Advertisement

شرح مختصر الروضة 003


الْإِجْمَاعُ
لُغَةً: الْعَزْمُ وَالِاتِّفَاقُ.
وَاصْطِلَاحًا اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ جَوَازَهُ عَقْلًا، وَهُوَ ضَرُورِيٌّ فَإِنْكَارُهُ عِنَادٌ، ثُمَّ الْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُهُ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَعَ وُجُودِ الْعَقْلِ، وَنَصْبِ الْأَدِلَّةِ، وَوَعِيدِ الشَّرْعِ الْبَاعِثِ عَلَى الْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ، وَقِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ كَيْفَ يَمْتَنِعُ! وَاخْتِلَافُ الْقَرَائِحِ عَقْلِيٌّ بِخِلَافِ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي الشَّهْوَانِيَّةِ، إِذْ هُوَ طَبَعِيٌّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا جَلِيٌّ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يُحْكَمُ بِتَصَوُّرِ وَجُودِهِ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ عِنْدَ قِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقَوْلُ فِي «الْإِجْمَاعِ» وَهُوَ «لُغَةً» أَيْ: فِي اللُّغَةِ «الْعَزْمُ وَالِاتِّفَاقُ» أَيْ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَجْمَعْتُ الْأَمْرَ، وَعَلَى الْأَمْرِ، إِذَا عَزَمْتَ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ مُجْمَعٌ. قُلْتُ: وَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لِتَعَدِّيهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ فِيمَا حَكَاهُ.
قُلْتُ: وَكَمَا تَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، تَعَدَّى بِالتَّضْعِيفِ، فَيُقَالُ: أَجْمَعَ وَجَمَّعَ، وَفِي الْحَدِيثِ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَيْ: يَعْزِمْ عَلَيْهِ.
(3/5)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَجُوزُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ: أَجْمَعَ، يُجْمِعُ، وَبِالتَّشْدِيدِ مِنْ: جَمَّعَ يُجَمِّعُ. وَيُقَالُ:
أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا، أَيِ: اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «وَاصْطِلَاحًا» أَيْ: وَالْإِجْمَاعُ فِي الِاصْطِلَاحِ، أَيِ: اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ: «اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ» .
فَقَوْلُنَا: «مُجْتَهِدِي» : احْتِرَازٌ مِنِ اتِّفَاقِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وَلَا يُعَدُّ إِجْمَاعًا.
وَقَوْلُنَا: «مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ» : عَامٌّ فِي الْمُجْتَهِدِينَ كُلِّهِمْ، فَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنِ اتِّفَاقِ بَعْضِهِمْ فَقَطْ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُنَا: «مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» : احْتِرَازٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ غَيْرِهَا، كَاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى أَحْكَامِ دِينِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْنَا.
وَقَوْلُنَا: «عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ» أَيْ: يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ لِذَاتِهِ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا، احْتِرَازٌ مِنِ اتِّفَاقِ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ عَلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، كَالْمَصْلَحَةِ فِي إِقَامَةِ مَتْجَرٍ، أَوْ حِرْفَةٍ، أَوْ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ، لَكِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ لِذَاتِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةٍ، كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوِ اللُّغَةِ، أَوِ الْحِسَابِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا، أَوِ اصْطِلَاحِيًّا، وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا فِي الْحَقِيقَةِ، لِتَعَلُّقِهِ بِالشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ بِوَاسِطَةٍ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْإِجْمَاعُ فِي الشَّرْعِ: اتِّفَاقُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَلْخِيصُ هَذَا.
(3/6)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ اتِّفَاقُ جُمْلَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَصْرٍ مَا عَلَى حُكْمِ وَاقِعَةٍ مِنَ الْوَقَائِعِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ.
قَالَ: وَنَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ الِاشْتِرَاكَ، إِمَّا فِي الْقَوْلِ، أَوِ الْفِعْلِ، أَوِ الِاعْتِقَادِ. وَبِأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ: الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَبِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ: الشَّرْعِيَّاتِ، وَالْعَقْلِيَّاتِ، وَالْعُرْفِيَّاتِ.

قَوْلُهُ: «وَأَنْكَرَ قَوْمٌ جَوَازَهُ» أَيْ: جَوَازَ الْإِجْمَاعِ مِنْ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ عَلَى حُكْمٍ «عَقْلًا» أَيْ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى حُكْمِ وَاقِعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَقَلِّينَ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» أَيْ: جَوَازُ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى حُكْمٍ مَا «ضَرُورِيٌّ» أَيْ: مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْكَارُهُ» أَيْ: حَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ جَوَازَ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ ضَرُورِيٌّ، فَإِنْكَارُ جَوَازِهِ «عِنَادٌ» لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي الضَّرُورِيَّاتِ عِنَادٌ.
نَعَمْ. هَؤُلَاءِ اسْتَبْعَدُوا وُقُوعَهُ مَعَ كَثْرَةِ الْعِبَادِ وَتَبَاعُدِ الْبِلَادِ وَاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ، فَظَنُّوا الِاسْتِبْعَادَ اسْتِحَالَةً.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُهُ» هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ وَقَعَ، وَالْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ، أَيْ: يَدُلُّ عَلَيْهِ
(3/7)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالِالْتِزَامِ، لِأَنَّ الْجَوَازَ لِلْوُقُوعِ، وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ، أَمَّا وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ «فَكَالْإِجْمَاعِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ» الْخَمْسِ، وَهِيَ الشَّهَادَتَانِ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْحَجُّ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ، وَوَاجِبَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَأَحْكَامٍ أَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، وَفِيهَا لَا يَخْتَلِفُونَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِالتَّوَاتُرِ، لَا بِالْإِجْمَاعِ.
قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا ثَابِتٌ، لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَأَمَّا التَّوَاتُرُ فِيهَا، فَهُوَ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ، أَوْ أَنَّهَا ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ مَعًا، أَوْ مُرَتَّبًا، لَمَّا تَوَاتَرَتْ أُجْمِعَ عَلَيْهَا، أَوْ لَمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهَا، تَوَاتَرَتْ، وَكَيْفَمَا كَانَ، فَالْإِجْمَاعُ فِيهَا ثَابِتٌ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ.
وَأَمَّا أَنَّ الْوُقُوعَ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ، فَلِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا هُوَ جَائِزُ الْوُقُوعِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ مَعَ وُجُودِ الْعَقْلِ، وَنَصْبِ الْأَدِلَّةِ، وَوَعِيدِ الشَّرْعِ الْبَاعِثِ عَلَى الْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ، وَقِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ كَيْفَ يَمْتَنِعُ! هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى جَوَازِهِ، عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ وَالتَّسْهِيلِ لَهُ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ هَاهُنَا أُمُورًا لَا يَمْتَنِعُ مَعَهَا وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ:
أَحَدُهَا: وُجُودُ الْعَقْلِ فِي الْمُجْتَهِدِينَ.
(3/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالثَّانِي: نَصْبُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ عَلَى الْأَحْكَامِ.
وَالثَّالِثُ: وَعِيدُ الشَّرْعِ الْبَاعِثُ عَلَى الْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ، وَالنَّظَرِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: انْظُرُوا {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا} [الْأَعْرَافِ: 7 و185] ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ بِالنَّظَرِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي النَّظَرِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَالْعَقْلُ يَضْطَرُّ صَاحِبَهُ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِ الِاجْتِهَادِ إِلَى النَّظَرِ، وَيَسْتَعِينُ عَلَى دَرْكِ الْحَقِّ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إِدْرَاكُهُ، خُصُوصًا مَعَ قِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الرَّابِعُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ مُجْتَهِدِي كُلِّ عَصْرٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ قَلِيلٌ جِدًّا، بِحَيْثُ إِنَّ الْإِقْلِيمَ الْعَظِيمَ، الطَّوِيلَ الْعَرِيضَ، لَا يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مَعَ تَحَقُّقِ هَذِهِ الْأُمُورِ، لَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ:» وَاخْتِلَافُ الْقَرَائِحِ عَقْلِيٌّ بِخِلَافِ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي الشَّهْوَانِيَّةِ، إِذْ هُوَ طَبَعِيٌّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا جَلِيٌّ «.
هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَمَشْهُورٍ لِمُنْكِرِي جَوَازِ الْإِجْمَاعِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ اتِّفَاقَ الْمُجْتَهِدِينَ لَوْ جَازَ وُقُوعُهُ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، أَوْ قَطْعِيٍّ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، إِذْ يَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَذْهَانِ وَالْقَرَائِحِ اجْتِمَاعُ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ عَلَى مُوجِبِ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، كَمَا يَسْتَحِيلُ عَادَةً اتِّفَاقُهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ الشَّهَوَاتِ وَالدَّوَاعِي عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ اتِّفَاقُهُمْ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ يُبْطِلُ فَائِدَةَ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْقَاطِعَ
(3/9)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَتَوَفَّرُ دَوَاعِي نَقْلِهِ، فَيَسْتَحِيلُ خَفَاؤُهُ عَادَةً، فَيَجِبُ ظُهُورُهُ، وَمَعَ ظُهُورِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا كَانَ حُجَّةً لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْقَاطِعِ، وَإِذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَاطِعِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَانَ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةٍ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّهُ يَجُوزُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَعَنْ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمْ.
أَمَّا انْعِقَادُهُ عَنِ الظَّنِّيِّ فَجَائِزٌ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُكُمْ: يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى مُوجِبِهِ عَادَةً، كَمَا يَسْتَحِيلُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَذْهَانِ وَالْقَرَائِحِ فِي النَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ عَقْلِيٌّ، أَيْ: مُسْتَنَدُهُ الْعَقْلُ وَالْعَقْلُ مَعَ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ، وَبَاعِثِ الْوَعِيدِ عَلَى النَّظَرِ يُرْشِدُ إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي نَفْسِهِ، لَا يَخْتَلِفُ، فَيَصِحُّ وُقُوعُ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي الشَّهْوَانِيَّةِ» يَعْنِي شَهَوَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَإِنَّهُ «طَبَعِيٌّ» أَيْ: مُسْتَنَدُهُ الطَّبْعُ، وَالطِّبَاعُ تَخْتَلِفُ بِحَقَائِقِهَا وَأَعْرَاضِهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا فِي أُصُولِ الْعَالَمِ، وَمَا رُكِّبَ مِنْهُ.
أَمَّا أُصُولُ الْعَالَمِ أَعْنِي عَالَمَ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ، وَهِيَ الْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعُ فَاخْتِلَافُ طِبَاعِهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا مَحْسُوسٌ، إِذِ الْأَرْضُ طَبْعُهَا الْهُبُوطُ التَّامُّ، وَالنَّارُ طَبْعُهَا الصُّعُودُ التَّامُّ، وَالْمَاءُ طَبْعُهُ الْهُبُوطُ الْقَاصِرُ، وَالْهَوَاءُ طَبْعُهُ الصُّعُودُ الْقَاصِرُ، وَالنَّارُ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالْهَوَاءُ حَارٌّ رَطْبٌ، وَالْمَاءُ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَالْأَرْضُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ.
وَأَمَّا مَا تَرَكَّبَ مِنْ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ مِنَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتِلَافِ
(3/10)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
طِبَاعِهِ وَأَمْزِجَتِهِ ظَاهِرٌ، وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ ذَلِكَ تَخْتَلِفُ شَهَوَاتُهُمْ، فَمِنْهُمُ الْمَحْرُورُ الَّذِي يُؤْثِرُ تَنَاوُلَ الْمُبَرِّدَاتِ، وَالْمَقْرُورُ الَّذِي يُؤْثِرُ تَنَاوُلَ الْمُسَخِّنَاتِ وَذُو الْمِزَاجِ الْيَابِسِ الَّذِي يُؤْثِرُ الْمُرَطِّبَاتِ، وَذُو الْمِزَاجِ الرَّطْبِ الَّذِي يُؤْثِرُ تَنَاوُلَ الْمُجَفِّفَاتِ، لِأَنَّ الضِّدَّ مِنْ ذَلِكَ يُقْمَعُ بِضِدِّهِ، وَتَقْتَضِي الطَّبِيعَةُ تَعْدِيلَ الْمِزَاجِ بِتَنَاوُلِهِ، فَلِذَلِكَ جَازَ وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَتْلِ الْقَاتِلِ وَالْمُرْتَدِّ، وَحَدِّ الزَّانِي، وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَنَحْوِهَا، لِأَنَّا لَمَّا عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ مِنْ حِكْمَةِ الشَّرْعِ، التَّشَوُّفَ إِلَى حِفْظِ النُّفُوسِ، وَالْأَدْيَانِ، وَالْأَنْسَابِ، وَالْعُقُولِ، وَوَرَدَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِعُقُوبَاتِ أَهْلِ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُنَاسِبًا فِي النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ، لَا جَرَمَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عُقُوبَاتِ هَؤُلَاءِ، وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَجُزِ الِاتِّفَاقُ عَلَى الِاغْتِذَاءِ بِالْبِطِّيخِ أَوِ الْبَاذِنْجَانِ أَوِ السَّمَكِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، مِنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ هُنَاكَ أَمْزِجَةً لَا تُوَافِقُ هَذِهِ الْمَآكِلَ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا أَصْحَابُهَا.
وَسِرُّ الْفَرْقِ: أَنَّ الْعَقْلَ أَمْرٌ مُخْتَارٌ، يَدُورُ مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ مَا دَارَ، بِخِلَافِ الطَّبْعِ، فَإِنَّهُ مَجْبُورٌ بِقُدْرَةِ الْجَبَّارِ، عَلَى مَا سُخِّرَ لَهُ بِطَرِيقِ الِاضْطِرَارِ، فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لِذَوِي الْأَبْصَارِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا جَلِيٌّ» .
وَأَمَّا انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْقَاطِعِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ الْإِجْمَاعِ،
(3/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِأَنَّهُ كَافٍ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: إِنَّمَا يُحْكَمُ بِتَصَوُّرِ وُجُودِهِ» يَعْنِي وُجُودَ الْإِجْمَاعِ «عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عِنْدَ قِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ» يَعْنِي الْإِمْكَانَ الْمَوْقُوفَ عَلَى آرَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْعَادٍ، كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَنَحْوِهِ، وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ تَوَسَّطَ بَيْنَ إِحَالَةِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ، وَتَجْوِيزِهِ عَلَى اسْتِبْعَادٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ دَلِيلُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيُّ كَمَا مَرَّ، فَانْتَفَتِ الِاسْتِحَالَةُ، وَقَامَ دَلِيلٌ بَعْدَ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ مُطْلَقًا فِي كُلِّ عَصْرٍ، إِذْ مِنَ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا انْتِشَارُ الْحَادِثَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْبِلَادِ الْوَاسِعَةِ، وَبُلُوغُهَا إِلَى الْأَطْرَافِ الشَّاسِعَةِ، لِيَقِفَ عَلَيْهَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ، ثُمَّ يَذْكُرُ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا عَلَيْهِ فِي حُكْمِهَا يَعْتَمِدُ، وَإِلَيْهِ يَسْتَنِدُ ثُمَّ يُطْبِقُونَ فِيهَا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَادَةَ عَلَى هَذَا لَا تُسَاعِدُ، فَلِذَلِكَ ذَهَبَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى مَا ذَهَبَ، وَلَعَمْرِي إِنَّهُ لِنِعْمَ الْمَذْهَبُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحَوَادِثِ تَقَعُ فِي أَقَاصِي الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ، وَلَا يَعْلَمُ بِوُقُوعِهَا مَنْ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَمَا وَالَاهُمَا، فَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ الْكُلِّيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ بِإِجْمَاعٍ جُزْئِيٍّ، وَهُوَ إِجْمَاعُ مُجْتَهِدِي الْإِقْلِيمِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ.
(3/12)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً، فَمُتَعَذِّرٌ فِي مِثْلِهَا، إِذِ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا فَرْعُ الْعِلْمِ بِهَا، وَالتَّصْدِيقُ مَسْبُوقٌ بِالتَّصَوُّرِ، فَمَنْ لَا يَعْلَمُ مَحَلَّ الْحُكْمِ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ؟ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(3/13)

وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ خِلَافًا لِلنَّظَّامِ فِي آخَرِينَ.
لَنَا: وَجْهَانِ.
الْأَوَّلُ: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} يُوجِبُ اتِّبَاعَ سَبِيلِهِمْ، وَهُوَ دَوْرِيٌّ {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أَيْ: عُدُولًا {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} وَالْعَدْلُ لَا سِيَّمَا بِتَعْدِيلِ الْمَعْصُومِ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا حَقٌّ، فَالْإِجْمَاعُ حَقٌّ.
الثَّانِي: مَا تَوَاتَرَ التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ مِنْ نَحْوِ: «أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ» ، «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» حَتَّى صَارَ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَجُودِ حَاتِمٍ.
وَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهَا ظَوَاهِرُ، وَعَلَى الثَّانِي مَنْعُ التَّوَاتُرِ بِدَعْوَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا شُبِّهَ بِهِ، ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِعُمُومِهِ وَهُوَ ظَنِّيٌّ إِذْ يَحْتَمِلُ: لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالِةِ الْكُفْرِ، وَالْأَجْوَدُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَاطِعِ إِجْمَاعًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا لَتَعَارَضَ الْإِجْمَاعَانِ، أَعْنِي الْإِجْمَاعَ عَلَى تَقْدِيمِهِ، وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا يُقَدَّمَ عَلَى الْقَاطِعِ غَيْرُهُ، وَلِلنَّظَّامِ مَنْعُ الْأُولَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، خِلَافًا لِلنَّظَّامِ فِي آخَرِينَ» يَعْنِي: الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلنَّظَّامِ بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ وَالشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ، قَالُوا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
قَالَ النَّظَّامُ: الْإِجْمَاعُ كُلُّ قَوْلٍ قَامَتْ حُجَّتُهُ، وَنُسِبَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ يَدْفَعُ بِهِ شَنَاعَةَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
(3/14)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «لَنَا» أَيْ: عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ «وَجْهَانِ» أَيْ: طَرِيقَانِ أَوْ مَسْلَكَانِ: «الْأَوَّلُ» : مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النِّسَاءِ: 115] ، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَوَعَّدَ بِالنَّارِ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ «يُوجِبُ اتِّبَاعَ سَبِيلِهِمْ» وَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَمْرٍ، كَانَ سَبِيلًا لَهُمْ، فَيَكُونُ اتِّبَاعُهُ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ دَوْرِيٌّ» أَيِ: الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ، عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ دَوْرِيٌّ، أَيْ: يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ، لِأَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ لَيْسَتْ قَاطِعَةً فِي الدِّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَلَالَتُهَا ظَاهِرَةٌ، لَكِنَّ الظَّوَاهِرَ إِنَّمَا ثَبَتَ كَوْنُهَا حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِالظَّوَاهِرِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
قُلْتُ: يُمْكِنُ مَنْعُ لُزُومِ الدَّوْرِ هَاهُنَا بِأَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّوَاهِرَ إِنَّمَا كَانَتْ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ بِالْوَضْعِ وَالْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَعْمِلُ الظَّوَاهِرَ فِي كَلَامِهَا، وَتَتَفَاهَمُ بِهَا مَقَاصِدَهَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِجْمَاعٌ، ثُمَّ وَرَدَتْ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ، فَسَلَكْنَا فِي الِاحْتِجَاجِ بِظَوَاهِرِهَا نَهْجَهُمْ فِي ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ الْمَذْكُورُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [الْبَقَرَةِ: 143]
(3/15)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«أَيْ: عُدُولًا» خِيَارًا، كَذَلِكَ قَالَ أَئِمَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ:
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَسَطُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: أَعْدَلُهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أَيْ: عَدْلًا، وَيُقَالُ أَيْضًا: شَيْءٌ وَسَطٌ، أَيْ: بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: {أُمَّةً وَسَطًا} قَالَ: عُدُولًا.
قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: قِيلَ لِلْعَدْلِ: وَسَطٌ، لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي أَخْلَاقِهِ.
وَقِيلَ: شُبِّهَ بِوَسَطِ الشَّيْءِ، لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ مِمَّا يَلْحَقُ الْأَطْرَافَ مِنَ الْآفَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسَطِ الْعُدُولُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الْبَقَرَةِ: 143] أَيْ: لِتَشْهَدُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْأُمَمِ أَنَّ أَنْبِيَاءَهُمْ بَلَّغُوهُمْ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْحِيدِ وَأَحْكَامِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسَطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، خُصُوصًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، عَلَى ذَلِكَ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ: وَهُوَ الْعَدْلُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَسَطَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْعَدْلُ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَصْفَهُمْ بِالْعَدَالَةِ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ الْمَدْحُ إِذَا كَانُوا عَلَى الصَّوَابِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ يَكُونُ صَوَابًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَصْفَ بِالْعَدَالَةِ، إِمَّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ
(3/16)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِمَجْمُوعِهِمْ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ قَطْعًا، لِوُجُودِ آحَادِ الْفُسَّاقِ فِيهِمْ كَثِيرًا، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الْوَصْفَ بِالْعَدَالَةِ لِمَجْمُوعِهِمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا يَقُولُونَهُ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَصَوَابٌ، لِأَنَّ قَائِلَ غَيْرِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ يَكُونُ كَاذِبًا، وَالْكَاذِبُ لَا يَكُونُ عَدْلًا.
وَيَرِدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الصَّوَابَ وَالْحَقَّ؛ تَارَةً يَكُونُ عَنْ إِخْبَارٍ، فَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُ وُجُودُهُ فِي الْأُمَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْعَدَالَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ جُعِلُوا وَسَطًا لِيَشْهَدُوا عَلَى النَّاسِ، وَالشَّهَادَةُ إِخْبَارٌ، وَتَارَةً يَكُونُ الصَّوَابُ وَالْحَقُّ عَنْ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ مِنَ الْوَصْفِ بِالْعَدَالَةِ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الصَّوَابِ النَّظَرِيِّ، لَا فِي الصَّوَابِ الْإِخْبَارِيِّ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آلِ عِمْرَانَ: 110] ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ هَذَا مَدْحٌ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ الْمَدْحُ إِذَا كَانُوا عَلَى الصَّوَابِ، وَالصَّوَابُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ، مِنْ أَنَّ الصَّوَابَ النَّظَرِيَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاللَّامُ فِيهِمَا لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالْعُمُومِ، أَيْ: يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَفُوتَهُمْ حَقٌّ وَلَا صَوَابٌ، لَا يَأْمُرُونَ بِهِ، وَلَا يَفُوتَهُمْ بَاطِلٌ وَلَا خَطَأٌ، لَا يَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا اتَّفَقُوا
(3/17)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَيْهِ، وَتَآمَرُوا بِهِ حَقٌّ وَصَوَابٌ، وَكُلَّ مَا اتَّفَقُوا عَلَى نَفْيِهِ، وَتَنَاهَوْا عَنْهُ بَاطِلٌ وَخَطَأٌ، وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ مِنْ لَوَازِمِ إِجْمَاعِهِمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَيَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (تَأْمُرُونَ) وَ (تَنْهَوْنَ) مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ لَهُ، فَيَصْدُقُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ اللَّامَ فِي الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ، أَوْ لِبَعْضِ الْجِنْسِ، لِاسْتِحَالَةِ نَهْيِهِمْ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ فِي الْوُجُودِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: «وَالْعَدْلُ» إِلَى آخِرِهِ هَذَا بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
{جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [الْبَقَرَةِ: 143] وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَخْبَرَ أَنَّ الْأُمَّةَ عُدُولٌ، وَ «الْعَدْلُ» لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا حَقٌّ فَالْإِجْمَاعُ حَقٌّ «لِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْهُمْ» لَا سِيَّمَا «إِذَا كَانَ الْعَدْلُ عَدْلًا» بِتَعْدِيلِ الْمَعْصُومِ «فَيَكُونُ الْحَقُّ لَازِمًا لَهُ، لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَصَرُّفِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ النَّظَرِيَّ لَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً عَنِ الْعَدْلِ، بَلِ الْحَقُّ الْإِخْبَارِيُّ هُوَ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْعَدَالَةِ.
الثَّانِي: مِنَ الْمَسْلَكَيْنِ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ:» مَا تَوَاتَرَ التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ مِنْ نَحْوِ: أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ إِلَى آخِرِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ صَادِرٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَالْأُمَّةُ مَعْصُومَةٌ وَالْمَعْصُومُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا الصَّوَابُ.
(3/18)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ صَادِرٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، فَلِمَا سَبَقَ فِي حَدِّهِ، وَلِأَنَّ الْفَرْضَ ذَلِكَ، وَنَعْنِي بِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ مَجْمُوعَ مُجْتَهِدِيهَا، لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، إِذْ إِلَيْهِمْ إِبْرَامُ أُمُورِهِمْ وَنَقْضُهَا، وَحَلُّهَا وَعَقْدُهَا، وَسَيَأْتِي الدَّلِيلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ شَاحَّ الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ؛ الْتَزَمْنَا قَوْلَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي اعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَضُرُّنَا ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ الْخَصْمَ كَوْنُ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.
وَأَمَّا أَنَّ الْأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ، فَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ النَّبَوِيَّةَ فِي عِصْمَتِهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا، وَاشْتِرَاكِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ نَفْيُ الْخَطَأِ عَنْهَا، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الضَّلَالَةِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِالَّذِي يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ وَفِي لَفْظٍ: «عَلَى الْخَطَأِ» وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ، فَأَعْطَانِيهَا، أَيْ: أَعْطَانِي تِلْكَ الْخَصْلَةَ الْمَطْلُوبَةَ. مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ. يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَا
(3/19)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يُبَالِي بِشُذُوذِ مَنْ شَذَّ، مَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ،
(3/20)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُ اللَّهِ، مَنْ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ، شَذَّ فِي النَّارِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ، تَنَاقَلَهَا الْأَئِمَّةُ، وَتَدَاوَلُوهَا، مُتَلَقِّينَ لَهَا بِالْقَبُولِ، غَيْرَ مُنْكِرِينَ لِشَيْءٍ مِنْهَا، حَتَّى صَارَتْ لِتَوَاتُرِهَا الْمَعْنَوِيِّ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عِصْمَةَ الْأُمَّةِ مِنَ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا أَنَّ الْمَعْصُومَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا الصَّوَابُ، فَلِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْمَعْصُومِ وَمَفْهُومُهُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الصَّادِرَ عَنِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ صَوَابٌ، وَالصَّوَابُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ حُجَّةً.
قَوْلُهُ: «وَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمَسْلَكَيْنِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِمَا عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَاتِ الثَّلَاثِ، فَيَرِدُ عَلَيْهِ «أَنَّهَا ظَوَاهِرُ» لَا قَوَاطِعُ فِي الدِّلَالَةِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْإِجْمَاعُ الْقَاطِعُ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَصْلُحُ
(3/21)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُسْتَنَدًا لِلْقَوِيِّ، وَهَذَا عَيْنُ السُّؤَالِ الدَّوْرِيِّ الَّذِي سَبَقَ إِيرَادُهُ وَجَوَابُهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَنْعُ تَوَاتُرِهَا التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ بِدَعْوَى الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا شُبِّهَتْ بِهِ، مِنْ شَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا عَرَضْنَا عَلَى عُقُولِنَا الْأَخْبَارَ الْمُدَّعَى أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، وَالْأَخْبَارَ الدَّالَّةَ عَلَى شَجَاعَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَجَدْنَاهَا يَعْنِي الْعُقُولَ لَا تُصَدِّقُ بِالْأَوَّلِ كَتَصْدِيقِهَا بِالثَّانِي، بَلْ تَصْدِيقُهَا بِالثَّانِي أَقْوَى بِكَثِيرٍ جِدًّا، وَلَوْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً، لَسَاوَتْ أَخْبَارَ عَلِيٍّ وَحَاتِمٍ فِي قُوَّةِ التَّصْدِيقِ بِهَا، لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ كَمَا سَبَقَ، وَالْإِدْرَاكُ الْعِلْمِيُّ لَا يَتَفَاوَتُ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَقْلَ جَازِمٌ بِوُجُودِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمِصْرَ، وَبَغْدَادَ، وَالْبَصْرَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُتَوَاتِرَةِ جَزْمًا مُتَسَاوِيًا، لِتَوَاتُرِهَا، بِخِلَافِ الْبَصْرَةِ وَضَيْعَةٍ مِنْ ضِيَاعِ الْعِرَاقِ، يُقَالُ لَهَا: صَرْصَرَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الضِّيَاعِ، فَإِنَّ الْجَزْمَ بِهِمَا غَيْرُ مُتَسَاوٍ، لِعَدَمِ تَسَاوِيهِمَا فِي التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ صَرْصَرَا، لَمْ يَقَعِ الْجَزْمُ بِهَا إِلَّا عِنْدَ مَنْ عَايَنَهَا، أَوْ قَرُبَ مِنْهَا، فَتَوَاتَرَتْ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ الْبَصْرَةِ; فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ بِهَا مَنْ قَرُبَ وَمَنْ بَعُدَ، فَإِنْ وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ تَفَاوُتًا بَيْنَ التَّصْدِيقِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ; وَأَنَّهُ بِمَكَّةَ أَشَدُّ تَصْدِيقًا; فَلَيْسَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى حَقِيقَةِ الْجَزْمِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى طُرُقِ الْإِخْبَارِ بِمَكَّةَ، فِي كُلِّ عَامٍ، عَلَى لِسَانِ
(3/22)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَنْ يَقْصِدُهَا مِنْ وُفُودِ الْحَاجِّ; أَمَّا الْجَزْمُ، فَحَقِيقَتُهُ لَا تَتَغَيَّرُ، وَلَا تَتَفَاوَتُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، وَوَجَدْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ أَخْبَارِ عَلِيٍّ وَحَاتِمٍ، وَالْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي عِصْمَةِ الْأُمَّةِ ; دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً، لِأَنَّ أَخْبَارَ عَلِيٍّ وَحَاتِمٍ مُتَوَاتِرَةٌ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ دُونَهَا فِي جَزْمِ الْعَقْلِ بِمُوجِبِهَا، وَمَا دُونَ الْمُتَوَاتِرِ لَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمَذْكُورَةَ مُتَوَاتِرَةٌ، لَكِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِعُمُومِهَا وَهُوَ يَعْنِي الْعُمُومَ ظَنِّيٌّ لَا قَاطِعٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةِ الْكُفْرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِصْمَتُهَا مِنَ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ أَخَصُّ مِنَ الْخَطَأِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْأَخَصِّ انْتِفَاءُ الْأَعَمِّ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا اتَّجَهَ حَمْلُ الضَّلَالَةِ عَلَى الْكُفْرِ، حُمِلَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ وَجُعِلَ الْكُفْرُ مُبَيِّنًا لَهُ. وَقَوْلُهُ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ حَدِيثٌ لَيْسَ فِي دَوَاوِينِ السُّنَّةِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُرْوَى. وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْجَمَاعَةِ، لَا لِأَنَّ الصَّوَابَ الِاجْتِهَادِيَّ لَازِمٌ لَهَا، بَلْ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْقَعُ لِلْهَيْبَةِ فِي نَفْسِ عَدُوِّ الْإِسْلَامِ، وَأَجْدَرُ بِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَالِاحْتِرَازِ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ الْقَاصِيَةَ شَبَّهَ الشَّيْطَانَ بِالذِّئْبِ، وَالْمُنْفَرِدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِالشَّاةِ الْمُتَخَلِّفَةِ عَنْ
(3/23)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جَمَاعَةِ الْغَنَمِ، فَيَحْكُمُ الشَّيْطَانُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ حُكْمَ الذِّئْبِ عَلَى الْقَاصِيَةِ.
وَلِهَذَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا مَخَافَتِي مِنَ الْوَسْوَاسِ، لَسَكَنْتُ بِلَادًا لَا أَنِيسَ بِهَا، وَهَلْ يُهْلِكُ النَّاسَ إِلَّا النَّاسُ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَدِلَالَتِهَا عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِمَا يُنَاقِضُهَا، مِمَّا حَالُهُ فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ مِثْلُ حَالِهَا، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَتَفَرَّقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أُمَّتَهُ تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَالْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ لَوْ دَلَّتْ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، لَكَانَتْ إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى عِصْمَةِ جَمِيعِهَا، أَوْ عَلَى عِصْمَةِ بَعْضِهَا.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ دَلَّ عَلَى خَطَأِ أَكْثَرِهَا، وَهُوَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ مِنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فِي النَّارِ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ لَا يَكُونُ مَعْصُومًا، بَلْ لَا يَكُونُ صَالِحًا، فَضْلًا عَنْ مَعْصُومٍ.
(3/24)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ مُجْتَهِدِي ذَلِكَ الْبَعْضِ لَيْسُوا جَمِيعَ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ ; بَلْ هُمْ مُجْتَهِدُو جُزْءٍ قَلِيلٍ مِنَ الْأُمَّةِ، إِذْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنَ الثِّنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فِيهَا مُجْتَهِدُونَ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ مِنَ الْأُمَّةِ. وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ تَقْدِيرُ أَحَادِيثِكُمْ: لَا يَجْتَمِعُ مُجْتَهِدُو فِرْقَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ، وَهُوَ خَبْطٌ عَظِيمٌ، وَصَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ أَكْثَرِ مَضْمُونِهِ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمَسْلَكَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَنْهَضَانِ بِالدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَجْوَدُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَاطِعِ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: وَالْأَجْوَدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ هَذَا الْمَسْلَكُ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُقَدَّمٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ، مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْقَاطِعِ غَيْرُهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً قَاطِعَةً «لَتَعَارَضَ الْإِجْمَاعَانِ أَعْنِي الْإِجْمَاعَ عَلَى» تَقْدِيمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ «وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا يُقَدَّمَ عَلَى الْقَاطِعِ غَيْرُهُ» وَتَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ مُحَالٌ.
قَوْلُهُ: «وَلِلنَّظَّامِ مَنْعُ الْأُولَى» أَيْ: مَنْعُ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: الْإِجْمَاعُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّصِّ إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ هُوَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ، إِذِ النِّزَاعُ مَعَهُ. وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ تَفْسِيرِهِ الْإِجْمَاعَ بِكُلِّ قَوْلٍ
(3/25)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَامَتْ حُجَّتُهُ، فَإِذَا قَامَتْ حُجَّةُ النَّصِّ، كَانَ مُقَدَّمًا عِنْدَهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ الِاتِّفَاقِيِّ، إِذْ لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَهُ.
وَحِينَئِذٍ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَاطِعِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ، ثُمَّ اسْتِحَالَةُ تَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَيَكُونُ دَوْرًا وَمُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ.
(3/26)

وَقِيلَ: لَمْ يَظْهَرْ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى خَالَفَ النَّظَّامُ، وَالْإِجْمَاعُ قَبْلَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِإِجْمَاعٍ سُكُوتِيٍّ ضَعِيفٍ عَلَى قَطْعِيَّةِ الْإِجْمَاعِ.
وَمَعْنَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ مُقَدَّمًا عَلَى بَاقِي الْأَدِلَّةِ، لَا بِمَعْنَى الْجَازِمِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِلَّا لَمَا اخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَمْ يَظْهَرْ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ، حَتَّى خَالَفَ النَّظَّامُ، وَالْإِجْمَاعُ قَبْلَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ» .
هَذَا دَلِيلٌ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ، عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ النَّظَّامِ فِي نَفْيِ ذَلِكَ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَمْ يَزَالُوا يَتَمَسَّكُونَ عَلَى صِحَّةِ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يُظْهِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ خِلَافًا فِي التَّمَسُّكِ بِهِ، حَتَّى ظَهَرَ النَّظَّامُ فَخَالَفَ فِيهِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَةِ اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَكَرِّرَةِ، مَعَ اخْتِلَافِ فِطَرِهِمْ، وَتَفَاوُتِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، عَلَى التَّمَسُّكِ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ،
(3/27)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَذَلِكَ قَاطِعٌ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ، بِأَنَّهُمْ ظَفِرُوا بِقَاطِعٍ، دَلَّ عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ النَّظَّامِ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ خِلَافُهُ مُعْتَبَرًا، لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقَاطِعِ.
قَوْلُهُ: «إِلَّا أَنَّهُ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا تَمْشِيَةٌ لِمَذْهَبِ النَّظَّامِ بِتَوْهِينِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ، مِنَ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ مُتَّجِهٌ بِالْجُمْلَةِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ «إِلَّا أَنَّهُ تَمَسُّكٌ بِإِجْمَاعٍ سُكُوتِيٍّ ضَعِيفٍ عَلَى قَطْعِيَّةِ الْإِجْمَاعِ» أَيْ: عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: مَا زَالُوا يَتَمَسَّكُونَ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يُظْهِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ خِلَافًا ; هُوَ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ، وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا إِثْبَاتُ الْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ، كَمَا سَبَقَ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ بِالظَّوَاهِرِ.
وَاحْتَجَّ الْآمِدِيُّ مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ: بِأَنَّ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى حُكْمٍ، وَجَزَمُوا بِهِ، وَبَلَغَ عَدَدُهُمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، اسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يَتَنَبَّهَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْخَطَأِ فِيمَا حَكَمُوا بِهِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ بِحُكْمِ الْعَادَةِ عَلَى إِصَابَتِهِمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(3/28)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ تَخْتَصُّ بِمَا إِذَا بَلَغَ الْمُجْمِعُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَقَصُوا عَنْهُ.
قُلْتُ: هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ السَّابِقَةُ فِي قَوْلِنَا: وَقِيلَ: لَمْ يَظْهَرْ خِلَافٌ حَتَّى خَالَفَ النَّظَّامُ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ بُلُوغِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، بَلِ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ عَادَةً إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَمْرٍ، قَضَتِ الْعَادَةُ بِصَوَابِهِمْ فِيهِ. أَمَّا اشْتِرَاطُ التَّوَاتُرِ، فَغَيْرُ مُتَّجِهٍ، لِأَنَّ عَدَدَهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ كَمَا سَبَقَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِعَدَدِ التَّوَاتُرِ الْعَدَدُ الَّذِي إِذَا أَخْبَرَ، حَصَّلَ خَبَرُهُ الْعِلْمَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، عِنْدَ إِخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ، لَا بِطَرِيقِ التَّوَلُّدِ عَنِ الْإِخْبَارِ.
وَحِينَئِذٍ لَا يُعْلَمُ الْعَدَدُ الَّذِي لَوْ أَخْبَرَ، لَأَفَادَ خَبَرُهُ الْعِلْمَ مَا هُوَ.
قَوْلُهُ: «وَمَعْنَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً» إِلَى آخِرِهِ.
لَمَّا سَبَقَ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَكَانَ الْقَاطِعُ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، كَقَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَتَارَةً يُطْلَقُ عَلَى مَا يَجِبُ امْتِثَالُ مُوجِبِهُ قَطْعًا، وَلَا يَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ شَرْعًا ; أَحْبَبْتُ أَنْ أُبَيِّنَ مَا الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَاطِعَةً، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إِجْمَالٍ وَاحْتِمَالٍ.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ حُجَّةً قَاطِعَةً: أَنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ «بِهِ مُقَدَّمًا عَلَى بَاقِي الْأَدِلَّةِ» : الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ، فَيُقَدَّمُ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَمِيعِهَا بِحَيْثُ إِذَا
(3/29)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَدَلَّ نَصُّ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْقِيَاسِ، أَوْ جَمِيعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ دُونَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بَاقِي الْأَدِلَّةِ، لِدِلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَصٍّ قَاطِعٍ نَاسِخٍ لِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ، أَوْ مُعَارِضٍ لَهَا رَاجِحٍ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَاطِعَةً الْقَطْعَ الْعَقْلِيَّ، وَهُوَ الْجَزْمُ «الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَطْعِيًّا بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، لِأَنَّ الْقَوَاطِعَ الْعَقْلِيَّةَ لَا يُخْتَلَفُ فِيهَا، وَلَا فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ أَحْكَامَهَا الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعًا، كَمَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، أَوْ بِنَفْيِ الصَّانِعِ، أَوْ تَوْحِيدِهِ، أَوْ قُدْرَتِهِ، أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ بِنَفْيِ النُّبُوَّاتِ، وَدِلَالَةِ الْمُعْجِزَاتِ عَلَيْهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَكِنْ سَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ الْحُكْمِ الْجَمَاعِيِّ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ قَاطِعًا، هُوَ الْقَطْعُ الشَّرْعِيُّ لَا الْعَقْلِيُّ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/30)

ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ قَوْلُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، لَا الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ قَطْعًا، وَكَذَا الْعَامِّيُّ الْمُكَلَّفُ عَلَى الْأَكْثَرِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ لِتَنَاوُلِ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَهُ، وَجَوَازِ أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ.
لَنَا: غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ، فَقَوْلُهُ جَهْلٌ لَا يُعْتَبَرُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا خَالَفَ فَاعْتِبَارُ الْقَوْلَيْنِ وَإِلْغَاؤُهُمَا وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِ بَاطِلٌ، فَتَعَيَّنَ الرَّابِعُ، وَخُصَّ مِنَ الْأُمَّةِ بِدَلِيلٍ كَالصَّبِيِّ، وَيُعْتَبَرُ فِي إِجْمَاعِ كُلِّ فَنٍّ قَوْلُ أَهْلِهِ، إِذْ غَيْرُهُمْ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ عَامَّةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ فِيهِ» أَيْ: فِي الْإِجْمَاعِ «مَسَائِلُ» يَعْنِي أَنَّ مَا مَضَى مِنَ الْكَلَامِ فِي حَدِّهِ وَجَوَازِهِ، وَكَوْنِهِ حُجَّةً، هُوَ كَالْكُلِّيَّاتِ لِبَابِ الْإِجْمَاعِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كَالْجُزْئِيَّاتِ لَهُ:
الْمَسْأَلَةُ «الْأُولَى: الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ قَوْلُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، لَا الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ قَطْعًا، وَكَذَا الْعَامِّيُّ الْمُكَلَّفُ عَلَى الْأَكْثَرِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ» .
اعْلَمْ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ، فَمُوَافَقَتُهُ فِي الْإِجْمَاعِ مُعْتَبَرَةٌ قَطْعًا بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ إِمَّا غَيْرُ مُكَلَّفٍ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَلَا تُعْتَبَرُ مُوَافَقَتُهُ قَطْعًا، أَوْ يَكُونُ مُكَلَّفًا كَالْعَامَّةِ، وَيُلْحَقُ بِهِمْ طَلَبَةُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا رُتْبَةَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الِاجْتِهَادِيِّ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَالْفُقَهَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ قَالَ: أَعْتَبِرُ
(3/31)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُوَافَقَةَ الْعَامِّيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ.
قَوْلُهُ: «لِتَنَاوُلِ الْأُمَّةِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْقَاضِي عَلَى اعْتِبَارِ الْعَامِّيِّ، وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا كَانَ حُجَّةً لِلدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، وَإِيجَابِهِ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا سَبَقَ، وَلَفْظُ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ يَتَنَاوَلُ الْعَامِّيَّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: «أَنَّ الْعِصْمَةَ» جَازَ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً لِلْمُجْتَهِدِينَ خَاصَّةً، كَمَا يَقُولُ الْخَصْمُ، وَجَازَ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً «لِلْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ» وَالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّ الْأَخْذَ بِهَذَا أَحْوَطُ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَانَ وَاجِبًا. وَتَخْصِيصُ هَذَا الدَّلِيلِ بِالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ إِجْمَاعًا لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِالْعَامَّةِ، لِقِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّكْلِيفُ فِي الْعَامِّيِّ الْمُكَلَّفِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
وَالثَّانِي: الْعَامِّيُّ إِذَا فَهِمَ الْحُكْمَ وَدَلِيلَهُ قَدْ يَفْهَمُهُ، وَقَدْ يَخْطُرُ لَهُ رَأْيٌ أَوْ مَشُورَةٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ.
فَإِنْ قِيلَ: التَّكْلِيفُ الْمُجَرَّدُ عَنْ أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ، فَلَا يَكُونُ فَارِقًا بَيْنَ الْعَامِّيِّ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
قُلْنَا: بَلْ يَتَّجِهُ كَوْنُهُ فَارِقًا بَيْنَهُمَا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ عِصْمَةُ الْأُمَّةِ فَائِضَةً
(3/32)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُنْصَبَّةً عَلَيْهَا مِنَ الْعِصْمَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَيُصِيبُ الْعَامِّيُّ الْمُكَلَّفُ مِنْهَا بِقِسْطِهِ، لِتَأَهُّلِهِ لِلْعِبَادَاتِ فِي الْحَالِ، إِذِ الْعِبَادَةُ وَأَهْلِيَّتُهَا بَرَكَةٌ وَتَأْثِيرٌ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَالِ كَالْبَهِيمَةِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ» إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْعَامِّيِّ، وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَ الْعَامِّيَّ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَامِّيًّا، وَمَا لَيْسَ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ، يَكُونُ جَهْلًا وَخَطَأً، لِأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ الْقَوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَالْجَهْلُ وَالْخَطَأُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا خَالَفَ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ بِالنَّفْيِ، وَقَالُوا بِالْإِثْبَاتِ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ قَوْلَاهُمَا، فَيَجْتَمِعَ النَّقِيضَانِ، أَوْ يُلْغَى قَوْلَاهُمَا فَيَرْتَفِعَ النَّقِيضَانِ، وَتَخْلُوَ الْوَاقِعَةُ عَنْ حُكْمٍ، أَوْ يُقَدَّمَ قَوْلُ الْعَامِّيِّ، فَيُفْضِيَ إِلَى تَقْدِيمِ مَا لَا مُسْتَنَدَ لَهُ عَلَى مَا لَهُ مُسْتَنَدٌ، وَالْكُلُّ «بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ الرَّابِعُ» وَهُوَ تَقْدِيمُ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْعَامِّيَّ وَافَقَ الْمُجْتَهِدَ فِي الرَّأْيِ، كَانَ التَّأْثِيرُ لِرَأْيِ الْمُجْتَهِدِ دُونَ رَأْيِ الْعَامِّيِّ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا خَالَفَ، لَمْ يُعْتَبَرْ بِهِ.
قَوْلُهُ: «وَخُصَّ مِنَ الْأُمَّةِ بِدَلِيلٍ كَالصَّبِيِّ» . هَذَا جَوَابٌ عَنِ احْتِجَاجِ
(3/33)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقَاضِي بِتَنَاوُلِ لَفْظِ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَهُ، وَهُوَ عُمُومُ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ السَّمْعِيِّ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْعَامِّيَّ خُصَّ مِنْ عُمُومِ الْأُمَّةِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ، كَمَا خُصَّ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِدَلِيلٍ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا عَدَمُ أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالتَّكْلِيفِ، وَالْفَهْمُ بِالتَّفْهِيمِ لَا أَثَرَ لَهُ.
أَمَّا التَّكْلِيفُ، فَلَوِ اعْتُبِرَ فِي الْعَامِّيِّ، لَاعْتُبِرَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهِمَا بِالْقُوَّةِ، إِذْ هُمَا أَهْلٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي الْعَامِّيِّ بِالْفِعْلِ، إِذْ مَعْنَى التَّكْلِيفِ إِلْزَامُ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ. وَانْصِبَابُ الْعِصْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى الْأُمَّةِ يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِلْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ فِي الِاعْتِبَارِ.
وَأَمَّا فَهْمُ الْعَامِّيِّ بِالتَّفْهِيمِ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُ، إِذِ الْمُعْتَبَرُ مَنْ يَفْهَمُ بِقُوَّتِهِ لِيُفِيدَ وَيُنَبِّهَ النَّاسَ عَلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ، لَا مَنْ يَكُونُ كَلًّا عَلَى الْعُلَمَاءِ يَقُولُ:
افْهَمُوا وَفَهِّمُونِي. وَأَيْضًا مَا أَقْبَحَ وَأَسْمَجَ أَنْ يُقَالَ فِي مَحْفِلِ الْإِجْمَاعِ وَالِاجْتِهَادِ: انْتَظِرُوا الْإِمَامَ الْفَاضِلَ الْمُجْتَهِدَ فُلَانًا، وَالْفَلَّاحَ أَوِ الْمُكَارِيَ فُلَانًا، أَوِ الْمُقَامِرَ فُلَانًا، وَبِمِثْلِ هَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: فُلَانٌ الْعَامِّيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُعْتَبَرَ الِاسْتِدْلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَكُونَ مِنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ كَالْعَامِّيِّ شَرْطًا فِي الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ مُسْتَنَدُ
(3/34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الِاحْتِجَاجِ بِالْإِجْمَاعِ، إِذْ يَبْعُدُ مِنْ حِكْمَةِ الشَّرْعِ أَنْ يَجْعَلَ نُفُوذَ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ مَوْقُوفًا عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ، مَعَ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لَهُمْ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النَّحْلِ: 43] ، إِذْ كَيْفَ يَأْمُرُهُمْ بِسُؤَالِ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ كَالْأُمَرَاءِ عَلَيْهِمْ، لَا يَنْفُذُ قَوْلُهُمْ إِلَّا بِمُوَافَقَتِهِمْ ; هَذَا بِعِيدٌ جِدًّا، مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ، مُنَافِرٌ لَهَا، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِصْمَةُ لِلْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ. ضَعِيفٌ جِدًّا، إِذْ لَا يُفْهَمُ مِنْ عِصْمَةِ جَاهِلٍ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، وَأَيْضًا اعْتِبَارُ قَوْلِ الْعَامَّةِ فِي الْإِجْمَاعِ يَعُودُ بِبُطْلَانِ الْإِجْمَاعِ، لِكَثْرَةِ الْعَامَّةِ، وَتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّهُمْ لِقِلَّتِهِمْ لَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْعَوَّامُّ فِي الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ، كَتَحْرِيمِ الطَّلَاقِ، وَالرِّبَا، وَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، دُونَ الْإِجْمَاعِ الْخَاصِّ الْحَاصِلِ فِي دَقَائِقِ الْفِقْهِ.
قُلْتُ أَنَا: هَذَا أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ اعْتِبَارَ قَوْلِهِمْ مَعَ أَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْعَامَّ يَحْتَاجُ إِلَى أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ، وَالْعَامِّيُّ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ فَإِنْ أُحِيلَ اعْتِبَارُ قَوْلِهِ فِي الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ عَلَى الْعِصْمَةِ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ; كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ; وَجَبَ طَرْدُ ذَلِكَ، حَتَّى فِي دَقَائِقِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا، إِذْ ذَلِكَ يَكُونُ اعْتِمَادًا عَلَى تَأْيِيدٍ إِلَهِيٍّ، عَلَى نَحْوِ التَّأْيِيدِ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/35)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: وَ «يُعْتَبَرُ فِي إِجْمَاعِ كُلِّ فَنٍّ قَوْلُ أَهْلِهِ» كَالْفَقِيهِ فِي الْفِقْهِ، وَالْأُصُولِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَالنَّحْوِيِّ فِي النَّحْوِ، وَالطَّبِيبِ فِي الطِّبِّ «إِذْ غَيْرُهُمْ» أَيْ: غَيْرُ أَهْلِ ذَلِكَ الْفَنِّ «بِالْإِضَافَةِ» إِلَى ذَلِكَ الْفَنِّ «عَامَّةٌ» .
وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامِّيَّ لَفْظٌ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَامَّةِ، وَالْعَامَّةُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُمُومِ، وَهُوَ الْكَثْرَةُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ بِكُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْلَمُهُ بِكَثِيرٍ، فَهُمْ عَامَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَالْفَقِيهُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، أَوِ الْأُصُولَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النُّحَاةِ وَالْأُصُولِيِّينَ، كَالْفَلَّاحِ وَالْمُكَارِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفُقَهَاءِ، فَإِنِ اتَّفَقَ مَنْ يَعْرِفُ فُنُونًا، كَالْفِقْهِ، وَالْأُصُولِ، وَالْعَرَبِيَّةِ وَنَحْوِهَا، اعْتُبِرَ قَوْلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْهَا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ الْفَنِّ، لَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْإِجْمَاعِ فِي فَنٍّ إِجْمَاعُ أَهْلِ سَائِرِ الْفُنُونِ، لِأَنَّ أَسْوَأَ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يَكُونُوا كَالْعَامَّةِ وَهُوَ يَعْتَبِرُ قَوْلَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/36)

أَمَّا الْأُصُولِيُّ غَيْرُ الْفُرُوعِيِّ وَعَكْسُهُ، وَالنَّحْوِيُّ فِي مَسْأَلَةٍ مَبْنَاهَا عَلَى النَّحْوِ فَقَطْ، فَفِي اعْتِبَارِ قَوْلِهِمِ الْخِلَافُ فِي تَجْزِيءِ الِاجْتِهَادِ، وَالْأَشْبَهُ اعْتِبَارُ قَوْلِ الْأُصُولِيِّ وَالنَّحْوِيِّ فَقَطْ لِتَمَكُّنِهِمَا مِنْ دَرْكِ الْحُكْمِ بِالدَّلِيلِ، وَالْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ كَافِرٍ مُتَأَوِّلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْمُتَأَوِّلُ كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِي الْفَاسِقِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ النَّفْيُ عِنْدَ الْقَاضِي، إِذْ لَيْسَ عَدْلًا وَسَطًا، وَالْإِثْبَاتُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، إِذْ هُوَ مِنَ الْأُمَّةِ.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ، أَيْ: يَكُونُ الْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ بِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِلْمُجْمِعِينَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِي الْأَكْثَرِ، إِذِ الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ، فَلَوِ انْحَصَرَتْ فِي وَاحِدٍ، فَقِيلَ: حُجَّةٌ لِدَلِيلِ السَّمْعِ. وَقِيلَ: لَا لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «أَمَّا الْأُصُولِيُّ غَيْرُ الْفُرُوعِيِّ» أَيِ: الْعَالِمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ دُونَ فُرُوعِهِ، كَكَثِيرٍ مِنَ الْأَعَاجِمِ تَتَوَفَّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ، فَيَتَسَلَّطُونَ بِهِ عَلَى أُصُولِ الْفِقْهِ، إِمَّا عَنْ قَصْدٍ، أَوِ اسْتِتْبَاعٍ لِتِلْكَ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ، وَلِهَذَا جَاءَ كَلَامُهُمْ فِيهِ عَرِيًّا عَنِ الشَّوَاهِدِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُقَرِّبَةِ لِلْفَهْمِ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ، مَمْزُوجًا بِالْفَلْسَفَةِ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ تَكَلَّفَ إِلْحَاقَ الْمَنْطِقِ بِأَوَائِلِ كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ، لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ مِنْ مَوَادِّهِ، كَمَا ذُكِرَ
(3/37)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فِي صَدْرِ هَذَا الشَّرْحِ، فَتَرَكُوا مَا يَنْبَغِي، وَذَكَرُوا مَا لَا يَنْبَغِي.
«وَعَكْسُهُ» يَعْنِي: الْفُرُوعِيَّ غَيْرَ الْأُصُولِيِّ «وَالنَّحْوِيُّ فِي مَسْأَلَةٍ مَبْنَاهَا [عَلَى] النَّحْوِ» أَيْ: تَنْبَنِي عَلَيْهِ، كَمَسْأَلَةِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ، الْمَبْنِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، أَوِ التَّبْعِيضِ، وَمَسَائِلِ الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ، وَمَسَائِلِ الْإِقْرَارِ، نَحْوَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، أَوْ دِرْهَمٌ بِالرَّفْعِ، أَوِ الْجَرِّ غَيْرُ دِرْهَمٍ، عَلَى الْوَصْفِ أَوِ الِاسْتِثْنَاءِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. «فَفِي اعْتِبَارِ» قَوْلِ هَؤُلَاءِ «الْخِلَافُ فِي تَجْزِيءِ الِاجْتِهَادِ» .
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ هَلْ يَجُوزُ تَجْزِيئُهُ؟ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُجْتَهِدًا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ دُونَ غَيْرِهَا، فَإِنْ أَجَزْنَا ذَلِكَ، اعْتُبِرَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، لَكِنَّهُ أَهْلٌ لِلِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِهَا، مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ الْأُصُولِيُّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْفَوْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالنَّحْوِيُّ مَسَائِلَ الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ عَلَى بَابِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَجْزِيءُ الِاجْتِهَادِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَالْأَشْبَهُ الْقَوْلُ بِتَجْزِيءِ الِاجْتِهَادِ، إِذْ لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ كَامِلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْمَسَائِلِ دُونَ بَعْضٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْأُمَّةِ إِمَّا أَنْ لَا يَعْرِفَ الْأُصُولَ وَلَا الْفُرُوعَ، فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ إِلَّا عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي فِي اعْتِبَارِ الْعَامَّةِ، أَوْ يَعْرِفَهُمَا جَمِيعًا، فَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ
(3/38)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اتِّفَاقًا، أَوْ يَعْرِفَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، بِأَنْ يَكُونَ أُصُولِيًّا فَقَطْ، أَوْ فُرُوعِيًّا فَقَطْ، فَفِيهَا الْخِلَافُ، وَمَتَى اشْتُرِطَ لِلِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ جَمِيعًا، كَانَ اعْتِبَارُ قَوْلِ هَذَيْنِ مُشْكِلًا، لِعَدَمِ كَمَالِ الْأَهْلِيَّةِ فِيهِمَا، لَكِنَّ وُقُوعَ الْخِلَافِ فِيهِمَا يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَشْبَهُ» يَعْنِي بِالصَّوَابِ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ «اعْتِبَارُ قَوْلِ الْأُصُولِيِّ وَالنَّحْوِيِّ فَقَطْ» دُونَ الْفَقِيهِ الصِّرْفِ «لِتَمَكُّنِهِمَا» يَعْنِي الْأُصُولِيَّ وَالنَّحْوِيَّ «مِنْ دَرْكِ الْحُكْمِ» أَيْ: مِنْ إِدْرَاكِهِ، وَاسْتِخْرَاجِهِ «بِالدَّلِيلِ» هَذَا بِقَوَاعِدِ الْأُصُولِ، وَهَذَا بِقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ عِلْمَهُمَا مِنْ مَوَادِّ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، فَيَتَسَلَّطَانِ بِهِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَبَاحِثَ الْأُصُولِ وَالْعَرَبِيَّةِ عَقْلِيَّةٌ، وَفِيهِمَا مِنَ الْقَوَاطِعِ كَثِيرٌ، فَيَتَنَقَّحُ بِهَا الذِّهْنُ، وَيَقْوَى بِهَا اسْتِعْدَادُ النَّفْسِ لِإِدْرَاكِ التَّصَوُّرَاتِ وَالتَّصْدِيقَاتِ، حَتَّى يَصِيرَ لَهَا ذَلِكَ مَلَكَةً، فَإِذَا تَوَجَّهَتْ إِلَى الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ، أَدْرَكَتْهَا، إِذْ هِيَ فِي الْغَالِبِ لَا تُخَالِفُ قَوَاعِدَ الْأُصُولِ الْعَقْلِيَّةَ إِلَّا بِعَارِضٍ بَعِيدٍ، أَوْ تَخْصِيصِ عِلَّةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ مَارَسَ الْمَبَاحِثَ الْأُصُولِيَّةَ.
وَلِهَذَا حُكِيَ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لِي كَذَا وَكَذَا سَنَةً أُفْتِي فِي
(3/39)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْفِقْهِ مِنْ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، يَعْنِي فِي النَّحْوِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ مَأْخَذَ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ، وَنَظَرَهُ فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ، وَالْجَرْيُ عَلَى قَوَاعِدِ الْحِكْمَةِ، وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ - لِمَنِ اعْتَبَرَهَا - مِنَ الْحِكْمَةِ بِمَكَانٍ عَلَى مَا أَشَرْتُ إِلَى جُمْلَةٍ مِنْهُ فِي الْقَوَاعِدِ. وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ كَانَ ذَكِيًّا، وَلَهُ نَظَرٌ يَسِيرٌ فِي الْفِقْهِ، فَعَادَ يَتَنَبَّهُ بِلَطَافَةِ حِكْمَةِ سِيبَوَيْهِ، وَمَأْخَذِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ، وَمَأْخَذِهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الْكِسَائِيَّ قِيلَ لَهُ يَوْمًا: مَا تَقُولُ فِي الْمُصَلِّي يَسْهُو فِي صِلَاتِهِ، وَيَسْهُو أَنَّهُ سَهَا هَلْ يَسْجُدُ لِسَهْوِ السَّهْوِ؟ فَقَالَ: لَا، فَقِيلَ لَهُ: مَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ التَّصْغِيرَ عِنْدَنَا لَا يُصَغَّرُ.
قُلْتُ: فَقَدِ اعْتَبَرَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ لَا يَتَكَرَّرُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْمِثَالَ، لِئَلَّا يَسْتَبْعِدَ بَعْضُ أَجْلَافِ الْفُقَهَاءِ مَا حُكِيَ عَنِ الْجَرْمِيِّ وَيَقُولُ: أَيْنَ النَّحْوُ مِنَ الْفِقْهِ حَتَّى تُسْتَفَادَ أَحْكَامُهُ مِنْهُ؟ ! فَبَيَّنْتُ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ جَوْدَةِ الذِّهْنِ، وَلُطْفِ الْمَأْخَذِ، وَدِقَّةِ النَّظَرِ، وَسُرْعَةِ التَّنْبِيهِ، دَاخِلٌ فِي الْمُمْكِنِ، قَرِيبُ الْخُرُوجِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْفَقِيهِ الصِّرْفِ الَّذِي لَمْ يَتَنَقَّحْ ذِهْنُهُ بِالْمَبَاحِثِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالْمَآخِذِ النَّظَرِيَّةِ، فَإِنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ مِمَّنْ تَهَذَّبَتْ قُوَّتُهُ النَّظَرِيَّةُ نِسْبَةُ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَالظُّلْمَةِ إِلَى الضِّيَاءِ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ جَاهِلًا مُرَكَّبًا، يَجْهَلُ، وَيَجْهَلُ أَنَّهُ يَجْهَلُ، فَيَكُونُ كَمَا قِيلَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ شَقَاءً مَنْ بُلِيَ بِلِسَانٍ
(3/40)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُنْطَلِقٍ، وَقَلْبٍ مُنْطَبِقٍ، فَهُوَ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْكُتَ.
قَوْلُهُ: «وَالْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ» . هَذَا الْكَلَامُ لَا أَعْلَمُ الْآنَ مَا أَرَدْتُ بِهِ وَقْتَ الِاخْتِصَارِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْقَوَاطِعِ، بَلْ هِيَ مِنْ مَوَاقِعِ الِاجْتِهَادِ، فَيَحْتَمِلُ اعْتِبَارُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَهُمُ الْأُصُولِيُّ وَالْفُرُوعِيُّ وَالنَّحْوِيُّ الصِّرْفُ، وَيَحْتَمِلُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ، وَلَا قَطْعَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُعْتَبَرُ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي اعْتِبَارِهِ، فَاعْتِبَارُهُ هَؤُلَاءِ أَوْلَى، وَلَا يَتَّجِهُ فِيهِ خِلَافٌ.
الثَّانِي: أَنَّهَا اجْتِهَادِيَّةٌ، فَمَتَى اعْتَبَرْنَا قَوْلَ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مُخَالِفًا، لَمْ يَبْقَ الْإِجْمَاعُ مَعَ خِلَافِهِ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي «الرَّوْضَةِ» وَالْأَشْبَهُ أَنِّي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُمَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا، وَالْخَطْبُ فِيهِ يَسِيرٌ.

