-128-554
سورة الفرقان:
{والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ... } 68 1/ 164
سورة القصص:
{يجبي إليه ثمرات كل شيء} 57 2/ 59
سورة العنكبوت:
{ألف سنة إلا خمسين عامًا} 14 2/ 52
سورة لقمان:
{وأمر بالمعروف} 17 1/ 126
سورة الأحزاب:
{وأورثكم أرضهم وديارهم وأمولهم} 27 2/ 47
(2/434)

{من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} 30 2/ 199
{ومن يقنت منكن لله ورسوله} 31 2/ 199
{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن
يكون لهم الخيرة من أمرهم} 36 1/ 554
{ومن يعض الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا 36 1/ 558
{فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها} 37 1/ 558
{خالصة لك من دون المؤمنين} 50 1/ 558
{إن الذين يؤذون الله} 57 1/ 206
سورة سبأ:
{وقليل من عبادي الشكور} 13 1/ 404
سورة فاطر:
{إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ} 28 2/ 128
سورة يس:
{قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} 52 1/ 214
سورة الصافات:
{لا إله إلا الله} 35 2/ 26
{إني أرى في المنام أني أذبحك} 102 1/ 238
{افعل ما تؤمر} 102 1/ 237
{قد صدقت الرؤيا} 105 1/ 238
{وفديناه بذبح عظيم} 107 1/ 235
سورة ص:
{وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} 21 2/ 32
{وقليل ما هم} 24 1/ 404
{ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} 27 2/ 351
{إنما أنا منذر} 65 2/ 128
{وما من إله إلا الله} 65 2/ 26
{لما خقلت بيدي} 75 1/ 215
{فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} 82، 83 2/ 90
(2/435)

سورة الزمر:
{الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} 18 1/ 474
{يا عباي الذين أسرفوا} 53 2/ 46
{واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} 55 1/ 474
{الله خالق كل شيء} 62 2/ 13-54-59-61
سورة فصلت:
{وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم} 23 2/ 351
{لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن} 37 1/ 140
{اعملوا ما شئتم} 40 1/ 546
{ولو جعلناه قرآنًا أعجميًّا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} 44 1/ 210
سورة الشورى:
{وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} 10 1/ 403
{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} 11 1/ 51
{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا} 13 1/ 462
{وجزاء سيئة سيئة مثلها} 40 1/ 206
سورة الزخرف:
{حم * والكتاب المبين * إنّا جعلناه قرآنًا عربيًّا} 1-3 1/ 198
{ويحسبون أنهم مهتدون} 37 2/ 352
سورة الدخان:
{ذق إنك أنت العزيز الكريم} 49 1/ 546
سورة الأحقاف:
{وما أنا إلا نذير} 9 2/ 128
{تدمر كل شيء بأمر ربها} 25 2/ 59-60
{وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن} 29، 30 1/ 198
(2/436)

سورة محمد:
{فقد جاء أشراطها} 18 1/ 181
{لا إله إلا الله} 19 2/ 26
{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين 31 1/ 217
{أفلا يتدبرون القرآن} 24 2/ 376
سورة الفتح:
{لقد رضي الله عن المؤمنين} 18 1/ 346
{محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار} 29 1/ 346-2/ 116
سورة الحجرات:
{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق} 6 1/ 234
{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} 9 2/ 32
سورة الطور:
{فاصبروا أو لا تصبروا} 16 1/ 547
سورة النجم:
{وما ينطق عن الهوى} 3 2/ 343
{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} 39 2/ 288
سورة القمر:
{تجري بأعيننا} 14 1/ 215
سورة الرحمن:
{ويبقى وجه ربك} 27 1/ 215
{فيهما فاكهة ونخل ورمان} 68 2/ 47
سورة الواقعة:
{إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون} 77، 78 1/ 198
سورة الحديد:
{لكيلا تأسوا} 23 2/ 192
(2/437)

سورة المجادلة:
{فتحرير رقبة} 3 2/ 101-104
{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات} 11 2/ 180
{ويحسبون أنهم على شيء} 18 2/ 351
سورة الحشر:
{فاعتبروا يا أولي الأبصار} 2 2/ 168-344-375
{كيلا يكون دولة} 7 2/ 192
سورة الجمعة:
{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} 9 2/ 202
{فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا} 10 1/ 561
سورة الطلاق:
{يا أيها النبي إذا طلقتم} 1 592
{وأشهدوا ذوي عدل منكم} 2 2/ 105
{ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا} 2 2/ 199
{ومن يتوكل على الله فهو حسبه} 3 2/ 12
{وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} 6 2/ 131
سورة التحريم:
{قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} 2 1/ 592
{إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} 4 2/ 32
{لا يعصون الله ما أمرهم} 6 1/ 557
سورة المعارج:
{أو ما ملكت أيمانكم} 30 2/ 20-368
سورة الجن:
{إنا سمعنا قرآنًا عجبًا} 1 1/ 198
سورة المزمل:
{يا أيها المزمل * قم الليل} 1، 2 1/ 586
(2/438)

