Advertisement

شرح مختصر الروضة 002


الْأُصُولُ الْأُصُولُ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَاسْتِصْحَابُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ. وَمَصْدَرُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِذِ الْكِتَابُ قَوْلُهُ، وَالسُّنَّةُ بَيَانُهُ، وَالْإِجْمَاعُ دَالٌّ عَلَى النَّصِّ. وَمَدْرَكُهَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ لَا سَمَاعَ لَنَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا جِبْرِيلَ. وَاخْتُلِفَ فِي أُصُولٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا.
وَكِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَلَامُهُ الْمُنْزَلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَتَعْرِيفُهُ بِمَا نُقِلَ بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، دَوْرِيٌّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْكِتَابُ غَيْرُ الْقُرْآنِ. وَرُدَّ: بِحِكَايَةِ قَوْلِ الْجِنِّ: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا} ، {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا} وَالْمَسْمُوعُ وَاحِدٌ، وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ مُسَمَّى اللَّفْظَيْنِ.
وَالْكَلَامُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ وَالْمَعْنَى النَّفْسِيِّ، وَهُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ، وَعِنْدَنَا لَا اشْتِرَاكَ، وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَدِيمٌ، وَالْبَحْثُ فِيهِ كَلَامِيٌّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ «الْأُصُولُ» : قَدْ كُنَّا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ «الْمُخْتَصَرِ» أَنَّا نَتَكَلَّمُ عَلَى أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا أَصْلًا، بَعْدَ ذِكْرِ مُقْدِمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ، وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ بِفُصُولِهَا الْأَرْبَعَةِ ; فَوَجَبَ الْكَلَامُ عَلَى الْأُصُولِ كَمَا وَعَدْنَا.
قَوْلُهُ «الْكِتَابُ» : أَيِ الْأُصُولُ هِيَ: الْكِتَابُ «وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَاسْتِصْحَابُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ» . وَتَحْقِيقُ مَفْهُومَاتِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَاللَّامُ فِي الْأُصُولِ لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا مُنَكَّرَةً فِي قَوْلِنَا فِي أَوَّلِ «الْمُخْتَصَرِ» : فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا أَصْلًا أَصْلًا. أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: الْأُصُولُ الَّتِي وَعَدْنَا بِالْكَلَامِ عَلَيْهَا هِيَ هَذِهِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأُصُولَ هِيَ الْأَدِلَّةُ، وَأُصُولُ الْفِقْهِ أَدِلَّتُهُ
(2/5)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْعِيَّةُ، وَالدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ الَّذِي طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الشَّرْعُ.
وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ لَهُ تَقْسِيمًا أَنَا أَذْكُرُ مَعْنَاهُ: وَهُوَ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ ; إِمَّا أَنْ يَرِدَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ، أَوْ لَا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِنْ وَرَدَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ; فَهُوَ إِمَّا مِنْ قَبِيلِ مَا يُتْلَى: وَهُوَ الْكِتَابُ، أَوْ لَا: وَهُوَ السُّنَّةُ، وَإِنْ وَرَدَ لَا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ; فَإِمَّا أَنْ نَشْتَرِطَ فِيهِ عِصْمَةَ مَنْ صَدَرَ عَنْهُ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ، وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ حَمْلَ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ بِجَامِعٍ مُشْتَرِكٍ ; فَهُوَ الْقِيَاسُ، وَإِلَّا فَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ.
فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ - وَهِيَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ - نَقْلِيَّةٌ، وَالْآخَرَانِ مَعْنَوِيَّانِ، وَالنَّقْلِيُّ أَصْلٌ لِلْمَعْنَوِيِّ، وَالْكِتَابُ أَصْلٌ لِلْكُلِّ.
فَالْأَدِلَّةُ إِذًا خَمْسَةٌ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ، وَالِاسْتِدْلَالُ، وَعَرَّفَهُ الْآمِدِيُّ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ لَيْسَ بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ ضَعْفَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي التَّعْرِيفِ عِنْدَ تَعْرِيفِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِمِثْلِهَا، وَذَكَرْتُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْهَا عَلَى أَنْوَاعٍ:
مِنْهَا: وُجِدَ السَّبَبُ ; فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ.
وَمِنْهَا: وُجِدَ الْمَانِعُ ; فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ.
وَمِنْهَا: انْتَفَى الشَّرْطُ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ.
وَمِنْهَا: الْقِيَاسُ الْمَنْطِقِيُّ، وَهُوَ قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ، يَلْزَمُ مِنْ تَسْلِيمِهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ إِمَّا اقْتِرَانِيٌّ أَوِ اسْتِثْنَائِيٌّ، وَالِاسْتِثْنَائِيُّ مُتَّصِلٌ أَوْ مُنْفَصِلٌ،
(2/6)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمَوْضِعُ اسْتِقْصَائِهِ كُتُبُ الْمَنْطِقِ.
وَمِنْهَا: اسْتِصْحَابُ الْحَالِ.
قُلْتُ: وَالْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ دَاخِلَةٌ فِي الِاقْتِرَانِي، الَّذِي هُوَ أَحَدُ قِسْمَيِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ، إِذْ قَوْلُنَا: وُجِدَ السَّبَبُ أَوِ الْمَانِعُ، أَوِ انْتَفَى الشَّرْطُ، كُلُّهُ فِي تَقْدِيرِ تَرْكِيبٍ اقْتِرَانِيٍّ، نَحْوَ وُجِدَ السَّبَبُ، وَكُلَّمَا وُجِدَ السَّبَبُ، وُجِدَ الْحُكْمُ، فَيَلْزَمُ عَنْهُ: إِذَا وُجِدَ السَّبَبُ، وُجِدَ الْحُكْمُ، وَكَذَلِكَ وُجِدَ الْمَانِعُ، وَكُلَّمَا وُجِدَ الْمَانِعُ، انْتَفَى الْحُكْمُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ تَقْسِيمَ الدَّلِيلِ هَاهُنَا، لِمُنَاسَبَةِ شُرُوعِنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى أَدِلَّةِ الْفِقْهِ، وَأَيْضًا كُنْتُ قَدْ وَعَدْتُ عِنْدَ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ، وَتَعَرُّضِي هُنَاكَ بِلَفْظِ الِاسْتِدْلَالِ، أَنِّي أَذْكُرُ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ هُنَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَمَصْدَرُهَا اللَّهُ تَعَالَى» أَيْ: وَمَصْدَرُ هَذِهِ الْأُصُولِ كُلِّهَا هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَيْ: هُوَ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْهُ «إِذِ الْكِتَابُ» أَيْ: لِأَنَّ الْكِتَابَ، «قَوْلُهُ، وَالسُّنَّةَ بَيَانُهُ» ، أَيْ: بَيَانُ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] ، وَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى الْفَهْمِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي بَيَانِهِ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا اتَّفَقَ. وَقَدْ يَتَّجِهُ ذَلِكَ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجْمِ: 3 - 4] لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ «وَالْإِجْمَاعُ دَالٌّ عَلَى النَّصِّ» لِمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ ; إِمَّا نَصٌّ أَوْ قِيَاسُ نَصٍّ.
قَوْلُهُ: «وَمَدْرَكُهَا الرَّسُولُ» أَيْ: مَدْرَكُ هَذِهِ الْأُصُولِ، أَيْ: الطَّرِيقُ إِلَى إِدْرَاكِهَا.
(2/7)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمَدْرَكٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ ; لِأَنَّهُ اسْمُ مَكَانِ الْإِدْرَاكِ ; لِأَنَّهُ لَا سَمَاعَ لَنَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مِنْ جِبْرِيلَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشُّورَى: 51] ، فَلَمْ يَبْقَ لَنَا مَدْرَكٌ لِهَذِهِ الْأُصُولِ إِلَّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَالْكِتَابُ نَسْمَعُ مِنْهُ تَبْلِيغًا، وَالسُّنَّةُ تَصْدُرُ عَنْهُ تَبْيِينًا وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ مُسْتَنِدَانِ فِي إِثْبَاتِهِمَا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالِاسْتِدْلَالُ الْمَذْكُورُ آنِفًا دَاخِلٌ فِي حَدِّ الدَّلِيلِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا آنِفًا أَنَّ مَرْجِعَ هَذِهِ الْأُصُولِ كُلِّهَا إِلَى الْكِتَابِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ لَهُ، أَوْ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَاخْتُلِفَ فِي أُصُولٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، يَعْنِي أَنَّ الْأُصُولَ ضَرْبَانِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ، وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ، وَالِاسْتِدْلَالُ. وَمُخْتَلِفٌ فِيهِ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَا مُخَالِفَ لَهُ، وَالِاسْتِحْسَانُ، وَالِاسْتِصْلَاحُ، وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَبَعْدَهَا الْقِيَاسُ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهَا، لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلِفِ فِيهَا مُتَوَالِيًا، لَا يَتَخَلَّلُهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ قَدْ أَبَنْتُ عُذْرِي فِي ذَلِكَ أَوَّلَ الشَّرْحِ، وَهُوَ أَنِّي اخْتَصَرْتُ وَلَمْ أَسْتَقْصِ أَحْوَالَ التَّرْتِيبِ.

قَوْلُهُ: «وَكِتَابُ اللَّهِ كَلَامُهُ الْمُنَزَّلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ» . لَمَّا بَيَّنَ كَمِّيَّةَ الْأُصُولِ، أَخَذَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا أَوَّلَ أَوَّلَ، وَأَوَّلُهَا الْكِتَابُ ; فَبَدَأَ بِذِكْرِ حَدِّهِ الْكَاشِفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.
(2/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَقَوْلُهُ: «كَلَامُهُ» : هُوَ جِنْسٌ يَتَنَاوَلُ كُلَّ كَلَامٍ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَرَبِيًّا كَالْقُرْآنِ، أَوْ أَعْجَمِيًّا كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهَا مِنْ صُحُفِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا نَزَلَ لِلْإِعْجَابِ أَوْ لِغَيْرِهِ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَإِنَّ جِبْرِيلَ يَأْتِينِي بِالسُّنَّةِ كَمَا يَأْتِينِي بِالْقُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ: «الْمُنَزَّلُ» : يُحْتَرَزُ بِهِ مِمَّنْ يُثْبِتُ كَلَامَ النَّفْسِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّنْزِيلُ عِنْدَهُ، وَنَحْنُ لَا نُثْبِتُ ذَلِكَ ; كَمَا سَتَرَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: «لِلْإِعْجَازِ» : احْتِرَازٌ مِمَّا نَزَلَ لِغَيْرِ الْإِعْجَازِ، كَمَا ذَكَرَ قَبْلُ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ وَغَيْرِهَا ; فَإِنَّهَا لَمْ تُنَزَّلْ لِلْأَعْجَازِ، بَلْ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُعْجِزَاتُ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِعْلًا لَا صِفَاتٍ.
وَقَوْلُهُ: «بِسُورَةٍ مِنْهُ» : لِيُدْخِلَ فِي حَدِّ الْكِتَابِ كُلَّ سُورَةٍ مِنْ سُورَهِ.
وَقَوْلُهُ: «وَهُوَ الْقُرْآنُ» : أَيْ: كِتَابُ اللَّهِ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهِ بَعْدُ.
(2/9)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَتَعْرِيفُهُ» أَيْ: تَعْرِيفُ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ «بِمَا نُقِلَ إِلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، دَوْرِيٌّ» أَيْ: هَذَا التَّعْرِيفُ يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ.
قُلْتُ: هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لَمْ يُسَمِّهُمُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَعْلَمْ مَنْ هُمْ، فَإِنْ كَانَ هَذَا النَّقْلُ صَحِيحًا ; فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ: إِمَّا مُخْطِئُونَ، أَوِ النِّزَاعُ مَعَهُمْ لَفْظِيٌّ.
أَمَّا وَجْهُ خَطَئِهِمْ: فَهُوَ أَنْ يَكُونُوا نَظَرُوا إِلَى تَغَايُرِ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَالْكِتَابِ ; فَحَكَمُوا بِالتَّغَايُرِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ بَعْدُ، وَأَمَّا وَجْهُ كَوْنِ نِزَاعِهِمْ لَفْظِيًّا ; فَهُوَ أَنْ يَكُونُوا خَصُّوا كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ، عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَخَصُّوا الْقُرْآنَ بِهَذِهِ الْعَبَّارَاتِ الْمَتْلُوَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ عِنْدَهُمْ، وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ النِّزَاعُ إِلَى إِثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَتَخْرُجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَنِ التَّنَازُعِ فِيهَا.
قَوْلُهُ «وَرُدَّ» ، أَيْ وَرُدَّ قَوْلُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ الْقُرْآنِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا:
حِكَايَةُ قَوْلِ الْجِنِّ فِي سُورَةِ الْجِنِّ: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الْجِنِّ: 1] ، وَحِكَايَةُ قَوْلِهِمْ فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ حَيْثُ قَالُوا: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} [الْأَحْقَافِ: 30] ، وَالَّذِي سَمِعُوهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَقَدْ سَمَّوْهُ كِتَابًا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْقُرْآنُ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ احْتِمَالُ أَنَّهُمْ سَمَّوْهُ كِتَابًا لُغَةً ; لِجَمْعِهِ الْأَحْكَامَ وَغَيْرَهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ كِتَابَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِلَّا أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، مُخَالِفٌ لِمُبَادَرَةِ الْأَفْهَامِ الصَّحِيحَةِ عِنْدَ سَمَاعِهَا الْكَلَامَ أَنَّ مُرَادَهُ كِتَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(2/10)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى اتِّحَادِ مُسَمَّى اللَّفْظَيْنِ: الْكِتَابُ، وَالْقُرْآنُ، أَيْ: أَنَّ مُسَمَّاهُمَا وَاحِدٌ ; فَالْكِتَابُ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالْقُرْآنُ هُوَ الْكِتَابُ، وَالْكِتَابُ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَالْكَلَامُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ وَالْمَعْنَى النَّفْسِيِّ» أَيْ: يُطْلَقُ لَفْظُ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ ; فَيُقَالُ لِلْعِبَارَاتِ الْمَسْمُوعَةِ: كَلَامٌ، وَلِلْمَعْنَى النَّفْسِيِّ: كَلَامٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتُعْمِلَ لُغَةً وَعُرْفًا فِيهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ ; فَيَكُونُ مُشْتَرِكًا، أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعِبَارَاتِ فَكَثِيرٌ ظَاهِرٌ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [الْبَقَرَةِ: 75] ، {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التَّوْبَةِ: 6] وَيُقَالُ: سَمِعْتُ كَلَامَ فُلَانٍ وَفَصَاحَتَهُ، يَعْنِي أَلْفَاظَهَ الْفَصِيحَةَ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ، وَهُوَ مَدْلُولُ الْعِبَارَاتِ ; فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [الْمُجَادَلَةِ: 8] ، {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} [الْمُلْكِ: 13] ، وَقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي السَّقِيفَةِ: «زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي كَلَامًا» ، وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
(2/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ. وَأَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ ; فَلِمَا سَبَقَ.
قُلْتُ: ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ قَوْمًا جَعَلُوا الْكَلَامَ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى، مَجَازًا فِي الْعِبَارَةِ، وَأَنَّ قَوْمًا عَكَسُوا ذَلِكَ ; فَصَارَتْ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِ، مَجَازٌ فِي الْمَدْلُولِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَدْلُولِ، مَجَازٌ فِي لَفْظِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا.
وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مَنْقُولَةٌ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بُرْهَانَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» - يَعْنِي الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ عِنْدَهُمْ - نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ، قَائِمَةٌ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ. وَيَعْنُونَ بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ أَيْ: بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُفْرَدَيْنِ، مِنْ تَعَلُّقِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ عَلَى جِهَةِ الْإِسْنَادِ الْإِفَادِيِّ، أَيْ: بِحَيْثُ إِذَا عَبَّرَ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ بِلَفْظٍ يُطَابِقُهَا، وَيُؤَدِّي مَعْنَاهَا، كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ إِسْنَادِيًّا إِفَادِيًّا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ أَنَّهُ مَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ.
وَمَعْنَى قِيَامِ هَذِهِ النِّسْبَةِ بِالْمُتَكَلِّمِ عَلَى مَا كَشَفَ عَنْهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي كِتَابِ «الْأَرْبَعِينَ» ، هُوَ أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي مَاءً ; فَقَبْلَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، قَامَ بِنَفْسِهِ تَصَوُّرُ حَقِيقَةِ السَّقْيِ، وَحَقِيقَةِ الْمَاءِ، وَالنِّسْبَةِ الطَّلَبِيَّةِ بَيْنَهُمَا ; فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، وَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ. وَصِيغَةُ قَوْلِهِ: اسْقِنِي مَاءً. عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ.
(2/12)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَشَرَحَ الْقَرَّافِيُّ فِي كِتَابِ «الْأَجْوِبَةِ الْفَاخِرَةِ عَنِ الْأَسْئِلَةِ الْفَاجِرَةِ» مَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْخَبَرَ عَنْ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ، وَعَنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، ثُمَّ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ وَلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ; فَالْمُخْتَلِفُ: هُوَ الْكَلَامُ اللِّسَانِيُّ، وَغَيْرُ الْمُخْتَلِفِ: هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْعِلْمُ الْخَاصُّ سَمْعًا ; لِأَنَّ إِدْرَاكَ الْحَوَاسِّ إِنَّمَا هِيَ عُلُومٌ خَاصَّةٌ، أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ ; فَكُلُّ إِحْسَاسٍ عِلْمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ عِلْمٍ إِحْسَاسًا، فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْعِلْمُ الْخَاصُّ فِي نَفْسِ مُوسَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ الْبَارِئِ عَزَّ وَجَلَّ، سُمِّي بِاسْمِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ السَّمَاعُ. هَذَا مَعْنَى تَقْرِيرِهِ.
قُلْتُ: وَبُسِّطَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ عَقَائِدِهِ: مَنْ أَحَالَ سَمَاعَ مُوسَى كَلَامًا لَيْسَ بِصَوْتٍ وَلَا حَرْفٍ ; فَلْيُحِلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُؤْيَةَ ذَاتٍ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلَا عَرَضٍ.
قُلْتُ: كُلُّ هَذَا تَكَلُّفٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ، بَلِ الْقَاطِعُ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إِلَّا خَيَالَاتٍ لَاغِيَةٍ، وَأَوْهَامٍ مُتَلَاشِيَةٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ مَعَارَضٌ بِأَنَّ الْمَعَانِيَ لَا تَقُومُ شَاهِدًا إِلَّا بِالْأَجْسَامِ، فَإِذَا أَجَازُوا مَعْنًى قَامَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَتْ جِسْمًا ; فَلْيُجِيزُوا خُرُوجَ صَوْتٍ مِنَ الذَّاتِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَتْ جِسْمًا، إِذْ كِلَا الْأَمْرَيْنِ خِلَافُ الشَّاهِدِ، وَمَنْ أَحَالَ كَلَامًا لَفْظِيًّا مِنْ غَيْرِ جِسْمٍ ; فَلْيُحِلْ ذَاتًا مَرْئِيَّةً غَيْرَ جِسْمٍ، وَلَا فَرْقَ.
(2/13)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَعِنْدَنَا لَا اشْتِرَاكَ، وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ» ، أَيْ: عِنْدَنَا لَيْسَ الْكَلَامُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْعِبَارَةِ وَمَدْلُولِهَا، بَلِ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ، أَيِ: الْحُرُوفُ الْمَسْمُوعَةُ ; فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهَا، مَجَازٌ فِي مَدْلُولِهَا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَبَادِرَ إِلَى فَهْمِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ إِطْلَاقِ لِفَظِّ الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ الْعِبَارَاتُ، وَالْمُبَادَرَةُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْكَلِمِ، لِتَأْثِيرِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ كَمَا سَبَقَ، وَالْمُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ إِنَّمَا هُوَ الْعِبَارَاتُ لَا الْمَعَانِي النَّفْسِيَّةُ بِالْفِعْلِ. نَعَمْ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ لِلْفَائِدَةِ بِالْقُوَّةِ، وَالْعِبَارَةُ مُؤَثِّرَةٌ بِالْفِعْلِ ; فَكَانَتْ أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وَمَا يُؤَثِّرُ بِالْقُوَّةِ مَجَازًا.
قَوْلُهُمْ: اسْتُعْمِلَ لُغَةً وَعُرْفًا فِيهِمَا. قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ بِالِاشْتِرَاكِ، أَوْ بِالْحَقِيقَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَالْمَجَازُ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ؟ وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: نَعَمْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، ثُمَّ قَدْ تَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ الْمُجَرَّدُ، وَالْمَجَازُ أَوْلَى. ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ الْكَلَامِ أَكْثَرُ مَا اسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَارَاتِ، وَكَثْرَةُ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ تَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ ; فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} [الْمُجَادَلَةِ: 8] ; فَهُوَ مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ بِالْقَرِينَةِ، وَلَوْ أُطْلِقَ لَمَا فُهِمَ مِنْهُ إِلَّا الْعِبَارَةُ، وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا يُفِيدُ مَعَ الْقَرِينَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: «زَوَّرْتُ فِي
(2/14)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نَفْسِي كَلَامًا» إِنَّمَا أَفَادَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فِي نَفْسِي، وَسِيَاقِ الْقِصَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} [الْمُلْكِ: 13] ; فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ; لِأَنَّ الْإِسْرَارَ نَقِيضُ الْجَهْرِ، وَكِلَاهُمَا عِبَارَةٌ ; إِحْدَاهُمَا أَرْفَعُ صَوْتًا مِنَ الْأُخْرَى.
وَأَمَّا الشِّعْرُ فَهُوَ لِلْأَخْطَلِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ: «
إِنَّ الْبَيَانَ لَفِي الْفُؤَادِ
» ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرْتُمْ ; فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ مَادَّةِ الْكَلَامِ، وَهِيَ التَّصَوُّرَاتُ الْمُصَحَّحَةُ، إِذْ مَنْ لَا يَتَصَوَّرُ مَعْنَى مَا يَقُولُ، لَا يُوجَدُ مِنْهُ كَلَامٌ، ثُمَّ هُوَ مُبَالَغَةٌ مِنْ هَذَا الشَّاعِرِ فِي تَرْجِيحِ الْفُؤَادِ عَلَى اللِّسَانِ، إِشَارَةً إِلَى نَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ:
لِسَانُ الْفَتَى نَصِفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَمَا الْمَرْءُ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
وَإِلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ.
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ; مَعَ أَنَّهُمْ عُقَلَاءُ فُضَلَاءُ، يُجِيزُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَخْلُقُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا وَسَمْعًا لِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ، مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ صَوْتٍ وَلَا حَرْفٍ، وَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَاصِّيَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ قَلْبٌ لِحَقِيقَةِ السَّمْعِ فِي الشَّاهِدِ، إِذْ حَقِيقَةُ السَّمْعِ فِي الشَّاهِدِ اتِّصَالُ الْأَصْوَاتِ
(2/15)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِحَاسَّتِهِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ مِنْ فَوْقِ السَّمَاوَاتِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلشَّاهِدِ، فَإِنْ جَازَ قَلْبُ حَقِيقَةِ السَّمْعِ شَاهِدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَلَامِهِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ خِلَافُ الشَّاهِدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اسْتِوَائِهِ وَكَلَامِهِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؟ .
فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ حَرْفٍ وَصَوْتٍ لَا مِنْ جِسْمٍ، وَوُجُودٌ فِي جِهَةٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ. قُلْنَا: إِنْ عَنَيْتُمُ اسْتِحَالَتَهُ مُطْلَقًا ; فَلَا نُسَلِّمُ، إِذِ الْبَارِئُ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَى خِلَافِ الشَّاهِدِ وَالْمَعْقُولِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. وَقَدْ وَرَدَتِ النُّصُوصُ بِمَا قُلْنَاهُ ; فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ قَدِيمٌ» ، يَعْنِي كَلَامَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى رَأْيِنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى قِدَمِهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنِ الْأَشْعَرِيَّةَ وَافَقُوا عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِئِ جَلَّ جَلَالُهُ ; كَالْحَيَاةِ، وَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، مَعَانٍ زَائِدَةٌ عَلَى مَفْهُومِ ذَاتِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَأَنَّ الْحَيَّ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ، وَالْعَالِمُ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَالِمًا ; لَكَانَ جَمَادًا غَيْرَ عَالِمٍ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ نَقْصٌ ; فَيَجِبُ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ.
فَنَقُولُ نَحْنُ فِي إِثْبَاتِ الْكَلَامِ عَلَى رَأْيِنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ سَاكِتًا لَكِنَّ السُّكُوتَ عَلَيْهِ مُحَالٌ ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ ; فَيَجِبُ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ سَاكِتًا ; لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ السُّكُوتِ وَالْكَلَامِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا:
(2/16)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِنَّ السُّكُوتَ نَقَصٌ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ; لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي الشَّاهِدِ، لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ عَجْزٍ أَوْ صَمْتٍ، وَالْعَجْزُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُحَالٌ، وَالصَّمْتُ إِنَّمَا يَحْسُنُ عَنِ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَقْبُحُ مِنْهُ قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ، بَلْ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي قِيَامَ قَاطِعٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ غَيْرِهِ، يَكُونُ مُسْتَنِدًا لِلْإِجْمَاعِ، أَوْ نَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ وَعِلْمِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ أَوْ قَدِيمٌ، أَوْ لِتَرَدُّدِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، لَزِمَ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى كِتْمَانِ عِلْمٍ فِيهِ تَبْرِئَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى زَعْمِهِمْ، وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعَ تَرَدُّدِهِمْ فِيهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُمُ الْجَزْمُ فِيهِ بِقَوْلٍ ; فَمِنَ الْمُحَالِ عَادَةً أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَيَنْكَشِفَ لَكُمْ. وَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُمْ عَنِ الْقَوْلِ بِخَلْقِهِ لِاعْتِقَادِهِمْ قِدَمَهُ ; فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَلَيْسَ لِلْخَصْمِ أَنْ يُعَارِضَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ السَّلَفَ مَازَالُوا شَدِيدَيْنِ عَلَى مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، تَكْفِيرًا، وَتَبْدِيعًا، وَلَعْنًا، وَسَبًّا، حَتَّى ظَهَرَتِ الْبِدْعَةُ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا اشْتُهِرَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ لَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ تَحْكِيمُ الرِّجَالِ فِي دِينِ اللَّهِ قَالَ: «مَا حَكَّمْتُ مَخْلُوقًا وَإِنَّمَا حَكَّمْتُ الْقُرْآنَ» وَمَا رَوَى
(2/17)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ يَقُولُ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَيَقُولُ: هَكَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ إِسْحَاقَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَصْفُ الْكَلِمَاتِ بِالتَّامَّةِ ; فَيَقْتَضِي غَايَةَ التَّمَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْقَدِيمِ، إِذِ الْمَخْلُوقُ نَاقِصٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ عَوَّذَ بِهِمَا الْمَخْلُوقَ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يُعَوَّذُ بِمَخْلُوقٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِالتَّعْوِيذِ مِنَ الْآخَرِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُعَوِّذُهُمَا بِالْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ; فَيَكُونُ قَدِيمًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ إِضَافَةَ الصَّوْتِ فِي الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْقُولٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَلَفْظُ الصَّوْتِ ثَابِتٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ شُكْرٍ
(2/18)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمِصْرِيُّ - وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِهِمْ - فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، ذَكَرَ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 6] ، {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} [الشُّعَرَاءِ: 10] ، {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ} [مَرْيَمَ: 52] ، وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا. وَمِنَ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِطَابُ كُلُّهُ مَجَازًا، لَا حَقِيقَةَ فِيهِ، وَلَوْ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ، وَبِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ.
(2/19)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ حَقِيقَةٌ، وَلَكِنْ كَمَا قَرَّرْنَاهُ مِنَ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِالِاشْتِرَاكِ، كَمَا قُلْتُمْ: إِنَّ الصِّفَاتِ الْوَارِدَةَ فِي الشَّرْعِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَقِيقَةٌ ; لَكِنْ مُخَالِفَةٌ لِلصِّفَاتِ الْمُشَاهَدَةِ، وَهِيَ مَقُولَةٌ بِالِاشْتِرَاكِ.
قُلْنَا: نَحْنُ اضْطَرَّنَا إِلَى الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الصِّفَاتِ وُرُودُ نُصُوصِ الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ بِهَا ; فَأَنْتُمْ مَا الَّذِي اضْطَرَّكُمْ إِلَى إِثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ؟
فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ الْعَقْلِ الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ لَا صَوْتَ إِلَّا مِنْ جِسْمٍ.
قُلْنَا: فَمَا أَفَادَكُمْ إِثْبَاتُهُ شَيْئًا ; لِأَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ لَا يَخْرُجُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا أَوْ تَصَوُّرًا، عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ عَنْ أَئِمَّتِكُمْ، فَإِنْ كَانَ عِلْمًا ; فَقَدْ رَجَعْتُمْ مُعْتَزِلَةً، وَنَفَيْتُمُ الْكَلَامَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَوَّهْتُمْ عَلَى النَّاسِ بِتَسْمِيَتِكُمُ الْعِلْمَ كَلَامًا، وَإِنْ كَانَ تَصَوُّرًا ; فَالتَّصَوُّرُ فِي الشَّاهِدِ: حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يُعْقَلُ فِي الْأَجْسَامِ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ تَصَوُّرًا مُخَالِفًا لِلتَّصَوُّرِ فِي الشَّاهِدِ، لَائِقًا بِجَلَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ; فَأَثْبِتُوا كَلَامًا، هُوَ عِبَارَةٌ عَلَى خِلَافِ الشَّاهِدِ، لَائِقَةٌ بِجَلَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَالْبَحْثُ فِيهِ كَلَامِيٌّ» ، أَيْ: الْبَحْثُ فِي قِدَمِ الْقُرْآنِ مُتَعَلِّقٌ بِعِلْمِ الْكَلَامِ ; فَهُوَ مَوْضِعُ ذِكْرِهِ، مَعَ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ بُلْغَةً وَلِلْمَسْأَلَةِ مَأْخَذَانِ مُخْتَصَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ فِي الْعِبَارَةِ، أَوْ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَدْلُولِهَا كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ بَيَّنَّا عَدَمَ الِاشْتِرَاكِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ ذَاتٍ، أَوْ صِفَةُ فِعْلٍ، إِذْ صِفَاتُ الذَّاتِ قَدِيمَةٌ، وَصِفَاتُ الْفِعْلِ مُحْدَثَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2/20)

ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ:
الْأُولَى: الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ خِلَافًا لِقَوْمٍ. لَنَا: الْقَوْلُ بِأَنَّ جَمِيعَهَا آحَادٌ، خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَبِأَنَّ بَعْضَهَا كَذَلِكَ، تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ; فَتَعَيَّنَ الْمُدَّعَى. قَالُوا: الْآحَادُ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. قُلْنَا: مُحَالٌ، إِذِ التَّوَاتُرُ مَعْلُومٌ، وَالْآحَادُ مَظْنُونٌ ; فَالتَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا لَازِمٌ، وَإِذْ لَا مَظْنُونَ ; فَلَا آحَادَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ» ، يَعْنِي أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا سَبَقَ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ، هُوَ كَالْمُقَدِّمَةِ الْكُلِّيَّةِ لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا، أَخَذَ يَذْكُرُ جُزْئِيَّاتِ أَحْكَامِهِ:
فَالْمَسْأَلَةُ «الْأُولَى: الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ خِلَافًا لِقَوْمٍ» . اعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْقِرَاءَاتِ حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ:
فَالْقُرْآنُ هُوَ الْوَحْيُ النَّازِلُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبَيَانِ وَالْإِعْجَازِ.
وَالْقِرَاءَاتُ: هِيَ اخْتِلَافُ أَلْفَاظِ الْوَحْيِ الْمَذْكُورِ، فِي كَمِّيَّةِ الْحُرُوفِ، أَوْ كَيْفِيَّتِهَا مِنْ تَخْفِيفٍ أَوْ تَثْقِيلٍ، وَتَحْقِيقٍ أَوْ تَسْهِيلٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، بِحَسْبِ اخْتِلَافِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ، أَمَّا الْقِرَاءَاتُ ; فَوَقَعَ النِّزَاعُ فِيهَا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً.
«لَنَا: الْقَوْلُ بِأَنَّ جَمِيعَهَا آحَادٌ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِتَوَاتُرِهَا، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَاتُ جَمِيعُهَا مُتَوَاتِرَةً، أَوْ جَمِيعُهَا آحَادًا، أَوْ بَعْضُهَا تَوَاتُرٌ وَبَعْضُهَا آحَادٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ جَمِيعَهَا آحَادٌ خِلَافُ
(2/21)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ فِي الْقِرَاءَاتِ تَوَاتُرًا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ جَمِيعَهَا تَوَاتُرٌ، وَفِي أَنَّ هَلْ فِيهَا آحَادٌ أَمْ لَا؟ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ بَعْضَهَا تَوَاتُرٌ وَبَعْضُهَا آحَادٌ، تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، إِذْ لَا طَرِيقَ لَنَا إِلَى تَمْيِيزِ تَوَاتُرِهَا مِنْ آحَادِهَا. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ هَذَا الْبَعْضَ الْمُعَيَّنَ مِنْهَا آحَادٌ، دُونَ هَذَا الْبَعْضِ، تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِذَا انْتَفَى الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ جَمِيعَهَا مُتَوَاتِرٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَتَعَيَّنَ الْمُدَّعَى» .
قَوْلُهُ: «قَالُوا الْآحَادُ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ» ، يَعْنِي: الْخَصْمَ النَّافِي لِلتَّوَاتُرِ عَنِ الْقِرَاءَاتِ جَمِيعِهَا، قَالَ: لَيْسَتِ الْقِسْمَةُ فِي دَلِيلِكُمْ حَاصِرَةً، بَلْ هُنَا قِسْمٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْآحَادَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لَا جَمِيعُهَا، وَلَا بَعْضٌ مُعَيَّنٌ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مُحَالٌ» ، أَيْ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْآحَادَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مُحَالٌ ; لِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ حِينَئِذٍ تَكُونُ مُشْتَمِلَةً عَلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْآحَادِ وَالتَّوَاتُرِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ مَعْلُومٌ، وَالْآحَادُ مَظْنُونٌ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَعْلُومِ وَالْمَظْنُونِ حَاصِلٌ بِضَرُورَةِ الْوِجْدَانِ، كَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْجُوعِ وَالشِّبَعِ، وَالرَّيِّ وَالْعَطَشِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْوِجْدَانِيَّاتِ، لَكِنْ لَيْسَ فِي الْقِرَاءَاتِ مَظْنُونٌ ; فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا آحَادٌ، وَإِلَّا لَوُجِدَتِ الْآحَادُ مُفِيدَةً لِلْعِلْمِ بِمُجَرَّدِهَا، وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنِّي سَلَكْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةَ الْأَكْثَرِينَ فِي نُصْرَةِ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ
(2/22)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُتَوَاتِرَةٌ، وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ مُتَوَاتِرَةٌ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَمَّا تَوَاتُرُهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ ; فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ، فَإِنَّ أَسَانِيدَ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، بِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ، إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ، وَهِيَ نَقْلُ الْوَاحِدِ عَنِ الْوَاحِدِ، لَمْ تَسْتَكْمِلْ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ وَالْخُرُوجُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ، لَذَكَرْتُ طَرَفًا مِنْ طُرُقِهِمْ وَلَكِنْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْحِجَازِيِّينَ، وَالشَّامِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ عَاوَدْتَهَا مِنْ مَظَانِّهَا وَجَدْتَهَا كَمَا وُصِفَ لَكَ.
وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَتَوَاتَرْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عُمَرَ لَمَّا خَاصَمَ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، حَيْثُ خَالَفَهُ فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً بَيْنَهُمْ لَحَصَلَ الْعِلْمُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ بِهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيُخَاصِمَ فِي مَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُ.
(2/23)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدِهِ يَنْفِرُ مِنَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَوَاتُرِ الْقِرَاءَاتِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ، مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ.
(2/24)

الثَّانِيَةُ: الْمَنْقُولُ آحَادًا، نَحْوُ: " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ "، حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، خِلَافًا لِلْبَاقِينَ. لَنَا: هُوَ قُرْآنٌ أَوْ خَبَرٌ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ. قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ، ثُمَّ نَقَلَهُ قُرْآنًا خَطَأً، إِذْ يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ تَبْلِيغُ الْوَحْيِ إِلَى مَنْ يَحْصُلُ بِخَبَرِهِ الْعِلْمُ. قُلْنَا: نِسْبَةُ الصَّحَابِيِّ رَأْيَهُ إِلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ لَا يَلِيقُ بِهِ ; فَالظَّاهِرُ صِدْقُ النِّسْبَةِ، وَالْخَطَأُ الْمَذْكُورُ إِنْ سُلِّمَ، لَا يَضُرُّ، إِذِ الْمُطَّرَحُ كَوْنُهُ قُرْآنًا لَا خَبَرًا، لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ كَافٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ " الثَّانِيَةُ ": أَيْ مِنْ مَسَائِلِ الْكِتَابِ " الْمَنْقُولُ آحَادًا، نَحْوُ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ "، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، خِلَافًا لِلْبَاقِينَ "، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ: " لَنَا: هُوَ قُرْآنٌ أَوْ خَبَرٌ "، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى أَنَّ الْمَنْقُولَ مِنَ الْقُرْآنِ آحَادًا حُجَّةٌ، أَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا أَوْ خَبَرًا، وَكِلَاهُمَا - أَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْخَبَرَ - يُوجِبُ الْعَمَلَ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ النَّاقِلَ جَازِمٌ بِالسَّمَاعِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصُدُورُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِمَّا عَلَى جِهَةِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ ; فَيَكُونُ قُرْآنًا، أَوْ عَلَى جِهَةِ تَفْسِيرِهِ ; فَيَكُونُ خَبَرًا.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ كِلَيْهِمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ ; فَبِالِاتِّفَاقِ ; فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْقُولُ مِنَ الْقُرْآنِ آحَادًا حُجَّةً.
(2/25)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَوَرَانَهُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ لَيْسَ حَاصِرًا، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِلنَّاقِلِ، وَمَذْهَبُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ; فَقَدْ دَارَ مَا نَقَلَهُ بَيْنَ مَا هُوَ حُجَّةٌ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَمَعَ التَّرَدُّدِ فِي جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً، اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ فِيهِ، وَهُوَ عَدَمُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ بِتَقْدِيرِ النَّاقِلِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ، يَكُونُ خَطَأً مِنْهُ عَلَى الرَّسُولِ، أَوْ خَطَأً مِنْهُ مُطْلَقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ الْوَحْيِ إِلَى جَمَاعَةٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ بِتَبْلِيغِ الْوَاحِدِ، وَحِينَئِذٍ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ هَذَا النَّاقِلَ أَخْطَأَ عَلَى الرَّسُولِ فِي نَقْلِهِ الْآحَادَ عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ ; لِأَنَّهُ نَسَبَ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: نِسْبَةُ الصَّحَابِيِّ رَأْيَهُ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخَصْمُ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ كَوْنَ الصَّحَابِيِّ يَنْسِبُ رَأْيَ نَفْسِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذِبٌ مِنَ الصَّحَابِيِّ، وَافْتِرَاءٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ يَنْقُلُ عَنْهُ، وَيَقُولُ مَا لَمْ يُقِلْ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى الصَّحَابَةِ، مَعَ تَحَرِّيهِمْ فِي الصِّدْقِ عَلَيْهِ، هَذَا جَوَابُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِلْخَصْمِ.
وَقَوْلُهُ: " وَالْخَطَأُ الْمَذْكُورُ إِنْ سُلِّمَ لَا يَضُرُّ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا الْجَوَابُ
(2/26)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثَّانِي، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ نَقْلَ الصَّحَابِيِّ لَهُ قُرْآنًا خَطَأٌ، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّنَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، لَا أَنَّهُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وَتَحَرِّيهِمْ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ، وَتُنَزُّهِهِمْ عَنِ الْكَذِبِ، خُصُوصًا عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ، كَانَ كَافِيًا فِي الْعَمَلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: " إِذِ الْمُطَّرَحُ كَوْنُهُ قُرْآنًا لَا خَبَرًا، لِمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ كَافٍ ".
(2/27)

الثَّالِثَةُ: فِي الْقُرْآنِ الْمَجَازُ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. لَنَا: الْوُقُوعُ نَحْوُ {جَنَاحَ الذُّلِّ} ، وَ {نَارًا لِلْحَرْبِ} ، وَ {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ، وَهُوَ كَثِيرٌ، قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَجَوِّزًا. وَأُجِيبَ: بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ مَثَلَهُ تَوْقِيفِيٌّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ» مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ أَنَّ «فِي الْقُرْآنِ الْمَجَازَ» ، أَيْ: هُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، «خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، وَهُمُ الظَّاهِرِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ ; فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا جَوَازَ وُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ. «لَنَا: الْوُقُوعُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْمَجَازُ فِي الْقُرْآنِ، وَالْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ ; فَمَنْ نَازَعَ فِي الْجَوَازِ ; فَالْوُقُوعُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ، وَمَنْ نَازَعَ فِي الْوُقُوعِ ; فَهُوَ يَدُلُّ بِنَفْسِهِ.
وَبَيَانُ وُقُوعِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} [الْإِسْرَاءِ: 24] ، وَالْجَنَاحُ حَقِيقَةٌ لِلطَّائِرِ مِنَ الْأَجْسَامِ، وَالْمَعَانِي وَالْجَمَادَاتِ لَا تُوصَفُ بِهِ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [الْمَائِدَةِ: 64] ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِثَارَةِ أَسْبَابِ الْحَرْبِ، أَوْ عَنْ نَفْسِ الْحَرْبِ، تَشْبِيهًا لَهَا بِالنَّارِ، بِجَامِعِ الْكُرَبِ فِيهِمَا، وَشَدَّةِ وَقْعِهِمَا عَلَى النُّفُوسِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
(2/28)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَيْسَ الشُّجَاعُ الَّذِي يَحْمِي كَتِيبَتَهُ ... يَوْمَ النِّزَالِ وَنَارُ الْحَرْبِ تَشْتَعِلُ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الْكَهْفِ: 77] ، وَالْجِدَارُ لَا إِرَادَةَ لَهُ ; إِذْ الْإِرَادَةُ حَقِيقَةٌ مِنْ خَصَائِصِ الْحَيَوَانِ أَوِ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مُقَارَبَتِهِ الِانْقِضَاضَ ; لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ شَيْئًا قَارَبَهُ ; فَكَانَتِ الْمُقَارَبَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْإِرَادَةِ ; فَتُجُوِّزَ بِهَا عَنْهَا. «وَهُوَ كَثِيرٌ» يَعْنِي: الْكَلَامُ الْمَجَازِيُّ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، نَحْوَ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يُوسُفَ: 82] ، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشُّورَى: 40] ، {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الْأَنْفَالِ: 67] ، {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} [الْأَعْرَافِ: 130] ، وَحَقِيقَةُ الْإِثْخَانِ فِي الْمَائِعَاتِ، وَالْأَخْذُ فِي التَّنَاوُلِ بِالْيَدِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ كَثِيرٌ يَعْسُرُ اسْتِقْصَاؤُهُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَجَوِّزًا» مُسْتَعِيرًا ; لِأَنَّ مُسْتَعْمَلَ الْمَجَازِ يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ مُتَجَوِّزًا، وَالتَّجَوُّزُ: اسْتِعَارَةُ اللَّفْظِ لِغَيْرِ مَوْضُوعِهِ ; فَيَلْزَمُ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى ; فَلَا يَكُونُ الْمَجَازُ وَاقِعًا فِي الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ وَبِالْفَرْقِ» ، أَيْ: أَجَابَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ عَنْ هَذَا الْإِلْزَامِ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْتِزَامُهُ: وَهُوَ صِحَّةُ تَسْمِيَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَجَوِّزًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلْمَجَازِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ وَلَا مَحْذُورٌ، كَمَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِاسْتِعْمَالِهِ لِلْكَلَامِ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: مَنْعُ الْمُلَازِمَةِ، وَهُوَ: أَنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِالْمَجَازِ، لَزِمَ أَنْ يُسَمَّى مُتَجَوِّزًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَغَيْرِهِ، أَنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ
(2/29)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَعَالَى بِالْأَسْمَاءِ، وَوَصْفَهُ بِالصِّفَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَيْ: إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ، لَا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ. الِاشْتِقَاقِيِّ وَالْقِيَاسِيِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: «وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ مِثْلَهُ» ، أَيْ: بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا - وَهُوَ تَسْمِيَةُ الْبَارِئِ جَلَّ جَلَالُهُ - «تَوْقِيفِيٌّ» .
قُلْتُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ أَسْمَاءٌ بِدُونِ التَّوْقِيفِ، مِثْلَ قَوْلِنَا: فَارِشٌ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} [الذَّارِيَاتِ: 48] ، وَمُنْبِتٌ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} [عَبَسَ: 27] ، وَنَحْوَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، اخْتَارَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمَقْصِدُ الْأَسْنَى» الْجَوَازَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْمَنْعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ النَّافِينَ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُنْبِئُ بِنَفْسِهِ عَنْ مَعْنَاهُ ; فَوُقُوعُهُ فِي الْقُرْآنِ مُلْبِسٌ، وَمَقْصُودُ الْقُرْآنِ الْبَيَانُ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْبَيَانَ يَحْصُلُ بِالْقَرِينَةِ ; فَلَا إِلْبَاسَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْعُدُولَ إِلَى الْمَجَازِ يَقْتَضِي الْعَجْزَ عَنِ الْحَقِيقَةِ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالْعَجْزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
وَجَوَابُهُ بِمَنْعِ ذَلِكَ، بَلِ الْمَجَازُ لَهُ فَوَائِدُ سَبَقَ ذِكْرُ بَعْضِهَا.
وَمِنْهَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ صِدْقٌ، لَيْسَ بِكَذِبٍ وَلَا بَاطِلٍ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ أَلْفَاظِهِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَكَوْنُهُ لَهُ حَقِيقَةٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ
(2/30)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَوْجُودٌ لَهُ فِي نَفْسِهِ بِنَاءٌ وَتَأْوِيلٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِخَيَالٍ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، كَالْمَنَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ ; فَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَجَازِ، وَقَابِلٌ لِوُقُوعِ الْمَجَازِ ; فَالْقُرْآنُ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا.
(2/31)

الرَّابِعَةُ: فِي الْقُرْآنِ الْمُعَرَّبُ، وَهُوَ مَا أَصْلُهُ أَعْجَمِيٌّ، ثُمَّ عُرِّبَ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ. لَنَا: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ: {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} حَبَشِيَّةٌ، وَمِشْكَاةٌ هِنْدِيَّةٌ، وَ {إِسْتَبْرَقٍ} وَسِجِّيلٍ فَارِسِيَّةٌ.
قَالُوا: تَحَدِّي الْعَرَبِ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ ذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا مَحْضًا، وَالنَّصُّ أَثْبَتَهُ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} ظَاهِرٌ فِي إِنْكَارِهِ بِتَقْدِيرِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي مَنْعِ صَرْفِ إِسْحَاقَ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَمٌ، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِهِ، وَالْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ، كَالصَّابُونِ، وَالتَّنُّورِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْيَسِيرَةَ الدَّخِيلَةَ لَا تَنْفِي تَمَحُّضَ اللُّغَةِ عُرْفًا، كَأَشْعَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ، مَعَ تَضَمُّنِهَا أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةً، وَتَحَدِّيهِمْ كَانَ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ. أَوْ: لَمَّا عُرِّبَتْ صَارَ لَهَا حُكْمُ الْعَرَبِيَّةِ، وَ {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} مُتَأَوَّلٌ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ، وَاتِّفَاقُ اللُّغَتَيْنِ بِعِيدٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ " الرَّابِعَةُ: فِي الْقُرْآنِ الْمُعَرَّبِ "، أَيْ: الْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْكَلَامِ الْمُعَرَّبِ - بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا - " وَهُوَ مَا أَصْلُهُ أَعْجَمِيٌّ، ثُمَّ عُرِّبَ " أَيْ: اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ نَحْوَ اسْتِعْمَالِهَا لِكَلَامِهَا ; فَقِيلَ لَهُ: مُعَرَّبٌ، تَوَسُّطًا بَيْنَ الْعَجَمِيِّ وَالْعَرَبِيِّ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْأَكْثَرِينَ.
" لَنَا "، أَيْ: عَلَى وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ - " قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ: {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} "، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} [الْمُزَّمِّلِ: 6] حَبَشِيَّةٌ "
(2/32)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمِشْكَاةٌ: لُغَةٌ هِنْدِيَّةٌ، وَإِسْتَبْرَقٍ وَسِجِّيلٍ: لُغَةٌ فَارِسِيَّةٌ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ، خُصُوصًا ابْنَ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانَ الْقُرْآنِ، الَّذِي دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِهِمَا.
وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ " فِقْهِ اللُّغَةِ "، قَالَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي أَحْرُفٍ كَثِيرَةٍ: إِنَّهَا بِلُغَاتِ الْعَجَمِ، مِنْهَا: طه، وَالْيَمُّ، وَالطُّورُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ،
(2/33)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يُقَالُ: إِنَّهَا سُرْيَانِيَّةٌ، وَالصِّرَاطُ، وَالْقِسْطَاسُ، وَالْفِرْدَوْسُ، يُقَالُ: هِيَ رُومِيَّةٌ. وَمِشْكَاةٌ، وَ {كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الْحَدِيدِ: 28] ، يُقَالُ: هِيَ حَبَشِيَّةٌ، وَهَيْتَ لَكَ، يُقَالُ: هِيَ بِالْحَوْرَانِيَّةِ.
(2/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ الْعَجَمِ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ كُلُّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.
قُلْتُ: الْحَقُّ أَنَّ فِيهِ أَلْفَاظًا مُعَرَّبَةً كَمَا ذَكَرْنَا، لَكِنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُهَا عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ كِتَابًا سَمَّاهُ " الْمُعَرَّبَ "، وَذَكَرَ فِيهِ أَلْفَاظًا وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ مُعَرَّبَةً.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: تَحَدِّي الْعَرَبِ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ أَدِلَّةُ الْمَانِعِينَ لِوُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مُعْجِزًا تَحَدَّى بِهِ الْعَرَبَ، أَيْ: تَحَدَّاهُمْ وَبَعَثَهُمْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، تَعْجِيزًا لَهُمْ ; فَلَوْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى غَيْرِ الْعَرَبِيِّ الْمَحْضِ، لَكَانَ قَدْ تَحَدَّاهُمْ بِمُعَارَضَةِ مَا لَيْسَ مِنْ لِسَانِهِمْ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، كَمَا إِذَا قِيلَ لِلْعَجَمِيِّ الْمَحْضِ: أَنْشِئْ لَنَا مِثْلَ السَّبْعِ الطِّوَالِ، أَوِ الْأَشْعَارِ السِّتَّةِ، وَنَحْوِهَا.
(2/35)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّصَّ أَثْبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ مُعَرَّبٌ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا مَحْضًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يُوسُفَ: 2] ، {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا} [الْأَحْقَافِ: 12] ، {قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزُّمَرِ: 28] ، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَمَحُضَّ عَرَبِيَّتِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى عِدَّةِ أَلْفَاظٍ أَعْجَمِيَّةِ الْأَصْلِ، لَا يَكُونُ كُلُّهُ عَرَبِيًّا مَحْضًا بِالضَّرُورَةِ، كَمَا أَنَّ الْجَيْشَ مِنَ الْعَرَبِ، إِذَا كَانَ فِيهِ آحَادُ فُرْسَانٍ مِنَ الْعَجَمِ، لَا يَكُونُ جَيْشًا عَرَبِيًّا مَحْضًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا، لَزِمَ خِلَافُ النَّصِّ عَلَى كَوْنِهِ عَرَبِيًّا مَحْضًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} الْآيَةَ [فُصِّلَتْ: 44] ، هَذَا ظَاهِرٌ فِي إِنْكَارِ الْمُعَرَّبِ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ: أَنَّا إِنَّمَا جَعَلْنَا الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا ; لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ أَعْجَمِيًّا لَأَنْكَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْكُفَّارُ، وَقُلْتُمْ كَيْفَ يَكُونُ قُرْآنٌ أَعْجَمِيٌّ وَنَبِيٌّ عَرَبِيٌّ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ وَأَنْكَرُوهُ لَكَانَ لَهُمْ فِيهِ الْحُجَّةُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَا يَتَّجِهَ لَهُمْ إِنْكَارُهُ.
قَوْلُهُ: " وَلَا حُجَّةَ فِي مَنْعِ صَرْفِ " إِسْحَاقَ " وَنَحْوِهِ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ مِنْ مُنْكِرِي الْمُعَرَّبِ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ لِمُثْبِتِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةَ الْأَصْلِ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَيَعْقُوبَ وَنَحْوَهَا، غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِاجْتِمَاعِ الْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ فِيهَا، وَمَا اتَّصَفَ بِالْعُجْمَةِ ; فَهُوَ
(2/36)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَعْجَمِيٌّ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَتِ الْعَرَبُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَى نَهْجِ لُغَتِهَا ; فَصَارَتْ أَعْجَمِيَّةً مُعَرِّبَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَأَجَابَ النَّافُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْعَ صَرْفِ إِسْحَاقَ وَنَحْوِهِ، لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مُعَرَّبًا ; لِأَنَّ هَذِهِ أَعْلَامٌ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي الْأَعْلَامِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِهَا وَهِيَ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ، نَحْوَ: دِيبَاجَ، وَفِرِنْدَ، وَنَيْرُوزَ، وَآجُرَّ، وَإِبْرَيْسَمَ، وَإِهْلِيلِجَ، وَإِطْرَيْفَلَ وَلِجَامَ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: وَالْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ مِنْ مُنْكِرِي الْمُعَرَّبِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مُثْبِتُوهُ مِنْ لَفْظِ نَاشِئَةٍ، وَمِشْكَاةٍ، وَإِسْتَبْرَقٍ، وَسِجِّيلٍ، وَنَحْوِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ أَعْجَمِيَّةً، بَلْ هِيَ عَرَبِيَّةٌ وَافَقَتْ أَلْفَاظَ الْعَجَمِ فَاتَّفَقَتْ فِيهَا اللُّغَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ عِنْدَنَا فِي اللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا، وَسَنَذْكُرُ جُمْلَةً مِنْ ذَلِكَ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ حُجَّةٌ عَلَى وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَيْسَتْ مُعَرَّبَةً، بَلْ عَرَبِيَّةً وَافَقَتْ أَلْفَاظَ الْعَجَمِ.
قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ " أَيْ: عَنِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْمَانِعُونَ.
أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: تَحَدِّي الْعَرَبِ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ مُمْتَنِعٌ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُقُوعَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ تَحَدِّيَهُمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ ; لِأَنَّ الْوَاقِعَ مِنَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ، دَخِيلَةٌ مِنْ غَيْرِ لُغَتِهِ، وَهِيَ لَا تَنْفِي تَمَحُّضَ الْعَرَبِيَّةِ فِيهِ عُرْفًا، كَأَشْعَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ، هِيَ عَرَبِيَّةٌ عُرْفًا بِاتِّفَاقٍ، مَعَ تَضَمُّنِهَا أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةً، وَإِذَا
(2/37)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَمْ يَكُنِ الْمُعَرَّبُ الْوَاقِعُ فِي الْقُرْآنِ نَافِيًا لِتَمَحُّضِهِ عَرَبِيًّا ; فَمَا تَحَدَّاهُمْ إِلَّا بِلُغَتِهِمْ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ الدَّخِيلَةَ لِقِلَّتِهَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَكْلِيفِ الْعَجَمِيِّ الْمَحْضِ إِنْشَاءَ مِثْلِ السَّبْعِ الطِّوَالِ وَنَحْوِهَا، لِكَثْرَتِهِ وَقِلَّةِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ بِالضَّرُورَةِ.
أَوْ نَقُولُ: إِنَّ تَحَدِّيَهُمْ كَانَ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ لَا بِالْمُعَرَّبِ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَحْضَةِ مَا هِيَ كَافِيَةٌ بِتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: " وَتَحَدِّيهِمْ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ ".
قَوْلُهُ: " أَوْ لَمَّا عُرِّبَتْ صَارَ لَهَا حُكْمُ الْعَرَبِيَّةِ، هَذَا جَوَابٌ آخَرُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا أَعْجَمِيًّا، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا اسْتَعْمَلَتْهَا فِي لُغَتِهَا، صَارَ لَهَا حُكْمُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْإِعْجَازِ وَالتَّحَدِّي وَمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِ بِهَا ; فَمَا تَحَدَّاهُمْ إِلَّا بِلُغَتِهِمْ ". فَحَاصِلُ الْأَمْرِ مَنْعُ أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ ; إِمَّا لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لِلُغَةِ الْقُرْآنِ فِيهِ قَلِيلٌ، لَا حُكْمَ لَهُ فِي نَفْيٍ تَمَحُّضِهِ عَرَبِيًّا، أَوْ لِأَنَّهُ بِالتَّعْرِيبِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَرَبِيِّ، ثُمَّ إِنَّ أَصْلَ الدَّلِيلِ مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ وُقُوعَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ يَنْفِي كَوْنَهُ عَرَبِيًّا مَحْضًا.
ثُمَّ نُرِيدُ الطَّعْنَ فِي مُقَدِّمَةِ دَلِيلِهِ، وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّصَّ أَثْبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يُوسُفَ: 2]
(2/38)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَنَحْوَهُ يَقْتَضِي تَمَحُّضَ عَرَبِيَّتِهِ مَمْنُوعٌ، بَلْ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَرَبِيٌّ فِي غَالِبِ أَلْفَاظِهِ، وَأَنَّهُ عَرَبِيٌّ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ أَنَّهُ لَا مُعَرَّبَ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ عُرْفًا، وَالْقُرْآنُ مَعَ الْمُعَرَّبِ الَّذِي فِيهِ يُسَمَّى عَرَبِيًّا عُرْفًا كَمَا بَيَّنَّا، وَالْقَوْلُ فِيمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنَ الْجَيْشِ الْعَرَبِيِّ فِيهِ آحَادٌ مِنَ الْعَجَمِ كَذَلِكَ، اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ; فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ آحَادَ الْفُرْسَانِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا مَا يُصَيِّرُ حُكْمَهَا حُكْمَ الْعَرَبِ، بِخِلَافِ الْأَلْفَاظِ الْمُعَرَّبَةِ ; فَإِنَّهُ حَدَثَ فِيهَا مِنْ تَعْرِيبِ الْعَرَبِ لَهَا مَا صَيَّرَ حُكْمَهَا حُكْمَ أَلْفَاظِ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا} [فُصِّلَتْ: 44] ; فَقَدْ أَجَبْتُ عَنْهُ فِي " الْمُخْتَصَرِ " بِقَوْلِي: " وَ {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} مُتَأَوَّلٌ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ ".
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ، وَهُوَ أَنَّ حُجَّةَ الْكُفَّارِ ; إِنَّمَا كَانَتْ تَقُومُ لَوْ كَانَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ أَعْجَمِيًّا، أَمَّا وَغَالِبُهُ عَرَبِيٌّ بِلُغَتِهِمْ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ مِنْ غَيْرِهِ ; فَلَا، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَلَوْ جَعَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ، أَيْ جَمِيعَهُ، قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا ; لَأَنْكَرُوهُ، وَلَقَامَتْ حُجَّتُهُمْ، لَكِنْ مَا جَعَلْنَا جَمِيعَهُ أَعْجَمِيًّا ; فَلَيْسَ لَهُمْ إِنْكَارُهُ، وَلَا تَقُومُ لَهُمْ بِإِنْكَارِهِ حُجَّةٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَهُ أَنْتَ أَتَيْتِنَا بِأَلْفَاظٍ لَيْسَتْ مِنْ لُغَتِنَا كَالْمِشْكَاةِ، وَسِجِّيلٍ، وَنَحْوِهِ، وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ إِلَّا لُغَتَنَا، لَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَا أَتَحَدَّاكُمْ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، بَلْ بِالْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ لُغَتِكُمْ ; فَأْتُوا بِمِثْلِهَا إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
(2/39)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مِشْكَاةً وَنَحْوَهَا مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اتِّفَاقَ اللُّغَتَيْنِ بَعِيدٌ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ.
الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ; فَحَمْلُكُمُ الْأَلْفَاظَ عَلَيْهِ، مَعَ نَقْلِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ أَنَّهَا مُعَرَّبَةٌ، حَمْلٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ رِيَاضِيَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ ; فَهِيَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا كَبِيرُ أَمْرٍ فِي فِقْهِ اللُّغَاتِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، وَابْنُ فَارِسٍ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ، الْمُسَمَّى بِـ الصَّاحِبِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ فِي اللُّغَةِ أَلْفَاظًا أَصْلُهَا أَعْجَمِيٌّ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، لَكِنِ اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ ; فَعَرَّبَتْهَا بِأَلْسِنَتِهَا، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إِلَى أَلْفَاظِهَا ; فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَقَدِ اخْتَلَطَتْ بِكَلَامِ الْعَرَبِ ; فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا عَرَبِيَّةٌ ; فَهُوَ صَادِقٌ، يَعْنِي بِاعْتِبَارِ التَّعْرِيبِ الطَّارِئِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا أَعْجَمِيَّةٌ ; فَهُوَ صَادِقٌ، يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَصْلِهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا سَلَكْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لِئَلَّا يُظَنَّ بِالْفُقَهَاءِ الْجَهْلُ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِالتَّأْوِيلِ، وَأَشَدَّ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ.
(2/40)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَائِدَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ:
قَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ وَأَسْرَارِ الْعَرَبِيَّةِ: فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَسْمَاءٍ قَائِمَةٍ فِي لُغَتَيِ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ: التَّنُّورُ، الْخَمِيرُ، الرُّمَّانُ، الدِّينُ، الْكَنْزُ، الدِّينَارُ، وَالدِّرْهَمُ.
ثُمَّ قَالَ: فَصْلٌ فِي أَسْمَاءٍ تَفَرَّدَتْ بِهَا الْفَرَسُ دُونَ الْعَرَبِ ; فَاضْطُرَّتِ الْعَرَبُ إِلَى تَعْرِيبِهَا، أَوْ تَرْكِهَا كَمَا هِيَ ; فَمِنْهَا فِي الْأَوَانِي: الْكُوزُ، الْجَرَّةُ، الْإِبْرِيقُ، الطَّسْتُ، الْخُوَانُ، الطَّبَقُ، الْقَصْعَةُ، السُّكُرُّجَةُ.
وَمِنَ الْمَلَابِسِ: السَّمُّورُ، السِّنْجَابُ، الْخَزُّ، الدِّيبَاجُ، السُّنْدُسُ، التَّاخُتْجُ، الرَّاخُتْجُ.
وَمِنَ الْجَوَاهِرِ: الْيَاقُوتُ، الْفَيْرُوزَجُ، وَالْبِلَّوْرُ.
وَمِنَ الْمَأْكُولَاتِ: السَّمِيذُ، الْجَرْذَقُ، وَالدَّرْمَكُ، وَالْكَعْكُ وَالسِّكْبَاجُ، وَالْمَزَيَرَبَاجُ، وَالطَّبَاهَجُ، وَالْجُوذَابُ، الزُّمَاوَرَدُ، الْفَالُوذَجُ، اللَّوْزَينْجُ، الْجَوْزَيْنَجُ، السَّكَنْجَبِينُ، الْجَكَنْجَبِينُ.
(2/41)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمِنَ الْأَفَاوِيهِ وَالرَّيَاحِينِ: الْقِرْفَةُ، الدَّارَصِينِيُّ، الْفُلْفُلُ، الْكَرَاوِيَا، الزَّنْجَبِيلُ، الْخُولَنْجَانُ، النَّرْجِسُ، الْبَنَفْسَجُ، النَّسْرِينُ، السَّوْسَنُ، الْمَرْزَنْجُوشُ، الْيَاسَمِينُ، الْجُلَّنَارُ، الْعَنْبَرُ، الْكَافُورُ، الصَّنْدَلُ، الْقَرَنْفُلُ.
وَذَكَرَ فَصْلًا فِيمَا نِسْبَةُ فَارِسِيَّتِهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَفَصْلًا فِي أَسْمَاءٍ عَرَبِيَّةٍ تَتَعَرَّبُ فَارِسِيَّةً أَكْثَرُهَا، وَأَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَلَمْ أَسْتَوْفِ مَا ذَكَرَهُ خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ، وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ مُعَرَّبًا، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ وَالتَّوْفِيقِ مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلَعَلَّ نَاظِرًا يَنْظُرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ ; فَيَظُنُّ حِكَايَتَنَا لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ خُرُوجًا عَنِ الْمَقْصُودِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُحَقِّقٌ لِلْمَقْصُودِ وَمُكَمِّلٌ لَهُ، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ بَطَّالٌ يَقْنَعُ بِحِكَايَةِ مَا يَجِدُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَإِنَّمَا الْحَزْمُ أَخْذُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ مَظِنَّتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْتَ الشَّخْصَ يَصِلُ إِلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ، لَكِنَّهُ كُلَّمَا كَانَ اجْتِهَادُهُ أَبْلَغَ، كَانَ بِالتَّحْقِيقِ أَجْدَرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/42)