قَوْلُهُ: «وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ كَافِرٍ مُتَأَوِّلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْمُتَأَوِّلُ كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ دُونَ غَيْرِهِ» .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَافِرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَانِدًا، أَوْ مُتَأَوِّلًا، فَإِنْ كَانَ مُعَانِدًا غَيْرَ
(3/41)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُتَأَوِّلٍ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ رَغْبَةً عَنْهُ، أَوْ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى عِصْمَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأُمَّةِ، وَهَذَا خَارِجٌ عَنْهُمَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ عَنِ الْمِلَّةِ، اتُّهِمَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُؤْتَمَنْ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا، أَيْ: مُسْتَنِدًا إِلَى شُبْهَةٍ، كَمُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَالرَّافِضَةِ، وَالْجَهْمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ مُطْلَقًا، كَغَيْرِ الْمُتَأَوِّلِ بِجَامِعِ الْكُفْرِ وَالتَّكْفِيرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَالْكَافِرِ عِنْدَ مَنْ كَفَّرَهُ، فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ.
أَمَّا مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ، فَقَوْلُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ.
مِثَالُهُ: أَنَّ الْخَوَارِجَ اخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِمْ، فَأَهْلُ الْحَدِيثِ يُكَفِّرُونَهُمْ، فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ مُجْتَهَدِيِ الْخَوَارِجِ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ، وَالْفُقَهَاءُ لَا يُكَفِّرُونَ الْخَوَارِجَ، فَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِذَا كَانَ الْمُجْتَهِدُ مُبْتَدِعًا، فَإِنْ كُفِّرَ بِبِدْعَتِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ مُوَافَقَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ هُوَ بِكُفْرِ نَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَسَوَاءٌ أَصَرَّ عَلَى بِدْعَتِهِ، أَوْ تَابَ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، إِلَّا عَلَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يُكَفَّرْ بِبِدْعَتِهِ، فَحَكَى أَقْوَالًا، ثَالِثُهَا: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى غَيْرِهِ.
قُلْتُ: يُشِيرُ بِهَذَا إِلَى مَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْفَاسِقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(3/42)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَفِي الْفَاسِقِ بِاعْتِقَادٍ» يَعْنِي كَمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْفِرَقِ، إِذَا لَمْ نُكَفِّرْهُمْ بِقَوْلٍ «أَوْ فِعْلٍ» كَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ وَنَحْوِهِمْ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: «النَّفْيُ» أَيْ: نَفْيُ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ «عِنْدَ الْقَاضِي» أَبِي يَعْلَى وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ «لَيْسَ عَدْلًا وَسَطًا» وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ الشَّرْعُ قَوْلَ الْعَدْلِ الْوَسَطِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الْبَقَرَةِ: 143] ، وَالْفِسْقُ يُنَافِي الْعَدَالَةَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: «الْإِثْبَاتُ» أَيْ: إِثْبَاتُ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ «أَبِي الْخَطَّابِ» لِأَنَّهُ «مِنَ الْأُمَّةِ» فَيَتَنَاوَلُهُ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى عِصْمَتِهَا.
وَيُجَابُ عَمَّا قَالَهُ الْقَاضِي: بِأَنَّ الْعَدَالَةَ تُعْتَبَرُ لِلرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، لَا لِلنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: هُوَ مُخْبِرٌ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ نَظَرُهُ وَاجْتِهَادُهُ، وَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِفِسْقِهِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: «يُعْتَبَرُ» قَوْلُهُ «فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ، أَيْ: يَكُونُ الْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ بِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ» .
مِثَالُهُ: لَوْ أَجْمَعَ مَعَ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ، أَوْ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَا يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ مُجَرَّدُ عَقْدِ الثَّانِي عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الثَّعْلَبِ وَنَحْوِهِ، كَانَ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ ظَهَرَ لَهُ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ،
(3/43)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَوْ ظَهَرَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُجْمِعِينَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ، جَازَ لَهُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَكْمُلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ بِالتَّحْرِيمِ، فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي الْكَافِرِ الْمُتَأَوِّلِ، وَالْفَاسِقِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ، وَقَدْ يَتَّحِدَانِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ النَّظَرِ، لِأَنَّ الْقَائِلَ بِبِدْعَةٍ إِنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ، فَهُوَ كَافِرٌ مُتَأَوِّلٌ، وَإِنْ لَمْ نُكَفِّرْهُ فَهُوَ فَاسِقٌ.
فَائِدَةٌ: الْمُخْتَارُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَفَّرُ بِبِدْعَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، مَا اسْتَنَدَ فِيهَا إِلَى تَأْوِيلٍ يَلْتَبِسُ بِهِ الْأَمْرُ عَلَى مِثْلِهِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُ جَمِيعِ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ، إِذَا عُرِفَ مِنْهُمُ الصِّدْقُ وَالْعَدَالَةُ فِي بِدْعَتِهِمْ، كَمَا قُلْنَا: إِنَّ الْكَافِرَ الْعَدْلَ فِي دِينِهِ ; يَلِي مَالَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعَدَالَةُ مَعَ الْكُفْرِ، فَمَعَ الْبِدْعَةِ أَوْلَى.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ قَبِلُوا أَخْبَارَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْغَلِيظَةِ، لِصِدْقِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ فِي بِدْعَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يُعْتَبَرُ لِلْمُجْمِعِينَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ» أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ الْمُجْمِعُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ «فِي الْأَكْثَرِ» أَيْ: عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ «إِذِ الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ» أَيْ: لِأَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ دَلَّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، فَسَوَاءٌ بَلَغَتْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، أَوْ لَمْ تَبْلُغْ، كَانَ اتِّفَاقُهَا مَعْصُومًا «فَلَوْ» قُدِّرَ أَنَّ الْأُمَّةَ «انْحَصَرَتْ فِي وَاحِدٍ» بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا إِلَّا هُوَ، كَمَا قَدْ وُعِدَ بِمِثْلِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَوْ كَانَ مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ بَيْنَ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ، وَاحْتَاجَ إِلَى الْحُكْمِ
(3/44)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْعِيِّ فِي حَادِثَةٍ مَا، وَقُلْنَا بِأَنَّ اتِّفَاقَ مُجْتَهِدِي كُلِّ إِقْلِيمٍ إِجْمَاعٌ، عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ قَبْلُ «فَقِيلَ» : يَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ «حُجَّةً لِدَلِيلِ السَّمْعِ» وَهُوَ عِصْمَةُ الْأُمَّةِ، وَقَدِ انْحَصَرَتْ فِي هَذَا الْوَاحِدِ «وَقِيلَ» : لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، وَيُشْعِرُ بِمَعْنَاهُ، وَالِاجْتِمَاعُ مُنْتَفٍ فِي الْوَاحِدِ، إِذْ هُوَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
قُلْتُ: الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ مَدْرَكَ الْإِجْمَاعِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً ; هُوَ السَّمْعُ أَوِ الْعَقْلُ.
فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ، فَقَوْلُ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ، لِدِلَالَةِ السَّمْعِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، وَقَدِ انْحَصَرَتْ فِيهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي، لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا كَانَ حُجَّةً لِدِلَالَةِ الْقَاطِعِ، فَهُوَ حُجَّةٌ لِذَلِكَ الْقَاطِعِ، لَا لِقَوْلِ الْأُمَّةِ وَعِصْمَتِهَا، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْقَاطِعِ، وَلَا تُحِيلُ الْعَادَةُ الْخَطَأَ عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً ; هُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي «الْبُرْهَانِ» . حَكَاهُ عَنْهُ الْقَرَافِيُّ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ سَمْعِيٌّ، وَالْعَقْلُ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وَهُوَ إِحَالَةُ الْعَادَةِ خَطَأَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ فِي حُكْمٍ لَا يَتَنَبَّهُ أَحَدٌ لِمَوْقِعِ الْخَطَأِ فِيهِ، وَأَنَّ النُّصُوصَ شَهِدَتْ بِعِصْمَةِ الْأُمَّةِ، فَلَا يَقُولُونَ إِلَّا حَقًّا، سَوَاءٌ اسْتَنَدُوا فِي قَوْلِهِمْ
(3/45)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِلَى قَاطِعٍ، أَوْ مَظْنُونٍ، كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا كَانَ مَعْصُومًا، كَانَ مَا يَقُولُهُ حُجَّةً، سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَنَدُهُ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا.
حُجَّةُ مَنِ اشْتَرَطَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ لِلْمُجْمِعِينَ: هُوَ أَنَّا مُكَلَّفُونَ بِالْعِلْمِ وَالشَّرِيعَةِ، وَالْقِطَعِ بِصِحَّةِ قَوَاعِدِهَا فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، كَبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَظُهُورِ الْمُعْجِزِ الْقَاطِعِ عَلَى يَدِهِ، وَوُرُودِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَصْلُ الشَّرِيعَةِ عَلَى لِسَانِهِ، وَمَتَى قَصُرَ عَدَدُ الْمُجْمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، اخْتَلَّ عِلْمُنَا بِتِلْكَ الْقَوَاعِدِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْقَوَاعِدِ الْمَذْكُورَةِ قَدْ يَحْصُلُ بِأَخْبَارِ الْمُجْمِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْأُمَّةِ، إِذِ التَّوَاتُرُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ، أَوْ بِقَرَائِنَ تَنْضَمُّ إِلَى إِجْمَاعِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ، فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرْتُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ لِلْمُجْمِعِينَ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى رَأْيِ مَنْ جَعَلَ طَرِيقَ إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ السَّمْعَ، أَمَّا مَنْ جَعَلَ طَرِيقَ إِثْبَاتِهِ الْعَقْلَ، فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَدِ الصُّوَرِ فِيهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
(3/46)

الثَّانِيَةُ: لَا يَخْتَصُّ الْإِجْمَاعُ بِالصَّحَابَةِ، بَلْ إِجْمَاعُ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، خِلَافًا لِدَاوُدَ، وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلَهُ.
لَنَا: الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ وَالْجَمَاعَةُ صَادِقٌ عَلَى أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ فَيَحْرُمُ خِلَافُهُمْ، وَلِأَنَّ مَعْقُولَ السَّمْعِيِّ إِثْبَاتُ الْحُجَّةِ الْإِجْمَاعِيَّةِ مُدَّةَ التَّكْلِيفِ، وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ: لَا يَخْتَصُّ الْإِجْمَاعُ بِالصَّحَابَةِ، بَلْ إِجْمَاعُ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، خِلَافًا لِدَاوُدَ، وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلَهُ» .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ إِلَى نَحْوٍ مِنْ قَوْلِهِ، يَعْنِي قَوْلَ دَاوُدَ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُحْتَجَّ بِهِ مُخْتَصٌّ بِالصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قُلْتُ: الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ مَا حَكَيْنَاهُ أَوَّلًا كَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: الْمُؤْمِنُونَ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَلِيلَ السَّمْعِ مُتَنَاوِلٌ لِأَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، وَصَادِقٌ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النِّسَاءِ:
(3/47)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
115] ، وَقَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا. . وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ «صَادِقٌ عَلَى أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ» إِذْ تَصِحُّ تَسْمِيَتُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُسْلِمِينَ، وَجَمَاعَةً تَعْرِيفًا وَتَنْكِيرًا.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ كَوْنُ إِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً ; فَلِأَنَّهُ إِذَا تَنَاوَلَهُمْ لَفْظُ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَدَقَ عَلَيْهِمْ، حَرُمَ خِلَافُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} الْآيَةَ، كَمَا سَبَقَ. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ إِجْمَاعَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْقُولَ مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النِّسَاءِ: 115] الْآيَةَ، وَأَخَوَاتُهَا مِمَّا سَبَقَ ; هُوَ «إِثْبَاتُ الْحُجَّةِ الْإِجْمَاعِيَّةِ مُدَّةَ التَّكْلِيفِ» . إِذْ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: إِنَّ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ حَقٌّ، فَاتَّبِعُوهُ مَا دُمْتُمْ مُكَلَّفِينَ. وَالْخِطَابُ لِلْمَوْجُودِينَ، وَلِمَنْ سَيُوجَدُ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَالتَّكْلِيفُ «لَيْسَ مُخْتَصًّا بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ» بَلْ هُوَ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمَعْقُولِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ أَعْصَارِ مُدَّةِ التَّكْلِيفِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ، إِذْ مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مَعْدُومٌ.
(3/48)

قَالُوا: السَّمْعِيُّ خِطَابٌ لِحَاضِرِيهِ فَيَخْتَصُّ بِهِمْ، وَلِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأُمَّةِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهِمْ كَالْغَائِبِ.
قُلْنَا: الْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِسَائِرِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، فَإِنَّهُ عَمَّ وَمَا خَصَّ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ بِاللَّاحِقِ، لَا يُقَالُ: الْفَرْقُ ثُبُوتُ قَوْلِ الْمَاضِي دُونَهُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْجَامِعُ الْعَدَمُ، وَلَا قَوْلَ لِمَيِّتٍ، وَعُمُومُ الْأُمَّةِ مَخْصُوصٌ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ اللَّاحِقِ، فَالْمَاضِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَالْغَائِبُ يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ وَاسْتِعْلَامُ رَأْيِهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، فَإِلْحَاقُهُ بِاللَّاحِقِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " قَالُوا: السَّمْعِيُّ خِطَابٌ لِحَاضِرِيهِ ". هَذَا حُجَّةُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَلِيلَ السَّمْعِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ " خِطَابٌ لِحَاضِرِيهِ " أَيْ: لِحَاضِرِي ذَلِكَ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: 110] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [الْبَقَرَةِ: 143] ، الْآيَتَيْنِ. وَهَذَا خِطَابٌ لِلْحَاضِرِينَ " فَيَخْتَصُّ " بِمُقْتَضَاهُ، وَهُوَ كَوْنُ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً " بِهِمْ " دُونَ غَيْرِهِمْ، لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْخِطَابِ لَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَوْتَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأُمَّةِ لَهُمْ، فَلَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِدُونِهِمْ كَالْغَائِبِ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ مَا ذَكَرُوهُ، أَيْ: قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ " الْأَوَّلِ " وَهُوَ قَوْلُهُمْ: " السَّمْعِيُّ خِطَابٌ لِحَاضِرِيهِ فَيَخْتَصُّ بِهِمْ " أَنَّهُ
(3/49)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
" بَاطِلٌ بِسَائِرِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ " نَحْوَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الْبَقَرَةِ: 43] وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ، فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِلْحَاضِرِينَ، وَعَمَّ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِمْ.
وَعَنْهُ جَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ مِنْ نُصُوصِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ مَا لَيْسَ خِطَابًا لِلْحَاضِرِينَ، نَحْوَ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} الْآيَةَ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْمُخَاطَبِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَالْأَحَادِيثُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ عَامَّةٌ، فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْعُمُومُ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ " الثَّانِي " وَهُوَ قَوْلُهُمْ: " الْمَوْتُ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، [وَالْأُمَّةِ] فَلَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهِمْ كَالْغَائِبِ " ; هُوَ أَنَّهُ " بَاطِلٌ بِاللَّاحِقِ " وَهُوَ مَنْ سَيُوجَدُ، فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ تَخَلُّفُهُ عَنِ الْمَوْجُودِ فِي الْحَالِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ.
قَوْلُهُ: " لَا يُقَالُ: " إِلَى آخِرِهِ، هَذَا إِيرَادُ فَرْقٍ بَيْنَ السَّابِقِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ اللَّاحِقِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّاحِقِ وَالْمَيِّتِ السَّابِقِ: هُوَ أَنَّ الْمَيِّتَ السَّابِقَ ثَبَتَ قَوْلُهُ، وَاسْتَقَرَّ، وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ، بِخِلَافِ اللَّاحِقِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ اجْتِهَادٌ وَقَوْلٌ، فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ قَوْلُ الْمَيِّتِ السَّابِقِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُ اللَّاحِقِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْفَرْقِ: أَنَّ " الْجَامِعَ " بَيْنَ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ هُوَ " الْعَدَمُ " ;
(3/50)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هَذَا عَدَمٌ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا بِكَوْنِهِ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، فَبِهَذَا الْجَامِعِ أَلْزَمْنَاكُمُ اللَّاحِقَ عَلَى اعْتِبَارِكُمُ السَّابِقَ.
وَأَمَّا الْفَارِقُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ ثُبُوتُ قَوْلِ السَّابِقِ دُونَ اللَّاحِقِ، فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ " لَا قَوْلَ لِمَيِّتٍ " بَلْ يَبْطُلُ قَوْلُهُ بِمَوْتِهِ، لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، لَرَجَعَ عَنْهُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ لِلْمَيِّتِ قَوْلًا، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِدُونِهِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: " وَعُمُومُ الْأُمَّةِ مَخْصُوصٌ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ اللَّاحِقِ، فَالْمَاضِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ " هُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَوِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِدُونِ الصَّحَابَةِ مَعَ تَنَاوُلِ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ، وَإِمْكَانِ النَّظَرِ فِي أَقْوَالِهِمُ الَّتِي مَاتُوا عَنْهَا، لَكَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِعُمُومِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
فَأَجَبْتُ عَنْهُ بِأَنَّ عُمُومَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَهُوَ الْأُمَّةُ وَنَحْوُهُ مَخْصُوصٌ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ اللَّاحِقِ، فَإِنَّا لَمْ نَعْتَبِرْهُ إِجْمَاعًا فَلْيُخَصَّ السَّابِقُ مِنْهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى اللَّاحِقِ، بِجَامِعِ الْعَدَمِ.
وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْ ثُبُوتِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِمْكَانِ النَّظَرِ فِيهَا، بِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لِمَيِّتٍ، أَوْ بِأَنَّ قَوْلَ الْمَيِّتِ لَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْإِجْمَاعِ بِدُونِهِ.
قَوْلُهُ: " وَالْغَائِبُ " إِلَى آخِرِهِ. هُوَ جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمُ السَّابِقَ عَلَى الْغَائِبِ فِي اعْتِبَارِهِمَا فِي الْإِجْمَاعِ، بِجَامِعِ تَنَاوُلِ الْأُمَّةِ لَهُمَا، وَذَلِكَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْغَائِبَ يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ، وَاسْتِعْلَامُ رَأْيِهِ " فِي الْوَاقِعَةِ
(3/51)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالْمُرَاسَلَةِ، وَيُمْكِنُ انْتِظَارُ أَوْبَتِهِ، فَيُؤَخَّرُ الْإِجْمَاعُ إِلَى حِينِ إِيَابِهِ، فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ قَوْلُهُ " بِخِلَافِ الْمَيِّتِ " فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ، وَلَا تُرْجَى أَوْبَتُهُ، فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، وَيَكُونُ إِلْحَاقُهُ بِاللَّاحِقِ الَّذِي لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، وَبِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إِذْ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمَا أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْغَائِبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/52)

الثَّالِثَةُ: الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ خِلَافًا لِابْنِ جَرِيرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ لِارْتِكَابِ الْأَقَلِّ الشُّذُوذَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ.
لَنَا: الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ وَلَا تَصْدُقُ بِدُونِهِ، وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَسَائِلَ فَجُوِّزَ لَهُمْ.
قَالُوا: أُنْكِرَ عَلَيْهِ الْمُتْعَةُ ; وَحَصْرُ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، وَالْعِينَةُ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ.
قُلْنَا: لِخِلَافِ مَشْهُورِ السُّنَّةِ، ثُمَّ قَدْ أُنْكِرَ عَلَى الْمُنْكِرِ، فَلَا إِجْمَاعَ، فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، حُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ بِدَلِيلِ: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ} ، {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّالِثَةُ: الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ» يَعْنِي الْإِجْمَاعَ «بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ» دُونَ الْأَقَلِّ، حَتَّى يَتَّفِقَ الْجَمِيعُ، «خِلَافًا لِابْنِ جَرِيرٍ» الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْخَيَّاطِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى انْعِقَادِهِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ «وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ» أَيْ: مِثْلُ قَوْلِهِمْ. قَالَ فِي «الرَّوْضَةِ» : أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ.
قُلْتُ: وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ رِوَايَةً عَنْهُ فِي جُمْلَةِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ، وَحُكِيَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ:
أَحَدُهَا: إِنْ بَلَغَ الْأَقَلُّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، لَمْ يَنْعَقِدِ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ ; وَإِلَّا انْعَقَدَ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْخَيَّاطِ، فِيمَا حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ.
(3/53)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: هَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى رَأْيِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ الْعَقْلُ لَا السَّمْعُ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ يُشْتَرَطُ لَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، إِذِ التَّوَاتُرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَيَجُوزُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ الْأَقَلِّ الْمُخَالِفِ، فَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ إِذَنْ.
قُلْتُ: وَهُوَ بَادِئَ الرَّأْيِ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ مَقْبُولٌ، لَكِنَّهُ مَعَ النَّظَرِ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ غَيْرُ مَحْدُودٍ، فَكَيْفَ يُعَلَّقُ هَذَا الْحُكْمُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مَحْدُودًا، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْأَقَلُّ بَالِغًا عَدَدَ التَّوَاتُرِ، فَالْأَكْثَرُ أَوْلَى، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَارُضُ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ، وَهُوَ أَبْعَدُ فِي الِاسْتِحَالَةِ مِنْ تَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ، وَمَا نَشَأَ هَذَا الضَّعْفُ إِلَّا مِنِ اعْتِبَارِ التَّوَاتُرِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهِ، لِأَنَّ تَأْثِيرَ التَّوَاتُرِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَبَرِيَّاتِ، لَا فِي النَّظَرِيَّاتِ الِاجْتِهَادِيَّاتِ ; فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَوْ أَخْبَرُونَا بِأَمْرٍ شَاهَدُوهُ، كَمَدِينَةٍ مِنَ الْمُدُنِ، أَوْ وُقُوعِ زَلْزَلَةٍ فِي مَكَانٍ مَا، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، صَدَّقْنَاهُمْ، وَأَفَادَ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ، إِذَا بَلَغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ خَبَرِيٌّ، وَلَوْ أَخْبَرُونَا عَنْ أَنَّ مُحَمَّدًا غَيْرُ نَبِيٍّ، أَوْ عَنْ بُطْلَانِ شَيْءٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، أَوْ عَنْ قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَحْوِهِ، لَمْ نُصَدِّقْهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ نَظَرِيٌّ، صَدَرَ عَنْ نَظَرٍ فَاسِدٍ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: إِنْ سَوَّغَتِ الْجَمَاعَةُ الِاجْتِهَادَ فِي مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ، كَانَ خِلَافُهُ مُعْتَدًّا بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ.
قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلٌ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِالْأَكْثَرِ، لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ تَسْوِيغَهُمْ قَوْلَ الْمُخَالِفِ وَعَدَمَهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةً، لَمَا كَانَ تَسْوِيغُهُمُ الْمَذْكُورُ حُجَّةً.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ إِتِّبَاعَ الْأَكْثَرِ أَوْلَى، وَخِلَافُهُ جَائِزٌ.
(3/54)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّ قَوْلَ الْأَكْثَرِ حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: يُعْتَبَرُ عِنْدَ مَالِكٍ مُخَالَفَةُ الْوَاحِدِ فِي إِبْطَالِ الْإِجْمَاعِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: إِذَا خَالَفَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ، مَنْ قَصُرَ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَلَا إِجْمَاعَ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَضُرُّ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ.
وَقَالَ ابْنُ الْإِخْشَاذِ: لَا يَضُرُّ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَالتَّأْثِيمِ وَالتَّضْلِيلِ، بِخِلَافِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ.
وَهَذَا مَا اتَّفَقَ مِنْ نَقْلِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلْنَرْجِعِ الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى ذِكْرِ دَلِيلِهَا عَلَى مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
قَوْلُهُ: «لِارْتِكَابِ [الْأَقَلِّ] الشُّذُوذَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ» . هَذِهِ حُجَّةُ ابْنِ جَرِيرٍ وَأَتْبَاعِهِ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِدُونِ الْأَقَلِّ الْمُخَالِفِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْأَقَلِّ شُذُوذٌ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَالشُّذُوذُ عَنِ الْجَمَاعَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:
مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا الْمُخَالِفُ الشَّاذُّ عَاصِيًا فَاسِقًا، فَلَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ، وَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا
(3/55)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَنْعَقِدُ بِدُونِ الْمُخَالِفِ، وَإِنْ كَانَ شَاذًّا، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِصْمَةَ الْإِجْمَاعِيَّةَ إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِلْأُمَّةِ، وَالْأُمَّةُ لَا تَصْدُقُ عَلَى الْأَكْثَرِينَ بِدُونِ هَذَا الْمُخَالِفِ، فَلَا يَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ بِدُونِهِ إِجْمَاعًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خَالَفَا جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلَ، فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْهُمْ بِخَمْسِ مَسَائِلَ فِي الْفَرَائِضِ، وَانْفَرَدَا وَغَيْرُهُمَا فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ بِمَسَائِلَ أُخَرَ. وَجَوَّزَ الصَّحَابَةُ لَهُمْ هَذَا الِانْفِرَادَ، وَلَوِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِدُونِهِمَا، لَاسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ تَرْكُ النَّكِيرِ عَلَيْهِمَا، وَإِقْرَارُهُمَا عَلَى مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ بِدُونِهِمَا لَمْ يَنْعَقِدْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: أُنْكِرَ عَلَيْهِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مُعَارَضَةٌ لِهَذَا الدَّلِيلِ مِنْ وَجْهٍ، دَلِيلٌ ابْتِدَائِيٌّ لِلْخَصْمِ مِنْ وَجْهٍ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مَا خَالَفَا فِيهِ فِي الْفَرَائِضِ، فَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِبَاحَةَ «الْمُتْعَةِ» حَتَّى رَجَعَ عَنْهَا «وَحَصْرَ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» حَتَّى تَرَكَهُ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بَيْعَ الْعِينَةِ ; وَهِيَ شِرَاءُ مَا بِيعَ نَسِيئَةً بِأَقَلَّ مِمَّا بِيعَ بِهِ وَأَغْلَظَتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَتْ لِأُمِّ وَلَدِهِ: أَخْبِرِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ
(3/56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَلَوْلَا أَنَّ اتِّفَاقَ الْأَكْثَرِ حُجَّةٌ، لَمَا كَانَ لَهُمُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ «قُلْنَا: لِخِلَافِ مَشْهُورِ السُّنَّةِ» . هَذَا جَوَابٌ عَلَى دَلِيلِهِمُ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِنْكَارَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى هَؤُلَاءِ انْفِرَادَهُمْ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ، إِنَّمَا كَانَ لِمُخَالَفَتِهِمْ فِيهَا السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ، وَالدَّلِيلَ الظَّاهِرَ، لَا لِكَوْنِ اتِّفَاقِهِمْ مَعَ مُخَالَفَةِ هَؤُلَاءِ إِجْمَاعًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ «أُنْكِرَ عَلَى الْمُنْكِرِ» أَيْ: كَمَا أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ مَا انْفَرَدُوا بِهِ ; كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ أَنْكَرُوا عَلَى الصَّحَابَةِ إِنْكَارَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَنَاظَرُوهُمْ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي الْعَوْلِ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ، إِنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا، لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالٍ نِصْفَيْنِ وَثُلُثًا، هَذَانِ نِصْفَانِ ذَهَبَا بِالْمَالِ، فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ؟ وَإِذَا حَصَلَ الْإِنْكَارُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ «فَلَا إِجْمَاعَ» بَلْ هُوَ «مُخْتَلَفٌ فِيهِ، حُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِدَلِيلِ» قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشُّورَى: 10] ، وَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} [النِّسَاءِ: 59] .
(3/57)

قَالُوا: يُطْلَقُ الْكُلُّ عَلَى الْأَكْثَرِ.
قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِمَا دَلَّ عَلَى قِلَّةِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ نَحْوِ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} ، {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} ، {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} وَعَكْسِهِ، ثُمَّ هُوَ مَجَازٌ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، وَالشُّذُوذُ الْمَذْمُومُ الشَّاقُّ عَصَا الْإِسْلَامِ الْمُثِيرُ لِلْفِتَنِ كَالْخَوَارِجِ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ حُجَّةٌ إِذْ إِصَابَةُ الْأَكْثَرِ أَظْهَرُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «قَالُوا:» يَعْنِي الْقَائِلِينَ: إِنَّ اتِّفَاقَ الْأَكْثَرِ إِجْمَاعٌ: يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْكُلِّ عَلَى الْأَكْثَرِ لُغَةً، فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْأُمَّةِ عَلَى أَكْثَرِهَا، فَلَا يَضُرُّ شُذُوذُ الْأَقَلِّ كَمَا يُقَالُ: بَنُو تَمِيمٍ يُكْرِمُونَ الضَّيْفَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ، وَإِذَا صَحَّ إِطْلَاقُ الْأُمَّةِ عَلَى أَكْثَرِهَا، تَنَاوَلَهُ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ، نَحْوَ: أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آلِ عِمْرَانَ: 110] ، وَنَحْوِهِ فَيَكُونُ اتِّفَاقُ الْأَكْثَرِ إِجْمَاعًا، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ شُذُوذُ الْقَلِيلِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مُعَارَضٌ» إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ «عَلَى قِلَّةِ أَهْلِ الْحَقِّ» «وَعَكْسِهِ» يَعْنِي كَثْرَةَ أَهْلِ الْبَاطِلِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 249] ، وَقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24] ، وَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سَبَأٍ: 13] .
(3/58)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَحْوُ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 63] ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الْأَعْرَافِ: 131] ، {لَا يَشْكُرُونَ} [يُونُسَ: 60] ، {لَا يُؤْمِنُونَ} [الْبَقَرَةِ: 100] ، {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الْأَعْرَافِ: 17] ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُصِيبَ الْأَقَلُّ، وَيُخْطِئَ الْأَكْثَرُ، فَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِوُجُودِ الْإِجْمَاعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَيُسْتَصْحَبُ حَالُهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ إِطْلَاقَ الْكُلِّ عَلَى الْأَكْثَرِ «مَجَازٌ» لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ «وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ» فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ قَاطِعٌ.
قَوْلُهُ: «وَالشُّذُوذُ الْمَذْمُومُ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ حُجَّةِ ابْنِ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُ الْأَقَلِّ لِارْتِكَابِهِ الشُّذُوذَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّ الشُّذُوذَ الْمَذْمُومَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ شَرْعًا هُوَ الشُّذُوذُ «الشَّاقُّ عَصَا الْإِسْلَامِ، الْمُثِيرُ لِلْفِتَنِ» كَشُذُوذِ الْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ، لَا الشُّذُوذُ فِي أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: ثُمَّ إِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ قَدْ شَذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ خِلَافُهُ، وَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ بِعَيْنِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: «لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ حُجَّةٌ» يَعْنِي: اتِّفَاقَ الْأَكْثَرِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ، اخْتُلِفَ فِيهِ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، لِأَنَّ «إِصَابَةَ الْأَكْثَرِ أَظْهَرُ» مِنْ خَطَئِهِمْ، فَيَكُونُ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَا يَكُونُ
(3/59)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَاطِعًا كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَكُلُّ إِجْمَاعٍ حُجَّةٌ، وَلَا يَنْعَكِسُ، فَالْإِجْمَاعُ أَخَصُّ مِنَ الْحُجَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ حُجَّةً كَمَا لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ إِذْ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَخَصُّ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْأَعَمِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(3/60)

الرَّابِعَةُ: التَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ الْمُعَاصِرُ مُعْتَبَرٌ مَعَ الصَّحَابَةِ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، فَإِنْ نَشَأَ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ فَعَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
لَنَا: مُجْتَهِدٌ مِنَ الْأُمَّةِ فَلَا يَنْهَضُ السَّمْعِيُّ بِدُونِهِ، وَلِأَنَّهُمْ سَوَّغُوا اجْتِهَادَهُمْ وَفَتْوَاهُمْ، وَقَالَ عُمَرُ لِشُرَيْحٍ: اجْتَهِدْ رَأْيَكَ، وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتَهَدَ فِيهَا: قَالُونُ، أَيْ: جَيِّدٌ، بِالرُّومِيَّةِ.
وَسُئِلَ أَنَسٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: سَلُوا مَوْلَانَا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ غَابَ وَحَضَرْنَا وَحَفِظَ وَنَسِينَا، وَلَوْلَا صِحَّتُهُ لَمَا سَوَّغُوهُ فَلْيُعْتَبَرْ فِي الْإِجْمَاعِ.
قَالُوا: شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ فَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ، فَالتَّابِعُونَ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ تَفْسِيرُهُمْ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ مُخَالَفَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قُلْنَا: الْأَعْلَمِيَّةُ لَا تَنْفِي اعْتِبَارَ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ، وَكَوْنُهُمْ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ تَهَجُّمٌ مَمْنُوعٌ، وَالصُّحْبَةُ لَا تُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ، وَإِنْكَارُ عَائِشَةَ إِمَّا لِأَنَّهَا لَمْ تَرَهُ مُجْتَهِدًا أَوْ لِتَرْكِهِ التَّأَدُّبَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الرَّابِعَةُ: التَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ الْمُعَاصِرُ» لِلصَّحَابَةِ «مُعْتَبَرٌ» مَعَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ، لَا إِجْمَاعَ لَهُمْ بِدُونِهِ «فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ» وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. «فَإِنْ نَشَأَ» التَّابِعِيُّ «بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ» عَلَى حُكْمٍ «فَعَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ» أَيْ: خَرَجَ اعْتِبَارُهُ مَعَهُمْ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ.
إِنْ قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ، لَمْ يُعْتَبَرْ، وَإِلَّا اعْتُبِرَ، لِأَنَّ شَرْطَ اسْتِقْرَارِهِ لَمْ يُوجَدْ «خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ»
(3/61)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ، حَيْثُ قَالُوا: لَا اعْتِبَارَ بِمُجْتَهِدِي التَّابِعِينَ مَعَ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ: الْحَقُّ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّ الْوَاقِعَةَ إِنْ حَدَثَتْ لِلصَّحَابَةِ بَعْدَ أَنْ صَارَ التَّابِعِيُّ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، كَانَ كَأَحَدِهِمْ لَا إِجْمَاعَ لَهُمْ بِدُونِهِ، وَإِنْ حَدَثَتْ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى حُكْمِهَا، أَوِ اخْتَلَفُوا، أَوْ تَوَقَّفُوا، لَمْ يُعْتَدَّ بِقَوْلِهِ.
قُلْتُ: وَنَحْوَهُ اخْتَارَ الْآمِدِيُّ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَتَى أَدْرَكَ الْخِلَافَ فِيهَا، أَوِ التَّوَقُّفَ، اعْتُبِرَ قَوْلُهُ فِيهَا اخْتِلَافًا أَوِ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: «لَنَا: مُجْتَهِدٌ مِنَ الْأُمَّةِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ مَعَ الصَّحَابَةِ مُطْلَقًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ «مُجْتَهِدٌ مِنَ الْأُمَّةِ، فَلَا يَنْهَضُ» دَلِيلُ السَّمْعِ عَلَى عِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ «بِدُونِهِ» إِذِ الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ وَالصَّحَابَةِ بِدُونِ هَذَا التَّابِعِيِّ بَعْضِهَا لَا كُلِّهَا، فَلَا يَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ إِجْمَاعًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ سَوَّغُوا اجْتِهَادَ التَّابِعِينَ وَفَتْوَاهُمْ فِي عَصْرِهِمْ، فَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا الْقَضَاءَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: مَا لَمْ تَجِدْهُ فِي السُّنَّةِ، فَاجْتَهِدْ فِيهِ رَأْيَكَ. «وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ» يَعْنِي لِشُرَيْحٍ «فِي مَسْأَلَةٍ اجْتَهَدَ فِيهَا» فَأَصَابَ: «قَالُونُ، أَيْ: جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ» .
(3/62)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْمَسْأَلَةُ: أَنَّهُ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا فِي شَهْرٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اقْضِ فِيهَا يَا شُرَيْحُ، فَقَالَ: إِنْ جَاءَتْ بِبِطَانَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، يَشْهَدُونَ أَنَّهَا تَرَكَتِ الصَّلَاةَ، فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَالُونُ، أَيْ: أَصَبْتَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي «الزُّهْدِ» أَنَّ أَنَسًا سُئِلَ «عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: سَلُوا مَوْلَانَا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ غَابَ وَحَضَرْنَا، وَحَفِظَ وَنَسِينَا» .
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِمَا، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ كَانُوا يُفْتُونَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْلَا صِحَّةُ اجْتِهَادِهِمْ مَعَهُمْ «لَمَا سَوَّغُوهُ» وَإِذَا كَانَ اجْتِهَادُهُمْ صَحِيحًا، وَجَبَ اعْتِبَارُهُ كَاجْتِهَادِ الصَّحَابِيِّ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَظْهَرَ لِلتَّابِعِيِّ مَا لَا يَظْهَرُ لَهُمْ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ التَّابِعِينَ كَانُوا أَفْقَهَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ» إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْقَاضِي، وَمَنْ وَافَقَهُ، عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِ التَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ «شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ» وَأَعْرَفُ بِالْمَقَاصِدِ، وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ «فَالتَّابِعُونَ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ تَفْسِيرُهُمْ» لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَفْسِيرِ غَيْرِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «مُخَالَفَةَ
(3/63)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ابْنِ عَبَّاسٍ» فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّمَا مَثَلُكِ كَمَثَلِ الْفَرُّوجِ ; سَمِعَ الدِّيَكَةَ تَصَايَحُ، فَصَاحَ لِصِيَاحِهَا، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُعْتَبَرًا، لَمَا أَنْكَرَتْ عَلَيْهِ خِلَافَهُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: الْأَعْلَمِيَّةُ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابُ حُجَّةِ قَوْلِهِمْ: «شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ» . «قُلْنَا: الْأَعْلَمِيَّةُ» أَيْ: كَوْنُهُمْ أَعْلَمَ ; «لَا تَنْفِي اعْتِبَارَ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ» مَعَهُمْ، كَبَعْضِ الصَّحَابَةِ مَعَ بَعْضٍ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَعْلَمُ مِنْ بَعْضٍ، فَالتَّابِعُونَ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ.
قُلْنَا: هَذَا تَهَجُّمٌ عَلَى التَّابِعِينَ يُوهِمُ تَنَقُّصَهُمْ، حَيْثُ شَبَّهْتُمُوهُمْ بِالْعَامَّةِ، وَأَطْلَقْتُمْ عَلَيْهِمْ هَذَا اللَّفْظَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشْبِيهًا مُطْلَقًا، ثُمَّ كَوْنُهُمْ مَعَ الصَّحَابَةِ كَالْعَامَّةِ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُمْ كَالْعُلَمَاءِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، فَاضِلًا وَمَفْضُولًا. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ التَّابِعِينَ أَعْلَمُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُعْتَبَرِ قَوْلُهُمْ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، مَعَ مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلِهَذَا رَدَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ رِوَايَتَهُ، لِاشْتِرَاطِهِمْ فِي الرَّاوِي أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا، وَلَمْ يَكُنْ أَبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ، وَصُحْبَةُ الصَّحَابَةِ لَا تُوجِبُ اخْتِصَاصَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا بِكَوْنِهِمْ أَعْلَمَ، بَلِ الْعِلْمُ نَصِيبٌ يُوَسِّعُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَيُقَتِّرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ صَحَابِيًّا كَانَ أَوْ تَابِعِيًّا، وَلِهَذَا لَمَّا حَضَرَتْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْوَفَاةُ، قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَوْصِنَا. قَالَ: أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ
(3/64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَكَانَهُمَا، مَنِ ابْتَغَاهُمَا، وَجَدَهُمَا، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَنْقَطِعُ مَا دَامَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ، فَهُمَا عُمْدَةُ النَّاسِ، وَهُمَا كَالْبَحْرِ لَا يَنْفَذُ مَا فِيهِ، فَمَنْ غَاصَ عَلَى الْمَعَانِي مِنْهُمَا، اسْتَخْرَجَ عِلْمًا كَثِيرًا مَسْبُوقًا إِلَيْهِ وَغَيْرَهُ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ; فَلَا تَأْثِيرَ لِلصُّحْبَةِ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا إِنْكَارُ عَائِشَةَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، فَلَيْسَ لِمَا ذَكَرْتُمْ «بَلْ إِمَّا لِأَنَّهَا لَمْ تَرَهُ» بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، وَلِهَذَا شَبَّهَتْهُ بِالْفَرُّوجِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الدِّيَكَةِ «أَوْ لِتَرْكِهِ التَّأَدُّبَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ» فِي أَمْرٍ خَاصٍّ أَدْرَكَتْهُ، كَرَفْعِ صَوْتٍ، أَوْ مُبَادَرَةٍ فِي الْكَلَامِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(3/65)

الْخَامِسَةُ: الْجُمْهُورُ لَا يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ; وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَوَّلِ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ لِلسُّكُوتِيِّ ; وَقِيلَ: لِلْقِيَاسِيِّ.
لَنَا: الْإِجْمَاعُ: الِاتِّفَاقُ، وَقَدْ وُجِدَ، وَالسَّمْعِيُّ عَامٌّ ; فَالتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ، وَلِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ لَمَا صَحَّ احْتِجَاجُ التَّابِعِينَ عَلَى مُتَأَخِّرِي الصَّحَابَةِ بِهِ، وَلَامْتَنَعَ وُجُودُهُ أَصْلًا لِلتَّلَاحُقِ، وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ، وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الْخَامِسَةُ: الْجُمْهُورُ» أَيْ: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ «لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضُ» عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ ; «خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ» وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ ; مِنْهُمُ ابْنُ فُورَكٍ، «وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ» وَقَوْلُهُ الْمُوَافِقُ لِلْجُمْهُورِ أَوْمَأَ إِلَيْهِ إِيمَاءً، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِي: «وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ» وَأَعْنِي اشْتِرَاطَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ «وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَوَّلِ» يَعْنِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ.
«وَقِيلَ» أَيْ: قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: «يُشْتَرَطُ» انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِلْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُ بَعْضِهِمْ نَظَرًا وَتَأَمُّلًا، لَا جَزْمًا وَوِفَاقًا، ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ دَلِيلُ الْخِلَافِ، فَيَجِبُ قَبُولُهُ مِنْهُمْ، وَإِظْهَارُ الْخِلَافِ بَعْدَ السُّكُوتِ دَلِيلُ ظُهُورِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، لِانْتِفَاءِ هَذَا الِاحْتِمَالِ.
«وَقِيلَ» أَيْ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُهُ لِلْإِجْمَاعِ الْقِيَاسِيِّ، أَيِ: الْمُنْعَقِدُ عَنْ قِيَاسٍ، كَنَحْوِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ،
(3/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَيَقَعُ فِيهِ الْخَطَأُ كَثِيرًا، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ سُكُوتَ السَّاكِتِ فِيهِ، أَوْ وِفَاقَ الْمُوَافِقِ كَانَ عَنْ تَأَمُّلٍ أَوْ عَنْ خَطَأٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَلِيلُ الصَّوَابِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا:» أَيْ: عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ «الْإِجْمَاعَ: الِاتِّفَاقَ، وَقَدْ وُجِدَ» قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ «وَالسَّمْعِيُّ» أَيْ: دَلِيلُ السَّمْعِ الدَّالُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ وَعِصْمَتِهِ «عَامٌّ» فِي كَوْنِهِ حُجَّةً قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَبَعْدَهُ «فَالتَّخْصِيصُ» بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ «تَحَكُّمٌ» مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
وَبَيَانُ عُمُومِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ ; أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النِّسَاءِ: 115] يَقْتَضِي وُجُوبَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، فَيَكُونُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: وُجُوبُ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مَأْمُورٌ بِهِ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَكُلُّ وَاجِبٍ مَأْمُورٌ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، كَانَ عُمُومُهُ فِي الزَّمَانِ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ وُجُوبَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ، لَا مِنْ بَابِ الْعَامِّ، وَالْمُطْلَقُ يَحْصُلُ امْتِثَالُهُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَاتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ يَحْصُلُ بِالِاتِّبَاعِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَهُوَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ كَمَا قُلْنَاهُ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ إِنَّمَا يُرَخَّصُ فِي إِيرَادِ مِثْلِهِ عِنْدَ التَّشْغِيبِ، وَالْمَغَالِيطِ الْجَدَلِيَّةِ لِقَهْرِ الْخَصْمِ، أَمَّا عِنْدَ التَّحْقِيقِ، فَلَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا بِالضَّرُورَةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَرَادَ الدَّوَامَ عَلَى اتِّبَاعِ
(3/67)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُمُومِ الْأَزْمِنَةِ، فَيَبْقَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ خَيَالًا يُصَادِمُ خَيَالًا، مَعَ أَنَّ بُطْلَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ ظَاهِرٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: «لَوِ اشْتُرِطَ» انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ «لَمَا صَحَّ احْتِجَاجُ التَّابِعِينَ عَلَى مُتَأَخِّرِي الصَّحَابَةِ بِهِ» أَيْ: بِالْإِجْمَاعِ، إِذْ قَدْ كَانَ لِلصَّحَابَةِ أَنْ يَقُولُوا لِلتَّابِعِينَ: كَيْفَ تَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَعْدُ، لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ انْقِرَاضُ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَاقٍ لِأَنَّنَا نَحْنُ مِنَ الْمُجْمِعِينَ، وَهَا نَحْنُ بَاقُونَ، لَكِنِ التَّابِعُونَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مُتَأَخِّرِي الصَّحَابَةِ، كَأَنَسٍ وَغَيْرِهِ، وَيُقِرُّونَهُمْ عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِالْإِجْمَاعِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَعَلَى بَعْضِ التَّابِعِينَ، كَقَوْلِ عُثْمَانَ فِي حَجْبِ الْأُمِّ بِأَخَوَيْنِ: لَا أُخَالِفُ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي، وَلَوِ اشْتُرِطَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ، لَمَا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوِ اشْتُرِطَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ «لَامْتَنَعَ» وَتَعَذَّرَ «وُجُودُهُ أَصْلًا، لِلتَّلَاحُقِ» أَيْ: لِتَلَاحُقِ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، مُتَّصِلًا فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ، فَإِنَّ الْوِلَادَةَ وَالتَّنَاسُلَ فِي الْعَالَمِ مُتَّصِلٌ، فَكُلَّمَا وُلِدَ مَوْلُودٌ، وَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ حَتَّى بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُجْمِعِينَ قَبْلَهُ وَلَوْ وَاحِدٌ، لَمْ يَتِمَّ الْإِجْمَاعُ بِدُونِ هَذَا الْمُجْتَهِدِ اللَّاحِقِ، فَيَتَلَاحَقُ مُجْتَهِدُو التَّابِعِينَ بِمُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، فَيَمْتَنِعُ اسْتِقْرَارُ إِجْمَاعِهِمْ، وَمُجْتَهِدُو
(3/68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَابِعِي التَّابِعِينَ بِمُجْتَهِدِي التَّابِعِينَ كَذَلِكَ، وَهَلُمَّ جَرًّا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَلَا يَسْتَقِرَّ الْإِجْمَاعُ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، مُحْتَجٌّ بِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، بِاتِّفَاقِ أَهْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ.
قَوْلُهُ: «وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ» يَعْنِي اللَّازِمَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي ضِمْنِ مُلَازَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: «لِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ» يَعْنِي انْقِرَاضَ الْعَصْرِ «لَمَا صَحَّ احْتِجَاجُ التَّابِعِينَ» بِالْإِجْمَاعِ «وَلَامْتَنَعَ وُجُودُهُ أَصْلًا لِلتَّلَاحُقِ» فَامْتِنَاعُ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ، وَعَدَمُ صِحَّةِ احْتِجَاجِ التَّابِعِينَ بِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ لَازِمَانِ، لِاشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لَهُ، وَهَذَانِ اللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ وُجِدَ، وَمَا امْتَنَعَ، وَاحْتِجَاجُ التَّابِعِينَ بِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ قَدْ صَحَّ، وَمَا عُدِمَ، وَلَا انْتَفَى، وَإِذَا بَطَلَ اللَّازِمَانِ، بَطَلَ مَلْزُومُهُمَا، وَهُوَ اشْتِرَاطُ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لِلْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: «وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ» أَيْ: فِي الْوَجْهِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ امْتِنَاعُ الْإِجْمَاعِ لِلتَّلَاحُقِ، وَصِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْخَصْمَ إِنَّمَا يَشْتَرِطُ انْقِرَاضَ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ، لَا مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ وَيَلْحَقُ بِهِمْ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لَا يَلْزَمُ مِنْ تَلَاحُقِ الْمُجْتَهِدِينَ امْتِنَاعُ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ أَصْلًا، فَلَمَّا انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، اسْتَقَرَّ إِجْمَاعُهُمْ، وَصَحَّ، وَصَارَ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ; وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مِائَةُ أَلْفِ مُجْتَهِدٍ قَدْ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ، لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي اسْتِقْرَارِ إِجْمَاعِهِمْ بِانْقِرَاضِهِمْ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ
(3/69)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِجْمَاعِ التَّابِعِينَ مَعَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَلُمَّ جَرًّا، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ، لِأَنَّ الْمُجْمِعِينَ يَنْقَرِضُونَ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُجْتَهِدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا: أَنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ، ثُمَّ نَشَأَ مِنْهُمْ مُجْتَهِدٌ، لَمْ يَحْضُرْ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، كَأَصَاغِرِ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ مَعَ أَكَابِرِهِمْ، لَمْ يُشْتَرَطْ فِي انْقِرَاضِ عَصْرِهِمِ انْقِرَاضُ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ اللَّاحِقِ لَهُمُ، الَّذِي لَمْ يَحْضُرُ مَعَهُمُ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، بَلْ يَكْفِي فِي اسْتِقْرَارِ إِجْمَاعِهِمْ ذَلِكَ أَنْ يَنْقَرِضُوا هُمْ دُونَهُ.
وَهَذَا الْوَجْهُ يَحْتَجُّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَهُوَ مُسْتَدْرَكٌ بِمَا ذَكَرْتُ. نَعَمْ هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ قَدْ يُسْتَدْرَكُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِطَ لِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ، إِنَّمَا اشْتَرَطَهُ لِجَوَازِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمُجْمِعِينَ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ، وَيَظْهَرُ لَهُ دَلِيلُ الْخِلَافِ نَصًّا أَوِ اجْتِهَادًا صَحِيحًا، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي اللَّاحِقِ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ امْتِنَاعُ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ أَصْلًا، لِلتَّلَاحُقِ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ يَعْنِي فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ أَنَّ الْمُجْمِعِينَ هُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، فَكَانَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً لِمَا سَبَقَ مِنَ النُّصُوصِ.
قُلْتُ: حَتَّى عَلَى اللَّاحِقِ، فَلَا يَضُرُّ لُحُوقُهُ.
(3/70)

قَالُوا: لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ، كَعَلِيٍّ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ ; وَلَمَا كَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ إِجْمَاعًا لِتَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَعَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِمَنْعِ رُجُوعِ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَرُجُوعُ عَلِيٍّ أَنْكَرَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ عَلَيْهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي رُجُوعِهِ لِجَوَازِ ظَنِّهِ مَا ظَنَنْتُمْ.
وَعَنِ الثَّانِي: بِمَنْعِ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذْ كُلُّ طَائِفَةٍ تُخَطِّئُ الْأُخْرَى، وَتَحْصُرُ الْحَقَّ فِي جِهَتِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «قَالُوا:» يَعْنِي الْمُشْتَرِطِينَ لِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: «لَوْ لَمْ يُشْتَرَطِ» انْقِرَاضُ الْعَصْرِ «لَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ» عَمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ الْمُجْمِعِينَ، لِاسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَ رُجُوعِهِ، فَيَكُونُ مَحْجُوجًا بِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَازَ، وَوَقَعَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَبَيَانُ وُقُوعِهِ بِصُوَرٍ:
إِحْدَاهُنَّ: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا وَلَا تُبَاعُ، ثُمَّ خَالَفَ عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ، وَأَجَازَ بَيْعَهَا كَالْأَمَةِ، كَمَا
(3/71)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَانَ حُكْمُهَا قَبْلَ إِجْمَاعِهِمْ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي خِلَافَتِهِ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي قِسْمَةِ الْفَيْءِ، لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ، فَضَّلَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ فَضَائِلِهِمْ مِنْ: سَابِقَةِ هِجْرَةٍ، أَوْ غَنَاءٍ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ شَرَفٍ فِيهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ جَلَدَا شَارِبَ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ، فَبَانَ بِهَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعَ عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ لَمْ يُشْتَرَطِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ، لَمَا كَانَ اتِّفَاقُ الْمُجْمِعِينَ «عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ» فِي الْمَسْأَلَةِ «بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ» فِيهَا «إِجْمَاعًا» إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَمَلْزُومُ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَلْزَمُ مِنْهُ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ ; لِأَنَّهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ ; فَاخْتِلَافُهُمْ فِيهَا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ الْخِلَافِ، وَجَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، صَارَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى عَدَمِ تَسْوِيغِ الْخِلَافِ، وَعَدَمِ جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، بَلْ حَصَرُوا الْحُكْمَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ مَا صَارُوا إِلَيْهِ آخِرًا، فَهَذَا الْإِجْمَاعُ الثَّانِي مُعَارِضٌ لِلْأَوَّلِ.
(3/72)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ تَعَارُضَ الْإِجْمَاعَيْنِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ قَاطِعٌ، وَالْقَوَاطِعُ الْمَعْصُومَةُ لَا تَتَعَارَضُ، لِأَنَّ تَعَارُضَهَا يُوجِبُ بُطْلَانَ بَعْضِهَا، وَالْبَاطِلُ عَلَى الْقَوَاطِعِ الْمَعْصُومَةِ مُحَالٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ «لِتَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَعَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا» لَكِنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعٌ صَحِيحٌ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، كَاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ، وَحَصْرِ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، بَعْدَ الْخِلَافِ فِيهَا، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ إِذَنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ حَتَّى يُعَارِضَ الْإِجْمَاعَ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: «وَاللَّازِمَانِ بَاطِلَانِ» يَعْنِي: عَدَمُ جَوَازِ الرُّجُوعِ لِلْمُجْتَهِدِ بَعْدَ الْوِفَاقِ، لَازِمٌ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَهُ، فَيَبْطُلُ مَلْزُومُهُ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الِانْقِرَاضِ، وَكَذَلِكَ عَدَمُ كَوْنِ اتِّفَاقِهِمْ بَعْدَ الْخِلَافِ إِجْمَاعًا، لَازِمٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الِانْقِرَاضِ، وَقَدْ بَانَ بُطْلَانُهُ، فَيَبْطُلُ مَلْزُومُهُ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الِانْقِرَاضِ.
قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ» أَيْ: عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ دَلِيلِ الْخَصْمِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: «لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ، لَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الرُّجُوعُ» وَقَدْ جَازَ «بِمَنْعِ» جَوَازِ «رُجُوعِ الْمُجْتَهِدِ» أَيْ: لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ رُجُوعِهِ «بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ» بِمُوَافَقَتِهِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ «حُجَّةٌ عَلَيْهِ» فَصَارَ كَالْمُؤَاخَذِ بِإِقْرَارِهِ.
وَأَمَّا رُجُوعُ عَلِيٍّ عَنْ تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ ; فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
(3/73)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: قَدْ كَانَ اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُبَاعُ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْآنَ بَيْعَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رَأْيُكَ مَعَ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ لَنَا مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ، فَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا قَالَ لَهُ: لِلَّهِ دَرُّكَ، مَا أَفْقَهَكَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ رُجُوعُهُ، وَأَنَّهُ عَاوَدَ مُوَافَقَةَ الْجَمَاعَةِ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: بِتَقْدِيرِ أَنَّ رُجُوعَهُ اسْتَقَرَّ، فَلَا حُجَّةَ فِي رُجُوعِهِ عَلَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، لِجَوَازِ أَنَّهُ ظَنَّ مَا ظَنَنْتُمُوهُ مِنِ اشْتِرَاطِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
وَأَمَّا رُجُوعُ عُمَرَ عَنِ التَّسْوِيَةِ فِي قِسْمَةِ الْفَيْءِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ وَافَقَ عَلَيْهَا ظَاهِرًا حَتَّى تَكُونَ مُخَالَفَتُهُ رُجُوعًا.
سَلَّمْنَا مُوَافَقَتَهُ ظَاهِرًا ; لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ مُوَافَقَتَهُ بَاطِنًا، فَلَعَلَّهُ مَا أَظْهَرَ الْخِلَافَ إِكْرَامًا لِأَبِي بَكْرٍ عَنْ رَدِّ رَأْيِهِ، أَوْ مَهَابَةً لَهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ حِينَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ كَانَ رَأْيُكَ هَذَا فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟
(3/74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَقَالَ: هِبْتُهُ، وَكَانَ امْرَأً مَهِيبًا، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَظْهَرَ رَأْيَهُ لِعَدَمِ مَنْ يَهَابُهُ.
وَأَمَّا ضَرْبُهُ لِشَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ ; فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ عَنِ الْإِجْمَاعِ، بَلْ كَانَ حَدُّ الشَّارِبِ بِأَصْلِ السُّنَّةِ أَحَدَ الْمِقْدَارَيْنِ: أَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ: أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَمَرَ عَلِيًّا بِجَلْدِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِي الْخَمْرِ ; أَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. فَقَوْلُهُ: وَكُلٌّ سُنَّةٌ ; يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ ثَمَانِينَ.
(3/75)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: وَلَا إِشْكَالَ لِأَنَّ هَذَا تَضَمَّنَ زِيَادَةً، فَيُقْبَلُ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا رَأَى جَلْدَهُ أَرْبَعِينَ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهَا، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ بِتَكْمِلَةِ الثَّمَانِينَ مُوَافَقَةً لِمَا أَخَذَ بِهِ عُمَرُ، لَكِنَّ الَّذِي يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ حَدَّ الشَّارِبِ كَانَ بِأَصْلِ السُّنَّةِ أَحَدَ الْمِقْدَارَيْنِ ; مَا رَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَضَرَبَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ الْأَرْبَعِينَ، وَفَعَلَهَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَوْ كَانَتِ الثَّمَانُونَ بِأَصْلِ السُّنَّةِ، لَمَا احْتَاجَ عُمَرُ إِلَى مُشَاوَرَةِ النَّاسِ فِيهِ، إِذْ خَفَاءُ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ بَعِيدٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
سَلَّمْنَا أَنَّ حَدَّ الشَّارِبِ لَمْ يَكُنْ بِأَصْلِ السُّنَّةِ أَحَدَ الْمِقْدَارَيْنِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ انْعَقَدَ عَلَى نَفْيِ الثَّمَانِينَ، بَلْ عَلَى ثُبُوتِ الْأَرْبَعِينَ، لِحُصُولِ الزَّجْرِ بِهَا، وَكَانَ نَفْيُ الثَّمَانِينَ مِنْ ثُبُوتِ الْأَرْبَعِينَ مَفْهُومًا عَدَدِيًّا ضَعِيفًا، فَلَمَّا دَعَتِ الْمَصْلَحَةُ إِلَى إِثْبَاتِ الثَّمَانِينَ، لِتَتَابُعِ النَّاسِ فِي الْخَمْرِ، فَعَلَهُ عُمَرُ، وَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، وَلَا رَاجِعًا عَنْهُ.
(3/76)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَعَنِ الثَّانِي» أَيْ: وَأُجِيبَ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ دَلِيلِ الْخَصْمِ وَهُوَ جَوَازُ اتِّفَاقِ الْمُجْمِعِينَ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ «تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا» لِأَنَّ «كُلَّ طَائِفَةٍ تُخَطِّئُ الْأُخْرَى» فِي قَوْلِهَا الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ «وَتَحْصُرُ الْحَقَّ فِي جِهَتِهَا» . وَحِينَئِذٍ لَا يُوجَدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ، حَتَّى يُعَارَضَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِهِ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
(3/77)

السَّادِسَةُ: إِذَا اشْتُهِرَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ بَعْضِهِمُ التَّكْلِيفِيُّ وَلَمْ يُنْكَرْ فَإِجْمَاعٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ، وَقِيلَ: فِي الْفُتْيَا لَا الْحُكْمِ، وَقِيلَ: هُمَا بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَقِيلَ: بِشَرْطِ إِفَادَةِ الْقَرَائِنِ الْعِلْمَ بِالرِّضَا.
لَنَا: يَمْتَنِعُ عَادَةً السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِ الْخِلَافِ، لَا سِيَّمَا مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْحَقِّ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ فِيهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
قَالُوا: يَحْتَمِلُ سُكُوتُهُ النَّظَرَ، وَالتَّقِيَّةَ، وَالتَّصْوِيبَ، وَالتَّأْخِيرَ لِمَصْلَحَةٍ، أَوْ ظَنَّ إِنْكَارِ غَيْرِهِ، أَوْ خَوْفَ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، فَحَمْلُهُ عَلَى الرِّضَا تَحَكُّمٌ.
قُلْنَا: كُلُّ ذَلِكَ إِذَا قُوبِلَ بِظَاهِرِ حَالِهِمْ لَمْ يَنْهَضْ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ قَائِمٍ بِحُجَّةٍ، وَلِأَنَّ غَالِبَ الْإِجْمَاعَاتِ كَذَا، إِذِ الْعِلْمُ بِتَصْرِيحِ الْكُلِّ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَعَذِّرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ " السَّادِسَةُ: إِذَا اشْتُهِرَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ بَعْضِهِمُ التَّكْلِيفِيُّ " أَيِ: الْمُتَعَلِّقُ بِأَحْكَامِ التَّكْلِيفِ " وَلَمْ يُنْكَرْ " أَيْ: لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ، فَهُوَ " إِجْمَاعٌ " إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ فِي " الرَّوْضَةِ " فَرَضَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، بَلْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ مُجْتَهِدِي الْأَعْصَارِ، وَلَكِنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا قَالَ بَعْضُ الْأُمَّةِ قَوْلًا، وَسَكَتَ الْبَاقُونَ مَعَ اشْتِهَارِ
(3/78)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذَلِكَ الْقَوْلِ فِيهِمْ، وَكَانَ الْقَوْلُ تَكْلِيفِيًّا، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا أَمْ لَا؟ فَلَوْ لَمْ يَشْتَهِرِ الْقَوْلُ فِيهِمْ، لَمْ يَدُلَّ سُكُوتُهُمْ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَكْلِيفِيًّا، لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ أَمْرٌ دِينِيٌّ، وَمَا لَيْسَ تَكْلِيفِيًّا، لَيْسَ دِينِيًّا بَلْ دُنْيَوِيًّا.
فَإِذَا اشْتُهِرَ قَوْلُ بَعْضِ الْأُمَّةِ التَّكْلِيفِيُّ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ نَكِيرٌ، فَهُوَ إِجْمَاعٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْجُبَّائِيِّ، لَكِنَّهُ اشْتُرِطَ فِيهِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِضَعْفِهِ كَمَا سَبَقَ " خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ " وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ دَاوُدَ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
" وَقِيلَ ": هُوَ " حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ " أَيْ: حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ يَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ، وَاخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ.
" وَقِيلَ: فِي الْفُتْيَا " أَيْ: هُوَ إِجْمَاعٌ فِي الْفُتْيَا " لَا " فِي " الْحُكْمِ " أَيْ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ فُتْيَا مِنْ مُفْتٍ ; كَانَ مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ عَنْ إِنْكَارِهِ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ حُكْمًا مِنْ حَاكِمٍ، لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يَتَخَلَّفُ الْإِنْكَارُ عَنْهُ، إِمَّا مَهَابَةً لَهُ، أَوْ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ تَتْبَعُ اطِّلَاعَهُ عَلَى أَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ، فَرُبَّمَا حَكَمَ بِحُكْمٍ لِأَمْرٍ اخْتَصَّ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، فَلَا يُقْدِمُ غَيْرُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، لِقِيَامِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَحِينَئِذٍ سُكُوتُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، لِجَوَازِ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْطَأَ ظَاهِرًا، وَأَصَابَ
(3/79)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَاطِنًا، فَمَنَعَهُ ذَلِكَ مِنَ الْإِنْكَارِ، بِخِلَافِ الْمُفْتِي، فَإِنَّهُ لَا يُهَابُ الرَّدُّ عَلَيْهِ، بَلْ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ رَدُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَحُكْمُ الْفَقِيهِ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ يَنْظُرُ فِيهَا، لَا إِلَى أُمُورٍ بَاطِنَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: " وَقِيلَ: هُمَا بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ " أَيْ: وَقِيلَ: هُوَ حُجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ: " وَقِيلَ: بِشَرْطِ " أَيْ: هُوَ إِجْمَاعٌ بِشَرْطِ " إِفَادَةِ الْقَرَائِنِ الْعِلْمَ بِالرِّضَا " أَيْ: يُوجَدُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَا السَّاكِتِينَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
وَهَذَا أَحَقُّ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ إِفَادَةَ الْقَرَائِنِ الْعِلْمَ بِالرِّضَا، كَإِفَادَةِ النُّطْقِ لَهُ، فَيَصِيرُ كَالْإِجْمَاعِ النُّطْقِيِّ مِنَ الْجَمِيعِ وَهَذَا يُنَافِي قَوْلَ أَبِي هِشَامٍ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ مَعَ عَدَمِ الْقَرَائِنِ، وَهَذَا مَعَ الْقَرَائِنِ، فَيَسْتَوِيَانِ، وَالْقَوْلُ الْمَذْكُورُ مَعَ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْءٍ، لِأَنَّ الْقَرَائِنَ إِذَا أَفَادَتِ الْعِلْمَ بِرِضَا السَّاكِتِينَ، لَمْ يَبْقَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ إِجْمَاعًا مُتَّجِهًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي قَوْلِ الْبَعْضِ، وَسُكُوتِ الْبَعْضِ، مُجَرَّدًا عَنِ الْقَرَائِنِ، وَفِيهِ الْأَقْوَالُ الْخَمْسَةُ الْأُوَلُ.
" لَنَا: " أَيْ: عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مُطْلَقًا أَنَّهُ " يَمْتَنِعُ " فِي الْعَادَةِ " السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِ الْخِلَافِ " إِذَا لَاحَ دَلِيلُهُ " لَا سِيَّمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، الْمُجَاهِدِينَ فِي
(3/80)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَقِّ، الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ فِيهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ " وَإِذَا كَانَ السُّكُوتُ عَنِ الْخِلَافِ مُمْتَنِعًا فِي الْعَادَةِ ; وَجَبَ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ دَلِيلَ الرِّضَا عَادَةً، فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ مَعَهُ إِجْمَاعًا.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: " أَيِ: الْمَانِعُونَ لِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا، احْتَجُّوا بِأَنَّ سُكُوتَ السَّاكِتِ عَنْ إِظْهَارِ خِلَافِ قَوْلِ الْقَائِلِ " يَحْتَمِلُ " أُمُورًا:
أَحَدُهَا: " النَّظَرُ " فِي الدَّلِيلِ، وَالتَّرَوِّي فِي الْحُكْمِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَسْتَحْضِرُ الدَّلِيلَ بَدِيهَةً، وَلَا كُلُّ دَلِيلٍ يُسْتَحْضَرُ كَذَلِكَ، لِتَفَاوُتِ الْأَذْهَانِ فِي الْإِدْرَاكِ، وَالْأَحْكَامِ فِي الْوُضُوحِ وَالْخَفَاءِ.
الثَّانِي: " التَّقِيَّةُ " لِلْقَائِلِ، أَيْ: يَتَّقِي سَطْوَتَهُ مَهَابَةً لَهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
هِبْتُهُ، وَكَانَ امْرَأً مَهِيبًا، يَعْنِي عُمَرَ.
الثَّالِثُ: " التَّصْوِيبُ " وَهُوَ أَنْ يَسْكُتَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهَذَا الْقَائِلُ مُجْتَهِدٌ، فَيَكُونُ مُصِيبًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُوَافَقَةُ السَّاكِتِ.
الرَّابِعُ: " التَّأْخِيرُ لِمَصْلَحَةٍ " وَالْمَصَالِحُ الَّتِي يُقَدَّرُ عُرُوضُهَا، وَمُنَاسَبَةُ تَأْخِيرِ الْإِنْكَارِ لَهَا كَثِيرَةٌ، كَخَوْفِ إِثَارَةِ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ سَكَتَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ أَنْكَرَ فَسَقَطَ الْإِنْكَارُ عَنْهُ، لِأَنَّ إِنْكَارَ مَا لَا يَجُوزُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَسْقُطُ عَنِ الْجَمِيعِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ كَمَا سَبَقَ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ سَكَتَ مَخَافَةَ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى إِنْكَارِهِ، بِأَنْ ظَهَرَتْ لَهُ
(3/81)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَارَاتُ ذَلِكَ فَيَضَعَ مِنْهُ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ ذَا مَنْصِبٍ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ بِالْإِنْكَارِ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَفِي شُبَهِ ذَلِكَ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، حِينَ عُوتِبَ عَلَى فِرَارِهِ يَوْمَ بَدْرٍ:
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ قِتَالَهُمْ ... حَتَّى عَلَوْا فَرَسِي بِأَشْقَرَ مُزْبِدِ
وَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا ... أُقْتَلْ وَلَا يَضْرُرْ عَدُوِّي مَشْهَدِي
وَوَجْهٌ سَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ، يُنْكِرُ السَّاكِتُ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ إِنْكَارُهُ. وَإِذَا كَانَ السُّكُوتُ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْأُمُورَ " فَحَمْلُهُ عَلَى الرِّضَا تَحَكُّمٌ " نَادِرٌ، لِأَنَّهُ احْتِمَالٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ احْتِمَالَاتٍ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " يَعْنِي فِي الْجَوَابِ " كُلُّ ذَلِكَ " أَيْ: كُلُّ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ إِذَا قُوبِلَتْ " بِظَاهِرِ حَالِهِمْ " فِي تَرْكِ السُّكُوتِ، وَجَرَيَانِ الْعَادَةِ، وَاقْتِضَاءِ الطِّبَاعِ إِظْهَارَ مَا يَعْتَقِدُهُ حَقًّا، لَا يَنْهَضُ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ
(3/82)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ظَاهِرِ حَالِهِمْ أَغْلِبُ وَأَظْهَرُ، وَاحْتِمَالٌ وَاحِدٌ قَوِيٌّ، يَظْهَرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ الْخَفِيَّةِ، كَمَا قِيلَ: وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَنَا.
" وَلِأَنَّهُ " أَيْ: وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ عَدَمِ دَلَالَةِ السُّكُوتِ عَلَى الرِّضَا " يُفْضِي إِلَى خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ قَائِمٍ بِحُجَّةِ " الشَّرْعِ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةَ، إِذَا حُقِّقَ أَمْرُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ بَانَ ضَعْفُهَا، أَوْ ضَعْفُ بَعْضِهَا.
قَوْلُهُ: " وَلِأَنَّ غَالِبَ الْإِجْمَاعَاتِ كَذَا ". هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ دَلِيلُ الرِّضَا.
وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ لَمْ يَدُلَّ سُكُوتُ السَّاكِتِ عَلَى الرِّضَا لِتَعَذُّرِ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ بِالْأَصَالَةِ، أَوْ تَعَذُّرِ وُجُودِهِ غَالِبًا، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ النُّطْقِيَّ عَزِيزٌ جِدًّا " إِذِ الْعِلْمُ بِتَصْرِيحِ " كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ " بِحُكْمٍ وَاحِدٍ، فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَعَذِّرٌ " لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الشَّرْعِ الْفَرْعِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَإِقْرَارُ الْبَعْضِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ آخَرَانِ:
وَهُوَ أَنَّ إِقْرَارَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا سَمِعَهُ أَوْ يَرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ وَتَصْوِيبِهِ، فَكَذَلِكَ سُكُوتُ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِقْرَارُهُمْ، لِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ بِنَصِّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ.
(3/83)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الثَّانِي: أَنَّ التَّابِعِينَ كَانُوا إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مَسْأَلَةٌ، فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْلَ صَحَابِيٍّ مُنْتَشِرًا لَمْ يُنْكَرْ ; لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ، وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعٌ، تَظْهَرُ قُوَّتُهُ فِيمَا إِذَا اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، لَكِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ ضَعَّفَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ لَا إِجْمَاعٌ.
قَالَ ": لِأَنَّا إِنْ قَدَّرْنَا رِضَا السَّاكِتِ، فَهُوَ إِجْمَاعٌ، وَإِلَّا فَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ، بِالْمَهَابَةِ وَعَدَمِهَا، وَمَا ذُكِرُ قَبْلُ، فَإِنَّمَا يَتَّجِهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَالْحَاكِمُ كَالْمُفْتِينَ فِي ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: الْقَاعِدَةُ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ وَاللُّغَةِ أَنْ لَا يُنْسَبَ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ، إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُ كَالْقَوْلِ، حُكْمًا أَوْ حَقِيقَةً، لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَدَمِ، وَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْأَقْوَالُ.
فَلِهَذَا لَوْ أَتْلَفَ إِنْسَانٌ مَالَ غَيْرِهِ، وَهُوَ سَاكِتٌ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ضَمِنَ الْمُتْلِفُ، وَلَا يُجْعَلْ سُكُوتُ الْمَالِكِ إِذْنًا فِيهِ.
وَلَوِ ادُّعِيَ عَلَى شَخْصٍ دَعْوَى، فَلَمْ يُجِبْ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، لَمْ يُجْعَلْ
(3/84)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُقِرًّا بِالْحَقِّ بِسُكُوتِهِ، بَلْ يَقُولُ لَهُ الْحَاكِمُ: إِنْ أَجَبْتَ، وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ، فَإِذَا لَمْ يُجِبْ، قَضَى لِوُجُودِ شَرْطِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ عَدَمُ إِجَابَتِهِ، تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ، لِظُهُورِهِ فِيهِ، لَا أَنَّهُ إِقْرَارٌ حَقِيقَةً. وَهَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ الَّتِي يُنْسَبُ فِيهَا إِلَى السَّاكِتِ قَوْلٌ بِدَلِيلٍ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَطَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ أَوْ أَعْتَقْتَ رَقِيقَكَ؟ أَوْ زَوَّجْتَ ابْنَتَكَ فُلَانًا؟ أَوْ بِعْتَهُ؟ أَوْ رَهَنْتَهُ؟ أَوْ وَهَبْتَهُ هَذِهِ الْعَيْنَ؟ أَوْ لِفُلَانٍ عِنْدَكَ كَذَا؟ فَسَكَتَ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا.
أَمَّا إِنْ قَامَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ عَلَى نِسْبَةِ الْقَوْلِ أَوْ مُقْتَضَاهُ إِلَى السَّاكِتِ، عُمِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْبِكْرِ: إِذْنُهَا صُمَاتُهَا، وَكَذَلِكَ ضَحِكُهَا وَبُكَاؤُهَا يَعْنِي فِي تَزْوِيجِهَا، وَكَقَوْلِنَا: إِنَّ إِقْرَارَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى إِنْكَارِهِ حُجَّةٌ، وَإِنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ، وَكَقَوْلِنَا: إِنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَحَدِ وَلَدَيْنِ وَلَدَتْهُمَا امْرَأَتُهُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، وَسَكَتَ عَنْ تَوْأَمِهِ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ، لِاسْتِلْزَامِ إِقْرَارِهِ بِتَوْأَمِهِ الْإِقْرَارَ بِهِ عَقْلًا، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ هُنِّئَ بِوَلَدِهِ، فَسَكَتَ، أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ، أَوْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ إِمْكَانِهِ، وَالْعِلْمِ بِأَنَّ لَهُ نَفْيَهُ ; لَحِقَهُ نَسَبُهُ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ هَاهُنَا كَالْقَوْلِ، وَلَوْ حَلَقَ
(3/85)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حَلَالٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ، وَقَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِذْنٌ، فَهَلِ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْحَالِقِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، لِأَنَّ سُكُوتَهُ هَاهُنَا قَوِيٌّ، لِاقْتِرَانِهِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَنْعِ، فَصَارَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْإِذْنِ الْمَحْضِ، وَالسُّكُوتِ الْمَحْضِ، وَسُكُوتُ أَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ عَنِ الْجَوَابِ لَا يُعَدُّ انْقِطَاعًا فِي التَّحْقِيقِ، إِلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْهُ، أَوْ قَرِينَةِ حَالٍ ظَاهِرَةٍ، مِثْلَ أَنْ يُعْرَفَ بِحُبِّ الْمُنَاظَرَةِ، وَقَهْرِ الْخُصُومِ، وَتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا سُكُوتُهُ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنِ انْقِطَاعٍ.
أَمَّا لَوِ انْتَفَتِ الْقَرِينَةُ، لَمْ يَدُلَّ سُكُوتُهُ عَلَى الِانْقِطَاعِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اسْتِحْضَارِ الدَّلِيلِ، وَتَرَفُّعِهِ عَنِ الْخَصْمِ لِظُهُورِ بَلَادَتِهِ، أَوْ تَعْظِيمِهِ، وَإِجْلَالِهِ عَنِ انْقِطَاعِهِ مَعَهُ، أَوْ إِفْضَاءِ الْمُنَاظَرَةِ إِلَى الرِّيَاءِ، وَسُوءِ الْقَصْدِ، فَيُحِبُّ السَّلَامَةَ بِالسُّكُوتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ، وَلِذَلِكَ اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَامَّةِ، إِذَا قَرَّرُوا شَخْصًا بِأَمْرٍ، فَسَكَتَ، قَالُوا: سُكُوتُهُ إِقْرَارُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، بَلْ إِنْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ الْإِقْرَارِ، دَلَّ سُكُوتُهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، نَحْوَ: خُذْ، وَأَعْطِنِي، أَوْ يَتَعَاطَيَانِ بِلَا قَوْلٍ أَصْلًا مِنْ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ، فَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ مَالَ الْغَيْرِ حَرَامٌ إِلَّا بِالتَّرَاضِي وَهُوَ خَفِيٌّ فِي النَّفْسِ،
(3/86)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ السَّاكِتَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَكْثَرُ عَنِ الْعُلَمَاءِ صِحَّتُهُ، لِدَلَالَةِ السُّكُوتِ مَعَ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ عَلَى الرِّضَا قَطْعًا، وَلِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعِيًّا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كُلُّ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ.
وَالسِّرُّ فِيهِ، أَنَّ الْعِبَارَاتِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا، بَلْ لِدِلَالَتِهَا عَلَى مَا فِي النُّفُوسِ مِنَ الْإِرَادَاتِ وَالْمَعَانِي، فَإِذَا حَصَلَتِ الدِّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ بِدُونِ الْأَلْفَاظِ، صَارَتْ فَضْلَةً لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، كَمَا لَا يَحْتَاجُ الطَّائِرُ فِي صُعُودِهِ السَّطْحَ إِلَى نَصْبِ سُلَّمٍ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِالْجَنَاحِ، وَلِهَذَا وَقَعَ الْحَذْفُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، لِحُصُولِ مَقْصُودِ اللَّفْظِ الْمَحْذُوفِ بِالْقَرَائِنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(3/87)

