Advertisement

شرح التلويح على التوضيح 002


(الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى قَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعَلَى فِعْلِهِ، وَالْحَدِيثُ مُخْتَصٌّ بِقَوْلِهِ: وَالْأَقْسَامُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كِتَابٍ) كَالْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ إلَى آخِرِهَا وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ثَابِتَةٌ هَهُنَا أَيْضًا فَلَا نَشْتَغِلُ بِهَا، وَإِنَّمَا بَحْثُنَا فِي بَيَانِ الِاتِّصَالِ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَنَبْحَثُ فِي أُمُورٍ: فِي كَيْفِيَّةِ الِاتِّصَالِ، وَفِي الِانْقِطَاعِ، وَفِي مَحَلِّ الْخَبَرِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ، وَفِي الطَّعْنِ.
(فَصْلٌ) فِي الِاتِّصَالِ الْخَبَرُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ رُوَاتُهُ فِي كُلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
[الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ] [فَصْلٌ اتِّصَالُ الْخَبَرِ] [التَّوَاتُرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ]
قَوْلُهُ: (الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ وَهِيَ) فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ وَالْعَادَةُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ فِي الْعِبَادَاتِ النَّافِلَةِ وَفِي الْأَدِلَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا مَا صَدَرَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَيْرُ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلٍ وَيُسَمَّى الْحَدِيثَ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ، وَالْمَقْصُودُ بِالْبَحْثِ هَاهُنَا بَيَانُ اتِّصَالِ السُّنَّةِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاتِّصَالِ بِأَنَّهُ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ أَوْ غَيْرِهِ وَعَنْ حَالِ الرَّاوِي، وَعَنْ شَرَائِطِهِ وَعَنْ ضِدِّ الِاتِّصَالِ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ، وَعَنْ مُتَعَلَّقِهِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْخَبَرِ، وَعَنْ وُصُولِهِ مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى فِي الْمَبْدَأِ وَهُوَ السَّمَاعُ، أَوْ الْمُنْتَهَى، وَهُوَ التَّبْلِيغُ، أَوْ الْوَسَطِ، وَهُوَ الضَّبْطُ عَنْ قَدْحِ الْقَادِحِ فِيهِ، وَهُوَ الطَّعْنُ وَعَمَّا يَخُصُّ نَوْعًا خَاصًّا مِنْ السُّنَّةِ، وَهُوَ الْفِعْلُ وَعَنْ مَبْدَأِ السُّنَّةِ، وَهُوَ الْوَحْيُ، وَعَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَعَلُّقَ السَّوَابِقِ كَشَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا أَوْ تَعَلُّقَ اللَّوَاحِقِ كَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَأَوْرَدَ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ فِي أَحَدَ عَشَرَ فَصْلًا.
قَوْلُهُ: (فَصْلٌ فِي الِاتِّصَالِ) فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ جَعَلَ مَوْرِدَ الْقِسْمَةِ الْخَبَرَ، وَفِي السُّنَّةِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بَلْ الْفِعْلُ أَيْضًا يُنْقَلُ بِالطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ قُلْتُ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ حَقِيقَةً بِالتَّوَاتُرِ وَغَيْرِهِ هُوَ الْخَبَرُ وَمَعْنَى اتِّصَافِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِهِ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِكَوْنِهِ كَلَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَاتِرٌ وَمَعْنَى الْمُتَوَاتِرِ
عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِ مَا يَكُونُ رُوَاتُهُ فِي كُلِّ عَهْدٍ قَوْمًا لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ، وَعَدَالَتِهِمْ وَتَبَايُنِ أَمَاكِنِهِمْ فَقَوْلُهُ: فِي كُلِّ عَهْدٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَشْهُورِ وَقَوْلُهُ: لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الضَّبْطِ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ خَبَرِ قَوْمٍ مَحْصُورٍ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّوَاتُرِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ اشْتِرَاطِ خَمْسَةٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ عِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ
(2/3)

عَهْدٍ قَوْمًا لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ وَتَبَايُنِ أَمَاكِنِهِمْ أَوْ تَصِيرُ كَذَلِكَ بَعْدَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا تَصِيرُ كَذَلِكَ بَلْ رُوَاتُهُ آحَادٌ. وَالْأَوَّلُ مُتَوَاتِرٌ وَالثَّانِي مَشْهُورٌ وَالثَّالِثُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ إذَا لَمْ يَصِلْ حَدَّ التَّوَاتُرِ.
وَالْأَوَّلُ: يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى شَيْءٍ مُخْتَرَعٍ مَعَ تَبَايُنِ هُمُومِهِمْ وَطَبَائِعِهِمْ وَأَمَاكِنِهِمْ مِمَّا يَسْتَحِيلُ عَقْلًا. وَالثَّانِي يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ وَهُوَ عِلْمٌ تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ، وَتَظُنُّهُ يَقِينًا لَكِنْ لَوْ تَأَمَّلَ حَقَّ التَّأَمُّلِ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ كَمَا إذَا رَأَى قَوْمًا جَلَسُوا لِلْمَأْتَمِ يَقَعُ لَهُ عِلْمٌ عَنْ غَفْلَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَوْ خَمْسِينَ قَوْلًا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ أَيْ: تَوَافُقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ تَفْسِيرٌ لِلْكَثْرَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ بُلُوغُهُمْ حَدًّا يَمْتَنِعُ عِنْدَ الْعَقْلِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ حَتَّى لَوْ أَخْبَرَ جَمْعٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ بِمَا يَجُوزُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ لَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا وَأَمَّا ذِكْرُ الْعَدَالَةِ وَتَبَايُنُ الْأَمَاكِنِ فَتَأْكِيدٌ لِعَدَمِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّوَاتُرِ حَتَّى لَوْ أَخْبَرَ جَمْعٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ بِمَا يَجُوزُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ لَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا وَأَمَّا ذِكْرُ الْعِدَالَةِ وَتَبَايُنُ الْأَمَاكِنِ فَتَأْكِيدٌ لِعَدَمِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّوَاتُرِ، حَتَّى لَوْ أَخْبَرَ جَمْعٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ مِنْ كُفَّارِ بَلْدَةٍ بِمَوْتِ مَلِكِهِمْ حَصَلَ لَنَا الْيَقِينُ وَأَمَّا مِثْلُ خَبَرِ الْيَهُودِ بِقَتْلِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَتَأْبِيدِ دِينِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَا نُسَلِّمُ تَوَاتُرَهُ وَحُصُولَ شَرَائِطِهِ فِي كُلِّ عَهْدٍ ثُمَّ الْمُتَوَاتِرُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إلَى الْحِسِّ سَمْعًا أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى لَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ إقْلِيمٍ عَلَى مَسْأَلَةٍ عَقْلِيَّةٍ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا الْيَقِينُ حَتَّى يَقُومَ الْبُرْهَانُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ) أَيْ: الْمُتَوَاتِرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ لِأَنَّ اتِّفَاقَ الْجَمْعِ الْغَيْرِ الْمَحْصُورِ عَلَى شَيْءٍ مُخْتَرَعٍ لَا ثُبُوتَ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعَ تَبَايُنِ آرَائِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ حُكْمًا قَطْعِيًّا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ وَأَنَّ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلنَّقِيضِ لَا بِمَعْنَى سَلْبِ الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ عَلَى تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِالْبِلَادِ النَّائِيَةِ كَمَكَّةَ وَبَغْدَادَ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضُ أَصْلًا وَمَا ذَاكَ إلَّا بِالْأَخْبَارِ ثُمَّ حُصُولُ الْعِلْمِ مِنْ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَرْكِيبِ الْحُجَّةِ حَتَّى إنَّهُ يَحْصُلُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَالصِّبْيَانِ وَجَوَازُ تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا فِي بَعْضِ الضَّرُورِيَّاتِ فَإِنْ قِيلَ جَوَازُ كَذِبِ كُلِّ وَاحِدٍ يُوجِبُ جَوَازَ كَذِبِ الْآخَرِينَ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ مَعَ أَنَّ الْمَجْمُوعَ لَيْسَ إلَّا نَفْسَ الْآحَادِ فَجَوَازُ كَذِبِ كُلِّ وَاحِدٍ يُوجِبُ جَوَازَ كَذِبِ الْمَجْمُوعِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ الْقَطْعُ بِالنَّقِيضَيْنِ عِنْدَ تَوَاتُرِهِمَا، وَأَيْضًا إذَا عَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وُجُودَ إسْكَنْدَرَ وَكَوْنَ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ نَجِدُ الثَّانِيَ أَقْوَى بِالضَّرُورَةِ فَلَوْ كَانَا ضَرُورِيَّيْنِ لَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَأَيْضًا الضَّرُورِيُّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُتَوَاتِرِ لِمُخَالَفَةِ السُّمَنِيَّةِ وَالْبَرَاهِمَةِ.
(2/4)

عَنْ التَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْمُوَاضَعَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ آحَادُ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ أَيْ: الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ (ذَلِكَ) أَيْ: عِلْمَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ خَبَرُ وَاحِدٍ، لَكِنَّ أَصْحَابَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَنَزَّهُوا عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلَ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ فَأَوْجَبَ مَا ذَكَرْنَا، وَالثَّالِثُ يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا اجْتَمَعَ الشَّرَائِطُ الَّتِي نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ كَافِيَةٌ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَلَا عَمَلَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُوجِبُ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلَا عَمَلَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ فَأَمَّا إيجَابُهُ الْعَمَلَ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] الطَّائِفَةُ تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا وَالرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبِلَ خَبَرَ بَرِيرَةَ وَسَلْمَانَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَأَرْسَلَ الْأَفْرَادَ إلَى الْآفَاقِ وَالْأَخْبَارُ فِي أَحْكَامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَأُجِيبَ إجْمَالًا بِأَنَّهُ تَشْكِيكٌ فِي الضَّرُورِيِّ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ كَشُبَهِ السُّوفُسْطائيَّةِ وَتَفْصِيلًا بِأَنَّ حُكْمَ الْجُمْلَةِ قَدْ يُخَالِفُ حُكْمَ الْآحَادِ كَالْعَسْكَرِ الَّذِي يَفْتَحُ الْبِلَادَ، وَتَوَاتُرُ النَّقِيضَيْنِ مُحَالٌ عَادَةً، وَلَا امْتِنَاعَ فِي اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الضَّرُورِيِّ بِحَسْبِ السُّرْعَةِ وَالْوُضُوحِ بِوَاسِطَةِ الْإِلْفِ وَالْعَادَةِ وَكَثْرَةِ الْمُمَارَسَةِ وَالْأَخْطَارِ بِالْبَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي عَدَمِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَالضَّرُورِيُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ لِجَوَازِ الْمُكَابَرَةِ وَالْعِنَادِ كَمَا لِلسُّوفِسْطَائِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي) أَيْ: الْمَشْهُورُ يُفِيدُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ، وَالطُّمَأْنِينَةُ زِيَادَةُ تَوْطِينٍ وَتَسْكِينٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ عَلَى مَا أَدْرَكَتْهُ فَإِنْ كَانَ الْمُدْرَكُ يَقِينِيًّا فَاطْمِئْنَانُهَا زِيَادَةُ الْيَقِينِ وَكَمَالُهُ كَمَا يَحْصُلُ لِلْمُتَيَقِّنِ بِوُجُودِ مَكَّةَ بَعْدَ مَا يُشَاهِدُهَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَاطْمِئْنَانُهَا رُجْحَانُ جَانِبِ الظَّنِّ بِحَيْثُ يَكَادُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْيَقِينِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا وَحَاصِلُهُ سُكُونُ النَّفْسِ عَنْ الِاضْطِرَابِ بِشُبْهَةٍ إلَّا عَنْهُ مُلَاحَظَةُ كَوْنِهِ آحَادَ الْأَصْلِ، فَالْمُتَوَاتِرُ لَا شُبْهَةَ فِي اتِّصَالِهِ صُورَةً، وَلَا مَعْنًى، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي اتِّصَالِهِ شُبْهَةُ صُورَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَعْنًى حَيْثُ لَا تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالْمَشْهُورُ فِي اتِّصَالِهِ شُبْهَةُ صُورَةٍ لِكَوْنِهِ آحَادَ الْأَصْلِ لَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ فَأَفَادَ حُكْمًا دُونَ الْيَقِينِ وَفَوْقَ أَصْلِ الظَّنِّ فَإِنْ قِيلَ هُوَ فِي الْأَصْلِ خَبَرُ وَاحِدٍ وَلَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِي الِاتِّصَالِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَزِيدُ عَلَى الظَّنِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ قُلْنَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَزَّهُوا عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ أَيْ: الْغَالِبُ الرَّاجِحُ مِنْ حَالِهِمْ الصِّدْقُ فَيَحْصُلُ الظَّنُّ بِمُجَرَّدِ أَصْلِ النَّقْلِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَحْصُلُ زِيَادَةُ رُجْحَانٍ بِدُخُولِهِ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ وَتَلَقِّيهِ مِنْ الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ فَيُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتَنَزُّهِهِمْ عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ أَنَّ نَقْلَهُمْ صَادِقٌ قَطْعًا بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمَشْهُورُ مُوجِبًا عِلْمَ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الْقَرْنَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَزَّهَا عَنْ الْكَذِبِ إلَّا أَنَّهُ دَخَلَ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ.
(2/5)

الْآخِرَةِ لَا تُوجِبُ إلَّا الِاعْتِقَادَ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ يَتَرَجَّحُ الصِّدْقُ، وَلَنَا هَذِهِ الدَّلَائِلُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا عَمَلَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ قَطْعِيٍّ، وَالْعَقْلُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ.
وَالْأَحَادِيثُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْهَا مَا اشْتَهَرَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ مَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّهَا تُوجِبُ عَقْدَ الْقَلْبِ، وَهُوَ عَمَلٌ فَيَكْفِي لَهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَفِي هَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَأَمَّا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَأَكْثَرُ أَخْبَارِ الْآحَادِ نُقِلَتْ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْأَحَادِيثِ وَتَدْوِينِهَا فِي الْكُتُبِ، وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ رَاوِيهِ الْأَوَّلُ مُتَنَزِّهًا عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ لَا يُفِيدُ عِلْمَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ كَمَا يَشْتَهِرُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ فِي الْبِلَادِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثُ، وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ) يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَقِيلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْهُمَا وَقِيلَ يُوجِبُهُمَا جَمِيعًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ وَقَدْ دَلَّ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ} [الأنعام: 116] عَلَى اسْتِلْزَامِ الْعَمَلِ الْعِلْمَ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ أَيْضًا احْتِجَاجًا بِنَفْيِ اللَّازِمِ، وَهُوَ عِلْمٌ عَلَى نَفْيِ الْمَلْزُومِ وَطَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ أَيْضًا احْتِجَاجًا بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنَعَ اللُّزُومَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِدَفْعِ الدَّلِيلِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ إلَّا أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ظُهُورِهِ.
وَهُوَ أَنَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ قَدْ ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ، وَلَا عُمُومَ لِلْآيَتَيْنِ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِدْرَاكِ جَازِمًا مَا كَانَ أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، وَالظَّنُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْوَهْمِ وَاسْتُدِلَّ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ} [التوبة: 122] الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ لَوْلَا هَهُنَا لِلطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ لِامْتِنَاعِ التَّرَجِّي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالطَّائِفَةُ بَعْضٌ مِنْ الْفِرْقَةِ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ إذْ الْفِرْقَةُ هِيَ الثَّلَاثَةُ فَصَاعِدًا وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْآحَادِ يُوجِبُ الْحَذَرَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْفَتْوَى فِي الْفُرُوعِ بِقَرِينَةِ التَّفَقُّهِ وَيَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْقَوْمِ بِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَلْزَمُهُ وُجُوبُ الْحَذَرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ وَمَحَالٌّ؛ عَلَى أَنَّ كَوْنَ لَوْلَا لِلْإِيجَابِ وَالطَّلَبِ مَحَلُّ نَظَرٍ ثُمَّ قَوْله تَعَالَى {كُلِّ فِرْقَةٍ} [التوبة: 122] ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ خُرُوجِ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ ثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبِلَ خَبَرَ بَرِيرَةَ فِي الْهَدَايَا وَخَبَرَ سَلْمَانَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ حِينَ أُتِيَ بِطَبَقِ رُطَبٍ فَقَالَ هَذَا صَدَقَةٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْأَكْلِ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقِ رُطَبٍ وَقَالَ هَذَا هَدِيَّةٌ فَأَكَلَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْأَكْلِ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُرْسِلُ الْأَفْرَادَ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَى الْآفَاقِ لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ، وَإِيجَابِ قَبُولِهَا عَلَى الْأَنَامِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمٌ بِصِدْقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ دُونَ الْوُجُوبِ.
فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ
(2/6)

نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ هَذَا بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ بَلْ يَكُونُ كُلُّ الِاعْتِقَادِيَّاتِ كَذَلِكَ.

[فَصْلٌ] الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ أَيْ: لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِحَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، وَالْمَعْرُوفُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ كَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْعَبَادِلَةِ (أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) وَزَيْدٍ، وَمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَائِشَةَ وَنَحْوِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَحَدِيثُهُ يُقْبَلُ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَخْبَارُ آحَادٍ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهَا كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً، وَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ؟ قُلْنَا: تَفَاصِيلُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ آحَادًا إلَّا أَنَّ جُمْلَتَهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَجُودِ حَاتِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ التَّوَاتُرُ فَلَا أَقَلَّ مِنْ الشُّهْرَةِ وَرُبَّمَا يُسْتَدَلُّ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَنَّهُ نُقِلَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ الِاسْتِدْلَال بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَعَمَلُهُمْ بِهِ فِي الْوَقَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُحْصَى، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ وَشَاعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَذَلِكَ يُوجِبُ الْعِلْمَ عَادَةً بِإِجْمَاعِهِمْ كَالْقَوْلِ الصَّرِيحِ، وَقَدْ دَلَّ سِيَاقُ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ كَانَ بِنَفْسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَمَا نُقِلَ مِنْ إنْكَارِهِمْ بَعْضَ أَخْبَارِ الْآحَادِ إنَّمَا كَانَ عِنْدَ قُصُورٍ فِي إفَادَةِ الظَّنِّ وَوُقُوعِ رِيبَةٍ فِي الصِّدْقِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِخْبَارُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ) دَلِيلَانِ مُسْتَقِلَّانِ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ تَقْرِيرُ الْأَوَّلِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَتَفَاصِيلِ الْحَشْرِ وَالصِّرَاطِ وَالْحِسَابِ وَالْعِقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الِاعْتِقَادَ إذْ لَا يَثْبُتُ بِهِ عَمَلٌ مِنْ الْفُرُوعِ.
وَتَقْرِيرُ الثَّانِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ تَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْكَذِبِ، وَهُوَ مَعْنَى الْعِلْمِ وَجَوَابِهِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَرَجُّحَ جَانِبِ الصِّدْقِ إلَى حَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ الْكَذِبُ أَصْلًا بَلْ الْعَقْلُ شَاهِدٌ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ، وَأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ قَائِمٌ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا وَإِلَّا لَزِمَ الْقَطْعُ بِالنَّقِيضَيْنِ عِنْدَ إخْبَارِ الْعَدْلَيْنِ بِهِمَا.
وَجَوَابُ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي بَابِ الْآخِرَةِ مِنْهَا مَا اُشْتُهِرَ فَيُوجِبُ عِلْمَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَيُفِيدُ الظَّنَّ وَذَلِكَ فِي التَّفَاصِيلِ وَالْفُرُوعِ، وَمِنْهَا مَا تَوَاتَرَ وَاعْتُضِدَ بِالْكِتَابِ وَهُوَ فِي الْجُمَلِ وَالْأُصُولِ فَيُفِيدُ الْقَطْعَ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عَقْدُ الْقَلْبِ، وَهُوَ عَمَلٌ فَيَكْفِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَقْدُ الْقَلْبِ فِي غَيْرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَعْنَى الْعِلْمِ، وَقَدْ بُيِّنَ فَسَادُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ إنَّمَا وَرَدَتْ لِعَقْدِ الْقَلْبِ وَالْجَزْمِ بِالْحُكْمِ، وَفِي غَيْرِهَا لِلْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ فَوَجَبَ الْإِتْيَانُ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا

[فَصْلٌ الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) حَاصِلُهُ أَنَّ الرَّاوِيَ إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ أَوْ مَجْهُولٌ أَمَّا الْمَعْرُوفُ فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ يُقْبَلُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَمْ لَا، وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقَ قِيَاسًا مَا فَيُقْبَلُ أَوْ لَا فَيُرَدُّ، وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَإِمَّا أَنْ يَظْهَرَ حَدِيثُهُ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ
(2/7)

أَنَّ الْقِيَاسَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي نَقْلِهِ، وَفِي الْقِيَاسِ الْعِلَّةُ مُحْتَمَلَةٌ، وَهِيَ الْأَصْلُ، وَأَيْضًا إذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا عِلَّةٌ قَطْعًا لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْعِ مَانِعٌ أَوْ لِخُصُوصِيَّةِ الْأَصْلِ أَثَرٌ، أَوْ بِالرِّوَايَةِ فَقَطْ كَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَإِنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ قُبِلَ، وَكَذَا إنْ خَالَفَ قِيَاسًا وَوَافَقَ قِيَاسًا آخَرَ لَكِنَّهُ إنْ خَالَفَ جَمِيعَ الْأَقْيِسَةِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ السَّدَادِ بَابِ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى كَانَ مُسْتَفِيضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ لَا بَعْدَهُ وَإِنْ ظَهَرَ فَإِمَّا أَنْ يَشْهَدَ السَّلَفُ لَهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فَيُقْبَلُ أَوْ بِرَدِّهِ فَلَا يُقْبَلَ أَوْ يَسْكُتُوا عَنْهُ فَيُقْبَلَ أَوْ يَقْبَلَ الْبَعْضُ وَيَرُدَّ الْبَعْضُ مَعَ نَقْلِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فَإِنْ وَافَقَ قِيَاسًا، وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: وَحَدِيثُهُ يُقْبَلُ) أَيْ: يُعْمَلُ بِحَدِيثِ الرَّاوِي الْمَعْرُوفِ بِالرِّوَايَةِ وَالْفِقْهِ سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ حَتَّى يَكُونَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهِ لَا بِالْقِيَاسِ أَوْ خَالَفَهُ حَتَّى يَثْبُتَ مُوجَبُهُ لَا مُوجِبُ الْقِيَاسِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إنْ ثَبَتَتْ بِنَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى الْخَبَرِ فِي الدَّلَالَةِ فَإِنْ كَانَ وُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ قَطْعِيًّا فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ رَاجِحٌ عَلَى الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَالتَّوَقُّفُ، وَإِنْ ثَبَتَتْ لَا بِنَصٍّ رَاجِحٍ فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ، وَعَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَقَدُّمِ الْقِيَاسِ إنْ ثَبَتَتْ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ، وَفِي تَقَدُّمِ الْخَبَرِ إنْ ثَبَتَتْ بِنَصٍّ ظَنِّيٍّ أَوْ اُسْتُنْبِطَتْ مِنْ أَصْلٍ ظَنِّيٍّ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا اُسْتُنْبِطَتْ مِنْ أَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى تَقَدُّمِ الْخَبَرِ بِوَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْخَبَرَ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي عَارِضِ النَّقْلِ حَيْثُ يَحْتَمِلُ الْغَلَطَ وَالنِّسْيَانَ وَالْكَذِبَ، وَالْقِيَاسُ مُحْتَمِلٌ بِأَصْلِهِ أَيْ: عِلَّتِهِ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ فَإِنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ يَقِينًا إلَّا بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَهُوَ أَمْرٌ عَارِضٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُتَيَقَّنَ الْأَصْلِ رَاجِحٌ عَلَى مُحْتَمَلِهِ.
الثَّانِي أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ قَطْعًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خُصُوصِيَّةُ الْأَصْلِ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ أَوْ خُصُوصِيَّةُ الْفَرْعِ مَانِعًا عَنْهُ فَيَكُونُ تَطَرُّقُ الِاحْتِمَالِ إلَى الْقِيَاسِ أَكْثَرَ فَيُؤَخَّرُ عَنْ الْخَبَرِ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ الِاحْتِمَالُ إلَّا فِي طَرِيقِ نَقْلِهِ هُوَ عَارِضٌ ثُمَّ تَرَكَ الصَّحَابَةُ الْقِيَاسَ بِالْخَبَرِ مُتَوَاتِرِ الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهُ غَيْرَ مُتَوَاتِرَةٍ فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ) أَيْ: خَبَرَ الرَّاوِي الْمَعْرُوفِ بِالرِّوَايَةِ دُونَ الْفِقْهِ إنْ خَالَفَ جَمِيعَ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ ثُبُوتُ أُصُولِهَا بِخَبَرِ رَاوٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ بِالْفِقْهِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا، وَفِيهِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا؛ فَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ فِي أُمُورٍ سِتَّةٍ حُكْمُ الْأَصْلِ وَتَعْلِيلُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَعَيُّنُ الْوَصْفِ الَّذِي بِهِ التَّعْلِيلُ، وَوُجُودُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْفُرُوعِ، وَنَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ وَنَفْيُهُ فِي الْفَرْعِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ عُدُولِ الصَّحَابَةِ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ وَلِهَذَا نَجِدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ شَكَّ الرَّاوِي
(2/8)

فِيهِمْ فَإِذَا قَصُرَ فِقْهُ الرَّاوِي لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْ مَعَانِيهِ فَتَدْخُلُهُ شُبْهَةٌ زَائِدَةٌ يَخْلُو عَنْهَا الْقِيَاسُ.
وَذَلِكَ كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «مَنْ اشْتَرَى شَاةً فَوَجَدَهَا مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» .
وَالْمُحَفَّلَةُ شَاةٌ جُمِعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا بِتَرْكِ حَلْبِهَا لِيَظُنَّهَا الْمُشْتَرِي سَمِينَةً فَيَغْتَرَّ. فَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَإِنَّمَا اسْتَفَاضَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِتَقْرِيرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ بِالرِّوَايَةِ، وَالتَّدْوِينِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا؛ فَلِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْغَيْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْفِقْهِ، وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْكَشْفِ مَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ مُسْتَحْدَثٌ، وَأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَمَا رُوِيَ مِنْ اسْتِبْعَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ لَيْسَ تَقْدِيمًا لِلْقِيَاسِ بَلْ اسْتِبْعَادًا لِلْخَبَرِ لِظُهُورِ خِلَافِهِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّ الْكِتَابَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي الْآيَةِ حَتَّى يَثْبُتَ بِهِ قِيَاسٌ يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَلَوْ سُلِّمَ فَقَدْ خُصَّ مِنْهُ الْقِيَاسُ الَّذِي يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ فَلَمْ يَبْقَ قَطْعِيًّا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِالْخَبَرِ، وَالْقِيَاسِ.
(قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ) مِنْ صَرَيْتُهُ إذَا جَمَعْتُهُ، وَالْمُرَادُ الشَّاةُ الَّتِي جُمِعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا بِالشَّدِّ، وَتَرْكِ الْحَلْبِ مُدَّةً لِيَظُنَّهَا الْمُشْتَرِي كَثِيرَةَ اللَّبَنِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِيَظُنَّهَا الْمُشْتَرِي سَمِينَةً فِيهِ نَظَرٌ وَكَذَا الْمُحَفَّلَةُ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ، وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» وَيُرْوَى «بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ» وَيُرْوَى «مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» الْحَدِيثَ.
وَوَجْهُ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ أَنَّ تَقْدِيرَ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وَتَقْدِيرُهُ بِالْقِيمَةِ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا» ، وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْعَيْنِ فَإِنْ قِيلَ فَيَكُونُ رَدُّ هَذَا الْحَدِيثِ بِنَاءً عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ مِنْ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ صَرِيحًا لَكِنَّهُ بَعْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ ظَهَرَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا رِضَاهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ لِحَلْبِ الشَّاةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي فَيَثْبُتُ فِيهَا الضَّمَانُ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ قِيَاسًا عَلَى صُورَةِ الْعُدْوَانِ الصَّرِيحِ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ
(2/9)

بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْقِيمَةٍ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.

وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَإِنْ رَوَى عَنْهُ السَّلَفِ وَشَهِدُوا لَهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ صَارَ مِثْلَ الْمَعْرُوفِ بِالرِّوَايَةِ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ الطَّعْنِ بَعْدَ النَّقْلِ فَكَذَا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ بَيَانٌ، وَإِنْ قَبِلَ الْبَعْضُ وَرَدَّ الْبَعْضُ مَعَ نَقْلِ الثِّقَاتِ عَنْهُ يُقْبَلُ إنْ وَافَقَ قِيَاسًا «كَحَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ فِي بِرْوَعَ مَاتَ عَنْهَا هِلَالُ بْنُ مُرَّةَ، وَمَا سَمَّى لَهَا مَهْرًا، وَمَا دَخَلَ بِهَا (فَقَضَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهَا بِمَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا» فَقَبِلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَرَدَّهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) وَقَالَ مَا نَصْنَعُ بِقَوْلِ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ إنَّ مِنْ عَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ الْجُلُوسَ مُحْتَبِيًا فَإِذَا بَالَ يَقَعُ الْبَوْلُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَهَذَا لِبَيَانِ قِلَّةِ احْتِيَاطِ الْأَعْرَابِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ، وَهَذَا طَعْنٌ مِنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الثِّقَاتُ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِمْ فَعَمِلْنَا بِهِ لَمَّا وَافَقَ الْقِيَاسَ عِنْدَنَا فَإِنَّ الْمَوْتَ كَالدُّخُولِ) بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ فِي الْمَوْتِ (وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) لَمَّا خَالَفَ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ.
(وَإِنْ رَدَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَظَاهِرُ كَلَامِ، فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ نَاسِخٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُعَارِضٌ لِلْإِجْمَاعِ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ وَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً، وَالْقَوْلُ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَصْلِ الِانْقِطَاعِ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَجْهُولُ) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَجْهُولَ الْعَدَالَةِ، وَالضَّبْطِ إذْ مَعْلُومُ الْعَدَالَةِ، وَالضَّبْطِ لَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ مُنْفَرِدًا بِحَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ عَدَالَةُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ثَابِتَةٌ بِالْآيَاتِ، وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضَائِلِهِمْ قُلْنَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّحَابِيَّ اسْمٌ لِمَنْ اُشْتُهِرَ بِطُولِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى طَرِيقِ التَّتَبُّعِ لَهُ، وَالْأَخْذِ مِنْهُ وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ اسْمٌ لِمُؤْمِنٍ رَأَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَوَاءٌ طَالَتْ صُحْبَتُهُ أَمْ لَا إلَّا أَنَّ الْجَزْمَ بِالْعَدَالَةِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ اُشْتُهِرَ بِذَلِكَ، وَالْبَاقُونَ كَسَائِرِ النَّاسِ فِيهِمْ عُدُولٌ وَغَيْرُ عُدُولٍ.
(قَوْلُهُ: فِي بِرْوَعَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَكْسِرُونَهَا.
(قَوْلُهُ: لَمَّا خَالَفَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْفَرْضِ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا عَادَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ إلَيْهَا سَالِمًا لَمْ يَسْتَوْجِبْ بِمُقَابَلَتِهِ عِوَضًا كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَكَهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
(قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هُوَ مِمَّا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ بِهِ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَأَحْمَدُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِمَّا رَدَّهُ الْكُلُّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ مَعَ كَوْنِهِ
(2/10)

الْكُلُّ فَهُوَ مُسْتَنْكَرٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ «كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَا سُكْنَى، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا» فَرَدَّهُ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ) وَقَالَ عُمَرُ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِيهِ: أَرَادَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِهِمَا حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] وَحَدِيثُ مُعَاذٍ فِي الْقِيَاسِ مَشْهُورٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِالْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] ، وَأَرَادَ بِالسُّنَّةِ مَا قَالَ عُمَرُ سَمِعْتُ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثَ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» .
(وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ فِي السَّلَفِ كَانَ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ غَالِبٌ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِينَ أَنَا فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» فَالْقَرْنُ الْأَوَّلُ الصَّحَابَةُ وَالثَّانِي التَّابِعُونَ وَالثَّالِثُ تَبَعُ التَّابِعِينَ) أَمَّا بَعْدَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ فَلَا لِغَلَبَةِ الْكَذِبِ فَلِهَذَا صَحَّ عِنْدَهُ الْقَضَاءُ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَعِنْدَهُمَا لَا فَهَذَا لِاخْتِلَافِ الْعَهْدِ.

(فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْعَقْلُ وَالضَّبْطُ وَالْعَدَالَةُ وَالْإِسْلَامُ) أَمَّا الْعَقْلُ فَيُعْتَبَرُ هُنَا كَمَالُهُ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِالْبُلُوغِ عَلَى مَا يَأْتِي فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ. وَأَمَّا الضَّبْطُ فَهُوَ سَمَاعُ الْكَلَامِ كَمَا يَحِقُّ سَمَاعُهُ ثُمَّ فَهْمُ مَعْنَاهُ ثُمَّ حِفْظُ لَفْظِهِ ثُمَّ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ إلَى حِينِ الْأَدَاءِ، وَكَمَالُهُ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى هَذَا الْوُقُوفُ عَلَى مَعَانِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خَيْرُ الْقُرُونِ» الْحَدِيثَ) فَإِنْ قِيلَ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ قُلْنَا الْخَيْرِيَّةُ تَخْتَلِفُ بِالْإِضَافَاتِ، وَالِاعْتِبَارَاتِ فَالْقُرُونُ السَّابِقَةُ خَيْرٌ بِنَيْلِ شَرَفِ قُرْبِ الْعَهْدِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلُزُومِ سِيرَةِ الْعَدْلِ، وَالصِّدْقِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ «قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الصَّوَابِ وَنَيْلِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ فَلَا يُدْرَى إنَّ الْأَوَّلَ خَيْرٌ لِكَثْرَةِ طَاعَتِهِ، وَقِلَّةِ مَعْصِيَتِهِ أَمْ الْآخِرُ لِإِيمَانِهِ بِالْغَيْبِ طَوْعًا وَرَغْبَةً مَعَ انْقِضَاءِ زَمَنِ مُشَاهَدَةِ آثَارِ الْوَحْيِ وَظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ بِالْتِزَامِهِ طَرِيقَ السُّنَّةِ مَعَ فَسَادِ الزَّمَانِ

[فَصْلٌ شَرَائِطُ الرَّاوِي]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي) لَمْ يَكْتَفِ بِذِكْرِ الضَّبْطِ، وَالْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْكَامِلَ التَّمْيِيزِ رُبَّمَا يَكُونُ ضَابِطًا لَكِنْ لَا يَجْتَنِبُ الْكَذِبَ لِعِلْمِهِ بِأَنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ رُبَّمَا يَكُونُ مُسْتَقِيمًا عَلَى مُعْتَقَدِهِ وَلِهَذَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ عَدَالَةِ الْكَافِرِ إذَا شَهِدَ عَلَى الْكَافِرِ عِنْدَ طَعْنِ الْخَصْمِ نَعَمْ لَوْ فَسَّرَ الْعَدَالَةَ بِمُحَافَظَةِ دِينِهِ يُحْمَلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى، وَالْمُرُوءَةِ مِنْ غَيْرِ بِدْعَةٍ وَجَعَلَ عَلَامَتَهَا اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ، وَتَرْكَ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَتَرْكَ بَعْضِ الصَّغَائِرِ وَالْمُبَاحَاتِ الَّتِي مِمَّا يَدُلُّ عَلَى خِسَّةِ النَّفْسِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ، وَالتَّطْفِيفِ فِي.
(2/11)

الشَّرْعِيَّةِ.
وَشَرَطْنَا حَقَّ السَّمَاعِ احْتِرَازًا عَنْ أَنْ يَحْضُرَ رَجُلٌ مَجْلِسًا، وَقَدْ مَضَى صَدْرٌ مِنْ الْكَلَامِ وَيَخْفَى عَلَى الْمُتَكَلِّمِ هُجُومُهُ لِيُعِيدَهُ، وَهُوَ يَزْدَرِي نَفْسَهُ فَلَا يَسْتَعِيدُهُ. (وَفَهْمَ الْمَعْنَى) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى حَقِّ السَّمَاعِ فِي قَوْلِهِ: وَشَرَطْنَا حَقَّ السَّمَاعِ (هُنَا لَا فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي نَقْلِهِ نَظْمُهُ فَلِهَذَا يُبَالَغُ فِي حِفْظِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنْقَلُ بِالْمَعْنَى حَتَّى وَلَوْ بُولِغَ فِي حِفْظِهِ كَانَتْ كَافِيَةً؛ وَلِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] . وَالْمُرَاقَبَةَ)
بِالنَّصْبِ عَطْفٌ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ (احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِلتَّبْلِيغِ فَيُقَصِّرُ فِي مُرَاقَبَةِ بَعْضِ مَا أُلْقِيَ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَهِيَ الِاسْتِقَامَةُ، وَهِيَ الِانْزِجَارُ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ، وَأَقْصَاهَا أَنْ يَسْتَقِيمَ كَمَا أُمِرَ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَاعْتُبِرَ مَا لَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ، وَهُوَ رُجْحَانُ جِهَةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ عَلَى دَاعِي الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ فَقِيلَ إنَّ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ، وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى الصَّغِيرَةِ فَكَذَا. أَمَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ فَتَامُّ الْعَدَالَةِ فَشَهَادَةُ الْمَسْتُورِ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْدُودَةً لَكِنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ يُقْبَلُ عِنْدَنَا لِشَهَادَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى ذَلِكَ الْقَرْنِ بِالْعَدَالَةِ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنَّمَا شَرَطْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْوَزْنِ بِحَبَّةٍ، وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ الْأَرْذَالِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ، فَلَا خَفَاءَ فِي شُمُولِهَا الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ فَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الْعَدَالَةِ الْكَافِرُ كَمَا يَخْرُجُ الْمُبْتَدِعُ، وَالْفَاسِقُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الضَّبْطُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الضَّبْطَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْبَلُونَ أَخْبَارَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ الِاتِّصَافُ بِذَلِكَ وَشَاعَ وَذَاعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ إلَّا أَنَّ هَذَا يُفِيدُ الرُّجْحَانَ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي سَائِرِ كُتُبِ الْأُصُولِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا فِي التَّرْجِيحِ

[فَصْلٌ فِي انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي الِانْقِطَاعِ) وَهُوَ قِسْمَانِ ظَاهِرٌ كَالْإِرْسَالِ وَبَاطِنٌ وَذَلِكَ إمَّا؛ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْخَبَرِ بِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِلْكِتَابِ أَوْ لِلْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ الْمَشْهُورِ أَوْ بِكَوْنِهِ شَاذًّا فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَإِمَّا لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ النَّاقِلِ كَنُقْصَانٍ فِي الْعَقْلِ كَخَبَرِ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ أَوْ فِي الضَّبْطِ كَخَبَرِ الْمُغَفَّلِ أَوْ فِي الْعَدَالَةِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ، وَالْمَسْتُورِ أَوْ فِي الْإِسْلَامِ كَخَبَرِ الْمُبْتَدِعِ، وَإِمَّا لِأَمْرٍ غَيْرِ ذَلِكَ كَإِعْرَاضِ الصَّحَابَةِ عَنْهُ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ إنْ ذَكَرَ الرَّاوِي الَّذِي لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ جَمِيعَ الْوَسَائِطِ فَالْخَبَرُ مُسْنَدٌ، وَإِنْ تَرَكَ وَاسِطَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ فَمُنْقَطِعٌ، وَإِنْ تَرَكَ وَاسِطَةً فَوْقَ الْوَاحِدِ فَمُعْضَلٌ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْوَاسِطَةَ أَصْلًا فَمُرْسَلٌ.
(قَوْلُهُ: وَمُرْسَلُ الْقَرْنِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) إلَّا بِأَحَدِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ أَنْ يُسْنِدَهُ غَيْرُهُ أَوْ أَنْ يُرْسِلَهُ آخَرُ، وَعُلِمَ أَنَّ شُيُوخَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ أَنْ يَعْضُدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ أَنْ يَعْضُدَهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(2/12)

الْكَذِبُ حَرَامًا فِي كُلِّ دِينٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَسْعَى فِي هَدْمِ دِينِ الْإِسْلَامِ تَعَصُّبًا فَيَرُدُّ قَوْلَهُ، فِي أُمُورِهِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ، وَهُوَ نَوْعَانِ ظَاهِرٌ بِنُشُوئِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَثَابِتٌ بِالْبَيَانِ بِأَنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا هُوَ إلَّا أَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ حَرَجًا فَيَكْفِي الْإِجْمَالُ بِأَنْ يُصَدِّقَ بِكُلِّ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلِهَذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ أَنْ يُسْتَوْصَفُ فَيُقَالُ أَهُوَ كَذَا، وَكَذَا فَإِذَا قَالَ نَعَمْ يَكْمُلُ إيمَانُهُ)
أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّ الْإِجْمَالَ كَافٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ فِي الدِّينِ قُلْنَا إنَّ الْوَاجِبَ الِاسْتِيصَافُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِيصَافِ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نَسْأَلَهُ عَنْ الْإِيمَانِ مَا هُوَ، وَمَا صِفَتُهُ فَإِنَّ هَذَا بَحْرٌ عَمِيقٌ تَغْرَقُ فِيهِ الْعُقُولُ وَالْأَفْهَامُ، وَلَا يَكَادُ الْعُلَمَاءُ يَعْلَمُونَ صِفَاتِ اللَّهِ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ نَذْكُرَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَنَسْأَلَهُ أَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ: أَتَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَكْمُلُ إيمَانُهُ.
(وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10] فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ يُقْبَلُ حَدِيثُهُ سَوَاءٌ كَانَ أَعْمَى أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ تَائِبًا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَمْيِيزٍ زَائِدٍ يَنْعَدِمُ بِالْعَمَى، وَإِلَى وِلَايَةٍ كَامِلَةٍ تَنْعَدِمُ بِالرِّقِّ وَتَقْصُرُ بِالْأُنُوثَةِ) .
فَإِنَّ الشَّهَادَةَ وَالْقَضَاءَ وِلَايَةٌ لِلشَّاهِدِ وَالْقَاضِي عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَلَا يُرَى أَنَّ الشَّاهِدَ يُلْزِمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ شَيْئًا، (وَهَذَا) أَيْ: الْإِخْبَارُ بِالْحَدِيثِ (لَيْسَ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَوْ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا بِرِوَايَتِهِ عَنْ عَدْلٍ فَإِنْ قِيلَ: اشْتِرَاطُ إسْنَادِ غَيْرِهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ حِينَئِذٍ بِالْمُسْنَدِ، وَالْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِدَلِيلٍ وَانْضِمَامُ غَيْرِ الْمَقْبُولِ إلَى غَيْرِ الْمَقْبُولِ لَا يُصَيِّرُهُ مَقْبُولًا قُلْنَا الْمُسْنَدُ قَدْ لَا يَثْبُتُ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ فَيُقْبَلُ الْمُرْسَلُ وَيُعْمَلُ بِهِ وَبِانْضِمَامِ أَمْرٍ إلَى أَمْرٍ قَدْ يَحْصُلُ الظَّنُّ أَوْ يَقْوَى فَيَجِبُ الْعَمَلُ، وَعِنْدَنَا يُقْبَلُ بَلْ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُسْنَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ قَبُولَ الرِّوَايَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ الرَّاوِي مُتَّصِفًا بِالْعَقْلِ، وَالْعَدَالَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الرُّوَاةِ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ الرَّاوِي لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْقَبُولِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَوْقَ الْمُسْنَدِ الْأَوَّلُ إرْسَالُ الصَّحَابَةِ، وَقَبُولُهُ مَعَ وُجُودِ الْوَاسِطَةِ فِي الْبَعْضِ الثَّانِي أَوْ كَلَامُنَا فِي إرْسَالِ الْعَدْلِ الَّذِي لَوْ أَسْنَدَهُ لَا يُظَنُّ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَى مَنْ رَوَى عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يُظَنَّ بِهِ الْكَذِبُ عَلَى مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكْذِبَ فَعَدَمُ ظَنِّ كَذِبِهِ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهُوَ مَعْصُومٌ أَوْلَى.
وَقَدْ عَرَفْت أَنْ لَيْسَ النِّزَاعُ فِي مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ وَمُرْسَلِ مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا بِرِوَايَتِهِ عَنْ عَدْلٍ. الثَّالِثُ أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا كَانَ وَاضِحًا لِلنَّاقِلِ جَزَمَ بِنَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ إسْنَادٍ.
(2/13)

بَابِ الْوِلَايَةِ فَإِنَّ الْمُخْبِرَ لَا يُلْزِمُهُ) أَيْ: النَّاقِلَ لَا يُلْزِمُ الْمَنْقُولَ إلَيْهِ شَيْئًا (بَلْ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ) أَيْ: يَلْزَمُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ بِالْتِزَامِهِ الشَّرَائِعَ (وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى الْغَيْرِ) أَيْ: يَلْزَمُ الْحُكْمُ النَّاقِلَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ.
(وَلَا تُشْتَرَطُ لِمِثْلِهِ الْوِلَايَةُ) أَيْ: لِمِثْلِ الْحُكْمِ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَى الْغَيْرِ بِتَبَعِيَّةِ لُزُومِهِ أَوَّلًا عَلَى الشَّاهِدِ وَبِالْتِزَامِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ شَيْئًا كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ فَإِنَّ الصَّوْمَ يَلْزَمُ الشَّاهِدَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى الْغَيْرِ تَبَعًا فَلَا يَكُونُ وِلَايَةً عَلَى الْغَيْرِ أَيْ: ثُبُوتُ هَذَا الْحُكْمِ بِالتَّبَعِيَّةِ عَلَى الْغَيْرِ إذْ لَيْسَ هُوَ إلْزَامًا عَلَى الْغَيْرِ قَصْدًا فَلِهَذَا يُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ الشَّهَادَةُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ (وَرَدُّ الشَّهَادَةِ أَبَدًا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ) هَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَبُولِ الْحَدِيثِ مِنْ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ، وَبَيْنَ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مِنْهُ فَإِنَّ حَدِيثَهُ مَقْبُولٌ وَشَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِ شَهَادَتِهِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] .
فَبَعْدَ التَّوْبَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا لَكِنْ يُقْبَلُ حَدِيثُهُمْ بِنَاءً عَلَى عَدَالَتِهِمْ (وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَصْحَابِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبُولُ الْحَدِيثِ عَنْ الْأَعْمَى وَالْمَرْأَةِ كَعَائِشَةَ، وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبِلَ خَبَرَ بَرِيرَةَ وَسَلْمَانَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا نَسَبَهُ إلَى الْغَيْرِ لِيُحَمِّلَ النَّاقِلُ ذَلِكَ الْغَيْرَ الشَّيْءَ الَّذِي حَمَلَهُ هُوَ أَيْ: النَّاقِلُ فَالْمُرْسَلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاضِحٌ لِلنَّاقِلِ بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ، وَقَدْ يُمْنَعُ جَرْيُ الْعَادَةِ بِذَلِكَ بَلْ رُبَّمَا يُرْسِلُ؛ لِعَدَمِ إحَاطَتِهِ بِالرُّوَاةِ، وَكَيْفِيَّةِ الِاتِّصَالِ وَيُسْنِدُ إلَى الْعُدُولِ تَحْقِيقًا لِلْحَالِ، وَأَنَّهُ عَلَى ثِقَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَقَالِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْنِي أَنَّ جَهْلَ السَّامِعِ بِصِفَاتِ الرَّاوِي لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ النَّاقِلَ عَدْلٌ ضَابِطٌ، فَلَا يُتَّهَمُ بِالْغَفْلَةِ عَنْ حَالِ الرُّوَاةِ، وَلَا يَجْزِمُ بِنَقْلِ الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَدْلٍ، وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ أَمْرَ الْعَدَالَةِ عَلَى الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَرُبَّمَا يَظُنُّ غَيْرَ الْعَدْلِ عَدْلًا.
(قَوْلُهُ: أَلَا يُرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ أَخْبَرَنِي ثِقَةٌ يُقْبَلُ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَثِيرًا مَا يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ إلَّا أَنَّ مُرَادَهُ بِالثِّقَةِ إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَبِمَنْ لَا يَتَّهِمُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ.
(قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ، وَهَذَا مُسْتَنْكَرٌ مُتَّهَمٌ رُوَاتُهُ بِالْكَذِبِ، وَالْغَفْلَةِ، وَالنِّسْيَانِ لَا لِكَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ عُمُومِ الْكِتَابِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِقَوْلِهِ: أَحَفِظْت أَمْ نَسِيتَ وَصَدَقْت أَمْ كَذَبْت مَعْنًى، وَأَيْضًا لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ، وَلَا مُفِيدَةٌ لِلْقَطْعِ فَكَيْفَ يُرَدُّ الْحَدِيثُ لِمُعَارَضَتِهَا؟ وَكَيْفَ يُقْبَلُ مِنْ الرَّاوِي أَنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقْبَلُ أَنَّ ذَاكَ كَلَامُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِمَرْأًى مِنْهُ وَمَسْمَعٍ؟ (قَوْلُهُ: وَكَحَدِيثِ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
(2/14)

(فَصْلٌ فِي الِانْقِطَاعِ) أَيْ: انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ عَنْ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَمَّا الظَّاهِرُ فَكَالْإِرْسَالِ) الْإِرْسَالُ عَدَمُ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ الْإِسْنَادَ وَالْإِسْنَادُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُرْسَلُ مُنْقَطِعٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لِعَدَمِ الْإِسْنَادِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّصَالُ لَا مِنْ حَيْثُ الْبَاطِنُ لِلدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ الدَّالَّةِ عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ.
(وَمُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ وَيُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ، وَمُرْسَلُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يَثْبُتَ اتِّصَالُهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ؛ لِأَنِّي وَجَدْتهَا مَسَانِيدَ، لِلْجَهْلِ بِصِفَاتِ الرَّاوِي الَّتِي تَصِحُّ بِهَا الرِّوَايَةُ) ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَيُقْبَلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ، وَهُوَ فَوْقَ الْمُسْنَدِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَرْسَلُوا، وَقَالَ الْبَرَاءُ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُهُ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا حُدِّثْنَا عَنْهُ لَكِنَّا لَا نَكْذِبُ. وَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِي إرْسَالِ مَنْ لَوْ أَسْنَدَ لَا يُظَنُّ بِهِ الْكَذِبُ فَلَأَنْ لَا يُظَنَّ الْكَذِبُ عَلَى الرَّسُولِ أَوْلَى، وَالْمُعْتَادُ أَنَّهُ إذَا وَضَحَ لَهُ الْأَمْرُ طَوَى الْإِسْنَادَ وَجَزَمَ، وَإِذَا لَمْ يَتَّضِحْ نَسَبُهُ إلَى الْغَيْرِ لِيُحَمِّلَهُ مَا حَمَلَهُ)
هَذَا جَوَابُ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الطَّالِبِ» ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} [البقرة: 282] الْآيَةَ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِشْهَادِ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ مَا هُوَ شَهَادَةٌ فَفَسَّرَهُ بِرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَتَفْسِيرُ الْمُجْمَلِ يَكُونُ بَيَانًا لِجَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ الثَّانِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] نَصٌّ عَلَى أَنَّ أَدْنَى مَا يَنْتَفِي بِهِ الرِّيبَةُ هُوَ هَذَانِ النَّوْعَانِ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْأَدْنَى شَيْءٌ الثَّالِثُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُمْنَعُ الْإِجْمَالُ، وَالْحَصْرُ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ لِلشَّارِعِ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْأُمُورِ إلَى الِاجْتِهَادِ أَوْ إلَى الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ذَلِكُمْ إشَارَةٌ إلَى أَنْ تَكْتُبُوهُ، وَأَدْنَاهُ مَعْنَاهُ أَقْرَبُ مِنْ انْتِفَاءِ الرِّيَبِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي التَّفْسِيرِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ ابْتَدَعَهُ مُعَاوِيَةُ فِي الدِّينِ بِنَاءً عَلَى خَطَئِهِ كَالْبَغْيِ فِي الْإِسْلَامِ، وَمُحَارَبَةِ الْإِمَامِ، وَقَتْلِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ لَمْ يَقَعْ الْعَمَلُ بِهِ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَكِنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ» وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَقْضُونَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي» ، وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقْضِي بِالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ مُبْتَدَعَاتِ مُعَاوِيَةَ.
(قَوْلُهُ: وَكَحَدِيثِ
(2/15)

- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَالَ لِلْجَهْلِ بِصِفَاتِ الرَّاوِي (وَلَا بَأْسَ بِالْجَهَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرْسِلَ إذَا كَانَ ثِقَةً لَا يُتَّهَمُ بِالْغَفْلَةِ عَلَى حَالِ مَنْ سَكَتَ عَنْهُ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي ثِقَةٌ يُقْبَلُ مَعَ الْجَهْلِ، وَلَا يَعْزِمُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ الثِّقَةِ. وَمُرْسَلُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ يُقْبَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لِمَا ذَكَرْنَا وَيُرَدُّ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ الْفِسْقِ وَالْكَذِبِ إلَّا أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ مِثْلَ إرْسَالِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَمْثَالِهِ. وَأَمَّا الِانْقِطَاعُ الْبَاطِنُ فَإِمَّا بِالْمُعَارَضَةِ أَوْ بِنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِمَّا بِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَوْله تَعَالَى)
بِالنَّصْبِ أَيْ: كَمُعَارَضَةِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَوْله تَعَالَى فَنُصِبَ قَوْله تَعَالَى لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ الْمُعَارَضَةِ {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] أَمَّا فِي السُّكْنَى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي النَّفَقَةِ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6] يُحْمَلُ عِنْدَنَا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهِيَ: وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ وَكَحَدِيثِ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) قَوْله تَعَالَى بِالنَّصْبِ أَيْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهَكَذَا الْأَمْثِلَةُ الَّتِي تَأْتِي {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] الْآيَةَ، وَعِنْدَ عَدَمِ الرَّجُلَيْنِ أَوْجَبَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَحَيْثُ نَقَلَ إلَى مَا لَيْسَ بِمَعْهُودٍ فِي مَجَالِسِ الْحُكْمِ دَلَّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ الْيَمِينِ) فَإِنَّ حُضُورَ النِّسَاءِ لَا يُعْهَدُ فِي مَجَالِسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْمُصَرَّاةِ) صَرِيحٌ فِي كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ لَا لِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُرَدُّ) أَيْ: خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مُقَدَّمٌ؛ لِكَوْنِهِ قَطْعِيًّا مُتَوَاتِرَ النَّظْمِ لَا شُبْهَةَ فِي مَتْنِهِ، وَلَا فِي سَنَدِهِ لَكِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي عُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَظَوَاهِرِهِ فَمَنْ يَجْعَلُهَا ظَنِّيَّةً يَعْتَبِرُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ عَلَى شَرَائِطِهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ وَمَنْ يَجْعَلُ الْعَامَّ قَطْعِيًّا، فَلَا يَعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي مُعَارَضَتِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الظَّنِّيَّ يَضْمَحِلُّ بِالْقَطْعِيِّ، فَلَا يُنْسَخُ الْكِتَابُ بِهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ، وَمَا خَالَفَهُ فَرُدُّوهُ» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ أَعْنِي: الْمُتَوَاتِرَ وَالْمَشْهُورَ، فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا فَكَيْفَ يُثْبِتُ بِهِ مَسْأَلَةَ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ، وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ الْمُحَدِّثُونَ بِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ يَزِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَتَرَكَ فِي إسْنَادِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الْأَشْعَثِ وَثَوْبَانَ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ، وَإِيرَادُ الْبُخَارِيِّ إيَّاهُ فِي صَحِيحِهِ لَا يُنَافِي الِانْقِطَاعَ أَوْ كَوْنَ أَحَدِ رُوَاتِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالرِّوَايَةِ فَإِنْ قِيلَ الْمَشْهُورُ أَيْضًا لَا يُفِيدُ عِلْمَ الْيَقِينِ فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ فِي مُعَارَضَةِ عُمُومِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ.
(2/16)

الْحُكْمِ، وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ كَافِيَةً مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَقَامَ الْمَرْأَتَيْنِ لَمَا أَوْجَبَ حُضُورَهُمَا عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ مَمْنُوعَاتٌ مِنْ الْخُرُوجِ وَحُضُورِ مَجَالِسِ الرِّجَالِ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِدْعَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ.
(وَكَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ قَوْله تَعَالَى فَاعْتَدُوا، وَإِنَّمَا يُرَدُّ لِتَقَدُّمِ الْكِتَابِ حَتَّى يَكُونَ عَامُّ الْكِتَابِ وَظَاهِرُهُ أَوْلَى مِنْ خَاصِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَصِّهِ، وَلَا يُنْسَخُ ذَلِكَ بِهَذَا، وَلَا يُزَادُ بِهِ عَلَيْهِ. وَإِمَّا بِمُعَارَضَةِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَحَدِيثِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَكَحَدِيثِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ «فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الرُّطَبُ هُوَ التَّمْرُ يُعَارِضُ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، وَقَوْلَهُ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُعَارِضُ قَوْلَهُ «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» )
تَحْقِيقُهُ: أَنَّ الرُّطَبَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ تَمْرًا فَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ يَكُونُ مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا» ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ تَمْرٌ لَكِنْ الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ مُخْتَلِفَانِ فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا اعْتِبَارَ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَيِّدُهَا وَرَدِيُّهَا سَوَاءٌ» وَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ صَرِيحًا زِدْت قَوْلَهُ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» (وَأَمَّا بِكَوْنِهِ شَاذًّا فِي الْبَلْوَى الْعَامِّ كَحَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فَخَفَاؤُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ مِمَّا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ) .
فَإِنْ قِيلَ جَعَلَ هَذَا النَّوْعَ مِنْ أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ قُلْتُ أَمْثَالُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّبْلِيغِ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْيَقِينِ، وَالْعَامُّ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بِحَيْثُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الظَّنِّ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَخْصِيصِ عُمُومَاتِ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ» ، وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ) حَصَرَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَجِنْسَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: وَكَحَدِيثِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ) هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ، فَلَا إذَنْ» إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أُورِدَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَارَ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ وَاسْتَحْسَنَ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْهُ هَذَا الطَّعْنَ حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ كَيْفَ يُقَالُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ، وَهُوَ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ؟ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ رَدِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِنَاءً عَلَى مُعَارَضَتِهِ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ الرُّطَبُ تَمْرًا مُطْلَقًا؛ لِفَوَاتِ وَصْفِ الْيُبُوسَةِ، وَلَا نَوْعًا آخَرَ لِبَقَاءِ أَجْزَائِهِ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ تَمْرًا كَالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ لَيْسَتْ حِنْطَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ لِفَوَاتِ
(2/17)

أَوْ عَلَى تَرْكِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - التَّبْلِيغَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ مُعَارِضَةً لِدَلَائِلِ وُجُوبِ التَّبْلِيغِ أَوْ لِدَلَائِلَ تَدُلُّ عَلَى عَدَالَتِهِمْ أَوْ تَكُونُ مُعَارِضَةً لِلْقَضِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَاشْتَهَرَ، وَفِي الْمَتْنِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا (وَإِمَّا بِإِعْرَاضِ الصَّحَابَةِ عَنْهُ نَحْوَ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّانِي) :
وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ الِانْقِطَاعُ بِنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ فَصَارَ الِانْقِطَاعُ الْبَاطِنُ عَلَى قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعَارَضًا. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الِانْقِطَاعُ بِنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِلْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ أَوْ بِكَوْنِهِ شَاذًّا فِي الْبَلْوَى الْعَامِّ أَوْ بِإِعْرَاضِ الصَّحَابَةِ عَنْهُ فَإِنَّهُ مُعَارِضٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
فَلَمَّا ذَكَرَ الْوُجُوهَ الْأَرْبَعَةَ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ، وَإِنْ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ ظَاهِرًا لِوُجُودِ الْإِسْنَادِ لَكِنَّهُمَا مُنْقَطِعَانِ بَاطِنًا وَحَقِيقَةً. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَاقْبَلُوهُ، وَمَا خَالَفَ فَرُدُّوهُ» فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَدِيثِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِنَّمَا هُوَ مُفْتَرًى، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدِيثٍ يُعَارِضُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَصْفِ الْإِنْبَاتِ، وَلَا نَوْعًا آخَرَ لِوُجُودِ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ فِيهَا، وَكَذَا الْحِنْطَةُ مَعَ الدَّقِيقِ.
(قَوْلُهُ: لَا اعْتِبَارَ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الِاخْتِلَافِ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الِاخْتِلَافِ بِالْوَصْفِ أَصْلًا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ بَعْضَ اخْتِلَافِ الْأَوْصَافِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُوجِبًا لِتَبَدُّلِ الِاسْمِ، وَالْحَقِيقَةِ فِي الْعُرْفِ حَتَّى إنَّ الْإِتْيَانَ بِالتَّمْرِ لَا يُعَدُّ امْتِثَالًا لِطَلَبِ الرُّطَبِ كَالزَّبِيبِ وَالْعِنَبِ فَإِنْ قِيلَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِوَاءِ كَوْنُ الْوَصْفِ لَيْسَ مِنْ صُنْعِ الْعِبَادِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ الْعِلَّةُ عَدَمُ تَبَدُّلِ الِاسْمِ وَالْحَقِيقَةِ فِي الْعُرْفِ وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَا عِبْرَةَ بِالْقِيَاسِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَبَرِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِكَوْنِهِ شَاذًّا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَمَّا بِمُعَارَضَةِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَإِمَّا بِإِعْرَاضِ الصَّحَابَةِ عَنْهُ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَقْسَامِ الِانْقِطَاعِ بِالْمُعَارَضَةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْخَبَرَ الشَّاذَّ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى يُعَارِضُ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى وُجُوبِ تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ وَتَأْدِيَةِ مَقَالَاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ التَّبْلِيغِ إنْ كَانَ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ لَزِمَ عَدَمُ عَدَالَتِهِمْ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ لَزِمَ عَدَمُ وُجُوبِ التَّبْلِيغِ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قِسْمًا آخَرَ بَلْ مِنْ الِانْقِطَاعِ بِوَاسِطَةِ مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ أَوْ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ قُلْنَا جَعَلَهُ قِسْمًا آخَرَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِمَّا ذَكَرْتُمْ مَعَ احْتِمَالِ الْمُعَارَضَةِ لِلْقَضِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ هَذَا الْحَدِيثُ لَاشْتَهَرَ لِتَوَفُّرِ.
(2/18)

دَلِيلًا أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يُنَاقِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِنَّمَا التَّنَاقُضُ مِنْ الْجَهْلِ الْمَحْضِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاتِّصَالُ بِوُجُودِ الشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الرَّاوِي فَحَيْثُ عُدِمَ بَعْضِهَا لَا يَثْبُتُ الِاتِّصَالُ (فَكَخَبَرِ الْمَسْتُورِ إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ وَخَبَرِ الْفَاسِقِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ خَبَرِ الْمَسْتُورِ (وَالْمَعْتُوهِ) وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ فِي فَصْلِ الْعَوَارِضِ. (وَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَالْمُغَفَّلِ الشَّدِيدِ الْغَفْلَةِ لَا مَنْ غَالِبُ حَالِهِ التَّيَقُّظُ وَالْمُسَاهِلِ) أَيْ: الْمُجَازِفِ الَّذِي لَا يُبَالِي مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ وَالتَّزْوِيرِ وَصَاحِبِ الْهَوَى (فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ لِلشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ) أَيْ: لِاشْتِرَاطِ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الرَّاوِي.

(فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ) أَيْ: الْحَادِثَةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْخَبَرُ (وَهُوَ إمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ إمَّا الْعِبَادَاتُ أَوْ الْعُقُوبَاتُ. وَالْأُولَى تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الدِّيَانَاتِ كَالْإِخْبَارِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ فَكَذَا) أَيْ: يَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ: إذَا أَخْبَرَ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ يُقْبَلُ خَبَرُهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَنْ قَوْلِهِ: فَكَذَا بِقَوْلِهِ: (لَكِنْ إنْ أَخْبَرَ بِهَا الْفَاسِقُ أَوْ الْمَسْتُورُ يُتَحَرَّى؛ لِأَنَّ هَذَا) إشَارَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الدَّوَاعِي، وَعُمُومِ حَاجَةِ الْكُلِّ إلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً حَتَّى يُرَدَّ الْخَبَرُ بِمُعَارَضَتِهَا نَعَمْ الْأَصْلُ هُوَ الِاشْتِهَارُ لَكِنْ رُبَّ أَصْلٍ قَلَعَهُ الْحَدِيثُ، وَأَيْضًا لَيْسَ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ أَنْ يُبَلِّغَ كُلُّ وَاحِدٍ كُلَّ حَدِيثٍ إلَى كُلِّ أَحَدٍ بَلْ عَدَمُ الْإِخْفَاءِ وَلِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43] ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْمَشْهُورِ حَتَّى إنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ احْتَجُّوا بِهِ عَلَى مِثْلِ مُعَاوِيَةَ وَرَدُّوهُ عَنْ تَرْكِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ اضْطَرَبَتْ رِوَايَاتُهُ فِيهِ بِسَبَبِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُبَالِغُ فِي الْجَهْرِ وَحَاوَلَ مُعَاوِيَةُ وَبَنُو أُمَيَّةَ مَحْوَ آثَارِهِ فَبَالَغُوا عَلَى التَّرْكِ فَخَافَ أَنَسٌ وَرُوِيَ الْجَهْرُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ نَفْيٌ، وَالْجَهْرُ إثْبَاتٌ فَرُبَّمَا لَا يَسْمَعُهُ الرَّاوِي لَا سِيَّمَا مِثْلُ أَنَسٍ، وَقَدْ كَانَ يَقِفُ خَلْفَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَبْعَدَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي سَمَاعَهُ الْفَاتِحَةَ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، وَأَيْضًا رُوِيَ أَنَّ أَنَسًا سُئِلَ عَنْ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَالسَّبَبُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ انْقِطَاعُ الْخَبَرِ بِالْمُعَارَضَةِ بِسَبَبِ إعْرَاضِ الصَّحَابَةِ؛ فَلِأَنَّهُ يُعَارِضُ إجْمَاعَهُمْ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ، وَعَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ مَنْسُوخٌ. لَا يُقَالُ لَا إجْمَاعَ مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَيْفَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ يُعْتَبَرُ بِحَالِ الرِّجَالِ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَرَاوِي الْحَدِيثِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بَلْ عَدَمَ التَّمَسُّكِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ.
(2/19)

إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ (أَمْرٌ لَا يَسْتَقِيمُ تَلَقِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ بِخِلَافِ أَمْرِ الْحَدِيثِ) فَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لَا يَكُونُ الْعَدْلُ حَاضِرًا عِنْدَ الْمَاءِ فَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ بِمَعْرِفَةِ الْمَاءِ حَرَجٌ، فَلَا يَكُونُ خَبَرُ الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ سَاقِطَ الِاعْتِبَارِ فَأَوْجَبْنَا انْضِمَامَ التَّحَرِّي بِهِ بِخِلَافِ أَمْرِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَهَا هُمْ الْعُلَمَاءُ الْأَتْقِيَاءُ، فَلَا حَرَجَ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُ الْفَسَقَةِ وَالْمَسْتُورِينَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَلَا اعْتِبَارَ؛ لِأَحَادِيثِهِمْ أَصْلًا.
(وَأَمَّا أَخْبَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ وَالْكَافِرِ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا أَصْلًا) أَيْ: لَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ كَالْإِخْبَارِ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ أَصْلًا أَيْ: لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ: فَلَا يَجِبُ التَّحَرِّي بِخِلَافِ أَخْبَارِ الْفَاسِقِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ التَّحَرِّي.
(وَالثَّانِيَةُ) أَيْ: الْعُقُوبَاتُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَيْ: تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَصِحُّ بِهِ الْعَمَلُ فِي الْحُدُودِ كَالْبَيِّنَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْعُقُوبَاتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ.) وَالثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فِيهِ شُبْهَةٌ فَعُلِمَ أَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَثْبُتُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الثَّابِتَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ قَطْعِيٌّ بِمَعْنَى قَطْعِ الِاحْتِمَالِ النَّاشِئِ عَنْ دَلِيلٍ كَحُرْمَةِ الضَّرْبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] وَالثَّابِتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ (وَعِنْدَنَا لَا لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي الدَّلِيلِ وَالْحَدُّ يَنْدَرِئُ بِهَا، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ بِالنَّصِّ) أَيْ: كَانَ الْقِيَاسُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ اتِّفَاقُ غَيْرِ هَذَا الرَّاوِي، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِهِ لَا مَحَالَةَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي: الْقَرْنَ الْأَوَّلَ، وَالثَّانِي، وَالثَّالِثَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ فِيهَا أَصْلٌ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَفِي غَيْرِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ الْمَسْتُورُ بِمَنْزِلَةِ الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْفِسْقِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ غَالِبٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ الْمُرَجِّحَةِ جَانِبَ الصِّدْقِ.
(قَوْلُهُ: وَصَاحِبِ الْهَوَى) وَهُوَ الْمَيْلُ إلَى الشَّهَوَاتِ، وَالْمُسْتَلَذَّات مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ، وَالْمُرَادُ الْمُبْتَدِعُ الْمَائِلُ إلَى مَا يَهْوَاهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ فَإِنْ تَأَدَّى إلَى أَنْ يَجِبَ إكْفَارُهُ كَغُلَاةِ الرَّوَافِضِ، وَالْمُجَسِّمَةِ، وَالْخَوَارِجِ، فَلَا خَفَاءَ فِي عَدَمِ قَبُولِ الرِّوَايَةِ؛ لِانْتِفَاءِ الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ وَضْعَ الْأَحَادِيثِ إلَّا إذَا كَانَ دَاعِيًا إلَى هَوَاهُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ فَقَوْلُهُ: لِلشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَوَى مَا يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ أَوْ الْفِسْقِ

[فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ) سَوَاءٌ كَانَ خَبَرًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَالْمُرَادُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَلِذَا حَصَرَ الْمَحَلَّ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَعْمَالِ إذْ الِاعْتِقَادِيَّات لَا تَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ؛ لِابْتِنَائِهَا عَلَى الْيَقِينِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا أَخْبَارُ الصَّبِيِّ) فَإِنْ قِيلَ إنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخْبَرَ أَهْلَ قُبَاءَ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَاسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَكَانَ صَبِيًّا قُلْنَا لَوْ سُلِّمَ كَوْنُهُ صَبِيًّا فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ أَنَسٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا جَاءَا بِهِ جَمِيعًا فَأَخْبَرَاهُمْ.
(قَوْلُهُ: لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ) قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلشُّبْهَةِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ خَبَرِ الْوَاحِدِ
(2/20)

أَنْ لَا تَثْبُتَ الْعُقُوبَاتُ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَإِنَّ كُلَّ مَا دُونَ التَّوَاتُرِ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ دَلِيلًا فِيهِ شُبْهَةٌ وَالْحَدُّ يَنْدَرِئُ بِهَا لَكِنْ إنَّمَا تَثْبُتُ الْعُقُوبَاتُ بِالْبَيِّنَةِ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يُقَاسُ ثُبُوتُهَا بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ عَلَى ثُبُوتِهَا بِالْبَيِّنَةِ.
(وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَتَثْبُتُ بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا ثُبُوتُهَا بِخَبَرٍ يَكُونُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَمَا كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ) ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ (وَالْعَدَدِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ) حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ الْعَدَدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْعَدَدُ عُرْفًا كَشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ (مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ الرِّوَايَةِ صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَيَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ، وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ الْفِطْرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ) أَيْ: لَهُ حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ التَّزْوِيرِ وَالتَّلْبِيسِ (وَمَا لَيْسَ فِي الْإِلْزَامِ كَالْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالرِّسَالَاتِ فِي الْهَدَايَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ تَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْوَاحِدِ بِشَرْطِ التَّمْيِيزِ دُونَ الْعَدَالَةِ فَيُقْبَلُ فِيهَا خَبَرُ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا إلْزَامَ فِيهِ وَلِلضَّرُورَةِ اللَّازِمَةِ هُنَا) .
فَإِنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ غَايَةَ الْحَرَجِ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَارَفَ بَعْثُ الصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ بِهَذِهِ الْأَشْغَالِ. وَالْعُدُولُ الثِّقَاتُ لَا يَنْتَصِبُونَ دَائِمًا لِلْمُعَامَلَاتِ الْخَسِيسَةِ لَا سِيَّمَا؛ لِأَجْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
حُجَّةً عَلَى الْإِطْلَاقِ بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ وَمَعَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تَجِبُ مُقَدَّرَةً بِالْجِنَايَاتِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ الرِّوَايَةِ) يُخْرِجُ الْفَاسِقَ، وَالْمُغَفَّلَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقَيْدُ الْوِلَايَةِ يُخْرِجُ الْعَبْدَ، وَمِثْلُ الصَّبِيِّ يَخْرُجُ بِكُلٍّ مِنْ الْقَيْدَيْنِ بَعْدَ تَفَرُّدِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِفَائِدَةٍ.
(قَوْلُهُ: صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ) يَعْنِي تُشْتَرَطُ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ لِئَلَّا تَثْبُتَ الْحُقُوقُ الْمَعْصُومَةُ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِ عَدْلٍ أَوْ هُوَ تَعْلِيلٌ لِثُبُوتِ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِخَبَرٍ يَكُونُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ) تَعْلِيلٌ لِاشْتِرَاطِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِكَذَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
(قَوْلُهُ: فَيَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ) أَمَّا لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ فَلِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ كَمَالِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ هِيَ الْمُعَايَنَةُ، وَالْعِلْمُ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ، وَإِلَّا فَدَعْ» ، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَلِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ كَوْنَ الْمُخْبِرِ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَنْفِيذِ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى وَذَلِكَ مِنْ أَمَارَاتِ الصِّدْقِ، وَأَمَّا الْعَدَدُ فَلِأَنَّ اطْمِئْنَانَ الْقَلْبِ بِقَوْلِ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْهُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ؛ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ يُعَارِضُهُ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ بِانْضِمَامِ شَاهِدٍ آخَرَ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ الْفِطْرِ) يُشْتَرَطُ لَهَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَالْوِلَايَةِ، وَالْعَدَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ إثْبَاتِ الْحُقُوقِ، الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ مِمَّا يُخَافُ فِيهِ
(2/21)

الْغَيْرِ (بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَإِنَّ ضَرُورَتَهُمَا غَيْرُ لَازِمَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ) فَإِنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَسْتَقِيمُ تَلَقِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ.
فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ الضَّرُورَةَ حَاصِلَةٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ غَيْرِ الْعُدُولِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ لَكِنْ نَذْكُرُ هُنَا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِمَا غَيْرُ لَازِمَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ فَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَالضَّرُورَةُ لَازِمَةٌ فَلَمْ يُقْبَلْ خَبَرُ الْعُدُولِ ثَمَّةَ مُطْلَقًا بَلْ مَعَ انْضِمَامِ التَّحَرِّي، وَقُبِلَ هُنَا مُطْلَقًا (وَمَا فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ) فَإِنَّهُ إلْزَامٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبْطِلُ عَمَلَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَيْسَ بِإِلْزَامٍ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ (وَحَجْرُ الْمَأْذُونِ، وَفَسْخِ الشَّرِكَةِ) لِمَا ذَكَرْنَا فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ (وَإِنْكَاحِ الْوَلِيِّ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ) فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِهَذَا التَّزَوُّجِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى تَقْدِيرِ نَفَاذِ هَذَا الْإِنْكَاحِ إلْزَامٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُمْكِنُ لَهَا فَسْخُ هَذَا الْإِنْكَاحِ لَيْسَ بِإِلْزَامٍ (فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَكِيلًا أَوْ رَسُولًا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ فُضُولِيًّا يُشْتَرَطُ إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ بَعْدَ وُجُودِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ) .
إنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ وَبَيْنَ الْفُضُولِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ وَالرَّسُولَ يَقُومَانِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ وَالْمُرْسِلِ فَيَنْتَقِلُ عِبَارَتُهُمَا إلَيْهِمَا، فَلَا يُشْتَرَطُ شَرَائِطُ الْأَخْبَارِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَنَحْوِهَا فِي الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ بِخِلَافِ الْفُضُولِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
التَّلْبِيسُ وَالتَّزْوِيرُ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
وَهَذَا أَظْهَرُ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ يَنْتَفِعُونَ بِالْفِطْرِ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَيَلْزَمُهُمْ الِامْتِنَاعُ عَنْ الصَّوْمِ يَوْمَ الْفِطْرِ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ؛ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ انْتِفَاعَهُمْ بِالصَّوْمِ أَكْثَرُ، وَإِلْزَامَهُمْ فِيهِ أَظْهَرُ مَعَ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ) ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّ أَخْبَارَ الْمُمَيِّزِ يُقْبَلُ فِي مِثْلِ الْوَكَالَةِ، وَالْهَدَايَا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ التَّحَرِّي، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّحَرِّي، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمُحَمَّدٌ ذَكَرَ الْقَيْدَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ تَفْسِيرًا لِهَذَا فَيُشْتَرَطُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ اسْتِحْسَانًا، وَلَا يُشْتَرَطُ رُخْصَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الْمُتَعَارَفَ) لَا يُشْتَرَطُ فِي الْخَبَرِ بِالْوَكَالَةِ، وَالْإِذْنِ وَنَحْوِهِمَا الْعَدَالَةُ، وَالتَّكْلِيفُ، وَالْحُرِّيَّةُ سَوَاءٌ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ أَوْ مَأْذُونُهُ؛ أَوْ أَخْبَرَ بِأَنَّ، فُلَانًا وَكَّلَ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِ أَوْ جَعَلَهُ مَأْذُونًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَجِدُ الْمُسْتَجْمِعَ لِلشَّرَائِطِ يَبْعَثُهُ لِهَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ أَوْ لِإِخْبَارِ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي ذَلِكَ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْبَعْضِ مُشْعِرٌ بِالْقِسْمِ الثَّانِي حَيْثُ يَقُولُونَ الْإِنْسَانُ قَلَّمَا يَجِدُ الْمُسْتَجْمِعَ لِلشَّرَائِطِ يَبْعَثُهُ إلَى وَكِيلِهِ أَوْ غُلَامِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ) أَيْ: الْمُخْبِرُ بِمَا فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فُضُولِيًّا يُشْتَرَطُ إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ.
وَالِاخْتِلَافُ
(2/22)

وَأَيْضًا قَلَّمَا يَتَطَرَّقُ الْكَذِبُ فِي الْوَكَالَةِ وَالرِّسَالَةِ بِأَنْ يَقُولَ كَاذِبًا وَكَّلَنِي فُلَانٌ أَوْ أَرْسَلَنِي إلَيْكَ، وَيَقُولَ: كَذَا وَكَذَا. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الْكَاذِبَةُ مِنْ غَيْرِ رِسَالَةٍ وَوَكَالَةٍ فَكَثِيرَةُ الْوُقُوعِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَخَافَةَ ظُهُورِ الْكَذِبِ وَلُزُومِ الضَّرَرِ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَشَدُّ. وَقَوْلُهُ: (رِعَايَةً لِلشَّبَهَيْنِ) أَيْ: شَبَهِ الْإِلْزَامِ وَعَدَمِ الْإِلْزَامِ.