{إن ناشئة الليل هي أشدّ وطئًا وأقوم قيلًا} 6 1/ 212
{علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} 20 1/ 591
{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 20 1/ 144-537-538-557
سورة المدثر:
{ما سلككم في سقر * قالوا لم نكُ من المصلين} 42، 43 1/ 164
{وكنا نكذب بيوم الدين} 46 1/ 164
سورة القيامة:
{فاتبع قرآنه * ثم إنَّ علينا بيانه} 18، 19 1/ 536
سورة المرسلات:
{هذا يوم لا ينطقون} 35 1/ 214
{وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} 48 1/ 554
سورة الانفطار:
{إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم} 13، 14 2/ 111-1/ 202
سورة البروج:
{بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ} 21، 22 1/ 198
سورة الليل
{وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} 19، 20 2/ 86
سورة العصر:
{إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا} 2، 3 1/ 78-2/ 11-30
سورة الماعون:
{فويل للمصلين} 4 2/ 101
سورة الإخلاص:
{ولم يكن له كفوًا أحد} 4 2/ 29
(2/439)

ثانيا: فهرس الأحاديث
حرف الألف:
"الأئمة من قريش" 1/ 423
"الاثنان فما فوقهما جماعة" 2/ 32
"اجتهدا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات" 2/ 340
"ادرأوا الحدود بالشبهات" 1/ 370
"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران" 2/ 358
"إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد فلا يشبك بين أصابعه" 1/ 138
"إذا حاصرتم حصنًا أو مدينة فطلبوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم" 2/ 355
"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران" 2/ 172
"إذا قال الإمام: {ولا الضالين} فقولوا آمين" 1/ 545
"إذا لم تستح فاصنع ما شئت" 1/ 547
"إذا مس الختانُ الختانَ وجب الغسل" 1/ 318
"أرأيت لو تمضمضت؟ " قاله لعمر 2/ 39-174
"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته؟! " 2/ 172
"أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعها" 2/ 201
"أرخص رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في السَّلم ووضع الجوائح" 2/ 43
"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" 1/ 468
"أعتق رقبة" قال لأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان 2/ 148
"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله" 1/ 165
(2/440)

"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" 2/ 19
"أمسك عليك لسانك" 1/ 544
"أمسك منهن أربعًا وفارق سواهن" 1/ 511
"إن أنت قضيت بينهما فأصبت فلك عشر حسنات" 2/ 339
"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يُحرّم على الناس فحُرّم من أجل مسألته" 1/ 135-136
"إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ" 1/ 562
"إنا معاشر الأنبياء لا نورث" 2/ 69
"إنا وبنو عبد المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام" 1/ 537
"إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" 2/ 354
"إن الله اختارني واختار لي أصحابًا وأنصارًا" 1/ 346
"إن الله عفا لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل" 1/ 544
"إن الله فرض عليكم صيامه" 1/ 586
"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" 1/ 262
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس ولكن بقبض العلماء" 1/ 391
"إنما أسهو لأسُن" 1/ 593
"إنما أنا شافع" 1/ 555
"إنما الأعمال بالنيات" 1/ 247-2/ 128
"إنما جُعل الأستئذان من أجل البصر" 2/ 193
"إنما الربا في النسيئة" 1/ 281
"إنما نهيتكم من أجل الدافة" 2/ 193
"إنما الولاء لمن أعتق" 2/ 127
"أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أعطى الجدّة السدس" 1/ 314
"أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- رخّص في تعجيل الزكاة" 1/ 186
"أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال" 1/ 335
"أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قضى بشاهد ويمين" 1/ 358
"أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كتب إلى الضحاك أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها" 1/ 315
"إنها رجس" قاله عن الروثة 2/ 194
(2/441)