السَّابِعَةُ: إِذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ، امْتَنَعَ إِحْدَاثُ ثَالِثٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ.
لَنَا: هُوَ مُخَالَفَةُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَنِسْبَةٌ لِلْأُمَّةِ إِلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ.
قَالُوا: لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَحْرِيمِ الثَّالِثِ، فَجَازَ كَمَا لَوْ عُلِّلَ أَوِ اسْتُدِلَّ بِغَيْرِ عِلَّتِهِمْ وَدَلِيلِهِمْ، وَكَمَا لَوْ نَفَى بَعْضٌ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَأَثْبَتَ بَعْضٌ، فَنَفَى الثَّالِثُ فِي إِحْدَاهُمَا وَأَثْبَتَ فِي الْأُخْرَى.
قُلْنَا: وَسَكَتُوا عَنِ الثَّانِي، وَلَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُهُ، وَالْعِلَّةُ وَالدَّلِيلُ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُمَا وَلَمْ يَتَعَبَّدُوا بِهِ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمَا يَكْفِي، وَالنَّافِي فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى لَمْ يَخْرُجْ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ انْقِسَامُ الْأُمَّةِ إِلَى فِرْقَتَيْنِ تُصِيبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتُخْطِئُ فِي الْأُخْرَى عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ، إِذِ الْمُمْتَنِعُ خَطَأُ الْجَمِيعِ فِي كِلْتَيْهِمَا لَا فِي بَعْضٍ بِالتَّرْكِيبِ.
وَقِيلَ: إِنْ رَفَعَ الثَّالِثُ الْإِجْمَاعَ امْتَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ " السَّابِعَةُ: إِذَا اخْتَلَفُوا " يَعْنِي أَهْلَ الْعَصْرِ " عَلَى قَوْلَيْنِ، امْتَنَعَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ " إِحْدَاثُ " قَوْلٍ " ثَالِثٍ " عِنْدَ الْجُمْهُورِ " خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالظَّاهِرِيَّةِ " وَالشِّيعَةِ.
قَوْلُهُ: " لَنَا: " أَيْ: عَلَى امْتِنَاعِ إِحْدَاثِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ " مُخَالَفَةُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ " فَيَمْتَنِعُ، أَمَّا أَنَّهُ خِلَافُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ حَصْرٌ لِلْحَقِّ فِيهِمَا فَلَا
(3/88)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَتَجَاوَزُهُمَا، فَالْقَوْلُ الثَّالِثُ خَارِجٌ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنِ الْحَقِّ الْمَحْصُورِ فِيهِ، وَأَمَّا أَنَّ خِلَافَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، مُمْتَنِعٌ بِالْأَدِلَّةِ لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ نِسْبَةَ الْأُمَّةِ إِلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَمَا أَفْضَى إِلَى غَيْرِ الْجَائِزِ لَا يَجُوزُ.
أَمَّا أَنَّهُ يُوجِبُ نِسْبَةَ الْأُمَّةِ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ اقْتَضَى حَصْرَ الْحَقَّ فِيهِمَا، فَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ حَقًّا، لَكَانَتِ الْأُمَّةُ قَدْ ضَيَّعَتْهُ. وَأَمَّا أَنَّ نِسْبَتَهَا إِلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ لَا يَجُوزُ، فَلِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الْعِصْمَةَ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عِصْمَتِهَا، وَمَا نَافَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا أَنَّ مَا أَفْضَى إِلَى غَيْرِ الْجَائِزِ لَا يَجُوزُ، فَلِأَنَّ وَسِيلَةَ الْمَمْنُوعِ مَمْنُوعَةٌ، وَمِنْ كُلِّيَّاتِ الْقَوَاعِدِ: أَنَّ الْوَسَائِلَ تَتْبَعُ الْمَقَاصِدَ.
قُلْتُ: وَيَرِدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَنْعُ أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ حَصْرٌ لِلْحَقِّ فِيهِمَا، بَلْ إِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْقَوْلَيْنِ، لَا عَلَى نَفْيِ الثَّالِثِ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ حُدُوثِ الثَّالِثِ، فَلَمَّا حَدَثَ الثَّالِثُ، تَبَيَّنَ أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: " يَعْنِي الْمُجَوِّزِينَ لِإِحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثٍ، احْتَجُّوا بِأَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ " لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَحْرِيمِ " الْقَوْلِ " الثَّالِثِ، فَجَازَ " إِحْدَاثُهُ، كَمَا لَوْ عَلَّلُوا أَوِ اسْتَدَلُّوا بِعِلَّةٍ أَوْ دَلِيلٍ، فَعَلَّلَ مَنْ بَعْدَهُمْ، أَوِ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، فَكَذَا إِحْدَاثُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَكَذَا لَوْ
(3/89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نَفَى بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْحُكْمَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَأَثْبَتَهُ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا " فَنَفَى الثَّالِثُ فِي إِحْدَاهُمَا، وَأَثْبَتَ فِي الْأُخْرَى " جَازَ.
كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِذَا أُودِعَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَالْعَبْدُ مَالًا، فَأَتْلَفَاهُ، ضَمِنَاهُ، وَقَالَ قَائِلٌ: لَا يَضْمَنَانِ، فَقَالَ الثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْعَبْدُ دُونَ الصَّبِيِّ.
وَكَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْكَلْبِ، وَلَا الْخِنْزِيرِ بِالدِّبَاغِ. وَقَالَ آخَرُ: يَطْهُرَانِ، فَقَالَ ثَالِثٌ: يَطْهُرُ جِلْدُ الْكَلْبِ دُونَ الْخِنْزِيرِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، فَكَذَا إِحْدَاثُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: وَسَكَتُوا عَنِ الثَّانِي، وَلَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُهُ ". هَذَا نَقْضٌ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يُصَرِّحُوا بِنَفْيِ الثَّالِثِ، فَيَجُوزُ إِحْدَاثُهُ، وَإِلْزَامٌ لَهُمْ عَلَى اعْتِلَالِهِمْ فِيهِ مَا لَا يَقُولُونَ بِهِ.
وَتَوْجِيهُ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُمْ كَمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِنَفْيِ الثَّالِثِ ; كَذَلِكَ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، لَمْ يُصَرِّحُوا بِنَفْيِ قَوْلٍ ثَانٍ، بَلْ سَكَتُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُهُ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ تَصْرِيحِهِمْ بِالثَّالِثِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِحْدَاثِهِ، فَلْيَكُنْ عَدَمُ تَصْرِيحِهِمْ بِالثَّانِي غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ إِحْدَاثِهِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: " وَالْعِلَّةُ وَالدَّلِيلُ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا فَرْقٌ بَيْنَ إِحْدَاثِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَبَيْنَ التَّعْلِيلِ أَوِ الِاسْتِدْلَالِ بِغَيْرِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْعَصْرِ.
وَتَقْرِيرُ الْفَرْقِ: أَنَّ " الْعِلَّةَ وَالدَّلِيلَ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُمَا " أَيْ: ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، أَوْ دَلِيلَيْنِ، يَخْفَى أَحَدُهُمَا عَنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَيَظْهَرُ لِأَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي، وَلَيْسُوا مُتَعَبَّدِينَ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ الْعِلَلِ وَالْأَدِلَّةِ، إِذْ
(3/90)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَقْصُودُ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالدَّلِيلِ الْوَاحِدِ، فَالْعِلَلُ وَالْأَدِلَّةُ وَسَائِلُ لَا مَقَاصِدُ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا مُثْبَتًا، أَوْ وَاجِبًا مُحَرَّمًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مُتَعَبَّدٌ بِهِ، مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ، فَإِحْدَاثُهُ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى غَيْرِهِ خِلَافٌ لِسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَقْصُودِ، وَنِسْبَةٌ لَهُمْ إِلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ وَإِهْمَالِهِ، بِخِلَافِ الْعِلَّةِ، وَالدَّلِيلِ.
قَوْلُهُ: " وَالنَّافِي " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى مَا لَوْ نَفَى الْبَعْضُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَأَثْبَتَ الْبَعْضُ الْآخَرُ فِيهِمَا، فَنَفَى الثَّالِثُ فِي إِحْدَاهُمَا.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ " النَّافِيَ فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى لَمْ يَخْرُجْ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ " أَلَا تَرَاهُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَافَقَ بَعْضَهُمْ فِي تَضْمِينِ الْعَبْدِ، وَالْبَعْضَ الْآخَرَ فِي عَدَمِ تَضْمِينِ الصَّبِيِّ، بِخِلَافِ مَنْ أَحْدَثَ قَوْلًا ثَالِثًا، فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ خُرُوجًا كُلِّيًّا.
قَوْلُهُ: " وَمِنْ ثَمَّ " أَيْ: وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ الْكُلِّيُّ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا الْخُرُوجُ الْجُزْئِيُّ ; " جَازَ " أَنْ تَنْقَسِمَ " الْأُمَّةُ إِلَى فِرْقَتَيْنِ، تُصِيبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ " مِنْهُمَا " فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَتُخْطِئُ فِي الْأُخْرَى عَلَى الْأَصَحِّ " فِي ذَلِكَ.
مِثَالُهُ: خَطَأُ الْحَنَابِلَةِ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَإِصَابَةُ الشَّافِعِيَّةِ فِي
(3/91)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَخَطَأُ الشَّافِعِيَّةِ فِي إِبَاحَةِ الْبِنْتِ الْمَخْلُوقَةِ مِنَ الزِّنَى، وَكَرَاهَةِ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ، وَإِصَابَةُ الْحَنَابِلَةِ فِي تَحْرِيمِهَا وَعَدَمِ كَرَاهَتِهِ.
وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ، لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ خَطَأُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ فِي كِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ " لَا فِي بَعْضٍ بِالتَّرْكِيبِ " أَيْ: لَيْسَ الْمُمْتَنِعُ خَطَأَ الْأُمَّةِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ خَطَأً مُرَكَّبًا، بِأَنْ تُخْطِئَ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، لِأَنَّ الْخَطَأَ الْمُرَكَّبَ جُزْئِيٌّ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى عِصْمَتِهَا مِنْهُ، إِنَّمَا دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى نَفْيِ الْخَطَأِ الْكُلِّيِّ ; وَهُوَ أَنْ يُخْطِئَ مَجْمُوعُ الطَّائِفَتَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ; بِخِلَافِ الْخَطَأِ الْمُرَكَّبِ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ فِيهِ مُخْطِئَةً مِنْ وَجْهٍ، فَهِيَ مُصِيبَةٌ مِنْ وَجْهٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ خَطَأَ كُلِّ فِرْقَةٍ فِي مَسْأَلَةٍ هُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، فَلِهَذَا خَرَجَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَقْضِي أَنَّهُ إِمَّا أَنْ تُخْطِئَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، أَوْ تُصِيبَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، أَوْ تُصِيبَ كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَتُخْطِئَ فِي الْأُخْرَى، فَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّهُ خَطَأٌ كُلِّيٌّ، وَالثَّانِي جَائِزٌ حَسَنٌ، لِأَنَّهُ إِصَابَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَالثَّالِثُ وَاسِطَةٌ، لِأَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ أُلْحِقَ بِالطَّرَفِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْخَطَأُ الْكُلِّيُّ فِي الِامْتِنَاعِ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الصَّوَابِ أُلْحِقَ بِالطَّرَفِ الثَّانِي، وَهُوَ الصَّوَابُ الْكُلِّيُّ فِي الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: " وَقِيلَ: إِنْ رَفَعَ الثَّالِثُ الْإِجْمَاعَ امْتَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ أَوْلَى " هَذَا
(3/92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ إِحْدَاثَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ إِنْ رَفَعَ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ، جَازَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ فِي " الْمَحْصُولِ " وَالْآمِدِيِّ فِي " مُنْتَهَى السُّولِ ".
مِثَالُ الرَّافِعِ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ: أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مُطْلَقًا، وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ إِذَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ، مِثْلَ أَنْ يَذْبَحَهُ ذَبْحًا وَنَحْوَهُ، لَا أَنْ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ وَنَحْوِهِ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ تَأْدِيبَهُ، فَأَتَى عَلَى نَفْسِهِ خَطَأً. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ آخَرُ: يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ مُطْلَقًا، كَانَ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُ الْأُمَّةِ بِاعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ، وَقَالَ الْبَعْضُ الْآخَرُ: بِاعْتِبَارِهَا فِي بَعْضِ الطَّهَارَاتِ دُونَ بَعْضٍ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ لِلتَّيَمُّمِ دُونَ الْوُضُوءِ، فَالنَّافِي لِاعْتِبَارِهَا فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ مُطْلَقًا ; يَكُونُ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُ الْأُمَّةِ: الْجَدُّ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ، وَيَأْخُذُ الْمَالَ دُونَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَاسِمُهُمْ كَأَخٍ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْإِخْوَةَ يَحُوزُونَ الْمَالَ كُلَّهُ ; كَانَ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ. عَلَى أَنَّ الْقَرَافِيَّ حَكَى عَنِ ابْنِ حَزْمٍ فِي " الْمُحَلَّى " أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ: الْمَالُ كُلُّهُ لِلْإِخْوَةِ، تَغْلِيبًا لِلْبُنُوَّةِ عَلَى الْأُبُوَّةِ،
(3/93)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ هَذَا الْمِثَالُ، لِكَوْنِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ لَيْسَ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الرَّافِعُ لِلْإِجْمَاعِ أَنْ يُقَدَّرَ قَوْلُ قَائِلٍ بِأَنَّ الْجَدَّ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ نِصْفَيْنِ ; قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، أَوْ يُفَصِّلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا لِأَبَوَيْنِ، فَيَحُوزُونَهُ أَوْ يُقَاسِمُونَ، أَوْ لِأَبٍ، فَيَنْفَرِدُ بِهِ عَنْهُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ الَّتِي لَمْ يَقُلْ بِهَا قَائِلٌ.
وَمِثَالُ مَا لَيْسَ رَافِعًا لِلْإِجْمَاعِ: مَا سَبَقَ مِنَ النَّفْيِ فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَكَمَا لَوِ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَالْقَوْلُ بِإِثْبَاتِهَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَا يَمْتَنِعُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعِ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ، بَلْ وَافَقَ كُلَّ فَرِيقٍ فِي بَعْضِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ مُخَالَفَةُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ مُخَالَفَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَسَبِيلُ بَعْضِهِمْ لَا يَتَنَاوَلُهُ دَلِيلُ السَّمْعِ، وَإِلَّا لَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(3/94)

الثَّامِنَةُ: اتِّفَاقُ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الصَّحَابَةِ إِجْمَاعٌ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِلْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
لَنَا: سَبِيلُ مُؤْمِنِي عَصْرٍ فَيَنْهَضُ السَّمْعِيُّ، كَاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ.
قَالُوا: فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ، وَلَا يَبْطُلُ مَذْهَبُ الْمَيِّتِ بِمَوْتِهِ.
قُلْنَا: يَلْزَمُ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ كَقَوْلِ دَاوُدَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «الثَّامِنَةُ: اتِّفَاقُ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الصَّحَابَةِ إِجْمَاعٌ» أَيْ: إِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَاتَّفَقَ التَّابِعُونَ عَلَى أَحَدِهِمَا، كَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا «عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ» حَيْثُ قَالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى الْخِلَافِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْحَقُّ، فَيَمْتَنِعُ الِاتِّفَاقُ بَعْدَهُ، أَوْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قُلْتُ: وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ امْتِنَاعَ الِاتِّفَاقِ بَعْدَ الْخِلَافِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالتَّابِعِينَ مَعَ الصَّحَابَةِ، بَلْ أَيُّ عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ اخْتَلَفَ أَهْلُهُ، فَهَلْ يَصِحُّ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ بَعْدَهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؟ وَلَا نِزَاعَ فِي إِمْكَانِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ عَقْلًا، بَلْ فِي صِحَّتِهِ شَرْعًا.
«لَنَا:» أَيْ: عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي «سَبِيلُ مُؤْمِنِي عَصْرٍ، فَيَنْهَضُ» الدَّلِيلُ «السَّمْعِيُّ» عَلَى كَوْنِهِ مَعْصُومًا، بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ
(3/95)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْ أَنَّ إِجْمَاعَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، وَصَارَ ذَلِكَ «كَاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ» فَإِنَّهُ يَكُونُ إِجْمَاعًا، كَذَلِكَ هَذَا.
قَوْلُهُ: «قَالُوا:» يَعْنِي الْمَانِعِينَ لِكَوْنِ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ حُجَّةً ; قَالُوا: هَذَا الِاتِّفَاقُ هُوَ «فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ» فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، لِأَنَّ الْعِصْمَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، لَا لِبَعْضِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ هُوَ أَنَّ حُكْمَ الْقَوْلِ الْآخَرِ مِنْ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ بَاقٍ، لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ وَإِنْ مَاتُوا ; لَكِنَّ قَوْلَهُمْ لَمْ يَمُتْ، لِأَنَّ مَذْهَبَ الْمَيِّتِ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَقْوَالَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مَعْمُولٌ بِهَا، مُعْتَمَدٌ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فَمَا بَعْدَهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِ قَائِلِهِ ; كَانَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ اتِّفَاقًا عَلَى فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: يَلْزَمُ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ، كَقَوْلِ دَاوُدَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ» .
تَوْجِيهُ هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ بِأَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُ فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ لَا كُلِّهَا، يَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ، بِأَنْ لَا يَصِحَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ إِلَّا مِنْهُمْ، وَلَا يَصِحَّ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّهُمْ وَإِنْ مَاتُوا، فَأَقْوَالُهُمْ لَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِهِمْ، فَكُلُّ مَنِ اتَّفَقَ بَعْدَهُمْ عَلَى حُكْمٍ، فَقَوْلُهُ فُتْيَا بَعْضِ الْأُمَّةِ لَا فُتْيَا
(3/96)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كُلِّهَا ; فَلَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بَعْدَهُمْ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، لَكِنَّ اخْتِصَاصَ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ بَاطِلٌ، بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنَ الْخَصْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَبْطُلُ مَلْزُومُهُ، وَهُوَ أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ فَيَصِحُّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ.

تَنْبِيهٌ: أَمَّا اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْوَاحِدِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ، فَجَائِزٌ، خِلَافًا لِلصَّيْرَفِيِّ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا، وَقَدْ سَبَقَتْ أَمْثِلَتُهُ فِي مَسْأَلَةِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَلَعَلَّ الصَّيْرَفِيَّ يَحْتَجُّ بِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ فَأَكْثَرَ ; إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ فِيهَا بِالِاجْتِهَادِ، فَاتِّفَاقُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ رَفْعٌ لِذَلِكَ الْإِجْمَاعِ، وَمُعَارَضَةٌ لِلْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَأَمَّا كَوْنُ اخْتِلَافِهِمْ إِجْمَاعًا عَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ سُلِّمَ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي، لَجَازَ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ إِجْمَاعٍ ثَانٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ إِجْمَاعٌ أَصْلًا، وَأَنْ يَجُوزَ نَقْضُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ أَبَدًا، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَالْمُفْضِي إِلَيْهِ بَاطِلٌ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ تَعَيَّنَتْ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَوَجْهُ الْحَقِّ، فَاسْتَقَرَّتْ لَهُ الْعِصْمَةُ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ عَلَى
(3/97)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلَيْنِ، فَإِنَّ جِهَةَ الْمَصْلَحَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ الْعِصْمَةُ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَكَانَ اسْتِقْرَارُهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، فَإِذَا وُجِدَ، زَالَ الْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(3/98)

التَّاسِعَةُ: اتِّفَاقُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَ إِجْمَاعًا ; وَكَذَا أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَأَوْلَى. وَالْخِلَافُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا يُفِيدُ أَنَّهُ حُجَّةٌ. وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ.
لَنَا: الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ لَا لِلْبَعْضِ وَلَا لِلْمَكَانِ ; قَالَ: يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْخَطَأِ عَادَةً.
قُلْنَا: بَاقِي الْأُمَّةِ أَكْثَرُ، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَا فِي حَقِّهِمْ أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ «التَّاسِعَةُ: اتِّفَاقُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ» بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ «لَيْسَ إِجْمَاعًا، وَكَذَا» اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ «أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَوْلَى» أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنِ اتِّفَاقُ الْأَرْبَعَةِ إِجْمَاعًا، فَقَوْلُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ إِجْمَاعًا وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهَؤُلَاءِ بَعْضُهَا.
قَوْلُهُ: «وَالْخِلَافُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا يُفِيدُ أَنَّهُ حُجَّةٌ» يَعْنِي أَنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نُقِلَ عَنْهُ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَنُقِلَ عَنْهُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِاتِّفَاقِ الْأَرْبَعَةِ، وَبِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ فِي اتِّفَاقِ الْأَرْبَعَةِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا.
وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ
(3/99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَعُمَرَ، وَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، لَمَا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إِنْ كَانَتْ هِيَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُمْ بِهَا، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِينُهُ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لَا بَعْضِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَمْ تُعْتَبَرْ، فَكَانَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا اعْتِبَارَ سُنَّتِهِمْ، فَإِمَّا أَنْ لَا تُعْتَبَرَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ سُنَّتِهِمْ، أَوْ تُعْتَبَرَ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ، لَزِمَ اسْتِقْلَالُ سُنَّتِهِمْ بِالصَّوَابِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ. وَإِنِ اعْتُبِرَتْ مَعَهَا سُنَّةُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَمْ تَسْتَقِلَّ سُنَّتُهُمْ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ، لِأَنَّ مَا اعْتُبِرَ لَهُ سَبَبَانِ، أَوْ عُلِّقَ عَلَى سَبَبَيْنِ، لَمْ يَحْصُلْ بِأَحَدِهِمَا.
أَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ; فَهُوَ تَعْرِيفٌ بِصِفَةِ الْخِلَافَةِ مَعَ الرَّشَادِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْبَعَةِ وَلَا بِالشَّيْخَيْنِ، بَلْ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خَلِيفَةٍ رَاشِدٍ، فَيَجِبُ أَنْ يُضَمَّ فِي الِاعْتِبَارِ إِلَى قَوْلِهِمْ قَوْلُ كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَنَحْوِهِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورُونَ، لَكِنَّ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِمْ لَا يَنْفِي اعْتِبَارَ بَقِيَّةِ الْأُمَّةِ مَعَهُمْ، إِذْ بَقِيَّةُ الْأُمَّةِ مَسْكُوتٌ عَنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ دَلَّ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْحَدِيثِ:
(3/100)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَيْكُمْ بِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمُوَافِقَةِ لِقَوْلِ بَاقِي أُمَّتِي، وَخَصَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ رُؤَسَاءُ الْأُمَّةِ وَخَيْرُهَا وَأَفْضَلُهَا.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ اتِّبَاعُ سُنَّتِهِمْ فَقَطْ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا فِي أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ إِجْمَاعٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ فِي الْفُتْيَا، أَوِ السِّيَاسَةِ، أَوِ الرِّوَايَةِ، أَوْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، يُقَدَّمُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ، لِقِدَمِ عَهْدِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَرُسُوخِهِمْ فِيهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ لَيْسَ كُلُّ حُجَّةٍ إِجْمَاعًا، وَعَلَيْهِ حُمِلَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَحْمَدَ، مِنْ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ إِجْمَاعٌ، لَكِنْ هَاهُنَا مَا يُعَارِضُهُ، وَهُوَ أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ بِمُجَرَّدِهِ، لَوْ كَانَ إِجْمَاعًا، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ إِجْمَاعًا، وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ بِالْحَقِّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، وَنُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: كُنَّا نَرَى أَنَّ مَعَ عُمَرَ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثٍ يَرْوِيهِ مِشْرَحُ ابْنُ هَاعَانَ: «لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي يُنْتَظَرُ، لَكَانَ عُمَرُ» وَقَالَ فِي عَلِيٍّ: اللَّهُمَّ
(3/101)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ. وَلَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُسَدِّدُ لِسَانَكَ، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضِيَّةٍ بَعْدُ، فَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عُمَرَ مَضْرُوبٌ بِالْحَقِّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَهُوَ شَهَادَةٌ لَهُ بِالْعِصْمَةِ مِنَ الْخَطَأِ، وَدَعَا لِعَلِيٍّ بِدَوَرَانِ الْحَقِّ مَعَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَهُ، وَيُسَدِّدُ لِسَانَهُ حَتَّى قَالَ: أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَهُوَ شَهَادَةٌ لَهُ أَيْضًا بِذَلِكَ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا مَعًا، أَوْ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا حُجَّةً قَاطِعَةً. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيهِمَا، لَزِمَ ثُبُوتُهُ فِي أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، وَفِي عُثْمَانَ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ قَوْلَ كُلٍّ مِنْهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا الشِّيعَةُ فِي عَلِيٍّ، لِاعْتِقَادِهِمْ عِصْمَتَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ نَحْوٌ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ هُمَا مُعَارَضَانِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَصْحَابِي
(3/102)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَالنُّجُومِ بِأَيِّهُمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ، وَأَيْضًا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ سَائِرَ الصَّحَابَةِ خَالَفُوا الشَّيْخَيْنِ فِي حُكْمٍ ; فَالْأَخْذُ بِالْقَوْلَيْنِ وَإِلْغَاؤُهُمَا بَاطِلٌ، وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِمَا مَعَ خِلَافِ الْأَكْثَرِ لَهُمَا بَعِيدٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهِ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ضَعْفُ الْقَوْلِ بِأَنَّ اتِّفَاقَ الْأَرْبَعَةِ أَوِ الشَّيْخَيْنِ إِجْمَاعٌ، وَأَنَّ حَمْلَ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ; عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ لَا قَاطِعَةٌ مُتَعَيِّنٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: «وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، خِلَافًا لِمَالِكٍ» وَحْدَهُ، فَإِنَّ إِجْمَاعَهُمْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ: هُوَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا فِي نَقْلٍ نَقَلُوهُ، أَوْ فِي عَمَلٍ عَمِلُوهُ.
«لَنَا:» أَيْ: عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ بَعْضُهَا لَا جَمِيعُهَا، فَلَا تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ لِقَوْلِهِمْ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، بَلْ يَكُونُ حُجَّةً ظَنِّيَّةً يُعْمَلُ بِهِ إِذَا خَلَا عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ.
قَوْلُهُ: «وَلَا لِلْمَكَانِ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ وَرَدَ فِي فَضْلِهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ، فَرُبَّمَا ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِهَا إِجْمَاعٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ لِلْمَكَانِ، وَإِلَّا لَكَانَتْ مَكَّةُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهَا فِيهِ، لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَإِنَّمَا الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ جَمِيعِهَا.
قَوْلُهُ: «قَالَ:» يَعْنِي مَالِكًا: احْتَجَّ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ جَمٌّ غَفِيرٌ، شَاهَدُوا
(3/103)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التَّنْزِيلَ، وَعَلِمُوا التَّأْوِيلَ، وَتَنَاقَلَ ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ عَنِ الْآبَاءِ، وَالْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَ «اتِّفَاقُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عَلَى الْخَطَأِ» مُمْتَنِعٌ فِي الْعَادَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ صَوَابًا فِي الْعَادَةِ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: بَاقِي الْأُمَّةِ أَكْثَرُ، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَا فِي حَقِّهِمْ أَوْلَى» . أَيْ: إِنْ دَلَّتْ كَثْرَةُ مُجْتَهِدِي الْمَدِينَةِ عَلَى صَوَابِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَبَقِيَّةُ الْأُمَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَلْتَكُنْ أَكْثَرِيَّتُهُمْ أَدَلَّ عَلَى صَوَابِ قَوْلِهِمْ مِنْ كَثْرَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى صَوَابِ قَوْلِهِمْ.
وَيَتَقَرَّرُ هَذَا الْجَوَابُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، مُنَبَّهٍ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْتُهُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ قُدِّرَ أَنَّ بَاقِيَ الْأُمَّةِ خَالَفُوا أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي حُكْمٍ، فَإِمَّا أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ يُتْرَكَ قَوْلُهُمَا، وَهُمَا بَاطِلَانِ، لِمَا سَبَقَ فِي اعْتِبَارِ قَوْلِ الْعَامِّيِّ، أَوْ يُقَدَّمَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّ بَاقِيَ الْأُمَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، وَهُوَ بَعِيدٌ، مُخَالِفٌ لِلْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ السَّوَادِ الْأَكْثَرِ.
وَقَوْلُهُ: «يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْخَطَأِ عَادَةً» .
قُلْنَا: بَقِيَّةُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ جَمٌّ غَفِيرٌ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ عَادَةً، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، كَانُوا بِهَا، كَمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ «الْعِلْمِ» بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ:
(3/104)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَدِمْتُ الْكُوفَةَ، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَرْبَعَمِائَةِ فَقِيهٍ.
قُلْتُ: يَعْنِي مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاتِّفَاقُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ عَلَى الْخَطَأِ يَمْتَنِعُ عَادَةً، وَبِهِ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ أَظُنُّهُمْ أَصْحَابَ الرَّأْيِ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ حُجَّةٌ، وَمَالِكٌ لَا يَقُولُ بِهِ.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَجْهَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رِوَايَتَهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا اتِّفَاقُهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ مُسْتَنَدُهُ الْعِصْمَةُ السَّمْعِيَّةُ، وَلَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِهِمْ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالْخَطَأُ خَبَثٌ، فَوَجَبَ نَفْيُهُ عَنْ أَهْلِهَا.
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَبَايَعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَصَابَتْهُ فِيهَا حُمَّى، فَسَأَلَهُ إِقَالَةَ الْبَيْعَةِ لِيَخْرُجَ إِلَى الْبَادِيَةِ، فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَتَضَيَّعُ طِيبُهَا.
(3/105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ، كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْعُمُومِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَثَ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ لَا يُفِيدُ الْخَطَأَ، مُطَابَقَةً، وَلَا تَضَمُّنًا، وَلَا الْتِزَامًا، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى نَفْيِ الْخَطَأِ، وَلَئِنْ جَازَ لِلْمَالِكِيَّةِ الِاحْتِجَاجُ بِنَفْيِ الْخَبَثِ عَنِ الْمَدِينَةِ ; عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِهَا حُجَّةٌ، جَازَ لِلشِّيعَةِ الِاحْتِجَاجُ بِنَفْيِ الرِّجْسِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ; عَلَى أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ، لِأَنَّ دِلَالَةَ الرِّجْسِ عَلَى الْخَطَأِ لَا تَتَقَاصَرُ عَنْ دِلَالَةِ الْخَبَثِ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْخَطَأِ مِنَ الْخَبَثِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قُلْتُ: وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ ; فِي النَّفْسِ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طُمَأْنِينَةٌ، وَسُكُونٌ قَوِيٌّ جِدًّا، فَالتَّوَقُّفُ فِيهَا غَيْرُ مُلْزِمٍ.
(3/106)

وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ وَحْدَهُمْ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ.
لَنَا: مَا سَبَقَ.
قَالُوا: الْخَطَأُ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ مَنْفِيٌّ عَنْهُمْ.
قُلْنَا: الْآيَةُ وَرَدَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; ثُمَّ الرِّجْسُ: الْكُفْرُ، أَوِ الْعَذَابُ، أَوِ النَّجَاسَةُ، وَالْخَطَأُ الِاجْتِهَادِيُّ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا ; ثُمَّ الرِّجْسُ مُفْرَدًا حُلِّيَ بِاللَّامِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ.
قَالُوا: «كِتَابُ اللَّهِ وَعِتْرَتِي» .
قُلْنَا: الْمُعَلَّقُ عَلَى شَيْئَيْنِ لَا يُوجَدُ بِأَحَدِهِمَا، وَالْكِتَابُ يَمْنَعُ مَا ذَكَرْتُمْ ; ثُمَّ الْعِتْرَةُ لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْبَيْتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ وَحْدَهُمْ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ. لَنَا: مَا سَبَقَ " يَعْنِي مِنْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ، وَالْعِصْمَةُ إِنَّمَا تَثْبُتُ لِجَمِيعِهَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ حُجَّةً مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ، لَا إِجْمَاعًا، كَمَا قُلْنَا فِي اتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: " يَعْنِي الشِّيعَةَ: " الْخَطَأُ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ مَنْفِيٌّ " عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الْأَحْزَابِ: 33] .
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: الْآيَةُ وَرَدَتْ ". هَذَا جَوَابٌ عَنِ اسْتِدْلَالِ الشِّيعَةِ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ تَعْنُونَهُمْ، بَلْ إِنَّمَا " وَرَدَتْ
(3/107)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " بِدِلَالَةِ السِّيَاقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ} الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: 32 - 34] .
فَخِطَابُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْشِفُ مَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، فَكُنَّ مُرَادَاتٍ مِنْهُ وَلَا بُدَّ، فَأَمَّا عَلَى الْخُصُوصِ، فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي الْآيَةِ أَصْلًا، أَوْ مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ هُمُ الْعِتْرَةُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِمُشَارَكَتِهِنَّ لَهُمْ فِي إِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَكُمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرِّجْسَ يُطْلَقُ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْعَذَابِ، وَالنَّجَاسَةِ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ فِي الْآيَةِ أَحَدُهَا " وَالْخَطَأُ الِاجْتِهَادِيُّ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا " فَلَا يَلْزَمُ إِذَنْ مِنْ نَفْيِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ نَفْيُ الْخَطَأِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثِ: أَنَّ الرِّجْسَ اسْمٌ مُفْرَدٌ حُلِّيَ بِاللَّامِ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، فَبِتَقْدِيرِ أَنَّ الرِّجْسَ هُوَ الْخَطَأُ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ جَمِيعِهِ عَنْهُمْ، فَلَا يَبْقَى فِي الْآيَةِ دِلَالَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ قَوِيَّةٌ فِي جَوَابِ دَلِيلِ الشِّيعَةِ، غَيْرَ أَنَّ جَوَابَهُمْ عَنْهَا قَوِيٌّ مُتَيَسِّرٌ أَيْضًا.
فَيُقَالُ: الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصٌّ بِمَنْ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَلَيْسَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرَادَاتٍ مِنْهُ عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - خَاطَبَ نِسَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ،
(3/108)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نَحْوَ: قَرْنَ وَلَا تَبَرَّجْنَ وَاذْكُرْنَ حَتَّى جَاءَ إِلَى ذِكْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ، خَاطَبَهُمْ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ الْكَافِ وَالْمِيمِ حَيْثُ قَالَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ} ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْكُنَّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الزَّوْجَاتِ، وَهُمْ مَنْ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قُلْتُ: وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ، إِذْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْمُذَكَّرِ، أَعْنِي: لَفْظَ (أَهْلَ) ، فَغَلَبَ جَانِبُ التَّذْكِيرِ، فَجِيءَ بِضَمِيرِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَزَلَتْ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَدَعَا فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ، قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُمَرَ، وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الْأَحْزَابِ: 33] الْآيَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(3/109)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَرَادَ مُبَاهَلَةَ نَصَارَى نَجْرَانَ، شَمَلَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ بِكِسَاءٍ، وَجَاءَ بِهِمْ لِيُبَاهِلَ بِهِمْ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 61] الْآيَةَ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ هُمْ هَؤُلَاءِ لَا غَيْرُ، وَلَيْسَ النِّسَاءُ مُرَادَاتٍ مِنْهُ، وَإِلَّا لَقَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: أَنْتِ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقُلْ لَهَا ذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ نَفْيُ كَوْنِهَا مِنْهُمْ.
أَمَّا دِلَالَةُ السِّيَاقِ عَلَى أَنَّهُنَّ مُرَادَاتٌ مِنَ الْآيَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ التَّمَسُّكِ ; لَكِنَّ ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصٌّ بِهَؤُلَاءِ، فَلَا يُفِيدُ، وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يَقَعُ فِيهِ الْفَصْلُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ بِالْأَجْنَبِيِّ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - " أَذِلَّةً [النَّمْلِ: 34] هَذَا حِكَايَةُ قَوْلِ بِلْقِيسَ، {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النَّمْلِ: 34] كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} إِلَى قَوْلِهِ: الصَّادِقِينَ [يُوسُفَ: 51] هَذَا حِكَايَةُ كَلَامِ الْمَرْأَةِ، {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ} إِلَى قَوْلِهِ: غَفُورٌ رَحِيمٌ [يُوسُفَ: 52 - 53] كَلَامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -:
{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ} [آلِ عِمْرَانَ: 121] إِلَى قَرِيبِ آخِرِ السُّورَةِ يَوْمَ أُحُدٍ فِي مَعْنَى غَزَاتِهَا، وَتَذْكِيرِ يَوْمِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِ، وَوَقَعَ الِاعْتِرَاضُ بَيْنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آلِ عِمْرَانَ: 130 - 139] .
(3/110)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَبِالْجُمْلَةِ فَاعْتِرَاضَاتُ الْعَرَبِيَّةِ، وَالتَّخَلُّصَاتُ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَبْدَعِ مَا يَكُونُ، حَتَّى إِنَّ الْإِنْسَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَوَالِيَتَيْنِ مِنْهُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي مَعْنًى، وَمَنِ اسْتَقْرَأَ ذَلِكَ، وَنَظَرَ فِيهِ، عَرَفَهُ، وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} وَقَعَ اعْتِرَاضًا وَفَصْلًا بَيْنَ أَجْزَاءِ خِطَابِ النِّسْوَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ السُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ الرِّجْسَ يَتَنَاوَلُ الْخَطَأَ لُغَةً وَاسْتِدْلَالًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَوْهَرِيَّ قَالَ: الرِّجْسُ: الْقَذَرُ، قُلْنَا: وَالْقَذَرُ أَعَمُّ مِمَّا يَسْتَقْبِحُهُ الطَّبْعُ كَالنَّجَاسَاتِ الْمُتَجَسِّدَةِ، أَوِ الْعَقْلُ كَالنَّقَائِصِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْخَطَأَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يُونُسَ: 100] : إِنَّهُ الْعِقَابُ وَالْغَضَبُ.
قُلْنَا: فَإِنْ كَانَ الرِّجْسُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا مِنَ الْآيَةِ، فَقَدْ نَفَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْعِقَابَ وَالْغَضَبَ، وَالْخَطَأُ مِنْ أَسْبَابِهِمَا، فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ عَنْهُمْ، وَإِلَّا انْتَفَى الْمُسَبَّبُ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ السَّبَبَ يَقْتَضِي وُجُودَ الْمُسَبَّبِ، فَلَوْ فَرَضْنَا انْتِفَاءَ الْمُسَبَّبِ مَعَ ثُبُوتِ مَا يَقْتَضِي وُجُودَهُ، لَزِمَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ فِي حَالٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِدْلَالُ لَا يَنْهَضُ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْمُسَبَّبِ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَوُجُودُ السَّبَبِ وَتَخَلُّفُ الْمُسَبَّبِ لِمَانِعٍ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَيْضًا، وَاسْتِدْلَالُهُمْ
(3/111)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِنَّمَا هُوَ بِنَفْيِ الْمَلْزُومِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ اللَّازِمِ وَلَا عَدَمِهِ، وَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يُخْطِئُوا فِي اجْتِهَادِهِمْ، وَيَتَخَلَّفَ الْعِقَابُ عَنْهُمْ، لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، أَوْ لِلرُّخْصَةِ بِكَوْنِهِ خَطَأً اجْتِهَادِيًّا فِيهِ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَمَعَ الْإِصَابَةِ أَجْرَانِ.
قَالُوا: وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي " تَفْسِيرِهِ ": أَنَّ الرِّجْسَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْإِثْمِ، وَعَلَى الْعَذَابِ، وَعَلَى النَّجَاسَاتِ وَالنَّقَائِصِ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرِّجْسَ يَقَعُ عَلَى النَّقَائِصِ، فَالْخَطَأُ مِنْ أَقْبَحِهَا، لَا سِيَّمَا فِي الِاجْتِهَادِ الشَّرْعِيِّ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِصَابَتُهُمْ فِي الِاجْتِهَادِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ حُجَّةً قَاطِعَةً بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَهِيَ أَدَلُّ فِي حَقِّهِمْ مِنْ أَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ لَا يَسْتَغْرِقُ، بَلْ قَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، كَمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي " الْمَعَالِمِ ".
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الرِّجْسِ إِنْ أَفَادَ الْعُمُومَ، اسْتَدْلَلْنَا بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْدِهُ، اسْتَدْلَلْنَا بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الْأَحْزَابِ: 33] وَدِلَالَتُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(3/112)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اقْتِرَانَ لَفْظِ التَّطْهِيرِ بِذِكْرِ الرِّجْسِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّطْهِيرَ مِنْ ذَلِكَ الرِّجْسِ، وَهُوَ يَقْتَضِي عُمُومَ التَّطْهِيرِ، بِدَلِيلِ تَأْكِيدِهِ بِالْمَصْدَرِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِذِكْرِ الرِّجْسِ، لَأَفَادَ عُمُومَ التَّطْهِيرِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ اسْتِدْلَالٌ بِمَجْمُوعِ لَفْظِ الرِّجْسِ وَالتَّطْهِيرِ، وَالثَّانِي اسْتِدْلَالٌ بِلَفْظِ التَّطْهِيرِ الْمُؤَكِّدِ وَحْدَهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هَبْ أَنَّ لَفْظَ الرِّجْسِ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، لَكِنَّ وُقُوعَ النَّفْيِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ مَاهِيَّتِهِ، وَهِيَ لَا تَنْتَفِي إِلَّا بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا، فَيَلْزَمُ عُمُومُ النَّفْيِ بِهَذَا الطَّرِيقِ.
قَالَتِ الشِّيعَةُ: فَإِنْ قِيلَ: أَنْتُمْ لَا تَقْبَلُونَ رِوَايَةَ الصَّحَابَةِ، فَكَيْفَ قَبِلْتُمُوهَا فِي تَخْصِيصِ أَهْلِ الْبَيْتِ بِمَنْ ذَكَرْتُمْ.
قُلْنَا: نَحْنُ إِنَّمَا أَوْرَدْنَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ إِلْزَامًا لَكُمْ بِرِوَايَةِ مَنْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى اطِّرَاحِ رِوَايَتِهِ، لَا اعْتِمَادًا مِنَّا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اعْتَمَدْنَا عَلَى تَوَاتُرِ ذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَمَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، لَكِنَّا لَوِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ، رُبَّمَا مَنَعْتُمُونَاهُ، فَاحْتَجَجْنَا عَلَيْكُمْ بِمَا تَقْبَلُونَ، وَجَعَلْنَا ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِمَا عِنْدَنَا، لَا مُسْتَقِلًّا بِالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: كِتَابُ اللَّهِ وَعِتْرَتِي ". هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلشِّيعَةِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ
(3/113)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابَ اللَّهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي، أَهْلَ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا النَّصِّ: أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّمَسُّكِ بِالْعِتْرَةِ، وَأَخْبَرَ بِعَدَمِ ضَلَالِ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ حُجَّةً قَاطِعَةً لَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(3/114)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَّقَ نَفْيَ الضَّلَالِ عَلَى شَيْئَيْنِ: الْكِتَابِ وَالْعِتْرَةِ، و" الْمُعَلَّقُ عَلَى شَيْئَيْنِ لَا يُوجَدُ بِأَحَدِهِمَا " فَنَفْيُ الضَّلَالِ لَا يُوجَدُ بِالتَّمَسُّكِ بِالْعِتْرَةِ وَحْدَهَا، دُونَ الْكِتَابِ " وَالْكِتَابُ يَمْنَعُ مَا ذَكَرْتُمْ " مِنْ أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النِّسَاءِ: 115] وَنَحْوِهِ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلْأُمَّةِ لَا لِبَعْضِهَا.
" ثُمَّ " إِنَّ " الْعِتْرَةَ لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْبَيْتِ " بَلْ هِيَ فِي اللُّغَةِ: نَسْلُ الرَّجُلِ وَرَهْطُهُ الْأَدْنَوْنَ. كَذَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: نَحْنُ عِتْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قُلْتُ: وَلَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَخْبَرَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتَهُ لَنْ يَتَفَرَّقَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ. وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْبَيْتِ حَجَّةٌ بِنَفْيِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مُوَافَقَةُ الْكِتَابِ لِإِجْمَاعِهِمْ، وَعَدَمُ مُنَافَاتِهِ لَهُ، وَأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ لَا يَثْبُتُ، وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ.
وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ: وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي. وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مَنْ هُمْ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَأَوْرَدَ الْقَرَافِيُّ عَلَى احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} [الْأَحْزَابِ: 33] الْآيَةَ، أَنَّ الْحَصْرَ مُتَعَذِّرٌ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ، فَيَتَعَيَّنُ إِبْطَالُ الْحَقِيقَةِ، وَوُجُوهُ الْمَجَازِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، فَيَبْقَى مُجْمَلًا، فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
(3/115)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: يُشِيرُ إِلَى أَنَّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَهِيَ هَاهُنَا تَقْتَضِي حَصْرَ إِرَادَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي إِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، وَلَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِي ذَلِكَ، بَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ ظَاهِرٌ.
قُلْتُ: وَلَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْعُ أَنَّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ، بَلْ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا سَبَقَ.
الثَّانِي: بِتَقْدِيرِ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ لَكِنْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَصْرَ تَارَةً يَعُمُّ، وَتَارَةً يَخُصُّ، نَحْوَ: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النِّسَاءِ: 171] ، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرَّعْدِ: 7] ، أَيْ: بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِاعْتِبَارِ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَوْ جِهَةٍ مَا مِنَ الْجِهَاتِ.
قُلْتُ: أَقْرَبُ مَا يُسْلَكُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا سَلَكْنَاهُ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي اعْتِبَارِ الْعَامِّيِّ ; وَعَلَى مَالِكٍ فِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا خَالَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ بَاقِيَ الْأُمَّةِ فِي حُكْمٍ، فَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ الْقَوْلَانِ، أَوْ يُلْغَيَا جَمِيعًا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، أَوْ يُقَدَّمَ قَوْلُ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ، شَذَّ فِي النَّارِ.
الثَّانِي: أَنَّ إِصَابَةَ آحَادٍ يَسِيرَةٍ، وَخَطَأَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ بَعِيدٌ جِدًّا.
قُلْتُ: وَلَهُمْ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ اعْتِرَاضَاتٌ، لَا أُطِيلُ بِذِكْرِهَا.
(3/116)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " الرُّوحِ وَالنَّفْسِ " ; قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: ذَهَبَتِ الشِّيعَةُ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَخَ فِي آدَمَ مِنْ رُوحِ ذَاتِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ الرُّوحُ فِي الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَلَدِهِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى عَلِيٍّ، ثُمَّ إِلَى وَلَدِهِ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّهُمْ بِذَلِكَ الرُّوحِ مَعْصُومُونَ، يَعْلَمُونَ الْمُغَيَّبَاتِ، وَيَسْتَغْنُونَ عَنْ مُعَلِّمٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، حَتَّى أَفْضَى الْأَمْرُ بِبَعْضِ الشِّيعَةِ إِلَى أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إِلَهِيَّةَ عَلِيٍّ، وَالْأَئِمَّةِ مِنْ وَلَدِهِ.
هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَقَدْ بَعُدَ عَهْدِي بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(3/117)

الْعَاشِرَةُ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُتَصَوَّرُ عَنْ قِيَاسٍ، وَقِيلَ: يُتَصَوَّرُ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ.
لَنَا: لَا يَمْتَنِعُ مَعَ مَدَارِكِ الظَّنِّ كَإِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ.
قَالُوا: الْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا إِجْمَاعَ مَعَ الْخِلَافِ.
قُلْنَا: نَفْرِضُهُ قَبْلَ الْخِلَافِ فِيهِ، أَوْ يَسْتَنِدُ الْمُخَالِفُ فِيهِ إِلَى مَدْرَكٍ لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، أَوْ يَظُنُّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ كَالْعَكْسِ.
قَالُوا: ظَنِّيٌّ، فَلَا يُثْبِتُ أَصْلًا أَقْوَى مِنْهُ.
قُلْنَا: بَاطِلٌ بِالْعُمُومِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِذَا تُصُوِّرَ كَانَ حُجَّةً بِأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَسْأَلَةُ " الْعَاشِرَةُ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَا بُدَّ لِلْإِجْمَاعِ مِنْ دَلِيلٍ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ بِمُجَرَّدِ الِاتِّفَاقِ وَالتَّبْحِيثِ، أَيْ: لَا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إِلَى حُجَّةٍ، بَلْ مَتَى اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلٍ، لَزِمَ أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ الصَّوَابَ، لِمَا ثَبَتَ لَهَا مِنَ الْعِصْمَةِ.
حُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى بَاطِلٌ، فَالْقَوْلُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بَاطِلٌ.
أَمَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى ; فَلِأَنَّ بِدُونِ الْحُجَّةِ يَسْتَوِي الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ، فَالْقَوْلُ بِأَحَدِهِمَا بِلَا دَلِيلٍ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا بِالْهَوَى وَالتَّشَهِّي.
(3/118)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى بَاطِلٌ ; فَظَاهِرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ بَاطِلٌ.
حُجَّةُ الْمُجَوِّزِينَ: أَنَّ الْأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي الدِّينِ، وَالْمَعْصُومُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا الصَّوَابُ، لِأَجْلِ أَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا لِاسْتِنَادٍ إِلَى حُجَّةٍ وَشُبْهَةٍ، وَالْمُقَدِّمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُمَا.
وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِ الْأَوَّلِينَ: إِنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، بِأَنْ قَالُوا: اتِّبَاعُ الْهَوَى مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ جَمِيعِهَا؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُمْ " لِأَنَّهُ بِدُونِ الْحُجَّةِ يَسْتَوِي النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ.
قُلْنَا: نَعَمْ.
قَوْلُهُمْ: فَالْقَوْلُ بِأَحَدِهِمَا بِلَا دَلِيلٍ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلِ الْمُرَجِّحُ هَاهُنَا الْعِصْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ، الثَّابِتَةُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَسَائِرُ أَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ. وَحِينَئِذٍ مَتَى اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ، كَانَ حَقًّا وَصَوَابًا، لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لَا يُلْهِمُهُمْ سِوَاهُ، وَلَا يُجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ إِلَّا إِيَّاهُ.
قُلْتُ: هَذَا الْمَذْهَبُ سَهْلٌ مُتَّجِهٌ، أَمَّا سُهُولَتُهُ، فَظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ اسْتِرَاحَةِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ النَّظَرِ، وَالنِّزَاعِ فِيهِ قَبْلَ الِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا اتِّجَاهُهُ، فَبِمَا ذُكِرَ، وَيُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِمَّا يَقْرُبُ مِنْهُ، وَيُجْعَلُ نَظِيرًا لَهُ، صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ، فَإِنَّ فِي
(3/119)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَدِيثِ: مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ وَفِيهِ: مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - رَوَى مَعْنَاهُ التِّرْمِذِيُّ، ثُمَّ قَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ النَّاسِ عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنْهُ عَادَةً جَمِيلَةً ; وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى اسْتَخَارَهُ فِي أَمْرٍ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ فِيهِ، لَا يَخْتَارُ لَهُ إِلَّا الْأَصْلَحَ فِيهِ، وَلَا يُوَفِّقُهُ وَيُيَسِّرُهُ إِلَّا لَهُ. بِمُقْتَضَى دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ الْمَشْهُورِ، وَتَظْهَرُ الْمَصْلَحَةُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ فِيمَا يَخْتَارُ لَهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ وَفَاءً بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطَّلَاقِ: 3] ، فَكَذَا الْأُمَّةُ لَا يُوَفِّقُهَا، وَيُجْرِي عَلَى أَذْهَانِهَا وَأَلْسِنَتِهَا فِيمَا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّوَابُ وَفَاءً بِعِصْمَتِهِ لَهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ اعْتَبَرُوا الدَّلِيلَ فِي الْإِجْمَاعِ، لَكِنِ الْأَوَّلُونَ اعْتَبَرُوا الدَّلِيلَ الْخَاصَّ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْإِجْمَاعِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ، وَالْآخَرُونَ اكْتَفَوْا بِالدَّلِيلِ الْعَامِّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَتَفَرَّعَ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَصْلٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّعْ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُشْبِهٌ لَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِي التَّفْوِيضِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: احْكُمْ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَحْكُمُ إِلَّا بِحَقٍّ ; هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ فَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ
(3/120)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِنَاءً عَلَى عِصْمَتِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا تَحْكُمُ الْأُمَّةُ بِرَأْيِهَا بِدَلِيلٍ وَغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا تَحْكُمُ إِلَّا بِحَقٍّ بِنَاءٍ عَلَى عِصْمَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَمْ يَجُزْ فِي الْأُمَّةِ، لِأَنَّهُمْ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وَعِصْمَتُهُمْ فَرْعٌ عَلَى عِصْمَتِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْقَائِلُونَ: لَا إِجْمَاعَ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ فِي مُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ قِيَاسًا وَغَيْرَهُ مِنْ دَلِيلٍ، أَوْ أَمَارَةٍ، أَوْ حُجَّةٍ، أَوْ شُبْهَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " لَا يُتَصَوَّرُ " الْإِجْمَاعُ " عَنْ قِيَاسٍ ".
وَقَالَ آخَرُونَ: " يُتَصَوَّرُ " عَنِ الْقِيَاسِ، لَكِنْ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَصِحُّ عَنِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ.
قَوْلُهُ: " لَنَا: " أَيْ: عَلَى انْعِقَادِهِ عَنْ قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ: هُوَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى حُصُولِ ظَنِّ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ مُحَصِّلٌ لِلظَّنِّ، وَإِذَا حَصَلَ الظَّنُّ، جَازَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مُوجِبِهِ حِسًّا وَشَرْعًا.
أَمَّا حِسًّا، فَكَمَا أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ إِذَا شَاهَدُوا الْغَيْمَ الرَّطْبَ، اشْتَرَكُوا فِي ظَنِّ وُقُوعِ الْمَطَرِ.
وَأَمَّا شَرْعًا، فَكَمَا إِذَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ النَّبِيذَ مُسْكِرٌ كَالْخَمْرِ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ حَرَامٌ كَالْخَمْرِ، بِجَامِعِ الْإِسْكَارِ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى مُوجِبِ هَذَا الظَّنِّ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: " يَعْنِي الْمَانِعِينَ بِانْعِقَادِهِ عَنِ الْقِيَاسِ احْتَجُّوا بِأَنَّ " الْقِيَاسَ
(3/121)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَا إِجْمَاعَ مَعَ الْخِلَافِ " أَيِ: الْإِجْمَاعُ فَرْعُ مُسْتَنَدِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَنَدُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُسْتَنَدُ إِلَيْهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؟ وَكَيْفَ يُخْتَلَفُ فِي الْأَصْلِ، وَيُتَّفَقُ عَلَى الْفَرْعِ، وَالْفُرُوعُ تَابِعَةٌ لِأُصُولِهَا؟
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّا إِذَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ قَبْلَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ، لَمْ يَرِدْ مَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَإِنْ فَرَضْنَاهُ بَعْدَ حُدُوثِ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ، قُلْنَا: يَسْتَنِدُ أَهْلُ الْقِيَاسِ إِلَيْهِ، و" يَسْتَنِدُ الْمُخَالِفُ فِيهِ إِلَى مَدْرَكٍ " مِنْ مَدَارِكِ الِاجْتِهَادِ " لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا " وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ، وَذَلِكَ مُتَصَوَّرٌ وَاقِعٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ اسْتَنَدُوا إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَسَمَّوْهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، كَالتَّنْبِيهِ، وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ جَائِعٌ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ عَلَى الْغَضَبِ بِالْجَامِعِ الْمَعْرُوفِ، وَيَقُولُونَ: نَبَّهَ بِحَالَةِ الْغَضَبِ عَلَى حَالَةِ الْجُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ، وَالْحَنَفِيَّةُ مَعَ قَوْلِهِمْ: لَا قِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الصَّائِمِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ عَلَى الْوَطْءِ، بِجَامِعِ الْإِفْسَادِ، وَقَالُوا: هَذَا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ اعْتِبَارًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، لِعُمُومِ الْإِفْسَادِ، لَا لِخُصُوصِ الْجِمَاعِ، فَهَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ الْمُخَالِفُ فِي الْقِيَاسِ عِنْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، وَهُوَ قِيَاسٌ، فَيَتَّحِدُ الْمُسْتَنَدُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، أَوْ نَفْرِضُ أَنَّ الْمُخَالِفَ " يَظُنُّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ
(3/122)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَالْعَكْسِ " أَيْ: كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ غَيْرَ الْقِيَاسِ قِيَاسًا كَالتَّنْقِيحِ، وَالتَّنْبِيهِ، وَمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ، فَيَسْتَنِدُ إِلَيْهِ فِي الْإِجْمَاعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ هَكَذَا وَقَعَ فِي " الْمُخْتَصَرِ ": " أَوْ يَظُنُّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ " بَأَوْ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ ظَنَّ الْقِيَاسِ غَيْرَ قِيَاسٍ مُغَايِرٌ لِلِاسْتِنَادِ إِلَى مَدْرَكٍ لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، وَهُوَ قِيَاسٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَيْسَا مُتَغَايِرَيْنِ، بَلْ هُمَا وَاحِدٌ، فَإِنْ أُرِيدَ تَصْحِيحُهُ عَلَى مَا فِي " الرَّوْضَةِ " قِيلَ: بِالْوَاوِ، هَكَذَا: " إِلَى مَدْرَكٍ لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، وَيَظُنُّ الْقِيَاسَ غَيْرَ قِيَاسٍ كَالْعَكْسِ " لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنِّي وَقْتَ الِاخْتِصَارِ قَصَدْتُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا فِي " الرَّوْضَةِ " بِأَنَّ الْمُخَالِفَ فِي الْقِيَاسِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى الْقِيَاسِ، وَلَا يَظُنَّهُ قِيَاسًا، أَوْ يَسْتَنِدَ إِلَى مَدْرَكٍ لَا يَعْتَقِدُهُ قِيَاسًا، وَلَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ مَدْرَكِ الْإِجْمَاعِ فِي نَوْعِهِ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ كَأَنَّهُ حَافَظَ عَلَى اتِّحَادِ نَوْعِ الْمُسْتَنَدِ، فَلَمْ يَفْرِضْ إِلَّا أَنَّ الْمُخَالِفَ اسْتَنَدَ إِلَى قِيَاسٍ، وَاعْتَقَدَهُ غَيْرَ قِيَاسٍ كَالْعَكْسِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: ظَنِّيٌّ " أَيِ: احْتَجَّ الْمَانِعُونَ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الْقِيَاسِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ " ظَنِّيٌّ " وَالْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، فَلَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُثْبِتُ أَقْوَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: " أَيْ: فِي الْجَوَابِ: إِنَّ هَذَا " بَاطِلٌ بِالْعُمُومِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ " وَهُمَا ظَنِّيَّانِ، وَيَثْبُتُ بِهِمَا الْإِجْمَاعُ، ثُمَّ يُقَالُ: مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِكُمُ: الْقِيَاسُ ظَنِّيٌّ؟ إِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، فَالْإِجْمَاعُ كَذَلِكَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ
(3/123)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالْقَطْعِ فِيهِ لَيْسَ الْمَانِعَ مِنَ النَّقِيضِ عَقْلًا، وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْقِيَاسِ ظَنِّيٌّ، وَهُوَ النَّظَرُ فِي أَرْكَانِهِ: الْأَصْلِ، وَالْفَرْعِ، وَالْعِلَّةِ، وَالْحُكْمِ، فَمُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ كَذَلِكَ، وَهُوَ ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَرْقَ مَمْنُوعٌ فِي الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ.
الثَّانِي: أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْخِلَافِ إِنَّمَا حَصَلَ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ قِبَلِ ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ لِلْأُمَّةِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ دَلِيلًا، وَذَلِكَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: " وَإِذَا تُصُوِّرَ، كَانَ حُجَّةً بِأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ ". هَذَا جَوَابُ الْقَائِلِينَ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ يُتَصَوَّرُ عَنِ الْقِيَاسِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ إِذَا تُصُوِّرَ الِاتِّفَاقُ عَنِ الْقِيَاسِ، كَانَ حُجَّةً بِأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّهُ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَحْرُمُ خِلَافُهُ، وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَنَحْوِهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ جَيِّدٌ مُنَاسِبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ، فَالْمُثْبِتُونَ لِوُقُوعِهِ زَعَمُوا أَنَّ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَقِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَتَحْرِيمَ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَحَدَّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَجَزَاءَ الصَّيْدِ، وَأُرُوشَ الْجِنَايَاتِ، وَنَفَقَةَ الْأَقَارِبِ ثَبَتَتْ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ.
(3/124)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْمَانِعُونَ لِلْوُقُوعِ احْتَجُّوا بِمَا سَبَقَ، مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِنَادُهُ إِلَى الِاجْتِهَادِ الظَّنِّيِّ، وَانْتِفَاءُ الْجَوَازِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُقُوعِ دِلَالَةَ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، وَأَمَّا الصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ، فَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ النُّصُوصِ، فَإِمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَقَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي، فَائْتِي أَبَا بَكْرٍ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَشَحْمُ الْخِنْزِيرِ حُرِّمُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الْأَنْعَامِ: 145] ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْخِنْزِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الْمَائِدَةِ: 3] ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الضَّمِيرِ.
قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، فَبِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ: وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَعِلَّتُهُ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ. وَكَذَلِكَ تَكَلَّفُوا لِبَقِيَّةِ الصُّوَرِ، وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْوُقُوعُ.
ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِهِ عَنِ اجْتِهَادٍ، اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ مُخَالَفَتِهِ، وَالْأَشْبَهُ عَدَمُ جَوَازِهَا، لِأَنَّهُ سَبِيلُ الْأُمَّةِ، فَأَشْبَهَ الْمُنْعَقِدَ عَنْ قَاطِعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/125)

خَاتِمَةٌ:
الْإِجْمَاعُ إِمَّا نُطْقِيٌّ مِنَ الْكُلِّ، أَوْ سُكُوتِيٌّ، وَكِلَاهُمَا تَوَاتُرٌ، أَوْ آحَادٌ، وَالْكُلُّ حُجَّةٌ، وَمَرَاتِبُهَا مُتَفَاوِتَةٌ.
فَأَقْوَاهَا: النُّطْقِيُّ تَوَاتُرًا، ثُمَّ آحَادًا، ثُمَّ السُّكُوتِيُّ كَذَلِكَ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، فَلَا يُثْبِتُ قَاطِعًا.
لَنَا: نَقْلُ الْخَبَرِ الظَّنِّيِّ مُوجِبٌ للْعَمَلِ، فَنَقْلُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الظَّنَّ مُتَّبَعٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ بِالْجُمْلَةِ ظَنِّيٌّ، إِذْ هُوَ ظَوَاهِرُ النَّصِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«خَاتِمَةٌ» يَعْنِي لِكِتَابِ الْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: «الْإِجْمَاعُ إِمَّا نُطْقِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا ذِكْرٌ لِأَقْسَامِ الْإِجْمَاعِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ «الْإِجْمَاعَ إِمَّا نُطْقِيٌّ، أَوْ سُكُوتِيٌّ» وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إِمَّا «تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ» .
فَالنُّطْقِيُّ: مَا كَانَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ جَمِيعِهِمْ عَلَيْهِ نُطْقًا، بِمَعْنَى أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَطَقَ بِصَرِيحِ الْحُكْمِ فِي الْوَاقِعَةِ، نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِمَّا نُطْقِيٌّ مِنَ الْكُلِّ» .
وَالسُّكُوتِيُّ: مَا نَطَقَ بِهِ الْبَعْضُ، وَسَكَتَ الْبَعْضُ. وَقَدْ سَبَقَ مَعَ تَفْصِيلٍ فِيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ إِمَّا أَنْ يُنْقَلَ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، أَيْ: يُنْقَلُ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ
(3/126)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْآحَادِ أَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ نَطَقُوا بِصَرِيحِ الْحُكْمِ، أَوْ يُنْقَلَ بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الْآحَادِ أَنَّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ أَفْتَى، وَبَعْضُهُمْ سَكَتَ. هَذِهِ الْقِسْمَةُ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الِاخْتِيَارُ.
أَمَّا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: الْإِجْمَاعُ إِمَّا مَقْطُوعٌ أَوْ مَظْنُونٌ، فَالْمَقْطُوعُ مَا وُجِدَ فِيهِ جَمِيعُ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ مَعَ وُجُودِهَا، وَنُقِلَ تَوَاتُرًا، وَالْمَظْنُونُ مَا اخْتَلَّ فِيهِ أَحَدُ الْقَيْدَيْنِ، بِأَنْ يُوجَدَ عَلَى وَجْهٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مُتَوَاتِرًا، وَمُتَّفَقًا عَلَيْهِ آحَادًا.
مِثَالُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ: أَنْ يَتَّفِقَ أَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، أَوْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَعْضِ، أَوْ يُوجَدَ الِاتِّفَاقُ فِي بَعْضِ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَنْقَرِضْ حَتَّى خُولِفَ، أَوْ يُجْمِعَ الصَّحَابَةُ بِدُونِ التَّابِعِيِّ الْمُعَاصِرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ إِجْمَاعٍ غَيْرُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعَ الظَّاهِرِيَّةِ كَمَا سَبَقَ.
وَمِثَالُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ آحَادًا: أَنْ يُنْقَلَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِشُرُوطِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْآحَادِ.
قَوْلُهُ: «وَالْكُلُّ حُجَّةٌ» أَيْ: أَقْسَامُ الْإِجْمَاعِ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا حُجَّةٌ، لِتَنَاوُلِ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ، وَأَدِلَّتِهِ الْخَاصَّةِ لَهَا.
قَوْلُهُ: «وَمَرَاتِبُهَا» أَيْ: مَرَاتِبُ أَقْسَامِ الْإِجْمَاعِ «مُتَفَاوِتَةٌ» فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَأَقْوَاهَا النُّطْقِيُّ الْمُتَوَاتِرُ، ثُمَّ النُّطْقِيُّ الْمَنْقُولُ آحَادًا، لِضَعْفِ الْآحَادِ عَنِ التَّوَاتُرِ، ثُمَّ السُّكُوتِيُّ الْمُتَوَاتِرُ، ثُمَّ السُّكُوتِيُّ الْمَنْقُولُ آحَادًا.
(3/127)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «ثُمَّ السُّكُوتِيُّ كَذَلِكَ فِيهِمَا» أَيْ: فِي تَقْدِيمِ تَوَاتُرِهِ عَلَى آحَادِهِ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ السُّكُوتِيَّ عَنِ النُّطْقِيِّ لِقُوَّتِهِ، وَضِعْفِ السُّكُوتِيِّ عَنْهُ ضَعْفَ الْآحَادِ عَنِ التَّوَاتُرِ. فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ، طَرَفَانِ وَوَاسِطَتَانِ، لِأَنَّهَا إِمَّا نُطْقِيٌّ مُتَوَاتِرٌ، أَوْ سُكُوتِيٌّ آحَادٌ، هَذَانِ طَرَفَانِ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِهَتَا قُوَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ نُطْقِيٌّ آحَادٌ، أَوْ سُكُوتِيٌّ مُتَوَاتِرٌ، هَذَانِ وَاسِطَتَانِ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جِهَةُ قُوَّةٍ وَجِهَةُ ضَعْفٍ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ أَرَدْنَا التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْوَاسِطَتَيْنِ، فَالنُّطْقِيُّ الْآحَادُ أَوْلَى بِالرُّجْحَانِ، لِأَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْقَادِحَةَ فِي السُّكُوتِيِّ أَكْثَرُ وَأَقْوَى مِنْهَا فِي الْآحَادِ.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ» .
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: فَأَجَازَهُ الْحَنَابِلَةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْإِجْمَاعُ الْمَرْوِيُّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ حُجَّةٌ، يَعْنِي عِنْدَ مَالِكٍ، خِلَافًا لِأَكْثَرِ النَّاسِ.
قُلْتُ: احْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّهُ - يَعْنِي خَبَرَ الْوَاحِدِ - «ظَنِّيٌّ» أَيْ: إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ: «فَلَا يُثْبِتُ قَاطِعًا» وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، وَخَبَرَ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ، فَلَا يَثْبُتُ الْقَاطِعُ بِالظَّنِّيِّ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلْقَوِيِّ.
قَوْلُهُ: «لَنَا:» أَيْ: عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَرْوِيَّ آحَادًا حُجَّةٌ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «نَقْلَ الْخَبَرِ الظَّنِّيِّ» آحَادًا يُوجِبُ الْعَمَلَ «فَنَقْلُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ» آحَادًا «أَوْلَى» أَنْ يُوجِبَ الْعَمَلَ، لِأَنَّ الظَّنَّ وَاقِعٌ فِي ذَاتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ
(3/128)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَطَرِيقِهِ، وَالْإِجْمَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ الظَّنُّ فِي طَرِيقِهِ لَا فِي ذَاتِهِ، وَإِذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْأَوَّلِ، كَانَ بِالثَّانِي أَوْجَبَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «الظَّنَّ مُتَّبَعٌ فِي الشَّرْعِ» وَهُوَ مَنَاطُ الْعَمَلِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ «وَهُوَ - يَعْنِي الظَّنَّ - حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَا» يَعْنِي الْإِجْمَاعَ الْمَنْقُولَ آحَادًا.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ بِالْجُمْلَةِ ظَنِّيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: «لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، فَلَا يُثْبِتُ قَاطِعًا» .
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ بِالْجُمْلَةِ ظَنِّيٌّ، لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ ظَوَاهِرُ النُّصُوصِ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ ضَعِيفَةُ الدِّلَالَةِ، أَوِ السَّنَدِ، أَوْ هُمَا، فَلَئِنْ ضَعُفَ خَبَرُ الْوَاحِدِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِلْقَاطِعِ، فَلْتَضْعُفْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنَدًا لِلْقَاطِعِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَصْلِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ قَاطِعٌ فِي حَقِّ مَنْ شَافَهَهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي نَفْسِهِ قَاطِعٌ، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا نُقِلَ آحَادًا، كَانَ حُجَّةً ; كَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ إِذَا نُقِلَ آحَادًا، كَانَ حُجَّةً، وَلَا فَرْقَ.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ: أَنَّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا ; بِخِلَافِ وَقَائِعِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَحَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ
(3/129)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِجْمَاعُهُمْ إِلَّا آحَادًا، دَلَّ عَلَى وَهَاءِ ذَلِكَ النَّقْلِ ; وَأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَالصَّحِيحُ قَبُولُهُ بِرِوَايَةِ الْآحَادِ، وَهُوَ يَنْقُضُ الِاسْتِدْلَالَ الْمَذْكُورَ.
وَلِلْخَصْمِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا ; بِأَنَّ تَوَفُّرَ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ أَشَدُّ مِنْهُ عَلَى نَقْلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِنَ الْأَخْبَارِ قَطْعًا، فَاحْتُمِلَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ آحَادًا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْإِجْمَاعِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: الْمَسْأَلَةُ دَائِرَةٌ عَلَى وُجُوبِ اشْتِرَاطِ الْقَاطِعِ فِي الْأُصُولِ، وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ.
قُلْتُ: يَعْنِي: أَنَّهُ إِنِ اشْتُرِطَ الْقَاطِعُ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ، لَمْ يُقْبَلِ الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ آحَادًا، وَإِلَّا قُبِلَ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ إِيرَادِ الدَّلِيلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
(3/130)

وَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ.
وَفِي الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ خِلَافٌ، وَفِي أَقَلِّ مَا قِيلَ كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ الثُّلُثُ بِهِ وَبِالِاسْتِصْحَابِ لَا بِهِ فَقَطْ، إِذِ الْأَقَلُّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ دُونَ نَفْيِ الزِّيَادَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ» أَيْ: كُلُّ أَمْرٍ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ، لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فَرْعُ ذَلِكَ الْأَمْرِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْإِجْمَاعِ، لَكَانَ ذَلِكَ إِثْبَاتًا لِلْأَصْلِ بِالْفَرْعِ وَهُوَ دَوْرٌ.
مِثَالُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ الرِّسَالَةِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى مَا صَدَرَ عَنْهَا مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ، فَلَا يَصِحُّ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ.
وَأَمَّا مَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، فَيَصِحُّ إِثْبَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ فَرْعًا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِهِ بِالْإِجْمَاعِ دَوْرٌ مَحْذُورٌ، وَلَا غَيْرُهُ.
مِثَالُهُ: الْوَحْدَانِيَّةُ، وَحُدُوثُ الْعَالَمِ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ، فَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ فِي إِثْبَاتِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ.
قُلْتُ: هَذِهِ الْقَاعِدَةُ قَدْ عُهِدَتْ وَعُرِفَتْ، وَهِيَ أَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ، لَمْ يَثْبُتْ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ ; يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَمْثِلَةِ ذَلِكَ، فَالتَّمْثِيلُ فِيمَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ
(3/131)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ بِالرِّسَالَةِ صَحِيحٌ.
وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ وُجُودُ الصَّانِعِ، وَقُدْرَتُهُ، وَعِلْمُهُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ فَرْعُ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةُ فَرْعُ الرُّبُوبِيَّةِ؛ وَالْوُجُودُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالْحَيَاةُ مِنْ شُرُوطِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَهِيَ إِذَنْ شُرُوطٌ لِأَصْلِ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ، وَشَرْطُ الْأَصْلِ شَرْطٌ لِلْفَرْعِ، وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهَا شُرُوطٌ، وَإِثْبَاتُ الشَّرْطِ بِمَشْرُوطِهِ دَوْرٌ، لِتَوَقُّفِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ.
وَذَكَرَ مِمَّا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ الْوَحْدَانِيَّةُ، وَحُدُوثُ الْعَالَمِ ; قَالَ: فَإِنَّ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ الْبَعِيدِ. وَذَكَرَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ كَلَامًا صَحِيحًا، وَإِنْ نَفَرَ مِنْهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَفْهَمُهُ أَوْ مَنْ يَفْهَمُهُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ.
قَوْلُهُ: «وَفِي الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ خِلَافٌ» أَيْ: إِنْ كَانَ مَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ أَمْرًا دِينِيًّا، جَازَ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ «كَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ» وَمُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ، وَسِيَاسَاتِ الْعَسَاكِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَفِيهِ «خِلَافٌ» .
مَأْخَذُهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ الدَّالَّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ ; هَلْ دَلَّ عَلَى عِصْمَتِهَا مُطْلَقًا عَلَى الْعُمُومِ، أَوْ فِي خُصُوصِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ وَالْأَظْهَرُ التَّعْمِيمُ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَةُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ
(3/132)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِنَ الْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَحْفَظُ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا شَيْئًا.
قُلْتُ: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا أَحْسَبُهُ يُتَصَوَّرُ، وَإِنْ تُصُوِّرَ، فَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ.
أَمَّا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ: فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مَا كَانَتْ ثَمَرَتُهَا وَمَقْصُودُهَا مُتَعَلِّقًا بِالدِّينِ، وَرَاجِعًا إِلَيْهِ، خَاصًّا بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ وُقُوعُهُ فِي الدُّنْيَا، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا، أَوْ فِي الْآخِرَةِ، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَنَصْبِ الْمَوَازِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: الْحُرُوبُ وَالْآرَاءُ فِيهَا: إِنْ كَانَتْ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهِيَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ عَصَبِيَّةً، أَوْ بَغْيًا، أَوْ طَلَبًا لِلدُّنْيَا، أَوْ إِظْهَارًا لِلْفَخْرِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَالْغَلَبَةِ عَلَى الْخَصْمِ ; فَأَصْلُ تِلْكَ الْحُرُوبِ مُحَرَّمَةٌ، فَالْآرَاءُ، وَالتَّدْبِيرُ، وَالْمَكِيدَةُ فِيهَا أُمُورٌ مُحَرَّمَةٌ، وَالْمُحَرَّمَاتُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّمَسُّكُ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ، إِذِ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ إِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا لَهُ أَصْلٌ فِي الْجَوَازِ، فَمَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْجَوَازِ، لَا يُتَصَوَّرُ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَكُونُ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ كَالتَّمَسُّكِ عَلَى جَوَازِ شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، أَوِ الْخِنْزِيرِ، أَوْ بَيْعِهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مُحَالٌ شَرْعًا.
وَإِنْ وُجِدَ حَرْبٌ، وَقِتَالٌ مَشُوبٌ بِقَصْدِ الْجِهَادِ وَالْعَصَبِيَّةِ وَالتَّكَثُّرِ مِنْ
(3/133)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الدُّنْيَا ; كَانَ ذَلِكَ مِنْ ذَوَاتِ الْجِهَتَيْنِ، فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جِهَادٌ دِينِيٌّ، لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْصِيَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ.
وَأَمَّا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِنْ تُصَوِّرَ نَزَلَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَقَدْ بَانَ بِمَا تَقَدَّمَ ; وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْحَرْبُ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جَازَ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ قِتَالَ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً، لَمْ يَجُزْ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.