[فَصْلٌ] فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ أَمَّا السَّمَاعُ فَهُوَ الْعَزِيمَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ إمَّا بِأَنْ يَقْرَأَ الْمُحَدِّثُ عَلَيْكَ أَوْ بِأَنْ تَقْرَأَ عَلَيْهِ فَتَقُولُ: أَهُوَ كَمَا قَرَأْتُ فَيَقُولُ نَعَمْ وَالْأَوَّلُ أَعْلَى عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَإِنَّهُ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ ذَلِكَ أَحَقَّ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُونًا عَنْ السَّهْوِ أَمَّا فِي غَيْرِهِ، فَلَا عَلَى أَنَّ رِعَايَةَ الطَّالِبِ أَشَدُّ عَادَةً وَطَبِيعَةً، وَأَيْضًا إذَا قَرَأَ التِّلْمِيذُ فَالْمُحَافَظَةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَإِذَا قَرَأَ الْأُسْتَاذُ لَا تَكُونُ الْمُحَافَظَةُ إلَّا مِنْهُ.
وَأَمَّا الْكِتَابَةُ وَالرِّسَالَةُ فَقَائِمٌ مَقَامَ الْخِطَابِ فَإِنَّ تَبْلِيغَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ بِالْكِتَابِ وَالْإِرْسَالِ أَيْضًا وَالْمُخْتَارُ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا، وَفِي الْأَخِيرَيْنِ أَخْبَرَنَا.
وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَهِيَ الْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا فِي الْكِتَابِ يَجُوزُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: أَجَازَ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَخْبَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا فِيهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي. لَهُمَا أَنَّ أَمْرَ السُّنَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
إنَّمَا وَقَعَ مِنْ لَفْظِ الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ إذَا حَجَرَ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يُرْسِلْهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ حَجْرًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ يَعْرِفُهُ الْعَبْدُ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الْعَدَالَةَ لِلْمَجْمُوعِ وَبَعْضُهُمْ لِلرَّجُلِ فَقَطْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ لِلْعَدَدِ تَأْثِيرًا فِي الِاطْمِئْنَانِ وَلِأَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ فِي الرَّجُلَيْنِ الْعَدَالَةُ كَانَ ذِكْرُهُ ضَائِعًا، وَيَكْفِي أَنْ يُقَالَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَبْسُوطِ اشْتِرَاطَ وُجُودِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ أَعْنِي: الذُّكُورَةَ، وَالْحُرِّيَّةَ، وَالْبُلُوغَ لَا نَفْيًا، وَلَا إثْبَاتًا فَلِذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرُهُ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُشْتَرَطَ سَائِرُ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى لَا يَقْبَلَ خَبَرَ الْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيِّ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْكُلُّ سَوَاءٌ أَيْ: يَكْفِي فِي هَذَا الْقِسْمِ قَوْلُ كُلِّ مُمَيِّزٍ كَمَا فِي الْقِسْمِ الَّذِي لَا إلْزَامَ فِيهِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَزَمَ بِاشْتِرَاطِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ قُصُورٌ فِي رِعَايَةِ شَبَهِ عَدَمِ الْإِلْزَامِ فَقَوْلُهُ: رِعَايَةً لِلشَّبَهَيْنِ تَعْلِيلٌ لِلِاكْتِفَاءِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ

[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ، وَهُوَ الْإِجَازَةُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ أَجَزْتُ لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْكِتَابَ أَوْ مَجْمُوعَ مَسْمُوعَاتِي أَوْ مَقْرُوءَاتِي وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالْمُنَاوَلَةُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُحَدِّثُ كِتَابَ سَمَاعِهِ بِيَدِهِ وَيَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْكِتَابَ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إعْطَاءِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ طَرِيقُ الْإِجَازَةِ ضَرُورَةُ
(2/23)

أَمْرٌ عَظِيمٌ مِمَّا لَا يُتَسَاهَلُ فِيهِ وَتَصْحِيحُ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ مَا فِيهِ، وَفِيهِ فَتْحٌ لِبَابِ التَّقْصِيرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَهَذَا أَمْرٌ يُتَبَرَّكُ بِهِ لَا أَمْرٌ يَقَعُ بِهِ الِاحْتِجَاجُ. وَأَمَّا الضَّبْطُ فَالْعَزِيمَةُ فِيهِ الْحِفْظُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَقَدْ كَانَتْ رُخْصَةً فَانْقَلَبَتْ عَزِيمَةً فِي هَذَا الزَّمَانِ صِيَانَةً لِلْعِلْمِ.
وَالْكِتَابَةُ نَوْعَانِ مُذَكِّرٌ أَيْ: إذَا رَأَى الْخَطَّ تَذَكَّرَ الْحَادِثَةَ هَذَا هُوَ الَّذِي انْقَلَبَ عَزِيمَةً، وَأَمَامٌ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ التَّذَكُّرَ، وَالْأَوَّلُ حُجَّةٌ سَوَاءٌ خَطَّهُ هُوَ أَوْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أَوْ مَجْهُولٌ. وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَصْلًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ يُقْبَلُ فِي الْأَحَادِيثِ وَدِيوَانِ الْقَضَاءِ لِلْأَمْنِ مِنْ التَّزْوِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ لَا يُقْبَلُ فِي دِيوَانِ الْقَضَاءِ، وَيُقْبَلُ فِي الْأَحَادِيثِ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ عَادَةً، وَلَا يُقْبَلُ فِي الصُّكُوكِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْخَصْمِ حَتَّى إذَا كَانَ فِي يَدِ الشَّاهِدِ يُقْبَلُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْبَلُ أَيْضًا فِي الصُّكُوكِ إذَا عُلِمَ بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ خَطُّهُ؛ لِأَنَّ الْغَلَطَ فِيهِ نَادِرٌ، وَمَا يَجِدُهُ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ فِي كِتَابٍ مَعْرُوفٍ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: وَجَدْت بِخَطِّ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، وَأَمَّا الْخَطُّ الْمَجْهُولُ فَإِنْ ضُمَّ إلَيْهِ خَطُّ جَمَاعَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ التَّزْوِيرُ فِي مِثْلِهِ وَالنِّسْبَةُ تَامَّةٌ يُقْبَلُ وَغَيْرُ مَضْمُومٍ لَا الْمُرَادُ مِنْ النِّسْبَةِ التَّامَّةِ أَنْ يَذْكُرَ الْأَبَ وَالْجَدَّ (وَأَمَّا التَّبْلِيغُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَنَّ كُلَّ مُحَدِّثٍ لَا يَجِدُ رَاغِبًا إلَى سَمَاعِ جَمِيعِ مَا صَحَّ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُ تَعْطِيلُ السُّنَنِ وَانْقِطَاعُهَا فَلِذَا كَانَتْ رُخْصَةً.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا أَمْرٌ يُتَبَرَّكُ بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ الْإِجَازَةَ، وَالْمُنَاوَلَةَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمُجَازِ لَهُ بِمَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِمَامٌ) يَعْنِي أَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنْهُ التَّذَكُّرَ بَلْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ اعْتِمَادَ الْمُقْتَدِي عَلَى إمَامِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ عِنْدَهُ التَّذَكُّرُ، وَالْعَوْدُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِفْظِ حَتَّى تَكُونَ الرِّوَايَةُ عَنْ حِفْظٍ تَامٍّ إذْ الْحِفْظُ الدَّائِمُ مِمَّا يَتَعَسَّرُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِ الِاشْتِغَالِ بِأَنْوَاعِ الْعُلُومِ، وَفُرُوعِ الْأَحْكَامِ وَذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ مَا إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفِي قِرَاءَتِهِ وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَدِيوَانُ الْقَضَاءِ) هُوَ الْمَجْمُوعَةُ مِنْ قِطَعِ الْقَرَاطِيسِ يُقَالُ دَوَّنْت الْكُتُبَ جَمَعْتهَا، وَقَدْ يُقَالُ الدِّيوَانُ لِمَجْمَعِ الْحَاكِمِ.
(قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» ) الْحَدِيثَ. أُجِيبَ بِأَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ أَدَاءٌ كَمَا سَمِعَ وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ غَايَتُهُ أَنَّهُ دُعَاءٌ لِلنَّاقِلِ بِاللَّفْظِ؛ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ) يَعْنِي: يُوجَدُ فِي الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ جَامِعَةٌ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ لَا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلَى تَأْدِيَةِ تِلْكَ الْمَعَانِي بِعِبَارَتِهِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» .
(2/24)

بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى «لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً أَيْ: نَعَّمَ اللَّهُ سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا، وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» ؛ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَزِيمَةَ هُوَ الْأَوَّلُ وَالتَّبَرُّكُ بِلَفْظِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْلَى لَكِنْ إذَا ضَبَطَ الْمَعْنَى وَنَسِيَ اللَّفْظَ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ) أَيْ: الْحَدِيثُ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَنْوَاعٌ (فَمَا كَانَ مُحْكَمًا يَجُوزُ لِلْعَالِمِ بِاللُّغَةِ، وَمَا كَانَ ظَاهِرًا يَحْتَمِلُ الْغَيْرَ كَعَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَوْ حَقِيقَةٍ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ فَقَطْ، وَمَا كَانَ مُشْتَرَكًا أَوْ مُجْمَلًا أَوْ مُتَشَابِهًا أَوْ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَجُوزُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ ` ` فِي الْأَوَّلِ) أَيْ: الْمُشْتَرَكِ (إنْ أَمْكَنَ التَّأْوِيلُ فَتَأْوِيلُهُ لَا يَصِيرُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ) أَيْ: الْمُجْمَلِ وَالْمُتَشَابِهِ (لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُمَا بِالْمَعْنَى، وَفِي الْأَخِيرِ) أَيْ: مَا كَانَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ (لَا يُؤْمَنُ الْغَلَطُ فِيهِ لِإِحَاطَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمَعَانٍ تَقْصُرُ عَنْهَا عُقُولُ غَيْرِهِ) .

(فَصْلٌ) فِي الطَّعْنِ، وَهُوَ إمَّا مِنْ الرَّاوِي أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِهِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ فَيَصِيرُ مَجْرُوحًا كَحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» ثُمَّ زَوَّجَتْ بَعْدَهَا ابْنَةَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ غَائِبٌ وَكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ صَحِبْت ابْنَ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَشْرَ سِنِينَ فَلَمْ أَرَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَفِي «الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ» ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ جَوَامِعِ الْكَلِمِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لِمَعْرِفَةِ النَّاقِلِ بِمَوَاقِعِ الْأَلْفَاظِ، وَالْعُمْدَةُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا وَرَخَّصَ فِي كَذَا وَشَاعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: فَمَا كَانَ مُحْكَمًا) أَيْ: مُتَّضِحَ الْمَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَشْتَبِهُ مَعْنَاهُ، وَلَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مُتَعَدِّدَةً عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ لَا مَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ عَلَى مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ فِي أَقْسَامٍ الْكِتَابِ

[فَصْلٌ فِي الطَّعْنِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي الطَّعْنِ) كَحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَدْ يُقَالُ: إنَّ غَيْبَةَ الْأَبِ لَا تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ بِلَا وَلِيٍّ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبْعَدِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْأَقْرَبِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَمِلَ)
أَيْ: الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَى قَبْلَ الرِّوَايَةِ لَا يُجَرَّحُ لِجَوَازِ أَنَّهُ كَانَ مَذْهَبَهُ فَتَرَكَهُ بِالْحَدِيثِ وَكَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ بِيَقِينٍ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ.
(قَوْلُهُ: عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) تَرَكَ بَيْنَهُمَا ذِكْرَ عُرْوَةَ، وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
(قَوْلُهُ: لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَقِيلَ لِطُولِ يَدَيْهِ اسْتَدَلَّ بِالْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ رَدَّ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ لَا يَكُونُ جَرْحًا وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبِلَ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَأْسِ
(2/25)

الِافْتِتَاحِ، وَإِنْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَهَا أَوْ لَا يُعْلَمُ التَّارِيخُ لَا يُجَرَّحُ، وَأَمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ رَدٌّ مِنْهُ لِلْبَاقِي بِطَرِيقِ التَّأْوِيلِ لَا جَرْحٌ كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَقَالَ لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَأَمَّا بِأَنْ أَنْكَرَهَا صَرِيحًا (كَحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ عَنْ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَقَدْ أَنْكَرَ الزُّهْرِيُّ لَا يَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ) ، وَهِيَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى إحْدَى الْعِشَاءَيْنِ فَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ وَبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَا: نَعَمْ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» فَقَبِلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رِوَايَتَهُمَا عَنْهُ مَعَ إنْكَارِهِ.
وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ كَلَامَ النَّاسِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ نُسِخَ (وَلِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْلَى مِنْ تَكْذِيبِ الثِّقَةِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ، وَيَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ «عَمَّارًا قَالَ لِعُمَرَ أَمَا تَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي إبِلٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ بِقَوْلِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ.
وَكَلَامُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّمَا جَرَى عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ فَكَانَ فِي حُكْمِ النَّاسِي وَكَلَامُ النَّاسِي لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ وَحُدُوثَ هَذَا الْأَمْرِ إنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَهِجْرَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْلَى مِنْ تَكْذِيبِ الثِّقَةِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ) فَإِنْ قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالتَّكْذِيبِ النِّسْبَةُ إلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا أَوْلَوِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ أَيْضًا ثِقَةٌ قُلْنَا تَعَارَضَا فَبَقِيَ أَصْلُ الْخَبَرِ مَعْمُولًا بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إذَا صَرَّحَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ بِالْإِنْكَارِ وَالتَّكْذِيبِ، وَلَا يُشْعِرُ بِالْحُكْمِ فِيمَا إذَا تَوَقَّفَ، وَقَالَ: لَا أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الثَّانِي، وَفِي الْأَوَّلِ يَسْقُطُ بِلَا خِلَافٍ، وَقِيلَ إنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الْجَزْمِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَقَدْ تَسَاقَطَا، فَلَا يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِقِصَّةِ عَمَّارٍ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ الِانْقِطَاعُ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُغَفَّلًا وَجَوَابُهُ أَنَّ عَدَمَ التَّذَكُّرِ فِي حَادِثَةٍ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مُغَفَّلًا بِحَيْثُ يُرَدُّ خَبَرُهُ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ النِّسْيَانِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْ عُمَرَ، وَعَمَّارٍ عَدْلٌ ضَابِطٌ، وَأَيْضًا عَدَالَةُ كُلٍّ
(2/26)

إلَى آخِرِهِ وَلَمْ يَقْبَلْهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ كُنَّا فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ: أَمَا كَانَ يَكْفِيكَ ضَرْبَتَانِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ عَمَّارٍ» يُقَالُ: تَمَعَّكَتْ الدَّابَّةُ فِي التُّرَابِ أَيْ: تَمَرَّغَتْ. وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَذَا أَنَّ عَمَّارًا لَوْ لَمْ يَحْكِ حُضُورَ عُمَرَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ لَقَبِلَهُ عُمَرُ لِعَدَالَةِ عَمَّارٍ فَالْمَانِعُ مِنْ الْقَبُولِ أَنَّ عَمَّارًا حَكَى حُضُورَ عُمَرَ وَعُمَرُ لَمْ يَتَذَكَّرْ ذَاكَ فَبِالْأَوْلَى إذَا نُقِلَ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثٌ، وَهُوَ لَا يَتَذَكَّرُهُ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا.
وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سُفْيَانَ «عَنْ شَقِيقٍ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ الصَّعِيدَ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟» .
(وَهَذَا فَرْعُ خِلَافِهِمَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى قَاضٍ أَنَّهُ قَضَى بِهَذَا، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الْقَاضِي، وَالثَّانِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الصَّحَابِيِّ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ يَكُونُ جَرْحًا نَحْوَ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» ) وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَلَا يُمْكِنُ خَفَاءُ مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ عَنْهُمَا، وَفِيمَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ لَا يَكُونُ جَرْحًا كَمَا لَمْ يَعْمَلْ أَبُو مُوسَى بِحَدِيثِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ قَهْقَهَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَادِثِ النَّادِرَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْخَفَاءِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنْ كَانَ الطَّعْنُ مُجْمَلًا لَا يُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ مُفَسَّرًا، فَإِنْ فَسَّرَ بِمَا هُوَ جَرْحٌ شَرْعًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالطَّاعِنُ مِنْ أَهْلِ النَّصِيحَةِ لَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَاوَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ يَكُونُ جَرْحًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مِنْهُمَا وَضَبْطُهُ يَقِينٌ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ عُمَرُ) ،، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَإِنْ قِيلَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفَى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُّومِ مُرْتَدًّا فَحَلَفَ، وَاَللَّهِ لَا أَنْفِي أَبَدًا أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ سِيَاسَةً إذْ لَوْ كَانَ حَدًّا لَمَا حَلَفَ إذْ الْحَدُّ لَا يُتْرَكُ بِالِارْتِدَادِ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ لَا قَطْعَ بِهَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بِذَلِكَ، وَالْإِنْصَافُ أَنَّ قِصَّةَ أَعْرَابِيٍّ وَقَعَ فِي كُوَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَهْقَهَتْ الْأَصْحَابُ فِي الصَّلَاةِ بِمَحْضَرٍ مِنْ كِبَارِ الْأَصْحَابِ، وَأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُمْ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ لَيْسَتْ أَخْفَى مِنْ حَدِيثٍ فِي تَغْرِيبِ الْعَامِ فِي زِنَا الْبِكْرِ بِالْبِكْرِ ذَكَرَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَرَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ الطَّعْنُ مُجْمَلًا) بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مُنْكَرٌ أَوْ مَجْرُوحٌ أَوْ رَاوِيهِ مَتْرُوكِ الْحَدِيثِ أَوْ غَيْرُ الْعَدْلِ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَصْلٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ وَالدِّينِ لَا سِيَّمَا الصَّدْرُ الْأَوَّلُ، فَلَا يُتْرَكُ بِالْجَرْحِ الْمُبْهَمِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ الْجَارِحُ مَا لَيْسَ تَجْرِيحًا، وَقِيلَ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْجَارِحِ الصِّدْقُ، وَالْبَصَارَةُ بِأَسْبَابِ
(2/27)

وَإِلَّا، فَلَا، وَمَا لَيْسَ بِطَعْنٍ شَرْعًا فَمَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ فَإِنْ أَرَدْت فَعَلَيْكَ بِالْمُطَالَعَةِ فِيهِ.

(فَصْلٌ) فِي أَفْعَالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَمِنْهَا مَا يُقْتَدَى بِهِ وَهُوَ مُبَاحٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَوَاجِبٌ، وَفَرْضٌ وَغَيْرُ الْمُقْتَدَى بِهِ، وَهُوَ إمَّا مَخْصُوصٌ بِهِ أَوْ زَلَّةٌ، وَهِيَ فِعْلُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ يَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهَا لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهَا فَفِعْلُهُ الْمُطْلَقُ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عِنْدَ الْبَعْضِ لِلْجَهْلِ بِصِفَتِهِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُتَابَعَةُ إلَّا بِإِتْيَانِهِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] أَيْ: فِعْلِهِ وَطَرِيقَتِهِ وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ يَثْبُتُ الْمُتَيَقَّنُ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، وَلَا يَكُونُ لَنَا اتِّبَاعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا الْإِبَاحَةُ لَكِنْ يَكُونُ لَنَا اتِّبَاعُهُ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ لِيُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] وَذَلِكَ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ وَالْمَخْصُوصُ بِهِ نَادِرٌ.

(فَصْلٌ) فِي الْوَحْيِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَمَّا الظَّاهِرُ فَثَلَاثَةٌ. الْأَوَّلُ: مَا ثَبَتَ بِلِسَانِ الْمَلَكِ فَوَقَعَ فِي سَمْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْمُبَلِّغِ بِآيَةٍ قَاطِعَةٍ وَالْقُرْآنُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَالثَّانِي: مَا وَضَحَ لَهُ بِإِشَارَةِ الْمَلَكِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ بِالْكَلَامِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ - الْحَدِيثَ - حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» .
الرَّوْعُ الْقَلْبُ (وَهَذَا يُسَمَّى خَاطِرَ الْمَلَكِ وَالثَّالِثُ مَا تَبَدَّى لِقَلْبِهِ بِلَا شُبْهَةٍ بِإِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ بِأَنْ أَرَاهُ بِنُورٍ مِنْ عِنْدِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] وَكُلُّ ذَلِكَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ لِلْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ (وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَمَا يُنَالُ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ) وَفِيهِ خِلَافٌ فَعِنْدَ الْبَعْضِ حَظُّهُ الْوَحْيُ الظَّاهِرُ لَا غَيْرُ، وَإِنَّمَا الرَّأْيُ، وَهُوَ الْمُحْتَمِلُ لِلْخَطَأِ يَكُونُ لِغَيْرِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْجَرْحِ وَمَوَاقِعِ الْخِلَافِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْجَارِحَ إنْ كَانَ ثِقَةً بَصِيرًا بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ وَمَوَاقِعِ الْخِلَافِ ضَابِطًا لِذَلِكَ يُقْبَلُ جَرْحُهُ الْمُبْهَمُ، وَإِلَّا، فَلَا.
(قَوْلُهُ: مَا لَيْسَ بِطَعْنٍ شَرْعًا) مِثْلُ رَكْضِ الْخَيْلِ، وَالْمُزَاحِ وَتَحَمُّلِ الْحَدِيثِ فِي الصِّغَرِ وَمِثْلُ الْإِرْسَالِ، وَالِاسْتِكْسَارِ مِنْ فُرُوعِ الْفِقْهِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ

[فَصْلٌ فِي أَفْعَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي أَفْعَالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) يَعْنِي أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي لَمْ يَتَّضِحْ فِيهَا أَمْرُ الْجِبِلَّةِ كَالْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ، وَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ بِلَا خِلَافٍ فَيَكُونُ خَارِجًا عَنْ الْأَقْسَامِ أَوْ يَدْخُلُ فِي الْمُبَاحِ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُبَاحُ لَنَا أَيْضًا فِعْلُهُ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ حَصْرُ غَيْرِ الْمُقْتَدَى بِهِ فِي الْمَخْصُوصِ، وَالزَّلَّةِ إذْ لَا يَجُوزُ مِنْهُ الْكَبَائِرُ، وَلَا الصَّغَائِرُ.
(قَوْلُهُ: وَوَاجِبٌ، وَفَرْضٌ) يَعْنِي أَنَّ فِعْلَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْوَتْرَ وَاجِبًا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مُسْتَحَبًّا أَوْ فَرْضًا، وَإِلَّا فَالثَّابِتُ عِنْدَهُ بِدَلِيلٍ يَكُونُ قَطْعِيًّا لَا مَحَالَةَ حَتَّى إنَّ قِيَاسَهُ وَاجْتِهَادَهُ أَيْضًا قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرَّرُ عَنْ الْخَطَأِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ فِعْلُهُ مِنْ
(2/28)

لِعَجْزِهِ عَنْ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَهُ الْعَمَلُ بِهِمَا وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ ثُمَّ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ لِعُمُومِ {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] وَلِحُكْمِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالرَّأْيِ فِي نَفْشِ غَنَمِ الْقَوْمِ) يُقَالُ: نَفَشَتْ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ نُفُوشًا أَيْ: رَعَتْ لَيْلًا بِلَا رَاعٍ رُوِيَ أَنَّ غَنَمَ قَوْمٍ وَقَعَتْ لَيْلًا فِي زَرْعِ جَمَاعَةٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَتَخَاصَمُوا عِنْدَ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَحَكَمَ دَاوُد بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهُوَ ابْنُ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً غَيْرُ هَذَا أَرْفَقُ بِالْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ أَرَى أَنْ تُدْفَعَ الْغَنَمُ إلَى أَهْلِ الْحَرْثِ يَنْتَفِعُونَ بِأَلْبَانِهَا، وَأَوْلَادِهَا، وَأَصْوَافِهَا، وَالْحَرْثَ إلَى أَرْبَابِ الشَّاةِ يَقُومُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أَفْسَدَتْهُ ثُمَّ يَتَرَادُّونَ فَقَالَ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْقَضَاءُ مَا قَضَيْت، وَأَمْضَى الْحُكْمَ بِذَلِكَ.
أَمَّا وَجْهُ حُكُومَةِ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ الضَّرَرَ وَقَعَ بِالْغَنَمِ فَسُلِّمَتْ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْعَبْدِ الْجَانِي، وَأَمَّا وَجْهُ حُكُومَةِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ جَعَلَ الِانْتِفَاعَ بِالْغَنَمِ بِإِزَاءِ مَا فَاتَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْحَرْثِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ مِلْكُ الْمَالِكِ عَنْ الْغَنَمِ وَأَوْجَبَ عَلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْحَرْثِ حَتَّى يَزُولَ الضَّرَرُ وَالنُّقْصَانُ.
(وَلِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ» الْحَدِيثُ) رُوِيَ «أَنَّ الْخَثْعَمِيَّةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَيُجْزِينِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَرَأَيْتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الصَّغَائِرِ) رَدٌّ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ زَلَّةَ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الزَّلَلُ مِنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْفَاضِلِ وَمِنْ الْأَصْوَبِ إلَى الصَّوَابِ لَا عَنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ، وَعَنْ الطَّاعَةِ إلَى الْمَعْصِيَةِ لَكِنْ يُعَاتَبُونَ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِمْ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْأَفْضَلِ عَنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ عَنْ الْغَيْرِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ) قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا الزَّلَّةُ، فَلَا يُوجَدُ فِيهَا الْقَصْدُ إلَى عَيْنِهَا وَلَكِنْ يُوجَدُ الْقَصْدُ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ زَلَّ الرَّجُلُ فِي الطِّينِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْقَصْدُ إلَى الْوُقُوعِ، وَلَا إلَى الثَّبَاتِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَلَكِنْ وُجِدَ الْقَصْدُ إلَى الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَقْصِيرٍ يُمْكِنُ لِلْمُكَلَّفِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عِنْدَ التَّثَبُّتِ، وَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ حَقِيقَةً فَهِيَ فِعْلُ حَرَامٍ يُقْصَدُ إلَى نَفْسِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهِ.
(قَوْلُهُ: فَفِعْلُهُ الْمُطْلَقُ) أَيْ: الْخَالِي عَنْ قَرِينَةِ الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ، وَالِاسْتِحْبَابِ، وَالْإِبَاحَةِ وَكَوْنِهِ زِلَّةً أَوْ سَهْوًا أَوْ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ حَاصِلَا الْأَوَّلَيْنِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُنَا الِاتِّبَاعُ أَوْ يُتَوَقَّفُ فِي الِاتِّبَاعِ أَيْضًا، وَحَاصِلُ الْأَخِيرَيْنِ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ الْإِبَاحَةُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(2/29)

لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يُقْبَلُ مِنْكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْبَلَ» .
(وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ» الْحَدِيثَ) رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ أَكَانَ يَضُرُّكَ؟» .
(لَكِنْ يُحْتَمَلُ فِي الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ لَكِنْ بَيَّنَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لِمَا كَانَ مُوَافِقًا لَهُ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ؛ وَلِأَنَّهُ أَسْبَقُ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُتَشَابِهَ وَالْمُجْمَلَ، فَمُحَالٌ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَعَانِي النَّصِّ) الْمُرَادُ بِهَا الْعِلَلُ.
(فَإِذَا وَضَحَ لَهُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ؛ وَلِأَنَّهُ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ فَأَخَذَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ بِرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى يَوْمَ بَدْرٍ بِسَبْعِينَ أَسِيرًا فِيهِمْ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعَقِيلُ ابْنُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فَاسْتَشَارَ أَبَا بَكْرٍ فِيهِمْ فَقَالَ: قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ فَاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً يَقْوَى بِهَا أَصْحَابُكَ، وَقَالَ عُمَرُ كَذَّبُوكَ، وَأَخْرَجُوك فَقَدِّمْهُمْ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَغْنَاكَ عَنْ الْفِدَاءِ مَكِّنْ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ وَحَمْزَةَ مِنْ عَبَّاسٍ، وَمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ لِنَسِيبٍ لَهُ فَلْنَضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَالِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَنَا الِاتِّبَاعُ أَمْ لَا؟ .
وَاعْتُرِضُ عَلَى مَذْهَبِ التَّوَقُّفِ بِأَنَّا إمَّا أَنْ نَمْنَعَ الْأُمَّةَ مِنْ الْفِعْلِ، وَنَذُمَّهُمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ حَرَامًا أَوْ لَا فَيَكُونُ مُبَاحًا، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ، وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نَمْنَعُهُمْ، وَلَا نَذُمُّهُمْ لِعَدَمِ عِلْمِنَا بِالْحُكْمِ فِي حَقِّهِمْ لَا لِتَحَقُّقِ الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ يُقَالُ عَلَى الْأَوَّلِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَابَعَةِ مُجَرَّدُ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ، وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِصِفَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَالطَّرِيقَةِ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَعَلَى الثَّالِثِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جَوَازِ الْفِعْلِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ، وَأَيْضًا فِيهِ إثْبَاتُ الْحُرْمَةِ بِلَا دَلِيلٍ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ.
وَعَلَى الرَّابِعِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْإِبَاحَةِ جَوَازُ الْفِعْلِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ عَلَى مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ، فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُرِيدَ مُجَرَّدُ جَوَازِ الْفِعْلِ، فَلَا نِزَاعَ لِلْوَاقِفِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْإِبَاحَةُ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ وَتَثْبُتُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ

[فَصْلٌ فِي الْوَحْيِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ]
(قَوْلُهُ: فَعِنْدَ الْبَعْضِ حَظُّهُ الْوَحْيُ الظَّاهِرُ لَا الِاجْتِهَادُ) وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ} [النجم: 4] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ إنَّمَا هُوَ وَحْيٌ لَا غَيْرُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْوَحْيِ مَا أَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ بِلِسَانِ الْمَلَكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ كَانَ حُكْمُهُ بِالِاجْتِهَادِ أَيْضًا وَحْيًا لَا نُطْقًا عَنْ الْهَوَى، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا إشَارَةً بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ دَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَلَا عَجْزَ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِوُجُودِ الْوَحْيِ الْقَاطِعِ، وَأَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ اجْتِهَادَهُ لَا يَحْتَمِلُ الْقَرَارَ عَلَى الْخَطَأِ فَتَقْرِيرُهُ
(2/30)

فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الرَّأْيُ عِنْدَهُ فَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] » أَيْ: لَوْلَا حُكْمُ اللَّهِ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ أَحَدٌ بِالْخَطَأِ، فَكَانَ هَذَا خَطَأً فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُمْ نَظَرُوا فِي أَنَّ اسْتِبْقَاءَهُمْ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ وَأَنَّ فِدَاءَهُمْ يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ أَنَّ قَتْلَهُمْ أَعَزُّ لِلْإِسْلَامِ، وَأَهْيَبُ لِمَنْ وَرَاءَهُمْ، وَأَقَلُّ لِشَوْكَتِهِمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ مَا نَجَا إلَّا عُمَرُ» وَلِهَذِهِ الْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ) أَيْ: مِثْلُ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَأْيِ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ، وَبَعْضُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْرِكِينَ شَطْرَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ لِيَنْصَرِفُوا فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَا إنْ كَانَ هَذَا عَنْ وَحْيٍ فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ عَنْ رَأْيٍ، فَلَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ قَدْ كُنَّا نَحْنُ، وَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَنَا وَلَهُمْ دِينٌ كَانُوا لَا يَطْعَمُونَ مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ إلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ قِرًى فَإِذَا أَعَزَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالدِّينِ أَنُعْطِيهِمْ ثِمَارَ الْمَدِينَةِ لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ فَأَرَدْتُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ عَنْكُمْ فَإِذَا أَبَيْتُمْ فَذَاكَ ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
عَلَى مُجْتَهَدِهِ قَاطِعٌ لِلِاحْتِمَالِ كَالْإِجْمَاعِ الَّذِي سَنَدُهُ الِاجْتِهَادُ.
وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ الْآخَرِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْمُخَالَفَةِ مِنْ لَوَازِمِ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ؛ لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لَمَا تَوَقَّفَ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ بَلْ اجْتَهَدَ وَبَيَّنَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوَابِ فَأَشَارَ فِي تَقْرِيرِ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ إلَى جَوَابِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِانْتِظَارِ فَهُوَ شَرْطٌ لِاجْتِهَادِهِ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الِاجْتِهَادِ أَيْضًا يَقْتَضِي زَمَانًا وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْمُخْتَارِ بِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .
الثَّانِي وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَدَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ الثَّالِثِ. وُقُوعُهُ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي قِصَّةِ الْخَثْعَمِيَّةِ وَجَوَازُ قُبْلَةِ الصَّائِمِ الرَّابِعُ: أَنَّهُ عَالِمٌ بِعِلَلِ النُّصُوصِ وَكُلُّ مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِهَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ فِي صُورَةِ الْفَرْعِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ الْعِلَّةُ وَذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا لِتَقْرِيبِ الْوُجُوهِ وَلِتَخْيِيرِ الرَّأْيِ إذْ لَوْ كَانَ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِرَأْيِهِمْ كَانَ ذَلِكَ إيذَاءً وَاسْتِهْزَاءً لَا تَطْيِيبًا وَإِنْ عَمِلَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ رَأْيَهُ أَقْوَى، وَإِذَا جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِرَأْيِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ فَبِرَأْيِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى

[فَصْلٌ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا]
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرَائِعِ) أَيْ: شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا الْخُصُوصُ
(2/31)

لِلَّذِينَ جَاءُوا لِلصُّلْحِ اذْهَبُوا، فَلَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ» .
(وَاجْتِهَادُهُ لَا يَحْتَمِلُ الْقَرَارَ عَلَى الْخَطَأِ لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الْوَحْيُ الظَّاهِرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ لَا ابْتِدَاءً، وَلَا بَقَاءً وَالْبَاطِنُ لَا يَحْتَمِلُ بَقَاءً) أَيْ: الْوَحْيُ الْبَاطِنُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ لَا حَالَةَ الِابْتِدَاءِ لَكِنْ لَا يَحْتَمِلُ الْقَرَارَ عَلَى الْخَطَأِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْبَقَاءِ وَالْوَحْيُ الظَّاهِرُ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ أَصْلًا لَا ابْتِدَاءً، وَلَا بَقَاءً فَكَانَ أَقْوَى.
(وَمُدَّةُ الِانْتِظَارِ مَا يَرْجُو نُزُولَهُ فَإِذَا خَافَ الْفَوْتَ فِي الْحَادِثَةِ يَعْمَلُ بِالرَّأْيِ) لَمَّا ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ لِلْعَمَلِ بِالرَّأْيِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ بَيَّنَ مُدَّةَ الِانْتِظَارِ، وَهِيَ مَا يَرْجُو نُزُولَهُ.
(وَاَللَّهُ تَعَالَى إذَا سَوَّغَ لَهُ الِاجْتِهَادَ، كَانَ الِاجْتِهَادُ، وَمَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ) ، وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ (وَحْيًا لَا نُطْقًا عَنْ الْهَوَى) ، وَهَذَا جَوَابُ التَّمَسُّكِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] .

(فَصْلٌ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَهِيَ تَلْزَمُنَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى النَّسْخِ عِنْدَ الْبَعْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] قَوْله تَعَالَى {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [المائدة: 46] وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ الْخُصُوصُ إلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا كَانَ فِي الْمَكَانِ) أَيْ: كَانَ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى لِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ، وَيَتْبَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَبِيَّهُمْ دُونَ الْآخَرِ وَكُلٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَخْصُوصٌ لِمُعَيَّنٍ.
(وَمَا ذَكَرُوا) ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] وقَوْله تَعَالَى {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [البقرة: 97] (فَذَلِكَ فِي أُصُولِ الدِّينِ) وَعِنْدَ الْبَعْضِ تَلْزَمُنَا عَلَى أَنَّهَا شَرِيعَةٌ لَنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
بِزَمَانٍ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ فِي الزَّمَانِ وَدَاعٍ إلَى مَا دَعَا إلَيْهِ كَلُوطٍ لِإِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونَ لِمُوسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَمَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْخُصُوصَ بِمَكَانِ كَشُعَيْبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ، وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَمُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيمَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هُوَ الْخُصُوصُ، فَلَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ فِي الْأَمْكِنَةِ، وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأُمَمِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرُوا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْأُصُولِ) دَفْعٌ لِمَا أَوْرَدَهُ الْفَرِيقُ الثَّانِي مِنْ اخْتِصَاصِ الْآيَتَيْنِ بِالْأُصُولِ دُونَ الْفُرُوعِ وَلِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ أَحْكَامِهِمْ مِمَّا لَحِقَهُ النَّسْخُ، فَلَا يُقْتَدَى بِهِ، وَيَكُونُ مُغَيِّرًا لَهُ لَا مُصَدِّقًا أَجَابَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَيْسَ تَغْيِيرًا بَلْ بَيَانًا لِمُدَّتِهِ فَمَا انْتَهَتْ مُدَّتُهُ ارْتَفَعَ وَلَمْ يَبْقَ لَنَا الِاتِّبَاعُ، وَمَا بَقِيَ لَزِمَنَا الِاتِّبَاعُ عَلَى أَنَّهُ شَرِيعَةٌ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

[فَصْلٌ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ]
(قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمَا) مَحَلُّ الْخِلَافِ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ الْمُجْتَهِدِ هَلْ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مُجْتَهِدٍ غَيْرِ صَحَابِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا التَّابِعِيُّ) مَا ذَكَرَهُ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا تَقْلِيدَ إذْ هُمْ رِجَالٌ، وَنَحْنُ رِجَالٌ بِخِلَافِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَإِنَّهُ جُعِلَ حُجَّةً لِاحْتِمَالِ السَّمَاعِ وَزِيَادَةِ الْإِصَابَةِ فِي الرَّأْيِ بِبَرَكَةِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(2/32)

لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} [فاطر: 32] الْآيَةَ، وَالْإِرْثُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَارِثِ مَخْصُوصًا بِهِ فَنَعْمَلُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ شَرِيعَةٌ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي» ، وَمَا ذَكَرُوا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْأُصُولِ بَلْ فِي الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَيْسَ تَغْيِيرًا بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِمُدَّةِ الْحُكْمِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا هَذَا لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَبْقَ الِاعْتِمَادُ عَلَى كُتُبِهِمْ لِلتَّحْرِيفِ شَرَطْنَا أَنْ يَقُصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ.

(فَصْلٌ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ يَجِبُ إجْمَاعًا فِيمَا شَاعَ فَسَكَتُوا مُسَلِّمِينَ، وَلَا يَجِبُ إجْمَاعًا فِيمَا ثَبَتَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمَا) ، وَهُوَ مَا لَمْ يُعْلَمْ اتِّفَاقُهُمْ، وَلَا اخْتِلَافُهُمْ.
(فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَرْفَعْهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ، وَفِي الِاجْتِهَادِ هُمْ وَسَائِرُ الْمُجْتَهِدِينَ سَوَاءٌ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْقِيَاسُ بِقَوْلِ التَّابِعِيِّ.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابِيِّ حَتَّى لَا يَتِمَّ إجْمَاعُهُمْ مَعَ خِلَافِهِ فَعِنْدَنَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُعْتَدُّ بِهِ

[بَابُ الْبَيَانِ]
(قَوْلُهُ: بَابُ الْبَيَانِ، وَيَلْحَقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْبَيَانُ) وَهُوَ يُشَارِكُ الْعَامَّ، وَالْخَاصَّ وَالْمُشْتَرَكَ وَنَحْوَهَا مِنْ جِهَةِ جَرَيَانِهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَهَا، وَأَخَّرَ ذِكْرَ الْبَيَانِ اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ الْبَيَانُ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الْمُبَيِّنِ كَالسَّلَامِ، وَالْكَلَامِ، وَعَلَى مَا حَصَلَ بِهِ التَّبْيِينُ كَالدَّلِيلِ، وَعَلَى مُتَعَلَّقِ التَّبْيِينِ وَمَحَلِّهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ وَبِالنَّظَرِ إلَى هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ قِيلَ هُوَ: إيضَاحُ الْمَقْصُودِ، وَقِيلَ الدَّلِيلُ، وَقِيلَ الْعِلْمُ عَنْ الدَّلِيلِ، وَإِلَى الْأَوَّلِ ذَهَبَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَحَصَرَهُ فِي بَيَانِ الضَّرُورَةِ وَبَيَانِ التَّبْدِيلِ، وَبَيَانِ التَّفْسِيرِ وَبَيَانِ التَّغْيِيرِ، وَبَيَانِ التَّقْرِيرِ وَذَكَرَ فِيهِ وَجْهَ ضَبْطٍ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ، وَالتَّعْلِيقَ بَيَانَ تَبْدِيلٍ وَلَمْ يَجْعَلْ النَّسْخَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ لَا إظْهَارٌ لِحُكْمِ الْحَادِثَةِ إلَّا أَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَبَرَ كَوْنَهُ إظْهَارًا لِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْبَيَانِ مُجَرَّدُ إظْهَارِ الْمَقْصُودِ فَالنَّسْخُ بَيَانٌ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ ابْتِدَاءً.
وَإِنْ أُرِيدَ إظْهَارُ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامٍ سَابِقٍ فَلَيْسَ بَيَانًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ إظْهَارُ الْمُرَادِ بَعْدَ سَبْقِ كَلَامٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ لِيَشْمَلَ النَّسْخَ دُونَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ ابْتِدَاءً مِثْلَ {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] ثُمَّ التَّخْصِيصُ أَيْضًا مِنْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ إلَّا أَنَّهُ أَخَّرَ ذِكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ وَالتَّفْصِيلِ وَلَمْ يَعُدَّهُ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالشَّرْطِ، وَالصِّفَةِ، وَالْغَايَةِ فَإِنْ قِيلَ الْغَايَةُ أَيْضًا بَيَانٌ لِلْمُدَّةِ فَكَيْفَ جَعَلَهَا بَيَانًا لِمَعْنَى الْكَلَامِ إلَّا لِلَازِمِهِ قُلْنَا النَّسْخُ بَيَانٌ لِمُدَّةِ بَقَاءِ الْحُكْمِ لَا لِشَيْءٍ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ وَمُرَادِهِ بِهِ بِخِلَافِ الْغَايَةِ فَإِنَّهَا بَيَانٌ لِمُدَّةِ مَعْنًى هُوَ مَدْلُولُ الْكَلَامِ حَتَّى
(2/33)

{فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(وَعِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ يَجِبُ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ إنْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي» ) تَمَامُ الْحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
(وَلِأَنَّ أَكَثَرَ أَقْوَالِهِمْ مَسْمُوعٌ مِنْ حَضْرَةِ الرِّسَالَةِ، وَإِنْ اجْتَهَدُوا فَرَأْيُهُمْ أَصْوَبُ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا مَوَارِدَ النُّصُوصِ وَلِتَقَدُّمِهِمْ فِي الدِّينِ، وَبَرَكَةِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَوْنِهِمْ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ، وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ يَجِبُ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ إلَّا السَّمَاعُ أَوْ الْكَذِبُ. وَالثَّانِي مُنْتَفٍ لَا فِيمَا يُدْرَكُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ مِنْهُمْ مَشْهُورٌ، وَالْمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ، وَيُصِيبُ، وَالِاقْتِدَاءُ فِي الْبَعْضِ بِمَا ذَكَرْنَا)
أَيْ: الِاقْتِدَاءُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِأَنْ نُقَلِّدَهُمْ، وَنَأْخُذَ بِقَوْلِهِمْ (وَفِي الْبَعْضِ) أَيْ: فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ (بِأَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
لَا يَتِمَّ الْكَلَامُ بِدُونِ اعْتِبَارِهِ مِثْلَ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] فَلِهَذَا جَعَلَ الْغَايَةَ بَيَانًا لِمَعْنَى الْكَلَامِ دُونَ مُدَّةِ بَقَاءِ الْحُكْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْكَلَامِ ثُمَّ كَوْنُ النَّسْخِ تَبْدِيلًا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا حَيْثُ نَفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْحُكْمِ التَّأْبِيدَ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ) أَيْ: تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ دُونَ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، وَالْكِتَابُ قَطْعِيٌّ، فَلَا يُخَصِّصُهُ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ تَغْيِيرٌ وَتَغْيِيرُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا يُسَاوِيهِ أَوْ يَكُونُ بِمَا فَوْقَهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ قَطْعِيٌّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ، وَإِلَّا فَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ عَامَّ الْكِتَابِ قَطْعِيُّ الْمَتْنِ لَا الدَّلَالَةِ، وَالتَّخْصِيصُ إنَّمَا يَقَعُ فِي الدَّلَالَةِ لِأَنَّهُ رَفْعُ الدَّلَالَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَارِدِ فَيَكُونُ تَرْكُ ظَنِّيٍّ بِظَنِّيٍّ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْكِتَابُ قَطْعِيُّ الْمَتْنِ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ، وَالْخَبَرُ بِالْعَكْسِ فَكَانَ لِكُلٍّ قُوَّةٌ مِنْ وَجْهٍ فَوَجَبَ الْجَمْعُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ الْخَبَرِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُخَصِّصُونَ الْكِتَابَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى جَوَازِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَطْعِيٌّ عِنْدَ الصَّحَابِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ أَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يُخَصِّصُونَ الْكِتَابَ بِالْخَبَرِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ تَخْصِيصُهُ بِقَطْعِيٍّ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ يَصِيرُ ظَنِّيًّا، وَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ) إلَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ، وَلَا اعْتِدَادَ بِهِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} [البقرة: 187] وَلَمْ يَنْزِلْ {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] فَكَانَ أَحَدُنَا إذَا أَرَادَ الصَّوْمَ وَضَعَ عِقَالَيْنِ أَبْيَضَ، وَأَسْوَدَ وَكَانَ يَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ مِنْ الصَّوْمِ، وَوَقْتُ الْحَاجَةِ إنَّمَا هُوَ الصَّوْمُ الْفَرْضُ.
(قَوْلُهُ: فَبَيَانُ التَّقْرِيرِ، وَالتَّفْسِيرِ يَجُوزُ مَوْصُولًا وَمُتَرَاخِيًا اتِّفَاقًا) أَيْ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِلَّا فَعِنْدَ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَنْ وَقْتِ
(2/34)

نَسْلُكَ مَسْلَكَهُمْ) أَيْ: فِي الِاجْتِهَادِ (وَنَجْتَهِدَ كَمَا اجْتَهَدُوا) ، وَهَذَا اقْتِدَاءٌ أَيْضًا، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» .
(وَأَيْضًا كُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَأَمَّا التَّابِعِيُّ فَإِنْ ظَهَرَ فَتْوَاهُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ كَالصَّحَابِيِّ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُمْ بِتَسْلِيمِهِمْ إيَّاهُ دَخَلَ فِي جُمْلَتِهِمْ كَشُرَيْحٍ خَالَفَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَدَّ شَهَادَةَ الْحَسَنِ لَهُ) وَكَانَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ قَبُولَ شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ.
(وَابْنُ عَبَّاسٍ رَجَعَ إلَى فَتْوَى مَسْرُوقٍ فِي النَّذْرِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ) وَكَانَ مَذْهَبُهُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ إذْ هِيَ الدِّيَةُ فَرَجَعَ إلَى فَتْوَى مَسْرُوقٍ، وَهِيَ أَنْ يَجِبَ ذَبْحُ شَاةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(بَابُ الْبَيَانِ، وَيَلْحَقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْبَيَانُ، وَهُوَ إظْهَارُ الْمُرَادِ، وَهُوَ إمَّا بِالْمَنْطُوقِ أَوْ غَيْرِهِ الثَّانِي بَيَانُ ضَرُورَةٍ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِمَعْنَى الْكَلَامِ أَوْ اللَّازِمِ لَهُ كَالْمُدَّةِ. الثَّانِي بَيَانُ تَبْدِيلٍ. وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِلَا تَغْيِيرٍ أَوْ مَعَهُ. الثَّانِي بَيَانُ تَغْيِيرٍ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالْغَايَةِ. وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَعْلُومًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْخِطَابِ.
فَإِنْ قُلْت فَمَا فَائِدَةُ الْخِطَابِ عَلَى تَقْدِيرِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ؟ قُلْتُ فَائِدَتُهُ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ، وَالتَّهَيُّؤُ لَهُ عِنْدَ وُرُودِ الْبَيَانِ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ أَحَدُ الْمَدْلُولَاتِ بِخِلَافِ الْخِطَابِ بِالْمُهْمَلِ فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا أَصْلًا وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَرَاخِي بَيَانِ التَّفْسِيرِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] أَيْ: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فَتُكَرِّرُ فِيهِ حَتَّى يَتَرَسَّخَ فِي ذِهْنِكَ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ مِنْ مَعَانِيهِ، وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى بَيَانِ التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ هُوَ الْإِيضَاحُ وَرَفْعُ الِاشْتِبَاهِ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ التَّغْيِيرِ بَيَانًا فَاصْطِلَاحًا وَلَوْ سُلِّمَ فَبَيَانُ التَّفْسِيرِ مُرَادٌ إجْمَاعًا، فَلَا يُرَادُ غَيْرُهُ دَفْعًا لِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَلَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ فَبَيَانُ التَّغْيِيرِ، وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ: وَبَيَانُ التَّغْيِيرِ) إنْ كَانَ بِمُسْتَقِلٍّ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا مَوْصُولًا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ مُنْفَصِلًا حَتَّى لَا يَضُرَّ قَطْعُهُ بِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَجُوزُ مُتَرَاخِيًا تَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ» الْحَدِيثَ وَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الِانْفِصَالُ لَمَا أَوْجَبَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّكْفِيرَ مُعَيِّنًا بَلْ قَالَ فَلْيَسْتَثْنِ أَوْ يُكَفِّرْ فَأَوْجَبَ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ إذْ لَا حِنْثَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى التَّعْيِينِ بَلْ الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّرَاخِي لَمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ أَصْلًا لَا مُعَيِّنًا، وَلَا مُخْبِرًا فَإِنْ قِيلَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» ، وَأَيْضًا «سَأَلَهُ الْيَهُودُ عَنْ مُدَّةِ لُبْثِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فِي كَهْفِهِمْ فَقَالَ أُجِيبُكُمْ غَدًا فَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَ {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} [الكهف: 23] {إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 24]
(2/35)

لَكِنَّ الثَّانِيَ أَكَّدَهُ بِمَا قَطَعَ الِاحْتِمَالَ أَوْ مَجْهُولًا كَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُجْمَلِ. الثَّانِي بَيَانُ تَفْسِيرٍ وَالْأَوَّلُ بَيَانُ تَقْرِيرٍ فَبَيَانُ التَّقْرِيرِ وَالتَّفْسِيرِ يَجُوزُ لِلْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ التَّغْيِيرِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ، فَلَا يُغَيِّرُهُ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا عَلَى مَا سَبَقَ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ فَبَيَانُ التَّقْرِيرِ وَالتَّفْسِيرِ يَجُوزُ مَوْصُولًا، وَمُتَرَاخِيًا اتِّفَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] وَبَيَانُ التَّغْيِيرِ لَا يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا إلَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» الْحَدِيثَ) .
جَاءَ بِرِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ لْيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وَالْأُخْرَى «فَلْيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» وَجْهُ التَّمَسُّكِ لَنَا أَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ» فَقَدْ صَحَّ انْفِصَالُ الِاسْتِثْنَاءِ عَنْ قَوْلِهِ: «أُجِيبُكُمْ غَدًا» بِأَيَّامٍ.
فَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ السُّكُوتَ الْعَارِضَ يُحْمَلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَحْوِ تَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنْ شَاءَ اللَّهُ» لَا يَلْزَمُ أَنْ يَعُودَ إلَى قَوْلِهِ: «غَدًا أُجِيبُكُمْ» بَلْ مَعْنَاهُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيْ: أُعَلِّقُ كُلَّ مَا أَقُولُ لَهُ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا يُقَالُ لَك افْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَتَقُولُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَصِحُّ دَعْوَى نِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ.
وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ مِنْ جَوَازِ اتِّصَالِ الِاسْتِثْنَائِيَّة وَإِنْ لَمْ تَقَعْ تَلَفُّظًا، فَإِنْ قِيلَ بَيَانُ التَّغْيِيرِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاتِّصَالِ مُشْتَمِلٌ عَلَى إثْبَاتِ شَيْءٍ وَنَفْيِهِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَغْيِيرًا فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى نَحْمِلُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ التَّنَافِي وَذَلِكَ لِأَنَّا لَا نَجْعَلُ الْمَجْمُوعَ كَلَامًا وَاحِدًا مُوجِبًا لِلْحُكْمِ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ أَوْ الصِّفَةِ مَثَلًا وَسَاكِتًا عَنْ ثُبُوتِهِ وَنَفْيِهِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ بِدَلِيلِهِ ثَبَتَ، وَلَوْ انْتَفَى انْتَفَى بِنَاءً عَلَى عَدَمِ دَلِيلِ الثُّبُوتِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى التَّغْيِيرِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قُلْتُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُفْهَمُ الْإِطْلَاقُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ ذِكْرِ الْمُغَيِّرِ فَبَعْدَ ذِكْرِهِ تَغَيَّرَ الْمُرَادُ الَّذِي كَانَ يَفْهَمُهُ السَّامِعُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُغَيِّرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ جَمِيعُ مُتَعَلِّقَاتِ الْفِعْلِ مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ التَّغْيِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ كَانَ أَوَّلًا لِلْإِيجَابِ وَبَعْدَ الْبَيَانِ صَارَ تَصَرُّفَ يَمِينٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي بَعْضِ صُوَرِ الشَّرْطِ لَا غَيْرُ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي التَّخْصِيصِ بِالْكَلَامِ الْمُسْتَقِلِّ) أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا أَمْ لَا وَذَكَرَ الْمُسْتَقِلَّ لِلتَّحْقِيقِ وَالتَّوْضِيحِ دُونَ التَّقْيِيدِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْكَلَامِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمُسْتَقِلِّ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي جَوَازِ قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِكَلَامٍ مُتَرَاخٍ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ تَخْصِيصٌ حَتَّى يَصِيرَ الْعَامُّ فِي الْبَاقِي ظَنِّيًّا أَوْ نَسْخٌ حَتَّى يَبْقَى قَطْعِيًّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ
(2/36)

النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ، وَلَوْ جَازَ بَيَانُ التَّغْيِيرِ مُتَرَاخِيًا لَمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ أَصْلًا لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ: مُتَرَاخِيًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيَبْطُلُ يَمِينُهُ، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ.
(وَطَرِيقُهُ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ فَقُلْنَا الْكَلَامُ إذَا تَعَقَّبَهُ مُغَيِّرٌ تَوَقَّفَ عَلَى الْآخَرِ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ كَلَامًا وَاحِدًا كَمَا ذُكِرَ فِي الشَّرْطِ) أَيْ: فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ كَلَامٌ وَاحِدٌ أَوْجَبَ الْحُكْمَ عَلَى تَقْدِيرٍ، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ غَيْرِهِ.
(وَاخْتُلِفَ فِي التَّخْصِيصِ بِالْكَلَامِ الْمُسْتَقِلِّ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا، وَعِنْدَنَا لَا بَلْ يَكُونُ نَسْخًا) أَيْ: الْمُتَرَاخِي لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا بَلْ يَكُونُ نَسْخًا.
(لَهُ قِصَّةُ الْبَقَرَةِ) أَيْ: قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] يَعُمُّ الصَّفْرَاءَ وَغَيْرَهَا ثُمَّ خُصَّ مُتَرَاخِيًا وَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بَقَرَةٌ مَخْصُوصَةٌ (وقَوْله تَعَالَى {وَأَهْلَكَ} [هود: 40] فِي قَوْله تَعَالَى لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [المؤمنون: 27] «وقَوْله تَعَالَى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
دَلِيلَ النَّسْخِ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى أَنَّ اشْتِرَاطَ الِاسْتِقْلَالِ، وَالْمُقَارَنَةِ فِي التَّخْصِيصِ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ مَعَ أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي التَّخْصِيصِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إنَّمَا هِيَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَالشَّرْطُ، وَالصِّفَةُ، وَالْغَايَةُ، وَيَدُلُّ الْبَعْضُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ لَهُمْ الْجَرْيُ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ صَارَ ظَنِّيًّا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مُقَارِنٍ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ ثُمَّ الْخِلَافُ فِي جَوَازِ التَّرَاخِي جَارٍ فِي كُلِّ ظَاهِرٍ يُسْتَعْمَلُ فِي خِلَافِهِ كَالْمُطْلَقِ فِي الْمُقَيَّدِ، وَالنَّكِرَةِ فِي الْمُعَيَّنِ وَلِهَذَا صَحَّ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيَّةِ بِقِصَّةِ الْبَقَرَةِ، وَإِلَّا فَلَفْظُ بَقَرَةٍ نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ الْعُمُومِ فِي شَيْءٍ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ وَرَدَ بَيَانُهُ مُتَرَاخِيًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُمْ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة: 69] لِلْبَقَرَةِ الْمَأْمُورِ بِذَبْحِهَا وَلِلْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا ثَانِيًا بِمُتَجَدِّدٍ وَبِأَنَّ الِامْتِثَالَ إنَّمَا حَصَلَ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْجَوَابُ مَنْعُ ذَلِكَ بَلْ الْمَأْمُورُ بِذَبْحِهَا كَانَتْ بَقَرَةً مُطْلَقَةً عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ رَئِيسُ الْمُفَسِّرِينَ لَوْ ذَبَحُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ دَلَّ قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْفِعْلِ، وَأَنَّ السُّؤَالَ عَنْ التَّعْيِينِ كَانَ تَعَنُّتًا وَتَعَلُّلًا ثُمَّ نَسَخَ الْأَمْرَ بِالْمُطْلَقِ، وَأَمَرَ بِالْمُعَيَّنِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى النَّسْخِ قَبْلَ الِاعْتِقَادِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ جَمِيعًا إذْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ الْعِلْمُ بِالْوَاجِبِ قَبْلَ السُّؤَالِ وَالْبَيَانِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ بَقَرَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَالتَّرَدُّدُ إنَّمَا وَقَعَ فِي التَّفْصِيلِ، وَالتَّعْيِينِ.
(قَوْلُهُ: فِي قَوْله تَعَالَى لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَاسْلُكْ)
(2/37)

نُقِلَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَأَنْتَ قُلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ الْيَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا وَالنَّصَارَى عَبَدُوا الْمَسِيحَ وَبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا الْمَلَائِكَةَ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا بَلْ هُمْ عَبَدُوا الشَّيَاطِينَ الَّتِي أَمَرَتْهُمْ بِذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] » يَعْنِي عُزَيْرًا وَعِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ.
(خُصَّتَا مُتَرَاخِيًا) أَيْ: خُصَّتْ الْآيَتَانِ تَخْصِيصًا مُتَرَاخِيًا، وَهُمَا قَوْله تَعَالَى {وَأَهْلَكَ} [هود: 40] وقَوْله تَعَالَى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 98] (بِقَوْلِهِ: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] قُلْنَا فِي قِصَّةِ الْبَقَرَةِ نُسِخَ الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ يَجُوزُ ذَبْحُ أَيِّ بَقَرَةٍ شَاءُوا ثُمَّ نُسِخَ هَذَا، وَالْأَهْلُ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِلِابْنِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَتَّبِعُ الرَّسُولَ لَا يَكُونُ أَهْلًا لَهُ، وَلَوْ سَلَّمْنَا تَنَاوُلَهُ لَكِنْ اسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا مَنْ سَبَقَ} [هود: 40] فَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَهْلِ الْأَهْلُ قَرَابَةً حَتَّى يَشْمَلَ الِابْنَ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَقَوْلُهُ: {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أَيْ: مِنْ الْأَهْلِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وَإِنْ أُرِيدَ الْأَهْلُ إيمَانًا فَاسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ تَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَهْلَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَهْلُ إيمَانًا أَوْ الْأَهْلُ قَرَابَةً فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَوَّلُ لَا يَتَنَاوَلُ الِابْنَ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40] عَلَى هَذَا مُنْقَطِعٌ وقَوْله تَعَالَى {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْأَهْلِ الِابْنَ الْكَافِرَ.
وَإِنْ أُرِيدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَيْ: أَدْخِلْ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَأَدْخِلْ فِيهَا نِسَاءَكَ، وَأَوْلَادَك ثُمَّ خَصَّ ابْنَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] .
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ) فَذَهَبَ الْبَعْضُ وَجُمْهُورُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهَا تَعُمُّ الْعُقَلَاءَ وَغَيْرَهُمْ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مَا لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ لَمَا أَوْرَدَ ابْنُ الزِّبَعْرَى هَذَا السُّؤَالَ، وَهُوَ مِنْ الْفُصَحَاءِ الْعَارِفِينَ بِاللُّغَةِ وَلَمَا سَكَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَخْطِئَتِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْرَدَهُ تَعَنُّتًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ أَوْ التَّغْلِيبِ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَعْبُودَاتِهِمْ الْبَاطِلَةِ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْعُقُولِ فَغَلَّبَ جَانِبَ الْكَثْرَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّغْلِيبَ أَيْضًا نَوْعٌ مِنْ الْمَجَازِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ «مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا لِمَا لَا يَعْقِلُ» فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ} [الأنبياء: 101] لِدَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ لَا لِتَخْصِيصِ الْعَامِّ.
(قَوْلُهُ: وَأَصْحَابُنَا قَالُوا) إنَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمُسْتَقِلِّ بَيَانُ تَغْيِيرٍ عِنْدَنَا وَبَيَانُ تَفْسِيرٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ رَدُّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِالْمُسْتَقِلِّ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَيَانُ تَفْسِيرٍ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي جَوَازِ التَّرَاخِي بِنَاءً عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، وَعَدَمِهِ، وَأَقْوَالُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ تَغْيِيرٍ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ الْمُسْتَقِلِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مَجْمُوعُ الْأَفْرَادِ.
(2/38)

الثَّانِي أَيْ: الْأَهْلُ قَرَابَةً يَتَنَاوَلُ الِابْنَ لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ الِابْنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40] فَخَرَجَ الِابْنُ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا بِالتَّخْصِيصِ الْمُتَرَاخِي لِقَوْلِهِ: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أَيْ: مِنْ الْأَهْلِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وَالْمُرَادُ بِسَبْقِ الْقَوْلِ مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِهْلَاكِ الْكُفَّارِ.
(وقَوْله تَعَالَى {وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 98] لَمْ يَتَنَاوَلْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَقِيقَةً) ؛ لِأَنَّ مَا لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ (وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ تَعَنُّتًا بِالْمَجَازِ أَوْ التَّغْلِيبِ فَقَالَ {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ} [الأنبياء: 101] لِدَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَأَصْحَابُنَا قَالُوا كُلُّ مَا هُوَ تَفْسِيرٌ يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا اتِّفَاقًا، وَمَا هُوَ تَغْيِيرٌ لَا يَصِحُّ إلَّا مَوْصُولًا اتِّفَاقًا كَالِاسْتِثْنَاءِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي التَّخْصِيصِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عِنْدَنَا بَيَانُ تَغْيِيرٍ، وَعِنْدَهُ بَيَانُ تَفْسِيرٍ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْعَامَّ عِنْدَهُ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ وَالْبَعْضَ فَبَيَانُ إرَادَةِ الْبَعْضِ يَكُونُ تَفْسِيرًا فَيَصِحُّ مُتَرَاخِيًا كَبَيَانِ الْمُجْمَلِ وَعِنْدَنَا قَطْعِيٌّ فِي الْكُلِّ فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ تَغْيِيرَ مُوجَبِهِ) .
أَقُولُ لَا فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامَّ مُحْتَمِلٌ عِنْدَهُ فَعَلَى هَذَا كِلَاهُمَا يَكُونَانِ تَفْسِيرًا عِنْدَهُ لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ وَالتَّخْصِيصَ مُسْتَقِلٌّ فَيَجُوزُ فِيهِ التَّرَاخِي وَعِنْدَنَا كِلَاهُمَا تَغْيِيرٌ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَوْصُولًا.

(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ) ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الثَّنْيِ يُقَالُ: ثَنَى عَنَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
لَكِنْ لَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ إلَّا بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بَيَانٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْبَعْضُ

[فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ) قَدْ اُشْتُهِرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَّصِلِ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِثْنَاءِ صِيَغُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَأَمَّا لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ فَحَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ فِي الْقِسْمَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَسَّمَ أَوَّلًا إلَى الْقِسْمَيْنِ ثُمَّ يُعَرَّفَ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَهَبَ إلَى أَنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ فَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَقْسَامِ الِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ الْمُتَعَارَفُ فِي عِبَارَةِ الْقَوْمِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ الْإِخْرَاجُ مِنْ مُتَعَدِّدٍ بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا، وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ ذَلِكَ إلَى الْمَنْعِ عَنْ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْإِخْرَاجُ عَنْ الْحُكْمِ فَالْبَعْضُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ، وَإِنْ أُرِيدَ الْإِخْرَاجُ عَنْ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ إيَّاهُ وَانْفِهَامِهِ مِنْ اللَّفْظِ، فَلَا إخْرَاجَ؛ لِأَنَّ التَّنَاوُلَ بَاقٍ بَعْدُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْإِخْرَاجِ الْمَنْعُ عَنْ الدُّخُولِ فَهُوَ مَجَازٌ يَجِبُ صِيَانَةُ الْحُدُودِ عَنْهُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ تَعْرِيفَاتِ الْأَدَاءِ مَشْحُونَةٌ بِالْمَجَازِ عَلَى أَنَّ الدُّخُولَ، وَالْخُرُوجَ هَاهُنَا مَجَازٌ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ هُوَ الْحَرَكَةُ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ، وَالْمَخْرُوجُ بِالْعَكْسِ.
(قَوْلُهُ: بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا) احْتِرَازٌ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ أَعَنَى الشَّرْطَ، وَالصِّفَةَ، وَالْغَايَةَ وَبَدَلَ الْبَعْضِ، وَالتَّخْصِيصَ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَإِطْلَاقَ التَّخْصِيصِ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارَاتِهَا قَصْرٌ لِلْعُمُومِ وَنَقْضٌ لِلشُّيُوعِ عَلَى مَا هُوَ مُصْطَلَحُ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ يَدْخُلُ
(2/39)

فَرَسِهِ إذَا مَنَعَهُ عَنْ الْمُضِيِّ فِي الصَّوْبِ الَّذِي هُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَسَّمُوا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ ثُمَّ عَرَّفُوا كُلًّا مِنْهُمَا بِمَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ بِهِ لَكِنِّي لَمْ أَفْعَلْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْمُتَّصِلُ، وَإِنَّمَا الْمُنْقَطِعُ يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَلَمْ أَجْعَلْ الْمُنْقَطِعَ قِسْمًا مِنْهُ لَكِنْ أَوْرَدْتُهُ فِي ذُنَابَةِ (الِاسْتِثْنَاءِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الْمَنْعُ عَنْ دُخُولِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فِي حُكْمِهِ) .
أَيْ: فِي حُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَفِي مُتَعَلِّقٍ بِالدُّخُولِ، وَقَوْلُهُ: بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ لِيُخْرِجَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُسْتَغْرَقَ.
(بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْعِ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ سَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ، وَهَذَا تَعْرِيفٌ تَفَرَّدْتُ بِهِ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ سَائِرِ التَّعْرِيفَاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ هُوَ إخْرَاجٌ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا إنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْإِخْرَاجِ فَمُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَيَكُونَ تَنَاقُضًا وَالِاسْتِثْنَاءُ وَاقِعٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ قَبْلَ الْحُكْمِ وَحَقِيقَةُ الْإِخْرَاجِ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ وَالْمُسْتَثْنَى غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ، فَيَمْتَنِعُ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَثْنَى دَاخِلٌ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفْهَمُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ صَدْرِ الْكَلَامِ وَضْعًا وَالْإِخْرَاجُ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ؛ لِأَنَّ التَّنَاوُلَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ بَاقٍ فَعُلِمَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِخْرَاجِ غَيْرُ مُرَادَةٍ عَلَى أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ.
فَعُلِمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فِي التَّعْرِيفِ الْوَصْفُ بِإِلَّا وَغَيْرِ وَسِوَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ قُلْنَا إنْ تَحَقَّقَ تَنَاوُلُ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَعُمُومِهِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ، وَإِلَّا، فَلَا انْتِقَاضَ لِعَدَمِ التَّنَاوُلِ.
(قَوْلُهُ: قَالُوا) تَحْقِيقُ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ بَيَانَ تَغْيِيرٍ أَمَّا التَّغْيِيرُ فَبِالنَّظَرِ إلَى شُمُولِ الْحُكْمِ لِلْجَمِيعِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَأَمَّا الْبَيَانُ فَبِالنَّظَرِ إلَى أَنَّهُ إظْهَارُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ الْبَعْضَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ مُخْتَارًا عِنْدَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: مُوجَبُ الْكَلَامِ بِدُونِ الِاسْتِثْنَاءِ هُوَ الثُّبُوتُ لِلْكُلِّ فَغُيِّرَ إلَى الثُّبُوتِ لِلْبَعْضِ وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِلْبَعْضِ، وَقَالَ فِي التَّقْوِيمِ هُوَ تَغْيِيرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَفْعُ الْبَعْضِ، وَبَيَانٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَرَّرَ الْبَاقِي

(قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ عَمَلِهِ) قَدْ سَبَقَ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ تَنَاقُضًا مِنْ حَيْثُ إنَّ قَوْلَكَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إثْبَاتٌ لِلثَّلَاثَةِ فِي ضِمْنِ الْعَشَرَةِ وَنَفْيٌ لَهَا صَرِيحًا فَاضْطُرُّوا إلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ عَمَلِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرِدُ ذَلِكَ، وَحَاصِلُ أَقْوَالِهِمْ فِيهَا ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الْعَشَرَةَ مَجَازٌ عَنْ السَّبْعَةِ، وَإِلَّا ثَلَاثَةً قَرِينَةٌ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِعَشْرَةٍ مَعْنَاهَا أَيْ: عَشْرَةُ أَفْرَادٍ فَيَتَنَاوَلُ السَّبْعَةَ، وَالثَّلَاثَةَ مَعًا ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهَا ثَلَاثَةً حَتَّى بَقِيَتْ سَبْعَةٌ ثُمَّ أَسْنَدَ الْحُكْمَ إلَى الْعَشَرَةِ الْمُخْرَجِ مِنْهَا الثَّلَاثَةُ فَلَمْ يَقَعْ الْإِسْنَادُ إلَّا عَلَى سَبْعَةٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَجْمُوعَ أَعْنِي عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ سَبْعَةٍ حَتَّى كَأَنَّهُ وُضِعَ لَهَا اسْمَانِ مُفْرَدٌ هُوَ سَبْعَةٌ وَمُرَكَّبٌ هُوَ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً.
(قَوْلُهُ: مَعَ فَرْقٍ آخَرَ) هَذِهِ مَسْأَلَةُ
(2/40)

أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِخْرَاجِ الْمَنْعُ مِنْ الدُّخُولِ مَجَازًا، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِي الْحُدُودِ فَالتَّعْرِيفُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَوْلَى (قَالُوا هُوَ بَيَانُ تَغْيِيرٍ؛ لِأَنَّهُ يُغَيَّرُ مُوجَبُ صَدْرِ الْكَلَامِ إذْ لَوْلَاهُ لَشَمِلَ الْكُلَّ، وَمَعَ ذَلِكَ إنَّهُ بَيَانٌ لِمَعْنَى الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْبَعْضُ بِخِلَافِ النَّسْخِ فَإِنَّهُ تَغْيِيرٌ مَحْضٌ لِمَعْنَى الْكَلَامِ) .

(وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ عَمَلِهِ فَفِي قَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ أَطْلَقَ الْعَشَرَةَ عَلَى السَّبْعَةِ فَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ: إلَّا ثَلَاثَةً يَكُونُ بَيَانًا لِهَذَا فَهُوَ كَمَا قَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فَيَكُونُ كَالتَّخْصِيصِ بِالْمُسْتَقِلِّ) فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ وَارِدٌ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَالْحُكْمُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ فِي الْبَعْضِ الْأَوَّلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، وَالتَّخْصِيصُ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ وَعِنْدَنَا هَذَا الْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَهُمَا مَعَ فَرْقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُثْبِتُ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَشَرَةَ يُرَادُ بِهَا السَّبْعَةُ إلَخْ هُوَ مَا قَالَ مَشَايِخُنَا: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ مِثْلَ دَلِيلِ الْخُصُوصِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُعَارَضَةِ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ: إنَّ مُرَادَهُمْ بِالْمَنْعِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّ الْأَلْفَ اسْمُ عَلَمٍ لِلْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
اخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ هَلْ هُوَ نَفْيٌ أَمْ لَا فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَعَمْ حَتَّى يَكُونُ مَعْنَى إلَّا ثَلَاثَةً أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا حَتَّى يَكُونُ مَعْنَاهُ عَدَمَ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الثَّلَاثَةِ، وَجَعْلُهَا فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لَا إثْبَاتٌ، وَلَا نَفْيٌ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِالْمُسْتَقِلِّ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ) ذَكَرَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ عِنْدَنَا بِطَرِيقِ الْبَيَانِ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْبَعْضَ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ قِيلَ: عَلَيَّ سَبْعَةٌ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ التَّكَلُّمُ بِالْعَشَرَةِ فِي حَقِّ لُزُومِ الثَّلَاثَةِ فَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي الْكَلَامِ بِجَعْلِهِ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ بِمَعْنَى أَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ إيقَاعٌ لِلْكُلِّ لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الدَّالُّ عَلَى النَّفْيِ عَنْ الْبَعْضِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا ثَلَاثَةً فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ، فَلَا يَلْزَمُهُ الثَّلَاثَةُ لِلدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفًا فِي الْحُكْمِ فَأَجَابُوا بِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ كَمَا فِي التَّخْصِيصِ.
وَقَدْ لَا يَنْعَقِدُ بِحُكْمِهِ كَمَا فِي طَلَاقِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ إلَّا أَنَّ إلْحَاقَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالثَّانِي أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْعَقَدَ الْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعَشَرَةَ بَلْ السَّبْعَةَ فَقَطْ لَزِمَ إثْبَاتُ مَا لَيْسَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ إذْ السَّبْعَةُ لَا تَصْلُحُ مُسَمًّى لِلَفْظِ الْعَشَرَةِ لَا حَقِيقَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا مَجَازًا إلَّا أَنَّ اسْمَ الْعَدَدِ نَصٌّ فِي
(2/41)

وَلَا يَحْتَمِلُهُ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى تِسْعُمِائَةٍ أَلْفًا بِخِلَافِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ إذَا خُصَّ مِنْهُمْ نَوْعٌ كَانَ الِاسْمُ وَاقِعًا عَلَى الْبَاقِي بِلَا خَلَلٍ، وَهَذَا الْكَلَامُ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشَرَةِ هُوَ السَّبْعَةُ أَوْ أَطْلَقَ الْعَشَرَةَ عَلَى عَشْرَةِ أَفْرَادٍ ثُمَّ أَخْرَجَ ثَلَاثَةً بَعْدَ الْحُكْمِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْكَارٌ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَلَا أَظُنُّهُ مَذْهَبَ أَحَدٍ أَوْ قَبْلَهُ ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الْبَاقِي أَوْ أَطْلَقَ عَشْرَةً إلَّا ثَلَاثَةً عَلَى السَّبْعَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ سَبْعَةٌ فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ (فَعَلَى هَذَيْنِ) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ (يَكُونُ) أَيْ: الِاسْتِثْنَاءُ (تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي) فِي صَدْرِ الْكَلَامِ (بَعْدَ الثُّنْيَا) أَيْ: الْمُسْتَثْنَى فَفِي قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً صَدْرُ الْكَلَامِ عَشْرَةٌ، وَالثُّنْيَا ثَلَاثَةٌ، وَالْبَاقِي فِي صَدْرِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى سَبْعَةٌ فَكَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالسَّبْعَةِ، وَقَالَ لَهُ عَلَيَّ سَبْعَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ فَلِأَنَّ عَشْرَةً إلَّا ثَلَاثَةً مَوْضُوعَةٌ لِلسَّبْعَةِ فَيَكُونُ تَكَلُّمًا بِالسَّبْعَةِ، وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ الْحُكْمِ مِنْ أَفْرَادِ الْعَشَرَةِ ثُمَّ حَكَمَ عَلَى السَّبْعَةِ فَالتَّكَلُّمُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ يَكُونُ بِالسَّبْعَةِ أَيْ: يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى السَّبْعَةِ فَقَطْ لَا عَلَى الثَّلَاثَةِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ.
(إلَّا أَنَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ يَكُونُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَدَدِيًّا كَالتَّخْصِيصِ بِالْعَلَمِ، وَفِي غَيْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مَدْلُولِهِ لَا يُحْتَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَيَكُونُ مَرْجُوحًا.
فَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْجَوَابِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِكَوْنِهِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ هُوَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَدْرِ الْبَاقِي مَجَازًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ قَرِينَةٌ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُتَكَلِّمِ لِلْعَشْرَةِ فِي التِّسْعَةِ مَجَازٌ، وَإِلَّا وَاحِدًا قَرِينَةُ الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ قَبْلَهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَعْدَ الْحُكْمِ أَيْ: أَطْلَقَ الْعَشَرَةَ عَلَى عَشْرَةِ أَفْرَادٍ ثُمَّ أَخْرَجَ ثَلَاثَةً قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الْبَاقِي مِنْ الْعَشَرَةِ، وَهُوَ السَّبْعَةُ.
(قَوْلُهُ: حُجَّتُهُ) قَدْ احْتَجَّ الذَّاهِبُونَ إلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِعَشْرَةٍ كَمَالُهَا أَوْ سَبْعَةٌ إذْ لَا ثَالِثَ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ إلَّا بِسَبْعَةٍ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَشْرَةً بِكَمَالِهَا لَامْتَنَعَ مِنْ الصَّادِقِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] لِمَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ لَبْثِ خَمْسِينَ وَنَفْيِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْكُلُّ، وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ إذْ الْكَلَامُ يَتِمُّ بِآخِرِهِ، فَلَا فَسَادَ، وَقَدْ أَوْرَدَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثَلَاثَ حُجَجٍ مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ دُونَ الْبَيَانِ.
وَلَمَّا ذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ مَعْنَاهُ الْقَوْلُ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ جَعَلَهَا حُجَجًا عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.
تَقْرِيرُ الْأُولَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى جَعْلِ الْمُسْتَثْنَى فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ إعْدَامَ التَّكَلُّمِ أَيْ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ الْمَوْجُودِ حَقِيقَةً غَيْرُ
(2/42)

الْعَدَدِيِّ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ كَأَنَّهُ قَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ) لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى كِلَيْهِمَا تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْفَرْقَ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا كَانَ عَدَدِيًّا كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ سَبْعَةٌ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْعَلَمِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدَدِيٍّ كَجَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَهُوَ كَقَوْلِهِ: جَاءَنِي مِنْ الْقَوْمِ غَيْرُ زَيْدٍ فَيَكُونُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ زَيْدٍ صِفَةٌ، فَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ غَيْرَ عَدَدِيٍّ بَيْنَ إلَّا وَغَيْرِ صِفَةً.
(وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي آكَدُ مِنْ هَذَا) أَيْ: الْمَذْهَبِ الثَّانِي هُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشَرَةِ عَشَرَةُ أَفْرَادٌ، وَالْإِخْرَاجُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ آكَدُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْعَلَمِ وَالْوَصْفِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُمَا.
(لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَجْمُوعِ أَوَّلًا ثُمَّ إخْرَاجَ الْبَعْضِ ثُمَّ الْإِسْنَادَ إلَى الْبَاقِي يُشِيرُ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَثْنَى خِلَافُ حُكْمِ الصَّدْرِ بِخِلَافِ جَاءَنِي غَيْرُ زَيْدٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ (يَكُونُ إثْبَاتًا وَنَفْيًا بِالْمَنْطُوقِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مَعْقُولٍ بَلْ هُوَ إنْكَارٌ لِلْحَقَائِقِ بِخِلَافِ وُجُودِ التَّكَلُّمِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ أَيْ: الْأَثَرِ الثَّابِتِ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَانِعٍ فَإِنَّهُ شَائِعٌ مُسْتَفِيضٌ كَالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ يَمْتَنِعُ حُكْمُهُ فِي الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ فَهَاهُنَا يَثْبُتُ التَّكَلُّمُ بِالْكُلِّ، وَيَنْعَقِدُ الْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ.
وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الصَّدْرِ فَيَكُونُ مُعَارِضًا لَهُ لَا فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَتَقْرِيرُ الثَّالِثَةِ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ تَوْحِيدٍ أَيْ: إقْرَارٍ بِوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَمَلُ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَإِثْبَاتِهِ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الصَّدْرِ لَمَا لَزِمَ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ مَا سِوَاهُ، وَالتَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِهَا عَمَّا سِوَاهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ دَهْرِيٌّ، مُنْكِرٌ لِوُجُودِ الصَّانِعِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَرُجُوعِهِ عَنْ مُعْتَقَدِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ مُخَالِفٍ لِلصَّدْرِ هَذَا تَقْرِيرُ الْحُجَجِ عَلَى وَفْقِ مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ احْتِجَاجًا بِهَا عَلَى أَنَّ عَمَلَ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَأَنَّهُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ.
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ حُجَجًا عَلَى إثْبَاتِهِ، وَأَيْضًا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ
(2/43)

أَيْ: يَكُونُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ جُمْلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُثْبَتَةٌ، وَالْأُخْرَى مَنْفِيَّةٌ، وَالْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ يَكُونَانِ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ لَا الْمَفْهُومِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ يَكُونُ كَالتَّخْصِيصِ بِالْعَلَمِ أَوْ الْوَصْفِ، فَلَا دَلَالَةَ لَهُمَا عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُمَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَكُونُ دَلَالَتُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي يَكُونُ آكَدَ مِنْ هَذَا فَدَلَالَتُهُ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْمُسْتَثْنَى تَكُونُ إشَارَةً لَا مَنْطُوقًا.
(حُجَّتُهُ) أَيْ: حُجَّةُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ (أَنَّ وُجُودَ التَّكَلُّمِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ فِي الْبَعْضِ شَائِعٌ كَالتَّخْصِيصِ فَأَمَّا إعْدَامُ التَّكَلُّمِ الْمَوْجُودِ، فَلَا، وَإِجْمَاعُهُمْ) أَيْ: إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَنَّ وُجُودَ التَّكَلُّمِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ فِي الْبَعْضِ شَائِعٌ.
(عَلَى أَنَّهُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ، وَأَيْضًا لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ تَوْحِيدًا تَامًّا فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْبَعْضَ يَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ مِنْ النِّصْفِ فِي اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا النِّصْفَ أَوْ التَّسَلْسُلَ) هَذَا دَلِيلٌ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى نَفْيِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَإِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ وَلَمَّا وَجَدْتُهُ زَيْفًا أَوْرَدْتُهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِشْكَالِ وَبَيَّنْت فَسَادَهُ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْعَشَرَةِ سَبْعَةً كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ فَإِذَا قُلْت اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا النِّصْفَ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ النِّصْفَ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الْمُسْتَثْنَى نِصْفَ الْجَارِيَةِ فَقَدْ اسْتَثْنَيْت نِصْفَ الْجَارِيَةِ مِنْ نِصْفِ الْجَارِيَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا نَفْيٌ، وَالْآخَرُ إثْبَاتٌ بَلْ حُكْمٌ وَاحِدٌ فَقَطْ أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالصَّدْرِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ مِنْهُ، فَلَا حُكْمَ فِيهِ إلَّا عَلَى الْبَاقِي.
وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ فَلِأَنَّ مَجْمُوعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمُسْتَثْنَى وَآلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي، وَلَا حُكْمَ إلَّا عَلَيْهِ هَذَا، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُجَّةَ الْأُولَى لَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إعْدَامٌ لِلتَّكَلُّمِ بَلْ قَوْلٌ بِأَنَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً اسْمٌ لِلسَّبْعَةِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعُدُولُ عَنْ التَّكَلُّمِ بِالْأَخْصَرِ إلَى التَّكَلُّمِ بِالْأَطْوَلِ.
1 -
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ تَقْرِيرُ السُّؤَالِ) ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ وَتَوْجِيهِ الْجَوَابِ مَنْعُ الْمُلَازَمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الْمُسْتَثْنَى نِصْفُ الْجَارِيَةِ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ نِصْفِ الْجَارِيَةِ مِنْ نِصْفِ الْجَارِيَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ النِّصْفُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمُرَادِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمُتَنَاوِلِ أَيْ: مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، وَهُوَ الْجَارِيَةُ بِكَمَالِهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ دُخُولِ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فِي حُكْمِهِ، وَفِيهِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ اللَّفْظُ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ، وَقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ لَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ الْحَقِيقِيِّ عَنْ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ إذَا كَانَ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا مِثْلَ {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [نوح: 7] إلَّا أُصُولَهَا بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَصَابِعِ الْأَنَامِلُ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا الْأُصُولُ عَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(2/44)

وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الْمُسْتَثْنَى نِصْفَ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ فَالْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ كَانَ النِّصْفَ ثُمَّ نِصْفُ هَذَا النِّصْفِ مُسْتَثْنًى مِنْ النِّصْفِ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ لَمْ يَكُنْ نِصْفًا بَلْ رُبْعًا وَالْمَفْرُوضُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى نِصْفُ مَا هُوَ الْمُرَادُ فَيَكُونُ نِصْفُ الرُّبْعِ مُسْتَثْنًى فَيَتَسَلْسَلُ هَذَا حِكَايَةُ مَا أَوْرَدَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْجَوَابُ الَّذِي خَطَرَ بِبَالِي هُوَ قَوْلُهُ:.
(قُلْنَا هُوَ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْبَعْضُ لَا أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ هُوَ الْبَعْضُ فَإِنَّ اللَّفْظَ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُلِّ ثُمَّ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمُتَنَاوَلِ لَا مِنْ الْمُرَادِ) أَيْ: الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْبَعْضُ لَا أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ هُوَ الْبَعْضُ فَإِنَّ اللَّفْظَ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُلِّ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْمُتَنَاوِلِ إلَّا مِنْ الْمُرَادِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ مِنْ الْكُلِّ.
(وَالْجَوَابُ) أَيْ: عَنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ (أَنَّ الْعَشَرَةَ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: أَنَّ وُجُودَ التَّكَلُّمِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ فِي الْبَعْضِ شَائِعٌ.
(لَفْظٌ خَاصٌّ لِلْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ لَا عَامٌّ كَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ إرَادَةُ الْبَعْضِ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالتَّخْصِيصِ، وَلَوْ صَحَّتْ مَجَازًا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَقَوْلُهُمْ هُوَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ مَجَازٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الصَّدْرِ لَا أَنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِ الصَّدْرِ وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» هُوَ كَقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ» وَلَوْ كَانَ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا يَلْزَمُ صَلَاةٌ طَهُورٌ ثَابِتَةٌ فَيَصِحُّ كُلُّ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ لِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ فَرْدٍ) وَقَوْلُهُمْ هُوَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ إلَخْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: وَإِجْمَاعُهُمْ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَارِيَةِ نِصْفَهَا مَجَازًا، وَأَخْرَجَ النِّصْفَ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِحَسَبِ الْوَضْعِ، أَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ غَيَّرَ اعْتِرَاضَ ابْنِ الْحَاجِبِ هَرَبًا عَنْ إشْكَالِ الضَّمِيرِ وَتَقْرِيرُ اعْتِرَاضِهِ أَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ مَنْ قَالَ اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا نِصْفَهَا لَمْ يُرِدْ بِالْجَارِيَةِ نِصْفَهَا، وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ نِصْفِهَا مِنْ نِصْفِهَا، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَأَيْضًا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ مِنْ الْجَارِيَةِ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ بِهَا النِّصْفُ، وَإِخْرَاجُ النِّصْفِ مِنْ النِّصْفِ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ بِهِ الرُّبُعُ، وَإِخْرَاجُ النِّصْفِ مِنْ الرُّبْعِ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ بِهِ الثُّمُنُ، وَهَكَذَا إلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ.
وَأَيْضًا إنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلَى الْجَارِيَةِ بِكَمَالِهَا لَا إلَى نِصْفِهَا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ مَدْلُولَ الْجَارِيَةِ وَضَمِيرَهَا وَاحِدٌ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُ أَنْ يُرَادَ بِالْجَارِيَةِ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيُّ وَبِضَمِيرِهَا مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ عَلَى عَكْسِ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي صَنْعَةِ الِاسْتِخْدَامِ.
(قَوْلُهُ: وَالْجَوَابُ) أَجَابَ عَنْ الْحُجَّةِ الْأُولَى بِأَنَّ الْقَوْلَ بَلْ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَعْضُ مِمَّا لَا يَصِحُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهُوَ إذَا كَانَ اسْمَ عَدَدٍ فَإِنَّهُ لَفْظٌ خَاصٌّ فِي مَدْلُولِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ حَقِيقَةً، وَلَا مَجَازًا وَلَمَّا كَانَ هَذَا ضَعِيفًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ شَائِعٌ حَتَّى يَجْرِيَ فِي الْأَعْلَامِ بِأَنْ يُطْلَقَ زَيْدٌ
(2/45)

الْمُسْتَثْنَى، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا قَوْلَهُمْ عَلَى الْمَجَازِ؛ لِأَنَّا لَمَّا أَبْطَلْنَا الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ فَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ وَوَجْهُ الْمَجَازِ إطْلَاقُ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِ الصَّدْرِ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِنَا حُكْمُ (الصَّدْرِ مُنْتَفٍ عَنْهُ وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، وَهُوَ لَا صَلَاةَ) بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَيْسَ هُوَ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا صَلَاةَ ثَابِتَةً إلَّا صَلَاةٌ مُلْصَقَةٌ بِطَهُورٍ فَلَوْ كَانَ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا فَالْجُمْلَةُ الْإِثْبَاتِيَّةُ هِيَ صَلَاةٌ مُلْصَقَةٌ بِطَهُورٍ ثَابِتَةٌ، وَصَلَاةٌ مُلْصَقَةٌ بِطَهُورٍ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِعُمُومِ الصِّفَةِ عَلَى مَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي فَصْلِ الْعَامِّ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: كُلُّ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ ثَابِتَةٌ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِطَ الْأُخَرَ إنْ كَانَتْ مَفْقُودَةً وَالطَّهُورُ مَوْجُودًا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ، وَأَيْضًا صَدْرُ الْكَلَامِ يُوجِبُ السَّلْبَ الْكُلِّيَّ أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا يَلْزَمُ جَوَازُ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ بِلَا طَهُورٍ، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ الْإِثْبَاتِ بِكُلِّ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُ كُلُّ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ جَائِزَةٌ مَعْنَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَيُرَادَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ قَالَ وَلَوْ صَحَّتْ الْإِرَادَةُ مَجَازًا فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَهَاهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْكُلُّ، وَيَكُونَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى نَفْيِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَلَا بُدَّ فِي جَعْلِهِ جَوَابًا عَنْ الْحُجَّةِ الْأُولَى مِنْ تَكَلُّفٍ.
وَأَجَابَ عَنْ الثَّانِيَةِ بِأَنَّ قَوْلَ أَهْلِ اللُّغَةِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ مَجَازٌ لِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ اسْتِخْرَاجٌ وَتَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا أَيْ: يُسْتَخْرَجُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا وَيُجْعَلُ الْكَلَامُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنَى فَظَاهِرُ الْإِجْمَاعَيْنِ مُتَنَافٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَجَازِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ هَذَا الْوَجْهِ لِضَعْفِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بِحَسْبِ وَضْعِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَإِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ بِحَسْبِ إشَارَتِهِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ كَوْنَهُ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ اللُّغَةِ كَصَدْرِ الْكَلَامِ إلَّا أَنَّ مُوجِبَ صَدْرِ الْكَلَامِ ثَابِتٌ قَصْدًا، وَكَوْنُ الِاسْتِثْنَاءِ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا ثَابِتٌ إشَارَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّابِتَ بِالْإِشَارَةِ ثَابِتٌ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّوْقُ لِأَجْلِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَبِالْعَكْسِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَا الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ بِمَا سَبَقَ مِنْ الدَّلِيلِ فَبَطَلَ صِحَّةُ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَبِالْعَكْسِ
(2/46)

كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي حَالٍ إلَّا فِي حَالِ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ فَالْجُمْلَةُ الْإِثْبَاتِيَّةُ قَوْلُنَا كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ جَائِزَةٌ فِي حَالِ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» يَشْكُلُ عَلَيْكُمْ لَا عَلَيْنَا؛ لِأَنَّكُمْ قَدْ ذَكَرْتُمْ فِي فَصْلِ الْعَامِّ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ عَامَّةٌ لِعُمُومِ الصِّفَةِ وَأَوْرَدْتُمْ لِلْمِثَالِ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا، لَهُ أَنْ يُجَالِسَ كُلَّ عَالِمٍ فَقَوْلُهُ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فَوَجَبَ تَأْوِيلُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِهِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَبِالْعَكْسِ لَا يَصِحُّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ كَقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» عَلَى مَا سَيَأْتِي وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَبِالْعَكْسِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ، وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، فَلَا حُكْمَ عَلَى الْمُسْتَثْنَى أَصْلًا لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ جُمْهُورَ الْقَائِلِينَ بِالْمَذْهَبِ الثَّانِي كَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ قَائِلُونَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَبِالْعَكْسِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أُخْرِجَتْ مِنْ الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ تَعَلَّقَ بِالْعَشَرَةِ الْمُخْرَجِ مِنْهَا الثَّلَاثَةُ الْحُكْمُ بِالثُّبُوتِ وَبِالثَّلَاثَةِ الْحُكْمُ بِعَدَمِ الثُّبُوتِ.
(قَوْلُهُ: وَوَجْهُ الْمَجَازِ) أَيْ: طَرِيقُ هَذَا الْمَجَازِ إطْلَاقُ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ، وَالْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ حُكْمِ الصَّدْرِ لَازِمٌ لِلْحُكْمِ بِخِلَافِ حُكْمِ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا تَحَقَّقَ الْحُكْمُ بِنَقِيضِ حُكْمِ الصَّدْرِ انْتَفَى حُكْمُ الصَّدْرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» فَإِنَّ حُكْمَ الصَّدْرِ، وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُنْتَفٍ عَنْ الصَّلَاةِ بِطُهُورٍ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْحُكْمُ بِنَقِيضِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ فَعَبَّرُوا عَنْ انْتِفَاءِ حُكْمِ الصَّدْرِ بِالْحُكْمِ بِنَقِيضِ حُكْمِ الصَّدْرِ تَعْبِيرًا عَنْ اللَّازِمِ بِالْمَلْزُومِ فَقَالُوا: هُوَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ قَالَ فِي التَّقْوِيمِ: إنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ إطْلَاقٌ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ مَجَازًا؛ لِأَنَّكَ إذَا قُلْت لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةً لَمْ يَجِبْ الْعَشَرَةُ كَمَا لَوْ نَفَيْتهَا، وَلَكِنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ عَلَى الْمُقِرِّ لَيْسَ بِنَصٍّ نَافٍ لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِ بَلْ لِعَدَمِ دَلِيلِ الْوُجُوبِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا) أَوْرَدَ دَلِيلَيْنِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي مِثْلِ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّفْيِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ إثْبَاتًا لَكَانَ مَعْنَاهُ صَلَاةٌ بِطُهُورٍ ثَابِتَةٌ أَيْ: صَحِيحَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ تَعُمُّ بِعُمُومِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى كُلُّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ صَحِيحَةٌ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّلَاةِ الْمُلْصَقَةِ بِالطَّهُورِ بَاطِلَةٌ كَالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَبِدُونِ النِّيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مِثْلَ قَوْلِنَا أَكْرَمْت رَجُلًا عَالِمًا لَا يَدُلُّ عَلَى إكْرَامِ كُلِّ عَالِمٍ وَكَوْنُ الْوَصْفِ عِلَّةً تَامَّةً لِلْحُكْمِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ غَيْرَ مُسَلَّمٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَالْقَوْلُ بِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ مِمَّا قَدَحَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فَضْلًا عَنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ
(2/47)

«لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» عَامٌّ فِي زَعْمِكُمْ فَيَلْزَمَ عَلَيْكُمْ فَسَادَانِ.
أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ جَائِزَةً. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ، إثْبَاتًا، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَيْنَا لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ لَا تَعُمُّ عِنْدَنَا فَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا يَصِيرُ كَقَوْلِهِ: بَعْضُ صَلَاةٍ بِطَهُورٍ جَائِزَةٌ، وَهَذَا حَقٌّ قُلْت الْمُسْتَثْنَى فِي كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ، وَلَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَأُكْرِمَنَّ رَجُلًا عَالِمًا يَبَرُّ بِإِكْرَامِ عَالِمٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَإِنَّمَا لَا يَحْنَثُ بِمُجَالَسَةِ عَالِمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ قَرِينَةُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى هُوَ النَّوْعُ لَا الْفَرْدُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَلَى أَنَّ الْقَائِلِينَ بِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ لَا يَشْتَرِطُونَ فِي الْعُمُومِ الِاسْتِغْرَاقَ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا صَلَاةَ سَلْبٌ كُلِّيٌّ بِمَعْنَى لَا شَيْءَ مِنْ الصَّلَاةِ بِجَائِزَةٍ، وَالسَّلْبُ الْكُلِّيُّ عِنْدَ وُجُوبِ الْمَوْضُوعِ فِي قُوَّةِ الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ الْمَعْدُولِ الْمَحْمُولِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ غَيْرُ جَائِزٍ إلَّا فِي حَالِ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِكُلِّ صَلَاةٍ؛ إذْ لَوْ تَعَلَّقَ بِالْبَعْضِ لَزِمَ جَوَازُ الْبَعْضِ الْآخَرِ بِلَا طُهُورٍ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ الطَّهُورُ إلَّا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِذَا تَعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِكُلِّ فَرْدٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ لَزِمَ تَعَلُّقُ إثْبَاتِ مَا نُفِيَ عَنْ الصَّدْرِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ جَائِزٌ حَالَ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا مَرَّ.
فَإِنْ قُلْت مَعْنَى تَعَلُّقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِكُلِّ وَاحِدٍ أَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي هُوَ الْمُسْتَثْنَى قَدْ أُخْرِجَ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِكُلِّ وَاحِدٍ، وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ وَأُثْبِتَ لَهُ حُكْمٌ مُخَالِفٌ لَهُ، وَهُوَ الْجَوَازُ، فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ كُلِّ صَلَاةٍ مُلْتَصِقَةٍ بِالطَّهُورِ قُلْتُ الْمُخْرَجُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بَعْضُ الْأَحْوَالِ لَا بَعْضُ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ إذْ الدَّلِيلُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إلَّا بِطُهُورٍ حَالًا، وَالْمَعْنَى لَا صَلَاةَ جَائِزَةً فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ اقْتِرَانِهَا بِالطَّهُورِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ فَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ إلَّا فِي تِلْكَ الْحَالِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ حِينَئِذٍ كَمَا تَقُولُ: مَا جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا رَاكِبِينَ بِمَعْنَى جَاءُوا رَاكِبِينَ لَا مَاشِينَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُثْبَتَ عَلَى الْحَالَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ يَكُونُ بِعَيْنِهِ هُوَ الْمَنْفِيَّ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ وَبِالْعَكْسِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَعَلُّقَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْبَعْضِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِلَا طُهُورٍ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً كَيْفَ، وَالْحُكْمُ الْكُلِّيُّ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوطَ بِالطَّهُورِ هُوَ جَوَازُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ.
وَالدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، وَالْمَعْنَى لَا صَلَاةَ إلَّا صَلَاةٌ مُلْتَصِقَةٌ بِالطَّهُورِ نَعَمْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمَوْضُوعَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ نَكِرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى فَرْدٍ مَا، وَإِنَّمَا جَاءَ عُمُومُهَا مِنْ ضَرُورَةِ وُقُوعِهَا فِي
(2/48)

أَيْ: فِي قَوْلِهِ: لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا، عَالِمًا وَقَوْلُهُ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» عَامٌّ عِنْدَنَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ لَيْسَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا فِي كِلْتَيْهِمَا لَكِنْ فِي قَوْلِهِ: لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا لَا يَدْخُلُ فِي الْخُلْفِ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَالِمِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُجَالَسَةُ كُلِّ عَالِمٍ فَإِبَاحَةُ الْمُجَالَسَةِ لِكُلِّ عَالِمٍ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» كُلُّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ إلَّا أَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالْجَوَازِ عِنْدَنَا، فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ الْفَسَادَيْنِ عَلَيْنَا بَلْ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَأَيْضًا يَجِيءُ فِي بَابِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْفَرْقَ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْمُسْتَثْنَى فَتَكُونُ الصَّلَاةُ الْخَالِيَةُ عَنْ الطَّهُورِ عِلَّةً؛ لِعَدَمِ جَوَازِهَا فَكُلَّمَا خَلَتْ عَنْهُ لَا تَجُوزُ فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا يَكُونُ كَوْنُهَا مُقَارِنَةً لِلطَّهُورِ عِلَّةً لِلْجُمْلَةِ الْإِثْبَاتِيَّةِ فَتَعُمُّ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ.
(وقَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً} [النساء: 92] هُوَ كَقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا عَمْدًا إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ خَطَأً؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ إذْنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
سِيَاقِ النَّفْيِ فَفِي جَانِبِ الِاسْتِثْنَاءِ يُوجَدُ أَيْضًا ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ، وَلَا يَعُمُّ لِكَوْنِهِ فِي الْإِثْبَاتِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا صَلَاةَ جَائِزَةٌ إلَّا فِي حَالِ الِاقْتِرَانِ بِالطَّهُورِ فَإِنَّ فِيهَا يَنْتَفِي هَذَا الْحُكْمُ، وَيَثْبُتُ نَقِيضُهُ، وَهُوَ جَوَازُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إذْ نَقِيضُ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ إيجَابٌ جُزْئِيٌّ كَمَا يُقَالُ: مَا جَاءَنِي أَحَدٌ إلَّا رَاكِبًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ) حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّكُمْ قَائِلُونَ بِعُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُمْ فِي مِثْلِ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا أَنَّ لَهُ أَنْ يُجَالِسَ كُلَّ عَالِمٍ فَيَلْزَمُ هَاهُنَا أَيْضًا أَنْ تَصِحَّ كُلُّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ، وَهَذَا قَوْلٌ بِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّا قَائِلُونَ بِالْعُمُومِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُنَا الْحُكْمُ بِجَوَازِ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ بَلْ يَلْزَمُنَا عَدَمُ الْحُكْمِ بِعَدَمِ جَوَازِ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ بِالْجَوَازِ، وَالْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ، وَأَمَّا جَوَازُ مُجَالَسَةِ كُلِّ عَامٍّ فَإِنَّمَا هِيَ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا بِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِالْيَمِينِ إنَّمَا حَرَّمَ مُجَالَسَةَ غَيْرِ الْعَالِمِ فَبِالِاسْتِثْنَاءِ أَخْرَجَ الْعَالِمَ عَنْ تَحْرِيمِ الْمُجَالَسَةِ فَبَقِيَ مُبَاحَ الْمُجَالَسَةِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا) لَمَّا لَمْ يُسَلِّمْ الْخَصْمُ قَاعِدَةَ عُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ أَثْبَتَ لُزُومَ الْعُمُومِ فِي مِثْلِ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ بِطَرِيقٍ إلْزَامِيٍّ، وَهُوَ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ، أَنَّ مِنْ مَرَاتِبِ إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِوَصْفَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] فَإِنَّ الْعَفْوَ عِلَّةٌ لِسُقُوطِ الْمَفْرُوضِ فَهَاهُنَا لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ إثْبَاتًا لَكَانَ الِاقْتِرَانُ بِالطَّهُورِ عِلَّةَ الْجَوَازِ، وَالْخُلُوُّ عَنْهُ عِلَّةَ عَدَمِ الْجَوَازِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ كُلِّ صَلَاةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِالطَّهُورِ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ ظَنِّيٌّ، وَقَدْ عَارَضَهُ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الطَّهُورِ لَيْسَ عِلَّةً لِلْجَوَازِ بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى أَشْيَاءَ أُخْرَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْعِلِّيَّةُ لَمْ
(2/49)

الشَّرْعِ بِهِ) ، وَلَا يَجُوزُ إذْنُ الشَّرْعِ بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْحُرْمَةِ ثَابِتَةٌ فِيهِ بِنَاءً عَلَى تَرْكِ التَّرَوِّي، وَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا مَحْضًا لَمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا دَلِيلٌ تَفَرَّدْت بِإِيرَادِهِ، وَهَذَا أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ.
وَالشَّافِعِيَّةُ حَمَلُوا الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ: {إِلا خَطَأً} [النساء: 92] عَلَى الْمُنْقَطِعِ فِرَارًا عَنْ هَذَا لَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُتَّصِلُ (وَأَمَّا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَأَيْضًا لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ تَوْحِيدًا تَامًّا (فَلِأَنَّ مُعْظَمَ الْكُفَّارِ كَانُوا أَشْرَكُوا، وَفِي عُقُولِهِمْ وُجُودُ الْإِلَهِ ثَابِتٌ فَسِيقَ لِنَفْيِ الْغَيْرِ ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُهُ تَعَالَى إشَارَةً عَلَى الثَّانِي) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجٌ قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ حُكْمٌ عَلَى الْبَاقِي، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ وُجُودَهُ تَعَالَى يَثْبُتُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْإِلَهَ ثُمَّ أَخْرَجَ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الْبَاقِي بِالنَّفْيِ يَكُونُ إشَارَةً إلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
يَضُرَّ لِجَوَازِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ جَوَازُ كُلِّ صَلَاةٍ بِطُهُورٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّ مِثْلَ قَوْلِنَا مَا كَتَبْت إلَّا بِالْقَلَمِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْكِتَابَةِ بِالْقَلَمِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ الْكِتَابَةُ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا أَقْوَى دَلِيلٍ) لِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَهُ دَلِيلًا إذْ لَا دَلَالَةَ مَعَ احْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ وَكَوْنُ الْأَصْلِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ هُوَ الِاتِّصَالُ لَا يُفِيدُ لِجَوَازِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الْأَصْلِ بِقَرِينَةِ عَدَمِ ظُهُورِ مَا يَصْلُحُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ إلَّا خَطَأً مَفْعُولٌ أَوْ حَالٌ أَوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ فَيَكُونُ مُفَرَّغًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ عَلَى حَسَبِ الْعَوَامِلِ فَيَكُونُ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، وَيَفْتَقِرُ إلَى تَقْدِيرِ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عَامٍّ مُنَاسِبٍ لَهُ فِي جِنْسِهِ وَوَصْفِهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا كِلْمَةُ التَّوْحِيدِ) جَوَابٌ عَنْ الْحُجَّةِ الثَّالِثَةِ وَتَقْرِيرُهُ ظَاهِرٌ فَإِنْ قِيلَ لُزُومُ وُجُودِهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ اعْتِرَافٌ بِمَذْهَبِ الْخَصْمِ فَإِنَّهُ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ يُفِيدُ الْإِثْبَاتَ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ السَّوْقُ لِأَجْلِهِ بَلْ يَدَّعِي أَنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَلُزُومُ وُجُودِهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِيرَ الدَّهْرِيُّ النَّافِي لِلصَّانِعِ مُؤْمِنًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
أُجِيبَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ اطِّرَادُ هَذَا الْحُكْمِ أَعْنِي كَوْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا، وَثُبُوتُهُ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُوجِبُ الِاطِّرَادَ لِانْتِفَائِهِ فِي مِثْلِ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ مَبْنَى الْأَمْرِ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» الْحَدِيثَ.
(قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ) حَاوَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمُسْتَثْنَى، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَآلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مَعْنَاهُ الْإِفْرَادِيِّ، وَالْمُفْرَدُ لَا يُقْصَدُ بِجُزْءٍ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى جُزْءٍ مَعْنَاهُ الثَّانِي أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قَانُونِ لُغَةِ الْعَرَبِ إذْ لَمْ يُعْهَدْ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ، وَلَا مُرَكَّبٌ أُعْرِبَ
(2/50)

أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُسْتَثْنَى خِلَافُ حُكْمِ الصَّدْرِ، وَإِلَّا لَمَا أُخْرِجَ مِنْهُ.
(وَضَرُورَةً عَلَى الْأَخِيرِ) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَشَرَةَ إلَّا ثَلَاثَةً مَوْضُوعَةٌ لِلسَّبْعَةِ فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ وُجُودُهُ تَعَالَى يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْإِلَهِ لَمَّا كَانَ ثَابِتًا فِي عُقُولِهِمْ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ غَيْرِهِ وُجُودُهُ ضَرُورَةً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ لَا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ مَوْجُودٌ فَيَكُونُ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ، وَلَيْسَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ عِنْدَنَا، فَلَا دَلَالَةَ لِلْكَلَامِ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى مَنْطُوقًا، وَمَفْهُومًا بَلْ ضَرُورَةً فَقَطْ.
(وَمَا قِيلَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ هَذَا دَلِيلٌ حَاوَلَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ نَفْيَ الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ (إنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَفْظٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
جُزْؤُهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى جُزْءِ الِاسْمِ فِي مِثْلِ اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا نِصْفَهَا. الرَّابِعُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً اسْمًا لِلسَّبْعَةِ لَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى مَنْعِ الْوَجْهِ الثَّانِي وَنَقْضِهِ وَحَلِّهِ عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ بِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ أَمَّا الْمَنْعُ فَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْلَامِ كَذَلِكَ مِثْلَ شَابَ قَرْنَاهَا وَبَرَقَ نَحْرُهُ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّقْضُ فَهُوَ أَنَّ مِثْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَمٌ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ مَعَ أَنَّ الْإِعْرَابَ فِي وَسَطِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِنَا جَاءَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَمَرَرْت بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْحَلُّ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تَرَكُّبُ الْمَوْضُوعِ الشَّخْصِيِّ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمُسْتَثْنَى، وَأَدَاةَ الِاسْتِثْنَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي لَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بِالشَّخْصِ بِمَنْزِلَةِ بَعْلَبَكَّ وَمَعْدِي كَرِبَ بَلْ أَرَادُوا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بِالنَّوْعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ الْوَاضِعِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنْهُ الْبَاقِي كَمَا ثَبَتَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا غَيَّرَ صِيغَةَ فَعَلَ بِالْفَتْحِ إلَى فُعِلَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ يُفْهَمُ مِنْهَا مَعْنَى الْمَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ، وَإِذَا رُكِّبَ زَيْدٌ مَعَ قَائِمٍ وَجُعِلَا مَرْفُوعَيْنِ فُهِمَ مِنْهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الصَّرْفِيَّةِ، وَالنَّحْوِيَّةِ فَإِنَّهَا أَوْضَاعٌ كُلِّيَّةٌ.
وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ تَرَكُّبُ الْمَوْضُوعِ النَّوْعِيِّ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَظَاهِرُ الْفَسَادِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْمُرَكَّبَاتِ مَوْضُوعَةٌ بِالنَّوْعِ سَوَاءٌ تَرَكَّبَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِثْلَ قَوْلِنَا حَيَوَانٌ ذُو نُطْقٍ، وَقَوْلِنَا جِسْمٌ نَامٍ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ وَنُطْقٌ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِنْسَانِ بِالنَّوْعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ الْوَاضِعِ أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ اسْمُ جِنْسٍ وَوُصِفَ بِمَا يَخُصُّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ فُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ النَّوْعُ فَالْمَوْضُوعُ النَّوْعِيُّ كَثِيرًا مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، وَيَكُونُ الْإِعْرَابُ فِي وَسَطِهِ كَمَا تَرَى، وَيَكُونُ لِأَجْزَائِهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَعَانِيهَا الْإِفْرَادِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَاتٌ، وَلَا يَصِيرُ الْمَجْمُوعُ كَلِمَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَكُونَ كُلٌّ مِنْ
(2/51)

مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ) أَيْ: الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى بَلْ عُهِدَ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كَبَعْلَبَكَّ (وَمُرَكَّبٌ أُعْرِبَ فِي وَسَطِهِ ضَعِيفٌ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مَوْضُوعٌ مِثْلَ بَعْلَبَكَّ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَاهُ مُطَابِقٌ لِمَعْنَى السَّبْعَةِ مَثَلًا فَيَكُونُ هُنَاكَ وَضْعٌ كُلِّيٌّ) أَيْ: وَضْعُ الْوَاضِعِ اللَّفْظَ الَّذِي اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ الْبَاقِي وَضْعًا كُلِّيًّا لَا وَضْعًا جُزْئِيًّا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَضْعَ عَلَى نَوْعَيْنِ وَضْعٌ جُزْئِيٌّ كَوَضْعِ اللُّغَاتِ وَوَضْعٌ كُلِّيٌّ كَالْأَوْضَاعِ التَّصْرِيفِيَّةِ وَالنَّحْوِيَّةِ فَفِي الْأَوْضَاعِ الْجُزْئِيَّةِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ مَعَ أَنَّهُ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ نَحْوَ شَابَ قَرْنَاهَا، وَبَرَقَ نَحْرُهُ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ الْعَبْدِ وَاللَّامِ وَرَحْمَنِ لَكِنْ فِي الْأَوْضَاعِ الْكُلِّيَّةِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ فِي مَعْنَى الْمُرَكَّبِ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ يُطَابِقُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّ مَنْ لَهُ يَدٌ فِي الْإِيجَازِ وَالْإِطْنَابِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يُفِيدَ مَعْنَى الْكَلِمَاتِ الْكَثِيرَةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُفِيدَ مَعْنَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بِكَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ فَإِنَّ لَفْظَ إنْسَانٍ وَحَيَوَانٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْمُفْرَدَاتِ جُزْءًا مِنْ الْكَلِمَةِ فَيَمْتَنِعُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ بَلْ يَكُونُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ عَوْدِهِ إلَى الْمُبْتَدَأِ فِي مِثْلِ زَيْدٌ أَبُوهُ قَائِمٌ مَعَ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُرَكَّبِ الْمَوْضُوعِ بِالنَّوْعِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي فِي الْإِخْرَاجِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُفِيدُهُ أَدَاةُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمَعَانِي الْإِفْرَادِيَّةُ لَيْسَتْ مَهْجُورَةً فِي الْمَوْضُوعَاتِ النَّوْعِيَّةِ، وَأَقُولُ أَمَّا الْمَنْعُ فَجَوَابُهُ الِاسْتِقْرَاءُ وَنَقْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَأَمَّا النَّقْضُ بِمِثْلِ شَابَ قَرْنَاهَا فَمَدْفُوعٌ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكَشَّافِ جَوَابًا عَمَّا قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ التَّسْمِيَةُ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ فَصَاعِدًا فَكَيْفَ تَكُونُ الْكَلِمَاتُ الْمُتَهَجَّى بِهَا أَسْمَاءً لِلصُّوَرِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ فَصَاعِدًا مُسْتَنْكَرَةٌ لَعَمْرِي وَخُرُوجٌ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ لَكِنْ إذَا جُعِلَتْ اسْمًا وَاحِدًا عَلَى طَرِيقَةِ حَضْرَمَوْتَ، وَأَمَّا غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ مَنْثُورَةٌ نَثْرَ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ، فَلَا اسْتِنْكَارَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التَّسْمِيَةِ بِمَا حَقُّهُ أَنْ يُحْكَى حِكَايَةً كَمَا سُمُّوا بِتَأَبَّطَ شَرًّا وَبَرَقَ نَحْرُهُ وَشَابَ قَرْنَاهَا وَكَمَا لَوْ سُمِّيَ بِزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَبِبَيْتٍ مِنْ الشِّعْرِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مِثْلَ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً لَيْسَ مَحْكِيًّا بَلْ مُعْرَبًا بِحَسْبِ الْعَوَامِلِ.
وَأَمَّا النَّقْضُ بِمِثْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ أُعْرِبَ فِي وَسَطِهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ قَدْ احْتَرَزَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ، وَلَا يُعْرَبُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ خَفِيَ هَذَا عَلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَأَمَّا الْحَلُّ فَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ التَّنَاقُضِ الْمُتَوَهَّمِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ حَيْثُ أُسْنِدَ الْحُكْمُ إلَى الْكُلِّ وَأُخْرِجَ الْبَعْضُ فَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الْمُرَكَّبِ مَوْضُوعًا لِلْبَاقِي وَضْعًا كُلِّيًّا لَيْسَ مِمَّا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَقَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَوْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لِلْمَذْهَبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَكِنَّهُ لَا يَفِي بِالْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَاتِ حِينَئِذٍ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا الْإِفْرَادِيَّةِ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْعَشَرَةِ فِي قَوْلِنَا لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً
(2/52)

ذِي نُطْقٍ كُلٌّ مِنْهَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ، وَكَذَا لَفْظُ فَرَسٍ وَحَيَوَانٍ ذِي صَهِيلٍ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
(وَأَيْضًا مَنْقُوضٌ بِنَحْوِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَالْإِعْرَابُ فِي وَسَطِهِ (وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ عُلَمَائِنَا، وَبَعْضُهُمْ) أَيْ: بَعْضُ مَشَايِخِنَا كَالْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (مَالُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْغَيْرِ الْعَدَدِيِّ إلَى الثَّانِي بِحُكْمِ الْعُرْفِ) أَيْ: إلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُ إخْرَاجٌ قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ حُكْمٌ عَلَى الْبَاقِي.
(وَقَدْ فُهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ إثْبَاتَ الْإِلَهِ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَخِيرِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ بَلْ شَبَّهُوا الِاسْتِثْنَاءَ بِالْغَايَةِ) .
اعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
عَشْرَةُ أَفْرَادٍ وَيُحْكَمَ بِإِثْبَاتِهَا، وَهُوَ التَّنَاقُضُ أَوْ يُرَادَ سَبْعَةُ أَفْرَادٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ أَوْ يُرَادَ عَشْرَةُ أَفْرَادٍ لَكِنْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهَا بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الثَّانِي.
فَمُجَرَّدُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ مَوْضُوعٌ لِلسَّبْعَةِ بِالنَّوْعِ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا بَلْ التَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ أَنَّ عَشْرَةً أُخْرِجَتْ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مَجَازٌ لِلسَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ الَّتِي أُخْرِجَتْ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ عَشْرَةٌ، وَلَا شَيْءَ مِنْ السَّبْعَةِ بِعَشْرَةٍ، وَالْعَشَرَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلَاثَةِ وَقَبْلَهُ مَفْهُومٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَتْ السَّبْعَةُ بِعَشْرَةٍ عَلَى حَالٍ أَطْلَقْتهَا أَوْ قَيَّدْتهَا إنَّمَا هِيَ الْبَاقِي مِنْ الْعَشَرَةِ بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلَاثَةِ كَمَا يُقَالُ: إنَّهَا أَرْبَعَةٌ ضُمَّتْ إلَيْهَا ثَلَاثَةٌ وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَرْبَعَةٍ أَصْلًا.
وَإِنَّمَا هِيَ الْحَاصِلُ مِنْ ضَمِّ الْأَرْبَعَةِ إلَى الثَّلَاثَةِ ثُمَّ إنَّ السَّبْعَةَ مُرَادَةٌ فِي مِثْلِ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً فَإِنْ قُلْنَا: هَذَا التَّرْكِيبُ حَقِيقَةٌ فِي عَشْرَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِأَنَّهَا أُخْرِجَتْ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ مَجَازًا فِي السَّبْعَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْبَاقِي مِنْ الْعَشَرَةِ بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا ذَلِكَ، وَلَيْسَ مَدْلُولُهَا عَشْرَةً مُقَيَّدَةً فَهُوَ مَوْضُوعٌ لِلسَّبْعَةِ لَا عَلَى أَنَّهُ وُضِعَ لَهُ وَضْعًا وَاحِدًا كَمَا يُتَصَوَّرُ بَلْ عَلَى أَنَّهُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَازِمٍ مُرَكَّبٍ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِمُرَكَّبٍ يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ لَوَازِمِهِ، وَذَلِكَ فِي الْعَدَدِ ظَاهِرٌ فَإِنَّكَ قَدْ تَنْقُضُ عَدَدًا مِنْ عَدَدٍ حَتَّى يَبْقَى الْمَقْصُودُ كَمَا تَنْقُضُ ثَلَاثَةً مِنْ عَشْرَةٍ حَتَّى تَبْقَى سَبْعَةٌ، وَقَدْ يُضَمُّ عَدَدٌ إلَى عَدَدٍ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
بِنْتُ سَبْعٍ وَأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ ... هِيَ حُبُّ الْمُتَيَّمِ الْمُشْتَاقِ
وَالْمُرَادُ مِنْهُ بِنْتُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِغَيْرِهِمَا كَمَا يُقَالُ: الْعَشَرَةُ جِذْرُ الْمِائَةِ وَضِعْفُ الْخَمْسَةِ وَرُبْعُ الْأَرْبَعِينَ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْمَذْهَبُ الْأَخِيرُ، وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي يَرْجِعُ إلَى أَحَدِهِمَا، وَأَنْتَ بَعْدَ ذَلِكَ خَبِيرٌ بِمَا يَرِدُ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي أَبْطَلُوا بِهَا الْمَذْهَبَيْنِ.
(قَوْلُهُ: شَبَّهُوا الِاسْتِثْنَاءَ بِالْغَايَةِ) حَيْثُ قَالُوا: إنَّ مُوجَبَ صَدْرِ الْكَلَامِ يَنْتَهِي بِالِاسْتِثْنَاءِ انْتِهَاءَ الْإِثْبَاتِ
(2/53)

يُصَرِّحُوا بِهَذَا الْمَذْهَبِ لَكِنْ قَالُوا فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إنَّ إثْبَاتَ الْإِلَهِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ فَفَهِمْت مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَذْهَبُهُمْ هُوَ الثَّالِثَ، وَهُوَ أَنَّ الْعَشَرَةَ إلَّا ثَلَاثَةً مَوْضُوعَةٌ لِلسَّبْعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْغَيْرَ الْعَدَدِيِّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا غَيْرُ اللَّهِ مَوْجُودٌ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْوَصْفِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ فَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ لَيْسَ هَذَا الثَّالِثَ، وَأَنَّهُمْ شَبَّهُوا الِاسْتِثْنَاءَ بِالْغَايَةِ، وَيَقُولُونَ: إنَّ حُكْمَ مَا بَعْدِ الْغَايَةِ يُخَالِفُ حُكْمَ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ، وَلَيْسَ مَذْهَبُهُمْ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ عَلَى الْأَوَّلِ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ لَا بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ.
فَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْغَيْرِ الْعَدَدِيِّ هُوَ الثَّانِي بِحُكْمِ الْعُرْفِ (وَهَذَا مُنَاسِبًا لِمَا قَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
بِالْعَدَمِ، وَالنَّفْيِ بِالْوُجُودِ كَمَا يَنْتَهِي بِالْغَايَةِ أَصْلُ الْكَلَامِ وَلَزِمَ مِنْ انْتِهَاءِ الْأَوَّلِ إثْبَاتُ الْغَايَةِ فَصَارَ كُلٌّ مِنْ الْإِثْبَاتِ، وَالنَّفْيِ فِي الْمُسْتَثْنَى ثَابِتًا بِدَلَالَةِ اللُّغَةِ كَالصَّدْرِ إلَّا أَنَّ حُكْمَ الصَّدْرِ ثَابِتٌ قَصْدًا، وَعِبَارَةً، وَحُكْمُ الْمُسْتَثْنَى ضِمْنًا وَإِشَارَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مِثْلَ مَا جَاءَنِي إلَّا زَيْدٌ، وَمَا زَيْدٌ إلَّا قَائِمٌ مَسُوقٌ لِإِثْبَاتِ مَجِيءِ زَيْدٍ وَقِيَامِهِ بِأَبْلَغِ وَجْهٍ وَأَوْكَدِهِ حَتَّى قَالُوا: إنَّهُ تَأْكِيدٌ عَلَى تَأْكِيدٍ.
(قَوْلُهُ: بِحُكْمِ الْعُرْفِ) يَعْنِي: أَنَّ الْعُرْفَ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُفِيدُ إثْبَاتَ حُكْمٍ مُخَالِفٍ لِلصَّدْرِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ دُونَ الْعِبَارَةِ، وَهُوَ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُهُ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَدُونَ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ أَصْلًا إلَّا أَنَّ الْكَلَامَ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْعُرْفِ، وَفَرْقِهِ بَيْنَ الْعَدَدِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَيْضًا مَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا، وَبِالْعَكْسِ مَنْطُوقٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا مُنَاسِبٌ) يَعْنِي فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْغَيْرَ الْعَدَدِيِّ يُفِيدُ النَّفْيَ، وَالْإِثْبَاتَ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ تَوْفِيقٌ بَيْنَ الْإِجْمَاعَاتِ الْأَرْبَعَةِ، الْأَوَّلُ مَا قَالَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ فِي إفَادَةِ مَا، وَإِلَّا لِلْقَصْرِ مِثْلَ مَا جَاءَنِي إلَّا زَيْدٌ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَوْضُوعٌ لِنَفْيِ التَّشْرِيكِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُشَارِكُ الْمُسْتَثْنَى فِي الْحُكْمِ غَيْرُهُ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ التَّخْصِيصُ أَيْ: إثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمُسْتَثْنَى وَنَفْيُهُ عَمَّا سِوَاهُ، وَهُوَ مَعْنَى الْقَصْرِ الثَّانِي، إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهُ إخْرَاجٌ أَيْ: لِلْمُسْتَثْنَى مِنْ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
الثَّالِثُ: إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي أَيْ: قَصْدٌ إلَى الْحُكْمِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْأَفْرَادِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى إثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا. الرَّابِعُ: إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ أَيْ: ضِمْنًا، وَإِشَارَةً لَا قَصْدًا، وَعِبَارَةً

[مَسْأَلَةٌ شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ]
(قَوْلُهُ: مَسْأَلَةُ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ) الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَثْنَى قَصْدًا وَحَقِيقَةً عَلَى تَقْدِيرِ السُّكُوتِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ لَا تَبَعًا، وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ
(2/54)

عُلَمَاءُ الْبَيَانِ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وُضِعَ لِنَفْيِ التَّشْرِيكِ، وَالتَّخْصِيصُ يُفْهَمُ مِنْهُ، وَلِمَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: إنَّهُ إخْرَاجٌ وَتَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي، وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَبِالْعَكْسِ فَيَكُونُ إخْرَاجًا مِنْ الْأَفْرَادِ وَتَكَلُّمًا بِالْبَاقِي فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَنَفْيًا، وَإِثْبَاتًا بِالْإِشَارَةِ، وَفِي الْعَدَدِيِّ ذَهَبُوا إلَى الْأَخِيرِ حَتَّى قَالُوا فِي إنْ كَانَ لِي إلَّا مِائَةٌ فَكَذَا وَلَمْ يَمْلِكْ إلَّا خَمْسِينَ لَا يَحْنَثُ) فَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ هُوَ كَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ لِي فَوْقَ الْمِائَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمِائَةِ.
(وَلَوْ قَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ سَبْعَةٌ) .

(مَسْأَلَةٌ) شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا أَوْجَبَهُ الصِّيغَةُ قَصْدًا لَا مِمَّا يَثْبُتُ بِهَا ضِمْنًا؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ فَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: (لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِقْرَارِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْرَارُ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ لَا لِأَنَّهُ مِنْ الْخُصُومَةِ فَيَكُونُ ثَابِتًا بِالْوَكَالَةِ ضِمْنًا، فَلَا يُسْتَثْنَى إلَّا أَنْ يَنْقُضَ الْوَكَالَةَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ: لَكِنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْوَكَالَةَ.
(وَيَصِحُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ فَيَقْتَصِرُ عَمَلُهُ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، وَلَا يَعْمَلُ فِيمَا يَثْبُتُ حُكْمًا فَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ، وَاسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ ثَبَتَ ضِمْنًا بِوَاسِطَةِ أَنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ لَا بِوَاسِطَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ يَدْخُلُ فِيهَا قَصْدًا حَتَّى يَصِحَّ إخْرَاجُهُ مِنْهَا، فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَلَا إبْطَالُهُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ إلَّا بِنَقْضِ الْوَكَالَةِ، وَيَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْخُصُومَةَ لَمَّا كَانَتْ مَهْجُورَةً شَرْعًا صَارَ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيلًا بِالْجَوَابِ عَمَلًا بِالْمَجَازِ فَدَخَلَ فِيهَا الْإِقْرَارُ وَالْإِنْكَارُ قَصْدًا فَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ تَغْيِيرٍ. الثَّانِي أَنَّهُ بَيَانُ تَقْرِيرٍ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْخُصُومَةِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيَّ الَّذِي هُوَ الْخُصُومَةُ لَا الشَّرْعِيَّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا، وَلَوْ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَاسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ قِيلَ لَا يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَةٍ أَعْنِي الْمُنَازَعَةَ، وَالْإِنْكَارَ وَمَجَازِهِ أَعْنِي مُطْلَقَ الْجَوَابِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ الْجَوَابِ شَامِلٌ لِلْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ فَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءً أَيِّهِمَا كَانَ، وَلَا يَلْزَمُ تَعْطِيلُ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَجَازَهُ، وَاسْتَثْنَى بَعْضَ أَفْرَادِ الْمَجَازِ كَمَا يُقَالُ: رَأَيْتُ فِي الْحَمَّامِ الْأُسُودَ إلَّا هَذَا الْأَسَدَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْإِنْكَارِ فِيهِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ نَظَرًا إلَى عُمُومِ الْمَجَازِ، وَالْإِقْرَارُ وَإِنْ كَانَ ضِمْنًا، وَتَبَعًا لِلْإِنْكَارِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا صَارَ مَجَازًا عَنْ مُطْلَقِ الْجَوَابِ دَخَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ بِحَسَبِ الْأَصَالَةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِنْكَارِ لَكِنْ لَا لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي عَدَمِ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ. الْإِقْرَارُ إذْ الْإِنْكَارُ ثَبَتَ بِالْخُصُومَةِ قَصْدًا لَا ضِمْنًا بَلْ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بِالْخُصُومَةِ وَكَالَةٌ بِالْإِنْكَارِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَاءِ الشَّيْءِ
(2/55)

عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُصُومَةِ الْجَوَابُ مَجَازًا فَيَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مَوْصُولًا؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ تَقْرِيرٍ نَظَرًا إلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُسَالَمَةٌ لَا مُخَاصَمَةٌ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ مَفْصُولًا، وَلَوْ قَالَ غَيْرُ جَائِزِ الْإِنْكَارِ فَأَيْضًا عَلَى الْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ لِمُحَمَّدٍ) .
وَهُوَ أَنَّ الْخُصُومَةَ تَشْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ فَيَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتِثْنَاءُ الْإِنْكَارِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ عَلَى الدَّلِيلِ الثَّانِي لِمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ بَيَانُ تَقْرِيرٍ نَظَرًا إلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِنْكَارِ لَيْسَ تَقْرِيرًا لِلْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ بَلْ إبْطَالٌ لَهَا أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لَا لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَ فِي اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ مِنْ الْخُصُومَةِ، فَالْخُصُومَةُ هِيَ الْإِنْكَارُ فَقَطْ، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِثْنَاءُ الْإِنْكَارِ مِنْهَا هَذَا مَا خَطَرَ بِبَالِي.

(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَمُنْقَطِعٌ وَالثَّانِي مَجَازٌ) فَإِنْ قِيلَ قَسَّمْت الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْمُتَّصِلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مِنْ نَفْسِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْإِقْرَارُ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَصْدًا وَحِينَئِذٍ لَا يَتَعَذَّرُ إخْرَاجُ الْإِنْكَارِ وَلَا يَلْزَمُ إبْطَالُ الصِّيغَةِ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ الْإِقْرَارُ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلْإِنْكَارِ عِنْدَهُ فَإِذَا اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ أَيْضًا فَيَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ مِنْ نَفْسِهِ

[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ وَمُنْقَطِعٌ]
(قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ) الْمُسْتَثْنَى إنْ كَانَ بَعْضَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَإِلَّا فَمُنْقَطِعٌ وَلَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُسْتَثْنَى حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي الْقِسْمَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ، وَأَمَّا صِيغَةُ الِاسْتِثْنَاءِ، فَحَقِيقَةٌ فِي الْمُتَّصِلِ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْإِخْرَاجِ، وَلَا إخْرَاجَ فِي الْمُنْقَطِعِ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَيْ: الصِّيغَةَ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْهَا هَذَا اللَّفْظُ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ فَإِنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الْمُتَكَلِّمِ، وَعَلَى الْمُسْتَثْنَى، وَعَلَى نَفْسِ الصِّيغَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ أَوْرَدَ أَصْحَابُنَا) الظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5] مُتَّصِلٌ أَيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَرْمُونَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ إلَّا التَّائِبِينَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ؛ لِأَنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالْفِسْقُ هُوَ الْمَعْصِيَةُ، وَالْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَقَدْ جَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرُهُ مُنْقَطِعًا وَبَيَّنُوهُ بِوُجُوهٍ.
الْأَوَّلُ: مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي التَّقْوِيمِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى، وَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّدْرِ لَكِنْ لَمْ يُقْصَدْ إخْرَاجُهُ مِنْ حُكْمِهِ عَلَى مَا هُوَ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِهِ قَصْدُ إثْبَاتِ حُكْمٍ آخَرَ لَهُ، وَهُوَ أَنَّ التَّائِبَ لَا يَبْقَى فَاسِقًا، وَلَا يَخْفَى إنَّمَا يَتِمُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْنَى {هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] الثَّبَاتُ عَلَى الْفِسْقِ، وَالدَّوَامُ وَإِلَّا، فَلَا تَعَذُّرَ لِلِاتِّصَالِ، فَلَا وَجْهَ لِلِانْقِطَاعِ.
الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ دَاخِلٍ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ التَّائِبَ لَيْسَ بِفَاسِقٍ ضَرُورَةَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا قَامَ بِهِ الْفِسْقُ، وَالتَّائِبُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِزَوَالِ الْفِسْقِ بِالتَّوْبَةِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ
(2/56)

وَالْمُنْقَطِعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ، وَالثَّانِي مَجَازٌ قُلْتُ لَيْسَ هَذَا قِسْمَةً حَقِيقَةً بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَالثَّانِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
(وَقَدْ أَوْرَدَ أَصْحَابُنَا قَوْله تَعَالَى {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5] مِنْ أَمْثِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ هُوَ إخْرَاجٌ عَنْ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الصَّدْرِ أَنَّ مَنْ قَذَفَ فَهُوَ فَاسِقٌ، (وَهُنَا لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْقَى فَاسِقًا بَعْدَ التَّوْبَةِ فَهَذَا حُكْمٌ آخَرُ) أَوْرَدَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ أَمْثِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ.
وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا هُوَ أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ الْفَاسِقُونَ، وَالتَّائِبُونَ لَيْسُوا مِنْ الْفَاسِقِينَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ الْفَاسِقِينَ لَيْسَ مُسْتَثْنًى مِنْهُ بَلْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ قَوْلُهُ: وَأُولَئِكَ أَيْ: الَّذِينَ يَرْمُونَ، وَالْفَاسِقُونَ حُكْمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّمَاةَ التَّائِبِينَ دَاخِلُونَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ أُولَئِكَ غَيْرُ دَاخِلِينَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِيقَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ بَقَاءُ مَعْنَى الْفِعْلِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ التَّنَاوُلُ لَكِنْ لَا يَصِحُّ الْإِخْرَاجُ؛ لِأَنَّ التَّائِبَ لَيْسَ بِمُخْرَجٍ مِمَّنْ كَانَ فَاسِقًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، وَهَذَا حَاصِلُ.
الْوَجْهِ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنَّ التَّائِبَ قَاذِفٌ، وَالْقَاذِفُ فَاسِقٌ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَازِمُ الْقَذْفِ، وَبِالتَّوْبَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ قَاذِفًا فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ لَازِمِهِ وَهُوَ الْفِسْقُ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا فِي الْحَالِ وَاعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ اتِّصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ لَيْسَ هُمْ الْفَاسِقِينَ بَلْ الَّذِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَهُمْ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُشَارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: وَأُولَئِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّائِبِينَ دَاخِلُونَ فِيهِمْ مُخْرَجُونَ عَنْ حُكْمِهِمْ، وَهُوَ الْفِسْقُ كَأَنَّهُ قِيلَ جَمِيعُ الْقَاذِفِينَ فَاسِقُونَ إلَّا التَّائِبِينَ مِنْهُمْ كَمَا يُقَالُ: الْقَوْمُ مُنْطَلِقُونَ إلَّا زَيْدًا اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ زَيْدًا دَاخِلٌ فِي الْقَوْمِ مُخْرَجٌ عَنْ حُكْمِ الِانْطِلَاقِ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ سَوَاءٌ جُعِلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وَهُوَ الْقَوْمُ أَوْ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي مُنْطَلِقُونَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ، وَأَنَّ عَمَلَ الصِّفَةِ فِي الْمُسْتَثْنَى أَظْهَرُ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا هُوَ لَفْظُ الْقَوْمِ أَلْبَتَّةَ، وَإِذَا جُعِلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ضَمِيرَ مُنْطَلِقُونَ فَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ زَيْدًا دَاخِلٌ فِي الذَّوَاتِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ بِالِانْطِلَاقِ فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الِانْطِلَاقِ كَمَا فِي قَوْلِنَا: انْطَلَقَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الْآيَةِ، وَأَجَابَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِكَلَامٍ تَحْقِيقُهُ أَنَّ الْفَاسِقَ هَاهُنَا إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَاسِقِ عَلَى قَصْدِ الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ أَوْ بِمَعْنَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ الْفِسْقُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي أَوْ مَنْ قَامَ بِهِ الْفِسْقُ فِي الْجُمْلَةِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ حَالًا فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَالتَّائِبُ لَيْسَ بِفَاسِقٍ ضَرُورَةَ قَضَاءِ الشَّرْعِ بِأَنَّ التَّائِبَ لَيْسَ بِفَاسِقٍ حَقِيقَةً، وَمِنْ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَنَاوِلًا الْمُسْتَثْنَى عَلَى تَقْدِيرِ السُّكُوتِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا مُرَادُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ تَنَاوُلِ الْفَاسِقِينَ التَّائِبِينَ بِخِلَافِ مُنْطَلِقُونَ فَإِنَّهُ
(2/57)

فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ الْفَاسِقُونَ كَمَا تَقُولُ الْقَوْمُ مُنْطَلِقُونَ إلَّا زَيْدًا فَزَيْدٌ دَاخِلٌ فِي الْقَوْمِ وَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي مُنْطَلِقُونَ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ وَجْهٌ حَسَنٌ لِكَوْنِهِ مُنْقَطِعًا فَأَوْرَدْت ذَلِكَ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ إخْرَاجٌ عَنْ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ أَنَّ مَعْنَى الْإِخْرَاجِ هُوَ الْمَنْعُ عَنْ الدُّخُولِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَدِّ الِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ هُوَ
أَنْ يُذْكَرَ شَيْءٌ بَعْدَ إلَّا وَأَخَوَاتِهَا غَيْرُ مُخْرَجٍ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَقَوْلُنَا غَيْرُ مُخْرَجٍ يَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ دَاخِلًا فِي صَدْرِ الْكَلَامِ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيهِ لَكِنْ لَا يَخْرُجُ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَحُكْمُ صَدْرِ الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ قَذَفَ صَارَ فَاسِقًا وقَوْله تَعَالَى {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5] لَا يَخْرُجُ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ تَابَ لَا يَبْقَى فَاسِقًا بَعْدَ التَّوْبَةِ فَهَذَا حُكْمٌ آخَرُ وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا وقَوْله تَعَالَى {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] فَإِنَّ قَوْلَهُ {إِلا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] أَيْ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الَّذِي قَدْ سَلَفَ دَاخِلٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُخْرَجٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
يَدْخُلُ فِيهِ زَيْدٌ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ، فَلَا صِحَّةَ لِإِخْرَاجِ التَّائِبِ عَنْ الْفَاسِقِينَ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ بِمَعْنَى صُدُورِ الْفِسْقِ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ قَاذِفٌ، وَالْقَذْفُ فِسْقٌ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْعَ دُخُولِ التَّائِبِينَ فِي الْفَاسِقِينَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، وَمَنْعَ عَدَمِ صِحَّةِ إخْرَاجِهِمْ عَنْ الْفَاسِقِينَ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ لَيْسَ بِمُوَجَّهٍ، وَأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى دُخُولِهِمْ بِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِالْفِسْقِ عَلَى أُولَئِكَ الْمُشَارِ بِهِ إلَى الَّذِينَ يَرْمُونَ، وَهُوَ عَامٌّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِلْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا فِسْقَ مَعَ التَّوْبَةِ، وَكَفَى بِهِ مُخَصِّصًا، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ تَنَاوُلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَشُمُولِهِ إيَّاهُ لَا بِحَسَبِ ثُبُوتِهِ لَهُ فِي الْوَاقِعِ كَيْفَ وَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ لَهُ لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ فَهَاهُنَا الَّذِينَ يَرْمُونَ شَامِلٌ لِلتَّائِبَيْنِ مِنْهُمْ، فَلَا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ فِي الْوَاقِعِ.
وَأَنَّ التَّوْبَةَ تُنَافِي ثُبُوتَ الْفِسْقِ كَمَا إذَا لَمْ يَدُلَّ زَيْدٌ فِي الِانْطِلَاقِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِاعْتِبَارِ دُخُولِهِ فِي الْقَوْمِ مِثْلَ انْطَلَقَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ دُخُولُ الْمُسْتَثْنَى فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ بِحَسَبِ دَلِيلٍ خَارِجٍ كَمَا يُقَالُ: خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا ذَاتَهُ وَصِفَاتَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعْلُومٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ الْمُفِيدِ لِفَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، وَهَذَا مُرَادُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِعَدَمِ دُخُولِ التَّائِبِينَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ وَحِينَئِذٍ لَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُقَالُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْفَاسِقُونَ، وَيَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ لِإِخْرَاجِ التَّائِبِينَ مِنْهُمْ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْحَمْلُ عَلَى أُولَئِكَ الْقَاذِفِينَ، وَالْإِثْبَاتُ لَهُمْ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ كَمَا
(2/58)

مِنْ حُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ أَثْبَتَ فِيهِ حُكْمًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ.

(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ بَاطِلٌ) ، وَأَصْحَابُنَا قَيَّدُوهُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَا يُسَاوِيهِ نَحْوَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا عَبِيدِي أَوْ إلَّا مَمَالِيكِي لَكِنْ إنْ اسْتَثْنَى بِلَفْظٍ يَكُونُ أَخَصَّ مِنْهُ فِي الْمَفْهُومِ لَكِنْ فِي الْوُجُودِ يُسَاوِيهِ يَصِحُّ نَحْوَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ، وَلَا عَبِيدَ لَهُ سِوَاهُمْ.