"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات" 2/ 146-194
"إني أقضي بينكم الرأي فيما لم ينزل به وحي" 2/ 174
"إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أُحلّ حتى أنحر" 1/ 593
"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" 1/ 513-2/ 12
"أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه" 2/ 183
"الأيم أحق بنفسها من وليها البكر تستأذن" 2/ 134
حرف الباء:
"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء" 1/ 404
"بعثت إلى الأحمر والأسود وكل نبي بعث إلى قومه" 1/ 459
"بل هو رأيٌ رأيته لكم" 2/ 345
"بم تحكم؟ " قاله لمعاذ حين بعثه إلى اليمن 1/ 460
"بين المراد بالصلاة صلاة جبريل به -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في اليومين" 1/ 537
"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"1/ 454
حرف التاء:
"تبيين النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- الصلاة والحج بفعله" 1/ 531
"تحريمها التكبير وتحليها التسليم" 2/ 129
"تخصيص أبي بردة بجذعة من المعز" 1/ 596
"تخصيص خزيمة بشهادته وحده" 2/ 285
"تزوج النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما" 2/ 394
"تزوجني النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ونحن حلالان" 2/ 393
"توضؤوا من لحوم الإبل ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم" 1/ 562
حرف الثاء:
"ثلاث لا يغل عليهم قلب المسلم إخلاص العمل لله والمناصحة لولاه الأمر ولزوم جماعة المسلمين" 1/ 385
"الثيب أحق بنفسها من وليها" 2/ 134
(2/442)

حرف الحاء:
"حتى يذوق عسيلتها" 2/ 69
"حديث حمل بن مالك في دية الجنين" 1/ 314
"حديث الخثعمية" 2/ 173
"حديث رافع في المخابرة" 1/ 285
"حديث فاطمة بنت قيس في النفقة والسكنى للمبتوتة" 1/ 595
"حديث معاذ في الاجتهاد" 1/ 595
"حرمت الخمر لعينها" 1/ 373
"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" 1/ 135
حرف الخاء:
"خبر أبي موسى في الاستئذان" 1/ 323
"خبر دية الجنين" 1/ 314
"خبر ذي اليدين" 1/ 325
"خبر رافع بن خديج" 1/ 285
"خبر زيادة التغريب على الجلد في الحد" 1/ 343
"خبر المغيرة في ميراث الجدة" 1/ 314
"خذوا عني مناسككم" 1/ 531-538
"خطابي للواحد خطاب للجماعة" 1/ 594
"خير الناس قرني" 1/ 346
حرف الدال:
"دعي الصلاة أيام أقرائك" 1/ 145-612
حرف الراء:
"رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" 1/ 340
(2/443)

"رخّص في العرايا" 2/ 278
"رضخ يهودي رأس جارية فأمر به رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يرضّ رأسه بين حجرين" 2/ 198
"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 1/ 152-524
"رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ ... " 1/ 599
حرف السين:
"سقوط طواف الوداع عن الحائض" 1/ 595
"سنوا بهم سنة أهل الكتاب" 1/ 316-556
"سها رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فسجد" 2/ 198
حرف الشين:
"الشفعة فيما لم يقسم" 2/ 129
"الشهر هكذا وهكذا وهكذا" 1/ 530
"الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" 1/ 403
حرف الصاد:
"صحة صوم من أصبح جنبًا" 1/ 590
"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" 2/ 118
"صلوا كما رأيتموني أصلي" 1/ 531
"صوّب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- معاذًا على الاجتهاد" 1/ 372
حرف الطاء:
"الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" 1/ 247
حرف العين:
"العائد في هبته كالعائد في قيئه" 1/ 193
"عدم ثبوت حكم الإحرام في حق من بعث هديه وأقام في أهله" 1/ 590
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" 1/ 467
(2/444)

حرف الغين:
"الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال" 1/ 590
حرف الفاء:
"فلا إذًا" 2/ 201
"فلها المهر بما استحل من فرجها" 1/ 513
"فليغسله سبعًا" 1/ 556
"في أربعين شاةً شاةٌ" 1/ 538-2/ 72
"في سائمة الغنم الزكاة" 1/ 455-2/ 73-114-132
"في كل أصبع عشر من الإبل" 1/ 374
"فيما سقت السماء العشر" 2/ 63
حرف القاء:
"قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم" 1/ 260
" القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن" 1/ 261
"قضي بالشفعة فيما لم يقسم" 2/ 42
"قضى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالقصاص بالسن، وقال: كتاب الله القصاص" 1/ 463
"قضى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الجنين بغرة" 1/ 315
حرف الكاف:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- يأمرني فأتزر فيباشرني" 2/ 73
"كتاب الله القصاص" 1/ 463
"كتابة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلى عماله في الصدقات" 1/ 529
"الكلب الأسود شيطان" 2/ 120
"كنا نخابر أربعين سنة" 1/ 285
"كنا نفاضل على عهد رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فنقول: أبو بكر وعمر وعثمان" 1/ 285
"كنا نحيض على عهد رسول الله فنؤمر بقضاء الصوم دون الصلاة" 1/ 187
"كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا" 1/ 270
(2/445)