تَنْبِيهٌ: اخْتُلِفَ فِي إِجْمَاعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ; هَلْ كَانَ حُجَّةً؟ فَقِيلَ: لَا، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: إِجْمَاعُ كُلِّ أُمَّةٍ حُجَّةٌ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِي الْمِلَلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ قَطَعَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِقَوْلِهِمْ، فَهُوَ حُجَّةٌ، لِاسْتِنَادِهِ إِلَى قَاطِعٍ فِي الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ، وَإِلَّا كَانَ مُسْتَنَدُهُ مَظْنُونًا، وَالْوَجْهُ الْوَقْفُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ كَانَ الْحَالُ، يَعْنِي هَلْ كَانَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً أَمْ لَا؟
قُلْتُ: فَقَدْ تَلَخَّصَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ: ثَالِثُهَا: الْوَقْفُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَقَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَقْرَبُ فِيهَا إِلَى الصَّوَابِ.
وَالْمُخْتَارُ فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِنْ كَانَ عَقْلِيًّا ; فَإِجْمَاعُ كُلِّ أُمَّةٍ حُجَّةٌ عَلَى حَسَبِ إِجْمَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي مَرَاتِبِهِ، إِذِ الْمَدَارِكُ الْعَقْلِيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ إِجْمَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَمْعِيًّا، فَالْوَقْفُ فِي
(3/134)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِجْمَاعِ غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ، إِذْ لَمْ يَبْلُغْنَا الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ، فَنُثْبِتُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ بُلُوغِ ذَلِكَ لَنَا عَدَمُ وُجُودِهِ فَنَنْفِيهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ رِيَاضَاتِ الْفَنِّ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا كَبِيرُ فَائِدَةٍ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَفِي أَقَلِّ مَا قِيلَ، كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ الثُّلُثُ، بِهِ وَبِالِاسْتِصْحَابِ لَا بِهِ فَقَطْ» أَيْ: وَالتَّمَسُّكُ «فِي أَقَلِّ مَا قِيلَ» أَوِ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ الْأَقْوَالِ، لَيْسَ تَمَسُّكًا بِالْإِجْمَاعِ فَقَطْ، بَلْ «بِهِ وَبِالِاسْتِصْحَابِ» وَذَلِكَ «كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ» ; اخْتُلِفَ فِي مَقَادِرِهَا، فَقِيلَ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: نِصْفُهَا، وَقِيلَ: ثُلُثُهَا، وَالْقَائِلُ إِنَّهَا الثُّلُثُ وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ لَيْسَ تَمَسُّكًا بِالْإِجْمَاعِ فَقَطْ، لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ الثُّلُثِ، أَمَّا نَفْيُ الزَّائِدِ عَنْهُ، فَلَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ مُثْبِتُهُ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْآخِذَ بِالْأَقَلِّ ; إِنَّمَا تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ فِي إِثْبَاتِهِ، وَبِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي نَفْيِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِذِ الْأَقَلُّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ دُونَ نَفْيِ الزِّيَادَةِ» .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْآخِذَ بِالْأَقَلِّ، هَلْ هُوَ آخِذٌ بِالْإِجْمَاعِ؟ وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ. وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى هَذَا الْخِلَافِ بِقَوْلِي: «لَا بِهِ فَقَطْ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/135)

وَمُنْكِرُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ لَا يَكْفُرُ، وَفِي الْقَطْعِيِّ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ، وَالثَّالِثُ يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ مِثْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيْرِهَا، وَارْتِدَادُ الْأُمَّةِ جَائِزٌ عَقْلًا لَا سَمْعًا فِي الْأَصَحِّ لِعِصْمَتِهَا مِنَ الْخَطَأِ، وَالرِّدَّةُ أَعْظَمُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَمُنْكِرُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ لَا يَكْفُرُ، وَفِي الْقَطْعِيِّ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ، وَالثَّالِثُ: يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ مِثْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيْرِهَا» .
اعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِمَّا ظَنِّيٌّ، أَوْ قَطْعِيٌّ:
فَالظَّنِّيُّ كَالسُّكُوتِيِّ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، وَكَالنُّطْقِيِّ آحَادًا، فَهَذَا لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، أَيْ: إِذَا ثَبَتَ بِمِثْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ حُكْمٌ، فَأَنْكَرَهُ مُنْكِرٌ لَا يَكْفُرُ، لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ، فَلَمْ يَكْفُرْ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، كَالْعُمُومِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ، وَسَنَزِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْقَطْعِيُّ: هُوَ النُّطْقِيُّ الْمُتَوَاتِرُ الْمُسْتَكْمِلُ الشُّرُوطِ، كَمَا سَبَقَ، فَفِيهِ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، لِمَا سَيُقَرَّرُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَكْفُرُ، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقَاطِعَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَفَ الْعَقْلِيَّ الْقَاطِعَ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ.
(3/136)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ وَنَحْوِهَا، كَفَرَ مُنْكِرُهُ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهِ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْأَوَّلَ يَتَحَقَّقُ تَكْذِيبُهُ لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، دُونَ الثَّانِي، لِجَوَازِ كَوْنِ مَا أَنْكَرُهُ يَخْفَى عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مِثْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِنَّ وُجُوبَهَا لَا يَخْفَى عَلَى مُسْلِمٍ، بَلِ الْكُفَّارُ يَعْلَمُونَ وُجُوبَهَا عَلَى أَهْلِهَا.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِنْ كَانَ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ كَالرِّسَالَةِ، كَفَرَ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
قُلْتُ: هَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالَّذِي قَبْلَهُ أَوْلَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبُ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَمَا لَزِمَهُ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّكْفِيرِ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى تَخْصِيصِهِ بِمَا كَانَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ، إِذْ لَوْ سُوِّغَ ذَلِكَ، لَأَفْضَى إِلَى تَكْذِيبِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ بِدُونِ تَكْفِيرِ ذَلِكَ الْمُكَذِّبِ، وَهُوَ إِهْمَالٌ لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ، وَتَضْيِيعٌ لِنَامُوسِهِ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّ مُنْكِرَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ إِنْ كَانَ عَامِّيًّا، كَفَرَ مُطْلَقًا، ظَنِّيًّا كَانَ الْإِجْمَاعُ أَوْ قَطْعِيًّا، إِذَا كَانَ قَدِ اشْتُهِرَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَعَلِمَهُ الْمُنْكِرُ، وَاعْتَقَدَ تَحْرِيمَ إِنْكَارِهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْإِجْمَاعِ، وَيَتَصَرَّفُ فِي الْأَدِلَّةِ، لَمْ يَكْفُرْ إِلَّا بِإِنْكَارِ مِثْلِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، لِجَوَازِ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا أَنْكَرَهُ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إِذَا قُلْنَا بِتَكْفِيرِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونَ
(3/137)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ.
قُلْتُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِمُخَالَفَةِ مَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَعَلَّهُ مَذْهَبُهُ أَوِ اخْتِيَارُهُ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ مُطْلَقًا ثَابِتٌ.
قُلْتُ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ: هُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ ظَنِّيٌّ أَوْ قَطْعِيٌّ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ ظَنِّيٌّ، قَالَ: لَا يَكْفُرُ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ مُسْتَنَدَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ هُوَ مَا سَبَقَ مِنْ ظَوَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَمَا اسْتَنَدَ إِلَى الظَّنِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَطْعِيٌّ، قَالَ: إِنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ قَاطِعٌ، وَمَا اسْتَنَدَ إِلَى الْقَاطِعِ، فَهُوَ قَاطِعٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى قَاطِعٍ، لِأَنَّ جُزْئِيَّاتِ أَدِلَّتِهِ لَوِ اسْتُقْرِئَتِ اسْتِقْرَاءً تَامًّا، لَاجْتَمَعَ مِنْهَا الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، لَكِنَّ اسْتِقْرَاءَهَا الِاسْتِقْرَاءَ التَّامَّ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهَا شَيْءٌ مُتَعَذِّرٌ، كَمَا أَنَّ اسْتِقْرَاءَ الْحِكَايَاتِ الْجُزْئِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى سَخَاءِ حَاتِمٍ اسْتِقْرَاءً تَامًّا مُتَعَذِّرٌ، فَلِذَلِكَ نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ بِأَدِلَّةٍ جُزْئِيَّةٍ عَلَى تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لَوْ أَمْكَنَ.
قَالَ: وَالْغَفْلَةُ عَنْ هَذَا التَّقْرِيرِ هِيَ الْمُوجِبُ لِأَسْئِلَةٍ وَرَدَتْ عَلَى
(3/138)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْإِجْمَاعِ، لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا، وَكَوْنِ مُخَالِفِهِ لَا يَكْفُرُ، وَهِيَ مُنْدَفِعَةٌ بِهَذَا التَّقْرِيرِ.
قُلْتُ: هَذَا التَّقْرِيرُ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَقْوَى أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، فَهُوَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي تَوَفُّرَ دَوَاعِي الْأُمَّةِ عَلَى ضَبْطِ أَدِلَّتِهِ، وَحِفْظِ مُسْتَنَدِهِ، إِذْ مِنَ الْمُمْتَنِعِ عَادَةً تَضْيِيعُ مِثْلِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِجْمَاعِ دَلِيلٌ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ وَبَيَانُ ضَعْفِ الدِّلَالَةِ مِنْهُ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ حِكَايَاتِ حَاتِمٍ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اسْتِقْرَاؤُهَا أَوِ اسْتِقْرَاءُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَوَاتُرُ سَخَائِهِ مِنْهَا، إِذْ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا مَنْقُولَةٌ مُدَوَّنَةٌ فِي دِيوَانِ حَاتِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ عُلَمَاءَ الشَّرْعِ لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا لَمْ يَعْتَنُوا بِهَا حَتَّى تَتَوَاتَرَ بَيْنَهُمْ وَتَشْتَهِرَ، وَقَدِ اشْتُهِرَتْ عِنْدَ الْإِخْبَارِيِّينَ الْعُلَمَاءِ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ.
أَمَّا أَحَادِيثُ الْإِجْمَاعِ وَأَدِلَّتُهُ، فَهُمْ بِالضَّرُورَةِ مُعْتَنُونَ بِهَا، مُهْتَمُّونَ غَايَةَ الِاهْتِمَامِ، فَالْمَانِعُ لَهُمْ مِنْ نَقْلِهَا عَادَةً لَيْسَ إِلَّا عَدَمُهَا، وَأَنَا ذَاكِرٌ لَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فَصْلًا ذَكَرْتُهُ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» فِي هَذَا الْبَابِ يُحَقِّقُ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيًّا، وَهُوَ أَنِّي قُلْتُ هُنَاكَ: وَمِنَ الْعَدْلِ التَّرْجِيحُ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَإِلْغَاءُ الضَّعِيفِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي تَرْجِيحَاتِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، كَتَرْجِيحِ الْقَاطِعِ عَلَى الظَّنِّيِّ، وَالْخَبَرِ الْأَصَحِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالصَّحِيحِ عَلَى الضَّعِيفِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُخَالِفَ الْإِجْمَاعِ وَمُنْكِرَ حُكْمِهِ لَا يَكْفُرُ، مَا لَمْ
(3/139)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يُنْكِرُ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ كَمَا سَبَقَ وَقُرِّرَ ذَلِكَ: بِأَنَّ جَرَيَانَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ مُحَقَّقٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَلَا يُرْفَعُ بِالْإِجْمَاعِ الْمُحْتَمَلِ، وَبَيَانُ احْتِمَالِهِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ مُحْتَمَلَةٍ، وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُحْتَمَلِ مُحْتَمَلٌ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَاتُ، فَهِيَ ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ، نَحْوُ: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النِّسَاءِ: 115] الْآيَةَ، وَأَحَادِيثُ السُّنَّةِ.
أَمَّا ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا صَحَّ التَّمَسُّكُ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَلَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً تَوَاتُرًا حَقِيقِيًّا بِالِاتِّفَاقِ، وَكَوْنُهُ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا، كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى مِنَ الثَّانِي، وَحَيْثُ الْأَوَّلُ تَوَاتُرٌ ; فَالثَّانِي لَيْسَ بِتَوَاتُرٍ، فَهُوَ آحَادٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَذَاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفِيضًا، وَالْمُسْتَفِيضُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الَّذِي يَقْوَى عَلَى رَفْعِ عِصْمَةِ الدِّمَاءِ.
وَقَوْلُهُمْ: تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَهِيَ مَعْصُومَةٌ، إِثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، هُوَ كَوْنُهُ صَادِرًا عَنِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ صَدَرَ عَنِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ، لِأَنَّ
(3/140)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمَعْصُومَةَ تَلَقَّتْ أَدِلَّتَهُ بِالْقَبُولِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْخَبَرَ مُتَوَاتِرٌ، لَكِنَّ النِّزَاعَ فِي دِلَالَتِهِ.
فَقَوْلُهُ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ، اللَّامُ إِمَّا لِلْعَهْدِ، وَهُمْ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ بَيْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبَيْنَ مَنْ خَاطَبَهُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْمَاعِ، أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ ; فَهُوَ عَامٌّ، وَدِلَالَةُ الْعَامِّ ظَنِّيَّةٌ، ثُمَّ قَدْ خُصَّ بِمَنْ قَبْلَ عَصْرِ الْإِجْمَاعِ وَبَعْدَهُ، وَبِالصِّبْيَانِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالْعَامَّةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، فَصَارَ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً، أَوْ غَيْرَ حُجَّةٍ، وَحَقِيقَةً فِي الْبَاقِي، أَوْ مَجَازًا، خِلَافٌ مَشْهُورٌ سَبَقَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: «حَسَنًا» يَحْتَمِلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ، وَهُوَ فِيهِ أَظْهَرُ، وَلَا دِلَالَةَ لَهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ أَصْلًا، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، بِهِ احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ بِلَفْظِهِ أَشْبَهُ، إِذْ هُوَ مِنْ مَادَّتِهِ لَفْظًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالضَّلَالَةِ: الْكُفْرَ، وَيَكُونُ شَهَادَةً لَهَا بِالْأَمْنِ مِنَ الِارْتِدَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى نَفْسِ الْإِجْمَاعِ، فَنَقُولُ: نَازَعَ قَوْمٌ فِي تَصَوُّرِهِ وَإِمْكَانِهِ، ثُمَّ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، ثُمَّ فِي أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالصَّحَابَةِ، أَوْ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِهَا أَيْضًا، ثُمَّ فِي أَنَّ الْعِصْمَةَ لِهَيْئَةِ الْأُمَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَتُعْتَبَرُ
(3/141)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْعَامَّةُ أَوْ لَا، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ مِمَّا سَبَقَ فِي السُّكُوتِيِّ، وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: حَجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ، وَقِيلَ: لَا حُجَّةٌ وَلَا إِجْمَاعٌ، وَقِيلَ: حُجَّةٌ فَقَطْ، وَقِيلَ: إِجْمَاعٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فُتْيَا لَا حُكْمًا.
ثُمَّ قَوْلُكُمْ: هُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، مَا الْمُرَادُ بِهِ؟ إِنْ أَرَدْتُمُ الْقَطْعَ الْعَقْلِيَّ، وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، فَهُوَ مَعَ هَذَا الْخِلَافِ الْعَظِيمِ فِي مُقَدِّمَاتِهِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، فَذَلِكَ إِنَّمَا يُوجِبُ تَعْصِيَةَ مُخَالِفِهِ وَمُنْكِرِ حُكْمِهِ.
أَمَّا الْحُكْمُ بِكُفْرِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِجَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ فِي مُقَدِّمَاتِ هَذَا النِّزَاعِ، فَهُوَ دَفْعٌ لِلْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلْعَدْلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِ مُطْلَقًا أَحْوَطُ لِلشَّرِيعَةِ، وَبِعَدَمِهِ مُطْلَقًا، أَوْ بِالتَّفْصِيلِ السَّابِقِ أَحْوَطُ لِلدِّمَاءِ.
وَأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّكْفِيرِ، أَمَّا قَتْلُهُ حَدًّا بِاجْتِهَادِ إِمَامٍ، أَوْ مُجْتَهِدٍ، أَوْ بِفِعْلٍ أَوْ بِتَرْكِ مَا يُوجِبُهُ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، أَوْ تَارِكِ الصَّلَاةِ تَهَاوُنًا لَا جُحُودًا، فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ.
وَاعْلَمْ أَنِّي إِنَّمَا ذَكَرْتُ لَكَ هَذَا الْفَصْلَ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ قَدْ سَبَقَتْ لِفَائِدَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: تَرْجِيحُ مَا اخْتَرْتُهُ مِنْ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيًّا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنِّي جَعَلْتُهُ لَكَ دُسْتُورًا لِلْإِجْمَاعِ، تَطْرِيَةً لِذِهْنِ النَّاظِرِ بِهِ،
(3/142)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَذْكِيرًا، لِيُتَذَكَّرَ بِهِ آخِرًا مَا سَبَقَ مِنْهُ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ فِي آخِرِ كُلِّ بَابٍ، لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِذِكْرِهِ، بِخِلَافِ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ عَرَضَ مَا اقْتَضَى ذِكْرَ ذَلِكَ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ بِالْجُمْلَةِ سُؤَالٌ، وَهُوَ: كَيْفَ تُكَفِّرُونَ مُنْكِرَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ، وَلَمْ تُكَفِّرُوا مُنْكِرَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ، كَالنَّظَّامِ وَالشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ؟
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ مُنْكِرَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ لَمْ يَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ كَوْنُهُ حُجَّةً، فَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ تَكْذِيبُ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، بِخِلَافِ مُنْكِرِ حُكْمِهِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِكَوْنِهِ حُجَّةً، فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَأُخِذَ بِإِقْرَارِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: «وَارْتِدَادُ الْأُمَّةِ جَائِزٌ عَقْلًا لَا سَمْعًا فِي الْأَصَحِّ» أَيِ: ارْتِدَادُ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَفَرَةً، فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ «جَائِزٌ عَقْلًا» أَيْ: مُمْكِنٌ فِي الْعَقْلِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، لِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ تَصَوُّرُهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ.
أَمَّا جَوَازُهُ مِنْ حَيْثُ السَّمْعِ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ دِلَالَةِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَيْهِ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَالْأَصَحُّ كَمَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ، لِأَنَّهَا مَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَأِ بِأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقَةِ، وَالرِّدَّةُ أَعْظَمُ الْخَطَأِ، فَتَكُونُ مَعْصُومَةً مِنْهَا، فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهَا، وَثَمَّ أَحَادِيثُ أُخَرُ تُؤَكِّدُ ذَلِكَ.
مِنْهَا: مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ، فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ، لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ
(3/143)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْحَدِيثَ.
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ: لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ جِنْسِهَا تَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ الدِّينِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ ارْتِدَادِ الْأُمَّةِ جَمِيعِهَا فِي وَقْتٍ مَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ:
(3/144)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى لَكِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى ارْتِدَادِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، بَلْ يَصْدُقُ مَضْمُونُهُ بِرِدَّةِ بَعْضِهَا، وَعِبَادَتِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لِأَنَّ ارْتِدَادَ الْأُمَّةِ يَلْزَمُهُ قَطْعًا، وَإِلَّا لَوْ قَامَتِ السَّاعَةُ عَلَى مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ، وَلَوْ وَاحِدًا، فَلَا يَصْدُقُ الْحَدِيثُ إِذَنْ.
قُلْتُ: أَحْسَنُ مَا جُمِعَ بِهِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ عَلَى اسْتِمْرَارِ الدِّينِ إِلَى قُبَيْلِ السَّاعَةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، ثُمَّ تَرْتَدُّ الْأُمَّةُ، أَوْ تَنْقَرِضُ، وَيَخْلُفُهَا مَنْ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ، وَلَا يَعْرِفُهُ، فَتَقُومُ السَّاعَةُ عَلَيْهِ.
عَلَى أَنَّ انْقِرَاضَ الْأُمَّةِ لَا يَتَّجِهُ، لِأَنَّهَا آخِرُ الْأُمَمِ، وَعَلَيْهَا تَقُومُ السَّاعَةُ، لَكِنَّهَا تَرْتَدُّ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ، وَطُولِ الْعَهْدِ، كَمَا كَفَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَعْدَ طُولِ عَهْدِهَا بِأَنْبِيَائِهَا وَكُتُبِهَا، وَارْتِدَادُهَا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ ; لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لِأَنَّ الزَّمَانَ الْيَسِيرَ يُغْتَفَرُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ، وَاللَّهُ
(3/145)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْأُمَّةَ هَلْ يُتَصَوَّرُ اشْتِرَاكُهَا فِي الْجَهْلِ بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ قُدِّرَ عَمَلُهَا عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، جَازَ اشْتِرَاكُهَا فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ كَالْوَسِيلَةِ مَعَ الْمَقْصِدِ، وَإِنْ قُدِّرَ عَمَلُهَا عَلَى خِلَافِهِ، لَمْ يَجُزْ، لِعِصْمَتِهَا مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْخَطَأِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(3/146)

اسْتِصْحَابُ الْحَالِ
وَحَقِيقَتُهُ: التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ إِمَّا إِثْبَاتٌ، وَالْعَقْلُ قَاصِرٌ عَنْهُ، أَوْ نَفْيٌ، فَالْعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الشَّرْعِ فَيُسْتَصْحَبُ، كَعَدَمِ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ، وَصَلَاةٍ سَادِسَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَمَسُّكٌ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالنَّاقِلِ، وَهُوَ تَمَسُّكٌ بِالْجَهْلِ، وَلَعَلَّهُ مَوْجُودٌ مَجْهُولٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: النَّاسُ إِمَّا:
عَامِّيٌّ لَا يُمْكِنُهُ الْبَحْثُ وَالِاجْتِهَادُ، فَتَمَسُّكُهُ بِمَا ذَكَرْتُمْ كَالْأَعْمَى يَطُوفُ فِي الْبَيْتِ عَلَى مَتَاعٍ.
أَوْ مُجْتَهِدٌ فَتَمَسُّكُهُ بَعْدَ جِدِّهِ وَبَحْثِهِ بِالْعِلْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ كَبَصِيرٍ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ الْمَتَاعِ مِنْ بَيْتٍ لَا عِلَّةَ فِيهِ مَخْفِيَّةٌ لَهُ فَيَجْزِمُ بِعَدَمِهِ لَا سِيَّمَا وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ قَدْ مُهِّدَتْ وَأَدِلَّتُهُ قَدِ اشْتُهِرَتْ وَظَهَرَتْ، فَعِنْدَ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ مِنَ الْأَهْلِ يُعْلَمُ أَنْ لَا دَلِيلَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
" اسْتِصْحَابُ الْحَالِ ":
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الرَّابِعُ مِنَ الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْأُصُولِ أَوَّلَ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: " وَحَقِيقَتُهُ " أَيْ: وَحَقِيقَةُ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ " التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ
(3/147)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْ شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ " أَيْ: لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلٌ يَنْقُلُ عَنْ حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ، لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ تَارَةً يَكُونُ بِحُكْمِ دَلِيلِ الْعَقْلِ. كَاسْتِصْحَابِ حَالِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى بَرَاءَتِهَا، وَعَدَمِ تَوَجُّهِ الْحُكْمِ إِلَى الْمُكَلَّفِ، كَقَوْلِنَا: الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، أَيْ: دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى انْتِفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُثْبِتُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَتَارَةً يَكُونُ الِاسْتِصْحَابُ بِحُكْمِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ كَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْعُمُومِ وَالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ الْمُسْتَصْحَبِ، وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، كَالْبَيِّنَةِ الدَّالَّةِ عَلَى شُغْلِ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَتَرْكِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: تَحْقِيقُ مَعْنَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ: هُوَ أَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَاضِرِ يُوجِبُ ظَنَّ ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ.
وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ: هُوَ ظَنُّ دَوَامِ الشَّيْءِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ وُجُودِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ - أَعْنِي هَذَا الظَّنَّ - حُجَّةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُزَنِيُّ، وَالصَّيْرَفِيُّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَّالِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
(3/148)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولٍ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُرَتَّبَةً بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ:
فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الْأَعْرَاضِ، وَهِيَ مَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَالْحَرَكَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ قِسْمَانِ: قَارُّ الذَّاتِ، كَالسَّوَادِ وَسَائِرِ الْأَلْوَانِ، فَهَذَا يُوجَدُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَيَسْتَمِرُّ، وَسَيَّالٌ لَيْسَ بِقَارِّ الذَّاتِ، كَالْحَرَكَاتِ الزَّمَانِيَّةِ، وَهِيَ حَرَكَاتُ الْفُلْكِ وَالنُّجُومِ وَغَيْرِهَا، فَهَذِهِ تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَهُوَ الْحَقُّ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَقَاءِ الْمَوْجُودِ ; هَلْ هُوَ عَرَضٌ قَارٌّ، أَوْ سَيَّالٌ يُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ قَارٌّ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِبَقَاءِ الشَّيْءِ إِلَّا اسْتِمْرَارَ وُجُودِهِ، وَهِيَ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ قَارَّةٌ، بِخِلَافِ الْحَرَكَةِ، فَإِنَّهَا سَيَّالَةٌ يُدْرَكُ سَيَلَانُهَا عَدَمًا أَوْ وُجُودًا، فَلَوْ كَانَ الْبَقَاءُ مِثْلَهَا، لِأُدْرِكَ كَمَا أُدْرِكَتْ، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ الْبَاقِيَ ; هَلْ يَفْتَقِرُ فِي بَقَائِهِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ أَمْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ: الْبَقَاءُ عَرَضٌ قَارٌّ، قَالَ: لَا يَفْتَقِرُ كَمَا لَا يَفْتَقِرُ الْأَسْوَدُ فِي اسْوِدَادِهِ إِلَى مُسَوِّدٍ.
وَمَنْ قَالَ: هُوَ عَرَضٌ سَيَّالٌ، قَالَ: يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ عَدَمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ يَتَعَقَّبُ وُجُودَهُ، وَبَقَاؤُهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَوَاصُلِ أَجْزَائِهِ، وَتَتَابُعُ أَجْزَاءِ مَا هَذَا
(3/149)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
شَأْنُهُ بِدُونِ مُؤَثِّرٍ مُحَالٌ، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى هَذَا اسْتِصْحَابَ الْحَالِ، وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالْمَعْهُودِ السَّابِقِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُؤَثِّرٍ، كَانَ الِاسْتِصْحَابُ حُجَّةً ; وَإِنِ احْتَاجَ، لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِجَوَازِ التَّغَيُّرِ لِعَدَمِ الْمُؤَثِّرِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ حُجَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُقَلَاءَ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا تَحَقَّقُوا وُجُودَ الشَّيْءِ أَوْ عَدَمَهُ، وَلَهُ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِهِ، سَوَّغُوا تَرْتِيبَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ زَمَانِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، حَتَّى إِنَّ الْغَائِبَ يُرَاسِلُ أَهْلَهُ، وَيُرَاسِلُونَهُ، بِنَاءً عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِهِمْ، وَوُجُودِهِ فِي الْمَاضِي، وَيُنْفِذُ إِلَيْهِمُ الْأَمْوَالَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ، وَلَوْلَا أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، لَمَا سَاغَ لَهُمْ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ مِنْ لَوَازِمِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ، وَبِعْثَةُ الرُّسُلِ حَقٌّ، فَلَازِمُهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا.
أَمَّا أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ مِنْ لَوَازِمَ الْبِعْثَةِ، فَلِأَنَّ الرِّسَالَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِ الْمُعْجِزِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ هِيَ اطِّرَادُ وُقُوعِ الشَّيْءِ دَائِمًا، أَوْ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، فَالْأَوَّلُ كَدَوَرَانِ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ فِي أَفْلَاكِهَا، كَمَا قَالَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إِبْرَاهِيمَ: 33] ، وَالثَّانِي كَطُلُوعِهَا مِنَ الْمَشْرِقِ، وَغُرُوبِهَا فِي الْمَغْرِبِ، وَكَوُقُوعِ الْمَطَرِ فِي الشِّتَاءِ، وَزِيَادَةِ نَيْلِ مِصْرَ فِي أَيَّامِهِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: دَلِيلُ نُبُوَّتِي
(3/150)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَطْلُعُ الْيَوْمَ مِنَ الْمَشْرِقِ، أَوْ أَنَّهَا لَا تَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، بَلْ تَجُولُ فِي أَطْرَافِ الْفَلَكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ; فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ; لَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِانْخِرَاقِ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ عَلَى يَدَيْهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِصْحَابُ حُجَّةً، لَمَا كَانَ انْخِرَاقُ الْعَوَائِدِ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ حُجَّةً، لِجَوَازِ أَنْ تَتَغَيَّرَ أَحْكَامُ الْعَوَائِدِ وَأَحْوَالُهَا، فَلَا يَكُونُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ أَمْسِ خَارِقًا لَهَا الْيَوْمَ، فَلَا يَكُونُ الْأَصْلُ بَقَاءَ مَا كَانَ مِنْ كَوْنِهِ خَارِقًا عَلَى مَا كَانَ، لَكِنْ لَمَّا رَأَيْنَا انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ حُجَّةً لِلْأَنْبِيَاءِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ حُجَّةٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ عَهِدْنَا فِي اطِّرَادِ الْعَادَةِ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ، فَهِيَ فِي هَذَا الْيَوْمِ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَنَجْزِمُ بِهَذَا جَزْمًا عَادِيًّا، فَإِذَا امْتَنَعَ طُلُوعُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، عَقِيبَ دَعْوَى الْمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ، حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ مُعْجِزًا، خَارِقًا لِلْعَادَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ بَقَاءَ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا، لِجَوَازِ تَغَيُّرِ الْعَادَةِ كَمَا سَبَقَ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: " أَمَّا الْأَوَّلُ " ; يَعْنِي التَّمَسُّكَ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ، لِأَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ هُوَ " التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ
(3/151)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَنْهُ نَاقِلٌ " ثُمَّ أَخَذْنَا فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ. وَبَيَانِهِ.
أَيْ: أَمَّا أَنَّ الْتَمَسُّكَ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ حُجَّةٌ " فَلِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ: إِمَّا إِثْبَاتٌ " أَوْ نَفْيٌ ".
أَمَّا الْإِثْبَاتُ " فَالْعَقْلُ قَاصِرٌ عَنْهُ " أَيِ: الْعَقْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ هَادٍ وَمُرْشِدٌ، لَا مُشَرِّعٌ وَمُوجِبٌ.
وَأَمَّا النَّفْيُ، أَيْ: نُفْيُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ " فَالْعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ " " فَيُسْتَصْحَبُ ".
أَمَّا أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ، فَلِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومَ بِهِ، وَالْمَحْكُومَ فِيهِ مِنْ لَوَازِمِ الْحُكْمِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا انْتِفَاءَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِ، وَنَعْلَمُ قَطْعًا انْتِفَاءَ الْعَالَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِدُهُورٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ قَطْعًا. وَإِذَا ثَبَتَ لَنَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي وَقْتٍ مَا، اسْتَصْحَبْنَا حُكْمَ ذَلِكَ الِانْتِفَاءِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلِيلِ الِاسْتِصْحَابِ.
وَمَعْنَى الِاسْتِصْحَابِ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الشَّيْءِ أَوْ عَدَمِهِ مُصَاحِبًا لِاعْتِقَادِنَا، أَوْ لِقُلُوبِنَا وَأَذْهَانِنَا.
مِثَالُ اسْتِصْحَابِ نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ: " عَدَمُ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ " وَغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ سِوَى رَمَضَانَ، وَعَدَمُ " صَلَاةٍ سَادِسَةٍ " مَكْتُوبَةٍ، فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ، لَكَانَ الْعَقْلُ دَلِيلًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِصْحَابِ الْمَذْكُورِ، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ كُلُّ حُكْمٍ نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى نَفْيِهِ، أَوْ لَمْ
(3/152)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَنُصَّ عَلَى إِثْبَاتِهِ وَلَا نَفْيِهِ.
قَوْلُهُ: " فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَمَسُّكٌ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالنَّاقِلِ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا سُؤَالٌ عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِصْحَابِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالِاسْتِصْحَابِ إِنَّمَا يَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ عَنْهُ، إِذْ لَوْ وُجِدَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْهُ، لَمَا كَانَ حُجَّةً، وَحِينَئِذٍ يَبْقَى التَّمَسُّكُ بِالِاسْتِصْحَابِ تَمَسُّكًا بِعَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ عَنْهُ، إِذْ مَعْنَى قَوْلِنَا: الْأَصْلُ بَقَاءُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى النَّفْيِ، أَنَّا لَا نَعْلَمُ وُجُودَ دَلِيلٍ نَاقِلٍ لَهُ عَنِ النَّفْيِ إِلَى الْإِثْبَاتِ، وَإِذَا تَلَخَّصَ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالِاسْتِصْحَابِ تَمَسُّكٌ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ، فَالتَّمَسُّكُ بِالْعَدَمِ " تَمَسُّكٌ بِالْجَهْلِ " بِالدَّلِيلِ، وَالْجَهْلُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسَّكًا عَلَى شَيْءٍ، وَلَعَلَّ الدَّلِيلَ النَّاقِلَ عَنِ الِاسْتِصْحَابِ مَوْجُودٌ لَمْ تَعْلَمُوهُ، فَيَكُونُ التَّمَسُّكُ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّفْيِ.
قَوْلُهُ: " لِأَنَّا نَقُولُ " هَذَا جَوَابٌ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ " النَّاسَ: إِمَّا عَامِّيٌّ لَا يُمْكِنُهُ الْبَحْثُ وَالِاجْتِهَادُ " فِي طَلَبِ الدَّلِيلِ " أَوْ مُجْتَهِدٌ " يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا، فَتَمَسُّكُهُ بِالِاسْتِصْحَابِ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ ; هُوَ مِمَّا ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالْجَهْلِ، فَهُوَ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ " كَالْأَعْمَى يَطُوفُ فِي الْبَيْتِ عَلَى مَتَاعٍ " وَآلَةُ الْبَصَرِ لَا تُسَاعِدُهُ عَلَى إِدْرَاكِهِ.
أَمَّا الْمُجْتَهِدُ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَى الدَّلِيلِ " فَتَمَسُّكُهُ بَعْدَ " الْجِدِّ
(3/153)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِهِ إِنَّمَا هُوَ " بِالْعِلْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ " لَا بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ، فَهُوَ " كَبَصِيرٍ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ الْمَتَاعِ مِنْ بَيْتٍ لَا عِلَّةَ فِيهِ مُخْفِيَةٌ لَهُ " أَيْ: لِلْمَتَاعِ، أَيْ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ أَمْرٌ يَسْتُرُ الْمَتَاعَ، فَيُخْفِيهِ عَنْ طَالِبِهِ " فَيَجْزِمُ بِعَدَمِهِ " عِنْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ إِذَا بَالَغَ فِي طَلَبِ الدَّلِيلِ، فَلَمْ يَجِدْهُ، جَزَمَ بِعَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ " لَا سِيَّمَا وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ قَدْ مُهِّدَتْ، وَأَدِلَّتُهُ قَدِ اشْتُهِرَتْ وَظَهَرَتْ " وَفِي الدَّوَاوِينِ قَدْ دُوِّنَتْ " فَعِنْدَ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ " فِي طَلَبِ الدَّلِيلِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ " يُعْلَمُ " أَنَّهُ " لَا دَلِيلَ " هُنَاكَ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِصْحَابُ مِنْهُ تَمَسُّكًا بِالْعِلْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ، لَا بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ.
(3/154)

وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَاسْتِصْحَابِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ حَتَّى يَرِدَ مُخَصِّصٌ أَوْ نَاسِخٌ وَاسْتِصْحَابِ حُكْمٍ ثَابِتٍ كَالْمِلْكِ وَشَغْلِ الذِّمَّةِ بِالْإِتْلَافِ وَنَحْوِهِ.
أَمَّا اسْتِصْحَابُ حَالِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ كَالتَّمَسُّكِ فِي عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ دُخُولِهِ فِيهَا فَيُسْتَصْحَبُ، فَالْأَكْثَرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ شَاقِلَا.
لَنَا: الْإِجْمَاعُ إِنَّمَا حَصَلَ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ لَا وُجُودِهِ، فَهُوَ إِذَنْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْخِلَافُ يُضَادُّ الْإِجْمَاعَ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ، كَالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ مَعَ السَّمْعِيِّ النَّاقِلِ، بِخِلَافِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ، وَدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا يُنَافِيهَا الِاخْتِلَافُ فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا مَعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَافِي الْحُكْمِ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ خِلَافًا لِقَوْمٍ، وَقِيلَ: فِي الشَّرْعِيَّاتِ فَقَطْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَأَمَّا الثَّانِي» وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ ; فَهُوَ كَافٍ «كَاسْتِصْحَابِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ حَتَّى يَرِدَ مُخَصِّصٌ أَوْ نَاسِخٌ» أَيْ: كَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْعُمُومِ حَتَّى يَرِدَ مُخَصِّصٌ لَهُ، وَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ النَّصِّ حَتَّى يَرِدَ لَهُ نَاسِخٌ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلْتُ فِي عِبَارَتِي اللَّفَّ وَالنَّشْرَ، وَكَذَلِكَ «اسْتِصْحَابُ» كُلِّ «حُكْمٍ ثَابِتٍ، كَالْمِلْكِ» حَتَّى يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ «وَشَغْلِ الذِّمَّةِ» حَتَّى يُوجَدَ مَا يُفْرِغُهَا بِأَدَاءِ الدَّيْنِ إِنْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِدَيْنٍ، أَوْ بِأَدَاءِ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ إِنْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِإِتْلَافِ شَيْءٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاغِلِ.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَا كَانَ أَصْلًا فِي الدِّلَالَةِ وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، حَتَّى
(3/155)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَقُومَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْهُ، فَاللَّفْظُ يُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ، وَعَلَى الْعُمُومِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ، وَعَلَى الْإِفْرَادِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الِاشْتِرَاكِ، وَعَلَى الِاسْتِقْلَالِ بِالدِّلَالَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْإِضْمَارِ، وَعَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّقْيِيدِ، وَعَلَى التَّأْصِيلِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الزِّيَادَةِ، وَعَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَعَلَى التَّأْسِيسِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّأْكِيدِ، وَعَلَى الْإِحْكَامِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ النَّسْخِ، وَعَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ اللُّغَوِيِّ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ وَارِدًا مِنَ الشَّرْعِ، أَوْ بِالْعَكْسِ إِنْ كَانَ وَارِدًا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعَلَى الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ اللُّغَوِيِّ، كُلُّ ذَلِكَ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ الرَّاجِحِ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيَّنٌ، فَالِاسْتِصْحَابُ إِذَنْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حُكْمِيٍّ، وَلَفْظِيٍّ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا اسْتِصْحَابُ حَالِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، كَالتَّمَسُّكِ فِي عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِالْإِجْمَاعِ» أَيْ: بِأَنْ يُقَالَ: أَجْمَعْنَا «عَلَى صِحَّةِ دُخُولِهِ فِيهَا» أَيْ: فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ «فَيُسْتَصْحَبُ» حَالُ تِلْكَ الصِّحَّةِ «فَالْأَكْثَرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ شَاقِلَا» .
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: مَنَعَ الْغَزَّالِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ مِنِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ. قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، كَمَا نَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى حُصُولِ الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ
(3/156)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَيَسْتَصْحِبُهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ.
قُلْتُ: وَكَذَا قَوْلُنَا: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ هَذَا مَالِكٌ لِلصَّيْدِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَيَسْتَصْحِبُ حُكْمَ الْمِلْكِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ هَذَا مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَيَسْتَصْحِبُ الْمِلْكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمِعْمَارِ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالصَّيْرَفِيُّ: وَهُوَ دَلِيلٌ يَعْنِي اسْتِصْحَابَ حَالِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا:» أَيْ: عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِصْحَابَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَنَّ «الْإِجْمَاعَ» فِي صُورَةِ التَّيَمُّمِ مَثَلًا «إِنَّمَا حَصَلَ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ» . أَمَّا حَالَ وُجُودِهِ «فَهُوَ» «مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْخِلَافُ يُضَادُّ الْإِجْمَاعَ» فَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَا يَبْقَى الْإِجْمَاعُ مَعَ الْخِلَافِ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ مَثَلًا، كَمَا أَنَّ النَّفْيَ الْأَصْلِيَّ الدَّالَّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ لَا يَبْقَى مَعَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ النَّاقِلِ عَنْ حُكْمِ النَّافِي، لِكَوْنِهِ يُضَادُّهُ. وَهَذَا «بِخِلَافِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ، وَدَلِيلِ الْعَقْلِ» كَالْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْحُكْمِ «لَا يُنَافِيهَا» «فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا» مَعَ الِاخْتِلَافِ، وَلَا كَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الْخِلَافَ يُنَافِيهِ، فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ مَعَهُ.
احْتَجَّ الْخَصْمُ بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْخِلَافِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ دَوَامُهُ لِمَا سَبَقَ، فَيَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ دَائِمَ الثُّبُوتِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(3/157)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ دَوَامُهُ مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُنَافِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِلَافَ الْحَادِثَ يُنَافِي الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ، فَلَا يَبْقَى الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَيْضًا ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا، وَالْأَدِلَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَالِاسْتِدْلَالِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي صُورَةِ التَّيَمُّمِ وَالطَّهَارَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ مَثَلًا.
فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِصْحَابُ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
قُلْنَا: إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا يُنَافِيهِ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ: الْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ: أَنَّ الْأَقْوَى لَا يُرْفَعُ بِالْأَضْعَفِ، فَقَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: إِنَّ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ قَاطِعَةٌ، وَقَدْ رَفَعَهَا الشَّرْعُ بِالْقِيَاسِ فِي التَّكْلِيفَاتِ، وَبِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَرَجُلَيْنِ، وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ قَدْ رَفَعَتِ الْبَرَاءَةَ الْقَاطِعَةَ، فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا بَرَاءَةَ الْوَاحِدِ مِنَّا مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ مِنْ وُلُوغٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ تَحْرِيمِ شُرْبِ النَّبِيذِ، ثُمَّ شَغَلْنَا ذِمَّتَهُ بِوُجُوبِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ، وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ. . . الْحَدِيثَ، وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أُمِرْنَا أَنْ نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا. وَشَغَلْنَاهَا بِتَحْرِيمِ النَّبِيذِ بِقِيَاسِهِ عَلَى الْخَمْرِ فَكَيْفَ هَذَا؟
(3/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْجَوَابُ: أَمَّا التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَمِ مِنْهَا، بَلِ الْأَصْلُ اشْتِغَالُهَا بِهَا، نَظَرًا إِلَى أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لَمَّا اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَنَّهُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ بِالتَّوْحِيدِ، وَالتَّكَالِيفِ بِالْعِبَادَاتِ أَنْ يُطِيعُوا، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الْأَعْرَافِ: 172] . فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ; الذِّمَمُ مَشْغُولَةٌ بِالتَّوْحِيدِ وَأَحْكَامِهِ وَفُرُوعِهِ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِحَقِّ الْأَصْلِ فِيهَا.
وَإِنَّمَا انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِيمَا بَيْنَ يَوْمِ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِ، وَيَوْمِ بُلُوغِهِ حَدَّ التَّكْلِيفِ، لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ مَعْدُومًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي عِلْمِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - كَمَا يَنْقَطِعُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ، بِالْجُنُونِ وَالْحَيْضِ، وَبِأَسْبَابِ الرُّخَصِ. وَحِينَئِذٍ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ لَيْسَ رَافِعًا لِلْبَرَاءَةِ الْقَاطِعَةِ مِنَ التَّكْلِيفِ، بَلْ مُؤَكِّدٌ وَمُجَدِّدٌ لِاشْتِغَالِهَا الْأَصْلِيِّ بِهِ، وَالضَّعِيفُ قَدْ يُؤَكِّدُ الْقَوِيَّ وَلَا يَرْفَعُهُ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: الْأَصْلُ عَدَمُ التَّكْلِيفِ ; إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى زَمَنِ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ فِي هَذِهِ
(3/159)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَيَاةِ، وَهَذِهِ النَّشْأَةِ، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى أَوَّلِ أَزْمِنَةِ التَّكْلِيفِ، فَهُوَ يَوْمُ أَخْذِ الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ النَّظَرُ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ.
وَأَمَّا رَفْعُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَنَقُولُ: الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ عَدَمِ اشْتِغَالِهَا بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ.
أَمَّا دَوَامُ ذَلِكَ الْعَدَمِ إِلَى حِينِ الدَّعْوَى، فَلَا قَاطِعَ بِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا الْغَرِيمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ حَقِّ خَصْمِهِ، شَغَلَهَا بِأَنْ غَصَبَهُ، أَوِ اقْتَرَضَ مِنْهُ، أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْمُدَّعِي يَدَّعِي تَجْدِيدَ شَغْلِ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَدَّعِي اسْتِمْرَارَ فَرَاغِ ذِمَّتِهِ وَدَوَامَهُ، فَصَارَ اخْتِلَافُهُمَا فِي دَوَامِ فَرَاغِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى فَرَاغِهَا الْأَصْلِيِّ، كَالِاخْتِلَافِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ. وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ الْبَيِّنَةُ الشَّرْعِيَّةُ الظَّنِّيَّةُ رَافِعَةً لِأَمْرٍ قَطْعِيٍّ، لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ هُوَ ثُبُوتُ مُجَرَّدِ عَدَمِ شَغْلِ الذِّمَّةِ، وَالْبَيِّنَةُ لَا تَرْفَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُ دَوَامَ ذَلِكَ الْعَدَمِ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَصَارَتِ الْبَيِّنَةُ كَالْمُرَجِّحِ لِقَوْلِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَهُوَ الْمُدَّعِي.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَقْرِيرٌ مُتَّجِهٌ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إِنَّمَا جُعِلَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّ جَانِبَ الْمُدَّعِي ضَعِيفٌ، لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ، وَهُوَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فَرَاغُهَا، وَجَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوِيٌّ لِدَعْوَاهُ وَفْقَ الْأَصْلِ، وَهُوَ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ
(3/160)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِنَ الْحَقِّ، وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنَ الْيَمِينِ، فَجُعِلَتِ الْحُجَّةُ الَّتِي هِيَ أَقْوَى فِي جَانِبِ الْأَضْعَفِ، وَالَّتِي هِيَ أَضْعَفُ فِي جَانِبِ الْأَقْوَى تَعْدِيلًا.
قُلْنَا: هَذَا لَا يُشْكِلُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَقْتَضِي كَوْنَ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُنْكِرُ رَاجِحًا، لَكِنَّ الرُّجْحَانَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا أَوْ غَيْرَ قَاطِعٍ، وَرُجْحَانُ جَانِبِ الْمُنْكِرِ غَيْرُ قَاطِعٍ؛ لِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنَ اخْتِلَافِهِمَا فِي دَوَامِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ الْقَاطِعَةِ.
وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: جَانِبُ الْمُنْكِرِ رَاجِحٌ لِحُصُولِ الْقَطْعِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِالْجُمْلَةِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ. فَلِهَذَا الرُّجْحَانِ ضَمَمْنَا إِلَيْهِ الْحُجَّةَ الضَّعِيفَةَ، وَهِيَ الْيَمِينُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الرُّجْحَانُ قَاطِعًا، حَتَّى يَكُونَ رَفْعُهُ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ رَفْعًا لِلْقَاطِعِ بِالظَّنِّيِّ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَنَافِي الْحُكْمِ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. وَقِيلَ: فِي الشَّرْعِيَّاتِ فَقَطْ» .
اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَدِلِّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ: مَا الْأَمْرُ كَذَا، أَوْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَا، فَالْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ الَّذِي ادَّعَى نَفْيَهُ، وَلَا يَكْفِيهِ مُجَرَّدُ دَعْوَى النَّفْيِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ عَلَى النَّفْيِ، كَأَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِكَوْنِ دَعْوَاهُ مُوَافِقَةً لِلْأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْأَشْيَاءِ وَانْتِفَاؤُهَا، فَمَنِ ادَّعَى وُجُودَهَا وَثُبُوتَهَا، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلِهَذَا بَنَى بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟
إِنْ قُلْنَا: هُوَ حُجَّةٌ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى النَّافِي
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
(3/161)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: وَهَذَا التَّفْرِيعُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا رُجْحَانَ وُجُوبِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِنَا: إِنَّ الِاسْتِصْحَابَ حُجَّةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ «فِي الشَّرْعِيَّاتِ» نَحْوُ: لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِلصَّلَاةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ نَحْوُ: لَيْسَ الْعَالَمُ بِقَدِيمٍ.
(3/162)

لَنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} وَالدَّعْوَى نَفْيُهُ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ دَعْوَاهُ بِعِبَارَةٍ نَافِيَةٍ، كَقَوْلِ مُدَّعِي حُدُوثَ الْعَالَمِ: لَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَقِدَمُهُ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ، فَيَسْقُطُ الدَّلِيلُ عَنْهُمَا فَتَعُمُّ الْجَهَالَةُ وَيَقَعُ الْخَبْطُ وَيَضِيعُ الْحَقُّ، وَطَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ بَيَانُ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَنَحْوِهِ.
قَالُوا: النَّفْيُ أَصْلِيُّ الْوُجُودِ، فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَلْزَمُهُ دَلِيلٌ.
قُلْنَا: الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الدَّلِيلِ لَا يُسْقِطُهُ، وَتَعَذُّرُهُ مَمْنُوعٌ، وَانْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَدِينِ مَمْنُوعٌ، إِذِ الْيَمِينُ دَلِيلٌ، وَإِنْ سُلِّمَ فَلِتَعَذُّرِهِ، إِذِ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ بَاطِلَةٌ لِتَعَذُّرِهَا، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَى مِلْكِهِ أَغْنَاهُ عَنِ الدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِجْمَاعِيٌّ كَنَفْيِ صَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ نَصِّيٌّ كَنَفْيِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ، أَوْ قِيَاسِيٌّ كَإِلْحَاقِ الْخُضْرَاوَاتِ بِالرُّمَّانِ فِي نَفْيِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَعَلَى نَفْيِ الْعَقْلِيِّ مَا سَبَقَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «لَنَا:» ، أَيْ: عَلَى أَنَّ نَافِيَ الْحُكْمِ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَلْزَمَ النَّافِيَ الدَّلِيلَ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ، لَمَا أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَدْلٌ فِي مُنَاظَرَتِهِ، وَسَائِرِ أَفْعَالِهِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - حِكَايَةً عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى:
(3/163)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [الْبَقَرَةِ: 111] ، فَهَذِهِ دَعْوَى نَافِيَةٌ، فَأَجَابَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [الْبَقَرَةِ: 111] ، ثُمَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمُطَالَبَتِهِمْ بِدَلِيلِ دَعْوَاهُمُ النَّافِيَةِ، فَقَالَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الْبَقَرَةِ: 111] ، أَيْ: أَقِيمُوا الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، وَهُوَ إِلْزَامٌ بِالدَّلِيلِ عَلَى دَعْوَى النَّفْيِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ نَافِيَ الْحُكْمِ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّلِيلُ، لَضَاعَ الْحَقُّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَتَعَطَّلَ، لَكِنَّ تَعَطُّلَ الْحَقِّ بَاطِلٌ، فَالْمُفْضِي إِلَيْهِ بَاطِلٌ، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ لَتَعَطَّلَ الْحَقُّ، «لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ» أَنْ يُعَبِّرَ «عَنْ دَعْوَاهُ بِعِبَارَةٍ نَافِيَةٍ» فَيَقُولُ الْمُدَّعِي لِحُدُوثِ الْعَالَمِ: «لَيْسَ بِقَدِيمٍ» وَيَقُولُ الْمُدَّعِي لِقِدَمِهِ: «لَيْسَ بِمُحْدَثٍ» . وَحِينَئِذٍ «يَسْقُطُ الدَّلِيلُ عَنْهُمَا» لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَافٍ لِلْحُكْمِ، وَإِذَا سَقَطَ الدَّلِيلُ عَنْهُمَا ضَاعَ الْحَقُّ، فَلَمْ يُعْلَمْ فِي أَيِّ طَرَفٍ هُوَ، إِذْ لَا يَظْهَرُ الْحَقُّ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَحِينَئِذٍ «تَعُمُّ الْجَهَالَةُ، وَيَقَعُ الْخَبْطُ» فِي الْأَحْكَامِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ تَعَطُّلَ الْحَقِّ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَوْ تَعَطَّلَ لَقَامَ الْبَاطِلُ، إِذْ هُمَا ضِدَّانِ، أَوْ نَقِيضَانِ، لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَقِيَامُ الْبَاطِلِ وَظُهُورُهُ بَاطِلٌ، فَثَبَتَ أَنَّ سُقُوطَ الدَّلِيلِ عَنِ النَّافِي بَاطِلٌ.
(3/164)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَطَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ بَيَانُ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَنَحْوِهِ» أَيْ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّافِيَ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ، فَطَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ بَيَانُ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنْ إِثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ مِنْهُ الْمُحَالُ يَكُونُ مُحَالًا، فَإِذَا لَزِمَ الْمُحَالُ مِنَ النَّفْيِ كَانَ النَّفْيُ مُحَالًا، فَيَكُونُ الْإِثْبَاتُ حَقًّا، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا.
مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: الْعَالَمُ لَيْسَ بِقَدِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدِيِمًا لَلَزِمَ تَأْثِيرُ إِرَادَةِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ فِيهِ، لَكِنَّ تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ فِي الْقَدِيمِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ أَثَرًا، وَكُلُّ أَثَرٍ مُحْدَثٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَنْقَلِبَ الْقَدِيمُ مُحْدَثًا، وَهُوَ مُحَالٌ، فَهَذَا الْمُحَالُ قَدْ لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ قِدَمِ الْعَالَمِ، فَيَكُونُ مُحَالًا، وَإِذَا اسْتَحَالَ الْقِدَمُ، تَعَيَّنَ الْحُدُوثُ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقُ لِلْمُسْتَدِلِّ، وَيَسْنَحُ لِخَاطِرِهِ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا:» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: احْتَجَّ النَّافُونَ لِوُجُوبِ الدَّلِيلِ عَلَى النَّافِي بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «النَّفْيَ أَصْلِيُّ الْوُجُودِ» يَعْنِي أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ، إِذِ الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّا سِوَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَكُلُّ شَيْءٍ يُسْتَدَلُّ عَلَى نَفْيِهِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْعَالَمِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعَالَمِ الْعَدَمُ وَالِانْتِفَاءُ، وَإِذَا كَانَ الْعَدَمُ وَالِانْتِفَاءُ ثَابِتًا بِحَقِّ الْأَصْلِ، اسْتُغْنِيَ عَنْ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّيْنُ» أَيْ: مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ «لَا
(3/165)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَلْزَمُهُ دَلِيلُ» بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ؛ لِثُبُوتِهَا بِحَقِّ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ الْبَيِّنَةُ الْمُدَّعِيَ؛ لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بَعْدَ انْتِفَائِهِ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ مَرْجِعُهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ اسْتِغْنَاءُ مَا ثَبَتَ بِحَقِّ الْأَصْلِ عَنِ الدَّلِيلِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا:» إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ: أَنَّ «الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الدَّلِيلِ لَا يُسْقِطُهُ» إِذَا قَامَ دَلِيلُ وُجُوبِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ بِمَا سَبَقَ، «وَتَعَذُّرُهُ مَمْنُوعٌ» . أَيْ: إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ الدَّلِيلَ مُتَعَذِّرٌ عَلَى النَّفْيِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، مَنَعْنَا تَعَذُّرَهُ مُطْلَقًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إِمْكَانِهِ بِبَيَانِ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنَ الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا «انْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَنِ» الْمَدْيُونِ، فَمَمْنُوعٌ أَيْضًا، إِذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُنْكِرَ الدَّيْنِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَهُوَ الْيَمِينُ، وَهِيَ وَإِنْ قَصُرَتْ فِي الْقُوَّةِ عَنِ الْبَيِّنَةِ، لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا دَلِيْلًا، إِذِ الْأَدِلَّةُ مِنْهَا الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْيَمِينَ لَيْسَتْ دَلِيلًا، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّلِيلَ إِنَّمَا سَقَطَ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّا لَوْ كَلَّفْنَاهُ دَلِيلًا، لَكَانَ دَلِيلُهُ الْبَيِّنَةَ، كَمَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ إِنَّمَا تَصِحُّ شَهَادَتُهَا بِالْإِثْبَاتِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَاهَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لَكَانَتْ شَهَادُتُهَا لَهُ بِالنَّفْيِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي قِبَلَهُ، لَكِنَّ «الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ بَاطِلَةٌ» ؛ لِجَوَازِ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي حَالِ نَوْمِهَا، أَوْ غَفْلَتِهَا، أَوْ غَيْبَتِهَا وَضَبْطِهَا لِلزَّمَانِ، بِحَيْثُ تَحَقَّقَ أَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مُتَعَذِّرٌ، فَسَقَطَ الدَّلِيلُ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَاهُنَا لِتَعَذُّرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الدَّلِيلِ فِي
(3/166)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَوْضِعٍ خَاصٍّ لِمَانِعٍ خَاصٍّ سُقُوطُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمَا إِذَا كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدٌ، كَمَا لَوِ ادَّعَى زَيْدٌ عَيْنًا فِي يَدِ عَمْرٍو، فَأَنْكَرَهُ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَى مِلْكِهِ قَامَ مَقَامَ الدَّلِيلِ، فَأَغْنَاهُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: «وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِجْمَاعِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا بَيَانُ أَنْوَاعِ مَدَارِكِ نَفْيِ الْحُكْمِ، أَيْ: حَيْثُ قَدْ أَثْبَتْنَا أَنَّ نَافِيَ الْحُكْمَ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ مُطْلَقًا، فَالْحُكْمُ إِمَّا شَرْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ.
أَمَّا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، فَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُ نَفْيِهِ الْإِجْمَاعَ، «كَنَفْيِ» وُجُوبِ «صَلَاةِ الضُّحَى» ، فَإِنَّهَا بِالْإِجْمَاعِ لَا تَجِبُ، لَكِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ النَّصَّ، «كَنَفْيِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ» وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِي الْكُسْعَةِ وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ وَالْكُسْعَةُ: الْحَمِيرُ، وَالْجَبْهَةُ:
(3/167)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْخَيْلُ، وَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ الْقِيَاسَ، كَقَوْلِنَا: لَا زَكَاةَ فِي الْخُضْرَاوَاتِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الرُّمَّانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ، فَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ «مَا سَبَقَ» يَعْنِي مِنْ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنْ إِثْبَاتِهِ، وَدَلِيلُ التَّلَازُمِ نَحْوُ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 22] ، لَكِنَّهُمَا مَا فَسَدَتَا، فَلَزِمَ أَنْ لَا إِلَهَ فِيهِمَا إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، وَفَسَادُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَازِمٌ لِوُجُودِ إِلَهَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَانْتِفَاءُ الْفَسَادِ فِيهِمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ فِيهِمَا، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
(3/168)

الْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخُهُ - شَرْعٌ لَنَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالثَّانِي: لَا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ كَالْقَوْلَيْنِ.
الْمُثْبَتُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ} الْآيَةَ، وَدِلَالَتُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ، {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ: السِّنُّ بِالسِّنِّ إِلَّا مَا حُكِيَ فِيهِ عَنِ التَّوْرَاةِ، وَرَاجَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّوْرَاةَ فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ بِـ {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} عَلَى قَضَاءِ الْمَنْسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِهَا.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ: التَّوْحِيدُ وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ، وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الشَّرَائِعِ، وَ «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» إِشَارَةٌ إِلَى عُمُومِ: {فَمَنِ اعْتَدَى} ، أَوِ {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ، وَمُرَاجَعَتُهُ التَّوْرَاةَ تَحْقِيْقًا لِكَذِبِهِمْ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقُرْآنِ، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} قِيَاسٌ أَوْ تَأْكِيدٌ لِدَلِيلِهِ بِهِ، أَوْ عَلِمَ عُمُومَهُ لَهُ، لَا حُكْمٌ بِشَرْعِ مُوسَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
" الْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ ":
لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهِيَ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ، أَخَذَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ، وَالِاسْتِحْسَانُ، وَالِاسْتِصْلَاحُ.
قَوْلُهُ: " أَحَدُهَا "، أَيْ: أَحَدُ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ: " شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخُهُ - شَرْعٌ لَنَا ". أَيْ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا إِنْ وَرَدَ نَاسِخُهُ فِي شَرْعِنَا، فَلَيْسَ شَرْعًا
(3/169)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَنَا، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ لَهُ نَاسِخٌ فِي شَرْعِنَا، فَهُوَ شَرْعٌ لَنَا " فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ " عَنْ أَحْمَدَ، وَ " اخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّ " مِنْ أَصْحَابِنَا " وَالْحَنَفِيَّةُ ".
قَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْقَوْلُ " الثَّانِي " لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، " وَلِلشَّافِعِيَّةِ كَالْقَوْلَيْنِ ".
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَاخْتَارَهُ.
قَوْلُهُ: " الْمُثْبِتُ " أَيِ: احْتَجَّ الْمُثْبِتُ لِكَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [الْمَائِدَةِ: 44] " وَدَلَالَتُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ ":
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَعَلَهَا مُسْتَنَدًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي آخِرِهَا: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [الْمَائِدَةِ: 44] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ: قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مُخَاطِبًا لِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الْأَنْعَامِ: 90] يَعْنِي أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمْرُهُ لَهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ شَرْعَهُمْ شَرْعٌ لَهُ قَطْعًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النَّحْلِ: 123] ; أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَهِيَ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِالْإِخْبَارِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
(3/170)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الْأَنْعَامِ: 161] ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشُّورَى: 13] الْآيَةَ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّرْعَيْنِ سَوَاءٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِتَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ بِالْقِصَاصِ فِي السِّنِّ، " وَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ: السِّنُّ بِالسِّنِّ إِلَّا مَا حُكِيَ فِيهِ عَنِ التَّوْرَاةِ " بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: " {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [الْمَائِدَةِ: 45] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْعًا لَهُ، لَمَّا قَضَى بِهِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رَاجَعَ التَّوْرَاةَ فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ " مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا وَجَدَ فِيهَا أَنَّهُمَا يُرْجَمَانِ، رَجَمَهُمَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " اسْتَدَلَّ " عَلَى وُجُوبِ " قَضَاءِ الْمَنْسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِهَا " بِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طَهَ: 14] ، وَإِنَّمَا الْخِطَابُ فِيهَا لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ لَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْزِلًا، فَنَامَ فِيهِ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى فَاتَ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، أَمَرَهُمْ، فَخَرَجُوا عَنِ الْوَادِي، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ
(3/171)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصُّبْحَ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ.
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ احْتَجَّ بِهَا مَنْ أَثْبَتَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا.
قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ "، أَيْ: أَجَابَ النَّافُونَ لِذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ بِأَنْ قَالُوا: " إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ " الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ إِنَّمَا هُوَ " التَّوْحِيدُ وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ " الْمَعْرُوفَةُ بِأُصُولِ الدِّينِ، وَمَا يَجُوزُ عَلَى الْبَارِئِ جَلَّ جَلَالُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ، " وَهِيَ " أَيِ: الْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ " مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الشَّرَائِعِ " كُلِّهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا: اللَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ أَزَلِيٌّ بَاقٍ سَرْمَدِيٌّ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، خَالِقٌ لِلْعَالَمِ، مُرْسِلٌ لِلرُّسُلِ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، لَيْسَ بِجَائِرٍ وَلَا ظَالِمٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَا أَنَّ شَرْعَ مِنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فِي فُرُوعِ الدِّينِ، بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَدِلَّتِنَا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَلَيْسَ إِشَارَةً إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ، بَلْ إِمَّا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 194] ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْعُدْوَانَ فِي السِّنِّ وَغَيْرِهَا، أَوْ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [الْمَائِدَةِ: 45] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَالْجُرُوحُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ كِتَابِنَا وَشَرْعِنَا، لَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا.
(3/172)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا " مُرَاجَعَتُهُ التَّوْرَاةَ " فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ فَلَيْسَ عَلَى جِهَةِ اسْتِفَادَةِ الْحُكْمِ مِنْهَا بَلْ تَحْقِيْقًا لِكَذِبِ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُ رَآهُمْ سَوَّدُوا وُجُوهَهُمَا، وَطَافُوا بِهِمَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي، فَاسْتَدْعَى بِالتَّوْرَاةِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا الْحُكْمَ بِالرَّجْمِ " تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ " عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيفِهِمُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي مَوْضِعِ: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 93] ، " وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقُرْآنِ " بِقَوْلِهِ تَعَالَى: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ". وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا مِمَّا نُسِخَ خَطُّهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ.
قُلْتُ: لَكِنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ قِصَّةَ الْيَهُودِيَّيْنِ كَانَتْ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الرَّجْمِ الْمَذْكُورَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طَهَ: 14] ، فَهُوَ إِمَّا " قِيَاسٌ " لِنَفْسِهِ عَلَى مُوسَى فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِذِكْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ: عِنْدَ ذِكْرِهِ، " أَوْ تَأْكِيدٌ " مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لِدَلِيلِهِ " عَلَى قَضَاءِ الصَّلَاةِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ خَطَابًا لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلِمَ عُمُومَ الْآيَةِ لَهُ، " لَا " أَنَّهُ " حَكَمَ بِشَرْعِ مُوسَى " عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(3/173)

النَّافِي: لَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا لَمَا صَحَّ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} وَ «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» ، إِذْ يُفِيدَانِ اخْتِصَاصَ (كُلٍّ) بِشَرِيعَةٍ، وَلَلَزِمَهُ وَأُمَّتَهُ تَعَلُّمُ كُتُبِهِمْ، وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ فِي شَرْعِهِ، وَلَمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْوَحْيِ فِي الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَالْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا، وَلَمَا غَضِبَ حِينَ رَأَى بِيَدِ عُمَرَ قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلَكَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ وَمُنَاقَضَةٌ لِقَوْلِهِ: «لَوْ كَانَ» مُوسَى حَيًّا لَاتَّبَعَنِي، وَلَمَا صَوَّبَ مُعَاذًا فِي انْتِقَالِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ، لَا يُقَالُ: الْكِتَابُ تَنَاوَلَ التَّوْرَاةَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمْ يُعْهَدْ مِنْ مُعَاذٍ اشْتِغَالٌ بِهَا وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ فِي عُرْفِ الْإِسْلَامِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقُرْآنِ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلَيْنِ: بِأَنَّ اشْتِرَاكَ الشَّرِيعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي اخْتِصَاصَ كُلِّ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةٍ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ، وَعَنِ الْبَاقِي بِأَنَّهَا حُرِّفَتْ فَلَمْ تُنْقُلْ إِلَيْهِ مَوْثُوقًا بِهَا، وَالْكَلَامُ فِيمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْهَا كَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَحْكَامِهَا، وَإِذَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهَا فَلَا غَضَّ وَلَا تَبَعِيَّةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " النَّافِي "، أَيْ: النَّافِي لِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: " لَوْ كَانَ " شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا " شَرْعًا لَنَا، لَمَا صَحَّ " قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [الْمَائِدَةِ: 48] ، وَلَمَا صَحَّ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، " إِذْ يُفِيدَانِ "
(3/174)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَعْنِي: الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ " اخْتِصَاصَ كُلٍّ " مِنَ الرُّسُلِ " بِشَرِيعَةٍ "، لَكِنْ قَدْ صَحَّ مَضْمُونُ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، فَلَا يَكُونُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا، لَلَزِمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَأُمَّتَهُ تَعَلُّمَ كُتُبِهِمْ "، أَيْ: كُتُبُ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، " وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ فِي شَرْعِهِ " عَلَى حَادِثَةٍ مَا، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا " لَمَا تَوَقَّفَ " النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فِي الظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَالْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا " مِنَ الْأَحْكَامِ " عَلَى الْوَحْيِ "، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى الْوَحْيِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ شَرْعَهُمْ لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَإِلَّا لَبَادَرَ بِاسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ مِنْ كُتُبِهِمْ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ فِيهَا لِأَنَّهَا مَنْ شَرْعِهِ كَالْقُرْآنِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى يَوْمًا بِيَدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا هَذَا؟ أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي، وَلَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، " لَمَا غَضِبَ " مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَغْضَبُ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ.
الْخَامِسُ: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، " لَكَانَ " النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " تَبَعًا لِغَيْرِهِ " فِي الشَّرْعِ، وَفِي ذَلِكَ " غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ وَمُنَاقَضَةٌ لِقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا
(3/175)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَاتَّبَعَنِي إِذْ يَكُونُ تَابِعًا لِمُوسَى مَتْبُوعًا لَهُ بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِ فِي عَصْرِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصَوَّبَ مُعَاذًا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا، لَمَّا صَوَّبَهُ، بَلْ كَانَ يَقُولُ لَهُ: إِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَسُنَّتِي شَيْئًا، فَاطْلُبِ الْحُكْمَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، ثُمَّ اجْتَهَدْ رَأْيَكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: " وَلَمَا صَوَّبَ مُعَاذًا فِي انْتِقَالِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ ".
قَوْلُهُ: " لَا يُقَالُ "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ، أَيْ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ. عَامٌّ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مَنْ كُتُبِ مَنْ قَبْلَنَا، وَلِذَلِكَ صَحَّ تَنَزُّلُهُ فِي مَرَاتِبِ الْأَدِلَّةِ، وَاتَّجَهَ تَصْوِيبُهُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ: " لَمْ يُعْهَدْ مِنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اشْتِغَالٌ " بِالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يُحْمَلَ الْكِتَابُ فِي قَوْلِهِ: أَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ، عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهَا مَعَ الْقُرْآنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ " إِطْلَاقَ الْكِتَابِ " وَكِتَابُ اللَّهِ " فِي عُرْفِ الْإِسْلَامِ
(3/176)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَنْصَرِفُ إِلَى الْقُرْآنِ "، فَيُحْمَلُ الْكِتَابُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ. وَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَلَّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ هُوَ بِشَرْعٍ لَنَا. فَهَذِهِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ تَدَلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ "، أَيْ: أَجَابَ الْمُثْبِتُونَ عَنِ الْوُجُوهِ السِّتَّةِ بِمَا ذُكِرَ.
فَأُجِيبَ " عَنِ الْأَوَّلَيْنِ " ; وَهْمَا: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، لَمَا صَحَّ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} ، وَلَا قَوْلُهُ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ " بِأَنَّ اشْتِرَاكَ الشَّرِيعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي اخْتِصَاصَ كُلِّ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةٍ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ "، وَهُوَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، أَيْ: إِنَّ الشَّرِيعَتَيْنِ إِذَا اشْتَرَكَتَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَاخْتَلَفَتَا فِي بَعْضِهَا، صَحَّ أَنْ يَكُونَ شَرْعُ إِحْدَى الشَّرِيعَتَيْنِ شَرْعًا لِمَنْ بَعْدَهَا بِاعْتِبَارِ الْبَعْضِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَصَحَّ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ النَّبِيِّينَ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجٌ بِاعْتِبَارِ الْبَعْضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَنَافٍ. وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} لَا يَنْفِي كَوْنَ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُفِيدُ اخْتِصَاصَهُ بِشَرِيعَةٍ لَا يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ أَوْ بِبَعْضِهِ.
وَأُجِيبَ " عَنِ الْبَاقِي "، أَيْ: بَاقِي الْوُجُوهِ بِأَنَّ كُتُبَ مَنْ قَبْلَهُ " حُرِّفَتْ، فَلَمْ تُنْقَلْ إِلَيْهِ مَوْثُوقًا بِهَا "، فَلِذَلِكَ لَمْ يَطْلُبْ أَحْكَامَ الْوَقَائِعِ الْعَارِضَةِ لَهُ فِيهَا، وَلِذَلِكَ غَضِبَ مِنْ نَظَرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِطْعَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَصَوَّبَ مُعَاذًا
(3/177)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي انْتِقَالِهِ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَرْكَ ذِكْرِ كُتُبِ مَنْ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيمَا حُرِّفَ مِنْهَا، وَلَمْ يَصِحَّ نَقْلُهُ، إِنَّمَا " الْكَلَامُ فِيمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْهَا كَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَحْكَامِهَا "، فَذَلِكَ الَّذِي هُوَ شَرْعٌ لَهُ لَا غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: " وَإِذَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهَا "، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْوَجْهِ الْخَامِسِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " لَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا، لَكَانَ " النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " تَبَعًا لِغَيْرِهِ "؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ بِتَحْرِيفِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ لَمْ يَنْتَظِمْهُ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَعَبَّدَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ وَبِمُقْتَضَى كُتُبِهِمْ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ، وَلَا جَعْلُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ مُطِيعٌ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، لَا لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَهُوَ كَالْمَلَائِكَةِ لَمَّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَضٌّ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَقْصٌ؛ لِأَنَّ سُجُودَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ، لَا لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَبِالْجُمْلَةِ إِذَا كَانَتْ طَاعَةُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لَمْ يَضُرُّهُ مَا كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْوَسَائِطِ وَالْأَسْبَابِ.
(3/178)