[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ]
مَسْأَلَةٌ (إذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ كَآيَةِ الْقَذْفِ يَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَنَا إلَى الْأَقْرَبِ) لِقُرْبِهِ، وَاتِّصَالِهِ بِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَمَّا سِوَاهُ؛ وَلِأَنَّ تَوَقُّفَ صَدْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
يَجُوزُ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا يُقَالُ: كِرَامُ بَلْدَتِنَا أَغْنِيَاؤُهُمْ إلَّا زَيْدًا، بِمَعْنَى أَنَّ زَيْدًا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لَكِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْحَمْلِ عَنْ الْكِرَامِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّائِبُونَ مِنْ الْفَاسِقِينَ، وَلَا يَكُونُونَ مِنْ الْقَاذِفِينَ، وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ فَاسِقُونَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا حَالَ التَّوْبَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَكَلُّفٍ فِي التَّقْدِيرِ أَيْ: فِي الْأَحْوَالِ إلَّا حَالَ تَوْبَةِ الَّذِينَ تَابُوا، وَإِلَّا تَوْبَةَ الْقَاذِفِينَ أَيْ: وَقْتَ تَوْبَتِهِمْ عَلَى أَنْ يُجْعَلَ الَّذِينَ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا لَا اسْمًا مَوْصُولًا وَضَمِيرُ تَابُوا عَائِدٌ إلَى أُولَئِكَ وَبَعْدَ اللَّتَيَّا، وَاَلَّتِي يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغًا مُتَّصِلًا لَا مُنْقَطِعًا

[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ]
(قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ إذَا) وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ عَقِيبَ جُمَلٍ مَعْطُوفَةٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ، وَإِلَى الْأَخِيرَةِ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الظُّهُورِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى التَّوَقُّفِ وَبَعْضُهُمْ إلَى التَّفْصِيلِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْأَخِيرِ لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلَةٌ بِهِ مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا سَبَقَهَا مِنْ الْجُمَلِ نَظَرًا إلَى حُكْمِهَا، وَإِنْ اتَّصَلَتْ بِهِ بِاعْتِبَارِ ضَمِيرٍ أَوْ اسْمِ إشَارَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرْبُ، وَالِاتِّصَالُ دَلِيلًا، وَالِانْقِطَاعُ عَمَّا سَبَقَ دَلِيلًا آخَرَ.
بِمَعْنَى أَنَّ الْأَخِيرَةَ بِسَبَبِ انْقِطَاعِهَا تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ حَائِلٍ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَالسُّكُوتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ الْمَجْمُوعُ بِمَنْزِلَةِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاتِّصَالُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ. الثَّانِي أَنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى مَا قَبْلَهُ إنَّمَا هُوَ لِضَرُورَةِ عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالْعَوْدِ إلَى وَاحِدَةٍ، وَقَدْ عَادَ إلَى الْأَخِيرَةِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْعَوْدِ إلَى غَيْرِهَا وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَثْبَتَ الضَّرُورَةَ فِي جَانِبِ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ لَزِمَ تَوَقُّفُ صَدْرِ الْكَلَامِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُغَيِّرٍ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِتَوَقُّفِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا تَتَجَاوَزُ إلَى الْأَكْثَرِ، وَلَمَّا كَانَ هَاهُنَا مَظِنَّةُ أَنْ يُقَالَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ فَيُفِيدُ اشْتِرَاكَ الْجُمَلِ فِي
(2/59)

الْكَلَامِ ثَبَتَ ضَرُورَةً فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ فِي الْحُكْمِ فَفِي الِاسْتِثْنَاءِ أَوْلَى، وَصَرْفُهُ إلَى الْكُلِّ فِي الْجُمَلِ الْمُخْتَلِفَةِ كَآيَةِ الْقَذْفِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَاجْلِدُوا - وَلا تَقْبَلُوا} [النور: 2 - 4] رَدًّا عَلَى سَبِيلِ الْجَزَاءِ بِلَفْظِ الْإِنْشَاءِ ثُمَّ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] (جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ) أَيْ: صَرَفَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الِاسْتِثْنَاءَ إلَى الْكُلِّ فَفِي آيَةِ الْقَذْفِ قَطَعَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْله تَعَالَى، وَلَا تَقْبَلُوا عَنْ قَوْلِهِ: فَاجْلِدُوهُمْ حَتَّى لَمْ يَجْعَلْ رَدَّ الشَّهَادَةِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَجَعَلَ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا تَقْبَلُوا ثُمَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الِاسْتِثْنَاءِ أَجَابَ بِأَنَّ الْعَطْفَ لَا يُفِيدُ شَرِكَةَ الْجُمَلِ التَّامَّةِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ وَضْعَ الْعَاطِفِ لِلتَّشْرِيكِ فِي الْإِعْرَابِ، وَالْحُكْمِ فَلَأَنْ لَا يُفِيدَ التَّشْرِيكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ تَغْيِيرٌ لِكَلَامٍ لَا حُكْمَ لَهُ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَصَرْفُهُ إلَى الْكُلِّ) تَنَزُّلٌ بَعْدَ إثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ إلَى صُورَةٍ جُزْئِيَّةٍ وَقَعَ فِيهَا النِّزَاعُ وَكَثُرَ فِيهَا الْكَلَامُ، وَهِيَ آيَةُ الْقَذْفِ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى جُمَلٍ ثَلَاثٍ هِيَ فَاجْلِدُوا، وَلَا تَقْبَلُوا {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] وَاسْتُدِلَّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ جُمْلَةَ، وَلَا تَقْبَلُوا مُنْقَطِعَةً عَنْ جُمْلَةِ فَاجْلِدُوا مَعَ أَنَّ كَوْنَهَا مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى وَجَعَلَ جُمْلَةَ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ، وَلَا تَقْبَلُوا مَعَ أَنَّهَا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ إخْبَارِيَّةٌ ظَاهِرُهَا الِاسْتِئْنَافُ بَيَانًا لِحَالِ الْقَاذِفِينَ وَجَرِيمَتِهِمْ غَيْرُ صَالِحَةٍ أَنْ تَكُونَ جَزَاءً لِلْقَذْفِ وَتَتْمِيمًا لِلْحَدِّ، وَلَا تَقْبَلُوا فِعْلِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ مَسُوقَةٌ جَزَاءً لِلْقَذْفِ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْفِسْقِ وَلَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ الْجَلْدَ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْأَخِيرَتَيْنِ، وَقَطَعَ، وَلَا تَقْبَلُوا عَنْ فَاجْلِدُوا إذْ لَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَيْهِ لَسَقَطَ الْجَلْدُ عَنْ التَّائِبِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ مِنْ صَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ، وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ لَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْبَلُوا عَطْفٌ عَلَى فَاجْلِدُوا إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِعْلٌ يَلْزَمُ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَتُهُ لَا حُرْمَةُ فِعْلٍ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْجَلْدُ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَلِهَذَا أَسْقَطَهُ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ وَصَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ عِنْدَهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ يُعْدَلُ عَنْهُ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ وَظُهُورِ الْمَانِعِ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى هُوَ الَّذِينَ تَابُوا، وَأَصْلَحُوا وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِصْلَاحِ الِاسْتِحْلَالُ وَطَلَبُ عَفْوِ الْمَقْذُوفِ، وَعِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الْجَلْدُ أَيْضًا فَيَصِحُّ صَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ) مُبْتَدَأَةٌ غَيْرُ وَاقِعَةٍ مَوْقِعَ الْجَزَاءِ بَلْ هِيَ إزَالَةٌ لِمَا عَسَى أَنْ يُسْتَبْعَدَ مِنْ صَيْرُورَةِ الْقَذْفِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ مَعَ أَنَّ الْقَذْفَ خَبَرٌ
(2/60)

جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مَصْرُوفًا إلَى قَوْلِهِ: وَلَا تَقْبَلُوا، وَقَوْلِهِ: وَأُولَئِكَ لَا إلَى قَوْلِهِ: فَاجْلِدُوا حَتَّى أَنَّ الْجَلْدَ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
وَعَدَمَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَالْفِسْقَ يَسْقُطَانِ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَهُ، وَالْجُمَلُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي آيَةِ الْقَذْفِ هِيَ قَوْلُهُ: فَاجْلِدُوا، وَقَوْلُهُ: وَلَا تَقْبَلُوا، وَقَوْلُهُ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] وَنَحْنُ جَعَلْنَا الْأَوَّلَيْنِ جَزَاءً؛ لِأَنَّهُمَا أُخْرِجَا بِلَفْظِ الطَّلَبِ مُفَوَّضَيْنِ إلَى الْأَئِمَّةِ وَجَعَلْنَا " وَأُولَئِكَ " مُسْتَأْنَفًا؛ لِأَنَّهَا بِطَرِيقِ الْإِخْبَارِ، وَالِاسْتِثْنَاءَ مَصْرُوفًا إلَى أُولَئِكَ.

(وَمِنْ أَقْسَامِ بَيَانِ التَّغْيِيرِ الشَّرْطُ، وَقَدْ مَرَّ) أَيْ: فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ. (وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ يَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ: بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ إلَّا نِصْفَ الْعَبْدِ أَنَّهُ يَقَعُ الْبَيْعُ عَلَى النِّصْفِ بِأَلْفٍ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِعْت نِصْفَ الْعَبْدِ بِأَلْفٍ. (وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَهُ يَقَعُ عَلَى النِّصْفِ بِخَمْسِمِائَةٍ فَكَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِفَائِدَةِ تَقْسِيمِ الثَّمَنِ ثُمَّ يَخْرُجُ، وَلَا يَفْسُدُ بِهَذَا الشَّرْطِ) ؛ لِأَنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، وَالْكَذِبَ، وَرُبَّمَا يَكُونُ حِسْبَةً يَعْنِي أَنَّهُمْ الْفَاسِقُونَ الْعَاصُونَ بِهَتْكِ سِتْرِ الْعِفَّةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ حِينَ عَجَزُوا عَنْ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَكُونَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِسَبَبِ الْفِسْقِ فَتُقْبَلُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِزَوَالِ الْفِسْقِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُعْطَفُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْوَاوِ بَلْ رُبَّمَا يَذْكُرُ الْفَاءَ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِهَا عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ فَإِنْ قِيلَ الْوَاوُ لِمُجَرَّدِ النَّسَقِ، وَالنَّظْمِ دُونَ الْعَطْفِ عَلَى حُكْمٍ قُلْنَا فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ إذَا جَعَلْنَاهَا فِي مَعْرِضِ الْعِلَّةِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهُ أَقْرَبُ

(قَوْلُهُ: وَمِنْ أَقْسَامِ بَيَانِ التَّغْيِيرِ الشَّرْطُ) أَمَّا أَنَّهُ تَغْيِيرٌ فَلِأَنَّهُ غَيَّرَ الصِّيغَةَ عَنْ أَنْ تَصِيرَ إيقَاعًا، وَيَثْبُتُ مُوجَبُهَا، وَأَمَّا أَنَّهُ بَيَانٌ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْإِيجَابِ فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكَلُّمِ بِالْعِلَّةِ مَعَ تَرَاخِي الْحُكْمِ كَبَيْعِ الْخِيَارِ، وَبِالشَّرْطِ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْمُحْتَمَلَ مُرَادٌ، وَذَهَبَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّهُ بَيَانُ تَبْدِيلٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى أَنْتَ حُرٌّ نُزُولُ الْعِتْقِ فِي الْمَحَلِّ وَاسْتِقْرَارُهُ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ بِنَفْسِهِ فَبِالشَّرْطِ يَتَبَدَّلُ ذَلِكَ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ تَامَّةٍ، وَلَا إيجَابَ لِلْعِتْقِ بَلْ يَمِينٌ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ تَغْيِيرٌ لَا تَبْدِيلٌ إذْ لَمْ يَخْرُجْ كَلَامُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا بِالْوَاجِبِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِيجَابِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فِي بَعْضِ الْجُمْلَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى مُوجَبًا فِيهِ لَا فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَآلِ، وَالتَّعْلِيقُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فِي الْحَالِ لَا فِي الْمَآلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَفْسُدُ) أَيْ: الْبَيْعُ الْوَاقِعُ بِقَبُولِهِ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ مِنْك بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ كَوْنُ نِصْفِهِ لَهُ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ كَلِمَةَ عَلَى تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ مَعَ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِالتَّحْقِيقِ لَيْسَ بَيْعًا بِالشَّرْطِ بَلْ هُوَ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ شَيْئَيْنِ أَيْ: أَحَدِ النِّصْفَيْنِ مِنْ نِصْفَيْ الْعَبْدِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ جِهَةٍ
(2/61)

بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ شَيْئَيْنِ

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ، وَهُوَ النَّسْخُ وَالْبَحْثُ هُنَا فِي تَعْرِيفِهِ وَجَوَازِهِ، وَمَحَلِّهِ وَشَرْطِهِ. وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخِ: وَهُوَ أَنْ يَرِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مُتَرَاخِيًا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُقْتَضِيًا خِلَافَ حُكْمِهِ وَلَمَّا كَانَ الشَّارِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مُؤَقَّتٌ إلَى وَقْتِ كَذَا كَانَ دَلِيلُ الثَّانِي بَيَانًا مَحْضًا لِمُدَّةِ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ، وَلَمَّا كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ مُطْلَقًا كَانَ الْبَقَاءُ فِيهِ أَصْلًا عِنْدَنَا لِجَهْلِنَا عَنْ مُدَّتِهِ فَالثَّانِي يَكُونُ تَبْدِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِنَا كَالْقَتْلِ بَيَانٌ لِلْأَجَلِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ، وَفِي حَقِّنَا تَبْدِيلٌ.

(وَهُوَ جَائِزٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْيَهُودِ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بَاطِلٌ نَقْلًا، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ عَقْلًا، وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ مُسْلِمٍ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّرَائِعَ الْمَاضِيَةَ لَمْ تَرْتَفِعْ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَتِلْكَ الشَّرَائِعُ بَاقِيَةٌ كَمَا كَانَتْ لَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يُجَوِّزُوا النَّسْخَ لَمْ يَرَوْا هَذَا الْمَعْنَى بَلْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فَأَفَادَ تَوْزِيعَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَقِيقَةً فَلَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ الْإِزَالَةُ يُقَالُ: نَسَخَتْ الشَّمْسُ الظِّلَّ أَيْ: أَزَالَتْهُ، وَالنَّقْلُ يُقَالُ: نَسَخْت الْكِتَابَ أَيْ: نَقَلْت مَا فِيهِ إلَى آخَرَ وَنَسَخْت النَّخْلَ نَقَلْتهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَمِنْهُ الْمُنَاسَخَاتُ فِي الْمَوَارِيثِ لِانْتِقَالِ الْمَالِ مِنْ وَارِثٍ إلَى وَارِثٍ، وَفِي الشَّرْعِ هُوَ أَنْ يَرِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مُتَرَاخِيًا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُقْتَضِيًا خِلَافَ حُكْمِهِ أَيْ: حُكْمِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ فَخَرَجَ التَّخْصِيصُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَرَاخِيًا وَخُرُوجُ وَوُرُودُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ مُقْتَضِيًا خِلَافَ حُكْمِ الْعَقْلِ مِنْ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِخِلَافِ حُكْمِهِ مَا يُدَافِعُهُ وَيُنَافِيهِ لَا مُجَرَّدُ الْمُغَايَرَةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَنَكَّرَ الدَّلِيلَ لِيَشْمَلَ الْكِتَابَ، وَالسُّنَّةَ قَوْلًا، وَفِعْلًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ وَخَرَجَ مَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْإِنْسَاءِ، وَالْإِذْهَابِ عَنْ الْقُلُوبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِدَ دَلِيلٌ وَكَذَا نَسْخُ التِّلَاوَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْرِيفُ النَّسْخِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَحْكَامِ عَلَى أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلدَّلِيلِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ النَّاسِخِيَّةُ لَا مِنْ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْمَنْسُوخِيَّةُ، وَقَدْ يُطْلَقُ النَّسْخُ بِمَعْنَى النَّاسِخِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ قَالَ: هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ بَاقِيًا ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الشَّارِعِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ قَالَ هُوَ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ لَا يُقَالُ: مَا ثَبَتَ فِي الْمَاضِي لَا يُتَصَوَّرُ بُطْلَانُهُ لِتَحَقُّقِهِ قَطْعًا، وَمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ فَكَيْفَ يَبْطُلُ فَأَيًّا مَا كَانَ لَا رَفْعَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفْعِ الْبُطْلَانَ بَلْ زَوَالَ مَا نَظُنُّ مِنْ التَّعَلُّقِ بِالْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا النَّاسِخُ لَكَانَ فِي عُقُولِنَا ظَنُّ التَّعَلُّقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَبِالنَّاسِخِ زَالَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ الْمَظْنُونُ.
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الشَّارِعُ) يَعْنِي أَنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ لِلْمُدَّةِ بِالنَّظَرِ إلَى عِلْمِ اللَّهِ وَتَبْدِيلٌ بِالنَّظَرِ إلَى عِلْمِنَا حَيْثُ ارْتَفَعَ بَقَاءُ مَا كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَهُ عِنْدَنَا

(قَوْلُهُ: وَنَحْنُ
(2/62)

مُرَادُهُمْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُؤَقَّتَةٌ إلَى وَقْتِ وُرُودِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ إذْ ثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ مُوسَى وَعِيسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَشَّرَا بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَأَوْجَبَا الرُّجُوعَ إلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ، وَإِذَا كَانَ مُؤَقَّتًا الْأَوَّلُ لَا يُسَمَّى الثَّانِي نَاسِخًا وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ نَسْخًا بِقَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] الْآيَةَ.
(أَمَّا النَّقْلُ فَفِي التَّوْرَاةِ تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَادَّعَوْا نَقْلَهُ تَوَاتُرًا، وَيَدَّعُونَ النَّقْلَ عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ لَا نَسْخَ لِشَرِيعَتِهِ) قُلْنَا هَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِوُجُودِ التَّحْرِيفِ.
(وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّهُ يُوجِبُ كَوْنَ الشَّيْءِ مَأْمُورًا بِهِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ فَيَكُونُ حَسَنًا وَقَبِيحًا؛ وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ الْبَدَاءَ وَالْجَهْلَ بِالْعَوَاقِبِ، وَلَنَا أَنَّ حِلَّ الْأَخَوَاتِ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
نَقُولُ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ النَّسْخِ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ التَّنْزِيلُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي وُرُودِ نَصٍّ يَقْتَضِي حُكْمًا مُخَالِفًا لِمَا يَقْتَضِيهِ نَصٌّ سَابِقٌ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى تَوْقِيتٍ بَلْ جَارٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ التَّأْبِيدُ، وَلِهَذَا كَانَ تَفْصِي الْمُخَالِفَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ارْتِفَاعِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً إلَى ظُهُورِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا مُطْلَقَةً يُفْهَمُ مِنْهُ التَّأْبِيدُ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] الْآيَةَ لَا يُنَافِي ذَلِكَ بَلْ الْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ بِشَارَةَ مُوسَى، وَعِيسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِشَرْعِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَإِيجَابَهُمَا الرُّجُوعَ إلَيْهِ يَقْتَضِيَانِ تَوْقِيتَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُفَسِّرًا أَوْ مُقَرِّرًا أَوْ مُبَدِّلًا لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ التَّوْقِيتُ بَلْ هِيَ مُطْلَقَةٌ يُفْهَمُ مِنْهَا التَّأْبِيدُ فَتَبْدِيلُهَا يَكُونُ نَسْخًا، وَلَوْ سُلِّمَ فَمِثْلُ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ كَانَ مُطْلَقًا فَرُفِعَ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا النَّقْلُ:) الْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِ نَسْخِ شَرِيعَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَقْلًا تَمَسَّكُوا بِكِتَابِهِمْ، وَقَوْلِ نَبِيِّهِمْ وَادَّعَوْا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ أَمَّا الْكِتَابُ فَمَا نَقَلُوا أَنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ أَيْ: بِالْعِبَادَةِ فِيهِ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَلَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ بَيْنَ السَّبْتِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَمَا نَقَلُوا عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ هَذِهِ شَرِيعَةٌ مُؤَبَّدَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي لَفْظِ الِادِّعَاءِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ، وَهُوَ مَنْعُ التَّوَاتُرِ، وَالْوُثُوقُ عَلَى كِتَابِهِمْ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ التَّحْرِيفِ وَاخْتِلَافِ النُّسَخِ وَتَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ كَيْفَ وَلَمْ يَبْقَ فِي زَمَنِ بُخْتُ نَصَّرَ مِنْ الْيَهُودِ عَدَدٌ يَكُونُ إخْبَارُهُمْ مُتَوَاتِرًا وَخَبَرُ تَأْبِيدِ شَرِيعَةِ مُوسَى مِمَّا افْتَرَاهُ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ لِيُعَارِضَ بِهِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ مِنْ نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَاشْتَهَرَ مُعَارَضَتُهُمْ بِهِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى دَفْعِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَالْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِ النَّسْخِ عَقْلًا تَمَسَّكُوا بِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُوجِبُ كَوْنَ الشَّيْءِ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ فَيَلْزَمُ حُسْنُهُ، وَقُبْحُهُ لِذَاتِهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الثَّانِي: أَنَّ
(2/63)

شَرِيعَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَحِلَّ الْجُزْءِ أَيْ: حَوَّاءَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ ثُمَّ نُسِخَ فِي غَيْرِ شَرِيعَتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالِاسْتِصْحَابِ، فَلَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ الدَّلِيلُ الثَّانِي بَيَانٌ لِمُدَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً لَنَا، وَقَوْلُهُمْ بِأَنَّ الْبَقَاءَ بِالِاسْتِصْحَابِ مَعَ أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ نَصٌّ مَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حُجَّةً إلَّا فِي وَقْتِ نُزُولِهِ فَأَمَّا بَعْدَهُ، فَلَا. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا إمَّا بِالْتِزَامِ الِاحْتِجَاجِ بِمِثْلِ هَذَا الِاسْتِصْحَابِ أَيْ: فِي كُلِّ صُورَةٍ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُغَيَّرْ، وَإِمَّا بِأَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةٍ مُوجَبَةٍ قَطْعًا إلَى زَمَانِ نُزُولِ النَّاسِخِ فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ الْمَذْكُورُ)
اعْلَمْ أَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجَابَ عَنْ قَوْلِهِمْ: أَنَّهُ يُوجِبُ كَوْنَ الشَّيْءِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَمَأْمُورًا بِهِ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ لَا لِلْبَقَاءِ، إنَّمَا الْبَقَاءُ بِالِاسْتِصْحَابِ، فَلَا يَلْزَمُ كَوْنُ الشَّيْءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
النَّسْخَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِدُونِ مَصْلَحَةٍ لِامْتِنَاعِ الْعَبَثِ عَلَى الْحَكِيمِ تَعَالَى بَلْ يَكُونُ لِحِكْمَةٍ خَفِيَتْ أَوَّلًا فَظَهَرَتْ ثَانِيًا، وَهَذَا رُجُوعٌ عَنْ الْمَصْلَحَةِ الْأَوْلَى بِالِاطِّلَاعِ عَلَى مَصْلَحَةٍ أُخْرَى فَيَلْزَمُ الْبَدَاءُ وَالْجَهْلُ وَكِلَاهُمَا مُحَالَانِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلَّ أَوَّلًا عَلَى ثُبُوتِ النَّسْخِ بِمَا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلَى الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ نَسْخُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ فِي زَمَنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْقَوْلَ بِتَأْبِيدِ شَرِيعَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِدَلِيلِ نَقْلِيٍّ لَا يُقَالُ: الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ كَانَتْ جَائِزَةً بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَرَفْعُهَا لَا يَكُونُ نَسْخًا وَلَوْ سُلِّمَ كَانَتْ فِي حَقِّ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً إلَى ظُهُورِ شَرِيعَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ وَاحْتِمَالُ التَّقْيِيدِ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ، فَلَا يُعْبَأُ بِهِ، وَالْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ عِنْدَنَا بِالشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي زَمَانٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ فَرَفْعُهَا يَكُونُ نَسْخًا لَا مَحَالَةَ.
وَأَجَابَ ثَانِيًا عَنْ دَلِيلِ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ النَّسْخِ عَقْلًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ، وَأَشَارَ ثَالِثًا إلَى بُطْلَانِ دَلِيلِهِمْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ تَبَدُّلُ الْأَفْعَالِ حُسْنًا، وَقُبْحًا بِحَسْبِ تَبَدُّلِ الْأَزْمَانِ، وَالْأَحْوَالِ، وَالْأَشْخَاصِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِي) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الِاعْتِرَاضُ إنَّمَا هُوَ عَلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ قَائِلٌ بِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا، وَكَوْنُهُ حُجَّةً فِي صُورَةٍ مَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ مَذْهَبِهِ، فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ، وَكَذَا الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِأَنَّ الْبَقَاءَ بِالِاسْتِصْحَابِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْبَقَاءَ لَيْسَ لِلِاسْتِصْحَابِ يَكُونُ دَفْعًا لِكَلَامِهِ لَا تَوْجِيهًا لَهُ

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَحَلُّهُ) أَيْ: مَحَلُّ النَّسْخِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَرْعِيٌّ لَمْ يَلْحَقْهُ تَأْبِيدٌ، وَلَا تَوْقِيتٌ فَخَرَجَ الْأَحْكَامُ الْعَقْلِيَّةُ، وَالْحِسِّيَّةُ، وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ أَوْ الْوَاقِعَةِ فِي الْحَالِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ مِمَّا يُؤَدِّي نَسْخُهُ إلَى كَذِبٍ أَوْ جَهْلٍ بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ عَنْ حِلِّ الشَّيْءِ أَوْ حُرْمَتِهِ
(2/64)

مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْبَقَاءُ بِالِاسْتِصْحَابِ. وَالِاسْتِصْحَابُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ عُلَمَائِنَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ نَصٌّ مَا فِي زَمَنِ حَيَاةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حُجَّةً لَا فِي حَالَةِ نُزُولِهِ، وَلَا يَكُونَ حُجَّةً بَعْدَهَا، وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَاهُ بِزَمَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّ بِوَفَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ارْتَفَعَ احْتِمَالُ النَّسْخِ وَبَقِيَ الشَّرَائِعُ الَّتِي قُبِضَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيْهَا حُجَّةً قَطْعِيَّةً مُؤَبَّدَةً. وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِي عَنْ هَذَا النَّظَرِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ نَلْتَزِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِصْحَابِ حُجَّةٌ أَيْ: كُلُّ اسْتِصْحَابٍ يَكُونُ فِيهِ عَدَمُ التَّغْيِيرِ مَعْلُومًا فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حُكْمٌ فَثُبُوتُهُ بِالنَّصِّ وَبَقَاؤُهُ بِالِاسْتِصْحَابِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مُغَيِّرٌ إذْ لَوْ نَزَلَ لَبَيَّنَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فَمِثْلُ الِاسْتِصْحَابِ يَكُونُ حُجَّةً.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّا لَا نَقُولُ: إنَّ الْبَقَاءَ بِالِاسْتِصْحَابِ بَلْ النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةٍ مُوجَبَةٍ قَطْعًا إلَى زَمَانِ نُزُولِ النَّاسِخِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَأْمُورًا بِهِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْأَوَّلَ حُكْمُهُ مُؤَقَّتٌ إلَى زَمَانِ نُزُولِ النَّاسِخِ فَإِذَا نَزَلَ النَّاسِخُ فَلَمْ يَبْقَ مُوجَبُ الْأَوَّلِ، وَهَذَا عَيْنُ مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الشَّارِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مُؤَقَّتٌ إلَخْ، فَلَا يُحْتَاجُ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مِثْلَ هَذَا حَلَالٌ، وَذَاكَ حَرَامٌ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّأْبِيدِ دَوَامُ الْحُكْمِ مَا دَامَتْ دَارُ التَّكْلِيفِ، وَلِهَذَا كَانَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَأْبِيدًا لَا تَوْقِيتًا فَإِنْ قِيلَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ صِيَغُ التَّأْبِيدِ فِي الْمُكْثِ الطَّوِيلِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ الْحُكْمَ تَأْبِيدٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الدَّوَامُ، وَيَكُونُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى طُولَ الزَّمَانِ، فَيَرِدُ دَلِيلٌ يُبَيِّنُ انْتِهَاءَهُ فَيَكُونُ نَسْخًا فِي حَقِّنَا.
قُلْنَا حَقِيقَةُ التَّأْبِيدِ هُوَ الدَّوَامُ وَاسْتِمْرَارُ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ مَجَازٌ لَا مَسَاغَ لَهُ بِدُونِ الْقَرِينَةِ وَبَعْدَ الدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ كَانَ رَفْعُهُ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ، وَهُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. هَذَا إذَا كَانَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا لِلْحُكْمِ كَالْوُجُوبِ مَثَلًا أَمَّا إذَا كَانَ قَيْدًا لِلْوَاجِبِ مِثْلَ صُومُوا أَبَدًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ إذْ لَا يَزِيدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جُزْئِيَّاتِ الزَّمَانِ عَلَى دَلَالَةِ قَوْلِنَا صُمْ غَدًا عَلَى صَوْمِ غَدٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ فَإِنْ قِيلَ التَّأْبِيدُ يُفِيدُ الدَّوَامَ، وَالنَّسْخُ يَنْفِيهِ فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ قُلْنَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ مُقَيَّدٍ بِالْأَبَدِ، وَعَدَمِ أَبَدِيَّةِ التَّكْلِيفِ بِهِ كَمَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ صَوْمٍ مُقَيَّدٍ بِزَمَانٍ، وَأَنْ لَا يُوجَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَمَا يُقَالُ: صُمْ غَدًا ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ كَمَا يُكَلَّفُ بِصَوْمِ غَدٍ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ غَدٍ، فَلَا يُوجَدُ التَّكْلِيفُ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ قَوْلَهُ صُمْ أَبَدًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَوْمَ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِ رَمَضَانَ إلَى الْأَبَدِ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِ لِلْوُجُوبِ بِالِاسْتِمْرَارِ إلَى الْأَبَدِ فَلَمْ يَكُنْ رَفْعُ الْوُجُوبِ بِمَعْنَى عَدَمِ
(2/65)

الْمَذْكُورِ إلَى أَنْ نَقُولَ: إنَّ الْبَقَاءَ بِالِاسْتِصْحَابِ (وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَهُوَ كَالْإِحْيَاءِ ثُمَّ الْإِمَاتَةُ، وَأَيْضًا يُمْكِنُ حُسْنُ الشَّيْءِ، وَقُبْحُهُ فِي زَمَانَيْنِ) .

(وَأَمَّا مَحَلُّهُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ إمَّا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ النَّسْخَ فِي نَفْسِهِ كَالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ) مِثْلَ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَمْثَالِهَا (وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا) كَالْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ وَالْإِخْبَارَاتِ عَنْ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ أَوْ الْحَاضِرَةِ أَوْ الْمُسْتَقْبَلَةِ نَحْوَ {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ} [الحجر: 30] .
(وَإِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ كَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ هَذَا إمَّا إنْ لَحِقَهُ تَأْبِيدٌ نَصًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} [آل عمران: 55] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أَوْ دَلَالَةً كَالشَّرَائِعِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهَا مُؤَبَّدَةٌ بِدَلَالَةِ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ أَوْ تَوْقِيتٌ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: تَأْبِيدٌ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا إنْ لَحِقَهُ تَأْبِيدٌ.
(فَإِنَّ النَّسْخَ قَبْلَ تَمَامِ الْوَقْتِ بَدَاءٌ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا عَنْهُمَا) أَيْ: عِنْدَ التَّأْبِيدِ وَالتَّوْقِيتِ.
(فَاَلَّذِي يَجْرِي فِيهِ النَّسْخُ هَذَا فَقَطْ، وَأَمَّا شَرْطُهُ فَالتَّمَكُّنُ مِنْ الِاعْتِقَادِ كَافٍ لَا حَاجَةَ إلَى التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفِعْلُ فَقَبْلَ حُصُولِهِ يَكُونُ بَدْءًا، وَلَنَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُمِرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
اسْتِمْرَارِهِ مُنَاقِضًا لَهُ، وَذَلِكَ كَمَا تَقُولُ: صُمْ كُلَّ رَمَضَانَ.
فَإِنَّ جَمِيعَ الرَّمَضَانَاتِ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْخِطَابِ، وَإِذَا مَاتَ انْقَطَعَ الْوُجُوبُ قَطْعًا وَلَمْ يَكُنْ نَفْيًا؛ لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِشَيْءٍ مِنْ الرَّمَضَانَاتِ وَتَنَاوُلِ الْخِطَابَاتِ لَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَمَانُ الْوَاجِبِ غَيْرَ زَمَانِ الْوُجُوبِ فَقَدْ يَتَقَيَّدُ الْأَوَّلُ بِالْأَبَدِ دُونَ الثَّانِي فَإِنْ قُلْتَ قَوْله تَعَالَى {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} [آل عمران: 55] مِنْ قَبِيلِ الْإِخْبَارِ فَكَيْفَ جَعَلَهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. قُلْتَ: مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حُكْمُ وُجُوبِ تَقَدُّمِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ فِي بَابِ الشَّرَفِ، وَالْكَرَامَةِ كَالشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا.
(قَوْلُهُ: فَذَبْحُ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُمِرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ ثُمَّ نُسِخَ بِوُرُودِ الْفِدَاءِ بِذَبْحِ الشَّاةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] ، وَالْفِدَاءُ إنَّمَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ مُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهَا.
وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ الذَّبْحُ مَأْمُورًا بِهِ لَامْتَنَعَ شَرْعًا وَعَادَةً اشْتِغَالُهُ بِذَلِكَ، وَإِقْدَامُهُ عَلَى التَّرْوِيعِ، وَإِمْرَارُهُ الْمُدْيَةَ عَلَى حَلْقِ الْوَلَدِ وَتَلُّهُ لِلْجَبِينِ.
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْسَخْ لَكَانَ تَرْكُهُ مَعْصِيَةً فَإِنْ قِيلَ قَدْ وُجِدَ الذَّبْحُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ذَبَحَ وَكَانَ كُلَّمَا قَطَعَ شَيْئًا يَلْتَحِمُ عَقِيبَ الْقَطْعِ قُلْنَا هَذَا خِلَافُ الْعَادَةِ، وَالظَّاهِرِ وَلَمْ يُنْقَلْ نَقْلًا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَوْ كَانَ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْفِدَاءِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا النَّسْخَ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ كَمَا فِي نَسْخِ الصَّلَوَاتِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ الذَّبْحِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِمَانِعٍ مِنْ الْخَارِجِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ قَبْلَ الْفِعْلِ فَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ
(2/66)

لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِخَمْسِينَ صَلَاةً ثُمَّ نُسِخَ الزَّائِدُ عَلَى الْخَمْسِ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُوَ الِاعْتِقَادَ فَقَطْ أَوْ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا، وَهُنَا) أَيْ: فِي صُورَةٍ يَكُونُ الْمَقْصُودُ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا.
(الِاعْتِقَادُ أَقْوَى فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً كَمَا فِي الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ) أَيْ: الِاعْتِقَادُ (لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِخِلَافِ الْعَمَلِ) فَإِنَّ الْعَمَلَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْقُطَ بِعُذْرٍ كَالْإِقْرَارِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهَا (فَذَبْحُ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) أَيْ: مِنْ قَبِيلِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ عِنْدَ الْبَعْضِ.
(وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَيْسَ بِنَسْخٍ فَإِنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَا يَكُونُ نَسْخًا) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ تَقْرِيرِ الْأَصْلِ عَلَى مَا كَانَ (وَإِنَّمَا أُمِرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ ابْتِلَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ الْأَمْرُ بِالْفِدَاءِ حَرَّمَ الْأَصْلَ فَيَكُونُ نَسْخًا) هَذَا إشْكَالٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ ذَبْحَ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَيْسَ بِنَسْخٍ (قُلْنَا لَمَّا قَامَ الْغَيْرُ مَقَامَهُ عَادَ الْحُرْمَةُ الْأَصْلِيَّةُ) .

(وَأَمَّا النَّاسِخُ فَهُوَ إمَّا الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ لَا الْقِيَاسُ عَلَى مَا يَأْتِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مَا مَضَى.
وَلِذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ نَسْخٍ وَاقِعٍ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا كَانَ يُقَدَّرُ وُقُوعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَنْعَطِفُ عَلَى مُقَدَّمِ سِيَاقٍ بَلْ الْغَرَضُ أَنَّهُ إذَا فُرِضَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِشَيْءٍ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ وَقْتِ اتِّصَالِ الْأَمْرِ بِهِ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِفِعْلٍ ظَاهِرٍ فِي الِاسْتِمْرَارِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى بِشَيْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: حُجُّوا هَذِهِ السَّنَةَ وَصُومُوا غَدًا ثُمَّ قَالَ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْحَجِّ وَالْغَدِ: لَا تَحُجُّوا أَوْ لَا تَصُومُوا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ إذْ لَا رَفْعَ هُنَا، وَلَا بَيَانَ لِلِانْتِهَاءِ، وَإِنَّمَا اسْتِخْلَافٌ، وَجَعَلَ ذَبْحَ الشَّاةِ بَدَلًا عَنْ ذَبْحِ الْوَلَدِ إذْ الْفِدَاءُ اسْمٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي قَبُولِ مَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ مِنْ الْمَكْرُوهِ يُقَالُ: فَدَيْتُكَ نَفْسِي أَيْ: قَبِلْت مَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْكَ مِنْ الْمَكْرُوهِ.
وَلَوْ كَانَ ذَبْحُ الْوَلَدِ مُرْتَفِعًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى قِيَامِ شَيْءٍ مَقَامَهُ وَحَيْثُ قَامَ الْخَلَفُ مَقَامَ الْأَصْلِ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِثْمُ فَإِنْ قِيلَ هَبْ أَنَّ الْخَلَفَ قَامَ مَقَامَ الْأَصْلِ لَكِنَّهُ اسْتَلْزَمَ حُرْمَةَ الْأَصْلِ أَعْنِي ذَبْحَ الْوَلَدِ، وَتَحْرِيمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ نَسْخٌ لَا مَحَالَةَ. فَجَوَابُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ نَسْخًا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ حُرْمَةَ ذَبْحِ الْوَلَدِ ثَابِتَةٌ فِي الْأَصْلِ فَزَالَتْ بِالْوُجُوبِ ثُمَّ عَادَتْ بِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ الْوَلَدِ، فَلَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا حَتَّى يَكُونَ ثُبُوتُهَا نَسْخًا لِلْوُجُوبِ

[بَيَانُ النَّاسِخِ]
(قَوْلُهُ: لَا الْقِيَاسُ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّعَدِّي إلَى فَرْعٍ لَا نَصَّ فِيهِ. (قَوْلُهُ: فَلَا نَسْخَ حِينَئِذٍ) أَيْ: بَعْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ صَارَتْ مُؤَبَّدَةً بِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ سَقَطَ نَصِيبُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَثَبَتَ حَجْبُ الْأُمِّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ
(2/67)

وَلَا الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَكُونُ مِنْ بَابِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِبَيَانِ الشَّرَائِعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَا نَسْخَ حِينَئِذٍ فَيَكُونُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفَسَادِ الْأَخِيرَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ (وَالسُّنَّةُ دُونَهُ) أَيْ: دُونَ الْكِتَابِ.
(وقَوْله تَعَالَى {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] وَلِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ» الْحَدِيثَ) أَوَّلُهُ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَاقْبَلُوهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَرُدُّوهُ» .
(وَلِأَنَّهُ إنْ نُسِخَ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ يَقُولُ الطَّاعِنُ خَالَفَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّهِ، وَإِنْ نُسِخَ السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ يَقُولُ كَذَّبَهُ رَبُّهُ، فَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
بِالْأَخَوَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تُحْجَبُ بِالْإِخْوَةِ دُونَ الْأَخَوَيْنِ.
قُلْنَا نَصِيبُ الْمُؤَلَّفَةِ سَقَطَ لِسُقُوطِ سَبَبِهِ لَا لِوُرُودِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ عَلَى ارْتِفَاعِهِ، وَدَلَالَةُ النَّصِّ عَلَى عَدَمِ الْحَجْبِ بِالْأَخَوَيْنِ تُبْتَنَى عَلَى كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً وَكَوْنِ أَقَلِّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةً، وَلَا قَطْعَ بِذَلِكَ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ نَسْخَ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ جَائِزٌ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُمَا، وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ لِمَصْلَحَةٍ ثُمَّ تَتَبَدَّلُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ فَيَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ نَاسِخٌ لَهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا ظُهُورُهُ لِاسْتِلْزَامِهِ إجْمَاعَهُمْ أَوَّلًا عَلَى الْخَطَأِ مَعَ لُزُومِ كَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي قِيَاسًا قُلْنَا؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ عَدَمُ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ بِالْإِجْمَاعِ هُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ النَّسْخِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُخَالِفَ لِلنَّصِّ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إلَى نَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى النَّصِّ الْأَوَّلِ الَّذِي نَجْعَلُهُ مَنْسُوخًا بِهِ لَا يُقَالُ: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّاسِخُ هُوَ النَّصُّ الرَّاجِحُ لَا الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَجُوزُ أَنْ لَا يُعْلَمَ تَرَاخِي ذَلِكَ النَّصِّ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ نَاسِخًا بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَرَاخِيًا لَا مَحَالَةَ فَيَصْلُحُ نَاسِخًا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَى هَذَا) يَعْنِي أَشَارَ بِقَوْلِهِ: تَعَالَى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} [النساء: 11] إلَى أَنَّ الْإِيصَاءَ الَّذِي فَوَّضَ إلَى الْعِبَادِ قَدْ تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ لِعِلْمِهِ بِجَهْلِ الْعِبَادِ، وَعَجْزِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِهِ فَصَارَ بَيَانُ الْمَوَارِيثِ كَأَنَّهُ الْإِيصَاءُ، وَكَذَا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» مُشْعِرٌ بِأَنَّ ارْتِفَاعَ وَصِيَّةِ الْوَارِثِ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ شَرْعِيَّةِ الْمِيرَاثِ كَمَا يُقَالُ: زَارَنِي
(2/68)

نُصَدِّقُهُ فَالتَّعَاوُنُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى، وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أَيْ: عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ (بِأَنَّهُ نُسِخَ قَوْله تَعَالَى {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] أَوَّلُ الْآيَةِ قَوْلُهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180] (بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ} [البقرة: 231] الْآيَةَ) أَوَّلُ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا} [النساء: 15] نُسِخَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» وَلَكِنَّ هَذَا فَاسِدٌ (أَيْ: مَا مَرَّ مِنْ الِاحْتِجَاجَيْنِ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا فَاسِدٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى فَسَادِ الِاحْتِجَاجِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ إذْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فَأَكْرَمْتُهُ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الثَّابِتَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وُجُوبُ حَقٍّ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ حَقٍّ آخَرَ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَا رَافِعَ لِلْوَصِيَّةِ إلَّا السُّنَّةُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الْمَنْفِيَّ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ إنَّمَا هُوَ وُجُوبُ الْوَصِيَّةِ لَا جَوَازُهَا، وَالْجَوَازُ إنَّمَا انْتَفَى بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ضَرُورَةَ نَفْيِ أَصْلِ الْوَصِيَّةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ جَوَازَهَا لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ إبَاحَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَالثَّابِتُ بِالْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ الْوُجُوبُ الْمُرْتَفِعُ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ هَذَا مِمَّا يُتْلَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ قَوْله تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} [النساء: 15] قَدْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ فَهَذَا مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ، وَقَوْلُهُ: {فَأَمْسِكُوهُنَّ} [النساء: 15] بِالْعَكْسِ وَمَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا مُتَوَاتِرًا مَتْلُوًّا مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِفِ لَكِنَّهُ يُجْعَلُ مِنْ قِسْمِ الْكِتَابِ لَا السُّنَّةِ، وَلِذَا قَالَ عُمَرُ لَوْلَا أَنَّنِي أَخْشَى أَنْ يُقَالَ زَادَ عُمَرُ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ لَأَلْحَقْت الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إلَخْ بِالْمُصْحَفِ.
(قَوْلُهُ: فَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ) مُتَيَقَّنٌ فِيهِ بَحْثٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ سِوَى أَنَّهُ غَيْرُ مَتْلُوٍّ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ كَالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ آيَةَ التَّوَجُّهِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا نَزَلَتْ بَعْدَ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ فَإِنْ قِيلَ التَّوَجُّهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] قُلْنَا قَدْ ظَهَرَ انْتِسَاخُهُ بِالسُّنَّةِ حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَتَوَجَّهُ بِمَكَّةَ إلَى الْكَعْبَةِ.
(قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ) فِيهِ بَحْثٌ لِعَدَمِ النِّزَاعِ فِي أَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِ الرَّاوِي مِنْ غَيْرِ نَقْلِ حَدِيثٍ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهَا " حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ " ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ بِالْكِتَابِ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ قَوْله تَعَالَى
(2/69)

فِي الْأَوَّلِ فَوَّضَهَا إلَيْنَا ثُمَّ تَوَلَّى بِنَفْسِهِ بَيَانَ حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] ، قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى فَسَادِ الِاحْتِجَاجِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ:) : وَلِأَنَّ عُمَرَ قَالَ: إنَّ الرَّجْمَ كَانَ مِمَّا يُتْلَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَوْلُهُ: تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} [النساء: 15] لَمْ يُنْسَخْ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ» بَلْ نُسِخَ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا، وَكَانَ هَذَا مِمَّا يُتْلَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَنُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ فَسَادَ مَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ بِالْكِتَابِ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ الْحُجَّةَ الصَّحِيحَةَ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ فَقَالَ.
(وَالْحُجَّةُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى الْكَعْبَةِ وَبَعْدَمَا قَدِمَ إلَى الْمَدِينَةِ كَانَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ بِالْكِتَابِ نُسِخَ بِالسُّنَّةِ، وَالثَّانِي كَانَ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ بِالْكِتَابِ) .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ كَانَ يَتَوَجَّهُ إلَى الْكَعْبَةِ، وَلَا يُدْرَى أَنَّهُ كَانَ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ إلَى الْمَدِينَةِ تَوَجَّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَلَيْسَ هَذَا بِالْكِتَابِ بَلْ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] فَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
{إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} [الأحزاب: 50] وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو الْيُسْرِ إلَى أَنَّ حُرْمَةَ الزِّيَادَةِ عَلَى التِّسْعِ حُكْمٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52] بِمَنْزِلَةِ التَّأْبِيدِ إذْ الْبَعْدِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ تَتَنَاوَلُ الْأَبَدَ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ) فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالِاجْتِهَادِ قُلْتُ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْوَحْيِ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى الْخَطَأِ.
(قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ خَبَرٌ لَا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ مِنِّي، وَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى الدَّالَّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا.

[مَسْأَلَةٌ كَوْنُ النَّاسِخِ أَشَقَّ]
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَنْسُوخُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ فِي مَنْسُوخِ الْكِتَابِ إذْ الْحَدِيثُ لَيْسَ الْوَحْيَ الْمَتْلُوَّ حَتَّى يَكُونَ مَنْسُوخَ التِّلَاوَةِ بَلْ لَا يَجْرِي النَّسْخُ إلَّا فِي حُكْمِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَى الْكِتَابِ لَا بِنَظْمِهِ.
(قَوْلُهُ قَالُوا وَقَدْ يُرْفَعَانِ) بَحْثٌ اسْتِطْرَادِيٌّ يَعْنِي: كَمَا يُرْفَعُ الْحُكْمُ وَالتِّلَاوَةُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ حَتَّى يَكُونَ نَسْخًا وَقَدْ يُرْفَعَانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْوُجُوبِ وَنَحْوِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي ارْتِفَاعِ ذَلِكَ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ أَوْ بِإِذْهَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ الْعِلْمَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ إنَّمَا يَقُومُ بِالرُّوحِ وَهُوَ لَا يَفْنَى بِالْمَوْتِ فَلِذَا أَحَالَ هَذَا الْبَحْثَ عَلَى غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} [الأعلى: 6] {إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 7]
(2/70)

مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ) فَتَكُونُ السُّنَّةُ نَاسِخَةً لِقَوْلِهِ: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52] .
(وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بُعِثَ مُبَيِّنًا فَجَازَ لَهُ بَيَانُ مُدَّةِ حُكْمِ الْكِتَابِ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ بِوَحْيٍ مَتْلُوٍّ مُدَّةَ حُكْمٍ ثَبَتَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ وقَوْله تَعَالَى {نَأْتِ بِخَيْرٍ} [البقرة: 106] أَيْ: فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ دُونَ النَّظْمِ، وَإِنْ سُلِّمَ هَذَا لَكِنَّهَا إنَّمَا نُسِخَ حُكْمُهُ لَا نَظْمُهُ، وَهُمَا فِي الْحُكْمِ مِثْلَانِ) أَيْ: إنْ سُلِّمَ: أَنَّ الْمُرَادَ الْخَيْرِيَّةُ مِنْ حَيْثُ النَّظْمُ فَالسُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ نَظْمَ الْكِتَابِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالنَّظْمِ بَاقِيَةٌ كَمَا كَانَتْ بَلْ تَنْسَخُ حُكْمَهُ وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ مِثْلَانِ، وَإِنَّ الْكِتَابَ رَاجِحٌ فِي النَّظْمِ بِأَنَّ نَظْمَهُ مُعْجِزٌ وَتَثْبُتُ بِنَظْمِهِ أَحْكَامٌ كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
(وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] أَيْ: لَيْسَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْله تَعَالَى {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] .
(وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ» إذَا أَشْكَلَ تَارِيخُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصِّحَّةِ بِحَيْثُ يُنْسَخُ بِهِ الْكِتَابُ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ) ، وَهُوَ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَكْثُرُ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي» (وَمَا ذُكِرَ مِنْ الطَّعْنِ فَإِنَّهُ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَارِدٌ فَإِنَّ مَنْ هُوَ مُصَدِّقٌ يَتَيَقَّنُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ النِّسْيَانِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ إشَارَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِبَارَةً، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ. (قَوْلُهُ: فَقَدْ اخْتَلَفُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ أَمْ لَا) يَعْنِي: أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَتْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ مَثَلًا فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِزِيَادَةِ جُزْءٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ زِيَادَةِ مَا يَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى سِتَّةِ مَذَاهِبَ: (الْأَوَّلِ) أَنَّهُ نَسْخٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ. (الثَّانِي) أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ. (الثَّالِثِ) إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا. (الرَّابِعِ) إنْ غَيَّرَتْ الزِّيَادَةُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ صَارَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ شَرْعًا فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ. (الْخَامِسِ) إنْ اتَّحَدَتْ الزِّيَادَةُ مَعَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ التَّعَدُّدُ وَالِانْفِصَالُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَلَا. (السَّادِسِ) أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ رَفَعَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَالتَّأْكِيدِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ رَفَعَتْ أَوْ بِثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ الرَّافِعَةَ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا تَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
وَكَذَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الزِّيَادَةُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَصْلُحُ نَاسِخًا هَذَا تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلِلْمُصَنِّفِ
(2/71)

وَمَنْ هُوَ مُكَذِّبٌ يَطْعَنُ فِي الْكُلِّ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالطَّعْنِ الْبَاطِلِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا إعْلَاءُ مَنْزِلَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَتَعْظِيمُ سُنَّتِهِ وَنَظَائِرُ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ كَثِيرَةٌ) كَنَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا قُبِضَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ فَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52] مَنْسُوخًا بِالسُّنَّةِ وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ نَسْخُ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] (وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» . الْحَدِيثَ) .

مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ أَشَقَّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كُلُّ مَنْ عَلَيْهِ الصِّيَامُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْفِدْيَةِ ثُمَّ صَارَ الصَّوْمُ حَتْمًا وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْمِثْلِ أَوْ الْأَخَفِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106] الْآيَةَ. قُلْنَا الْأَشَقُّ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا؛ لِأَنَّ فِيهِ فَضْلَ الثَّوَابِ مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْمُتَوَاتِرُ بِالْآحَادِ وَيُنْسَخُ بِالْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَيَانٌ يَجُوزُ بِالْآحَادِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَبْدِيلٌ يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ فَيَجُوزُ بِمَا هُوَ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا أَيْ: بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَخَبَرِ الْآحَادِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. .

(
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ مُؤَاخَذَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ رَفْعُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا مُؤَاخَذَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِمَا عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ فِي الِاخْتِصَارِ بِالسُّكُوتِ عَمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَوْرَدَ الزِّيَادَةِ الَّتِي تُغَيِّرُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ بِثَلَاثَةِ أَمْثِلَةٍ: الْأَوَّلِ: زِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَالثَّانِي: زِيَادَةِ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى ثَمَانِينَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ. وَالثَّالِثِ: التَّخْيِيرِ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ بَعْدَ التَّخْيِيرِ فِي أَمْرَيْنِ كَمَا يُقَالُ صُمْ أَوْ اعْتِقْ ثُمَّ يُقَالُ صُمْ أَوْ اعْتِقْ أَوْ أَطْعِمْ، وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ تَغْيِيرُ الْأَصْلِ بِحَيْثُ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ بِأَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ أَعْنِي: الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ يُؤْتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَالِاسْتِئْنَافُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ إذْ لَوْ فَرَضْنَا كَوْنَ الْفَجْرِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بِرَكَعَاتِهَا الثَّلَاثِ بِخِلَافِ الْمِثَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ إذْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَمَانِينَ جَلْدَةً لَا تَجِبُ إلَّا زِيَادَةُ عِشْرِينَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ لِلثَّمَانِينَ، وَكَذَا لَوْ أَتَى بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَعْنِي: الصَّوْمَ، أَوْ الْإِعْتَاقَ كَانَ كَافِيًا مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ فِي تَفْسِيرِ تَغْيِيرِ الْأَصْلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ وُجُودُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، فَالْمِثَالُ الثَّانِي مُسْتَقِيمٌ إذْ الثَّمَانُونَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فِي أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهَا إقَامَةُ
(2/72)

وَأَمَّا الْمَنْسُوخُ فَهُوَ إمَّا الْحُكْمُ وَالتِّلَاوَةُ مَعًا قَالُوا وَقَدْ يُرْفَعَانِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ أَوْ بِالْإِنْسَاءِ كَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْإِنْسَاءُ كَانَ لِلْقُرْآنِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} [الأعلى: 6] {إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 7] فَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وَإِمَّا الْحُكْمُ فَقَطْ وَإِمَّا التِّلَاوَةُ فَقَطْ وَمَنَعَهُ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ بِحُكْمِهِ، وَالْحُكْمَ بِالنَّصِّ فَلَا انْفِكَاكَ بَيْنَهُمَا وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} [النساء: 15] نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ تِلَاوَتُهُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ) كَوَصِيَّةِ الْوَالِدَيْنِ وَسُورَةِ الْكَافِرِينَ وَنَحْوِهِمَا (وَنَسْخُ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ) وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِهِ؛ وَلِأَنَّ حُكْمَهُ (أَيْ: حُكْمَ النَّصِّ) عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدِهِمَا: يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَاهُ. وَالْآخَرِ: بِنَظْمِهِ كَالْإِعْجَازِ وَجَوَازِ الصَّلَاةِ وَحُرْمَتِهِ لِلْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ
(وَإِمَّا وَصْفُ الْحُكْمِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِمَّا الْحُكْمُ فَقَطْ، وَإِمَّا التِّلَاوَةُ فَقَطْ (فَقَدْ اخْتَلَفُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ أَمْ لَا وَذَكَرُوا أَنَّهَا إمَّا بِزِيَادَةِ جُزْءٍ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، أَوْ شَرْطٍ كَالْإِيمَانِ فِي الْكَفَّارَةِ. وَإِمَّا بِرَفْعِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ كَمَا لَوْ قَالَ فِي «الْعَلُوفَةِ زَكَاةٌ» بَعْدَ قَوْلِهِ «فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» وَهِيَ نَسْخٌ عِنْدَنَا)
أَيْ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ عِنْدَنَا (وَيَجِبُ اسْتِثْنَاءُ الثَّالِثِ إذْ لَا نَقُولُ بِالْمَفْهُومِ) أَيْ: بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
اعْلَمْ أَنَّ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْحَدِّ. وَيَبْقَى الْإِشْكَالُ فِي الْمِثَالِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ بَلْ يَحْصُلُ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَغَايَةُ تَوْجِيهِهِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الْأَوَّلَيْنِ مَعَ فِعْلِ الثَّالِثِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَقَدْ كَانَ مُحَرَّمًا قَبْلَ الزِّيَادَةِ فَهُوَ كَالْعَدَمِ فِي انْتِفَاءِ الْحُرْمَةِ عَنْهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمِثَالَ الثَّانِيَ أَعْنِي: زِيَادَةَ عِشْرِينَ عَلَى الثَّمَانِينَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ النَّسْخِ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّ الْمِثَالَ الثَّالِثَ نَسْخٌ عِنْدَهُ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ دُخُولُهُ فِي ضَابِطِ تَغْيِيرِ الْأَصْلِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ وَيَلْزَمُ اسْتِئْنَافُهُ، أَوْ كَانَتْ زِيَادَةُ فِعْلٍ ثَالِثٍ بَعْدَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا كَزِيَادَةِ عِشْرِينَ عَلَى ثَمَانِينَ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ حَيْثُ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ قَدْ غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ تَغْيِيرًا شَرْعِيًّا بِحَيْثُ صَارَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ لَوْ فُعِلَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُفْعَلُ قَبْلَهَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا.
أَوْ كَانَ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ فِعْلَيْنِ فَزِيدَ فِعْلٌ ثَالِثٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَسْخًا لِتَحْرِيمِ تَرْكِ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَإِلَّا فَلَا وَذَلِكَ كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ وَزِيَادَةِ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ وَزِيَادَةِ شَرْطٍ مُنْفَصِلٍ فِي شَرَائِطِ الصَّلَاةِ كَاشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ
(2/73)

الْمَحْصُولِ وَأُصُولِ ابْن الْحَاجِب ذَكَرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ إمَّا بِزِيَادَةِ الْجُزْءِ، أَوْ بِزِيَادَةِ الشَّرْطِ أَوْ بِزِيَادَةِ مَا يَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَقُولُ يَجِبُ اسْتِثْنَاءُ الثَّالِثِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ بِمَا يَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ لَا تَكُونُ نَسْخًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: نَسْخٌ فِي الثَّالِثِ، وَقِيلَ: نَسْخٌ إنْ غَيَّرَتْ الْأَصْلَ حَتَّى لَوْ أَتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ وَعِشْرِينَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ مَثَلًا، وَالتَّخْيِيرِ فِي الثَّلَاثَةِ بَعْدَ مَا كَانَ فِي الِاثْنَيْنِ كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ) كَانَ فِي الْكِتَابِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَزَادَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمْرًا ثَالِثًا، وَهُوَ الشَّاهِدُ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي لَكِنَّ الْأَخِيرَيْنِ لَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ.
اعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَوْرَدَ هُنَا ثَلَاثَةَ أَمْثِلَةٍ: فَالْأَوَّلُ: هُوَ زِيَادَةُ رَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ مَثَلًا، وَهَذَا الْمِثَالُ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ إنْ أَتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَالْمِثَالَانِ الْأَخِيرَانِ وَهُمَا زِيَادَةُ عِشْرِينَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ لَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَإِنَّهُ فَسَّرَ تَغْيِيرَ الْأَصْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
هَذِهِ عِبَارَةُ الْأَحْكَامِ وَفِي مُعْتَمَدِ الْأُصُولِ أَنَّهُ قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ: إنَّ الزِّيَادَةَ إذَا كَانَتْ مُغَيِّرَةً حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ تَغْيِيرًا شَرْعِيًّا بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَهَا لَمْ يُجْزِهِ، وَلَزِمَ اسْتِئْنَافُهُ كَانَتْ نَسْخًا، وَإِنْ فَعَلَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ يَصِحُّ وَلَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْنَافُهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ضَمُّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا، وَقَالَ لَوْ خَيَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ وَاجِبَيْنِ لَكَانَتْ زِيَادَةُ ثَالِثٍ نَسْخًا لِقُبْحِ تَرْكِهِمَا فَظَهَرَ أَنَّ فِي نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ خَلَلًا بَيِّنًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ فُسِّرَ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ لَمْ يُفَسِّرْهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ. (قَوْلُهُ: فَتَرْفَعُ أَجْزَاءَ الْأَصْلِ) قِيلَ: مَعْنَى الْإِجْزَاءِ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَدَفْعُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالِامْتِثَالُ بِفِعْلِ الْأَصْلِ لَمْ يَرْتَفِعْ، وَمَا ارْتَفَعَ وَهُوَ عَدَمُ تَوَقُّفِهِ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَسْخٌ لِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ مَثَلًا، وَأَيْضًا قِيلَ: إنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ مَعْنَاهُ وُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُرْتَفِعٍ، وَالْمُرْتَفِعُ وَهُوَ عَدَمُ قِيَامِ غَيْرِهِمَا مَقَامَهُمَا ثَابِتٌ لِحُكْمِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا الْمُطْلَقُ) يَعْنِي: أَنَّ الْإِطْلَاقَ مَعْنًى مَقْصُودٌ لَهُ حُكْمٌ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْجَوَازُ بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى الْقَيْدِ وَحُكْمُ الْمُقَيَّدِ الْجَوَازُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِدُونِهِ فَثُبُوتُ حُكْمِ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ حُكْمِ
(2/74)

بِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُمَا لَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ إنْ أَتَى بِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ الزِّيَادَةِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ (وَقِيلَ: إنْ صَارَ الْكُلُّ شَيْئًا وَاحِدًا كَانَ نَسْخًا كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ لَا كَالْوُضُوءِ فِي الطَّوَافِ، وَاخْتَارَ الْبَعْضُ قَوْلَ أَبِي الْحُسَيْنِ) وَذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ وَأُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُخْتَارَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَهُوَ: أَنَّهُ (لَا شَكَّ أَنَّ الزِّيَادَةَ تُبَدِّلُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ) أَيْ: الشَّيْءُ الْمُبَدَّلُ (حُكْمًا شَرْعِيًّا تَكُونُ نَسْخًا وَإِلَّا نَحْوَ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا أَصْلِيًّا فَلَا. وَلَنَا أَنَّ زِيَادَةَ الْجُزْءِ إمَّا بِالتَّخْيِيرِ فِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بَعْدَ مَا كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا أَوْ وَاحِدَ اثْنَيْنِ فَتَرْفَعُ حُرْمَةَ التَّرْكِ، وَإِمَّا بِإِيجَابِ شَيْءٍ زَائِدٍ فَتَرْفَعُ أَجْزَاءِ الْأَصْلِ كَزِيَادَةِ الشَّرْطِ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ زِيَادَةُ الْجُزْءِ وَزِيَادَةُ الشَّرْطِ، أَمَّا زِيَادَةُ الْجُزْءِ فَإِنَّمَا تَكُونُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلِ بِالتَّخْيِيرِ فِي اثْنَيْنِ بَعْدَمَا كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا فَالزِّيَادَةُ هُنَا تَرْفَعُ حُرْمَةَ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ.
وَالثَّانِي بِالتَّخْيِيرِ فِي الثَّلَاثَةِ بَعْدَ مَا كَانَ الْوَاجِبُ أَحَدَ اثْنَيْنِ فَالزِّيَادَةُ هُنَا تَرْفَعُ حُرْمَةَ تَرْكِ أَحَدِ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ، وَالثَّالِثِ: بِإِيجَابِ شَيْءٍ زَائِدٍ فَالزِّيَادَةُ هُنَا تَرْفَعُ أَجْزَاءَ الْأَصْلِ، وَأَمَّا زِيَادَةُ الشَّرْطِ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْآخَرِ فَيَكُونُ نَسْخًا، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُقَيَّدَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِدُونِ الْقَيْدِ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ فَهُوَ قَوْلٌ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَهُوَ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمَ) أَيْ: لَوْ كَانَ التَّوَقُّفُ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ مُوجِبًا لِكَوْنِ الْحُكْمِ غَيْرَ شَرْعِيٍّ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ كُلِّ شَيْءٍ، وَحُرْمَةَ تَرْكِهِ يُبْتَنَى عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخَلَفِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ مَعًا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ فَرْضِيَّةُ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ مَثَلًا ثَابِتَةً بِالنَّصِّ، وَحُرْمَةُ تَرْكِهِمَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ، وَأَيْضًا لَا مَعْنَى لِتَوَقُّفِ حُرْمَةِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ نَفْيُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ حُكْمًا شَرْعِيًّا؟
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا التَّخْيِيرُ) لَمَّا جَعَلَ الْخَصْمُ التَّخْيِيرَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِخْلَافِ حَتَّى سَوَّى بَيْنَ التَّخْيِيرِ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَشَاهِدٍ مَعَ يَمِينٍ، وَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ أَبْطَلَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّخْيِيرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْ الْأُمُورِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ فِي الِاسْتِخْلَافِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ أَوَّلًا كَالْغُسْلِ مَثَلًا، وَكَالْوُضُوءِ إلَّا أَنَّ الْخَلَفَ جُعِلَ كَأَنَّهُ عَيْنُ ذَلِكَ الْأَصْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِعْ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِخْلَافُ نَسْخًا بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ
(2/75)

أَجْزَاءَ الْأَصْلِ، وَهَذَا مَا قَالَ فِي الْمَتْنِ كَزِيَادَةِ الشَّرْطِ.
(وَالْكُلُّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُسْتَفَادٌ مِنْ النَّصِّ، وَأَيْضًا الْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ: حُرْمَةَ تَرْكِ الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ، وَحُرْمَةَ تَرْكِ أَحَدِ اثْنَيْنِ وَأَجْزَاءِ الْأَصْلِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ. (قَالُوا: حُرْمَةُ التَّرْكِ الَّتِي يَرْفَعُهَا التَّخْيِيرُ لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ التَّرْكِ لِهَذَا الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ إنَّمَا كَانَتْ ثَابِتَةً إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ آخَرُ خَلَفًا عَنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّخْيِيرَ يَرْفَعُ حُرْمَةَ التَّرْكِ، وَهِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَهُمْ يَقُولُونَ حُرْمَةُ التَّرْكِ الَّتِي يَرْفَعُهَا التَّخْيِيرُ لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ التَّرْكِ لِهَذَا الْوَاجِبِ إنَّمَا كَانَتْ ثَابِتَةً إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ آخَرُ خَلَفًا عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ أَمَّا إذَا كَانَ شَيْءٌ آخَرُ خَلَفًا عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ تَرْكُهُ حَرَامًا فَعُلِمَ أَنَّ حُرْمَةَ تَرْكِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ وَعَدَمُ الْخَلَفِ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ فَكُلُّ حَقٍّ مَبْنِيٍّ عَلَى عَدَمٍ أَصْلِيٍّ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَحُرْمَةُ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ لَا تَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَرَفْعُهَا لَا يَكُونُ نَسْخًا.
(فَلِهَذَا) أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّ حُرْمَةَ التَّرْكِ الَّتِي تَرَى فِيهَا التَّخْيِيرَ لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (يَثْبُتُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلِ وَمَسْحِ الْخُفِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَكَذَا بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} [البقرة: 282] هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحُسَيْنِ فَنَصُّ الْكِتَابِ أَوْجَبَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَمَسْحِ الْخُفِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَأَيْضًا أَوْجَبَ النَّصُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فَإِنَّهُ نَسْخٌ لِحُرْمَةِ تَرْكِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ أَوَّلًا عَلَى التَّعْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وقَوْله تَعَالَى {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلَانِ، فَالْوَاجِبُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ رَفْعًا لِذَلِكَ الْوُجُوبِ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الِاسْتِشْهَادِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ فَالْمُسْتَشْهَدُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ إفَادَتِهِ انْحِصَارَ الِاسْتِشْهَادِ فِي النَّوْعَيْنِ لَا يَنْفِي صِحَّةَ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَاسْتَشْهِدُوا} [النساء: 15] مُجْمَلٌ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ وَقَدْ فُسِّرَ بِالنَّوْعَيْنِ فَيَلْزَمُ الِانْحِصَارُ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ بَيَانٌ لِجَمِيعِ مَا أُرِيدَ بِالْمُجْمَلِ، وَأَيْضًا قَدْ نَقَلَ الْحُكْمَ عَنْ الْمُعْتَادِ إذْ مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ مِنْ حُضُورِ النِّسَاءِ مَجَالِسَ الْقَضَاءِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ غَايَتَهُ الدَّلَالَةُ عَلَى انْحِصَارِ الِاسْتِشْهَادِ فِي النَّوْعَيْنِ، وَعَلَى أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ التَّدَيُّنِ لَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْقَضَاءِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُزَادُ التَّغْرِيبُ) بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» ، وَالنِّيَّةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَالتَّرْتِيبُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ» ، وَالْوَلَاءُ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُوَالِي
(2/76)

التَّيَمُّمَ عَلَى التَّعْيِينِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَأَيْضًا النَّصُّ أَوْجَبَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ الرَّجُلَيْنِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبَيْنَ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ. (قُلْنَا حُرْمَةَ التَّرْكِ تَثْبُتُ بِلَفْظِ النَّصِّ عِنْدَ عَدَمِ الْخَلَفِ لَا بِهِ) أَيْ: لَا بِعَدَمِ الْخَلَفِ يَعْنِي: عَدَمَ الْخَلَفِ لَيْسَ عِلَّةً لِحُرْمَةِ التَّرْكِ بَلْ النَّصُّ عِلَّةٌ لِحُرْمَةِ التَّرْكِ لَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ الْخَلَفِ فَيَكُونُ حُرْمَةُ التَّرْكِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْوَاجِبَةِ حُكْمًا شَرْعِيًّا إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ حُرْمَةُ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْخَلَفِ وَأَيْضًا وُجُوبُهُمَا.
(وَأَيْضًا التَّخْيِيرُ لَيْسَ بِاسْتِخْلَافٍ إذْ فِي الْأَوَّلِ الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، وَفِي الثَّانِي الْأَصْلُ لَكِنَّ الْخَلَفَ كَأَنَّهُ هُوَ فَلَا يَكُونُ) أَيْ: الِاسْتِخْلَافُ (نَسْخًا وَإِنْ كَانَ فَفِي الْمَسْحِ وَالنَّبِيذِ ثَبَتَ بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ الِاسْتِخْلَافُ نَسْخًا فَفِي مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ثَبَتَ بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ جَائِزٌ عِنْدَنَا.
(وقَوْله تَعَالَى {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] أَيْ: فَالْوَاجِبُ هَذَا فَيَكُونُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ نَاسِخًا) ثُمَّ أَوْرَدَ الْفُرُوعَ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ عِنْدَنَا وَقَالَ: (فَلَا يُزَادُ التَّغْرِيبُ عَلَى الْجَلْدِ، وَالنِّيَّةُ، وَالتَّرْتِيبُ وَالْوَلَاءُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَهُوَ) أَيْ: الْوُضُوءُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فِي وُضُوئِهِ» أَوْ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» . وَالْوُضُوءُ عَلَى الطَّوَافِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» وَفَرْضِيَّةُ الْفَاتِحَةِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَفَرْضِيَّةُ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ فِي الصَّلَاةِ «بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَعْرَابِيٍّ خَفَّفَ فِي صَلَاتِهِ قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ زِيدَ وُجُوبُ الْفَاتِحَةِ وَالتَّعْدِيلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا تَرْفَعُ أَجْزَاءَ الْأَصْلِ فَلَا تَكُونُ نَسْخًا فَلَا تَمْتَنِعُ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ بِطَرِيقِ الْفَرْضِيَّةِ بِمَعْنَى عَدَمِ الصِّحَّةِ بِدُونِهَا فَإِنَّهَا تَرْفَعُ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَرُبَّمَا يُجَابُ بِأَنَّ خَبَرَ الْفَاتِحَةِ، وَالتَّعْدِيلَ مَشْهُورٌ، وَالْمَقْصُودُ بِالْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ هَاهُنَا فَوَاتُ الصِّحَّةِ وَعَدَمُهَا إذْ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ فَإِنْ قُلْت فَهَلَّا زِيدَ تَغْرِيبُ الْعَامِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ فِيهِ غَرِيبٌ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى وَلِأَنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْفَسَادِ عَلَى مَا مَرَّ.
فَإِنْ قُلْت إذَا اقْتَصَرَ الْمُصَلِّي عَلَى الْفَاتِحَةِ تَكُونُ فَرْضًا لَا مَحَالَةَ فَتَكُونُ فَرْضًا عَلَى الْإِطْلَاقِ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ. قُلْتُ النِّزَاعُ فِيمَا شُرِعَ فَرْضًا لَا فِيمَا يَقَعُ فَرْضًا كَمَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهَا تَقَعُ فَرْضًا، وَلَمْ تُشْرَعْ فَرْضًا بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ قُلْت فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْفَاتِحَةُ فَرْضًا، وَوَاجِبًا مَعَ أَنَّهُمَا مُتَنَافِيَانِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالْوَاجِبَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ لَا قَطْعِيٍّ قُلْتُ فَرْضٌ مِنْ حَيْثُ
(2/77)

(عَلَى الطَّوَافِ، وَالْفَاتِحَةُ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِيَّةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ (وَالْإِيمَانُ عَلَى الرَّقَبَةِ بِالْقِيَاسِ) أَيْ: لَا يُزَادُ قَيْدُ الْإِيمَانِ عَلَى الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ. (يَرِدُ هُنَا أَنَّكُمْ زِدْتُمْ الْفَاتِحَةَ وَالتَّعْدِيلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى وَجَبَا، وَإِنَّمَا لَمْ تَثْبُتْ الْفَرْضِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَكُمْ) فَإِنَّ الْفَرْضَ عِنْدَكُمْ مَا ثَبَتَ لُزُومُهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَالْوَاجِبُ مَا ثَبَتَ لُزُومُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ فَقَدْ زِدْتُمْ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ بِهِ وَهُوَ الْوُجُوبُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّا لَمْ نَزِدْ الْفَاتِحَةَ وَالتَّعْدِيلَ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَقُلْ بِعَدَمِ إجْزَاءِ الْأَصْلِ لَوْلَا الْفَاتِحَةُ وَالتَّعْدِيلُ حَتَّى يَلْزَمَ النَّسْخُ حِينَئِذٍ بَلْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فَقَطْ.
بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْثَمُ تَارِكُهُمَا، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ أَصْلًا وَلَا يُمْكِنُ مِثْلُ هَذَا فِي الْوُضُوءِ حَتَّى تَكُونَ النِّيَّةُ، وَالتَّرْتِيبُ وَاجِبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ عِبَادَةً مَقْصُودَةً بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْثَمُ تَارِكُهُ بَلْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِمَا فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهِمَا عَدَمُ إجْزَاءِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ، وَهَذَا سِرُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبَاتٍ وَلَمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
كَوْنُهَا قُرْآنًا وَاجِبٌ مِنْ حَيْثُ خُصُوصِيَّةُ الْفَاتِحَةِ، وَعِنْدَ تَغَايُرِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ لَا مُنَافَاةَ.
(قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ) يَعْنِي: أَنَّ الْكَلَامَ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ قُرْبَةً فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ إذْ بِهَا تَتَمَيَّزُ الْعِبَادَةُ عَنْ الْعَادَةِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ، وَالتَّرْتِيبُ وَاجِبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى قَصْدِ الْقُرْبَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونَ قُرْبَةً بِدُونِهِمَا.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي آثِمًا بِاعْتِبَارِ تَرْكِهِ النِّيَّةَ، أَوْ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِ كَمَا فِي تَرْكِ الْفَاتِحَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ النَّسْخُ.
(قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهِمَا عَدَمُ إجْزَاءِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ) الْأَنْسَبُ أَنْ يُفَسِّرَ الْأَصْلَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ، وَمَعْنَى عَدَمِ إجْزَائِهِ كَوْنُهُ غَيْرُ كَافٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَصْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ الَّذِي تَرْفَعُ الزِّيَادَةُ أَجْزَاءَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ) أَيْ: الْوَاجِبَاتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْثَمُ تَارِكُهَا فِي الْوُضُوءِ، وَإِلَّا فَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ غَسْلَ الْمِرْفَقِ، وَمِقْدَارَ الرُّبُعِ فِي الْمَسْحِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى اللَّازِمِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ بِحَيْثُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ.
(قَوْلُهُ: أَصْلُهُ ثَابِتٌ) اقْتِبَاسٌ لَطِيفٌ بِتَغْيِيرٍ يَسِيرٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ لُطْفِ الْإِبْهَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْمُ أَبِيهِ ثَابِتٌ كَمَا أَنَّ قَوَاعِدَ فِقْهِهِ، وَأُصُولِهِ ثَابِتَةٌ مُحْكَمَةٌ وَنَتَائِجُ فِكْرِهِ عَالِيَةٌ مُشْتَهِرَةٌ كَفُرُوعِ فِقْهِهِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الضَّرُورَةِ]
(قَوْلُهُ لِلشَّرِكَةِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ) وَهُوَ عَقْدُ
(2/78)

يَجْعَلْ تِلْكَ فِي الْوُضُوءِ فَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا أَدَقَّ نَظَرَهُ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ، وَهُوَ الَّذِي أَصْلُهُ ثَابِتٌ وَفُرُوعُهُ فِي السَّمَاءِ.