"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" 1/ 270
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ... " 1/ 561
حرف اللام:
"للأبد ولو قلت لعامنا لوجب" 2/ 344
"لم يقبل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خبر ذي اليدين" 1/ 322
"لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ" 1/ 383
"لو كان على أمها دين فقضته ألم يكن يجزئ عنها" 1/ 580
"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 1/ 125-128
"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" 1/ 538
"ليس الوضوء من القطرة والقطرتين" 2/ 135
حرف الميم:
"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن ... " 1/ 384-474
"ما من عبد يذنب فيتوضأ ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له" 1/ 317
"ما هذا؟! ألم آت بها بيضاء؟! نقية لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي" 1/ 460
"مروهم بالصلاة لسبع" 1/ 582
"من أحيا أرضًا ميتة فهي له" 2/ 197
"من اتخذ كلبًا -إلا كلب ماشية أو صيد- نقص من أجره كل يوم قيراطان" 2/ 199
"من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة" 1/ 386
"من أصبح جنبًا فلا صوم له" 1/ 280
"من أعتق شركًا له في عبد قُوِّم عليه الباقي" 2/ 183
"من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرته للبائع" 2/ 80-197
"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" 2/ 17
"من شذّ شذّ في النار" 1/ 386
"من شهد جنازة" 2/ 392
"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" 1/ 608
(2/446)

"من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" 1/ 384
"من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" 1/ 385
"من مسّ ذكره فليتوضأ" 2/ 198
"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" 1/ 464-556-2/ 80
حرف النون:
"نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" 2/ 16
"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع" 1/ 279-361
"نكحها وهو محرم" أي: ميمونة 2/ 394
"نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه" 2/ 43
"نهى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن المزابنة" 2/ 42
"نهى عن المنابزة والملامسة" 1/ 612
"نهى عن المزابنة والمحاقلة والمخابرة" 1/ 612-2/ 43
"نهى عن الصلاة في الأوقات الخمسة" 1/ 145
"نهى عن الصلاة في المقبرة وقارعة الطريق والأماكن السبِعة" 1/ 145
"نهيت عن قتل النساء" 2/ 81
"نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث" 2/ 194
حرف الهاء:
"هو الطهور ماؤه" 2/ 36
حرف الواو:
"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب" 1/ 588
"وجوب الوضوء من ملامسة المرأة" 1/ 590
"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى" 1/ 589
"والله لأغزونّ قريشًا" 1/ 570
"ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أُتبع" 1/ 554
(2/447)

حرف الباء:
"يجزئك ولا يجزئ عن أحد بعدك" 1/ 587
"يقطع الصلاة الكلب الأسود" 2/ 119
حرف اللام ألف:
"لا تبيعوا البُرّ بالبُرّ إلا سواء بسواء" 2/ 76
"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل" 1/ 609
"لا تجتمع أمتي على خطأ" 1/ 383-396
"لا تجتمع أمتي على ضلالة" 1/ 383
"لا تحرم المصة ولا المصتان" 2/ 135
" لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم 1/ 386-428
"لا تقربوه طيبًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبّيًا" 2/ 195
"لا تقلدوها الأوتار" 2/ 380
"لا تكلفوهم ما لا يطيقون" 1/ 172
"لا تلبسوا الحرير" 1/ 144
"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" 2/ 17-68-195
"لا زكاة في الحلي" 1/ 454
"لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" 2/ 63
"لا صلاة إلا بطهور" 1/ 521
"لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" 2/ 81
"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 1/ 515
"لا عمل إلا بنية" 1/ 523-2/ 110-128
"لا قطع إلا في ربع دينار" 2/ 63
"لا نكاح إلا بولي" 2/ 102-103
"لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدَيْ عدل" 2/ 103
"لا وصية لوارث" 2/ 69
"لا يُختلى خلاها" 2/ 344
"لا يرث القاتل" 2/ 17-2/ 69
(2/448)

"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" 2/ 68
"لا يُقتل مسلم بكافر" 1/ 82
"لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" 2/ 77-202
"لا يلبس القميص ولا السراويلات ولا البرانس" 2/ 120
"لا يَنكح المحرم ولا يُنكح" 1/ 610
"لا يؤمّن الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" 2/ 94
(2/449)

ثالثا: فهرس الآثار
أ- آثار الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم:
أبو بكر الصديق:
"أعطى الجدة السدس" 1/ 314
"أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان" 2/ 158
"إنما أسلموا لله وأجورهم عليه" 2/ 159-349
"سوّى بين الصحابة في العطاء" 2/ 159
عمر بن الخطاب:
"أُذَكِّر اللهَ امرءًا سمع من رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الجنين" 1/ 314
"اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور برأيك" 2/ 159
"اكتب: هذا ما رآه عمر فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر" 2/ 359
"إني لا أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم" 1/ 326
"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن" 2/ 161
"رجع عمر إلى قول معاذ في ترك رجم المرأة" 1/ 471
"رجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف في المجوس" 1/ 316
"ردَّ خبر فاطمة بنت قيس في السكنى والنفقة" 1/ 595
"عجبتُ مما عجبتَ منه" 2/ 118
"عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ لولا معاذ لهلك عمر" 1/ 471
"قدم عمر حديث حمل بن مالك في غرة الجنين" 1/ 373
"كان يرى إعتاق أم الوالد" 420
(2/450)