وَالْمَأْخَذُ الصَّحِيحُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّحْسِينُ الْعَقْلِيُّ، فَإِنَّ الْمُثْبِتَ يَقُولُ: الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ حُسْنُهَا ذَاتِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ فَهِيَ حَسَنَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا فَتَرْكُنَا لَهَا قَبِيحٌ، وَالنَّافِي يَقُولُ: حُسْنُهَا شَرْعِيٌّ إِضَافِيٌّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ حَسَنًا فِي حَقِّهِمْ قَبِيحًا فِي حَقِّنَا، وَعَلَى هَذَا أَيْضًا انْبَنَى الْخِلَافُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ وَكَوْنِهِ رَفْعًا كَمَا سَبَقَ.
أَمَّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَقِيلَ: كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ لِشُمُولِ دَعْوَتِهِ لَهُ، وَقِيلَ: لَا؛ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إِلَيْهِ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِزَمَنِ الْفَتْرَةِ، وَقِيلَ: التَّوَقُّفُ لِلتَّعَارُضِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " وَالْمَأْخَذُ الصَّحِيحُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ "، إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّا لَمَّا ذَكَرْنَا مَأْخَذَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ، لَمْ يَتَحَقَّقْ وَاحِدٌ مِنَ الْمَأْخَذَيْنِ، فَاحْتَجْنَا إِلَى أَنْ نَذْكُرَ لَهَا مَأْخَذًا وَجِيزًا صَحِيحًا ; وَهُوَ التَّحْسِينُ الْعَقْلِيُّ كَمَا سَبَقَ شَرْحُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ. نَقُولُ: " الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ حُسْنُهَا ذَاتِيٌّ "، أَيْ: لِذَوَاتِهَا، أَوْ لِأَوْصَافٍ قَامَتْ بِهَا، وَالْحُسْنُ الذَّاتِيُّ وَنَحْوُهُ " لَا يَخْتَلِفُ فِي شَرْعِنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، كَتَحْرِيمِ الْقَتْلِ، وَالزِّنَى، وَالْقَذْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ حَسَنَةً حُسْنًا لَا
(3/179)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَتَغَيَّرُ، كَانَ تَرْكُنَا لَهَا قَبِيحًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْحَسَنِ قَبِيحٌ، كَمَا أَنَّ تَرْكَ الْقَبِيحِ حَسَنٌ.
" وَالنَّافِي " فِي الْمَسْأَلَةِ " يَقُولُ ": حُسْنُ الْأَحْكَامِ لَيْسَ ذَاتِيًّا، بَلْ هُوَ " شَرْعِيٌّ إِضَافِيٌّ "، أَيْ: هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ وَنَهْيِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ.
وَحِينَئِذٍ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ حَسَنًا فِي حَقِّهِمْ، قَبِيْحًا فِي حَقِّنَا "، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِهِ، وَنُهِينَا عَنْهُ، كَقَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ فِي التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ، كَانَ حَسَنًا فِي حَقِّ قَوْمِ مُوسَى بِقَوْلِهِ: {يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 54] الْآيَةَ. وَهُوَ قَبِيحٌ فِي حَقِّنَا لِأَنَّا مَنْهِيُّونَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ عِنْدَنَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: " وَعَلَى هَذَا أَيْضًا انْبَنَى الْخِلَافُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ وَكَوْنِهِ رَفْعًا، كَمَا سَبَقَ " فِي بَابِ النَّسْخِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ.
أَمَّا جَوَازُ النَّسْخِ، فَلِأَنَّ الْمَانِعَ لَهُ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ حَسَنًا، كَانَ نَسْخُهُ قَبِيحًا، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا، فَابْتِدَاءُ شَرْعِهِ أَقْبَحُ، فَيَمْتَنِعُ النَّسْخُ.
وَالْمُجِيزُ لَهُ يَقُولُ: الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ تَابِعَانِ لِأَمْرِ الشَّرْعِ وَنَهْيِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ الْآنَ بِشَيْءٍ، فَيَكُونُ حَسَنًا، وَأَنْ يَنْهَى عَنْهُ فِيمَا بَعْدُ، فَيَكُونُ قَبِيحًا.
وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي كَيْفِيَّةِ النَّسْخِ، فَلِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، قَالَ: النَّسْخُ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحُسْنِ قَبِيحٌ، وَابْتِدَاءُ شَرْعِ الْقَبِيحِ أَقْبَحُ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ، قَالَ: النَّسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَلَا قُبْحَ فِيمَا أَمَرَ
(3/180)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْعُ بِهِ، وَلَا حُسْنَ فِيمَا نَهَى عَنْهُ.
قَوْلُهُ: " أَمَّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ "، إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا هُوَ فِيمَا بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بُدَّ، أَمَّا قَبْلَ بِعْثَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: " كَانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ " مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ " لِشُمُولِ دَعْوَتِهِ لَهُ "، أَيْ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ دَعَا إِلَى شَرْعِهِ كُلَّ الْمُكَلَّفِينَ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ هَلْ كَانَ بِشَرْعِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ أَوْ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
قُلْتُ: وَمُقْتَضَى دَلِيلِهِمْ أَنْ يَتَعَيَّنَ شَرْعُ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ عَمَّتْ، وَنَسَخَتْ مَا قَبِلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، فَبِعُمُومِهَا تَنَاوَلَتِ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَبِنَسْخِهَا لِمَا قَبِلَهَا مَنَعَتْ مِنَ اتِّبَاعِهِ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ.
أَمَّا عُمُومُ دَعْوَتِهِ فَلِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [الْمُؤْمِنُونَ: 50] ، {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 91] ، {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} [مَرْيَمَ: 21] ، وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ، أَيْ: آيَةٌ عَلَى سَعَادَةِ السُّعَدَاءِ بِاتِّبَاعِهِ، وَعَلَى شَقَاوَةِ الْأَشْقِيَاءِ بِمُخَالَفَتِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عُمُومَ الدَّعْوَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مَرْيَمَ: 31] ، أَيْ:
(3/181)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَنِ اتَّبَعَنِي كُنْتُ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ عُمُومَ الدَّعْوَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - سَمَّاهُ نَاصِرًا لَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ نَاصِرًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ، كَانَ عَامَّ الدَّعْوَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى اخْتِصَاصِهَا دَلِيلٌ.
أَمَّا أَنَّهُ كَانَ نَاصِرًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ، فَلِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ} [الصَّفِّ: 14] وَالتَّقْدِيرُ: كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا كَانَ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ أَنْصَارَ اللَّهِ.
وَأَمَّا أَنَّ مَنْ كَانَ نَاصِرًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، كَانَ عَامَّ الدَّعْوَةِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ، فَلِأَنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ الدُّعَاءُ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَدِينِهِ الْحَقِّ، وَالْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ لِلدَّعْوَةِ بِبَعْضِ الْبِلَادِ كَاخْتِصَاصِ دَعْوَةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقُرَى سَدُومَ، أَوْ بِبَعْضِ الْقَبَائِلِ، كَاخْتِصَاصِ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ بِمَدْيَنَ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، اخْتُصَّتِ الدَّعْوَةُ بِمُوجِبِ الدَّلِيلِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الْمَائِدَةِ: 116] الْآيَةَ، وَلَفْظُ النَّاسِ عَامٌّ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى النَّاسِ عُمُومًا، فَغَلَا بَعْضُهُمْ، فَاتَّخَذُوهُ إِلَهًا.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الْأَحْقَافِ: 35] ، وَعِيسَى مِنْهُمْ، وَكَانَتْ دَعْوَةُ أُولِي الْعَزْمِ عَامَّةً، فَكَذَلِكَ عِيسَى.
أَمَّا قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ}
(3/182)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[آلِ عِمْرَانَ: 48 - 49] ، فَلَا يَقْدَحُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَدِلَّةِ عُمُومِ دَعْوَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْسَلَ إِلَى النَّاسِ مُرْسَلٌ إِلَى كُلِّ جُزْءٍ وَطَائِفَةٍ مِنْهُمْ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ.
وَأَمَّا أَنَّ شَرِيعَتَهُ نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، فَلِأَنَّ شَرِيعَةَ مُوسَى نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا، وَشَرِيعَةُ عِيسَى نَسَخَتْ شَرِيعَةَ مُوسَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 50] ، يَعْنِي فِي شَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ النَّسْخِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي نَسْخِ الشَّرِيعَةِ نَسْخُ جَمِيعِهَا، بَلْ يَكْفِي فِي تَسْمِيَتِهَا مَنْسُوخَةً نَسْخُ بَعْضِ أَحْكَامِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَسَخَتْ كُلَّ شَرِيعَةٍ قَبْلَهَا، مَعَ أَنَّهَا قَرَّرَتْ بَعْضَ الْأَحْكَامِ، فَلَمْ تُنْسَخْ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَبْلَ بِعْثَتِهِ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَيِّنَ لِذَلِكَ شَرِيعَةَ عِيسَى، وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ ; مِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ " إِلَيْهِ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ " لِطُولِ الْمُدَّةِ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّقَلَةِ، " وَهُوَ الْمُرَادُ بِزَمَنِ الْفَتْرَةِ " وأَيْضًا لِئَلَّا يَلْحَقَهُ الْغَضُّ بِتَبَعِيَّةِ مَنْ قَبْلَهُ.
وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ لِتَعَارُضِ الدَّلِيلِ فِيهِ، وَهُمُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ.
قُلْتُ: مِنَ الْمُتَّجِهِ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالْإِلْهَامِ، أَيْ: يُلْهِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَاتٍ
(3/183)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَتَعَبَّدُ بِهَا، وَيَخْلُقُ فِيهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِمَشْرُوعِيَّتِهَا لَهُ، وَبِمَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِهَا. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِي تَعَبُّدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
(3/184)

الثَّانِي: قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ: حُجَّةٌ، يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَجَدِيدِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقِيلَ: الْحُجَّةُ قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَقِيلَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لِلْحَدِيثَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ.
لَنَا عَلَى الْعُمُومِ: أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ وَخُصَّ فِي الصَّحَابِيِّ بِدَلِيلٍ.
قَالُوا: غَيْرُ مَعْصُومٍ فَالْعَامُّ وَالْقِيَاسُ أَوْلَى.
قُلْنَا: كَذَا الْمُجْتَهِدُ وَيَتَرَجَّحُ الصَّحَابِيُّ بِحُضُورِ التَّنْزِيلِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ، وَقَوْلُهُ أَخَصُّ مِنَ الْعُمُومِ فَيُقَدَّمُ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَأَجَازَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُنْكَرَ عَلَى الْقَائِلِ قَوْلُهُ.
لَنَا: الْقِيَاسُ عَلَى تَعَارُضِ دَلِيلَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا خَطَأٌ قَطْعًا.
قَالُوا: اخْتِلَافُهُمْ تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى قَوْلِ مُعَاذَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي تَرْكِ رَجْمِ الْمَرْأَةِ.
قُلْنَا: إِنَّمَا سَوَّغُوا الْأَخْذَ بِالْأَرْجَحِ، وَرُجُوعُ عُمَرَ لِظُهُورِ رُجْحَانِ قَوْلِ مُعَاذٍ عِنْدَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " الثَّانِي "، أَيِ: الْأَصْلُ الثَّانِي مِنَ الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا " قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ " هُوَ " حُجَّةٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ " عِنْدَ " مَالِكٍ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَجَدِيدِ " قَوْلَيْ " الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ " حَيْثُ قَالُوا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرْخِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ - يَعْنِي قَوْلَ
(3/185)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصَّحَابِيِّ - فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَوْقِيفٌ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ حُجَّةً لَا لَذَاتِهِ، بَلْ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُجَّةِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ، وَإِذَا لَمْ يُخَالِفْهُ، احْتُمِلَ أَنَّهُ عَنِ اجْتِهَادٍ، فَيَكُونُ كَاجْتِهَادِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " الْحُجَّةُ قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدِي [" وَقِيلَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ] وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَانَ هُمَا الْحَدِيثَانِ الْمَشْهُورَانِ الْمُشَارُ إِلَيْهِمَا فِي " الْمُخْتَصَرِ ".
قَوْلُهُ: " لَنَا عَلَى الْعُمُومِ "، أَيْ: عَلَى عُمُومِ كَوْنِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْمَذْكُورِ حُجَّةً مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِالشَّيْخَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِهِمْ، وَدَلَالَةُ الْحَدِيثَيْنِ قَبْلَهُمَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ دَلَالَةُ مَفْهُومٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ مَفْهُومُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَارَضٌ بِمَفْهُومِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: " وَخُصَّ فِي الصَّحَابِيِّ بِدَلِيلٍ ". هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ هُوَ خِطَابٌ لِعَوَامِّ عَصْرِهِ، وَإِذْنٌ لَهُمْ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فِي الْفُتْيَا، لَا أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عَلَى
(3/186)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمُجْتَهِدِينَ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مُقْتَضَى الْحَدِيثِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عَلَى صَحَابِيٍّ مِثْلِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، إِمَامًا كَانَ الصَّحَابِيُّ، أَوْ حَاكِمًا، أَوْ مُفْتِيًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الصَّحَابِيُّ مُرَادًا مِنَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَوَامُّ وَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي عُمُومَ الِاقْتِدَاءِ بِكُلِّ صَحَابِيٍّ، وَلِكُلِّ صَحَابِيٍّ، لَكِنَّ الصَّحَابِيَّ خُصَّ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ بِدَلِيلٍ، فَبَقِيَ الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِهِ مِنْ مُجْتَهِدِي التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَالدَّلِيلُ الَّذِي خُصَّ بِهِ الصَّحَابِيُّ مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، إِمَّا الْإِجْمَاعُ، أَوْ قَرِينَةُ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُقْتَدِيًا بِغَيْرِهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَتْبُوعُ تَابِعًا، وَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّيْنِ إِنْ كَانَا مُقَلِّدَيْنِ، فَحُكْمُهُمَا التَّقْلِيدُ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُقَلِّدًا، فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَا مُجْتَهِدَيْنِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِأَنْ يُقَلِّدَ الْآخَرَ مِنَ الْعَكْسِ، فَيَسْتَقِلُّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِاجْتِهَادِهِ، وَلَا يَكُونُ قَوْلُ صَاحِبِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: غَيْرُ مَعْصُومٍ "، أَيِ: احْتَجَّ الْخَصْمُ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ غَيْرُ مَعْصُومٍ مِنَ الْخَطَأِ، فَيَكُونُ " الْعَامُّ وَالْقِيَاسُ أَوْلَى " مِنْ قَوْلِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ، وَلَا يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِكَوْنِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: كَذَا الْمُجْتَهِدُ "، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ غَيْرُ
(3/187)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَعْصُومٍ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْعَامِّيِّ تَقْلِيدُهُ بِاتِّفَاقٍ، وَمُجْتَهِدُو الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ؛ لِاخْتِصَاصِهِمْ " بِحُضُورِ التَّنْزِيلِ، وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ "، فَيَتَرَجَّحُونَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ. " وَقَوْلُهُ " أَيْ: وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ " أَخَصُّ مِنَ الْعُمُومِ " وَأَقْوَى مِنَ الْقِيَاسِ، " فَيُقَدَّمُ " عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَالْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَدَلِيلُ قُوَّةِ قَوْلِهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعَ الْأَدِلَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَمَا خَالَفَ الْعَامَّ وَالْقِيَاسَ إِلَّا عَنْ حُجَّةٍ وَبَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ: " وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ "، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: إِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى قَوْلَيْنِ فَأَكْثَرَ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْ غَيْرِهِمُ الْأَخْذُ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَأَجَازَ ذَلِكَ " بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَ " بَعْضُ " الْمُتَكَلِّمِينَ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُنْكَرَ " ذَلِكَ الْقَوْلُ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَلَى قَائِلِهِ.
" لَنَا " عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: " الْقِيَاسُ عَلَى تَعَارُضِ دَلِيلَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ " وَأَوْلَى، أَيْ: إِنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَا يَزِيدُ فِي الْقُوَّةِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ تَعَارَضَ دَلِيلَانِ مِنْهُمَا، لَمْ يَجُزِ الْأَخْذُ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِتَرْجِيحٍ وَنَظَرٍ، فَكَذَلِكَ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ أَوْلَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ " خَطَأٌ قَطْعًا "؛ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الصَّوَابِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَإِذَا كَانَ أَحَدُ قَوْلَيِ الصَّحَابَةِ خَطَأً، فَالطَّرِيقُ إِلَى تَمْيِيزِ الْخَطَأِ مِنَ الصَّوَابِ لَيْسَ إِلَّا الدَّلِيلُ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا "، إِلَى آخِرِهِ. أَيِ: احْتَجَّ الْخَصْمُ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِأَحَدِ
(3/188)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ " تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلِّ " وَاحِدٍ " مِنْهُمَا "، فَيَكُونُ الْأَخْذُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا جَائِزًا بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجَعَ إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي تَرْكِ رَجْمِ الْمَرْأَةِ، يَعْنِي أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يَرْجُمَ امْرَأَةً حَامِلًا لِأَجْلِ الزِّنَى، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ بْنُ جَبَلٍ: إِنْ كَانَ لَكَ سَبِيلٌ عَلَيْهَا ; فَلَيْسَ لَكَ سَبِيلٌ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى قَوْلِهِ، وَأَخَّرَهَا حَتَّى وَضَعَتْ. فَرُجُوعُهُ إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِدُونِ أَنْ يَسْتَعْلِمَ رَأْيَ غَيْرِهِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا "، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ.
أَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: فَإِنَّ الصَّحَابَةَ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ " إِنَّمَا سَوَّغُوا الْأَخْذَ بِالْأَرْجَحِ " مِنْهُمَا، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَرْجِيحًا وَاجْتِهَادًا، لَا أَنَّهُمْ سَوَّغُوا الْأَخْذَ بِأَحَدِهِمَا تَشَهِّيًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.
وَأَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي، فَبِأَنَّ " رُجُوعَ عُمَرَ " إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إِنَّمَا كَانَ " لِظُهُورِ " رُجْحَانِهِ عِنْدَهُ، لَا أَنَّهُ أَخَذَ بُقُولِهِ تَقْلِيدًا وَتَشَهِّيًا، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
(3/189)

الثَّالِثُ: الِاسْتِحْسَانُ. وَهُوَ: اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا، ثُمَّ قَدْ قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ، وَهُوَ هَوَسٌ، إِذْ مَا هَذَا شَأْنُهُ لَا يُمْكِنُ النَّظَرُ فِيهِ لِتُسْتَبَانَ صِحَّتُهُ مِنْ سَقَمِهِ.
وَقِيلَ: مَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ، فَإِنْ أُرِيدَ مَعَ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَوِفَاقٌ، وَإِلَّا مُنِعَ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ إِلَّا النَّظَرُ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَحَيْثُ لَا نَظَرَ فَلَا فَرْقَ، وَيَكُونُ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ الْهَوَى وَاتِّبَاعًا لِلشَّهْوَةِ فِيهِ، وأَيْضًا مَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ عَقْلِيًّا ضَرُورِيًّا وَلَا نَظَرِيًّا، وَإِلَّا لَكَانَ مُشْتَرَكًا، وَلَا سَمْعِيًّا، إِذْ تَوَاتُرُهُ مَفْقُودٌ وَآحَادُهُ كَذَلِكَ، أَوْ لَا يُفِيدُ.
قَالُوا: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلُ إِلَيْكُمْ، مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا وَاسْتَحْسَنَتِ الْأُمَّةُ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ وَنَحْوِهِ.
قُلْنَا: أَحْسَنُ الْقَوْلِ وَالْمُنَزَّلُ مَا قَامَ دَلِيلُ رُجْحَانِهِ شَرْعًا، وَالْخَبَرُ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ لَا الِاسْتِحْسَانِ، وَإِنْ سُلِّمَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذُكِرَ، وَسُومِحَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهَا لِعُمُومِ مَشَقَّةِ التَّقْدِيرِ فَيُعْطَى الْحَمَّامِيُّ عِوَضًا إِنْ رَضِيَهُ وَإِلَّا زِيدَ، وَهُوَ مُنْقَاسٌ، وَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: أَنَّهُ الْعُدُولُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَاصٍّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ.
وَقَدْ قَرَّرَ مُحَقِّقُو الْحَنَفِيَّةِ الِاسْتِحْسَانَ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَاللَّطَافَةِ، ذَكَرْنَا الْمَقْصُودَ مِنْهُ غَيْرَ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «الثَّالِثُ» ، يَعْنِي مِنَ الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا «الِاسْتِحْسَانُ» ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْحُسْنِ، «وَهُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا» ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: «اعْتِقَادُ الشَّيْءِ
(3/190)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حَسَنًا» ، وَلَمْ نَقُلِ: الْعِلْمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعِلْمُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الِاعْتِقَادُ صَحِيحًا إِذَا طَابَقَ الْوَاقِعَ، وَقَدْ يَكُونُ فَاسِدًا إِذَا لَمْ يُطَابِقْ. وَحِينَئِذٍ قَدْ يَسْتَحْسِنُ الشَّخْصُ شَيْئًا بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ، وَلَا يَكُونُ حَسَنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ فِي اسْتِحْسَانِهِ.
وَقَدِ اسْتَحْسَنَ بَعْضُ النَّاسِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، وَبَعْضُهُمْ عِبَادَةَ الْكَوَاكِبِ، وَبَعْضُهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهِيَ أُمُورٌ مُسْتَقْبَحَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ
أَيْ: قَدْ يَسْتَحْسِنُ بَعْضُهُمْ مَا لَا يَسْتَحْسِنُ غَيْرُهُ، فَلَوْ قُلْنَا: الْعِلْمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ حَسَنًا، لَخَرَجَ مِنْهُ مَا لَيْسَ حُسْنُهُ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِذَا قُلْنَا: «اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا» ، تَنَاوَلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَدْ قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: إِنَّ مَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ بِأَنَّهُ «اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا» هُوَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ.
أَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَقَدْ «قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ» ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ أَنْ يُفْصِحَ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: تَعْرِيفُ الِاسْتِحْسَانِ بِهَذَا: «هَوَسٌ» ، أَوْ أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الدَّلِيلِ الْمُنْقَدِحِ هَوَسٌ، «لِأَنَّ مَا هَذَا شَأْنُهُ» ، أَيْ: لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ
(3/191)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَنْهُ «لَا يُمْكِنُ النَّظَرُ فِيهِ لِتُسْتَبَانَ» ، أَيْ: لِتُخْتَبَرَ «صِحَّتُهُ مِنْ سَقَمِهِ» .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْهَوَسُ بِالتَّحْرِيكِ طَرَفٌ مِنَ الْجُنُونِ.
قُلْتُ: وَهُوَ فِي عُرْفِ النَّاسِ: الْكَلَامُ الْخَالِي عَنْ فَائِدَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلِاسْتِحْسَانِ وَقَالَ: لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِمِثْلِ هَذَا إِذَا تَحَقَّقَ الْمُجْتَهِدُ كَوْنَهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ، وَإِنْ نُوزِعَ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِ، عَادَ النِّزَاعُ إِلَى اللَّفْظِ.
قُلْتُ: رَجَعَ الْأَمْرُ فِي هَذَا إِلَى أَنَّهُ عَمَلٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا نِزَاعَ فِي الْعَمَلِ بِهِ، كَمَا قَالَ، لَكِنْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالْوِجْدَانِ أَنَّ النُّفُوسَ يَصِيرُ لَهَا فِيمَا تُعَانِيهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْحِرَفِ مَلَكَاتٌ قَارَّةٌ فِيهَا تُدْرِكُ بِهَا الْأَحْكَامَ الْعَارِضَةَ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ وَالْحِرَفِ، وَلَوْ كُلِّفَتِ الْإِفْصَاحَ عَنْ حَقِيقَةِ تِلْكَ الْمَعَارِفِ بِالْقَوْلِ، لَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ ابْنُ الْخَشَّابِ فِي جَوَابِ الْمَسَائِلِ الْإِسْكَنْدَرَانِيَّاتِ، وَيُسَمِّي ذَلِكَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَغَيْرُهُمْ: دُرْبَةٌ، وَأَهْلُ التَّصَوُّفِ: ذَوْقًا، وَأَهْلُ الْفَلْسَفَةِ وَنَحْوُهُمْ: مَلَكَةً.
وَمِثَالُ ذَلِكَ الدَّلَّالُونَ فِي الْأَسْوَاقِ قَدْ صَارَ لَهُمْ دُرْبَةً بِمَعْرِفَةِ قِيَمِ الْأَشْيَاءِ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ وَمُعَانَاتِهِمْ حَتَّى صَارُوا أَهْلَ خِبْرَةٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ شَرْعًا
(3/192)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فِي قِيَمِ الْأَشْيَاءِ، فَيَرْكَبُ أَحَدُهُمُ الْفَرَسَ، فَيَسُوقُهُ، أَوْ يَرَاهُ رُؤْيَةً مُجَرَّدَةً أَوْ يَأْخُذُ الثَّوْبَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْأَعْيَانِ عَلَى حَسَبِ مَا هُوَ دَلَّالٌ فِيهِ، فَيَقُولُ: هَذَا يُسَاوِي كَذَا، أَوْ قِيمَتُهُ كَذَا، فَلَا يُخْطِئُ بِحَبَّةٍ زِيَادَةً وَلَا نَقْصًا، مَعَ أَنَّا لَوْ قُلْنَا لَهُ: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ قِيمَتَهُ كَذَا؟ لَمَا أَفْصَحَ بِحُجَّةٍ، بَلْ يَقُولُ: هَكَذَا أَعْرِفُ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ لِبَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ دُرْبَةٌ وَمَلَكَةٌ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ لِكَثْرَةِ نَظَرِهِ فِيهَا، حَتَّى تَلُوحَ لَهُ الْأَحْكَامُ سَابِقَةً عَلَى أَدِلَّتِهَا وَبِدُونِهَا، أَوْ تَلُوحُ لَهُ أَحْكَامُ الْأَدِلَّةِ فِي مِرْآةِ الذَّوْقِ وَالْمَلَكَةِ عَلَى وَجْهٍ تَقْصُرُ عَنْهَا الْعِبَارَةُ، كَمَا يَلُوحُ الْوَجْهُ فِي الْمِرْآةِ، وَلَوْ سُئِلَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَنْ كَيْفِيَّةِ ظُهُورِهِ، لَمَا أَدْرَكَهُ، بَلْ قَدْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْخَوَاصِّ، فَإِذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ لِلْمُجْتَهِدِ، وَحَصَلَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ، جَازَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا يَصِيرُ حُكْمًا فِي الشَّرْعِ بِمَا يُشْبِهُ الْإِلْهَامَ، وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ إِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ، فَتَدُورُ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: مَا اسْتَحْسَنَهُ» . هَذَا قَوْلٌ آخَرٌ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ أَيْ: وَقِيلَ: الِاسْتِحْسَانُ: «مَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ، فَإِنْ أُرِيدَ مَعَ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَوِفَاقٌ» ، أَيْ: فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ إِذِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ مُتَّبَعٌ، وَانْضِمَامُ الْعَقْلِ إِلَيْهِ لَا يَضُرُّ، بَلْ هُوَ مُؤَكِّدٌ، وَإِنْ لَمْ يُرَدْ ذَلِكَ، بَلْ أُرِيدَ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ الْمُجَرَّدِ بِدُونِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ لِوَجْهَيْنِ:
(3/193)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ «لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ إِلَّا النَّظَرَ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَحَيْثُ لَا نَظَرَ» ، أَيْ: فَإِذَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَى اسْتِحْسَانِهِ الْعَقْلِيِّ نَظَرٌ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، «فَلَا فَرْقَ» إِذَنْ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ، «وَيَكُونُ» ذَلِكَ مِنَ الْمُجْتَهِدِ «حُكْمًا بِمُجَرَّدِ الْهَوَى، وَاتِبَاعًا لِلشَّهْوَةِ فِيهِ» ، أَيْ: فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ شَرْعًا؛ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] ، وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مَرْيَمَ: 59] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا، أَوْ سَمْعِيًّا، أَيْ: مَعْلُومًا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ، فَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ بَاطِلٌ، أَمَّا بُطْلَانُ كَوْنِهِ عَقْلِيًّا أَوْ سَمْعِيًّا، فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَقْلِيًّا لَكَانَ إِمَّا ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا، لَكِنَّهُ لَيْسَ ضَرُورِيًّا، لِأّنَّ الضَّرُورِيَّاتِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا اشْتِرَاكَ فِيمَا ذَكَرُوهُ، وَلَيْسَ نَظَرِيًّا؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ لَيْسَ قَاطِعًا، وَإِلَّا لَكَانَ مُشْتَرَكًا، وَلَا مَظْنُونًا؛ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي النَّظَرِ، وَلَوْ كَانَ سَمْعِيًّا، لَكَانَ إِمَّا تَوَاتُرًا، وَهُوَ مَفْقُودٌ، أَوْ آحَادًا وَهُوَ كَذَلِكَ، أَيْ: مَفْقُودٌ أَيْضًا كَالتَّوَاتُرِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَوَاتُرٌ وَلَا آحَادٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا سَمْعِيًّا آحَادًا، لَكِنَّ الْآحَادَ لَا تُفِيدُ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُفِيدُ ظَنًّا مَا، وَالِاسْتِحْسَانُ أَصْلٌ قَوِيٌّ، فَلَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَآحَادُهُ
(3/194)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كَذَلِكَ أَوْ لَا يُفِيدُ» ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ وَلَا سَمْعِيٌّ، وَالدَّلِيلُ مُنْحَصِرٌ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، فَمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا، لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَصْلًا، وَمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا يَكُونُ بَاطِلًا.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ هُمُ الْمُخَالِفُونَ فِي هَذَا. وَاحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزُّمَرِ: 18] .
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزُّمَرِ: 55] .
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْأُمَّةَ اسْتَحْسَنَتْ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ لِلْمَاءِ الْمَصْبُوبِ، وَلَا لِمُدَّةِ الْمُقَامِ فِيهِ، وَلَا لِلْأُجْرَةِ عَنْ ذَلِكَ، وَاسْتَحْسَنُوا شُرْبَ الْمَاءِ مِنْ أَيْدِي السَّقَّائِينَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ عِوَضٍ، فَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَاقِعٌ، فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: أَحْسَنُ الْقَوْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ أَنَّ أَحْسَنَ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزُمَرِ: 18] وَأَحْسَنَ الْمُنَزَّلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} [الزُمَرِ: 55] هُوَ «مَا قَامَ دَلِيلُ رُجْحَانِهِ شَرْعًا» لَا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ اسْتِحْسَانِ الْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي سِيَاقِ الْآيَتَيْنِ.
(3/195)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا الْأَوْلَى فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي} {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزُمَرِ: 17 - 18] الْآيَةَ، هِيَ فِي سِيَاقِ التَّوْحِيدِ، وَاجْتِنَابِ الشِّرْكِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، إِذْ لَوْ كَانَ التَّوْحِيدُ ضَرُورِيًّا لَمَا أَشْرَكَ أَحَدٌ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الْأَعْرَافِ: 3] ، وَالِاسْتِدْلَالُ وَاحِدٌ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ كَمَا سَبَقَ، لَا دَلِيلَ الِاسْتِحْسَانِ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ لَهُ دِلَالَةً عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ «مَا قَامَ دَلِيلُ رُجْحَانِهِ شَرْعًا» ، أَيْ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا مَعَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَقِيَامِ دَلِيلِ الرُّجْحَانِ شَرْعًا.
وَأَمَّا «مَسْأَلَةُ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهَا» ، أَيِ: اسْتِحْسَانُهُمْ دُخُولَ الْحَمَامِ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَسُومِحَ فِيهِ «لِعُمُومِ مَشَقَّةِ التَّقْدِيرِ» ، إِذْ يَشُقُّ جِدًّا أَنْ يُجْعَلَ فِي الْحَمَّامِ صَاعٌ يُقَّدَرُ بِهِ الْمَاءُ، وَبَنْكَامٌ يُقَدَّرُ بِهِ الزَّمَانُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ تَقْدِيرُ الزَّمَانِ وَالْمَاءِ، تَعَذَّرَ تَقْدِيرُ الْأُجْرَةِ وَالثَّمَنِ، فَوَقَعَ الِاصْطِلَاحُ عَلَى رَفْضِ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِهِ، ثُمَّ «يُعْطَى الْحَمَّامِيُّ عِوَضًا» عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ رَضِيَهُ، فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَهُ، زِيدَ حَتَّى يَرْضَى، «وَهُوَ» ، أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ «مُنْقَاسٌ» ،
(3/196)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَيْ: مُتَّجِهٌ فِي الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ حُجَّةٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ، أَوْ لَعَلَّهُ مِنْ بَابِ الْإِجْمَاعِ الدَّالِّ عَلَى النَّصِّ، أَوْ لَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ وَنَحْوُهُ تَصْلُحُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْإِجْمَاعِ أَوِ النَّصِّ أَوِ الْقِيَاسِ، كَانَ إِضَافَتُهُ إِلَى الِاسْتِحْسَانِ تَحَكُّمًا.
قَوْلُهُ: «وَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ» ، أَيْ: فِي الِاسْتِحْسَانِ: «أَنَّهُ الْعُدُولُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَاصٍّ» .
قُلْتُ: مِثَالُهُ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ: وَإِذَا اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلِّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ; لَمْ يُجْزِ اسْتِحْسَانًا، وَجَازَ قِيَاسًا، فَالْحُكْمُ فِي نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ الْجَوَازُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنْ عَدَلَ بِهَا عَنْ نَظَائِرِهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ، فَمُنِعَتْ. وَحَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الدَّلِيلِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ.
قَالَ ابْنُ الْمِعْمَارِ الْبَغْدَادِيُّ: وَمِثَالُ الِاسْتِحْسَانِ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ حَتَّى يُحْدِثَ.
وَقَالَ: يَجُوزُ شِرَاءُ أَرْضِ السَّوَادِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ يُشْتَرَى مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ، فَقَالَ: الْقِيَاسُ هَكَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الْمُصْحَفِ، وَيُؤْمَرُ بِشِرَائِهِ اسْتِحْسَانًا.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ» ، أَيِ: الْقَوْلُ بِالِاسْتِحْسَانِ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، كَذَلِكَ حُكِيَ فِي «الرَّوْضَةِ» عَنِ الْقَاضِي يَعْقُوبَ. قَالَ: وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ حُكْمًا إِلَى
(3/197)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حُكْمٍ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا لَا يُنْكَرُ، أَيْ: هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: قَالَ الْبَاجِيُّ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الِاسْتِحْسَانُ هُوَ الْقَوْلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُجَّةً إِجْمَاعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: هُوَ الْعُدُولُ عَمَّا حُكِمَ بِهِ فِي نَظَائِرِ مَسْأَلَةٍ إِلَى خِلَافِهِ لِوَجْهٍ أَقْوَى مِنْهُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي جَوَّدْنَاهُ فِي حَدِّهِ آنِفًا، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ عَنِ الْمَنْسُوخِ إِلَى النَّاسِخِ، وَعَنِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ صَادِقٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الِاسْتِحْسَانُ هُوَ تَرْكُ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ غَيْرِ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ لِوَجْهٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: غَيْرِ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ، عَنْ تَرْكِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ شُمُولَهُ لَفْظِيٌّ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَوَّلِ، عَنْ تَرْكِ الْقِيَاسِ الْمَرْجُوحِ إِلَى الْقِيَاسِ الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ لَيْسَ طَارِئًا عَلَى الْآخَرِ بِحَقِّ الْأَصْلِ.
وَمَثَّلَهُ الْقَرَافِيُّ بِتَضْمِينِ مَالِكٍ الصُّنَّاعَ الْمُؤَثِّرِينَ فِي الْأَعْيَانِ بِصَنْعَتِهِمْ، وَتَضْمِينِ الْحَمَّالِينَ لِلطَّعَامِ وَالْإِدَامِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْحَمَّالِينَ. فَهَذَا تَرْكُ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ تَرْكُ عَدَمِ التَّضْمِينِ الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْإِجَارَةِ، وَهُوَ غَيْرُ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّضْمِينِ قَاعِدَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، لَا لَفْظِيَّةٌ، وَتُرِكَ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ لِوَجْهٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْفَرْقِ فِي صُورَةِ التَّضْمِينِ أَوْلَى مِنْ
(3/198)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اعْتِبَارِ الْجَامِعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صُورَةِ عَدَمِ التَّضْمِينِ. وَهَذَا الْفَرْقُ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِجَارَاتِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ وَهُوَ صُورَةُ التَّضْمِينِ كَالْمُسْتَثْنَى عَنْ ذَلِكَ لِمَعْنًى، وَالْمُسْتَثْنَى طَارِئٌ عَلَى الْأَصْلِ، بِخِلَافِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَصْلًا لِلْآخَرِ حَتَّى يَكُونَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «وَقَدْ قَرَّرَ مُحَقِّقُو الْحَنَفِيَّةِ الِاسْتِحْسَانَ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَاللَّطَافَةِ، ذَكَرْنَا الْمَقْصُودَ مِنْهُ غَيْرَ هَاهُنَا» أَشَرْتُ بِهَذَا إِلَى مَا رَأَيْتُهُ فِي «شَرْحِ الْأَخْسِيكَثِيَّةِ» لِصَاحِبِ «الْوَافِي» مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ مُتَأَخِّرِي فُضَلَائِهِمُ الْمَشَارِقَةِ أَهْلِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ، وَذَكَرْتُ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ فِي تَلْخِيصِ «الْحَاصِلِ» ، وَلَيْسَ الْآنَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ شَيْءٌ، لَكِنْ أَذْكُرُ جُمْلَةً مِنْ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْبَزْدَوِيِّ، وَهُوَ أَصْلُ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ.
قَالَ: الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ، لَكِنْ سُمِّيَ اسْتِحْسَانًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِالْآخَرِ جَائِزٌ.
قَالَ: وَلِلِاسْتِحْسَانِ أَقْسَامٌ: مِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالْأَمْرِ مِثْلُ السَّلَمِ، وَالْإِجَارَةِ، وَبَقَاءِ الصَّوْمِ مَعَ فِعْلِ النَّاسِي، وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الِاسْتِصْنَاعُ.
قُلْتُ: يَعْنِي الِاسْتِئْجَارَ عَلَى تَحْصِيلِ الصَّنَائِعِ. وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ كَتَطْهِيرِ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ وَالْأَوَانِي.
(3/199)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: يَعْنِي الْحُكْمَ بِتَطْهِيرِهَا إِذَا تَنَجَّسَتْ أَوْ نَفْسَ مُعَالَجَتِهَا لِتَطْهُرَ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ.
قَالَ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
فَأَحَدُ نَوْعَيِ الْقِيَاسِ مَا ضَعُفَ أَثَرُهُ، وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ، وَاسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ وَأَثَرُهُ.
وَأَحَدُ نَوْعَيِ الِاسْتِحْسَانِ مَا قَوِيَ أَثَرُهُ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا، وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ، وَخَفِيَ فَسَادُهُ.
قَالَ: وَلَمَّا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا عِلَّةً بِأَثَرِهَا لَا بِظُهُورِهَا، سَمَّيْنَا مَا ضَعُفَ أَثَرُهُ قِيَاسًا، وَمَا قَوِيَ أَثَرُهُ اسْتِحْسَانًا، أَيْ: قِيَاسًا مُسْتَحْسَنًا، وَقَدَّمْنَا الثَّانِيَ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا - عَلَى الْأَوَّلِ - وَإِنْ كَانَ جَلِيًّا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ دُونَ الْجَلَاءِ وَالظُّهُورِ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ:
أَحَدُهَا: الدُّنْيَا ظَاهِرَةٌ، وَالْعُقْبَى بَاطِنَةٌ، لَكِنَّ أَثَرَهَا وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْخُلُودُ، وَصَفْوُ الْعَيْشِ أَقْوَى مِنْ أَثَرِ الدُّنْيَا، وَهُوَ ضِدُّ ذَلِكَ.
الثَّانِي: النَّفْسُ فِي الْبَدَنِ أَظْهَرُ فِي الْقَلْبِ، لَكِنَّ الْقَلْبَ أَقْوَى أَثَرًا لِدَوَرَانِ صَلَاحِ الْجَسَدِ وَفَسَادِهِ مَعَ صَلَاحِ الْقَلْبِ وَفَسَادِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، كَمَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ.
الثَّالِثُ: الْبَصَرُ أَظْهَرُ مِنَ الْعَقْلِ، لَكِنَّ أَثَرَ الْعَقْلِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ أَعَمُّ، وَإِدْرَاكَهُ أَوْثَقُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْغَلَطِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْمَعْقُولَاتِ.
فَلِذَلِكَ سَقَطَ الْقِيَاسُ إِذَا عَارَضَهُ الِاسْتِحْسَانُ؛ لِقُوَّةِ التَّأْثِيرِ وَعَدَمِ الْقِيَاسِ فِي التَّقْدِيرِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الطَّيْرِ نَجِسٌ، كَسُؤْرِ سِبَاعِ
(3/200)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْبَهَائِمِ بِجَامِعِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِيهِمَا، وَالِاسْتِحْسَانُ يَقْتَضِي أَنَّهُ طَاهِرٌ فَرْقًا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سِبَاعَ الْبَهَائِمِ إِنَّمَا نَجِسَ سُؤْرُهَا لِمُجَاوَرَتِهِ رُطُوبَةَ فَمِهَا وَلُعَابِهَا، بِخِلَافِ سِبَاعِ الطَّيْرِ، فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا، وَهُوَ عَظْمٌ يَابِسٌ طَاهِرٌ خَالٍ عَنْ مُجَاوَرَةِ نَجِسٍ. وَإِذَا كَانَ عَظْمُ الْمَيْتَةِ طَاهِرًا ; فَعَظْمُ الْحَيِّ أَوْلَى. فَهَذَا أَثَرٌ قَوِيٌّ بَاطِنٌ، فَسَقَطَ لَهُ حُكْمُ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ.
وَأَمَّا عَكْسُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي اسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ، وَعَارَضَهُ اسْتِحْسَانٌ اسْتَتَرَ فَسَادُهُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ فِي مَنْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ: يَجُوزُ أَنْ يَرْكَعَ بَدَلًا مِنَ السُّجُودِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] ، فَدَلَّ عَلَى قِيَامِ الرُّكُوعِ مَقَامَ السُّجُودِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَنَا بِالسُّجُودِ، وَالرُّكُوعُ خِلَافُهُ، فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ، كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ، فَهَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ لِهَذَا الِاسْتِحْسَانِ، لَكِنَّ الْقِيَاسَ لَهُ أَثَرٌ بَاطِنٌ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ وَأَوْلَى.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ السُّجُودَ عِنْدَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّوَاضُعُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِنَ الرُّكُوعِ، بِخِلَافِ رُكُوعِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِهَا ; فَإِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مَقْصُودَتَانِ، فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ، فَصَارَ الْأَثَرُ الْخَفِيُّ مَعَ الْفَسَادِ الظَّاهِرِ أَوْلَى مِنَ الْأَثَرِ الظَّاهِرِ مَعَ الْفَسَادِ الْخَفِيِّ.
هَذِهِ جُمْلَةٌ صَالِحَةٌ مِنْ كَلَامِهِ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ - كَمَا تَرَاهُ - جَيِّدٌ حَسَنٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ لَمْ يَفْهَمُوا مَقْصُودَهُمْ حَيْثُ رَدُّوا عَلَيْهِمْ فِي الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ، إِذْ قَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِهِ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ وَأَظْهَرُهُمَا أَثَرًا.
قُلْتُ: وَهَكَذَا حَكَىَ ابْنُ الْمِعْمَارِ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ:
(3/201)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الِاسْتِحْسَانُ حُجَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً عِنْدَ أَحْمَدَ قَوْلَانِ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ تَرْكُ قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ الْعُدُولُ عَنْ مُوجِبِ الْقِيَاسِ إِلَى دَلِيلٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ.
قُلْتُ: يَرْجِعُ حَاصِلُ الْأَمْرِ إِلَى أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ أَخَصُّ مِنَ الْقِيَاسِ مِنْ وَجْهٍ، وَأَعَمُّ مِنْهُ مِنْ وَجْهٍ. أَمَّا أَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ، فَمِنْ جِهَةِ رُجْحَانِ مَصْلَحَتِهِ، وَكَوْنِهَا أَشَدَّ مُنَاسَبَةً فِي النَّظَرِ مِنْ مَصْلَحَةِ الْقِيَاسِ. وَأَمَّا أَنَّهُ أَعَمُّ ; فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ تَابِعٌ لِلْعِلَّةِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالِاسْتِحْسَانَ تَابِعٌ لِلدَّلِيلِ عَلَى الْعُمُومِ: نَصًّا، كَحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ، وَنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَوْ إِجْمَاعًا، كَبَيْعِ الْمُعَاطَاةِ وَعَدَمِ تَقْدِيرِ أُجْرَةِ الْحَمَّامِ؛ لِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَاسْتِدْلَالًا، كَقَوْلِهِمِ: الْقِيَاسُ فِي مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، فَأَنَا يَهُودِيٌّ. أَنْ لَا كَفَّارَةَ، لَكِنْ يَتَرَجَّحُ لُزُومُهَا لَهُ بِضَرْبٍ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ إِنَّمَا كَانَ لِلتَّعَرُّضِ بِهَتْكِ الْحُرْمَةِ، وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ
(3/202)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذَلِكَ، فَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ: تَرْكُ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ إِلَى دَلِيلٍ أَقْوَى، أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَرْكُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ إِلَى الْآخَرِ. وَقَدْ سَبَقَ جُمْلَةٌ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِحْسَانِ عَنْ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
(3/203)

الرَّابِعُ: الِاسْتِصْلَاحُ: وَهُوَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ.
وَالْمَصْلَحَةُ: جَلْبُ نَفْعٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ، ثُمَّ إِنْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا كَاقْتِبَاسِ الْحُكْمِ مِنْ مَعْقُولِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَقِيَاسٌ، أَوْ بِبُطْلَانِهَا كَتَعَيُّنِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ كَالْمَلِكِ وَنَحْوِهِ، فَلَغْوٌ، إِذْ هُوَ تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهَا بِبُطْلَانٍ وَلَا اعْتِبَارٍ مُعَيَّنٍ فَهِيَ:
إِمَّا تَحْسِينَيٌّ، كَصِيَانَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ نِكَاحِهَا الْمُشْعِرِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ بِتَوَلِّي الْوَلِيِّ ذَلِكَ.
أَوْ حَاجِيٌّ، أَيْ: فِي رُتْبَةِ الْحَاجَةِ، كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ لِحَاجَةِ تَقْيِيدِ الْكُفْءِ خِيفَةَ فَوَاتِهِ، وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ هَذَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ. وَإِلَّا لَكَانَ وَضْعًا لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ. وَلَاسْتَوَى الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ لِمَعْرِفَةِ كُلٍّ مَصْلَحَتَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«الرَّابِعُ» : أَيْ: مِنَ الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا: «الِاسْتِصْلَاحُ» ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ صَلَحَ يَصْلُحُ، «وَهُوَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ» ، فَإِنَّ الشَّرْعَ أَوِ الْمُجْتَهِدَ يَطْلُبُ صَلَاحَ الْمُكَلَّفِينَ بِاتِّبَاعِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمُرَاعَاتِهَا.
قَوْلُهُ: «وَالْمَصْلَحَةُ جَلْبُ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ» .
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الِاسْتِصْلَاحَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ، احْتِيجَ إِلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَهِيَ كَمَا ذَكَرَ جَلْبُ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ؛ لِأَنَّ قِوَامَ الْإِنْسَانِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَفِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ بِحُصُولِ الْخَيْرِ وَانْدِفَاعِ الشَّرِّ، وَإِنْ شِئْتَ، قُلْتَ: بِحُصُولِ الْمُلَائِمِ وَانْدِفَاعِ الْمُنَافِي.
(3/204)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِثَالُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمَّا كَانَ يُؤْذِيِهِ غَلَبَةُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، احْتَاجَ فِي الصَّيْفِ إِلَى رَقِيقِ اللِّبَاسِ، وَالتَّعَرُّضِ لِلْهَوَاءِ الْبَارِدِ بِالْجُلُوسِ فِي أَمَاكِنِهِ، وَتَبْرِيدِهَا بِالْمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لِيَحْصُلَ لَهُ الرَّوْحُ الْمُوَافِقُ، وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ الْكَرْبُ الْمُنَافِي، وَفِي الشِّتَاءِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ إِنْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا بَيَانٌ لِأَنْوَاعِ الْمَصْلَحَةِ وَأَقْسَامِهَا، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هَذَا، وَهُوَ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، «كَاقْتِبَاسِ الْحُكْمِ» ، أَيِ: اسْتِفَادَتُهُ وَتَحْصِيلُهُ «مِنْ مَعْقُولِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ» ، كَالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَهُوَ «قِيَاسٌ» ، كَاسْتِفَادَتِنَا تَحْرِيمَ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ مِنْ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ، وَاسْتِفَادَتِنَا تَحْرِيمَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ أَنَّ النَّبِيذَ مَنْصُوصٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعَ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكَقَوْلِنَا: يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ ذَاتِ الْمَحْرَمِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ قِيَاسًا عَلَى وَطْئِهَا بِالزِّنَى، وَهُوَ مَحَلُ إِجْمَاعٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطْلَانِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، أَيْ: لَمْ يَعْتَبِرْهُ كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمُوسِرَ كَالْمَلِكِ وَنَحْوِهِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ، وَلَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْكَفَّارَةِ الزَّجْرُ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَزْجُرُهُ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ لِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَ رِقَابًا فِي قَضَاءِ شَهْوَتِهِ، وَقَدْ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ صَوْمُ سَاعَةٍ، فَيَكُونُ
(3/205)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصَّوْمُ أَزْجَرَ لَهُ، فَيَتَعَيَّنُ.
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مُلْغًى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ أَرَادَ الشَّرْعُ ذَلِكَ، لَبَيَّنَهُ أَوْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، إِذْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَإِيهَامُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ فِي الْأَحْكَامِ مَعَ افْتِرَاقِهِمْ فِيهَا لَا يَجُوزُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَصَالِحِ: مَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّرْعُ «بِبُطْلَانٍ وَلَا اعْتِبَارٍ مُعَيَّنٍ» ، فَهُوَ، أَيْ: هَذَا الْقِسْمُ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: «التَّحْسِينِيُّ» الْوَاقِعُ مَوْقِعَ التَّحْسِينِ وَالتَّزَيِينِ، وَرِعَايَةِ حُسْنِ الْمَنَاهِجِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَحُسْنِ الْأَدَبِ فِي السِّيرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، «كَصِيَانَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ نِكَاحِهَا» بِإِقَامَةِ الْوَلِيِّ مُبَاشِرًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ بَاشَرَتْ عَقْدَ نِكَاحِهَا، لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا مُشْعِرًا «بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ» مِنْ غَلَبَةِ الْقِحَةِ، وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ، وَتَوَقَانِ نَفْسِهَا إِلَى الرِّجَالِ، فَمُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ حَمْلًا لِلْخَلْقِ عَلَى أَحْسَنِ الْمَنَاهِجِ وَأَجْمَلِ السِّيَرِ، وَقَدْ ضَرَبَ الْمَثَلَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأُمِّ خَارِجَةَ، وَهِيَ امْرَأَةٌ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَكَحَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَتُطَلِّقُهُمْ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِيِهَا، فَيَقُولُ: خِطْبٌ، فَتَقُولُ هِيَ: نِكْحٌ، أَيْ: يَقُولُ لَهَا: أَنَا خَاطِبٌ لَكِ، فَتَقُولُ هِيَ: قَدْ أَنَكَحْتُكَ نَفْسِي، فَجَاءَهَا بَعْضَ الْأَيَّامِ رَجُلٌ خَاطِبٌ وَهِيَ عَلَى بَعِيرٍ فَخَطَبَهَا، فَأَنْكَحَتْهُ نَفْسَهَا، ثُمَّ أَعْجَلَتِ الْبَعِيرَ أَنْ يَبْرُكَ، فَوَثَبَتْ عَنْهُ وَهُوَ قَائِمٌ لِتَجْتَمِعَ بِزَوْجِهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا، فَقِيلَ: أَسْرَعُ مِنْ نِكَاحِ أُمِّ خَارِجَةَ، يُضْرَبُ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْ يُبَالِغُ فِي الْعَجَلَةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مِنَ الْمَصَالِحِ هُوَ «الْحَاجِيُّ، أَيْ» : الْوَاقِعُ
(3/206)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«فِي رُتْبَةِ الْحَاجَةِ» ، أَيْ: تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، «كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ؛ لِحَاجَةِ تَقْيِيدِ الْكُفْءِ» خِشْيَةَ أَنْ يَفُوتَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيَحْصُلُ بِحُصُولِهِ نَفْعٌ، وَيَلْحَقُ بِفَوَاتِهِ ضَرَرٌ ; وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا قَاطِعًا، وَنِسْبَةُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِلَى هَذَا نِسْبَةُ كِتَابِ «الزِّينَةِ» مِنَ الطِّبِّ إِلَى بَاقِي كُتُبِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ هَذَيْنِ» ، يَعْنِي الضَّرْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَهُمَا التَحْسِينِيُّ وَالْحَاجِيُّ «مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ» يَشْهَدُ لَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ، أَيْ: لَا يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ كُلَّمَا لَاحَ لَهُ مَصْلَحَةٌ تَحْسِينِيَّةٌ أَوْ حَاجِيَّةٌ اعْتَبَرَهَا، وَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْأَحْكَامَ حَتَّى يَجِدَ لِاعْتِبَارِهَا شَاهِدًا مِنْ جِنْسِهَا، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لِلتَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وُجُودُ أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهَا، لَلَزِمَ مِنْهُ مَحْذُورَاتٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ «وَضْعًا لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ» ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ هُوَ مَا اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: إِجْمَاعٌ، أَوْ نَصٌّ، أَوْ مَعْقُولُ نَصٍّ، وَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَا تَسْتَنِدُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ رَأْيًّا مُجَرَدًا.
الثَّانِي: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، «لَاسْتَوَى الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ» ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْرِفُ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ الْوَاقِعَةَ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَاسْتِخْرَاجُ الْأَحْكَامِ مِنْهَا.
الثَّالِثُ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَاسْتُغْنِيَ عَنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَصَارَ النَّاسُ بَرَاهِمَةً
(3/207)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى الرُّسُلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ كَافٍ لَنَا فِي التَّأْدِيبِ وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، إِذْ مَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ، أَتَيْنَاهُ، وَمَا قَبَّحَهُ، اجْتَنَبْنَاهُ، وَمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، فَعَلْنَا مِنْهُ الضَّرُورِيَّ، وَتَرَكْنَا الْبَاقِيَ احْتِيَاطًا، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ مِنَ الْمَصَالِحِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ لَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا.
(3/208)

أَوْ ضَرُورِيٌّ: وَهُوَ مَا عُرِفَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ كَحِفْظِ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالدَّاعِيَةِ، وَالْعَقْلِ بِحَدِّ السُّكْرِ، وَالنَّفْسِ بِالْقِصَاصِ، وَالنَّسَبِ وَالْعِرْضِ بِحَدِّ الزِّنَى وَالْقَذْفِ، وَالْمَالِ بِقَطْعِ السَّارِقِ.
قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ لِعِلْمِنَا أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ. وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، لَا قِيَاسًا؛ لِرُجُوعِ الْقِيَاسِ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ دُونَهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً، إِذْ لَمْ تُعْلَمْ مُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ، كَالْقَتْلِ فِي السَّرِقَةِ، فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ كَقَوْلِ مَالِكٍ: يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: " الضَّرُورِيُّ "، أَيِ: الْوَاقِعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ، أَيْ: هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِ سِيَاسَةِ الْعَالَمِ وَبَقَائِهِ وَانْتِظَامِ أَحْوَالِهِ، " وَهُوَ مَا عُرِفَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ " وَالْعِنَايَةُ بِهِ كَالضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ " حِفْظُ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالدَّاعِيَةِ " إِلَى الرِّدَّةِ، وَعُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَةِ، وَحِفْظُ " الْعَقْلِ بِحَدِّ السُّكْرِ "، وَحِفْظُ النَّفْسِ بِالْقِصَاصِ "، وَحِفْظُ النَّسَبِ بِحَدِّ الزِّنَى الْمُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِ الْأَنْسَابِ بِاخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَحِفْظُ الْعِرْضِ بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَحِفْظُ " الْمَالِ بِقَطْعِ السَّارِقِ ". وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَ ضَرُورِيَّةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي " الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى " مُسْتَقْصًى، فَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ.
(3/209)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
" قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ " لِأَنَّا عَلِمْنَا " أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ " لَا حَصْرَ لَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ، " وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً "، وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ " إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ " دُونَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ.
" وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً ". هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: " قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا "، وَلَمْ أَقُلْ: قَالَ أَصْحَابُنَا؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ مِنْهُمْ حَتَّى الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ إِذَا اسْتَغْرَقُوا فِي تَوْجِيهِ الْأَحْكَامِ، يَتَمَسَّكُونَ بِمُنَاسَبَاتٍ مَصْلَحِيَّةٍ، يَكَادُ الشَّخْصُ يَجْزِمُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلشَّارِعِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَا يُشْبِهُ التَّمَسُّكَ بِحِبَالِ الْقَمَرِ، فَلَمْ أُقْدِمْ عَلَى الْجَزْمِ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِعَدَمِ الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَقَوُّلًا عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً احْتَجَّ بِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا، " وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ "، كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً، لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ
(3/210)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِفِعْلِ ذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً، " فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ "، كَمَا حُكِيَ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ " قَتْلَ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ".
قُلْتُ: لَمْ أَجِدْ هَذَا مَنْقُولًا فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ جَمَاعَةً مِنْ فُضَلَائِهِمْ، فَقَالُوا: لَا نَعْرِفُهُ.
قُلْتُ: مَعَ أَنَّهُ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ مُتَّجِهٌ جِدًّا، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ مِنْهُمُ الْحَوَارِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ فِي جَدَلَيْهِمَا.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمَصَالِحُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَمَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ، نَحْوُ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ لِئَلَّا يُعْصَرَ الْخَمْرُ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ خَشْيَةَ الزِّنَى.
وَمَا لَمْ يَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا إِلْغَائِهِ وَهِيَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ، وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ حُجَّةٌ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ أَوِ التَّتِمَّةِ، لَمْ تُعْتَبَرْ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ جَازَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، وَحَكَى مِثَالَ ذَلِكَ وَتَفْصِيلَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهَا حُجَّةً ; بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، عَلِمْنَا
(3/211)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ، فَنَعْتَبِرُهَا؛ لِأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ الْعَمَلِ.
قُلْتُ: هَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ لَا يَتَّجِهُ الْقَدْحُ فِيهِ بِوَجْهٍ، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ وَنَحْوِهِ، إِذْ هُوَ مَصْلَحَةٌ ; لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ مَصْلَحَةٌ نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَالْعَمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادِيٌّ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَا الْمَصْلَحَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، لَكَانَ دَفْعًا لِلنَّصِّ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: يُنْقَلُ عَنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ مِنْ خَوَاصِّهِ اعْتِبَارَ الْعَوَائِدِ، وَالْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ، وَسَدَّ الذَّرَائِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. أَمَّا الْعُرْفُ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَمَنِ اسْتَقْرَأَهَا وَجَدَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ فِيهَا.
قُلْتُ أَنَا: هَذَا كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يَرْجِعُ فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَرِدْ مِنَ الشَّرْعِ تَحْدِيدٌ فِيهِ إِلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ.
قَالَ: وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ، فَغَيْرُنَا يُصَرِّحُ بِإِنْكَارِهَا، وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ التَّفْرِيعِ تَجِدُهُمْ يُعَلِّلُونَ بِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يُطَالِبُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ الْفُرُوقِ وَالْجَوَامِعِ بِإِبْدَاءِ الشَّاهِدِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ، بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ.
قَالَ: وَأَمَّا الذَّرَائِعُ، فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مُعْتَبَرٌ إِجْمَاعًا، كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ، وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ -
(3/212)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عِنْدَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ.
وَثَانِيهَا: مُلْغًى إِجْمَاعًا، كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ عَصْرِهِ خَمْرًا، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ خَشْيَةَ الزِّنَى، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَثَالِثُهَا: مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ، اعْتَبَرْنَا نَحْنُ الذَّرِيعَةَ فِيهَا، وَخَالَفْنَا غَيْرُنَا، فَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ أَنَّا قُلْنَا بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِنَا، لَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِنَا.
وَقَالَ أَيْضًا: الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقِيسُونَ، وَيُفَرِّقُونَ بِالْمُنَاسَبَاتِ، وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا يُعْنَى بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ إِلَّا ذَلِكَ.
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ الْعَمَلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَمِلُوا أُمُورًا لِمُطْلِقِ الْمَصْلَحَةِ، لَا لِتَقَدُّمِ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ، نَحْوُ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ، وَوِلَايَةُ الْعَهْدِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْخِلَافَةَ شُورَى، وَتَدْوِينُ الدَّوَاوِينِ، وَعَمَلُ السِّكَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاتِّخَاذُ السِّجْنِ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهَدَمَ الْأَوْقَافَ الَّتِي بِإِزَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّوْسِعَةُ فِيهِ عِنْدَ ضِيقِهِ، وَتَجْدِيدُ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ فِي الْجُمْعَةِ ; فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كُلُّ ذَلِكَ لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ.
(3/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: وَمِنْ مَذْهَبِنَا أَيْضًا سَدُّ الذَّرَائِعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا بِإِبْطَالِ الْحِيَلِ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَبِي الْخَطَّابِ وَمَنْ تَابَعَهُ عَقْدَ بَابٍ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ يَتَضَمَّنُ الْحِيلَةَ عَلَى تَخْلِيصِ الْحَالِفِ مِنْ يَمِينِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ، وَهِيَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْمُحَرَّمِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، وَقَدْ صَنَّفَ شَيْخُنَا تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - كَتَابًا بَنَاهُ عَلَى بُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَأَدْرَجَ جَمِيعَ قَوَاعِدِ الْحِيَلِ، وَبَيَّنَ بُطْلَانَهَا بِأَدِلَّتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْمَصْلَحَةَ إِلَى مُعْتَبَرَةٍ، وَمُلْغَاةٍ وَمُرْسَلَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَغَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ تَعَسَّفُوا وَتَكَلَّفُوا، وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْمَصَالِحِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَأَقْرَبُ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ مُرَاعَاةُ الشَّرْعِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ بِالْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ:
الْفِعْلُ إِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مُجَرَّدَةً، حَصَّلْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً مُجَرَّدَةً، نَفَيْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مِنْ وَجْهٍ وَمَفْسَدَةً مِنْ وَجْهٍ، فَإِنِ اسْتَوَى فِي نَظَرِنَا تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ، وَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، تَوَقَّفْنَا عَلَى الْمُرَجِّحِ، أَوْ خَيَّرْنَا بَيْنَهُمَا كَمَا قِيلَ فِي مَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ السُّتْرَةِ إِلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَ فَرْجَيْهِ فَقَطْ. هَلْ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ مَكْشُوفًا أَفْحَشُ، أَوِ الْقُبُلَ؛ لِاسْتِقْبَالِهِ بِهِ الْقِبْلَةَ؟ أَوْ يَتَخَيَّرُ لِتَعَارُضِ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَالْمَفْسَدَتَيْنِ؟ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ ذَلِكَ، بَلْ تَرَجَّحَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، فَعَلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ شَرْعًا، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَخَرَّجُ كُلُّ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْصِيلِهِمُ الْمَصْلَحَةَ.
(3/214)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا كَالْقِيَاسِ، فَمَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ مُجَرَّدَةٌ، أَوْ رَاجِحَةٌ، وَأَمَّا الْمُلْغَاةُ كَمَنْعِ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ، فَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ تَعَارَضَتَا فِيهِمَا، لَكِنَّ مَصْلَحَتَهُمَا ضَعِيفَةٌ وَمَفْسَدَتَهُمَا عَظِيمَةٌ، فَكَانَ نَفْيُهَا أَرْجَحَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ النَّفْعِ الْمُتَحَقِّقِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالِارْتِفَاقِ الْمُتَحَقِّقِ بِالشَّرِكَةِ فِي السُّكْنَى لِأَجْلِ مَفْسَدَةٍ مَوْهُومَةٍ، وَهِيَ اعْتِصَارُ الْخَمْرِ، وَحُصُولُ الزِّنَى، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ مَظْنُونَةٌ، لَكِنَّهَا غَيْرُ قَاطِعَةٍ. وَالْمَصْلَحَةُ الَّتِي تُقَابِلُهَا قَاطِعَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا بِالْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الْمَظْنُونَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وأَيْضًا فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمَذْكُورَةَ خَاصَّةٌ، وَالْمَصْلَحَةَ الَّتِي تُقَابِلُهَا عَامَّةٌ، وَالْتِزَامُ مَفْسَدَةٍ خَاصَّةٍ، أَيْ: قَلِيلَةٍ؛ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَثِيرَةٍ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَنَافِعَ الْعِنَبِ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ حُصْرُمًا عَلَى حَالِهِ، وَطَبِيخًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهَذِهِ خَمْسُ مَنَافِعَ، وَلَعَلَّ فِيهِ غَيْرَهَا، وَالْمَمْنُوعُ مِنْ مَنَافِعِهِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْخَمْرُ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ: ابْنُ آدَمَ، لَكَ ثَمَرَةُ الْكَرْمِ حُصْرُمًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهُنَّ أَرْبَعٌ لَكَ، فَاتْرُكْ لِيَ الْخَامِسَةَ: النَّصِيرُ {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الْأَنْفَالِ: 41] ، فَتَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ بِزِرَاعَةِ الْعِنَبِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا لِمَفْسَدَةِ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُحَرَّمَةٍ.
(3/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَمَّا تَعْيِينُ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ، فَلَيْسَ يَبْعُدُ إِذَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ عَامٌّ ضَعِيفٌ فَيُخَصُّ بِهَذَا الِاجْتِهَادِ الْمَصْلَحِيِّ الْمُنَاسِبِ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ طَرِيقٌ مَهْيَعٌ. وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ.
وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْوَاقِعَةُ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، كَمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا.
وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ كَحِفْظِ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسَبِ، وَالْعِرْضِ، وَالْمَالِ، فَهِيَ وَإِنْ عَارَضَتْهَا مَفْسَدَةٌ، وَهِيَ إِتْلَافُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ، وَيَدِ السَّارِقِ بِالْقَطْعِ، وَإِيلَامُ الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالْقَاذِفِ بِالضَّرْبِ، لَكِنَّ نَفْيَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْصِيلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمَسْجِدِ وَالْفَرَسِ الْحَبِيسِ إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ، تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً، وَهِيَ اسْتِخْلَافُ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ الْمَقْصُودَةِ بِبَيْعِهِ، وَمَفْسَدَةً، وَهِيَ إِسْقَاطُ حَقِّ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مِنْ عَيْنِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِيهَا، فَنَحْنُ رَجَّحْنَا تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ، وَغَيْرُنَا رَجَّحَ نَفْيَ الْمَفْسَدَةِ.
(3/216)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَعَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ الْأَحْكَامُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِيهَا، أَوْ عِنْدَ تَجَرُّدِهَا، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِتَقْسِيمٍ وَتَنْوِيعٍ لَا يَتَحَقَّقُ، وَيُوجِبُ الْخِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِذَا تَحَقَّقَهَا الْعَاقِلُ، لَمْ يَسْتَطِعْ إِنْكَارَهَا لِاضْطِرَارِ عَقْلِهِ لَهُ إِلَى قَبُولِهَا، وَيَصِيرُ الْخِلَافُ وِفَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ نَجَزَ عِنْدَ هَذَا الْكَلَامِ الْقَوْلُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَوَاحِقِهَا، وَالْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا سِوَى الْقِيَاسِ، وَهَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(3/217)