(فَصْلٌ فِي بَيَانِ الضَّرُورَةِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ: مَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمَنْطُوقِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَبِ، وَكَذَا نَصِيبُ الْمُضَارِبِ) أَيْ: إذَا بَيَّنَ تَعَيَّنَ الْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. (وَكَذَا نَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ اسْتِحْسَانًا لِلشَّرِكَةِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ) أَيْ: إذَا بَيَّنَ تَعَيَّنَ الْبَاقِي لِلْمُضَارِبِ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ رَبِّ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ نَمَاءُ مِلْكِهِ فَيَكُونُ لَهُ حَتَّى إذَا فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ يَكُونُ كُلُّ الرِّبْحِ لِلْمَالِكِ، وَلِلْمُضَارِبِ أَجْرُ عَمَلِهِ هَذَا هُوَ وَجْهُ الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فَمَذْكُورٌ فِي الْمَتْنِ، (وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ بِدَلَالَةِ حَالَ الْمُتَكَلِّمِ كَسُكُوتِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَنْ تَغْيِيرِ أَمْرٍ يُعَايِنُهُ يَدُلُّ عَلَى حَقِّيَّتِهِ وَكَذَا السُّكُوتُ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ كَسُكُوتِ الصَّحَابَةِ عَنْ تَقْوِيمِ مَنْفَعَةِ الْبَدَنِ فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ) رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَكَمَ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِرَدِّ الْجَارِيَةِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَرَدِّ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَالْعُقْرِ، وَكَانَ شَاوَرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاشْتُهِرَ فِي الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَرُدَّهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَقْضِ بِرَدِّ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا حَلَّ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ تَنْصِيصٌ عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الرِّبْحِ وَبَيَانُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيَانٌ لِنَصِيبِ الْآخَرِ فَإِذَا قَالَ عَلَيَّ إنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ فَكَأَنَّهُ قَالَ، وَلَك مَا بَقِيَ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَنْطُوقِ.
(وَقَوْلُهُ: بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ) أَيْ: الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ التَّكَلُّمُ فِي الْحَادِثَةِ كَالشَّارِعِ، وَالْمُجْتَهِدِ، وَصَاحِبِ الْحَادِثَةِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا السُّكُوتُ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ) كَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يُقَدِّمَ ذَلِكَ وَيَجْعَلَ سُكُوتَ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَسُكُوتَ الصَّحَابَةِ وَسُكُوتَ الْبِكْرِ مِنْ أَمْثِلَتِهِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يُعَايِنُهُ الشَّارِعُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَاحْتِيجَ إلَى تَغْيِيرِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَسْكُتُ عَنْ تَغْيِيرِ الْبَاطِلِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا سُكُوتُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ جُعِلَ بَيَانًا لِحَالِهَا الَّتِي تُوجِبُ الْحَيَاءَ) وَهِيَ الْإِجَازَةُ الْمُنْبِئَةُ عَنْ الرَّغْبَةِ فِي الرِّجَالِ، وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ سُكُوتَ الْبِكْرِ فِي النِّكَاحِ جُعِلَ بَيَانًا لِحَالِهَا الَّتِي تُوجِبُ ذَلِكَ أَيْ: السُّكُوتَ وَهِيَ أَيْ: تِلْكَ الْحَالَةُ هِيَ الْحَيَاءُ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ السُّكُوتَ جُعِلَ بَيَانًا لِلْحَيَاءِ عَنْ التَّكَلُّمِ بِمَا حَصَلَ لَهَا مِنْ الرِّضَا، وَالْإِجَازَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ جُعِلَ بَيَانًا لِحَالٍ يُوجِبُ ذَلِكَ أَيْ: كَوْنَهُ بَيَانًا وَهِيَ الْحَيَاءُ فَجُعِلَ سُكُوتُهَا دَلِيلًا عَلَى مَا يَمْنَعُ الْحَيَاءَ مِنْ التَّكَلُّمِ بِهِ وَهُوَ الْإِجَازَةُ، وَالصَّوَابُ أَنَّ اللَّازِمَ فِي قَوْلِهِ لِحَالِهَا لَيْسَتْ صِلَةً لِلْبَيَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيلٌ إذْ الْمَعْنَى جُعِلَ السُّكُوتُ بَيَانًا لِلرِّضَا؛ لِأَجْلِ حَالٍ فِي الْبِكْرِ يُوجِبُ السُّكُوتَ وَهِيَ الْحَيَاءُ عَنْ إظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِي الرِّجَالِ وَمَعْنَى عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(2/79)

بَعْدَمَا رُفِعَتْ إلَيْهِ الْقَضِيَّةُ، وَطُلِبَ مِنْهُ الْقَضَاءُ بِمَا لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ.
(وَكَذَا سُكُوتُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ جُعِلَ بَيَانًا لِحَالِهَا الَّتِي تُوجِبُ الْحَيَاءَ، وَكَذَا النُّكُولُ وَطَلَبَ مِنْهُ الْقَضَاءَ بِمَا لِلْمَوْلَى جُعِلَ بَيَانًا) أَيْ: جُعِلَ إقْرَارُ الْحَالِ فِي النَّاكِلِ، وَهُوَ أَنَّهُ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ، وَهُوَ الْيَمِينُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَيَدُلُّ ذَلِكَ الِامْتِنَاعُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْمُدَّعَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالْمُسْلِمِ الِامْتِنَاعُ عَمَّا هُوَ لَازِمٌ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ مُحِقًّا فِي الِامْتِنَاعِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ كَاذِبَةً إنْ حَلَفَ وَلَا تَكُونُ كَاذِبَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ.
(وَالثَّالِثُ مَا جُعِلَ بَيَانًا لِضَرُورَةِ دَفْعِ الْغُرُورِ كَالْمَوْلَى يَسْكُتُ حِينَ يَرَى عَبْدَهُ يَبِيعُ، وَيَشْتَرِي يَكُونُ إذْنًا) دَفْعًا لِلْغُرُورِ عَنْ النَّاسِ. (وَكَذَا سُكُوتُ الشَّفِيعِ) جُعِلَ تَسْلِيمًا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُجْعَلْ تَسْلِيمٌ فَإِنْ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي عَنْ التَّصَرُّفِ يَكُونُ ذَلِكَ ضَرَرًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ وَتَصَرَّفَ ثُمَّ يَنْقُضُ الشَّفِيعُ تَصَرُّفَهُ يَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا.
(وَالرَّابِعُ مَا ثَبَتَ لِضَرُورَةِ الْكَلَامِ نَحْوَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ وَمِائَةٌ، وَدِينَارٌ وَمِائَةٌ وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ يَكُونُ الْآخَرُ بَيَانًا لِلْأَوَّلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمِائَةُ مُجْمَلَةٌ عَلَيْهِ بَيَانُهَا كَمَا فِي مِائَةٍ وَثَوْبٍ وَمِائَةٍ وَشَاةٍ، لَنَا أَنَّ حَذْفَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْعَدَدِ مُتَعَارَفٌ لِلْخِفَّةِ نَحْوَ بِعْت بِمِائَةٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَنَظَائِرُهَا فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالثَّوْبِ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَثْبُتَانِ فِي الذِّمَّةِ) .
فَقَوْلُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْ: حَذْفُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَنَّهُ جُعِلَ بَيَانًا لِلْإِجَازَةِ؛ لِأَجْلِ حَالِهَا الْمُوجِبَةِ لِلْحَيَاءِ، وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِي الرِّجَالِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا النُّكُولُ) جُعِلَ بَيَانًا لِثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارِهِ بِهِ؛ لِأَجْلِ حَالٍ فِي النَّاكِلِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ أَنَّ الْبَيَانَ يَثْبُتُ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ.
(قَوْلُهُ: كَالْمَوْلَى يَسْكُتُ حِينَ يَرَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي يَكُونُ إذْنًا) فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ لِفَرْطِ الْغَيْظِ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مَحْجُورٌ شَرْعًا قُلْتُ: يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الرِّضَا بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، وَالْعَادَةِ فِي أَنَّ مَنْ لَا يَرْضَى بِتَصَرُّفِ الْعَبْدِ يُظْهِرُ النَّهْيَ وَيَرِدُ عَلَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُنْدَرِجٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَعْنِي: ثُبُوتَ الْبَيَانِ بِدَلَالَةِ حَالَ الْمُتَكَلِّمِ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمِائَةُ مُجْمَلَةٌ) يَعْنِي: أَنَّ عَطْفَ الدِّرْهَمِ عَلَيْهَا لَيْسَ بَيَانًا وَتَفْسِيرًا لَهَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْعَطْفِ عَلَى التَّغَايُرِ وَمَبْنَى التَّفْسِيرِ عَلَى الِاتِّحَادِ.
(قَوْلُهُ: لَنَا) اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِ الْمَعْطُوفِ بَيَانًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ بِأَنْ حَذَفَ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ أَيْ: حَذْفُ تَمْيِيزِهِ وَتَفْسِيرِهِ مُتَعَارَفٌ فِي الْعَدَدِ إذَا عُطِفَ عَلَيْهِ عَدَدٌ مُفَسِّرٌ مِثْلُ مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ حَتَّى إنَّ ذِكْرَهُ يُسْتَهْجَنُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَيُعَدُّ تَكْرَارًا، فَصُورَةُ عَطْفِ غَيْرِ الْعَدَدِ أَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْ: عَلَى حَذْفِ مُفَسِّرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ الْمَعْطُوفِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ مُقَدَّرًا بِالْعَدَدِ مِثْلَ مِائَةٌ
(2/80)

إذَا ذُكِرَ بَعْدَ الْمِائَةِ عَدَدٌ مُضَافٌ نَحْوَ مِائَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ فَإِنَّ الْأَخِيرَ بَيَانُ الْمِائَةِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْمِائَةِ شَيْءٌ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ كَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالْقَفِيزِ نَجْعَلُهُ بَيَانًا لِلْمِائَةِ قِيَاسًا عَلَى الْعَدَدِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا مُقَدَّرَيْنِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ قُلْنَا الْمِائَةُ مِنْ الدَّرَاهِمِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ عَلَيَّ مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ أَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الْمِائَةِ شَيْءٌ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْب كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَثَوْبٌ وَمِائَةٌ وَعَبْدٌ لَا نَجْعَلُهُ بَيَانًا لِلْمِائَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي عَصْرٍ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ) بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَيَّدُوا الْإِجْمَاعَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا عَلَى أَمْرٍ حَتَّى يَعُمَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَغَيْرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحْكَامَ إمَّا دِينِيَّةٌ، وَإِمَّا غَيْرُ دِينِيَّةٍ كَالْحُكْمِ بِأَنَّ السَّقَمُونْيَا مُسَهِّلٌ فَإِنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مِثْلِ هَذَا أَوْ لَمْ يَقَعْ فَهُمَا سَوَاءٌ حَتَّى إنْ أَنْكَرَهُ أَحَدٌ لَا يَكُونُ كُفْرًا بَلْ يَكُونُ جَهْلًا بِهَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ أَوْ لَمْ يَقَعْ، أَمَّا الْأَحْكَامُ الدِّينِيَّةُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ شَرْعِيَّةً، أَوْ غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ.
وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَا ذَكَرْتُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ مَا لَا يُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِدْرَاكُهُ إمَّا بِالْحِسِّ أَوْ بِالْعَقْلِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْيَقِينَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ أَمْرًا حِسِّيًّا مَاضِيًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَدِرْهَمٌ أَوْ بِالْوَزْنِ مِثْلَ مِائَةٌ وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ لِمُشَابَهَتِهِ الْعَدَدَ. بِخِلَافِ نَحْوِ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَعَبْدٌ أَوْ ثَوْبٌ فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يَكُونُ بَيَانًا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْعَدَدَ حَتَّى يَصْلُحَ قِيَاسَهُ عَلَى مِثْلِ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَعَ مَانِعٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْمِائَةِ بِالْعَبْدِ أَوْ الثَّوْبِ لَا يُلَائِمُ لَفْظَ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الثُّبُوتُ فِي الذِّمَّةِ، وَمِثْلُ الْعَبْدِ وَالثَّوْبِ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ إلَّا فِي السَّلَمِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يُرْتَكَبُ إلَّا فِيمَا صُرِّحَ بِهِ كَالْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكْثُرُ كَثْرَةَ الْعَدَدِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ التَّخْفِيفَ، فَإِنْ قِيلَ: الْقِيَاسُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْمُفَسِّرَ فِي مِثْلِ مِائَةٍ وَثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ هُوَ مُمَيِّزُ الْمَعْطُوفِ أَعْنِي: الْمُضَافَ إلَيْهِ لَا نَفْسَ الْمَعْطُوفِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ فِي مِائَةٍ وَدِرْهَمٍ قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُفَسِّرُ هُوَ الْمَعْطُوفُ بِمَعْنَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْطُوفِ دِرْهَمًا كَانَ أَوْ دِينَارًا أَوْ غَيْرَهُمَا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ ابْتِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ الْبَيَانِ، وَأَيْضًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ هُوَ كَوْنُ الْمَعْطُوفِ مِنْ قَبِيلِ الْمُقَدَّرَاتِ بَلْ كَوْنُ الْعَطْفِ مُقْتَضِيًا لِلشَّرِكَةِ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَعْطُوفُ، وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كَالْجَزَاءِ، وَالشَّرْطِ فَكَذَا التَّفْسِيرُ فِي مِائَةٍ وَثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِخِلَافِ مِائَةٍ وَدِرْهَمٍ إذْ لَا إبْهَامَ فِي الْمَعْطُوفِ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى التَّفْسِيرِ

[الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ]
[الْأَمْرُ الْأَوَّلُ رُكْنُ الْإِجْمَاعِ]
(قَوْلُهُ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ) هُوَ فِي اللُّغَةِ الْعَزْمُ يُقَالُ: أَجْمَعَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا أَيْ: عَزَمَ، وَالِاتِّفَاقُ يُقَالُ أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا أَيْ: اتَّفَقُوا، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي عَصْرٍ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ
(2/81)

فَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ يَكُونُ إخْبَارًا فَلَا يَكُونُ مِنْ قِسْمِ الْإِجْمَاعِ الْمَخْصُوصِ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الِاجْتِهَادُ بَلْ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْبَارَاتِ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا حِسِّيًّا مُسْتَقْبَلًا كَأُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ مَثَلًا فَمَعْرِفَتُهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ مُخْبِرٍ صَادِقٍ يُوقَفُ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ كَالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَثَلًا فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَلِ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ لَكِنْ يُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَنْقُولٌ عَمَّنْ يُوقَفُ عَلَى الْغَيْبِ فَرَجَعَ إلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَحْسُوسًا مَاضِيًا، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فَالْعَقْلُ يُفِيدُ الْيَقِينَ، فَالدَّلِيلُ هُوَ الْعَقْلُ لَا الْإِجْمَاعُ بِخِلَافِ الشَّرْعِيَّاتِ فَإِنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ لَا يَكُونُ قَطْعِيًّا ثُمَّ الْإِجْمَاعُ يُفِيدُهَا قَطْعِيَّةً.
(فَالْبَحْثُ هُنَا فِي أُمُورٍ: الْأَوَّلِ: فِي رُكْنِهِ، وَهُوَ الِاتِّفَاقُ، وَالْعَزِيمَةُ فِيهِ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ إمَّا بِالتَّكَلُّمِ مِنْهُمْ أَوْ بِعَمَلِهِمْ بِهِ، وَالرُّخْصَةُ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْبَعْضُ أَوْ يَعْمَلَ بِهِ، وَيَسْكُتَ الْبَاقِي بَعْدَ بُلُوغِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وَمُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي مَالٍ فَضَلَ عِنْدَهُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَاكِتٌ حَتَّى سَأَلَهُ فَرَوَى حَدِيثًا فِي قِسْمَةِ الْفَضْلِ) لَمَّا شَاوَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ أَشَارَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِتَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ وَالْإِمْسَاكِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الِاشْتِرَاكُ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ، وَقُيِّدَ بِالْمُجْتَهِدِينَ إذْ لَا عِبْرَةَ بِاتِّفَاقِ الْعَوَامّ، وَعُرِّفَ فَاللَّامُ الِاسْتِغْرَاقِ احْتِرَازًا عَنْ اتِّفَاقِ بَعْضِ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ اتِّفَاقِ مُجْتَهِدِي الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ، وَقَوْلُهُ فِي عَصْرٍ حَالٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَعْنَاهُ زَمَانٌ مَا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَفَائِدَتُهُ الِاحْتِرَازُ عَمَّا يَرِدُ عَلَى مَنْ تَرَكَ هَذَا الْقَيْدَ مِنْ لُزُومِ عَدَمِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ اتِّفَاقُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ إلَّا حِينَئِذٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ إنَّمَا تَرَكَهُ لِوُضُوحِهِ لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِهِ أَنْسَبُ بِالتَّعْرِيفَاتِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْأَمْرَ لِيَعُمَّ الشَّرْعِيَّ وَغَيْرَهُ حَتَّى يَجِبُ اتِّبَاعُ إجْمَاعِ آرَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَمْرِ الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ تَارِكَ الِاتِّبَاعِ إنْ أَثِمَ فَهُوَ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خَصَّهُ بِالشَّرْعِ زَعْمًا مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْإِجْمَاعِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالدِّينِيَّةِ الْغَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْبَيَانِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْلِيَّ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا فَبِالْإِجْمَاعِ يَصِيرُ قَطْعِيًّا كَمَا فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَكَثِيرٍ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّات، وَأَيْضًا الْحِسِّيُّ الِاسْتِقْبَالِيُّ قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْمُخْبِرُ الصَّادِقُ بَلْ اسْتَنْبَطَهُ الْمُجْتَهِدُونَ مِنْ نُصُوصِهِ فَيُفِيدُ الْإِجْمَاعُ قَطْعِيَّتَهُ.
(قَوْلُهُ: فَالْبَحْث هُنَا فِي أُمُورٍ) رُكْنِهِ، وَأَهْلِهِ وَشَرْطِهِ، وَحُكْمِهِ، وَسَبَبِهِ أَعْنِي: السَّنَدَ، وَالنَّاقِلَ وَعَلَى هَذَا كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ الْأَوَّلُ رُكْنُهُ إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَحْثِ الْمَعْنَى الْجِنْسِيَّ فَكَأَنَّهُ قَالَ، وَالْأَبْحَاثُ هَاهُنَا فِي
(2/82)

سَاكِتٌ حَتَّى سَأَلَهُ فَقَالَ أَرَى أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَوَى فِي ذَلِكَ حَدِيثًا فَعَمِلَ عُمَرُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْ سُكُوتَهُ دَلِيلَ الْمُوَافَقَةِ حَتَّى شَافَهَهُ وَجَوَّزَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - السُّكُوتَ مَعَ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُ خِلَافُهُمْ.
(وَشَاوَرَهُمْ فِي إسْقَاطِ الْجَنِينِ فَأَشَارُوا بِأَنْ لَا غُرْمَ عَلَيْكَ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَاكِتٌ فَلَمَّا سَأَلَهُ قَالَ أَرَى عَلَيْكَ الْغُرْمَ فَلَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ تَسْلِيمًا) رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضَرَبَ امْرَأَةً لِجِنَايَةٍ فَأَسْقَطَتْ الْجَنِينَ فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالُوا لَا غُرْمَ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ مُؤَدِّبٌ وَمَا أَرَدْت إلَّا الْخَيْرَ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَاكِتٌ فَلَمَّا سَأَلَهُ قَالَ أَرَى عَلَيْكَ الْغُرْمَ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْمَهَابَةِ كَمَا قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا مَنَعَك أَنْ تُخْبِرَ عُمَرَ بِقَوْلِك فِي الْعَوْلِ فَقَالَ رَدَّتُهُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ سِرَاجُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ لِلْفَرَائِضِ أَنَّ الْعَوْلَ ثَابِتٌ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بَاطِلٌ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَهُوَ يُدْخِلُ النَّقْصَ عَلَى الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ، وَالْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ مِثَالُهُ تَرَكَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ فَعِنْدَ الْعَامَّةِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُولُ إلَى الثَّمَانِيَةِ وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ اثْنَانِ وَلِلْأُخْتِ الْبَاقِي، وَهَذِهِ أَوَّلُ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ فِي نَوْبَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَشَارَ الْعَبَّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أُمُورٍ فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَحَّ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ فِي رُكْنِهِ.
(قَوْلُهُ ضَرَبَ امْرَأَةً لِجِنَايَةٍ) رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَبَلَغَ عُمَرَ أَنَّهَا تُجَالِسُ الرِّجَالَ وَتُحَدِّثُهُمْ فَأَشْخَصَ إلَيْهَا لِيَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ فَأَمْلَصَتْ مِنْ هَيْبَتِهِ أَيْ: أَزْلَفَتْ الْجَنِينَ وَأَسْقَطَتْهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يَكُونُ) أَيْ: سُكُوتُ الْمُجْتَهِدِ لِلتَّأَمُّلِ وَغَيْرِهِ كَاعْتِقَادِ حَقِيقَةِ اجْتِهَادِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَوْ كَوْنِ الْقَائِلِ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ أَوْ أَعْظَمَ قَدْرًا أَوْ أَوْفَرَ عِلْمًا أَوْ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ مُجْتَهِدٌ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لَوْ تَكَلَّمَ أَحَدُهُمْ بِمَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُ، وَسَكَتَ الْآخَرُونَ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا وَلَا يَحْصُلُ سُكُوتُهُمْ عَلَى الرِّضَا لِتَقَرُّرِ الْخِلَافِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ اشْتِرَاطَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ إنَّمَا يَدْفَعُ احْتِمَالَ كَوْنِ السُّكُوتِ لِلتَّأَمُّلِ.
وَلَا يَدْفَعُ احْتِمَالَ كَوْنِهِ لِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ عَلِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِجْمَاعِ يُسَمَّى الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ لَا يَكُونُ جَاحِدُهُ كَافِرًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّ مِنْ النُّصُوصِ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي قَوْلَيْنِ]
(قَوْلُهُ: بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ) هِيَ الْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ، وَالْجُنُونُ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَالْجَبُّ، وَالْعُنَّةُ فِي الزَّوْجِ، وَالرَّتَقُ، وَالْقَرَنُ فِي الزَّوْجَةِ.
(قَوْلُهُ: فَشُمُولُ الْعَدَمِ) هُوَ فِي حُكْمِ الْغَسْلِ أَنْ لَا يَجِبَ غَسْلُ الْمَخْرَجِ وَلَا غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَشُمُولُ الْوُجُودِ أَنْ يَجِبَ غَسْلُهُمَا جَمِيعًا، وَفِي حُكْمِ النَّقْضِ شُمُولُ الْوُجُودِ أَنْ تُنْتَقَضَ الطَّهَارَةُ بِكُلٍّ مِنْ خُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَبِمَسِّ الْمَرْأَةِ، وَشُمُولُ الْعَدَمِ أَنْ لَا يُنْتَقَضَ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ
(2/83)

إلَى أَنْ يَقْسِمَ الْمَالَ عَلَى سِهَامِهِمْ فَقَبِلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ صَبِيًّا فَلَمَّا بَلَغَ خَالَفَ وَقَالَ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ إنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا لَمْ يَجْعَلْ فِي الْمَالِ نِصْفَيْنِ وَثُلُثًا، فَقِيلَ: هَلَّا قُلْت ذَلِكَ فِي عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ كُنْت صَبِيًّا وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَجُلًا مَهِيبًا فَهِبْته.
(وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّأَمُّلِ وَغَيْرِهِ) أَيْ: يَكُونُ السُّكُوتُ لِلتَّأَمُّلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ لِلْإِظْهَارِ. (وَلَنَا أَنَّ شَرْطَ التَّكَلُّمِ مِنْ الْكُلِّ مُتَعَسِّرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَالْمُعْتَادُ أَنْ يَتَوَلَّى الْكِبَارُ الْفَتْوَى وَيُسَلِّمَ سَائِرُهُمْ، وَلَمَّا كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ مُخَالِفًا فَالسُّكُوتُ حَرَامٌ وَالصَّحَابَةُ لَا يُتَّهَمُونَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا سُكُوتُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ مَا أَفْتَوْا بِهِ مِنْ إمْسَاكِ الْمَالِ)
أَيْ: مَالٍ فَضَلَ عِنْدَهُ، (وَعَدَمِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ) أَيْ: فِي مَسْأَلَةِ الْإِسْقَاطِ. (كَانَ حَسَنًا إلَّا أَنَّ تَعْجِيلَ أَدَاءِ الصَّدَقَةِ، وَالْتِزَامَ الْغُرْمِ صِيَانَةً عَنْ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَرِعَايَةً لِحُسْنِ الثَّنَاءِ وَالْعَدْلِ كَانَ أَحْسَنَ وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ) أَيْ: بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا أَفْتَوْا بِهِ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا وَكَانَ خَطَأً. (فَالسُّكُوتُ بِشَرْطِ الصِّيَانَةِ عَنْ الْفَوْتِ جَائِزٌ وَذَلِكَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ تَعْظِيمًا لِلْفُتْيَا وَحَدِيثُ الدِّرَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ وَالْمُنَاظَرَةَ بَيْنَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تَخْفَى عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ عُمَرُ أَلْيَنَ لِلْحَقِّ، وَإِنْ صَحَّ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اعْتَذَرَ عَنْ الْكَفِّ عَنْ الْمُنَاظَرَةِ مَعَهُ لَا عَنْ بَيَانِ مَذْهَبِهِ) فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ مَذْهَبَهُ وَمَا هُوَ حَقٌّ عِنْدَهُ لِئَلَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) ذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إنْ كَانَ يَرْفَعُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا إذْ لَيْسَ فِيهِ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ حَيْثُ وَافَقَ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنْ خَالَفَهُ مِنْ وَجْهٍ وَبَيَّنَ كَثِيرًا مِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمَيْنِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: كُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ قَائِلٍ بِالتَّفْصِيلِ فَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ فَيَكُونُ بَاطِلًا قُلْنَا عَدَمُ الْقَوْلِ بِهِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْقَوْلِ بِهِ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ الْحُكْمُ فِي وَاقِعَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ لَمْ يَسْبِقْ فِيهَا قَوْلٌ لِأَحَدٍ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اتَّفَقَ الْقَوْلَانِ عَلَى نَفْيِ التَّفْصِيلِ فَالْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ فَإِنَّ عَدَمَ الْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ أَعَمُّ مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّفْصِيلِ، وَالْأَعَمُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ نَعَمْ لَوْ صَرَّحَ الْقَوْلَانِ بِنَفْيِ التَّفْصِيلِ لَمَا جَازَ الْقَوْلُ بِهِ فَإِنْ قِيلَ فَفِي التَّفْصِيلِ تَخْطِئَةُ كُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي بَعْضِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هِيَ تَخْطِئَةٌ لِلْأُمَّةِ فَيَمْتَنِعُ. قُلْنَا: الْمُمْتَنِعُ تَخْطِئَةُ الْأُمَّةِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ لَا تَخْطِئَةَ كُلِّ بَعْضٍ فِيمَا لَا اتِّفَاقَ عَلَيْهِ، فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ الْقَوْلِ بِالْفَصْلِ، وَإِنْ اُشْتُهِرَ فِي الْمُنَاظَرَاتِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى قَبُولِهِ.
وَإِنَّمَا يُقْبَلُ حَيْثُ يَصْلُحُ إلْزَامًا لِلْخَصْمِ بِأَنْ يَلْزَمَ مِنْ التَّفْصِيلِ بُطْلَانُ مَذْهَبِهِ، ثُمَّ التَّفْصِيلُ الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْأَحْكَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ أَصْلٌ كُلِّيٌّ يُفِيدُ مَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الْجُزْئِيَّاتِ إذْ لَا يَخْفَى عَلَى
(2/84)

يَكُونُ شَيْطَانًا أَخْرَسَ؛ لِسُكُوتِهِ عَنْ الْحَقِّ.
لَكِنَّ الْمُنَاظَرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إنَّمَا اعْتَذَرَ عَنْ الْكَفِّ عَنْ الْمُنَاظَرَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ. (وَلَمَّا شَرَطْنَا مُضِيَّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ لَمْ تَرِدْ الشُّبْهَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ) ، وَهِيَ أَنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأَمُّلِ وَغَيْرِهِ.

(مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي قَوْلَيْنِ يَكُونُ إجْمَاعًا عَلَى نَفْيِ قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَنَا وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّحَابَةِ فَكَذَا عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا، وَبَعْضُهُمْ خَصُّوا ذَلِكَ بِالصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ الْجَهْلُ أَصْلًا) نَظِيرُهُ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ حَامِلٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَعِنْدَ الْبَعْضِ تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ فَالِاكْتِفَاءُ بِالْأَشْهُرِ قَبْلَ وَضْعِ الْحَمْلِ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ فَعِنْدَ الْبَعْضِ كُلُّ الْمَالِ لِلْجَدِّ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْمُقَاسَمَةُ فَحِرْمَانُ الْجَدِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ الرِّبَا فَعِنْدَنَا الْعِلَّةُ هِيَ الْقَدْرُ مَعَ الْجِنْسِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الطُّعْمُ مَعَ الْجِنْسِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الطُّعْمُ وَالِادِّخَارُ مَعَ الْجِنْسِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ فَعِنْدَ الْبَعْضِ لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْكُلِّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَالْقَوْلُ بِثُلُثِ الْكُلِّ فِي إحْدَاهُمَا وَثُلُثِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
النَّاظِرِ الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ هَلْ يَشْتَمِلُ عَلَى رَفْعِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ أَمْ لَا لَيْسَ عَلَى الْأُصُولِيِّ التَّعَرُّضُ لِتَفَاصِيلِ الْجُزْئِيَّاتِ.
وَمَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ مُسْتَلْزِمٌ لِبُطْلَانِ الْإِجْمَاعِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ادِّعَاءٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ أَحَدِ الشُّمُولَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ كَيْفَ وَقَدْ يَصْدُقُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ الشُّمُولَيْنِ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْبَعْضِ؟ وَلِهَذَا أَحْدَثَ التَّابِعُونَ قَوْلًا ثَالِثًا فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ بِثُلُثِ الْكُلِّ فِي زَوْجٍ، وَأَبَوَيْنِ دُونَ زَوْجَةٍ، وَأَبَوَيْنِ. وَقَالَ تَابِعِيٌّ آخَرُ بِالْعَكْسِ، وَكَذَا فِي الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ لَيْسَ شُمُولُ الْوُجُودِ، وَلَا شُمُولُ الْعَدَمِ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي الْبَوَاقِي مَثَلًا لَا إجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْمَخْرَجِ لِمُخَالَفَةِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِمُخَالَفَةِ الشَّافِعِيِّ.
- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا صَدَقَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ وَلَا وَاحِدَ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ مِمَّا يَجِبُ إجْمَاعًا فَكَيْفَ يَصْدُقُ أَنَّ إحْدَاهُمَا وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا؟ غَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ رُكِّبَتْ مُغَلَّظَةً بِحَسَبِ التَّعْبِيرِ عَنْ الْأَمْرَيْنِ بِمَفْهُومٍ يَشْمَلُهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَيَكُونُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ بِاعْتِبَارِ فَرْدٍ آخَرَ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْإِفْرَادِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْعِدَّةِ، وَالْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ لِاتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَشْهُرِ
(2/85)

الْبَاقِي فِي الْأُخْرَى قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ فَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا فَسْخَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ حَقُّ الْفَسْخِ ثَابِتٌ فِي كُلٍّ مِنْهَا فَالْفَسْخُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَعِنْدَ الْبَعْضِ غَسْلُ الْمَخْرَجِ فَقَطْ وَاجِبٌ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَاجِبٌ فَقَطْ فَشُمُولُ الْعَدَمِ أَوْ شُمُولُ الْوُجُودِ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. وَأَيْضًا الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضٌ عِنْدَنَا لَا مَسُّ الْمَرْأَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَسُّ نَاقِضٌ لَا الْخُرُوجُ فَشُمُولُ الْوُجُودِ أَوْ شُمُولُ الْعَدَمِ ثَالِثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
(وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْحَقُّ هُوَ التَّفْصِيلُ) ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إنْ اسْتَلْزَمَ إبْطَالَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُهُ، وَإِلَّا جَازَ مِثَالُ الْأَوَّلِ الصُّورَتَانِ الْأُولَيَانِ فَإِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْأَشْهُرِ قَبْلَ الْوَضْعِ مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاعِ إمَّا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ وَضْعُ الْحَمْلِ فَهَذَا يُسَمَّى إجْمَاعًا مُرَكَّبًا، فَمَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ، وَهُوَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَشْهُرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ اتِّفَاقُ الْفَرِيقَيْنِ وَاقِعٌ عَلَى عَدَمِ حِرْمَانِ الْجَدِّ، وَمِثَالُ الثَّانِي الْأَمْثِلَةُ الْأَخِيرَةُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كُلِّ صُورَةٍ إلَّا مُخَالَفَةُ مَذْهَبٍ وَاحِدٍ لَا مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ مِثْلُ هَذَا مَرْدُودًا يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ وَافَقَ صَحَابِيًّا، أَوْ مُجْتَهِدًا فِي مَسْأَلَةٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُوَافِقَهُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، وَهَذَا بَاطِلٌ إجْمَاعًا.
فَإِنَّ عِنْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
قَبْلَ الْوَضْعِ، وَعَلَى عَدَمِ جَوَازِ حِرْمَانِ الْجَدِّ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ عِلَّةِ الرِّبَا فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إنْ كَانَ قَوْلًا بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْعِلِّيَّةِ كَانَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا إذْ لَمْ يَقَعْ اتِّفَاقُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ إلَّا عَلَى اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْعِلِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ قَوْلِهِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ يَعْنِي لَا قَائِلَ بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ الْمُرَكَّبَ مِنْ كَوْنِ عِدَّةِ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَمِنْ انْتِفَاءِ حَجْبِ الْمَحْرُومِ مُنْتَفٍ بِإِجْمَاعِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرِهِ أَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّ الْجُزْءَ الثَّانِيَ أَعْنِي: انْتِفَاءَ الْحَجْبِ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ الْحَجْبَ ثَابِتٌ، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ فَلِأَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ أَعْنِي: كَوْنَ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ مُنْتَفٍ لِكَوْنِهَا بَعْدَ الْأَجَلَيْنِ، وَالْمُرَكَّبُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ أَحَدِ جُزْأَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فِي الضِّمَارِ) هُوَ الْمَالُ الْغَائِبُ الَّذِي لَا يُرْجَى فَإِنْ رُجِيَ فَلَيْسَ بِضِمَارٍ، وَقِيلَ هُوَ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ) تَقْرِيرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ إنْ اشْتَرَكَا فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَإِحْدَاثُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ يَكُونُ إبْطَالًا لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْمُشْتَرَكُ فِيهِ وَاحِدًا بِالْحَقِيقَةِ أَوْ كَانَ وَاحِدًا لَكِنْ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَإِحْدَاثُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ لَا يَكُونُ إبْطَالًا لِلْإِجْمَاعِ وَعِنْدَ تَقْرِيرِ هَذَا الضَّابِطِ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِي أَنَّ أَيَّ مَوْضِعٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ
(2/86)

ابْنِ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَافَقَهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُوَافِقْهُ فِي أَنَّ الْمَحْرُومَ يُحْجَبُ حَجْبَ النُّقْصَانِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ الْمُرَكَّبَ مِنْ كَوْنِ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَجْبِ مُنْتَفٍ إجْمَاعًا، أَمَّا عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِثُبُوتِ الثَّانِي، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ فَلِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدِينَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَافَقُوا بَعْضَ الصَّحَابَةِ فِي مَسْأَلَةٍ مَعَ أَنَّهُمْ خَالَفُوا ذَلِكَ الْبَعْضَ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، أَقُولُ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ الْمُرَكَّبِ وَبِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ مَشْهُورٌ فِي الْمُنَاظَرَاتِ، وَإِبْطَالُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نَقَلْته عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَيْسَ بِحَقٍّ.
بَلْ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْغَرَضُ إلْزَامَ الْخَصْمِ يَكُونُ مَقْبُولًا فِي هَذَا الْغَرَضِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوُجُوبِ فِي الْحُلِيِّ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الضِّمَارِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فِي الضِّمَارِ يَكُونُ ثَابِتًا فِي الْحُلِيِّ قِيَاسًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الضِّمَارِ يَكُونُ ثَابِتًا فِي الْحُلِيِّ إذْ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْحُلِيِّ يَلْزَمُ الْعَدَمُ فِي الضِّمَارِ مَعَ الْعَدَمِ فِي الْحُلِيِّ، وَهَذَا مُنْتَفٍ إجْمَاعًا فَهَذَا لَا يُفِيدُ حَقِّيَّةَ الْوُجُوبِ فِي الْحُلِيِّ لَكِنْ يُفِيدُ نَفْيَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ فِي الْحُلِيِّ يَلْزَمُ الْعَدَمَانِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
أَمَّا إنْ لَمْ يَكُنِ الْغَرَضُ إلْزَامَ الْخَصْمِ بَلْ إظْهَارُ مَا هُوَ الْحَقُّ، فَاعْلَمْ أَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَأَيَّ مَوْضِعٍ لَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ فِي ذَلِكَ فَنَقُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا مُتَعَلِّقًا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِأَكْثَرَ مِنْ مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ فَالْقَوْلَانِ فِيهِ قَدْ يَظْهَرُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ فَيَبْطُلُ الثَّالِثُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْعِدَّةِ، وَالْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَقَدْ يَظْهَرُ عَدَمُ اشْتِرَاكِهِمَا فِي ذَلِكَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا فَلَا يَبْطُلُ الثَّالِثُ، وَقَدْ يَكُونَانِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُمَا اشْتِرَاكٌ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ وَافْتِرَاقٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَحِينَئِذٍ إنْ كَانَ الِافْتِرَاقُ مِمَّا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ ذَاتِ الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّ الْقَوْلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي إثْبَاتِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَفِي أَنَّ الثُّبُوتِ مِنْ أَحَدِهِمَا يُنَافِي الثُّبُوتَ مِنْ الْآخَرِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَإِحْدَاثُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا بِشُمُولِ الْوُجُودِ أَعْنِي: ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْهُمَا جَمِيعًا أَوْ بِشُمُولِ الْعَدَمِ أَعْنِي: عَدَمَ ثُبُوتِهِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الِافْتِرَاقُ مِمَّا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ حَيْثُ اتَّفَقَ الْقَوْلَانِ عَلَى وُجُوبِ التَّطْهِيرِ أَعْنِي الْوُضُوءَ أَوْ غَسْلَ الْمَخْرَجِ، وَعَلَى الِافْتِرَاقِ أَعْنِي كَوْنَ الْوَاجِبِ أَحَدُهُمَا فَقَطْ لَكِنْ لَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِأَنَّ وُجُوبَ أَحَدِهِمَا يُنَافِي وُجُوبَ الْآخَرِ فَالْقَوْلُ الثَّالِثُ إنْ كَانَ قَوْلًا بِشُمُولِ الْعَدَمِ أَعْنِي: عَدَمَ وُجُوبِ شَيْءٍ مِنْهُمَا كَانَ بَاطِلًا وَمُبْطِلًا لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقِ.
وَإِنْ كَانَ قَوْلًا بِشُمُولِ الْوُجُودِ أَعْنِي: وُجُوبَهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا لِعَدَمِ
(2/87)

التَّفْصِيلَ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ اسْتَلْزَمَ إبْطَالَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُهُ كَلَامٌ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إنْ اسْتَلْزَمَ إبْطَالَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كَانَ مَرْدُودًا، وَالْخَصْمُ يُسَلِّمُ هَذَا الْمَعْنَى لَكِنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ مُسْتَلْزِمٌ لِإِبْطَالِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ إمَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْعِدَّةِ وَحِرْمَانِ الْجَدِّ وَإِمَّا فِي مَجْمُوعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَفِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ أَحَدُ الشَّمُولَيْنِ ثَابِتٌ، وَهُوَ ثُلُثُ الْكُلِّ فِي كِلَيْهِمَا، أَوْ ثُلُثُ الْبَاقِي فِي كِلَيْهِمَا فَالْقَوْلُ بِثُلُثِ الْكُلِّ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَكَذَا فِي الْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا فَالْقَوْلُ بِأَنْ لَا شَيْءَ مِنْهَا وَاجِبٌ مُبْطِلٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَكَذَا فِي الْحُلِيِّ وَالضِّمَارِ وَكَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعِدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَجْبِ الْمَذْكُورِ مُبْطِلٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَالشَّأْنُ فِي تَمْيِيزِ صُورَةٍ يَلْزَمُ فِيهَا بُطْلَانُ الْإِجْمَاعِ عَنْ صُورَةٍ لَا يَلْزَمُ فِيهَا ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنْ كَانَا يَشْتَرِكَانِ فِي أَمْرٍ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ مُسْتَلْزِمًا لِإِبْطَالِ الْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا فَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ إمَّا حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ، أَوْ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَكْثَرَ مِنْ مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَمَسْأَلَةِ الْعِدَّةِ وَالْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ فَإِنَّ الْقَوْلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي بِالْأَشْهُرِ وَحْدَهَا، وَأَنَّ الْجَدَّ لَا يُحْرَمُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
اسْتِلْزَامِهِ إبْطَالَ الْإِجْمَاعِ، وَلَزِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَكَ الْقَوْلَانِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ مُسْتَلْزِمًا لِإِبْطَالِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ حُكْمًا مُتَعَلِّقًا بِأَكْثَرَ مِنْ مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَاخْتِلَافُ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَائِلًا بِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى، وَالْآخَرُ قَائِلًا بِالْعَكْسِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالِانْتِقَاضِ بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا بِمَسِّ الْمَرْأَةِ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالِانْتِقَاضِ بِالْمَسِّ دُونَ الْخُرُوجِ، فَالْقَوْلُ بِالِانْتِقَاضِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ بِعَدَمِ الِانْتِقَاضِ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ إبْطَالًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَائِلًا بِالثُّبُوتِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَهُوَ مَعْنَى شُمُولِ الْوُجُودِ، وَالْآخَرُ بِالْعَدَمِ فِيهِمَا، وَهُوَ مَعْنَى شُمُولِ الْعَدَمِ فَإِنْ اتَّفَقَ الشُّمُولَانِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ كَتَسْوِيَةِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ فِي الْوِلَايَةِ كَانَ الْقَوْلُ بِالِافْتِرَاقِ مُبْطِلًا لِلْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا كَالْقَوْلِ بِجَوَازِ الْفَسْخِ بِبَعْضِ الْعُيُوبِ دُونَ الْبَعْضِ. الثَّالِثِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَائِلًا بِالثُّبُوتِ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ بِعَيْنِهَا وَالْعَدَمِ فِي الْأُخْرَى، وَالْآخَرُ قَائِلًا بِالثُّبُوتِ فِي كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ فَيَكُونُ اتِّفَاقًا عَلَى الثُّبُوتِ فِي صُورَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ بِالْعَدَمِ فِيهِمَا فَيَكُونُ اتِّفَاقًا عَلَى الْعَدَمِ فَلَا
(2/88)

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرِّبَا فَعِلَّتُهُ الْقَدْرُ مَعَ الْجِنْسِ، أَوْ الطُّعْمُ مَعَ الْجِنْسِ لَا يَشْتَرِكَانِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَوْ جُعِلَ مَفْهُومُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ أَحَدِ الْأُمُورِ أَمْرًا وَاحِدًا فَذَلِكَ لَيْسَ بِأَمْرٍ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ بَلْ وَاحِدٌ اعْتِبَارِيٌّ، وَلَوْ كَانَ أَمْرًا وَاحِدًا فَلَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الْغُسْلَيْنِ. إمَّا الْوُضُوءُ أَوْ غَسْلُ الْمَخْرَجِ فَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ وُجُوبُ التَّطْهِيرِ، فَالتَّطْهِيرُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ فَذَلِكَ التَّطْهِيرُ الْوَاجِبُ هُوَ الْوُضُوءُ عِنْدَنَا، وَغَسْلُ الْمَخْرَجِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْقَوْلُ بِأَنْ لَا شَيْءَ مِنْ التَّطْهِيرِ بِوَاجِبٍ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَاجِبٌ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَوْ قِيلَ الِافْتِرَاقُ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَشُمُولُ الْوُجُودِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَنَقُولُ الِافْتِرَاقُ هُنَا لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَيْ: لَمْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ بِأَنَّ الْمُنَافَاةَ ثَابِتَةٌ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ عَدَمِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الِافْتِرَاقُ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَمَا إذَا أَخْبَرَتْ امْرَأَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا الْغَائِبَ مَاتَ فَتَزَوَّجَتْ، وَوَلَدَتْ فَجَاءَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ فَعِنْدَنَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْأَخِيرِ فَثُبُوتُهُ مِنْ كِلَيْهِمَا، أَوْ عَدَمُ الثُّبُوتِ مِنْ أَحَدِهِمَا مُنْتَفٍ إجْمَاعًا فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الِافْتِرَاقُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِمَّا أَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
صُورَةَ بِعَيْنِهَا فَيَكُونُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ إبْطَالًا لِلْمُجْمَعِ عَلَيْهِ كَمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ نَفْلًا وَفَرْضًا وَيَجْعَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَمَسْأَلَةَ مُسَاوَاةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي يَتَبَيَّنُ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ أَنْ يَشْتَرِكَ الْقَوْلَانِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ، وَبِالثَّانِي أَنْ لَا يَشْتَرِكَا فِيهِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ، وَالْبَيْعِ بِالشَّرْطِ فَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ الْمَبْحَثِ، فَإِنَّ بُطْلَانَ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ مَسْأَلَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَالْبَيْعُ بِالشَّرْطِ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا لَا تَعَلُّقَ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى. وَالْمَبْحَثُ هُوَ أَنَّهُ إذَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةٍ اخْتِلَافٌ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَإِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ هَلْ يَكُونُ إبْطَالًا لِلْإِجْمَاعِ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرِّبَا) أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِيهَا عِلِّيَّةُ الْقَدْرِ مَعَ الْجِنْسِ، وَالْآخَرُ الطُّعْمُ مَعَ الْجِنْسِ أَوْ الِادِّخَارُ مَعَ الْجِنْسِ، وَهُمَا لَا يَشْتَرِكَانِ فِي وَاحِدٍ حَقِيقِيٍّ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّ مَفْهُومَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَاحِدٌ بِحَسَبِ الِاعْتِبَارِ بَلْ بِحَسَبِ الْعِبَارَةِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ الْعِلِّيَّةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَا يُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ بَلْ قَدْ يُسْتَنْبَطُ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْقَوْلَيْنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا رِبَا فِي غَيْرِ الْجِنْسِ، وَهَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ دُخُولِ الْجِنْسِ فِي الْعِلِّيَّةِ رَفْعٌ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَالتَّطْهِيرُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ) قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ يَصْدُقُ لَا شَيْءَ مِنْ التَّطْهِيرَيْنِ بِمُجْمَعٍ عَلَى وُجُوبِهِ أَمَّا غَسْلُ الْمَخْرَجِ فَلِمُخَالَفَةِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا غَسْلُ الْأَعْضَاءِ فَلِمُخَالَفَةِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَصْدُقُ أَنَّ أَحَدَهُمَا وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ جُعِلَ
(2/89)

يَكُونَ الثَّابِتُ عِنْدَ الْبَعْضِ الْوُجُودَ فِي صُورَةٍ مَعَ الْعَدَمِ فِي الْأُخْرَى، وَعِنْدَ الْبَعْضِ عَكْسُ ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ وَالْمَسِّ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَاقِضٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا نَاقِضًا لَا يَكُونُ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِانْتِقَاضِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةِ الْمَسِّ، وَلِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ وَلَوْ جُعِلَ الْحُكْمَانِ حُكْمًا وَاحِدًا كَمَا يُقَالُ الِانْتِقَاضُ فِي الْخُرُوجِ مَعَ عَدَمِهِ فِي الْمَسِّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَكْسُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهُمَا لَا يَشْتَرِكَانِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ جَعَلَ أَحَدَ الِافْتِرَاقَيْنِ مُشْتَرَكًا فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَلَوْ قِيلَ: يَشْتَرِكَانِ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ مَنْ احْتَجَمَ وَمَسَّ الْمَرْأَةَ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا عِنْدَنَا فَلِلِاحْتِجَامِ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِلْمَسِّ فَاَلَّذِي يَخْطُرُ بِبَالِي أَنْ لَا يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ بَاطِلَةٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِلِاحْتِجَامِ، وَالْحُكْمَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِلْمَسِّ وَكُلٌّ مِنْ الْحُكْمَيْنِ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ لَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
فَيُمْكِنُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ مُخْطِئًا فِي الْخُرُوجِ مُصِيبًا فِي الْمَسِّ، وَالشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ مُخْطِئًا فِي الْمَسِّ مُصِيبًا فِي الْخُرُوجِ إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ مُخْطِئًا فِي أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا فِي الْآخَرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّابِتُ عِنْدَ الْبَعْضِ الْوُجُودَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْعَدَمَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَيُسَمَّى هَذَا عَدَمُ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الْمُرَكَّبُ فَأَعَمُّ مِنْ هَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْحُكْمَانِ) يَعْنِي: لَوْ اُعْتُبِرَ التَّرْكِيبُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لِيَصِيرَ حُكْمًا وَاحِدًا بِأَنْ يُقَالَ الِانْتِقَاضُ بِالْخُرُوجِ مَعَ عَدَمِ الِانْتِقَاضِ بِالْمَسِّ حُكْمٌ وَاحِدٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالِانْتِقَاضُ بِالْمَسِّ مَعَ عَدَمِ الِانْتِقَاضِ بِالْخُرُوجِ حُكْمٌ وَاحِدٌ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذَانِ لَا يَشْتَرِكَانِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ مُخَالَفَتُهُ إبْطَالًا لِلْإِجْمَاعِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِ الِافْتِرَاقَيْنِ أَعْنِي: انْتِقَاضَ الْخُرُوجِ دُونَ الْمَسِّ أَوْ بِالْعَكْسِ.
فَالْجَوَابُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ وَاحِدًا اعْتِبَارِيًّا لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِشُمُولِ الْعَدَمِ مُبْطِلًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ بُطْلَانُ صَلَاةِ مَنْ احْتَجَمَ وَمَسَّ. فَالْجَوَابُ أَنَّ بُطْلَانَهَا لَيْسَ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ فَاَلَّذِي يَخْطِرُ بِبَالِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جِهَةِ الْبُطْلَانِ فَالْحُكْمَانِ مُتَّحِدَانِ لَا تَغَايُرَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، وَإِنَّمَا التَّغَايُرُ فِي الْعِلَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الْمُرَكَّبُ فَأَعَمُّ مِنْ هَذَا) أَيْ: مِمَّا يُسَمَّى عَدَمَ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِلًا بِالثُّبُوتِ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ فَقَطْ، وَالْآخَرُ بِالثُّبُوتِ فِيهِمَا أَوْ بِالْعَدَمِ فِيهِمَا

[الْأَمْرُ الثَّانِي أَهْلِيَّةُ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ]
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ هُوَ) أَيْ: صَاحِبُ الْبِدْعَةِ الَّذِي يَدْعُو النَّاسَ
(2/90)

كَمَسْأَلَةِ الزَّوْجِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ، وَالزَّوْجَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ، وَمَسْأَلَةِ الْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ، فَإِنَّ الثَّابِتَ شُمُولُ الْوُجُودِ، أَوْ شُمُولُ الْعَدَمِ فَيَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ أَنَّ شُمُولَ الْوُجُودِ وَشُمُولَ الْعَدَمِ إنْ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ شَرْعِيٍّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِافْتِرَاقُ إبْطَالًا لِلْإِجْمَاعِ نَظِيرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ إجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ فَالْقَوْلُ بِوِلَايَةِ الْأَبِ دُونَ الْجَدِّ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ شُمُولَ الْوُجُودِ، وَشُمُولَ الْعَدَمِ يَشْتَرِكَانِ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ فَإِنَّ الْجَدَّ كَالْأَبِ شَرْعًا عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ فَالْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِخِلَافِ الزَّوْجِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّ مُسَاوَاةَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فِي أَنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ الْكُلِّ، أَوْ ثُلُثَ الْبَاقِي لَمْ يُعْهَدْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَكَذَا فِي الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا لَمْ تُعْهَدْ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّابِتُ عِنْدَ الْبَعْضِ الْوُجُودَ فِي أَحَدِهِمَا مَعَ الْعَدَمِ فِي الْأُخْرَى، وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْوُجُودَ فِي كِلَيْهِمَا أَوْ الْعَدَمَ فِي كِلَيْهِمَا كَجَوَازِ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ فِي الْكَعْبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجَوَازَيْهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَجَوَازُ النَّفْلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِهِمَا أَوْ جَوَازِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَكَبَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَالْبَيْعِ بِشَرْطٍ فَإِنَّ الثَّانِيَ يُفِيدُ الْمِلْكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - دُونَ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فَالْمَلَاقِيحُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فَالْقَوْلُ بِإِفَادَتِهِمَا الْمِلْكَ أَوْ إفَادَةِ الْمَلَاقِيحِ لَا الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَهَذَا غَايَةُ التَّحْقِيقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

(وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي أَهْلِيَّةِ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ، وَهِيَ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ لَيْسَ فِيهِ فِسْقٌ وَلَا بِدْعَةٌ فَإِنَّ الْفِسْقَ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
إلَيْهَا لَيْسَ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَهُوَ مِنْ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ دُونَ الْمُتَابَعَةِ كَالْكُفَّارِ، وَمُطْلَقُ الِاسْمِ لِأُمَّةِ الْمُتَابَعَةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْعِصْمَةِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو إلَيْهَا وَلَكِنَّهُ مَشْهُورٌ بِهَا فَقِيلَ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَضِلُّ فِيهِ، وَأَمَّا فِيمَا سِوَاهُ فَيُعْتَدُّ بِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُظْهِرًا لَهَا فَلَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ أَصْلًا، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرَ.
(قَوْلُهُ: بِالتَّعَصُّبِ) هُوَ عَدَمُ قَبُولِ الْحَقِّ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ بِنَاءً عَلَى مَيْلٍ إلَى جَانِبٍ. (قَوْلُهُ: لَا يَكْفُرُ بِالْمُخَالَفَةِ) يَعْنِي: فِي صُورَةِ عَدَمِ تَمَامِ الْإِجْمَاعِ بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ مُخَالِفٍ وَاحِدٍ

[الْأَمْرُ الثَّالِثُ شُرُوطُ الْإِجْمَاعِ]
(قَوْلُهُ: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ) عِبَارَةٌ عَنْ مَوْتِ جَمِيعِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى حُكْمٍ فِيهَا، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ جَوَازُ الرُّجُوعِ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ لَا دُخُولُ مَنْ سَيَحْدُثُ، وَقِيلَ: جَوَازُ الرُّجُوعِ، وَدُخُولُ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي إجْمَاعِهِمْ أَيْضًا، وَعِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالِاشْتِرَاطِ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ لَكِنْ لَا يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ الرُّجُوعِ وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ مَعَ احْتِمَالِ الرُّجُوعِ.
(قَوْلُهُ: فَجَعَلُوا الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ مَانِعًا) يَعْنِي: إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِ الْبَحْثِ عَنْ الْمَأْخَذِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُنَاظَرَةِ بَلْ عَلَى أَنْ يَعْتَقِدَ كُلٌّ حَقِّيَّةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَانِعًا وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(2/91)

يُورِثُ التُّهْمَةَ، وَيُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ يَدْعُو النَّاسَ إلَيْهَا وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَسَقَطَتْ الْعَدَالَةُ بِالتَّعَصُّبِ أَوْ السَّفَهِ وَكَذَا الْمُجُونُ) اعْلَمْ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا تَعَصُّبٌ، وَإِمَّا سَفَهٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ وَافِرَ الْعَقْلِ عَالِمًا بِقُبْحِ مَا يَعْتَقِدُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يُعَانِدُ الْحَقَّ وَيُكَابِرُهُ فَهُوَ الْمُتَعَصِّبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَافِرَ الْعَقْلِ كَانَ سَفِيهًا إذْ السَّفَهُ خِفَّةٌ، وَاضْطِرَابٌ يَحْمِلُهُ عَلَى فِعْلٍ مُخَالِفٍ لِلْعَقْلِ لِقِلَّةِ التَّأَمُّلِ وَأَمَّا الْمُجُونُ فَهُوَ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ فَالْمُفْتِي الْمَاجِنُ هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحِيَلَ.
(وَأَمَّا عَامَّةُ النَّاسِ فَفِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ كَنَقْلِ الْقُرْآنِ، وَأُمَّهَاتُ الشَّرَائِعِ دَاخِلُونَ فِي الْإِجْمَاعِ كَالْمُجْتَهِدِينَ وَفِيمَا يَحْتَاجُ لَا عِبْرَةَ بِهِمْ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدِهِمَا: إجْمَاعٌ يُفِيدُ قَطْعِيَّةَ الْحُكْمِ أَيْ: سَنَدُ الْإِجْمَاعِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ بَلْ الْإِجْمَاعُ يُفِيدُ الْقَطْعِيَّةَ. وَالثَّانِي: إجْمَاعٌ لَا يُفِيدُ قَطْعِيَّةَ الْحُكْمِ بِأَنْ يَكُونَ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ يُفِيدُ زِيَادَةَ تَوْكِيدٍ، فَنَقْلُ الْقُرْآنِ وَأُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَالْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ لَا يَنْعَقِدُ مَا بَقِيَ مُخَالِفٌ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ الْمُخَالِفُ أَوْ مُخَالِفٌ آخَرُ فِي عَهْدٍ آخَرَ لَا يَكْفُرُ بِالْمُخَالَفَةِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ الثَّانِي فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ قَطْعِيٌّ بِدُونِهِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَافِقْ جَمِيعَ الْعَوَامّ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ حَتَّى لَا يَكْفُرَ الْجَاحِدُ بَلْ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ الْمُخَالَفَةُ حَتَّى لَوْ خَالَفَ أَحَدٌ يَكْفُرُ.
(وَبَعْضُ النَّاسِ خَصُّوا الْإِجْمَاعَ بِالصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مَا يُشْعِرُ بِالْمَنْعِ وَذَلِكَ كَبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ كَانَ مُخْتَلَفًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَأَجْمَعَ التَّابِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَلَوْ قَضَى بِهِ قَاضٍ لَا يَنْفُذُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَوَى الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ فَقِيلَ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَقِيلَ: عَلَى أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً حَيْثُ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَمْ يَبْقَ) أَيْ: لَمْ يَبْقَ دَلِيلًا يُعْتَدُّ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ نَسْخٌ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا نَسْخَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ، وَأُجِيبُ بِجَوَازِهِ فِيمَا يَثْبُتُ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِانْتِهَاءِ الْمَصْلَحَةِ وَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى أَئِمَّةَ الْمُجْتَهِدِينَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَرَفْعِ الْخِلَافِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا مُدَّةَ الْحُكْمِ، وَتَبَدُّلَ الْمَصْلَحَةِ.

[الْأَمْرُ الرَّابِعُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ]
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ) أَيْ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إذْ الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ لَا يَثْبُتُ يَقِينًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ فَوْقَ صَرِيحِ قَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي قِصَّةِ التَّلْقِيحِ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» وَرُبَّمَا كَانَ يَتْرُكُ رَأْيَهُ فِي الْحُرُوبِ بِمُرَاجَعَةِ الصَّحَابَةِ وَقِيلَ: يَثْبُتُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا لَكِنْ فِي الدُّنْيَوِيِّ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ بَعْدَ تَبَدُّلِ الْمَصْلَحَةِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ إجْمَاعُهُ ظَنِّيًّا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا
(2/92)

هُمْ الْأُصُولُ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالْبَعْضُ بِعِتْرَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِطَهَارَتِهِمْ عَنْ الرِّجْسِ وَالْبَعْضُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ الْمَدِينَةَ طَيِّبَةٌ تَنْفِي خَبَثَهَا» ، وَإِنَّ الْخَطَأَ خَبَثٌ.
(إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ زَائِدَةٌ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً لَا يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ الْكُلِّ بَلْ الْأَكْثَرُ كَافٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» ) وَعِنْدَنَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَرُبَّمَا كَانَ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ وَالْمُخَالِفُ وَاحِدٌ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ هُوَ أُمَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ الْمُطْلَقَةِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُمْ الَّذِينَ طَرِيقَتُهُمْ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابِهِ دُونَ أَهْلِ الْبِدَعِ.

(وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي شُرُوطِهِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُشْتَرَطُ أَنْ يَمُوتُوا عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ بَعْضِهِمْ وَلَنَا أَنَّهُ تَحَقَّقَ الْإِجْمَاعُ فَلَا يُعْتَبَرُ تَوَهُّمُ رُجُوعِ الْبَعْضِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ لَا يُعْتَبَرُ عِنْدَنَا. مَسْأَلَةٌ شَرَطَ الْبَعْضُ كَوْنَهُ فِي مَسْأَلَةٍ غَيْرِ مُجْتَهَدٍ فِيهَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَجَعَلُوا الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ مَانِعًا مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُخَالِفَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ خِلَافُهُ لِدَلِيلِهِ لَا لَعَيْنِهِ، وَدَلِيلُهُ بَاقٍ؛ وَلِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْإِجْمَاعِ تَضْلِيلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ وَقَدْ وُجِدَ وَدَلِيلُهُ كَانَ دَلِيلًا لَكِنَّهُ لَمْ يَبْقَ كَمَا إذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فَقِيلَ: يَكْفُرُ وَقِيلَ: لَا يَكْفُرُ، وَالْحَقُّ أَنَّ نَحْوَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ مِمَّا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِنْ الدِّينِ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ اتِّفَاقًا.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلٌ وَاسْتَدَلَّ عَلَى إفَادَةِ الْإِجْمَاعِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ يَقِينًا بِوُجُوهٍ مِنْ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: 115] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْعَدَ بِاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِضَمِّهِ إلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ فَيَحْرُمُ إذْ لَا يُضَمُّ مُبَاحٌ إلَى حَرَامٍ فِي الْوَعِيدِ، وَإِذَا حَرَّمَ اتِّبَاعَ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ إذْ لَا مَخْرَجَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاتِّبَاعِ غَيْرُ سَبِيلِهِمْ فَيَدْخُلُ فِي اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ، وَالْإِجْمَاعُ سَبِيلُهُمْ فَيَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ.
فَإِنْ قِيلَ لَفْظُ الْغَيْرِ مُفْرَدٌ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ فَلَا يَلْزَمُ حُرْمَةُ اتِّبَاعِ كُلِّ مَا يُغَايِرُ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الْكُفْرُ وَالتَّكْذِيبُ قُلْنَا بَلْ هُوَ عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجِنْسِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ قَطْعًا، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَكْفِي الْإِطْلَاقُ فَإِنْ قِيلَ: السَّبِيلُ حَقِيقَةٌ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ اتِّفَاقًا، وَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الدَّلِيلِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ قُلْنَا: اتِّبَاعُ غَيْرِ الدَّلِيلِ إنْ كَانَ هُوَ الْقِيَاسُ دَاخِلٌ فِي مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ أَيْ: مُخَالَفَةِ حُكْمِهِ إذْ الْقِيَاسُ أَيْضًا مُسْتَنِدٌ إلَى نَصٍّ
(2/93)

نَزَلَ نَصٌّ بَعْدَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فَلَا يَلْزَمُ التَّضْلِيلُ الَّذِي ذُكِرَ) .
اعْلَمْ أَنَّ الضَّلَالَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ أَيْ: لَا يَكُونُ الدَّلِيلُ مَقْرُونًا بِشَرَائِطِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مَقْرُونًا بِشَرَائِطِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُوَصِّلًا إلَى الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ بِتَضْلِيلِ الصَّحَابَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ فَلَا نُسَلِّمُ لُزُومَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلَفُوا وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الدَّلِيلَ مَقْرُونًا بِشَرَائِطِهِ لَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ضَالًّا وَلَا مُخْطِئًا بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ ثُمَّ إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَهُمْ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَدَلِيلُ الْمُخَالِفِ لَمْ يَبْقَ الْآنَ دَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ دَلِيلٌ أَقْوَى، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مَقْرُونًا بِشَرَائِطِهِ فَلَا يَكُونُ تَضْلِيلًا بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَعْنَى الثَّانِيَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَضْلِيلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ مُمْتَنِعٌ بَلْ تَضْلِيلُ كُلِّهِمْ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فَإِصَابَةُ الْحَقِّ لَا تَعْدُوهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَهُمْ مُخْطِئٌ نَظَرًا إلَى الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ عِنْدَنَا.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا بِالتَّضْلِيلِ التَّضْلِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّلِيلِ فَالتَّضْلِيلُ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُمْ كَانَ دَلِيلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَكِنَّهُ لَمْ يَبْقَ دَلِيلًا فِي زَمَانِ حُدُوثِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أَرَادُوا التَّضْلِيلَ بِالنِّسْبَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ عَمَّ لَزِمَ اتِّبَاعُ الْمُبَاحَاتِ، وَإِسْنَادُ الْحُكْمِ إلَى الدَّلِيلِ الَّذِي أَسْنَدَ الْمُؤْمِنُونَ إجْمَاعَهُمْ إلَيْهِ قُلْنَا خُصَّ ذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُتَابَعَةُ فِي الْمُبَاحِ.
وَأَنَّ الِاتِّبَاعَ هُوَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ فِعْلِ الْغَيْرِ لِكَوْنِهِ فِعْلَ الْغَيْرِ لَا لِكَوْنِهِ مِمَّا سَاقَ إلَيْهِ الدَّلِيلُ مَثَلًا إيمَانُ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَنُبُوَّةِ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يُعَدُّ اتِّبَاعًا لِلْيَهُودِ وَذَلِكَ كَمَا خُصَّ الْمُؤْمِنُونَ بِالْمُجْتَهِدِينَ الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرٍ فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَوْ مُنَاصَرَتِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، أَوْ فِيمَا صَارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِهِ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي طَعْمَةَ بْنِ تِصْحَابَ حِينَ سَرَقَ دِرْعًا وَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْعُمُومَاتِ وَالْإِطْلَاقَاتِ دُونَ خُصُوصِيَّاتِ الْأَسْبَابِ وَالِاحْتِمَالَاتِ، وَالثَّابِتُ بِالنُّصُوصِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُهَا وَلَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ قَرِينَةٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّوَاهِرِ، وَوُجُوبَ الْعَمَلِ بِهَا إنَّمَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْلَاهُ لَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالدَّلَائِلِ الْمَانِعَةِ عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، وَاعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَكْفِي فِي صِحَّةِ الْعَطْفِ تَغَايُرُ الْمَفْهُومَيْنِ، وَجَوَابُهُ أَنَّا لَا نَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَطْفُ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ عَامٌّ لَا مُخَصِّصَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ إتْيَانُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعَ أَنَّ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْفَائِدَةِ الْجَدِيدَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ
(2/94)

إلَى الْوَاقِعِ فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَهُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فَإِذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاقِعِ، وَإِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُخْطِئٌ وَضَالٌّ.