"كان لا يورّث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كتب إليه أن يورّث امرأة أشيم الضبابي" 1/ 315
"كان يفاضل بين ديات الأصابع، ويقسّمها على قدر منافعها ثم رجع عن ذلك" 1/ 374
"لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان" 1/ 323
"لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره" 1/ 315
"ما لم تجد في السنة فاجتهد رأيك" 1/ 399
"لا أجعل من ترك داره وماله وهاجر إلى الله ورسوله كمن أسلم كرهًا" 2/ 159
"لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت" 1/ 264
عثمان بن عفان:
"اختلاف عثمان وعلى في الجمع بين الأختين بملك اليمين" 2/ 20
"أحلتهما آية وحرمتهما آية" 2/ 20
"أخذ بخبر فريعة بنت مالك في السكنى" 316
"إن نتبغ رأيك فرأي رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان" 2/ 160
"لا شيء عليك إنما أنت مؤدب" 2/ 356
على بن أبي طالب:
"اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن وأنا الآن أرى بيعهن" 2/ 160
"إذا سكر هذي وإذا هذي افترى، فحُدوه حد المفتري" 2/ 160
"إن يكونا قد اجتهدا فقد أخطآ، وإن يكونا ما اجتهدا فقدغشّاك، عليك الدية" 2/ 356
"ردّ خبر معقل بن سنان الأشجعي في بَرْوع بنت واشق" 1/ 323
"ضرب في الخمر أربعين" 1/ 420
"كان لا يقبل الخبر حتى يستحلف" 1/ 317
"كنت إذا سمعت من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حديثًا نفعني الله بما شاء منه أن ينفعني، وإذا حدثني غيرُه استحلفته" 1/ 317
"لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" 2/ 162
(2/451)

أنس بن مالك:
"سلوا مولانا الحسن فإنه غاب وحضرنا، وحفظ ونسينا" 1/ 400
"كنت أسقى أبا طلحة وأبا عبيدة وأبيّ بن كعب شرابًا من فضيخ" 1/ 318
البراء بن عازب:
"ما كل ما حدثناكم به عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سمعناه منه غير أنّا لا نكذب" 1/ 364
زيد بن سهل-أبو طلحة- وأصحابه:
"قبلوا خبر الواحد في تحريم الخمر من غير ماجعة" 1/ 357
عائشة - أم المؤمنين:
"أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إلا أن يتوب" 2/ 359
"أنكرت على زيد بن أرقم تعامله بمسألة العينة" 1/ 408
"إنما مثلك مثل الفروج سمع الديكة تصيح فصاح لصياحها" 1/ 398
"ردت حديث ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه" 1/ 325
"كانوا لا يقطعون في الشيء التافه" 1/ 286
عبد الرحمن بن صخر- أبو هريرة:
"أنا مع ابن أخي" 1/ 401
عبد الله بن عباس:
"ألا يتقي الله زيد؟! يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا! " 2/ 359
"إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه" 2/ 162
"إياكم والمقاييس؛ فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس" 2/ 163
"سل فلانة الأنصارية" 1/ 320
"كان رجلًا مهيبًا فهبته" 1/ 435
"كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-" 2/ 65
"لم حجبت الأم بالاثنين من الإخوة؟ " 2/ 33
"من شاء باهلته في العول" 2/ 359
(2/452)

عبد الله بن عمر:
"رجع إلى حديث رافع في المخابرة" 1/ 320-2/ 43
"ردّ خبر أبي هريرة في أن من صلى على الميت فله قيراطان" 2/ 392
عبد الله بن مسعود:
"إن حكمتم بالرأي أحللتم كثيرًا مما حرّمه الله" 2/ 162
"ذروني من أرأيت وأرأيت" 2/ 163
"قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون ويتخذ الناس رؤساءً جهّالًا" 2/ 162
عثمان بن مظعون:
"كذبت فإن نعيم الجنة لا يزول" 2/ 21
ب- آثار التابعين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم:
إبراهيم النخعي:
"إذا رويت عن عبد الله وأسندت فقد حدثني واحد، وإذا أرسلت فقد حدثني جماعة عنه" 1/ 367
الحسن البصري:
"إذا أمرت بمعروف فكن من آخذ الناس به، وإذا نهيت عن منكر فكن من أترك الناس له وإلا هلكت" 2/ 55
(2/453)