الْخَامِسَةُ: فِيهِ الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِمَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمُ الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهَ مُقَابِلُهُ، لِاشْتِرَاكٍ، أَوْ إِجْمَالٍ، أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ. وَالْأَظْهَرُ الْوَقْفُ عَلَى إِلَّا اللَّهُ، لَا {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، خِلَافًا لِقَوْمٍ.
قَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ. قُلْنَا: لَا بُعْدَ فِي تَعَبُّدِ الْمُكَلَّفِ بِالْعَمَلِ بِبَعْضِ الْكِتَابِ، وَالْإِيمَانِ بِبَعْضٍ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَقْصًى فِي كِتَابِ «بُغْيَةِ السَّائِلِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الْخَامِسَةُ فِيهِ» : أَيْ: فِي الْقُرْآنِ، «الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ «أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ» .
قُلْتُ: سَأَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا آخِرَ الْمَسْأَلَةِ، وَيَنْبَغِي الْكَلَامُ فِي لَفْظِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَمَعْنَاهُ.
أَمَّا لَفْظُهُ: فَالْمُحْكَمُ: مُفْعَلٌ مِنْ أَحْكَمْتُ الشَّيْءَ أُحْكِمُهُ إِحْكَامًا ; فَهُوَ مُحْكَمٌ: إِذَا أَتْقَنْتُهُ ; فَكَانَ عَلَى غَايَةِ مَا يَنْبَغِي مِنَ الْحِكْمَةِ. وَمِنْهُ بَنَّاءٌ مُحْكَمٌ، أَيْ: ثَابِتٌ مُتْقَنٌ، يَبْعُدُ انْهِدَامُهُ.
وَالْمُتَشَابِهُ: مُتَفَاعِلٌ مِنَ الشِّبْهِ، وَالشَّبَهِ، وَالشَّبِيهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَمْرٌ مُشْتَرِكٌ ; فَيَشْتَبِهُ وَيَلْتَبِسُ بِهِ.
وَأَمَّا مَعْنَاهُ: فَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمَ الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى، كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْبَيَانِ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ.
وَ «الْمُتَشَابِهَ مُقَابِلُهُ» : أَيْ: مُقَابِلُ الْمُحَكِّمِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَّضِحِ الْمَعْنَى ; فَتَشْتَبِهُ بَعْضُ
(2/43)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُحْتَمَلَاتِهِ بِبَعْضٍ لِلِاشْتِرَاكِ، أَيْ: تُشَابِهُهُ.
وَعَدَمُ اتِّضَاحِ مَعْنَاهُ: إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ، كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمُشْتَرِكَاتِ، أَوْ لِإِجْمَالٍ ; وَهُوَ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ بِدُونِ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الْأَنْعَامِ: 141] ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ الْحَقِّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَوْ لِظُهُورِ تَشْبِيهٍ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، كَآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا نَحْوَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرَّحْمَنِ: 27] ، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [الْمَائِدَةِ: 64] ، يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تُغِيضُهَا النَّفَقَةُ، فَيَضَعُ الْجَبَّارُ قَدَمَهُ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا، خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; لِأَنَّ هَذَا اشْتَبَهَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَلَى النَّاسِ ; فَلِذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ بِظَاهِرِهِ ; فَجَسَّمُوا وَشَبَّهُوا، وَفَرَّ قَوَّمَ مِنَ التَّشْبِيهِ ; فَتَأَوَّلُوا وَحَرَّفُوا ; فَعَطَّلُوا، وَتَوَسَّطَ قَوْمٌ ; فَسَلَّمُوا
(2/44)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَرُّوهُ كَمَا جَاءَ، مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ ; فَسَلِمُوا، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَظْهَرُ الْوَقْفُ عَلَى إِلَّا اللَّهُ، لَا {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ، خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، هَذَا تَرْجِيحٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّسْلِيمِ وَتَرْكِ التَّأْوِيلِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مِنْ الْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ آيَاتِ الصِّفَاتِ، الَّتِي ظَاهِرُهَا الْمُشَاهَدُ التَّشْبِيهُ ; فَالْحُكْمُ فِيهِ عِنْدَنَا التَّسْلِيمُ، مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ، وَعَدَمِ التَّأْوِيلِ الْمُفْضِي إِلَى التَّعْطِيلِ، وَلَمَّا كَانَ مَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ التَّسْلِيمِ وَالتَّأْوِيلِ هُوَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 7] ، احْتِيجَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا لِيَظْهَرَ الْحَقُّ.
وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ قَالُوا: الْوَقْفُ التَّامُّ فِي الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} أَيْ: تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مُبْتَدَأٌ مُسْتَأْنَفٌ، يَقُولُونَ خَبَرُهُ. وَإِذَا كَانَ الْمُتَشَابِهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَجَبَ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ الْخَلْقُ ; فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْمُتَشَابِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
(2/45)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الشُّورَى: 11] ; فَأَثْبَتَ وَنَزَّهَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَتِ الْمُؤَوِّلَةُ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: الْوَقْفُ التَّامُّ فِي الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، أَيْ: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ; فَأَثْبَتَ لَهُ تَأْوِيلًا، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ. وَإِذَا كَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ مَعْلُومٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَجَبَ أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُوهِمِ لِلتَّشْبِيهِ، الْمُسْتَحِيلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِبَرَاهِينِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَمْلٌ لَهُ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ هَذَا دَلِيلُ الْمُؤَوِّلَةِ.»
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوِ اخْتُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ دُونَ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَكَانَ خِطَابُهُ لِلنَّاسِ بِهِ خِطَابًا لَهُمْ بِمَا لَا يَفْهَمُونَهُ، وَالْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ مُحَالًا ; لِأَنَّ فَائِدَةَ الْخِطَابِ الْإِفْهَامُ، فَإِذَا وَقَعَ الْخِطَابُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْإِفْهَامُ، خَلَا عَنْ فَائِدَتِهِ الَّتِي وُضِعَ لَهَا ; فَيَكُونُ عَبَثًا، وَالْعَبَثُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا:» لَا بُعْدَ فِي تَعَبُّدِ الْمُكَلَّفِ بِالْعَمَلِ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَالْإِيمَانِ بِبَعْضٍ «» ، هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَلِيلِهِمُ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ بَعْدَ مَا ذَكَّرْتُمُوهُ، إِذْ لَا بُعْدَ فِي أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِإِنْزَالِ كِتَابِهِ عَمَلًا وَإِيمَانًا، بِأَنْ يُنْزِلَهُ مُحْكَمًا يَتَعَبَّدُهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ، وَمُتَشَابِهًا يَتَعَبَّدُهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْأَبْدَانِ وَالنُّفُوسِ فِي التَّعَبِ وَالتَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ إِلْزَامُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ كَمَا سَبَقَ ; فَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْأَبْدَانِ بِمَا تُعَانِيهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّكْلِيفِ وَنَحْوِهَا، كَالصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ. وَمَشَقَّةِ النُّفُوسِ وَالْعُقُولِ بِمَا تُعَانِيهِ مِنْ
(2/46)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التَّصْدِيقِ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَشَقَّتَيْنِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» ، وَلِهَذَا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [الْبَقَرَةِ: 3] ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّكْلِيفَ عَمَلِيٌّ وَاعْتِقَادِيٌّ، ثُمَّ الْعَمَلِيُّ مِنْهُ مَعْقُولٌ، وَمِنْهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، كَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَأَشْبَاهِهِمَا، وَأَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ رَمَلٍ وَاضْطِبَاعٍ، وَتَجَرُّدٍ وَنَحْوِهِ. فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ الِاعْتِقَادِيُّ أَيْضًا مُشْتَمِلًا عَلَى مَا يُفْهَمُ وَمَا لَا يُفْهَمُ؟ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَجْدَرُ بِحُصُولِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ، وَهِيَ تُبَيِّنُ الْمُطِيعَ مِنَ الْعَاصِي.
فَائِدَةٌ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ ; فَقَالَ الطَّنْزِيُّ - بِالنُّونِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ - فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمَاتِ: قِيلَ: هِيَ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي آخِرِ الْأَنْعَامِ: {قُلْ تَعَالَوْا} إِلَى آخِرِهِنَّ [الْأَنْعَامِ: 151 - 153] ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُنْسَخْ، وَقِيلَ: النَّصُّ، وَقِيلَ: غَيْرُ الْمُجْمَلِ، {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} ، أَيْ: أَصْلُهُ. {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} ، هِيَ ضِدُّ الْمُحْكَمِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا:
أَحَدُهَا - وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا -: الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مَا عُرِفَ تَأْوِيلُهُ، وَفُهِمَ مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرُهُ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ سَبِيلٌ إِلَى عِلْمِهِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَذَلِكَ كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَوَقْتِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ.
(2/47)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
الثَّانِي: يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُحْكَمَاتُ: نَاسِخُهُ، وَحَرَامُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَنَعْمَلُ بِهِ. وَالْمُتَشَابِهَاتُ: الْمَنْسُوخَاتُ، وَمُقَدَّمُهُ، وَمُؤَخَّرُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ، وَالضَّحَّاكِ: الْمُحْكَمَاتُ: النَّاسِخَاتُ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: الْمَنْسُوخَاتُ.
الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ إِسْحَاقَ -: الْمُحْكَمَاتُ هِيَ الَّتِي فِيهَا حُجَّةُ الرَّبِ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، وَلَيْسَ لَهُنَّ تَحْرِيفٌ وَلَا تَصْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ، وَتَحْرِيفٌ، وَتَأْوِيلٌ، ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ.
الْخَامِسُ: قَالَ النُّحَاسُ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمَ مَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَدِّهِ إِلَى غَيْرِهِ، نَحْوَ {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الْإِخْلَاصِ: 4] ، {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: 82] ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ نَحْوَ {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} ، يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} وَإِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النِّسَاءِ: 48] .
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الْمُحْكَمُ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التَّوْحِيدُ فَقَطْ.
(2/48)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزَمَنْدَادُ: لِلْمُتَشَابِهِ وُجُوهٌ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، أَيُّ الْآيَتَيْنِ نَسَخَتِ الْأُخْرَى، كَمَا ذَهَبَ عُمَرُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ; إِلَى أَنَّ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطَّلَاقِ: 4] ; نَسَخَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [الْبَقَرَةِ: 234] ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: لَمْ تَنْسَخْهَا، وَتَعْتَدُ بِأَطْوَلِ الْأَجَلَيْنِ، وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ ; نُسِخَتْ أَمْ لَا، وَكَتَعَارُضِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النِّسَاءِ: 23] بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْأُخْرَيَانِ يَقْتَضِيَانِ جَوَازَهُ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ بَعْدَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أُخَرَ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ: الْمُتَشَابِهُ: هُوَ مَا غَمُضَ عِلْمُهُ عَلَى غَيْرِ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، كَالْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ، نَحْوَ: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} [الْمُرْسَلَاتِ: 35] ، مَعَ الْآيَةِ الْأُخْرَى: {قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52] .
(2/49)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثَّانِي: قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمُتَشَابِهُ: الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَالْمُحْكَمُ: مَا عَدَاهُ.
الثَّالِثُ: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْمُحْكَمُ: الْوَعْدُ، وَالْوَعِيدُ، وَالْحَرَامُ، وَالْحَلَالُ، وَالْمُتَشَابِهُ: الْقَصَصُ، وَالْأَمْثَالُ.
قُلْتُ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْقُرْآنَ كُلُّهُ مُحْكَمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هُودٍ: 1] : وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزُّمَرِ: 23] ذَكَرَهُمَا الْقُرْطُبِيُّ، وَلَيْسَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِـ {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} : يَعْنِي: فِي نَظْمِهَا، وَوَضْعِهَا، وَجَزَالَةِ لَفْظِهَا، حَتَّى بَلَغَ حَدَّ الْإِعْجَازِ. وَمُتَشَابِهُ الْكِتَابِ: تَصْدِيقُ بَعْضِهِ بَعْضًا، لِتَشَابُهِ مَعَانِيهِ وَمَضْمُونَاتِهِ ; فَهُوَ غَيْرُ مُتَنَاقِضٍ بِحَيْثُ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. فَأَمَّا التَّشَابُهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ; فَهُوَ التَّشَابُهُ الِاحْتِمَالِيُّ الْإِجْمَالِيُّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [الْبَقَرَةِ: 70] ، أَيْ: إِنَّ لَفْظَ الْبَقَرِ يَحْتَمِلُ أَشْخَاصًا كَثِيرَةً مِنَ الْبَقَرِ، لَا نَعْلَمُ أَيَّهَا الْمُرَادُ. وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، ثُمَّ إِذَا رُدَّتِ الْوُجُوهُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَأُبْطِلَ الْبَاقِي، صَارَ الْمُتَشَابِهُ مُحْكَمًا. وَالْمُحْكَمُ: مَا لَا الْتِبَاسَ فِيهِ، وَلَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا.
قُلْتُ: هَذِهِ جُمْلَةٌ صَالِحَةٌ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ تَقْسِيمًا أَدْرَجَ فِيهِ النَّصَّ، وَالظَّاهِرَ، وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُؤَوَّلَ، وَالْمُحْكَمَ، وَالْمُتَشَابِهَ.
وَمَعْنَى تَقْسِيمِهِ وَحَاصِلُهُ: أَنَّ اللَّفْظَ الْمُفِيدَ لِمَعْنًى ; إِمَّا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ غَيْرَ ذَلِكَ
(2/50)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَعْنَى، وَهُوَ النَّصُّ، أَوْ يَحْتَمِلَ غَيْرَهُ ; فَإِمَّا عَلَى السَّوَاءِ، وَهُوَ الْمُجْمَلُ، أَوْ مَعَ رُجْحَانِ أَحَدِ مَعَانِيهِ ; فَالرَّاجِحُ ظَاهَرٌ، وَالْمَرْجُوحُ مُؤَوَّلٌ. فَالنَّصُّ وَالظَّاهِرُ يَشْتَرِكَانِ فِي رُجْحَانِ الْإِفَادَةِ، غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ مَانِعٌ مِنَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمُحْكَمُ، وَالْمُؤَوَّلُ وَالْمُجْمَلُ يَشْتَرِكَانِ فِي عَدَمِ الرُّجْحَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُؤَوَّلَ مَرْجُوحٌ ; وَالْمُجْمَلَ غَيْرُ مَرْجُوحٍ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمُتَشَابِهُ.
قُلْتُ: هَذَا مَا لَمْ أَعْلَمْهُ لِغَيْرِهِ، وَأَحْسَبُهُ مِنَ اصْطِلَاحَاتِهِ مَعَ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّ مَا قَالَهُ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، وَيَكُونُ مِنْ بَعْضِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَالْمُخْتَارُ مِنَ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَأَنَّ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ، أَعْنِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَنَحْوَهَا، لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَمَّا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِتَفْصِيلِ الْجُمَلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ فِي سِيَاقِهَا قِسْمَانِ: لَفْظًا: وَهُوَ أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ مِنْ مَوَارِدِهَا، أَوْ تَقْدِيرًا، نَحْوَ: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [الْقَصَصِ: 67] . وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِسْمَ الْآخَرَ لِدَلَالَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، إِذْ قَدْ فُهِمَ مِنْهُ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَيَعْمَلْ صَالِحًا ; فَلَا يُفْلِحُ، وَلَهُ نَظَائِرُ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَاهُنَا: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ، هَذَا تَمَامُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ فِي سِيَاقِ «أَمَّا» فَاقْتَضَى وَضْعُ اللُّغَةِ وَعُرْفُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا ذِكْرَ قِسْمٍ آخَرَ ; فَكَانَ تَقْدِيرُهُ: وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ; فَيَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، لَكِنْ دَلَّتْ أَمَّا الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ ; فَحُذِفَتْ لِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، ثُمَّ
(2/51)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حُذِفَتِ الْفَاءُ مِنْ جَوَابِهَا ; لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا إِضْمَارٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ؟
قُلْنَا: قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ اللُّغَوِيُّ وَضْعًا، وَاسْتِعْمَالًا، وَعُرْفًا، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اقْتِضَاءِ «أَمَّا» قِسْمَيْنِ فَصَاعِدًا بَعْدَهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ} ، وَإِنِ احْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ عَاطِفَةٍ، غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا مَا يُرَجِّحُ كَوْنَهَا اسْتِئْنَافِيَّةً مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَطْفَ، لَقَالَ: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ. عَطْفًا لِـ «يَقُولُونَ» عَلَى «يَعْلَمُونَ» الْمُضْمَرِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ، وَيَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، أَوْ وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ وَيَقُولُونَ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ «يَقُولُونَ» جُمْلَةٌ فِي اللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ نَصْبٌ لِلْحَالِ، مَعَ إِضْمَارِ فِعْلِهَا الْعَامِلِ فِيهَا، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ: عَبْدُ اللَّهِ رَاكِبًا، بِمَعْنَى: أَقْبَلَ ; فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ: وَالرَّاسِخُونَ قَائِلِينَ، بِتَقْدِيرِ: يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ [مَعْمَرٍ عَنْ] ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ [فِي الْعِلْمِ] : آمَنَّا بِهِ» . فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ بَيَّنَتْ إِجْمَالَ الْوَاوِ فِي الْآيَةِ،
(2/52)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَنَّهَا اسْتِئْنَافِيَّةٌ لَا عَاطِفَةٌ، ثُمَّ إِنْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْآيَةِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ بِتَفْسِيرِ مَنْ فُوِّضَ إِلَيْهِ بَيَانُ الْقُرْآنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهَا مِنْهُ ; فَهُوَ مُرَجِّحٌ لِقَوْلِنَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَدْ وُجِدَ لَهُ مُبَيِّنٌ مُرَجِّحٌ، وَهُوَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، الْمَذْكُورَةُ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الرَّاسِخُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عِلْمِ الْمُتَشَابِهِ، وَقَالَهُ الرَّبِيعُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمْ.
قُلْنَا: هَذَا لَا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَثُبُوتِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ نَسَقَ «الرَّاسِخُونَ» عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ.
قُلْتُ: ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ ذَكَرُوهُ غَيْرَهُ، لَكَاَنَ مَا ذَكَرُوهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْعَطْفِ مُعَارَضًا بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنَ الِاسْتِئْنَافِ، وَأَمَّا الْمَذْكُورُونَ مَعَهُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْعَطْفُ ; فَقَوْلُهُمْ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالُوا بِالِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ، وَالْفَرَّاءِ، وَالْأَخْفَشِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَرَوَاهُ يُونُسُ عَنِ الْأَشْهَبِ عَنْ مَالِكٍ ; فِيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَقَالَ أَبُو نَهِيكٍ الْأَسَدِيُّ: إِنَّكُمْ تَصِلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَإِنَّهَا مَقْطُوعَةٌ،
(2/53)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمَا انْتَهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ إِلَّا إِلَى قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. وَقَالَ مِثْلَ هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْأَحْكَامِ، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِمَّنْ ذَكَرْتُمْ ; فَيَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الِاسْتِئْنَافِ مَرْوِيَّةٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَمَوْضِعُهُ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ غَيْرُ خَفِيٍّ، خُصُوصًا وَقَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحِكْمَةِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ ; فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ تَأْوِيلٌ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُقَدَّمُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي تَرْجِيحِ كَوْنِهَا اسْتِئْنَافِيَّةً: أَنَّ بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ تَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا، وَالْحَالُ: فَضْلَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ رُكْنِ الْجُمْلَةِ، وَكَوْنُ الْجُمْلَةُ رُكْنًا أَقْوَى مِنْ كَوْنِهَا فَضْلَةً، وَإِذَا دَارَ أَمْرُ اللَّفْظَةِ بَيْنَ أَقْوَى الْحَالَيْنِ وَأَضْعَفِهِمَا، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَقْوَى أَوْلَى.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنْ أَصْلِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ دَلَّ عَلَى ذَمِّ مُبْتَغِي الْمُتَشَابِهِ، إِذْ وُصِفُوا بِزَيْغِ الْقُلُوبِ، وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ، وَقَدْ صَرَّحَتِ السُّنَّةُ بِذَمِّهِمْ ; فَرَوَى الْقَاسِمُ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 7] ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ; فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ ; فَاحْذَرُوهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ،
(2/54)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَإِذَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مُتَّبِعَ الْمُتَشَابِهِ مَذْمُومٌ ; فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهِ مَعْلُومًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعُهُ مَذْمُومًا ; لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ لِلْمُتَشَابِهِ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الْأَعْرَافِ: 3] ، أَوْ يَتَّبِعُهُ بِمَعْنَى السُّؤَالِ عَنْ مَعَانِيهِ وَمُشْكِلَاتِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ; فَالْمُتَّبِعُ لَهُ: إِمَّا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ; فَقَدْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ ; فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ لَا الذَّمَّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الرَّاسِخِينَ ; فَقَدْ قَلَّدَ الرَّاسِخِينَ فِي أَمْرِ دِينِهِ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُقَلِّدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النَّحْلِ: 43] .
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاتِّبَاعِ التَّتَبُّعَ وَالسُّؤَالَ ; فَهَذَا السَّائِلُ يَتَعَرَّفُ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ مِنْ أَهْلِهِ - الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ - وَتَعَلُّمُ التَّأْوِيلِ مِنْ أَهْلِهِ أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا ; فَلَا يَكُونُ مَذْمُومًا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قَدْ أَطْلَقَ ذَمَّ مُبْتَغِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ يُزَاحِمُ الْبَارِئَ جَلَّ جَلَالُهُ فِيمَا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَثَلِ: إِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ فَالْهَ عَنْهُ.
نَعَمْ، قَدْ قِيلَ: اتِّبَاعُ الْمُتَشَابِهِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّشْكِيكِ فِي الْقُرْآنِ، وَإِضْلَالِ الْعَوَامِّ، وَهُوَ زَنْدَقَةٌ حُكْمُ فَاعِلِهِ الْقَتْلُ، وَقَدْ يَكُونُ لِاعْتِقَادِ ظَاهِرِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ
(2/55)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالتَّشْبِيهِ، وَالْأَصَحُّ فِيهِ كُفْرُ فَاعِلِهِ، إِذْ هُوَ كَعَابِدِ الصَّنَمِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْإِكْثَارِ مِنْهُ لَا لِلتَّشْكِيكِ وَلَا لِلتَّشْبِيهِ، كَمَا فَعَلَ صَبِيغُ بْنُ عِسْلٍ حِينَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَحُكْمُهُ التَّأْدِيبُ، كَمَا أَدَّبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَبِيغًا، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْبَحْثِ عَنْ تَأْوِيلِهِ وَإِيضَاحِ مَعْنَاهُ، وَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَتَفْوِيضِ أَمْرِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنْ حُمِلَ اتِّبَاعُهُ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْمُومَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَمِّ مُتَّبِعِ الْمُتَشَابِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، لَكِنَّ الذَّمَّ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ; فَيَقْتَضِي عُمُومَ الِاتِّبَاعِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّ قَوْلَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ: آمَنَّا بِهِ، يَدُلُّ عَلَى تَفْوِيضٍ مِنْهُمْ، وَتَسْلِيمٍ لِمَا لَمْ يَقِفُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِهِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ الَّذِي مُدِحَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [الْقَصَصِ: 52 - 53] ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّسْلِيمِ لِمُرَادِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنَافِي فَهْمَهُمُ الْمُرَادَ بِهِ، نَعَمْ قَوْلُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، بَعْدَ قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ، يَدُلُّ دَلَالَةً قَوِيَّةً عَلَى التَّفْوِيضِ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَصَارَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُحْكَمَ الَّذِي يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَالْمُتَشَابِهَ الَّذِي لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ بِهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ هُوَ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ; فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِمَا عَنْ فَهْمٍ وَتَعَقُّلٍ فِي الْمُحْكَمِ، وَتَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ فِي الْمُتَشَابِهِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ فِي الْوَاوِ بِالْعَطْفِ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَمُجَاهِدٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: نَحْنُ مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، يَعْنِي الْمُتَشَابِهَ.
(2/56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ((اللَّهُمَّ عِلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)) وَدُعَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَجَابٌ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلِمَ التَّأْوِيلَ، وَهُوَ عَامٌّ فِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا عَلِمَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، جَازَ أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِنَ الرَّاسِخِينَ، إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَقْتَضِي عِلْمَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ، نَعَمْ مِنَ الْمُتَشَابِهِ مَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، وَمِنْهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ دُونَهُمْ، كَالرُّوحِ، وَوَقْتِ السَّاعَةِ، وَأَمَارَاتِهَا الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا، كَالدَّجَّالِ، وَنَحْوِهِ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، أَرَادَ بِهِ هَذَا، أَمَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ بِحِكْمَةٍ عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ فِي اللُّغَةِ ; فَلَا.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي عَكْسِهِ، وَمِنِ اتِّفَاقِ الْجُمْهُورِ عَلَى خِلَافِ مُجَاهِدٍ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ دُعَاءِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِجَابَتُهُ بِنَفْسِ مَا يَدْعُو بِهِ، بَلْ رُبَّمَا صُرِفَ إِلَى غَيْرِهِ، بِأَنْ يُعَوَّضَ عَنْهُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ. وَقَدْ دَعَا بِدَعَوَاتٍ فَلَمْ يُجَبْ فِيهَا ; فَعُوِّضَ عَنْهَا دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ فِي الْآخِرَةِ، ادَّخَرَهُنَّ شَفَاعَةً لِأُمَّتِهِ، وَقَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ; فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا فَمَنَعَنِيهَا. سَلَّمْنَا أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ دُعَائِهِ الْإِجَابَةَ ; لَكِنَّ التَّأْوِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى
(2/57)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَأْوِيلِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَشَابِهٍ ; إِمَّا تَخْصِيصًا لَهُ بِذَلِكَ بِأَدِلَّتِنَا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مَعْهُودًا بَيْنَهُمْ ; لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ; فَتَكُونُ اللَّامُ فِي التَّأْوِيلِ لِلْعَهْدِ.
وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ; الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى كُنْهِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ لِغَيْرِهِ، كَمَا حُكِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ. وَقَالَ:
حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا ... فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ فِي الْقِدَمِ
أَمَّا الْعَالِمُونَ بِحَمْلِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ ; فَلَيْسُوا بِرَاسِخِينَ، بَلْ لَيْتَهُمْ لَا يَكُونُونَ خَاسِرِينَ، إِذِ الْإِقْدَامُ عَلَى وَصْفِ الْبَارِئِ جَلَّ جَلَالُهُ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلَا دَلِيلَ قَاطِعٌ عَلَيْهِ - مَعَ إِمْكَانِ سُلُوكِ طَرِيقِ السَّلَامَةِ، بِالسُّكُوتِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ - بَعِيدٌ عَنِ الْعِلْمِ فَضْلًا عَنِ الرُّسُوخِ فِيهِ. وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّهَا مِنَ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَمَعَ ذَلِكَ ; هِيَ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
قَوْلُهُ: «وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَقْصًى فِي» بُغْيَةِ السَّائِلِ «» ، هَذَا كِتَابٌ كُنْتُ صَنَّفْتُهُ
(2/58)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِبَغْدَادَ، ذَكَرْتُ فِيهِ جُمْلَةً مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَكَانَ أَصْلُ الْبَاعِثِ لِي عَلَى تَأْلِيفِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ; فَاسْتَقْصَيْتُ فِيهَا مَا أَظُنُّهُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا. وَهَاهُنَا أَشْيَاءُ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ، وَسَمَّيْتُهُ «بُغْيَةَ السَّائِلِ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ» ; لِأَنِّي تَحَرَّيْتُ فِيهِ ذِكْرَ الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ مِنْ مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْكِتَابُ.
(2/59)

السُّنَّةُ
وَالسُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ، وَشَرْعًا، اصْطِلَاحًا: مَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا، أَوْ إِقْرَارًا، وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ تَوَاتُرًا، وَمُوجِبٌ لِلْعَمَلِ إِنْ بَلَغَهُ آحَادًا، مَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا، يَصْرِفُهُ عَنْهُ دَلِيلٌ، لِدَلَالَةِ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ خِلَافِهِ.
وَالْخَبَرُ: مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِي مِثْلِ: مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ. مَرْدُودٌ، بِأَنَّهُمَا خَبَرَانِ: صَادِقٌ، وَكَاذِبٌ وَهُوَ قِسْمَانِ: تَوَاتُرٌ، وَآحَادٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ» . هَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، وَهُوَ السُّنَّةُ، وَهِيَ لُغَةً - أَيْ: فِي اللُّغَةِ - الطَّرِيقَةُ، وَالسِّيرَةُ مِنْ قَوْلِكَ: سَنَنْتُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِي، أَيْ: صَبَبْتُهُ، وَسَنَّ عَلَيْهِ الدِّرْعَ، أَيْ: صَبَّهَا، كَأَنَّ سَالِكَ الطَّرِيقِ يَنْصَبُّ عَلَيْهَا انْصِبَابَ الْمَاءِ.
وَقَالَ خَالِدٌ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ خَالِدُ ابْنُ أُخْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَهُوَ ابْنُ زُهَيْرٍ الْهُذَلِيُّ بْنُ مَحْرُوقٍ:
فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا
قُلْتُ: السِّيرَةُ: الْهَيْئَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا السَّيْرُ، وَهُوَ مُلَازَمَةُ الطَّرِيقِ، وَالطَّرِيقَةُ. وَالطَّرِيقُ: فَعِيلٌ، مِنْ طَرَقَ يَطْرُقُ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَ يَطْرُقُهُ النَّاسُ رِجَالًا
(2/60)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَرُكْبَانًا، وَالسِّيرَةُ: مِنَ السَّيْرِ، وَالسُّنَّةُ: مِنَ السَّنِّ، وَهُوَ الصَّبُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا وَاصْطِلَاحًا» ، أَيْ: وَالسُّنَّةُ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ، «مَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ إِقْرَارًا» عَلَى فِعْلٍ.
فَالْقَوْلُ: كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَالْفِعْلُ: كَمَا شُوهِدَ مِنْهُ مِنَ الْأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، كَرَفْعِ يَدَيْهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَكَسَعْيِهِ فِي الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا يُقْطَعُ الْوَادِي إِلَّا شَدًّا.
وَالْإِقْرَارُ: كَسَائِرِ مَا رَأَى الصَّحَابَةَ يَقُولُونَهُ أَوْ يَفْعَلُونَهُ ; فَلَا يَنْهَاهُمْ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانُوا إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَعْنِي الْمَغْرِبَ ابْتَدَرُوا السَّوَارِي يُصَلُّونَ
(2/61)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنِ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ ; فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ لِكَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهَا، قِيلَ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَكَاحْتِجَاجِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى إِبَاحَةِ الضَّبِّ بِأَنَّهُ أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَنَهَى عَنْهُ، وَكَاحْتِجَاجِهِ عَلَى إِبَاحَةِ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ: الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ، وَالْإِقْرَارِ، أَيْ: تَقْرِيرُ مَنْ يَسْمَعُهُ يَقُولُ شَيْئًا، أَوْ يَرَاهُ يَفْعَلُهُ، عَلَى قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ، بِأَنْ لَا يُنْكِرَهُ، أَوْ يَضُمَّ إِلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ تَحْسِينًا لَهُ، أَوْ مَدْحًا عَلَيْهِ، أَوْ ضَحِكًا مِنْهُ عَلَى جِهَةِ السُّرُورِ بِهِ، كَتَبَسُّمِهِ مِنْ قِيَافَةِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ حِينَ رَأَى زَيْدًا وَأُسَامَةَ نَائِمَيْنِ قَدْ بَدَتْ أَقْدَامُهُمَا مِنْ قَطِيفَةٍ ; فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. وَكَضَحِكِهِ مِنَ الْحَبْرِ
(2/62)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الَّذِي جَاءَهُ ; فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَضَعُ الْأَرْضَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالسَّمَاءَ عَلَى أُصْبُعٍ. الْحَدِيثَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصْدِيقًا لِمَا قَالَ الْحَبْرُ.
نَعَمْ شَرْطُ كَوْنِ إِقْرَارِهِ حُجَّةً، بَلْ شَرْطُ كَوْنِ تَرْكِهِ الْإِنْكَارَ إِقْرَارًا: عِلْمُهُ بِالْفِعْلِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ ; لِأَنَّهُ بِدُونِ الْعِلْمِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَوْ مُنْكِرٌ، وَمَعَ الْعَجْزِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُقِرٌّ، كَحَالِهِ مَعَ الْكُفَّارِ فِي مَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ كَلِمَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: «شَرْعًا اصْطِلَاحًا» : احْتِرَازٌ مِنَ السُّنَّةِ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ الْعَامِّ ; فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَالتَّابِعَيْنِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ لِلسُّنَّةِ عُرْفًا خَاصًّا فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا، وَعُرْفًا عَامًّا، وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنْهُ، أَوْ عَنِ السَّلَفِ مِنَ
(2/63)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَوْ بَلَغَهُ تَوَاتُرًا، وَمُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، إِنْ بَلَغَهُ آحَادًا» .
قُلْتُ: مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَعَ ظُهُورِهِ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا مِنْهُ لِغَيْرِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، أَوْ مَنْقُولًا إِلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الرُّوَاةِ.
فَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا مِنْهُ ; فَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ، كَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنْهُ الْأَحْكَامَ، لَا يُسَوَّغُ خِلَافُهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، إِلَّا بِنَسْخٍ أَوْ جَمْعٍ بَيْنَ مُتَعَارِضٍ بِالتَّأْوِيلِ، وَذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ لَا يُعَدُّ خِلَافًا.
وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا إِلَى الْغَيْرِ ; فَهُوَ إِمَّا تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ، فَإِنْ كَانَ تَوَاتُرًا ; فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، كَالْمَسْمُوعِ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; فَصَارَ كَالْمَسْمُوعِ مِنْهُ شِفَاهًا فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ، غَيْرَ أَنَّ مَدْرَكَ الْعِلْمِ فِي الْمَسْمُوعِ الْحِسُّ، وَفِي التَّوَاتُرِ الْمُرَكَّبُ مِنَ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ، كَمَا سَبَقَ عِنْدَ ذِكْرِ مَدَارِكِ الْعِلْمِ.
وَإِنْ كَانَ آحَادًا ; فَهُوَ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، أَيْ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، لِمَا سَيَأْتِي فِي تَقْرِيرِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا: عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَيْ: مُشَافَهَةً، مُشْتَقًّا مِنَ الشَّفَةِ، أَيْ: يَسْمَعُهُ مِنْ فَمِهِ وَشَفَتَيْهِ، يُقَالُ: شَافَهْتُهُ مُشَافَهَةً وَشِفَاهًا، وَكَلَّمْتُهُ فُوهُ إِلَى فِيَّ، مَعْنَاهُ: وَكَلَّمْتُهُ شِفَاهًا، عَلَى جِهَةِ التَّأْكِيدِ، وَرَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ، لِاحْتِمَالِ
(2/64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَنَّهُ كَلَّمَهُ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ أَوْ كِتَابٍ. وَأَصْلُ شَفَةٍ: شَفَهَةٌ ; فَلِذَلِكَ ظَهَرَتِ الْهَاءُ فِي شُفَيْهَةٍ وَشِفَاهٍ وَمُشَافَهَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ تَصَارِيفِهَا.
قَوْلُهُ: «مَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا يَصْرِفُهُ عَنْهُ دَلِيلٌ» ، أَيِ: السُّنَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ الْمُكَلَّفَ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ نَقْلًا عَنْهُ، تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، قَطْعًا أَوْ ظَنًّا، كَمَا فُصِّلَ، مَا لَمْ يَكُنِ الَّذِي بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ مُجْتَهِدًا، يَصْرِفُهُ عَنْ مُقْتَضَى مَا سُمِعَ أَوْ نُقِلَ إِلَيْهِ دَلِيلٌ ; فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أَوْ بِخِلَافِ الدَّلِيلِ، حَرَامٌ.
وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّ الْمُكَلَّفَ الَّذِي بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ سَمَاعًا أَوْ نَقْلًا ; إِمَّا مُقَلِّدٌ ; فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ مُجْتَهِدٌ، فَإِنْ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ مُقْتَضَى مَا بَلَغَهُ دَلِيلٌ، لَزِمَهُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَحَرُمَ الْعُدُولُ عَنْهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَرَفَهُ عَنْهُ دَلِيلٌ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَصِيرُ إِلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ كَتَرْكِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقِ إِلَى الْمُقَيَّدِ، وَالْمَرْجُوحِ إِلَى الرَّاجِحِ، وَكَمَصِيرِ مَالِكٍ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَتَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَإِلَى الْقِيَاسِ، وَتَرْكِ النَّصِّ الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ، وَتَخْصِيصِ النُّصُوصِ بِالْعَادَاتِ، وَتَقْدِيمِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقِيَاسَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، إِذَا وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «لِدَلَالَةِ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ خِلَافِهِ» . هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ.
(2/65)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ سُنَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا، أَوْ نُقِلَتْ إِلَيْهِ، لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُعْجِزَ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكُلُّ مَنْ دَلَّ الْمُعْجِزُ عَلَى صِدْقِهِ ; فَهُوَ صَادِقٌ ; فَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَادِقٌ، وَكُلُّ صَادِقٍ فَقَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ ; فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ، وَالْمُقَدِّمَاتُ ظَاهِرَةٌ.
أَمَّا ظُهُورُ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ ; فَبِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تَوَاتَرَ وَدُوِّنَتْ فِيهِ الْكُتُبُ.
وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى الصِّدْقِ ; فَلِمَا تَقَرَّرَ فِي النُّبُوَّاتِ، مِنْ أَنَّ ظُهُورَ الْمُعْجِزِ عَلَى وَفْقِ دَعْوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ: صَدَقْتَ فِيمَا أَخْبَرْتَ بِهِ عَنِّي.
وَأَمَّا أَنَّ قَوْلَ الصَّادِقِ حُجَّةٌ ; فَلِأَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ، وَكُلُّ حَقٍّ فَهُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الْبَاطِلُ، وَالْمَصِيرُ إِلَى الْبَاطِلِ حَرَامٌ ; فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى الْحَقِّ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يُونُسَ: 32] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَصْدِيقِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِتَصْدِيقِهِ، كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً.
أَمَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النِّسَاءِ: 136] ، أَيْ: صَدِّقُوا ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّصْدِيقِ بِالرَّسُولِ إِلَّا اعْتِقَادُ صِدْقِهِ، وَقَبُولُ مَا جَاءَ بِهِ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آلِ عِمْرَانَ: 31] ، وَالْمُتَابَعَةُ فَرْعٌ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَمَلْزُومٌ لَهُ، وَالْأَمْرُ بِالْفَرْعِ وَالْمَلْزُومِ أَمْرٌ بِالْأَصْلِ وَاللَّازِمِ، وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
(2/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَصْدِيقِهِ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً ; فَلِأَنَّ تَصْدِيقَهُ إِيَّاهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَالْحَقُّ وَالصِّدْقُ حُجَّةٌ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَذَّرَ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النُّورِ: 63] ، وَكُلُّ مَنْ حَذَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَجَبَتْ مُوَافَقَتُهُ وَمُتَابَعَتُهُ ; لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ سَبَبُ الْعَذَابِ، وَسَبَبُ الْعَذَابِ حَرَامٌ ; فَالْمُخَالِفَةُ حَرَامٌ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ ; فَتَرْكُ الْمُخَالَفَةِ وَاجِبٌ، وَتَرْكُ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ الْمُتَابَعَةَ وَالْمُوَافَقَةَ ; فَتَكُونُ وَاجِبَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْكَ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ الْمُوَافَقَةَ لِجَوَازِ الْوَاسِطَةِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُكَلَّفُ مُخَالِفًا لِلرَّسُولِ وَلَا مُوَافِقًا لَهُ.
قُلْنَا: الْمُخَالَفَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الْآيَةُ هِيَ تَرْكُ امْتِثَالِ أَمْرِ الرَّسُولِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَتَرْكُ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ امْتِثَالَ أَمْرِهِ، وَالْإِقْبَالَ عَلَيْهِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَتَرْكِ امْتِثَالِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: «وَالْخَبَرُ مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ» ، أَيْ: مَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ: صَدَقَ أَوْ كَذَبَ ; فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، وَالِاسْتِفْهَامُ، وَالتَّمَنِّي، وَالدُّعَاءُ، نَحْوَ: قُمْ، وَلَا تَقُمْ، وَهَلْ تَقُومُ، وَلَيْتَكَ تَقُومُ، وَاللَّهُمَّ أَقِمْ فُلَانًا مِنْ صَرْعَتِهِ، إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: صَدَقَ أَوْ كَذَبَ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، قَامَ زَيْدٌ. وَإِنَّمَا دَلَّ تَطَرُّقُ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ إِلَى الْكَلَامِ عَلَى كَوْنِهِ خَبَرًا ; لِأَنَّهُمَا مَلْزُومَانِ لِلْخَبَرِ، وَأَخَصُّ مِنْهُ، إِذِ الصِّدْقُ هُوَ الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ، وَالْكَذِبُ هُوَ الْخَبَرُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ ; فَدَلَّا عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، وَالْأَخَصُّ عَلَى الْأَعَمِّ.
(2/67)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ ; فِيمَا أَحْسِبُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَبَارِ، وَهُوَ الْأَرْضُ الرَّخْوَةُ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ يُثِيرُ الْفَائِدَةَ، كَمَا أَنَّ الْأَرْضَ الْخَبَارَ تُثِيرُ الْغُبَارَ إِذَا قَرَعَهَا الْحَافِرُ.
ثُمَّ الْخَبَرُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِشَارَاتِ الْحَالِيَّةِ مَجَازًا، نَحْوَ: عَيْنَاكَ تُخْبِرُنِي بِكَذَا، وَالْغُرَابُ يُخْبِرُ بِالْفِرَاقِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
تُخَبِّرُنِي الْعَيْنَانِ مَا الصَّدْرُ كَاتِمُ
وَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
زَعَمَ الْبَوَارِحُ أَنَّ رِحْلَتَنَا غَدًا ... وَبِذَاكَ خَبَّرَنَا الْغُرَابُ الْأَسْوَدُ
وَحَقِيقَةُ الْخَبَرِ: هُوَ الْقَوْلُ اللِّسَانِيُّ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْإِسْنَادِ الْإِفَادِيِّ، وَمَنْ يُثْبِتُ كَلَامَ النَّفْسِ يُطْلِقُ الْخَبَرَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ فِي الْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ أَظْهَرُ ; لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَتَبَادُرِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِلَى الْفَهْمِ. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَصَوُّرِ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ، أَيْ: الْعِلْمِ بِهِ. فَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: هُوَ بَدِيهِيٌّ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ صِدْقَ قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَهُوَ خَبَرٌ خَاصٌّ، وَتَصَوُّرُ الْخَبَرِ الْخَاصِّ مَوْقُوفٌ عَلَى تَصَوُّرِ أَصْلِ الْخَبَرِ، وَمَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْبَدِيهِيُّ يَكُونُ بَدِيهِيًّا.
قُلْتُ: وَهَذَا وَهْمٌ ; لِأَنَّ قَوْلَنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، لَيْسَتْ خُصُوصِيَّتُهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَرًا، حَتَّى يَسْتَلْزِمَ كَوْنُهُ بَدِيهِيًّا كَوْنَ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ بَدِيهِيًّا، بَلْ إِنَّمَا خُصُوصِيَّتُهُ مِنْ جِهَةِ مَدْرَكِهِ، وَهُوَ بَدِيهَةُ الْعَقْلِ، وَمَدَارِكُ الْعُلُومِ تَخْتَلِفُ فِي
(2/68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، كَمَا تَخْتَلِفُ الْعُلُومُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلِمْنَا صِدْقَ قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، لَا لِكَوْنِ الْعِلْمِ بِمَاهِيَّةِ الْخَبَرِ بَدِيهِيًّا، حَتَّى لَوْ قُلْنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ، لَمْ نَعْلَمْ صِدْقَ هَذَا الْخَبَرِ بِالضَّرُورَةِ، حَتَّى نَعْلَمَ مُطَابَقَتَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ نَقْلٍ، وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُ تَصَوَّرِ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ بَدِيهِيًّا ; وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا، وَطَرِيقُ اكْتِسَابِهِ الْحَدُّ، وَقَدْ قِيلَ فِي حَدِّهِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَهُوَ مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَقِيلَ: مَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِ الْخَبَرِ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا ; فَيَكُونُ تَعْرِيفًا لِلْخَبَرِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ دَوْرٌ.
قُلْتُ: هَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: قَامَ زَيْدٌ، جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَإِذَا قَالَ لَهُ السَّامِعُ: كَذَبْتَ أَوْ صَدَقْتَ ; فَقَدْ أَجَابَهُ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ أَيْضًا، وَكِلَا الْجُمْلَتَيْنِ خَبَرٌ ; فَلَوْ عَرَّفْنَا الْأَوْلَى بِتَطَرُّقِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا، عَرَّفْنَا الْخَبَرَ بِتَطَرُّقِ الْخَبَرِ عَلَيْهِ.
فَالْأَجْوَدُ إِذَنْ فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ بِالْوَضْعِ عَلَى نِسْبَةِ مَعْلُومٍ إِلَى مَعْلُومٍ، أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ، مَعَ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى وَجْهٍ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْخَبَرُ: هُوَ الْمَوْضُوعُ لِلَفْظَيْنِ فَأَكْثَرَ، أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ إِسْنَادًا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ لِذَاتِهِ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَامَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: لِلَفْظَيْنِ فَأَكْثَرَ ; لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْخَبَرُ لَفْظَانِ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقَامَ
(2/69)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
زَيْدٌ، وَقَدْ يَتَرَكَّبُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، نَحْوَ: ضَرَبَ زِيدٌ عَمْرًا يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِالسَّيْفِ وَخَالِدًا ; فَكُلُّ هَذِهِ مُتَعَلِّقَاتُ الْجُمْلَةِ ; فَهِيَ خَبَرٌ وَاحِدٌ.
وَقَوْلُهُ: أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ: احْتِرَازٌ مِنْ مِثْلِ قَوْلِنَا: زَيْدٌ عَمْرٌو فِي الْكَلَامِ غَيْرِ الْمُنْتَظِمِ.
وَقَوْلُهُ: يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ: احْتِرَازٌ مِنَ الْإِسْنَادِ الْإِضَافِيِّ وَالْوَصْفِيِّ، نَحْوَ: غُلَامُ زَيْدٍ، وَرَجُلٌ صَالِحٌ ; فَإِنَّهُ لَفْظَانِ، أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ، وَلَيْسَ خَبَرًا ; لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ.
قُلْتُ: وَبِهَذَا يَرِدُ عَلَى حَدِّهِ الدَّوْرُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعْرِيفُ الْآمِدِيِّ سَالِمٌ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: لِذَاتِهِ: احْتِرَازٌ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَرُسُلِهِ، وَالْأَخْبَارِ الْبَدِيهِيَّةِ، نَحْوَ: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ ; فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ إِلَّا التَّصْدِيقَ. وَقَوْلُنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الْعَشْرَةِ ; فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ إِلَّا التَّكْذِيبَ، لَكِنَّ قَبُولَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، إِنَّمَا جَاءَهَا مِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ ; لِكَوْنِهِ مَعْصُومًا، أَوْ مَادَّتِهِ: الْمُخْبَرِ عَنْهُ، إِذْ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا ذَاكَ، لَا لِكَوْنِهَا أَخْبَارًا، إِذْ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهَا أَخْبَارًا تَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ.
فَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّ الْخَبَرَ لِذَاتِهِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ وَقَعَ خَبَرٌ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا أَحَدَهُمَا ; فَذَلِكَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْخَبَرِ ; إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ، أَوِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، أَوْ غَيْرِهِمَا إِنْ أَمْكَنَ.
قَوْلُهُ: «وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِي مِثْلِ مُحَمَّدٌ، وَمُسَيْلِمَةُ - لَعَنَهُ
(2/70)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اللَّهُ - صَادِقَانِ، مَرْدُودٌ بِأَنَّهُمَا خَبَرَانِ: صَادِقٌ وَكَاذِبٌ» . وَهَذَا سُؤَالٌ أُورِدَ عَلَى تَعْرِيفِ الْخَبَرِ بِمَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَجَوَابُهُ.
أَمَّا تَقْرِيرُ السُّؤَالِ: فَهُوَ أَنَّ قَوْلَكُمْ: الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ يَبْطُلُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ ; فَإِنَّهُ خَبَرٌ، وَالتَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِيهِ ; لِأَنَّ تَصْدِيقَ مُسَيْلِمَةَ فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَتَكْذِيبَهُ يُوجِبُ تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَادِقٌ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ خَبَرَانِ، صَادِقٌ، وَكَاذِبٌ، جَمَعْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَنَحْنُ إِنَّمَا عَرَّفَنَا بِمَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ الْخَبَرَ الْوَاحِدَ، وَلَوْ فَكَكْتُمُ الْجُمْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا إِلَى الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رُكِّبَتْ مِنْهُمَا، لَدَخَلَا فِي تَعْرِيفِنَا.
قُلْتُ: وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ جَيِّدٍ، عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْقَرَافِيِّ لِلْخَبَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّا لَوْ حَلَّلْنَا الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ إِلَى الْخَبَرَيْنِ، لَمَا احْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، إِذْ قَوْلُنَا: مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَادِقٌ، لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا التَّصْدِيقَ، وَقَوْلُنَا: مُسَيْلِمَةُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كَاذِبٌ ; لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا التَّكْذِيبَ، نَعَمِ امْتِنَاعُ التَّكْذِيبِ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّصْدِيقِ فِي الثَّانِي، لَمْ يَكُنْ لِذَاتِ الْخَبَرِ، بَلْ لِأَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ. وَهُوَ دَلَالَةُ مُعْجِزِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى صِدْقِهِ وَكَذِبِ مُسَيْلِمَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْخَبَرَ، «قِسْمَانِ: تَوَاتَرٌ وَآحَادٌ» ، وَلِقِسْمَتِهِ إِلَيْهِمَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: بِاعْتِبَارِ مُسْتَنَدِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ، إِنْ نَقَلَهُ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ قَوْمٌ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً، وَكَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ عَنْ مَحْسُوسٍ ; فَهُوَ تَوَاتُرٌ،
(2/71)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِلَّا فَهُوَ آحَادٌ.
الثَّانِي: بِاعْتِبَارِ نَقَلَتِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ إِنْ أَفَادَ الْعِلْمَ مُسْتَنِدًا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ ; فَهُوَ تَوَاتُرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ آحَادٌ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ: مُسْتَنِدًا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ ; لِأَنَّهُ بِدُونِ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْأَخْبَارَ الْبَدِيهِيَّةَ ; فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، لَكِنَّهَا مُسْتَنِدَةً إِلَى إِدْرَاكِ الْعَقْلِ، لَا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ.
(2/72)

وَالْأَوَّلُ: التَّوَاتُرُ لُغَةً: التَّتَابُعُ، وَاصْطِلَاحًا: إِخْبَارُ قَوْمٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ، بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ.
وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: التَّوَاتُرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَخَالَفَ السُّمَنِيَّةُ، إِذْ حَصَرُوا مَدَارِكَ الْعِلْمِ فِي الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ. لَنَا: الْقَطْعُ بِوُجُودِ الْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ، وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، لَا حِسًّا، وَلَا عَقْلًا، بَلْ تَوَاتُرًا. وَأَيْضًا الْمُدْرَكَاتُ الْعَقْلِيَّةُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَصْرُكُمُ الْمَذْكُورَ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَكُمْ، وَلَيْسَ حِسِيًّا، بَطَلَ قَوْلُكُمْ، وَإِلَّا فَهُوَ جَهْلٌ ; فَلَا يُسْمَعُ. قَالُوا: لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ لَمَا خَالَفْنَاكُمْ. قُلْنَا: عِنَادٌ وَاضْطِرَابٌ فِي الْعَقْلِ وَالطَّبْعِ، ثُمَّ يَلْزَمُكُمْ تَرْكُ الْمَحْسُوسَاتِ لِمُخَالَفَةِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَالْأَوَّلُ» ، أَيِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، «التَّوَاتُرُ لُغَةً» : أَيْ: فِي اللُّغَةِ «التَّتَابُعُ» .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُوَاتَرَةُ: الْمُتَابَعَةُ، وَلَا تَكُونُ الْمُوَاتَرَةُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَهَا فَتْرَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مُدَارَكَةٌ وَمُوَاصَلَةٌ، وَمُوَاتَرَةُ الصَّوْمِ: أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، وَيُفْطِرَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ الْمُوَاصَلَةُ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْوِتْرِ، وَكَذَلِكَ: وَاتَرْتُ الْكُتُبَ ; فَتَوَاتَرَتْ، أَيْ: جَاءَتْ بَعْضُهَا فِي أَثَرِ بَعْضٍ، وِتْرًا وِتْرًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْقَطِعَ.
قُلْتُ: هَذَا يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ التَّوَاتُرَ: التَّتَابُعُ الْمُتَدَارَكُ بِغَيْرِ فَصْلٍ ; فَأَمَّا فَهْمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الرُّسُلِ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [الْمُؤْمِنُونَ: 44] ، أَيْ: وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ; فَلَيْسَ مِنَ اللَّفْظِ، بَلْ مِمَّا ثَبَتَ مِنَ الْفَتَرَاتِ بَيْنَهُمْ، وَالَّذِي أَجِدُهُ يُبَادِرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنَ التَّوَاتُرِ، أَنَّهُ التَّتَابُعُ الْمُتَدَارَكُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(2/73)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَاصْطِلَاحًا» ، أَيْ: وَالتَّوَاتُرُ فِي الِاصْطِلَاحِ، أَيِ: اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَعُرْفِهِمْ: هُوَ «إِخْبَارُ قَوْمٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ، بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ» .
فَقَوْلُنَا: إِخْبَارُ قَوْمٍ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ -: مَصْدَرٌ، نَحْوَ: أَخْبَرَ إِخْبَارًا، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا: جَمْعُ خَبَرٍ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ التَّوَاتُرَ، وَالْآحَادَ الْمُسْتَفِيضَ، وَغَيْرَهُ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَخْبَارُ قَوْمٍ.
وَقَوْلُنَا: «يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ» : احْتِرَازٌ مِنْ إِخْبَارِ قَوْمٍ لَا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ الْآحَادُ.
وَقَوْلُنَا: لِكَثْرَتِهِمْ: احْتِرَازٌ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمَعْصُومِ، كَآحَادِ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ ; فَإِنَّهُ خَبَرُ قَوْمٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، بَلْ يَمْتَنِعُ الْكَذِبُ عَلَيْهِمْ أَصْلًا، وَلَيْسَ بِتَوَاتُرٍ، لِعَدَمِ الْكَثْرَةِ.
وَقَوْلُنَا: «تَوَاطُؤُهُمْ» : بِضَمِّ الطَّاءِ وَالْهَمْزَةِ: هُوَ الْأَصْلُ ; لِأَنَّهُ تَفَاعُلٌ مِنَ الْوَطْءِ، وَتَوَاطِيهِمْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ: هُوَ مَنْقُوصٌ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنْ حُذِفَ الْهَمْزُ وَقُلِبَتْ ضَمَّةُ الطَّاءِ كَسْرَةً تَخْفِيفًا وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ الْهَمْزُ فِي جَمِيعِ تَصَارِيفِهَا، وَالْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ.
وَقَوْلُنَا: «بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ» ، أَيْ: لِلتَّوَاتُرِ شُرُوطٌ قَدْ ذُكِرَتْ فِي مَسَائِلِهِ. وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: التَّوَاتُرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، أَيْ: يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَخَالَفَ السُّمَنِيَّةُ، وَالْبَرَاهِمَةُ أَيْضًا، أَيْ: قَالُوا: لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بَلِ الظَّنَّ، «إِذْ حَصَرُوا» ، أَيْ: إِنَّمَا خَالَفُوا فِي إِفَادَةِ الْمُتَوَاتِرِ الْعِلْمَ ; لِأَنَّهُمْ حَصَرُوا «مَدَارَكَ الْعِلْمِ فِي الْحَوَاسِّ
(2/74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْخَمْسِ» ، أَيْ: قَالُوا: لَا سَبِيلَ إِلَى إِدْرَاكِ عِلْمٍ مِنَ الْعُلُومِ إِلَّا بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ: السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالشَّمِّ، وَالذَّوْقِ، وَاللَّمْسِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السُّمَنِيَّةُ - بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ -: فِرْقَةٌ مِنْ عَبْدَةِ الْأَصْنَامِ، تَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، وَتُنْكِرُ وُقُوعَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ. قَالَ: وَالْبَرَاهِمَةُ: قَوْمٌ لَا يُجَوِّزُونَ عَلَى اللَّهِ بِعْثَةَ الرُّسُلِ.
قُلْتُ: إِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا ; لِأَنِّي سَمِعْتُ كَثِيرًا مِنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ الْأُصُولِيِّينَ، بَلْ وَخَاصَّتِهِمْ، يَقُولُونَ: السَّمْنِيَّةُ - بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْمِيمِ - وَيَعْتَقِدُونَهَا نِسْبَةً إِلَى السَّمْنِ الْمَأْكُولِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: السَّمَّنِيَّةُ - بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِهَا - وَلَيْسَ فِيهَا تَشْدِيدٌ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِفَادَةِ التَّوَاتُرِ الْعِلْمَ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقَطْعَ حَاصِلٌ لَنَا بِوُجُودِ الْبُلْدَانِ وَالْأَقَالِيمِ النَّائِيَةِ، كَمَكَّةَ، وَمِصْرَ، وَبَغْدَادَ، وَالْهِنْدِ، وَالصِّينِ، وَبِوُجُودِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، كَأُمَّةِ نُوحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، لَا مِنْ جِهَةِ الْحِسِّ وَلَا الْعَقْلِ، إِنَّمَا هُوَ بِالتَّوَاتُرِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ.
قَوْلُهُ: «وَأَيْضًا الْمُدْرَكَاتُ الْعَقْلِيَّةُ كَثِيرَةٌ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِبْطَالِ حَصْرِهِمْ مَدَارِكَ الْعِلْمِ فِي الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ كَثِيرَةٌ، وَمِنَ الْمُدْرَكَاتِ الْعَقْلِيَّةِ حَصْرُكُمُ الْمَذْكُورُ، أَيْ: حَصْرُكُمْ لِمَدَارِكِ الْعِلْمِ فِي الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ ; لِأَنَّكُمْ إِنَّمَا قَرَّرْتُمُوهُ وَأَدْرَكْتُمُوهُ عَقْلًا. فَنَقُولُ: هَذَا الْحَصْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لَكُمْ، أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَكُمْ، بِطُلَ قَوْلُكُمْ: إِنَّ مَدَارِكَ الْعِلْمِ مَحْصُورَةٌ فِي الْحَوَاسِّ ; لِأَنَّ هَذَا عِلْمٌ
(2/75)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَدْ حَصَّلْتُمُوهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْحَوَاسِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، لَكَانَ هَذَا الْحَصْرُ عَلَى ظَنٍّ، لَكِنَّ الظَّنَّ لَا يُفِيدُ فِي هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ» ، لَاشْتَرَكْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ بِالضَّرُورَةِ ; خُصُوصًا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وَلَوِ اشْتَرَكْنَا جَمِيعًا فِي حُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ لَمَا خَالَفْنَاكُمْ فِيهِ ; لِاضْطِرَارِ حُصُولِ الْعِلْمِ لَنَا إِلَى الْمُوَافَقَةِ، كَمَا أَنَّا لَمَّا شَارَكْنَاكُمْ فِي الْعُلُومِ الْحِسِّيَّةِ لَمْ نُخَالِفْكُمْ فِيهَا، فَلَمَّا لَمْ نُشَارِكْكُمْ فِي الْعِلْمِ التَّوَاتُرِيِّ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
قَوْلُهُ: قُلْنَا: عِنَادٌ وَاضْطِرَابٌ فِي الْعَقْلِ، هَذَا جَوَابُ دَلِيلِهِمْ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مُخَالَفَتَكُمْ لَنَا فِي إِفَادَةِ التَّوَاتُرِ الْعِلْمَ ; إِمَّا عِنَادٌ مِنْكُمْ، أَوِ اضْطِرَابٌ فِي عُقُولِكُمْ أَوْ طِبَاعِكُمْ، كَمَا يُخَالِفُ فِي الْحِسِّيَّاتِ لِاضْطِرَابِ عَقْلِهِ وَمِزَاجِهِ أَوْ حَوَاسِّهِ، نَحْوَ: مَنْ يَجِدُ طَعْمَ الْعَسَلِ مُرًّا، لِغَلَبَةِ الصَّفْرَاءِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ يَلْزَمُكُمْ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا إِلْزَامٌ عَلَى مُقْتَضَى دَلِيلِهِمْ.
وَتَقْرِيرُهُ: إِنْ لَزِمْنَا إِنْكَارُ إِفَادَةِ التَّوَاتُرِ الْعِلْمَ بِمُخَالَفَتِكُمْ لَنَا، لَزِمَكُمْ إِنْكَارُ إِفَادَةِ الْمَحْسُوسَاتِ الْعِلْمَ: بِمُخَالَفَةِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ لَكُمْ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِلْزَامِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ; فَمَا أَجَبْتُمْ بِهِ السُّوفِسْطَائِيَّةَ عَنْ إِفَادَةِ الْحَوَاسِّ الْعِلْمَ ; فَهُوَ جَوَابُنَا لَكُمْ عَنْ إِفَادَةِ التَّوَاتُرِ الْعِلْمَ.
تَنْبِيهٌ: وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ السُّوفِسْطَائِيَّةِ هَا هُنَا ; فَلْنَذْكُرْ هَذِهِ النِّسْبَةَ، وَفِرَقَ أَهْلِهَا وَمَذَاهِبَهُمْ، تَكْمِيلًا لِفَائِدَةِ النَّاظِرِ.
أَمَّا نِسْبَتُهُمْ فَهِيَ لِتَجَاهُلِهِمْ ; لِأَنَّ سَفْسَطَ، أَيْ: تَجَاهَلَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِتَجَاهُلِهِمْ، وَقِيلَ: لِهَذَيَانَاتِهِمْ، يُقَالُ: سَفْسَطَ فِي الْكَلَامِ، إِذَا هَذَى فِي كَلَامِهِ.
(2/76)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا فِرَقُهُمْ فَثَلَاثٌ:
إِحْدَاهُنَّ: اللَّاأَدْرِيَةُ: نِسْبَةٌ إِلَى اللَّاأَدْرِي، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا نَعْرِفُ ثُبُوتَ شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَلَا انْتِفَاءَهُ، بَلْ نَحْنُ مُتَوَقِّفُونَ فِي ذَلِكَ. وَمَنْ شُبَهِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: رَأَيْنَا الْمَذَاهِبَ ; فَوَجَدْنَا أَهْلَ كُلِّ مَذْهَبٍ يَدَّعُونَ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِصِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، وَخَصْمُهُمْ يُكَذِّبُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَرُبَّمَا ادَّعَى الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ ; فَأَوْجَبَ ذَلِكَ التَّوَقُّفَ.
الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: تُسَمَّى الْعِنَادِيَّةُ: نِسْبَةٌ إِلَى الْعِنَادِ ; لِأَنَّهُمْ عَانَدُوا ; فَقَالُوا: نَحْنُ نَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَا مَوْجُودَ أَصْلًا، وَعُمْدَتُهُمْ ضَرْبُ الْمَذَاهِبِ بِبَعْضِ، وَالْقَدْحُ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ بِالْإِشْكَالَاتِ الْمُتَّجِهَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ فِي الْوُجُودِ مَوْجُودٌ لَكَانَ إِمَّا مُمْكِنًا أَوْ وَاجِبًا، وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ لِلْإِشْكَالَاتِ الْقَادِحَةِ فِي الْإِمْكَانِ وَالْوُجُوبِ، وَلَوْ كَانَ الْجِسْمُ مَوْجُودًا، لَكَانَ قَبُولُهُ لِلِانْقِسَامِ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ لِأَدِلَّةِ نُفَاةِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَالثَّانِي: بَاطِلٌ لِأَدِلَّةِ مُثْبِتِيهِ.
الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: تُسَمَّى الْعِنْدِيَّةُ، نِسْبَةٌ إِلَى لَفْظِ عِنْدَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَحْكَامُ الْأَشْيَاءِ تَابِعَةٌ لِاعْتِقَادَاتِ النَّاسِ فِيهَا ; فَكُلُّ مَنِ اعْتَقَدَ شَيْئًا ; فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا هُوَ عِنْدَهُ وَفِي اعْتِقَادِهِ ; فَالْعَالَمُ مَثَلًا قَدِيمٌ عِنْدَ مَنِ اعْتَقَدَ قِدَمَهُ، مُحْدَثٌ عِنْدَ مَنِ اعْتَقَدَ حُدُوثَهُ، كَالصَّفْرَاوِيِّ: يَجِدُ السُّكَّرَ فِي فَمِهِ مُرًّا، وَغَيْرِهِ يَجِدُهُ حُلْوًا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَائِقَ تَابِعَةٌ لِلْإِدْرَاكَاتِ.
هَذِهِ فِرَقُ السُّوفِسْطَائِيَّةِ وَمَقَالَاتُهُمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مُنَاظَرَتِهِمْ ; فَقَالَ
(2/77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَعْضُهُمْ: لَا تَجُوزُ ; لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُنَاظِرُونَ بِالدَّلِيلِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ حَقِيقَةَ الدَّلِيلِ وَمُقَدَّمَاتِهِ وَسَائِرَ الْأَشْيَاءِ، لَكِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى قَطْعِهِمْ أَنْ يُضْرَبُوا، وَيُحَرَّقُوا بِالنَّارِ، حَتَّى يَجِدُوا حَقِيقَةَ الْأَلَمِ ; فَتَبْطُلُ دَعْوَاهُمْ، وَقَالَ قَوْمٌ: يُنَاظَرُونَ وَيُلْزَمُونَ أُمُورًا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ تَسْلِيمِهَا. مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: هَلْ لِمَذْهَبِكُمْ هَذَا حَقِيقَةٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا ; لَمْ يَسْتَحِقْ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فِي إِنْكَارِ الْمَوْجُودَاتِ، وَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، أَبْطَلُوا قَوْلَهُمْ بِإِنْكَارِ الْحَقَائِقِ، وَمِثْلَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: هَلْ تُمَيِّزُونَ بَيْنَ الدُّخُولِ فِي النَّارِ، وَالدُّخُولِ فِي الْمَاءِ؟ أَوْ بَيْنَ ضَرْبِكُمْ وَعَدَمِهِ؟ أَوْ بَيْنَ مَذْهَبِكُمْ وَمَا يُنَاقِضُهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، اعْتَرَفُوا بِالْحَقَائِقِ، وَإِلَّا عُرِّفُوا الْحَقَائِقَ بِالضَّرْبِ وَالْإِيلَامِ وَنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/78)

الثَّانِيَةُ: الْعِلْمُ التَّوَاتُرِيُّ ضَرُورِيٌّ عِنْدَ الْقَاضِي، نَظَرِيٌّ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَوَافَقَ كُلًّا آخَرُونَ.
الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا، لَمَا حَصَلَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلِأَنَّ الضَّرُورِيَّ مَا اضْطُرَّ الْعَقْلُ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهِ، وَهَذَا كَذَلِكَ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا، لَمَا افْتَقَرَ إِلَى النَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَهِيَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْإِخْبَارِ، وَعَدَمُ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ.
وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، إِذْ مُرَادُ الْأَوَّلِ بِالضَّرُورِيِّ: مَا اضْطُرَّ الْعَقْلُ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَالثَّانِي: الْبَدِيهِيُّ: الْكَافِي فِي حُصُولِ الْجَزْمِ بِهِ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ، وَالضَّرُورِيُّ مُنْقَسِمٌ إِلَيْهِمَا ; فَدَعْوَى كُلٍّ، غَيْرُ دَعْوَى الْآخَرِ، وَالْجَزْمُ بِهِ حَاصِلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: الْعِلْمُ التَّوَاتُرِيُّ» أَيْ: الْحَاصِلُ عَنْ خَبَرِ التَّوَاتُرِ، «ضَرُورِيٌّ عِنْدَ الْقَاضِي» أَبِي يَعْلَى «نَظَرِيٌّ» ، أَيْ: يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَوَافَقَ كُلًّا آخَرُونَ، أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَافَقَهُ عَلَى قَوْلِهِ آخَرُونَ، أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
أَمَّا الْقَاضِي ; فَوَافَقَهُ الْجُمْهُورُ، وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ فَوَافَقَهُ الْكَعْبِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالدَّقَّاقُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ الْوَقْفَ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ الضَّعِيفَةِ عِنْدَهُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُ» أَيِ: احْتَجَّ الْأَوَّلُ - وَهُوَ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ - بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِلْمَ التَّوَاتُرِيَّ «لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا، لَمَا حَصَلَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» ، وَالْحَمْقَى، وَنَحْوِهِمْ. لَكِنَّهُ حَاصِلٌ لِهَؤُلَاءِ ; فَلَا يَكُونُ
(2/79)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نَظَرِيًّا ; فَيَكُونُ ضَرُورِيًّا، وَهَذَا الْوَجْهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعِلْمَ «الضَّرُورِيَّ مَا اضْطُرَّ الْعَقْلُ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهِ، وَهَذَا» ، أَيِ الْعِلْمُ التَّوَاتُرِيُّ، كَذَلِكَ فَيَكُونُ ضَرُورِيًّا ; لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اضْطِرَارِ الْعَقْلِ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهِ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ مِمَّنْ بَلَغَهُ وُجُودُ مَكَّةَ بِالتَّوَاتُرِ، فِي أَنَّ عَقْلَهُ يَضْطَرُّهُ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهِ.
قَوْلُهُ: «الثَّانِي» ، أَيِ احْتَجَّ الثَّانِي، وَهُوَ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْعِلْمَ التَّوَاتُرِيَّ نَظَرِيٌّ، بِأَنَّهُ «لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا، لَمَا افْتَقَرَ إِلَى النَّظَرِ» ، لَكِنَّهُ افْتَقَرَ إِلَى النَّظَرِ ; فَلَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ، أَعْنِي: افْتِقَارَ هَذَا الْعِلْمِ إِلَى النَّظَرِ ; فَلِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ حُصُولُهُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِخْبَارِ بِوُجُودِ مَكَّةَ مَثَلًا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ يَمْتَنِعُ عَادَةً ; فَلَزِمَ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ حُصُولُ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِطَرِيقِ الْإِنْتَاجِ الْقِيَاسِيِّ.
وَتَقْرِيرُهُ عَلَى الْوَجْهِ الصِّنَاعِيِّ أَنَّ وُجُودَ مَكَّةَ مَثَلًا، أَخْبَرَ بِهِ جَمْعٌ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً، وَكُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ جَمْعٌ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً ; فَهُوَ مَعْلُومٌ ; فَوُجُودُ مَكَّةَ مَعْلُومٌ، وَلَا نَعْنِي بِالْعِلْمِ النَّظَرِيِّ إِلَّا هَذَا.
قُلْتُ: وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ حُصُولُ هَذَا الْعِلْمِ عَلَى النَّظَرِ فِيهَا حَاصِلَةٌ فِي أَوَائِلِ الْفِطْرَةِ ; فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَبِيرِ تَأَمُّلٍ، وَمِثْلُهُ لَا يُسَمَّى
(2/80)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نَظَرِيًّا ; إِنَّمَا النَّظَرِيُّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ. هَذَا مَا أَجَابُوا بِهِ، وَهُوَ جَيِّدٌ، لَا بَأْسَ بِهِ.
قَوْلُهُ: «وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى جِهَةِ الْوَسَاطَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، جَمْعًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ ; لَا يُنَازِعُ فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْقَائِلَ بِأَنَّهُ نَظَرِيٌّ ; لَا يُنَازِعُ فِي أَنَّ الْعَقْلَ يُضْطَرُّ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهِ، وَإِذَا وَافَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَاحِبَهُ عَلَى مَا يَقُولُهُ فِي حُكْمِ هَذَا الْعِلْمِ وَصِفَتِهِ ; لَمْ يَبْقَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَوَّلَ سَمَّى مَا يُضْطَرُّ الْعَقْلُ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهِ - وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ نَظَرِيَّةٍ - ضَرُورِيًّا، وَالثَّانِي سَمَّى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ - وَإِنْ كَانَتْ فِطْرِيَّةً بَيِّنَةً - نَظَرِيًّا، وَخَصَّ الضَّرُورِيَّ بِالْبَدِيهِيِّ، وَهُوَ الْكَافِي فِي حُصُولِ الْجَزْمِ بِهِ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ، كَقَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، فَإِنَّ مَنْ تَصَوَّرَ حَقِيقَةَ الْوَاحِدِ ; وَتَصَوَّرَ حَقِيقَةَ الِاثْنَيْنِ ; حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِي: «إِذْ مُرَادُ الْأَوَّلِ بِالضَّرُورِيِّ مَا اضْطُرَّ الْعَقْلُ إِلَى تَصْدِيقِهِ» ، أَيْ: سَوَاءٌ تَوَقَّفَ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ بَيِّنَةٍ أَوْ لَا، «وَالثَّانِي» : أَيْ: وَمُرَادُ الثَّانِي بِالضَّرُورِيِّ، «الْبَدِيهِيُّ الْكَافِي فِي حُصُولِ الْجَزْمِ بِهِ» أَيِ: التَّصْدِيقِ الْجَازِمِ بِهِ تَصَوَّرُ طَرَفَيْهِ، أَعْنِي الْمَوْضُوعَ وَالْمَحْمُولَ، وَإِنْ شِئْتَ الْمَحْكُومَ وَالْمَحْكُومَ عَلَيْهِ، نَحْوَ: الْعَالَمُ مَوْجُودٌ، وَالْمَعْدُومُ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا حَالَ عَدَمِهِ، وَالْقَدِيمُ لَا يَكُونُ
(2/81)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حَادِثًا، وَبِالْعَكْسِ فِيهِمَا. بِخِلَافِ قَوْلِنَا: الْعَالِمُ حَادِثٌ، أَوْ لَيْسَ بِقَدِيمٍ ; فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّصْدِيقِ بِهِ مِنْ وَاسِطَةٍ ; فَنَقُولُ: الْعَالَمُ مُؤَلَّفٌ، وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ، أَوْ لَيْسَ بِقَدِيمٍ.
قَوْلُهُ: «وَالضَّرُورِيُّ مُنْقَسِمٌ إِلَيْهِمَا» ، أَيِ: الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ مُنْقَسِمٌ إِلَى الْبَدِيهِيِّ، الَّذِي يُدْرَكُ بِالْبَدِيهَةِ، مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى وَاسِطَةِ نَظَرٍ، وَإِلَى مَا اضْطُرَّ الْعَقْلُ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهِ بِوَاسِطَةِ النَّظَرِ.
قَوْلُهُ: «فَدَعْوَى كُلٍّ» ، أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، «غَيْرُ دَعْوَى الْآخَرِ» ، هَذَا بَيَانٌ لِعَدَمِ تَوَارُدِ حُجَّةِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى مَوْرِدٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقُولُ: هُوَ ضَرُورِيٌّ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْوَسَاطَةِ الْبَيِّنَةِ، وَالْآخِرُ يَقُولُ: لَيْسَ بَدِيهِيًّا غَنِيًّا عَنِ الْوَاسِطَةِ مُطْلَقًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوَافِقٌ لِلْآخَرِ عَلَى قَوْلِهِ، «وَالْجَزْمُ بِهِ حَاصِلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ» ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ يَقُولُ: إِنَّ التَّوَاتُرَ مُفِيدٌ الْعِلْمَ الْجَازِمَ، لَكِنْ تَنَازَعَا فِي تَسْمِيَتِهِ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا.
قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ ذِكْرِنَا لِلْعَمَلِ أَنَّهُ الْحُكْمُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِمُوجَبٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُوجَبَ إِمَّا عَقْلٌ، أَوْ سَمْعٌ، أَوْ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا، وَهُوَ التَّوَاتُرُ ; لِتَرَكُّبِهِ مِنْ نَقْلِ النَّقَلَةِ، وَنَظَرِ السَّامِعِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ; فَصَارَ التَّوَاتُرُ كَالْوَاسِطَةِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ ; فَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ، وَعَلَى هَذَا يَتَرَتَّبُ تَقْسِيمُ الْعِلْمِ إِلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ. وَالْقَطْعِيُّ: إِمَّا بَدِيهِيٌّ مَحْضٌ، أَوْ نَظَرِيٌّ مَحْضٌ، أَوْ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ التَّوَاتُرِيُّ، كَمَا قَدْ رَأَيْتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2/82)

الثَّالِثَةُ: قِيلَ: مَا حَصَّلَ الْعِلْمَ فِي وَاقِعَةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ، أَفَادَهُ فِي غَيْرِهَا، وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ شَارَكَهُ فِي السَّمَاعِ، مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ إِنْ تَجَرَّدَ الْخَبَرُ عَنِ الْقَرَائِنِ، أَمَّا مَعَ اقْتِرَانِهَا بِهِ ; فَيَجُوزُ الِاخْتِلَافُ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَسْمَعَ اثْنَانِ خَبَرًا، يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمَا الْعِلْمُ بِهِ، لِقَرَائِنَ احْتَفَّتْ بِالْخَبَرِ، اخْتُصَّ بِهَا دُونَ الْآخَرِ، وَإِنْكَارُهُ مُكَابَرَةٌ.
وَيَجُوزُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ الْقَرَائِنِ، لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُخْبِرِينَ فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ وَتَزَايُدِهِ حَتَّى يَجْزِمَ بِهِ، كَمَنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ بِمَوْتِ مَرِيضٍ مُشْفٍ، ثُمَّ مَرَّ بِبَابِهِ ; فَرَأَى تَابُوتًا بِبَابِ دَارِهِ، وَصُرَاخًا، وَعَوِيلًا، وَانْتِهَاكَ حَرِيمٍ، وَلَوْلَا إِخْبَارُ الْمُخْبِرِ، لَجَوَّزَ مَوْتَ آخَرَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: قِيلَ: مَا حَصَّلَ الْعِلْمَ فِي وَاقِعَةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ، أَفَادَهُ فِي غَيْرِهَا، وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ شَارَكَهُ فِي السَّمَاعِ» . هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ ; فِيمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ. أَمَّا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فَقَالَ: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى هَذَا ; فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَحَدَ هَذَيْنِ، أَوْ هُمَا، أَوْ غَيْرَهُمَا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ مَا أَفَادَ الْعِلْمَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَجَبَ أَنْ يُفِيدَهُ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ غَيْرِهَا، وَمَا أَفَادَ الْعِلْمَ شَخْصًا مِنَ النَّاسِ، وَجَبَ أَنْ يُفِيدَهُ لِكُلِّ شَخْصٍ غَيْرِهِ إِذَا شَارَكَهُ فِي سَمَاعِ ذَلِكَ الْخَبَرِ، «مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ» ، أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ الْخَبَرُ ; فَيُفِيدُ الْعِلْمَ فِي وَاقِعَةٍ دُونَ أُخْرَى، وَلَا لِشَخْصٍ دُونَ آخَرَ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ صَحِيحٌ إِنْ تَجَرَّدَ الْخَبَرُ عَنِ الْقَرَائِنِ» ، أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ تَجَرُّدِ الْخَبَرِ عَنِ الْقَرَائِنِ، أَوْ لَا مَعَ تَجَرُّدِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ تَجَرُّدِهِ عَنِ الْقَرَائِنِ ; فَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْمِثْلَيْنِ وَاحِدٌ. فَإِذَا أَخْبَرَ مِائَةُ نَفْسٍ زَيْدًا بِمَوْتِ عَمْرٍو، وَحَصَلَ
(2/83)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَهُ الْعِلْمُ بَخَبَرِهِمْ ; وَجَبَ أَنْ يُفِيدَ بِشْرًا خَبَرُ مِائَةِ نَفْسٍ بِمَوْتِ بَكْرٍ، أَوْ تَزَوُّجِهِ، أَوْ حُصُولِ وَلَدٍ لَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، لِاسْتِوَاءِ الْقَضَايَا وَالْأَشْخَاصِ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مَعَ اقْتِرَانِ قَرَائِنَ بِالْخَبَرِ ; فَلَا يَلْزَمُ، بَلْ يَجُوزُ الِاخْتِلَافُ، أَيْ: اخْتِلَافُ إِفَادَةِ الْخَبَرِ الْعِلْمَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْوَقَائِعِ، إِذْ لَا يَبْعُدُ، وَلَا يَمْتَنِعُ، أَنْ يَسْمَعَ اثْنَانِ خَبَرًا وَاحِدًا، وَقَدِ احْتَفَّتْ بِذَلِكَ الْخَبَرِ قَرِينَةٌ أَوْ قَرَائِنُ، اخْتُصَّ بِعِلْمِهَا أَحَدُهُمَا ; فَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِالْخَبَرِ مَعَ الْقَرِينَةِ، دُونَ الْآخَرِ، لِعَدَمِ ظُهُورِهِ عَلَى تِلْكَ الْقَرِينَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ قَائِمَةٌ مَقَامَ بَعْضِ الْمُخْبِرِينَ ; فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أُخْبِرَ أَحَدُهُمَا تَوَاتُرًا وَالْآخِرُ آحَادًا. وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو: قَدْ تَزَوَّجَ بَكْرٌ، وَيَكُونُ زَيْدٌ قَدْ رَأَى بَكْرًا بِالْأَمْسِ يَشْتَرِي جِهَازَ الْعُرْسِ، دُونَ عَمْرٍو. أَوْ يُخْبِرُهُمَا الْمُخْبِرُ بِمَوْتِ بَكْرٍ، وَيَكُونُ زَيْدٌ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَرِيضٌ مَيْئُوسٌ مِنْهُ، دُونَ عَمْرٍو ; فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ زَيْدًا يَحْصُلُ لَهُ زِيَادَةُ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ مَا لَا يَحْصُلُ لِعَمْرٍو مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ، عِلْمًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ، «وَإِنْكَارُهُ مُكَابَرَةٌ» .
قَوْلُهُ: «وَيَجُوزُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ الْقَرَائِنِ، لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُخْبِرِينَ فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ وَتَزَايُدِهِ حَتَّى يَجْزِمَ بِهِ» . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْعِلْمَ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ يَحْصُلُ عَلَى جِهَةِ التَّزَايُدِ التَّدْرِيجِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ مُخْبِرٍ لِلْإِنْسَانِ بِخَبَرٍ يُحَرِّكُ عِنْدَهُ ظَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرِ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ فِي صِدْقِهِ وَعَدَالَتِهِ، وَتَيَقُّظِهِ وَذَكَائِهِ، ثُمَّ كَلَّمَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ مُخْبِرٌ بَعْدَ مُخْبَرٍ، تَزَايَدَ ذَلِكَ الظَّنُّ بِإِخْبَارِهِمْ، حَتَّى يَبْلُغَ الْقَطْعَ وَالْيَقِينَ فِي نَفْسِهِ.
(2/84)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ; فَالْقَرَائِنُ الْمُحْتَفَّةُ بِالْخَبَرِ تَقُومُ مَقَامَ آحَادِ الْمُخْبِرِينَ فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ وَتَزَايُدِهِ ; لِأَنَّا نَجِدُ تَأْثِيرَهَا فِي أَنْفُسِنَا بِالضَّرُورَةِ، وَإِذَا كَانَتْ بِمَثَابَةِ الْمُخْبِرِينَ ; جَازَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَهَا ; لِأَنَّ مُخْبِرًا وَاحِدًا مَعَ عِشْرِينَ قَرِينَةً يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ مُخْبِرًا، بَلْ رُبَّمَا أَفَادَتِ الْقَرِينَةُ الْوَاحِدَةُ مَا لَا يُفِيدُهُ خَبَرُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُخْبِرِينَ، بِحَسْبَ ارْتِبَاطِ دَلَالَتِهَا بِالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ عَقْلًا.
قَوْلُهُ: «كَمَنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ بِمَوْتٍ مَرِيضٍ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مِثَالُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا لَوْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ بِمَوْتٍ مَرِيضٍ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مُشْفٍ عَلَى الْمَوْتِ، «ثُمَّ مَرَرْنَا بِبَابِ ذَلِكَ الْمَرِيضِ ; فَرَأَيْنَا عَلَيْهِ تَابُوتًا» ، أَيْ: نَعْشًا، وَصُرَاخًا وَعَوِيلًا دَاخِلَ الدَّارِ، وَانْتِهَاكَ حَرِيمٍ ; فَإِنَّا نَجْزِمُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ الَّذِي أُخْبِرْنَا بِمَوْتِهِ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَوْلَا إِخْبَارُ الْمُخْبِرِ لَجَوَّزَ مَوْتَ آخَرَ» ، هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِعِلْمِنَا بِمَوْتِ الْمَرِيضِ الْمَذْكُورِ هُوَ خَبَرُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ، بَلِ الْمُوجِبُ لَهُ تِلْكَ الْقَرَائِنُ الَّتِي رَأَيْنَاهَا.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْعِلْمِ بِمَوْتِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَعَ تِلْكَ الْقَرَائِنِ، لَا الْقَرَائِنُ بِمَجَرَّدِهَا، أَنَّهُ لَوْلَا خَبَرُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ، لَمَا اخْتُصَّ الْعِلْمُ بِمَوْتِ ذَلِكَ الْمَرِيضِ الْمُعَيَّنِ، بَلْ كُنَّا نُجَوِّزُ مَوْتَ شَخْصٍ آخَرَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الْمَذْكُورَةَ، إِنَّمَا أَفَادَتْنَا أَنَّ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَيِّتًا لَا بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا خُصُوصِيَّةِ كَوْنِهِ فُلَانًا الْمَرِيضَ بِعَيْنِهِ ; فَإِنَّمَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ ; فَالْقَرَائِنُ مُفِيدَةٌ لِأَصْلِ الْمَوْتِ، وَالْخَبَرُ مُفِيدٌ لِتَعْيِينِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقَرَائِنَ كَالْمُخْبِرِينَ، وَلَوْ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ أَنَّ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَيِّتًا، ثُمَّ أَخْبَرَنَا آخَرُ أَنَّ الْمَيِّتَ الْمَذْكُورَ هُوَ فُلَانٌ، لَحَصَلَ لَنَا الْعِلْمُ بِمَوْتِ فُلَانٍ، مُسْتَنِدًا
(2/85)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِلَى مَجْمُوعِ الْخَبَرَيْنِ ; فَلِذَلِكَ إِذَا أَفَادَتْنَا الْقَرَائِنُ مَوْتًا مُطْلَقًا، وَأَفَادَنَا الْخَبَرُ مَيِّتًا مُعَيَّنًا، فَإِنَّ خَبَرَ الْمُخْبِرِ جُزْءٌ مِنْ مُسْتَنَدِ الْعِلْمِ بِالْمَوْتِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
(2/86)