(وَأَمَّا الرَّابِعُ فَفِي حُكْمِهِ، وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ يَقِينًا حَتَّى يَكْفُرَ جَاحِدُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] فَإِنْ قِيلَ الْوَعِيدُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَجْمُوعِ، وَهُوَ الْمُشَاقَّةُ وَالِاتِّبَاعُ قُلْنَا بَلْ بِكُلِّ وَاحِدٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي ضَمِّهِ إلَى الْمُشَاقَّةِ فَائِدَةٌ) أَوَّلُ الْآيَةِ {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] أَيْ: نَجْعَلُهُ وَالِيًا لِمَا تَوَلَّى مِنْ الضَّلَالَةِ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ، وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْوَعِيدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُشَاقَّةَ الرَّسُولِ وَحْدَهَا تَسْتَوْجِبُ الْوَعِيدَ فَلَوْلَا أَنَّ الِاتِّبَاعَ الْمَذْكُورَ حَرَامٌ لَمْ يَكُنْ فِي ضَمِّهِ إلَى الْمُشَاقَّةِ فَائِدَةٌ، فَكَانَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ رَكِيكًا كَمَا لَوْ قَالَ وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ وَيَأْكُلْ الْخُبْزَ، وَإِذَا كَانَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَامًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ اتِّبَاعَ سَبِيلٍ مِنْ السُّبُلِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: 108] الْآيَةَ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَيْنَ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاتِّبَاعُ غَيْرِهِ يَكُونُ مُخَالَفَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَكُونُ الْمَعْطُوفُ أَيْ: الِاتِّبَاعُ عَيْنَ الْمَعْطُوفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
عَلَى التَّكْرَارِ، وَتَغَايُرُ الْمَفْهُومَيْنِ لَا يَدْفَعُ التَّكْرَارَ كَمَا فِي قَوْلِنَا اتَّبِعُوا الْقُرْآنَ، وَكِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّنْزِيلَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ أَحْكَامًا لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) هَذَا مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ إذْ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَدْخُلُ اتِّبَاعُ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّ عَطْفَ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَإِلْحَاقِ الْوَعِيدِ بِهِمَا قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ مَا أَتَى بِهِ وَامْتِثَالَ أَوَامِرِهِ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَعِيدِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى مَا الْتَزَمَهُ مِنْ أَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَيْسَ غَيْرَهُ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ اتَّفَقَ عَلَى بُطْلَانِهِ جُمْهُورُ الْمُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ وقَوْله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] أَثْبَتَ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ الْعَدَالَةَ وَهِيَ تَقْتَضِي الثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ، وَالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ الْحَقِيقَةَ الثَّابِتَةَ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ تَعَالَى تُنَافِي الْكَذِبَ وَالْمَيْلَ إلَى جَانِبِ الْبَاطِلِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فَتَعَيَّنَ الْمَجْمُوعُ، وَأَيْضًا الشَّاهِدُ حَقِيقَةً هُوَ الْمُخْبِرُ بِالصِّدْقِ، وَاللَّفْظُ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ الشَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْأُمَّةِ حَقًّا وَصِدْقًا لِيَخْتَارَهُمْ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ لِلشَّهَادَةِ عَلَى النَّاسِ.
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ الْفَضَائِلِ مُنْحَصِرَةٌ فِي التَّوَسُّطِ) تَقْدِيرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْخَالِقَ تَعَالَى
(2/95)

عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُشَاقَّةُ، وَلَا يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ أَحْكَامًا لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ اتِّبَاعُهُ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ فَيَكُونُ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ مَجْمُوعًا مُرَكَّبًا مِمَّا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ غَيْرِهِ فَهَذَا الْغَيْرُ يَكُونُ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ، فَإِنْ شَرَطَ لِكَوْنِهِ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ فَمَعَ عَدَمِ الِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ فَمَعَ تَحَقُّقِ الِاتِّفَاقِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ مُرَكَّبًا مِمَّا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ غَيْرِهِ فَمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَكُونُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَاتِّبَاعُهُ يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ قُلْنَا لَا يَكُونُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُهُ كَمَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَيْنُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَقَطْ يَصْدُقُ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ لِي غَيْرُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَعَ أَنَّهُ يَمْلِكُ أَجْزَاءَ الْعَشَرَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَيْنَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْمَعْطُوفُ عَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَتَقَدَّسَ قَدْ رَكَّبَ فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثَ قُوًى. إحْدَاهَا مَبْدَأُ إدْرَاكِ الْحَقَائِقِ وَالسَّوْقِ إلَى النَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْقُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ، وَالْمَلَكِيَّةِ. وَالثَّانِيَةُ: مَبْدَأُ جَذْبِ الْمَنَافِعِ وَطَلَبِ الْمَلَاذِ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَتُسَمَّى الْقُوَّةُ الشَّهْوَانِيَّةُ وَالْبَهِيمِيَّةُ، وَالنَّفْسُ الْأَمَّارَةُ. وَالثَّالِثَةُ: مَبْدَأُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْأَهْوَالِ وَالشَّوْقِ إلَى التَّسَلُّطِ وَالتَّرَفُّعِ وَهِيَ الْقُوَّةُ الْغَضَبِيَّةُ وَالسَّبُعِيَّةُ، وَالنَّفْسُ اللَّوَّامَةُ وَتَحْدُثُ مِنْ اعْتِدَالِ الْحَرَكَةِ لِلْأُولَى الْحِكْمَةُ، وَلِلثَّانِيَةِ الْعِفَّةُ، وَلِلثَّالِثَةِ الشَّجَاعَةُ، فَأُمَّهَاتُ الْفَضَائِلِ هِيَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ تَفْرِيعَاتِهَا وَتَرْكِيبَاتِهَا، وَكُلٌّ مِنْهَا مُحْتَوِشٌ بِطَرَفَيْ إفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ هُمَا رَذِيلَتَانِ.
أَمَّا الْحِكْمَةُ فَهِيَ مَعْرِفَةُ الْحَقَائِقِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَهِيَ الْعِلْمُ النَّافِعُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ، وَإِفْرَاطُهَا الْجَرْبَزَةُ وَهِيَ اسْتِعْمَالُ الْفِكْرِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي كَالْمُتَشَابِهَاتِ وَعَلَى وَجْهٍ لَا يَنْبَغِي كَمُخَالَفَةِ الشَّرَائِعِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَتَفْرِيطُهَا الْغَبَاوَةُ الَّتِي هِيَ تَعْطِيلُ الْقُوَّةِ الْفِكْرِيَّةِ بِالْإِرَادَةِ وَالْوُقُوفِ عَنْ اكْتِسَابِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ.
وَأَمَّا الشَّجَاعَةُ فَهِيَ انْقِيَادُ السَّبُعِيَّةِ لِلنَّاطِقِيَّةِ فِي الْأُمُورِ لِيَكُونَ إقْدَامُهَا عَلَى حَسَبِ الرَّوِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَابٍ فِي الْأُمُورِ الْهَائِلَةِ حَتَّى يَكُونَ فِعْلُهَا جَمِيلًا، وَصَبْرُهَا مَحْمُودًا، وَإِفْرَاطُهَا التَّهَوُّرُ أَيْ: الْإِقْدَامُ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي، وَتَفْرِيطُهَا الْجُبْنُ أَيْ: الْحَذَرُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي الْحَذَرُ عَنْهُ، وَأَمَّا الْعِفَّةُ فَهِيَ انْقِيَادُ الْبَهِيمِيَّةِ
(2/96)

- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرُ مَفْهُومِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَهَذِهِ الْغَيْرِيَّةُ كَافِيَةٌ لِصِحَّةِ الْعَطْفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] مَعَ أَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ عَيْنُ إطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] لَكِنَّهُ غَيْرُهُ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ.
(وقَوْله تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] الْآيَةَ وَالْخَيْرِيَّةُ تُوجِبُ الْحَقِّيَّةَ فِيمَا اجْتَمَعُوا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا كَانَ ضَلَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ} [يونس: 32] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُمَّةَ الضَّالِّينَ لَا يَكُونُونَ خَيْرَ الْأُمَمِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى الْأَمْرِ بِشَيْءٍ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَعْرُوفًا، وَإِذَا نَهَوْا عَنْ الشَّيْءِ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُنْكَرًا، فَيَكُونُ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً وقَوْله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ} [البقرة: 143] وَالْوَسَاطَةُ الْعَدَالَةُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] وَكُلُّ الْفَضَائِلِ مُنْحَصِرَةٌ فِي التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَإِنَّ رُءُوسَ الْفَضَائِلِ الْحِكْمَةُ، وَالْعِفَّةُ وَالشَّجَاعَةُ، وَالْعَدَالَةُ فَالْحِكْمَةُ نَتِيجَةُ تَكْمِيلِ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْجَرْبَزَةِ وَالْغَبَاوَةِ، فَتَوَسُّطُهُ أَنْ تَنْتَهِيَ الْقُوَّةُ الْعَقْلِيَّةُ إلَى حَدٍّ يُمْكِنُ لِلْعَقْلِ الْوُصُولُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ الْحَدِّ الَّذِي وَجَبَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَعَمَّقُ فِيمَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ التَّعَمُّقُ كَالتَّفَكُّرِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ، وَالتَّفْتِيشِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ، وَالْقَدَرِ، وَالشُّرُوعِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فِي الْمَبْدَأِ وَالْمُعَادِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْفَلَاسِفَةِ.
وَالْعِفَّةُ هِيَ نَتِيجَةُ تَهْذِيبِ الْقُوَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ، وَهِيَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
لِلنَّاطِقِيَّةِ لِيَكُونَ تَصَرُّفَاتُهَا بِحَسَبِ اقْتِضَاءِ النَّاطِقِيَّةِ لِيَسْلَمَ عَنْ اسْتِعْبَادِ الْهَوَى إيَّاهَا وَاسْتِخْدَامِ اللَّذَّاتِ. وَإِفْرَاطُهَا الْخَلَاعَةُ، وَالْفُجُورُ أَيْ: الْوُقُوعُ فِي ازْدِيَادِ اللَّذَّاتِ عَلَى مَا يَجِبُ، وَتَفْرِيطُهَا الْخُمُودُ أَيْ: السُّكُوتُ عَنْ طَلَبِ اللَّذَّاتِ بِقَدْرِ مَا رَخَّصَ فِيهِ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ إيثَارًا لَا خِلْقَةً فَالْأَوْسَاطُ فَضَائِلُ، وَالْأَطْرَافُ رَذَائِلُ، وَإِذَا امْتَزَجَتْ الْفَضَائِلُ الثَّلَاثَةُ حَصَلَتْ مِنْ امْتِزَاجِهَا حَالَةٌ مُتَشَابِهَةٌ هِيَ الْعَدَالَةُ، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ عَبَّرَ عَنْ الْعَدَالَةِ بِالْوَسَاطَةِ، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا» ، وَالْحِكْمَةُ فِي النَّفْسِ الْبَهِيمِيَّةِ بَقَاءُ الْبَدَنِ الَّذِي هُوَ مَرْكَبُ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ لِتَصِلَ بِذَلِكَ إلَى كَمَالِهَا اللَّائِقِ بِهَا وَمَقْصُودِهَا الْمُتَوَجِّهَةِ إلَيْهِ.
وَفِي السَّبُعِيَّةِ كَسْرُ الْبَهِيمِيَّةِ وَقَهْرُهَا وَدَفْعُ الْفَسَادِ الْمُتَوَقَّعِ مِنْ اسْتِيلَائِهَا، وَاشْتُرِطَ التَّوَسُّطَ فِي أَفْعَالِهِمَا لِئَلَّا تَسْتَبْعِدَ النَّاطِقَةُ فِي هَوَاهُمَا، وَتَصَرُّفَاتهمَا عَنْ كَمَالِهَا وَمَقْصِدِهَا وَقَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ بِفَارِسٍ اسْتَرْدَفَ سَبُعًا وَبَهِيمَةً لِلِاصْطِيَادِ فَإِنْ انْقَادَ السَّبُعُ، وَالْبَهِيمَةُ لِلْفَارِسِ وَاسْتَعْمَلَهُمَا عَلَى مَا يَنْبَغِي حَصَلَ مَقْصُودُ الْكُلِّ بِوُصُولِ الْفَارِسِ إلَى الصَّيْدِ، وَالسَّبُعِ إلَى الطُّعْمَةِ، وَالْبَهِيمَةِ إلَى الْعَلَفِ، وَإِلَّا هَلَكَ الْكُلُّ، فَقَوْلُهُ: النَّفْسُ الْحَيَوَانِيَّةُ أَرَادَ بِهَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْبَهِيمِيَّةِ وَالسَّبُعِيَّةِ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ نُفُوسٌ مُتَعَدِّدَةٌ أَمْ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالِاعْتِبَارَاتِ أَمْ قُوًى، وَكَيْفِيَّاتٌ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ
(2/97)

مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْخَلَاعَةِ وَالْجُمُودِ. وَالشَّجَاعَةُ نَتِيجَةُ تَهْذِيبِ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَهِيَ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَإِنَّمَا يُحْمَدُ فِيهَا التَّوَسُّطُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ الْحَيَوَانِيَّةَ هِيَ مَرْكَبٌ لِلرُّوحِ الْإِنْسَانِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوَسُّطِهَا لِئَلَّا تَضْعُفَ عَنْ السَّيْرِ وَلَا تَجْمَحَ بَلْ تَنْقَادُ لِلرُّوحِ، ثُمَّ التَّوَسُّطُ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ أَيْ: الْحِكْمَةِ وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ هِيَ الْعَدَالَةُ فَلِهَذَا فَسَّرَ الْوَسَاطَةَ بِالْعَدَالَةِ فَالْعَدَالَةُ تَقْتَضِي الرُّسُوخَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَتَنْفِي الزَّيْغَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
(وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» ) هَذِهِ هِيَ الْأَدِلَّةُ الْمَشْهُورَةُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء: 115] فَقَدْ عَرَفْت مَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْآيَاتِ فَدَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ وَاحِدٍ حُجَّةٌ لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَبُلُوغُ مَجْمُوعِهَا إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ عَلَى هَذَا الْمَدْلُولِ الْمَطْلُوبِ فَأَنَا أَذْكُرُ مَا سَنَحَ لِخَاطِرِي فَأَقُولُ الْقَضَايَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ النَّاسِ نَحْوَ الْعَدْلُ حَسَنٌ، وَالظُّلْمُ قَبِيحٌ فَهَذَا النَّوْعُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَقِينِيًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فَمَوْضِعُهُ عِلْمٌ آخَرُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْآيَاتِ فَدَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ وَاحِدٍ حُجَّةٌ) قَطْعِيَّةٌ لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ أَمَّا قَوْله تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] الْآيَةَ؛ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْخِطَابَ لِلصَّحَابَةِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْله تَعَالَى {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى} [آل عمران: 111] ، وَأَنَّ الضَّلَالَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ بِنَاءً عَلَى الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ بَعْدَ بَذْلِ الْوُسْعِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ بِالشَّرَائِعِ الْمُمْتَثِلِينَ لِلْأَوَامِرِ خَيْرَ الْأُمَمِ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ لَيْسَا عَلَى الْعُمُومِ إذْ رُبَّ مُنْكَرٍ لَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ بِحَسَبِ الرَّأْيِ، وَالِاجْتِهَادِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَا كَذَلِكَ فِي الْوَاقِعِ، وَبَعْدَ تَسْلِيمِ جَمِيعِ ذَلِكَ لَا دَلَالَةَ لَهُ قَطْعًا عَلَى قَطْعِيَّةِ إجْمَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ عَصْرٍ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] الْآيَةَ فَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تُنَافِي الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ إذْ لَا فِسْقَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَأْجُورٌ؛ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ كَوْنُهُمْ وَسَطًا بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأُمَمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِعَدَالَةِ الْمَجْمُوعِ بَعْدَ الْقَطْعِ بِعَدَمِ عَدَالَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَحَادِ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ لَا دَلَالَةَ عَلَى قَطْعِيَّةِ إجْمَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ قَوْلُهُ: (وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْأَخْبَارِ) قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ مَعَ اخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ، وَكَوْنِ كُلٍّ مِنْهَا خَبَرًا وَاحِدًا قَدْ تَظَاهَرَتْ حَتَّى صَارَتْ مُتَوَاتِرَةَ الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ شَجَاعَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجُودِ حَاتِمٍ فَأَجَابَ بِأَنَّ بُلُوغَ مَجْمُوعِهَا حَدَّ التَّوَاتُرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَرِدُ عَلَى كُلِّ مَا اُدُّعِيَ تَوَاتُرُ مَعْنَاهُ.
(قَوْلُهُ فَأَنَا أَذْكُرُ) قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِمَّا سَنَحَ لَهُ قَطْعِيَّةَ
(2/98)

يُضَاهِي الْمُتَوَاتِرَاتِ وَالْمُجَرَّبَاتِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إذَا اتَّفَقُوا عَلَى قَضِيَّةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً عِنْدَهُمْ فَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ مِمَّا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ يَلْزَمُ الْقَدْحُ فِي الْمُتَوَاتِرَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً عِنْدَهُمْ فَحُكْمُ الْعَقْلِ بِهَا إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى السَّمْعِ فَإِنْ كَانَ حُكْمًا وَاجِبًا عَلَى تَقْدِيرِ تَصَوُّرِ الطَّرَفَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَدِيهَةً، أَوْ كَسْبًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فِي اعْتِقَادِهِمْ إلَّا أَنَّهُ خَطَأٌ فَوُقُوعُ الْخَطَأِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَنَبَّهْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْحُكَمَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَطَاوِلَةِ يُوجِبُ أَنْ لَا اعْتِمَادَ عَلَى الْعَقْلِ أَصْلًا، وَأَيْضًا الْحُكْمُ الضَّرُورِيُّ لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ مَا يَقَعُ فِي الْعُقُولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَصْلًا بَلْ وَقَعَ اتِّفَاقًا وَالِاتِّفَاقِيُّ لَا يَكْثُرُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَلَزِمَ الْقَدْحُ فِي الْمُجَرَّبَاتِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى السَّمْعِ فَإِنْ حَكَمَ الْعَقْلُ بِوُجُوبٍ عَلَى قَبُولِهِ بِأَنْ يَحْكُمَ بِامْتِنَاعِ الْكَذِبِ مِنْ قَائِلِهِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ فَاتِّفَاقُ الْجُمْهُورِ عَلَى قَبُولِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ بَاطِلٌ لِمَا مَرَّ.
فَإِنْ قُلْت لِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الشَّوْكَةِ حَكَمَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مُتَابِعُوهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اتَّبَعَهُمْ النَّاسُ كَمَا نُشَاهِدُهُ مِنْ الرُّسُومِ وَالْعَادَاتِ؟ قُلْت: كَلَامُنَا فِيمَا يَعْتَقِدُهُ النَّاسُ أَنَّهُ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلَا يَرِدُ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْإِجْمَاعِ سِتَّةَ أَوْجُهٍ.
حَاصِلُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِإِكْمَالِهِ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ مُهْمَلًا وَلَا شَكَّ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَوَادِثِ مِمَّا لَمْ يُبَيَّنْ بِصَرِيحِ الْوَحْيِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الْوَحْيِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ لِلْأُمَّةِ اسْتِنْبَاطُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِدْرَاجِ أَوْ يُمْكِنُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ فَتَعَيَّنَ اسْتِنْبَاطُهُ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَسْتَنْبِطَهُ قَطْعًا وَيَقِينًا كُلُّ مُجْتَهِدٍ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ، أَوْ جَمِيعُ الْمُجْتَهِدِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَتَعَيَّنَ اسْتِنْبَاطُ جَمْعٍ مِنْ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى تَعْيِينِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَعْصَارِ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ عَصْرٌ وَاحِدٌ وَحِينَئِذٍ لَا تَرْجِيحَ لِلْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ بَيَانًا لِلْحُكْمِ وَبَيِّنَةً عَلَيْهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ لِلْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْبَيِّنَةِ هَذَا غَايَةُ تَقْرِيرِ هَذَا الْكَلَامِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وُجُوبُ الِاتِّبَاعِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَطْعَ، وَأَيْضًا مَا ذَكَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى حُجِّيَّةِ إجْمَاعِ مُجْتَهِدِي كُلِّ عَصْرٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُنْدَرِجُ فِي الْوَحْيِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ آخَرَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَيْضًا إكْمَالُ الدِّينِ هُوَ التَّنْصِيصُ عَلَى قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ، وَالتَّوْقِيفُ عَلَى أُصُولِ الشَّرَائِعِ، وَقَوَانِينِ الِاجْتِهَادِ لِإِدْرَاجِ حُكْمِ كُلِّ حَادِثَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَ الْقَضَايَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا نَوْعَيْنِ: أَحَدَهُمَا: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ النَّاسِ. وَالثَّانِيَ: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ
(2/99)

عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَأَهْلَ الْحَقِّ لَمْ يَخَافُوا أَنْ يُعَنِّتَهُمْ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ الرُّسُومِ بَلْ رَفَضُوهَا وَهُمْ قَدْ اعْتَقَدُوا مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وَأَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ يَرِدُ عَلَى الْمُتَوَاتِرَاتِ الْمَاضِيَةِ وَلَمْ يَقْدَحْ فِيهَا.
وَالثَّانِي: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي عَصْرٍ عَلَى أَمْرٍ فَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَلَا وَحْيَ بَعْدَهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَثْبُتُ بِصَرِيحِ الْوَحْيِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَةِ قَلِيلَةٌ غَايَةَ الْقِلَّةِ فَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَحْكَامُ تِلْكَ الْحَوَادِثِ مِنْ الْوَحْيِ الصَّرِيحِ وَبَقِيَتْ أَحْكَامُهَا مُهْمَلَةً لَا يَكُونُ الدِّينُ كَامِلًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِينَ وِلَايَةُ اسْتِنْبَاطِ أَحْكَامِهَا مِنْ الْوَحْيِ، فَإِنْ اسْتَنْبَطَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي عَصْرٍ حُكْمًا، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ قَبُولُهُ فَاتِّفَاقُهُمْ صَارَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ مُخَالَفَتُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105] وقَوْله تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي عَصْرٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا جَمِيعُ النَّاسِ بَلْ بَعْضُهُمْ أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ تَطْوِيلًا وَتَفْصِيلًا لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْمَقْصُودِ إلَّا بَيَانُ أَنَّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ فِي عَصْرٍ يَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الْعَصْرِ قَبُولُهُ كَمَا أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ يَجِبُ قَبُولُهَا، وَثُبُوتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَاتِرَاتِ وَالْمُجَرَّبَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {فَلَوْلا نَفَرَ} [التوبة: 122] الْآيَةَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا لَا يُفِيدُ إلَّا كَوْنُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ طَوَائِفُ الْفُقَهَاءِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِ الْفُقَهَاءِ، وَالْكَلَامُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ حَتَّى لَا يَسَعُهُمْ مُخَالَفَتُهُ، وَأَيْضًا وُجُوبُ الْعَمَلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَطْعَ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي قَوْله تَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي عَصْرٍ لَا مُجْتَهِدَ فِيهِ غَيْرَهُ حُجَّةً قَطْعِيَّةً لِكَوْنِهِ بَيِّنَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا} [التوبة: 115] الْآيَةَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمُرَادُ عَدَمُ الْإِضْلَالِ بِالْإِلْجَاءِ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْهِدَايَةِ إلَى الْإِيمَانِ إذْ كَثِيرًا مَا يَقَعُ الْخَطَأُ لِجَمَاعَاتِ الْعُلَمَاءِ، وَأَيْضًا هَذَا لَا يَنْفِي وُقُوعَ الضَّلَالِ وَالذَّهَابِ إلَى غَيْرِ الْحَقِّ مِنْ النَّفْسِ أَوْ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّمَا يَنْفِي وُقُوعَ الْإِضْلَالِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَيْضًا لَوْ أُجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَزِمَ أَنْ لَا يَخْطَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَطُّ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى تَعْيِينِ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7] الْآيَةَ الْوَاوُ لِلْقَسَمِ، وَمَعْنَى تَنْكِيرِ نَفْسٍ التَّكْثِيرُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَعْنَى إلْهَامِ الْفُجُورِ وَالتَّقْوَى إفْهَامُهَا، وَتَعْرِيفُ حَالِهَا وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِمَا، وَمَعْنَى تَزْكِيَتِهَا إنْمَاؤُهَا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَمَعْنَى تَدْسِيَتِهَا نَقْضُهَا، وَإِخْفَاؤُهَا بِالْجَهَالَةِ
(2/100)

{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 4] وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] الْآيَةَ. يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ كُلِّ قَوْمٍ طَائِفَتَهُ الْمُتَفَقِّهَةَ فَإِنْ اتَّفَقَ الطَّوَائِفُ عَلَى حُكْمٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ وَحْيٌ صَرِيحٌ وَأَمَرُوا أَقْوَامَهُمْ بِهِ يَجِبُ قَبُولُهُ فَاتِّفَاقُهُمْ صَارَ بَيِّنَةً عَلَى الْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ الْمُخَالَفَةُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] فَأُولُوا الْأَمْرِ إنْ كَانُوا هُمْ الْمُجْتَهِدِينَ فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ صَرِيحُ الْوَحْيِ يَجِبُ إطَاعَتُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ الْحُكَّامُ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَهِدِينَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ السُّؤَالُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] فَإِذَا سَأَلُوهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى الْجَوَابِ يَجِبُ الْقَبُولُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي السُّؤَالِ فَائِدَةٌ فَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ الْإِطَاعَةُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ وَكَذَا بَعْدَهُ لِمَا مَرَّ وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [التوبة: 115] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُلْقِي فِي قُلُوبِ قَوْمٍ هُمْ الْعُلَمَاءُ الْمَهْدِيُّونَ خِلَافَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَالْفُسُوقِ وَلَيْسَ مَعْنَى إلْهَامِ الْفُجُورِ وَالتَّقْوَى أَنْ يَعْلَمَ كُلَّ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالنَّفْسِ الْمُزَكَّاةِ فَكَيْفَ بِجَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي عَصْرٍ.
وَالْعَجَبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَيْفَ رَدَّ اسْتِدْلَالَاتِ الْقَوْمِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَطْعِيَّةً، وَأَوْرَدَ مِمَّا سَنَحَ لَهُ مَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَإِلْحَاقُ هَذِهِ الْوُجُوهِ بِالْكِتَابِ مِمَّا اتَّفَقَ لَهُ فِي آخِرِ عَهْدِهِ وَلَا يُوجَدُ فِي النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَال بِمَجْمُوعِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَا بِكُلِّ وَاحِدٍ وَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِهِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ إذْ لَا دَلَالَة لِلْمَجْمُوعِ أَيْضًا قَطْعًا.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا الْعُلَمَاءُ) اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ إلَّا أَنَّ حَاصِلَهُ رَاجِعٌ إلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ مُتَوَاتِرَةُ الْمَعْنَى وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ مَنَعَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا كَانَ هَذَا مَظِنَّةَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ خَالَفَ، وَزَعَمَ أَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا هُوَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ إجْمَاعُ الْعِتْرَةِ أَجَابَ بِأَنَّ مَا نَدَّعِي كَوْنَهُ حُجَّةً أَخَصُّ الْإِجْمَاعَاتِ؛ لِأَنَّهُ إجْمَاعُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْمُجْتَهِدُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْعِتْرَةِ بِخِلَافِ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ الْعِتْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إجْمَاعَ الْكُلِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ فِي الْعَصْرِ مُجْتَهِدٌ مِنْ الْعِتْرَةِ أَوْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ، وَمَا بَعْدَهُ فَلَا يَكُونُ أَخَصَّ، وَلَا تَدُلُّ أَدِلَّتُهُمْ عَلَى مَطْلُوبِنَا؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُمْ هُوَ اشْتِمَالُ إجْمَاعِ الْعِتْرَةِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ اتِّفَاقُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ خَالَفَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْهَوَى، وَالْبِدَعِ

[الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ]
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ) فَالْأُولَى بِمَنْزِلَةِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ. وَالثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ
(2/101)

الْحَقِّ؛ لِكَوْنِهِ ضَلَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ} [يونس: 32] وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7] {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْسَ الْمُزَكَّاةَ يُلْهِمُهَا اللَّهُ الْخَيْرَ لَا الشَّرَّ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَالنَّفْسُ الْمُزَكَّاةُ هِيَ الْمُشَرَّفَةُ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.
وَأَيْضًا الْعُلَمَاءُ إذَا قَالُوا: أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ قَطْعِيًّا إلَّا وَأَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَيْهِ قَطْعِيًّا فَإِخْبَارُهُمْ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ إخْبَارٌ بِأَنْ قَدْ وَصَلُوا إلَى دَلِيلٍ دَالٍّ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَا يَكُونُ كَلَامُهُمْ إلَّا كَاذِبًا، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الْمُجْتَهِدُونَ الْكَثِيرُونَ غَايَةَ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ يُضَلَّلُ جَاحِدُهُ. وَالثَّالِثَةُ: لَا يُضَلَّلُ جَاحِدُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي مِثْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ يَجُوزُ التَّبْدِيلُ) ذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا حَتَّى لَوْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى حُكْمٍ ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ جَازَ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ التَّفْصِيلُ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْقَطْعِيَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ كَمَا إذَا أَجْمَعَ الْقَرْنُ الثَّانِي عَلَى حُكْمٍ يُرْوَى فِيهِ خِلَافٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ثُمَّ أَجْمَعُوا بِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ أَجْمَعَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِجَوَازِ أَنْ تَنْتَهِيَ مُدَّةُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ فَيُوَفِّقُ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْإِجْمَاعِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَمَا يُقَالُ إنَّ انْقِطَاعَ الْوَحْيِ يُوجِبُ امْتِنَاعَ النَّسْخِ فَمُخْتَصٌّ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَحْيِ، وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ تَحَاشَى عَنْ إطْلَاقِ لَفْظِ النَّسْخِ إلَى لَفْظِ التَّبْدِيلِ مُحَافَظَةً عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ

[الْأَمْرُ الْخَامِسُ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ]
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْخَامِسُ فَفِي السَّنَدِ وَالنَّاقِلِ) جَمَعَهُمَا فِي بَحْثٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبٌ. فَالْأَوَّلُ سَبَبُ ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ. وَالثَّانِي سَبَبُ ظُهُورِهِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِجْمَاعُ إلَّا عَنْ سَنَدٍ مِنْ دَلِيلٍ أَوْ أَمَارَةٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ السَّنَدِ يَسْتَلْزِمُ الْخَطَأَ إذْ الْحُكْمُ فِي الدِّينِ بِلَا دَلِيلٍ خَطَأٌ وَيَمْتَنِعُ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى الْخَطَأِ، وَأَيْضًا اتِّفَاقُ الْكُلِّ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ يَسْتَحِيلُ عَادَةً كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ.
وَفَائِدَةُ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ وُجُودِ السَّنَدِ سُقُوطُ الْبَحْثِ، وَحُرْمَةُ الْمُخَالَفَةِ، وَصَيْرُورَةُ الْحُكْمِ قَطْعِيًّا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي السَّنَدِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا، وَأَنَّهُ وَقَعَ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ قِيَاسًا عَلَى إمَامَتِهِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى قِيلَ رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَمْرِ دِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِأَمْرِ دُنْيَانَا. وَذَهَبَ الشِّيعَةُ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا جَوَازُ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَذَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمِيزَانِ، وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْمَذْكُورِينَ
(2/102)

الدَّلِيلُ لَا يَكُونُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْقَطْعِيَّةَ عِنْدَهُمْ وَلَا الْإِجْمَاعَ لِلدُّورِ بَقِيَ الدَّلِيلُ الَّذِي هُوَ الْوَحْيُ فَصَارَ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَالَ أَنَّهُ وَصَلَ إلَيَّ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، وَإِذَا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَحْيًا مُتَوَاتِرًا، عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَدَّعِي أَنَّهُ حُجَّةٌ أَخَصُّ الْإِجْمَاعَاتِ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ وَقَوْمًا قَالُوا: إجْمَاعُ الْعِتْرَةِ حُجَّةٌ، وَنَحْنُ لَا نَكْتَفِي بِهَذَا بَلْ نَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ اتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِمْ الْعِتْرَةُ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ فَأَدِلَّتُهُمْ تَدُلُّ عَلَى مَطْلُوبِنَا وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَطْلُوبِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ قَدْرَ شِبْرٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
خَالَفُوا فِي الظَّنِّيِّ قِيَاسًا كَانَ أَوْ خَبَرَ وَاحِدٍ وَلَمْ يُجَوِّزُوا الْإِجْمَاعَ إلَّا عَلَى قَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ قَطْعِيٌّ فَلَا يُبْتَنَى إلَّا عَلَى قَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلٍ أَيْ: سَنَدِهِ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لِذَاتِهِ كَرَامَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاسْتِدَامَةً لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ كَوْنُ السَّنَدِ قَطْعِيًّا لَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ لَغْوًا ضَرُورَةَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ قَطْعًا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْإِجْمَاعُ عَنْ قَطْعِيٍّ أَصْلًا لِوُقُوعِهِ لَغْوًا. قُلْنَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ كَوْنُ السَّنَدِ قَطْعِيًّا لَكَانَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ لَغْوًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ حُكْمًا وَلَا يُوجِبُ أَمْرًا مَقْصُودًا فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ إذْ التَّأْكِيدُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ أَصْلِيٍّ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ، فَإِنَّ السَّنَدَ إذَا كَانَ ظَنِّيًّا فَهُوَ يُفِيدُ إثْبَاتَ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ، وَإِذَا كَانَ قَطْعِيًّا فَهُوَ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ كَمَا فِي النُّصُوصِ الْمُتَعَاضِدَةِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَكُونُ لَغْوًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلنِّزَاعِ فِي جَوَازِ كَوْنِ السَّنَدِ قَطْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ عَلَى حُكْمٍ ثَابِتٍ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَظَاهِرٌ الْبُطْلَانَ، وَكَذَا إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ الْحُكْمَ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ نِزَاعٌ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الثَّابِتِ مُحَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا النَّاقِلُ) نَقْلُ الْإِجْمَاعِ إلَيْنَا قَدْ يَكُونُ بِالتَّوَاتُرِ فَيُفِيدُ الْقَطْعَ وَقَدْ يَكُونُ بِالشُّهْرَةِ فَيَقْرُبُ مِنْهُ وَقَدْ يَكُونُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيُفِيدُ الظَّنَّ، وَيُوجِبُ الْعَمَلَ لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ الظَّنِّ بِالدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ثَبَتَ إجْمَاعًا وَذَلِكَ فِيمَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَأَمَّا فِيمَا نُقِلَ عَنْ الْأُمَّةِ مِنْ الْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ صِحَّةُ الْقِيَاسِ فِي إثْبَاتِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَلَسْنَا نَقْطَعُ بِبُطْلَانِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ، وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ نَقْلَ الظَّنِّيِّ مَعَ تَخَلُّلِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَ النَّاقِلِ وَالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُوجِبُ الْعَمَلَ فَنَقْلُ الْقَطْعِ أَوْلَى، وَأُجِيبُ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إنَّمَا يَكُونُ ظَنِّيًّا بِوَاسِطَةِ شُبْهَةٍ فِي النَّاقِلِ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْأَصْلِ قَطْعِيٌّ كَالْإِجْمَاعِ بَلْ أَوْلَى إذْ لَا شُبْهَةَ لِأَحَدٍ فِي أَنَّ الْخَبَرَ الْمَسْمُوعَ
(2/103)

فَقَدْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» فَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَدْ وَصَلَتْ إلَى الْعُلَمَاءِ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ.

ثُمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ: إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ إجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِيمَا لَمْ يُرْوَ فِيهِ خِلَافُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ إجْمَاعُهُمْ فِيمَا رُوِيَ خِلَافُهُمْ فَهَذَا إجْمَاعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَفِي مِثْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ يَجُوزُ التَّبْدِيلُ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَفِي عَصْرَيْنِ وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي ثَبَتَ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إجْمَاعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا.

وَأَمَّا الْخَامِسُ فَفِي السَّنَدِ وَالنَّاقِلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ خَبَرَ الْوَاحِدِ أَوْ الْقِيَاسَ عِنْدَنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حُجَّةٌ قَطْعًا

[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ]
(قَوْلُهُ: الرُّكْنُ الرَّابِعُ فِي الْقِيَاسِ) هُوَ فِي اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ وَالْمُسَاوَاةُ يُقَالُ قِسْت النَّعْلَ بِالنَّعْلِ أَيْ: قَدَّرْتهَا بِهَا وَفُلَانٌ لَا يُقَاسُ بِفُلَانٍ أَيْ: لَا يُسَاوَى وَقَدْ تَعَدَّى بِعَلَى بِتَضْمِينِ مَعْنَى الِابْتِنَاءِ كَقَوْلِهِمْ قَاسَ الشَّيْءَ عَلَى الشَّيْءِ، وَفِي الشَّرْعِ: مُسَاوَاةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ مَطْلُوبٍ بِهِ، وَلَهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ، وَالْمَقْصُودُ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ لِثُبُوتِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ يُقَاسُ هَذَا بِهِ، فَكَانَ هَذَا فَرْعًا وَذَلِكَ أَصْلًا لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ، وَابْتِنَائِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْئَيْنِ بَلْ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْحُكْمِ، وَيُسَمَّى عِلَّةَ الْحُكْمِ وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مِثْلِهَا فِي الْفَرْعِ إذْ ثُبُوتُ عَيْنِهَا فِيهِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الشَّخْصِيَّ لَا يَقُومُ بِمَحَلَّيْنِ، وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الظَّنُّ مِثْلَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْقَوْمِ أَنَّهُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُتَّحِدَةٍ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ لِاسْتِحَالَةِ الِانْتِقَالِ عَلَى الْأَوْصَافِ وَلَوْ سُلِّمَ فَيَلْزَمُ عَدَمُ بَقَاءِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ لِانْتِقَالِهِ عَنْهُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالثَّابِتُ فِي الْفَرْعِ لَا يَكُونُ حُكْمَ الْأَصْلِ بَلْ مِثْلَهُ ضَرُورَةَ تَعَدُّدِ الْأَوْصَافِ بِتَعَدُّدِ الْمَحَالِّ فَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - زَادَ تَقْيِيدَ الْعِلَّةِ بِمَا لَا يُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ اللُّغَةِ احْتِرَازًا عَنْ دَلَالَةِ النَّصِّ وَفَسَّرَ تَعْدِيَةَ حُكْمِ الْأَصْلِ بِإِثْبَاتِ حُكْمٍ مِثْلَ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِبَعْضِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ عَلَى مَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ) فَإِنْ قُلْت تَفْسِيرُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِالْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَالْمَقِيسُ يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ لَتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهِمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ قُلْتُ لَيْسَ هَذَا تَفْسِيرًا لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بَلْ بَيَانًا لِمَا صَدَقَا عَلَيْهِ أَيْ: الْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْمَحَلُّ الَّذِي يُسَمَّى مَقِيسًا عَلَيْهِ لَا نَفْسَ الْحُكْمِ، وَلَا دَلِيلَهُ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اصْطِلَاحُ الْبَعْضِ، وَكَذَا فِي الْفَرْعِ مَثَلًا إذَا قِسْنَا الذُّرَةَ عَلَى الْبُرِّ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا فَالْأَصْلُ هُوَ الْبُرُّ، وَالْفَرْعُ هُوَ الذُّرَةُ لِابْتِنَائِهَا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، لَا يُقَالُ فَيَخْرُجُ عَنْ التَّعْرِيفِ قِيَاسُ الْمَعْدُومِ عَلَى الْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَالْفَرْعَ مَا يُبْتَنَى عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمَعْدُومُ
(2/104)

وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِيٍّ قُلْنَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ لَغْوًا حِينَئِذٍ وَكَوْنُهُ حُجَّةً لَيْسَ مِنْ قِبَلِ دَلِيلٍ بَلْ لِعَيْنِهِ كَرَامَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا النَّاقِلُ فَكَمَا ذَكَرْنَا فِي نَقْلِ السُّنَّةِ.

(الرُّكْنُ الرَّابِعُ) فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ (تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُتَّحِدَةٍ لَا تُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ اللُّغَةِ) أَيْ: إثْبَاتُ حُكْمٍ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ وَالْفَرْعِ الْمَقِيسُ، وَقَدْ قِيلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ لَفْظُهُ مَا عِبَارَةٌ عَمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَوْجُودِ، وَالْمَعْدُومِ أَعْنِي: الْمَعْلُومَ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْوُجُودُ فِي الذِّهْنِ كَافٍ فِي الشَّيْئِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: بَلْ تُشْعِرُ بِبَقَائِهِ فِي الْأَصْلِ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّعْدِيَةِ فِي اللُّغَةِ جَعْلُ الشَّيْءِ مُتَجَاوِزًا عَنْ الشَّيْءِ وَمُتَبَاعِدًا عَنْهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْدِيَةَ فِي اصْطِلَاحِ التَّصْرِيفِ مَجَازٌ أَوْ مَنْقُولٌ، وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الِاعْتِذَارِ بَعْدَ تَفْسِيرِ التَّعْدِيَةِ بِإِثْبَاتِ مِثْلِ الْحُكْمِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَلَا إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ تَرْكِ قَيْدِ الْمُتَّحِدِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَّحِدًا بِالنَّوْعِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ تَكُونَ التَّعْدِيَةُ حَقِيقَةً هَاهُنَا، وَهَذَا بَاطِلٌ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعْدِيَةُ فِي الْأَحْكَامِ، وَالِانْتِقَالُ عَلَى الْأَوْصَافِ.
(قَوْلُهُ: وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا) ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ رُكْنَ الْقِيَاسِ مَا جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ، وَجُعِلَ الْفَرْعُ نَظِيرًا لَهُ فِي حُكْمِهِ؛ لِوُجُودِهِ فِيهِ وَقَالَ: أَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِتَعْلِيلِ النُّصُوصِ فَتَعْدِيَةُ حُكْمِ النَّصِّ إلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ لِيَثْبُتَ فِيهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ عَلَى احْتِمَالِ الْخَطَأِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ رُكْنٌ وَالتَّعْدِيَةَ حُكْمٌ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ التَّعْلِيلُ أَيْ: تَبْيِينُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ هَذَا لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ فَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعِلَّةِ رُكْنُ الْقِيَاسِ أَيْ: مَا يَتَقَوَّمُ بِهِ وَيَتَحَصَّلُ.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِالرُّكْنِ نَفْسُ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أَنَّ رُكْنَ الْقِيَاسِ هُوَ الْوَصْفُ الصَّالِحُ الْمُؤَثِّرُ، وَمَا سِوَاهُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ شَرَائِطُ لَا أَرْكَانُ. وَثَانِيَهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِالرُّكْنِ جُزْءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ: الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ وَحُكْمُ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْفَرْعِ فَثَمَرَةُ الْقِيَاسِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلَّةِ الْعِلْمُ بِالْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَحَقُّقُ الْقِيَاسِ وَوُجُودُهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ الْقِيَاسِ تَعَدِّيَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ بِعَيْنِهِ إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ، وَلَا نَصَّ فِيهِ وَشَرْطُ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَثَرًا لَهُ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ التَّعْدِيَةُ حُكْمَ الْقِيَاسِ، وَأَثَرُهُ شَرْطٌ أَوْ أَنَّ التَّعْدِيَةَ شَرْطٌ لِلْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ لَا لِلْقِيَاسِ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ جَعْلِ الْقِيَاسِ تَعْدِيَةً) هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى تَفْسِيرِهِ التَّعْدِيَةَ
(2/105)

عَلَيْهِ إنَّ التَّعْدِيَةَ تُوجِبُ أَنْ لَا يَبْقَى الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيَةَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، وَأَيْضًا لَا تُشْعِرُ بِعَدَمِ بَقَائِهِ فِي الْأَصْلِ بَلْ تُشْعِرُ بِبَقَائِهِ فِي الْأَصْلِ فِي وَضْعِهَا اللُّغَوِيِّ أَلَا يَرَى أَنَّ تَعْدِيَةَ الْفِعْلِ هِيَ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْفَاعِلِ بَلْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَفْعُولِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْفَاعِلِ.
فَالْمُرَادُ هُنَا أَنْ لَا يَقْتَصِرَ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصْلِ بَلْ يَثْبُتُ فِي الْفَرْعِ أَيْضًا، وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ الْمُتَّحِدِ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيَةَ لَا تُمْكِنُ إلَّا وَأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَّحِدًا مِنْ حَيْثُ النَّوْعُ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ دَلِيلُ إثْبَاتِ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي الذُّرَةِ هُوَ الْقِيَاسُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هُوَ إثْبَاتُ حُرْمَةِ الرِّبَا فِيهِ

[الْقِيَاسُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مُثْبِتَ الْحُكْمِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى) غَيْرُ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ بَلْ يُجْعَلَ مُظْهِرًا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّ مَرْجِعَ الْكُلِّ إلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَالْأَوْجَهُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ يَثْبُتُ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ الْوَارِدِ فِي الْأَصْلِ، وَالْقِيَاسُ بَيَانٌ لِعُمُومِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالْأَصْلِ، وَهَذَا أَوْضَحُ ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنْ تُفَسَّرَ التَّعْدِيَةُ بِالْإِبَانَةِ وَالْإِظْهَارِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْقِيَاسَ إبَانَةُ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرِ.
(قَوْلُهُ: وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ نَفَوْهُ) أَيْ: الْقِيَاسَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَقْلِ حَمْلُ النَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ وَالْأُصُولِ الدِّينِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ أَوْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَقْلِ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ خَاصَّةً إمَّا لِامْتِنَاعِهِ عَقْلًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشِّيعَةِ وَالنَّظَّامُ، وَإِمَّا لِامْتِنَاعِهِ سَمْعًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَدِلَّةُ الْمَذْهَبِ الْأَخِيرِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَوَّلَيْنِ؛ لِأَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَوْ قَالَ: إذَا وَجَدْت مُسَاوَاةَ فَرْعِ لِأَصْلٍ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ، فَأَثْبِتْ فِيهِ مِثْلَ حُكْمِهِ، وَاعْمَلْ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فَقِيلَ هُوَ وَاجِبٌ عَقْلًا لِئَلَّا تَخْلُوَ الْوَقَائِعُ عَنْ الْأَحْكَامِ إذْ النَّصُّ لَا يَفِي بِالْحَوَادِثِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ أَجْنَاسَ الْأَحْكَامِ، وَكُلِّيَّاتِهَا مُتَنَاهِيَةٌ يَجُوزُ التَّنْصِيصُ عَلَيْهَا بِالْعُمُومَاتِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ النَّهْرَوَانِيُّ وَالْقَاشَانِيُّ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاقِعٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهِ. فَقِيلَ: بِالْعَقْلِ. وَقِيلَ: بِالسَّمْعِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالسَّمْعِ فَقِيلَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَقِيلَ قَطْعِيٍّ وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ نَصِّ الْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَبِالْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّوْحُ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ لَوْحٌ مِنْ دِرَّةٍ بَيْضَاءَ طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
(2/106)

يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ.
وَقَوْلُهُ لَا تُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ اللُّغَةِ احْتِرَازٌ عَنْ دَلَالَةِ النَّصِّ، وَذِكْرُ هَذَا الْقَيْدِ وَاجِبٌ لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ دَلَالَةِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ.
(وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا جَعَلُوا الْعِلَّةَ رُكْنَ الْقِيَاسِ وَالتَّعْدِيَةَ حُكْمَهُ فَالْقِيَاسُ تَبْيِينُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ هَذَا لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ) .
ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْعِلَّةَ رُكْنُ الْقِيَاسِ وَالتَّعْدِيَةَ حُكْمُهُ فَالرُّكْنُ مَا يَتَقَوَّمُ بِهِ الشَّيْءُ وَالْحُكْمُ هُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالشَّيْءِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَتَقَوَّمُ بِهِ وَيَتَحَقَّقُ بِهِ الْقِيَاسُ هُوَ الْعِلَّةُ أَيْ: الْعِلْمُ بِالْعِلَّةِ ثُمَّ التَّعْدِيَةُ هِيَ أَثَرُ الْقِيَاسِ، فَالْقِيَاسُ هُوَ تَبْيِينُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ هَذَا الشَّيْءُ لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ فَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ التَّعْدِيَةُ نَتِيجَةُ الْقِيَاسِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ حَتَّى لَوْ عُلِّلَ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَكُونُ هَذَا التَّعْلِيلُ قِيَاسًا، وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ جَعْلِ الْقِيَاسِ تَعْدِيَةً، وَإِثْبَاتًا لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مُعَلَّلٌ بِالْقِيَاسِ، وَالْعِلَّةُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ خَارِجَةً عَنْ الْمَعْلُولِ، وَعِلَّةُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ لَيْسَتْ إلَّا الْحُكْمُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْعِلَّةِ لِتَثْبُتَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ.

(وَهُوَ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأَنَّ الْحُكْمَ هَذَا إلَّا أَنَّهُ مُثْبَتٌ لَهُ ابْتِدَاءً) أَيْ: الْقِيَاسُ يُفِيدُ غَلَبَةَ ظَنِّنَا بِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي صُورَةِ الْفَرْعِ هَذَا فَمَا ذَكَرْنَا مِنْ إثْبَاتِ الْحُكْمِ، فَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى لَا أَنَّ الْقِيَاسَ مُثْبِتٌ لِلْحُكْمِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ مُثْبِتَ الْحُكْمِ هُوَ اللَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ هُوَ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ الْمُنْتَقِشُ بِصُورَةِ الْكَائِنَاتِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ تَنْطَبِعُ الْعُلُومُ فِي عُقُولِ النَّاسِ، وَقِيلَ: هُوَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَلَى هَذَا لَا اسْتِدْلَالَ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ هُوَ الْقُرْآنُ فَلَا اسْتِدْلَالَ أَيْضًا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ} [الأنعام: 59] الْآيَةَ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلَى وَرَقَةٍ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا} [الأنعام: 59] أَيْ: مَا يَسْقُطُ مِنْ رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمُنْبِتٍ وَغَيْرِ مُنْبِتٍ وَلَا مَعْنَى حِينَئِذٍ لِلتَّعْمِيمِ الْمُرَادِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِمْ مَا تَرَكَ فُلَانٌ مِنْ رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلَّا جَمَعَهُ نَعَمْ لَوْ حَمَلَ قِرَاءَةَ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ دُونَ الْعَطْفِ عَلَى مَحَلِّ مِنْ وَرَقَةٍ لَكَانَ فِيهِ تَمَسُّكٌ يَحْتَاجُ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَابِ.
وَهُوَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فُرِضَ فَهُوَ كَائِنٌ فِي الْقُرْآنِ مَعْنًى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي قَوْله تَعَالَى {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] فَحُكْمُ الْمَقِيسِ مَذْكُورٌ فِيهِ مَعْنًى، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْقِيَاسِ مُظْهِرًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ تَمَسُّكُ لُزُومِ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُ الْقُرْآنِ حُجَّةً فَإِنْ قِيلَ الْكُلُّ فِي الْقُرْآنِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ قُلْنَا فَلْيَكُنْ فِيهِ حُكْمُ الْقِيَاسِ وَيَعْرِفُهُ الْمُجْتَهِدُ.
(قَوْلُهُ أَوْلَادُ السَّبَايَا) جَمْعُ سَبِيَّةٍ بِمَعْنَى مَسْبِيَّةٍ يَعْنِي: أَنَّهُمْ اتَّخَذُوا الْجَوَارِيَ سُرِّيَّاتٍ فَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلَادًا غَيْرَ نُجَبَاءَ (قَوْلُهُ: فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ بِمَا
(2/107)

تَعَالَى، وَهَذَا مَا قَالُوا: إنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ.
(وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ نَفَوْهُ فَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنْ لَا عِبْرَةَ لِلْعَقْلِ أَصْلًا، وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنْ لَا عِبْرَةَ لَهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لَهُمْ قَوْله تَعَالَى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وَلَمَّا كَانَ الْكِتَابُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ كُلُّ الْأَحْكَامِ مُسْتَفَادَةً مِنْ الْكِتَابِ، وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا لَا يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ. (وقَوْله تَعَالَى {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ فَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْقُرْآنَ فَالتَّمَسُّكُ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] .
(وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَقَاسُوا مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ) لَفْظُ الْحَدِيثِ هَكَذَا «لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسْتَقِيمًا حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ أَوْلَادُ السَّبَايَا فَقَاسُوا» إلَخْ. (وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ وَقَدْ دُعِينَا إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] أَيْ: دُعِينَا إلَى الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، وَالْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ، وَإِنَّمَا دُعِينَا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] الْآيَةَ، وَكُلُّ مَا لَا يُوجَدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَرَّمًا لَا يَكُونُ مُحَرَّمًا بَلْ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ. (وَلِأَنَّ الْحُكْمَ حَقُّ الشَّارِعِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْبَيَانِ الْقَطْعِيِّ فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى الْإِثْبَاتِ أَيْ: إثْبَاتُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ. (فِي حَقِّهِ تَعَالَى؛ وَلِأَنَّهُ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فِيهِ شُبْهَةٌ) احْتِرَازٌ عَنْ الْإِجْمَاعِ إذْ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَأَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَهُوَ بَيَانٌ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ قَطْعِيٌّ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي طَرِيقِ الِانْتِقَالِ إلَيْنَا، وَهَذَا يُخَالِفُ حُقُوقَ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ كَالشَّهَادَاتِ؛ لِعَجْزِهِمْ عَنْ الْإِثْبَاتِ بِقَطْعِيٍّ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ أَمْرِ الْحَرْبِ) حَاصِلُهُ أَنَّا نَمْنَعُ الْعَمَلَ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ وَيَكُونُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَكُونُ مُدْرَكَةً بِالْحِسِّ وَلَا بِالْعَقْلِ إذْ لَوْ أُدْرِكَ بِهِ صَارَ قَطْعِيًّا.
(قَوْلُهُ: وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ رَدُّ الشَّيْءِ إلَى نَظِيرِهِ بِأَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْأَصْلُ الَّذِي يُرَدُّ إلَيْهِ النَّظَائِرُ عِبْرَةً وَهَذَا يَشْمَلُ الِاتِّعَاظَ وَالْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ وَالشَّرْعِيَّ وَلَا شَكَّ أَنَّ سَوْقَ الْآيَةِ لِلِاتِّعَاظِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ وَعَلَى الْقِيَاسِ إشَارَةً فَإِنْ قِيلَ: الِاعْتِبَارُ هُوَ الِاتِّعَاظُ، وَحَقِيقَتُهُ تَتَبُّعُ الشَّيْءِ بِالتَّأَمُّلِ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الِاسْتِعْمَالُ، وَنَقْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقِيَاسِ فِي الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ كَمَا يُقَالُ فِي إثْبَاتِ الصَّانِعِ اعْتَبِرْ بِالدَّارِ وَهَلْ يُمْكِنُ حُدُوثُهَا بِغَيْرِ صَانِعٍ فَمَا ظَنُّكَ بِالْعَالَمِ، وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ مِثْلِ اعْتَبِرْ قِسْ الذُّرَةَ بِالْحِنْطَةِ قُلْنَا لَوْ سُلِّمَ فَيَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ فَاءُ التَّعْلِيلِ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالِاعْتِبَارِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الِاتِّعَاظِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ
(2/108)

طَاعَةُ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ هُنَا الْمَحْكُومُ بِهِ.
(وَلَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِي دَرْكِهَا) كَالْمُقَدَّرَاتِ مِثْلَ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَسَائِرِ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِي دَرْكِهَا. (بِخِلَافِ أَمْرِ الْحَرْبِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ لَا يُمْكِنُ هُنَا، وَهِيَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَهِيَ تُدْرَكُ بِالْحِسِّ أَوْ الْعَقْلِ) فَقَوْلُهُ بِخِلَافِ أَمْرِ الْحَرْبِ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَصِحُّ فِيهَا الْقِيَاسُ وَالْعَمَلُ بِالرَّأْيِ اتِّفَاقًا فَصَحَّ ثُبُوتُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ بِالْقِيَاسِ فَأَجَابَ بِالْفَرْقِ الْمَذْكُورِ.
(وَكَذَا أَمْرُ الْقِبْلَةِ) أَيْ: يُدْرَكُ بِالْحِسِّ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ بِالسَّفَرِ أَوْ بِمُحَاذَاةِ الْكَوَاكِبِ وَنَحْوِهِمَا، (وَالِاعْتِبَارُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّعَاظِ بِالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ) اعْلَمْ أَنَّ النَّصَّ التَّمَسُّكُ بِهِ لِلْقَائِسِينَ هُوَ قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِبَارِ الِاتِّعَاظُ بِالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ.
(وقَوْله تَعَالَى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] مَحْمُولٌ عَلَى الْحَرْبِ) أَيْ: إنْ تَمَسَّكَ بِهَا أَحَدٌ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ نَقُولُ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَمْرِ الْحَرْبِ.
(وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] الْآيَةَ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ رَدُّ الشَّيْءِ إلَى نَظِيرِهِ وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَاللَّفْظُ عَامٌّ يَشْمَلُ الِاتِّعَاظَ، وَكُلَّ مَا هُوَ رَدُّ الشَّيْءِ إلَى نَظِيرِهِ أَيْ: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا هُوَ ثَابِتٌ لِنَظِيرِهِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْعُبُورِ وَالتَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلَى التَّجَاوُزِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
بِوُجُودِ السَّبَبِ يُوجِبُ الْحُكْمَ بِوُجُودِ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ مَعْنَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ بَلْ صَرِيحَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لَا يَقْتَضِي الْعِلِّيَّةَ التَّامَّةَ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةَ وُجُوبِ الِاتِّعَاظِ. هَذِهِ الْقِصَّةُ السَّابِقَةُ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ لَهَا دَخْلٌ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ وُجُودَ السَّبَبِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الْمُسَبَّبِ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّحْقِيقِ مِمَّا يَشُكُّ فِيهِ الْأَفْرَادُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِنْ دَلَالَةِ النَّصِّ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ يَعْرِفُ اللُّغَةَ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا عُمُومَ فِي الْآيَةِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَقَدْ خُصَّ مِنْهُ مَا يَنْتَفِي فِيهِ شَرَائِطُ الْقِيَاسِ وَمَا تَعَارَضَتْ فِيهِ الْأَقْيِسَةُ، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ تَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَغَيْرَهُ، وَالْمَرَّةَ وَالتَّكْرَارَ وَالْخِطَابَ مَعَ الْحَاضِرِينَ فَقَطْ وَالتَّقْيِيدَ بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ وُجُوبُ الْعَمَلِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ بِكُلِّ قِيَاسٍ صَحِيحٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ؟ .
وَجَوَابُهُ أَنَّ اعْتَبِرُوا فِي مَعْنَى افْعَلُوا الِاعْتِبَارَ وَهُوَ عَامٌّ وَتَخْصِيصُ الْبَعْضِ بِالْفِعْلِ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ قَطْعِيًّا، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْعُمُومِ فَالْإِطْلَاقُ كَافٍ وَلَفْظُ {أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] يَعُمُّ الْمُجْتَهِدِينَ بِلَا نِزَاعٍ وَلَا عِبْرَةَ بِبَاقِي الِاحْتِمَالَاتِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ) الظَّاهِرُ: أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ عِنْدَ انْتِفَائِهَا لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُلْ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ جَوَازَ الْبَيْعِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ مُنْتَفِيًا بِحُكْمِ
(2/109)


وَالتَّعَدِّي.
(فَيَدُلُّ عَلَى الِاتِّعَاظِ عِبَارَةً وَعَلَى الْقِيَاسِ إشَارَةً) ؛ لِأَنَّ الِاتِّعَاظَ يَكُونُ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ مَعَ أَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لَهُ، وَالْقِيَاسَ يَكُونُ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سِيَاقُ الْكَلَامِ لَهُ. (سَلَّمْنَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ هُوَ الِاتِّعَاظُ لَكِنْ يَثْبُتُ الْقِيَاسُ دَلَالَةً) أَيْ: مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْقِيَاسِ إشَارَةً كَانَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاعْتِبَارِ رَدُّ الشَّيْءِ إلَى نَظِيرِهِ فَالْآنَ نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاعْتِبَارِ الِاتِّعَاظُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْقِيَاسِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ الَّتِي تُسَمَّى فَحْوَى الْخِطَابِ.
(وَطَرِيقُهَا) أَيْ: طَرِيقُ دَلَالَةِ النَّصِّ فِي هَذِهِ أَنَّ الصُّورَةَ (فِي النَّصِّ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَلَاكُ قَوْمٍ بِنَاءً عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ اغْتِرَارُهُمْ بِالْقُوَّةِ وَالشَّوْكَةِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ لِيَكُفّ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ لِئَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْجَزَاءِ) ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعِلَّةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِحُكْمِهِ، فَكَذَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَيَكُونُ دَلَالَةَ نَصٍّ لَا قِيَاسًا حَتَّى لَا يَكُونَ إثْبَاتُ الْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَشْرِ {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْأَصْلِ إذْ الْأَصْلُ هُوَ الْجَوَازُ لَزِمَهُ الْمَصِيرُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ بِمَعْنَى أَنَّ بَيْعَ الْحِنْطَةِ مُبَاحٌ إلَّا أَنَّ رِعَايَةَ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ وَاجِبَةٌ كَمَا أَنَّ أَخْذَ الرَّهْنِ جَائِزٌ وَالْقَبْضَ فِيهِ وَاجِبٌ.
فَإِنْ قُلْت مَعْنَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ وَاجِبٌ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إذْ لَا وُجُوبَ لِبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِوَصْفِ الْمُمَاثَلَةِ، وَلَا لِأَخْذِ الرَّهْنِ بِوَصْفِ الْقَبْضِ قُلْتُ مُرَادُهُ أَنَّ الْأَمْرَ مُنْصَرِفٌ إلَى رِعَايَةِ الْوَصْفِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ كَأَنْ قِيلَ: إذَا بِعْتُمْ الْحِنْطَةَ فَرَاعُوا الْمُمَاثَلَةَ، وَإِذَا أَخَذْتُمْ الرَّهْنَ فَاقْبِضُوا.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا حَدِيثُ مُعَاذٍ) فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ يَثْبُتُ بِهِ الْأُصُولُ فَإِنْ قُلْت الِاجْتِهَادُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ كَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ النُّصُوصِ الْخَفِيَّةِ الدَّلَالَةِ أَوْ الْحُكْمِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ الْقِيَاسِ الْمَنْصُوصِ الْعِلَّةِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْجَوَازِ لِغَيْرِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قُلْتُ الِاسْتِنْبَاطُ بِالنُّصُوصِ مِمَّا يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَا الْبَرَاءَةُ أَصْلِيَّةٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ احْتِيَاجِهَا لِلِاجْتِهَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] الْآيَةَ.
فَبَقِيَ الْقِيَاسُ وَهُوَ مُطْلَقٌ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَنْصُوصِ الْعِلَّةِ لَمَا سَكَتَ الشَّارِعُ لِبَقَاءِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَهِيَ الَّتِي تُبْتَنَى عَلَى قِيَاسٍ غَيْرِ مَنْصُوصِ الْعِلَّةِ وَجَوَازُ ذَلِكَ لِمُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ اجْتِهَادِهِ فَثَبَتَ فِي غَيْرِهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ رَوَيْنَا) فِي آخِرِ بَابِ السُّنَّةِ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ بِالْقِيَاسِ وَهِيَ، وَإِنْ كَانَتْ أَخْبَارُ آحَادٍ إلَّا أَنَّ جُمْلَةَ
(2/110)

فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالِاعْتِبَارِ الِاتِّعَاظَ مَعْنَاهُ اجْتَنِبُوا عَنْ مِثْلِ هَذَا السَّبَبِ؛ لِأَنَّكُمْ إنْ أَتَيْتُمْ بِمِثْلِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِكُمْ مِثْلُ ذَلِكَ الْجَزَاءِ فَلَمَّا أَدْخَلَ فَاءَ التَّعْلِيلِ عَلَى قَوْلِهِ {فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] جَعَلَ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ عِلَّةً لِوُجُوبِ الِاتِّعَاظِ.
وَإِنَّمَا تَكُونُ عِلَّةً لِوُجُوبِ الِاتِّعَاظِ بِاعْتِبَارِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ بِوُجُودِ السَّبَبِ يَجِبُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِوُجُودِ الْمُسَبِّبِ حَتَّى لَوْ لَمْ تُقَدَّرْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ لَا يَصْدُقُ التَّعْلِيلُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ إنَّمَا يَكُونُ صَادِقًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ الْكُلِّيُّ صَادِقًا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ هَذَا الْحُكْمُ الْجُزْئِيُّ صَادِقًا فَإِذَا ثَبَتَتْ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ ثَبَتَ وُجُوبُ الْقِيَاسِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْفَاءِ، وَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ فَيَكُونُ مَفْهُومًا بِطَرِيقِ اللُّغَةِ فَيَكُونُ دَلَالَةً نَصًّا لَا قِيَاسًا فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ، وَدَلَالَةُ النَّصِّ مَقْبُولَةٌ اتِّفَاقًا.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ الَّذِي يُعْرَفُ فِيهِ الْعِلَّةُ اسْتِنْبَاطًا وَاجْتِهَادًا (وَنَظِيرِهِ) أَيْ: نَظِيرُ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا النَّظِيرَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اعْتِبَارٌ حَسَبَ الِاعْتِبَارِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ الِاعْتِبَارِ فِي الْقِيَاسِ، وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِ الْعِلَّةِ.
(قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ» بِالنَّصْبِ أَيْ: بِيعُوا الْحِنْطَةَ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ، وَالْبَيْعُ مُبَاحٌ يُصْرَفُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْأَمْرِ بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ وَهِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَعْمَلُ بِالْقِيَاسِ فَيَكُونُ حُجَّةً رُبَّمَا يَجْعَلُ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَذْكُرُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ بِعِلَلِهَا، وَلَوْ لَمْ يُجِزْ إلْحَاقَ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لَمَا كَانَتْ لِذِكْرِ الْعِلَلِ فَائِدَةٌ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذِكْرَ الْأَحْكَامِ بِعِلَلِهَا لَا يُوجِبُ صِحَّةَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ بَلْ فَائِدَتُهَا مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ مَعًا فَإِنَّهَا أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ، وَأَدْخَلُ فِي الْقَبُولِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِصِحَّةِ الْقِيَاسِ.
(قَوْلُهُ وَعَمَلُ الصَّحَابَةِ) إشَارَةٌ إلَى دَلِيلٍ عَلَى حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُ ذَلِكَ آحَادًا، وَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْهُ بِالتَّعْيِينِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ عَمَلَهُمْ بِالْقِيَاسِ وَمُبَاحَثَتَهُمْ فِيهِ بِتَرْجِيحِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ تَكَرَّرَ وَشَاعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَهَذَا وِفَاقٌ، وَإِجْمَاعٌ عَلَى حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ وَمَا نُقِلَ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنَّمَا كَانَ فِي الْبَعْضِ لِكَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ أَوْ لِعَدَمِ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ، وَشُيُوعُ الْأَقْيِسَةِ الْكَثِيرَةِ بِلَا إنْكَارٍ مَقْطُوعٌ بِهِ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ الْعَمَلَ كَانَ بِهَا لِظُهُورِهَا لَا لِخُصُوصِيَّاتِهَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ أَوْ عَدَمَهُ فِي زَمَانٍ لَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِكَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ كَوُجُودِ مَكَّةَ وَوُجُودِ بَغْدَادَ وَعَدَمِ جَبَلٍ مِنْ الْيَاقُوتِ وَبَحْرٍ مِنْ
(2/111)

إلَى قَوْلِهِ «مِثْلًا بِمِثْلٍ» ) أَيْ: يُصْرَفُ الْإِيجَابُ إلَى قَوْلِهِ «مِثْلًا بِمِثْلٍ» كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] يُصْرَفُ الْإِيجَابُ إلَى الْقَبْضِ حَتَّى يَصِيرَ الْقَبْضُ شَرْطًا لِلرَّهْنِ.
(فَتَكُونُ هَذِهِ الْحَالَةُ شَرْطًا وَالْمُرَادُ بِالْمِثْلِ الْقَدْرُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَيْضًا «كَيْلًا بِكَيْلٍ» ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَالْفَضْلُ رِبًا» أَيْ: الْفَضْلُ عَلَى الْقَدْرِ بِأَنَّهُ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ فَحُكْمُ النَّصِّ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ ثُمَّ الْحُرْمَةُ بِنَاءً عَلَى فَوْتِهَا وَالدَّاعِي إلَى هَذَا الْحُكْمِ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ إذْ بِهِمَا يُثْبِتُ الْمُسَاوَاةَ صُورَةً وَمَعْنًى، فَإِذَا وَجَدْنَا هَذِهِ الْعِلَّةَ فِي سَائِرِ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ اعْتَبَرْنَاهَا بِالْحِنْطَةِ، وَأَيْضًا حَدِيثُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ فَاعْتَبِرُوا وَحَدِيثُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ بِمَ تَقْضِي؟ قَالَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ أَقْضِي بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي. قَالَ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ بِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُهُ» .
(وَقَدْ رَوَيْنَا مَا هُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الزِّئْبَقِ مَعَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوُجُودِ هُوَ الْوُجُودُ حَتَّى يَظْهَرَ دَلِيلُ الْعَدَمِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَعْدُومِ هُوَ الْعَدَمُ حَتَّى يَظْهَرَ دَلِيلُ الْوُجُودِ وَبِالْجُمْلَةِ الْحُكْمُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ شَائِعٌ، فِيمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ إنْكَارُهُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ

[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقِيَاسِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) فِي شَرَائِطِ الْقِيَاسُ عِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ بِنَصٍّ آخَرَ أَيْ: لَا يَكُونَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا بِحُكْمِهِ بِسَبَبِ نَصٍّ آخَرَ دَالٍّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَذَلِكَ كَمَا اُخْتُصَّ خُزَيْمَةُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، يُقَالُ خُصَّ زَيْدٌ بِالذِّكْرِ إذَا ذُكِرَ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ خُصَّ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِكَذَا وَكَذَا وَفِي الْكَشَّافِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] مَعْنَاهُ نَخُصُّكَ بِالْعِبَادَةِ لَا نَعْبُدُ غَيْرَكَ.
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْبَاءِ فِي الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ فَقَلِيلٌ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ فِي مَا زَيْدٌ إلَّا قَائِمٌ أَنَّهُ لِتَخْصِيصِ زَيْدٍ بِالْقِيَامِ لَكِنَّهُ مِمَّا يَتَبَادَرُ إلَيْهِ الْوَهْمُ كَثِيرًا حَتَّى إنَّهُ يَحْمِلُ الِاسْتِعْمَالَ الشَّائِعَ عَلَى الْقَلْبِ فَلِذَا غَيَّرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِبَارَةَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى قَوْلِهِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَخْصُوصًا بِهِ كَاخْتِصَاصِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ بِخُزَيْمَةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ فَحَسْبُهُ» وَذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ أَدَّى الْأَعْرَابِيَّ ثَمَنَ نَاقَتِهِ أَوْ أَنَّهُ بَاعَ نَاقَتَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَذَلِكَ التَّخْصِيصُ ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ بَيْنِ الْحَاضِرِينَ جَوَازَ الشَّهَادَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِنَاءً عَلَى أَنَّ خَبَرَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَايَنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) أَيْ: مَعْدُولًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُدُولِ وَهُوَ لَازِمٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الْعَدْلِ وَهُوَ الصَّرْفُ فَيَكُونُ مُعْتَدِيًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْفِي رُكْنَ الصَّوْمِ) فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ صَحَّ قِيَاسُ الْوِقَاعِ نَاسِيًا عَلَى الْآكِلِ فِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ قُلْنَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ بَقَاءَ صَوْمِ النَّاسِي فِي الْأَكْلِ إنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ غَيْرُ جَانٍ لَا بِاعْتِبَارِ
(2/112)

قِيَاسٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) فِي آخِرِ رُكْنِ السُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» الْحَدِيثَ وَحَدِيثُ قُبْلَةِ الصَّائِمِ. (وَعَمَلُ الصَّحَابَةِ وَمُنَاظَرَتُهُمْ فِيهِ) أَيْ: فِي الْقِيَاسِ (أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى) ثُمَّ شَرَعَ فِي جَوَابِ الدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ فَقَالَ: (وَيَكُونُ الْكِتَابُ تِبْيَانًا بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ التِّبْيَانَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى، وَالْبَيَانَ بِاللَّفْظِ) وَلَمَّا كَانَ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ ثَابِتًا بِمَعْنَى النَّصِّ يَكُونُ النَّصُّ دَالًّا عَلَى حُكْمِ الْمَقِيسِ بِطَرِيقِ التِّبْيَانِ.
(وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ} [الأنعام: 59] الْآيَةَ. فَكُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بَعْضُهُ لَفْظًا وَبَعْضُهُ مَعْنًى) فَالْحُكْمُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ لَفْظًا، وَالْحُكْمُ فِي الْمَقِيسِ يَكُونُ مَوْجُودًا فِيهِ مَعْنًى. (وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْكِتَابِ، وَالْعَمَلُ لَفْظًا وَمَعْنًى) أَيْ: فِي الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْكِتَابِ وَاعْتِبَارُ نَظْمِهِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَاعْتِبَارُ مَعْنَاهُ فِي الْمَقِيسِ.
وَأَمَّا مُنْكِرُو الْقِيَاسِ فَإِنَّهُمْ عَمِلُوا بِنَظْمِ الْكِتَابِ فَقَطْ وَأَعْرَضُوا عَنْ اعْتِبَارَ فَحْوَاهُ، وَإِخْرَاجِ الدُّرَرِ الْمَكْنُونَةِ مِنْ بِحَارٍ مَعْنَاهُ وَجَهِلُوا أَنَّ لِلْقُرْآنِ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَأَنَّ لِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعًا وَقَدْ وَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعُلَمَاءَ الرَّاسِخِينَ الْعَارِفِينَ دَقَائِقَ التَّأْوِيلِ لِكَشْفِ قِنَاعِ الْأَسْتَارِ عَنْ جَمَالِ مَعَانِي التَّنْزِيلِ، وَإِنْكَارُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِقِيَاسِ بَنِي إسْرَائِيلَ بِنَاءً عَلَى جَهْلِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ لَا يَقْدَحُ فِي قِيَاسِنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
خُصُوصِيَّةِ الْأَكْلِ.
(قَوْلُهُ: وَكَتَقَوُّمِ الْمَنَافِعِ) جَعَلَهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَعْدُولِ عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ تَقَوُّمِ الْمَعْدُومِ إذْ الْقِيمَةُ تُنْبِئُ عَنْ التَّعَادُلِ، وَلَا تَعَادُلَ بَيْنَ مَا يَبْقَى، وَبَيْنَ مَا لَا يَبْقَى لَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي الْإِجَارَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 25] وقَوْله تَعَالَى إخْبَارًا {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَعْطُوا الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» وَجَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَمْثِلَةِ كَوْنِ الْأَصْلِ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مُسْتَقِيمٌ بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ الشَّرْطَ الثَّانِيَ يُغْنِي عَنْ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَقْسَامِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ أَنَّ الْمَعْدُولَ بِهِ عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ كَقَبُولِ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَحْدَهُ أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ مُبْتَدَأً بِهِ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَثَانِيهِمَا: مَا شُرِعَ ابْتِدَاءً وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ لِعَدَمِ النَّظِيرِ سَوَاءٌ عُقِلَ مَعْنَاهُ كَرُخَصِ السَّفَرِ أَوْ لَا كَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ الْمُعَدَّى) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَنْسُوخًا إذْ لَا تَعْدِيَةَ لِمَا لَيْسَ بِثَابِتٍ قَوْلُهُ.
(بِأَحَدِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ فِي الْقِيَاسَيْنِ، فَذِكْرُ الْوَاسِطَةِ ضَائِعٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَّحِدْ بَطَلَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ لِابْتِنَائِهِ عَلَى غَيْرِ الْعِلَّةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي الْحُكْمِ مَثَلًا إذَا
(2/113)

(وَالْعَمَلُ بِالْأَصْلِ) أَيْ: فِي الِاسْتِصْحَابِ (عَمَلٌ بِلَا دَلِيلٍ) ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ أَيْ: عَدَمَهُ فِي زَمَانٍ لَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِ، فَإِنَّ الْمُمْكِنَاتِ تُوجَدُ بَعْدَ الْعَدَمِ وَتُعْدَمُ بَعْدَ الْوُجُودِ.
(وَ {قُلْ لا أَجِدُ} [الأنعام: 145] لَيْسَ أَمْرًا بِهِ) أَيْ: بِالْعَمَلِ بِالْأَصْلِ (بَلْ الْعَمَلُ بِالنَّصِّ) أَيْ: بَلْ هُوَ أَمْرٌ بِالْعَمَلِ بِالنَّصِّ (وَهُوَ {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] فَكُلُّ مَا لَمْ يُوجَدْ حُرْمَتُهُ فِيمَا أُوحِيَ إلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَكُونُ حَلَالًا بِقَوْلِهِ {خَلَقَ لَكُمْ} [البقرة: 29] الْآيَةَ، وَنَحْنُ نَقُولُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُحَرِّمَ شَيْئًا مِمَّا فِي الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ.
(وَالظَّنُّ كَافٍ لِلْعَمَلِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ (وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بِإِذْنِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ) أَيْ: بِالْقِيَاسِ (فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ) ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِي دَرْكِهَا.