رابعا: فهرس الأبيات الشعرية
حرف الباء:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب 1/ 240
حرف الدال:
قلدوها تمائمًا خوف واشٍ وحاسد 2/ 380
وقفت فيها أصيلانًا اسائلها عيت جوابًا وما بالربع من أحد 2/ 86
إلا الأوراي لويا أبيتها والنوى كالحوض المظلومة الجلد 2/ 87
يكلفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مولدا 1/ 153
حرف الراء:
لقد عثرت عثرة لا تنجبر سوف أليسُ بعدها أو أستمر
أرفع من ذيلي ما كنت أجر وأجمع الرأي الشتيت المنتشر 2/ 355
حرف السين:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيسُ 2/ 78
حرف العين:
وقلِّدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا 2/ 381
حرف الفاء:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف 2/ 106
(2/454)

ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل 2/ 21
-
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل 1/ 547
أنا الرجل الحامي الذّمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي 2/ 128
أهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا علم الحديث الذي ينجو به الرجل
لو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا 2/ 164
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل 1/ 507
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكمًا بالحق قوالًا 2/ 91
حرف الميم:
أمرتك أمرًا حازمًا فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادمًا 1/ 557
حرف النون:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا 1/ 124
وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني 2/ 106
حرف الهاء:
إذا قاسها الآسي النِّطاسي أدبرت غثيثتها أو زاد وهيًا هزومها 2/ 140
(2/455)

خامسًا: فهرس الأعلام 1
حرف الألف:
إبراهيم بن أحمد بن عمر بن شاقلا: 1/ 449.
إبراهيم بن الحارث بن عبادة بن الصامت: 2/ 56
إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان "أبو ثور": 2/ 48.
إبراهيم بن السري بن سهل "الزجاج": 2/ 91
إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن الأسود "النخعي": 1/ 367.
إبراهيم بن يسار بن هانئ "النظام": 1/ 379
أحمد بن علي أبو بكر الرازي "الجصاص": 1/ 402
أحمد بن محمد بن حنبل "الإمام أحمد"
أحمد بن نصر بن محمد الجزري: 1/ 134.
أسامة بن زيد بن حارثة: 1/ 281
أسلم أو إبراهيم أبو رافع مولى العباس بن عبد المطلب: 2/ 394.
الأسود بن يزيد بن قيس النخعي: 1/ 399
أشيم الضبابي: 1/ 315.
امرؤ القيس بن حجر الكندي: 1/ 507
أنس بن مالك بن النضر: 1/ 318
أوس بن الصامت بن قيس الأنصاري: 2/ 38
حرف الباء:
البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري: 1/ 364
أبو بردة: هانئ بن نيار: 1/ 596.
البرمكي: عمر بن أحمد بن إبراهيم 2/ 271.
__________
1 اكتفينا بذكر اسم العلم في الصفحة التي ترجم له فيها مرتبًا ترتيبًا أبجديًّا مع إسقاط: "ابن، وأبو، وأم، ولام التعريف".
(2/456)

بروع بنت واشق الأشجعية: 1/ 323-2/ 158.
بريرة- مولاة عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- 1/ 555.
البستي: حمد بن محمد بن إبراهيم: 2/ 14.
بكر بن محمد النسائي: 2/ 356.
أبو بكرة: نفيع بن الحارث بن كلدة "أبو بكرة": 1/ 348
حرف التاء:
تماضر بنت عمرو بن الحارث "الخنساء": 1/ 153.
التميمي: عبد العزيز بن الحارث بن أسد: 1/ 132.
حرف الثاء:
الثلجي: محمد بن شجاع: 2/ 14.
أبو ثور: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان: 2/ 48.
حرف الجيم:
جابر بن زيد الأزدي "أبو الشعثاء": 1/ 401.
جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري: 1/ 261.
الجاحظ: عمرو بن بحر بن محبوب: 2/ 350.
الجبائي: محمد بن عبد الوهاب أبو علي: 1/ 328.
جران العود: عامر بن الحارث بن كلفة: 2/ 87.
الجزري: أحمد بن نصر بن محمد الجزري: 1/ 134.
جندب بن جنادة بن سفيان، أبو ذر الغفاري: 2/ 119.
ابن جني: عثمان بن جني النحوي 2/ 91.
أبو جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي: 1/ 169.
حرف الحاء:
حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي: 1/ 387.
الحارث بن عمرو الثقفي: 2/ 169.
الحباب بن المنذر بن الجموح: 2/ 345.
الحسن بن حامد بن علي: 1/ 133.
الحسن بن علي بن أبي طالب: 1/ 333.
الحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري التابعي: 1/ 400.
الحسين بن باشر المخرمي: 2/ 388.
الحسين بن علي بن أبي طالب: 1/ 333.
حفصة بنت عمر بن الخطاب "أم المؤمنين": 1/ 593.
حمد بن محمد بن إبراهيم البستي: 2/ 14.
(2/457)