الرَّابِعَةُ: شَرْطُ التَّوَاتُرِ: إِسْنَادُهُ إِلَى عِيَانٍ مَحْسُوسٍ، لِاشْتِرَاكِ الْمَعْقُولَاتِ. وَاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ فِي كَمَالِ الْعَدَدِ.
وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ، قِيلَ: اثْنَانِ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ: خَمْسَةٌ، وَقِيلَ: عِشْرُونَ، وَقِيلَ سَبْعُونَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الضَّابِطَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ ; فَيُعْلَمُ إِذَنْ حُصُولِ الْعَدَدِ، وَلَا دَوْرَ، إِذْ حُصُولُ الْعِلْمِ مَعْلُولُ الْإِخْبَارِ وَدَلِيلُهُ، كَالشِّبَعِ وَالرَّيِّ، مَعْلُولُ الْمُشْبِعِ وَالْمُرْوِيِّ وَدَلِيلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ ابْتِدَاءً الْقَدْرُ الْكَافِي مِنْهُمَا.
وَمَا ذُكِرَ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ تَحَكُّمٌ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. نَعَمْ، لَوْ أَمْكَنَ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ فِيهَا، أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ أَقَلِّ عَدَدٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، إِذِ الظَّنُّ يَتَزَايَدُ بِزِيَادَةِ الْمُخْبِرِينَ تَزَايُدًا خَفِيًّا تَدْرِيجِيًّا، كَتَزَايُدِ النَّبَاتِ، وَعَقْلِ الصَّبِيِّ، وَنُمُوِّ بَدَنِهِ، وَضَوْءِ الصُّبْحِ، وَحَرَكَةِ الْفَيْءِ ; فَلَا يُدْرَكُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الرَّابِعَةُ: شَرْطُ التَّوَاتُرِ إِسْنَادُهُ إِلَى عِيَانٍ مَحْسُوسٍ» ، هَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ التَّوَاتُرِ الَّتِي سَبَقَ الْوَعْدُ بِذِكْرِهَا، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إِلَى مُشَاهَدَةٍ حِسِّيَّةٍ، بِأَنْ يُقَالَ: رَأَيْنَا مَكَّةَ وَبَغْدَادَ، وَرَأَيْنَا مُوسَى وَقَدْ أَلْقَى عَصَاهُ ; فَصَارَتْ حَيَّةً تَسْعَى، وَرَأَيْنَا الْمَسِيحَ وَقَدْ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَرَأَيْنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدِ انْشَقَّ لَهُ الْقَمَرُ، وَسَمِعْنَاهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ، وَيَتَحَدَّى الْعَرَبَ بِهِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ.
وَلَا يَصِحُّ التَّوَاتُرُ عَنْ مَعْقُولٍ، لِاشْتِرَاكِ الْمَعْقُولَاتِ فِي إِدْرَاكِ الْعُقَلَاءِ لَهَا ; فَلَيْسَ اعْتِمَادُنَا فِيهَا عَلَى إِخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ مُفِيدًا لَنَا مَا لَيْسَ عِنْدَنَا ; لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُمْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ النَّظَرِ فِي أَنَّ الْعَالَمَ مَثَلًا مُحْدَثٌ، وَنَحْنُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَنْظُرَ فِيهِ ; فَنَعْلَمُ
(2/87)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَنَّهُ مُحْدَثٌ ; بِخِلَافِ الْمَحْسُوسَاتِ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ بَعْضٍ ; فَكَانَ الْإِخْبَارُ عَنْهَا مُفِيدًا لِلسَّامِعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَمَا قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ إِلَى مُشَاهَدَتِهِ سَبِيلٌ لِبُعْدِ الْمَكَانِ، كَمَنَ بِالصِّينِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَكَّةَ وَمِصْرَ، أَوْ لِانْقِضَاءِ الزَّمَانِ، كَأَهْلِ عَصْرِنَا مَثَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَصْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَعْصَارِ وَالْأُمَمِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ فِي كَمَالِ الْعَدَدِ، أَيْ: يَكُونُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ الْمُعْتَبَرِ الْمَذْكُورِ بَعْدُ مَوْجُودًا فِي طَرَفَيِ الْخَبَرِ وَوَاسِطَتِهِ.
فَالطَّرَفَانِ: أَحَدُهُمَا: الطَّبَقَةُ الْمُشَاهِدَةُ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، كَالصَّحَابَةِ الْمُشَاهِدِينَ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَالثَّانِي: الطَّبَقَةُ الْمُخْبِرَةُ لَنَا بِوُجُودِهِ، وَالْوَاسِطَةُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ طَبَقَاتِ الْمُخْبِرِينَ. فَتَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ مُسْتَكْمِلَةً لِعَدَدِ التَّوَاتُرِ ; فَلَوْ نَقَصَ بَعْضُهَا عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، خَرَجَ الْخَبَرُ عَنْ كَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ آحَادًا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ ; فَلَا يَنْقَلِبُ مُتَوَاتِرًا بَعْدُ. وَبِمِثْلِ هَذَا وَقَعَ الطَّعْنُ فِي تَوْرَاةِ الْيَهُودِ، وَإِنْجِيلِ النَّصَارَى، وَمَا نَقَلُوهُ عَنْ أَسْلَافِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَلُّوا - بِقَتْلِ بُخْتَنَصَّرَ لِأَكْثَرِهِمْ - عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَلَمْ يُفِدْ مَا نَقَلُوهُ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى، كَانُوا عَلَى عَهْدِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَعْدَهُ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، قَلِيلًا، لَا يَحْصُلُ بِهِمُ التَّوَاتُرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْهُمْ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْعَدَدُ مِنْ شُرُوطِ التَّوَاتُرِ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَ الْعَدَدِ مِنَ الْقَرَائِنِ كَمَا
(2/88)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ: هَلْ هُوَ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ أَوْ لَا؟ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ. اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا.
فَقِيلَ: أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ اثْنَانِ ; لِأَنَّهُمَا بَيِّنَةٌ مَالِيَّةٌ.
وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ ; لِأَنَّهُمْ بَيِّنَةٌ فِي الزِّنَى، وَجَزَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِأَنَّ خَبَرَهُمْ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ، لَمَا احْتَاجُوا إِلَى التَّزْكِيَةِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى ; لَكِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا إِجْمَاعًا ; فَلَا يُفِيدُ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ.
وَقِيلَ: خَمْسَةٌ ; عَدَدُ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ عَلَى الْأَشْهَرِ: نُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ لِاحْتِمَالِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْإِجْمَاعُ عَلَى احْتِيَاجِهِمْ إِلَى التَّزْكِيَةِ، وَالتَّوَاتُرُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعَدَالَةِ.
وَقِيلَ: عِشْرُونَ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الْأَنْفَالِ: 65] ، وَيَلْزَمُ قَائِلُ هَذَا أَنْ يَجْعَلَهُمْ مِائَةً، بَلْ أَلْفًا، تَعْيِينًا وَتَخْيِيرًا، لِمَا فِي سِيَاقِ الْآيَةِ مِنْ ذِكْرِ الْمِائَةِ وَالْأَلْفِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: سَبْعُونَ، عَدَدُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: أَرْبَعُونَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الْأَنْفَالِ: 64] ، وَكَانُوا حِينَئِذٍ أَرْبَعِينَ.
وَقِيلَ: ثَلَاثُمِائَةٌ، عَدَدُ أَصْحَابِ طَالُوتَ، وَأَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ حِكَايَةً عَنْ غَيْرِهِ: أَوْ عَشَرَةٌ، عَدَدُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ.
قُلْتُ: وَهُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَهِيَ بَيْعَةُ الْحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ،
(2/89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ. وَالْمَذْكُورُ فِي «الرَّوْضَةِ» هُوَ الْأَقْوَالُ الْخَمْسَةُ الْأُوَلُ.
قَوْلُهُ: «وَالْحَقُّ أَنَّ الضَّابِطَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ» ، أَيِ: الضَّابِطُ فِي حُصُولِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ حُصُولُ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ ; فَمَتَى حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْخَبَرِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْقَرَائِنِ، عَلِمْنَا حُصُولَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْخَبَرَ بِكَوْنِهِ مُجَرَّدًا عَنِ الْقَرَائِنِ ; لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ مَعَ الْقَرَائِنِ، وَلَا عَدَدَ فِيهِ ; فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُطْلَقِ حُصُولِ الْعِلْمِ حُصُولُ الْعَدَدِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ قَدْ تُفِيدُ مُنْضَمَّةً إِلَى عَدَدٍ مَا.
قَوْلُهُ: «وَلَا دَوْرَ» ، جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ فَرْعٌ عَلَى حُصُولِ الْعَدَدِ ; فَلَوْ عُرِّفَ حُصُولُ الْعَدَدِ بِحُصُولِ الْعِلْمِ، لَكَانَ دَوْرًا.
وَجَوَابُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ دَوْرٌ ; لِأَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ مَعْلُولُ الْإِخْبَارِ وَدَلِيلُهُ ; فَالْإِخْبَارُ عِلَّةُ حُصُولِ الْعِلْمِ، وَمَدْلُولٌ لَهُ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ بِوُجُودِ الْمَعْلُولِ لَا دَوْرَ فِيهِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ بِوُجُودِ الْعَالَمِ ; لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ وَالْمُوجِدُ لَهُ، وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ لَازِمُ الْمَعْلُولِ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ، وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِي الشِّبَعِ: هُوَ مَعْلُولُ الطَّعَامِ الْمُشْبِعِ وَدَلِيلُهُ، أَيْ دَلِيلُ الْمُشْبِعِ، إِذْ لَا شِبَعَ إِلَّا بِمُشْبِعٍ، وَالرِّيُّ: مَعْلُولُ الشَّرَابِ الْمُرْوِي وَدَلِيلُهُ، إِذْ لَا رِيَّ إِلَّا بِمُرْوٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ الْقَدْرُ الْكَافِي مِنَ
(2/90)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمُشْبِعِ وَالْمُرْوِي ابْتِدَاءً، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَلَا يَعْلَمُ الْقَدْرَ الْكَافِي لَهُ فِي الشِّبَعِ وَالرِّيِّ قَبْلَ أَنْ يَشْبَعَ، لَكِنْ إِذَا شَبِعَ وَرَوِيَ، عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَنَاوَلَ مِنَ الطَّعَامِ قَدْرًا مُشْبِعًا، وَمِنَ الشَّرَابِ قَدْرًا مُرْوِيًا ; فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، لَا نَعْلَمُ مِقْدَارَ الْعَدَدِ الْمُحَصِّلِ لِلْعِلْمِ مَا هُوَ، فَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْخَبَرِ، عَلِمْنَا حُصُولَ الْعَدَدِ الْمُحَصِّلِ لِلْعِلْمِ ; لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِحُصُولِ الْعِلْمِ وَشَرْطٌ لَهُ، وَالْمَشْرُوطُ وَالْمَلْزُومُ يَدُلَّانِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ وَالشَّرْطِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: «وَلَا دَوْرَ» ، إِذْ حُصُولُ الْعِلْمِ مَعْلُولُ الْإِخْبَارِ وَدَلِيلُهُ، كَالشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَعْلُولُ الْمُشْبِعِ وَالْمُرْوِي وَدَلِيلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ ابْتِدَاءً - أَيْ عِنْدِ ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ - الْقَدْرُ الْكَافِي مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: «وَمَا ذَكِرَ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ» ، يَعْنِي مَا سَبَقَ مِنَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَمَا بَعْدَهَا، «تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ» ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَخْلُقُ الْعِلْمَ عِنْدَ حُصُولِ الْعَدَدِ الْمُخْبِرِ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ مُتَوَلِّدًا عَنْ خَبَرِ التَّوَاتُرِ، كَمَا قَالَ شُذُوذٌ مِنَ النَّاسِ ; لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مُمْكِنٌ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ فَهُوَ مَقْدُورٌ لَهُ، وَكُلُّ مَقْدُورٍ لَهُ ; فَإِنَّمَا يُوجَدُ بِإِيجَادِهِ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ فَيَكُونُ مَوْجُودًا بِإِيجَادِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ التَّوَاتُرِيَّ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى ; جَازَ أَنْ يَخْلُقَهُ عِنْدَ إِخْبَارِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ; فَمَا مِنْ عَدَدٍ يُفْرَضُ إِلَّا وَخَلْقُ الْعِلْمِ مُمْكِنٌ عِنْدَ أَقَلَّ مِنْهُ وَأَكْثَرَ، وَإِذَا كَانَ الْمُؤَثِّرُ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ الْخَلْقَ ; فَعَدَدُ التَّوَاتُرِ سَبَبٌ مُعْتَادٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي
(2/91)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِيجَادِ الْعِلْمِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُرْتَبِطًا بِهِ ; حَتَّى يُقَدَّرَ مَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْعَدَدِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: «نَعَمْ لَوْ أَمْكَنَ الْوُقُوفُ» ، إِلَى آخِرِهِ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ الْعَدَدَ الْمُحَصِّلَ لِلْعِلْمِ التَّوَاتُرِيِّ غَيْرُ مُقَدَّرٍ كَمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ إِذَا خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعِلْمَ عِنْدَ عَدَدٍ مَا ; فَالْوُقُوفُ عَلَى مِقْدَارِ ذَلِكَ الْعَدَدِ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ مُحَالًا ; لَكِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهِ لِعُسْرِهِ وَمَشَقَّتِهِ ; لَا لِامْتِنَاعِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ، «فَلَوْ أَمْكَنَ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ فِيهَا» ، لَأَمْكَنَنَا أَنْ نَعْرِفَ «أَقَلَّ قَدْرٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ» ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَهَاهُنَا، مِنْ أَنَّ الظَّنَّ يَتَزَايَدُ بِزِيَادَةِ الْمُخْبِرِينَ تَزَايُدًا خَفِيًّا تَدْرِيجِيًّا، أَيْ: عَلَى التَّدْرِيجِ شَيْئًا يَسِيرًا بَعْدَ شَيْءٍ يَسِيرٍ، «كَتَزَايُدِ النَّبَاتِ، وَعَقْلِ الصَّبِيِّ، وَنُمُوِّ بَدَنِهِ» ، وَأَبْدَانِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، «وَضَوْءِ الصُّبْحِ، وَحَرَكَةِ الْفَيْءِ» لِخَفَاءِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ فِي فَلَكِهَا لِبُعْدِهَا ; فَكَذَلِكَ الظَّنُّ، يَتَحَرَّكُ بِأَوَّلِ مُخْبِرٍ، ثُمَّ يَزِيدُ بِالثَّانِي، وَالثَّالِثِ، وَهَلُمَّ جَرًّا، حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ ; فَلَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ مَثَلًا بِإِخْبَارِ الْخَامِسِ، وَأَمْكَنَنَا أَنَّ نُدْرِكَ ذَلِكَ، عَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْخَمْسَةَ قَدْ أَفَادَتِ الْعِلْمَ، أَوْ بِإِخْبَارِ السَّادِسِ، أَوِ السَّابِعِ فَصَاعِدًا ; فَكَذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِنَا هَذَا فِي «الْمُخْتَصِرِ» نَظَرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْعِلْمَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ إِخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ ; لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُقُوفِنَا عَلَى حَقِيقَةِ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَحْصُلُ
(2/92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَنَا الْعِلْمُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ فِيهَا أَنْ نَعْلَمَ أَقَلَّ قَدْرٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ مُطْلَقًا ; لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ إِخْبَارِ عَشَرَةٍ، وَفِي الْأُخْرَى عِنْدَ إِخْبَارِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ; فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/93)

وَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُخْبِرِينَ، وَلَا إِسْلَامُهُمْ ; لِأَنَّ مَنَاطَ حُصُولِ الْعِلْمِ الْكَثْرَةُ، وَلَا عَدَمُ انْحِصَارِهِمْ فِي بَلَدٍ، أَوْ عَدَدٍ، لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِإِخْبَارِ الْحَجِيجِ، وَأَهْلِ الْجَامِعِ، عَنْ صَادٍّ عَنِ الْحَجِّ، أَوْ مَانِعٍ مِنَ الصَّلَاةِ، وَلَا عَدَمُ اتِّحَادِ الدِّينِ وَالنَّسَبِ لِذَلِكَ، وَلَا عَدَمُ اعْتِقَادِ نَقِيضِ الْمُخْبَرِ بِهِ، خِلَافًا لِلْمُرْتَضَى.
وَكِتْمَانُ أَهْلِ التَّوَاتُرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ مُمْتَنِعٌ، خِلَافًا لِلْإِمَامِيَّةِ، لِاعْتِقَادِهِمْ كِتْمَانَ النَّصِّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ. لَنَا: أَنَّهُ كَتَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
قَالُوا: تَرَكَ النَّصَارَى نَقْلَ كَلَامِ عِيسَى فِي الْمَهْدِ. قُلْنَا: لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ وَاتِّبَاعِهِمْ لَهُ، وَقَدْ نُقِلَ أَنَّ حَاضِرِي كَلَامِهِ لَمْ يَكُونُوا كَثِيرِينَ.
وَفِي جَوَازِ الْكَذِبِ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ خِلَافٌ، الْأَظْهَرُ الْمَنْعُ عَادَةً، وَهُوَ مَأْخَذُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُخْبِرِينَ وَلَا إِسْلَامُهُمْ» ، يَعْنِي فِي التَّوَاتُرِ ; لِأَنَّ مَنَاطَ حُصُولِ الْعِلْمِ كَثْرَتُهُمْ، بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، لَا الْعَدَالَةُ وَالْإِسْلَامُ وَسَائِرُ أَوْصَافِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَاتِ ; وَأَخْبَارِ الْآحَادِ ; لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُفِيدُ الظَّنَّ، أَمَّا التَّوَاتُرُ فَهُوَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ أَوِ النَّظَرِيِّ كَمَا سَبَقَ ; فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ اعْتِبَارِ أَوْصَافِ الْمُخْبِرِينَ الْمُرَادَةِ ; لِتَقْوِيَةِ الظَّنِّ وَغَلَبَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ تَقْبَلُوا أَخْبَارَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى كَثْرَتِهِمْ ; بِأَنَّ شَرْعَهُمْ بَاقٍ أَبَدًا لَا يُنْسَخُ، وَنَحْوَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْقَادِحَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ؟
قُلْنَا: لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا سَبَقَ مِنِ اخْتِلَالِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي أَخْبَارِهِمْ لِقِلَّتِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى حُصُولِ الْعَدَدِ، وَنَحْنُ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا الْعِلْمُ بِصِحَّةِ مَا قَالُوا ; فَعَلِمْنَا جَزْمًا أَنَّ الْعَدَدَ لَمْ يَحْصُلْ، إِذْ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ
(2/94)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَا اسْتِنَادَ إِلَيْهِ، وَأَكْثَرُ مَا يَنْقُلُونَهُ مِنْ مَوْضُوعَاتِهِمْ، وَمَوْضُوعَاتِ الزَّنَادِقَةِ لَهُمْ، كَابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ وَنَحْوِهِ ; فَإِنَّهُ يُقَالُ: هُوَ الَّذِي نَبَّهَهُمْ أَنْ يَحْكُوا عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ، أَوْ شَرِيعَتِي بَاقِيَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
قَوْلُهُ: «وَلَا عَدَمُ انْحِصَارِهِمْ» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي التَّوَاتُرِ عَدَمُ انْحِصَارِ الْمُخْبِرِينَ فِي بَلَدٍ، أَوْ عَدَدٍ أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَا يَحْصُرُهُمْ عَدَدٌ وَلَا بَلَدٌ، لِانْتِشَارِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي الْبُلْدَانِ، «لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِإِخْبَارِ الْحَجِيجِ، وَأَهْلِ الْجَامِعِ، عَنْ صَادٍّ عَنِ الْحَجِّ، أَوْ مَانِعٍ مِنَ الصَّلَاةِ» يَعْنِي أَنَّ النَّاسَ الْمُجْتَمِعِينَ فِي الْحَجِيجِ، لَوْ أَخْبَرُوا أَنَّهُ عَرَضَ لَهُمْ مَانِعٌ مِنَ الْحَجِّ فِي عَامِهِمْ ذَلِكَ، كَعَدُوٍّ صَدَّهُمْ عَنِ الْبَيْتِ، أَوْ فِتْنَةٍ وَقَعَتْ، أَوْ غَوْرِ عُيُونِ الْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; لَحَصَلَ لَنَا الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، مَعَ أَنَّهُمْ مَحْصُورُونَ تَحْتَ عَدَدٍ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ لِمَنْ أَرَادَهُ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، لَوْ أَخْبَرُوا بِوُجُودِ مَانِعٍ مِنَ الصَّلَاةِ، كَفَقْدِ الْإِمَامِ مِنْ بَيْنِهِمْ، أَوْ وُقُوعِ الْخَطِيبِ عَنِ الْمِنْبَرِ، أَوْ هُجُومِ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ، حَصَلَ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، مَعَ انْحِصَارِهِمْ تَحْتَ الْعَدَدِ، وَفِي مَسْجِدٍ ; فَضْلًا عَنْ بَلَدٍ.
قَوْلُهُ: «وَلَا عَدَمَ اتِّحَادِ الدِّينِ وَالنَّسَبِ» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي عَدَدِ التَّوَاتُرِ اخْتِلَافُ دِينِهِمْ وَنَسَبِهِمْ لِذَلِكَ أَيْ: لِمَا ذُكِرَ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْحِصَارِهِمْ فِي عَدَدٍ أَوْ بَلَدٍ.
قُلْتُ: هَذَا وَهْمٌ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْحِصَارِهِمْ فِي عَدَدٍ أَوْ بَلَدٍ، لَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ اخْتِلَافِ دِينِهِمْ وَنَسَبِهِمْ، بَلِ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ:
(2/95)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، أَوِ النَّصَارَى، أَوْ غَيْرُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَحَصَلَتْ شُرُوطُ التَّوَاتُرِ فِيهِمْ ; لَجَازَ أَنْ يَحْصُلَ لَنَا الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، وَذَلِكَ يَنْفِي اشْتِرَاطَ اتِّحَادِ الدِّينِ، وَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِلْمَ التَّوَاتُرِيَّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ إِخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ، وَكَمَا جَازَ أَنْ يَخْلُقَهُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَالنَّسَبِ وَالْبَلَدِ، جَازَ أَنْ يَخْلُقَهُ مَعَ اتِّحَادِهَا.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ هَذَا الشَّرْطَ الْيَهُودُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - لِيَقْدَحُوا فِي أَخْبَارِ النَّصَارَى بِمُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ، وَفِي أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ بِمُعْجِزَاتِ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ مُنْحَصِرَةٌ فِي دِينٍ وَاحِدٍ. أَمَّا الْيَهُودُ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ ; فَقَدْ أَمِنُوا ذَلِكَ ; لِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ يُوَافِقُونَهُمْ فِي الْمُخْبِرِينَ عَلَى مُعْجِزَاتِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنَبُّوتِهِ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطُوا فِي الْمُخْبِرِينَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الذِّلَّةِ، يَعْنِي: لِيُمْكِنَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ لَوْ كَذَّبُوا، بِخِلَافِ مَنْ لَهُ عِزٌّ وَمَنَعَةٌ وَظُهُورٌ ; فَإِنَّهُ يُخْشَى مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ ; فَجَعَلُوا هَذَا الشَّرْطَ قَادِحًا فِي أَخْبَارِ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ عَنْ مُعْجِزَاتِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ; لِأَنَّ الْيَهُودَ مُنْذُ آذَوُا الْمَسِيحَ، اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمُ النَّصَارَى ; فَأَذَلَّتْهُمْ وَقَمَعَتْهُمْ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَلَمْ يَزَالُوا مَعَهُمْ أَذِلَّةً حَتَّى ظَهَرَ مُحَمَّدٌ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; فَآذَوْهُ وَكَذَّبُوهُ ; فَأَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِلَّتَهُمْ بِهِ وَقَرَّرَهَا ; فَهِيَ كَذَلِكَ حَتَّى السَّاعَةِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، جَعَلُوا عِزَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتَهُمْ مَظِنَّةَ تُهْمَةٍ قَادِحَةٍ فِي أَخْبَارِهِمْ، مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُهُ: «وَلَا عَدَمُ اعْتِقَادِ نَقِيضِ الْمُخْبَرِ بِهِ، خِلَافًا لِلْمُرْتَضَى» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إِفَادَةِ التَّوَاتُرِ الْعِلْمَ خُلُوُّ السَّامِعِ مَنْ نَقِيضِ الْمُخْبَرِ بِهِ، بَلْ سَوَاءٌ كَانَ السَّامِعُ يَعْتَقِدُ نَقِيضَ الْمُخْبَرِ بِهِ، أَوْ لَا يَعْتَقِدُهُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالتَّوَاتُرِ حَاصِلٌ بِحُكْمِ إِجْرَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
(2/96)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْعَادَةَ بِذَلِكَ ; فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِمَكَّةَ وَبَغْدَادَ، وَمُوسَى وَفِرْعَوْنَ وَكِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَفَتْحِ مَكَّةَ وَعْكَةَ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْقَضَايَا التَّوَاتُرِيَّةِ، بَيْنَ مَنْ كَانَ يَعْتَقِدُ نَقِيضَ ذَلِكَ لَوْ تَصَوَّرَ، وَمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ، لَكِنَّ هَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ ; فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَهُ.
وَقَالَ الْمُرْتَضَى مِنَ الشِّيعَةِ: إِنَّ عَدَمَ اعْتِقَادِ السَّامِعِ نَقِيضَ الْمُخْبَرِ بِهِ شَرْطٌ فِي إِفَادَةِ التَّوَاتُرِ الْعِلْمَ. وَلِقَوْلِهِ تَوْجِيهٌ وَفَائِدَةٌ.
أَمَّا تَوْجِيهُهُ: فَهُوَ أَنَّ الْقَلْبَ مَحَلُّ الْعِلْمِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِيهِ نَقِيضُ الْمُخْبَرِ بِهِ، جَاءَ الْمُخْبَرُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ دَخِيلًا عَلَيْهِ، ضَعِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ; فَلَا يَقْوَى عَلَى دَفْعِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الِاجْتِمَاعُ مَعَ نَقِيضِهِ ; فَيَرْجِعُ مَكْسُورًا، وَيَبْقَى نَقِيضُهُ مُسْتَوْلِيًا عَلَى مَحَلِّ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْقَلْبُ خَالِيًا مِنْ نَقِيضِ الْمُخْبَرِ بِهِ ; فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُصَادِفُ مَحَلًّا فَارِغًا، لَا مُنَازِعَ فِيهِ، وَلَا مُمَانِعَ عَنْهُ ; فَيَسْتَقِرُّ فِيهِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا يَقُولُ الشَّاعِرُ:
دَهَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى ... فَصَادَفَ قَلْبًا فَارِغًا فَتَمَكَّنَّا
وَأَمَّا فَائِدَةُ قَوْلِهِ فَهُوَ: أَنَّ الشِّيعَةَ يَدَّعُونَ النَّصَّ الْمُتَوَاتِرَ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَ الْجُمْهُورَ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ اعْتِقَادُهُمْ لِنَقِيضِهِ، وَهُوَ إِمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ
(2/97)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قُلْتُ: الْجَوَابُ عَنِ التَّوْجِيهِ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُ - فِيمَا أَحْسِبُ - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ التَّوَاتُرِيَّ حَاصِلٌ عَنْ خَبَرِ التَّوَاتُرِ عَلَى جِهَةِ التَّوَلُّدِ ; فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَوَلَّدَ الْعِلْمُ فِي مَحَلِّ نَقِيضِهِ أَوْ ضِدَّهُ، وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْإِخْبَارِ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: كَمَا جَازَ أَنْ يَخْلُقَهُ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ نَقِيضِهِ، جَازَ أَنْ يَخْلُقَهُ مَعَ وُجُودِ نَقِيضِهِ فِي الْقَلْبِ، وَيَجْعَلَ لَهُ مِنَ الْقُوَّةِ مَا يَدْفَعُ النَّقِيضَ، وَيَسْتَقِرُّ هُوَ مَكَانَهُ، كَمَا يَدْفَعُ الْيَقِينُ الشَّكَّ وَالظَّنَّ، خُصُوصًا وَالِاعْتِقَادُ أَضْعَفُ مِنَ الْعِلْمِ التَّوَاتُرِيِّ عَلَى مَا لَا يَخْفَى ; فَيَقْوَى الْعِلْمُ عَلَى رَفْعِهِ، وَكَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ الْغَرِيبَ الْقَوِيَّ يَأْتِي مَلِكَ بَعْضِ الْأَقَالِيمِ فِي مَمْلَكَتِهِ وَجُنُودِهِ وَحُصُونِهِ ; فَيُخْرِجُهُ مِنْهَا، وَيَخْلُفُهُ فِيهَا، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشُّعَرَاءِ: 57 - 59] ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النَّمْلِ: 34] ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ مُتَنَاقِضَانِ، وَإِنَّمَا يَصْدُرَانِ عَنِ اعْتِقَادِ صِحَّتِهِمَا، ثُمَّ قَدْ جَازَ بِالضَّرُورَةِ انْدِفَاعُ الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ، وَانْدِفَاعُ الْإِيمَانِ بِالْكُفْرِ، مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا صَادِرَيْنِ عَنِ اعْتِقَادٍ ; فَانْدِفَاعُ نَقِيضِ الْمُخْبَرِ بِهِ بِالْعِلْمِ التَّوَاتُرِيِّ أَوْلَى.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ: هُوَ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ النَّصَّ الْجَلِيَّ لَمْ يُوجَدْ، لَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عَلَى عَلِيٍّ، إِذْ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ، اسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ خَفَاؤُهُ، إِذْ كَانَ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ آحَادٌ، مِنْهَا ظَاهِرُ
(2/98)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الدَّلَالَةِ، وَمِنْهَا خَفِيُّ الدَّلَالَةِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اقْتَدَوْا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَوْلِهِ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بِعْدِي. وَمَا قَالَ فِيهِ يَوْمَ «غَدِيرِ خُمٍّ» وَفِيهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ مُتَمَسَّكٌ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصًّا جَلِيًّا مُتَوَاتِرًا،
(2/99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِنَّمَا مَنَعَ الشِّيعَةَ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ اعْتِقَادُهُمْ لِنَقِيضِهِ، وَهُوَ إِمَامَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ ; فَلَا يَبْقَى حِينَئِذٍ لِقَوْلِ الْمُرْتَضَى تَوْجِيهٌ وَلَا فَائِدَةٌ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَتِ الشِّيعَةُ، وَابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُخْبِرِينَ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ، لِيَكُونَ خَبَرُهُمْ مَعْصُومًا مِنَ الْخَطَأِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُمْ مُنَازِعُونَ فِي وُجُودِ الْعِصْمَةِ فِي غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ عِصْمَةَ خَبَرِهِمْ مِنَ الْكَذِبِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى كَثْرَتِهِمْ، لَا إِلَى أَوْصَافِهِمْ، وَإِلَّا لَاشْتَرَطَتِ الْعَدَالَةَ وَالْإِسْلَامَ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى، مُقَارِنًا لِلْإِخْبَارِ ; فَكَمَا جَازَ خَلْقُهُ مَعَ إِخْبَارِ الْمَعْصُومِ، جَازَ خَلْقُهُ مَعَ إِخْبَارِ الْمَوْصُومِ.
ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ تَوَاتُرٌ، إِذْ لَا مَعْصُومَ فِيهِمْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ لَا يَشْتَرِطُوا لِلْعِصْمَةِ الْإِسْلَامَ، فَإِنَّ عُقُولَهُمْ أَسْخَفُ مِنْ هَذَا.
قَوْلُهُ: «وَكِتْمَانُ أَهْلِ التَّوَاتُرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ مُمْتَنِعٌ خِلَافًا لِلْإِمَامِيَّةِ» ، أَيْ: إِنَّ أَهْلَ التَّوَاتُرِ - وَهُوَ الْعَدَدُ الَّذِي يَحْصُلُ الْعِلْمُ التَّوَاتُرِيُّ بِخَبَرِهِمْ - هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكْتُمُوا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى نَقْلِهِ؟
فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: لَا يَجُوزُ.
وَقَالَتِ الْإِمَامِيَّةُ - وَهُمْ أَشْهَرُ طَوَائِفِ الشِّيعَةِ -: يَجُوزُ ذَلِكَ، لِاعْتِقَادِهِمْ كِتْمَانَ النَّصِّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَيْ: لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ كَثْرَتِهِمْ - كَتَمُوا النَّصَّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ، وَالْوُقُوعُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَطْعًا.
«لَنَا» : أَنَّ كِتْمَانَهُمْ لِمَا يُحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ «كَتَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ» وَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ بِكِتْمَانِهِمْ لِمَا يُحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ مُحَالٌ.
أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّ كِتْمَانَ الْوَاقِعِ - خُصُوصًا مَعَ الْحَاجَةِ إِلَى نَقْلِهِ - بِمَثَابَةِ قَوْلِهِمْ:
(2/100)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَا وَقَعَ، وَقَوْلُهُمْ لِمَا وَقَعَ: إِنَّهُ مَا وَقَعَ ; كَذِبٌ قَطْعًا ; لِأَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ، وَهَذَا كَذَلِكَ ; فَكَذَلِكَ الْكِتْمَانُ الَّذِي هُوَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِمْ: مَا وَقَعَ.
أَمَّا أَنَّ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ مُحَالٌ ; فَلِمَا سَيَأْتِي عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَنَا: أَنَّهُ كَتَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ مُحَالٌ» .
قَوْلُهُ: «قَالُوا: تَرْكُ النَّصَارَى نَقَلَ كَلَامِ عِيسَى فِي الْمَهْدِ» . هَذِهِ شُبْهَةُ الْإِمَامِيَّةِ عَلَى جَوَازِ كِتْمَانِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ.
وَتَقْرِيرُهَا: أَنِ النَّصَارَى تَرَكُوا نَقْلَ كَلَامِ عِيسَى فِي الْمَهْدِ، حَتَّى لَمْ يَتَوَاتَرْ عِنْدَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ، وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَيْهِ ; فَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الدَّعْوَى قَدْ وَقَعَتْ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الدَّعْوَى.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ وَاتِّبَاعِهِمْ لَهُ» ، هَذَا جَوَابٌ عَنْ شُبَهِهِمْ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمَهْدِ كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ، وَالدَّوَاعِي إِنَّمَا تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمَهْدِ كَانَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ، وَالدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِ مِثْلِهِ عَادَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّاقِلُونَ أَتْبَاعًا لِلْمَنْقُولِ عَنْهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ أَنَّ حَاضِرِي كَلَامِ الْمَسِيحِ فِي الْمَهْدِ لَمْ يَكُونُوا كَثِيرِينَ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، بَلْ إِنَّمَا كَانُوا زَكَرِيَّا وَأَهْلَ مَرْيَمَ، وَمَنْ يُخْتَصُّ بِهِمْ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ مُتَوَاتِرًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَوَاتُرِهِ عَدَمُ نَقْلِهِ مُطْلَقًا، لِجَوَازِ أَنَّهُمْ نَقَلُوهُ وَلَمْ يَتَوَاتَرْ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُلُوهُ، بَلْ نَقَلُوهُ، وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَهُمْ فِي إِنْجِيلِ الصَّبْوَةِ، يَعْنِي الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ أَحْوَالُ عِيسَى فِي صَبْوَتِهِ،
(2/101)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُنْذُ وُلِدَ إِلَى أَنْ رُفِعَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَوَاتَرْ نَقْلُهُمْ لِذَلِكَ عِنْدَنَا لِعَدَمِ مُشَارَكَتِنَا لَهُمْ فِي سَبَبِهِ، أَوْ لِاسْتِغْنَائِنَا عَنْهُ بِتَوَاتُرِ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: «وَفِي جَوَازِ الْكَذِبِ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ خِلَافٌ» ، أَيْ: هَلْ يَجُوزُ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ الْكَذِبُ فِي خَبَرِهِ جَوَازًا عَقْلِيًّا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْأَظْهَرُ: الْمَنْعُ مِنْ جَوَازِ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَادَةِ، لَا لِذَاتِهِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مِنْهُمْ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَادَةً ; فَهُوَ مِنَ الْمُمْتَنِعَاتِ الْعَادِيَّةِ، كَانْقِلَابِ الْحَجَرِ ذَهَبًا، وَالْبَحْرِ لَبَنًا وَعَسَلًا، لَا مِنَ الْمُمْتَنِعَاتِ لِذَاتِهَا.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ مَأْخَذُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ» ، أَعْنِي جَوَازَ كِتْمَانِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ. فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، جَازَ عَلَيْهِمُ الْكِتْمَانُ الْمَذْكُورُ ; لِأَنَّهُ كَذِبٌ أَوْ فِي مَعْنَاهُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ، لَمْ يَجُزِ الْكِتْمَانُ الْمَذْكُورُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/102)

الثَّانِي: الْآحَادُ، وَهُوَ مَا عَدِمَ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ أَوْ بَعْضَهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ، قَوْلَانِ:
الْأَظْهَرُ: لَا. وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ. وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ. وَقِيلَ: مَحْمُولٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ آحَادُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَثِقَتِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ مِنْ طُرُقٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، كَأَخْبَارِ الشَّيْخَيْنِ: الصِّدِّيقِ، وَالْفَارُوقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَنَحْوِهِمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «الثَّانِي» ، أَيِ: الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ الْخَبَرِ: «الْآحَادُ» .
قَوْلُهُ: «وَهُوَ: مَا عَدِمَ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ أَوْ بَعْضَهَا» ، هَذَا تَعْرِيفٌ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَيْ: هُوَ مَا فُقِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّوَاتُرِ، بِأَنْ كَانَ إِخْبَارًا عَنْ غَيْرِ مَحْسُوسٍ، أَوْ رِوَايَةً مِمَّنْ يَجُوزُ الْكَذِبُ عَلَيْهِ عَادَةً ; لِكَوْنِهِ وَاحِدًا فِي الْحَقِيقَةِ، أَوْ جَمَاعَةً لَا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً، أَوْ كَانُوا مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ مِنْهُمُ الْكَذِبُ عَادَةً، لَكِنَّ فِي بَعْضِ طَبَقَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ.
وَالْآحَادُ فِي الْحَقِيقَةِ جَمْعٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْخَبَرِ: آحَادٌ ; لِأَنَّهُ رِوَايَةُ الْآحَادِ ; فَهُوَ إِمَّا مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْأَثَرِ بِاسْمِ الْمُؤَثِّرِ مَجَازًا ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ أَثَرُ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: «وَعَنْ أَحْمَدَ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ» ، أَيْ: بِخَبَرِ الْآحَادِ «قَوْلَانِ: الْأَظْهَرُ» ، أَيْ: مِنَ الْقَوْلَيْنِ، «لَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ» ، «وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ» ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَ «الثَّانِي» يَعْنِي: مِنَ الْقَوْلَيْنِ: «يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ» ، «وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ» ، قَالَ الْآمِدِيُّ: وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
(2/103)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: مَحْمُولٌ» ، أَيْ: وَقِيلَ: الْقَوْلُ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ «مَحْمُولٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ آحَادُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَثِقَتِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ، مِنْ طُرُقٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، كَأَخْبَارِ الشَّيْخَيْنِ» يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ فِي عَصْرِهِمَا، وَبَعْدِهِمَا.
قُلْتُ: هَذَا تَأْوِيلٌ مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِ أَحْمَدَ: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا، أَنَّهُ قَالَ فِي أَخْبَارِ الرُّؤْيَةِ: يُقْطَعُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا ; فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَخْبَارٍ مَخْصُوصَةٍ، كَثُرَتْ رُوَاتُهَا، وَتَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَدَلَّتِ الْقَرَائِنُ عَلَى صِدْقِ نَاقِلِهَا ; فَيَكُونُ إِذًا مِنَ التَّوَاتُرِ.
فَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ نَفَى حُصُولَ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ، ثُمَّ الْمُثْبِتُونَ: مِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، كَبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِأَخْبَارِ بَعْضِ الْآحَادِ، كَالشَّيْخَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، كَأَخْبَارِ الرُّؤْيَةِ، وَالْقَدَرِ، وَالْجِهَةِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَنَحْوِهَا. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ إِنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ مَعَ الْقَرَائِنِ، لَا بِدُونِهَا، كَمَا سَبَقَ.
(2/104)

الْأَوَّلُونَ: لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ لَصَدَّقْنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، وَلَمَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ، وَلَجَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرُ السُّنَّةِ بِهِ، وَلَجَازَ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَاسْتَوَى الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ، كَالتَّوَاتُرِ. وَاللَّوَازِمُ بَاطِلَةٌ، وَالِاحْتِجَاجُ بِنَحْوِ: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} غَيْرُ مُجْدٍ، لِجَوَازِ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُونَ» ، أَيْ: احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَصَدَّقْنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، لَكِنَّا لَا نُصَدِّقُ كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ ; فَهُوَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَالْمُلَازِمَةُ وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ - وَهُوَ تَصْدِيقُنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ - ظَاهِرَانِ، غَنِيَّانِ عَنِ الْبَيَانِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَمَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ، كَمَا لَا تَتَعَارَضُ أَخْبَارُ التَّوَاتُرِ، لَكِنَّا رَأَيْنَا التَّعَارُضَ كَثِيرًا فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَجَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرُ السُّنَّةِ بِهِ ; لِأَنَّهُ عِلْمِيٌّ مِثْلُهُمَا، لَكِنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرَ السُّنَّةِ بِهِ لَا يَجُوزُ، لِضَعْفِهِ عَنْهُمَا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
فَأَمَّا اخْتِيَارُنَا لِنَسْخِ الْقُرْآنِ، وَتَوَاتُرِ السُّنَّةِ بِهِ فِي كِتَابِ النَّسْخِ ; فَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَهُمَا مِنَ الظَّنِّ، الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْعَمَلِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسَاوِيهِمَا فِي الْقُوَّةِ أَوْ كَوْنُ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْمُنَاسَبَةِ الْحُكْمِيَّةِ ; فَلَا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَجَازَ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَحْتَجْ
(2/105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَعَهُ إِلَى شَاهِدٍ ثَانٍ، وَلَا يَمِينٍ عِنْدِ عَدَمِهِ، وَلَا إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْوَاحِدِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى وَاللِّوَاطِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ حَاصِلٌ، وَلَيْسَ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ مَطْلُوبٌ، لَكِنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ لَاسْتَوَى الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ فِي الْإِخْبَارِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمَا، كَمَا اسْتَوَى خَبَرُ التَّوَاتُرِ فِي كَوْنِ عَدَدِ الْمُخْبِرِينَ بِهِ عُدُولًا أَوْ فُسَّاقًا، مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا، إِذْ لَا مَطْلُوبَ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ، وَإِذَا حَصَلَ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدْلِ فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، لَكِنَّ الْفَاسِقَ وَالْعَدْلَ لَا يَسْتَوِيَانِ بِالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ دُونَ الْفَاسِقِ.
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْمُلَازَمَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِنَا: «لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ لَصَدَّقْنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، وَلَمَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ، وَلَجَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرُ السُّنَّةِ بِهِ، وَلَجَازَ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَاسْتَوَى الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ» .
وَقَوْلُنَا: «وَاللَّوَازِمُ بَاطِلَةٌ» ، مَعْنَاهُ: أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» تَضَمَّنَتْ خَمْسَ مُلَازَمَاتٍ، قَدْ ظَهَرَتْ فِي الْوُجُوهِ الْخَمْسَةِ هَاهُنَا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ وَشَرْحُهَا فِي مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ.
وَاللَّوَازِمُ: جَمْعُ لَازِمٍ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي جَوَابِ «لَوْ» فِي قَوْلِنَا: لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا، وَبُطْلَانِ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَلْزُومِ ; فَاللَّوَازِمُ هَاهُنَا هِيَ تَصْدِيقُنَا كُلَّ
(2/106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، وَعَدَمُ تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ، وَجَوَازُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَجَوَازُ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَاسْتِوَاءُ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ.
وَانْتِفَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ اللَّوَازِمِ الْخَمْسَةِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ، وَهُوَ إِفَادَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ ; فَهُوَ مَلْزُومٌ وَاحِدٌ لَهُ خَمْسَةُ لَوَازِمَ، وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ.
قَوْلُهُ: «وَالِاحْتِجَاجُ بِنَحْوِ: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الْأَعْرَافِ: 33] ، غَيْرُ مُجْدٍ» ، أَيْ: غَيْرُ نَافِعٍ «لِجَوَازِ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ» ، هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى حُجَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَبَيَانِ ضَعْفِهَا.
أَمَّا تَقْرِيرُ حُجَّتِهِمْ: فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الْأَعْرَافِ: 33] ، أَيْ: هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ لَمْ يُفِدْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَكَانَ ذَلِكَ كَذِبًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ، وَهُوَ الْكَذِبُ وَذَلِكَ لِقَوْلِ الرُّوَاةِ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهُوَ حَرَامٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْهَا ارْتِكَابُ الرُّوَاةِ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْهِمْ، وَلَا هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْهُ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَكِبُوا الْكَذِبَ الْمُحَرَّمَ فِي الرِّوَايَةِ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ: أَنَّهُمْ لِإِسْلَامِهِمْ، وَظُهُورِ عَدَالَتِهِمْ، لَا نَظُنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِصِدْقِهِمْ، بَلِ الظَّنَّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَهَاهُنَا جَوَابٌ آخَرُ لَمْ يُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ إِفَادَةِ
(2/107)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خَبَرِهِمُ الْعِلْمَ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُمْ، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَهْمًا وَخَطَأً فِي الرِّوَايَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ وَلَا تَحْلِيلٌ.
تَنْبِيهٌ: الْخَبَرُ إِمَّا تَوَاتُرٌ ; فَهُوَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ آحَادٌ مُجَرَّدٌ ; فَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ قَطْعًا كَمَا تَقَرَّرَ هَاهُنَا، أَوْ آحَادٌ احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ أَفَادَ مَعَهَا الْعِلْمَ ; فَهُوَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ ; فَلَيْسَ تَوَاتُرًا ; لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِهِ وَاحِدٌ، وَلَا آحَادًا لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ.
قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى خَبَرُ الْوَاحِدِ خَاصًّا، لِاخْتِصَاصِهِ بِالْقَرَائِنِ.
وَأَيْضًا الْخَبَرُ إِمَّا تَوَاتُرٌ: وَقَدْ عُرِفَ، أَوْ آحَادٌ: وَهُوَ إِمَّا مُسْتَفِيضٌ، [أَوْ غَيْرُ مُسْتَفِيضٍ] وَهُوَ بَقِيَّةُ الْآحَادِ.
قُلْتُ: الْمُسْتَفِيضُ مَأْخُوذٌ مِنْ: فَاضَ الْمَاءُ وَالْإِنَاءُ وَنَحْوُهُ: إِذَا امْتَلَأَ، حَتَّى تَبَدَّدَ الْمَاءُ مِنْ حَافَّاتِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ بِمُوجِبِ هَذَا الِاشْتِقَاقِ، وَبِمُوجِبِ عُرْفِ النَّاسِ: أَنَّهُ الْخَبَرُ الشَّائِعُ الذَّائِعُ، الْمُنْتَشِرُ فِي النَّاسِ انْتِشَارًا يَبْعُدُ مَعَهُ الْكَذِبُ عَادَةً، وَهُوَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْمَوْتُ، وَالنَّسَبُ، وَالْمُلْكُ الْمُطْلَقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْوَقْفُ وَمَصْرِفُهُ، وَالْعِتْقُ، وَالْوَلَاءُ، وَالْوِلَايَةُ، وَالْعَزْلُ، وَالْخَلْعُ، وَالطَّلَاقُ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ.
فَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ فِيهِ عَدَدًا يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ; فَهُوَ اعْتِبَارُ التَّوَاتُرِ فِيهِ، وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الِاسْتِفَاضَةِ.
وَأَمَّا اكْتِفَاءُ الْقَاضِي فِيهِ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا ; فَلَيْسَ لِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ ذَلِكَ، بَلْ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ
(2/108)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْمُسْتَفِيضِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ الصَّحِيحَةِ، الْمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَهَا الْمُحَدِّثُونَ إِلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَحَادِيثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي عُرْفِهِمْ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
وَثَانِيهَا: مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ.
وَثَالِثُهَا: مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ عَنِ الْبُخَارِيِّ.
وَرَابِعُهَا: مَا خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا.
وَخَامِسُهَا: مَا خُرِّجَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ.
وَسَادِسُهَا: مَا خُرِّجَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ.
وَذَلِكَ كَمَا فِي الْمُسْتَدْرِكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ.
وَمَعْنَى التَّخْرِيجِ عَلَى شَرْطِهِمَا، أَوْ شَرْطِ أَحَدِهِمَا: أَنَّهُمَا - أَعْنِي الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا - اخْتَلَفَا فِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ، لِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِمُ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُمَا ; فَاتَّفَقَا عَلَى الْإِخْرَاجِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الرُّوَاةِ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِالرِّوَايَةِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الرُّوَاةِ، وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ طَائِفَةٍ. فَزَعَمَ الْمُسْتَدْرِكُونَ عَلَيْهِمَا: أَنَّهُمْ قَدْ وَجَدُوا أَحَادِيثَ قَدْ رَوَاهَا مَنْ خَرَّجَا عَنْهُ، اتِّفَاقًا وَانْفِرَادًا، وَمَنْ يُسَاوِي مَنْ خَرَّجَا عَنْهُ ; فَخَرَّجُوهَا، وَقَالُوا: هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَيْهِمَا عَلَى شَرْطِهِمَا، أَوْ شَرْطِ وَاحِدٍ
(2/109)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْهُمَا.
وَسَابِعُهَا: مَا أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ، كَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
وَأَعْلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ: الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِفَادَتِهِ الْعِلْمَ ; فَزَعَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِإِفَادَتِهِ الظَّنَّ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَأُ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ.
قَالَ: لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى تَلَقِّي مَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» بِالْقَبُولِ، وَأَنَّهُ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ.
قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ ; فَإِنَّا نَقْطَعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ حَدِيثِ: الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ، وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ غَزَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدْرًا وَأُحُدًا وَحُنَيْنًا.
(2/110)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْعِلْمِيَّاتُ لَا تَتَفَاوَتُ، حَتَّى يَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَعْضِ أَخْبَارِهَا وَبَعْضٍ، وَإِذَا كَانَتْ خُطْبَةُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِوُقُوعِهَا، بَلْ هِيَ فِي عِدَادِ الْآحَادِ، مَعَ وُقُوعِهَا بَيْنَ الْعَالَمِ الْمُجْتَمِعِينَ فِي الْحَجِّ ; فَمَا الظَّنُّ بِبَقِيَّةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَمْ يَسْمَعْهَا إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ.
وَالتَّحْقِيقُ فِي أَحَادِيثِ «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّهَا مُفِيدَةٌ لِلظَّنِّ الْقَوِيِّ الْغَالِبِ، لِمَا حَصَلَ فِيهَا مِنَ اجْتِهَادِ الشَّيْخَيْنِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَقْدِ رِجَالِهَا، وَتَحْقِيقِ أَحْوَالِهَا، أَمَّا حُصُولُ الْعِلْمِ بِهَا ; فَلَا مَطْمَعَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَقْسَامِ الْأُخَرِ أَوْلَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/111)

ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، خِلَافًا لِقَوْمٍ.
لَنَا: أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ ; فَوَجَبَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ، وَقَوَاطِعُ الشَّرْعِ نَادِرَةٌ ; فَاعْتِبَارُهَا يُعَطِّلُ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ. وَالرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَبْعُوثٌ إِلَى الْكَافَّةِ، وَمُشَافَهَتُهُمْ وَإِبْلَاغُهُمْ بِالتَّوَاتُرِ مُتَعَذِّرٌ ; فَتَعَيَّنَتِ الْآحَادُ.
الْخَصْمُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ ; فَالْعَمَلُ بِهِ عَمَلٌ بِالْجَهْلِ، وَامْتِثَالُ أَمْرِ الشَّرْعِ وَالدُّخُولُ فِيهِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، وَأَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِالْمُعَارَضَةِ، بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي التَّرْكِ، احْتِرَازًا مِنْ تَصَرُّفِ الْمُكَلَّفِ فِي نَفْسِهِ، الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، بِالظَّنِّ، وَفِيهِ خَطَرٌ، كَمَا قِيلَ فِي شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا. وَعَنِ الثَّانِي: بِمَنْعِ التَّعْطِيلِ تَمَسُّكًا بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كُلِّفَ إِبْلَاغَ مَنْ أَمْكَنَهُ إِبْلَاغُهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالْمُعْتَمَدُ: أَنَّ نَصْبَ الشَّارِعِ عِلْمًا ظَنِيًّا عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ تَكْلِيفِيٍّ، جَائِزٌ بِالضَّرُورَةِ.
ثُمَّ الْمُنْكِرُ، إِنْ أَقَرَّ بِالشَّرْعِ ; فَتَعَبُّدُهُ بِالْحُكْمِ بِالْفُتْيَا، وَالشَّهَادَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْوَقْتِ، وَالْقِبْلَةِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الظَّنِّيَّاتِ، يَنْقُضُ قَوْلَهُ، وَإِلَّا ; فَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ يُبْطِلُهُ، ثُمَّ إِذَا أَقَرَّ بِالشَّرْعِ، وَعَرَفَ قَوَاعِدَهُ وَمَبَانِيَهُ وَافَقَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ» ، أَيْ فِي خَبَرِ الْآحَادِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النِّزَاعَ فِي كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، أَوْ غَيْرَ مُفِيدٍ، هُوَ كَالْحُكْمِ الْكُلِّيِّ بِهِ ; فَلِذَلِكَ قَدَّمْتُهُ عَلَى مَسَائِلِهِ، وَلَمْ أُدْرِجْهُ فِيهَا، وَكُلٌّ جَائِزٌ، وَقَدْ سَبَقَ مَثَلُهُ.
الْمَسْأَلَةُ «الْأُولَى: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، أَيْ: يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، بِأَنْ يَقُولَ لَهُمُ: اعْبُدُونِي بِمُقْتَضَى مَا يَبْلُغُكُمْ
(2/112)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَنِّي وَعَنْ رَسُولِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» ، إِلَى آخِرِهِ: هَذِهِ حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، وَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دَفْعُ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الظَّنَّ بِمُقْتَضَاهُ، فَإِذَا وَرَدَ بِإِيجَابِ شَيْءٍ أَوْ حَظْرِهِ، حَصَلَ لَنَا الظَّنُّ بِأَنَّا مُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلِ الْمَحْظُورِ؛ فَالْعِقَابُ عَلَيْهَا ضَرَرٌ مَظْنُونٌ؛ فَفِي عَمَلِنَا بِذَلِكَ الْخَبَرِ دَفْعُ هَذَا الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ.
وَأَمَّا أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ وَاجِبٌ عَقْلًا؛ فَمِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ لِلنَّفْسِ، وَالِاحْتِيَاطُ لِلنَّفْسِ وَاجِبٌ عَقْلًا بِالضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّا إِذَا عَرَضْنَا عَلَى الْعَقْلِ أَنَّ بِتَقْرِيرِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ تَسْلَمُ النَّفْسُ مِنْ عَذَابٍ مَظْنُونٍ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْوُضُوءِ مِنْهُ يَلْحَقُهَا عَذَابٌ مَظْنُونٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَيْلٌ لِلَّذِينِ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يُحْدِثُونَ لِذَلِكَ وُضُوءًا. أَوْ قُلْنَا لَهُ: أَيُّ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَكَ أَرْجَحُ؟ الْوُضُوءُ أَوْ عَدَمُهُ؟ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُرَجَّحُ الْوُضُوءُ جَزْمًا؛ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ عَقْلًا، بَلْ
(2/113)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَاجِبٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لَتَعَطَّلَ أَكْثَرُ الْوَقَائِعِ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لَكِنَّ تَعَطُّلَ أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ لَا يَجُوزُ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزًا.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ: فَلِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِتَوَقُّفِ الْعَمَلِ فِي الْوَقَائِعِ عَلَى الْقَوَاطِعِ، لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْوَقَائِعِ عَنِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ قَوَاطِعَ الشَّرْعِ نَادِرَةٌ؛ فَلَا تَفِي بِجَمِيعِ الْوَقَائِعِ.
وَأَمَّا أَنَّ تَعَطُّلَ أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ لَا يَجُوزُ؛ فَلِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مُقْتَضَى الشَّرْعِ وَمَقْصُودِهِ، إِذْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ وَمَقْصُودُ الشَّارِعِ تَعْمِيمُ الْوَقَائِعِ بِالْأَحْكَامِ؛ لِيَكُونَ نَامُوسُهُ قَائِمًا ظَاهِرًا فِي كُلِّيِّهَا وَجُزْئِيِّهَا، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالتَّعَبُّدِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ؛ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ، وَبَاقِيهَا عَمَّمْنَاهَا بِالْأَحْكَامِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى مَوَارِدِ النُّصُوصِ بِهَذَا الدَّلِيلِ بِعَيْنِهِ، كَمَا بَيَّنَاهُ فِي الْقِيَاسِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «مَبْعُوثٌ إِلَى الْكَفَّةِ» ، أَيْ: إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ بِالْإِجْمَاعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سَبَأٍ: 28] ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 107] ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ؛ فَإِبْلَاغُهُ إِلَيْهِمُ الْأَحْكَامَ الْعِلْمِيَّةَ إِمَّا تَوَاتُرٌ، أَوْ آحَادٌ، لَكِنَّ التَّوَاتُرَ مُتَعَذِّرٌ،
(2/114)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَتَعَيَّنَتِ الْآحَادُ، وَإِذَا تَعَيَّنَتْ لِلتَّبْلِيغِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِهَا، لَمْ يَكُنْ لِتَبْلِيغِهَا فَائِدَةٌ؛ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ عَقْلًا.
قَوْلُهُ: «الْخَصْمُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ حُجَّةُ الْخَصْمِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا.
وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ؛ فَالْعَمَلُ بِهِ عَمَلٌ بِالْجَهْلِ، وَهُوَ قَبِيحٌ عَقْلًا، وَالْعَقْلُ لَا يُجِيزُ الْقَبِيحَ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّرْعِ وَالدُّخُولَ فِيهِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، لِيَكُونَ الْمُكَلَّفُ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ وَأَمَانٍ مِنَ الْخَطَأِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: «وَأَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ» ، أَيْ: هَذَا الْخَصْمُ الْمَانِعُ لِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَجَابَ عَنِ الْوُجُوهِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْمُجَوِّزُونَ لَهُ؛ فَأَجَابَ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِأَنْ قَالَ: قَوْلُكُمْ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ - أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ - مُعَارَضٌ بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ تَصَرُّفٌ مِنَ الْمُكَلَّفِ فِي نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ، - وَهُوَ خَالِقُهُ عَزَّ وَجَلَّ - بِالظَّنِّ، وَفِي ذَلِكَ خَطَرٌ، لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: لِمَ تَصَرَّفْتَ فِي مِلْكِنَا مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ قَاطِعٍ؟ وَكَيْفَ أَضَعْتَ حَقَّنَا مِنْ نَفْسِكَ بِظَنٍّ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ؟ وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا، حَيْثُ كَانَ الْخَطَرُ فِي تَرْكِهِ مُعَارَضًا بِالْخَطَرِ فِي فِعْلِهِ، حَيْثُ كَانَ الشُّكْرُ إِتْعَابًا لِنَفْسِ الشَّاكِرِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهَا.
«وَعَنِ الثَّانِي» : أَيْ: وَأَجَابَ هَذَا الْخَصْمُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي لِلْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَوِ اعْتَبَرْنَا قَوَاطِعَ الشَّرْعِ، لَتَعَطَّلَتِ الْأَحْكَامُ بِمَنْعِ التَّعْطِيلِ تَمَسُّكًا بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّعْطِيلِ، بَلْ مَا وَجَدْنَا فِيهِ قَاطِعًا أَثْبَتْنَاهُ، وَمَا لَمْ نَجِدْ فِيهِ قَاطِعًا رَدَدْنَاهُ إِلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَهُوَ النَّفْيُ الْأَصْلِيُّ، أَيِ: الْأَصْلُ عَدَمُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ؛ فَيُسْتَصْحَبُ فِيهَا ذَلِكَ.
«وَعَنِ الثَّالِثِ» : أَيْ: وَأَجَابَ الْخَصْمُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ لِلْمُثْبِتِينَ - وَهُوَ أَنَّ إِبْلَاغَ
(2/115)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرَّسُولِ الْأَحْكَامَ إِلَى الْكَافَّةِ بِالتَّوَاتُرِ مُتَعَذِّرٌ؛ فَتَتَعَيَّنُ الْآحَادُ - بِأَنْ قَالَ: «الرَّسُولُ إِنَّمَا كُلِّفَ إِبْلَاغَ مَنْ أَمْكَنَهُ إِبْلَاغُهُ، دُونَ غَيْرِهِ» ، مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ إِبْلَاغُهُ، كَأَهْلِ الْجَزَائِرِ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: «وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ نَصْبَ الشَّارِعِ عِلْمًا ظَنِّيًّا عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ تَكْلِيفِيٍّ جَائِزٍ بِالضَّرُورَةِ» ، أَيِ: الدَّلِيلُ الْمُعْتَمَدُ - أَيِ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلُوبِ - هُوَ: أَنَّا نَعْلَمُ جَوَازَ أَنَّ الشَّارِعَ يَنْصُبُ عَلَمًا - أَيْ: مُعَرَّفًا ظَنِّيًّا، أَيْ يُفِيدُ الظَّنَّ - عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ تَكْلِيفِيٍّ، أَيْ: مِنْ أَفْعَالِ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرًا، وَلَا يَقَعُ فِي الشَّرْعِ إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ، إِذْ مَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْمُنْكِرُ إِنْ أَقَرَّ بِالشَّرْعِ» إِلَى آخِرِهِ أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا، نَقُولُ: لِهَذَا الْمُنْكِرِ لِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ: إِمَّا أَنْ يُقِرَّ بِالشَّرْعِ وَصِحَّةِ أَحْكَامِهِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، أَوْ لَا، فَإِنْ أَقَرَّ بِالشَّرْعِ؛ فَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ الظَّنِّيَّةِ يَنْقُضُ قَوْلَهُ، كَالْحُكْمِ بِالْفُتْيَا، وَالشَّهَادَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ إِذَا اشْتَبَهَتْ جِهَتُهَا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ جَمِيعَهَا إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَقَدْ وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ؛ فَمَا الْمَانِعُ مِنَ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ؟ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُنْكِرُ لَا يُقِرُّ بِالشَّرْعِ؛ فَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ
(2/116)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَوَّلًا؛ وَهَذَا الدَّلِيلُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْجَوَازِ، يُبْطِلُ قَوْلَهُ، وَيُثْبِتُ مَا قُلْنَاهُ.
ثُمَّ إِذَا أَقَرَّ بِالشَّرْعِ، وَعَرَفَ قَوَاعِدَهُ وَمَبَانِيهِ، وَافَقَ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعَبُّدِ بِالْعِلْمِيَّاتِ بِالظُّنُونِ، تَوْسِيعًا لِدَائِرَةِ التَّكْلِيفِ، وَتَكْثِيرًا لِلْعِبَادَاتِ، وَتَخْفِيفًا عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِتَكْثِيرِ الْمَذَاهِبِ الْمَسْلُوكَةِ، إِذْ لَوْ حَصَرُوا التَّعَبُّدَ بِالْقَوَاطِعِ؛ لَمَا كَانَ لَهُمْ إِلَّا مَذْهَبٌ وَاحِدٌ، وَقَوْلُ وَاحِدٍ يَلْزَمُ الْحَرَجُ بِمُخَالَفَتِهِ قَطْعًا. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ عِنْدَ ذِكْرِنَا أَنَّ فِي الْحَوَادِثِ حُكْمًا مُعَيَّنًا أَمْ لَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(2/117)

الثَّانِيَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ سَمْعًا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ، لَنَا: وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ تَبْلِيغُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْأَحْكَامَ إِلَى الْبِلَادِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ عَبَثًا، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، وَتَبْلِيغُهُ كَذَلِكَ تَوَاتُرِيٌّ. فَإِنْ قِيلَ: اقْتَرَنَ بِهَا مَا أَفَادَ الْعِلْمَ، قُلْنَا: لَمْ يُنْقَلْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يَكْفِي.
الثَّانِي: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَتَوَاتُرُهُ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا، كَقَبُولِ الصِّدِّيقِ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْجَدَّةِ، وَعُمَرَ خَبَرَ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ فِي غُرَّةٍ الْجَنِينِ، وَخَبَرَ الضَّحَّاكِ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَخَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْمَجُوسِ، وَعُثْمَانَ خَبَرَ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ فِي السُّكْنَى، وَعَلِيٍّ خَبَرَ الصِّدِّيقِ فِي غُفْرَانِ الذَّنْبِ بِصَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالِاسْتِغْفَارِ عَقِيبَهُ. وَرُجُوعُ الْكُلِّ إِلَى خَبَرِ عَائِشَةَ فِي الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَاسْتِدَارَةِ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ.
وَدَعْوَى اقْتِرَانِ مَا أَفَادَ الْعِلْمُ بِهَا مَرْدُودَةٌ بِمَا سَبَقَ، وَبِقَوْلِ عُمَرَ فِي خَبَرِ الْغُرَّةِ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ الرُّجُوعُ إِلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ.
قَالُوا: رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ، وَالصِّدِّيقُ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ، وَعُمَرُ خَبَرَ أَبِي مُوسَى، وَعَلِيٌّ خَبَرَ مَعْقِلٍ فِي بَرْوَعَ، وَعَائِشَةُ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: اسْتِظْهَارًا لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ لِجِهَاتِ ضَعْفٍ اخْتَصَّتْ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ، ثُمَّ إِنَّهَا قُبِلَتْ بَعْدَ التَّوَقُّفِ فِيهَا بِإِخْبَارِ اثْنَيْنِ بِهَا، وَلَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا آحَادًا.
الثَّالِثُ: وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِ الْمُفْتِي فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ ظَنِّهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَلْيَجِبْ قَبُولُ قَوْلِ الرَّاوِي فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ السَّمَاعِ، وَالْجَامِعُ حُصُولُ الظَّنِّ. قَالُوا: قِيَاسٌ ظَنِّيٌّ؛ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ أَصْلٌ. قُلْنَا: مَحَلُّ النِّزَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ» ، أَيْ: بِخَبَرِ الْوَاحِدِ،
(2/118)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«سَمْعًا» ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، أَيْ: دَلَّ السَّمْعُ، وَهُوَ دَلِيلُ الشَّرْعِ، عَلَى جَوَازِهِ، «خِلَافًا لِبَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ» ، وَهُمْ أَكْثَرُهُمْ، وَبَعْضِ «الظَّاهِرِيَّةِ» عَلَى مَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا، مِنْهُمْ مَنْ نَفَى كَوْنَهُ حُجَّةً شَرْعًا، كَالشِّيعَةِ، وَالْقَاشَانِيِّ، وَابْنِ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى دَلَالَةِ دَلِيلِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَيْهِ؛ فَأَثْبَتَهُ أَحْمَدُ وَالْقَفَّالُ وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَنَفَاهُ الْبَاقُونَ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ حُجَّةٌ فِيمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَعَلَيْهِ النَّظَرُ.
«لَنَا» عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ سَمْعًا «وُجُوهٌ» :
الْأُولَى: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَبَتَ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُ الْأَحْكَامَ إِلَى الْبِلَادِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ سَمْعًا، «لَكَانَ تَبْلِيغُ الْأَحْكَامِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ عَبَثًا» ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ «وَاللَّازِمُ» وَهُوَ الْعَبَثُ مِنَ الشَّارِعِ «بَاطِلٌ» لِأَنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الْعَبَثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [الْمُؤْمِنُونَ: 115 - 116] ، أَيْ: عَنِ الْعَبَثِ.
(2/119)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَتَبْلِيغُهُ كَذَلِكَ تَوَاتُرِيٌّ» ، أَيْ: تَبْلِيغُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْأَحْكَامَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ ثَابِتٌ بِالتَّوَاتُرِ، وَقَدْ صَدَّرْنَا الدَّلِيلَ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ قِيلَ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنَ الْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تِلْكَ الْأَخْبَارَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُبَلِّغُهَا النَّاسَ كَانَتْ آحَادًا، بَلِ اقْتَرَنَ بِهَا مَا أَفَادَ الْعِلْمَ مِنَ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ كَانَ وَاسِطَةً بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، لَا تَوَاتُرًا وَلَا آحَادًا، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى فِي تَبْلِيغِهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُجَرَّدِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابُ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ اقْتِرَانِ قَرَائِنَ بِتِلْكَ الْأَخْبَارِ، أَفَادَتْ مَعَهَا الْعِلْمَ «لَمْ يُنْقَلْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ» ؛ فَيُسْتَصْحَبُ فِيهِ حَالُ الْعَدَمِ.
غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا مُجَرَّدًا، لَكِنَّ مُجَرَّدَ احْتِمَالِ الشَّيْءِ وَجَوَازِهِ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ مُمْكِنٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاقِعًا مَوْجُودًا؛ لِأَنَّهُ جَائِزُ الْوُجُودِ.
الْوَجْهُ «الثَّانِي: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَيْهِ، وَتَوَاتُرُهُ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا» ، أَيْ: أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَتَوَاتَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا، كَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ جَرَتْ لَهُمْ، نَذْكُرُ مِنْهَا جُمْلَةً تُنَبِّهُ عَلَى غَيْرِهَا، وَهِيَ الْوَقَائِعُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
(2/120)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَمِنْ ذَلِكَ: «قَبُولُ الصِّدِّيقِ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْجَدَّةِ» ؛ فَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَمَا لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَيْءٌ؛ فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ؛ فَسَأَلَ النَّاسَ؛ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعْطَاهَا السُّدُسَ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ؛ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ؛ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَبُولُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَبَرَ حَمَلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فِي غُرَّةِ الْجَنِينِ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأً سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْجَنِينِ؛ فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ؛ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي؛ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ؛ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا؛ فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ؛ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِهِ» .
(2/121)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: مَعْنَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، غَيْرَ أَنَّ مُنَاشَدَةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا.
مِنْ ذَلِكَ: قَبُولُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا خَبَرَ الضَّحَّاكِ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا؛ فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا؛ فَأَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثُ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ: قَبُولُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا خَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فِي» أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ؛ فَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ بَجَالَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، حَتَّى أَخْبَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ
(2/122)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ، قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى «مَنَاذِرَ» ؛ فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ: «انْظُرْ مَجُوسَ مَنْ قِبَلَكَ؛ فَخُذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ: قَبُولُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَبَرَ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ فِي السُّكْنَى؛ فَرَوَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ؛ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ تَرَكَ لَهَا مَسْكَنًا تَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَرْسَلَ إِلَيَّ؛ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ؛ فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ، وَقَضَى بِهِ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَمِنْ ذَلِكَ: قَبُولُ عَلِيٍّ خَبَرَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي غُفْرَانِ الذَّنْبِ بِصَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالِاسْتِغْفَارِ عَقِيبَهُ؛ فَرَوَى أَسْمَاءُ بْنُ الْحَكَمِ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ
(2/123)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 135] . رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ أَيْضًا.
وَمِنْ ذَلِكَ: «رُجُوعٌ لِكُلٍّ - أَيْ: جَمِيعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى خَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي» وُجُوبِ «الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ» وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ يُفْتِي بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ، لَا غَيْرَ؛ فَنَازَعَهُ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَاشْتُهِرَ الْخِلَافُ حَتَّى صَارَ الصَّحَابَةُ فِيهِ قِسْمَيْنِ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ؛ فَأَرْسَلُوا إِلَى عَائِشَةَ أَبَا مُوسَى يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؛ فَرَوَتْ لَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ - وَجَبَ الْغُسْلُ؛ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْلِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ
(2/124)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ: اسْتِدَارَةُ أَهْلِ قُبَاءٍ إِلَى الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَرَوَى إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الْبَقَرَةِ: 144] ؛ فَوُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ
(2/125)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يُحِبُّ ذَلِكَ؛ فَصَلَّى رَجُلٌ مَعَهُ الْعَصْرَ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، قَالَ: فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانُوا فِي الْفَجْرِ. أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قَوْلُهُ: «فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ» ، أَيْ: هَذِهِ الْوَقَائِعُ عُمِلَ فِيهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي قَضَايَا، أَيْ: مَعَ قَضَايَا كَثِيرَةٍ، عُمِلَ فِيهَا بِهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ فَيَكُونُ حُجَّةً.
قَوْلُهُ: «وَدَعْوَى اقْتِرَانِ مَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِهَا مَرْدُودَةٌ بِمَا سَبَقَ، وَبِقَوْلِ عُمَرَ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: فَإِنِ ادَّعَى الْخَصْمُ أَنَّ الْأَخْبَارَ فِي هَذِهِ الْوَقَائِعِ اقْتَرَنَ بِهَا قَرَائِنُ أَفَادَتْ مَعَهَا الْعِلْمَ، قُلْنَا: دَعْوَاكَ هَذِهِ مَرْدُودَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا سَبَقَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يَكْفِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَرْدُودَةٌ «بِقَوْلِ عُمَرَ فِي خَبَرِ الْغُرَّةِ» ، السَّابِقِ ذِكْرُهُ: «لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ الرُّجُوعُ إِلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ» ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ قَضَاؤُهُ بِرَأْيِهِ لِوُجُودِ
(2/126)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سَمَاعِهِ هَذَا الْخَبَرَ؛ فَيَكُونُ الْخَبَرُ بِمُجَرَّدِهِ مُسْتَقِلًّا بِالْمَنْعِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ قَرِينَةٍ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا اعْتِرَاضٌ مِنَ الْخَصْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ الِاحْتِجَاجُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ، إِنْ دَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَقَدْ وَرَدَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى رَدِّهِ، وَعَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ، وَذَلِكَ فِي قَضَايَا:
مِنْهَا: مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ؛ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ؛ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَقِيَّةِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَدَّ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الْجَدَّةِ بِمُجَرَّدِهِ حَتَّى وَافَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَقَدْ سَبَقَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَدَّ خَبَرَ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَانِ؛ فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاحِدَةً، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثِنْتَانِ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ رَجَعَ؛ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْبَوَّابِ: مَا صَنَعَ؟ قَالَ: رَجَعَ، قَالَ: عَلَيَّ بِهِ؛ فَلَمَّا جَاءَهُ، قَالَ: مَا هَذَا الَّذِي
(2/127)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صَنَعْتَ؟ قَالَ: السُّنَّةَ، قَالَ: وَاللَّهِ لِتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبُرْهَانٍ، أَوْ لِأَفْعَلَنَّ بِكَ. قَالَ: فَأَتَانَا وَنَحْنُ رُفْقَةً مِنَ الْأَنْصَارِ؛ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتُمْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ؟ قَالَ: فَجَعَلَ الْقَوْمُ يُمَازِحُونَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَقُلْتُ: فَمَا أَصَابَكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مِنْ شَيْءٍ؛ فَأَنَا شَرِيكُكَ، قَالَ: فَأَتَى عُمَرُ؛ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: مَا كُنْتُ عَلِمْتُ بِهَذَا. أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِهِ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَدَّ خَبَرَ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ مَا رَوَى عَلْقَمَةُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ؛ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ. فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ؛ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي بَرْوَعَ بِنْتِ
(2/128)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَاشِقٍ، امْرَأَةٍ مِنَّا، مِثْلَ مَا قَضَيْتَ؛ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ عَائِشَةَ رَدَّتْ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ فَرَوَى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ وَهِمَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِرَجُلٍ مَاتَ يَهُودِيًّا: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قَالُوا: فَهَذَا رَدٌّ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَحِينَئِذٍ رَدُّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا اسْتِظْهَارًا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: إِنَّمَا رَدُّوا هَذِهِ الْأَخْبَارَ، فِي هَذِهِ الْوَقَائِعِ، اسْتِظْهَارًا لِتِلْكَ الْأَحْكَامِ «لِجِهَاتِ ضَعْفٍ اخْتَصَّتْ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ» ، فِي نَظَرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا، «ثُمَّ إِنَّهَا - يَعْنِي تِلْكَ الْأَخْبَارَ - قُبِلَتْ بَعْدَ التَّوَقُّفِ فِيهَا بِإِخْبَارِ اثْنَيْنِ بِهَا» ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ لَمَّا وَافَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى لَمَّا وَافَقَهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَمَّا وَافَقَهُ الشَّيْخَانِ، وَغَيْرُهُمَا «وَلَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ - أَيْ: بِإِخْبَارِ اثْنَيْنِ بِهَا - عَنْ
(2/129)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَوْنِهَا آحَادًا» ؛ فَقَدْ صَارَ مَا احْتَجَّ بِهِ الْخَصْمُ حُجَّةً عَلَيْهِ.
وَبَيَانُ وَجُوهِ الْمُوجِبِ لِلتَّوَقُّفِ فِي الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ.
أَمَّا خَبَرُ ذِي الْيَدَيْنِ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا كَثِيرِينَ خَلْفَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَضْبَطُ لِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ، وَأَحْرَصُ عَلَى كَمَالِهَا وَدَفْعِ النَّقْصِ عَنْهَا؛ فَكَانَ تَنْبِيهُهُ لِوُقُوعِ النَّقْصِ فِيهَا دُونَهُمْ بَعِيدًا فِي الْعَادَةِ؛ فَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى وَافَقَهُ النَّاسُ.
وَأَمَّا خَبَرُ الْمُغِيرَةِ فِي الْجَدَّةِ؛ فَلِلتَّوَقُّفِ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ غَيْرَ مُتَمَاسِكٍ تَمَاسُكَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَرَبِ، وَشُهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَى فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا رَجْمَهُ؛ فَلَعَلَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَفَرَّسَ فِيهِ نَوْعَ ضَعْفٍ أَوْ تُهْمَةٍ؛ فَتَوَقَّفَ فِي خَبَرِهِ لِأَجْلِهِ، حَتَّى وَافَقَهُ آخَرُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصِّدِّيقَ لَعَلَّهُ غَلَّبَ فِي خَبَرِهِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَالِ، مِنْ حَيْثُ كَانَ الثَّابِتُ بِهِ مَالًا، خُصُوصًا وَهُوَ يُثْبِتُ حُكْمًا مُؤَبَّدًا، لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مِيرَاثُ الْجَدَّةِ؛ فَكَانَ ذَلِكَ مُنَاسِبًا، بَلْ مُوجِبًا لِلتَّوَقُّفِ.
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي مُوسَى: فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ شَدِيدَ الْحِرَاسَةِ لِلسُّنَّةِ، وَالصِّيَانَةِ لَهَا عَنْ دُخُولِ مَا لَيْسَ مِنْهَا فِيهَا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ شَدِيدَ الْخِبْرَةِ بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُفَارِقُهُ؛ إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَائِبِهِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْهُ؛ فَأَحَبَّ الِاحْتِيَاطَ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ: مَا كُنْتُ عَلِمْتُ بِهَذَا.
(2/130)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلٍ فَتَضَمَّنَ أَحْكَامًا، مِنْهَا: الصَّدَاقُ، وَهُوَ حَقٌّ مَالِيٌّ؛ فَلَعَلَّهُ غَلَّبَ فِيهِ الشَّهَادَةَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَإِنَّمَا رَدَّتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ حَيْثُ الْوَهْمِ، لَا مِنْ حَيْثُ الْكَذِبِ وَالضَّعْفِ، وَلِهَذَا قَالَتْ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ وَهِمَ.
وَكَذَلِكَ رَوَتْ عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: غَفَرَ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا؛ فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ رَدَّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، لِهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي اخْتُصَّتْ بِهَا، لَا يَقْدَحُ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
الْوَجْهُ «الثَّالِثُ» : مِنْ أَصْلِ الدَّلِيلِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قَوْلَ الْمُفْتِي يَجِبُ قَبُولُهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ ظَنِّهِ أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ حُكْمُ اللَّهِ، بِحَسْبِ اجْتِهَادِهِ بِالْإِجْمَاعِ، أَيْ: يَجِبُ قَبُولُهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَلْيَجِبْ قَبُولُ قَوْلِ الرَّاوِي فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ السَّمَاعِ مِمَّنْ فَوْقَهُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ فُتْيَا الْمُفْتِي، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ حُصُولُ الظَّنِّ فِيهِمَا.
أَمَّا فِي الْفُتْيَا؛ فَلِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى.
(2/131)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا فِي الرَّاوِي؛ فَلِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ السَّامِعِ، أَنَّ مَا رَوَاهُ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفُتْيَا.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ ظَنِّيٌّ؛ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ قَوِيٌّ؛ فَلَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَحَلُّ النِّزَاعِ» ، هَذَا جَوَابُ اعْتِرَاضِهِمْ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ كَوْنَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ ظَنِّيًّا مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ ظَنِّيٌّ، بَلْ هُوَ جَلِيٌّ قَاطِعٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي مَعْنَى أَصْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّاوِي وَالْمُفْتِي إِلَّا أَنَّ هَذَا يُخْبِرُ عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا يُخْبِرُ عَنْ ظَنِّهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا يَرْوِي قَوْلَ غَيْرِهِ، وَهَذَا يَرْوِي مَذْهَبَ غَيْرِهِ.
وَتَحْرِيرُ الْجَوَابِ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ: إِمَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ ظَنِّيًّا، أَوْ بِمَنْعِ كَوْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ - وَهُوَ جَوَازُ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ - قَطْعِيًّا، بَلْ هُوَ اجْتِهَادِيٌّ؛ فَيَثْبُتُ بِدَلَالَتِهِ الظَّنِّيَّةِ كَالْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ.
(2/132)