(فَصْلٌ فِي شَرْطِهِ) أَيْ: شَرْطِ الْقِيَاسِ. اعْلَمْ أَنَّ لِلْقِيَاسِ أَرْبَعَةَ شَرَائِطَ أَوَّلَهَا: (أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ) أَيْ: الْمَقِيسِ عَلَيْهِ (مَخْصُوصًا بِهِ) أَيْ: بِالْأَصْلِ بِنَصٍّ آخَرَ (كَشَهَادَةِ) خُزَيْمَةَ (وَالْأَحْكَامِ الْمَخْصُوصَةِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَتَحْلِيلِ تِسْعِ زَوْجَاتٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ) أَيْ: حُكْمُ الْأَصْلِ (مَعْدُولًا عَنْ الْقِيَاسِ) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي (وَهُوَ إمَّا بِأَنْ لَا يُدْرِكَهُ الْعَقْلُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، أَوْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِهِ كَأَكْلِ النَّاسِي فَإِنَّهُ يُنَافِي رُكْنَ الصَّوْمِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
قِيسَ الذُّرَةُ عَلَى الْحِنْطَةِ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ ثُمَّ أُرِيدَ قِيَاسُ شَيْءٍ آخَرَ عَلَى الذُّرَةِ، فَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ أَعْنِي: الْكَيْلَ وَالْجِنْسَ كَانَ ذِكْرُ الذُّرَةِ ضَائِعًا وَلَزِمَ قِيَاسُهُ عَلَى الْحِنْطَةِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَى الذُّرَةِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ) أَيْ: لَا يُغَيَّرُ فِي الْفَرْعِ حُكْمُ الْأَصْلِ مِنْ إطْلَاقِهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّغْيِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ وَبِاعْتِبَارِ صَيْرُورَتِهِ ظَنِّيًّا فِي الْفَرْعِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا فَرْعٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: وَأَنْ يَكُونَ الْمُعَدَّى حُكْمًا مَوْصُوفًا بِمَا ذُكِرَ مُعَدًّى إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُهُ بِالْمُعَدَّى الْمَذْكُورِ.
أَمَّا لَفْظًا فَلِلْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْفَرْعِ نَظِيرَ الْأَصْلِ، وَالِاشْتِرَاطُ كَوْنُ الْأَصْلِ حُكْمًا مَوْصُوفًا بِمَا ذُكِرَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَدَّى إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ثَابِتًا بِأَحَدِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ) يَعْنِي: إذَا وُضِعَ لَفْظٌ لِمُسَمًّى مَخْصُوصٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ لَنَا أَنْ نُطْلِقَ ذَلِكَ اللَّفْظَ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ حَقِيقَةً سَوَاءٌ كَانَ الْوَضْعُ لُغَوِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا، وَذَلِكَ كَإِطْلَاقِ الْخَمْرِ عَلَى الْعَقَارِ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ. احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِالدَّوَرَانِ، وَالْإِلْحَاقِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدَّوْرَانِ صُلُوحُ الْعِلِّيَّةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ هَاهُنَا فَإِنَّ عِلَّةَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى حَقِيقَةً هُوَ الْوَضْعُ
(2/114)

أَيْ: الْعُدُولُ عَنْ الْقِيَاسِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا بِأَنْ لَا يُدْرِكَ الْعَقْلُ حُكْمَ الْأَصْلِ أَيْ: لَا يُدْرِكَ عِلَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَات أَوْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ أَيْ: عَلَى طَرِيقَتِهِ الْمَسْلُوكَةِ، وَقَاعِدَتِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَأَكْلِ النَّاسِي فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ تَحَقُّقُ الْفِطْرِ مِنْ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الْجَوْفِ، وَإِذَا كَانَ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِهِ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْأَكْلِ خَطَأً عَلَى الْأَكْلِ نَاسِيًا (وَكَتَقَوُّمِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ) فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ (لِأَنَّهُ) أَيْ: التَّقَوُّمَ (يَعْتَمِدُ الْإِحْرَازَ، وَالْإِحْرَازُ يَعْتَمِدُ الْبَقَاءَ وَلَا بَقَاءَ لِلْأَعْرَاضِ) .
وَإِنْ مُنِعَ اسْتِحَالَةُ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ فَمِثْلُ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ أَيْ: الْمَنَافِعِ لَا شَكَّ فِي اسْتِحَالَةِ بَقَائِهَا فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَقَوُّمِ كُلِّ مَا لَا يَبْقَى فَإِذَا كَانَ تَقَوُّمُهَا مُسْتَثْنًى عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ تَقَوُّمُ الْمَنَافِعِ فِي الْغَصْبِ عَلَى تَقَوُّمِهَا فِي الْإِجَارَةِ.
(وَأَنْ يَكُونَ الْمُعَدَّى حُكْمًا شَرْعِيًّا) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ، وَهُوَ وَاحِدٌ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ هَذِهِ (ثَابِتًا بِأَحَدِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ إلَى فَرْعٍ) مُتَعَلِّقٍ بِالْمُعَدَّى (هُوَ نَظِيرُهُ) أَيْ: الْفَرْعُ يَكُونُ نَظِيرًا لِلْأَصْلِ فِي الْحُكْم (وَلَا نَصَّ فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَرْعِ وَالْمُرَادُ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى الْحُكْمِ الْمُعَدَّى أَوْ عَدَمِهِ لَا مُطْلَقُ النَّصِّ (فَلَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ) هَذَا تَفْرِيعُ قَوْلِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
لَا غَيْرُ، وَبِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِي حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ هُوَ الْإِجْمَاعُ وَلَا إجْمَاعَ هَاهُنَا وَيَرُدُّ عَلَى الْمُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ دَلَالَةِ النَّصِّ.
وَجَوَابُهُ إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رِعَايَةَ الْمَعْنَى سَبَبٌ لِلْإِطْلَاقِ بَلْ هِيَ سَبَبٌ لِلْوَضْعِ وَتَرْجِيحُ الِاسْمِ عَلَى الْغَيْرِ عَلَى مَا سَبَقَ وَلَا نِزَاعَ فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ مَجَازًا عِنْدَ وُجُودِ الْعَلَاقَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ اسْتِعْمَالِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ فِي الْعَتَاقِ وَبِالْعَكْسِ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى إزَالَةِ الْمِلْكِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى اللَّائِطِ قِيَاسًا عَلَى الزَّانِي فَإِنَّمَا هُوَ بِقِيَاسٍ فِي الشَّرْعِ دُونَ اللُّغَةِ، أَوْ هُوَ قَوْلٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَكَذَا إيجَابُ الْحَدِّ بِغَيْرِ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ قَوْلٌ بِجَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُطْلَقِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ السَّمَاءِ عَلَى الْبَيْتِ فِي الْحُدُوثِ بِجَامِعِ التَّأْلِيفِ وَقِيَاسَ كَثِيرٍ مِنْ الْأَغْذِيَةِ عَلَى الْعَسَلِ فِي الْحَرَارَةِ بِجَامِعِ الْحَلَاوَةِ.
وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَتْ بِأَقْيِسَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَحِينَئِذٍ لَا مَعْنَى لِتَفْرِيعِ عَدَمِ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِلْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ حُكْمِ الْأَصْلِ حُكْمًا شَرْعِيًّا إذْ لَوْ كَانَ حِسِّيًّا أَوْ لُغَوِيًّا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ
(2/115)

وَإِنَّمَا لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِالْقِيَاسِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنَّ فِي الْوَضْعِ قَدْ لَا يُرَاعَى الْمَعْنَى كَوَضْعِ الْفَرَسِ وَالْإِبِلِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ يُرَاعَى الْمَعْنَى كَمَا فِي الْقَارُورَةِ وَالْخَمْرِ لَكِنَّ رِعَايَةَ الْمَعْنَى إنَّمَا هِيَ لِلْوَضْعِ لَا لِصِحَّةِ الْإِطْلَاقِ حَتَّى لَا تُطْلَقُ الْقَارُورَةَ عَلَى الدَّنِّ لِقَرَارِ الْمَاءِ فِيهِ، فَرِعَايَةُ الْمَعْنَى لِأَوْلَوِيَّةِ وَضْعِ هَذَا اللَّفْظِ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ.
(كَالْخَمْرِ وُضِعَ لِشَرَابٍ مَخْصُوصٍ بِمَعْنًى، وَهُوَ الْمُخَامَرَةُ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ لِأَنَّهُ إنْ أُطْلِقَ مَجَازًا فَلَا نِزَاعَ فِيهِ لَكِنْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَعَ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ أُطْلِقَ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْعَرَبِ، وَكَذَا الزِّنَا عَلَى اللِّوَاطَةِ وَلَا يُقَالُ الذِّمِّيُّ أَهْلٌ لِلطَّلَاقِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلظِّهَارِ كَالْمُسْلِمِ) هَذَا تَفْرِيعُ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ (لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ (حُرْمَةٌ تَنْتَهِي بِالْكَفَّارَةِ وَفِي الذِّمِّيِّ حُرْمَةٌ لَا تَنْتَهِي بِهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لَهَا. وَكَذَا تَعْلِيلُ الرِّبَا بِالطُّعْمِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ فِي الْعَدَدِيَّاتِ حُرْمَةً مُطْلَقَةً، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّسَاوِي)
حَتَّى لَوْ رُوعِيَ التَّسَاوِي لَا تَبْقَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
لِلْمُسَاوَاةِ فِي عِلَّةٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِذَلِكَ فَلَوْ قَالَ: النَّبِيذُ شَرَابٌ مُشْتَدٌّ فَيُوجِبُ الْحَدَّ كَمَا يُوجِبُ الْإِسْكَارَ أَوْ كَمَا يُسَمَّى خَمْرًا كَانَ بَاطِلًا مِنْ الْقَوْلِ خَارِجًا عَنْ الِانْتِظَامِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَجْرِي فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ مِنْ الصِّفَاتِ، وَالْأَفْعَالِ.
وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَاسَ النَّفْيَ بِالنَّفْيِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَضِي ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ كَانَ نَفْيًا أَصْلِيًّا، وَالنَّفْيُ الْأَصْلِيُّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ النَّفْيُ الطَّارِئُ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا النَّفْيُ الْأَصْلِيُّ لِثُبُوتِهِ بِدُونِ الْقِيَاسِ وَبِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ يُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْمُنَاظِرُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمُقْتَضِي فِي الْأَصْلِ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِيَكُونَ النَّفْيُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَقَدْ سَبَقَ نُبَذٌ مِنْ ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ لَا يُحْمَلُ) أَيْ: لَفْظُ الْخَمْرِ عَلَى سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ مَجَازًا عِنْدَ إرَادَةِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فِي ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُطْلَقَ مَجَازًا عَلَى شَرَابٍ يُخَامِرُ الْعَقْلَ فَيَشْمَلُ الْعَقَارَ وَغَيْرَهُ بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّسَاوِي) يَعْنِي: أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ حُرْمَةٌ تَنْتَهِي بِالتَّسَاوِي بِالْكَيْلِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ أَثْبَتَ الْحُرْمَةَ فِي بَيْعِ الْمَقْلِيِّ بِغَيْرِهِ وَبَيْعِ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَنْتَهِي بِالْكَيْلِ.
قُلْنَا بُطْلَانُ الِانْتِهَاءِ بِالْكَيْلِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ صُنْعِ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقَلْيُ، وَالطَّحْنُ لَا بِإِثْبَاتِ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا أَثْبَتَهَا مُتَنَاهِيَةً بِالْمُسَاوَاةِ كَيْلًا أَعْنِي: قَبْلَ الْقَلْيِ وَالطَّحْنِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّسَاوِي بِالْعَدَدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا) قِيلَ عَلَيْهِ: أَنَّ التَّسَاوِيَ بِالْوَزْنِ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا وَهُوَ كَافٍ فِي انْتِهَاءِ الْحُرْمَةِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ) أَيْ: عُذْرَ الْخَطَأِ دُونَ عُذْرِ النِّسْيَانِ لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَطَأِ بِالتَّثَبُّتِ وَالِاحْتِيَاطِ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ سَمَاوِيٌّ مَحْضٌ جُبِلَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ)
(2/116)

الْحُرْمَةُ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ، وَلَا يُمْكِنُ رِعَايَةُ التَّسَاوِي فِي الْعَدَدِيَّاتِ؛ لِأَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ بِالْكَيْلِ، وَالْعَدَدِيَّاتُ لَيْسَتْ بِمَكِيلَةٍ وَالتَّسَاوِي بِالْعَدَدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا.
(وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْخَطَأِ عَلَى النِّسْيَانِ فِي عَدَمِ الْإِفْطَارِ) هَذَا تَفْرِيعُ قَوْلِهِ إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ. (لِأَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرُهُ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ دُونَ عُذْرِ النِّسْيَانِ وَلَا يَصِحُّ إنْ كَانَ فِي الْفَرْعِ نَصٌّ) هَذَا بَيَانُ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ وَلَا نَصَّ فِيهِ. (لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ يَبْطُلُ) وَالضَّمَائِرُ فِي قَوْلِهِ إنْ كَانَ وَفِي قَوْلِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ يَبْطُلُ تَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ (وَأَنْ لَا يُغَيِّرَ) أَيْ: الْقِيَاسُ (حُكْمَ النَّصِّ) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ (فَلَا يَصِحُّ شَرْطِيَّةُ التَّمْلِيكِ فِي طَعَامِ الْكَفَّارَةِ قِيَاسًا عَلَى الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهَا تُغَيِّرُ حُكْمَ قَوْله تَعَالَى {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] وَكَذَا شَرْطُ الْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ يُخَالِفُ إطْلَاقَ النَّصِّ، وَكَذَا السَّلَمُ الْحَالُّ قِيَاسًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ يُخَالِفُ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَيْضًا لَمْ) يَعُدَّهُ أَيْ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (كَمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ) فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ فِي قِيَاسِ جَوَازِ السَّلَمِ الْحَالِّ عَلَى الْمُؤَجَّلِ فَسَادَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ مُغَيِّرٌ لِلنَّصِّ. وَالثَّانِيَ: أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يُعَدَّ كَمَا هُوَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بَلْ عُدِّيَ بِنَوْعِ تَغْيِيرٍ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ بُطْلَانَ هَذَا (إذْ فِي الْأَصْلِ جُعِلَ الْأَجَلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ عَدَمَ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْقِيَاسِ لَا يُنَافِي صِحَّتَهُ وَالِاسْتِدْلَالَ بِهِ قَصْدًا إلَى تَعَاضُدِ الْأَدِلَّةِ كَالْإِجْمَاعِ عَنْ قَاطِعٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ، وَكَثُرَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ الِاسْتِدْلَال فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا مُخَالِفًا لَهُ يَبْطُلُ) كَقِيَاسِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ عَلَى الْخَطَأِ، وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ عَلَى الْمُنْعَقِدَةِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ» وَعَدَّ مِنْهَا الْغَمُوسَ وَقَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمَ النَّصِّ) فَالْإِطْعَامُ هُوَ جَعْلُ الْغَيْرِ طَاعِمًا سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ أَوْ التَّمْلِيكِ فَاشْتِرَاطُ التَّمْلِيكِ قِيَاسًا عَلَى الْكِسْوَةِ تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ النَّصِّ، وَكَذَا تَقْيِيدُ رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ بِالْمُؤْمِنَةِ تَغْيِيرٌ لِلْإِطْلَاقِ الْمَفْهُومِ مِنْ النَّصِّ، وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ تَغْيِيرُ حُكْمِ نَصٍّ فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا النَّصُّ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] وقَوْله تَعَالَى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] ، لَيْسَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْأَصْلِ بَلْ حُكْمِ الْفَرْعِ فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ مُغْنٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَدَمُ نَصٍّ دَالٍّ عَلَى الْحُكْمِ الْمُعَدَّى أَوْ عَدَمِهِ وَهَاهُنَا النَّصُّ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ الْمُعَدَّى فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ مُجَرَّدِ الْإِطْعَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ، وَعَلَى إجْزَاءِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّمْلِيكُ وَالْإِيمَانُ، وَقَدْ يُقَالُ يَجُوزُ أَنْ يُغَيِّرَ الْقِيَاسُ حُكْمَ نَصٍّ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ
(2/117)

خَلَفًا عَنْ وُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِيُمْكِنَ تَحْصِيلُهُ فِيهِ، وَهُنَا أُسْقِطَ فَإِنْ قِيلَ: أَنْتُمْ غَيَّرْتُمْ أَيْضًا قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَخَصَّصْتُمْ الْقَلِيلَ) مِنْ هَذَا النَّصِّ الْعَامِّ فَجَوَّزْتُمْ بَيْعَ الْقَلِيلِ بِالْقَلِيلِ مَعَ عَدَمِ التَّسَاوِي (بِالتَّعْلِيلِ بِالْقَدْرِ) أَيْ: قُلْتُمْ إنَّ عِلَّةَ الرِّبَا هِيَ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ، وَالْقَدْرُ أَيْ: الْكَيْلُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا فَهَذَا التَّعْلِيلُ مُغَيِّرٌ لِلنَّصِّ.
(وَكَذَا فِي دَفْعِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ) أَيْ: غَيَّرْتُمْ النَّصَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ» وَغَيْرُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى دَفْعِ عَيْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ دُونَ الْقِيمَةِ (وَفِي صَرْفِهَا إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ) أَيْ: غَيَّرْتُمْ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى صَرْفِهَا إلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ (بِالتَّعْلِيلِ بِالْحَاجَةِ) أَيْ: قُلْتُمْ: إنَّ الْعِلَّةَ وُجُوبُ دَفْعِ الْحَاجَةِ عَنْ الْفَقِيرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي دَفْعِ الْقِيَمِ بَلْ أَكْمَلُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ خُلِقَتَا لِتَحْصِيلِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَمَسُّ بِهَا الْحَاجَةُ إلَى دَفْعِ عَيْنِ الْوَاجِبِ تَنْدَفِعُ الْحَاجَةُ الْوَاحِدَةُ، وَرُبَّمَا لَا يَحْتَاجُ الْفَقِيرُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ وَقَدْ قُلْتُمْ: عَدُّ الْأَصْنَافِ لِبَيَانِ مَوَاقِعِ الْحَاجَةِ وَالْعِلَّةُ هِيَ دَفْعُ الْحَاجَةِ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ تُوجَدُ فِيهِ الْحَاجَةُ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْحَاجَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ مُغَيِّرٌ لِحُكْمِ النَّصِّ.
(وَفِي جَوَازِ غَيْرِ لَفْظِ تَكْبِيرَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَلَا عَلَى عَدَمِهِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَعَبَّرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِأَنْ يَبْقَى الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ حُكْمِ النَّصِّ فِي نَفْسِهِ بِالرَّأْيِ بَاطِلٌ ثُمَّ مَثَّلَ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ وَغَيْرِهَا قَصْدًا إلَى أَنَّ فِيهَا تَغْيِيرَ النَّصِّ بِالرَّأْيِ فَفَهِمَ الشَّارِحُونَ أَنَّهَا أَمْثِلَةٌ لِعَدَمِ بَقَاءِ حُكْمِ النَّصِّ الْمُعَلَّلِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيلِ، فَاعْتَرَضُوا بِأَنَّ الْمُغَيَّرَ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ لَا فِي الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا السَّلَمُ الْحَالُّ) فِي الْحَدِيثِ «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُسْلِمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - السَّلَمَ الْحَالَّ قِيَاسًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ بِجَامِعِ دَفْعِ الْحَرَجِ بِإِحْضَارِ الْمَبِيعِ مَكَانَ الْعَقْدِ، وَرَدَّ هَذَا الْقِيَاسَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَمِ الْحَالِّ بِحُكْمٍ مَفْهُومِ الْغَايَةِ اتِّفَاقًا أَوْ إلْزَامًا وَلَا عِبْرَةَ بِالْقِيَاسِ الْمُغَيِّرِ لِحُكْمِ النَّصِّ إلَّا أَنَّ مُخَالَفَةَ الْمَفْهُومِ سِيَّمَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَثَانِيهِمَا: أَنَّ مَحَلَّ الْبَيْعِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَوْجُودٍ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ رَخَّصَ فِيهِ بِإِقَامَةِ مَا هُوَ سَبَبُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَهُوَ الْأَجَلُ مُقَامَ حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ، وَجَعْلِهِ خَلَفًا عَنْهَا، فَحُكْمُ الْأَصْلِ أَعْنِي: السَّلَمَ الْمُؤَجَّلَ يَشْتَمِلُ عَلَى جَعْلِ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ خَلَفًا عَنْ وُجُودِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَعَنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَفِي قِيَاسِ السَّلَمِ الْحَالِّ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ لِهَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ جَعْلُ الْأَجَلِ خَلَفًا عَنْ الْوُجُودِ وَقَدْ سَبَقَ
(2/118)

الِافْتِتَاحِ) أَيْ: غَيَّرْتُمْ النَّصَّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] بِالتَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ نَحْوَ اللَّهُ أَجَلُّ وَنَحْوَهُ (وَفِي إزَالَةِ الْخَبَثِ بِغَيْرِ الْمَاءِ) أَيْ: غَيَّرْتُمْ النَّصَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمَاءُ طَهُورٌ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «حُتِّيهِ وَاقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» .
(قُلْنَا الْمُرَادُ التَّسْوِيَةُ بِالْكَيْلِ، وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْكَثِيرِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّسْوِيَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالتَّسْوِيَةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا فِي الْمَطْعُومَاتِ التَّسْوِيَةُ بِالْكَيْلِ، وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْكَثِيرِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَعُمُّ الْقَلِيلَ، وَالْكَثِيرَ كَمَا يُقَالُ لَا تَقْتُلُ حَيَوَانًا إلَّا بِالسِّكِّينِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا تَقْتُلْ حَيَوَانًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْتَلَ بِالسِّكِّينِ إلَّا بِالسِّكِّينِ فَقَتْلُ حَيَوَانٍ لَا يُقْتَلُ بِالسِّكِّينِ كَالْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ.
(وَإِنَّمَا كَانَ تَغْيِيرًا إذَا كَانَ الْأَصْلُ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ حَلَّتْ مَعَ وَسَخِهَا ضَرُورَةَ دَفْعِ الْحَاجَةِ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ جَوَازِ دَفْعِ الْقِيَمِ) أَيْ: إنَّمَا كَانَ التَّعْلِيلُ فِي دَفْعِ الْقِيَمِ تَغْيِيرًا لِلنَّصِّ إذَا كَانَ الْأَصْلُ وَهُوَ الشَّاةُ مَثَلًا وَاجِبًا لِلْفَقِيرِ لِعَيْنِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ لَا حَقَّ لِلْعِبَادِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ سَقَطَ حَقُّهُ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ بِإِذْنِهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ أَرْزَاقَ الْفُقَرَاءِ بِقَوْلِهِ {إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ تَعْدِيَةَ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مَعْنَى إقَامَةِ الْخَلَفِ مَقَامَ الْأَصْلِ هُوَ جَعْلُ الْخَلَفِ كَأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فَبِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْأَصْلِ يَكُونُ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ لَا تَغْيِيرًا أَوْ يَكُونَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِكَوْنِهِ مَصِيرًا إلَى الْأَصْلِ دُونَ الْخَلَفِ وَعُدُولًا عَمَّا هُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ أَعْنِي الْأَجَلَ، وَرُبَّمَا يُجَابُ بِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى عَقْدِ السَّلَمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا عِنْدَهُ مُسْتَحَقٌّ لِحَاجَةٍ أُخْرَى فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَحَقِّ لِلشُّرْبِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ رُبَّمَا يَكُونُ لِدَفْعِ الْحَرَجِ فِي إحْضَارِ الْمَبِيعِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْرَاضِ فَلَا تَتَعَيَّنُ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ تَغْيِيرًا) وَجْهُ السُّؤَالِ أَنَّكُمْ جَوَّزْتُمْ دَفْعَ قِيمَةِ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ قِيَاسًا عَلَى الْعَيْنِ بِعِلَّةِ دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ عَيْنِ الشَّاةِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ تَغْيِيرَ هَذَا النَّصِّ لَيْسَ بِالتَّعْلِيلِ بَلْ بِدَلَالَةِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ضَمَانِ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ، وَإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، وَصَرْفِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَةُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَجِبُ لِلْفُقَرَاءِ ابْتِدَاءً.
وَإِنَّمَا تُصْرَفُ إلَيْهِمْ إيفَاءً لِحُقُوقِهِمْ، وَإِنْجَازًا لِعِدَةِ أَرْزَاقِهِمْ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ حَوَائِجَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ لَا تَنْدَفِعُ بِنَفْسِ الشَّاةِ مَثَلًا، وَإِنَّمَا تَنْدَفِعُ بِمُطْلَقِ الْمَالِيَّةِ فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّرْفِ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ حَقَّهُمْ فِي مُطْلَقِ الْمَالِيَّةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ، وَإِلْغَاءِ اسْمِ الشَّاةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالتَّعْلِيلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ
(2/119)

ثُمَّ أَوْجَبَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مَالًا مُسَمًّى ثُمَّ أَمَرَ بِأَدَاءِ تِلْكَ الْمَوَاعِيدِ وَهِيَ الْأَرْزَاقُ الْمُخْتَلِفَةُ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ الْأَدَاءُ إلَّا بِالِاسْتِبْدَالِ فَيَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِبْدَالِ كَالسُّلْطَانِ يَعِدُ مَوَاعِيدَ مُخْتَلِفَةً، ثُمَّ يَأْمُرُ بَعْضَ وُكَلَائِهِ بِأَدَائِهَا مِنْ مَالٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَهُ يَكُونُ إذْنًا بِالِاسْتِبْدَالِ.
فَكَذَا هَاهُنَا مُثْبِتٌ هُنَاكَ حُكْمَانِ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ، وَصَلَاحِيَةُ عَيْنِ الشَّاةِ لَأَنْ تَكُونَ مَصْرُوفَةً إلَى الْفَقِيرِ، فَالْحُكْمُ الْأَوَّلُ يَثْبُتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ» فَقَدْ عَلَّلْنَاهُ بِالْحَاجَةِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مَعَ وَسَخِهَا حَلَّتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَإِذَا كَانَتْ عَيْنُ الشَّاةِ صَالِحَةً لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ قِيمَتُهَا صَالِحَةً أَيْضًا بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَالتَّعْلِيلُ وَقَعَ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ النَّصِّ بَلْ يَكُونُ التَّغْيِيرُ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ فَيَكُونُ تَغْيِيرُ النَّصِّ بِالنَّصِّ مُجْتَمِعًا مَعَ التَّعْلِيلِ فِي حُكْمٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ النَّصِّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَصَارَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
ذِكْرَ اسْمِ الشَّاةِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهَا أَيْسَرَ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الْإِيتَاءَ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ أَسْهَلُ وَيَدُهُ إلَيْهِ أَوْصَلُ؛ وَلِكَوْنِهَا مِعْيَارًا لِمِقْدَارِ الْوَاجِبِ إذْ بِهَا تُعْرَفُ الْقِيمَةُ فَإِنْ قِيلَ: إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الشَّاةِ بِعِبَارَةِ النَّصِّ، وَجَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بِدَلَالَتِهِ فَمَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ بِالْحَاجَةِ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ إنَّمَا وَقَعَ بِحُكْمٍ آخَرَ وَهُوَ كَوْنُ الشَّاةِ صَالِحَةً لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ حَتَّى يَمْتَنِعَ تَعْلِيلُهُ بَلْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَلَاحِيَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَمَا كَانَتْ بَاطِلَةً فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْأَوْسَاخِ وَلِهَذَا كَانَ تَقَبُّلُ الْقَرَابِينَ بِالْإِحْرَاقِ، وَأَيْضًا مَحَالُّ التَّصَرُّفَاتِ إنَّمَا تُعْرَفُ شَرْعًا كَصَلَاحِيَةِ الْخَلِّ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ دُونَ الْخَمْرِ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا حُكْمًا شَرْعِيًّا عَلَّلْنَاهُ بِالْحَاجَةِ أَيْ: بِحَاجَةِ الْفَقِيرِ إلَى الشَّاةِ أَوْ بِكَوْنِهَا دَافِعَةً لِحَاجَتِهِ لِنُعَدِّيَ الْحُكْمَ إلَى قِيمَةِ الشَّاةِ، وَنَجْعَلَهَا صَالِحَةً لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْقِيمَةِ أَشَدُّ وَهِيَ لِلْحَاجَةِ أَدْفَعُ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ هَاهُنَا حُكْمًا هُوَ وُجُوبُ الشَّاةِ، وَآخَرَ هُوَ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ. وَثَالِثًا هُوَ صَلَاحِيَةُ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ، وَالتَّعْلِيلُ إنَّمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَيْ: صَلَاحِيَةِ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْ: فِي هَذَا الْحُكْمِ تَغْيِيرٌ بَلْ تَغْيِيرُ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الشَّاةِ إنَّمَا يَكُونُ بِالنَّصِّ أَيْ: بِدَلَالَةِ النَّصِّ الْآمِرِ بِإِيفَاءِ حَقِّ الْفَقِيرِ وَهَذَا التَّغْيِيرُ مُقَارِنٌ لِلتَّعْلِيلِ فِي حُكْمٍ آخَرَ هُوَ صَلَاحِيَةُ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْ: فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الْآخَرِ تَغْيِيرُ النَّصِّ أَصْلًا إذْ لَا نَصَّ يَدُلُّ عَلَى
(2/120)

التَّغْيِيرُ مُجَامِعًا لِلتَّعْلِيلِ بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ وَقَدْ قَالَ: أَيْضًا فَصَارَ صَلَاحُ الصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لِلَّهِ بِابْتِدَاءِ الْيَدِ لِيَصِيرَ مَصْرُوفًا إلَى الْفَقِيرِ بِدَوَامِ يَدِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا فِي الشَّاةِ فَعَلَّلْنَاهُ بِالتَّقْوِيمِ وَعَدَّيْنَاهُ إلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ لِلَّهِ تَعَالَى بِابْتِدَاءِ يَدِ الْفَقِيرِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الصَّدَقَةُ تَقَعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الْفَقِيرِ» .
فَفِي حَالِ ابْتِدَاءِ يَدِ الْفَقِيرِ تَقَعُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي حَالِ بَقَاءِ يَدِ الْفَقِيرِ تَصِيرُ لِلْفَقِيرِ، فَقَوْلُهُ صَلَاحُ الصَّرْفِ أَيْ: صَلَاحُ الْمَحَلِّ، وَهُوَ عَيْنُ الشَّاةِ مَثَلًا لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ، وَقَوْلُهُ لِيَصِيرَ مَصْرُوفًا عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ لِلصَّلَاحِ أَيْ: صَلَاحِيَةُ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ لِيَصِيرَ مَصْرُوفًا إلَيْهِ بِدَوَامِ يَدِهِ فَقَوْلُهُ إلَى الْفَقِيرِ يَتَعَلَّقُ بِالصَّرْفِ، وَبِابْتِدَاءِ الْيَدِ يَتَعَلَّقُ بِالْوُقُوعِ، وَلِيَصِيرَ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاحِ، وَبِدَوَامِ يَدِهِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ مَصْرُوفًا، وَقَوْلُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا خَبَرُ صَارَ فَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الْحُكْمُ الثَّانِي الْمَذْكُورُ وَفِي قَوْلِهِ إنَّ الصَّدَقَةَ وَاقِعَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ لِلَّهِ، وَفِي الْبَقَاءِ مَصْرُوفٌ إلَى الْفَقِيرِ بَيَانُ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَيْسَتْ فِي الِابْتِدَاءِ حَقَّ الْفَقِيرِ حَتَّى يَلْزَمَ تَغْيِيرُ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنْ مُشْكِلَاتِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا فِي الْأُصُولِ.
(وَذِكْرُ الْأَصْنَافِ لِعَدِّ الْمَصَارِفِ) فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} [التوبة: 60] الْآيَةَ ذَكَرُوا أَنَّ اللَّامَ لِلْعَاقِبَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَغْيِيرُ النَّصِّ لَوْ كَانَ اللَّامُ لِلتَّمَلُّكِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ دَفْعُ مِلْكِ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَاتِ وَالْفُقَرَاءَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْجَمِيعُ لِمَا عَرَفْت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
عَدَمِ صَلَاحِيَةِ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ فَصَارَ التَّغْيِيرُ مَعَ التَّعْلِيلِ لَا بِالتَّعْلِيلِ.
وَالْمُمْتَنِعُ هُوَ التَّغْيِيرُ بِالتَّعْلِيلِ لَا مَعَهُ فَقَوْلُهُ بِالنَّصِّ خَبَرُ صَارَ، وَمُجَامِعًا حَالٌ أَوْ هُوَ خَبَرُ صَارَ وَبِالنَّصِّ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَارَ الْأَصْلُ هُوَ الشَّاةُ، وَالْفَرْعُ الْقِيمَةُ، وَالْحُكْمُ الصَّلَاحِيَةُ، وَالْعِلَّةُ الْحَاجَةُ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُخَالِفًا لِظَاهِرِ عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ جَعَلَ الْفَرْعَ هُوَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ، وَالْعِلَّةُ وَالتَّقَوُّمُ أَوْرَدَهَا وَشَرَحَهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تُعْتَبَرُ مِنْ جَانِبِ الْمَصْرِفِ وَهِيَ الْحَاجَةُ، وَقَدْ تُعْتَبَرُ مِنْ جَانِبِ الْوَاجِبِ، وَهِيَ التَّقَوُّمُ، وَأَنَّ الْمُسْتَبْدَلَ بِهِ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِنَفْسِ الْقِيمَةِ وَحِينَئِذٍ لَا مَعْنَى لِلتَّعْلِيلِ بِالتَّقَوُّمِ.
وَأَنْ يُعْتَبَرَ مَالَهُ الْقِيمَةُ فَتَعَلَّلَ بِالتَّقَوُّمِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ، وَهُوَ صَلَاحُ صَرْفِ الشَّاةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ قُلْت كَمَا أَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى وُجُوبِ الشَّاةِ دَلَّ عَلَى صَلَاحِهَا لِلصَّرْفِ كَذَلِكَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ دَالٌّ عَلَى صَلَاحِ غَيْرِ الشَّاةِ لِلصَّرْفِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْلِيلِ قُلْتُ لَا مَعْنَى لِجَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ إلَّا سُقُوطُ اعْتِبَارِ اسْمِ الشَّاةِ وَجَوَازُ إيفَاءِ حَقِّ الْفَقِيرِ مِنْ كُلِّ مَا يَصْلُحُ لِلصَّرْفِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى صَلَاحِيَةِ الْقِيمَةِ وَكُلِّ مُتَقَوِّمٌ لِلصَّرْفِ بَعْدَمَا كَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاحِيَةُ بَاطِلَةً فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ بِخِلَافِ إيجَابِ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِصَرْفِهَا إلَى الْفَقِيرِ.
وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى الصَّلَاحِيَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ كَوْنِ الْقِيمَةِ أَوْ كُلِّ مُتَقَوِّمٍ صَالِحًا لِلصَّرْفِ وَذَلِكَ بِالتَّعْلِيلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ
(2/121)

أَنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ إذَا دَخَلَ عَلَى الْجَمِيعِ تَبْطُلُ الْجَمْعِيَّةُ وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ.
وَأَيْضًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَوْ أُرِيدَ الْجَمْعُ لَكَانَ الْمُرَادُ جَمْعًا مُسْتَغْرِقًا فَمَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ إجْمَاعًا إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يُوَزِّعَ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ عَلَى جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ بِحَيْثُ لَا يُحْرَمُ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ هَذَا يَبْطُلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْجَمْعُ مُرَادًا كَانَ الْمُرَادُ الْجِنْسَ فَيُرَادُ أَنَّ جِنْسَ الصَّدَقَةِ لِجِنْسِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَادَ الْإِفْرَادُ فَتَكُونُ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ الَّذِي يُوجِبُ التَّوْزِيعَ عَلَى الْأَفْرَادِ فَيَكُونُ لِعَدِّ الْمَصَارِفِ.
(وَالتَّكْبِيرَ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَدَاءُ الْقِيمَةِ، وَذِكْرُ لَفْظٍ آخَرَ يَكُونَانِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ) اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ فَرَّقُوا بَيْنَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي» فَالْكِبْرِيَاءُ صِفَةٌ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ الرِّدَاءِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْعَظَمَةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ فَالْأَوَّلُ أَدَلُّ عَلَى الظُّهُورِ، وَالثَّانِي عَلَى الْبُطُونِ فَلَا يَكُونُ اللَّهُ أَعْظَمَ وَأَجَلَّ بِمَعْنَى أَكْبَرَ لَكِنَّا نَقُولُ قَوْله تَعَالَى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] لَا يُرَادُ بِهِ قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ وَرَبَّكَ قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا يُفِيدُ مَعْنًى فَمَعْنَاهُ وَرَبَّكَ فَعَظِّمْ أَيْ: قُلْ أَوْ افْعَلْ مَا فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ، وَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرُوا بَيْنَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَلْ فِي وَسْعِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْإِشْعَارِ بِأَنَّ الِاسْتِبْدَالَ إنَّمَا يَجُوزُ بِمَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي دَفْعِ الْحَاجَةِ حَتَّى لَوْ أَسْكَنَ الْفَقِيرَ دَارِهِ مُدَّةً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَمْ يُجْزِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ لِلَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَلِلْفَقِيرِ بَقَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوَّلًا وَمِنْ صُلُوحِهَا لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ ثَانِيًا فَفِي الشَّاةِ مَثَلًا ثَبَتَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ بِالنَّصِّ، وَفِي الْقِيمَةِ ثَبَتَ الْأَوَّلُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَالثَّانِي بِالتَّعْلِيلِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الشَّاةِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى ثُبُوتِ جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي جِنْسِ الْوَاجِبِ مَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَخْلُوقَةُ ثَمَنًا لِلْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَوَسِيلَةً إلَى الْأَرْزَاقِ.
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ الْأَصْنَافَ) وَجْهُ السُّؤَالِ إنَّكُمْ جَوَّزْتُمْ صَرْفَ الزَّكَاةِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ قِيَاسًا عَلَى صَرْفِهَا إلَى الْكُلِّ بِعِلَّةِ الْحَاجَةِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرٌ لِلنَّصِّ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الزَّكَاةِ حَقًّا لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْكُلِّ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا تَصِيرُ لِلْفُقَرَاءِ بَقَاءً بِدَوَامِ الْيَدِ فَتَكُونُ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا أَحَالَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ اللَّامِ لِلْعَاقِبَةِ مَجَازٌ بَعِيدٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ الْقَرَائِنِ، وَقَدْ أَمْكَنَ عَلَى حَمْلِ اللَّامِ الِاخْتِصَاصُ وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمَصَارِفَ إنَّمَا هِيَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ لَا غَيْرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الصَّالِحُونَ لِلصَّرْفِ إلَيْهِمْ
(2/122)

ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَإِثْبَاتُ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنِ التَّكْبِيرِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِبَعْضِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَزِيَّةٌ عَلَى الْبَعْضِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّعْظِيمَ فَكُلُّ لَفْظٍ فِيهِ التَّعْظِيمُ يَكُونُ فِي مَعْنَى اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَقَوْلُهُ فَأَدَاءُ الْقِيمَةِ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ دَفْعِ الْقِيَمِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ فِيهِ وَفِي مَسْأَلَةِ التَّكْبِيرِ مَعْنًى مُشْتَرَكًا، وَهُوَ كَوْنُهُمَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ فَلِذَلِكَ جَمَعَهُمَا فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ.
(وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَيَجُوزُ بِكُلِّ مَا يَصْلُحُ لَهَا) اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ أُورِدَ الْإِشْكَالُ عَلَى قَوْله تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ طَهُورٌ» فَغَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَيْسَ بِطَهُورٍ، وَإِنْ أُورِدَ عَلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «حُتِّيهِ وَاقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» فَوَارِدٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَلْقَى الثَّوْبَ النَّجِسَ أَوْ قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالْمِقْرَاضِ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ لَمْ يَسْقُطْ بِدُونِ الْعُذْرِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ إزَالَةُ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ.
(وَإِنَّمَا لَا يَزُولُ الْحَدَثُ) بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْقُولٍ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْمَاءُ بِخِلَافِ الْخَبَثِ فَإِنَّ إزَالَتَهُ مَعْقُولَةٌ وَلَا يَضُرُّ أَنْ يَلْزَمَهَا أَمْرٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَتَنَجَّسَ كُلُّ مَا يَصِلُ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ طَبْعًا فَيَزُولُ بِهِ كِلَاهُمَا وَغَيْرُهُ كَالْخَلِّ مَثَلًا قَالِعٌ يَزُولُ بِهِ الْخَبَثُ لَا الْحَدَثُ، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا كَانَ إزَالَةُ الْحَدَثِ غَيْرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
سَوَاءٌ صَرَفَ أَوْ لَمْ يَصْرِفْ فَبِالصَّرْفِ إلَى الْبَعْضِ لَا يَتَغَيَّرُ كَوْنُ الْكُلِّ مَصَارِفَ.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ لَوْ كَانَ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ فَيُفِيدُ أَنَّ الزَّكَاةَ مِلْكٌ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ فَيَكُونُ صَرْفُهَا إلَى الْبَعْضِ صَرْفَ مِلْكِ الشَّخْصِ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ تَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ بُطْلَانَ الْجَمْعِيَّةِ وَثُبُوتَ الْحَمْلِ عَلَى الْجِنْسِيَّةِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِغْرَاقِ فَلَا مَعْنَى لِتَعْلِيلِ عَدَمِ إمْكَانِ أَنْ يُرَادَ بِالْفُقَرَاءِ الْجَمِيعُ بِبُطْلَانِ الْجَمْعِيَّةِ أَوَّلًا وَبِتَعَذُّرِ الِاسْتِغْرَاقِ ثَانِيًا فَفِي الْعِبَارَةِ تَسَامُحٌ، وَأَيْضًا الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا جَوَازُ الصَّرْفِ إلَى بَعْضِ الْأَصْنَافِ وَهَذَا لَا يَتَفَاوَتُ بِكَوْنِ الْفُقَرَاءِ لِلْجَمْعِيَّةِ أَوْ لِلْجِنْسِيَّةِ فَلَا مَدْخَلَ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْفُقَرَاءَ لِلْجِنْسِ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ اللَّامِ لِلْعَاقِبَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ لِجَوَازِ أَنْ يَلْتَزِمَ الْخَصْمُ بُطْلَانَ الْجَمْعِيَّةِ لِلْجِنْسِ، وَيَدَّعِيَ كَوْنَ الزَّكَاةِ مِلْكًا لِلْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا مَدْفَعَ لَهُ إلَّا مَا ذَكَرْنَا.
(قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ هَذَا) أَيْ: تَوْزِيعُ جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ عَلَى جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ يَلْزَمُ بُطْلَانُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ الصَّرْفِ إلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ كُلِّ صِنْفٍ بَلْ إلَى جَمْعٍ مِنْهَا فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَانَ الْمَعْنَى كُلَّ صَدَقَةٍ لِكُلِّ فَقِيرٍ، وَهَذَا أَظْهَرُ بُطْلَانًا فَلِمَ عَدَلَ إلَى تَوْزِيعِ الْجَمْعِ عَلَى الْجَمْعِ قُلْتُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَدَّعِي أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ الشُّمُولُ وَالْإِحَاطَةُ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ فَإِنَّ
(2/123)

مَعْقُولَةٍ وَجَبَتْ النِّيَّةُ كَالتَّيَمُّمِ قُلْنَا يَأْتِي الْجَوَابُ فِي فَصْلِ الْمُنَاقَضَةِ.

(فَصْلٌ الْعِلَّةُ قِيلَ الْمُعَرِّفُ وَيُشْكِلُ بِالْعَلَامَةِ) اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ فَقَالَ الْبَعْضُ هِيَ الْمُعَرِّفُ أَيْ: مَا يَكُونُ دَالًّا عَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ وَقَالُوا الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا مُعَرِّفَاتٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ بِمُؤَثِّرَةٍ بَلْ الْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْنَا تَدْخُلُ الْعَلَامَةُ فِي تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ، وَلَا يَبْقَى الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا مُضَافَةٌ إلَى الْعِلَلِ كَالْمِلْكِ إلَى الشِّرَاءِ وَالْقِصَاصِ إلَى الْقَتْلِ، وَلَيْسَتْ الْأَحْكَامُ مُضَافَةً إلَى الْعَلَامَاتِ كَالرَّجْمِ إلَى الْإِحْصَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْعَلَامَةِ.
(وَقِيلَ: الْمُؤَثِّرُ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِمُؤَثِّرَةٍ) اعْلَمْ أَنَّ الْبَعْضَ عَرَّفُوا الْعِلَّةَ بِالْمُؤَثِّرِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُؤَثِّرِ مَا بِهِ وُجُودُ الشَّيْءِ كَالشَّمْسِ لِلضَّوْءِ وَالنَّارِ لِلْإِحْرَاقِ، وَالْبَعْضُ أَبْطَلُوا تَعْرِيفَ الْعِلَّةِ بِالْمُؤَثِّرِ بِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِمُؤَثِّرَةٍ بَلْ الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا مُعَرِّفَاتٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَادِثُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحُكْمَ الْمُصْطَلَحَ هُوَ أَثَرُ حُكْمِ اللَّهِ الْقَدِيمُ فَإِنَّ إيجَابَ اللَّهِ قَدِيمٌ، وَالْوُجُوبَ حَادِثٌ فَالْمُرَادُ مِنْ الْمُؤَثِّرِ فِي الْحُكْمِ لَيْسَ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ الْقَدِيمِ بَلْ فِي الْوُجُوبِ الْحَادِثِ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ بِالْإِيجَابِ الْقَدِيمِ الْوُجُوبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ إلَى الْآحَادِ فَأَبْطَلَ ذَلِكَ أَيْضًا وَسَكَتَ عَمَّا هُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
(قَوْلُهُ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ) يَعْنِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ لَا الِاسْتِعْمَالُ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَطْعِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ أَوْ حَرْقِهِ،، وَكَوْنُ الْمَاءِ آلَةً صَالِحَةً لِلْإِزَالَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِ مُزِيلًا فَيُعَدَّى إلَى كُلِّ مَائِعٍ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ، وَكَوْنُهُ مُزِيلًا يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ: طَهَارَةَ الْمَحَلِّ، وَعَدَمَ تَنَجُّسِ الْآلَةِ بِالْمُلَاقَاةِ، وَإِلَّا لَمَا وُجِدَتْ وَالْإِزَالَةُ بَلْ الزِّيَادَةُ، فَإِنْ قِيلَ بَلْ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ لِخَاصِّيَّةٍ فِي الْمَاءِ إذْ لَوْ كَانَ لِإِزَالَتِهِ لَوَجَبَ أَنْ يُشَارِكَهُ جَمِيعُ الْمَائِعَاتِ الْمُزِيلَةِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ. قُلْنَا الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ بِمَعْنَى زَوَالِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِمَعْقُولٍ إذْ الْعُضْوُ طَاهِرٌ لَا يَنْجُسُ بِهِ شَيْءٌ، وَمِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ كَوْنُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا قِيلَ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ مَعْقُولٌ فَالْمَاءُ يُوجَدُ مُبَاحًا لَا يُبَالَى بِخَبَثِهِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ حَرَجٌ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْفَرْقِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْإِزَالَةُ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِرَفْعِ الْخَبَثِ فَإِنْ قُلْت قَدْ ذَكَرَ فِي بَحْثِ الْمُنَاقَضَةِ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْقُولِ هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَمَّا إزَالَةُ الْحَدَثِ فَمَعْقُولٌ.
قُلْتُ يَأْتِي جَوَابُهُ فِي بَحْثِ الْمُنَاقَضَةِ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِطَبْعِهِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ مَعْنَى لَا يُعْقَلُ فَلَا يَحْتَاجُ فِي صَيْرُورَتِهِ مُطَهِّرًا إلَى النِّيَّةِ بِخِلَافِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ مُلَوِّثٌ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ مُطَهِّرًا عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَإِنْ قِيلَ هَبْ أَنَّ قَلْعَ الْخَبَثِ وَإِزَالَتَهُ بِالْمَاءِ
(2/124)

عَلَى أَمْرٍ حَادِثٍ كَالدُّلُوكِ مَثَلًا فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ الْأَثَرِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ كَالْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ فَكُلُّ مَنْ جَعَلَ الْعِلَلَ الْعَقْلِيَّةَ مُؤَثِّرَةً بِذَوَاتِهَا يَجْعَلُ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ كَذَلِكَ، وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ فَكَمَا أَنَّ النَّارَ عِلَّةٌ لِلِاحْتِرَاقِ عِنْدَهُمْ بِالذَّاتِ بِلَا خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى الِاحْتِرَاقَ؛ فَإِنَّ الْقَتْلَ الْعَمْدَ بِغَيْرِ حَقٍّ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ أَيْضًا عَقْلًا.
وَكُلُّ مَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ مُؤَثِّرَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ الْإِلَهِيَّةُ بِخَلْقِ الْأَثَرِ عَقِيبَ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَخْلُقُ الِاحْتِرَاقَ عَقِيبَ مُمَاسَّةِ النَّارِ لَا أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ بِذَاتِهَا بِجَعْلِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ كَذَلِكَ بِأَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ الشَّيْءُ يُوجَدُ عَقِيبَهُ الْوُجُوبُ حَسَبَ وُجُودِ الِاحْتِرَاقِ عَقِيبَ مُمَاسَّةِ النَّار فَإِنَّ الْمُتَوَلِّدَاتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
(إلَّا أَنْ يُقَالَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا فَإِنَّ الْأَحْكَامَ تُضَافُ إلَى الْأَسْبَابِ فِي حَقِّنَا) فَإِنَّا مُبْتَلُونَ بِنِسْبَةِ الْأَحْكَامِ إلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ الْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ فَفِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ الْأَحْكَامُ مُضَافَةٌ إلَى الْأَسْبَابِ فَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً.
(وَقِيلَ: الْبَاعِثُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ) بَعْضُ النَّاسِ عَرَّفُوا الْعِلَّةَ بِالْبَاعِثِ يَعْنِي: مَا يَكُونُ بَاعِثًا لِلشَّارِعِ عَلَى شَرْعِ الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْلِكَ جِئْتُكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مَعْقُولٌ إلَّا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ أَمْرًا غَيْرَ مَعْقُولٍ، وَهُوَ عَدَمُ تَنَجُّسِ الْمَاءِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ قُلْتُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِ الْمَعْنَى مَعْقُولًا لِأَنَّهُ مُلْتَزَمٌ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الْحَرَجِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ لَا يَتَنَجَّسَ كُلُّ مَا يَصِلُ إلَيْهِ) لِنَفْيِ الشُّمُولِ لَا لِشُمُولِ النَّفْيِ. (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ طَبْعًا) تَعْلِيلٌ لِمَعْقُولِيَّةِ إزَالَةِ الْمَاءِ لِلْخَبَثِ، وَذَلِكَ لِفَرْطِ لَطَافَتِهِ وَقُوَّةِ إزَالَتِهِ وَسُرْعَةِ نُفُوذِهِ، وَسُهُولَةِ خُرُوجِهِ فَيَزُولُ بِهِ الْحَدَثُ وَالْخَبَثُ جَمِيعًا بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ فَإِنَّهُ مُطَهِّرٌ بِاعْتِبَارِ الْقَلْعِ وَالْإِزَالَةِ فَيَزُولُ بِهِ الْخَبَثُ لِابْتِنَائِهِ عَلَى الرَّفْعِ، وَالْقَلْعِ دُونَ الْحَدَثِ؛ لِعَدَمِ مَعْقُولِيَّتِهِ ثُبُوتًا وَزَوَالًا

[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]
[تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ]
(قَوْلُهُ: وَيُشْكِلُ بِالْعَلَامَةِ) وَهِيَ مَا يُعْرَفُ بِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُودُهُ وَلَا وُجُوبُهُ كَالْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ، وَالْإِحْصَانِ لِلرَّجْمِ يَعْنِي: أَنَّ تَعْرِيفَ الْعِلَّةِ بِالْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِدُخُولِ الْعَلَاقَةِ فِيهِ قِيلَ وَلَا جَامِعَ لِخُرُوجِ الْمُسْتَنْبَطَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا عُرِفَتْ بِالْحُكْمِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ طَلَبِ عِلِّيَّتِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فَلَوْ عُرِفَ الْحُكْمُ بِهَا لَكَانَ الْعِلْمُ بِهَا سَابِقًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُعَرِّفَ لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَ عَلَيْهَا هُوَ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَالْمُعَرَّفَ بِالْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَ عَنْهَا هُوَ حُكْمُ الْفَرْعِ فَلَا دَوْرَ، فَإِنْ قِيلَ هُمَا مِثْلَانِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمَاهِيَّةِ وَلَوَازِمِهَا قُلْنَا لَا يُنَافِي كَوْنَ أَحَدِهِمَا أَجْلَى مِنْ الْآخَرِ بِعَارِضٍ.
(قَوْلُهُ بَلْ فِي الْوُجُوبِ الْحَادِثِ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْوُجُوبُ الْحَادِثُ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ أَثَرٌ لِلْخِطَابِ الْقَدِيمِ وَثَابِتٌ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ
(2/125)

لِإِكْرَامِك؛ الْإِكْرَامُ بَاعِثٌ عَلَى الْمَجِيءِ وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ بَاعِثٌ لِلشَّارِعِ عَلَى شَرْعِ الْقِصَاصِ صِيَانَةً لِلنُّفُوسِ وَقَوْلُهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ احْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الْعِلَّةَ تُوجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شَرْعَ الْحُكْمِ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا عُرِفَ أَنَّ الْأَصْلَحَ لِلْعِبَادِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ (أَيْ: الْمُشْتَمِلُ عَلَى حِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِهِ الْحُكْمَ) هَذَا تَفْسِيرُ الْبَاعِثِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحِكْمَةِ الْمَصْلَحَةُ، وَالْمُرَادَ مِنْ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحِكْمَةِ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ مُحَصِّلٌ لِلْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ وَلَا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْحِكْمَةِ إلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى (مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ) أَيْ: إلَى الْعِبَادِ (أَوْ دَفْعِ ضَرٍّ) أَيْ: عَنْ الْعِبَادِ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى مُعَلَّلَةٌ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ عِنْدَنَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَحَ لَا يَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَمَا أَبْعَدَ عَنْ الْحَقِّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهَا غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِهَا فَإِنَّ بَعْثَةَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِاهْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَإِظْهَارَ الْمُعْجِزَاتِ لِتَصْدِيقِهِمْ فَمَنْ أَنْكَرَ التَّعْلِيلَ فَقَدْ أَنْكَرَ النُّبُوَّةَ وقَوْله تَعَالَى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وقَوْله تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} [البينة: 5] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَدَالَّةٌ عَلَى مَا قُلْنَا، وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لِغَرَضٍ أَصْلًا يَلْزَمُ الْعَبَثُ.
وَدَلِيلُهُمْ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ لِغَرَضٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ ذَلِكَ الْغَرَضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَثَرًا لِشَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ فِعْلٌ حَادِثٌ كَالْقَتْلِ مَثَلًا، وَجَوَابُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى تَأْثِيرِ الْخِطَابِ الْقَدِيمِ فِيهِ أَنَّهُ حُكْمٌ بِتَرَتُّبِهِ عَلَى الْعِلَّةِ وَثُبُوتِهِ عَقِيبَهَا، وَعَلَى هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ الْخِطَابُ الْقَدِيمُ، وَيَكُونُ مَعْنَى تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ تَأْثِيرُهَا فِي تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ.
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَنْ جَعَلَ الْعِلَلَ الْعَقْلِيَّةَ مُؤَثِّرَةً بِذَوَاتِهَا يَجْعَلُ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ كَذَلِكَ) فَإِنْ قُلْت كَوْنُ الْوَقْتِ مُوجِدًا لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالْقَتْلِ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَذْهَبُ إلَيْهِ عَاقِلٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَعْرَاضٌ وَأَفْعَالٌ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا إيجَادٌ وَتَأْثِيرٌ.
قُلْتُ: مَعْنَى تَأْثِيرِهَا بِذَوَاتِهَا أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إيجَابٍ مِنْ مُوجِبٍ، وَكَذَا فِي كُلِّ مَا تَحَقَّقَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ عِلَّةٌ.
(قَوْلُهُ: كُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ الشَّيْءُ يُوجَدُ عَقِيبَهُ الْوُجُوبُ) فَإِنْ قُلْت كَثِيرٌ مِنْ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا كَانَتْ مُتَحَقِّقَةً قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَدَ عَقِيبَهَا الْوُجُوبُ كَالْوَقْتِ مَثَلًا قُلْتُ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جَعَلَهُ الشَّارِعُ عِلَّةً لِحُكْمٍ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِأَنَّهُ كُلَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِشَرَائِطِهِ يُوجَدُ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقِيلَ وُرُودُ الشَّرْعِ لَا حُكْمَ بِالْعِلِّيَّةِ فَلَا وُجُوبَ عَقِيبَ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا) يَعْنِي: أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْأَحْكَامِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّ الْإِيجَابَ لَمَّا كَانَ غَيْبًا عَنَّا وَنَحْنُ عَاجِزُونَ عَنْ دَرْكِهَا شَرَعَ الْعِلَلَ مُوجِبَاتٍ لِلْأَحْكَامِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ وَنَسَبَ الْوُجُوبَ إلَيْهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ.
(قَوْلُهُ فَمَنْ
(2/126)

أَوْلَى بِهِ مِنْ عَدَمِهِ امْتَنَعَ مِنْهُ فِعْلُهُ، وَإِنْ كَانَ أَوْلَى بِهِ كَانَ مُسْتَكْمِلًا بِهِ فَيَكُونُ نَاقِصًا فِي ذَاتِهِ، وَقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مُسْتَكْمِلًا بِهِ لَوْ كَانَ الْغَرَضُ رَاجِعًا إلَيْهِ، وَهُنَا رَاجِعٌ إلَى الْعَبْدِ وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ أَنَّ تَحْصِيلَ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ، وَعَدَمَهُ إنْ اسْتَوَيَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَا يَكُونُ غَرَضًا وَدَاعِيًا لَهُ إلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى فَيَلْزَمُ الِاسْتِكْمَالُ، أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إنْ اسْتَوَيَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَا يَكُونُ غَرَضًا وَدَاعِيًا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّرْجِيحَ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَوْلَوِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ مُرَجِّحًا.
(وَكَوْنُ الْعِلَّةِ هَكَذَا تُسَمَّى مُنَاسِبَةً) أَيْ: كَوْنُهَا بِحَيْثُ تَجْلُبُ النَّفْعَ إلَى الْعِبَادِ وَتَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُمْ يُسَمَّى مُنَاسِبَةً، وَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مَا يَجْلُبُ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُنَاسِبَ إمَّا حَقِيقِيٌّ وَإِمَّا إقْنَاعِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ إمَّا لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ كَرِيَاضَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ فَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ كَالدُّلُوكِ وَشُهُودِ الشَّهْرِ، وَالْحُكْمُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
وَالْحِكْمَةُ رِيَاضَةُ النَّفْسِ وَقَهْرُهَا، أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ وَهِيَ إمَّا ضَرُورِيَّةٌ، وَهِيَ خَمْسَةٌ حِفْظُ النَّفْسِ، وَالْمَالِ وَالنَّسَبِ، وَالدِّينِ، وَالْعَقْلِ فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ هِيَ الْحِكْمَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
أَنْكَرَ التَّعْلِيلَ فَقَدْ أَنْكَرَ النُّبُوَّةَ) ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِاهْتِدَاءِ الْخَلْقِ لَازِمٌ لَهَا، وَكَذَا تَعْلِيلُ إظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِتَصْدِيقِ الْخَلْقِ، وَإِنْكَارُ اللَّازِمِ إنْكَارٌ لِلْمَلْزُومِ لِانْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ.
(قَوْلُهُ: وَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مَا يَجْلِبُ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا) قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ أَنَّهُ الْوَصْفُ الَّذِي يُفْضِي إلَى مَا يَجْلُبُ لِلْإِنْسَانِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا وَفَسَّرَ النَّفْعَ بِاللَّذَّةِ أَوْ مَا يَكُونُ طَرِيقًا إلَيْهَا، وَالضَّرَرَ بِالْأَلَمِ أَوْ مَا يَكُونُ طَرِيقًا إلَيْهِ.
وَقَدْ يُفَسِّرُ الْمُنَاسِبَ بِالْوَصْفِ اللَّائِمِ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ فِي الْعَادَاتِ، الْأَوْلَى قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ الْأَحْكَامَ الثَّابِتَةَ بِالنُّصُوصِ مُتَعَلِّقَةً بِالْحُكْمِ وَالْمَصَالِحِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَأْبَى ذَلِكَ وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ: الْمُنَاسِبُ مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ يَعْنِي: إذَا عَرَضَ عَلَى الْعَقْلِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا شُرِعَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ يَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُوَصِّلًا إلَى تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ عَقْلًا وَتَكُونُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ أَمْرًا مَقْصُودًا عَقْلًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْقَتْلَ الْعَمْدَ الْعُدْوَانَ وَصْفٌ مُنَاسِبٌ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَالْإِسْكَارَ لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى هَذِهِ التَّفَاسِيرِ إذْ لَيْسَ الْقَتْلُ مَثَلًا مِمَّا يَجْلُبُ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا وَلَا هُوَ مُلَائِمٌ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ وَلَا هُوَ مَقْصُودٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ.
فَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُنَاسِبَ
(2/127)

وَالْمَصْلَحَةُ فِي شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ وَحَدِّ الزِّنَا وَالْجِهَادِ وَحُرْمَةِ الْمُسْكِرَاتِ، وَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ وَالسَّرِقَةُ وَالْغَصْبُ مَثَلًا وَالزِّنَا وَحَرْبِيَّةُ الْكَافِرِ وَالْإِسْكَارِ، وَإِمَّا مُحْتَاجٌ إلَيْهَا كَمَا فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ فَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ هُوَ الصِّغَرُ، وَالْحُكْمُ شَرْعِيَّةُ التَّزْوِيجِ وَالْحِكْمَةُ وَالْمَصْلَحَةُ كَوْنُ الْمُوَلِّيَةِ تَحْتَ الْكُفْءِ، وَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً لَكِنَّهَا فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَفُوتَ الْكُفْءُ لَا إلَى بَدَلٍ.
وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ ضَرُورِيَّةً وَلَا مُحْتَاجًا إلَيْهَا بَلْ لِلتَّحْسِينِ كَحُرْمَةِ الْقَاذُورَاتِ فَإِنَّهَا حُرِّمَتْ لِنَجَاسَتِهَا وَعُلُوِّ مَنْصِبِ الْآدَمِيِّ فَلَا يَحْسُنُ تَنَاوُلُهَا، وَالْإِقْنَاعِيُّ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ ثُمَّ إذَا تُؤُمِّلَ يَظْهَرُ خِلَافُهُ كَنَجَاسَةِ الْخَمْرِ لِبُطْلَانِ بَيْعِهَا فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا نَجِسَةٌ تُنَاسِبُ الْإِدْلَالَ، وَالْبَيْعُ يَقْتَضِي الْإِعْزَازَ لَكِنَّ مَعْنَى النَّجَاسَةِ كَوْنُهَا مَانِعَةً مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ بُطْلَانَ الْبَيْعِ.
(وَالْحِكْمَةُ الْمُجَرَّدَةُ لَا تُعْتَبَرُ فِي كُلِّ فَرْدٍ لِخَفَائِهَا، وَعَدَمِ انْضِبَاطِهَا بَلْ فِي الْجِنْسِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَى وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ يَدُورُ مَعَهَا) أَيْ: يَدُورُ الْوَصْفُ مَعَ الْحِكْمَةِ.
(أَوْ يَغْلِبُ وُجُودُهَا) أَيْ: وُجُودُ الْحِكْمَةِ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ الْوَصْفِ وَالْمُرَادُ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَكُونُ مُحَصِّلًا لِلْحِكْمَةِ دَائِمًا، وَفِي الْأَغْلَبِ (كَالسَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ) أَيْ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَشَقَّةَ هِيَ الْحِكْمَةُ بَلْ الْحِكْمَةُ هِيَ دَفْعُ الضَّرَرِ وَدَفْعُ الضَّرَرِ إنَّمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
إمَّا حَقِيقِيٌّ، وَإِمَّا إقْنَاعِيٌّ، وَأَحَالَهُ عَلَى الْغَيْرِ لِمَا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَلْ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ وَهُوَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ يَلْزَمُ مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ حُصُولُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ شَرْعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْصُودُ جَلْبَ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعَ مَفْسَدَةٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَرَتُّبِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَتْلِ، حُصُولُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ مِنْ شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ، وَهُوَ بَقَاءُ النُّفُوسِ عَلَى مَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسِّرَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ: الْمُنَاسِبُ هُوَ الَّذِي إذَا عُرِضَ عَلَى الْعَقْلِ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ حُصُولُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ يَقْبَلُهُ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ الْآمِدِيُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصْلُحُ لِلنَّاظِرِ لَا لِلْمُنَاظِرِ إذْ رُبَّمَا يَقُولُ الْخَصْمُ هَذَا مِمَّا لَا يَتَلَقَّاهُ عَقْلِي بِالْقَبُولِ فَلَا يَكُونُ مُنَاسِبًا بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ، وَلَيْسَ الِاحْتِجَاجُ بِقَبُولِ الْغَيْرِ عَلَيَّ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ عَامَّةُ الْعُقُولِ وَلِذَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ

[أَبْحَاثٌ فِي الْعِلَّة]
[الْأَوَّلُ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّعْلِيلِ]
(قَوْلُهُ: الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّعْلِيلِ) اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ فَقِيلَ: الْأَصْلُ عَدَمُ التَّعْلِيلِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّعْلِيلِ وَقِيلَ: الْأَصْلُ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ صَالِحٍ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ حَتَّى يُوجَدَ مَانِعٌ عَنْ الْبَعْضِ وَقِيلَ الْأَصْلُ التَّعْلِيلُ بِوَصْفٍ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يُمَيِّزُهُ مِنْ بَيْنِ الْأَوْصَافِ، وَنَسَبَ ذَلِكَ إلَى الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَدْ اشْتَهَرَ فِيمَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَحْكَامِ
(2/128)

يَتَحَقَّقُ فِي صُورَةِ وُجُودِ الضَّرَرِ وَوُجُودُ الضَّرَرِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ مَوْجُودَةً ثُمَّ الْمَشَقَّةُ غَالِبَةُ الْوُجُودِ فِي السَّفَرِ فَتَرَتُّبُ الْحُكْمِ وَهُوَ الرُّخْصَةُ عَلَى الْوَصْفِ وَهُوَ السَّفَرُ يَكُونُ مُحَصِّلًا لِلْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ دَفْعُ الضَّرَرِ فِي الْأَغْلَبِ.

(وَهُنَا أَبْحَاثٌ: الْأَوَّلُ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّعْلِيلِ) عِنْدَ الْبَعْضِ إلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ» فَتَعْلِيلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّصَّ مُعَلَّلٌ، وَأَنَّ عَدَمَ نَجَاسَتِهَا مُعَلَّلٌ بِالطَّوَافِ (لِأَنَّ النَّصَّ مُوجِبٌ بِصِيغَتِهِ لَا بِالْعِلَّةِ؛ وَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِكُلِّ الْأَوْصَافِ مُحَالٌ، وَبِالْبَعْضِ مُحْتَمَلٌ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ هِيَ مُعَلَّلَةٌ بِكُلِّ وَصْفٍ إلَّا لِمَانِعٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَصْفٍ صَالِحٌ لِهَذَا) أَيْ: لِلتَّعْلِيلِ.
(وَالنَّصُّ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ وَالْعِلَّةُ دَاعِيَةٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّ النَّصَّ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ بِصِيغَتِهِ إلَّا بِالْعِلَّةِ أَيْ: نَعَمْ أَنَّ النَّصَّ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ بِصِيغَتِهِ لَا أَنَّهُ دَاعٍ بَلْ الدَّاعِي إلَى الْحُكْمِ هُوَ الْعِلَّةُ.
(وَالتَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ) جَوَابٌ آخَرُ عَنْ قَوْلِهِ: أَنَّ النَّصَّ مُوجِبٌ بِصِيغَتِهِ أَيْ: نَعَمْ أَنَّ النَّصَّ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ بِصِيغَتِهِ فِي الْأَصْلِ لَا فِي الْفَرْعِ بَلْ فِي الْفَرْعِ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ بِسَبَبِ الْعِلَّةِ، وَنَحْنُ إنَّمَا نُعَلِّلُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ لَا فِي الْأَصْلِ.
(وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُعَلَّلَةٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ مُمَيِّزٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَوْصَافِ مُتَعَدٍّ، وَبَعْضَهَا قَاصِرٌ فَلَوْ عَلَّلَ بِكُلِّ وَصْفٍ يَلْزَمُ التَّعْدِيَةُ وَعَدَمُهَا وَعِنْدَنَا لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ: مَعَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ النَّصَّ مُعَلَّلٌ فِي الْجُمْلَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ النُّصُوصِ الْغَيْرِ الْمُعَلَّلَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
هُوَ التَّعَبُّدُ دُونَ التَّعْلِيلِ.
وَالْمُخْتَارُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يُمَيِّزُ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ قَبْلَ التَّعْلِيلِ وَالتَّمْيِيزِ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا النَّصِّ الَّذِي يُرَادُ اسْتِخْرَاجُ عِلَّتِهِ مُعَلَّلٌ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ إنَّمَا يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ دُونَ الْإِلْزَامِ وَفِي الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّصَّ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ بِصِيغَتِهِ لَا بِعِلَّتِهِ إذْ الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ مَدْلُولَاتِ النَّصِّ، وَبِالتَّعْلِيلِ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ مِنْ الصِّيغَةِ إلَى الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ الصِّيغَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَيْضًا التَّعْلِيلُ إمَّا بِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّعْدِيَةُ، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ جَمِيعِ أَوْصَافِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ ضَرُورَةُ التَّغَايُرِ وَالتَّمَايُزِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِمَّا بِالْبَعْضِ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَصْفٍ عَيَّنَهُ الْمُجْتَهِدُ مُحْتَمِلٌ لِلْعِلِّيَّةِ وَعَدَمِهَا، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يُرَجِّحُ الْبَعْضَ.
فَإِنْ قِيلَ هَاهُنَا قِسْمٌ آخَرُ هُوَ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ قُلْنَا إمَّا أَنْ يُرَادَ كُلُّ وَصْفٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَيَسْتَلْزِمُ تَعْدِيَةَ الْحُكْمِ إلَى جَمِيعِ الْمَحَالِّ إذْ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إلَّا وَبَيْنَهُمَا مُشَارَكَةٌ مَا فِي وَصْفٍ مَا، أَوْ يُرَادَ كُلُّ وَصْفٍ صَالِحٍ لِلْعِلِّيَّةِ، وَإِضَافَةِ الْحُكْمِ فَيُفْضِي إلَى التَّنَاقُضِ أَيْ: التَّعْدِيَةِ وَعَدَمِهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَوْصَافِ مُتَعَدٍّ وَبَعْضَهَا
(2/129)

نَظِيرُهُ فِي حَدِيثِ الرِّبَا أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «يَدًا بِيَدٍ» يُوجِبُ التَّعْيِينَ. وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الرِّبَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ تَعْيِينَ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ احْتِرَازًا عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ)
فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ (شَرَطَ تَعْيِينَ الْآخَرِ احْتِرَازًا عَنْ شُبْهَةِ الْفَضْلِ) فَإِنَّ لِلنَّقْدِ مَزِيَّةً عَلَى النَّسِيئَةِ.
(وَقَدْ وَجَدْنَا هَذَا الْحُكْمَ مُتَعَدِّيًا حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِعَيْنِهَا بِشَعِيرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ إجْمَاعًا، وَشَرَطَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّقَابُضَ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ فَإِذَا وَجَدْنَاهُ مُعَلَّلًا فِي رِبَا النَّسِيئَةِ نُعَلِّلُهُ فِي رِبَا الْفَضْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الْفَضْلُ الْخَالِي مِنْ الْعِوَضِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً فِي رِبَا الْفَضْلِ كَبَيْعِ قَفِيزٍ مِنْ الْحِنْطَةِ بِقَفِيزَيْنِ مِنْهَا.
أَمَّا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، وَهُوَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِعَيْنِهَا بِشَعِيرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ نَسِيئَةً فَشُبْهَةُ الْفَضْلِ قَائِمَةٌ لَا حَقِيقَةُ الْفَضْلِ هَذَا مَا قَالُوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
قَاصِرٌ عَلَى مَا سَيَجِيءُ؛ فَلِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ هَاهُنَا لِهَذَا الْقِسْمِ.
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْأَدِلَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ نَصٍّ وَنَصٍّ، فَيَكُونُ التَّعْلِيلُ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يُمْكِنُ بِالْكُلِّ وَلَا بِالْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لِمَا مَرَّ فَتَعَيَّنَ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ إلَّا أَنْ يَقُومَ مَانِعٌ كَمُخَالَفَةِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ مُعَارَضَةِ أَوْصَافٍ
وَوَجْهُ الثَّالِثِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعْلِيلُ بِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ لِمَا مَرَّ وَلَا بِكُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ قَاصِرٌ يُوجِبُ حَجْرَ الْقِيَاسِ وَقَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصْلِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَدٍّ يُوجِبُ التَّعْدِيَةَ إلَى الْفَرْعِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَتَعَيَّنَ الْبَعْضُ، وَأَيْضًا اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي الْفُرُوعِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْعِلَّةِ يَدُلُّ عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ هُوَ الْبَعْضُ دُونَ الْمَجْمُوعِ أَوْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْبَعْضُ مُحْتَمَلٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُمَيِّزٍ، وَاحْتِيَاجُ التَّعْيِينِ وَالتَّمْيِيزِ إلَى الدَّلِيلِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْأَصْلِ هُوَ التَّعْلِيلُ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ الدَّلِيلِ الثَّانِي عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلِهَذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى جَوَابِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ. وَوَجْهُ الرَّابِعِ ظَاهِرٌ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ التَّعْلِيلَ بِالْقَاصِرَةِ يُوجِبُ عَدَمَ التَّعْدِيَةِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّعْدِيَةَ، وَلَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمَنْصُوصِ فَعَلَى تَقْدِيرِ التَّعْلِيل بِكُلِّ وَصْفٍ ثَبَتَ التَّعْدِيَةُ بِالْمُتَعَدِّيَةِ، وَتَكُونُ الْقَاصِرَةُ لِتَأْكِيدِ الثُّبُوتِ فِي الْأَصْلِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ أَنَّ نَصَّ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ مُعَلَّلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالثَّمَنِيَّةِ مَعَ تَعَدِّي وُجُوبِ التَّعْيِينِ إلَى الْمَطْعُومِ.
(قَوْلُهُ: نَظِيرُهُ) أَيْ: نَظِيرُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ» أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «يَدًا بِيَدٍ» يُوجِبُ التَّعْيِينَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ التَّعْيِينِ كَالْإِشَارَةِ، وَالْإِحْضَارِ وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الرِّبَا أَيْضًا أَيْ: وُجُوبُ التَّعْيِينِ مِنْ بَابِ مَنْعِ الرِّبَا، وَالِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَوُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ تَعْيِينَ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ احْتِرَازًا عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ شَرَطَ فِي بَابِ الصَّرْفِ تَعْيِينَ الْبَدَلَيْنِ جَمِيعًا احْتِرَازًا عَنْ شُبْهَةِ الْفَضْلِ الَّذِي هُوَ رِبًا.
كَمَا شَرَطَ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْقَدْرِ
(2/130)

وَاعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ هَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ كَوْنُ هَذَا النَّصِّ مُعَلَّلًا فِي الْجُمْلَةِ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ إنْ تَوَقَّفَ عَلَى تَعْلِيلٍ آخَرَ فَالتَّعْلِيلُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إنْ تَوَقَّفَ عَلَى تَعْلِيلٍ آخَرَ يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ يَثْبُتُ أَنَّ بَعْضَ التَّعْلِيلَاتِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى هَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّا لَمَّا شَرَطْنَا فِي الْعِلَّةِ التَّأْثِيرَ، وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ نَوْعِهِ لَا يَثْبُتُ التَّأْثِيرُ إلَّا وَأَنْ يَثْبُتَ كَوْنُ هَذَا النَّصِّ مِنْ النُّصُوصِ الْمُعَلَّلَةِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ نَوْعِهِ ثَبَتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
احْتِرَازًا عَنْ حَقِيقَةِ الْفَضْلِ وَقَدْ وَجَدْنَا وُجُوبَ التَّعْيِينِ مُتَعَدِّيًا عَنْ بَيْعِ النَّقْدَيْنِ إلَى غَيْرِهِ حَتَّى وَجَبَ التَّعْيِينُ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا بِشَعِيرٍ لَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْحُلُولِ وَذِكْرِ الْأَوْصَافِ، وَحَتَّى شَرَطَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّقَابُضَ فِي الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ لِيَحْصُلَ التَّعْيِينُ فَثَبَتَ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْدِيَةِ وُجُوبِ التَّعْيِينِ إلَى غَيْرِ النَّقْدَيْنِ أَنَّ نَصَّ الرِّبَا مُعَلَّلٌ فِي حَقِّ وُجُوبِ التَّعْيِينِ إذْ لَا تَعْدِيَةَ بِدُونِ التَّعْلِيلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ حَتَّى يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ؛ لِأَنَّ رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ مَبْنَى تَعْدِيَةِ وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ أَشَدُّ ثُبُوتًا وَتَحَقُّقًا مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ وَهُوَ مَبْنَى تَعْدِيَةِ وُجُوبِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْفَضْلِ بِاعْتِبَارِ مَزِيَّةِ النَّقْدِ عَلَى النَّسِيئَةِ، وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ مِنْ شُبْهَتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَعْلِيلَ هَذَا النَّصِّ فِي رِبَا النَّسِيئَةِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ مُعَلَّلًا فِي رِبَا الْفَضْلِ، وَكَوْنُهُ مُعَلَّلًا فِي رِبَا النَّسِيئَةِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْإِجْمَاعِ أَوْ النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الرِّبَا، وَالرِّيبَةِ» ، وَالْمُرَادُ بِالرِّيبَةِ شُبْهَةُ الرِّبَا وَفِي بَيْعِ النَّقْدِ بِالنَّسِيئَةِ شُبْهَةُ الرِّبَا. فَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ النَّصِّ مُعَلَّلًا فِي الْجُمْلَةِ قَدْ يَكُونُ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا، وَقَدْ يَكُونُ تَعْلِيلًا آخَرَ وَيَنْتَهِي بِالْآخِرَةِ إلَى نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُوهِمُ أَنَّ كُلَّ تَعْلِيلٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعْلِيلٍ آخَرَ حَتَّى يُتَوَهَّمَ وُرُودُ الْإِشْكَالِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ لُزُومِ التَّسَلْسُلِ أَوْ اسْتِغْنَاءِ بَعْضِ التَّعْلِيلَاتِ عَنْ كَوْنِ النَّصِّ مُعَلَّلًا.
وَتَقْرِيرُ جَوَابِهِ أَنَّا نَشْتَرِطُ فِي الْعِلَّةِ التَّأْثِيرَ أَيْ: اعْتِبَارَ الشَّارِعِ جِنْسَهُ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ نَوْعِهِ فَكُلَّمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْوَصْفُ ثَبَتَ تَأْثِيرُهُ، وَكُلَّمَا ثَبَتَ تَأْثِيرُهُ ثَبَتَ كَوْنُ النَّصِّ مُعَلَّلًا فِي الْجُمْلَةِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ عِلَّةً لِنَوْعِ الْحُكْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ، أَوْ لِجِنْسِهِ وَعِلَّةُ الْجِنْسِ عِلَّةٌ لِلنَّوْعِ، وَرُبَّمَا يُقَالُ إنَّ اسْتِخْرَاجَ الْعِلَّةِ وَاعْتِبَارَ كَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً أَوْ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ النَّصِّ مُعَلَّلًا فَإِثْبَاتُ ذَلِكَ بِهِ دَوْرٌ.
(قَوْلُهُ هَذَا مَا قَالُوا) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِمَا تَوَهَّمَ مِنْ وُرُودِ الْإِشْكَالِ؛ وَلِأَنَّ إثْبَاتَ التَّعْلِيلِ فِي رِبَا النَّسِيئَةِ كَافٍ وَكَوْنِ النَّصِّ مِنْ
(2/131)

أَنَّ هَذَا النَّصَّ مِنْ النُّصُوصِ الْمُعَلَّلَةِ.