الْقِيَاسُ
لُغَةً: التَّقْدِيرُ، نَحْوُ: قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ ; وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ ; أَقِيسُ وَأَقُوسُ قَيْسًا وَقَوْسًا وَقِيَاسًا فِيهِمَا.
وشَرْعًا: حَمَلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ فِي حُكْمٍ بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: إِثْبَاتُ مِثْلِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمُقْتَضٍ مُشْتَرَكٍ.
وَقِيلَ: تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ بِجَامِعٍ مُشْتَرَكٍ، وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ.
وَقِيلَ: هُوَ الِاجْتِهَادُ، وَهُوَ خَطَأٌ لَفْظًا وَحُكْمًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «الْقِيَاسُ» ، أَيِ: الْقَوْلُ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ «لُغَةً» ، أَيْ: فِي اللُّغَةِ «التَّقْدِيرُ، نَحْوُ: قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ» ، أَيْ: قَدَّرْتُهُ بِهِ، «وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ» ، وَهُوَ مَا يُسْبَرُ بِهِ الْجُرْحُ، أَيْ: يُرَازُ بِهِ لِيُعْلَمَ عُمْقُهُ، وَهُوَ مَعَ الْجِرَاحِيَّةِ شِبْهُ الْمِيلِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قِسْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، أَيْ: قَدَّرْتُهُ عَلَى مِثَالِهِ، يُقَالُ: قِسْتُ «أَقِيسُ وَأَقُوسُ» ، فَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَنَظَائِرُهُ فِي اللُّغَةِ كَثِيرَةٌ، وَالْمَصْدَرُ قَيْسًا وَقَوْسًا بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ مِنْ بِنَاءٍ أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ «قَوْسًا» .
قَوْلُهُ: «وَقِيَاسًا فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي اللُّغَتَيْنِ تَقُولُ: قِيَاسًا، فَتَقُولُ: أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ قِيَاسًا، وَقِيَاسُهُ: قِوَاسًا، لَكِنْ لَمَّا انْكَسَرَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ، انْقَلَبَتْ يَاءً، كَمَا قَالُوا: قَامَ قِيَامًا، وَصَامَ
(3/218)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صِيَامًا، وِصَالَ صِيَالًا، وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ الْوَاوُ.
وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّسْوِيَةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ تَسْوِيَةٌ خَاصَّةٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَهُوَ كَتَخْصِيصِ لَفَظِ الدَّابَّةِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهَا، فَهُوَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، مَجَازٌ لُغَوِيٌّ.
قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا» ، أَيْ: وَالْقِيَاسُ شَرْعًا، أَيْ: فِي الشَّرْعِ وَاصْطِلَاحِ عُلَمَائِهِ ; قِيلَ: «حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ فِي حُكْمٍ ; بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا» ، كَحَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ بِجَامِعِ الْإِسْكَارِ، وَنَعْنِي بِالْحَمْلِ: الْإِلْحَاقَ وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَرُبَّمَا أَوْرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ لَا يُعْرَفَانِ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْقِيَاسِ، فَأَخْذُهُمَا فِي تَعْرِيفِهَا دَوْرٌ.
«وَقِيلَ» : الْقِيَاسُ: «إِثْبَاتُ مِثْلِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمُقْتَضٍ مُشْتَرَكٍ» ، كَإِثْبَاتِ مِثْلِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي النَّبِيذِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَلِّ النَّصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، إِذْ مَحَلُّهُ الْخَمْرُ لِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ.
«وَقِيلَ» : الْقِيَاسُ «تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ بِجَامِعٍ» كَتَعْدِيَةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يُنَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِلْجَامِعِ الْمَذْكُورِ الْمُشْتَرَكِ، وَكَتَعْدِيَةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى الْأَرُزِّ الَّذِي لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِعِلَّةِ حُصُولِ التَّفَاضُلِ وَالتَّغَابُنِ فِيهِمَا، وَهُوَ الْجَامِعُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: «وَمَعَانِيهَا» ، أَيْ: مَعَانِي هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ لِلْقِيَاسِ «مُتَقَارِبَةٌ» ، أَيْ:
(3/219)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَسَاوِيَةً حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ» أَيْ: فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ «غَيْرُ مَا ذُكِرَ» ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ التَّعْرِيفَاتِ.
فَمِنْهَا مَا يُعْزَى إِلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ بَلَغَهُ، وَهُوَ أَنَّهُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا، أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا عَنْهُمَا.
وَقَدْ زَيَّفَ هَذَا عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا، غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُطْلَبُ بِهِ مَعْرِفَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ، إِذْ حُكْمُهُ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ بِهِ حُكْمُ الْفَرْعِ.
وَقِيلَ فِيهِ: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ نَفْيِهِ بِنَاءً عَلَى جَامِعٍ مِنْ صِفَةٍ أَوْ حُكْمٍ وُجُودًا وَانْتِفَاءً.
مِثَالُ الْوُجُودِ قَوْلُهُمْ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٍ، فَأَوْجَبَ الْقَوَدَ كَالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ.
وَمِثَالُ الِانْتِفَاءِ قَوْلُهُمْ فِيهِ. قَتْلٌ لَا يَخْلُو مِنْ شُبْهَةٍ، أَوْ قَتْلٌ تَمَكَّنَتْ مِنْهُ الشُّبْهَةُ، فَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ قِيَاسًا عَلَى الْعَصَا الصَّغِيرَةِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ إِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ لِمَعْلُومٍ آخَرَ لِأَجْلِ اشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمُثْبِتِ.
فَقَوْلُهُ: إِثْبَاتُ، يُرَادُ بِهِ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ وَالِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّا إِذَا أَثْبَتْنَا
(3/220)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حُكْمًا بِالْقِيَاسِ، فَقَدْ يَعْلَمُ ثُبُوتَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ قَطْعًا، وَقَدْ يَظُنُّهُ ظَنًّا، وَقَدْ يَعْتَقِدُهُ اعْتِقَادًا، وَالْعِلْمُ وَالظَّنُّ وَالِاعْتِقَادُ مُشْتَرَكَةٌ فِي كَوْنِهَا إَثْبَاتًا.
وَقَوْلُنَا: مِثْلُ حُكْمٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ حُكْمِ الْأَصْلِ، إِذِ الْحُكْمُ وَصْفٌ لِمَحَلِّهِ، وَوَصْفُ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ لَيْسَ وَصْفًا لِلْآخَرِ، فَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ، بَلْ هُوَ مِثْلُهُ.
وَقَوْلُنَا: حُكْمُ مَعْلُومٍ لِمَعْلُومٍ لِيَتَنَاوَلَ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ، وَلَمْ نَقُلْ: حُكْمُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ؛ لِئَلَّا يَخْتَصَّ بِالْمَوْجُودِ عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ جَارٍ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِي.
وَقَوْلُنَا: لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى تَنَاوُلِهِ قِيَاسَ الشَّبَهِ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُنَا: عِنْدَ الْمُثْبِتِ؛ لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تَكُونُ مَنْصُوصَةً، وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَنْبَطَةٌ، كَعِلَّةِ الرِّبَا الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ بِطَرِيقِ تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، وَهَلْ هِيَ الْكَيْلُ، أَوِ الطَّعْمُ، أَوِ الْوَزْنُ، أَوِ الِاقْتِيَاتُ؟ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمُرَادُ الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، فَلَوِ اقْتَصَرْنَا عَلَى قَوْلِنَا: لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، لَكَانَ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُرَادَةُ مِنَ الْحَدِيثِ هِيَ الْكَيْلَ، يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِغَيْرِهَا قِيَاسًا فَاسِدًا خَارِجًا عَنِ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ الْعِلَّةِ الْمُرَادَةِ لِلشَّارِعِ، فَإِذَا قُلْنَا: لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمُثْبِتِ، وَهُوَ الْقَائِسُ، كَانَ إِثْبَاتُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ لِلْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الَّذِي رَآهُ عِلَّةً قِيَاسًا شَرْعِيًّا دَاخِلًا فِي
(3/221)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَدِّ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ قِيَاسٌ شَرْعِيٌّ. وَإِنْ قُلْنَا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لَا غَيْرُ، فَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ أَقْيِسَةً شَرْعِيَّةً، إِذْ لَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ أَوِ الْبُطْلَانِ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي «الْمُنْتَهَى» : الْقِيَاسُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ مُنْقَسِمٌ إِلَى قِيَاسِ الْعَكْسِ، وَهُوَ تَحْصِيلُ نَقِيضِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ فِي غَيْرِهِ؛ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَإِلَى قِيَاسِ الطَّرْدِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ.
قُلْتُ: وَيَرِدُ عَلَى ظَاهِرِهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُسْتَنْبَطَةً.
قُلْتُ: وَمِنْ أَمْثِلَةِ قِيَاسِ الْعَكْسِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ عَدَّدَ لِأَصْحَابِهِ وُجُوهَ الصَّدَقَةِ: وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ أَوْ قَالَ: وَالرَّجُلُ يَأْتِي أَهْلَهُ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ يَعْنِي: أَكَانَ يُعَاقَبُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَهْ، يَعْنِي كَمَا أَنَّهُ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ يَأْثَمُ، كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ يُؤْجَرُ، فَقَدْ حَصَّلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَقِيضَ حُكْمِ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ، وَهُوَ الْإِثْمُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَطْءُ الْحَرَامُ؛ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَهِيَ كَوْنُ هَذَا مُبَاحًا وَهَذَا حَرَامًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُشْبِهُ مَا سَبَقَ مِنْ مَذْهَبِ الْكَعْبِيِّ أَنَّ الْمُبَاحَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَحْثٌ طَوِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ أَيْضًا فِي «جَدَلِهِ» : الَّذِي نَرَاهُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ
(3/222)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِنَاءً عَلَى جَامِعٍ مَعْلُومٍ.
وَقِيلَ: الْقِيَاسُ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ سَبَقَ نَحْوُهُ.
وَالْعِبَارَاتُ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ كَثِيرَةٌ، وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ اعْتِبَارُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي حُكْمِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْقِيَاسِ أَقْسَامًا بِاعْتِبَارَاتٍ:
أَحَدُهَا: إِمَّا جَلِيٌّ: وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَنْصُوصَةً، أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، أَوْ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ النَّصِيبِ.
وَإِمَّا خَفِيٌّ: وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مُسْتَنْبَطَةً، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ.
الثَّانِي: إِمَّا مُؤَثِّرٌ: وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ كَانَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ فِيهِ قَدْ أَثَّرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ.
وَإِمَّا مُلَائِمٌ: وَهُوَ مَا أَثَّرَ جِنْسُ الْعِلَّةِ فِيهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْقِيَاسَ إِمَّا أَنْ يُصَرَّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ أَوْ بِمَا يُلَازِمُهَا، أَوْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا فِيهِ، فَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، وَالثَّانِي قِيَاسُ الدَّلَالَةِ، وَالثَّالِثُ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى
(3/223)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْأَصْلِ، وَهُوَ مَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ طَرِيقَ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، إِمَّا الْمُنَاسَبَةُ، أَوِ الشَّبَهُ، أَوِ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، أَوِ الطَّرْدُ أَوِ الْعَكْسُ، فَالْأَوَّلُ يُسَمَّى: قِيَاسَ الْإِخَالَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَتَخَيَّلُ لَهُ مُنَاسَبَةَ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ، فَيُعَلِّقُهُ بِهِ، وَالثَّانِي قِيَاسُ الشَّبَهِ، وَالثَّالِثُ قِيَاسُ السَّبْرِ، وَالرَّابِعُ قِيَاسُ الطَّرْدِ.
قُلْتُ: ذَكَرَ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ الْآمِدِيُّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا لَمْ يَسْبِقْ بَيَانُهُ مِنْهَا مَشْرُوحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: هُوَ» ، يَعْنِي الْقِيَاسَ هُوَ: «الِاجْتِهَادُ، وَهُوَ» يَعْنِي هَذَا التَّعْرِيفَ «خَطَأٌ لَفْظًا وَحُكْمًا» ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، فَلِأَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَالِاجْتِهَادُ لَا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَنْبَأَ عَنْهُ، فَلَيْسَ هُوَ بِلَازِمٍ لَهُ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، فَلِأَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِالنَّظَرِ فِي الْعُمُومَاتِ، وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ طُرُقِ الْأَدِلَّةِ طَلَبًا لِلْحُكْمِ، فَإِنَّهُ اجْتِهَادٌ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ؛ وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يُنْبِئُ عَنْ بَذْلِ الْجُهْدِ فِي النَّظَرِ، وَالْقِيَاسِ قَدْ يَكُونُ جَلِيًّا، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَرَجَعَ حَاصِلُ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْقِيَاسِ بِالِاجْتِهَادِ تَعْرِيفٌ بِالْأَعَمِّ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ، إِذْ كَلُّ قِيَاسٍ اجْتِهَادٌ، وَلَيْسَ كُلُّ اجْتِهَادٍ قِيَاسًا، فَكَانَ الْحَدُّ غَيْرَ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ مِنْهُ، وَلَا مَانِعَ لِدُخُولِ
(3/224)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَا لَيْسَ بِقِيَاسٍ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
وَمِنَ التَّعْرِيفَاتِ الْفَاسِدَةِ لِلْقِيَاسِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ إِصَابَةُ الْحَقِّ، وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ، لَا يَكُونُ قِيَاسًا.
وَقَدْ يُطْلَقُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمَوْضُوعَتَيْنِ وَضْعًا خَاصًّا بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُمَا نَتِيجَةٌ.
وَيَرْسُمُهُ الْمَنْطِقِيُّونَ بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ أَقْوَالٍ إِذَا سُلِّمَتْ، لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ، نَحْوُ: كُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ، وَكُلُّ جِسْمٍ مُؤَلَّفٌ، يَلْزَمُ عَنْهُ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ مُؤَلَّفٌ، فَهَذِهِ نَتِيجَةٌ لَازِمَةٌ عَنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَوْ أَضَفْنَا إِلَيْهِمَا مُقَدِّمَةً أُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُنَا: كُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ ; لَزِمَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ مُحْدَثٌ، فَهِيَ نَتِيجَةٌ لَازِمَةٌ عَنْ مُقَدِّمَاتٍ بِطْرِيقِ التَّرْكِيبِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِطْلَاقُ الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ اسْمٌ إِضَافِيٌّ يَسْتَدْعِي أَمْرَيْنِ يُضَافُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ وَيُقَدَّرُ بِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ.
قُلْتُ: تَسْمِيَةُ الْمَنْطِقِيِّينَ لِهَذَا قَيَاسًا هُوَ اصْطِلَاحٌ بَيْنِهِمْ، وَالْأَمْرُ فِي الِاصْطِلَاحِيَّاتِ قَرِيبٌ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَرِيًّا عَنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالِاعْتِبَارِ، إِذْ هُوَ اعْتِبَارٌ لِلنَّتِيجَةِ بِالْمُقْدِّمَتَيْنِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ، وَتَقْدِيرٌ لَهَا بِنَظَائِرِهَا مِنَ النَّتَائِجِ فِي طَرِيقِ لُزُومِهَا عَنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَغَايَةُ مَا ثَمَّ أَنَّ مَعْنَى التَّقْدِيرِ فِي هَذَا أَخْفَى مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قِيَاسًا لُغَةً أَوْ فِي مَعْنَاهُ.
(3/225)

وَأَرْكَانُهُ: أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ، وَحُكْمٌ.
فَالْأَصْلُ: قِيلَ: النَّصُّ، كَحَدِيثِ الرِّبَا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ.
وَالْفَرْعُ مَا عُدِّيَ إِلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْجَامِعِ.
وَالْعِلَّةُ وَالْحُكْمُ مَضَى ذِكْرُهُمَا، وَهِيَ فَرْعٌ فِي الْأَصْلِ لِاسْتِنْبَاطِهَا مِنَ الْحُكْمِ، أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ بِهَا.
وَالِاجْتِهَادُ فِيهَا إِمَّا بَيَانُ وُجُودِ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ، أَوْ بَيَانُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ، نَحْوُ: فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالضَّبُعِ مِثْلُهُمَا، وَالْبَقَرَةُ وَالْكَبْشُ مِثْلُهُمَا، فَوُجُوبُ الْمِثْلِ اتِّفَاقِيٌّ نَصِّيٌّ، وَكَوْنُ هَذَا مِثْلًا تَحْقِيقِيٌّ اجْتِهَادِيٌّ، وَمِثُلُهُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاجِبٌ، وَهَذِهِ جِهَتُهَا، وَقَدْرُ الْكِفَايَةِ فِي النَّفَقَةِ وَاجِبٌ ; وَهَذَا قَدْرُهَا، وَنَحْوُ: الطَّوَافُ عِلَّةٌ لِطَهَارَةِ الْهِرَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا قِيَاسٌ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ دُونَ الْقِيَاسِ، وَيُسَمَّيَانِ: تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَأَرْكَانُهُ» ، أَيْ: أَرْكَانُ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ: «أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ، وَحُكْمٌ» .
اعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا بَحْثَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ هُوَ جُزْؤُهُ الدَّاخِلُ فِي حَقِيقَتِهِ، كَرُكْنِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ وَالْعُرْفُ بَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ أَنَّ رُكْنَ الْبَيْتِ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي فِيهِ الزَّاوِيَةُ خَاصَّةً، وَهُوَ عُرْفٌ غَالِبٌ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الضِّلْعُ الَّذِي بَيْنَ الزَّاوِيَتَيْنِ، فَهَذَا رُكْنٌ كَبِيرٌ، ثُمَّ كَلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ رَكَنٌ لِلْبَيْتِ عَلَى
(3/226)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حَسَبِهِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ.
وَاعْلَمْ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ يَتَوَقَّفُ وُجُودُ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّكْنَ دَاخِلٌ فِي الْمَاهِيَّةِ كَالرُّكُوعِ لِلصَّلَاةِ وَسَائِرِ أَرْكَانِهَا، وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنْهَا، كَالْوُضُوءِ لَهَا وَسَائِرِ شُرُوطِهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرُّكْنَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ وَالْخَارِجِيُّ جَمِيعًا، وَالشَّرْطُ إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ الْخَارِجِيُّ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ الْوُجُودِ فِي الذِّهْنِ، فَيُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَ صُورَةَ الصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ، وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَهَا فِي أَذْهَانِنَا بِلَا رُكُوعٍ. وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا أَنَّنَا نَتَصَوَّرُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ بِدُونِ تَصَوُّرِ حَقِيقَةِ الْحَيَاةِ، لَكِنَّ قِيَامَ الْعِلْمِ بِمَحَلِّهِ فِي الْخَارِجِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُهُ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: فِي أَنَّهُ لِمَ كَانَتْ أَرْكَانُ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةً؟ وَلَهُ تَوْجِيهَاتٌ إِقْنَاعِيَّةٌ وَحَقِيقِيَّةٌ.
مِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ مَعْنًى مَعْقُولٌ، وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ الْمَحْسُوسَةِ. وَقَدْ تُقُرِّرَ أَنَّ أَرْكَانَ الْمَحْسُوسَاتِ هِيَ الْعَنَاصِرُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، فَكَذَلِكَ الْمَعْقُولَاتُ تَقْتَضِي بِحُكْمِ هَذَا أَنْ تَكُونَ أَرْكَانُهَا أَرْبَعَةً، فَإِنْ زَادَ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْأَصْلِ لِمُقْتَضىً خَاصٍّ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ مَدَارَ الْمُحْدَثَاتِ عَلَى عِلَلِهَا الْأَرْبَعِ: الْمَادِّيَّةُ، وَالصُّورِيَّةُ، وَالْفَاعِلِيَّةُ، وَالْغَائِيَّةُ، وَهِيَ أَرْكَانٌ لَهَا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَعْقُولَاتِ مُلْحَقَةٌ بِهَا كَمَا سَبَقَ آنِفًا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ
(3/227)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمُؤَلَّفِ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ ; مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَقَوْلُنَا: الْأَرُزُّ مَكِيلٌ، فَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ، مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِنَا: الْأَرُزُّ مَكِيلٌ، وَكُلُّ مَكِيلٍ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ. وَلَيْسَ فِي الْأَوَّلِ زِيَادَةً عَلَى الثَّانِي إِلَّا ذِكْرُ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ عَلَى جِهَةِ التَّنْظِيرِ بِهِ وَالتَّآنُسِ. وَلِهَذَا لَوْ قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْأَرُزُّ مَكِيلٌ فَهُوَ رِبَوِيٌّ، لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ إِلَى الْعَقْلِيِّ ; لَزِمَ فِيهِ مَا لَزِمَ فِي الْعَقْلِيِّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَالنَّتِيجَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ مَا بَيْنَ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ، يَسْقُطُ مِنْهَا بِالتَّكْرَارِ جُزْءَانِ، وَهُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ هِيَ أَرْكَانُ الْمَقْصُودِ، وَهِيَ الَّتِي يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَقْيِسَتِهِمْ.
مِثَالُهُ: أَنَّا نَقُولُ: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، هَذَانِ جُزْءَانِ: مَوْضُوعٌ: وَهُوَ النَّبِيذُ، وَمَحْمُولٌ: وَهُوَ مُسْكِرٌ، وَهُمَا فِي عُرْفِ النُّحَاةِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. ثُمَّ نَقُولُ: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَهَذَانِ جُزْءَانِ، وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ، النَّبِيذُ حَرَامٌ، وَهُمَا جُزْءَانِ آخَرَانِ ; صَارَتْ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ ; يَسْقُطُ مِنْهَا لَفْظُ مُسْكِرٍ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأَوْلَى مَوْضُوعٌ فِي الثَّانِيَةِ ; يَبْقَى هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، وَهُمَا صُورَةُ قِيَاسِ الْفُقَهَاءِ.
فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَقْلِيِّ فِي بِنَائِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ بِالْجُمْلَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ مَعْنًى إِضَافِيٌّ يَفْتَقِرُ فِي تَحْقِيقِهِ إِلَى مَقِيسٍ - وَهُوَ
(3/228)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمُسَمَّى: فَرْعًا - وَإِلَى مَقِيسٍ عَلَيْهِ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: أَصْلًا - وَإِلَى مَقِيسٍ لَهُ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: عِلَّةً - وَإِلَى مَقِيسٍ فِيهِ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: حُكْمًا - فَلَمَّا تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ، وَافْتَقَرَ فِي تَحَقُّقِهِ إِلَيْهَا، لَا جَرَمَ كَانَتْ أَرْكَانًا لَهُ.

قَوْلُهُ: «فَالْأَصْلُ: قِيلَ» : هُوَ «النَّصُّ، كَحَدِيثِ الرِّبَا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ» .
لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَقَائِقِهَا رُكْنًا رُكْنًا.
أَمَّا الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَلْ هُوَ النَّصُّ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ «كَحَدِيثِ الرِّبَا» ، أَوْ مَحَلُّ النَّصِّ «كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ» الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الرِّبَا، وَهِيَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَنَحْوُهُمَا، أَوِ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ، فَمَعَنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ: النَّصُّ وَمَحَلُّ النَّصِّ وَهُوَ الْعَيْنُ، أَوِ الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ النَّصِّ، وَالْحُكْمُ الَّذِي ثَبَتَ بِالنَّصِّ فِي الْمَحَلِّ، فَاخْتُلِفَ فِي الْأَصْلِ، أَيُّ الثَّلَاثَةِ هُوَ؟ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْحُكْمُ لَمْ يُذْكَرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَكَذَلِكَ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ حَيْثُ قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ، هَلِ الْأَصْلُ فِيهِ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّارِعِ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ، أَوْ مَحَلُّ هَذَا النَّصُّ وَهُوَ الْخَمْرُ، أَوْ حُكْمُ النَّصِّ الْمُتَعَلِّقِ بِالْخَمْرِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَالنِّزَاعُ فِي هَذَا لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْقِيَاسُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ:
(3/229)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النَّصُّ، وَحُكْمُهُ، وَمَحَلُّهُ، وَكَذَلِكَ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فَلَا يَمْتَنِعُ إِطْلَاقُ اسْمِ الْأَصْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالنَّصُّ أَصْلٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِهِ، وَالْمَحَلُّ أَصْلٌ كَالْخَمْرِ وَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهِ، وَالْحُكْمُ أَصْلٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مُسْتَفَادٌ مِنْهُ وَمُلْحَقٌ بِهِ، وَالْعِلَّةُ أَصْلٌ؛ لِأَنَّهَا مُصَحِّحَةٌ لِلْإِلْحَاقِ، فَأَرْكَانُ الْقِيَاسِ الْأَرْبَعَةِ أُصُولٌ لَهُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مُنَاظَرَاتِهِمْ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ مَحَلُّ حُكْمِ النَّصِّ كَالْخَمْرِ وَالْبُرِّ، وَسُمِّيَ هَذَا مَحَلًّا لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ عَقْلًا تَعَلُّقَ الْحَالِّ بِمَحَلِّهِ حِسًّا.
وَحَدِيثُ الرِّبَا وَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» هُوَ مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمَثَلٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرُ مَثَلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: «وَالْفَرْعُ مَا عُدِّيَ إِلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْجَامِعِ» .
قُلْتُ: وَذَلِكَ كَالنَّبِيذِ وَالْأَرُزِّ فِي قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَيَحْرُمُ كَالْخَمْرِ، وَالْأَرُزُّ مَكِيلٌ، فَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ، وَكَالْأَمَةِ فِي قَوْلِنَا: رَقِيقٌ، فَيَسْرِي فِيهِ الْعِتْقُ كَالْعَبْدِ، وَكَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ فِي قَوْلِنَا: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٍ، فَيَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ كَالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْفَرْعِ أَنَّهُ الْمَحَلُّ الَّذِي تَعَدَّى إِلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْوَصْفِ الْجَامِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ النَّصِّ.
وَقِيلَ: الْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمُ الْمُنَازَعُ فِيهِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ النَّبِيذِ، وَتَحْرِيمُ
(3/230)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التَّفَاضُلِ فِي الْأَرُزِّ، وَسِرَايَةُ الْعِتْقِ فِي الْأَمَةِ مَثَلًا، وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، فَالْفَرْعُ إِذَنْ هُوَ النَّبِيذُ مَثَلًا أَوْ تَحْرِيِمُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

قَوْلُهُ: «وَالْعِلَّةُ وَالْحُكْمُ مَضَى ذِكْرُهُمَا» .
قُلْتُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ، وَحُكْمٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَا هِيَ، وَبَقِيَ عَلَيْنَا بَيَانُ حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ، لَكِنْ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا مُفَصَّلًا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَكْرَارِهِ، فَلْنَقْنَعْ بِالْإِحَالَةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِمَا، غَيْرَ أَنَّا نُشِيرُ إِلَيْهِمَا هَاهُنَا إِشَارَةً خَفِيفَةً؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ بَيَانِهِمَا.
فَنَقُولُ: الْعِلَّةُ: هِيَ الْوَصْفُ أَوِ الْمَعْنَى الْجَامِعُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ الَّذِي بِاعْتِبَارِهِ صَحَّتْ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ، كَالْإِسْكَارِ فِي الْخَمْرِ، وَتَبْدِيلِ الدِّينِ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ، حَيْثُ قُلْنَا فِي الْمُرْتَدَّةِ: بَدَّلَتْ دِينَهَا، فَتُقْتَلُ كَالْمُرْتَدِّ، وَسُمِّيَ هَذَا عِلَّةً؛ لِوُجُودِ الْحُكْمِ بِهِ حَيْثُ وُجِدَ، كَوُجُودِ السَّقَمِ بِالْعِلَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ حَيْثُ وُجِدَتْ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ: فَهُوَ قَضَاءُ الشَّرْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ خِطَابِهِ أَوْ إِخْبَارِهِ الْوَضْعِيِّ بِوُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ، أَوْ كَرَاهَةٍ، أَوْ حَظْرٍ، أَوْ إِبَاحَةٍ، أَوْ صِحَّةٍ، أَوْ فَسَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ قَضَائِهِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ أَوِ الْوَضْعِ، وَهُنَاكَ لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ،
(3/231)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَارْجِعْ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «وَهِيَ» ، يَعْنِي الْعِلَّةَ «فَرْعٌ فِي الْأَصْلِ» ، «أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ» . أَمَّا أَنَّهَا «فَرْعٌ فِي الْأَصْلِ» ، فَلِأَنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ، اسْتَنْبَطْنَا مِنْهُ أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيِمِهَا الْإِسْكَارُ الْمُفْسِدُ لِلْعُقُولِ؛ إِذْ لَا مُنَاسِبَ لِلتَّحْرِيمِ فِيهَا سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ لَمَّا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ، اسْتَخْرَجْنَا مِنْ تَحْرِيمِهِ أَنَّ عِلَّتَهُ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ جَزْمٌ بِالْحُكْمِ وَهُوَ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ وَتَحْرِيمُ الْحُكْمِ مَعَ الْغَضَبِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ تَبْدِيلُ الدِّينِ وَاضْطِرَابُ رَأْيِ الْقَاضِي بِالْغَضَبِ، فَكَانَتِ الْعِلَّةُ فَرْعًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِالْحُكْمِ جَزَمًا، وَأَشَارَ إِلَيْهَا إِشَارَةً، وَالِاهْتِمَامُ بِالْأُصُولِ أَوْلَى مِنَ الِاهْتِمَامِ بِالْفُرُوعِ، فَكَانَ الْمَجْزُومُ بِهِ أَصْلًا، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ فَرْعًا.
وَأَمَّا أَنَّ الْعِلَّةَ «أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ» ; فَلِأَنَّهَا إِذَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهَا إِثْبَاتُ حُكْمِ الْأَصْلِ، كَالْإِسْكَارِ لَمَّا تَحَقَّقَ فِي النَّبِيذِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ التَّحْرِيمِ، فَالْعِلَّةُ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْمُسْتَخْرَجُ فَرْعٌ عَلَى الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ، وَالْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ مَبْنِيٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، وَالْمَبْنِيُّ فَرْعٌ عَلَى الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، وَالْمُتَرَتِّبُ فَرْعٌ عَلَى الْمُتَرَتَّبِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: «وَالِاجْتِهَادُ فِيهَا» ، أَيْ: فِي الْعِلَّةِ، «إِمَّا بِبَيَانِ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ
(3/232)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ» عَلَيْهَا «أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَقْيِسَةِ، وَهُوَ إِمَّا بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، أَوْ تَنْقِيحِهِ، أَوْ تَخْرِيجِهِ، وَالْمَنَاطُ: مَا نِيطَ بِهِ الْحُكْمُ، أَيْ: عُلِّقَ بِهِ، وَهُوَ الْعِلَّةُ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ، يُقَالُ: نُطْتُ الْحَبَلَ بِالْوَتَدِ، أَنُوطُهُ نَوْطًا: إِذَا عَلَّقْتُهُ، وَمِنْهُ ذَاتُ أَنْوَاطٍ: شَجَرَةٌ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَلِّقُونَ فِيهَا سِلَاحَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ.
أَمَّا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ، فَنَوْعَانِ وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ: «وَهَذَا قِيَاسٌ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ» -:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، أَوْ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْأَصْلُ، فَيَتَبَيَّنُ الْمُجْتَهِدُ وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: «إِمَّا بِبَيَانِ وُجُودِ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ، أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ» .
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَعْرِفَ عِلَّةَ حُكْمٍ مَا فِي مَحَلِّهِ بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، فَيَتَبَيَّنُ الْمُجْتَهِدُ وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: «أَوْ بَيَانُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ» .
مِثَالُ النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ: «فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالضَّبُعِ مَثَلُهُمَا» ، أَيْ: فِي حِمَارِ الْوَحْشِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ مِثْلُهُ، وَفِي الضَّبُعِ أَيْضًا يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ مِثْلُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [الْمَائِدَةِ:
(3/233)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
95] ، «وَالْبَقَرَةُ وَالْكَبْشُ» كَذَلِكَ، أَيِ: الْبَقَرَةُ مِثْلُ حِمَارِ الْوَحْشِ، وَالْكَبْشُ مِثْلُ الضَّبُعِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْجَزَاءُ، «فَوُجُوبُ الْمِثْلِ اتِّفَاقِيٌّ نَصِّيٌّ» ، أَيْ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ الْمَذْكُورِ، «وَكَوْنُ هَذَا مِثْلًا» يَعْنِي كَوْنَ الْبَقَرَةِ مِثْلَ الْحِمَارِ، وَالْكَبْشِ مِثْلَ الضَّبُعِ «تَحْقِيقِيٌّ اجْتِهَادِيٌّ» أَيْ: ثَابِتٌ بِالِاجْتِهَادِ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ؛ إِذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا إِجْمَاعَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّ الْكَبْشَ مَثَلًا مِثْلُ الضَّبُعِ، إِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا مِثْلُهَا، وَفَوَّضَ تَعْيِينَ الْمِثْلِ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، فَتَحَقَقَ مِثْلِيَّتُهَا فِي الْكَبْشِ.
قَوْلُهُ: «وَمِثْلُهُ» ، أَيْ: وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُقَالَ: «اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاجِبٌ، وَهَذِهِ جِهَتُهَا» ، فَوُجُوبُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا كَوْنُ هَذِهِ جِهَتُهَا فِي حَقِّ مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، فَيَثْبُتُ بِالِاجْتِهَادِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا: «قَدْرُ الْكِفَايَةِ فِي» نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَنَحْوِهُمْ «وَاجِبٌ» ، وَكَذَلِكَ قَدْرُهَا كَالرِّطْلِ وَالرِّطْلَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَوُجُوبُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَمَّا كَوْنُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ رِطْلًا أَوْ رِطْلَيْنِ، فَيُعْلَمُ بِالِاجْتِهَادِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ، فَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ كَوْنَ هَذَا مِثْلًا لَهُ، أَوْ هَذَا الْمِقْدَارِ قِيمَتَهُ، فَهُوَ اجْتِهَادِيُّ.
وَقَوْلُنَا: هَذَا الْفِعْلُ يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ الرَّادِعُ، لَكِنَّ كَوْنَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ وَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا رَادِعًا، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ فِي التَّعْزِيزِ بِخَبَرِ أَبِي بُرْدَةَ.
(3/234)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا: نَصْبُ الْإِمَامِ وَالْوَالِي وَالْقَاضِي وَاجِبٌ، لَكِنَّ تَعْيِينَ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ لِذَلِكَ هُوَ إِلَى اجْتِهَادِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي ذَلِكَ، فَهَذَا تَمَامُ الْقَوْلِ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ.
وَمِثَالُ النَّوْعِ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: «الطَّوَافُ عِلَّةٌ لِطَهَارَةِ الْهِرَّةِ» بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ، وَالطَّوَّافُ «مَوْجُودٌ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا» مِنْ صِغَارِ الْحَشَرَاتِ، وَفِي الْكَلْبِ أَيْضًا حَيْثُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الطَّوَافُ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: الْحَيَاءُ عِلَّةُ الِاكْتِفَاءِ مِنَ الْبِكْرِ فِي تَزْوِيجِهَا بِالصُّمَاتِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِغَيْرِ نِكَاحٍ.
قَوْلُهُ: «وَهَذَا قِيَاسٌ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ» ، أَيْ: هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ الَّذِي هُوَ بَيَانُ وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ، هُوَ قِيَاسٌ دُونَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ بَيَانُ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ الْأَوَّلَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَهُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ النَّصِّ عَلَى جُزْئِيَّاتِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ فِيهَا، كَعَدَالَةِ الْأَشْخَاصِ وَتَقْدِيرِ كِفَايَةِ كُلِّ شَخْصٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مُتَغَايِرَانِ، وَالثَّانِي قِيَاسٌ،
(3/235)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ.
قَوْلُهُ: «وَيُسَمَّيَانِ: تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ» ، يَعْنِي: النَّوْعَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَمَّى تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ هُوَ إِثْبَاتُ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، أَوْ إِثْبَاتُ مَعْنًى مَعْلُومٍ فِي مَحَلٍّ خَفِيَ فِيهِ ثُبُوتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النَّوْعَيْنِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا قِيَاسٌ دُونَ الْآخَرِ، فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ.
(3/236)

أَوْ بِإِضَافَةِ الْعِلِّيَّةِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْصَافِ الْمُقَارِنَةِ لِلْحُكْمِ عِنْدَ صُدُورِهِ مِنَ الشَّارِعِ وَإِلْغَاءِ مَا عَدَاهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، كَجَعْلِ عِلَّةِ وُجُوبِ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ وِقَاعُ مُكَلَّفٍ أَعْرَابِيٍّ لَاطِمٍ فِي صَدْرِهِ فِي زَوْجَةٍ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ أَعْرَابِيًّا وَلَا لَاطِمًا، وَالزَّانِي، وَمَنْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ.
وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ نَحْوُ: هَلِ الْعِلَّةُ خُصُوصُ الْجِمَاعِ أَوْ عُمُومُ الْإِفْسَادِ فَتَلْزَمُ الْآكِلَ وَالشَّارِبَ؟ وَيُسَمَّى: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ، وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَالْمَنَاطُ قَدْ عُرِفَ مَا هُوَ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا.
أَمَّا التَّنْقِيحُ، فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: التَّخْلِيصُ، وَالتَّهْذِيبُ، يُقَالُ: نَقَّحْتُ الْعَظْمَ، إِذَا اسْتَخْرَجْتُ مُخَّهُ. وَأَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ فِي الِاصْطِلَاحِ، فَهُوَ إِلْغَاءُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ الَّتِي أَضَافَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ إِلَيْهَا لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا لِلِاعْتِبَارِ فِي الْعِلَّةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : «أَوْ بِإِضَافَةِ الْعِلِّيَّةِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْصَافِ الْمُقَارِنَةِ لِلْحُكْمِ عِنْدَ صُدُورِهِ مِنَ الشَّارِعِ، وَإِلْغَاءِ مَا عَدَاهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، كَجَعْلِ عِلَّةِ وُجُوبِ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ وِقَاعُ مُكَلَّفٍ» ، أَيْ: وِقَاعُ إِنْسَانٍ مُكَلَّفٍ «أَعْرَابِيٍّ لَاطِمٍ فِي صَدْرِهِ فِي زَوْجَةٍ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ أَعْرَابِيًّا، وَلَا لَاطِمًا، وَالزَّانِي، وَمَنْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ» .
وَمَعْنَى هَذَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: هَلَكْتُ
(3/237)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. الْحَدِيثَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَوَامُّ الْفُقَهَاءِ يَذْكُرُونَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ أَعْرَابِيًّا، وَأَنَّهُ جَاءَ يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ، وَيَنْعِي نَفْسَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ جَاءَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ أَثَرٌ، فَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوهَا مِنْ قَوْلِهِ: هَلَكْتُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَأَهْلَكْتُ، لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ يَعْنِي أَهْلَكْتُ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتٍ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُ سُفْيَانَ لَمْ يَرْوُوهَا عَنْهُ، إِنَّمَا ذَكَرُوا قَوْلَهُ: هَلَكْتُ، فَحَسْبُ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتِفُ شَعْرَهُ، وَيَضْرِبُ نَحْرَهُ، وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ، الْحَدِيثَ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الرَّجُلَ: هُوَ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ صَاحِبُ قِصَّةِ الظِّهَارِ، وَخَلِيقٌ أَنْ يَكُونَ هُوَ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ أَنَّهُ كَانَ مُولَعًا بِالْجِمَاعِ، فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ مَعَ مَجِيئِهِ عَلَى الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَرُبَّمَا خُيِّلَ لِلسَّامِعِ أَنَّ مَجْمُوعَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ الْوِقَاعِ فِي رَمَضَانَ هِيَ مَنَاطُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَعِلَّتُهُ، لَكِنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لِكَوْنِهِ عِلَّةً وَلَا جُزْءَ عِلَّةٍ، فَاحْتِيجَ إِلَى إِلْغَائِهِ، وَتَنْقِيحُ الْعِلَّةِ وَتَخْلِيصُهَا بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، فَيُقَالُ
(3/238)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حِينَئِذٍ: كَوْنُ هَذَا الرَّجُلِ أَعْرِابِيًّا لَا أَثَرَ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ أَعْرَابِيًّا، كَالتُّرْكِيِّ وَالْعَجَمِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَكَوْنُهُ لَاطِمًا وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ لَا أَثَرَ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ جَاءَ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَثَبَاتٍ، وَكَوْنُ الْوَطْءِ فِي زَوْجَةٍ لَا أَثَرَ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِهِ الْوَطْءُ فِي ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، أَوْ أَمَةٍ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، اعْتِبَارًا لِصُورَةِ الْوِقَاعِ، وَكَوْنُهُ ذَلِكَ الشَّهْرَ الْمُعَيَّنَ لَا أَثَرَ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا أَثَرَ لَهَا لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهَا؛ إِذِ الْوَصْفُ الَّذِي تَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ كَوْنُهُ وِقَاعَ مُكَلَّفٍ هُتِكَتْ بِهِ حُرْمَةُ عِبَادَةِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ أَدَاءً، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ التَّعْيِينَاتِ وَالْأَوْصَافِ لَاغٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَقْلِيلِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ تَكْثِيرًا لِأَحْكَامِهَا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَسُهُولَتِهِ لِقِلَّةِ أَوْصَافِهَا.
مِثَالُهُ: أَنَّا لَوْ جَعَلْنَا عَيْنَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ جُزْءًا لِعِلَّةِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، لَمَا وَجَبَتْ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَانَتْ تَكُونُ عِلَّةً قَاصِرَةً عَلَى مَحَلِّهَا، كَالنَّقْدِيَّةِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَكَذَا إِذَا اعْتَبَرْنَا عَيْنَ ذَلِكَ الشَّهْرِ، أَوْ عَيْنَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَلَوِ اعْتَبَرْنَا وَصْفَ الْأَعْرَابِيَّةِ، أَوْ كَوْنَ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَةً، لَمَا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا عَلَى أَعْرَابِيٍّ وَطِئَ أَمَةً أَوْ أَجْنَبِيَّةً، فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ فِي تَقْلِيلِ الْأَوْصَافِ تَكْثِيرَ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ، نَحْوُ: هَلِ الْعِلَّةُ خُصُوصُ الْجِمَاعِ، أَوْ عُمُومُ الْإِفْسَادِ، فَتَلْزَمُ» يَعْنِي الْكَفَّارَةَ «الْآكِلَ وَالشَّارِبَ» ؟ .
(3/239)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اعْلَمْ أَنَّ أَوْصَافَ الْعِلَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا اتُّفِقَ عَلَى مُنَاسَبَتِهِ لِلْحُكْمِ كَوِقَاعِ الْمُكَلَّفِ هَاهُنَا.
الثَّانِي: مَا اتُّفِقَ عَلَى طَرْدِيَّتِهِ وَعَدَمِ مُنَاسَبَتهِ كَكَوْنِ الْوَاطِئِ أَعْرَابِيًّا لِزَوْجَةٍ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ.
الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي مُنَاسَبَتِهِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الطَّرْدِيِّ وَالْمُنَاسِبِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُنَاسِبًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، كَكَوْنِ الْفِعْلِ إَفْسَادًا لِلصَّوْمِ، وَهُوَ وَصْفٌ عَامٌّ، أَوْ جِمَاعًا وَهُوَ خَاصٌّ.
وَلِهَذَا وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَخَالَفَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، فَقَالُوا، لَا كَفَّارَةَ إِلَّا بِخُصُوصِ الْجِمَاعِ.
حُجَّةُ الْأَوَّلِينَ أَنَّ إِفْسَادَ الصَّوْمِ جِنَايَةٌ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَنَاسَبَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ زَجْرًا وَرَدْعًا، وَالْجِمَاعُ آلَةٌ لِلْإِفْسَادِ وَسَبَبٌ لَهُ فَيَلْحَقُ بِهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، كَمَا أَنَّ مَنَاطَ الْقِصَاصِ ; لَمَّا كَانَ هُوَ إِزْهَاقَ النَّفْسِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَالسَّيْفُ آلَةٌ لَهُ، لَمْ يَخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ، بَلْ تَعَدَّى إِلَى السِّكِّينِ وَالْخِنْجَرِ وَالرُّمْحِ وَسَائِرِ الْمُحَدَّدَاتِ، وَإِلَى الْمُثْقَلِ كَالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَقَرَّرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِذَا وَجَبَتْ بِالْجِمَاعِ، كَانَ وُجُوبُهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا مَادَّةُ الْجِمَاعِ وَسَبَبُهُ الْمُقَوِّي عَلَيْهِ، وَوَسِيلَتُهُ الْمُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهِ؛ إِذِ الْجَائِعُ لَا يَسْتَطِيعُهُ، وَالشَّبْعَانُ يَنْشَطُ لَهُ، فَكَانَ إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ وَحَسْمِ مَوَادِّ الْفَسَادِ.
(3/240)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حُجَّةُ الْآخَرِينَ أَنَّ الْجِمَاعَ اخْتُصَّ بِمَا يُنَاسِبُ اخْتِصَاصَهُ بِالْكَفَّارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّفْسَ لَا تَنْزَجِرُ عَنْهُ عِنْدَ هَيَجَانِ شَهْوَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ، فَاحْتِيجَ فِيهِ إِلَى زِيَادَةٍ فِي الْوَازِعِ، وَهِيَ الْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي ذَلِكَ. فَقَدْ ثَبَتَ بِذَلِكَ مُنَاسَبَةُ خُصُوصِ الْجِمَاعِ لِاخْتِصَاصِهِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَإِلْغَاءُ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا أَنَّ أَوْصَافَ الْعِلَلِ فِي الْقِيَاسِ الْمَعْقُولِ كَالْأَخْبَارِ فِي النَّصِّ الْمَنْقُولِ. ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ خَبَرَانِ عَامٌّ وَخَاصٌّ ; قُدِّمَ الْخَاصُّ، فَكَذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَنَا وَصْفَانِ عَامٌّ وَخَاصٌّ ; وَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ، وَهُوَ الْجِمَاعُ هَاهُنَا. وأَيْضًا فَإِنَّ اعْتِبَارَ خُصُوصِ الْجِمَاعِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ؛ إِذِ الْأَصْلُ أَنَّ مَا رُتِّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ يَكُونُ بِمَجْمُوعِهِ عِلَّةً، فَإِلْغَاءُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
وَقَدْ يُعَارَضُ هَذَا بِأَنَّ اعْتِبَارَ خُصُوصِ الْجِمَاعِ تَكْثِيرٌ لِأَوْصَافِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَهِيَ مُتَجَاذَبَةٌ.
قَوْلُهُ: «وَيُسَمَّى: تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ» يَعْنِي هَذَا النَّوْعَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ» ، أَيْ: أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ اسْتَعْمَلُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ، حَتَّى إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْكِرُ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ فِيهَا، وَسَمَّاهُ اسْتِدْلَالًا، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ عِنْدَهُ فِيهَا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ وَتَخْرِيِجُهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(3/241)

أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ عَلَى وَصْفٍ بِالِاجْتِهَادِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ، وَالرِّبَا فِي الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ فَالْأَرُزُّ مِثْلُهُ، وَيُسَمَّى: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ، وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا التَّعَبُّدَ بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَحُمِلَ عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا، وَقِيلَ: هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ، وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ وَلَا إِيجَابٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ، وَهُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالتَّخْرِيجُ: هُوَ الِاسْتِخْرَاجُ وَالِاسْتِنْبَاطُ، وَهُوَ إِضَافَةُ حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّرْعُ لِعِلَّتِهِ إِلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» بِقَوْلِهِ: «أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ» ، أَيْ: وَالِاجْتِهَادُ فِي الْعِلَّةِ إِمَّا بِبَيَانِ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، أَوْ بِإِضَافَةِ الْعِلَّةِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْصَافِ، «أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ عَلَى وَصْفٍ بِالِاجْتِهَادِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا» ؛ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ لِتَحْرِيِمِهَا، «فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ» لِوُجُودِ الْإِسْكَارِ فِيهِ، وَحُرِّمَ «الرِّبَا فِي الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ» أَوْ مَطْعُومُ جِنْسٍ، «فَالْأَرُزُّ مِثْلُهُ» لِأَنَّهُ كَذَلِكَ، «وَيُسَمَّى: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ» ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ اسْتِخْرَاجُ عِلَّةِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: وَجَبَ الْعُشْرُ فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ قُوتًا، فَتَلْحَقُ بِهِ
(3/242)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْأَقْوَاتُ، أَوْ لِكَوْنِهِ نَبَاتَ الْأَرْضِ وَفَائِدَتَهَا فَتَلْحَقُ بِهِ الْخَضْرَاوَاتُ وَأَنْوَاعُ النَّبَاتِ.
وَتَحْرِيرُ الْكَلَامِ هَاهُنَا أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا الشَّارِعَ قَدْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ، قُلْنَا: هَذَا حُكْمٌ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ بِحَقِّ الْأَصْلِ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ، فَيَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْ مَحَلِّ الْحُكْمِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لَهُ، وَاجْتَهَدَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ هُوَ سَبَبُ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
قَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي «الْمُقْتَرَحِ» : مِثَالُهُ: تَعْلِيلُ حِرْمَانِ الْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ بِمُعَارَضَتِهِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْإِرْثِ حَتَّى يَقِيسَ عَلَيْهِ حِيَازَةَ الْمَبْتُوتَةِ لِمِيرَاثِهَا مُعَارَضَةً لِلْمُطَلِّقِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ.
فَائِدَةٌ: هَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ، وَتَنْقِيحُهُ، وَتَخْرِيِجُهُ يَشْتَبِهُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ خُصُوصًا عَلَى الْمُبْتَدِئِ فِي النَّظَرِ، فَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ مُهِمٌّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ.
فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ: بَيَانُ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، أَوْ بَيَانُ وُجُودِ عِلَّةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، كَبَيَانِ وُجُودِ الطَّوَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الْهِرَّةِ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا.
وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: تَعْيِينُ وَصْفٍ لِلتَّعْلِيلِ مِنْ أَوْصَافٍ مَذْكُورَةٍ، كَتَعْيِينِ وِقَاعِ الْمُكَلَّفِ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ مِنْ أَوْصَافٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ، كَاسْتِخْرَاجِ الْكَيْلِ مِنْ حَدِيثِ الرِّبَا دُونَ الطَّعْمِ وَالِاقْتِيَاتِ وَهِيَ أَوْصَافُ الْأَصْلِ. كَذَلِكَ حُكِيَ عَنِ الْحَسْكَفِيِّ فِي «جَدَلِهِ» .
(3/243)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ فِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ تَعْدَادُ الْأَوْصَافِ، بَلْ قَدْ لَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ إِلَّا وَصْفٌ وَاحِدٌ هُوَ الْعِلَّةُ، فَتُسْتَخْرَجُ بِالِاجْتِهَادِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ غَيْرِ الْمَذْكُورَةِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا فِي نَفْسِهَا.
وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي تَعْيِينِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، بِحَذْفِ مَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي إِثْبَاتِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالرَّأْي وَالِاجْتِهَادِ، كَالنَّظَرِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.
قَالَ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ الْحَوَارِيُّ فِي «لُبَابِ الْقِيَاسِ» : الْعِلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلُّ مَا جَعَلَهُ الشَّرْعُ أَمَارَةً مُعَرِّفَةً لِثُبُوتِ الْحُكْمِ، ثُمَّ كَوْنُهُ مُعَرِّفًا فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ يُعْرَفُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَفِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَحَكَى الْقَرَافِيُّ: أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ هُوَ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ، نَحْوُ: لَا فَارِقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي مَفْهُومِ الرِّقِّ وَتَشْطِيرِ الْحَدِّ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِذَلِكَ فِي الْإِمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ تَنْقِيحًا، إِذِ التَّنْقِيحُ هُوَ التَّخْلِيصُ وَالتَّصْفِيَةُ، وَبِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ يَصْفُو الْوَصْفُ، وَيَخْلُصُ لِلْعِلِّيَّةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا قَوْلًا
(3/244)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثَانِيًا فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ، كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ، بَلْ يَكُونُ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ ضَرْبًا مِنْ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ.
قُلْتُ: فَقَدْ ذَكَرْتُ لَكَ جُمْلَةً مِنْ كَلَامِ الْفُضَلَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِهِ تَارَةً، وَبِمَعْنَاهُ أُخْرَى، وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَّحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ؛ لِتُقَابِلَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَنَتَائِجِ قَرَائِحِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَيَتَلَخَّصُ لَكَ الْمَقْصُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ هُوَ «الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ» ، أَيِ: الْقِيَاسُ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، «وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا التَّعَبُّدَ بِهِ عَقْلًا وشَرْعًا» ، أَيْ: دَلَّ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ، «وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ» ، أَيْ: إِلَى مَذْهَبِ النَّظَّامِ فِي إِنْكَارِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ: يَجْتَنِبُ الْمُتَكَلِّمُ فِي الْفِقْهِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْمُجْمَلَ وَالْقِيَاسَ، «وَحُمِلَ» يَعْنِي إِنْكَارَ أَحْمَدَ لَهُ «عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا» ، أَيْ: عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ مُخَالِفًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ. كَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ.
وَمِمَّنْ أَنْكَرَ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقَلًا الشِّيعَةُ مَعَ النَّظَّامِ، وَيَحْيَى الْإِسْكَافِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ مَنِ الْمُعْتَزِلَةِ. ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ.
قُلْتُ: لَعَلَّهُمْ هَؤُلَاءِ.
«وَقِيلَ: هُوَ» يَعْنِي الْقِيَاسَ «فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ، وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ وَلَا إِيجَابٍ» ، أَيْ: لَا يُوجِبُ الْعَقْلُ التَّعَبُّدَ بِهِ، وَلَا يُحِيلُهُ بَلْ يُجِيزُ الْأَمْرَيْنِ.
(3/245)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ «وَاجِبٌ شَرْعًا» عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
قُلْتُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ مَا حَكَاهُ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْقِيَاسِ: فَفِرَقُ الْمُبْطِلَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُحِيلُ لَهُ عَقْلًا، وَالْمُوجِبُ لَهُ عَقْلًا، وَالْحَاظِرُ لَهُ شَرْعًا.
قُلْتُ: النِّزَاعُ فِي التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ إِمَّا عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا، وَعَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ فِي جَوَازِهِ، أَوْ وُجُوبِهِ، أَوِ امْتِنَاعِهِ، أَوْ وُقُوعِهِ، فَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَكْثَرِهَا ذَاهِبُونَ، فَمِمَّنْ أَوْجَبَ وُرُودَ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا: الْقَفَّالُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَمِمَّنْ أَحَالَهُ مَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ عَقْلًا وَشَرْعًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ، فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَمَنَعَهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ وَالْقَاشَانِيُّ وَالنَّهْرَوَانِيُّ.
وَاخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ لِوُقُوعِهِ، هَلْ هُوَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوِ السَّمْعِ؟ وَهَلْ دَلِيلُ السَّمْعِ قَطْعِيٌّ؟ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، أَوْ ظَنِّيٌّ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْآمِدِيِّ.
(3/246)

لَنَا: وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: الْقِيَاسُ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَقْلًا، فَالْقِيَاسُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَالْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ.
أَمَّا الْأَوْلَى: فَلِأَنَّا إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ مُعَلَّلٌ بِكَذَا وَظَنَنَّا وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ كَذَا، فَظَنَنَّا بِأَنَّنَا إِنِ اتَّبَعْنَاهُ سَلِمْنَا مِنَ الْعِقَابِ، وَإِنْ خَالَفْنَاهُ عُوقِبْنَا، فَفِي اتِّبَاعِهِ دَفْعُ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا النَّارَ} وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا} ، {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ} وَنَحْوُهُ قِيَاسٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَفِي الظَّنِّيَّاتِ أَجْوَزُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «لَنَا:» ، يَعْنِي عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا وَوُقُوعِهِ شَرْعًا، «وُجُوهٌ» :
قَوْلُهُ: الْوَجْهُ «الْأَوَّلُ» : أَنَّ «الْقِيَاسَ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ «وَاجِبٌ عَقْلًا، فَالْقِيَاسُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَالْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ» ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ أَخَصُّ مِنَ الْجَوَازِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْأَعَمِّ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ وَوُجُوبِهِ عَقْلًا.
«أَمَّا الْأُولَى» : يَعْنِي أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى مِنْ مُقَدِّمَتَيْ هَذَا الدَّلِيلِ، وَهِيَ أَنَّ «الْقِيَاسَ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» ، أَيْ: يُظَنُّ وُقُوعُهُ ; «فَلِأَنَّا إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ مُعَلَّلٌ بِكَذَا» ، أَيْ: بِوَصْفٍ مَا ; «وَظَنَنَّا وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي
(3/247)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَحَلٍّ آخَرَ ; ظَنَنَّا» ، أَيْ: حَصَلَ لَنَا الظَّنُّ «بِأَنَّ الْحُكْمَ» فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَالْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النَّصِّ.
مِثَالُهُ: إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ مُعَلَّلٌ بِالْإِسْكَارِ، وَظَنَّنَا وُجُودَ الْإِسْكَارِ فِي النَّبِيذِ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ. وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَنَا الظَّنُّ بِأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَا الظَّنَّ الْحَاصِلَ لَنَا مِنَ الْقِيَاسِ بِاجْتِنَابِ النَّبِيذِ مَثَلًا، «سَلِمْنَا مِنَ الْعِقَابِ، وَإِنْ خَالَفْنَاهُ» ، فَشَرِبْنَا النَّبِيذَ، «عُوقِبْنَا» ، فَتَحَقَّقَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ فِي اتِّبَاعِ الْقِيَاسِ «دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» .
«وَأَمَّا الثَّانِيَةُ» : يَعْنِي الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ مُقَدِّمَتَيِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا.
أَمَّا عَقْلًا، فَلِأَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِقَرِينَةٍ، أَوْ بِخَبَرِ ثِقَةٍ أَنَّهُ إِنْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ، أَكَلَهُ السَّبُعُ، أَوْ أَخَذَ اللُّصُوصُ مَالَهُ ; وَإِنْ لَمْ يَسْلُكْهُ أَوْ سَلَكَ غَيْرَهُ، سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْعَقْلُ يَضْطَرُّهُ إِلَى اجْتِنَابِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ.
وَأَمَّا شَرْعًا ; «فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 131] ، وَنَحْوِهِ» مِنَ الْوَعِيدِ الشَّرْعِيِّ، وَاتِّقَاءُ النَّارِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي مَقْطُوعِهَا وَمَظْنُونِهَا.
الْوَجْهُ «الثَّانِي: قَوْلُهُ» - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} [الرُّومِ: 28] الْآيَةَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الدَّلِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
(3/248)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَعَالَى، هُوَ «قِيَاسٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ» الْقَطْعِيَّةِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ، فَثُبُوتُ الْقِيَاسِ فِي السَّمْعِيَّاتِ الظَّنِّيَّةِ «أَجْوَزُ» ، أَيْ: أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَالْمُقَدِّمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ أَنْكَرُوا الشَّرِيعَةَ، وَمِمَّا أَنْكَرُوهُ مِنْهَا أُصُولٌ مُهِمَّةٌ كِبَارٌ، وَهِيَ وُجُودُ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدُهُ وَالْمَعَادُ، وَحَجَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ.
أَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ الصَّانِعِ، وَهُمْ مُعَطِّلَةُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُمْ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَلَيْهِمْ بِحُجَجٍ تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ} [الطَّوْرِ: 35 - 36] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ حُجَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمُنْكِرِينَ لِلصَّانِعِ مَوْجُودُونَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونُوا قُدَمَاءَ لَا أَوَّلَ لَهُمْ، أَوْ مُحْدَثَيْنِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ يَعْتَرِفُونَ بِبُطْلَانِهِ، فَإِنَّهُمْ وُجِدُوا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُمْ مُحْدَثُونَ. وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ أَوَجَدَهُمْ، أَوْ أَنَّهُمْ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ، أَوْ أَنَّ خَالِقًا غَيْرَهُمْ خَلَقَهُمْ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، إِذْ لَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ فِعْلٌ لَا فَاعِلَ لَهُ، وَلَا مُحْدَثٌ لَا مُحْدِثَ لَهُ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، إِذْ لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ وَلَا فِي غَيْرِهِ أَنْ شَيْئًا يُوجِدُ نَفْسَهُ لِاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ كَوْنَهُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ خَالِقًا غَيْرَهُمْ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ الصَّانِعُ الْقَدِيمُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدِيِمًا، لَلَزِمَ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ بِدَلِيلِهِ الْكَلَامِيِّ.
(3/249)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِينَ لِلصَّانِعِ لَمْ يَخْلُقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَطْعًا، وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَا قَدِيمَتَيْنِ، أَوْ مُحْدَثَتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِقِيَامِ سِمَاتِ الْحُدُوثِ بِهِمَا مِنَ الْحَرَكَاتِ، وَالسَّكَنَاتِ، وَالْأَلْوَانِ، وَالْأَكْوَانِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الْأَنْعَامِ: 76] . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مُحْدَثَتَانِ ; فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ، أَوْ خَلَقَتَا أَنْفُسَهُمَا، أَوْ خَلَقَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ كَمَا مَرَّ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لُقْمَانَ: 25] ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُثْبِتَةٌ لِلصَّانِعِ، لَكِنَّهُمْ يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ نَحْنُ فِي تَقْرِيرِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُعَطِّلَةٌ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ كَانَتَا فِي الْعَرَبِ عَلَى مَا حَكَاهُ الشَّهْرُسْتَانِيُّ فِي «الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ» وَعَلَى هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ حُجَجٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ يَطُولُ اسْتِيفَاؤُهَا.
وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا التَّوْحِيدَ ; فَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى الشَّرِيكَ، وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى الْوَلَدَ.
فَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الشَّرِيكَ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: دَلِيلُ التَّمَانُعِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 22] . الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الْمُؤْمِنُونَ: 91] .
(3/250)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَهٌ غَيْرُهُ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَقْتَتِلَا أَوْ يَخْتَلِفَا عَلَى عَادَاتِ الْمُلُوكِ إِذَا تَنَازَعُوا الْمُلْكَ، فَكَانَ يَفْسُدُ الْعَالَمُ بِاخْتِلَافِهِمَا.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ ثَمَّ إِلَهٌ آخَرُ، لَكَانَ خَالِقًا لِبَعْضِ الْعَالَمِ، فَكَانَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنَ الْإِلَهَيْنِ يَنْحَازُ بِمَخْلُوقِهِ، ثُمَّ يَطْلُبُ أَحَدُهُمَا الْعُلُوَّ عَلَى الْآخَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لِلْأَبْصَارِ أَوِ الْبَصَائِرِ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ الدَّعْوَى.
وَثَمَّ وَجْهٌ ثَالِثٌ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الشَّاهِدِ، بَلْ مِنْ بَابِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ إِلَهٌ آخَرُ، لَكَانَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ إِلَهًا. وَحِينَئِذٍ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَرَادَ تَسْكِينَ جِسْمٍ، وَالْآخِرَ تَحْرِيكَهُ، أَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا إِعْدَامَهُ، وَالْآخَرُ إِيجَادَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا، فَهُمَا عَاجِزَانِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِإِلَهٍ، وَإِنْ تَمَّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا، لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَإِنْ تَمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ الْإِلَهُ، وَالْعَاجِزُ عَنْ تَمَامِ مُرَادِهِ لَيْسَ بِإِلَهٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مُنْكِرِي التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
{قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الْإِسْرَاءِ: 42] ; رَدًّا لِزَعْمِ الْكُفَّارِ فِي قَوْلِهِمْ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَرِ: 3] ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ هَذَا الْوَجْهُ مُغَايِرًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
(3/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مُعْتَقِدِي الشَّرِيكِ قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ} كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الرُّومِ: 28] . وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنَ الْآيَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ مِنْ عَبِيدِكُمْ شُرَكَاءُ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَمْلَاكِكُمْ ; كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - شُرَكَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِلَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِمَا تَأْنَفُونَ مِنْهُ لِأَنْفُسِكُمْ. فَهَذِهِ أَدِلَّةُ نَفْيِ الشَّرِيكِ الَّتِي اخْتَرْنَا ذِكْرَهَا، وَفِي الْقُرْآنِ غَيْرُهَا.
وَأَمَّا الَّذِينَ ادَّعَوُا الْوَلَدَ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِآيَاتٍ: مِنْهَا قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} [النَّحْلِ: 57 - 59] ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزُّخْرُفِ: 16 - 18] ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصَّافَّاتِ: 153 - 154] ، {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} [الطَّوْرِ: 39] ، {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النَّجْمِ: 21 - 22] .
وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَنَحْوِهَا: أَنَّكُمْ أَيُّهَا الْكُفَّارُ تَسْتَحْيُونَ مِنْ حُصُولِ الْبَنَاتِ لَكُمْ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا بُشِّرَ بِأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ ارْبَدَّ وَجْهُهُ، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ، وَحَزِنَ، وَخَجِلَ، وَذَهَبَ فَوَأَدَهَا، أَيْ: دَفَنَهَا حَيَّةً لِئَلَّا يَلْحَقَهُ الْعَارُ بِبَقَائِهَا، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَا تَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِكُمْ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنَ الْمُسْتَقْبَحَاتِ الضَّرُورِيَّةِ فِي الشَّاهِدِ، إِذْ هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
(3/252)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وأَيْضًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ يَسْتَقْبِحُ أَنْ يُخَاصِمَ عَدُوَّهُ بِجَبَانٍ أَلْكَنَ عَرِيٍّ عَنِ الْبَيَانِ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ إِثْبَاتَ مَنْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِلَّهِ تَعَالَى! وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} الْآيَةَ. وأَيْضًا فَإِنَّ اخْتِيَارَكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ذُكُورَ الْوَلَدِ، وَلِلَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إِنَاثَهُمْ قِسْمَةٌ ضِيزَى، أَيْ: جَائِرَةٌ، وَالْقِسْمَةُ الْجَائِرَةُ قَبِيحَةٌ عَقْلًا وَشَاهِدًا، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِكُمْ! .
وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْمَعَادَ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَلَيْهِمْ بِطُرُقٍ مِنَ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ:
أَحَدُهُمَا: قِيَاسُ إِعَادَةِ الْخَلْقِ عَلَى ابْتِدَائِهِ بِجَامِعِ إِمْكَانِ ذَلِكَ، وَقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، وَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي آيَاتٍ:
مِنْهَا: قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 77 - 79] . وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الرُّومِ: 27] ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ تَتَفَاوَتُ الْمُمْكِنَاتُ عِنْدَهُمْ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [النَّمْلِ: 64] . وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الْأَنْبِيَاءِ: 104] ، {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الْأَعْرَافِ: 29] وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى:
(3/253)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [الْقِيَامَةِ: 3 - 4] ، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِي آخِرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [الْقِيَامَةِ: 40] .
وَوَجْهُ كَوْنِ الْإِعَادَةِ أَهْوَنَ مِنَ الْإِبْدَاءِ: هُوَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِبْدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعَادَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ، وَالْإِبْدَاءُ لَيْسَ مَبْنِيًّا إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ لَا عَلَى سَبَبٍ سَابِقٍ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُعْجِزَ مُوسَى أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزِ عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَى لَهُمْ أَصْلٌ فِي الْحَيَاةِ سَابِقٌ، وَالْعَصَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: مِنْ طُرُقِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْمَعَادِ قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى} [يس: 81] ، يَعْنِي مِثْلَ الْكُفَّارِ، أَيْ: يُعِيدُهُمْ إِلَى مِثْلِ حَالِهِمُ الْأُولَى فِي الِابْتِدَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْأَحْقَافِ: 33] . فَهَذَا قِيَاسٌ لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِجَامِعِ عَظَمَةِ الْفِعْلَيْنِ فِي الْعُقُولِ أَوْ إِمْكَانِهِمَا فِي الْمَعْقُولِ، وَهَذَا الطَّرِيقُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مِنْ بَابِ قِيَاسِ التَّنْبِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ أَجْلَى وَأَظْهَرَ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الْإِسْرَاءِ: 23] ، إِذْ كَانَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ أَظْهَرَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ، فَكَذَلِكَ الْإِعَادَةُ أَيْسَرُ مِنَ الْإِبْدَاءِ، وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى أَيْسَرُ مَنْ خَلْقِ
(3/254)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غَافِرِ: 57] ابْتِدَاءً كَانَ عَلَى خَلْقِهِمْ إِعَادَةً أَقْدَرُ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا أَبْيَنَهُ وَأَظْهَرَهُ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ مِنْ طُرُقِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْمَعَادِ: قِيَاسُ إِخْرَاجِ الْمَوْتَى مِنَ الْأَرْضِ أَحْيَاءً عَلَى إِخْرَاجِ الْحَبِّ الْمَيِّتِ مِنَ الْأَرْضِ حَيًّا، أَوْ نَقُولُ: قِيَاسُ إِعَادَةِ الْمَوْتَى بَعْدَ تَلَاشِيهِمْ وَاسْتِهْلَاكِهِمْ عَلَى إِعَادَةِ الْحَبِّ بَعْدَ تَلَاشِيهِ وَاسْتِهْلَاكِهِ، وَذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ: مِنْهَا فِي الْأَعْرَافِ: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الْأَعْرَافِ: 57] ، وَفِي سُورَةِ ق: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} إِلَى قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 3 - 11] ، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْحَجِّ: 5 - 6] ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قِيَاسَ الْإِعَادَةِ عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَعَلَى إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بِالنَّبَاتِ. وَفِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} [فُصِّلَتْ: 39] ، وَفِي الم السَّجْدَةِ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السَّجْدَةِ: 27] ، فَقَرَّرَ الْأَصْلَ، ثُمَّ نَبَّهَ
(3/255)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى إِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [السَّجْدَةِ: 28] ، يَعْنِي فَتْحَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَصْرَهُمْ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَعَادِ، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الرُّومِ: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الرُّومِ: 17 - 19] ، وَفِي آخِرِهَا: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى} [الرُّومِ: 48 - 50] ، وَفِي سُورَةِ فَاطِرٍ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فَاطِرِ: 9] .
وَقَدْ تَضْمَّنَ هَذَا الطَّرِيقُ نَوْعَيْنِ مِنَ الْقِيَاسِ:
أَحَدُهُمَا: قِيَاسٌ شَبَهِيٌّ، وَهُوَ قِيَاسُ إِحْيَاءِ الْأَبْدَانِ بِالْأَرْوَاحِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بِخُضْرَتِهَا وَزَهْرَتِهَا بَعْدَ يُبْسِهَا وَمُحُولِهَا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْخُضْرَةَ وَالنَّضَارَةَ لِلْأَرْضِ تُشْبِهُ الرُّوحَ لِلْجَسَدِ، وَهَذَا جَامِعٌ شَبَهِيٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ مَجَازِيٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ الْحَيَوَانِيَّةِ أَوْ فِي الذَّوَاتِ الْحَيَّةٍ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَرْضِ وَالْبَلَدِ نَحْوُ قَوْلِنَا: أَرْضٌ مَيِّتَةٌ وَبَلَدٌ مَيِّتٌ، مَجَازٌ لِمَا ذَكَرْنَا.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، وَهُوَ قِيَاسُ جَمْعِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهَا فِي الْأَرْضِ، وَإِحْيَائِهَا بِإِعَادَةِ الْأَرْوَاحِ فِيهَا عَلَى جَمْعِ أَجْزَاءِ الْحَبِّ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ فِي الْأَرْضِ، وَإِحْيَائِهِ بِإِعَادَةِ النَّبَاتِ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَبَّ إِذَا صَارَ فِي الْأَرْضِ لَا يَتَلَاشَى بِحَيْثُ يَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا،
(3/256)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَلْ ذَاتُهُ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّهَا اخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ حَتَّى عَادَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ فِي الْعَادَةِ جَمْعُهُ عَلَى الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَفَنٌ وَفَسَادُ مِزَاجٍ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ وَحَرَارَةُ الْأَرْضِ الْعَارِضَةِ، تَهَيَّأَ لِلنَّبَاتِ وَالصَّلَاحِ بِقُدْرَةِ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ.
أَمَّا الْأَجْسَامُ الْحَيَوَانِيَّةُ، فَاخْتُلِفَ فِيهَا بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، فَمَنْ نَفَاهُ زَعَمَ أَنَّ الْأَجْسَامَ تَتَلَاشَى، وَتَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا وَنَفْيًا صِرْفًا، وَمَنْ أَثْبَتَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ قَالَ: إِنَّ الْأَجْسَامَ تَنْحَلُّ إِلَى الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، ثُمَّ عِنْدَ الْبَعْثِ تَلْتَئِمُ الْأَجْزَاءُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَعُودُ أَجْسَامًا كَمَا كَانَتْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، حَتَّى سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَحْكِي عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنْ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِالْمَعَادِ وَبَعْثِ الْأَجْسَادِ، وَإِلَّا فَلَا.
قُلْتُ: فَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْجَسَدَ يَفْسُدُ مِزَاجُهُ، وَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعُودُ حَيًّا حَيَاتَهُ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهَا، كَمَا أَنَّ الْحَبَّةَ فِي الْأَرْضِ يَفْسُدُ مِزَاجُهَا، وَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاؤُهَا، ثُمَّ تَعُودُ حَيَّةً حَيَاتَهَا الَّتِي تَلِيقُ بِهَا، وَهِيَ مُسْتَعِدَّةٌ لَهَا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَغَالِبُ مَا احْتَجَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَلَى أُمَمِهِمْ بِالْبَرَاهِينِ الْجَلِيَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ الَّتِي الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرٌ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ فِي الْفُرُوعِ
(3/257)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الَّتِي الْمُخْطِئُ فِيهَا مَأْجُورٌ! .
وَمَنْ نَظَرَ فِيمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ ; فَهُوَ إِمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ.
(3/258)

الثَّالِثُ: الْقِيَاسُ اعْتِبَارٌ، وَالِاعْتِبَارُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْقِيَاسُ مَأْمُورٌ بِهِ.
أَمَّا الْأُولَى، فَلُغَوِيَّةٌ كَمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: اعْتَبِرُوا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ.
الرَّابِعُ: «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا قَالَ لَهُ: إِنْ قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ، لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاهُ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَكْرَمُ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فِي الْوَقَائِعِ كَتَقْدِيمِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِهِ فِي الصُّغْرَى، وَقِيَاسِهِ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا، وَتَقْدِيِمِهِمْ عُمَرَ قِيَاسًا لِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ عَلَى عَقْدِهِمْ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ، وَإِجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ، لَا يُقَالُ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ آحَادٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا أَصْلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ تَوَاتُرٌ مَعْنَوِيٌّ كَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ «الثَّالِثُ» مِنْ أَدِلَّةِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : أَنَّ «الْقِيَاسَ اعْتِبَارٌ، وَالِاعْتِبَارُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْقِيَاسُ مَأْمُورٌ بِهِ» .
«أَمَّا» الْمُقَدِّمَةُ «الْأُولَى» ، وَهِيَ أَنَّ الْقِيَاسَ اعْتِبَارٌ فَهِيَ «لُغَوِيَّةٌ» ، أَيْ: طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا اللُّغَةُ «كَمَا سَبَقَ» فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَأَنَّهُ التَّقْدِيرُ وَالِاعْتِبَارُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُبُورِ، وَهُوَ الْمُجَاوَزَةُ، وَمِنْهُ الْمِعْبَرُ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ بِالنَّاسِ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَحْرِ إِلَى الْآخَرِ، وَعَابِرُ الْمَنَامِ؛ لِأَنَّهُ يَعْبُرُ حَالَ الْمَنَامِ إِلَى مَا يُشْبِهُهُ فِي الْيَقَظَةِ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ يُجَاوِزُ بِحُكْمِ الْمَنْصُوصِ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَعْبُرُ مِنْهُ إِلَيْهِ، فَكَانَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الِاشْتِقَاقِ.
(3/259)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«وَأَمَّا» الْمُقَدِّمَةُ «الثَّانِيَةُ» وَهِيَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ مَأْمُورٌ بِهِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الْحَشْرِ: 2] ، أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ الَّذِي مِنْهُ الْقِيَاسُ وَاجِبًا.
قَوْلُهُ: «مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ» . هَذَا دَفْعٌ لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا} هُوَ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي وَصْفِ الْكُفَّارِ، وَهُمْ قُرَيْظَةٌ وَالنَّضِيرُ: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الْحَشْرِ: 2] ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ، فَقِيسُوا الْأَرُزِّ عَلَى الْبُرِّ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ.
وَوَجْهُ دَفْعِ السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ: احْتِجَاجُنَا بِالْأَمْرِ بِالِاعْتِبَارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ مِنْ تَخْرِيبِ الدِّيَارِ، وَهَذَا جَوَابٌ دَافِعٌ لِلسُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.
لَكِنَّ هُنَاكَ سُؤَالٌ آخَرُ يُفْسِدُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاعْتِبَارِ فِي الْآيَةِ فِعْلٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَالْفِعْلُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ فِيهِ، فَالتَّقْدِيرُ: اعْتَبِرُوا اعْتِبَارًا مَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الِاعْتِبَارِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْقِيَاسُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا لَوْ كَانَتْ عَامَّةً لِيَنْدَرِجَ فِيهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَغَالِبُ الْأُصُولِيِّينَ خُصُوصًا الْمُتَأَخِّرِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ، وَعَلَيْهَا مِنَ الْإِشْكَالِ مَا قَدْ رَأَيْتَ.
الْوَجْهُ «الرَّابِعُ: قَوْلُهُ» - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ ، أَرَأَيْتَ
(3/260)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ. . إِلَى آخِرِهِ.
تَقْرِيرُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بَعْدَهُ دَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، فَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا جُنَاحَ أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ أَكُنْتَ تُفْطِرُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَهْ. وَهَذَا قِيَاسٌ لِعَدَمِ الْإِفْطَارِ بِالْقُبْلَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِفْطَارِ بِالْمَضْمَضَةِ بِجَامِعِ عَدَمِ حُصُولِ الْمُؤَثِّرِ فِي الصَّوْمِ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقُبْلَةِ الْمُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ، وَهُوَ الْمَنِيُّ، كَمَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْمَضْمَضَةِ هُوَ وُلُوجُ الْوَالِجِ، وَهُوَ الْمَاءُ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يَحْصُلْ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَيُجْزِئُهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَحَقُّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا قِيَاسٌ لِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ.
وَكَذَلِكَ يُرْوَى أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَكُونُ
(3/261)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى أَحَدِنَا الْأَيَّامُ مِنْ رَمَضَانَ، أَفَيُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَفَرِّقَةً؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ، فَقَضَاهُ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ، أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَكْرَمُ يَعْنِي بِالْمُسَامَحَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهَذَا قِيَاسٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي إِجْزَائِهِ مُتَفَرِّقًا.
«وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ» ، أَيْ: بِالْقِيَاسِ «فِي الْوَقَائِعِ كَتَقْدِيِمِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيِمِهِ فِي الصُّغْرَى» ، حَيْثُ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمِحْرَابِ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي مَرَضِهِ، فَقَالُوا: رَضِيَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِدِينِنَا، أَفَلَا نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا؟ !
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْدِيِمَهُ فِي الْخِلَافَةِ كَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى تَقْدِيِمِهِ فِي الصَّلَاةِ، بَلْ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ
(3/262)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَعُمَرَ، وَقَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ لَهُ: إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَائْتِي أَبَا بَكْرٍ، فَهَذَا نَصٌّ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْقِيَاسِ.
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا طُعِنَ، قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَخْلِفْ. فَلَوْ كَانَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَصْلٌ أَوْ ثُبُوتٌ، لَمَا خَفِيَتْ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْعَادَةِ مَعَ كَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ. وَلَمَا اسْتَجَازَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَخْلِفْ، مَعَ وُجُودِ النَّصِّ عَلَى زَعْمِكُمْ، وَلَوْ سَلَّمْنَا خَفَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَكِنْ خَفَاؤُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً، وَقَدْ كَانَتْ دَوَاعِيِهِمْ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى اسْتِخْلَافِ عُمَرَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ ثَبَتَ النَّصُّ، لَعَرَفُوهُ، ثُمَّ لَصَارُوا إِلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثَيْنِ، لَكِنْ لَا دَلِيلَ فِيهِمَا عَلَى الْإِمَامَةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَمْرٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَهُوَ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ لَهُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلْإِمَامَةِ، وَقَدْ حَصَلَ الْوَفَاءُ بِمُطْلَقِ الْحَدِيثِ بِاقْتِدَائِهِمْ بِهِمَا فِي الْفَتَاوَى وَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ كَانَ الْمُرَادَ بِالْقُدْوَةِ، وَلَوْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ فِي الْإِمَامَةِ، لَصَرَّحَ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ إِيهَامًا وَتَلْبِيسًا وَتَعْرِيضًا لِلْأُمَّةِ بَعْدُ لِلْخِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ وَفَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيمَنْ يَكُونُ الْخَلِيفَةُ.
(3/263)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي ; فَقَوْلُهُ: ائْتِي أَبَا بَكْرٍ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الْخِلَافَةِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ نَصٌّ، لَكِنَّهُ خَبَرٌ لَا إِنْشَاءُ تَوْلِيَةٍ، وَلَا أَمْرٌ بِهَا، وَقَدْ يُخْبِرُ الْإِنْسَانُ بِمَا لَا يَرْضَاهُ وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كُشِفَ لَهُ بِوَحْيٍ أَوْ إِلْهَامٍ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِحُكْمِ الْمَقْدُورِ السَّابِقِ، وَلَمْ يُوصِ بِالتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ رِضَاهُ، كَمَا أَنَّهُ كُشِفَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ عَنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ وَمَوْتِ الْحَسَنِ مَسْمُومًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى رِضَاهُ، وأَيْضًا فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ وَدَلَّ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَا عَدَلَ عَنْهُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ إِلَى الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ، نَحْوِ قَوْلِهِ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ، بَلْ كَانَ صَدَعَهُمْ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا نَصَّ عَلَى إِمَامَتِهِ، فَمَا ثَبَتَ إِلَّا بِالْقِيَاسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قِيَاسُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «الزَّكَاةَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا» بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا عِبَادَتَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ: لَأَقْتُلُنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ «تَقْدِيِمُهُمْ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلْإِمَامَةِ بِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ «قِيَاسًا لِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَيْهِ عَلَى عَقْدِهِمْ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ» مَشْهُورَةٍ اسْتَعْمَلُوا فِيهَا
(3/264)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقِيَاسَ، «لَا يُقَالُ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ آحَادٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا» مِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ الْكَبِيرِ، «لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ» وَإِنْ كَانَتْ آحَادًا بِالنَّظَرِ إِلَى أَفْرَادِهَا، فَهِيَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِهَا «تَوَاتُرٌ مَعْنَوِيٌّ، كَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ» ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ فِي مِثْلِ هَذَا.
(3/265)