تَنْبِيهٌ: اشْتَرَطَ الْجُبَّائِيُّ لِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، أَنْ يَرْوِيَهُ اثْنَانِ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ، كَالشَّهَادَةِ، أَوْ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ ظَاهِرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«تَنْبِيهٌ: اشْتَرَطَ الْجُبَّائِيُّ لِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، أَنْ يَرْوِيَهُ اثْنَانِ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ، كَالشَّهَادَةِ، أَوْ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ» ، أَيْ: قَالَ: لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ إِلَّا بِأَحَدِ شَرْطَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَرْوِيَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اثْنَانِ، ثُمَّ عَنْهُمَا اثْنَانِ، وَهَلُمَّ جَرًّا حَتَّى يَصِلَ إِلَيْنَا.
أَوْ لَا يُرْوَى كَذَلِكَ، لَكِنْ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ مِنْ نَصٍّ، أَوْ عَمَلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ قِيَاسٍ. كَمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ اثْنَيْنِ، اعْتِبَارًا لِلرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» : «أَنْ يَرْوِيَهُ اثْنَانِ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ» .
وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: ذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ إِلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِنَّمَا يُقْبَلُ؛ إِذَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اثْنَانِ، ثُمَّ يَرْوِيهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اثْنَانِ، وَقَاسَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ.
قُلْتُ: لَكِنَّ هَذَا خَارِجٌ عَنْ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ؛ فَإِنَّهُمْ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ، لَمْ يَشْتَرِطُوا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَاهِدَيِ الْأَصْلِ شَاهِدَا فَرْعٍ. هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ: يُشْتَرَطُ لِكُلِّ أَصْلٍ فَرْعَانِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّةَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
فَمُقْتَضَى اعْتِبَارِ الرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، أَنْ يَرْوِيَهُ اثْنَانِ ثُمَّ،
(2/133)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ. وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ شَيْءٌ، يُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي يَرْوِيهِ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ الصَّحَابِيِّ رَاوِيَانِ ثِقَتَانِ عَنْهُ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يَرْوِيهِ عَنْهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ الْمَشْهُورُ، وَلَهُ رُوَاةٌ ثِقَاتٌ، ثُمَّ يَكُونُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ حَافِظًا مُتْقِنًا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ، مِنْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ اشْتَرَطَ رِوَايَةَ عَدْلَيْنِ عَنْ عَدْلَيْنِ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَكِنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ، فَلَمْ يُصِبْ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ بَاطِلٌ» ، أَيْ: مَا اشْتَرَطَهُ الْجُبَّائِيُّ بَاطِلٌ، بِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهِيَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرَ، «وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ ظَاهِرٌ» ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(2/134)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ دَخَلَهَا التَّعَبُّدُ، حَتَّى لَا يُقْبَلَ فِيهَا النِّسَاءُ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَإِنْ كَثُرْنَ فِي بَاقَةِ بَقْلٍ، إِلَّا فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُعَيَّنٍ؛ فَاحْتِيطَ لَهُ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ؛ فَإِنَّهَا فِي جُمْلَةِ أَحْكَامِ النَّاسِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ؛ فَالْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ لَا يَتَجَرَّأُ فِي مِثْلِهَا عَلَى الْكَذِبِ، لِعِظَمِ الْخَطَرِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى أَرْبَعَةٌ، دُونَ الرِّوَايَةِ فِيهِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْجُبَّائِيُّ - عَلَى مَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَذْهَبِهِ - يُوجِبُ أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْنَا إِثْبَاتُ حَدِيثٍ أَصْلًا، وَعَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ نَحْنُ يَقْتَضِي أَنْ يَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ، إِذْ وُجُودُ ذَلِكَ الشَّرْطِ نَادِرٌ أَوْ قَلِيلٌ، وَإِذَا كَانَ الظَّنُّ مَنَاطَ التَّعَبُّدِ، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى هَذَا التَّبَدُّعِ.
(2/135)

الثَّالِثَةُ: يُعْتَبَرُ لِلرَّاوِي الْمَقْبُولِ الرِّوَايَةِ شُرُوطٌ.
فَالْأَوَّلُ: الْإِسْلَامُ، لِاتِّهَامِ الْكَافِرِ فِي الدِّينِ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي الْكَافِرِ أَوِ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً، يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، إِذْ أَجَازَ نَقْلَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُرْجِئَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَاسْتَعْظَمَ الرِّوَايَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْعَوْفِيِّ لِجَهْمِيَّتِهِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ قَبُولَهَا مِنَ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ؛ لِحُصُولِ الْوَازِعِ لَهُ عَنِ الْكَذِبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
ب: الْعَدَالَةُ، لِعَدَمِ الْوَازِعِ لِلْفَاسِقِ الْمُعَانِدِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} .
ج: التَّكْلِيفُ، إِذْ لَا وَازِعَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا عِبَادَةَ لَهُمَا، فَإِنْ سَمِعَ صَغِيرًا، وَرَوَى بَالِغًا، قُبِلَ: كَالشَّهَادَةِ، وَصِبْيَانِ الصَّحَابَةِ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى إِحْضَارِهِ مَجَالِسَ السَّمَاعِ، وَلَا فَائِدَةَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ.
د: الضَّبْطُ حَالَةَ السَّمَاعِ، إِذْ لَا وُثُوقَ بِقَوْلِ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: يُعْتَبَرُ لِلرَّاوِي الْمَقْبُولِ الرِّوَايَةِ شُرُوطٌ» ، لَمَّا بَيَّنَ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا وَسَمْعًا؛ وَجَبَ النَّظَرُ فِي شُرُوطِ الْوَاحِدِ الَّذِي يُقْبَلُ خَبَرُهُ:
فَالْأَوَّلُ: الْإِسْلَامُ، أَيْ: يَكُونُ الرَّاوِي مُسْلِمًا لِأَنَّ الْكَافِرَ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ؛ فَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ فِي خَبَرٍ دِينِيٍّ، كَالرِّوَايَةِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ بِمَحَارِيبِ الْكُفَّارِ، وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَطَهَارَةِ مَوْضِعِهَا، وَطَهَارَةِ الْمَاءِ، وَوَقْتِ السُّحُورِ وَالْإِفْطَارِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الْمُمْتَحِنَةِ: 13] ، وَ {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الْمُمْتَحِنَةِ: 1] ، أَيْ: لَا تَتَوَلَّوْهُمْ فِي الدِّينِ، وَهَذِهِ الْفُرُوعُ مِنَ الدِّينِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: لَا تَأْخُذُوا
(2/136)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِآرَائِهِمْ.
قَوْلُهُ: «وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي الْكَافِرِ، أَوِ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ» .
يَعْنِي: أَنَّ الْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ، إِذَا كَانَا مُتَأَوِّلِينَ؛ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ، كَشَارِبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا، وَنَحْوِهِ، لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَضَعَ الْحَدِيثَ عَلَى مُوَافَقَةِ مَذْهَبِهِ وَهَوَاهُ، كَمَا يُحْكَى عَنِ الْخَطَّابِيَّةِ مِنَ الرَّافِضَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً؛ فَكَلَامُ أَحْمَدَ فِيهِ يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، أَيْ: لِأَنَّهُ أَجَازَ نَقْلَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ أَوْ فُسَّاقٌ؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
وَاسْتَعْظَمَ - يَعْنِي أَحْمَدَ - الرِّوَايَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْعَوْفِيِّ لِجَهْمِيَّتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ
(2/137)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جَهْمِيًّا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ.
قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: احْمِلُوا الْحَدِيثَ عَنِ الْمُرْجِئَةِ. وَقَالَ: يُكْتَبُ عَنِ الْقَدَرِيِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً. وَاسْتَعْظَمَ الرِّوَايَةَ عَنْ سَعِيدٍ الْعَوْفِيِّ، وَقَالَ: هُوَ جَهْمِيٌّ، امْتُحِنَ فَأَجَابَ.
قُلْتُ: الْمُحَدِّثُ إِذَا كَانَ نَاقِدًا بَصِيرًا فِي فَنِّهِ، جَازَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ، الَّذِينَ يُفَسَّقُونَ بِبِدْعَتِهِمْ، كَعَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِّيِّ - بِالْجِيمِ وَالنُّونِ - وَكَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، وَحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يُبْغِضُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ.
(2/138)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ قَبُولَهَا» ، أَيْ: قَبُولَ الرِّوَايَةِ «مِنَ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ لِحُصُولِ الْوَازِعِ» ، أَيِ: الْكَافِّ لَهُ مِنَ الْكَذِبِ. يُقَالُ: وَزَعَهُ يَزَعُهُ وَزْعًا: إِذَا كَفَّهُ؛ فَاتَّزَعَ هُوَ: أَيْ: كَفَّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِسْقَ هَذَا، إِنَّمَا هُوَ فِي اعْتِقَادِ خَصْمِهِ، وَإِلَّا؛ فَهُوَ يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ الْعَدَالَةَ وَالْإِسْلَامَ، وَيُخَطِّئُ خَصْمَهُ فِي خِلَافِهِ؛ فَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مُعْتَصِمٌ بِحَبْلِ التَّدَيُّنِ؛ فَلَا يُقْدِمُ عَلَى الْكَذِبِ.
وَلَا يَرِدُ مِثْلُ هَذَا فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَقْطَعُونَ بِخَطَأِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَقْطَعُونَ بِخَطَئِهِمْ؛ فَيَرَوْنَ الْكَذِبَ لِيَكِيدُوا بِهِ الْإِسْلَامَ قُرْبَةً، بِخِلَافِ فَسَقَةِ الْمِلَّةِ، فَإِنَّ غَالِبَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفَسَّقُونَ بِهَا لَيْسَتْ قَوَاطِعَ، كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي كِتَابِ «إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» .
وَهَذَا - أَعْنِي قَبُولَ رِوَايَةِ الْفَاسِقِ الْمُتَأَوِّلِ - قَوْلُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَالِاحْتِرَازُ بِالْمُتَأَوِّلِ عَنِ الْمُعَانِدِ؛ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ لِعِنَادِهِ، وَعَدَمِ الْوَازِعِ لَهُ.

تَنْبِيهٌ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ عَلَى أَنَّ شَارِبَ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا يُحَدُّ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ؛ فَقَبِلَهَا أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ، وَرَدَّهَا مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ: أَنَّ فِسْقَهُ مَظْنُونٌ؛ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، أَوْ مَقْطُوعٌ؛ فَتُرَدُّ.
(2/139)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا وَجْهُ كَوْنِهِ مَظْنُونًا؛ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَلَّدَ فِي شُرْبِهِ إِمَامًا مُجْتَهِدًا، يَسْتَنِدُ فِي إِبَاحَتِهِ إِلَى شُبْهَةٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً؛ فَيَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ الْقَطْعُ بِفِسْقِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُحَدَّ أَيْضًا، وَإِنَّمَا حَدَدْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ وُضِعَتْ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا الْعِصْيَانُ؛ فَحَدَدْنَاهُ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ فَسَادِ الْعَقْلِ، وَقَبِلْنَا شَهَادَتَهُ لِعَدَمِ عِصْيَانِهِ.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ مَقْطُوعًا بِهِ، هُوَ أَنَّ مُدْرِكَ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ: قَوِيَ، حَتَّى صَارَ خِلَافُهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَالسَّفْسَطَةِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ؛ فَشَارِبُ النَّبِيذِ خَالَفَ النَّصَّ الْمُرْضِي، وَالْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، وَالْقَانُونَ الْكُلِّيَّ.
أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ. وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ؛ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ. وَهِيَ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ: فَقِيَاسُ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ.
وَأَمَّا الْقَانُونُ الْكُلِّيُّ: فَإِنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ سَدُّ الذَّرَائِعِ، حَتَّى حَرَّمَ الْقَطْرَةَ مِنَ الْخَمْرِ، وَإِنْ لَمْ تُسْكِرْ، لِكَوْنِهَا ذَرِيعَةً إِلَى مَا يُسْكِرُ، وَالنَّبِيذُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْخَمْرِ؛ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِهِ.
وَأَمَّا تَقْلِيدُهُ فِي شُرْبِهِ لِإِمَامٍ مُجْتَهِدٍ؛ فَلَا يَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُنْقَضُ بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَلَا يُقَرُّ الْحُكْمُ مَعَ تَأَكُّدِهِ؛ فَأَنْ لَا يُقَرَّ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ
(2/140)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمُجَرَّدِ أَوْلَى، وَإِذَا لَمْ يُقَرَّ، لَمْ يَجُزِ التَّقْلِيدُ فِيهِ، وَصَارَ النَّاطِقُ بِجَوَازِهِ كَالسَّاكِتِ، وَالْمُقَلِّدُ فِيهِ كَالْمُجْتَرِئِ الْمُعَانِدِ حُكْمًا.
قُلْتُ: الْأَشْبَهُ بِعَدْلِ الشَّرْعِ أَنَّ شَارِبَ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا لَا يُحَدُّ، وَأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ إِمَّا مَقْطُوعٌ بِهِ، أَوْ مَظْنُونٌ، وَالْقَطْعُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، إِذْ لَا قَاطِعَ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَالظَّنُّ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ عَنْهُ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ إِذَا اعْتَلُّوا عَلَى الْحَنَفِيِّ مَثَلًا، بِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، اعْتَلَّ هُوَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ حَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، ثُمَّ يُورِدُ شُبْهَتَهُ، وَمَعَ تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، أَوْ تَقَارُبِهَا، كَيْفَ يَجِبُ الْحَدُّ.
ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقْبَلُوهُ، أَوْ يُفَسِّقُوهُ؛ فِيمَا إِذَا تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ صَلَوَاتٍ، بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ، بِتَرْكِهِ رُكْنَهَا أَوْ شَرْطَهَا، وَالْمُدْرِكُ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الْمُدْرِكِ فِي تَحْرِيمِ
(2/141)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّبِيذِ، أَوْ مِثْلِهِ؛ فَمَا الْفَرْقُ؟

قَوْلُهُ: " (ب) " يَعْنِي الشَّرْطَ الثَّانِي مِنَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلرَّاوِي: " الْعَدَالَةُ، لِعَدَمِ الْوَازِعِ لِلْفَاسِقِ الْمُعَانِدِ عَنِ الْكَذِبِ "، أَيْ: لَيْسَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُعَانِدِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَوِّلَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ رِوَايَتَهُ تُقْبَلُ، " وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ} أَيْ: تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الرَّاوِي، وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْفَاسِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الْحُجُرَاتِ: 6] ؛ فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَوْ قُبِلَتْ، لَمْ تَقِفْ عَلَى التَّبَيُّنِ، كَرِوَايَةِ الْعَدْلِ.
تَنْبِيهٌ: الْعَدَالَةُ: قَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهَا الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَالْمُرُوءَةُ، وَفَصَّلُوا ذَلِكَ. وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وُجُودَهُ فِي الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ، وَهُمَا قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِمَا كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَكَأَنَّ مَأْخَذَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ ظُهُورُ أَمَارَةِ الصِّدْقِ، أَوْ عَدَمُ ظُهُورِ أَمَارَةِ الْكَذِبِ.
(2/142)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْقَوْلُ الْوَجِيزُ الْجَامِعُ فِي الْعَدَالَةِ، أَنَّهَا اعْتِدَالُ الْمُكَلَّفِ فِي سِيرَتِهِ شَرْعًا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا يُشْعِرُ بِالْجَرَاءَةِ عَلَى الْكَذِبِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَلَوَاحِقِهَا.
وَتُعْرَفُ عَدَالَةُ الشَّخْصِ بِأُمُورٍ:
أَحَدُهَا: الْمُعَامَلَةُ وَالْمُخَالَطَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي الْعَادَةِ عَلَى خَبَايَا النُّفُوسِ وَدَسَائِسِهَا.
الثَّانِي: التَّزْكِيَةُ، وَهُوَ ثَنَاءُ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُ لَهُ بِالْعَدَالَةِ.
الثَّالِثُ: السُّمْعَةُ الْجَمِيلَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ أَوِ الْمُسْتَفِيضَةُ، وَبِمِثْلِهَا عُرِفَتْ عَدَالَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ.

قَوْلُهُ: « (ج) » أَيِ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ الرَّاوِي: «التَّكْلِيفُ» ، بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، «إِذْ لَا وَازِعَ» ، أَيْ: لَا مَانِعَ «لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ» عَنِ الْكَذِبِ، لِعَدَمِ تَعَقُّلِهِمَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، «وَلَا عِبَادَةَ لَهُمَا شَرْعًا» ، أَيْ: لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عِبَادَتِهِمَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، كَعَقْدِ بَيْعٍ، أَوْ نِكَاحٍ، أَوْ فَسْخِ عَقْدٍ، أَوْ طَلَاقٍ، «فَإِنْ سَمِعَ» الرَّاوِي «صَغِيرًا» ، أَيْ: حَالَ صِغَرِهِ، «وَرَوَى بَالِغًا» : أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِهِ، «قُبِلَ» قَوْلُهُ، وَرِوَايَتُهُ «كَالشَّهَادَةِ، وَصِبْيَانِ الصَّحَابَةِ» .
أَمَّا الشَّهَادَةُ؛ فَلِأَنَّ مَنْ شَهِدَ صَغِيرًا، وَأَدَّى كَبِيرًا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عِنْدَ الْبُلُوغِ يَحْصُلُ لَهُ الْوَازِعُ عَنِ الْكَذِبِ؛ فَلَا يَرْوِي وَيُؤَدِّي إِلَّا مَا سَمِعَ وَشَاهَدَ.
وَأَمَّا صِبْيَانُ الصَّحَابَةِ؛ فَلِأَنَّهُمْ سَمِعُوا صِبْيَانًا، وَرَوَوْا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقُبِلَتْ
(2/143)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رِوَايَتُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ، كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّ أُمَّهُ سَلَّمَتْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَبِيًّا لِيَخْدِمَهُ؛ فَخَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَلِذَلِكَ كَثُرَتْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَرَوَتْ عَنْهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
قَوْلُهُ: «وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إِحْضَارِهِ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى قَبُولِ مَا سَمِعَهُ صَغِيرًا وَرَوَاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِحْضَارِ الصَّبِيِّ مَجَالِسَ السَّمَاعِ، أَيْ: سَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَلَا فَائِدَةَ لِإِحْضَارِهِ صَغِيرًا إِلَّا قَبُولَ رِوَايَتِهِ كَبِيرًا، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ، لَانْتَفَتْ فَائِدَةُ إِحْضَارِهِ، وَلُغِيَ الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ حَالٌ لِعِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ سَمْعًا عَنِ الْخَطَأِ وَاللَّغْوِ.

قَوْلُهُ: « (د) » : أَيِ: الشَّرْطُ الرَّابِعُ مِنْ شُرُوطِ الرَّاوِي: «الضَّبْطُ» ، أَيْ: يَكُونُ ضَابِطًا لِمَا يَسْمَعُهُ «حَالَةَ السَّمَاعِ، إِذْ لَا وُثُوقَ بِقَوْلِ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ» ، فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَبْطَلُوا رِوَايَاتِ كَثِيرٍ مِمَّنْ ضَعُفَ ضَبْطُهُ، مِمَّنْ سَمِعَ بَالِغًا عَاقِلًا، بَلْ شَيْخًا أَوْ كَهْلًا مُحْتَنِكًا؛ فَإِبْطَالُ رِوَايَةِ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ، مِمَّنْ سَمِعَ صَغِيرًا، أَوْلَى.
تَنْبِيهٌ: أَصْلُ الضَّبْطِ إِمْسَاكُ الشَّيْءِ بِالْيَدِ، أَوِ الْيَدَيْنِ، إِمْسَاكًا يُؤْمَنُ مَعَهُ الْفَوَاتُ،
(2/144)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّذِي يَعْمَلُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ: أَضْبَطُ، وَالْأُنْثَى: ضَبْطَاءُ. وَالضَّبَنْطِيُّ: الْقَوِيُّ، وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي حِفْظِ الْوَالِي وَنَحْوِهِ الْبِلَادَ بِالْحَزْمِ وَحُسْنِ السِّيَاسَةِ، وَفِي حِفْظِ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظِهَا، أَوْ بِدُونِهَا، بِالْقُوَّةِ الْحَافِظَةِ.
وَيُسْتَعْمَلُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ فِي التَّحَرِّي وَالتَّشَدُّدِ فِي النَّقْلِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي إِيضَاحِ الْخَطِّ بِالْإِعْرَابِ، وَالشَّكْلِ، وَالنَّقْطِ.
(2/145)

الرَّابِعَةُ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَتُقْبَلُ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ: الْعِلْمُ بِالْعَدَالَةِ؛ فَلَا تُقْبَلُ لِلْجَهْلِ بِهَا.
أَوْ: عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ؛ فَتُقْبَلُ لِعَدَمِهِ هَا هُنَا. وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ.
احْتَجَّ الْأَوَّلُ: بِأَنَّ مُسْتَنَدَ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ: الْإِجْمَاعُ، وَلَا إِجْمَاعَ هُنَا. وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ لِيَلْحَقَ بِهِ. وَبِأَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ، كَالصِّبَا، وَالْكُفْرِ؛ فَالشَّكُّ فِيهِ كَالشَّكِّ فِيهِمَا. وَبِالْقِيَاسِ عَلَى شَهَادَتِهِ فِي الْعُقُوبَاتِ، وَبِأَنَّ شَكَّ الْمُقَلِّدِ فِي بُلُوغِ الْمُفْتِي دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ أَوْ عَدَالَتِهِ مَانِعٌ مِنْ تَقْلِيدِهِ. وَهَذَا مِثْلُهُ وَأَوْلَى، لِإِثْبَاتِ شَرْعٍ عَامٍّ بِقَوْلِهِ.
احْتَجَّ الثَّانِي: بِقَبُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالصَّحَابَةِ رِوَايَةَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامَ. وَبِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ رَوَى أَوْ شَهِدَ قُبِلَ، وَلَا مُسْتَنَدَ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَتَرَاخِي الزَّمَنِ بَعْدَهُ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِلرَّدِّ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ، إِذْ لَا يَظْهَرُ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ. وَبِقَبُولِ قَوْلِهِ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَنَجَاسَتِهِ، وَمِلْكِهِ لِهَذِهِ الْجَارِيَةِ، وَخُلُوِّهَا عَنْ زَوْجٍ؛ فَيَحِلُّ شِرَاؤُهَا وَوَطْؤُهَا، وَبِأَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ؛ فَيَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَالَةِ الْعَرَبِيِّ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِوَحْيٍ، أَوْ تَزْكِيَةِ خَبِيرٍ بِهِ. وَالصَّحَابَةُ إِنَّمَا قَبِلُوا خَبَرَ مَنْ عَلِمُوا عَدَالَتَهُ، وَحَيْثُ جُهِلَتْ رَدُّوهَا، ثُمَّ الصَّحَابَةُ عُدُولٌ بِالنَّصِّ؛ فَلَا وَجْهَ لِلْبَحْثِ عَنْهُمْ. وَقَبُولُ قَوْلِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى، مَمْنُوعٌ، لِجَوَازِ اسْتِصْحَابِهِ حَالَ الْكَذِبِ، وَتَأْثِيرُ الْإِسْلَامِ يَظْهَرُ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ؛ فَالْفَرْقُ أَنَّهُ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ يُعَظِّمُهُ وَيَهَابُهُ؛ فَيَصْدُقُ غَالِبًا وَظَاهِرًا، بِخِلَافِ مَنْ طَالَ زَمَنُهُ فِيهِ، وَطَمِعَ فِي جَنَّتِهِ. وَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي مِلْكِ الْأَمَةِ وَخُلُوِّهَا رُخْصَةٌ، حَتَّى مَعَ الْعِلْمِ بِفِسْقِهِ، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي الْبَاقِي مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَأَحْكَامٌ جُزْئِيَّةٌ، لَيْسَتْ إِثْبَاتَ شَرْعٍ عَامٍّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/146)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الرَّابِعَةُ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ» عَنْ أَحْمَدَ، «وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَتُقْبَلُ فِي» الْقَوْلِ «الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ» ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْحَالِ، فِي الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ، وَهِيَ: الْإِسْلَامُ، وَالتَّكْلِيفُ، وَالضَّبْطُ.
قَوْلُهُ: «وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا مَأْخَذٌ كُلِّيٌّ مُخْتَصَرٌ لِلْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الرِّوَايَةِ، هَلْ هُوَ الْعِلْمُ بِالْعَدَالَةِ، أَوْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ؟
فَإِنْ قُلْنَا: شَرْطُ الْقَبُولِ الْعِلْمُ بِعَدَالَةِ الرَّاوِي، لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَةُ الْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلَا تُقْبَلُ لِلْجَهْلِ بِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: شَرْطُ الْقَبُولِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ، قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْمَجْهُولِ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِفِسْقِهِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: «فَتُقْبَلُ لِعَدَمِهِ هَهُنَا» .
قُلْتُ: هَذَا الْكَلَامُ يُشِيرُ بِهِ إِلَى إِثْبَاتِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ، وَهَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَدَالَةَ وَالْفِسْقَ؛ إِمَّا أَنْ نَعْتَبِرَهُمَا بِحَسْبِ نَفْسِ الْأَمْرِ وَبَاطِنِهِ؛ فِيمَا بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَوْ بِحَسْبِ مَا يَظْهَرُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ، الدَّالَّةِ عَادَةً عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَإِنْ خَالَهَا تَخَفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمُ
(2/147)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْ بِحَسْبِ عِلْمِنَا بِحَالِهِ، عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا.
أَمَّا بِحَسْبِ الِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ؛ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُضْمِرًا لِلْمَعَاصِي إِذَا ظَفِرَ بِهَا، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْفَاسِقُ، وَالثَّانِي هُوَ الْعَدْلُ. هَذَا بِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ.
أَمَّا بِاعْتِبَارِ سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ؛ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُطِيعٌ، أَوْ سَيُطِيعُ؛ فَيَكُونُ عَدْلًا، أَوْ أَنَّهُ عَاصٍ، أَوْ سَيَعْصِي؛ فَيَكُونُ فَاسِقًا.
وَأَمَّا بِحَسْبِ الِاعْتِبَارَيْنِ الْآخَرِينَ؛ فَتُمْكِنُ الْوَاسِطَةُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِ أَمَارَاتُ الْعَدَالَةِ أَوِ الْفِسْقِ، أَوْ لَا يَظْهَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ؛ إِمَّا أَنْ نَعْلَمَهُ مَشْهُورَ الْعَدَالَةِ أَوِ الْفِسْقِ، أَوْ لَا نَعْلَمَ مِنْهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَهُوَ الْمَسْتُورُ، وَلِهَذَا فَرَّقَ الْمُحَدِّثُونَ بَيْنَ الصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّعِيفِ.
فَالصَّحِيحُ: رِوَايَةُ مَشْهُورِ الْعَدَالَةِ، السَّالِمِ مِنْ عِلَّةٍ قَادِحَةٍ، غَيْرِ الْفِسْقِ.
وَالْحَسَنُ رِوَايَةُ الْمَسْتُورِينَ.
وَالضَّعِيفُ: رِوَايَةُ الْمَجْرُوحِينَ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفِ حِفْظٍ.
قَوْلُهُ: «وَهَذَا أَشْبَهُ» ، أَيْ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ، هُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الْحُجُرَاتِ: 6]
(2/148)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ وَالتَّثَبُّتِ عِنْدَ ظُهُورِ فِسْقِ الْمُخْبِرِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِسْقَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا، لَا يَجِبُ التَّبَيُّنُ وَالتَّثَبُّتُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: شَرْطُ الْقَبُولِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ.
قَوْلُهُ: «احْتَجَّ الْأَوَّلُ» ، وَهُوَ الْقَائِلُ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمَجْهُولِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مُسْتَنَدَ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ، أَيِ: الْمَعْلُومِ الْعَدَالَةِ، الْإِجْمَاعُ، وَالْمَجْهُولُ لَا إِجْمَاعَ فِي قَبُولِ خَبَرِهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ لِيُلْحَقَ بِهِ قِيَاسًا فَقَدِ انْتَفَى فِيهِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَهَذِهِ هِيَ الْأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ، فَإِذَا انْتَفَتْ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَثْبُتُ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ، وَهُوَ قَبُولُ خَبَرِ الْمَجْهُولِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ، كَمَا أَنَّ الصِّبَا وَالْكُفْرَ مَانِعَانِ مِنْ قَبُولِ الْخَبَرِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّكَّ فِي الصِّبَا وَالْكُفْرِ مَانِعٌ مِنَ الْقَبُولِ، فَإِنَّا إِذَا شَكَكْنَا: هَلْ هَذَا الرَّاوِي صَبِيٌّ أَوْ بَالِغٌ؟ أَوْ هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ؟ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ لِلشَّكِّ فِي شَرْطِ قَبُولِهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ. فَكَذَلِكَ الشَّكُّ فِي الْفِسْقِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْقَبُولِ، وَهَذَا الْمَجْهُولُ مَشْكُوكٌ فِي عَدَالَتِهِ وَفِسْقِهِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ خَبَرُهُ، لِلتَّرَدُّدِ فِي شَرْطِ قَبُولِهِ، وَهُوَ الْعَدَالَةُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ شَهَادَةَ الْمَجْهُولِ لَا تُقْبَلُ فِي الْعُقُوبَاتِ؛ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ
(2/149)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الثِّقَةِ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْقِيَاسَ عَلَى شَهَادَتِهِ فِي الْعُقُوبَاتِ؛ لِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَى رَدِّهَا مِنْهُ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي الْمَالِ، فَإِنَّ الْخَصْمَ قَدْ يَلْتَزِمُ صِحَّتَهَا مِنْهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُقَلِّدَ إِذَا شَكَّ فِي الْمُفْتِي هَلْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا؟ أَوْ شَكَّ، هَلْ هُوَ عَدْلٌ أَمْ لَا؟ كَانَ ذَلِكَ الشَّكُّ مَانِعًا مِنْ تَقْلِيدِهِ وَقَبُولِ فُتْيَاهُ. فَكَذَلِكَ السَّامِعُ، إِذَا شَكَّ فِي عَدَالَةِ هَذَا الرَّاوِي الْمَجْهُولِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَكُّهُ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ خَبَرِهِ، بَلِ الْمَنْعُ هَهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ يُثْبِتُ بِرِوَايَتِهِ شَرْعًا عَامًّا مُؤَبَّدًا؛ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ بِرَدِّ خَبَرِهِ حَتَّى تُعْلَمَ عَدَالَتُهُ أَوْلَى مِنَ الْمُفْتِي؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْتِي بِحُكْمٍ لِمُعَيَّنٍ؛ فَلَيْسَ فِي تَقْلِيدِهِ فِي هَذِهِ الْفُتْيَا الْمُعَيَّنَةِ مَفْسَدَةٌ عَامَّةٌ. هَذِهِ حُجَجُ الْمَانِعِينَ.

قَوْلُهُ: «احْتَجَّ الثَّانِي» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: احْتَجَّ الْقَائِلُ بِقَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَبُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، ذَلِكَ مَا رَوَى
(2/150)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ - يَعْنِي رَمَضَانَ - فَقَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، كَانُوا يَقْبَلُونَ رِوَايَةَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامِ، أَيِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَبُولِهِ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَرَتَّبَ الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِقْلَالَ الْإِسْلَامِ بِقَبُولِ الْخَبَرِ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ فِي قَبُولِهِمْ رِوَايَةَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، لَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَالَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الرِّوَايَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى خَبَرًا، أَوْ شَهِدَ شَهَادَةً، قُبِلَ مِنْهُ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا مُسْتَنَدَ لِقَبُولِ خَبَرِهِ هَهُنَا إِلَّا الْإِسْلَامَ؛ فَلْيَكُنْ مُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ كَافِيًا فِي قَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَأَوْلَى، لِمَا قَدِ اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِ هَذَا الْمَجْهُولِ مِنْ هَيْبَةِ الْإِسْلَامِ، وَمَعْرِفَةِ حُقُوقِهِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدُ فِي غَبَاوَةِ الْكُفْرِ وَجَهَالَتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَتَرَاخِي الزَّمَنِ بَعْدَهُ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا تَكْمِيلٌ لِهَذَا الدَّلِيلِ، وَتَقْرِيرٌ لَهُ.
(2/151)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْخَصْمَ قَدْ وَافَقَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ عُقَيْبَ إِسْلَامِهِ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي أَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ؛ أَنَّ الْكَافِرَ الْمَذْكُورَ إِذَا تَرَاخَى الزَّمَنُ بِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ تَظْهَرْ عَدَالَتُهُ، لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرَاخِيَ زَمَنِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِرَدِّ الْخَبَرِ، مَعَ قَبُولِهِ عُقَيْبَ الْكُفْرِ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا؛ فَبَعِيدٌ، إِذْ لَا يَظْهَرُ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ» ، هَذَا مِنْ تَمَامِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى تَقْسِيمٍ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى؛ فَإِمَّا أَنْ تَقْبَلُوا رِوَايَتَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ قَبِلْتُمُوهَا عُقَيْبَ الْإِسْلَامِ، وَجَبَ أَنْ تَقْبَلُوهَا بَعْدَ تَرَاخِي الزَّمَانِ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرِ الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّ الْحَالَيْنِ وَاحِدَةٌ فِي عَدَمِ ظُهُورِهَا، حَالَ رِوَايَتِهِ عُقَيْبَ الْإِسْلَامِ، وَحَالَ رِوَايَتِهِ بَعْدَ تَرَاخِي الزَّمَانِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوهَا مِنَ الْكَافِرِ عُقَيْبَ إِسْلَامِهِ؛ فَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ، فَإِنَّ خَبَرَهُ إِذَا كَانَ مَرْدُودًا حَالَ الْكُفْرِ وَحَالَ الْإِسْلَامِ، اسْتَوَى الْحَالَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ الْإِسْلَامِ وَلَا فَائِدَتُهُ، وَمُقْتَضَى الْإِسْلَامِ وَشَأْنُهُ التَّأْثِيرُ وَظُهُورُ الْمَزَايَا لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ مَقْبُولٌ فِي أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ بِاتِّفَاقٍ:
مِنْهَا: إِخْبَارُهُ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيَسُوغُ التَّوَضُّوءُ بِمَا أَخْبَرَ بِطَهَارَتِهِ، وَاجْتِنَابُ مَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَتِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بِأَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ مِلْكُهُ، وَأَنَّهَا خَالِيَةٌ مِنْ زَوْجٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَجَازَ شِرَاؤُهَا أَوْ نِكَاحُهَا، وَوَطْؤُهَا بِذَلِكَ، أَعْنِي: بِالشِّرَاءِ أَوِ النِّكَاحِ.
(2/152)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمِنْهَا: إِذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ، قَبْلَ قَوْلِهِ، وَجَازَ الِائْتِمَامُ بِهِ؛ فَهَذِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، قَدْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهَا وَفِي نَظَائِرِهَا؛ فَلْيُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيمَا يَرْوِيهِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ؛ فَهَذِهِ حُجَجُ الْمُجَوِّزِينَ لِقَبُولِ رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ» ، أَيْ: وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ عَنْ أَدِلَّةِ الْمُثْبِتِينَ لَهُ أَوَّلَ أَوَّلَ. فَقَالُوا:
أَمَّا قَبُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ فَيَجُوزُ أَنَّهُ عَلِمَ عَدَالَتَهُ، وَالْعِلْمُ بِعَدَالَتِهِ بِوَحْيٍ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ تَزْكِيَةِ خَبِيرٍ بِالْأَعْرَابِيِّ لَهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَالْقَضِيَّةُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، وَقَضَايَا الْأَعْيَانِ تَتَنَزَّلُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَقَاعِدَةُ الشَّرْعِ فِي الْأَخْبَارِ أَنْ لَا تُقْبَلَ إِلَّا مِمَّنْ عُرِفَ حَالُهُ. وَلَوْ بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ فُلَانٍ. نَزَّلْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَالَتَهُ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ، لِمَا اسْتَقَرَّ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ؛ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْلَى بِنِسْبَةِ الِاحْتِيَاطِ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ.
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ؛ فَإِنَّمَا قَبِلُوا خَبَرَ مَنْ عَلِمُوا عَدَالَتَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، كَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَزْوَاجِهِ وَمَوَالِيهِ، وَحَيْثُ جُهِلَتْ، رَدُّوهَا، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَنْزِيلِ قَضَايَا الْأَعْيَانِ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ الظَّنُّ بِالصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنْ يَحْتَاطُوا فِي الدِّينِ.
(2/153)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الصَّحَابَةُ عُدُولٌ بِالنَّصِّ؛ فَلَا وَجْهَ لِلْبَحْثِ عَنْهُمْ» ، يَعْنِي أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَقْبَلُونَ رِوَايَاتِ الْمَجَاهِيلِ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ وَالنِّسَاءَ الَّذِينَ قَبِلَ الصَّحَابَةُ خَبَرَهُمْ، هُمْ صَحَابَةٌ أَيْضًا، وَالصَّحَابَةُ قَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ بِالنَّصِّ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ. وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ - أَعْنِي مَسْأَلَةَ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ - فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا قَبُولُ خَبَرِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى عَقِيبَ إِسْلَامِهِ؛ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ قَبُولَ خَبَرِهِ وَشَهَادَتِهِ، لِجَوَازِ اسْتِصْحَابِهِ حَالَ الْكَذِبِ فِي الْكُفْرِ إِلَى مَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُمْ: لَوْ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَظْهَرْ لِلْإِسْلَامِ أَثَرٌ.
قُلْنَا: أَثَرُ الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ، بَلْ يَظْهَرُ أَثَرُ الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، كَصِحَّةِ الْإِمَامَةِ، وَأَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَعِصْمَةِ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَوُجُوبِ قَتْلِهِ بِالرِّدَّةِ لَوِ ارْتَدَّ، وَسُقُوطِ الْجِزْيَةِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: «وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ؛ فَالْفَرْقُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَإِنْ سَلَّمْنَا قَبُولَ رِوَايَةِ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَوَى عُقَيْبَ الْإِسْلَامِ؛ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا تَرَاخَى زَمَنُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ الْمَجْهُولِ الْعَدَالَةِ، هُوَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ؛ فَهُوَ عِنْدُ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ يُعَظِّمُهُ وَيَهَابُهُ؛ لِأَنَّهُ دِينٌ جَدِيدٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَهُ؛ فَيُصَدَّقُ غَالِبًا وَظَاهِرًا، أَيِ: الظَّاهِرُ وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي خَبَرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ طَالَ زَمَنُهُ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ يَطْمَعُ فِي جَنَبَتِهِ، وَيَسْتَسْهِلُ الْمَعَاصِيَ مِنْ كَذِبٍ وَغَيْرِهِ؛ إِمَّا لِرِخَصِ الدِّينِ عِنْدَهُ، جَرَاءَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْتِمَادًا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الرُّخَصِ وَالتَّوْسِعَةِ، رَجَاءً لِعَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَقَدْ
(2/154)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَاحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
وَنَظِيرُ هَذَا أَوْ شَبِيهُهُ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقَلِّلُ مَهَابَةَ الْبَيْتِ فِي النُّفُوسِ، لِكَثْرَةِ رُؤْيَتِهَا وَمُلَابَسَتِهَا لَهُ، بِخِلَافِ مَنْ يَرَاهُ فِي الْعَامِ أَوِ الْأَعْوَامِ مَرَّةً، فَإِنَّ مَحَلَّ الْبَيْتِ فِي نَفْسِهِ أَعْظَمُ، وَمَهَابَتَهُ أَكْبَرُ.
وَلِمِثْلِ هَذَا نَهَى السَّلَفُ عَنِ الْكَلَامِ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ تُسْقِطُ مَهَابَةَ الرَّبِّ مِنَ الْقَلْبِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ الْقَائِلِ:
وَأَخٍ كَثُرْتُ عَلَيْهِ حَتَّى مَلَّنِي ... وَالشَّيْءُ مَمْلُولٌ إِذَا مَا يَكْثُرُ
وَفِي رِوَايَةٍ: رَخُصْتُ عَلَيْهِ، وَيَرْخَصُ. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا قَبُولُ قَوْلِ الْمَجْهُولِ فِي مِلْكِ الْأَمَةِ، وَخُلُوِّهَا عَنِ النِّكَاحِ؛ فَهُوَ رُخْصَةٌ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَلُزُومِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، مِنْ وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ كُلِّ بَائِعٍ وَمُعَامِلٍ، حَتَّى مَعَ الْعِلْمِ بِفِسْقِهِ، أَيْ: حَتَّى وَلَوْ عَلِمْنَا فِسْقَ الْإِنْسَانِ، قَبِلْنَا قَوْلَهُ فِيمَا يَدَّعِي مِلْكَهُ مِنْ أَمَةٍ وَغَيْرِهَا؛ فَنَشْتَرِيهِ مِنْهُ، وَنُرَتِّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمِلْكِ مِنْ إِبَاحَةِ وَطْءٍ، وَاسْتِخْدَامٍ، وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا قَبُولُ قَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، كَنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ، وَنَحْوِهِ فَمَمْنُوعٌ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ قَبُولَ قَوْلِهِ فِيهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ، أَنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ جُزْئِيَّةٌ، لَا تَعْظُمُ الْمَفْسَدَةُ فِي قَبُولِهَا مِنْهُ، بِخِلَافِ قَبُولِ رِوَايَتِهِ، فَإِنَّ
(2/155)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فِيهِ إِثْبَاتَ شَرْعٍ عَامٍّ، تَعْظُمُ الْمَفْسَدَةُ بِتَقْدِيرِ الْكَذِبِ فِيهِ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ: أَنَا مُتَطَهِّرٌ؛ فَصَلُّوا خَلْفِي؛ فَبِتَقْدِيرِ كَذِبِهِ، إِنَّمَا يُفْسِدُ عَلَيْنَا تِلْكَ الصَّلَاةَ فَقَطْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا مَنْ رَوَى لَنَا أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ، وَأَكْلَ لَحْمِ الْجَزُورِ، لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ فَبِتَقْدِيرِ الْكَذِبِ فِي مِثْلِ هَذَا يُبْطِلُ صَلَاةَ عَالَمٍ كَثِيرٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ قَبُولِ الْقَوْلِ فِيمَا يَخِفُّ ضَرَرُهُ جَوَازُ قَبُولِهِ فِيمَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/156)

الْخَامِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّةُ الرَّاوِي، وَلَا رُؤْيَتُهُ، لِقَبُولِ الصَّحَابَةِ خَبَرَ عَائِشَةَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. وَلَا فِقْهُهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ» . وَلَا مَعْرِفَةُ نَسَبِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ أَصْلًا، وَأَوْلَى. وَلَا عَدَمُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ، لِعُمُومِ حُكْمِ الرِّوَايَةِ، وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِشَخْصٍ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، وَمَنِ اشْتَبَهَ اسْمُهُ بِاسْمِ مَجْرُوحٍ رُدَّ خَبَرُهُ، حَتَّى يُعْلَمَ حَالُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّةُ الرَّاوِي، وَلَا رُؤْيَتُهُ، أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي ذَكَرًا، وَلَا أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا، مُشَاهَدًا حَالَ السَّمَاعِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: «لِقَبُولِ الصَّحَابَةِ خَبَرَ عَائِشَةَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» .
هَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّرْطَيْنِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقْبَلُونَ رِوَايَتَهَا وَهِيَ أُنْثَى، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ النِّسَاءِ غَيْرِهَا، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهَا وَهِيَ وَرَاءَ حِجَابٍ؛ لِأَنَّهَا مَا كَانَ يَرَاهَا إِلَّا مَحَارِمُهَا، كَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهَا، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهِيَ بِنْتُ أَخِيهَا، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِثْلُهَا، وَلِهَذَا رُجِّحَتْ رِوَايَةُ هَؤُلَاءِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَجَانِبِ إِذَا عَارَضَتْهَا، لِكَوْنِ هَؤُلَاءِ يَسْمَعُونَ مِنْهَا بِغَيْرِ حِجَابٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَعْنًى يُنَاسِبُ التَّرْجِيحَ، وَيَصْلُحُ لَهُ.
قَوْلُهُ: «وَلَا فِقْهُهُ» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا، وَهُوَ قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي اشْتِرَاطِهِ، وَلِذَلِكَ قَدَحَ أَهْلُ الْعِرَاقِ
(2/157)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْفِقْهِ عِنْدَهُمْ، وَإِنِ احْتَجُّوا بِأَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ مَظِنَّةُ سُوءِ الْفَهْمِ، وَوَضْعِ النُّصُوصِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهَا؛ فَالِاحْتِيَاطُ لِلْأَحْكَامِ أَنْ لَا يُرْوَى عَنْهُ.
وَلَنَا مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَذَا نَصٌّ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
وَمُبَلَّغٌ: بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ الَّذِي يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْفَهْمِ. وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْفِقْهَ، وَلَا فَرَّقَ بَيْنَ الْفَقِيهِ وَغَيْرِهِ.
(2/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ مَظِنَّةُ سُوءِ الْفَهْمِ؛ فَلَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا نَقْبَلُ رِوَايَتَهُ، إِذَا رَوَى بِاللَّفْظِ، أَوِ الْمَعْنَى الْمُطَابِقِ، وَكَانَ يَعْرِفُ مُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَالْعَدَالَةُ تَمْنَعُهُ مِنْ تَحْرِيفٍ لَا يَجُوزُ؛ فَيَكُونُ مَا يَرْوِيهِ لَنَا لَفْظَ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَوْ مَعْنَاهُ، وَحِينَئِذٍ نَأْمَنُ وُقُوعَ الْخَلَلِ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا الْعَمَلُ.
قَوْلُهُ: «وَلَا مَعْرِفَةُ نَسَبِهِ» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ نَسَبِ الرَّاوِي، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ أَصْلًا كَالْعَبْدِ، وَوَلَدِ الزِّنَى، وَالْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ، إِذَا كَانُوا عُدُولًا، قُبِلَتْ رِوَايَتُهُمْ، وَلَا نَسَبَ لَهُمْ أَصْلًا، وَأَوْلَى، أَيْ: فَتُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ أَصْلًا، وَهِيَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَهُ نَسَبٌ، لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ، وَأُولَئِكَ لَا نَسَبَ لَهُمْ أَصْلًا، وَالْمَوْجُودُ الْمَجْهُولُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمَعْدُومِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَلَا عَدَمُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ» ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّاوِي أَنْ لَا يَكُونَ عَدُوًّا، وَلَا قَرِيبًا، لِمَنْ رَوَى فِي حَقِّهِ خَبَرًا، مِثْلَ أَنْ تَثْبُتَ السَّرِقَةُ عَلَى شَخْصٍ؛ فَرَوَى عَدُوٌّ لَهُ: مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ. مَثَلًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ مَعْلُومًا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. أَوْ
(2/159)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَثْبُتُ لِشَخْصٍ حَقٌّ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ؛ فَرَوَى أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ فَلَا تَقْدَحُ عَدَاوَةُ الْأَوَّلِ، وَقَرَابَةُ الثَّانِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لِعُمُومِ حُكْمِ الرِّوَايَةِ، وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِشَخْصٍ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ.
وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ - وَإِنْ كَانَ بَيِّنًا، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ -: هُوَ أَنَّ حُكْمَ الرِّوَايَةِ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا حُكْمٌ عَامٌّ عَلَى هَذَا الْمَرْوِيِّ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ؛ فَالْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ لَا تَحْمِلُهُ تُهْمَةُ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ الْإِثْمَ الْعَامَّ، لِبُلُوغِ غَرَضِهِ فِي عَدُوٍّ أَوْ قَرِيبٍ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، حَيْثُ مَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا الْعَدَاوَةُ وَالْقَرَابَةُ؛ فَإِنَّهَا عَلَى شَخْصٍ مَخْصُوصٍ؛ فَحُكْمُهَا وَضَرَرُهَا غَيْرُ عَامٍّ؛ فَقَدْ يَنْقَدِحُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَضُرُّ عَدُوِّي هَذَا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُورًا، وَأَنْفَعُ قَرِيبِي هَذَا بِالشَّهَادَةِ لَهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَسْتَدْرِكُ إِثْمَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِفِعْلِ قُرْبَةٍ مِنَ الْقُرَبِ، أَوْ قُرُبَاتٍ مِنْ صَلَاةٍ، وَصَدَقَةٍ، وَصِيَامٍ، وَحَجٍّ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، حَتَّى أَفْعَلَ مِنَ الْحَسَنَاتِ مَا يَذْهَبُ بِتِلْكَ السَّيِّئَةِ. بِخِلَافِ الضَّرَرِ الْعَامِّ عَلَى النَّاسِ بِكَذِبِهِ فِي الرِّوَايَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَطْمَعُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ؛ فَيَجْبُنُ عَنِ الْكَذِبِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: «وَمَنِ اشْتَبَهَ اسْمُهُ بِاسْمِ مَجْرُوحٍ، رُدَّ خَبَرُهُ حَتَّى يُعْلَمَ حَالُهُ» ، وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي ذَلِكَ الْمَجْرُوحَ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ؛ فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يَعْلَمَ: هَلْ هُوَ الْمَجْرُوحُ أَوِ الثِّقَةُ؟ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ الْمُدَلِّسُونَ مِثْلَ هَذَا، يَذْكُرُونَ الرَّاوِيَ
(2/160)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الضَّعِيفَ بِاسْمٍ يُشَارِكُهُ فِيهِ رَاوٍ ثِقَةٌ، لِيُظَنَّ أَنَّهُ ذَلِكَ الثِّقَةُ، تَرْوِيجًا لِرِوَايَتِهِمْ. وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، هُمَا اثْنَانِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْرَجُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَذَلِكَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ وَحُكِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، ثِقَةٌ قَوِيٌّ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ يَنْبَغِي التَّحَفُّظُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(2/161)

السَّادِسَةُ: الْجَرْحُ: نِسْبَةُ مَا يُرَدُّ لِأَجْلِهِ الْقَوْلُ إِلَى الشَّخْصِ، وَالتَّعْدِيلُ: خِلَافُهُ. اعْتَبَرَ قَوْمٌ بَيَانَ السَّبَبِ فِيهِمَا، وَنَفَاهُ آخَرُونَ، اعْتِمَادًا عَلَى الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ خَبِيرًا ضَابِطًا ذَا بَصِيرَةٍ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا. أَوْ يُطَالَبُ بِالسَّبَبِ.
وَعِنْدَنَا: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَيَانُهُ فِي الْجَرْحِ فِي قَوْلٍ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا سَبَبًا. وَفِي قَوْلٍ: لَا. اكْتِفَاءً بِظُهُورِ أَسْبَابِ الْجَرْحِ. وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدِّلِ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ فِي الْأَظْهَرِ فِيهِ.
وَاعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِيهِمَا قَوْمٌ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ. وَعِنْدَنَا: يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ، وَإِلَّا لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ، إِذِ التَّعْدِيلُ لِلرِّوَايَةِ تَبَعٌ وَفَرْعٌ لَهَا.
وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ، إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةَ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ، إِذْ عَدَمُ كَمَالِ نِصَابِهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكَرَةَ. وَإِلَّا رُدَّتْ حَتَّى يَتُوبَ.
وَتَعْدِيلُ الرَّاوِي: إِمَّا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ، وَتَمَامُهُ: هُوَ عَدْلٌ رِضًى، مَعَ بَيَانِ السَّبَبِ، أَوْ بِالْحُكْمِ بِرِوَايَتِهِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ التَّعْدِيلِ الْقَوْلِيِّ، وَلَيْسَ تَرْكُ الْحُكْمِ بِهَا جَرْحًا، أَوْ بِالْعَمَلِ بِخَبَرِهِ إِنْ عُلِمَ أَنْ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ غَيْرُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِلَّا لَفَسَقَ الْعَامِلُ، وَفِي كَوْنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ تَعْدِيلًا لَهُ قَوْلَانِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ، أَوْ عَادَتِهِ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ، أَنَّهُ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ، وَلَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ، كَانَتْ تَعْدِيلًا، وَإِلَّا فَلَا، إِذْ قَدْ يَرْوِي الشَّخْصُ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ لَسَكَتَ. وَقَوْلُهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا، صِدْقٌ. وَلَعَلَّهُ جَهِلَ حَالَهُ؛ فَرَوَى عَنْهُ، وَوَكَلَ الْبَحْثَ إِلَى مَنْ أَرَادَ الْقَبُولَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «السَّادِسَةُ: الْجَرْحُ: نِسْبَةُ مَا يُرَدُّ لِأَجْلِهِ الْقَوْلُ إِلَى الشَّخْصِ» .
هَذَا الْكَلَامُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَلَا خَفَاءَ فِي مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ، لِيُعْلَمَ مَنْ يَنْبَغِي الْأَخْذُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَحَقِيقَةُ الْجَرْحِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - هُوَ الْقَطْعُ فِي الْجِسْمِ الْحَيَوَانِيِّ بِحَدِيدٍ، أَوْ مَا قَامَ
(2/162)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَقَامَهُ، وَالْجُرْحُ - بِالضَّمِّ - هُوَ أَثَرُ الْجَرْحِ - بِالْفَتْحِ - وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمَقْطُوعُ مِنَ الْجِسْمِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ الْمُحَدِّثُونَ وَالْفُقَهَاءُ فِيمَا يُقَابِلُ التَّعْدِيلَ، مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ تَأْثِيرٌ فِي الدِّينِ وَالْعِرْضِ، كَمَا أَنَّ الْجَرْحَ الْحَقِيقِيَّ تَأْثِيرٌ فِي الْجِسْمِ.
وَالْجَرْحُ كَمَا ذُكِرَ: هُوَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الشَّخْصِ مَا يُرَدُّ قَوْلُهُ لِأَجْلِهِ، مِنْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ، أَوِ ارْتِكَابِ دَنِيئَةٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مَا يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ قَبُولِ الرِّوَايَةِ. وَقَوْلُنَا: إِلَى الشَّخْصِ، هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنِسْبَةٍ، لَا بِالْقَوْلِ، وَإِنَّمَا الْإِضَافَةُ مَنَعَتِ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مِنْ أَنْ يَلِيَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: «وَالتَّعْدِيلُ خِلَافُهُ» ، أَيْ: خِلَافُ الْجَرْحِ؛ فَيَكُونُ إِذَنْ نِسْبَةُ مَا يُقْبَلُ لِأَجْلِهِ قَوْلُ الشَّخْصِ، أَيْ أَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْعِفَّةِ، وَالصِّيَانَةِ، وَالْمُرُوءَةِ، وَالتَّدَيُّنِ، بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، مَا يُسَوِّغُ قَبُولَ قَوْلِهِ شَرْعًا، لِدَلَالَةِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ، وَمُجَانَبَةِ الْكَذِبِ.
وَقَوْلُنَا: الشَّخْصُ، لِيَعُمَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى.
وَالتَّعْدِيلُ: تَفْعِيلٌ، مِنَ الْعَدَالَةِ، وَهِيَ الِاعْتِدَالُ فِي السِّيرَةِ شَرْعًا، بِحَيْثُ لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ.
قَوْلُهُ: «وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ بَيَانَ السَّبَبِ فِيهِمَا» ، أَيِ اشْتَرَطَ قَوْمٌ أَنْ يُبَيِّنَ الْجَارِحُ سَبَبَ الْجَرْحِ، وَالْمُعَدِّلُ سَبَبَ التَّعْدِيلِ؛ فَيَقُولُ مَثَلًا: هُوَ فَاسِقٌ؛ لِأَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَوْ هُوَ عَدْلٌ لِأَنَّهُ مُوَاظِبٌ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ فِيمَا أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَنَفَاهُ آخَرُونَ» ، أَيْ: بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، نَفَى اشْتِرَاطَهُ
(2/163)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
آخَرُونَ؛ فَقَالُوا: لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: هُوَ فَاسِقٌ، أَوْ عَدْلٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، اعْتِمَادًا عَلَى الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّهُ، إِنْ كَانَ خَبِيرًا بِمَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَيُثْبِتُهَا، عَالِمًا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَاتِّفَاقِهِمْ، ضَابِطًا لَهُ، ذَا بَصِيرَةٍ فِيهِ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ؛ فَيُرَدُّ، أَوْ يُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِبَيَانِ السَّبَبِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ هُوَ مُؤَثِّرٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ إِنَّمَا يُقْبَلُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ حَالِهِ فِي الضَّبْطِ وَالْعِلْمِ مَا وَصَفْنَا، لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْ مُسْلِمًا وَنَحْوَهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، إِذَا جَرَحُوا شَخْصًا، أَوْ عَدَّلُوهُ، يَبْعُدُ بَيَانُ اشْتِرَاطِهِمْ لِلسَّبَبِ، مَعَ اشْتِهَارِ عِلْمِهِمْ، وَضَبْطِهِمْ، وَإِتْقَانِهِمْ، وَاحْتِيَاطِهِمْ، بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَتْ حَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِهِمْ.
قَوْلُهُ: «وَعِنْدَنَا: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَيَانُهُ فِي الْجَرْحِ، فِي قَوْلٍ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا سَبَبًا، وَفِي قَوْلٍ: لَا، اكْتِفَاءً بِظُهُورِ أَسْبَابِ الْجَرْحِ» .
مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّعْدِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ سَبَبِهِ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْعَدَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، بِخِلَافِ سَبَبِ الْجَرْحِ؛ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي سَبَبِ الْجَرْحِ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْجَرْحِ جَارِحًا، كَشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا؛ فَإِنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، دُونَ غَيْرِهِ، وَكَمَنَ يَرَى إِنْسَانًا يَبُولُ قَائِمًا؛ فَيُبَادِرُ لِجَرْحِهِ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي أَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ، مُخْطِئٌ أَوْ مَعْذُورٌ، كَمَا حُكِيَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا؛ لِعُذْرٍ كَانَ بِهِ؛ فَيَنْبَغِي بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ، لِيَكُونَ
(2/164)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى ثِقَةٍ وَاحْتِرَازٍ مِنَ الْخَطَأِ، وَالْغُلُوِّ فِيهِ.
وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْعَامَّةِ، وَهُوَ يَضْرِبُ يَدًا عَلَى يَدٍ، وَيُشِيرُ إِلَى رَجُلٍ، وَيَقُولُ: مَا هَذَا إِلَّا زِنْدِيقٌ، لَيْتَنِي قَدَرْتُ عَلَيْهِ؛ فَأَفْعَلُ بِهِ، وَأَفْعَلُ؛ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي عَنْ أَحْمَدَ: لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ أَيْضًا «اكْتِفَاءً» أَيْ: لِلِاكْتِفَاءِ بِظُهُورِ أَسْبَابِهِ؛ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ، مَشْهُورَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْجَارِحِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَجْرَحُ بِمَا يَعْلَمُهُ صَالِحًا لِلْجَرْحِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى. وَمَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ بَيَانِ السَّبَبِ فِيهِمَا حَسَنٌ جَيِّدٌ؛ فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَوِ الْمُحَدِّثِ، أَنْ لَا يَقْبَلَ إِلَّا قَوْلَ الْجَازِمِ، الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْمُفَرِّطِ وَالْمُفْرِطِ؛ فَمَنْ غَلَا فِي الْجَزْمِ، حَتَّى جَرَحَ بِمَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِفْرَاطٌ، وَالثَّانِي تَفْرِيطٌ، وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ، وَالصَّوَابُ التَّوَسُّطُ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلَافِ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، كَمَا سَبَقَ؛ فَيَجْرَحُ عِنْدَ كُلِّ حَاكِمٍ بِمَا يَرَاهُ ذَلِكَ الْحَاكِمُ جَرْحًا؛ فَيَجْرَحُ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا؛ لِأَنَّهُ يَرَاهُ قَادِحًا دُونَ غَيْرِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ، لَكَانَ الْجَارِحُ أَوِ الْمُعَدِّلُ غَارًّا لِبَعْضِ الْحُكَّامِ، حَتَّى يَحْكُمَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَرَى قَبُولَ قَوْلِهِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْغِشِّ فِي الدِّينِ، وَهُوَ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: «وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ؛ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدِّلِ» ، أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ
(2/165)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ، بِأَنْ عَدَّلَ الشَّاهِدَ أَوِ الرَّاوِيَ طَائِفَةٌ، وَجَرَحَهُ طَائِفَةٌ، قُدِّمَ الْجَرْحُ، وَعُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَلَى الْمُعَدِّلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الْمُعَدِّلِ فِي تَعْدِيلِهِ اسْتِصْحَابُ حَالِ الْعَدَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَعَدَمُ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا يُنَافِيهَا، وَمُسْتَنَدَ الْجَارِحِ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ؛ فَقُدِّمَ قَوْلُهُ كَرَاوِي الزِّيَادَةِ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا أَمْكَنَ اطِّلَاعُ الْجَارِحِ عَلَى زِيَادَةٍ، أَمَّا إِذَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ قَالَ الْجَارِحُ: رَأَيْتُ هَذَا قَدْ قَتَلَ زَيْدًا فِي وَقْتِ كَذَا، وَقَالَ الْمُعَدِّلُ: رَأَيْتُ زَيْدًا حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ فَهَهُنَا يَتَعَارَضَانِ؛ فَيَتَسَاقَطَانِ، وَيَبْقَى أَصْلُ الْعَدَالَةِ ثَابِتًا.
قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ هَهُنَا أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي اسْتَنَدَ إِلَيْهِ الْجَارِحُ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ؛ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْجَرْحَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ؛ فَيَبْقَى التَّعْدِيلُ مُسْتَقِلًّا، وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنَّ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ؛ تَكُونُ ثُبُوتُ عَدَالَةِ هَذَا الرَّاوِي ثَابِتَةً بِالْأَصَالَةِ وَتَعْدِيلِ الْمُعَدِّلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَسَاقُطِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، تَكُونُ ثَابِتَةً بِالْأَصَالَةِ فَقَطْ.
قُلْتُ: وَهَذِهِ الصُّورَةُ تُشْبِهُ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْأَمَارَتَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ؛ فِيمَنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ، أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ فِي وَقْتٍ عَيَّنَهُ، وَأَخْبَرَهُ آخَرُ أَنَّ الْكَلْبَ الْمُعَيَّنَ، وَلَغَ فِي إِنَاءٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، وَلَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِوُلُوغِهِ فِيهِمَا؛ فَيَتَعَارَضُ خَبَرُهُمَا، وَيَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا، لِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ.
(2/166)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ فِي الْأَظْهَرِ فِيهِ» ، أَيِ: الْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ، عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لِلنَّاسِ فِيهِ، أَيْ: فِيمَا إِذَا زَادَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِ الْجَارِحِ، إِنَّمَا كَانَ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدَّلِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَعَ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمُعَدِّلِ، وَنَقْصِهِ، وَمُسَاوَاتِهِ؛ فَلَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ، وَعَدَّلَهُ مِائَةٌ، قُدِّمَ قَوْلُ الْوَاحِدِ لِذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: إِنَّ عَدَدَ الْمُعَدِّلِ إِنْ زَادَ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ تُقَوِّي الظَّنَّ، وَالْعَمَلُ بِأَقْوَى الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ، كَمَا فِي تَعَارُضِ الْحَدِيثَيْنِ وَالْأَمَارَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَعَارِضَاتِ، وَرُبَّمَا فُهِمَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَإِذَا جَرَحَهُ اثْنَانِ، وَعَدَّلَهُ اثْنَانِ؛ فَالْجَرْحُ أَوْلَى، لِكَوْنِهِ خَصَّ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ بِمَا إِذَا اسْتَوَى الْعَدَدَانِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْخِرَقِيَّ لَمْ يَقْصِدْ هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ فِي الْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: «وَاعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِيهِمَا قَوْمٌ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ، وَعِنْدَنَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ» ، أَيَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، أَيْ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ اثْنَانِ؛ فَصَاعِدًا، أَوْ يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ، وَالْمُرَادُ بِالْعَدَدِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا.
فَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّوَايَةِ، قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَهُوَ
(2/167)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِيهِمَا، لَا فِي الرِّوَايَةِ، وَلَا فِي الشَّهَادَةِ.
وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ شَهَادَةٌ [فَيَلْزَمُ فِيهِ الْعَدَدُ] ، أَوْ رِوَايَةٌ؛ فَيَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ، وَعِنْدَنَا - وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْأَكْثَرِينَ - إِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوِ اعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّوَايَةِ، لَكَانَ الْفَرْعُ زَائِدًا عَلَى أَصْلِهِ، فَإِنَّ التَّعْدِيلَ فِي الرِّوَايَةِ تَبَعٌ لِلرِّوَايَةِ، وَفَرْعٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرَادُ لِأَجْلِهَا، وَالرِّوَايَةُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا رَاوٍ وَاحِدٌ؛ فَكَذَا مَا هُوَ تَبَعٌ وَفَرْعٌ لَهَا. فَلَوْ قُلْنَا: تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ، وَلَا يَكْفِي فِي تَعْدِيلِهِ إِلَّا اثْنَانِ، لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ، وَزِيَادَةُ الْفُرُوعِ عَلَى أُصُولِهَا غَيْرُ مَعْهُودَةٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، وَلَا جَرَمَ لَمَّا اعْتَبَرْنَا الْفَرْعَ بِأَصْلِهِ، اطَّرَدَ لَنَا فِي الشَّهَادَةِ؛ فَكَمَا اعْتُبِرَ الْعَدَدُ فِيهَا، اعْتُبِرَ فِيمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا لَهَا، وَهُوَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لِأَجْلِهَا.
فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ شَهَادَةً يُعْتَبَرُ لَهَا الْعَدَدُ؛ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ جَعَلَهُمَا رِوَايَةً لَا يُعْتَبَرُ لَهَا الْعَدَدُ، ثُمَّ هُوَ أَوْلَى، حَذَرًا مِنْ تَضْيِيعِ أَوَامِرِ الشَّرْعِ؛ فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَقْبَلْ خَبَرَ الرَّاوِي إِلَّا إِذَا عَدَّلَهُ اثْنَانِ، قَلَّ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَلُغِيَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ، وَخَرَجَتْ عَنْ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا.
(2/168)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُعَارَضٌ، بِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ احْتِرَازًا مِنَ الْعَمَلِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَصِيَانَةٌ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
قُلْنَا: هَذَا مَرْدُودٌ، بِأَنَّ خَبَرَ مَنْ عَدَّلَهُ مُزَكٍّ وَاحِدٌ يُفِيدُ الظَّنَّ، وَهُوَ مَنَاطُ وُجُوبِ الْعَمَلِ كَمَا سَبَقَ. فَأَمَّا مَنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا؛ فَإِنَّمَا يُفِيدُ خَبَرُهُ مِنَ الظَّنِّ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنَّ زِيَادَةَ قُوَّةِ الظَّنِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ هَهُنَا، وَإِلَّا لَوَجَبَ اعْتِبَارُ تَعْدِيلِ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى يُفِيدَ التَّوَاتُرُ بِعَدَالَةِ الرَّاوِي، وَهُوَ مُلْغًى بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ حُصُولُ مُطْلَقُ ظَنِّ الْعَدَالَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ تَعْدِيلِ الْوَاحِدِ.