حمل بن مالك بن النابغة الهذلي: 1/ 314.
حرف الخاء:
الخثعمية: 2/ 173.
خداش بن بشر بن خالد التميمي: 2/ 140.
الخرباق بن عمرو "ذو اليدين": 1/ 322.
الخرقي عمر بن الحسين بن عبد الله: 2/ 370.
خزيمة بن ثابت الأنصاري: 2/ 285.
أبو الخطاب: محفوظ بن أحمد بن الحسن: 1/ 121.
الخنساء: تماضر بنت عمرو: 1/ 153.
حرف الدال:
الدارقطني: علي بن عمر بن أحمد: 1/ 261.
داود بن علي بن خلف الظاهري:
1/ 425.
حرف الذال:
أبو ذر: جندب بن جنادة بن سفيان: 2/ 119.
ذكوان أبو صالح السمان المدني:
1/ 357.
ذو اليدين: الخرباق بن عمرو: 1/ 322.
حرف الراء:
رافع بن خديج بن رافع الأنصاري: 1/ 285.
أبو رافع: أسلم أو إبراهيم مولى العباس بن عبد المطلب: 2/ 394.
ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني: 1/ 357.
حرف الزاي:
الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي: 1/ 394.
الزجاج: إبراهيم بن السري بن سهل: 2/ 91.
زيد بن أرقم الأنصاري: 1/ 408.
زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري: 1/ 320.
زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري: 1/ 318.
زياد بن معاوية الذبياني: 2/ 86.
حرف السين:
سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي: 2/ 345.
سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري: 1/ 319.
سعد بن محمد بن الحسن العوفي: 1/ 331.
سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري: 2/ 340.
(2/458)

سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي: 1/ 399.
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري: 1/ 398.
سنان بن مسلمة الجهني: 1/ 580.
سهل بن أبي صالح السمان: 1/ 357.
سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر: 2/ 88.
حرف الشين:
شريح بن الحارث بن قيس الكندي القاضي: 1/ 398.
أبو الشعثاء: جابر بن زيد الأزدي: 1/ 401.
حرف الصاد:
صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل: 2/ 56.
صخر بن عمرو بن الحارث السلمي: 1/ 153.
حرف الضاد:
الضحاك بن سفيان بن عوف الكلابيك 1/ 315.
ضمرة بن ضمرة بن جابر النهشلي: 1/ 240.
حرف الطاء:
الطبري: محمد بن جرير بن يزيد: 1/ 402.
طلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي: 1/ 394.
طلق بن علي بن طلق بن عمرو السحيمي: 1/ 272.
حرف العين:
عائشة بنت أبي بكر الصديق -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: 1/ 187.
عامر بن الحارث بن كلفة "جران العود": 2/ 87.
عامر بن عبد الله بن الجراح "أبو عبيدة": 1/ 318.
عبادة بن نسيّ الشامي: 2/ 170.
العباس بن عبد المطلب: 1/ 393.
عبد الرحمن بن صخر الدوسي "أبو هريرة": 1/ 272-401.
عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري: 1/ 316.
عبد الرحمن بن غنم الأشعري: 2/ 170.
عبد العزيز بن جعفر بن أحمد "غلام الخلال": 1/ 534.
عبد العزيز بن الحارث التميمي: 1/ 132.
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: 1/ 332.
عبد الله بن الزبعري بن قيس السهمي: 2/ 18.
عبد الله بن الزبير بن العوام: 1/ 332.
(2/459)

عبد الله بن الصامت الغفاري البصري: 2/ 119.
عبد الله بن عثمان بن عامر "أبو بكر الصديق".
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب: 1/ 211.
عبد الله بن عمر بن الخطاب: 1/ 262.
عبد الله بن قيس بن سليم "أبو موسى الأشعري": 1/ 318.
عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب: 1/ 203.
عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: 2/ 88.
عبد الله بن الحسن بن دلال الكرخي: 1/ 356.
عبد الله بن الحسن العنبري: 2/ 351.
عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح: 2/ 91.
عثمان بن مظعون الجمحي: 2/ 21.
عطاء بن أبي رباح القرشي: 2/ 85.
عقبة بن عامر الجهني 2/ 340.
ابن عقيل: علي بن عقيل بن محمد الحنبلي: 1/ 214.
عكرمة بن عبد الله "مولى ابن عباس": 1/ 211
علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي التابعي: 1/ 399.
علي بن أحمد بن مهدي "الدارقطني": 1/ 261.
علي بن عقيل بن محمد الحنبلي: 1/ 214.
علي بن فصال بن غالب المجاشعي النحوي: 2/ 93.
عمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي: 2/ 271.
عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي: 2/ 370.
عمرو بن بحر بن محبوب الكناني "الجاحظ": 2/ 350.
عمرو بن عثمان بن قنبر "سيبويه": 2/ 88.
عمرو بن العاص بن وائل القرشي: 2/ 339.
عمرو بن قيس بن أم مكتوم: 2/ 18.
عمرو بن هشام بن المغيرة "أبو جهل": 1/ 169.
عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي: 2/ 48
حرف الغين:
الغزالي: محمد بن محمد بن محمد أبو حامد غيلان بن سلمة الثقفي: 1/ 511.
حرف الفاء:
فاطمة الزهراء بنت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- 2/ 16.
(2/460)