الْخَامِسُ: لَوْلَا الْقِيَاسُ لَخَلَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِكَثْرَتِهَا وَقِلَّةِ النُّصُوصِ، لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ النَّصُّ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَتُسْتَخْرَجُ الْجُزْئِيَّةُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ. نَحْوُ: كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٌّ، ثُمَّ يُنْظَرُ: هَلْ هَذَا مَطْعُومٌ أَوْ لَا؟ لِأَنَّا نَقُولُ: مُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يَكْفِي وَالْوُقُوعُ مُنْتَفٍ، إِذْ أَكْثَرُ الْحَوَادِثَ لَمْ يُنَصُّ عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا، فَاقْتَضَى الْعَقْلُ طَرِيقًا لِتَعْمِيمِ الْحَوَادِثِ بِالْأَحْكَامِ، وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا.
السَّادِسُ: قَوْلُ مُعَاذٍ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصُوِّبَ لَا يُقَالُ: رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ، ثُمَّ الْمُرَادُ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ وَتُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ، وَالِاجْتِهَادُ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرْتُمْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَجْهُ «الْخَامِسُ: لَوْلَا الْقِيَاسُ، لَخَلَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ عَنْ» أَحْكَامٍ؛ لِكَثْرَةِ الْحَوَادِثِ، «وَقِلَّةِ النُّصُوصِ» ، فَلَا يُوجَدُ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ نَصٌّ يَخُصُّهَا، وَيُبَيِّنُ حُكْمَهَا، فَاحْتِيجَ إِلَى إِلْحَاقِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ أَوْ قَطْعِيٍّ صِيَانَةً لِبَعْضِ الْوَقَائِعِ عَنِ التَّعْطِيلِ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، «لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ النَّصُّ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَتُسْتَخْرَجُ» مِنْهَا الْأَحْكَامُ «الْجُزْئِيَّةُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ» كَمَا سَبَقَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، «نَحْوُ» قَوْلِنَا: «كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٍّ، ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ هَذَا» الْأَرُزُّ وَالذُّرَةُ «مَطْعُومٌ» فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ، أَوْ لَا فَلَا، وَنَحْوُ: قَدْرُ الْكِفَايَةِ وَاجِبٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ هَذَا الرِّطْلُ قَدْرُ الْكِفَايَةِ أَمْ لَا؟
(3/266)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«لِأَنَّا نَقُولُ» فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ: «مُجَرَّدُ» جَوَازِ ذَلِكَ، أَعْنِي النَّصَّ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ «لَا يَكْفِي» فِي إِثْبَاتِهِ، وَوُقُوعُهُ مُنْتَفٍ، «إِذْ أَكْثَرُ الْحَوَادِثِ» وَالْوَقَائِعِ «لَمْ يُنَصَّ عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا» ، وَالْجَوَازُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، وَحِينَئِذٍ اقْتَضَى الْعَقْلُ وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ وَضْعَ طَرِيقٍ «لِتَعْمِيمِ الْحَوَادِثِ بِالْأَحْكَامِ. وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا» مِنَ الْقِيَاسِ.
الْوَجْهُ «السَّادِسُ: قَوْلُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصُوِّبَ» .
هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ وَهُوَ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَقْضِي؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفْهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ مُعَاذًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْقِيَاسِ، فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَيْ: أَخْبَرَ بِتَصْوِيبِهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يُصَوِّبُ إِلَّا صَوَابًا، وَلَا يُقِرُّ إِلَّا عَلَى حَقٍّ.
قَوْلُهُ: «لَا يُقَالُ» ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَدِيثِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ «رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ» ، وَهُمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ، أَوْ أُنَاسٍ مَنْ أَهْلِ حِمْصَ، وَرِوَايَةُ الْمَجْهُولِ اخْتُلِفَ فِي الْعَمَلِ بِهَا فِي جُزْئِيَّاتِ الْفُرُوعِ،
(3/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِهَا فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ وَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِهِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، وَ «الْمُرَادُ» بِهِ «تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ» كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ: «لِأَنَّا نَقُولُ» ، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمْ:
أَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَلِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ «رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ» ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، عَنْ مُعَاذٍ، فَزَالَتِ الْجَهَالَةُ عَنْهُ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمَجْهُولِ، لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا، لَكِنْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، فَلَا يَضُرُّهُ الْإِرْسَالُ.
وَأَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي: فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ حَمْلُ اجْتِهَادِهِ رَأْيَهُ عَلَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ تَنْقِيحِ الْمُنَاطِ، فَحَمْلُهُ عَلَيْهِ تَخْصِيصٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
الثَّانِي: أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَصٌّ يَتَنَقَّحُ الْمَنَاطُ فِيهِ كَمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَمُعَاذٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا جَوَابٌ قَوِيٌّ مَتِينٌ، فَإِنْ سَاعَدَهُ ثُبُوتُ الْحَدِيثِ وَصِحَّتُهُ، نَهَضَ بِالدَّلَالَةِ وَإِلَّا فَلَا.
(3/268)

قَالُوا: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ، {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} فَالْحَاجَةُ إِلَى الْقِيَاسِ رَدٌّ لَهُ، {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وَلَمْ يَقُلِ: الرَّأْيُ.
قُلْنَا: الْمُرَادُ تَمْهِيدُ طُرُقِ الِاعْتِبَارِ، وَالْقِيَاسُ مِنْهَا؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَحْكَامِ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَقَوْلُكُمْ: مَا لَيْسَ فِيهِ يَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ يُنَاقِضُ اسْتِدْلَالَكُمْ بِالْعُمُومِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا أَصْلًا. وَالْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ رَدٌّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، إِذْ عَنْهُمَا تَلَقَّيْنَا دَلِيلَهُ.
قَالُوا: بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مَعْلُومَةٌ فَكَيْفَ تُرْفَعُ بِالدَّلِيلِ الْمَظْنُونِ؟ قُلْنَا: لَازِمٌ فِي الْعُمُومِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالشَّهَادَةِ.
قَالُوا: شَأْنُ شَرْعِنَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ وَعَكْسُهُ، نَحْوُ غَسْلِ بَوْلِ الْجَارِيَةِ دُونَ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ، دُونَ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ، وَإِيجَابِ أَرْبَعَةٍ فِي الزِّنَى دُونَ الْقَتْلِ، وَنَحْوِهِ كَثِيرٌ ; وَمُعْتَمَدُ الْقِيَاسِ الِانْتِظَامُ.
قُلْنَا: لَا نَقِيسُ إِلَّا حَيْثُ يُفْهَمُ الْمَعْنَى، وَالْخِلَافُ فِي فَهْمِ الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ أُخْرَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «قَالُوا: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} » هَذِهِ حُجَجُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ نَذْكُرُهَا، وَأَجْوِبَتَهَا:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ مُرَاغَمَةٌ لِلْقُرْآنِ وَرَدٌّ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يَقُولُ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 38] ، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النَّحْلِ: 89] ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ فِي
(3/269)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْكِتَابِ كِفَايَةً وَغَنَاءً عَنِ الْقِيَاسِ، وَإِثْبَاتُ «الْحَاجَةِ إِلَى الْقِيَاسِ رَدٌّ» لِذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الْمَائِدَةِ: 49] ، {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النِّسَاءِ: 59] ، «وَلَمْ يَقُلْ» : احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالرَّأْيِ، وَلَا رُدُّوهُ إِلَى «الرَّأْيِ» .
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» : هَذَا جَوَابُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ «الْمُرَادَ» بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 38] ، وَ {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النَّحْلِ: 89] مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ «تَمْهِيدُ طُرُقِ الِاعْتِبَارِ» الْكُلِّيَّةِ، «وَالْقِيَاسُ» مِنْ تِلْكَ الطُّرُقِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ دَلَّ عَلَى الْإِجْمَاعِ وَالسُّنَّةِ بِمَا سَبَقَ فِي الْإِجْمَاعِ، وَبِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الْحَشْرِ: 7] ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَسُنَّةُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَّا عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ «لِلْإِجْمَاعِ» مِنَّا وَمِنَ الْخَصْمِ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ لَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ «بِأَحْكَامِ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ» عَلَى جِهَةِ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْبَيَانِ الْكُلِّيِّ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَمْهِيدِ طُرُقِ الِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِلَّا فَأَيْنَ فِي الْكِتَابِ مَسْأَلَةُ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَمَسْأَلَةُ الْعَوْلِ، وَمَسْأَلَةُ الْأَكْدَرِيَّةِ وَغَيْرُهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ، وَأَيْنَ فِيهِ مَسْأَلَةُ الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُفَوَّضَةِ، وَنَحْوِهَا، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ
(3/270)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ قَدْ حَرَّمْتُمُ الْقِيَاسَ، وَلَا نَصَّ فِي الْكِتَابِ بِتَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَخْرَجْتُمُوهُ مِنْ أَدِلَّةٍ كُلِّيَّةٍ عَامَّةٍ عَلَى زَعْمِكُمْ.
قَوْلُهُ: «وَقَوْلُكُمْ: مَا لَيْسَ فِيهِ يَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ يُنَاقِضُ اسْتِدْلَالَكُمْ بِالْعُمُومِ» هَذَا إِبْطَالٌ لِعُذْرٍ لَهُمْ يَعْتَذِرُونَ بِهِ عَنْ دَلِيلِنَا الْخَامِسِ الَّذِي سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَلَمْ نَذْكُرْ هَذَا الْعُذْرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» نَصًّا، لَكِنِّي نَبَّهْتُ عَلَيْهِ هَاهُنَا بِذِكْرِ جَوَابِهِ.
وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: لَوْلَا الْقِيَاسُ، لَتَعَطَّلَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ عَنْ أَحْكَامٍ؛ لِعَدَمِ وَفَاءِ النُّصُوصِ الْقَلِيلَةِ بِالْحَوَادِثِ الْكَثِيرَةِ ; أَجَابُوا بِمَا سَبَقَ عِنْدَ تَقْرِيرِ هَذَا الدَّلِيلِ، وَبِعُذْرٍ آخَرَ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هَاهُنَا، وَهُوَ أَنْ قَالُوا: لَا نُسَلِّمُ تَعَطُّلَ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ عَنِ الْأَحْكَامِ، بَلْ مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ يَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ أَيْ: لَا حُكْمَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْأَحْكَامِ.
وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الِاعْتِذَارَ يُنَاقِضُ اسْتِدْلَالَكُمْ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ، {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى اسْتِدْلَالِكُمْ يُوجِبُ أَنْ لَا حَادِثَةَ إِلَّا وَلَهَا فِي الْكِتَابِ حُكْمٌ، فَقَوْلُكُمْ بَعْدَ هَذَا: «مَا لَيْسَ فِيهِ يَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ» إِثْبَاتٌ؛ لِأَنَّ مِنَ الْحَوَادِثِ مَا لَا حُكْمَ لَهُ فِي الْكِتَابِ، وَذَلِكَ عَيْنُ التَّنَاقُضِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ» ، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} : «اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا» عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ «أَصْلًا» ،
(3/271)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لِأَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي اسْتِيعَابِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِجُزْئِيَّاتِ الْمَوْجُودَاتِ وَكُلِّيَّاتِهَا، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي اسْتِيعَابِ الْقُرْآنِ لِذَلِكَ، بِحَيْثُ يُسْتَغْنَى مَعَهُ عَنِ الْقِيَاسِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَا إِشْكَالَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْقُرْآنُ. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيِهِ نِظَامُ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، هُوَ خَاصٌّ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي فِيهَا مَنَافِعُ الْمُخَاطَبِينَ وَطَرِيقُ هِدَايَتِهِمْ. وَذَكَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ، أَيْ: مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْمِلَّةِ، كَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّخْوِيفِ مِنْ عَذَابِهِ. قَالَ: هَذَا حَصْرُ مَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الْمُفَسِّرِينَ.
قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قُلْنَاهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي جُزْئِيَّاتِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الَّتِي تَثْبُتُ بِالْأَقْيِسَةِ مَا لَا ضَرُورَةَ بِتَحَقُّقِ الْمِلَّةِ إِلَيْهِ، بَلْ يَحْصُلُ اتِّبَاعُ الْمِلَّةِ بِدُونِهَا بَلْ جَمِيعُ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ تَتَحَقَّقُ الْمِلَّةُ بِدُونِهَا، إِذْ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ مُخْلِصًا مَعَ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ اعْتِقَادًا، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِفَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَدَمِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُسْلِمِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْخُصُوصُ.
قَوْلُهُمُ: الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ لَيْسَ حُكْمًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا رَدًّا إِلَى اللَّهِ
(3/272)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالرَّسُولِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ «الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ» حُكْمٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَ «رَدٌّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، إِذْ عَنْهُمَا تَلَقَّيْنَا دَلِيلَهُ» ، أَيْ: دَلِيلُ الْقِيَاسِ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ مِنْ دَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ لَهُمْ: «قَالُوا: بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ» مِنَ التَّكَالِيفِ «مَعْلُومَةٌ» عَمَلًا بِمُوجِبِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَالْقِيَاسُ مَظْنُونٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، «فَكَيْفَ تُرْفَعُ» الْبَرَاءَةُ الْمَعْلُومَةُ «بِالدَّلِيلِ الْمَظْنُونِ» ؟
وَالْجَوَابُ: إِنَّ هَذَا «لَازِمٌ» لَكُمْ «فِي الْعُمُومِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالشَّهَادَةِ» ، فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا إِنَّمَا تُفِيدُ الظَّنَّ، وَقَدْ رَفَعْنَا بِهَا الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ بِاتِّفَاقٍ. وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى جِهَةِ الْمُنَاقَضَةِ الْجَدَلِيَّةِ وَالْإِلْزَامِ. أَمَّا التَّحْقِيقُ فِي الْجَوَابِ، فَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مَشْرُوطًا فِي التَّكَالِيفِ الْعَمَلِيَّةِ، بَلْ حُصُولُ الظَّنِّ فِيهِ كَافٍ ثُبُوتًا وَزَوَالًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي نَسْخِ التَّوَاتُرِ بِالْآحَادِ.
وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْكَافِي فِي الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ هُوَ الظَّنُّ، وَلَهُ رَفْعُ الْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمَظْنُونَةِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الظَّنِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَوُجُودُهَا كَالْعَدَمِ. وَهَذَا كَمَا قِيلَ: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الطَّرْدُ دُونَ الْعَكْسِ، فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ، لَكِنَّهُ تَرَجَّحَ بِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: «قَالُوا: شَأْنُ شَرْعِنَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ وَعَكْسُهُ» يَعْنِي الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُخْتَلَفَاتِ «نَحْوُ: غَسْلِ بَوْلِ الْجَارِيَةِ دُونَ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ دُونَ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ» مَعَ اسْتِوَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كَوْنِهِ
(3/273)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خَارِجًا مِنَ الْفَرَجِ نَجِسًا، وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ، قَوِيَ الْإِشْكَالُ، إِذْ يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِهِ مَعَ طَهَارَتِهِ دُونَ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ مَعَ نَجَاسَتِهِمَا، وَالْقِيَاسُ الْعَكْسُ، «وَإِيجَابُ أَرْبَعَةِ» شُهُودٍ «فِي الزِّنَى دُونَ الْقَتْلِ» مَعَ إِفْضَائِهِمَا إِلَى الْقَتْلِ فِيمَا إِذَا كَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا قَوِيَ الْإِشْكَالُ، إِذْ لَا زُهُوقَ فِيهِ. وَمَعَ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ، وَالْقَتْلُ الَّذِي فِيهِ الزُّهُوقُ يُكْتَفَى فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ الْعَكْسَ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، كَكَوْنِهِ فَرَّقَ فِي حَقِّ الْحَائِضِ بَيْنَ قَضَاءِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَكِلَاهُمَا عِبَادَةٌ، وَأَبَاحَ النَّظَرَ إِلَى الْأَمَةِ دُونَ الْحُرَّةِ، وَكِلْتَاهُمَا امْرَأَةٌ مَحَلٌّ لِلشَّهْوَةِ.
وَجَمَعَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، فَأَوْجَبَ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَفَرَّقَ فِي التَّطَيُّبِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَكُلُّهَا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْإِفْطَارِ وَالْيَمِينِ، وَهِيَ أَفْعَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، ثُمَّ غَايَرَ بَيْنَ مَقَادِيرِ كَفَّارَتِهَا، وَأَوْجَبَ الْقَتْلَ عَلَى الزَّانِي وَالْقَاتِلِ وَتَارِكِ الصَّلَاةِ، وَالْكَافِرِ، وَجِنَايَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي التَّضْحِيَةِ بِالْعَنَاقِ: تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ. وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الْأَحْزَابِ: 50] ، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ أَنَاسِيُّ مُكَلَّفُونَ.
«وَمُعْتَمَدُ الْقِيَاسِ: الِانْتِظَامُ» ، يَعْنِي: اتِّفَاقُ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّفَاوُتُ وَاقِعًا فِي الشَّرْعِ لَمْ نَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ انْتِظَامِ مَعَانِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ حَتَّى يَلْحَقَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ.
(3/274)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَا نَقِيسُ إِلَّا حَيْثُ يُفْهَمُ الْمَعْنَى، وَالْخِلَافُ فِي فَهْمِ الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ أُخْرَى» . تَقْرِيرُ هَذَا أَنَّا لَا نُنْكِرُ وُقُوعَ مَا ذَكَرْتُمْ فِي الشَّرْعِ، لَكِنَّا مَا ادَّعَيْنَا عُمُومَ وُقُوعِ الْقِيَاسِ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ، بَلْ حَيْثُ فَهِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ ثَبْتَ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، أَلْحَقَنَا بِهِ مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنَ الْفُرُوعِ، كَالنَّبِيذِ مَعَ الْخَمْرِ، وَالْأَرُزِّ مَعَ الْبُرِّ. وَلِهَذَا قُلْنَا: الْأَحْكَامُ إِمَّا غَيْرُ مُعَلَّلٍ كَالتَّعَبُدَاتِ، أَوْ مُعَلَّلٍ كَالْحَجْرِ عَلَى الصَّبِيِّ لِضَعْفِ عَقْلِهِ حِفْظًا لِمَالِهِ، أَوْ مَا يَتَرَدَّدُ فِي كَوْنِهِ مُعَلَّلًا أَوَّلًا، كَقَوْلِنَا: اسْتِعْمَالُ التُّرَابِ فِي غَسْلِ وُلُوغِ الْكَلْبِ هَلْ هُوَ تَعَبُّدٌ أَمْ مُعَلَّلٌ؟ وَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافُ فِي قِيَامِ الْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ وَالْغَسْلَةِ الثَّامِنَةِ مَقَامَهُ ; إِنْ قُلْنَا: هُوَ تَعَبُّدٌ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: مُعَلَّلٌ بِإِعَانَةِ الْمَاءِ عَلَى إِزَالَةِ أَثَرِ الْوُلُوغِ ; قَامَ ذَلِكَ مَقَامَهُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِزَالَةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: هُوَ تَعَبُّدٌ، كَفَى بِالتُّرَابِ مُسَمَّاهُ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ أَجْزَاءَ مَحَلِّ الْوُلُوغِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مُعَلَّلٌ، اشْتُرِطَ تَعْمِيمُهُ بِهِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْيَدِ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ إِنْ قِيلَ: هُوَ عِبَادَةٌ، وَجَبَتْ لَهُ النِّيَّةُ، وَإِنْ قِيلَ: نَظَافَةٌ، لَمْ يَجِبْ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَا نَقِيسُ إِلَّا حَيْثُ فَهِمْنَا الْمَعْنَى وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْقِيَاسِ، فَأَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخَاصَّةِ مُعَلَّلَةً أَوْ غَيْرَ مُعَلَّلَةِ ; فَتِلْكَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى خَارِجَةٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ يَثْبُتُ فِيهَا مِنَ الْحُكْمِ بِالتَّعَبُّدِ أَوِ التَّعَلُّلِ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ عَنِ الْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ إِجْمَالِيٌّ، وَالْجَوَابُ التَّفْصِيلِيُّ أَنَّ الصُّوَرَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا كُلُّهَا أَوْ جُلُّهَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ عَنْهُ إِمَّا بِمَنْعِ
(3/275)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحُكْمِ مِنْ فَرْقٍ أَوْ جَمْعٍ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ، أَوْ بِإِبْدَاءِ الْمُنَاسِبِ.
أَمَّا غَسْلُ بَوْلِ الْجَارِيَةِ دُونَ بَوْلِ الْغُلَامِ، فَقَدْ سَوَّى الْحَسَنُ بَيْنَهُمَا فِي النَّضْحِ، وَغَيْرُهُ فِي الْغَسْلِ، فَلَا نَرُدُّ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ آلَةَ بَوْلِ الْغُلَامِ بَارِزَةٌ عَنْ سَمْتِ بَدَنِهِ، وَالنَّاسُ أَمْيَلُ إِلَى حَمْلِهِ، فَيَكْثُرُ بَوْلُهُ عَلَى النَّاسِ، فَيَشُقُّ غَسْلُهُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ فَإِنَّ بَوْلَهَا لَا يُجَاوِزُهَا إِلَى غَيْرِهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ اعْتَبَرَ بَوْلَهُمَا، فَوَجَدَ بَوْلَ الْجَارِيَةِ أَثْقَلَ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِلْفَرْقِ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّ مِزَاجَ الذَّكَرِ حَارٌّ، وَمِزَاجُ الْأُنْثَى بَارِدٌ، فَيَضْعُفُ الْهَضْمُ، فَتَبْقَى الْفَضْلَةُ كَثِيفَةً، ذَاتِ قِوَامٍ كَثِيفٍ، فَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِالْأَجْسَامِ، كَانَ أَثَرُهَا مُحْتَاجًا إِلَى الْغَسْلِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي الْغُلَامِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا افْتَرَقَ مَنِيُّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى نَاسَبَ افْتِرَاقَ بَوْلِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَوْلِ عَكْسُهُ فِي الْمَنِيِّ، إِذْ مَنِيُّ الذَّكَرِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَنِيُّ الْأُنْثَى رَقِيقٌ أَصْفَرُ، وَبَوْلُ الْأُنْثَى أَغْلَظُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ، وَهَذَا تَقْرِيرٌ شَبَهِيٌّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحُكْمُ فَرْعِيٌّ، وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ تَصْلُحُ لِتَقْرِيرِهِ وَتَقْوَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إِيجَابُ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ فِي الزِّنَى دُونَ الْقَتْلِ، فَقَدْ قَرَّرْتُهُ مَبْسُوطًا فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» عَلَى وَجْهٍ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ فِي حَقِّ الْحَائِضِ بَيْنَ قَضَاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ فَلِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ
(3/276)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَكَرُّرِهَا، فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا دُونَ الصَّوْمِ، إِذْ هُوَ شَهْرٌ فِي السَّنَةِ، وَهَذَا مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِلْفَرْقِ وَكَوْنُهُمَا عِبَادَةً لَا يَقْتَضِي اسْتِوَاؤُهُمَا فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا إِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى الْأَمَةِ دُونَ الْحُرَّةِ، فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَمْنُوعٌ؛ إِذِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا. وَأَمَّا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَيَجُوزُ مِنَ الْأَمَةِ إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا فِي حَالِ الْمِهْنَةِ وَالْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهَا، فَالتَّحَرُّزُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ يَشُقُّ، كَمَا قِيلَ فِي وَجْهِ الْحُرَّةِ وَكَفَّيْهَا لِذَلِكَ، وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا لِحَاجَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، وَإِلَى غَيْرِ وَجْهِهَا أَيْضًا لِحَاجَةِ الْعِلَاجِ؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَ ذَلِكَ يُورِثُ مَشَقَّةً مُنْتَفِيَةً شَرْعًا، وَهُوَ الْفَرْقُ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ الشَّرْعِيِّ، وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ مُنَاسِبٌ لِثُبُوتِ هَذَا الِاسْتِحْسَانِ.
وَأَمَّا قَتْلُ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ; فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، فَلَا يُرَدُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنِهِمَا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى إِتْلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ إِقَامَةً لِرَسْمِ الْعَدْلِ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقِّ الْآدَمِيِّ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ قَتْلَهُ ارْتِكَابٌ لِمَا نَهَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْهُ هُوَ حَقُّ لَهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّ جَزَاءَهُ مَصْرُوفٌ إِلَى الْآدَمِيِّ هُوَ حَقٌّ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَأْخَذُ فِي الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ قَالَ بِالْفَرْقِ فِيهِ، لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْفَرْقُ فِي التَّطَيُّبِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ دُونَ قَتْلِ الصَّيْدِ غَلَبَ فِيهِ إِتْلَافُ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَفِيهِمَا حَقُّ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، عَلَى أَنَّ
(3/277)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جَمِيعَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ، وَالْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ مَعَ جَمِيعِهِمْ، فَلِلْمُجْتَهِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَلْتَزِمَ الْفَرْقَ فِي الْجَمِيعِ، أَوِ التَّسْوِيَةَ فِي الْجَمِيعِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ السُّؤَالُ.
وَأَمَّا إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِأَسْبَابِهَا الْمَذْكُورَةِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنَعَ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ فِيهَا لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا وَمَقَادِيرِهَا، وَأَجَازَهُ فِي غَيْرِهَا. وَمَنْ أَجْرَى الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّمَا أَجْرَاهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ، وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْقِيَاسِ. وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْإِجْمَالِيُّ الَّذِي سَبَقَ، مَعَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِمَّا جُبْرَانٌ أَوْ عُقُوبَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِعَ عَلِمَ أَنَّ كَفَّارَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يُكَافِئُهُ جَبْرًا أَوْ زَجْرًا، فَشَرَعَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَدْلٌ، وَهَذَا مِنَ الْعَدْلِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ قَتْلِ الزَّانِي وَالْقَاتِلِ وَنَحْوِهِ مَعَ اخْتِلَافِ جِنَايَاتِهِمْ، فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ مَفْسَدَةَ أَدْنَى هَذِهِ الْجِنَايَاتِ تُوجِبُ الْقَتْلَ، وَسَقَطَ الزَّائِدُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ فِيمَا فَوْقَهُ مِنَ الْجِنَايَاتِ تَفَضُّلًا أَوْ تَعَذُّرًا؛ إِذْ لَا عُقُوبَةَ وَرَاءَ الْقَتْلِ، مَعَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ اتِّحَادَ كَيْفِيَّةَ الْقَتْلِ فِيهِمْ، بَلِ الْقَاتِلُ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِمُوجِبِ الْعَدْلِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَالزَّانِي إِنْ كَانَ بِكْرًا، فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَيْهِ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ، فَإِنْ مَاتَ فِي الْجَلْدِ، فَزُهُوقُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا، فَيُجْلَدُ، وَيُرْجَمُ حَتَّى يَمُوتَ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْأَلَمِ وَالتَّعْذِيبِ أَضْعَافُ مَا فِي الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَةِ الْقَتْلِ، وَجِنَايَةُ الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْظَمَ ; غَيْرَ أَنَّ الْقَتْلَ بِالْكُفْرِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَفْضُلُ بِتَرْكِ
(3/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
زِيَادَةِ التَّعْذِيبِ وَالْمُثْلَةِ بِالرَّجْمِ وَنَحْوِهِ.
وَالْقَتْلُ بِالزِّنَى، إِمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ بِهَتْكِ الْعِرْضِ، وَتَضْيِيعِ النَّسَبِ، أَوْ أَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ غَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ فَجُعِلَ كُفْئًا لِسَبَبِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ فَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ فِي «مُخْتَصَرِ» التِّرْمِذِيِّ، وَلَمْ أَنْشَطْ هَاهُنَا لِتَقْرِيرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الْأَحْزَابِ: 50] ، فَإِنَّ فَضِيلَةَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَلَى غَيْرِهِمْ مَعْلُومَةٌ بِالِاضْطِرَارِ، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِتَخْصِيصِهِمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُكْرِمَهُمْ بِهِ، وَكَوْنُهُمْ جَمِيعًا أَنَاسِيَّ مُكَلَّفِينَ لَا يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ حُكْمٍ، وَلَا يَمْنَعُ تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ، لَلَزِمَ الْقَدْحُ فِي النُّبُوَّاتِ بِأَنْ يُقَالَ: كُلُّ النَّاسِ أَنَاسِيُّ فَكَيْفَ يَخْتَصُّ بِالْمُعْجِزِ النَّبِيُّ؟ . وَهَذِهِ شُبْهَةُ الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالُوا: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [يس: 15] ، {أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} [الْقَمَرِ: 24] ، {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 34] .
فَإِنْ قِيلَ: الْمُعْجِزُ وَالنُّبُوَّةُ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، خُصُّوا بِهَا بِحُكْمِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنْ قُلْتُمْ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْمُخْتَصَّةِ بِمِحَالِّهَا دُونَ نَظَائِرِهَا كَذَلِكَ، صَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ الْقِيَاسِ.
قُلْنَا: النُّبُوَّةُ مَوْهِبَةٌ لِغَيْرِ مَعْنًى أَوْ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي
(3/279)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مُسَلَّمٌ، وَبِهِ يَتِمُّ مَقْصُودُنَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا وَهَبَ النُّبُوَّةَ لِأَهْلِهَا لِمَا اخْتَصُّوا بِهِ عَلَى بَاقِي الْعَالَمِ مِنْ زِيَادَةِ الْخَيْرِ، وَالصَّلَاحِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْعِبَادَةِ، وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَاكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ، وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} ، [الْأَنْعَامِ: 124] وَسَائِرُ مَا مُدِحَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اخْتِصَاصَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ لَهُ، فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ، خُصَّتْ بِأَحْكَامِهَا لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لَكِنْ أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِذَا فَهِمْنَا الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ أَوِ الْمُؤَثِّرَ غَيْرَ الْمُنَاسِبِ، أَلْحَقْنَا بِهِ مَا فِي مَعْنَى مَحَلِّهِ، كَإِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ، فَهَلْ نَقُولُ: إِنَّ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ لِلِاخْتِصَاصِ بِالنُّبُوَّةِ فِي الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَجَدْتُمُوهُ فِي آحَادِ النَّاسِ تُلْحِقُونَهُ فِي إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ؟ إِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ، فَلَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا، فَمَا الْفَرْقُ؟
قُلْنَا: إِنَّ الْقِيَاسَ مَدْرَكٌ ظَنِّيٌّ تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ حُكْمٌ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ أَصْلٌ لِقَوَاطِعِ الشَّرَائِعِ وَظَنِّيَّاتِهَا، فَلَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَمْرُ النُّبُوَّةِ ظَنِّيًّا، أَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مَدْرَكًا لِلنُّبُوَّةِ قَطْعِيًّا، لَأَثْبَتْنَاهَا بِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُعْجِزُ بِشُرُوطِهِ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ فِي شَخْصٍ مَا، عَدَّيْنَا حُكْمَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَمَنْ ظَهَرَ الْمُعْجِزُ عَلَى يَدِهِ فَقُلْنَا مَثَلًا: إِنَّمَا ثَبَتَ كَوْنُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَبِيًّا لِظُهُورِ الْمُعْجِزِ عَلَى يَدِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْمُعْجِزُ عَلَى يَدِ عِيسَى
(3/280)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمَا، لَمَّا كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ قَاطِعًا ثَبَتَ بِمِثْلِهِ النُّبُوَّةُ الْقَاطِعَةُ.
وَمِمَّا يُورَدُ مِنْ نَظَائِرِ هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الْقِيَاسِ أَنَّ الْعَجُوزَ الشَّوْهَاءَ الْقَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ تُحَصِّنَ مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَحْرَارِ عَلَى الْبَدَلِ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْإِمَاءِ الْحِسَانِ لَا تُحَصِّنُ آدَمِيًّا وَاحِدًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ مِنَ الْقَيَّاسِينَ، فَيَسْقُطُ السُّؤَالُ، وَمَنِ الْتَزَمَهُ أَبْدَى فَرْقًا مُنَاسِبًا عِنْدَهُ، وَهُوَ نَقْصُ الرِّقِّ وَكَانَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ وَهُوَ تَكَلُّفٌ، إِذْ لَيْسَ مُؤَثِّرًا، وَالصَّوَابُ رَأْيُ مَالِكٍ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ، لِجَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الْتِزَامُهُ، إِذْ لَا نَصَّ فِي نَفْيِهِ وَلَا إِجْمَاعَ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لِمَ قُطِعَ سَارِقُ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثِيرِ، وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَى الرَّدْعِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْغَصْبَ فِعْلٌ ظَاهِرٌ، وَلَا يَخْلُو كُلُّ إِقْلِيمٍ عَنْ سُلْطَانٍ يَكُفُّ ظُلْمَ الظَّالِمِ، وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ، إِمَّا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِالْعَدْلِ، أَوْ حِيَاطَةً لِلْمُلْكِ وَسِيَاسَةً لَهُ، وَذَلِكَ دَافِعٌ لِمَفْسَدَةِ الْغَصْبِ مَنْعًا أَوْ قَطْعًا، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا فِعْلٌ خَفِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، فَوَضَعَ لَهُ الشَّرْعُ زَاجِرَ الْقَطْعِ، إِذْ بَدَوْنِ ذَلِكَ لَا تَزُولُ الْمَفْسَدَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي خُرُوجِ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ، فَذَكَرَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ لَهُ مَعْنًى مُنَاسِبًا إِنْ تَحَقَّقَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ الْآنَ تَحْقِيقَهُ.
(3/281)

قَالُوا: لَوْ أَرَادَ الشَّارِعُ تَعْمِيمَ الْمَحَالِّ بِالْأَحْكَامِ لَعَمَّهَا نَصًّا، نَحْوُ: الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَيَتْرُكُ التَّطْوِيلَ.
قُلْنَا: هَذَا تَحَكُّمٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِ مَنْ حَرَّمَ الْمَلَاذَّ: وَفِعْلُهَا لَا يَضُرُّهُ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَبْقَى لِلْمُجْتَهِدِينَ مَا يُثَابُونَ بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ.
قَالُوا: كَيْفَ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفَرْعِ بِغَيْرِ طَرِيقِ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ.
قُلْنَا: مَنْ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ بِالْعِلَّةِ لَا يَرِدُ هَذَا عَلَيْهِ، وَمَنْ يُثْبِتُهُ بِالنَّصِّ يَقُولُ: الْقَصْدُ الْحُكْمُ، لَا تَعْيِينُ طَرِيقَهٍ، فَإِذَا ظَنَّ وُجُودَهُ اتَّبَعَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ.
قَالُوا: غَايَةُ الْعِلَّةِ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْإِلْحَاقَ، نَحْوُ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، لَا يَقْتَضِي عِتْقَ كُلِّ أَسْوَدَ مِنْ عَبِيدِهِ.
قُلْنَا: وَكَذَا لَوْ صَرَّحَ، فَقَالَ: قِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ أَسْوَدَ، فَلَيْسَ بِوَارِدٍ، بِخِلَافِ قَوْلِ الشَّارِعِ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِشِدَّتِهَا فَقِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ مُسْكِرٍ، ثُمَّ بَيْنَ الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ فَرْقٌ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: «قَالُوا: لَوْ أَرَادَ الشَّارِعُ تَعْمِيمَ الْمَحَالِّ بِالْأَحْكَامِ، لَعَمَّهَا نَصًّا، نَحْوُ» قَوْلِهِ: «الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ» أَوْ فِي كُلِّ مَطْعُومٍ أَوْ مُقْتَاتٍ. «وَيَتْرُكُ التَّطْوِيلَ» بِأَنْ يَنُصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءٍ بِدُونِ بَيَانِ عِلَّتِهِ فِيهَا، ثُمَّ يُوقِعُ النَّاسَ بَعْدَهُ فِي الِاخْتِلَافِ الطَّوِيلِ الْعَرِيضِ فِي اسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الرِّبَا بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، فَلَمَّا لَمْ يَنُصُّ عَلَى تَحْرِيمِ تَعْمِيمِ الْمَحَالِّ بِأَحْكَامِهَا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْمِيمَهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَحَالَ الْبَاقِيَ عَلَى تَحْقِيقِ
(3/282)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَنَاطِ، أَوْ عَلَى تَنْقِيحِهِ، أَوِ الْبَقَاءِ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ «هَذَا تَحَكُّمٌ» عَلَى الشَّارِعِ، وَتَحَجُّرٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بَقَوْلِ الْمُبَاحِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: لَا فَائِدَةَ فِي تَحْرِيمِ الْمَلَاذِّ كَالزِّنَى وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِ، إِذْ «فِعْلُهَا لَا يَضُرُّهُ» ، وَهُوَ يَنْفَعُ النَّاسَ. وَقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِنَا أَنَّ فِي ذَلِكَ حِكْمَةَ الِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ، فَكَذَلِكَ عَدَمُ تَعْمِيمِهِ الْمَحَالَّ بِالْأَحْكَامِ تَنْصِيصًا لَهُ فِيهِ حِكْمَةٌ، فَلَعَلَّهُ أَبْقَى لِلْمُجْتَهِدِينَ مَجَالًا فِي الْأَحْكَامِ يُثَابُونَ بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَلَوْ عَمَّ مَحَالَّ الْأَحْكَامِ بِهَا، لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَجَالٌ فِي ذَلِكَ، إِذْ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَكِيلٍ رِبَوِيٌّ، لَثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَرُزِّ بِالنَّصِّ، وَلَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ.
الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: «قَالُوا: كَيْفَ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفَرْعِ بِغَيْرِ طَرِيقِ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ؟» وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِالنَّصِّ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَحُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتٌ بِالْإِلْحَاقِ كَتَحْرِيمِ النَّبِيذِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَالطَّرِيقُ مُخْتَلِفٌ ; فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا! .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، هَلْ هُوَ بِالْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى الْمُشَارُ إِلَيْهِ مِنَ النَّصِّ، أَوْ بِنَفْسِ النَّصِّ؟ فَمَنْ أَثْبَتَ «الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ بِالْعِلَّةِ» لَمْ يَرِدْ هَذَا السُّؤَالُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَثْبَتَ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْإِسْكَارِ مَثَلًا فِي الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ. وَمَنْ أَثْبَتَهُ فِي الْأَصْلِ بِالنَّصِّ، قَالَ: الْمَقْصُودُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَا تَعْيِينُ طَرِيقِهٍ بِكَوْنِهِ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا، أَوْ نَصًّا فِي الْأَصْلِ قِيَاسًا فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ وَسِيلَةٌ، وَالْحُكْمَ مَقْصِدٌ، وَمَعَ حُصُولِ الْمَقْصِدِ لَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الْوَسَائِلِ، لَمْ يَضُرَّ
(3/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَضْلًا عَنِ اخْتِلَافِهَا. وَهَذَا كَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ - شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ دَخَلَهَا.
الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: «قَالُوا: غَايَةُ الْعِلَّةِ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً، وَهُوَ» يَعْنِي النَّصَّ عَلَيْهَا «لَا يُوجِبُ الْإِلْحَاقَ» ، يَعْنِي إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ، «نَحْوُ» قَوْلِ الْقَائِلِ: «أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، لَا يَقْتَضِي عِتْقَ كُلِّ أَسْوَدَ مِنْ عَبِيدِهِ» ، وَإِذَا لَمْ يَقْتَضِ النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ الْإِلْحَاقَ فَالْإِيمَاءُ وَالْإِشَارَةُ الَّتِي تُسْتَخْرَجُ الْعِلَّةُ مِنْهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَعَلَيْهَا مَدَارُ أَكْثَرِ الْأَقْيِسَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَقْتَضِيَهُ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ الْخَصْمَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْقِيَاسِ فِي الْعِتْقِ، لَمْ يَتَعَدَّ الْوَصْفَ، فَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، وَ «قِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ أَسْوَدَ» ; لَمَا جَازَ عِتْقُ السُّودَانِ بِالْقِيَاسِ؛ لِمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ قَالَ: «حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِشِدَّتِهَا، فَقِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ مُسْكِرٍ» ; لَصَحَّ الْإِلْحَاقُ وَالتَّعْدِيَةُ، وَاتَّجَهَتِ التَّسْوِيَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ، وَهُمُ الْقَاشَانِيَّةُ وَالنَّهْرَوَانِيَّةُ، وَإِذْ بَيْنَ الْبَابَيْنِ هَذَا الْفَرْقُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إِلْزَامُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، عَلَى أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ لِسَوَادِهِ، يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ كُلُّ أَسْوَدَ.
نَعَمِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْعِتْقِ مَعَ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالسُّؤَالُ غَيْرُ وَارِدٍ، وَالْحُكْمُ مُلْتَزَمٌ فِي الْبَابَيْنِ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا تَأْكُلْ هَذِهِ الْحَشِيشَةَ لِأَنَّهَا سُمٌّ، أَوْ: لَا تَأْكُلِ الْإِهْلِيلَجَ؛ لِأَنَّهُ مُسْهِلٌ، أَوْ: لَا تُجَالِسُ فُلَانًا؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ ; فُهِمَ مِنْ ذَلِكَ التَّعْدِيَةُ، وَاجْتِنَابُ كُلِّ سُمٍّ وَمُسْهِلٍ وَمُبْتَدِعٌ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ طَرْدِ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ التَّعَبُّدُ، ثُمَّ إِنَّ الْخَصْمَ مُنَاقِضٌ لِنَفْسِهِ، إِذِ احْتِجَابُهُ هَاهُنَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ قَاسَ بُطْلَانَ
(3/284)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقِيَاسِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَلَى بُطْلَانِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنْ صَحَّ احْتِجَاجُهُ بِالْقِيَاسِ هَاهُنَا، فَلِمَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مُطْلَقًا؟ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ احْتِجَاجُهُ بِهِ، لَمْ يَقْدَحْ فِي احْتِجَاجِنَا بِالْقِيَاسِ، وَأَيْضًا إِذَا اعْتَقَدَ الْخَصْمُ صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ فِي أَصْلٍ كَبِيرٍ وَهُوَ بُطْلَانُ الْقِيَاسِ، فَلِمَ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُنَا فِي الْفُرُوعِ الْيَسِيرَةِ الْخَطْبِ؟ .
قَوْلُهُ: «ثُمَّ بَيْنَ الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ فَرْقٌ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ» : بَيَانُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ مَنَاطُ ثُبُوتِهَا الظَّنُّ تَوْسِيعًا لِمَجَارِي التَّكْلِيفِ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تُنْقَلُ عَنْهُمْ إِلَّا بِطَرِيقٍ قَاطِعٍ ; إِمَّا احْتِيَاطًا لِحُقُوقِهِمْ لِمَا اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ الْمُوجِبِ لِتَضْيِيقِ الْأَمْرِ فِي حُقُوقِهِمْ، أَوْ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ فِي الْأَصْلِ مِلْكٌ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ، فَتُعُبِّدَ فِي زَوَالِهَا بِالطَّرِيقِ الْقَاطِعِ، وَأَثْبَتَ التَّكَالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ بِالطُّرُقِ الْمَظْنُونَةِ، وَلِلَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَنْ يَفْعَلَ فِي مُلْكِهِ مَا يَشَاءُ.
وَمِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ شَيْءٌ، فَأَقَرَّ عَلَيْهِ، اسْتُفِيدَ مِنْ ذَلِكَ رِضَاهُ بِهِ بِشَرْطِهِ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ شَخْصًا بَاعَ مَالَ إِنْسَانٍ بِحَضْرَتِهِ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ، فَسَكَتَ، وَلَمْ يُنْكِرْ، بَلْ أَظْهَرَ الِاسْتِبْشَارَ وَالْفَرَحَ ; لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالْإِيجَابِ، أَوْ يُعْلَمَ رِضَاهُ أَوْ يُوَكِّلَ فِيهِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ فِي حُقُوقِ الْمَخْلُوقِينَ ضَيَّقَ غَايَةَ التَّضْيِيقِ بِخِلَافِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَلْزَمُكُمْ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، فَإِنَّ التَّرَاضِيَ فِي الْبَيْعِ شَرْطٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ أَمْرٌ بَاطِنٌ خَفِيٌّ، وَلَمْ تَعْتَبِرُوا لَهُ صِيغَةَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذَا حَقُّ آدَمِيٍّ قَدْ أَزَلْتُمُوهُ عَنْهُ بِغَيْرِ طَرِيقٍ
(3/285)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَاطِعٍ.
فَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ قَاطِعٍ، بَلِ الْمُعَاطَاةُ تَقْتَرِنُ بِهَا قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا قَطْعًا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بَيْنَ الْأُمَّةِ عَلَى تَوَالِي الْأَعْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ.
(3/286)

قَالُوا: لَا قِيَاسَ فِي الْأُصُولِ، فَكَذَا فِي الْفُرُوعِ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ بَلْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قِيَاسٌ بِحَسَبِ مَطْلُوبِهِ قَطْعًا فِي الْأَوَّلِ وَظَنًّا فِي الثَّانِي، ثُمَّ هُوَ قِيَاسٌ، فَإِنْ صَحَّ صَحَّ مُطْلَقُهُ، وَثَبَتَ الْقِيَاسُ، وَإِلَّا بَطَلَ مَا ذَكَرْتُمْ.
وَاعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِمَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا حَمْلُ الذَّامَّةِ عَلَى حَالِ وُجُودِ النَّصِّ وَالْحَاثَّةِ عَلَى حَالِ عَدَمِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: «قَالُوا: لَا قِيَاسَ» ، أَيْ: الْقِيَاسُ مُمْتَنِعٌ «فِي الْأُصُولِ» ، فَلْيَكُنْ مُمْتَنِعًا «فِي الْفُرُوعِ» .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا «مَمْنُوعٌ، بَلْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا» ، أَيْ: فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ «قِيَاسٌ بِحَسَبِ مَطْلُوبِهِ قَطْعًا فِي الْأَوَّلِ» يَعْنِي فِي الْأُصُولِ «وَظَنًّا فِي الثَّانِي» يَعْنِي فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْأُصُولِ الْقَطْعُ وَفِي الْفُرُوعِ الظَّنُّ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ فِي الْأُصُولِ قَطْعِيًّا، وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ فِي الْفُرُوعِ ظَنِّيًّا، ثُمَّ إِنَّ هَذَا قِيَاسٌ مِنْهُمْ لِامْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِي الْفُرُوعِ عَلَى امْتِنَاعِهِ فِي الْأُصُولِ عَلَى زَعْمِهِمْ، فَإِنْ صَحَّ اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْقِيَاسِ هَاهُنَا وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مُطْلَقُ الْقِيَاسِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُمْ هَاهُنَا، بَطَلَ مَا ذَكَرُوُهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِبْطَالِ الْقِيَاسِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
«وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِمَا» ، أَيِ: اسْتِعْمَالُ
(3/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ، «أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا» أَيْ: بَيْنَ قِسْمَيْ أَحَادِيثِ ذَمِّ الْقِيَاسِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ «حَمْلُ الذَّامَّةِ» ، أَيْ: هُوَ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَمِّ الْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ، وَتُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى الْحَثِّ عَلَيْهِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَصٌّ، احْتِرَازًا مَنْ تَنَاقُضِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مَنْ مَدْحِ الشَّاهِدِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ وَذَمِّهِ، فَحُمِلَ الذَّمُّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ يَعْلَمُ بِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ لَهُ بِهِ بَيِّنَةً، إِذْ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالشَّهَادَةِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - نَوْعُ تَكَلُّفٍ وَفُضُولٍ، وَرُبَّمَا اتُّهِمَ الشَّاهِدُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، كَمَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلَا حَضَرَ لِيَشْهَدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، فَقَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: أَتَشْهَدُ بِهَذَا الْحَقِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَحْلِفُ، وَأُخَاصِمُ، قَالَ: فَمِنْ هَاهُنَا مَا تُقْبَلُ شَهَادَتُكَ.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هِيَ فِي كِتَابِ «أَدَبِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ» لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَهَا بِأَسَانِيدِهَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهِيَ وَافِيَةٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ وَفَوْقِ الْمَقْصُودِ، وَلَمْ يَكُنِ الْكِتَابُ عِنْدِي الْآنَ حَتَّى أُثْبِتَهَا هَاهُنَا، وأَيْضًا آثَرَتُ الِاخْتِصَارَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ الرَّأْيَ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ، وَالرَّأْيُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: رَأْيٌ مَحْضٌ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ، فَذَلِكَ الْمَذْمُومُ الَّذِي لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَرَأْيٌ يَسْتَنِدُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ مِنَ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالِاسْتِدْلَالِ، وَالِاسْتِحْسَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. وَلِهَذَا يُقَالُ: هَذَا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ عَنْ كُلِّ
(3/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حُكْمٍ صَارَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَنَدُهُ فِيهِ الْقِيَاسَ أَوْ دَلِيلَ غَيْرِهِ، وَالْقِيَاسُ هُوَ مَا ذَكَرْنَا حَدَّهُ، وَهُوَ اعْتِبَارُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الرَّأْيِ كَمَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ أَخَصُّ مِنَ الْقِيَاسِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ بِحَسَبِ الْإِضَافَةِ هُمْ كُلُّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي الْأَحْكَامِ بِالرَّأْيِ، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَسْتَغْنِي فِي اجْتِهَادِهِ عَنْ نَظَرٍ وَرَأْيٍ، وَلَوْ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِهِ الَّذِي لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ.
وَأَمَّا بِحَسَبِ الْعَلَمِيَّةِ، فَهُوَ فِي عُرْفِ السَّلَفِ عَلَمٌ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ، أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَؤُلَاءِ أَهْلَ الرَّأْيِ، لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ إِلَى الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ ; إِمَّا لِعَدَمِ بُلُوغِهِمْ إِيَّاهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ، أَوْ لِكَوْنِهِ رِوَايَةَ غَيْرِ فَقِيهٍ، أَوْ قَدْ أَنْكَرَهُ رَاوِي الْأَصْلِ، أَوْ لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، أَوْ لِكَوْنِهِ وَارِدًا فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَبِمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ لَزِمَهُمْ تَرْكُ الْعَمَلِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ حَتَّى خَرَّجَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي «جَامِعِهِ» نَحْوَ مِائَةٍ أَوْ خَمْسِمِائَةِ حَدِيثٍ صِحَاحٍ خَالَفَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي التَّشْنِيعِ عَلَيْهِ حَتَّى صَنَّفَ كِتَابًا فِي الْخِلَافِ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَكَثُرَ عَلَيْهِ الطَّعْنُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ حَتَّى بَلَغُوا فِيهِ مَبْلَغًا وَلَا تَطِيبُ النَّفْسُ بِذِكْرِهِ، وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا عِصْمَتَهُ مِمَّا قَالُوهُ، وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا إِلَيْهِ نَسَبُوهُ.
(3/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ: أَنَّهُ قَطْعًا لَمْ يُخَالِفِ السُنَّةَ عِنَادًا، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِيمَا خَالَفَ مِنْهَا اجْتِهَادًا لِحُجَجٍ وَاضِحَةٍ، وَدَلَائِلَ صَالِحَةٍ لَائِحَةٍ، وَحُجَجُهُ بَيْنَ النَّاسِ مَوْجُودَةٌ، وَقَلَّ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهَا مُخَالِفُوهُ، وَلَهُ بِتَقْدِيرِ الْخَطَأِ أَجْرٌ، وَبِتَقْدِيرِ الْإِصَابَةِ أَجْرَانِ، وَالطَّاعِنُونَ عَلَيْهِ إِمَّا حُسَّادٌ، أَوْ جَاهِلُونَ بِمَوَاقِعِ الِاجْتِهَادِ، وَآخِرُ مَا صَحَّ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِحْسَانُ الْقَوْلِ فِيهِ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْوَرْدِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ «أُصُولُ الدِّينِ» وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(3/290)

أَرْكَانُ الْقِيَاسِ مَا سَبَقَ.
فَشَرْطُ الْأَصْلِ ثُبُوتُهُ بِنَصٍّ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ ; أَوِ اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا وَلَوْ ثَبَتَ بِقِيَاسٍ، إِذْ مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا وَلَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّتِهِ، وَلَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ جَامِعٌ، فَقِيَاسُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى، إِذْ تَوْسِيطُ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ لِانْتِفَاءِ الْجَامِعِ بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَصْلِ أَصْلِهِ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَإِلَّا لَعَلَّلَ الْخَصْمُ بِعِلَّةٍ تَتَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ، فَإِنْ سَاعَدَهُ الْمُسْتَدِلُّ فَلَا قِيَاسَ، وَإِلَّا مُنِعَ فِي الْأَصْلِ فَلَا قِيَاسَ، وَيُسَمَّى: الْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ، نَحْوُ: الْعَبْدُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمُكَاتَبِ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: الْعَبْدُ يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، إِذْ لَا يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ: الْوَارِثُ أَوِ السَّيِّدُ، وَرُدَّ: بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُقَلِّدٌ لِإِمَامِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لَهُ، إِذْ لَا يَتَعَيَّنُ مَأْخَذُ حُكْمِهِ، وَلَوْ عَرَفَ فَلَا يَلْزَمُ مَنْ عَجْزِهِ عَنْ تَقْرِيرِهِ فَسَادُهُ، إِذْ إِمَامُهُ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَقَدِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ لِنُدْرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «أَرْكَانُ الْقِيَاسِ مَا سَبَقَ» .
لِمَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ وَكَوْنُهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا ; وَجَبَ الْقَوْلُ فِي أَرْكَانِهِ، وَشُرُوطِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَأَرْكَانُهُ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِهِ، وَهِيَ الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ، وَالْعِلَّةُ، وَالْحُكْمُ. وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَى بَيَانِ حَقَائِقِهَا وَمَاهِيَّاتِهَا، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي بَيَانِ شَرَائِطِهَا وَمُصَحِّحَاتِهَا.
«فَشَرْطُ الْأَصْلِ» - يَعْنِي الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ - أُمُورٌ:
(3/291)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ ثَابِتًا «بِنَصٍّ، وَإِنِ اخْتَلَفَا» - يَعْنِي الْخَصْمَيْنِ - فِي الْأَصْلِ، «أَوِ اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا» عَلَى ثُبُوتِهِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ، فَإِنْ وَافَقَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ، ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالنَّصِّ وَالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ، فَالنَّصُّ وَافٍ بِإِثْبَاتِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْخَصْمِ. وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ ثُبُوتُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْفَرْعُ، وَيَلْحَقُ بِهِ، وَمَا لَا ثُبُوتَ لَهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِنَاءُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُتَفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا لِيَكُونَ غَايَةً يَنْقَطِعُ عِنْدَهَا النِّزَاعُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إِذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَالْمُعْتَرِضُ كَمَا يُنَازِعُ فِي الْفَرْعِ يُنَازِعُ فِي الْأَصْلِ.
مِثَالُ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ قَوْلُنَا: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ تَالِفَةٌ، تَحَالَفَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَبَايِعَانِ اخْتَلَفَا، فَوَجَبَ أَنْ يَتَحَالَفَا، كَمَا إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَالْحَنَفِيَّةُ يَمْنَعُونَ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ التَّحَالُفُ عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ عَلَى رَأْيٍ لَهُمْ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا أَوْ تَرَادَّا، وَالتَّرَادُّ ظَاهِرٌ فِي بَقَاءِ الْعَيْنِ، عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي غَسْلِ وُلُوغِ الْخِنْزِيرِ: حَيَوَانٌ نَجِسٌ، فَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ، فَإِنْ مَنَعُوا الْحُكْمَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ، دَلَّلْنَا عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ فِيهِ.
وَمِثَالُ مَا ثَبَتَ بِالِاتِّفَاقِ قِيَاسُ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْأَرُزِّ عَلَى الْبُرِّ، وَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، وَهُوَ كَثِيرٌ.
قَوْلُهُ: «وَلَوْ ثَبَتَ بِقِيَاسٍ» ، أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَصْلُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، حَصَلَ
(3/292)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْمَقْصُودُ، وَلَوْ كَانَ ثُبُوتُهُ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ صَارَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ، فَجَازَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ كَالْمَنْصُوصِ وَالْمُجْمَعِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ: قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْأَرُزِّ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الْكَيْلِ، فَيَحْرُمُ فِي الذُّرَةِ قِيَاسًا عَلَى الْأَرُزِّ، لَكِنَّ هَذَا يُفْضِي إِلَى الْعَبَثِ الْمَذْكُورِ، وَيُنَافِي قَوْلَنَا بَعْدُ: إِنَّ الْأَصْلَ لَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ هُنَاكَ فِي تَحْقِيقِ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «إِذْ مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا وَلَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّتِهِ» . هَذَا تَوْجِيهٌ لِاشْتِرَاطِ كَوْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ ثَابِتًا بِنَصٍّ أَوِ اتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بِكَوْنِهِ أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا مَقِيسًا عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اخْتُصَّ بِكَوْنِهِ أَصْلًا لِثُبُوتِهِ فِي نَفْسِهِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْخَاصَّةُ ; لَمْ يَكُنْ بِالْأَصَالَةِ أَوْلَى مِنَ الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَا يَصِحُّ إِثْبَاتُ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِقِيَاسِهِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَإِنْ شِئْتَ، قُلْتَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقِيسَ الذُّرَةَ عَلَى الْأَرُزِّ الْمَقِيسِ عَلَى الْبُرِّ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْآخَرِ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْبَرُّ هَاهُنَا وَبَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ - وَهُوَ الذُّرَةُ - جَامِعٌ، فَقِيَاسُ مَحَلِّ النِّزَاعِ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الْآخَرِ الْبَعِيدِ وَهُوَ الْبُرُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَوْسِيطَ الْأَوَّلِ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَهُوَ الْأَرُزُّ
(3/293)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ» ، إِذْ عِوَضُ مَا نَقُولُ: يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي الذُّرَةِ قِيَاسًا عَلَى الْأَرُزِّ، وَفِي الْأَرُزِّ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، فَلْنَقُلْ: يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي الذُّرَةِ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، إِذْ تَوْسِيطُ الْأَرُزِّ فِي الْبَيْنِ عَبَثٌ، «وَإِلَّا» ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَصْلِ الْآخَرِ الثَّانِي، وَبَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ جَامِعٌ، «لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ» ، كَمَا لَوْ قَاسَ الذُّرَةَ عَلَى الْأَرُزِّ، وَالْأَرُزَّ عَلَى الْحَدِيدِ، «لِانْتِفَاءِ الْجَامِعِ بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ» وَهُوَ الذُّرَةُ، «وَأَصْلٍ أَصَّلَهُ» وَهُوَ الْحَدِيدُ، الَّذِي جَعَلَهُ أَصْلًا لِلْأَرُزِّ، الَّذِي هُوَ أَصْلُ الذُّرَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِلْوُضُوءِ: عِبَادَةٌ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ، فَلَوْ مَنَعَ الْحُكْمَ فِي التَّيَمُّمِ، فَأَثْبَتَ الْحُكْمَ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ بِكَوْنِهِمَا عِبَادَةً، قُلْنَا: فَقِسِ الْوُضُوءَ عَلَى الصَّلَاةِ بِجَامِعِ الْعِبَادَةِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَوْسِيطِ التَّيَمُّمِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنِهِمَا بِكَوْنِ التَّيَمُّمِ طَهَارَةً، لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ طَهَارَةً، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا مُنْتَفٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ أَنَّ الْأَصْلَ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ، وَهَاهُنَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ هُوَ الْمَشْهُورُ لِإِفْضَاءِ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ إِلَى الْعَبَثِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ فَائِدَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ ثَابِتًا بِقِيَاسٍ شَبَهِيٍّ، وَمَحَلُّ النِّزَاعِ يَلْحَقُ بِهِ بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ بِحَيْثُ يَكُونُ مَحَلُّ النِّزَاعِ بِأَصْلِهِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْأَصْلِ
(3/294)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْبَعِيدِ، كَمَا لَوْ جَعَلْنَا عِلَّةَ الْفِضَّةِ الْوَزْنَ وَالثَّمَنِيَّةَ جَمِيعًا، وَقِسْنَا عَلَيْهِ الْحَدِيدَ قِيَاسًا شَبَهِيًّا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوَزْنِ، ثُمَّ قِسْنَا الصُّفْرَ أَوِ الرَّصَاصَ وَنَحْوَهُ عَلَى الْحَدِيدِ، لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا لَا جَدْوَى لَهُ، إِذِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَصْلِهِ وَهُمَا الصُّفْرُ وَالْحَدِيدُ مُسْتَنِدٌ إِلَى قِيَاسٍ ضَعِيفٍ شَبَهِيٍّ، وَهُوَ قِيَاسُ الْحَدِيدِ عَلَى الْفِضَّةِ، فَلْنَسْتَرِحْ مِنْ هَذَا التَّكْلِيفِ، وَلْنَجْزِمْ بِبُطْلَانٍ كَوْنِ الْأَصْلِ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ» ، أَيْ: عَلَى الْأَصْلِ «بَيْنَ الْأُمَّةِ» ، وَلَا يَكْفِي الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ، «وَإِلَّا لَعَلَّلَ الْخَصْمُ» ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، جَازَ أَنْ يُعَلِّلَ الْخَصْمُ الْمُعْتَرِضُ الْأَصْلَ «بِعِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ، فَإِنْ سَاعَدَهُ الْمُسْتَدِلُّ» عَلَى ذَلِكَ، انْقَطَعَ الْقِيَاسُ، «فَلَا قِيَاسَ» لِعَدَمِ الْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ، بَلْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ إِلَى الْفَرْعِ، مَنَعَهُ الْمُعْتَرِضُ عِلَّةَ الْأَصْلِ، وَقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ هَذِهِ الْعِلَّةُ الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، بَلْ هَذِهِ الَّتِي لَا تَتَعَدَّى إِلَيْهِ، فَيَنْقَطِعُ الْقِيَاسُ أَيْضًا، «وَيُسَمَّى الْقِيَاسَ الْمُرَكَّبَ» لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يُقَاسَ الْعَبْدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي عَدَمِ قَتْلِ الْحُرِّ بِهِ قِصَاصًا،
(3/295)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَيُقَالُ: الْعَبْدُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمُكَاتَبِ، «فَيَقُولُ الْخَصْمُ» الْمُعْتَرِضُ: «الْعَبْدُ يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ» وَهُوَ السَّيِّدُ «بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ» ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عِلَّةَ امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ فِي الْمُكَاتَبِ كَوْنُهُ مَنْقُوصًا بِالرِّقِّ، بَلْ كَوْنُهُ لَا يُعْلَمُ مَنْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِدَمِهِ هَلْ وَارِثُهُ أَوْ سَيِّدُهُ الَّذِي كَاتَبَهُ؟ لِأَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ صَارَ فِيهِ شَيْئًا بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَحْكَامِهِ، فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُؤَدِّيَ يُعْتَقُ، وَيَكُونُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ وَارِثَهُ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ يَعُودُ رَقِيقًا، وَيَكُونُ مُسْتَحِقُّ دَمِهِ سَيِّدَهُ كَسَائِرِ الْعَبِيدِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمُكَاتَبِ هِيَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِمُسْتَحِقِّ دَمِهِ كَمَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ، امْتَنَعَ قِيَاسُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ دَمِهِ مَعْلُومٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ أَنَّ الْعِلَّةَ ذَلِكَ بَلْ هِيَ نَقْصُ الرِّقِّ، مَنَعَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعِلَّةُ فِي الْمُكَاتَبِ، بَلْ هِيَ مَا ذَكَرَهُ، أَوْ مَنَعَ الْحُكْمَ فِيهِ، فَيَقُولُ: سَلَّمْتُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمُكَاتَبِ نَقْصُ الرِّقِّ، لَكِنْ لَا أُسَلِّمُ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ، فَالْأَمْرُ دَائِرٌ بَيْنَ مَنْعِ الْعِلَّةِ فِي الْمُكَاتَبِ أَوْ مَنْعِ الْحُكْمِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ قِيلَ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ: إِنْسَانٌ بَدَّلَ دِينَهُ، فَيُقْتَلُ كَالْمُرْتَدِّ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ تَبْدِيلُ الدِّينِ، وَإِنَّمَا هِيَ جِنَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِتَنْقِيصِ عَدَدِهِمْ، وَإِعَانَةِ عَدُوِّهُمْ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْمَرْأَةِ، إِذْ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْإِعَانَةِ وَالنِّكَايَةِ، فَلَا
(3/296)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَصِحُّ إِلْحَاقُهَا بِالْمُرْتَدِّ، فَإِنَّ سَلَّمْتَ هَذِهِ الْعِلَّةَ، انْقَطَعَ الْإِلْحَاقُ، وَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْهَا، فَمَا تُقْبَلُ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ أَوِ الْحُكْمِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا بَيْنَ الْأُمَّةِ، إِذْ لَا يَسُوغُ لِلْخَصْمِ الْخُرُوجُ عَنْهَا وَالتَّعْلِيلُ بِغَيْرِهَا.
قُلْتُ: وَحَاصِلُ الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ يَرْجِعُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، كَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِمَعْرِفَةِ الْمُسْتَحِقِّ وَعَدَمِهِ، وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ بِوُجُودِ النِّكَايَةِ وَعَدَمِهَا.
قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَرُدَّ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْحُكْمِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَحْذُورَ اللَّازِمَ مِنْ عَدَمِهِ لَا يَلْزَمُ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصْلِ مَحْذُورٌ ; لَمْ يَكُنْ إِلَى اشْتِرَاطِهِ ضَرُورَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمَحْذُورَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ تَعْلِيلُ الْخَصْمِ بِعِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ إِلَى آخِرِ مَا قَرَّرْتُمُوهُ لَا يَلْزَمُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعْتَرِضِ «مُقَلِّدٌ لِإِمَامِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لَهُ» أَيْ: لِإِمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَأْخَذُ إِمَامِهِ فِي الْحُكْمِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَذْهَبَهُ عَلَى الْجَهَالَةِ، «وَلَوْ عَرَفَ» مَأْخَذَ إِمَامِهِ، لَكِنْ «لَا يَلْزَمُ مِنْ عَجْزِهِ عَنْ تَقْرِيرِ» مَذْهَبِ إِمَامِهِ «فَسَادُهُ» ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ لِقُصُورِهِ عَنْ تَقْرِيرِهِ، و «إِمَامُهُ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَقَدِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ» ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ، أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، لَا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَدِلُّ فِي الْأَصْلِ.
(3/297)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَمِثَالُهُ: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ؛ لِكَوْنِ الْعِلَّةِ فِي الْمُرْتَدَّةِ لَيْسَتْ بِتَبْدِيلِ الدِّينِ، بَلْ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وُجِدَ فِيهَا نَصٌّ خَاصٌّ عِنْدَهُ مَنَعَ مِنْ قَتْلِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَالْعِلَّةُ فِي قَوْلِهِ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فَلَيْسَ لِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَقُولَ لِلْحَنْبَلِيِّ أَوِ الشَّافِعِيِّ: إِنْ سَلَّمْتَ أَنَّ عِلَّةَ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ إِعَانَةُ الْعَدُوِّ وَإِلَّا مَنَعْتَ قَتْلَهُ، مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ مَذْهَبٌ لِإِمَامِهِ.
وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْعَهُ عَلَى مَذْهَبِ إِمَامِهِ، فَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، أَيْ: أَنَّهُ مَنَعَ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ، أَمَّا لَوْ مَنَعَ عَلَى مَذْهَبِ إِمَامِهِ مَنْعًا صَحِيحًا، مِثْلُ أَنْ قِيلَ لَهُ: جِلْدُ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ، فَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَجِلْدِ الْكَلْبِ، فَمَنَعَ حُكْمَ الْأَصْلِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ إِمَامِهِ، وَإِنْ مَنَعَ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِ إِمَامِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَصَدَّى لِتَقْرِيرِهِ، فَكَيْفَ يَعْدِلُ عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ مُنْقَطِعًا؛ لِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ، ثُمَّ لَوْ سَاغَ ذَلِكَ، لَمَا تَمَكَّنَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِفْحَامِ خَصْمِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَلْزَمَهُ حُكْمًا، مَنَعَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَوْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ مِمَّنْ خَالَفَ فِيهِ، فَكَانَ يَنْعَكِسُ مَقْصُودُ الْمُنَاظَرَةِ؛ إِذْ هِيَ طَرِيقٌ وُضِعَتْ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ بِاخْتِصَارٍ، وَفَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُوجِبُ التَّطْوِيلَ وَالشَّغَبَ وَتَضْيِيعَ الْحَقِّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ «يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ» ، وَيَمْنَعُ التَّوَصُّلَ إِلَى إِظْهَارِهَا «لِنُدْرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ» مِنْ ذَلِكَ.
(3/298)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قُلْتُ: وَهَاهُنَا وَجْهٌ آخَرُ فِي نَفْيِ الْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ: أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا نَازَعَ فِي الْعِلَّةِ، أَمْكَنَ الْمُسْتَدِلَّ أَنْ يُقَرِّرَهَا بِطَرِيقِهَا، وَيُثْبِتَ عِلَّتَهُ الْمُتَعَدِّيَةَ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ يُحَقِّقَهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَبَيْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالنَّصِّ إِذَا خَالَفَ فِيهِ الْخَصْمُ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَجُوزُ.
(3/299)