قَوْلُهُ: «وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْمَحْدُودُ بِسَبَبِ الْقَذْفِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ قَذَفَ غَيْرَهُ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَذَفَهُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إِنْسَانٍ بِالزِّنَى، أَوْ بِغَيْرِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، مِثْلَ أَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: يَا زَانِي، فَإِنْ كَانَ قَذَفَهُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، لَمْ يُرَدَّ خَبَرُهُ، وَقُبِلَتْ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحَدُّ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِعَدَمِ كَمَالِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، إِذْ لَوْ كَمُلُوا، لَحُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ دُونَ الشَّاهِدِ، وَعَدَمُ كَمَالِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ هَذَا الشَّاهِدِ الْمَحْدُودِ، حَتَّى يُعَاقَبَ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ.
وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَكَانَ مَحْدُودًا فِي قَذْفِهِ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَى بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَذْفُهُ بِغَيْرِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ كَقَوْلِهِ: يَا زَانِي، يَا عَاهِرُ، وَنَحْوِهِ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النُّورِ: 4 - 5]
(2/169)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
، أَيْ: فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَلِأَنَّ حَدَّ هَذَا الْقَاذِفِ؛ كَانَ بِسَبَبٍ مِنْ فِعْلِهِ، وَهُوَ قَذْفُهُ؛ فَعُوقِبَ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ، وَسُلِبَ مَنْصِبَ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا تَابَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا.
فَائِدَةٌ: كَانَ مِنْ قِصَّةِ أَبِي بَكْرَةَ مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ الْأَغَانِي، وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، كَانَ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ وَسَطَ النَّهَارِ؛ فَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ يَلْقَاهُ؛ فَيَقُولُ: إِلَى أَيْنَ ذَهَبَ الْأَمِيرُ؟ فَيَقُولُ: إِلَى حَاجَةٍ؛ فَيَقُولُ: حَاجَةِ مَاذَا؟ إِنَّ الْأَمِيرَ يُزَارُ وَلَا يَزُورُ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَأْتِيهَا جَارَةً لِأَبِي بَكْرَةَ. قَالَ: فَبَيْنَا أَبُو بَكَرَةَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ مَعَ أَخَوَيْهِ، نَافِعٍ وَزِيَادٍ، وَرَجُلٍ آخَرَ يُقَالُ لَهُ: شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَكَانَتْ غُرْفَةُ جَارَتِهِ تِلْكَ حِذَاءَ غُرْفَةِ أَبِي بَكَرَةَ؛ فَضَرَبَتِ الرِّيحُ بَابَ الْمَرْأَةِ؛ فَفَتَحَتْهُ؛ فَنَظَرَ الْقَوْمُ فَإِذَا بِالْمُغِيرَةِ يَنْكِحُهَا؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: هَذِهِ بَلِيَّةٌ ابْتُلِيتُمْ بِهَا، انْظُرُوا؛ فَنَظَرُوا حَتَّى أَثْبَتُوا؛ فَنَزَلَ أَبُو بَكْرَةَ؛ فَجَلَسَ حَتَّى خَرَجَ الْمُغِيرَةُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَرْأَةِ؛ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِكَ مَا قَدْ عَلِمْتَ؛ فَاعْتَزِلْنَا. قَالَ: وَذَهَبَ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ؛ فَمَنَعَهُ أَبُو بَكْرَةَ، وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تُصَلِّي بِنَا وَقَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ. فَقَالَ النَّاسُ: دَعُوهُ،
(2/170)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَلْيُصَلِّ؛ فَإِنَّهُ الْأَمِيرُ، وَاكْتُبُوا مَا بَدَا لَكُمْ إِلَى عُمَرَ؛ فَكَتَبُوا إِلَيْهِ؛ فَوَرَدَ كِتَابُهُ بِأَنْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ جَمِيعًا، الْمُغِيرَةُ وَالشُّهُودُ؛ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ شُهِدَ عَلَيْكَ بِأَمْرٍ، إِنْ كَانَ حَقًّا؛ فَلَأَنْ تَكُونَ مُتَّ قَبْلَ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكَ، ثُمَّ دَعَا بِالشُّهُودِ؛ فَقَدِمَ أَبُو بَكْرَةَ؛ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تَشْرِيمِ الْجُدَرِيِّ بِفَخِذَيْهَا، قَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: لَقَدْ أَلْطَفْتَ النَّظَرَ. فَقَالَ: لَمْ آلُ أَنْ أُثْبِتَ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ بِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَشْهَدَ لَقَدْ رَأَيْتَهُ يَلِجُ فِيهَا كَمَا يَلِجُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ. فَقَالَ: نَعَمْ أَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ عَنْكَ، يَا مُغِيرَةُ، ذَهَبَ رُبْعُكَ. ثُمَّ دَعَا الثَّانِي؛ فَقَالَ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ: عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: لَا، حَتَّى تَشْهَدَ لَقَدْ رَأَيْتَهُ يَلِجُ فِيهَا كَمَا يَلِجُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ. فَقَالَ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ قُذَذَهُ. فَقَالَ: اذْهَبْ عَنْكَ، يَا مُغِيرَةُ، ذَهَبَ نِصْفُكَ. ثُمَّ دَعَا الثَّالِثَ؛ فَقَالَ: عَلَامَ تَشْهَدُ؟ قَالَ عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ صَاحِبَيَّ؛ فَقَالَ عُمَرُ: ذَهَبَ عَنْكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِكَ. قَالَ: وَدَعَا زِيَادًا فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مُقْبِلًا، قَالَ: إِنِّي أَرَى رَجُلًا، لَنْ يُخْزِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: لَمَّا شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ، تَغَيَّرَ لِذَلِكَ لَوْنُ عُمَرَ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ؛ فَشَهِدَ؛ فَانْكَسَرَ انْكِسَارًا شَدِيدًا، ثُمَّ جَاءَ الثَّالِثُ، يَخْطُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَرَفَعَ عُمَرُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ؛ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا سَلْحَ الْعُقَابِ فَضِيحَةٌ عَظِيمَةٌ. قَالَ: فَلَمَّا تَقَدَّمَ الرَّابِعُ، وَهُوَ زِيَادٌ، الْتَفَتَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ؛ فَقَالَ: لَا مَخْبَأَ لِعِطْرٍ بَعْدَ عَرُوسٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا زِيَادُ، اذْكُرِ اللَّهَ، وَاذْكُرْ مَوْقِفَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ، وَكِتَابَهُ،
(2/171)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَرَسُولَهُ، وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ حَظَرُوا دَمِي إِلَّا أَنْ تَتَجَاوَزَ إِلَى مَا لَمْ تَعْلَمْ؛ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ سُوءُ مَنْظَرٍ رَأَيْتَهُ عَلَيَّ، أَنْ تَتَجَاوَزَهُ إِلَى مَا لَمْ تَرَهُ؛ فَوَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ بَيْنَ بَطْنِي وَبَطْنِهَا، مَا رَأَيْتَ أَيْنَ سَلَكَ ذَكَرِي مِنْهَا، قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَّا أَنْ أُحِقَّ مَا أَحَقَّ الْقَوْمُ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي، وَلَكِنْ رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَبِيحًا، وَسَمِعْتُ نَفَسًا حَثِيثًا، وَرَأَيْتُهُ مُسْتَبْطِنَهَا. فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَهُ يُدْخِلُهُ وَيُخْرِجُهُ كَالْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، يَا عَلِيُّ، قُمْ إِلَيْهِمْ؛ فَاضْرِبْهُمُ الْحَدَّ؛ فَقَامَ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ سَوْطًا وَضَرَبَ الْبَاقِينَ، وَأَعْجَبَهُ قَوْلُ زِيَادٍ، وَدَرَأَ الْحَدَّ عَنِ الْمُغِيرَةِ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ عَلَى الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. فَهَمَّ عُمَرُ بِضَرْبِهِ؛ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنْ ضَرَبْتَهُ، رَجَمْتَ صَاحِبَكَ، وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، يَعْنِي إِنْ ضَرَبَهُ، جَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ؛ فَوَجَبَ بِذَلِكَ الرَّجْمُ عَلَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ: فَاسْتَتَابَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَا بَكْرَةَ؛ فَقَالَ: إِنَّمَا تَسْتَتِيبُنِي لِتَقْبَلَ شَهَادَتِي. فَقَالَ: أَجَلْ؛ فَقَالَ: لَا أَشْهَدُ مَا بَقِيتُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَبَدًا فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لَمَّا ضُرِبُوا: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكُمْ؛ فَقَالَ عُمَرُ: اسْكُتْ، أَخْزَى اللَّهُ مَكَانًا رَأَوْكَ فِيهِ. قَالَ: فَأَقَامَ أَبُو بَكْرَةَ عَلَى قَوْلِهِ،
(2/172)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَابَ الِاثْنَانِ؛ فَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، إِذَا دُعِيَ إِلَى شَهَادَةٍ، قَالَ: اطْلُبْ غَيْرِي، فَإِنَّ زِيَادًا قَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ شَهَادَتِي.
قُلْتُ: هَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنَ الْقِصَّةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ ضَرَبْتَهُ، رَجَمْتَ صَاحِبَكَ، إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكَرَةَ، وَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا مُكَرَّمًا، وَلَا نَظُنُّ بِهِ الْكَذِبَ، خُصُوصًا فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، غَيْرَ أَنَّهُ بِحُكْمِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَدْ صَارَ فَاسِقًا، حَيْثُ رَمَى الْمُحْصَنَاتِ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، وَالْفَاسِقُ يُؤَثِّرُ قَذْفُهُ فِي أَنَّهُ يُحَدُّ بِهِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَقْذُوفِ.
وَالْفَرْضُ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ أَصَرَّ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَالَّذِي يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ كَلَامُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ أَقَامَ شُبْهَةً لِدَرْءِ الْحَدِّ الثَّانِي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَتَغَاضَى عُمَرُ عَنْ مُنَاقَشَتِهِ، أَوْ أَنَّهُ ظَنَّ صِحَّةَ الشُّبْهَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَافَقَتْ أَمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ عَمْرٍو، الَّتِي رُمِيَ بِهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِالْمَوْسِمِ، عُمَرَ وَالْمُغِيرَةَ؛ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَعْرِفُ هَذِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذِهِ أُمُّ كُلْثُومٍ
(2/173)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِنْتُ عَلِيٍّ. فَقَالَ لَهُ: أَتَتَجَاهَلُ عَلَيَّ؟ وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ أَبَا بَكْرَةَ كَذَبَ عَلَيْكَ، وَمَا رَأَيْتُكَ إِلَّا خِفْتُ أَنْ أُرْمَى بِحِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ.
قُلْتُ: لِأَنَّ عُمَرَ عَرَّضَ لِلشَّاهِدِ الرَّابِعِ بِأَنْ لَا يَشْهَدَ، بِقَوْلِهِ: إِنِّي أَرَى رَجُلًا لَنْ يُخْزِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ خَيْرًا، وَمَعَ ذَلِكَ، خَشِيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعَانَ عَلَى إِبْطَالِ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: لَمَّا شَخَصَ الْمُغِيرَةُ إِلَى عُمَرَ - يَعْنِي فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ - رَأَى فِي طَرِيقِهِ جَارِيَةً أَعْجَبَتْهُ؛ فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا؛ فَقَالَ لَهُ: وَأَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، قَالَ: وَمَا عَلَيْكَ، إِنْ أُعْفَ؛ فَهُوَ الَّذِي أُرِيدُ، وَإِنْ أُقْتَلْ - يَعْنِي فِي الْحَدِّ - تَرِثُنِي؛ فَزَوَّجَهُ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّكَ لَفَارِغُ الْقَلْبِ، طَوِيلُ الشَّبَقِ، قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ: مَا اخْتَلَجَ فِي صَدْرِ الْمُغِيرَةِ أَمْرَانِ إِلَّا اخْتَارَ أَحْزَمَهُمَا.
قُلْتُ: أَحْسَبُهُ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْحَزْمِ، وَهُوَ ضِدُّ التَّفْرِيطِ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ مَضْبُوطًا بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ؛ فَهُوَ نَقِيضُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، حَيْثُ كَانَ لَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ أَشَدَّهُمَا وَأَغْلَظَهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

قَوْلُهُ: «وَتَعْدِيلُ الرَّاوِي: إِمَّا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
لَمَّا تَقَرَّرَ الْقَوْلُ فِي حَقِيقَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالْحُكْمِ فِي بَيَانِ سَبَبِهِمَا، وَاعْتِبَارِ
(2/174)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْعَدَدِ فِيهِمَا، وَجَبَ الْقَوْلُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: صَرِيحُ الْقَوْلِ وَتَمَامُهُ، أَيْ: تَمَامُ الْقَوْلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ، أَنْ يَقُولَ الْمُعَدِّلُ: هُوَ عَدْلٌ رِضًى، مَعَ بَيَانِ السَّبَبِ، أَيْ: يُبَيِّنُ سَبَبَ الْعَدَالَةِ، مَعَ قَوْلِهِ: هُوَ عَدْلٌ رِضًى، بِأَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَحَاسِنِ مَا يَعْلَمُ مِنْهُ، مِمَّا يَنْبَغِي شَرْعًا، مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَاسْتِعْمَالِ وَظَائِفِ الْمُرُوءَةِ.
الثَّانِي: مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ الْحُكْمُ بِرِوَايَتِهِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ التَّعْدِيلِ الْقَوْلِيِّ، أَيْ: مِنَ التَّعْدِيلِ بِالْقَوْلِ بِقَوْلِهِ: هُوَ عَدْلٌ رِضًى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ مُجَرَّدٌ، وَالْحُكْمُ بِرِوَايَتِهِ فِعْلٌ تَضَمَّنَ الْقَوْلَ، أَوِ اسْتَلْزَمَهُ، إِذْ تَعْدِيلُهُ الْقَوْلِيُّ تَقْدِيرًا، مِنْ لَوَازِمِ الْحُكْمِ بِرِوَايَتِهِ، وَإِلَّا كَانَ هَذَا الْحَاكِمُ حَاكِمًا بِالْبَاطِلِ. وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ هَهُنَا تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ طُرُقَ التَّعْدِيلِ، وَقَالَ: أَعْلَاهَا صَرِيحُ الْقَوْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ أَقْوَى مِنْ تَزْكِيَتِهِ بِالْقَوْلِ، وَعِبَارَةُ «الْمُخْتَصَرِ» بَرِيئَةٌ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ.
قَوْلُهُ: «وَلَيْسَ تَرْكُ الْحُكْمِ بِهَا جَرْحًا» ، أَيِ: الْحُكْمُ بِرِوَايَةِ الرَّاوِي تَعْدِيلٌ لَهُ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَتَرْكُ الْحُكْمِ بِهَا لَيْسَ جَرْحًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَقَّفُ فِي الْحُكْمِ بِهَا، لِسَبَبٍ غَيْرِ الْجَرْحِ، مِثْلَ أَنْ يَتَرَدَّدَ، هَلْ هُوَ عَدَوٌ مُتَّهَمٌ لِعَدَاوَتِهِ، أَوْ قَرِيبٌ مُتَّهَمٌ لِقَرَابَتِهِ، أَوْ يَكُونُ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يَرَى قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَنَفِيًّا، وَالْخَبَرُ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، أَوْ كَانَ مَالِكِيًّا وَالْخَبَرُ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَنَحْوِ
(2/175)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذَلِكَ، وَأَيْضًا كَمَا أَنَّ مُخَالَفَةَ الرَّاوِي لِمَا رَوَاهُ لَا تَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ؛ فَكَذَلِكَ تَرْكُ الْحُكْمِ بِالرِّوَايَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الرَّاوِي.
الثَّالِثُ: مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْدِيلُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي، بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ أَنْ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ غَيْرُ رِوَايَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ إِلَّا رِوَايَتُهُ، لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عَمِلَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَافَقَ رِوَايَةَ الرَّاوِي، وَكَانَتْ هِيَ زَائِدَةً، لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا.
وَقَدِ اصْطَلَحَ قُضَاةُ الْعَصْرِ وَغَيْرُهُمْ، عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ مَنْ لَا يَثِقُ بِشَهَادَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّصْرِيحُ بِرَدِّهَا، يَطْلُبُ زِيَادَةَ شُهُودٍ، حَتَّى تَكْمُلَ الْبَيِّنَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّاهِدِ، وَيَحْكُمُ بِهَا، مُوهِمًا لِذَلِكَ الشَّاهِدِ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ: مَصْلَحَةِ الِاسْتِيثَاقِ لِلْحُكْمِ، وَعَدَمِ تَنْفِيرِ هَذَا الشَّاهِدِ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لِفِسْقِ الْعَامِلِ» ، أَيِ: الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي تَعْدِيلٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَ الْعَامِلِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَمِلَ بِخَبَرِهِ بِدُونِ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ، وَلَوْ عَمِلَ بِخَبَرِهِ بِدُونِ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ لَفُسِّقَ الْعَامِلُ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَامِلًا بِخَبَرِ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ غَيْرِ الْعَدْلِ فِسْقٌ؛ لِأَنَّهُ تَلْبِيسٌ وَغَرَرٌ فِي الدِّينِ، وَغِشٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، إِذْ يُوهِمُهُمْ بِعَمَلِهِ بِخَبَرِ
(2/176)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هَذَا الرَّاوِي عَدَالَتَهُ، وَلَيْسَ بِعَدْلٍ؛ فَيَغْتَرُّونَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَقَالَ: الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ. وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ «الْمُخْتَصَرِ» فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ فِيهَا نَوْعُ إِشْكَالٍ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مَرَّتَيْنِ؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ نُوَضِّحَهَا بِعِبَارَةٍ أُخْرَى؛ فَنَقُولُ:
الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعِلْمِ بِانْحِصَارِ مُسْتَنَدِ الْعَمَلِ فِيهِ، أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ؛ فَهُوَ تَعْدِيلٌ لَهُ، وَإِلَّا لَفَسَقَ الْعَامِلُ، لِكَوْنِهِ تَلْبِيسًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْعِلْمِ بِانْحِصَارِ مُسْتَنَدِ الْعَمَلِ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا، لِجَوَازِ اسْتِنَادِ الْعَمَلِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: وَفِي كَوْنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ تَعْدِيلًا لَهُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، قِيَاسًا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالْحُكْمُ بِرِوَايَتِهِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ قَدْ رَوَوْا عَنِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِ، وَعَنِ الضَّعِيفِ وَغَيْرِهِ.
وَالْحَقُّ - يَعْنِي التَّحْقِيقَ فِي هَذَا - أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِ الرَّاوِي، أَوْ عَادَتِهِ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ، أَنَّهُ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ، وَلَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ، كَانَتْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِمَنْ رَوَى عَنْهُ، كَمَا سُئِلَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَجُلٍ: هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ
(2/177)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِلسَّائِلِ: أَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَوْ كَانَ حُجَّةً، لَرَأَيْتَهُ. أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ. فَاسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ حُجَّةٍ ثَبْتٍ، وَلِهَذَا قِيلَ: إِذَا ذُكِرَ الْحَدِيثُ؛ فَمَالِكٌ النَّجْمُ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِ الرَّاوِي، أَوْ عَادَتِهِ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ، أَوْ دَلَالَتِهِ الظَّاهِرَةِ، كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ، لَمْ تَكُنْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِمَنْ رَوَى عَنْهُ، إِذْ قَدْ يَرْوِي الشَّخْصُ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ، لَسَكَتَ؛ إِمَّا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، أَوْ تَفْوِيضًا إِلَى السَّائِلِ أَمْرَ الْبَحْثِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَقَوْلُهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا صَدَقَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا لِلرَّاوِي، لَكَانَ غَاشًّا فِي الدِّينِ، إِذْ قَدْ يَرْوِي عَمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَيُوهِمُ النَّاسَ عَدَالَتَهُ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ، حَيْثُ يَقُولُ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ كَذَا.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ: سَمِعْتُ فُلَانًا صَدَقَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَالَةُ فُلَانٍ، إِذْ قَدْ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مِنَ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا تَرْكُهُ بَيَانَ حَالِهِ؛ فَلَعَلَّهُ جَهِلَ حَالَهُ؛ فَرَوَى عَنْهُ، وَوَكَّلَ الْبَحْثَ عَنْ حَالِهِ إِلَى مَنْ أَرَادَ قَبُولَ رِوَايَتِهِ، أَيْ: جَعَلَهُ مَوْكُولًا، أَيْ: مُفَوَّضًا إِلَيْهِ.
يُقَالُ: وَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، أَيْ: فَوَّضْتُهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ مَقْصُودَ الرِّوَايَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: حِفْظُ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثَّانِي: تَبْيِينُ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا.
وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ هِيَ وَظِيفَةُ الْمُحَدِّثِينَ، لَكِنَّ بَعْضَهُمُ الْتَزَمَهُمَا جَمِيعًا،
(2/178)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ صَنَّفَ الصَّحِيحَ، وَمِنْهُمْ مَنِ الْتَزَمَ الْأَوَّلَ فَقَطْ، وَهُوَ حِفْظُ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، ثُمَّ قَالَ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ مَقَالِهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَا قَدْ حَفِظْتُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ السُّنَّةَ؛ فَانْظُرُوا أَنْتُمْ فِيهَا؛ فَاعْمَلُوا بِصَحِيحِهَا، وَدَعُوا سَقِيمَهَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مُسْنَدِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ جَوَامِعِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّ أَحْمَدَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ الْقَوِيَّ وَاللَّيِّنَ، وَقَالَ: كُلُّ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَارْجِعُوا فِيهِ إِلَى هَذَا الْمُسْنَدِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا لَهُ أَصْلًا فِيهِ؛ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ فَإِنِّي قَدِ انْتَقَيْتُهُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ؛ فَبَيَّنَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ مَقْصُودَهُ فِي مُسْنَدِهِ تَدْوِينُ السُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ، لَا بَيَانُ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا، ثُمَّ لَمَّا احْتَاجَ عِنْدَ الْعَمَلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ، فِي مَسَائِلِهِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ، كَـ «جَامِعِ الْخِلَالِ» ، وَ «زَادِ الْمُسَافِرِ» وَ «مَسَائِلِ حَرْبٍ» ، وَكِتَابِ «الْعِلَلِ» ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ، وَهُوَ كَثِيرُ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/179)

السَّابِعَةُ: الْجُمْهُورُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ، لَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ. وَقِيلَ: إِلَى أَوَانِ الْخِلَافِ لِشَيَاعِ الْمُخْطِئِ مِنْهُمْ فِيهِمْ. وَقِيلَ: هُمْ كَغَيْرِهِمْ.
لَنَا: ثَنَاءُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ، نَحْوَ: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} ، {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} ، «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ، إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي، وَسَلْبُهُمُ الْعَدَالَةَ أَذًى لَهُ فِيهِمْ. ثُمَّ فِيمَا تَوَاتَرَ مِنْ صَلَاحِهِمْ، وَطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ غَايَةُ التَّعْدِيلِ.
وَالصَّحَابِيُّ: مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ سَاعَةً، أَوْ رَآهُ، مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، إِذْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ: الِاجْتِمَاعُ بِالْمَصْحُوبِ. وَقِيلَ: مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ عُرْفًا. وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ، وَغَزَا مَعَهُ غَزَاةً أَوْ غَزَاتَيْنِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ عَنْهُ، أَوْ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ هُوَ مُتَّهَمٌ بِتَحْصِيلِ مَنْصِبِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَفْرِيعُ قَبُولِ قَوْلِهِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، إِذْ عَدَالَتُهُمْ فَرْعُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَوْ أُثْبِتَتِ الصُّحْبَةُ بِهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: الْجُمْهُورُ» ، أَيْ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عُدُولٌ مُطْلَقًا، لَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ. وَقِيلَ: إِلَى أَوَانِ الْخِلَافِ، أَيْ: لَمْ يَزَالُوا عُدُولًا، حَتَّى وَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ صَارُوا فِئَتَيْنِ، وَالْحَقُّ بِالضَّرُورَةِ لَا يَكُونُ فِي الطَّرَفَيْنِ. فَإِحْدَاهُمَا عَلَى بَاطِلٍ قَطْعًا؛ فَهِيَ فَاسِقَةٌ، لَكِنَّ الْفَاسِقَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ؛ فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ رَدَّ قَوْلَ الْجَمِيعِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْفَاسِقِ مِنْهُمْ مِنَ الْعَدْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ، دُونَ حَالَةِ مُعَارَضَةِ غَيْرِهِ لَهُ، لِعَدَمِ تَمْيِيزِ
(2/180)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْعَدْلِ، وَهَذَا يُعْزَى إِلَى بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، أَحْسَبُهُ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ وَأَصْحَابَهُ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: «لِشَيَاعِ الْمُخْطِئِ مِنْهُمْ» ، أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، «فِيهِمْ» أَيْ: لِصَيْرُورَتِهِ شَائِعًا لَا يُعْرَفُ، وَالضَّمِيرُ فِي «مِنْهُمْ» ، وَ «فِيهِمْ» عَائِدٌ إِلَى الصَّحَابَةِ.
وَقِيلَ: هُمْ كَغَيْرِهِمْ أَيْ مِنْ رُوَاةِ الْأُمَّةِ، يُبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْعَدْلِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: ثَنَاءُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِعَدَالَتِهِمْ مُطْلَقًا. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَرَسُولَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَثْنَيَا عَلَيْهِمْ، وَكُلُّ مَنْ أَثْنَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ عَدْلٌ؛ فَالصَّحَابَةُ عُدُولٌ.
أَمَّا ثَنَاءُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَرَسُولِهِ عَلَيْهِمْ؛ فَدَلِيلُهُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ} فَتْحًا قَرِيبًا [الْفَتْحِ: 18] ، يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، لِهَذَا سُمِّيَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَضِيَ عَنْهُمْ لِأَجْلِهَا، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ؛ فَدَلَّ رِضَاهُ عَنْهُمْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} ، إِلَى قَوْلِهِ: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الْفَتْحِ: 29] ، وَالْكُفَّارُ لَا يُغَاظُونَ إِلَّا بِالْمُؤْمِنِينَ الْعُدُولِ، إِذِ الْفُسَّاقُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عَنْهُمْ، حَتَّى يَكُونُوا مِنْ جُنْدِ الْإِيمَانِ، وَيُغَاظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: 110] ، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [الْبَقَرَةِ: 143] ، وَالْخِطَابُ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَالْوَسَطُ وَخَيْرُ النَّاسِ هُوَ الْعَدْلُ.
وَدَلِيلُهُ مِنَ السُّنَّةِ: مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:
(2/181)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، وَأَنْصَارًا، وَأَصْهَارًا.
وَقَالَ: لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي، وَسَلْبُهُمُ الْعَدَالَةَ، أَيِ: الْحُكْمَ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ، أَذًى لَهُ فِيهِمْ؛ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَهُوَ سَلْبُهُمُ الْعَدَالَةَ؛ فَاسِدًا.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي؛ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ؛ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي؛ فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ؛ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
(2/182)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَصْحَابِي أَمَنَةُ أُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي، أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ. وَمَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ لَا تُوصَى فِيهِ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ، وَلَا يَكُونُ أَمَنَةً، أَيْ: أَمَانًا لِلْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ فِيمَا تَوَاتَرَ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَلَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ النُّصُوصُ بِتَعْدِيلِهِمْ، لَكَانَ فِيمَا تَوَاتَرَ مِنْ صَلَاحِهِمْ، وَطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، بِبَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي الْجِهَادِ وَطَاعَةِ رَبِّ الْعِبَادِ غَايَةُ التَّعْدِيلِ.
فَأَمَّا مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْخِلَافِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ فِيهِ، بَلْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ؛ فَالْمُصِيبُ مِنْهُمْ لَا نِزَاعَ فِي عَدَالَتِهِ، وَالْمُخْطِئُ مِنْهُمْ لَا يَقْدَحُ خَطَؤُهُ فِي اجْتِهَادِهِ فِي عَدَالَتِهِ، كَالْحَاكِمِ.
(2/183)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. فَهُوَ نَهْيٌ وَتَحْذِيرٌ، لَا إِخْبَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مِنْهُمْ، وَلَا جَرَمَ؛ فَإِنَّهُمُ انْتَهَوْا بِنَهْيِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَقْتَتِلُوا قِتَالَ كُفْرٍ وَتَكْفِيرٍ، بَلْ قِتَالَ اجْتِهَادٍ وَتَأْوِيلٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيَخْتَلِجَنَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنِ الْحَوْضِ. الْحَدِيثَ؛ فَالْمُرَادُ بِهِ أَهْلُ الرِّدَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: «وَالصَّحَابِيُّ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَمَّا أَثْبَتَ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ، وَجَبَ الْقَوْلُ
(2/184)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فِي الصَّحَابِيِّ، الْمُسْتَحِقِّ لِمَنْصِبِ الْعَدَالَةِ بِتَعْدِيلِ الشَّرْعِ مَنْ هُوَ؟
فَالصَّحَابِيُّ: مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُطْلَقَ الصُّحْبَةِ، وَلَوْ سَاعَةً، أَوْ لَحْظَةً، وَرَآهُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، إِذْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ الِاجْتِمَاعُ بِالْمَصْحُوبِ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا مَعَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ صَحِبُوهُ وَرَأَوْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُسَمَّوْنَ صَحَابَةً بِالِاتِّفَاقِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ شَرْطٌ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الصَّحَابِيِّ.
«وَقِيلَ: مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ» ، أَيْ: وَقِيلَ: الصَّحَابِيُّ: مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عُرْفًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ: فُلَانٌ صَاحِبُ فُلَانٍ، إِلَّا لِمَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ فِي الْعُرْفِ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ مَعَ الِاجْتِمَاعِ صُحْبَةً، لَكَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ أَصْحَابُ بَعْضٍ، إِذْ أَكْثَرُهُمْ يَحْصُلُ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ.
«وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ» ، أَيْ: وَقِيلَ: الصَّحَابِيُّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَنَتَيْنِ، «وَغَزَا مَعَهُ غَزَاةً أَوْ غَزَاتَيْنِ» . وَهَذَا فِيمَا أَظُنُّ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقَدْ رُدَّ بِمِثْلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَصْحَبِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذِهِ الْمُدَّةَ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، وَجَرِيرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَالْمَائِدَةُ
(2/185)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْ أَوَاخِرَ مَا نَزَلَ، وَفِيهَا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 3] ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَالِ، وَمِنْ حَيْثُ التَّارِيخِ؛ فَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ «التَّلْقِيحُ» أَنَّ إِسْلَامَهُ، يَعْنِي: جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ، كَانَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَهِيَ آخِرُ سِنِي الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَوَّلُ أَوْلَى» ، أَيْ: أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ صَحِبَهُ مُطْلَقَ الصُّحْبَةِ مَعَ الْإِيمَانِ، أَوْلَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ. أَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ فَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ؛ فَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ مُشْتَقٌّ مِنَ الصُّحْبَةِ، وَبِمُطْلَقِهَا يَتَحَقَّقُ الِاشْتِقَاقُ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُهَا إِلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، نَحْوَ صُحْبَتِهِ لَحْظَةً، وَسَنَةً، وَدَهْرًا، وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لِيَصْحَبَنَّ فُلَانًا، أَوْ لَا صَحِبْتُ فُلَانًا، حَصَلَ الْحِنْثُ أَوِ الْبِرُّ بِمُطْلَقِ الصُّحْبَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّاحِبَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ، بَلْ هُوَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِ عَدَمُ إِطْلَاقِهِ عَلَى غَيْرِهِ، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْإِطْلَاقُ فِي جَمِيعِ
(2/186)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الصُّحْبَةِ، وَهُوَ مُطْلَقُهَا، نَفْيًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ: «وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ عَنْهُ، أَوْ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ» ، أَيْ: وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ عَنْهُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ التَّعْدِيلِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهِ مَقْبُولٌ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ صَحَابِيًّا، عَدْلًا بِتَعْدِيلِ الشَّرْعِ، أَوْ بِإِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا صَحَابِيٌّ.
قُلْتُ: «وَفِيهِ نَظَرٌ» أَيْ: فِي ثُبُوتِ صُحْبَتِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِتَحْصِيلِ مَنْصِبِ الصَّحَابَةِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَفْرِيعُ قَبُولِ قَوْلِهِ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، بِأَنْ يُقَالَ: هَذَا صَحَابِيٌّ عَدْلٌ؛ فَيُقْبَلُ خَبَرُهُ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ فَرْعُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَوْ أُثْبِتَتِ الصُّحْبَةُ بِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
أَمَّا أَنَّ عَدَالَةَ الصَّحَابَةِ فَرْعُ الصُّحْبَةِ؛ فَلِأَنَّا لَا نَحْكُمُ بِهَذِهِ الْعَدَالَةِ إِلَّا لِمَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ فَنَقُولُ: هَذَا صَحَابِيٌّ؛ فَيَكُونُ عَدْلًا بِالْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ لَوْ أُثْبِتَتِ الصُّحْبَةُ بِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، لَزِمَ الدَّوْرُ؛ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِثْبَاتُ الْأَصْلِ - وَهُوَ الصُّحْبَةُ - بِالْفَرْعِ - وَهُوَ الْعَدَالَةُ - وَإِثْبَاتُ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ دَوْرٌ مُحَالٌ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ زَعَمَ أَنَّ إِثْبَاتَ صُحْبَةِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: أَنَا صَحَابِيٌّ، لَا يُلْحِقُ غَيْرَهُ مَضَرَّةً، وَلَا يُوجِبُ تُهْمَةً، وَهُمَا مَمْنُوعَانِ. بَلْ يُوجِبُ تُهْمَةً، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَنْصِبِ الصُّحْبَةِ لِنَفْسِهِ، وَيَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ يَلْزَمُهُمْ قَبُولُ مَا يَرْوِيهِ مَعَ هَذِهِ التُّهْمَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(2/187)

الثَّامِنَةُ: الرَّاوِي؛ إِمَّا صَحَابِيٌّ، أَوْ غَيْرُهُ.
فَالصَّحَابِيُّ لِأَلْفَاظِ رِوَايَتِهِ مَرَاتِبُ، أَقْوَاهَا أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ، أَوْ حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ أَنْبَأَنِي، أَوْ شَافَهَنِي، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الرِّوَايَةِ، لِعَدَمِ احْتِمَالِهِ.
ثُمَّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ، لِإِشْعَارِهِ بِالسَّمَاعِ ظَاهِرًا، وَعَدَمِ تَدْلِيسِ الصَّحَابَةِ، لَكِنَّهُ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ، لِاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ، كَسَمَاعِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا؛ فَلَا صَوْمَ لَهُ» مِنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» مِنْ أُسَامَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّامِنَةُ: الرَّاوِي: إِمَّا صَحَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا بَيَانُ مَرَاتِبِ الرِّوَايَةِ، وَأَلْفَاظُ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ بَيَانَ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، لِاخْتِلَالِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِهِ، وَقِسْمَةُ الرَّاوِي إِلَى صَحَابِيِّ وَغَيْرِهِ قِسْمَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ رَآهُ، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ الصَّحَابِيُّ، وَالثَّانِي غَيْرُهُ.
«فَالصَّحَابِيُّ لِأَلْفَاظِ رِوَايَتِهِ مَرَاتِبُ:
أَقْوَاهَا: أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ، أَوْ حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ أَنْبَأَنِي، أَوْ شَافَهَنِي فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الرِّوَايَةِ، لِعَدَمِ احْتِمَالِهِ» ، يَعْنِي: الْوَاسِطَةَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: نَضَرَّ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا. الْحَدِيثَ. نَعَمْ، بَيْنَ سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنِي، وَأَخَوَاتِهَا فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ حَدَّثَنِي وَنَحْوَهُ: يَكُونُ الرَّاوِي مَقْصُودًا بِالْحَدِيثِ وَلَا بُدَّ، عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ، بِخِلَافِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ، إِذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مَقْصُودًا بِالْحَدِيثِ، بَلْ جَازَ أَنَّ
(2/188)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَدِيثَ لِغَيْرِهِ، وَسَمِعَهُ هُوَ، كَمَا فِي شَهَادَةِ الْمُسْتَخْفِي.
قَوْلُهُ: ثُمَّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَذَا، هُوَ فِي الْقُوَّةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: سَمِعْتُ، لَكِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ قَوْلِهِ: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنِي، فِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ لِإِشْعَارِهِ بِهِ ظَاهِرًا، وَعَدَمِ تَدْلِيسِ الصَّحَابَةِ، أَيْ: حُكْمُ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حُكْمُ قَوْلِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّفْظَ، أَيْ: لَفْظُ قَالَ، مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ.
الثَّانِي: لِعَدَمِ تَدْلِيسِ الصَّحَابَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ سَمَاعُهُ بِوَاسِطَةٍ، مَعَ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمُشْعِرُ ظَاهِرًا بِالسَّمَاعِ، لَكَانَ ذَلِكَ تَدْلِيسًا وَتَلْبِيسًا عَلَى النَّاسِ، وَالصَّحَابَةُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «لَكِنَّهُ دُونَهُ» ، أَيْ: لَكِنَّ قَوْلَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دُونَ قَوْلِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «فِي الْقُوَّةِ، لِاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ» ، فِي قَوْلِهِ: قَالَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: قَالَ، هُوَ إِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى الْقَائِلِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ عَدَمِهَا، وَذَلِكَ كَسَمَاعِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ، ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِلَفْظِ: قَالَ، أَوْ بِلَفْظٍ يُوهِمُهُ. وَكَسَمَاعِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ حَدِيثَيْهِمَا، بَيَّنَا مِمَّنْ سَمِعَا، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ الْعَدْلِ: قَالَ
(2/189)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ، بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ مُتَرَدِّدٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ لِمَا مَرَّ.
قُلْتُ: مِمَّا يُقَوِّي قَوْلَ الْقَاضِي، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْمَرْوَزِيَّ رَوَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ فَنَقُولُ: سَمِعْتَهُ؟ فَيَقُولُ: خَرَجَ بِهِ أَصْحَابُهُ إِلَيْنَا.
قُلْتُ: وَالتَّدْلِيسُ الْمُوهِمُ حَرَامٌ عَلَى الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِذَا جَازَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ، جَازَ مِنَ الصَّحَابَةِ.
(2/190)

ثُمَّ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي قَبْلَهُ، لَكِنَّهُ دُونَهُ، لِاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ، وَاعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا. لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِ الْأَمْرِ إِلَّا بَعْدَ جَزْمِهِ لِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ، وَمَعْرِفَةُ الْأَمْرِ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ اللُّغَةِ، وَهُمْ أَهْلُهَا؛ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ وَنَحْوِهَا خِلَافٌ، وَخِلَافُنَا فِيهِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ.
ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: أُمِرْنَا، أَوْ نُهِينَا؛ فَيُحْتَمَلُ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَرَدَّهُ قَوْمٌ لِذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ قَبُولُهُ، إِذْ مُرَادُ الصَّحَابِيِّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى صُدُورِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلٍ أَخْطَأَ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَيَخْرُجُ قَبُولُهُ إِذَنْ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ أَمْ لَا.
وَلَا يَتَوَجَّهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوْ جَرَتْ، أَوْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِكَذَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِرْنَا وَنُهِينَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا» .
هَذِهِ الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ، «فَحُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي قَبْلَهُ» ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَمْلِهِ عَلَى السَّمَاعِ، لَكِنَّهُ دُونَ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: احْتِمَالُ الْوَاسِطَةِ فِي قَوْلِهِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ نَهَى، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَحْتَمِلُ الْوَاسِطَةَ أَيْضًا؛ فَلَا يَصِحُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ فِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاحْتِمَالِهَا فِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَعَمِ احْتِمَالُ الْوَاسِطَةِ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَقْوَى مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ مَنْ يَرْوِي أَمْرَ الرَّسُولِ وَنَهْيَهُ؛ فَيَحْكِيهِ عَنْهُ، وَيُضِيفُهُ إِلَى الرَّسُولِ بِوَاسِطَةِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، أَقْرَبُ وَأَكْثَرُ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ، مَعَ إِرَادَةِ الْوَاسِطَةِ.
(2/191)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ لَفْظَ قَالَ لَفْظٌ خَبَرِيٌّ لَا احْتِمَالَ فِيهِ، وَلَا اشْتِبَاهَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مُشْتَبِهٌ فِي صِيَغِهِ وَمَعَانِيهِ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ اعْتَقَدَ مَا لَيْسَ أَمْرًا أَمْرًا، وَمَا لَيْسَ نَهْيًا نَهْيًا، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا حُجَّةَ فِيهِ مَا لَمْ يُنْقَلِ اللَّفْظُ، لَكِنْ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا بَعْدَ جَزْمِهِ بِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ؛ فَيَكُونُ هَذَا الظَّاهِرُ رَاجِحًا عَلَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَا نُقِلَ الْأَمْرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَمْرِ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ اللُّغَةِ، وَهُمْ - يَعْنِي الصَّحَابَةَ - أَهْلُ اللُّغَةِ؛ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ لَفْظُ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَنَحْوِهَا خِلَافٌ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الرَّاوِيَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ مِنْ لُغَتِهِمْ، مِنْ غَيْرِ اشْتِبَاهٍ وَلَا احْتِمَالٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْأَمْرِ فِيمَا بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِكَثِيرٍ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، وَاشْتِبَاهَهُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَنْ يَقُولَ: أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا» . هَذِهِ الرُّتْبَةُ الرَّابِعَةُ؛ فَيُحْتَمَلُ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ، أَمَّا الِاحْتِمَالَاتُ السَّابِقَةُ؛ فَهِيَ احْتِمَالُ الْوَاسِطَةِ، وَاحْتِمَالُ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَمْرًا، وَاحْتِمَالُ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِنَهْيٍ نَهْيًا؛ فَهَذِهِ
(2/192)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ احْتِمَالَانِ، وَهُمَا قَائِمَانِ فِي قَوْلِهِ: أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا، وَيَزِيدُ عَلَى مَا سَبَقَهُ مِنَ الْمَرَاتِبِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِي قَوْلِهِ: أُمِرْنَا غَيْرُ مُسَمًّى، «فَرَدَّهُ قَوْمٌ» وَهُوَ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ، أَيْ: مَنَعُوا إِضَافَةَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «لِذَلِكَ» أَيْ: لِعَدَمِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ قَطْعًا؛ فَلَا يُضَافُ إِلَى الرَّسُولِ بِالِاحْتِمَالِ «وَالْأَظْهَرُ قَبُولُهُ» ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الصَّحَابِيِّ إِنَّمَا هُوَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، أَيْ: بِقَوْلِهِ: أُمِرْنَا؛ فَيَجِبُ حَمْلُهُ، أَيْ: حَمْلُ الْأَمْرِ، عَلَى صُدُورِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذْ غَيْرُهُ لَا حُجَّةَ فِي أَمْرِهِ، وَلِأَنَّ الْعُرْفَ، أَنَّ الْمَرْءُوسَ إِذَا قَالَ: أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا، أَنَّهُ يُرِيدُ رَئِيسَهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «لَكِنَّهُ» ، أَيْ: لَكِنَّ قَوْلَهُ: أُمِرْنَا، «يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْرَ اللَّهِ» ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِكَذَا، «بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِ» آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ «أَخْطَأَ الصَّحَابِيُّ فِيهِ» ، أَيْ: فِي التَّأْوِيلِ «فِي نَفْسِ الْأَمْرِ» .
وَمِثَالُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حِينَ صَامَ بِالْمَدِينَةِ رَمَضَانَ، بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ، بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؛ فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَا تَرْضَى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّمَا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ؛ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ بِنَاءً
(2/193)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْهُ عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَإِنَّمَا مُرَادُ الْحَدِيثِ مَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، لَا مُطْلَقًا. أَمَّا إِذَا رُئِيَ فِي بَعْضِهَا؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ رُئِيَ فِي جَمِيعِهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ؛ فَكَانَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَاءً مِنْهُ عَلَى إِجْرَائِهِ الْحَدِيثَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ لِلرُّؤْيَةِ، وَفِيهِ مَا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ، لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أُمِرْنَا أَنْ نَرُدَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الزَّوْجِ الثَّانِي عَلَيْهَا، بِنَاءًا عَلَى تَأْوِيلِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [الْبَقَرَةِ: 230] ، عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فِيهِ الْعَقْدُ، «فَيَخْرُجُ قَبُولُ قَوْلِهِ» : أُمِرْنَا «عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ أَمْ لَا» ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ هُوَ مَذْهَبُهُ. وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِمَذْهَبِهِ خِلَافٌ، يُذْكَرُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَتَوَجَّهُ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوْ جَرَتِ السُّنَّةُ، أَوْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِكَذَا» .
أَيِ: الْخَطَأُ فِي تَأْوِيلِ الْأَمْرِ، لَا يَتَّجِهُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، وَنَحْوَهُ، نَقْلٌ مُجَرَّدٌ، لَا اجْتِهَادَ فِيهِ، وَالْخَطَأُ فِي قَوْلِهِ: أُمِرْنَا، عَلَى
(2/194)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، إِنَّمَا جَاءَ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي لَفْظِ النَّصِّ، حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ بِمَا لَيْسَ آمِرًا بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: «فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِرْنَا وَنُهِينَا» ، أَيْ: قَوْلُهُ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوْ جَرَتِ السُّنَّةُ، أَوْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِكَذَا، كَقَوْلِهِ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنِينَ؛ فَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، وَنَحْوُهُ، حُكْمُهُ: حُكْمُ أُمِرْنَا وَنُهِينَا، فِي أَنَّ الْأَظْهَرَ إِضَافَتُهُ إِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا غَيْرِهِ، مَعَ احْتِمَالِهِ مَا سَبَقَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ، وَهُوَ وُقُوعُ الْوَاسِطَةِ بَيْنَ هَذَا الرَّاوِي، وَبَيْنَ سُنَّةِ الرَّسُولِ، بِأَنْ يَكُونَ إِمَّا عَرَفَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ السُّنَّةِ بِوَاسِطَةٍ، وَاحْتِمَالِ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا.
فَأَمَّا احْتِمَالُ أَنَّ الْآمِرَ غَيْرُ الرَّسُولِ؛ فَلَا يَتَّجِهُ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ أَمْرٍ يَسْتَدْعِي آمِرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ هَذَا الِاحْتِمَالِ فِي قَوْلِهِ: أُمِرْنَا، احْتِمَالُ تَرَدُّدِ قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ، بَيْنَ سُنَّةِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْأَظْهَرَ إِضَافَتُهُ إِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِتَبَادُرِهَا إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي سُنَّةِ الرَّسُولِ، وَسُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - وَإِنْ كَانَتْ حُجَّةً أَيْضًا، وَاللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهَا - لَكِنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَسُنَّةُ الرَّسُولِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا؛ فَحَمْلُ أَمْرِ الصَّحَابِيِّ فِي قَوْلِهِ: مِنَ السُّنَّةِ، عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَوْلَى.
(2/195)

وَقَوْلُ التَّابِعِيِّ وَالصَّحَابِيِّ، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَظَهَرُ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ، أَوْ: كَانُوا يَفْعَلُونَ، نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نُفَاضِلُ، وَكُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَوْلُ عَائِشَةَ: كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ. فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ، دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، أَوْ وُجُوبِهِ، عَلَى حَسْبِ مَفْهُومِ لَفْظِ الرَّاوِي، إِذْ ذِكْرُهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَلَغَ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: كَانُوا يَفْعَلُونَ. لَا يُفِيدُ الْإِجْمَاعَ عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ نَقْلٌ لَهُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، قَالَ: وَيُقْبَلُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: هَذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ، وَيُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ «وَقَوْلُ التَّابِعِيِّ وَالصَّحَابِيِّ، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ» ، سَوَاءٌ، أَيْ: قَوْلُ الرَّاوِي: مِنَ السُّنَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ تَابِعِيًّا أَوْ صَحَابِيًّا، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَضَافَ السُّنَّةَ إِلَى مَنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِإِضَافَتِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَظَهَرُ مِنْهَا فِي قَوْلِ التَّابِعِيِّ، لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ، وَكَوْنِهِ شَاهَدَ مَا لَمْ يُشَاهِدْ، وَكَوْنِهِ عَدْلًا بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ التَّابِعِيِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَوْلُنَا: «فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ» هُوَ تَقْسِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابِيِّ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: مِنَ السُّنَّةِ، وَالرَّسُولُ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ. أَمَّا التَّابِعِيُّ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا وَالرَّسُولُ مَيِّتٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَهُ وَالرَّسُولُ حَيٌّ، لَكَانَ صَحَابِيًّا، اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، مِمَّنْ عَاصَرَ الرَّسُولَ وَلَمْ يَلْقَهُ، كَكَعْبِ الْأَحْبَارِ،
(2/196)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الصُّنَابِحِيِّ، وَنَحْوِهِمَا؛ فَهَؤُلَاءِ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعُوا السُّنَّةَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَقُولُونَ فِي حَيَاتِهِ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، إِلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، وَلَمْ نَعْلَمْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ» ، هَذِهِ الرُّتْبَةُ الْخَامِسَةُ، وَهِيَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ، أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا.
نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «كُنَّا نُفَاضِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَنَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ؛ فَيَبْلُغُ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَا يُنْكِرُهُ» .
(2/197)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَوْلُهُ: «كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ، يَعْنِي: نُزَارِعُ مُخَابَرَةً، كَمَا عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَهْلَ خَيْبَرَ فِي مُزَارَعَةِ أَرْضِهِمْ.
«وَقَوْلُ عَائِشَةَ: كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» ، أَيْ: لَا يَقْطَعُونَ السَّارِقَ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا شَرْعِيًّا.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ أُضِيفَ» ، يَعْنِي قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ، «إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ» ، بِأَنْ قَالَ: كُنَّا نَفْعَلُ أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ أَوْ وُجُوبِهِ» ، أَيْ: جَوَازُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، أَوْ وُجُوبُهُ «عَلَى حَسْبِ مَفْهُومِ لَفْظِ الرَّاوِي» ، أَيْ: عَلَى حَسْبِ مَا فُهِمَ مِنْهُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ مِنْ جَوَازٍ، أَوْ وُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ.
(2/198)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ أَوْ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ؛ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَلَغَ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حُجَّةٌ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ» ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُضَفْ قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ وَكَانُوا يَفْعَلُونَ، إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ، لَمْ يُفِدْ أَنَّهُ حَجَّةٌ، إِذِ الْحُجَّةُ فِي إِقْرَارِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي غَيْرِ عَهْدِهِ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ؛ فَحَكَاهُ هَذَا الرَّاوِي عَنْهُمْ، وَلَفْظُهُ - وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي اتِّفَاقَ جَمِيعِهِمْ عَلَيْهِ - غَيْرَ أَنَّهُ غَيْرُ قَاطِعٌ فِيهِ، بَلْ هُوَ مَظْنُونٌ؛ فَلِذَلِكَ سَاغَ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَوْلُهُ: كَانُوا يَفْعَلُونَ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَيْسَتْ هَذِهِ رُتْبَةٌ سَادِسَةٌ لِلَفْظِ الرَّاوِي؛ لِأَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ فِي الرُّتْبَةِ الْخَامِسَةِ الَّتِي تَكَلَّمْنَا فِيهَا آنِفًا، بَلْ هُوَ كَلَامٌ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا هَلْ تُفِيدُ الْإِجْمَاعَ أَمْ لَا؟
وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ وَالْحُجَّةُ أَعَمُّ مِنَ الْإِجْمَاعِ.
فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: كَانُوا يَفْعَلُونَ، إِنْ أُضِيفَ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ فَهُوَ حُجَّةٌ إِقْرَارِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يُضَفْ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ فَلَيْسَ حُجَّةً إِقْرَارِيَّةً.
وَهَلْ يَكُونُ حُجَّةً إِجْمَاعِيَّةً؟ فِيهِ خِلَافٌ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: كَانُوا يَفْعَلُونَ «لَا يُفِيدُ الْإِجْمَاعَ عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ» ، أَيْ: لَا يُفِيدُ إِضَافَةَ الْفِعْلِ الْمَحْكِيِّ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ مِنْ ذَلِكَ الْعَصْرِ، مَا لَمْ يُصَرَّحْ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَنْ أَهْلِهِ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، «وَهُوَ نَقْلٌ لَهُ» ، أَيْ: هَذَا اللَّفْظُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كَانُوا يَفْعَلُونَ نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ
(2/199)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ» .
قُلْتُ: يُشْبِهُ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، وَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُفِيدُ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَى الْجَمَاعَةِ ظَنًّا لَا قَطْعًا. صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ فِي صِيغَةِ: كُنَّا نَفْعَلُ، وَالصِّيغَتَانِ وَاحِدَةٌ. وَلِقَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ قُوَّةٌ وَظُهُورٌ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّاوِيَ؛ إِنَّمَا يَذْكُرُ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: «قَالَ» - يَعْنِي أَبَا الْخَطَّابِ -: «وَيُقْبَلُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: هَذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ، وَيُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ» ، هَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: قَبُولُ قَوْلِهِ: هَذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْإِخْبَارِ بِالنَّسْخِ نَصًّا جَازِمًا؛ فَيُحْمَلُ عَلَى عِلْمِهِ بِهِ، دَفْعًا لِلْكَذِبِ عَنْهُ، وَالْغِشِّ وَالتَّلْبِيسِ مِنْهُ عَلَى النَّاسِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: لَا يُقْبَلُ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِ ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْهُ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: إِنْ قَالَ: هَذَا الْخَبَرُ نَسَخَ ذَاكَ الْخَبَرَ، لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ قَالَ: هُوَ مَنْسُوخٌ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا؛ فَهُوَ قَاطِعٌ بِهِ. وَضَعَّفَ هَذَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ، قَائِمٌ؛ فَهُوَ يُفِيدُ النَّسْخَ ظَنًّا لَا قَطْعًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِ الْخَبَرِ إِلَى الصَّحَابِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا سَمِعَ، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّفْسِيرُ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ كَمَا فَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدِيثَ: الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. بِتَفَرُّقِ الْأَبْدَانِ، حَيْثُ كَانَ إِذَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى شَيْئًا،
(2/200)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَمْشِي خُطُوَاتٍ، لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ، وَحَدِيثِ: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ. بِصَوْمِهِ يَوْمَ الْغَيْمِ، وَرُبَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ: قَدْ بَانَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ أَنَّ لِأَلْفَاظِ الصَّحَابِيِّ خَمْسَ مَرَاتِبَ:
الْأُولَى: أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ حَدَّثَنِي، وَنَحْوَهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْوَاسِطَةِ بِاتِّفَاقٍ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا. وَهَاتَانِ مَحْمُولَتَانِ عَلَى عَدَمِ الْوَاسِطَةِ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا؛ فَهُوَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ.
الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: كُنَّا نَفْعَلُ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ. إِنْ أُضِيفَ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ فَهُوَ حُجَّةٌ إِقْرَارِيَّةٌ، وَإِلَّا فَلَا.
فَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقِيلَ: يُحْمَلُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَقِيلَ: لَا.
(2/201)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ (عَنْ) مَعْنَاهَا الْمُجَاوَزَةُ؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَاوَزَ الْقَوْلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ فَمَنْ رَجَّحَ تَحْسِينَ الظَّنِّ بِالصَّحَابِيِّ، حَمَلَهُ عَلَى السَّمَاعِ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى احْتِمَالِ قِيَامِ الْوَاسِطَةِ، وَرَجَّحَ جَانِبَ الِاحْتِيَاطِ، لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَيْهِ. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ؛ إِذَا قَالَ: عَنْ فُلَانٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِتَدْلِيسٍ، فَإِنْ عُرِفَ بِتَدْلِيسٍ؛ فَالْوَجْهَانِ أَيْضًا، لَكِنْ يَصِيرُ تَدْلِيسُهُ قَرِينَةً مُرَجِّحَةً لِعَدَمِ السَّمَاعِ، وَكَانَ قَتَادَةُ مُدَلِّسًا؛ فَكَانَ شُعْبَةُ يُرَاعِي لَفْظَهُ، فَإِنْ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا مَثَلًا كَتَبَ عَنْهُ، وَإِنْ قَالَ: عَنْ أَنَسٍ، لَمْ يَكْتُبْ.
انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى مَرَاتِبِ لَفْظِ الصَّحَابِيِّ.
(2/202)

أَمَّا غَيْرُ الصَّحَابِيِّ؛ فَلِكَيْفِيَّةِ رِوَايَتِهِ مَرَاتِبُ:
إِحْدَاهَا: سَمَاعُهُ قِرَاءَةَ الشَّيْخِ، فِي مَعْرِضِ إِخْبَارِهِ، لِيَرْوِيَ عَنْهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ، وَقَالَ، وَحَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْرَأَ هُوَ عَلَى الشَّيْخِ؛ فَيَقُولَ: نَعَمْ، أَوْ يَسْكُتَ؛ فَلَهُ الرِّوَايَةُ، لِظُهُورِ الصِّحَّةِ وَالْإِجَابَةِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ، إِلَّا مَعَ مُخَيَّلَةِ غَفْلَةٍ أَوْ إِكْرَاهٍ؛ فَلَا يَكْفِي السُّكُوتُ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنَا، وَحَدَّثَنَا فُلَانٌ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَبِدُونِ: قِرَاءَةٍ عَلَيْهِ، فِيهِ رِوَايَتَانِ: الْمَنْعُ، لِإِيهَامِ السَّمَاعِ فِي لَفْظِهِ، وَهُوَ كَذِبٌ. وَالْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّاهِدِ عَلَى مُقِرٍّ «بِنَعَمْ» : أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا وَكَذَا.
وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّاوِي إِبْدَالُ قَوْلِ الشَّيْخِ: أَخْبَرَنَا. «بِحَدَّثَنَا» ، أَوْ عَكْسُهُ، فِيهِ رِوَايَتَانِ: الْجَوَازُ، لِاتِّحَادِ الْمَعْنَى لُغَةً. وَالْمَنْعُ، لِاخْتِلَافِهِ اصْطِلَاحًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «أَمَّا غَيْرُ الصَّحَابِيِّ» ، يَعْنِي كَالتَّابِعِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ، «فَلِكَيْفِيَّةِ رِوَايَتِهِ مَرَاتِبُ: إِحْدَاهَا: سَمَاعُهُ قِرَاءَةَ الشَّيْخِ، فِي مَعْرِضِ إِخْبَارِهِ، لِيَرْوِيَ عَنْهُ» ، أَيْ: سَمَاعُ الرَّاوِي قِرَاءَةَ الشَّيْخِ لِلْحَدِيثِ، عَلَى جِهَةِ إِخْبَارِهِ لِلرَّاوِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَتِهِ، لِيَرْوِيَ الرَّاوِي عَنْهُ؛ فَلَهُ، أَيْ: فَلِلرَّاوِي أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَانًا، يَعْنِي شَيْخَهُ الْمَذْكُورَ، يَقُولُ: كَذَا، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ، وَحَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ جَمِيعَهَا صَادِقَةٌ عَلَى السَّمَاعِ لُغَةً، وَالسَّمَاعُ صَادِقٌ عَلَيْهَا.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْرَأَ هُوَ، يَعْنِي الرَّاوِيَ، عَلَى الشَّيْخِ؛ فَيَقُولَ الشَّيْخُ: نَعَمْ، أَوْ يَسْكُتَ؛ فَلَهُ الرِّوَايَةُ، عَنْهُ بِذَلِكَ، لِظُهُورِ الصِّحَّةِ وَالْإِجَابَةِ، أَيْ: لِأَنَّ قَوْلَ
(2/203)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّيْخِ: نَعَمْ، فِي سِيَاقِ قِرَاءَةِ الرَّاوِي عَلَيْهِ، ظَاهِرٌ فِي أَنَّ رِوَايَةَ الشَّيْخِ لِلْحَدِيثِ صَحِيحَةٌ، وَفِي أَنَّهُ أَجَابَ الرَّاوِي إِلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ «خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ» .
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، أَنَّ خِلَافَهُمْ فِيمَا إِذَا سَكَتَ الشَّيْخُ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ، وَلَمْ يُنْكِرْ، بِإِشَارَةٍ وَلَا عِبَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي دَلِيلِهِ: وَلَنَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لَمْ يَسْكُتْ؛ فَحَصَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ بِحَالَةِ السُّكُوتِ. وَإِنْكَارُ الرِّوَايَةِ مَعَ السُّكُوتِ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَيْضًا، وَكَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ السَّاكِتَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلٌ، وَإِلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَدَمُ الْكَلَامِ؛ فَلَا يُفِيدُ ثُبُوتَ الرِّوَايَةِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ السَّاكِتَ مَعَ الْقَرِينَةِ كَالنَّاطِقِ، وَلِهَذَا كَانَ إِقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْهِ حُجَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ السُّكُوتِ مَعَ قَرِينَةِ الرِّضَى. وَسُكُوتُ الشَّيْخِ فِي مَعْرِضِ قِرَاءَةِ الرَّاوِي عَلَيْهِ، يُفِيدُ الْإِخْبَارَ وَالْإِذْنَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَإِلَّا كَانَ تَلْبِيسًا فِي الدِّينِ، وَهُوَ فِسْقٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
فَأَمَّا إِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ؛ فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ قَالَ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ بِكَذَا؛ فَقَالَ: نَعَمْ؛ فَلَا يَتَّجِهُ فِيهِ خِلَافٌ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ سَمِعَ الرَّاوِي قِرَاءَةَ الشَّيْخِ يُحَدِّثُهُ.
قَوْلُهُ: «إِلَّا مَعَ مُخَيَّلَةِ غَفْلَةٍ، أَوْ إِكْرَاهٍ؛ فَلَا يَكْفِي السُّكُوتُ» ، يَعْنِي سُكُوتَ الشَّيْخِ فِيمَا إِذَا قَرَأَ الرَّاوِي عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ مَعَ تَنَبُّهِهِ فَهُوَ كَافٍ فِي الرِّوَايَةِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةُ غَفْلَةٍ مِنَ الشَّيْخِ، أَوْ إِكْرَاهٌ لَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ، أَوْ أَمْرٌ يُحِيلُ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ كَافِيًا فِي الرِّوَايَةِ، كَمَا سَبَقَ فِي إِقْرَارِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِنْ كَانَ مَعَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ
(2/204)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى الْإِنْكَارِ، كَانَ حُجَّةً، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ لَهُ» ، أَيْ: لِلرَّاوِي «أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ» ، وَ «حَدَّثَنَا فُلَانٌ قِرَاءَةً عَلَيْهِ» ؛ لِأَنَّهُ حَكَى حَالَهُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ صَادِقٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ مُطَابِقٌ. وَبِدُونِ: «قِرَاءَةً عَلَيْهِ» ، أَيْ: إِذَا قَالَ الرَّاوِي فِيمَا قَرَأَهُ عَلَى الشَّيْخِ وَهُوَ سَاكِتٌ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ بِكَذَا، وَلَمْ يَقُلْ: «قِرَاءَةً عَلَيْهِ» ؛ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ السَّمَاعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَهُوَ كَذِبٌ فِي الرِّوَايَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، أَيْ: سُكُوتُ الشَّيْخِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الرَّاوِي عَلَيْهِ، هُوَ فِي مَعْنَى سَمَاعِ الرَّاوِي مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ؛ فَاقْتِصَارُهُ عَلَى أَخْبَرَنَا لَا يَكُونُ كَذِبًا فِي الْحَقِيقَةِ.
قَوْلُهُ: «وَهَذَا كَقَوْلِ الشَّاهِدِ عَلَى مُقِرٍّ بِـ نَعَمْ: أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا وَكَذَا» . هَذَا تَقْوِيَةٌ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ قِيلَ لَهُ: أَلِفُلَانٍ عَلَيْكَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ لِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، مَعَ أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إِلَّا قَوْلُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ: نَعَمْ؛ فَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا أَيْسَرُ مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ نَعَمْ حَرْفُ تَقْرِيرٍ لِمَا قَبْلَهُ؛ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ؛ فَقَوْلُ الشَّيْخِ: نَعَمْ، تَقْدِيرُهُ: نَعَمْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا. وَقَوْلُ الْمُقِرِّ: نَعَمْ، تَقْدِيرُهُ: نَعَمْ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ؛ فَالْجُمْلَةُ مُرَادَةٌ فِي الْحُكْمِ وَالتَّقْدِيرِ، لَكِنَّهَا حُذِفَتْ، لِظُهُورِهَا بِقَرِينَةِ الْحَالِ عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي الِاخْتِصَارِ.
قَوْلُهُ: «وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّاوِي إِبْدَالُ قَوْلِ الشَّيْخِ: أَخْبَرَنَا، بِحَدَّثَنَا أَوْ عَكْسُهُ» ، يَعْنِي:
(2/205)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِبْدَالَ قَوْلِهِ حَدَّثَنَا بِأَخْبَرَنَا، يَعْنِي إِذَا قَالَ الشَّيْخُ الْمُسْمِعُ مَثَلًا: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ بِحَدِيثِ كَذَا؛ فَهَلْ لِلرَّاوِي أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي شَيْخُنَا فُلَانٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِحَدِيثِ كَذَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الْجَوَازُ، لِاتِّحَادِ الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ، إِذْ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَخْبَرَنَا، وَحَدَّثَنَا، وَأَنْبَأَنَا؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَبَرِ، وَالْحَدِيثِ، وَالنَّبَأِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ لَهُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، لِاخْتِلَافِ مُقْتَضَى اللَّفْظَيْنِ اصْطِلَاحًا، أَيْ: فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ؛ فَإِنَّهُمْ يَخُصُّونَ لَفْظَ حَدَّثَنَا بِمَا سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَ
(2/206)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَخْبَرَنَا يَصْلُحُ عِنْدَهُمْ لِذَلِكَ، وَلَمَّا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ؛ فَأَقَرَّ بِهِ؛ فَالْإِخْبَارُ أَعَمُّ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَأَنْبَأَنَا يُطْلِقُهَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَهَا بِمَعْنَى أَخْبَرَنَا أَوْ حَدَّثَنَا، وَالِاصْطِلَاحُ فِي كُلِّ لَفْظٍ يَقْضِي عَلَى وَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةً عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، تَقْدِيمًا لِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِ عَلَى وَضْعِ اللُّغَةِ.
(2/207)

الثَّالِثَةُ: الْإِجَازَةُ، نَحْوَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ، أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي. وَالْمُنَاوَلَةُ، نَحْوَ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ فَارْوِهِ عَنِّي، وَيَكْفِي مُجَرَّدُ اللَّفْظِ دُونَ الْمُنَاوَلَةِ. فَيَقُولُ فِيهِمَا: حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي إِجَازَةً، فَإِنْ لَمْ يَقُلْهَا؛ فَقَدْ أَجَازَهُ قَوْمٌ، وَهُوَ فَاسِدٌ، لِإِشْعَارِهِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، وَهُوَ كَذِبٌ. وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ الرِّوَايَةَ بِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذِ الْغَرَضُ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْخَبَرِ، لَا عَيْنَ الطَّرِيقِ.
وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ: هُوَ سَمَاعِي، وَلَمْ يَقُلْ: ارْوِهِ عَنِّي. لَمْ تَجُزْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا؛ فَلَا يَشْهَدْ بِهَا؛ لِجَوَازِ مَعْرِفَتِهِ بِخَلَلٍ مَانِعٍ، وَقَدْ يَتَسَاهَلُ الْإِنْسَانُ فِي الْكَلَامِ، وَعِنْدَ الْجَزْمِ بِهِ يَتَوَقَّفُ.
وَلَا يَرْوِي عَنْهُ مَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ، لَكِنْ يَقُولُ: وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ كَذَا، وَتُسَمَّى الْوِجَادَةَ. أَمَّا إِنْ قَالَ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَنَحْوِهِ، لَمْ تَجُزْ رِوَايَتُهَا عَنْهُ مُطْلَقًا، وَلَا الْعَمَلُ بِهَا، إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، إِذْ فَرْضُهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا؛ فَقَوْلَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَرْتَبَةُ «الثَّالِثَةُ: الْإِجَازَةُ، نَحْوَ» قَوْلِ الشَّيْخِ لِلرَّاوِي: «أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ، أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي» .
«وَالْمُنَاوَلَةُ: نَحْوَ» قَوْلِهِ: «خُذْ هَذَا الْكِتَابَ؛ فَارْوِهِ عَنِّي» ؛ فَهَذَا مِنْ طُرُقِ الرِّوَايَةِ، وَمِمَّا يَجُوزُ بِهِ.
قَوْلُهُ: «وَيَكْفِي» - يَعْنِي فِي الْمُنَاوَلَةِ - «مُجَرَّدُ اللَّفْظِ، دُونَ الْمُنَاوَلَةِ» ، أَيْ: دُونَ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْكِتَابَ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ اللَّفْظِ، لَا مِنْ إِعْطَاءِ الْكِتَابِ،
(2/208)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى إِعْطَائِهِ الْكِتَابَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: ارْوِهِ عَنِّي، لَمْ تَجُزِ الرِّوَايَةُ، وَإِنَّمَا جَازَتْ بِلَفْظِ الْإِذْنِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ بِهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا مُنَاوَلَةً؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمْ يُنَاوِلُ الْآخَرَ كِتَابًا؛ فَيَقُولُ: ارْوِهِ عَنِّي، عَادَةً وَاتِّفَاقًا، لَا اشْتِرَاطًا لِإِعْطَاءِ الْكِتَابِ فِي الْمُنَاوَلَةِ، وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْمُنَاوَلَةُ نَوْعَ إِجَازَةٍ.
قَوْلُهُ: «فَيَقُولُ فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ، يَقُولُ الرَّاوِي: حَدَّثَنِي فُلَانٌ إِجَازَةً، أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ إِجَازَةً «فَإِنْ لَمْ يَقُلْهَا» ، أَيْ: إِنْ لَمْ يَقُلْ إِجَازَةً، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي، «فَقَدْ أَجَازَهُ قَوْمٌ» ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ وَالْمُنَاوَلَةَ فِي مَعْنَى إِسْمَاعِ الشَّيْخِ، وَقِرَاءَةِ الرَّاوِي عَلَيْهِ، «وَهُوَ» ، أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ، «فَاسِدٌ» ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ، يُشْعِرُ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ، وَهُوَ كَذِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: «وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ الرِّوَايَةَ بِهِمَا» ، أَيْ: بِالْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ، «وَفِيهِ» ، أَيْ: فِيمَا قَالَاهُ، «نَظَرٌ» ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الرِّوَايَةِ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْخَبَرِ، لَا عَيْنِ طَرِيقِهِ الَّتِي هُوَ ثَابِتٌ بِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَرِيقَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّاوِي: حَدَّثَنَا فُلَانٌ، عَنْ فُلَانٍ، إِلَى آخِرِ السَّنَدِ، إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَةُ صِحَّتِهِ مَقْصِدٌ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمَقَاصِدَ إِذَا حَصَلَتْ بِدُونِ الْوَسَائِلِ، سَقَطَتْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا، وَمَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْخَبَرِ حَاصِلَةٌ بِالْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ عَدْلٌ جَازِمٌ بِالْإِذْنِ فِي الرِّوَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا أَذِنَ إِلَّا فِيمَا هُوَ عَالِمٌ بِصِحَّتِهِ وَرِوَايَتِهِ لَهُ.
وَقَدْ صَنَّفَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ جُزْءًا فِي الْإِجَازَةِ لِلْمَعْدُومِ وَذَكَرَ حُجَجَهُ وَأَقْوَالَ
(2/209)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّاسِ فِيهِ؛ فَالْإِجَازَةُ لِلْمَوْجُودِ أَوْلَى.
فَائِدَةٌ: جَرَتْ عَادَةُ الْمُسْتَجِيزِينَ فِي إِجَازَاتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: الْمَسُئُولُ مِنْ إِنْعَامِ الْمَشَايِخِ، أَنْ يُجِيزُوا لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ مِنْ مَسْمُوعَاتِهِمْ، إِلَى آخِرِ الْإِجَازَةِ. فَالضَّمِيرُ فِي عِنْدَهُمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنَّهُ لِلْمَشَايِخِ، أَوْ لِلْجَمَاعَةِ الْمُسْتَجِيزِينَ، وَهُوَ لَهُمْ دُونَ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ الْمَشَايِخَ قَدْ صَحَّ عِنْدَهُمْ مَا أَجَازُوهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: مَا صَحَّ عِنْدَ الْمُسْتَجِيزِينَ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْمَشَايِخِ، جَازَ لَهُمْ أَنْ يَرْوُوهُ. وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا بِقَوْلِي: «أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي» .
قَوْلُهُ: «وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ: هُوَ سَمَاعِي، وَلَمْ يَقُلْ: ارْوِهِ عَنِّي، لَمْ تَجُزْ رِوَايَتُهُ» ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ جَوَازَ الرِّوَايَةِ، إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْإِذْنِ فِيهَا، وَهُوَ مَفْقُودٌ هَهُنَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ أَخْذَ الْكِتَابِ، أَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمَاعُهُ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا، وَلَمْ يُقَلْ لَهُ: اشْهَدْ بِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِهَا مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ.
قَوْلُهُ: «لِجَوَازِ مَعْرِفَتِهِ بِخَلَلٍ مَانِعٍ» . هَذَا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَيْ: لَا يَرْوِي عَنْهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، لِجَوَازِ مَعْرِفَةِ الشَّيْخِ فِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ بِخَلَلٍ مَانِعٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَتَسَاهَلُ الْإِنْسَانُ فِي الْكَلَامِ» . هُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ عَلِمَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ خَلَلًا، لَمَا قَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ هُوَ سَمَاعِي؛ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ
(2/210)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِلسَّامِعِ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ غِشًّا فِي الدِّينِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي الْكَلَامِ، وَعِنْدَ الْعَمَلِ وَالْجَزْمِ وَالتَّحْقِيقِ يَتَوَقَّفُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ لِيَسْتَفِيدَ بِهِ نَظَرًا، أَوْ هُوَ سَمَاعِي، تَرْغِيبًا لَهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ لِذَلِكَ الْكِتَابِ بِعَيْنِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَحَقَّقَ حَالَ رِوَايَتِهِ لَهُ فِيمَا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَرْوِي عَنْهُ» ، أَيْ: عَنْ شَيْخِهِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، «مَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ» ، أَيْ: بِخَطِّ الشَّيْخِ، بِأَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنَا أَوْ حَدَّثَنَا؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، لَكِنَّهُ يَقُولُ: وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، «وَتُسَمَّى الْوِجَادَةَ» ، وَهِيَ فِعَالَةٌ، مِنْ وَجَدَ الشَّيْءَ يَجِدُهُ وِجْدَانًا: إِذَا صَادَفَهُ، وَلَقِيَهُ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا إِنْ قَالَ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ» ، إِلَى آخِرِهِ.
أَيْ: إِنْ قَالَ الْعَدْلُ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ، أَوْ مُسْلِمٍ، أَوِ التِّرْمِذِيِّ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ دَوَاوِينِ السُّنَّةِ، وَلَمْ يَقُلِ: ارْوِهَا عَنِّي، لَمْ يَجُزْ لِلسَّامِعِ رِوَايَتُهَا عَنْهُ مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا، أَوْ مُقَلِّدًا، لِعَدَمِ الْإِذْنِ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ.
فَأَمَّا الْعَمَلُ، فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، لَمْ يُجِزْ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ تَقْلِيدَ الْمُجْتَهِدِ، لِقُصُورِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ مَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا؛ فَفِيهِ
(2/211)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ، لِعَدَمِ سَمَاعِهِ لَهُ.
وَالثَّانِي: لَهُ الْعَمَلُ بِهِ، وَيَلْزَمُهُ فِيمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ؛ إِمَّا مِنْ جِهَةِ ضَعْفِهِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْخَطَأِ فِي دَلَالَتِهِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ هَهُنَا.
أَمَّا الضَّعْفُ فَقَدِ انْتَفَى بِقَوْلِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ: هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَأَمَّا الْخَطَأُ فِي الدَّلَالَةِ فَمُنْتَفٍ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ عَارِفٌ بِتَنْزِيلِ الْأَدِلَّةِ مَنَازِلَهَا، وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ كُتُبَ الْأَحْكَامِ، كَصُحُفِ الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا إِلَى الْبِلَادِ؛ فَكَانَ النَّاسُ يَعْمَلُونَ بِمَا فِيهَا، اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِهِمْ لِمَضْمُونِهَا، وَشَهَادَةِ حَامِلِهَا بِصِحَّتِهَا عَنْ أَمْرِ الشَّرْعِ.
(2/212)