فاطمة بنت قيس بن خالد: 1/ 595.
فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية: 1/ 316.
ابن فصال النحوي: علي بن فصال بن غالب: 2/ 93.
الفضل بن العباس بن عبد المطلب: 1/ 280.
حرف القاف:
ابن قتيبة: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: 2/ 88.
قيس بن الحطيم بن عدي بن عمرو الخزري: 2/ 106.
حرف اللام:
لبيد بن ربيعة بن مالك العامري: 2/ 21.
لقيظ بن يعمر بن خارجة الإيادي: 2/ 381.
حرف الكاف:
الكرخي: عبيد الله بن الحسن بن دلال: 1/ 356.
حرف الميم:
مالك بن أنس بن مالك الأصبحي. "الإمام مالك".
ماعز بن مالك الأسلمي: 1/ 595.
المثقب العبدي: 2/ 106.
محفوظ بن أحمد بن الحسن "أبو الخطاب: 1/ 121.
محمد بن إدريس الشافعي "الإمام الشافعي": 1/ 103.
محمد بن إسماعيل القفال الشاشي: 2/ 52.
محمد بن جرير بن يزيد الطبري: 1/ 402.
محمد بن الحسين بن محمد الفراء "القاضي أبو يعلى": 1/ 122.
محمد بن داود بن علي الظاهري: 2/ 31.
محمد بن شجاع الثلجي: 2/ 14.
محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي "أبو علي": 1/ 328.
محمد بن عيسى بن سورة السلمي "الترمذي": 2/ 170.
محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري: 1/ 314.
مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري: 1/ 589.
معاذ بن جبل الأنصاري: 1/ 372.
معقل بن سنان الأشجعي: 1/ 223.
المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي: 1/ 314.
أبو موسى الأشعري: عبد الله بن قيس بن سليم: 1/ 318.
(2/461)

ميمونة بنت الحارث الهلالية "أم المؤمنين": 2/ 393.
حرف النون:
النظام: إبراهيم بن يسار بن هانئ: 1/ 379.
النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري: 1/ 333.
النعمان بن ثابت الكوفي "الإمام أبو حنيفة" 1/ 104.
نقيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي "أبو بكرة": 1/ 348.
حرف الهاء:
هانئ بن نيّار الأنصاري "أبو بردة": 1/ 596.
أبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر الدوسي: 1/ 272-401.
هلال بن أمية بن عامر الأنصاري: 2/ 38.
همام بن غالب بن أبي صعصعة: 2/ 128.
حرف الياء:
يعقوب بن إبراهيم بن حبيب "أبو يوسف": 1/ 351.
يعقوب بن إبراهيم بن سطور "القاضي يعقوب": 1/ 473.
يعلى بن أمية بن أبي عبيدة: 1/ 118.
(2/462)

سادسًا: فهرس الفرق والطوائف والملل:
الإمامية: 1/ 300.
الأنصار: 1/ 318.
أصحاب الحديث: 1/ 361.
أهل حمص.
أهل الظاهر.
أهل العربية.
أهل العرف: 1/ 545.
أهل قباء: 1/ 318.
أهل اللسان: 1/ 551.
أهل اللغة: 1/ 557.
أهل المدينة.
التابعون.
الجدليّون.
الجهمية.
الخلف.
الخوارج: 1/ 411.
الزنج: 1/ 540.
السلف.
السمنية: 1/ 288.
السوفسطائية: 1/ 289.
العرب.
القدرية: 1/ 236-313.
المجوس: 1/ 556.
المرجئة: 1/ 330.
المعتزلة: 1/ 105.
النحويون.
النصارى: 1/ 301.
الواقفية: 1/ 134.
اليهود: 1/ 377.
(2/463)

سابعًا: فهرس المراجع:
1- الإبهاج في شرح المنهاج، لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة 756هـ، أكمله ولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى سنة 771هـ، طبعة الكليات الأزهرية، ودار الكتب العلمية. تحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل.
2- الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة 911هـ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة الهيئة المصرية العامّة للكتاب سنة 1975م.
3- أثر الاختلاف في القو