(الثَّانِي يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا لَازِمًا كَالثَّمَنِيَّةِ لِلزَّكَاةِ فِي الْمَضْرُوبِ عِنْدَنَا) فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ خُلِقَا ثَمَنًا، وَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا أَصْلًا (حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ وَلِلرِّبَا عِنْدَهُ وَعَارِضًا كَالْكَيْلِ لِلرِّبَا) فَإِنَّ الْكَيْلَ لَيْسَ بِلَازِمٍ حِسًّا لِلْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ فَإِنَّهُمَا قَدْ يُبَاعَانِ وَزْنًا (وَجَلِيًّا وَخَفِيًّا عَلَى مَا يَأْتِي وَاسْمًا) أَيْ: اسْمَ جِنْسٍ «كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ» ، وَهَذَا اسْمٌ مَعَ وَصْفٍ عَارِضٍ) الدَّمُ اسْمُ جِنْسٍ وَالِانْفِجَارُ وَصْفٌ عَارِضٌ، (وَحُكْمًا كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» ) قَاسَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إجْزَاءِ قَضَاءِ الْحَجِّ عَنْ الْأَبِ عَلَى إجْزَاءِ قَضَاءِ دَيْنِ الْعِبَادِ عَنْ الْأَبِ وَالْعِلَّةُ كَوْنُهُمَا دَيْنًا، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لُزُومُ حَقٍّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
النُّصُوصِ الْمُعَلَّلَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى بَاقِي الْمُقَدِّمَاتِ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ التَّعْيِينِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّعْلِيلِ، وَالتَّعْدِيَةِ عَدَمَ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُنَاقَشَةَ فِي الْمِثَالِ وَيَكْفِي فِيهِ الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ

[الثَّانِي كَوْنُ الْعِلَّة وَصْفًا لَازِمًا]
(قَوْلُهُ: الثَّانِي) إشَارَةٌ إلَى نَفْيِ شَرَائِطَ اعْتَبَرَهَا بَعْضُهُمْ فِي الْعِلَّةِ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا جَلِيًّا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ وَلَا حُكْمٍ شَرْعِيٍّ حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّعْلِيلُ بِالْعَارِضِ؛ لِأَنَّ انْفِكَاكَهُ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ صَلَاحِيَةُ الْمَحَلِّ لِلِاتِّصَافِ بِهِ وَلَا بِالْخَفِيِّ كَرِضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْبَيْعِ وَجَوَابُهُ يَأْتِي فِي فَصْلِ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ أَنَّ الْخَفِيَّ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى، وَالِاعْتِبَارُ بِالْقُوَّةِ أَوْلَى، وَلَا بِغَيْرِ الْمَنْصُوصِ لِمَا سَيَأْتِي مَعَ جَوَابِهِ وَلَا بِالْمُرَكَّبِ مِنْ وَصْفَيْنِ فَصَاعِدًا، وَإِلَّا لَكَانَتْ الْعِلَّةُ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى الْمَجْمُوعِ ضَرُورَةَ أَنَّا نَعْقِلُ الْمَجْمُوعَ، وَنَجْهَلُ كَوْنَهُ عِلَّةً بِنَاءً عَلَى الذُّهُولِ أَوْ الْحَاجَةِ إلَى النَّظَرِ، وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ وَاللَّازِمُ وَهُوَ كَوْنُ الْعِلَّةِ صِفَةَ الْمَجْمُوعِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْكُلِّ إنْ لَمْ تَقُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ لَمْ تَكُنْ صِفَةً لَهُ، وَإِنْ قَامَتْ فَإِمَّا بِكُلِّ جُزْءٍ فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ عِلَّةً، وَالْمُقَدَّرُ خِلَافُهُ وَإِمَّا بِجُزْءٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ هُوَ الْعِلَّةُ، وَلَا مَدْخَلَ لِسَائِرِ الْأَجْزَاءِ وَإِمَّا بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْمَجْمُوعُ، وَحِينَئِذٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَتْ يُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَيْهَا وَإِلَى كَيْفِيَّةِ قِيَامِهَا بِالْمَجْمُوعِ وَيَتَسَلْسَلُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً إلَّا قَضَاءَ الشَّارِعِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عِنْدَهَا رِعَايَةً لِمَصْلَحَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً لَهُ بَلْ جَعَلَهُ الشَّارِعُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْعِلِّيَّةُ وِجْهَةُ، الْوِحْدَةِ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ مَتَى يَنْقَطِعُ التَّسَلْسُلُ فِيهَا بِانْقِطَاعِ الِاعْتِبَارِ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُتَقَدِّمٌ بِالزَّمَانِ عَلَى مَا فُرِضَ مَعْلُولًا فَيَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ، أَوْ مُتَأَخِّرٌ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُ الْمَعْلُولِ أَوْ مُقَارِنٌ فَيَلْزَمُ التَّحَكُّمُ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِالْعِلِّيَّةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ تَأْثِيرَ
(2/132)

فِي الذِّمَّةِ.
(وَكَقَوْلِنَا فِي الْمُدَبَّرِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى فَلَا يُبَاعُ كَأُمِّ الْوَلَدِ) فِيهِ قِيَاسُ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْعِلَّةُ كَوْنُهُمَا مَمْلُوكَيْنِ تَعَلَّقَ عِتْقُهُمَا بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَهَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَإِنَّمَا قَالَ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى احْتِرَازًا عَنْ الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ كَقَوْلِهِ إنْ مِتُّ فِي هَذَا الْمَرَضِ فَأَنْتَ حُرٌّ (وَمُرَكَّبًا كَالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ وَغَيْرَ مُرَكَّبٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَمَنْصُوصَةٌ وَغَيْرُ مَنْصُوصَةٍ كَمَا يَأْتِي) .

(مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ عِنْدَنَا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ فَإِنَّهُ جَعَلَ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الثَّمَنِيَّةَ فَهِيَ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ عَنْهُمَا إذْ غَيْرُ الْحَجَرَيْنِ لَمْ يُخْلَقْ ثَمَنًا.
وَالْخِلَافُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ لَيْسَ بِمَعْنَى الْإِيجَادِ وَالتَّحْصِيلِ حَتَّى يَمْتَنِعَ التَّقَدُّمُ أَوْ التَّخَلُّفُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ صَالِحًا لِلْعِلِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ أَوْ يَكُونَ الثَّابِتُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ فَظَهَرَ بُطْلَانُ الْأَدِلَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ وَصِحَّةُ التَّعْلِيلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اللَّازِمِ وَالْعَارِضِ أَوْ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْعِلَّةِ اسْمَ جِنْسٍ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَعْنَاهُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ مِثْلَ كَوْنِ الْخَارِجِ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ دَمَ عِرْقٍ مُنْفَجِرٍ لَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الِاسْمِ الْمُخْتَلَفِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ

[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ) إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْخَصْمِ، وَهُوَ أَنَّ النَّصَّ إذَا كَانَ مَعْقُولًا فَالْحُكْمُ ثَابِتُ الْعِلَّةِ دُونَ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْعِلَّةِ إلَّا مَا ثَبَتَ بِهِ الشَّيْءُ وَلَا شَيْءَ هَاهُنَا يَثْبُتُ بِهَا سِوَى الْحُكْمِ، وَلِذَا يُعَدَّى إلَى الْفَرْعِ بِأَنْ يُقَالَ ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْفَرْعِ فَيَثْبُتُ فِيهِ أَيْضًا وَعَدَمُ التَّعَدِّي لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الْمَنْصُوصَةِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ سَوَاءٌ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، أَوْ لَمْ يَكُنْ عُلِّلَ أَوْ لَمْ يُعَلَّلْ فَيُعَدُّ التَّعْلِيلُ لَوْ أُضِيفَ إلَى الْعِلَّةِ لَزِمَ بُطْلَانُ النَّصِّ فَالْمُثْبِتُ لِلْحُكْمِ هُوَ النَّصُّ.
وَمَعْنَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ كَوْنُهُ بَاعِثًا لِلشَّارِعِ عَلَى شَرْعِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ التَّعْدِيَةُ إلَى الْفَرْعِ لِمَا فِي التَّعْلِيلِ مِنْ تَعْمِيمِ النَّصِّ وَشُمُولِهِ لِلْفَرْعِ، وَبَيَانِ كَوْنِهِ مُثْبِتًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ وَقِيلَ: حُكْمُ الْأَصْلِ مُضَافٌ إلَى النَّصِّ فِي نَفْسِهِ، وَإِلَى الْعِلَّةِ فِي حَقِّ الْفَرْعِ وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ كَافٍ فِي الْقِيَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ) احْتِجَاجٌ عَلَى امْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ أَيْ: وَإِنَّمَا جَازَ التَّعْلِيلُ بِغَيْرِ الْمَنْصُوصَةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّعْلِيلِ مَعَ نُدْرَةِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ كَانَ ذَلِكَ إذْنًا لِبَيَانِ عِلِّيَّةِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَجْلِ الْقِيَاسِ فَيَبْقَى بَيَانُ الْعِلِّيَّةِ بِالْقَاصِرَةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ حَتَّى يَرِدَ بِهَا نَصُّ الشَّارِعِ.
(قَوْلُهُ إذْ الْفَائِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ لَيْسَتْ إلَّا إثْبَاتُ الْحُكْمِ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ بِالْفَائِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ مَا يَكُونُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفِقْهِ وَنِسْبَةٌ إلَيْهِ فَلَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَهَا فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سُرْعَةُ الْإِذْعَانِ، وَزِيَادَةُ الِاطْمِئْنَانِ بِالْأَحْكَامِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى حِكْمَةِ الشَّارِعِ
(2/133)

فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً فَيَجُوزُ عِلِّيَّتُهَا اتِّفَاقًا (لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ) سَوَاءٌ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى أَوْ لَا (وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِلِاعْتِبَارِ إذْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ بَيَانُ عِلِّيَّةِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَالُوا أَنَّ فَائِدَةَ التَّعْلِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي هَذَا) أَيْ: فِي الِاعْتِبَارِ.
(وَفَائِدَتُهُ أَنْ يَصِيرَ الْحُكْمُ أَقْرَبَ إلَى الْقَبُولِ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ الْفَائِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ لَيْسَتْ إلَّا إثْبَاتُ الْحُكْمِ، فَإِنْ قِيلَ التَّعْدِيَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى التَّعْلِيلِ فَتَوَقُّفُهُ عَلَيْهَا دَوْرٌ. قُلْنَا: يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ بِأَنَّ الْوَصْفَ حَاصِلٌ فِي الْغَيْرِ) أَيْ: التَّعْلِيلُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّعْدِيَةِ بَلْ يَتَوَقَّفُ التَّعْلِيلُ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ حَاصِلٌ فِي غَيْرِ مَوْرِدِ النَّصِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ قَدْ تَحَيَّرُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاسْتَبْعَدُوا مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا تَوَهُّمًا مِنْهُمْ أَنَّ الْحَقَّ أَنْ يَتَفَكَّرُوا أَوَّلًا فِي اسْتِنْبَاطِ الْعِلَّةِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ مَا هِيَ فَإِذَا حَصَلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالْعِلَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً مِنْ الْأَصْلِ أَيْ: حَاصِلَةً فِي غَيْرِ صُورَةِ الْأَصْلِ يَتَعَدَّى الْحُكْمُ، وَإِلَّا فَلَا بَلْ يَقْتَصِرُ الْحُكْمُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، أَوْ مَوْرِدِ الْإِجْمَاعِ فَيَقْتَصِرُ الْحُكْمُ.
أَمَّا تَوَقُّفُ التَّعْلِيلِ عَلَى التَّعْدِيَةِ أَوْ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ حَاصِلَةٌ فِي غَيْرِ الْأَصْلِ فَلَا مَعْنَى لَهُ، فَأَقُولُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّأْثِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْإِخَالَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَعْنَى التَّأْثِيرِ اعْتَبَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
فِي شَرْعِيَّتِهَا.
وَإِنْ أُرِيدَ الْمَسْأَلَةُ الْفِقْهِيَّةُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا لِأَجْلِهَا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ أُخْرَى مُتَعَلِّقَةٍ بِالشَّرْعِ فَلَا يَلْزَمُ الْعَبَثُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ دَلِيلَ الشَّرْعِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوجِبَ عِلْمًا أَوْ عَمَلًا، وَالتَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرَةِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا الْعَمَلُ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى الْحِكْمَةِ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ التَّعَلُّلُ الْمُفِيدُ لِلظَّنِّ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْقَاصِرَةِ لَيْسَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ فَيُفِيدُ الظَّنَّ بِالْحِكْمَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ وَهُوَ يُوجِبُ سُرْعَةَ الْإِذْعَانِ وَشِدَّةَ الِاطْمِئْنَانِ، وَأَيْضًا مَنْقُوضٌ بِالتَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الْمَنْصُوصَةِ بِنَصٍّ ظَنِّيٍّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلنِّزَاعِ فِي التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الْغَيْرِ الْمَنْصُوصَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ عَدَمُ الْجَزْمِ بِذَلِكَ فَلَا نِزَاعَ، وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ الظَّنِّ فَبَعْدَمَا غَلَبَ عَلَى رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ عَلَيْهِ الْوَصْفُ الْقَاصِرُ، وَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي اسْتِنْبَاطِ الْعِلَلِ لَمْ يَصِحَّ نَفْيُ الظَّنِّ ذَهَابًا إلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ عَلَى مَا زَعَمَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ رُجْحَانِ ذَلِكَ أَوْ عِنْدَ تَعَارُضِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ هُوَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ) تَقْرِيرُ السُّؤَالِ لَوْ كَانَتْ صِحَّةُ التَّعْلِيلِ مَوْقُوفَةً عَلَى تَعْدِيَةِ الْعِلَّةِ لَمْ تَكُنْ تَعْدِيَتُهَا مَوْقُوفَةً عَلَى صِحَّتِهَا لِامْتِنَاعِ الدَّوْرِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى تَوَقُّفِ التَّعْدِيَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْعِلِّيَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى صِحَّتِهَا وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى التَّعْلِيلِ هُوَ التَّعْدِيَةُ بِمَعْنَى إثْبَاتِ حُكْمٍ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَالتَّعْلِيلُ
(2/134)

الشَّارِعُ جِنْسَ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ نَوْعِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ مُقْتَصِرًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ غَيْرَ حَاصِلٍ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لَا يَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالْعِلَّةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ نَوْعَ الْعِلَّةِ أَوْ جِنْسَهَا لَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لَا يُدْرَى أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ أَوْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا كَانَ مُجَرَّدُ الْإِخَالَةِ كَافِيًا يَحْصُلُ الْوُقُوفُ عَلَى الْعِلَّةِ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فَحَاصِلُهُ الْخِلَافُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَصْفُ مُقْتَصِرًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ يَمْتَنِعُ الْوُقُوفُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ مَبْنَى الْخِلَافِ أَفَادَ عَدَمَ صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ عِنْدَنَا وَصِحَّتَهُ عِنْدَهُ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ وَصْفَانِ قَاصِرٌ وَمُتَعَدٍّ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْقَاصِرَ عِلَّةٌ هَلْ يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ بِالْمُتَعَدِّي أَمْ لَا؟ فَعِنْدَهُ يَمْنَعُ، وَعِنْدَنَا لَا فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ فَإِنَّهَا مُجَرَّدُ وَهْمٍ لَا غَلَبَةَ ظَنٍّ فَلَا تُعَارَضُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِغَلَبَةِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي الْمُؤَثِّرِ.
كَمَا أَنَّ تَوَهُّمَ أَنَّ لِخُصُوصِيَّةِ الْأَصْلِ تَأْثِيرًا فِي الْحُكْمِ فَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي الْمُؤَثِّرِ فَكَذَا هَاهُنَا إلَّا إذَا كَانَ الْوَصْفُ الْقَاصِرُ يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهُ بِالنَّصِّ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا» فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ عِلِّيَّتُهُ، وَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ عِلِّيَّةِ وَصْفٍ آخَرَ فَإِنْ قِيلَ تَعْلِيلُكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
مَوْقُوفٌ عَلَى التَّعْدِيَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْوَصْفِ فِي غَيْرِ مَوْرِدِ النَّصِّ فَلَا دَوْرَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ لَا دَوْرُ تَقَدُّمٍ إذْ الْعِلَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا مُتَعَدِّيَةً لَا أَنَّ كَوْنَهَا مُتَعَدِّيَةً يَثْبُتُ أَوَّلًا ثَمَّ تَكُونُ عِلَّةً (قَوْلُهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّأْثِيرِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اقْتِصَارَ الْوَصْفِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ وَعَدَمَ حُصُولِهِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى مَعَ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ لَا يُنَافِي وُجُودَ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَاعْتِبَارُ الشَّارِعِ إيَّاهُ جِنْسَ الْحُكْمِ بِأَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ عِلِّيَّةِ وَصْفٍ آخَرَ) قِيلَ: عِلِّيَّةٌ لَا تَزَاحُمَ فِي الْعِلَلِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالنَّصِّ أَوْ غَيْرِهِ لِلْحُكْمِ عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ، وَأُخْرَى مُتَعَدِّيَةٌ، وَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَدِّيَةِ دُونَ الْقَاصِرَةِ.

[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَرَادَ إعْتَاقَهُ) يَعْنِي: إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ ثُمَّ يَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِإِعْتَاقٍ قَصْدِيٍّ وَاقِعٍ بَعْدَ الْمِلْكِ فَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَ هَذَا الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ أَعْنِي: الْأَخَ بَلْ هُوَ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ أَوْ ثَبَتَ) عَطْفٌ عَلَى اُخْتُلِفَ أَيْ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي عِلِّيَّتِهَا مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ كَالِاخْتِلَافِ فِي أَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ قَتْلِ الْحُرِّ بِالْمُكَاتَبِ هُوَ كَوْنُهُ عَبْدًا أَوْ الْجَهْلُ بِأَنَّ مُسْتَحِقَّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ هُوَ السَّيِّدُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ هَلْ يَفِي بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ أَمْ لَا؟
(قَوْلُهُ أَدَاءُ بَعْضِ الْبَدَلِ عِوَضٌ) ، وَالْعِوَضُ مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ. فَإِنْ قُلْت
(2/135)

بِالثَّمَنِيَّةِ لِلزَّكَاةِ فِي الْمَضْرُوبِ تَعْلِيلٌ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ قُلْنَا: لَا بَلْ مُتَعَدٍّ إلَى الْحُلِيِّ فَإِنْ قِيلَ: تَعْدِيَتُهُ إلَى الْحُلِيِّ لَا تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَصْفًا مُؤَثِّرًا وَقَدْ جَعَلْتُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةً عَلَى التَّأْثِيرِ. قُلْنَا مَعْنَى قَوْلِنَا: أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ عِلَّةٌ لِلزَّكَاةِ فِي الْمَضْرُوبِ هُوَ أَنَّ كَوْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خُلِقَا ثَمَنَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ مَصْرُوفَيْنِ إلَى الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ بَلْ هُمَا مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ خِلْقَةً فَيَكُونَانِ مِنْ الْمَالِ النَّامِي، وَتَأْثِيرُ الْمَالِ النَّامِي فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عُرِفَ شَرْعًا فَمَعْنَى كَوْنِ الثَّمَنِيَّةِ عِلَّةً لِلزَّكَاةِ أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ كَوْنِ الْمَالِ نَامِيًا فَتَكُونُ عِلَّةً مُؤَثِّرَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ فِي حُكْمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَالْعِلَّةُ فِي الْحَقِيقَةِ النَّمَاءُ لَا الثَّمَنِيَّةُ

(مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ فِي الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ فِي الْأَخِ أَنَّهُ شَخْصٌ يَصِحُّ التَّكْفِيرُ بِإِعْتَاقِهِ فَلَا يَعْتِقُ إذَا مَلَكَهُ كَابْنِ الْعَمِّ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ عِتْقَهُ إذَا مَلَكَهُ لَا يُفِيدُهُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي ابْنِ الْعَمِّ (وَإِنْ أَرَادَ إعْتَاقَهُ بَعْدَمَا مَلَكَهُ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي الْأَخِ وَكَقَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْت زَيْنَبَ فَكَذَا تَعْلِيقٌ فَلَا يَصِحُّ بِلَا نِكَاحٍ. كَمَا لَوْ قَالَ زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ وُجُودَ التَّعَلُّقِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْعِلَّةِ كَقَوْلِهِ فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ إنَّهُ عَبْدٌ فَلَا يُقْتَلُ بِالْحُرِّ كَالْمُكَاتَبِ) أَيْ: مُكَاتَبٌ قُتِلَ وَلَهُ مَالٌ يَفِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
هَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ إذْ أَدَاءُ بَعْضِ الْبَدَلِ لَا يُوجَدُ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الْمُكَاتَب الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا فَكَيْفَ يُجْعَلُ عِلَّةً؟ قُلْتُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ مَعَ وَصْفٍ يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِوَصْفٍ لَيْسَتْ صِلَةً لِلتَّعْلِيلِ بَلْ هِيَ بَاءُ الْمُصَاحَبَةِ وَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ.

[الثَّالِثُ تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ]
[الْأَوَّلُ وَالثَّانِي النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ]
(قَوْلُهُ الثَّالِثُ) لَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَ الْوَصْفِ الْجَامِعِ عِلَّةَ حُكْمٍ خَبَرِيٍّ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، فَلَا بُدَّ فِي إثْبَاتِهِ مِنْ دَلِيلٍ وَلَهُ مَسَالِكُ صَحِيحَةٌ، وَمَسَالِكُ يُتَوَهَّمُ صِحَّتُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُمَا وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمَسَالِكُ الصَّحِيحَةُ ثَلَاثَةٌ: النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمُنَاسَبَةُ ثُمَّ النَّصُّ إمَّا صَرِيحٌ وَهُوَ مَا دَلَّ بِوَضْعِهِ وَإِمَّا إيمَاءٌ وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، فَالصَّرِيحُ لَهُ مَرَاتِبُ:
مِنْهَا مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلِّيَّةِ مِثْلُ الْعِلَّةِ كَذَا أَوْ لِأَجْلِ كَذَا أَوْ كَيْ يَكُونَ كَذَا، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِيهِ حَرْفٌ ظَاهِرٌ فِي التَّعْلِيلِ مِثْلُ لِكَذَا أَوْ بِكَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَا فَإِنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ قَدْ تَجِيءُ لِغَيْرِ الْعِلِّيَّةِ كَلَامِ الْعَاقِبَةِ وَ " بَاءِ " الْمُصَاحَبَةِ وَ " إنْ " الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي مُجَرَّدِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِصْحَابِ، وَمِنْهَا مَا دَخَلَ فِيهِ الْفَاءُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ إمَّا فِي الْوَصْفِ مِثْلُ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا» وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ نَحْوَ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّرْتِيبِ وَالْبَاعِثُ مُقَدَّمٌ فِي التَّعَقُّلِ مُتَأَخِّرٌ فِي الْخَارِجِ فَيَجُوزُ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُلَاحَظَةً لِلِاعْتِبَارَيْنِ، وَهَذَا دُونَ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْعِلِّيَّةِ اسْتِدْلَالِيَّةٌ،
(2/136)

بِبَدَلِ الْكِتَابِ وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُ سَيِّدِهِ (فَنَقُولُ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ جَهَالَةُ الْمُسْتَحِقِّ لَا كَوْنُهُ عَبْدًا. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِوَصْفٍ يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ كَقَوْلِهِ مُكَاتَبٌ فَلَا يَصِحُّ التَّكْفِيرُ بِإِعْتَاقِهِ كَمَا إذَا أَدَّى بَعْضَ الْبَدَلِ فَنَقُولُ أَدَاءُ بَعْضِ الْبَدَلِ عِوَضٌ مَانِعٌ) .

(الثَّالِثُ: تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ أَوَّلُهَا النَّصُّ إمَّا صَرِيحًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً} [الحشر: 7] يُقَالُ صَارَ الْفَيْءُ دُولَةً بَيْنَهُمْ يَتَدَاوَلُونَهُ بِأَنْ يَكُونَ مَرَّةً لِهَذَا وَمَرَّةً لِذَلِكَ
(وقَوْله تَعَالَى {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] وقَوْله تَعَالَى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 159] وَغَيْرِهَا مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْلِيلِ أَوْ إيمَاءً بِأَنْ يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ بِالْفَاءِ فِي أَيِّهِمَا كَانَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ) لِأَنَّ الْفَاءَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِلتَّعْلِيلِ فَصَارَ كَاللَّامِ فَمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ يُحْشَرُ
(وَكَذَا فِي لَفْظِ الرَّاوِي نَحْوُ «زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ» أَوْ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُشْتَقِّ نَحْوُ: أَكْرِمْ الْعَالِمَ أَوْ يَقَعُ جَوَابًا نَحْوُ: «وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» أَوْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لَمْ يُفِدْ نَحْوُ: «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ» وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ) إذْ كَلِمَةُ إنَّ إذَا وَقَعَتْ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ تَكُونُ لِتَعْلِيلِ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إنَّ فِي مِثْلِ هَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَمِنْهَا مَا دَخَلَ فِيهِ الْفَاءُ فِي لَفْظِ الرَّاوِي مِثْلَ سَهَا فَسَجَدَ وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ وَهَذَا دُونَ مَا قَبْلَهُ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْفِي الظُّهُورَ، وَأَمَّا الْإِيمَاءُ فَهُوَ أَنْ يُقْرَنُ بِالْحُكْمِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ أَوْ نَظِيرُهُ التَّعْلِيلَ لَكَانَ بَعِيدًا فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيلِ دَفْعًا لِلِاسْتِبْعَادِ كَمَا فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ فَإِنَّ غَرَضَهُ مِنْ ذِكْرِ الْمُوَاقَعَةِ بَيَانُ حُكْمِهَا وَذِكْرُ الْحُكْمِ جَوَابٌ لَهُ لِيَحْصُلَ غَرَضُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ إخْلَاءُ السُّؤَالِ عَنْ الْجَوَابِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَيَكُونَ السُّؤَالُ مُقَدَّرًا فِي الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قَالَ وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْوِقَاعَ عِلَّةٌ لِلْإِعْتَاقِ إلَّا أَنَّ الْفَاءَ لَيْسَتْ مُحَقَّقَةً لِيَكُونَ صَرِيحًا بَلْ مُقَدَّرَةً فَيَكُونُ إيمَاءً مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ قَصْدِ الْجَوَابِ كَمَا يُقَالُ الْعَبْدُ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَيَقُولُ السَّيِّدُ اسْقِنِي مَاءً وَكَحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ فَإِنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَكَرَ نَظِيرَهُ وَهُوَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ فَنَبَّهَ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً لِلنَّفْعِ وَإِلَّا لَزِمَ الْعَبَثُ.
وَالْإِيمَاءُ لَهُ أَيْضًا مَرَاتِبُ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَإِنَّهُ يُحْشَرُ مُلَبِّيًا» مِنْ قَبِيلِ التَّصْرِيحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دُونَ الْإِيمَاءِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَحْصُولِ، وَأَمَّا كَلِمَةُ إنَّ بِدُونِ الْفَاءِ مِثْلُ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ» فَالْمَذْكُورُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الصَّرِيحِ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ أَنَّهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِعِ تَقَعُ مَوْقِعَ الْفَاءِ وَتُغْنِي غِنَاءَهَا وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْإِيمَاءِ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِلتَّعْلِيلِ
(2/137)

الْكَلَامِ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ لِأَنَّ وَالْحَذْفُ غَيْرُ الْإِيمَاءِ
(وَنَحْوُ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» الْحَدِيثَ أَوْ يُفَرَّقُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَسَبِ وَصْفٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا نَحْوُ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ) فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ
(بِحَسَبِ وَصْفِ الْفُرُوسِيَّةِ وَضِدِّهَا) فَقَوْلُهُ مَعَ ذِكْرِهِمَا إمَّا أَنْ يُرْجِعَ الضَّمِيرَ إلَى الْحُكْمَيْنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْحُكْمِ فَفُهِمَ الْحُكْمَانِ فَيَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْهِمَا أَوْ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَى الشَّيْئَيْنِ
(أَوْ ذَكَرَ أَحَدَهُمَا) أَيْ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ أَوْ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ
(نَحْوُ: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» ) فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْقَاتِلِ بِالْمَنْعِ مِنْ الْإِرْثِ مَعَ سَابِقَةِ الْإِرْثِ يُشْعِرُ بِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ الْقَتْلُ
(أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ: {إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] وَالْعَفْوُ يَكُونُ عِلَّةً لِسُقُوطِ الْمَفْرُوضِ
(أَوْ بِطَرِيقِ الْغَايَةِ نَحْوُ: حَتَّى يَطْهُرْنَ أَوْ بِطَرِيقِ الشَّرْطِ نَحْوُ: «مِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» ) فَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ يَكُونُ عِلَّةً لِجَوَازِ الْبَيْعِ
(وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إنْ سُلِّمَ الْعِلِّيَّةُ) إنَّمَا قَالَ إنْ سُلِّمَ الْعِلِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ نَحْوُ: وَاقَعْتُ امْرَأَتِي لِأَنَّهُ وَإِنْ نَسَبَ الْحُكْمَ إلَى الْمُوَاقَعَةِ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ شَيْئًا يَشْمَلُ عِلِّيَّةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِعِ لِتَقْوِيَةِ الْجُمْلَةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْمُخَاطَبُ وَيَتَرَدَّدُ فِيهَا وَيَسْأَلُ عَنْهَا، وَدَلَالَةُ الْجَوَابِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ إيمَاءٌ لَا صَرِيحٌ وَبِالْجُمْلَةِ كَلِمَةُ إنَّ مَعَ الْفَاءِ أَوْ بِدُونِهَا قَدْ تُورَدُ فِي أَمْثِلَةِ الصَّرِيحِ، وَقَدْ تُورَدُ فِي أَمْثِلَةِ الْإِيمَاءِ وَيُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وَالْفَاءَ وَإِيمَاءٌ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَعْلِيلِهِ أَنَّ مِنْ احْتِمَالِ كَوْنِهَا عَلَى حَذْفِ اللَّامِ فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي أَنَّ بِالْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) فِيهِ سُوءُ تَرْتِيبٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الْمَنْعَ ثُمَّ يَتَكَلَّمَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ ثُمَّ الْمُتَمَسِّكُونَ بِمَسْلَكِ الْإِيمَاءِ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ قَطْعًا حَتَّى يَكُونَ احْتِمَالُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ شَيْئًا آخَرَ فَادِحًا فِي كَلَامِهِمْ بَلْ يَدَّعُونَ فِيهِ الظَّنَّ وَظُهُورَ الْعِلِّيَّةِ دَفْعًا لِلِاسْتِبْعَادِ، وَالْغَايَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَغَيْرُهُمَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ بِهَا الْقِيَاسُ فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا فِي الْمَنْصُوصَةِ أَيْ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا النَّصُّ صَرِيحًا أَوْ إيمَاءً مِثْلُ {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] «وَالْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» «وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» فَمَقْصُودُهُمْ بَيَانُ وُجُوهِ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ سَوَاءٌ أَمْكَنَ بِهَا الْقِيَاسُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ

[الثَّالِثُ الْمُنَاسَبَةُ]
(قَوْلُهُ وَثَالِثُهَا الْمُنَاسَبَةُ) وَهِيَ كَوْنُ الْوَصْفِ بِحَيْثُ يَكُونُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مُتَضَمِّنًا لَجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ مُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْعِ كَمَا يُقَالُ الصَّوْمُ شُرِعَ لِكَسْرِ الْقُوَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ فَإِنَّهُ نَفْعٌ بِحَسَبِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ ضَرَرًا بِحَسَبِ الطِّبِّ.
وَقَدْ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْقَوْمِ فِي بَحْثِ الْمُنَاسَبَةِ وَأَقْسَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلِلْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ تَعْلِيقٌ أَوْرَدَ فِيهِ غَايَةَ مَا أَدَّى إلَيْهِ نَظَرُهُ فَنَحْنُ نُورِدُهُ وَنَزِيدُ عَلَيْهِ نُبَذًا مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ يُطْلِعُك عَلَى اخْتِلَافِ كَلِمَتِهِمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَسَى أَنْ تَفُوزَ فِي أَثْنَائِهِ بِالْمُرَامِ، فَالْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَصِيرُ عِلَّةً بِمُجَرَّدِ الِاطِّرَادِ بَلْ لَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مَعْنًى يُعْقَلُ بِأَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْحُكْمِ ثُمَّ يَكُونَ مُعَدَّلًا بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ صَلَاحِهِ لِلشَّهَادَةِ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ثُمَّ اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِ بِالِاجْتِنَابِ عَنْ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ فَكَذَا لَا بُدَّ لِجَعْلِ الْوَصْفِ عِلَّةً مِنْ صَلَاحِهِ لِلْحُكْمِ بِوُجُوبِ الْمُلَاءَمَةِ وَمِنْ عَدَالَتِهِ بِوُجُودِ التَّأْثِيرِ فَالتَّعْلِيلُ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ مُلَائِمًا، وَبَعْدَ الْمُلَاءَمَةِ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا عِنْدَنَا وَمُخَيَّلًا عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْمُلَاءَمَةِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْعِلَلِ وَالتَّأْثِيرِ، أَوْ الْإِخَالَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ دُونَ الْجَوَازِ حَتَّى لَوْ عَمِلَ بِهَا قَبْلَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ نَفَذَ وَلَمْ يَنْفَسِخْ، وَمَعْنَى الْمُلَاءَمَةِ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُنَاسَبَةُ لِلْحُكْمِ بِأَنْ يَصِحَّ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ، وَلَا يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ كَإِضَافَةِ ثُبُوتِ الْفُرْقَةِ فِي إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إلَى إبَاءِ الْآخَرِ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ يُنَاسِبُهُ لَا إلَى وَصْفِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عُرِفَ عَاصِمًا لِلْحُقُوقِ لَا قَاطِعًا لَهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْمُلَاءَمَةُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ مِنْ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّلُونَ بِالْأَوْصَافِ الْمُلَائِمَةِ لِلْأَحْكَامِ لَا النَّائِيَةِ عَنْهَا فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَعْنَى الْمُلَاءَمَةِ هُوَ الْمُنَاسَبَةُ وَأَنَّهَا
(2/138)

الْمُوَاقَعَةِ كَهَتْكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ مَثَلًا
(لَكِنْ بَعْدَ تِلْكَ الْعِلَلِ لَا يُمْكِنُ بِهَا الْقِيَاسُ أَصْلًا نَحْوُ: السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ لِأَنَّ السَّرِقَةَ إنْ كَانَتْ عِلَّةً فَكُلَّمَا وُجِدَتْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْقَطْعِيُّ نَصَّا لَا قِيَاسًا، وَكَذَا فِي زَنَى مَاعِزٌ وَنَحْوُهُ فَاسْتَخْرَجَهُ وَأَيْضًا النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فِي " وَاقَعْتُ امْرَأَتِي " وَنَحْوِهَا لَا عَلَى كَوْنِهَا مَنَاطًا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَتَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ وَأَيْضًا الْغَايَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ وَثَانِيهَا الْإِجْمَاعُ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الصِّغَرَ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ) .

(وَثَالِثُهَا الْمُنَاسَبَةُ وَشَرْطُهَا الْمُلَاءَمَةُ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَفْقِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ وَيَكْفِي الْجِنْسُ الْبَعِيدُ هُنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ كَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ فَإِنَّ هَذَا مُرْسَلٌ لَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا) وَكَلِمَةُ هَذَا إشَارَةٌ إلَى كَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ
(لَكِنْ كُلَّمَا كَانَ الْجِنْسُ أَقْرَبَ كَانَ الْقِيَاسُ أَقْوَى) الِاسْتِدْرَاكُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ وَيَكْفِي الْجِنْسُ الْبَعِيدُ هُنَا
(وَالْمُلَائِمُ كَالصِّغَرِ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَجْزِ وَهَذَا يُوَافِقُ تَعْلِيلَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِطَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ بِالطَّوَافِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ) فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِي أَحَدِ الصُّورَتَيْنِ الْعَجْزُ وَفِي الْأُخْرَى الطَّوَافُ فَالْعِلَّتَانِ وَإِنْ اخْتَلَفَتَا لَكِنَّهُمَا مُنْدَرِجَتَانِ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الضَّرُورَةُ وَالْحُكْمُ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْوِلَايَةُ وَفِي الْأُخْرَى الطَّهَارَةُ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ لَكِنَّهُمَا مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ أَيْ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ فِي حَقِّ الرُّخَصِ
(وَكَمَا يُقَالُ قَلِيلُ النَّبِيذِ يَحْرُمُ كَقَلِيلِ الْخَمْرِ وَالْعِلَّةُ أَنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
تُقَابِلُ الطَّرْدَ أَعْنِي وُجُودَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ مُلَاءَمَةٍ أَوْ تَأْثِيرٍ أَوْ وُجُودِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ.
وَالْمَذْكُورُ فِي أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ هُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ بِحَيْثُ يَجْلِبُ لِلْإِنْسَانِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا وَهُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ عَلَى مِنْهَاجِ الْمَصَالِحِ بِحَيْثُ لَوْ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَيْهِ انْتَظَمَ كَالْإِسْكَارِ لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ بِخِلَافِ كَوْنِهَا مَائِعًا يَقْذِفُ بِالزَّبَدِ وَيُحْفَظُ فِي الدَّنِّ، وَأَنَّ مِنْ الْمُنَاسِبِ مُلَائِمًا وَغَيْرَ مُلَائِمٍ، فَخَلَطَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَلَامَ الْفَرِيقَيْنِ وَذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ مَا يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ كَحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالدِّينِ وَالنَّسَبِ وَالْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَالْمُلَاءَمَةُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا يُغَايِرُهَا وَيَكُونَ أَخَصَّ مِنْهَا، وَقَدْ فَسَّرَهَا الْقَوْمُ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عَلَى وَفْقِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَظَنَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ، فَالْمُرَادُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ أَخُصُّ مِنْ كَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ كَمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ مَثَلَا فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ مَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ وَكَذَا مِنْ مَصْلَحَةِ حِفْظِ الدِّينِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ أَخَصَّ مِنْ الْمُتَضَمِّنِ لِمَصْلَحَةٍ مَا؛ لِأَنَّ الْمُتَضَمِّنَ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ أَخَصُّ مِنْ الْمُتَضَمِّنِ لِمَصْلَحَةٍ مَا وَلَيْسَ بِمُلَائِمٍ، حَتَّى لَوْ قِيلَ شُرِعَ هَذَا الْحُكْمُ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ لَمْ يَصِحَّ؛؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ بِالْمُنَاسِبِ دُونَ الْمُلَائِمِ وَمُجَرَّدُ حِفْظِ النَّفْسِ قَدْ لَا يَكُونُ مَصْلَحَةً كَمَا فِي الْجِهَادِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ ثُمَّ الْجِنْسُ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَوْعِ الْوَصْفِ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ أَوْ أَكْثَرُ وَهَذَا مُتَصَاعِدٌ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْجِنْسَ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكُلِّ وَأَخَصُّ مِنْ الْمُتَضَمِّنِ لِحِفْظِ مَصْلَحَةِ النَّفْسِ مَثَلًا، وَكُلَّمَا كَانَ الْجِنْسُ أَقْرَبَ إلَى الْوَصْفِ أَيْ أَقَلَّ وَاسِطَةً وَأَشَدَّ خُصُوصِيَّةً كَانَ الْقِيَاسُ أَقْوَى وَبِالْقَبُولِ أَحْرَى لِكَوْنِهِ بِالتَّأْثِيرِ أَنْسَبَ وَإِلَى اعْتِبَار الشَّرْعِ أَقْرَبَ، قَالَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ: إنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ أَجْنَاسًا عَالِيَةً وَقَرِيبَةً وَمُتَوَسِّطَةً فَالْجِنْسُ الْعَالِي لِلْحُكْمِ الْخَاصِّ
(2/139)

وَالشَّرْعُ اعْتَبَرَ جِنْسَ هَذَا فِي الْخَلْوَةِ مَعَ الْجِمَاعِ وَكَذَا حَمْلُ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ) فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ إقَامَةَ السَّبَبِ الدَّاعِي مَقَامَ الْمَدْعُوّ إلَيْهِ فِي الْخَلْوَةِ مَعَ الْجِمَاعِ فَإِنَّ فِيهِ إقَامَةَ الدَّاعِي مَقَامَ الْمَدْعُوّ إلَيْهِ وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحْدُ الْمُفْتَرِينَ ثَمَانُونَ
(وَإِذَا وُجِدَتْ الْمُلَاءَمَةُ يَصِحُّ الْعَمَلُ وَلَا يَجِبُ عِنْدَنَا بَلْ يَجِبُ إذَا كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فَالْمُلَاءَمَةُ كَأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالتَّأْثِيرُ كَالْعَدَالَةِ وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمُلَائِمِ بِشَرْطِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ) وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِلْحُكْمِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ
(وَعِنْدَ الْبَعْضِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخَيَّلًا) أَيْ يَقَعُ فِي الْخَاطِرِ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
هُوَ الْحُكْمُ وَأَخَصُّ مِنْهُ الْوُجُوبُ مَثَلًا ثُمَّ الْعِبَادَةُ ثُمَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ الْمَكْتُوبَةُ، وَالْجِنْسُ الْعَالِي لِلْوَصْفِ الْخَاصِّ كَوْنُهُ وَصْفًا تُنَاطُ الْأَحْكَامُ بِهِ وَأَخَصُّ مِنْهُ الْمُنَاسِبُ ثُمَّ الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ ثُمَّ حِفْظُ النَّفْسِ وَهَكَذَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ الْوَصْفِ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ لِكَثْرَةِ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعُمُومِ فِي الْعُمُومِ، فَمَا كَانَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ بِالْجِنْسِ السَّافِلِ فَهُوَ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ، وَمَا كَانَ بِالْعَالِي فَهُوَ أَبْعَدُ وَمَا كَانَ الْمُتَوَسِّطُ بِالْمُتَوَسِّطِ فَمُتَوَسِّطٌ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ. ثُمَّ قَالَ: إنَّ مِنْ الْقِيَاسِ مُؤَثِّرًا تَكُونُ عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَوْ أَثَّرَ عَيْنُ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ فِي جِنْسِهِ أَوْ جِنْسُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَمِنْهُ مُلَائِمًا أَثَّرَ جِنْسُ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْمُرَادِ بِالْمُلَائِمِ كَأَنَّهُ يُنَاسِبُ هَذَا الِاصْطِلَاحَ لَوْلَا إطْلَاقُ الْجِنْسِ هَاهُنَا، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ مَا أَثَّرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ مُؤَثِّرًا وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ مُلَائِمًا وَقَالَ أَيْضًا: الْمُلَائِمُ مَا أَثَّرَ عَيْنُ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ كَمَا أَثَّرَ جِنْسُ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَالْمَذْكُورُ مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ شَارِحِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُلَائِمَ هُوَ الْمُنَاسِبُ الَّذِي لَمْ يَثْبُتُ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ بَلْ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ فَقَطْ وَمَعَ ذَلِكَ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارَ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَأَيْضًا الْمُلَائِمُ هُوَ الْمُرْسَلُ الَّذِي لَمْ يُعْلَمُ إلْغَاؤُهُ بَلْ عُلِمَ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُرْسَلِ مَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِإِجْمَاعٍ، وَلَا بِتَرَتُّبِ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبَارُ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ فِيمَا لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا أَصْلًا؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا تَهَافُتٌ؟ قُلْتُ: مَعْنَى الِاعْتِبَارِ شَرْعًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عَيْن الْحُكْمِ وَعَلَى هَذَا لَا إشْكَالَ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْفَرِيقَيْنِ مَا يُوَافِقُ التَّفْسِيرَ الَّذِي ظَنَّهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَوْلَهُ وَالْمُلَائِمُ كَالصِّغَرِ) فِي ثُبُوتِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ جِنْسَ ذَلِكَ الْوَصْفِ وَهُوَ الضَّرُورَةُ فِي جِنْسِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ
(2/140)

عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ
(وَهَذَا يُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ) أَيْ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُعْرَفُ عِلِّيَّتُهَا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخَيَّلًا تُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ
(وَتُقْبَلُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) أَيْ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُرْسَلَ نَوْعَانِ نَوْعٌ لَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا وَهُوَ الَّذِي اعْتَبَرَ الشَّرْعُ جِنْسَهُ الْأَبْعَدَ وَهُوَ كَوْنُهُ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَنَوْعٌ يُقْبَلُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ الْبَعِيدَ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ الْأَبْعَدِ
(إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً كَتَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ) فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ الْجِنْسَ الْقَرِيبَ لِهَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الضَّرُورَةُ وَاعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمُلَائِمِ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْوَصْفِ أَخَصَّ مِنْ مُطْلَقِ الضَّرُورَةِ بَلْ مِنْ ضَرُورَةِ حِفْظِ النَّفْسِ وَنَحْوِهِ أَيْضًا فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَى تَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ عَنْ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ وَإِلَى تَطْهِيرِ الْعِرْضِ عَنْ النِّسْبَةِ إلَى الْفَاحِشَةِ بِالنِّكَاحِ، وَنَجَاسَةُ سُؤْرِ الطَّوَّافِينَ مَانِعٌ يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ تَطْهِيرِ الْعُضْوِ كَالصِّغَرِ عَنْ تَطْهِيرِ الْعِرْضِ، فَالْوَصْفُ الشَّامِلُ لِلصُّورَتَيْنِ دَفْعُ الْحَرَجِ الْمَانِعِ عَنْ التَّطْهِيرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، وَالْحُكْمُ الَّذِي هُوَ جِنْسٌ الطَّهَارَةِ وَالْوِلَايَةِ هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ الْحَرَجُ الْمَذْكُورُ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ) يَعْنِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْمُلَائِمِ فِرْقَتَانِ فِرْقَةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْمُلَائِمِ بِشَرْطِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ بِمَعْنَى أَنْ يُقَابَلَ بِقَوَانِينِ الشَّرْعِ فَيُطَابِقَهَا سَالِمًا عَنْ الْمُنَاقَضَةِ أَعْنِي إبْطَالَ نَفْسِهِ بِأَثَرٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ إيرَادِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْ الْوَصْفِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَعَنْ الْمُعَارَضَةِ أَعْنِي إيرَادَ وَصْفٍ يُوجِبُ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْسِ الْوَصْفِ كَمَا يُقَالُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي نَفْسِ ذُكُورِ الْخَيْلِ فَلَا تَجِبُ فِي إنَاثِهَا بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَأَدْنَى مَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَصْلَانِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، وَالْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ تَزْكِيَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْعَرْضِ عَلَى الْمُزَكِّينَ وَأَمَّا الْعَرْضُ عَلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَسَّرَ شَهَادَةَ الْأَصْلِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْحُكْمِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ، وَفِرْقَةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْمُلَائِمِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخَيَّلًا أَيْ مَوْقِعًا فِي الْقَلْبِ خَيَالَ الْعِلِّيَّةِ وَالصِّحَّةِ وَالْأَوْصَافِ الَّتِي تُعْرَفُ عِلِّيَّتُهَا بِمُجَرَّدِ الْإِخَالَةِ تُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ.
وَالْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ هُوَ الْمُخَيَّلُ وَمَعْنَاهُ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُكْمِ مِنْ ذَاتِ الْأَصْلِ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِغَيْرِهِ ثُمَّ قَالُوا وَالْمُنَاسِبُ يَنْقَسِمُ إلَى مُؤَثِّرٍ وَمُلَائِمٍ وَغَرِيبٍ وَمُرْسَلٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُعْتَبَرٌ شَرْعًا أَوْ لَا أَمَّا الْمُعْتَبَرُ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ أَوْ لَا بَلْ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ فَقَطْ فَذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَثْبُتَ
(2/141)

الْوَصْفِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ لِهَذَا الْحُكْمِ إذْ لَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرْعِ إبَاحَةُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَكِنْ وُجِدَ اعْتِبَارُ الضَّرُورَةِ فِي الرُّخَصِ فِي اسْتِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَيَّدَ الْمَصْلَحَةَ بِكَوْنِهَا ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً كَمَا لَوْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِجَمْعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَعْلَمُ أَنَّا لَوْ تَرَكْنَاهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلُوهُمْ وَلَوْ رَمَيْنَا التُّرْسَ يَخْلُصُ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً؛ لِأَنَّ صِيَانَةَ الدِّينِ وَصِيَانَةَ نُفُوسِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ دَاعِيَةٌ إلَى جَوَازِ الرَّمْيِ إلَى التُّرْسِ وَتَكُونُ قَطْعِيَّةً؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَصْلَحَةِ وَهِيَ صِيَانَةُ الدِّينِ وَنُفُوسِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِرَمْيِ التُّرْسِ تَكُونُ قَطْعِيَّةً لَا ظَنِّيَّةً كَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ فِي رُخَصِ السَّفَرِ فَإِنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ وَتَكُونُ كُلِّيَّةً؛ لِأَنَّ اسْتِخْلَاصَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ كُلِّيَّةٌ فَخَرَجَ بِقَيْدِ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ تَتَرَّسَ الْكَافِرُونَ فِي قَلْعَةٍ بِمُسْلِمٍ لَا يَحِلُّ رَمْيُ التُّرْسِ وَبِالْقَطْعِيَّةِ مَا لَمْ نَعْلَمْ تَسَلُّطَهُمْ إنْ تَرَكْنَا رَمْيَ التُّرْسِ وَبِالْكُلِّيَّةِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَصْلَحَةُ كُلِّيَّةً كَمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ اعْتِبَارُ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَاعْتِبَارُ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ لَا، فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ الْمُلَائِمُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَهُوَ الْغَرِيبُ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعْتَبَرِ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِإِجْمَاعٍ، وَلَا بِتَرَتُّبِ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ فَهُوَ الْمُرْسَلُ، وَيَنْقَسِمُ إلَى مَا عُلِمَ إلْغَاؤُهُ وَإِلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ إلْغَاؤُهُ، وَالثَّانِي يَنْقَسِمُ إلَى مُلَائِمٍ قَدْ عُلِمَ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ فِي جِنْسِهِ وَإِلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ الْغَرِيبُ فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا أَوْ عُلِمَ إلْغَاؤُهُ فَمَرْدُودٌ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ مُلَائِمًا فَقَدْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِقَبُولِهِ وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ فِي قَبُولِهِ شُرُوطًا ثَلَاثَةً أَنْ تَكُونَ ضَرُورِيَّةً لَا حَاجِيَّةً وَقَطْعِيَّةً لَا ظَنِّيَّةً وَكُلِّيَّةً لَا جُزْئِيَّةً أَيْ مُخْتَصَّةً بِشَخْصٍ، فَفَتْحُ الْقَلْعَةِ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَخَوْفُ الِاسْتِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لَا يُجَوِّزُ الرَّمْيَ لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا، وَإِلْقَاءُ بَعْضِ أَهْلِ السَّفِينَةِ لِنَجَاةِ الْبَعْضِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ جُزْئِيَّةٌ فَالْمُلَائِمُ كَعَيْنِ الصِّغَرِ الْمُعْتَبَرِ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ إجْمَاعًا وَكَجِنْسِ الْحَرَجِ الْمُعْتَبَرِ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ وَكَجِنْسِ الْجِنَايَةِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ الْمُعْتَبَرُ فِي جِنْسِ الْقِصَاصِ وَالْغَرِيبُ كَمَا يُعَارَضُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِ الْفَارِّ فَيُحْكَمُ بِإِرْثِ زَوْجَتِهِ قِيَاسًا عَلَى الْقَاتِلِ حَيْثُ عُورِضَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ الْإِرْثِ فَحُكِمَ بِعَدَمِ إرْثِهِ، فَهَذَا لَهُ وَجْهُ مُنَاسَبَةٍ.
وَفِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ هِيَ نَهْيُهُ عَنْ الْفِعْلِ الْحَرَامِ لَكِنْ لَمْ يُشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ بِالِاعْتِبَارِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَمَا عُلِمَ إلْغَاؤُهُ كَتَعْيِينِ إيجَابِ الصَّوْمِ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ كَالْمَلِكِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الزَّجْرِ لَكِنْ عُلِمَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ. قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْمَصَالِحِ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ وَهِيَ أَصْلٌ فِي الْقِيَاسِ وَحُجَّةٌ، وَمِنْهَا مَا شُهِدَ بِبُطْلَانِهِ كَتَعْيِينِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْمَلِكِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَمِنْهَا مَا لَمْ يُشْهَدْ لَهُ لَا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا بِالْإِبْطَالِ وَهَذَا فِي مَحَلِّ
(2/142)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
النَّظَرِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ، وَكُلُّ مَا يُقَوِّيهَا فَهِيَ مَصْلَحَةٌ وَدَفْعُهَا مَفْسَدَةٌ وَإِذَا أَطْلَقْنَا الْمَعْنَى الْمُخَيَّلَ أَوْ الْمُنَاسِبَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ أَرَدْنَا بِهِ هَذَا الْجِنْسَ وَالْمَصَالِحُ الْحَاجِيَّةُ أَوْ التَّحْسِينِيَّةُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهَا مَا لَمْ تُعَضَّدْ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ وَإِذَا اعْتَضَدَ بِأَصْلٍ فَهُوَ قِيَاسٌ، وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا رَأْيُ مُجْتَهِدٍ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ التَّتَرُّسِ فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا بِأَدِلَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْحَصْرِ أَنَّ تَقْلِيلَ الْقَتْلِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ كَمَنْعِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لَكِنَّ قَتْلَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ غَرِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، وَنَحْنُ إنَّمَا نُجَوِّزُهُ عِنْدَ الْقَطْعِ أَوْ ظَنٍّ قَرِيبٍ مِنْ الْقَطْعِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ نُخَصِّصُ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِمَا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الشَّرْعَ يُؤْثِرُ الْحُكْمَ الْكُلِّيَّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَأَنَّ حِفْظَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَهَمُّ مِنْ حِفْظِ دَمِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ وَهَذَا وَإِنْ سَمَّيْنَاهُ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً لَكِنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ الْمَصْلَحَةِ إلَى حِفْظِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ الْمَعْلُومَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي عُرِفَتْ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لَا حَصْرَ لَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَتَفَارِيقِ الْأَمَارَاتِ سَمَّيْنَاهُ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً لَا قِيَاسًا؛ إذْ الْقِيَاسُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ وَقَالَ بَعْدَ مَا قَسَّمَ الْمُنَاسِبَ إلَى مُؤَثِّرٍ وَمُلَائِمٍ وَغَرِيبٍ إنَّ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
مُلَائِمٌ يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فَيُقْبَلُ قَطْعًا، وَمُنَاسِبٌ لَا يُلَائِمُ وَلَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فَلَا يُقْبَلُ قَطْعًا كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ لَوْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ مُعَارِضٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَمُنَاسِبٌ يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ لَكِنْ لَا يُلَائِمُ فَهُوَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَمُلَائِمٌ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ الِاسْتِدْلَال الْمُرْسَلُ وَهُوَ أَيْضًا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ وُجِدَ اعْتِبَارُ الضَّرُورَةِ فِي الرُّخَصِ وَفِي اسْتِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ) أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضَ السَّابِقَ وَهُوَ أَنَّ هَذَا اعْتِبَارٌ لِلْجِنْسِ الْأَبْعَدِ وَهُوَ
(2/143)

إذَا كَانَتْ جَمَاعَةٌ فِي سَفِينَةٍ وَثَقُلَتْ السَّفِينَةُ فَإِنْ طَرَحْنَا الْبَعْضَ فِي الْبَحْرِ نَجَا الْبَاقُونَ لَا يَجُوزُ طَرْحُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ غَيْرُ كُلِّيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ الطَّرْحِ لَا تَهْلِكُ إلَّا جَمَاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَفِي التَّتَرُّسِ لَوْ تَرَكْنَا الرَّمْيَ لَقَتَلُوا كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْأُسَارَى
(وَالتَّأْثِيرُ عِنْدَنَا أَنْ يَثْبُتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ نَوْعِهِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِهِ أَوْ جِنْسِهِ) أَيْ نَوْعَ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ
(فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ) (وَالْمُرَادُ بِالْجِنْسِ هُنَا الْجِنْسُ الْقَرِيبُ كَالسُّكْرِ فِي الْحُرْمَةِ) هَذَا نَظِيرُ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ
(وَكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ» الْحَدِيثَ هَذَا نَظِيرُ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ) (فَإِنَّ لِلْجِنْسِ وَهُوَ عَدَمُ دُخُولِ شَيْءٍ اعْتِبَارًا فِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ وَكَقِيَاسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/144)

الْوِلَايَةِ عَلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَعَلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ بِالصِّغَرِ) هَذَا نَظِيرُ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ
(وَلِنَوْعِهِ اعْتِبَارٌ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ لِثُبُوتِهَا فِي الْمَالِ عَلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَكَطَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ) نَظِيرُ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ
(فَإِنَّ لِجِنْسِ الضَّرُورَةِ اعْتِبَارًا فِي جِنْسِ التَّخْفِيفِ وَقَدْ يَتَرَكَّبُ بَعْضُ الْأَرْبَعَةِ مَعَ بَعْضٍ فَاسْتَخْرَجَهُ) كَالصِّغَرِ مَثَلًا فَإِنَّ لِنَوْعِهِ اعْتِبَارًا فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ وَلِجِنْسِهِ اعْتِبَارًا فِي جِنْسِهَا فَإِنَّ جِنْسَهُ الْعَجْزُ وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ عَلَى الْعَاجِزِ كَالْمَجْنُونِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
غَيْرُ كَافٍ فِي الْمُلَاءَمَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ حُصُولَ النَّفْعِ الْكَثِيرِ فِي تَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ وَجَمِيعُ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَالتَّأْثِيرُ عِنْدَنَا) إنَّمَا قَالَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمُؤَثِّرُ مَقْبُولٌ بِاتِّفَاقِ الْقَايِسِينَ، وَقَصَرَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ أَوْرَدَ لِلْمُؤَثِّرِ أَمْثِلَةً عَرَّفَ بِهَا أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُلَائِمِ لَكِنَّهُ سَمَّاهُ أَيْضًا مُؤَثِّرًا فَالْقِيَاسُ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ عَيْنِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِهَا وَعَيْنِ الْحُكْمِ وَجِنْسِهِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ الَّذِي رُبَّمَا يُقِرُّ بِهِ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ إذْ لَا فَرْقَ إلَّا بِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ.
الثَّانِي أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ.
الثَّالِثُ أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ فِي عَيْنِهِ وَهُوَ الَّذِي خَصَّصْنَاهُ بِاسْمِ الْمُلَائِمِ وَخَصَّصْنَا اسْمَ الْمُؤَثِّرِ بِمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ عَيْنِهِ.
الرَّابِعُ أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ وَهُوَ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ الْمُنَاسِبَ الْغَرِيبَ ثُمَّ لِلْجِنْسِيَّةِ مَرَاتِبُ عُمُومًا وَخُصُوصًا فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ الظَّنِّ وَالْأَعْلَى مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَسْفَلِ وَالْأَقْرَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبْعَدِ فِي الْجِنْسِيَّةِ فَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ مِنْ كَلَامِهِمْ تَفْسِيرَ الْمُؤَثِّرِ وَقَيَّدَ الْجِنْسَ بِالْقَرِيبِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ الْمُلَائِمِ عَلَى مَا سَبَقَ وَأَوْرَدَ بَدَلَ الْعَيْنِ النَّوْعَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْوَصْفُ، وَالْحُكْمُ مَعَ خُصُوصِيَّةِ الْمَحَلِّ كَالسُّكْرِ الْمَخْصُوصِ بِالْخَمْرِ وَالْحُرْمَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِهَا فَيُوهِمُ أَنَّ لِلْخُصُوصِيَّةِ مَدْخَلًا فِي الْعِلِّيَّةِ فَالْمُرَادُ بِالْوَصْفِ الْوَصْفُ الَّذِي يُجْعَلُ عِلَّةً لَا مُطْلَقُ الْوَصْفِ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بِالْقِيَاسِ لَا مُطْلَقُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ وَالْأَحْكَامِ حَتَّى الْأَجْنَاسِ أَنْوَاعُ لِمُطْلَقِ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ فَلَا يَبْقَى فَرْقٌ بَيْنَ عِلِّيَّةِ السُّكْرِ لِلْحُرْمَةِ وَعِلِّيَّةِ الضَّرُورَةِ لِلتَّخْفِيفِ فَإِضَافَةُ النَّوْعِ إلَى الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ النَّوْعَ الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ أَوْ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ فَهُوَ نَوْعٌ لِمُطْلَقِ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ، وَقَدْ بَيَّنَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْوَصْفِ الْمَخْصُوصِ وَالْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ احْتِرَازًا عَنْ الْأَنْوَاعِ الْعَالِيَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي وَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِلَفْظِ الْجِنْسِ، وَأَمَّا إضَافَةُ الْجِنْسِ إلَى الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ فَهِيَ بِمَعْنَى اللَّامِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا
(2/145)

مَثَلًا وَقِسْ عَلَيْهِ الْبَوَاقِيَ وَالْمُرَكَّبُ يَنْقَسِمُ بِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ أَحَدَ عَشَرَ قِسْمًا وَاحِدٌ مِنْهَا مُرَكَّبٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَسِتَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ اثْنَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
الْوَصْفُ الْمُعَيَّنُ وَالْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ كَمَا فِي حَالَةِ إضَافَةِ النَّوْعِ، وَالْمُرَادِ بِالْجِنْسِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ أَوْ الْحُكْمِ مَثَلًا عَجَزَ الْإِنْسَانُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَصْفٌ هُوَ عِلَّةٌ لِحُكْمٍ فِيهِ تَخْفِيفٌ لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْحَرَجِ وَالضَّرَرِ فَعَجْزُ الصَّبِيِّ الْغَيْرِ الْعَاقِلِ نَوْعٌ وَعَجْزُ الْمَجْنُونِ نَوْعٌ آخَرُ، وَجِنْسُهُمَا الْعَجْزُ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ، وَفَوْقَهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ بِسَبَبِ ضَعْفِ الْقُوَيّ أَعَمُّ مِنْ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَرِيضَ، وَفَوْقَهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ النَّاشِئُ مِنْ الْفَاعِلِ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَحْبُوسَ، وَفَوْقَهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ النَّاشِئُ مِنْ الْفَاعِلِ عَلَى مَا يَشْمَلْ الْمُسَافِرَ أَيْضًا، وَفَوْقَهُ مُطْلَقُ الْعَجْزِ الشَّامِلُ لِمَا يَنْشَأُ عَنْ الْفَاعِلِ وَعَنْ مَحَلِّ الْفِعْلِ وَعَنْ الْخَارِجِ وَهَكَذَا فِي جَانِبِ الْحُكْمِ فَلْيُعْتَبَرْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ وَالْأَحْكَامِ وَإِلَّا فَتَحْقِيقُ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ بِأَقْسَامِهَا مِمَّا يَعْسُرُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ فَضْلًا عَنْ الِاعْتِبَارِيَّات، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ عِلِّيَّةُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْوَصْفِ لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْحُكْمِ كَالْعَجْزِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ لِسُقُوطِ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ أَوْ عِلِّيَّةِ جِنْسِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِنَوْعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَعَدَمِ دُخُولِ شَيْءٍ فِي الْجَوْفِ لِعَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ أَوْ عِلِّيَّةِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْوَصْفِ لِجِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَمَا فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ فَإِنَّ الْعَجْزَ بِوَاسِطَةِ عَدَمِ الْعَقْلِ مُؤَثِّرٌ فِي سُقُوطِ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَهُوَ جِنْسٌ لِسُقُوطِ الزَّكَاةِ أَوْ عِلِّيَّةِ جِنْس الْوَصْفِ لِجِنْسِ الْحُكْمِ كَمَا فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْ الصَّبِيِّ بِتَأْثِيرِ الْعَجْزِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ فِي سُقُوطِ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ، وَأَمَّا أَمْثِلَةُ الْمَتْنِ فَفِي بَعْضِهَا نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ السُّكْرَ وَالصِّغَرَ مِنْ قَبِيلِ الْمُرَكَّبِ، وَلِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا الْجِنْسُ الْقَرِيبُ وَالضَّرُورَةُ لِلطَّوَافِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ بِمُلَائِمٍ فَضْلًا عَنْ الْمُؤَثِّرِ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ يَتَرَكَّبُ بَعْضُ الْأَرْبَعَةِ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ أَقْسَامَ الْمُفْرَدِ أَرْبَعَةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ الِاثْنَيْنِ فِي الِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي جَانِبِ الْوَصْفِ هُوَ النَّوْعُ أَوْ الْجِنْسُ، وَكَذَا فِي جَانِبِ الْحُكْمِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ انْحِصَارُ الْمُرَكَّبِ فِي أَحَدَ عَشْرَ؛ لِأَنَّ التَّرْكِيبَ إمَّا ثُنَائِيٌّ أَوْ ثُلَاثِيٌّ أَوْ رُبَاعِيٌّ أَمَّا الرُّبَاعِيُّ فَوَاحِدٌ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا الثُّلَاثِيُّ فَأَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ ثُلَاثِيًّا بِنُقْصَانِ وَاحِدٍ مِنْ الرُّبَاعِيِّ وَذَلِكَ الْوَاحِدُ إمَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارَ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ أَوْ فِي الْجِنْسِ أَوْ اعْتِبَارَ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ أَوْ فِي الْجِنْسِ، وَأَمَّا الثُّنَائِيُّ فَسِتَّةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِلْأَفْرَادِ وَيَتَرَكَّبُ مَعَ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَيَصِيرُ اثْنَا عَشَرَ حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ الْأَرْبَعَةِ فِي الثَّلَاثَةِ فَيَسْقُطُ سِتَّةٌ بِمُوجِبِ التَّكْرَارِ، أَوْ نَقُولُ
(2/146)

أَرْبَعَةٍ أَقْوَى الْجَمِيعِ ثُمَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ الْمُرَكَّبُ مِنْ اثْنَيْنِ ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ مُرَكَّبًا
(قَدْ سَمَّى الْبَعْضُ أَوَّلَ الْأَرْبَعَةِ غَرِيبًا وَالثَّلَاثَةُ مُلَائِمَةٌ ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ وَيُسَمَّى شَهَادَةَ الْأَصْلِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أُولَى الْأَرْبَعَةِ مُطْلَقًا) أَيْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ أَعَمُّ مِنْ اعْتِبَارِ نَوْعِ الْوَصْفِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ وَمِنْ اعْتِبَارِ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ اعْتِبَارُ نَوْعِ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التلويح]
اعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ إمَّا أَنْ يَتَرَكَّبَ مَعَ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ أَوْ مَعَ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ أَوْ مَعَ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ ثُمَّ اعْتِبَارُ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ إمَّا أَنْ يَتَرَكَّبَ مَعَ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ أَوْ مَعَ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ ثُمَّ اعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ يَتَرَكَّبُ مَعَ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ فَإِنْ قُلْت اعْتِبَارُ النَّوْعِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ الْجِنْسِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِلنَّوْعِ بِدُونِ الْجِنْسِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِفْرَادُ إلَّا فِي اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ فَيَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ الرُّبَاعِيَّ أَلْبَتَّةَ، وَاعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي الْجِنْسُ أَوْ عَكْسِهِ يَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ الثُّنَائِيَّ. قُلْتُ الْمُرَادُ الِاعْتِبَارُ قَصْدًا لَا ضِمْنًا حَتَّى إنَّ الرُّبَاعِيَّ مَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ الْأَرْبَعَةِ مَقْصُودًا عَلَى حِدَةٍ فَالْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ كَالسُّكْرِ فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُرْمَةِ، وَكَذَا جِنْسُهُ الَّذِي هُوَ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُرْمَةِ ثُمَّ السُّكْرُ يُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الزَّاجِرِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أُخْرَوِيًّا كَالْحُرْمَةِ أَوْ دُنْيَوِيًّا كَالْحَدِّ ثُمَّ لَمَّا كَانَ السُّكْرُ مَظِنَّةً لِلْقَذْفِ صَارَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ مُؤَثِّرًا فِي وُجُوبِ الزَّاجِرِ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَالْمُرَكَّبُ مِمَّا سِوَى اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ كَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّ الْجِنْسَ وَهُوَ الْعَجْزُ الْحُكْمِيُّ بِحَسَبِ الْمَحَلِّ يَحْتَاجُ إلَيْهِ شَرْعًا مُؤَثِّرٌ فِي الْجِنْسِ أَيْ فِي سُقُوطِ الِاحْتِيَاجِ فِي النَّوْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] إقَامَةٌ لِأَحَدِ الْعَنَاصِرِ مَقَامَ الْآخَرِ فَإِنَّ التُّرَابَ مُطَهِّرٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بِحَسَبِ نَشَفِ النَّجَاسَاتِ وَأَيْضًا عَدَمُ وِجْدَانِ الْمَاءِ وَهُوَ النَّوْعُ مُؤَثِّرٌ فِي الْجِنْسِ وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ اسْتِعْمَالِهِ لَكِنَّ النَّوْعَ وَهُوَ خَوْفُ الْفَوْتِ لَا يُؤَثِّرُ فِي النَّوْعِ أَيْ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَيَمُّمٌ، وَالْمُرَكَّبُ مِمَّا سِوَى اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً يَحْتَاجُ إلَى شُرْبِهِ فَإِنَّ الْعَجْزَ الْحُكْمِيَّ بِحَسَبِ الْمَحَلِّ عَنْ اسْتِعْمَالِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ شَرْعًا مُؤَثِّرٌ فِي سُقُوطِ الِاحْتِيَاجِ فَهَذَا تَأْثِيرُ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ ثُمَّ النَّوْعُ مُؤَثِّرٌ فِي النَّوْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَأَيْضًا عَدَمُ وِجْدَانِ الْمَاءِ وَهُوَ النَّوْعُ مُؤَثِّرٌ فِي الْجِنْسِ أَيْ فِي عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ لَكِنَّ الْجِنْسَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي النَّوْعِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ الْمَذْكُورَ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ التَّيَمُّمُ وَالْمُرَكَّب مِمَّا سِوَى اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ كَالْحَيْضِ فِي حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ فَهَذَا تَأْثِيرُ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ، وَجِنْسُهُ وَهُوَ الْأَذَى عِلَّةٌ أَيْضًا لِحُرْمَةِ الْقُرْبَانِ وَلِجِنْسِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الِاعْتِزَالِ وَالْمُرَكَّبُ مِمَّا سِوَى اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ يُقَالُ الْحَيْضُ عِلَّةٌ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَهَذَا تَأْثِيرُ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ، وَأَيْضًا عِلَّةٌ لِلْجِنْسِ وَهُوَ حُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا
(2/147)

الْحُكْمِ فَقَدْ وُجِدَ لِلْحُكْمِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ فَقَدْ وُجِدَ اعْتِبَارُ نَوْعِ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ
(وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخِيرَيْ الْأَرْبَعَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ) أَيْ قَدْ يُوجَدُ شَهَادَةُ الْأَصْلِ بِدُونِ وَاحِدٍ مِنْ أَخِيرَيْ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنْ أَخِيرَيْ الْأَرْبَعَةِ بِدُونِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ وَقَدْ يُوجَدَانِ مَعًا (فَالتَّعْلِيلُ بِهِمَا بِدُونِ الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ وَيُسَمَّى عِنْدَ الْبَعْضِ تَعْلِيلًا لَا قِيَاسًا وَعِنْدَ الْبَعْضِ هُوَ قِيَاسٌ أَيْضًا وَإِذَا وُجِدَ شَهَادَةُ الْأَصْلِ بِدُونِ التَّأْثِيرِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَنَا وَيُسَمَّى غَرِيبًا أَيْضًا) اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِأَوْلَى الْ