وَلَا يَرْوِي عَنْ شَيْخِهِ مَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، إِذْ هُوَ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ شَاعَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ فِي مَسْمُوعَاتِهِ، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، لَمْ يَرْوِ شَيْئًا مِنْهَا، لِجَوَازِ كَوْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كُلًّا مِنْهَا، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ؛ فَفِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ خِلَافٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَلَا يَرْوِي عَنْ شَيْخِهِ مَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ» ، يَعْنِي: الرَّاوِي إِذَا شَكَّ، هَلْ سَمِعَ هَذَا الْكِتَابَ أَوِ الْحَدِيثَ مِنْ شَيْخِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ مَعَ الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْجَزْمِ وَالْعِلْمِ؛ فَلَوْ شَاعَ الْحَدِيثُ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ فِي مَسْمُوعَاتِ الرَّاوِي، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، فَلَمْ يَعْلَمْ: هَلْ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ أَوْ هَذَا؟ أَوْ هَلْ هُوَ هَذَا الْكِتَابُ أَوْ هَذَا؟ لَمْ يَرْوِ شَيْئًا مِنْ مَسْمُوعَاتِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَوِ الْكُتُبِ الَّتِي هِيَ سَمَاعُهُ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَةَ شَهَادَةٌ، وَهِيَ تَعْتَمِدُ الْعِلْمَ لَا الشَّكَّ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ. مَا إِذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، أَوِ الْمَيِّتَةُ بِالْمُذَكَّاةِ، لَزِمَهُ اجْتِنَابُ الْجَمِيعِ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ؛ فَفِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ خِلَافٌ» ، هَذِهِ مَسْأَلَتَانِ:
(2/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِحْدَاهُمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، وَهِيَ مَا إِذَا شَاعَ الْحَدِيثُ أَوِ الْكِتَابُ الْمَشْكُوكُ فِي سَمَاعِهِ فِي بَقِيَّةِ مَسْمُوعَاتِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُ، لَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، هَذَا أَوْ هَذَا أَوْ هَذَا؛ فَفِي جَوَازِ رِوَايَتِهِ قَوْلَانِ لِلنَّاسِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّنِّ، وَهُوَ مَنَاطُ الْعَمَلِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَسْمُوعٌ لَهُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْهُ؛ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ.
(2/214)

وَإِنْكَارُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ. لَنَا: عَدْلٌ جَازِمٌ؛ فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، وَيُحْمَلُ إِنْكَارُ الشَّيْخِ عَلَى نِسْيَانِهِ، جَمْعًا بَيْنَهُمَا، وَقَدْ رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» . ثُمَّ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ؛ فَكَانَ بَعْدُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ، عَنِّي، أَنِّي حَدَّثْتُهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ. قَالُوا: هُوَ فَرْعٌ لِشَيْخِهِ فِي الْإِثْبَاتِ؛ فَكَذَا فِي النَّفْيِ. وَكَالشَّهَادَةِ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا، وَبَابُ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ؛ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَإِنْكَارُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ لَهُ» ، إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ أَنْ إِنْكَارَ الْأَصْلِ لِرِوَايَةِ الْفَرْعِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَزْمِ بِالْإِنْكَارِ، أَوْ مَعَ التَّرَدُّدِ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَزْمِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ لِلْفَرْعِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ لِلْفَرْعِ؛ فَحَكَى الْآمِدِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُكَذِّبُ الْآخَرَ؛ فَأَحَدُهُمَا كَاذِبٌ، لَا بِعَيْنِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارَ تَكْذِيبٍ، أَوْ كَانَ إِنْكَارُ الْأَصْلِ غَيْرَ جَازِمٍ، بَلْ كَانَ شَاكًّا فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ؛ فَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فِيهَا، وَيَجِبُ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ عِنْدَنَا، وَ «هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ» ؛ فَقَالُوا: لَا يُقْبَلُ. هَكَذَا يَحْكِي بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ الْخِلَافَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَذْهَبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، لِرَدِّهِمْ حَدِيثَ رَبِيعَةَ
(2/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَالْمَذْكُورُ فِي «الرَّوْضَةِ» وَ «الْمُنْتَهَى» ، وَ «التَّنْقِيحِ» أَنَّ الْخِلَافَ مَعَ الْكَرْخِيِّ مِنْهُمْ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ: إِذَا شَكَّ الْأَصْلُ فِي الْحَدِيثِ، لَا يَضُرُّ ذَلِكَ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: عَدْلٌ جَازِمٌ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْفَرْعَ عَدْلٌ جَازِمٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْأَصْلِ؛ فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ عَنْهُ. وَأَمَّا إِنْكَارُ الشَّيْخِ لِلرِّوَايَةِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى نِسْيَانِهِ، أَيْ: عَلَى أَنَّهُ نَسِيَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ جَمْعًا بَيْنَهُمَا أَيْ: بَيْنَ جَزْمِ الْفَرْعِ بِالرِّوَايَةِ، وَإِنْكَارِ الشَّيْخِ لَهَا.
وَقَدْ رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، ثُمَّ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ،
(2/216)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي، أَنِّي حَدَّثْتُهُ عَنْ أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.
فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّ سُهَيْلًا تَذَكَّرَ الْحَدِيثَ بِرِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْهُ، وَمُرَاجَعَتِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَتَخْرُجُ قِصَّتُهُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
قُلْنَا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَا رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْهُ، بَلْ كَانَ يَرْوِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالنِّسْيَانُ مُتَسَلِّطٌ عَلَى الْإِنْسَانِ؛ فَيُحْمَلُ الْحَالُ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ جُزْءًا فِيمَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ، لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ، أَيْ: قَالُوا: الْفَرْعُ تَبَعٌ لِشَيْخِهِ فِي إِثْبَاتِ الْحَدِيثِ، بِحَيْثُ إِذَا أَثْبَتَ الشَّيْخُ الْحَدِيثَ، ثَبَتَ بِرِوَايَةِ الْفَرْعِ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا عَلَيْهِ، وَتَبَعًا لَهُ فِي النَّفْيِ، بِحَيْثُ إِذَا نَفَاهُ الشَّيْخُ، تَنْتَفِي رِوَايَةُ الْفَرْعِ لَهُ، وَكَالشَّهَادَةِ، فَإِنَّ شَاهِدَ الْأَصْلِ إِذَا أَنْكَرَ الشَّهَادَةَ، أَوْ تَرَدَّدَ فِيهَا، بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا، وَبَابُ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ؛ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ» . هَذَا جَوَابُ دَلِيلِهِمْ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُ فَرْعٌ عَلَى الشَّيْخِ فِي النَّفْيِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِثْبَاتِ، مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا، مِنْ أَنَّهُ عَدْلٌ جَازِمٌ بِالرِّوَايَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ رِوَايَتِهِ، وَإِنْكَارِ الشَّيْخِ، مُمْكِنٌ بِمَا سَبَقَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فَرْعًا فِي الْإِثْبَاتِ، أَنْ يَكُونَ فَرْعًا فِي النَّفْيِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَا تُسْمَعُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ، وَالرِّوَايَةُ
(2/217)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَبَيْنَ الْبَابَيْنِ فُرُوقٌ كَثِيرَةٌ، وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ اسْتِوَاءُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا الْقِيَاسُ.
(2/218)

وَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ بِخَطٍّ يَثِقُ بِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ، جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ السَّمَاعَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، كَالشَّهَادَةِ.
وَلَنَا: أَنَّ مَبْنَى الرِّوَايَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَدْ وُجِدَ، وَلِهَذَا اعْتَمَدَ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى كُتُبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا فِي أَقْطَارِ الْبِلَادِ. وَالْقِيَاسُ عَلَى الشَّهَادَةِ مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ مَمْنُوعٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ بِخَطٍّ يَثِقُ بِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ، جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ السَّمَاعَ» ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَالَةَ السَّمَاعِ؛ فَيَرْوِي اعْتِمَادًا عَلَى وُثُوقِهِ بِالْخَطِّ وَظَنِّهِ السَّمَاعَ، «وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ» ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ، قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ.
«وَلَنَا» عَلَى الْجَوَازِ: «أَنَّ مَبْنَى الرِّوَايَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ» ، إِذِ الْقَطْعُ لَيْسَ مُعْتَبَرًا فِي الْفُرُوعِ، «وَقَدْ وُجِدَ» الظَّنُّ؛ فَيَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ وَالْعَمَلِ «وَلِهَذَا اعْتَمَدَ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى كُتُبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا فِي أَقْطَارِ الْبِلَادِ» مَعَ أَنَّهَا لَا تُحَصِّلُ إِلَّا الظَّنَّ، وَقِيَاسُ الرِّوَايَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ مُمْتَنِعٌ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفُرُوقِ وَالسِّعَةِ وَالضِّيقِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ قِيَاسِ الرِّوَايَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، لَكِنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّهَادَةِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ لَنَا فِي الشَّاهِدِ يَجِدُ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ، أَوِ الْحَاكِمِ يَجِدُ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ، مُتَيَقِّنًا أَنَّهُ خَطَّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَالَ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ أَقْوَالَ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ فَارَقَ خَطُّهُ حِرْزَهُ، لَمْ يَشْهَدْ، وَلَمْ يَحْكُمْ، وَإِلَّا شَهِدَ، وَحَكَمَ؛ فَنَحْنُ نَمْنَعُ الْحُكْمَ فِي الشَّهَادَةِ مَنْعًا مُطْلَقًا أَوْ مُفَصَّلًا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/219)

التَّاسِعَةُ: الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ الْمُنْفَرِدِ بِهَا مَقْبُولَةٌ، لَفْظِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً، كَالْحَدِيثِ التَّامِّ وَأَوْلَى. وَلِإِمْكَانِ انْفِرَادِهِ، بِأَنْ يَكُونَ عَرَضَ لِرَاوِي النَّاقِصِ شَاغِلٌ، أَوْ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ، أَوْ ذُكِرَتِ الزِّيَادَةُ فِي أَحَدِ الْمَجْلِسَيْنِ، فَإِنْ عُلِمَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، ثُمَّ الْأَحْفَظِ، وَالْأَضْبَطِ، ثُمَّ الْمُثْبِتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي رِوَايَتَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «التَّاسِعَةُ: الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ الْمُنْفَرِدِ بِهَا مَقْبُولَةٌ، لَفْظِيَّةً كَانَتْ» ، كَقَوْلِهِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّ الْوَاوَ زِيَادَةٌ فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْمَعْنَى، أَوْ مَعْنَوِيَّةً، أَيْ: تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، فَإِنَّ الْأَكْثَرِينَ لَمْ يَذْكُرُوا: وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ.
(2/220)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلَهُ: «كَالْحَدِيثِ التَّامِّ وَأَوْلَى» . هَذَا دَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْقِيَاسُ عَلَى قَبُولِ الْحَدِيثِ التَّامِّ إِذَا انْفَرَدَ بِهِ الثِّقَةُ؛ فَالزِّيَادَةُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، بَلْ تَابِعَةٌ لِغَيْرِهَا، وَإِذَا قُبِلَ الْحَدِيثُ الْمُسْتَقِلُّ مِمَّنِ انْفَرَدَ بِهِ؛ فَغَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ انْفِرَادَ الثِّقَةِ بِالزِّيَادَةِ مُمْكِنٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الثِّقَةُ، وَجَبَ قَبُولُهُ.
وَلِتَوْجِيهِ إِمْكَانِ انْفِرَادِهِ بِالزِّيَادَةِ طُرُقٌ:
مِنْهَا: أَنْ يَعْرِضَ لِرَاوِي النَّاقِصِ شَاغِلٌ عَنْ سَمَاعِ الزِّيَادَةِ، مِثْلَ أَنْ بَلَغَهُ خَبَرٌ مُزْعِجٌ، أَوْ عَرَضَ لَهُ أَلَمٌ، أَوْ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ دَابَّةٌ عَلَى بَابِ الْمَجْلِسِ؛ فَشَرَدَتْ؛ فَرَاحَ يَتْبَعُهَا؛ فَانْفَرَدَ غَيْرُهُ بِالزِّيَادَةِ، كَمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ؛ فَأَتَى نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ؛ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ، قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
(2/221)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ عِمْرَانُ: ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ؛ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ؛ فَقَدْ ذَهَبَتْ؛ فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَتَقَطَّعُ دُونَهَا، وَايْمُ اللَّهِ، لَوَدِدْتُ أَنَّهَا ذَهَبَتْ، وَلَمْ أَقُمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّ رَاوِيَ النَّاقِصِ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ وَقَدْ فَاتَهُ بَعْضُهُ؛ فَرَوَاهُ مَنْ سَمِعَهُ دُونَهُ، كَمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ؛ فَجَاءَتْ نَوْبَتِي أَرْعَاهَا؛ فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ؛ فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ؛ فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ؛ فَيُحْسِنُ وَضَوْءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ؛ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ؛ فَقُلْتُ: مَا أَجَوَدَ هَذَا، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ؛ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. . . الْحَدِيثَ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي مَجْلِسَيْنِ، وَفِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ، وَلَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ، وَهَذَا كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَيْثُ رَوَى حَدِيثَ الَّذِي يُمَنِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ؛ فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الْأَمَانِيُّ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ؛ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ يَسْمَعُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ؛ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَمْ أَسْمَعْ إِلَّا وَمِثْلَهُ
(2/222)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَعَهُ؛ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ؛ فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِاللَّفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، بِوَحْيٍ، أَوْ إِلْهَامٍ؛ فَسَمِعَ أَبُو سَعِيدٍ: وَمِثْلَهُ مَعَهُ وَشُغِلَ بِعَارِضٍ عَنْ سَمَاعِ: وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ؛ فَسَمِعَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ، غَابَ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ أَحَدِهِمَا. هَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَفِيهَا: ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حَدِّثْ بِمَا سَمِعْتَ، وَأُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْتُ. وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: لَكَ هَذَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، كَرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَعَلَّهُ لَمَّا ذَكَرَهُ، تَذَكَّرَ؛ فَوَافَقَ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ
(2/223)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ابْنِ خَدِيجٍ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْمُزَارَعَةِ - إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَدِ اقْتَتَلَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ؛ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ؛ فَسَمِعَ - يَعْنِي رَافِعًا - قَوْلَهُ: لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ. يَعْنِي: وَلَمْ يَسْمَعِ الشَّرْطَ.
فَإِنْ عُلِمَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، أَيْ: أَنَّ مَجْلِسَ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ، وَوَقَعَتِ الزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، سَوَاءٌ كَانُوا رُوَاةَ الزِّيَادَةِ أَوْ غَيْرَهُمْ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ عَنْهَا أَبْعَدُ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْكَثْرَةِ - أَعْنِيَ رُوَاةَ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ - قُدِّمَ الْأَحْفَظُ وَالْأَضْبَطُ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ وَالضَّبْطَ مِمَّا يَصْلُحُ التَّرْجِيحُ بِهِمَا، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْكَثْرَةِ وَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ، مِثْلَ أَنْ كَانُوا عَشْرَةً؛ فَرَوَى الزِّيَادَةَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الْبَاقُونَ، أَوْ نَفَوْهَا، قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي تَقْدِيمِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي رِوَايَتَانِ، أَيْ: إِذَا تَسَاوَوْا فِي الْكَثْرَةِ وَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ؛ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ قَوْلُ الْمُثْبِتِ، لِإِخْبَارِهِ بِزِيَادَةِ عِلْمٍ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ النَّافِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ.
قُلْتُ: الزِّيَادَةُ إِمَّا أَنْ تُنَافِي الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، أَوْ لَا تُنَافِيهِ، فَإِنْ نَافَتْهُ، احْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيحِ، لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
(2/224)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ، مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ ; فَهُوَ عَتِيقٌ، وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ. مَعَ مَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. فَإِنَّ زِيَادَةَ الِاسْتِسْعَاءِ تُنَافِي قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ. وَهَكَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ، بَعْضُهُمْ يَنْفِي الِاسْتِسْعَاءَ، وَبَعْضُهُمْ يُثْبِتُهُ.
(2/225)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِنْ لَمْ تُنَافِ الزِّيَادَةُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّرْجِيحِ بَلْ يَعْمَلُ بِالزِّيَادَةِ إِذَا ثَبَتَتْ، كَمَا فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ. وَكَقَوْلِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ ; فَرَضَخَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. رَوَاهُ بَعْضُهُمْ هَكَذَا مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ ; فَاعْتَرَفَ ; فَرَضَخَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأْسَهُ. وَهِيَ رِوَايَةُ «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
فَائِدَةٌ: قَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْحَدِيثِ رَافِعَةً لِلْإِشْكَالِ، مُزِيلَةً لِلْإِجْمَالِ وَالِاحْتِمَالِ، وَقَدْ تَكُونُ دَالَّةً عَلَى إِرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، لَا عَلَى خُصُوصِيَّةِ الزِّيَادَةِ أَوْ ضِدِّهَا.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ. فَاحْتَمَلَ هَذَا اللَّفْظُ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ، أَيْ: يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِقُوَّتِهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الضَّيْمَ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَا تَنْجُسُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ، أَيْ: يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ لِضَعْفِهِ، كَمَا يُقَالُ: الْمَرِيضُ لَا يَحْمِلُ الْحَرَكَةَ وَالضَّرْبَ ; فَجَاءَ فِي لَفْظِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ: إِذَا
(2/226)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ ; فَكَانَ هَذَا رَافِعًا لِذَلِكَ الْإِجْمَالِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْوُلُوغِ: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ ; فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ. وَفِي لَفْظٍ: أُولَاهُنَّ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: آخِرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ. فَالتَّقْيِيدُ بِالْأُولَى وَالْأُخْرَى تَضَادٌّ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ فِيهِ ; فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى إِرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ غُسْلٌ وَاحِدٌ بِتُرَابِ أَيَّتِهِنَّ كَانَتْ.
وَقَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ دَالَّةً عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ، تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِي الْحَدِيثِ، وَاعْتِبَارِهِ بِقَوَانِينِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/227)

الْعَاشِرَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ، وَخَالَفَ قَوْمٌ، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِنَصِّهِ أَوْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ، لِجَوَازِ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ صَحَابِيٍّ.
لَنَا: إِجْمَاعُهُمْ عَلَى قَبُولِ أَحَادِيثِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِي بِوَاسِطَةِ بَعْضٍ، كَحَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: مَا كُلُّ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَكْذِبُ. وَالصَّحَابِيُّ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ، أَوْ مَعْلُومِ الْعَدَالَةِ غَيْرِهِ ; فَلَا مَحْذُورَ.
أَمَّا مُرْسَلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ، كَقَوْلِ مَنْ لَمْ يُعَاصِرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ لَمْ يُعَاصِرْ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ; فَفِيهِ قَوْلَانِ: الْقَبُولُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَالْمَنْعُ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ.
وَالْخِلَافُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ، إِذِ السَّاقِطُ مِنَ السَّنَدِ مَجْهُولٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الْعَاشِرَةُ: الْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ» ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِوَاسِطَةِ رَاوٍ آخَرَ لَمْ يُسَمِّهِ، «وَخَالَفَ قَوْمٌ» ; فَقَالُوا: لَا يُقْبَلُ «إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِنَصِّهِ أَوْ عَادَتِهِ، أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنِ صَحَابِيٍّ» ، أَمَّا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُ، لَمْ يُقْبَلْ مَا أَرْسَلَهُ، لِجَوَازِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ غَيْرِ صَحَابِيٍّ.
«لَنَا» عَلَى قَبُولِهِ مُطْلَقًا: «إِجْمَاعُهُمْ عَلَى قَبُولِ أَحَادِيثِهِمْ» ، أَيْ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَلَى قَبُولِ بَعْضِهِمْ حَدِيثَ بَعْضٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِي بِوَاسِطَةِ بَعْضٍ، كَحَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقَيْنِ فِي مَرَاتِبِ أَلْفَاظِ الصَّحَابِيِّ، وَهُوَ حَدِيثُ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ. حَيْثُ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ. حَيْثُ رَوَاهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
(2/228)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَالَ الْبَرَاءُ: مَا كُلُّ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَكْذِبُ. يَعْنِي بَلْ بَعْضُنَا يَرْوِي بِوَاسِطَةِ بَعْضٍ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْعَدَالَةِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ عَنْ مَعْلُومِ الْعَدَالَةِ غَيْرِ صَحَابِيٍّ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَحْوَطُ لِلدِّينِ مِنْ أَنْ يَرْوُوا أَحْكَامَهُ عَمَّنْ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ لَا مَحْذُورَ فِي مَرَاسِيلِهِمْ ; لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ عَدْلٌ بِكُلِّ حَالٍ. هَذِهِ أَدِلَّةُ «الْمُخْتَصَرِ» فِي الْمَسْأَلَةِ:
وَهُنَا دَلِيلَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي «الرَّوْضَةِ» ، وَهُوَ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَنُظَرَائِهِ مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ، مَعَ إِكْثَارِهِمْ، وَإِنَّمَا أَكْثَرُ رِوَايَتِهِمْ عَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ.
كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَرَدَّدُ إِلَى أَبْوَابِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُمْ، ثُمَّ هُوَ تَارَةً يُسَمِّيهِمْ، وَتَارَةً يُرْسِلُ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَدْ صَارَ مُرْسَلُ الصَّحَابَةِ مَقْبُولًا بِالْإِجْمَاعِ. وَلَا جَرَمَ، كَانَ الْمُخَالِفُ فِيهِ شَاذًّا.
الثَّانِي: مَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ وَجَارٌ لَهُ يَتَنَاوَبَانِ مَجْلِسَ النَّبِيِّ،
(2/229)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا يَوْمًا، وَهَذَا يَوْمًا، ثُمَّ يُخْبِرُ الْحَاضِرُ مِنْهُمَا الْغَائِبَ بِمَا يَكُونُ فِي يَوْمِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَرْوِي عَنْ بَعْضٍ، وَبِوَاسِطَتِهِ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي عُمُومِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ.

«أَمَّا مُرْسَلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ، كَقَوْلِ مَنْ لَمْ يُعَاصِرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ لَمْ يُعَاصِرْ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ» ; فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: «الْقَبُولُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي» أَبُو يَعْلَى، «وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ» ، وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَالثَّانِي: «الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ» ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا نَقْلٌ مُطْلَقٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَالنَّقْلُ الْمُفَصَّلُ عَنْهُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، أَوْ كَانَ قَدْ أَسْنَدَهُ غَيْرُ مَنْ أَرْسَلَهُ، أَوْ أَرْسَلَهُ رَاوٍ آخَرُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْأَوَّلِ - بِمَعْنَى اخْتَلَفَتْ طُرُقُ إِرْسَالِهِ - فَيَتَعَاضَدُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، أَوْ يَكُونُ الْمُرْسَلُ قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ، أَوْ عَضَدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; فَهُوَ حُجَّةٌ، وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ.
(2/230)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ، وَمَنْ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، دُونَ غَيْرِهِمْ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْمُخْتَارُ قَبُولُ مَرَاسِيلِ الْعَدْلِ مُطْلَقًا.
قُلْتُ: التَّفْصِيلُ أَحْوَطُ، وَالْقَبُولُ مُطْلَقًا أَسْهَلُ، وَأَكْثَرُ لِلْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: «وَالْخِلَافُ هُنَا» ، أَيْ: فِي مُرْسَلِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ «مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ» ; لِأَنَّ الْمُرْسَلَ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي سَقَطَ مِنْ سَنَدِهِ رَاوٍ ; فَذَلِكَ السَّاقِطُ مِنَ السَّنَدِ مَجْهُولٌ، وَجَهَالَتُهُ هِيَ الَّتِي أَوْجَبَتْ رَدَّهُ عِنْدَ الْخَصْمِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ، وَبَيَّنَّا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ الْأَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ قَبُولُهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفِسْقِ، وَإِنْ كُنَّا عِنْدَ تَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ رَجَّحْنَا الْمَنْعَ.
وَمِمَّا يَقْوَى بِهِ قَبُولُ الْمُرْسَلِ مُطْلَقًا، هُوَ أَنَّ الْعَدْلَ إِذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ، أَوْ ظَنِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عَدَالَةَ الْوَاسِطَةِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّاهِرُ مِنْهُ ذَلِكَ، لَكَانَ غَاشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، مُلَبِّسًا فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْعَدَالَةَ. لَكِنَّا فَرَضْنَاهُ عَدْلًا، هَذَا خُلْفٌ، بَلِ الْمُرْسَلُ رُبَّمَا كَانَ أَقْوَى مِنَ الْمُسْنَدِ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إِذَا رَوَيْتُ لَكُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَسْنَدْتُ ; فَقَدْ حَدَّثَنِي وَاحِدٌ عَنْهُ، وَإِذَا أَرْسَلْتُ ; فَقَدْ حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ
(2/231)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَنْهُ.
وَعُورِضَ هَذَا بِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَرْوِي عَنْ مَنْ لَوْ سُئِلَ عَنْ حَالِهِ، لَضَعَّفَهُ، أَوْ سَكِتَ عَنْهُ، فَإِذَا احْتَمَلَ أَنَّ الْوَاسِطَةَ فِي الْمُرْسَلِ كَذَلِكَ، سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ.
وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ مُعَيَّنًا، وَلَمْ يَجْزِمِ الرَّاوِي بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ كَذَا، بَلْ قَالَ: قَالَ فُلَانٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَا ; فَالْعُهْدَةُ هَاهُنَا عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَعَلَى مَنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ الْبَحْثُ عَنْهُ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُذْكَرِ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ، وَجَزَمَ الرَّاوِي بِإِضَافَةِ الْحَدِيثِ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَلَا يَتَأَتَّى مَا ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَوْ ظَانًّا ثُبُوتَ الْحَدِيثِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
(2/232)

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْجُمْهُورُ يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ:
فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ، وَنَحْوِهَا - خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ ; لِأَنَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، تَتَوَفَّرُ الدَّاوَعِي عَلَى نَقْلِهِ ; فَيَشْتَهِرُ عَادَةً ; فَوُرُودُهُ غَيْرَ مُشْتَهِرٍ، دَلِيلُ بُطْلَانِهِ. وَلَنَا: قَبُولُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْوِتْرِ، وَالْقَهْقَهَةِ، وَتَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ، وَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، إِذْ أَثْبَتُوهُ بِالْآحَادِ، وَدَعْوَاهُمْ تَوَاتُرَهُ وَاشْتِهَارَهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، إِذِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. ثُمَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ ; فَبِالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ أَوْلَى.
وَفِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالْحُدُودِ - خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ ; لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ ; فَيَنْهَضُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْقِيَاسِ وَالشَّهَادَةِ، إِذْ هُمَا مَظْنُونَانِ، وَيُقْبَلَانِ فِي الْحَدِّ.
وَفِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، خِلَافًا لِمَالِكٍ.
وَفِيمَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ أَوْ مَعْنَاهَا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
لَنَا: تَصْوِيبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُعَاذًا فِي تَقْدِيمِهِ السُّنَّةَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ قَوْلُ الْمَعْصُومِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ.
قَالُوا: الْقَائِسُ عَلَى يَقِينٍ مِنِ اجْتِهَادِهِ، وَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ.
قُلْنَا: وَلَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِصَابَتِهِ. ثُمَّ احْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي حَقِيقَةِ الِاجْتِهَادِ، لَا فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ، بَلْ فِي طَرِيقِهِ ; فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ. وَأَيْضًا مُقَدِّمَاتُ الْقِيَاسِ أَكْثَرُ ; فَالْخَطَأُ فِيهَا أَغْلَبُ.
ثُمَّ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ سَفَرًا لَا حَضَرًا، وَبُطْلَانُ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ دُونَ خَارِجِهَا، مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَهُوَ آحَادٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَقَدْ قَالُوا بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْجُمْهُورُ: يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى» ، أَيْ: فِيمَا يَكْثُرُ التَّكْلِيفُ بِهِ «كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ،
(2/233)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَنَحْوِهَا» مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي يَكْثُرُ التَّكْلِيفُ بِمُقْتَضَاهَا «خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ» ، قَالُوا: «لِأَنَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ; تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ عَادَةً ; فَيَشْتَهِرُ عَادَةً» فَإِذَا وَرَدَ غَيْرَ مُشْتَهِرٍ، بَلْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ، دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِهِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِشَاعَتُهُ، وَإِلَّا كَانَ إِخْفَاءً لِلشَّرْعِ، وَكِتْمَانًا لِلْعِلْمِ، وَإِذَا شَاعَ، تَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ; فَوَجَبَ اشْتِهَارُهُ عَادَةً.
«وَلَنَا» ، أَيْ: عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، أَنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، قَبِلُوا خَبَرَ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا ; فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَغَيْرِهِ، كَقَبُولِهِمْ خَبَرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجِمَاعِ بِدُونِ الْإِنْزَالِ، وَخَبَرَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْمُخَابَرَةِ، وَهَمَّا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
قَوْلُهُ: «وَمَا ذَكَرُوهُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا نَقْضٌ لِدَلِيلِ الْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ وُجُوبِ اشْتِهَارِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَادَةً يَبْطُلُ بِالْوِتْرِ ; فَإِنَّكُمْ أَوْجَبْتُمُ الْوِتْرَ، وَالْوُضُوءَ بِالْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، وَاخْتَارُوا تَثْنِيَةَ
(2/234)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْإِقَامَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَوْجَبُوا الْوُضُوءَ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَكَذَلِكَ الْغَسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَقَوْلُهُ: «وَدَعْوَاهُمْ تَوَاتُرَهُ وَاشْتِهَارَهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، إِذِ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ» .
هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَعْوَى يَدَّعِيهَا الْحَنَفِيَّةُ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي أَثْبَتُوا بِهَا الْأَحْكَامَ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمَذْكُورَةَ تَوَاتَرَتْ عِنْدَهُمْ، وَاشْتَهَرَتْ ; فَمَا أَثْبَتْنَا مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى إِلَّا بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي اشْتِهَارِ الْخَبَرِ وَعَدَمِهِ، وَصِحَّتِهِ وَعَدَمِهَا، بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، لَا بِقَوْلِكُمْ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ آحَادٌ، ثُمَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعٌ لِلْخَبَرِ، وَمُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ ; فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِالْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْقِيَاسِ أَوْلَى، وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: نَحْنُ إِنَّمَا نُثْبِتُهُ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ خَبَرٍ مَشْهُورٍ ; فَيَكُونُ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى أَصْلِهِ، فَإِنْ رَاعَوْا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ثُبُوتِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِالْقِيَاسِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَهُ بِمُطْلَقِ الْقِيَاسِ، بَلْ بِقِيَاسٍ خَاصٍّ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِشَاعَةُ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ; فَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ; فَيَشْتَهِرُ عَادَةً.
فَجَوَابُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشَاعَةُ، لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ كَافِيًا فِي التَّعَبُّدِ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُ كَافٍ فِي التَّعَبُّدِ ; فَلَا تَجِبُ الْإِشَاعَةُ وَلَوْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ
(2/235)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِشَاعَتِهِ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكُنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَوَفُّرَ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَاشْتِهَارِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ مَنَاطَ تَعَبُّدِهِمُ الظَّنُّ ; فَيَكْتَفُوا مِنَ النَّقْلِ بِمَا يُحَصِّلُهُ، وَهُوَ الْآحَادُ.

قَوْلُهُ: «وَفِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ» ، أَيْ: وَيُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالْحُدُودِ، «خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ» ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: «لِأَنَّهُ» ، أَيْ: خَبَرَ الْوَاحِدِ، «مَظْنُونٌ» ، أَيْ: إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، «فَيَنْهَضُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ» ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. وَهُوَ، أَيْ: مَا ذَكَرُوهُ، «بَاطِلٌ بِالْقِيَاسِ وَالشَّهَادَةِ» ; فَإِنَّهُمَا إِنَّمَا يُفِيدَانِ الظَّنَّ، وَمَعَ ذَلِكَ يُقْبَلَانِ فِي الْحَدِّ، وَلَيْسَ كُلُّ شُبْهَةٍ
(2/236)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُؤْثَرْ فِيهَا مُطْلَقُ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ دَرْءِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ مُعَارَضٌ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ ظَاهِرٌ، مُغَلِّبٌ عَلَى الظَّنِّ ثُبُوتَ الْحَدِّ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ. وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْقَوَاطِعُ فِي الْحُدُودِ، لَتَعَطَّلَتْ، أَوْ كَثُرَ وُقُوعُهَا، وَطَمِعَ مُوَاقِعُوهَا.

قَوْلُهُ: «وَفِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ» ، أَيْ: وَيُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، «خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَفِيمَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ» ، أَوْ مَعْنَى الْأُصُولِ، «خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ» .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِمَّا يُسْتَشْكَلُ ; فَيُقَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ وَبَيْنَ مَا خَالَفَ الْأُصُولَ؟ وَالْحَنَفِيَّةُ يُمَثِّلُونَهُ بِخَبَرِ الْمُصَرَّاةِ، وَهُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ
(2/237)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِلْقِيَاسِ، إِذِ الْقِيَاسُ ضَمَانُ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ، وَالتَّمْرُ لَيْسَ مِثْلًا لِلَّبَنِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقِيَاسَ أَخَصُّ مِنَ الْأُصُولِ، إِذْ كُلُّ قِيَاسٍ أَصْلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ أَصْلٍ قِيَاسًا ; فَمَا خَالَفَ الْقِيَاسَ قَدْ خَالَفَ أَصْلًا خَاصًّا، وَمَا خَالَفَ الْأُصُولَ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِقِيَاسٍ، أَوْ لِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوِ اسْتِدْلَالٍ، أَوِ اسْتِصْحَابٍ، أَوِ اسْتِحْسَانٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَقَدْ يَكُونُ الْخَبَرُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، مُوَافِقًا لِبَعْضِ الْأُصُولِ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ، كَانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ، مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْحُكْمِ بِمَظِنَّتِهِ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِمَظَانِّهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِبَعْضِ الْأُصُولِ، وَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ خُرُوجِ الْحَدَثِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُمَا جَمِيعًا، كَخَبَرِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ كَمَا دَلَّ عَلَى ضَمَانِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، كَذَلِكَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مُوَافِقًا لَهُمَا، كَالْآثَارِ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ، مُوَافَقَةً لِقِيَاسِهِ عَلَى الْخَمْرِ، وَالنَّصُّ عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَالنَّصُّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ.
وَالْقِسْمَةُ رُبَاعِيَّةٌ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ إِمَّا أَنْ يُوَافِقَ الْقِيَاسَ وَالْأُصُولَ، أَوْ يُخَالِفَهُمَا، أَوْ يُوَافِقَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَأَصْحَابُنَا لَمْ يَتْرُكُوا حَدِيثَ الْقَهْقَهَةِ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ،
(2/238)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَلْ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» ، أَيْ: عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِنْ خَالَفَ الْأُصُولَ وَمَعْنَاهَا وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَوَّبَ مُعَاذًا فِي تَقْدِيمِهِ السُّنَّةَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، حَيْثُ قَالَ لَهُ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي. فَصَوَبَّهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ مُطْلَقًا، وَإِنْ خَالَفَهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فَائِدَةُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا خَالَفَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، أَيْ: عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ ; فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ، إِذَا وَجَدُوهَا، تَرَكُوهُ إِلَيْهَا، كَمَا رَجَعَ عُمَرُ فِي غُرَّةِ الْجَنِينِ إِلَى حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ يُفَاضِلُ بَيْنَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ، وَيُقَسِّمُهَا عَلَى قَدْرِ مَنَافِعِهَا ; فَلَمَّا بَلَغَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، رَجَعَ إِلَيْهِ، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ; فَلَوْ وَجَبَ تَقْدِيمُ
(2/239)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقِيَاسِ لَمَا أَقَرُّوهُ عَلَى تَرْكِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْخَبَرَ قَوْلٌ لِلْمَعْصُومِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ ; فَإِنَّهُ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ، وَلَيْسَ بِمَعْصُومٍ، فَإِذَا تَعَارَضَ قَوْلُ الْمَعْصُومِ، وَقَوْلُ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، كَانَ قَوْلُ الْمَعْصُومِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ; لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ مَأْمُونٌ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْقَائِسُ عَلَى يَقِينٍ مِنِ اجْتِهَادِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ مُعَارَضَةٌ لِهَذَا الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَهِيَ أَيْضًا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ لِلْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقَائِسَ عَلَى يَقِينٍ مِنِ اجْتِهَادِهِ ; لِأَنَّهُ يُبَاشِرُ النَّظَرُ فِي أَصْلِ الْقِيَاسَ، وَفَرْعِهِ، وَعِلَّتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ، لِتَعَدُّدِ الْوَسَائِطِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّارِعِ، وَاتِّبَاعُ مَا هُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ مَا لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» . هَذَا جَوَابُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقَائِسَ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ الْخَبَرِ، كَذَلِكَ هُوَ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِصَابَتِهِ فِي الْقِيَاسِ، وَكَوْنُهُ عَلَى يَقِينٍ مِنِ اجْتِهَادِهِ لَا يَنْفَعُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِصَابَةُ، وَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْهَا. وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ ; فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ أَوْ يُصِيبَ، وَإِذَا اسْتَوَى الْخَبَرُ وَالْإِصَابَةُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَقِيَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رُجْحَانِ الْخَبَرِ، بِكَوْنِهِ قَوْلَ الْمَعْصُومِ، سَالِمًا عَنِ الْمُعَارِضِ، وَهُوَ أَقْوَى فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ مِنَ الْقِيَاسِ.
(2/240)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ احْتِمَالُ الْخَطَأِ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا تَرْجِيحٌ آخَرُ لِلْخَبَرِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْخَطَأَ ; وَإِنْ كَانَ مُتَطَرِّقًا إِلَى الِاجْتِهَادِ وَالْخَبَرِ جَمِيعًا، غَيْرَ أَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِي حَقِيقَةِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ: تَحْقِيقُ الْجَامِعِ فِي الْقِيَاسِ، وَإِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ بِوَاسِطَتِهِ، وَلَيْسَ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ قَوْلُ الْمَعْصُومِ، وَإِنَّمَا احْتِمَالُ الْخَطَأِ فِي طَرِيقِ الْخَبَرِ، بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ أَوْ عِلَّةٌ مَا، وَمَا كَانَ الْخَطَأُ مُتَطَرِّقًا إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، يَكُونُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِمَّا كَانَ الْخَطَأُ مُتَطَرِّقًا إِلَى حَقِيقَتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَأَيْضًا مُقَدِّمَاتُ الْقِيَاسِ أَكْثَرُ ; فَالْخَطَأُ فِيهَا أَغْلَبُ» . هَذَا تَرْجِيحٌ آخَرُ لِلْخَبَرِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ كَثِيرَةٍ، أَكْثَرَ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْخَبَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَتَحْقِيقِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا، ثُمَّ إِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ يَتَطَرَّقُ الْخَطَأُ إِلَى الْقِيَاسِ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْخَبَرُ ; فَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ النَّظَرُ فِي السَّنَدِ، وَالْخَطَأُ فِيمَا كَثُرَتْ مُقَدِّمَاتُهُ أَغْلَبُ مِنْهُ فِيمَا قَلَّتْ مُقَدِّمَاتُهُ ; فَيَكُونُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ سَنَدُ الْخَبَرِ قَصِيرًا، كَثُلَاثِيَّاتِ الْبُخَارِيِّ، وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ هَاهُنَا يَكُونُ نَادِرًا.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا نَقْضٌ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ.
(2/241)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّكُمْ قَدْ أَوْجَبْتُمُ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، بِشَرْطِهِ عِنْدَكُمْ، وَأَبْطَلْتُمُ الْوُضُوءَ بِالْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، دُونَ خَارِجِ الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ آحَادٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ لَهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَحَلُّ النِّزَاعِ إِنَّمَا هُوَ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ، وَخَبَرِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَبُطْلَانُ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ، لَيْسَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ عِنْدَنَا، بَلْ هُوَ مُتَوَاتِرٌ أَوْ مُسْتَفِيضٌ، يَصْلُحُ أَنْ تُتْرَكَ الْأُصُولُ لِمِثْلِهِ، بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ وَلَا مُسْتَفِيضٌ، كَمَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ هُوَ آحَادٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَبَعْضُهُمْ يُضَعِّفُهَا، وَالِاعْتِبَارُ فِي النَّقْلِ بِأَئِمَّتِهِ لَا بِكُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ حَدِيثَ النَّبِيذِ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو زَيْدٍ، وَهُوَ كُوفِيٌّ مَجْهُولٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْقَهْقَهَةِ ; فَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَفِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ مَا يَمْنَعُ الِاحْتِجَاجَ بِهِ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ ; أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا كَانَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ دُونَ الْوُضُوءِ.
تَنْبِيهٌ: هَكَذَا وَقَعَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» تَبَعًا لِأَصْلِهِ، وَذَكَرَ
(2/242)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْآمِدِيُّ تَفْصِيلًا، وَهُوَ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَخَصَّ مِنَ الْآخَرِ، كَانَ الْقِيَاسُ مُخَصِّصًا لِلْخَبَرِ، كَمَا يَأْتِي فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَكُونُ الْخَبَرُ مُخَصِّصًا لِلْقِيَاسِ، إِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَخَصَّ مِنَ الْآخَرِ، وَتَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ; فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالْوَقْفُ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ عِلَّةَ الْقِيَاسِ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً ; فَخَبَرُ الْوَاحِدِ أَوْلَى، إِنْ قُلْنَا إِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْعِلَّةِ لَا يُخْرِجُ الْقِيَاسَ عَنْ كَوْنِهِ قِيَاسًا ; لِأَنَّ دَلَالَةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِمَّا رَاجِحَةٌ عَلَى دَلَالَةِ نَصِّ الْعِلَّةِ، أَوْ مُسَاوِيَةٌ لَهَا، أَوْ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَبِتَقْدِيرِ رُجْحَانِهَا وَمُسَاوَاتِهَا يَكُونُ الْخَبَرُ أَوْلَى، لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، بِخِلَافِ نَصِّ الْعِلَّةِ، إِذْ دَلَالَتُهُ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا يَتَرَجَّحُ دَلَالَةُ نَصِّ الْعِلَّةِ إِذَا كَانَتْ رَاجِحَةً عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً ; فَالْخَبَرُ أَوْلَى مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلَّ بِخَبَرِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ.
قُلْتُ: هَذَا تَفْصِيلٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ مُجَرَّدًا عَنْ مِثَالٍ، تَكْمِلَةً لِمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَأَمْثِلَتُهُ تَطُولُ، وَرُبَّمَا تَعَدَّدَتْ، وَذُو الدُّرْبَةِ يَفْهَمُ مَقْصُودَهَا مُجَرَّدَةً عَنْ مِثَالِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/243)

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تَجُوزُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ لِلَّفْظِ، لِلْعَارِفِ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، الْفَارِقِ بَيْنَهَا. وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ سِيرِينَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، «وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ» لِلْبَرَاءِ حِينَ قَالَ: وَرَسُولُكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ: قُلْ: وَنَبِيُّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ
وَلَنَا: جَوَازُ شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَعَكْسِهِ ; فَهَذَا أَوْلَى. وَلِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ. وَلِأَنَّهُ جَائِزٌ فِي غَيْرِ السُّنَّةِ ; فَكَذَا فِيهَا، إِذِ الْكَذِبُ حَرَامٌ فِيهِمَا. وَالرَّاوِي بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ مُؤَدٍّ كَمَا سَمِعَ. ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْهُ: مَنْ لَا يُفَرِّقُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْبَرَاءِ مَا ذُكِرَ: عَدَمُ الِالْتِبَاسِ بِجِبْرِيلَ، أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ لَفْظَتِي النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَلَا يُبَدِّلُ لَفْظًا بِأَظْهَرَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ رُبَّمَا قَصَدَ إِيصَالَ الْحُكْمِ بِاللَّفْظِ الْجَلِيِّ تَارَةً، وَبِالْخَفِيِّ أُخْرَى.
قُلْتُ: وَكَذَا بِالْعَكْسِ، وَأَوْلَى، وَقَدْ فُهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِنَا: الْمَعْنَى الْمُطَابِقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تَجُوزُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ لِلَّفْظِ لِلْعَارِفِ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، الْفَارِقِ بَيْنَهَا» .
وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّ الرَّاوِيَ إِمَّا غَيْرُ عَالِمٍ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَهَا، مِنْ جِهَةِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ، وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ; فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلَّفْظِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لَهُ، جَازَ.
(2/244)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ الْقَرَافِيُّ: يَجُوزُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَزِيدَ التَّرْجَمَةَ، وَلَا يَنْقُصَ، وَلَا يَكُونَ أَخْفَى مِنْ لَفْظِ الشَّارِعِ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ مَعْنَى الْمُطَابَقَةِ. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ: مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى ابْنُ سِيرِينَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَأَوْجَبُوا نَقْلَ لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى صُورَتِهِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا. الْحَدِيثَ. وَقَدْ سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ فِقْهِ الرَّاوِيِ، وَهُوَ يَقْتَضِي نَقْلَ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ.
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ ; فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ
(2/245)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأَتْ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ ; فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ; فَقَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِيِّكِ الَّذِي أَرْسَلْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ إِبْدَالَ لَفْظِ النَّبِيِّ بِالرَّسُولِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ نَقْلِ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ.
قَوْلُهُ: «وَلَنَا» ، أَيْ: عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى كَمَا قَرَّرْنَاهُ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ شَرْحِ الْحَدِيثِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيِّ، وَالْعَجَمِيِّ بِالْعَرَبِيِّ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَالشَّهَادَةِ بِالْعَجَمِيَّةِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
أَيْ: إِذَا كَانَ شَاهِدُ الْأَصْلِ أَعْجَمِيًّا، جَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ الشَّهَادَةَ عَرَبِيٌّ، وَيُؤَدِّيَهَا بِلِسَانِهِ، وَبِالْعَكْسِ: يُؤَدِّي الْعَجَمِيُّ عَنِ الْعَرَبِيِّ، وَكَذَلِكَ شَرْحُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِلِسَانِهِمْ، وَإِذَا جَازَ إِبْدَالُ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيِّ ; فَإِبْدَالُهُ بِعَرَبِيٍّ مِثْلِهِ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ أَوْلَى
(2/246)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالْجَوَازِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّعَبُّدَ فِي الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، لَا بِاللَّفْظِ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ التَّعَبُّدَ بِمَعْنَاهُ لِلْإِبْلَاغِ، وَبِلَفْظِهِ لِلتِّلَاوَةِ وَالْإِعْجَازِ. بِدَلِيلِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا مَعْنًى يُفْهَمُ ; فَيُمْتَثَلُ، وَنَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِلَفْظِهَا، وَالْأَجْرُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهَا، عَلَى كُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، كَسَائِرِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَبْدِيلَ اللَّفْظِ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ جَائِزٌ فِي غَيْرِ السُّنَّةِ، كَالتَّخَاطُبِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ ; فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ فِي السُّنَّةِ ; لِأَنَّ الْمَحْذُورَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْكَذِبُ، وَهُوَ حَرَامٌ فِيهِمَا، أَيْ: فِي السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ بَيْنَهُمْ. وَقَدْ جَازَ فِي أَحَدِهِمَا ; فَلْيَجُزْ فِي الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: «وَالرَّاوِي بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ لِلَفْظٍ مُؤَدٍّ كَمَا سَمِعَ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَلِيلِ الْخَصْمِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ، فَإِنِ اقْتَضَى أَنَّ الرَّاوِيَ يُؤَدِّي الْحَدِيثَ كَمَا سَمِعَهُ، وَالرَّاوِي بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ يُؤَدِّي كَمَا سَمِعَ.
وَقَوْلُهُمُ: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي نَقْلَ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ نَقَلَ
(2/247)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ يَقْتَضِيهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. «ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْهُ» ، أَيْ: مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَقْتَضِي نَقْلَ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ «مَنْ لَا يُفَرِّقُ» بَيْنَ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْعَارِفِ الْفَارِقِ، الرَّاوِي بِاللَّفْظِ الْمُطَابِقِ.
قَوْلُهُ: «وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْبَرَاءِ مَا ذَكَرَ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ فَائِدَةَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ: قُلْ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ إِمَّا عَدَمُ الِالْتِبَاسِ بِجِبْرِيلَ ; فَإِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ ; فَلَوْ قَالَ: وَبِرَسُولِكَ، لَالْتَبَسَ بِهِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ هَهُنَا الْإِيمَانُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، أَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ بِجِبْرِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
أَوْ يَكُونُ فَائِدَةُ ذَلِكَ الْجَمْعَ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ لَفْظَيِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فِي قَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَإِحْدَاهُمَا أَعَمُّ مِنَ الْأُخْرَى، عَلَى مَا سَبَقَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْكِتَابِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَبْلَغُ فِي الْإِيمَانِ، وَأَفْخَمُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
«قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَلَا يُبَدِّلُ - يَعْنِي الرَّاوِي بِالْمَعْنَى - لَفْظًا بِأَظْهَرَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ رُبَّمَا قَصَدَ إِيصَالَ الْحُكْمِ» إِلَى الْمُكَلَّفِينَ «بِاللَّفْظِ الْجَلِيِّ تَارَةً» تَسْهِيلًا لِلْفَهْمِ عَلَيْهِمْ، وَبِاللَّفْظِ الْخَفِيِّ أُخْرَى، تَكْثِيرًا لِأَجْرِهِمْ، بِإِجَادَةِ النَّظَرِ فِيهِ.
«قُلْتُ: وَكَذَا بِالْعَكْسِ وَأَوْلَى» أَيْ: كَذَلِكَ لَا يُبَدِّلُ لَفْظًا بِلَفْظٍ أَخْفَى مِنْهُ، وَهُوَ
(2/248)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْلَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَصْعِيبًا لِمَا سَهَّلَ الشَّارِعُ فَهْمَهُ.
وَقَدْ فُهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ: تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ ; لِأَنَّ الْمُطَابِقَ هُوَ الْمُسَاوِي فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ; فَلَا يَكُونُ أَعَمَّ وَلَا أَخَصَّ، وَفِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ ; فَلَا يَكُونُ أَجْلَى وَلَا أَخْفَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/249)

ثُمَّ لَمَّا كَانَ النَّسْخُ لَاحِقًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعًا، عَقَّبْنَاهُمَا بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ عُذْرًا فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى السُّنَّةِ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ لَمَّا كَانَ النَّسْخُ لَاحِقًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعًا، عَقَّبْنَاهُمَا بِهِ» ، أَيْ: ذَكَرْنَا النُّسَخَ عَقِيبَهُمَا، أَيْ: بَعْدَ انْقِضَاءِ الْكَلَامِ فِيهِمَا، وَهَذَا تَوْجِيهٌ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ النَّسْخِ بَعْدَهُمَا.
قَوْلُهُ: «وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ عُذْرًا فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى السُّنَّةِ غَيْرُ مَرْضِيٍّ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَزَالِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ النَّسْخَ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْكِتَابِ، وَقَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى السُّنَّةِ، وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّسْخَ أَخَصُّ بِالْقُرْآنِ لِإِشْكَالِهِ وَغُمُوضِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، مَعَ اشْتِبَاهِهِ بِالْبَدَاءِ، وَاسْتِحَالَةِ الْبَدَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى السُّنَّةِ طَوِيلٌ، لِتَعَلُّقِهِ بِبَيَانِ أَحْكَامِ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، وَمَرَاتِبِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ; فَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِضَمِّ النَّسْخِ إِلَى الْقُرْآنِ التَّعْدِيلَ بَيْنَهُمَا فِي الْمِقْدَارِ، أَيْ: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي الْقُرْآنِ وَالنَّسْخِ مُعَادِلًا لِلْكَلَامِ فِي السُّنَّةِ مَعَ طُولِهَا، تَحْقِيقًا أَوْ تَقْرِيبًا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ; لِأَنَّ مَقْصِدَهُ الْمَذْكُورَ مَعَ مُنَاسَبَةِ وَضْعِ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعِهَا، طَرْدِيٌّ مَحْضٌ ; فَالْمُنَاسِبُ مُتَعَيِّنُ التَّقْدِيمِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/250)

الْقَوْلُ فِي النَّسْخِ
وَهُوَ لُغَةً: الرَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ، يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَالرِّيحُ الْأَثَرَ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يُشْبِهُ النَّقْلَ، نَحْوَ نَسَخْتُ الْكِتَابَ، وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا هُوَ حَقِيقَةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ فِي الرَّفْعِ.
وَشَرْعًا: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ الْمُتَقَدِّمَ، زَائِلٌ عَلَى وَجْهٍ، لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا، وَهُوَ حَدٌّ لِلنَّاسِخِ لَا لِلنَّسْخِ، لَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ.
وَقِيلَ: هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ، بِخِطَابٍ مُتَرَاخٍ عَنْهُ.
فَالرَّفْعُ: إِزَالَةُ الْحُكْمِ عَلَى وَجْهٍ، لَوْلَاهُ لَبَقِيَ ثَابِتًا، كَرَفْعِ الْإِجَارَةِ بِالْفَسْخِ ; فَإِنَّهُ يُغَايِرُ زَوَالَهَا بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهَا. وَبِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ: احْتِرَازٌ مِنْ زَوَالِ حُكْمِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، إِذْ لَيْسَ بِنَسْخٍ. وَبِخِطَابٍ: احْتِرَازٌ مِنْ زَوَالِ الْحُكْمِ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ ; فَلَيْسَ بِنَسْخٍ. وَاشْتِرَاطُ التَّرَاخِي احْتِرَازٌ مِنْ زَوَالِ الْحُكْمِ بِمُتَّصِلٍ، كَالشَّرْطِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَنَحْوِهِ ; فَإِنَّهُ بَيَانٌ لَا نَسْخٌ.
وَالْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ: رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، بِمِثْلِهِ، مُتَرَاخٍ عَنْهُ. لِيَدْخُلَ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ مِنْ إِشَارَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ ; فِيهِمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«الْقَوْلُ فِي النَّسْخِ: وَهُوَ لُغَةً» - أَيْ: فِي اللُّغَةِ - الرَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ، يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَنَسَخَتِ الرِّيحُ الْأَثَرَ، أَيْ: رَفَعَتْهُ وَأَزَالَتْهُ ; لِأَنَّ الشَّمْسَ إِذَا قَابَلَتْ مَوْضِعَ الظِّلِّ، ارْتَفَعَ وَزَالَ، وَالرِّيحَ إِذَا مَرَّتْ عَلَى آثَارِ الْمَشْيِ، ارْتَفَعَتْ وَزَالَتْ.
قَوْلُهُ: «وَقَدْ يُرَادُ بِهِ» ، أَيْ: بِالنَّسْخِ، مَا يُشْبِهُ النَّقْلَ نَحْوَ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ، فَإِنَّ نَسْخَ الْكِتَابِ لَيْسَ نَقْلًا لِمَا فِي الْمَنْسُوخِ مِنْهُ حَقِيقَةً، لِبَقَائِهِ بَعْدَ النَّسْخِ،
(2/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِنَّمَا هُوَ مُشْبِهٌ لِلنَّقْلِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ صَارَ مِثْلَهُ فِي الْفَرْعِ، لَفْظًا وَمَعْنًى.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَنَاسُخُ الْمَوَارِيثِ، وَهُوَ انْتِقَالُ حَالِهَا بِانْتِقَالِهَا مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ، مَعَ بَقَاءِ الْمَوَارِيثِ فِي نَفْسِهَا.
قَوْلُهُ: «وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا هُوَ حَقِيقَةٌ» ، أَيِ: اخْتُلِفَ فِي النَّسْخِ، فِي أَيِّ الْمَعْنَيَيْنِ هُوَ حَقِيقَةٌ، هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ، أَوْ فِي النَّقْلِ وَمَا يُشْبِهُهُ؟ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ، مَجَازٌ فِي النَّقْلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: عَكْسُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّقْلِ، مَجَازٌ فِي الْإِزَالَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ. ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَأَصْحَابَهَا الْآمِدِيُّ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ فِي الرَّفْعِ» ، أَيِ: الْأَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ النَّسْخَ حَقِيقَةٌ فِي الرَّفْعِ، مَجَازٌ فِي النَّقْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ التَّعَارُضَ فِي الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، قَدْ وَقَعَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبَيْنَ الْمَجَازِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِرَاكِ ; فَيَبْقَى الْأَمْرُ دَائِرًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ النَّسْخَ حَقِيقَةٌ فِي الرَّفْعِ، مَجَازٌ فِي النَّقْلِ، أَوْ فِي الْعَكْسِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عَلَى مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الرَّفْعَ أَخَصُّ مِنَ النَّقْلِ ; فَيَكُونُ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ النَّسْخِ.
(2/252)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا أَنَّ الرَّفْعَ أَخَصُّ مِنَ النَّقْلِ ; فَلِأَنَّ الرَّفْعَ يَسْتَلْزِمُ النَّقْلَ، وَالنَّقْلَ لَا يَسْتَلْزِمُ الرَّفْعَ ; فَيَكُونُ الرَّفْعُ أَخَصَّ، وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْجَوَاهِرِ الْمَحْسُوسَةِ ; فَإِنَّكَ إِذَا رَفَعْتَ حَجَرًا مِنْ مَكَانٍ، اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ نَقْلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَزُولَ عَنْ مَكَانِهِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ، بِأَنْ يُعْدِمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيَقُولَ لَهُ: كُنْ عَدَمًا ; فَيَكُونَ، مَعَ أَنَّهُ لَا رَفْعَ هُنَاكَ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا رَفْعَ هُنَاكَ، بَلْ هُنَاكَ رَفْعٌ إِلَهِيٌّ غَيْرُ مَحْسُوسٍ.
وَأَمَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ الرَّفْعُ أَخَصَّ، كَانَ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ ; فَلِأَنَّ الْأَخَصَّ أَبْيَنُ وَأَدَلُّ وَأَوْضَحُ ; فَيَكُونُ بِالْحَقِيقَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَدُلُّ بِدُونِ قَرِينَةٍ، وَذَلِكَ لِوُضُوحِهَا، بِكَوْنِهَا مَوْضُوعَةً لِمَعْنَاهَا ; فَحَصَلَ بِذَلِكَ التَّنَاسُبُ فِي الْوُضُوحِ بَيْنَ الْأَخَصِّ وَالْحَقِيقَةِ ; فَكَانَ بِهَا أَوْلَى.
وَقَدْ يُعَارَضُ هَذَا بِأَنَّ الْأَعَمَّ أَكْثَرُ فَائِدَةٍ ; فَيَكُونُ أَوْلَى ; بِأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي اللَّفْظِ.
أَمَّا أَنَّ الْأَعَمَّ أَكْثَرُ فَائِدَةً ; فَلِأَنَّهُ يَشْمَلُ مِنَ الْأَفْرَادِ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْمَلُهُ الْأَخَصُّ، كَالْحَيَوَانِ الَّذِي يَشْمَلُ مِنَ الْأَفْرَادِ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْمَلُهُ الْإِنْسَانُ ; فَيَكُونُ أَكْثَرَ فَائِدَةً بِالضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ فَائِدَةً، كَانَ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ ; فَلِأَنَّ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ لِإِفَادَةِ الْمَعَانِي ; فَكُلَّمَا كَانَتْ إِفَادَتُهَا لِلْمَعَانِي أَكْثَرَ، كَانَتْ بِالْحَقِيقَةِ أَوْلَى.
فَإِذَا عَرَفْتَ مَا عَلَى الْمُخْتَارِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» مِنَ التَّوْجِيهِ وَالِاعْتِرَاضِ ; فَالتَّحْقِيقُ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ:
الْإِزَالَةُ وَالنَّقْلُ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ; فَلَا إِشْكَالَ ; لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مُتَرَادِفَانِ ; فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: النَّسْخُ: الْإِزَالَةُ، وَالنَّسْخُ: النَّقْلُ. أَوْ يَكُونَا مُتَفَاوِتَيْنِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ; فَتَكُونُ الْإِزَالَةُ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ النَّسْخِ مِنَ النَّقْلِ ; لِأَنَّهُ
(2/253)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْفَقُ لِكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ ; إِذْ كَانَ تَرْجِيحًا بِالْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ عُمُومُ اللَّفْظِ وَخُصُوصُهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ التَّعَارُضُ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا ; فَيَرْجِعُ إِلَى التَّرْجِيحِ اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ أَنَّ النَّسْخَ حَقِيقَةٌ فِي الْإِزَالَةِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَانْتَسَخَتْهُ: أَزَالَتْهُ، وَنَسَخَتِ الرِّيحُ آثَارَ الدِّيَارِ: غَيَّرَتْهَا، وَنَسَخْتُ الْكِتَابَ وَانْتَسَخْتُهُ وَاسْتَنْسَخْتُهُ: كُلُّهُ بِمَعْنًى، وَنَسْخُ الْآيَةِ بِالْآيَةِ: إِزَالَةُ مِثْلِ حُكْمِهَا ; فَالثَّانِيَةُ نَاسِخَةٌ، وَالْأُولَى مَنْسُوخَةٌ، وَالتَّنَاسُخُ فِي الْمِيرَاثِ: أَنْ يَمُوتَ وَرَثَةٌ بَعْدَ وَرَثَةٍ، وَأَصْلُ الْمِيرَاثِ قَائِمٌ لَمْ يُقَسَّمْ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ الْإِزَالَةِ.
قُلْتُ: وَإِنْ جَعَلَ النَّسْخَ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ وَالنَّقْلِ وَمَا يُشْبِهُهُ، وَهُوَ التَّغْيِيرُ، كَانَ أَوْلَى. وَقَدْ صَرَّحَ الْجَوْهَرِيُّ بِلَفْظِ التَّغْيِيرِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامَ فِي هَذَا، وَهُوَ مِنْ رِيَاضِيَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ، لَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ.
قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا» ، أَيْ: وَالنَّسْخُ فِي الشَّرْعِ، قَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ الْمُتَقَدِّمَ زَائِلٌ عَلَى وَجْهٍ، لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ حَدٌّ لِلنَّاسِخِ، لَا لِلنَّسْخِ» ، أَيْ: تَعْرِيفُ النَّسْخِ بِالْخِطَابِ الدَّالِّ، إِلَى آخِرِهِ، غَيْرُ مُطَابِقٍ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ نَاسِخٌ، لَا نَسْخٌ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ مَصْدَرُ: نَسَخَ
(2/254)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَنْسَخُ نَسْخًا، وَالْخِطَابُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَصْدَرَ خَاطَبَ خِطَابًا، حَتَّى يَكُونَ تَعْرِيفُ مَصْدَرٍ بِمَصْدَرٍ، وَهُوَ مُطَابِقٌ فِي اللَّفْظِ، إِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْخِطَابِ الْقَوْلُ الدَّالُّ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: «لَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ» ، أَيْ: تَعْرِيفُ النَّسْخِ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمُ: الْخِطَابُ الدَّالُّ ; لِأَنَّ النَّاسِخَ يَسْتَلْزِمُ النَّسْخَ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْفَاعِلِ عَلَى الْفِعْلِ، أَوِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الْأَثَرِ.
وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَكَانِ: أَنَّ النَّسْخَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْإِضَافِيَّةِ، الَّتِي يَدُلُّ اللَّفْظُ مِنْهَا عَلَى مُتَعَلِّقَاتٍ لَهُ ; فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَاسِخٍ، وَمَنْسُوخٍ، وَمَنْسُوخٍ لَهُ، وَمَنْسُوخٍ بِهِ، وَنَسْخٍ ; فَيَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ حَقَائِقِ هَذِهِ الْأُمُورِ، لِيَتَمَيَّزَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.
فَالنَّاسِخُ فِي الْحَقِيقَةِ: هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ; لِأَنَّهُ الرَّافِعُ لِلْأَحْكَامِ، وَالْمُزِيلُ لَهَا، وَيُطْلَقُ النَّاسِخُ مَجَازًا عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي يُزِيلُ اعْتِبَارَ لَفْظِ غَيْرِهِ، وَعَلَى الْحُكْمِ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، كَمَا يُقَالُ: هَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْ تِلْكَ، وَهَذَا الْحُكْمُ نَسَخَ ذَلِكَ الْحُكْمَ، كَمَا يُقَالُ: وُجُوبُ التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ نَسَخَ وُجُوبَ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَالْمَنْسُوخُ هُوَ الْحُكْمُ الْمُرْتَفِعُ بِغَيْرِهِ كَالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَالْمَنْسُوخُ لَهُ عِلَّةُ النَّسْخِ، وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ أَوِ الْحِكْمَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لَهُ، أَوْ إِرَادَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِلَّةٌ بَعِيدَةٌ، وَالْحِكْمَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلنَّسْخِ عِلَّةٌ قَرِيبَةٌ.
وَالْمَنْسُوخُ بِهِ هُوَ اللَّفْظُ، وَالْحُكْمُ الرَّافِعُ لِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ}
(2/255)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الْبَقَرَةِ: 144] ، الدَّالِّ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَهَذَا الْمَنْسُوخُ بِهِ، هُوَ الَّذِي سَبَقَ أَنَّهُ يُسَمَّى نَاسِخًا مَجَازًا.
وَالنَّسْخُ نِسْبَةٌ بَيْنَ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِخِ الْمَنْسُوخَ بِهِ، فِي إِزَالَةِ حُكْمِ الْمَنْسُوخِ.
فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا، عَرَفْتَ أَنَّ تَعْرِيفَ النَّسْخِ بِالْخِطَابِ الدَّالِّ تَعْرِيفٌ لِلنَّسْخِ بِالنَّاسِخِ، وَلَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ، لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ» ، أَيْ، فِي تَعْرِيفِ النَّسْخِ: «هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ، بِخِطَابٍ مُتَرَاخٍ عَنْهُ» . هَذَا تَعْرِيفٌ آخَرُ لِلنَّسْخِ، مُطَابِقٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ; لِأَنَّ الرَّافِعَ مَصْدَرٌ، كَمَا أَنَّ النَّسْخَ مَصْدَرٌ وَلَيْسَ هَذَا تَعْرِيفًا لِلنَّسْخِ بِالنَّاسِخِ.
وَقَوْلُهُ: «بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ» ، هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّابِتِ.
وَقَوْلُهُ: «بِخِطَابٍ مُتَرَاخٍ عَنْهُ» ، مُتَعَلِّقٌ بِرَفْعِ الْحُكْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ النَّسْخَ: هُوَ أَنْ يُرْفَعَ بِخِطَابٍ مُتَرَاخٍ، حُكْمٌ ثَبَتَ بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ.
ثُمَّ فَسَّرَ الرَّفْعَ بِأَنَّهُ إِزَالَةُ الْحُكْمِ عَلَى وَجْهٍ، لَوْلَاهُ لَبَقِيَ ثَابِتًا، كَرَفْعِ الْإِجَارَةِ بِالْفَسْخِ ; فَإِنَّهُ يُغَايِرُ زَوَالَهَا بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهَا ; لِأَنَّ فَسْخَهَا قَطْعٌ لِدَوَامِهَا، لِسَبَبٍ خَفِيٍّ عَنِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَانْقِضَاءُ مُدَّتِهَا هُوَ ارْتِفَاعُ حُكْمِهَا لِسَبَبٍ عَلِمَاهُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَهُوَ انْقِضَاءُ الْأَجَلِ ; فَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا سَنَةً، عَلِمَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ أَنَّ عِنْدَ انْتِهَاءِ السَّنَةِ، يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْإِجَارَةِ، وَلَوِ انْقَطَعَ مَاءُ الْأَرْضِ، أَوْ بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ ; فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ، مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ
(2/256)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِانْقِطَاعِ مَاءِ الْأَرْضِ، وَاسْتِحْقَاقِهَا ; فَكَذَلِكَ نَسْخُ الْحُكْمِ، هُوَ قَطْعٌ لِدَوَامِهِ، لَا بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّتِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى نَسْخًا، كَمَا أَنَّ انْقِضَاءَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ لَا يُسَمَّى فَسْخًا.
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّ النَّسْخَ لَوْ كَانَ قَطْعًا لِدَوَامِ الْحُكْمِ، لَلَزِمَ مِنْهُ تَغَيُّرُ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ قَطْعًا لِدَوَامِ الْحُكْمِ ; إِلَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُسْتَمِرًّا فِي عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا لَا يَكُونُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ قَطْعًا لِدَوَامِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً بِحُكْمِ الْعَقْدِ إِلَى آخِرِ الْمُدَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُسْتَمِرًّا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ انْقَطَعَ قَبْلَ غَايَتِهِ بِالنَّسْخِ، لَزِمَ تَغَيُّرُ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ ; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَكُونُ قَدْ عَلِمَهُ مُسْتَمِرًّا، وَمَا اسْتَمَرَّ، بَلِ انْقَطَعَ بِالنَّسْخِ ; فَيَلْزَمُ مِنْهُ وُقُوعُ خِلَافِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَلِهَذَا فَرَّ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَجَمَاعَةٌ، إِلَى أَنْ قَالُوا: النَّسْخُ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ.
وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي «الْمَعَالِمِ» ، وَحَكَاهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ. وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ النَّسْخَ تَخْصِيصًا زَمَانِيًّا، أَيْ: أَنَّ الْخِطَابَ الثَّانِيَ بَيَّنَ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهَا مُرَادًا مِنَ الْخِطَابِ الْأَوَّلِ، كَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الْأَعْيَانِ كَذَلِكَ، وَرُبَّمَا وَقَعَ التَّعَرُّضُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَبِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ احْتِرَازٌ» ، إِلَى آخِرِهِ هَذَا بَيَانُ احْتِرَازَاتٍ وَقَعَتْ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ:
(2/257)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهَا: قَوْلُنَا: رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ: احْتِرَازٌ مِنْ زَوَالِ حُكْمِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ، كَمَا نَقُولُ: الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ; فَهَذَا حُكْمٌ ثَبَتَ بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، فَإِذَا أَثْبَتْنَا فِي الذِّمَّةِ حَقًا بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ الشَّرْعِيَّةِ ; فَقَدْ رَفَعْنَا حُكْمَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَشَغَلْنَاهَا بِالْحَقِّ، مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَرْفُوعَ هَاهُنَا لَيْسَ ثَابِتًا بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ، بَلْ بِالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ. وَمَعْنَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ: هُوَ الْبَقَاءُ عَلَى حُكْمِ الْعَدَمِ فِي الْمُحْدَثَاتِ قَبْلَ وُجُودِهَا.
الِاحْتِرَازُ الثَّانِي: قَوْلُنَا: رَفْعُ الْحُكْمِ بِخِطَابٍ: احْتِرَازٌ مِنْ زَوَالِ الْحُكْمِ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ التَّكْلِيفِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَسْخٍ ; لِأَنَّ انْقِطَاعَ الْأَحْكَامِ عَنْهُمَا لَمْ يَكُنْ بِخِطَابٍ، وَكَذَلِكَ ارْتِفَاعُ حُكْمِ الصَّوْمِ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ، وَحُكْمِ الْفِطْرِ بِمَجِيءِ النَّهَارِ لَيْسَ نَسْخًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْخِطَابِ، بَلْ بِانْتِهَاءِ غَايَةِ الْحُكْمِ، وَانْقِضَاءِ وَقْتِهِ، وَيَلْزَمُ مَنْ عَرَّفَ النَّسْخَ بِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ، أَنْ يَجْعَلَ دُخُولَ اللَّيْلِ نَسْخًا لِلصَّوْمِ ; لِأَنَّ بِدُخُولِهِ بَانَ انْتِهَاءُ مُدَّةِ الصَّوْمِ، لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الْأُصُولِيُّونَ ذَلِكَ نَسْخًا.
الِاحْتِرَازُ الثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ التَّرَاخِي فِي الْخِطَابِ الرَّافِعِ، حَيْثُ قُلْنَا: رَفْعُ الْحُكْمِ بِخِطَابٍ مُتَرَاخٍ: احْتِرَازٌ مِنْ زَوَالِ الْحُكْمِ بِخِطَابٍ مُتَّصِلٍ، كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، نَحْوُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ «إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ» قَدْ رَفَعَ حُكْمَ عُمُومِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ: أَنْتِ طَالِقٌ. وَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً، هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَفَعَ عُمُومَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، حَتَّى رَدَّهُ إِلَى اثْنَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ
(2/258)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَعَالَى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [الْبَقَرَةِ: 230] ; فَالْغَايَةُ الْمَذْكُورَةُ رَفَعَتْ عُمُومَ التَّحْرِيمِ ; فَهَذَا كُلُّهُ وَأَمْثَالُهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَفْعًا لِحُكْمٍ بِخِطَابٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْخِطَابَ غَيْرُ مُتَرَاخٍ ; فَهُوَ تَخْصِيصٌ لَا نَسْخٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: فَإِنَّهُ بَيَانٌ لَا نَسْخٌ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَالْأَجْوَدُ» ، أَيْ: فِي تَعْرِيفِ النَّسْخِ، «أَنْ يُقَالَ: رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، بِمِثْلِهِ مُتَرَاخٍ عَنْهُ» ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَجْوَدَ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ مِنْ إِشَارَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ فِيهِمَا، أَيْ: فِي الْمَنْسُوخِ وَالنَّاسِخِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ تَارَةً بِالْخِطَابِ، وَتَارَةً بِمَا قَامَ مَقَامَ الْخِطَابِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ، وَالرَّفْعُ بِهِ يُسَمَّى نَسْخًا، وَلَوِ اقْتَصَرْنَا عَلَى قَوْلِنَا: رَفْعُ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ، كَمَا سَبَقَ فِي التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ، لَخَرَجَ مِنْهُ مَا ثَبَتَ بِغَيْرِ الْخِطَابِ، كَالْإِشَارَةِ، وَالْفِعْلِ، وَالْإِقْرَارِ، أَعْنِي: التَّقْرِيرَ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ السُّنَّةِ، كَمَا سَبَقَ فِيهَا ; فَلَا يَكُونُ الْحَدُّ جَامِعًا.
قَوْلُهُ: «بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ بِمِثْلِهِ» ، أَيْ: بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ مِثْلِهِ، وَالْقَوْلُ فِي تَعَلُّقِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ هَهُنَا، كَالْقَوْلِ فِيهِ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ، وَهُوَ أَنَّ «بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ» يَتَعَلَّقُ بِالثَّابِتِ، وَبِمِثْلِهِ يَتَعَلَّقُ «بِرَفْعٍ» .
فَالتَّقْدِيرُ: أَنَّ النَّسْخَ: هُوَ أَنْ يُرْفَعَ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، حُكْمٌ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ.
وَاخْتَارَ لَفْظَ الطَّرِيقِ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي «الْمَحْصُولِ» ; لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنَ الْخِطَابِ كَمَا بَيَّنَّا.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ التَّرَاخِي فِي النَّسْخِ ; فَفَائِدَتُهُ الِاحْتِرَازُ مِنْ تَهَافُتِ الْكَلَامِ وَتَنَاقُضِهِ فِي قَوْلِهِ الْقَائِلِ: افْعَلْ، لَا تَفْعَلْ. وَصَلِّ، لَا تُصَلِّ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْمُخْتَارُ فِي النَّسْخِ
(2/259)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَنَّهُ خِطَابُ الشَّارِعِ، الْمَانِعُ مِنِ اسْتِمْرَارِ مَا ثَبَتَ مِنْ حُكْمِ خِطَابٍ شَرْعِيٍّ سَابِقٍ.
قُلْتُ: وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ، مِنْ عَدَمِ الْجَمْعِ بِاسْتِعْمَالِ خُصُوصِ لَفْظِ الْخِطَابِ، دُونَ عُمُومِ لَفْظِ الطَّرِيقِ.
(2/260)