وَقِيلَ: لَا يُقَاسُ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بِحَالٍ؛ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّسَلْسُلِ بِالِانْتِقَالِ، وَرُدَّ: بِأَنَّهُ رُكْنٌ فَجَازَ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ.
وَأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ دَلِيلُ الْأَصْلِ الْفَرْعَ وَإِلَّا لَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْقِيَاسِ.
وَأَنْ يَكُونَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، إِذْ لَا تَعْدِيَةَ بِدُونِ الْمَعْقُولِيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَا يُقَاسُ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بِحَالٍ، لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّسَلْسُلِ بِالِانْتِقَالِ» ، يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا قَاسَ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، مَنَعَهُ الْخَصْمُ، فَإِنْ أَثْبَتَهُ الْمُسْتَدِلُّ بِقِيَاسٍ آخَرَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَيْضًا، فَيَمْنَعُهُ الْخَصْمُ، وَيُفْضِي إِلَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَيَنْتَشِرُ الْكَلَامُ، وَيَتَسَلْسَلُ، وَإِنْ أَثْبَتَ الْأَصْلَ بِدَلِيلٍ غَيْرِ الْقِيَاسِ، فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَالْمُرْسَلِ وَالْمَفْهُومِ وَنَحْوِهِ فَيُفْضِي إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» ، أَيْ: وَرُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ «رُكْنٌ» مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، «فَجَازَ إِثْبَاتُهُ» عِنْدَ النِّزَاعِ فِيهِ «بِالدَّلِيلِ كَبَقِيَّةِ» أَرْكَانِهِ مِنْ عِلَّةٍ وَحُكْمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى مَسْأَلَةٍ إِذَا عَادَ بِثُبُوتِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، لَمْ يُمْنَعْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِثْبَاتُهُ، وَهُمَا سَاعِيَانِ فِيهِ بِتَقْرِيرِ مُقَدِّمَاتِهِ، فَهُمَا بِمَثَابَةِ مَنْ يَضْرِبُ اللَّبِنَ، وَيَعْمَلُ الطِّينَ لِيَبْنِيَ جِدَارًا، وَإِنَّمَا يُنْكِرُ هَذَا الْقَاصِرُونَ الَّذِينَ قَلَّتْ مَوَادُّهُمْ، فَيَرْتَبِطُونَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهُ، وَيُسَمُّونَهُ انْتِشَارًا فِي الْكَلَامِ وَتَفْرِيقًا لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مِنْ شُرُوطِ الْأَصْلِ.
(3/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ الْأَصْلِ مُتَنَاوِلًا لِلْفَرْعِ، إِذْ لَوْ تَنَاوَلَ دَلِيلُ الْأَصْلِ الْفَرْعَ، لَكَانَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْقِيَاسِ.
مِثَالُهُ: لَوْ قَاسَ السَّفَرْجَلَ عَلَى الْبُرِّ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا بِجَامِعِ الطُّعْمِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْبُرِّ الطُّعْمُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنَّ هَذَا النَّصَّ يَتَنَاوَلُ السَّفَرْجَلَ، فَقِيَاسُهُ عَلَى الْبُرِّ تَطْوِيلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَاسَ الذِّمِّيَّ عَلَى الْمُعَاهَدِ فِي عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، فَإِنَّ هَذَا النَّصَّ يَتَنَاوَلُ الصُّورَتَيْنِ، فَهُوَ قِيَاسُ مَنْصُوصٍ عَلَى مَنْصُوصٍ، فَلَا يَصِحُّ كَقِيَاسِ الْبُرِّ عَلَى الشَّعِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ عَلَى الدَّنَانِيرِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: «أَنْ يَكُونَ» الْأَصْلُ «مَعْقُولَ الْمَعْنَى، إِذْ لَا تَعْدِيَةَ بِدُونِ الْمَعْقُولِيَّةِ» ، أَيْ: مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، لَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمَا لَا يُعْقَلُ، لَا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الصُّبْحُ إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا كَالْعَصْرِ، أَوْ ثَلَاثًا كَالْمَغْرِبِ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الظُّهْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ صَلَاةً لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِكَوْنِهَا أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا، بَلْ هَذَا تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ لَا نَعْقِلُهُ. هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» مِنْ شُرُوطِ الْأَصْلِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِي «الْمُنْتَهَى» أَنَّ شُرُوطَ حُكْمِ الْأَصْلِ تِسْعَةٌ:
(3/301)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْعِيًّا، لَكَانَ الْحُكْمُ الْمُتَعَدِّي إِلَى الْفَرْعِ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، فَلَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ حَاصِلًا. قَالَ النِّيلِيُّ فِي «شَرْحُ جَدَلِ الشَّرِيفِ» : فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا بِأَنْ كَانَ عَقْلِيًّا أَوْ لُغَوِيًّا، لَمَا أَفَادَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَلَا عَقْلِيًّا، وَلَا لُغَوِيًّا؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ الْحَقَائِقُ الْعَقْلِيَّةُ.
مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ: شَرَابٌ مُشْتَدٌّ، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ كَمَا أَوْجَبَ الْإِسْكَارَ، أَوْ كَمَا وَجَبَ تَسْمِيَتُهُ خَمْرًا، فَإِنَّ إِيجَابَهُ الْإِسْكَارَ أَمْرٌ مَعْقُولٌ، وَتَسْمِيَتُهُ خَمْرًا أَمْرٌ لُغَوِيٌّ، وَإِيجَابُ الْحَدِّ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا إِذَا قَاسَ النَّفْيَ عَلَى النَّفْيِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُقْتَضِي مَوْجُودًا فِي الْأَصْلِ، كَانَ الْحُكْمُ نَفْيًا أَصْلِيًّا، وَالنَّفْيُ الْأَصْلِيُّ لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ النَّفْيُ الطَّارِئُ الَّذِي هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
قُلْتُ: مَعْنَى كَوْنِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْعِ، بَلْ هُوَ قَبْلُهُ، فَلَا يَكُونُ مِنْهُ، كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْإِبَاحَةِ: لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا لِثُبُوتِهَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ النَّفْيَ لَيْسَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ شَرْعِيًّا، إِذْ غَيْرُ الشَّرْعِيِّ لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ نَتِيجَةُ الدَّلِيلِ، وَالنَّتِيجَةُ مِنْ جِنْسِ الْمُنْتَجِ، فَلَوْ قَالَ: الْعَالَمُ مُؤَلَّفٌ، وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ، فَالْخَمْرُ حَرَامٌ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ عَقْلِيَّتَانِ، وَالنَّتِيجَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
(3/302)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ، لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَوْ نُسِخَ، لَبَطَلَ، فَيَمْتَنِعُ بِنَاءُ حُكْمِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مِمَّا يَقُولُ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ لِتَكُونَ الْعِلَّةُ مُعْتَبَرَةً عَلَى أَصْلِهِ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعْدُولًا بِهِ سَنَنُ الْقِيَاسِ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيَةِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُجْمَلٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ، وَذَكَرَ تَفْصِيلَهُ وَأَطَالَ فِيهِ.
قُلْتُ: وَذَلِكَ التَّطْوِيلُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِأَنْ يُقَالَ: مَا عُدِلَ بِهِ عَنْ سَنَنِ الْقِيَاسِ إِنْ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ لِكَوْنِهِ مُنَاسِبًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، وَوُجِدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ جَوَازُ الْقِيَاسِ، فَلَا مَانِعَ مِنْهُ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى تَعْلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَعَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ الْأَوَّلَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَالثَّانِيَ عَنْ قَوْمٍ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ الدَّلِيلُ الْعَامُّ عَلَى ذَلِكَ، لَا فِي كُلِّ أَصْلٍ بِخُصُوصِهِ.
الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَالْكَرْخِيِّ، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ.
قُلْتُ: هَذَا الشَّرْطُ ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إِثْبَاتِ
(3/303)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْأَصْلِ بِالْقِيَاسِ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَأَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ.
وَبَقِيَ مِمَّا ذَكَرُوهُ شَرْطَانِ آخَرَانِ:
الِاتِّفَاقُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، وَأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ دَلِيلُهُ الْفَرْعَ. وَقَدْ ذُكِرَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَقَالَ - أَعْنِي الْآمِدِيَّ فِي «جَدَلِهِ» : شُرُوطُ الْأَصْلِ مِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى حُكْمِهِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى عِلَّتِهِ.
وَلِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ شُرُوطٌ سِتَّةٌ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُتَعَبَّدًا فِيهِ بِالْعِلْمِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ الْقِيَاسُ.
قُلْتُ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهِ، ثُمَّ تَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ بِجَامِعٍ شَبَهِيٍّ، فَيَكُونُ حُصُولُهُ فِي الْفَرْعِ مَظْنُونًا، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، إِذْ قَدْ نَصُّوا عَلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ تَارَةً يَكُونُ مُسَاوِيًا وَتَارَةً يَكُونُ أَقْوَى، وَتَارَةً أَضْعَفَ. هَذَا إِنْ كَانَ الْقِيَاسُ شَبَهِيًّا، وَإِنْ كَانَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، فَنَحْنُ لَا نَقِيسُ إِلَّا إِذَا وُجِدَتْ عِلَّةُ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَإِذَا وُجِدَتْ فِيهِ، أَثَّرَتْ مِثْلَ حُكْمِ الْأَصْلِ، فَيَكُونُ مَقْطُوعًا أَيْضًا، وَكَذَلِكَ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ وُجُودَ الْمَدْلُولِ، فَدَلَالَةُ عِلَّةِ الْأَصْلِ إِذَا وُجِدَتْ فِي الْفَرْعِ، دَلَّتْ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ إِذَا كَانَ تَعْلِيلُ الْأَصْلِ قَطْعِيًّا فِيهِ، فَصَارَ كَقِيَاسِ الْعِلَّةِ.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: إِذَا كَانَ تَعْلِيلُ الْأَصْلِ قَطْعِيًّا
(3/304)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَوُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ قَطْعِيًّا، كَانَ الْقِيَاسُ قَطْعِيًّا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ، جَازَ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ بِالْقَطْعِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ شَرْطًا.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنِ الْقِيَاسِ، إِذِ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا وَرَدَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَثْنًى عَنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ كَتَخْصِيصِ خُزَيْمَةَ بِكَمَالِهِ بِبَيِّنَةٍ عَنْ قَاعِدَةِ الشَّهَادَةِ، أَوْ كَانَ مُبْتَدَأً بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ كَالْمُقَدَّرَاتِ مِنَ الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَنُصُبِ الزِّكْوَاتِ، وَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ مَعْقُولًا أَوْ غَيْرَ مَعْقُولٍ، كَاللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَهَذَانَ الضَّرْبَانِ مِنْهُ لَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ، أَوْ لِعَدَمِ النَّظِيرِ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَوْ بَيْنَ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ كَمَا سَبَقَ، وَاخْتَارَ فِي «الْمُنْتَهَى» أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، لَمْ يُشْتَرَطِ الْإِجْمَاعُ، إِذْ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، اشْتُرِطَ الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِإِمَامٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ فِي الْأَصْلِ، فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ، أَوْ بِتَعَيُّنِ عِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ كَمَا سَبَقَ فِي سُؤَالِ التَّرْكِيبِ. وَهَذَا اخْتِيَارٌ حَسَنٌ جِدًّا، لَكِنَّ وُقُوعَهُ بَعِيدٌ.
(3/305)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهِ شَرْعِيًّا.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَنْسُوخًا، وَإِلَّا فَالْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْهُ تَكُونُ لَاغِيَةً.
قَالَ: وَقَدِ اشْتَرَطَ لَهُ قَوْمٌ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ تَعْلِيلِهِ. الثَّانِي: قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهُمَا فَاسِدَانِ. وَقَرَّرَ فِيهِ نَحْوَ مَا سَبَقَ فِي «الْمُنْتَهَى» وَأَنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا قِيَامَ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ الْإِجْمَالِيِّ الْعَامِّ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ حَقٌّ، وَإِلَّا فَلَا.
أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الشُّرُوطُ الرَّاجِعَةُ إِلَى عِلَّةِ الْأَصْلِ فَسِتَّةٌ أَيْضًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهَا شَرْعِيًّا كَالْحُكْمِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً جَلِيَّةً، وَإِلَّا لَمْ يُمْكِنْ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهَا فِي الْفَرْعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَخْفَى مِنْهُ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْخَفَاءِ.
قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْعِلَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَصْلِ أَظْهَرَ مِنْهَا فِي الْفَرْعِ.
وَقَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ: الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَ حَالَتِهَا فِي الْمَحَلَّيْنِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُطَّرِدَةً بِحَيْثُ يُسَاوِيهَا الْحُكْمُ أَيْنَ وُجِدَتْ، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا مَوْضِعُهُ عِنْدَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ مُتَّحِدَةً فِي الْأَصْلِ، أَيْ: لَا يَكُونُ مَعَهَا فِيهِ عِلَّةٌ
(3/306)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أُخْرَى، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا مَوْضِعُهُ عِنْدَ ذِكْرِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ مَضْبُوطَةً بِحَيْثُ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْهَا حِكْمَتُهَا الَّتِي هِيَ غَايَةُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَمَقْصُودُهُ، وَإِلَّا فَهِيَ بَاطِلَةٌ، كَمَنْ ضَبَطَ حِكْمَةَ الْقِصَاصِ وَهِيَ الصِّيَانَةُ عَنِ التَّفْوِيتِ بِالْجُرْحِ فَقَطْ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى مَنْ جَرَحَ مَيِّتًا مَعَ تَيَقُّنِ عَدَمِ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً فَشَرْطُهَا أَنْ لَا تَعُودَ بِإِبْطَالِ مَا اسْتَنْبَطَتْ، كَمَا إِذَا اسْتُنْبِطَ مِنْ وُجُوبِ الشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ دَفْعُ حَاجَاتِ الْفُقَرَاءِ، وَسَدُّ خَلَّاتِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَرْكَ النَّصِّ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ بِتَجْوِيزِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَرْكِ الرَّاجِحِ إِلَى الْمَرْجُوحِ، إِذِ الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنَ النَّصِّ أَقْوَى مِنَ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ لَكَ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ عِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةً يَتَكَرَّرُ بَعْضُهَا قَصْدًا لِإِيضَاحِ الْمَذْكُورِ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ، فَإِنَّهُ مُحَصِّلٌ لِذَلِكَ، وَذَكَرْتُ شُرُوطَ الْعِلَّةِ مَعَ شُرُوطِ الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» فِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنِّي ذَكَرْتُ مَعْنَى كَلَامِهِ عَلَى نَحْوِ تَرْتِيبِهِ، وَسَأُحِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ هَاهُنَا عِنْدَ شُرُوطِ الْعِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(3/307)

وَشَرْطُ حُكْمِ الْفَرْعِ مُسَاوَاتُهُ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، كَقِيَاسِ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ فِي الصِّحَّةِ ; وَالزِّنَى عَلَى الشُّرْبِ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَزِمَ تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ، أَوِ اتِّحَادُهَا مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْلُولِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَقْلًا، وَخِلَافُ الْأَصْلِ شُرِعًا، وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ فَالْعِلَّةُ تَقْتَضِي كَمَالَهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى فَاقْتِصَارُ الشَّارِعِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِمَزِيدِ فَائِدَةٍ، أَوْ ثُبُوتِ مَانِعٍ، وَأَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا، أَوْ أُصُولِيًّا عِلْمِيًّا، إِذِ الْقَاطِعُ لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ الظَّنِّيِّ ; وَفِي اللُّغَوِيِّ خِلَافٌ سَبَقَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " وَشَرْطُ حُكْمِ الْفَرْعِ مُسَاوَاتُهُ لِحُكْمِ الْأَصْلِ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا ذِكْرُ مَا يُشْتَرَطُ لِلرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ الْفَرْعُ، وَذَلِكَ شَرْطَانِ فِي " الْمُخْتَصَرِ ":
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، " كَقِيَاسِ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ فِي الصِّحَّةِ؟ ، كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدٌ عَلَى غَائِبٍ، فَصَحَّ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ، وَكَقِيَاسِ " الزِّنَى عَلَى الشُّرْبِ فِي التَّحْرِيمِ "، وَكَقِيَاسِ الصَّوْمِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: " وَإِلَّا لَزِمَ تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ "، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ، لَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، وَأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرَ الْعِلَّةِ فِي الْآخَرِ، إِذْ لَوْ
(3/308)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اتَّحَدَتْ فِيهِمَا، لَمَا اخْتَلَفَ أَثَرُهَا، وَهُوَ الْحُكْمُ، لَكِنَّ تَعَدُّدَ الْعِلَّةِ خِلَافُ الْفَرْضِ، أَيْ: خِلَافُ التَّقْدِيرِ؛ إِذِ التَّقْدِيرُ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِعِلَّتِهِ. وَإِمَّا اتِّحَادُ الْعِلَّةِ " مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْلُولِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَقَلًا، وَخِلَافُ الْأَصْلِ شُرِعًا " ; أَمَّا أَنَّهُ " مُحَالٌ عَقْلًا " ; فَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ إِذَا اتَّحَدَ مَحَلُّهَا، أَوْ تَعَدَّدَ وَاسْتَوَى فِي قَبُولِهِ لِأَثَرِهَا، لَا يُؤْثِّرُ أَثَرًا مُخْتَلِفًا، بَلْ مُتَسَاوِيًا، كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ، وَالتَّسْوِيدِ مَعَ الِاسْوِدَادِ، فَإِنَّا إِذَا فَرَضْنَا جِسْمَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ فِي قَبُولِ التَّسْوِيدِ، وَسَوَّدْنَاهُمَا تَسْوِيدًا مُتَسَاوِيًا، كَانَ اسْوِدَادُهُمَا مُتَسَاوِيًا، كَالثَّوْبَيْنِ يُصْبَغَانِ بِصِبْغٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ " خِلَافَ الْأَصْلِ شَرْعًا "، فَلِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ وُرُودُ الشَّرْعِ عَلَى وَفْقِ الْعَقْلِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اتِّحَادَ الْعِلَّةِ مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْلُولِ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، فَلَوْ قَدَّرْنَا وُقُوعَهُ شَرَعًا، لَكَانَ ذَلِكَ خِلَافَ الْأَصْلِ فِي الشَّرْعِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَتُهُ لِلْعَقْلِ، وَمُخَالَفَتُهُ لَهُ فِي التَّعَبُّدَاتِ وَنَحْوِهَا خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ شَرْعًا، وَلَمْ نَقُلْ: إِنَّهُ مُحَالٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ وَضْعِيَّةٌ عَلَى جِهَةِ التَّعْرِيفِ لِلْحُكْمِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ مُعَرِّفًا لِحُكْمَيْنِ مُتَفَاوِتَيْنِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ مُؤَثِّرةً يَسْتَحِيلُ فِيهَا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: " وَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَ دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى امْتِنَاعِ تَفَاوُتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
(3/309)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُمَا لَوْ تَفَاوَتَا، لَكَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ إِمَّا دُونَ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي تَحْصِيلِ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ، أَوْ أَعْلَى مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ دُونَهُ كَمَا إِذَا قِسْنَا النَّدْبَ عَلَى الْوُجُوبِ، فَعِلَّةُ الْأَصْلِ تَقْتَضِي كَمَالَ حُكْمِ الْفَرْعِ، وَلَمْ يَحْصُلْ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ الْوُجُوبِ وَمَصْلَحَتَهُ أَكْمَلُ مِنْ حِكْمَةِ النَّدْبِ، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْ عِلَّةِ الْأَصْلِ مُقْتَضَاهَا، فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ، " وَإِنْ كَانَ أَعْلَى " مِنْهُ، كَمَا إِذَا قِسْنَا الْوُجُوبَ عَلَى النَّدْبِ، " فَاقْتِصَارُ الشَّارِعِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ يَقْتَضِي " أَنَّهُ اخْتُصَّ بِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَوْجَبَتْ تَعْيِينَهُ وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ، أَوْ بِثُبُوتِ مَانِعٍ مَنَعَ مِنْ مُجَاوَزَتِهِ اخْتُصَّ بِمَزِيدِ فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَكِيمَ إِذَا عَنَّ لَهُ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا أَرْجَحُ مِنَ الْآخَرِ، لَا يَعْدِلُ عَنِ الرَّاجِحِ إِلَى الْمَرْجُوحِ إِلَّا لِمَانِعٍ مِنَ الرَّاجِحِ، أَوْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ فِي الْمَرْجُوحِ. وَأَيًّا مَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ حُكْمِ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ مُخَالَفَةُ مَا ثَبَتَ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ لِأَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى النَّدْبِ فِي الْأَصْلِ إِنْ كَانَ لِمَزِيدِ فَائِدَةٍ، فَزِيَادَةُ الْوُجُوبِ فِي الْفَرْعِ مُفَوِّتٌ لِتِلْكَ الْفَائِدَةِ، وَهُوَ تَثْقِيلٌ فِي التَّكَالِيفِ، وَإِنْ كَانَ لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْ إِثْبَاتِ زِيَادَةِ الْوُجُوبِ فِي الْأَصْلِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَنَا مِنْ إِثْبَاتِهَا فِي الْفَرْعِ مَا مَنَعَ الشَّارِعَ مِنْ إِثْبَاتِهَا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مُتَلَقًّى عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَاجْتِهَادُ الْقَائِسِ فِي الْفَرْعِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي الْأَصْلِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخِلَافُ بَيْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، كَمَا يُقَالُ فِي تَقْرِيرِ السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ: لَمَّا بَلَغَ بِرَأْسِ الْمَالِ أَقْصَى مَرَاتِبِ الْأَعْيَانِ
(3/310)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَهُوَ الْحُلُولُ ; وَجَبَ أَنْ يَبْلُغَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ أَقْصَى مَرَاتِبَ الدُّيُونِ، وَهُوَ التَّأْجِيلُ، فَإِنَّ هَذَا قِيَاسٌ لِإِثْبَاتِ الْأَجَلِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى نَفْيِهِ فِي الثَّمَنِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ: طَهَارَةٌ، فَيَسْتَوِي مَائِعُهَا وَجَامِدُهَا فِي النِّيَّةِ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ، فَإِنَّهُ قِيَاسٌ لِإِثْبَاتِ النِّيَّةِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ عَلَى نَفْيِهَا فِي طَهَارَةِ الِاسْتِنْجَاءِ. وَفِي هَذَا خِلَافٌ، وَالْأَشْبَهُ صِحَّتُهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الْإِثْبَاتِ عَلَى الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا قَاسُوا التَّسْوِيَةَ فِي إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِي الْأُخْرَى، وَالتَّسْوِيَةُ لَيْسَتْ نَفْيًا فِي إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، وَلَا إِثْبَاتًا، بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّفْي وَالْإِثْبَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَهَارَةَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْحَجَرِ، فَقَدَ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ النِّيَّةِ، ثُمَّ اتَّفَقْنَا فِي طِهَارَةِ الْحَدَثِ بِالْجَامِدِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ تُشْتَرَطَ النِّيَّةُ فِيهَا بِالْمَاءِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ، تَسْوِيَةً بَيْنَ مَائِعِهَا وَجَامِدِهَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُفَارِقَ حُكْمُ الْفَرْعِ حُكْمَ الْأَصْلِ، لَا فِي جِنْسِهِ، وَلَا فِي زِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ، فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ؟
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذَا ثَبَتَ فِي الْفَرْعِ غَيْرُ حُكْمِ الْأَصْلِ ; لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْدِيَةً، بَلِ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ.
الشَّرْطُ الثَّانِي لِحُكْمِ الْفَرْعِ بِأَنْ يَكُونَ حُكْمًا " شَرْعِيًّا " فَرْعِيًّا، " لَا عَقْلِيًّا "، وَلَا " أُصُولِيًّا عِلْمِيًّا "، أَيْ: يُطْلَبُ فِيهِ الْعِلْمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَطْعِيٌّ، وَالْقِيَاسُ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَالْقَاطِعُ لَا يَثْبُتُ بِالظَّنِّيِّ.
قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ مَا فِي هَذَا وَأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا.
(3/311)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: " وَفِي اللُّغَوِيِّ خِلَافٌ سَبَقَ " أَيْ: فَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْفَرْعِ لُغَوِيًّا كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي تَسْمِيَتِهِ خَمْرًا، وَاللَّائِطِ عَلَى الزَّانِي فِي كَوْنِهِ زَانِيًا، وَالنَّبَّاشِ عَلَى السَّارِقِ فِي كَوْنِهِ سَارِقًا، فَهَذَا قِيَاسٌ لُغَوِيٌّ، وَفِيهِ " خِلَافٌ سَبَقَ " فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي أَنَّ اللُّغَةَ تَثْبُتُ قِيَاسًا، وَقَدْ ذُكِرَ لِحُكْمِ الْفَرْعِ شُرُوطٌ أُخَرُ:
مِنْهَا: أَنْ لَا يُمْكِنَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ، إِذْ يَكُونُ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ فَسَادِ الْوَضْعِ، كَمَا يُقَالُ فِي عَدَمِ إِجْزَاءِ عِتْقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٍ، فَلَا تُجْزِئُ فِيهِ الْكَافِرَةُ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ. فَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: هَذَا عَلَى خِلَافِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِإِجْزَاءِ مُطْلَقِ الرَّقَبَةِ، وَفِي النَّصِّ كِفَايَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ مَعَ اخْتِلَافِ السَّبَبِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَرِدَ النَّصُّ بِحُكْمِ الْفَرْعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. ذَكَرَهُ أَبُو هَاشِمٍ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِمِيرَاثِ الْجَدِّ جُمْلَةً، لَمَا نَظَرَ الصَّحَابَةُ فِي تَوْرِيثِهِ مَعَ الْإِخْوَةِ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ، قَالَ غَيْرُهُ: وَكَذَلِكَ لَمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِمَشْرُوعِيَّةِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ، وَقَعَ النَّظَرُ فِي أَنَّ الْفَاسِقَ أَوِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَتَيْنِ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَأَفْسَدَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الشَّرْطَ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَاسُوا قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. عَلَى الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حُكْمٌ جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا، وَإِنَّمَا حُكْمُ الْأَصْلِ يَتَعَدَّى الْعِلَّةَ كَيْفَ مَا كَانَ.
(3/312)

وَشَرْطُ الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ ظَنًّا إِذْ هُوَ كَالْقَاطِعِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ ; وَشَرَطَ قَوْمٌ تَقَدُّمَ ثُبُوتِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ؛ إِذِ الْحُكْمُ يَحْدُثُ بِحُدُوثِ الْعِلَّةِ، فَلَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لَصَارَ الْمُتَقَدِّمُ مُتَأَخِّرًا.
وَالْحَقُّ اشْتِرَاطُهُ لِقِيَاسِ الْعِلَّةِ دُونَ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ لِجَوَازِ تَأَخُّرِ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَدْلُولِ كَالْأَثَرِ عَنِ الْمُؤَثِّرِ ; بِخِلَافِ الْعِلَّةِ عَنِ الْمَعْلُولِ ; أَمَّا الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَهِيَ عَلَامَةٌ وَمُعَرِّفٌ، وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً فَلَا عِبْرَةَ بِالْقَاصِرَةِ وَهِيَ مَا لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ كَالثَّمَنِيَّةِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَشَرْطُ الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ ظَنًّا» إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ إِلَى هَاهُنَا هُوَ فِي الْأَصْلِ وَحُكْمِهِ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا هُوَ فِي الْفَرْعِ نَفْسِهِ عَلَى تَرْتِيبِ أَصْلِ «الْمُخْتَصَرِ» ، وَشَرْطُهُ «وُجُودُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ» ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْعًا لَهُ؛ لِأَنَّ تَعَدِّيَ الْحُكْمِ إِلَيْهِ فَرْعُ تَعَدِّيَ الْعِلَّةِ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ مَقْطُوعًا بِهِ، بَلْ تَكْفِي فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ كَالْقَطْعِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْقَطْعِ، فَإِنِ اتَّفَقَ لَنَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَمَا زَادَ عَنِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا، إِذْ حَصَلَ لَنَا الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، فَصَارَ الظَّنُّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَالْقَطْعِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ
(3/313)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَقْصُودُهُ فِي بَابِهِ.
قَوْلُهُ: «وَشَرَطَ قَوْمٌ تَقَدُّمَ ثُبُوتِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا شَرْطٌ آخَرُ لِلْفَرْعِ اشْتَرَطَهُ قَوْمٌ، وَفِيهِ تَحْقِيقٌ يَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ أَنَّ شَرْطَ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ ثَابِتًا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ يَحْدُثُ بِحُدُوثِ عِلَّةِ الْأَصْلِ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَيْهِ، فَلَوْ تَأَخَّرَ حُكْمُ الْأَصْلِ عَنِ الْفَرْعِ، لَتَأَخَّرَتِ الْعِلَّةُ عَنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مُلَازِمَةٌ لِلْأَصْلِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ ثُبُوتُ الْعِلَّةِ عَنِ الْفَرْعِ، لَصَارَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الثُّبُوتِ مُتَأَخِّرًا وَهُوَ مُحَالٌ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، فَلَوْ تَأَخَّرَ الْبَاعِثُ عَنْ حُكْمِ الْفَرْعِ، لَكَانَ ثُبُوتُهُ قَبْلَهُ إِمَّا بِغَيْرِ بَاعِثٍ، أَوْ بِبَاعِثٍ آخَرَ، وَيَلْزَمُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَلَوْ صَحَّ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، لَكِنْ إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ بَعْضُ الْعِلَلِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ.
قَوْلُهُ: «وَالْحَقُّ اشْتِرَاطُهُ لِقِيَاسِ الْعِلَّةِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ ثُبُوتِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ فِي قِيَاسِ الْعِلَّةِ «دُونَ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ» ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَنْ الْعِلَّةَ لَا يَجُوزُ تَأَخُّرُهَا عَنِ الْمَعْلُولِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ وُجُودُهُ بِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ بِعِلَّةٍ غَيْرِ الْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَالدَّلِيلُ يَجُوزُ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْمَدْلُولِ، كَالْعَالَمِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّانِعِ الْقَدِيمِ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، وَكُلُّ أَثَرٍ كَالدُّخَانِ وَنَحْوِهِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ مُؤَثِّرِهِ كَالنَّارِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ مِنْ
(3/314)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ مَمْنُوعٌ، بَلْ هِيَ مُعَرِّفٌ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُعَرِّفُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاعِثًا أَوْ غَيْرَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّ الْعِلَّةَ بَاعِثٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الشَّارِعِ، مُعَرِّفٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ، كَمَا قِيلَ: إِنِ الْعِلَّةَ الْبَدَنِيَّةَ عَرَضٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَرِيضِ، دَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الطَّبِيبِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ مَا قَالَ ; وَامْتِنَاعُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ مَمْنُوعٌ، لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ لَا جَوَابَ عَنْهُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قِيَاسُ الْوُضُوءِ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ عَلَى التَّيَمُّمِ مَعَ تَأَخُّرِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ عَنِ الْوُضُوءِ.

قَوْلُهُ: «أَمَّا الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، فَهِيَ عَلَامَةٌ وَمُعَرِّفٌ» .
هَذَا الْكَلَامُ فِي الْعِلَّةِ، وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، وَهِيَ عَلَامَةٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ وَمُعَرِّفٌ لَهُ.
قَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي «الْمُقْتَرَحِ» : وَلِلْعِلَّةِ أَسَامٍ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَهِيَ السَّبَبُ، وَالْأَمَارَةُ، وَالدَّاعِي، وَالْمُسْتَدْعِي، وَالْبَاعِثُ، وَالْحَامِلُ، وَالْمَنَاطُ، وَالدَّلِيلُ، وَالْمُقْتَضِي، وَالْمُوجِبُ، وَالْمُؤَثِّرُ.
قُلْتُ: أَمَّا تَسْمِيَتُهَا سَبَبًا، فَلِأَنَّهَا طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ يَثْبُتُ عِنْدَ وُجُودِهَا؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا الْمُثْبِتُ لَهَا الشَّارِعُ.
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا أَمَارَةً فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَمَارَةَ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - الْعَلَامَةُ، وَالْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَامَةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهَارِ فَإِنَّهَا ... أَمَارَةُ تَسْلِيمِي عَلَيْكِ فَسَلِّمِي
(3/315)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَيْ: عَلَامَةُ تَسْلِيمِي.
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا دَاعِيًا وَمُسْتَدْعِيًا، فَلِأَنَّهَا تَدْعُو الشَّارِعَ إِلَى وَضْعِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَتَسْتَدْعِي ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَكَذَلِكَ هِيَ الْبَاعِثُ لَهُ وَالْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ.
وَمَعْنَى كَوْنِهَا مَنَاطًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ يُنَاطُ بِهَا أَيْ: يُعَلَّقُ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا دَلِيلًا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا وُجِدَتْ فِي مَحَلٍّ، دَلَّتْ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا فِيهِ، كَالْإِسْكَارِ فِي النَّبِيذِ، وَالْكَيْلِ فِي الْأَرُزِّ.
وَمَعْنَى كَوْنِهَا مُوجِبًا وَمُؤَثِّرًا هُوَ أَنَّهَا تُوجِبُ مَعْرِفَةَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَتُؤَثِّرُ فِي مَعْرِفَتِهِ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لَهُ، وَالْمُؤَثِّرَ إِنَّمَا هُوَ الشَّارِعُ.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَمَارَةً فِي الْفَرْعِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ فِيهِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْأَمَارَةِ سِوَى تَعْرِيفِهَا لِلْحُكْمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مُعَرَّفٌ بِالنَّصِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعِلَّةِ مَعْنَى الْبَاعِثِ، خَلَتْ عَنْ فَائِدَةٍ.
الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، فَهِيَ فَرْعٌ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، فَلَوْ تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَتُهُ عَلَيْهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَاعِثِ وَالْأَمَارَةِ الْمَحْضَةِ: هُوَ أَنَّ الْبَاعِثَ يَكُونُ مُنَاسِبًا لِحُكْمِهِ، وَمُقْتَضِيًا لَهُ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ مِنِ اقْتِضَائِهِ إِيَّاهُ مَصْلَحَةٌ ; بِحَيْثُ يَصِحُّ فِي عُرْفِ الْعُقَلَاءِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا فُعِلَ كَذَا لِكَذَا، كَقَوْلِنَا: إِنَّمَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ لِتَبْدِيلِهِ الدِّينَ، أَوْ تَقْلِيلِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ إِعَانَةِ الْكَافِرِينَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْحَدُّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ لِإِفْسَادِهِ الْعَقْلَ، بِخِلَافِ الْأَمَارَةِ الْمَحْضَةِ كَزَوَالِ الشَّمْسِ
(3/316)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَطُلُوعِ الْهِلَالِ؛ إِذْ لَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: وَجَبَتِ الصَّلَاةُ لِأَنَّ الشَّمْسَ زَالَتْ، وَالصَّوْمُ لِأَنَّ الْهِلَالَ ظَهَرَ، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فِي التَّخَاطُبِ الْعُرْفِيِّ، لَكِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ، لَا مِنْ حَيْثُ التَّعْلِيلُ، أَيْ: زَوَالُ الشَّمْسِ وَطُلُوعُ الْهِلَالِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، لَا عِلَّةٌ لَهُمَا، وَكَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّعَبُّدَاتِ كَأَسْبَابِ الْحَدَثِ لِلْوُضُوءِ، هِيَ أَمَارَاتٌ، لَا بَوَاعِثُ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ، وَرُبَّمَا جَاءَ فِي هَذَا كَلَامٌ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَمِنْ شَرْطِهَا» ، أَيْ: وَمِنْ شَرْطِ الْعِلَّةِ «أَنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً» يَعْنِي لِمَحَلِّ النَّصِّ إِلَى غَيْرِهِ، كَالْإِسْكَارِ وَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالطُّعْمِ، «فَلَا عِبْرَةَ بِالْقَاصِرَةِ، وَهِيَ مَا لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ، كَالثَّمَنِيَّةِ فِي النَّقْدَيْنِ» ، أَيْ: كَوْنُهُمَا أَثْمَانَ الْأَشْيَاءِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِهِمَا، قَاصِرٌ عَلَيْهِمَا «وَهُوَ» أَيْ: عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ «قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ» .
قَالَ الْآمِدِيُّ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْكَرْخِيُّ، وَأَبُو عَبْدُ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ إِلَى إِبْطَالِهَا.
قُلْتُ: وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْقَاصِرَةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ. أَمَّا المَنْصُوصَةُ أَوِ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا، فَاتَّفَقُوا عَلَى صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا حُكْمُ الْمَعْصُومِ وَاجْتِهَادُهُ.
(3/317)

الْأَوَّلُ: الْعِلَّةُ أَمَارَةٌ، وَالْقَاصِرَةُ لَيْسَتْ أَمَارَةً عَلَى شَيْءٍ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ، تُرِكَ فِي الْمُتَعَدِّيَةِ لِفَائِدَتِهَا، فَفِي الْقَاصِرَةِ عَلَى الْأَصْلِ لِعَدَمِهَا.
الثَّانِي: التَّعْدِيَةُ فَرْعُ صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ، فَلَوْ عَلَّلْنَا الْعِلِّيَّةَ بِالتَّعْدِيَةِ لَزِمَ الدَّوْرُ؛ وَلِأَنَّ التَّعْدِيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْعَقْلِيَّةِ والمَنْصُوصَةِ فَفِي الْمُسْتَنْبَطَةِ أَوْلَى، وَكَوْنُهَا لَيْسَتْ أَمَارَةً عَلَى شَيْءٍ مَمْنُوعٌ ; بَلْ هِيَ أَمَارَةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهَا فِي مَحَلِّ النَّصِّ، أَوْ كَوْنِهِ مُعَلَّلًا لَا تَعَبُّدًا، وَعَدَمُ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ مَمْنُوعٌ؛ إِذْ مَبْنَى الشَّرْعِ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُ أَدِلَّتِهِ ظَنِّيَّةٌ، وَعَدَمُ فَائِدَتِهَا مَمْنُوعَةٌ؛ إِذْ فَائِدَتُهَا مَعْرِفَةُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ، وَالنَّفْسُ إِلَى قَبُولِهِ أَمْيَلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُ» أَيِ: احْتَجَّ الْأَوَّلُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَهُوَ الْقَائِلُ بِإِبْطَالِهَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ «الْعِلَّةَ» الشَّرْعِيَّةَ «أَمَارَةٌ» أَيْ: عَلَامَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَالْعِلَّةُ «الْقَاصِرَةُ لَيْسَتْ أَمَارَةً عَلَى شَيْءٍ» ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، فَيَبْقَى التَّعْلِيلُ بِهَا عَرِّيًا عَنْ فَائِدَةٍ؛ إِذْ فَائِدَتُهَا إِمَّا إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا قُلْنَا، أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ لِقُصُورِهَا؛ إِذِ الثَّمَنِيَّةُ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِ النَّقْدَيْنِ لِتَتَعَدَّى إِلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «الْأَصْلَ» يَنْفِي «الْعَمَلَ بِالظَّنِّ، تُرِكَ» ذَلِكَ «فِي الْمُتَعَدِّيَةِ لِفَائِدَتِهَا» بِالتَّعَدِّي إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا «فَفِي الْقَاصِرَةِ» تَبْقَى «عَلَى الْأَصْلِ» فِي عَدَمِ الْعَمَلِ بِهَا. وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَاصِرَةَ لَا فَائِدَةَ فِيهَا لِعَدَمِ تَعَدِّيهَا، وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يَرِدُ
(3/318)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّرْعُ بِهِ، فَالْقَاصِرَةُ لَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِهَا، فَلَا تَكُونُ مُعْتَبَرَةً.
قَوْلُهُ: «الثَّانِي» أَيِ: احْتَجَّ الثَّانِي وَهُوَ الْقَائِلُ بِاعْتِبَارِهَا بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَعْدِيَةَ الْعِلَّةِ فَرْعُ عِلِّيَّتِهَا، أَيْ: فَرْعُ كَوْنِهَا عِلَّةً؛ لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ كَوْنُهَا عِلَّةً فِي الْأَصْلِ عُدِّيَتْ إِلَى الْفَرْعِ، فَلَوْ عَلَّلْتَ عِلِّيَّتَهَا بِتَعْدِيَتِهَا «لَزِمَ الدَّوْرُ» ؛ لِتَوقُّفِ كَوْنِهَا عِلَّةً عَلَى كَوْنِهَا مُتَعَدِّيَةً، وَكَوْنِهَا مُتَعَدِّيَةً عَلَى كَوْنِهَا عِلَّةً، لَكِنَّ الدَّوْرَ بَاطِلٌ، فَالْمُفْضِي إِلَيْهِ بَاطِلٌ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ عِلِّيَّتِهَا بِتَعْدِيَتِهَا، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ اعْتِبَارُهَا مَعَ كَوْنِهَا قَاصِرَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «التَّعْدِيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْعَقْلِيَّةِ» أَيْ: لِلْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ «والمَنْصُوصَةِ» مَعَ قُوَّتِهَا «فَفِي الْمُسْتَنْبَطَةِ أَوْلَى» أَنْ لَا يُشْتَرَطَ لِضَعْفِهَا.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِأَنَّا لَا نُعَلِّلُ الْعِلِّيَّةَ بِالتَّعْدِيَةِ، بَلْ نَجْعَلُ التَّعْدِيَةَ فَائِدَةَ الْعِلِّيَّةِ لَا عِلَّةً لَهَا، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ، فَلَا نَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ الْوَصْفُ عِلَّةً لِتَعَدِّيِهِ، بَلْ نَقُولُ: فَائِدَةُ كَوْنِهِ عِلَّةً تَعَدِّيهِ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَإِذَا انْتَفَتْ فَائِدَتُهُ، أَلْغَيْنَاهُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ، لَا لِعَدَمِ عِلَّتِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِعَدَمِ عِلَّتِهِ، وَانْتِفَائِهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي الْوُجُودِ، وَالْفَائِدَةُ غَايَةُ الْوُجُودِ، وَجِهَتُهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَلَا دَوْرَ.
وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّعْدِيَةِ لِلْعَقْلِيَّةِ والمَنْصُوصَةِ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ لِلْمُسْتَنْبَطَةِ؛ لِقِيَامِ الْفَرْقِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ مُوجِبَةٌ مُؤَثِّرَةٌ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ
(3/319)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَأْثِيرُهَا فِي مَحَلِّهَا لَا يَتَجَاوَزُهُ، بِخِلَافِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّهَا أَمَارَةٌ مُعَرِّفَةٌ، وَالتَّعْرِيفُ لَا يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْمُعَرَّفِ، وَأَيْضًا فَالْقِيَاسُ بِالتَّعْدِيَةِ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ. وَيَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّ قِيَاسَ الْعِلَّةِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ يُفِيدُ الْقَطْعَ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ إِذَا كَانَ ثُبُوتُهَا فِي الْأَصْلِ وَوُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ قَاطِعًا كَانَ الْقِيَاسُ قَاطِعًا، عَقْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ شَرْعِيَّةً كَمَا سَبَقَ، بَلْ إِذَا كَانَ قَاطِعًا فِي الشَّرْعِيَّةِ، فَفِي الْعَقْلِيَّةِ أَوْلَى.
وَأَمَّا المَنْصُوصَةُ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ، فَثَبَتَتْ قُوَّتُهَا بِهِ، وَاسْتَغْنَتْ عَنْ قُوَّةِ التَّعَدِّي، بِخِلَافِ الْمُسْتَنْبَطَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الِاعْتِرَاضِ: أَنَّ قَوْلَهُمْ: إِذَا لَمْ يُشْتَرَطِ التَّعْدِيَةُ فِي الْعَقْلِيَّةِ والمَنْصُوصَةِ، فَفِي غَيْرِهِمَا أَوْلَى، كَلَامٌ فَاسِدُ الْوَضْعِ، وَالَّذِي يَنْبَغِي الْعَكْسُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ اسْتِغْنَاءِ الْعَقْلِيَّةِ والمَنْصُوصَةِ عَنِ التَّعَدِّي لِقُوَّتِهِمَا وَافْتِقَارِ الْمُسْتَنْبَطَةِ إِلَيْهِ لِضَعْفِهَا.
قَوْلُهُ: «وَكَوْنُهَا لَيْسَتْ أَمَارَةً عَلَى شَيْءٍ مَمْنُوعٌ» ، هَذَا جَوَابُ الْمُصَحِّحِينَ لِلْقَاصِرَةِ عَنْ دَلِيلِ الْمُبْطِلِينَ لَهَا. وَبَيَانُهُ أَنَّا نَقُولُ: قَوْلُكُمْ: «الْقَاصِرَةُ لَيْسَتْ أَمَارَةً عَلَى شَيْءٍ» ، فَلَا تَكُونُ مُفِيدَةً «مَمْنُوعٌ، بَلْ هِيَ أَمَارَةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهَا فِي مَحَلِّ النَّصِّ» عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ فِي مَحَلِّ النَّصِّ ثَابِتٌ بِهَا، أَوْ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ «مُعَلَّلًا لَا تَعَبُّدًا» عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لَا بِهَا، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا تَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ.
(3/320)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ عَدَمُ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ، فَمَمْنُوعٌ أَيْضًا فِي الشَّرْعِيَّاتِ، لِأَنَّ مَبْنَى الشَّرْعِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَلِهَذَا كَانَتْ «أَكْثَرُ أَدِلَّتِهِ ظَنِّيَّةً» كَالْعُمُومِ، وَالظَّوَاهِرِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ، فَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِيهِ; لَكَانَ أَكْثَرُهُ وَاقِعًا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، إِذِ الْأَصْلُ فِي الْفُنُونِ جَرَيَانُ جَمِيعِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يُمْتَنَعُ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ فِي الْمَطَالِبِ الْقَطْعِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُمْ: الْقَاصِرَةُ عَدِيمَةُ الْفَائِدَةِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ «فَائِدَتُهَا مَعْرِفَةُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ» أَيْ: إِنَّهُ مُعَلَّلٌ لَا تَعَبُّدٌ، وَالنَّفْسُ إِلَى قَبُولِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ أَمْيَلُ، وَإِلَيْهَا أَسْكَنُ، وَهِيَ بِتَصْدِيقِهَا أَجْدَرُ لِحُصُولِ الطُّمَأْنِينَةِ، إِذْ كُلُّ عَاقِلٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ فَرْقًا بَيْنَ قَبُولِهَا نَقْضَ الْوُضُوءِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ، وَبَيْنَ نَقْضِهِ بِمَسِّ الْفَرْجِ، لِأَنَّ فِيهِ مُخَيَّلًا مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مَحَلَّ خُرُوجِ الْخَارِجِ النَّاقِضِ بِالنَّصِّ. وَلِهَذَا اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي مَسِّهِ أَنْ يَكُونَ بِشَهْوَةٍ لِيَصِيرَ مَظِنَّةً لِوُجُودِ الْخَارِجِ الْمُنَاسِبِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: نَحْنُ أَوَّلًا نُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ بِطَرِيقَةٍ مِنْ إِيمَاءٍ أَوْ مُنَاسَبَةٍ أَوْ تَضَمُّنِ مَصْلَحَةٍ مُبْهَمَةٍ، ثُمَّ نَنْظُرُ فِي الْمَصْلَحَةِ; إِنْ كَانَتْ أَعَمَّ مِنَ النَّصِّ، عَدَّيْنَا حُكْمَهَا، وَإِلَّا قَصَرْنَاهَا عَلَى مَحَلِّهَا، فَالتَّعْدِيَةُ فَرْعُ الصِّحَّةِ وَتَابِعَةٌ لَهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ تَابِعُ الشَّيْءِ وَفَرْعُهُ مُصَحِّحًا لَهُ؟ .
قُلْتُ: اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، هَلْ هُوَ بِالْعِلَّةِ أَوْ بِالنَّصِّ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ فِي الْفَرْعِ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
(3/321)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَالْخِلَافُ فِي اعْتِبَارِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ يَصِحُّ تَرْتِيبُهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ عَنْ أَثَرِهَا بِالْعِلَّةِ، فَلَا تَعْرَى الْقَاصِرَةُ عَنْ فَائِدَةٍ، فَتُعْتَبَرُ، وَعَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ النَّصِّ بِهِ، فَتَعْرَى الْقَاصِرَةُ عَنْ فَائِدَةٍ، لِأَنَّ أَثَرَهَا لَا يَظْهَرُ فِي مَحَلِّ النَّصِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ، فَلَا تُعْتَبَرُ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: النِّزَاعُ فِي أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ فِي الْأَصْلِ بِالنَّصِّ أَوْ بِالْعِلَّةِ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيَّةِ بِكَوْنِ الْحُكْمِ ثَابِتًا بِالْعِلَّةِ أَنَّهَا الْبَاعِثَةُ لِلشَّارِعِ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ، لَا أَنَّهَا مُعَرِّفَةٌ لَهُ، وَمُرَادَ الْحَنَفِيَّةِ بِكَوْنِ الْحُكْمِ ثَابِتًا بِالنَّصِّ أَنَّهُ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ لَا الْعِلَّةِ، فَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ غَيْرُ مُنْكِرٍ لِقَوْلِ الْآخَرِ، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ فِي الْمَعْنَى، فَثَبَتَ أَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الْعِلَّةِ عِنْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْأَصْلِ.
(3/322)

وَاخْتُلِفَ فِي اطِّرَادِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ اسْتِمْرَارُ حُكْمِهَا فِي جَمِيعِ مَحَالِّهَا، وَاشْتَرَطَهُ الْقَاضِي وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَلِمَالِكٍ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، فَتَبْقَى بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةً كَالْعُمُومِ.
وَقِيلَ: مَعَ الْمَانِعِ، إِحَالَةً لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: الْمَنْصُوصَةُ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ لِضَعْفِهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
الْأَوَّلُ: تَخَلُّفُ حُكْمِهَا عَنْهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ عِلِّيَّتِهَا.
الثَّانِي: عِلَلُ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ لَا مُؤَثِّرَاتٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ: «وَاخْتُلِفَ فِي اطِّرَادِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ اسْتِمْرَارُ حُكْمِهَا فِي جَمِيعِ مَحَالِّهَا» أَيْ: وُجُودُ حُكْمِهَا فِي كُلِّ مَحَلٍّ وُجِدَتْ فِيهِ، كَوُجُودِ التَّحْرِيمِ حَيْثُ وُجِدَ الْإِسْكَارُ، «فَاشْتَرَطَهُ الْقَاضِي» أَبُو يَعْلَى «وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ» أَيْ: لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ «وَلِمَالِكٍ وَالْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي الْخَطَّابِ، فَتَبْقَى» أَيْ: فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ اطِّرَادِهَا تَبْقَى بَعْدَ تَخْصِيصِهَا «حُجَّةً كَالْعُمُومِ» .
«وَقِيلَ: مَعَ الْمَانِعِ» أَيْ: قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّمَا تَكُونُ حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَعَ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ، أَيْ: إِنْ وُجِدَ فِي الْفَرْعِ مَانِعٌ يَمْنَعُ تَعَدِّي الْأَصْلِ إِلَيْهِ، كَانَتْ حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ «إِحَالَةً لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ» عَلَى الْمَانِعِ، لَا عَدَمِ صَلَاحِيَةِ الْوَصْفِ لِلْعِلِّيَّةِ اسْتِصْحَابًا لِحَالِ دَلِيلِ الْعِلِّيَّةِ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ حَيْثُ لَمْ يُوجِبِ الْقَوَدَ عَلَى الْأَبِ لِمَانِعِ الْأُبُوَّةِ، لَا لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ الْقَتْلِ الْمَذْكُورِ لِلْمُقْتَضِي.
(3/323)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«وَقِيلَ: الْمَنْصُوصَةُ» أَيْ: وَقِيلَ: إِنَّمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ «الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ» وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ضَعْفُ الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَقُوَّةُ الْمَنْصُوصَةِ بِالنَّصِّ، فَلَا يُخْرِجُهَا التَّخْصِيصُ عَنِ الْعِلِّيَّةِ لِقُوَّتِهَا.
«وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ» : إِشَارَةٌ إِلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ غَيْرِ هَذَا، مِنْهُمُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ طَوِيلٌ لَمْ أَذْكُرْهُ لِطُولِهِ، وَالْمَشْهُورُ مَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَهُوَ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ.
ثَالِثُهَا: إِنْ وُجِدَ الْمَانِعُ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، قَدَحَ فِي الْعِلِّيَّةِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، لَمْ يَقْدَحِ التَّخْصِيصُ فِي عِلِّيَّتِهَا، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُ» أَيْ: احْتَجَّ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي اشْتَرَطَ اطِّرَادَهَا بِأَنْ قَالَ: «تَخَلُّفُ حُكْمِهَا عَنْهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ عِلِّيَّتِهَا» أَيْ: عَلَى عَدَمِ كَوْنِهَا عِلَّةً لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ، وَانْتِفَاءَهُ مَعَ وُجُودِ عِلَّتِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَحَمْلُ الْأَشْيَاءِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى خِلَافِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْوَصْفَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِلْعِلِّيَّةِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْعِلِّيَّةِ لَزِمَ وُجُودُ الْحُكْمِ مَعَهُ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لَهَا لَمْ يَكُنْ عِلَّةً حَتَّى يَنْضَافَ إِلَى غَيْرِهِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ. هَذَا خُلْفٌ.
«الثَّانِي» : أَيِ: احْتَجَّ الْقَائِلُ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي أَجَازَ تَخْصِيصَهَا، وَتَخَلُّفَ حُكْمِهَا عَنْهَا فِي بَعْضِ صُوَرِهَا بِأَنْ قَالَ: «عِلَلُ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ لَا مُؤَثِّرَاتٌ»
(3/324)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِذَا كَانَتْ أَمَارَاتٍ لَمْ «يُشْتَرَطْ فِيهَا ذَلِكَ» لِأَنَّ الْأَمَارَةَ لَا يَجِبُ وُجُودُ حُكْمِهَا مَعَهَا أَبَدًا، بَلْ يَكْفِي وُجُودُهُ مَعَهَا فِي الْأَغْلَبِ الْأَكْثَرِ، كَالْغَيْثِ الرَّطْبِ أَمَارَةٌ عَلَى الْمَطَرِ; وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَكَوْنِ مَرْكُوبِ الْقَاضِي عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ أَمَارَةٌ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.
قُلْتُ: قَدْ تَعَارَضَ هُنَا أَصْلَانِ، فَخَرَجَ الْخِلَافُ لِمُلَاحَظَتِهِمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى الْوَصْفِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِهِ الِاسْتِنْبَاطِيَّةِ مِنْ مُنَاسَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِذَا كَانَ الْفَرْضُ ذَلِكَ، فَالْأَصْلُ فِيمَا كَانَ مُنَاسِبًا وَقَامَ دَلِيلُ عِلِّيَّتِهِ فِي صُورَةٍ مَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً، وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهُ فِي صُورَةٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، فَلَا يُلْغَى لِأَجْلِهِ وَصْفٌ قَامَ دَلِيلُ عِلِّيَّتِهِ. وَهَذَا الْأَصْلُ مُعَارَضٌ بِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ. أَمَّا وُجُودُ الْمَانِعِ وَنَحْوِهِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ; فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَلَا تَعَارُضَ، فَلَمَّا تَعَارَضَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ، اتَّجَهَ الْمَذْهَبَانِ.
وَحُجَّةُ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ - وَإِنْ كُنَّا قَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهَا وَإِلَى حُجَّةِ الرَّابِعِ أَيْضًا فِيمَا سَبَقَ -: هُوَ أَنَّ قِيَامَ الْمَانِعِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ صَالِحٌ لِإِحَالَةِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَلَا وَجْهَ لِلْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلِّيَّةِ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَقُمْ مَانِعٌ، فَإِنَّ إِحَالَةَ تَخَلُّفِهِ عَلَى عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ مُتَّجِهٌ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ.
(3/325)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مِثَالُهُ: أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ عِلَّةُ وُجُوبِ الْحَدِّ قَدْ تَخَلَّفَ فِي صُورَةِ الْإِكْرَاهِ، أَحَلْنَا تَخَلُّفَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَانِعٌ، أَمَّا لَوْ تَخَلَّفَ وُجُوبُ الْحَدِّ فِي الشُّرْبِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَانَعٌ غَيْرُ الْإِكْرَاهِ وَلَا انْتِفَاءُ شَرْطٍ، دَلَّ عَلَى عَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الشُّرْبِ لِإِيجَابِ الْجَلْدِ، إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُحَالَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ غَيْرَهُ.
وَحُجَّةُ الْمَذْهَبِ الرَّابِعِ أَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، تَعَيَّنَ الِانْقِيَادُ لِنَصِّ الشَّارِعِ وَالْإِجْمَاعِ الْمَعْصُومَيْنِ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي ذَلِكَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا فِي صُورَةٍ مَا، لِأَنَّ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ يُفِيدَانِ مِنْ ظَنِّ الصِّحَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُفِيدُ التَّخْصِيصُ مِنْ ظَنِّ الْبُطْلَانِ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
(3/326)

تَنْبِيهٌ: لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا: مَا يُعْلَمُ اسْتِثْنَاؤُهُ عَنْ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ كَإِيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِاخْتِصَاصِ كُلِّ امْرِئٍ بِضَمَانِ جِنَايَةِ نَفْسِهِ، وَإِيجَابِ صَاعِ تَمْرٍ فِي الْمُصَرَّاةِ، مَعَ أَنَّ تَمَاثُلَ الْأَجْزَاءِ عِلَّةُ إِيجَابِ الْمِثْلِ فِي ضَمَانِ الْمِثْلِيَّاتِ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِهِ الْقِيَاسُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مَظْنُونَةً كَوُرُودِ الْعَرَايَا عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَلَا يَنْقُضُ وَلَا يُخَصِّصُ الْعِلَّةَ، بَلْ عَلَى الْمُنَاظِرِ بَيَانُ وُرُودِهَا عَلَى مَذْهَبِ خَصْمِهِ أَيْضًا.
الثَّانِي: النَّقْضُ التَّقْدِيرِيُّ: كَقَوْلِهِ: رِقُّ الْأُمِّ عِلَّةُ رِقِّ الْوَلَدِ فَيَنْتَقِضُ بِوَلَدِ الْمَغْرُورِ بِأُمِّهِ، هُوَ حُرٌّ، وَأُمُّهُ أَمَةٌ، فَيُقَالُ: هُوَ رَقِيقٌ تَقْدِيرًا بِدَلِيلِ وُجُوبِ قِيمَتِهِ، فَفِي وُرُودِهِ نَقْضًا خِلَافٌ، الْأَشْبَهُ لَا، اعْتِبَارًا بِالتَّحْقِيقِ لَا بِالتَّقْدِيرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تَنْبِيهٌ: لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ أَقْسَامٌ «إِلَى آخِرِهِ، لَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِتَخَلُّفِ حُكْمِهَا عَنْهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَكَانَ لِلتَّخَلُّفِ أَقْسَامٌ، بَعْضُهَا مُؤَثِّرٌ فِي الْعِلَّةِ، وَبَعْضُهَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ; ذَكَرَ أَقْسَامَ التَّخَلُّفِ لِيَتَمَيَّزَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.
فَأَحَدُ أَقْسَامِ التَّخَلُّفِ» مَا يُعْلَمُ اسْتِثْنَاؤُهُ عَنْ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ كَإِيجَابِ الدِّيَةِ «فِي قَتْلِ الْخَطَأِ» عَلَى الْعَاقِلَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِاخْتِصَاصِ كُلِّ امْرِئٍ بِضَمَانِ جِنَايَةِ نَفْسِهِ «; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الْإِسْرَاءِ: 15] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلِهِ لِأَبِي رِمْثَةَ عَنِ ابْنِهِ: أَمَا إِنَّهُ
(3/327)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ» إِيجَابُ صَاعِ تَمْرٍ فِي الْمُصَرَّاةِ «عِوَضًا عَنِ اللَّبَنِ الْمُحْتَلَبِ مِنْهَا» مَعَ أَنَّ تَمَاثُلَ الْأَجْزَاءِ عِلَّةُ إِيجَابِ الْمِثْلِ فِي ضَمَانِ الْمِثْلِيَّاتِ «فَكَانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يُضْمَنَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ بِمِثْلِهِ. وَلِهَذَا تَرَكَ الْحَنَفِيَّةُ الْعَمَلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَجَعَلُوهُ مِمَّا يُخَالِفُ الْأُصُولَ، فَهَذَا» لَا يَنْتَقِضُ بِهِ الْقِيَاسُ «يَعْنِي: لَا تَبْطُلُ بِهِ عِلَّتُهُ، لِثُبُوتِهِ قَطْعًا بِنَصِّ الشَّارِعِ، وَمُنَاسَبَةِ الْعَقْلِ،» وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ «فِي تَعَلُّلِهِ بِأَنْ يَقُولَ: كُلُّ امْرِئٍ مُخْتَصٌّ بِجِنَايَةِ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ دِيَةِ الْخَطَأِ، وَتَمَاثُلُ الْأَجْزَاءِ عِلَّةُ إِيجَابِ الْمِثْلِ فِي ضَمَانِ الْمِثْلِيَّاتِ إِلَّا فِي الْمُصَرَّاةِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَمَّا لَوْ لَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهُ لَوَرَدَ نَقْضًا. وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا.
» وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مَظْنُونَةً كَوُرُودِ الْعَرَايَا عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ «وَكُلِّ مَذْهَبٍ ; فَإِنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الرِّبَا حُصُولُ التَّغَابُنِ بِالتَّفَاضُلِ فِي الْأَمْوَالِ بَيْنَ الْمُتَعَامِلِينَ، وَالتَّفَاضُلُ وَاقِعٌ فِي الْعَرَايَا، لِأَنَّهَا بَيْعُ رُطَبٍ بِتَمْرٍ، وَالتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا مَجْهُولٌ، وَهُوَ كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، ثُمَّ إِنَّ الْعَرَايَا قَدْ جَاءَتْ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى كُلِّ عِلَّةٍ وَقَوْلٍ، سَوَاءٌ عَلَّلَ بِعِلَّةِ الْكَيْلِ أَوِ الطَّعْمِ أَوِ الْقُوتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِاسْتِثْنَاءِ الشَّارِعِ لَهَا رُخْصَةً، فَهَذَا» لَا يَنْقُضُ «الْعِلَّةَ، وَلَا يُخَصِّصُهَا» بَلْ
(3/328)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلَى الْمُنَاظِرِ وَهُوَ الْمُسْتَدِلُّ «بَيَانُ» أَنَّهَا وَارِدَةٌ «عَلَى مَذْهَبِ خَصْمِهِ أَيْضًا» إِذْ لَا يَلْزَمُ الْخَصْمَ قَبُولُ قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: إِنَّ الْعَرَايَا مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ عِلَّةِ الرِّبَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ، بِدُونِ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ دَعْوَى، وَالدَّعْوَى لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِحُجَّةٍ، فَتُرْوَى لَهُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي الْعَرَايَا وَبَيَانِ كَوْنِهَا رُخْصَةً.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِلْعِبَادَةِ: عِبَادَةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَتَفْتَقِرُ إِلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ، فَلَا يَنْتَقِضُ ذَلِكَ بِالْحَجِّ حَيْثُ جَازَ الْإِحْرَامُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زِيدٌ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ نِيَّةٍ، لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِ الْعِبَادَاتِ; إِمَّا لِمُحَافَظَةِ الشَّرْعِ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ حَصَلَ مَقْصُودُهُ، أَوْ تَخْفِيفًا عَنِ الْمُكَلَّفِ لِئَلَّا يَلْغُوَ حِجُّهُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَتِهِ، وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِنْشَاءِ سَفَرٍ آخَرَ لِفِعْلِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالتَّغَرُّبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ: هَذَا الْحُكْمُ مُسْتَثْنًى عَنْ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ، أَوْ خَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ، أَوْ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ; لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ حَتَّى خَالَفَ الْقِيَاسَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ عُدِلَ بِهِ عَنْ نَظَائِرِهِ لِمَصْلَحَةٍ أَكْمَلَ وَأَخَصَّ مِنْ مَصَالِحِ نَظَائِرِهِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْسَانِ الشَّرْعِيِّ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ بَيْعِ الْمَعْدُومِ، وَجَازَ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ تَوْسِعَةً وَتَيْسِيرًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ.
وَمِنْهُ: أَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَضْمَنُ جِنَايَةَ نَفْسِهِ، وَخُولِفَ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ رِفْقًا بِالْجَانِي، وَتَخْفِيفًا عَنْهُ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْخَطَأِ مِنَ الْجُنَاةِ
وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي الْمُصَرَّاةِ; لَمَّا كَانَ اللَّبَنُ الْمُحْتَلَبُ مِنْهَا مَجْهُولًا، فَلَوْ وَجَبَ ضَمَانُهُ بِمِثْلِهِ، لَأَفْضَى إِلَى النِّزَاعِ لِجَهَالَةِ الْقَدْرِ الْمَضْمُونِ، فَقَطَعَ
(3/329)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشَّارِعُ النِّزَاعَ بَيْنَهُمْ بِإِيجَابِ صَاعِ تَمْرٍ بِاجْتِهَادِهِ، لِأَنَّهُ مَضْبُوطٌ مَعْلُومٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعَدْلِ الْعَامِّ، لِأَنَّ الشَّخْصَ تَارَةً يَكُونُ آخِذًا لِلصَّاعِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَائِعًا لِلْمُصَرَّاةِ، وَتَارَةً مَأْخُوذًا مِنْهُ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُشْتَرِيًا لَهَا، فَمَا يَقَعُ مِنَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ قِيمَةِ التَّمْرِ وَقِيمَةِ اللَّبَنِ مُغْتَفَرٌ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْعَدْلِ الْعَامِّ. وَقَدْ حَقَّقْتُ هَذَا فِي «الْقَوَاعِدِ الْكُبْرَى» وَالْغَرَضُ أَنَّ كُلَّ خَارِجٍ عَنِ الْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِ فِي غَيْرِ التَّعَبُّدَاتِ، فَهُوَ لِمَصْلَحَةٍ أَكْمَلَ وَأَخَصَّ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ شَرْعِيٌّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ أَخَصُّ مِنَ الْقِيَاسِ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ أَقْسَامِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا سَمَّيْتُهُ «النَّقْضَ التَّقْدِيرِيَّ» لِمُنَاسَبَتِهِ، وَذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ فِي إِثْبَاتِهِ، وَهُوَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ لَا لِلْخَلَلِ فِيهَا، بَلْ لِمُعَارَضَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى أَخَصَّ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: «رِقُّ الْأُمِّ عِلَّةُ رِقِّ الْوَلَدِ، فَيَنْتَقِضُ» عَلَيْهِ «بِوَلَدِ الْمَغْرُورِ بِأُمِّهِ» وَهُوَ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَبَانَتْ أَمَةً، فَهَذَا الْوَلَدُ حُرٌّ، مَعَ أَنَّ أُمَّهُ أَمَةٌ، فَقَدْ تَخَلَّفَ حُكْمُ الْعِلَّةِ عَنْهَا، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: هَذَا الْوَلَدُ وَإِنْ كَانَ حُرًّا حُكْمًا، فَهُوَ «رَقِيقٌ تَقْدِيرًا» أَيْ: فِي التَّقْدِيرِ، «بِدَلِيلِ وُجُوبِ قِيمَتِهِ» عَلَى أَبِيهِ لِسَيِّدِ أُمِّهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الرِّقَّ فِيهِ حَاصِلٌ تَقْدِيرًا، لَمَا وَجَبَتْ قِيمَتُهُ، إِذِ الْحُرُّ لَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ.
قُلْتُ: وَمَعْنَى قَوْلِنَا: تَخَلُّفُ الْحُكْمِ لِمُعَارَضَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى، هُوَ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ تُنَازِعُهُ عِلَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا عِلَّةُ الرِّقِّ تَبَعًا لِأُمِّهِ، وَالثَّانِيَةُ عِلَّةُ الْحُرِّيَّةِ تَبَعًا لِاعْتِقَادِ
(3/330)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَبِيهِ حُرِّيَّتَهُ، فَثَبَتَ مُقْتَضَى هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ تَحْقِيقًا; تَحْصِيلًا لِلْحُرِّيَّةِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِهَا، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَثَبَتَ مُقْتَضَى عِلَّةِ الرِّقِّ تَقْدِيرًا، جَبْرًا لِمَا فَاتَ عَلَى السَّيِّدِ مِنْ إِتْلَافِ مَالِيَّةِ الْوَلَدِ عَلَيْهِ، إِذْ سَبَبُ إِتْلَافِهِ اعْتِقَادُ الْأَبِ حُرِّيَّتَهُ، فَضَمِنَ مَا أَتْلَفَ، «فَفِي وُرُودِهِ نَقْضًا» أَيْ: فِي وُرُودِ هَذَا النَّقْضِ التَّقْدِيرِيِّ عَلَى الْعِلَّةِ بِحَيْثُ يُبْطِلُهَا «خِلَافٌ، الْأَشْبَهُ لَا» يَرِدُ «اعْتِبَارًا بِالتَّحْقِيقِ لَا بِالتَّقْدِيرِ» .
هَكَذَا وَقَعَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَهُوَ سَهْوٌ، وَالصَّوَابُ الْعَكْسُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَشْبَهَ لَا يَرِدُ اعْتِبَارًا بِالتَّقْدِيرِ لَا بِالتَّحْقِيقِ، لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْعِلَّةِ بِوَلَدِ الْمَغْرُورِ إِنَّمَا يَنْدَفِعُ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ رَقِيقًا، وَالرِّقُّ فِيهِ إِنَّمَا ثَبَتَ تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا، إِذْ هُوَ فِي التَّحْقِيقِ حُرٌّ، فَتَنْتَقِضُ الْعِلَّةُ. وَهَذَا الْخِلَافُ لَيْسَ فِي «الرَّوْضَةِ» وَلَا «الْمُسْتَصْفَى» إِنَّمَا فِيهِمْ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ فَقَطْ، وَلَكِنْ أَنَا نَقَلْتُ الْخِلَافَ مِنْ غَيْرِهِمَا أَحْسَبُهُ الْحَاصِلَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْأَشْبَهَ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ، لِأَنَّ تَخَلُّفَ حُكْمِ الْعِلَّةِ عَنْهَا لَا لِعَدَمِ عِلِّيَّتِهَا بِدَلِيلِ اطِّرَادِهَا فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، بَلْ لِمُعَارَضَةِ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى لَهَا، فَأُحِيلَ التَّخَلُّفُ عَلَيْهَا، وَصَارَ كَمَا سَبَقَ مِنْ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ لِمَانِعٍ، وَإِنَّمَا خَرَجَ الْخِلَافُ هَاهُنَا وَاتَّجَهَ; لِأَنَّ مَعَنَا حَالَتَيْ تَحْقِيقٍ وَتَقْدِيرٍ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى حَالَةِ التَّحْقِيقِ، وَهِيَ الْحُكْمُ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ تَكُونُ الْعِلَّةُ مُنْتَقِضَةً، وَبِالنَّظَرِ إِلَى حَالَةِ التَّقْدِيرِ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي مَعْنَى الرَّقِيقِ تَقْدِيرًا بِدَلِيلِ ضَمَانِهِ بِقِيمَتِهِ، تَسْلَمُ وَلَا تَنْتَقِضُ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.
(3/331)

الثَّالِثُ: تَخَلُّفُ الْحُكْمِ لِفَوَاتِ مَحَلٍّ أَوْ شَرْطٍ لَا لِخَلَلٍ فِي رُكْنِ الْعِلَّةِ، نَحْوَ: الْبَيْعُ عِلَّةُ الْمِلْكِ، فَيَنْتَقِضُ بَيْعُ الْمَوْقُوفِ وَالْمَرْهُونِ، وَالسَّرِقَةُ عِلَّةُ الْقَطْعِ، فَتَنْتَقِضُ بِسَرِقَةِ الصَّبِيِّ أَوْ دُونَ النِّصَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا تَفْسَدُ الْعِلَّةُ، وَفِي تَكْلِيفِ الْمُعَلِّلِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ بِذِكْرِ مَا يُحَصِّلُهُ خِلَافٌ بَيْنِ الْجَدَلِيِّينَ يَسِيرُ الْخَطْبِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ نَاقِضٌ، وَفِي الْعِلَّةِ الْخِلَافُ السَّالِفُ، أَمَّا الْمَعْدُولُ عَنِ الْقِيَاسِ فَإِنْ فُهِمَتْ عِلَّتُهُ أُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَقِيَاسِ عَرِيَّةِ الْعِنَبِ عَلَى الرُّطَبِ، وَأَكْلِ بَقِيَّةِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ وَإِلَّا فَلَا، كَتَخْصِيصِ أَبِي بُرْدَةَ بِإِجْزَاءِ جَذَعَةِ الْمَعْزِ، وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِكَمَالِهِ بَيِّنَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ، إِذْ شَرْطُ الْقِيَاسِ فَهْمُ الْمَعْنَى، وَحَيْثُ لَا فَهْمَ، فَلَا قِيَاسَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْقِسْمُ «الثَّالِثُ» مِنْ أَقْسَامِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ تَخَلُّفُهُ لَا لِاسْتِثْنَاءٍ عَامٍّ عَنْ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ، وَلَا لِمُعَارَضَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى، وَ «لَا لِخَلَلٍ فِي رُكْنِ الْعِلَّةِ» بَلْ «لِفَوَاتِ مَحَلٍّ أَوْ شَرْطٍ» كَقَوْلِنَا: «الْبَيْعُ عِلَّةُ الْمِلْكِ» وَقَدْ وَقَعَ، فَلْيَثْبُتُ الْمُلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، «فَيَنْتَقِضُ بِبَيْعِ الْمَوْقُوفِ وَالْمَرْهُونِ» وَأُمِّ الْوَلَدِ، فَقَدْ حَصَلَ الْبَيْعُ فِيهِ، وَلَمْ يُفِدِ الْمُلْكَ. فَيُقَالُ: لَمْ يَتَخَلَّفْ إِفَادَةُ الْبَيْعِ الْمُلْكَ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ عِلَّةً لِإِفَادَتِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، وَكَقَوْلِنَا: «السَّرِقَةُ عِلَّةُ الْقَطْعِ» وَقَدْ وُجِدَتْ فِي النَّبَّاشِ فَيُقْطَعُ، «فَتَنْتَقِضُ بِسَرِقَةِ