وَأُورِدُ عَلَى تَعْرِيفِهِ بِالرَّفْعِ: أَنَّ الْحُكْمَ ; إِمَّا ثَابِتٌ ; فَلَا يَرْتَفِعُ، أَوْ غَيْرُ ثَابِتٍ ; فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الرَّفْعِ، وَلِأَنَّ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ ; فَلَا يَرْتَفِعُ. وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ حَسَنًا ; فَرَفْعُهُ قَبِيحٌ، وَيُوجِبُ انْقِلَابَ الْحَسَنِ قَبِيحًا، وَإِلَّا فَابْتِدَاءُ شَرْعِهِ أَقْبَحُ. وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ مُرَادًا غَيْرَ مُرَادٍ ; فَيَتَنَاقَضُ. وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ الْبَدَاءَ، وَهُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّهُ ثَابِتٌ، وَارْتِفَاعُهُ بِالنَّاسِخِ مَعَ إِرَادَةِ الشَّارِعِ، أَوْ بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ، غَيْرُ مُمْتَنِعٍ قَطْعًا. وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّهُ سَاقِطٌ عَنَّا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَعْرِيفِهِ بِالْخِطَابِ الْقَدِيمِ: إِنَّ الْمُرْتَفِعَ التَّعَلُّقُ. أَوْ: إِنَّ مَا كَانَ الْإِتْيَانُ بِهِ لَازِمًا لِلْمُكَلَّفِ، زَالَ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ حُسْنُهُ شَرْعِيٌّ ; فَيَجُوزُ وَجُودُهُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ ; فَإِذَنِ انْقِلَابُهُ قَبِيحًا مُلْتَزَمٌ. وَالتَّنَاقُضُ مُنْدَفِعٌ بِأَنَّ الْإِرَادَةَ تَعَلَّقَتْ بِوُجُودِهِ قَبْلَ النَّسْخِ، وَبِعَدَمِهِ بَعْدَهُ. وَالْبَدَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ، لِلْقَطْعِ بِكَمَالِ عَلَمِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ عَلِمَ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ تَارَةً ; فَأَثْبَتَهُ، وَالْمَفْسَدَةَ تَارَةً ; فَنَفَاهُ، رِعَايَةً لِلْأَصْلَحِ، تَفَضُّلًا مِنْهُ لَا وُجُوبًا، أَوِ امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِينَ بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَأُورِدُ عَلَى تَعْرِيفِهِ بِالرَّفْعِ» ، إِلَى آخِرِهِ. مَعْنَاهُ أَنْ تَعْرِيفَ النَّسْخِ بِأَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ، يَرِدُ عَلَيْهِ إِشْكَالَاتٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْحُكْمَ قَبْلَ النَّسْخِ إِمَّا ثَابِتٌ، أَوْ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا، لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُ بِالنَّاسِخِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْحُكْمِ الطَّارِئِ، بِأَوْلَى مِنِ انْدِفَاعِ الطَّارِئِ بِالثَّابِتِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى، لِاسْتِقْرَارِ الثَّابِتِ وَتَمَكُّنِهِ ; فَيَكُونُ النَّاسِخُ الطَّارِئُ دَخِيلًا عَلَيْهِ، بِمَثَابَةِ الْغَرِيبِ إِذَا دَخَلَ غَيْرَ وَطَنِهِ ; فَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ صَاحِبِ الْوَطَنِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الرَّفْعِ، بَلْ هُوَ مُرْتَفِعٌ بِنَفْسِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ خِطَابَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ ; لِأَنَّ الرَّفْعَ
(2/261)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نَقْلٌ، وَإِزَالَةٌ، وَتَغْيِيرٌ كَمَا سَبَقَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى الْقَدِيمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْحُكْمَ الْمَنْسُوخَ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا، امْتَنَعَ رَفْعُهُ، لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَفْعَ الْحَسَنِ قَبِيحٌ.
الثَّانِي: أَنَّ رَفْعَهُ يُوجِبُ انْقِلَابَ الْحَسَنِ قَبِيحًا، إِذْ لَوْلَا قُبْحُهُ لَمَا رُفِعَ.
وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّهُ قَبْلَ رَفْعِهِ حَسَنٌ ; فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ انْقِلَابُ الْحَسَنِ قَبْلَ النَّسْخِ قَبِيحًا بَعْدَهُ، لَكِنَّ هَذَا قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا ; فَابْتِدَاءُ شَرْعِهِ أَقْبَحُ مِنْ رَفْعِ الْحَسَنِ ; لِأَنَّ رَفْعَ الْحَسَنِ هُوَ تَفْوِيتُ خَيْرٍ، وَشَرْعَ الْقَبِيحِ إِيقَاعُ شَرٍّ، وَهُوَ أَقْبَحُ ; لِأَنَّ إِيقَاعَ الشَّرِّ مُضِرٌّ، وَتَفْوِيتَ الْخَيْرِ قَدْ لَا يَضُرُّ.
الرَّابِعُ: أَنَّ رَفْعَ الْحُكْمِ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُرَادًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، غَيْرَ مُرَادٍ لَهُ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهُ، قَدْ أَمَرَ بِهِ وَأَرَادَهُ، وَمِنْ حَيْثُ رَفَعَهُ، قَدْ نَهَى عَنْهُ وَلَمْ يُرِدْهُ ; فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، غَيْرَ مُرَادٍ.
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّسْخَ يَدُلُّ عَلَى الْبَدَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ بَدَا لَهُ مَا كَانَ خَفِيٌّ عَنْهُ، حَتَّى نَهَى عَمَّا أَمَرَ بِهِ، أَوْ أَمَرَ بِمَا نَهَى عَنْهُ، لَكِنَّ الْبَدَاءَ عَلَى الشَّارِعِ مُحَالٌ.
قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ أَجْوِبَةُ الْإِشْكَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ قَوْلُهُمُ: الْحُكْمُ إِمَّا ثَابِتٌ ; فَلَا يَرْتَفِعُ، أَوْ غَيْرُ ثَابِتٍ،
(2/262)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الرَّفْعِ - هُوَ أَنْ يُقَالَ: الْحُكْمُ ثَابِتٌ، لَكِنَّ ارْتِفَاعَهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ قَطْعًا ; إِمَّا بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ، كَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَأَصْحَابُهُ، أَوْ بِالنَّاسِخِ مَعَ إِرَادَةِ الشَّارِعِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُمْ: لَيْسَ ارْتِفَاعُ الثَّابِتِ بِالطَّارِئِ أَوْلَى مِنِ انْدِفَاعِ الطَّارِئِ بِالثَّابِتِ.
قُلْنَا: بَلْ هَذَا أَوْلَى لِقُوَّةِ الْوَارِدِ، وَلِهَذَا يَتَأَثَّرُ الْمَاءُ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ، دُونَ وُرُودِهِ عَلَيْهَا.
وَالْجَوَابُ «عَنِ الثَّانِي» - وَهُوَ قَوْلُهُمْ: خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ فَلَا يَرْتَفِعُ -: هُوَ أَنَّهُ سَاقِطٌ عَنَّا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، بِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْخِطَابِ، لَا نَفْسُ الْخِطَابِ ; فَالْمُرْتَفِعُ بِالنَّسْخِ مُقْتَضَى الْخِطَابِ الْقَدِيمِ، لَا نَفْسُ الْخِطَابِ الْقَدِيمِ.
قَوْلُهُ: «وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَعْرِيفِهِ بِالْخِطَابِ الْقَدِيمِ» . إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَإِنْ عَرَّفْنَا الْحُكْمَ بِالْخِطَابِ الْقَدِيمِ ; فَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرْتَفِعَ بِالنَّسْخِ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِالْمُكَلَّفِ، لَا نَفْسُ الْخِطَابِ، كَمَا يَزُولُ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِهِ، لِطَرَيَانِ الْعَجْزِ وَالْجُنُونِ، ثُمَّ يَعُودُ التَّعَلُّقُ بِعَوْدِ الْقُدْرَةِ وَالْعَقْلِ، وَالْخِطَابُ فِي نَفْسِهِ لَا يَتَغَيَّرُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ: مَعْنَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ: هُوَ أَنَّ مَا كَانَ الْإِتْيَانُ بِهِ لَازِمًا لِلْمُكَلَّفِ زَالَ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُحَالٍ، وَلَا مُسْتَلْزِمٍ لِارْتِفَاعِ الْخِطَابِ الْقَدِيمِ، وَهَذَا الْوَجْهُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مُتَقَارِبَانِ، أَوْ سِيَّانِ.
وَالْجَوَابُ «عَنِ الثَّالِثِ» - وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنْ كَانَ الْحُكْمُ حَسَنًا ; فَرَفْعُهُ قَبِيحٌ، وَإِلَّا ; فَابْتِدَاءُ شَرْعِهِ أَقْبَحُ -: هُوَ «أَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ»
(2/263)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، «بَلْ حُسْنُهُ» ، أَيْ: حُسْنُ الْحُكْمِ، «شَرْعِيٌّ» ، أَيْ: ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ أَيْضًا، «فَيَجُوزُ وُجُودُهُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ» بِاعْتِبَارِ وُرُودِ أَمْرِ الشَّرْعِ بِهِ، وَنَهْيِهِ عَنْهُ، «فَإِذَنِ انْقِلَابُهُ قَبِيحًا مُلْتَزَمٌ» ، أَيْ: فَإِنْ كَانَ حُسْنُ الْحُكْمِ شَرْعِيًّا كَمَا ذَكَرْنَا ; فَنَحْنُ نَلْتَزِمُ جَوَازَ انْقِلَابِهِ قَبِيحًا، إِذْ مَعْنَاهُ - عَلَى قَوْلِنَا - أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِهَذَا الْحُكْمِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ، وَلَا مَعْنَى لِحُسْنِهِ وَقُبْحِهِ عِنْدَنَا إِلَّا هَذَا، وَلَا مَجَالَ فِيهِ ; فَمَعْنَى انْقِلَابِ الْحَسَنِ قَبِيحًا: هُوَ صَيْرُورَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِمَصْلَحَةٍ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الرَّابِعِ - وَهُوَ قَوْلُهُمْ: يُفْضِي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ مُرَادًا، غَيْرَ مُرَادٍ ; فَيَتَنَاقَضُ، بِأَنَّ التَّنَاقُضَ مُنْدَفِعٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ تَعَلَّقَتْ بِوُجُودِهِ قَبْلَ النَّسْخِ، وَبِعَدَمِهِ بَعْدَهُ، وَالتَّنَاقُضُ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ اتِّحَادِ وَقْتِ التَّعَلُّقِ. أَمَّا إِرَادَةُ وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ فِي وَقْتَيْنِ ; فَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْخَامِسِ - وَهُوَ لُزُومُ الْبَدَاءِ - فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْقَطْعِ، أَيْ: لِأَنَّا نَقْطَعُ بِكَمَالِ عَلَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَدَاءُ يُنَافِي كَمَالَ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ الْمَحْضَ ; لِأَنَّهُ ظُهُورُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَفِيًّا.
وَهُوَ مَصْدَرُ بَدَا يَبْدُو بِدَاءً. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: بَدَا لَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَدَاءٌ مَمْدُودٌ، أَيْ: نَشَأَ لَهُ فِيهِ رَأْيٌ، وَإِذَا ثَبَتَ اسْتِحَالَةُ الْبَدَاءِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ; فَتَوْجِيهُ النَّسْخِ: هُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلِمَ الْمَصْلَحَةَ فِي الْحُكْمِ تَارَةً ; فَأَثْبَتَهُ بِالشَّرْعِ، وَعَلِمَ الْمَفْسَدَةِ فِيهِ تَارَةً ; فَنَفَاهُ بِالنَّسْخِ، وَلِذَلِكَ فَائِدَتَانِ:
(2/264)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِحْدَاهُمَا: رِعَايَةُ الْأَصْلَحِ لِلْمُكَلَّفِينَ، تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا وُجُوبًا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: امْتِحَانُ الْمُكَلَّفِينَ بِامْتِثَالِهِمُ الْأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ، خُصُوصًا فِي أَمْرِهِمْ بِمَا كَانُوا مَنْهِيِّينَ عَنْهُ، وَنَهْيِهِمْ عَمَّا كَانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، فَإِنَّ الِانْقِيَادَ لَهُ أَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/265)

ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ:
الْأُولَى: وَقَعَ النِّزَاعُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَفِي وُقُوعِهِ، وَالْكُلُّ ثَابِتٌ.
أَمَّا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْيَهُودِ ; فَدَلِيلُهُ مَا سَبَقَ مِنْ جَوَازِ دَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ الْمَصَالِحِ، وُجُودًا وَعَدَمًا، كَغِذَاءِ الْمَرِيضِ، وَأَيْضًا الْوُقُوعُ لَازِمٌ لِلْجَوَازِ، وَقَدْ حُرِّمَ نِكَاحُ الْأَخَوَاتِ بَعْدَ جَوَازِهِ فِي شَرْعِ آدَمَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بَعْدَ جَوَازِهِ فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ، وَهُوَ حَقِيقَةُ النَّسْخِ.
وَأَمَّا الشَّرْعِيُّ ; فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} ، {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} ، وَنَسْخُ الِاعْتِدَادِ بِالْحَوْلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، وَخَالَفَ أَبُو مُسْلِمٍ، لِقَوْلِهِ: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ} ، وَالنَّسْخُ إِبْطَالٌ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إِذِ الْمُرَادُ لَا يَلْحَقُهُ الْكَذِبُ، ثُمَّ الْبَاطِلُ غَيْرُ الْإِبْطَالِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«ثُمَّ هُنَا مَسَائِلُ» ، أَيْ: لَمَّا فَرَغَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِّ النَّسْخِ، نَذْكُرُ هَهُنَا مَسَائِلَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ «الْأُولَى: وَقَعَ النِّزَاعُ» بَيْنَ النَّاسِ فِي «جَوَازِ النَّسْخِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَفِي وُقُوعِهِ» ، أَيِ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي النَّسْخِ، وَالْخِلَافُ ; إِمَّا فِي جَوَازِهِ، أَوْ فِي وُقُوعِهِ.
وَالْخِلَافُ فِي جَوَازِهِ ; إِمَّا عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الشَّرَائِعِ عَلَى جَوَازِهِ عَقْلًا، وَوُقُوعِهِ سَمْعًا، إِلَّا الشَّمْعُونِيَّةَ مِنَ الْيَهُودِ ; فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا الْعَنَانِيَّةُ مِنْهُمْ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا جَوَازَ النَّسْخِ
(2/266)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شَرْعًا، لَا عَقْلًا.
قَوْلُهُ: «وَالْكُلُّ ثَابِتٌ» ، أَيْ: جَوَازُ النَّسْخِ عَقْلًا وَشَرْعًا وَوُقُوعُهُ.
«أَمَّا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ - خِلَافًا لِبَعْضِ الْيَهُودِ» ، وَهُمُ الشَّمْعُونِيَّةُ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ - «فَدَلِيلُهُ» ، أَيْ: فَدَلِيلُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: «مَا سَبَقَ مِنْ جَوَازِ دَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ الْمَصَالِحِ وُجُودًا وَعَدَمًا» ، أَيْ: يَجُوزُ وُجُودُ الْحُكْمِ لِوُجُودِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَيَنْتَفِي لِانْتِفَائِهَا كَغِذَاءِ الْمَرِيضِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَكَمِّيَّتِهِ، وَزَمَانِهِ، لِاخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الطَّبِيبَ يَنْهَاهُ الْيَوْمَ عَمَّا يَأْمُرُهُ بِهِ غَدًا، وَيَأْمُرُهُ بِتَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَتَلْطِيفِهِ الْيَوْمَ، وَيَأْمُرُهُ بِتَكْثِيرِهِ وَتَغْلِيظِهِ غَدًا، لِمَا ذَكَرْنَاهُ ; فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فِي وَقْتٍ ; فَيُؤْمَرُ بِهِ تَحْصِيلًا لَهَا، وَيَكُونُ فِيهِ مَفْسَدَةٌ فِي وَقْتٍ ; فَيَنْهَى عَنْهُ نَفْيًا لَهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «الْوُقُوعَ لَازِمٌ لِلْجَوَازِ» ، كَذَا وَقَعَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْجَوَازَ لَازِمٌ لِلْوُقُوعِ ; لِأَنَّ لَازِمَ الشَّيْءِ هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ ذَلِكَ الشَّيْءِ،
(2/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْجَوَازُ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْوُقُوعِ ; لِأَنَّ الْوُقُوعَ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْجَوَازِ، إِذْ كُلُّ وَاقِعٍ جَائِزٌ، وَلَيْسَ كُلُّ جَائِزٍ وَاقِعًا.
وَتَصْحِيحُ عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» أَنْ يُقَالَ: الْوُقُوعُ مَلْزُومٌ أَوْ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَوَازِ، وَهَذَا هُوَ كَمَالُ الْمُرَادِ بِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْجَوَازَ لَازِمٌ لِلْوُقُوعِ، وَقَدْ وَقَعَ النَّسْخُ ; فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ عَقْلًا، دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ. وَبَيَانُ وُقُوعِهِ بِصُوَرٍ:
إِحْدَاهُنَّ: أَنَّ نِكَاحَ الْأَخَوَاتِ، أَيْ: نِكَاحَ الرَّجُلِ أُخْتَهُ، حُرِّمَ فِي شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ قَبْلَهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِ آدَمَ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حُرِّمَ بَعْدَ أَنْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ بِنْتَيْ خَالِهِ رَاحِيلَ وَلِيَا.
الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النِّسَاءِ: 160] ، وَتَحْرِيمُ الشَّيْءِ بَعْدَ تَحْلِيلِهِ: هُوَ حَقِيقَةُ النَّسْخِ، وَحَيْثُ وَقَعَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ وَغَيْرُهَا مِنَ النَّسْخِ، دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ عَقْلًا بِالضَّرُورَةِ، هَذَا بَيَانُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ.
قَوْلُهُ: «وَأَمَّا الشَّرْعِيُّ» ، أَيْ: وَأَمَّا الْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ ; فَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [الْبَقَرَةِ: 107]
(2/268)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
، وَهُوَ نَصٌّ فِي وُقُوعِ النَّسْخِ. وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَى الْآيَةِ فِي تَعْرِيفِ النَّسْخِ لُغَةً مِنْ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النَّحْلِ: 101] ، وَتَبْدِيلُ حُكْمِ الْآيَةِ، أَوْ لَفْظِهَا بِغَيْرِهِ، هُوَ النَّسْخُ.
الثَّالِثُ: نَسْخُ الِاعْتِدَادِ بِالْحَوْلِ بِهِ، أَيْ: بِالِاعْتِدَادِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَانَتْ تَعْتَدُّ حَوْلًا، عَمَلًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [الْبَقَرَةِ: 240] ، أَيْ: مَتِّعُوهُنَّ مِنْ تَرِكَةِ أَزْوَاجِهِنَّ مَتَاعًا، أَيْ: أَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ إِلَى الْحَوْلِ مَا لَمْ يَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِنَّ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [الْبَقَرَةِ: 235] ، وَهَذَا نَاسِخٌ مُؤَخَّرٌ فِي التَّنْزِيلِ، مُقَدَّمٌ فِي التِّلَاوَةِ.
الرَّابِعُ: نَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [الْبَقَرَةِ: 180] الْآيَةَ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النِّسَاءِ: 11]
(2/269)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ; فَإِنَّهُ فَصَّلَ فِيهَا حُكْمَ الْمِيرَاثِ، وَنَسَخَ بِهِ وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ، أَوْ إِنَّهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ; فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ; فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ، وَهُوَ جَوَازُ النَّسْخِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: «وَخَالَفَ أَبُو مُسْلِمٍ» يَعْنِي: الْأَصْفَهَانِيَّ، فِي جَوَازِ النَّسْخِ شَرْعًا كَمَا حَكَيْنَاهُ، أَيْ: أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ هُوَ الشَّرْعُ، لَا الْعَقْلُ، «لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فُصِّلَتْ: 42] ، وَالنَّسْخُ إِبْطَالٌ» .
(2/270)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَلَيْسَ بِشَيْءٍ» ، يَعْنِي: مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو مُسْلِمٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ، أَيْ: لَا يَأْتِيهِ الْكَذِبُ، (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) يَعْنِي الْكُتُبَ السَّالِفَةَ لَا تُكَذِّبُهُ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لَهُ، (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ نُزُولِهِ وَانْقِضَاءِ عَصْرِ النُّبُوَّةِ، بِأَنْ يَقَعَ بَعْضُ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الْمُخْبَرَاتِ، عَلَى خِلَافِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْإِخْبَارَاتِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ: أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبْطِلَ مِنْهُ حَقًّا، وَلَا يُحِقَّ مِنْهُ بَاطِلًا. وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الْحِجْرِ: 9] ، قَالَ: حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْ يَزِيدَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بَاطِلًا، أَوْ يُبْطِلَ مِنْهُ حَقًّا، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ إِبْطَالِ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْبَاطِلُ غَيْرُ الْإِبْطَالِ» ، هَذَا رَدٌّ آخَرُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ، وَهُوَ أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى نَفْيِ الْبَاطِلِ عَنِ الْقُرْآنِ، لَا عَلَى نَفْيِ الْإِبْطَالِ، وَالنَّسْخُ إِبْطَالٌ لِلْحُكْمِ، لَا بَاطِلٌ لَاحِقٌ بِالْقُرْآنِ، وَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُبْطِلَ مِنْ أَحْكَامِ شَرْعِهِ مَا شَاءَ، وَيُثْبِتَ مَا شَاءَ ; فَمَا نَفَتْهُ الْآيَةُ غَيْرُ مَا أَثْبَتْنَاهُ.
وَمَعْنَى إِبْطَالِ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ: أَنَّ مَا كَانَ مَشْرُوعًا صَارَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ يَدَّعِي امْتِنَاعَ النَّسْخِ شَرْعًا دَعْوَى عَامَّةً، وَالْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا، إِنَّمَا تَدُلُّ - لَوْ دَلَّتْ - عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً، وَالدَّعْوَى الْعَامَّةُ لَا تَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ الْخَاصِّ.
ثُمَّ هُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى نَسْخِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، مَعَ أَنَّهَا شَرَائِعُ حَقٍّ صَحِيحَةٌ، لَا يَأْتِيهَا الْبَاطِلُ. فَجَوَابُهُ عَنْهَا هُوَ جَوَابُنَا عَنْ لُحُوقِ النَّسْخِ لِلْقُرْآنِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ يَجْعَلُ كُلَّ مَا سَمَّاهُ غَيْرُهُ نَسْخًا، مِنْ بَابِ انْتِهَاءِ
(2/271)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ وَوُجُودِ غَايَتِهِ، لَا مِنْ بَابِ ارْتِفَاعِهِ بِوُرُودِ مُضَادِّهِ ; فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ. وَيَعُودُ النِّزَاعُ هُنَا إِلَى النِّزَاعِ فِي تَعْرِيفِ النَّسْخِ بِالرَّفْعِ، أَوْ بَيَانِ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/272)

الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ نَسْخُ التِّلَاوَةِ، وَالْحُكْمِ، وَإِحْكَامُهُمَا، وَنَسْخُ اللَّفْظِ فَقَطْ وَبِالْعَكْسِ، إِذِ اللَّفْظُ وَالْحُكْمُ عِبَادَتَانِ مُتَفَاصِلَتَانِ ; فَجَازَ نَسْخُ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، وَمَنَعَ قَوْمٌ الثَّالِثَ، إِذِ اللَّفْظُ أُنْزِلَ لِيُتْلَى وَيُثَابَ عَلَيْهِ ; فَكَيْفَ يُرْفَعُ، وَآخَرُونَ الرَّابِعَ، إِذِ الْحُكْمُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ ; فَكَيْفَ يُرْفَعُ مَعَ بَقَاءِ دَلِيلِهِ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّ التِّلَاوَةَ حُكْمٌ، وَكُلُّ حُكْمٍ فَهُوَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ. وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلٌ قَبْلَ النَّسْخِ لَا بَعْدَهُ. ثُمَّ قَدْ نُسِخَ لَفْظُ آيَةِ الرَّجْمِ دُونَ حُكْمِهَا، وَحُكْمُ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} دُونَ لَفْظِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ» ، أَيِ: اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا، وَإِحْكَامُهُمَا، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: إِبْقَاؤُهُمَا مُحْكَمَيْنِ غَيْرَ مَنْسُوخَيْنِ، «وَنَسْخُ اللَّفْظِ فَقَطْ» دُونَ الْمَعْنَى، «وَبِالْعَكْسِ» ، أَيْ: نَسْخُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَهَذِهِ قِسْمَةٌ رُبَاعِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: «إِذِ اللَّفْظُ وَالْحُكْمُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ دُونَ الْآخَرِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ اللَّفْظَ وَالْحُكْمَ عِبَادَتَانِ مُتَفَاصِلَتَانِ، أَيْ: تَنْفَصِلُ إِحْدَاهُمَا فِي التَّعَبُّدِ بِهَا عَنِ الْأُخْرَى فِعْلًا ; فَجَازَ نَسْخُ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمُتَفَاصِلَةِ.
وَبَيَانُ تَفَاصُلِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، هُوَ أَنَّ اللَّفْظَ مُتَعَبَّدٌ بِتِلَاوَتِهِ، وَالْحُكْمَ مُتَعَبَّدٌ بِامْتِثَالِهِ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُنَا بِتَفَاصُلِهِمَا، لَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهُ عَنِ الْآخَرِ حِسًّا.
(2/273)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَمَنَعَ قَوْمٌ الثَّالِثَ» ، وَهُوَ نَسْخُ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّفْظَ أُنْزِلَ لِيُتْلَى، وَيُثَابَ عَلَيْهِ ; فَكَيْفَ يُرْفَعُ، أَيْ: فَلَوْ رُفِعَ، لَانْتَفَتْ حِكْمَةُ إِنْزَالِهِ.
قَوْلُهُ: «وَآخَرُونَ» ، أَيْ: وَمَنَعَ آخَرُونَ «الرَّابِعَ» ، وَهُوَ نَسْخُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحُكْمَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ ; فَكَيْفَ يُرْفَعُ الْمَدْلُولُ مَعَ بَقَاءِ دَلِيلِهِ، أَيْ: لَوْ رُفِعَ الْحُكْمُ مَعَ بَقَاءِ دَلِيلِهِ، وَهُوَ اللَّفْظُ، لَبَقِيَ الدَّلِيلُ بِلَا مَدْلُولٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ عَبَثٌ، إِذْ فَائِدَةُ الدَّلِيلِ الدَّلَالَةُ ; فَلَوْ رُفِعَ مَدْلُولُهُ، لَبَقِيَ عَرِيًّا عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَانْتَفَتْ فَائِدَتُهُ، وَلَا مَعْنَى لِلْعَبَثِ إِلَّا وُجُودُ شَيْءٍ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ.
قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ» ، أَيْ: عَمَّا احْتُجَّ بِهِ مِنْ مَنْعِ نَسْخِ اللَّفْظِ دُونَ الْحُكْمِ، بِأَنَّ التِّلَاوَةَ حُكْمٌ، وَكُلُّ حُكْمٍ فَهُوَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ.
أَمَّا أَنَّ التِّلَاوَةَ حُكْمٌ، وَالْمُرَادُ بِهَا مُتَعَلَّقُ الْحُكْمِ ; فَلِأَنَّهُ يَجِبُ تِلَاوَتُهَا فِي الصَّلَاةِ، وَتَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ بِهَا، وَتُسْتَحَبُّ كِتَابَتُهَا، وَالْوُجُوبُ، وَالصِّحَّةُ، وَالِاسْتِحْبَابُ أَحْكَامٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتِّلَاوَةِ ; فَهِيَ حُكْمٌ أَوْ فِي مَعْنَى الْحُكْمِ.
وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ; فَهُوَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ ; فَلِمَا سَبَقَ فِي إِثْبَاتِ النَّسْخِ، مِنْ جَوَازِ تَحْرِيمِ الْوَاجِبِ، وَإِيجَابِ الْمُحَرَّمِ، وَكَرَاهَةِ الْمَنْدُوبِ، وَنَدْبِ الْمَكْرُوهِ، بِنَاءً عَلَى وُرُودِ أَمْرِ الشَّارِعِ وَنَهْيِهِ بِذَلِكَ، تَحْصِيلًا لِلْمَصَالِحِ، وَدَفْعًا لِلْمَفَاسِدِ، وَتَحْقِيقًا لِلِامْتِحَانِ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ مُبْتَدَأٌ عَلَى جَوَازِ مَا مَنَعُوهُ، لَا جَوَابَ عَنْ دَلِيلِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: «أُنْزِلَ اللَّفْظُ لِيُتْلَى ; فَكَيْفَ يُرْفَعُ؟» فَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ، وَلَا اسْتِبْعَادَ، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ فِي تِلَاوَتِهِ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَنْسُوخَةِ.
(2/274)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَعَنِ الثَّانِي» ، أَيْ: وَأُجِيبُ عَنِ الثَّانِي - وَهُوَ دَلِيلُ الْمَانِعِينَ لِنَسْخِ الْحُكْمِ دُونَ اللَّفْظِ، وَهُوَ قَوْلُهُمُ: الْحُكْمُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ ; فَكَيْفَ يُرْفَعُ الْمَدْلُولُ مَعَ بَقَاءِ دَلِيلِهِ - بِأَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلُ الْحُكْمِ قَبْلَ النَّسْخِ، أَمَّا بَعْدَ النَّسْخِ ; فَلَا يَبْقَى دَلِيلًا عَلَيْهِ حَتَّى يَلْزَمَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ بَقَاءِ الدَّلِيلِ بِدُونِ مَدْلُولِهِ، بَلْ يَبْقَى عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً، يُتْلَى، وَيُصَلَّى بِهِ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ.
وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ لَهُ جِهَتَانِ، هُوَ مِنْ إِحْدَاهُمَا دَلِيلٌ عَلَى مَعْنَاهُ، وَمِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى هُوَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَإِذَا انْتَفَتْ جِهَةُ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى مَعْنَاهُ بِنَسْخِهِ، بَقِيَتْ جِهَةُ كَوْنِهِ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَدْ نُسِخَ لَفْظُ آيَةِ الرَّجْمِ دُونَ حُكْمِهَا» ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صَحَّ فِي السُّنَّةِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرْآنِ الْمَتْلُوِّ: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ» ، «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . فَنُسِخَ لَفْظُهَا، وَبَقِيَ حُكْمُهَا
(2/275)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فِي رَجْمِ الْمُحْصَنَيْنِ إِذَا زَنَيَا، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ يُقَالَ: زَادَ عُمَرُ فِي الْقُرْآنِ، لَأَثْبَتُّهَا فِي الْمُصْحَفِ،» وَذَلِكَ لِأَنَّ بِنَسْخِ لَفْظِهَا خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَسْتَحِقَّ أَنْ
(2/276)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تُثْبَتَ فِي الْمُصْحَفِ، لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْأَصَالَةِ ; فَهَذَا دَلِيلُ نَسْخِ اللَّفْظِ دُونَ الْحُكْمِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرَّجْمَ ثَابِتٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، بَلْ إِنَّمَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ.
قُلْنَا: بَلْ هَذَا مُقَرِّرٌ لِحُكْمِ تِلْكَ الْآيَةِ، وَمُعَرِّفٌ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ. وَقَدْ يُضَعَّفُ هَذَا بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى التَّأْسِيسِ، وَإِثْبَاتِ الرَّجْمِ ابْتِدَاءً، أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى تَأْكِيدِ حُكْمِ الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ مُبَيِّنًا لِلسَّبِيلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النِّسَاءِ: 15] ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِآيَةِ الرَّجْمِ، بَلْ هُوَ إِمَّا مُسْتَقِلٌّ بِإِثْبَاتِ الرَّجْمِ، أَوْ مُبَيِّنٌ لِلسَّبِيلِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى.
وَكَذَلِكَ نَسْخُ حُكْمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [الْبَقَرَةِ: 185] ، دُونَ لَفْظِهَا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ، دُونَ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ أَنْ يَصُومُوا، وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرُوا، مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّوْمِ، وَيُطْعِمُوا مِسْكِينًا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، عَمَلًا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}
(2/277)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَنُسِخَ ذَلِكَ التَّخْيِيرُ، بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [الْبَقَرَةِ: 185] ، وَبَقِيَتِ الرُّخْصَةُ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ عَنِ الصَّوْمِ، لِكِبَرٍ، أَوْ مَرِضٍ، أَوْ حَمْلٍ، أَوْ رَضَاعٍ، كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
وَحَيْثُ وَقَعَ نَسْخُ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، وَنَسْخُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ قَطْعًا، دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: اتَّفَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ، وَنَسْخِ أَيِّهِمَا كَانَ دُونَ الْآخَرِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ خَالَفُوا فِي
(2/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ. وَاحْتُجَّ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ أَيِّهِمَا كَانَ، بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَلَى جَوَازِ نَسْخِهِمَا جَمِيعًا، بِنَسْخِ تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ ; فَإِنَّهُ كَانَ مُنَزَّلًا كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، ثُمَّ نُسِخَ مَعَ آيَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: اخْتُلِفَ فِيمَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ، نَحْوَ «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ» هَلْ لِلْجُنُبِ تِلَاوَتُهُ، وَلِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْآمِدِيُّ: الْأَشْبَهُ الْمَنْعُ.
قُلْتُ: بَلِ الْأَشْبَهُ الْجَوَازُ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ إِنَّمَا قَامَ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ مِنَ الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ لِلْإِعْجَازِ، وَمَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ; فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، أَوْ دَاخِلٌ تَحْتِ دَلِيلِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/279)

الثَّالِثَةُ: نَسْخُ الْأَمْرِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ جَائِزٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: لَا تَحُجُّوا بَعْدَ الْأَمْرِ بِهِ، وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ.
لَنَا: مُجَرَّدُ الْأَمْرِ مُفِيدٌ أَنَّ الْمَأْمُورَ يَعْزِمُ عَلَى الِامْتِثَالِ ; فَيُطِيعُ، أَوِ الْمُخَالَفَةِ ; فَيَعْصِي، وَمَعَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ، لَا يَمْتَنِعُ النَّسْخُ، ثُمَّ قَدْ نُسِخَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَمْرُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ قَبْلَ فِعْلِهِ.
قَالُوا: الْأَمْرُ يَقْتَضِي حُسْنَ الْفِعْلِ، وَنَسْخُهُ قُبْحَهُ، وَاجْتِمَاعُهُمَا مُحَالٌ، وَقِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ مَنَامًا لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمَرْ بِالذَّبْحِ، بَلْ بِالْعَزْمِ عَلَيْهِ، أَوْ بِمُقَدِّمَاتِهِ، كَالْإِضْجَاعِ، بِدَلِيلِ: {قَدْ صَدَّقْتَ} ، فَافْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، وَلَفْظُهُ مُسْتَقْبَلٌ، ثُمَّ لَمْ يُنْسَخْ، بَلْ قَلَبَ اللَّهُ تَعَالَى عُنُقَهُ نُحَاسًا ; فَسَقَطَ لِتَعَذُّرِهِ، أَوْ أَنَّهُ امْتَثَلَ، لَكِنَّ الْجُرْحَ الْتَأَمَ حَالًا فَحَالًا، وَانْدَمَلَ.
وَالْجَوَابُ:
إِجْمَالِيٌّ عَامٌّ، وَهُوَ: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ، لَمَا احْتَاجَ إِلَى فِدَاءٍ، وَلَمَا كَانَ بَلَاءً مُبِينًا.
أَوْ تَفْصِيلِيٌّ، أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ: فَاجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ مَمْنُوعٌ، بَلْ قَبْلَ النَّسْخِ حَسَنٌ، وَبَعْدَهُ قَبِيحٌ شَرْعًا، لَا عَقْلًا كَمَا تَزْعُمُونَ، وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ مَنَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ; فَإِلْغَاءُ اعْتِبَارِهِ تَهَجُّمٌ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَكَرُّرِهِ، وَالْعَزْمُ عَلَى الذَّبْحِ لَيْسَ بَلَاءً، وَالْأَمْرُ بِالْمُقْدِمَاتِ فَقَطْ، إِنْ عَلِمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ ; فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ إِيهَامٌ وَتَلْبِيسٌ قَبِيحٌ، إِذْ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمُكَلَّفِ مَا كُلِّفَ بِهِ. وَقَدْ صَدَّقْتَ، مَعْنَاهُ: عَزَمْتَ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرْتَ بِهِ صَادِقًا ; فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ خَفَّفْنَا عَنْكَ بِنَسْخِهِ. وَ {مَا تُؤْمَرُ} ، أَيْ: مَا أُمِرْتَ، أَوْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ فِي الْحَالِ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْأَمْرِ الْمَاضِي قَبْلَهُ ; فَلَا اسْتِقْبَالَ، وَإِلَّا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ. وَقَلْبُ عُنُقِهِ نُحَاسًا لَمْ يَتَوَاتَرْ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَصَصْتُمْ بِعِلْمِهِ، وَآحَادُهُ لَا تُفِيدُ، ثُمَّ هُوَ أَيْضًا نَسْخٌ، وَكَذَا الْتِئَامُ الْجُرْحِ وَانْدِمَالُهُ، وَإِلَّا لَاسْتَغْنَى عَنِ الْفِدَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(2/280)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: نَسْخُ الْأَمْرِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ جَائِزٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ» ، يَعْنِي الشَّارِعَ، «فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: لَا تَحُجُّوا بَعْدَ الْأَمْرِ بِهِ» ، أَيْ: يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي رَمَضَانَ مَثَلًا: حُجُّوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ قَبْلَهُ: لَا تَحُجُّوا.
«وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ» ; فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُتَرْجِمُهَا بَعْضُهُمْ بِجَوَازِ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ، وَهِيَ عِبَارَةُ «الرَّوْضَةِ» ، وَبَعْضُهُمْ بِجَوَازِ نَسْخِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَهِيَ عِبَارَةُ «التَّنْقِيحِ» ، وَقَالَ: خِلَافًا لِأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالنَّسْخِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ حُكْمِ الْفِعْلِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ; فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ جَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالصَّيْرَفِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَجَوَّزَهُ الْأَشَاعِرَةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْفُقَهَاءُ، قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قُلْتُ: وَأَنَا تَرْجَمْتُ الْمَسْأَلَةَ بِمَا ذَكَرْتُ ; لِأَنَّهُ أَعَمُّ ; فَإِنَّهُ لَوْ نُسِخَ حُكْمُ الْأَمْرِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَالتَّمَكُّنِ مَنْ فِعْلِهِ قَبْلَ فِعْلِهِ، لَاقْتَضَى دَلِيلُ الْخَصْمِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ عَلَى مَا سَنُقَرِّرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «لَنَا: مُجَرَّدُ الْأَمْرِ مُفِيدٌ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى صِحَّةِ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ امْتِثَالِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ مُفِيدٌ فَائِدَةً تَكْلِيفِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ الِامْتِثَالُ، وَمَعَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ لَا يُمْتَنَعُ النَّسْخُ.
أَمَّا أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ مُفِيدٌ ; فَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ، إِذَا عَلِمَ تَوَجُّهَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ ; إِمَّا أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الِامْتِثَالِ ; فَيَكُونُ مُطِيعًا مُثَابًا، أَوْ عَلَى الْمُخَالَفَةِ ; فَيَكُونُ عَاصِيًا مُعَاقَبًا بِالنِّيَّةِ وَالْعَزْمِ.
وَأَمَّا أَنَّ مَعَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ لَا يَمْتَنِعُ النَّسْخُ ; فَبِالْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ صُوَرِ النَّسْخِ، وَلِأَنَّ الْخَصْمَ إِنَّمَا مَنَعَ النَّسْخَ قَبْلَ الِامْتِثَالِ، لِكَوْنِهِ عَبَثًا عِنْدَهُ، وَمَعَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ
(2/281)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَنْتَفِي كَوْنُهُ عَبَثًا ; فَيَجِبُ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ قَبْلَ الِامْتِثَالِ قَدْ وَقَعَ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، نُسِخَ عَنْهُ ذَبْحُ وَلَدِهِ قَبْلَ فِعْلِهِ، عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ الْجَوَازِ ; لِأَنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْجَوَازِ ; فَدَلَّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْأَمْرُ يَقْتَضِي حُسْنَ الْفِعْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ قَبْلَ الِامْتِثَالِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَقْتَضِي حُسْنَهُ، وَنَسْخَهُ يَقْتَضِي قُبْحَهُ، وَاجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ.
قَوْلُهُ: «وَقِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْعٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى النَّسْخِ قَبْلَ الِامْتِثَالِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِي ذَبْحِ وَلَدِهِ كَانَتْ مَنَامًا، وَالْمَنَامُ خَيَالٌ لَا أَصْلَ لَهُ حَتَّى يُبْنَى عَلَيْهِ أُصُولُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَنَامَ لَهُ حَقِيقَةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فِي إِثْبَاتِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، بَلْ بِالْعَزْمِ عَلَيْهِ، أَوْ بِفِعْلِ مُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ كَإِضْجَاعِ وَلَدِهِ، وَأَخْذِ السِّكِّينَ وَنَحْوِهِ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
(2/282)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصَّافَّاتِ: 104، 105] ، أَيْ: فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَا فَعَلَهُ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الذَّبِيحِ: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصَّافَّاتِ: 102] ، وَلَفْظُهُ لَفْظُ الْمُسْتَقْبَلِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَا أُمِرَ بِالذَّبْحِ، وَإِنَّمَا أُخْبِرَ أَنَّهُ سَيُؤْمَرُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، إِذْ لَوْ كَانَ قَدْ أُمِرَ بِهِ، لَقَالَ: افْعَلْ مَا أُمِرْتَ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ أُمِرَ بِالذَّبْحِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ عَنْهُ قَبْلَ امْتِثَالِهِ، بَلْ قَلَبَ اللَّهُ عُنُقَ وَلَدِهِ نُحَاسًا، فَلَمْ تُؤْثَرِ الشَّفْرَةُ فِيهِ ; فَسَقَطَ لِتَعَذُّرِهِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرْ، لَكِنَّهُ امْتَثَلَ ; فَذَبَحَهُ، لَكِنْ كَانَ كُلَّمَا قَطَعَ جُزْءًا مِنْ عُنُقِهِ، الْتَأَمَ، أَيِ: الْتَحَمَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: حَالًا فَحَالًا، أَيِ: الْتَأَمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ; فَانْدَمَلَ الْجُرْحُ بِمُجَرَّدِ الْتِحَامِهِ، أَيْ: بَرَأَ وَذَلِكَ بِدَلِيلِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذَّبْحِ ; فَيَلْزَمُ أَنَّهُ ذَبَحَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَدْ صَدَّقَ الرُّؤْيَا.
وَتَحْقِيقُ هَذَا: أَنَّ كَلَامَنَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالذَّبْحِ، لَكِنْ رَأَيْنَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِتَصْدِيقِ الرُّؤْيَا ; فَقُلْنَا: إِنَّهُ ذَبَحَهُ، وَثَبَتَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِذَبْحِهِ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا ; فَقُلْنَا: إِنِ الْعَادَةَ انْخَرَقَتْ فِيهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ; مِنِ الْتِئَامِ الْجُرْحِ شَيْئًا فَشَيْئًا.
قَوْلُهُ: «وَالْجَوَابُ» ، أَيْ: عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ، مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِجْمَالِيٌّ عَامٌّ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ، وَهُوَ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُ ذَبَحَهُ، لَمَا احْتَاجَ إِلَى فِدَائِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَدِ امْتَثَلَ ; فَلَوْ فَدَاهُ مَعَ ذَلِكَ، لَاجْتَمَعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ
(2/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ، مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا أُمِرَ بِمُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ، لَا نَفْسِ الذَّبْحِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَلَاءً مُبِينًا، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمَّاهُ بَلَاءً مُبِينًا، حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ هَذَا لَهْوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصَّافَّاتِ: 106، 107] .
قُلْتُ: حُسْنُ التَّرْتِيبِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلَ ; فَيُقَالُ هَكَذَا: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ، لَمَا كَانَ بَلَاءً مُبِينًا، وَلَمَا احْتَاجَ إِلَى فِدَاءٍ لِأَنَّ تَرْتِيبَ أَسْئِلَةِ الْخَصْمِ هَكَذَا، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» عَلَى تَرْتِيبِ مَا فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ إِجْمَالِيٌّ عَامٌّ، وَفِيهِ بَعْضُ التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِصَاصِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - وَهُوَ التَّفْصِيلِيُّ - فَنَقُولُ: أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: اجْتِمَاعُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ ; فَهُوَ أَنْ يُقَالَ: اجْتِمَاعُهُمَا مُحَالٌ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي حَالَيْنِ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ حَسَنٌ قَبْلَ النَّسْخِ، وَأَمَّا بَعْدُهُ ; فَهُوَ قَبِيحٌ، وَاتِّصَافُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي وَقْتَيْنِ لَيْسَ بِمُحَالٍ، ثُمَّ إِنَّ حُسْنَهُ وَقُبْحَهُ عِنْدَنَا شَرْعِيٌّ، أَيْ: مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّرْعِ، لَا عَقْلِيٌّ كَمَا تَزْعُمُونَ، وَكَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا، لِئَلَّا نُطْلِقَ لَفْظَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ ; فَيُظَنُّ أَنَّا نَقُولُ بِهِمَا عَقْلًا، كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نَقُولُ بِهِمَا شَرْعًا، كَمَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلُ.
وَالْجَوَابُ «عَنِ الْبَاقِي» ، أَيْ: عَنْ بَاقِي مَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ أَسْئِلَتُهُمْ عَلَى قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ نَقُولَ: قَوْلُكُمْ: قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ مَنَامًا لَا أَصْلَ لَهُ - بَاطِلٌ ; لِأَنَّ «مَنَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ; فَإِلْغَاءُ اعْتِبَارِهِ» ، أَيْ: كَوْنُكُمْ لَا تَعْتَبِرُونَهُ، وَتُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ «تَهَجُّمٌ» عَلَى الْوَحْيِ بِالْإِبْطَالِ، «لَا سِيَّمَا» ، أَيْ: خُصُوصًا «مَعَ تَكَرُّرِهِ» فِي قِصَّةِ
(2/284)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِبْرَاهِيمَ ; فَإِنَّهُ رَأَى ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَنِ اذْبَحْ وَلَدَكَ لِي قُرْبَانًا ; فَفِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ظَنَّ أَنَّهَا خَيَالٌ، أَوْ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلَمْ يَعْبَأْ بِهَا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي تَرَوَّى فِي نَفْسِهِ، أَيْ: تَفَكَّرَ، هَلْ لِذَلِكَ أَصْلٌ أَمْ لَا؟ فَسُمِّيَ لِذَلِكَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَصْبَحَ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّهَا رُؤْيَا حَقٌّ ; فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَعَرَفَةَ، وَاشْتِقَاقِهِمَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَنَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: مَا سَبَقَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ هُنَاكَ.
الثَّانِي: أَنَّ رُؤْيَا آحَادِ الْأُمَمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ السُّنَنُ الصَّحِيحَةُ ; فَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ نُبُوَّةً.
الثَّالِثُ: مَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنَ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ
(2/285)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَفَلَقِ الصُّبْحِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ نُبُوَّةٌ وَوَحْيٌ، كَانَ قَوْلُكُمْ: إِنَّ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنَامٌ لَا أَصْلَ لَهُ، تَهَجُّمًا عَظِيمًا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّمَا أُمِرَ بِالْعَزْمِ عَلَى الذَّبْحِ، أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ.
قُلْنَا: الْعَزْمُ عَلَى الذَّبْحِ لَيْسَ بَلَاءً مُبِينًا، بِحَيْثُ يُمْتَحَنُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ; لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ وَسُوقَتَهُمْ، لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمْ: أَنْتَ مَأْمُورٌ بِالْعَزْمِ عَلَى ذَبْحِ وَلَدِكَ، لَا بِنَفْسِ ذَبْحِهِ، لَسَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ كُلْفَةً. «وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمُقَدِّمَاتِ فَقَطْ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فَكَذَلِكَ» ، أَيْ: لَا بَلَاءَ فِيهِ، إِذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي إِضْجَاعِ وَلَدِهِ، وَأَخَذِ السِّكِّينَ مَعَ عِلْمِهِ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَمَا لَوْ مَازَحَ الْإِنْسَانُ وَلَدَهُ، أَوْ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ فَقَطْ، كَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا عَلَيْهِ، وَإِيهَامًا فِي الْخِطَابِ، وَإِيهَامًا لَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ قَبِيحٌ، يَعْنِي الْإِيهَامَ وَالتَّلْبِيسَ ; لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ أَنْ يَعْرِفَ الْمُكَلَّفُ مَا كُلِّفَ بِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّكْلِيفِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ أَمْرُهُ
(2/286)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الذَّبْحِ، مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، تَكْلِيفًا غَيْرَ صَحِيحٍ.
قَوْلُهُمْ: قَوْلُهُ: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصَّافَّاتِ: 105] ، مَعْنَاهُ: قَدْ فَعَلْتَ مَا أُمِرْتَ بِهِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ، بَلْ مَعْنَاهُ: «قَدْ عَزَمْتَ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرْتَ بِهِ صَادِقًا ; فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ خَفَّفْنَا عَنْكَ كُلْفَتَهُ بِنَسْخِهِ» عَنْكَ. هَذَا هُوَ كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ الْمَفْهُومُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُمْ: قَوْلُ الذَّبِيحِ: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، لَفْظٌ مُسْتَقْبَلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا أُمِرَ بِذَبْحِهِ، بَلْ سَيُؤْمَرُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُسْتَقْبَلُ، بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: {مَا تُؤْمَرُ} : افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ، وَضْعًا لِلْمُضَارِعِ مَوْضِعَ الْمَاضِي وَهُوَ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ.
قُلْنَا: يَلْزَمُكُمْ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ، وَعَلَى قَوْلِكُمْ، يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي سَأُومَرُ بِذَبْحِكَ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ نَحْنُ ; مِنْ وَضْعِ الْمُضَارِعِ مَوْضِعَ الْمَاضِي أَسْهَلُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ، أَيْ: «مَا تُؤْمَرُ بِهِ فِي الْحَالِ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْأَمْرِ الْمَاضِي» .
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِفِعْلٍ ; فَالْأَمْرُ بِهِ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْأَمْرِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ ; فَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; لَمَّا أُمِرَ فِي اللَّيْلِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ ; فَأَخْبَرَ وَلَدَهُ بِذَلِكَ ; فَهُوَ حَالُ إِخْبَارِهِ وَلَدَهُ مَأْمُورٌ بِمَا أُمِرَ بِهِ فِي اللَّيْلِ
(2/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِذَبْحِ وَلَدِهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بَعْدُ ; فَأَمْرُهُ بِالذَّبْحِ فِي الْمَاضِي مُسْتَصْحِبٌ إِلَى حَالِ إِخْبَارِهِ وَلَدَهُ. وَقَوْلُهُ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ، أَيْ: مَا أَنْتَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الْحَالِ، بِنَاءً عَلَى اسْتِصْحَابِ الْأَمْرِ الْمَاضِي، وَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ يَصْلُحُ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَهُوَ فِي الْحَالِ أَظْهَرُ.
وَإِذَا حَمَلْنَا قَوْلَهُ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ، عَلَى الْحَالِ، عَمَلًا بِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلِيلِنَا ; فَلَا اسْتِقْبَالَ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُؤْمَرُ بِذَبْحِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ» ، أَيْ: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: سَيُؤْمَرُ بِذَبْحِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَا أَنَّهُ أُمِرَ بِهِ فِي الْمَاضِي، لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاءِ ; لِأَنَّ الْفِدَاءَ يَكُونُ عَنْ تَرْكِ مَأْمُورٍ. وَعَلَى قَوْلِكُمْ: هُوَ إِلَى الْآنِ لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ ; فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُمِرَ وَتَرَكَ. وَأَيْضًا لَوْ صَحَّ ذَلِكَ، لَأُمِرَ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِئَلَّا يَقَعَ الْخُلْفُ فِي خَبَرِ الْمَعْصُومِ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعْ، دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ مَا تَأَوَّلُوهُ.
قَوْلُهُمْ: لَمْ يَنْسَخْ عَنْهُ الذَّبْحَ، بَلْ قُلِبَ عُنُقُهُ نُحَاسًا. جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ، أَوْ بِالْآحَادِ.
وَالتَّوَاتُرُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ تَوَاتَرَ، لَمَا اخْتَصَصْتُمْ بِعِلْمِهِ دُونَنَا، مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ وَاحِدٌ. وَالْأَسْبَابَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَلَوْ صَحَّ دَعْوَى ذَلِكَ، لَكَانَ كُلُّ مَنْ مُنِعَ شَيْئًا، أَوْ نُوزِعَ فِيهِ، قَالَ لِخَصْمِهِ: هَذَا تَوَاتُرٌ عِنْدِي دُونَكَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ خَبْطٌ عَظِيمٌ، وَخَطْبٌ جَسِيمٌ، وَمَا يُشْبِهُ السَّفْسَطَةَ.
وَالْآحَادُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّ مَسْأَلَةَ النِّزَاعِ إِنْ كَانَتْ عِلْمِيَّةً ; فَالْآحَادُ إِنَّمَا
(2/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْعِلْمَ، وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً ; فَالْوَاقِعَةُ الْمَذْكُورَةُ عَظِيمَةٌ، خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ ; فَهِيَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ; فَيَقَعُ الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً لِتَوَاتُرِهَا ; فَحَيْثُ لَمْ تَتَوَاتَرْ، بَلْ لَمْ تَسْتَفِضْ، بَلْ لَمْ يُنْقَلْ أَصْلًا عَمَّنْ يُعْتَبَرُ، أَنَّ عُنُقَ الذَّبِيحِ قُلِبَ نُحَاسًا، دُلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ، دَافَعَ بِهَا الْخَصْمُ عَنْ مَذْهَبِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ عُنُقَهُ قُلِبَ نُحَاسًا، لَكِنَّهُ نُسِخَ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّسْخَ: إِمَّا رَفْعُ الْحُكْمِ، أَوْ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ، وَكِلَاهُمَا مَوْجُودٌ فِي سُقُوطِ الذَّبْحِ، لِتَعَذُّرِهِ بِقَلْبِ الْعُنُقِ نُحَاسًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ قَبْلَ قَلْبِ الْعُنُقِ نُحَاسًا، وَبَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ رَفْعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ.
فَإِنْ قِيلَ: النَّسْخُ هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ بِخِطَابٍ، وَارْتِفَاعُ وُجُوبِ الذَّبْحِ هُنَا إِنَّمَا هُوَ بِالتَّعَذُّرِ، لَا بِالْخِطَابِ.
قُلْنَا: لَكِنْ هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْخِطَابِ، وَهُوَ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ الْعَامَّةُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَالذَّبْحُ بَعْدَ قَلْبِ الْعُنُقِ نُحَاسًا صَارَ مِنَ الْمُحَالِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ بِانْقِلَابِ الْعُنُقِ نُحَاسًا ; انْتَهَتْ مُدَّةُ الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ لِتَعَذُّرِهِ ; فَقَدْ بَانَ أَنَّ قَلْبَ الْعُنُقِ نُحَاسًا نُسِخَ، لِوُجُوبِ الذَّبْحِ عَلَى كِلَا التَّعْرِيفَيْنِ لِلنَّسْخِ.
وَأَمَّا الْتِئَامُ الْجُرْحِ، وَانْدِمَالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا ; فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا ذُكِرَ فِي قَلْبِ الْعُنُقِ نُحَاسًا، مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَتَوَاتَرْ، وَالْآحَادُ لَا يُفِيدُ فِي مِثْلِهِ.
(2/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ، لَاسْتَغْنَى عَنِ الْفِدَاءِ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ ; فَالْفِدَاءُ بَعْدَهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/290)

الرَّابِعَةُ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ، إِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُكْمِهِ أَصْلًا ; فَلَيْسَتْ نَسْخًا إِجْمَاعًا، كَزِيَادَةِ إِيجَابِ الصَّوْمِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ ; فَهِيَ إِمَّا جُزْءٌ لَهُ، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الصُّبْحِ، أَوْ عِشْرِينَ سَوْطًا فِي حَدِّ الْقَذْفِ. أَوْ شَرْطٌ، كَالنِّيَّةِ لِلطَّهَارَةِ، أَوْ لَا وَاحِدَ مِنْهُمَا، كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ. وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَسْخًا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
لَنَا: النَّسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ، وَهُوَ بَاقٍ، زِيدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ.
قَالُوا: الزِّيَادَةُ إِمَّا فِي الْحُكْمِ، أَوْ سَبَبِهِ، وَأَيًّا كَانَ، يَلْزَمُ النَّسْخُ ; لِأَنَّهُمَا كَانَا قَبْلَ الزِّيَادَةِ مُسْتَقِلَّيْنِ بِالْحُكْمِيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ، وَاسْتِقْلَالُهُمَا حُكْمٌ قَدْ زَالَ بِالزِّيَادَةِ، كَالْجَلْدِ مَثَلًا، كَانَ مُسْتَقِلًا بِعُقُوبَةِ الزَّانِي، أَيْ: هُوَ الْحَدُّ التَّامُّ، وَبَعْدَ زِيَادَةِ التَّغْرِيبِ، صَارَ جُزْءَ الْحَدِّ.
قُلْنَا: الْمَقْصُودُ مِنَ الزِّيَادَةِ تَعَبُّدُ الْمُكَلَّفِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا، لَا رَفْعُ اسْتِقْلَالِ مَا كَانَ قَبْلَهَا، لَكِنَّهُ حَصَلَ ضَرُورَةً وَتَبَعًا، بِالِاقْتِضَاءِ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْمَنْسُوخُ مَقْصُودٌ بِالرَّفْعِ، وَالِاسْتِقْلَالُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ ; فَلَا يَكُونُ مَنْسُوخًا ; فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا. لَا يُقَالُ: رَفْعُ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ ; فَيَلْزَمُ مِنْ قَصْدِهَا قَصْدُهُ ; لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ، إِذْ قَدْ يُتَصَوَّرُ الْمَلْزُومُ مِمَّنْ هُوَ غَافِلٌ عَنِ اللَّازِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الرَّابِعَةُ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ» ; إِمَّا أَنْ لَا تَتَعَلَّقَ بِحُكْمِ النَّصِّ أَصْلًا، أَوْ تَتَعَلَّقَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ ; فَلَيْسَتْ نَسْخًا لَهُ إِجْمَاعًا، وَذَلِكَ كَزِيَادَةِ إِيجَابِ الصَّوْمِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ نَسْخًا لِإِيجَابِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتِ الزِّيَادَةُ بِحُكْمِ النَّصِّ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ ; فَتِلْكَ الزِّيَادَةُ إِمَّا جُزْءٌ لَهُ، أَوْ شَرْطٌ، أَوْ لَا جُزْءٌ وَلَا شَرْطٌ.
(2/291)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِثَالُ كَوْنِهَا جُزْءًا لَهُ: زِيَادَةُ رَكْعَةٍ فِي الصُّبْحِ، أَوْ عِشْرِينَ سَوْطًا فِي حَدِّ الْقَذْفِ ; فَتَصِيرُ الصُّبْحُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَالرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَحَدُّ الْقَذْفِ مِئَةُ سَوْطٍ، وَالْعِشْرُونَ الزَّائِدَةُ جُزْءٌ مِنْهَا.
وَمِثَالُ كَوْنِهَا شَرْطًا: نِيَّةُ الطَّهَارَةِ، هِيَ شَرْطٌ لَهَا، وَقَدْ زِيدَتْ بِالْحَدِيثِ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى بَاقِي آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ أَفْعَالِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ مُسْتَفَادَةً مِنَ الْآيَةِ، عَلَى خِلَافٍ فِيهِ.
وَمِثَالُ كَوْنِ الزِّيَادَةِ لَا جُزْءًا وَلَا شَرْطًا: التَّغْرِيبُ عَلَى الْجَلْدِ فِي زِنَى الْبِكْرِ، إِذِ الْجَلْدُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّغْرِيبِ تَوَقُّفَ الْكُلِّ عَلَى جُزْئِهِ، وَلَا تَوَقُّفَ الْمَشْرُوطِ عَلَى شَرْطِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَسْخًا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
حَكَى الْآمِدِيُّ عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالْغَزَالِيِّ، فِي الْمِثَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، أَنَّهُمَا وَافَقَا الْحَنَفِيَّةَ فِي أَنَّهُ نَسْخٌ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: النَّسْخُ: رَفْعُ الْحُكْمِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ عَدَمِ كَوْنِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ نَسْخًا.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ، وَالْحُكْمُ هَاهُنَا بَاقٍ، لَمْ يَرْتَفِعْ، وَإِنَّمَا زِيدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لَا تَقْتَضِي رَفْعَهُ ; فَثَبَتَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ نَسْخًا.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْحُكْمِ أَوْ سَبَبِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّسْخُ.
أَمَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ إِمَّا فِي الْحُكْمِ، أَوْ فِي سَبَبِهِ ; فَمَعْنَاهُ: مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الزِّيَادَةَ ; إِمَّا جُزْءٌ لِلْحُكْمِ، كَرَكْعَةٍ فِي الصَّلَاةِ ; فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْحُكْمِ، أَوْ غَيْرُ جُزْءٍ لَهُ ; فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي سَبَبِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَيْهِ، شَرْطًا كَالنِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ،
(2/292)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ.
وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْحُكْمِ، أَوْ سَبَبِهِ، يَلْزَمُ مِنْهُ النَّسْخُ ; فَلِأَنَّ الْحُكْمَ أَوْ سَبَبَهُ قَبْلَ الزِّيَادَةِ فِيهِمَا كَانَا مُسْتَقِلَّيْنِ بِالْحُكْمِيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ، أَيْ: بِكَوْنِ الْحُكْمِ حُكْمًا تَامًّا، وَالسَّبَبِ سَبَبًا تَامًّا، وَاسْتِقْلَالِهِمَا بِكَوْنِهِمَا تَمَامَ الْحُكْمِ وَالسَّبَبِ، حُكْمٌ قَدِ ارْتَفَعَ بِالزِّيَادَةِ، وَذَلِكَ كَالْجَلْدِ مَثَلًا، كَانَ مُسْتَقِلًا بِعُقُوبَةِ الزَّانِي، بِمَعْنَى أَنَّهُ هُوَ حَدُّهُ التَّامُّ، وَبَعْدَ زِيَادَةِ التَّغْرِيبِ لَمْ يَبْقَ مُسْتَقِلًا بِتَمَامِ الْحَدِّ، بَلْ صَارَ جُزْءَ الْحَدِّ، وَالتَّغْرِيبُ جُزْؤُهُ الْآخَرُ، وَكَذَلِكَ الرَّكْعَتَانِ فِي الصُّبْحِ، كَانَتَا مُسْتَقِلَّتَيْنِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَبَعْدَ تَقْرِيرِ زِيَادَةِ الثَّالِثَةِ زَالَ ذَلِكَ الِاسْتِقْلَالُ، وَصَارَتِ الرَّكْعَتَانِ جُزْءَ الْوَاجِبِ، لَا كُلَّهُ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الِاسْتِقْلَالِ يَرْتَفِعُ بِالزِّيَادَةِ ; فَقَدْ حَصَلَتْ حَقِيقَةُ النَّسْخِ، وَهِيَ رَفْعُ الْحُكْمِ بِالزِّيَادَةِ ; فَيَكُونُ نَسْخًا.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: الْمَقْصُودُ مِنَ الزِّيَادَةِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ دَلِيلِهِمُ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ، إِنَّمَا هُوَ تَعَبُّدُ الْمُكَلَّفِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا، لَا رَفْعُ اسْتِقْلَالِ مَا كَانَ قَبْلَهَا بِالْحُكْمِ، لَكِنَّ رَفْعَ الِاسْتِقْلَالِ حَصَلَ ضَرُورَةً، وَتَبَعًا لِوُرُودِ الزِّيَادَةِ، بِالِاقْتِضَاءِ الضَّرُورِيِّ الْعَقْلِيِّ، لَا أَنَّهُ كَانَ مَقْصُودًا بِهَا ; فَالْمَقْصُودُ بِزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الصُّبْحِ: هُوَ التَّعَبُّدُ بِفِعْلِهَا، لَا رَفْعُ اسْتِقْلَالِ الرَّكْعَتَيْنِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَالْمَقْصُودُ بِزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ وَعِشْرِينَ سَوْطًا فِي الْحَدِّ: الْإِتْيَانُ بِهِمَا، لَا رَفْعُ اسْتِقْلَالِ الْمِئَةِ فِي الزِّنَى، وَالثَّمَانِينَ فِي الْقَذْفِ، بِكَمَالِ الْعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ ضَرُورَةً أَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى ثَلَاثٍ، لَا يَحْصُلُ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا تَوَقَّفَ عَلَى مِئَةٍ، لَا يَحْصُلُ بِثَمَانِينَ، كَمَا أَنَّ مَا عُلِّقَ عَلَى شَرْطَيْنِ، لَا يُوجَدُ بِأَحَدِهِمَا ; فَرَفْعُ الِاسْتِقْلَالِ الْمَذْكُورِ، هُوَ بِالِاقْتِضَاءِ الْعَقْلِيِّ الضَّرُورِيِّ، لَا بِالْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ، وَالْمَنْسُوخُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ
(2/293)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَقْصُودًا: لِأَنَّ النَّسْخَ فِعْلٌ مِنَ الشَّارِعِ، وَالْفَاعِلُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا فَعَلَ، قَاصِدًا لَهُ.
وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْمَنْسُوخُ مَقْصُودٌ بِالرَّفْعِ، وَالِاسْتِقْلَالُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالرَّفْعِ، وَلَا يَكُونُ مَنْسُوخًا ; فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا.
قَوْلُهُ: «لَا يُقَالُ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا تَقْدِيرٌ يَقَعُ مِنَ الْخَصْمِ لِهَذَا الْجَوَابِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ رَفْعَ اسْتِقْلَالِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِيَّةِ، مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ; فَيَلْزَمُ مِنْ قَصْدِهَا قَصْدُهُ، أَيْ: يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ قَصْدُ رَفْعِ اسْتِقْلَالِ حُكْمِهِ، بِكَوْنِهِ حُكْمًا تَامًّا.
أَمَّا أَنَّ رَفَعَ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ ; فَلِأَنَّ لَازِمَ الشَّيْءِ مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ارْتِفَاعَ اسْتِقْلَالِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ، لَا يَنْفَكُّ عَنِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ; فَيَكُونُ لَازِمًا لَهَا.
وَمِثَالُهُ: أَنَّ ارْتِفَاعَ اسْتِقْلَالِ الرَّكْعَتَيْنِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، لَا يَنْفَكُّ عَنْ زِيَادَةِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ الزِّيَادَةِ قَصْدُ رَفْعِ الِاسْتِقْلَالِ ; فَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَا أَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهَا، وَقَصْدُ الْمَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ اللَّازِمِ ; لِأَنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ عَنِ الْمَلْزُومِ إِلَى اللَّازِمِ، انْتِقَالًا عَقْلِيًّا ضَرُورِيًّا ; فَيَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ الْمَلْزُومِ الْمُنْتَقَلِ عَنْهُ قَصْدُ اللَّازِمِ الْمُنْتَقَلَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «لِأَنَّا نَقُولُ» ، أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْمَنْعِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ الزِّيَادَةِ قَصْدُ رَفْعِ الِاسْتِقْلَالِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ لَوَازِمِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ الْمَلْزُومُ مَنْ هُوَ
(2/294)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
غَافِلٌ عَنِ اللَّازِمِ، وَإِذَا جَازَتِ الْغَفْلَةُ عَنِ اللَّازِمِ، اسْتَحَالَ قَصْدُهُ، إِذْ قَصْدُ الشَّيْءِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ تَصَوُّرِهِ مُحَالٌ.
قُلْتُ: فَحَاصِلُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمَنْسُوخَ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالرَّفْعِ أَمْ لَا، فَإِنِ اشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالرَّفْعِ، لَمْ يَكُنْ رَفْعُ اسْتِقْلَالِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ نَسْخًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالرَّفْعِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ حَاصِلٌ بِالِاقْتِضَاءِ الضَّرُورِيِّ.
وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي فِي الْمَنْسُوخِ أَنْ يَكُونَ مُرْتَفِعًا بِالْقَصْدِ، أَوِ الِاقْتِضَاءِ الضَّرُورِيِّ، كَانَ رَفْعُ الِاسْتِقْلَالِ نَسْخًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/295)

الْخَامِسَةُ:
يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. لَنَا: الرَّفْعُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَلَ، وَلَا يَمْتَنِعُ رَدُّ الْمُكَلَّفِ إِلَى مَا قَبْلَ الشَّرْعِ، ثُمَّ تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ أَمَامَ النَّجْوَى وَغَيْرُهُ نُسِخَ لَا إِلَى بَدَلٍ. قَالُوا: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} يَقْتَضِيهِ. قُلْنَا: لَفْظًا لَا حُكْمًا، أَوْ نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ، عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.
وَنَسْخُ الْحُكْمِ بِأَخَفَّ مِنْهُ إِجْمَاعًا.
وَبِمِثْلِهِ، لَا يُقَالُ: هُوَ عَبَثٌ. لِأَنَّا نَقُولُ: فَائِدَتُهُ امْتِحَانُ الْمُكَلَّفِ بِانْتِقَالِهِ مِنْ حُكْمٍ إِلَى حُكْمٍ.
وَبِأَثْقَلَ مِنْهُ، خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ. لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، وَلَا لِتَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةً، وَقَدْ نُسِخَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالصِّيَامِ إِلَى تَعْيِينِهِ، وَجَوَازُ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إِلَى وُجُوبِهَا فِيهِ، وَتَرْكُ الْقِتَالِ إِلَى وُجُوبِهِ، وَإِبَاحَةُ الْخَمْرِ، وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْمُتْعَةِ إِلَى تَحْرِيمِهَا. قَالُوا: تَشْدِيدٌ ; فَلَا يَلِيقُ بِرَأْفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} ، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ، {أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} . قُلْنَا: مَنْقُوضٌ بِتَسْلِيطِهِ الْمَرَضَ وَالْفَقْرَ وَأَنْوَاعَ الْآلَامِ وَالْمُؤْذِيَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَصَالِحَ عَلِمَهَا. قُلْنَا: فَقَدْ أَجَبْتُمْ عَنَّا، وَالْآيَاتُ وَرَدَتْ فِي صُوَرٍ خَاصَّةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الْخَامِسَةُ: يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ» عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، «خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، وَهُمُ الْأَقَلُّونَ.
«لَنَا: الرَّفْعُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَلَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَالرَّفْعُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَلَ، بَلْ يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِدُونِ بَدَلٍ، وَاعْتُبِرْ ذَلِكَ بِالْمَحْسُوسَاتِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ رَفْعِ الْحَجَرِ مِنْ مَكَانِهِ أَنَّهُ يَضَعُ
(2/296)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَكَانَهُ غَيْرَهُ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ النَّسْخُ فِي الشَّرِيعَةِ، تَارَةً إِلَى الْبَدَلِ، وَتَارَةً لَا إِلَى بَدَلٍ.
وَأَيْضًا: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِ فِي نَسْخِ الْحُكْمِ عَنْهُ لَا إِلَى بَدَلٍ، وَرَدِّهِ إِلَى مَا قَبْلَ الشَّرْعِ مِنْ إِبَاحَةٍ أَوْ حَظْرٍ أَوْ وَقْفٍ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَكُنِ النَّسْخُ لَا إِلَى بَدَلٍ جَائِزًا، لَمَا وَقَعَ، لَكِنَّهُ قَدْ وَقَعَ ; فَيَكُونُ جَائِزًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ أَمَامَ النَّجْوَى، أَيْ: بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوَى، وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، نُسِخَ لَا إِلَى بَدَلٍ.
وَشَرْحُ ذَلِكَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَكْثَرُوا مِنْ سُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ فِي سَبَبِهَا: أَنَّ قَوْمًا مِنْ شَبَابِ الْمُؤْمِنِينَ، كَثُرَتْ مُنَاجَاتُهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي غَيْرِ حَاجَّةٍ، إِلَّا لِتَظْهَرَ مَنْزِلَتُهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمْحًا لَا يَرُدُّ أَحَدًا ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُشَدِّدَةً عَلَيْهِمْ أَمْرَ الْمُنَاجَاةِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَغْنِيَاءِ ; لِأَنَّهُمْ غَلَبُوا الْفُقَرَاءَ عَلَى مُنَاجَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَجْلِسِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْكَلْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} [الْمُجَادَلَةِ: 12] ، قَالَا: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، مَا كَانَتْ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: جَاءَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدِينَارٍ ; فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَكَلَّمَ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمْسَكَ النَّاسُ عَنْ كَلَامِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ نَزَلَ التَّخْفِيفُ ; فَقَالَ: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} حَتَّى بَلَغَ: {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الْمُجَادَلَةِ: 13] .
(2/297)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّدَقَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوَى نُسِخَتْ لَا إِلَى بَدَلٍ ; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي الْآيَةِ النَّاسِخَةِ: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الْمُجَادَلَةِ: 13] ; فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بَدَلَ الصَّدَقَةِ.
قُلْنَا: لَيْسَتْ هَذِهِ أَبْدَالًا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً قَبْلَ ذَلِكَ، بِمُوجِبِ أَصْلِ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ: إِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ; فَارْجِعُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ أَوَّلًا، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَطَاعَةِ الرَّسُولِ.
وَمِمَّا يُذْكَرُ مِنْ أَمْثِلَةِ النَّسْخِ لَا إِلَى بَدَلٍ: نَسْخُ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، مَتَى نَامَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ حَتَّى اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ ; فَخَفَّفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بِنَسْخِهِ بِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ نَسْخُ اعْتِدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَوَلًا، بِاعْتِدَادِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ; فَتَمَامُ الْحَوَلِ نُسِخَ لَا إِلَى بَدَلٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ نَسْخُ النَّهْيِ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
(2/298)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ ; فَكُلُوا وَادَّخِرُوا مَا شِئْتُمْ. وَهُوَ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ.
وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُ كَوْنَ هَذَا نَسْخًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَسْخٌ لِدُخُولِهِ فِي حَدِّ النَّسْخِ، وَكَوْنِهِ ثَبْتَ لِحِكْمَةٍ، ثُمَّ زَالَ بِزَوَالِهَا، لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ نَسْخًا، إِذْ سَائِرُ صُوَرِ النَّسْخِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} يَقْتَضِيهِ» . هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [الْبَقَرَةِ: 106] ، يَقْتَضِي أَنَّ النَّسْخَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إِلَى بَدَلٍ كَمَا يُقَالُ: مَا تَبِعَ مِنْ جَارِيَةٍ أَوْ غُلَامٍ، تَشْتَرِ خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَفْظًا لَا حُكْمًا» . هَذَا جَوَابٌ عَنِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لُزُومَ الْبَدَلِ فِي نَسْخِ الْآيَةِ لَفْظًا لَا حُكْمًا، يَعْنِي أَنَّهُ يُنْسَخُ آيَةً بِآيَةٍ ; فَلَفْظُ الْآيَةِ النَّاسِخَةِ بَدَلٌ عَنْ لَفْظِ الْمَنْسُوخَةِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النَّحْلِ: 101] ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ أَيَّ حُكْمٍ نَسَخْنَاهُ، أَبْدَلْنَا مَكَانَهُ حُكْمًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْبَدَلِ اللَّفْظِيِّ الْبَدَلُ الْحُكْمِيُّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا. وَالتَّقْدِيرُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ: نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ، أَيْ: نَأْتِ مِنْ نَسْخِهَا بِخَيْرٍ لِلْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ تَخْفِيفُ حُكْمِهَا بِالنَّسْخِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
(2/299)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَهَهُنَا جَوَّابَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي بَدَلًا فِي النَّسْخِ أَصْلًا ; لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِبَدَلِ الْآيَةِ مِثْلَهَا، أَوْ خَيْرًا مِنْهَا، وَقَعَ جَوَابًا لِلشَّرْطِ، الَّذِي هُوَ النَّسْخُ ; فَهُوَ مَشْرُوطٌ لَهُ، وَالْمَشْرُوطُ مَلْزُومٌ لِلشَّرْطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ انْتِفَاءُ اللَّازِمِ، وَلَا ثُبُوتُهُ ; فَانْتِفَاءُ الْبَدَلِ فِي النَّسْخِ، لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ اللَّازِمِ وَلَا ثُبُوتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِانْتِفَاءِ الْبَدَلِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ، نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، جَازَ أَنْ يُوجَدَ النَّسْخُ بِدُونِ الْبَدَلِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي النَّسْخِ مِنْ بَدَلٍ، قَدْ يَكُونُ فِي [غَيْرِ] الْمَصْلَحَةِ ; فَيَكُونُ عَدَمُ بَدَلِ الْحُكْمِ أَصْلَحَ لِلْمُكَلَّفِ ; فَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ بَدَلٌ عَنْ مَصْلَحَةِ الْمَنْسُوخِ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْهُ حُكْمٌ ; لِأَنَّهَا مَصْلَحَةٌ عَدَمِيَّةٌ، أَيْ: نَاشِئَةٌ عَنْ عَدَمِ الْحُكْمِ.
وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ عَنِ الْآيَةِ: بِأَنَّهَا صِيغَةُ شَرْطٍ، وَلَا يَلْزَمُ فِي الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، بَلْ قَدْ يَكُونَ مُحَالًا، كَقَوْلِنَا: إِنْ كَانَ الْوَاحِدُ نِصْفَ الْعَشَرَةِ ; فَالْعَشَرَةُ اثْنَانِ ; فَهَذَا شَرْطٌ مُحَالٌ، وَالْكَلَامُ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمِ الشَّرْطُ الْإِمْكَانَ، لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْوُقُوعِ مُطْلَقًا ; فَضْلًا عَنِ الْوُقُوعِ بِبَدَلٍ.
قَوْلُهُ: «وَنَسْخُ الْحُكْمِ بِأَخَفَّ مِنْهُ» ، أَيْ: يَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِأَخَفَّ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ عَنِ الْمُكَلَّفِ، وَهُوَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، بَلْ هُوَ عَامُّ الْجُودِ عَلَى خَلْقِهِ.
قَوْلُهُ: «وَبِمِثْلِهِ» ، أَيْ: وَيَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ.
قَوْلُهُ: «لَا يُقَالُ: هُوَ عَبَثٌ» هَذَا تَقْرِيرُ سُؤَالٍ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: نَسْخُ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ عَبَثٌ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَثَلَيْنِ يَسُدُّ مَسَدَّ الْآخَرِ ; فَالنَّقْلُ عَنْهُ
(2/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِلَى مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ عَبَثٌ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجَّحٍ.
قَوْلُهُ: «لِأَنَّا نَقُولُ» هَذَا جَوَابُ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَقْلَ الْمُكَلَّفِ عَنْ حُكْمٍ إِلَى مِثْلِهِ لَا فَائِدَةَ لَهُ، بَلْ فَائِدَتُهُ امْتِحَانُ الْمُكَلَّفِ، بِانْتِقَالِهِ مِنْ حُكْمٍ إِلَى حُكْمٍ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى انْقِيَادِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ. فَإِنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الشَّرْعَ قَالَ لَنَا الْآنَ: لَا تُصَلُّوا الظُّهْرَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، بَلْ صَلُّوهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ صَلَّوُا الْفَجْرَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. فَبَادَرَ قَوْمٌ إِلَى ذَلِكَ، وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ ; فَقَالُوا: حَقِيقَةُ الزَّمَانِ وَاحِدَةٌ ; فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَهُ، وَبَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَهُ، حَتَّى يَنْقُلَهَا إِلَيْهِ؟ لَكَانَ الْمُبَادِرُونَ إِلَى الِامْتِثَالِ أَفْضَلُ وَأَطْوَعُ، لِتَرْكِهِمُ الِاعْتِرَاضَ، بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ وَجَبَتِ الظُّهْرُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ تَجِبْ قَبْلَهُ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ مَعَ تَمَاثُلِهِمَا؟ لَعُدَّ مُعْتَرِضًا مُتَكَلِّفًا ; فَكَانَ مَنْ لَا يَعْتَرِضُ بِذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْهُ، لِسُكُوتِهِ عَنِ التَّعَرُّضِ، وَانْقِيَادِهِ لِلتَّعَبُّدِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُ قُيِّدَ انْقَادَ.
وَمِثْلُ هَذَا، لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَصْحَابَهُ بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْحَجِّ بِالْحُدَيْبِيَةِ، تَوَقَّفُوا عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ ; فَغَضِبَ لِعَدَمِ مُبَادَرَتِهِمْ، لِكَوْنِهِ أَمَرَهُمْ بِخِلَافِ مَا اعْتَادُوهُ، ثُمَّ لَمَّا
(2/301)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
امْتَثَلُوا حَلَقَ قَوْمٌ، وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ; فَقِيلَ لَهُ: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: وَلِلْمُقَصِّرِينَ. فَقِيلَ لَهُ: اسْتَغْفَرْتَ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً؟ فَقَالَ: لِأَنَّ الْمُحَلِّقِينَ لَمْ يَشُكُّوا. قَوْلُهُ: «وَبِأَثْقَلَ مِنْهُ» ، أَيْ: وَيَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِأَثْقَلَ مِنْهُ، «خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ» .
(2/302)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَمَنَعَ مِنْهُ أَيْضًا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ إِلَى الْأَثْقَلِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ، لَامْتَنَعَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِتَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةً، لَكِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ; فَلَا يَمْتَنِعُ أَصْلًا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ وُقُوعُهُ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، بَلْ قَدْ وَقَعَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ نَسْخًا لِلْأَخَفِّ إِلَى الْأَثْقَلِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِتَضَمُّنِهِ مَفْسَدَةً ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَفْسَدَةِ فِيهِ، وَمَا يَدَّعِيهِ الْخَصْمُ مَفْسَدَةً فِيهِ، سَنُجِيبُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ قَدْ يَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً، وَهُوَ تَدْرِيجُ الْمُكَلَّفِ مِنَ الْأَخَفِّ إِلَى الْأَثْقَلِ ; فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِهِ ; فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ ; فَلَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا أَصْلًا ; فَيَكُونُ جَائِزًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ. وَبَيَانُ وُقُوعِهِ بِصُوَرٍ:
إِحْدَاهُنَّ: نَسْخُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالصِّيَامِ إِلَى تَعْيِينِهِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، يُخَيَّرُ أَحَدُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ، وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ ; فَنُسِخَ ذَلِكَ إِلَى وُجُوبِ الصِّيَامِ عَيْنًا، وَذَلِكَ أَثْقَلُ مِنَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ حَالَ الْقِتَالِ إِلَى وُجُوبِهَا عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [الْبَقَرَةِ: 239] ، وَكَانَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْقِتَالُ، وَوُجُوبُهَا فِي وَقْتِهِ أَثْقَلُ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: نَسْخُ تَرْكِ الْقِتَالِ إِلَى وُجُوبِهِ، فَإِنَّ الْقِتَالَ كَانَ مَتْرُوكًا فِي أَوَّلِ
(2/303)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْإِسْلَامِ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النِّسَاءِ: 81] ، {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [الْمَائِدَةِ: 13] ، {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} [الْبَقَرَةِ: 109] ، ثُمَّ نُسِخَ بِوُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الْحَجِّ: 39] ، {قَاتِلُوهُمْ} [التَّوْبَةِ: 14] ، {وَاقْتُلُوهُمْ} [الْبَقَرَةِ: 191] ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التَّحْرِيمِ: 9] ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَوُجُوبُ الْقِتَالِ أَثْقَلُ مِنْ تَرْكِهِ.
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْخَمْرَ، وَالْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ، وَمُتْعَةَ النِّكَاحِ، كَانَتْ كُلُّهَا مُبَاحَةً ; فُنِسَخَتْ إِبَاحَتُهَا إِلَى التَّحْرِيمِ، وَهُوَ أَثْقَلُ.
وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ صُورَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ:
(2/304)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِحْدَاهُمَا: نَسْخُ حَبْسِ الزَّانِيَةِ فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَمُوتَ، وَتَعْنِيفِ الزَّانِي، بِإِيجَابِ الْحَدِّ رَجْمًا، أَوْ جَلَدًا وَتَغْرِيبًا، وَهُوَ أَثْقَلُ، وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الزَّانِي كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، إِنْ كَانَ امْرَأَةً، حُبِسَتْ حَتَّى تَمُوتَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا، عُنِّفَ، وَأُوذِيَ بِالْقَوْلِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النِّسَاءِ: 15 - 16] ، أَيْ بِالتَّعْنِيفِ وَالذَّمِّ ; فَنُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الرَّجْمِ، وَآيَةِ النُّورِ، فِي جَلْدِ الْبِكْرِ وَغَيْرِهِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: نَسْخُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ.
قُلْتُ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ وَاجِبًا، ثُمَّ نُسِخَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، صَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ، كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ ; فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: تَشْدِيدٌ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْمَانِعِينَ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّسْخَ إِلَى الْأَثْقَلِ تَشْدِيدٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِرَأْفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَحْمَتِهِ ; لِأَنَّ شَأْنَهُ التَّسْهِيلُ عَلَى خَلْقِهِ، لَا التَّشْدِيدُ عَلَيْهِمْ.
(2/305)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ الثَّانِي: النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ، نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 66] ، يَعْنِي خَفَّفَ عَنْكُمْ ثَبَاتَ الْوَاحِدِ لِعَشَرَةٍ فِي الْجِهَادِ، بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَبَاتِهِ لِاثْنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النِّسَاءِ: 28] .
وَقَوْلُهُ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ، {أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} ، اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ (يُرِيدُ اللَّهُ) فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِخْدَامِ.
قَالُوا: وَالنَّسْخُ إِلَى الْأَثْقَلِ عُسْرٌ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ، وَمَا لَا يُرِيدُهُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ ; فَالنَّسْخُ إِلَى الْأَثْقَلِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَنْقُوضٌ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْوَجْهَيْنِ.
أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ قَوْلُهُمْ - تَشْدِيدٌ لَا يَلِيقُ بِالرَّأْفَةِ الْإِلَهِيَّةِ -: فَبِأَنَّهُ «مَنْقُوضٌ بِتَسْلِيطِهِ الْمَرَضَ وَالْفَقْرَ وَأَنْوَاعَ الْآلَامِ، وَالْمُؤْذِيَاتِ عَلَى الْخَلْقِ» ، مَعَ أَنَّهُ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِمْ ; فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ، وَحَيْثُ وَقَعَ ; فَالنَّسْخُ إِلَى الْأَثْقَلِ مِثْلُهُ ; فَلْيَكُنْ وُقُوعُهُ جَائِزًا.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ قِيلَ: لِمَصَالِحَ عَلِمَهَا» ، هَذَا جَوَابٌ مِنَ الْخَصْمِ عَنِ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّقْضَ بِالْمَرَضِ، وَالْفَقْرِ، وَالْآلَامِ، لَا يَلْزَمُنَا ; لِأَنَّ ابْتِلَاءَهُ الْخَلْقَ
(2/306)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِذَلِكَ، لِمَصَالِحَ عَلِمَهَا لَهُمْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: فَقَدْ أَجَبْتُمْ عَنَّا» ، أَيْ: هَذَا الْجَوَابُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ; فَهُوَ جَوَابُنَا عَنْ كَوْنِ النَّسْخِ إِلَى الْأَثْقَلِ تَشْدِيدًا، وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: النَّسْخُ إِلَى الْأَثْقَلِ لِمَصْلَحَةٍ عَلِمَهَا فِيهِ، كَمَا أَنَّ ابْتِلَاءَهُ لَهُمْ بِالْمَرَضِ، وَسَائِرِ الْمَكَارِهِ، لِمَصَالِحَ عَلِمَهَا لَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّشْدِيدِ مُنْتَقَضٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا بِأَصْلِ التَّكْلِيفِ ; فَإِنَّهُ تَشْدِيدٌ، وَتَرْكُهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِمْ ; فَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: عَدَمُ التَّكْلِيفِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقٍ، كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ، وَالِاعْتِقَادِيَّةِ، وَالْعَمَلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَالْآيَاتُ وَرَدَتْ فِي صُوَرٍ خَاصَّةٍ» ، يَعْنِي الْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِي التَّخْفِيفِ، وَرَدَتْ فِي أَحْكَامٍ خَاصَّةٍ، وَلَيْسَتْ عَامَّةً، حَتَّى يُحْتَجَّ بِعُمُومِهَا عَلَى مَنْعِ النَّسْخِ إِلَى الْأَثْقَلِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 66] ; فَهِيَ فِي الْجِهَادِ كَمَا ذُكِرَ، بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الْأَنْفَالِ: 66] ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} ; فَهِيَ فِي سِيَاقِ نِكَاحِ الْأَمَةِ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلَ حُرَّةٍ، ثُمَّ هِيَ مُطْلَقَةٌ، لَا عُمُومَ لِلَفْظِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] ; فَهُوَ فِي سِيَاقِ تَخْفِيفِ الصَّوْمِ عَنِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَاللَّامُ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ وَإِنِ احْتمَلَ أَنَّهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، لَكِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَهُوَ الْيُسْرُ الْحَاصِلُ بِالْإِفْطَارِ، لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَالْعُسْرُ الْحَاصِلُ لَهُمَا بِالصَّوْمِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ. عَلَى أَنَّ ابْنَ الْخَشَّابِ حَكَى فِي «الْمُرْتَجَلِ» عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْكَلَامَ مَتَى كَانَ فِيهِ
(2/307)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَعْهُودٌ، تَعَيَّنَ رُجُوعُ اللَّامِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إِذَا انْتَفَى الْمَعْهُودُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/308)

وَلَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ حُكْمُ النَّاسِخِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ لُزُومَهُ عَلَى انْعِزَالِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ دَوْرِيٌّ. لَنَا: لَوْ لَزِمَهُ لَاسْتَأْنَفَ أَهْلُ قُبَاءَ الصَّلَاةَ حِينَ عَلِمُوا بِنَسْخِ الْقِبْلَةِ. قَالَ: النَّسْخُ بِوُرُودِ النَّاسِخِ، لَا بِالْعِلْمِ بِهِ. وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَعْذُورِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، كَالْحَائِضِ وَالنَّائِمِ. وَالْقِبْلَةُ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَهُمْ كَانُوا مَعْذُورِينَ. قُلْنَا: الْعِلْمُ شَرْطُ اللُّزُومِ ; فَلَا يَثْبُتُ دُونَهُ، وَالْحَائِضُ وَالنَّائِمُ عَلِمَا التَّكْلِيفَ، بِخِلَافِ هَذَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَلَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ حُكْمُ النَّاسِخِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي» ، أَيْ: لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّاسِخُ.
مِثَالُهُ: لَوْ نُسِخَتْ إِبَاحَةُ بَعْضِ الْمَطْعُومَاتِ الْمُبَاحَةِ، كَالْعِنَبِ، بِأَنْ قِيلَ: هُوَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ; فَمَنْ بَلَغَهُ هَذَا النَّسْخُ، ثَبَتَ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّهِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، حَتَّى لَوْ أَكَلَ بَعْدَ النَّسْخِ، وَقَبْلَ الْعِلْمِ، لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، وَكَذَا لَوْ زِيدَ فِي الصَّلَوَاتِ صَلَاةٌ، أَوْ فِي الْفَجْرِ رَكْعَةٌ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِهَا حَتَّى يَبْلُغَهُ.
«وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ لُزُومَهُ» ، أَيْ: لُزُومَ حُكْمِ النَّاسِخِ لِلْمُكَلَّفِ قَبْلَ بُلُوغِهِ «عَلَى انْعِزَالِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ» ، يَعْنِي أَنَّ فِي لُزُومِ حُكْمِ النَّاسِخِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ قَوْلَيْنِ، كَالْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا عَزَلَ الْمُوَكَّلُ الْوَكِيلَ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْعَزْلُ، هَلْ يَنْعَزِلُ أَمْ لَا؟
إِنْ قُلْنَا: يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، لَزِمَ الْمُكَلَّفَ حُكْمُ النَّاسِخِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَوَجْهُ هَذَا التَّخْرِيجِ: أَنَّ الْمُكَلَّفَ فِي الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوَامِرِ اللَّهِ
(2/309)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَعَالَى، كَالْوَكِيلِ فِي التَّصَرُّفَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِذْنِ الْمُوَكِّلِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَعْنِي الْمُكَلَّفَ وَالْوَكِيلَ، لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ إِلَّا بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ، وَيَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ، فَإِذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ: عَزَلْتُكَ، انْعَزَلَ. وَلَوْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُكَلَّفِ: أَسْقَطْتُ عَنْكَ التَّكْلِيفَ، لَسَقَطَ عَنْهُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْعِبَادَاتِ فِيمَا كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلُ، بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ تَخْرِيجٌ دَوْرِيٌّ» ، أَيْ: تَخْرِيجُ أَبِي الْخَطَّابِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، عَلَى مَسْأَلَةِ انْعِزَالِ الْوَكِيلِ، يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أُصُولِيَّةٌ، وَمَسْأَلَةُ عَزْلِ الْوَكِيلِ فَرْعِيَّةٌ ; فَهِيَ فَرْعٌ عَلَى مَسْأَلَةِ النَّسْخِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَخْرِيجُ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ ; فَلَوْ خَرَّجْنَا هَذَا الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ فِي النَّسْخِ عَلَى الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ فِي الْوَكَالَةِ، لَزِمَ الدَّوْرُ، لِتَوَقُّفِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ ; فَيَصِيرُ مِنْ بَابِ تَوَقُّفِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِوَاسِطَةٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ، أَعْنِي عَدَمَ لُزُومِ حُكْمِ النَّاسِخِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، لَا يَخْتَصُّ النَّاسِخُ، بَلْ سَائِرُ النُّصُوصِ، نَاسِخَةً كَانَتْ، أَوْ مُبْتَدِئَةً ; فِيهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ. وَالْأَشْبَهُ مَا صَحَّحْنَاهُ مِنْ عَدَمِ اللُّزُومِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا وَرَدَ النَّاسِخُ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ بُلُوغِهِ الْأُمَّةَ ; فَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِينَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَنَفَاهُ بَعْضُهُمْ، وَبِهِ قَالَ
(2/310)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحْمَدُ وَالْحَنَفِيَّةُ، قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَعَ جِبْرِيلَ قَبْلَ بُلُوغِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِينَ اتِّفَاقًا.
قُلْتُ: لَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ: هُوَ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ النَّصُّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَدْ بَلَغَ مَحَلَّ التَّكْلِيفِ الْبَشَرِيِّ ; فَثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِينَ، تَنْزِيلًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَنْزِلَةَ جَمِيعِهِمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَبْلُغْهُ.
قُلْتُ: وَلَا يَظْهَرُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ أَثَرٌ، وَلَا مُنَاسَبَةٌ، بَلِ الْأَوْلَى أَنَّ النَّصَّ مُطْلَقًا لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ بَلَغَهُ، نَفْيًا لِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، أَوْ لِلتَّكْلِيفِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ. وَلَعَلَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذَا - خَرَّجَ قَوْلًا لَهُ ثَالِثًا فِي أَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ، إِنْ عَلِمَ بِالنَّصِّ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ انْتَقَضَ بِهِ وُضُوءُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَكَذَلِكَ فِيمَنْ خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ ; فَرَكَعَ فَذًّا دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، إِنْ عَلِمَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا صَحَّتْ، هُوَ قَوْلٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ.
(2/311)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «لَنَا لَوْ لَزِمَهُ، لَاسْتَأْنَفَ أَهْلُ قُبَاءَ الصَّلَاةَ حِينَ عَلِمُوا بِنَسْخِ الْقِبْلَةِ» .
هَذَا دَلِيلُ الْقَاضِي، وَمَنْ وَافَقَهُ، عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ بُلُوغِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ بَلَغَهُمْ نَسْخُ الْقِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَهُمْ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوِ الْفَجْرِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ، وَبَنَوْا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَأْنِفُوهَا. وَلَوْ ثَبَتَ حُكْمُ النَّاسِخِ فِي حَقِّهِمْ قَبْلَ بُلُوغِهِ إِيَّاهُمْ، لَزِمَهُمُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْقِبْلَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّهِمْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا ; فَحَيْثُ افْتَتَحُوهَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ; فَقَدْ أَخَلُّوا بِشَرْطِهَا ; فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَسْتَأْنِفُوهَا ; لِأَنَّ افْتِتَاحَهُمْ لَهَا وَقَعَ فَاسِدًا، لِلْإِخْلَالِ بِشَرْطِهِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَأْنِفُوهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِاسْتِئْنَافِهَا، مَعَ أَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ، لَا يَخْفَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَادَةً ; فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِأَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ.
قَوْلُهُ: «قَالَ» ، يَعْنِي أَبَا الْخَطَّابِ وَمَنْ وَافَقَهُ، احْتَجَّ لِقَوْلِهِ بِأَنَّ «النَّسْخَ بِوُرُودِ
(2/312)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّاسِخِ لَا بِالْعِلْمِ بِهِ» فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: النَّسْخُ يَحْصُلُ بِوُرُودِ النَّاسِخِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ رَفَعُ الْحُكْمِ، وَبِوُرُودِ النَّاسِخِ يَحْصُلُ الرَّفْعُ، سَوَاءٌ بَلَغَ الْمُكَلَّفَ النَّاسِخُ أَوْ لَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا، بَلَغَهُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ.
نَعَمْ إِذَا لَمْ يَبْلُغْهُ النَّاسِخُ ; فَأَخَلَّ بِامْتِثَالِ حُكْمِهِ، كَانَ مَعْذُورًا بِعَدَمِ الْعِلْمِ ; فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِدْرَاكُ بِالْقَضَاءِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَعْذُورِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، كَالْحَائِضِ وَالنَّائِمِ، يَقْضِيَانِ مَا فَاتَهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَقْتَ الْحَيْضِ وَالنَّوْمِ، مَعَ أَنَّهُمَا مَعْذُورَانِ.
كَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّاسِخُ، يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ حُكْمِهِ فِي حَالِ عَدَمِ بُلُوغِهِ إِيَّاهُ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ عَدَمِ الْعِلْمِ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ ; فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِالنَّاسِخِ، وَتَرَكَ مُقْتَضَاهُ، أَثِمَ، وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِلْعُذْرِ.
قَوْلُهُ: «وَالْقِبْلَةُ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ» . هَذَا جَوَابٌ مِنْ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ قِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قِصَّةَ أَهْلِ قُبَاءَ لَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى عَدَمِ لُزُومِ حُكْمِ النَّاسِخِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْذُورِينَ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا أَخَلُّوا بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِمْ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ مَا إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ جِهَتُهَا ; فَاجْتَهَدَ ; فَأَخْطَأَهَا، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ، وَإِنْ وَقَعَتْ جَمِيعُهَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ; فَلَأَنْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ، مَعَ تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ فِي جُزْءٍ مِنْهَا لِلْعُذْرِ، أَوْلَى.
قَوْلُهُ: «وَقُلْنَا: الْعِلْمُ شَرْطُ اللُّزُومِ ; فَلَا يَثْبُتُ دُونَهُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ
(2/313)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَنْ دَلِيلِ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّسْخَ يَحْصُلُ بِوُرُودِ النَّاسِخِ كَمَا قَرَّرْتُهُ، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِهِ، أَيْ: عِلْمَ الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَبُلُوغَهُ إِيَّاهُ، شَرْطٌ لِلُزُومِ حُكْمِهِ لَهُ ; فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ بِدُونِهِ، أَيْ: بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ، لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْعِلْمَ بِالْحُكْمِ شَرْطٌ فِي لُزُومِهِ لِلْمُكَلَّفِ، لِمَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّكْلِيفِ، وَذُكِرَ آنِفًا أَيْضًا، مَنْ لُزُومِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، أَوْ تَكْلِيفِ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْمُكَلَّفُ.
قَوْلُهُ: «وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَعْذُورِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، كَالْحَائِضِ وَالنَّائِمِ» .
قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحَائِضَ وَالنَّائِمَ عَلِمَا التَّكْلِيفَ، أَيْ: عَلِمَا أَنَّهُمَا مُكَلَّفَانِ بِالصَّوْمِ مَثَلًا ; فَوُجِدَ شَرْطُ لُزُومِ الْحُكْمِ لَهُمَا، بِخِلَافِ هَذَا، أَيْ: الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ النَّاسِخُ ; فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ لُزُومِ الْحُكْمِ لَهُ ; فَلَا يَلْزَمُهُ ; فَظَهْرَ الْفَرْقُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/314)

السَّادِسَةُ: يَجُوزُ نَسْخُ كُلٍّ مِنَ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ وَآحَادِهَا بِمِثْلِهِ، وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ وَقَعَ، إِذِ التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ لَيَالِي رَمَضَانَ، وَجَوَازُ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَتْ بِالْقُرْآنِ.
احْتَجَّ بِأَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ ; فَكَيْفَ يُبْطِلُ مُبَيِّنَهُ، وَلِأَنَّ النَّاسِخَ يُضَادُّ الْمَنْسُوخَ، وَالْقُرْآنُ لَا يُضَادُّ السُّنَّةَ، وَمَنَعَ الْوُقُوعَ الْمَذْكُورَ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ بَعْضَ السُّنَّةِ مُبَيِّنٌ لَهُ، وَبَعْضُهَا مَنْسُوخٌ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «السَّادِسَةُ: يَجُوزُ نَسْخُ كُلٍّ مِنَ الْكِتَابِ، وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ، وَآحَادِهَا بِمِثْلِهِ» ، أَيْ: يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، وَمُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ بِمُتَوَاتِرِهَا، وَآحَادُهَا بِآحَادِهَا. وَهَذَا اتِّفَاقٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَمَاثِلٌ ; فَجَازَ أَنْ يَرْفَعَ بَعْضُهُ بَعْضًا.
فَإِنْ قِيلَ: الْمِثْلَانِ يَسْتَوِيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيَسُدُّ أَحَدُهُمَا مَسَدَّ الْآخَرِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ ارْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، إِذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِأَنْ يَرْتَفِعَ بِالْآخَرِ مِنَ الْعَكْسِ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ قَدْ سَبَقَ عَلَى حَدِّ النَّسْخِ، بِأَنَّهُ رَفَعَ الْحُكْمَ، وَسَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ، بِأَنَّ النَّاسِخَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ رَافِعًا بِقُوَّتِهِ، بِكَوْنِهِ وَارِدًا.
قَوْلُهُ: «وَنَسْخُ السُّنَّةِ» ، أَيْ: وَيَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ «بِالْكِتَابِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ» .
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ جَائِزٌ عَقْلًا، وَوَاقِعٌ سَمْعًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، مَنِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْفُقَهَاءِ، وَمُمْتَنِعٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
(2/315)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى جَوَازِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ نَسَخَ السُّنَّةَ بِالْقُرْآنِ، وَلَا لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ. وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ قَرِيبًا، وَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ، كَانَ جَائِزًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَالْوُقُوعُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَبَيَانُ وُقُوعِهِ بِصُوَرٍ:
إِحْدَاهُنَّ: التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الْبَقَرَةِ: 144] .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَالْمُبَاشَرَةِ بَعْدَ النَّوْمِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} إِلَى قَوْلِهِ: {الْفَجْرِ} [الْبَقَرَةِ: 187] .
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ إِلَى حَالِ الْأَمْنِ، ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النِّسَاءِ: 102] ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [الْبَقَرَةِ: 239] .
وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ صُورَةً أُخْرَى، وَهِيَ صُلْحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَهُ مِنْ عِنْدِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الْمُمْتَحَنَةِ: 10] ; فَهَذِهِ أَحْكَامُ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَتْ بِالْكِتَابِ، وَذَلِكَ دَلِيلُ الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: «احْتَجَّ» ، يَعْنِي الشَّافِعِيَّ، «عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ» :
أَحَدُهُمَا: لَوْ جَازَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، لَكَانَ الْكِتَابُ مُبْطِلًا لِمُبَيِّنِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ ; فَالْقَوْلُ بِنَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] ، وَالنَّاسِخُ يُبْطِلُ الْمَنْسُوخَ ; فَالْكِتَابُ لَوْ نَسَخَ السُّنَّةَ، لَأَبْطَلَهَا، وَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لَهُ ; فَيَكُونُ مُبْطِلًا لِمُبَيِّنِهِ.
(2/316)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا أَنَّ إِبْطَالَ الْقُرْآنِ لِمُبَيِّنِهِ بَاطِلٌ ; فَلِأَنَّهُ إِذَا بَطَلَ مُبَيِّنُهُ، بَقِيَ بِغَيْرِ مُبَيِّنٍ ; فَيَرْجِعُ إِلَى الْإِجْمَالِ الْمُوجِبِ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ، وَتَعْطِيلُ أَلْفَاظِهِ عَنِ الِاسْتِعْمَالِ. وَأَيْضًا السُّنَّةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْقُرْآنِ ; فَلَوْ بَيَّنَهَا الْقُرْآنُ بِنَسْخِهِ لَهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ، إِذْ يَصِيرُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبَيِّنًا لِلْآخَرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّاسِخَ يُضَادُّ الْمَنْسُوخَ، وَالْقُرْآنُ لَا يُضَادُّ السُّنَّةَ، وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ بَيَانًا لَهُ ; فَالْقُرْآنُ لَا يَكُونُ نَاسِخًا لِلسُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَمَنَعَ الْوُقُوعَ الْمَذْكُورَ» ، أَيِ: الشَّافِعِيُّ مَنَعَ وُقُوعَ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، وَبَيَانُ الْمَنْعِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ، يَجُوزُ أَنَّهَا ثَبَتَتْ بِقُرْآنٍ نُسِخَ رَسْمُهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ، كَمَا سَبَقَ فِي آيَةِ الرَّجْمِ، ثُمَّ نُسِخَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ بِالْقُرْآنِ ; فَمَا نَسَخَ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ مِثْلُهُ.
الثَّانِي: بِتَقْدِيرِ أَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، يَجُوزُ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِسُنَّةٍ وَافَقَتِ الْقُرْآنَ فِي حُكْمِهِ ; فَمَا نُسِخَتِ السُّنَّةُ إِلَّا بِسُنَّةٍ مِثْلِهَا.
قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ بِأَنَّ بَعْضَ السُّنَّةِ مُبَيِّنٌ لَهُ، وَبَعْضَهَا مَنْسُوخٌ بِهِ» . هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ.
أَمَّا تَوْجِيهُهُ عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كَيْفَ يُبْطِلُ الْقُرْآنُ مَبِيِّنَهُ؟ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْقُرْآنِ مُحْتَاجًا إِلَى بَيَانٍ، بَلْ فِيهِ كَثِيرٌ مِمَّا هُوَ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ ; فَحِينَئِذٍ، مُبِيِّنُ السُّنَّةِ يُبَيِّنُ مُجْمَلَ الْقُرْآنِ، وَمُبِيِّنُ الْقُرْآنِ يَنْسَخُ بَعْضَ السُّنَّةِ ; فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ مُبْطِلًا لِمُبَيِّنِهِ.
وَأَمَّا تَوْجِيهُهُ عَنِ الثَّانِي ; فَنَقُولُ: الْقُرْآنُ لَا يُضَادُّ السُّنَّةَ فِي الْكُلِّ، أَوْ فِي الْبَعْضِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَحِينَئِذٍ ذَلِكَ الْبَعْضُ الْمُضَادُّ لِلْقُرْآنِ مِنَ السُّنَّةِ مَنْسُوخٌ بِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا دَوْرَ وَلَا مَحْذُورَ.
(2/317)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمَنْعِ ; فَقَوْلُهُ: الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ ثَبَتَتْ بِقُرْآنٍ نُسِخَ رَسْمُهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْقُرْآنِ.
قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُ قُرْآنٍ نُسِخَ رَسْمُهُ، ثَبَتَتْ بِهِ تِلْكَ الْأَحْكَامُ، وَاحْتِمَالُهُ لَا يَكْفِي، وَمَا وُجِدَ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْوَالِهِ، وَتَقْرِيرَاتِهِ فِي ذَلِكَ، كَصَلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، صَالِحٌ لِإِثْبَاتِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ ; فَوَجَبَ أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: يَجُوزُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ نُسِخَتْ بِسُنَّةٍ وَافَقَتِ الْقُرْآنَ.
قُلْنَا: لَيْسَ النِّزَاعُ فِي الْجَوَازِ، بَلْ فِي الْوُقُوعِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلُ وُجُودِ سُنَّةٍ نَاسِخَةٍ كَمَا ذَكَرْتُمْ، وَالْقُرْآنُ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ صَالِحٌ لِلنَّسْخِ ; فَوَجَبَ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهِ.
نَعَمْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي مَنْعِ كَوْنِ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ كَلَامًا جَيِّدًا.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ: أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ ثَابِتًا بِمُجْمَلٍ فَهُوَ مُرَادٌ مِنْ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ، وَتَوَجُّهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [الْبَقَرَةِ: 110] ، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ بَيَانًا لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الْأَنْعَامِ: 141] ، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الْبَقَرَةِ: 110] ، وَهُوَ مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ: وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُرَادٌ مِنَ الْقُرْآنِ ; فَهُوَ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ بِوَاسِطَةِ الْبَيَانِ.
قُلْتُ: وَهَذَا يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ فِي تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَنْ وَقْتِ الْقِتَالِ ; لِأَنَّهُ مِنْ
(2/318)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَوَازِمِ بَيَانِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِقَامَتِهَا إِكْمَالُهَا وَإِتْمَامُهَا، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ حَالَ الْقِتَالِ ; فَكَانَ تَأْخِيرُهَا إِلَى وَقْتِ الْأَمْنِ مِنْ لَوَازِمِ إِقَامَتِهَا، وَكَذَلِكَ صُلْحُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْكُفَّارِ، عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا، هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التَّحْرِيمِ: 9] ، وَجِهَادُهُمْ مُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ. وَقَدْ رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ صُلْحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: ثُمَّ يَتَفَرَّعُ لَنَا عَلَى هَذَا تَحْقِيقٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ، هَلْ يُضَافُ ثُبُوتُهُ إِلَى الْبَيَانِ، أَوْ إِلَى الْمُبَيَّنِ؟
فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى الْبَيَانِ، اتَّجَهَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ وُقُوعِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ الَّتِي هِيَ بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْكِتَابِ ; فَقَدْ نُسِخَتِ السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ.
وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى الْمُبَيَّنِ ; فَقَدِ اتَّجَهَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَنْعِ الْوُقُوعِ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْقُرْآنِ الْمُجْمَلِ الَّذِي بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْقُرْآنِ ; فَمَا نَسَخَ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ مِثْلُهُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ يُضَافُ إِلَى الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ جَمِيعًا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مَأْخَذُ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ.
وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ ; فَجَانِبُ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ مُتَرَجِّحٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْوُقُوعُ ; فَبِنَسْخِ تَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ بَعْدَ النَّوْمِ، إِذْ لَا يَتَّجِهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: كَانَ ثَابِتًا بِقُرْآنٍ مُجْمَلٍ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/319)

أَمَّا نَسْخُ الْقُرْآنِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ ; فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْقَاضِي مَنْعُهُ، وَأَجَازَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
لَنَا: لَا اسْتِحَالَةَ ذَاتِيَّةٌ، وَلَا خَارِجِيَّةٌ، وَلِأَنَّ تَوَاتُرَ السُّنَّةِ قَاطِعٌ، وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ ; فَهُوَ كَالْقُرْآنِ.
قَالُوا: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ، وَالسُّنَّةُ لَا تُسَاوِي الْقُرْآنَ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الْقُرْآنُ يَنْسَخُ حَدِيثِي، وَحَدِيثِي لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ» ، وَلِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ لَفْظَ الْقُرْآنِ ; فَكَذَا حُكْمُهُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْحُكْمِ وَمَصْلَحَتِهِ، وَالسُّنَّةُ تُسَاوِي الْقُرْآنَ فِي ذَلِكَ، وَتَزِيدُ عَلَيْهِ، إِذِ الْمَصْلَحَةُ الثَّابِتَةُ بِالسُّنَّةِ قَدْ تَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ. أَوْ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ; فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ أَصْلًا. وَالْحَدِيثُ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ، لِكَوْنِهِ أَصْلًا ; فَلَوْ ثَبَتَ لَاشْتُهِرَ، وَلَمَا خُولِفَ. وَلَفْظُ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ ; فَلَا تَقُومُ السُّنَّةُ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " أَمَّا نَسْخُ الْقُرْآنِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ ; فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْقَاضِي مَنَعَهُ، وَأَجَازَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ".
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " الرَّوْضَةِ ": قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ إِلَّا قُرْآنٌ مِثْلُهُ يَجِيءُ بَعْدَهُ. قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ عَقْلًا وَشَرْعًا.
قُلْتُ: احْتِجَاجُ الْقَاضِي بِعُمُومِ نَفْيِ أَحْمَدَ، وَهُوَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ شَرْعًا، لَا عَقْلًا.
قُلْتُ: حَكَى الْآمِدِيُّ الْمَنْعَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَأَكْثَرِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَحُكِيَ الْجَوَازُ عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، وَأَكْثَرِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
(2/320)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.
قَوْلُهُ: " لَنَا: لَا اسْتِحَالَةَ "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ، لَاسْتَحَالَ لِذَاتِهِ، أَوْ لَأَمَرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ لِذَاتِهِ، وَلَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ ; فَلَا يَكُونُ مُسْتَحِيلًا مُطْلَقًا ; فَيَكُونُ جَائِزًا مُطْلَقًا. وَتَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ: كَتَقْرِيرِ قَوْلِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا: " لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ "، وَقَدْ سَبَقَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ قَاطِعٌ، أَيْ: يَحْصُلُ الْقَطْعُ بِثُبُوتِهِ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وَهُوَ - يَعْنِي مُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ - مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجْمِ: 3 - 4] . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْتِينِي بِالسُّنَّةِ كَمَا يَأْتِينِي بِالْقُرْآنِ، وَإِذَا كَانَ مُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ قَاطِعًا، وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، صَارَ كَالْقُرْآنِ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِهِ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} " إِلَى آخِرِهِ هَذِهِ حُجَّةُ الْمَانِعِينَ وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: " {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}
(2/321)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[الْبَقَرَةِ: 106] ; فَحَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسِخَ فِي كَوْنِهِ خَيْرًا مِنَ الْمَنْسُوخِ، أَوْ مِثْلَهُ، وَالسُّنَّةُ لَا تُسَاوِي الْقُرْآنَ ; فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ خَيْرًا مِنْهُ ; فَلَا تَكُونُ نَاسِخَةً لَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْقُرْآنُ يَنْسَخُ حَدِيثِي، وَحَدِيثِي لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ لَفْظَ الْقُرْآنِ ; فَكَذَلِكَ لَا تَنْسَخُ حُكْمَهُ، لِاشْتِرَاكِ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَحُكْمِهِ فِي الْقُوَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ أَنْ يُرْفَعَ بِمَا هُوَ دُونَهُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} فِي الْحُكْمِ وَمَصْلَحَتِهِ، وَالسُّنَّةُ تُسَاوِي الْقُرْآنَ فِي ذَلِكَ، إِذِ الْمَصْلَحَةُ الثَّابِتَةُ بِالسُّنَّةِ قَدْ تَكُونُ أَضْعَافَ الْمَصْلَحَةِ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ ; إِمَّا فِي عِظَمِ الْأَجْرِ، بِنَاءً عَلَى نَسْخِ الْأَخَفِّ بِالْأَثْقَلِ، أَوْ فِي تَخْفِيفِ التَّكْلِيفِ، بِنَاءً عَلَى نَسْخِ الْأَثْقَلِ بِالْأَخَفِّ.
قَوْلُهُ: " أَوْ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ". هَذَا جَوَابٌ آخَرُ عَنِ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّ فِيهَا تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ ; فَلَا يَكُونُ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ أَصْلًا، إِذْ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى إِثْبَاتِ النَّاسِخِ أَصْلًا، كَمَا سَبَقَ فِي النَّسْخِ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ ; فَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِمِثْلِهِ هَهُنَا ; لِأَنَّهُ أَصْلٌ كَبِيرٌ، وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى فِي الْعَادَةِ، لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ مَا كَانَ كَذَلِكَ عَادَةً. فَلَوْ ثَبَتَ، لَاشْتُهِرَ، ثُمَّ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِشُهْرَتِهِ وَدَلَالَتِهِ.
(2/322)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ، وَدَلَالَةُ الْعَامِّ ظَاهِرَةٌ، لَا قَاطِعَةٌ ; فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ، يَبْقَى الْمُتَوَاتِرُ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمُ: السُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ لَفْظَ الْقُرْآنِ ; فَكَذَا حُكْمُهُ.
فَجَوَابُهُ بِالْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ، وَالسُّنَّةُ لَا تَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْإِعْجَازِ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ تَكْلِيفُ الْخَلْقِ بِهِ، وَالسُّنَّةُ تَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قُلْتُ: تَلْخِيصُ مَأْخَذِ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ جَامِعًا وَفَارِقًا.
فَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِفَادَةِ الْعِلْمِ، وَكَوْنِهِمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْفَارِقُ: إِعْجَازُ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَالتَّعَبُّدُ بِتِلَاوَتِهِ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ ; فَمَنْ لَاحَظَ الْجَامِعَ، أَجَازَ النَّسْخَ، وَمَنْ لَاحَظَ الْفَارِقَ، مَنْعَهُ.
فَرْعٌ: كَمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ، كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ شَرْعًا، عَلَى نَحْوِ اخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِهِ ; فَمِمَّنْ أَثْبَتَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ.
احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ: بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ثَبَتَتْ بِالْقُرْآنِ، وَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. وَإِمْسَاكُ الزَّوَانِي فِي الْبُيُوتِ، ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ، وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ.
(2/323)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ: بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْوُقُوعِ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَا حُجَّةَ فِيهِمَا عَلَى الْوُقُوعِ، بَلِ النَّصُّ النَّبَوِيُّ فِيهِمَا بَيَانٌ لَا نَسْخٌ. فَآيَةُ الْوَصِيَّةِ نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، وَأَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَسْخَهَا بِبَيَانِهِ، وَالْإِيضَاحِ عَنْهُ، وَلِهَذَا يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. فَكَانَ هَذَا بَيَانًا وَإِخْبَارًا عَنْ زَوَالِ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، لَا نَسْخًا.
وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى ; فَالسَّبِيلُ مَذْكُورٌ فِيهَا، وَالْأَمْرُ فِيهَا مَغْيِيٌّ إِلَى حِينِ جَعْلِ السَّبِيلِ، فَلَمَّا جَاءَ وَقْتُهُ، بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِهَذَا قَالَ: خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. فَأَضَافَ جَعْلَ السَّبِيلِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا إِلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ إِمْسَاكَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ مَنْسُوخٌ، لَكَانَ إِضَافَةُ نَسْخِهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النُّورِ: 2] ، وَإِلَى آيَةِ الرَّجْمِ الَّتِي نُسِخَ لَفْظُهَا دُونَ حُكْمِهَا أَوْلَى، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَوَاتَرَا ; فَمِثَالُ الْخَصْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/324)

أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِآحَادِهَا ; فَجَائِزٌ عَقْلًا، لِجَوَازِ قَوْلِ الشَّارِعِ: تَعَبَّدْتُكُمْ بِالنَّسْخِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَا شَرْعًا، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ، لَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَبْعَثُ الْآحَادَ بِالنَّاسِخِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ. وَأَجَازَهُ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ مُطْلَقًا، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى، إِذِ الظَّنُّ قَدَرٌ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْكُلِّ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ وَالِاسْتِدْلَالِ الشَّرْعِيِّ. وَقَوْلُ عُمَرَ: لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ. يُفِيدُ أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ لِشُبْهَةٍ، وَلَوْ أَفَادَ خَبَرُهَا الظَّنَّ لَعَمِلَ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِآحَادِهَا ; فَجَائِزٌ عَقْلًا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَنَسْخُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; فَهُوَ جَائِزٌ عَقْلًا لَا شَرْعًا.
أَمَّا أَنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا ; فَلِجَوَازِ قَوْلِ الشَّارِعِ: تَعَبَّدْتُكُمْ بِنَسْخِ الْقَاطِعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَيْ: لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ.
وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ شَرْعًا، أَيْ: مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الشَّرْعِ ; قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ، وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ، لَا يُرْفَعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; فَلَا ذَاهِبَ إِلَى تَجْوِيزِهِ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصْدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» .
«وَأَجَازَهُ قَوْمٌ» يَعْنِي: نَسْخَ الْكِتَابِ وَتَوَاتُرَ السُّنَّةِ بِآحَادِهَا، «فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ، لَا بَعْدُهُ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَبْعَثُ الْآحَادَ بِالنَّاسِخِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ» ; فَيُقْبَلُ خَبَرُهُمْ فِيهِ.
«وَأَجَازَهُ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ مُطْلَقًا» ، يَعْنِي فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهُ.
قُلْتُ: «وَلَعَلَّهُ أَوْلَى» ، أَيْ: يُشْبِهُ أَنَّهُ أَوْلَى، لِاتِّجَاهِهِ بِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ أَجْزِمْ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا أَتَيْتُ بِلَفْظِ التَّرَجِّي.
(2/325)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «إِذِ الظَّنُّ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ، وَالِاسْتِدْلَالِ الشَّرْعِيِّ» . مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَاتُرَ السُّنَّةِ وَآحَادَهَا يَشْتَرِكَانِ فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ، وَإِنْ زَادَ التَّوَاتُرُ بِإِفَادَةِ الْقَطْعِ ; فَالظَّنُّ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ الشَّرْعِيِّ، وَالِاسْتِدْلَالِ الشَّرْعِيِّ، أَيْ: يَكْفِي الظَّنُّ فِي أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا لِلْعَمَلِ وَالِاسْتِدْلَالِ شَرْعًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنَاطَ ذَلِكَ غَلَبَةُ الظَّنِّ ; فَمَتَى حَصَلَ، وَجَبَ الْعَمَلُ، وَصَحَّ الِاسْتِدْلَالُ.
وَأَمَّا زِيَادَةُ الْقَطْعِ ; فَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، لِمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَإِذَا كَانَ الظَّنُّ مُشْتَرَكًا بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ، جَازَ أَنْ يَنْسَخَ الْآحَادُ الْمُتَوَاتِرَ وَيَكُونُ النَّسْخُ بِالْآحَادِ مُتَوَجِّهًا إِلَى مِقْدَارِ الظَّنِّ مِنَ التَّوَاتُرِ، لَا إِلَى جَمِيعِ مَا أَفَادَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا إِذَا كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، تَقَاصَّا بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ ; فَتَقْوَى الْخَمْسَةُ عَلَى رَفْعِ خَمْسَةٍ مِنَ الذِّمَّةِ، لَا عَلَى مَا زَادَ عَلَيْهَا.
وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ عَنَّا قَوْلُ الْخَصْمِ: إِنَّ الْكِتَابَ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا ; فَلَا يَرْتَفِعُ بِالْآحَادِ الْمَظْنُونَةِ ; لِأَنَّا نَقُولُ: مَا رَفَعْنَا الْقَطْعَ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا رَفَعْنَا بِالظَّنِّ ظَنًّا مِثْلَهُ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ ; فَلَيْسَ لَفْظُهُ: أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ؟ ، بَلْ كَمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» : أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ؟ وَهُوَ مَا رَوَى مُغِيَرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا
(2/326)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سُكْنَى لَكِ وَلَا نَفَقَةَ، قَالَ مُغِيَرَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ؟ وَكَانَ عُمَرُ يَجْعَلُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
وَهَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْكِتَابَ وَالْمُتَوَاتِرَ، بَلْ يُفِيدُ جَوَازَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عُمَرَ، إِنَّمَا رَدَّ خَبَرَ فَاطِمَةَ، لِشُبْهَةِ احْتِمَالِ أَنَّهَا نَسِيَتْ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَهَا لَوْ أَفَادَهُ الظَّنُّ، وَلَمْ تَقَعْ لَهُ الشُّبْهَةُ الْمَذْكُورَةُ، لَعَمِلَ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَبْعَثُ الْآحَادَ بِالنَّاسِخِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ ; فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ تِلْكَ الْآحَادَ كَانَتْ تَنْسَخُ الْكِتَابَ وَالْمُتَوَاتِرَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمَنْسُوخَاتِ بِتِلْكَ الْآحَادِ آحَادًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ، وَيَقُولَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَنْسُوخُ بِهَا آحَادًا مِثْلَهَا، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّوَاتُرِ، وَوُرُودُ أَحْكَامِ الْكِتَابِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْآحَادِ أَيْضًا.
قُلْنَا: نَعَمْ، إِلَّا أَنَّهَا أَكْثَرُ، وَأَعَمُّ وُجُودًا ; فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أُولَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حَيَاةَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِخَبَرِ الْآحَادِ فِي زَمَانِهِ، لِعِلْمِهِمْ بِصَلَابَتِهِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا يُسَامِحُ أَحَدًا يَكْذِبُ عَلَيْهِ، حَتَّى يُنَفِّذَ فِيهِ
(2/327)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمْرَ اللَّهِ، وَحِينَئِذٍ مَا نُسِخَ الْكِتَابُ وَالتَّوَاتُرُ إِلَّا بِمَعْلُومٍ مِثْلِهِمَا.
غَايَةُ مَا هُنَاكَ: أَنَّ مُسْتَنَدَ الْعِلْمِ فِي الْمَنْسُوخِ التَّوَاتُرُ، وَفِي النَّاسِخِ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقَرِينَةِ، وَهَذَا لَا يَضُرُّ.
وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا، مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ رَفْعِ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; فَمَمْنُوعٌ، وَعَلَى مُدَّعِي الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ إِثْبَاتُهُ، كَيْفَ وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَالْبَاجِيُّ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يَدَّعُونَ وُقُوعَهُ فِي صُوَرٍ:
مِنْهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الْأَنْعَامِ: 145] الْآيَةَ، نُسِخَتْ بِنَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ، وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النِّسَاءِ: 24] ، نُسِخَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا خَالَتِهَا. الْحَدِيثَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ عَنْهُ جَوَابٌ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَهُ، لَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ، لَعَلِمَهُ، ثُمَّ لَمْ يَدَّعِ وُقُوعَهُ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعِ نَسْخِ الْقَاطِعِ بِالْآحَادِ وَاهِيَةٌ.
(2/328)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَنْبِيهٌ: الْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ الَّتِي يَتَطَرَّقُ النَّسْخُ إِلَيْهَا وَبِهَا، هِيَ: الْكِتَابُ، وَمُتَوَاتِرُ السُّنَّةِ، وَآحَادُهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا ; إِمَّا أَنْ يُنْسَخَ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ بِالْآخَرِينَ مَعَهُ ; فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ:
الْأُولَى: نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.
الثَّانِيَةُ: نَسْخُ الْكِتَابِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ.
الثَّالِثَةُ: نَسْخُ الْكِتَابِ بِآحَادِ السُّنَةِ.
الرَّابِعَةُ: نَسْخُ مُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ.
الْخَامِسَةُ: نَسْخُ مُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ.
السَّادِسَةُ: نَسْخُ مُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِالْآحَادِ.
السَّابِعَةُ: نَسْخُ الْآحَادِ بِالْآحَادِ.
الثَّامِنَةُ: نَسْخُ الْآحَادِ بِالْكِتَابِ.
التَّاسِعَةُ: نَسْخُ الْآحَادِ بِالْمُتَوَاتِرِ.
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ، عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَهُمْ: أَنَّ النَّصَّ يُنْسَخُ بِأَقْوَى مِنْهُ وَبِمِثْلِهِ، وَلَا يُنْسَخُ بِأَضْعَفَ مِنْهُ ; فَيَسْقُطُ بِمُقْتَضَى هَذَا الضَّابِطِ مِنَ الصُّوَرِ التِّسْعِ صُورَتَانِ، نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْآحَادِ، وَنَسْخُ التَّوَاتُرِ بِالْآحَادِ، وَيَبْقَى سَبْعُ صُوَرٍ، النَّسْخُ فِيهَا جَائِزٌ.
وَعَلَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي وَجَّهْنَاهُ، يَصِحُّ النَّسْخُ فِي الصُّوَرِ التِّسْعِ، نَظَرًا إِلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا، وَهُوَ الظَّنُّ ; فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/329)

السَّابِعَةُ: الْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ، إِذِ النَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَلَا إِجْمَاعَ إِذَنْ. وَلِأَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مُتَضَادَّانِ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُضَادُّ النَّصَّ، وَلَا يَنْعَقِدْ عَلَى خِلَافِهِ.
وَالْحُكْمُ الْقِيَاسِيُّ الْمَنْصُوصُ الْعِلَّةِ، يَكُونُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، كَالنَّصِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَقِيلَ: مَا خَصَّ نَسَخَ. وَهُوَ بَاطِلٌ، بِدَلِيلِ: الْعَقْلِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، يَخُصُّ وَلَا يَنْسَخُ.
وَالنَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ مُتَنَاقِضَانِ، إِذِ النَّسْخُ إِبْطَالٌ، وَالتَّخْصِيصُ بَيَانٌ ; فَكَيْفَ يَسْتَوِيَانِ.
وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِتَنْبِيهِ اللَّفْظِ كَمَنْطُوقِهِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَنَسْخُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ يُبْطِلُ حُكْمَ الْمَفْهُومِ، وَمَا ثَبَتَ بِعِلَّتِهِ، أَوْ دَلِيلِ خِطَابِهِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ ; فَسَقَطَتْ بِسُقُوطِ مَتْبُوعِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: الْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ» ، أَيْ: لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا وَلَا نَاسِخًا.
قَوْلُهُ: «إِذِ النَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَلَا إِجْمَاعَ إِذَنْ» .
هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ، أَيِ: الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْإِجْمَاعِ، لَا يُنْسَخُ، أَيْ: لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ عَهْدِ النُّبُوَّةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ لَا يُنْسَخُ.
أَمَّا أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ ; فَلِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ، وَإِبْطَالٌ لَهُ، وَتَغْيِيرٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّهُ زَمَنُ الْوَحْيِ الرَّافِعِ لِلْأَحْكَامِ، وَبَعْدَ
(2/330)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
انْقِرَاضِ عَهْدِ النُّبُوَّةِ يَسْتَقِرُّ الشَّرْعُ ; فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا اتِّبَاعُ مَا انْقَرَضَ عَلَيْهِ عَصْرُ النُّبُوَّةِ.
وَأَمَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ عَهْدِ النُّبُوَّةِ ; فَلِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ، عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِعِصْمَتِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا حَكَمَ بِحُكْمٍ ; فَالْأُمَّةُ إِمَّا أَنْ تُوَافِقَ ; فَلَا أَثَرَ لِمُوَافَقَتِهَا ; لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ، أَوْ تُخَالِفَ ; فَلَا اعْتِبَارَ بِمُخَالَفَتِهَا، بَلْ تَكُونُ عَاصِيَةً بِمُخَالَفَتِهِ ; فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا مُؤَثِّرًا إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ إِنَّ نَسْخَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ نَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَثْبَتَهُ الْأَقَلُّونَ. وَاخْتَارَ جَوَازَهُ عَقْلًا، وَامْتِنَاعَهُ شَرْعًا.
قُلْتُ: أَمَّا جَوَازُهُ عَقْلًا فَلِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ.
وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ شَرْعًا ; فَلِأَنَّ نَسْخَهُ إِمَّا بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قِيَاسٍ.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ.
وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ النَّاسِخَ ; إِمَّا لَا عَنْ دَلِيلٍ ; فَيَكُونُ خَطَأً، أَوْ عَنْ دَلِيلٍ.
فَذَلِكَ الدَّلِيلُ ; إِمَّا نَصٌّ أَوْ قِيَاسٌ، فَإِنْ كَانَ نَصًّا، لَزِمَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ عَلَى خِلَافِهِ ; فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا ; فَلَابُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ الْقِيَاسُ إِلَى نَصٍّ ; فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ عَلَى خِلَافِهِ أَيْضًا، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَبِذَلِكَ يَبْطُلُ كَوْنُ نَاسِخِ الْإِجْمَاعِ قِيَاسًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَلِأَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مُتَضَادَّانِ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُضَادُّ النَّصَّ، وَلَا يَنْعَقِدُ
(2/331)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى خِلَافِهِ» . هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ نَاسِخًا.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمَنْسُوخَ إِنَّمَا يَكُونُ نَصًّا، لِمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا، وَإِذَا انْحَصَرَ الْمَنْسُوخُ فِي كَوْنِهِ نَصًّا ; فَلَوْ نُسِخَ بِالْإِجْمَاعِ، لَلَزِمَ مُضَادَةُ النَّصِّ لِلْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَادَّا، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُضَادُّ النَّصَّ، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِلَافِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بُطْلَانَهُ، لِانْعِقَادِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ.
وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ نَاسِخًا، أَثْبَتَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَعِيسَى بْنُ أَبَانٍ، وَنَفَاهُ الْبَاقُونَ، وَاخْتَارَهُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَوْ كَانَ نَاسِخًا، لَكَانَ دَلِيلُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ ; إِمَّا نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا، فَإِنْ كَانَ نَصًّا ; فَالْإِجْمَاعُ النَّاسِخُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ، وَإِلَّا كَانَ خَطَأً، وَذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ هُوَ النَّاسِخُ، لَا نَفْسُ الْإِجْمَاعِ، لَكِنْ دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ ; فَالْإِجْمَاعُ دَلِيلُ النَّاسِخِ، لَا نَفْسُ النَّاسِخِ. وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ إِجْمَاعًا ; فَلَوْ نُسِخَ بِالْإِجْمَاعِ، لَزِمَ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ ; فَأَحَدُهُمَا بَاطِلٌ ; فَلَا نَسْخَ.
وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ قِيَاسًا ; فَهُوَ إِمَّا غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَلَا عِبْرَةَ بِهِ ; فَلَا نَسْخَ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا ; فَالْإِجْمَاعُ النَّاسِخُ، إِنِ اسْتَنَدَ إِلَى نَصٍّ ; فَالنَّصُّ هُوَ النَّاسِخُ، وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا، فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْقِيَاسِ الْأَوَّلِ، أَعْنِي الَّذِي هُوَ دَلِيلُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، أَوْ رَاجِحًا عَلَيْهِ ; فَالْقِيَاسُ الْأَوَّلُ لَيْسَ قِيَاسًا صَحِيحًا، لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَلِرُجْحَانِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا ; فَالْإِجْمَاعُ عَلَى حُكْمِهِ خَطَأٌ ; فَلَا نَسْخَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

قَوْلُهُ: «وَالْحُكْمُ الْقِيَاسِيُّ الْمَنْصُوصُ الْعِلَّةِ يَكُونُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، كَالنَّصِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ» . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْحُكْمَ الْقِيَاسِيَّ، أَيِ: الثَّابِتَ بِالْقِيَاسِ ; إِمَّا أَنْ
(2/332)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَكُونَ مَنْصُوصَ الْعِلَّةِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ مَنْصُوصَ الْعِلَّةِ، أَيْ: قَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى عِلَّتِهِ، كَانَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ كَالنَّصِّ يُنْسَخُ، وَيُنْسَخُ بِهِ، أَيْ: يَكُونُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، كَمَا أَنَّ النَّصَّ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى نَصٍّ، فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ النَّصِّ، صَارَ حُكْمُ الْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ ; فَيَكُونُ نَصًّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ الْمُتَّخَذَ مِنَ الْعِنَبِ، لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا، فَإِذَا قِسْنَا عَلَيْهِ نَبِيذَ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ، فِي التَّحْرِيمِ، كَانَ تَحْرِيمُ هَذَا النَّبِيذِ حُكْمًا مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: حَرَّمْتُ نَبِيذَ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ ; فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الشَّرْعَ قَالَ: أَبَحْتُ نَبِيذَ الذُّرَةِ الْمُسْكِرِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ نَبِيذِ التَّمْرِ الْمُسْكِرِ ; الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْقِيَاسِ نَاسِخًا لِذَلِكَ، إِذَا ثَبَتَ تَأَخُّرُهُ عَنْ إِبَاحَةِ نَبِيذِ الذُّرَةِ، وَمَنْسُوخًا بِإِبَاحَةِ نَبِيذِ الذُّرَةِ إِذَا ثَبَتَ تَقَدُّمُ تَحْرِيمِ نَبِيذِ التَّمْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَحْرِيمَ نَبِيذِ التَّمْرِ، وَإِبَاحَةَ نَبِيذِ الذُّرَةِ حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ مَعَ اتِّحَادِ عِلَّتِهِمَا، وَهِيَ الْإِسْكَارُ ; فَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَبَحْتُ الْخَمْرَ، ثُمَّ قَالَ: حَرَّمْتُهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ.
وَأَمَّا إِنَّ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَلَا مَنْسُوخًا ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَنْصُوصَةً ; فَهِيَ مُسْتَنْبَطَةٌ، وَاسْتِنْبَاطُهَا هُوَ بِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ، وَاجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ عُرْضَةُ الْخَطَأِ ; فَلَا يَقْوَى عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، بِخِلَافِ النَّصِّ عَلَى الْعِلَّةِ ; فَإِنَّهُ حُكْمَ الشَّارِعِ الْمَعْصُومِ مِنَ الْخَطَأِ ; فَهُوَ
(2/333)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا قِسْنَا الذُّرَةَ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، بِجَامِعِ الْكَيْلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْعِلَّةَ فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ الشَّارِعُ: أَبَحْتُ التَّفَاضُلَ فِي السِّمْسِمِ، لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَجْعَلَ الْإِبَاحَةَ فِي السِّمْسِمِ نَاسِخَةً لِلتَّحْرِيمِ فِي الذُّرَةِ، وَلَا التَّحْرِيمَ فِي الذُّرَةِ نَاسِخًا لِلْإِبَاحَةِ فِي السِّمْسِمِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَضَادِّ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ إِبَاحَةَ التَّفَاضُلِ فِي السِّمْسِمِ، وَتَحْرِيمَهَا فِي الذُّرَةِ مُتَضَادَّانِ، لِجَوَازِ عَدَمِ اخْتِلَافِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا، أَوْ كَوْنِ الْحُكْمِ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ ; فَيَنْتَفِي التَّضَادُّ ; فَيَنْتَفِي النَّسْخُ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ الْآمِدِيُّ نَسْخَ حُكْمِ الْقِيَاسِ، أَيْ: كَوْنَهُ مَنْسُوخًا. وَقَالَ: مَنَعَ مِنْهُ الْحَنَابِلَةُ مُطْلَقًا، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي قَوْلٍ، وَأَجَازَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دُونَ مَا وُجِدَ بَعْدَهُ. ثُمَّ اخْتَارَ الْآمِدِيُّ نَحْوَ مَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَحِكَايَتُهُ مَنْعَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ نَسْخِ حُكْمِ الْقِيَاسِ مُطْلَقًا، يَرُدُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِنَا ; فَلَعَلَّهُ رَأَى قَوْلًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا شَاذًّا، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقِ النَّقْلَ.
وَحَكَى فِي النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ أَقْوَالًا، ثَالِثُهَا: جَوَازُهُ بِالْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَ هُوَ فِيهِ تَفْصِيلًا طَوِيلًا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: مَا خَصَّ نَسَخَ» ، أَيْ: مَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ، جَازَ النَّسْخُ بِهِ، وَلَا يَقْتَصِرُ فِي النَّاسِخِ عَلَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ شَاذَّةٍ.
(2/334)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَهُوَ بَاطِلٌ» ، أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ مَنْقُوضٌ بِأَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: دَلِيلُ الْعَقْلِ، يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، دُونَ النَّسْخِ.
الثَّانِي: الْإِجْمَاعُ، يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، دُونَ النَّسْخِ.
الثَّالِثُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ، يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، دُونَ النَّسْخِ.
قُلْتُ: وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، إِذْ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يَنْسَخُ مِثْلَهُ، وَهَلْ يَنْسَخُ أَقْوَى مِنْهُ، كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْقَاطِعُ، عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَوَجَّهْنَا خِلَافَهُ.
وَقَوْلُهُ: «يَخُصُّ وَلَا يَنْسَخُ» ، يَعْنِي: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ تَكُونُ مُخَصَّصَةً، لَا نَاسِخَةً.
وَقَوْلُهُ: «وَالنَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ مُتَنَاقِضَانِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا تَقْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ، بِبَيَانِ تَنَاقُضِهِمَا ; فَكَيْفَ يَسْتَوِيَانِ، حَتَّى يَصِحَّ أَنَّ مَا جَازَ بِأَحَدِهِمَا، جَازَ بِالْآخَرِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ النَّسْخَ إِبْطَالٌ لِلْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ رَفْعٌ لَهُ، وَالتَّخْصِيصُ تَقْرِيرٌ وَبَيَانٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنَ اللَّفْظِ، فَإِذَا بَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ، اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَرَفْعُ الْحُكْمِ وَتَقْرِيرُهُ مُتَنَاقِضَانِ ; فَيَمْتَنِعُ اسْتِوَاؤُهُمَا، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ مَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ، جَازَ النَّسْخُ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ كَقَوْلِنَا: مَا جَازَ أَنْ يُبَيِّنَ الْحُكْمَ وَيُقَرِّرَهُ، جَازَ أَنْ يَرْفَعَهُ، وَيُبْطِلَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ لِحُكْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ عَلَى عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/335)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِتَنْبِيهِ اللَّفْظِ كَمَنْطُوقِهِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ» .
مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ تَنْبِيهَ اللَّفْظِ - وَهُوَ الْمَفْهُومُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، مِنْ غَيْرِ مَنْطُوقِهِ - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا، كَمَا أَنَّ الْمَنْطُوقَ - وَهُوَ اللَّفْظُ نَفْسُهُ - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَلِيلٌ، لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ ذِكْرِ فَحَوَى الْخِطَابِ.
وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ حَكَى الْخِلَافَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ تَبَعًا، وَالْآمِدِيُّ حَكَى جَوَازَ النَّسْخِ بِفَحْوَى الْخِطَابِ، وَنَسْخِ حُكْمِهِ اتِّفَاقًا.
وَالْمُرَادُ بِالْفَحْوَى: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَنْبِيهِ اللَّفْظِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، فَإِنْ صَحَّ الْخِلَافُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِ ; فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ أَوْ لَا، أَوْ عَلَى أَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ أَوْ عَقْلِيَّةٌ الْتِزَامِيَّةٌ.
فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ لَفْظِيَّةٌ، جَازَ نَسْخُهَا، وَالنَّسْخُ بِهَا كَالْمَنْطُوقِ، وَهُوَ لَفْظُهَا الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ عَقْلِيَّةٌ، كَانَتْ قِيَاسًا جَلِيًّا، وَالْقِيَاسُ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ عَارَضَ نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا، لَمْ يُعْتَبَرْ مَعَهُمَا، وَإِنْ عَارَضَ قِيَاسًا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا، تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنِ اسْتَوَيَا، وَجَبَ التَّرْجِيحُ، وَلَا نَسْخَ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ يَثْبُتُ حُكْمًا طَارِئًا مُنَاقِضًا لِحُكْمٍ قَبْلَهُ ; فَجَازَ النَّسْخُ بِهِ، وَنَسْخُهُ كَسَائِرِ مَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ.
قُلْتُ: وَهَذَا يَظْهَرُ فِيمَا إِذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسَيْنِ، أَوْ عِلَّةُ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُمَا
(2/336)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَنْصُوصَةً، أَمَّا إِنْ كَانَتَا مُسْتَنْبَطَتَيْنِ، أَوْ عِلَّةُ الْمُتَأَخِّرِ مُسْتَنْبَطَةً ; فَحُكْمُهَا التَّرْجِيحُ كَمَا سَبَقَ، وَيَضْعُفُ النَّسْخُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ قِيَاسٌ أَمْ لَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الْإِسْرَاءِ: 23] ، نَبَّهَ عَلَى تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ ضَرْبَهُمَا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ هَذَا التَّنْبِيهِ، كَانَ هُوَ نَاسِخًا لِإِبَاحَةِ الضَّرْبِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ إِبَاحَةَ ضَرْبِهِمَا شُرِعَتْ بَعْدَ التَّنْبِيهِ الْمَذْكُورِ، كَانَتْ نَاسِخَةً لَهُ ; فَهُوَ - أَعْنِي التَّنْبِيهَ - نَاسِخٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، مَنْسُوخٌ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قَوْلُهُ: «وَنَسْخُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ يُبْطِلُ حُكْمَ الْمَفْهُومِ، وَمَا ثَبَتَ بِعِلَّتِهِ، أَوْ دَلِيلِ خِطَابِهِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ ; فَسَقَطَتْ بِسُقُوطِ مَتْبُوعِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ» .
مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ الْمَنْطُوقَ - وَهُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ بِالْمُطَابَقَةِ أَوِ التَّضَمُّنِ - إِذَا نُسِخَ ; بَطَلَ حُكْمُ مَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِنْ مَفْهُومِهِ، وَمَعْلُولِهِ، وَدَلِيلِ خِطَابِهِ ; لِأَنَّهَا تَوَابِعُ لَهُ، وَإِذَا بَطَلَ الْمَتْبُوعُ، بَطَلَ التَّابِعُ، وَإِذَا انْتَفَى الْأَصْلُ، انْتَفَى فَرْعُهُ.
وَخَالَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ; فَقَالُوا: لَا يَبْطُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يَخْتَصُّ النَّسْخُ بِالْمَنْطُوقِ وَحْدَهُ، وَمَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ النُّطْقِ ; فَهُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ ; فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِهِ نَسْخُهُ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ غَيْرَهُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرُوهُ: أَنَّ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ الْمَنْسُوخِ، لَيْسَ فَرْعًا عَلَيْهِ وَتَبَعًا لَهُ ; فَلِذَلِكَ
(2/337)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اسْتَقَلَّ، بِخِلَافِ فُرُوعِ الْمَنْطُوقِ ; فَإِنَّهَا تَزُولُ بِزَوَالِهِ، لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ فَرْعٍ بِلَا أَصْلٍ.
وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ نُسِخَ تَحْرِيمُ التَّأْفِيفِ - الَّذِي هُوَ الْمَنْطُوقُ - لَبَطَلَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ - الَّذِي هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ - تَبَعًا لِأَصْلِهِ.
وَلَوْ نُسِخَ النَّهْيُ عَنْ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ; لَبَطَلَ تَحْرِيمُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُزْعِجَةِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا.
وَلَوْ نُسِخَ قَوْلُهُ: «مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» ; لَبَطَلَ مَفْهُومُ عِلَّتِهِ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَمْ يُسْكِرْ ; فَلَيْسَ بِحَرَامٍ.
وَلَوْ نُسِخَ قَوْلُهُ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» ; لَبَطَلَ مَفْهُومُ دَلِيلِ خِطَابِهِ ; وَهُوَ أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ لَا زَكَاةَ فِيهَا. كُلُّ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا فُرُوعٌ تَبِعَتْ أَصْلَهَا فِي السُّقُوطِ، فَإِنْ أُرِيدَ إِثْبَاتُهَا، احْتَاجَتْ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ مُثْبِتٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ ثَابِتَةٌ بَعْدَ زَوَالِ أَصْلِهَا ; فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُثْبِتٍ. وَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ الْحُكْمَ الْقِيَاسِيَّ يَبْقَى بَعْدَ نَسْخِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِمْ.
وَمِثَالُهُ: لَوْ نُسِخَ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ مَثَلًا، لَبَقِيَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي الْأُرْزِ وَالذُّرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْتَفَى تَبَعًا لِأَصْلِهِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.
وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْحُكْمَ هَلْ يَفْتَقِرُ فِي دَوَامِهِ إِلَى دَوَامِ عِلَّتِهِ أَمْ لَا؟ إِنْ قِيلَ: يَفْتَقِرُ إِلَى دَوَامِ عِلَّتِهِ، تَبِعَ حُكْمُ الْفَرْعِ حُكْمَ أَصْلِهِ فِي النَّسْخِ، وَإِلَّا ; فَلَا. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْبَاقِيَ هَلْ يَفْتَقِرُ فِي بَقَائِهِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ أَمْ لَا؟
فَرْعٌ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ نَسْخِ اللَّفْظِ وَمَفْهُومِهِ مَعًا، وَمَنَعَ الْأَكْثَرُونَ نَسْخَ حُكْمِ
(2/338)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَنْطُوقِ دُونَ فَحْوَاهُ، كَنَسْخِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ دُونَ الضَّرْبِ، نَحْوَ: قُلْ لَهُ: أُفٍّ وَلَا تَضْرِبْهُ. وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ كَمَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
وَتَرَدَّدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي عَكْسِ ذَلِكَ، وَهُوَ نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَ مَنْطُوقِهِ، نَحْوَ: اضْرِبْهُ، وَلَا تَقُلْ لَهُ: أُفٍّ ; فَمَنَعَهُ مَرَّةً لِتَنَاقُضِهِ، إِذِ الْغَرَضُ مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ الْإِكْرَامُ، وَإِبَاحَةُ الضَّرْبِ تُنَافِيهِ، وَأَجَازَهُ مَرَّةً، وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ ; لِأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ خَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْجَوَازِ.
قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ; فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ عِلَّةُ الْمَنْطُوقِ مِمَّا لَا تَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ ; كَإِكْرَامِ الْوَالِدِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَأْفِيفِهِ، امْتَنَعَ نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَهُ، لِتَنَاقُضِ الْمَقْصُودِ كَمَا قُلْنَا، وَإِنِ احْتَمَلَتِ التَّغَيُّرَ ; جَازَ ; لِاحْتِمَالِ الِانْتِقَالِ مِنْ عِلَّةٍ إِلَى أُخْرَى، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: لَا تُعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا، يَقْصِدُ بِذَلِكَ حِرْمَانَهُ، لِغَضَبِهِ عَلَيْهِ ; فَفَحْوَاهُ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِذَا نَسَخَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَعْطِهِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَا تُعْطِهِ دِرْهَمًا، جَازَ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ عِلَّةِ حِرْمَانِ زِيدٍ، إِلَى عِلَّةِ إِعْطَائِهِ، وَمُوَاسَاتِهِ، وَالتَّوْقِيرِ لَهُ، لِزَوَالِ غَضَبِهِ عَلَيْهِ، وَبَرَاءَةِ سَاحَتِهِ عِنْدَهُ مِمَّا رُمِيَ بِهِ. وَبِهَذَا يَتَّجِهُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْ عَبْدِ الْجَبَّارِ - أَعْنِي: مُجْمَلَهُمَا عَلَى حَالَيْنِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(2/339)

خَاتِمَةٌ
لَا يُعْرَفُ النَّسْخُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَلَا قِيَاسِيٍّ، بَلْ بِالنَّ